المباحث الاُصولية
/ ج 1
بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم
الحمد للَّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد
وآله الطيّبين الطّاهرين المعصومين واللّعنة الأبدية
على أعدائهم أعداء الدّين أجمعين.
مقدمة
تصنف الأحكام الشرعية الإسلامية إلى صنفين:
الصنف الأول: مايتمتع بطابع ضروري أو قطعي، بدرجة الجزم واليقين،فانّه على الرغم من
الفصل الزمني الكبير بينه وبين عصر التشريع لايزال يحتفظعلى طابعه الضروري أو
القطعي بين المسلمين كافة على امتداد التاريخ وطولالزمان بقرون متتالية. وهذا
الصنف من الأحكام الشرعية قليل جداً، فلا يعالجمشاكل الانسان الكبرى في مختلف
جوانب متطلبات حياته اليومية من المادية،والمعنوية الفردية والإجتماعية باختلاف
صنوفها، حيث أنه لا يشكّل من مجموعالأحكام الشرعية إلاّ شطراً قليلاً منها بنحو لا
تتجاوز نسبته إليها بنسبة تقريبيّةعن خمسة في المائة هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى
أن موقف جميع المكلفينأمام هذا الصنف من الأحكام الشرعية على حدٍ سواء، فلا يرجع
العامي منه إلىالمجتهد، على أساس أنه لا موضوع لعملية الاجتهاد والاستنباط فيه.
الصنف الثاني: مايتمتع بطابع نظري، وهذا الصنف من الأحكام الشرعيةيشكّل الغالبية
العظمى في كافة أبواب الفقه، وهو يعالج مشاكل الانسان الكبرىفي مختلف الجهات في
كلّ عصر، وحيث إنه يتمتع بطابع نظري، يتوقف اثباتهعلى عملية الاجتهاد والاستنباط
من الكتاب والسنة، ومن هنا لا يكون موقفجميع عناصر المكلّف أمامه على حدٍ سواء،
فان غير المجتهد بما أنه غير قادر علىهذه العملية، فوظيفته الرجوع إلى المجتهد،
على أساس رجوع الجاهل إلى العالمالذي هو أمر موافق للفطرة.
ثم إن هذه بعملية مرتبطة بعلمي الاُصول والفقه ارتباطاً وثيقاً وذاتياً.
بيان ذلك: أن علم الاُصول قد وضع لممارسة تكوين النظريات العامةوالقواعد المشتركة
في الحدود المسموح بها وفق شروطها. وعلم الفقه قد وضعلممارسة طريقة تطبيق تلك
النظريات والقواعد العامة على مصاديقها الخاصةوعناصرها المخصوصة، وتكون المسائل
الفقهية نتيجة هذه العملية.
مثال ذلك: ثبت في الاُصول حجية خبر الواحد في الحدود المسموح بها وفقاًلشروطها
العامة، ككون رواته في تمام الطبقات ثقات، وأن لايكون مخالفاًللكتاب أو السنة، ولا
يكون له معارض ولا تكون هناك قرينة على خلافه وغيرذلك، وهي تشكّل قاعدة عامة متمثلة
في حجية خبر الثقة، وحينئذٍ فاذا قامخبر الثقة على وجوب السورة مثلاً في الصلاة
كان اثبات وجوبها في المسألةيتوقف على عملية الاستنباط، بتطبيق القاعدة المذكورة
العامة، وهي حجيةخبر الثقة على فرده وعنصره الخاص، وهو خبر الثقة في هذه المسألة،
وتطبيقحجية الظهور على ظهوره الخاص في الوجوب، ونتيجة هذه العملية مسألةفقهية وهي
وجوب السورة في الصلاة وجزئيتها، فتصبح المسألة عندئذٍ ذاتطابع وجوبي.
ومن هنا تكون نسبة علم الاُصول إلى علم الفقه نسبة العلم النظري إلى
العلمالتطبيقي، فمن أجل ذلك يرتبط علم الفقه بالاُصول ارتباطاً وثيقاً في عمق
ذاتهوتكوينه منذ ولادته في تمام امتداد أدواره وتاريخه على نسبة واحدة، ولا
يمكنإثبات أية مسألة فقهية نظرية بدون قاعدة اُصولية، ولا يمكن إظهار أيّ نظرفقهي
في المسألة بدون تطبيق نظر أصولي عليها في أية مرحلة من المراحل التيتمر عليهما
حتى في زمن المعصومين عليهم السلام، فان بذرة الاُصول كانتموجودة في ذلك الزمن كما
تشهد على ذلك مجموعة من النصوصالتشريعية،وهذه البذرة الاُصولية التي لم تكن منفصلة
في البداية عن العملالفقهي، نمت وتطورت وتوسّعت على ضوء نمو العمل الفقهي وتطوره
وتوسّعه،بتوسع مختلف جوانب حياة الانسان قرناً بعد قرن ووقتاً بعد وقت إلى أن
تنفصلدراسة هذه البذرة عن دراسة الفقه، وتصبح دراسة علمية مستقلة وتسمى
بعلمالاُصول، فالتسمية متأخرة، وأما البذرة فهي موجودة منذ ولادة الفقه.
ويترتب على هذا الترابط والتفاعل الذاتي بين علمي الاُصول والفقه، أنهمايتطوران على
مستوى واحد سعة وعمقاً ودقة في كل مرحلة من مراحلهما ودورمن أدوارهما، ونقصد بذلك
أن الذهنية الاُصولية النظرية ترتبط بالذهنية الفقهيةالتطبيقية في تمام المراحل
بنسبة واحدة، فاذا بلغت الذهنية الاُصولية درجة أكبرعمقاً وسعةً وأكثر دقة انعكست
تماماً في الذهنية الفقهية، وتطلّبت في مجالالتطبيق دقة أكثر وعمقاً أكبر.
ولنأخذ لذلك مثالاً، وهو أنه قد ثبت أخيراً في الاُصول، نظرية أن الأصلالعملي لا
يكون حجة في المدلول الالتزامي ويكون حجة في المدلول المطابقي بينماتكون الأمارة
حجة في كليهما معاً، وهذه نظرية اُصولية بلغت درجة من الدقّةوالعمق، وهي بطبيعة
الحال تتطلب نفس هذه الدرجة من الدقة والعمق في مقامتطبيقها على عنصرها الخاص في
مسألة من المسائل الفقهية، حيث إن ذلكيوجب على الباحث الاُصولي في هذا المقام
التفكيك بين مدلوله المطابقيوالالتزامي والحكم بثبوت الأول دون الثاني، وهناك
نظريات اُخرى عميقة قدثبت في الاُصول أخيراً من خلال تطوّره وتوسّعه دقةً وعمقاً،
وعلى ضوء هذاالأساس الباحث الاُصولي مهما كان أدق و أعمق في التفكير الاُصولي
وتكوينالنظريات العامة المحددة في الحدود المسموح بها، كان أدق وأعمق في
التفكيرالفقهي على نفس المستوى.
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر أن شجب الأخباريين للمدرسة الاُصوليةواستنكارها شجب
واستنكار في نهاية المطاف للمدرسة الفقهية، لما مرّ منالترابط والتفاعل الذاتي بين
المدرستين،واستحالة انفكاك المدرسة الفقهية عنالمدرسة الاُصولية منذ ولادتها، كيف
فإنها تتولد من تلك المدرسة بتطبيقنظرياتها العامة على عناصرها الخاصة.
تعريف علم الاُصول ...
علم الاُصول
بحوث تمهيدية :
الأول: في تعريف علم الاُصول وما يمتاز به
عن سائر العلوم
المعروف أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.
وقد وجه على هذا التعريف مجموعة من الاشكالات:
الأول: أن هذا التعريف لا يكون جامعاً لتمام المسائل الاُصولية، على أساسأنه ذو
طابع الاستنباط، وهذا الطابع غير متوفر في الاُصول العملية طراً، باعتبارأن نتيجتها
تعيين الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المنجّزة أو المعذّرة، لاالاستنباط والكشف
عنه.
وقد اُجيب عن هذا الإشكال بعدة وجوه:
الأول: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من إضافة قيد في التعريف، وهو الانتهاءإلى
وظيفة عملية(1)، بدعوى أن المسائل الاُصولية ذات طابعين: أحدهما طابعالاستنباط
والكشف، والآخر: طابع الانتهاء إلى وظيفة عملية. والأول يمثلالأمارات الشرعية التي
تقع في طريق عملية الاستنباط والكشف. والثاني يمثلالاُصول العملية الأعم من
الشرعية والعقلية التي لا تقع في طريق عمليةالاستنباط، وإنما تقع في طريق تعين
الوظيفة العملية بعد انتهاء الأمر إليها،بتطبيق مضامينها على مصاديقها مباشرة، فاذن
يكون التعريف جامعاً.
وقد اُورد على هذه المحاولة بأنها لا تجدي في تصحيح هذا التعريف، حيثإنها لم تشتمل
على إبراز المائز الحقيقي الجامع بين كافة المسائل الاُصولية، إذ إنهامجرد عطف
للمسائل التي لم يشملها التعريف على ما شملها من المسائل، وعلىهذا فبالامكان منذ
البداية أن يقال، إن علم الاُصول هو علم مباحث الألفاظ أوالملازمات العقلية أو
الاُصول العملية وهكذا، فان ذلك يشمل جميع المسائلالاُصولية مع أنه ليس بتعريف
للأصول(2).
ويمكن المناقشة فيه، بأن المسائل الاُصولية لو كانت ذات طابعين مميزينروحاً
وحقيقة، لكانت المحاولة المذكورة في محلها ومجدية في تصحيح هذاالتعريف وجامعيته،
ودعوى أنه لابد أن يكون لمسائل كل علم مائز حقيقيواحد جامع بين الجميع، لكي تمتاز
به عن مسائل سائر العلوم ومنه علمالاُصول، مدفوعة بأنه لا مانع من أن يكون امتياز
مسائل علم عن مسائل علمآخر بطابعين مميزين مشتركين في غرضه، وعلى هذا فلا مانع من
أن يكون علمالاُصول ممتازاً عن مسائل سائر العلوم بالطابعين المذكورين المميزين
باعتبارأنهما غير متوفرين في مسائل سائر العلوم نهائياً، وحيث إن كلا الطابعين
دخيلفي تعيين الوظيفة في الفقه، فمن أجل ذلك يكون كلا القسمين من
المسائلالاُصولية، فاذن قياس إضافة هذا القيد في التعريف بما قيل، من أن علم
الاُصولهو علم مباحث الألفاظ... قياس مع الفارق، باعتبار أن مباحث الألفاظتشترك مع
مباحث الملازمات العقلية في الطابع الواحد المميز، وهو الطابعالاستنباطي، فلا
امتياز بينهما إلاّ في العنوان فحسب، نعم الذي يرد على هذاالوجه، هو أنه لا موجب
لاضافة هذا القيد في التعريف كما سوف نشير إليه.
الثاني: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره، من أن المراد من الحكم المأخوذ
فيالتعريف إن كان أعمّ من الحكم الواقعي والظاهري، فقد شمل التعريف
الاُصولالعملية أيضاً، وإن كان المراد منه خصوص الحكم الواقعي، فلا مناص
لادخالهافي الاُصول من زيادة قيد في التعريف، وهو الانتهاء إليها في مقام العمل(3).
ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأنه أما زيادة القيد المذكور في التعريف،فسوف نذكر
أنه لا حاجة إليها.
وأما أن المراد من الحكم فيه أعم من الواقعي والظاهري، فيرد عليه:
أولاً: أن هذه المحاولة لو تمّت فانما تتم بالنسبة إلى الاُصول العملية الشرعية،ولا
تتم بالنسبة إلى الاُصول العملية العقلية، التي لا تنتهي إلى الحكم الشرعيأصلاً
حتى الظاهري، و هي مجرد وظيفة عملية يقررها العقل عند العجز عنالوصول إلى الحكم
الشرعي، كأصالة البراءة والاحتياط العقليتين، فاذن لايكون التعريف جامعاً.
وثانياً: أن الاُصول العملية الشرعية بنفسها أحكام ظاهرية مجعولة شرعاً،لا أنها
مستنبطة من تلك الاُصول.
وبكلمة، أنالحكم الظاهري الترخيصي يمثل نفس اصالةالبراءة، لا أنالأصالة تقع في
طريق عملية استنباطه، والحكم الظاهريالالزامي يمثل نفسقاعدة الاحتياط الشرعية، لا
أن القاعدة تقع في طريق عملية الاستنباط له، كماهو متصورالمحقق النائينيقدس سره،
وعلى هذا فلا تجدي هذهالمحاولة في دفع الإشكال.
الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره، من أن المراد من كلمة الاستنباط
فيالتعريف، اثبات الحكم الشرعي، فانه نتيجة عملية تطبيق القاعدة الاُصوليةعلى
مصاديقها، وهو يختلف باختلاف المسائل الاُصولية، فان نتيجتها قد تكوناثبات الحكم
الشرعي حقيقة، وقد تكون اثباته تعبداً، وقد تكون اثباته تنجيزاًأو تعذيراً، وعلى
هذا فيشمل التعريف الاُصول العملية، على أساس أنها تثبتالأحكام الشرعية الواقعية
تنجيزاً أو تعذيراً(4). فإذن لا اشكال في التعريف منهذه الناحية،
وهذه المحاولة صحيحة في التغلب على الإشكال ومنسجمة مع ارضيةالمسائل الاُصولية
روحاً وجوهراً.
الرابع: أنه يمكن تصحيح هذا التعريف بتبديل كلمة استنباط الحكم بكلمةتعيين الوظيفة
الشرعية، وعلى هذا فيشمل التعريف مباحث الاُصول العمليةأيضاً، باعتبار أن مفادها
تعيين الوظيفة الشرعية في مقام الجري العملي، ومفادالأمارات تعيين الوظيفة الشرعية
في مقام الكشف عن الواقع.
ولكن هذه المحاولة غير تامة، وذلك لما سوف يأتي شرحه عن قريب، منأن اُصولية
المسألة متقومة بكونها الحد الأوسط في القياس، وتطبيق الكبرىعلى الصغرى لإثبات
مسألة فقهية، وهي جعل الحكم الشرعي الكلي.
وبكلمة، إن استفادة الحكم من القاعدة إن كانت على أساس التطبيقوالانطباق، فهي
قاعدة فقهية ومختصة بالشبهات الموضوعية، إذ لايمكن أنتكون استفادة الحكم من
القاعدة في الشبهات الحكمية من باب التطبيق، بل لامحالة تكون من باب التوسيط
والاستنباط، حيث لايمكن فرض كون الشبهةحكمية، ومع ذلك يكون اثبات الحكم فيها من باب
التطبيق، إذ معنى كونهاحكمية هو الشك في ثبوت الجعل الشرعي فيها، ومعه لا يعقل أن
يكون ثبوتهمن طريق عملية التطبيق.
وعلى هذا فالغرض من وراء هذا التبديل، إن كان تعميم التعريف للأصولالعملية، على
أساس أن تعيين الوظيفة بها من باب التطبيق لا من باب التوسيط،فيرد عليه أن تعيين
الوظيفة في الشبهة الحكمية لابد أن يكون على أساسالتوسيط كما مر، ولايمكن أن يكون
على أساس التطبيق، وإلا فلا موجب لهذاالتبديل، وإن كان عدم ارتباط اُصولية المسألة،
بكون استفادة الحكم منها منطريق عملية الاستنباط، فيرد عليه ما سوف نشير إليه من
أن اُصولية المسألةمرتبطة بذلك روحاً وحقيقةً، وإلا فلا تكون المسألة اُصولية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن هذا التعريف جامعويشمل المسائل
الاُصولية طراً، منها الاُصول العملية.
الإشكال الثاني: أن هذا التعريف منقوض بالقواعد الفقهية العامة، كقاعدةالفراغ
والتجاوز، وقاعدة ما يضمن وما لا يضمن، وقاعدة لا ضرر ونحوها،فانها على الرغم من
كونها قواعد فقهية لا اُصولية فمع ذلك تقع فيطريقعملية الاستنباط.
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك بوجهين:
الأول: أن استفادة الأحكام الشرعية من القواعد الفقهية، تكون من بابتطبيق مضامينها
بأنفسها على مصاديقها وحصصها المجعولة بنفس جعل تلكالقواعد لا برأسها، وليست من
باب الاستنباط والتوسيط.
الثاني: أن القواعد الفقهية بأجمعها مختصة بالشبهات الموضوعية ولا يجريشيء منها
في الشبهات الحكمية(5).
وغير خفي أن الجواب الثاني يرجع إلى الجواب الأول روحاً وجوهراً ولااختلاف بينهما
إلا في الصورة، وذلك لأن استفادة الحكم من القاعدة لايمكن أنتكون بنحو التطبيق إلا
إذا كانت القاعدة مختصة بالشبهة الموضوعية، وأما إذاكانت تعم الشبهة الحكمية، فلا
محالة تكون استفادة الحكم منها في تلك الشبهةبنحو التوسيط والاستنباط، ولايمكن أن
تكون بنحو التطبيق، والنكتة فيذلك،أن الشبهة إذا كانت حكمية، فالشك فيها لا محالة
يكون في جعل الحكمبرأسه والقاعدة في مثل ذلك واسطة لاثباته فيها بنحو من أنحاء
الإثبات التيأشرنا إليها انفاً، ولا يعقل أن يكون اثباته بنحو التطبيق، أي تطبيق
الحكمالمجعول على حصته بدون أية واسطة، وإذا كانت الشبهة موضوعية، فتطبيقالقاعدة
عليها من باب انطباق الحكم المجعول المستنبط على حصته فيها من دونتوسيط واستنباط،
كانطباق الطبيعي على فرده، فالنتيجة أن مرد الجوابينالمذكورين إلى جواب واحد، وهو
أن القواعد الفقهية جميعاً مختصة بالشبهاتالموضوعية، فمن أجل ذلك تكون استفادة
الحكم منها بنحو التطبيق لا التوسيطوالاستنباط، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد اُورد على هذه الاجابة بأمرين:
الأول: أن القواعد الفقهية على صنفين:
أحدهما قواعد تطبيقية مختصة بالشبهات الموضوعية ولا تجري في الشبهاتالحكمية،
كقاعدة الفراغ والتجاوز وما يضمن وما لا يضمن ونحوها.
والآخر قواعد فقيهة تشمل الشبهات الحكمية أيضاً، وتقع في طريق استفادةالحكم بنحو
التوسيط والاستنباط، كقاعدة الطهارة وقاعدة ظهور الأمر بالغسلفي الارشاد إلى
النجاسة ونحوها، فإنها قواعد فقهية استدلالية يقررها الفقيه فيالفقه وتجري في
الشبهات الحكمية أيضاً، ويستفيد الحكم منها في تلك الشبهاتبنحو من الأنحاء.
فالنتيجة أن هذه القواعد قواعد فقهية، ومع هذا تكوناستفادة الحكم الشرعي منها بنحو
التوسيط والاستنباط لا التطبيق.
وقد تسأل عن أن هذه القواعد منها قاعدة الطهارة، إذا كانت تقع فيطريقعملية
الاستنباط في الشبهات الحكمية، فما هو الفارق بينها وبينالقواعدالاُصولية؟
والجواب أن هناك محاولتين:
الأولى: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره وحاصل ما أفاده، أن قاعدة الطهارة وإنكانت
تجري في الشبهات الحكمية، إلا أنها مع ذلك ليست قاعدة اُصولية،معللاًبأنها مورد
التسالم عند جميع الفقهاء بلا استثناء وخلاف، ومثلها لا يكون منالقواعد
الاُصولية(6).
وهذه المحاولة غير تامة، فانهقدس سره إن أراد بها أن اُصولية المسألة مرهونةبوجود
الخلاف فيها وإلا لم تكن من الاُصول، فيرد عليه أن اعتبار ذلك فياُصولية المسألة
بلا أي مبرر بل أنه غير محتمل، لأن مرجعه إلى أن اختلافمسائل علم الاُصول باختلاف
مراتب اثباتها ووضوحها يؤثر فيها نفياً واثباتاًوهو كماترى، هذا إضافة إلى أن ذلك
لو كان مؤثراً، فلابد من افتراض نكتةاُخرى وراء ذلك، وتلك النكتة هي المؤثرة فيها
كذلك، والغرض عدم وجودنكتة اُخرى مميزة بين الصنفين من المسألة الاُصولية، لأن كلا
الصنفين مشترك فيالوقوع في طريق عملية الاستنباط والإثبات للجعل الشرعي الكلي، وفي
توقفاثبات الأحكام الفقهية عليهما.
وإن أرادقدس سره بها أن اُصولية المسألة مرتبطة بنظريتها تكويناً وتحديداً بأن
لاتكون قطعية، فيرد عليه أن المسائل الاُصولية على صنفين:
أحدهما: القواعد الظاهرية المجعولة شرعاً عند الجهل بالأحكام الواقعيةوعدم العلم
بها، ولا يعقل جعلها للعالم بها، كحجية أخبار الثقة والظواهروالاجماع المنقول
وغيرها، وكذا الاُصول العملية، كالاستصحاب وأصالةالبراءة وأصالة الاحتياط
الشرعيتين.
ومن الواضح أن الدافع من وراء جعل هذه القواعد في حدودها الشرعية، إنماهو توقف
اثبات الأحكام الشرعية الفقهية عليها، إذ ليس بإمكان أي فقيهاثباتها بدون التوصل
بها، ومن هنا يكون الاُصول قد وضع لتكوين النظرياتالعامة والقواعد المشتركة في
الحدود المسموح بها شرعاً، والفقه قد وضع لتطبيقهذه النظريات العامة والقواعد
المشتركة على مصاديقها و عناصرها الخاصةلاثبات الاحكام الفقهية، على اساس ان تلك
الأحكام جميعاً وليدة عمليةالتطبيق، ومن الضروري أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون
القواعد الاُصولية منالقواعد المسلمة عند الجميع وواضحة المعالم والحدود بلا
استثناء وخلاف أو منالقواعد النظرية أكثر عمقاً ودقةً، فان المعيار في اُصولية
القاعدة توقف الفقهعليها وعدم امكان اثباته شرعاً بدون التوصل بها، واما كونها
مسلمة عندالكل، أو غير مسلمة واضحة الحدود أو غير واضحة قطعية أو غير قطعية، كلذلك
أمور جانبية وجودها وعدمها غير دخيل في اُصولية المسألة وروحها، مثلاًحجية خبرالثقة
مسألة اُصولية من جهة وقوعها في طريق اثبات معظم الأحكامالفقهية شرعاً، وارتباطها
بها ارتباطاً وثيقاً، بدون فرق بين أن تكون المسألةقطعية في نفسها،كما إذا كان دليل
حجيّتها قطعياً كذلك أو ظنية في نفسها، كما إذاكان دليل حجيّتها ظنياً كذلك، وإن
كان في نهاية المطاف ينتهي إلى الدليلالقطعي، بقانون أن كل ما بالغير لابد أن
ينتهي إلى ما بالذات، فإن كل ذلك غيردخيل في الجهة التي تكون المسألة اُصولية بتلك
الجهة، لأنها أعمق منها، وكذلكمسألة حجية الظواهر، فإن أصوليتها مرهونة بارتباطها
الوثيق بالفقه وتوقفاثباته شرعاً عليها، وأما الجهات الأخرى الطارئة عليها، ككونها
مسلمة أوغير مسلمة أو قطعية أو غير قطعية، فهي جهات أجنبية عن جهة أصوليتهاوتختلف
باختلاف درجات اثبات دليل الحجيّة.
وكذ الحال في الاُصول العملية، فإن مسلّميتها عند الكل وعدم الخلاف فيهالا ترتبط
بأصوليتها لا نفياً ولا اثباتاً، فان أصوليتها مرهونة بجهة ارتباطهابالفقه، وعدم
امكان اثبات الوظيفة فيه شرعاً أمام الله تعالى بدونها، بل لا مانعمن أن تكون
المسألة الاُصولية ضرورية، فإنه مادامت الأحكام الفقهية نظرية،يتوقف اثباتها شرعاً
على عملية الاجتهاد والاستنباط - التي هي عبارة عنتطبيق المسألة الاُصولية على
مصاديقها الخاصة لاثبات المسألة الفقهية لا فرقبين أن تكون الكبرى في هذه العملية
ضرورية أو قطعية أو نظرية.
وبكلمة، أن الأحكام الواقعية إن كانت قطعية، فلا مجال لعملية الاجتهادوالاستنباط
فيها، وبالتالى لا موضوع للمسائل الاُصولية، إذ لا يعقل جعلالحجية لأخبار الثقة
للعالم بالواقع وكذلك حجية الظواهر وغيرها، لأنه لغوصرف وإن كانت نظرية كما هو
كذلك، فيتوقف اثباتها على عملية الاجتهادوالاستباط، وهي عبارة عن تطبيق المسائل
الاُصولية على صغرياتها لاثباتتلك الأحكام، ومن الواضح أنه لا فرق في هذه العملية
بين أن تكون كبراهاضرورية أو قطعية أو نظرية، وعلى الثاني لا فرق بين أن تكون
مسلمةبينالجميع أو لا.
ودعوى أن الكبرى إذا كانت ضرورية أو قطعية، فليست من المسألةالاُصولية لا أنها لا
تقع في طريق عملية الاستنباط،
مدفوعة بأنها إذا وقعت في طريق عملية الاستنباط فلا معنى لعدم كونهااُصولية، لأن
اُصولية المسألة مرهونة بذلك كما مر.
وثانيهما: الملازمات العقلية، فإنها مسائل اُصولية واقعية وغير قابلة للجعلالشرعي
سعة وضيقاً، على أساس أنها ملازمات تكوينية أزلية، ومن الواضحأنه لا فرق في
اُصوليتها بين أن تكون بدرجة القطع واليقين أو لا، ولا موجبلتخصيصها بما إذا لم
تكن بتلك الدرجة أو بوجود الخلاف فيها، بعد ما لم يكنفرق بينهما في ترتب الأثر
الفقهي عليها.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره
منالمحاولة لإخراج قاعدة الطهارة من القواعد الاُصولية، لا يمكن المساعدة
عليهأصلاً، فالصحيح أنها من القواعد الاُصولية وتقع في طريق عملية الاستنباطكغيرها
من القواعد.
المحاولة الثانية: أن المعتبر في اُصولية القاعدة عنصران:
الأول: أن تكون النسبة بين القاعدة والنتيجة نسبة التوسيط والاستنباط لاالتطبيق
والانطباق.
الثاني: توفر صفة العمومية والاشتراك فيها بين أبواب فقهية متعددة وعدماختصاص مجال
الاستفادة والاستنباط منها بباب فقهي معين، كما صرح بهالمحقق الخراسانيقدس سره
حيث قال إن قاعدة الطهارة ليست من القواعد الاُصولية،بل هي قاعدة فقهية بملاك
اختصاصها بباب فقهي واحد(7)، وعليه فالعنصرالأول وإن كان متوفراً في قاعدة الطهارة،
حيث أن استفادة الحكم منها فيالشبهات الحكمية إنما هي من طريق عملية التوسيط
والاستنباط لا التطبيق،ولكن العنصر الثاني غير متوفر فيها، فمن أجل ذلك تكون من
القواعد الفقهيةدون الاُصولية،
ومن هنا ذكر بعض المحققينقدس سره أن القواعد الفقهية لا تختص بالقواعدالتطبيقية،
بل منها ما يستنبط به الحكم بنحو التوسيط والاستنباط، كقاعدةالطهارة الجارية في
الشبهات الحكمية، وقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الارشادإلى النجاسة، التي تشبه قاعدة
ظهور الأمر بشئ في وجوبه ونحوها، فانها جميعاًقواعد فقهية استدلالية يقررها الفقيه
في الفقه، ويستفيد الحكم منهابنحوالتوسيط والاستنباط لا التطبيق والانطباق، ولكن
بما أنها فاقدة لصفةالعموميةوالاشتراك في الاستنباط في أبواب فقهية متعددة، فلذلك
لا تكونمنالاُصول(8).
وقد اُورد على هذه المحاولة بأن لازمها خروج جملة من المسائل الاُصولية عنالاُصول،
منها أصالة الاباحة، فإنها مختصة بباب الاباحة، ومنها مسألة اقتضاءالنهي عن العبادة
الفساد، فانها مختصة بباب العبادة ولا تشمل سائر الأبواب،مع أنه لا شبهة في كونهما
من المسائل الاُصولية، وهذا دليل على عدم اعتبار قيدالاشتراك في اُصولية
المسألة(9).
ويمكن المناقشة في هذا الايراد، بتقريب أنه إن أريد من أصالة الاباحةأصالة البراءة،
فهي لا تختص بباب دون باب، وإن أريد منها أصالة الأباحة فيمقابل اصالة البراءة،
فسوف يأتي في البحوث القادمة أنها مختصة بالشبهاتالموضوعية ولا تجري في الشبهات
الحكمية، وعليه فتكون فاقدة لصفة التوسيطوالاستنباط في مقام استفادة الحكم.
هذا اضافة إلى أن باب الأباحة ليس باباً معيناً في الفقه كباب الطهارة، بل هوباب
عام لا يختص بباب فقهي معين.
وأما مسألة الإقتضاء وإن كانت مختصة بباب العبادات، إلا أن العبادة ليستباباً
واحداً معيناً، بل هي أبواب مختلفة ومتعددة في الفقه، فلا يقاس ببابالطهارة،
فالنتيجة أنه لا يمكن التغلب على هذه المحاولة بما ذكر من النقض.
ولكن مع ذلك فالمحاولة المذكورة غير صحيحة، والسبب فيه أن اُصوليةالمسألة وإن كانت
مرتبطة ذاتاً بطابع العموم والاشتراك، فإن الاُصول قد وضعلتكوين النظريات العامة
والقواعد المشتركة، على أساس أن المسائل الفقهيةجميعاً وليدة من تطبيق تلك القواعد
على صغرياتها، إلا أنه من غير مبرر اعتبارالعمومية فيها بدرجة تجعلها مشتركة في
استنباط الحكم الشرعي في أبوابفقهية متعددة، بل يكفي في أصوليتها أن يكون لها طابع
العموم والاشتراك،بدرجة يمكن أن تتولد مجموعة من المسائل الفقهية من تطبيقها على
صغرياتها،وإن كان ذلك في ضمن مسائل باب واحد كباب الطهارة، واعتبار الأكثر
بدونمبرر، لأن أرضية المسألة الاُصولية وطبيعتها لا تقتضي أكثر من ذلك،والمفروض أن
قاعدة الطهارة قاعدة عامة في نفسها ومشتركة بين جميع مسائلباب الطهارة على سعتها
وكثرتها، ولا موجب لاعتبار عموميتها بين أكثر منباب واحد.
وبكلمة، إن اُصولية المسألة لا تقتضي أكثر من عمومها واشتراكها بينمجموعة من
المسائل الفقهية الكثيرة، سواءاً كانت تلك المسائل في باب واحد أمأكثر من باب،
وعليه فاختصاص قاعدة الطهارة ببابها لا يضر بأصوليتها بعد ماكانت عامة في نفسها
ومشتركة بين مسائل ذلك الباب جميعاً، على أساس أناُصولية المسألة بملاك أنها تقع
كبرى القياس لعملية استنتاج المسائل الفقهيةواثباتها شرعاً، وليس هناك ملاك آخر
يتطلب عمومها واشتراكها بين أكثر منباب واحد.
وبذلك يظهر حال سائر القواعد الاستدلالية التي يقررها الفقيه في الفقه،كقاعدة ظهور
الأمر بالغسل في الارشاد إلى النجاسة، فإنها بلحاظ عمومهاللشبهات الحكمية من
القواعد الاُصولية لتوفر الطابع الأصولي فيها، وهووقوعها في طريق عملية الاستنباط
والتوسيط من جهة وعمومها في نفسها منجهة اُخرى، ومن هنا يظهر أن كل قاعدة تجري في
الشبهات الحكمية فهي قاعدةاُصولية، ونتيجتها اثبات الجعل الشرعي بالاستنباط
والتوسيط، وكل قاعدةتختص بالشبهات الموضوعية فهي قاعدة فقهية، ونتيجتها اثبات حصة
منالحكم المجعول والمستنبط بالتطبيق.
وعلى هذا فالتمييز بين القواعد الفقهية والقواعد الاُصولية، هو أن الاُولىمختصة
بالشبهات الموضوعية، فلذلك تكون النتيجة فيها حصة من القاعدةونسبتها إليها نسبة
الحصة إلى الطبيعي، والثانية مختصة بالشبهات الحكمية،والنتيجة فيها اثبات الجعل
الشرعي الكلي.
قد يقال كما قيل: إن نسبة علم الاُصول إلى علم الفقه كنسبة علم المنطق إلىسائر
العلوم(10)، فإن علم المنطق قد وضع لدراسة منهج عام في الحدود المسموحبها وفقاً
لشروطه العامة للتفكير البشري بشكل عام، على أساس أن نسبة علمالمنطق إلى كافة
العلوم الأخرى نسبة العلم النظري إلى العلم التطبيقي، ومن هناترتبط تلك العلوم
جميعاً بعلم المنطق ارتباطاً وثيقاً في تمام الأدوار وطول التاريخ.
وأما علم الاُصول فحيث أنه كعلم المنطق بالنسبة إلى علم الفقه، فبطبيعةالحال يكون
منهجاً عاماً له ويعلمنا الطرق التي يجب اتباعها في الاستدلال علىاثبات الأحكام
الشرعية واستنباطها، لأنه منطق علم الفقه ويلعب دوراً إيجابياًفيه، كالدور الايجابي
الذي يؤديه علم المنطق لكافة العلوم والفكر البشري، ولافرق بينهما إلا أن في
الاُصول يدرس المناهج العامة للتفكير الفقهي خاصة، وفيالمنطق يدرس المناهج العامة
لعملية التفكير البشري إطلاقاً. ونتيجة ذلك أناُصولية المسألة مساوقة لعموميّتها
وعدم اختصاصها بباب دون باب، وبذلكتخرج قاعدة الطهارة وغيرها من القواعد الفقهية
الاستدلالية عن الاُصول،فإنها وإن كانت عامة في نفسها، إلا أن عموميتها لا تبلغ
بدرجة تجعلها مشتركةبين أبواب الفقه المتعددة.
والجواب: أن علم الاُصول وإن كان كالمنطق بالنسبة إلى علم الفقه، إلا أنهيختلف عنه
في نقطة، وهي أن المنطق يمثل قانوناً واحداً عاماً ومنهجاً مشتركاًبين جميع العلوم
وهو الشكل الأول الضروري، ولا يمكن استغناء أي علم منه فياستدلالاته واستنتاجاته
النظرية مهما توسعت، بينما أن الاُصول يمثل مجموعة منالقوانين العامة والمناهج
المشتركة المختلفة، وبكلمة أن الاُصول كالمنطق للفقهمعناه أن عملية الاستنباط
الفقهي في كل مسألة لا يمكن بدون تطبيق المسألةالاُصولية على صغراها فيها
والاستعانة بها، كما أن عملية التفكير البشري في كلعلم لا يمكن إطلاقاً بدون تطبيق
المنطق المتمثل في الشكل الأول لكل استدلالوتفكير نظري مهما كان لونه، هذا من
ناحية.
ومن ناحية أخرى، إن كون الاُصول كالمنطق ليس معناه أن كل مسألة منمسائله وقاعدة من
قواعده كالمنطق، بل معناه أن نسبة الاُصول ككل إلى الفقهكذلك كالمنطق اليه.
يتلخص من ذلك ان اُصولية المسألة مرهونة بامرين:
الأول: بطابع الاستنباط، بأن تكون النسبة بين المسألة الاُصولية والنتيجة،نسبة
الاستنباط والتوسيط لا التطبيق والانطباق.
الثاني: بطابع العموم والشمول بدرجة يستعملها الفقيه في مقامعمليةالاستنباط،
بتطبيقها على عناصرها الخاصة ككبرى القياس لاثباتالمسائل الفقهية.
وعلى هذا فمعنى أن الاُصول كالمنطق، هو أن مجموع تلك القوانين والمناهجكالمنطق،
فكما لا يمكن استغناء أي تفكير بشري على المستوى العام عنالمنطق،فكذلك لا يمكن
إستغناء أي تفكير فقهي على المستوى الخاص في أيةمسألة فقهية عن قاعدة اُصولية، وليس
معنى ذلك أن كل قاعدة اُصولية كالمنطقفي العموم، وعليه فلا مبرّر لاعتبار أن
اُصولية القاعدة مرهونة بطابع العموموالاشتراك بين أبواب فقهية متعددة، بل هي
مرهونة بطابع العموم بدرجةتصلح أن تقع كبرى القياس للتفكير الفقهي، ومن الواضح أنه
يكفي في ذلككونها قاعدة عامة بين مسائل باب واحد مهما توسعت، ومن هنا تختلف
درجاتعمومية القواعد الاُصولية ومدى اشتراكها باختلاف حدودها المسموح بها.
وعلى ضوء هذا الأساس فالقاعدة الاُصولية تمتاز عن القاعدة الفقهية في نقطةأعمق من
ذلك، وهي أن روح القاعدة الاُصولية روح الواسطة والحد الأوسطفي القياس لاثبات
النتيجة الفقهية، وروح القاعدة الفقهية روح التطبيق لاثباتالنتيجة، وهي حصة من
القاعدة المجعولة بنفس جعلها لا برأسها، ولهذا تكونالنسبة بين القاعدة الاُصولية
والنتيجة نسبة التوسيط والأستنباط، والنسبة بينالقاعدة الفقهية والنتيجة نسبة
التطبيق والانطباق.
مثلاً إذا شك المصلي بعد الفراغ من الصلاة في صحتها وفسادها واحتمل أنهكان حين
العمل اذكر منه حين ما يشك، تمسك بقاعدة الفراغ، لاثبات صحتها،على أساس أنها حصة
منها وانطباقها عليها انطباق الطبيعي على حصته، ومنهذا القبيل ما إذا شك المشتري
في ضمانه السلعة في البيع الفاسد، فإنه يتمسكبذيل قاعدة ما تضمن لاثبات ضمانة
للسلعة، ومن الواضح أن استفادته انما هيمن باب تطبيق القاعدة على حصتها المجعولة
بجعلها لا برأسها.
لحدّ الآن قد تبين أن طابع القواعد الاُصولية المميزة، هي طابع التوسيطوالاستنباط،
وطابع القواعد الفقهية المميزة، هي طابع التطبيق والانطباق،والطابع الاُصولي يحدد
سعة دائرة قواعده بحدود الشبهات الحكمية، والطابعالفقهي يحدد سعة دائرة قواعده
بحدود الشبهات الموضوعية، إذ لا يمكن أنتكون نسبة النتيجة إلى القاعدة نسبة
التوسيط والاستنباط في الشبهاتالموضوعية، كما لا يمكن أن تكون نسبتها إليها نسبة
التطبيق والانطباق فيالشبهات الحكمية.
ولكن قد يناقش في ذلك، بأن التمييز بين المسألة الاُصولية والقاعدة الفقهيةبالتطبيق
نفياً وإثباتاً، يؤدي إلى أن اُصولية المسألة ترتبط كثيراً ما بصياغتهاوكيفية
التعبير عنها، فمثلاً إذا طرحت مسألة اقتضاء النهي عن العبادة لفسادهابصيغة البحث
عن الإقتضاء كانت اُصولية، على أساس أن البطلان حينئذٍمستنبط من الإقتضاء وليس
تطبيقاً، وإذا طرحت بصيغة البحث عن أن العبادةالمنهي عنها باطلة لم تكن اُصولية،
لأن بطلان كل عبادة محرمة يكون بالتطبيق،مع أن روح المسألة واحدة في كلتا
الصياغتين، وهذا يكشف عن المائز الحقيقيبين القاعدة الاُصولية والقاعدة الفقهية،
وأنه ليس مجرد أن استفادة الحكم منالقاعدة الاُصولية تكون بالتوسيط والاستنباط لا
بالتطبيق، ومن القاعدةالفقهية تكون بالتطبيق(11). هذا،
ويمكن التغلب على هذه المناقشة فإن مسألة اقتضاء النهي عن العبادة،سواءاً كانت
مطروحة بصيغة البحث عن الإقتضاء أم بصيغة البحث عن أنالعبادة المنهي عنها باطلة،
مسألة اُصولية، أما بالصيغة الأولى فظاهر، وأمابالصيغة الثانية فلأنها تستبطن ضمناً
أن البحث عن حمل البطلان على العبادة،إنما هو بواسطة اقتضاء النهي المتعلق بها لا
بلا واسطة ومباشرة، وعليه فمردالبحث فيها يكون لا محالة إلى البحث عن اقتضاء النهي
المتعلق بالعبادة البطلان.إذ لا معنى للبحث عن نتيجة المسألة الاُصولية ابتداءاً في
الاُصول، بل لابد أنيكون البحث عما ينتج هذه النتيجة، فإذن لا فرق بين الصيغتين
إلاّ في الصياغة،وأمافيالمعنى فالبحث في كلتيهما عن المسالة الاُصولية.
وبكلمة، إن التمييز بين القاعدتين بطابع الاستنباط و التطبيق لا يمكن انيختلف
باختلاف صياغة البحث، فإن مسألة النهي عن العبادة سواءاً كانتمطروحة بصيغة القاعدة
التطبيقية أم بصيغة القاعدة الإستنباطية، قاعدة اُصوليةروحاً، لأن الحكم المستفاد
من هذه المسألة وهو بطلان العبادة، إنما هو مستفادمن طريق عملية التوسيط
والاستنباط، لا التطبيق والانطباق في كلتا الصيغتين.
وعلى هذا فلا قيمة لصياغة القاعدة عند طرحها للبحث، بل لابد من النظرإلى مضمونها
وروحها، فإن كانت روحاً ومضموناً تصلح أن يستخدمها الفقيهكدليل مباشر على الجعل
الشرعي الكلي في الشبهات الحكمية، فهي قاعدةاُصولية وإن كانت مطروحة في عنوان البحث
بصيغة القاعدة التطبيقية، وإلا فهيقاعدة فقهية، ولا يمكن استخدامها إلا في الشبهات
الموضوعية من طريق تطبيقالحكم المستنبط على حصته، وهذا التطبيق ذاتي ولا يحتاج إلى
الواسطة، ومنهنا تكون نتيجة القاعدة الفقهية حصة منها المجعولة بنفس جعلها لا
برأسها،كضمان المشتري للسلعة في البيع الفاسد المستفاد من قاعدة ما يضمن الراجعة
إلىالضمان باليد، فإنه حصة من القاعدة ومجعول بجعلها لا برأسه، وهذا بخلافنتيجة
القاعدة الاُصولية، فإنها مجعولة على حدة كجزئية السورة في الصلاةمثلاً،فإنها
مستفادة برأسها من قاعدة حجية خبر الثقة، ولا يمكن أن تكونحصة من القاعدة، ومن هنا
تكون نسبة النتيجة إلى القاعدة الاُصولية نسبةالتوسيط والاستنباط، بينما تكون نسبة
النتيجة إلى القاعدة الفقهية نسبة التطبيقوالانطباق، ولا يمكن الجمع بين هاتين
النسبتين في مسألة واحدة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن التمييز بين القواعد الاُصوليةوالقواعد
الفقهية بطابع الاستنباط والتطبيق لايمكن أن يختلف باختلاف صياغةالقاعدة والتعبير
عنها لفظاً. لحد الآن قد تبين أن اُصولية المسألة مرهونة بطابعالتوسيط والاستنباط،
وفقهية القاعدة مرهونة بطابع التطبيق، وبذلك تمتازالمسائل الاُصولية عن القواعد
الفقهية، وأثر ذلك اختصاص القواعد الفقهيةبالشبهات الموضوعية،و اختصاص القواعد
الاُصولية بالشبهات الحكمية،وعلى هذا الأساس فقاعدة الطهارة وقاعدة ظهور الأمر
بالغسل في الارشاد إلىالنجاسة ونحوهما من القواعد الاُصولية.
بقي هنا شيء، وهو أن قاعدة لا ضرر هل هي من القواعد الاُصولية أوالفقهية؟ فيه
وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى أنها قاعدة فقهية، وقد أفاد في وجه ذلك أنالمراد
من الضرر فيها لو كان الأعم من الضرر النوعي والشخصي، فالقاعدة بماأنها تشمل حينئذٍ
الشبهات الحكمية فتكون اُصولية، وإن كان المراد منهخصوص الضرر الشخصى، فهي بما
أنها تختص حينئذٍ بالشبهات الموضوعيةفتكون فقهية، وحيث أن الظاهر منه في القاعدة هو
الثاني، فتكون من القواعدالفقهية، واستفادة الحكم منها تكون بالتطبيق لا
بالتوسيط(12).
وغير خفي أن هذه المحاولة مبنية على نقطة خاطئة، وهي أن كون الشبهةحكمية مرهونة
بتوفر عنصرين فيها، أحدهما أن يكون بيان الحكم فيها سعةًوضيقاً من وظيفة الشارع،
والآخر كلية الحكم فيها، فإذا توفر فيها هذانالعنصران كانت حكمية.
أما اعتبار العنصر الأول فيها فهو ظاهر.
وأما الثاني فهو من أجل ما ذكرهقدس سره من التفصيل بين كون الضرر في القاعدةأعم من
النوعي والشخصي أو خصوص الشخصي، فعلى الأول يكون الحكمالمنفي عاماً لجميع
المكلفين، وعلى الثاني يكون خاصاً بالموضوع الضرريفحسب، على أساس أن فعلية الحكم
مرتبطة بفعلية موضوعه، والموضوع فيالقاعدة إذا كان الضرر الشخصي، فلا يتصور الشك
في الحكم إلا من ناحيةالشك في الموضوع.
ويمكن المناقشة فيه، أما العنصر الأول فهو وإن كان صحيحاً، إلا أنالعنصر الثاني
غير معتبر فيها، لأن الشك في الشبهة إن كان في أصل جعل الحكمفيها،كانت الشبهة
حكمية، وبيان حكمها بيد الشارع، سواءاً كان ذلك الحكمعاماً لجميع المكلفين أم
خاصاً بطائفة دون اُخرى، وأما اعتبار العموم فيه لتمامالمكلفين فهو بلا مبرر، وإن
كان الشك فيها في حصة من الحكم المجعول كانتالشبهة موضوعية.
وبكلمة، أن الميزان في الشبهة الحكمية، أن يكون بيانها بيد الشارع سعةًوضيقاً في
مقابل الشبهة الموضوعية، وأما اعتبار عمومها للمكلفين جميعاً، فهوبلا مبرر و موجب،
إذ يمكن افتراض الشبهة حكمية في مورد خاص،بمعنى أنبيان حكمها فيه بيد الشارع، كما
إذا كان القيام في الصلاة في مورد ضررياً علىالمصلي، ولكنه شك في وجوبه عليه في
هذه الحالة، لاحتمال أن اهتمام المولىبالحفاظ عليه وعدم رضائه بتفويته حتى في تلك
الحالة مانع من التمسك بقاعدةلا ضرر، وهذه الشبهة، شبهة حكمية، حيث إنه لابد في
تعيين الوظيفة فيها منالرجوع إلى الشارع، وحينئذٍ فبإمكانه أن يرجع إلى قاعدة لا
ضرر والتمسك بهالاثبات عدم جعل وجوبه الضرري الشخصي عليه، بل يمكن افتراض
كونالنتيجة كلية، كما إذا شك في حكم الشارع بالضمان في مورد لم يقم دليل
علىالضمان فيه،فإنه يمكن نفي الضمان بقاعدة لا ضرر، وتكون النتيجة حينئذٍ
حكماًكلياً لا تختص بطائفة دون اُخرى.
والخلاصة: أن الضرر المأخوذ في موضوع القاعدة وإن كان الضررالشخصي،ولكن مع هذا
تتصور فيه الشبهة الحكمية، كما إذا كان الحكم في موردضررياً على المكلف، ولكنه شك
في أن بإمكانه التمسك بالقاعدة لنفيه أو لا، منجهة احتمال اهتمام الشارع به وعدم
رضائه بتركه حتى في هذه الحالة، ففي مثلذلك لا مانع من التمسك بها لنفي جعله، ولا
وجه لاعتبار عموم الحكم فيها.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن قاعدة لا ضرر قاعدةاُصولية تقع في
طريق عملية الاستنباط في الشبهات الحكمية، وتكون النسبةبينها وبين النتيجة نسبة
التوسيط والاستنباط لا التطبيق، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ذكر بعض المحققين أنه لا موضوع للبحث عن أن قاعدةلا ضرر قاعدة
اُصولية أو فقهية، وذلك لأنها ليست قاعدة بالمعنى الفني، فإنالمعنى الفني للقاعدة،
هو أن يكون لها جامع مشترك بين عناصرها وله وحدةثبوتية، سواءاً كانت بالجعل كحجية
خبر الثقة وقاعدة الضمان باليد وغيرها، أمكانت بغيره كقاعدة الملازمة بين حرمة
العبادة وفسادها، فإن وحدتها وحدةتقررية ثبوتية،وهذا بخلاف قاعدة لا ضرر، فإنه ليست
لها وحدة ثبوتية لابالجعل والتشريع ولا في الواقع وعالم التقرر، بل هي تجميع
لمجموعة منالتشريعات العدمية المتباينة، كعدم وجوب الوضوء الضرري وعدم وجوبالغسل
الضرري وعدم وجوب الصوم الضرري وهكذا، فإنها جميعاً غير مجعولةبجعل واحد، بل الأول
ثابت بتقييد وجوب الوضوء بغير حالة الضرر وكذاالثاني والثالث فصاعداً، فإن الشارع
جمع بين هذه التشريعات العدمية وجعولهاوأبرزها بمبرز واحد، ولا تصدق القاعدة على
ذلك، وليس هنا أمر واحد يكوندخيلاً في إثبات كل واحد من هذه التشريعات العدمية إما
بنحو التوسيط أوالتطبيق، بل هي جميعاً تثبت في عرض واحد بدليل واحد(13).
ويمكن المناقشة في ذلك، بتقريب أن قاعدة لا ضرر وإن كانت ناظرة إلى أنالأحكام
الشرعية المجعولة في الشريعة المقدسة التي قد تؤدي إلى الضرر، مقيدةبغير حالة الضرر
وأنها غير مجعولة في هذه الحالة من الأول، بمعنى أن المولىجعل وجوب الوضوء من
الأول مقيداً بأن لا يكون ضررياً، وكذلك وجوبالغسل ووجوب الصوم وهكذا، فالقاعدة
مبرزة لهذه التشريعات العدميةالمتعددة، فمن أجل ذلك لا تكون لها وحدة ثبوتية لا
جعلاً ولا واقعاً، فلا تكونقاعدة بالمعنى الفني، إلا أن كل ذلك لا يمنع من التمسك
بها لإثبات عدم تشريعالحكم الضرري في مورد إذا شك في تشريعه لسبب أو آخر، اذ يكفي
في ذلكوحدتها بالعنوان، على أساس أنها حجة بذلك العنوان.
وبكلمة، أن قاعدة لا ضرر وإن لم تكن قاعدة موحدة بوحدة الجعل الموحدلها تشريعاً،
إلا أنها موحدة بوحدة العنوان المبرز المميز، وحيث انها تكونحجة بهذا العنوان، فلا
مانع من التمسك بها عند الشك.
فالنتيجة: أن قاعدة لا ضرر قاعدة اُصولية، واستفادة الحكم منها فيالشبهات الحكمية،
إنما هي بالتوسيط والاستنباط،لا بالتطبيق و الانطباق .
نتيجة البحوث المتقدمة لحد الآن عدة نقاط:
الأولى: أن اُصولية المسألة مرهونة بوقوعها الحد الأوسط في كبرى القياسلإثبات
النتيجة الفقهية، وهي الجعل الشرعي.
الثانية: أن المسألة الاُصولية تمتاز عن القاعدة الفقهية في نقطة، وهي أنالطابع
الاُصولي يقتضي وقوع المسألة الاُصولية في طريق عملية الاستنباطوالتوسيط الفقهي،
وتكون النسبة بينها وبين النتيجة - وهي المسألة الفقهية-النسبة التوسطية
والاستنباطية، كالنسبة بين العلة والمعلول والسببوالمسبب،والطابع الفقهي يقتضي
وقوع القاعدة الفقهية في طريق عملية التطبيقوالانطباق، وتكون النسبة بينها وبين
النتيجة - وهي الحصة من القاعدة - النسبةالتطبيقية، كالنسبة بين الطبيعي وحصصه
والكلي وأفراده.
الثالثة: أن نتيجة المسألة الاُصولية مجعولة برأسها وبجعل منفرد ومباينة لهاوجوداً،
وهي التي تشكل المسائل الفقهية بعرضها العريض، بينما نتيجة القاعدةالفقهية مجعولة
بنفس جعل القاعدة لا برأسها، على أساس أنها حصة منالقاعدة ومتحدة معها وجوداً لا
مباينة لها كذلك، ولهذا تكون نتيجة الأولى بملاكالتوسيط والاستنباط، ونتيجة
الثانية بملاك التطبيق.
الرابعة: أن القواعد الاُصولية بما أنها جميعاً قواعد استنباطية للمسائلالفقهية
برأسها، والقواعد الفقهية جميعاً قواعد تطبيقية لإثباتحصصهاوأفرادها، فلذلك تختص
الأولى بالشبهات الحكمية والثانيةبالشبهاتالموضوعية.
الخامسة: أن تمييز المسألة الاُصولية عن القاعدة الفقهية بالاستنباطوالتطبيق، لا
يؤدي إلى أن اُصولية المسألة ترتبط كثيراً ما بصياغتها وكيفيةالتعبير عنها، لما
تقدم من أن لون صياغة المسألة عند البحث وكيفية التعبير عنهالفظاً لا يرتبط بعمق
المسألة وروحها، والتمييز بين المسألة الاُصولية والقاعدةالفقهية بطابع الاستنباط
والتطبيق، يرجع إلى عمق المسألة وروحها لا إلىصياغتها، فإن الجمع بين طابع
الاستنباط والتطبيق لا يمكن في مسألةواحدة،لأنها إذا كانت واحدة روحاً، فلا تخلو
اما أن تكون ذات طابعالاستنباط والتوسيط لإثبات الجعل الشرعي برأسه، أو تكون ذات
طابعالتطبيق والإنطباق لإثبات حصتها المجعولة بجعلها لا برأسها، ومن
الطبيعيأنهلا يمكن أن تختلف مسألة واحدة استنباطاً وتطبيقاً باختلاف
صياغتهاوكيفيةالتعبير عنها.
السادسة: أنه لا يعتبر في اُصولية المسألة عموميتها، بدرجة تجعلها مشتركةبين أبواب
فقهية متعددة، لما مرّ من أن اُصولية المسألة لا تتطلب أكثر منعموميتها بنحو تقع
كبرى القياس لاستنباط الحكم الشرعي، ومن الطبيعيأنهيكفي في ذلك بلوغها درجة من
العمومية تجعلها مشتركة بين مسائل بابواحدكقاعدة الطهارة، ولا مبرر لاعتبار
عموميتها بدرجة تجعلها مشتركة بينأبوابفقهية متعددة.
السابعة: أن ما اُورد على هذا الإشكال من النقض بأصالة الاباحة ومسألةاقتضاء النهي
عن العبادة فسادها، فقد مرّ أنه غير وارد.
الثامنة:الصحيح هو أن قاعدة الطهارة وغيرها من القواعد الاستدلالية التييقررها
الفقيه في الفقه الجارية في الشبهات الحكمية من القواعد الاُصولية، بملاكوقوعها في
طريق عملية الاستنباط لاثبات النتيجة الفقهية برأسها.
التاسعة: أن قاعدة لا ضرر من القواعد الاُصولية، وما ذكره السيدالاُستاذقدس سره من
أنها قاعدة فقهية مختصة بالشبهات الموضوعية بناءاً على ما هوالصحيح، من أن المراد
من الضرر فيها هو الضرر الشخصي، فقد تقدم أنه غيرتام، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن ما ذكر من أنها ليست قاعدة بالمعنى الفني، لايؤديذلك إلى
خروجها عن الاُصولية، لأنها وإن لم تكن قاعدة بمعنى وجود جامعوحداني متقرر موحّد
لها أما جعلاً أو واقعاً، إلا أنها قاعدة بمعنى وجودجامععنواني موحّد لها، وتكون
حجة بهذا العنوان الجامع الكاشف عن ثبوتالواقع،ولهذا يمكنالتمسك بها
لإثباتالنتيجة الفقهية في الشبهاتالحكميةعلىتفصيلتقدم.
الإشكال الثالث: أن هذا التعريف منقوض بمسائل علم الرجال واللغة، أماعلم الرجال
فلأن نتيجة اثبات وثاقة الراوي، وهي دخيلة في عملية استنباطالحكم الشرعي، وأما علم
اللغة فلأن نتيجته تعيين مفهوم اللفظ سعةً وضيقاً،ومن الواضح أنه دخيل في عملية
الاستنباط والإستخراج للحكم الشرعي.
وها هنا محاولات للتغلب على هذا الإشكال:
المحاولة الأولى: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره وحاصل ما أفاده هو أنه أضافقيد
الكبروية في التعريف لاخراج مسائل هذه العلوم عنه، فإنه بهذا القيد لايشمل مسائل
تلك العلوم، لأنها وإن كانت دخيلة في عملية الاستنباط، إلا أنهالا تقع كبرى القياس
لهذه العملية، بينما المسائل الاُصولية تقع كبرى القياس لها،وبذلك تمتاز المسائل
الاُصولية عنها(14).
وعلى هذا فالصحيح في تعريف الاُصول أن يقال: إنه العلم بالقواعد التي تقعكبرى
القياس في عملية الاستنباط والتوسيط لاثبات النتيجة الفقهية، فإذن لااشكال في
التعريف من هذه الناحية.
ولكن لا يخفى أن هذه المحاولة وإن تغلبت على الإشكال وأدت إلى إخراجمسائل تلك
العلوم عنه، إلا أنها استلزمت محذوراً آخر، وهو خروج جملة منالمسائل الاُصولية عن
علم الاُصول، منها البحوث اللفظية التي يبحث فيها عنتعيين المداليل اللغوية أو
العرفية بالظهور الوضعي أو العرفي، فإن تلك البحوثبرغم كونها من البحوث الاُصولية
عندهقدس سره لم تقع كبرى القياس لعمليةالاستنباط،وإنما تقع صغرى لكبرى حجية
الظهور.
وبكلمة، أن المسألة الاُصولية إنما هي حجية الظهور، وهي التي تقع كبرىالقياس دون
نفس الظهور، فإنها لا تقع إلا صغرى القياس في المسألة.
ومنها مسألة الضدّ، فان هذه المسألة لا تقع كبرى القياس في طريق عمليةالاستنباط على
كلا القولين فيها، مع أنها من المسائل الاُصولية عندهقدس سره، وسوفنشير إلى وجه
ذلك في البحوث القادمة.
ومنها مسألة مقدمة الواجب، فانها لا تقع كبرى القياس لإثبات نتيجة فقهيةبرأسها حتى
على القول بالملازمة بين وجوب شي ووجوب مقدمته، لأنوجوب المقدمة في نفسه لا يصلح
أن يكون نتيجة للمسألة الاُصولية، علىأساس أنه وجوب غيري غير قابل للتنجيز أي
استحقاق العقوبة على مخالفتهوالمثوبة على موافقته، ولهذا يكون وجوده كالعدم، وأما
غيره من الأثر الشرعيالذي يصلح أن يكون نتيجة للمسألة الاُصولية، فهو لا يترتب
علىالمسألةمباشرة، وإنما يترتب على مسألة اُخرى كذلك، وهذه المسألة
صغرىلهافيالقياس.
بيان ذلك: أن مقدمة الواجب إذا كانت محرمة، فحينئذٍ إما أن نقول بعدموجوب المقدمة
مطلقاً أو بوجوب خصوص المقدمة الموصلة أو وجوبها مطلقاً.
أما على القول الأول والثاني، فقد يقال كما قيل إن المقام داخل في كبرى بابالتزاحم
لوقوع المزاحمة بين حرمة المقدمة الموصلة ووجوب ذيها(15)، فعلى القولبالترتب، إن
كان الوجوب مساوياً للحرمة، فلا مناص من الإلتزام بالترتب فيكلا الجانبين، بأن
يكون كل من حرمة المقدمة ووجوب ذيها مشروطاً بعدمامتثال الآخر، فالحرمة مشروطة
بترك الواجب والوجوب مشروط بارتكابالحرام، وهذا معنى الترتب بين المتزاحمين من كلا
الجانبين إذا كانامتساويين،وحينئذٍ فيكون الساقط إطلاق خطاب كل منهما دون أصله، وإن
كانالوجوب أهم من الحرمة، كانت الحرمة مشروطةً بترك الواجب دون العكس،وحينئذٍ
فيكون الساقط إطلاقها دون إطلاق الوجوب.
ولكن هذا القول لا أصل له، وذلك لأن المقدمة تقسم إلى قسمين، أحدهماالمقدمة غير
الموصلة والآخر المقدمة الموصلة، وهما حصتان متباينتان، فلاتصدق إحداهما على
الاُخرى، ولا يحتمل أن تكون حرمة المقدمة غير الموصلةمزاحمة لوجوب الواجب وهو
ذوالمقدمة، لعدم التزاحم والتنافي بينهما وتمكنالمكلف من الاتيان بالواجب وترك
الحرام معاً، بل لا ينفك أحدهما عن الآخرخارجاً، لأنه إذا أتى بالواجب وهو
ذوالمقدمة فقد ترك الحرام وهو المقدمة غيرالموصلة، لأن تركها عند الاتيان به حاصل
قهراً ولا يمكن فرض انفكاكه عنه .نعم له أن يترك كليهما معاً، كما أن له أن يترك
الواجب ويرتكب الحرام.
وأما المقدمة الموصلة فلا يمكن فرض التزاحم بين حرمتها ووجوب ذيها، بلبينهما تعارض
وتناف في مقام الجعل، وذلك لأن المقدمة الموصلة حصة خاصةمن المقدمة، وهي الحصة
المقيدة بوجود ذيها وترتبه عليها،ومن الواضح أنه لايمكن جعل الحرمة لهذه الحصة
المقيدة وجعل الوجوب لذيها، ولا يمكن علاجهذا التنافي بالترتب، إذ معنى الترتب هو
أن حرمة المقدمة الموصلة مشروطةبترك الواجب وهو ذوها، فإذا ترك الواجب فقد تحققت
حرمة المقدمة بتحققشرطها، والمفروض أن المكلف إذا ترك الواجب لم تكن المقدمة موصلة
لكيتكون محرمة بالترتب، بل هي غير موصلة، وقد مرّ أنه لا تنافي بين حرمتهاووجوب
ذيها، فلذلك يقع التعارض بين دليل حرمة المقدمة الموصلة ودليلوجوب ذيها، فالمرجع
هو مرجحات باب المعارضة.
وبكلمة، أن جعل الحرمة للمقدمة الموصلة مع جعل الوجوب لذيها يكونلغواً، لأن هذه
الحرمة المجعولة لها لا يمكن أن تكون فعلية، وذلك لأن المكلف إنأتى بالواجب وهو
ذوالمقدمة، فقد سقطت حرمة المقدمة من جهة أهمية ذيها،وإن لم يأت به لم تكن المقدمة
موصلة، وحينئذٍ تنتفي الحرمة بانتقاء موضوعها،فبالنتيجة أن هذه الحرمة لا يمكن أن
تصبح فعلية لا في حال الاتيان بذي المقدمةولا في حال ترك الاتيان به، فمن أجل ذلك
يكون جعلها لغواً صرفاً، وعلى هذافلو دلّ دليل على حرمة المقدمة الموصلة ودل دليل
آخر على وجوب ذيها،فلامحالة تقع المعارضة بينهما للعلم اجمالاً، بأن جعل أحدهما مع
جعلالآخرلغومحض.
لحدّ الآن قد تبين أنه لا شبهة في حرمة المقدمة غير الموصلة، وأما حرمةالمقدمة
الموصلة فهي معارضة بوجوب ذيها، فإذن يقع التعارض بين إطلاقدليل الحرمة وإطلاق
دليل الوجوب، فلابد حينئذٍ من الرجوع إلى مرجحاته.
وأما القول الثالث: وهو وجوب المقدمة مطلقاً، فيقع التعارض بين إطلاقدليل حرمتها
وإطلاق دليل وجوب ذيها، فإن مقتضى إطلاق حرمة المقدمة أنهامحرمة حتى إذا كانت
موصلة، ومقتضى إطلاق وجوب ذيها أنه واجب حتى إذاكانت المقدمة الموصلة محرمة، ومن
الواضح أن جعل هذين الإطلاقين لايمكن،وقد مرّ أنه لا يعقل أن يكون ذلك من باب
التزاحم.
وبكلمة، أنه على هذا القول يقع التعارض بين حرمة المقدمة ووجوبهاالغيري، ولكنه كان
بالعرض لا بالذات، على أساس أنه إنما يعارضحرمةالمقدمة بملاك الوجوب النفسي لذيها،
وإلا فهو في نفسه لا يصلحأنيعارضحرمتها.
ومن هنا يظهر أن التعارض على القول الأول وهو القول بعدم الملازمة بينوجوب شي
ووجوب مقدمته مطلقاً وعلى القول الثاني وهو القول بالملازمةبين وجوب شي ووجوب حصة
خاصة من مقدمته وهي المقدمة الموصلة إنماهو بين وتوب ذي المقدمة وحرمة المقدمة
الموصلة فحسب، وعلى القولالثالث - وهو القول بالملازمة بينهما مطلقاً إنما هو بين
حرمة المقدمة مطلقاً وبينوجوبها الغيري كذلك بالعرض، واما بالأصالة فهو بينها وبين
وجوب ذيها.
وعلى هذا فلابد من الرجوع إلى مرحجات باب المعارضة، فإن كان لأحدهمامرجح كموافقة
الكتاب أو السنة أو مخالفة العامة قدم على الآخر، وإن لم يكنمرجّح في البين، كان
المرجع العام الفوقي ان كان، وإلا فالاصل العملي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الثمرة الفقهية لا تترتبعلى هذه
المسألة بنفسها ومباشرة، وهذايعني أنها لا تكون كبرى قياسالاستنباط، بل هي مترتبة
على قواعد الترجيح في باب المعارضة، فتكون تلكالقواعد هي كبرى القياس، وهذه
المسألة صغرى لتلك الكبرى. فالنتيجة: أنهيترتب على ضوء هذه المحاولة خروج هذه
المسألة وأمثالها عن علم الاُصول،فلذلك لا يمكن دفع الإشكال بها.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره وحاصل هذه المحاولة، أناُصولية
المسألة مرتبطة بدلالتها على الحكم الشرعي بنفسه أو بكيفية تعلقهبموضوعه، وعلى هذا
فيشمل التعريف البحوث اللفظية، سواءاً كان البحث فيهاعن تكوين ظهور اللفظ في الحكم
الشرعي أم كان من كيفية تعلق الحكمبموضوعه، والأول كالبحث عن دلالة صيغة الأمر على
الوجوب وصيغة النهيعلى الحرمة، والثاني كالبحث عن ظهور اللفظ في العموم أو الخصوص
والمطلقأو المقيد ونحو ذلك، أو عن دلالة القضية الشرطية أو الوصفية على المفهوم،
فإنمرد الأول إلى البحث عن كيفية تعلق الحكم بموضوعه، وأنه على العموم أوالخصوص أو
المطلق أو المقيد، ومردّ الثاني إلى أن كيفية تعلقه بموضوعه إنما هيعلى نحو
التعليق والإشتراط(16).
على هذا فلا يشمل التعريف مسائل علم الرجال واللغة، فإن البحث في الأولعن وثاقة
الراوي، وفي الثاني عن وضع اللفظ كلفظ الصعيد مثلاً، وشي منهمالايدل على الحكم
بنفسه ولا على كيفية تعلقة بموضوعه.
ونتيجة هذه المحاولة، أن اُصولية المسألة مرهونة بدلالتها على ثبوت الحكمالشرعي
بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه، وإلاّ فلا تكون المسألة اُصولية.
ولكن هذه المحاولة أيضاً لا تجدي، لأن الطابع المذكور لا يعم جميعالمسائل
الاُصولية.
منها مسألة اقتضاء الامر بشيو النهي عن ضده، فإنها لا تدل على ثبوتحكم شرعي بنفسه
ولا بكيفية تعلقه بموضوعه، فإن مدلولها الملازمة بين الأمربشي والنهي عن ضده، ولكن
النهي بما أنه نهي غيري، فلا يصلح أن يكوننتيجة للمسألة الاُصولية وملاكاً لها،
وأما صحة الضد العبادي، فهي لا تدلعليها، على أساس أنها مترتبة على مسألة اُخرى،
وهي مسألة الترتب كماسوف نشير إليها لا على هذه المسألة، فإنها من احدى مقدماتها
وصغرياتها.
ومنها مسألة مقدمة الواجب، فإنها تدل على ثبوت الملازمة بين وجوب شيووجوب مقدمته،
ولا تدل على ثبوت الحكم الشرعي بنفسه ولا بكيفيةتعلقه بموضوعه.
ومنها الاُصول العملية البحتة من العقلية والشرعية، أما الاُصول العقليةفلأنها لا
تدل على الحكم الشرعي أصلاً لا بنفسه ولا بكيفية تعلقه بموضوعه،وأما الاُصول
الشرعية فإن كانت أصالة البراءة فمفادها التعذير لا اثبات الحكم،وان كانت أصالة
الاحتياط فمفادها التنجيز.
فالنتيجة: أن الاُصول العملية لا تدل على الحكم الشرعي، إلاّ أن يقال أنالمراد من
دلالة المسألة الاُصولية على الحكم أعم من دلالتها على إثبات نفسالحكم أو على
اثباته تعذيراً أو تنجيزاً، وعندئذٍ لا اشكال بالنسبة إلى الاُصولالعملية الشرعية،
وينحصر الإشكال بالاُصول العملية العقلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن هنا إشكالاً آخر على هذه المحاولة، وحاصله أنه إنأريد من
دلالة المسألة الاُصولية على اثبات الحكم بأحد النحوين المذكوريندلالتها على
اثباته مباشرة وبدون واسطة، فيرد عليها أن البحوث اللفظية لاتدل على اثبات الحكم
الشرعي بدون واسطة، وإنما تدلّ عليه بواسطة حجيةتلك الدلالة،لوضوح أن اثبات الحكم
الشرعي الذي هو نتيجة فقهية فيالشبهات الحكمية في المباحث اللفظية، إنما هو مستند
إلى حجية الظواهر لا إلىنفس الظواهر، وان أريد من دلالتها على إثبات الحكم الشرعي
أعم من أنتكون بالمباشرة أو بالواسطة، فحينئذٍ وان كانت البحوث اللفظية من
الاُصولوكذلك الملازمات العقلية، على أساس أن المسائل الاُصولية على هذا، أعم
منأن تقع كبرى القياس بعملية الاستنباط أو صغراها، إلا أنه عندئذٍ تدخل فيالاُصول
مسائل علم الرجال و اللغة ،لانها دخيلة فيعملية الاستنباط صغروية.
فالنتيجة: أن هذه المحاولة لا تعالج المشكلة ولا تتغلّب عليها.
المحاولة الثالثة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره وحاصل ما ذكره أن الاُصول هوالعلم
بالقواعد التي تقع في نفسها في طريق عملية استنباط الحكم الشرعيالكلي، من دون ضم
كبرى أو صغرى اُصولية اُخرى إليها، وبذلك تمتاز المسائلالاُصولية عن غيرها(17).
وقد نوقش على هذه المحاولة بمجموعة من المناقشات:
المناقشة الأولى: أن لازم هذا التعديل في التعريف خروج المباحث اللفظيةجميعاً عن
الاُصول، بلحاظ أنها لا تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها،بلبحاجة إلى ضم كبرى
اُصولية إليها، وهي حجية الظواهر. هذا،
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك بما ملخصه أن حجية الظواهر بما أنهامورد
التسالم عند جميع العقلاء وفي كل الأدوار وطول التاريخ، فمن أجل ذلك لاتكون من
المسائل الاُصولية، بنكتة أن اُصولية المسألة مرهونة بكونها موردالبحث والنظر نفياً
واثباتاً، وأمّا إذا كانت مسلمة لدى الكل بدون الحاجة إلىالبحث والنظر فيها، فلا
تكون من الاُصول، وعلى هذا فلا يوجب ضم حجيةالظواهر إلى البحوث اللفظية الدلالية
خروجها عن المسائل الاُصولية، لأنالميزان فيها أنها لا تحتاج في وقوعها في طريق
عملية الاستنباط إلى ضم كبرى أوصغرى اُصولية اُخرى إليها، وحيث ان حجية الظواهر
ليست من الاُصول،فضمّها إليها ليس من ضم كبرى اُصولية اُخرى(18).
وهذا الجواب غير تام، وذلك لما تقدم مفصلاً من أن اُصولية المسألة مرهونةبنقطة
واحدة، وهي وقوعها في طريق عملية الاستنباط للمسائل الفقهيةالنظرية،بنكتة أن
الأحكام الشرعية الفقهية إذا كانت نظرية، كان اثباتها شرعاًمتوقفاً على عملية
الاجتهاد والاستنباط، وهي عبارة عن تطبيق القواعدالاُصولية على عناصرها الخاصة
لاثبات المسائل الفقهية، ولا فرق في ذلك بينأن تكون تلك القواعد قطعية أو ظنية، بل
لا مانع من أن تكون ضرورية، لأنأصوليتها إنما هي من جهة حاجة الفقه إليها وتفاعله
وترابطه معها في طولالتاريخ ذاتاً، وعدم امكان الانفكاك بينهما مادامت الأحكام
الفقهية نظرية، ومنهنا إذا افترض أن جميع المسائل التي كان الفقه بحاجة إليها في
عملية الاستنباطوالإثبات شرعاً قطعية أو ضرورية، فلا يحتمل خروجها عن علم
الاُصول.فالنتيجة: أن الاُصول كالمنطق، فكما أن حاجة سائر العلوم إليه في
جميعاستدلالاته جعلته أصلاً ومنطقاً إليها، فكذلك حاجة علم الفقه في عملية
اثباتهشرعاً إلى القواعد والمسائل جعلتها أصولاً إليه، فتسمية تلك القواعد
بالاُصولمن جهة حاجة الفقه إليها، ومن المعلوم أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون
تلكالقواعد قطعية أو ضرورية أو ظنية مادام الفقه بحاجة إليها، وإلا ينتفي
الاُصولبانتفاء موضوعه، وقد سبق شرح ذلك بتفصيل أكثر(19) فلاحظ.
هذا إضافة إلى أن مورد التسالم إنما هو حجية الظواهر في الجملة، وأماحجيتها مطلقاً،
فهي مورد الخلاف.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا شبهة في أن حجية الظواهر منالمسائل
الاُصولية.
المناقشة الثانية: أن لازم هذا التعريف خروج الملازمات العقلية عنعلم الاُصول.
منها: مسألة الضدّ، إذ لا يترتب على اقتضاء الأمر بشي للنهي عن ضدهالعبادي إلاّ
حرمته، ولكن الحرمة بما أنها غيرية، فلا تصلح أن تكون نتيجةفقهية، وعلى هذا
فالنتيجة الفقهية في المسألة على القول بالملازمة فساد الضّدالعبادي، وعلى القول
بعدم الملازمة صحته، ولكن اثبات الأول يتوقف على ضمكبرى اُصولية وهي الملازمة بين
حرمة العبادة وفسادها، واثبات الثاني يتوقفعلى الإلتزام بكبرى مسألة الترتب.
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك، بأنه يكفي في اُصولية المسألة ترتبالنتيجة
الفقهية على أحد طرفيها، ولا يلزم ترتبها على كلا طرفيها معاً، وصحةالعبادة في
المسألة مترتبة على القول بعدم الملازمة فيها، وهذا كاف في صيرورةهذه المسألة
اُصولية(20).
وللمناقشة في هذا الجواب مجال، وتقريب المناقشة:
أولاً: أن صحة العبادة لا يمكن أن تترتب على القول بعدم الإقتضاء في المسألةمباشرة،
بل هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى، وهي مسألة الترتب، وهذهالمسألة من
صغرياتها، وهذا لا من جهة أن صحة العبادة متوقفة على الأمر،وحيث انه لا أمر في
المقام من جهة استحالة الأمر بالضدّين معاً في آنٍ واحد، فلايمكن الحكم بالصحة، بل
من جهة أن الأمر إذا سقط عن العبادة في مورد، فكمايحتمل أن يكون سقوطه من جهة وجود
المانع مع ثبوت المقتضي والملاك له،يحتمل أن يكون من جهة عدم المقتضي والملاك له،
وبالتالي لا نحرز وجود الملاكفيها لكي يكون مصححاً للاتيان بها والتقرب، والمفروض
أن صحة العبادةمتوقفة على احراز أحد أمرين إما ثبوت الأمر بها أو احراز الملاك
فيها، وكلاالأمرين غير محرز في المقام. أما الأول فلأستحالة الأمر بالضدينو وأما
الثانيفلا طريق لنا إلى احرازه، فلذلك لا يمكن الحكم بصحتها إلا على أساس
القولبالأمر الترتبي.
فالنتيجة: أن صحة العبادة لا تترتب على القول بعدم الملازمة في المسألةمباشرة حتى
تكفي لصيرورتها مسألة اُصولية، بل هي مترتبة على كبرى مسألةالترتب، وهذه المسألة
صغرى لهذه الكبرى، ومن هنا لو قلنا بعدم امكان الترتبواستحالته فلا يمكن الحكم
بصحة العبادة، إلا بناءاً على امكان استكشاف الملاكبعد سقوط الأمر في موارد
التزاحم.
وثانياً أن فساد الضد العبادي لا يترتب على القول بالإقتضاء مباشرة، وذلكلأن النهي
عن الضد حيث إنه نهى غيري ولا يقبل التنجيز، فلا يصلح أن ينقح بهصغرى مسألة اقتضاء
النهي عن العبادة لفسادها، فإن صغرى هذا النهي، النهيالنفسي فحسب دون الأعم منه
ومن الغيري.
وبكلمة، إن النهي الغيري المتعلق بالعبادة لو كان صالحاً للتنجيز، كانمقتضياً
لفسادها بنفسه، فعندئذٍ نفس هذا النهي الغيري ثمرة للمسألة ولا تتوقفأصوليتها على
ثمرة اُخرى، وأما إذا لم يكن صالحاً للتنجيز كما هو كذلك، فلايقتضي فساد العبادة،
فإذن لا محالة يكون فسادها مرتبطاً بمسألة اُخرى،وهيعدم الأمر بها من جهة استحالة
الأمر بالضدين من ناحية، وعدم امكاناحراز اشتمالها على الملاك في هذه الحالة من
ناحية اُخرى، والمفروض كماعرفتأن صحة العبادة متوقفة على توفر أحد هذين الأمرين
فيها، وإلافلايمكن الحكم بصحتها.
وثالثاً أن المسألة على القول بالإقتضاء، هل تنقح صغرى باب التعارض أوتنقح صغرى باب
التزاحم، فيه قولان:
المعروف والمشهور بين الاُصوليين القول الأول، بدعوى وقوع التعارض بينالنهي الغيري
المتعلق بالعبادة )الضد( والأمر النفسي بها، فيسقط الأمر حينئذٍمن جهة المعارضة،
ولا يمكن اثباته بالترتب، لأن مورده وموضوعه بابالتزاحم دون التعارض.
ولكن الصحيح هو القول الثاني، وذلك لأن النهي الغيري المتعلق بالعبادة)الضد( لا
ينافي الأمر النفسي المتعلق بها لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلةالامتثال، أمّا في
الأولى فلأن النهي الغيري ناشىء عن الملاك في متعلق الأمرالأول، وهو الأمر بالشيء
المقتضي للنهي عن ضده العبادي لا عن الملاك فيمتعلقه، فلا ينافي الأمر بالضد
العبادي في مرحلة المبادي، وأما في الثانية فلأنالنهي الغيري بما أنه لا يصلح
للتنجيز، فلا يقتضي وجوب موافقته لكي ينافيالأمر النفسي في اقتضاء الامتثال في هذه
المرحلة.
وعلى هذا فمنشأ التعارض بين النهي الغيري بالعبادة )الضد( والأمر بها، إنماهو
التزاحم بين الأمر بالشي والأمر بضده العبادي، وحيث أن التعارض المذكوربينهما
بالعرض، فلابد من علاج التزاحم، وبعلاجه يعالج التعارض أيضاًبالتبع،باعتبار أنه
تابع له، وحينئذٍ فإن كان الأمر الأول أهم من الأمر الثاني وهوالأمر بالعبادة
)الضد( قدم عليه، ولكن هذا التقديم على القول بامكان الترتبإنما هو على إطلاقه،
وهذا يعني أن إطلاق الأمر بالمهم مقيد بعدم الإشتغالبالأهم،فإذا اشتغل به كان
المرفوع إطلاق الأمر بالمهم لا أصله، وأما إذا لميشتغل به عصياناً فلا مانع من
تحققه بتحقق شرطه بالترتب على القول به،ومعناه أنه لا يلزم من فعلية كلا الأمرين
)الأهم والمهم( في هذه الحالة في آنٍواحد محذور طلب الجمع بين الضدين، فلهذا لا
يكون الأمر بالأهم مانعاً عنالأمر بالمهم، فإذا لم يكن الأمر بالأهم مانعاً عنه،
فكيف يكون النهي الغيريالذي هو تابع له مانعاً عنه، أو فقل أن ملاك النهي الغيري
القائم بالواجب الأهمإذا لم يكن مانعاً عنه، فكيف يكون نفس النهي الغيري مانعاً مع
أنه في نفسه لاأثر ولا قيمة له، ولهذا لا ينافي الأمر النفسي كما عرفت لا في المبدء
ولا في المنتهىبقطع النظر عن متبوعه، فإن المنافي له إنما هو متبوعه، حيث أنه
ينافي الأمربالعبادة )الضد( في مرحلة الامتثال.
فالنتيجة: أنه على القول بالترتب فالعبادة محكومة بالصحة في المسألة علىكلا
القولين، وأما بناءاً على القول بعدم إمكان الترتب، فلابد من الإلتزام بفسادالعبادة
في المسألة على كلا القولين، لما مرّ من أن صحة العبادة متوقفة على توفرأحد أمرين
فيها، إما الامر بهااو الملاك فيها، أما الأول فهو ساقط في المقام علىالفرض، وأما
الثاني فلا طريق إلى احرازه.
فالنتيجة: أنه لا فرق بين القولين في المسألة، فعلى القول بامكان الترتبفالعبادة
محكومة بالصحة حتى على القول بالاقتضاء، وعلى القول بعدم إمكانهفالعبادة محكومة
بالفساد حتى على القول بعدم الاقتضاء، وبالتالي لا تظهرالثمرةبين القولين.
وبذلك يظهر أن جواب السيد الاُستاذقدس سره عن الإشكال لا يعالج مشكلةخروج هذه
المسألة عن علم الاُصول،
ومنها مسألة اجتماعالأمر والنهي،فإن هذهالمسألة لاتقع فيطريق عمليةالاستنباط
بنفسها مباشرة بدون ضم مسألة اُصولية اُخرى على كلاالقولين فيها.
أما على القول بالإمتناع ووحدة المجمع، فلأن المسألة تدخل في كبرى مسألةالتعارض
والمرجع فيها مرجحات بابها، ومن الواضح أن النتيجة الفقهية لاتترتب على المسألة على
القول بالإمتناع بنفسها بدون ضم مسألة اُصولية اُخرىوهي مرجحات باب المعارضة،
وحينئذٍ فإن كان الترجيح لدليل الوجوب، قدمعلى دليل الحرمة، وإن كان العكس
فبالعكس، وإلا فيسقطان معاً، ويكونالمرجع العام الفوقي إن كان، وإلا فالأصل
العملي.
وأما على القول بالجواز وتعدد المجمع، فلأن المسألة تدخل في كبرى مسألةالتزاحم،
وحينئذٍ فلابد من الرجوع إلى مرجحات بابها، فإن كان الوجوب أهمأو محتمل الأهمية
قدم على الحرمة، وإن كان العكس فبالعكس، وإلا فالمكلفمخير بينهما، وعلى هذا فصحة
الواجب في مورد الإجتماع لا تترتب على المسألةعلى القول بالجواز بنفسها، بل هي
مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى وهيمسألة مرجحات باب التزاحم أو مسألة الترتب.
فالنتيجة: أن الثمرة الفقهية لا تترتب على هذه المسألة بنفسها ومباشرة بدونضم
مسألة اُصولية اُخرى إليها، لا على القول بالإمتناع ولا على القول بالجواز.
وأما ما حاوله السيد الاُستاذقدس سره من أنه يكفي في اُصولية المسألة وقوعها
فيطريق عملية الاستنباط بنفسها ولو بأحد طرفيها، وحيث أن صحة العبادة فيالمقام
مترتبة على هذه المسألة بنفسها على القول بالجواز، فيكفي ذلك فيأصوليتها(21) فهو
لا يتم.
اما أولاً: فلما عرفت من أن صحة العبادة في مورد الإجتماع على القولبالجواز مترتبة
إما على مرجحات باب التزاحم أي تقديم الوجوب على الحرمةللأهمية أو احتمالها، أو على
مسألة الترتب، لا على المسألة بنفسها بدون ضممسألة اُصولية اُخرى.
وثانياً: لو كانت الصحة مترتبة على المسألة على القول بالجواز بنفسها بدونحاجة إلى
ضم مسألة اُصولية اُخرى، لكان ذلك من باب التطبيق أي تطبيقالطبيعي المأمور به على
فرده وحصته في الخارج، وليست من بابالاستنباط،فإذن لا تكون المسألة اُصولية من هذه
الجهة.
والخلاصة: أن محاولة السيد الاُستاذقدس سره للتغلب على مشكلة خروج هذهالمسألة عن
الاُصول غير تامة.
ومنها: مسألة مقدمة الواجب، بتقريب أن وجوب المقدمة على القولبالملازمة وإن كان
مترتباً عليها مباشرة، ولكن بما أن وجوبها وجوب غيريوهو غير قابل للتنجيز، فلا
يصلح أن يكون ثمرة فقهية لها ومصححاًلأصوليتها،وعلى هذا فلا تترتب عليها نتيجة
فقهية بنفسها بدون ضم مسألةاُصولية اُخرى لكي تكون المسألة اُصولية.
وقد حاول السيد الاُستاذقدس سره للخروج عن هذه المشكلة بالتقريب التالي:وهو أن لهذه
المسألة ثمرة فقهية مهمة مترتبة عليها بنفسها وذكرها في موردين:
أحدهما: ما إذا كان الواجب مقدمة للحرام بنحو العلة التامة، وحينئذٍ فعلىالقول
بعدم الملازمة يقع التزاحم بين الواجب والحرام، ولابد من الرجوع وقتئذٍإلى مرجحات
بابه، وأما على القول بالملازمة، فيقع التعارض بينهما، بتقريب أندليل الحرمة يدل
بالدلالة الإلتزامية على حرمة الواجب، ودليل الوجوب يدلبالدلالة المطابقية على
وجوبه، ولا يمكن اجتماعهما في شي واحد.
ثانيهما: ما إذا كان الحرام مقدمة للواجب، وعندئذٍ فعلى القول بعدم ثبوتالملازمة،
تقع المزاحمة بين الواجب والحرام، فلابد حينئذٍ من علاج التزاحمبينهما بالرجوع إلى
مرجحات بابه، وعلى القول بثبوت الملازمة بينهما، فعندئذٍ إنقلنا بأن الواجب من
المقدّمة حصة خاصة منها وهي الحصة الموصلة، فقدسقطت الحرمة عن هذه الحصة فحسب دون
غيرها، وإن قلنا بأن الواجبمطلق المقدمة، سقطت الحرمة عنها مطلقاً وإن لم تكن
موصلة، وهذه ثمرة فقهيةتظهر بين القولين في المسألة وتكفي في أصوليتها ودخولها في
التعريف(22).
وغير خفي أن هذه المحاولة أيضاً لا تجدي في التغلب على مشكلة خروج هذهالمسألة عن
علم الاُصول، وذلك لأن هاتين الثمرتين لا تترتبان على هذه المسألةبنفسها من دون ضم
مسألة اُصولية اُخرى.
أما الثمرة الأولى فلأنها مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى دون هذهالمسألة،وهي
الرجوع إلى مرجحات باب التعارض، وتقديم أحدهما على الآخربموافقة الكتاب أو السنة أو
مخالفة العامة إن كانت، وإلا فالعمل بالعامالفوقي،وإن لم يكن فالأصل العملي، ولا
فرق في ذلك بين القولين في المسألة، اماعلى القول بالملازمة فهو ظاهر كما تقدم، اما
على القول بعدم الملازمة فعلىأساس أنه لا يمكن جعل الخطاب الوجوبي والخطاب
التحريمي معاً لكل منالمقدمة وذيها، لأنه تكليف بغير مقدور، فإن الواجب إذا كان
علة تامة لوجودالحرام في الخارج، فلا محالة يقع التعارض بين وجوب الأول وحرمة
الثاني، ولايمكن أن يكون ذلك داخلاً في باب التزاحم بينهما، وذلك لأن خروج
بابالتزاحم عن باب التعارض منوط بإمكان التقييد العام اللبي لكل خطاب
بعدمالإشتغال بما لا يقل عنه في الأهمية وهو في المقام غير متصور، وذلك لأنه لا
يمكنتقييد الخطاب التحريمي في المقام بعدم الإشتغال بالواجب لأنه لغو، على أساسأن
عدم الإشتغال به ملازم لترك الحرام قهراً، بملاك أن ترك العلة ملازم لتركالمعلول،
فإذن كيف يمكن تقييد حرمته بهذه الحالة، فإن مرد هذا التقييد إلى تقييدحرمة الحرام
بتركه، كما لا يمكن تقييد الخطاب الوجوبي منه بممارسة الحراموارتكابه لأنه لغو
محض، فإن ممارسة الحرام وارتكابه لا يمكن بدون إيجادالواجب والإتيان به في المقام،
باعتبار أنه علة للحرام، فإذن يكون مرد هذاالتقييد إلى تقييد وجوب الواجب بايجاده
وهو كماترى.
فالنتيجة: أنه لا يمكن أن تكون حرمة الحرام مترتبة على عصيان الواجب،كما لا يمكن أن
يكون وجوب الواجب مترتباً على عصيان الحرام، فإذن لامناص من الإلتزام بدخول المقام
في باب التعارض.
وبكلمة، أن هذه الثمرة لا تترتب على هذه المسألة بنفسها ومباشرةً من دونضم مسألة
اُصولية اُخرى، بل هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى وهيقواعد باب المعارضة هذا
من ناحية.
ومن ناحية اُخرى ان ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل بين القولين
فيالمسألة وإنها على القول بالملازمة داخلة في باب التعارض، وعلى القول
بعدمالملازمة داخلة في باب التزاحم لا يتم، لما مرّ من أنها داخلة في باب
التعارضعلى كلا القولين فيها.
وأما الثمرة الثانية فقد تقدم الكلام فيها(23)، وقلنا أن الحرام إذا كان
مقدمةللواجب، فالمسألة داخلة في باب التعارض دون التزاحم على تفصيل تقدمهناك، وعلى
كلا التقديرين، فالثمرة الفقهية لا تترتب على المسألة بنفسها، بلهي مترتبة على
مسألة اُصولية اُخرى، وهي قواعد باب التزاحم أو التعارض.
المناقشة الثالثة : على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره وحاصل هذه المناقشة أنهإن
أريد من عدم احتياجها إلى كبرى اُصولية اُخرى عدم الإحتياج طولاً أيكبرى اُصولية
فوقها، فيرد عليه أن هذا رجوع إلى ما ذكره المحقق النائينيقدس سره منالمحاولة
وليس محاولة جديدة وهذا خلف.
وإن أريد من ذلك عدم احتياجها إليها ولو عرضاً، فيرد عليه أن لازم ذلكخروج كثير من
المسائل الاُصولية عن علم الاُصول، فإن موارد احتياج بعضهاإلى بعض في عملية استنباط
الحكم الشرعي كثيرة، على أساس أن اعتماد الفقيهفي مجال الاستنباط في معظم أبواب
الفقه على الروايات غير قطعية السندوالدلالة، ومن الطبيعي أن استفادة الأحكام
الشرعية من تلك الروايات تتوقفعلى ضم مسألة اُصولية إلى مسألة اُصولية اُخرى، كضمّ
حجية السند إلى حجيةالدلالة وهكذا، ولا يمكن استفادتها من احداهما بنفسها بدون حاجة
إلى ضمالأخرى إليها(24). نعم إذا كانت الرواية قطعية سنداً، كانت استفادة الحكم
منهامتوقفة على حجيتها دلالة فقط بدون حاجة إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى، وإذاكانت
قطعية دلالة فحسب، كان الأمر بالعكس، ومن هنا لا تتوقف استفادةالحكم من الكتاب
العزيز على ضمّ مسألة اُصولية اُخرى إليه، بل تتوقف علىحجية دلالته في نفسها بدون
حاجة إلى ضم كبرى اُصولية. هذا،
ولكن بإمكان السيد الاُستاذقدس سره التغلب على هذه المناقشة، بتقريب أنهامبنية على
نقطة، وهي أن سند الرواية حجة مستقلة غير مشروطة بحجيةدلالتها، بأن تكون هناك
حجتان: إحداهما حجية السند، والأخرى حجيةالدلالة، وحينئذٍ فلا يمكن استفادة الحكم
من احداهما بدون ضمّ الأخرى، إلا أنهذه النقطة خاطئة وغير مطابقة للواقع، لأن
التحقيق في المسألة هو أن حجيةكل من سند الرواية ودلالتها ثابتة بجعل واحد، بمعنى
أن المجعول في الواقع حجيةواحدة لمجموع من السند والدلالة بنحو الإرتباط، فإذا دل
دليل على حجية خبرالثقة مثلاً، كان مفاده جعل حجية لمجموع من السند والدلالة بنحو
الإرتباط،ولا يمكن أن يكون مفاده حجية سنده مستقلاً بدون أن يكون ناظراً إلى
ثبوتمدلوله، لأنه لغو صرف، وعلى هذا فليست هنا مسئلتان أصوليتان إحداهماحجية سند
الرواية، والأخرى حجية دلالتها، بل مسألة اُصولية واحدة، وهيحجية مجموع من السند
والدلالة بنحو الإرتباط، والمفروض أنها ليست بحاجةفي وقوعها في طريق عملية
الاستنباط إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى لا في طولهاولا في عرضها، فإذن لا موضوع لهذه
المناقشة في المقام.
وبكلمة، كما أنه لا مجال للمناقشة المذكورة، فيما إذا فرض أن الرواية قطعيةمن ناحية
السند أو الدلالة وغير قطعية من الناحية الأخرى، فإن وقوعها منتلك الناحية في طريق
عملية الاستنباط لا يتوقف على ضم مسألة اُصوليةاُخرى لا طولاً ولا عرضاً، كما هو
الحال في الكتاب،وكذلك لا مجال لها فيما إذاكانت الرواية غير قطعية بحسب السند
والدلالة، على أساس ما عرفت من أنالحجية مجعولة لهما معاً بجعل واحد بنحو
الإرتباط، فلا يكون المجعول هناحجتين مستقلتين احداهما للسند والأخرى للدلالة.
فالنتيجة: أن هذه المناقشة غير تامة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه قد يفسر محاولة السيد الاُستاذقدس سره بتفسير آخرللتخلص من تلك
المناقشة، وهو أن مرادهقدس سره من عدم الحاجة إلى مسألةاُصولية اُخرى من كبرى أو
صغرى عدم الحاجة في الجملة، بأن تكون اُصوليةالمسألة مرهونة باستغنائها عن غيرها من
المسائل الاُصولية ولو في مورد واحد،وعلى هذا فلايرد عليه الإشكال بمثل حجية خبر
الواحد، فإنه يكفي في اُصوليةهذه المسألة وقوعها في طريق عملية الاستنباط، مستغنية
عن غيرها منالمسائل الاُصولية ولو في مورد واحد،و هو ما إذا كان الخبر قطعياً من
ناحيةالسند أو الدلالة، فإنه في هذه الحالة يقع في طريق هذه العملية بدون حاجة
إلىضم مسألة اُصولية اُخرى.
وبكلمة، أن الميزان في اُصولية المسألة، امكان وقوعها في طريق عمليةالاستنباط
بنفسها بدون حاجة إلى أي ضميمة لا فعلاً ودائماً.
ولكن قد نوقش في هذا التفسير بأمرين:
الأول : أن لازم ذلك دخول مجموعة من مسائل سائر العلوم في الاُصول،وذلك لأن كل
مسألة إذا أمكن وقوعها في طريق عملية الاستنباط ولو في موردواحد بنفسها وبدون حاجة
إلى ضميمة لكانت من الاُصول، وعليه فإذا فرضأنه وردت كلمة )الناصة( في رواية،
قطعية سنداً ودلالة ما عدا دلالة هذهالكلمة، وعلى هذا فأستنباط الحكم الشرعي من
هذه الرواية يتوقف على تحديدمدلول هذه الكلمة سعة وضيقاً بنفسها بدون حاجة إلى ضم
غيرها، باعتبار أنهاقطعية، ولازم هذا أن يكون البحث عن مدلولها بحثاً أصولياً، على
أساس توفرالطابع الاُصولي فيها وهو استغناؤها عن غيرها في عملية الاستنباط ولو
فيمورد واحد. ومن هذا القبيل كلمة )الصعيد( الواردة في الآية الشريفة، التي
هيقطعيّة السند، فإن استنباط الحكم الشرعي - وهو جواز التيمم بمطلق وجهالأرض أو
خصوص التراب الخالص - لم يكن بحاجة إلى شي ما عدا تحديدمدلولها سعة وضيقاً.
