أدخل العبارة التي ترديها بدقة



بسم الله الرحمن الرحيم

المباحث الاُصولية / ج 1

بسم اللَّه الرّحمن الرّحيم‏
الحمد للَّه ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على‏ محمّد
وآله الطيّبين ‏الطّاهرين‏ المعصومين واللّعنة الأبدية
على‏ أعدائهم أعداء الدّين أجمعين.

مقدمة
تصنف الأحكام الشرعية الإسلامية إلى‏ صنفين:
الصنف الأول: مايتمتع بطابع ضروري أو قطعي، بدرجة الجزم واليقين،فانّه على الرغم من الفصل الزمني الكبير بينه وبين عصر التشريع لايزال يحتفظعلى طابعه الضروري أو القطعي بين المسلمين كافة على امتداد التاريخ وطول‏الزمان بقرون متتالية. وهذا الصنف من الأحكام الشرعية قليل جداً، فلا يعالج‏مشاكل الانسان الكبرى‏ في مختلف جوانب متطلبات حياته اليومية من المادية،والمعنوية الفردية والإجتماعية باختلاف صنوفها، حيث أنه لا يشكّل من مجموع‏الأحكام الشرعية إلاّ شطراً قليلاً منها بنحو لا تتجاوز نسبته إليها بنسبة تقريبيّةعن خمسة في المائة هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى أن موقف جميع المكلفين‏أمام هذا الصنف من الأحكام الشرعية على حدٍ سواء، فلا يرجع العامي منه إلى‏المجتهد، على أساس أنه لا موضوع لعملية الاجتهاد والاستنباط فيه.
الصنف الثاني: مايتمتع بطابع نظري، وهذا الصنف من الأحكام الشرعيةيشكّل الغالبية العظمى‏ في كافة أبواب الفقه، وهو يعالج مشاكل الانسان الكبرى‏في مختلف الجهات في كلّ عصر، وحيث إنه يتمتع بطابع نظري، يتوقف اثباته‏على عملية الاجتهاد والاستنباط من الكتاب والسنة، ومن هنا لا يكون موقف‏جميع عناصر المكلّف أمامه على حدٍ سواء، فان غير المجتهد بما أنه غير قادر على‏هذه العملية، فوظيفته الرجوع إلى المجتهد، على أساس رجوع الجاهل إلى‏ العالم‏الذي هو أمر موافق للفطرة.
ثم إن هذه بعملية مرتبطة بعلمي الاُصول والفقه ارتباطاً وثيقاً وذاتياً.
بيان ذلك: أن علم الاُصول قد وضع لممارسة تكوين النظريات العامةوالقواعد المشتركة في الحدود المسموح بها وفق شروطها. وعلم الفقه قد وضع‏لممارسة طريقة تطبيق تلك النظريات والقواعد العامة على مصاديقها الخاصةوعناصرها المخصوصة، وتكون المسائل الفقهية نتيجة هذه العملية.
مثال ذلك: ثبت في الاُصول حجية خبر الواحد في الحدود المسموح بها وفقاًلشروطها العامة، ككون رواته في تمام الطبقات ثقات، وأن لايكون مخالفاًللكتاب أو السنة، ولا يكون له معارض ولا تكون هناك قرينة على خلافه وغيرذلك، وهي تشكّل قاعدة عامة متمثلة في حجية خبر الثقة، وحينئذٍ فاذا قام‏خبر الثقة على وجوب السورة مثلاً في الصلاة كان اثبات وجوبها في المسألةيتوقف على عملية الاستنباط، بتطبيق القاعدة المذكورة العامة، وهي حجيةخبر الثقة على فرده وعنصره الخاص، وهو خبر الثقة في هذه المسألة، وتطبيق‏حجية الظهور على ظهوره الخاص في الوجوب، ونتيجة هذه العملية مسألةفقهية وهي وجوب السورة في الصلاة وجزئيتها، فتصبح المسألة عندئذٍ ذات‏طابع وجوبي.
ومن هنا تكون نسبة علم الاُصول إلى علم الفقه نسبة العلم النظري إلى العلم‏التطبيقي، فمن أجل ذلك يرتبط علم الفقه بالاُصول ارتباطاً وثيقاً في عمق ذاته‏وتكوينه منذ ولادته في تمام امتداد أدواره وتاريخه على نسبة واحدة، ولا يمكن‏إثبات أية مسألة فقهية نظرية بدون قاعدة اُصولية، ولا يمكن إظهار أيّ نظرفقهي في المسألة بدون تطبيق نظر أصولي عليها في أية مرحلة من المراحل التي‏تمر عليهما حتى في زمن المعصومين عليهم السلام، فان بذرة الاُصول كانت‏موجودة في ذلك الزمن كما تشهد على ذلك مجموعة من النصوص‏التشريعية،وهذه البذرة الاُصولية التي لم تكن منفصلة في البداية عن العمل‏الفقهي، نمت وتطورت وتوسّعت على ضوء نمو العمل الفقهي وتطوره وتوسّعه،بتوسع مختلف جوانب حياة الانسان قرناً بعد قرن ووقتاً بعد وقت إلى أن تنفصل‏دراسة هذه البذرة عن دراسة الفقه، وتصبح دراسة علمية مستقلة وتسمى بعلم‏الاُصول، فالتسمية متأخرة، وأما البذرة فهي موجودة منذ ولادة الفقه.
ويترتب على هذا الترابط والتفاعل الذاتي بين علمي الاُصول والفقه، أنهمايتطوران على مستوى واحد سعة وعمقاً ودقة في كل مرحلة من مراحلهما ودورمن أدوارهما، ونقصد بذلك أن الذهنية الاُصولية النظرية ترتبط بالذهنية الفقهيةالتطبيقية في تمام المراحل بنسبة واحدة، فاذا بلغت الذهنية الاُصولية درجة أكبرعمقاً وسعةً وأكثر دقة انعكست تماماً في الذهنية الفقهية، وتطلّبت في مجال‏التطبيق دقة أكثر وعمقاً أكبر.
ولنأخذ لذلك مثالاً، وهو أنه قد ثبت أخيراً في الاُصول، نظرية أن الأصل‏العملي لا يكون حجة في المدلول الالتزامي ويكون حجة في المدلول المطابقي بينماتكون الأمارة حجة في كليهما معاً، وهذه نظرية اُصولية بلغت درجة من الدقّةوالعمق، وهي بطبيعة الحال تتطلب نفس هذه الدرجة من الدقة والعمق في مقام‏تطبيقها على عنصرها الخاص في مسألة من المسائل الفقهية، حيث إن ذلك‏يوجب على الباحث الاُصولي في هذا المقام التفكيك بين مدلوله المطابقي‏والالتزامي والحكم بثبوت الأول دون الثاني، وهناك نظريات اُخرى عميقة قدثبت في الاُصول أخيراً من خلال تطوّره وتوسّعه دقةً وعمقاً، وعلى ضوء هذاالأساس الباحث الاُصولي مهما كان أدق و أعمق في التفكير الاُصولي وتكوين‏النظريات العامة المحددة في الحدود المسموح بها، كان أدق وأعمق في التفكيرالفقهي على نفس المستوى.
ومن مجموع ما ذكرناه يظهر أن شجب الأخباريين للمدرسة الاُصوليةواستنكارها شجب واستنكار في نهاية المطاف للمدرسة الفقهية، لما مرّ من‏الترابط والتفاعل الذاتي بين المدرستين،واستحالة انفكاك المدرسة الفقهية عن‏المدرسة الاُصولية منذ ولادتها، كيف فإنها تتولد من تلك المدرسة بتطبيق‏نظرياتها العامة على عناصرها الخاصة.

تعريف علم الاُصول ...


