» (5) ملامح الاقتصاد الإسلامي وامتيازه عن الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي

(5) ملامح الاقتصاد الإسلامي

وامتيازه عن الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي 

    إن من يطلع على مبادئ الاقتصاد الإسلامي يجده مذهباً اقتصادياً مستقلاً في ملامحه وتوازنه واعتداله في مقابل الاقتصاد الرأسمالي والاشتراكي ويمتاز عنهما روحاً وشكلاً.

    أما الاقتصاد الرأسمالي فهو قائم على أساس مبدأ الخصخصة أي ملكية الأفراد بلا حدود ولا يعترف بمبدأ الملكية العامة وهي ملكية الدولة إلا في حالات خاصة استثنائية .

    وأما الاقتصاد الاشتراكي فهو قائم على أساس مبدأ الملكية العامة وهي ملكية الدولة ولا يعترف بالملكية الخاصة وهي ملكية الأفراد .

    وأما الاقتصاد الإسلامي فهو يقوم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة لأن الإسلام كما يعترف بمبدأ الملكية العامة كذلك يعترف بمبدأ الملكية الخاصة وهي ملكية الأفراد ، هذا من جانب .

    ومن جانب آخر إن مبدأ الخصخصة أي ملكية الأفراد في الإسلام قائم على أساس مبدأ الحرية الاقتصادية في الحدود المسموح بها شرعاً بمعنى أنهم أحرار في ممارسة حرياتهم في كافة الأنشطة الاقتصادية إلا الأنشطة المحذورة كالتعامل بالربا والاتجار بالخمور ولحوم الميتة والخنازير والاحتكار والغش وما شاكل ذلك .

    وبكلمة إن الإسلام قد أجاز للأفراد في ممارسة حرياتهم في الأنشطة الاقتصادية التجارية والتبادلية والاستفادة من الثروات الطبيعية ببذل الجهد والعمل في سبيلها كإحياء الأراضي وحيازة الثروات المنقولة ونقلها من مكانها الطبيعي وجعلها في حوزته بشكل مباشر وغير مباشر في الحدود المسموح بها شرعاً .

    ومن هنا كان الإحياء والحيازة من الأعمال الاستثمارية والانتفاعية التي تكون ذات قيمة اقتصادية وليست من الأعمال الاحتكارية لأن الأعمال الاحتكارية متمثلة في سيطرة الفرد على مساحات كبيرة من الثروات الطبيعية بالقوة والغلبة والقهر بدون إنفاق أي عمل أو بذل أي جهد وتعب في سبيلها ، لأن الإسلام لا يعترف بكون هذه السيطرة مصدر حق أو ملك و إنما يعترف بها إذا كانت نتيجة العمل والجهد حيث أن كل عامل إنما يملك نتيجة عمله ولا يعترف الإسلام بالملك أو الحق بدون العمل ، لأن علاقة الفرد بهذه الثروات إنما نجمت عن عمله وبذل جهده في سبيل الاستيلاء عليها بالإحياء أو الحيازة وإن كان المحاز اكبر من قدر حاجته بقانون أن كل فرد يستحق نتيجة عمله ولا تحصل العلاقة من منظور الإسلام إذا كان الاستيلاء عليها بالقوة والغلبة بدون بذل أي عمل وجهد .

    ومن هنا يظهر أن الإسلام أعطى للأفراد حرية الممارسة في الأنشطة الاقتصادية بكافة أنواعها في الحدود المسموح بها شرعاً لا مطلقاً بأن لا تكون من الأنشطة المحذورة وأن لا يكون الاستيلاء على الثروات الطبيعية بالقوة والغلبة.

    ومن الواضح أن هذا التحديد من الشارع المقدس لا يمكن أن يكون جزافاً بل الهدف من ورائه تحقيق مبدأ العدالة والتوازن بين طبقات المجتمع ولا يمكن تحقيق ذلك إلا بالتحديد المذكور.

    إلى هنا قد تبين أن الاقتصاد في النظام الإسلامي يختلف عن الاقتصاد في النظام الرأسمالي في نقطتين:

    الأولى: إن الخصخصة في النظام الاقتصادي الإسلامي أتاحت الحرية للأفراد والشركات الخاصة وأصحاب رؤوس الأموال في القيام بممارسة النشاطات الاقتصادية بكافة أنواعها وأصنافها إلا النشاطات المحذورة في الشريعة المقدسة بشرط أن لا تؤدي هذه الحرية إلى استغلال السوق والأضرار بالطبقات الضعيفة والمحرومة و إلا فعلى الدولة الإسلامية أن تتدخل وتمنع عن هذه التجاوزات التي تضر بالعدالة الاجتماعية التي أهتم الإسلام بها .

    بينما الخصخصة في النظام الاقتصادي الرأسمالي أتاحت الحرية الواسعة وبلا حدود لهم في القيام بها وأن أدى ذلك إلى استغلال السوق واقتصاد البلد وإيجاد الفجوات والثغرات بين طبقات الأمة والأضرار بمبدأ العدالة والتوازن الاجتماعي باعتبار أن هؤلاء الأفراد عند ممارستهم النشاطات الاقتصادية في النظام الرأسمالي إنما يأخذون مصالحهم الذاتية بعين الاعتبار بدون ملاحظة مصالح المجتمع الواقعية وأخذها بعين الاعتبار .

    الثانية: إن النظام الاقتصادي في الإسلام قائم على أساس مبدأ الملكية المزدوجة والهدف الأساسي من وراء تشريع هذه الملكية هو تحقيق مبدأ العدالة والتوازن في المجتمع الذي أهتم الإسلام به وتضييق الفجوات والثغرات بين طبقات الأمة على أساس أن كلاً من الملكية الخاصة والملكية العامة بمثابة الرقيب والحارس على الأخرى لكي لا تتجاوز عن حدودها ولا تستغل السوق بينما النظام الاقتصادي الرأسمالي حيث أنه قائم على أساس مبدأ الملكية الخاصة يتيح الفرصة لأصحاب الشركات ورجال الأعمال باستغلال السوق والسيطرة على اقتصاد البلد باعتبار أنه لا مراقب عليهم في ذلك ولا عوائق فيه هذا من ناحية .

    ومن ناحية أخرى إن الدولة إذا كانت إسلامية كان للسلطة الحاكمة حق الإشراف على كافة مؤسسات الدولة من القطاعات الخاصة والعامة لحماية المصالح العامة للمجتمع وتحديد حريات الأفراد فيما يمارسونه من النشاطات الاقتصادية والاجتماعية بما لا يضر العدالة والتوازن الاجتماعي .

إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إن الدين الإسلامي قائم على ثلاثة عناصر أساسية أثنان منها ثابتان غير متحركين :

الأول / العنصر الداخلي الباطني . وهو الإيمان بالله وحده لا شريك له وبرسالة الرسول (ص).

الثاني / العنصر الخارجي . وهو متمثل في العبادات والمعاملات.

    و ثالث منها : متحرك وغير ثابت حسب متطلبات المجتمع ، وفيه يتبلور دور الفقيه الجامع للشرائط بوضع تشريعات ثانوية حسب حاجة الوقت في كل عصر وبهدف تنظيم الحياة العامة الاقتصادية والاجتماعية والأمنية والفردية وعلاقة الأمة بالسلطة وصلاحيات رئيس الدولة وسائر كياناتها وغير ذلك .