وإن شئت قلت أن الآية الشريفة قطعية من ناحية السند، فإذا فرض أنهاقطعية من ناحية
الدلالة أيضاً ما عدا دلالة هذه الكلمة )الصعيد(، فبطبيعةالحال لم يكن استنباط
الحكم الشرعي من الآية حينئذٍ بحاجة إلى أي ضميمةغير تحديد مدلولها سعة وضيقاً،
ولازم هذا أن يكون البحث عنهابحثا أصولياًبموجب هذا التفسير(25).
ولنا تعليق على هذا الإشكال وتقريبه، أن الآية الشريفة تدل على وجوبالتيمم بالصعيد
عند عدم وجدان الماء، وأما جوازه بمطلق وجه الأرض فهويتوقف على تحديد مدلول هذه
الكلمة )الصعيد( سعة وضيقاً، وحينئذٍ فإن ثبتأن مدلولها مطلق وجه الأرض جاز التيمم
به، وإن ثبت أن مدلولها خصوصالتراب الخالص، فحينئذٍ وإن وجب الإقتصار عليه إلا أنه
ليس من جهة ثبوتمدلولها، بل من جهة أن كفاية التيمم به أمر متيقن كانت كلمة الصعيد
ظاهرة فيهأم لا، وأما على الأول وهو ما إذا ثبت ظهورها في مطلق وجه الأرض،
فحينئذٍوإن كانت الآية الشريفة تدل على جواز التيمم بمطلق وجه الأرض، إلا أن
هذهالدلالة هي الموضوع للمسألة الاُصولية وهي الحجية، لا دلالة هذه الكلمةفحسب،
فإنها مندكّة في دلالة الآية ومنضمة إليها، وليست دلالة مستقلة فيمقابلها،
فالدلالة النهائية المستقلة هي دلالة الآية واكتسابها صفةالظنية بلحاظظنية دلالة
هذه الكلمة بأعتبار أن النتيجة تابعة لأخسّ المقدمتين، فتحصلأنتحديد دلالة كلمة
)الصعيد( ينقح صغرى للمسألةالاُصولية لا أنهمسألة أصولية.
وبكلمة، أن الآية الشريفة وإن قلنا بأنها ناصة في وجوب التيمم في الجملة،إلاّ أنها
ظاهرة في جواز التيمم بمطلق وجه الأرض، على أساس ظهور كلمة)صعيد( فيه، باعتبار أن
ظهور الآية في الإطلاق مرتبط بظهور هذه الكلمةفيالمعنى المطلق.
والثاني: أن التعريف على أساس هذا التفسير لا يكون جامعاً لتمام أفراده،فان جملة من
البحوث اللفظية بحاجة دائما في وقوعها في طريق عملية الاستنباطالى ضم كبرى اُصولية
إليها، وذلك كمباحث العام والخاص والمطلق والمقيدوالمفهوم والمنطوق،فإن هذه المباحث
تنتج صغرى كبريات أبواب الجمعالعرفي، كتعيين الخاص في مقابل العام والمقيد في
مقابل المطلق والمنطوق في مقابلالمفهوم وهكذا،ومن الواضح أن استفادة الحكم من
العام والخاص لا يمكن بدونضم كبرى قواعد باب الجمع العرفي إليهما، وهي تقديم الخاص
على العام بملاكالقرينية، وكذلك المطلق والمقيد(26).
وبكلمة، أنه على الرغم من أن هذه البحوث بحوث اُصولية، فمع ذلك لاتصلح أن تقع في
طريق عملية الاستنباط بنفسها من دون ضم كبرى اُصوليةاُخرى إليها ولو في مورد واحد،
وعليه فلا يتوفر في تلك البحوث الطابعالاُصولي وهو امكان وقوعها فيه بدون ضميمة.
فإذا وقع التعارض بين العاموالخاص أو المطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم وهكذا، فلا
يمكن استفادة الحكممنهما بنفسهما،بل تتوقف إما على ضمّ قواعد الجمع العرفي إليهما
بتطبيق الأقوىمنهما على الأضعف، أو على ضمّ قواعد باب التعارض، وعلى كلا
التقديرينفهذه البحوث لا تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها بدون ضم كبرى
اُصوليةاُخرى إليها أصلاً ولو في مورد واحد، فالنتيجة: أن هذا الإشكال وارد
علىالتعريف المذكور.
ولكن قد يدفع هذا الإشكال عن السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن قواعد الجمعالعرفي
حيث أنها مورد التسالم عند الجميع كحجية أصل الظهور، فلا تكون منالاُصول، وعليه
فحاجة تلك البحوث إلى ضم هذه القواعد إليها في استفادةالحكم واستنباطه لا تضر بطابع
اُصوليتها، فإن المضر به إنما هو ضم كبرىاُصولية اُخرى إليها، والمفروض أن القواعد
المذكورة ليست من الاُصول لكييضر ضمها إليها وتوجب خروجها عن علم الاُصول(27).
وغير خفي أن هذا الدفع ليس بشيء.
أما أولاً: فلان قواعد الجمع العرفي ليست من القواعد المسلمة لدى الجميع،فإن جماعة
من الأخباريين ذهبوا إلى أن موارد الجمع العرفي كالعام و الخاصوالمطلق والمقيد
والظاهر والأظهر وهكذا، مشمولة للأخبار العلاجية الآمرةبتطبيق قواعد باب التعارض
عليها، بل قد تأمل في ذلك المحقق الخراسانيقدس سرهبإبداء احتمال شمول الأخبار
العلاجية لموارد الجمع العرفي(28)، فإذن ليس الرجوعإلى تلك القواعد من الأمر
المسلم عند الكل ومورد الإتفاق، كما أن مسألة حجيةالظواهر ليست كذلك، فإن المسلم هو
حجيتها في الجملة، وأما سعتهافهيموردالبحث والنظر نفياً واثباتاً، ولهذا انكر
جماعة من الأخباريينحجيةظواهر الكتاب.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أنها مورد التسالم، إلا أنه قد تقدم أناُصولية
المسألة لا تكون مرهونة بوجود الخلاف فيها، ولهذا قلنا هناك موسعاًأنه لا مانع من
كون المسألة الاُصولية قطعية بل ضرورية، إذا كانت المسألةالفقهية نظرية وبحاجة إلى
الإثبات(29).
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى: أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من المحاولة لتعديل التعريف
بإضافةقيد الكبروية فيه، وإن نجحت في إخراج علم الرجال واللغة ونحوهما عنالاُصول،
إلا أنها أدّت إلى محذور آخر وهو خروج جملة من المسائل الاُصوليةعن علم الاُصول،
منها البحوث اللفظية بكافة أصنافها ومنها الملازمات العقليةعلى ما تقدم.
الثانية: أن ما أفاده المحقق العراقيقدس سره من الضابط العام لاُصولية المسألة
غيرتام، لما قد مرّ من عدم انطباق هذا الضابط على جملة من المسائلالاُصولية،كمباحث
الملازمات العقلية ومباحث الاُصول العملية البحتة.
الثالثة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من المحاولة لتعديل التعريف بإضافة
قيدبنفسها من دون ضم كبرى أو صغرى اُصولية اُخرى، لا يتم ولا يوجب جامعيةالتعريف،
حيث أن لازم اشتماله على هذا القيد خروج مجموعة كبيرة من المسائلالاُصولية عنه،
منها البحوث اللفظية، فإنها لا تقع في طريق عملية الاستنباطبنفسها بدون ضم كبرى
اُصولية اُخرى إليها، وهي حجية الظواهر.
نعم لا يرد عليه هذا الإشكال من وجهة نظرهقدس سره من أن حجية الظواهر ليستمن
المسائل الاُصولية، على أساس أنها مرهونة بوجود الخلاف فيها.
ولكن قد تقدم موسعاً أن هذه النظرية غير تامة ولا تبتني على نكتة مبررةلذلك،ومن هنا
قلنا أنه لا فرق في اُصولية المسألة بين كونها ظنية أو قطعية بلضرورية، لأن
الميزان الوحيد لاُصوليتها احتياج الفقه إليها وارتباطه بها وعدمامكان استفادته
بدونها.
ومنها مباحث الملازمات العقلية، فإنها بصياغتها المطروحة لا تقع في طريقعملية
الاستنباط بدون ضم كبرى اُصولية اُخرى إليها، وقد مر تفصيل ذلك.
الرابعة: أن ما اُورد على محاولة السيد الاُستاذقدس سره من أنه إن اُريد
بعدمالإحتياج عدم احتياجها إلى مسألة اُصولية اُخرى طولاً، فهذا رجوع إلىالمحاولة
الأولى، وإن أريد به عدم احتياجها إليها ولو عرضا، لزم من ذلك خروجكثير من المسائل
الاُصولية عن علم الاُصول، كالروايات غير قطعية السندوالدلالة، فإن استنباط الحكم
الشرعي منها لا يمكن بدون ضم مسألة اُصوليةإلى مسألة اُصولية اُخرى، كضم حجية السند
إلى حجية الدلالة أو الجهة لايتم،لما تقدم من أن الإيراد مبني على أن حجية كل من
السند والدلالة مجعولةبجعل مستقل من دون أن ترتبط احداهما بالأخرى.
ولكن قد مر سابقاً أن هذا المبنى خاطئ، والصحيح في هذا الفرض أن المجعولحجية واحدة
لمجموع من السند والدلالة بجعل واحد بنحو الإرتباط لا حجتانمستقلتان، وعلى هذا
فالرواية بحجية مجموع سندها ودلالتها مسألة اُصوليةواحدة، لا أنها على أساس حجية
سندها مسألة وعلى أساس حجية دلالتهامسألة اُخرى، فإذن تصلح أن تقع في طريق عملية
الاستنباط بنفسها بدون ضمكبرى اُصولية لا طولاً ولا عرضاً.
الخامسة: قد يفسر محاولة السيد الاُستاذقدس سره بأن مراده من عدم الإحتياج،عدم
الإحتياج في الجملة ولو في مورد واحد، وأورد على هذا التفسير بوجهين:
الأول: أن التعريف على ضوء هذا التفسير يشمل بعض المسائل غيرالاُصولية التي قد يتفق
بشأنها الإستغناء عن غيرها في وقوعها في طريق استفادةالحكم في الجملة ولو في مورد
واحد، فإن ذلك يكفي في اُصولية المسألة علىأساس هذا التفسير ولكن قد تقدم مفصلاً
أن هذا الإشكال غير وارد.
الثاني:أن جملة من البحوث اللفظية كمبحث العام و الخاص والمطلق والمقيدونحوهما لا
يمكن أن تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها بدون ضم كبرىاُصولية اُخرى وهي قواعد
الجمع العرفي، حيث أنها بحاجة إليها دائماً في استفادةالحكم الشرعي منها.
وهذا الإشكال وارد، لأن الميزان في اُصولية المسألة على ضوء هذا التفسيرإمكان
وقوعها في طريق عملية الاستنباط بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرىاُصولية اُخرى
إليها، والمفروض أن تلك البحوث بحاجة إلى ضم الكبرى دائماً،ولا يمكن وقوعها في طريق
العملية بدون الضم.
السادسة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن قواعد الجمع العرفي بما أنهامورد
التسالم، فلا تكون من المسائل الاُصولية، فقد مر أنه غير تام، امّا أولاًفلأنها
ليست مورد التسالم عند الكل، وثانياً ما تقدم من أن اُصولية المسألة غيرمرهونة
بذلك، ومن هنا قلنا سابقاً أنه لا فرق بين كونها مورد التسالم أو لا.
السابعة: قد تحصل من ذلك كله أن التعريف المشهور التقليدي غير تام فلايكون جامعاً
ولا مانعاً كما مرّ.
إلى هنا قد تبين اجمالاً أن المسائل الاُصولية ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: العمومية والإشتراك في نفسها.
الثانية: الإستدلالية للتفكير الفقهي مباشرة، ومن هنا قلنا أن الفقه قد وضعلتطبيق
المسائل الاُصولية العامة على مصاديقها الخاصة لاستنباط الأحكامالفقهية الشرعية.
وعلى هذا فالصحيح في تعريف الاُصول أن يقال إنه العلم بالقواعد العامةالتي يستعملها
الفقيه كدليل مباشر على الجعل الشرعي الكلي. وهذاالتعريف جامع ومانع.
أما الأول فلأن المسائل الاُصولية على أساس هذا التعريف، فقد مثلت أدلةعلى الأحكام
الفقهية وإثباتها مباشرة، وعلى ضوء ذلك فالبحوث اللفظية بكافةألوانها تنفتح صغرى
لمسألة اُصولية، وهي حجية الظواهر، حيث أنها دليل علىاثبات الحكم الفقهي مباشرة.
ومن هذا القبيل بحوث الملازمات العقلية، فإنهاتنقح صغريات المسائل الاُصولية،
كمسألة الترتب وقواعد باب التزاحموقواعد باب التعارض.
والخلاصة: أن كل مسألة تمثلت دليلاً مباشراً على الجعل الشرعي الكليفهي من
الاُصول.
وبذلك تخرج القواعد الفقهية العامة في نفسها عن التعريف، فإنها وإن تمثلتدليلاً
مباشراً ولكنها تمثلت دليلاً كذلك على اثبات الحصة من القاعدة المجعولةبنفس جعلها
لا بجعل آخر، بينما القواعد الاُصولية تمثلت دليلاً مباشراً علىالجعل، ومن هنا
تختص القواعد الفقهية بالشبهات الموضوعية.
وأما الثاني: فلأن اشتمال التعريف على طابع العموم والإشتراك في نفسه يمنععن دخول
كثير من المسائل غير الاُصولية فيه كمجموعة كبيرة من المسائلالفقهية، ومنها مسائل
علم اللغة ونحوها.
وأما اشتماله على الطابع الإستدلالي للفقه خاصة، فيمنع عن دخول جملة منالعلوم فيه،
منها علم المنطق، فإن مسائله وإن كانت ذات طابع استدلالي، إلاأنها ليست للتفكير
الفقهي خاصة، بل للتفكير العام البشري، بينما المسائلالاُصولية مسائل استدلالية
للتفكير الفقهي فقط، وبذلك تمتاز المسائل الاُصوليةعن المسائل المنطقية.
ومنها علم النحو والصرف وعلم الرجال ونحوها، فإن مسائلها وإن كانتذات طابع
استدلالي إلا أنها ليست للتفكير الفقهي، بينما المسائل الاُصولية تكونللتفكير
الفقهي خاصة.
وأما مسائل علمي النحو والصرف فهي أدلة على حفظ اللسان عن الخطأ فيالمقال مادةً
وهيئةً.
وأما مسائل علم الرجال فهي أدلة على الوثاقة لا على الجعل الشرعيالكلي.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن اُصولية المسألة مرهونةبالركيزتين
المميزتين:
الأولى: العمومية والإشتراك في نفسها.
الثانية: الإستدلالية للتفكير الفقهي مباشرة، ولابد من أخذ كلتا الركيزتينفي تعريف
الاُصول لكي يكون جامعاً ومانعاً. هذا تمام الكلام في تعريفعلمالاُصول.
موضوع العلم ...
الثاني: موضوع علم الاُصول
يقع البحث هنا في مرحلتين:
الاُولى: في موضوع العلم بشكل عام، وحاجته إليه، وتحديد ما يكونموضوعاً وما يكون
محمولاً.
الثانية: في موضوع علم الاُصول.
موضوع العلم
أما الكلام في المرحلة الاُولى فلا شبهة في أن كل علم مؤلف من قضاياومسائل عديدة
ومختلفة في دائرة أفق ذلك العلم، وكل قضية منها مؤلفة منالموضوع والمحمول، هذا مما
لا كلام فيه.
وإنما الكلام فيأن امتيازكل علم عن علم آخر هل هوبالموضوع أو بالغرض.
المعروف والمشهور بين الأصحاب هو الأول، وأنه لابد أن يكون لكل علمموضوع واحد
تلتقي فيه موضوعات مسائله، وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعيإلى افراده، ويبحث في كل
علم عن عوارضه الذاتية ويكون محوراً لتمام بحوثه.
وقد استدل على ذلك بوجوه:
الأول:أن الغرض من كل علم واحد،فإذا كان واحداً فوحدته تكشف عنأن المؤثر فيه ايضاً
كذلكعلى ضوء مبدأ التناسب والسنخية بين الأثر والمؤثروالعلة والمعلول.
وبكلمة، أن هنا قاعدتين عقليتين :
الاُولى: أن المعلول الواحد لا يصدر إلاّ من علة واحدة.
الثانية: أن العلة الواحدة لا يصدر منها إلاّ معلول واحد.
والإستدلال على وجود الموضوع في المقام لكل علم إنما هو بالقاعدةالاُولى،وهو يتوقف
على مقدمات:
الاُولى: أن هذه القاعدة الفلسفية لا تختص بالواحد الشخصي، بل يشملالواحد النوعي
أيضاً، فكما أن وحدة المعلول بالشخص تكشف عن وحدة علّتهكذلك بقانون التناسب
والسنخية بينهما، فكذلك وحدة المعلول بالنوع تكشفعن وحدة علّته كذلك بنفس الملاك،
لاستحالة أن تكون دائرة المعلول أوسع مندائرة العلة وبالعكس.
الثانية: أن وحدة الغرض لابد أن تكون بالذات والنوع، وإلاّ فلا تكونكاشفة عن
الجامع كذلك.
الثالثة: أن ترتب الغرض على المسائل في كل علم يكون من سنخ ترتبالمعلول على العلة.
فإذا تمت هذه المقدمات الثلاث في المقام، فقد تم الإستدلال بالقاعدةالمذكورة،
بتقريب أن الغرض من كل علم حيث إنه واحد، فلا يمكن أن يصدرذلك الغرض الواحد إلا من
علة واحدة جامعة بين موضوعات مسائله، وهيموضوع العلم ومحور تمام بحوثه.
ولكن للنظر في هذه المقدمات مجالاً.
أما المقدمة الأولى فقد نوقش فيها بأن القاعدة تختص بالواحد الشخصيولا تشمل الواحد
النوعي، ووحدة الغرض بما أنها تكون بالنوع فلا يمكن تطبيقالقاعدة عليها، فإن وحدة
المعلول إذا كانت بالشخص فهي تكشف عن وحدةعلته كذلك، وأما إذا كانت بالنوع فلا
تكشف.
وغير خفي أن هذه المناقشة لا ترجع إلى معنى محصّل، وذلك لأن وحدةالمعلول تتبع وحدة
العلة، فإن كانت بالشخص كانت وحدة علته أيضاً كذلك،ولا يمكن أن تكون بالنوع، وإلاّ
لزم أن تكون دائرة العلة أوسع من دائرة المعلولوهذا خلف. وإن كانت بالنوع كانت
وحدة علته أيضاً كذلك، لأن النتائجوالآثار المتماثلة في الخارج لا محالة تكشف عن
الأشياء المتماثلة المؤثرة فيها، علىأساس مبدأ التناسب بين العلة والمعلول.
بيان ذلك: أن العلاقة بين العلة والمعلول التي يعبر عنها بالمفهوم الفلسفيبالعلية،
هي علاقة بين وجودين يرتبط احدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً ذاتياً،فيكون احدهما علة
والآخر معلولاً، ووجود المعلول ليس إلاّ تعلق وارتباط،فالتعلق والإرتباط مقوّم
لكيانه، ومن هنا تكون حقيقة المعلول حقيقة تعلّقية، لاأنه يملك وجوداً بصورة
مستقلة، ثم يعرض عليه الإرتباط، فإن ذلك مستحيل،مثلاً العلاقة بين وجود النار سنخاً
ووجود الإحراق وبين وجود الحركة نوعاًووجود الحرارة وهكذا، ليست بمعنى أنها تعرض
عليهما بعد وجودهما فيالخارج، بل بمعنى أن وجود الإحراق ليس إلا التعلق والإرتباط
بالنار، وكذلكوجود الحرارة. وتنبع من هذه العلاقة الذاتية الرئيسية بين سنخ وجود
الناروسنخ وجود الإحراق أو الحرارة علاقات وارتباطات عديدة بين أفراد النار
فيالخارج وأفراد الإحراق، فإن كل فرد من أفراد الإحراق مرتبط ذاتاً بفرد منأفراد
النار خارجاً، لا بملاك فرديته، بل بملاك وجود النار فيه.
ومن هنا تكون العلاقة بين هذا الفرد من الإحراق أو الحرارة، وبين ذاك الفردمن النار
نفس العلاقة بين الفرد الآخر من الإحراق والفرد الثاني من النار وهكذاوهي علاقة
العلية، على أساس أن خصوصية الفرد وعوارضه خارجة عن تلكالعلاقة.
والخلاصة: أن العلاقة انّما هي بين سنخ وجود النار وسنخ وجود الإحراقوسنخ وجود
الحركة وسنخ وجود الحرارة، هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى،أن وجود المعلول عين
التعلق والإرتباط بالعلة وليس شيئاً منفصلاً عنها، ومنهنا يكون المعلول من مراتب
وجود العلة النازلة ويتولد منها، فالنتيجة علىضوء هاتين الناحيتين هي، أن وحدة
المعلول بالسنخ والنوع تكشف عن وحدةالعلة كذلك، فوحدة الإحراق بالنوع تكشف عن وحدة
علته كذلك وهي النار،باعتبار أنه عين التعلق والإرتباط بها، فالمؤثر إنما هو وجود
النار سواء كان بهذااللباس أو ذاك، ومن هذا القبيل الصفات العارضة على أفراد
الإنسان في الخارجفحسب كصفة النطق أو الضحك أو التعجب أو نحوها، فإنها لا محالة
تكشف عنأن تأثير كل فرد من الإنسان في فرد من هذه الصفات إنما يكون بلحاظ
وجودالإنسان فيه لا بلحاظ خصوصية الفرد، واشتراك أفراد الإنسان في هذهالصفات، يكشف
عن اشتراكها في وجود جامع بينها، وذلك الجامع هو المؤثرفيها وهو وجود الإنسان بما
هو.
فالنتيجة: أن قاعدة الواحد لا يصدر إلا من الواحد تشمل الواحد الشخصيوالنوعي معاً،
فوحدة المعلول إن كانت بالشخص فتكشف عن وحدة علتهكذلك،وإن كانت بالنوع فتكشف عن
وحدتها بالنوع، على أساس أنه لا يعقلأن تكون دائرة وجود المعلول أوسع من دائرة
وجود العلة.
وأما المقدمة الثانية فلأنها تبتني على أن تكون وحدة الغرض المترتب علىمسائل العلم
وحدة ذاتية نوعية، فإنها حينئذٍ تكشف عن وحدة ذاتية كذلك بينموضوعات المسائل، وهذا
بخلاف ما إذا كانت وحدته عرضية، فإنها لا تكشفعن وحدة ذاتية بينها على أثر عدم
علاقة التناسب بينهما، وحيث أن وحدةالغرض وحدة عنوانية لا ذاتية، كصون اللسان عن
الخطأ في المقال وصون الفكرعن الخطأ في الإستنتاج وعنوان الإقتدار على الإستنتاج
ونحوها، فلا تكشفعن وحدة ذاتية، لعدم المسانخة بينهما في الواقع.
ولنا تعليق على هذه المقدمة، وتقريبه أنه لا شبهة في أن وحدة الغرض وحدةحقيقية ولها
واقع موضوعي خارجي، مثلاً صون اللسان عن الخطأ في المقالالذي يمثل مطابقة الكلام
للقوانين النحوية، وصون الفكر عن الخطأ فيالإستنتاج الذي يمثل مطابقة الفكر
للواقع، والقدرة على الاستنباط التي تمثلدرجة الإجتهاد والنظر، وغيرها جميعاً من
الأمور الواقعية الحقيقية، وليست منالأمور الإعتبارية أو الإنتزاعية، التي لا واقع
لها في الخارج ما عدى اعتبارالمعتبر أو منشأ انتزاعها.
وبكلمة، أنه إن أريد من عنوانية الغرض أنه أمر اعتباري، فيرده أنه خلافالمقطوع به،
وإن اُريد منها أن عنوان الصون عن الخطأ وعنوان الإقتدار ونحوهمامن العناوين
الإنتزاعية مفهوماً، فهو وإن كان صحيحاً إلا أنها منتزعة كذلك منمنشأ واقعي حقيقي،
على أساس أن انتزاع عنوان صون اللسان عن الخطأ فيالمقال عن مسائل علم النحو، لا
يمكن بدون اشتراك تلك المسائل في جهة جامعةهي المؤثرة في هذا العنوان، وانتزاع
عنوان الإقتدار على الاستنباط مثلاً عنمسائل علم الاُصول دون غيره، يدل على جهة
جامعة مشتركة بين مسائله،وهي منشأ انتزاعه، وإلا فلايمكن انتزاعه عنها، بداهة أن
انتزاع شي عن شيلايمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي، أن وحدة العرض في كل علم تكشفعن قضية واحدة
مشتركة بين مسائله موضوعاً و محمولاً، بأن يكون موضوعهامشتركاً بين موضوعاتها،
ومحمولها مشتركاً بين محمولاتها، هذا من ناحية، ومنناحية اُخرى، أن الغرض المترتب
على مسائل كل علم لا يترتب على نفسالمسائل، بوجوداتها الواقعية، فإن صون اللسان عن
الخطا في المقال،أو صونالفكر عن الخطأ في الإستنتاج، لا يعقل أن يترتب على مسائل
النحو بذاتهاوواقعها، أو مسائل المنطق كذلك، وكذا الإقتدار على الاستنباط، لا يمكن
أنيكون مترتباً على المسائل الاُصولية في الواقع، إذ لو كان الأمر كذلك،لزم أن
لايقع في الخارج خطأ في المقال ولا في الفكر، وأن لا يتخلف الإقتدار علىالاستنباط
عن وجود نفس المسائل الاُصولية في الواقع، هذا مما لا كلام فيه.وإنما الكلام في أن
الغرض هل هو مترتب على العلم بتلك المسائل، أي العلمبنسبها الخاصة، وهيثبوت
محمولاتها لموضوعاتها من دون دخل لنفسالمسائل بوجوداتهاالواقعية، أو أن لها دخلاً
فيذلك بنحو الإقتضاء، فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الأول، وقد أفاد في وجه ذلك ماملخّصه: أنه لا
يمكن تطبيق برهان »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على مسائلالعلوم، فإن مفاده لزوم
التطابق بين العلة ومعلولها في السنخ، فيكون مختصاًبالعلة الفاعلية المؤثّرة، ومن
الواضح أن مسائل العلوم بنفسها وواقعها ليستعلة فاعلة ومؤثرة في صون اللسان عن
الخطأ في المقال، أو صون الفكر عنالخطأ في الإستنتاج، وإلا لم يقع في الخارج خطأ
لا في المقال ولا في الفكر، بل أنهذه الأغراض مترتبة على العلم بالمسائل،و هو علة
تامة لترتبها عليها، فمنعرف مسائل النحو أو المنطق ترتب على معرفته صون اللسان عن
الخطأ فيالمقال في الأول، وصون الفكر عن الخطأ في الإستنتاج في الثاني، ترتب
المعلولعلى العلة، ومن تعلم المسائل الاُصولية وعرفها، ترتب على معرفته إياها
القدرةعلى الاستنباط، ترتب الأثر على المؤثر وهكذا(30).
فالنتيجة: أن الغرض في كل علم مترتب على العلم بمسائله دون نفسالمسائل واقعاً،
وعلى هذا فلو اُريد تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا منواحد« على المقام، لزم
افتراض وجود جامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بينموضوعاتها،أو افتراض وجود
جامع بين النسب الخاصة التي تربط محمولاتالمسائل بموضوعاتها.
أما الأول: فهو غير محتمل، لأن موضوع العلم لابد أن يكون في المرتبةالسابقة على
العلم بمسائله، على أساس أنه محور تمام بحوثه.
وأما الثاني: وهو النسب والإضافات، فالجامع الذاتي بينها غير متصور، لأنلكل نسبة
مقومات ذاتية، وهي شخص وجود طرفيها، فالمقومات الذاتية لكلنسبة مختلفة ذاتاً عن
المقومات الذاتية للنسبة الأخرى، ومن الواضح أنه لا يعقلانتزاع جامع ذاتي بين
أفراد النسب، إذ مع الحفظ على المقومات الذاتيةللأفراد،فلا يمكن تحصيل مفهوم واحد
يكون جامعاً، باعتبار أن المقوماتالذاتية لكل نسبة مباينة ذاتاً ووجوداً للمقومات
الذاتية للفرد الآخر منهاوهكذا، فلا تشترك أفرادها في المقومات الذاتية، كأفراد
الإنسان مثلاً، فإنهاتشترك في المقومات الذاتية وهي الحيوان الناطق، ومع الغاء تلك
المقوماتالذاتية لها، فلا نسبة حينئذٍ حتى يتصور جامع ذاتى بين أفرادها، لأن
الجامعالذاتي انما يكون مع حفظ المقومات الذاتية للأفراد، ومن هنا ليست
للنسبةماهية في عالم التقرر بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج.
فالنتيجة: أن تصويرالجامع الذاتي بين أفراد النسب والإضافات غيرمعقول.
هذا توضيح لما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
ولنا تعليق عليه، وحاصله أنهقدس سره إن أراد من صون الكلام عن الخطأ في علمالنحو،
وصون الفكر عن الخطأ في علم المنطق، صحة الكلام في الأول التي هيمنتزعة من مطابقته
للقواعد النحوية في الواقع، وصحة الفكر في الثاني التي هيمنتزعة عن مطابقته
للقواعد المنطقية، فيرد عليه أنه بهذا التفسير كما لا يترتبعلى نفس المسائل في
الواقع، لأن نسبته إليها ليست نسبة الأثر إلى المؤثروالمعلول إلى العلة، فإنه بهذا
التفسير معنى اضافي نسبي، لأن صحة الكلام نسبةبينه وبين القواعد النحوية،وصحة الفكر
نسبة بينه وبين القواعد المنطقيةوهكذا، والنسبة متقومة ذاتاً ووجوداً بشخص وجود
طرفيها، لأنها المقوماتالذاتية لها، ومع هذا كيف يعقل أن تكون معلولة للمسائل في
الواقع ومترتبةعليها ترتب المعلول على العلة،وإلا فهو خلف، لوضوح أنه لا يكفي في
تحققهاوجود المسائل والقواعد في الواقع بدون وجود الطرف الآخر لها وهو الكلام
أوالفكر، كذلك لا يترتب على العلم بالمسائل ونسبها الخاصة، لما عرفت من
أنهبالتفسير المذكور نسبة بين الكلام والمسائل النحوية في الواقع، وبين
الفكروالمسائل المنطقية ومتقومة بهما ذاتاً وحقيقة، ولا يعقل حينئذٍ أن تكون
مترتبةعلى العلم بالمسائل والقواعد ترتب المعلول على العلة، وإلا فلازمه أن لا
يكونشخص وجود طرفيها من المقومات الذاتية لها، وهذا خلف.
وبكلمة، أن شخص وجود طرفيها مقوم ذاتي لها، ومعه لا يعقل أن تكونمعلولة للمسائل
والقواعد الواقعية أو للعلم بها.
وإن أرادقدس سره من الغرض، تمكن العالم بمسائل العلم وقواعده من ترتيب
آثارهاالمطلوبة، مثلاً من كان يعلم بالقواعد النحوية، فبامكانه أن يلقى الكلام
مصوناًمن الخطأ، ومن كان يعرف مسائل المنطق، فبامكانه أن يصون فكره من الخطأفي
الإستنتاج، ومن كان يعلم بالمسائل الاُصولية، فباستطاعته أن يقوم بعمليةالاستنباط
وهكذا، فهو صحيح، لا بمعنى أن العلم هو تمام السبب والعلة،بل بمعنىأن الغرض مترتب
على المسائل شريطة العلم بها لا مطلقاً، فيكون العلم بمثابةالجزء الأخير من العلة
التامة.
وبكلمة، أن ها هنا عدة نقاط:
الأولى: أنه يراد من الغرض في علم النحو مثلاً الكلام الصحيح، وفي المنطقالفكر
الصحيح وهكذا، ولكن قد مر أن الغرض بهذا المعنى الإضافي لا يترتب،لا على نفس
المسائل الواقعية ولا على العلم بها.
الثانية: أنه يراد من الغرض التمكن من إيجاده، وهو وإن كان مترتباً على
العلمبالمسائل ونسبها الخاصة، إلا أن العلم ليس تمام الموضوع والعلة له، بل هو
الجزءالأخير منها وشرط لترتبه على المسائل، ومن هنا لا يترتب التمكن من صونالكلام
عن الخطأ في المقال على مطلق العلم بالمسائل، وإن لم تكن من المسائلالنحوية، وصون
الفكر عن الخطأ في الإستنتاج على مطلق العلم بالقواعد، وإن لمتكن من قواعد المنطق،
والإقتدار على الاستنباط على مطلق العلم بالمسائل،وإن لم تكن من المسائل الاُصولية
وهكذا، بل الأول مترتب على حصّة خاصةمن العلم وهو العلم بمسائل النحو فحسب، والثاني
مترتب على خصوص العلمبقواعد المنطق، والثالث على خصوص العلم بالمسائل الاُصولية،
وهكذا.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن الغرض مترتب علىالعلم
بالمسائل، وثبوت محمولاتها لموضوعاتها لا على نفس المسائل في الواقع،وحينئذٍ فلو
أريد تطبيق قاعدة) الواحد لا يصدر إلا من واحد( على المقام، فلابدمن افتراض وجود
جامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين موضوعاتها - لايمكن المساعدة عليه، وذلك
لما عرفت من أن معنى ترتب الغرض على العلمبالمسائل، أن العلم شرط لترتبه على نفس
المسائل التي تقتضي ذلك، علىأساس اشتمالها على خصوصية جامعة تتناسب معه، والعلم
بتلك الخصوصيةالجامعة، شرط لفعلية تأثيرها فيه وترتبه عليها.
وبكلمة، أن الغرض مترتب على نفس المسائل الواقعية بلحاظ ما فيها منالخصوصية
المنسجمة معه، والعلم بها جهة تعليلية لترتبه عليها لا جهةتقييدية،فالنتيجة أن
العلم بالمسائل كما أنه ليس تمام الموضوع للغرض كذلكليس جزء الموضوع، بل تمام
الموضوع له المسائل، والعلم بها علة لترتبه عليها.
الثالثة: أن وحدة الغرض لكل علم تكشف عن وحدة قضاياه ومسائله فيقضية واحدة جامعة
موضوعاً بين موضوعاتها ومحمولاً بين محمولاته ومشتركةفيها وهي المؤثرة في الغرض،
وإلا فلا يعقل اختلاف العلوم بعضها عن بعضهاالآخر في الغرض، إذ لولم يكن لكل علم
طابع خاص وجهة جامعة بين مسائلهالمؤثرة في حصول غرضه المميزة عن غيره، لم يكن ميز
بين العلوم حينئذٍ.
وعلى هذا فبطبيعة الحال تشترك مسائل كل علم على اختلافها في نفسها فيجهة موحدة لها
ومميزه عن غيره ومؤثرة في تحقق الهدف المنشود فيه وهوغرضه،وتلك الجهة هي محور تمام
بحوثه وموضوعه، سواء كانت تلك الجهةجامعة بين موضوعات المسائل أم بين محمولاتها في
مرحلة التدوين، وتكشفعن هذه الجهة الموحدة وحدة الغرض في كل علم.
مثلاً مسائل علم النحو المحددة تشترك في جهة ما هي الموحدة لها المؤثرة فيتحقق
الغرض منه، وهو صيانة اللسان عن الخطأ في المقال، ولهذا فنحوية المسألةمرهونة
بدخالتها في هذا الغرض وترتبه عليها، وهذا معنى أن مسائل علم النحوتشترك جميعاً في
جهة ما،وهي دخالتها في صيانة اللسان، وتمتاز عن مسائلسائر العلوم بتلك الجهة،وكذلك
الحال في مسائل الاُصول والفقه ونحوهما، وإلاّفلا معنى لتسمية مجموعة من المسائل
المحددة بالاُصول، ومجموعة من المسائلالأخرى المحددة بالفقه، والمجموعة الثالثة
كذلك بالنحو وهكذا، بعد افتراض أنكلاً من هذه المجموعات دخيلة في صيانة اللسان وفي
الإقتدار على الاستنباطونحوها على مستوى واحد، ولا مبرر لهذه التسمية حينئذٍ أصلاً،
إذ لا امتيازوقتئذٍ، بل لازم هذا، تأثير كل شي في كل شي، وهذا معناه انهيار
مبدأالعليةوالتناسب، فمن أجل ذلك، كشف وحدةالغرض في كل علم عن جهةواحدةمشتركة بين
مسائل العلم بموجب مبدء التناسب أمر ضروري وغيرقابل للإنكار.
وبكلمة، أنه إذا كان للعلم غرض خارجي مترتب على مسائله، فوحدتهسنخاً تكشف عن وحدة
المسائل كذلك وتجانسها روحاً بقانون التناسب، غايةالأمر أن الغرض إذا كان مترتباً
على المسائل بما هي، كان كاشفاً عن روحالوحدة والإنسجام بين المسائل موضوعاً
ومحمولاً، بمقتضى برهان أن الواحد لايصدر إلا من واحد، وإذا كان مترتباً على
موضوعات المسائل، كان كاشفاً عنروح الوحدة والإنسجام بينها بنفس الملاك، وإذا كان
مترتباً على محمولاتها،كان كاشفاً عن روح الوحدة والإنسجام بينها هذا من ناحية.
ومنناحية اُخرى، إن وحدة المحمول أو الموضوع هل تكشف عنوحدةالآخر؟
والجواب: أن فيه تفصيلاً، فإن الموضوع والمحمول إن كانا من سنخواحد،كانت وحدة
أحدهما كاشفة عن وحدة الآخر، وإن كان أحدهما أمراًواقعياً والآخر أمراً اعتبارياً،
فلا تكشف وحدته عن وحدة الآخر ذاتاًوسنخاً،لعدم التناسب بينها، مثلاً المحمول في
علم الفقه أمر اعتباري والموضوعأمر واقعي بحسب التدوين، وكذلك في علم الاُصول،
وحينئذٍ فوحدة المحمولوإن لم تكشف عن وحدة الموضوع سنخاً وذاتاً، لعدم التناسب
بينهما كذلك، إلاأنها تكشف عن اشتراك أفراد الموضوع في جهة ما، وتلك الجهة تقتضي
ثبوتهذا المحمول لها، وهي مبادىء الأحكام فيها التي هي روحها وحقيقتها.
ومن ناحية ثالثة، أن وحدة الغرض في علم الفقه المترتب على محمولاتمسائله، هل تكشف
عن جهة واحدة بينها واشتراكها فيها؟
والجواب: إن كشفها عن جهة واحدة بين نفس المحمولات غير متصور،باعتبار أنها أمور
اعتبارية ولا واقع موضوعي لها ماعدا اعتبار المعتبر، فلذلكلا يتصور جامع بينها،
وأما كشفها عن روح الوحدة والإنسجام بينها في جهةما،وهي جهة المولوية والمبادي لها،
فلا شبهة فيه، حيث إن هذه الجهة هيالمؤثرة فيه، لأنها حقيقة الأحكام وروحها لا
المحمولات.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وحدة الغرض في كل علمتكشف عن روح
الوحدة والإنسجام بين مسائل العلم بموجب مبدء التناسب،إما موضوعاً ومحمولاً، أو
موضوعاً فقط، أو محمولاً كذلك، بلحاظ مرحلةالتدوين، وهذه الجهة الواحدة هي الموحدة
للعلم والمميزة عن غيره منالعلوم،وهي محور تمام بحوثه وموضوعه، فإن محور البحث في
كل علم هوالموضوع والسبب للغرض والأثر، سواء كان موضوعاً للمسائل بحسبالتدوين أم
لا، لأن المعيار في مرحلة البحث، إنما هو بمحور الغرضوموضوعه،وإن كان محمولاً
للمسألة بلحاظ مرحلة التدوين كما في علمالفقه،فإن المبحوث عنه فيه نفس الأحكام
الشرعية، مع أنها محمولة للمسألةبحسب التدوين.
وأما المقدمة الثالثة، وهي أن ترتب الغرض في كل علم على مسائله، يكونمن سنخ ترتب
المعلول على العلة، فقد أورد عليها السيد الاُستاذقدس سره بأن الغرضلا يترتب على
نفس المسائل ترتب الأثر على المؤثر والمعلول على العلة،وإنما هومترتب على العلم
بها، وقد مرّ أنه لو قلنا بتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا منواحد« على المقام،
فلابد من تصوير الجامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بينالمسائل نفسها، أو بين
النسب، وكل ذلك لا يمكن(31).
ولكن قد سبق المناقشة فيه موسعاً، فلا حاجة إلى الإعادة(32).
الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحققينقدس سره من أن قاعدة إنّ لكل علم موضوعاًواحد
تدور حوله بحوثه ويمتاز به عن غيره من العلوم، يشير إلى مطلبارتكازي مقبول بأدنى
تأمل، وتتميز به كل علم عن علم آخر، وهذه الوحدةالتي هي موضوع العلم ثابتة وجداناً
لكل علم في مرتبة أسبق من مرتبة تدوينهالتي هي مرتبة لاحقة(33).
هذا الوجه يتضمن أمرين:
أحدهما: أن ما هو موضوع العلم ومحور البحث، قد يكون مطابقاً مع مايجعل موضوعاً
لمسائله في مرحلة التدوين، كما في علم النحو، فإن محور بحوثهوموضوعاته الكلمة، وهي
موضوع لمسائله بلحاظ مرحلة التدوين أيضاً، وقديختلفان كما في علم الفقه، فإن موضوع
بحوثه الحكم الشرعي مع أنه يحتلّ مركزالمحمول في المسائل الفقهية بحسب التدوين.
والآخر: أن ثبوت موضوع لكل علم في المرتبة السابقة من مرتبة التدوين،إنما هو
بالإرتكاز والوجدان.
أما الأمر الأول فقد تقدم أن ما يترتب عليه الغرض هو موضوع البحثومحوره سواء كان
موضوعاً للعلم بحسب التدوين أم لا، وحينئذٍ فإن أريد منموضوع البحث ذلك كما لعله
الظاهر فهو متين، وإلاّ فلا.
وأما الثاني فقد تقدم أن الدليل على أن لكل علم موضوعاً ومحوراً واحداًلبحوثه هو
تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على المقام، لما مرّ منأن وحدة الغرض في
كل علم تكشف عن وحدة ما ترتب عليه الغرض ترتبالأثر على المؤثر والمعلول على العلة
بقانون مبدء التناسب الذي هو أمر ارتكازيفطري، وأما بقطع النظر عن ذلك الدليل،
فدعوى الإرتكاز والوجدان على ذلكفعهدتها على مدّعيها.
الوجه الثالث: أن تمايز العلوم إنما هو بتمايز موضوعاتها، فلابد حينئذٍ أنيكون لكل
علم موضوع واحد ليمتاز به عن غيره، وإلا لتداخلت العلوم بعضهامع بعضها الآخر.
وقد أورد عليه المحقق الخراسانيقدس سره بأن تمايز العلوم لو كان بالموضوع، لزم
أنيكون كل باب بل كل مسألة علماً مستقلاً بنفس الملاك، فإذن لا يمكن أن يكونموضوع
العلم هو المعيار لوحدته وامتيازه عن غيره، ومن هنا قد اختارقدس سره أنتمايز
العلوم إنما هو بالأغراض لا بالموضوعات(34).
ولكن هذا الإيراد غير صحيح، وذلك لأن الإلتزام بأن امتياز كل علم عنعلم آخر
بالموضوع لا يستلزم ما ذكرهقدس سره من المحذور، فإن موضوع العلم هوالجامع بين
موضوعات مسائله بدون أن يكون مندرجاً تحت جامع آخر، وإلاكان هو موضوع العلم، وهذا
بخلاف موضوع كل باب أو كل مسألة، فإنه حصةمن موضوع العلم وفرد منه، ويشترك مع موضوع
باب آخر أو مسألة اُخرى فيالجامع الفوقي الذي هو موضوع العلم.
وبكلمة، أن تمايز العلوم بعضها عن بعضها الآخر بالموضوع، يستلزم التمايزبينها
بالمحمول والغرض أيضاً بالتبع، لما مرّ من اعتبار التناسب والتجانس بينالموضوع
والمحمول، وكذا بينه وبين الغرض مباشرة أو بالواسطة، إذ لا يعقل أنيمتاز علم عن
علم آخر بالموضوع مع اشتراكه معه في المحمول والغرض، فإذا كانالتمايز بينهما
بالموضوع مباشرة، كان مستلزماً للتمايز بينهما بالمحمول والغرضأيضاً بالملاك
المتقدم، وعلى هذا فإذا كان موضوع كل باب أو كل مسألة مشتركاًمع موضوع باب آخر أو
مسألة اُخرى في المحمول والغرض، كان لا محالةمشتركاً معه في الموضوع أيضاً، فإذن لا
اختلاف بينهما فيه إلا في بعضالخصوصيات هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكرهقدس سره من أن تمايز العلوم بعضها عن بعضها الآخرإنما
هو بالغرض لا بالموضوع ولا بالمحمول لا يتم، وذلك لأن تمايز العلومبالموضوع تارة و
بالمحمول اُخرى وبهما معاً ثالثة، على أساس ما تقدم من أنالغرض قد يترتب على
الموضوع في المسألة، وقد يترتب على محمولها، وقديترتب على ثبوت المحمول للموضوع،
فعلى الأول يكون التمييز بالموضوع،وعلى الثاني بالمحمول، وعلى الثالث بهما معاً،
ولا يكون التمييز بالغرض، علىأساس أنه يكشف عن أن التمييز بما هو أسبق منه.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتائج التالية:
الاُولى: أن قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« لا تختص بالواحدالشخصي بل تشمل
الواحد النوعي أيضاً، فإن المعلول إذا كان واحداً بالنوع،كان كاشفاً عن أن علته
أيضاً كذلك.
الثانية: أن الغرض من العلم لا يترتب على نفس المسائل بوجوداتهاالواقعية،ترتب الأثر
على المؤثر والمعلول على العلة، وإلا لم يتصور تخلفه عنهاخارجاً، بل ترتبه عليها
فعلاً منوط بقيد ومشروط بشرط وهو العلم بها، فإنهشرط في ترتب الغرض عليها في
الخارج، فالمسائل بمثابة المقتضي للغرضوالعلم بها بمثابة الشرط، فيكون موضوعه نفس
المسائل وترتبه عليها مشروطبالعلم بها.
الثالثة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن العلم بالمسائل تمام
الموضوعللغرض بدون أي دخل للمسائل بذاتها وواقعها، ولهذا بنىقدس سره على أنه لا
مجاللتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على المقام، وإلا فلازمه
تصويرالجامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل أو بين النسب وهو كماترى، فقد مرّ أنه
غيرتام، إذ لا يمكن القول بأنه لا دخل للمسائل في ترتب الغرض أصلاً، وأن العلمبها
تمام الموضوع والعلة له بدون أي دخل لها فيه، فإن لازم ذلك حصول الغرضبصرف حصول
العلم وإن لم يكن متعلقاً بها، باعتبار أن العلم تمام العلة، ومنالطبيعي أنه لا
يمكن الإلتزام بذلك، بل من غير المحتمل أن يكون ذلك مرادهقدس سره.
الرابعة: أن الغرض من كل علم قد يترتب على المسائل بما لها من الموضوعوالمحمول
بلحاظ التدوين، وقد يترتب على محمول المسألة كذلك، وقد يترتبعلى موضوعها، وعلى
جميع التقادير فوحدة الغرض على الأول تكشف عنروح الوحدة والإنسجام بين المسائل في
الموضوع والمحمول، على أساس مبدءالتناسب، وعلى الثاني تكشف عن روح الوحدة والإنسجام
بين محمولاتالمسائل ومبادئها بنفس الملاك، وعلى الثالث تكشف عن روح
الوحدةوالإنسجام بين موضوعاتها كذلك.
الخامسة: أن محور بحوث كل علم وموضوعها محور غرضه وموضوعه،وهو الذي يترتب عليه
الغرض ترتب الأثر على المؤثر، وعلى هذا فموضوعالبحث في المسألة إما نفس المسائل،
أي ثبوت محمولاتها لموضوعاتها أو الجامعبين محمولاتها أو الجامع بين موضوعاتها على
تفصيل قد سبق.
السادسة: أن موضوع البحث ومحوره قد يكون مطابقاً لموضوع المسألةبحسب التدوين، وقد
يكون مخالفاً له، فإن موضوع البحث قد يحتلّ مركزالمحمول بلحاظ التدوين على ما مرّ
شرحه.
موضوع علم الاُصول ...
السابعة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن تمايز العلوم لو كان
بتمايزالموضوعات لزم أن يكون كل باب بل كل مسألة علماً مستقلاً، غير تام علىتفصيل
تقدم.
هذا تمام الكلام في البحث عن موضوع العلم نفياً واثباتاً على مستوى العام.
موضوع علم الاُصول
وأما الكلام في المرحلة الثانية وهي البحث عن موضوع علم الاُصولفحسب، فقد اختلف
الاُصوليون فيه على أقوال ثلاثة:
القول الأول: ما اختاره المحقق الخراسانيقدس سره من أن موضوع علم الاُصولهو
الجامع الذاتي بين موضوعات مسائله، وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعي إلىأفراده
والكلي إلى مصاديقه(35)، وقد برهن ذلك بقاعدة أن »الواحد لا يصدر إلامن واحد«،
بدعوى أن الغرض المترتب على مسائل الاُصول بما أنه واحد،فوحدته تكشف عن أن المؤثر
فيه أيضاً واحد، بموجب مبدأ التناسب والسنخيةبين العلة والمعلول والأثر و المؤثر،
ولا يمكن أن يكون المؤثر فيه موضوع كلمسألة بما له من الخصوصية الفردية، وإلاّ لزم
تأثير الكثير في الواحد،وهومستحيل.
ما ذكرهقدس سره يرجع إلى ثلاث نقاط:
الاُولى: تطبيق القاعدة )الواحد لا يصدر إلا من واحد( على المقام.
الثانية: أن المؤثر في الغرض الجامع بين موضوعات المسائل دون محمولاتها.
الثالثة: أنه ذاتي لا اعتباري.
ولنا تعليق على هذه النقاط:
أما النقطة الأولى فهي تامة، لما تقدم من أن وحدة الغرض تكشف عن وحدةالمؤثر فيه،
سواء كانت وحدته شخصية أم نوعية على ما مرّ توضيحه.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها أن وحدة الغرض تكشف عن وحدة ما ترتّبعليه ذلك
الغرض ترتب الأثر على المؤثر، فإن ترتب على المسائل كشف عنالجامع بينها موضوعاً و
محمولاً، وان ترتب على موضوعاتها كشف عن الجامعبينها فحسب، وان ترتّب على
محمولاتها كشف عن الجامع بينها كذلك، وحيثأن الغرض الاُصولي مترتب على الحجة،
فوحدته تكشف عن روح الوحدةوالإنسجام فيها، والمفروض أن مركز الحجة في المسائل
الاُصولية بحسبالتدوين مركز المحمول لا الموضوع، فما ذكرهقدس سره من أن وحدة
الغرض في المقامتكشف عن جامع واحد بين موضوعات المسائل في غير محله، وقد أشرنا
فيماتقدم أن موضوع البحث ومحوره في كل علم هو موضوع الغرض ومحوره،وحيث إن موضوع
الغرض في المسائل الاُصولية الحجة، فهي محور بحوثها لاموضوع المسائل بلحاظ التدوين.
وأما النقطة الثالثة فيرد عليها أولاً أن الجامع الحقيقي لا يتصور بينموضوعات
المسائل الاُصولية جميعاً، لأنها متباينات ذاتاً.
وثانياً: أن الإقتدار على الاستنباط لا يتوقف على وجود جامع ذاتي بينموضوعات
المسائل، ولا يكشف أكثر من روح الوحدة والإنسجام بينموضوعاتها في جهة ما التي هي
دخيلة فيه، وإن كانت تلك الجهة عرضية لها لاذاتية، فإن قاعدة التناسب والإنسجام بين
الأثر والمؤثر لا تقتضي أكثر من ذلك.
وثالثاً: ما مرّ من أن الغرض الاُصولي إنما يترتب على محمولات المسائلالاُصولية
دون موضوعاتها بحسب التدوين، ولا يكشف إلا عن روح الوحدةوالإنسجام بين محمولاتها
وأنها محور تمام بحوثها دون موضوعات المسائل.
القول الثاني: أن موضوع علم الاُصول الأدلة الأربعة، وهذا القول هوالمعروف والمشهور
بين الاُصوليين.
ولكنه غير تام.
أما أولاً: فلأنه إن أريد من الأدلة الأربعة بوصف حجيتها شرعاً، فيرد عليهأن ذلك
لا يوافق مع ما هو موضوع علم الاُصول بحسب التدوين وهو ذاتالأدلة، والحجية جعلت في
مركز محمولها.
وثانياً: أنه لا موجب لتخصيص المسائل الاُصولية بما ينطبق عليه أحد الأدلةالأربعة،
فإن ملاك اُصولية المسألة وقوعها في طريق عملية الاستنباط لاثباتالجعل الشرعي،
والمفروض أن هذا الملاك متوفر في جملة من المسائل التي لاتنطبق عليها الأدلة
الأربعة، كقاعدة الطهارة وقاعدة لا ضرر ونحوهما،والملازمات العقلية غير المستقلة
والشهرة الفتوائية والاُصول العملية الشرعيةوالعقلية.
القول الثالث: أن موضوع علم الاُصول الأدلة في الإستدلال الفقهي(36).
ولكن هذا القول لا ينسجم مع ما جعل الموضوع للمسألة الاُصولية بحسبالتدوين،وينسجم
مع ما هو موضوع البحث في الاُصول ومحوره.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن بحوث كل علم بشتّىأشكاله وألوانه
لابد أن تكون مرتبطة في محور واحد وجهة واحدة، وبها يمتازعن سائر العلوم ويصبح
علماً واحداً بشتى أنواع بحوثه، وهذا معنى ما ذكرناهمن أن وحدة الغرض في كل علم
تكشف عن روح الوحدة والإنسجام بينمسائله المختلفة في جهة ما التي لها دخل وتأثير
في غرضه، سواء كانت الجهةذاتية للمسائل أم كانت عرضية.
ثم أن هذه الجهة الواحدة قد تمثل موضوع العلم في مرحلة التدوين، وقد تمثلمحموله في
هذه المرحلة، والأول كعلم النحو،فإن موضوعه الكلمة بحسبالتدوين وكذلك بحسب البحث،
والثاني كعلم الاُصول والفقه، فإن موضوعالبحث في الأول الحجية، مع أنها تحتل مركز
المحمول في مرحلة التدوين،وموضوع البحث في الثاني الحكم، مع أنه محمول بلحاظ مرحلة
التدوين، وقدتمثل نفس الغرض بحسب مرحلة التدوين، كما في علم الطب، فإن
موضوعهفيمرحلة البحث صحة البدن وبحوثه تدور مدارها،مع أنها بمثابة
الغرضبحسبالتدوين.
وهكذا تحصل مما ذكرناه أن موضوع علم الاُصول ذوات الأدلة العامة التييستعملها
الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي بحسب التدوين ويكون البحث عنحجيتها فيه.
العرض الذاتي والعرض الغريب ...
الثالث: العرض الذاتي والعرض الغريب
يقع البحث هنا في نقطتين:
الأولى: في تقسيم العرض بلحاظ كيفية عروضه على المعروض والموضوع.
الثانية: في الضابط لذاتية العرض وغرابته.
أما الكلام في النقطة الأولى، فالمشهور بين الاُصوليين أن كيفية عروضالعرض على
الشي تتصور على الأقسام التالية:
الأول: أن يكون عروض العرض على الشيء بواسطة أمر داخلي، ونقصدأنه منتزع عن مرحلة
ذات الشي في عالم التحليل، كمفهوم الجنس والفصلالمنتزع من ذات النوع فيه ويعرض
عليه، على أساس أنه جزء داخلي له، وهذاهو الذاتي في باب الكليات الخمس.
الثاني: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عن ذاته ولكنهبإقتضائها، بحيث إن
ثبوت ذات المعروض وحده كاف لاتصافه به وعروضهعليه بدون حاجة إلى ضميمة خارجية،
وذلك كالزوجية للأربعة التي تعرضعليها بواسطة كونها زوجاً، والحرارة للنار وهكذا،
وهذا هو الذاتي فيبابالبرهان.
الثالث: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عنه غير أنالواسطة حيثية تعليلية،
فيكون المعروض نفس هذا الشي لا الواسطة، وذلككالحرارة العارضة على الماء بواسطة
مجاورته للنار أو إصابة الشمس، ولا فرقفي ذلك بين أن تكون الواسطة الثبوتية
الخارجية أعم أو أخص أو مساوية أومباينة، مادامت ليست هي المعروضة للعرض.
الرابع: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عن ذاته، غير أنالواسطة حيثية
تقييدية في العروض والإتصاف، بمعنى أن الواسطة هي المعروضةللعرض أولاً وبالذات،
وذاالواسطة ثانياً وبالعرض، وقد يعبر عنها بالواسطةفي العروض، ويعتبر في هذا القسم
أن يكون ذو الواسطة جزءاً تحليلياً منالواسطة، مثل ما يعرض على الجنس بواسطة
النوع.
الخامس: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر داخلي، مثل ما يعرضعلى النوع بواسطة
الجنس، فإن الواسطة جزء تحليلي لذي الواسطة، فيكون هذاالقسم على عكس القسم الرابع
في كيفية العروض ونوعية الواسطة، لأنه في هذاالقسم يعرض على النوع بواسطة الجنس،
فتكون الواسطة جزءاً تحليلياً لذيالواسطة فيه، وفي القسم الرابع يعرض على الجنس
بواسطة النوع، فيكونذوالواسطة فيه جزءاً تحليلياً للواسطة.
السادس: أن يكون عروضه على الشي بواسطة تقييدية مباينة لذي الواسطةذاتاً في عالم
التحليل لا في عالم الوجود، وذلك مثل ما يعرض علىالجنسبواسطة الفصل، فإن الفصل
مباين ذاتاً للجنس بحسب عالم التحليل لابحسب عالم الوجود.
السابع: أن يكون عروضه على الشي بواسطة تقييدية مباينة ذاتاًووجوداً،وذلك مثل حركة
المركبة بالنسبة إلى راكبها، فإنها تعرض على الراكببواسطة المركبة التي هي
المعروضة لها حقيقة المباينة له وجوداً وذاتاً، ومن هذاالقبيل سرعة الحركة أو
بطؤها، فإنها صفة للحركة حقيقة وتعرض بواسطتهاعلى المركبة، فالواسطة هي المعروضة
لها حقيقة دون ذيالواسطة، هذا كلهحولهذه النقطة.
وأما الكلام في النقطة الثانية ففيها أربعة اتجاهات.
الإتجاه الأول: ما عن صدر المتألهين من أن ما يلحق بالشي على نحوين:
الأول: أن لحوقه به متوقف على استعداده وتحصصه بحصة خاصة في المرتبةالسابقة، وذلك
كعروض التعجب أو الضحك أو الكتابة أو نحوها على الإنسان،فإنه يتوقف على أن يكون
معروضه إنساناً في المرتبة السابقة.
الثاني: أنه يتحصص بحصة خاصة بنفس لحوقه به لا مسبقاً، وذلك كعروضالفصل على الجنس،
فإنه يتحصص بنفس عروضه عليه ويصبح نوعاً، لا أنعروضه عليه يتوقف على أن يتحصص
أولاً ثم يعرض.
وبعد ذلك اختار أن العرض المبحوث عنه في العلوم إن كان من قبيل الأولفهو عرض غريب،
وإن كان من قبيل الثاني فهو ذاتي(37).
فالنتيجة: أن المعيار في ذاتية العرض عنده أنه بنفس عروضه على الشييوجب تحصصه بحصة
خاصة، لا أنه يتوقف على تحصصه في المرتبة السابقة.
ثم إنه طبّق هذا المعيار على بحوث الفلسفة العليا، بتقريب أن موضوعهاالوجود، وهو
ينقسم أولاً إلى الواجب والممكن، ثم الممكن إلى الجوهروالعرض، ثم الجوهر إلى عقل
ونفس وجسم، ثم العرض إلى تسع مقولاتمتباينات، والكل من مطالب هذا العلم ولواحقه
الذاتية، مع أن ما عدا التقسيمالأول، يتوقف على تخصص الموضوع بخصوصية أو خصوصيات
مجعولة بجعلواحد، وموجودة بوجود فارد، فليس هنا سبق في الوجود لأي واحد
منهابالإضافة إلى الآخر،بداهة أن الموجود لا يكون ممكناً أولاً ثم يوجد له
وصفالجوهرية أو العرضية، بل إمكانه بعين جوهريته وعرضيته، كما أن جوهريتهبعين
العقلية والنفسية أو الجسمية، فلهذا لا تتصور فيه الواسطة في العروض.
ولنا تعليق عليه وحاصله، أنه لا مقتضى لتفسير العرض الذاتي والغريببذلك وجعله
معياراً للتمييز بينهما، إذ لا مبرر له إلا الإقتصار والجمود علىظاهر اللفظ بدون
النظر إلى المناسبات الخارجية الإرتكازية، والسبب فيه أنهعلى ضوء هذا التفسير
للعرض الذاتي يخرج عنه عروض الجنس على النوع، معأنه من الذاتي في باب الكليات
الخمس، باعتبار أنه لا يوجب تخصص النوعبنفس عروضه عليه، وكذلك يخرج عنه الوصف
الذاتي في باب البرهان،كالزوجية للأربعة والحرارة للنار ونحوهما، على أساس أن
موضوعه لايتخصص بنفس لحوقه به، بل هو متخصص بقطع النظر عنه وفي المرتبةالسابقة،مع
أنه لا يشك في أنهما من الأعراض الذاتية، بل هما القدر المتيقنمنها.وأيضاً يخرج
منه ما يعرض على النوع بواسطة الفصل أو الجنس، فلذلك لايمكن الإلتزام به.
وثانياً: إن ما ذكره من الضابط للعرض الذاتي لا ينطبق على تمام بحوثالفلسفة العليا
أيضاً، لأن بحوثها لا تنحصر في البحث عن حصص الوجود منالواجب والممكن، والممكن من
الجوهر والعرض وهكذا، بل هناك مجموعةكبيرة من البحوث فيها لا يرجع إلى البحث عن حصص
الوجود، كالبحث عنالصفات السلبية للذات الواجبة، وعن امكان وجود الشريك للباري
تعالىواستحالته، وعن أصالة الوجود أو الماهية، ومن هذا القبيل البحث عن
لواحقالجوهر والعرض والفرق بينهما، فإنه لا يرجع إلى البحث عن حصصالوجود،بل يرجع
إلى البحث عن عوارض حصصه، فيتوقف عروضها عليهاعلى تخصصها بخصوصية مسبقة، كالضحك
العارض على الإنسان، وبموجبهذا الضابط فهذه البحوث الفلسفية جميعاً ليست من بحوث
الفلسفة العليا، فإنجملة منها لا ترجع إلى البحث عن حصص الوجود، ولا عن لواحق
الحصص،وجملة منها ترجع إلى البحث عن لواحق حصص الوجود. والمفروض أنها جميعاًعلى
أساس هذا الضابط من الأعراض الغريبة.
وثالثاً: أن هذا التفسير انما هو تفسير للعرض الأول دون العرض الذاتيالمبحوث
عنهفي العلوم، ونقصد بالعرض الأولي لحوق الفصل بالجنس فقط، ولايشمل لحوق الفصل
بالنوع ولا الجنس به، وهذا التفسير لو تم فإنما يتم فيخصوص الفلسفة العليا لا في
سائر العلوم، لوضوح أنه لا ينطبق على الأعراضالمبحوث عنها في سائر العلوم، كالنحو
والصرف والمنطق والاُصول والفقهوغيرها. فالنتيجة: أنه لا يمكن الأخذ بهذا التفسير.
الإتجاه الثاني: ما اختاره جماعة من الفلاسفة، منهم الشيخ الرئيس، ومنهمالمحقق
الطوسيقدس سره وغيرهما، من أن الميزان لذاتية العرض هو ما يقتضيهمعروضه بذاته أو
بواسطة أمر يرجع إلى ذاته.
بيان ذلك: أن نسبة العرض إلى موضوعه تارة تكون بالمحلية، واُخرىبالمنشئية، والضابط
في ذاتية العرض أن تكون نسبته إلى المعروض بالمنشئية،وهذا يعني أن الموضوع والمعروض
علة فاعله له ويستتبع وجوده وجودالعرض، وعلى هذا فإن كان عروض العرض على موضوعه بلا
واسطة، كانموضوعه تمام المنشأ والعلة لاستتباع العرض، وإن كان بواسطة مساوية
فالأمرأيضاً كذلك، لأن عروض الواسطة على الموضوع إن كان بلا واسطة كانالموضوع تمام
المنشأ، والعلة لاستتباع الواسطة واستتباع العرض حينئذٍ وإن كانمع الواسطة فننقل
الكلام في تلك الواسطة حرفاً بحرف، لأنه في سلسلة العللوالمعلولات يكون كل لاحق
معلول للسابق وإن طالت إلى أن تنتهي السلسلةالى علة العلل، ولا يمكن أن يكون عروض
الواسطة المساوية بواسطة أمر أعمأو أخص، وإلا لزم أن تكون العلة أعم من المعلول أو
أخص منه، وهذامستحيل،ضرورة أن سلسلة المعلول تتبع سلسلة العلة في السعة والضيق،
فلايعقل أن تكون دائرة المعلول أضيق من دائرة العلة أو أوسع منها، وإلا فلا
يكونمعلولاً لها، لأن المعلول عين الربط و التعلق بالعلة،لا أنه شي له الربط و
التعلقبها. وأما إذا كان الموضوع محلاً للعرض لا منشأله، فهو عرض غريب.
فالنتيجة: أن نسبة العرض إلى الشي إن كانت نسبة المحلية له، فالعرضغريب، وإن كانت
نسبة المنشئية والعلية لوجوده، فالعرض ذاتي، هذامنناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنهم جعلوا ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل منالأعراض الذاتية،
كعروض النطق على الحيوان بواسطة النفس الناطقة، وقدنص على ذلك المحقق الطوسيقدس
سره والسبب فيه أن الجنس والفصل وإن كانامتباينين في عالم المفهوم والتحليل، فلا
يصدق أحدهما على الآخر فيه، ولكنهمامتحدان في عالم الوجود، إذ ليس فيه إلا وجود
واحد لهما حقيقة، وهي الحصةالتوأمة من الحيوانية والناطقية، فلا واسطة بينهما في
عالم الخارج، على أساسأنهما في هذا العالم موجودان بوجود واحد حقيقة، وهذا الوجود
الواحد كما أنهوجود للجنس فيه كذلك وجود للفصل، ولا تعقل الواسطة بينهما
خارجاً،حيث لا اثنينية في الخارج، وعلى هذا فما يعرض على الجنس بواسطة الفصلليس
عروضه عليه بواسطة أمر غريب، بل هو باقتضاء ذاته، لأن اقتضاءالجنس في عالم الخارج
وجود العرض بواسطة الفصل الذي هو عينه فيه، يكونبالتالي باقتضاء ذاته استتباع
وجوده، فإذن ينطبق عليه تفسير العرض الذاتي.
وبكلمة، أن الجنس وإن كان قد ينفك عن الفصل الخاص في الخارج كالنفسالناطقة مثلاً،
ولكن لا يمكن انفكاكه عن فصل ما فيه، لاستحالة وجود الجنسبدون الفصل خارجاً،
والفصل بعروضه عليه يحصصه بالحصة التوأمة منالجنس والفصل، مثلاً النفس الناطقة
بعروضها على الحيوان تحصصه بالحصةالتوأمة من الحيوانية والنفس الناطقة، وتسمى هذه
الحصة التوأمة بالنوع، وهيموجودة في الخارج بوجود واحد حقيقة، وهذا الوجود الواحد
موضوعللعرض ومنشأ وعلة لوجوده منه، و حيث إن هذا الوجود الواحد وجود لكلمن الجنس
والفصل حقيقة، فيصح أن يقال إن الجنس بوجوده الخارجيموضوع لهذا العرض، وسبب ومنشأ
لوجوده من دون حيلولة واسطة غريبةبينهما، لأن الواسطة هي الفصل، والغرض أنه عين
الجنس، وبالتالي لا واسطة فيالبين، فلذلك يكون من العرض الذاتي، هذا.
ويمكن المناقشة في هذا الإتجاه بوجهين:
الأول: أن هذا التفسير للعرض الذاتي كما يشمل ما يعرض على الجنسبواسطة الفصل، يشمل
ما يعرض على النوع بواسطة الجنس بنفس الملاكالمذكور، وهو عدم حيلولة واسطة غريبة
بين الجنس والنوع في الوجود، حيثإن النوع حصة خاصة من الحيوانية، و هي الحصة
التوأمة مع الفصل في الخارج،فالواسطة فيه عين ذيالواسطة، وقد تقدم أن الضابط لكون
العرض ذاتياً، هوعدم حيلولة أمر غريب بين الواسطة وذيها، والمفروض في المقام كذلك،
لأنالنوع والجنس في الخارج موجودان بوجود واحد فيه، فلا اثنينية حتى تتصورواسطة
غريبة بينهما، فما يعرض على النوع بواسطة الجنس، فهو بالتالي يعرضعليه باقتضاء
ذاته، وهو المعيار في اتصاف العرض بالذاتي.
فبالنتيجة: أن الواسطة إذا كانت داخلية وكانت عين ذيها في الخارجوجوداًفلا فرق بين
كونها أخص من ذيها أو أعم، وعليه فلا وجه لتخصيصمايعرضعلى الجنس بواسطة الفصل
بالعرض الذاتي دون غيره، مع أنالمعيارفي الجميعواحد.
الثاني: أن اختصاص العرض الذاتي بخصوص ما إذا كانت نسبته إلىموضوعه نسبة المنشئية
والإستتباع لا يتم، إلا في العلوم البرهانية، كالفلسفة منالعقلية والطبيعية
والتعليمية وغيرها، وأما في العلوم المتداولة بين أيدينا، كعلمالاُصول والفقه
والنحو والصرف ونحوها، فهو لا يتم، لأن نسبة اعراضها إلىموضوعاتها ليست نسبة
الفاعلية والمنشئية، مثلاً في علم الفقه يكون المبحوثعنه ثبوت الأحكام الشرعية
لموضوعاتها، ومن الواضح أن نسبتها إليها ليستنسبة المنشئية والإستتباع، لأنها
مجعولة من قبل الشارع بإزائها، نعم إن هذاالجعل حيث لا يمكن أن يكون جزافاً وبدون
نكتة مبررة، فهو يكشف عنوجود ملاكات فيها تدعو الشارع إلى جعلها بدافع التحفظ
عليها وعدم تفويتها،وكذلك الحال في علم الاُصول، فإن نسبة اعراضه التي يبحث عنها
فيه إلىموضوعاته، ليست نسبة المنشئية والإستتباع، بل نسبتها إليها نسبة المحلية
كماهو ظاهر، ومن هذا القبيل علم النحو والصرف ونحوهما.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا وجه لتفسير العرضالذاتيبأن نسبته
إلى موضوعه نسبة المنشئية والاستتباع، وتفسير العرضالغريب بأن نسبته إليه نسبة
المحلية، لما عرفت من أن نسبة العرض المبحوث عنهفي كثير من العلوم إلى موضوعه نسبة
المحلية دون المنشئية، فمع ذلك يكون منالعرض الذاتي، فإذن لا يكون هذا التفسير
ضابطاً عاماً لتمييز العرض الذاتي عنالعرض الغريب.
الإتجاه الثالث: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره وحاصل ما ذكره أن ذاتية العرضإن
كانت مرهونة بصحة الحمل والاسناد الحقيقي، فالأقسام المتقدمة جميعاً منالأعراض
الذاتية غير القسم الأخير، ونتيجة ذلك أن ذاتية العرض مرهونةبصحة الحمل والاسناد،
وغرابة العرض مرهونة بعدم صحة ذلك، وإن كانتذاتية العرض مرهونة بصحة الاتصاف
والعروض الحقيقي للشي، فالأقسامالثلاثة الأولى تكون من الأعراض الذاتية جزماً، لأن
الموضوع فيها هوالمعروض الحقيقي للوصف والعرض، كما أنه لا شبهة في أن الأقسام
الثلاثةالأخيرة من الأعراض الغريبة، باعتبار أن الأوصاف فيها غير عارضة علىالشي
حقيقة، وإنما هي عارضة على الواسطة كذلك . وأما القسم الوسط وهوالقسم الرابع، فكونه
من العرض الذاتي أو الغريب منوط باشتراط الإستقلاليةفي العروض وعدمه، فعلى الأول
ليس من الذاتي، وعلى الثاني يكون منه. وبعدذلك ذكرقدس سره أن ذاتية العرض مرهونة
بتوفر أمرين:
الأول: صحة عروض العرض على الشي حقيقة واتصافه به، ولا يكفي مجردصحة الحمل
والاسناد.
الثاني: استقلاليته في العروض على المعروض ولا يكفي عروضه عليه ضمناً،وحيث إن شيئاً
من الأمرين غير متوفر في الأقسام الأربعة الأخيرة، فلا تكونمن الاعراض الذاتية،
لكون الاعراض فيها غير عارضة على المعروض حقيقة،وإنما تعرض على الواسطة ولا يكون في
عروضها عليه مستقلاً، بل يكون فيضمن عروضها على غيره، ثم استشهدقدس سره على ذلك
بكلمات الفلاسفة، منهمالمحقق الطوسي في شرح الإشارات(38).
ولكن للنظر فيما أفادهقدس سره مجالاً من وجوه:
الأول: أن ما ذكرهقدس سره من أن ذاتية العرض مرهونة بتوفر أمرين لا يتمشيءمنهما.
أما الأمر الأول فلأن صحة حمل العرض على شي وإسناده إليه ملازمة بصحةاتصافه به
وعروضه عليه، كما أن عدم صحة الأول ملازم لعدم صحة الثاني، ولايمكن التفكيك بينهما
لا في عالم الوجود والخارج ولا في عالم التحليل والذهن،فإذا صح حمل الحساس أو
المتحرك بالإراده على الإنسان في عالم الخارجحقيقة، صح عروضه عليه واتصافه به
كذلك، بنكتة أنه لا وجود فيه إلا وجودواحد، وهو وجود الإنسان الذي هو الموضوع
والمعروض للعرض،فإذا كانحمله عليه واسناده إليه حقيقتاً، كان اتصافه به وعروضه
عليه أيضاً كذلك، لأنصحة الحمل والاسناد عبارة اُخرى عن صحة العروض
والإتصاف،فالإختلاف بينهما إنما هو في التعبير اللفظي، لا في المعنى والمضمون.
وبكلمة، أن أعراض الجنس تارة تلحظ مضافة إلى موضوعها في عالمالوجود،واُخرى تلحظ
مضافة إلى موضوعها في عالم التحليل. وفي الفرضالأول حيث إن وجود الجنس عين وجود
النوع، لأنهما موجودان فيه بوجودواحد حقيقة، فبطبيعة الحال لا يمكن التفكيك بين
عروض العرض على هذاالوجود الواحد واتصافه به، بلحاظ أنه وجود الجنس لا وجود النوع،
بداهة أنذلك في وجود واحد غير معقول، لأنه إما متصف به أو لا، ولا يتصور ثالث.
وعلى هذا فلا معنى للتفرقة بين صحة الحمل والاسناد وصحة العروضوالإتصاف في المقام،
لأن صحة حمل اعراض الجنس على النوع واسنادها إليهإنما هي بملاك أنهما موجودان فيه
بوجود واحد، ونفس هذا الملاك تصحح صحةاتصاف النوع بها وعروضها عليه، لأن صحة اتصاف
الجنس بها بالتالي صحةاتصاف النوع بها، على أساس أن المتصف بها وجود واحد في
الخارج، وحيثإنه وجود لهما حقيقة، فاتصافه بها اتصاف لهما معاً تلقائياً شاء أم
أبى، فإذن كيفيمكن القول بأن حمل أعراض الجنس على النوع صحيح واتصافه بها
غيرصحيح،مع أن ملاك الأول هو ملاك الثاني.
وفي الفرض الثاني حيث إن مفهوم الجنس في عالم التحليل مباين لمفهوم النوعوالفصل،
فأعراض الجنس في هذا العالم كما لا تعرض على النوع والفصل، كذلكلا تحمل عليها، لأن
الجنس والنوع والجنس والفصل جميعاً متباينات بحسبعالم التحليل، فلا يصح حمل أحدهما
على الآخر، ولا حمل ما له من الاعراضعليه ولا اتصافه بها.
ويتحصل من ذلك أن مرجع كلا الضابطين إلى ضابط واحد معنىً وروحاً،على أساس أنه لا
يمكن التفكيك بينهما لا في عالم الوجود ولا في عالمالتحليل.وعلى هذا فالميزان في
ذاتية العرض إن كان بصحة الحمل والإتصافعلى أساس عالم الوجود، فالأقسام الستة كلها
من الأعراض الذاتية،وإن كانعلى أساس عالم التحليل، انحصر العرض الذاتي بالأقسام
الثلاثة الأولى، وأماسائر الأقسام فبأجمعها من الأعراض الغريبة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما يعرض على النوع بواسطةالجنس أو الفصل
أو مايعرض على الجنس بواسطة الفصل أو النوع، إن كانبلحاظ عالم الوجود والخارج،
فكما أن الحمل والاسناد فيه حقيقي، فكذلكالعروض والإتصاف، على أساس أنهما موجودان
بوجود واحد فيه، وهذاالوجود الواحد هو المعروض والموضوع للعرض بدون حيلولة أي أمر
غريببينهما، وإن كان بلحاظ عالم التحليل والذهن، فكما أن العروض والإتصاف غيرصحيح،
فكذلك الحمل والاسناد، على أساس أن كلا منهما مباين فيه للآخر،فلا يصح حمل أحدهما
على الآخر في ذلك العالم، ولا اسناد ما لكل منهما إلىالآخر من الأعراض.
هذا إضافة إلى أنه لا يحتمل أن يكون مراده من الضابط، الضابط على أساسعالم التحليل
والذهن، لأن المبحوث عنه في كل علم، إنما هو عن الأعراضالخارجية بلحاظ عالم
الوجود.
وأما الأمر الثاني: وهو اعتبار الإستقلالية في العروض، فقد ظهر الحال فيهمما مرّ،
فإن وجود الجنس في عالم الخارج إذا كان متحداً مع وجود النوع، كانالمعروض والموضوع
للعرض وجود واحد بدون حيلولة أمر غريب في البين،فإذا كان وجوداً واحداً فكيف يتصور
أن يكون عروضه عليه ضمنياً، لأنوجود الجنس عين وجود النوع فيه، لا أنه في ضمنه حتى
يكون عروضه علىالنوع بواسطة الجنس ضمنياً لا استقلالياً. وكذلك الحال في الجنس
والفصلوالنوع والفصل، فإنهما موجودان فيه بوجود واحد وهو المعروض والموضوعله، فلا
يتصور فيه العروض الضمني.
الوجه الثاني: أن ما استشهدقدس سره بكلمات الحكماء، منهم المحقق الطوسيقدس سرهعلى
ما أفاده من الضابط لذاتية العرض وغرابته في غير محله، وذلك لما مرّ من أنللحكماء
تفسيرين للعرض الذاتي:
الأول لصدر المتألهين، وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا إنه ليس تفسيراً للعرضالذاتي
المبحوث عنه في العلوم، بل هو تفسير للعرض الأولي.
والآخر للمحقق الطوسيقدس سره و غيره، من أن نسبة العرض إلى موضوعه، إنكانت بنسبة
المنشئية فهو عرض ذاتي، وإن كانت بنسبة المحلية فهو عرضغريب، وقد تقدم الكلام في
هذا التفسير ونقده.
وما ذكرهقدس سره من الضابط للعرض الذاتي، لا ينطبق على ما ذكره المحققالطوسيقدس
سره، لأنه مخالف له من نقطتين:
الأولى: أن المحقق الطوسيقدس سره يرى على ضوء تفسيره للعرض الذاتي، أن مايعرض على
الجنس بواسطة الفصل من الأعراض الذاتية، بينما هوقدس سره يرى علىضوء ضابطه أنه من
الأعراض الغريبة.
الثانية: أن المحقق الطوسيقدس سره يرى انحصار العرض الذاتي، بما إذا كانت
نسبتهإلى موضوعه نسبة المنشئية، بينما المحقق العراقيقدس سره يرى أن ملاك ذاتية
العرضصحة الاتصاف والعروض من ناحية، والاستقلالية فيه من ناحية اُخرى، بدونفرق
بين ان تكون نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئية أو المحلية.
الوجه الثالث: أن ما ذكرهقدس سره من الضابط للعرض الذاتي والغريب، لا يدفعالإشكال
عن تمام العلوم، كعلم الفقه والاُصول ونحوهما، إذ يبحث في هذه العلومعما يعرض على
الجنس بواسطة النوع أو الفصل، باعتبار أن نسبة موضوع العلمإلى موضوعات مسائله،
نسبة العام إلى الخاص والجنس إلى النوع، ومايعرضعلى الجنس بواسطة النوع، وعلى
العام بواسطة الخاص من العرضالغريب عندهقدس سره.
الإتجاه الرابع: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من الضابط، وهو أن ذاتيةالعرض
مرهونة بأن يكون عروضه على موضوعه بلا واسطة في العروض.وغير خفي أن هذا الإتجاه
بهذه الصياغة مجمل، فتوضيحه بحاجة إلى توجيهالسؤال إليه، وحينئذٍ فنقول إنه إن
أريد من عدم الواسطة في العروض عدمالواسطة التقييدية، بمعنى أن الواسطة هي الموضوع
للعرض حقيقة دونذيالواسطة، فيرد عليه أن لازم ذلك أن ذاتية العرض منوطة بصحة
الحملوالاسناد، وغرابته منوطة بعدم صحته، وهذا غير صحيح، لما سوف نشير إليهمن أن
المعيار في ذاتية العرض انما هو باستتباعه لموضوعه وعدم انفكاكه عنهخارجاً، وإلا
فلا يكون من الذاتي، كالعرض المفارق، فإنه وإن كان عروضهعلى معروضه وحمله عليه
صحيحاً، إلا أنه ليس بذاتي مثل الحرارة العارضة علىالماء بواسطة مجاورة النار، فإن
عروضها على الماء واتصافه بها وإن كانصحيحاً، إلا أنها مع ذلك ليست من العرض
الذاتي المبحوث عنه في العلوم.
وإن أريد منه عدم الواسطة مطلقاً أي التقييدية والتعليلية معاً، فيرد عليه أنلازم
ذلك انحصار العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئيةوالعلية، وقد
مر المناقشة في هذا القول.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره لا يتم.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا يمكن الأخذ بشي منالأتجاهات
الأربعة في تفسير العرض الذاتي.
فالصحيح في المقام أن يقال، إن المراد من العرض الذاتي للمعروضوالموضوع في مقابل
العرض الغريب، هو ما يكون لازماً للموضوع خارجاًومستتبعاً وجوده لوجود العرض فيه،
ولا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر،سواء كان ذلك التلازم والاستتباع ناشئاً من علية
الموضوع أم كان ناشئاً من علةخارجية، ولا يكون نسبته إلى موضوعه نسبة العلية
والمنشئية، بل تكون نسبةالمحلية فحسب، ومع ذلك لا ينفك عنه أبداً طالما يكون
الموضوع موجوداً، مثلاًالأعراض المبحوث عنها في الاُصول التى تتمثل في حجية أخبار
الثقة وظواهرالكتاب والسنة ونحوها، فإنها وإن كانت مجعولة من قبل الشارع، إلا أنها
معذلك لا تنفك عن موضوعها طالما يكون الموضوع موجوداً، كما أن جعل الشارعلها لا
يمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتة تبرر ذلك، وتلك النكتة تتمثل فيأمرين: أحدهما في
أقربية تلك الطرق إلى الواقع نوعاً من غيرها، وأنها أقوىكشفاً. والآخر التحفظ على
الملاكات الواقعية الإلزامية في حال الجهل بها، وعدمرضائه بتفويتها حتى في هذه
الحالة، أو الإهتمام بالمصلحة التسهيلية النوعية علىتفصيل ذكرناه في محله، ومن
الواضح أن هذه النكتة تتناسب مع الحجية ذاتاًواقتضاءاً، ولكنها لم تصل إلى درجة
العلية والمنشئية.
والخلاصة أن نسبة تلك الاعراض إلى موضوعاتها نسبة المحلية والعرضية،لا نسبة
المنشئية والعلية، وإن كانت روح التناسب والإنسجام بينهما موجودة،ومن هذا القبيل
محمولات علم الفقه وأعراضه الذاتية التي تتمثل في الأحكامالشرعية، فإنها وإن كانت
أموراً اعتبارية ومجعولة من قبل الشارعلموضوعاتها، ولكنها مع ذلك لا يمكن انفكاكها
عنها طالما تكون موجودة،وحيث إن جعل تلك الأحكام لها يكون على أساس المبادي
والملاكات الواقعيةالتي هي روح الأحكام الشرعية وحقيقتها، فهي تتناسب معها ذاتاً
واقتضاءاً،وإن كانت نسبتها إليها نسبة المحلية فقط دون المنشئية، ومثلهما علم
النحووالصرف وما شاكلهما. وقد تكون نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئية والعلية
لاالمحلية. مثال ذلك ما يعرض على النوع كالإنسان بواسطة الفصل كالنفسالناطقة، فإن
نسبته إلى موضوعه وهو النوع نسبة المنشئية والعلية، على أساسأن وجود الفصل عين
وجود النوع في عالم الخارج، فإذا كانت نسبته إلى وجودالفصل نسبة المنشئية، كانت
نسبته إلى وجود النوع عين تلك النسبة، إذ لايتصور اختلاف في نسبته إلى وجود واحد.
ومن هذا القبيل ما يعرض على النوع بواسطة الجنس، على أساس أنهماموجودان بوجود واحد
حقيقة، ومن الطبيعي أن نسبة العرض إلى ذلك الوجودالواحد نسبة المنشئية، وحينئذٍ
فكما أن نسبته إليه بلحاظ أنه وجود الجنسنسبة المنشئية، فكذلك نسبته إليه بلحاظ
أنه وجود النوع، باعتبار أنها عينالنسبة الأولى، والإختلاف أنما هو في الإضافة.
وكذلك الحال في ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل في عالم الخارجوالوجود، فإن
الواسطة وإن كانت أخص، إلا أنها لما كانت أمراً داخلياً ومتحداًمع حصة خاصة من
الجنس، وهي الحصة التوأمة من الحيوانية والناطقية فيالوجود الخارجي، كانت النسبة
نسبة المنشئية بين هذا الوجود الواحد وبينعوارضه الثابتة، وحيث إن هذا الوجود
الواحد وجود للجنس والفصل معاً،فكما أن نسبة العرض إليه بلحاظ أنه وجود الفصل نسبة
المنشئية، فكذلكنسبته إليه بلحاظ أنه وجود الجنس، باعتبار أنها عين النسبة الأولى.
قد يقال: إن القول بأن ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل عرض غريبمبني على أساس عالم
التحليل.
والجواب: أنه لا يمكن أن يكون مبنياً على ذلك، إذ المفاهيم جميعاً في عالمالتحليل
والذهن متباينات، وإن مفهوم الفصل كما أنه مباين مع مفهوم الجنس،كذلك أنه مباين مع
مفهوم النوع، وكذا مفهوم الجنس، فإنه مباين مع مفهومالنوع، فلا يصح حمل شي منها
على الآخر، ولا اسناد ما لكل واحد منها منالعرض إلى الآخر وإن كان بالعناية، وكيف
كان فلا شبهة في أن البحث عنالأعراض الذاتية إنما هو على أساس عالم الوجود.
فالنتيجة: أن المعيار في ذاتية العرض إنما هو بالإستتباع والإستلزام الحقيقيبينه
وبين موضوعه، بحيث يكون وجود موضوعه مساوقاً لوجوده، سواء كانذلك الإستتباع
والإستلزام بنحو المنشئية أم كان بنحو المحلية، فإن الميزان إنما هوبالتلازم
بينهما، وكون العرض الذاتي من الأوصاف والمحمولات اللازمةلموضوعاتها حقيقة، في
مقابل العرض الغريب الذي لا استلزام ولا استتباع بينهوبين موضوعه، ويكون من
الأوصاف المفارقة، قد يوجد لسبب أو آخر وقد لايوجد، ولعل من أجل هذه النكتة سمى
الأول بالذاتي والثاني بالغريب،باعتبارأنه غريب عن موضوعه وأجنبي عنه، وقد يكون
لسبب خارجي لالعلاقة بينه وبين موضوعه.
ويترتب على ذلك أمور:
الأول: أنه لا وجه لتخصيص العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعهنسبة
المنشئية والعلية، كما عن جماعة من الحكماء، فإن لازم ذلك خروجأعراض مجموعة من
العلوم عن العرض الذاتي لها، باعتبار أن نسبتها إلىموضوعها ليست نسبة المنشئية
والعلية بل نسبة المحلية، رغم أن الإستلزاموالإستتباع بينها وبين موضوعها موجود،
ومن المعلوم أنه لا يمكن الإلتزامبذلككما مرّ.
الثاني: أنه لا وجه لجعل الضابط في ذاتية العرض صحة الإتصافوالعروض، لأن هذا
الضابط يشمل الأوصاف المفارقة أيضاً، مع أنها ليست منالأعراض الذاتية، لما مرّ من
أن الضابط فيها هو الإستلزام والإستتباع بينها وبينموضوعها، وهو لا ينطبق على
الأعراض المفارقة كما تقدم تفصيله.
الثالث: أنه لا وجه لتخصيص العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعهنسبة
المحلية فحسب، كما هو ظاهر جماعة من الاُصوليين.
الرابع: أن ما يعرض على الشي بواسطة علة خارجية اتفاقاً، كعروضالحرارة على الماء
بواسطة مجاورة النار أو نحوها، فليس من العرض الذاتي علىالرغم من أن صحة العروض
والإتصاف بمعنى المحلية محفوظة فيه، ولهذا لم يقعالبحث في العلوم عن الأعراض
الإتفاقية العارضة على الأشياء بواسطة علةخارجية. نعم، قد يقع البحث عن مقتضى طبيعة
الأشياء من حيث اللون أوالشكل أو صفات اُخرى، على أساس أن مردّ هذا البحث إلى البحث
عنالملازمة في الحقيقة بين وجود هذه الأشياء في الخارج وآثارها التي هي منمتطلبات
طبيعتها من حيث هي، لا عن أعراضها الخارجية الإتفاقية.
ثم إن للسيد الاُستاذقدس سره في المسألة إشكالين:
أحدهما: أن ما هو المعروف عند الاُصوليين من أن البحث في كل علم لابد أنيكون عن
العوارض الذاتية لموضوعه، مبني على وجوب الإلتزام بوجودموضوع لكل علم، وأما إذا
أنكرنا ذلك، وقلنا بإنه لا دليل عليه، بل الدليل قدقام على خلافه كما في علم الفقه
والاُصول، فلا موضوع لهذا البحث حينئذٍ،والآخر: أنا لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن لكل
علم موضوعاً واحداً يدور حولهجميع بحوثه، إلا أنه لا ملزم للإلتزام بانحصار البحث
فيه عن العوارض الذاتيةلموضوعه، بل اللازم هو البحث فيه عن كل ما له دخل في غرضه
المترتب عليه،ولو كان ذلك من العوارض الغريبة، فإن البحث في كل علم سعةً وضيقاً
يدورمدار الغرض منه كذلك(39)، كما مال إليه المحقق الأصبهانيقدس سره أيضاً(40).
ولنا تعليق على الإشكالين:
أما الإشكال الأول: فيمكن نقده باُمور:
الأول: أنه لا يتم بنحو الموجبة الكلية، إذ لا شبهة في أن لمجموعة كبيرة منالعلوم
موضوعاً واحداً وهو محور تمام بحوثه، إذ لم يقم دليل على عدم الموضوعلكل علم على
الغرض.
الثاني: ما تقدم من أن وحدة الغرض تكشف عن روح الوحدة والإنسجامبين مسائل العلم،
إما موضوعاً ومحمولاً أو موضوعاً فقط أو محمولاً، وتلكالجهة الواحدة هي محور
البحوث وموضوعها في كل علم، ولا يلزم أن تكونتلك الجهة الواحدة الجامعة جهة ذاتية
بين موضوعات المسائل، لكي يقالإنهالا تتصور في بعض العلوم، بل يكفي كونها جهة
عرضية في مقابلالعوارضالغريبة لها.
هذا إضافة إلى أن البحث في علم الاُصول والفقه ونحوهما عن عوارضولواحق موضوعاتها
ابتداء وبلا واسطة تقييدية، لأن البحث فيه عن حجيةخبر الثقة وظواهر الكتاب والسنة
والاُصول العملية في الحدود المسموح بهاوفقاً لشروطها العامة، فإن تلك العوارض تعرض
على موضوعات المسائلابتداء لا على موضوع العلم، وهو الجامع بين موضوعاتها وإن قلنا
به.
وبكلمة، أن البحث عن الأعراض الذاتية في هذه العلوم وإن لم يتوقف علىوجود موضوع
لها وهو الجامع بين موضوعات مسائلها، إلا أنه يتوقف علىروح الوحدة والإنسجام بين
المسائل في جهة ما في الحدود المسموح بها سعةًوضيقاً، وإلا فلا يمكن اشتراكها في
غرض واحد.
وكيف كان فإنكار الموضوع لكل علم لا يستلزم إنكار البحث فيه عنالعوارض الذاتية،
فإنه لابد أن يكون البحث فيه عنها، على أساس أن روحالوحدة والإنسجام بين مسائل كل
علم في جهة ما تتطلب اشتراكها في الآثاروالأغراض وتستتبعها، ولا نقصد بالأعراض
الذاتية إلا تلك الآثار والأعراضالتي تعرض عليها بنحو الإستتباع والإستلزام.
وأما الإشكال الثاني: فلعله مبني على تخصيص العرض الذاتي بما فسرهالفلاسفة، ولكن
قد مرّ الإشكال فيه موسعاً.
وأما بناء على ما ذكرناه من التفسير لذاتية العرض، فلا مقتضي للبحث عنالعرض
الغريب، إذ لا يحتمل دخله في الغرض.
نتيجة هذا البحث تتمثل في عدة نقاط:
الاُولى: أن تفسير صدر المتألهين للعرض الذاتي، بأن معروضه يتحصصبحصة خاصة بنفس
عروضه عليه لا مسبقاً كعروض الفصل على الجنس، فقدمرّ أنه على أساس هذا التفسير مختص
بالفلسفة العليا، ولا يشمل غيرها.
هذا إضافة إلى أن هذا التفسير تفسير للعرض الأولي لا الذاتي.
الثانية: أن تفسير المحقق الطوسيقدس سره وغيره للعرض الذاتي، بأن نسبته إلىموضوعه
إن كانت نسبة المنشئية والعلية فهو ذاتي، وإن كانت نسبة المحلية فهوغريب، في غير
محله كما مرّ.
الثالثة: أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من أن ذاتية العرض مرهونة بصحةالعروض
والإتصاف، ولا يكفي مجرد صحة الحمل والاسناد فهو غير تام، لماتقدم من أن التفكيك
بين صحة الحمل والاسناد وصحة العروض والإتصافغير ممكن، لا في عالم الوجود ولا في
عالم التحليل على تفصيل قد مرّ آنفاً.
الرابعة: أن صحة العروض والإتصاف لا تصلح أن تكون معياراً لذاتيةالعرض، فإنها
محفوظة فيما إذا لم يكن المحل والموضوع مستتبعاً لوجودالعرض،كعروض الحرارة على
الماء بواسطة مجاورة النار، والسريرية للجسمونحوها، فإن اتصاف الماء بالحرارة
اتصاف حقيقي وكذلك اتصاف الجسمبالسريرية، إلا أنها لم تكن من لوازم المحل
ومقتضياته، بل كانت من عوارضهالمفارقة، فلذلك ليست من العوارض الذاتية.
الخامسة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من الضابط للعرض الذاتي،وهوما يعرض
على الشي بلا واسطة في العروض، فقد مرّ الإشكال فيه.
السادسة: الصحيح في تفسير العرض الذاتي أن يقال، إنه مرتبط بموضوعهذاتاً، سواء كان
بنحو المنشئية والعلية، أم كان بنحو الإستتباع واللزوم بالمحلية،كاستتباع الموضوع
لحكمه وعدم انفكاكه عنه، وأما إذا لم يكن مرتبطاً به، بأنيعرض عليه تارة بسبب أو
آخر ولا يعرض عليه تارة اُخرى فلا يكون منالذاتي، بل هو عرض غريب.
السابعة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، تارة بأنه لا ملزم للإلتزام
بوجودموضوع لكل علم حتى يكون البحث فيه عن عوارضه الذاتية، وثانياً أنه لا
پاورقي
1) كفاية الاُصول: 9.
2) بحوث في علم الاُصول 21 :1.
3) أجود التقريرات 6 :1.
4) محاضرات في اُصول الفقه 9 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 10 :1.
6) أنظر محاضرات في اُصول الفقه 6 :1.
7) لاحظ كفاية الاُصول: 337.
8) بحوث في علم الاُصول 26:1.
9) مصباح الاُصول 250 :2.
10) دروس في علم الاُصول 46 :1، بحوث في علم الاُصول 32 :1.
11) بحوث في علم الاُصول 22 :1.
12) لاحظ محاضرات في اُصول الفقه 10 :1.
13) بحوث في علم الاُصول 24 :1.
14) أجود التقريرات 5 :1، فوائد الاُصول 19 :1.
15) بحوث في علم الاُصول 266 :2.
16) مقالات الاُصول 54 :1، نهاية الافكار 22 :1 و23.