علم الاُصول‏
بحوث تمهيدية :
الأول: في تعريف علم الاُصول وما يمتاز به‏
عن سائر العلوم‏
المعروف أنه العلم بالقواعد الممهدة لاستنباط الأحكام الشرعية.
وقد وجه على هذا التعريف مجموعة من الاشكالات:
الأول: أن هذا التعريف لا يكون جامعاً لتمام المسائل الاُصولية، على أساس‏أنه ذو طابع الاستنباط، وهذا الطابع غير متوفر في الاُصول العملية طراً، باعتبارأن نتيجتها تعيين الوظيفة العملية تجاه الحكم الشرعي المنجّزة أو المعذّرة، لاالاستنباط والكشف عنه.
وقد اُجيب عن هذا الإشكال بعدة وجوه:
الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من إضافة قيد في التعريف، وهو الانتهاءإلى وظيفة عملية(1)، بدعوى‏ أن المسائل الاُصولية ذات طابعين: أحدهما طابع‏الاستنباط والكشف، والآخر: طابع الانتهاء إلى وظيفة عملية. والأول يمثل‏الأمارات الشرعية التي تقع في طريق عملية الاستنباط والكشف. والثاني يمثل‏الاُصول العملية الأعم من الشرعية والعقلية التي لا تقع في طريق عمليةالاستنباط، وإنما تقع في طريق تعين الوظيفة العملية بعد انتهاء الأمر إليها،بتطبيق مضامينها على مصاديقها مباشرة، فاذن يكون التعريف جامعاً.
وقد اُورد على هذه المحاولة بأنها لا تجدي في تصحيح هذا التعريف، حيث‏إنها لم تشتمل على إبراز المائز الحقيقي الجامع بين كافة المسائل الاُصولية، إذ إنهامجرد عطف للمسائل التي لم يشملها التعريف على ما شملها من المسائل، وعلى‏هذا فبالامكان منذ البداية أن يقال، إن علم الاُصول هو علم مباحث الألفاظ أوالملازمات العقلية أو الاُصول العملية وهكذا، فان ذلك يشمل جميع المسائل‏الاُصولية مع أنه ليس بتعريف للأصول(2).
ويمكن المناقشة فيه، بأن المسائل الاُصولية لو كانت ذات طابعين مميزين‏روحاً وحقيقة، لكانت المحاولة المذكورة في محلها ومجدية في تصحيح هذاالتعريف وجامعيته، ودعوى أنه لابد أن يكون لمسائل كل علم مائز حقيقي‏واحد جامع بين الجميع، لكي تمتاز به عن مسائل سائر العلوم ومنه علم‏الاُصول، مدفوعة بأنه لا مانع من أن يكون امتياز مسائل علم عن مسائل علم‏آخر بطابعين مميزين مشتركين في غرضه، وعلى هذا فلا مانع من أن يكون علم‏الاُصول ممتازاً عن مسائل سائر العلوم بالطابعين المذكورين المميزين باعتبارأنهما غير متوفرين في مسائل سائر العلوم نهائياً، وحيث إن كلا الطابعين دخيل‏في تعيين الوظيفة في الفقه، فمن أجل ذلك يكون كلا القسمين من المسائل‏الاُصولية، فاذن قياس إضافة هذا القيد في التعريف بما قيل، من أن علم الاُصول‏هو علم مباحث الألفاظ... قياس مع الفارق، باعتبار أن مباحث الألفاظتشترك مع مباحث الملازمات العقلية في الطابع الواحد المميز، وهو الطابع‏الاستنباطي، فلا امتياز بينهما إلاّ في العنوان فحسب، نعم الذي يرد على هذاالوجه، هو أنه لا موجب لاضافة هذا القيد في التعريف كما سوف نشير إليه.
الثاني: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، من أن المراد من الحكم المأخوذ في‏التعريف إن كان أعمّ من الحكم الواقعي والظاهري، فقد شمل التعريف الاُصول‏العملية أيضاً، وإن كان المراد منه خصوص الحكم الواقعي، فلا مناص لادخالهافي الاُصول من زيادة قيد في التعريف، وهو الانتهاء إليها في مقام العمل(3).
ويمكن المناقشة في هذا الوجه بأنه أما زيادة القيد المذكور في التعريف،فسوف نذكر أنه لا حاجة إليها.
وأما أن المراد من الحكم فيه أعم من الواقعي والظاهري، فيرد عليه:
أولاً: أن هذه المحاولة لو تمّت فانما تتم بالنسبة إلى الاُصول العملية الشرعية،ولا تتم بالنسبة إلى الاُصول العملية العقلية، التي لا تنتهي إلى الحكم الشرعي‏أصلاً حتى الظاهري، و هي مجرد وظيفة عملية يقررها العقل عند العجز عن‏الوصول إلى الحكم الشرعي، كأصالة البراءة والاحتياط العقليتين، فاذن لايكون التعريف جامعاً.
وثانياً: أن الاُصول العملية الشرعية بنفسها أحكام ظاهرية مجعولة شرعاً،لا أنها مستنبطة من تلك الاُصول.
وبكلمة، أن‏الحكم الظاهري الترخيصي يمثل نفس اصالةالبراءة، لا أن‏الأصالة تقع في طريق عملية استنباطه، والحكم الظاهري‏الالزامي يمثل نفس‏قاعدة الاحتياط الشرعية، لا أن القاعدة تقع في طريق عملية الاستنباط له، كماهو متصورالمحقق النائيني‏قدس سره، وعلى هذا فلا تجدي هذه‏المحاولة في دفع الإشكال.
الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره، من أن المراد من كلمة الاستنباط في‏التعريف، اثبات الحكم الشرعي، فانه نتيجة عملية تطبيق القاعدة الاُصوليةعلى مصاديقها، وهو يختلف باختلاف المسائل الاُصولية، فان نتيجتها قد تكون‏اثبات الحكم الشرعي حقيقة، وقد تكون اثباته تعبداً، وقد تكون اثباته تنجيزاًأو تعذيراً، وعلى هذا فيشمل التعريف الاُصول العملية، على أساس أنها تثبت‏الأحكام الشرعية الواقعية تنجيزاً أو تعذيراً(4). فإذن لا اشكال في التعريف من‏هذه الناحية،
وهذه المحاولة صحيحة في التغلب على الإشكال ومنسجمة مع ارضيةالمسائل الاُصولية روحاً وجوهراً.
الرابع: أنه يمكن تصحيح هذا التعريف بتبديل كلمة استنباط الحكم بكلمةتعيين الوظيفة الشرعية، وعلى هذا فيشمل التعريف مباحث الاُصول العمليةأيضاً، باعتبار أن مفادها تعيين الوظيفة الشرعية في مقام الجري العملي، ومفادالأمارات تعيين الوظيفة الشرعية في مقام الكشف عن الواقع.
ولكن هذه المحاولة غير تامة، وذلك لما سوف يأتي شرحه عن قريب، من‏أن اُصولية المسألة متقومة بكونها الحد الأوسط في القياس، وتطبيق الكبرى‏على الصغرى لإثبات مسألة فقهية، وهي جعل الحكم الشرعي الكلي.
وبكلمة، إن استفادة الحكم من القاعدة إن كانت على أساس التطبيق‏والانطباق، فهي قاعدة فقهية ومختصة بالشبهات الموضوعية، إذ لايمكن أن‏تكون استفادة الحكم من القاعدة في الشبهات الحكمية من باب التطبيق، بل لامحالة تكون من باب التوسيط والاستنباط، حيث لايمكن فرض كون الشبهةحكمية، ومع ذلك يكون اثبات الحكم فيها من باب التطبيق، إذ معنى كونهاحكمية هو الشك في ثبوت الجعل الشرعي فيها، ومعه لا يعقل أن يكون ثبوته‏من طريق عملية التطبيق.
وعلى هذا فالغرض من وراء هذا التبديل، إن كان تعميم التعريف للأصول‏العملية، على أساس أن تعيين الوظيفة بها من باب التطبيق لا من باب التوسيط،فيرد عليه أن تعيين الوظيفة في الشبهة الحكمية لابد أن يكون على أساس‏التوسيط كما مر، ولايمكن أن يكون على أساس التطبيق، وإلا فلا موجب لهذاالتبديل، وإن كان عدم ارتباط اُصولية المسألة، بكون استفادة الحكم منها من‏طريق عملية الاستنباط، فيرد عليه ما سوف نشير إليه من أن اُصولية المسألةمرتبطة بذلك روحاً وحقيقةً، وإلا فلا تكون المسألة اُصولية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن هذا التعريف جامع‏ويشمل المسائل الاُصولية طراً، منها الاُصول العملية.
الإشكال الثاني: أن هذا التعريف منقوض بالقواعد الفقهية العامة، كقاعدةالفراغ والتجاوز، وقاعدة ما يضمن وما لا يضمن، وقاعدة لا ضرر ونحوها،فانها على الرغم من كونها قواعد فقهية لا اُصولية فمع ذلك تقع في‏طريق‏عملية الاستنباط.
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك بوجهين:
الأول: أن استفادة الأحكام الشرعية من القواعد الفقهية، تكون من باب‏تطبيق مضامينها بأنفسها على مصاديقها وحصصها المجعولة بنفس جعل تلك‏القواعد لا برأسها، وليست من باب الاستنباط والتوسيط.
الثاني: أن القواعد الفقهية بأجمعها مختصة بالشبهات الموضوعية ولا يجري‏شي‏ء منها في الشبهات الحكمية(5).
وغير خفي أن الجواب الثاني يرجع إلى الجواب الأول روحاً وجوهراً ولااختلاف بينهما إلا في الصورة، وذلك لأن استفادة الحكم من القاعدة لايمكن أن‏تكون بنحو التطبيق إلا إذا كانت القاعدة مختصة بالشبهة الموضوعية، وأما إذاكانت تعم الشبهة الحكمية، فلا محالة تكون استفادة الحكم منها في تلك الشبهةبنحو التوسيط والاستنباط، ولايمكن أن تكون بنحو التطبيق، والنكتة في‏ذلك،أن الشبهة إذا كانت حكمية، فالشك فيها لا محالة يكون في جعل الحكم‏برأسه والقاعدة في مثل ذلك واسطة لاثباته فيها بنحو من أنحاء الإثبات التي‏أشرنا إليها انفاً، ولا يعقل أن يكون اثباته بنحو التطبيق، أي تطبيق الحكم‏المجعول على حصته بدون أية واسطة، وإذا كانت الشبهة موضوعية، فتطبيق‏القاعدة عليها من باب انطباق الحكم المجعول المستنبط على حصته فيها من دون‏توسيط واستنباط، كانطباق الطبيعي على فرده، فالنتيجة أن مرد الجوابين‏المذكورين إلى جواب واحد، وهو أن القواعد الفقهية جميعاً مختصة بالشبهات‏الموضوعية، فمن أجل ذلك تكون استفادة الحكم منها بنحو التطبيق لا التوسيطوالاستنباط، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد اُورد على هذه الاجابة بأمرين:
الأول: أن القواعد الفقهية على صنفين:
أحدهما قواعد تطبيقية مختصة بالشبهات الموضوعية ولا تجري في الشبهات‏الحكمية، كقاعدة الفراغ والتجاوز وما يضمن وما لا يضمن ونحوها.
والآخر قواعد فقيهة تشمل الشبهات الحكمية أيضاً، وتقع في طريق استفادةالحكم بنحو التوسيط والاستنباط، كقاعدة الطهارة وقاعدة ظهور الأمر بالغسل‏في الارشاد إلى النجاسة ونحوها، فإنها قواعد فقهية استدلالية يقررها الفقيه في‏الفقه وتجري في الشبهات الحكمية أيضاً، ويستفيد الحكم منها في تلك الشبهات‏بنحو من الأنحاء. فالنتيجة أن هذه القواعد قواعد فقهية، ومع هذا تكون‏استفادة الحكم الشرعي منها بنحو التوسيط والاستنباط لا التطبيق.
وقد تسأل عن أن هذه القواعد منها قاعدة الطهارة، إذا كانت تقع في‏طريق‏عملية الاستنباط في الشبهات الحكمية، فما هو الفارق بينها وبين‏القواعدالاُصولية؟
والجواب أن هناك محاولتين:
الأولى: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره وحاصل ما أفاده، أن قاعدة الطهارة وإن‏كانت تجري في الشبهات الحكمية، إلا أنها مع ذلك ليست قاعدة اُصولية،معللاًبأنها مورد التسالم عند جميع الفقهاء بلا استثناء وخلاف، ومثلها لا يكون من‏القواعد الاُصولية(6).
وهذه المحاولة غير تامة، فانه‏قدس سره إن أراد بها أن اُصولية المسألة مرهونةبوجود الخلاف فيها وإلا لم تكن من الاُصول، فيرد عليه أن اعتبار ذلك في‏اُصولية المسألة بلا أي مبرر بل أنه غير محتمل، لأن مرجعه إلى أن اختلاف‏مسائل علم الاُصول باختلاف مراتب اثباتها ووضوحها يؤثر فيها نفياً واثباتاًوهو كماترى، هذا إضافة إلى أن ذلك لو كان مؤثراً، فلابد من افتراض نكتةاُخرى وراء ذلك، وتلك النكتة هي المؤثرة فيها كذلك، والغرض عدم وجودنكتة اُخرى مميزة بين الصنفين من المسألة الاُصولية، لأن كلا الصنفين مشترك في‏الوقوع في طريق عملية الاستنباط والإثبات للجعل الشرعي الكلي، وفي توقف‏اثبات الأحكام الفقهية عليهما.
وإن أرادقدس سره بها أن اُصولية المسألة مرتبطة بنظريتها تكويناً وتحديداً بأن لاتكون قطعية، فيرد عليه أن المسائل الاُصولية على صنفين:
أحدهما: القواعد الظاهرية المجعولة شرعاً عند الجهل بالأحكام الواقعيةوعدم العلم بها، ولا يعقل جعلها للعالم بها، كحجية أخبار الثقة والظواهروالاجماع المنقول وغيرها، وكذا الاُصول العملية، كالاستصحاب وأصالةالبراءة وأصالة الاحتياط الشرعيتين.
ومن الواضح أن الدافع من وراء جعل هذه القواعد في حدودها الشرعية، إنماهو توقف اثبات الأحكام الشرعية الفقهية عليها، إذ ليس بإمكان أي فقيه‏اثباتها بدون التوصل بها، ومن هنا يكون الاُصول قد وضع لتكوين النظريات‏العامة والقواعد المشتركة في الحدود المسموح بها شرعاً، والفقه قد وضع لتطبيق‏هذه النظريات العامة والقواعد المشتركة على مصاديقها و عناصرها الخاصةلاثبات الاحكام الفقهية، على اساس ان تلك الأحكام جميعاً وليدة عمليةالتطبيق، ومن الضروري أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون القواعد الاُصولية من‏القواعد المسلمة عند الجميع وواضحة المعالم والحدود بلا استثناء وخلاف أو من‏القواعد النظرية أكثر عمقاً ودقةً، فان المعيار في اُصولية القاعدة توقف الفقه‏عليها وعدم امكان اثباته شرعاً بدون التوصل بها، واما كونها مسلمة عندالكل، أو غير مسلمة واضحة الحدود أو غير واضحة قطعية أو غير قطعية، كل‏ذلك أمور جانبية وجودها وعدمها غير دخيل في اُصولية المسألة وروحها، مثلاًحجية خبرالثقة مسألة اُصولية من جهة وقوعها في طريق اثبات معظم الأحكام‏الفقهية شرعاً، وارتباطها بها ارتباطاً وثيقاً، بدون فرق بين أن تكون المسألةقطعية في نفسها،كما إذا كان دليل حجيّتها قطعياً كذلك أو ظنية في نفسها، كما إذاكان دليل حجيّتها ظنياً كذلك، وإن كان في نهاية المطاف ينتهي إلى الدليل‏القطعي، بقانون أن كل ما بالغير لابد أن ينتهي إلى ما بالذات، فإن كل ذلك غيردخيل في الجهة التي تكون المسألة اُصولية بتلك الجهة، لأنها أعمق منها، وكذلك‏مسألة حجية الظواهر، فإن أصوليتها مرهونة بارتباطها الوثيق بالفقه وتوقف‏اثباته شرعاً عليها، وأما الجهات الأخرى الطارئة عليها، ككونها مسلمة أوغير مسلمة أو قطعية أو غير قطعية، فهي جهات أجنبية عن جهة أصوليتهاوتختلف باختلاف درجات اثبات دليل الحجيّة.
وكذ الحال في الاُصول العملية، فإن مسلّميتها عند الكل وعدم الخلاف فيهالا ترتبط بأصوليتها لا نفياً ولا اثباتاً، فان أصوليتها مرهونة بجهة ارتباطهابالفقه، وعدم امكان اثبات الوظيفة فيه شرعاً أمام الله تعالى بدونها، بل لا مانع‏من أن تكون المسألة الاُصولية ضرورية، فإنه مادامت الأحكام الفقهية نظرية،يتوقف اثباتها شرعاً على عملية الاجتهاد والاستنباط - التي هي عبارة عن‏تطبيق المسألة الاُصولية على مصاديقها الخاصة لاثبات المسألة الفقهية لا فرق‏بين أن تكون الكبرى في هذه العملية ضرورية أو قطعية أو نظرية.
وبكلمة، أن الأحكام الواقعية إن كانت قطعية، فلا مجال لعملية الاجتهادوالاستنباط فيها، وبالتالى لا موضوع للمسائل الاُصولية، إذ لا يعقل جعل‏الحجية لأخبار الثقة للعالم بالواقع وكذلك حجية الظواهر وغيرها، لأنه لغوصرف وإن كانت نظرية كما هو كذلك، فيتوقف اثباتها على عملية الاجتهادوالاستباط، وهي عبارة عن تطبيق المسائل الاُصولية على صغرياتها لاثبات‏تلك الأحكام، ومن الواضح أنه لا فرق في هذه العملية بين أن تكون كبراهاضرورية أو قطعية أو نظرية، وعلى الثاني لا فرق بين أن تكون مسلمةبين‏الجميع أو لا.
ودعوى أن الكبرى إذا كانت ضرورية أو قطعية، فليست من المسألةالاُصولية لا أنها لا تقع في طريق عملية الاستنباط،
مدفوعة بأنها إذا وقعت في طريق عملية الاستنباط فلا معنى لعدم كونهااُصولية، لأن اُصولية المسألة مرهونة بذلك كما مر.
وثانيهما: الملازمات العقلية، فإنها مسائل اُصولية واقعية وغير قابلة للجعل‏الشرعي سعة وضيقاً، على أساس أنها ملازمات تكوينية أزلية، ومن الواضح‏أنه لا فرق في اُصوليتها بين أن تكون بدرجة القطع واليقين أو لا، ولا موجب‏لتخصيصها بما إذا لم تكن بتلك الدرجة أو بوجود الخلاف فيها، بعد ما لم يكن‏فرق بينهما في ترتب الأثر الفقهي عليها.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من‏المحاولة لإخراج قاعدة الطهارة من القواعد الاُصولية، لا يمكن المساعدة عليه‏أصلاً، فالصحيح أنها من القواعد الاُصولية وتقع في طريق عملية الاستنباطكغيرها من القواعد.
المحاولة الثانية: أن المعتبر في اُصولية القاعدة عنصران:
الأول: أن تكون النسبة بين القاعدة والنتيجة نسبة التوسيط والاستنباط لاالتطبيق والانطباق.
الثاني: توفر صفة العمومية والاشتراك فيها بين أبواب فقهية متعددة وعدم‏اختصاص مجال الاستفادة والاستنباط منها بباب فقهي معين، كما صرح به‏المحقق الخراساني‏قدس سره حيث قال إن قاعدة الطهارة ليست من القواعد الاُصولية،بل هي قاعدة فقهية بملاك اختصاصها بباب فقهي واحد(7)، وعليه فالعنصرالأول وإن كان متوفراً في قاعدة الطهارة، حيث أن استفادة الحكم منها في‏الشبهات الحكمية إنما هي من طريق عملية التوسيط والاستنباط لا التطبيق،ولكن العنصر الثاني غير متوفر فيها، فمن أجل ذلك تكون من القواعد الفقهيةدون الاُصولية،
ومن هنا ذكر بعض المحققين‏قدس سره أن القواعد الفقهية لا تختص بالقواعدالتطبيقية، بل منها ما يستنبط به الحكم بنحو التوسيط والاستنباط، كقاعدةالطهارة الجارية في الشبهات الحكمية، وقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الارشادإلى النجاسة، التي تشبه قاعدة ظهور الأمر بشئ في وجوبه ونحوها، فانها جميعاًقواعد فقهية استدلالية يقررها الفقيه في الفقه، ويستفيد الحكم منهابنحوالتوسيط والاستنباط لا التطبيق والانطباق، ولكن بما أنها فاقدة لصفةالعموميةوالاشتراك في الاستنباط في أبواب فقهية متعددة، فلذلك لا تكون‏من‏الاُصول(8).
وقد اُورد على هذه المحاولة بأن لازمها خروج جملة من المسائل الاُصولية عن‏الاُصول، منها أصالة الاباحة، فإنها مختصة بباب الاباحة، ومنها مسألة اقتضاءالنهي عن العبادة الفساد، فانها مختصة بباب العبادة ولا تشمل سائر الأبواب،مع أنه لا شبهة في كونهما من المسائل الاُصولية، وهذا دليل على عدم اعتبار قيدالاشتراك في اُصولية المسألة(9).
ويمكن المناقشة في هذا الايراد، بتقريب أنه إن أريد من أصالة الاباحةأصالة البراءة، فهي لا تختص بباب دون باب، وإن أريد منها أصالة الأباحة في‏مقابل اصالة البراءة، فسوف يأتي في البحوث القادمة أنها مختصة بالشبهات‏الموضوعية ولا تجري في الشبهات الحكمية، وعليه فتكون فاقدة لصفة التوسيطوالاستنباط في مقام استفادة الحكم.
هذا اضافة إلى أن باب الأباحة ليس باباً معيناً في الفقه كباب الطهارة، بل هوباب عام لا يختص بباب فقهي معين.
وأما مسألة الإقتضاء وإن كانت مختصة بباب العبادات، إلا أن العبادة ليست‏باباً واحداً معيناً، بل هي أبواب مختلفة ومتعددة في الفقه، فلا يقاس بباب‏الطهارة، فالنتيجة أنه لا يمكن التغلب على هذه المحاولة بما ذكر من النقض.
ولكن مع ذلك فالمحاولة المذكورة غير صحيحة، والسبب فيه أن اُصوليةالمسألة وإن كانت مرتبطة ذاتاً بطابع العموم والاشتراك، فإن الاُصول قد وضع‏لتكوين النظريات العامة والقواعد المشتركة، على أساس أن المسائل الفقهيةجميعاً وليدة من تطبيق تلك القواعد على صغرياتها، إلا أنه من غير مبرر اعتبارالعمومية فيها بدرجة تجعلها مشتركة في استنباط الحكم الشرعي في أبواب‏فقهية متعددة، بل يكفي في أصوليتها أن يكون لها طابع العموم والاشتراك،بدرجة يمكن أن تتولد مجموعة من المسائل الفقهية من تطبيقها على صغرياتها،وإن كان ذلك في ضمن مسائل باب واحد كباب الطهارة، واعتبار الأكثر بدون‏مبرر، لأن أرضية المسألة الاُصولية وطبيعتها لا تقتضي أكثر من ذلك،والمفروض أن قاعدة الطهارة قاعدة عامة في نفسها ومشتركة بين جميع مسائل‏باب الطهارة على سعتها وكثرتها، ولا موجب لاعتبار عموميتها بين أكثر من‏باب واحد.
وبكلمة، إن اُصولية المسألة لا تقتضي أكثر من عمومها واشتراكها بين‏مجموعة من المسائل الفقهية الكثيرة، سواءاً كانت تلك المسائل في باب واحد أم‏أكثر من باب، وعليه فاختصاص قاعدة الطهارة ببابها لا يضر بأصوليتها بعد ماكانت عامة في نفسها ومشتركة بين مسائل ذلك الباب جميعاً، على أساس أن‏اُصولية المسألة بملاك أنها تقع كبرى القياس لعملية استنتاج المسائل الفقهيةواثباتها شرعاً، وليس هناك ملاك آخر يتطلب عمومها واشتراكها بين أكثر من‏باب واحد.
وبذلك يظهر حال سائر القواعد الاستدلالية التي يقررها الفقيه في الفقه،كقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الارشاد إلى النجاسة، فإنها بلحاظ عمومهاللشبهات الحكمية من القواعد الاُصولية لتوفر الطابع الأصولي فيها، وهووقوعها في طريق عملية الاستنباط والتوسيط من جهة وعمومها في نفسها من‏جهة اُخرى، ومن هنا يظهر أن كل قاعدة تجري في الشبهات الحكمية فهي قاعدةاُصولية، ونتيجتها اثبات الجعل الشرعي بالاستنباط والتوسيط، وكل قاعدةتختص بالشبهات الموضوعية فهي قاعدة فقهية، ونتيجتها اثبات حصة من‏الحكم المجعول والمستنبط بالتطبيق.
وعلى هذا فالتمييز بين القواعد الفقهية والقواعد الاُصولية، هو أن الاُولى‏مختصة بالشبهات الموضوعية، فلذلك تكون النتيجة فيها حصة من القاعدةونسبتها إليها نسبة الحصة إلى الطبيعي، والثانية مختصة بالشبهات الحكمية،والنتيجة فيها اثبات الجعل الشرعي الكلي.
قد يقال كما قيل: إن نسبة علم الاُصول إلى علم الفقه كنسبة علم المنطق إلى‏سائر العلوم(10)، فإن علم المنطق قد وضع لدراسة منهج عام في الحدود المسموح‏بها وفقاً لشروطه العامة للتفكير البشري بشكل عام، على أساس أن نسبة علم‏المنطق إلى كافة العلوم الأخرى نسبة العلم النظري إلى العلم التطبيقي، ومن هناترتبط تلك العلوم جميعاً بعلم المنطق ارتباطاً وثيقاً في تمام الأدوار وطول التاريخ.
وأما علم الاُصول فحيث أنه كعلم المنطق بالنسبة إلى علم الفقه، فبطبيعةالحال يكون منهجاً عاماً له ويعلمنا الطرق التي يجب اتباعها في الاستدلال على‏اثبات الأحكام الشرعية واستنباطها، لأنه منطق علم الفقه ويلعب دوراً إيجابياًفيه، كالدور الايجابي الذي يؤديه علم المنطق لكافة العلوم والفكر البشري، ولافرق بينهما إلا أن في الاُصول يدرس المناهج العامة للتفكير الفقهي خاصة، وفي‏المنطق يدرس المناهج العامة لعملية التفكير البشري إطلاقاً. ونتيجة ذلك أن‏اُصولية المسألة مساوقة لعموميّتها وعدم اختصاصها بباب دون باب، وبذلك‏تخرج قاعدة الطهارة وغيرها من القواعد الفقهية الاستدلالية عن الاُصول،فإنها وإن كانت عامة في نفسها، إلا أن عموميتها لا تبلغ بدرجة تجعلها مشتركةبين أبواب الفقه المتعددة.
والجواب: أن علم الاُصول وإن كان كالمنطق بالنسبة إلى علم الفقه، إلا أنه‏يختلف عنه في نقطة، وهي أن المنطق يمثل قانوناً واحداً عاماً ومنهجاً مشتركاًبين جميع العلوم وهو الشكل الأول الضروري، ولا يمكن استغناء أي علم منه في‏استدلالاته واستنتاجاته النظرية مهما توسعت، بينما أن الاُصول يمثل مجموعة من‏القوانين العامة والمناهج المشتركة المختلفة، وبكلمة أن الاُصول كالمنطق للفقه‏معناه أن عملية الاستنباط الفقهي في كل مسألة لا يمكن بدون تطبيق المسألةالاُصولية على صغراها فيها والاستعانة بها، كما أن عملية التفكير البشري في كل‏علم لا يمكن إطلاقاً بدون تطبيق المنطق المتمثل في الشكل الأول لكل استدلال‏وتفكير نظري مهما كان لونه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، إن كون الاُصول كالمنطق ليس معناه أن كل مسألة من‏مسائله وقاعدة من قواعده كالمنطق، بل معناه أن نسبة الاُصول ككل إلى الفقه‏كذلك كالمنطق اليه.
يتلخص من ذلك ان اُصولية المسألة مرهونة بامرين:
الأول: بطابع الاستنباط، بأن تكون النسبة بين المسألة الاُصولية والنتيجة،نسبة الاستنباط والتوسيط لا التطبيق والانطباق.
الثاني: بطابع العموم والشمول بدرجة يستعملها الفقيه في مقام‏عمليةالاستنباط، بتطبيقها على عناصرها الخاصة ككبرى القياس لاثبات‏المسائل الفقهية.
وعلى هذا فمعنى أن الاُصول كالمنطق، هو أن مجموع تلك القوانين والمناهج‏كالمنطق، فكما لا يمكن استغناء أي تفكير بشري على المستوى العام عن‏المنطق،فكذلك لا يمكن إستغناء أي تفكير فقهي على المستوى الخاص في أيةمسألة فقهية عن قاعدة اُصولية، وليس معنى ذلك أن كل قاعدة اُصولية كالمنطق‏في العموم، وعليه فلا مبرّر لاعتبار أن اُصولية القاعدة مرهونة بطابع العموم‏والاشتراك بين أبواب فقهية متعددة، بل هي مرهونة بطابع العموم بدرجةتصلح أن تقع كبرى القياس للتفكير الفقهي، ومن الواضح أنه يكفي في ذلك‏كونها قاعدة عامة بين مسائل باب واحد مهما توسعت، ومن هنا تختلف درجات‏عمومية القواعد الاُصولية ومدى اشتراكها باختلاف حدودها المسموح بها.
وعلى ضوء هذا الأساس فالقاعدة الاُصولية تمتاز عن القاعدة الفقهية في نقطةأعمق من ذلك، وهي أن روح القاعدة الاُصولية روح الواسطة والحد الأوسطفي القياس لاثبات النتيجة الفقهية، وروح القاعدة الفقهية روح التطبيق لاثبات‏النتيجة، وهي حصة من القاعدة المجعولة بنفس جعلها لا برأسها، ولهذا تكون‏النسبة بين القاعدة الاُصولية والنتيجة نسبة التوسيط والأستنباط، والنسبة بين‏القاعدة الفقهية والنتيجة نسبة التطبيق والانطباق.
مثلاً إذا شك المصلي بعد الفراغ من الصلاة في صحتها وفسادها واحتمل أنه‏كان حين العمل اذكر منه حين ما يشك، تمسك بقاعدة الفراغ، لاثبات صحتها،على أساس أنها حصة منها وانطباقها عليها انطباق الطبيعي على حصته، ومن‏هذا القبيل ما إذا شك المشتري في ضمانه السلعة في البيع الفاسد، فإنه يتمسك‏بذيل قاعدة ما تضمن لاثبات ضمانة للسلعة، ومن الواضح أن استفادته انما هي‏من باب تطبيق القاعدة على حصتها المجعولة بجعلها لا برأسها.
لحدّ الآن قد تبين أن طابع القواعد الاُصولية المميزة، هي طابع التوسيطوالاستنباط، وطابع القواعد الفقهية المميزة، هي طابع التطبيق والانطباق،والطابع الاُصولي يحدد سعة دائرة قواعده بحدود الشبهات الحكمية، والطابع‏الفقهي يحدد سعة دائرة قواعده بحدود الشبهات الموضوعية، إذ لا يمكن أن‏تكون نسبة النتيجة إلى القاعدة نسبة التوسيط والاستنباط في الشبهات‏الموضوعية، كما لا يمكن أن تكون نسبتها إليها نسبة التطبيق والانطباق في‏الشبهات الحكمية.
ولكن قد يناقش في ذلك، بأن التمييز بين المسألة الاُصولية والقاعدة الفقهيةبالتطبيق نفياً وإثباتاً، يؤدي إلى أن اُصولية المسألة ترتبط كثيراً ما بصياغتهاوكيفية التعبير عنها، فمثلاً إذا طرحت مسألة اقتضاء النهي عن العبادة لفسادهابصيغة البحث عن الإقتضاء كانت اُصولية، على أساس أن البطلان حينئذٍمستنبط من الإقتضاء وليس تطبيقاً، وإذا طرحت بصيغة البحث عن أن العبادةالمنهي عنها باطلة لم تكن اُصولية، لأن بطلان كل عبادة محرمة يكون بالتطبيق،مع أن روح المسألة واحدة في كلتا الصياغتين، وهذا يكشف عن المائز الحقيقي‏بين القاعدة الاُصولية والقاعدة الفقهية، وأنه ليس مجرد أن استفادة الحكم من‏القاعدة الاُصولية تكون بالتوسيط والاستنباط لا بالتطبيق، ومن القاعدةالفقهية تكون بالتطبيق(11). هذا،
ويمكن التغلب على هذه المناقشة فإن مسألة اقتضاء النهي عن العبادة،سواءاً كانت مطروحة بصيغة البحث عن الإقتضاء أم بصيغة البحث عن أن‏العبادة المنهي عنها باطلة، مسألة اُصولية، أما بالصيغة الأولى فظاهر، وأمابالصيغة الثانية فلأنها تستبطن ضمناً أن البحث عن حمل البطلان على العبادة،إنما هو بواسطة اقتضاء النهي المتعلق بها لا بلا واسطة ومباشرة، وعليه فمردالبحث فيها يكون لا محالة إلى البحث عن اقتضاء النهي المتعلق بالعبادة البطلان.إذ لا معنى للبحث عن نتيجة المسألة الاُصولية ابتداءاً في الاُصول، بل لابد أن‏يكون البحث عما ينتج هذه النتيجة، فإذن لا فرق بين الصيغتين إلاّ في الصياغة،وأمافي‏المعنى فالبحث في كلتيهما عن المسالة الاُصولية.
وبكلمة، إن التمييز بين القاعدتين بطابع الاستنباط و التطبيق لا يمكن ان‏يختلف باختلاف صياغة البحث، فإن مسألة النهي عن العبادة سواءاً كانت‏مطروحة بصيغة القاعدة التطبيقية أم بصيغة القاعدة الإستنباطية، قاعدة اُصوليةروحاً، لأن الحكم المستفاد من هذه المسألة وهو بطلان العبادة، إنما هو مستفادمن طريق عملية التوسيط والاستنباط، لا التطبيق والانطباق في كلتا الصيغتين.
