كلمة توجيهية بمناسبة حلول شهر رمضان المبارك
صادرة عن مكتب سماحة آية الله العظمى الشيخ محمد إسحاق الفياض (دام ظله)
بسمه تعالى
كما أن لله سبحانه وتعالى أماكن مقدسة شرفها باستجابة الدعاء فيها وقبول الأعمال ومضاعفة الأجر لمن يقصدها ليتعبّد فيها كبيت الله الحرام والمسجد النبوي الشريف والمشاهد المقدسة لأهل البيت عليهم السلام ، كذلك اقتضت حكمته تعالى أن تكون له أوقات مخصوصة تقبل فيها الأعمال وتستجاب فيها الدعوات ، وجعلها أفضل واشرف من غيرها من الأوقات ، فان أوائل الشهور و أواخرها والليالي البيض وليالي الجمع وأيامها وأيام ولادات الأئمة الأطهار عليهم السلام ويوم المبعث ويوم الغدير ويوم المباهلة ، وغير ذلك من الأيام في كل سنة جعلها سبحانه وتعالى أفضل من باقي الأيام وجعل لها خصائص وآثار تجعل للعاملين فيها أجرا مضاعفا وثوابا عظيما .
ومما لاشك فيه أن شهر رمضان هو أعظم الشهور عند الله وأيامه أفضل الأيام ولياليه أفضل الليالي، ففيه ليلة القدر التي جعلها سبحانه وتعالى خيراً من ألف شهر ، وقد جاء في خطبة رسول الله (ص) انه قال ( أيها الناس انه اقبل إليكم شهر الله بالبركة والرحمة والمغفرة ... ) وأيضا قال (ص) ( ... رمضان شهر أمتي ... وهو شهر دعيتم فيه إلى ضيافة الله وجعلتم فيه من أهل كرامة الله ) .
لذا ينبغي على الإنسان أن ينتبه إلى نفسه في هذا الشهر الفضيل وان يراعي حق الضيافة وآدابها ، فان احدنا لو كان ضيفا في مضيف احد الوجهاء أو في ديوان شخصية مرموقة .. ترى كيف سيكون سلوكه عندها ؟ ترى هل يليق أن يصدر منه ما يسئ إلى مضيفه ، وهل يصح أن يتجاوز معه الحدود ويقوم بأعمال لا يرضى بها كان يسرق الممتلكات أو يعتدي على الضيوف الآخرين أو يخالف آداب المجلس ونواميسه ؟ ألا يكون ذلك موضعا لملامة العقلاء واستهجان الناس ؟ ألا يكون من حق مضيفه أن يطرده من ذلك المحفل ويحرمه من عطاياه ؟ فما بالك لو كان المُضيِّف هو الله سبحانه وتعالى والمَضيف هو شهر الله ، والعطايا هي رضا الله وجنة عرضها السموات والأرض , والإساءة والمخالفة توجب سخط الله ونار جهنم وعذاباً أليماً !!!
فلننتبه لأنفسنا إذا ... ولنغتنم هذه الفرصة ... ولنكن بمستوى هذه الضيافة العظيمة والنعمة الإلهية الكريمة ... وإياك إياك أن تكون من الغافلين عن ذكر ربك في هذا الشهر المبارك ...
وإياك أن تنقضي عنك أيامه ولياليه دون أن يغفر لك ذنبك ... وما اشد حسرتك إن لم تكن من عتقائه سبحانه وتعالى من نار جهنم .
ولا ينقضي تعجبنا مما نراه في هذه الأيام من إعراض الناس عن هذه النعمة الإلهية وحرمان أنفسهم من عطاء الله سبحانه وتعالى في هذا الشهر الكريم , فترى الكثير من الناس ولاسيما الشباب يعصون الله سبحانه وتعالى بكل جرأة ولا يصومون شهر رمضان ويفطرون بحجة الحر أو العطش أو الجوع ، بل يتجاهرون بالإفطار دون تورع أو مخافة من الله ، أو قد ترى البعض يصوم الشهر إلا انه لا يتورع عن ارتكاب المحارم الأخرى فيغش في العمل أو يكذب أو يستغيب أو يؤذي المؤمنين أو يسئ إلى الجار أو غير ذلك مما لا يليق بالإنسان المؤمن ولا سيما في مثل هكذا أجواء رحمانية مباركة .
ولا ادري ماذا يظن هؤلاء ... هل يظنون أنهم يخدعون الله ... أم أنهم لا يؤمنون بيوم الحساب .. أم تراهم يظنون أنهم لا يموتون ولا توجد جنة أو نار !
لا شك أنهم مخطئون وان الشيطان غرر بهم وخدعهم وجعلهم يحرمون أنفسهم من كرم الله سبحانه وتعالى ، بل ويعرضون أنفسهم لسخطه وغضبه من اجل أمور تافهة وملذات دنيوية ضئيلة ، فلا يكلفون أنفسهم بتحمل قليل من العطش والجوع امتثالا لأمر الله الذي وهبهم كل شيء وأعدّ ّ لهم ما لا عين رأت ولا إذن سمعت .. أي غفلة هذه وأي اشتباه هم فيه واقعون ؟.... وكم هم في حساباتهم مخطئون ! ... فتراهم من اجل منافع بسيطة ومكاسب ضئيلة يبذلون الجهد الكثير ويتعبون أنفسهم في الحر أو البرد وفي أقسى الظروف من اجل أن يحصلوا في آخر النهار على اجر قليل ، بضعة دنانير لا قيمة لها ، بينما لا يتحملون قليلا من الجوع والعطش من اجل جنة عرضها السموات والأرض ، بل يعرضون انفسهم إلى العقاب والعذاب الشديد ... أي خطأ هذا وأي غفلة ! أعاذنا الله أن نكون من المخطئين الغافلين .
فانتبه إلى نفسك أيها العزيز وتفكر في مصيرك وقبل أن تخطو في أي طريق احسب حسابك جيدا وانظر نهايته إلى ماذا تؤول واحذر الحذر الشديد من أن ينتهي بك إلى سخط الله والحرمان من رضوانه فان ذلك هو الخسران المبين .
اللهم اغفر لجميع المؤمنين والمؤمنات في هذا الشهر المبارك ووفقهم لليلة القدر واجعلهم من عتقائك من نار جهنم انك ارحم الراحمين وصلى الله على محمد واله الطاهرين.