17) محاضرات في اُصول الفقه 8 :1.
18) نقله عنه في بحوث في علم الأصول 27 :1.
19) مر في ص 13.
20) محاضرات في اُصول الفقه 15 :1 و7 :3.
21) مجاضرات في اُصول الفقه 14:1.
22) الهداية في الاُصول 8 :2 و109.
23) تقدم في ص 32.
24) بحوث في علم الاُصول 28 :1.
25) بحوث في علم الاُصول 28 :1.
26) بحوث في علم الأصول 28 :1.
27) بحوث في علم الاُصول 29 :1.
28) كفاية الاُصول : 449.
29) تقدم في ص 12.
30) محاضرات في اُصول الفقه 18 :1.
31) محاضرات في اُصول الفقه 18 :1.
32) سبق في ص 39.
33) بحوث في علم الاُصول 41 :1.
34) كفاية الاُصول: 8.
35) كفاية الاُصول: 8.
36) بحوث في علم الاُصول 52 :1.
37) الأسفار 33 :1.
38) نهاية الأفكار 15:1.
39) محاضرات في اُصول الفقه 22 :1.
40) نهاية الدراية 26 :1.
................................
...المباحث الاُصولية / ج 1
تقسيم المسائل الاُصولية ...
ملزم لأن يكون البحث في كل علم مقتصراً على العوارض الذاتية لموضوعه، بللا مانع من
البحث فيه عن كل ما له دخل في غرضه المترتب عليه، وإن كان منالعرض الغريب، فلا
يمكن المساعدة عليه، وقد مرّ تفصيله.
تقسيم المسائل الاُصولية
يمكن تقسيم المسائل الاُصولية على أساس اعتبارين:
الأول: على أساس نوع الدليلية والإمتياز بها.
الثاني: على أساس طولية مراتبها ودرجات إثباتها.
أما الأول فلأن المسائل الاُصولية تشترك جميعاً في نقطة واحدة، وهيوقوعها في طريق
عملية الإستنباط لاثبات الجعل الشرعي الكلي بنحو منأنحاء الإثبات، وتختلف في نقطة
اُخرى وهي نوع الدليلية.
ويمكن تصنيفها على أساس هذه النقطة إلى عدة مجموعات:
المجموعة الاُولى: الأدلة العقلية ويندرج فيها كل قاعدة عقليةبرهانيةيمكن وقوعها في
طريق عملية الإستنباط وتعيين الوظيفة تجاه الواقع،وهي على نحوين:
الأول: الأدلة العقلية المستقلة ونقصد بها القاعدة العقلية البرهانية التي
كانبامكان الفقيه أن يقوم باستنباط الحكم الشرعي بها بدون توسيط مقدمةشرعية، وهي
التي تمثل قاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم بهالشرع، بناءاً على ما هو
الصحيح من أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالحوالمفاسد الواقعيتين.
ثم إن هذه الملازمة العقلية المستقلة ثابتة كبروياً، ولكن صغرى هذه الكبرىوهي
ادراك العقل الملاكات الواقعية غير المزاحمة فهي غير ثابتة، حيث إنه لاطريق للعقل
إلى تلك الملاكات في الواقع، وليس بامكانه احرازها بكاملجهاتها، فمن أجل ذلك تكون
هذه الملازمة العقلية عديمة الفائدة في الفقه.
وأما الملازمة بين حكم العقل بحسن فعل أو قبح آخر، وحكم الشرعبالوجوب أو الحرمة،
فهي غير ثابتة كبروياً، وأما صغرى هذه الكبرىفهيثابتة وجداناً.
فالنتيجة: أن هذا النحو من الأدلة العقلية عديمة الفائدة في الفقه، لأنها غيرثابتة
اما كبروياً أو صغروياً.
الثاني: الأدلة العقلية غير المستقلة، ونقصد بها القواعد العقلية التي
يتوقفاستنباط الحكم الشرعي منها على ضم مقدمة شرعية إليها، كمباحثالإستلزامات
العقلية، مثل مقدمة الواجب، ومبحث الضد، والنهي عن العبادة،ومبحث اجتماع الأمر
والنهي، ونحوها، وقد تقدم أنه لا يكفي مجرد ضم مقدمةشرعية إليها في استفادة الحكم
الشرعي فيها، بل تتوقف على ضم كبرى مسألةاُصولية إليها، كمبحث الترتب، أو قواعد باب
التزاحم، أو التعارض، فمنأجلذلك قلنا إنها من المباديء التصديقية للمسائل
الاُصولية، لا أنها بنفسهامسائلاُصولية.
المجموعة الثانية: الحجج والإمارات، وهي تتمثل في أخبار الثقة،وظواهر الكتاب
والسنة، والإجماع المنقول، وكل دليل ثبتت حجيته شرعاً،على أساس الطريقية والكاشفية
النوعية الذاتية.
ثم إن حجية هذه الأدلة شرعاً بتمام اشكالها إنما هي بالإمضاء والتقرير، لابالتأسيس
والجعل الإبتدائي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن هذه المجموعة تمتاز عن المجموعة الاُولى بالذات، أيبالموضوع
والمحمول معاً.
المجموعة الثالثة: الدليل الإستقرائي، وهي تتمثل في الإجماع المحصل،والتواتر،
والسيرة، وغيرها. وذكر أن حجية هذه المجموعة انما هي على أساسالإستقراء، فإن كان
الإستقراء تاماً كانت دليليتها قطعية، وتدخل في كبرىالدليل العقلي الإستقرائي، وإن
كان ناقصاً كانت دليليتها ظنية، وتدخل في الدليلالإستقرائي الظني، والحاكم بحجيته
حينئذ هو الشرع.
ثم إن الإستقراء في هذه المجموعة إذا كان تاماً، فهي تشترك مع المجموعةالاُولى في
أن الحاكم في كلتيهما العقل، ولكنها تمتاز عنها في نقطة اُخرى، وهي أنحكم العقل في
المجموعة الاُولى إنما هو على أساس الدليلية العقلية البرهانية، وفيهذه المجموعة
إنما هو على أساس الإستقراء و حساب الإحتمالات. وإذا كانناقصاً فهي تشترك مع
المجموعة الثانية في الحكم، وتمتاز عنها في الموضوع، فإنهفي هذه المجموعة
الإستقراء الذي يمثل عدداً محدوداً من الأفراد في الخارج، وفيالمجموعة الثانية
طبيعي الظهور بقطع النظر عن أفراده فيه، وطبيعي خبر الثقةكذلك. وحاصل هذا الفرق هو
أن القضية في هذه المجموعة خارجية، وفيالمجموعة الثانية حقيقية، هذا هو المشهور.
ولكن الصحيح في المقام أن يقال: إن حجية هذه المجموعة تقوم على أساساتصالها بزمن
المعصومينعليهم السلام ووصولها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، فإذا كانتكذلك
كانت دليليتها قطعية، وحينئذ فلا تكون من المسائل الاُصولية إذا كانتمضامينها
أحكاماً واقعية، باعتبار أنها واصلة إلينا بالقطع والوجدان، ولايتوقف وصولها على
عملية الإجتهاد والإستنباط بتطبيق كبرى اُصولية علىصغراها. نعم لو كانت مضامينها
أحكاماً ظاهرية، كحجية أخبار الثقة، أوظواهر الألفاظ، لكانت نفس المضامين من
المسائل الاُصولية، وتلك الأدلة أدلةعليها، وأما إذا لم يحرز اتصالها بزمن
المعصومينعليهم السلام، فلا يمكن اثبات حجيتهاعلى مستوى القاعدة العامة، وإن كان
الإستقراء في عصره تاماً.
المجموعة الرابعة: الاُصول العملية الشرعية، ويراد بها ما يستعمله الفقيهكدليل
شرعي مباشر على اثبات الجعل الشرعي الكلي تعذيراً أو تنجيزاً،كالاستصحاب والبراءة
والإحتياط الشرعيين وأصالة الطهارة وأصالة التخييرالشرعية.
وتمتاز هذه المجموعة عن المجموعة الاُولى في سنخ الدليلية موضوعاًومحمولاً، وكذلك
عن المجموعة الثانية والثالثة.
المجموعة الخامسة: الاُصول العملية العقلية، ونقصد بها ما يستعملهالفقيه كدليل
عقلي مباشر لتعيين الوظيفة العملية تجاه الواقع في مواردالشكالبدوي، أو المقرون
بالعلم الإجمالي، سواء أكان بين المتباينين أمبينالأقل والأكثر.
وتمتاز هذه المجموعة عن المجموعة الاُولى، وعن القسم الأول من المجموعةالثالثة في
نوع الدليلية موضوعاً لا محمولاً، وعن المجموعة الثانية والقسم الثانيمن المجموعة
الثالثة موضوعاً و محمولاً، وكذلك عن المجموعة الرابعة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هذا التقسيم إنما هو بلحاظ ما فيالمسائل
الاُصولية من امتياز بعضها عن بعضها الآخر في نوع الدليلية وسنخها،مع ما في هذا
التقسيم من مراعاة المنهج العام المتعارف في الدراسات الاُصوليةفيزماننا هذا.
وأما إهمالنا مباحث الألفاظ في هذا التقسيم، فهو انما يكون من جهة ما أشرناإليه
سابقاً من أنها ليست من المسائل الاُصولية، وإنما هي من المباحث والمباديالتمهيدية
لتكوين المسائل الاُصولية.
وأما الثاني: وهو تقسيم المسائل الاُصولية على أساس طولية مراتبهاودرجات اثباتها،
فقد قسمها السيد الاُستاذقدس سره إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما يوصل إلى الحكم الشرعي الكلي بالعلم الوجداني.
القسم الثاني: ما يوصل إلى الحكم الشرعي الكلي بالعلم التعبدي.
القسم الثالث: ما يعين الوظيفة العملية شرعاً.
القسم الرابع: ما يعين الوظيفة العملية عقلاً. هذا،
والظاهر أن نظرهقدس سره في هذا التقسيم إلى طولية المسائل الاُصولية بلحاظدرجات
اثباتها النتيجة، لا إلى طوليتها في الوقوع في طريق عملية الإستنباط،والقرينة على
ذلك أنهقدس سره لا يرى الطولية بالمعنى الثاني بين القسم الأول والثاني.فإن الفقيه
مع تمكنه من استفادة الحكم الشرعي بالعلم الوجداني، يجوز لهالإكتفاء فيها بالعلم
التعبدي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنهقدس سره يرى الطولية بين بعض أصناف القسم الثاني، فإنالدليل
القطعي سنداً والظني دلالة مقدم في مقام عملية الإستنباط على الدليلالظني سنداً
ودلالة كالكتاب والسنة، فإنه مقدم على أخبار الثقة الظنية سنداًودلالة في مقام
المعارضة وعدم إمكان الجمع بينهما. كما أنهقدس سره يرى الطولية بينبعض أصناف
القسم الثالث أيضاً في مرحلة الإستنباط والتوسيط، فإنالإستصحاب مقدم في هذه
المرحلة على أصالة البراءة الشرعية والإحتياطالشرعي، مع أن جميع هذه الاُصول تندرج
في القسم الثالث. هذا،
ولكن لا يمكن المساعدة على هذا التقسيم في نفسه.
أما القسم الأول، فإن أريد من الدليل القطعي الكتاب والسنة إذا كانا قطعييندلالة
أيضاً، والإجماع المتصل بزمان المعصومينعليهم السلام، ففيه أنه ليس من
المسائلالاُصولية، ولا موضوع لها حينئذ، لأن الحكم الشرعي الذي هو مضمونالكتاب
والسنة واصل إلى المكلف بالقطع والوجدان مباشرة يداً بيد، ولا يتوقفوصوله إليه على
عملية الإجتهاد والإستنباط بتطبيق كبرى اُصولية علىمصاديقها.
وإن أريد منه الملازمات العقلية المستقلة وغير المستقلة، بدعوى أنهامنالمسائل
الاُصولية التي تفيد القطع بالحكم الشرعي فيرد عليه أن الأمرليسكذلك، أما العقلية
المستقلة، فلأن استنباط الحكم الشرعي منها يتوقفعلىمقدمتين:
الاُولى: إحراز الصغرى لها.
الثانية: إحراز أن الأحكام الشرعية تابعة للمباديء والملاكات
الواقعيةفيمتعلقاتها.
أما المقدمة الاُولى: فقد مر أنه لا طريق للعقل إلى إحرازها بتمام حدودها،ومن هنا
قلنا إنها عديمة الفائدة، ولا قيمة لها.
وأما المقدمة الثانية: فهي مسألة نظرية، ولا تكون بقطعية وجدانية، ومنهنا تكون
مورد الخلاف والنزاع حتى بين الأصحاب، فإذن لا يمكن الوصول بهاإلى الحكم الشرعي
بالعلم الوجداني على المستوى العام.
وأما العقلية غير المستقلة، فلأن استفادة الحكم منها تتوقف على ضم مقدمةشرعية، وتلك
المقدمة غالباً تكون ظنية، وعليه فلا تكون النتيجة قطعية، لأنهاتابعة لأخس
المقدمتين.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها قطعية، إلا أنها لا تقع في طريق عمليةالإستنباط
بصياغتها المطروحة وحدها، بل يتوقف وقوعها فيه إلى ضم مسألةاُصولية إليها كمسألة
الترتب أو قواعد باب المزاحمة أو المعارضة، والمفروضأنها ليست من المسائل القطعية
الوجدانية.
فالنتيجة: أنه لا مصداق للقسم الأول، إلا أن يكون المراد من الوصول إلىالحكم
بالعلم الوجداني أعم من الحكم الواقعي والظاهري، ولكن الأمر ليسكذلك، وإلا فلا فرق
بينه وبين القسم الثاني والثالث حينئذ.
وأما القسم الثاني فهو مبني على أن يكون المجعول في باب الأمارات الكاشفيةوالعلم
التعبدي بالواقع، وفي باب الاُصول الجري العملي فحسب تجاه الواقعالمجهول، بدون
الدلالة على الكشف عنه، فعند ئذٍ تمتاز الأمارات عن الاُصولالعملية في سنخ
المجعول، ولكن ذلك غير تام كما حققناه في محله.
فالنتيجة: أن ما أفادهالسيدالاُستاذقدس سره منالتقسيم للمسائلالاُصولية لا يتم.
ويمكن تصنيف المسائل الاُصولية إلى ثلاثة أصناف فحسب:
الأول: الأدلة الإجتهادية، فإنها على الرغم من اختلافها في مراتب الإثباتودرجاته
من ناحية، وفي نوع الدليلية من ناحية اُخرى، ككونه لفظياً أو عقلياًأو تعبدياً كانت
في مرتبة واحدة، بلحاظ مقام عملية الإستنباط والتوسيط.
الثاني: الاُصول العملية الشرعية.
الثالث: الاُصول العملية العقلية.
الوضع ...
الرابع: الوضع
يقع الكلام فيه من عدة جهات:
الجهة الاُولى: في علاقة اللفظ بالمعنى وتفسيرها، وهل هي علاقة ذاتيةبينهما، وتلك
العلاقة الذاتية هي التي تحدث للفظ صفة الدلالة، فيصبح اللفظباكتسابه تلك الصفة
سبباً للإنتقال منه إلى المعنى، أو أنها علاقة وضعية جعلية،وهي التي تحدث للفظ صفة
الدلالة والسببية؟
الجهة الثانية: في تعيين الواضع، وأنه اللَّه تعالى أو غيره.
الجهة الثالثة: في أنواع الوضع امكاناً ووقوعاً.
أما الكلام في الجهة الاُولى: ففيها اتجاهان رئيسيّان:
الإتجاه الأول: أن دلالة اللفظ على المعنى، واستتباع تصوره، تصورهمستندة إلى
العلاقة الذاتية بينهما.
الإتجاه الثاني: أنها مستندة إلى العلاقة الجعلية دون الذاتية.
أما الإتجاه الأول: فلا شبهة في بطلانه إن أريد بالعلاقة الذاتية العلاقة علىمستوى
العلة التامة، ضرورة أن العلاقة لو كانت بهذا المستوى لم يتصور الجهلباللغات
نهائياً، ولا الاختلاف فيها بين الناس قاطبة، وهو كماترى.
وإن أريد بها العلاقة على مستوى الإقتضاء، فهو وإن كان متصوراً في مقامالثبوت، إلا
أنه لا طريق لنا إلى العلم بها على المستوى العام، وعلى تقديرالعلمبها فرضاً إلا
أن من المشاهد والمحسوس خارجاً، أن مجرد العلمبالمناسبةالذاتية بين اللفظ والمعنى
لا يؤثر في تكوين صفة الدلالة له على المعنىواستتباع تصوره تصوره.
ودعوى أن المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى إذا كانت بنحو الإقتضاء، وإن لمتؤثر
في تكوين صفة الدلالة للفظ، إلا أنها تؤثر في أن يكون الوضع على طبقها،مدفوعة بأنه
إن أريد بذلك أن وضع اللفظ للمعنى إذا لم يكن على طبق المناسبةالذاتية بينهما لم
يكن مؤثراً في احداث صفة الدلالة له، فيرد عليه أنه خلافالضرورة والوجدان، فإن
المحسوس والمشاهد في الخارج عند الناس أن وضعاللفظ للمعنى متى تحقق كان مؤثراً في
دلالته عليه، علم الناس بالمطابقة أم لا.وإن أريد بذلك أن الأحسن والاُولى أن يكون
الوضع على طبق المعنى المناسبللفظ ذاتاً، فيرد عليه أن الكلام ليس في أولوية ذلك،
وإنما هو في أصل تأثيرالوضع بدون المناسبة الذاتية، والمفروض أنه يؤثر كانت هناك
مناسبة ذاتاً بينهماأم لا، لأنه تمام العلة للدلالة - كما مر - هذا،
إضافة إلى أن ذلك يتوقف على علم الواضع بالمناسبة بينهما مسبقاً، ولا طريقللواضع
إلى العلم بها، إلا إذا فرض أن الواضع هو اللَّه سبحانه وتعالى، ولكنحينئذ من أين
يعلم أنه تعالى كان يضع الألفاظ بإزاء المعاني على طبق العلائقوالمناسبات الذاتية
بينهما، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون هناك مصلحةاُخرى تدعو الوضع بإزاء المعاني
غير المناسبة.
فالنتيجة: أنه على فرض كون الواضع هو اللَّه تعالى، فلا طريق لنا إلى إحرازأن الوضع
منه يكون على أساس العلائق والمناسبات بين الألفاظ والمعاني.
نظرية الأمر الواقعي ...
تحصل مما تقدم أن هذا الإتجاه لا يرجع إلى معنى محصل.
وأما الإتجاه الثاني: وهو أن تكوين العلاقة بين اللفظ والمعنى إنما هو مستندإلى
الوضع والجعل فحسب، فهو الصحيح. وعلى أساس هذا الإتجاه قد اختلفتأنظار الاُصوليين
حول تعيين حقيقة الوضع بالنحو التالي.
النظرية الاُولى: أن حقيقة الوضع حقيقة واقعية متمثلة في الملازمة بينتصور اللفظ
وتصور المعنى، وهذه الملازمة والإستتباع بينهما أمر واقعي علىحدواقعية سائر
الملازمات الثابتة في لوح الواقع، ولكن تحققها إنما هوبالجعلوالاعتبار.
النظرية الثانية: أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية، ولا واقع موضوعي لها،ويترتب عليها
سببية تصور اللفظ لتصور المعنى.
النظرية الثالثة: أن حقيقةالوضع أمرتكويني نفساني، وهوالتعهد والالتزام.
النظرية الرابعة: أن حقيقة الوضع أمر تكويني خارجي متمثلة في عمليةالقران بين نظرية
اللفظ والمعنى بشكل أكيد بليغ.
نظرية الأمر الواقعي
أما النظرية الاُولى فهي التي اختارها المحقق العراقيقدس سره وأفاد في وجه ذلك:
أن حقيقة الوضع حقيقة واقعية وهي الملازمة بين طبيعي اللفظ وطبيعيالمعنى، وهذه
الملازمة ثابتة في لوح الواقع ونفس الأمر، كسائر الملازماتالواقعية، مثل الملازمة
بين زوجية الأربعة وانقسامها إلى المتساويين، وبينوجوب شي ووجوب مقدمته، والأمر
بالشي والنهي عن ضده، وهكذا، غايةالأمر أن تلك الملازمات ثابتة من الأزل، ولا تكون
مسبوقة بالعدم،و هذهالملازمة رغم انهاواقعية،و لكنها ليست بازلية، بل هى حادثة
مسبوقةبالعدم،باعتبار أنها تحدث بينهما بعامل خارجي، وهو الجعل والاعتبار، وهذا
لابمعنى أن الاعتبار مقوم لها، وإلا كانت اعتبارية لا واقعية، بل بمعنى أنه
سببلحدوثها وتحققها بين اللفظ والمعنى في الواقع، وتصبح بعد الحدوث حقيقة
واقعيةكسائر الملازمات الواقعية، وإن لم تدخل تحت مقولة من المقولات، كما هو
الحالفي باقي الملازمات، فإنها على الرغم من كونها أموراً واقعية أزلية، غير داخلة
فيشي من المقولات(1).
وقد علق على هذه النظرية السيد الاُستاذقدس سره: بأنه إن أريد بوجود الملازمةبين
طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له وجودها مطلقاً حتى للجاهل بالوضع،فبطلانه من
الواضحات، حيث إنه يستلزم أن يكون سماع اللفظ وتصورهعلةتامة لانتقال الذهن إلى
معناه، ولازم ذلك استحالة الجهل باللغات،وهوكماترى.
وإن أريد به ثبوتها للعالم بالوضع فقط دون غيره، فيرد عليه أن الأمر وإنكان كذلك،
يعني أن هذه الملازمة ثابتة له دون غيره، إلا أنها ليست بحقيقةالوضع، بل هي متفرعة
عليه ومتأخرة عنه رتبة، ومحل كلامنا هنا فيتعيينحقيقة الوضع التي تترتب عليها
الملازمة والانتقال من تصور اللفظإلىتصور معناه(2).
وغير خفي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من التعليق على هذه النظرية مبنيعلى
أن أخذ العلم بالوضع في موضوع نفسه غير معقول، إذ لو كانت هذهالملازمة في صورة
اختصاصها بالعالم بها وضعاً لزم أخذ العلم بالوضع فيموضوع نفسه وهو مستحيل، وحيث
إن استحالة ذلك كانت أمراً مفروغاً عنهعندهقدس سره فلذلك كان ينفي كون هذه
الملازمة في هذه الصورة وضعاً، مع أن ظاهرهذه النظرية أنها بنفسها وضع.
ولكن الصحيح أنه لا مانع من أخذ العلم بالوضع في مرتبة الجعل والاعتبارفي موضوع
نفسه في مرتبة المجعول، وهي مرتبة الملازمة، ولا يلزم منه محذورالدور وتقدم الشي
على نفسه، وعلى هذا فلا مانع من الالتزام بكون نفسالملازمة مختصة بالعالم بها
وضعاً.
والوجه في ذلك ما ذكرناه في غير مورد من أنه لا مانع من أخذ العلم بالحكمفي مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، ولا يلزم منه محذور الدوروتوقف الشي على
نفسه، فإن ما يتوقف على العلم غير ما يتوقف العلم عليه،لأن العلم يتوقف على الجعل،
وهو لا يتوقف عليه، وما يتوقف على العلم - وهوفعلية المجعول - فالعلم لا يتوقف
عليه، فإذن لا دور، وكذلك الحال في المقام، فإنهلا مانع من أخذ العلم بالوضع في
مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبةالمجعول،لأن مرد ذلك إلى أن العلم بجعل الملازمة
في المقام قد اخذ في موضوعنفس هذه الملازمة، ولا يلزم منه المحذور المذكور، فإن
العلم يتوقف على جعلهذه الملازمة، والجعل لا يتوقف عليه، وما يتوقف على العلم هو
الملازمة فيمرتبة المجعول، وهي مرتبة الفعلية، فالعلم لا يتوقف عليها، ونتيجة ذلك
أنحقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية عبارة عن جعل الملازمة بين طبيعي اللفظوالمعنى
مشروطة بالعلم بجعلها كبروياً، فتختص الملازمة حينئذ بالعالم بجعلها.
وقد يعترض على هذا التفسير للوضع، بأنه خارج عن أذهان عامة الناس،لأنه تفسير
بالمعنى المعقد الذي ليس بامكان كل أحد الوصول إليه، إلا أن يكونمن أهل الفن، مع
أن معنى الوضع معنى عرفي ساذج، وبإمكان كل أحد من أهلاللسان إدراكه والوصول إليه.
والجواب: أن معنى الوضع عرفاً معنى بسيط، فإن المتفاهم منه في العرفالعام هو الربط
والعلاقة بين طبيعي اللفظ والمعنى إجمالاً بحيث يستتبع تصورالاول تصور الثاني، ولا
تعقيد فيه، فإن التعقيد إنما هو في تحليل هذا الربطوالعلاقة، وأنها تكوينية أو
اعتبارية، وهل يمكن تخصيصها بالعالم بها أولا؟ومن الواضح أنه لا صلة لهذا التحليل
العقلي المعقد بما هو المتبادر من الوضع عرفاًعلى المستوى العام، والمفروض أن
الأثر، وهو انتقال الذهن من تصور اللفظ إلىتصور المعنى مترتب على مفهومه العرفي،
ولا يرتبط بتحليله العقلي المعقد.
ونظير ذلك المعنى الحرفي، فإن مفهومه العرفي واضح ولا تعقيد فيه، والتعقيدإنما هو
في تحليله العقلي الذي هو خارج عن المتفاهم العرفي، ومن هنا تكون هذهالبحوث بحوثاً
تحليلية لا لغوية صرفة.
فالنتيجة: أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذه النظرية لا يتم.
والصحيح في نقدها أن يقال: إنه إن أريد بالملازمة الواقعية بين طبيعي اللفظوالمعنى
الملازمة بين تصوره في أفق الذهن وتصور المعنى، فيرد عليه أن هذهالملازمة وإن كانت
تكوينية، إلا أنها معلولة للعلم بالوضع في المرتبة السابقة ومنآثاره التكوينية
وغير قابلة للجعل، فلا يمكن أن تكون معنى الوضع.
نظرية الاعتبار ...
وإن أريد بها أنها مجعولة بنفس الوضع والجعل، فيرد عليه أنه لا يعقل أنتكون
الملازمة المذكورة ملازمة واقعية، بداهة أن الجعل إذا كان اعتبارياً،يستحيل أن يكون
المجعول أمراً واقعياً، لأن الجعل عين المجعول ذاتاً، فلا فرقبينهما إلا
بالاعتبار، كالإيجاد والوجود.
وبكلمة، لا يمكن إيجاد الملازمة التكوينية بين اللفظ والمعنى بالاعتباروالجعل،بعد
ما لم تكن ملازمة بينهما ذاتاً وتكويناً.
ودعوى أن إيجاد هذه الملازمة الواقعية بين اللفظ والمعنى بالجعل والاعتبارأمر
وجداني وغير قابل للأنكار، مدفوعة بأن ما هو أمر وجداني هو سببيةتصور اللفظ لتصور
المعنى المترتبة على العلم بالوضع مسبقاً، وليست هنا سببيةوملازمة اُخرى في المرتبة
السابقة الموجودة بالجعل والاعتبار، لكي يقال إنهاعبارة عن الوضع.
فالنتيجة إن هذه النظرية لا ترجع إلى معنى محصل .
نظرية الاعتبار
وأما النظرية الثانية وهي نظرية أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية، فقداختلفت كلمات
الاُصوليين حول تفسيرها على أقوال:
القول الأول: إن حقيقة الوضع عبارة عن جعل اللفظ على المعنى في عالمالاعتبار، كجعل
الإشارة الحمراء على مواقع معينة في عالم الخارج، لتكونعلامة على الخطر، أو جعل
العلم على رأس الفرسخ - مثلاً - ليكون علامة عليه.
وقد اختار هذا القول المحقق الأصبهانيقدس سره، وأفاد في وجه ذلك، أن سنخوضع اللفظ
بإزاء المعنى كسنخ وضع الإشارات الحمراء على أماكن معينة فيالطرقات والمطارات
والمحطات، للدلالة على وجود الخطر، غاية الأمر أن هذاوضع خارجي، وذاك وضع
اعتباري(3).
وقد أورد على هذا القول السيد الاُستاذقدس سره بأمرين:
أحدهما: أن وضع اللفظ ليس من سنخ الوضع الحقيقي، وأفاد في وجهذلك،أن الوضع الحقيقي
الخارجي يتقوم بثلاثة أركان: الموضوع وهو الإشارةالحمراء مثلاً، والموضوع عليه وهو
المواقع المعينة، والموضوع له، وهو الخطر.وهذا بخلاف الوضع في باب الألفاظ، فإنه
يتقوم بركنين: الموضوع وهو اللفظ،والموضوع له وهو دلالته على معناه، ولا يحتاج إلى
شي ثالث حتى يكون ذلكالشي هو الموضوع عليه، واطلاقه على المعنى الموضوع له لولم
يكن من الاغلاطالظاهرة فلا أقل من أنه لم يعهد في الإطلاقات الشائعة المتعارفة، مع
أن لازمالقول المذكور أن يكون المعنى هو الموضوع عليه.
وثانيهما: أن الوضع بهذا المعنى خارج عن أذهان عامة أهل اللسان واللغة،لأنه معنى
دقيق خارج عن مستوى فهم العموم، مع أن معنى الوضع معنى عرفيعام، ومفهوم لكل أهل
لغة بالنسبة إلى لغته، وعليه فلا يمكن أن يكون هذاهومعنى الوضع(4).
ولنا تعليق على كلا الأمرين:
أما الأمر الأول، فلأنه إن اُريد بأن وضع اللفظ للمعنى ليس من سنخ الوضعالحقيقي،
حيث انه اعتباري وذاك خارجي، فهو وإن كان صحيحاً، إلا أن القائلبهذا القول لا يدعي
ذلك، بل هو يدعي أن سنخ وضع اللفظ كسنخ الوضعالحقيقي في الكيفية والصياغة، لا في
كل الجهات.
وإن أريد بذلك أن وضع اللفظ يتقوم بركنين هما الموضوع والموضوع له، والوضع
الحقيقييتقوم بثلاثة اركان:الموضوع و الموضوع له والموضوع عليه،فيرد عليه أن هذا
المقدار من الاختلاف بينهما إنما هو من لوازم خارجية الوضعالحقيقي، فإن الوضع فيه
لا يمكن بدون الموضوع عليه، وهذا بخلاف وضع اللفظللمعنى، فإنه حيث كان اعتبارياً
فلا يتطلب وجود الموضوع عليه في الخارج،ومن الواضح أن التشبيه ليس من هذه الناحية،
بل التشبيه إنما هو في الكيفيةوالصياغة، فكما أن وضع العلم على رأس الفرسخ للدلالة
على مقدار محدد منالمسافة، ووضع الإشارة في موقع خاص للدلالة على وجود الخطر فيه،
وحيثإنه خارجي، فيتوقف على وجود الموضوع عليه في الخارج، فكذلك وضعاللفظ للمعنى
للدالالة عليه، وحيث إنه اعتباري، فلا يتوقف على وجودالموضوع عليه في الخارج.
وبكلمة إن صياغة الوضع في كلا الموردين واحد، فإن الواضع كما يضعالإشارة الحمراء
على موضع معين، أو العلم على رأس الفرسخ للدلالة علىوجود الخطر فيه أو على مقدار
المسافة، كذلك يضع اللفظ للدلالة على معناهالموضوع له، فالوضع في كلا الموردين من
أجل هذه الغاية، وهي الدلالة علىالمعنى المقصود، غاية الأمر أن الوضع في الأول بما
أنه خارجي فلابد أن يكون فيمكان، وفي الثاني بما أنه اعتباري فلا يحتاج وجوده إلى
ذلك.
وإن أريد به أن لازم هذا القول كون المعنى الموضوع له هو الموضوع عليه،وهذا غير
صحيح بل هو غلط، فيرد عليه أنه لا مانع من اطلاق الموضوع عليهعلى المعنى الموضوع
له، غير أن الوضع إن كان خارجياً كان متوقفاً على وجودالموضوع عليه في الخارج، وإن
كان اعتبارياً، كان متوقفاً على وجود الموضوععليه في عالم الاعتبار، فإذن اطلاق
الموضوع عليه على المعنى باعتبار أن اللفظقد وضع عليه في عالم الاعتبار، واطلاق
الموضوع له عليه باعتبار دلالته عليه،ولا مانع من هذين الإطلاقين بلحاظين مختلفين.
ودعوى أن مجرد ذلك لا يكفي في صحة الاطلاق، بل لابد فيها أن يكونالموضوع له
والموضوع عليه متعدداً، مدفوعة بأنه إن أريد بالتعدد كونالموضوع له والموضوع عليه
موجودان متباينان، فيرد عليه أن هذا غير معتبرجزماً، لأنه غير متوفر حتى في الوضع
الحقيقي، فضلاً عن الوضع الاعتباري،حيث إن المعنى الموضوع له فيه حالة وصفة للموضوع
عليه كالخطر أو رأسالفرسخ أو غير ذلك من الحالات والصفات، فلا يلزم أن يكون
الموضوع لهموجوداً مستقلاً في قبال الموضوع عليه. وإن اُريد به الأعم منه ومن
التعددالاعتباري، ففيه أن التعدد الاعتباري موجود في المقام أيضاً كما مرّ.
وخلاصة هذا القول إن وضع اللفظ للمعنى في عالم الاعتبار والذهن، كوضعالعلم على رأس
الفرسخ في عالم الخارج أو وضع الإشارة الحمراء على مكانمعين فيه ليس في خارجيته،
بل في الصياغة والسببية للدلالة، فكما أن الوضعالحقيقي منشأ للدلالة على المعنى
الموضوع له فكذلك الوضع الاعتباري، وحيثإن في عالم الاعتبار لا معنى للوضع فيه إلا
بالاعتبار والجعل، لأن الوضع بمعناهالحقيقي لا يتصور فيه، فحينئذ بطبيعة الحال
يكون مردّه إلى جعل اللفظبإزاءالمعنى.
فالنتيجة: أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول لا يتم.
وأما الأمر الثاني فلأن تفسير الوضع بهذا المعنى ليس تفسيراً معقداًوخارجاً عن
أذهان عامة الناس، بل هو تفسير بالمعنى العرفي.
ومع الإغماض عن ذلك وتسليم أنه تفسير معقد، ولكنه لا يمنع عن كونهتفسيراً لمعنى
الوضع، لأن الكلام ليس في بيان مفهوم الوضع عرفاً، حيث إنهواضح ومبين لكل أهل لغة
بالنسبة إلى لغته كما مر، وإنما الكلام في تحليل هذاالمفهوم العرفي عقلاً، ومن
الواضح أن هذا التحليل خارج عن أذهان العرفومختص بأهل النظر والفن، ومن هنا يكون
مثل هذا البحث كالبحث عن الإنشاءوالإخبار ومعاني الحروف بحثاً تحليلياً لا لغوياً،
إذ لا يشك أحد في أصل المعنىإجمالاً، وعلى هذا فهذا التفسير وإن كان تفسيراً
معقداً، إلا أنه لا يمنع عن كونهمعنى الوضع تحليلاً. والخلاصة أنه لا أساس لهذا
الإشكال.
ثم إن هنا إشكالين آخرين على هذا القول:
أحدهما: إن مجرد جعل شي على شي آخر حقيقة فضلاً عن جعله اعتباراً لايعطيه صفة يكون
بها سبباً حقيقياً له، حيث إن الوضع الاعتباري لا يكونأحسن حالاً من الوضع الخارجي
الحقيقي، فإن في الوضع الحقيقي لا يكفي مجردوضع الشارة الحمراء على موقع الخطر بغرض
الدلالة عليه، طالما لم يكن ذلكعلى أساس التعهد والالتزام بأن لا توضع الشارة
الحمراء إلا لذلك، وعلى هذا لايكفي في سببية تصور اللفظ لتصور المعنى والانتقال منه
إليه مجرد الوضعالاعتباري مالم تضم إليه عناية اُخرى، كالتأكيد و التعهد
والالتزام، بأنه لا يقومبهذا الوضع إلا للدلالة على المعنى المطلوب، وقد تكفي
عناية اُخرى وحدهاللسببية بين اللفظ والمعنى، بدون حاجة إلى الوضع الاعتباري(5).
ويمكن المناقشة فيه، وحاصلها إن الوضع الاعتباري وحده وإن لم يعطاللفظ صفة الدلالة،
إلا أنه إذا كان جاداً في ذلك ومؤكداً ومتعهداً، بأنه لا يقومإلا لذلك، كان معطياً
له صفة السببية والدلالة، لوضوح أن الواضع الذييكونأمر الوضع بيده إذا قام بعملية
الوضع لا محالة يكون جاداً فيهوملتزماًومتعهداً بأن الهدف من ورائه هو حصول
السببية والملازمة، واحتمالأنه يكتفي بمجرد الاعتبار بدون أن يكون ذلك الاعتبار
مصحوباً بالملابساتوالمؤكدات غير محتمل.
ودعوى أن هذه العنايات الخارجية المنضمة إليه ربما تكفي وحدها لتحققالملازمة، بلا
حاجة إلى الوضع الاعتباري، مدفوعة بأن محل الكلام إنما هو فيالوضع التعييني، وهو
لا يمكن بدون عملية الإنشاء، ولكن هذه العملية إذا كانتمقرونة بالتأكد والتعهد
لأدت إلى تحقق الملازمة والسببية بين اللفظ والمعنى،وأعطت صفة الدلالة له، وكذلك
الحال في الوضع الخارجي، فإن مجرد وضعالعلم على رأس الفرسخ، أو الشارة الحمراء على
موضع معين، لا يكفي ولا يعطيصفة الدلالة لها، بل لابد أن يكون الواضع جاداً في
ذلك، وكان ممن له أنيقومبمثل هذه العملية، كما إذا كان ذلك من قبل الحكومة، فإنه
حينئذ يعطيصفة الدلالة لها.
والخلاصة أن من المستبعد جداً أن يريد المحقق الأصبهانيقدس سره من الوضع
مجردالاعتبار والجعل، أي جعل اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار، لوضوحأنالوضع لا
يتحقق بذلك، ويتوقف تحققه على أن يكون الواضع جاداًفيهومتعهداً، وكانت عملية الوضع
بيده، فإذا كان كذلك كان معطياً صفةالدلالةللفظ.
وثانيهما: أنه فرق بين العلقة الوضعية الثابتة بين اللفظ والمعنى والعلقةالوضعية
الثابتة بين العلامات الخارجية وذيها، فإن العلاقة بين اللفظ والمعنىعلاقة تصورية
والعلاقة بين العلامات الخارجية وبين ذيها علاقة تصديقية،فإذن لايصح جعل وضع اللفظ
كوضع العلامات الخارجية واعتبارهما منوادٍ واحد(6).
ويمكن المناقشة فيه أيضاً، وحاصلها إن منشأ هذا الفرق هو الفرق في موطنالعلاقة بين
اللفظ والمعنى وموطن العلاقة بين العلامات الخارجية وذيها، فإنموطن العلاقة في
الأول عالم الذهن، فلذلك تكون تصورية، وموطن العلاقة فيالثاني عالم الخارج، فلذلك
تكون تصديقية، حيث إن الملازمة بين وجودين فيالخارج لا يمكن أن تكون تصورية، كما
أن الملازمة بين وجودين في الذهن لايمكن أن تكون تصديقية، وعليه فهذا الفرق بين
الوضعين انما هو من ناحيةالفرقفي موطن العلاقة، وأما من حيث نفس صياغة الوضع
وكيفية الدلالة،فلا فرق بينهما.
هذا إضافة إلى أن هذا الفرق لا يمنع عن تفسير الوضع بوضع اللفظ على المعنىفي عالم
الاعتبار، تشبيهاً بوضع العلامات الخارجية على أماكن معينة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا بأس بهذا القول، شريطة أنيكون الوضع
كذلك مقروناً بالتأكد والتعهد، فإنه إذا كان كذلك تحقق الوضع،وهذا ليس عناية زائدة،
فإن الواضع إذا كان في مقام عملية الوضع وكانتالعملية بيده فلا محالة يكون جاداً
فيها ومتعهداً بها، وإلا فلا يكون في هذا المقام،وهو خلف، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه لا فرق في المعنى والجوهر بين القول بوضع اللفظ علىالمعنى في
عالم الاعتبار والقول بوضع اللفظ للمعنى فيه، على أساس أن مرد وضعاللفظ على المعنى
في ذلك العالم إلى اعتباره له، حيث لا يتصور للوضع فيه معنىآخر غير الاعتبار
والجعل.
فالنتيجة أن هذا القول وان أصاب الواقع في روحه وجوهره، ولكنه أخطأفيصياغته.
القول الثاني: إن حقيقة الوضع اعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى،وهذه
الملازمة ملازمة اعتبارية لا واقع موضوعي لها ماعدا اعتبار المعتبر،كسائر الأمور
الاعتبارية الشرعية أو العرفية.
وقد اعترض على هذا القول بأمرين:
أحدهما: ما ذكره بعض المحققين، من أن مجرد جعل الملازمة والسببيةواعتبارها بين
اللفظ والمعنى لا يكفي في تحققها، بل لابد من ابراز نكتة اُخرىكالتعهد والالتزام،
بأن الاعتبار إنما هو من أجل تحقق ذلك. وربما تكفي نفسهذه النكتة لتحققها، بلا
حاجة إلى اعتبار الملازمة بينهما(7).
ويمكن المناقشة فيه بما مر من أن مجرد جعل الملازمة واعتبارها وإن لم يكف فياعطاء
صفة الدلالة للفظ، إلا أنه إذا كان مصحوباً بالملابسات والمؤكدات كفى فيإعطاء هذه
الصفة له، وقد سبق أن تلك الملابسات لا تتوقف على مؤونة زائدةوعناية اُخرى غير
أهلية الواضع وكونه جاداً فيه ولا يريد غير تحقيقه وتحقيق مايترتب عليه من
الملازمة.
وإن شئت قلت: إن عملية الوضع تتوقف على عنصرين:
الأول: أهلية الواضع، بأن تكون عملية الوضع بيده.
الثاني: أن يكون جاداً فيها ومؤكداً على ذلك.
ومع توفر هذين العنصرين يتحقق الوضع، فيعطي صفة الدلالة للفظ، ومنالواضح أن
توفرهما في الواضع في مقام الوضع لا يتوقف على مؤونةزائدةعليهما.
ثانيهما: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنه، إن أريد باعتبار هذه الملازمة
بيناللفظ والمعنى اعتبارها خارجاً فيرد عليه أنه غير معقول، فإن الملازمة بينوجود
اللفظ ووجود المعنى في الخارج ملازمة تصديقية تكوينية، فلا يعقلإيجادها بالاعتبار،
وإن أريد به اعتبارها في عالم الذهن فيرد عليه أنه إن اعتبرتمطلقاً حتى للجاهل
بالوضع فهو لغو، حيث إنه لا يترتب على اعتبارها له أيأثر، فإنه إن علم بالوضع كان
انتقال ذهنه من تصور اللفظ إلى تصور المعنى أمراًضرورياً وغير قابل للجعل
والاعتبار، وإن لم يعلم به كان اعتبارها له لغواً وبلاأثر. وإن اعتبرت للعالم
بالوضع لزم الدور، لأن الوضع حينئذ يتوقف على العلم،بملاك توقف المشروط على شرطه،
والعلم يتوقف على الوضع، بملاك توقفالعلم على معلومه(8).
ولنا تعليق على ذلك، وحاصله أنه لا مانع من تخصيص الوضع، وهو جعلالملازمة بين
اللفظ والمعنى للعالم به، لما مر آنفاً من أن أخذ العلم بالوضع في مرتبةالجعل في
موضوع نفسه في مرتبة المجعول، وهي فعلية الملازمة بمكان منالإمكان، ولا يلزم منه
محذور الدور، لأن العلم يتوقف على الكبرى وهي جعلالملازمة، وهي لا تتوقف عليه، وما
يتوقف على العلم هو المجعول، أي فعليةالملازمة، والعلم لا يتوقف عليه، فإذن لا دور،
ونتيجة ذلك هي أن الملازمة بيناللفظ والمعنى مشروطة بالعلم بجعلها، كما أنا ذكرنا
أنه لا مانع من أخذ العلمبالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول،
ولا محذور فيه، نعموقوعه في الخارج بحاجة إلى دليل، وعلى هذا فبامكان الواضع جعل
الملازمةبين اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم به، فإذا كان في مقام الوضع وكان جاداً
فيهتحقق الوضع، ويترتب عليه أثره، وهو صفة السببية بين اللفظ والمعنى.
وبكلمة، إن عملية الوضع عملية إنشائية، فإذا تحققت هذه العملية ترتبعليه آثارها
التكوينية، وهي الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذهالعملية كما تتحقق
بالصيغة الاُولى، وهي تشبيه وضع اللفظ للمعنى بوضعالعلامات الخارجية على المواقع
المعينة، كذلك تتحقق بهذه الصيغة، وهي جعلالملازمة بين اللفظ والمعنى مشروطة
بالعلم به، ومردّ الصيغة الاُولى أيضاً إلىذلك روحاً. والنكتة فيه أن الهدف من
وراء عملية الوضع هو تحقق الملازمةوالسببية التكوينية بين اللفظ والمعنى، ولا فرق
بين أن يكون تحققها وحصولهابالصيغة الاُولى أو الثانية، على أساس أن كلتا الصيغتين
تتضمن عملية الإنشاء،أي إنشاء الوضع وجعله، فلذلك تشتركان روحاً وجوهراً، وإن كانتا
مختلفتينلفظاً وصيغة.
ودعوى أن موطن هذه الملازمة إما عالم الذهن أو الخارج، ولا ثالث لهما،وعلى كلا
التقديرين لا يمكن جعلها وإنشاؤها، أما على الأول فلأن الملازمة بينوجوديهما في
عالم الذهن ملازمة تكوينية، فلا يمكن انشاؤها بالجعل والاعتبار.وأما على الثاني
فأيضاً الأمر كذلك، لأن الملازمة بين وجوديهما في الخارج لوكانت فهي تكوينية، فلا
يمكن إيجادها بالجعل والاعتبار، مدفوعة بأن موطنهذه الملازمة إنما هو عالم
الاعتبار ولوح الواقع، لا عالم الذهن ولا عالم الخارج،ولهذا يكون المجعول به
الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى، لا بين وجوديهما فيالذهن ولا في الخارج.
القول الثالث: أن حقيقة الوضع تنزيل وجود اللفظ منزلة وجود المعنىفيعالم
الاعتبار، وتترتب عليه آثاره، منها الانتقال إلى تصوره عند الإحساسباللفظ وتصوره.
بيان ذلك أن الموجود على نوعين: أحدهما: الموجود العيني، كالجواهروالأعراض، والآخر:
الموجود الاعتباري. والوضع من النوع الثاني دون الأول،لوضوح أنه ليس من مقولة
الجوهر ولا العرض، وعليه فلابد من تفسيرهبالتنزيل، على أساس أن اللفظ مباين للمعنى
ذاتاً ووجوداً، وحينئذ فترتيبآثاره عليه التي منها انتقال الذهن إليه عند الإحساس
به بحاجة إلى نوع اتحادبين اللفظ والمعنى، بتنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى بوجوده
الخارجي، لكييترتب عليه انتقال الذهن منه إلى تصور المعنى عند تصوره، وبذلك يتحقق
صفةالدلالة للفظ.
وقد أورد السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول بوجهين:
أحدهما: أن تفسير الوضع بهذا المعنى، تفسير بمعنى دقيق ومعقد، وبعيد عنأذهان عامة
الواضعين غاية البعد، ولا سيما القاصرين منهم كالأطفال والمجانين،فحقيقة الوضع
حقيقة عرفية سهل التناول والمأخذ، فلا تكون بهذه الدقة التيتغفل عنها أذهان الخاصة
فضلاً عن العامة.
وثانيهما: أن الغرض الداعي إلى الوضع هو استعمال اللفظ في المعنى ودلالتهعليه
تصوراً أو تصديقاً، فالوضع يكون مقدمة للإستعمال والدلالة، ومنالطبيعي أن الدلالة
اللفظية إنما هي بين شيئين، أحدهما دال والآخر مدلول،وعليه فاعتبار الوحدة بينهما
بتنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى ينافي اعتبارالتعدد بينهما بجعل أحدهما دالاً
والآخر مدلولاً.
وبكلمة: إن الوضع علقة بين وجود اللفظ ووجود المعنى، وهي تقتضيالمغايرة بينهما،
فلا تجتمع مع اعتبار الوحدة(9).
ولنا تعليق على كلا الإيرادين.
أما الإيراد الأول، فقد تقدم أن هذه البحوث بحوث لفظية تحليلية لا لغويةمحضة، إذ لا
يواجه أحد الشك في أصل معنى الوضع ارتكازاً، ولا غموض فيهحتى لدى الصبيان
والمجانين، وإنما يواجه الشك في تحليله وبيان حده، وهذاالتحليل وإن كان خارجاً عن
أذهان عامة الواضعين والمستعملين، إلا أن ذلك لايمنع عن كونه معنىً تحليلياً للوضع،
لوضوح أن عجزهم عن تحليل معنى الوضعلا يدل على أنه ليس تحليلاً لمعناه العرفي
المرتكز في ذهن كل أحد.
وعلى الجملة فالبحث عن حقيقة الوضع وأنها حقيقة اعتبارية ونوعاعتباريتها، أو
التكوينية ونوع تكوينيتها بحث تحليلي لا لغوي، فإذن هذا الإيرادمنهقدس سره في غير
محله.
وأما الإيراد الثاني، فلأن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى في
عالمالاعتبار، لا ينافي تعددهما في عالم الخارج، ولا يمنع عن كون أحدهما
دالاًوالآخر مدلولاً، بل نفس هذا التنزيل يدل على التعدد، لا أنه ينافيه.
وإن شئت قلت: إن تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى، إنما هو بهدف جعلهحاكياً عنه
ودالاً عليه، ولا يدل هذا التنزيل على الاتحاد لكي ينافي كون أحدهمادالاً والآخر
مدلولاً، بل يدل على أن ما يترتب من الأثر على المعنى في الخارجيترتب على اللفظ
ببركة هذا التنزيل، والأثر المترتب على المعنى في الخارج، هوالانتقال إلى تصوره عند
الإحساس به فيه، وبتنزيل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياًللمعنى يترتب عليه هذا الأثر،
وهو الانتقال إلى تصور المعنى عند الإحساسباللفظ، غاية الأمر يكون الانتقال إلى
تصور المعنى عند الإحساس به خارجاًأمراً طبيعياً، وأما الانتقال إلى تصوره عند
الإحساس باللفظ، فهو إنما يكونبالجعل والتنزيل، فتحصل أنه لا يتم شي من الإيرادين.
ولكن مع هذا يمكن المناقشة في هذا القول، بتقريب أن معنى تنزيل وجوداللفظ وجوداً
تنزيلياً للمعنى، هو جعل اللفظ مصداقاً عنائياً له في الأثر المترتبعلى مصداقه
الحقيقي، فإنه يوسع دائرة أفراد المنزّل عليه، ويجعلها الأعم منالأفراد الحقيقية
والحكمية، مثلاً تنزيل الشارع الفقاع بمنزلة الخمر، معناه أنالحرمة لا تختص
بأفرادها الحقيقية، بل تعم أفرادها العنائية أيضاً. ولكنالتنزيل إنما يصح إذا كان
للمنزل عليه أثر، كما في تنزيل الفقاع منزلة الخمر، وإلافلا يصح، وفي المقام حيث
إنه لا أثر للمنزل عليه فلا معنى للتنزيل، وذلك لأنالأثر المتوهم له فيه هو
الانتقال إلى تصوره عند الإحساس بفرده الخارجيالحقيقي، لكي يكون فرده العنائي مثله
في ذلك الأثر، ولكنه غير ثابت، إذ لاملازمة بين الإحساس بالفرد الحقيقي في الخارج
والانتقال منه إلى تصورالطبيعي في الذهن، فإن الملازمة انما هي ثابتة بين الإحساس
به خارجاًوالانتقال إلى تصور نفسه فيه، لا إلى تصور طبيعيّة. مثلاً إذا رأى زيداً
انتقلذهنه إلى صورته لا إلى صورة الانسان، هذا إذا كان نظر القائل بهذا القول
إلىالتنزيل واقعاً، وأما إذا كان نظره في ذلك إلى جعل اللفظ أداة للمعنى،
واعطاءصفة الدلالة له بذلك، فلا مانع منه.
الى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الهدف من وراء الوضع هو إثباتصفة
الدلالة للفظ، والملازمة بين تصوره والانتقال منه إلى تصور المعنى، بلافرق بين أن
يكون الوضع بصيغة التشبيه أم بصيغة الاعتبار أم التنزيل، والغرضالمطلوب منه يحصل
بكل من هذه الصيغ إذا كانت مقرونة بشروطها، وعلى هذافالمناقشة في هذه الصيغ ترجع
إلى المناقشة في أمر آخر، مثلاً المناقشة في صيغةالتشبيه إنما هي ترجع إلى التشبيه
الحقيقي، وأما إذا كان الغرض منها تقريبالذهن فلا مجال لها، وكذلك في صيغة التنزيل
كما مر.
وبكلمة، إن تفسير الوضع بالتفسيرات الثلاثة المذكورة ليس تفسيراً لحقيقةالوضع، لأن
كل واحد من هذه التفسيرات يقوم على أساس خصوصية منخصوصيات الوضع، فالقول الأول في
تفسير الوضع ينظر إلى أن وضع اللفظيشبه وضع العلامات الخارجية. والثاني ينظر إلى ما
هو لازم الوضع ونتيجته،وهي وجود الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى. والثالث
ينظر إلى أثره،وهو كون اللفظ مرآة للمعنى في مقام الاستعمال.
فالنتيجة: أن هذه الأقوال وإن أصابت في أصل اعتبارية الوضع، إلا أنهاأخطات في صياغة
تفسيرها.
والصحيح في المسألة أن يقال: إن حقيقة الوضع حقيقة إنشائية متقومةبعنصرين:
الأول: العنصر الداخلي، وهو أن الواضع الذي يكون أمر الوضع بيده إذا كانفي مقام
الوضع وكان جاداً فيه فلا محالة يتصور لفظاً خاصاً ومعنىً مخصوصاً،وبعد ذلك يعتبر
هذا اللفظ الخاص إسماً لذاك المعنى المخصوص في عالم الاعتباروالذهن، ويجعل القران
بينهما في هذا العالم مؤكداً ومتعهداً بذلك.
الثاني: العنصر الخارجي، وهو ابراز ذلك القران الاعتباري بالقرانالخارجي بقوله:
سميت المولود الفلاني زيداً مثلاً وهكذا، مؤكداً على ذلكوملتزماً بأنه لا يريد
بذلك إلا اعطاء صفة الدلالة للفظ، فإذا صنع ذلك تحققالوضع، فيتصف اللفظ حينئذ بصفة
الدلالة والسببية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائح التالية:
الاُولى: أن المسائل الاُصولية جميعاً تشترك في نقطة واحدة، وهي وقوعهافي طريق
عملية الإستنباط، وتختلف في نقطة اُخرى، وهي نوع الدليلية علىالأنحاء التالية:
الأول: الدليل العقلي، ويندرج فيه كل دليل عقلي برهاني يمكن وقوعه فيطريق عملية
الإستنباط، بلا فرق بين العقلي المستقل والعقلي غير المستقل، نعمفرق بينهما من
ناحية اُخرى، وهي أن العقلي المستقل وإن كان من المسائلالاُصولية كبروياً، إلا أنه
لا طريق لنا إلى احراز صغراه في الفقه، فمن أجل ذلكيكون عديم الفائدة، وأما العقلي
غير المستقل، فقد مر أنه ليس من المسائلالاُصولية، بل من مبادئها القريبة.
الثاني: الحجج والأمارات، ويندرج فيها كل دليل ثبتت حجيته شرعاً علىأساس الطريقية
والكاشفية النوعية.
الثالث: الدليل الإستقرائي، كالإجماع المحصل والتواتر والسيرة، وقد تقدم أنحجية
هذه المجموعة مبنية على أساس إتصالها بزمن المعصومينعليهم السلام، ووصولهاإلينا
يداً بيد وطبقة بعد طبقة، وحينئذ فإن كان وصولها من طريق معتبر كانتحجة شرعاً،
وتكون من المسائل الاُصولية، ولكنها حينئذ تدخل في المجموعةالثانية، وليست مجموعة
اُخرى في مقابلها، وإن كان وصولها من طريق متواترفهي قطعية، وحينئذ فإن كانت
مضامينها أحكاماً واقعية، فهي واصلة إلينابالقطع والوجدان بنفسها ومباشرة، أي بدون
التوقف على عملية الإجتهادوالإستنباط، وحينئذ فلا تكون من المسائل الاُصولية. وإن
كانت مضامينهاأحكاماً ظاهرية، كحجية اخبار الثقة أو ظاهر الكتاب والسنة، أو
الاُصولالعملية، كانت مضامينها من المسائل الاُصولية، وكانت تلك أدلة عليها.
الرابع: الاُصول العملية الشرعية.
الخامس: الاُصول العملية العقلية.
الثانية: أن تقسيم السيد الاُستاذقدس سره المسائل الاُصولية إلى أربعة أقسام
يكونمبنياً على طولية المسائل الاُصولية بلحاظ درجات إثباتها، لا طوليتها
بلحاظوقوعها في طريق عملية الإستنباط كما تقدم.
الثالثة: قد تقدم أن ما ذكرهقدس سره من التقسيم، مما لا يمكن المساعدة عليه
فينفسه، فلاحظ.
الرابعة: أن دلالة الألفاظ على معانيها ليست بالذات، لا بمعنى العلة التامة كماهو
واضح ولا بمعنى الإقتضاء، فإنه وإن كان أمراً ممكناً، إلا أنه لا طريق لنا إلىأن
الوضع يكون على طبق المناسبة الإقتضائية.
الخامسة: أن ما اختاره المحقق العراقيقدس سره من أن حقيقة الوضع حقيقة واقعيةتحدث
بين اللفظ والمعنى بالجعل والاعتبار، لا يرجع إلى معنى محصل، وهذا لامن جهة ما علقه
السيد الاُستاذقدس سره عليه، لما مر من أنه لا يتم، بل من جهة أنه إنأريد
بالملازمة الواقعية بين طبيعي اللفظ والمعنى، الملازمة بين تصوره وتصورالمعنى، ففيه
أن هذه الملازمة وإن كانت واقعية، إلا أنها معلولة للعلم بالوضع فيالمرتبة
السابقة، لا أنها معنى الوضع، وإن أريد به أنها مجعولة بنفس الوضعوالجعل فيرد عليه
أنها حينئذ لا يمكن أن تكون تكوينية، لأن الجعل عين المجعولفلا يعقل أن يكون الجعل
اعتبارياً والمجعول أمراً تكوينياً.
السادسة: أن وضع اللفظ للمعنى كوضع العلامات على مواقع معينة، ولافرق بينهما إلا في
أن الأول أمر اعتباري، والثاني خارجي، فلهذا يحتاج الوضعفي الثاني إلى الموضوع
عليه دون الأول.
السابعة: إن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول فقد مر أنه غير تام.
الثامنة: إن ما اورده بعض المحققينقدس سره من الاشكال على هذا القول،بان مجردذلك
لا يكفي لإعطاء صفة الدلالة والسببية للفظ طالما لم تكن هناك عنايةاُخرى، فقد تقدم
المناقشة فيه، وقلنا هناك أنه لا يحتاج في اعطاء صفة الدلالةللفظ إلى عناية اُخرى
غير كون الواضع جاداً في عملية الوضع وكان أمرها بيدهومؤكداً ومتعهداً بها، ومع
توفر ذلك يتحقق الوضع، فيعطى صفة الدلالةوالسببية للفظ حينئذ، على ما مر تفصيله،
هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرىقدذكرنا فيما تقدم أنه لا بأس بهذا القول روحاً
وجوهراً، وإن كان خاطئاًفيصياغته.
التاسعة: أن حقيقة الوضع اعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى، وهذهالملازمة
ملازمة اعتبارية. والمناقشة في هذا القول بأن مجرد ذلك لا يكفي طالما لمتكن هناك
عناية فقد تقدم أنها غير صحيحة، كما أن المناقشة من السيدالاُستاذقدس سره فيه بأن
اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى إن كان خارجاً فهو غيرمعقول، وإن كان ذهناً فإن
كان مطلقاً حتى للجاهل بالوضع فهو لغو، وإن كانمختصاً بالعالم به لزم الدور غير
تامة، لما ذكرناه من أنه لا يلزم الدور من تخصيصالوضع بالعالم به إذا كان بلحاظ
تعدد المرتبة، بأن يؤخذ العلم بجعل الملازمة فيموضوع نفسها في مرتبة اُخرى.
العاشرة: أن حقيقة الوضع تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى. وأورد عليهالسيد
الاُستاذقدس سره باشكالين، وتقدم أن كلا الإشكالين غير تام، وقلنا هناك إنغرض
القائل من التنزيل ليس هو التنزيل الحقيقي، بل غرضه الوضعواختصاص اللفظ بالمعنى
لاعطاء صفة الدلالة والسببية له.
الحادية عشرة: إن الأقوال الثلاثة المذكورة وإن أصابت في أصل اعتباريةالوضع، إلا
أنها اخطأت في صياغة تفسيرها.
الثانية عشرة: الصحيح أن عملية الوضع عملية انشائية متقومة بعنصرينرئيسيين:
أحدهما إنشاء الوضع واعتباره ممن بيده ذلك، وكان جاداً فيه ومؤكداًومتعهداً به.
والآخر: ابرازه في الخارج على ما تقدم.
نظرية التعهد ...
نظرية التعهد
وأما النظرية الثالثة فهي التي اختارها السيد الاُستاذقدس سره(10)، و لها مميزات:
الاُولى: أن العلقة الوضعية على أساس هذه النظرية مختصة بما إذا قصدالمتكلم باللفظ
تفهيم المعنى، ونتيجة ذلك اختصاص الدلالة الوضعيةبالدلالةالتصديقية.
الثانية: أن الوضع على ضوء هذه النظرية أمر تكويني نفساني، وهو التعهدوالالتزام في
أفق النفس، وحيث إنه فعل اختياري للنفس فلابد أن يتعلق بفعلاختياري، وهو التلفظ
بلفظ خاص عند إرادة تفهيم معناه، حتى يدل علىأنهأراده منه.
الثالثة: أن القضية المتعهد بها قضية شرطية، مقدمها التلفظ بلفظ خاص،وتاليها إرادة
إفهام معنى مخصوص، ونتيجة ذلك هي أنه لا داعي وراء التلفظبهذا اللفظ الخاص، إلاّ
قصد إفهام ذاك المعنى المخصوص.
الرابعة: أن كل مستعمل واضع حقيقة على أساس هذه النظرية، باعتبار أنهمتعهد بأنه لا
ينطق باللفظ إلا عند ارادة تفهيم معناه الخاص، والغرض أن حقيقةالوضع هي التعهد،
وتعهد كل شخص قائم بنفسه، وهو مسؤول عنه لا عنتعهدات الآخرين.
أو فقل: إن في ضوء هذه النظرية تعهد كل شخص وضع له، ولا يعقل أنيكون وضعاً لغيره
ومحققاً للدلالة على قصد إفهام المعنى له بدون أن يكونمتعهداً وقاصداً تفهيمه، ولا
فرق في ذلك بين الواضع الأول والثاني والثالثوهكذا، إلا في أن الأول أسبق زماناً،
واطلاق الواضع عليه دون غيره انما هوبلحاظ أن غيره تابع له في الوضع.
الخامسة: أن السيرة العقلائية قد استقرت على هذه التعهدات والإلتزاماتفي باب
الألفاظ.
هذه هي المميزات والمفارقات لهذه النظرية عن غيرها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد عبر عن القضية المتعهد بها في كلمات السيد الاُستاذقدس سرهبعدة
تعبيرات وصيغ، أهمها ثلاث صيغ:
الصيغة الاُولى: تعهد المتكلم بأنه كلما قصد تفهيم معنى نطق بلفظ خاص.
الصيغة الثانية: تعهده بأنه كلما نطق بلفظ خاص قصد تفهيم معنى مخصوص.
الصيغة الثالثة: تعهده بأنه لا ينطق بلفظ إلا حينما أراد تفهيم معناه.
وقد علق على هذه الصيغ جميعاً بالتعليقات التالية:
أما على الصيغة الاُولى، فلأن لازمها أن قصد تفهيم المعنى يستلزم النطقباللفظ، دون
العكس الذي هو المطلوب، لأن المقدم في القضية الشرطية المتعهدبها النطق باللفظ،
والتالي قصد إفهام المعنى، وهذه الصيغة لا تدل على ذلك.
وأما على الصيغة الثانية، فلأنها وإن كانت محققة للمطلوب، وهو أنه كلمانطق باللفظ
فهو قاصد تفهيم معناه، إلا أنه ليس بعقلائي، لأن لازم ذلك هو أنالدافع لقصد تفهيم
المعنى هو النطق باللفظ، مع أن الأمر بالعكس.
وبكلمة، إن مفاد هذه الصيغة أن الإتيان باللفظ هو الذي يدفع المستعمل إلىإرادة
معناه رغم أن الأمر بالعكس تماماً، فإن إرادة المعنى هي التي تدفع الانسانإلى
التكلم باللفظ.
وأما على الصيغة الثالثة، فلأنها وإن كانت محققة لما هو المطلوب منالنظرية، وهو أن
المتكلم يتعهد بأنه لا يأتي باللفظ إلا حينما يكون قاصداًتفهيمالمعنى، فالتعهد
كذلك محقق للملازمة بين اللفظ والمعنى، غير أنهينطويعلى تعهد ضمني بعدم الاستعمال
المجازي، وواضح أن الواضع لا يعنيالتعهد بعدم المجاز(11).
ولنأخذ بالنظر على هذه التعليقات:
أما التعليق على الصيغة الاُولى فيمكن دفعه بأن التعهد الذي يمثل علقة بينطرفي
القضية الشرطية المتعهد بها - وهما قصد تفهيم المعنى والنطق باللفظ - يفسرالتلازم
بين التلفظ باللفظ وقصد تفهيم المعنى، ويعطى صفة الدلالة والسببيةللفظ، فإذا تعهد
المتكلم بأنه كلما قصد تفهيم الحيوان المفترس مثلاً نطق بلفظالأسد كان المتفاهم منه
عرفاً أنه إذا لم يقصد تفهيم الحيوان المفترس لم ينطق بلفظالأسد وإن قصد تفهيم
غيره. ونتيجة ذلك انحصار النطق به بما إذا قصد تفهيمالحيوان المفترس لا غيره، وعلى
هذا فلا فرق بين أن يجعل المقدم في القضية قصدإفهام المعنى والتالي فيها النطق
باللفظ وبين العكس، ومن هنا لا فرق بين الصيغةالاُولى والثانية لباً وروحاً، غاية
الأمر يكون المقدم في الصيغة الاُولى بمثابة العلةوالداعي، والتالي بمثابة المعلول
والمدعو، وفي الصيغة الثانية يكون العكس.
وإن شئت قلت: إن هذه الصيغة للتعهد وإن سلمنا أنها بنفسها لا تدل علىتعهد المتكلم،
بأنه كلما تكلم بلفظ الأسد مثلاً أراد تفهيم الحيوان المفترس، إلاأنها تدل على ذلك
بضميمة القرائن الحالية أو المقامية، وهي كون المتكلم في مقامالوضع، واراد اختصاص
اللفظ للدلالة على معناه وضعاً.
ومع الإغماض عن ذلك فالإشكال انما هو على صياغة هذه الصيغة، لا علىأصل النظرية.
وأما التعليق على الصيغة الثانية بأن لازمها أن يكون الإتيان باللفظ هوالذي يدفع
المستعمل إلى إرادة معناه، مع أن الأمر بالعكس، فهو مدفوع، بأنالصيغة المذكورة لا
تدل على ذلك، لأن المتفاهم منها أن النطق باللفظ كاشف عنأنه أراد معناه، لا أنه
علة لإرادته، بقرينة أن المقدم في القضية الشرطية المتعهدبها وهو النطق باللفظ
معلول للتالي في القضية وهو إرادة معناه، فلذلك تدلالقضية على أنه كاشف عن علته
وداعيه وهو قصد تفهيم معناه، وأنه هو الذييدفعه إلى النطق به ثبوتاً.
وبكلمة إن ما في التعليق من أن هذه الصيغة غير عقلائية، بلحاظ أنه جعلفيها المقدم
والعلة النطق باللفظ، والتالي والمعلول إرادة تفهيم معناه، فلا يمكنالمساعدة عليه،
لأن المقدم في القضية الشرطية قد يكون العلة، والتالي معلوللها، ويكون مفادها
حينئذ ترتب التالي على المقدم ثبوتاً واثباتاً، وقد يكونالمقدم فيها المعلول،
والتالي علة له، ويكون مفادها حينئذ ترتب التالي علىالمقدم إثباتاً، وأما ثبوتاً
فيكون الأمر بالعكس، وما نحن فيه من قبيل الثاني،فإن المقدم في القضية الشرطية
المتعهد بها وهو النطق باللفظ يكون معلولاً للتاليفيها وهو إرادة تفهيم معناه،
ولكنه يقوم مقام العلة، وعلى هذا فلا يكون مدلولالقضية كون المقدم هو العلة
والدافع للتالي، بل مدلولها كونه كاشفاً عن علته،بمعنى أن التالي يترتب على المقدم
اثباتاً، وهو مترتب على التالي ثبوتاً،وهذاأمرمعتاد في القضايا الشرطية ومتعارف،
وليس على خلاف الأمر المعتادوالمتعارف لدى العقلاء.
والخلاصة: أن المتكلم في مقام الوضع إذا تعهد بأنه كلما تلفظ بلفظ الأسد مثلاًأراد
تفهيم الحيوان المفترس كان المتفاهم منه أن لفظ الأسد دال على إرادة التفهيموكاشف
عنها، لا أن التلفظ به دافع إليها، وذلك بقرينة أنه معلول للإرادة.
فالنتيجة: أنه لا بأس بهذه الصيغة، وانهاتحقق المطلوب وتعطى صفةالدلالةوالسببية
للفظ باعتبار أن المقصود بها إيجاد الملازمة بين طرفي القضيةالشرطية المتعهد بها.
وأما التعليق على الصيغة الثالثة بأنها تتضمن تعهداً ضمنياً بعدم
الاستعمالالمجازي، فيرد عليه أنها لا تتضمن ذلك التعهد ضمناً ولا تدل عليه، فإن
مفادهاأنه لا ينطق بلفظ إلا حينما أراد تفهيم معناه، وواضح أن المراد بعدم النطق
بلفظعدم النطق به مجرداً عن القرينة، على أساس أن المقام مقام الوضع، ولا تدل
علىعدم النطق بلفظ مقروناً بالقرينة، إذا أراد تفهيم معناه المجازي، وعلى هذا
فمدلولالصيغة إن كان أنه لا ينطق بلفظ مجرداً عن القرينة إلا حينما أراد تفهيم
معناهالحقيقي، كان لازمها أنه لا ينطق بلفظ مصحوباً بالقرينة إلا حينما أراد تفهيم
معناهالمجازي، وإن كان أنه لا ينطق بلفظ مطلقاً لا مجرداً ولا مصحوباً بالقرينة
إلا حينماأراد تفهيم معناه الأعم من الحقيقي والمجازي، كان لازم ذلك دلالة الصيغة
علىالتعهد الضمني بالاستعمال المجازي، لا على عدم التعهد الضمني به. وإن شئتقلت:
إنه لا مانع من تقييد التعهد الوضعي بعدم الإتيان بالقرينة المتصلةالصارفة، وأما في
حال الإتيان بها، فلا يكون تعهد وضعى.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن التعليقات المذكورة علىصيغ هذه
النظرية غير تامة روحاً وجوهراً، فإذن لا مانع من تفسيرها بإحدىالصيغ المتقدمة.
هذا،
ولكن مع ذلك يمكن نقد هذه النظرية بوجوه:
الأول: أن المرتكز عند العرف والعقلاء هو أن التعهد والالتزام النفسانيمتفرع على
الوضع في المرتبة السابقة ومترتب عليه، لا أنه هو الوضع، لوضوحأن تعهد المتكلم
بأنه كلما نطق باللفظ الفلاني أراد معناه في مرتكز نفسه،مبنيعلى الوضع مسبقاً، لا
أنه وضع، لانه تعهد شخصي منه لايناسب الوضعكقانون عام.
الثاني: أن الوضع موجود منذ نشوء ظاهرة اللغة في مجتمع الانسان البدائي،لأن الانسان
في العهود الاُولى لا يدرك ماعدا احساساته الأولية ومتطلباتحياته الضرورية، مع أن
الوضع على ضوء هذه النظرية أمر عقلائي، ولابد منافتراضه في مجتمع عقلائي متكامل،
وهو التعهد بأحد طرفي القضية الشرطيةالتعهدية إلى طرفها الآخر، والفرض أن ظاهرة
اللغة موجودة في حياة الانسانالبدائي قبل أن يصبح مجتمعه مجتمعاً عقلائياً وتتكامل
مدركاته العقلائية.
الثالث: أن لازم هذه النظرية عدم تحقق الإشتراك اللفظي في اللغات نهائياً،وواضح أنه
لا يمكن الالتزام بذلك، فإن وجود المشترك اللفظي في اللغاتأمرلايقبل الشك، وأنه من
ضروريات اللغات، وهذا دليل على عدم صحةهذهالنظرية.
ودعوى أن الإشتراك في اللغات ناشي من الإختلاط فيها، فان في العصورالقديمة حيث كان
لأهل كل قرية أو بلدة لغة خاصة بهم، على أساس عدم توفروسائل الإتصال والإختلاط بين
القرى والبلدان، ولكن بعد توفر هذه الوسائلوتطورها وتوسعها، واتصال القرى والبلدان
بعضها ببعضها الآخر،اختلطتاللغات بعضها بالآخر، وحدث الإشتراك اللفظي فيها، فلا
يكونمنشؤه الوضع.
مدفوعة بأن ذلك لا يمكن أن يكون منشأ الإشتراك اللفظي في تمام اللغات،نعم يمكن أن
يكون ذلك منشأً له بنحو الموجبة الجزئية. ومن هنا لا يختصالإشتراك باللغات
العالمية، بل هو موجود حتى في اللغات المحلية، ولا سيما فيالأعلام الشخصية.
الرابع: أن لازم هذه النظرية انقلاب المستعمل واضعاً، وهذا خلاف المرتكزالقطعي، حيث
إن المرتكز لدى العرف والعقلاء كون الاستعمال فرع الوضعومترتب عليه، لا أنه الوضع،
ويظهر ذلك بجلاء في الأعلام الشخصية.
الخامس: أن لازم هذه النظرية كون الدلالة الوضعية تصديقية لاتصورية،مع أن الأمر ليس
كذلك، إذ لا شبهة في أن الدلالة التصورية مستندةإلى الوضع، وهذا يدل على أن الوضع
غير التعهد.
وإن شئت قلت: إنه لولم يكن هناك دليل على بطلان هذه النظرية، لم يكندليل على تعين
الأخذ بها في مقابل نظرية الاعتبار، بل العكس هو المتعين كما مر.
ودعوى أن الدليل على صحة هذه النظرية موجود، وهو أن الغرض من وراءالوضع والدافع
إليه هو التفهيم والتفهم بين أهل كل لغة في جميع ما يحتاجون إليهمن الأمور
الإجتماعية والفردية والمادية والمعنوية، ومن الواضح أن الوضع يتبعالغرض الداعي
إليه في السعة والضيق، فلا يمكن أن تكون دائرة الوضع أوسع مندائرة الغرض، وإلا
لكان لغواً، وعلى هذا فلا محالة تختص العلقة الوضعية بما إذاقصد المتكلم تفهيم
المعنى من اللفظ.
مدفوعة بأن الغرض من الوضع وإن كان ذلك، إلا أنه ليس بمثابة العلةالتامة، بحيث يدور
الوضع مداره وجوداً وعدماً وسعة وضيقاً، بل هوبمثابةالحكمة له الموجبة لخروج الوضع
عن اللغوية، ولا مانع من تخلفهافيبعضالموارد، أو فقل إن قصد التفهيم من الداعي
للوضع وجهة تعليلية لاتقييدية. هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن تحقق هذا الغرض وحصوله يتوقف على دلالة تصوريةفي المرتبة
السابقة، حيث إنه لا يمكن تحقق الدلالة التصديقية بدونها، وعلى هذافلا مانع من وضع
طبيعي اللفظ للمعنى بدون أخذ أي شي فيه ولا في العلقةالوضعية، وتكون نتيجة إيجاد
التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى واعطاءصفة الدلالة التصورية له، ولكن هذا
الوضع انما هو بغرض أن الوصول إلىالدلالة التصديقية يتوقف على الدلالة التصورية،
ولا يمكن تحققها بدونها، فإذنيكون الغرض من وضع اللفظ بإزاء ذات المعنى انما هو
بداعي الوصول إلىالدلالة التصديقية، وتوقفها عليها، وعليه فلا يكون هذا الوضع
لغواً.
ودعوى أن الدلالة التصديقية، وإن كانت تتوقف على الدلالة التصورية،على أساس أن
التصديق لا يمكن بدون التصور، إلا أن القائل بالتعهد يقول، بأنالدلالة التصورية
مستندة إلى الاُنس الحاصل من وضع اللفظ بإزاء المدلولالتصديقي، فلا حاجة إلى
الوضع.
مدفوعة بأنها لا يمكن أن تستند إلى الاُنس، ضرورة أن الاُنس مستند إلىالوضع،
ولولاه فلا اُنس في البين، فإذن استنادها إليه استناد إلى الوضع.
نظرية الاقتران ...
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الدلالة الوضعية على ضوء نظريةالتعهد
دلالة تصديقية، وأما الدلالة التصورية فهي مستندة إلى الاُنس الذهني.وأما على ضوء
نظرية الاعتبار، فالدلالة الوضعية دلالة تصورية، وأما الدلالةالتصديقية فهي مستندة
إلى ظهور حال المتكلم، فإذا صدر كلام من متكلم مختارشاعر كان دالاً على أنه أراد
تفهيم معناه، وهذه الدلالة على ضوء نظرية التعهدتستند إلى الوضع، لا إلى ظهور حال
المتكلم، وعلى ضوء نظرية الاعتبارتستندإلى ظهور حال المتكلم، لا إلى الوضع.
نظرية الاقتران
وأما النظرية الرابعة فهي النظرية التي اختارها بعض المحققينقدس سره، وهي أنالوضع
ليس أمراً اعتبارياً ومجعولاً من المجعولات الإنشائية والاعتبارية، وانماهو أمر
تكويني يتمثل في اشراط مخصوص بين اللفظ والمعنى المحقق لصغرىقانون الاستجابة
الشرطية الذي هو قانون طبيعي عام(12).
بيان ذلك: إن الدلالات تصنف إلى ثلاثة أصناف:
الأول: الدلالة التكوينية الأولية، وهي انتقال الذهن إلى صورة الشيء عندالإحساس
به، كما إذا رأى أسداً في الخارج، فإن ذهنه ينتقل إلى صورتهمباشرة، ويسمى هذا في
الإصطلاح الحديث بالاستجابة الطبيعية الأوليةللإحساس بالشيء، وإذا سمع صوتاً
انتقلت صورته إلى الذهن، وهكذا، وهذاقانون أولي تكويني عام.
الثاني: الدلالة التكوينية الثانوية، وهي الانتقال إلى صورة الشيء من طريقإدراك
مشابهه، كما إذا رأى صورة أسد في جدار، فإن الذهن ينتقل إلى هذهالصورة مباشرة،
وبواسطتها ينتقل إلى صورة الأسد، ومن هذا القبيل ما إذا سمعصوت زيد، فإن ذهنه
ينتقل إلى صورة الصوت أولاً، ثم إلى صورة زيد،وهكذا. ويسمى هذا بالاستجابة الطبيعية
الثانوية للإحساس بالشيء، وهذاقانون ثانوي تكويني عام.
الثالث: الدلالة التكوينية الناشئة من العامل الخارجي دون العامل الطبيعي،وهي
انتقال صورة الشي إلى الذهن بإدراك ما يجده مقترناً ومشروطاً بذلك الشيعلى نحو
أكيد بليغ ، بحيث يصبح القرين بمثابة القرينة، فيوجب انتقال الذهن إلىصورة ذلك
الشي، وتسمى هذه الدلالة بالاستجابة الذهنية الشرطية، كما يسمىالمقترن والمشروط به
المنبّه الشرطي، وهذا النوع من الدلالة المسماة بالاستجابةالذهينة الشرطية موجود في
كافة جوانب حياة الانسان الإعتيادية، فإذا سمعصوت زيد مثلاً وعلم بأنه صوته، كرر
ذلك السماع أمام احساسه به، فلا محالةيؤدي ذلك التكرار إلى ترسيخ هذا الاقتران
والاشراط بينهما في الذهن، بحيثكلما سمع هذا الصوت بعد ذلك، انتقل ذهنه إلى صورة
زيد، أو إذا سمع جرسالباب بصوت معتدل وعلم بأنه من بكر مثلاً وكرر سماعه كذلك
فبطبيعة الحاليؤدي تكراره في نهاية المطاف إلى ترسيخ الاقتران بين سماعه والانتقال
منه إلىصورة بكر، بحيث كلما سمع ذلك الجرس انتقل ذهنه إلى صورة بكر، فالعاملالكمي
المتمثل في تكرار القران بين شيئين هو المؤثر غالباً في إعطاء صفة المنبّهالشرطي
للقرين وهو الجرس أو الصوت في المثال.
وهذه الاستجابة الذهنية الشرطية لا تختص بالحياة اليومية للإنسان، بل تعمالحياة
اليومية للحيوانات أيضاً، وأمثلة ذلك كثيرة في بابها، ومن هذا القبيلالوضع، فإنه
يمثل القران بين اللفظ والمعنى مؤكداً ومترسخاً في الذهن، فيحقق بهالصغرى لقانون
الاستجابة الذهنية الشرطية، وهذا الترسيخ والتركيز الذهني،
تارة: يكون نتيجة العامل الكمي، وهو تكرر القران بين اللفظ والمعنىواستعماله فيه
في الخارج. واُخرى: يكون نتيجة العامل الكيفي، وهو القرانالمكتنف بالملابسات
الخارجية المحقق لصغرى قانون الاستجابة الذهنيةالشرطية، على أساس أنه يوجب ترسيخ
هذا القران بين اللفظ والمعنى في الذهنوتركيزه فيه، بحيث كلما سمع هذا اللفظ انتقل
الذهن إلى معناه، وبذلك يتحققالوضع المتمثل في الإشراط والارتباط بينهما.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الوضع عبارة عن القران بيناللفظ والمعنى
بنحو أكيد مترسخ متركز في الذهن، وهذا التركيز والترسيخالحاصل بينهما في الذهن،
تارة يكون نتيجة العامل الكمي، واُخرى يكون نتيجةالعامل الكيفي، فالوضع على الأول
تعيّني، وعلى الثاني تعييني، وعلى كلاالتقديرين فهو أمر تكويني متمثل في اشراط
مخصوص بين اللفظ والمعنى المحققلصغرى قانون الاستجابة الشرطية.
ويمكن المناقشة في هذه النظرية بتقريب: أن قانون الاستجابة الذهنيةسواء أكانت
طبيعية أولية أم ثانوية أم شرطية فهو قانون عام في حياة الانساناليومية، بل
الحيوان أيضاً، ولا كلام في ذلك. وإنما الكلام في تطبيق قانونالاستجابة الذهنية
الشرطية على وضع اللفظ للمعنى، ولا شبهة في تطبيق هذاالقانون على الوضع التعيّني،
على أساس أنه نتيجة العامل الكمي،و هو كثرةاستعمال اللفظ في المعنى والقران بينهما
خارجاً، فإنها تؤدي إلى تركيزالعلاقةبينهما وترسيخها في الذهن، وبها يتحقق صغرى
قانون الاستجابةالمذكورة، وهي الارتباط والإشراط المخصوص بين اللفظ والمعنى،
وهذاهوالوضع التعيّني.
والخلاصة: أن الوضع التعيني أمر تكويني يتمثل في اشراط خاص بين اللفظوالمعنى الحاصل
بعامل كمي، وهو كثرة الاستعمال والقران.
وأما تطبيق هذا القانون على الوضع التعييني الذي هو محل الكلام فهو لا يخلوعن
اشكال، وذلك لأن عملية الوضع التعييني عملية انشائية اعتبارية، فإنالواضع إذا كان
في مقام الوضع، وكان الوضع بيده وجاداً فيه، فبطبيعة الحاليتصور أولاً اللفظ
والمعنى، وبعد ذلك يجعل هذا اللفظ لهذا المعنى مصحوباًبالقران بينهما خارجاً مؤكداً
ومترسخاً على أنه وضع هذا اللفظ واعتبره له، لكييرتكز هذا الاعتبار المكتنف
بالقران بينهما في الذهن، فيعطي صفة الدلالةوالسببية للفظ، ويظهر ذلك بوضوح في وضع
أعلام الأشخاص.
وبكلمة، إن حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية متمثلة في الملازمة بينتصور اللفظ
وتصور المعنى، ويعبر عن هذه الملازمة في الإصطلاح الحديثبالإشراط المخصوص بين
اللفظ والمعنى الذي هو مصداق لقانون الاستجابةالذهنية الشرطية، ولا شبهة في أن هذه
الملازمة أمر تكويني، وقد مر أنها قدتحصل بعامل كمي تكويني وهو كثرة الاستعمال
والقران، وقد تحصل بعمليةانشائية اعتبارية، وهذا مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في أن حقيقة الوضع هل هي متمثلة في الملازمة المذكورة، التيهي صغرى
لقانون الإستجابة الشرطية وأمر تكويني، أو متمثلة في نفسالعملية الإنشائية
الاعتبارية التي هي فعل الواضع ومنشأ تلك الملازمة؟فعلىالأول يكون الوضع أمراً
تكوينياً وصغرى لقانون الاستجابة، وعلى الثانييكون أمراً اعتبارياً.
والجواب: الظاهر أنها متمثلة في نفس العملية الاعتبارية، وذلك لأمرين:
أحدهما: أنه فرق بين الوضع التعيّني والوضع التعييني في نقطة، وهي أنالوضع
التعيّني في الحقيقة ليس بوضع بمعنى فعل الواضع، بل هو متمثل في أنسالذهن الحاصل
بين اللفظ والمعنى من العامل الكمي التكويني، وهو كثرةالاستعمال والقران بينهما
خارجاً، ومن هنا لا مناص من الالتزام بأن حقيقةالوضع التعيني عبارة عن الأنس الذهني
التكويني الوجداني، بينما الوضع التعيينييمثل فعل الواضع، دون أثره التكويني
المترتب عليه، وهو الملازمة بين اللفظوالمعنى التي هي صغرى لقانون الاستجابة.
فإذن ما هو وضع اللفظ للمعنى فليس صغرى لهذا القانون، وما هو صغرى لهوهو الملازمة
بينهما تكويناً فليس بوضع، بل هو أثره المترتب عليه خارجاً،وعليه فلا موجب لأن يراد
من الوضع الملازمة التي يعبر عنها في الاصطلاحالحديث بالاشراط المخصوص بينهما.
وثانيهما: أن المرتكزات العرفية والعقلائية تشهد بأن الملازمة الموجودة بينتصور
اللفظ وتصور المعنى، انما هي أثر الوضع وناشئة منه، ويكون الوضع منشأًلها، لا أنها
وضع بنفسها، ومن هنا لا خلاف في وجود هذه الملازمة بينهما،والخلاف إنما هو في معنى
الوضع وتفسيره، مع الاتفاق على أن أثره تكويناًالمترتب عليه هو تلك الملازمة، هذا
من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مجرد القران بين اللفظ والمعنى خارجاً لا يحقق صغرىلقانون
الاستجابة، بل يتوقف ذلك على أن يكون القران بينهما مترسخاً ومتركزاًفي الذهن، ومن
الواضح أن ذلك بحاجة إلى عناية اُخرى، وهي أن عملية القرانبينهما خارجاً مسبوقة
بعملية جعلية اعتبارية ممن كانت العملية بيده وكان جاداًفيها ومؤكداً عليها
ومتعهداً بها، وهي عملية جعل اللفظ الخاص اسماً لمعنىكذلك واعتباره له، فإذا كانت
عملية القران مسبوقة بها، أصبحت راسخةفيالذهن وثابتة فيه، وبذلك يتحقق صغرى قانون
الاستجابة الذهنية الشرطيةفي الإصطلاح الحديث.
فالنتيجة: أن قانون الاستجابة الذهنية الشرطية لا ينطبق على الوضعالتعييني، نعم
يكون أثره التكويني - وهو وجود الملازمة وفي الإصطلاح الحديثوجود الإشراط الخاص
بينهما - مصداقاً لهذا القانون، دون نفس الوضع.
نتائج هذه البحوث أمور:
الأول: أن نظرية التعهد تمتاز عن نظرية الاعتبار في نقطتين:
الاُولى: أن الوضع على ضوء نظرية التعهد أمر تكويني وجداني، بينما الوضععلى ضوء
نظرية الاعتبار أمر اعتباري.
الثانية: أن الدلالة الوضعية على أساس نظرية التعهد دلالة تصديقية لاتصورية، بينما
تكون على أساس نظرية الاعتبار تصورية لا تصديقية.
الثاني: إنه فسرت نظرية التعهد بثلاث صيغ مختلفة، وقد علق على هذهالصيغ بتمامها،
ولكن تقدمت المناقشة في هذه التعليقات جميعاً.
الثالث: إنه لا يمكن الالتزام بهذه النظرية على تفصيل قد مر.
الرابع: إن نظرية كون الوضع قران بين اللفظ والمعنى بنحو أكيد، تمتاز عننظرية
الاعتبار في نقطة، وهى أن الوضع على ضوء نظرية القران أمر تكويني،وتمتاز عن نظرية
التعهد في نقطة اُخرى، وهي أن الدلالة الوضعية علىأساسهذه النظرية تصورية لا
تصديقية، بينما تكون على أساس نظريةالتعهدتصديقية.
تشخيص الواضع ...
الخامس: إن قانون الاستجابة الذهينة الشرطية ينطبق على الوضع التعيّنيالذي يكون
نتيجة العامل الكمي، وهو كثرة الاستعمال وتكراره، ولكنه لا ينطبقعلى الوضع التعيني
الذي هو عملية انشائية اعتبارية تصدر من الواضع مباشرة.نعم، ينطبق على أثرها
التكويني المترتب عليها، وهو الملازمة بين الإحساسباللفظ وانتقال الذهن منه إلى
صورة المعنى التي يعبر عنها بالإشراط المخصوصبينهما، وهو صغرى قانون الاستجابة -
كما مر -.
السادس: الصحيح من النظريات في تفسير الوضع هو نظرية الاعتبار، دوننظرية التعهد أو
القران، على تفصيل تقدم.
الجهة الثانية: تشخيص الواضع
فيه قولان:
أحدهما: القول بإلهية الوضع. وقد اختار هذا القول جماعة منهم المحققالنائينيقدس
سره(13).
وثانيهما: القول ببشرية الوضع، وهذا القول هو المعروف والمشهوربينالاُصوليين.
والظاهر أن هذا هو الصحيح والمطابق لما هو الظاهر منذ نشوء ظاهرة اللغةمن عصر
الانسان البدائي إلى العصر الحديث الذي تطورت فيه هذه الظاهرة،وتوسعت واستوعبت
الدقائق الفنية في أوضاع اللغات.
بيان ذلك: أن الله تعالى قد منّ على الانسان بنعمتين: احداهما نعمة العقلوالإدراك،
والأخرى نعمة البيان، بمقتضى قوله عزّ من قائل: »عَلَّمَهُ البَيَان«(14)هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن الانسان بموجب علائقه بالآخرين في متطلبات حياتهاليومية بحاجة
إلى الوسائل والأسباب التي تنقل المعاني المطلوبة إلى أذهانالآخرين الذين يعيش
معهم على وجه الكرة الأرضية، وهذا أمر وجداني فيحياة الانسان حتى قبل نشوء ظاهرة
اللغة، فإنه كان يستخدم الإشاراتوالأصوات والصور لنقل المعاني وإفهام الآخرين، إلى
أن تطور شيئاً فشيئاًونضج فكرياً وعقلياً وتكاملت مدركاته نسبياً، فلم يكف إستخدام
الوسائلالطبيعية البدائية لنقل أفكاره إلىالآخرين فلذلك توسل إلى استخدام
الألفاظالتي هيأكثر تطوراً وأوسع شمولاً واستيعاباً، وهاتان الناحيتان مما لا كلام
فيهما.
وإنما الكلام والخلاف في نقطة اُخرى، وهي أن عملية وضع الألفاظ واللغاتبكافة
أنواعها للمعاني، هل هي من صنع اللَّه تعالى، بمعنى أنه كان بإلهام منهتعالى، أو
من صنع البشر؟ فهذه النقطة هي مورد الخلاف.
والصحيح أنها من صنع البشر، والسبب فيه: أن كون عملية الوضع من صنعاللَّه تعالى
تقوم على أساس نقطة واحدة، وهي عدم تمكن البشر من القيامبالعملية بدون إلهام مباشر
من اللَّه تعالى، رغم أن العملية من متطلبات حياةالانسان اليومية وحاجياته
الضرورية.
ولكن تلك النقطة خاطئة، ولا واقع موضوعي لها، وذلك لما مر من أنالانسان بمقتضى
النعمة الاُولى، وهي نعمة العقل، يدرك ما يتوقف عليه حياتهاليومية، وبمقتضى النعمة
الثانية، وهي نعمة البيان، يتمكن من ابراز ذلكللآخرين باستخدام الوسائل والأسباب
التي تنقل ما في نفسه.
وبكلمة، إن الانسان بموجب هاتين النعمتين، يتمكن من ابراز ما في نفسه منالمطالب
والحاجات والأفكار للآخرين باستخدام الوسائل والأسباب التي تنقلالمعاني، غاية
الأمر أن الانسان في العصر البدائي، أي منذ أن وضع قدمه علىوجه الكرة الأرضية،
وقبل أن ينضج فكره وعقله ما كان يدرك إلا الوسائلالبدائية، كالإشارات وتقليد
الأصوات والصور وغيرها من المنبهات الطبيعية،حيث إن متطلبات حياة الانسان في ذلك
العصر لم تستدع أكثر من استخدام تلكالوسائل البدائية والمنبهات الطبيعية، وأما بعد
نضج الانسان فكرياً وتطورهاجتماعياً وعقلياً وتوسع متطلبات حياته وعدم كفاية
استخدام المنبهات الطبيعيةلسدّ حاجته في نقل الأفكار والمطالب إلى الآخرين، فدعته
الحاجة إلى استخدامالوسائل الأكثر تطوراً والأوسع شمولاً واستيعاباً، وهي متمثلة
في ظاهرةاللغات، على أساس أنها تتطور بتطور المجتمع وتتوسع بتوسعه، لارتباطهاالوثيق
به، ومن هنا كلما نضج المجتمع فكرياً وتطور عقلياً وتوسع ثقافياً تطورتلغاته
وتوسعت كذلك، لأنها جزء المجتمع وحينئذ فمن الواضح أن الانسان هوالذي يقوم بجعل
الألفاظ واللغات وسيلة لنقل المعاني وتفهيم الآخرين بمقتضىنعمة العقل والإدراك،
بدون عناية خاصة من اللَّه تعالى مباشرة وهي الإلهام.
فالنتيجة، أن عملية الوضع من صنع البشر.
أما القول الأول، وهو القول بإلهية الوضع، فقد استدل عليه المحققالنائينيقدس سره
بوجوه:
الأول: إن الوضع عبارة عن إلهام من اللَّه تعالى إلى الانسان في كيفية
استخدامالألفاظ في نطاق الافادة والاستفادة ونقل المعاني والأفكار إلى الآخرين،
وهوبهذا المعنى ليس بأمر تشريعي ولا تكويني، بل هو أمر متوسط بينهما.
أما أنه ليس بأمر تشريعي، فلأن الأمر التشريعي بحاجة إلى إرسال الرسلوانزال الكتب،
كما هو الحال في الأحكام الشرعية، والفرض أن الوضع إنما يكونبإلهام منه تعالى
للناس مباشرة، بدون واسطة نبي أو وصي.
وأما أنه ليس بأمر تكويني فلأنه ليس مما يدركه الانسان مباشرة حسبفطرته الأولية،
كادراكه حدوث العطش و الجوع أو الألم أو ماشاكل ذلك بلاحاجة إلى واسطة، بينما لا
يكون الإلهام من مدركات الانسان مباشرة.
والجواب: إنهقدس سره لم يبرهن في هذا الوجه أن الوضع هو إلهام من اللَّه
تعالى،وإنما برهن فيه أن الإلهام أمر متوسط بين التشريع والتكوين، فلا يكون
منالأول ولا من الثاني هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، انهقدس سره إن أراد من الإلهام إدراك الانسان بموجب نعمةالعقل
كيفية استخدام الألفاظ في مجال نقل المعاني وتفهيم الآخرين، وابراز ما فيذهنه
وقلبه في كل قرن وجيل، فيرده أولاً: إن الإدراك أمر تكويني وجداني، لاأنه أمر متوسط
بينه وبين التشريع. وثانياً: إن الإدراك من مقولة العلم في أفقالنفس، فلا يمكن أن
يكون معنى الوضع. وثالثاً: إن الإدراك إنما هو على أساسنعمة العقل، لا نعمة الوحي.