وعلى هذا فلا قيمة لصياغة القاعدة عند طرحها للبحث، بل لابد من النظرإلى مضمونها وروحها، فإن كانت روحاً ومضموناً تصلح أن يستخدمها الفقيه‏كدليل مباشر على الجعل الشرعي الكلي في الشبهات الحكمية، فهي قاعدةاُصولية وإن كانت مطروحة في عنوان البحث بصيغة القاعدة التطبيقية، وإلا فهي‏قاعدة فقهية، ولا يمكن استخدامها إلا في الشبهات الموضوعية من طريق تطبيق‏الحكم المستنبط على حصته، وهذا التطبيق ذاتي ولا يحتاج إلى الواسطة، ومن‏هنا تكون نتيجة القاعدة الفقهية حصة منها المجعولة بنفس جعلها لا برأسها،كضمان المشتري للسلعة في البيع الفاسد المستفاد من قاعدة ما يضمن الراجعة إلى‏الضمان باليد، فإنه حصة من القاعدة ومجعول بجعلها لا برأسه، وهذا بخلاف‏نتيجة القاعدة الاُصولية، فإنها مجعولة على حدة كجزئية السورة في الصلاةمثلاً،فإنها مستفادة برأسها من قاعدة حجية خبر الثقة، ولا يمكن أن تكون‏حصة من القاعدة، ومن هنا تكون نسبة النتيجة إلى القاعدة الاُصولية نسبةالتوسيط والاستنباط، بينما تكون نسبة النتيجة إلى القاعدة الفقهية نسبة التطبيق‏والانطباق، ولا يمكن الجمع بين هاتين النسبتين في مسألة واحدة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن التمييز بين القواعد الاُصوليةوالقواعد الفقهية بطابع الاستنباط والتطبيق لايمكن أن يختلف باختلاف صياغةالقاعدة والتعبير عنها لفظاً. لحد الآن قد تبين أن اُصولية المسألة مرهونة بطابع‏التوسيط والاستنباط، وفقهية القاعدة مرهونة بطابع التطبيق، وبذلك تمتازالمسائل الاُصولية عن القواعد الفقهية، وأثر ذلك اختصاص القواعد الفقهيةبالشبهات الموضوعية،و اختصاص القواعد الاُصولية بالشبهات الحكمية،وعلى هذا الأساس فقاعدة الطهارة وقاعدة ظهور الأمر بالغسل في الارشاد إلى‏النجاسة ونحوهما من القواعد الاُصولية.
بقي هنا شي‏ء، وهو أن قاعدة لا ضرر هل هي من القواعد الاُصولية أوالفقهية؟ فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى أنها قاعدة فقهية، وقد أفاد في وجه ذلك أن‏المراد من الضرر فيها لو كان الأعم من الضرر النوعي والشخصي، فالقاعدة بماأنها تشمل حينئذٍ الشبهات الحكمية فتكون اُصولية، وإن كان المراد منه‏خصوص الضرر الشخصى، فهي بما أنها تختص حينئذٍ بالشبهات الموضوعيةفتكون فقهية، وحيث أن الظاهر منه في القاعدة هو الثاني، فتكون من القواعدالفقهية، واستفادة الحكم منها تكون بالتطبيق لا بالتوسيط(12).
وغير خفي أن هذه المحاولة مبنية على نقطة خاطئة، وهي أن كون الشبهةحكمية مرهونة بتوفر عنصرين فيها، أحدهما أن يكون بيان الحكم فيها سعةًوضيقاً من وظيفة الشارع، والآخر كلية الحكم فيها، فإذا توفر فيها هذان‏العنصران كانت حكمية.
أما اعتبار العنصر الأول فيها فهو ظاهر.
وأما الثاني فهو من أجل ما ذكره‏قدس سره من التفصيل بين كون الضرر في القاعدةأعم من النوعي والشخصي أو خصوص الشخصي، فعلى الأول يكون الحكم‏المنفي عاماً لجميع المكلفين، وعلى الثاني يكون خاصاً بالموضوع الضرري‏فحسب، على أساس أن فعلية الحكم مرتبطة بفعلية موضوعه، والموضوع في‏القاعدة إذا كان الضرر الشخصي، فلا يتصور الشك في الحكم إلا من ناحيةالشك في الموضوع.
ويمكن المناقشة فيه، أما العنصر الأول فهو وإن كان صحيحاً، إلا أن‏العنصر الثاني غير معتبر فيها، لأن الشك في الشبهة إن كان في أصل جعل الحكم‏فيها،كانت الشبهة حكمية، وبيان حكمها بيد الشارع، سواءاً كان ذلك الحكم‏عاماً لجميع المكلفين أم خاصاً بطائفة دون اُخرى، وأما اعتبار العموم فيه لتمام‏المكلفين فهو بلا مبرر، وإن كان الشك فيها في حصة من الحكم المجعول كانت‏الشبهة موضوعية.
وبكلمة، أن الميزان في الشبهة الحكمية، أن يكون بيانها بيد الشارع سعةًوضيقاً في مقابل الشبهة الموضوعية، وأما اعتبار عمومها للمكلفين جميعاً، فهوبلا مبرر و موجب، إذ يمكن افتراض الشبهة حكمية في مورد خاص،بمعنى أن‏بيان حكمها فيه بيد الشارع، كما إذا كان القيام في الصلاة في مورد ضررياً على‏المصلي، ولكنه شك في وجوبه عليه في هذه الحالة، لاحتمال أن اهتمام المولى‏بالحفاظ عليه وعدم رضائه بتفويته حتى في تلك الحالة مانع من التمسك بقاعدةلا ضرر، وهذه الشبهة، شبهة حكمية، حيث إنه لابد في تعيين الوظيفة فيها من‏الرجوع إلى الشارع، وحينئذٍ فبإمكانه أن يرجع إلى قاعدة لا ضرر والتمسك بهالاثبات عدم جعل وجوبه الضرري الشخصي عليه، بل يمكن افتراض كون‏النتيجة كلية، كما إذا شك في حكم الشارع بالضمان في مورد لم يقم دليل على‏الضمان فيه،فإنه يمكن نفي الضمان بقاعدة لا ضرر، وتكون النتيجة حينئذٍ حكماًكلياً لا تختص بطائفة دون اُخرى.
والخلاصة: أن الضرر المأخوذ في موضوع القاعدة وإن كان الضررالشخصي،ولكن مع هذا تتصور فيه الشبهة الحكمية، كما إذا كان الحكم في موردضررياً على المكلف، ولكنه شك في أن بإمكانه التمسك بالقاعدة لنفيه أو لا، من‏جهة احتمال اهتمام الشارع به وعدم رضائه بتركه حتى في هذه الحالة، ففي مثل‏ذلك لا مانع من التمسك بها لنفي جعله، ولا وجه لاعتبار عموم الحكم فيها.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن قاعدة لا ضرر قاعدةاُصولية تقع في طريق عملية الاستنباط في الشبهات الحكمية، وتكون النسبةبينها وبين النتيجة نسبة التوسيط والاستنباط لا التطبيق، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ذكر بعض المحققين أنه لا موضوع للبحث عن أن قاعدةلا ضرر قاعدة اُصولية أو فقهية، وذلك لأنها ليست قاعدة بالمعنى الفني، فإن‏المعنى الفني للقاعدة، هو أن يكون لها جامع مشترك بين عناصرها وله وحدةثبوتية، سواءاً كانت بالجعل كحجية خبر الثقة وقاعدة الضمان باليد وغيرها، أم‏كانت بغيره كقاعدة الملازمة بين حرمة العبادة وفسادها، فإن وحدتها وحدةتقررية ثبوتية،وهذا بخلاف قاعدة لا ضرر، فإنه ليست لها وحدة ثبوتية لابالجعل والتشريع ولا في الواقع وعالم التقرر، بل هي تجميع لمجموعة من‏التشريعات العدمية المتباينة، كعدم وجوب الوضوء الضرري وعدم وجوب‏الغسل الضرري وعدم وجوب الصوم الضرري وهكذا، فإنها جميعاً غير مجعولةبجعل واحد، بل الأول ثابت بتقييد وجوب الوضوء بغير حالة الضرر وكذاالثاني والثالث فصاعداً، فإن الشارع جمع بين هذه التشريعات العدمية وجعولهاوأبرزها بمبرز واحد، ولا تصدق القاعدة على ذلك، وليس هنا أمر واحد يكون‏دخيلاً في إثبات كل واحد من هذه التشريعات العدمية إما بنحو التوسيط أوالتطبيق، بل هي جميعاً تثبت في عرض واحد بدليل واحد(13).
ويمكن المناقشة في ذلك، بتقريب أن قاعدة لا ضرر وإن كانت ناظرة إلى أن‏الأحكام الشرعية المجعولة في الشريعة المقدسة التي قد تؤدي إلى الضرر، مقيدةبغير حالة الضرر وأنها غير مجعولة في هذه الحالة من الأول، بمعنى أن المولى‏جعل وجوب الوضوء من الأول مقيداً بأن لا يكون ضررياً، وكذلك وجوب‏الغسل ووجوب الصوم وهكذا، فالقاعدة مبرزة لهذه التشريعات العدميةالمتعددة، فمن أجل ذلك لا تكون لها وحدة ثبوتية لا جعلاً ولا واقعاً، فلا تكون‏قاعدة بالمعنى الفني، إلا أن كل ذلك لا يمنع من التمسك بها لإثبات عدم تشريع‏الحكم الضرري في مورد إذا شك في تشريعه لسبب أو آخر، اذ يكفي في ذلك‏وحدتها بالعنوان، على أساس أنها حجة بذلك العنوان.
وبكلمة، أن قاعدة لا ضرر وإن لم تكن قاعدة موحدة بوحدة الجعل الموحدلها تشريعاً، إلا أنها موحدة بوحدة العنوان المبرز المميز، وحيث انها تكون‏حجة بهذا العنوان، فلا مانع من التمسك بها عند الشك.
فالنتيجة: أن قاعدة لا ضرر قاعدة اُصولية، واستفادة الحكم منها في‏الشبهات الحكمية، إنما هي بالتوسيط والاستنباط،لا بالتطبيق و الانطباق .
نتيجة البحوث المتقدمة لحد الآن عدة نقاط:
الأولى: أن اُصولية المسألة مرهونة بوقوعها الحد الأوسط في كبرى القياس‏لإثبات النتيجة الفقهية، وهي الجعل الشرعي.
الثانية: أن المسألة الاُصولية تمتاز عن القاعدة الفقهية في نقطة، وهي أن‏الطابع الاُصولي يقتضي وقوع المسألة الاُصولية في طريق عملية الاستنباطوالتوسيط الفقهي، وتكون النسبة بينها وبين النتيجة - وهي المسألة الفقهية-النسبة التوسطية والاستنباطية، كالنسبة بين العلة والمعلول والسبب‏والمسبب،والطابع الفقهي يقتضي وقوع القاعدة الفقهية في طريق عملية التطبيق‏والانطباق، وتكون النسبة بينها وبين النتيجة - وهي الحصة من القاعدة - النسبةالتطبيقية، كالنسبة بين الطبيعي وحصصه والكلي وأفراده.
الثالثة: أن نتيجة المسألة الاُصولية مجعولة برأسها وبجعل منفرد ومباينة لهاوجوداً، وهي التي تشكل المسائل الفقهية بعرضها العريض، بينما نتيجة القاعدةالفقهية مجعولة بنفس جعل القاعدة لا برأسها، على أساس أنها حصة من‏القاعدة ومتحدة معها وجوداً لا مباينة لها كذلك، ولهذا تكون نتيجة الأولى بملاك‏التوسيط والاستنباط، ونتيجة الثانية بملاك التطبيق.
الرابعة: أن القواعد الاُصولية بما أنها جميعاً قواعد استنباطية للمسائل‏الفقهية برأسها، والقواعد الفقهية جميعاً قواعد تطبيقية لإثبات‏حصصهاوأفرادها، فلذلك تختص الأولى بالشبهات الحكمية والثانيةبالشبهات‏الموضوعية.
الخامسة: أن تمييز المسألة الاُصولية عن القاعدة الفقهية بالاستنباطوالتطبيق، لا يؤدي إلى أن اُصولية المسألة ترتبط كثيراً ما بصياغتها وكيفيةالتعبير عنها، لما تقدم من أن لون صياغة المسألة عند البحث وكيفية التعبير عنهالفظاً لا يرتبط بعمق المسألة وروحها، والتمييز بين المسألة الاُصولية والقاعدةالفقهية بطابع الاستنباط والتطبيق، يرجع إلى عمق المسألة وروحها لا إلى‏صياغتها، فإن الجمع بين طابع الاستنباط والتطبيق لا يمكن في مسألةواحدة،لأنها إذا كانت واحدة روحاً، فلا تخلو اما أن تكون ذات طابع‏الاستنباط والتوسيط لإثبات الجعل الشرعي برأسه، أو تكون ذات طابع‏التطبيق والإنطباق لإثبات حصتها المجعولة بجعلها لا برأسها، ومن الطبيعي‏أنه‏لا يمكن أن تختلف مسألة واحدة استنباطاً وتطبيقاً باختلاف صياغتهاوكيفيةالتعبير عنها.
السادسة: أنه لا يعتبر في اُصولية المسألة عموميتها، بدرجة تجعلها مشتركةبين أبواب فقهية متعددة، لما مرّ من أن اُصولية المسألة لا تتطلب أكثر من‏عموميتها بنحو تقع كبرى القياس لاستنباط الحكم الشرعي، ومن الطبيعي‏أنه‏يكفي في ذلك بلوغها درجة من العمومية تجعلها مشتركة بين مسائل باب‏واحدكقاعدة الطهارة، ولا مبرر لاعتبار عموميتها بدرجة تجعلها مشتركة بين‏أبواب‏فقهية متعددة.
السابعة: أن ما اُورد على هذا الإشكال من النقض بأصالة الاباحة ومسألةاقتضاء النهي عن العبادة فسادها، فقد مرّ أنه غير وارد.
الثامنة:الصحيح هو أن قاعدة الطهارة وغيرها من القواعد الاستدلالية التي‏يقررها الفقيه في الفقه الجارية في الشبهات الحكمية من القواعد الاُصولية، بملاك‏وقوعها في طريق عملية الاستنباط لاثبات النتيجة الفقهية برأسها.
التاسعة: أن قاعدة لا ضرر من القواعد الاُصولية، وما ذكره السيدالاُستاذقدس سره من أنها قاعدة فقهية مختصة بالشبهات الموضوعية بناءاً على ما هوالصحيح، من أن المراد من الضرر فيها هو الضرر الشخصي، فقد تقدم أنه غيرتام، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن ما ذكر من أنها ليست قاعدة بالمعنى الفني، لايؤدي‏ذلك إلى خروجها عن الاُصولية، لأنها وإن لم تكن قاعدة بمعنى وجود جامع‏وحداني متقرر موحّد لها أما جعلاً أو واقعاً، إلا أنها قاعدة بمعنى وجودجامع‏عنواني موحّد لها، وتكون حجة بهذا العنوان الجامع الكاشف عن ثبوت‏الواقع،ولهذا يمكن‏التمسك بها لإثبات‏النتيجة الفقهية في الشبهات‏الحكميةعلى‏تفصيل‏تقدم.
الإشكال الثالث: أن هذا التعريف منقوض بمسائل علم الرجال واللغة، أماعلم الرجال فلأن نتيجة اثبات وثاقة الراوي، وهي دخيلة في عملية استنباطالحكم الشرعي، وأما علم اللغة فلأن نتيجته تعيين مفهوم اللفظ سعةً وضيقاً،ومن الواضح أنه دخيل في عملية الاستنباط والإستخراج للحكم الشرعي.
وها هنا محاولات للتغلب على هذا الإشكال:
المحاولة الأولى: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره وحاصل ما أفاده هو أنه أضاف‏قيد الكبروية في التعريف لاخراج مسائل هذه العلوم عنه، فإنه بهذا القيد لايشمل مسائل تلك العلوم، لأنها وإن كانت دخيلة في عملية الاستنباط، إلا أنهالا تقع كبرى القياس لهذه العملية، بينما المسائل الاُصولية تقع كبرى القياس لها،وبذلك تمتاز المسائل الاُصولية عنها(14).
وعلى هذا فالصحيح في تعريف الاُصول أن يقال: إنه العلم بالقواعد التي تقع‏كبرى القياس في عملية الاستنباط والتوسيط لاثبات النتيجة الفقهية، فإذن لااشكال في التعريف من هذه الناحية.
ولكن لا يخفى أن هذه المحاولة وإن تغلبت على الإشكال وأدت إلى إخراج‏مسائل تلك العلوم عنه، إلا أنها استلزمت محذوراً آخر، وهو خروج جملة من‏المسائل الاُصولية عن علم الاُصول، منها البحوث اللفظية التي يبحث فيها عن‏تعيين المداليل اللغوية أو العرفية بالظهور الوضعي أو العرفي، فإن تلك البحوث‏برغم كونها من البحوث الاُصولية عنده‏قدس سره لم تقع كبرى القياس لعمليةالاستنباط،وإنما تقع صغرى لكبرى حجية الظهور.
وبكلمة، أن المسألة الاُصولية إنما هي حجية الظهور، وهي التي تقع كبرى‏القياس دون نفس الظهور، فإنها لا تقع إلا صغرى القياس في المسألة.
ومنها مسألة الضدّ، فان هذه المسألة لا تقع كبرى القياس في طريق عمليةالاستنباط على كلا القولين فيها، مع أنها من المسائل الاُصولية عنده‏قدس سره، وسوف‏نشير إلى وجه ذلك في البحوث القادمة.
ومنها مسألة مقدمة الواجب، فانها لا تقع كبرى القياس لإثبات نتيجة فقهيةبرأسها حتى على القول بالملازمة بين وجوب شي ووجوب مقدمته، لأن‏وجوب المقدمة في نفسه لا يصلح أن يكون نتيجة للمسألة الاُصولية، على‏أساس أنه وجوب غيري غير قابل للتنجيز أي استحقاق العقوبة على مخالفته‏والمثوبة على موافقته، ولهذا يكون وجوده كالعدم، وأما غيره من الأثر الشرعي‏الذي يصلح أن يكون نتيجة للمسألة الاُصولية، فهو لا يترتب على‏المسألةمباشرة، وإنما يترتب على مسألة اُخرى كذلك، وهذه المسألة صغرى‏لهافي‏القياس.
بيان ذلك: أن مقدمة الواجب إذا كانت محرمة، فحينئذٍ إما أن نقول بعدم‏وجوب المقدمة مطلقاً أو بوجوب خصوص المقدمة الموصلة أو وجوبها مطلقاً.
أما على القول الأول والثاني، فقد يقال كما قيل إن المقام داخل في كبرى باب‏التزاحم لوقوع المزاحمة بين حرمة المقدمة الموصلة ووجوب ذيها(15)، فعلى القول‏بالترتب، إن كان الوجوب مساوياً للحرمة، فلا مناص من الإلتزام بالترتب في‏كلا الجانبين، بأن يكون كل من حرمة المقدمة ووجوب ذيها مشروطاً بعدم‏امتثال الآخر، فالحرمة مشروطة بترك الواجب والوجوب مشروط بارتكاب‏الحرام، وهذا معنى الترتب بين المتزاحمين من كلا الجانبين إذا كانامتساويين،وحينئذٍ فيكون الساقط إطلاق خطاب كل منهما دون أصله، وإن كان‏الوجوب أهم من الحرمة، كانت الحرمة مشروطةً بترك الواجب دون العكس،وحينئذٍ فيكون الساقط إطلاقها دون إطلاق الوجوب.
ولكن هذا القول لا أصل له، وذلك لأن المقدمة تقسم إلى قسمين، أحدهماالمقدمة غير الموصلة والآخر المقدمة الموصلة، وهما حصتان متباينتان، فلاتصدق إحداهما على الاُخرى، ولا يحتمل أن تكون حرمة المقدمة غير الموصلةمزاحمة لوجوب الواجب وهو ذوالمقدمة، لعدم التزاحم والتنافي بينهما وتمكن‏المكلف من الاتيان بالواجب وترك الحرام معاً، بل لا ينفك أحدهما عن الآخرخارجاً، لأنه إذا أتى بالواجب وهو ذوالمقدمة فقد ترك الحرام وهو المقدمة غيرالموصلة، لأن تركها عند الاتيان به حاصل قهراً ولا يمكن فرض انفكاكه عنه .نعم له أن يترك كليهما معاً، كما أن له أن يترك الواجب ويرتكب الحرام.
وأما المقدمة الموصلة فلا يمكن فرض التزاحم بين حرمتها ووجوب ذيها، بل‏بينهما تعارض وتناف في مقام الجعل، وذلك لأن المقدمة الموصلة حصة خاصةمن المقدمة، وهي الحصة المقيدة بوجود ذيها وترتبه عليها،ومن الواضح أنه لايمكن جعل الحرمة لهذه الحصة المقيدة وجعل الوجوب لذيها، ولا يمكن علاج‏هذا التنافي بالترتب، إذ معنى الترتب هو أن حرمة المقدمة الموصلة مشروطةبترك الواجب وهو ذوها، فإذا ترك الواجب فقد تحققت حرمة المقدمة بتحقق‏شرطها، والمفروض أن المكلف إذا ترك الواجب لم تكن المقدمة موصلة لكي‏تكون محرمة بالترتب، بل هي غير موصلة، وقد مرّ أنه لا تنافي بين حرمتهاووجوب ذيها، فلذلك يقع التعارض بين دليل حرمة المقدمة الموصلة ودليل‏وجوب ذيها، فالمرجع هو مرجحات باب المعارضة.
وبكلمة، أن جعل الحرمة للمقدمة الموصلة مع جعل الوجوب لذيها يكون‏لغواً، لأن هذه الحرمة المجعولة لها لا يمكن أن تكون فعلية، وذلك لأن المكلف إن‏أتى بالواجب وهو ذوالمقدمة، فقد سقطت حرمة المقدمة من جهة أهمية ذيها،وإن لم يأت به لم تكن المقدمة موصلة، وحينئذٍ تنتفي الحرمة بانتقاء موضوعها،فبالنتيجة أن هذه الحرمة لا يمكن أن تصبح فعلية لا في حال الاتيان بذي المقدمةولا في حال ترك الاتيان به، فمن أجل ذلك يكون جعلها لغواً صرفاً، وعلى هذافلو دلّ دليل على حرمة المقدمة الموصلة ودل دليل آخر على وجوب ذيها،فلامحالة تقع المعارضة بينهما للعلم اجمالاً، بأن جعل أحدهما مع جعل‏الآخرلغومحض.
لحدّ الآن قد تبين أنه لا شبهة في حرمة المقدمة غير الموصلة، وأما حرمةالمقدمة الموصلة فهي معارضة بوجوب ذيها، فإذن يقع التعارض بين إطلاق‏دليل الحرمة وإطلاق دليل الوجوب، فلابد حينئذٍ من الرجوع إلى مرجحاته.
وأما القول الثالث: وهو وجوب المقدمة مطلقاً، فيقع التعارض بين إطلاق‏دليل حرمتها وإطلاق دليل وجوب ذيها، فإن مقتضى إطلاق حرمة المقدمة أنهامحرمة حتى إذا كانت موصلة، ومقتضى إطلاق وجوب ذيها أنه واجب حتى إذاكانت المقدمة الموصلة محرمة، ومن الواضح أن جعل هذين الإطلاقين لايمكن،وقد مرّ أنه لا يعقل أن يكون ذلك من باب التزاحم.
وبكلمة، أنه على هذا القول يقع التعارض بين حرمة المقدمة ووجوبهاالغيري، ولكنه كان بالعرض لا بالذات، على أساس أنه إنما يعارض‏حرمةالمقدمة بملاك الوجوب النفسي لذيها، وإلا فهو في نفسه لا يصلح‏أن‏يعارض‏حرمتها.
ومن هنا يظهر أن التعارض على القول الأول وهو القول بعدم الملازمة بين‏وجوب شي ووجوب مقدمته مطلقاً وعلى القول الثاني وهو القول بالملازمةبين وجوب شي ووجوب حصة خاصة من مقدمته وهي المقدمة الموصلة إنماهو بين وتوب ذي المقدمة وحرمة المقدمة الموصلة فحسب، وعلى القول‏الثالث - وهو القول بالملازمة بينهما مطلقاً إنما هو بين حرمة المقدمة مطلقاً وبين‏وجوبها الغيري كذلك بالعرض، واما بالأصالة فهو بينها وبين وجوب ذيها.
وعلى هذا فلابد من الرجوع إلى مرحجات باب المعارضة، فإن كان لأحدهمامرجح كموافقة الكتاب أو السنة أو مخالفة العامة قدم على الآخر، وإن لم يكن‏مرجّح في البين، كان المرجع العام الفوقي ان كان، وإلا فالاصل العملي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الثمرة الفقهية لا تترتب‏على هذه المسألة بنفسها ومباشرة، وهذايعني أنها لا تكون كبرى قياس‏الاستنباط، بل هي مترتبة على قواعد الترجيح في باب المعارضة، فتكون تلك‏القواعد هي كبرى القياس، وهذه المسألة صغرى لتلك الكبرى. فالنتيجة: أنه‏يترتب على ضوء هذه المحاولة خروج هذه المسألة وأمثالها عن علم الاُصول،فلذلك لا يمكن دفع الإشكال بها.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره وحاصل هذه المحاولة، أن‏اُصولية المسألة مرتبطة بدلالتها على الحكم الشرعي بنفسه أو بكيفية تعلقه‏بموضوعه، وعلى هذا فيشمل التعريف البحوث اللفظية، سواءاً كان البحث فيهاعن تكوين ظهور اللفظ في الحكم الشرعي أم كان من كيفية تعلق الحكم‏بموضوعه، والأول كالبحث عن دلالة صيغة الأمر على الوجوب وصيغة النهي‏على الحرمة، والثاني كالبحث عن ظهور اللفظ في العموم أو الخصوص والمطلق‏أو المقيد ونحو ذلك، أو عن دلالة القضية الشرطية أو الوصفية على المفهوم، فإن‏مرد الأول إلى البحث عن كيفية تعلق الحكم بموضوعه، وأنه على العموم أوالخصوص أو المطلق أو المقيد، ومردّ الثاني إلى أن كيفية تعلقه بموضوعه إنما هي‏على نحو التعليق والإشتراط(16).
على هذا فلا يشمل التعريف مسائل علم الرجال واللغة، فإن البحث في الأول‏عن وثاقة الراوي، وفي الثاني عن وضع اللفظ كلفظ الصعيد مثلاً، وشي منهمالايدل على الحكم بنفسه ولا على كيفية تعلقة بموضوعه.
ونتيجة هذه المحاولة، أن اُصولية المسألة مرهونة بدلالتها على ثبوت الحكم‏الشرعي بنفسه أو بكيفية تعلقه بموضوعه، وإلاّ فلا تكون المسألة اُصولية.
ولكن هذه المحاولة أيضاً لا تجدي، لأن الطابع المذكور لا يعم جميع‏المسائل الاُصولية.
منها مسألة اقتضاء الامر بشي‏و النهي عن ضده، فإنها لا تدل على ثبوت‏حكم شرعي بنفسه ولا بكيفية تعلقه بموضوعه، فإن مدلولها الملازمة بين الأمربشي والنهي عن ضده، ولكن النهي بما أنه نهي غيري، فلا يصلح أن يكون‏نتيجة للمسألة الاُصولية وملاكاً لها، وأما صحة الضد العبادي، فهي لا تدل‏عليها، على أساس أنها مترتبة على مسألة اُخرى، وهي مسألة الترتب كماسوف نشير إليها لا على هذه المسألة، فإنها من احدى مقدماتها وصغرياتها.
ومنها مسألة مقدمة الواجب، فإنها تدل على ثبوت الملازمة بين وجوب شي‏ووجوب مقدمته، ولا تدل على ثبوت الحكم الشرعي بنفسه ولا بكيفيةتعلقه بموضوعه.
ومنها الاُصول العملية البحتة من العقلية والشرعية، أما الاُصول العقليةفلأنها لا تدل على الحكم الشرعي أصلاً لا بنفسه ولا بكيفية تعلقه بموضوعه،وأما الاُصول الشرعية فإن كانت أصالة البراءة فمفادها التعذير لا اثبات الحكم،وان كانت أصالة الاحتياط فمفادها التنجيز.
فالنتيجة: أن الاُصول العملية لا تدل على الحكم الشرعي، إلاّ أن يقال أن‏المراد من دلالة المسألة الاُصولية على الحكم أعم من دلالتها على إثبات نفس‏الحكم أو على اثباته تعذيراً أو تنجيزاً، وعندئذٍ لا اشكال بالنسبة إلى الاُصول‏العملية الشرعية، وينحصر الإشكال بالاُصول العملية العقلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن هنا إشكالاً آخر على هذه المحاولة، وحاصله أنه إن‏أريد من دلالة المسألة الاُصولية على اثبات الحكم بأحد النحوين المذكورين‏دلالتها على اثباته مباشرة وبدون واسطة، فيرد عليها أن البحوث اللفظية لاتدل على اثبات الحكم الشرعي بدون واسطة، وإنما تدلّ عليه بواسطة حجيةتلك الدلالة،لوضوح أن اثبات الحكم الشرعي الذي هو نتيجة فقهية في‏الشبهات الحكمية في المباحث اللفظية، إنما هو مستند إلى حجية الظواهر لا إلى‏نفس الظواهر، وان أريد من دلالتها على إثبات الحكم الشرعي أعم من أن‏تكون بالمباشرة أو بالواسطة، فحينئذٍ وان كانت البحوث اللفظية من الاُصول‏وكذلك الملازمات العقلية، على أساس أن المسائل الاُصولية على هذا، أعم من‏أن تقع كبرى القياس بعملية الاستنباط أو صغراها، إلا أنه عندئذٍ تدخل في‏الاُصول مسائل علم الرجال و اللغة ،لانها دخيلة في‏عملية الاستنباط صغروية.
فالنتيجة: أن هذه المحاولة لا تعالج المشكلة ولا تتغلّب عليها.
المحاولة الثالثة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره وحاصل ما ذكره أن الاُصول هوالعلم بالقواعد التي تقع في نفسها في طريق عملية استنباط الحكم الشرعي‏الكلي، من دون ضم كبرى أو صغرى اُصولية اُخرى إليها، وبذلك تمتاز المسائل‏الاُصولية عن غيرها(17).
وقد نوقش على هذه المحاولة بمجموعة من المناقشات:
المناقشة الأولى: أن لازم هذا التعديل في التعريف خروج المباحث اللفظيةجميعاً عن الاُصول، بلحاظ أنها لا تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها،بل‏بحاجة إلى ضم كبرى اُصولية إليها، وهي حجية الظواهر. هذا،
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك بما ملخصه أن حجية الظواهر بما أنهامورد التسالم عند جميع العقلاء وفي كل الأدوار وطول التاريخ، فمن أجل ذلك لاتكون من المسائل الاُصولية، بنكتة أن اُصولية المسألة مرهونة بكونها موردالبحث والنظر نفياً واثباتاً، وأمّا إذا كانت مسلمة لدى الكل بدون الحاجة إلى‏البحث والنظر فيها، فلا تكون من الاُصول، وعلى هذا فلا يوجب ضم حجيةالظواهر إلى البحوث اللفظية الدلالية خروجها عن المسائل الاُصولية، لأن‏الميزان فيها أنها لا تحتاج في وقوعها في طريق عملية الاستنباط إلى ضم كبرى أوصغرى اُصولية اُخرى إليها، وحيث ان حجية الظواهر ليست من الاُصول،فضمّها إليها ليس من ضم كبرى اُصولية اُخرى(18).
وهذا الجواب غير تام، وذلك لما تقدم مفصلاً من أن اُصولية المسألة مرهونةبنقطة واحدة، وهي وقوعها في طريق عملية الاستنباط للمسائل الفقهيةالنظرية،بنكتة أن الأحكام الشرعية الفقهية إذا كانت نظرية، كان اثباتها شرعاًمتوقفاً على عملية الاجتهاد والاستنباط، وهي عبارة عن تطبيق القواعدالاُصولية على عناصرها الخاصة لاثبات المسائل الفقهية، ولا فرق في ذلك بين‏أن تكون تلك القواعد قطعية أو ظنية، بل لا مانع من أن تكون ضرورية، لأن‏أصوليتها إنما هي من جهة حاجة الفقه إليها وتفاعله وترابطه معها في طول‏التاريخ ذاتاً، وعدم امكان الانفكاك بينهما مادامت الأحكام الفقهية نظرية، ومن‏هنا إذا افترض أن جميع المسائل التي كان الفقه بحاجة إليها في عملية الاستنباطوالإثبات شرعاً قطعية أو ضرورية، فلا يحتمل خروجها عن علم الاُصول.فالنتيجة: أن الاُصول كالمنطق، فكما أن حاجة سائر العلوم إليه في جميع‏استدلالاته جعلته أصلاً ومنطقاً إليها، فكذلك حاجة علم الفقه في عملية اثباته‏شرعاً إلى القواعد والمسائل جعلتها أصولاً إليه، فتسمية تلك القواعد بالاُصول‏من جهة حاجة الفقه إليها، ومن المعلوم أنه لا فرق في ذلك بين أن تكون تلك‏القواعد قطعية أو ضرورية أو ظنية مادام الفقه بحاجة إليها، وإلا ينتفي الاُصول‏بانتفاء موضوعه، وقد سبق شرح ذلك بتفصيل أكثر(19) فلاحظ.
هذا إضافة إلى أن مورد التسالم إنما هو حجية الظواهر في الجملة، وأماحجيتها مطلقاً، فهي مورد الخلاف.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا شبهة في أن حجية الظواهر من‏المسائل الاُصولية.
المناقشة الثانية: أن لازم هذا التعريف خروج الملازمات العقلية عن‏علم الاُصول.
منها: مسألة الضدّ، إذ لا يترتب على اقتضاء الأمر بشي للنهي عن ضده‏العبادي إلاّ حرمته، ولكن الحرمة بما أنها غيرية، فلا تصلح أن تكون نتيجةفقهية، وعلى هذا فالنتيجة الفقهية في المسألة على القول بالملازمة فساد الضّدالعبادي، وعلى القول بعدم الملازمة صحته، ولكن اثبات الأول يتوقف على ضم‏كبرى اُصولية وهي الملازمة بين حرمة العبادة وفسادها، واثبات الثاني يتوقف‏على الإلتزام بكبرى مسألة الترتب.
وقد أجاب السيد الاُستاذقدس سره عن ذلك، بأنه يكفي في اُصولية المسألة ترتب‏النتيجة الفقهية على أحد طرفيها، ولا يلزم ترتبها على كلا طرفيها معاً، وصحةالعبادة في المسألة مترتبة على القول بعدم الملازمة فيها، وهذا كاف في صيرورةهذه المسألة اُصولية(20).
وللمناقشة في هذا الجواب مجال، وتقريب المناقشة:
أولاً: أن صحة العبادة لا يمكن أن تترتب على القول بعدم الإقتضاء في المسألةمباشرة، بل هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى، وهي مسألة الترتب، وهذه‏المسألة من صغرياتها، وهذا لا من جهة أن صحة العبادة متوقفة على الأمر،وحيث انه لا أمر في المقام من جهة استحالة الأمر بالضدّين معاً في آنٍ واحد، فلايمكن الحكم بالصحة، بل من جهة أن الأمر إذا سقط عن العبادة في مورد، فكمايحتمل أن يكون سقوطه من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي والملاك له،يحتمل أن يكون من جهة عدم المقتضي والملاك له، وبالتالي لا نحرز وجود الملاك‏فيها لكي يكون مصححاً للاتيان بها والتقرب، والمفروض أن صحة العبادةمتوقفة على احراز أحد أمرين إما ثبوت الأمر بها أو احراز الملاك فيها، وكلاالأمرين غير محرز في المقام. أما الأول فلأستحالة الأمر بالضدين‏و وأما الثاني‏فلا طريق لنا إلى احرازه، فلذلك لا يمكن الحكم بصحتها إلا على أساس القول‏بالأمر الترتبي.
فالنتيجة: أن صحة العبادة لا تترتب على القول بعدم الملازمة في المسألةمباشرة حتى تكفي لصيرورتها مسألة اُصولية، بل هي مترتبة على كبرى مسألةالترتب، وهذه المسألة صغرى لهذه الكبرى، ومن هنا لو قلنا بعدم امكان الترتب‏واستحالته فلا يمكن الحكم بصحة العبادة، إلا بناءاً على امكان استكشاف الملاك‏بعد سقوط الأمر في موارد التزاحم.
وثانياً أن فساد الضد العبادي لا يترتب على القول بالإقتضاء مباشرة، وذلك‏لأن النهي عن الضد حيث إنه نهى غيري ولا يقبل التنجيز، فلا يصلح أن ينقح به‏صغرى مسألة اقتضاء النهي عن العبادة لفسادها، فإن صغرى هذا النهي، النهي‏النفسي فحسب دون الأعم منه ومن الغيري.
وبكلمة، إن النهي الغيري المتعلق بالعبادة لو كان صالحاً للتنجيز، كان‏مقتضياً لفسادها بنفسه، فعندئذٍ نفس هذا النهي الغيري ثمرة للمسألة ولا تتوقف‏أصوليتها على ثمرة اُخرى، وأما إذا لم يكن صالحاً للتنجيز كما هو كذلك، فلايقتضي فساد العبادة، فإذن لا محالة يكون فسادها مرتبطاً بمسألة اُخرى،وهي‏عدم الأمر بها من جهة استحالة الأمر بالضدين من ناحية، وعدم امكان‏احراز اشتمالها على الملاك في هذه الحالة من ناحية اُخرى، والمفروض كماعرفت‏أن صحة العبادة متوقفة على توفر أحد هذين الأمرين فيها، وإلافلايمكن الحكم بصحتها.
وثالثاً أن المسألة على القول بالإقتضاء، هل تنقح صغرى باب التعارض أوتنقح صغرى باب التزاحم، فيه قولان:
المعروف والمشهور بين الاُصوليين القول الأول، بدعوى وقوع التعارض بين‏النهي الغيري المتعلق بالعبادة )الضد( والأمر النفسي بها، فيسقط الأمر حينئذٍمن جهة المعارضة، ولا يمكن اثباته بالترتب، لأن مورده وموضوعه باب‏التزاحم دون التعارض.
ولكن الصحيح هو القول الثاني، وذلك لأن النهي الغيري المتعلق بالعبادة)الضد( لا ينافي الأمر النفسي المتعلق بها لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلةالامتثال، أمّا في الأولى فلأن النهي الغيري ناشى‏ء عن الملاك في متعلق الأمرالأول، وهو الأمر بالشي‏ء المقتضي للنهي عن ضده العبادي لا عن الملاك في‏متعلقه، فلا ينافي الأمر بالضد العبادي في مرحلة المبادي، وأما في الثانية فلأن‏النهي الغيري بما أنه لا يصلح للتنجيز، فلا يقتضي وجوب موافقته لكي ينافي‏الأمر النفسي في اقتضاء الامتثال في هذه المرحلة.
وعلى هذا فمنشأ التعارض بين النهي الغيري بالعبادة )الضد( والأمر بها، إنماهو التزاحم بين الأمر بالشي والأمر بضده العبادي، وحيث أن التعارض المذكوربينهما بالعرض، فلابد من علاج التزاحم، وبعلاجه يعالج التعارض أيضاًبالتبع،باعتبار أنه تابع له، وحينئذٍ فإن كان الأمر الأول أهم من الأمر الثاني وهوالأمر بالعبادة )الضد( قدم عليه، ولكن هذا التقديم على القول بامكان الترتب‏إنما هو على إطلاقه، وهذا يعني أن إطلاق الأمر بالمهم مقيد بعدم الإشتغال‏بالأهم،فإذا اشتغل به كان المرفوع إطلاق الأمر بالمهم لا أصله، وأما إذا لم‏يشتغل به عصياناً فلا مانع من تحققه بتحقق شرطه بالترتب على القول به،ومعناه أنه لا يلزم من فعلية كلا الأمرين )الأهم والمهم( في هذه الحالة في آنٍ‏واحد محذور طلب الجمع بين الضدين، فلهذا لا يكون الأمر بالأهم مانعاً عن‏الأمر بالمهم، فإذا لم يكن الأمر بالأهم مانعاً عنه، فكيف يكون النهي الغيري‏الذي هو تابع له مانعاً عنه، أو فقل أن ملاك النهي الغيري القائم بالواجب الأهم‏إذا لم يكن مانعاً عنه، فكيف يكون نفس النهي الغيري مانعاً مع أنه في نفسه لاأثر ولا قيمة له، ولهذا لا ينافي الأمر النفسي كما عرفت لا في المبدء ولا في المنتهى‏بقطع النظر عن متبوعه، فإن المنافي له إنما هو متبوعه، حيث أنه ينافي الأمربالعبادة )الضد( في مرحلة الامتثال.
فالنتيجة: أنه على القول بالترتب فالعبادة محكومة بالصحة في المسألة على‏كلا القولين، وأما بناءاً على القول بعدم إمكان الترتب، فلابد من الإلتزام بفسادالعبادة في المسألة على كلا القولين، لما مرّ من أن صحة العبادة متوقفة على توفرأحد أمرين فيها، إما الامر بهااو الملاك فيها، أما الأول فهو ساقط في المقام على‏الفرض، وأما الثاني فلا طريق إلى احرازه.
فالنتيجة: أنه لا فرق بين القولين في المسألة، فعلى القول بامكان الترتب‏فالعبادة محكومة بالصحة حتى على القول بالاقتضاء، وعلى القول بعدم إمكانه‏فالعبادة محكومة بالفساد حتى على القول بعدم الاقتضاء، وبالتالي لا تظهرالثمرةبين القولين.
وبذلك يظهر أن جواب السيد الاُستاذقدس سره عن الإشكال لا يعالج مشكلةخروج هذه المسألة عن علم الاُصول،
ومنها مسألة اجتماع‏الأمر والنهي،فإن هذه‏المسألة لاتقع في‏طريق عمليةالاستنباط بنفسها مباشرة بدون ضم مسألة اُصولية اُخرى على كلاالقولين فيها.
أما على القول بالإمتناع ووحدة المجمع، فلأن المسألة تدخل في كبرى مسألةالتعارض والمرجع فيها مرجحات بابها، ومن الواضح أن النتيجة الفقهية لاتترتب على المسألة على القول بالإمتناع بنفسها بدون ضم مسألة اُصولية اُخرى‏وهي مرجحات باب المعارضة، وحينئذٍ فإن كان الترجيح لدليل الوجوب، قدم‏على دليل الحرمة، وإن كان العكس فبالعكس، وإلا فيسقطان معاً، ويكون‏المرجع العام الفوقي إن كان، وإلا فالأصل العملي.
وأما على القول بالجواز وتعدد المجمع، فلأن المسألة تدخل في كبرى مسألةالتزاحم، وحينئذٍ فلابد من الرجوع إلى مرجحات بابها، فإن كان الوجوب أهم‏أو محتمل الأهمية قدم على الحرمة، وإن كان العكس فبالعكس، وإلا فالمكلف‏مخير بينهما، وعلى هذا فصحة الواجب في مورد الإجتماع لا تترتب على المسألةعلى القول بالجواز بنفسها، بل هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى وهي‏مسألة مرجحات باب التزاحم أو مسألة الترتب.
فالنتيجة: أن الثمرة الفقهية لا تترتب على هذه المسألة بنفسها ومباشرة بدون‏ضم مسألة اُصولية اُخرى إليها، لا على القول بالإمتناع ولا على القول بالجواز.
وأما ما حاوله السيد الاُستاذقدس سره من أنه يكفي في اُصولية المسألة وقوعها في‏طريق عملية الاستنباط بنفسها ولو بأحد طرفيها، وحيث أن صحة العبادة في‏المقام مترتبة على هذه المسألة بنفسها على القول بالجواز، فيكفي ذلك في‏أصوليتها(21) فهو لا يتم.
اما أولاً: فلما عرفت من أن صحة العبادة في مورد الإجتماع على القول‏بالجواز مترتبة إما على مرجحات باب التزاحم أي تقديم الوجوب على الحرمةللأهمية أو احتمالها، أو على مسألة الترتب، لا على المسألة بنفسها بدون ضم‏مسألة اُصولية اُخرى.
وثانياً: لو كانت الصحة مترتبة على المسألة على القول بالجواز بنفسها بدون‏حاجة إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى، لكان ذلك من باب التطبيق أي تطبيق‏الطبيعي المأمور به على فرده وحصته في الخارج، وليست من باب‏الاستنباط،فإذن لا تكون المسألة اُصولية من هذه الجهة.
والخلاصة: أن محاولة السيد الاُستاذقدس سره للتغلب على مشكلة خروج هذه‏المسألة عن الاُصول غير تامة.
ومنها: مسألة مقدمة الواجب، بتقريب أن وجوب المقدمة على القول‏بالملازمة وإن كان مترتباً عليها مباشرة، ولكن بما أن وجوبها وجوب غيري‏وهو غير قابل للتنجيز، فلا يصلح أن يكون ثمرة فقهية لها ومصححاًلأصوليتها،وعلى هذا فلا تترتب عليها نتيجة فقهية بنفسها بدون ضم مسألةاُصولية اُخرى لكي تكون المسألة اُصولية.
وقد حاول السيد الاُستاذقدس سره للخروج عن هذه المشكلة بالتقريب التالي:وهو أن لهذه المسألة ثمرة فقهية مهمة مترتبة عليها بنفسها وذكرها في موردين:
أحدهما: ما إذا كان الواجب مقدمة للحرام بنحو العلة التامة، وحينئذٍ فعلى‏القول بعدم الملازمة يقع التزاحم بين الواجب والحرام، ولابد من الرجوع وقتئذٍإلى مرجحات بابه، وأما على القول بالملازمة، فيقع التعارض بينهما، بتقريب أن‏دليل الحرمة يدل بالدلالة الإلتزامية على حرمة الواجب، ودليل الوجوب يدل‏بالدلالة المطابقية على وجوبه، ولا يمكن اجتماعهما في شي واحد.
ثانيهما: ما إذا كان الحرام مقدمة للواجب، وعندئذٍ فعلى القول بعدم ثبوت‏الملازمة، تقع المزاحمة بين الواجب والحرام، فلابد حينئذٍ من علاج التزاحم‏بينهما بالرجوع إلى مرجحات بابه، وعلى القول بثبوت الملازمة بينهما، فعندئذٍ إن‏قلنا بأن الواجب من المقدّمة حصة خاصة منها وهي الحصة الموصلة، فقدسقطت الحرمة عن هذه الحصة فحسب دون غيرها، وإن قلنا بأن الواجب‏مطلق المقدمة، سقطت الحرمة عنها مطلقاً وإن لم تكن موصلة، وهذه ثمرة فقهيةتظهر بين القولين في المسألة وتكفي في أصوليتها ودخولها في التعريف(22).
وغير خفي أن هذه المحاولة أيضاً لا تجدي في التغلب على مشكلة خروج هذه‏المسألة عن علم الاُصول، وذلك لأن هاتين الثمرتين لا تترتبان على هذه المسألةبنفسها من دون ضم مسألة اُصولية اُخرى.
أما الثمرة الأولى فلأنها مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى دون هذه‏المسألة،وهي الرجوع إلى مرجحات باب التعارض، وتقديم أحدهما على الآخربموافقة الكتاب أو السنة أو مخالفة العامة إن كانت، وإلا فالعمل بالعام‏الفوقي،وإن لم يكن فالأصل العملي، ولا فرق في ذلك بين القولين في المسألة، اماعلى القول بالملازمة فهو ظاهر كما تقدم، اما على القول بعدم الملازمة فعلى‏أساس أنه لا يمكن جعل الخطاب الوجوبي والخطاب التحريمي معاً لكل من‏المقدمة وذيها، لأنه تكليف بغير مقدور، فإن الواجب إذا كان علة تامة لوجودالحرام في الخارج، فلا محالة يقع التعارض بين وجوب الأول وحرمة الثاني، ولايمكن أن يكون ذلك داخلاً في باب التزاحم بينهما، وذلك لأن خروج باب‏التزاحم عن باب التعارض منوط بإمكان التقييد العام اللبي لكل خطاب بعدم‏الإشتغال بما لا يقل عنه في الأهمية وهو في المقام غير متصور، وذلك لأنه لا يمكن‏تقييد الخطاب التحريمي في المقام بعدم الإشتغال بالواجب لأنه لغو، على أساس‏أن عدم الإشتغال به ملازم لترك الحرام قهراً، بملاك أن ترك العلة ملازم لترك‏المعلول، فإذن كيف يمكن تقييد حرمته بهذه الحالة، فإن مرد هذا التقييد إلى تقييدحرمة الحرام بتركه، كما لا يمكن تقييد الخطاب الوجوبي منه بممارسة الحرام‏وارتكابه لأنه لغو محض، فإن ممارسة الحرام وارتكابه لا يمكن بدون إيجادالواجب والإتيان به في المقام، باعتبار أنه علة للحرام، فإذن يكون مرد هذاالتقييد إلى تقييد وجوب الواجب بايجاده وهو كماترى.
فالنتيجة: أنه لا يمكن أن تكون حرمة الحرام مترتبة على عصيان الواجب،كما لا يمكن أن يكون وجوب الواجب مترتباً على عصيان الحرام، فإذن لامناص من الإلتزام بدخول المقام في باب التعارض.
وبكلمة، أن هذه الثمرة لا تترتب على هذه المسألة بنفسها ومباشرةً من دون‏ضم مسألة اُصولية اُخرى، بل هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى وهي‏قواعد باب المعارضة هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى ان ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل بين القولين في‏المسألة وإنها على القول بالملازمة داخلة في باب التعارض، وعلى القول بعدم‏الملازمة داخلة في باب التزاحم لا يتم، لما مرّ من أنها داخلة في باب التعارض‏على كلا القولين فيها.
وأما الثمرة الثانية فقد تقدم الكلام فيها(23)، وقلنا أن الحرام إذا كان مقدمةللواجب، فالمسألة داخلة في باب التعارض دون التزاحم على تفصيل تقدم‏هناك، وعلى كلا التقديرين، فالثمرة الفقهية لا تترتب على المسألة بنفسها، بل‏هي مترتبة على مسألة اُصولية اُخرى، وهي قواعد باب التزاحم أو التعارض.
المناقشة الثالثة : على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره وحاصل هذه المناقشة أنه‏إن أريد من عدم احتياجها إلى كبرى اُصولية اُخرى عدم الإحتياج طولاً أي‏كبرى اُصولية فوقها، فيرد عليه أن هذا رجوع إلى ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من‏المحاولة وليس محاولة جديدة وهذا خلف.
وإن أريد من ذلك عدم احتياجها إليها ولو عرضاً، فيرد عليه أن لازم ذلك‏خروج كثير من المسائل الاُصولية عن علم الاُصول، فإن موارد احتياج بعضهاإلى بعض في عملية استنباط الحكم الشرعي كثيرة، على أساس أن اعتماد الفقيه‏في مجال الاستنباط في معظم أبواب الفقه على الروايات غير قطعية السندوالدلالة، ومن الطبيعي أن استفادة الأحكام الشرعية من تلك الروايات تتوقف‏على ضم مسألة اُصولية إلى مسألة اُصولية اُخرى، كضمّ حجية السند إلى حجيةالدلالة وهكذا، ولا يمكن استفادتها من احداهما بنفسها بدون حاجة إلى ضم‏الأخرى إليها(24). نعم إذا كانت الرواية قطعية سنداً، كانت استفادة الحكم منهامتوقفة على حجيتها دلالة فقط بدون حاجة إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى، وإذاكانت قطعية دلالة فحسب، كان الأمر بالعكس، ومن هنا لا تتوقف استفادةالحكم من الكتاب العزيز على ضمّ مسألة اُصولية اُخرى إليه، بل تتوقف على‏حجية دلالته في نفسها بدون حاجة إلى ضم كبرى اُصولية. هذا،
ولكن بإمكان السيد الاُستاذقدس سره التغلب على هذه المناقشة، بتقريب أنهامبنية على نقطة، وهي أن سند الرواية حجة مستقلة غير مشروطة بحجيةدلالتها، بأن تكون هناك حجتان: إحداهما حجية السند، والأخرى حجيةالدلالة، وحينئذٍ فلا يمكن استفادة الحكم من احداهما بدون ضمّ الأخرى، إلا أن‏هذه النقطة خاطئة وغير مطابقة للواقع، لأن التحقيق في المسألة هو أن حجيةكل من سند الرواية ودلالتها ثابتة بجعل واحد، بمعنى أن المجعول في الواقع حجيةواحدة لمجموع من السند والدلالة بنحو الإرتباط، فإذا دل دليل على حجية خبرالثقة مثلاً، كان مفاده جعل حجية لمجموع من السند والدلالة بنحو الإرتباط،ولا يمكن أن يكون مفاده حجية سنده مستقلاً بدون أن يكون ناظراً إلى ثبوت‏مدلوله، لأنه لغو صرف، وعلى هذا فليست هنا مسئلتان أصوليتان إحداهماحجية سند الرواية، والأخرى حجية دلالتها، بل مسألة اُصولية واحدة، وهي‏حجية مجموع من السند والدلالة بنحو الإرتباط، والمفروض أنها ليست بحاجةفي وقوعها في طريق عملية الاستنباط إلى ضم مسألة اُصولية اُخرى لا في طولهاولا في عرضها، فإذن لا موضوع لهذه المناقشة في المقام.
وبكلمة، كما أنه لا مجال للمناقشة المذكورة، فيما إذا فرض أن الرواية قطعيةمن ناحية السند أو الدلالة وغير قطعية من الناحية الأخرى، فإن وقوعها من‏تلك الناحية في طريق عملية الاستنباط لا يتوقف على ضم مسألة اُصوليةاُخرى لا طولاً ولا عرضاً، كما هو الحال في الكتاب،وكذلك لا مجال لها فيما إذاكانت الرواية غير قطعية بحسب السند والدلالة، على أساس ما عرفت من أن‏الحجية مجعولة لهما معاً بجعل واحد بنحو الإرتباط، فلا يكون المجعول هناحجتين مستقلتين احداهما للسند والأخرى للدلالة.
فالنتيجة: أن هذه المناقشة غير تامة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه قد يفسر محاولة السيد الاُستاذقدس سره بتفسير آخرللتخلص من تلك المناقشة، وهو أن مراده‏قدس سره من عدم الحاجة إلى مسألةاُصولية اُخرى من كبرى أو صغرى عدم الحاجة في الجملة، بأن تكون اُصوليةالمسألة مرهونة باستغنائها عن غيرها من المسائل الاُصولية ولو في مورد واحد،وعلى هذا فلايرد عليه الإشكال بمثل حجية خبر الواحد، فإنه يكفي في اُصوليةهذه المسألة وقوعها في طريق عملية الاستنباط، مستغنية عن غيرها من‏المسائل الاُصولية ولو في مورد واحد،و هو ما إذا كان الخبر قطعياً من ناحيةالسند أو الدلالة، فإنه في هذه الحالة يقع في طريق هذه العملية بدون حاجة إلى‏ضم مسألة اُصولية اُخرى.
وبكلمة، أن الميزان في اُصولية المسألة، امكان وقوعها في طريق عمليةالاستنباط بنفسها بدون حاجة إلى أي ضميمة لا فعلاً ودائماً.
ولكن قد نوقش في هذا التفسير بأمرين:
الأول : أن لازم ذلك دخول مجموعة من مسائل سائر العلوم في الاُصول،وذلك لأن كل مسألة إذا أمكن وقوعها في طريق عملية الاستنباط ولو في موردواحد بنفسها وبدون حاجة إلى ضميمة لكانت من الاُصول، وعليه فإذا فرض‏أنه وردت كلمة )الناصة( في رواية، قطعية سنداً ودلالة ما عدا دلالة هذه‏الكلمة، وعلى هذا فأستنباط الحكم الشرعي من هذه الرواية يتوقف على تحديدمدلول هذه الكلمة سعة وضيقاً بنفسها بدون حاجة إلى ضم غيرها، باعتبار أنهاقطعية، ولازم هذا أن يكون البحث عن مدلولها بحثاً أصولياً، على أساس توفرالطابع الاُصولي فيها وهو استغناؤها عن غيرها في عملية الاستنباط ولو في‏مورد واحد. ومن هذا القبيل كلمة )الصعيد( الواردة في الآية الشريفة، التي هي‏قطعيّة السند، فإن استنباط الحكم الشرعي - وهو جواز التيمم بمطلق وجه‏الأرض أو خصوص التراب الخالص - لم يكن بحاجة إلى شي ما عدا تحديدمدلولها سعة وضيقاً.
وإن شئت قلت أن الآية الشريفة قطعية من ناحية السند، فإذا فرض أنهاقطعية من ناحية الدلالة أيضاً ما عدا دلالة هذه الكلمة )الصعيد(، فبطبيعةالحال لم يكن استنباط الحكم الشرعي من الآية حينئذٍ بحاجة إلى أي ضميمةغير تحديد مدلولها سعة وضيقاً، ولازم هذا أن يكون البحث عنهابحثا أصولياًبموجب هذا التفسير(25).
ولنا تعليق على هذا الإشكال وتقريبه، أن الآية الشريفة تدل على وجوب‏التيمم بالصعيد عند عدم وجدان الماء، وأما جوازه بمطلق وجه الأرض فهويتوقف على تحديد مدلول هذه الكلمة )الصعيد( سعة وضيقاً، وحينئذٍ فإن ثبت‏أن مدلولها مطلق وجه الأرض جاز التيمم به، وإن ثبت أن مدلولها خصوص‏التراب الخالص، فحينئذٍ وإن وجب الإقتصار عليه إلا أنه ليس من جهة ثبوت‏مدلولها، بل من جهة أن كفاية التيمم به أمر متيقن كانت كلمة الصعيد ظاهرة فيه‏أم لا، وأما على الأول وهو ما إذا ثبت ظهورها في مطلق وجه الأرض، فحينئذٍوإن كانت الآية الشريفة تدل على جواز التيمم بمطلق وجه الأرض، إلا أن هذه‏الدلالة هي الموضوع للمسألة الاُصولية وهي الحجية، لا دلالة هذه الكلمةفحسب، فإنها مندكّة في دلالة الآية ومنضمة إليها، وليست دلالة مستقلة في‏مقابلها، فالدلالة النهائية المستقلة هي دلالة الآية واكتسابها صفةالظنية بلحاظظنية دلالة هذه الكلمة بأعتبار أن النتيجة تابعة لأخسّ المقدمتين، فتحصل‏أن‏تحديد دلالة كلمة )الصعيد( ينقح صغرى للمسألةالاُصولية لا أنه‏مسألة أصولية.
وبكلمة، أن الآية الشريفة وإن قلنا بأنها ناصة في وجوب التيمم في الجملة،إلاّ أنها ظاهرة في جواز التيمم بمطلق وجه الأرض، على أساس ظهور كلمة)صعيد( فيه، باعتبار أن ظهور الآية في الإطلاق مرتبط بظهور هذه الكلمةفي‏المعنى المطلق.
والثاني: أن التعريف على أساس هذا التفسير لا يكون جامعاً لتمام أفراده،فان جملة من البحوث اللفظية بحاجة دائما في وقوعها في طريق عملية الاستنباطالى ضم كبرى اُصولية إليها، وذلك كمباحث العام والخاص والمطلق والمقيدوالمفهوم والمنطوق،فإن هذه المباحث تنتج صغرى كبريات أبواب الجمع‏العرفي، كتعيين الخاص في مقابل العام والمقيد في مقابل المطلق والمنطوق في مقابل‏المفهوم وهكذا،ومن الواضح أن استفادة الحكم من العام والخاص لا يمكن بدون‏ضم كبرى قواعد باب الجمع العرفي إليهما، وهي تقديم الخاص على العام بملاك‏القرينية، وكذلك المطلق والمقيد(26).
وبكلمة، أنه على الرغم من أن هذه البحوث بحوث اُصولية، فمع ذلك لاتصلح أن تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها من دون ضم كبرى اُصوليةاُخرى إليها ولو في مورد واحد، وعليه فلا يتوفر في تلك البحوث الطابع‏الاُصولي وهو امكان وقوعها فيه بدون ضميمة. فإذا وقع التعارض بين العام‏والخاص أو المطلق والمقيد والمنطوق والمفهوم وهكذا، فلا يمكن استفادة الحكم‏منهما بنفسهما،بل تتوقف إما على ضمّ قواعد الجمع العرفي إليهما بتطبيق الأقوى‏منهما على الأضعف، أو على ضمّ قواعد باب التعارض، وعلى كلا التقديرين‏فهذه البحوث لا تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها بدون ضم كبرى اُصوليةاُخرى إليها أصلاً ولو في مورد واحد، فالنتيجة: أن هذا الإشكال وارد على‏التعريف المذكور.
ولكن قد يدفع هذا الإشكال عن السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن قواعد الجمع‏العرفي حيث أنها مورد التسالم عند الجميع كحجية أصل الظهور، فلا تكون من‏الاُصول، وعليه فحاجة تلك البحوث إلى ضم هذه القواعد إليها في استفادةالحكم واستنباطه لا تضر بطابع اُصوليتها، فإن المضر به إنما هو ضم كبرى‏اُصولية اُخرى إليها، والمفروض أن القواعد المذكورة ليست من الاُصول لكي‏يضر ضمها إليها وتوجب خروجها عن علم الاُصول(27).
وغير خفي أن هذا الدفع ليس بشي‏ء.
أما أولاً: فلان قواعد الجمع العرفي ليست من القواعد المسلمة لدى الجميع،فإن جماعة من الأخباريين ذهبوا إلى أن موارد الجمع العرفي كالعام و الخاص‏والمطلق والمقيد والظاهر والأظهر وهكذا، مشمولة للأخبار العلاجية الآمرةبتطبيق قواعد باب التعارض عليها، بل قد تأمل في ذلك المحقق الخراساني‏قدس سره‏بإبداء احتمال شمول الأخبار العلاجية لموارد الجمع العرفي(28)، فإذن ليس الرجوع‏إلى تلك القواعد من الأمر المسلم عند الكل ومورد الإتفاق، كما أن مسألة حجيةالظواهر ليست كذلك، فإن المسلم هو حجيتها في الجملة، وأما سعتهافهي‏موردالبحث والنظر نفياً واثباتاً، ولهذا انكر جماعة من الأخباريين‏حجيةظواهر الكتاب.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أنها مورد التسالم، إلا أنه قد تقدم أن‏اُصولية المسألة لا تكون مرهونة بوجود الخلاف فيها، ولهذا قلنا هناك موسعاًأنه لا مانع من كون المسألة الاُصولية قطعية بل ضرورية، إذا كانت المسألةالفقهية نظرية وبحاجة إلى الإثبات(29).
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى: أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من المحاولة لتعديل التعريف بإضافةقيد الكبروية فيه، وإن نجحت في إخراج علم الرجال واللغة ونحوهما عن‏الاُصول، إلا أنها أدّت إلى محذور آخر وهو خروج جملة من المسائل الاُصوليةعن علم الاُصول، منها البحوث اللفظية بكافة أصنافها ومنها الملازمات العقليةعلى ما تقدم.
الثانية: أن ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من الضابط العام لاُصولية المسألة غيرتام، لما قد مرّ من عدم انطباق هذا الضابط على جملة من المسائل‏الاُصولية،كمباحث الملازمات العقلية ومباحث الاُصول العملية البحتة.
الثالثة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من المحاولة لتعديل التعريف بإضافة قيدبنفسها من دون ضم كبرى أو صغرى اُصولية اُخرى، لا يتم ولا يوجب جامعيةالتعريف، حيث أن لازم اشتماله على هذا القيد خروج مجموعة كبيرة من المسائل‏الاُصولية عنه، منها البحوث اللفظية، فإنها لا تقع في طريق عملية الاستنباطبنفسها بدون ضم كبرى اُصولية اُخرى إليها، وهي حجية الظواهر.
نعم لا يرد عليه هذا الإشكال من وجهة نظره‏قدس سره من أن حجية الظواهر ليست‏من المسائل الاُصولية، على أساس أنها مرهونة بوجود الخلاف فيها.
ولكن قد تقدم موسعاً أن هذه النظرية غير تامة ولا تبتني على نكتة مبررةلذلك،ومن هنا قلنا أنه لا فرق في اُصولية المسألة بين كونها ظنية أو قطعية بل‏ضرورية، لأن الميزان الوحيد لاُصوليتها احتياج الفقه إليها وارتباطه بها وعدم‏امكان استفادته بدونها.
ومنها مباحث الملازمات العقلية، فإنها بصياغتها المطروحة لا تقع في طريق‏عملية الاستنباط بدون ضم كبرى اُصولية اُخرى إليها، وقد مر تفصيل ذلك.
الرابعة: أن ما اُورد على محاولة السيد الاُستاذقدس سره من أنه إن اُريد بعدم‏الإحتياج عدم احتياجها إلى مسألة اُصولية اُخرى طولاً، فهذا رجوع إلى‏المحاولة الأولى، وإن أريد به عدم احتياجها إليها ولو عرضا، لزم من ذلك خروج‏كثير من المسائل الاُصولية عن علم الاُصول، كالروايات غير قطعية السندوالدلالة، فإن استنباط الحكم الشرعي منها لا يمكن بدون ضم مسألة اُصوليةإلى مسألة اُصولية اُخرى، كضم حجية السند إلى حجية الدلالة أو الجهة لايتم،لما تقدم من أن الإيراد مبني على أن حجية كل من السند والدلالة مجعولةبجعل مستقل من دون أن ترتبط احداهما بالأخرى.
ولكن قد مر سابقاً أن هذا المبنى خاطئ، والصحيح في هذا الفرض أن المجعول‏حجية واحدة لمجموع من السند والدلالة بجعل واحد بنحو الإرتباط لا حجتان‏مستقلتان، وعلى هذا فالرواية بحجية مجموع سندها ودلالتها مسألة اُصوليةواحدة، لا أنها على أساس حجية سندها مسألة وعلى أساس حجية دلالتهامسألة اُخرى، فإذن تصلح أن تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها بدون ضم‏كبرى اُصولية لا طولاً ولا عرضاً.
الخامسة: قد يفسر محاولة السيد الاُستاذقدس سره بأن مراده من عدم الإحتياج،عدم الإحتياج في الجملة ولو في مورد واحد، وأورد على هذا التفسير بوجهين:
الأول: أن التعريف على ضوء هذا التفسير يشمل بعض المسائل غيرالاُصولية التي قد يتفق بشأنها الإستغناء عن غيرها في وقوعها في طريق استفادةالحكم في الجملة ولو في مورد واحد، فإن ذلك يكفي في اُصولية المسألة على‏أساس هذا التفسير ولكن قد تقدم مفصلاً أن هذا الإشكال غير وارد.
الثاني:أن جملة من البحوث اللفظية كمبحث العام و الخاص والمطلق والمقيدونحوهما لا يمكن أن تقع في طريق عملية الاستنباط بنفسها بدون ضم كبرى‏اُصولية اُخرى وهي قواعد الجمع العرفي، حيث أنها بحاجة إليها دائماً في استفادةالحكم الشرعي منها.
وهذا الإشكال وارد، لأن الميزان في اُصولية المسألة على ضوء هذا التفسيرإمكان وقوعها في طريق عملية الاستنباط بنفسها من دون حاجة إلى ضم كبرى‏اُصولية اُخرى إليها، والمفروض أن تلك البحوث بحاجة إلى ضم الكبرى دائماً،ولا يمكن وقوعها في طريق العملية بدون الضم.
السادسة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن قواعد الجمع العرفي بما أنهامورد التسالم، فلا تكون من المسائل الاُصولية، فقد مر أنه غير تام، امّا أولاًفلأنها ليست مورد التسالم عند الكل، وثانياً ما تقدم من أن اُصولية المسألة غيرمرهونة بذلك، ومن هنا قلنا سابقاً أنه لا فرق بين كونها مورد التسالم أو لا.
السابعة: قد تحصل من ذلك كله أن التعريف المشهور التقليدي غير تام فلايكون جامعاً ولا مانعاً كما مرّ.
إلى هنا قد تبين اجمالاً أن المسائل الاُصولية ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: العمومية والإشتراك في نفسها.
الثانية: الإستدلالية للتفكير الفقهي مباشرة، ومن هنا قلنا أن الفقه قد وضع‏لتطبيق المسائل الاُصولية العامة على مصاديقها الخاصة لاستنباط الأحكام‏الفقهية الشرعية.
وعلى هذا فالصحيح في تعريف الاُصول أن يقال إنه العلم بالقواعد العامةالتي يستعملها الفقيه كدليل مباشر على الجعل الشرعي الكلي. وهذاالتعريف جامع ومانع.
أما الأول فلأن المسائل الاُصولية على أساس هذا التعريف، فقد مثلت أدلةعلى الأحكام الفقهية وإثباتها مباشرة، وعلى ضوء ذلك فالبحوث اللفظية بكافةألوانها تنفتح صغرى لمسألة اُصولية، وهي حجية الظواهر، حيث أنها دليل على‏اثبات الحكم الفقهي مباشرة. ومن هذا القبيل بحوث الملازمات العقلية، فإنهاتنقح صغريات المسائل الاُصولية، كمسألة الترتب وقواعد باب التزاحم‏وقواعد باب التعارض.
والخلاصة: أن كل مسألة تمثلت دليلاً مباشراً على الجعل الشرعي الكلي‏فهي من الاُصول.
وبذلك تخرج القواعد الفقهية العامة في نفسها عن التعريف، فإنها وإن تمثلت‏دليلاً مباشراً ولكنها تمثلت دليلاً كذلك على اثبات الحصة من القاعدة المجعولةبنفس جعلها لا بجعل آخر، بينما القواعد الاُصولية تمثلت دليلاً مباشراً على‏الجعل، ومن هنا تختص القواعد الفقهية بالشبهات الموضوعية.
وأما الثاني: فلأن اشتمال التعريف على طابع العموم والإشتراك في نفسه يمنع‏عن دخول كثير من المسائل غير الاُصولية فيه كمجموعة كبيرة من المسائل‏الفقهية، ومنها مسائل علم اللغة ونحوها.
وأما اشتماله على الطابع الإستدلالي للفقه خاصة، فيمنع عن دخول جملة من‏العلوم فيه، منها علم المنطق، فإن مسائله وإن كانت ذات طابع استدلالي، إلاأنها ليست للتفكير الفقهي خاصة، بل للتفكير العام البشري، بينما المسائل‏الاُصولية مسائل استدلالية للتفكير الفقهي فقط، وبذلك تمتاز المسائل الاُصوليةعن المسائل المنطقية.
ومنها علم النحو والصرف وعلم الرجال ونحوها، فإن مسائلها وإن كانت‏ذات طابع استدلالي إلا أنها ليست للتفكير الفقهي، بينما المسائل الاُصولية تكون‏للتفكير الفقهي خاصة.
وأما مسائل علمي النحو والصرف فهي أدلة على حفظ اللسان عن الخطأ في‏المقال مادةً وهيئةً.
وأما مسائل علم الرجال فهي أدلة على الوثاقة لا على الجعل الشرعي‏الكلي.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن اُصولية المسألة مرهونةبالركيزتين المميزتين:
الأولى: العمومية والإشتراك في نفسها.
الثانية: الإستدلالية للتفكير الفقهي مباشرة، ولابد من أخذ كلتا الركيزتين‏في تعريف الاُصول لكي يكون جامعاً ومانعاً. هذا تمام الكلام في تعريف‏علم‏الاُصول.