وإن أرادقدس سره منه نعمة العقل، على أساس أن الانسان بسبب هذه النعمةيتمكن من
استخدام الألفاظ في نطاق الاستفادة والتعبير عما في نفسه واسلوباستخدامها لنقل
المعاني بما يتناسب مع كل لفظ، فيرده أولاً: إن مراده من الإلهامليس نعمة العقل
على أساس مانص عليه بقوله: إنه ليس بأمر تشريعي ولاتكويني، والفرض أن العقل أمر
تكويني. وثانياً: أنه لا يمكن أن يراد من الوضعنعمة العقل، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن عدم كون الوضع أمراً تشريعياً ولا تكوينياً وجداناًلايستلزم
كونه إلهاماً، بل هو أمر اعتباري عقلائي، على تفصيل قد مر.
الثاني: أن الوضع لو كان من صنع البشر لنقل في التاريخ، باعتبار أنه حدثهام وفيه
خدمة كبيرة للبشرية، وكان نقله يصبح من الواضحات، لما مر من أنظاهرة اللغة في كل
مجتمع من أهم مظاهر حياته، وأنها العنصر الأساسي فيتكوين المجتمع وتكامله، ولا
يمكن افتراض خلو مجتمع عن ظاهرة اللغة، وإلالانهار، وفي مثل ذلك لو قام شخص بعملية
الوضع لقام بأكبر خدمة في تاريخالبشرية، ومن الواضح أن ذكره يبقى مخلداً في
التاريخ والأذهان، مع أنه لاعينمنه ولا أثر، وهذا دليل على أن الوضع ليس من صنع
البشر، بل هو بإلهاممناللَّه تعالى.
والجواب: أن هذا الوجه مبني على أن يكون الواضع لكل لغة فرداً معيناً أوجماعة خاصة،
ولكن الأمر ليس كذلك، فإن القائم بعملية الوضع لكل لغة مناللغات جيل من خبراء تلك
اللغة في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر،باعتبار أن اللغة تتطور وتتوسع بتطور
متطلبات حياة الانسان بمختلف جوانبهاوتوسعها، فمن أجل ذلك اشترك في كل عصر جيل من
خبراء اللغة بعمليةالوضع بقدر حاجة ذلك العصر، وحيث إن عملية الوضع كانت عملية
جماعية،وليست من صنع إنسان معين، فلذلك لم يسجل في التاريخ.
والخلاصة: أن عملية الوضع عملية تدريجية، فكلما توسعت الحاجةوتطورت، تطلبت مزيداً
من العملية بقدر اشباعها، وليست العملية من صنعفرد واحد أو جماعة معينة ليكتب في
التاريخ، وعليه فعدم نقل التاريخ واضعالألفاظ واهماله لا يكون دليلاً على أن الوضع
ليس من صنع البشر.
الثالث: أن الوضع لولم يكن إلهياً لم يتمكن جماعة من البشر من إيجاد ألفاظبقدر ما
هو المتداول بين أهل كل لغة لكي يستطيعوا من وضع تلك الألفاظ بإزاءمعانيها، على
أساس كثرة الألفاظ، فما ظنك بفرد واحد.
هذا إضافة إلى أن المعاني غير متناهية، فلا يتمكن المتناهي من تصور المعانيغير
المتناهية، مع أن وضع الألفاظ بإزائها يقتضي تصورها.
والجواب: إن توسعة الألفاظ تتبع توسعة متطلبات حاجة الانسان، وحيثإنها كانت في
العصور الاُولى قليلة وبسيطة فلا يحتاج إلا إلى ألفاظ قليلةلابرازها للآخرين، وكلما
توسعت متطلبات الحياة، توسعت الألفاظ تباعاً،وحيث إن ذلك كان تدريجياً، فمن الواضح
أن خبراء اللغة في كل عصر كانواقادرين على التوسعة واحداث الألفاظ بقدر ما تتطلب
الحاجة إليه.
ومن هنا يظهر أن هذا الوجه مبني على كون حاجة الانسان في العصورالاُولىإلى الألفاظ
بقدر ما يحتاج إليه في العصر الحديث، وهذا خلافالضرورةوالوجدان.
وبكلمة، إن الانسان منذ نشوئه على وجه الكرة يقوم باستخدام الوسائلوالأساليب
الطبيعية لابراز ما في نفسه من المعاني للآخرين، كالإشارات وتقليدالأصوات وإرادة
الرسوم وغير ذلك، وحيث إن الانسان بمرور الزمان في نضجفكرياً وعقلياً وتطور
إجتماعياً فبطبيعة الحال تزيد متطلبات حياته من مختلفالجوانب بما لا يكفي استخدام
الوسائل والأساليب الأولية لابرازها، فلهذا تدعوالحاجة إلى اختيار الوسائل
والأساليب الأخرى التي هي أكثر تطوراً وأوسعشمولاً، وتلك الوسائل متمثلة في
الألفاظ فحسب، وحيث إنها تتوسع من مختلفالجوانب تباعاً لنضج الانسان فكرياً
وعقلياً وتطوره اجتماعياً عصراً بعد عصرفبطبيعة الحال تتطلب مزيداً من الألفاظ،
وبما أن ذلك كان تدريجياً، فقد مرّأنخبراء اللغة في كل عصر قادرون على إحداث ألفاظ
جديدة بقدر حاجةذلك العصر.
فالنتيجة أنه لا أساس لهذا الوجه، ولا مانع من الالتزام بأن عملية الوضع منصنع
البشر، لا بإلهام منه تعالى.
وأما ما ذكر من المبعدات للقول ببشرية الوضع تارة: بأن الانسان ما قبلاللغة
البدائي كيف قدر على الإلتفات إلى امكانية الاستفادة من الألفاظ ووضعهابإزاء
المعاني لولا الإلهام من اللَّه تعالى والتدخل منه بهذا الشأن.
واُخرى: بأن ظاهرة اللغة على ضوء النظريات المعروفة في تفسيرالوضع،تتطلب درجة بالغة
من النضج الفكري والتطور الإجتماعي حتى تؤهلالانسان البدائي لفهم معاني التعهد
والجعل والاعتبار.
وثالثة: بأن الانسان البدائي كيف قدر على التفاهم مع الآخرين والإتفاقعلى الأفكار
ونقلها؟
ورابعة: إنه كيف نفسر اتفاق مجموعة من الناس على لغة معينة؟ وهل كانانقداح ذلك في
أذهانهم من باب الصدفة، أو كان بإلهام من اللَّه تعالى؟
فلا يمكن المساعدة عليه. إذ مصافاً إلى أنها مجرد استبعاد بشأن القول ببشريةالوضع،
ولا تتضمن برهاناً على بطلانه، إنه يمكن التغلب على الجميع، بتقريبأن اللَّه تعالى
بما أنه قد خصّ البشر بنعمة العقل والبيان، فهو وإن كان منذ ظهورهعلى وجه هذه
الكرة غير ملتفت إلى الاستفادة من الألفاظ واستخدامها في مجالالتفهيم، على أساس
استغنائه عنها بالبديل منها، وهو الوسائل الطبيعية،كالإشارات وإراءة الصور والرسوم
وتقليد الأصوات، وغير ذلك من المنبهاتالطبيعية، ولكنه بعد نضجة فكرياً وعقلياً
وتطوره اجتماعياً وتوسع متطلباتحياته وظروفها الإجتماعية تدريجاً من مختلف
الجوانب، يدرك قصور تلكالأساليب والمنبهات الطبيعية وعدم كفايتها لابراز ما في
نفسه من المعاني، وفيهذه الحالة يضطر إلى الإستعانة بطرق وأساليب اُخرى أكثر
تطوراً وأوسعاستيعاباً وشمولاً، وهي منحصرة بالألفاظ، ولا بديل آخر لها، وعليه
فلايحتاجالانسان في مجال الاستفادة من الألفاظ إلى الالهام من اللَّه تعالى بذلك
مباشرة.
وإن شئت قلت: إن متطلبات حياة الانسان وظروفه من مختلف الجوانبتجبره على استخدام
عقله لاختيار الأساليب الأكثر تطوراً والأوسع استيعاباًوشمولاً بدلاً عن الالهام،
هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن إدراك الانسان البدائي الوضع بمعناه الاجمالي البسيطالساذج،
وهو جعل الشي علامة لابراز ما في ذهنه من المعنى غير قابل للإنكار.نعم إنه لا يفهم
الوضع بمعناه التحليلي، ولكن من الواضح أن استخدام الألفاظ فيمجال الافادة
والاستفادة لا يتوقف على فهم معنى الوضع تحليلاً، ومن هنا يظهرأن الانسان إذا عرف
كيفية استخدام الألفاظ لابراز مقاصده للآخرين فقد عرفطريق التفاهم معهم، كما أنه
يظهر أن الانسان بما أنه مدني بالطبع، ولا يمكن أنيعيش كل فرد وحده فيمكن تفسير
اتفاق مجموعة من الناس على لغة واحدةبأنهم يعيشون في مكان واحد.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الصحيح كون الوضع من صنعالبشر، لا
بإلهام منه تعالى.
وإن شئت قلت: إن فرضية كون عملية الوضع إلهية لا بشرية بطولهاوعرضها العريض أي منذ
نشوء ظاهرة اللغة إلى أن تطورت واتسعت حتىاصبحت بالشكل المنسّق المتكامل كما في
العصر الحاضر فرضية تشبه بالخيال،ولا واقع موضوعي لها يقيناً وجزماً.
وأما فرضية كون العملية إلهية في أول نشوء ظاهرة اللغة في حياة الانسانوأنها كانت
بتدخل من اللَّه تعالى على أساس أنه ليس بإمكان الانسان البدائي أنيدرك طريقة
استخدام الألفاظ في مجال الاستفادة وكيفية نقل الأفكار بها إلىالآخرين مالم تكن
هناك عناية خاصة من اللَّه تعالى وهي الإلهام بها، فيكونإلهامه بها في العصر
البدائي فاتحاً الطريق أمام الانسان في المستقبل، ليتعلم كيفيةاستخدامها، وطرق
الاستفادة منها فيه، فأيضاً لا يمكن الأخذ بها، لأن هذهالفرضية مبنية على أن عملية
الوضع عملية معقدة، وليس بإمكان الانسانالبدائي القيام بهذه العملية طالما لم ينضج
فكرياً وعقلياً ولم يتطور اجتماعياً. ولكنقد مر أن عملية الوضع عملية ساذجة،
وبإمكان الانسان البدائي القيام بها. نعمليس بإمكانه تحليل هذه العملية وأنها
تكوينية أو اعتبارية. ولكن ذلك لا يمنعمن قدرته على القيام بعملية الوضع بمفهومه
العرفي اللغوي، واستخدام الألفاظعلى أساس ذلك في مجال نقل أفكاره وخواطره إلى
الآخرين.
تحصل مما ذكرنا أمور:
الأول: أن الصحيح هو كون عملية الوضع من صنع البشر منذ نشوء ظاهرةاللغة في حياة
الانسان، بدون تدخل وعناية من اللَّه تعالى مباشرة بالالهام، لأننعمة العقل
والبيان التي خص اللَّه تعالى البشر بها تكفي في تمكنه من القيام بها.
الثاني: أن القول بأن عملية الوضع من صنع اللَّه تعالى لا يمكن المساعدةعليه، وما
استدل على هذا القول من الوجوه فقد مر أنها جميعاً لا تتم، ولا يدلشي منها على أن
الوضع إلهي.
الثالث: أن عملية الوضع كما أنها ليست بإلهية في تمام الأجيال والعصور،كذلك ليست
بإلهية في الجيل الأول البدائي.
أقسام الوضع ...
الجهة الثالثة: أقسام الوضع
الوضع حيث إنه يمثل علقة بين طبيعي اللفظ والمعنى، فيتوقف تحققه علىتصور اللفظ
الموضوع وتصور المعنى الموضوع له معاً، وحينئذ فيقع الكلام فيهتارةً في مقام
الثبوت والامكان، واُخرى في مقام الاثبات والوقوع.
أما الكلام في المقام الأول: فيقسم الوضع إلى أربعة أقسام:
1 - الوضع العام والموضوع له العام.
2 - الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
3 - الوضع العام والموضوع له الخاص.
4 - الوضع الخاص والموضوع له العام.
أما القسم الأول والثاني فلا شبهة في إمكانهما، بل وقوعهما خارجاً. والأوليمثل وضع
اسماء الأجناس، والثاني وضع أعلام الأشخاص.
وانما الشبهة والكلام في إمكان القسم الثالث والرابع.
أما القسم الثالث فقد ذكر في وجه امكانه، أن المفهوم العام الكلي الذييتصوره
الواضع في مقام الوضع باعتبار انطباقه على أفراده في الخارج وأنه عينتلك الأفراد
فيه يصلح أن يكون عنواناً لها ومشيراً إليها، بحيث يكون تصورهتصوراً لها
بعنوانهاووجهها، ومن الواضح أنه يكفي في وضع اللفظ بإزاء المعنىتصوره بعنوانه، ولا
يتوقف على تصوره بحده التام أو برسمه كذلك، بل يكفيتصوره بعنوان من عناوينه وإن لم
يكن حداً له ولا رسماً.
وبكلمة، إن الواضع في مقام إصدار الوضع للأفراد والحاكم في مقام إصدارالحكم عليها
لا يحتاج إلى إحضارها في أنفسها في الذهن، بل يكفي إحضارهاباحضار مفهوم عام جامع
بينها، على أساس أنه إحضار لها بعنوانها، وهو يكفيفي عملية وضع اللفظ بإزاء
أفراده.
وقد نوقش في هذا التقريب بما يلي: وهو أن الموضوع له اللفظ حيث إنهالمفهوم لا
الفرد الخارجي، على أساس أن العلقة الوضعية إنما هي قائمة بينطبيعي اللفظ
والمفهوم، لا بينه وبين الواقع الخارجي، فبطبيعة الحال يتوقفوضع اللفظ بإزاء الخاص
على تصوره، ولا يمكن تصوره بتصور المفهوم العام،لأن المفهوم العام مباين لمفهوم
الخاص في عالم الذهن، فلا يعقل أن يكون عنواناًله لكي يكون تصوره تصوراً له
بعنوانه، فإن إحضار مفهوم الانسان مثلاً فيالذهن إحضار لنفسه، لا إحضار لمفهوم زيد
ومفهوم عمرو وهكذا، لا بنفسه ولابعنوانه، باعتبار أنه مباين له، فلا يعقل أن يكون
عنواناً فانياً فيه، كما أن مفهومزيد مباين لمفهوم عمرو(15).
وبكلمة، إن المفاهيم الذهنية موجودات في عالم الذهن ومتباينات في أنفسهافيه، فلا
يعقل صدق بعضها على بعضها الآخر، كما لا يعقل أن يكون عنواناً فانياًفيه، هذا بلا
فرق بين المفاهيم الكلية والجزئية، لأن إتصاف المفاهيم بالكلية انماهو بقطع النظر
عن وجودها في الذهن، وأما بلحاظ وجودها فيه فهي جزئية،لأن الوجود مساوق للتشخص،
بدون فرق بين الوجود الذهني والوجودالخارجي، كما أن كل وجود يأبى عن وجود آخر، بلا
فرق بين أن يكونا فيالذهن أو الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المراد من الوجود الذهني تصور المفهوم فيه ولحاظه.
فالنتيجة: على ضوء هاتين الناحيتين هي أن تصور مفهوم الانسان وجوده فيالذهن، وهو
مباين لتصور مفهوم زيد فيه، فلا يعقل أن يكون عنواناً له، لأن كلمفهوم في عالم
الذهن عنوان لنفسه، فلا يمكن أن يكون عنواناً لنفسه ولغيره معاً،وعلى هذا الأساس
فإذا قام الواضع بتصور مفهوم عام كمفهوم الانسان، فحينئذإن وضع لفظ الانسان بإزاء
نفس المفهوم فهذا خلف، لأنه من الوضع العاموالموضوع له العام. وإن وضع بإزائه
فانياً في أفراده في الخارج فناء العنوان فيالمعنون، فيرد عليه أنه إن أريد من
الأفراد أفراده الخارجية، فقد مر أن الموضوعله لابد أن يكون مفهوماً، ولا يعقل أن
يكون موجوداً خارجياً. وإن أريد منهاالمفاهيم الجزئية فقد عرفت أنه مباين له، فلا
يكون عنواناً لها، ومن هنا لا يمكنأن يلحظ المفهوم العام فانياً في المفاهيم
الجزئية، لأن المفهوم العام بلحاظ وجودهفي الذهن مباين للمفهوم الخاص فيه، فلا
يتصور أن يكون فانياً فيه.
والخلاصة أن الموجودات الذهنية كالموجودات الخارجية، فكما أنالموجودات الخارجية
متباينات، فلايعقل صدق بعضها على بعضها الآخر، علىأساس أن كل وجود يأتي عن وجود
آخر، ولايعقل أن يكون عنواناً فانياً فيه،فكذلك الموجودات الذهنية.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه عدم إمكان الوضع العام والموضوعلهالخاص.
ولكن هذا الوجه لا يتم إلا في المفاهيم الكلية الأصلية، التي هي منتزعة منالجهة
المشتركة ذاتاً بين الأفراد بحيث لو الغيت خصوصيات الأفراد جميعاً لم يبقإلا تلك
الجهة المشتركة، لأن تصور هذه المفاهيم لا يكون تصوراً للمفاهيمالجزئية الخاصة،
لتباينها معها كما مرّ، بل هو تصور للجهة المشتركة.
وأما المفاهيم العرضية الكلية التي هي عنوان لنفس المفاهيم الجزئية ومنتزعةمنها،
كمفهوم الفرد أو المصداق أو الجزئي فهو لا يتم، إذ بإمكان الواضع إذا أرادالوضع
العام والموضوع له الخاص أن يتوسل إلى تصور المفهوم العرضي العامووضع اللفظ بإزاء
أفراده على أساس أنه عنوان لها بنفسه. مثلاً إذا أراد الواضعوضع لفظ الانسان بإزاء
أفراده بالوضع العام و الموضوع له الخاص فله انيتصور مفهوم الفرد من الانسان، فيضع
لفظ الانسان بإزاء أفراده، باعتبار أنمفهوم الفرد يكون حاكياً عنها بتمام
خصوصياتها، فتصوره حينئذ يكون تصوراًلها بعنوانها بدون عناية زائدة.
فالنتيجة: أن كل مفهوم كلي منتزع من الحيثية المشتركة بين أفراده، فلا يعقلأن يكون
حاكياً عن الأفراد في الذهن، لأنه مباين لها فيه، وإنما يكون حاكياً عنالحيثية
المشتركة بينها فحسب، وفي مثله لا يمكن الوضع العام والموضوع لهالخاص. وكل مفهوم
كلي عرضي منتزع من نفس مفاهيم الأفراد بما لها منالخصوصيات كمفهوم الفرد، فإنه
يحكي عنها بكامل خصوصياتها تطبيقاً لقاعدةحكاية العنوان الانتزاعي عن منشأ انتزاعه
بالكامل، مثلاً مفهوم الفرد منالانسان منتزغ من المفاهيم الجزئية لزيد وعمرو وخالد
وهكذا بلحاظ الحيثيةالمشتركة المحفوظة في ضمن مفاهيم الأفراد بتمام خصوصياتها.
ومن هنا تمتاز هذه الحيثية المشتركة العرضية عن الحيثية المشتركة الذاتية
بينالأفراد في نقطتين:
الاُولى: أن الحيثية المشتركة العرضية قائمة بالأفراد بما هي افراد، قياماًعرضياً
على نحو تكون قائمة بهذا الفرد بخصوصه وذاك الفرد بخصوصه وهكذا،ولهذا تحكي عنها
بكامل خصوصياتها، بينما الحيثية المشتركة الذاتية ثابتةفيأفرادها ضمناً، ولهذا لا
تحكي إلا عن الجامع بين الأفراد الذي هو بمنزلةالجزء عن الكل.
الثانية: أن الحيثية المشتركة العرضية متقومة بالأفراد بخصوصياتها، ومعإلغائها
ملغية وغير باقية، بينما الحيثية المشتركة الذاتية غير متقومة بالأفرادبخصوصياتها،
بل هي ثابتة في الواقع بثبوت ماهوي بقطع النظر عنها، ولهذا لاتكون ملغية بالغاء
خصوصياتها جميعاً.
ودعوى أن انتزاع مفهوم واحد عن الأفراد المتباينة، لا يمكن بدون اشتراكتلك الأفراد
في جامع مشترك مصحح للإنتزاع، وعلى هذا فلا يمكن أن يكونالمفهوم الواحد حاكياً عن
الأفراد بخصوصياتها، بل يكون حاكياً عن جامعمشترك بينها الذي هو منشأ انتزاعه،
وحينئذ فليس بإمكان الواضع استخدامهذا المفهوم للوضع بإزاء الأفراد.
مدفوعة: بأن الجامع بين الأفراد الذي هو منشأ الإنتزاع، إن كان ثابتاً بينهابالذات،
أي مع تجريدها عن الخصوصيات والغائها كمفهوم الانسان ونحوه، فلايمكن أن يكون حاكياً
عن الأفراد بخصوصياتها، ولا يعقل فيه الوضع العاموالموضوع له الخاص، وإن لم يكن
ثابتاً بينها كذلك بل يكون قائماً بالأفرادبخصوصياتها قياماً عرضياً كمفهوم الفرد
فيكون حاكياً عنها ومنطبقاً عليها بما لهامن الخصوصيات مباشرة، فإن الفرد عنوان
لمفهوم زيد بخصوصه ولمفهوم عمروكذلك وهكذا، وحينئذ فيكون تصوره تصوراً لها
بخصوصياتها إجمالاً،وعلىهذا فبإمكان الواضع استخدام هذاالمفهوم العرضي للوضعالعام
والموضوعله الخاص.
وقد يعترض على ذلك بأن قيام الجامع المشترك بكل فرد بحده الفردي غيرمعقول، لأن
الأفراد متباينات في أنفسها، فلا يقعل تأثيرها في الواحد بالنوع،وإلا لزم صدور
الواحد بالنوع من الأفراد المتباينات بالذات(16).
والجواب: أن قيام ذلك الجامع بهذا الفرد بخصوصه وبذاك الفرد كذلكوهكذا ليس قياماً
ذاتياً حتى يكشف عن حيثية مشتركة بينها كذلك، وهي التيتبقى بعد تجريدها عن جميع
الخصوصيات، بل قيام عرضي، وليس من سنخ قيامالأثر بالمؤثر، فلا مجال لتطبيق
القاعدة.
وإن شئت قلت: إن عنوان الفرد أو الجزئي أو المصداق عنوان عرضي قائمبكل فرد بكامل
خصوصيته ومنطبق عليه كذلك ومنتزع من نفس مفهوم الفرد،فمن أجل ذلك يكون تصوره تصوراً
للأفراد بكامل خصوصياتهابعنوانهاالاجمالي، وعلى هذا فبامكان الواضع أن يقوم بالوضع
العام والموضوعله الخاص من طريق استخدام العنوان العرضي، كعنوان الفرد أو الجزئي
أوالمصداق، وجعله مرآة للأفراد كافراد الانسان ثم وضع اللفظ لها.
فالنتيجة: أنه لا مانع من قيام عنوان عرضي مشترك واحد بأفراد كثيرة بماهي كثيرة
ومتباينة، ولا يكشف إلا عن اشتراكها في هذا العنوان العرضي.
ثم إن للمحقق العراقيقدس سره في المقام كلاماً، وحاصله أنه يمكن تصوير حكايةالجامع
عن الفرد بتمام خصوصيته، بحيث يكون تصوره تصوراً للفرد بعنوانه عنطريق اختراع
الذهن الجامع الحاكي عن الفرد، ولا يمكن ذلك عن طريقالتجريد وإلغاء الخصوصيات(17).
هذا،
ولا يبعد أن يكون مرادهقدس سره من الجامع المخترع للذهن هو الجامع العرضي،على أساس
أنه لا وجود له إلا في الذهن ويقوم بانتزاعه، إذ من المستبعدأنيكون مراده الجامع
الذي أنشأه وأخترعه الذهن بحتاً بدون أن يكونلهمنشأ انتزاع.
تحصل مما ذكرناه أن الوضع العام والموضوع له الخاص أمر ممكن ثبوتاً.
وأما القسم الرابع، وهو الوضع الخاص والموضوع له العام، فقد تبين مماتقدمأنه غير
ممكن، إذ لا يعقل أن يكون المفهوم الخاص عنواناً للمفهوم العاموحاكياً له بوجه.
وأمّا الكلام في المقام الثاني: وهو مقام الإثبات والوقوع، فلا شبهة فيوقوع القسم
الأول، وهو الوضع العام والموضوع له العام، والقسم الثاني، وهوالوضع الخاص والموضوع
له الخاص، وإنما الكلام في القسم الثالث، وهو الوضعالعام والموضوع له الخاص، وهل
هو واقع في الخارج؟ فيه قولان:
فذهب جماعة من الأصحاب إلى القول الأول، وأن وضع الحروف ومايشبهها من هذا القبيل،
وخالف فيه جماعة، فذهبوا إلى أن الموضوع له فيها عامكالوضع، فتدخل في القسم الأول،
وسيأتي شرح ذلك موسعاً في ضمن البحوثالقادمة بعونه تعالى.
الوضع التعييني والتعيّني ...
الوضع التعييني والتعيّني
أما الوضع التعييني فيراد به أحد التفسيرات المتقدمة، وهي:
1 - التعهد والالتزام النفساني.
2 - القران بين صورة اللفظ والمعنى بشكل أكيد وبليغ في الذهن بعامل كيفي.
3 - عملية الجعل والاعتبار المؤكدة.
وقد تقدم تفصيل جميع ذلك.
وأما الوضع التعيّني: فيراد به ما يحصل العلقة الوضعية بالعامل الكمي، وهوكثرة
الاستعمال، فإنها تؤدي إلى ثبوت علاقة التلازم التصورية بين صورةاللفظوالمعنى، وبها
تحقق صغرى قانون الاستجابة الذهنية الشرطية، وهيأنهكلماسمع اللفظ ينتقل الذهن منه
إلى معناه، وإن كان صادراً من لافظبغيرشعورواختيار.
فالنتيجة: أن الوضع التعييني يمثل فعل الواضع على الاختلاف في صيغةتفسيره كما مرّ،
والوضع التعيّني يمثل العلاقة بين صورة اللفظ والمعنى في الذهنالمعلولة للعامل
الكمي، وهو تكرار الاستعمال وكثرته.
وقد يناقش في تحقق الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال، بتقريب أن استعمالاللفظ في
معنى قبل تحقق الوضع بينهما وصيرورته حقيقة فيه لما كان مجازاً فلامحالة يتوقف صحته
على وجود قرينة، ومن الواضح أن كثرة الاستعمال معالقرينة مهما بلغت فلا تؤدي إلى
ثبوت علاقة التلازم بين صورة اللفظ المجرد عنالقرينة والمعنى في الذهن، لأن الاُنس
الحاصل بينهما إنما هو حاصل بين اللفظمقترناً بالقرينة والمعنى، لا بين ذات اللفظ
والمعنى، وعلى هذا فلا ينتقل الذهنإلى المعنى عند الإحساس بذات اللفظ، لعدم
العلاقة الاُنسية بينهما، وإنما ينتقلالذهن إليه عند الاحساس به مقترناً بالقرينة،
فإذن يكون المنبه الشرطي اللفظالمقترن بالقرينة، لا ذات اللفظ(18).
والجواب: أن هذا الاستعمال يرتكز على عنصرين: أحدهما اللفظ والآخرالقرينة والأول
عنصر ثابت فيه ولا يختلف باختلاف الموارد. والثاني غير ثابتويختلف باختلاف
الموارد، فإنه قد يكون حالياً وقد يكون مقامياً وقد يكونلفظياً، وهو يختلف باختلاف
صياغة الكلام.
فبالنتيجة إن القرينة ليست عنصراً ثابتاً ومحفوظاً في هذا الاستعمال في
تمامموارده، بينما اللفظ يكون عنصراً ثابتاً ومحفوظاً فيه في كل موارده بلا
استثناء.
وإن شئت قلت: إن عنوان القرينة عنوان انتزاعي، فلا واقع موضوعي له فيالخارج، وأما
مصداقها فهو يختلف من مورد إلى مورد آخر، فإنها قد تكونحالية، وقد تكون مقامية،
وقد تكون ارتكازية، وقد تكون لفظية، وهي تختلفباختلاف الموارد وصياغة الكلام.
وأما اللفظ فهو شي ثابت ومحفوظ بحدّه في تمام هذه الموارد، وعلى هذا فإذاتكرر
استعمال اللفظ في معنى مقترناً بالقرينة، فقد تكون القرينة في مورد حالية،وفي مورد
آخر ارتكازية، وفي ثالث لفظية، واللفظية تارة تكون بصيغة وتارةبصيغة اُخرى. وأما
عنصر اللفظ فهو العنصر الثابت والمحفوظ في جميع هذهالموارد، وعندئذٍ فبموجب قانون
الاستجابة الشرطية الذهنية ينمو الارتباطوالإشراط الذهني المخصوص بين ذات اللفظ
والمعنى تدريجاً، على أساستدريجية الاُنس الذهني الحاصل بينهما من الاستعمال كذلك
إلى أن يحقق صغرىهذا القانون، ولا يمكن حصول هذا الارتباط والإشراط الذهني بين
اللفظالمقترن بالقرينة والمعنى، لما مر من أن القرينة تختلف من مورد إلى مورد
آخر،وحينئذ فافتراض حصول العلقة والارتباط بينه مقترناً بكل واحدة من هذهالقرائن
المختلفة وبين المعنى خلف الفرض، إذ المفروض أن استعمال اللفظ مقترناًمع كل واحدة
منها لم يبلغ من الكثرة بدرجة تؤدي إلى حصول هذه العلاقةوالارتباط الذهني بينه مع
كل منها وبين المعنى مستقلاً. كما أن افتراض حصولالعلقة بينه مقترناً مع واحدة
منها معينة دون الاُخرى وبين المعنى مضافاً إلى أنهترجيح من غير مرجح خلف،
والمجموع ليس قرينة مستقلة، لأنه عنوانانتزاعي لا واقع له.
والخلاصة أن اللفظ بما أنه عنصر ثابت ومحفوظ في جميع مواردالاستعمالات، فلا يغيب عن
الذهن في شي من الموارد المذكورة، بينما القرينةالموجودة في مورد تغيب عن الذهن في
مورد آخر، وهكذا. فلهذا يحصل الاُنسالذهني بين ذات اللفظ والمعنى، فإذا حصل هذا
الاُنس حصل الارتباطوالاشراط بينهما في الذهن، وبذلك يتحقق الوضع، وهو صغرى
قانونالاستجابة الذهنية الشرطية. نعم لو كانت القرينة واحدة محددة في جميع
موارداستعمال هذا اللفظ، لم تحصل العلاقة والارتباط الذهني بين ذات اللفظ
والمعنى،لعدم تحقق الاُنس بينهما، وإنما حصل بينه مقترناً بالقرينة الخاصة
المحددةوالمعنى، وإن فرض بلوغ الاستعمال من الكثرة ما بلغ. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد يقال كما قيل: إن الوضع التعيّني لا يتصور على مسلكالاعتبار،
على أساس أن الاعتبار فعل قصدي صدر من الواضع مباشرة، ولايمكن تحققه بالاستعمال،
لأنه إن أريد بتحققه به ترتبه عليه ترتب الأثر علىالمؤثر والمعلول على العلة فهو
غير معقول، لأن الاعتبار فعل قصدي مباشري،فلا يمكن أن يكون تسبيبياً ومترتباً على
السبب قهراً.
وإن أريد بذلك أن كثرة الاستعمال مبرزة للإعتبار والجعل فيرد عليه:
أولاً: أن كثرة الاستعمال ليست فعلاً لشخص واحد، بل هي قائمة بأشخاصكثيرين.
وثانياً: على تقدير تسليم أنها قائمة بشخص واحد، إلاّ أنه لم يقصد بها
إبرازالاعتبار والجعل في نفسه، بل كان يقصد الاستعمال فيه(19).
والجواب: أن هذا الإشكال مبني على أن الوضع التعيّني من سنخ الوضعالتعييني، فإن
كان الوضع التعييني أمراً اعتبارياً كان الوضع التعيّني أيضاً كذلك.
ولكن هذا البناء غير صحيح، إذ على مسلك الاعتبار، الوضع التعيّنيالحاصل من كثرة
الاستعمال إنما هو نتيجة الوضع لا نفسه، وهي العلقة الحاصلةبين صورة اللفظ والمعنى
في الذهن. لا أنه وضع بمعنى الاعتبار والجعل.
وأما على مسلك التعهد فهو يتحقق بكثرة استعمال اللفظ في المعنى، لأنها تدلعلى تعهد
المستعمل والتزامه بأنه كلما نطق به أراد تفهيمه.
هل يتحقق الوضع التعييني بالاستعمال؟ ...
هل يتحقق الوضع التعييني بالاستعمال ؟
يراد من الوضع بالاستعمال إنشاؤه وإيجاده به، وهل يمكن ذلك؟ فيه خلاف.والأظهر أنه
يختلف باختلاف المباني والنظريات في مسألة الوضع.
أما على أساس نظرية الاعتبار، فلا يمكن إيجاده بالاستعمال، وذلك لأنحقيقة الوضع
على القول بالاعتبار حقيقة اعتبارية محضة، وليست بانشائيةيتسبب إلى انشائها في
الخارج باللفظ أو نحوه، كما هو الحال في المعاملاتالعقلائية والشرعية التي يتسبب
بها إلى انشاء مسبباتها، بل هو أمر اعتباريصرف ويوجد بنفس اعتبار المعتبر مباشرة،
ولا صلة للفظ به أو نحوه ماعداكونه مبرزاً له.
أو فقل: إن العلقة الوضعية على ضوء هذه النظرية أمر اعتباري قائم بنفسالمعتبر
بالمباشرة، ولا واقع له ماعدا اعتبار المعتبر إياه في عالم الاعتبار والذهن،فإن
الواضع في مقام عملية الوضع قد اعتبرها بين اللفظ والمعنى مباشرة، ولايعقل التسبيب
فيها، غاية الأمر أنه بعد اعتبار العلقة بينهما في عالم الاعتباروالذهن يبرزها في
الخارج بالقران الوضعي بينه وبين المعنى بشكل أكيد مترسخفي الذهن، و لا فرق في عدم
امكان تحقق الوضع بالاستعمال، على أساس نظريةالاعتبار بين الأقوال فيها.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى، كما هوظاهر المحقق
الخراسانيقدس سره(20) فإن أريد بالاختصاص العلاقة والارتباطالتكويني بين اللفظ
والمعنى في الذهن، وحينئذ فإن كان منشؤه الاعتبار فقد مرأنه لا يتوقف على
الاستعمال، وإن كان منشؤه التخصيص والتعيين الخارجي فلامانع من تحققه بالاستعمال،
لأن حقيقة الاستعمال هي تخصيص اللفظ بالمعنى،وتعيينه له للدلالة عليه. أو فقل: إن
الاستعمال هو اقتران اللفظ بالمعنى بغرضالدلالة عليه، ولا مانع من حصول الوضع
بمعنى الاختصاص والارتباط بينصورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن بالاستعمال، بل
باستعمال واحد إذا كانتهناك ملابسات اُخرى، على أساس ما مر من أن منشأ الوضع بهذا
المعنى قديكون عاملاً كمياً، وقد يكون عاملاً كيفياً.
ولا فرق في ذلك بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي، وإنما الفرق بينهمافي
نقطة اُخرى، وهي أن دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي مستندة إلى الوضع،وعلى المعنى
المجازي مستندة إلى المناسبة مع القرينة، ولكن صفة الدلالة في كلاالموردين للفظ، إذ
كما أن الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه كذلكالقرينة، فإنها تؤهل اللفظ
للدلالة على المعنى المجازي بنفسه، فالقرينة كالوضعجهة تعليلية لا تقييدية. ونتيجة
ذلك أن سبب الدلالة أمران: أحدهما الوضع،والآخر القرينة.
وإن أريد به تخصيص اللفظ بالمعنى واقترانه به خارجاً بغرض حصولالعلاقة والارتباط
بينهما في الذهن، وأن هذا التخصيص هو الوضع، والارتباطأثره، فالاستعمال مصداق له
إذا كان محققاً للغرض المذكور.
ولكن قد يقال: إن لازم ذلك هو أن كل استعمال مجازي وضع، باعتبار أنالوضع على ضوء
هذه النظرية عبارة عن تخصيص اللفظ بإزاء المعنى للدلالةعليه بنفسه، والاستعمال
المجازي محقق له ومصداق له.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما عن المحقق الأصبهانيقدس سره من أن تعيين اللفظ للدلالة على
المعنىالمجازي يتبع تعيينه للدلالة على المعنى الموضوع له، باعتبار أن المعنى
المجازيمعنى تكون له علاقة بالمعنى الحقيقي باحدى العلائق المعهودة، وعلى هذا
ففعليةدلالة اللفظ على المعنى المجازي تتوقف على أمرين: أحدهما وجود العلاقة
بينهوبين المعنى الحقيقي، والآخر القرينة الصارفة، بينما فعلية دلالة اللفظ على
المعنىالحقيقي لا تتوقف على شي من هذين الأمرين، وإنما تتوقف على الوضع فقط(21).
وبكلمة، إن تعيين اللفظ بإزاء المعنى للدلالة عليه بنفسه ،إن كان كافياً فيفعلية
دلالته عليه، من دون التوقف على شي آخر فهو محقق للوضع، وإلا لم يكنمحققاً للوضع،
واللفظ في الاستعمال المجازي وإن عين للدلالة على المعنى بنفسه،ولكن ذلك لا يكفي في
فعلية هذه الدلالة، بل هي منوطة بأمرين آخرين:أحدهما وجود العلاقة بينه وبين المعنى
الحقيقي، والآخر القرينة الصارفة، فمنأجل ذلك لا يكون الاستعمال المجازي محققاً
للوضع ومصداقاً له.
فالنتيجة: أن الاستعمال الحقيقي يمكن أن يكون محققاً للوضع بمعنىالاختصاص، وأما
الاستعمال المجازي فلا.
وغير خفي أن ما ذكرهقدس سره من الجواب مبني على أن يكون هذا الاستعمالاستعمالاً
مجازياً، ولكن سوف نشير إلى أنه استعمال حقيقي، إذ لا يعتبر فيهأنيكون مسبوقاً
بالوضع زماناً، بل المعيار فيه أن يكون في زمان الوضعومقارناً معه.
وإن أريد بهذا الجواب، أن استعمال اللفظ في المعنى لا يصح بدون الوضع أوالعلاقة
بينه وبين المعنى الموضوع له بعد ما لم تكن دلالته ذاتية، وحيث إنه لاوضع هنا ولا
علاقة فلا يصح الاستعمال، فيرد عليه أولاً: ما عرفت من أن هذاالاستعمال استعمال في
المعنى الموضوع له.
وثانياً: أنه لا مانع من الالتزام بصحة الاستعمال لدى العرف والعقلاء، إذا
كانبدافع الوضع، كما في المقام.
الثاني: أن الاستعمال لا يمكن أن يكون مصداقاً للوضع بنفسه، وذلك لأنالواضع إن قصد
بتعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه وتخصيصه به الوضعكانت نتيجته وضع شخص اللفظ
المستعمل في هذا الاستعمال دون الطبيعي،باعتبار أن اللفظ المستعمل فيه جزئي حقيقي،
وحينئذ فالاستعمال يكونمصداقاًلوضع فرد من اللفظ بحدّه الفردي، باعتبار أنه تعيين
وضعي بالنسبةإليه خاصة(22).
ويمكن المناقشة فيه، بتقريب أن الاستعمال وإن كان يستلزم كون اللفظالمستعمل فيه
جزئياً حقيقياً، إلا أن المستعمل لما قصد به وضع اللفظ المستعملفيه، فلا محالة
يكون قاصداً به وضعه بما هو بإلغاء خصوصية فرديته، ومعالغائها لا محالة يكون وضعه
وضع طبيعي اللفظ دون فرده بحده الفردي، بلالمستعمل في حال الاستعمال إذا لم يكن
قاصداً للوضع به أيضاً، كان ينظر إلىاللفظ المستعمل بما هو لفظ، لا بما هو فرده،
مثلاً إذا استعمل شخص لفظ الأسدفي الحيوان المفترس في مورد، فإن اللفظ المستعمل في
هذا الاستعمال وإن كانفرداً من لفظ الأسد، إلا أن الشخص المستعمل كان ينظر إليه ما
هو لفظ الأسد،لا بما هو فرده، وخصوصية الفرد ملغاة بنظره، وهذا هو المرتكز في
أذهانالمستعملين في موارد الاستعمال، ومن الواضح أن الفرد مع الغاء خصوصيةفرديته
هو الطبيعي، لأن امتيازه عنه إنما هو بها، وإلا فلا امتياز بينهما، وعلى هذافإذا
قصد المستعمل الوضع بالاستعمال، كان الموضوع طبيعي اللفظ لا فرده.
فالنتيجة: ان من استعمل لفظ الأسد مثلاً في الحيوان المفترس كان ينظرإلىلفظ الأسد
بما هو، لا إلى الفرد المستعمل بحده الفردي، سواء أكان قاصداًبهالوضع أم لا.
الثالث: أنه لا يمكن كون الاستعمال مصداقاً للوضع ومحققاً له، لأن معنىالاستعمال
تعيين اللفظ للمعنى بقصد الدلالة عليه والحكاية عنه، وهذهالدلالةوالحكاية لا تخلو
من أن تكون مستندة إلى العامل الداخلي أو إلىالعاملالخارجي.
أما الأول فهو مبني على أن تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية، ولكن قدتقدم
بطلانها.
وأما الثاني فلأن العامل الخارجي الذي هو منشأ الدلالة إما إنه متمثل فيالوضع أو
في المناسبة والعلاقة المعبر عنها بالوضع التبعي مع القرينة الصارفة،والمفروض عدم
وجود الوضع هنا لكي تكون هذه الدلالة مستندة إليه، لابالأصالة ولا بالتبع، فإذن كيف
يمكن للمستعمل أن يقصد بهذا الاستعمالالحكاية عن المعنى والدلالة عليه، مع أن
شيئاً من العاملين المذكورين غيرمتوفرفيه(23).
ويمكن المناقشة فيه، أما أولاً: فلما سوف نشير إليه من أن هذا الاستعمالاستعمال
حقيقي ومستند إلى الوضع.
وأما ثانياً: فلان هذا الوجه مبني على أن دلالة اللفظ على المعنى بعد مالم
تكنذاتية، فلابد أن تكون مستندة إلى أحد سببين: إما الوضع، أو المناسبة
والعلاقةالمعبر عنها بالوضع النوعي التبعي مع القرينة الصارفة، ولا ثالث لهما.
ولكن هذا البناء خاطىء، اذ يمكن أن تكون مستندة إلى القرينة فقط بدونعلاقة
ومناسبة في البين، كما إذا استعمل لفظاً في معنى ابتداء، ونصب قرينة علىأنه استعمل
فيه للحكاية عنه والدلالة عليه، فإن قصد الحكاية به عنه والدلالةعليه ليس أمراً غير
عقلائي لكي لا يمكن تأتيه منالعاقل الملتفت، كماإذا قال:هذا ماء، وأراد بنفس
هذاالاستعمال وضع لفظالماء له، ففي مثل ذلك لامانع منقصدالحكاية به عنه، والدلالة
عليه بسببالقرينةالمتمثلة هنا فيالاشارةالخارجية، وحينئذ فلا مانع من أن
يقصدالمستعمل الوضع بنفس هذاالاستعمال.
وبكلمة، إنه لا مانع من استعمال اللفظ في معنى بدون كونه مسبوقاً بالوضعوإرادة
الوضع به، ولا يلزم منه أي محذور، غاية الأمر أنه بحاجة إلى قرينتين:
احداهما: للدلالة على أنه استعمل هذا اللفظ فيه، بدون سبقه بالوضع،وقصد حكايته عنه
ودلالته عليه.
والأخرى: على أنه أراد وضع هذا اللفظ له بنفس هذا الاستعمال.
ودعوى أن الوضع يتوقف على الاستعمال على أساس أنه محقق له،والاستعمال يتوقف على
الوضع، وإلا لم يصح، مدفوعة بأن الوضع وإن كانيتوقف على الاستعمال، إلا أن
الاستعمال لا يتوقف عليه، بل هو متوقف علىوجود قرينة تدل عليه، لا على وجود قرينة
صارفة كما في المجاز، بل مطلق مايدل على أنه استعمله فيه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن حقيقة العلقة الوضعية إذا كانتعبارة عن
اختصاص اللفظ بالمعنى تكويناً، فلا مانع من تحققه بنفس الاستعمال،بأن يكون
الاستعمال محققاً له.
وأما بناءاً على أن تكون العلقة الوضعية عبارة عن التعهد والالتزام النفساني- كما
هو مختار السيد الاُستاذقدس سره -، فلا يمكن إيجادها وتحققها بالاستعمال، لأنالوضع
على ضوء هذه النظرية أمر تكويني وجداني وفعل قصدي مباشري، كانهناك لفظ أم لا، ولا
يكون فعلاً تسبيبياً، وعلى هذا فلا يعقل أن يكون الاستعمالسبباً لإيجاد التعهد
وتحققه، ضرورة أن إيجاده في النفس لا يتوقف على أي سببمن الأسباب، ويتحصل من ذلك
أن الوضع على ضوء هذه النظرية لا يعقل أنيتحقق بالاستعمال. نعم يمكن أن يجعل
الاستعمال مبرزاً له.
وأما بناء على أن يكون الوضع عبارة عن عملية الاقتران بين اللفظ والمعنىبشكل أكيد
بليغ فلا مانع من تحققه بالاستعمال وكونه مصداقاً لهذه العملية، لأنحقيقة
الاستعمال هي الاقتران بين اللفظ والمعنى، فإذا كان هذا الاقتران بقصدالوضع مؤكداً
على ذلك كان مصداقاً له.
لحد الآن قد تبين أنه يمكن تحقق الوضع بالاستعمال على بعض المسالكدونبعضها الآخر.
ثم إن هنا مجموعة من الاعتراضات على إمكان تحقق الوضع بالاستعمال.
الاعتراض الأول: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره، من أن قصد الوضع
بالاستعماليستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد، وهو مستحيل(24).
بيان ذلك: أن في المقام عملية واحدة شخصية، وهذه العملية الواحدةالشخصية على أساس
أنها استعمال يكون اللفظ فيها ملحوظاً آلياً للمعنى وفانياًفيه، وعلى أساس أنها وضع
يكون اللفظ فيها ملحوظاً استقلالاً، ومن الواضحأنه لا يمكن الجمع بين اللحاظ الآلي
والاستقلالي في شي واحد.
وإن شئت قلت: إن هذه العملية من جهة أنها استعمال تستدعي فعلية حكايةاللفظ عن
المعنى، ومعنى فعليتها فناء الحاكي في المحكي فعلاً، ومن جهة أنهاوضع تؤهل اللفظ
للحكاية عن المعنى وتعطى له صفة الصلاحية للدلالةوالحكاية عنه، بحيث تصبح هذه
الصلاحية فعلية في مرحلة الاستعمال، وعلىهذا فالجمع بين الاستعمال والوضع فيها
يستلزم الجمع بين صلاحية الحكايةوفعليتها في شيء واحد، وهو اللفظ في آن واحد.
والجواب: أن هذا الاعتراض منهقدس سره مبني على أن تكون عملية الاستعمالبنفسها
مصداقاً لعملية الوضع، وحيث إن الاُولى متقومة باللحاظ الآليوالثانيةباللحاظ
الاستقلالي، فيستلزم الجمع بينهما محذور الجمع بين اللحاظينفي شي واحد.
ولكن ذلك غير تام على جميع المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك الاعتبار فقد تقدم أن عملية الوضع لا يمكن أن تكون متحدةمع عملية
الاستعمال، لأنها اعتبارية وتلك خارجية، وكذلك على مسلك التعهد،فإنه فعل نفساني،
والاستعمال فعل خارجي، فيستحيل انطباقه عليه فيالخارج.
وأما على مسلك الاقتران بين اللفظ والمعنى، فعملية الاستعمال وإن كانتتصلح أن تكون
بنفسها مصداقاً لعملية الوضع،لان عملية الاستعمال عبارة عناقتران اللفظ بالمعنى
خارجا،فانها قد تؤدي الى حصول الوضع ، وهو القرنالأكيد بين صورة اللفظ والمعنى في
الذهن بنحو يحقق صغرى قانون الاستجابةالذهنية الشرطية.
ولكن هذا الاتحاد والجمع بينهما لا يستلزم محذور الجمع بين اللحاظ
الآليوالاستقلالي في شي واحد، وذلك لأن الوضع على أساس هذا المسلك لا يكونمتقوماً
باللحاظ الاستقلالي لكي لا يمكن اجتماعه مع الاستعمال في عمليةواحدة،بل هو عبارة عن
القرن الأكيد بين صورة اللفظ وصورة المعنى الحاصلمن عامل كمي أو كيفي، والأول يمثل
كثرة الاستعمال، والثاني يمثل الاقتران بينهماخارجاً بنحو يؤدي إلى ترسيخه وتركيزه
في الذهن، وقد يحصل ذلك بالاقترانالاستعمالي مرة واحدة إذا كانت هناك ملابسات
اُخرى.
فالنتيجة: على ضوء هذا المسلك، ان الوضع عبارة عن الارتباط والإشراطالمخصوص بين
صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن، ويحصل ذلك بعامل كميأو كيفي تكويناً، وعليه فلا
موضوع للإشكال المذكور.
وكذلك على مسلك أن الوضع عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى، فإنه لامانع من أن تكون
عملية الاستعمال بنفسها محققة للوضع بهذا المعنى ، فإناختصاص اللفظ بالمعنى الذي
هو عبارة عن التلازم والارتباط التصوري بينهمافي الذهن وضع، ومن هنا لا يبعد أن
يكون مرجع هذا القول إلى القول بأنالوضع هو القرن المؤكد بين صورة اللفظ وصورة
المعنى في الذهن، والعامل لهذاالاختصاص أحد أمرين اما الكمي وهو كثرة الاستعمال، أو
الكيفي وهو عمليةالتخصيص خارجاً. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنا لو سلمنا أن عملية الوضع عملية انشائية تسبيبيّةكسائر الأمور
الإنشائية، إلا أنها مع ذلك لا تكون متحدة مع عملية الاستعمال،بل هي مسببة عنها
ومنشأة بها، فلا تكون عملية الاستعمال مصداقاً لها، وعلىهذا فعملية الوضع وإن كانت
متقومة باللحاظ الاستقلالي، وعملية الاستعمالباللحاظ الآلي، ولكنهما عمليتان لا
تتحد إحداهما مع الأخرى لكي يلزم محذورالجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي
واحد.
والخلاصة أنه لا يلزم الجمع بين اللحاظين في شي واحد، فإن اللفظ ملحوظآلياً في جانب
السبب، وهو عملية الاستعمال، وإستقلالاً في جانب المسبب،وهوعملية الوضع.
ومن ناحية ثالثة، إنا لو قلنا بأن صيغة الاستعمال بنفسها مصداق لصيغةالوضع، فمع ذلك
لا مانع من أن يقصد المستعمل عملية الوضع بالاستعمال، ولايلزم منه محذور الجمع بين
اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي، وذلك لأن عمليةالوضع إذا كانت مستقلة فبطبيعة
الحال تتطلب لحاظ اللفظ مستقلاً وتصورهبنفسه، وأما إذا كانت في ضمن عملية
الاستعمال فبامكان المستعمل أن يقصدوضع اللفظ الملحوظ في هذه العملية آلياً للمعنى
المستعمل فيه، ولا يتوقف علىلحاظه استقلالاً، إذ ليس معنى لحاظه الآلي أنه مغفول
عنه ولا يكون موردالإلتفات أصلاً، بل معناه أنه مورد الالتفات مرآة للمعنى، وهذا
المقدار منالالتفات في المقام يكفي في الوضع، وحينئذ فلا يكون هناك لحاظان حتى
يلزمالجمع بينهما في شي واحد. وأما لزوم الجمع بين الحكاية الفعلية وصلاحيةالحكاية
فلا محذور فيه، لأن إتصاف اللفظ بالحكاية الفعلية الآلية انما هو بلحاظكون
الاستعمال مقارناً للوضع، فإذا كان مقارناً له أصبحت الحكاية فعلية، وأمااتصافه
بالحكاية الشأنية فإنما هو بلحاظ المستقبل.
وأجاب عن هذا الاعتراض أيضاً المحقق العراقيقدس سره بما حاصله:
أنه لا يلزم من قصد الوضع بالاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلاليفي شي،
لأن الملحوظ استقلالياً طبيعي اللفظ، والملحوظ آلياً شخص هذا اللفظالمستعمل، فإذن
لا محذور في البين(25).
وغير خفي ما في هذا الجواب، وذلك لأن المستعمل ان قصد وضع شخصاللفظ المستعمل في
هذا الاستعمال، وهو فرد من طبيعي اللفظ، لزم محذور الجمعبين اللحاظ الآلي
والاستقلالي فيه.
وإن قصد وضع طبيعي هذا اللفظ المستعمل لم يكن الاستعمال حينئذ مصداقاًله، باعتبار
أنه متقوم باللحاظ الاستقلالي، فلا ينطبق على التعيين الإستعماليالمتقوم باللحاظ
الآلي، والمفروض في المسألة أنه مصداق له.
هذا اضافة إلى ما ذكرناه آنفاً، من أن المستعمل حتى في مقام الاستعمال كانينظر إلى
اللفظ بما هو لفظ لا بما هو فرده، فيكون المستعمل طبيعي اللفظ، فإذنكيف يكون النظر
إليه استقلالياً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا أساس لهذا الاعتراضعلى جميع
المباني والمسالك في باب الوضع.
الاعتراض الثاني: أن هذا الاستعمال ليس بحقيقي، لعدم كونه مسبوقاًبالوضع، ولا
بمجازي لأنه متفرع على الحقيقة، فإذن لا محالة يكون غلطاً، لأندلالة اللفظ على
المعنى إذا لم تكن ذاتية فلابد أن تكون مستندة إلى أحد أمرين:
الأول: الوضع. والثاني: العلاقة والمناسبة. وحيث إن شيئاً من الأمرين غيرمتوفر في
هذا الاستعمال فلا يصح، وبالتالي لا دلالة فيه.
والجواب: الظاهر أن هذا الاستعمال يكون استعمالاً حقيقياً، إذ لا يعتبر فيهأن يكون
مسبوقاً بالوضع زماناً، بل يكفي التقارن الزماني بينهما، وعلى هذافالاستعمال في
المقام وإن كان متقدماً على الوضع رتبة، إلا أنه مقارن معه زماناً،وهذا يكفي في
كونه استعمالاً حقيقياً، فإن المعيار فيه إنما هو بوجود الوضع فيزمان الاستعمال،
وهو موجود.
وأجاب عنه المحقق الخراسانيقدس سره، وحاصله أن ملاك صحة الاستعمال ليسكونه
حقيقياً أو مجازياً، بل يمكن أن لا يكون الاستعمال حقيقياً ولا مجازياً،ولكن مع ذلك
يكون صحيحاً، كما إذا كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره، وعليهفلا ينحصر ملاك صحة
الاستعمال بالحقيقة والمجاز، بل هناك ملاك آخر وهو ممايقبله الطبع ولا يستنكره، وإن
لم يكن بحقيقة ولا مجاز(26).
فالنتيجة: أن الاستعمال إذا كان حقيقياً أو مجازياً فهو صحيح وإن لم يقبلهالطبع،
وأما إذا لم يكن حقيقياً ولا مجازياً فإن قبله الطبع ولم يستنكره فهوصحيح، وإلا فهو
غلط.
ولكن هذا الجواب لا يتم، لأن صحة استعمال اللفظ في معنى إذا لم يكنحقيقياً ولا
مجازياً، منوطة بأن يكون بداع عقلائي، كوضعه له، لا أنها منوطة بمايقبله الطبع ولا
يستنكره، وأن لم يكن هناك داع عقلائي له، لأن مجرد كونهموافقاً للطبع كما لا يعطي
صفة الدلالة للفظ بنفسه على المعنى والانتقال منه إليه،كذلك لا يصلح أن يكون
ميزاناً لصحة وضعه بإزائه في مقام الاستعمال، فإنالغرض قد يتعلق بذلك في مقام
الاستعمال وإن لم يكن موافقاً للطبع.
فالنتيجة: الصحيح أن هذا الاستعمال استعمال حقيقي، ومع فرض عدم كونهحقيقياً فأيضاً
لا مانع من صحته بسبب القرينة إذا كان في مقام وضعه له.
الاعتراض الثالث: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من أن استعمال اللفظ في
معنىلدلالتة عليه وحكايته عنه، يتوقف على استعداد اللفظ وصلاحيته لها، ومنالواضح
أن استعداده وصلاحيته لها يتوقف على وضعه بإزائه، حيث إنه يؤهلاللفظ للدلالة
والحكاية عنه، ويعطي له هذه الصفة، على أساس أن هذهالصلاحية ليست ذاتية له، بل هي
جعلية، إما بالوضع أو بالمناسبة والعلاقةالمعبر عنها بالوضع التبعي مع القرينة
الصارفة، وحيث إن استعمال اللفظ فيالمعنى في المقام لم يكن مستنداً إلى الوضع، ولا
إلى العلاقة والمناسبة، فإذن بطبيعةالحال يتوقف استعداده للدلالة عليه على هذا
الاستعمال، باعتبار أنه مصداقللوضع، وهذا الاستعمال يتوقف على استعداده لها في
المرتبة السابقة،فيلزمالدور(27).
والجواب: أن استعداد اللفظ للدلالة على المعنى والحكاية عنه وإن لم يكنذاتياً، إلا
أن هذا الإستعداد كما يحصل بالوضع، كذلك يحصل بالقرينة كما مر،لأنها تؤهل اللفظ
للدلالة عليه بنفسه، وتعطي له هذه الصفة، فإذن لا دور.
نتيجة هذا البحث عدة نقاط:
الاُولى: الصحيح أن الوضع التعييني يمثل فعل الواضع على الاختلاف فيتفسيره. نعم قد
يفسر الوضع التعييني بالعلاقة والارتباط بين صورة اللفظوصورة المعنى في الذهن. ولكن
الصحيح أنها أثر الوضع ونتيجته لا أنها وضع.والوضع التعيّني يمثل العلاقة والارتباط
بين اللفظ والمعنى في الذهن التي تحصلبعامل كمي، وهذا هو الفارق بينهما.
الثانية: أن المناقشة في حصول الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال، على أساسأن
الاستعمال مع القرينة مهما كثر لا يؤدي إلى الارتباط والإشراط المخصوصبين ذات
اللفظ والمعنى، مدفوعة بأن القرينة حيث كانت تختلف باختلاف مواردالاستعمال وليست
عنصراً ثابتاً محدداً في جميع الموارد فلا تمنع عن حصولالارتباط والإشراط بين صورة
ذات اللفظ وصورة المعنى، باعتبار أن اللفظعنصر ثابت محدد، ولا يختلف باختلاف موارد
الاستعمال.
الثالثة: أن تحقق الوضع التعيّني بعامل كمي ككثرة الاستعمال أمر طبيعيبموجب قانون
الاستجابة الشرطية الذهنية، بلا فرق في ذلك بين المباني فيبابالوضع.
الرابعة: هل يمكن تحقق الوضع التعييني بالاستعمال؟
والجواب: أن ذلك يختلف باختلاف المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك اعتبارية الوضع فلا يمكن أن يكون تحققه متوقفاً علىالاستعمال أو
نحوه، لأنه يوجد بنفس اعتبار المعتبر، سواء أكان هناك استعمال أملا، باعتبار أنه
فعل قصدي مباشري لا تسبيبي. وأما على مسلك التعهد فأيضاًالأمر كذلك، لأنه فعل
تكويني نفساني، ولا يكون وجوده مرتبطاً بالاستعمالولا بغيره. نعم إنه قد يكون
مبرزاً له لا موجداً. وأما على مسلك الاختصاصوالقرن المؤكد، فلا مانع من تحققه
بالاستعمال، إذا كان بشكل يؤدي إلى ترسيخهوتركيزه في الذهن.
الخامسة: أن الاعتراضات التي تبدو على قصد الوضع بالاستعمال، فقد تقدمعلاجها
والتغلب عليها.
السادسة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن قصد الوضع بالاستعماليستلزم
الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شىء واحد وهو مستحيل، لايتم، لأنه مبني على
أن تكون عملية الاستعمال بنفسها مصداقاً لعملية الوضع.
ولكن لا أساس لهذا البناء على جميع المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك الاعتبار، فقد مر أنه لا يمكن أن يكون الاستعمال مصداقاً له،وكذلك على
مسلك التعهد. وأما على مسلك الاقتران والاختصاص، فالوضعمتمثل في الارتباط والإشراط
المخصوص بين صورة اللفظ وصورة المعنى فيالذهن الحاصل قهراً بعامل كمي أو كيفي،
وعليه فلا موضوع للمحذور المذكور.
السابعة: أنا لو سلمنا أن عملية الوضع عملية انشائية فمع ذلك لا تتحد مععملية
الاستعمال ولا تنطبق عليها، بل هي مسببة عنها، فإذن لا يلزم من قصدالوضع بالاستعمال
الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد.
الثامنة: أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من أنه لا يلزم من قصد
الوضعبالاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد، معللاً
بأنالملحوظ مستقلاً هو طبيعي اللفظ، والملحوظ آلياً هو شخص هذا اللفظالمستعمل، لا
يتم كما تقدم.
التاسعة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن صحة استعمال اللفظ في معنىإذا
لم يكن مسبوقاً بالوضع منوطة بأن يقبله الطبع ولا يستنكره لا يتم كما مر.
التقييد في العلقة الوضعية ...
التقييد في العلقة الوضعية
لا إشكال في إمكان تقييد المعنى الموضوع له، وكذلك تقييد اللفظ الموضوع.وإنما
الكلام في امكان تقييد العلقة الوضعية، وهل هذا ممكن أولا؟ الظاهر أنذلك يختلف
باختلاف النظريات في باب الوضع.
أما على أساس نظرية الاعتبار فلا اشكال في إمكان تقييدها، لأنها أمراعتباري، فيتبع
إعتبار المعتبر في السعة والضيق والاطلاق والتقييد، كالمجعولاتالشرعية من الوجوب
والحرمة أو الملكية والزوجية أو نحوها. وعليه فللواضعأن يقوم باعتبار العلقة
الوضعية بين طبيعي اللفظ والمعنى مطلقاً، وله اعتبارهامقيدة بحالة خاصة من المتكلم.
وأما الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى،فهي من آثار الوضع تكويناً كما مر، لا
أنها بنفسها وضع.
قد يقال كما قيل: إنه لا يمكن تقييد العلقة الوضعية بحالة خاصة، لأن الدلالةالوضعية
التي هي دلالة تصورية معلولة لها، ومن الواضح أن هذه الدلالة غيرقابلة للتقييد.
فاذا كان المعلول مطلقاً وغير مقيد، كان كاشفاً عن أن علته أيضاًكذلك، على أساس
تبعية المعلول للعلة في السعة والضيق، فلا يعقل أن يكونالمعلول مطلقاً والعلة
مقيدة.
والجواب: أن اطلاق هذه الدلالة مستندة إلى الأنس الذهني الحاصل بينذات اللفظ
والمعنى على أثر تأثير عملية الوضع في ذلك، فإنها وإن كانت مقيدةبحالة خاصة، إلا أن
طرفيها لما كانا مطلقين، فهي تؤدي إلى الترسيخ بينصورتيهما في الذهن كذلك.
فالنتيجة: أن الوضع على ضوء هذه النظرية قابل للتقييد.
وأما على أساس نظرية التعهد فأيضاً لا اشكال في إمكان تقييد العلقةالوضعية بحالة
خاصة أو بتحقق أمر معين، وذلك لأن التعهد فعل النفس،وبامكان الشخص التعهد بشي
مطلقاً أو في حالة خاصة أو في زمن خاص،وهكذا. وعلى هذا فيمكن أن ينيط الواضع تعهده
والتزامه النفساني بحالة دوناُخرى، بأن يتعهد بأنه متى ما نطق باللفظ الفلاني وفي
الوقت الفلاني أرادالمعنىالفلاني لا مطلقاً، أو متى وضع عمامته مثلاً عن رأسه،
أراد الشيءالفلاني، وهكذا.
وبكلمة، إن الدلالة الوضعية على ضوء هذه النظرية دلالة تصديقية، وهيدلالة اللفظ
على إرادة تفهيم المعنى، ولا يمكن أن تكون تصورية، إذ لا يمكنالتعهد والالتزام
بها، لأنها خارجة عن الاختيار، والمفروض أن الدلالةالتصديقية قابلة للإطلاق
والتقييد، فان للمتكلم أن يتعهد بأنه لا يأتي باللفظالفلاني إلا حينما أراد تفهيم
المعنى الفلاني، وله أن يقيد هذا التعهد بحالة خاصة أوزمن معين أو عند تحقق شي خاص،
وحينئذ فإذا تكلم المتكلم بذلك اللفظالخاص في الحالة أو الزمن المعين، دل على أنه
أراد تفهيم معناه، وإلا فلا.
وأما على أساس نظرية الاقتران فلا يمكن تقييد العلقة الوضعية فيها، لأنهاعبارة عن
الملازمة الذهنية بين تصور اللفظ وتصور المعنى الناشئة عن الاقترانبينهما في
الخارج ومعلولة تكوينية له، وليست مجعولة تشريعية كالوجوبوالحرمة والملكية
والزوجية ونحوهما حتى تكون قابلة للتقييد.
وبكلمة، أن هذه الملازمة التصورية بين اللفظ والمعنى التكوينية غير قابلةللتقييد،
سواء أكان منشؤها الاعتبار والجعل، أم كان الاقتران بينهما خارجاً،لأن الأمر
التكويني يوجد بوجود منشئه قهراً، وليس كالأمر التشريعي قابلللاطلاق والتقييد
والسعة والضيق، ولا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الملازمةبنفسها وضعاً، كما هو مبنى
هذه النظرية أو تكون من آثار الوضع ونتائجه، كماهو مبنى سائر النظريات.
الدلالة الوضعية ...
والخلاصة: أن العلقة الوضعية على ضوء نظرية الاعتبار قابلة للاطلاقوالتقييد والسعة
والضيق، كسائر الاُمور الاعتبارية التشريعية، وكذلك علىضوء نظرية التعهد. وأما على
ضوء نظرية الاقتران فلا يمكن تقييدها كما عرفت.هذا تمام كلامنا في حقيقة الوضع
تحليلاً وأقسامها.
الدلالة الوضعيّة
وهل هي دلالة تصورية أو تصديقية؟ فيه قولان:
قد اختار السيد الاُستاذقدس سره القول الثاني(28)، ولكن الصحيح القول الأول.
بيان ذلك: أن المراد من الدلالة هو الانتقال من شي إلى شي آخر، وهذا فرعالملازمة
بينهما، وحينئذ فإن كانت الملازمة بين وجوديهما في الخارج كان الانتقالتصديقياً،
كالانتقال من وجود العلة إلى وجود المعلول، أو بالعكس، أو منوجود أحد المتلازمين
إلى وجود الملازم الآخر، وهكذا. وإن كانت الملازمة بينوجوديهما في الذهن كان
الانتقال تصورياً، كالانتقال من تصور النار إلى تصورالحرارة وهكذا. وعلى هذا فمنشأ
هذا الاختلاف إنما هو الاختلاف في حقيقةالوضع، فعلى القول بأن حقيقة الوضع عبارة عن
التعهد والالتزام النفساني،فلامناص من الالتزام بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية،
لأن التعهد إنماهوبين وجود اللفظ في الخارج ووجود الارادة التفهيمية، ومن الواضح
أنالملازمة بينهما ملازمة تصديقية، فالدلالة الناتجة منها أيضاً كذلك، ولا
يعقلأنتكون تصورية.
وبكلمة، إن كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية على ضوء هذه النظرية، لايحتاج إلى
إقامة أي برهان، فان ذلك نتيجة حتمية لها، على أساس أنه لا يعقلالتعهد والالتزام
بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعورواختيار، بل ولو صدر عن اصطكاك
حجر بآخر، فإن هذا غير اختياري، فلايمكن أن يكون طرفاً للتعهد والالتزام، فلذلك لا
مناص من الالتزام بتخصيصالعلقة الوضعية بصورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته،
سواء أكانت الارادةتفهيمية محضة، أم جدية أيضاً، فانه أمر اختياري، فيكون متعلقاً
للإلتزاموالتعهد، ومرجعهما إلى إيجاد الملازمة بين وجودين في الخارج، هما التلفظ
بلفظخاص وإرادة تفهيم معنىً كذلك، ومن الواضح أن الدلالة الناتجة من هذهالملازمة
دلالة تصديقية.
ولكن قد تقدم أن نظرية التعهد والالتزام غير صحيحة، ولا يمكن الأخذبها.وأما على
أساس سائر النظريات فالدلالة الوضعية دلالة تصورية،وليستبتصديقية.
أما على أساس نظرية الاعتبار، فلأن الوضع عبارة عن جعل الملازمة بينطبيعي اللفظ
والمعنى في عالم الاعتبار والذهن، سواء أكان ذلك بلسان الجعلوالاعتبار، أم كان
بلسان تنزيل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، أم بلسانجعل اللفظ على المعنى
اعتباراً، وحيث إن موطن هذه الملازمة المجعولة بينهما عالمالذهن والاعتبار دون
الخارج، فلا محالة تكون تصورية، ومن الطبيعي أنالدلالة الناتجة منها لا محالة
دلالة تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية.
وإن شئت قلت: إن طرفي الملازمة إن كانا في الذهن فالملازمة ذهنية، وإن كانافي
الخارج فالملازمة خارجية، باعتبار أنها متقومة بشخص وجود طرفيها ذاتاًحقيقة، وليست
لها ماهية متقررة بقطع النظر عن وجودهما، ولهذا يكون طرفاهابمثابة الجنس والفصل
لها، فإذن كون الدلالة الوضعية دلالة تصورية لازم حتميللقول باعتبارية الوضع.
وأما على اساس نظرية الاقتران فأيضاً تكون الدلالة الوضعية دلالةتصورية، لأن حقيقة
الوضع على ضوء هذه النظرية متمثلة في القرن المؤكد بينصورة اللفظ والمعنى في
الذهن. ومن الواضح أن هذه الملازمة بينهما ملازمةتصورية، باعتبار أن موطنها الذهن،
والدلالة الناتجة منها دلالة تصورية لامحالة، ولا يعقل أن تكون تصديقية، فإن
الدلالة التصديقية ناشئة من ظهورحال المتكلم الملتفت بأنه لا يأتي باللفظ لغواً
وجزافاً وعلى سبيل لقلقة اللسان،وإنما يأتي به بداعي تفهيم معناه وارادة ذلك.
فالنتيجة: أن الدلالة التصديقية لا تستند إلى الوضع، وإنما تستند إلىالغلبةالحاصلة
من الظهور السياقي لحال المتكلم الملتفت، بأنه لا يأتي باللفظلغواً وجزافاً.
وقد يستدل على أن الدلالة الوضعية لابد أن تكون دلالة تصديقية على جميعالمباني في
باب الوضع، بدون فرق بين مبنى ومبنى، بتقريب أن الغرض الداعيإلى وضع الألفاظ إنما
هو التفهيم والتفهم وابراز ما قصده للآخرين، لا مجردالانتقال من صورة اللفظ إلى
صورة المعنى في الذهن قهراً.
وبكلمة، إن سعة الحاجة، وعدم كفاية الأساليب البدائية لابرازها، قد دعتإلى ضرورة
استخدام الألفاظ، وحيث إن دلالتها لم تكن ذاتية فتدعو الحاجة إلىعملية الوضع، ولا
يمكن القول بأن العملية أوسع دائرة من الغرض الدافع إليها،وإلاّ لزم كون وجود
المعلول أوسع دائرة من وجود العلة، وهذا قرينة علىاختصاص العلقة الوضعية بحالة
خاصة، وهي ما إذا أراد المتكلم تفهيم المعنى لامطلقاً، فإذن تكون الدلالة الوضعية
دلالة تصديقية على جميع المباني في بابالوضع. وأما الدلالة التصورية فهي مستندة
إلى الاُنس الذهني الحاصل بيناللفظ والمعنى بعامل كمي أو كيفي(29).
والجواب أولاً: أن الغرض الأصلي من استخدام الألفاظ والقيام بعمليةوضعها وإن كان
ذلك، إلا أنه لا يترتب على العملية مباشرة، بل يتوقف علىمقدمتين: الاُولى: الوضع.
والثانية: إحراز أن المتكلم في مقام الافادةوالاستفادة، والمترتب على المقدمة
الاُولى صلاحية اللفظ للدلالة على المعنىبنفسه، وقد مرّ أن الوضع يؤهل اللفظ لها،
وهذه الدلالة دلالة تصورية وعبارةعن انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى
ومقدمة للدلالة التصديقية،فلا يمكن تحققها بدونها، لأنها تتوقف عليها وعلى مقدمة
اُخرى خارجية، وهيإحراز أن المتكلم في مقام التفهيم والتفهم، ويكفي في إحراز هذه
المقدمة ظهورحال المتكلم الملتفت بأنه لا يأتي بلفظ لغواً وعلى سبيل لقلقة اللسان.
والخلاصة أن التفهيم والتفهم ليس الغرض المباشر من وضع الألفاظ بإزاءالمعاني، بل هو
الغرض النهائي منه، فإن الغرض المباشر له، إنما هو اعطاء صفةالصلاحية والأهلية
للفظ، للدلالة على المعنى بنفسه والحكاية عنه بعد ما لم تكندلالته ذاتية، وحيث إن
الغرض المباشر لا يختص بحالة دون اُخرى، فلا يقتضىتخصيص العلقة الوضعية بحالة ما.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الغرض من الوضع هو التفهيموالتفهم مع
الآخرين مباشرة، إلاّ أن هذا الغرض لا يترتب على الوضع وحده،بل يتوقف على مقدمة
اُخرى، وهي إحراز أن المتكلم في مقام البيان وارادةالتفهيم والتفهم، لأن الوضع يؤهل
اللفظ للدلالة على ارادة التفهيم ،ويعطي لهصفة الاستعداد و الصلاحية لها، وأما
فعلية هذه الدلالة تتوقف على مقدمةاُخرى، وهي احراز كون المتكلم في مقام الافادة
والاستفادة، وعلى هذا فلا فرقبين أن تكون العلقة الوضعية مقيدة بهذه الحالة أو
مطلقة، إذ على كلا التقديرينلا تترتب الدلالة التصديقية عليها مباشرة، بل لابد من
ضم مقدمة اُخرى إليها،فإذن لا مانع من أن تكون العلقة الوضعية مطلقة وغير مقيدة
بحالة إرادة تفهيمالمعنى، بل تقييدها بهذه الحالة لغو، إذ لا فرق في ترتب الأثر
عليها بين اطلاقهاوتقييدها، فإنه على كلا التقديرين يتوقف على مقدمة اُخرى خارجية،
وعلىذلك يتعين الاطلاق على ما قويناه في محله، من أنه أمر عدمي، وعبارة عن
عدمالتقييد، ولا يحتاج إلى مؤنة زائدة، وهذا بخلاف التقييد، فإنه أمر وجوديوبحاجة
إلى مؤنة زائدة، وحيث لا يترتب على تقييد العلقة الوضعية بالحالةالمذكورة أثر زائد
على ما يترتب على اطلاقها، فلذلك يكون لغواً.
وثالثاً: أن الوضع على القول بالاعتبار وإن كان قابلاً للتقييد، حيث إن أمرهبيد
المعتبر اطلاقاً وتقييداً، إلا أنه لا يترتب على تقييده بصورة إرادة تفهيم
المعنىأثر، على أساس أن موطن هذا التقييد هو عالم الاعتبار والذهن، فيكون مردهإلى
التقييد بلحاظ الوجود الذهني، لا الوجود الخارجي، وعليه فلا محالة تكونالدلالة
تصورية، وهي الانتقال من صورة اللفظ إلى صورة إرادة تفهيم المعنى فيالذهن، ومن
الواضح أن الملازمة بينهما تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية،لأن الملازمة
التصديقية إنما تكون بين وجود اللفظ في الخارج وواقع الارادة فيه،لا صورتها في
الذهن. وقد تقدم آنفاً أن الملازمة إن كانت بين الوجودينالخارجيين كانت تصديقية،
وإن كانت بين الوجودين الذهنيين كانت تصورية.
وقد تحصل من ذلك أن الدلالة الوضعية لا يمكن أن تكون دلالة تصديقيةعلى غير مسلك
التعهد والالتزام.
ورابعاً: أن إرادة تفهيم المعنى لا تخلو إما أن تكون قيداً للعلقة الوضعية، أوأنها
قيد للمعنى الموضوع له.
أما الأول، فقد مر الآن أن العلقة الوضعية على جميع المسالك لم تكن مقيدةبحالة
إرادة تفهيم المعنى، إلا على مسلك التعهد.
وأما الثاني وهو أخذ الارادة في المعنى الموضوع له فإن أريد به أخذ مفهومالارادة،
فيرد عليه أنه لا أثر له، ولا يجعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية،غاية الأمر أن
اللفظ حينئذ يدل بالدلالة التصورية على صورة الارادة في الذهن،لا على واقعها
الخارجي.
وبكلمة، إن المأخوذ في المعنى الموضوع له إن كان مفهوم الارادة، كان اللفظدالاً على
الملازمة بين صورة اللفظ وصورة إرادة المعنى في الذهن، لفرض أنه لاموطن للمفهوم إلا
الذهن، كان مفهوم الارادة أم مفهوم غيرها، وقد مر أنالملازمة بين المفهومين في
الذهن ملازمة تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية،لأن الملازمة التصديقية موطنها
الخارج.
وإن كان المأخوذ فيه واقع الارادة وحقيقتها بالحمل الشائع في الخارج، القائمةفي نفس
المتكلم، فيرد عليه أنه غير معقول،لأن الملازمة لا تتصور بين صورةاللفظ في الذهن و
وجود الارادة في الخارج، فإن طرفيها إن كانا في الذهن فهيتصورية، وإن كانا في
الخارج فهي تصديقية. وأما إذا كان أحدهما في الذهنوالآخر في الخارج، فلا تتصور
الملازمة بينهما، لا تصوراً ولا تصديقاً، لما مر منأن الملازمة متقومة ذاتاً بشخص
وجود طرفيها، فإن كانا في الذهن فهي ذهنية،وإن كانا في الخارج فهي خارجية، ولا يعقل
أن تكون ذهنية وخارجية معاً.وعلى هذا فإن اُريد أن اللفظ بصورته الذهنية يدل على
المعنى المقيد بوجودالارادة في الخارج والانتقال إليه فهو غير معقول، إذ لا تعقل
الملازمة بين الوجودالذهني والوجود الخارجي. وإن أريد أن الدال عليه حصة خاصة من
اللفظ،وهياللفظ الصادر من متكلم ملتفت، فيرد عليه أن مرده إلى تقييد اللفظالموضوع
أيضاً بما إذا صدر مناللافظ عنإرادة والتفات، وهذا خلف الفرض،لأن المفروض هو
تقييد المعنىالموضوع له بالارادة، لاالموضوع والموضوع له معاً.
هذا إضافة إلى أن الدال على إرادة تفهيم المعنى حينئذ، إن كان صدور اللفظمن اللافظ
الملتفت، فمثل هذه الدلالة التصديقية لا يمكن تكوينها إلا على القولبأن الوضع هو
التعهد، وإن كان الظهور السياقي وهو ظهور حال اللافظ الملتفتفهذه الدلالة لا ترتبط
بوضع اللفظ، لعدم استنادها إليه.
ثم إن المحقق الخراسانيقدس سره قد اعترض على أخذ الارادة في المعنى
الموضوعلهبوجوه:
الأول: أن لازم ذلك عدم انطباق المعنى الموضوع له على الخارج، باعتبار أنهمقيد
بالارادة التي لا موطن لها إلاّ الذهن.
الثاني: أن لازم ذلك كون المعنى الموضوع له في عامة الألفاظ خاصاً، بلحاظأنه مقيد
بالوجود الذهني، وهو الارادة، والوجود مساوق للتشخص، بدونفرق في ذلك بين الوجود
الذهني والوجود الخارجي.
الثالث: أن الارادة حيث كانت من مقومات الاستعمال، ومتأخرة عن المعنىالموضوع له
طبعاً تأخر الارادة عن المراد، فلا يمكن أخذها في المعنى المستعملفيه المراد، وإلا
لزم تقدم الارادة على نفسها وهو خلف(30).
والجواب: أما عن الاعتراض الأول والثاني فلأن الارادة تارة تلحظبالنسبة إلى المراد
بالذات، وهو الموجود في افق الذهن، واُخرى تلحظ بالنسبةإلى المراد بالعرض، وهو
الموجود في أفق الخارج.
أما على الأول فالارادة عين المراد بالذات في اُفق الذهن، لأنه نفس الوجودالارادي،
والاختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار والاضافة، فإن الموجود بالوجودالارادي القائم
بالنفس بلحاظ إضافته إلى المريد إرادة، وبلحاظ إضافتهإلىالواقع مراد، كالعلم
بالنسبة إلى المعلوم بالذات، فإنه عينه في عالم النفس،إذلا وجود للمعلوم بالذات إلا
الوجود العلمي، فالعلم وجود علمي للمعلومبالذات، فإن كان تصديقياً فهو وجود تصديقي
له، وإن كان تصورياً فهووجودتصوري له.
وعلى هذا فإن كان المقصود من أخذ الارادة في المعنى الموضوع له وضع اللفظبإزاء
المعنى المراد بالذات، لكان الاعتراض الأول والثاني في محله، فإن مردّه إلىالوضع
للوجود الارادي وهو لا ينطبق على ما في الخارج من ناحية، وخاصمن ناحية اُخرى.
وأما إذا كان المقصود من ذلك وضع اللفظ للمراد بالعرض، وهو ذات المعنىالموضوع له
الخارج عن اُفق الذهن،مع اخذ نسبة بينه وبين الارادة فيه فلا يمنععن انطباق المعنى
الموضوع له على الخارج، لأن نسبة الارادة المأخوذة فيه بما أنهلا واقع موضوعي لها
لا في الذهن ولا في الخارج، فلا تمنع عن قابلية الانطباقعلى الخارجيات .
وبكلمة، إن المعنى مراد بالعرض، وللارادة في أفق النفس نسبة إليه في خارجالأفق،
ولا مانع من تقييد المعنى بهذه النسبة ووضع اللفظ بإزائه، ولا يلزم منذلك شي من
المحذورين، باعتبار أنها لا تمنع عن الانطباق كما عرفت، ولا توجبتخصيص المعنى
الموضوع له، لا في الذهن ولا في الخارج.
أو فقل: إن المأخوذ في المعنى الموضوع له إن كان نسبة الارادة إلى المرادبالذات،
فهي تمنع عن الانطباق، على أساس أن لهذه النسبة واقعاً موضوعياً،وهو وجود الارادة
للمراد في الذهن، وإن كانت نسبة الارادة إلى المراد بالعرض،فلا تمنع عن قابلية
الانطباق على الخارجيات،على اساس أنه لا واقع لهذه النسبةلا في الذهن ولا في
الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مقصود القائل بأن اللفظ موضوع للمعنى المراد، ليسالمراد
بالذات، لوضوح أن اللفظ لم يوضع بإزاء الموجود الذهني، كما أنه لم يوضعبإزاء
الموجود الخارجي، بل مقصوده المراد بالعرض الذي هو طرف لإضافةالارادة إليه بالعرض،
ومن الواضح أن مجرد كونه طرفاً لها لا يمنع عن الانطباقولا يوجب تخصصه بها، فإن
المانع عن ذلك، إنما هو أخذ الوجود الإرادي فيالمعنى الموضوع له الذي لا موطن له
إلا النفس.
فالنتيجة: أن الموضوع له هو ذات المعنى، لكن لا مطلقاً، بل مقيدة بنسبةالارادة إليه
في الخارج، وهذه النسبة القائمة بين ذات المعنى والارادة لو كان لهاواقع في قبال
الارادة في الذهن، لكانت مانعة عن الانطباق على الأفراد فيالخارج، لأن المركب من
الوجود الذهني والمقيد به، لا يمكن أن ينطبق على ما فيالخارج. ولكن المفروض أنه لا
واقع لها في قبال وجود الارادة في الذهن، لأنهاأمر انتزاعي، فتارة تنتزع بلحاظ
المراد بالعرض، واُخرى بلحاظ المرادبالذات، ولا واقع لها ماعدا منشأ انتزاعها، وهو
في الأول المراد بالعرض، وفيالثاني المراد بالذات، وموطن الأول الخارج، والثاني
الذهن، فمن أجل ذلك إذاكان المأخوذ في المعنى الموضوع له نسبة الارادة إلى المراد
بالعرض، لم تمنع عنقابلية المعنى للانطباق على الخارج.
وأما عن الاعتراض الثالث فلأن الارادة التفهيمية التي اُخذت في المعنىالموضوع له
على نحو الجزئية أو القيدية إنما اُخذت في طول المعنى الذي هو أحدجزئي الموضوع له،
فإنه مركب من جزأين طوليين أو مقيد بقيد طولي أحدهماذات المعنى والآخر إرادته
التفهيمية، فالارادة التفهيمية بنفسها جزء للمعنىالموضوع له أو قيد له، فاللفظ
موضوع للمركب من ذات المعنى وإرادته التفهيميةالتي هي في طولها، أو لذات المعنى
المقيدة بإرادته التفهيمية، وعلى هذا الأساسفإذا أراد المتكلم تفهيم المعنى من
اللفظ فقد تحقق المعنى الموضوع له بكلا جزأيةأو مع قيده. أما جزؤه الأول وهو ذات
المعنى فقد كان متحققاً، وأما جزؤه الآخروهو الارادة التفهيمية، فقد تحقق بنفس
الاستعمال.
ومن هنا يظهر أن منشأ هذا الاعتراض تخيل أن ما يدعى أخذه في المعنى، هوالارادة
التفهيمية لتمام المعنى الموضوع له لا لجزئه، وهو لا يمكن، وإلا لزم أخذالارادة
التفهيمية في المعنى المراد بشخص هذه الارادة وبنفسها، لا بإرادة اُخرى،لأن ذلك من
أخذ الارادة التفهيمية في موضوع شخصها، وهو مستحيل،لإستلزامه تقدم الشي على نفسه،
لأن الارادة متأخرة عن المراد بها رتبة، فيكفيمكن أخذها في مرتبة موضوع نفسها.
وإن شئت قلت: إن المدعى هو أن اللفظ موضوع لمعنى مركب من جزأينطوليين، هما ذات
المعنى وإرادته التفهيمية التي هي في طول ذات المعنى ومتأخرةعنها رتبة ومتحققة
بالاستعمال، ولا مانع من وضع لفظ لمعنى مركب من جزأينأو أجزاء كذلك، ولا يلزم منه
محذور الدور أو الخلف. وليس المدعى أن الارادةالتفهيمية لتمام المعنى الموضوع له
والمستعمل فيه، مأخوذة في نفس هذا المعنىالمراد بشخص هذه الارادة، وإلا لزم أخذها
في موضوع شخصها وهو مستحيل.والاعتراض المذكور مبني على ذلك. نعم إذا كانت هناك
إرادتان، فلا مانع منأخذ إحداهما في موضوع الاُخرى. ومن هنا لا مانع من أخذ
الارادة الجدية فيموضوع الارادة التفهيمية، ولا يلزم منه محذور تقدم الشي على
نفسه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الموضوع له إذا كان مركباًمن ذات
المعنى وإرادته التفهيمية التي هي في طولها رتبة لا في عرضها، فلاأساس لشي من
الاعتراضات المذكورة.
أما الأول فلأن المعيار في الانطباق وعدم الانطباق، إنما هو بانطباق المعنىالمراد
بالعرض وعدم انطباقه. والمفروض أنه قابل للإنطباق على الخارجيات.
وأما الثاني فلأنالمعيار في عموم المعنى الموضوع له وخصوصه إنما هوبذاتالمراد
بالعرض، فإن كان عاماً فالموضوع له عام، وإن كان خاصاًفالموضوع له خاص.
وأما الثالث فهو مبني على أن المأخوذ هو الارادة التفهيمية لتمام المعنىالموضوع
له، فإنه من أخذ الارادة في المعنى المراد بنفس هذه الارادة وهذامتسحيل، ولكن
المدعى ليس ذلك، بل المدعى أن المأخوذ هو الارادة التفهيميةلجزء المعنى التي هي
بنفسها الجزء الآخر لذلك المعنى، فعندئذ لا يلزم محذور أخذالارادة في المراد. هذا.
وقد أجاب المحقق العراقيقدس سره عن هذه الاعتراضات بما حاصله:
أن الارادة لم تؤخذ في المعنى الموضوع له، لا جزءاً ولا قيداً، وإنما اُخذتمقارنة
معه، وهذا يعني أن اللفظ موضوع لذات الحصة التوأمة مع الارادةالمساوقة لخروجها عن
المعنى الموضوع له قيداً وتقييداً، وعندئذ فلا يلزم شيمن المحاذير المذكورة(31).
والجواب: إن التوأمية بالمعنى الذي ذكرهقدس سره، لا يعقل أن توجب تخصصالطبيعي إلى
حصص متباينة في عالم المفهوم، طالما لم يكن التقيد به دخيلاً، لأنتحصص المفهوم
الكلي بحصص متباينة متمايزة إنما هي، على أساس تقييده بقيودكذلك. مثلاً إن تحصص
الانسان بحصص متمايزة انما هو، على أساس تقييدهبقيود متمايزة ومتباينة، بحيث يكون
التقيد بها دخيلاً ومقوماً، كالانسان العالم،والانسان الجاهل أو الانسان العادل
والانسان الفاسق، وهكذا. فإن تخصصالانسان بهذه الحصص المتباية المتمايزة انما هو
على أثر تقييده بقيود كذلك. وأماإذا جردت عن هذه القيود فلا امتياز بينها. وأما إذا
افترض أن التقيد كالقيدخارج وغير دخيل في تحصصه بحصة فلا يعقل صيرورته حصة في عالم
المفهوم،فتحصص المفاهيم في عالم المفهومية بحصص متباينة متمايزة، متقوم
بتقييدكلحصة بقيد مباين متمايز عن سائر القيود، وإلا فلا يعقل الإمتياز في
ذلكالعالمأصلاً.
وعلى هذا فالتوأمية مع الارادة إن كانت بمعنى أن التقيد بها دخيل في صيرورةالمعنى
الموضوع له حصة عاد المحذور المتقدم، وإن كانت بمعنى أن التقيد بها كالقيدخارج عنه
وغير دخيل فيه، فعندئذ لا توجب صيرورته حصة.
فالنتيجة: أن التوأمية في عالم المفاهيم في مقابل التقييد لا يعقل أنتوجبصيرورة
المفهوم حصة حصة في ذلك العالم، فمن أجل ذلك لا يرجعجوابهقدس سره إلى معنى محصل.
نعم، التوأمية بهذا المعنى إنما تتصور في الأفراد الخارجية، على أساس أن لكلفرد
تعيناً وجودياً في مقابل غيره من الأفراد، بقطع النظر عن اقترانهبخصوصياته العرضية
من الكم والكيف والأين والوضع وما شاكل ذلك، بلحاظأن تشخص كل فرد وامتيازه عن فرد
آخر انما هو بتعينه الوجودي، وفي مثلذلك إذا فرض وضع لفظ بإزاء فرد في الخارج أمكن
وضعه بإزاء التوأم مع إرادتهبدون تقيده بها، لأن تشخصه إنما هو بوجوده كانت معه
إرادة أم لا، فلذلك إذاجرد عنها كانت الحال فيه كما كانت قبل التجريد بدون أي
تفاوت، ولكن ذلكلا يعقل في الحصص المفهومية، فإنه إذا جردت الحصة عن التقييد بقيد
في مقامترتب الحكم عليها كان الحكم مترتباً على الجامع، فإن الحصة متقومة
بالتقييدبقيد خاص، فإذا جردت عنه في مقام الوضع كان الوضع لا محالة للجامع
لانتفاءالحصة بانتفاء القيد، فالانسان المتقيد بالعلم في مقام ترتب الحكم عليه إذا
جردعن العلم كان الحكم مترتباً على الجامع بينه وبين الجاهل.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من الجواب
عنالاشكالات المتقدمة لا يمكن المساعدة عليه، فالصحيح في الجواب عنها ماعرفته
موسعاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنه على تقدير أخذ الارادة التفهيمية في المعنى الموضوع لهفقد مر
أن أخذها وحده لا يكفي في صيرورة الدلالة الوضعية، دلالة تصديقية،بل هي تتوقف على
مقدمة اُخرى، وهي تقييد اللفظ الموضوع بحصة خاصة منه،وهي الحصة الصادرة من اللافظ
الملتفت بالاختيار والارادة. ولكن مع هذاالتقييد لا حاجة إلى أخذ الارادة قيداً
للمعنى الموضوع له، لأن هذا التقييد وحدهيكفي في صيرورة الدلالة الوضعية دلالة
تصديقية، باعتبار أن اللفظ إذا صدرعن اللافظ الشاعر بالاختيار، فبطبيعة الحال كان
يدل على أنه أراد تفهيم معناه.
وبكلمة، إن أخذ الارادة التفهيمية في المعنى الموضوع له، إنما هو بدافع أنالأثر
مترتب على الدلالة التصديقية دون الدلالة التصورية، فمن أجل ذلكيكون الوضع بغرض
إيجاد الدلالة التصورية لغواً، ولكن أخذها فيه وحده لايكفي بدون تقييد اللفظ، لما
تقدم من أن الدلالة التي تمثل الملازمة إذا كانتبينوجودين في الذهن كانت تصورية،
ونقصد بها الانتقال من تصور أحدهماإلى تصور الآخر في الذهن، وإذا كانت بين وجودين
في الخارج كانت تصديقية،ونقصد بها الانتقال من التصديق بوجود أحدهما في الخارج
التصديق بوجودالآخر فيه.
وأما إذا كان أحدهما موجوداً في الذهن والآخر موجوداً في الخارجفيستحيل أن تكون
بينهما ملازمة، لا تصديقية ولا تصورية، لأن الملازمةمتقومة ذاتاً بشخص وجود طرفيها،
فإن كانا في الذهن فالملازمة ذهنية، وإنكانا في الخارج فالملازمة خارجية. وأما إذا
كان أحدهما في الذهن والآخر فيالخارج، فلا تعقل الملازمة بينهما. ومن هنا لا يكفي
مجرد تقييد المعنى الموضوع لهبالارادة التفهيمية في كون الدلالة الوضعية تصديقية
طالما كان الموضوعوهواللفظ غير مقيد بقيد تصديقي، لاستحالة الملازمة بين الموجود
الذهنيوالموجود الخارجي.
وأما تقييد الموضوع وهو اللفظ فهو على نحوين:
الأول: أنه مقيد بقيد تصوري، كتقييده بصيغة خاصة من حيث السكون أوالحركة أو
التنوين، أو غير ذلك من الخصوصيات.
الثاني: أنه مقيد بقيد تصديقي، كتقييده بالارادة الخارجية.
أما على الأول فلا مانع منه، لأن الواضع قد يضع اللفظ للمعنى مجرداً عنالخصوصية
كالتنوين ونحوه، وقد يضع بقيد التنوين أو نحوه، فعلى الأول تكونالملازمة بين صورة
اللفظ المجرد عن الخصوصية وصورة المعنى المقيد بالارادة فيالذهن. وعلى الثاني بين
صورة اللفظ المنون وصورة المعنى المذكور. وهذا التقييدلا يوجد الملازمة بين صورة
اللفظ المنون في الذهن ووجود المعنى المراد بتلكالارادة في الخارج، لما عرفت من
عدم تعقل الملازمة بين الوجود الذهنيوالوجود الخارجي، لا التصديقية ولا التصورية.
و أما على الثاني، فمرجع هذا التقييد إلى اختصاص الوضع بحصة خاصة مناللفظ، وهي ما
إذا صدر من المتكلم الملتفت، فإنه حينئذ يدل على أنه أراد تفهيممعناه، فإذن تكون
الملازمة تصديقية، ولكن اختصاص الوضع بهذه الحالة لايمكن إلا على القول بأن حقيقة
الوضع هو التعهد والالتزام النفساني، وأما علىسائر الأقوال في المسألة، فلا يمكن
هذا الاختصاص لتكون نتيجة كون الدلالةالوضعية تصديقية. وحيث قد تقدم موسعاً عدم صحة
القول بأن الوضع هوالتعهد والالتزام، فلا يمكن جعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية
حينئذ، بتقييدالمعنى الموضوع له بالارادة التفهيمية الخارجية، لما مر من أن مجرد
تقييده بها لايكفي في جعلها تصديقية بدون تقييد اللفظ الموضوع بها. وقد عرفت أن
تقييده لايجدي إلا على أساس القول بأن الوضع التعهد، وهو باطل، كما أن تقييد
اللفظالموضوع وحده بالارادة الخارجية لا يكفي لصيرورة الدلالة الوضعية
دلالةتصديقية، بدون تقييد المعنى الموضوع له بها، ومع تقييد كليهما فالدلالة
وإنكانت حينئذ تصديقية، إلا أن كونها وضعية مبنية على مسلك التعهد لا مطلقاً.