موضوع العلم ...

الثاني: موضوع علم الاُصول‏
يقع البحث هنا في مرحلتين:
الاُولى: في موضوع العلم بشكل عام، وحاجته إليه، وتحديد ما يكون‏موضوعاً وما يكون محمولاً.
الثانية: في موضوع علم الاُصول.

موضوع العلم‏
أما الكلام في المرحلة الاُولى فلا شبهة في أن كل علم مؤلف من قضاياومسائل عديدة ومختلفة في دائرة أفق ذلك العلم، وكل قضية منها مؤلفة من‏الموضوع والمحمول، هذا مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في‏أن امتيازكل علم عن علم آخر هل هوبالموضوع أو بالغرض.
المعروف والمشهور بين الأصحاب هو الأول، وأنه لابد أن يكون لكل علم‏موضوع واحد تلتقي فيه موضوعات مسائله، وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعي‏إلى افراده، ويبحث في كل علم عن عوارضه الذاتية ويكون محوراً لتمام بحوثه.
وقد استدل على ذلك بوجوه:
الأول:أن الغرض من كل علم واحد،فإذا كان واحداً فوحدته تكشف عن‏أن المؤثر فيه ايضاً كذلك‏على ضوء مبدأ التناسب والسنخية بين الأثر والمؤثروالعلة والمعلول.
وبكلمة، أن هنا قاعدتين عقليتين :
الاُولى: أن المعلول الواحد لا يصدر إلاّ من علة واحدة.
الثانية: أن العلة الواحدة لا يصدر منها إلاّ معلول واحد.
والإستدلال على وجود الموضوع في المقام لكل علم إنما هو بالقاعدةالاُولى،وهو يتوقف على مقدمات:
الاُولى: أن هذه القاعدة الفلسفية لا تختص بالواحد الشخصي، بل يشمل‏الواحد النوعي أيضاً، فكما أن وحدة المعلول بالشخص تكشف عن وحدة علّته‏كذلك بقانون التناسب والسنخية بينهما، فكذلك وحدة المعلول بالنوع تكشف‏عن وحدة علّته كذلك بنفس الملاك، لاستحالة أن تكون دائرة المعلول أوسع من‏دائرة العلة وبالعكس.
الثانية: أن وحدة الغرض لابد أن تكون بالذات والنوع، وإلاّ فلا تكون‏كاشفة عن الجامع كذلك.
الثالثة: أن ترتب الغرض على المسائل في كل علم يكون من سنخ ترتب‏المعلول على العلة.
فإذا تمت هذه المقدمات الثلاث في المقام، فقد تم الإستدلال بالقاعدةالمذكورة، بتقريب أن الغرض من كل علم حيث إنه واحد، فلا يمكن أن يصدرذلك الغرض الواحد إلا من علة واحدة جامعة بين موضوعات مسائله، وهي‏موضوع العلم ومحور تمام بحوثه.
ولكن للنظر في هذه المقدمات مجالاً.
أما المقدمة الأولى فقد نوقش فيها بأن القاعدة تختص بالواحد الشخصي‏ولا تشمل الواحد النوعي، ووحدة الغرض بما أنها تكون بالنوع فلا يمكن تطبيق‏القاعدة عليها، فإن وحدة المعلول إذا كانت بالشخص فهي تكشف عن وحدةعلته كذلك، وأما إذا كانت بالنوع فلا تكشف.
وغير خفي أن هذه المناقشة لا ترجع إلى معنى محصّل، وذلك لأن وحدةالمعلول تتبع وحدة العلة، فإن كانت بالشخص كانت وحدة علته أيضاً كذلك،ولا يمكن أن تكون بالنوع، وإلاّ لزم أن تكون دائرة العلة أوسع من دائرة المعلول‏وهذا خلف. وإن كانت بالنوع كانت وحدة علته أيضاً كذلك، لأن النتائج‏والآثار المتماثلة في الخارج لا محالة تكشف عن الأشياء المتماثلة المؤثرة فيها، على‏أساس مبدأ التناسب بين العلة والمعلول.
بيان ذلك: أن العلاقة بين العلة والمعلول التي يعبر عنها بالمفهوم الفلسفي‏بالعلية، هي علاقة بين وجودين يرتبط احدهما بالآخر ارتباطاً وثيقاً ذاتياً،فيكون احدهما علة والآخر معلولاً، ووجود المعلول ليس إلاّ تعلق وارتباط،فالتعلق والإرتباط مقوّم لكيانه، ومن هنا تكون حقيقة المعلول حقيقة تعلّقية، لاأنه يملك وجوداً بصورة مستقلة، ثم يعرض عليه الإرتباط، فإن ذلك مستحيل،مثلاً العلاقة بين وجود النار سنخاً ووجود الإحراق وبين وجود الحركة نوعاًووجود الحرارة وهكذا، ليست بمعنى أنها تعرض عليهما بعد وجودهما في‏الخارج، بل بمعنى أن وجود الإحراق ليس إلا التعلق والإرتباط بالنار، وكذلك‏وجود الحرارة. وتنبع من هذه العلاقة الذاتية الرئيسية بين سنخ وجود الناروسنخ وجود الإحراق أو الحرارة علاقات وارتباطات عديدة بين أفراد النار في‏الخارج وأفراد الإحراق، فإن كل فرد من أفراد الإحراق مرتبط ذاتاً بفرد من‏أفراد النار خارجاً، لا بملاك فرديته، بل بملاك وجود النار فيه.
ومن هنا تكون العلاقة بين هذا الفرد من الإحراق أو الحرارة، وبين ذاك الفردمن النار نفس العلاقة بين الفرد الآخر من الإحراق والفرد الثاني من النار وهكذاوهي علاقة العلية، على أساس أن خصوصية الفرد وعوارضه خارجة عن تلك‏العلاقة.
والخلاصة: أن العلاقة انّما هي بين سنخ وجود النار وسنخ وجود الإحراق‏وسنخ وجود الحركة وسنخ وجود الحرارة، هذا من ناحية، ومن ناحية اُخرى،أن وجود المعلول عين التعلق والإرتباط بالعلة وليس شيئاً منفصلاً عنها، ومن‏هنا يكون المعلول من مراتب وجود العلة النازلة ويتولد منها، فالنتيجة على‏ضوء هاتين الناحيتين هي، أن وحدة المعلول بالسنخ والنوع تكشف عن وحدةالعلة كذلك، فوحدة الإحراق بالنوع تكشف عن وحدة علته كذلك وهي النار،باعتبار أنه عين التعلق والإرتباط بها، فالمؤثر إنما هو وجود النار سواء كان بهذااللباس أو ذاك، ومن هذا القبيل الصفات العارضة على أفراد الإنسان في الخارج‏فحسب كصفة النطق أو الضحك أو التعجب أو نحوها، فإنها لا محالة تكشف عن‏أن تأثير كل فرد من الإنسان في فرد من هذه الصفات إنما يكون بلحاظ وجودالإنسان فيه لا بلحاظ خصوصية الفرد، واشتراك أفراد الإنسان في هذه‏الصفات، يكشف عن اشتراكها في وجود جامع بينها، وذلك الجامع هو المؤثرفيها وهو وجود الإنسان بما هو.
فالنتيجة: أن قاعدة الواحد لا يصدر إلا من الواحد تشمل الواحد الشخصي‏والنوعي معاً، فوحدة المعلول إن كانت بالشخص فتكشف عن وحدة علته‏كذلك،وإن كانت بالنوع فتكشف عن وحدتها بالنوع، على أساس أنه لا يعقل‏أن تكون دائرة وجود المعلول أوسع من دائرة وجود العلة.
وأما المقدمة الثانية فلأنها تبتني على أن تكون وحدة الغرض المترتب على‏مسائل العلم وحدة ذاتية نوعية، فإنها حينئذٍ تكشف عن وحدة ذاتية كذلك بين‏موضوعات المسائل، وهذا بخلاف ما إذا كانت وحدته عرضية، فإنها لا تكشف‏عن وحدة ذاتية بينها على أثر عدم علاقة التناسب بينهما، وحيث أن وحدةالغرض وحدة عنوانية لا ذاتية، كصون اللسان عن الخطأ في المقال وصون الفكرعن الخطأ في الإستنتاج وعنوان الإقتدار على الإستنتاج ونحوها، فلا تكشف‏عن وحدة ذاتية، لعدم المسانخة بينهما في الواقع.
ولنا تعليق على هذه المقدمة، وتقريبه أنه لا شبهة في أن وحدة الغرض وحدةحقيقية ولها واقع موضوعي خارجي، مثلاً صون اللسان عن الخطأ في المقال‏الذي يمثل مطابقة الكلام للقوانين النحوية، وصون الفكر عن الخطأ في‏الإستنتاج الذي يمثل مطابقة الفكر للواقع، والقدرة على الاستنباط التي تمثل‏درجة الإجتهاد والنظر، وغيرها جميعاً من الأمور الواقعية الحقيقية، وليست من‏الأمور الإعتبارية أو الإنتزاعية، التي لا واقع لها في الخارج ما عدى اعتبارالمعتبر أو منشأ انتزاعها.
وبكلمة، أنه إن أريد من عنوانية الغرض أنه أمر اعتباري، فيرده أنه خلاف‏المقطوع به، وإن اُريد منها أن عنوان الصون عن الخطأ وعنوان الإقتدار ونحوهمامن العناوين الإنتزاعية مفهوماً، فهو وإن كان صحيحاً إلا أنها منتزعة كذلك من‏منشأ واقعي حقيقي، على أساس أن انتزاع عنوان صون اللسان عن الخطأ في‏المقال عن مسائل علم النحو، لا يمكن بدون اشتراك تلك المسائل في جهة جامعةهي المؤثرة في هذا العنوان، وانتزاع عنوان الإقتدار على الاستنباط مثلاً عن‏مسائل علم الاُصول دون غيره، يدل على جهة جامعة مشتركة بين مسائله،وهي منشأ انتزاعه، وإلا فلايمكن انتزاعه عنها، بداهة أن انتزاع شي عن شي‏لايمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي، أن وحدة العرض في كل علم تكشف‏عن قضية واحدة مشتركة بين مسائله موضوعاً و محمولاً، بأن يكون موضوعهامشتركاً بين موضوعاتها، ومحمولها مشتركاً بين محمولاتها، هذا من ناحية، ومن‏ناحية اُخرى، أن الغرض المترتب على مسائل كل علم لا يترتب على نفس‏المسائل، بوجوداتها الواقعية، فإن صون اللسان عن الخطا في المقال،أو صون‏الفكر عن الخطأ في الإستنتاج، لا يعقل أن يترتب على مسائل النحو بذاتهاوواقعها، أو مسائل المنطق كذلك، وكذا الإقتدار على الاستنباط، لا يمكن أن‏يكون مترتباً على المسائل الاُصولية في الواقع، إذ لو كان الأمر كذلك،لزم أن لايقع في الخارج خطأ في المقال ولا في الفكر، وأن لا يتخلف الإقتدار على‏الاستنباط عن وجود نفس المسائل الاُصولية في الواقع، هذا مما لا كلام فيه.وإنما الكلام في أن الغرض هل هو مترتب على العلم بتلك المسائل، أي العلم‏بنسبها الخاصة، وهي‏ثبوت محمولاتها لموضوعاتها من دون دخل لنفس‏المسائل بوجوداتهاالواقعية، أو أن لها دخلاً في‏ذلك بنحو الإقتضاء، فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الأول، وقد أفاد في وجه ذلك ماملخّصه: أنه لا يمكن تطبيق برهان »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على مسائل‏العلوم، فإن مفاده لزوم التطابق بين العلة ومعلولها في السنخ، فيكون مختصاًبالعلة الفاعلية المؤثّرة، ومن الواضح أن مسائل العلوم بنفسها وواقعها ليست‏علة فاعلة ومؤثرة في صون اللسان عن الخطأ في المقال، أو صون الفكر عن‏الخطأ في الإستنتاج، وإلا لم يقع في الخارج خطأ لا في المقال ولا في الفكر، بل أن‏هذه الأغراض مترتبة على العلم بالمسائل،و هو علة تامة لترتبها عليها، فمن‏عرف مسائل النحو أو المنطق ترتب على معرفته صون اللسان عن الخطأ في‏المقال في الأول، وصون الفكر عن الخطأ في الإستنتاج في الثاني، ترتب المعلول‏على العلة، ومن تعلم المسائل الاُصولية وعرفها، ترتب على معرفته إياها القدرةعلى الاستنباط، ترتب الأثر على المؤثر وهكذا(30).
فالنتيجة: أن الغرض في كل علم مترتب على العلم بمسائله دون نفس‏المسائل واقعاً، وعلى هذا فلو اُريد تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من‏واحد« على المقام، لزم افتراض وجود جامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين‏موضوعاتها،أو افتراض وجود جامع بين النسب الخاصة التي تربط محمولات‏المسائل بموضوعاتها.
أما الأول: فهو غير محتمل، لأن موضوع العلم لابد أن يكون في المرتبةالسابقة على العلم بمسائله، على أساس أنه محور تمام بحوثه.
وأما الثاني: وهو النسب والإضافات، فالجامع الذاتي بينها غير متصور، لأن‏لكل نسبة مقومات ذاتية، وهي شخص وجود طرفيها، فالمقومات الذاتية لكل‏نسبة مختلفة ذاتاً عن المقومات الذاتية للنسبة الأخرى، ومن الواضح أنه لا يعقل‏انتزاع جامع ذاتي بين أفراد النسب، إذ مع الحفظ على المقومات الذاتيةللأفراد،فلا يمكن تحصيل مفهوم واحد يكون جامعاً، باعتبار أن المقومات‏الذاتية لكل نسبة مباينة ذاتاً ووجوداً للمقومات الذاتية للفرد الآخر منهاوهكذا، فلا تشترك أفرادها في المقومات الذاتية، كأفراد الإنسان مثلاً، فإنهاتشترك في المقومات الذاتية وهي الحيوان الناطق، ومع الغاء تلك المقومات‏الذاتية لها، فلا نسبة حينئذٍ حتى يتصور جامع ذاتى بين أفرادها، لأن الجامع‏الذاتي انما يكون مع حفظ المقومات الذاتية للأفراد، ومن هنا ليست للنسبةماهية في عالم التقرر بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج.
فالنتيجة: أن تصويرالجامع الذاتي بين أفراد النسب والإضافات غيرمعقول.
هذا توضيح لما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
ولنا تعليق عليه، وحاصله أنه‏قدس سره إن أراد من صون الكلام عن الخطأ في علم‏النحو، وصون الفكر عن الخطأ في علم المنطق، صحة الكلام في الأول التي هي‏منتزعة من مطابقته للقواعد النحوية في الواقع، وصحة الفكر في الثاني التي هي‏منتزعة عن مطابقته للقواعد المنطقية، فيرد عليه أنه بهذا التفسير كما لا يترتب‏على نفس المسائل في الواقع، لأن نسبته إليها ليست نسبة الأثر إلى المؤثروالمعلول إلى العلة، فإنه بهذا التفسير معنى اضافي نسبي، لأن صحة الكلام نسبةبينه وبين القواعد النحوية،وصحة الفكر نسبة بينه وبين القواعد المنطقيةوهكذا، والنسبة متقومة ذاتاً ووجوداً بشخص وجود طرفيها، لأنها المقومات‏الذاتية لها، ومع هذا كيف يعقل أن تكون معلولة للمسائل في الواقع ومترتبةعليها ترتب المعلول على العلة،وإلا فهو خلف، لوضوح أنه لا يكفي في تحققهاوجود المسائل والقواعد في الواقع بدون وجود الطرف الآخر لها وهو الكلام أوالفكر، كذلك لا يترتب على العلم بالمسائل ونسبها الخاصة، لما عرفت من أنه‏بالتفسير المذكور نسبة بين الكلام والمسائل النحوية في الواقع، وبين الفكروالمسائل المنطقية ومتقومة بهما ذاتاً وحقيقة، ولا يعقل حينئذٍ أن تكون مترتبةعلى العلم بالمسائل والقواعد ترتب المعلول على العلة، وإلا فلازمه أن لا يكون‏شخص وجود طرفيها من المقومات الذاتية لها، وهذا خلف.
وبكلمة، أن شخص وجود طرفيها مقوم ذاتي لها، ومعه لا يعقل أن تكون‏معلولة للمسائل والقواعد الواقعية أو للعلم بها.
وإن أرادقدس سره من الغرض، تمكن العالم بمسائل العلم وقواعده من ترتيب آثارهاالمطلوبة، مثلاً من كان يعلم بالقواعد النحوية، فبامكانه أن يلقى الكلام مصوناًمن الخطأ، ومن كان يعرف مسائل المنطق، فبامكانه أن يصون فكره من الخطأفي الإستنتاج، ومن كان يعلم بالمسائل الاُصولية، فباستطاعته أن يقوم بعمليةالاستنباط وهكذا، فهو صحيح، لا بمعنى أن العلم هو تمام السبب والعلة،بل بمعنى‏أن الغرض مترتب على المسائل شريطة العلم بها لا مطلقاً، فيكون العلم بمثابةالجزء الأخير من العلة التامة.
وبكلمة، أن ها هنا عدة نقاط:
الأولى: أنه يراد من الغرض في علم النحو مثلاً الكلام الصحيح، وفي المنطق‏الفكر الصحيح وهكذا، ولكن قد مر أن الغرض بهذا المعنى الإضافي لا يترتب،لا على نفس المسائل الواقعية ولا على العلم بها.
الثانية: أنه يراد من الغرض التمكن من إيجاده، وهو وإن كان مترتباً على العلم‏بالمسائل ونسبها الخاصة، إلا أن العلم ليس تمام الموضوع والعلة له، بل هو الجزءالأخير منها وشرط لترتبه على المسائل، ومن هنا لا يترتب التمكن من صون‏الكلام عن الخطأ في المقال على مطلق العلم بالمسائل، وإن لم تكن من المسائل‏النحوية، وصون الفكر عن الخطأ في الإستنتاج على مطلق العلم بالقواعد، وإن لم‏تكن من قواعد المنطق، والإقتدار على الاستنباط على مطلق العلم بالمسائل،وإن لم تكن من المسائل الاُصولية وهكذا، بل الأول مترتب على حصّة خاصةمن العلم وهو العلم بمسائل النحو فحسب، والثاني مترتب على خصوص العلم‏بقواعد المنطق، والثالث على خصوص العلم بالمسائل الاُصولية، وهكذا.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن الغرض مترتب على‏العلم بالمسائل، وثبوت محمولاتها لموضوعاتها لا على نفس المسائل في الواقع،وحينئذٍ فلو أريد تطبيق قاعدة) الواحد لا يصدر إلا من واحد( على المقام، فلابدمن افتراض وجود جامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين موضوعاتها - لايمكن المساعدة عليه، وذلك لما عرفت من أن معنى ترتب الغرض على العلم‏بالمسائل، أن العلم شرط لترتبه على نفس المسائل التي تقتضي ذلك، على‏أساس اشتمالها على خصوصية جامعة تتناسب معه، والعلم بتلك الخصوصيةالجامعة، شرط لفعلية تأثيرها فيه وترتبه عليها.
وبكلمة، أن الغرض مترتب على نفس المسائل الواقعية بلحاظ ما فيها من‏الخصوصية المنسجمة معه، والعلم بها جهة تعليلية لترتبه عليها لا جهةتقييدية،فالنتيجة أن العلم بالمسائل كما أنه ليس تمام الموضوع للغرض كذلك‏ليس جزء الموضوع، بل تمام الموضوع له المسائل، والعلم بها علة لترتبه عليها.
الثالثة: أن وحدة الغرض لكل علم تكشف عن وحدة قضاياه ومسائله في‏قضية واحدة جامعة موضوعاً بين موضوعاتها ومحمولاً بين محمولاته ومشتركةفيها وهي المؤثرة في الغرض، وإلا فلا يعقل اختلاف العلوم بعضها عن بعضهاالآخر في الغرض، إذ لولم يكن لكل علم طابع خاص وجهة جامعة بين مسائله‏المؤثرة في حصول غرضه المميزة عن غيره، لم يكن ميز بين العلوم حينئذٍ.
وعلى هذا فبطبيعة الحال تشترك مسائل كل علم على اختلافها في نفسها في‏جهة موحدة لها ومميزه عن غيره ومؤثرة في تحقق الهدف المنشود فيه وهوغرضه،وتلك الجهة هي محور تمام بحوثه وموضوعه، سواء كانت تلك الجهةجامعة بين موضوعات المسائل أم بين محمولاتها في مرحلة التدوين، وتكشف‏عن هذه الجهة الموحدة وحدة الغرض في كل علم.
مثلاً مسائل علم النحو المحددة تشترك في جهة ما هي الموحدة لها المؤثرة في‏تحقق الغرض منه، وهو صيانة اللسان عن الخطأ في المقال، ولهذا فنحوية المسألةمرهونة بدخالتها في هذا الغرض وترتبه عليها، وهذا معنى أن مسائل علم النحوتشترك جميعاً في جهة ما،وهي دخالتها في صيانة اللسان، وتمتاز عن مسائل‏سائر العلوم بتلك الجهة،وكذلك الحال في مسائل الاُصول والفقه ونحوهما، وإلاّفلا معنى لتسمية مجموعة من المسائل المحددة بالاُصول، ومجموعة من المسائل‏الأخرى المحددة بالفقه، والمجموعة الثالثة كذلك بالنحو وهكذا، بعد افتراض أن‏كلاً من هذه المجموعات دخيلة في صيانة اللسان وفي الإقتدار على الاستنباطونحوها على مستوى واحد، ولا مبرر لهذه التسمية حينئذٍ أصلاً، إذ لا امتيازوقتئذٍ، بل لازم هذا، تأثير كل شي في كل شي، وهذا معناه انهيار مبدأالعليةوالتناسب، فمن أجل ذلك، كشف وحدةالغرض في كل علم عن جهةواحدةمشتركة بين مسائل العلم بموجب مبدء التناسب أمر ضروري وغيرقابل للإنكار.
وبكلمة، أنه إذا كان للعلم غرض خارجي مترتب على مسائله، فوحدته‏سنخاً تكشف عن وحدة المسائل كذلك وتجانسها روحاً بقانون التناسب، غايةالأمر أن الغرض إذا كان مترتباً على المسائل بما هي، كان كاشفاً عن روح‏الوحدة والإنسجام بين المسائل موضوعاً ومحمولاً، بمقتضى برهان أن الواحد لايصدر إلا من واحد، وإذا كان مترتباً على موضوعات المسائل، كان كاشفاً عن‏روح الوحدة والإنسجام بينها بنفس الملاك، وإذا كان مترتباً على محمولاتها،كان كاشفاً عن روح الوحدة والإنسجام بينها هذا من ناحية.
ومن‏ناحية اُخرى، إن وحدة المحمول أو الموضوع هل تكشف عن‏وحدةالآخر؟
والجواب: أن فيه تفصيلاً، فإن الموضوع والمحمول إن كانا من سنخ‏واحد،كانت وحدة أحدهما كاشفة عن وحدة الآخر، وإن كان أحدهما أمراًواقعياً والآخر أمراً اعتبارياً، فلا تكشف وحدته عن وحدة الآخر ذاتاًوسنخاً،لعدم التناسب بينها، مثلاً المحمول في علم الفقه أمر اعتباري والموضوع‏أمر واقعي بحسب التدوين، وكذلك في علم الاُصول، وحينئذٍ فوحدة المحمول‏وإن لم تكشف عن وحدة الموضوع سنخاً وذاتاً، لعدم التناسب بينهما كذلك، إلاأنها تكشف عن اشتراك أفراد الموضوع في جهة ما، وتلك الجهة تقتضي ثبوت‏هذا المحمول لها، وهي مبادى‏ء الأحكام فيها التي هي روحها وحقيقتها.
ومن ناحية ثالثة، أن وحدة الغرض في علم الفقه المترتب على محمولات‏مسائله، هل تكشف عن جهة واحدة بينها واشتراكها فيها؟
والجواب: إن كشفها عن جهة واحدة بين نفس المحمولات غير متصور،باعتبار أنها أمور اعتبارية ولا واقع موضوعي لها ماعدا اعتبار المعتبر، فلذلك‏لا يتصور جامع بينها، وأما كشفها عن روح الوحدة والإنسجام بينها في جهةما،وهي جهة المولوية والمبادي لها، فلا شبهة فيه، حيث إن هذه الجهة هي‏المؤثرة فيه، لأنها حقيقة الأحكام وروحها لا المحمولات.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وحدة الغرض في كل علم‏تكشف عن روح الوحدة والإنسجام بين مسائل العلم بموجب مبدء التناسب،إما موضوعاً ومحمولاً، أو موضوعاً فقط، أو محمولاً كذلك، بلحاظ مرحلةالتدوين، وهذه الجهة الواحدة هي الموحدة للعلم والمميزة عن غيره من‏العلوم،وهي محور تمام بحوثه وموضوعه، فإن محور البحث في كل علم هوالموضوع والسبب للغرض والأثر، سواء كان موضوعاً للمسائل بحسب‏التدوين أم لا، لأن المعيار في مرحلة البحث، إنما هو بمحور الغرض‏وموضوعه،وإن كان محمولاً للمسألة بلحاظ مرحلة التدوين كما في علم‏الفقه،فإن المبحوث عنه فيه نفس الأحكام الشرعية، مع أنها محمولة للمسألةبحسب التدوين.
وأما المقدمة الثالثة، وهي أن ترتب الغرض في كل علم على مسائله، يكون‏من سنخ ترتب المعلول على العلة، فقد أورد عليها السيد الاُستاذقدس سره بأن الغرض‏لا يترتب على نفس المسائل ترتب الأثر على المؤثر والمعلول على العلة،وإنما هومترتب على العلم بها، وقد مرّ أنه لو قلنا بتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من‏واحد« على المقام، فلابد من تصوير الجامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل لا بين‏المسائل نفسها، أو بين النسب، وكل ذلك لا يمكن(31).
ولكن قد سبق المناقشة فيه موسعاً، فلا حاجة إلى الإعادة(32).
الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن قاعدة إنّ لكل علم موضوعاًواحد تدور حوله بحوثه ويمتاز به عن غيره من العلوم، يشير إلى مطلب‏ارتكازي مقبول بأدنى تأمل، وتتميز به كل علم عن علم آخر، وهذه الوحدةالتي هي موضوع العلم ثابتة وجداناً لكل علم في مرتبة أسبق من مرتبة تدوينه‏التي هي مرتبة لاحقة(33).
هذا الوجه يتضمن أمرين:
أحدهما: أن ما هو موضوع العلم ومحور البحث، قد يكون مطابقاً مع مايجعل موضوعاً لمسائله في مرحلة التدوين، كما في علم النحو، فإن محور بحوثه‏وموضوعاته الكلمة، وهي موضوع لمسائله بلحاظ مرحلة التدوين أيضاً، وقديختلفان كما في علم الفقه، فإن موضوع بحوثه الحكم الشرعي مع أنه يحتلّ مركزالمحمول في المسائل الفقهية بحسب التدوين.
والآخر: أن ثبوت موضوع لكل علم في المرتبة السابقة من مرتبة التدوين،إنما هو بالإرتكاز والوجدان.
أما الأمر الأول فقد تقدم أن ما يترتب عليه الغرض هو موضوع البحث‏ومحوره سواء كان موضوعاً للعلم بحسب التدوين أم لا، وحينئذٍ فإن أريد من‏موضوع البحث ذلك كما لعله الظاهر فهو متين، وإلاّ فلا.
وأما الثاني فقد تقدم أن الدليل على أن لكل علم موضوعاً ومحوراً واحداًلبحوثه هو تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على المقام، لما مرّ من‏أن وحدة الغرض في كل علم تكشف عن وحدة ما ترتب عليه الغرض ترتب‏الأثر على المؤثر والمعلول على العلة بقانون مبدء التناسب الذي هو أمر ارتكازي‏فطري، وأما بقطع النظر عن ذلك الدليل، فدعوى الإرتكاز والوجدان على ذلك‏فعهدتها على مدّعيها.
الوجه الثالث: أن تمايز العلوم إنما هو بتمايز موضوعاتها، فلابد حينئذٍ أن‏يكون لكل علم موضوع واحد ليمتاز به عن غيره، وإلا لتداخلت العلوم بعضهامع بعضها الآخر.
وقد أورد عليه المحقق الخراساني‏قدس سره بأن تمايز العلوم لو كان بالموضوع، لزم أن‏يكون كل باب بل كل مسألة علماً مستقلاً بنفس الملاك، فإذن لا يمكن أن يكون‏موضوع العلم هو المعيار لوحدته وامتيازه عن غيره، ومن هنا قد اختارقدس سره أن‏تمايز العلوم إنما هو بالأغراض لا بالموضوعات(34).
ولكن هذا الإيراد غير صحيح، وذلك لأن الإلتزام بأن امتياز كل علم عن‏علم آخر بالموضوع لا يستلزم ما ذكره‏قدس سره من المحذور، فإن موضوع العلم هوالجامع بين موضوعات مسائله بدون أن يكون مندرجاً تحت جامع آخر، وإلاكان هو موضوع العلم، وهذا بخلاف موضوع كل باب أو كل مسألة، فإنه حصةمن موضوع العلم وفرد منه، ويشترك مع موضوع باب آخر أو مسألة اُخرى في‏الجامع الفوقي الذي هو موضوع العلم.
وبكلمة، أن تمايز العلوم بعضها عن بعضها الآخر بالموضوع، يستلزم التمايزبينها بالمحمول والغرض أيضاً بالتبع، لما مرّ من اعتبار التناسب والتجانس بين‏الموضوع والمحمول، وكذا بينه وبين الغرض مباشرة أو بالواسطة، إذ لا يعقل أن‏يمتاز علم عن علم آخر بالموضوع مع اشتراكه معه في المحمول والغرض، فإذا كان‏التمايز بينهما بالموضوع مباشرة، كان مستلزماً للتمايز بينهما بالمحمول والغرض‏أيضاً بالملاك المتقدم، وعلى هذا فإذا كان موضوع كل باب أو كل مسألة مشتركاًمع موضوع باب آخر أو مسألة اُخرى في المحمول والغرض، كان لا محالةمشتركاً معه في الموضوع أيضاً، فإذن لا اختلاف بينهما فيه إلا في بعض‏الخصوصيات هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكره‏قدس سره من أن تمايز العلوم بعضها عن بعضها الآخرإنما هو بالغرض لا بالموضوع ولا بالمحمول لا يتم، وذلك لأن تمايز العلوم‏بالموضوع تارة و بالمحمول اُخرى وبهما معاً ثالثة، على أساس ما تقدم من أن‏الغرض قد يترتب على الموضوع في المسألة، وقد يترتب على محمولها، وقديترتب على ثبوت المحمول للموضوع، فعلى الأول يكون التمييز بالموضوع،وعلى الثاني بالمحمول، وعلى الثالث بهما معاً، ولا يكون التمييز بالغرض، على‏أساس أنه يكشف عن أن التمييز بما هو أسبق منه.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتائج التالية:
الاُولى: أن قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« لا تختص بالواحدالشخصي بل تشمل الواحد النوعي أيضاً، فإن المعلول إذا كان واحداً بالنوع،كان كاشفاً عن أن علته أيضاً كذلك.
الثانية: أن الغرض من العلم لا يترتب على نفس المسائل بوجوداتهاالواقعية،ترتب الأثر على المؤثر والمعلول على العلة، وإلا لم يتصور تخلفه عنهاخارجاً، بل ترتبه عليها فعلاً منوط بقيد ومشروط بشرط وهو العلم بها، فإنه‏شرط في ترتب الغرض عليها في الخارج، فالمسائل بمثابة المقتضي للغرض‏والعلم بها بمثابة الشرط، فيكون موضوعه نفس المسائل وترتبه عليها مشروطبالعلم بها.
الثالثة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن العلم بالمسائل تمام الموضوع‏للغرض بدون أي دخل للمسائل بذاتها وواقعها، ولهذا بنى‏قدس سره على أنه لا مجال‏لتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على المقام، وإلا فلازمه تصويرالجامع بين العلوم المتعلقة بالمسائل أو بين النسب وهو كماترى، فقد مرّ أنه غيرتام، إذ لا يمكن القول بأنه لا دخل للمسائل في ترتب الغرض أصلاً، وأن العلم‏بها تمام الموضوع والعلة له بدون أي دخل لها فيه، فإن لازم ذلك حصول الغرض‏بصرف حصول العلم وإن لم يكن متعلقاً بها، باعتبار أن العلم تمام العلة، ومن‏الطبيعي أنه لا يمكن الإلتزام بذلك، بل من غير المحتمل أن يكون ذلك مراده‏قدس سره.
الرابعة: أن الغرض من كل علم قد يترتب على المسائل بما لها من الموضوع‏والمحمول بلحاظ التدوين، وقد يترتب على محمول المسألة كذلك، وقد يترتب‏على موضوعها، وعلى جميع التقادير فوحدة الغرض على الأول تكشف عن‏روح الوحدة والإنسجام بين المسائل في الموضوع والمحمول، على أساس مبدءالتناسب، وعلى الثاني تكشف عن روح الوحدة والإنسجام بين محمولات‏المسائل ومبادئها بنفس الملاك، وعلى الثالث تكشف عن روح الوحدةوالإنسجام بين موضوعاتها كذلك.
الخامسة: أن محور بحوث كل علم وموضوعها محور غرضه وموضوعه،وهو الذي يترتب عليه الغرض ترتب الأثر على المؤثر، وعلى هذا فموضوع‏البحث في المسألة إما نفس المسائل، أي ثبوت محمولاتها لموضوعاتها أو الجامع‏بين محمولاتها أو الجامع بين موضوعاتها على تفصيل قد سبق.
السادسة: أن موضوع البحث ومحوره قد يكون مطابقاً لموضوع المسألةبحسب التدوين، وقد يكون مخالفاً له، فإن موضوع البحث قد يحتلّ مركزالمحمول بلحاظ التدوين على ما مرّ شرحه.
موضوع علم الاُصول ...
السابعة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن تمايز العلوم لو كان بتمايزالموضوعات لزم أن يكون كل باب بل كل مسألة علماً مستقلاً، غير تام على‏تفصيل تقدم.
هذا تمام الكلام في البحث عن موضوع العلم نفياً واثباتاً على مستوى العام.

موضوع علم الاُصول‏
وأما الكلام في المرحلة الثانية وهي البحث عن موضوع علم الاُصول‏فحسب، فقد اختلف الاُصوليون فيه على أقوال ثلاثة:
القول الأول: ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن موضوع علم الاُصول‏هو الجامع الذاتي بين موضوعات مسائله، وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعي إلى‏أفراده والكلي إلى مصاديقه(35)، وقد برهن ذلك بقاعدة أن »الواحد لا يصدر إلامن واحد«، بدعوى أن الغرض المترتب على مسائل الاُصول بما أنه واحد،فوحدته تكشف عن أن المؤثر فيه أيضاً واحد، بموجب مبدأ التناسب والسنخيةبين العلة والمعلول والأثر و المؤثر، ولا يمكن أن يكون المؤثر فيه موضوع كل‏مسألة بما له من الخصوصية الفردية، وإلاّ لزم تأثير الكثير في الواحد،وهومستحيل.
ما ذكره‏قدس سره يرجع إلى ثلاث نقاط:
الاُولى: تطبيق القاعدة )الواحد لا يصدر إلا من واحد( على المقام.
الثانية: أن المؤثر في الغرض الجامع بين موضوعات المسائل دون محمولاتها.
الثالثة: أنه ذاتي لا اعتباري.
ولنا تعليق على هذه النقاط:
أما النقطة الأولى فهي تامة، لما تقدم من أن وحدة الغرض تكشف عن وحدةالمؤثر فيه، سواء كانت وحدته شخصية أم نوعية على ما مرّ توضيحه.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها أن وحدة الغرض تكشف عن وحدة ما ترتّب‏عليه ذلك الغرض ترتب الأثر على المؤثر، فإن ترتب على المسائل كشف عن‏الجامع بينها موضوعاً و محمولاً، وان ترتب على موضوعاتها كشف عن الجامع‏بينها فحسب، وان ترتّب على محمولاتها كشف عن الجامع بينها كذلك، وحيث‏أن الغرض الاُصولي مترتب على الحجة، فوحدته تكشف عن روح الوحدةوالإنسجام فيها، والمفروض أن مركز الحجة في المسائل الاُصولية بحسب‏التدوين مركز المحمول لا الموضوع، فما ذكره‏قدس سره من أن وحدة الغرض في المقام‏تكشف عن جامع واحد بين موضوعات المسائل في غير محله، وقد أشرنا فيماتقدم أن موضوع البحث ومحوره في كل علم هو موضوع الغرض ومحوره،وحيث إن موضوع الغرض في المسائل الاُصولية الحجة، فهي محور بحوثها لاموضوع المسائل بلحاظ التدوين.
وأما النقطة الثالثة فيرد عليها أولاً أن الجامع الحقيقي لا يتصور بين‏موضوعات المسائل الاُصولية جميعاً، لأنها متباينات ذاتاً.
وثانياً: أن الإقتدار على الاستنباط لا يتوقف على وجود جامع ذاتي بين‏موضوعات المسائل، ولا يكشف أكثر من روح الوحدة والإنسجام بين‏موضوعاتها في جهة ما التي هي دخيلة فيه، وإن كانت تلك الجهة عرضية لها لاذاتية، فإن قاعدة التناسب والإنسجام بين الأثر والمؤثر لا تقتضي أكثر من ذلك.
وثالثاً: ما مرّ من أن الغرض الاُصولي إنما يترتب على محمولات المسائل‏الاُصولية دون موضوعاتها بحسب التدوين، ولا يكشف إلا عن روح الوحدةوالإنسجام بين محمولاتها وأنها محور تمام بحوثها دون موضوعات المسائل.
القول الثاني: أن موضوع علم الاُصول الأدلة الأربعة، وهذا القول هوالمعروف والمشهور بين الاُصوليين.
ولكنه غير تام.
أما أولاً: فلأنه إن أريد من الأدلة الأربعة بوصف حجيتها شرعاً، فيرد عليه‏أن ذلك لا يوافق مع ما هو موضوع علم الاُصول بحسب التدوين وهو ذات‏الأدلة، والحجية جعلت في مركز محمولها.
وثانياً: أنه لا موجب لتخصيص المسائل الاُصولية بما ينطبق عليه أحد الأدلةالأربعة، فإن ملاك اُصولية المسألة وقوعها في طريق عملية الاستنباط لاثبات‏الجعل الشرعي، والمفروض أن هذا الملاك متوفر في جملة من المسائل التي لاتنطبق عليها الأدلة الأربعة، كقاعدة الطهارة وقاعدة لا ضرر ونحوهما،والملازمات العقلية غير المستقلة والشهرة الفتوائية والاُصول العملية الشرعيةوالعقلية.
القول الثالث: أن موضوع علم الاُصول الأدلة في الإستدلال الفقهي(36).
ولكن هذا القول لا ينسجم مع ما جعل الموضوع للمسألة الاُصولية بحسب‏التدوين،وينسجم مع ما هو موضوع البحث في الاُصول ومحوره.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن بحوث كل علم بشتّى‏أشكاله وألوانه لابد أن تكون مرتبطة في محور واحد وجهة واحدة، وبها يمتازعن سائر العلوم ويصبح علماً واحداً بشتى أنواع بحوثه، وهذا معنى ما ذكرناه‏من أن وحدة الغرض في كل علم تكشف عن روح الوحدة والإنسجام بين‏مسائله المختلفة في جهة ما التي لها دخل وتأثير في غرضه، سواء كانت الجهةذاتية للمسائل أم كانت عرضية.
ثم أن هذه الجهة الواحدة قد تمثل موضوع العلم في مرحلة التدوين، وقد تمثل‏محموله في هذه المرحلة، والأول كعلم النحو،فإن موضوعه الكلمة بحسب‏التدوين وكذلك بحسب البحث، والثاني كعلم الاُصول والفقه، فإن موضوع‏البحث في الأول الحجية، مع أنها تحتل مركز المحمول في مرحلة التدوين،وموضوع البحث في الثاني الحكم، مع أنه محمول بلحاظ مرحلة التدوين، وقدتمثل نفس الغرض بحسب مرحلة التدوين، كما في علم الطب، فإن موضوعه‏في‏مرحلة البحث صحة البدن وبحوثه تدور مدارها،مع أنها بمثابة الغرض‏بحسب‏التدوين.
وهكذا تحصل مما ذكرناه أن موضوع علم الاُصول ذوات الأدلة العامة التي‏يستعملها الفقيه لاستنباط الحكم الشرعي بحسب التدوين ويكون البحث عن‏حجيتها فيه.

العرض الذاتي والعرض الغريب ...

الثالث: العرض الذاتي والعرض الغريب‏
يقع البحث هنا في نقطتين:
الأولى: في تقسيم العرض بلحاظ كيفية عروضه على المعروض والموضوع.
الثانية: في الضابط لذاتية العرض وغرابته.
أما الكلام في النقطة الأولى، فالمشهور بين الاُصوليين أن كيفية عروض‏العرض على الشي تتصور على الأقسام التالية:
الأول: أن يكون عروض العرض على الشي‏ء بواسطة أمر داخلي، ونقصدأنه منتزع عن مرحلة ذات الشي في عالم التحليل، كمفهوم الجنس والفصل‏المنتزع من ذات النوع فيه ويعرض عليه، على أساس أنه جزء داخلي له، وهذاهو الذاتي في باب الكليات الخمس.
الثاني: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عن ذاته ولكنه‏بإقتضائها، بحيث إن ثبوت ذات المعروض وحده كاف لاتصافه به وعروضه‏عليه بدون حاجة إلى ضميمة خارجية، وذلك كالزوجية للأربعة التي تعرض‏عليها بواسطة كونها زوجاً، والحرارة للنار وهكذا، وهذا هو الذاتي في‏باب‏البرهان.
الثالث: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عنه غير أن‏الواسطة حيثية تعليلية، فيكون المعروض نفس هذا الشي لا الواسطة، وذلك‏كالحرارة العارضة على الماء بواسطة مجاورته للنار أو إصابة الشمس، ولا فرق‏في ذلك بين أن تكون الواسطة الثبوتية الخارجية أعم أو أخص أو مساوية أومباينة، مادامت ليست هي المعروضة للعرض.
الرابع: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر خارج عن ذاته، غير أن‏الواسطة حيثية تقييدية في العروض والإتصاف، بمعنى أن الواسطة هي المعروضةللعرض أولاً وبالذات، وذاالواسطة ثانياً وبالعرض، وقد يعبر عنها بالواسطةفي العروض، ويعتبر في هذا القسم أن يكون ذو الواسطة جزءاً تحليلياً من‏الواسطة، مثل ما يعرض على الجنس بواسطة النوع.
الخامس: أن يكون عروضه على الشي بواسطة أمر داخلي، مثل ما يعرض‏على النوع بواسطة الجنس، فإن الواسطة جزء تحليلي لذي الواسطة، فيكون هذاالقسم على عكس القسم الرابع في كيفية العروض ونوعية الواسطة، لأنه في هذاالقسم يعرض على النوع بواسطة الجنس، فتكون الواسطة جزءاً تحليلياً لذي‏الواسطة فيه، وفي القسم الرابع يعرض على الجنس بواسطة النوع، فيكون‏ذوالواسطة فيه جزءاً تحليلياً للواسطة.
السادس: أن يكون عروضه على الشي بواسطة تقييدية مباينة لذي الواسطةذاتاً في عالم التحليل لا في عالم الوجود، وذلك مثل ما يعرض على‏الجنس‏بواسطة الفصل، فإن الفصل مباين ذاتاً للجنس بحسب عالم التحليل لابحسب عالم الوجود.
السابع: أن يكون عروضه على الشي بواسطة تقييدية مباينة ذاتاًووجوداً،وذلك مثل حركة المركبة بالنسبة إلى راكبها، فإنها تعرض على الراكب‏بواسطة المركبة التي هي المعروضة لها حقيقة المباينة له وجوداً وذاتاً، ومن هذاالقبيل سرعة الحركة أو بطؤها، فإنها صفة للحركة حقيقة وتعرض بواسطتهاعلى المركبة، فالواسطة هي المعروضة لها حقيقة دون ذي‏الواسطة، هذا كله‏حول‏هذه النقطة.
وأما الكلام في النقطة الثانية ففيها أربعة اتجاهات.
الإتجاه الأول: ما عن صدر المتألهين من أن ما يلحق بالشي على نحوين:
الأول: أن لحوقه به متوقف على استعداده وتحصصه بحصة خاصة في المرتبةالسابقة، وذلك كعروض التعجب أو الضحك أو الكتابة أو نحوها على الإنسان،فإنه يتوقف على أن يكون معروضه إنساناً في المرتبة السابقة.
الثاني: أنه يتحصص بحصة خاصة بنفس لحوقه به لا مسبقاً، وذلك كعروض‏الفصل على الجنس، فإنه يتحصص بنفس عروضه عليه ويصبح نوعاً، لا أن‏عروضه عليه يتوقف على أن يتحصص أولاً ثم يعرض.
وبعد ذلك اختار أن العرض المبحوث عنه في العلوم إن كان من قبيل الأول‏فهو عرض غريب، وإن كان من قبيل الثاني فهو ذاتي(37).
فالنتيجة: أن المعيار في ذاتية العرض عنده أنه بنفس عروضه على الشي‏يوجب تحصصه بحصة خاصة، لا أنه يتوقف على تحصصه في المرتبة السابقة.
ثم إنه طبّق هذا المعيار على بحوث الفلسفة العليا، بتقريب أن موضوعهاالوجود، وهو ينقسم أولاً إلى الواجب والممكن، ثم الممكن إلى الجوهروالعرض، ثم الجوهر إلى عقل ونفس وجسم، ثم العرض إلى تسع مقولات‏متباينات، والكل من مطالب هذا العلم ولواحقه الذاتية، مع أن ما عدا التقسيم‏الأول، يتوقف على تخصص الموضوع بخصوصية أو خصوصيات مجعولة بجعل‏واحد، وموجودة بوجود فارد، فليس هنا سبق في الوجود لأي واحد منهابالإضافة إلى الآخر،بداهة أن الموجود لا يكون ممكناً أولاً ثم يوجد له وصف‏الجوهرية أو العرضية، بل إمكانه بعين جوهريته وعرضيته، كما أن جوهريته‏بعين العقلية والنفسية أو الجسمية، فلهذا لا تتصور فيه الواسطة في العروض.
ولنا تعليق عليه وحاصله، أنه لا مقتضى لتفسير العرض الذاتي والغريب‏بذلك وجعله معياراً للتمييز بينهما، إذ لا مبرر له إلا الإقتصار والجمود على‏ظاهر اللفظ بدون النظر إلى المناسبات الخارجية الإرتكازية، والسبب فيه أنه‏على ضوء هذا التفسير للعرض الذاتي يخرج عنه عروض الجنس على النوع، مع‏أنه من الذاتي في باب الكليات الخمس، باعتبار أنه لا يوجب تخصص النوع‏بنفس عروضه عليه، وكذلك يخرج عنه الوصف الذاتي في باب البرهان،كالزوجية للأربعة والحرارة للنار ونحوهما، على أساس أن موضوعه لايتخصص بنفس لحوقه به، بل هو متخصص بقطع النظر عنه وفي المرتبةالسابقة،مع أنه لا يشك في أنهما من الأعراض الذاتية، بل هما القدر المتيقن‏منها.وأيضاً يخرج منه ما يعرض على النوع بواسطة الفصل أو الجنس، فلذلك لايمكن الإلتزام به.
وثانياً: إن ما ذكره من الضابط للعرض الذاتي لا ينطبق على تمام بحوث‏الفلسفة العليا أيضاً، لأن بحوثها لا تنحصر في البحث عن حصص الوجود من‏الواجب والممكن، والممكن من الجوهر والعرض وهكذا، بل هناك مجموعةكبيرة من البحوث فيها لا يرجع إلى البحث عن حصص الوجود، كالبحث عن‏الصفات السلبية للذات الواجبة، وعن امكان وجود الشريك للباري تعالى‏واستحالته، وعن أصالة الوجود أو الماهية، ومن هذا القبيل البحث عن لواحق‏الجوهر والعرض والفرق بينهما، فإنه لا يرجع إلى البحث عن حصص‏الوجود،بل يرجع إلى البحث عن عوارض حصصه، فيتوقف عروضها عليهاعلى تخصصها بخصوصية مسبقة، كالضحك العارض على الإنسان، وبموجب‏هذا الضابط فهذه البحوث الفلسفية جميعاً ليست من بحوث الفلسفة العليا، فإن‏جملة منها لا ترجع إلى البحث عن حصص الوجود، ولا عن لواحق الحصص،وجملة منها ترجع إلى البحث عن لواحق حصص الوجود. والمفروض أنها جميعاًعلى أساس هذا الضابط من الأعراض الغريبة.
وثالثاً: أن هذا التفسير انما هو تفسير للعرض الأول دون العرض الذاتي‏المبحوث عنه‏في العلوم، ونقصد بالعرض الأولي لحوق الفصل بالجنس فقط، ولايشمل لحوق الفصل بالنوع ولا الجنس به، وهذا التفسير لو تم فإنما يتم في‏خصوص الفلسفة العليا لا في سائر العلوم، لوضوح أنه لا ينطبق على الأعراض‏المبحوث عنها في سائر العلوم، كالنحو والصرف والمنطق والاُصول والفقه‏وغيرها. فالنتيجة: أنه لا يمكن الأخذ بهذا التفسير.
الإتجاه الثاني: ما اختاره جماعة من الفلاسفة، منهم الشيخ الرئيس، ومنهم‏المحقق الطوسي‏قدس سره وغيرهما، من أن الميزان لذاتية العرض هو ما يقتضيه‏معروضه بذاته أو بواسطة أمر يرجع إلى ذاته.
بيان ذلك: أن نسبة العرض إلى موضوعه تارة تكون بالمحلية، واُخرى‏بالمنشئية، والضابط في ذاتية العرض أن تكون نسبته إلى المعروض بالمنشئية،وهذا يعني أن الموضوع والمعروض علة فاعله له ويستتبع وجوده وجودالعرض، وعلى هذا فإن كان عروض العرض على موضوعه بلا واسطة، كان‏موضوعه تمام المنشأ والعلة لاستتباع العرض، وإن كان بواسطة مساوية فالأمرأيضاً كذلك، لأن عروض الواسطة على الموضوع إن كان بلا واسطة كان‏الموضوع تمام المنشأ، والعلة لاستتباع الواسطة واستتباع العرض حينئذٍ وإن كان‏مع الواسطة فننقل الكلام في تلك الواسطة حرفاً بحرف، لأنه في سلسلة العلل‏والمعلولات يكون كل لاحق معلول للسابق وإن طالت إلى أن تنتهي السلسلةالى علة العلل، ولا يمكن أن يكون عروض الواسطة المساوية بواسطة أمر أعم‏أو أخص، وإلا لزم أن تكون العلة أعم من المعلول أو أخص منه، وهذامستحيل،ضرورة أن سلسلة المعلول تتبع سلسلة العلة في السعة والضيق، فلايعقل أن تكون دائرة المعلول أضيق من دائرة العلة أو أوسع منها، وإلا فلا يكون‏معلولاً لها، لأن المعلول عين الربط و التعلق بالعلة،لا أنه شي له الربط و التعلق‏بها. وأما إذا كان الموضوع محلاً للعرض لا منشأله، فهو عرض غريب.
فالنتيجة: أن نسبة العرض إلى الشي إن كانت نسبة المحلية له، فالعرض‏غريب، وإن كانت نسبة المنشئية والعلية لوجوده، فالعرض ذاتي، هذامن‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنهم جعلوا ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل من‏الأعراض الذاتية، كعروض النطق على الحيوان بواسطة النفس الناطقة، وقدنص على ذلك المحقق الطوسي‏قدس سره والسبب فيه أن الجنس والفصل وإن كانامتباينين في عالم المفهوم والتحليل، فلا يصدق أحدهما على الآخر فيه، ولكنهمامتحدان في عالم الوجود، إذ ليس فيه إلا وجود واحد لهما حقيقة، وهي الحصةالتوأمة من الحيوانية والناطقية، فلا واسطة بينهما في عالم الخارج، على أساس‏أنهما في هذا العالم موجودان بوجود واحد حقيقة، وهذا الوجود الواحد كما أنه‏وجود للجنس فيه كذلك وجود للفصل، ولا تعقل الواسطة بينهما خارجاً،حيث لا اثنينية في الخارج، وعلى هذا فما يعرض على الجنس بواسطة الفصل‏ليس عروضه عليه بواسطة أمر غريب، بل هو باقتضاء ذاته، لأن اقتضاءالجنس في عالم الخارج وجود العرض بواسطة الفصل الذي هو عينه فيه، يكون‏بالتالي باقتضاء ذاته استتباع وجوده، فإذن ينطبق عليه تفسير العرض الذاتي.
وبكلمة، أن الجنس وإن كان قد ينفك عن الفصل الخاص في الخارج كالنفس‏الناطقة مثلاً، ولكن لا يمكن انفكاكه عن فصل ما فيه، لاستحالة وجود الجنس‏بدون الفصل خارجاً، والفصل بعروضه عليه يحصصه بالحصة التوأمة من‏الجنس والفصل، مثلاً النفس الناطقة بعروضها على الحيوان تحصصه بالحصةالتوأمة من الحيوانية والنفس الناطقة، وتسمى هذه الحصة التوأمة بالنوع، وهي‏موجودة في الخارج بوجود واحد حقيقة، وهذا الوجود الواحد موضوع‏للعرض ومنشأ وعلة لوجوده منه، و حيث إن هذا الوجود الواحد وجود لكل‏من الجنس والفصل حقيقة، فيصح أن يقال إن الجنس بوجوده الخارجي‏موضوع لهذا العرض، وسبب ومنشأ لوجوده من دون حيلولة واسطة غريبةبينهما، لأن الواسطة هي الفصل، والغرض أنه عين الجنس، وبالتالي لا واسطة في‏البين، فلذلك يكون من العرض الذاتي، هذا.
ويمكن المناقشة في هذا الإتجاه بوجهين:
الأول: أن هذا التفسير للعرض الذاتي كما يشمل ما يعرض على الجنس‏بواسطة الفصل، يشمل ما يعرض على النوع بواسطة الجنس بنفس الملاك‏المذكور، وهو عدم حيلولة واسطة غريبة بين الجنس والنوع في الوجود، حيث‏إن النوع حصة خاصة من الحيوانية، و هي الحصة التوأمة مع الفصل في الخارج،فالواسطة فيه عين ذي‏الواسطة، وقد تقدم أن الضابط لكون العرض ذاتياً، هوعدم حيلولة أمر غريب بين الواسطة وذيها، والمفروض في المقام كذلك، لأن‏النوع والجنس في الخارج موجودان بوجود واحد فيه، فلا اثنينية حتى تتصورواسطة غريبة بينهما، فما يعرض على النوع بواسطة الجنس، فهو بالتالي يعرض‏عليه باقتضاء ذاته، وهو المعيار في اتصاف العرض بالذاتي.
فبالنتيجة: أن الواسطة إذا كانت داخلية وكانت عين ذيها في الخارج‏وجوداًفلا فرق بين كونها أخص من ذيها أو أعم، وعليه فلا وجه لتخصيص‏مايعرض‏على الجنس بواسطة الفصل بالعرض الذاتي دون غيره، مع أن‏المعيارفي الجميع‏واحد.
الثاني: أن اختصاص العرض الذاتي بخصوص ما إذا كانت نسبته إلى‏موضوعه نسبة المنشئية والإستتباع لا يتم، إلا في العلوم البرهانية، كالفلسفة من‏العقلية والطبيعية والتعليمية وغيرها، وأما في العلوم المتداولة بين أيدينا، كعلم‏الاُصول والفقه والنحو والصرف ونحوها، فهو لا يتم، لأن نسبة اعراضها إلى‏موضوعاتها ليست نسبة الفاعلية والمنشئية، مثلاً في علم الفقه يكون المبحوث‏عنه ثبوت الأحكام الشرعية لموضوعاتها، ومن الواضح أن نسبتها إليها ليست‏نسبة المنشئية والإستتباع، لأنها مجعولة من قبل الشارع بإزائها، نعم إن هذاالجعل حيث لا يمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتة مبررة، فهو يكشف عن‏وجود ملاكات فيها تدعو الشارع إلى جعلها بدافع التحفظ عليها وعدم تفويتها،وكذلك الحال في علم الاُصول، فإن نسبة اعراضه التي يبحث عنها فيه إلى‏موضوعاته، ليست نسبة المنشئية والإستتباع، بل نسبتها إليها نسبة المحلية كماهو ظاهر، ومن هذا القبيل علم النحو والصرف ونحوهما.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا وجه لتفسير العرض‏الذاتي‏بأن نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئية والاستتباع، وتفسير العرض‏الغريب بأن نسبته إليه نسبة المحلية، لما عرفت من أن نسبة العرض المبحوث عنه‏في كثير من العلوم إلى موضوعه نسبة المحلية دون المنشئية، فمع ذلك يكون من‏العرض الذاتي، فإذن لا يكون هذا التفسير ضابطاً عاماً لتمييز العرض الذاتي عن‏العرض الغريب.
الإتجاه الثالث: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره وحاصل ما ذكره أن ذاتية العرض‏إن كانت مرهونة بصحة الحمل والاسناد الحقيقي، فالأقسام المتقدمة جميعاً من‏الأعراض الذاتية غير القسم الأخير، ونتيجة ذلك أن ذاتية العرض مرهونةبصحة الحمل والاسناد، وغرابة العرض مرهونة بعدم صحة ذلك، وإن كانت‏ذاتية العرض مرهونة بصحة الاتصاف والعروض الحقيقي للشي، فالأقسام‏الثلاثة الأولى تكون من الأعراض الذاتية جزماً، لأن الموضوع فيها هوالمعروض الحقيقي للوصف والعرض، كما أنه لا شبهة في أن الأقسام الثلاثةالأخيرة من الأعراض الغريبة، باعتبار أن الأوصاف فيها غير عارضة على‏الشي حقيقة، وإنما هي عارضة على الواسطة كذلك . وأما القسم الوسط وهوالقسم الرابع، فكونه من العرض الذاتي أو الغريب منوط باشتراط الإستقلاليةفي العروض وعدمه، فعلى الأول ليس من الذاتي، وعلى الثاني يكون منه. وبعدذلك ذكرقدس سره أن ذاتية العرض مرهونة بتوفر أمرين:
الأول: صحة عروض العرض على الشي حقيقة واتصافه به، ولا يكفي مجردصحة الحمل والاسناد.
الثاني: استقلاليته في العروض على المعروض ولا يكفي عروضه عليه ضمناً،وحيث إن شيئاً من الأمرين غير متوفر في الأقسام الأربعة الأخيرة، فلا تكون‏من الاعراض الذاتية، لكون الاعراض فيها غير عارضة على المعروض حقيقة،وإنما تعرض على الواسطة ولا يكون في عروضها عليه مستقلاً، بل يكون في‏ضمن عروضها على غيره، ثم استشهدقدس سره على ذلك بكلمات الفلاسفة، منهم‏المحقق الطوسي في شرح الإشارات(38).
ولكن للنظر فيما أفاده‏قدس سره مجالاً من وجوه:
الأول: أن ما ذكره‏قدس سره من أن ذاتية العرض مرهونة بتوفر أمرين لا يتم‏شي‏ءمنهما.
أما الأمر الأول فلأن صحة حمل العرض على شي وإسناده إليه ملازمة بصحةاتصافه به وعروضه عليه، كما أن عدم صحة الأول ملازم لعدم صحة الثاني، ولايمكن التفكيك بينهما لا في عالم الوجود والخارج ولا في عالم التحليل والذهن،فإذا صح حمل الحساس أو المتحرك بالإراده على الإنسان في عالم الخارج‏حقيقة، صح عروضه عليه واتصافه به كذلك، بنكتة أنه لا وجود فيه إلا وجودواحد، وهو وجود الإنسان الذي هو الموضوع والمعروض للعرض،فإذا كان‏حمله عليه واسناده إليه حقيقتاً، كان اتصافه به وعروضه عليه أيضاً كذلك، لأن‏صحة الحمل والاسناد عبارة اُخرى عن صحة العروض والإتصاف،فالإختلاف بينهما إنما هو في التعبير اللفظي، لا في المعنى والمضمون.
وبكلمة، أن أعراض الجنس تارة تلحظ مضافة إلى موضوعها في عالم‏الوجود،واُخرى تلحظ مضافة إلى موضوعها في عالم التحليل. وفي الفرض‏الأول حيث إن وجود الجنس عين وجود النوع، لأنهما موجودان فيه بوجودواحد حقيقة، فبطبيعة الحال لا يمكن التفكيك بين عروض العرض على هذاالوجود الواحد واتصافه به، بلحاظ أنه وجود الجنس لا وجود النوع، بداهة أن‏ذلك في وجود واحد غير معقول، لأنه إما متصف به أو لا، ولا يتصور ثالث.
وعلى هذا فلا معنى للتفرقة بين صحة الحمل والاسناد وصحة العروض‏والإتصاف في المقام، لأن صحة حمل اعراض الجنس على النوع واسنادها إليه‏إنما هي بملاك أنهما موجودان فيه بوجود واحد، ونفس هذا الملاك تصحح صحةاتصاف النوع بها وعروضها عليه، لأن صحة اتصاف الجنس بها بالتالي صحةاتصاف النوع بها، على أساس أن المتصف بها وجود واحد في الخارج، وحيث‏إنه وجود لهما حقيقة، فاتصافه بها اتصاف لهما معاً تلقائياً شاء أم أبى، فإذن كيف‏يمكن القول بأن حمل أعراض الجنس على النوع صحيح واتصافه بها غيرصحيح،مع أن ملاك الأول هو ملاك الثاني.
وفي الفرض الثاني حيث إن مفهوم الجنس في عالم التحليل مباين لمفهوم النوع‏والفصل، فأعراض الجنس في هذا العالم كما لا تعرض على النوع والفصل، كذلك‏لا تحمل عليها، لأن الجنس والنوع والجنس والفصل جميعاً متباينات بحسب‏عالم التحليل، فلا يصح حمل أحدهما على الآخر، ولا حمل ما له من الاعراض‏عليه ولا اتصافه بها.
ويتحصل من ذلك أن مرجع كلا الضابطين إلى ضابط واحد معنىً وروحاً،على أساس أنه لا يمكن التفكيك بينهما لا في عالم الوجود ولا في عالم‏التحليل.وعلى هذا فالميزان في ذاتية العرض إن كان بصحة الحمل والإتصاف‏على أساس عالم الوجود، فالأقسام الستة كلها من الأعراض الذاتية،وإن كان‏على أساس عالم التحليل، انحصر العرض الذاتي بالأقسام الثلاثة الأولى، وأماسائر الأقسام فبأجمعها من الأعراض الغريبة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما يعرض على النوع بواسطةالجنس أو الفصل أو مايعرض على الجنس بواسطة الفصل أو النوع، إن كان‏بلحاظ عالم الوجود والخارج، فكما أن الحمل والاسناد فيه حقيقي، فكذلك‏العروض والإتصاف، على أساس أنهما موجودان بوجود واحد فيه، وهذاالوجود الواحد هو المعروض والموضوع للعرض بدون حيلولة أي أمر غريب‏بينهما، وإن كان بلحاظ عالم التحليل والذهن، فكما أن العروض والإتصاف غيرصحيح، فكذلك الحمل والاسناد، على أساس أن كلا منهما مباين فيه للآخر،فلا يصح حمل أحدهما على الآخر في ذلك العالم، ولا اسناد ما لكل منهما إلى‏الآخر من الأعراض.
هذا إضافة إلى أنه لا يحتمل أن يكون مراده من الضابط، الضابط على أساس‏عالم التحليل والذهن، لأن المبحوث عنه في كل علم، إنما هو عن الأعراض‏الخارجية بلحاظ عالم الوجود.
وأما الأمر الثاني: وهو اعتبار الإستقلالية في العروض، فقد ظهر الحال فيه‏مما مرّ، فإن وجود الجنس في عالم الخارج إذا كان متحداً مع وجود النوع، كان‏المعروض والموضوع للعرض وجود واحد بدون حيلولة أمر غريب في البين،فإذا كان وجوداً واحداً فكيف يتصور أن يكون عروضه عليه ضمنياً، لأن‏وجود الجنس عين وجود النوع فيه، لا أنه في ضمنه حتى يكون عروضه على‏النوع بواسطة الجنس ضمنياً لا استقلالياً. وكذلك الحال في الجنس والفصل‏والنوع والفصل، فإنهما موجودان فيه بوجود واحد وهو المعروض والموضوع‏له، فلا يتصور فيه العروض الضمني.
الوجه الثاني: أن ما استشهدقدس سره بكلمات الحكماء، منهم المحقق الطوسي‏قدس سره‏على ما أفاده من الضابط لذاتية العرض وغرابته في غير محله، وذلك لما مرّ من أن‏للحكماء تفسيرين للعرض الذاتي:
الأول لصدر المتألهين، وقد تقدم الكلام فيه، وقلنا إنه ليس تفسيراً للعرض‏الذاتي المبحوث عنه في العلوم، بل هو تفسير للعرض الأولي.
والآخر للمحقق الطوسي‏قدس سره و غيره، من أن نسبة العرض إلى موضوعه، إن‏كانت بنسبة المنشئية فهو عرض ذاتي، وإن كانت بنسبة المحلية فهو عرض‏غريب، وقد تقدم الكلام في هذا التفسير ونقده.
وما ذكره‏قدس سره من الضابط للعرض الذاتي، لا ينطبق على ما ذكره المحقق‏الطوسي‏قدس سره، لأنه مخالف له من نقطتين:
الأولى: أن المحقق الطوسي‏قدس سره يرى على ضوء تفسيره للعرض الذاتي، أن مايعرض على الجنس بواسطة الفصل من الأعراض الذاتية، بينما هوقدس سره يرى على‏ضوء ضابطه أنه من الأعراض الغريبة.
الثانية: أن المحقق الطوسي‏قدس سره يرى انحصار العرض الذاتي، بما إذا كانت نسبته‏إلى موضوعه نسبة المنشئية، بينما المحقق العراقي‏قدس سره يرى أن ملاك ذاتية العرض‏صحة الاتصاف والعروض من ناحية، والاستقلالية فيه من ناحية اُخرى، بدون‏فرق بين ان تكون نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئية أو المحلية.
الوجه الثالث: أن ما ذكره‏قدس سره من الضابط للعرض الذاتي والغريب، لا يدفع‏الإشكال عن تمام العلوم، كعلم الفقه والاُصول ونحوهما، إذ يبحث في هذه العلوم‏عما يعرض على الجنس بواسطة النوع أو الفصل، باعتبار أن نسبة موضوع العلم‏إلى موضوعات مسائله، نسبة العام إلى الخاص والجنس إلى النوع، ومايعرض‏على الجنس بواسطة النوع، وعلى العام بواسطة الخاص من العرض‏الغريب عنده‏قدس سره.
الإتجاه الرابع: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من الضابط، وهو أن ذاتيةالعرض مرهونة بأن يكون عروضه على موضوعه بلا واسطة في العروض.وغير خفي أن هذا الإتجاه بهذه الصياغة مجمل، فتوضيحه بحاجة إلى توجيه‏السؤال إليه، وحينئذٍ فنقول إنه إن أريد من عدم الواسطة في العروض عدم‏الواسطة التقييدية، بمعنى أن الواسطة هي الموضوع للعرض حقيقة دون‏ذي‏الواسطة، فيرد عليه أن لازم ذلك أن ذاتية العرض منوطة بصحة الحمل‏والاسناد، وغرابته منوطة بعدم صحته، وهذا غير صحيح، لما سوف نشير إليه‏من أن المعيار في ذاتية العرض انما هو باستتباعه لموضوعه وعدم انفكاكه عنه‏خارجاً، وإلا فلا يكون من الذاتي، كالعرض المفارق، فإنه وإن كان عروضه‏على معروضه وحمله عليه صحيحاً، إلا أنه ليس بذاتي مثل الحرارة العارضة على‏الماء بواسطة مجاورة النار، فإن عروضها على الماء واتصافه بها وإن كان‏صحيحاً، إلا أنها مع ذلك ليست من العرض الذاتي المبحوث عنه في العلوم.
وإن أريد منه عدم الواسطة مطلقاً أي التقييدية والتعليلية معاً، فيرد عليه أن‏لازم ذلك انحصار العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئيةوالعلية، وقد مر المناقشة في هذا القول.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره لا يتم.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا يمكن الأخذ بشي من‏الأتجاهات الأربعة في تفسير العرض الذاتي.
فالصحيح في المقام أن يقال، إن المراد من العرض الذاتي للمعروض‏والموضوع في مقابل العرض الغريب، هو ما يكون لازماً للموضوع خارجاًومستتبعاً وجوده لوجود العرض فيه، ولا يمكن انفكاك أحدهما عن الآخر،سواء كان ذلك التلازم والاستتباع ناشئاً من علية الموضوع أم كان ناشئاً من علةخارجية، ولا يكون نسبته إلى موضوعه نسبة العلية والمنشئية، بل تكون نسبةالمحلية فحسب، ومع ذلك لا ينفك عنه أبداً طالما يكون الموضوع موجوداً، مثلاًالأعراض المبحوث عنها في الاُصول التى تتمثل في حجية أخبار الثقة وظواهرالكتاب والسنة ونحوها، فإنها وإن كانت مجعولة من قبل الشارع، إلا أنها مع‏ذلك لا تنفك عن موضوعها طالما يكون الموضوع موجوداً، كما أن جعل الشارع‏لها لا يمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتة تبرر ذلك، وتلك النكتة تتمثل في‏أمرين: أحدهما في أقربية تلك الطرق إلى الواقع نوعاً من غيرها، وأنها أقوى‏كشفاً. والآخر التحفظ على الملاكات الواقعية الإلزامية في حال الجهل بها، وعدم‏رضائه بتفويتها حتى في هذه الحالة، أو الإهتمام بالمصلحة التسهيلية النوعية على‏تفصيل ذكرناه في محله، ومن الواضح أن هذه النكتة تتناسب مع الحجية ذاتاًواقتضاءاً، ولكنها لم تصل إلى درجة العلية والمنشئية.
والخلاصة أن نسبة تلك الاعراض إلى موضوعاتها نسبة المحلية والعرضية،لا نسبة المنشئية والعلية، وإن كانت روح التناسب والإنسجام بينهما موجودة،ومن هذا القبيل محمولات علم الفقه وأعراضه الذاتية التي تتمثل في الأحكام‏الشرعية، فإنها وإن كانت أموراً اعتبارية ومجعولة من قبل الشارع‏لموضوعاتها، ولكنها مع ذلك لا يمكن انفكاكها عنها طالما تكون موجودة،وحيث إن جعل تلك الأحكام لها يكون على أساس المبادي والملاكات الواقعيةالتي هي روح الأحكام الشرعية وحقيقتها، فهي تتناسب معها ذاتاً واقتضاءاً،وإن كانت نسبتها إليها نسبة المحلية فقط دون المنشئية، ومثلهما علم النحووالصرف وما شاكلهما. وقد تكون نسبته إلى موضوعه نسبة المنشئية والعلية لاالمحلية. مثال ذلك ما يعرض على النوع كالإنسان بواسطة الفصل كالنفس‏الناطقة، فإن نسبته إلى موضوعه وهو النوع نسبة المنشئية والعلية، على أساس‏أن وجود الفصل عين وجود النوع في عالم الخارج، فإذا كانت نسبته إلى وجودالفصل نسبة المنشئية، كانت نسبته إلى وجود النوع عين تلك النسبة، إذ لايتصور اختلاف في نسبته إلى وجود واحد.
ومن هذا القبيل ما يعرض على النوع بواسطة الجنس، على أساس أنهماموجودان بوجود واحد حقيقة، ومن الطبيعي أن نسبة العرض إلى ذلك الوجودالواحد نسبة المنشئية، وحينئذٍ فكما أن نسبته إليه بلحاظ أنه وجود الجنس‏نسبة المنشئية، فكذلك نسبته إليه بلحاظ أنه وجود النوع، باعتبار أنها عين‏النسبة الأولى، والإختلاف أنما هو في الإضافة.
وكذلك الحال في ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل في عالم الخارج‏والوجود، فإن الواسطة وإن كانت أخص، إلا أنها لما كانت أمراً داخلياً ومتحداًمع حصة خاصة من الجنس، وهي الحصة التوأمة من الحيوانية والناطقية في‏الوجود الخارجي، كانت النسبة نسبة المنشئية بين هذا الوجود الواحد وبين‏عوارضه الثابتة، وحيث إن هذا الوجود الواحد وجود للجنس والفصل معاً،فكما أن نسبة العرض إليه بلحاظ أنه وجود الفصل نسبة المنشئية، فكذلك‏نسبته إليه بلحاظ أنه وجود الجنس، باعتبار أنها عين النسبة الأولى.
قد يقال: إن القول بأن ما يعرض على الجنس بواسطة الفصل عرض غريب‏مبني على أساس عالم التحليل.
والجواب: أنه لا يمكن أن يكون مبنياً على ذلك، إذ المفاهيم جميعاً في عالم‏التحليل والذهن متباينات، وإن مفهوم الفصل كما أنه مباين مع مفهوم الجنس،كذلك أنه مباين مع مفهوم النوع، وكذا مفهوم الجنس، فإنه مباين مع مفهوم‏النوع، فلا يصح حمل شي منها على الآخر، ولا اسناد ما لكل واحد منها من‏العرض إلى الآخر وإن كان بالعناية، وكيف كان فلا شبهة في أن البحث عن‏الأعراض الذاتية إنما هو على أساس عالم الوجود.
فالنتيجة: أن المعيار في ذاتية العرض إنما هو بالإستتباع والإستلزام الحقيقي‏بينه وبين موضوعه، بحيث يكون وجود موضوعه مساوقاً لوجوده، سواء كان‏ذلك الإستتباع والإستلزام بنحو المنشئية أم كان بنحو المحلية، فإن الميزان إنما هوبالتلازم بينهما، وكون العرض الذاتي من الأوصاف والمحمولات اللازمةلموضوعاتها حقيقة، في مقابل العرض الغريب الذي لا استلزام ولا استتباع بينه‏وبين موضوعه، ويكون من الأوصاف المفارقة، قد يوجد لسبب أو آخر وقد لايوجد، ولعل من أجل هذه النكتة سمى الأول بالذاتي والثاني بالغريب،باعتبارأنه غريب عن موضوعه وأجنبي عنه، وقد يكون لسبب خارجي لالعلاقة بينه وبين موضوعه.
ويترتب على ذلك أمور:
الأول: أنه لا وجه لتخصيص العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعه‏نسبة المنشئية والعلية، كما عن جماعة من الحكماء، فإن لازم ذلك خروج‏أعراض مجموعة من العلوم عن العرض الذاتي لها، باعتبار أن نسبتها إلى‏موضوعها ليست نسبة المنشئية والعلية بل نسبة المحلية، رغم أن الإستلزام‏والإستتباع بينها وبين موضوعها موجود، ومن المعلوم أنه لا يمكن الإلتزام‏بذلك‏كما مرّ.
الثاني: أنه لا وجه لجعل الضابط في ذاتية العرض صحة الإتصاف‏والعروض، لأن هذا الضابط يشمل الأوصاف المفارقة أيضاً، مع أنها ليست من‏الأعراض الذاتية، لما مرّ من أن الضابط فيها هو الإستلزام والإستتباع بينها وبين‏موضوعها، وهو لا ينطبق على الأعراض المفارقة كما تقدم تفصيله.
الثالث: أنه لا وجه لتخصيص العرض الذاتي بما إذا كانت نسبته إلى موضوعه‏نسبة المحلية فحسب، كما هو ظاهر جماعة من الاُصوليين.
الرابع: أن ما يعرض على الشي بواسطة علة خارجية اتفاقاً، كعروض‏الحرارة على الماء بواسطة مجاورة النار أو نحوها، فليس من العرض الذاتي على‏الرغم من أن صحة العروض والإتصاف بمعنى المحلية محفوظة فيه، ولهذا لم يقع‏البحث في العلوم عن الأعراض الإتفاقية العارضة على الأشياء بواسطة علةخارجية. نعم، قد يقع البحث عن مقتضى طبيعة الأشياء من حيث اللون أوالشكل أو صفات اُخرى، على أساس أن مردّ هذا البحث إلى البحث عن‏الملازمة في الحقيقة بين وجود هذه الأشياء في الخارج وآثارها التي هي من‏متطلبات طبيعتها من حيث هي، لا عن أعراضها الخارجية الإتفاقية.
ثم إن للسيد الاُستاذقدس سره في المسألة إشكالين:
أحدهما: أن ما هو المعروف عند الاُصوليين من أن البحث في كل علم لابد أن‏يكون عن العوارض الذاتية لموضوعه، مبني على وجوب الإلتزام بوجودموضوع لكل علم، وأما إذا أنكرنا ذلك، وقلنا بإنه لا دليل عليه، بل الدليل قدقام على خلافه كما في علم الفقه والاُصول، فلا موضوع لهذا البحث حينئذٍ،والآخر: أنا لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا أن لكل علم موضوعاً واحداً يدور حوله‏جميع بحوثه، إلا أنه لا ملزم للإلتزام بانحصار البحث فيه عن العوارض الذاتيةلموضوعه، بل اللازم هو البحث فيه عن كل ما له دخل في غرضه المترتب عليه،ولو كان ذلك من العوارض الغريبة، فإن البحث في كل علم سعةً وضيقاً يدورمدار الغرض منه كذلك(39)، كما مال إليه المحقق الأصبهاني‏قدس سره أيضاً(40).
ولنا تعليق على الإشكالين:
أما الإشكال الأول: فيمكن نقده باُمور:
الأول: أنه لا يتم بنحو الموجبة الكلية، إذ لا شبهة في أن لمجموعة كبيرة من‏العلوم موضوعاً واحداً وهو محور تمام بحوثه، إذ لم يقم دليل على عدم الموضوع‏لكل علم على الغرض.
الثاني: ما تقدم من أن وحدة الغرض تكشف عن روح الوحدة والإنسجام‏بين مسائل العلم، إما موضوعاً ومحمولاً أو موضوعاً فقط أو محمولاً، وتلك‏الجهة الواحدة هي محور البحوث وموضوعها في كل علم، ولا يلزم أن تكون‏تلك الجهة الواحدة الجامعة جهة ذاتية بين موضوعات المسائل، لكي يقال‏إنهالا تتصور في بعض العلوم، بل يكفي كونها جهة عرضية في مقابل‏العوارض‏الغريبة لها.
هذا إضافة إلى أن البحث في علم الاُصول والفقه ونحوهما عن عوارض‏ولواحق موضوعاتها ابتداء وبلا واسطة تقييدية، لأن البحث فيه عن حجيةخبر الثقة وظواهر الكتاب والسنة والاُصول العملية في الحدود المسموح بهاوفقاً لشروطها العامة، فإن تلك العوارض تعرض على موضوعات المسائل‏ابتداء لا على موضوع العلم، وهو الجامع بين موضوعاتها وإن قلنا به.
وبكلمة، أن البحث عن الأعراض الذاتية في هذه العلوم وإن لم يتوقف على‏وجود موضوع لها وهو الجامع بين موضوعات مسائلها، إلا أنه يتوقف على‏روح الوحدة والإنسجام بين المسائل في جهة ما في الحدود المسموح بها سعةًوضيقاً، وإلا فلا يمكن اشتراكها في غرض واحد.
وكيف كان فإنكار الموضوع لكل علم لا يستلزم إنكار البحث فيه عن‏العوارض الذاتية، فإنه لابد أن يكون البحث فيه عنها، على أساس أن روح‏الوحدة والإنسجام بين مسائل كل علم في جهة ما تتطلب اشتراكها في الآثاروالأغراض وتستتبعها، ولا نقصد بالأعراض الذاتية إلا تلك الآثار والأعراض‏التي تعرض عليها بنحو الإستتباع والإستلزام.
وأما الإشكال الثاني: فلعله مبني على تخصيص العرض الذاتي بما فسره‏الفلاسفة، ولكن قد مرّ الإشكال فيه موسعاً.
وأما بناء على ما ذكرناه من التفسير لذاتية العرض، فلا مقتضي للبحث عن‏العرض الغريب، إذ لا يحتمل دخله في الغرض.
نتيجة هذا البحث تتمثل في عدة نقاط:
الاُولى: أن تفسير صدر المتألهين للعرض الذاتي، بأن معروضه يتحصص‏بحصة خاصة بنفس عروضه عليه لا مسبقاً كعروض الفصل على الجنس، فقدمرّ أنه على أساس هذا التفسير مختص بالفلسفة العليا، ولا يشمل غيرها.
هذا إضافة إلى أن هذا التفسير تفسير للعرض الأولي لا الذاتي.
الثانية: أن تفسير المحقق الطوسي‏قدس سره وغيره للعرض الذاتي، بأن نسبته إلى‏موضوعه إن كانت نسبة المنشئية والعلية فهو ذاتي، وإن كانت نسبة المحلية فهوغريب، في غير محله كما مرّ.
الثالثة: أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن ذاتية العرض مرهونة بصحةالعروض والإتصاف، ولا يكفي مجرد صحة الحمل والاسناد فهو غير تام، لماتقدم من أن التفكيك بين صحة الحمل والاسناد وصحة العروض والإتصاف‏غير ممكن، لا في عالم الوجود ولا في عالم التحليل على تفصيل قد مرّ آنفاً.
الرابعة: أن صحة العروض والإتصاف لا تصلح أن تكون معياراً لذاتيةالعرض، فإنها محفوظة فيما إذا لم يكن المحل والموضوع مستتبعاً لوجودالعرض،كعروض الحرارة على الماء بواسطة مجاورة النار، والسريرية للجسم‏ونحوها، فإن اتصاف الماء بالحرارة اتصاف حقيقي وكذلك اتصاف الجسم‏بالسريرية، إلا أنها لم تكن من لوازم المحل ومقتضياته، بل كانت من عوارضه‏المفارقة، فلذلك ليست من العوارض الذاتية.
الخامسة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من الضابط للعرض الذاتي،وهوما يعرض على الشي بلا واسطة في العروض، فقد مرّ الإشكال فيه.
السادسة: الصحيح في تفسير العرض الذاتي أن يقال، إنه مرتبط بموضوعه‏ذاتاً، سواء كان بنحو المنشئية والعلية، أم كان بنحو الإستتباع واللزوم بالمحلية،كاستتباع الموضوع لحكمه وعدم انفكاكه عنه، وأما إذا لم يكن مرتبطاً به، بأن‏يعرض عليه تارة بسبب أو آخر ولا يعرض عليه تارة اُخرى فلا يكون من‏الذاتي، بل هو عرض غريب.
السابعة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، تارة بأنه لا ملزم للإلتزام بوجودموضوع لكل علم حتى يكون البحث فيه عن عوارضه الذاتية، وثانياً أنه لا