إلى هنا قد تبين أمور:
الأول: أن تقييد المعنى الموضوع له بمفهوم الارادة تقييد بقيد تصوري، ولايجعل
الدلالة التصورية تصديقية، غاية الأمر أن ذهن الانسان ينتقل من صورةاللفظ إلى صورة
المعنى المقيد بالارادة في الذهن، وأما تقييده بقيد تصديقي وهوواقع الارادة في
الخارج، فقد مر أنه وحده لا يكفي في جعل الدلالة الوضعيةتصديقية، كما أنه لا تعقل
دلالة تصورية بين صورة اللفظ وصورة المعنى المقيدبهذا القيد التصديقي في الذهن،
لاستحالة أن يكون المدلول التصوري مقيداً بقيدتصديقي، لأن معنى كونه مقيداً بهذا
القيد أنه موجود في الخارج، ومعنى كونهمدلولاً تصورياً أنه لا موطن له إلا الذهن،
فالجمع بين الأمرين مستحيل، لأنهمن الجمع بين المتناقضين.
الثاني: إن تقييد اللفظ الموضوع بالارادة التفهيمية إن كان بمفهومها فلا أثرله،
فإنه لا يجعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، ضرورة أن الانتقال من صورةاللفظ
المقيدة بالارادة صورة المعنى في الذهن انتقال تصوري، ولا يعقل أن يكونتصديقياً،
ولا يكشف عن وجودها في الخارج، كما هو شأن كل دلالة تصورية،وإن كان بواقعها الخارجي
أي بقيد تصديقي، فأيضاً لا يجعل الدلالة الوضعيةدلالة تصديقية، لأن الانتقال من
صورة اللفظ المقترنة بالارادة الخارجية الىصورة المعنى في الذهن غير معقول،اذ لا
تعقل الملازمة بين تصور وتصديق.
أو فقل: إن الغرض من تقييد اللفظ الموضوع بالارادة التفهيمية الخارجية إنكان دخلها
بوجودها الواقعي في نفس المتكلم في انتقال ذهن السامع إلى صورةالمعنى الموضوع له في
الذهن فإنه غير متصور، ضرورة أنه لاصلة بين وجودهافي نفس المتكلم واقعاً وبين
انتقال السامع إلى صورة المعنى تصوراً، لأن الانتقالإليها تصوراً ليس معلولاً
للإرادة الخارجية الموجودة في نفس المتكلم، وإن كانالانتقال إلى صورة المعنى
معلولاً عن تصور صورة اللفظ المنضم إلى التصديقبالارادة الخارجية فإنه أيضاً غير
متصور، لما عرفت من أن الملازمة بين تصوروتصديق غير معقولة.
الثالث: أن تقييد العلقة الوضعية بالارادة التفهيمية على القول باعتباريةالوضع
بمكان من الامكان، كما هو الحال في سائر المجعولات الاعتباريةالتشريعية، وكذلك على
القول بالتعهد والالتزام. نعم على القول بالاقتران فلايمكن تقييده كما تقدمت
الاشارة إلى كل ذلك. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن تقييد العلقة الوضعية يستلزم تقييد الموضوعوالموضوع له معنى
ولبّاً، على أساس أن العلقة الوضعية متقومة ذاتاً ووجوداًبشخص وجود طرفها، هما
الموضوع والموضوع له، وليس لها ماهية متقررةبقطع النظر عنه، فلذلك يكون تقييدها
تقييداً لهما لبّاً.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن الوضع على القول بكونه أمراً اعتبارياً قابل للتقييد، كسائرالأمور
الاعتبارية، من الشرعية والعرفية، كالوجوب والحرمة والملكيةوالزوجية ونحوهما. وكذلك
على القول بالتعهد، على أساس أنه فعل قصديللنفس، وبامكان كل شخص التعهد بشي
مطلقاً، كما أن بامكانه التعهد به فيحالة خاصة، أو في زمن معين، ولا فرق في ذلك
بين التعهد والالتزام الوضعيوغيره. نعم، على القول بأن الوضع هو القرن المؤكد لا
يمكن تقييده، على أساسأنه عبارة عن الارتباط والاشراط المخصوص بين صورة اللفظ
وصورة المعنى فيالذهن تكويناً و صغرى لقانون الاستجابة الذهنية الشرطية المترتب
على العاملالكمي أو الكيفي، ترتب المعلول على العلة قهراً، وليس فعلاً اختيارياً
للواضعكالتعهد لكي يقبل التقييد، كما أنه ليس مجعولاً تشريعياً كالوجوب والحرمة
أوالملكية والزوجية حتى يكون قابلاً للتخصيص.
الثانية: أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، وهي الانتقال من صورة اللفظإلى صورة
المعنى، على أساس أن عملية الوضع إنما هي بين طبيعي اللفظ والمعنىبدون تخصيصها
بحالة خاصة، ومن الواضح أن مقتضاها الانتقال التصوري مناللفظ عند الإحساس به إلى
المعنى في الذهن، لأنها لا تتطلب أكثر من ذلك، ولافرق في ذلك بين مسلك الاعتبار
بشتى اشكاله ومسلك الاقتران، فإن الوضععلى ضوء هذا المسلك يمثل القرن المؤكد
والمترسخ بين صورة اللفظ وصورةالمعنى في الذهن، ومن الطبيعي أن هذه الملازمة لا
يمكن أن تكون تصديقه، لأنالملازمة التصديقية إنما هي بين الوجودين في الخارج، فلا
يعقل أن تكون بينالوجودين في الذهن. نعم على مسلك التعهد تكون الدلالة الوضعية
دلالةتصديقية، على أساس اختصاص الوضع على هذا المسلك بحالة خاصة، وهيحالة عدم
الاتيان باللفظ إلا عند إرادة تفهيم معناه.
الثالثة: الاستدلال بأن الدلالة الوضعية لابد أن تكون تصديقية، على أساسأن الغرض
الداعي إلى وضع الألفاظ إنما هو الافادة والاستفادة وإبراز ما في نفسهللآخرين، لا
مجرد انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى في الذهن،وإلاّ لكان الوضع لغواً،
فإذن لا يمكن أن تكون دائرة الوضع أوسع من دائرةالغرض الداعي إليه.
مدفوع بأن الغرض الأصلي من الوضع وإن كان ذلك، إلاّ أنه لا يترتب عليهمباشرة، بل
ترتبه عليه بحاجة إلى مقدمة اُخرى، وهي احراز أن المتكلم في مقامالافادة
والاستفادة، فبالنتيجة إن الغرض مترتب على مقدمتين: الاُولى:الوضع. والثانية: ظهور
حال المتكلم. هذا، إضافة إلى أن اطلاق الوضع معاختصاص الغرض منه بحالة خاصة انما
يكون لغواً إذا كان في الاطلاق مؤنةزائدة، وحيث إنه على المختار عبارة عن عدم
التقييد فلا يكون اطلاقالوضعلغواً، باعتبار أنه لا يحتاج إلى مؤنة زائدة على جعل
الوضع مقيداً حتىيلزم اشكال اللغوية.
الرابعة: أن تقييد المعنى الموضوع له بالارادة التفهيمية لا يجعل الدلالةالوضعية
دلالة تصديقية، فإن التقييد إن كان بمفهوم الارادة فلا قيمة له، علىأساس أنه لا
موطن له إلا الذهن. وإن كان بواقع الارادة في الخارج استحال أنيؤدي إلى الملازمة
التصديقية بين صورة اللفظ في الذهن والانتقال منها إلى المعنىالمراد في الواقع،
لأنها لا تعقل بين الوجود الذهني والوجود الخارجي، يعني بينالتصور والتصديق، فإنها
متقومة بشخص وجود طرفيها، فإن كانا في الذهنفالملازمة ذهنية، وإن كانا في الخارج
فالملازمة خارجية.
الخامسة: أن تقييد اللفظ الموضوع بحصة خاصة، وهي ما صدر من متكلمملتفت وإن أدى إلى
دلالة اللفظ الصادر منه على إرادة تفهيم معناه، إلاّ أن كونهذه الدلالة وضعية،
مبنية على الالتزام بمسلك التعهد، وحيث إنه لايمكنالالتزام به، فلا محالة تكون هذه
الدلالة دلالة سياقية لا وضعية.
السادسة: أن ما أورده المحقق الخراسانيقدس سره، على أخذ الارادة التفهيمية
فيالمعنى الموضوع له من الوجوه الثلاثة، لا يتم شيء منها كما مر توضيحه.
السابعة: أن جواب المحقق العراقيقدس سره عما أورده المحقق الخراسانيقدس سره
منالاعتراضات، بأنه مبني على أخذ الارادة في المعنى الموضوع له جزءاً أو
قيداً،ولكن لا ملزم لذلك، بل يكفي أخذها مع المعنى، بأن يكون اللفظ موضوعاًللحصة
التوأمة مع الارادة، بحيث لا تكون الارادة جزءاً له ولا قيداً، وعند ئذفلا يرد عليه
شي من الاعتراضات المذكورة، لا يتم، بل لا يرجع إلى معنىًمحصل، كما تقدم شرحه
آنفاً.
پاورقي
1) نهاية الأفكار 25 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 39 :1.
3) نهاية الدراية 46 :1و 40 :2.
4) محاضرات في اُصول الفقه 43 :1.
5) بحوث في علم الأصول 76 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 76 :1.
7) بحوث في علم الاُصول 77 :1.
8) محاضرات في اُصول الفقه 40 :1.
9) محاضرات في اُصول الفقه 41 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 44 :1.
11) بحوث في علم الاُصول 79 :1.
12) بحوث في علم الأصول 81 :1.
13) أجود التقريرات 19 :1، فوائد الأصول 30 :1.
14) سورة الرحمن (4 :(55.
15) أنظر المناقشة مع جوابها في بحوث في علم الاُصول 88 :1.
16) أنظر الاعتراض مع جوابه في بحوث في علم الاُصول 91 :1.
17) مقالات الاُصول 75 :1.
18) أنظر المناقشة مع جوابها في بحوث في علم الاُصول 96 :1.
19) بحوث في علم الاُصول 96 :1.
20) كفاية الاُصول: 9.
21) نهاية الدراية 87 :1.
22) بحوث في علم الاُصول 99 :1.
23) نفس المصدر.
24) أجود التقريرات 49 :1.
25) مقالات الاُصول 67 :1.
26) كفاية الاُصول: 21.
27) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 102 :1.
28) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
29) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
30) كفاية الاُصول: 16.
31) نهاية الأفكار 64 :1.
..........................................
...المباحث الاُصولية / ج 1
الاشتراك ...
الخامس: الاشتراك
يقع الكلام هنا في عدة جهات:
الجهة الاُولى: في إمكان الاشتراك اللفظي واستحالته.
الجهة الثانية: أنه على تقدير امكانه، هل هو واقع في اللغات؟
الجهة الثالثة: في منشأ وقوعه، وأنه الوضع أو جهة اُخرى أو كلاهما معاً.
أما الكلام في الجهة الاُولى: فقد يدعى استحالة الاشتراك اللفظي فياللغات، على
أساس أنه ينافي حكمة الوضع التي تدعو إلى وضع الألفاظ بإزاءالمعاني لغرض الافادة
والاستفادة، وإبراز ما في الذهن من المعاني الموضوع لهاللآخرين، ومن الواضح أن ذلك
يتطلب أن يكون ما وضع بإزائه اللفظ متعيناً لامردداً بين معنيين أو أكثر، وإلاّ
لأخل بحكمة الوضع.
والجواب، أولاً: أن هذه الدعوى لا تدل على استحالة وقوع الاشتراك فياللغات، وإنما
تدل على أنه لا ينسجم مع حكمة الوضع.
وثانياً: أن حكمة وضع الألفاظ بإزاء المعاني، ليست فعلية دلالتها عليهاوالحكاية
عنها، لكي يكون الاشتراك منافياً لها، بل هي اعطاء صبغة التأهليةوالصلاحية لها
للدلالة والحكاية عنها، وأما فعليتها، فإنما هي بالاستعمال، ومنالواضح أن الاشتراك
لا ينافي ذلك، إذ لا فرق في هذه الصلاحية بين اللفظالمشترك وغيره، وإنما الفرق
بينهما في نقطة اُخرى، وهي أن اللفظ إذا كانمشتركاً، تتوقف فعلية دلالته على قرينة
معينة، وإلاّ فلا.
فالنتيجة: أن الاشتراك لا ينافي حكمة الوضع، وهي جعل اللفظ قابلاًومستعداً للدلالة
على المعنى بنفسه، بعد مالم يكن واجداً لهذه القابلية بالذات.
وأما ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن الغرض من الوضع قد يتعلقبالاجمال
والاهمال(1)، فلا يمكن المساعدة عليه، إذ لا معنى لكون الغرض منالوضع الاجمال
والاهمال، لأنه لا يتوقف على وضع اللفظ بإزاء معنيين أو أكثرعلى نحو الاشتراك، إذ
للمتكلم إذا تعلق غرضه في مورد باتيان كلام مجملومهمل أن يأتي بكلام محفوفاً بما
يوجب اجماله واهماله ويمنع عن ظهوره فيمعناه، ولا مبرر للوضع بهذا الداعي، باعتبار
أن الغرض الأساسي من وضعالألفاظ واللغات منذ نشوئها، هو عدم كفاية الأساليب
البدائية في نقل المعانيوالأفكار إلى الآخرين من ناحية، وانحصار الأساليب الاُخرى
التي هيأكثرتطوراً وأوسع شمولاً واستيعاباً بالألفاظ من ناحية اُخرى، فلذلك قام
كلمجتمع على وجه الكرة الأرضية باستخدام الألفاظ في نقل المعاني وابراز ما
فيأنفسهم للآخرين.
فالنتيجة: أن الغرض من استخدام الألفاظ واللغات منذ نشوئها، هو الافادةوالاستفادة
ونقل المعاني والأفكار بها، وافتراض أن الغرض منه قد يكونالابهام والاجمال، فهو
غير محتمل عقلائياً، فإذن لا اشكال في امكان الاشتراك.
وأمّا الكلام في الجهة الثانية: فقد يدعى وجوب الاشتراك في اللغات،بدعوى أن الألفاظ
متناهية والمعاني غير متناهية، وهذا بطبيعة الحال يتطلبالاشتراك وتعدد وضع لفظ
واحد لأكثر من معنى.
والجواب: أنه تارة يراد من الاشتراك ما يعم الوضع العام والموضوع لهالخاص. واُخرى
يراد منه تعدد وضع لفظ واحد لمعنيين أو أكثر.
أما على الأول، فقد ادعي أن الاشتراك بهذا المعنى ضروري، إذ لولم نقلبه،فلابد من
افتراض لفظ خاص لكل ربط ونسبة يدل عليه، على أساس أنكل ربط مغاير ذاتاً وماهية
لربط آخر، ولا جامع بين الربطين ولو كان طرفاهفردين من جامع واحد، باعتبار أن قوام
الربط إنما هو بشخص وجود طرفيه،لأنها من ذاتياته، كالجنس والفصل للماهية النوعية،
على ما سوف يأتي بيانذلك في معاني الحروف. فهناك إذن أنحاء من الربط غير متناهية
لعدم تناهيالأفراد والجزئيات، ومن الواضح أنه لا يتوفر من الألفاظ ما يوازيها
عدداً حتىيكون لكل معنى لفظ يختص به. هذا،
ولكن بإمكاننا أن ندفع ضرورة وقوع الاشتراك بهذا المعنى، باختيار الوضعالعام
والموضوع له العام في الحروف وما شاكلها، بديلاً عن الوضع العاموالموضوع له الخاص
فيها، بدعوى أن الحرف قد وضع بإزاء مفهوم الربطوالنسبة الذي هو ليس بربط ونسبة
بالحمل الشائع، ولكنه في مقام الاستعماليستعمل في واقع الربط الذي هو ربط بالحمل
الشائع، بلحاظ أن الغرض متعلقبواقعه، غاية الأمر أنه على هذا لا فرق بين الحرف
والإسم في المعنى الموضوع له،وإنما الفرق بينهما في المستعمل فيه. وهذا القول وإن
كان باطلاً، إلا أنه ممكنوليس بمستحيل.
فالنتيجة: أن الاشتراك بهذا المعنى وإن كان ممكناً، بل هو واقع في اللغات، إلاأنه
ليس بضروري.
وأما على الثاني، فقد يدعى أن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ يتطلبضرورة وقوع
الاشتراك في اللغات، بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى،كما هو الظاهر من
الاشتراك عند اطلاقه.
وقد حاول المحقق الخراسانيقدس سره التغلب على هذه الدعوى ودفع الضرورة بأنالمعاني
الجزئية وإن كانت غير متناهية، إلا أن المعاني الكلية متناهية، ولا مانعمن وضع
الألفاظ بإزائها، وهذا يغني عن وضعها بإزاء المعاني الجزئية، فإذن لاحاجة إلى الوضع
بإزائها فضلاً عن الضرورة(2).
ولكن هذه المحاولة فاشلة.
أما أولاً فلأنهقدس سره لم يأت ببرهان على تحديد المعاني الكلية وتناهيها، فمنأجل
ذلك إنه إن اُريد من المعاني الكلية خصوص الأجناس العاليات فهي وإنكانت متناهية،
إلا أن المعاني الكلية غير منحصرة بتلك الأجناس، ولا مبررلتخصيصها بها، حيث أن
إختصاص وضع الألفاظ بها لا يكفي لاشباع حاجةالانسان، ولا يغني عن وضعها بإزاء سائر
المعاني.
وإن اُريد منها المعاني الكلية المتأصلة المنتزعة من الجهة المشتركة الذاتية
بينأفرادها، فير د عليه:
أولاً: أن المعاني الكلية غير منحصرة فيها، بل هناك معان كلية اُخرى منالاعتبارية
أو الانتزاعية.
وثانياً: عدم انحصار الأوضاع اللغوية بتلك المعاني الكلية جزماً، لأن هناكألفاظاً
موضوعة بإزاء معانٍ كلية غير متأصلة، كالممكن والزوج والفرد والجزئيوما شاكل ذلك.
وثالثاً: إن الغرض من الوضع هو اشباع حاجة الناس، ومن الواضح أنالوضع بإزاء
المعاني الكلية المتأصلة لا يكفي لاشباع حاجاتهم، ولا يغني عنالوضع بإزاء غيرها.
وإن اُريد منها مطلق المعاني الكلية الأعم من المتأصلة والاعتباريةوالمنتزعة، فيرد
عليه أن المعاني الكلية بهذا العرض العريض غير متناهيةكالمعاني الجزئية، لوضوح أن
المعاني الكلية الاعتبارية التي تنتزع من ملاحظةمجموع أمرين أو اُمور بعد الباسهما
ثوب الوحدة اعتباراً غير متناهية كمراتبالأعداد، فإنها تذهب إلى مالا نهاية له،
ومفاهيم الدار والبستان والمدينة والقريةوالغرفة والفوق والتحت واليمين واليسار
وهكذا، حيث إن أي مفهوم اعتبارييفترض يمكن أن ينتزع منه ومن مفهوم آخر عنوان
انتزاعي آخر، وهكذا إلىمالا نهاية له.
وثانياً: أن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ لا يتطلب ضرورة وقوعالاشتراك في
اللغات، بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى، وذلكلامكانالاستغناء عنه بالوضع
العام والموضوع له الخاص، بل بالوضع العاموالموضوع له العام.
وثالثاً: إن سعة الوضع إنما هي تتبع سعة حاجة الانسان ومتطلبات حياته فيكل عصر، من
عصر الانسان البدائي منذ نشوء ظاهرة اللغة إلى العصر الحديثالمتطور. وحيث إن
متطلبات حياة الانسان مهما تطورت وتوسعت عصراً بعدعصر فتكون محدودة، على أساس أن
الانسان محدود ومتناه، وليس بوسعه إلاتصوير المعاني المحدودة والمتناهية وابرازها
للآخرين عندما تدعو الحاجة إليه.
وعلى هذا فلا محالة يكون الوضع محدوداً تبعاً لمحدودية الحاجة، ومنالواضح أن الوضع
بأزيد من مقدار الحاجة يكون لغواً، فلا يمكن صدوره منالواضع حتى إذا كان الواضع هو
اللَّه تعالى.
وبكلمة، إنه لا قيمة لعدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ، فإنه لا يتطلبوقوع
الاشتراك في اللغات فضلاً عن ضرورته، باعتبار أن المعاني التي تتعلق بهاحاجة
الانسان في نقلها وابرازها للآخرين في طول التاريخ متناهية كالألفاظ.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن متطلبات حياة الانسان من كافة نواحيهاالإجتماعية
والفردية المادية والمعنوية بما أنها متناهية فلا تتطلب إلاّ أوضاعاًمتناهية وإن
كان الواضع غير متناه.
ومن هنا يظهر حال الأسماء، فإن معانيها وإن كانت غير متناهية، وألفاظهامتناهية،
إلاّ أن ذلك لا يقتضي تعدد الوضع للفظ واحد، ولا الوضع العاموالموضوع له الخاص،
على أساس ما عرفت من أن الوضع يتبع في سعته وضيقهحاجة الانسان في كل عصر، وبما
أنها محدودة مهما تطورت وتوسعت، فلاتتطلب إلا أوضاعاً متناهية. نعم، إن الأسماء
تمتاز عن الحروف وما يلحق بها فينقطة وهي أنه لا موجب للالتزام بالوضع العام
والموضوع له الخاص في الأسماء،فإن الموجب للالتزام به،هو أن الألفاظ لا توازي
المعاني عدداً كما في الحروفوما يلحق بها، وأما إذا كانت موازية لها كذلك فلا مبرر
للالتزام به، إذ كل معنىحينئذ تتعلق به حاجة الانسان يمكن وضع لفظ خاص بإزائه
مباشرة.
والنكتة في ذلك أن الأسماء تتوسع وتتطور تبعاً لتوسع حاجة الانسانوتطورها عصراً
بعد عصر وقرناً بعد قرن، ومن الطبيعي أن ذلك يستلزم خلقألفاظ جديدة مركبة أو بسيطة
بالمقدار الذي يوازي المعاني الجديدة التي تتعلقبها الحاجة في نقلها وابرازها
للآخرين، وهذا بخلاف الحروف وما يلحق بهاكالهيئات، فإنها معدودة ومحدودة، فلا تتوسع
بتوسع حاجة الانسان ومتطلباتحياته، فلذلك تدعو الحاجة إلى الالتزام بالوضع العام
والموضوع له الخاص أوالوضع العام والموضوع له العام بديلاً عن الاشتراك، هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إذا افترضنا عدم كفاية الألفاظ لاشباع حاجة الانسان فيكل عصر، على
أساس توسعها وتطورها بتطور الحياة، فيمكن الالتجاءباستخدام الألفاظ المهملة، أو
ألفاظ من لغات اُخرى، والاستغناء بذلك عنالاشتراك، وتعدد الوضع للفظ واحد.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن منشأ القول بضرورةوقوع الاشتراك
في اللغات، توهم أن لكل معنى لابد أن يكون لفظاً موضوعاً له،وحيث إن المعاني غير
متناهية والألفاظ متناهية، فبطبيعة الحال يتطلب ذلكالاشتراك وتعدد الوضع للفظ واحد
لأكثر من معنى.
ولكن قد مر أنه لا أساس لهذا التوهم، ضرورة أنه لا ملزم لأن يكون لكلمعنى لفظ خاص
وضع بإزائه ولو بنحو الاشتراك، فإن اللازم هو الوضع بقدرالحاجة دون الأكثر، فإنه
لغو. هذا،
وأجاب المحقق الخراسانيقدس سره عن ذلك بجواب آخر، وحاصله أنه يمكنالاستغناء عن
ضرورة وقوع الاشتراك في اللغات بالالتزام بالمجاز(3).
ولكن هذا الجواب لا يتم، بناءً على عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ،وذلك لأنا لو
قلنا بأن المعاني متناهية كالألفاظ، غاية الأمر أن عدد المعاني أكثرمن عدد الألفاظ
ففي مثل ذلك يمكن الاستغناء عن الاشتراك بالمجاز، وأما إذاكانت المعاني غير متناهية
والألفاظ متناهية فحينئذ إن قلنا بأن تلك المعاني لاتقتضى أوضاعاً غير متناهية، على
أساس أن الوضع انما هو لاشباع حاجةالانسان دون الأكثر من ذلك، ففي هذه الحالة إن
كانت الألفاظ وافية بها، فلامقتضى للالتزام بالمجاز ولا بالاشتراك، وأما إذا فرض
أنها غير وافية، فعندئذلابد من الالتزام بأحد أمرين: إما الاشتراك وتعدد الوضع أو
المجاز. فإذن لايمكن تفسير الاشتراك على أساس الضرورة. وأما لو قلنا بأن كثرة
المعانيوعدمتناهيها تقتضي أوضاعاً غير متناهية، ففي مثل ذلك هل يمكن الاستغناءعن
الاشتراك بالمجاز؟
الظاهر أنه لا يمكن، إذ حينئذ لابد من افتراض علاقات غير متناهية بينالمعنى
الحقيقي المتناهي والمعنى المجازي غير المتناهي، وحيث إن كل علاقة تمثلحيثية في
المعنى الحقيقي، فيؤدي ذلك إلى اشتمال المعنى الحقيقي على حيثيات غيرمتناهية، وإن
فرض أن ذات العلاقة واحدة إلاّ أن حيثيتها تختلف باختلافالمعاني المجازية وكل هذه
الحيثيات بحاجة إلى لفظ يدل عليها فيعود المحذور، لأنالألفاظ متناهية. فإذن لا
يمكن الاستغناء عن الاشتراك بالمجاز.
وعلى هذا، فإن كان مرادهقدس سره من هذا الجواب الاستغناء عن ضرورةالاشتراك في
اللغات على الفرضين الأولين فهو صحيح. وإن كان مرادهقدس سره منهالاستغناء عنها
على الفرض الثالث الأخير كما هو الظاهر، فقد عرفت أنه لايدفعضرورة الالتزام
بالاشتراك، بل يعود إليها.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد أجاب عن ذلك بأن الألفاظ وإن كانت موادهامتناهية من
الواحد إلى الثمانية والعشرين حرفاً مثلاً، إلاّ أنها بحسب صورهاوهيئاتها الحاصلة
من ضم بعضها إلى بعضها الآخر غير متناهية، فان اختلافالألفاظ وتعددها بالصور
والهيئات التي تتكون من التقديم والتأخير والزيادةوالنقصان، والحركات والسكنات،
وهكذا، يؤدي إلى مالا نهاية له، وهذا نظيرالعدد، فإن مواده وإن كانت آحاداً محدودة
من الواحد إلى العشرة، إلاّ أن تركبهمنها بحسب سلسلته الطولية يبلغ إلى مالا نهاية
له(4).
فالنتيجة: أن الألفاظ غير متناهية كالمعاني والأعداد.
وأورد عليه بعض المحققينقدس سره بأن الألفاظ مهما كان لها صور فإنها تظل دائماًأقل
من المعاني، بدعوى أن أي تركيب لفظي كما يحقق لفظاً جديداً، كذلكيحققمعنى
جديداً(5).
ولكن يمكن المناقشة في هذا الإيراد بتقريب أنه لا ملازمة بين تحقق لفظجديد من تركيب
لفظي وتحقق معنى جديد له، لإمكان أن يكون من الألفاظالجديدة التي في طول سلسلة
صورها وهيئاتها غير المتناهية مهملة ولم يكنلهامعنى، وحينئذ يوضع هذا اللفظ بإزاء
معنى من تلك المعاني الذي ليس لهلفظ،وهكذا.
وبكلمة، إنه يمكن افتراض لفظ جديد من تركيب لفظي من دون أن يكون لهمعنى، كما هو
الحال في الألفاظ المهملة، فإن التركيبات اللفظية تحقق هذه الألفاظولا تحقق لها
معان. فإذن لا ملازمة بين أي صورة من صور الألفاظ الجديدةالحاصلة من التركيبات
اللفظية الاعتبارية وبين خلق معنى جديد. نعم التركيباللفظي إذا كان من مشتقات
المادة الموضوعة لمعنى، فإنه كما يحقق لفظاً جديداًكذلك يحقق معنى جديداً.
ولكن محل الكلام إنما هو في مطلق الصور والهيئات الحاصلة من التركيباتاللفظية،
سواء أكان حصولها بالتقديم أو التأخير أو الزيادة أو النقصان أوالحركات والسكنات أم
كان بغير ذلك كالمشتقات المصطلحة. وعلى هذا فإذاكانت الصور والهيئات من مشتقات
المادة الموضوعة لمعنى، فإنها كما تحقق لفظاًجديداً كذلك تحقق معنى جديداً، وأما
إذا لم تكن الصور والهيئات منها فلاملازمة بين تحقق لفظ جديد ومعنى كذلك.
فالنتيجة: أنه لا ملازمة بين خلق لفظ جديد وخلق معنى جديد، لتظلالألفاظ أقل عدداً
من المعاني دائماً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن الألفاظ إذا كانت بتمام صورها وأشكالها المكونة منالتركيبات
اللفظية الاعتبارية غير متناهية كالمعاني فكيف يتصور أنها تكونأقل عدداً من
المعاني، لوضوح أن الأقلية والأكثرية انما هما من صفات الأشياءالمتناهية. وأما غير
المتناهي فلا يعقل أن يتصف بالأقل أو الأكثر، وإلاّلزمالخلف.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الألفاظ كالمعاني غيرمتناهية،
وعليه فلا موجب للإشتراك اللفظي فضلاً عن وجوبه.
وعلى تقدير تسليم أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية فمع ذلك لاضرورة
للإشتراك، فإنه مضافاً إلى امكان الاستغناء عنه بالبديل، أن الوضعيكون بمقدار حاجة
الانسان دون الأكثر، وإن كان الواضع هو اللَّه تعالى كما مر.
وأمّا الكلام في الجهة الثالثة: فالظاهر أن الاشتراك اللفظي لا ينحصربتعدد وضع لفظ
واحد لأكثر من معنى على صعيد لغوي واحد، إذ كما يمكن ذلكيمكن أن يكون ناشئاً من
خلط اللغات بعضها ببعض، على أساس أن في القرونالاُولى كان لكل مجموعة على وجه
الكرة الأرضية لغة خاصة بهم، بلحاظ عدموسائل الارتباط والاتصال بينهم. ولكن بعد
توفر وسائل الارتباط والاتصالبينهم، أصبحوا بحكم مجتمع واحد وبلدة واحدة. ومن
الطبيعي أن هذا يؤدي إلىالاختلاط بين لغاتهم، وبذلك يحدث الاشتراك.
وبكملة، إن الاشتراك كما يتصور في الأعلام الشخصية، يتصور في أسماءالأجناس أيضاً،
ومنشؤه أحد الأمرين: هما تعدد الوضع والاختلاطبيناللغات.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن الاشتراك اللفظي بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى فياللغات
بمكان من الامكان. ودعوى استحالته من جهة أنه ينافي حكمة الوضعوهي التفهيم
والتفهم، مدفوعة بأن حكمة الوضع هي إعطاء صفة القابلية للفظللدلالة والحكاية عن
المعنى بنفسه، بعدما لم يكن واجداً لهذه الصفة ذاتاً.والاشتراك لاينافي هذه
القابلية، وإنما ينافي فعليتها. ومن هنا تتوقف فعلية دلالةاللفظ المشترك على أحد
معنييه أو معانيه معيناً على قرينة معينة، لا أصل قابليتهللدلالة عليه.
الثانية:أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن الغرض من الوضع قد يكونالاهمال
والاجمال، فلا يمكن المساعدة عليه.
الثالثة: أن القول بوجوب وقوع الاشتراك، بدعوى أن الألفاظ متناهيةوالمعاني غير
متناهية لا يرجع إلى معنى محصل.
أما أولاً: فلأن الألفاظ كالمعاني غير متناهية.
وأما ثانياً: فعلى تقدير تسليم تناهي الألفاظ، فيمكن الاستغناء عنالاشتراك
بالالتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص أو الوضع العاموالموضوع له العام.
وأما ثالثاً: فإن الوضع انما هو لاشباع حاجة الانسان، وهي متناهيةكالانسان، وعليه
فالوضع غير المتناهي على تقدير إمكانه، كما إذا كان الواضعهو اللَّه تعالى لغو.
الرابعة: أن محاولة المحقق الخراسانيقدس سره للتغلب على شبهة ضرورة وقوعالاشتراك
في اللغات بما يلي، من أن المعاني الجزئية وإن كانت غير متناهية، إلاّ أنالمعاني
الكلية متناهية، وحينئذ فيمكن الاستغناء عن الاشتراك بوضع الألفاظبإزائها، غير
تامة،
أولاً: لما مر من أن المعاني الكلية كالمعاني الجزئية غير متناهية.
وثانياً: إن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ، لا يتطلب ضرورة الاشتراككما مرّ.
دلالة اللفظ على المعنى المجازي ...
وثالثاً: إن الوضع إنما هو بمقدار الحاجة لا أكثر، ولا فرق في ذلك بين أنتكون
المعاني متناهية، أو غير متناهية.
الخامسة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الألفاظ كالمعاني غير متناهيةتام،
وما أورد عليه من أن الألفاظ وإن كانت غير متناهية، إلاّ أنها تظل أقلعدداً من
المعاني غير تام، على ماتقدم شرحه.
السادسة: الظاهر أن الاشتراك اللفظي واقع في اللغات، ومنشؤه إما الوضع،أو الاختلاط
بين اللغات، وهذا بلا فرق بين اعلام الأشخاص وأسماء الأجناس.
دلالة اللفظ على المعنى المجازي
في هذا البحث اتجاهان:
الأول: إتجاه السكاكي في باب المجاز.
الثاني: إتجاه المشهور في هذا الباب.
أمّا الإتجاه الأول، فقد أنكر السكاكي كون المجاز استعمالاً للفظ في غيرالمعنى
الموضوع له، واعتبره من باب الاستعمال في المعنى الحقيقي، والتجوز إنما هوفي تطبيق
ذلك المعنى الحقيقي على فرده في الخارج إدعاءً. مثلاً لفظ الأسد قداُستعمل في معناه
الموضوع له، وهو الحيوان المفترس في بابي الحقيقة والمجاز معاً،غاية الأمر يكون
انطباقه على فرده الواقعي حقيقياً فلا عناية ولاتجوّز حينئذ لافي الكلمة ولا في
التطبيق والاسناد، وأما انطباقه على فرده التنزيلي كالرجلالشجاع - مثلاً - فهو
عنائي، فيكون التجوز حينئذ في التطبيق والاسناد لا فيالكلمة. ومن هنا يكون المدلول
المجازي على ضوء هذا الإتجاه مدلولاً عقلياًادعائياً لا لفظياً.
وأمّا الإتجاه الثاني: فهو مبني على أن المجاز إنما هو في مدلول الكلمةمباشرة، لأنه
استعمال اللفظ في معنى غير معناه الموضوع له على حد استعماله فيمعناه الموضوع له،
فلا فرق بين المجاز والحقيقة من هذه الناحية، وإنما الفرق بينهمافي النقطتين
التاليتين:
الاُولى: أن المؤهل لصلاحيته للدلالة على المعنى المجازي العلاقة بينه وبينالمعنى
الحقيقي التي تنشأ من هذه العلاقة، علاقة بين اللفظ والمعنى المجازي بالتبع،وفي طول
العلاقة بين اللفظ والمعنى الحقيقي.
الثانية: أن فعلية دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي عند الاستعمال أيضاً مستندةإلى
الوضع، فالوضع منشأ وعلة للصلاحية والفعلية معاً، بينما فعلية دلالة اللفظعلى
المعنى المجازي تتوقف على نصب قرينة صارفة.
اتجاه السكاكي
محتملات هذا الإتجاه اُمور:
الأول: ادعاء أن المعنى المجازي هو المعنى الحقيقي بالحمل الأولي، بأن يدعىأن
مفهوم الرجل الشجاع هو نفس مفهوم الحيوان المفترس، واستعمال لفظالأسد فيه إنما هو
على أساس هذه العينية الادعائية.
الثاني: ادعاء أن المعنى المجازي كالمعنى الحقيقي في الأثر، بأن يدعى أن
مفهومالرجل الشجاع كمفهوم الحيوان المفترس في صحة استعمال لفظ الأسد فيه.
الثالث: ادعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي بالحمل الشائع، بأنيدعى أن
المعنى الحقيقي ينطبق عليه كانطباقه على فرده الحقيقي، غاية الأمر أنهذا حقيقي
وذاك ادعائي.
والفرق بين هذه المحتملات، هو أنّ مرد الأول إلى إدعاء توسعة المعنى الحقيقيفي
مرحلة المفهوم. ومرد الثاني إلى ادعاء توسعته بلحاظ الأثر المترتب عليه.ومرد الثالث
إلى ادعاء توسعته في مرحلة التطبيق.
ولنأخذ بالنقد على الجميع.
أما الأول: فيرد عليه أولاً: أنه يثبت عكس اتجاه السكاكي، وهو اتجاهالمشهور، فان
معنى ادعاء أن مفهوم الرجل الشجاع عين مفهوم الحيوانالمفترس، هو صحة استعمال لفظ
الأسد في الحيوان المفترس إلا دعائي.والمفروض أن استعماله فيه بما أنه استعمال في
معنىً غير المعنى الموضوع له،فيكون مجازاً في الكلمة، لا في أمر عقليصرف من
الاسناد و التطبيق. فبالنتيجةإن هذا الادعاء يحقق المجاز في الكلمة لا في الأمر
العقلي.
وثانياً: أن هذا الادعاء - أي ادعاء عينية المعنى المجازي للمعنى الحقيقي فيمرحلة
المفهوم وبالحمل الأولي - لا يخرج عن مجرد الادعاء، ولا يكون أكثر منلقلقة اللسان،
لأن موطن هذا الادعاء إنما هو عالم المفهوم، والمفروض أن مفهومالرجل الشجاع مثلاً
في هذا العالم مباين لمفهوم الحيوان المفترس، على أساس أنالمفاهيم في عالم
المفهومية متباينات كالموجودات في عالم الوجود، ومع هذا ادعاءأن الرجل الشجاع
مفهوماً، عين الحيوان المفترس كذلك في عالم المفهوم، ادعاءلا يمكن صدوره عن عاقل
ملتفت، لأنه لا يكون أكثر من التلفظ بكلام لا معنىله، ولا يمكن أن تترتب على هذا
الادعاء صحة الاستعمال، أي استعمال لفظالأسد مثلاً في مفهوم الرجل الشجاع لا حقيقة
ولا إدعاء، أما عدم صحتهحقيقتا، فلأنها مبنية على أساس العينية الواقعية، والمفروض
عدمها، وأما عدمصحته ادعاءً، فلأنها مبنية على أن تكون بين المفهومين مناسبة توجب
حدوثعلقة وربط بين اللفظ والمفهوم المجازي بالتبع، فإذا كانت بينهما مناسبة
كذلك،صح استعمال لفظ الأسد في مفهوم الرجل الشجاع، كان هناك ادعاء العينية
بينهوبين الحيوان المفترس أم لم يكن. وإن لم تكن بينهما مناسبة، لم يصح
الاستعمالوإن ادعي العينية بينهما في عالم المفهوم، فإن ادعاء العينية لا يغير
الواقع، ولايوجب توسعة العلقة الوضعية بين لفظ الأسد ومفهوم الحيوان المفترس
حكماًلكي تشمل مفهوم الرجل الشجاع أيضاً، ولا يكون مرجع هذا الادعاء إلىوضع جديد
بين لفظ الأسد والرجل الشجاع، فإنه خلف الفرض، إذ لازم ذلكأن استعماله فيه حقيقي
أيضاً لا مجازي وادعائي.
وأما الثاني فيرد عليه أنه لا أثر للادعاء وتنزيل المعنى المجازي منزلة
المعنىالحقيقي في صحة الاستعمال، وذلك لأن صحة استعمال اللفظ في المعنى
المجازيمرتبطة بوجود العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، التي على أثرها
تحدثالعلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي مباشرة و بالتبع، وهذه العلاقة هي
المصححةلاستعماله فيه. وعلى هذا فإن كانت العلاقة والمناسبة موجودة بين المعنى
المجازيكالرجل الشجاع،والمعنى الحقيقي كالحيوان المفترس، صح على أثرها استعماللفظ
الأسد في الرجل الشجاع، كان هناك ادعاء وتنزيل أم لا، وإن لم تكنموجودة بينهما، لم
يصح استعماله فيه وإن كان هناك ادعاء وتنزيل، فإنه لا يغيرالواقع، ولا يكون أكثر من
لقلقة اللسان محضاً، بداهة أنه لا يوجب إيجادالمناسبة والعلاقة بينهما تكويناً
بعدما لم تكن، ولا تكوين الدلالة، لأنهاتتوقفعلى وجود العلاقة والمناسبة، وإلاّ
فلا دلالة، ولا يوجب توسعة العلقةالوضعية حكماً.
وإن شئت قلت: إن صحة الاستعمال والدلالة من الآثار التكوينية للعلقةالوضعية ولو
حكماً، كالعلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي تبعاً للعلقةالوضعية بينه وبين
المعنى الحقيقي، ولا يمكن اثباتها بالادعاء والتنزيل، لأنالثابت بالتنزيل، انما هو
الآثار المجعولة من قبل المنزل دون الآثار التكوينية التيهي تتبع عللها ومناشئها.
وأما الثالث وهو ادعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي فإنه إن اُريدبه أن
لفظ الأسد مثلاً في مثل قولنا جئني بأسد، استعمل في معناه الحقيقي، وهوالحيوان
المفترس، والمجاز إنما هو في تطبيقه، فإنه إن كان على فرده الحقيقي وهوالحيوان
المفترس فلا مجاز، لا في الكلمة لفرض أنها مستعملة في معناها الموضوعله، ولا في
الاسناد والتطبيق لفرض أنه حقيقي، وإن كان على فرده الادعائيكالرجل الشجاع، كان
المجاز في الاسناد والتطبيق، لا في الكلمة.
ومن هنا يظهر أن مورد المجاز والحقيقة في الكلمة، يختلف عن مورد المجازوالحقيقة في
الاسناد والتطبيق، فإن مورد الأول المراد الاستعمالي، لأنه إن كانالمعنى الموضوع
له، كان استعمال الكلمة فيه حقيقياً، وإن كان معنى مناسباًللمعنى الموضوع له، كان
استعمالها فيه مجازياً. ومورد الثاني المراد الجدي، فإنتطبيق المراد الاستعمالي
على المراد الجدي في الواقع إن كان على فرده ومصداقهواقعاً كان الاسناد والتطبيق
حقيقياً، وإن كان على فرده تنزيلاً وادعاءً، كانالاسناد والتطبيق مجازياً.
فإن اُريد به ذلك فيرد عليه أنه لا أثر لهذا الادعاء والتنزيل، فإنه لا يوجبانقلاب
الواقع، ولا يجعل ماليس بفرد للمعنى فرداً له، وذلك لأن الادعاءوالتنزيل إنما يصح
بلحاظ الآثار المجعولة من قبل المنزّل كالتنزيلات الشرعية،ولا يصح بلحاظ الآثار
التكوينية، باعتبار أنها تتبع تحقق موضوعها ومنشئها،فإن تحقق ترتبت عليه، وإلاّ
فلا، والمفروض أن التنزيل لا يحقق موضوعهتكويناً، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن
التنزيل والادعاء فيه إنما هو بلحاظتطبيق المعنى المستعمل فيه على الفرد التنزيلي
والادعائي، وعلى هذا فالفردالمنزل، إن كان مشابهاً للفرد الحقيقي ومناسباً له، أمكن
انطباقه عليه مجازاًوعناية، وإن لم يكن مشابها ومناسباً له، لم يصح الانطباق
والاسناد مجازاً أيضاً،ومن الواضح أن التنزيل والادعاء بأنه كالفرد الحقيقي له لا
يكون مؤثراً، ولايوجب حدوث العلاقة والمشابهة له، فأنه لا يؤثر في إيجاد أمر
تكويني.
وبكلمة، إن صحة الاستعمال المجازي، سواء أكانت في الكلمة أم كانت فيالاسناد، تتوقف
على وجود نوع علاقة بينالمعنى الحقيقي والمعنى المجازي فيالمرتبة السابقة، وهذه
العلاقة كما تؤهل اللفظ للدلالة على المعنى المجازيكالوضع، كذلك تؤهل صحة تطبيق
المعنى الحقيقي عليه وتنزيله منزلة فردهالواقعي، ولولا تلك العلاقة فلا أثر
للتنزيل والادعاء، فإنه لا يحدث علاقةعلىالفرض.
وعلى هذا الأساس، فإذا نظرنا إلى جملة رأيت أسداً يرمي، أو جئني بأسد،أو جاءني أسد،
أو ما شاكلها، فنرى أن لفظ أسد قد استعمل في الرجل الشجاعمباشرة، على أساس وجود
العلاقة بينه وبين معناها الموضوع له، وهو الحيوانالمفترس، ومن الواضح أن الالتزام
في هذه الأمثلة ونظائرها، بأن المجاز انما هو فيالتطبيق والاسناد لا في الكلمة
بعيد عرفاً، إذ لا شبهة في ظهورها العرفي في المجازفي الكلمة. نعم في مثل قولنا زيد
أسد أو زيد بدر، يكون المجاز في التطبيقوالاسناد لا في الكلمة، لأن الظاهر أن كلمة
)أسد( وكلمة )بدر( في هذه الأمثلةوما يشاكلها، استعملتا في معناهما الموضوع له،
والمجاز انما هو في تطبيقه علىالمراد الجدي.
والخلاصة: أن اتجاه السكاكي، بأن التجوز في الإستعمالات المتعارفة بينالعرف العام
جميعاً، إنما هو في مرحلة تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجديادعاء وتنزيلاً
لا في الكلمة، وأنها مستعملة في معناها الحقيقي في تلكالإستعمالات دائماً، مما لا
يمكن الالتزام به مطلقاً، كما سوف نشير إليه، ولا يصلحأن يكون ميزاناً عاماً
للتجوز في اللغات. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن انطباق المعنى المستعمل فيه على الفرد في الخارج منوطبأحد
أمرين:
الأول: أن يكون ذلك الفرد فرداً له واقعاً.
الثاني : أن تكون له علاقة به كعلاقة المشابهة أو نحوها.
فعلى الأول يكون انطباقه عليه حقيقياً. وعلى الثاني يكون مجازياً، وتمامالملاك
بصحة انطباقه على الثاني انما هو بوجود العلاقة والمناسبة بينهما، كانهناك تنزيل
وادعاء أم لا. كما أنه لا يصح الانطباق، إذا لم تكن علاقة ومناسبةبينهما، وإن كان
هناك تنزيل وادعاء. فالمعيار انما هو بوجود العلاقة المصححةللتجوز لا بالتنزيل
والادعاء.
وإن اُريد به أن اللفظ كلفظ الأسد مثلاً، وان استعمل في الرجل الشجاعمباشرة، ولكنه
كان بعد التنزيل والادعاء بأنه هو الحيوان المفترس، فيرد عليهأن صحة الاستعمال
المجازي منوطة بوجود علاقة ومناسبة بينه وبين المعنىالحقيقي، فإذا كانت موجودة
بينهما صح، كان هناك تنزيل أم لا، ويكون منالمجاز في الكلمة لا في الاسناد. وإن لم
تكن علاقة بينهما لم يصح، سواءً أكان هناكتنزيل أم لا، لأن التنزيل والادعاء لا
يحقق العلاقة بينهما بعد مالم تكن.
وقد أورد على هذا الإتجاه بعض المحققينقدس سره بوجوه اُخرى(6).
الأول: أن التجوز في الكلام لا ينحصر بموارد اشتماله على المراد الجدي، بأنيكون له
مدلول استعمالي ومدلول جدي معاً، بل يتصور في موارد يكون الداعيللكلام الهزل أو
الإمتحان دون الجد، بأن يكون الكلام متمحضاً في المرادالاستعمالي فحسب. وعلى هذا
فإن كان المجاز مراداً في مرحلة المدلولالاستعمالي، فهو لا ينسجم مع المدعى، وهو
كون المجاز مراداً في مرحلة المدلولالجدّي، وإن كان مراداً في مرحلة المدلول
الجدي، فهو خلف فرض أن الكلاممتمحض في المراد الاستعمالي.
ويمكن المناقشة فيه
أولاً: أن هذا الإشكال لو تم، فإنما يتم على الفرض الأول، وهو ما إذا كانالمجاز في
تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجدي. ولكنه لا يتم على الفرضالثاني وهو ما
إذا استعمل اللفظ في المعنى المجازي مباشرة بعد التنزيلوالادعاءبأنه هو المعنى
الحقيقي، فان المجاز في هذا الفرض لايستلزم أن يكونللكلام مراد جدي.
وثانياً: أن السكاكي لا ينكر المجاز في الكلمة نهائياً حتى في موارد الهزل،
وانماينكر التجوز في الكلمة في الإستعمالات الشائعة المتعارفة بين العرف العام،
التيهي مبنية غالباً على البلاغة والفصاحة ونوع من المبالغة، ويدعي أن المجاز
فيهاإنما هو في الاسناد والتطبيق على المراد الجدي لا في الكلمة، على أساس أن
ذلكهو المناسب للبلاغة والفصاحة، ومن هنا يفرق في العرف العام بين قولنا )زيدقمر(،
وقولنا )زيد حسن الوجه(، أو بين قولنا )زيد أسد(، وقولنا )زيدشجاع( وهكذا.
الثاني: أن لازم هذا الإتجاه، هو أن يكون المعنى الحقيقي معنى كلياً حتىيفترض كون
هذا الفرد فرداً له، وعلى هذا فإذا كان المعنى الحقيقي معنىً جزئياًفلا يمكن افتراض
كون هذا الفرد فرداً له، فإنه إنما يمكن إذا كان المعنى الحقيقيكلياً، وعلى هذا
فإذا فرض أن كلمتي »الشمس« و»القمر« موضوعتان لهذينالنيرين الخاصين، فلا يمكن
تطبيق هذا التفسير على قولنا »هذا قمر أو شمس«،أو »أن هؤلاء أقمار أو شموس«، لأن
المعنى الموضوع له للقمر أو الشمس، بما أنهجزئي حقيقي، فهو غير قابل للانطباق على
كثيرين، فلا يمكن القول حينئذ بأنالمجاز إنما هو في التطبيق والاسناد، لأنه فرع
كلية المعنى الحقيقي.
والجواب أولاً: أن هذا الإشكال لم يرد على الفرض الثاني، باعتبار أنه مبنيعلى
تنزيل المعنى المجازي بمنزلة المعنى الحقيقي في مرحلة المدلول الاستعمالي، لافي
مرحلة التطبيق على المراد الجدي كما هو مقتضى الفرض الأول، ولا يتطلبهذا التنزيل
كون المعنى الحقيقي كلياً، إذ لا مانع فيه من كون المعنى الحقيقي جزئياًوالمعنى
المجازي كلياً.
وثانياً: أن كون المعنى الحقيقي جزئياً، لا يمنع عن افتراض المعنى المجازي فرداًله
تنزيلاً، فإذا نزّل وصار فرداً له كذلك، أصبح المعنى الحقيقي ذا فردين،أحدهما فرد
حقيقي له، والآخر فرد تنزيلي، ولا يتطلب ذلك كون المعنى الحقيقيكلياً في نفسه.
وبكلمة، إن هذا الإتجاه مبني على أن المجاز إنما هو في تطبيق المدلولالاستعمالي
على المدلول الجدي، فإن كان المدلول الجدي واقعياً، كان التطبيقحقيقياً، وحينئذ
فإن كان المدلول الاستعمالي كلياً، كانت نسبته اليه نسبة تطبيقالكلي على فرده في
الخارج، وإن كان جزئياً، كانت نسبته إليه نسبة المفهومالجزئي إلى واقعه الخارجي،
وإن كان المدلول الجدي عنائياً، كانت نسبته إليهنسبة تطبيقه على فرده العنائي،ومن
الواضح أن ذلك لا يتطلب كون المدلولالاستعمالي كلياً، فإنه وإن كان جزئياً، ولكن
بعد إيجاد الفرد التنزيلي له، أصبحكلياً تنزيلياً وعنائياً، وكان المجاز في نسبته
إلى هذا الفرد التنزيلي العنائي،وتطبيقه عليه.
ودعوى أن كلمة التطبيق تقتضي كون المعنى الحقيقي كلياً، إذ لو كان جزئياًحقيقياً
فهو غير قابل للتطبيق، مدفوعة بأن المعنى الموضوع له إن كان جزئياًحقيقياً فهو غير
قابل للتطبيق على كثيرين، لا أنه غير قابل للتطبيق على فرده فيالخارج ومصداقه فيه.
مثلاً مفهوم زيد غير قابل للانطباق على كثيرين فيالخارج، ولكنه ينطبق على زيد فيه،
هذا إضافة إلى أن الكلام في المقام ليس فيظهور اللفظ عرفاً، وإنما هو في نسبة
المدلول الاستعمالي إلى المدلول الجدي،وهذه النسبة حقيقية إذا كان المدلول الجدي
حقيقياً، وعنائية إذا كان المدلولالجدي عنائياً. ومن الواضح أن هذا لا يتطلب كون
المدلول الاستعمالي كلياً،وعنوان التطبيق مرآة لذلك، ولا موضوعية له.
الثالث: أن الوجدان يحكم بأن اسباغ صفات المعنى الحقيقي ادعاءً وتنزيلاًعلى شيء قد
يؤدي إلى عكس المقصود للمتجوز، فان من يريد أن يبالغ في جماليوسف فيقول »إنه بدر«،
ليس في ذهنه اطلاقاً ادعاء أن وجه يوسف مستديركالبدر، وإلاّ لفقد جماله كانسان، لأن
صفات البدر أنما تكون سبباً للجمال فيالبدر بالذات لا في الانسان.
والجواب: أن معنى التنزيل ليس اسباغ تمام صفات المعنى الحقيقي ادعاءًوتنزيلاً على
المعنى المجازي، لكي يؤدي إلى خلاف المقصود، بل معناه اسباغبعض صفات المعنى
الحقيقي على المعنى المجازي، لوضوح أن المتمثل في المعنىالمجازي بعض صفات المعنى
الحقيقي لاتمام صفاته، وإلاّ لكان فرداً حقيقياً له لاادعائياً، ومن الواضح أن تمثل
بعض صفاته فيه، يكفي في صحة الادعاءوالتنزيل، ولهذا من يريد أن يبالغ في جمال يوسف
فيقول إنه بدر، رغم أنه واجدلبعض صفات البدر لاتمامها، وإلاّ لفقد جماله كانسان،
ومن يريد أن يبالغ فيشجاعة زيد فيقول إنه أسد، مع أنه واجد لأشهر صفاته دون
تمامها، وإلاّ لفقدشجاعته كإنسان.
فالنتيجة: في نهاية المطاف أن الأظهر عدم صحة شي من هذه الإشكالاتعلى اتجاه
السكاكي.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد مال إلى اتجاه السكاكي، بدعوى أنه أقرب إلىمقتضى
الحال، على أساس أنه يتضمن خصوصية تدل على نوع من المبالغة فيالكلام، وهذا بخلاف
المجاز على مسلك القوم، فإنه لا يتضمن خصوصية تدلعلى ذلك، فإذا قيل زيد أسد، فإن
كان لفظ الأسد مستعملاً في الحيوان المفترسوكان التجوز في الاسناد والتطبيق دل على
أن القائل به بالغ في شجاعة زيد حتىجعله من أفراد الحيوان المفترس، بينما إذا كان
لفظ الأسد مستعملاً في الرجلالشجاع لم يدل على هذه النكتة(7).
أو فقل: إن الأسد في المثال المتقدم، إذا كان مستعملاً في الحيوان المفترس،واُريد
تطبيقه على زيد الشجاع استبطن الكلام نكتة الأبلغية، بينما إذا كانمستعملاً في
الرجل الشجاع، لم يستبطن هذه النكتة، بل هو بمثابة أن يقول )زيدرجل شجاع( فلذلك
مالقدس سره إلى اتجاه السكاكي، باعتبار أنه أبلغ.
ولنا تعليق على ذلك.
أما أولاً: فلأن ما أفادهقدس سره لو تم فإنما يتم في المثال المذكور ونظائره، ولا
يتمفي مثل قولنا »رأيت أسداً يرمي« إذ لا شبهة في أن المتبادر منه والمستقر
فيالذهن بلا تأمل وتردد، هو صورة رجل شجاع يرمي بالسهم، لا صورة حيوانمفترس بين
يده قوس وسهم يرمي بهما، باعتبار غربتها وعدم الاُنس الذهني بهاالموجب لخطورها،
وعليه فدعوى أن لفظ الأسد في المثال مستعمل في الحيوانالمفترس ولكن المراد الجدي
منه الرجل الشجاع، خلاف الوجدان، لماعرفتمن أن المتبادر منه صورة رجل شجاع يرمي
بالسهم، لا صورة حيوانمفترس كذلك.
وثانياً: إن نكتة الأبلغية إنما هي في لفظ الأسد، فإنه يمثل تلك النكتة بلا فرقبين
أن يكون مستعملاً في معناه الحقيقي وهو الحيوان المفترس وكان التصرف فيالتطبيق
والاسناد، أو مستعملاً في معناه المجازي مباشرة وهو الرجل الشجاع،فإنه على كلا
التقديرين يستبطن تلك النكتة، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكونلفظ الأسد في مثل قولنا
»زيد أسد« مستعملاً في الحيوان المفترس وكان التجوزفي التطبيق أو مستعملاً في الرجل
الشجاع وكان التجوز في الكلمة، فإنه على كلاالتقديرين أبلغ بمقتضى الحال من قولنا
زيد رجل شجاع، فإذن الخصوصية إنماهي في اللفظ، كان المجاز في الاسناد والتطبيق أم
كان في الكلمة، لا أنالخصوصية في كون المجاز في الاسناد والتطبيق دون الكلمة،
وكذلك الحال فيقولنا رأيت أسداً يرمي، فإنه آكد وأبلغ من قولنا رأيت رجلاً شجاعاً
يرمي.ومن هذا القبيل من يريد أن يبالغ في جمال زيد فيقول إنه قمر، فإنه أبلغ
علىكلاالاتجاهين، من قوله زيد حسن الوجه، وكذا قوله إنه بدر، فإنه أبلغ من
قولهإنه جميل وهكذا.
وبكلمة، أنه لا فرق بين الإتجاه المشهور واتجاه السكاكي، فإن قولنا زيد أسدأبلغ
وآكد على كلا الاتجاهين من قولنا زيد رجل شجاع. والنكتة فيه أن الأوليدل على أنه
بلغ من الشجاعة درجة يكون مناظراً للحيوان المفترس، وعلىالثاني يدل على أنه شجاع،
ويكفي في صحة اطلاقه وجود أدنى مرتبة الشجاعةفيه،وكذلك الحال في قولنا زيد بدر،فانه
يدل على أنه بلغ في الجمال وحسنالوجه درجة يناظر البدر،بينما قولنا زيد حسن الوجه
لا يدل على ذلك،إذ يكفيفي صحته وجود أدنى مرتبة الجمال فيه، وهكذا.
فالنتيجة: أن الخصوصية انما هي في اللفظ بلا فرق بين المجاز في الكلمة والمجازفي
الاسناد، لا في كون المجاز في الاسناد والتطبيق دون الكلمة. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أن لفظ الأسد في مثل قولنا زيد أسد، هل استعمل فيالحيوان المفترس،
والتجوز إنما هو في مرحلة التطبيق، أو إنه استعمل في الرجلالشجاع مباشرة، ويكون
المجاز في الكلمة، بعد عدم الفرق بين الصورتين فيالدلالة على الأبلغية؟
والجواب: أن المتبادر من لفظ الأسد في المثال بلحاظ الدلالات التصورية،هو صورة
الحيوان المفترس، وانتقال الذهن إليها قهراً عند الإحساس بلفظالأسد، وأما كون هذه
الصورة مرادة بالارادة الاستعمالية في ظرفها فهو غيرمعلوم، إذ كما يحتمل أن يكون
المراد الاستعمالي من لفظ الأسد في المثال، هوالحيوان المفترس، والتجوز إنما هو في
الاسناد والتطبيق، يحتمل أن يكون المرادالاستعمالي منه الرجل الشجاع، ولا قرينة على
الأول في المثال، ولا يكوناستعماله في الحيوان المفترس أبلغ وآكد من استعماله في
الرجل الشجاع، حتىيكون ذلك قرينة على تعيين الاحتمال الأول، لما مر من أن الخصوصية
الدالة علىالأبلغية، إنما هي في استخدام لفظ الأسد واستعماله لا في المستعمل فيه.
ومن هناقلنا إنه لا فرق في دلالة هذا اللفظ على الخصوصية المذكورة بين اتجاه
المشهورواتجاه السكاكي.
والخلاصة، ففي مثل قولنا »زيد أسد« أو »إن هؤلاء أقمار أو شموس«، كمايحتمل أن
المستعمل استعمل لفظ الأسد في الحيوان المفترس وأراد تطبيقه علىزيد الشجاع في
مرحلة الجد مبالغاً أنه فرده، وكذا الحال في لفظ القمر والشمس،يحتمل أنه استعمل لفظ
الأسد في الرجل الشجاع ولفظ القمر أو الشمس فيالانسان الجميل مبالغاً في شجاعته
على الأول وجماله على الثاني، فالمرادالاستعمالي في الأول الحيوان المفترس، وفي
الثاني الرجل الشجاع، وعليهفالتجوز على الأول يكون في التطبيق والاسناد، وعلى
الثاني في الكلمة، وإذا لمتكن قرينة لا على الاحتمال الأول ولا على الاحتمال
الثاني، فهل تصبح هذهالأمثلة ونظائرها مجملة؟
والجواب: لا يبعد دعوى ظهورها في الاحتمال الأول وكون المتفاهم منهاعرفاً أن المجاز
إنما هو في الحمل والاسناد لا في الكلمة، فتأمل. وهذا بخلاف مثلقولنا رأيت أسداً
يرمي، فإنه ظاهر عرفاً في الاحتمال الثاني، وهو أن لفظ الأسداستعمل في الرجل
الشجاع.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الصحيح في المقام التفصيل،وعدم صحة اطلاق
كلا الاتجاهين في تفسير المجاز تفسيراً عاماً، فإن اتجاهالمشهور صحيح بنحو الموجبة
الجزئية، وكذلك اتجاه السكاكي، كما مر.
نتيجة هذا البحث اُمور:
الأول: أن اتجاه السكاكي في تفسير المجاز، يمثل المجاز في التطبيق والاسنادلافي
الكلمة، واتجاه المشهور في تفسيره يمثله في مدلول الكلمة مباشرةدونالتطبيق
والاسناد.
الثاني: أنه يمكن تفسير اتجاه السكاكي بأحد تفسيرات:
الأول: إدعاء أن المعنى المجازي هو المعنى الحقيقي في عالم المفهوم وبالحملالأولي،
واستعمال اللفظ فيه على أساس هذه العينية الادعائية.
الثاني: إدعاء أن المعنى المجازي، كالمعنى الحقيقي في صحة استعمال اللفظ فيه.
الثالث: إدعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي بالحمل الشائع، وأنهينطبق
عليه كانطباقه على فرده الحقيقي.
الثالث: أن التفسير الأول لا يرجع إلى معنى محصل، فإن ادعاء التوسعةوالعينية في
عالم المفهوم بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي مجرد تلفظ، ولا يكونأكثر من
لقلقة اللسان بدون أن يدل على شي، ومن الواضح أن هذا الادعاء لايصحح الاستعمال، بعد
ما كانا متباينين في ذلك العالم. وكذلك التفسير الثاني،فان تنزيل المعنى المجازي
منزلة المعنى الحقيقي في صحة الاستعمال، لا يرجع إلىمعنى محصل، لأن صحة الاستعمال
منوطة بأحد أمرين، إما الوضع وإما العلاقةوالمناسبة، والأول مفقود في المقام.
وأما الثاني فإن كانت هناك علاقة ومناسبة بينهما في المرتبة السابقة صحالاستعمال
في المعنى المجازي، كان هناك ادعاء وتنزيل أم لا. وإن لم تكن علاقةبينهما، لم يصح
الاستعمال وإن كان هناك تنزيل وادعاء، فإنه لا يوجب تكوينالدلالة، ولا توسعة
العلقة الوضعية حكماً، كما تقدم.
الرابع: أن صحةالمجاز منوطة بوجودالعلاقة بينالمعنى الحقيقي والمعنى
المجازيفيالمرتبةالسابقة، سواءً أكان المجاز فيالكلمة أم كان فيالاسناد
والتطبيق،غايةالأمر أن موردالمجاز علىالأول المدلولالاستعمالي، وعلىالثاني
المدلولالجدي، يعني في تطبيقالمدلول الاستعمالي علىالمدلول الجدي واسنادهإليه.
الخامس: أن ما أورده البعض على اتجاه السكاكي من الإشكالات، فقد تقدمالمناقشة فيها
جميعاً.
السادس: أن ما قيل من أن اتجاه السكاكي أبلغ وآكد من اتجاه المشهور، فمنأجل ذلك
مال إليه السيد الاُستاذقدس سره لا يتم.
أما أولاً فلأنه لو تم فإنما يتم في بعض التركيبات المجازية، كقولنا زيد أسد،أوإن
هؤلاء أقمار أو شموس، وما يناظر ذلك، ولكنه لا يتم في مثل قولنا رأيتأسداً يرمي،
حيث إن لفظ الأسد في مثله قد استعمل في الرجل الشجاع، لافيالحيوان المفترس.
وأما ثانيا فلأنه لا يتم في التركيبات المذكورة أيضاً، لما مر من أن الخصوصيةالدالة
على الأبلغية، إنما هي في خصوص اللفظ لا في المستعمل فيه، فإنه بلحاظتلك الخصوصية
يدل على الأبلغية، سواءً أكان المعنى المستعمل فيه معنى حقيقياًأم مجازياً.
السابع: أن إتجاه كل من السكاكي والمشهور في تفسير المجاز لا يصلح تفسيراًعاماً
للمجاز في اللغات، والصحيح في المقام التفصيل، كما مر.
منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي ...
منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي
يقع الكلام فيه تارة على أساس القول باعتبارية الوضع، أو القران المؤكد بينصورة
اللفظ وصورة المعنى في الذهن. واُخرى على أساس القول بالتعهدوالالتزام.
أمّا على الأول: فيقع الكلام مرة في منشأ صلاحية اللفظ للدلالة على المعنىالمجازي،
واُخرى في منشأ فعلية دلالته عليه.
أمّا الأول: فإن منشأ صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي بدلالةتصورية، إنما
هو وجود علاقة ومناسبة بينه وبين المعنى الموضوع له، بحيثتعطي تلك العلاقة صفة
الصلاحية للفظ لاخطار المعنى المجازي والدلالة عليهبنفسه، بعد ما لم تكن هذه
الصلاحية ذاتية له.
وبكملة، إن صلاحية اللفظ كلفظ الأسد مثلاً للدلالة على المعنى المجازيكالرجل
الشجاع، حيث إنها لم تكن ذاتية، فبطبيعة الحال تتوقف على عاملخارجي، وهو العلاقة
والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، وتلك العلاقة تجعلالمعنى المجازي من توابع
المعنى الحقيقي وأقماره، وبسببها تحدث العلاقة بين اللفظوالمعنى المجازي تبعاً لها،
ولكن بدرجة أضعف منها وفي طولها، ومن هنا يعبر عنهذه العلاقة بالوضع التبعي، وعلى
هذا فإذا وضع اللفظ بإزاء معنى، فكما أنالعلاقة تحدث بينه وبين المعنى الموضوع له
مباشرة، فكذلك تحدث بينه وبين كلمعنى تكون له علاقة ومناسبة بالمعنى الموضوع له
تبعاً وبالواسطة، وهذا معنىأن العلقة الوضعية تتوسع حكماً بتوسع العلائق بالمعنى
الموضوع له، وحيث إنهذه العلاقة في طول العلاقة بين اللفظ والمعنى الحقيقي وتكون
أضعف منها، فلاتعطي اللفظ إلاّ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي والحكاية عنه،
بينما العلاقةبين اللفظ والمعنى الحقيقي، حيث إنها تكون أقوى منها، فتعطي للفظ
صلاحيةالدلالة وفعليتها في ظرف الاستعمال معاً، بمعنى أن فعليتها لا تتوقف على
مقدمةاُخرى وتؤثر في انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى عند الإحساسبه،
وتمنع عن تأثير العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي لمكان ضعفها. ومن هناتكون دلالة
اللفظ على المعنى المجازي من تبعات الوضع ولوازمه وفي طول دلالتهعلى المعنى
الحقيقي، ولهذا تتوقف فعليتها والانتقال إليه على نصب قرينة صارفة.
فالنتيجة: أن صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي كصلاحيته للدلالةعلى المعنى
الحقيقي، غاية الأمر أن الاُولى مستندة إلى الوضع بالواسطة، والثانيةإلى الوضع
بالمباشرة.
وعلى ضوء ما ذكرناه، تمتاز دلالة اللفظ على المعنى المجازي عن دلالته علىالمعنى
الحقيقي بعدة نقاط:
الاُولى: أن العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي علاقة بالتبع، فلذلكلا
تعطي للفظ إلاّ صلاحية الدلالة عليه دون فعليتها، فإنها تتوقف على ضمقرينة صارفة
إليها، بينما العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى الحقيقي، علاقةبالأصالة، ولهذا
تعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة عليه والفعلية معاً، ولاتتوقف فعليتها على ضم شي
آخر إليها عدا استعمال اللفظ واطلاقه.
الثانية: أن الدلالة على المعنى المجازي في طول الدلالة على المعنى الحقيقي،على
أساس أن العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي في طول العلاقةالوضعية بينه
وبين المعنى الحقيقي رتبة، ومن هنا لا يحمل اللفظ على المعنىالمجازي إلاّ عند تعذر
إرادة المعنى الحقيقي منه عرفاً.
أو فقل: إن صلاحية انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى المجازيوإثارته في
الذهن إنما هي بسبب علاقته بالمعنى الحقيقي، وتلك العلاقة إنما تسبّبهذه النقلة
والإثارة بموجب أنها تحدث العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي تبعاً،ومن الطبيعي أن
هذه العلاقة إنما تؤثر في ظرف عدم تأثير العلاقة بينه وبين المعنىالحقيقي، باعتبار
أنها في طولها وأضعف منها، ومن أجل ذلك يكون الانتقال منتصور اللفظ إلى تصور
المعنى المجازي، في طول الانتقال من تصوره إلى تصورالمعنى الحقيقي وعند تعذره لا
مطلقاً.
الثالثة: أن دلالة اللفظ علىالمعنى المجازي بدلالة فعلية مرتبطة بتوفر عاملين:
الأول: وجود العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، بأن يشترك معه في حيثية
منالحيثيات، وصفة من الصفات.
الثاني: وجود القرينة الصارفة في الكلام.
فإذا توفر هذان الأمران فيه أصبحت دلالته فعلية، فإن العلاقة تعطي له صفةالصلاحية،
والقرينة الصارفة صفة الفعلية، بينما دلالة اللفظ على المعنى الحقيقيمرتبطة بعامل
واحد، وهو العلاقة الوضعية المباشرة بينهما، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى،أن القرينة الصارفة هل هي بنفسها تدل على المعنىالمجازي، أو أنها
تعطي اللفظ صفة الدلالة الفعلية، على أساس أنها تصرفالذهن عن الانتقال منه إلى
المعنى الحقيقي، ومع هذا لا محالة ينتقل الذهن منه إلىالمعنى المجازي، باعتبار أن
المقتضي للانتقال إليه موجود، وهو العلاقة بينه وبينالمعنى المجازي، والمانع عن
تأثيرها هو تأثير العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي،فإذا كانت القرينة الصارفة
مانعة عن تأثيرها، كانت تلك العلاقة مؤثرة، تطبيقاًلقاعدة تأثير المقتضي عند ارتفاع
المانع، فشأن القرينة الصارفة إنما هو رفعالمانع، لا دخلها في تأثير المقتضي، وهو
العلاقة والمناسبة بين اللفظ والمعنىالمجازي، فإنها تصلح أن تكون مؤثرة لولا
المانع في البين، وهو تأثير العلاقةالوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي، فإذا ارتفع
المانع بسبب أو آخر كانت مؤثرةولا قصور فيها، فإن جزء العلة التامة عدم المانع،
والقرينة الصارفة في المقاممحققة لهذا الجزء لا أنها جزء المقتضي.
مثال ذلك: إذا قال شخص »رأيت أسداً يرمي«، فإن كلمة »يرمي« لا تدلعلى المعنى
المجازي بنفسها، وهو الرجل الشجاع ، لأنها تدل على أن المراد منالأسد إنسان في
يديه قوس يرمي به، وأما أنه شجاع أو لا، فهي لا تدل عليه،والدال عليه هو كلمة
»أسد«، على أساس أن العلاقة بين الرجل الشجاعوالحيوان المفترس، تعطي لكلمة »أسد«
الصلاحية للدلالة عليه، وحينئذفالمقتضي لها تام، ولكن المانع عنه موجود، وهو تأثير
العلاقة الوضعية بيناللفظ والمعنى الحقيقي، فإذا ارتفع المانع، كان المقتضي
مؤثراً، وارتفاع المانع إنماهو بقيام القرينة الصارفة، وفي المثال لفظ الأسد يصلح
للدلالة على الرجلالشجاع، والمانع عنها هو انتقال الذهن منه إلى الحيوان المفترس،
وكلمة»يرمي« فيه رافعة لهذا المانع، لأنها تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي، فإذا
ارتفعالمنع عنه كانت دلالة لفظ »الأسد« في المثال على الرجل الشجاع فعلية،
باعتبارأن المقتضي إذا كان موجوداً والمانع مفقوداً، كان تأثيره في المقتضي فعلياً.
وإن شئت قلت: إن القرينة الصارفة شأنها صرف الذهن عن المعنى الحقيقيفحسب، وأما
انتقال الذهن إلى المعنى المجازي فهو مستند إلى صلاحية اللفظللدلالة عليه بعد رفع
المانع عنه، لا إلى القرينة.
ثم إن هنا تفسيرين آخرين لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي:
الأول: ما ذهب إليه المحقق الخراسانيقدس سره من أن منشأها قبول الطبع
وعدماستنكاره، فصحة استعمال كل لفظ في معنى غير المعنى الموضوع له منوطة بكونهمما
يقبله الطبع ولا يستنكره، وهذا هو الميزان العام في تفسير المجاز(8).
ولكن للمناقشة فيه مجالاً، وذلك لأنه إن اُريد بذلك طبع المستعمل في كلمورد، فيرده
أنه لا يمكن أن يكون معياراً عاماً لصحة الاستعمال المجازي وعدمصحته، لأنه يختلف
باختلاف طبائع المستعملين، فقد يقبل طبع المستعمل فيمورد الاستعمال ولا يستنكره،
ولكن قد لا يقبله طبع مستعمل آخر ويستنكره،وهذا ربّما يؤدي إلى اختلال النظام العام
للتفهيم والتفهم ونقل المعاني والأفكارإلى الآخرين، فإن المتكلم في مورد يدعي، أن
الاستعمال فيه مقبول وغير منكر،والمخاطب يدعي أنه فيه غير مقبول ومستهجن وهكذا.
وإن اُريد به قبوله لدى العرف العام، وأن كل استعمال لم يكن في المعنىالموضوع له
إذا كان مقبولاً عندهم، فهو صحيح، وإلاّ فلا، فيرد عليه أن صحةالاستعمال لدى العرف
العام وعدم صحتة، لا يمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتةمبررة. ومن الواضح أن النكتة
المبررة لذلك، ليست إلاّ العلاقة الوضعية التبعية،لما مر من أن دلالة الألفاظ على
المعاني ليست ذاتية، بل تتوقف على العاملالخارجي، وهو متمثل في أحد أمرين، الأول
الوضع، والثاني العلاقة والمناسبةالمعبر عنها بالوضع التبعي. وأما مع قطع النظر عن
ذلك،فلا يصح استعمال اللفظفي معنى ودلالته عليه في العرف العام. نعم قد تقدم سابقاً
أنه لا بأس باستعمالاللفظ في معنى ابتداء، بغرض وضعه له بقرينة تدل على ذلك، هذا
لولم نقل بأنهاستعمال حقيقي، وإلاّ فهو مستند إلى الوضع.
الثاني: ما نسب إلى المشهور من أن صلاحية اللفظ للدلالة على المعنىالمجازي، ترتكز
على أساس الوضع النوعي، ولا فرق حينئذ بين المجازوالحقيقة،إلاّ في أن الوضع في
الأول نوعي، وفي الثاني شخصي.
ويمكن تفسير ذلك بما يلي:
إن المراد من الوضع النوعي، ما ينحل إلى أوضاع متعددة بتعدد المعانيالمجازية في
الواقع، ويثبت لكل معنى منها وضع مستقل، فإن الواضع يتصورعنوان المشابهة مع المعنى
الحقيقي، مشيراً به إلى المعاني المجازية في الواقع اجمالاً،فيضع اللفظ لكل ما
يشابه المعنى الموضوع له.
ولكن هذا التفسير خاطيء جداً.
أما أولاً: فلأن هذا خلف الفرض، لأن المفروض هو استعمال اللفظ في المعنىالمجازي،
يعني لا يكون مستنداً إلى الوضع مباشرة وأصالة. فإذا افترض أناللفظ موضوع بإزائه
بوضع مستقل لا بوضع تبعي، كان استعماله فيه كاستعمالهفي المعنى الموضوع له مستنداً
إلى الوضع مباشرة، وهو خلف.
وأما ثانياً: فان العلقة بين اللفظ والمعنى المجازي إنما هي في طول العلقة
بينهوبين المعنى الحقيقي، على أساس أن هذه الطولية مقومة لمجازية المعنى بالنسبة
إلىالمعنى الحقيقي، لوضوح أن العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي لوكانت في
عرضالعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي لزم أن لا يكون المعنى المجازي معنىً
مجازياًبالنسبة إلى المعنى الحقيقي وهو خلف. وعلى هذا الأساس فلو كانت دلالة
اللفظعلى المعنى المجازي مستندة إلى الوضع النوعي المستقل لم يكن بوسعنا الحفاظعلى
الطولية بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ونقصد بهذه الطولية أن العلقةبين
اللفظ والمعنىالمجازي لاتؤثر في انتقالالذهن من تصوراللفظ إلى تصوره، إلاّفي فرض
عدم تأثيرالعلقة الوضعية بينه و بين المعنى الحقيقي و تعذره،و الا فلا أثرلها.
فبالنتيجة أن تأثيرالعلقة المجازية فرع عدم تأثيرالعلقة الحقيقة وفيطوله.
وحينئذ فهل بامكاننا الحفاظ على هذه الطولية مع الالتزام بالوضع النوعيفيالمجاز؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأن غاية ما يمكن أن لفظ القمر مثلاً موضوعلكل ما
يشابه معناه الموضوع له وهو النير الخاص، ولفظ الأسد موضوع لكل مايشابه معناه
الموضوع له وهو الحيوان المفترس، ومن الواضح أن مجرد أخذعنوان المشابهة عنواناً
مشيراً إلى المعاني المجازية، ووضع لفظ الأسد أو القمر أوالشمس بإزائها بنحو الوضع
العام والموضوع له الخاص لا يعالج مشكلة الطولية،بحيث لا يؤثر هذا الوضع إلا عند
عدم تأثير الوضع الشخصي،و ذلك لأنالمشابهة للمعنى الحقيقي وان كان في طوله،إلاّ أن
الكلام ليس في ذلك، بل الكلامإنما هو في أن العلقة الوضعية بالوضع النوعي بين
اللفظ والمعنى المجازي تكون فيطول العلقة الوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي، ومن
الطبيعي أن الوضع لعنوانالمشابه للمعنى الحقيقي بنحو الوضع النوعي لا يتطلب ذلك،اي
إن تأثيره فيانتقال الذهن من صورة اللفظ الى صورة المعنى المجازي في الذهن، في طول
انتقالالذهن من صورته الى صورة المعنى الحقيقي، لأن هذه الطولية بحاجة إلى
مؤنةزائدة، كتقييد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي بقيد يتطلب
هذهالطولية، وأما إذا كان الوضع النوعي كالوضع الشخصي مطلقاً، كانت العلقةالوضعية
بين اللفظ والمعنى المجازي مطلقة، كالعلقة الوضعية بينه وبين المعنىالحقيقي، فإذن
بطبيعة الحال يكون تأثيرها في عرض تأثيرها، وهذا خلففرض أن انتقال الذهن من تصور
اللفظ إلى تصور المعنى المجازي في طول انتقالهمنه إلى المعنى الحقيقي، ولا يمكن أن
يكون في عرضه، لأنه خلف فرض كونهمعنى مجازياً له، إذ معنى مجازيته أن انفهامه من
اللفظ في طول انفهام المعنىالحقيقي، وإلاّ لم يكن معنى مجازياً له.
وبكملة، إن الوضع النوعي بين اللفظ والمعاني المجازية، إذا كان مستقلاً ولميكن
مقيداً بقيد طولي، فبطبيعة الحال يكون في عرض الوضع الشخصي بينهوبين المعاني
الحقيقية، فإذن هناك سببان مستقلان للدلالة، أحدهما الوضعالنوعي، والآخر الوضع
الشخصي. وعليه فتكون دلالة اللفظ على المعنىالمجازي في عرض دلالته على المعنى
الحقيقي.
فالنتيجة: أنه لا يمكن أن يكون منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازيالوضعالنوعي.
قد يقال - كما قيل -: إن هذا الإشكال إنما يتوجه لو كان الوضع النوعي بيناللفظ
والمعاني المجازية مطلقاً وغير مقيد بقيد طولي، ولكن يمكن علاجهذاالإشكال بتقييد
الوضع النوعي بقيد يتطلب كون العلقة الوضعية بين اللفظوالمعاني المجازية في طول
العلقة الوضعية بينه وبين المعاني الحقيقية،بأحدتقريبين(9):
التقريب الأول: أن الموضوع بإزاء المعنى المجازي حصة خاصة من اللفظ،وهي المقترنة
بالقرينة الصارفة لا مطلقاً، ونتيجة ذلك أن العلقة الوضعية مختصةبحالة خاصة، وهي
حالة إقتران اللفظ بالقرينة الصارفة، فلا وضع في غير تلكالحالة، ويترتب على ذلك أن
اللفظ إذا كان مقترناً بها، دل على المعنى المجازي،باعتبار أن في هذه الحالة لم
تؤثر العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ونتيجة ذلك أنالعلاقة الوضعية بينه وبين
المعنى المجازي لا تؤثر إلاّ في فرض عدم تأثير العلاقةالوضعية بينه وبين المعنى
الحقيقي. وهذا معنى كونها في طولها.
ولكن هذا التقريب غير تام، لأن نتيجة ذلك اختصاص العلقة الوضعية بيناللفظ والمعنى
المجازي بحالة وجود القرينة الصارفة. وأما في حالة عدموجودها،فلا تكون هناك علقة
وضعية بينهما، لمكان اختصاص الوضع بالحالةالاُولى، ومع انتفاء الوضع، فلا يصح
الاستعمال المجازي، على أساس أن صحتهمنوطة بالوضع النوعي، وفي حالات عدم وجود
القرينة الصارفة، فلا وضع ولاعلقة، وبالتالي فلا استعمال، مع أنه لا شبهة في صحة
الاستعمال في هذه الحالات،وهذا يكشف عن أن منشأ الدلالة والاستعمال ليس هو الوضع
النوعي المستقل.
وبكملة، إن الغرض من وضع اللفظ مقيداً بالقرينة الصارفة، إن كان تكوينفعلية دلالة
اللفظ على المعنى المجازي في حال اقترانه بها دون أصل صلاحيتهللدلالة عليه، فيرد
عليه، انه حاصل باقترانه بالقرينة خارجاً، بلحاظ صلاحيةالدلالة فيه في المرتبة
السابقة بدون حاجة إلى الوضع في هذه الحالة، فإنه لغومحض. وهذا نظير وضع المركب،
فإن وضعه بما هو بعد وضع تمام أجزائه مادةوهيئة يكون لغواً، والمقام كذلك، إذ بعد
استعداد اللفظ للدلالة على المعنىالمجازي بواسطة العلاقة والمناسبة بينه وبين
المعنى الحقيقي، ووضع القرينةللدلالة على معناها بما هي قرينة،فوضع المجموع،أي
اللفظ المقترن بالقرينةللدلالة على المعنى المجازي يكون لغواً صرفاً، لفرض أن اللفظ
المقترن بها يدلعليه بدلالة فعلية بلا حاجة إلى الوضع المذكور.
وإن كان الغرض منه صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي، وصلاحيتهللدلالة عليه في
حالة إقترانه بالقرينة الصارفة، وعدم الصلاحية في حالة عدمالاقتران، فيرد عليه،
أنه لا شبهة في صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازيوصحة استعماله فيه بدون
القرينة، ولهذا لا يشك أحد في صلاحية لفظ الأسدللدلالة على الرجل الشجاع، وصحة
استعماله فيه في الواقع، لأن العلاقةالموجودة بينه وبين الحيوان المفترس الموجبة
لحدوث العلاقة بينه وبين الرجلالشجاع بالتبع هي المنشأ لهذه الصلاحية لا الوضع
النوعي.
وإن كان الغرض منه تحقق كلا الأمرين معاً، هما صلاحيته للدلالة على المعنىالمجازي
وفعلية تلك الدلالة، كما هو الحال في وضع الألفاظ بإزاء المعانيالحقيقة،فيرد عليه،
أنه لا حاجة في تحقق هذين الأمرين إلى القيام بعمليةالوضع، بلحاظ أن منشأ صلاحيّة
الدلالة في اللفظ، هو العلاقة بين المعنىالمجازي والمعنى الحقيقي كما مر، ومنشأ
فعلية تلك الدلالة فيه، هو اقترانه بالقرينةالصارفة، فإذن بطبيعة الحال يكون الوضع
بغرض تحقق مجموع الأمرين لغواًمحضاً.
التقريب الثاني: تقييد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي بعدم إرادةالمعنى
الحقيقي، ونتيجة ذلك عدم حمل اللفظ على المعنى المجازي إلاّ في حالةعدمإرادة
المعنى الحقيقي. وأما مع إرادته، فلا يمكن حمله عليه، وبذلك تثبتالطولية بينهما.
والجواب: أن هذا التقييد وإن كان ممكناً على القول باعتبارية الوضع إلاّ أنلازم
ذلك، هو أن المتكلم إذا لم يرد المعنى الحقيقي، كما إذا صدر اللفظ منه بغيرشعور
واختيار، فلا يمكن تفسير اقوائية دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي فيمرحلة المدلول
التصوري بذلك، إذ في هذه الحالة كلا الوضعين موجود في عرضالآخر. أما الوضع بإزاء
المعنى المجازي، فلفرض تحقق قيده وشرطه، وهو عدمإرادة المعنى الحقيقي، وأما الوضع
بإزاء المعنى الحقيقي فهو مطلق ولا يكون مقيداًبشيء، فإذا كان كلا الوضعين موجوداً
في هذه الحالة، فما هو الموجب لتبادرالمعنى الحقيقي من اللفظ دون المعنى المجازي،
رغم أن سبب التبادر الوضع، وهوموجود بالنسبة إلى كليهما معاً، مع أنه لا شبهة في أن
المتبادر من اللفظ عندالإحساس به ولو من لافظ بلا شعور واختيار، هو المعنى الحقيقي
دون المعنىالمجازي، وهذا يكشف عن وضع واحد، وهو الوضع للمعنى الحقيقي وعدم
وضعمستقل للمعنى المجازي، وأن منشأ صلاحية دلالة اللفظ عليه، إنما هو العلاقةبينه
وبين المعنى الحقيقي.
فالنتيجة: أن المصحح لدلالة اللفظ على المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينهوبين
المعنى الحقيقي المستتبعة للعلاقة بينه وبين المعنى المجازي دون الوضعالنوعي، لا
مطلقاً ولا مقيداً.
وأما على أساس نظرية أن الوضع هو التعهد والالتزام، فهل يكون منشأدلالة اللفظ على
المعنى المجازي أيضاً التعهد والالتزام، أو شي آخر؟
والجواب: الظاهر أن منشؤه الوضع، إذ على ضوء هذه النظرية كل مستعملواضع حقيقة،
غاية الأمر إذا تعهد بأنه كلما نطق بلفظ خاص عند إرادة تفهيممعنى مخصوص دون أن
يأتي بقرينة، فهو وضع للمعنى الحقيقي، وإذا تعهد بأنهكلما نطق بذلك اللفظ الخاص
عند إرادة تفهيم معنىً آخر مناسب للمعنى الأولمع نصب قرينة صارفة، فهو وضع للمعنى
المجازي، فإذن كما أن التعهد والالتزامموجود بالقياس إلى تفهيم المعاني الحقيقية،
كذلك موجود بالقياس إلى تفهيمالمعاني المجازية، ولكنه كان في طول تفهيم المعاني
الحقيقية، فإذا قال المتكلم»رأيت أسداً« دل على أنه أراد تفهيم معناه، وهو الحيوان
المفترس، وإذا قال»رأيت أسداً يرمي«، دل على أنه أراد تفهيم معناه المجازي،
وهوالرجلالشجاع، فتكون العلقة الوضعية التصديقية بين اللفظ والمعنى المجازيعلى
ضوء هذه النظرية، في طول العلقة الوضعية التصديقية بينه وبين المعنىالحقيقي،
باعتبار أن التعهد على الأول مقيد باقتران اللفظ بالقرينة الصارفة،وعلى الثاني
مطلق.
أو فقل: إن التعهد الوضعي بإرادة المعنى المجازي من اللفظ، مقيد بعدم التعهدبإرادة
المعنى الحقيقي منه، وحينئذ يكون التعهد بإرادته رافعاً لموضوع التعهدبإرادة المعنى
المجازي.
وبذلك تمتاز نظرية التعهد عن نظرية الاعتبار، لما مر من أن دلالة اللفظ علىالمعنى
المجازي على ضوء نظرية الاعتبار، لا تبتني على الوضع، بل على العلاقةبينه وبين
المعنى الحقيقي مع القرينة الصارفة. وكذلك على أساس نظرية الاقترانالمؤكد بين
اللفظ والمعنى في الذهن.
فالنتيجة: أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي على القول بالتعهد مستندة إلىالوضع،
كدلالته على المعنى الحقيقي.
ولكن ذكر بعض المحققين أن الدلالة التصديقية للفظ على المعنى المجازي لاتتوقف على
الوضع. وقد أفاد في وجه ذلك أنه بعد الفراغ عن تحقق الدلالةالتصورية الشأنية للفظ
على المعنى المجازي بمقتضى العلاقة بينه وبين المعنىالحقيقي، لا تستند الدلالة
التصديقية له على الوضع وهو التعهد، لأن المرادالاستعمالي في مثل قولنا جئني بأسد،
مردد بين اُمور ثلاثة في بادي الأمر:الحيوان المفترس و الرجل الشجاع ومعنى لا يناسب
الحيوان المفترس كالماء مثلاً، والاحتمال الأول وهو الحيوان المفترس ينفى بالقرينة
الصارفة، والثالث بظهورحال المتكلم العرفي في أنه لا يقصد بلفظ الأسد معنىً ليس في
اللفظ دلالةتصورية شأنية عليه، وبذلك تتم الدلالة التصديقية على المعنى المجازي،
بلاحاجة إلى التعهد الوضعي(10).
ولكن يمكن التعليق عليه،
أما أولاً: فلأن المراد الاستعمالي في المثال ونظائره لا يكون في باديء
الأمرمردداً بين اُمور ثلاثة، إذ احتمال أن يكون المراد من الأسد في المثال الماء
أو غيرهمن معنى لا يناسب الحيوان المفترس غير محتمل في العرف العام، ولا
يكونعقلائياً، والمفروض أن هذا الكلام بما أنه صادر من متكلم عرفي، فلا يحتمل
أنيراد منه معنىً غير محتمل إرادته عرفاً، فإذن يكون المراد الاستعمالي في المثال
فيباديء الأمر مردداً بين أمرين، الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
وأما ثانياً: فلإن دلالة القرينة الصارفة على نفي إرادة الحيوان المفترس منلفظ
الأسد في المثال لا محالة تكون مستندة إلى التعهد، على أساس هذهالنظرية،بعد مالم
تكن دلالتها ذاتية، لوضوح أن المتكلم العرفي قد تعهد بأنه لايأتي بالقرينة الصارفة
إلاّ إذا أراد تفهيم المعنى المجازي، فإذا قال رأيت أسداًيرمي، دل بمقتضى تعهده على
أنه أراد تفهيم الرجل الشجاع، فدلالة القرينةالصارفة على نفي إرادة الحيوان المفترس
من لفظ الأسد في المثال إنما هي على أثرتعهده بأنه لا يأتي بها، إلاّ إذا أراد منه
الرجل الشجاع دون الحيوان المفترس.
وبكلمة، إن المستعمل العرفي قد تعهد بأنه لا يأتي بلفظ الأسد مثلاً مع
القرينةالصارفة، إلاّ حينما أراد تفهيم معناه المجازي وهو الرجل الشجاع،
فيكونالموضوع بإزاء المعنى المجازي حصة خاصة من لفظ الأسد، وهي الحصة
المقيدةبالقرينة الصارفة، بنحو يكون التقيد دخيلاً في اللفظ الموضوع، والقيد وهو
ذاتالقرينة الصارفة خارج عنه. ولكن حيث إن القرينة الصارفة مانعة عن دلالةاللفظ
على إرادة تفهيم المعنى الحقيقي، فتتيح الفرصة لدلالة اللفظ على إرادة تفهيمالمعنى
المجازي، باعتبار أن دلالته على إرادة تفهيمه مقيدة بوجود المانع عندلالته على
إرادة تفهيم المعنى الحقيقي، وهو القرينة الصارفة، وحينئذ فلايمكنالقول بأنه لا
تعهد لإرادة تفهيم المعنى المجازي عند وجود المانع عن إرادةالمعنى الحقيقي.
والخلاصة، أن للقرينة حيثيتين:
إحداهما: حيثية كونها قيداً للفظ الموضوع بإزاء المعنى المجازي.
والاُخرى: حيثية مانعيتها عن إرادة المعنى الحقيقي.
ونتيجة ذلك أن المتكلم العرفي متعهد، بأنه متى أراد تفهيم المعنى المجازي،
أتىباللفظ مع القرينة المانعة، وهذه القرينة المانعة باعتبار أنها قيد للفظ
الموضوعتعطي صفة الدلالة الفعلية التصديقية له على أساس الوضع التعهدي.
ومن هنا يظهر أن المراد الاستعمالي وإن قلنا إنه في بادي الأمر مردد بين
اُمورثلاثة، إلا أن نفي الاحتمال الثالث انما هو لازم تعهده والتزامه على أساس
هذاالقول، لا ظهور حال المتكلم، فإنه مبني على أساس سائر الأقوال في المسألة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو نوعه أو صنفه ...
الاُولى: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينه
وبينالمعنى الحقيقي، التي تتمثل في حيثية من حيثياته البارزة القائمة به، وتعد
منتبعاته ولوازمه، وتستتبع تلك العلاقة، العلاقة بين اللفظ والمعنى
المجازيمباشرة، وتعطى هذه العلاقة للفظ الصلاحية للدلالة عليه. وأما فعلية
هذهالدلالة فهي تتوقف على وجود القرينة الصارفة.
الثانية: أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي في طول دلالته على المعنى الحقيقي،على
أساس أن دلالته على المعنى الحقيقي تستند إلى العلاقة الوضعية بينهمابالأصالة، وأما
دلالته على المعنى المجازي، فهي تستند إلى العلاقة الوضعية بينهمابالتبع، فمن أجل
ذلك تكون في طول الاُولى وأضعف منها. ومن هنا لا تؤثرفيانتقال الذهن إلى المعنى
المجازي، إلاّ في فرض عدم تأثير الاُولى في انتقالهإلىالمعنى الحقيقي.
الثالثة: أن الوضع النوعي لا يصلح أن يكون منشأ لدلالة اللفظ على المعنىالمجازي،
لا مطلقاً ولا مقيداً، على تفصيل قد مرّ آنفاً.
الرابعة: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي ليس حسن استعماله فيهكماتقدم.
الخامسة: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي على القول باعتباريةالوضع، وكذلك
على القول بأن الوضع هو القرن المؤكذ بين اللفظ والمعنى فيالذهن، إنما هو العلاقة
الوضعية بينه وبين المعنى المجازي بالتبع التي تتولد منالعلاقة الوضعية بينه وبين
المعنى الحقيقي بالأصالة. وأما على القول بالتعهد،فالصحيح أن منشأ دلالة اللفظ على
المعنى المجازي هو التعهد الوضعي في حالاقتران اللفظ بالقرينة الصارفة كما تقدم.
إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو نوعه أو صنفه
ذكر المحقق صاحب الكفايةقدس سره أنه لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ وإرادةنوعه أو صنفه
أو مثله، وحسن هذا الاطلاق. وأفاد في وجه ذلك: أن منشأصحة هذا الاطلاق وحسنه إنما
يكون بالطبع لا بالوضع، وإلاّ لزم ثبوت الوضعفي الألفاظ المهملة، باعتبار صحة هذا
الاطلاق فيها(11).
وهاهنا مسائل:
الاُولى: ما ذكرهقدس سره من أن منشأ صحة الاستعمال المجازي حسنه بالطبع، لاالوضع
ولا العلاقة بين المعنى المجازي والحقيقي.
الثانية: إطلاق اللفظ وإرادة شخصه.
الثالثة: إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله.
أمّا المسألة الاُولى: فقد تقدم الكلام فيها موسعاً(12)، وقلنا هناك: إن منشأصحة
استعمال اللفظ في المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينهما الناشئة من العلاقةبينه
وبين المعنى الحقيقي، على أساس أن المعنى المجازي حيث إنه يشبه المعنىالحقيقي،
فإذا وضع لفظ بإزاء معنى، كان الوضع منشأً للعلاقة بينه وبين المعنىالموضوع له
مباشرة، وتستتبع هذه العلاقة، العلاقة بينه وبين كل معنى يشابهالمعنى الموضوع له
ويشاركه في حيثية من حيثياته البارزة، ولهذا تكون علاقةاللفظ مع المعنى المجازي
أضعف من علاقته مع المعنى الحقيقي وفي طولها.