پاورقي

1) كفاية الاُصول: 9.
2) بحوث في علم الاُصول 21 :1.
3) أجود التقريرات 6 :1.
4) محاضرات في اُصول الفقه 9 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 10 :1.
6) أنظر محاضرات في اُصول الفقه 6 :1.
7) لاحظ كفاية الاُصول: 337.
8) بحوث في علم الاُصول 26:1.
9) مصباح الاُصول 250 :2.
10) دروس في علم الاُصول 46 :1، بحوث في علم الاُصول 32 :1.
11) بحوث في علم الاُصول 22 :1.
12) لاحظ محاضرات في اُصول الفقه 10 :1.
13) بحوث في علم الاُصول 24 :1.
14) أجود التقريرات 5 :1، فوائد الاُصول 19 :1.
15) بحوث في علم الاُصول 266 :2.
16) مقالات الاُصول 54 :1، نهاية الافكار 22 :1 و23.
17) محاضرات في اُصول الفقه 8 :1.
18) نقله عنه في بحوث في علم الأصول 27 :1.
19) مر في ص 13.
20) محاضرات في اُصول الفقه 15 :1 و7 :3.
21) مجاضرات في اُصول الفقه 14:1.
22) الهداية في الاُصول 8 :2 و109.
23) تقدم في ص 32.
24) بحوث في علم الاُصول 28 :1.
25) بحوث في علم الاُصول 28 :1.
26) بحوث في علم الأصول 28 :1.
27) بحوث في علم الاُصول 29 :1.
28) كفاية الاُصول : 449.
29) تقدم في ص 12.
30) محاضرات في اُصول الفقه 18 :1.
31) محاضرات في اُصول الفقه 18 :1.
32) سبق في ص 39.
33) بحوث في علم الاُصول 41 :1.
34) كفاية الاُصول: 8.
35) كفاية الاُصول: 8.
36) بحوث في علم الاُصول 52 :1.
37) الأسفار 33 :1.
38) نهاية الأفكار 15:1.
39) محاضرات في اُصول الفقه 22 :1.
40) نهاية الدراية 26 :1.
................................
...المباحث الاُصولية / ج 1
تقسيم المسائل الاُصولية ...

ملزم لأن يكون البحث في كل علم مقتصراً على العوارض الذاتية لموضوعه، بل‏لا مانع من البحث فيه عن كل ما له دخل في غرضه المترتب عليه، وإن كان من‏العرض الغريب، فلا يمكن المساعدة عليه، وقد مرّ تفصيله.

تقسيم المسائل الاُصولية
يمكن تقسيم المسائل الاُصولية على أساس اعتبارين:
الأول: على أساس نوع الدليلية والإمتياز بها.
الثاني: على أساس طولية مراتبها ودرجات إثباتها.
أما الأول فلأن المسائل الاُصولية تشترك جميعاً في نقطة واحدة، وهي‏وقوعها في طريق عملية الإستنباط لاثبات الجعل الشرعي الكلي بنحو من‏أنحاء الإثبات، وتختلف في نقطة اُخرى وهي نوع الدليلية.
ويمكن تصنيفها على أساس هذه النقطة إلى عدة مجموعات:
المجموعة الاُولى: الأدلة العقلية ويندرج فيها كل قاعدة عقليةبرهانيةيمكن وقوعها في طريق عملية الإستنباط وتعيين الوظيفة تجاه الواقع،وهي على نحوين:
الأول: الأدلة العقلية المستقلة ونقصد بها القاعدة العقلية البرهانية التي كان‏بامكان الفقيه أن يقوم باستنباط الحكم الشرعي بها بدون توسيط مقدمةشرعية، وهي التي تمثل قاعدة الملازمة بين ما حكم به العقل وما حكم به‏الشرع، بناءاً على ما هو الصحيح من أن الأحكام الشرعية تابعة للمصالح‏والمفاسد الواقعيتين.
ثم إن هذه الملازمة العقلية المستقلة ثابتة كبروياً، ولكن صغرى هذه الكبرى‏وهي ادراك العقل الملاكات الواقعية غير المزاحمة فهي غير ثابتة، حيث إنه لاطريق للعقل إلى تلك الملاكات في الواقع، وليس بامكانه احرازها بكامل‏جهاتها، فمن أجل ذلك تكون هذه الملازمة العقلية عديمة الفائدة في الفقه.
وأما الملازمة بين حكم العقل بحسن فعل أو قبح آخر، وحكم الشرع‏بالوجوب أو الحرمة، فهي غير ثابتة كبروياً، وأما صغرى هذه الكبرى‏فهي‏ثابتة وجداناً.
فالنتيجة: أن هذا النحو من الأدلة العقلية عديمة الفائدة في الفقه، لأنها غيرثابتة اما كبروياً أو صغروياً.
الثاني: الأدلة العقلية غير المستقلة، ونقصد بها القواعد العقلية التي يتوقف‏استنباط الحكم الشرعي منها على ضم مقدمة شرعية إليها، كمباحث‏الإستلزامات العقلية، مثل مقدمة الواجب، ومبحث الضد، والنهي عن العبادة،ومبحث اجتماع الأمر والنهي، ونحوها، وقد تقدم أنه لا يكفي مجرد ضم مقدمةشرعية إليها في استفادة الحكم الشرعي فيها، بل تتوقف على ضم كبرى مسألةاُصولية إليها، كمبحث الترتب، أو قواعد باب التزاحم، أو التعارض، فمن‏أجل‏ذلك قلنا إنها من المبادي‏ء التصديقية للمسائل الاُصولية، لا أنها بنفسهامسائل‏اُصولية.
المجموعة الثانية: الحجج والإمارات، وهي تتمثل في أخبار الثقة،وظواهر الكتاب والسنة، والإجماع المنقول، وكل دليل ثبتت حجيته شرعاً،على أساس الطريقية والكاشفية النوعية الذاتية.
ثم إن حجية هذه الأدلة شرعاً بتمام اشكالها إنما هي بالإمضاء والتقرير، لابالتأسيس والجعل الإبتدائي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن هذه المجموعة تمتاز عن المجموعة الاُولى بالذات، أي‏بالموضوع والمحمول معاً.
المجموعة الثالثة: الدليل الإستقرائي، وهي تتمثل في الإجماع المحصل،والتواتر، والسيرة، وغيرها. وذكر أن حجية هذه المجموعة انما هي على أساس‏الإستقراء، فإن كان الإستقراء تاماً كانت دليليتها قطعية، وتدخل في كبرى‏الدليل العقلي الإستقرائي، وإن كان ناقصاً كانت دليليتها ظنية، وتدخل في الدليل‏الإستقرائي الظني، والحاكم بحجيته حينئذ هو الشرع.
ثم إن الإستقراء في هذه المجموعة إذا كان تاماً، فهي تشترك مع المجموعةالاُولى في أن الحاكم في كلتيهما العقل، ولكنها تمتاز عنها في نقطة اُخرى، وهي أن‏حكم العقل في المجموعة الاُولى إنما هو على أساس الدليلية العقلية البرهانية، وفي‏هذه المجموعة إنما هو على أساس الإستقراء و حساب الإحتمالات. وإذا كان‏ناقصاً فهي تشترك مع المجموعة الثانية في الحكم، وتمتاز عنها في الموضوع، فإنه‏في هذه المجموعة الإستقراء الذي يمثل عدداً محدوداً من الأفراد في الخارج، وفي‏المجموعة الثانية طبيعي الظهور بقطع النظر عن أفراده فيه، وطبيعي خبر الثقةكذلك. وحاصل هذا الفرق هو أن القضية في هذه المجموعة خارجية، وفي‏المجموعة الثانية حقيقية، هذا هو المشهور.
ولكن الصحيح في المقام أن يقال: إن حجية هذه المجموعة تقوم على أساس‏اتصالها بزمن المعصومين‏عليهم السلام ووصولها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، فإذا كانت‏كذلك كانت دليليتها قطعية، وحينئذ فلا تكون من المسائل الاُصولية إذا كانت‏مضامينها أحكاماً واقعية، باعتبار أنها واصلة إلينا بالقطع والوجدان، ولايتوقف وصولها على عملية الإجتهاد والإستنباط بتطبيق كبرى اُصولية على‏صغراها. نعم لو كانت مضامينها أحكاماً ظاهرية، كحجية أخبار الثقة، أوظواهر الألفاظ، لكانت نفس المضامين من المسائل الاُصولية، وتلك الأدلة أدلةعليها، وأما إذا لم يحرز اتصالها بزمن المعصومين‏عليهم السلام، فلا يمكن اثبات حجيتهاعلى مستوى القاعدة العامة، وإن كان الإستقراء في عصره تاماً.
المجموعة الرابعة: الاُصول العملية الشرعية، ويراد بها ما يستعمله الفقيه‏كدليل شرعي مباشر على اثبات الجعل الشرعي الكلي تعذيراً أو تنجيزاً،كالاستصحاب والبراءة والإحتياط الشرعيين وأصالة الطهارة وأصالة التخييرالشرعية.
وتمتاز هذه المجموعة عن المجموعة الاُولى في سنخ الدليلية موضوعاًومحمولاً، وكذلك عن المجموعة الثانية والثالثة.
المجموعة الخامسة: الاُصول العملية العقلية، ونقصد بها ما يستعمله‏الفقيه كدليل عقلي مباشر لتعيين الوظيفة العملية تجاه الواقع في مواردالشك‏البدوي، أو المقرون بالعلم الإجمالي، سواء أكان بين المتباينين أم‏بين‏الأقل والأكثر.
وتمتاز هذه المجموعة عن المجموعة الاُولى، وعن القسم الأول من المجموعةالثالثة في نوع الدليلية موضوعاً لا محمولاً، وعن المجموعة الثانية والقسم الثاني‏من المجموعة الثالثة موضوعاً و محمولاً، وكذلك عن المجموعة الرابعة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هذا التقسيم إنما هو بلحاظ ما في‏المسائل الاُصولية من امتياز بعضها عن بعضها الآخر في نوع الدليلية وسنخها،مع ما في هذا التقسيم من مراعاة المنهج العام المتعارف في الدراسات الاُصوليةفي‏زماننا هذا.
وأما إهمالنا مباحث الألفاظ في هذا التقسيم، فهو انما يكون من جهة ما أشرناإليه سابقاً من أنها ليست من المسائل الاُصولية، وإنما هي من المباحث والمبادي‏التمهيدية لتكوين المسائل الاُصولية.
وأما الثاني: وهو تقسيم المسائل الاُصولية على أساس طولية مراتبهاودرجات اثباتها، فقد قسمها السيد الاُستاذقدس سره إلى أربعة أقسام:
القسم الأول: ما يوصل إلى الحكم الشرعي الكلي بالعلم الوجداني.
القسم الثاني: ما يوصل إلى الحكم الشرعي الكلي بالعلم التعبدي.
القسم الثالث: ما يعين الوظيفة العملية شرعاً.
القسم الرابع: ما يعين الوظيفة العملية عقلاً. هذا،
والظاهر أن نظره‏قدس سره في هذا التقسيم إلى طولية المسائل الاُصولية بلحاظدرجات اثباتها النتيجة، لا إلى طوليتها في الوقوع في طريق عملية الإستنباط،والقرينة على ذلك أنه‏قدس سره لا يرى الطولية بالمعنى الثاني بين القسم الأول والثاني.فإن الفقيه مع تمكنه من استفادة الحكم الشرعي بالعلم الوجداني، يجوز له‏الإكتفاء فيها بالعلم التعبدي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه‏قدس سره يرى الطولية بين بعض أصناف القسم الثاني، فإن‏الدليل القطعي سنداً والظني دلالة مقدم في مقام عملية الإستنباط على الدليل‏الظني سنداً ودلالة كالكتاب والسنة، فإنه مقدم على أخبار الثقة الظنية سنداًودلالة في مقام المعارضة وعدم إمكان الجمع بينهما. كما أنه‏قدس سره يرى الطولية بين‏بعض أصناف القسم الثالث أيضاً في مرحلة الإستنباط والتوسيط، فإن‏الإستصحاب مقدم في هذه المرحلة على أصالة البراءة الشرعية والإحتياطالشرعي، مع أن جميع هذه الاُصول تندرج في القسم الثالث. هذا،
ولكن لا يمكن المساعدة على هذا التقسيم في نفسه.
أما القسم الأول، فإن أريد من الدليل القطعي الكتاب والسنة إذا كانا قطعيين‏دلالة أيضاً، والإجماع المتصل بزمان المعصومين‏عليهم السلام، ففيه أنه ليس من المسائل‏الاُصولية، ولا موضوع لها حينئذ، لأن الحكم الشرعي الذي هو مضمون‏الكتاب والسنة واصل إلى المكلف بالقطع والوجدان مباشرة يداً بيد، ولا يتوقف‏وصوله إليه على عملية الإجتهاد والإستنباط بتطبيق كبرى اُصولية على‏مصاديقها.
وإن أريد منه الملازمات العقلية المستقلة وغير المستقلة، بدعوى أنهامن‏المسائل الاُصولية التي تفيد القطع بالحكم الشرعي فيرد عليه أن الأمرليس‏كذلك، أما العقلية المستقلة، فلأن استنباط الحكم الشرعي منها يتوقف‏على‏مقدمتين:
الاُولى: إحراز الصغرى لها.
الثانية: إحراز أن الأحكام الشرعية تابعة للمبادي‏ء والملاكات الواقعيةفي‏متعلقاتها.
أما المقدمة الاُولى: فقد مر أنه لا طريق للعقل إلى إحرازها بتمام حدودها،ومن هنا قلنا إنها عديمة الفائدة، ولا قيمة لها.
وأما المقدمة الثانية: فهي مسألة نظرية، ولا تكون بقطعية وجدانية، ومن‏هنا تكون مورد الخلاف والنزاع حتى بين الأصحاب، فإذن لا يمكن الوصول بهاإلى الحكم الشرعي بالعلم الوجداني على المستوى العام.
وأما العقلية غير المستقلة، فلأن استفادة الحكم منها تتوقف على ضم مقدمةشرعية، وتلك المقدمة غالباً تكون ظنية، وعليه فلا تكون النتيجة قطعية، لأنهاتابعة لأخس المقدمتين.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها قطعية، إلا أنها لا تقع في طريق عمليةالإستنباط بصياغتها المطروحة وحدها، بل يتوقف وقوعها فيه إلى ضم مسألةاُصولية إليها كمسألة الترتب أو قواعد باب المزاحمة أو المعارضة، والمفروض‏أنها ليست من المسائل القطعية الوجدانية.
فالنتيجة: أنه لا مصداق للقسم الأول، إلا أن يكون المراد من الوصول إلى‏الحكم بالعلم الوجداني أعم من الحكم الواقعي والظاهري، ولكن الأمر ليس‏كذلك، وإلا فلا فرق بينه وبين القسم الثاني والثالث حينئذ.
وأما القسم الثاني فهو مبني على أن يكون المجعول في باب الأمارات الكاشفيةوالعلم التعبدي بالواقع، وفي باب الاُصول الجري العملي فحسب تجاه الواقع‏المجهول، بدون الدلالة على الكشف عنه، فعند ئذٍ تمتاز الأمارات عن الاُصول‏العملية في سنخ المجعول، ولكن ذلك غير تام كما حققناه في محله.
فالنتيجة: أن ما أفاده‏السيدالاُستاذقدس سره من‏التقسيم للمسائل‏الاُصولية لا يتم.
ويمكن تصنيف المسائل الاُصولية إلى ثلاثة أصناف فحسب:
الأول: الأدلة الإجتهادية، فإنها على الرغم من اختلافها في مراتب الإثبات‏ودرجاته من ناحية، وفي نوع الدليلية من ناحية اُخرى، ككونه لفظياً أو عقلياًأو تعبدياً كانت في مرتبة واحدة، بلحاظ مقام عملية الإستنباط والتوسيط.
الثاني: الاُصول العملية الشرعية.
الثالث: الاُصول العملية العقلية.