والخلاصة: أن العلاقة المذكورة التي يعبر عنها بالوضع التبعي هي المنشألصحة
الاستعمال المجازي، لا الوضع النوعي ولا حسنه عند الطبع.
وأما ما ذكرهقدس سره من أن ملاك صحة اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أومثله إنما
هو حسنه عند الطبع لا الوضع، وإلاّ لكانت المهملات موضوعة،باعتبار صحة هذا الاطلاق
فيها، فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن هذهالاطلاقات وإن كانت من قبيل الاستعمال
كما سوف نشير إليه، إلاّ أن منشأصحتها ليس حسنها عند الطبع، بل منشؤها العلاقة
الذاتية بين اللفظ والمعنىالمستعمل فيه، باعتبار أن المعنى الموضوع له في المقام
من سنخ اللفظ، وهذاالمقدار من المناسبة يكفي في جعله وسيلة، كاللفظ للإنتقال منه
إلى نوعه أو صنفهأو مثله، وأيضاً أن اللفظ في المقام فرد من المستعمل فيه، وهو
بحده الفردي وإنكان مبايناً للنوع، إلاّ أنه باعتبار اشتماله على حصة منه يصلح أن
يجعله أداةكاللفظ للإنتقال منه إلى الطبيعي.
والخلاصة: أن منشأ صحة هذه الاطلاقات من باب الاستعمال، ليس حسنهاعند الطبع، لما
سوف نشير إليه من أنه لا يصلح أن يكون معياراً عاماً للمجاز،بل إن منشأها ما ذكرناه
من المناسبة.
وثانياً: على تقدير تسليم أن منشأ صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازيالوضع، فلا
يلزم منه كون الألفاظ المهملة موضوعة، لأن معنى اهمال هذهالألفاظ، أنها لم توضع
بإزاء معنى في مقابل الألفاظ الموضوعة. وأما وضعهابإزاء نوعها أو صنفها أو مثلها،
فلا يوجب خروجها عن الاهمال إلى الألفاظالموضوعة، لأن ملاك اهمالها، عدم معنى لها
كانت موضوعة بإزاء نوعها أوصنفها أو مثلها، أم لا.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره في هذه المسألة فلا
يمكنالمساعدةعليه.
وأمّاالمسألة الثانية: وهي اطلاق اللفظ وإرادة شخصه، كما إذا قيل: زيدثلاثي، واُريد
به شخص لفظه الموجد، فلا يعقل أن يكون ذلك من بابالاستعمال، بل من قبيل الاطلاق
الايجادي، يعني إيجاد الشي واحضاره بنفسه فيذهن المخاطب لا بالواسطة.
فلنا دعويان:
الاُولى: أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من قبيل الاستعمال.
الثانية: أنه من قبيل الاطلاق الايجادي.
أما الدعوى الاُولى: فلأن حقيقة الاستعمال حقيقة حكائية تتطلب الأثنينيةوالمغايرة
بين اللفظ المستعمل والمعنى المستعمل فيه، لكي يكون الأول دالاً علىالثاني وحاكياً
عنه، ولهذا يستحيل انتقال الذهن إلى المعنى مباشرة، بل لابد منأن يكون بوسيلة صورة
اُخرى، وهي صورة اللفظ في الذهن، على أساس أنصورته تنبه الذهن إلى الانتقال إلى
معناه، ومن الواضح أنه لا يمكن تصور ذلكفي شي واحد بالنسبة إلى نفسه، لاستحالة أن
يكون الشي وسيلة حكائية عننفسه، بأن ينتقل الذهن من صورته إلى صورة نفسه، ولا فرق
في ذلك بين أنتكون حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى، أو جعل اللفظ علامة
عليه، أوتنزيل وجوده وجوداً تنزيلياً للمعنى، أو إخطار ما هو غير المقصود
افهامهللإنتقال إلى ما هو المقصود افهامه، فإنه بجميع تفسيراته يقتضي التغاير بين
الدالوالمدلول،و الحاكي والمحكي،والمستعمل والمستعمل فيه،فلذلك لا يمكن أنيكون
اطلاق اللفظ وارادة شخصه من قبيل الاستعمال،والا لزم اتحاد الدالوالمدلول، بل هو
من قبيل ايجاد الشي واحضاره بشخصه في الذهن بدون أيوسيلة وأداة في البين، ومن هنا
يمتاز اللفظ عن المعنى، فإن ايجاد اللفظ واحضارهبنفسه في الذهن ممكن، بدون أن
يحتاج إلى واسطة، وأما إيجاد المعنى واحضارهفيه بنفسه لا يمكن، بل لابد من أن يكون
بواسطة لفظ أو غيره، بأن تحضرالواسطة فيه أولاً ثم المعنى.
ولكن للمحقق الخراسانيقدس سره في المقام كلاماً، وحاصله: أنه لا مانع من أنيكون
اطلاق اللفظ وإرادة شخصه من قبيل الاستعمال، وعلل ذلك بأنه لا يلزمأن يكون الدال
والمدلول متغايرين ذاتاً ووجوداً، بل يكفي تغايرهما اعتباراً،وعلى هذا فالدال
والمدلول في المقام وإن كانا متحدين حقيقة ووجوداً، إلاّ أنهيكفي تغايرهما
اعتباراً وحيثية، فإن شخص اللفظ الموجد في القضية من حيثصدوره عن اللافظ دال، ومن
حيث كون شخصه مراداً مدلول، وهذا المقدار منالمغايرة بينهما يكفي في كون أحدهما
دالاً والآخر مدلولاً، طالما لم يكونا متحدينمن جميع الجهات والحيثيات(13).
وقد ناقش فيه المحقق الأصبهانيقدس سره بتقريب: أن ما ذكرهقدس سره من كفاية
التغايرالاعتباري بين الدال والمدلول وإن كانا متحدين ذاتاً وحقيقة، أجنبي عما
فيالمقام، فإن محل الكلام فيه إنما هو في الدلالة اللفظية، وهي لا تعقل في شي
واحدذاتاً ووجوداً وإن كان متعدداً اعتباراً، بداهة أنه لا يمكن فرض دلالة
اللفظعلىشيء والحكاية عنه، إذا لم يكن هناك مدلول وراء نفسه، ولا
محكيغيرشخصه(14).
وما ذكرهقدس سره من دلالة اللفظ الصادر عن اللافظ على أن شخصه مرادومقصود وإن كانت
صحيحة، إلاّ أن هذه الدلالة أجنبية عن دلالة اللفظ علىالمعنى رأساً، بل هي دلالة
عقلية سائرة في جميع الأفعال الإختيارية، لأن كلفعل صادر بالإختيار عن الفاعل، يدل
على أنه متعلق لإرادته، ضرورة لزومسبق الارادة على الفعل الإختياري في تمام
الموارد، فهذه الدلالة من دلالة المعلولعلى العلة، وهي أجنبية عن دلالة الألفاظ
على معانيها نهائياً.
وقد علق على هذه المناقشة بأنها إنما تتم، لو كان مراد صاحب الكفايةقدس سره
منالارادة، الارادة التكوينية للمتكلم التي هي من مبادي الأفعال الإختيارية،ولكنه
بعيد، على أساس أنهقدس سره بصدد اثبات أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه منقبيل استعمال
اللفظ في شخص نفسه، فلو كان مرادهقدس سره من الارادة، الارادةالتكوينية التي هي من
مقدمات الفعل الإختياري، لكان لازمه استعمال اللفظ فيشي آخر، وهو الارادة
التكوينية لا في شخص نفسه، وهذا قرينة على أنهقدس سرهأراد من الارادة، الارادة
التفهيمية أو الاستعمالية، بمعنى أن اللفظ بما أنه اُريد بهالتفهيم دال، وبما أنه
اُريد تفهيم نفسه مدلول(15).
وفيه: أن حمل قولهقدس سره في الكفاية: ».. فمن حيث إنه لفظ صادر عن لافظهكان
دالاً، ومن حيث إن نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً...« على ذلك بعيدجداً، على أساس
أنهقدس سره جعل الدال حيثية صدوره عن اللافظ، ومن الواضحأن هذه الحيثية تدل على
أن الفعل الصادر منه متعلق لإرادته تكويناً، علىأساس أن صدور كل فعل اختياري عن
فاعله، يدل على أنه مسبوق بإرادتهالتكوينية التي هي من مبادئه، ولا يمكن حمل
قولهقدس سره على أن اللفظ بما أنه اُريد بهالتفهيم دال، وبما أنه اُريد تفهيم
نفسه مدلول، لأن لازم هذا الحمل أن حيثيةالصدور غير دخيلة في الدلالة، مع أن
قولهقدس سره ظاهر بل ناص في أنها تمام الدخلفيها. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن صاحب الكفايةقدس سره أراد كفاية المغايرة الاعتبارية بينالدال
والمدلول في مرحلة المدلول التصديقي.وأما في مرحلة المدلول التصوريفلا يعقل أن
يكون الدال والمدلول شيئا واحدا،بل لابد أن يكونا متغايرين ذاتاوحقيقتا،ولا يكفي
اختلافهما اعتبارا.
ومن ناحية ثالثة، إن ما ذكرهقدس سره من أن اللفظ من حيث انه صادر عن لافظهدال،
ومن حيث إن شخصه مراد ومقصود مدلول، مبني على الخلط بين الدلالةالعقلية والدلالة
اللفظية، والكلام في المقام إنما هو في الدلالة اللفظيةالتيهيوسيلة حكاية عن
الواقع واراءتة بها، وما ذكرهقدس سره هنا من الدلالةدلالةعقلية، ولاصلة لها
بالدلالة اللفظية، على أساس أن كل فعل اختياريصادر عن فاعله بالإختيار، يدل على
أنه متعلق إرادته، سواء أكان ذلك الفعلعملاً خارجياً أم قولاً.
ومن ناحية رابعة، إن المحقق الأصبهانيقدس سره قد أجاب عن أصل هذه الدعوى،ببيان أن
المفهومين المتضايفين ليسا متقابلين مطلقاً، بل التقابل في قسم خاصمن التضايف، وهو
ما إذا كان بين المتضايفين تعاند وتناف في الوجود، كالعليةوالمعلولية، والأبوة
والبنوة، مما قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد،لا في مثل العالمية
والمعلومية، والمحبية والمحبوبية، فإنهما يجتمعان في واحد غيرذيالجهات. والحاكي
والمحكي، والدليل والمدلول، كادا أن يكونا من قبيلالقسم الثاني، حيث لا برهان على
امتناع حكاية الشي عن نفسه، كماقالعليه السلام،»يا من دلّ على ذاته بذاته«
وقالعليه السلام : »وأنت دللتني عليك«(16).
ونتيجة ما ذكرهقدس سره أنه لا مانع في المقام من حكاية اللفظ عن
نفسهودلالتهعليها.
وقد علق على ذلك السيد الاُستاذقدس سره بما حاصله: أن ما أفادهقدس سره من
أنالتقابل في قسم خاص من التضايف، لا في مطلق المتضايفين وإن كان صحيحاً،إلاّ أنه
أجنبي عن محل كلامنا في المقام بالكلية. فإن محل الكلام هنا، إنما هو فيدلالة
اللفظ على المعنى، وهي قسم خاص من الدلالة التي لا يمكن أن تجتمع فيشي واحد، لما
بيناه من أن حقيقة تلك الدلالة عبارة عن وجود اللفظ وحضورهفي ذهن المخاطب أولاً،
وحضور المعنى ووجوده فيه بتبعه ثانياً، لوضوح أن كلمخاطب وسامع عند سماع اللفظ،
ينتقل ذهنه إلى صورة اللفظ أولاً، وإلى صورةالمعنى ثانياً، فحضور اللفظ علة لحضور
المعنى، ومن الواضح أن ذلك لا يعقل فيشي واحد، بداهة أن العلية تقتضي الأثنينية
والتعدد، فلا يعقل علية حضورالشي في الذهن لحضور نفسه، هذا بالقياس إلى المخاطب
والسامع.
وأما بالنسبة إلى المتكلم والمستعمل فحقيقة الاستعمال إما أنها عبارة عن إفناءاللفظ
في المعنى، فكأنه لم يلق إلى المخاطب إلاّ المعنى، ولا ينظر إلاّ إليه كما
هوالمشهور فيما بينهم، أو عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى مبرزاً له أو وسيلةوأداة
حكاية عنه، فعلى جميع التقديرات لا يعقل استعمال الشي في نفسه،ضرورة استحالة فناء
الشي في نفسه، أو جعل الشي علامة على نفسه أو وسيلةحكاية عنها، فإن كل ذلك لا يعقل،
إلاّ بين شيئين متغايرين في الوجود(17)، هذا.
ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التعليق صحيح، فإن الدلالة على أنواع:
النوع الأول: الدلالة اللفظية الجعلية، وهي دلالة انتقالية من اللفظ إلى
المعنىووسيلة حكائية، ويستحيل أن يجتمع في شيء واحد، فلا يعقل أن يكون شيءواحد
حاكياً ومحكياً معاً، لاستحالة حكاية الشيء عن نفسه وانتقال الشيءإلىنفسه.
النوع الثاني: الدلالة العقلية المتمثلة في دلالة العلة على المعلول وبالعكس،ودلالة
أحد المتلازمين على الملازم الآخر وهكذا، وهذه الدلالة أيضاً لا تجتمعفي شي واحد.
النوع الثالث: الدلالة العرفانية، ومنها دلالة ذاته تعالى على ذاته، يعني ظهورذاته
بذاته، والدلالة بهذا المعنى خارجة عن المتفاهم العرفي، وتختص بأهلالعرفان إن لم
تكن مجرد لقلقة اللسان.
والمراد من قولهعليه السلام: »يا من دل على ذاته بذاته...« أي بآثار ذاته، فإن
ذاتهتعالى قد تجلى بتجلي آثاره من الكائنات بشتى أنواعها المنسقة وأشكالهاالمنظمة.
وكذلك قولهعليه السلام: »وأنت دللتني عليك« ونحوه. فإذن ترجع هذهالدلالة إلى
دلالة المعلول على العلة، والآثار على المؤثر، وهي دلالة عاميةارتكازية، وتدخل في
النوع الثاني من الدلالة دون النوع الأول.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليسمن قبيل
الاستعمال الذي يمثل الدلالة الانتقالية والحكاية عن المعنى.
وأمّا الدعوى الثانية: فالصحيح أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه، من قبيلالوسيلة
الإيجابية المتمثلة في إيجاد اللفظ خارجاً، واحضاره بشخصه في ذهنالمخاطب بدون أي
وسيلة وواسطة. فإذا قيل زيد لفظ، انتقل الذهن إلى صورةشخص لفظ زيد الموجد مباشرة،
بدون استخدام أي وسيلة اُخرى، على أساسأن هذا الانتقال نتيجة طبيعية للإحساس به،
وبذلك يمتاز عن الاطلاقالاستعمالي الذي هو من قبيل الوسيلة الحكائية، لأن
الاستعمال يمثل حكايةاللفظ عن المعنى، فإذا قيل )زيد عالم(، انتقل الذهن أولاً إلى
صورة اللفظمباشرة بدون توسط صورة اُخرى نتيجة طبيعيّة للاحساس به، ثم انتقل منهاإلى
صورة المعنى، وهذا الانتقال هو انتقال ثانوي، وبحاجة إلى الجعلوالمواضعة، وليس
بتكويني، لما مر من أن دلالة الألفاظ على المعاني ليستبذاتية. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن الغرض في الاطلاق الحكائي يختلف عن الغرض فيالاطلاق الايجادي،
لأن الغرض في الأول متعلق بالانتقال الثاني بموجب قانونالإستجابة الذهنية الشرطية
دون الانتقال الأول، فإنه وسيلة للوصول إلىالانتقال الثاني ومقدمة له، باعتبار أنه
لا يمكن الوصول إليه بدونه، ومن هنايكون الإتيان باللفظ مجرد كونه وسيلة للإنتقال
إلى المعنى، بدون أن يتعلقالغرض به موضوعياً، ولهذا ينظر إليه كمعنى حرفي لا اسمي،
ويسمى انتقالالذهن إلى صورة اللفظ بالإستجابة الطبيعية، وانتقال الذهن إلى صورة
المعنىبالإستجابة الشرطية في الإصطلاح الحديث. ومن هنا تكون عملية الوضعمحققة
لصغرى قانون الإستجابة الذهنية الشرطية.
وهذا بخلاف الاطلاق الايجادي، فإنه محقق لصغرى قانون الإستجابةالذهنية التكوينية،
فإذا قيل »زيد ثلاثي« انتقل الذهن إلى صورة لفظ زيدمباشرة، بدون توسط صورة ذهنية
اُخرى، بل لا يمكن أن يكون حضورها فيالذهن بتوسط صورة اُخرى، لأن الصورة الاُخرى
إما اللفظ أو وسيلة اُخرى.
أما الثاني: فقد تقدم أن استخدام الوسائل الاُخرى البدائية الساذجة منالإشارات
وإرادة الصور وتقليد الأصوات في مقام التعبير عما في ذهنه ونقله إلىالآخرين لا يفي
بمتطلبات حياة الانسان التي تطورت ونمت ككل.
وأما الأول: فننقل الكلام إلى صورة ذلك اللفظ ونقول: إنها إما أن تحضر فيالذهن
بنفسها، أو يحتاج حضورها إلى صورة لفظ آخر، فعلى الأول، لا فرق بينلفظ ولفظ، وعلى
الثاني، يذهب إلى ما نهاية له، فمن أجل ذلك يكون حضوراللفظ في الذهن بنفسه نتيجة
طبيعية للإحساس به، ومن هذا القبيل ما إذا اطلقشخص مثلاً صوتاً مشابهاً لصوت
الأسد، فإنه ينتقل الذهن إلى تصور ذلكالصوت مباشرة، نتيجةً للإحساس السمعي به، ثم
إلى تصور الحيوان المفترس.وإذا رأى زيداً مثلاً انتقل ذهنه إلى صورته مباشرة نتيجة
طبيعية للإحساسالبصري به، وإذا لامس حيواناً كالفرس مثلاً انتقل ذهنه إلى صورته
نتيجةطبيعية للإحساس اللمسي به، وهكذا.
ومن الواضح أن هذه الإنتقالات الذهنية التي تدور في حياة الانسان اليوميةبشكل منتظم
انتقالات طبيعية تكوينية نتيجة للإحساسات الأولية للإنسان،وليست بحاجة إلى أي وضع
وجعل، كما أنها لا تختص بالانسان.وهذهالإحساسات هي الأساليب والوسائل الأولية التي
استخدمها الانسان فيحياته البدائية.
وأما الألفاظ واللغات، فهي الوسائل والأساليب الثانوية المتطورة التييستخدمها في
متطلبات حياته التي تطورت وتوسعت عصراً بعد عصر.وتسمى الاُولى في الإصطلاح الحديث
بالمنبهات الطبيعية التكوينية، والثانيةبالمنبهات الشرطية، بلحاظ أن اتصافها بها
إنما هو بالجعل والمواضعة.
والخلاصة: أن الاطلاق الايجادي من صغريات المنبهات التكوينية. وعلىهذا فيفترق
الاطلاق الاستعمالي الحكائي عن الاطلاق الايجادي في اُمور:
الأول: أن الاطلاق الاستعمالي الذي هو من قبيل الوسيلة الحكائية، منصغريات
المنبهات الشرطية، بينما الاطلاق الذي هو من قبيل الوسيلةالايجادية،من صغريات
المنبهات التكوينية.
الثاني: أن المقصود بالأصالة في الاطلاق الحكائي، هو الانتقال إلى صورةذهنية اُخرى،
لا الانتقال إلى صورة ذهنية اُولى، فإنه مجرد وسيلة للوصول إلىالثاني ولا ينظر
إليه إلاّ كأداة ووسيلة، بينما المقصود بالأصالة في الاطلاقالايجادي، هو الانتقال
إلى صورة ذهنية اُولى فحسب.
الثالث: أن موضوع القضية في الاطلاق الحكائي قد يكون كلياً، وقد يكونجزئياً، فإن
اللفظ كما يحكي عن معنى جزئي، يحكي عن معنى كلي أيضاً، بينماالموضوع في الاطلاق
الايجادي لا يمكن أن يكون كلياً، لأنه شخص الموجودبالوسيلة الايجادية، وهو جزئي
دائماً، ولا يعقل أن يكون كلياً.
ويترتب على ذلك أن المقصود في القضية، إن كان احضار المعنى في ذهنالمخاطب وترتب
الحكم عليه، واللفظ مجرد وسيلة لإحضاره فيه بدون أن يكونله دخل في الحكم فالقضية
حكائية، وإن كان المقصود إحضار صورة شخصاللفظ الموضوع في القضية في ذهن المخاطب،
من دون أن يقصد به الحكاية عنمعناه، نظراً إلى أن المحمول فيها سنخ حكم ثابت للفظ
فقط ومترتب عليه دونمعناه، كما في مثل قضية »زيد لفظ«، فإن المحمول في القضية وهو
»لفظ« سنخحكم ثابت للفظ »زيد« ومحمول عليه بالحمل الشائع الصناعي، ولا يعقل
أنيكون محمولاً على معناه، ففي مثل ذلك لا محالة تكون القضية إيجادية
والموضوعفيها شخص اللفظ الموجود دون معناه، ولفظ »زيد« في المثال بشخصه
موضوعللقضية الموجود بالوسيلة الايجادية، لا أنه لفظ الموضوع، وحيث إنه لا يعقل
أنيكون حاكياً عن نفسه، فلا محالة تكون قضية »زيد لفظ« إيجاد للفظ »زيد«واحضار
صورته في ذهن السامع بنفسه نتيجة طبيعية للإحساس به، وعلى هذافالموضوع في هذه
القضية شخص لفظ »زيد«، والمحمول وهو »لفظ« ثابت له.فإذن تكون القضية مركبة من أجزاء
ثلاثة: الموضوع وهو شخص لفظ »زيد«والمحمول وهو »لفظ«، والنسبة بينهما التي هي مفاد
الهيئة القائمة بهما.
قد يقال - كما قيل -: إن لازم كون الموضوع في القضية شخص لفظ زيد بماهو بدون أن
يحكي عن الواقع أن تكون القضية مركبة من جزأين، فإن القضيةاللفظية تحكي بموضوعها عن
موضوع القضية الواقعية، وبمحمولها عن محمولالقضية، وبنسبتها عن نسبتها. وعلى هذا
فإذا فرض أن الموضوع في القضيةاللفظية لا يحكي عن الموضوع في القضية الواقعية،
فلازم ذلك أن تكون القضيةالواقعية مركبة من جزأين، أحدهما المحمول، والآخر النسبة،
مع أن تحققالنسبة بدون تحقق طرفي القضية مستحيل(18).
والجواب: أن هذا الإشكال مبني على تخيل أن الموضوع في القضية الحقيقيةدائماً بحاجة
في وجوده وحضوره في الأذهان إلى واسطة حكائية، كاللفظبالنسبة إلى المعنى، فإنه
واسطة لوجوده وحضوره فيها، وليس نفسه موضوعاًللقضية، بل هو لفظ الموضوع وحاك عنه.
وأما إذا كان الموضوع في القضية لا يحتاج في وجوده وحضوره في ذهنالمخاطب إلى
الواسطة، بل كان حاله حال بقية الأفعال الخارجية والموجوداتالفعلية، التي يكون
حضور صورها فيالأذهان نتيجة طبيعة للإحساس بها بدونحاجة إلى وسيلة حكائية، فلا
يلزم حينئذ محذور تركب القضية من جزأين.ومقامنا من هذا القبيل، فإن الموضوع في مثل
قولنا: )زيد ثلاثي( شخص ذلكاللفظ الذي هو من الكيف المسموع، لا أنه لفظه، ومن
الواضح أن اللفظ لا يحتاجوجوده في الذهن إلى أي وسيلة حكائية، لإمكان إيجاده فيه
على ما هو عليه،واثبات المحمول له بالوسيلة الايجادية، بمعنى أن وجوده وحضوره في
الذهننتيجة طبيعية للإحساس به خارجاً، وعليه فالقضية مركبة من أجزاء ثلاثة:الموضوع
وهو ذات اللفظ وشخصه، والمحمول وهو ثلاثي، والهيئة المتحصلة التيتدل على النسبة
بينهما.
وإن شئت قلت: إن كون الشيء موضوعاً في القضية، باعتبار أن المحمولثابت له، فقد
يكون المحمول ثابتاً لما يحتاج في وجوده وحضوره إلى الواسطةكالمعنى، كما هو الحال
في غالب القضايا، وقد يكون ثابتاً لما لا يحتاج في وجودهفي الذهن إلى الواسطة
كاللفظ، وحيث كان الموضوع في المقام شخص اللفظ، منجهة أن المحمول ثابت له، فإنه
سنخ حكم محمول عليه دون المعنى، فلا يلزمالمحذور المذكور، فإن لزومه هنا مبتن على
أن لا يكون الموضوع شخص اللفظ.
وعلى هذا فلا فرق بين قولنا »زيد ثلاثي« وقولنا »زيد عالم«، فكما أن الهيئةالمتحصلة
من المجموع المركب من »زيد« و»عالم« تدل على النسبة بينهما،فكذلك الهيئة المتحصلة
من المجموع المركب من لفظ »زيد« و»ثلاثي«، فإنهاتدل على النسبة بنيهما، غاية الأمر
إن جملة »زيد ثلاثي« مركبة من الوسيلةالايجادية والوسيلة الحكائية، وهذا ليس بفارق،
فإن المعيار في تكوين القضيةبوجود النسبة بين طرفيها، ولا موضوعية لخصوصية الأطراف.
وأمّا المسألة الثالثة: وهي اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله،فالكلام فيها
يقع في مقامين:
الأول: في إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به.
الثاني: في إطلاق اللفظ وإرادة صنفه أو مثله به.
أمّا الكلام في المقام الأول فهل هذا الاطلاق من قبيل الاطلاق الحكائي،أو أنه من
قبيل الاطلاق الايجادي؟ فيه قولان:
فقد اختار السيد الاُستاذقدس سره أنه من قبيل الاطلاق الايجادي دون الحكائي.وأفاد
في وجه ذلك أنه إذا قيل )زيد لفظ(، واُريد به طبيعي ذلك اللفظ، فهوليس من قبيل
الاستعمال ، بل هو من قبيل إحضار الطبيعي في ذهن المخاطببإراءة فرده، فالمتكلم
بذلك اللفظ قد قصد ثبوت الحكم للطبيعي،ليسريمنهالى أفراده،وأوجد في ذهن المخاطب
أمرين: أحدهما شخص اللفظ الصادر منه،والثاني طبيعي ذاك اللفظ الجامع بينه وبين
غيره، ولما لم يمكن ايجاده على ما هوعليه في الخارج إلاّ بإيجاد فرده، فلا يكون من
قبيل استعمال اللفظ في المعنى فيشي، فإن وجوده عين وجود فرده في الخارج، وايجاده
عين ايجاد فرده، وعليهفلا يعقل أن يجعل وجود الفرد فانياً في وجوده، أو مبرزاً له
وعلامة عليه، فإنكل ذلك لا يعقل إلاّ بين وجودين خارجاً والمفروض أنه لا اثنينية
في المقام، فلايمكن أن يكون وجود الفرد واسطة لاحضار الطبيعي في الذهن، فإن
الواسطةتقتضي التعدد في الوجود، ولا تعدد هنا فيه أصلاً(19). هذا،
ولنا تعليق عليه، وهو ما تقدم منا من أن الاطلاق الايجادي يمثل المنبهالتكويني،
والاطلاق الاستعمالي يمثل المنبه الشرطي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد مر أن موضوع القضية في الاطلاق الايجادي لا يمكنأن يكون
كلياً، ضرورة أنه لا يعقل ايجاد الكلي في الذهن عن طريق الوسيلةالايجادية، لأن ما
يوجد بها خارجاً فرد جزئي مساوق للتشخص، ووجودالكلي في ضمن وجود الفرد وجود تحليلي
لا وجود له بحدّه وبما هو كلي، فما هوالموضوع للقضية - وهو الموجد بالوسيلة
الايجادية مباشرة - جزئي حقيقيوليس بكلي، ووجوده في ضمنه لا يجلعه كلياً، لأنه
تحليلي، والموجود في الذهنصورة الفرد، فمن أجل ذلك تكون الوسيلة الايجادية من
صغريات المنبهاتالطبيعية.
والخلاصة: أن الاطلاق الايجادي، هو الذي يمثل ايجاد الموضوع في القضيةفي ذهن
المخاطب بنفسه ومباشرة، ويكون هذا الإيجاد نتيجة طبيعية للإحساسالسمعي به، ومن
الواضح أن صورة الفرد في الذهن بحده الفردي، غير صورةالكلي فيه بحده، والحاضر فيه
مباشرة في الاطلاق الايجادي هو صورة الفرددون الكلي، وعلى هذا فإذا كان موضوع
القضية كلياً، فلا يمكن احضار صورتهبما هو كلي وايجادها في الذهن مباشرة بالوسيلة
الايجادية، لأن الموجود بها دائماًفرد جزئي، ولا يمكن أن يكون كلياً، فإذن احضار
صورة الكلي في الذهن بحاجةإلى واسطة وهي صورة الفرد فيه، بأن يجعلها في ذهن المخاطب
وسيلة للإنتقالمنها إلى صورة الكلي وهو النوع.
وعلى هذا الاساس فإطلاق اللفظ وإرادة نوعه لا يمكن أن يكون من قبيلالاطلاق
الايجادي، لان احضار النوع بما هو نوع في ذهن المخاطب لا يمكنمباشرة، بل لابد أن
يكون بالواسطة، والواسطة إما صورة الفرد التي هي تدخلفي ذهنالمخاطب نتيجة للإحساس
به مباشرة، أو القرينة الخارجية. وعلىالأول يجعل المتكلم صورةالفرد وسيلة ومقدمة
للإنتقال منها إلى صورة النوع،وعلى الثاني يجعلالقرينة وسيلة لذلك، وعلى كلا
التقديرين فلا يكون هذاالاطلاق من قبيلالوسيلة الايجادية، بل منقبيل
الوسيلةالحكائية، إذ لانقصدبها إلاّ انتقالالذهن منصورة ذهنية إلى صورة ذهنية
اُخرى، وهومعنىالحكاية.
مثلاً إذا قيل »زيد لفظ« اُريد به نوع لفظ »زيد« لا شخصه، فلا يمكن أنيكون هذا
الاطلاق من قبيل الوسيلة الايجادية، لأن ايجاد النوع واحضاره فيذهن المخاطب لا
يمكن مباشرة بمجرد الإحساس به، بل احضاره فيه بحاجة إلىوسيلة اُخرى كصورة الفرد،
وعلى هذا فإن اُريد النوع في المثال، فإما أن يجعلصورة الفرد وسيلة للإنتقال إليه،
أو يجعل قرينة عليه، وعلى كلتقديرفالاطلاق حكائي لا ايجادي. نعم انه ايجادي
بالنسبة إلى الفرد، ولكنهليس موضوعاً للقضية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن اطلاق اللفظ وارادة نوعهيكون من
قبيل الاطلاق الحكائي،وليس من قبيل الاطلاق الايجادي، وبذلكيمتاز عن اطلاق اللفظ
وإرادة شخصه، فإنه من الاطلاق الايجادي كما تقدم.
وأمّا الكلام في المقام الثاني وهو ما إذا اُطلق اللفظ واُريد به صنفه أومثله، فهل
هو من قبيل الاطلاق الايجادي أو الحكائي؟ فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الأول، وقد أفاد في وجه ذلك أنالحروف قد
وضعت لتضييق المفاهيم الإسمية، وتقييدها بقيودات خارجة عنحريم ذواتها، على أساس أن
الغرض قد يتعلق بتفهيم طبيعي المعنى الإسمي علىاطلاقه وسعته، وقد يتعلق بتفهيم حصة
خاصة منه، والدال على الحصة ليس إلاّالحروف أو ما يحذو حذوها، وعلى أساس ذلك إن
المتكلم كما إذا قصد تفهيمحصة خاصة من المعنى، يجعل مبرزه الحرف أو ما يقوم مقامه،
كذلك إذا قصدتفهيم حصة خاصة من اللفظ يجعل مبرزه ذلك، فالحرف كما يدل على
تضييقالمعنى وتخصيصه بخصوصية ما، كذلك يدل على تضييق اللفظ وتقييده بقيودما،فإن
الغرض كما يتعلق بإيجاد طبيعي اللفظ على ما هو عليه من الاطلاقوالسعة، يتعلق
بايجاد حصة خاصة من ذلك الطبيعي الموجد بنفسه كالصنف أوالمثل، فالمبرز لذلك ليس
إلاّ الحرف أو ما يشبهه، فلا فرق في إفادة الحروفالتضييق بين الألفاظ والمعاني،
فكلمة »في« في قولنا »زيد في ضرب زيدفاعل« تدل على تخصيص طبيعي لفظ زيد بخصوصية ما
من الصنف أو المثل، كماأنها في قولنا »الصلاة في المسجد حكمها كذا« تدل على أن
المراد من الصلاة ليسهو الطبيعة السارية إلى كل فرد، بل خصوص حصة خاصة منها(20).
هذا،
ولنا تعليق على ما أفادهقدس سره وحاصل هذا التعليق أن موضوع القضية فيالمقام
المثل أو الصنف دون الفرد بحده الفردي. ومن الواضح أن إطلاق القضية فيمثل قولنا
»زيد في ضرب زيد فاعل« لا يمكن أن يكون من قبيل الوسيلةالايجادية للموضوع، أي موضوع
القضية من الصنف أو المثل، لأن هذا الاطلاقلا يمثل ايجاد الموضوع واحضاره في ذهن
المخاطب بنفسه ومباشرة وبدوناستخدام أي وسيلة اُخرى، وإنما يمثل إيجاد الفرد بحده
الفردي واحضاره في ذهنالسامع، باعتبار أن الموجد به دائماً فرد جزئي، وحينئذ فإن
كان إحضار صورةالفرد في الذهن بغرض جعلها مقدمة اعدادية ووسيلة للإنتقال منها إلى
صورةالصنف أو المثل فيه بضميمة قرينة تدل على ذلك، فعندئذٍ وإن كان الذهن ينتقلإلى
صورة الصنف أو المثل، إلاّ أن هذا الانتقال إنما هو بوسيلة حكائية لاإيجادية، إذ لا
يقصد بها إلاّ الانتقال من صورة ذهنية إلى صورة ذهنية اُخرى،وهو معنى الاطلاق
الحكائي في مقابل الاطلاق الايجادي.
وعلى الجملة، فإذا قيل »زيد في ضرب زيد فاعل« واُريد به صنفه، كانالمنتقل إلى ذهن
السامع مباشرة صورة شخص »زيد« الذي هو المسموع لهحساً نتيجة للإحساس السمعي به،
فلا يحتاج إلى أي وسيلة اُخرى، ثم ينتقلالذهن منها إلى صورة الصنف بلحاظ أن الحكم
الثابت له في القضية لا يختص به،بل يعم تمام ما وقع بعد الفعل بلا فصل مرفوعاً، ومن
الواضح أن الانتقال إلىصورة الصنف ليس طبيعياً، بل بحاجة إلى وسيلة اُخرى، فإذن لا
يكون هذاالاطلاق وسيلة إيجادية لموضوع القضية، فإن ضابط الاطلاق الايجادي هو
أنهيمثل المنبه الطبيعي، كما أن ضابط الاطلاق الحكائي هو أنه يمثل المنبّه الشرطي.
ومنه يظهر حال ما إذا كان الموضوع للقضية المثل، فإن صورة المثل للشيغير صورة ذلك
الشي، فالاطلاق لا يمثل إلاّ ايجاد الفرد دون مثله، ومنبهطبيعيبالنسبة إلى صورته
دون صورة المثل، فإن الانتقال إليها بحاجة إلىاستخدام وسيلة اُخرى.
والخلاصة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن موضوع القضية يوجدبنفسه، والحرف
يدل على تضييقه بإرادة الصنف و المثل، لا يرجع إلى معنىصحيح، وذلك لأن الموضوع
الموجد بنفسه في القضية هو الفرد بحده الفردي،ومن الواضح أن الفرد الخارجي لا يقبل
الاطلاق والتقييد.
فالصحيح أن اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله يكون من بابالاستعمال
والاطلاق الحكائي لا الايجادي. نعم اطلاق اللفظ وإرادة شخصهيكون من قبيل الوسيلة
الايجادية كما مر، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد يقال إن هذه الاطلاقات إذا كانت من باب الاستعمالفهو بحاجة إلى
وجود مناسبة بين اللفظ ونوعه أو صنفه أو مثله لكييصحاستعمال اللفظ فيه ولا مناسبة
بينهما، فإذن لا تصح هذه الاطلاقات منباب الاستعمال.
والجواب عن ذلك ما تقدم، من أنه يكفي في صحة هذه الاطلاقات من بابالاستعمال توفر
أحد أمرين فيها:
الأول: كون المعنى فيها بما أنه من سنخ اللفظ، فلا يبعد كفاية ذلك في صحةتلك
الاطلاقات من باب الاستعمال، لأن ذلك مناسبة ذاتية تصلح أن تعطيللفرد صفة الحكاية
كاللفظ عن الطبيعي.
الثاني: أن اشتمال الفرد على حصة من الطبيعي يكفي في صحة استعماله فيه،لأن ذلك
مناسبة عرفية تصلح أن تجعل الفرد أداة للإنتقال إلى الطبيعي.
ولكن المناسبة الثانية مختصة باستعمال الفرد في نوعه أو صنفه، ولا تشملاستعماله في
مثله. وأما المناسبة الاُولى فهي تعم جميع هذه الاطلاقات.
ودعوى أن هذه الاطلاقات لا يمكن أن تكون من باب الاستعمال، وإلاّ لزماتحاد الدال
والمدلول فيما إذا كان الدال فرداً والمدلول نوعاً أو صنفاً، على أساسأن الفرد
بنفسه مصداق لنوعه أو صنفه ومتحد معه خارجاً، فلو استعمل فيهلكان الدال والمدلول
في الخارج واحداً.
مدفوعة بأن المستحيل إنما هو اتحاد الدال مع المدلول بالذات، بان يكونالدال
والمدلول مفهوماً واحداً، وأما إذا كانا متعددين في عالم المفهوم، فلا
ينافياتحادهما في المصداق الخارجي، لأن الموجود الخارجي ليس مدلولاً للفظ.
نتيجة هذا البحث عدة اُمور:
الأول: إن ما ذكره المحقق صاحب الكفايةقدس سره من أن صحة اطلاق اللفظوإرادة نوعه أو
صنفه أو مثله ليست من باب الوضع ولا العلاقة، لأنها فرعالحقيقة، ولا حقيقة في
المقام، بل هي من باب حسنه عند الطبع لايتم، لأن منشأصحة هذه الاطلاقات من باب
الاستعمال إنما هو العلاقة بين الفرد والنوع، وبينالفرد والصنف أو المثل، إذ لا
فرق في العلاقة المصححة للاستعمال بين أن تكونمتمثلة في العلاقة بين المعنى
الحقيقي والمعنى المجازي المستتبعة للعلاقة بين اللفظوالمعنى المجازي تبعاً، أو
متمثلة في العلاقة بين اللفظ والمعنى ابتداء، بدون أنتسبقها علاقة اُخرى كما في
المقام.
الثاني: أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من قبيل الاطلاق الاستعمالي،بل هو من قبيل
الاطلاق الايجادي، الذي يمثل صغرى قانون الإستجابة الذهنيةالتكوينية في مقابل
الاطلاق الاستعمالي الذي يمثل صغرى قانون الإستجابةالذهنية الشرطية، فمن أجل ذلك لا
يعقل أن يكون هذا الاطلاق من قبيلالاستعمال، لأن الاستعمال يمثل الوسيلة الحكائية،
وهي تقتضي المغايرة بينالحاكي والمحكي، ولا تعقل حكاية الشي عن نفسه.
الثالث: أن ما ذكره المحقق صاحب الكفايةقدس سره من كفاية المغايرة الاعتباريةبين
الدال والمدلول، مبني على الخلط بين الدلالة اللفظية والدلالة العقلية كماتقدم، هذا
إضافة إلى ما مر من اعتبار التغاير بين الدال والمدلول في الدلالةالعقلية أيضاً.
الرابع: أن ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من أنه لا برهان على امتناع حكايةالشي
عن نفسه، ودلالة الشي على نفسه مستدلاً بقولهعليه السلام »يا من دل على
ذاتهبذاته« وبقولهعليه السلام »وأنت دللتني عليك« مبني على الخلط بين الدلالة
اللفظيةوالدلالة عند أهل العرفان التي مجرد لقلقة اللسان، أو المراد الدالة على
ذاته بآثارذاته على ما سبق.
الخامس: أن الاطلاق الاستعمالي الذي يمثل الوسيلة الحكائية يمتاز عنالاطلاق
الايجادي في نقاط ثلاث التي تقدمت الإشارة إليها آنفاً فلاحظ.
السادس: أن الموضوع في القضية الحقيقية إن كان معنى تطلّب اخطاره فيذهن السامع
واحضاره فيه وسيلة حكائية كاللفظ، وإن كان لفظاً أو غيره منالأفعال الخارجية، كان
حضوره في ذهن السامع نتيجة طبيعية للإحساس به،ولا يحتاج إلى أي وسيلة اُخرى كما
تقدم.
السابع: الصحيح أن إطلاق اللفظ وارادة نوعه أو صنفه أو مثله، يكون منباب
الاستعمال، لا من باب الاطلاق الايجادي.
علامات الحقيقة والمجاز ...
السادس: علامات الحقيقة والمجاز
المعروف والمشهور بين الاُصوليين أن علامات الحقيقة والمجاز ثلاث.
العلامة الاُولى: التبادر
ويراد به انتقال الذهن إلى معنى معين عند اطلاق لفظ كذلك والإحساس به،لأنه يكشف
إنّاً عن أنه موضوع بإزائه، بتقريب أن هذا الانتقال ليس بذاتي، لماتقدم في باب
الوضع، من أن دلالة الألفاظ على المعاني لا تستند إلى المناسباتالذاتية، بل هي
مستندة إلى أحد عاملين:
الأول: الوضع، فإنه يعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة على المعنىوالحكايةعنه.
الثاني: العلاقة المصححة التي تمنح اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازيمع
القرينة الصارفة. وعليه فإذا كان المعنى متبادراً من اللفظ، ولم تكن قرينة
فيالبين، كان هذا التبادر كاشفاً إنّياً عن أنه المعنى الموضوع له اللفظ.
وقد اعترض على علامية التبادر، بتقريب أن علاميتها للكشف عن الوضعمستحيلة،
لاستلزامها الدور، من جهة أن التبادر وهو إنسباق المعنى في الذهنيتوقف على العلم
بالوضع، إذ لا يعقل الانسباق والتبادر من اللفظ بدون العلممسبقاً بوضعه له، فلو
كان العلم بالوضع متوقفاً عليه لدار.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما ذكره بعض المحققينقدس سره من أن علامية التبادر لتعيين المعنى
الموضوعله على القول باعتبارية الوضع غير معقولة، وذلك لأن التبادر برهان إني
علىالوضع، وعلى هذا فإذا كان الوضع عبارة عن اعتبار الملازمة بين اللفظ
والمعنىالقائم بالواضع، فمن الضروري أنه بجعله الواقعي لا يكون علة للتبادر،
ليكونالتبادر كاشفاً إنياً عنه، فان من يكون جاهلاً بوضع لفظ »الأسد« مثلاً
للحيوانالمفترس، وباعتبار الملازمة بينهما، لا يعقل أن ينتقل ذهنه إلى تصوره من
تصورلفظ »الأسد«.
فالنتيجة: أن الوضع بوجوده الاعتباري في الواقع، لا يعقل أن يكون علةللتبادر
والانسباق، بل تمام العلة للتبادر العلم بالوضع، وإن كان مخالفاً للواقع.فإذا علم
بأن اللفظ الفلاني وضع للمعنى الفلاني، كان ذلك المعنى هو المتبادر منهعند اطلاقه
وإن لم يكن في الواقع موضوعاً له، فإذن تمام العلة للتبادر هو العلمبالوضع، ولا
أثر له في الواقع بدون العلم به.
فتحصل أن التبادر على القول بأن الوضع أمر جعلي اعتباري، يستحيل أنيكون علامة على
الوضع.
وأما على القول بأن الوضع أمر تكويني وعبارة عن عملية قرن بين تصوراللفظ وتصور
المعنى في ذهن السامع بنحو أكيد، بحيث يوجب انتقال الذهن منتصور أحدهما إلى تصور
الآخر، فتكون علامية التبادر أمر معقول، لأن التبادرمن اللفظ فرع الملازمة بين تصور
اللفظ وتصور المعنى في ذهنه، وهذه الملازمةالتصورية فرع القرن الأكيد بين اللفظ
والمعنى الذي هو روح الوضع، وهو أمرواقعي، فإذا كانت الملازمة ثابتة بين تصور اللفظ
وتصور المعنى في الذهن، فمتىما تصور اللفظ انتقل ذهنه إلى تصور المعنى، ولا يتوقف
هذا الانتقال التصوريفي اُفق الذهن على العلم التصديقي بالوضع في الخارج، لأن هذا
الانتقال فرعالملازمة التصورية بين اللفظ والمعنى في عالم الذهن، وهو لا يتوقف
إلاّ علىثبوت هذه الملازمة التصورية فيه، ولا يتوقف على التصديق بها في
الخارج،ولهذا يحصل هذا الانسباق والتبادر للصبيان أيضاً، نتيجةً لثبوت الملازمة
بينتصوريهما في الذهن مع عدم وجود أي علم تصديقي لديهم بالملازمة.
وعلى هذا فعلامية التبادر للوضع معقولة، لأنها لا تتوقف على العلمالتصديقي بالوضع،
فإذن يمكن استعلام الوضع به إنّياً.
ومن هنا تمتاز هذه الملازمة عن الملازمات الواقعية، كالملازمة بين الناروالاحراق،
وبين تعدد الآلهة وفساد العالم، وبين وجوب شي ووجوب مقدمته،وهكذا... في نقطة، وهي
أن الانتقال من اللازم إلى الملزوم لا يمكن بدون العلمالتصديقي بالملازمة بينهما
في الملازمات الواقعية، سواء أكان الانتقال انتقالاًتصديقياً أم كان تصورياً، فإن
العلم بالاحراق في الخارج، إنما يستلزم العلمبوجود النار فيه إذا علم بثبوت
الملازمة بينهما خارجاً، وأما مع عدم العلمبثبوتها، فلا ينتقل من العلم بوجود
الاحراق خارجاً إلى العلم بوجود الناركذلك، وكذا لا يستلزم تصور وجود الاحراق تصور
وجود النار في الذهن إلا إذاعلم بوجود الملازمة بينهما خارجاً وهذا بخلاف الملازمة
في المقام، فإنها انماتكون بين نفس التصورين والادراكين، لا بين نفس المدركين كما
في الملازماتالواقعية، فإذا كانت الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى، لا بين
ذات اللفظوذات المعنى، فتصور المعنى بنفسه لازم لا أنه تصور للازم، وتصور اللفظ
بنفسهملزوم لا أنه تصور للملزوم، فإذا فرض أن الملازمة بين نفس
الادراكينوالتصورين، فلا محالة يستتبع أحدهما الآخر في أفق الذهن، كما أن الملازمة
إذاكانت بين نفس المدركين في الواقع كالنار والاحراق، كان وجود الملزوم فيهيستتبع
وجود اللازم.
والخلاصة: أن الوضع هو الاقتران بين اللفظ والمعنى خارجاً، وهو المنشأللملازمة بين
الادراكين والتصورين في الذهن، فإذا كانت صورة الاقتران المؤكدموجودة في أفق الذهن،
كانت تلك الصورة هي السبب للانسباق والتبادر، وإنلم يعلم بأن هذا الاقتران وضع. أو
فقل إن ثبوت هذا الاقتران والارتباط فيالذهن بنفسه منشأ للإنتقال من تصور اللفظ
إلى تصور المعنى، ولا يتوقف علىالعلم التصديقي بأن هذا الاقتران وضع.
وبذلك تفترق هذه النظرية عن نظرية الاعتبار، فإن حقيقة الوضع إذا كانتأمراً
اعتبارياً جعلياً قائماً بالجاعل والواضع، فمن البيّن أنه طالما لا يعلم الشخصبهذا
الاعتبار والجعل، فلا يعقل الانسباق والتبادر عنده، وكذلك الحال علىالقول بأن
الوضع هو التعهد، فإنه مادام لا يعلم به، فلا انسباق ولا تبادر(21).
ولنا تعليق على ذلك:
أما أولاً: فلأن علامية التبادر على القول بأن حقيقة الوضع القرن الأكيد بيناللفظ
والمعنى وإن كانت ممكنة ولا تستلزم الدور، إلاّ أنها لا تخرج عن حدودالامكان فقط،
إذ افتراض الانسباق والتبادر من الاقتران الموجود في الذهنبدون أن يعلم خارجاً
بأنه وضع، مجرد وهم، لا واقع له إلاّ في الصبي أو المجنون،وأما في غيره كالسامع
الشاعر الملتفت، فافتراض ذلك بدون التفاته التصديقيبأنه وضع، لا يخرج عن دائرة
الخيال إلى دائرة التحقق، هذا إضافة إلى أنه لا يفيدالعلم التصديقي بالوضع.
وأمّا ثانياً: فمع الإغماض عن هذا، إلاّ أن مبنى ذلك غير صحيح، لما تقدم منأن
الأقرب، هو كون حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية جعلية، على تفصيل تقدم،لا مجرد إقتران
بين اللفظ والمعنى خارجاً بدون ضم أي اعتبار إليه. وأما الملازمةالذهنية بين صورة
اللفظ وصورة المعنى فهي من آثار الوضع وليست بحقيقةالوضع.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره وهذا الوجه يرجع إلى جوابين:
الأول: أن تبادر العالم بالوضع علامة للجاهل به وبرهان إني له عليه.
الثاني: أن التبادر لدى المستعلم يتوقف على العلمالاجمالي بالوضع، وهو لايتوقف على
التبادر، وما يتوقف عليه هو العلم التفصيلي به، فإذن لا دور.
والمراد بالعلمالاجمالي، العلم الارتكازي الثابت في أعماق النفس، بدونالتفات
النفس إليه فعلاً وتفصيلاً، وليس المراد منه العلمالاجمالي بالمعنىالاُصولي.
والمراد بالعلم التفصيلي العلم بالعلم بالوضع.
فالتبادر يتوقف على العلم بالوضع ارتكازاً، والعلم بالعلم بالوضع المساوقللإلتفات
الفعلي اليه يتوقف على التبادر وفي طوله، كما أن التبادر يكون في طولالعلم
الارتكازي، وعليه فلا موضوع للدور(22).
ولنأخذ بالنقد على كلا الجوابين:
أما الأول: فيرد عليه أولاً أنه خارج عن محل الكلام، فإن محل الكلام هناإنما هو في
تبادر المستعلم، وأنه هل يصلح أن يكون علامة وبرهاناً إنياً له علىالوضع أو لا؟
وليس في تبادر العالم به.
وثانياً: أن علامية تبادر العالم بالوضع للجاهل المستعلم وإن كانت ممكنة ولامحذور
فيها، إلاّ أنه وحده لا يكفي عادة لحصول العلم بالوضع، إذ لابد فيه منإحراز أنه
مستند إلى اللفظ بما هو بدون ضم أي شي آخر إليه. ومن الواضح أناحرازه عادة يتوقف
على تكرار الاستعمال واطراده حتى يدفع بذلك احتمال أنيكون تبادره مستنداً إلى وجود
قرينة حالية أو عهدية عنده، إذ لا يمكن نفي هذاالاحتمال عادة إلاّ بتكرار الاستعمال
واطراده في مختلف الموارد، أو بين العالمينبالوضع، فلذلك لا يكون بمجرده علامة.
وبكملة، إن العلامة على الوضع حينئذ، إنما هي التبادر الاطرادي لا نفسالتبادر،
ونتيجة ذلك أن تبادر العالم بالوضع بما هو تبادر لا يكون علامة علىالحقيقة، وإنما
العلامة هي اطراده، فإنه يكشف إنياً عن الوضع.
وأما الجواب الثاني فهو وإن كان يدفع محذور الدور، إلاّ أنه يؤدي إلى إلغاءدور
علامية التبادر للوضع.
أما أولاً: فلأنه لا معنى لجعل التبادر برهاناً إنياً لدى المستعلم على
علمهبالوضع، لأنه بمجرد استعلامه عن علم نفسه والتفاته إليه، يحصل له
اليقينالمباشر بعلمه، لأن العلم بالعلم مساوق للإلتفات الفعلي، ولا يعقل أن
يتوسطبين العلم التفصيلي له بالوضع والعلمالاجمالي به واسطة لكي تكون
الواسطةبرهاناً إنياً على الأول، لفرض أنه بمجرد الإستعلام عن علمه والتوجه إليه
أصبحعلماً تفصيلياً فعلياً له، على أساس أن في أفق النفس ليس إلاّ علم واحد،
وهوالعلمالاجمالي بالوضع أولاً، وهو بأدنى منبه خارجي أو توجه داخلي صارتفصيلياً،
وحينئذ فالموجود في أفق النفس ليس إلاّ العلم التفصيلي بالوضع لاغيره، فلذلك لا
يعقل أن يتوسط التبادر بينهما كبرهان إني.
فالنتيجة: أن العالم بالوضع اجمالاً وارتكازاً ليس بحاجة في تحصيل العلمالتفصيلي
به إلى التمسك بالتبادر كبرهان إني، بل أنه بصرف الإستعلام عن علمهأصبح عالما
بالوضع تفصيلاً.
وثانياً: أن لازم ذلك هو أن التبادر لا يكون علامة أولية لتمييز الحقيقة عنالمجاز،
وذلك لأن العلم الارتكازي بالوضع، بما أنه ليس بذاتي على الفرض،فبطبيعة الحال يكون
مستنداً إلى سبب آخر كالتنصيص او نحوه، لا إلىالتبادر،لمحذور الدور.
فالنتيجة: أن التبادر لا يصلح أن يكون علامة على الوضع ابتداء وبرهاناً إنياًعليه،
وإنما يكون علامة ثانوية للعالم به اجمالاً لا مطلقاً.
الوجه الثالث: ما نقله المحقق الأصبهانيقدس سره عن بعض الأعلام، من أن التبادرليس
معلولاً للعلم بالوضع، بل معلول لنفس الوضع ومن مقتضياته، فإنهيقتضي التبادر،
والعلم به شرط في تأثيره، وعليه فلا دور، حيث إن صفةالإقتضاء للوضع والمعلولية
للتبادر لا تتوقف على العلم به(23).
ولكن هذا الجواب غريب جداً.
أما أولاً: فلأن الضرورة والوجدان تحكم بأن العلم بالوضع تمام العلةللتبادر، ولا
دخل للوضع بوجوده الواقعي فيه أصلاً. ومن هنا إذا علم بوضعلفظ لمعنى، كان المعنى
هو المتبادر منه عند اطلاقه وإن لم يكن العلم مطابقاًللواقعكما مر.
وثانياً: أن ذلك لا يدفع محذور الدور، للزومه في جانب الشرط، فان التبادرمتوقف على
العلم بالوضع بملاك أنه شرط، والعلم بالوضع متوقف على التبادربملاك أنه علامة
وبرهان إني عليه.
والخلاصة: أن الوضع في نفسه لا يقتضي التبادر، وتمام العلة له العلم به وإنكان
مخالفاً للواقع، وعلى تقدير تسليم أنه مقتض له، ولكنه لا يدفع الدور،للزومه في جانب
الشرط.
الوجه الرابع: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من أنه يكفي في ارتفاع الدور،
تغايرالموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع والذات، وعلى هذا فيمكن فيالمقام
افتراض علمين متماثلين، أحدهما يتوقف على التبادر، والآخر مما يتوقفالتبادر عليه،
وإن كان العلمان متحدين ذاتاً وحقيقة، فإذن لا دور(24).
وفيه أن هذا الجواب منهقدس سره غريب جداً،
أما أولاً: فلأن قيام العالم بالوضع بعملية التبادر لتحصيل العلم به ثانياً لغومحض،
ضرورة أنه لا معنى لتحصيل العلم به مرة اُخرى، ولا موضوع حينئذلعلامية التبادر.
وثانياً: أن هذه الفرضية في نفسها غير معقولة، بداهة استحالة افتراض تعددالعلم
التفصيلي التصديقي بشيء واحد، لأن المعلوم بالعرض إذا كان واحداً فيالخارج استحال
تعلق أكثر من علم تفصيلي تصديقي واحد به، لأن شيئاً واحداًفي الخارج مرئي بنحو
واحد، ولا يعقل أن يكون مرئياً بنحوين أو أكثر منشخص واحد. مثلاً عدالة زيد في
الخارج لا يمكن أن تكون مرئية بعلمينتصديقيين من فرد واحد، ولا فرق في ذلك بين
العلم والشك والظن، فكما أنتعدد العلم التصديقي بشيء واحد غير معقول، فكذلك تعدد
الشك والظن به.
وعلى هذا فلا يعقل أن يتعلق بالوضع علمان تصديقيان، أحدهما ما يتوقفعليه التبادر،
والآخر ما يتوقف على التبادر، فإنه إذا علم بالوضع علماً تصديقياًتفصيلياً، استحال
تعلق علم آخر به كذلك ولو بسبب آخر. نعم يمكن تعدد العلمالتصوري بشيء واحد، كما
إذا تصوره أكثر من مرة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي استحالة علامية التبادرللوضع من جهة
استلزامها الدور، على أساس أن تمام العلة للتبادر هو العلمبالوضع وإن كان مخالفاً
للواقع، ولا دخل للوضع فيه أصلاً كما مر.
العلامة الثانية: عدم صحة السلب أي صحة الحمل
المشهور بين الاُصوليين أن صحة الحمل علامة للحقيقة والوضع، وعدمصحة الحمل علامة
للمجاز وعدم الوضع.
بيان ذلك: أن صحة حمل اللفظ بما له من المعنى على معنى معين بالحمل الأوليالذاتي
علامة كونه نفس معناه الموضوع له، لأنها تدل على أن المعنى الموضوع فيالقضية متحد
مع المعنى المحمول فيها ذاتاً ومفهوماً، وبالتالي تكشف عن أنه معناهالموضوع له.
وصحة حمله كذلك على معنى بالحمل الشائع، علامة كونه منأفراد ومصاديق معناه الموضوع
له، هذا هو المعروف والمشهور.
والصحيح أن صحة الحمل لا تصلح أن تكون علامة على الحقيقة، بدون فرقفي ذلك بين
الحمل الأولي الذاتي والحمل الشائع الصناعي. وذلك لسببين:
الأول: أن المقتضي في نفسه غير تام، والوجه فيه أن الحمل إذا كان حملاً
أولياًوذاتياً، فملاك صحته أن المحمول في القضية عين الموضوع فيها ذاتاً وحقيقة،
ومنالواضح أنها لا تكشف عن أن الموضوع في القضية معنىً حقيقي للفظ، وإنماتكشف عن
أن الموضوع فيها عين المعنى المستعمل فيه اللفظ، وأما أنه معنىحقيقي له أو معنى
مجازي، فصحة الحمل لا تكشف عن أنه معنى حقيقي له، إلاّبناءً على أن الأصل في
الاستعمال الحقيقة، وهو غير ثابت. مثلاً، إذا قيل»الحيوان الناطق إنسان« فإنه يدل
على أن الموضوع في القضية عين المحمول فيهاذاتاً ومفهوماً، وأما أن الموضوع معنى
حقيقي للفظ الانسان أو معنى مجازي له،فصحة الحمل لا تكشف عن أنه معنى حقيقي له،
إلاّ بناءً على ثبوت أصالةالحقيقة تعبداً، وهي غير ثابتة.
أو فقل: إن القضية المذكورة تدل على أن الموضوع فيها عين المعنى المستعملفيه لفظ
الانسان، وأما أن لفظ الانسان استعمل فيه حقيقة أو مجازاً، فصحةحمله لا تكشف عن أنه
استعمل فيه حقيقة.
وبكلمة : إن ملاك صحة الحمل الأولي الذاتي اتحاد المحمول مع الموضوع ذاتاًوحقيقة،
وأما أن لفظ المحمول استعمل في معناه الموضوع له ليكون الموضوع فيالقضية معنىً
حقيقياً له، فصحة الحمل المذكور لا تكشف عن ذلك، وإنما تكشفعن أن الموضوع في
القضية عين المعنى المستعمل فيه اللفظ، وأما أن المعنىالمستعمل فيه اللفظ معنى
حقيقي له فلا تكشف عنه، غاية الأمر أنه إن كان معنىحقيقياً له، كان الموضوع متحداً
مع المعنى الحقيقي، وإن كان معنى مجازياً، كانالموضوع متحداً مع المعنى المجازي،
وبالتالي يكون معنى مجازياً له.
فالنتيجة: أن الحمل الأولي الذاتي لا يصلح أن يكون علامة للحقيقة.
وأما الحمل الشائع فهو على أنواع.
النوع الأول: حمل الكلي على فرده، كقولنا »زيد إنسان« ومنه حمل الجنسعلى النوع،
وحمل الفصل عليه.
النوع الثاني: حمل العناوين العرضية على معروضاتها، كقولنا »زيد عالم« أو»ضاحك«
وهكذا.
النوع الثالث: حمل العناوين العرضية بعضها على بعضها الآخر، كقولهم»الكاتب متحرك
الأصابع« و»المتعجب ضاحك« وما شاكل ذلك.
أما النوع الأول فان كان من قبيل حمل الطبيعي على فرده فالموضوع فيالقضية فرد من
المحمول فيها ومتحد معه خارجاً، على أساس أن وجود الطبيعيفي الخارج عين وجود فرده
فيه، وليس له وجود آخر، فالإختلاف بينهما إنما هوفي جهة الإضافة وإن كان من قبيل
حمل الجنس أو الفصل على النوع، كقولنا»الانسان حيوان« أو »ناطق« فالموضوع في القضية
متحد مع المحمول فيهافيالوجود الخارجي.
وعلى هذا، فقد يقال بأن صحة الحمل في هذا النوع كاشفة عن كون اللفظحقيقة في المعنى
الموجود بوجود فرده في الخارج. مثلاً حصة خاصة من الحيوانالموجودة بوجود زيد في
الخارج، ويحمل عليها لفظ الانسان بما له من المعنىالعرفي، وحينئذ فإن وجد صحة هذا
الحمل عرفاً، كشفت صحته عن اتحادالحصة الموجودة بوجود زيد مع المعنى الموضوع له لفظ
الانسان، وإن وجد عدمصحته، كشف عن عدم اتحاده معه.
والخلاصة: أن الضابط لعلامية صحة الحمل، ثبوت المحمول في مرتبة ذاتالموضوع، فإنه
إذا كان ثابتاً فيها، تكشف صحته عن أن اللفظ موضوع لمعنىثابت في مرتبة ذات
الموضوع، وعلى هذا فحيث إن معنى الانسان ثابت في مرتبةذات زيد في الخارج الذي هو
موضوع القضية، فصحة حمله عليه كاشفة عن أنهموضوع بإزاء معنى ثابت في مرتبة ذات
الموضوع، وكذا الحال في معنى الحيوانأو الناطق، فإنه لمّا كان ثابتاً في مرتبة ذات
الانسان الذي هو الموضوع فيالقضية، فصحة حمله كاشفة عن أنه موضوع لمعنى ثابت في
مرتبة ذاتالموضوع.
وأما النوع الثاني والثالث، فحيث إن المحمول فيه غير ثابت في مرتبة ذاتالموضوع،
كقولنا »زيد عالم« وقولنا »الناطق ضاحك« و»الناطق حيوان«و»الكاتب متحرك الأصابع«
وهكذا، فلا يصح الإستكشاف المذكور.
وعلى الجملة فالقائل بأن صحة الحمل علامة لا يقول إنه بمجرده علامة، بلمن جهة أن
الحمل إن كان أولياً ذاتياً، فاتحاد الموضوع مع المحمول في القضيةفيالذات والمفهوم
دليل على الحقيقة. وإن كان شائعاً صناعياً، كقولنا »زيدإنسان«فاتحاد الموضوع مع
المحمول خارجاً، يكشف عن أن اللفظ موضوعلمعنى موجود بوجود زيد، وفي مرتبة ذاته،
وهذا الملاك غير متوفر في النوعالثاني والثالث.
أما في الأول، كقولنا »زيد عالم« فإن مبدأ المحمول غير الموضوع، فلا يكونموجوداً
بوجوده، وإن كانا منطبقين على موجود واحد في الخارج ابتداء، فإنذلك لا يكون ملاك
الكشف، فإن ملاكه ما إذا كان معنى المحمول ثابتاً في مرتبةذات الموضوع، وهو غير
متوفر في المقام.
وأما الثاني، فإن كان من قبيل حمل أحد الكليين المتساويين على الآخر،كقولنا »الناطق
ضاحك« فالأمر واضح، لأن معنى المحمول غير ثابت في مرتبةذات الموضوع. وإن كان من
قبيل حمل الأعم على الأخص، كقولنا »الناطقحيوان« فإن معنى المحمول غير موجود بوجود
الموضوع، لأن مبدأ الفصل غيرمبدأ الجنس، وإن كان التركيب بينهما اتحادياً، فالميزان
في كشف الحمل عنالحقيقة ثبوت معنى المحمول في مرتبة ذات الموضوع، وإلاّ فلا
كشف(25).
ولنا تعليق على ذلك.
أما أولاً فلأن صحة الحمل مطلقاً، سواء أكانت بالحمل الأولي الذاتي، أمبالشائع
الصناعي، لا تصلح أن تكون علامة للحقيقة.
أما الأول فقد تقدم الكلام فيه.
وأما الثاني فلأنه لا يدل على أكثر من أن الموضوع من مصاديق المحمول،ومتحد معه في
الخارج، وأما كون معنى المحمول معنى حقيقياً للفظ أو معنىمجازياً، فالقضية لا تدل
على شي منهما، فإن ما هو ملاك صحة الحمل هو كونالموضوع فرداً للمحمول، وأما كون
المحمول معنى حقيقياً للفظ فصحة الحمل بماهي لا تدل على ذلك، وإنما تدل على اتحاد
المحمول مع الموضوع خارجاً، وأما أناستعمال اللفظ في المعنى المحمول يكون على نحو
الحقيقة فهي لا تدل عليه،لوضوح أنه ليس هنا شي غير استعمال اللفظ في المعنى، وهو
أعم من الحقيقة.نعم إذا فرض تجرد اللفظ عن القرينة وتبادر المعنى منه، كان ذلك
علامة علىالحقيقة، ولكنه خارج عن محل الكلام بالكلية، فإذن ما هو ملاك صحة
الحملالشائع، هو نحو من أنحاء الإتحاد بين الموضوع والمحمول خارجاً، وما هو
ملاكالحقيقة، استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له، فأحد الملاكين أجنبي عن
الملاكالآخر، لإمكان أن يتحد الموضوع والمحمول في الخارج مع كون استعمال اللفظ
فيالمحمول مجازاً، غاية الأمر أنه يتحد مع المعنى المجازي. ومن هنا ترجع
الحقيقةوالمجاز إلى عالم الألفاظ، وصحة الحمل إلى عالم المدلول، فلذلك لا يكون
اثباتأحدهما دليلاً على اثبات الآخر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن صحة الحمل سواء أكان بالحملالأولي
الذاتي، أم كان بالحمل الشائع الصناعي، فلا تصلح في نفسها أنتكونعلامة للحقيقة.
وثانياً لو سلمنا أن صحة الحمل علامة للحقيقة وتكشف عن الوضع، ولكنالظاهر حينئذ أن
لا فرق بين أنواع الحمل الشائع، فكما أن النوع الأول يكشفعن الوضع والحقيقة، فكذلك
النوع الثاني والثالث.
أما النوع الثاني المتمثل في مثل قولنا »زيد عالم« أو »ضاحك« أو »إنّ هذاالجسم
أبيض« و»ذاك أسود« وهكذا، فلأن العناوين المحمولة على الموضوعجميعها من العناوين
الانتزاعية التي هي منتزعة من قيام الأعراض بموضوعاتهاوليس لها وجود في الخارج،
والموجود فيه انما هو نفس الأعراض والمقولاتالتي هي من مبادي تلك العناوين ومنشأ
انتزاعها، وعلى هذا فنسبة ما به الإتحادبين الموضوع والمحمول في القضية، وهو وجود
زيد مثلاً إلى تلك العناوين إنما هيبالعرض والمجاز، وبقانون أن كل ما بالعرض لابد
وأن ينتهي إلى ما بالذات،يرجع هذا الحمل أي حمل العناوين على معروضاتها إلى حمل
ثان، ويدل الكلامعليه بالدلالة الالتزامية لا محالة، وهذا الحمل يكون من قبيل حمل
الكلي علىفرده، وعلى هذا فمثل قولنا »زيد ضاحك« يرجع في نهاية المطاف إلى
قولناالصفة القائمة بزيد ضحك، وهكذا وهذا من حمل الكلي على فرده، وتدل صحتهعلى أن
اللفظ موضوع لمعنى متحد مع المعنى الموجود في مرتبة ذات الموضوع.
وأما النوع الثالث المتمثل في مثل قولنا »المتعجب ضاحك« و»الكاتبمتحرك الأصابع«
ونحوهما، فهو بصيغته الخاصة وإن لم يصلح أن يكون علامةللوضع، لوضوح أنه لا يدل على
أن الضاحك موضوع لمعنى متحد مع المعنىالموجود في مرتبة ذات المتعجب. فإن مبدأ
الضاحك غير مبدأ المتعجب ومباينله، بل يدل على أنهما منطبقان على شي واحد في
الخارج كزيد مثلاً ابتداء، ولكنهبمقتضى قانون أن كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى
ما بالذات يرجع لبّاً وواقعاًإلى حملين، كلاهما من حمل الكلي على فرده، لأن مرجع
»المتعجب ضاحك« إلىحمل التعجب على الصفة القائمة بزيد مثلاً، وحمل الضحك على الصفة
القائمة به،وحيث إن كلا الحملين من حمل الطبيعي على فرده، فيكون المحمول ثابتاً
فيمرتبة ذات الموضوع، وصحته تكشف عن الوضع والحقيقة، أي عن كونالموضوع في القضية
فرد من المحمول الذي هو معنى اللفظ.
فالنتيجة: أنه لا فرق بين أنواع الحمل الشائع الصناعي بحسب مقام اللبوالواقع، فإن
مآل الكل إلى نوع واحد من الحمل، وهو حمل الكلي على فرده،وإنما الفرق بينها في
صياغة القضية، وحينئذ فإن نظرنا إلى صياغة كل منها فالنوعالثاني والثالث لايدلان
بصياغتهما على أن المحمول في القضية متحد مع المعنىالموجود في مرتبة ذات الموضوع،
وإن نظرنا إلى مآلهما لباً وواقعاً، فحالهماحالالنوع الأول.
الثاني: أن علامية صحة الحمل للحقيقة مستحيلة، وذلك لأن علاميتهاتستلزم الدور.
ببيان أن صحة الحمل تتوقف على العلم بأن الموضوع في القضيةمعنى حقيقي للفظ في
المرتبة السابقة، وإلاّ فلا يمكن الحكم بصحة حمل المحمول فيالقضية عليه واستعلام
الوضع والحقيقة منها، فلو كان العلم به متوقفاً على صحةالحمل لدار. ولا فرق في ذلك
بين الحمل الأولي الذاتي وبين الحمل الشائعالصناعي، فإن صحته على كلا التقديرين
فرع العلم في المرتبة السابقة، بأنالموضوع في القضية هو المعنى الحقيقي للفظ.
وقد أجيب عن ذلك بأن صحة الحمل تتوقف على العلمالاجمالي الارتكازيبالمعنى الموضوع
له، وهو لا يتوقف عليها، فإن المتوقف عليها العلم التفصيليبالمعنى الموضوع له،
فالنتيجة: أن صحة الحمل في طول العلمالاجماليالارتكازي، والعلم التفصيلي في طول
صحة الحمل، فإذن لا دور(26).
ولكن هذا الجواب لا يرجع إلى معنى صحيح.
أما أولاً: فلأنه لا يمكن جعل صحة الحمل برهاناً إنياً للمستعلم على علمهبالعلم
بالوضع، إذ لا يعقل أن تتوسط بينهما واسطة، على أساس أن العلمالتفصيلي هو العلم
الارتكازي بعد الإستعلام والتوجه، فإن العالم بالوضع فيأعماق نفسه لا يحتاج في
صيرورة علمه علماً تفصيلياً إلى التبادر أو صحةالحمل، بل لا يعقل أن يتوسط بين
العلم التفصيلي والعلم الارتكازي واسطة بهايثبت العلم التفصيلي بالعلم الارتكازي
بالوضع، لفرض أنه ليس هنا علمان، بلعلم واحد كان ارتكازياً، ثم بمجرد الإستعلام
عنه والتوجه إليه صار علماًتفصيلياً، ولهذا لا يتصور بينهما الحد الوسط، واثبات
الأكبر للأصغر.
وثانياً: أن صحة الحمل إذا كانت مسبوقة بالعلم الارتكازي بالوضع، فلازمذلك أنها لا
تكون علامة، باعتبار أن العلم الارتكازي بالوضع ليس ذاتياً، بللا محالة يكون
مستنداً إلى سبب من الأسباب، كالتنصيص أو نحوه، وذلكالسبب هو العلامة على الوضع
دون صحة الحمل.
وثالثاً: أنه لا يمكن دفع محذور الدور هنا بما ذكر في دفع هذا المحذور في
بابعلامية التبادر، بنكتة أنه يكفي في التبادر والانسباق، الإلتفات إلى اللفظ
الذييكون معناه مرتكزاً في الذهن، فإن الإلتفات إليه بمثابة المنبه الشرطي
لحصولالإلتفات التفصيلي بما هو مرتكز في الذهن من المعنى الحقيقي، فلذلك لا
يتوقفالتبادر على العلم التفصيلي التصديقي بالوضع، بل يكفي فيه العلم الارتكازي
به،بينما صحة حمل اللفظ بما له من المعنى الحقيقي تتوقف على العلم
التفصيليالتصديقي، بأن المعنى المحمول المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له في
المرتبةالسابقة، ولا يكفي فيها العلم الارتكازي به.
والنكتة في ذلك أن صحة الحمل تتوقف على تصور الموضوع في القضيةوالمحمول فيها،
واحراز أن المحمول المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له مسبقاً،ولا يكفي في احراز ذلك
مجرد تصور الموضوع والمحمول في القضية. نعم تصورالمحمول قد يكون بمثابة المنبه
الشرطي للإنتقال إلى معناه، ولكن بعد هذا الانتقالوالتصديق بأنه معنى حقيقي للفظ
يصح الحمل وإلاّ فلا، طالما لم يعلم بأنه معنىحقيقي له مسبقاً.
وبكملة، إن صحة القضية الحملية إن كانت منوطة بوحدة الموضوع والمحمولإما في عالم
المفهوم أو في عالم الخارج، توقفت على احراز هذه الوحدة والعلمالتصديقي بها، وإلاّ
فلا يمكن الحكم بصحتها، لأن تمام ملاك صحة القضيةالحملية ومدلولها هو هذه الوحدة،
وحينئذ فلا تدل القضية على أن المحمولالمستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له أصلاً. وإن
كانت منوطة بأمرين: الأولوحدة الموضوع والمحمول. والآخر كون المحمول المستعمل فيه
اللفظ معنىحقيقياً له، توقفت صحتها على احراز كلا الأمرين معاً، فمن يقوم بعملية
الحمللابد له في المرتبة السابقة من احراز وحدة الموضوع والمحمول، إما في عالم
المفهومأو الخارج واحراز أن المحمول معنى حقيقي للفظ، وطالما لم يحرز هذين
الأمرينمعاً، فليس بإمكانه الحكم بصحة الحمل.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن صحة الحمل لدى المستعلم لا تصلح أن تكونعلامة للوضع
والحقيقة. وأما صحة الحمل لدى العالم، فهل تصلح أن تكونعلامة على الحقيقة للجاهل؟
والجواب: أنها أيضاً لا تصلح أن تكون علامة، لأن ملاك عدم قابليتهاللعلامية في كلا
المقامين واحد، وهو ما عرفت من أن صحة الحمل لا تدل علىأكثر من اتحاد المحمول مع
الموضوع مفهوماً أو خارجاً، وأما كون معنى المحمولالمستعمل فيه معنى حقيقياً للفظ،
فهي لاتدل عليه أصلاً، فإذن ما هو ملاكصحة الحمل غير ما هو ملاك الوضع والحقيقة
ولا صلة لأحدهما بالآخر.
العلامة الثالثة: الاطراد
وقد فسر الاطراد بعدة تفسيرات:
الأول: ما قيل من أن المراد منه تكرار الاستعمال في معنى.
فيه: أنه إن اُريد به تكرار صحة استعمال لفظ في معنى، فيرد عليه أنه غيرقابل للذكر،
بداهة أنه إذا صح استعمال لفظ في معنى مرة واحدة، صح استعمالهفيه إلى مالا نهاية
له بملاك واحد، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الاستعمال فيالمعنى الحقيقي أو
المجازي.
وإن اُريد به كثرة الاستعمال في معنى في موارد مختلفة، بحيث يحصل استعمالهفيه من
الكثرة بدرجة الشيوع لدى العرف العام، ففي مثل ذلك لا يبعد أن تكونعلامة على
الحقيقة، لأن كثرة الاستعمال إذا كانت مطردة في مختلف الموارد لامحالة تكشف عن
الوضع، إذ لا يحتمل عادة أن تكون تلك الإستعمالات الكثيرةكلها مجازاً ومع القرينة،
وإلاّ لم تطرد ولوقع التخلف في مورد لا محالة، فإذن يدورالأمر بين أن يكون جميع هذه
الإستعمالات الكثيرة في مختلف الموارد مجازاً، أويكون حقيقة. والأول غير محتمل
عادة، فيتعين الثاني.
والنكتة في ذلك أن عنصر اللفظ عنصر ثابت في جميع موارد الاستعمال،وعنصر القرينة غير
ثابت، وكثرة الاستعمال إذا كانت مطردة كانت قرينة علىأن الدلالة مستندة إلى اللفظ،
وإلاّ لم تطرد.
الثاني: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره وإليك نصه:
»إن مورد هاتين العلامتين )الاطراد وعدمه ( ما إذا اُطلق لفظ باعتبار معنىكلي على
كل فرد يقطع بعدم كونه من حيث الفردية من المعاني الحقيقية، لكنهيشك في أن ذلك
الكلي كذلك أو لا، فإذا وجد صحة الاطلاق مطرداً باعتبارذلك الكلي، كشف عن كونه من
المعاني الحقيقية، لأن صحة الاستعمال فيهوإطلاقه على افراده مطرداً، لابد من أن
تكون معلولة لأحد الأمرين: إما الوضعأو العلاقة. وحيث لا إطراد لأنواع العلائق
المصححة للتجوز، يثبت الإستنادإلى الوضع، فنفس الاطراد دليل على الحقيقة وإن لم
يعلم وجه الاستعمال علىالحقيقة، كما أن عدم الاطراد في غير مورد يكشف عن عدم الوضع
له، وإلاّ لزمتخلف المعلول عن العلة، لأن الوضع علة صحة الاستعمال مطرداً، وهذه
العلامةعلامة قطعية لو ثبت عدم اطراد علائق المجاز، كما هو المعروف والمشاهد في
جملةمن الموارد(27)» انتهى.
وملخصه: أن اطلاق اللفظ كلفظ الأسد على كل فرد من أفراد الحيوانالمفترس، مع العلم
بعدم كون الفرد بخصوصه من المعاني الحقيقية، لمّا كانمطرداً، كشف ذلك عن كون
الحيوان المفترس معنىً حقيقياً، واطلاقه على كلفرد من أفراد الشجاع حيث إنه لم يكن
مطرداً، باعتبار أنه يصح اطلاق هذااللفظ بإعتبار هذا المفهوم الكلي وهو الشجاع على
الانسان وعلى جملة منالحيوانات، ولا يصح اطلاقه على النملة الشجاعة مثلاً، فيكشف
عن كونه منالمعاني المجازية.
وقد أورد عليه السيد الأستادقدس سره بما حاصله: أن الاطراد كما لا يمكن أن يرادبه
تكرار الاستعمال في معنى، كذلك لا يمكن أن يراد به التكرار في التطبيق، أيتطبيق
المعنى على مصاديقه وأفراده، معللاً بأن انطباق الطبيعي على أفرادهوالكلي على
مصاديقه أمر عقلي، واجنبي عن الاستعمال بالكلية، فلا يعقل أنيكون المعنى كلياً،
ومع ذلك لا ينطبق على تمام أفراده ومصاديقه، ومن الواضحأنه لا فرق في ذلك بين
المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فكما أن انطباق الحيوانالمفترس على تمام أفراده
ومصاديقه قهري، فكذلك انطباق الرجل الشجاع علىتمام أفراده في الخارج. ولا يعقل فيه
عدم الاطراد والتخلف. نعم يختلف انطباقالمفهوم سعة وضيقاً باختلاف نفس المفهوم
كذلك، فإن المفهوم إذا كان وسيعاً كانالانطباق كذلك، وإذا كان ضيقاً كان الانطباق
كذلك. مثلاً مفهوم الانسان إذالاحظناه بما له من السعة والاطلاق، فلا محالة ينطبق
على جميع أفراده بشتىألوانها وأشكالها، وإذا لاحظناه بما له من الخصوصية كالعالمية
أو الهاشمية أوالعربية أو نحو ذلك، فلا يعقل انطباقه إلاّ على أفراد هذه الحصة
فحسب. ومنالمعلوم أن عدم الاطراد بهذا المعنى أو الاطراد أمر مشترك فيه بين المعنى
الحقيقيوالمعنى المجازي ويتبع سعة المعنى وضيقه. ومن هنا يظهر أن عدم اطراد
اطلاقلفظ الأسد على كل فرد من أفراد مفهوم الشجاع، إنما هو من أجل خصوصية فيلفظ
الأسد بما له من المعنى، فلذلك لا ينطبق إلاّ على أفراد حصة خاصة منمفهوم الشجاع.
ومن المعلوم أن اطلاقه على أفراد تلك الحصة مطرد(28)، هذا.
ولكن الظاهر أن مرادهقدس سره من الاطراد ليس الاطراد في التطبيق، كما فسره
بهالسيد الاُستاذقدس سره بل الاطراد في الاستعمال بلحاظ التطبيق، بقرينة أن
تطبيقالكلي على أفراده واطراده فيه أمر ضروري، بلا فرق بين أن يكون الكلي
معنىحقيقياً أو مجازياً، ولا يحتمل أن يكون ذلك علامة للحقيقة. وهذا بخلافاستعمال
اللفظ في الفرد بلحاظ تطبيق الكلي عليه، فإنه إن كان مطرداً،كشف عنكون الكلي معنى
حقيقياً له، وإن لم يكن مطرداً، كشف عن كونه معنى مجازياً له.مثلاً استعمال لفظ
الأسد في أفراد الحيوان المفترس ومصاديقه بلحاظ تطبيقهعليها مطرد، وأما استعماله
في أفراد معنى يكون مشابهاً للحيوان المفترس لايكون مطرداً، فالاول يكشف عن كون
الحيوان المفترس معنى حقيقياً له،والثاني يكشف عن كونه معنى مجازياً له بعلاقة
المشابهة، ومن هنا لا يكوناستعماله في أفراد الحيوان الشجاع مطرداً، فلو كان معناه
الموضوع له لكانمطرداً لا محالة.
فالنتيجة: أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره عليه فالظاهر أنه غير متجه.
ولكن مع ذلك ما أفادهقدس سره غير تام، وذلك لما تقدم من أن دلالة الألفاظ
علىالمعاني ليست ذاتية، وإنما هي مستندة إلى عامل خارجي، وهو أحد أمرين:
الأول: العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى.
الثاني: ما يناسب المعنى الموضوع له من المعاني في صفة من صفاته البارزة،وحيثية من
حيثياته الكاملة.
وحيث إن تلك المناسبة والعلاقة بينه وبين تلك المعاني تستتبع العلاقةوالمناسبة بين
اللفظ والمعاني المذكورة بالتبع، فلذلك تعطي اللفظ صلاحيةالدلالة عليها، وتصبح تلك
الدلالة فعلية مع القرينة الصارفة، فإذن مطلقعلاقة المشابهة لا تكون مصححة
للاستعمال، بل حصة خاصة منها، وهيالحصة التي تعطي للفظ صفة الصلاحية والإستعداد
للدلالة على المعنى المجازي،وعلى هذا فكما أن اطلاق اللفظ على كل فرد من أفراد
المعنى الحقيقي مطرد، ولايمكن التخلف وعدم الاطراد في شي من الموارد، فكذلك اطلاقه
على كل فرد منأفراد المعنى المجازي الذي تكون بينه وبين المعنى الحقيقي علاقة
ومناسبةمصححة للإطلاق والاستعمال، وأما إذا لم تكن بينه وبين المعنى الحقيقي
علاقةكذلك، وإن كانت بين بعض أفراده والمعنى الحقيقي علاقة مصححة له، فهوباطلاقه
وسعته ليس معنى مجازياً له، بل المعنى المجازي حينئذ حصة خاصة منه،والمفروض أن
الاطلاق بلحاظ تلك الحصة مطرد. ومن هنا ذكر المحققالخراسانيقدس سره أن هذا المعنى
من الاطراد موجود في المعاني المجازية أيضاً،شريطةأن يكون مصحح المجاز محفوظاً
فيها، وإلاّ فلا مجاز، لأن قوام اتصاف المعنىبالمجاز، إنما هو بوجود العلاقة
المصححة بينه وبين المعنى الحقيقي، وإلاّ فلايكونمتصفاً به(29).
الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المراد من الاطراد الكاشف عنالمعنى
الحقيقي، اطلاق لفظ خاص على معنى مخصوص، واستعماله فيه في مختلفالموارد مع إلغاء
جميع ما يحتمل أن يكون قرينة على إرادة المجاز، فإنه يكشف عنكونه معنىً حقيقياً
له، وهذه الطريقة طريقة عملية لتعليم اللغات الأجنبية، فإنمن جاء من بلدة إلى بلدة
اُخرى لا يعرف لغاتهم، فإذا أراد تعلمها اختار هذهالطريقة، وينظر إلى موارد
استعمالاتهم، فيرى أنهم يطلقون لفظاً ويريدون بهمعنى، ويطلقون لفظاً آخر ويريدون
به معنى آخر، وهكذا، ولكنه لايدري أنهذه الاطلاقات من الاطلاقات الحقيقية أو
المجازية، فإذا رأى أنهم يطلقون هذهالألفاظ ويريدون بها تلك المعاني في جميع
الموارد بشكل مطرد، حصل له العلمبأنها معاني حقيقية، لأن جواز الاستعمال معلول
لأحد أمرين: الأول الوضع،والثاني القرينة. وحيث فرض انتفاء القرينة من جهة الاطراد،
فلا محالة يكونمستنداً إلى الوضع بعد مالم تكن دلالة الألفاظ ذاتية(30).
ولكن غير خفي أن ما أفادهقدس سره من الطريقة وإن كانت طريقة عملية فيالخارج
لتعليم اللغات الأجنبية، إلاّ أن من يقوم بهذه العملية غالباً ليس نظره إلىتمييز
المعاني الحقيقية عن المعاني المجازية، بل نظره إلى تحصيل العلم بمواردالاستعمال،
أعم من أن يكون الاستعمال في المعاني الحقيقية، أو المعاني المجازية.هذا، إضافة إلى
أنهقدس سره إن أراد أن اطراد الاستعمال بما هو استعمال دليل علىالحقيقة، فيرد
عليه أن الاستعمال أعم من الحقيقة، فلا يكون أمارة عليها، فإنهكما يصح في المعنى
الحقيقي، كذلك يصح في المعنى المجازي.
وإن أراد به اطراد انسباقه وتبادره، فهو وإن كان علامة للحقيقة، إلاّ أن ذلكلا
يكون مستنداً إلى الاطراد بما هو، بل مستند إلى إطراد الانسباق والتبادر،وهذا معناه
الغاء علامية الاطراد بما هو.
فالنتيجة: أن مراد السيد الاُستاذقدس سره من ذلك، إن كان الاطراد التبادري، فهووإن
كان علامة على الحقيقة، إلاّ أنه ليس بملاك الاطراد بما هو، وإن
كانالاطرادالاستعمالي، فهو ليس بعلامة، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة،
ومشتركبينهما وبين المجاز.
إلى هنا قد تبين أن الاطراد بما هو إطراد ليس علامة للحقيقة.
نتائج هذا البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن علامية التبادر والانسباق الذهني لدى المستعلم غير
معقولة،لإستلزامهاالدور. ودفع الدور بأن التبادر إنما هو متوقف على العلم
الارتكازيفحسب، والمتوقف على التبادر انما هو العلم التفصيلي به، فإذن لا دور وإن
كانصحيحاً، إلاّ أن لازم ذلك الغاء علامية التبادر للوضع، لفرض أنه عالم
بهارتكازاً. ومن الواضح أن هذا العلم ليس ذاتياً له، بل لا محالة يكون مستنداً
إلىسبب كالتنصيص أو نحوه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه لا يعقل أن يتوسط شي بين العلم التفصيلي بالوضعوالعلم
الارتكازي به، لأن الثاني ينقلب إلى الأول بصرف التوجه والإستعلام،والبرهان ألاني
انما يتصور بين شيئين.
الثانية: أن علامية التبادر - على القول بأن حقيقة الوضع القرن الأكيد بينصورة
اللفظ وصورة المعنى في الذهن - وإن كانت ممكنة ولا تستلزم الدور، إلاّأن ذلك لا
يخرج عن مجرد الافتراض، كما تقدم.
الثالثة: أن تبادر العالم بالوضع لا يصلح أن يكون علامة للجاهل به إلاّبتكراره في
مختلف الموارد، أو بين العالمين بالوضع.
الرابعة: أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من افتراض علمين: أحدهما متوقفعلى
التبادر وفي طوله، والآخر مما يتوقف عليه التبادر، لا يرجع إلىمعنىمحصل، إذ
مضافاً إلى أن العلم الثاني لغو، إنه لا يمكن افتراض علمينتصديقيين بشيء واحد.
الخامسة: أن صحة الحمل سواء أكانت بالحمل الأولي الذاتي أم كانتبالحمل الشائع
الصناعي لا تصلح أن تكون علامة على الحقيقة، لأن الحمل إنكان أولياً، فهو يدل على
أن المحمول عين الموضوع، وأما كون المحمول معنىحقيقياً للفظ، فالحمل لا يدل عليه،
إلاّ بناءً على أن الأصل في الاستعمالالحقيقة.وإن كان شائعاً، دل على أن الموضوع
متحد مع المحمول في الخارج، وأماكون معنى المحمول معنى حقيقياً، فالحمل لا يدل
عليه.
السادسة: أن علامية صحة الحمل مستحيلة، لإستلزامها الدور، ولا يمكندفع الدور هنا
بالعلم الارتكازي.
السابعة: أن الاطراد بكل تفسيراته بما هو اطراد، لا يصلح أن يكون علامةعلى الوضع.
نعم اطراد التبادر والانسباق علامة له، لكن لا بملاك الاطراد، بلبملاك الاطراد
التبادري.
حقيقة الارادة الاستعمالية ...
السابع: حقيقة الارادة الاستعمالية
لا شبهة في أن عملية الاستعمال عملية اختيارية للمستعمل كسائر أعمالهالإختيارية
وتتبع قصده وإرادته، وأنها غير الدلالة التصورية، لأنها ليستباختيارية ولا تتبع
القصد والارادة، ومتمثلة في انتقال الذهن من تصور اللفظإلى تصور المعنى قهراً وإن
كان اللفظ صادراً عن لافظ بلا شعور واختيار.
ثم إن الارادة الاستعمالية تفسر بعدة تفسيرات:
الأول: أنها هي الارادة التفهيمية، يعني إرادة تفهيم المعنى واخطاره باللفظفعلاً.
وفيه: أنه لا ملازمة بين إرادة الاستعمال وإرادة تفهيم المعنى من اللفظ، إذالارادة
الاستعمالية قد تكون موجودة في موارد عدم إرادة تفهيم المعنى مناللفظ، كما في
موارد الإتيان بالألفاظ المشتركة في مقام الاستعمال، قاصداً بهاالاجمال وعدم إرادة
تفهيم معنى من معانيها، وفي هذه الحالة، الارادة الاستعماليةموجودة دون الارادة
التفهيمية.
الثاني: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةإيجاد
المعنى باللفظ إيجاداً تنزيلياً(31).
واُورد عليه: أن هذا التفسير مبني على ما بنى عليهقدس سره في باب الوضع من
أنهعبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، وحيث إن الاستعمال لابدأن
يكون تطبيقاً فعلياً لعملية الوضع، فلذلك لابد أن يكون عبارة عن جعلوجود اللفظ
وجوداً تنزيلياً للمعنى فعلاً(32).
وبكملة، إن عملية الوضع حيث كانت عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداًتنزيلياً للمعنى
بنحو القضية الحقيقية، ففعليتها لا محالة تكون بفعلية الاستعمال ،فإذن يكون
الاستعمال تفسيراً للوضع حرفياً، ولايمكن أن يكون مخالفاً له.
ولنا تعليق على ذلك.
أمّا أولاً: فقد تقدم في باب الوضع أن الغرض من تفسيره بالتنزيل هوالإشارة إلى أن
حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية جعلية، ولعل نظر المفسر في ذلكإلى أن مآل الوضع لباً
يرجع إلى ذلك لا أنه حقيقة الوضع، ولهذا ليس للتنزيل فيباب الوضع عين ولا أثر، ولا
يكون أمراً مركوزاً في ذهن الواضع.
وأمّا ثانياً: فلأن الاستعمال ليس تفسيراً حرفياً للوضع وتطبيقاً فعلياً له،وذلك
لأن كون الاستعمال كذلك مبني على أن يكون الوضع جهة تقييدية له،ولكن الأمر ليس
كذلك، إذ لا شبهة في أن الوضع جهة تعليلة له لا تقييدية، علىأساس أنه يعطي اللفظ
صفة الصلاحية للدلالة على المعنى والحكاية عنه، وهذهالصفة تصبح فعلية بفعلية
الاستعمال، فإذن يدور الاستعمال مدار هذه الصلاحيةوجوداً وعدماً. نعم يكون الوضع
سبباً لها وعلة، وعليه فلا مبرر لأن يكونالاستعمال تطبيقاً فعلياً للوضع، بل هو
تطبيق فعلي للصلاحية المذكورة.
ولا فرق في ذلك بين تفسير الوضع بالتنزيل أو بغيره، فإنه على جميع التفاسيرجهة
تعليلية للاستعمال لاتقييدية له، وعلة لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنىوالحكاية
عنه. ومن هنا يكون استخدام الألفاظ في باب الاستعمال كوسيلةحكائية و أداة لنقل
المعاني والأفكار إلى الآخرين، ويكون حالها من هذهالناحية حال الوسائل والأساليب
البدائية التي استخدمها الانسان كوسيلة وأداةمنذ نشوئه على وجه الكرة لنقل المعاني
إلى الآخرين، كالإشارات وتقليدالأصوات وإراءة الصور ونحوها، وحيث إنها لا تكفي بعد
تطور الانسان فكرياًواجتماعياً، قام باستخدام الوسائل التي هي أكثر تطوراً وأوسع
شمولاً وأدقتنظيماً وهي الألفاظ، فإذن ليست الألفاظ إلاّ وسائل حكائية عما في
نفسالانسان من المعاني والأفكار للآخرين، واستعمالها ليس إلاّ استخدام تلكالوسائل
والأساليب. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الوضع بمعنى التنزيل أوبمعنى آخر، فإنه على
كلا التقديرين ليس الاستعمال تفسيراً حرفياً للوضع، بلهو تفسير لصلاحية اللفظ
للدلالة على المعنى الناشئة من الوضع.
فالنتيجة: أن الوضع وإن كان عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياًلوجود المعنى،
إلاّ أن الارادة الاستعمالية ليست إرادة إيجاد المعنى باللفظ ايجاداًتنزيلياً
فعلاً، إلاّ بناءً على افتراض كون الوضع جهة تقييدية. ولكن قد مرّ أنه لاريب في
كونه جهة تعليلية ومصححاً للاستعمال. نعم على القول بالتعهد يكونالاستعمال تطبيقاً
فعلياً له حرفياً، على أساس أن الوضع على ضوء هذا القولجهة تقييدية للاستعمال لا
تعليلية.
هذا إضافة إلى أن إرادة إيجاد المعنى باللفظ فعلاً مساوق لإرادة تفهيمه. وقدمر أن
الارادة الاستعمالية غير الارادة التفهيمية.
الثالث: ما يظهر من السيد الاُستاذقدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي
إرادةالتلفظ بلفظ خاص عند إرادة تفهيم معناه، على أساس ما بنى عليهقدس سره من
أنكلمستعمل متعهد بأنه متى ما تلفظ بلفظ خاص أراد تفهيم معنى مخصوص.وعليه فبطبيعة
الحال تتمثل الارادة الاستعمالية في إرادة التلفظ بلفظ خاص عندإرادة تفهيم
المعنى(33).
ولكن قد تقدم أن المبنى غير صحيح، وأما على تقدير صحته فالأمر كماأفادهقدس سره.
الرابع: أن الارادة الاستعمالية عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ.
وفيه: أن مطلق إرادة التلفظ باللفظ لا تكون من الارادة الاستعمالية، فإنهاحصة خاصة
من إرادة التلفظ باللفظ، وهي ما إذا كان التلفظ باللفظ بملاك أنهوسيلة حكائية عن
المعنى وأداة لنقل الأفكار إلى الآخرين. وأما إذا كان التلفظباللفظ بعنوان التلقين
أو الإمتحان أو بما هو صوت أو ما شاكل ذلك، فلا تكونإرادته من الارادة
الاستعمالية.
الخامس: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةافناء
اللفظ في المعنى، فكأن المتكلم لا يلقي إلى المخاطب إلاّ معناه، والمخاطب لايتلقى
منه إلاّ المعنى(34).
وفيه أولاً: أن هذا تفسير للاستعمال لا للإرادة الاستعمالية. والكلام في
المقامإنما هو في تفسير الارادة الاستعمالية، لا في تفسير الاستعمال.
وثانياً: أنه إن اُريد من افناء اللفظ في المعنى، أن لحاظ آلية اللفظ ومرآتيتهمن
مقومات الاستعمال، فيرد عليه أن الأمر ليس كذلك، كما سوف نشير إليه.وإن اُريد منه
أن اللفظ بما أنه وسيلة حكائية وأداة لنقل المعاني، فطبع المطلبيقتضي أن يكون
النظر إليه آلياً، كما هو الحال في كل شي استعمل كوسيلةحكائية وأداة فهو صحيح، ولكن
الآلية بهذا المعنى ليست من مقوماتالاستعمال، كما سيأتي توضيح ذلك في ضمن البحوث
القادمة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هذه التفسيرات للإرادةالاستعمالية
بأجمعها غير صحيحة.
فالصحيح أن الارادة الاستعمالية هي إرادة المتكلم والتلفظ بلفظ بما أنهوسيلةحكائية
شأناً، وأداة لنقل المعانيكذلك، لا بما هو صوت لفظي، أو مجردلقلقة اللسان.
حقيقة الاستعمال ...
ثم إن الارادة الاستعمالية تفترق عن الارادة التفهيمية في نقطة، وهي أنمتعلق
الاُولى ايجاد الوسيلة الحكائية، وأداة نقل المعاني شأناً وذاتاً ومتعلقالثانية
تفهيم المعنى واخطاره في ذهن المخاطب فعلاً، ولهذا من أتى بالألفاظالمشتركة وكان في
مقامالاجمال، فالارادة الاستعمالية موجودة دون الارادةالتفهيمية. وأما إذا أراد
تفهيم المعنى من اللفظ واخطاره في ذهن المخاطب، فإنكان جاداً في ذلك فمضافاً إلى
وجود الارادة الاستعمالية والتفهيمية، فالارادةالجدية أيضاً موجودة، وإن لم يكن
جاداً، فالاُوليان موجودتان دون الثالثة.
حقيقة الاستعمال
هل تكون حقيقة الاستعمال من باب الآلية والمرآتية، أو من باب العلامية؟
فهنا قولان: فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني.
وقد أفاد في وجه ذلك: أن الاستعمال تطبيق للوضع، فإن كان الوضع بمعنىالتعهد - كما
هو الصحيح - فالاستعمال ليس إلاّ فعلية ذلك التعهد، لأن الواضعتعهد بالنطق بلفظ
خاص عند إرادة تفهيم معنى مخصوص بنحو القضية الحقيقيةالتي يكون الموضوع فيها مفروض
الوجود، وحينئذ فإذا أراد تفهيم ذلك المعنىالمخصوص جعل اللفظ المذكور مبرزاً له،
وعلامة عليه، لأن الوضع بهذا المعنى لايتطلب أكثر من ذلك. وأما فناء اللفظ في
المعنى وجعله مرآةً له، فلا يكون منمتطلبات الوضع. وكذلك الحال إذا كان الوضع
بمعنى اعتبار الملازمة بين طبيعياللفظ والمعنى، فإنه لا يقتضي أكثر من جعل اللفظ
علامة على المعنى ودالاً عليه،وأما الفناء والمرآتية فلا. نعم على القول بتفسير
الوضع، بجعل وجود اللفظوجوداً تنزيلياً للمعنى، كان يقتضي في مقام التطبيق أي مقام
الاستعمال جعلوجود اللفظ مرآة للمعنى،بحيث لا يرى الا المعنى(35). هذا،
وحري بنا أن نتكلم هنا في مقامين:
الأول: بناءً على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن الدلالة الوضعية
دلالةتصديقية على جميع المسالك في باب الوضع، وتقوم على أساس الملازمةالتصديقية بين
اللفظ وإرادة المعنى(36).
الثاني: بناءً على مسلك المشهور من أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية تقومعلى أساس
التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى.
أمّا الكلام في المقام الأول فهل ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن
الاستعمالتطبيق فعلي للوضع المجعول بنحو القضية الحقيقية صحيح أو لا؟
والجواب: الظاهر أنه صحيح، أما على القول بالتعهد فهو واضح، علىأساس أن كل مستعمل
على ضوء هذا القول واضع ويقوم بتطبيق التعهد فيالخارج عملاً حرفياً.
وأما على القول بالاعتبار، فحيث إن العلقة الوضعية على هذا القول مختصة بماإذا أراد
المتكلم تفهيم المعنى، فحينئذ إن أراد المستعمل في مرحلة الاستعمال تفهيمالمعنى من
اللفظ، كان الاستعمال تطبيقاً عملياً للوضع الكلي حرفياً، وأما إذا لميرد المستعمل
في هذه المرحلة تفهيم المعنى منه، فلا يكون استعماله تطبيقاً فعلياًللوضع، حيث إنه
لا وضع في هذه الصورة، ويكون الاستعمال فيها بدون العلقةالوضعية، لاختصاصها بما إذا
اُريد تفهيم المعنى لا مطلقاً، وحينئذ ففي هذه الحالةلابد أن يكون الاستعمال
تطبيقاً فعلياً للوضع حرفياً، وإلاّ لم يصح الاستعمال.
وكذلك الحال إذا خص الواضع العلقة الوضعية بما إذا لوحظ اللفظ آلياً للمعنىوفانياً
فيه، إذ على هذا فالعلقة الوضعية مختصة بحصة خاصة من اللفظ، وهي ماإذا لوحظ آلياً
ومرآة للمعنى لا مطلقاً، وعلى هذا فإذا استعمل المستعمل اللفظ فيالمعنى ، وحينئذ
فإن إعتبره مرآة لمعناه وفانياً فيه، كان تطبيقاً فعلياً للوضعحرفياً، لفرض
اختصاصه بهذه الحالة. وأما إذا لم يعتبره مرآة له وفانياً فيه، فلايكون تطبيقاً
فعلياً للوضع كذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع باعتبار أنه لاوضع في هذه
الحالة، ويكون الاستعمال فيها استعمالاً بدون العلقة الوضعية،وهوباطل.
فالنتيجة: أن ما أفادهقدس سره من أن الاستعمال تطبيق فعلي للوضع المجعول بنحوالكلي
متين على ضوء ما بنى عليهقدس سره من اختصاص العلقة الوضعية بحالةتصديقية خاصة،
وعلى هذا فإن كان الاستعمال مطابقاً لتلك الحالة كان تطبيقاًفعلياً لها، وإلاّ كان
بدون العلقة الوضعية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، هل حقيقة الاستعمال على ضوء هذا المسلك متمثلة فيالعلامية، أو في
المرآتية؟
والجواب: قد ظهر مما تقدم أن حقيقة الوضع إن كانت عبارة عن جعل اللفظمرآة للمعنى
ووجوداً تنزيلياً له، فالاستعمال لابد أن يكون متقوماً بلحاظالمرآتية، باعتبار أن
فعلية الوضع المجعول على هذا المسلك إنما هي بفعليةالاستعمال كما مر.
وأما إذا كانت حقيقة الوضع التعهد والالتزام، أو اعتبار الملازمة بين اللفظوالمعنى
في حالة خاصة، فهل الاستعمال يتطلب لحاظ اللفظ آلياً؟
والجواب: أنه يتطلب ذلك بطبعه لا أنه من مقوماته، باعتبار أن استخداماللفظ سواء
أكان في مرحلة المدلول التصوري، أم كان في مرحلة المدلولالتصديقي، إنما هو على
أساس أنه وسيلة حكائية عن الواقع وأداة آلية. ومن هنايكون توجه المتكلم منصباً على
المعنى واللفظ مغفول عنه، فيكون حاله من هذهالناحية حال الأدوات الخارجية، كالقلم
الذي هو آلة للكتابة والمنشار الذي هوآلة للنجارة وهكذا، فالكاتب حين الكتابة يكون
تمام توجهه منصباً علىخصوصيات الكتابة دون خصوصيات القلم، فإنها مغفول عنها.
وبكملة، إن علاقة اللفظ بالمعنى على أساس هذا المسلك وإن كانت تصديقيةكعلاقة
العلامة بذيها، إلاّ أنها مع ذلك لا تؤثر ولا تجعله مصباً للتوجه
واللحاظالإستقلالي، باعتبار أن استخدام اللفظ في مقام الاستعمال يختلف عن
استخدامالعلامة في مواضعها، فإن استخدام اللفظ في هذا المقام طبعاً إنما هو بعنوان
أنهوسيلة حكائية وأداة للتفهيم كالأدوات الخارجية، بينما يكون استخدام العلامةإنما
هو بعنوان أنها موجودة مستقلة ذات طابع العلامية.
فالنتيجة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن حقيقة الاستعمال متمثلة
فيعلامية اللفظ لا آليته ومرآتيته لا يتم.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو الكلام مع البناء على أن الدلالة الوضعيةدلالة
تصورية كما هو الصحيح، فلا يكون الاستعمال فيه تطبيقاً عملياً للوضعالمجعول بنحو
الكلي، لأن ذلك مبني على أن المقصود من اعتبار الواضع وجعلهاللفظ مرآة للمعنى تحقق
المعتبر بهذا الاعتبار، والمفروض أن المعتبر بهذاالاعتبار حصة خاصة من العلقة
الوضعية، وهي المختصة بما إذا لوحظ اللفظ مرآةللمعنى، وفعلية المعتبر والمجعول
بالاعتبار الوضعي إنما هي بفعلية الاستعمال،وعلى هذا فالاستعمال تطبيق فعلي للوضع
المجعول بنحو القضية الحقيقية، وإلاّلكان الاستعمال بدون وضع، كما إذا استعمل اللفظ
للوضع بدون جعله مرآةللمعنى، فإنه استعمال بدون العلقة الوضعية، ويكون باطلاً.
ولكن هذا المبنى غير صحيح، لأن المقصود من اعتبار الواضع اللفظ مرآةللمعنى ليس تحقق
المعتبر بهذا الاعتبار، كما هو الحال في الاعتبارات الشرعية،بل المقصود منه سببية
هذا الاعتبار لإيجاد التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنىتكويناً، إذ لو كان
المقصود تحقق المعتبر به دون إيجاد الملازمة بينهما تكويناً،لميترتب عليه أثر
طالما لم توجد الملازمة بينهما، فمن أجل ذلك لا يمكن أن يكونالمقصود من الاعتبار
الوضعي تحقق المعتبر بهذا الاعتبار، حيث لا يترتب عليهأي أثر، مالم تترتب عليه
ثبوت الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى تكويناً.
هذا إضافة إلى أن المقصود لو كان تحقق المعتبر بهذا الاعتبار لكانت الدلالةالوضعية
دلالة تصديقية، مع أن الأمر ليس كذلك.
والخلاصة: أنه لا شبهة في أن الغرض من الاعتبار الوضعي سببية هذاالاعتبار لإيجاد
الملازمة بين صورة اللفظ وصورة المعنى، وإلاّ فلا أثر للمعتبربهذا الاعتبار لا
شرعاً ولا عرفاً طالما لم تتحقق الملازمة بينهما، فإذا تحققت فهيمنشأ صحة
الاستعمال، سواء أجعل اللفظ في حال الاستعمال مرآة للمعنى أم لا،فإذن المعيار إنما
هو بهذه الملازمة التي هي نتيجة الوضع تكويناً، لا بكيفية اعتبارالواضع وجعله، ومن
ذلك يظهر أن صحة الاستعمال تدور مدار وجود الملازمةبينهما وعدم وجودها، لا مدار
أنها تطبيق فعلي للوضع.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن حقيقة الاستعمالليستجعل اللفظ
علامة على المعنى حتى على القول بأن الدلالة الوضعيةدلالةتصديقية.
والصحيح أن حقيقة الاستعمال تمثل لحاظ اللفظ آلة للمعنى ومرآة له طبعاً،بدون أن
يكون ذلك اللحاظ من مقوماته، ومن هنا يكون بإمكان كل منالمستعمل والسامع أن ينظر
إلى اللفظ بما له من الخصوصية كنظرته إلى المعنى،بأن يكون نظره منصباً إلى كل
منهما، لا إلى خصوص المعنى، ولكن ذلك بحاجةإلى عناية زائدة، وإلاّ فطبع المطلب
يقتضي كون النظر منصباً إلى المعنى دوناللفظ، فيكون اللفظ بما له من الخصوصية
مغفول عنه.
والنكتة في ذلك أن استخدام الألفاظ لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين انماهو
كوسيلة حكائية بديلاً عن الوسائل الطبيعية البدائية، كالإشارات وتقليدالأصوات
وإراءة الصور، على أساس أن الانسان لما تطور فكرياً واجتماعياًوتطور نمط حياته
وأصبح أكثر عمقاً وسعة، لم يكف استخدام الوسائل البدائيةالمسماة بالمنبهات
التكوينية، فلذلك التجأ إلى استخدام الوسائل الأكثر تطوراًوسعةً بديلاً عنها وهي
متمثلة في الألفاظ، باعتبار أنها أكثر دقة وعمقاً وأوسعاستيعاباً وشمولاً، ومن
الواضح أن استخدامها ليس إلاّ على أنها وسيلة حكائيةوأداة لنقل المعاني واحضارها،
وحيث إن الغرض مترتب على احضار المعاني،فتمام النظر منصب على احضارها والحكاية عنها
دون نفس الوسائل، فإن النظرإليها طبعاً يكون بالتبع، وبعنوان الوسيلة للوصول بها
إلى ما هو المقصود ومحطالنظر لا بعنوان الموضوعية، ولهذا تكون خصوصياتها مغفولاً
عنها غالباً وإنكانت مرتكزة فيالذهن، فتكون حالها من هذه الناحية حال الأدوات
الخارجية.
وبكملة، إن طبع الاستعمال يتطلب أن يكون نظر المستعمل إلى اللفظ آلياًوكذا نظر
السامع، باعتبار أنه استخدمه كوسيلة وأداة لنقل المعاني والأفكار،فتكون آلية النظر
إليه أمر يقتضيه طبع المطلب، كما هو شأن كل أداة نشأت العادةعلى استعمالها لأغراض
معينة، ولكن ذلك لا يمنع من توجه المتكلم أو السامع إلىاللفظ بتمام خصوصياته
مستقلاً، كما كان يتوجه إلى المعنى كذلك.
بيان ذلك: أن توجه المتكلم عادة منصبّ على المعنى، ولا سيما في
المكالماتالاعتيادية وكذلك السامع. نعم قد تكون هناك عناية تتطلب التوجه إلى
اللفظأيضاً، كما إذا كان المتكلم في مقام إلقاء كلمة، وأراد إلقاءها بجمل
منسقةومنتظمة وعبارات بليغة وفصيحة، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال كان يتوجه إلى مايصدر
منه من ألفاظ وجمل بما لها من خصوصيات ومزايا، وكذلك إذا ألقى شعراًوأراد أن يكون
شعره مميزاً لفظاً ومعنى.
ودعوى أن النفس بسيطة، فلا يعقل أن تتوجه إلى شيئين مستقلين في عرضواحد، مدفوعة
بأن ذلك لا ينافي بساطتها بالوجدان، ولهذا تدرك النفسوجداناً القضية بتمام عناصرها
من الموضوع والمحمول والنسبة بينهما في آن واحدمستقلاً، وليس معنى بساطتها أنها لا
تتوجه إلاّ إلى شي واحد، بل معنىبساطتها أنها ليست مركبة من جزءين أو أكثر، ومن
هذا القبيل السامع، فإنتوجهه عادة منصب على المعنى، واللفظ مغفول عنه، ولكنه قد
يتوجه إليه أيضاًبما له من الخصوصية.
إلى هنا قد اتضح اُمور:
الأول: أن لحاظ اللفظ آلياً ومرآتياً في مقام عملية الاستعمال ليس منمقوماتها، فإن
العنصر المقوم لهذه العملية هو استخدام اللفظ فيها كوسيلةحكائية عن المعنى، وأداة
لإحضاره وإن كان ملحوظاً فيها مستقلاً، فإن لحاظهاستقلالاً في العملية لا ينافي
آليته واستعداده كوسيلة للحكاية في نفسه.
الثاني: أن مرآتية اللفظ للمعنى ليست كمرآتية العنوان للمعنون،وذلكلأمرين:
أحدهما: أن مرآتية اللفظ للمعنى بالجعل والمواضعة، بينما تكون مرآتيةالعنوان
لمعنونه بالذات.
والآخر: أن مرآتية اللفظ للمعنى ليست بمعنى أنه عينه بوجه، بل بمعنى أنهوسيلة
حاكية عنه، وأداة لاحضاره في الذهن،بينما تكون مرآتية العنوان لمعنونهبنحو العينية
بوجه من الوجوه.
الثالث: أن انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى يمتاز عن انتقال الذهن منالعلامة إلى
ذيها، فإنه في الأول تصوري على أساس التلازم بينهما ذهناً، بناءً علىما هو الصحيح
من أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، بينما هو في الثاني تصديقي،ولا يكفي تصورها
للتصديق بذيها، لأن التصديق بأحد المتلازمين يتوقف علىالتصديق بالآخر، فطالما لم
يتحول تصورها إلى التصديق بوجودها في الخارج لميحصل التصديق بذيها.
الرابع: أن آلية اللفظ للمعنى ليست بمعنى فنائه فيه، وجعله كأنه هو المعنى،وذلك لأن
هذا الجعل حقيقة غير معقول، باعتبار أن وجود اللفظ مباين لوجودالمعنى، فكيف يعقل
فناؤه واندكاكه فيه، وأما اعتباراً فهو يتوقف على تحققأمرين: أحدهما امكان ترتب
أثر المعنى على اللفظ. والآخر أن يكون هذاالاعتبار مولوياً. ولكن شي من الأمرين غير
متحقق، فلهذا لا معنى لاعتباراللفظ فانياً في المعنى الموضوع له.
بقي هنا شيء وهو أنه لا شبهة في أن الوضع حيثية تعليلية لا تقييدية، فإنهيوجب
حدوث العلاقة بين اللفظ الموضوع والمعنى الموضوع له مباشرة، وهذهالعلاقة تعطي للفظ
صفة الصلاحية للحكاية عن المعنى والدلالة عليه، فإذنتكون نسبة الوضع إلى دلالة
اللفظ على المعنى نسبة العلة إلى المعلول.
وأما العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المصححة لاستعمال اللفظ فيه،فقد
يقال إنها حيثية تقييدية ويكون استحضارها وملاحظتها من شروطالاستعمال، كاستحضار
اللفظ والمعنى.
ولكن الصحيح أنها حيثية تعليلية على أساس أن العلاقة بين المعنى الحقيقيوالمعنى
المجازي هي التي تستتبع العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي بالتبع، وهذهالعلاقة هي
التي تعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة على المعنى المجازي والحكايةعنه مباشرة، فيكون
دور العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي دور العلية،باعتبار أنها تعطي
صلاحية الدلالة للفظ كالوضع، فإذا فرض وضع لفظ بإزاءمعنى، فإنه كما يحدث علاقة بين
اللفظ والمعنى الموضوع له مباشرة، كذلك يحدثعلاقة بينه وبين كل معنى مشابه للمعنى
الموضوع له تبعاً وبالواسطة، ويعبر عنهذه العلاقة بالوضع التبعي، فالعلاقة الاُولى
مصححة لاستعمال اللفظ في المعنىالحقيقي، والثانية مصححة لاستعماله في المعنى
المجازي.
فالنتيجة: أن العلاقة المصححة لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي حيثيةتعليلية
كالوضع، ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
نتيجة هذا البحث تتمثل في اُمور:
الأول: أن الارادة الاستعمالية هي إرادة التلفظ باللفظ الصالح للدلالةوالحكاية عن
المعنى، سواء أراد تفهيمه فعلاً أم لا، فإذا أتى المتكلم باللفظالمشترك بدون نصب
قرينة على تعيين أحد معنييه، فالارادة الاستعماليةموجودة دون الارادة التفهيمية.
الثاني: أن ما قيل من أن الارادة الاستعمالية هي إرادة إيجاد المعنى باللفظتنزيلاً،
لا يرجع إلى معنى محصل، لأنه مبني على تفسير الوضع بجعلوجوداللفظ وجوداً تنزيلياً
للمعنى. ولكن تقدم أنه على تقدير صحة المبنىفالبناء غير صحيح.
الثالث: أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي
إرادةافناء اللفظ في المعنى لا يتم. فإنه مضافاً إلى أن ذلك تفسير للاستعمال لا
للإرادةالاستعمالية، لا يمكن تفسير الارادة الاستعمالية بذلك كما تقدم.
الرابع: أن حقيقة الاستعمال متمثلة في استخدام اللفظ كوسيلة حكائية عنالمعنى وأداة
لإحضاره في ذهن السامع لا كعلامة لذيها، ومن هنا يقتضي طبعالاستعمال لحاظ اللفظ
آلياً ومرآة للمعنى، بحيث يكون التوجه منصباً عليه،
پاورقي
1) كفاية الاُصول : 35.
2) كفاية الاُصول : 35.
3) كفاية الاُصول: 35.
4) محاضرات في اُصول الفقه 199 :1.
5) بحوث في علم الاُصول 114 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 119 :1.
7) محاضرات في اُصول الفقه 93 :1.
8) كفاية الاُصول :13.
9) بحوث في علم الاُصول 122 :1.
10) بحوث في علم الاُصول 125 :1.
11) كفاية الاُصول: 14.
12) تقدم في ص 134.
13) كفاية الاُصول: 14.
14) نهاية الدراية 65:1.
15) بحوث في علم الاُصول 145 :1.
16) نهاية الدراية 65 :1.
17) محاضرات في اُصول الفقه 98 :1.
18) راجع كفاية الاُصول : 14.
19) محاضرات في اُصول الفقه 100 :1.
20) محاضرات في اُصول الفقه 100 :1.
21) بحوث في علم الاُصول 165 :1.
22) كفاية الاُصول: 18.
23) نهاية الدراية 78 :1.
24) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 164 :1.
25) نهاية الدراية 82 :1.
26) راجع كفاية الاُصول: 20.
27) نهاية الدراية 84 :1.
28) محاضرات في اُصول الفقه 122 :1.
29) كفاية الاُصول :20.
30) محاضرات في اُصول الفقه 124 :1.
31) نهاية الدراية 70 :1.
32) بحوث في علم الاُصول 132 :1.
33) محاضرات في اُصول الفقه 45 :1.
34) كفاية الاُصول: 36.
35) محاضرات في اُصول الفقه 207 :1.
36) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
.
...........................................................
...المباحث الاُصولية / ج 1
...
واللفظ مغفول عنه عادة.
الخامس: أن لحاظ الآلية والمرآتية للفظ ليست من مقومات الاستعمال، إذبإمكان كل من
المتكلم والسامع أن يتوجه إلى اللفظ وإلى المعنى توجهاً مستقلاً.نعم، الذي يكون من
مقوماته استخدام اللفظ كوسيلة وأداة لإحضار المعنى.
السادس: أن الدلالة الوضعية لو كانت دلالة تصديقية تطلّب الوضع كونالاستعمال
تطبيقاً فعلياً له، وإلاّ لكان الاستعمال بدون العلقة الوضعية. وإن كانتالدلالة
الوضعية دلالة تصورية لم يتطلب الوضع ذلك، فإن الاستعمال حينئذيدور مدار الملازمة
بين تصور اللفظ وتصور المعنى الحادثة بالوضع.
السابع: أن الوضع حيثية تعليلية بحتة، ويمنح اللفظ صلاحية الدلالةوالحكاية عن
المعنى، وكذلك العلاقة المصححة لإستعمال اللفظ في المعنى المجازيفإنها حيثيّة
تعليلية لا تقييدية، وتمنح اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي.
استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ...
الثامن: استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد
محل النزاع في هذه المسألة ما إذا كان كل من المعنيين متعلقاً للإرادةالاستعمالية
استقلالاً، وأما إرادة مجموع المعنيين، أو إرادة كل منهما في ضمنإرادة الجامع
بينهما، فهي خارجة عن محل الكلام. فإنه من استعمال اللفظ فيمعنى واحد.
وبعد ذلك يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في امكان استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى واحد.
الثاني: في امكان استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى.
أمّا الكلام في المقام الأول فيقع في موردين:
الأول: في جواز استعمال اللفظ في معنيين أو أكثر.
الثاني: على تقدير جوازه، فهل هذا الاستعمال يكون بنحو الحقيقة أو المجاز؟
أمّا الكلام في المورد الأول: فقد ذهب جماعة من الاُصوليين إلى استحالةاستعمال
اللفظ في أكثر من معنى واحد. واستدل على ذلك بعدة وجوه.
الوجه الأول: ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره، وإليك نصّه:
»إن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إن وجود اللفظفي الخارج
وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ووجود لطبيعي المعنى بالجعلوالمواضعة والتنزيل، لا
بالذات، إذ لا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداًلماهيتين بالذات، كما هو واضح، وحيث إن
الموجود الخارجي بالذات واحد، فلإ؛8خخ امجال لأن يقال بأن وجود اللفظ وجود لهذا
المعنى خارجاً، ووجود آخر لمعنىآخر، حيث لا وجود آخر كي ينسب إلى الآخر بالتنزيل،
وليس الاستعمال إلاّإيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، وقد عرفت أن الإيجاد
والوجودمتحدان بالذات، وحيث إن الوجود واحد فكذا الإيجاد.
وبالجملة الاستقلال في الإيجاد التنزيلي كما هو معنى الاستعمال الذي هو محلالكلام،
يقتضي الاستقلال في الوجود التنزيلي، وليس الوجود التنزيلي إلاّوجود اللفظ حقيقة،
فالتفرد بالوجود التنزيلي والإختصاص به يقتضي التفردبالوجود الحقيقي، وإلاّ لكان
وجوداً تنزيلياً لهما معاً، لا لكلٍ منفرداً،فتدبرجيداً«(1).
ما ذكرهقدس سره يرجع إلى أمور:
الأول: أن الوجود الحقيقي واحد، وهو وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ولايمكن أن يكون ذلك
الوجود الواحد وجوداً لماهيتين متباينتين بالذات.
الثاني: أن الوجود الواحد لا يمكن أن يكون وجوداً تنزيلياً لهذا المعنى،ووجوداً
تنزيلياً لمعنى آخر، لفرض أنه ليس هنا وجود آخر، لكي ينسب إلىالمعنى الآخر
بالتنزيل.
وبكلمة، إن الوجود اللفظي الحقيقي في المقام واحد، وهذا الوجود الواحدوجود تنزيلي
لهذا المعنى، ولا يعقل حينئذ أن يكون وجوداً تنزيلياً لمعنى آخر،باعتبار أنه عين
الوجود التنزيلي، فتعدده يستلزم تعدده، وهو خلف.
الثالث: أن الاستعمال عين ايجاد المعنى بالوجود اللفظي مستقلاً، والاستقلالفي
الإيجاد التنزيلي يقتضي الاستقلال في الوجود التنزيلي، لأن الإيجاد عينالوجود،
والاستقلال بالوجود التنزيلي يقتضي الاستقلال بالوجود اللفظيالحقيقي، لأن الوجود
التنزيلي للمعنى عين الوجود الحقيقي للفظ، فالاستقلال فيأحدهما مساوق للاستقلال
بالآخر.
ولنأخذ بالنظر إلى هذه الأمور:
أمّا الأمر الأول فهو واضح، بداهة أن الوجود الواحد لا يمكن أن يكونوجوداً بالذات
لاثنين.
وأما الثاني فيرد عليه أن تعدد وجود المنزل عليه بوجود اعتباري في عالمالاعتبار
والتنزيل الذي لا واقع موضوعي له، لا يستلزم تعدد وجود المنزلبوجود حقيقي في عالم
الواقع والخارج، إذ لا مانع من تنزيل شيء واحد منزلةأشياء متعددة وبتنزيلات عديدة،
ولا يتطلب ذلك وجوداً حقيقياً آخر لينزلمنزلة شيء آخر، وهكذا.
وبكلمة، إن تعدد الوجود التنزيلي للفظ، لا يستلزم تعدد وجوده الحقيقي،لأن الوجود
التنزيلي وجود اعتباري، فيكون موطنه عالم الاعتبار والتنزيل،وأما الوجود الحقيقي
فهو وجود واقعي، فيكون موطنه عالم العين والخارج،والأول أمره بيد المعتبر نفياً
وإثباتاً، ولا واقع له ماعدا اعتبار المعتبر القائم بهمباشرة، ولهذا يتحقق بنفس
اعتباره، والثاني أمر تكويني خارجي وتابع لعللهالتكوينية. وعلى هذا الأساس،
فالوجود اللفظي الحقيقي وإن كان واحداً، إلاّ أنهلا مانع من اعتبار ذلك الوجود
الواحد وجوداتٍ اعتبارية تنزيلية، باعتباراتوتنزيلات متعددة، باعتبار أن تلك
الوجودات بيد المعتبر نفياً وإثباتاً قلةوكثرة، وعليه فلا مانع من تنزيل وجود اللفظ
منزلة هذا المعنى، وتنزيل وجودهمنزلة المعنى الآخر وهكذا، لأن تعدد الوجود
الاعتباري التنزيلي لا يستلزمتعدد الوجود الحقيقي، لعدم صلة بين الأمرين. فإن تعدد
الوجود الاعتباريالتنزيلي بيد المعتبر دون الوجود الحقيقي.
فما ذكرهقدس سره من أن الوجود التنزيلي عين الوجود الحقيقي، وتعدده يستلزمتعدده،
لا يرجع إلى معنى محصل، لأن الوجود التنزيلي اعتباري، فكيف يعقلأن يكون عين الوجود
الحقيقي؟ وكيف يعقل أيضاً أن يستلزم تعدده تعددالوجود الحقيقي؟ ومن هنا يحتمل قوياً
أن يكون مرادهقدس سره من إيجاد المعنى باللفظفناء وجود اللفظ في وجود المعنى، أو
جعل وجوده مرآة لوجود المعنى، وهذامستحيل، إذ لا يمكن فناء وجود اللفظ الواحد في
معنيين مستقلين، وكذلكجعله مرآة لكل منهما في عرض الآخر بنحو الاستقلال، ولكن ذلك
أيضاً غيرصحيح، أما كون حقيقة الاستعمال فناء وجود اللفظ في وجود المعنى فقد
تقدمأنه لا يرجع إلى معنى محصل. وأما كون حقيقته جعل اللفظ مرآة للمعنى فقد مرأن
لحاظ الآلية والمرآتية ليس من مقومات الاستعمال، وإن كان طبع المطلبيقتضي ذلك.
فالنتيجة: أن مرادهقدس سره سواء أكان الفرض الأول، أم كان الفرض الثاني، فهوغير
تام.
وأما الثالث فيرد عليه أنه إن اُريد بكون حقيقة الاستعمال ايجاد المعنى باللفظجعل
وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى فقد تقدم أنه لا مانع من جعل وجوداللفظ وجوداً
تنزيلياً لأكثر من معنى واحد، ولا يلزم منه أي محذور، إذ تعددالوجود التنزيلي
الاعتباري لا يستلزم تعدد الوجود الحقيقي، لعدم صلة بينهمامن هذه الناحية كما مر.
وإن اُريد بذلك كون اللفظ مرآة للمعنى وأداة لإحضاره فقد تقدم أنلحاظاللفظ آلياً
ومرآتياً ليس من مقومات الاستعمال وإن كان طبع الاستعماليتطلب ذلك.
وإن اُريد بذلك فناء وجود اللفظ في وجود المعنى، فقد مر أنه لا يرجع إلىمعنى محصل
.
وأما ما ذكرهقدس سره من أن استقلال الوجود التنزيلي مساوق لاستقلال الوجودالحقيقي
فغريب جداً، وذلك لأن الوجود التنزيلي وجود اعتباري موطنه عالمالاعتبار، والوجود
الحقيقي وجود تكويني موطنه عالم الخارج. والأول بيدالمعتبر وجوداً وعدماً وسعة
وضيقاً وقلة وكثرة. والثاني تابع لعلله التكوينية،فلا صلة بين الوجودين أصلاً، ولا
مانع من تنزيل وجود واحد بتنزيلاتمتعددة واعتبارات عديدة مستقلة. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه لا يمكن تفسير الاستعمال بايجاد المعنى باللفظ، وذلكلأنه إن
اُريد به اعتبار أن اللفظ عين المعنى كما هو الحال في التنزيلاتالشرعية، فيرد عليه
أن هذا ليس حقيقة الاستعمال، لأنها متمثلة في دلالة اللفظعلى المعنى وحكايته عنه.
وإن اُريد به فناء وجود اللفظ في وجود المعنى أو اعتباره مرآة له فيرد عليه مامر.
ومن هنا لا يكون لهذا التنزيل عين ولا أثر في الاستعمالات المتعارفة الشايعةبين
العرف العام.
فالنتيجة: أن ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره في وجه استحالة استعمال اللفظ
فيأكثر من معنى واحد غير تام.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن حقيقة الاستعمال هيإفناء
اللفظ في المعنى، بحيث لا يرى المخاطب إلاّ المعنى ولا يلقي المتكلم إلاّ
إياه،ويكون نظر كل منهما منصباً على المعنى بدون التفات تفصيلي إلى اللفظ،
ومنالطبيعي أنه لا يمكن إفناء شيء واحد في اثنين بما هما اثنان، لأن افناء اللفظ
فيأحد معنيين معناه أنه متحد معه في عالم اللحاظ والتصور اتحاد الفاني مع
المفنيفيه، ومعه لا يمكن افناؤه في معنى آخر، لاستحالة وحدة الفاني مع تعدد
المفنيفيه، فمن أجل ذلك لا يمكن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، هذا إذا
كانمرادهقدس سره من الافناء الإتحاد والعينية.
ويمكن أن يكون مرادهقدس سره من الافناء لحاظ اللفظ في مقام الاستعمال آلياً،بتقريب
أن الاستعمال متقوم بأن يلحظ اللفظ آلياً ومرآة للمعنى، وعلى هذا فلايمكن استعماله
في أكثر من معنى واحد، وإلاّ لزم اجتماع لحاظين آليين علىملحوظ واحد وهو اللفظ،
باعتبار أن كل واحد من المعنيين ملحوظ باللحاظالاستقلالي، والمفروض أن هذا اللحاظ
الاستقلالي لكل منهما إنما هو بتوسطاللفظ، ونتيجة ذلك أن اللفظ مرآة لكل منهما
مستقلاً، وملحوظ باللحاظ الآليكذلك، ولازم هذا اجتماع اللحاظين الآليين فيه، وهو
مستحيل(2).
والخلاصة أن هناك تقريبين.
أحدهما: إن الاستعمال يتطلب إفناء اللفظ في المعنى واتحاده معه اتحاد الفانيمع
المفني فيه. والآخر: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم اجتماعاللحاظين
الآليين فيه. وعلى ضوء كلا التقريبين لا يمكن استعمال اللفظ في أكثرمن معنى واحد.
والجواب: أما عن التقريب الأول فلأن حقيقة الاستعمال ليست افناء اللفظفي المعنى
واتحاده معه، وذلك لأن إفناء اللفظ في المعنى واندكاكه فيه في نفسه لايرجع إلى معنى
محصل، لأنه إن اُريد بالافناء الافناء حقيقة وعيناً، فيرد عليه أنهغير معقول لا في
عالم الخارج ولا في عالم اللحاظ، لأن اللفظ مباين للمعنى في كلاالعالمين، فلا تعقل
الوحدة والعينية بينهما.
هذا إضافة إلى أن ذلك لا ينسجم مع حقيقة الاستعمال، لأنها تتطلب المغايرةبين اللفظ
المستعمل والمعنى المستعمل فيه والدال والمدلول والحاكي والمحكي.
وإن اُريد به الافناء تنزيلاً، بمعنى أن المستعمل ينظر إلى المعنى بنظرة اللفظويراه
برؤيته، على أساس أن المفني فيه يرى برؤية الفاني، فيرد عليه:
أولاً: أنه خلاف الضرورة والوجدان، لأن توجه المتكلم في مقام الاستعمالمنصب على
المعنى، ويكون اللفظ مغفولاً عنه، وكذلك توجه السامع، ففرض أنالتوجه منصب على
اللفظ باعتبار أن المعنى يرى برؤيته خلاف الوجدان.
وثانياً: أن مرآتية اللفظ بنحو يرى المعنى برؤيته غير معقولة بدون اعتبارالوحدة
والعينية بينهما.
فالنتيجة: أنه لا يمكن تفسير الاستعمال بالافناء بهذاالمعنى.
وأما التقريب الثاني فيرد عليه ما تقدم من أن لحاظ الآلية والمرآتية للفظ فيمقام
الاستعمال ليس من مقوماته، وإن كان طبع الاستعمال يتطلب ذلك، إلاّ أناستعماله بدون
هذا بمكان من الإمكان. وأما اقتضاء طبع الاستعمال ذلك فإنما هوعلى أساس أن اللفظ
وسيلة حكائية عن المعنى وأداة لاحضاره، ومن الطبيعيأن النظر إليه كوسيلة وأداة آلي
طبعاً، كما هو الحال في الأدوات الخارجية، ولكنذلك لا يمنع عن إمكان توجه المتكلم
إلى اللفظ في مقام الاستعمال مستقلاًكالمعنى، وكذلك السامع، كما تقدم تفصيل ذلك.
وعليه فلا يلزم اجتماع لحاظين آليين على ملحوظ واحد وهو اللفظ، فإنالمتكلم إذا
أراد استعمال اللفظ في أكثر من معنى، توجه إلى اللفظ الصالح لأنيكون منبهاً شرطياً
للإنتقال إلى كل من المعنيين بانتقال مستقل، فإذا استخدمالمتكلم اللفظ كذلك، فقد
استعمله كوسيلة حكائية لتفهيم المعنيين بدون اجتماعلحاظين آليين عليه.
فالنتيجة: أن ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره - من أن حقيقة الاستعمال بما
أنهاافناء اللفظ في المعنى فلذلك استحال استعماله في أكثر من معنى واحد - لا يتم،
لاعلى التفسير الأول ولا على التفسير الثاني كما مر.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن حقيقة الاستعمال ليست
إلاّعبارة عن إيجاد المعنى باللفظ وإلقائه إلى المخاطب خارجاً، ومن هنا لا
يرىالمخاطب إلاّ المعنى، فإنه الملحوظ أولاً وبالذات، واللفظ بتبعه وفان فيه،
وعليهفلازم استعمال اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال تعلق اللحاظ الاستقلاليبكل
واحد منهما في آن واحد كما لولم يستعمل اللفظ إلاّ فيه. ومن الواضح أنالنفس لا
تستطيع على أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد، ولا ريبفي أن الاستعمال في
أكثر من معنى واحد يستلزم ذلك، والمستلزم للمحال محال.
والخلاصة: أن النفس من جهة بساطتها ليس بمقدورها أن تجمع بين لحاظينمستقلين
لمعنيين في وقت واحد، وحيث إن استعمال اللفظ في معنيين يستلزملحاظ كل منهما
مستقلاً في آن فلذلك لا يمكن(3).
والجواب: أن النفس وإن كانت بسيطة، إلاّ أن بساطتها في مقابل أنها ليستبمركبة، لا
في مقابل أنها لا تتمكن من إدراك شيئين مستقلين في آن واحد،لوضوح أن لها عرضاً
عريضاً، وتقدر في آن واحد على الإنتقالات والتصوراتالمتعددة للأشياء المختلفة من
طرق قواها الخمس التي هي بمثابة جنودها في انتقالصور الأشياء إليها، ولا مانع من
حصول صور متعددة في النفس من الأشياء فيآن واحد نتيجة حصول الإحساسات المتعددة في
ذلك الآن من الإحساسالسمعي والبصري واللمسي وهكذا، فإذا اتفق حصول هذه الإحساسات
في آنواحد حصل صورها جميعاً في النفس في ذلك الآن.
وبكلمة، إن النفس لا تدرك الأشياء مباشرة، وإنما تدركها بواسطة قواهاالخمس، حيث
إنها تدرك الأشياء مباشرة وتنتقل صورها منها إلى النفس، فإنصورة المسموع تنتقل
إليها بواسطة القوة السامعة، وصورة الملموس بواسطةالقوة اللامسة، وصورة المبصر
بواسطة القوة الباصرة، وهكذا. ويمكن انتقالجميع هذه الصور إليها دفعة واحدة، فإذن
تقدر النفس على أن تجمع بين صورتينأو أكثر في آن واحد باستخدام قواها الخمس، ومن
هنا تقدر النفس على لحاظأجزاء القضية من الموضوع والمحمول والنسبة بينهما في آن
حكمها بثبوت أحدهماللآخر، ضرورة لزوم حضورها عند النفس في آن حكمها بالثبوت،
وإلاّفلايمكن الحكم.
ويؤكد ذلك صدور أكثر من فعل في آن واحد من شخص، وحيث إن كلاالفعلين أو الأفعال
اختياري فلا محالة يكون مسبوقاً بالإرادة واللحاظ.
فالنتيجة: أن ما أفادهقدس سره من أن النفس لا تقدر على أن تجمع بين
اللحاظينالمستقلين في آن واحد لا يمكن المساعدة عليه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكرهقدس سره من أن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى
باللفظوإلقائه إلى المخاطب خارجاً وأنه لا يرى إلاّ المعنى، فإنه الملحوظ أولاً
وبالذات،واللفظ ملحوظ بتبعه فقد تقدم أنه غير تام، لأن كون اللفظ ملحوظاً تبعاً
وآلياًليس من مقومات الاستعمال، بل هو مقتضى طبع المطلب، ولا مانع من لحاظهمستقلاً
كالمعنى إذا كانت هناك عناية تتطلب ذلك.
الوجه الرابع: ما أفاده المحقق العراقيقدس سره من أنه لو جاز استعمال اللفظ في
أكثرمن معنى واحد لزم صدور الكثير عن الواحد، وهو مستحيل.
بيان ذلك: أن لازم هذا الاستعمال هو أن يكون لفظ واحد سبباً لا نتقالينوانفهامين
مستقلين في الذهن وعلة لكل منهما بنحو الاستقلال، وهذا من تواردالمعلولين على علة
واحدة وهو مستحيل(4).
والجواب: أن القاعدة وإن كانت تامة، لأنها مقتضى مبدأ التناسب الذاتي بينالعلة
والمعلول، إلاّ أنها لا تنطبق على المقام، فإن موردها الواحد من تمامالجهات، سواء
أكان واحداً بالنوع أم بالشخص، وأما إذا كانت فيه جهتانمتباينتان أو أكثر، فلا
مانع من تأثيره بكل جهة من جهاته في شيء، ولا يلزممن ذلك صدور الكثير عن الواحد،
بل صدور الكثير عن الكثير.
وما نحن فيه كذلك، فإن سببية اللفظ للإنتقال إلى المعنى وانفهامه ليستذاتية، وإنما
هي بالجعل والمواضعة، وعلى هذا فإذا كان للفظ وضعان لمعنيين،سواء أكان كلا الوضعين
أصلياً أم كان أحدهما أصلياً والآخر تبعياً، كان فيهسببان للإنتقال، فإن وضعه
بإزاء هذا المعنى يحدث علاقة بينهما توجب سببيةتصور اللفظ لتصور المعنى، فيكون
الإنتقال منه إلى هذا المعنى من جهة تلكالحيثية التي اكتسبها اللفظ من هذا الوضع،
ووضعه بإزاء معنى آخر يحدث علاقةبينه وبين ذاك المعنى توجب سببية تصور اللفظ
لتصورة، من جهة أنه اكتسبتلك الحيثية من ذاك الوضع. وعلى هذا فاللفظ في المقام وإن
كان واحداً، إلاّأنفيه حيثيتين متغايرتين، فباحداهما يؤثر في الإنتقال إلى المعنى
الأول،وبالاُخرى في الإنتقال إلى المعنى الثاني، فإذن لا يلزم توارد المعلولين
المستقلينعلى علة واحدة.
فالنتيجة: أن ما أفادهقدس سره في وجه استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى
لايرجع إلى معنى صحيح.
وقد يعترض على هذا الوجه بأن انتقال الذهن إلى المعنى ليس من الشروطالمقومة
للإستعمال، حيث إن المستعمل قد يكون في مقام الإهمال والإجمال، فلاتتوقف صحة
الاستعمال على ذلك، وقد تقدم أن المقوم للإستعمال هو قصدالمستعمل وإرادته التلفظ
بلفظ صالح للحكاية عن المعنى وكاشف عنه ولو شأناً،وعليه فلا يقتضي استعمال اللفظ في
أكثر من معنى توارد الإنتقالين الفعلين علىاللفظ في ذهن السامع.
ولكن لا أساس لهذا الإعتراض، فإن علية اللفظ الواحد لانتقالين فعليين لوكانت
مستحيلة، استحالت صلاحيته للعلية لذلك الإنتقال أيضاً، وإلاّ فهيممكنة لامستحيلة،
ففرضالإستحالة لا ينسجم مع فرض الامكان والصلاحية.
الوجه الخامس: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره أيضاً، وحاصل ما ذكره أن لحاظاللفظ
آلياً من مقومات الاستعمال، وعلى هذا فإذا استعمل اللفظ في أكثر منمعنى لزم اجتماع
لحاظين آليين على ملحوظ واحد وهو اللفظ، على أساس أنلحاظ المعنى مستقلاً إنما هو
بواسطة اللفظ، فيمر منه إلى المعنى، فيكون اللفظكالجسر، فاللحاظ باعتبار استقراره
على المعنى استقلالي، وباعتبار استطراقهعن اللفظ آلي، وعلى هذا فإذا استعمل اللفظ
في معنيين، كان اللحاظان يعبرانعن اللفظ إلى المعنيين، فيكونا لحاظين استقلاليين
لهما ولحاظين آليين للفظ،فإذن يلزم اجتماع اللحاظين الآليين على ملحوظ واحد وهو
اللفظ، وهذامستحيل في استعمال واحد.
نعم إذا انكرنا ذلك في مقام الاستعمال، وبنينا على أن اللفظ فيه ملحوظبلحاظاستقلالي
أمكناستعمال اللفظ فيأكثر منمعنى، بدون لزوم أيمحذور(5).
والجواب: ما تقدم من أن لحاظ اللفظ آلياً ليس من مقومات الاستعمال، فإنبإمكان كل
من المتكلم والسامع أن يلحظ اللفظ مستقلاً كالمعنى إذا كانت هناكعناية تتطلب ذلك،
نعم طبعالمطلب يقتضي ذلك، علىأساس أن اللفظ يستخدمفي مقام الاستعمال كوسيلة
وأداة لإحضار المعنى في ذهن السامع، فمن أجلذلكيكون اللحاظ المتعلق به بطبعه
آلياً وتبعياً يتبع آليته بنفسه في هذا المقام،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لحاظ المعنى وإن كان بتوسط اللفظ، ولكن لا مروراًمنه إليه، بل
من جهة ثبوت الملازمة التصورية بينهما، بمعنى أن تصور اللفظيستلزم تصور المعنى
ابتداء لا أنه يمر من اللفظ إليه ويستقر عليه، وعلى هذافيمكن استعمال اللفظ بطبعه
الأداتي في معنيين بواسطة العلقة الوضعية بينهوبينهما التي تعطي للفظ صلاحية
الدلالة والحكاية عنهما.
وبكلمة، إن اللفظ في مقام الاستعمال حيث إنه يستخدم كوسيلة وأداة لنقلالمعنى
وإحضاره في الذهن، فطبعاً يلحظ آلياً وأداتياً بدون الإلتفات تفصيلاً إلىخصوصياته،
وهذا ليس معناه أن استعمال اللفظ إن كان في معنى واحد فهناكلحاظ واحد يعبر عن
اللفظ إلى المعنى، فيكون لحاظاً استقلالياً للمعنى باعتباراستقراره عليه، ولحاظاً
آلياً للفظ باعتبار استطراقه وعبوره منه، وإن كان فيأكثر من معنى، فهناك لحاظان
يعبران عن اللفظ إلى المعنين فيكونا لحاظيناستقلاليين لهما ولحاظين آليين للفظ،
فإذن يلزم اجتماع لحاظين آليين علىملحوظ واحد، وهو لا يمكن، بل معناه أن اللفظ
بحكم كونه أداة ووسيلةملحوظ طبعاً بلحاظ آلي وموجود بوجود ذهني كذلك، وهذا الوجود
الذهنيالآلي سبب لانتقال الذهن منه إلى وجود المعنى فيه بوجود مستقل ابتداء.
وعلى هذا فلا فرق بين استعمال اللفظ في معنى أو معنيين، فإن اللفظ على كلاالتقديرين
ملحوظ طبعاً بلحاظ واحد آلي وموجود في الذهن بوجود واحدكذلك، فإنه كما يمكن أن يجعل
اللفظ باللحاظ المذكور أداة لتفهيم معنى واحديمكن أن يجعل أداة لتفهيم معنيين، بدون
أن يلزم منه محذور اجتماع لحاظين آليينعلى ملحوظ واحد وهو اللفظ.
والخلاصة أن لحاظ المعنى في الذهن بلحاظ مستقل إنما هو بواسطة لحاظاللفظ طبعاً في
الذهن بلحاظ أداتي، لا أنه يعبر عنه إليه، فإنه خلاف الوجدان.فما ذكرهقدس سره من
لزوم اجتماع لحاظين آليين على اللفظ إذا استعمل في معنيين، لايرجع إلى معنى محصل.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن شيئاً من الأدلة التياستدل بها
على استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لا يتم،والصحيحإمكان ذلك، ولا
مانع من جعل لحاظ اللفظ في الذهن آلياً أداةووسيلة لتفهيم معنيين مستقلين إذا كانت
له علاقة بهما، ولا يلزم من ذلك شيءمن المحاذير التي تقدمت.
ومن هنا ذهب السيد الاُستاذقدس سره أيضاً إلى الجواز، ولكنهقدس سره قد بنى ذلك
علىأن حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة على المعنى، فإذا كان شأن اللفظشأن
العلامة فالنظر إليه استقلالي كالنظر إلى العلامة. وحيث إن الدلالة الوضعيةعندهقدس
سره دلالة تصديقية فلا يكفي مجرد الاحساس باللفظ للتصديق بإرادة تفهيمالمعنى،
طالما لم يتحول هذا الاحساس إلى التصديق بأحد طرفي الملازمةالمستبطن لتصوره، فالنظر
إلى اللفظ تصوراً وتصديقاً نظر استقلالي كالنظر إلىالعلامة، ولا مانع من جعل اللفظ
علامة لابراز ما في النفس، سواء أكان معنىواحداً أم كان معنيين مستقلين أم مجموع
المعنيين(6).
ولنا تعليق على ذلك.
أما ما أفادهقدس سره من امكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فهو صحيح،ولكن
ابتناء ذلك على كون حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة على تفهيمالمعنى مورد
البحث والنقد، والصحيح إمكان ذلك مطلقاً وإن قلنا بأن حقيقةالاستعمال ليست جعل
اللفظ علامة على إرادة المعنى وإبرازه. فلنا دعويان.
الاُولى: عدم صحة تفسير الاستعمال بجعل اللفظ علامة.
الثانية: أن إمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يبتني على ذلك.
أما الدعوى الاُولى فلأن نسبة اللفظ إلى المعنى في مقام الاستعمال ليستكنسبة
العلامة إلى ذي العلامة في الخارج، بل نسبة الآلة والوسيلة إلى ذيها. ومنهنا يقتضي
طبع الاستعمال كون اللفظ مغفولاً عنه تفصيلاً، والتوجه منصب علىالمعنى على أساس أن
همّ المستعمل وغرضه الداعي إلى الاستعمال هو الوصولإلى المعنى بأي وسيلة كانت،
وهذا بخلاف العلامة، فإن النفس متوجهة إليهاتفصيلاً في مرحلة التصور والتصديق،
وليست مغفولاً عنها عادة كاللفظ، فحالاللفظ من هذه الناحية حال الأدوات الخارجية،
فكما أن تلك الأدوات حيناستخدامها مغفول عنها تفصيلاً والإلتفات والتوجه منصب على
ذويها فكذلكاللفظ حين استعماله في معنى. هذا بناء على ما هو الصحيح من أن
الدلالةالوضعية دلالة تصورية.
وأما بناءً على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية كما بنى عليه
السيدالاُستاذقدس سره فهل الأمر أيضاً كذلك؟ يعني أن طبع المطلب يقتضي كون النظر
إلىاللفظ آلياً؟
والجواب: نعم، ولا فرق بين القولين في المسألة من هذه الناحية، فإن ملاككون النظر
الى اللفظ آلياً حين عملية الاستعمال، هو أنه يستخدم في هذه العمليةكوسيلة وآلة
لإبراز المعنى واحضاره في الذهن، ومن الطبيعي أن النظر إلىالوسيلة والآلة طبعاً
يكون آلياً ومرآتياً بدون النظر إليها تفصيلاً وإن كانت ثابتةفي أعماق النفس
إجمالاً، باعتبار أن التركيز إنما هو على اثبات ذيالآلةوالوسيلة، والنظر إلى
الوسيلة والآلة إنما هو على أساس أنها توصل إلى ذيهابدون أن تكون لها خصوصية
وموضوعية، ومن الواضح أنه لا فرق في ذلك بينأن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصورية
أو تصديقية.
فالنتيجة أنه لا فرق في ذلك بين الدلالة التصورية والدلالة التصديقية.
وأمّا الدعوى الثانية فقد تقدم أن جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى لايتوقف على
أن تكون حقيقة الاستعمال علامية اللفظ للمعنى، كما لا يتوقف علىلحاظ اللفظ مستقلاً
كالمعنى، أما عدم التوقف على الأول فلأنه - مضافاً إلىتفسير الاستعمال بعلامية
اللفظ تفسير خاطي - يمكن استعمال اللفظ باللحاظالآلي والأداتي في أكثر من معنى بدون
لزوم أي محذور، فإنه بوجوده الآليوالأداتي في الذهن يصلح أن يكون سبباً للإنتقال
إلى لحاظ معنيين مستقلينبسبب علاقته بهما كما مر. ومن هنا يظهر أنه لا يتوقف على
لحاظ اللفظ مستقلاًفي الذهن، إذ كما أن وجود اللفظ في الذهن مستقلاً يصلح أن يكون
سبباً للإنتقالإلى لحاظ معنيين مستقلين كذلك وجوده فيه بوجود آلي وأداتي، ولا فرق
بينالوجودين إلاّ بالاجمال والتفصيل. فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن
جوازاستعمال اللفظ في أكثر من معنى يتوقف على كون حقيقة الاستعمال علامية
اللفظللمعنى غير تام، كما مر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: أن القول باستحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى غير تام، لأنهمبني على
أحد الأمور التالية على سبيل مانعة الخلو:
الأول: أن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى باللفظ تنزيلاً، وحيث إن للفظوجوداً
حقيقياً واحداً، فهو وجود تنزيلي للمعنى، فلا يعقل أن يكون وجوداًتنزيلياً لمعنى
آخر، فلذلك يستحيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
ولكن قد تقدم - مضافاً إلى أن حقيقة الاستعمال ليست إيجاد المعنى باللفظتنزيلاً -
أنه لا مانع من أن يكون للوجود الحقيقي الواحد وجود تنزيلي متعدد،ولا يستلزم تعدده
تعدد الوجود الحقيقي كما تقدم تفصيل ذلك.
الثاني: أن حقيقة الاستعمال افناء اللفظ في المعنى، ولا يمكن افناء اللفظالواحد في
معنيين مستقلين، فمن أجل ذلك يستحيل استعمال اللفظ في أكثرمنمعنى. ولكن قد مر أن
تفسير الاستعمال بذلك تفسير خاطي، ولا يرجعإلىمعنى محصل.
الثالث: أن النفس على أساس بساطتها لا تستطيع أن تجمع بين لحاظينمستقلين في آن
واحد، وحيث إن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد يستلزمالجمع بينهما كذلك، فلهذا
لا يمكن.
ولكن قد تقدم أن بساطتها لا تمنع عن ذلك.
الرابع: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم اجتماع لحاضين آليينعليه،
باعتبار أن لحاظ المعنى كان يعبر من اللفظ إليه، فيكون لحاظاً استقلالياًللمعنى،
لاستقراره عليه، ولحاظاً آلياً للفظ لاستطراقه منه، فإذا استعمل فيمعنيين فقد
اجتمع عليه لحاظان آليان بنفس الملاك.
ولكن قد مر إن لحاظ المعنى وإن كان بتوسط لحاظ اللفظ، إلاّ أنه لا يعبرمنهإليه، بل
أن تصوره يستلزم تصور المعنى، لا أنه يعبر منه إليه، فإذن لاموضوع للعبور.
الخامس: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد يستلزم صدور الكثيرعن الواحد، وهو
مستحيل.
ولكن قد تقدم أن القاعدة لا تنطبق على المقام.
الثانية: الصحيح جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، ولا يتوقفذلك على عناية
زائدة كلحاظ اللفظ مستقلاً، بل يمكن ذلك مع ما هو مقتضىطبع الاستعمال من كون اللفظ
ملحوظاً باللحاظ الآلي الأداتي في الذهن، وهوبهذا اللحاظ فيه يصلح أن يكون سبباً
لانتقال الذهن إلى كل من المعنيين مستقلاًفي آن واحد، على تفصيل تقدم.
الثالثة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن جواز الاستعمال في أكثر منمعنى
واحد مبني على كون حقيقة الاستعمال متمثلة في علامية اللفظ للمعنى،وإلاّ لم يجز -
فقد مر أنه غير تام.
الرابعة: أنه لا فرق بين أن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصورية أو دلالةتصديقية،
فإنه على كلا التقديرين يكون اللفظ في مقام الاستعمال ملحوظاًباللحاظ الآلي الأداتي
طبعاً.
وأما الكلام في المورد الثاني فهل هذا الاستعمال بعد البناء على جوازه كماهو الظاهر
يكون على نحو الحقيقة أو المجاز، فيه قولان.
الصحيح هو القول الأول، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن الألفاظ موضوعةللمعاني بما هي
بدون أخذ أيّ خصوصية فيها تنافي الاستعمال في أكثر منها كقيدالوحدة مثلاً، هذا بلا
فرق بين المعاني الكلية والجزئية، وعلى هذا فإذا افترضأن اللفظ موضوع لمعنيين كلفظ
العين مثلاً فإنه موضوع للعين الباكية والعينالجارية، فمن الواضح أن المعنى
الموضوع له أنما هو طبيعي العين الباكية والعينالجارية بنحو الماهية المهملة
الجامعة بين حال وحدتها وحال اجتماعها معغيرها، وحينئذ فإذا استعمل لفظ العين في
العين الباكية والجارية معاً بنحوالاستقلال، كان استعمالاً في المعنى الموضوع له،
وهو طبيعي المعنى الجامع بين أنيكون وحده أو مع آخر. هذا،
وذهب صاحب المعالمقدس سره إلى القول الثاني، وهو أن هذا الاستعمال استعمال
فيالمعنى المجازي، بدعوى أن قيد الوحدة مأخوذ في المعنى الموضوع له، وعليه
فإذااستعمل اللفظ في معنيين لزم الغاء هذا القيد، ومعه يكون الاستعمال في غير
المعنىالموضوع له، وهو مجاز.
وكذلك الحال لو كانت الألفاظ موضوعة للمعاني في حال الوحدة، بمعنى أنتكون الوحدة
قيداً للعلقة الوضعية لا للموضوع له، كما هو ظاهر المحققالقميقدس سره، وإلاّ فلا
معنى لتخصيص الوضع بحال الوحدة من دون كونها قيداً لها،لأن العلقة الوضعية في
الواقع إما مقيدة بما إذا لوحظ المعنى وحده أو مطلقة،ولاثالث لهما.
وكيف كان فلا شبهة في بطلان هذا القول، وذلك لأن المراد من قيد الوحدةليس وحدة
المعنى بالذات، لوضوح أن كل معنى واحد بالذات، وهو لا يمنع مناستعمال اللفظ في
أكثر من معنى واحد، باعتبار أنه لا ينافي وحدته ذاتاً، كما أنهليس المراد منه لحاظ
المعنى مستقلاً في مقابل لحاظه ضمناً أي في ضمن المجموع،حيث إن لحاظه كذلك محفوظ في
موارد استعمال اللفظ في معنيين أو أكثر، لأنمحل الكلام إنما هو في استعمال اللفظ
في كل منهما بنحو الاستقلال، فيكون هذاالقيد محفوظاً، وأما الاستعمال في المجموع
المركب منهما فهو خارج عن محلالكلام، لأنه من استعمال اللفظ في معنى واحد، فإذن
بطبيعة الحال يكون المرادمنه عدم لحاظ معنى آخر معه في مقام الاستعمال، بمعنى أن
المعنى الموضوع لهمقيد بعدم ذلك وضعاً، وهل يمكن هذا التقييد؟
والجواب: إما على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، فلا مانع منه،على أساس
أن المدلول الوضعي حينئذ مدلول تصديقي، فلا مانع من تقييده بقيدتصديقي، وهو عدم
لحاظ معنىً آخر في مقام الاستعمال، حيث إن مرد قيدالوحدة على هذا إلى تقييد كل من
المعنيين بعدم لحاظ المعنى الآخر لحاظاًاستعمالياً في مقام استعمال اللفظ فيه، وأما
كونه قيداً تصديقياً فلأن المراد منهواقع عدم اللحاظ لا محالة، لا مفهومه التصوري،
فإنه غير محتمل.
وأما على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصورية كما هو الصحيح، فلايمكن تقييد
المدلول الوضعي بهذا القيد، لما مر من أن تقييد المدلول التصوري بقيدتصديقي غير
معقول، لعدم تعقل الملازمة بين التصور والتصديق.
ثم إن للمحقق العراقيقدس سره في المقام كلاماً، وحاصله أنه لا يمكن أخذ قيدالوحدة
اللحاظية في المعنى الموضوع له، على أساس أنها من مقوماتالاستعمال، فتكون متأخرة
عن المعنى الموضوع له رتبة، فلوكانت مأخوذة فيه،لزم أن تكون متقدمة على نفسها، وهو
مستحيل، فلذلك لا يمكن أخذها فيالمعنى الموضوع له(7).
وللنظر فيه مجال.
إما أولاً: فلأن هذا المحذور إنما يلزم إذا كان القيد المذكور جزء المعنى
الموضوعله في عرض جزئه الآخر أو قيده، بأن يكون المعنى الموضوع له مركباً من
ذاتالمعنى وهذا القيد أو مقيّداً به، وحينئذ فلوكان هذا القيد وهو الوحدة
اللحاظيةمن مقومات الاستعمال لزم المحذور المذكور وهو تقدم الشيء على نفسه، وأما
إذاقلنا بأن هذا القيد جزء المعنى الموضوع له ولكنه في طول جزئه الآخر لا فيعرضه
أو قيده كذلك، وأنه يتحقق بنفس الاستعمال، لا أن تحققه فرض فيالمرتبة السابقة
عليه، فلا يلزم المحذور المذكور، فإن المستعمل في حال الاستعمالإذا لاحظ ذات
المعنى وحده، تحقق الجزء الثاني للمعنى الموضوع له، ولامانعمن وضع لفظ للمعنى
المركب من جزئين طوليين يتحقق الجزء المتأخربنفس الاستعمال.
وبكلمة، إن ما ذكرهقدس سره مبني على أن الوحدة اللحاظية لو كانت مأخوذة فيالمعنى
الموضوع له فلابد أن تكون غير الوحدة اللحاظية الجائية من قبلالاستعمال، فإنها
متعلقة بالمعنى المقيّد بهذه الوحدة فكيف تكون مأخوذةفيهمعأن تعددّها خلاف
الوجدان والضرورة، ووحدتها تستلزم أخذ المتأخرفي مرتبة متقدمة.
ولكن قد عرفت خطأ ذلك وأنه لا مانع من أخذ الوحدة اللحاظية في المعنىالموضوع له
طولاً، وتتحقق هذه الوحدة اللحاظية بنفس اللحاظ الاستعمالي،فإذن لا اشكال.
وثانياً: أنهقدس سره تخيل أن المراد من الوحدة اللحاظية المأخوذة في
المعنىالموضوع له هو اللحاظ الاستعمالي الذي هو من مقومات استعمال اللفظ
فيالمعنى، وفي مرتبة متأخرة عنه، فلذلك لا يمكن أخذها فيه وإلاّ لزم أخذ ما
هومتأخر رتبةً في مرتبة متقدمة.
ولكن قد مرّ أن المراد منها عدم لحاظ معنى آخر في مقام استعمال اللفظ فيمعنى، وهو
ليس في طول المعنى المستعمل فيه، فيكون كل من المعنيين مقيداً بعدملحاظ الآخر في
مقام استعمال اللفظ فيه، وهذا القيد ليس في طول المعنى المقيّدلكي يلزم المحذور
المذكور، أو فقل إن عدم لحاظ معنى آخر، أو لحاظه مقامالاستعمال ليس من مقوماته لكي
يكون متأخراً عن المعنى الموضوع له.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الالفاظ موضوعة بإزاء المعانيمن دون أخذ
قيد الوحدة فيها، وعلى هذا فاستعمال اللفظ في أكثر من معنىواحد استعمال حقيقي وليس
بمجازي.
استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى...
استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى
أما الكلام في المقام الثاني فهل يجوز استعمال التثنية والجمع في أكثر من
معنىواحد، فيه قولان:
فذهب صاحب المعالمقدس سره إلى القول الأول وبنى على جواز استعمال التثنيةوالجمع في
أكثر من معنى على نحو الحقيقة رغم أنهقدس سره أبطل ذلك في المفرد،باعتبار أخذ قيد
الوحدة فيه، وقد علّل ذلك بأن التثنية والجمع في قوة تكرارالمفرد، فمثل قولنا »رأيت
عينين« في قوة قولنا »رأيت عيناً وعيناً« ولا مانعحنيئذٍ من أن يراد من العين
الاُولى العين الباكية ومن الثانية العين الجارية.
وفيه: أن هذا الكلام غريب منهقدس سره، فإن التثنية والجمع، وإن كانا في قوةتكرار
المفرد، إلاّ أن ذلك ليس من استعمالهما في أكثر من معنى، بل هو مناستعمالهما في
معناهما الموضوع له.
والتحقيق في المقام يقتضي التكلم في جهتين:
الاُولى: هل يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنىً، أو
يكفياتحادهما لفظاً فقط؟
الثانية: إذا استعملت المادة في معنيين، كالعين إذا اُريد منها العين
الباكيةوالجارية معاً، فهيئة التثنية الواردة عليها الدالة على إرادة فردين من كل
منالمعنيين، فهل هي من دلالتها على أكثر من معنى واحد، أو لا؟
أما الكلام في الجهة الاُولى وففيها اتجاهان رئيسيان:
الإتجاه الأول: أنه لا يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعناً،
بليكفي اتحادهما لفظاً فقط.
الإتجاه الثاني: اعتبار اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنى.
أما الإتجاه الأول فقد استشهدوا على ذلك بالتثنية والجمع في الأعلامالشخصية وأسماء
الاشارة، بتقريب أن المادة فيها مستعملة في معنى خاصشخصي، وهو غير قابل للتعدد
خارجاً، وهيئة المثنى التيترد عليه كقولنا زيدانتدل على فردين متغايرين في المعنى
ومشتركين في اللفظ فقط، ومن الواضح أناستعمال التثنية والجمع في الأعلام الشخصية
وأسماء الاشارة كاستعمالهما فيغيرها بدون عناية زائدة، وهذا دليل قطعي على أنه لا
يعتبر في التثنية والجمع إلااتحاد مدلوليهما لفظاً فقط، ومن هذا القبيل الأسماء
المشتركة كالعين مثلاً، ففيقولنا »رأيت عينين« إذا اُريد منهما العين الباكية
والعين الجارية، صح مع عدماتحاد مدلول التثنية في المعنى وإنما يكون متحداً في
اللفظ فقط.
وأما أصحاب الإتجاه الثاني، فقد حاولوا تأويل التثنية والجمع في الأعلاموأسماء
الاشارة والأسماء المشتركة بعدة محاولات:
المحاولة الاُولى: أن يراد من المادة في تثنية الأعلام الشخصية وجمعهاالمسمّى،
والهيئة التي تعرض عليها تدل على إرادة المتعدد من المسمى، ففي مثلقولنا »جاء
زيدان« فالتثنية تدل على إرادة فردين من مفهوم المسمى بزيد.
ولنأخذ بالنقد على هذه المحاولة.
أما أولاً: فلأنها لو تمت فإنما تتم في تثنية الأعلام الشخصية والأسماء المشتركةولا
تتم في تثنية أسماء الاشارة، وذلك لأن المشار إليه اسم الاشارة فرد معينوغير قابل
للتعدد، ولا يمكن أن يراد به طبيعي المشار إليه، وهو المفرد المذكربقطع النظر عن
الاشارة إليه، فإنه حينئذ وإن كان كلياً قابلاً للتعدد إلا أن الكلامإنما هو في
تثنية اسم الاشارة ك »هذا« المتعلق بالمشار إليه الموجب لتشخصهوتعينه في الخارج،
لا في تثنية طبيعي المشار إليه بقطع النظر عن الاشارة إليه.
فما عن المحقق العراقيقدس سره - من أن تثنية اسم الاشارة، إنما هي بلحاظ مادتها
فيالمرتبة السابقة، وبقطع النظر عن طروء الاشارة عليها، والمفروض أنها في
تلكالمرتبة كلية قابلة للتعدد(8) - غريب جداً، فإن الكلام في تثنية اسم
الاشارة،الذي يتعين المشار إليه ويتشخص بها خارجاً وغير قابل للتعدد، لا في تثنيتة
فيالمرتبة السابقة على تعيّنه بطروء الاشارة عليه، فإنها في تلك المرتبة ليست
تثنيةاسم الاشارة، بل هي تثنية اسم الجنس، مثلاً تثنية المفرد المذكر إن كانت
بقطعالنظر عن تعينه وتشخصه بطروء الاشارة عليه وفي المرتبة السابقة على ذلك،فهي
ليست بتثنية اسم الاشارة، بل هي تثنية طبيعي المفرد المذكر.
وثانياً: إن إرادة المسمى من المادة في تثنية الأعلام والأسماء المشتركة بحاجةإلى
قرينة تدل على ذلك.
ودعوى أن القرينة على ذلك عدم صحة تثنية الأعلام وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة
بدون هذا التأويل والتصرف، مدفوعة بأنها عين المدعى،فإن عدم صحة تثنية الأعلام
والأسماء المشتركة بدون ذلك أول الكلام، بل قد مرّأن الظاهر صحتها بدون التأويل
والتصرف، غاية الأمر أن التثنية في الأعلاموالأسماء المذكورة تدل على تكرار لفظ
المادة، فيكون قولنا »جاء زيدان« في قوةقولنا »جاء زيد وزيد« وقولنا »رأيت عينين«
في قوة قولنا »رأيت عيناًوعيناً« ومن الواضح أن إطلاق التثنية والجمع في باب
الأعلام وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة ليس اطلاقاً عنائياً ومجازاً وبحاجة إلى
علاقة وقرينة، بل هواطلاق حقيقي لدى العرف العام كإطلاقهما في باب أسماء الأجناس،
وهذا دليلعلى أنه لا يعتبر في التثنية والجمع الإتحاد في اللفظ والمعنى معاً، بل
يكفي الإتحادفي اللفظ فقط.
وثالثاً: إن هذه المحاولة لو تمت فإنما تتم في الأسماء المشتركة، ولا تتم
فيالأعلام الشخصية وأسماء الاشارة، لأن لازم هذا التأويل وإرادة المسمى منالمادة،
أن يعامل مع تثنية الأعلام وأسماء الاشارة معاملة النكرة وإخراجها عنالعلمية
وادخالها في تثنية أسماء الأجناس، فإن هيئة المثنى في قولنا »زيدان«،تدل على فردين
من المسمى بزيد، وهو معنى كلي ينطبق على أفراد كثيرين فيالخارج كالرجل ونحوه، مع
أنه لا شبهة في علمية تثنية الأعلام والمعاملة معهامعاملة المعرفة دون النكرة، ومن
هنا لا يكون المتفاهم العرفي من مثلقولك»جاء زيدان« مجي فردين من مفهوم المسمى، بل
المتفاهم العرفي منهمجيء فردين معلومين في الخارج المشتركين في هذا الاسم،
فالنتيجة أن هذهالمحاولة غير تامة.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره واليك نصه: »نعم يمكنتصحيح
التثنية والجمع في الأعلام بوجه آخر، وهو استعمال المادة فيطبيعيلفظها لكن بماله
من المعنى بحيث لا يكون المعنى مراداً من المادة ليلزمالمحذور، بل بنحو الاشارة
إليه بما هو معنى لطبيعي اللفظ، لا بما هو معنى اللفظالمستعمل، فيكون كقولك »ضرب
فعل مشتمل على النسبة« فإن المعنى النسبيغير مراد من نفس لفظ ضرب، بل المراد منه
طبيعي لفظه لكن لا بما هو إذ لانسبة فيه، بل بما هو ذو معنى نسبي، فيكون المراد من
قولنا »زيدان« فردين منلفظ زيد بماله من المعنى والمفروض أن له معنيين(9)».
وملخصه أن المادة كشخص لفظ زيد مثلاً في قولنا »زيدان« قد استعملت فيطبيعي لفظه،
كاستعمال اللفظ في نوعه، غاية الأمر أن استعمال اللفظ في نوعه بماهو لفظ، وأما في
المقام فقد استعمل في نوعه لابما هو لفظ، وإلا لدخل في استعمالاللفظ في نوعه، بل
بماله من معنى، على أساس أن هيئة التثنية تعرض على المادة -وهي لفظ زيد في المثال -
بمالها من معنى لا بما أنها لفظ، ضرورة أن قولنا»زيدان« يدل على فردين من طبيعي لفظ
زيد بماله من معنى لا بما أنه لفظ،ولكن هذا المعنى غير مراد من المادة، إذ لو كان
مراداً منها فبما أنه غير قابل للتعددفلا يمكن عروض هيئة المثنى عليها بلحاظ معناها
الذي هو غير قابل له،بلبنحو الاشارة إليه بما هو معنى لطبيعي اللفظ، لا بما هو
معنى اللفظ المستعمل،وعلى هذا فهيئة التثنية في مثل قولنا »جائنا زيدان« تدل على
فردين من طبيعيلفظ زيد بما له من معنى، والمفروض أن له معنيين.
ويمكن المناقشة في هذه المحاولة من وجوه:
الأول: أن ما أفادهقدس سره في هذه المحاولة بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً
وإثباتاً،أما ثبوتاً فهي تتوقف على التصرف في المادة باستعمالها في طبيعي لفظها
بماله منمعنى، وأما إثباتاً فهي تتوقف على وجود قرينة تدل عليها، وإلا فلا شبهة في
أنالمرتكز في الأذهان من تثنية الأعلام كقولنا »زيدان«، هو فردان معلومان
فيالخارج ومشتركان في الاسم، ولا يكون المتبادر منها فردين من طبيعي لفظ زيدفي
المثال بماله من معنى.
فالنتيجة أن هذه المحاولة على تقدير امكانها فليس بمقدورنا الأخذ بها، لأنهامخالفة
لما هو المرتكز والمتفاهم عرفاً من التثنية والجمع في الأعلام وأسماءالاشارة
ونحوهما، وبحاجة إلى قرينة.
الثاني: أن لازم هذه المحاولة أن لا تكون تثنية الأعلام في نفسها علماً، فإنهاعلى
أساس تلك المحاولة تدل على فردين من طبيعي لفظ المادة بماله من معنى،فإذا قال شخص
»جائني زيدان« دل على مجي فردين من لفظ زيد كذلك، وعلىهذا فيكون مفاد التثنية -
وهو فردان من طبيعي لفظ المادة في نفسه - نكرة،نعميدل على تعريفه تقييده بماله من
معنى، باعتبار أنه في تثنية الأعلام وأسماءالاشارة معلوم في الخارج، وكذا في جمعها،
مع أن المرتكز في أذهان العرفمنتثنية الأعلام هو أن مفادها في نفسه معرفة كنفس
الأعلام، لا أن تعريفهجاءمن الخارج.
الثالث: أن المادة كشخص لفظ زيد مثلاً، في مثل قولنا »زيدان« قداستعملت في طبيعي
لفظها، فيكون مدلولها طبيعي اللفظ المقيد بماله من معنى،وحينئذ فلابد من النظر إلى
هذا القيد الذي هو قيد لمدلول المادة ومأخوذ فيههلهو قيد تصوري أو تصديقي، فإن
كان المأخوذ فيه مفهوم ماله من معنى،فهوقيد تصوري، وإن كان واقع ماله من معنى فهو
قيد تصديقي، وقد تقدم أنه لامانع من تقييدالمدلول التصوري للفظ بقيد تصوري، وأما
تقييده بقيد تصديقيفهو لا يمكن.
وأما في المقام فلا يمكن تقييد مدلول المادة، وهو طبيعي اللفظ بهذا القيدلاتصوراً
ولا تصديقاً.
أما الأول فلأن التثنية في الأعلام لا تدل على هذا القيد بدلالة تصورية،لوضوح أنه
لا يتبادر من تثنية الأعلام، كقولنا »زيدان« في الذهن هذا القيد،لأن المتبادر منها
في المثال فردان مسميان بزيد، وهذا يكشف عن بطلان هذهالمحاولة، لأن صحتها مبنية
على تقييد مدلول المادة بهذا القيد.
وأما الثاني فقد سبق موسعاً أنه لا يمكن تقييد المدلول التصوري بقيدتصديقي، فإن
الملازمة لا تتصور بين تصور وتصديق، بل لابد من أن تكونإمابين تصورين أو تصديقين،
فمن أجل ذلك لا يمكن تقييد مدلول المادةالتصوري بقيد تصديقي.
فالنتيجة أن هذه المحاولة أيضاً غير تامة.
المحاولة الثالثة: أن مدلول المادة أحد المعنيين في تثنية الأعلام وأسماءالاشارة
والأسماء المشتركة، فإن لفظ زيد مثلاً بعد وضعه لهذا المعنى ووضعه لذاكالمعنى،
أصبح صالحاً للدلالة على كل منهما تعييناً، وكذلك لفظ العين، فإنه بعدوضعه للعين
الباكية ووضعه للعين الجارية، صالح للدلالة على كل منهما كذلك،ولكن دلالته الفعلية
عند اطلاقه بلا قرينة انما هي على أحدهما بدون تعيين، فإذااطلق لفظ العين مثلاً بلا
قرينة كان المتبادر منه إحداهما كذلك، وكذا إذا اطلقلفظ زيد بلا قرينة على
التعيين، فإن المتبادر منه احدهما، وهذا نتيجة مجموعالوضعين، وعلى هذا فمدلول
المادة في مثل قولنا »زيدان«، أحدهما بمعنى أن لفظزيد عند الاطلاق وبدون قرينة على
التعيين يدل عليه، وهيئة التثنية التي تعرضعليه تدل على تعدد مدلوله.
وبكلمة، إن مادة التثنية والجمع في الأعلام الشخصية وأسماء الاشارةوالأسماء
المشتركة كالعين مثلاً تدل على أحد المعنيين، وقد مرّ أن هذه الدلالةنتيجة مجموع
الوضعين بنحو الإشتراك مثلاً إذا قال شخص »جائني زيدان«فالمادة وهي زيد تدل على أحد
المعنيين في الخارج، وهيئة التثنية تدل علىتعدده، فهناك دالان ومدلولان. الأول
المادة ومدلولها أحدهما. والثاني الهيئةومدلولها تعدد مدخولها، وإذا قال »رأيت
عينين« فالمادة وهي لفظ العين تدلعلى أحد المعنيين وهيئة التثنية تدل على تعدده،
وإذا قال »كلّمت هذينالرجلين« فالمادة كلفظ هذا تدل على أحدهما، وهيئة التثنية تدل
على تعددمدلولها، وهذا معنى أن المعتبر في التثنية والجمع أن يكون مدلول
المادةقابلاًللتعدد، وإلاّ فلا تثنية ولا جمع باعتبار أن التثنية موضوعة للدلالة
علىتعدد مدلول المادة، وكذلك هيئة الجمع، فإذا لم يكن مدلول المادة قابلاً له
فلاموضوع للتثنية ولا للجمع.
ولكن يمكن المناقشة في هذه المحاولة أيضاً، بتقريب أن مدلول المادة سواءكان في
الأعلام الشخصية أم كان في أسماء الاشارة أو في الأسماء المشتركة متعينفي الواقع،
لوضوح أن مدلولها ليس أحدهما المفهومي كما هو واضح، ولاأحدهما المصداقي المردّد،
فإنه لا واقع له، وشأن اللفظ المشترك عند الاطلاقوعدم نصب قرينة على التعيين وإن
كان التردّد بين هذا المعنى وذاك المعنىفيالواقع، ولكن هذا التردد والإحتمال لا
يخرج عن أفق الذهن إلى الخارج،ومنالواضح أنه لا يجعل مدلول المادة كلياً قابلاً
للتعدد، لأن مدلولها في الواقعجزئي وغير قابل للتعدد.
وبكلمة، إن الفرد المردّد الذي تدل عليه المادة ليس بكلي قابل للتعدّد.
هذا إضافة إلى أن الترديد في الدلالة التصورية غير معقول، لأنها متمثلة فيانتقال
الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، ولا يعقل الترديد فيه، فإذا اطلقكلمة العين
كان المتبادر منها احدى معنييها مفهوماً لا مصداقاً، والواحدالمفهومي وإن كان
كلياً، إلاّ أنه ليس مدلول المادة جزماً، والترديد إنما يتصور فيالدلالة
التصديقية، وعلى هذا فالترديد بين المدلولين للمادة انما يكون في المدلولالتصديقي
لا المدلول التصوري، وحينئذ فيكون مدلول المادة الذي يعبر عنهبأحدهما المردد بين
هذا وذاك مدلول تصديقي.
والخلاصة أنا لو سلمنا أن مدلول المادة أحدهما المردد في الواقع وأنه قابلللتعدد
إلا أنه لما كان مدلولاً تصديقياً لها لم يصلح أن يكون مادة للتثنية والجمع،فإن
مدلولهما تصوري فلا يعقل ارتباطه بمدلول المادة الذي هو تصديقي، فإذن لايعقل عروض
هيئة التثنية على المادة بلحاظ مدلولها التصديقي، لأن مدلول الهيئةلابد أن يكون
محفوظاً في مرحلة المدلول التصوري للمادة.
وإن شئت قلت : إن المادة في المقام بلحاظ مدلولها التصوري لا يصلح أنتعرض عليها
هيئة التثنية من جهة أنه لا يمكن تعلق مفاد الهيئة بمفاد المادةعلىأساس أنه غير
قابل للتعدد، وأما بلحاظ مدلولها التصديقي فأيضاً لاتصلحأن تكون مادة لها كما مرّ.
فالنتيجة أن هذه المحاولة أيضاً غير تامة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا يتم شيء من المحاولاتالمذكورة،
وبالتالي لا يمكن المساعدة على الإتجاه الثاني، فالصحيح هو الإتجاهالأول، وذلك لأن
استعمال التثنية والجمع في اعلام الأشخاص وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة في العرف
العام كاستعمالهما في أسماء الأجناس من دون أيعناية زائدة، وهذا دليل إنّي كاشف عن
أن مفاد التثنية هو الدلالة على فردينمشتركين في اللفظ والمعنى أو في اللفظ فقط،
والأول كتثنية أسماء الأجناس،فإنها تدل على فردين مشتركين في اللفظ والمعنى معاً
كرجلين أو عالمين وهكذا،والثاني كتثنية اعلام الأشخاص وأسماء الاشارة، فإنها تدل
على فردينمشتركين في الاسم فقط دون المعنى كزيدين أو عمرين وهكذا، ومن هنا
يكونالمتبادر والمنسبق في الذهن من تثنية الأعلام فردين معلومين في
الخارجالمشتركين في الاسم، فلوكانت التثنية موضوعة للدلالة على فردين مشتركين
فياللفظ والمعنى معاً، لكان استعمالها في تثنية الأعلام ونظيرتها مجازاً
واستعمالاً فيغير المعنى الموضوع له، وهو بحاجة إلى علاقة وقرينة، مع أنه لا فرق
بحسبالمرتكزات العرفية بين المثالين في استعمال التثنية، فكما أنه على نحو الحقيقة
فيالمثال الأول فكذلك في المثال الثاني.
ودعوى أن التثنية والجمع في الأعلام ونظائرها ليست بتثنية وجمعفيالحقيقة، بل هي
مجرد تجميع في العبارة، لأن المتكلم بدلاً عن أن يقول »جاءزيد وزيد« يقول »جاء
زيدان«، وبدلاً عن أن يقول »جاء زيد وزيد وزيد«يقول »جاء زيدون«
مدفوعة بل غريبة جداً، فإن التثنية في لغة العرب هيئة تعرض على الكلمةبزيادة الألف
والنون، والجمع هيئة تعرض عليها بزيادة الواو والنون بدون فرقفي ذلك بين التثنية
والجمع في أسماء الأجناس وبينهما في الأعلام ونظيرتها،وأماأن قولك »جاء زيدان« في
قوة قولك »جاء زيد وزيد« فهو صحيح، ولكنذلك لا يختص بالتثنية والجمع في الأعلام
ونظيرتها، بل الأمر كذلك في تثنيةأسماء الأجناس وجمعها أيضاً، فإن قولك »جاء رجلان«
في قوة قولك »جاءرجل ورجل«.
فالنتيجة: أن التثنية تدل على المتعدد من مدخولها، سواء أكان معنيين بأنيكونا
مشتركين في اللفظ فقط دون المعنى، أم فردين بأن يكونا مشتركين فياللفظ والمعنى
معاً.
وأما الكلام في الجهة الثانية وهي ما إذا استعملت المادة في معنيينمستقلين كما إذا
استعملت كلمة العين في العين الباكية والعين الجارية أو في الذهبوالفضة، فحينئذ هل
تكون دلالة تثنيتها على فردين من العين الباكية وفردينمن العين الجارية، أو فردين
من الذهب وفردين من الفضة من استعمالها في أكثرمن معنى واحد أو لا؟ فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني، وقد أفاد في وجه ذلك، أن هذاليس من
استعمال التثنية في أكثر من معنى واحد، بل هو من استعمال المادة في أكثرمن معنى،
لأن كلمة العين قد استعملت في معنيين هما العين الباكية والعين الجاريةأو الذهب
والفضة، والتثنية مستعملة في معناها الموضوع له، وهو الدلالة علىالمتعدد من
مدخولها، وهذا بعينه نظير ما إذا ثنّي ما يكون متعدداً في نفسهكالعشرة مثلاً أو
الطائفة أو الجماعة أو القوم إلى غير ذلك كقولنا »رأيتطائفتين« فكما أنه لم يذهب
إلى وهم أحد أن التثنية في أمثال هذه المواردمستعملة في أكثر من معنى واحد فكذلك في
المقام، فلا فرق في ذلك بين المقامينأصلاً، غاية الأمر أن المفرد هنا استعمل في
المتعدد بالعناية دون هناك.
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن المادة ككلمة »العين« إن استعملت فيمجموع المعنيين
على نحو كان المجموع مدلولاً واحداً لها، فحينئذ وإن كانت تثنيتهاكتثنية العشرة وما
شاكلها، غاية الأمر أن استعمالها في المجموع بالعناية والمجازدون استعمال كلمة
العشرة في مدلولها، إلاّ أن ذلك خلاف المفروض في كلامهقدس سره،فإن المفروض فيه هو
استعمالها في معنيين لا في معنى واحد مركب، وعلى هذا فإذااستعملت كلمة »العين« في
كل من المعنيين على استقلاله فلها مدلولان. أحدهماالعين الباكية والآخر العين
الجارية، أو أحدهما الذهب والآخر الفضة، وهيئةالتثنية موضوعة بالوضع النوعي للدلالة
على تعدد مدلول مدخولها إذا كان قابلاًللتعدد، وحيث إن للمادة مدلولين، فبطبيعة
الحال يكون للهيئة مدلولان.أحدهما المتعدد من أحد مدلولي المادة. والآخر المتعدد من
مدلولها الآخر.
فإذن قياس المقام بتثنية العشرة ونظيرتها قياس مع الفارق، فإن في تثنيةالعشرة أو ما
شاكلها لم تستعمل مادتها إلاّ في مدلول واحد، وتثنيتها تدل علىإرادة فردين منه.
وبكلمة، إن للتثنية وضعين: أحدهما للهيئة بنحو الوضع العام والموضوع لهالخاص.
والآخر للمادة بنحو الوضع العام والموضوع له العام، كما إذا كانت المادةمن أسماء
الأجناس، أو الوضع الخاص والموضوع له الخاص، كما إذا كانت منالأعلام وأسماء
الاشارة.
وعلى هذا فإذا اُريد بالمادة كالعين طبيعة واحدة كالذهب مثلاً فالهيئة التيتعرض
عليها تدل على فردين منها، وإذا استعملت في فردين وفردين منها بنحوالاستقلال، فإن
هذا من استعمالها في معنيين، فإذا قيل مثلاً »جاء رجلان«واُريد منه فردان وفردان من
الرجل، كان هذا من استعمال التثنية في أكثر منمعنى واحد، فإنه في قوة قوله »جاء
رجلان ورجلان«.
وأما إذا اُريد من المادة طبيعتين، إحداهما الذهب والاُخرى الفضة، ففي مثلذلك قد
استعملت المادة في معنيين، وهل التثنية التي تعرض على تلك المادة أيضاًاستعملت في
معنيين أو لا؟
والجواب نعم، فإنها في هذه الحالة قد استعملت في مدلولين، أحدهمادلالتهاعلى إرادة
فردين من الذهب الذي هو أحد مدلولي المادة، والآخر دلالتها علىإرادة فردين من
الفضة التي هي مدلولها الثاني، وهذا من استعمال التثنية في أكثرمن معنى واحد، فإن
مدلولها الوضعي فردان من المادة، فإذا استعملت في فردينوفردين منها بنحو
الاستقلال، كان هذا من استعمالها في أكثر من معناها الموضوعله، سواء أكان المراد
من المادة طبيعة واحدة أم طبيعتين.
فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المادة إذا استعملت في معنيين، فدلالة
تثنيتهاعلى إرادة فردين من هذا المعنى وفردين من ذاك المعنى ليست من استعمالها
فيأكثر من معنى قياساً بتثنية العشرة ونظيرتها، فقد عرفت أنه قياس مع الفارق،فإن
في تثنية العشرة ونظيرتها لم تستعمل المادة ولا الهيئة في أكثر من معنى واحد.
وإذا استعملت المادة في معنى واحد، كما إذا اُريد من كلمة العين الفضة مثلاًويراد
من تثنيتها التي تعرض عليها الذهب والفضة معاً، فهل هذا من استعمالالتثنية في أكثر
من معنى أو لا؟
والجواب: أنه ليس من استعمالها في أكثر من معنى، بل هو من استعمالها فيمعنى واحد
بإرادة استعمالية واحدة، وفي استعمال اللفظ في معنيين سواء أكانمفرداً أم مثنى
لابد من افتراض إرادتين استعماليتين بنحو الاستقلال تعلّقتإحداهما بأحد المعنيين،
والاُخرى بالمعنى الآخر.
فالنتيجة أن قياس التثنية في المقام بتثنية العشرة والطائفة ونحوهما إنما يصحإذا
كانت المادة في المقام مستعملة في مجموع المعنيين بنحو يكون المجموع المركبمنهما
مدلولاً واحداً كما في تثنية العشرة والطائفة، وأما إذا كانت المادة في
المقاممستعملة في كل من المعنيين مستقلاً كما هو المفروض فيكون القياس في غير
محله،لأن استعمال المادة في أكثر من معنى يستلزم استعمال التثنية فيه أيضاً كما
مرّ.
ثم إن هذا الاستعمال يكون على نحو الحقيقة، كما هو الحال في استعمال اللفظالمفرد في
أكثر من معنى واحد.
لمزيد من التوضيح نذكر نتائج البحث، وهي كما يلي:
الاُولى: أن استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى يكون على نحو الحقيقة لاالمجاز،
فإن المجاز مبني على اعتبار قيد الوحدة في المعنى الموضوع له، وحيث إنالألفاظ
موضوعة للمعاني بما هي بقطع النظر عن الخصوصيات الذهنيةوالخارجية - منها قيد الوحدة
- فلا يكون هذا القيد مأخوذا في المعنى الموضوع لهولا في العلقة الوضعية.
الثانية: أن المراد من الوحدة ليس وحدة المعنى ذاتاً، إذ كل معنى بالذاتواحد في
مقابل المتعدد، ولا تمنع هذه الوحدة عن استعمال اللفظ في أكثر منمعنى، بل المراد
منها الوحدة اللحاظية ونقصد بها عدم لحاظ معنى آخر في مقامالاستعمال، فإن الوحدة
بهذا المعنى تمنع عن استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لاالوحدة بمعنى لحاظ المعنى
مستقلاً، فإنها لا تمنع عن الاستعمال المذكور كما تقدم.
الثالثة: أن ما قيل باستحالة أخذ الوحدة اللحاظية في المعنى الموضوع له -بدعوى أنها
من مقومات الاستعمال فلا يمكن أخذها في المعنى المستعمل فيه،وإلاّ لزم أخذ المتأخر
في مرتبة متقدمة وهو مستحيل - لا يرجع إلى معنىصحيح، إذ مضافاً إلى أن الوحدة
اللحاظية بمعنى عدم لحاظ معنى آخر في مقامالاستعمال ليست من مقومات الاستعمال -
إنه لا مانع من أخذها في المعنىالموضوع له، ولكن في طول المعنى لا في عرضه، فيكون
المعنى مركباً من جزئينطوليين، ويتحقق الجزء الطولي - وهو الوحدة اللحاظية - بنفس
اللحاظالاستعمالي، فإذا تعلق هذا اللحاظ بذات المعنى تحقق المعنى بكلا جزئية، فإذن
لايلزم المحذور المذكور.
الرابعة: أنه لا يمكن تقييد كل من المعنيين بعدم لحاظ المعنى الآخر
لحاظاًاستعمالياً، على أساس أن المراد منه واقع عدم اللحاظ لا مفهومه التصوري،وعليه
فيكون القيد المذكور قيداً تصديقياً، وحينئذ فإن قلنا بأن المدلول الوضعيمدلول
تصديقي، فلا مانع من تقييده بهذا القيد، وأما إذا قلنا بأن المدلول الوضعيمدلول
تصوري كما هو الصحيح، فلا يمكن تقييده بهذا القيد كما تقدم.
الخامسة: يجوز استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى واحد، وإنهذاالاستعمال يكون
على نحو الحقيقة دون المجاز، كما هو الحال في المفرد علىتفصيل قد مرّ.
السادسة: الأقرب أنه لا يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنىً،بل
يكفي اتحادهما لفظاً فحسب وإن كانا متغايرين معنى، كما هو الحال في تثنيةوجمع
الأعلام وأسماء الاشارة كقولنا »زيدان«، فإنه يدل على فردين مشتركينفي الاسم لا في
المعنى، وكذلك الحال في الجمع.
السابعة: أن اطلاق الثنية على تثنية الأعلام وأسماء الاشارة كإطلاقها علىتثنية
أسماء الأجناس عرفاً وارتكازاً، لا أن اطلاقها على الأول عنائي دونالثاني، وهذا
دليل إنّي على أن التثنية موضوعة للدلالة على فردين من المادةلفظاًومعنىً كما في
أسماء الأجناس أو لفظاً فقط كما في اعلام الأشخاص، وكذاالحال فيالجمع.
الثامنة: أن جميع المحاولات التي أقيمت لتأويل تثنية الأعلام وأسماء الاشارةونحوهما
إلى الإتحاد لفظاً ومعنى، فقد تقدم أنها غير تامة.
التاسعة: إن المادة ككلمة العين إذا استعملت في معنيين، كالذهب والفضة مثلاًفهيئة
التثنية تدل على فردين من الذهب وفردين من الفضة، وهذا من استعمالالتثنية في
معنيين كالمادة، على أساس أن استعمال المادة في معنيين يستلزم استعمالتثنيتها
فيهما أيضاً كما مرّ.
المعنى الحرفي...
التاسع: المعنى الحرفي
النظريات الرئيسية فيه متمثلة في ثلاث، نعم هناك نظريات اُخرى ولكنهاجانبية يبحث
عنها في ضمن البحث عن النظريات الرئيسية.
النظرية الاُولى: أن الحروف لم توضع لمعانٍ خاصة لكي تدل عليها، وإنماهي مجرد علامة
على خصوصية من خصوصيات مدخولها، كالظرفيةوالاستعلائية والابتدائية والانتهائية
وغيرها، وتكون بمثابة المنبه عليها بدونعلاقة ودلالة عليها بالجعل والمواضعة،
فحالها من هذه الناحية حال الحركاتالإعرابية في الكلام، فكما أنها لم توضع بإزاء
معان خاصة وإنما هي مجرد علامةعلى خصوصية من خصوصيات مدخولها كالفاعلية والمفعولية
والابتدائيةوالخبرية، مثلاً الفتحة علامة على خصوصية خاصة في مدخولها والضمة
علامةعلى خصوصية اُخرى فيه، والكسرة علامة على خصوصية ثالثة، والتنوينعلامة على
خصوصية رابعة وهكذا فكذلك الحروف، فإن »في« علامة علىخصوصية في مدخولها، و»على«
علامة على خصوصية اُخرى فيه مباينةللأولى، وهكذا.
ويمكن تفسير هذا الإتجاه بوجوه:
الأول: أن يراد به خلوّ الحروف عن المعنى الموضوع له والدلالة عليه، وإنوجودها في
الكلام كالحرف الزائد فيه بدون أي تأثير لها في تكوين الجملاتوتنسيقها ومداليلها.
ولكن هذا التفسير خلاف الضرورة والوجدان، بداهة أن للحروف تأثيراًكبيراً في تكوين
الجملات ومداليلها، ولولاها لانهارت الجملات ومداليلهانهائياً واصبحت كلمات متفرقة
غير مرتبطة. والخلاصة أن عنصر الحرف فيالجملة كعنصر الاسم والفعل، فكما أن لعنصر
الاسم والفعل دوراً كبيراً فيتكوين الجملة بمالها من المدلول فكذلك لعنصر الحرف،
مثلاً لحرف »في« فيمثل قولنا »الصلاة في المسجد كذا وكذا« دور كبير في تكوين هذه
الجملة بمالهامن المعنى، وإلاّ فلا تكون هناك جملة مؤلفة لا لفظاً ولا معنى.
الثاني: أن الحرف لا يدل على معنى في عرض دلالة الاسم عليه، ولا يكوندوره في تكوين
الجملة في عرض دور الاسم فيه، وإنما يدل على معنى في طولدلالة الاسم، فيكون مدلوله
في طول مدلوله.
والجواب: أنه إن اُريد بذلك أن المعنى الحرفي هو تحصص المعنى الاسمي الذيهو في
طوله ومن تبعاته، فيرد عليه - مضافاً إلى أن هذا من أحد الأقوال الآتيةالجانبية
وليس نظرية رئيسية في المسألة في مقابل النظريتين الاُخريين -أنالتحصص والحصة ليس
معنى حرفياً على ما سوف نشير إليه في ضمنالبحوث القادمة.
وإن اُريد به أن الحرف يعين المراد من المعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال، ففيمثل
قولنا »الغسل في يوم الجمعة مستحب«، يدل حرف »في« على أن المراد منالغسل حصة خاصة
منه، وهي الواقعة في يوم الجمعة وهكذا، فيرد عليه أنلازم ذلك دلالة حرف »في« في
المثال على أن الغسل قد استعمل في حصة خاصةمنه، وهي الحصة الواقعة في يوم الجمعة،
ومن الواضح أن هذا استعمال للغسل فيغير معناه الموضوع له، وهو طبيعي الغسل، فإذن
لابد من الالتزام بالمجاز فيالمثال وما شاكله وهو كماترى.
هذا إضافة إلى ما سيجيء من أن للحرف معنى في مقابل معنى الاسم، لا أنمعناه تعيين
المراد الاستعمالي من الاسم.
الثالث: أن لا يكون للحرف مدلول لا في عرض مدلول الاسم ولا في طوله،وإنما يكون شأنه
تقييد الاسم لفظاً، وعليه فالدال على المعنى هو الاسم، فإنه إنكان مطلقاً وغير
مقيد دل على الطبيعي الجامع، وإن كان مقيداً بالحرف كما فيمثل قولنا »الصلاة في
المسجد« دل على الطبيعي المقيد وهو الحصة، فالدالالاسم على كلا التقديرين دون
الحرف.
والجواب: أن هذا الوجه غريب جداً، لأن مقتضاه أن الدال على الخصوصيةهو الحرف دون
الاسم، لأنه إذا كان مطلقاً لم يدل عليها، وإذا كان مقيداًبالحرفدل عليها، وهذا
معناه أن الدال عليها الجهة التقييدية، ومن الواضح أنالحرف في الكلام ليس جهة
تعليلية بأن يكون علة لاعطاء الاسم صلاحيةالدلالة على الحصة.
ودعوى أن مقصود القائل بهذا الإتجاه وضع الاسم المقيد بالحرف لمعنىخاص، ففي مثل
قولنا »الصلاة في المسجد«، فالصلاة المقيّدة بحرف »في«موضوعة للدلالة على حصة خاصة،
ولا يبقى حينئذ لحرف »في« معنى إضافيفي الكلام لكي تدل عليه،
مدفوعة أولاً: أن لأسماء الأجناس وضعاً واحداً بإزاء الطبيعي الجامع،وليس لها وضع
آخر بإزاء حصصه، مثلاً للصلاة وضع واحد، وهو الوضع بإزاءالطبيعي الجامع، وليس
للصلاة في المسجد وضع آخر بإزاء حصة من الجامع،وللصلاة في البيت وضع ثالث وهكذا،
فتعدد الوضع بتعدد القيد بالحروفخلاف الضرورة لدى العرف العام واللغة.
وثانياً: أن هذا الوضع لغو، وذلك لأن الحرف إما من الألفاظ المهملة أوالموضوعة ولا
ثالث لهما، فعلى الأول لا أثر لتقييد الاسم به حتى يوضع الاسمالمقيد به لمعنى خاص،
فلو وضع لكان لغواً، وعلى الثاني فالحرف بمقتضى وضعهيدل على الحصة فلا حاجة إلى
وضع الاسم المقيد به بإزائها، أو فقل إن الاسميدل على الطبيعي الجامع، والحرف يدل
على تحصصه بحصة خاصة، فإذن يكونوضع الاسم المقيد به للدلالة على الحصة لغواً.
ومن هنا إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره يصلح في نفسه جواباً عن هذهالنظرية، وهو
أن خصوصية من خصوصيات المدخول التي تدل عليها الحروفهي بعينها المعاني التي وضعت
الحروف بإزائها، إذ المفروض أن تلكالخصوصيات ليست مما تدل عليه الأسماء، لعدم
كونها مأخوذة في مفاهيمها،فإذن لا محالة يكون الدال عليه الحروف.
ولا يقاس الحروف بالحركات الإعرابية، فإن الحركات الإعرابية لا تكونأكثر من مجرد
العلامة بدون وضعها للدلالة على خصوصية من خصوصياتمدخولها، كفاعلية الاسم ومفعولية
الآخر وهكذا، فإن »الضمة« لم توضعللدلالة على الفاعلية، والفتحة للدلالة على
المفعولية، لأن فاعلية الاسم متقومةبصدور الفعل منه مباشرة أو بقيامه عليه كذلك،
كانت هناك ضمة أم لا، وهذابخلاف الحروف، فإنه لولا حرف »في« في مثل قولنا »الصلاة
في المسجد« لمتكن هناك جملة ولا حصة، فتكوين الجملة لفظاً ومعناً مرتبط بحرف
»في«،فإذن قياس الحروف بالحركات الإعرابية قياس مع الفارق. نعم، سوف نشير فيضمن
البحوث الآتية أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الحروف موضوعةللدلالة على
تحصيص المفاهيم الاسمية وتضييقها غير تام.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتيجة التالية، وهي أن هذه النظرية في مسألة الحروفلا ترجع
إلى معنى محصل.
النظرية الثانية: أنه لا فرق بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة،وإنما
الفرق بينهما في أمر خارج عن حقيقتهما، وهو اللحاظ الآلي والاستقلالي،بمعنى أن
المعنى الواحد حقيقة وذاتاً إن لوحظ في مرحلة الاستعمال آلياً، فهومعنى حرفي، وإن
لوحظ فيها استقلالياً فهو معنى اسمي.
واختار هذه النظرية المحقق الخراسانيقدس سره، وقد أفاد في وجه ذلك: أن
المعنىالحرفي والمعنى الاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ
والاعتبار،فكلمة »الإبتداء« وحرف »من« مشتركتان في طبيعة معنى واحد، ولا
امتيازلاحداهما عن الاُخرى إلا في اللحاظ الذهني في مرحلة الاستعمال،
فإنهفيالأسماء استقلالي وفي الحروف آلي، وأن الاستقلالية والآلية خارجتان عنحريم
المعنى، فالمعنى في نفسه لا يتصف بأنه مستقل ولا غير مستقل، بل همامنتوابع
الاستعمال(10).
وقد استدلقدس سره على عدم امكان أخذ اللحاظ الآلي كاللحاظ الاستقلالي فيالمعنى
الموضوع له بوجوه ثلاثة، ولكن جميع هذه الوجوه مبنية على صحة هذهالنظرية، وحيث
إنها باطلة ولا ترجع إلى معنى محصل كما سوف نشير إليه فلاموضوع لتلك الوجوه، لأن
عدم أخذ اللحاظ الذهني آلياً كان أم استقلالياً فيالمعنى الموضوع له أمر واضح، إذ
الألفاظ كما لم توضع بإزاء المعاني الموجودة فيالخارج، وإلا لكانت المداليل
الوضعية مداليل تصديقية لم توضع بإزاء المعانيالموجودة في الذهن، وإلا لم تنطبق
على ما في الخارج، بل هي موضوعة للماهيةالمتقررة في المرتبة السابقة على الوجود
الذهني والوجود الخارجي ماعداالحروف، وسيأتي الكلام فيها.
هذا إضافة إلى أن تلك الوجوه لا تقتضي عدم امكان أخذ اللحاظ الآلي فيالمعنى
الموضوع له غير الوجه الأول، ولكنه غير صحيح، وذلك لأنه مبني علىأن أخذ اللحاظ
الآلي الذي هو مقوّم للإستعمال في المعنى الموضوع له من أخذ ماهو متأخر في مرتبة
متقدمة، ولكن ذلك إنما يلزم إذا كان مأخوذاً فيه في عرضهوفي مرتبته، وأما إذا كان
مأخوذاً فيه طولاً، بأن يكون الموضوع له مركباً منجزئين طوليين. أحدهما ذات المعنى
والآخر اللحاظ الآلي فلا يلزم المحذورالمذكور، لأن الجزء الطولي وهو اللحاظ الآلي
يتحقق بنفس اللحاظ الاستعماليفي مرحلته، لا أنه متحقق في المرتبة السابقة.
ثم إن هذه النظرية ترجع إلى عدة نقاط:
الاُولى: أن الحروف تشترك مع الأسماء وفي طبيعي المعنى بالذات والحقيقة،ولا فرق
بينهما فيه، فتكون ذات المعنى بمثابة الجنس المشترك فيهما.
الثانية: أن ملاك حرفية الحرف لحاظ المعنى آلياً في مرحلة الاستعمال،وملاك اسمية
الإسم لحاظ المعنى استقلالياً في هذه المرحلة، ومعنى حرف »من«وكلمة »الإبتداء« واحد
ذاتاً وحقيقة، ولا فرق بينهما في ذات المعنى، وإنما الفرقبينهما في اللحاظ الذهني،
فإن لوحظ هذ المعنى الواحد بالذات آلياً في مرحلةالاستعمال فهو معنى حرفي، وإن لوحظ
استقلالاً في تلك المرحلة فهو معنى اسميفهذه النقطة بمثابة الفصل المميز لهما.
الثالثة: أن اللحاظ الآلي والاستقلالي قد اخذا في العلقة الوضعية لا في
المعنىالموضوع له، فحرف »من« موضوعه لنفس المعنى المذكور مقيدة بما إذا لوحظفي
مقام الاستعمال آلياً، وكلمة »ابتداء« موضوعة لنفس ذلك المعنى أيضاً لكنمقيدة بما
إذا لوحظ استقلالاً في مقام الاستعمال هذا.
وقد اعترض على هذه النظرية بعدّة وجوه:
الأول: ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره، وإليكم نصّه:
»إن الاسم والحرف لو كانا متحدي المعنى وكان الفرق بمجرد اللحاظالاستقلالي والآلي
لكان طبيعي المعنى الوحداني قابلاً لأن يوجد في الخارج علىنحوين، كما يوجد في
الذهن على طورين، مع أن المعنى الحرفي كأنحاء النسبوالروابط لا يوجد في الخارج
إلاّ على نحو واحد، وهو الوجود لا في نفسه، ولايعقل أن توجد النسبة في الخارج بوجود
نفسي، فإن القابل لهذا النحو منالوجود ما كان له ماهية تامة ملحوظ في العقل
كالجواهر والاعراض، غايةالأمر أن الجوهر يوجد في نفسه لنفسه، والعرض يوجد في نفسه
لغيره«(11)،هذا.
ومقصودهقدس سره من ذلك البيان إقامة البرهان على أن المعنى الحرفي لا يكونمتحداً
مع المعنى الاسمي ومباين له ذاتاً وحقيقة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مرادهقدس سره من أن المعنى الواحد، لوكان يوجد في الذهنعلى
طورين آلي واستقلالي لزم أن يوجد في الخارج أيضاً كذلك، هو أنالموجودات الذهنية
كالموجودات الخارجية، بمعنى أن عالم الذهن مطابق لعالمالخارج في أنحاء الوجود،
فكما أن الموجودات الذهنية على نحوين: أحدهماالمستقل بذاته في عالم الذهن وهو
المعنى الاسمي، والآخر غير المستقل بذاته فيهوهو المعنى الحرفي كأنحاء النسب
والروابط فكذلك الموجودات الخارجية،فإنهاأيضاً على نحوين: أحدهما المستقل بذاته في
عالم الخارج كالجواهروالأعراض، فإنها موجودة في نفسها فيه. والآخر غير المستقل
بذاته فيه كأنحاءالنسب والروابط.
وبكلمة، إنهقدس سره أراد من ذلك أن المعنى الاسمي بما أنه مستقل بذاته فإنه
كمايوجد في الذهن على هذا الطور يوجد في الخارج أيضاً كذلك كالجواهروالاعراض،
والمعنى الحرفي كأنحاء النسب والروابط بما أنه غير مستقل بذاته،فإنه لا يوجد في
الذهن ولا الخارج إلاّ بوجود لا في نفسه.
هذا هو مرادهقدس سره من تطابق عالم الذهن مع عالم الخارج في أنحاء الوجود،وليس
مراده أن كل معنى يمكن أن يلحظ في الذهن مستقلاً لزم أن يوجد فيالخارج كذلك، فإن
بطلانه من الواضحات، إذ يمكن لحاظ العرض في الذهنمستقلاً عن موضوعه مع أنه في
الخارج لا يوجد إلاّ في موضوعه، وسوف يأتيالنظر إلى ما اختارهقدس سره من المعنى
الحرفي.
الثاني: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن مجرد اشتراط الواضع الآلية
فياستعمال الحرف، والاستقلالية في استعمال الاسم، بعد ما كان المستعمل فيه
فيكليهما واحداً بالذات والحقيقة لا قيمة له، ولا يكون ملزماً للمستعمل
بالالتزامبهذا الشرط في مرحلة الاستعمال، لانتفاء المولوية، ولا يترتب على هذا
الشرطعدم صحة استعمال اللفظ في معناه الموضوع له إذا خالفه، بأن استعمل الحرففيه
بدون اللحاظ الآلي أو استعمل الاسم فيه بدون اللحاظ الاستقلالي، بل ولوسلمنا عدم
صحته، فإنما هو بقانون الوضع لا مطلقاً ولو مجازاً، مع وضوح أناستعمال الحرف في
موضع الاسم، وبالعكس غير صحيح مطلقاً(12). هذا.
وقد علق عليه بعض المحققينقدس سره بما حاصله، أن مرجع تقييد الواضع الوضعباللحاظ
الآلي في الحروف وبالاستقلالي في الأسماء ليس إلى اشتراط ذلك علىالمستعمل على حد
الإشتراط الفقهي، وهو الالتزام في الالتزام، فإنه غير محتملعادة في باب الوضع، بل
إلى تقييد العلقة الوضعية، فإنها قيدت في الحروف بما إذالوحظ المعنى آلة وفي
الأسماء بما إذا لوحظ استقلالاً.
وأما عدم صحة استعمال الحرف في موضع الاسم وبالعكس مطلقاً فقد عللذلك بأن الحرف في
حالة عدم اللحاظ الآلي يكون مهملاً، لعدم الوضع في هذهالحالة، والمهمل لا يصح
استعماله في معنى لا حقيقة ولا مجازاً، أما الأول فلأنهخلف الإهمال، وأما الثاني
فلأنه يتوقف على أن يكون له معنى حقيقي فعلاً، لأنالمصحح للإستعمال في المعنى
المجازي هو العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ومععدم المعنى الحقيقي له فلا موضوع
لها(13).
وغير خفي أن التعليق الأول يكون في محله، إذ لا شبهة في أن مرجع تقييدالواضع الوضع
إلى تقييد العلقة الوضعية لا إلى الشرط الخارجي.
وأما التعليق الثاني فهو محل منع ومناقشة، فإن الحرف في حالة عدم لحاظالمعنى آلياً
لا يكون من اللفظ المهمل في مقابل اللفظ الموضوع، كما أن الاسم فيحالة عدم لحاظ
المعنى استقلالاً لا يكون من اللفظ المهمل، كيف فإن الحرفموضوع لمعنى في حالة
لحاظه آلياً، والاسم موضوع لمعنى في حالة لحاظهاستقلالاً، فإذن يكون الحرف كالاسم
من اللفظ الموضوع في مقابل اللفظ المهملالذي لا وضع له نهائياً.
وعلى هذا فإذا استعمل الحرف كحرف »من« في ذات معناه الموضوع لهبدون لحاظه آلياً،
فهو وإن كان استعمالاً بدون العلقة الوضعية إلا أنه لا مانع منالالتزام بأن هذا
الاستعمال استعمال مجازي، وذلك لأن المصحح لهذا الاستعمالهو العلاقة الحاصلة بين
الحرف وذات المعنى الموضوع له تبعاً لوضعه بإزاء هذاالمعنى في حالة خاصة، فإذن يكون
هذا المجاز مسبوقاً بالوضع ومستنداً إليه فينهاية المطاف، فالحد الأوسط المصحح
للإستعمال المجازي هو الوضع.
وبكلمة، إن وضع الحرف كحرف »من« لمعنى الإبتداء وإن كان مختصاً بحالةخاصة، وهي ما
إذا لوحظ المعنى آلياً، إلاّ أنه يؤدي إلى تحقق العلاقة بينه وبينالمعنى في حالة
اُخرى بالتبع، وحينئذ فتكون العلاقة بينهما ذاتية، وهذا يعني أنالمعنى المستعمل
فيه من الحالتين واحد ذاتاً وحقيقة، ولا تتوقف صحة هذاالاستعمال على وجود علاقة
بينه وبين المعنى المجازي بواسطة المعنى الحقيقي، أيبواسطة العلاقة بينه وبين
المعنى المجازي لكي يقال إنه ليس له معنى حقيقي في هذهالحالة، فالنتيجة أن هذا
التعليق غير صحيح.
الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن هذه النظرية تنحل إلى نقطتين:
النقطة الاُولى: نقطة الإشتراك، وهي أن الحروف والأسماء مشتركتان فيطبيعي معنى
واحد، فالآلية والاستقلالية خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى فينفسه لا مستقل ولا
غير مستقل.
النقطة الثانية: نقطة الامتياز، وهي أن ملاك الحرفية ملاحظة المعنى آلة،وملاك
الاسمية ملاحظة المعنى استقلالاً، وبذلك يمتاز أحدهما عن الآخر.
ثم قد علققدس سره على كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى: فلأن لازمها صحة استعمال كل من الاسم والحرف فيموضع الآخر،
كاستعمال حرف »في« موضع الظرفية وبالعكس، واستعمالحرف »من« موضع الإبتداء وبالعكس،
مع أنه من أفحش الأغلاط فيالاستعمالات العرفية، حيث إنه يؤدي إلى انهيار الجملة
بمالها من المعنى.
أما جواز الاستعمال على ضوء هذه النقطة فقد ذكرقدس سره أن العلاقة
الخارجيةوالمناسبة الأجنبية إذا كانت مصححة لإستعمال اللفظ في المعنى بدون
العلقةالوضعية فالعلاقة الداخلية والمناسبة الذاتية بطريق أولى، وما نحن فيه من
هذاالقبيل، فإن استعمال الحرف في موضع الاسم وبالعكس وإن كان بدون العلقةالوضعية
إلا إنه استعمال في ذات المعنى الموضوع له، والعلاقة الحاصلة بينهما بتبعوضعه لهذا
المعنى في حالة خاصة أقوى من العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنىالمجازي المباين
للمعنى الحقيقي، بنكته إن وضع اللفظ بإزاء معنى إذا كان موجباًلحدوث علاقة بينه
وبين معنى آخر مباين له ذاتاً ومشابهاً له وصفاً بالتبعفوضعه بإزائه في حالة خاصة
لا محاله، يوجب حدوث علاقة بينه وبين نفسهذا المعنى في حالة اُخرى بالتبع أقوى من
الاُولى، باعتبار أن المعنى المجازي فيهعين المعنى الحقيقي، ومع هذا لا يصح
استعمال الحرف موضع الاسم وبالعكس،وهذا كاشف عن أن المعنى الحرفي مباين للمعنى
الاسمي ذاتاً وحقيقة(14).
وأما النقطة الثانية: فقد علققدس سره عليها بوجوه:
الأول: أن لازم هذه النقطة كون العناوين الكلية في القضايا الحقيقية التي هيمأخوذة
معرفات صرفة لموضوعاتها من المعاني الحرفية، باعتبار أنها أخذتمرآة لها، مثلاً
التبين في قوله تعالى: »كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ
الْخَيْطَالأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد«(15) قد أخذ معرفاً ومرآة لطلوع
الفجر بدون أيدخل له في حرمة الأكل والشرب(16).
ويمكن المناقشة في هذا التعليق بأن المراد بآلية المعنى الحرفي في المقام فناءمفهوم
الحرف في مفهوم الاسم، لافناء العنوان في المصداق الخارجي الذي ليسمن باب فناء
المفهوم في المفهوم، ومن هنا قد صرح بذلك صاحب الكفايةقدس سرهبقوله »إنه لا يكاد
يكون المعنى حرفياً إلاّ إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ومنخصوصياته القائمة به(17)»،
مثلاً معنى الابتداء لا يكون معنى حرف »من« إلا إذالوحظ آلة وحالة لمعنى آخر من
ناحية، وكونه دخيلاً في تكوين الجملة بمالها منالمعنى من ناحية اُخرى، فإذن يختلف
المعنى الحرفي عن العنوان في نقطتين:الاُولى: أن العنوان متحد مع المعنون بالذات في
عالم المفهوم، ومحمول عليهبالحمل الأولي الذاتي، بينما مفهوم الحرف الفاني مباين
للمفهوم الاسمي المفني.والثانية: أن العنوان بمفهومه الذهني مرآة للمعنون في
الخارج، بينما مفهوم الحرفمرآة لمفهوم الاسم في عالم المفهوم لا الخارج.
هذا إضافة إلى أن مفهوم الحرف دخيل في تكوين الجملة بمالها من المعنىواقعاً، بينما
العنوان غير دخيل فيه، وإنما هو مجرد معرف للموضوع.
الثاني: أن لحاظ المعنى حالة للغير لو كان تمام الملاك لحرفيته لزم منه كونجميع
المصادر معاني حرفية، باعتبار أنها أوصاف لمعروضاتها ومن حالاتها،وهذا بخلاف أسماء
المصادر، فإن الملحوظ فيها الحدث فقط دون الوصفية،وبذلك تمتاز المصادر عن
اسمائها(18).
وقد أورد عليه بعض المحققينقدس سره بأن المصادر تحتوي على المادة والهيئة،
فإناُريد النقض بمادتها فهي موضوعة لذات الحدث، وإن اُريد النقض بهيئتها فقديسلم
بكونها كالحروف وسائر الهيئات(19).
ولكن الظاهر أن ذلك لا يدفع ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التعليق،
لأننظرهقدس سره ليس إلى الهيئة ولا إلى المادة وحدها، باعتبار أن معنى الهيئة
معنى حرفيومعنى المادة معنى اسمي، بل نظره إلى أن المصدر بما هو مشتمل على المادة
والهيئةمعاً حالة للغير وصفة لمعروضه كالمعنى الحرفي، لا باعتبار مادته فقط أو
هيئته.وعلى الجملة فإذا كان الملاك في حرفية المعنى كونه حالة للغير وصفة له لزم
كونالمصدر معنى حرفياً لتوفر ملاك الحرفية فيه، مع أنه ليس بحرف.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق، أن ملاك حرفية المعنى إنما هو آليتهباللحاظ لا
بالذات، لأن المعنى بالذات لا مستقل ولا غير مستقل، بينما المصدريكون وصفاً لمعروضه
وحالة له بالذات لا باللحاظ فقط، فإذن ما هو ملاكحرفية المعنى غير متوفر في
المصدر.
الثالث: أن ما هو المشهور من أن المعنى الحرفي ملحوظ آلة لا أصل له، وذلكلأنه لا
فرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في ذلك، إذ كما أن اللحاظالإستقلالي والقصد
الأولي يتعلقان بالمعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال قديتعلقان بالمعنى الحرفي أيضاً،
على أساس أنه ليس لذلك ضابط كلي، بل هويختلف باختلاف ما هو المقصود بالإفادة في
الكلام، فإن كان المقصود بالإفادةفيه المعنى الاسمي، فإنه الملحوظ مستقلاً، وإن كان
المقصود بالإفادة فيه المعنىالحرفي كما إذا كان الموضوع والمجهول في القضية
معلومين عند شخص ولكنه كانجاهلاً بخصوصيتهما فسأل عنها فأجيب على طبق سؤاله، فهو
والمجيب إنماينظران إلى هذه الخصوصية نظرة استقلالية، مثلاً إذا كان مجيء زيد
معلوماًولكن كانت كيفية مجيئه مجهولة عند أحد، فلم يعلم أنه جاء مع غيره أو
جاءوحده، فسأل عنها فقيل إنه جاء مع عمرو، فالمنظور بالاستقلال والملحوظكذلك في
الافادة والاستفادة في مثل ذلك إنما هو هذه الخصوصية التي هي منالمعاني الحرفية
دون المفهوم الاسمي فإنه معلوم، بل إن الغالب في موارد الإفادةوالاستفادة عند العرف
العام النظر الاستقلالي والقصد الأولي بإفادةالخصوصيات والكيفيات المتعلقات
بالمفاهيم الاسمية(20).
وفيه: أن ذلك خلاف مبناهقدس سره، وهو المبنى المشهور بين المتأخرين من أنالمعاني
الحرفية غير مستقلة بذاتها سواء كان في الذهن أم في الخارج، فلا يعقلوجودها
بإستقلالها، فإن الآلية والفنائية ذاتية لها في عالم الذهن والخارج، ولايتصور أن
يكون المعنى الحرفي ملحوظاً مستقلاً بالإفادة، وما ذكرهقدس سره منالأمثلة لكون
المعنى الحرفي ملحوظاً بالاستقلال فالأمر فيها ليس كذلك، فإنالخصوصية المجهولة
التي هي معنى حرفي ملحوظة بالعنوان الإنتزاعي الذي هومفهوم اسمي، لما سيجي من أن
المعنى الحرفي بنفسه غير قابل لأن يكون ملحوظاًباللحاظ الذهني، فإن كل ما هو ملحوظ
كذلك فهو معنى اسمي لا حرفي.
وبكلمة، إن هذا التعليق لا يتم لا على القول باتحاد المعنى الحرفي مع المعنىالاسمي
ذاتاً وحقيقة ولا على القول بتباينه معه كذلك.
أما على الأول فلأن ملاك حرفية المعنى على ضوء هذا القول لحاظه آلياً، فلولوحظ
استقلالاً فهو معنى اسمي، وعلى هذا فلا يمكن افتراض لحاظ المعنىالحرفي مستقلاً،
وإلا لزم خلف فرض كونه معنى حرفياً.
وأما على الثاني فلما عرفت من أن المعنى الحرفي آلي بالذات سواء أكان فيالذهن أم
في الخارج، فلا يعقل وجوده في الذهن ولا في الخارج، وما هوالملحوظ في الذهن مفهوم
اسمي وإن كان بعنوان مشير إلى واقع المعنى الحرفي.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذهالنتيجة، وهيأن ما أوردهالسيد الاُستاذقدس سره علىهذه
النظرية منالتعليقات لايتم شيء منها ماعداالتعليق الأول على النقطةالاُولى.
فالصحيح في المسألة أن يقال إن هذه النظرية باطلة جزماً. بيان ذلك ماأشرنا إليه
فيما سبق من أنها تنحل إلى عنصرين:
الأول: أن المعنى الحرفي متحد مع المعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة.
الثاني: أن المعنى الحرفي متقوم باللحاظ الآلي والمعنى الاسمي متقوم
باللحاظالاستقلالي. فالعنصر الأول بمثابة الجنس لهما، والثاني بمثابة الفصل،
ولكنكلاالعنصرين خاطيء.
أما العنصر الأول، فلا شبهة في أن المعنى الحرفي مباين بتمام ذاته وذاتياته
معالمعنى الاسمي، فإن المعنى الحرفي عين واقع الربط والنسبة بين مفهومين
منالمفاهيم الاسمية ومتقوم بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيه، حيث إنهما
منالمقومات الذاتية له بمثابة الجنس والفصل للنوع.
ومن هنا لا يكون للمعنى الحرفي تقرر ذاتي ماهوي في مرتبة سابقة علىالوجود الذهني
أو الخارجي، لأن تقرر النسبة أنما هو بشخص وجود طرفيها،فإن كانا في الذهن كانت
النسبة ذهنية، لأنهما من المقومات الذاتية لها، وإن كانافي الخارج كانت النسبة
خارجية.
وأما المعنى الاسمي فهو بحد ذاته وذاتياته مستقل، ويكون له تقرر ذاتيماهوي في
المرتبة السابقة على وجوده في الذهن أو الخارج، فإن مقوماته الذاتيةكالجنس والفصل
محفوظة فيه في تلك المرتبة، مثلاً مفهوم الانسان مفهوم متقررذاتاً وماهية في
المرتبة السابقة على وجوده في الذهن أو الخارج، لأن مقوماتهالذاتية كالحيوانية
والناطقية محفوظة فيه بقطع النظر عن وجوده، فإن الانسانحيوان ناطق سواء أوجد في
الذهن أم الخارج أم لا، وبذلك يظهر أن المعنىالحرفي يمتاز عن المعنى الاسمي في عدة
نقاط:
1 - أن المعنى الحرفي عين التعلق والربط لا شيء له تعلق وربط، بينما المعنىالاسمي
عين الاستقلال لا شيء له الاّ استقلال.
2 - ليس للمعنى الحرفي تقرر ماهوي ذاتي في مرتبة سابقة على الوجود، بينماكان للمعنى
الاسمي تقرر ماهوي ذاتي في المرتبة السابقة على الوجود.
3 - أن وجود شخص طرفي المعنى الحرفي من المقومات الذاتية له، بينما إنوجود المعنى
الاسمي ليس من مقوماته الذاتية له، وإنما يكون تشخصه به. ويأتيتفصيل ذلك لدى تعرض
النظرية الثالثة.
هذا إضافة إلى أن هذه النظرية بنفسها إذا حللناها لا ترجع إلى معنى معقول،إذ لا
يمكن أن يكون مراد المحقق الخراسانيقدس سره من أن المعنى الحرفي المتحد معالمعنى
الاسمي ذاتاً وحقيقة في مثل حرف »من« واقع الإبتداء الذي هو عبارةعن واقع النسبة
بين شخص وجود طرفيها، وإلاّ لكان المعنى الحرفي مبايناًللمعنى الاسمي بتمام ذاته
وذاتياته، بل يكون مرادهقدس سره منه مفهوم الإبتداء، ولاشبهة في استقلاله بالذات
في عالم المفهوم، وما في هذه النظرية من أن المعنى فينفسه لا مستقل ولا غير مستقل
لا يراد بذلك نفي الاستقلال وعدم نفيه بالذاتلاستحالة ارتفاع النقيضين، بل يراد به
عدم لحاظه لا مستقلاً ولا آلياً في الذهن،فإذا كان المعنى والمفهوم في ذاته مستقلاً
ولم يكن آلة للغير وحالة له، فلا يعقلجعله آلة للغير وحالة له باللحاظ، لوضوح أن
اللحاظ لا يجعل المفهوم المستقلبذاته غير مستقل كذلك، ولا يكون أكثر من مجرد تصور
آليته للغير ولحاظهكذلك بدون أن يكون له واقع موضوعي.
وبكلمة، إن المفهوم في عالم المفهومية إذا كان مستقلاً بالذات ومبايناً
لمفاهيماُخرى فيه وليس فانياً في مفهوم آخر ذاتاً وحالة له فيه، فلا يمكن جعله
فانياً فيمفهوم آخر باللحاظ، لأنه مباين له في عالم الذهن والمفهوم، فكيف يعقل
جعلهفانياً فيه وحالة له، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون لحاظ المعنى الحرفي مندكاً
فيالمعنى الاسمي وفانياً فيه ناجم عن الفرق الجوهري بينهما ذاتاً وسنخاً، وإن
المعنىالحرفي مندك بالذات في المعنى الاسمي وفانياً فيه لا باللحاظ الآلي.
ودعوى أن المراد من لحاظ المعنى والمفهوم آلة هو لحاظه آلة ومرآة لمصاديقهالخارجية
لا آلة ومرآة لمفهوم آخر حتى يقال أنه غير معقول، مدفوعة بأن كلمفهوم مرآة
لمصاديقه في الخارج ومنطبق عليها انطباق الطبيعي على أفراده،غاية الأمر إن كان
المفهوم كلياً فإنه مرآة للحيثية المشتركة بين أفراده لالخصوصياتها، وإن كان جزئياً
فهو مرآة للخاص في الخارج، وعلى هذا فلا فرقبين المفهوم الحرفي والمفهوم الاسمي.
والخلاصة أنه لو لم يكن فرق بين المعاني الحرفية والمعاني الاسمية في عالمالمفهوم
لم يكن بالإمكان التمييز بينهما بحسب عالم الإنطباق في الخارج، فمن أجلذلك لا ترجع
هذه النظرية إلى معنى معقول.
وأما العنصر الثاني فيقع الكلام فيه في موردين:
الأول: في امكان تقييد العلقة الوضعية بشيء كما يمكن تقييد الموضوعوالموضوع له
به.
الثاني: أنه على تقدير إمكان تقييدها، فهل يمكن تقييدها باللحاظ الآليوالاستقلالي؟
أما الكلام في المورد الأول فقد تقدم في مبحث الوضع أنه لا مانع من تقييدالعلقة
الوضعية بقيد ما بناء على ما هو الصحيح من أن حقيقة الوضع حقيقةاعتبارية، فحالها من
هذه الناحية حال سائر المجعولات الاعتبارية، وكذلك لامانع من تقييدها على مسلك
التعهد، نعم لا يمكن تقييدها على مسلك أن حقيقةالوضع هي القرن الأكيد بين صورة
اللفظ وصورة المعنى في الذهن، علىأساسأن الوضع على أساس هذا المسلك حقيقة تكوينية
غير قابلة للتقييدبالجعل والاعتبار.
وأما الكلام في المورد الثاني، فإن كانت آلية المعنى الحرفي في نفسه ذاتية،
فلاموضوع لتقييد العلقة الوضعية باللحاظ الآلي، إذ ليس للمعنى حينئذ حالتان:حالة
لحاظه آلياً وحالة لحاظه استقلالاً لكي يمكن تقييد العلقة الوضعية بالحالةالاُولى
وإن كانت استقلالية كذلك ذاتية، فقد مرّ أنه لا أثر للحاظه آلة وحالةللغير، فإنه لا
يكون أكثر من مجرد لحاظ وتصور بدون أن يؤثر في كونه حالةلمفهوم آخر، وحينئذ فلا أثر
لتقييد العلقة الوضعية بهذه الحالة ويكون لغواًصرفاً، ومن هنا قلنا إن هذه النظرية
بالتحليل لا ترجع إلى معنى محصل.
نتائج البحث لحد الآن عدة نقاط:
الاُولى: أن القول بأن الحروف لم توضع لمعان خاصة، وإنما هي مجرد علامةكالحركات
الإعرابية لا ترجع إلى معنى محصل بكل تفسيراته كما مر تفصيلاً.
الثانية: أن المحقق الخراسانيقدس سره اختار أن المعنى الحرفي متحد مع
المعنىالاسمي ذاتاً وحقيقة، والفرق بينهما إنما هو باللحاظ الآلي والاستقلالي،
بمعنىأنالعلقة الوضعية في الحروف مختصة بما إذا لوحظ المعنى آلياً، وفي الأسماء
بماإذالوحظ استقلالاً.
الثالثة: قد أورد على هذه النظرية جماعة من المحققين بوجوه، وقد تقدمالكلام في تلك
الوجوه وما فيها، والصحيح أن هذه النظرية مضافاً إلى وضوحبطلانها جزماً إنها في
نفسها لا ترجع إلى معنى صحيح.
النظرية الثالثة القائلة بالتمايز الذاتي بين المعاني الحرفية والمعاني الاسميةوعدم
الإشتراك بينهما لا في الذات والذاتيات، ولا في الخصوصيات والآثار،وهذه النظرية هي
محطة انظار أكثر المحققين من الاُصوليين، ولكنهم اختلفوا فيتفسير نقطة التمايز
والتغاير بينهما على أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق النائينيقدس سره من أن التمايز بين المعاني
الحرفيةوالمعاني الاسمية ناجم عن إيجادية الاُولى واخطارية الثانية(21).
بيان ذلك أن المفهوم الاسمي بشتى أنواعه من الجواهر والاعراض ونحوهمامفهوم اخطاري،
على أساس أن له تقرراً ماهوياً في عالم المفهوم في مرتبة سابقةعلى وجوده الذهني
والخارجي، فإذا قيل »الانسان موجود« فالموضوع هومفهوم الانسان الذي له تقرر ماهوي
في المرتبة السابقة، ومن الطبيعي أنه انمايصلح موضوعاً في القضية إذا كان له تقرر
وثبوت ماهوي بقطع النظر عنوجوده في الذهن والخارج، وإلا فلا يعقل أن يكون موضوع
القضية وجودالانسان، وإلاّ لزم إما حمل الشيء على نفسه أو حمل مباين على مباين،
فمنأجلذلك يكون المفهوم الاسمي مفهوماً اخطارياً ويكون الاسم منبهاً
شرطياًلاخطاره في الذهن.
وأما المعنى الحرفي فهو بكافة أنواعه وألوانه إيجادي، على أساس أنه ليس لهتقرر
ماهوي في المرتبة السابقة على وجوده في الذهن والخارج، فلذلك يكونعين التعلق
والربط، وهو النسبة التي هي متقومة بشخص وجود طرفيها،باعتبار أن شخص وجودها في أي
موطن في الذهن كان أم في الخارج منالمقومات الذاتية له، فلهذا تكون النسبة ذهنية
بعين ذهنية شخص وجودطرفيها وخارجية بعين خارجية شخص وجود طرفيها.
وعلى ضوء هذا الأساس فالمعنى الاسمي مستقل بحد ذاته كالجوهر في عالمالعين، فلا
يتوقف تحققه في عالم المفهوم على تحقق الغير فيه، بل هو قائم بذاته،ومن هنا يخطر في
الذهن بمجرد اطلاق الاسم كالانسان ونحوه، ويخرج من عالمالتقرّر إلى عالم الذهن،
سواء أكان ذلك في ضمن تركيب كلامي أم لا، فتمام الملاكلاخطارية المعنى الاسمي هو
استقلاله الذاتي وتقرّره الماهوي في المرتبة السابقة.
والمعنى الحرفي غير مستقل بحد ذاته وإنه عين الربط والتعلق كالعرض في عالمالعين،
فلا يمكن تحققه بدون تحقق شخص طرفيه في وعاء الذهن أو الخارج، ولايمكن تقرره في
عالم المفهوم، لأن تقرّره فيه مساوق لاستقلاله ذاتاً، وهو خلففرض أنه عين الربط
والتعلق في أي وعاء كان، ومن هنا لا يخطر في الذهن شيءإذا اطلق كلمة »من« بدون ذكر
طرفيها، أو كلمة »في« أو »على« أو ما شاكلذلك، وأما إذا اطلقت في ضمن تركيب كلامي
كقولنا »الصلاة في المسجد« مثلاًفتدل على معناها في ضمن هذا التركيب حيث لا وعاء له
إلاّ فيه.
فالنتيجة أن استقلالية المعنى بحدّ ذاته وجوهره علة لاخطاريته وآلية المعنىكذلك
علة لايجاديته.
ثم يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في تفسير المراد من إيجادية معاني الحروف.
الثاني: في مراد المحقق النائينيقدس سره من كلمة الايجادية.
أما المقام الأول فقد اختلفت كلمات الأعلام حول تفسيرها على عدة معان:
الأول: ما ذكره بعض الأعلام من أن المقصود من إيجادية المعنى الحرفي إنالحرف بدلاً
عن أن يدل على معنى موجدٌ لمعناه في نفس التركيب الكلامي مندون أن يكون له تحقق في
أي وعاء بقطع النظر عنه، فيكون التلفظ بالحرف فيضمن الكلام سبباً وعلة لإيجاده
فيه، كعلية النار لإيجاد الحرارة.
الثاني: أن المقصود منها أن الحرف يدل على الربط الكلامي، وحيث إنه لاوعاء له إلاّ
عالم الكلام واللفظ، فيوجد فيه ولهذا يكون إيجادياً.
الثالث: أن المعنى الحرفي يمتاز عن المعنى الاسمي بمجموعة من الخصائص،فمن أجل ذلك
يكون إيجادياً دون المعنى الاسمي.
الاُولى: أن المعنى الحرفي عين التعلق والربط لا شيء له الربط والتعلق،فيكون عدم
استقلاليته ثابتاً في كمون ذاته وحقيقته فلا ذات له، بينما المعنىالاسمي عين
الاستقلال في حدّ ذاته.
الثانية: أنه ليس للمعنى الحرفي تقرّر ماهوي ذاتي في مرتبة سابقة على عالمالوجود،
بل تقرّره الذاتي والماهوي في طول هذا العالم، على أساس أن المعنىالحرفي واقع
الربط والنسبة، أي النسبة بالحمل الشائع لا مفهوم الربط والنسبة،أي النسبة بالحمل
الأولي الذاتي، فإنه مفهوم اسمي وليس بربط ونسبة، وبذلكيظهر أنه لا ماهية للنسبة،
إذ لو كانت لها ماهية لكان لها تقرر في مرتبة سابقةعلى عالم الوجود، حيث إنه يعرض
عليها إما في الذهن أو الخارج كالمعنىالاسمي، فإذا لم تكن لها ماهية لم يكن لها
وجود، لأن الوجود اما يعرض علىالماهية، ونتيجة ذلك أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا
لوجودها اللحاظي، وكذاالخارج ظرف لنفسها لا لوجودها العيني، وهي متقومة بشخص
وجودطرفيها، فإنه من المقومات الذاتية لها وبمثابة الجنس والفصل للمعنى الاسمي،ومن
هنا إذاكان شخص وجود طرفيها في الذهن كانت النسبة ذهنية، فإنذهنيتها بعين ذهنية
طرفيها، وإذا كان في الخارج كانت خارجية، حيث إنخارجيتها بعين خارجية طرفيها.
وهذا بخلاف المعنى الاسمي، فإن له ماهية متقررة بتمام ذاتها وذاتياتها فيالمرتبة
السابقة على عالم الوجود كالانسان مثلاً، فإن له ماهية وهي الحيوانيةوالناطقية
متقرّرة ماهوية وذاتية بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج،فإن الوجود انما
يعرض عليها. ومن هنا يكون الذهن أو الخارج ظرفلوجودها، فإنها اما ان توجد في عالم
الذهن أو عالم الخارج، ولا فرق في ذلك بينالقول بأصالة الوجود والقول بأصالة
الماهية.
الثالثة: أن المعنى الحرفي حيث إنه عبارة عن النسبة بالحمل الشائع فلا يعقلأن تحكي
عن النسبة في الخارج حكاية الطبيعي عن فرده، لما مرّ من أن النسبةسواء أكانت في
الذهن أم كانت في الخارج متقومة بشخص وجود طرفيها فيه،وعليه فإذا كانت في الذهن فهي
متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيهافيه، حيث إن وجودهما فيه من المقومات الذاتية
لها، ومن الواضح أن الوجودالذهني مباين للوجود الخارجي، فلا يمكن انطباقه عليه،
فإذن النسبة الذهنيةمباينة للنسبة الخارجية ونسبتها إليها نسبة المماثل إلى المماثل
لا الطبيعي إلىفرده، فتكون حكاية النسبة الذهنية عن النسبة الخارجية من حكاية
المماثل عنالمماثل لا الطبيعي عن فرده.
وهذا بخلاف المعنى الاسمي، فإنه لما كان متقرّراً ماهوياً ذاتياً في المرتبةالسابقة
على عالم الوجود كانت نسبته إلى الخارج نسبة الطبيعي إلى فرده كمفهومالانسان، فإن
نسبته إلى الخارجيات نسبة الكلي إلى أفراده لا نسبة المماثلإلىالمماثل.
الرابعة: قد تبين مما تقدم أن الوجود الذهني أو الخارجي مقوم ذاتي للمعنىالحرفي،
بينما أنه لا يكون مقوّماً ذاتياً للمعنى الاسمي، بل يتشخص المعنىالاسميبه، على
أساس أن تشخص الماهية إنما هو بالوجود سواء أكان ذهنياًأوخارجياً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن النسبة بالحمل الشائع التي هيمعنى
الحروف لا يمكن احضارها في الذهن بالوجود اللحاظي التصوري ولابالوجود التصديقي، لما
مرّ من أن ما لا ماهية له لا وجود له، بل إنهاتحضر فيالذهن بنفسها لا بوجودها
اللحاظي، فيكون الذهن ظرفاً لها لا له، كما أنهاتحضر في الخارج كذلك، وقد مرّ أن
حضورها سواء أكان في الذهن أم الخارجإنما هو بنفس حضور طرفيها، ويترتب على ذلك
إيجاد الارتباط والالتصاق بينمفهومين اسميين حقيقة، لوضوح أن النسبة بالحمل الأولي
لا توجب ذلك، لأنهامفهوم اسمي لا حرفي، وأما النسبة بالحمل الشائع التي هي معنى
حرفي، فهيتوجب الالتصاق والارتباط بينهما واقعاً وبذلك تتكون الجملة بما لها من
المعنى.ومن هنا تكون معاني الحروف دخيلة في تكوين الجملات، مثلاً كلمة »في« فيمثل
قولنا »الصلاة في المسجد« دخيلة في تكوين هذه الجملة بما لها من معناها،فإنها توجب
التصاق الصلاة بالمسجد وارتباطها به، وإلا فلا ترتبط إحداهمابنفسها بالاُخرى، هذا
من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن النسبة التي هي معنى حرفي بالحمل الشائع فبما أنهاتحضر في الذهن
بنفسها لا بوجودها اللحاظي، فلذلك تحضر فيه بمالها منخصائصها التكوينية، وهي
الالتصاق والارتباط بين المفاهيم الاسمية بعضهاببعض حقيقة وتكويناً. وهذا بخلاف
المفهوم الاسمي، فإن إحضاره في الذهن لماكان بوجوده اللحاظي لا الواقعي كان بغرض
كونه مرآة لما في الخارج لترتيبآثاره عليه، حيث إن خصائصه وآثاره التكوينية لا
تترتب عليه في الذهن،وهذا هو الفارق بين المفهوم الحرفي والمفهوم الاسمي.
فيتحصل من ذلك كله أن إيجادية المعنى الحرفي انما هي على أساس أنه ليستله ماهية
متقرّرة ماهوية في المرتبة السابقة على عالم الوجود، واخطارية المعنىالاسمي انما
هي على أساس أن له ماهية متقرّرة ماهوية ذاتية في مرتبة سابقة علىالوجود الذهني
والخارجي.
هذه هي التفسيرات التي فسرت إيجادية المعاني الحرفية بها، ولنأخذ بالنظرفي هذه
التفسيرات:
أما التفسير الأول فهو باطل جزماً، إذ - مضافاً إلى أنه خلاف الضرورة مناللغة، حيث
لا معنى حينئذ للوضع بعد ما كان الحرف علة لإيجاد معناه في عالمالكلام واللفظ
خارجاً - إن عليّته لذلك في نفسها غير معقولة، لأن عليّة الحرفلإيجاد معناه منوطة
بتوفر مبدأ التناسب والسنخية بينهما ذاتاً لكي يكون علة له،والمفروض عدم توفرّه،
كيف فإنه مباين لمعناه.
وأما التفسير الثاني فهو أيضاً غير صحيح، لما عرفت من أن للمعنى الحرفيموطناً غير
عالم الكلام واللفظ وهو عالم الذهن، حيث قد مرّ أن النسبة بالحملالشائع بنفسها
ثابتة في الذهن لا بوجودها اللحاظي.
وأما التفسير الثالث فهو الصحيح، ولكنه ينسجم مع إخطارية المعنى الحرفيأيضاً وإن
لم تكن اخطاريته كإخطارية المعنى الاسمي، كما سوف نشير إليه.
وأما المقام الثاني فالكلام يقع في بيان مقصود المحقق النائينيقدس سره من
كلمةالايجادية. الظاهر أن مقصودهقدس سره من هذه الكلمة هو التفسير الثاني،
بقرينةأنهقدس سره قد صرح في غير مورد أنه لا وعاء للمعنى الحرفي إلا عالم الكلام
واللفظولا موطن له إلا ذلك، ومن الواضح أن هذا لا ينسجم مع التفسير الثالث، حيثإن
وعاءه على ضوء هذا التفسير هو الذهن كما مرّ.
وعليه فلا يمكن حمل كلامهقدس سره على هذا التفسير، ويؤكد ذلك استشهادهقدس سرهعلى
إيجادية المعنى الحرفي بالرواية المنسوبة إلى أميرالمؤمنين )عليه السلام((22)،فإن
مفادها أن الحرف أوجد معنى في غيره، فلو كان معناه النسبة بالحمل الشائعلم يصح
اسناد إيجادها إلى الحرف.
ثم إن منشأ التزامهقدس سره بهذا القول أحد أمور:
الأول: الرواية المذكورة، فإنها تدل على أن المعنى الحرفي إيجادي، وبذلكيمتاز عن
المفهوم الاسمي الذي هو إخطاري.
الثاني: أن المعنى الحرفي لم يكن اخطارياً، بدليل أنه إذا اُطلق الحرف وحدهكحرف
»في« أو »على« أو »من« أو ما شاكل ذلك، لم يخطر في الذهن شيء إلاّإذا كان في ضمن
تركيب كلامي، فإذا لم يكن اخطارياً فهو إيجادي لا محالة،لعدمالواسطة بينهما.
الثالث: أن النسبة بالحمل الشائع لا تصلح أن تكون معنى حرفياً، لعدموجودها في
الذهن، فإن الموجود فيه إنما هو مفهوم النسبة الذي هو نسبة بالحملالأولي، والمفروض
أنه مفهوم اسمي لا حرفي، وأما النسبة الخارجية فهي وإنكانت ثابتة إلاّ أن الحرف لم
يوضع بإزائها، وعليه فبطبيعة الحال يكونالمعنىالموضوع له الحرف هو النسبة
الكلامية التي لا وعاء لها إلا عالم الكلامواللفظ، هذا.
ولكن شيء من هذه الأمور لا يصلح أن يكون منشأ للإلتزام بإيجادية المعنىالحرفي
بالتفسير الثاني.
أما الأمر الأول فلأن الرواية المذكورة لم تثبت سنداً، بل يمكن المناقشة فيدلالتها
أيضاً، إذ لا يمكن أن يراد من قوله )ع( »الحرف ما أوجد معنى في غيره«أنه علة لإيجاد
معناه، لما تقدم من أن عليته غير معقولة، فإذن لا محالة يكونالمراد منه أما
الايجادية بالتفسير الثاني أو الثالث، ولا ظهور لها في الثاني.
وأما الأمر الثاني فلأنه لا ملازمة بين عدم كونه اخطارياً وكونه إيجادياًبالتفسير
الثاني، لأن معنى اخطارية المفهوم الاسمي هو أن ماهيته متقرّرة ماهويةذاتية في
مرتبة سابقة على عالم الوجود، سواء أكانت موجودة في الذهن أوالخارج أم لا، ومعنى
إيجادية المفهوم الحرفي أنه غير متقرّر ماهوياً في مرتبةسابقة على عالم الوجود،
فعدم اخطارية المعنى ملازم لإيجاديته بالتفسير الثالثلا بالتفسير الثاني الذي هو
ظاهر كلامهقدس سره.
وأما الأمر الثالث فلا أساس له، لما تقدم من أن النسبة بالحمل الشائع ثابتةفي الذهن
بنفسها لا بوجودها اللحاظي، والبرهان على ذلك وجود خصائصهاالذاتية التكوينية - وهي
الالتصاق والارتباط بين مفهومين اسميين - فيه حقيقة،ففي مثل قولنا »الصلاة في
المسجد«، فإن حرف »في« تدل على واقع النسبة وهوالنسبة بالحمل الشائع بين هذين
المفهومين هما الصلاة والمسجد الموجبةلإلتصاق أحدهما بالآخر وارتباطه به واقعاً
وحقيقة، ولولا تلك النسبة لما كانبينهما أي التصاق وارتباط أصلاً.
وبكلمة أوضح، إن مفهوم النسبة الموجود في الذهن بالوجود اللحاظيالتصوري الذي هو
نسبة بالحمل الأولي لا يمكن أن يكون مفهوماً حرفياً، بل هومفهوم اسمي مستقل بحد
ذاته، فإن المفهوم الحرفي هو واقع النسبة بالحمل الشائعالتي لا ماهية لها ولا وجود
لحاظي لها في الذهن لا تصوراً ولا تصديقاً، باعتبارأن تصور النسبة في الذهن ولحاظها
فيه ليس بنسبة، بل هو تصور مفهومالنسبة، نعم يمكن أن يشير به إليها ويجعله مرآة
لها في الخارج، ولكن بما أنالغرض من احضار المعنى الحرفي في الذهن ليس هو احضار
مفهوم النسبة فيه كماهو الحال في المعنى الاسمي، بل إحضار واقع النسبة فيه التي
تترتب عليهاخصائصها وآثارها التكوينية، وهي الالتصاق والارتباط واقعاً بين
المفاهيمالاسمية المتباينة، فمن الواضح أنه لا يمكن إيجاد ذلك باحضار النسبة في
الذهنبالحمل الأولي، لأنها مفهوم اسمي مستقل في مقابل مفهومين اسميين آخرين
فيه،فلا يعقل أن يكون رابطاً بينهما، فإذا قيل »الصلاة في المسجد« يواجه ذهنالسامع
ابتداء نوعين من المفاهيم:
أحدهما مفهوم مستقل، وهو مفهوم الصلاة ومفهوم المسجد، والآخر مفهومغير مستقل ذاتاً
وحقيقة، وهو صورة العلاقة بين صورة الصلاة وصورة المسجدفيه، وهذا أمر وجداني، وأما
كون هذه العلاقة القائمة بينهما علاقة حقيقيةبالحمل الشائع بكل خصائصها الذاتية، لا
أنها مجرد مفهوم بالحمل الاُولى فهوثابت بالبرهان، وذلك لأن هذه العلاقة التي يعبّر
عنها بالنسبة لو كانت مجردمفهوم لم يكن هناك التصاق وارتباط بين مفهومي الصلاة
والمسجد، بل الموجودفي الذهن حينئذ ثلاثة مفاهيم مستقلة من دون أن يرتبط بعضها
ببعضها الآخر،وهذا خلاف الوجدان، لأن ذهن السامع عند اطلاق هذه الجملة
يواجهبالوجدان مفهومي الصلاة والمسجد المرتبط أحدهما بالآخر فيه، ومعنى هذا
أنالعلاقة بينهما علاقة حقيقية وبالحمل الشائع بتمام خصائصها التكوينية، ومن
هنايكون المتبادر من حرف »من« في مثل قولنا »سر من البصرة إلى الكوفة« غيرما هو
المتبادر من كلمة »ابتداء«، فإن المتبادر من الأول واقع النسبة والعلاقةبين المبتدأ
به والمبتدأ منه، بينما المتبادر من الثاني هو مفهوم الإبتداء بالحملالأولي، وكذلك
الحال في حرف »في« وكلمة »ظرفية« وهكذا.
ونتيجة ذلك أن المعنى الحرفي يخطر في الذهن مباشرة لا بواسطة مفهومالنسبة، بل يتبع
المفهوم الاسمي، وهو وجود شخص طرفيه في الذهن، لأنحضوره فيه بنفس حضور طرفيه فيه،
فالحرف يحكي عن معناه في الذهن بتبعحكاية طرفيه عن معناهما فيه، وأما حكاية
المفهوم الحرفي في الذهن عنه فيالخارج، فتكون من قبيل حكاية المماثل عن المماثل،
لا من قبيل الحكاية عنفرده ومصداقه في الخارج، كما هو الحال في المفهوم الاسمي.
ومنشأ هذا الفرق هو ما عرفت من أن للمفهوم الاسمي تقرراً ماهوياً ذاتياً فيالمرتبة
السابقة على عالم الوجود دون المفهوم الحرفي، فإنه في طول عالم الوجودوليس له تقرّر
ماهوي مسبقاً.
فالنتيجة أن المعنى الحرفي يحضر في الذهن بنفسه يتبع حضور شخص طرفيهفيه، لا
بمفهومه اللحاظي، فإنه مفهوم اسمي وليس بحرفي، وهذا بخلاف احضارالمعنى الاسمي في
الذهن، فإن احضاره بخصائصه التكوينية فيه غير معقول، فلامحالة يكون الغرض من احضاره
فيه انما هو جعله عنواناً ومرآةً لما في الخارجبداعي اصدار الحكم عليه، ومن هنا
يكون المعنى الحرفي ثابتاً بنفس حقيقته فيالذهن، وهو النسبة بالحمل الشائع بتمام
خصائصها الذاتية، كالارتباطوالالتصاق بين المفاهيم الاسمية بعضها ببعضها الآخر
حقيقة وواقعاً بالنظرالتصوري والتصديقي، فلهذا يكون الذهن ظرفاً لنفسه لا لوجوده
اللحاظي،بينماالمعنى الاسمي ثابت في الذهن بوجوده اللحاظي لا بوجوده الواقعي
بمالهمنالخصائص التكوينية.
وإن شئت قلت، إن المفهوم الاسمي كمفهوم الانسان فتارة ينظر إليه بما هوموجود في
الذهن، واُخرى ينظر إلى ذات المفهوم بقطع النظر عن وجوده فيالذهن، فعلى الأول فهو
جزئي ذهني حقيقي، فلايمكن انطباقه على ما في الخارج،وعلى الثاني، فهو كلي قابل
للانطباق عليه انطباق الطبيعي على فرده.
وهذا بخلاف المفهوم الحرفي، فإنه لا يمكن أن ينظر إليه تارةً بما هو موجود
فيالذهن، واُخرى إلى ذاته بقطع النظر عن وجوده في الذهن، لما تقدم من أنالمفهوم
الحرفي كالنسبة متقوم بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيه في الذهن،فلا ذات له بقطع
النظر عن وجوده كما عرفت، لكي ينظر إليها بالنظر التصوريالفاني في الخارج، فلذلك
يكون جزئياً حقيقياً في الذهن بنفس جزئية طرفيه فيهبالنظر التصوري والتصديقي،
وتكون نسبته إلى الخارج نسبة المماثل إلى المماثللا نسبة الطبيعي إلى فرده، وأما
النظر إلى الطرفين فإن كان بقطع النظر عنوجودهما في الذهن فهو آلي وفان في الخارج،
وتكون نسبتهما إليه نسبة الكليإلى فرده، فلا يكونا بهذا النظر من مقومات المعنى
الحرفي الذاتية، وإن كان بما هماموجودان في الذهن فكانا من مقوماته الذاتية فيه،
ولكن نسبتهما عندئذ إلىالخارج نسبة المماثل إلى المماثل، على أساس أن نسبة الوجود
الذهني إلى الوجودالخارجي نسبة المماثل إلى المماثل، وعلى هذا فالنسبة الذهنية
بمالها من المقوماتالذاتية لها وهي شخص وجود طرفيها في الذهن، مماثلة للنسبة
الخارجية بمالهامن المقومات الذاتية لها، وهي شخص وجود طرفيها في الخارج.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وعاء المعنى الحرفي عالمالذهن،
والحرف يدلّ على ثبوته فيه متقوماً بالغير ذاتاً، ومن هنا يظهران إيجاديةالمعنى
الحرفي بالتفسير الأول والثاني لا أساس له، وأما إيجاديته بالتفسيرالثالث، فإنما هي
على أساس عدم تقرره الماهوي الذاتي بقطع النظر عن وجودهالذهني أو الخارجي، فلذلك
يكون في طول عالم الوجود، وعلى هذا فيكونمعناه سنخ معنى إيجادي، يعني يوجد في
الذهن من دون تقرره الماهوي بقطعالنظر عن وجوده فيه في مقابل المعنى الاسمي، فإنه
اخطاري على أساس أنهمتقرر ماهوياً في المرتبة السابقة على عالم الوجود، ولكن مع
هذا لا مانع مناطلاق الاخطاري عليه أيضاً، على أساس أن الحرف كالاسم منبه
شرطيبالنسبة إلى معناه بسبب الوضع، فلا فرق بينهما من هذه الناحية.
وقد تحصل من ذلك أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن الحروف توضعللنسب
الكلامية، وتدل على إيجادها في ظرف الاستعمال، والكلام لا يرجعإلىمعنى محصل.
هذا إضافة إلى أن موطن النسبة الكلامية إما الذهن أو الخارج لا الكلامواللفظ.
ومن هنا يظهر أن ما ذكرهقدس سره من الأركان الأربعة لإيجادية معاني الحروفلايتم
شيء منها.
أما الركن الأول فهو مبني على أن التقابل بين الايجادية والإخطارية منتقابل
التضاد، فنفي الاُولى يستلزم ثبوت الثانية، وعلى هذا فإذا لم يكن المعنىالحرفي
إيجادياً فهو اخطاري، وحيث إنه ليس باخطاري فهو إيجادي لا محالة.
وفيه: ما عرفت من أن المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي اخطاري، وإن الحرفكالاسم منبه
شرطي لاخطار معناه والدلالة عليه، هذا إضافة إلى أن عدم كونهاخطارياً بمعنى عدم
تقرره الماهوي بقطع النظر عن وجوده لا يستلزم كونهإيجادياً بمعنى أنه لا وعاء له
إلاّ عالم الكلام واللفظ.
وأمّا الركن الثاني فهو مبني على أن لا يكون للمعاني الحرفية وعاء وموطنغير
التراكيب الكلامية.
ولكن قد مرّ أن لها وعاءً وموطناً، وهو عالم الذهن كان هناك كلام أم لا.
وأما الركن الثالث فهو في مقام الفرق بين الايجاد في الإنشاء والإيجاد فيالحروف،
وهو أن وعاء الأول عالم الاعتبار، ووعاء الثاني عالم اللفظ والكلام.
ولكن قد عرفت مما ذكرناه أن وعاء المعنى الحرفي ليس هو عالم اللفظوالكلام، بل هو
عالم الذهن كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا.
وأما الركن الرابع وهو أن حال المعاني الحرفية حال الألفاظ حين استعمالها،فكما أن
النظر إليها آلي فكذلك إلى المعاني الحرفية، وجعل هذا الركن هوالأساس لجميع
الأركان، وبانهدامه تنهدم الجميع، بلحاظ أن ملاك إيجاديةالمعنى الحرفي آليته وتعلقه
بالغير ذاتاً وحقيقة، ومن هنا لا يوجد وحده وإنمايوجد في ضمن تركيب كلامي.
فيرد عليه أولاً: أن قياس المعاني الحرفية بالألفاظ قياس مع الفارق لأنلحاظ
المعاني الحرفية آلياً انما هو بملاك أنها عين التعلقات والارتباطات
بالمعانيالاسمية، فلا ذات لها إلا متعلقاتها، واما لحاظ الألفاظ آلياً فإنما هو
بملاك أنهاوسيلة وأداة لتفهيم المعاني، لا أنها بنفسها تعلقات وارتباطات بالغير
ذاتاً.
وثانياً: مامرّ من أن آلية المعنى الحرفي وعدم استقلاليته بالذات لا تستلزمكونه
إيجادياً بمعنى أنه لا وعاء له غير عالم اللفظ والكلام.
إلى هنا قد تبين أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من الأركان الأربعة
لإيجاديةالمعاني الحرفية لا يتم شيء منها. هذا،
وقد ناقش المحقق العراقيقدس سره في إيجادية معاني الحروف بعدّة وجوه:
الأول: أن الهيئة التي تعرض على المادة متأخرة بالطبع عن المادة تأخرالعارض عن
المعروض، والمادة متأخرة كذلك عن مدلولها الاسمي تأخر الدالعن المدلول، وحينئذ فلو
كانت الهيئة موجدة لمعناها في المعنى الاسمي لكانمعناها متأخراً عن الهيئة تأخر
المعلول عن العلة، ونتيجة ذلك تأخر مدلولالهيئة عن مدلول المادة بثلاث رتب، لأن
الهيئة متأخرة عن مدلول المادةبرتبتين، ومدلولها متأخر عنها برتبة، مع أن مدلول
الهيئة قيد لمدلول المادةوالقيد مقوم للمقيد، فيكون في مرتبته ولا يعقل أن يكون
متأخراً عنه رتبةً،وإلالزم كون المتأخر مقوماً للمتقدم، فمن أجل ذلك لا يمكن أن
يكون المعنىالحرفي إيجادياً(23).
ويرد عليه أولاً: أن تقديم شيء على آخر رتبة إذا كانا متقارنين زماناً بحاجةإلى
ملاك مبرر له، إذ لا يمكن أن يكون ذلك جزافاً، وعلى هذا الأساس فتقديمالمادة على
الهيئة إنما هو بملاك تقديم المعروض على العارض والموضوع علىالحكم، وتقديم مدلول
المادة عليها إنما هو بملاك تقديم المدلول طبعاً على الدال،وتأخر مدلول الهيئة
عنها، فإنما هو بملاك أنه معلول لها، وأما تأخره رتبة عنالمادة ومدلولها، فهو بلا
مبرر بعد ما كان مقارناً لهما زماناً.
ومن هنا تكون العلة متقدمة على المعلول رتبة بملاك حق العلية، والشرطمتقدم على
المشروط قضاءً لحق الشرطية، والمانع متقدم على الممنوع قضاء لحقالمانعية وهكذا،
واما عدم العلة الذي هو في مرتبتها فلا يكون متقدماً علىالمعلول رتبة، كما أن
العلة لا تكون متقدمة على عدم المعلول كذلك، ولهذا لاقيمة لقياس المساواة في باب
الرتب.
ومن ذلك يظهر أن تأخر الهيئة عن مدلول المادة برتبتين بلامبرر، فإنهامتأخرة عن
المادة تأخر العارض عن المعروض، وأما تأخرها عن مدلولها فهوبلا موجب، فإذن لا يكون
مدلول الهيئة متأخراً عن مدلول المادة رتبة، بل هوفي مرتبته لعدم الملاك للتقدم،
فإذن لا مانع من كونه قيداً مقوماً له.
ثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن مدلول الهيئة متأخر عن مدلول المادةبثلاث رتب،
إلا أن هذا التأخر إنما هو عن ذات المدلول لا عن وصف كونهمقيداً، لأن هذا الوصف
إنما جاء من قبل القيد فكيف يكون مقدماً عليه، بلالأمر بالعكس، فإنه متأخر عن
القيد رتبةً تأخر المعلول عن العلة، لوضوح أناتصاف مدلول المادة بوصف كونه مقيداً
معلول لهذا القيد، وإلا فلا مبررلاتصافه بهذا الوصف.
وثالثاً: قد تقدم أن مقصود المحقق النائينيقدس سره من إيجادية المعنى الحرفي
ليسإيجاديته بهذا المعنى، بل بمعنى أنه لا وعاء له غير عالم اللفظ والكلام، إذ
الايجاديةبمعنى أن الحروف علة لإيجاد معانيها غير معقولة كما سبق.
الوجه الثاني: أن لكل قضية مدلولاً بالذات ومدلولاً بالعرض، ويرادبالأول المدلول
الذهني وبالثاني المدلول الخارجي، باعتبار أن القضية تحكي عنالأول في الذهن مباشرة
وعن الثاني بواسطة الأول، فلذلك سمي الأول بالمدلولبالذات والثاني بالمدلول
بالعرض، نظير المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض،وحيث إن المدلول بالذات في كل قضية
يكون فانياً في المدلول بالعرض وحاكياًعنه فحينئذ لو كان المعنى الحرفي إيجادياً في
مرحلة الاستعمال ولا وعاء له إلاوعاء الاستعمال والكلام، لزم أن لا يكون للحروف
مدلول بالعرض، ولا تكونالقضية الذهنية عندئذ مطابقة للقضية الخارجية، فإذن تظل
القضية في مرحلةالمدلول بالعرض ناقصة، بمعنى أنه ليس لها مدلول بالعرض لكي يكون
محكياً بهابمدلولها بالذات وبالتالي انحصار القضية بالقضية الذهنية وعدم وجود
قضيةواقعية محكية بها(24).
والجواب: أن القول بالايجادية لا يستلزم هذا المحذور، فإن المدلول بالعرضللحرف هو
النسبة الخارجية بين جزئي الكلام في الخارج، سواء أكان مدلولهبالذات إيجادياً أم
كان اخطارياً، ولا فرق بين القولين في المسألة من هذهالناحية، غاية الأمر أن حكاية
المدلول بالذات للحرف عن المدلول بالعرض لهتختلف عن حكاية المدلول بالذات للاسم عن
مدلوله بالعرض، فإن مدلولالحرف حيث ليس له تقرر ماهوي بقطع النظر عن وجوده في
الذهن أو الخارجفيكون من سنخ المعنى الإيجادي لا من سنخ المفهوم، فلذلك لا تكون
حكايةمدلوله بالذات الذهني عن مدلوله بالعرض بنحو المرآتية والفنائية، بل بنحوحكاية
المماثل عن المماثل، لأن كل نسبة مباينة للنسبة الاُخرى ذهنية كانت أمخارجية
بذاتها وذاتياتها، إذ ذاتيات كل نسبة إنما هي شخص وجود طرفيها،ولهذا لا يتصور
الجامع الذاتي بين أنحاء النسب وأفرادها.
وعلى هذا فالنسبة الذهنية مباينة للنسبة الخارجية ومماثلة لها، لا أنها فانيةفيها
ومرآة لها، وهذا بخلاف مدلول الاسم، فإنه لما كان متقرراً ذاتاً وما هوياً
فيالمرتبة السابقة بقطع النظر عن وجوده الذهني أوالخارجي كان من سنخ
المعنىوالمفهوم الذي يطرأ عليه الوجود في الذهن تارةً وفي الخارج اُخرى،فلذلكيكون
مدلوله بالذات مرآة لمدلوله بالعرض في الخارج وفانياً فيه،فتكون حكايته عنه بنحو
الفناء والمرآتية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مدلولهكلياً أو جزئياً.
فالنتيجة أن للحرف مدلولاً بالذات ومدلولاً بالعرض من دون فرق بين أنيكون مدلوله
بالذات إيجادياً أو اخطارياً.
الوجه الثالث: أن مدلول الحرف في قول الآمر »سر من النجف إلى بغداد« أو»من الكوفة
إلى البصرة« بناءً على كونه إيجادياً، يكون في مرتبة إيجاد الطلبوإنشائه، لأن
الآمر بقوله »سر« كما أنشأ الطلب وأوجده كذلك بقوله »منالنجف إلى بغداد« أوجد معنى
حرف »من« فيكون في مرتبة الطلب، وعليهفبطبيعة الحال يتأخر عن المطلوب رتبة كما
يتأخر عنه الطلب كذلك، مع أنالمعنى الحرفي من قيود المطلوب، فيكون متقدماً على
الطلب رتبة كتقدم المطلوبعليه كذلك(25).
ويرد عليه أولاً: أن ذلك لا يقتضي كون إيجاد المعنى الحرفي في مرتبة إيجادالطلب،
فإن المعنى الحرفي بملاك كونه قيداً للمطلوب يكون في مرتبته، وعليه فلايلزم أن يكون
المتأخر قيداً للمتقدم ومقوماً له.
وثانياً: لو سلمنا أن المعنى الحرفي يوجد في مرتبة إيجاد الطلب، فمع هذا لايستلزم
ذلك تأخره عن المطلوب رتبة كالطلب، لعدم الملاك المبرر له، فإن تأخرالطلب عن
المطلوب انما هو بملاك تأخر الحكم عن متعلقة، والمفروض عدموجود مثل هذا الملاك
بالنسبة إلى المعنى الحرفي، فإذن لا يلزم المحذور المذكورمن كونه قيداً للمطلوب.
وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً، وتسليم أن المعنى الحرفي متأخر عنالمطلوب رتبة
إلاّ أن تأخره انما هو عن ذات المطلوب لا عن وصف مطلوبيّته،والمفروض أنه مطلوب مع
هذا القيد لا في المرتبة السابقة عليه.
ورابعاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً إلا أنه لما كان مقارناً له زماناً وإن
كانمتأخراً عنه رتبة فلا مانع من تقييده به، ولا أثر لتأخره عنه رتبة، إذ يكفي
فيتقييده به كونه مقارناً له زماناً باعتبار أن الأحكام الشرعية مجعولة
للموجوداتالزمانية دون الرتب العقلية، فالأثر أنما هو مترتب على السبق
واللحوقالزمانيين ولا أثر للسبق واللحوق الرتبيين.
وخامساً: أن ما هو من قيود المطلوب هو الربط الحقيقي دون الربط الكلامي،فلو كان
المعنى الحرفي إيجادياً، وكان وعاؤه عالم اللفظ والكلام، فهو لا يصلح أنيكون قيداً
للمطلوب، فإذن صحة مثل هذا المثال تدل على أن المعنى الحرفيليس إيجادياً بهذا
المعنى.
الوجه الرابع: أن إيجادية معاني الحروف تقوم على أساس امكان وجودالماهية المهملة في
الذهن خالية عن الاطلاق والتقييد لكي يمكن إيجاد التقييدبالحروف فيها، مع أن وجود
الماهية في الذهن أو الخارج كذلك مستحيل، بداهةأن المقسم لا يعقل أن يوجد فيه إلاّ
في ضمن أحد أقسامه، وحينئذ فإن وجد فيضمن الماهية بشرط شيء أو بشرط لا، فالتقييد
ثابت في مرحلة سابقة علىالكلام ويستحيل إيجاده فيه بالحرف، فان إيجاد نفس التقييد
الأول به تحصيلالحاصل، وأما إيجاد تقييد آخر فيها وإن كان ممكناً بالحرف ولكن
عندئذ ما هوالدال على التقييد الأول، فإن لم يكن الدال عليه الحرف فمعناه امكان
التقييدبغيره، وعلى هذا فبإمكاننا الإستغناء عن الحرف نهائياً، وهذا خلاف
الضرورةوالوجدان، إذ دخل الحرف في تكوين الجملة لفظاً ومعنىً أمر وجداني، وإنوجد
في ضمن الماهية لا بشرط في مرحلة سابقة على الكلام، استحال إيجادالتقييد فيها في
الكلام إلا بإزالة صورتها، وهي صورة الماهية لا بشرط القسميواستبدالها بصورة اُخرى
قابلة للإطلاق والتقييد، وهي الماهية المهملة، فيعودالمحذور حينئذ(26).
والجواب: أن الماهية المهملة وإن لم توجد في الذهن إلاّ في ضمن أحدأقسامها الثلاثة،
إلاّ أن تقييدها بالوجود أو العدم بالحرف إنما هو من الأول،بمعنى أنها توجد مقيدة
بقيد وجودي أو عدمي، لا أنها تقيدت به بعد وجودهالكي يقال أن وجودها من دون وجود
أحد أقسامها مستحيل، ولا فرق في ذلكبين أن يكون المعنى الحرفي إيجادياً أو
اخطارياً، فعلى الأول يوجد التقييدبالاستعمال فلا وعاء له دونه، وعلى الثاني فهو
ثابت قبل الاستعمال.
وأما الماهية لا بشرط القسمي التي هي ماهية مطلقة، فلا مانع من تقييدهابعد وجودها
في الذهن بقيد متصل أو منفصل بحرف أو بمفاد الهيئة، بناء على ماهو الصحيح من أن
الاطلاق أمر عدمي وعبارة عن عدم التقييد، وهو لا يمنع عنالتقييد، نعم الاطلاق
بمعنى لحاظ عدم التقييد ينافي التقييد ولا يعقل طروه عليه،إلا بتبديل شخص هذا
اللحاظ، أي لحاظ عدم التقييد، وعلى هذا فرق بين أنيكون التقابل بين الاطلاق
والتقييد من تقابل التضاد أو من تقابل الإيجابوالسلب كما قويناه، فعلى الأول ينافي
التقييد دون الثاني.
إلى هنا قد تبين أن ما أورده المحقق العراقيقدس سره من الإشكالات على ما
اختارهالمحقق النائينيقدس سره من إيجادية المعنى الحرفي لا يتم شيء منها،
فالصحيح هو ماتقدم آنفاً من أن إيجادية معاني الحروف باطلة بالتفسير الأول والثاني،
نعم لابأس بالالتزام بها على التفسير الثالث، وهذا التفسير مبني على الفرق بينها
وبينمعاني الأسماء وينسجم مع الإخطارية أيضاً، ولكن هذ التفسير لا يظهر من
كلامالمحقق النائينيقدس سره، فإن الظاهر منه هو التفسير الثاني.
القول الثاني: ما اختاره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن الحروف والأدواتموضوعه
بإزاء النسب والروابط(27)، وقد أفاد في وجه ذلك ما يرجع إلىثلاثنقاط:
الاُولى: أن الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط بالحمل الشائع لابالحمل الأولي،
فإن ما هو نسبة بهذا الحمل انما هو مفهوم النسبة الذي هو مفهوماسمي مستقل ولم يوضع
الحرف بإزائه، والموضوع بإزائه انما هو لفظ النسبةوالربط، وتكون نسبة هذا المفهوم
إلى ما هو نسبة وربط بالحمل الشائع نسبةالعنوان إلى المعنون لا الطبيعي إلى فرده،
لأن الطبيعي عين فرده في الذهنوالخارج، بينما العنوان لا يتعدى عن أفق الذهن إلى
الخارج ومغاير للمعنون ذاتاًووجوداً، ومن هنا يكون مفهوم النسبة نسبة بالحمل الأولي
ولا يكون نسبةبالحمل الشائع، نظير مفهوم العدم وشريك الباري )عزو جل(
واجتماعالنقيضين، وغير ذلك، فإن نسبة هذه المفاهيم إلى واقعها نسبة العنوان إلى
المعنونلا الطبيعي إلى أفراده، لأن تلك المفاهيم لا تتعدى عن عالم الذهن إلى
عالمالخارج، ومن أجل ذلك لا يصح حملها على واقعها بالحمل الشائع الصناعي،فإن مفهوم
العدم، عدم بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع، فإنه موجود في الذهن،ومفهوم شريك
الباري، شريك الباري بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع، لأنهموجود في عالم الذهن،
وكذا مفهوم اجتماع النقيضيين، وما نحن فيه من هذاالقبيل، فإن مفهوم النسبة، نسبة
بالحمل الأولي وليس بنسبة بالحمل الشائع،لأن ما كان بهذا الحمل نسبة وربط معنون هذا
العنوان وواقعه، ومن هنا كانالمتبادر من لفظ الربط والنسبة واقع الربط لا مفهومه.
الثانية: أن النسب والروابط موجودات لا في أنفسها، ومتقومات بغيرها ذاتاًوحقيقة لا
بوجوداتها، إذ إنها ليست بذوات لها وجودات، بل ذاتها عين الربطوالنسبة لا ذات لها
الربط، ومن هنا لا ماهية لها ولا تقع في جواب ما هو، فإنالواقع في جواب ما هو ما
كان له ماهية تامة، والوجود الرابط سنخ وجودلاماهية له، ولهذا لا يدخل تحت شيء من
المقولات، بل كان وجوده أضعفجميع مراتب الوجود.
الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين كونه النسبة بمفاد هل المركبة أو هل البسيطةأومن
النسبة المقومة للأعراض النسبية ككون الشيء في زمان أو مكان أو نحوذلك، هذا.
وقد علق السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول بمجموعة من التعليقات:
الاُولى: أن الوجود في الخارج على ثلاثة أنواع:
الأول: وجود الواجب تعالى شأنه، فإن وجوده في نفسه ولنفسه وبنفسه،يعني أنه قائم
بذاته وليس بمعلول لغيره، فإن الكائنات التي يتشكل منها العوالمبكل مراتبها
ودرجاتها بشتى أنواعها وأشكالها معلولة لوجوده تعالى وتقدس،فإنه مبدأ الكل وسبب
أعمق وإليه تنتهي كافة سلسلة العلل والمعلولات بطولهاوعرضها وبشتى أشكالها
وأنحائها.
الثاني: وجود الجوهر، وهو وجود في نفسه ولنفسه ولكن بغيره، يعني أنهقائم بنفسه
ومعلول لغيره.
الثالث: وجود العرض، وهو وجود في نفسه ولغيره، يعني أنه غير قائمبذاته، بل متقوم
بموضوع محقق في الخارج وصفة له، فإن وجوده في نفسهعينوجوده لموضوعه.
ثم قالقدس سره إنه لا دليل على وجود الوجود الرابط في الخارج في مقابل وجودالجوهر
والعرض حتى يكون الحرف موضوعاً بإزائه.
وأما ما ذكرهقدس سره - من أنا قد نعلم بوجود زيد وبوجود علم ونشك في ثبوتهله،
وبوجود صلاة وبوجود مكان ونشك في وقوعها فيه، وهكذا، وحيث إنه لايمكن اجتماع صفتي
اليقين والشك بشيء في آن واحد لتضادهما، فلا محالة يكونالمشكوك غير المتيقن،
وعليه فبطبيعة الحال يكون المشكوك أمراً ثالثاً وهوالوجود الرابط، على أساس أن
وجودي الجوهر والعرض معلومان، فمن أجلذلك لا يمكن انكاره - فلا يتم.
وذلك لأن صفتي اليقين والشك وإن كانتا من الصفات المتضادّة، فلا يمكن أنتتعلقا
بشيء في آن واحد من جهة واحدة إلاّ أن تحققهما في الذهن لا يكشف عنتعدد متعلقهما
في الخارج، فإن الطبيعي عين فرده في الخارج ومع ذلك يمكن أنيكون أحدهما متعلقاً
لصفة اليقين والآخر متعلقاً لصفة الشك، كما إذا علمبوجود إنسان في الدار، ولكن شك
في أنه زيد أو عمرو، فلا يكشف تضادهماعن تعدد متعلقهما في الخارج، فإنهما موجودان
بوجود واحد فيه، وذلكالوجودالواحد من جهة انتسابه إلى الطبيعي متعلق لليقين، ومن
جهة انتسابهإلى الفرد متعلق للشك.
وما نحن فيه من هذا القبيل فإن اليقين متعلق بثبوت طبيعي العرض للجوهر،والشك متعلق
بثبوت حصة خاصة منه له، فليس هنا وجودان في الخارج،أحدهما متعلق لليقين والآخر
للشك، بل وجود واحد منه حقيقة مشكوك فيهمن جهة ومتيقن من جهة اُخرى، فتضاد صفتي
اليقين والشك انما يقتضي تعددمتعلقهما في أفق الذهن، ولا يمكن تعلقهما فيه بشيء في
آن واحد، ولا يقتضيتعددهما في الخارج.
الثانية: على تقدير تسليم أن للنسبة والربط وجوداً في الخارج في مقابلوجود الجوهر
والعرض إلا أن الحروف لم توضع بإزائها، لما تقدم في مسألةالوضع من أن الألفاظ
موضوعة لذوات المفاهيم والماهيات بقطع النظر عنوجوداتها في الذهن أو الخارج، لا
للموجوات الخارجية ولا الذهنية، فإنالاُولى غير قابلة للإحضار في الذهن، وإلا فلا
تكون بخارجية، والثانية غيرقابلة للإحضار ثانياً، فإن الموجود الذهني لا يقبل
وجوداً ذهنياً آخر،والمفروض أن الغرض من الوضع التفهيم والتفهم، وهو لا يجتمع مع
الوضعللوجود الذهني أو الخارجي.
والخلاصة: أن اللفظ موضوع للمعنى سواء أكان موجوداً في الخارج أممعدوماً فيه
ممكناً كان أو ممتنعاً، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون الحروفوالأدوات موضوعة لأنحاء
النسب والروابط باعتبار أنها سنخ وجود لا ماهيةلها فلا تكون قابلة للإحضار في
الذهن.
الثالثة: مع الإغماض عن ذلك أيضاً، وتسليم أنه لا مانع من وضع اللفظللموجود
الخارجي، إلاّ أنا نقطع بأن الحروف لم توضع بإزاء النسب والروابطالخارجية وإلا لم
يصح استعمالها في الموارد التي يستحيل تحقق النسبة الخارجيةفيها، مع أنه لا شبهة في
صحة استعمالها في تلك الموارد، فلا فرق بين قولناالوجود للإنسان ممكن وهو للَّه
تعالى ضروري، وهو لشريك الباري مستحيل،فإن حرف اللام في جميع ذلك تستعمل في معنى
واحد، وهو تحصص مدخولهابخصوصية ما في عالم المفهوم على نسق واحد بلا عناية في شيء
منها، ولا لحاظأي نسبة في الخارج حتى بمفاد كان التامة، فإنها انما تتصور بين
الماهيةووجودها، ولا تتصور بين ذاته تعالى وجوده وصفاته الذاتية، ولا
فيالإنتزاعيات والاعتبارات.(28) هذا،
ولكن لنا نظر على جميع هذه التعليقات.
أما التعليق الأول فلأنه إن اُريد بالوجود الرابط وجود ثالث في الخارج فيمقابل
وجود الجوهر والعرض فإنكاره في محله، لوضوح أنه ليس في عالم العينوجود ثالث في
مقابل وجودهما، وإن اُريد به ثبوت علاقة واقعية في الخارجوراء واقعية الجوهر
والعرض المنتسبين فإنكاره في غير محله، إذ النسبة بينالمنتسبين في الخارج حقيقة
واقعية غير قابلة للانكار، ففي مثل قولنا »الصلاة فيالمسجد« و»الماء في الاناء«
وهكذا، لا شبهة في ثبوت النسبة بالحمل الشائع بينالمنتسبين، هما الصلاة والمسجد في
المثال الأول، والماء والاناء في المثال الثاني،وهذه النسبة ذهنية إذا كان طرفاها
في الذهن، وخارجية إذا كان طرفاها فيالخارج، لما تقدم من أن النسبة متقومة ذاتاً
بشخص وجود طرفيها، وحيث أنشخص وجود طرفيها في الذهن مباين لشخص وجود طرفيها في
الخارجفالنسبة في الأول مباينة للنسبة في الثاني، على أساس أن المقومات
الذاتيةللاُولى مباينة للمقومات الذاتية للثانية، وعلى هذا الأساس فكل نسبة
تختلفعن النسبة الاُخرى في المقومات الذاتية لها، فالنسبة الذهنية تختلف في
المقوماتالذاتية عن النسبة الخارجية، والنسبة في ذهن المتكلم تختلف عن النسبة
فيذهنالسامع وهكذا.
والظاهر أن مراد المحقق الأصبهاني من الوجود الرابط هذه النسبة، بل لاشبهة في ذلك
حيث إنهقدس سره قد صرّح في غير مورد بأن النسبة لا يعقل أن توجد فيالخارج إلا
بوجود رابط لا في نفسه، وانها في ذاتها متقومة بالمنتسبين لا فيوجودها فقط، وانها
لا توجد في الخارج إلاّ بتبع وجود المنتسبين من دون نفسيةواستقلال وهكذا، فإن كل
ذلك قرينة قطعية على أن مرادهقدس سره من الوجود الرابطالنسبة في الخارج.
ومن هنا يظهر أن ما ذكرهقدس سره من البرهان على الوجود الرابط زائداً علىوجودي
الجوهر والعرض تام، وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المثال بمفاد هلالبسيطة وهو
اليقين بوجود إنسان في الدار والشك في وجود زيد فيها، لا يكوندليلاً على عدم
الوجود الرابط في الخارج بين العرض وموضوعه، فإن عدمتحققه في موارد هل البسيطة من
جهة أن الموجود فيها واحد في الخارج، ولايعقل فيه الوجود الرابط.
فالنتيجة أنه لا شبهة في أن النسبة بالحمل الشائع بين المنتسبين في الخارجحقيقة
واقعية ومندكة فيهما بذاتها، وهذا أمر وجداني وغير قابل للإنكار.
وأما التعليق الثاني فالظاهر أنه غير وارد.
أما أولاً: فلأنه لم يظهر من كلامهقدس سره في المقام أن الحروف موضوعة
للنسبوالروابط الخارجية، بل فيه قرائن تدل على أنها موضوعة لانحاء النسبوالروابط
الحقيقية بقطع النظر عن أحد الوجودين من الذهني والعيني.
القرينة الاُولى: مجموعة من أقواله في المقام.
منها: قوله »لا شبهة في أن النسبة لا يعقل أن توجد في الخارج إلاّ بوجودرابط لا في
نفسه«، فإنه يدل بوضوح على أن النسبة هي المعنى الحرفي، ولكنها لاتوجد في الخارج
إلاّ بوجود رابط، لا أن المعنى الحرفي هو الوجود الرابط.
ومنها: قولهقدس سره »أن حقيقة النسبة لا توجد في الخارج إلاّ بتبع وجودالمنتسبين
من دون نفسية واستقلال أصلاً، ومتقومة في ذاتها بهما لا في وجودهافقط«، فإنه يدل
على أن المعنى الحرفي، هو النسبة التي لا توجد في الخارج إلاّبتبع وجود المنتسبين
فيه، لا أن المعنى الحرفي هو وجودها فيه.
ومنها: قولهقدس سره»وإذا كانت النسبة بذاتها وحقيقتها متقومة بالطرفين،فلامحالة
يستحيل اختلافها باختلاف الوجودين«، فإنه ناصّ في أن الوجودالذهني والخارجي غير
دخيلين في حقيقة النسبة التي هي معنى حرفي، وأنهالاتختلف باختلافهما.
ومنها: قولهقدس سره »وأما حقيقة المعنى الحرفي والمفهوم الأدوي، فهو ما كانفيحد
ذاته غير استقلالي بأي وجود فرض«، فإنه صريح في أن المعنى الموضوعله الحرف ليس هو
الوجود الرابط في الخارج، بل هو حقيقة النسبة والربطبأيوجود فرض.
ومنها: قولهقدس سره »أن انحاء النسب الحقيقية في حد ذاتها مع قطع النظر عن
أحدالوجودين من الذهن أو العين تعلقية، ولا يعقل انسلاخها عن هذا الشأن،والوجود
ذهنياً كان أو عينياً مبرز لأحكامها ومظهر لأحوالها(29)»، وهذا صريحأيضاً في أن
المعنى الحرفي ليس الوجود الرابط الخارج.
القرينة الثانية: أنهقدس سره قد صرح بأن النسبة التي هي معنى حرفي محفوظة فيموارد
هل البسيطة بقوله »ومنه ظهر أن الأمر كذلك في جميع أنحاء النسب، سواءكان بمعنى ثبوت
شيء لشيء، كما في الوجود الرابط المختص بمفاد الهليّاتالمركبةالإيجابية، أو
بمعنى كون هذا ذاك، الثابت حتى في مفاد الهلية البسيطة،وهو ثبوت الشيء« مع وضوح
أنه لا يتصور وجود رابط خارجي بين وجودالشيء وماهيّته.
القرينة الثالثة: تشبيه المعنى الاسمي والحرفي بالوجود المحمولي والوجودالرابط
بقوله »إن تنظير المعنى الاسمي والحرفي بالجوهر والعرض غير وجيه، فإنالعرض موجود
في نفسه لغيره، والصحيح تنظيرهما بالوجود المحمولي والوجودالرابط لا الرابطي«، فإنه
يدل على أن المعنى الاسمي والحرفي في عالم المفاهيمكالوجود المحمولي والوجود
الرابط في عالم الخارج، لا أن المعنى الحرفي هواالوجود الرابط، فالنتيجة أن هذا
التعليق في غير محله.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن الحرف موضوع بإزاء الوجودالرابط في الخارج
ولكن لا يرد عليه ما أورده السيد الاُستاذقدس سره - من أن اللفظ لميوضع بإزاء
الموجود الخارجي، لأنه غير قابل للإحضار في الذهن، وعلى هذافلا يمكن وضع الحرف
للوجود الرابط في الخارج - وذلك لما أشرنا إليه سابقاً منالفرق بين المعنى الاسمي
والمعنى الحرفي.
وملخصه: أن للمعنى الاسمي تقرراً ماهوياً ذاتياً في المرتبة السابقة علىوجوده
الذهني أو الخارجي، بينما ليس للمعنى الحرفي تقرر ماهوي ذاتي كذلك،ويترتب على هذا
أن المعنى الحرفي متقوم ذاتاً بشخص وجود طرفيه في الذهن أوالخارج، وأن شخص وجودهما
من المقومات الذاتية له كالجنس والفصلللمعنى الاسمي، ومن هنا لا يتصور الجامع
الذاتي بين أنحاء النسب والروابط،حيث إن المقومات الذاتية لكل نسبة تختلف ذاتاً عن
المقومات الذاتية للنسبةالاُخرى، وحينئذ فمع الغائها فلا نسبة، ومع وجودها فلا جامع
ذاتي بينهما،والجامع الذاتي بين الأفراد أنما يتصور فيما إذا كانت مشتركة في
المقومات الذاتية،كأفراد الانسان مثلاً، بأن تكون تلك المقومات الذاتية محفوظة فيها
مع الغاءخصوصياتها العرضية جميعاً، ويترتب على هذا الفرق أن الأسماء موضوعة
بإزاءالمعاني بقطعالنظر عن وجودها في الذهن أو الخارج لا للمقيدة بالوجود
الذهنيأو الخارجي، فإن ذلك ينافي الغرض منالوضع، وهو التفهيم والتفهم منها كما
مرّ.
وهذا بخلاف الحروف، فإنها لا تخلو إما أن تكون موضوعة لأنحاء النسبوالروابط
الذهنية أو الخارجية، إذ لا يعقل وضعها لها بقطع النظر عن ثبوتها فيالذهن أو
الخارج، لما مرّ من أنه ليس لها ماهيات متقررة في المرتبة السابقة علىعالم الوجود
لكي تكون الحروف موضوعة بإزائها، وعلى كلا التقديرين فليسالغرض من وضع الحروف لها
احضارها في الذهن بالوجود اللحاظي التصوريكما هو الحال في الأسماء، فإن الملحوظ
بهذا اللحاظ والمتصور به هو مفهوم النسبةلا واقعها، ومن هنا تختلف دلالة الحروف على
معانيها عن دلالة الأسماء، فإندلالة الأسماء، على معانيها أنما هي باحضارها في
الذهن بالوجود اللحاظيالتصوري، وأما دلالة الحروف على معانيها كالنسب والروابط
فإنما هي علىواقعها لا على مفهومها التصوري، فإنه مفهوم اسمي والدال عليه لفظ
النسبةوالربط دون الحرف.
وأما التعليق الثالث فقد ظهر حاله مما تقدم، فإنه مبني على القول بوضعالحروف للنسب
والروابط الخارجية، وقد عرفت أنهقدس سره لا يقول بذلك، وعلىتقدير القول به فلا
يلزم ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المحذور كما مرّ.
فالنتيجة: في نهاية المطاف أن ما علّقه السيد الاُستاذقدس سره على ما اختاره
المحققالأصبهانيقدس سره لايتم.
ولكن مع هذا كان للنظر فيما اختارهقدس سره من المعنى الحرفي مجال.
بيان ذلك، أنهقدس سره إن أراد من وضع الحروف لأنحاء النسب والروابط وضعهالها في
الخارج، فيرد عليه أولاً أنه خلاف ما يظهر من كلامهقدس سره في المقام، فإنالظاهر
منه كما مرّ، انها لم توضع للنسب والروابط الخارجية.
وثانياً أن لازم ذلك أن لا يكون للحرف مدلول في موارد هل البسيطة، علىأساس أنه لا
تعقل النسبة الخارجية بين وجود الشيء وماهيته ولا بين ذاتهتعالى ووجوده ولا بينه
وبين صفاته العليا الذاتية، مع أن استعمال الحروف فيتلك الموارد كاستعمالها في
موارد هل المركبة بدون أي عناية فيها، وهذا كاشفعن أنها لم توضع بإزاء النسب
والروابط الخارجية.
وإن أرادقدس سره من ذلك وضعها للنسب والروابط الذهنية التي هي نسب وروابطبالحمل
الشائع، فيرد عليه أن الظاهر منهقدس سره في المقام ان الحرف موضوع لذاتالنسبة
التي هي بذاتها تعلقية بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج، ولهذاقال »أن
أنحاء النسب الحقيقية في حد ذاتها مع قطع النظر عن أحد الوجودينمن الذهن أو العين
تعلقية«، وقال في موضع آخر »أن المعنى الحرفي كأنحاءالنسب والروابط لا يوجد في
الخارج إلا على نحو واحد وهو الوجود لا فينفسه« فإنه يدل على أن المعنى الحرفي ليس
خصوص النسبة الذهنية، وإلاّفيستحيل وجودها في الخارج، لأن النسبة الذهنية مخالفة
ذاتاً للنسبة الخارجيةعلى أساس أن اختلاف النسبة، إنما هو باختلاف