الوضع ...
الرابع: الوضع‏
يقع الكلام فيه من عدة جهات:
الجهة الاُولى: في علاقة اللفظ بالمعنى وتفسيرها، وهل هي علاقة ذاتيةبينهما، وتلك العلاقة الذاتية هي التي تحدث للفظ صفة الدلالة، فيصبح اللفظباكتسابه تلك الصفة سبباً للإنتقال منه إلى المعنى، أو أنها علاقة وضعية جعلية،وهي التي تحدث للفظ صفة الدلالة والسببية؟
الجهة الثانية: في تعيين الواضع، وأنه اللَّه تعالى أو غيره.
الجهة الثالثة: في أنواع الوضع امكاناً ووقوعاً.
أما الكلام في الجهة الاُولى: ففيها اتجاهان رئيسيّان:
الإتجاه الأول: أن دلالة اللفظ على المعنى، واستتباع تصوره، تصوره‏مستندة إلى العلاقة الذاتية بينهما.
الإتجاه الثاني: أنها مستندة إلى العلاقة الجعلية دون الذاتية.
أما الإتجاه الأول: فلا شبهة في بطلانه إن أريد بالعلاقة الذاتية العلاقة على‏مستوى العلة التامة، ضرورة أن العلاقة لو كانت بهذا المستوى لم يتصور الجهل‏باللغات نهائياً، ولا الاختلاف فيها بين الناس قاطبة، وهو كماترى.
وإن أريد بها العلاقة على مستوى الإقتضاء، فهو وإن كان متصوراً في مقام‏الثبوت، إلا أنه لا طريق لنا إلى العلم بها على المستوى العام، وعلى تقديرالعلم‏بها فرضاً إلا أن من المشاهد والمحسوس خارجاً، أن مجرد العلم‏بالمناسبةالذاتية بين اللفظ والمعنى لا يؤثر في تكوين صفة الدلالة له على المعنى‏واستتباع تصوره تصوره.
ودعوى أن المناسبة الذاتية بين اللفظ والمعنى إذا كانت بنحو الإقتضاء، وإن لم‏تؤثر في تكوين صفة الدلالة للفظ، إلا أنها تؤثر في أن يكون الوضع على طبقها،مدفوعة بأنه إن أريد بذلك أن وضع اللفظ للمعنى إذا لم يكن على طبق المناسبةالذاتية بينهما لم يكن مؤثراً في احداث صفة الدلالة له، فيرد عليه أنه خلاف‏الضرورة والوجدان، فإن المحسوس والمشاهد في الخارج عند الناس أن وضع‏اللفظ للمعنى متى تحقق كان مؤثراً في دلالته عليه، علم الناس بالمطابقة أم لا.وإن أريد بذلك أن الأحسن والاُولى أن يكون الوضع على طبق المعنى المناسب‏للفظ ذاتاً، فيرد عليه أن الكلام ليس في أولوية ذلك، وإنما هو في أصل تأثيرالوضع بدون المناسبة الذاتية، والمفروض أنه يؤثر كانت هناك مناسبة ذاتاً بينهماأم لا، لأنه تمام العلة للدلالة - كما مر - هذا،
إضافة إلى أن ذلك يتوقف على علم الواضع بالمناسبة بينهما مسبقاً، ولا طريق‏للواضع إلى العلم بها، إلا إذا فرض أن الواضع هو اللَّه سبحانه وتعالى، ولكن‏حينئذ من أين يعلم أنه تعالى كان يضع الألفاظ بإزاء المعاني على طبق العلائق‏والمناسبات الذاتية بينهما، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون هناك مصلحةاُخرى تدعو الوضع بإزاء المعاني غير المناسبة.
فالنتيجة: أنه على فرض كون الواضع هو اللَّه تعالى، فلا طريق لنا إلى إحرازأن الوضع منه يكون على أساس العلائق والمناسبات بين الألفاظ والمعاني.
نظرية الأمر الواقعي ...
تحصل مما تقدم أن هذا الإتجاه لا يرجع إلى معنى محصل.
وأما الإتجاه الثاني: وهو أن تكوين العلاقة بين اللفظ والمعنى إنما هو مستندإلى الوضع والجعل فحسب، فهو الصحيح. وعلى أساس هذا الإتجاه قد اختلفت‏أنظار الاُصوليين حول تعيين حقيقة الوضع بالنحو التالي.
النظرية الاُولى: أن حقيقة الوضع حقيقة واقعية متمثلة في الملازمة بين‏تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذه الملازمة والإستتباع بينهما أمر واقعي على‏حدواقعية سائر الملازمات الثابتة في لوح الواقع، ولكن تحققها إنما هوبالجعل‏والاعتبار.
النظرية الثانية: أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية، ولا واقع موضوعي لها،ويترتب عليها سببية تصور اللفظ لتصور المعنى.
النظرية الثالثة: أن حقيقةالوضع أمرتكويني نفساني، وهوالتعهد والالتزام.
النظرية الرابعة: أن حقيقة الوضع أمر تكويني خارجي متمثلة في عمليةالقران بين نظرية اللفظ والمعنى بشكل أكيد بليغ.

نظرية الأمر الواقعي‏
أما النظرية الاُولى فهي التي اختارها المحقق العراقي‏قدس سره وأفاد في وجه ذلك:
أن حقيقة الوضع حقيقة واقعية وهي الملازمة بين طبيعي اللفظ وطبيعي‏المعنى، وهذه الملازمة ثابتة في لوح الواقع ونفس الأمر، كسائر الملازمات‏الواقعية، مثل الملازمة بين زوجية الأربعة وانقسامها إلى المتساويين، وبين‏وجوب شي ووجوب مقدمته، والأمر بالشي والنهي عن ضده، وهكذا، غايةالأمر أن تلك الملازمات ثابتة من الأزل، ولا تكون مسبوقة بالعدم،و هذه‏الملازمة رغم انهاواقعية،و لكنها ليست بازلية، بل هى حادثة مسبوقةبالعدم،باعتبار أنها تحدث بينهما بعامل خارجي، وهو الجعل والاعتبار، وهذا لابمعنى أن الاعتبار مقوم لها، وإلا كانت اعتبارية لا واقعية، بل بمعنى أنه سبب‏لحدوثها وتحققها بين اللفظ والمعنى في الواقع، وتصبح بعد الحدوث حقيقة واقعيةكسائر الملازمات الواقعية، وإن لم تدخل تحت مقولة من المقولات، كما هو الحال‏في باقي الملازمات، فإنها على الرغم من كونها أموراً واقعية أزلية، غير داخلة في‏شي من المقولات(1).
وقد علق على هذه النظرية السيد الاُستاذقدس سره: بأنه إن أريد بوجود الملازمةبين طبيعي اللفظ والمعنى الموضوع له وجودها مطلقاً حتى للجاهل بالوضع،فبطلانه من الواضحات، حيث إنه يستلزم أن يكون سماع اللفظ وتصوره‏علةتامة لانتقال الذهن إلى معناه، ولازم ذلك استحالة الجهل باللغات،وهوكماترى.
وإن أريد به ثبوتها للعالم بالوضع فقط دون غيره، فيرد عليه أن الأمر وإن‏كان كذلك، يعني أن هذه الملازمة ثابتة له دون غيره، إلا أنها ليست بحقيقةالوضع، بل هي متفرعة عليه ومتأخرة عنه رتبة، ومحل كلامنا هنا في‏تعيين‏حقيقة الوضع التي تترتب عليها الملازمة والانتقال من تصور اللفظإلى‏تصور معناه(2).
وغير خفي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من التعليق على هذه النظرية مبني‏على أن أخذ العلم بالوضع في موضوع نفسه غير معقول، إذ لو كانت هذه‏الملازمة في صورة اختصاصها بالعالم بها وضعاً لزم أخذ العلم بالوضع في‏موضوع نفسه وهو مستحيل، وحيث إن استحالة ذلك كانت أمراً مفروغاً عنه‏عنده‏قدس سره فلذلك كان ينفي كون هذه الملازمة في هذه الصورة وضعاً، مع أن ظاهرهذه النظرية أنها بنفسها وضع.
ولكن الصحيح أنه لا مانع من أخذ العلم بالوضع في مرتبة الجعل والاعتبارفي موضوع نفسه في مرتبة المجعول، وهي مرتبة الملازمة، ولا يلزم منه محذورالدور وتقدم الشي على نفسه، وعلى هذا فلا مانع من الالتزام بكون نفس‏الملازمة مختصة بالعالم بها وضعاً.
والوجه في ذلك ما ذكرناه في غير مورد من أنه لا مانع من أخذ العلم بالحكم‏في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، ولا يلزم منه محذور الدوروتوقف الشي على نفسه، فإن ما يتوقف على العلم غير ما يتوقف العلم عليه،لأن العلم يتوقف على الجعل، وهو لا يتوقف عليه، وما يتوقف على العلم - وهوفعلية المجعول - فالعلم لا يتوقف عليه، فإذن لا دور، وكذلك الحال في المقام، فإنه‏لا مانع من أخذ العلم بالوضع في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبةالمجعول،لأن مرد ذلك إلى أن العلم بجعل الملازمة في المقام قد اخذ في موضوع‏نفس هذه الملازمة، ولا يلزم منه المحذور المذكور، فإن العلم يتوقف على جعل‏هذه الملازمة، والجعل لا يتوقف عليه، وما يتوقف على العلم هو الملازمة في‏مرتبة المجعول، وهي مرتبة الفعلية، فالعلم لا يتوقف عليها، ونتيجة ذلك أن‏حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية عبارة عن جعل الملازمة بين طبيعي اللفظوالمعنى مشروطة بالعلم بجعلها كبروياً، فتختص الملازمة حينئذ بالعالم بجعلها.
وقد يعترض على هذا التفسير للوضع، بأنه خارج عن أذهان عامة الناس،لأنه تفسير بالمعنى المعقد الذي ليس بامكان كل أحد الوصول إليه، إلا أن يكون‏من أهل الفن، مع أن معنى الوضع معنى عرفي ساذج، وبإمكان كل أحد من أهل‏اللسان إدراكه والوصول إليه.
والجواب: أن معنى الوضع عرفاً معنى بسيط، فإن المتفاهم منه في العرف‏العام هو الربط والعلاقة بين طبيعي اللفظ والمعنى إجمالاً بحيث يستتبع تصورالاول تصور الثاني، ولا تعقيد فيه، فإن التعقيد إنما هو في تحليل هذا الربطوالعلاقة، وأنها تكوينية أو اعتبارية، وهل يمكن تخصيصها بالعالم بها أولا؟ومن الواضح أنه لا صلة لهذا التحليل العقلي المعقد بما هو المتبادر من الوضع عرفاًعلى المستوى العام، والمفروض أن الأثر، وهو انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى‏تصور المعنى مترتب على مفهومه العرفي، ولا يرتبط بتحليله العقلي المعقد.
ونظير ذلك المعنى الحرفي، فإن مفهومه العرفي واضح ولا تعقيد فيه، والتعقيدإنما هو في تحليله العقلي الذي هو خارج عن المتفاهم العرفي، ومن هنا تكون هذه‏البحوث بحوثاً تحليلية لا لغوية صرفة.
فالنتيجة: أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذه النظرية لا يتم.
والصحيح في نقدها أن يقال: إنه إن أريد بالملازمة الواقعية بين طبيعي اللفظوالمعنى الملازمة بين تصوره في أفق الذهن وتصور المعنى، فيرد عليه أن هذه‏الملازمة وإن كانت تكوينية، إلا أنها معلولة للعلم بالوضع في المرتبة السابقة ومن‏آثاره التكوينية وغير قابلة للجعل، فلا يمكن أن تكون معنى الوضع.
نظرية الاعتبار ...
وإن أريد بها أنها مجعولة بنفس الوضع والجعل، فيرد عليه أنه لا يعقل أن‏تكون الملازمة المذكورة ملازمة واقعية، بداهة أن الجعل إذا كان اعتبارياً،يستحيل أن يكون المجعول أمراً واقعياً، لأن الجعل عين المجعول ذاتاً، فلا فرق‏بينهما إلا بالاعتبار، كالإيجاد والوجود.
وبكلمة، لا يمكن إيجاد الملازمة التكوينية بين اللفظ والمعنى بالاعتباروالجعل،بعد ما لم تكن ملازمة بينهما ذاتاً وتكويناً.
ودعوى أن إيجاد هذه الملازمة الواقعية بين اللفظ والمعنى بالجعل والاعتبارأمر وجداني وغير قابل للأنكار، مدفوعة بأن ما هو أمر وجداني هو سببيةتصور اللفظ لتصور المعنى المترتبة على العلم بالوضع مسبقاً، وليست هنا سببيةوملازمة اُخرى في المرتبة السابقة الموجودة بالجعل والاعتبار، لكي يقال إنهاعبارة عن الوضع.
فالنتيجة إن هذه النظرية لا ترجع إلى معنى محصل .

نظرية الاعتبار
وأما النظرية الثانية وهي نظرية أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية، فقداختلفت كلمات الاُصوليين حول تفسيرها على أقوال:
القول الأول: إن حقيقة الوضع عبارة عن جعل اللفظ على المعنى في عالم‏الاعتبار، كجعل الإشارة الحمراء على مواقع معينة في عالم الخارج، لتكون‏علامة على الخطر، أو جعل العلم على رأس الفرسخ - مثلاً - ليكون علامة عليه.
وقد اختار هذا القول المحقق الأصبهاني‏قدس سره، وأفاد في وجه ذلك، أن سنخ‏وضع اللفظ بإزاء المعنى كسنخ وضع الإشارات الحمراء على أماكن معينة في‏الطرقات والمطارات والمحطات، للدلالة على وجود الخطر، غاية الأمر أن هذاوضع خارجي، وذاك وضع اعتباري(3).
وقد أورد على هذا القول السيد الاُستاذقدس سره بأمرين:
أحدهما: أن وضع اللفظ ليس من سنخ الوضع الحقيقي، وأفاد في وجه‏ذلك،أن الوضع الحقيقي الخارجي يتقوم بثلاثة أركان: الموضوع وهو الإشارةالحمراء مثلاً، والموضوع عليه وهو المواقع المعينة، والموضوع له، وهو الخطر.وهذا بخلاف الوضع في باب الألفاظ، فإنه يتقوم بركنين: الموضوع وهو اللفظ،والموضوع له وهو دلالته على معناه، ولا يحتاج إلى شي ثالث حتى يكون ذلك‏الشي هو الموضوع عليه، واطلاقه على المعنى الموضوع له لولم يكن من الاغلاطالظاهرة فلا أقل من أنه لم يعهد في الإطلاقات الشائعة المتعارفة، مع أن لازم‏القول المذكور أن يكون المعنى هو الموضوع عليه.
وثانيهما: أن الوضع بهذا المعنى خارج عن أذهان عامة أهل اللسان واللغة،لأنه معنى دقيق خارج عن مستوى فهم العموم، مع أن معنى الوضع معنى عرفي‏عام، ومفهوم لكل أهل لغة بالنسبة إلى لغته، وعليه فلا يمكن أن يكون هذاهومعنى الوضع(4).
ولنا تعليق على كلا الأمرين:
أما الأمر الأول، فلأنه إن اُريد بأن وضع اللفظ للمعنى ليس من سنخ الوضع‏الحقيقي، حيث انه اعتباري وذاك خارجي، فهو وإن كان صحيحاً، إلا أن القائل‏بهذا القول لا يدعي ذلك، بل هو يدعي أن سنخ وضع اللفظ كسنخ الوضع‏الحقيقي في الكيفية والصياغة، لا في كل الجهات.
وإن أريد بذلك أن وضع اللفظ يتقوم بركنين هما الموضوع والموضوع له، والوضع الحقيقي‏يتقوم بثلاثة اركان:الموضوع و الموضوع له والموضوع عليه،فيرد عليه أن هذا المقدار من الاختلاف بينهما إنما هو من لوازم خارجية الوضع‏الحقيقي، فإن الوضع فيه لا يمكن بدون الموضوع عليه، وهذا بخلاف وضع اللفظللمعنى، فإنه حيث كان اعتبارياً فلا يتطلب وجود الموضوع عليه في الخارج،ومن الواضح أن التشبيه ليس من هذه الناحية، بل التشبيه إنما هو في الكيفيةوالصياغة، فكما أن وضع العلم على رأس الفرسخ للدلالة على مقدار محدد من‏المسافة، ووضع الإشارة في موقع خاص للدلالة على وجود الخطر فيه، وحيث‏إنه خارجي، فيتوقف على وجود الموضوع عليه في الخارج، فكذلك وضع‏اللفظ للمعنى للدالالة عليه، وحيث إنه اعتباري، فلا يتوقف على وجودالموضوع عليه في الخارج.
وبكلمة إن صياغة الوضع في كلا الموردين واحد، فإن الواضع كما يضع‏الإشارة الحمراء على موضع معين، أو العلم على رأس الفرسخ للدلالة على‏وجود الخطر فيه أو على مقدار المسافة، كذلك يضع اللفظ للدلالة على معناه‏الموضوع له، فالوضع في كلا الموردين من أجل هذه الغاية، وهي الدلالة على‏المعنى المقصود، غاية الأمر أن الوضع في الأول بما أنه خارجي فلابد أن يكون في‏مكان، وفي الثاني بما أنه اعتباري فلا يحتاج وجوده إلى ذلك.
وإن أريد به أن لازم هذا القول كون المعنى الموضوع له هو الموضوع عليه،وهذا غير صحيح بل هو غلط، فيرد عليه أنه لا مانع من اطلاق الموضوع عليه‏على المعنى الموضوع له، غير أن الوضع إن كان خارجياً كان متوقفاً على وجودالموضوع عليه في الخارج، وإن كان اعتبارياً، كان متوقفاً على وجود الموضوع‏عليه في عالم الاعتبار، فإذن اطلاق الموضوع عليه على المعنى باعتبار أن اللفظقد وضع عليه في عالم الاعتبار، واطلاق الموضوع له عليه باعتبار دلالته عليه،ولا مانع من هذين الإطلاقين بلحاظين مختلفين.
ودعوى أن مجرد ذلك لا يكفي في صحة الاطلاق، بل لابد فيها أن يكون‏الموضوع له والموضوع عليه متعدداً، مدفوعة بأنه إن أريد بالتعدد كون‏الموضوع له والموضوع عليه موجودان متباينان، فيرد عليه أن هذا غير معتبرجزماً، لأنه غير متوفر حتى في الوضع الحقيقي، فضلاً عن الوضع الاعتباري،حيث إن المعنى الموضوع له فيه حالة وصفة للموضوع عليه كالخطر أو رأس‏الفرسخ أو غير ذلك من الحالات والصفات، فلا يلزم أن يكون الموضوع له‏موجوداً مستقلاً في قبال الموضوع عليه. وإن اُريد به الأعم منه ومن التعددالاعتباري، ففيه أن التعدد الاعتباري موجود في المقام أيضاً كما مرّ.
وخلاصة هذا القول إن وضع اللفظ للمعنى في عالم الاعتبار والذهن، كوضع‏العلم على رأس الفرسخ في عالم الخارج أو وضع الإشارة الحمراء على مكان‏معين فيه ليس في خارجيته، بل في الصياغة والسببية للدلالة، فكما أن الوضع‏الحقيقي منشأ للدلالة على المعنى الموضوع له فكذلك الوضع الاعتباري، وحيث‏إن في عالم الاعتبار لا معنى للوضع فيه إلا بالاعتبار والجعل، لأن الوضع بمعناه‏الحقيقي لا يتصور فيه، فحينئذ بطبيعة الحال يكون مردّه إلى جعل اللفظبإزاءالمعنى.
فالنتيجة: أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول لا يتم.
وأما الأمر الثاني فلأن تفسير الوضع بهذا المعنى ليس تفسيراً معقداًوخارجاً عن أذهان عامة الناس، بل هو تفسير بالمعنى العرفي.
ومع الإغماض عن ذلك وتسليم أنه تفسير معقد، ولكنه لا يمنع عن كونه‏تفسيراً لمعنى الوضع، لأن الكلام ليس في بيان مفهوم الوضع عرفاً، حيث إنه‏واضح ومبين لكل أهل لغة بالنسبة إلى لغته كما مر، وإنما الكلام في تحليل هذاالمفهوم العرفي عقلاً، ومن الواضح أن هذا التحليل خارج عن أذهان العرف‏ومختص بأهل النظر والفن، ومن هنا يكون مثل هذا البحث كالبحث عن الإنشاءوالإخبار ومعاني الحروف بحثاً تحليلياً لا لغوياً، إذ لا يشك أحد في أصل المعنى‏إجمالاً، وعلى هذا فهذا التفسير وإن كان تفسيراً معقداً، إلا أنه لا يمنع عن كونه‏معنى الوضع تحليلاً. والخلاصة أنه لا أساس لهذا الإشكال.
ثم إن هنا إشكالين آخرين على هذا القول:
أحدهما: إن مجرد جعل شي على شي آخر حقيقة فضلاً عن جعله اعتباراً لايعطيه صفة يكون بها سبباً حقيقياً له، حيث إن الوضع الاعتباري لا يكون‏أحسن حالاً من الوضع الخارجي الحقيقي، فإن في الوضع الحقيقي لا يكفي مجردوضع الشارة الحمراء على موقع الخطر بغرض الدلالة عليه، طالما لم يكن ذلك‏على أساس التعهد والالتزام بأن لا توضع الشارة الحمراء إلا لذلك، وعلى هذا لايكفي في سببية تصور اللفظ لتصور المعنى والانتقال منه إليه مجرد الوضع‏الاعتباري مالم تضم إليه عناية اُخرى، كالتأكيد و التعهد والالتزام، بأنه لا يقوم‏بهذا الوضع إلا للدلالة على المعنى المطلوب، وقد تكفي عناية اُخرى وحدهاللسببية بين اللفظ والمعنى، بدون حاجة إلى الوضع الاعتباري(5).
ويمكن المناقشة فيه، وحاصلها إن الوضع الاعتباري وحده وإن لم يعطاللفظ صفة الدلالة، إلا أنه إذا كان جاداً في ذلك ومؤكداً ومتعهداً، بأنه لا يقوم‏إلا لذلك، كان معطياً له صفة السببية والدلالة، لوضوح أن الواضع الذي‏يكون‏أمر الوضع بيده إذا قام بعملية الوضع لا محالة يكون جاداً فيه‏وملتزماًومتعهداً بأن الهدف من ورائه هو حصول السببية والملازمة، واحتمال‏أنه يكتفي بمجرد الاعتبار بدون أن يكون ذلك الاعتبار مصحوباً بالملابسات‏والمؤكدات غير محتمل.
ودعوى أن هذه العنايات الخارجية المنضمة إليه ربما تكفي وحدها لتحقق‏الملازمة، بلا حاجة إلى الوضع الاعتباري، مدفوعة بأن محل الكلام إنما هو في‏الوضع التعييني، وهو لا يمكن بدون عملية الإنشاء، ولكن هذه العملية إذا كانت‏مقرونة بالتأكد والتعهد لأدت إلى تحقق الملازمة والسببية بين اللفظ والمعنى،وأعطت صفة الدلالة له، وكذلك الحال في الوضع الخارجي، فإن مجرد وضع‏العلم على رأس الفرسخ، أو الشارة الحمراء على موضع معين، لا يكفي ولا يعطي‏صفة الدلالة لها، بل لابد أن يكون الواضع جاداً في ذلك، وكان ممن له أن‏يقوم‏بمثل هذه العملية، كما إذا كان ذلك من قبل الحكومة، فإنه حينئذ يعطي‏صفة الدلالة لها.
والخلاصة أن من المستبعد جداً أن يريد المحقق الأصبهاني‏قدس سره من الوضع مجردالاعتبار والجعل، أي جعل اللفظ على المعنى في عالم الاعتبار، لوضوح‏أن‏الوضع لا يتحقق بذلك، ويتوقف تحققه على أن يكون الواضع جاداًفيه‏ومتعهداً، وكانت عملية الوضع بيده، فإذا كان كذلك كان معطياً صفةالدلالةللفظ.
وثانيهما: أنه فرق بين العلقة الوضعية الثابتة بين اللفظ والمعنى والعلقةالوضعية الثابتة بين العلامات الخارجية وذيها، فإن العلاقة بين اللفظ والمعنى‏علاقة تصورية والعلاقة بين العلامات الخارجية وبين ذيها علاقة تصديقية،فإذن لايصح جعل وضع اللفظ كوضع العلامات الخارجية واعتبارهما من‏وادٍ واحد(6).
ويمكن المناقشة فيه أيضاً، وحاصلها إن منشأ هذا الفرق هو الفرق في موطن‏العلاقة بين اللفظ والمعنى وموطن العلاقة بين العلامات الخارجية وذيها، فإن‏موطن العلاقة في الأول عالم الذهن، فلذلك تكون تصورية، وموطن العلاقة في‏الثاني عالم الخارج، فلذلك تكون تصديقية، حيث إن الملازمة بين وجودين في‏الخارج لا يمكن أن تكون تصورية، كما أن الملازمة بين وجودين في الذهن لايمكن أن تكون تصديقية، وعليه فهذا الفرق بين الوضعين انما هو من ناحيةالفرق‏في موطن العلاقة، وأما من حيث نفس صياغة الوضع وكيفية الدلالة،فلا فرق بينهما.
هذا إضافة إلى أن هذا الفرق لا يمنع عن تفسير الوضع بوضع اللفظ على المعنى‏في عالم الاعتبار، تشبيهاً بوضع العلامات الخارجية على أماكن معينة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا بأس بهذا القول، شريطة أن‏يكون الوضع كذلك مقروناً بالتأكد والتعهد، فإنه إذا كان كذلك تحقق الوضع،وهذا ليس عناية زائدة، فإن الواضع إذا كان في مقام عملية الوضع وكانت‏العملية بيده فلا محالة يكون جاداً فيها ومتعهداً بها، وإلا فلا يكون في هذا المقام،وهو خلف، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه لا فرق في المعنى والجوهر بين القول بوضع اللفظ على‏المعنى في عالم الاعتبار والقول بوضع اللفظ للمعنى فيه، على أساس أن مرد وضع‏اللفظ على المعنى في ذلك العالم إلى اعتباره له، حيث لا يتصور للوضع فيه معنى‏آخر غير الاعتبار والجعل.
فالنتيجة أن هذا القول وان أصاب الواقع في روحه وجوهره، ولكنه أخطأفي‏صياغته.
القول الثاني: إن حقيقة الوضع اعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى،وهذه الملازمة ملازمة اعتبارية لا واقع موضوعي لها ماعدا اعتبار المعتبر،كسائر الأمور الاعتبارية الشرعية أو العرفية.
وقد اعترض على هذا القول بأمرين:
أحدهما: ما ذكره بعض المحققين، من أن مجرد جعل الملازمة والسببيةواعتبارها بين اللفظ والمعنى لا يكفي في تحققها، بل لابد من ابراز نكتة اُخرى‏كالتعهد والالتزام، بأن الاعتبار إنما هو من أجل تحقق ذلك. وربما تكفي نفس‏هذه النكتة لتحققها، بلا حاجة إلى اعتبار الملازمة بينهما(7).
ويمكن المناقشة فيه بما مر من أن مجرد جعل الملازمة واعتبارها وإن لم يكف في‏اعطاء صفة الدلالة للفظ، إلا أنه إذا كان مصحوباً بالملابسات والمؤكدات كفى في‏إعطاء هذه الصفة له، وقد سبق أن تلك الملابسات لا تتوقف على مؤونة زائدةوعناية اُخرى غير أهلية الواضع وكونه جاداً فيه ولا يريد غير تحقيقه وتحقيق مايترتب عليه من الملازمة.
وإن شئت قلت: إن عملية الوضع تتوقف على عنصرين:
الأول: أهلية الواضع، بأن تكون عملية الوضع بيده.
الثاني: أن يكون جاداً فيها ومؤكداً على ذلك.
ومع توفر هذين العنصرين يتحقق الوضع، فيعطي صفة الدلالة للفظ، ومن‏الواضح أن توفرهما في الواضع في مقام الوضع لا يتوقف على مؤونةزائدةعليهما.
ثانيهما: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنه، إن أريد باعتبار هذه الملازمة بين‏اللفظ والمعنى اعتبارها خارجاً فيرد عليه أنه غير معقول، فإن الملازمة بين‏وجود اللفظ ووجود المعنى في الخارج ملازمة تصديقية تكوينية، فلا يعقل‏إيجادها بالاعتبار، وإن أريد به اعتبارها في عالم الذهن فيرد عليه أنه إن اعتبرت‏مطلقاً حتى للجاهل بالوضع فهو لغو، حيث إنه لا يترتب على اعتبارها له أي‏أثر، فإنه إن علم بالوضع كان انتقال ذهنه من تصور اللفظ إلى تصور المعنى أمراًضرورياً وغير قابل للجعل والاعتبار، وإن لم يعلم به كان اعتبارها له لغواً وبلاأثر. وإن اعتبرت للعالم بالوضع لزم الدور، لأن الوضع حينئذ يتوقف على العلم،بملاك توقف المشروط على شرطه، والعلم يتوقف على الوضع، بملاك توقف‏العلم على معلومه(8).
ولنا تعليق على ذلك، وحاصله أنه لا مانع من تخصيص الوضع، وهو جعل‏الملازمة بين اللفظ والمعنى للعالم به، لما مر آنفاً من أن أخذ العلم بالوضع في مرتبةالجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، وهي فعلية الملازمة بمكان من‏الإمكان، ولا يلزم منه محذور الدور، لأن العلم يتوقف على الكبرى وهي جعل‏الملازمة، وهي لا تتوقف عليه، وما يتوقف على العلم هو المجعول، أي فعليةالملازمة، والعلم لا يتوقف عليه، فإذن لا دور، ونتيجة ذلك هي أن الملازمة بين‏اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم بجعلها، كما أنا ذكرنا أنه لا مانع من أخذ العلم‏بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، ولا محذور فيه، نعم‏وقوعه في الخارج بحاجة إلى دليل، وعلى هذا فبامكان الواضع جعل الملازمةبين اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم به، فإذا كان في مقام الوضع وكان جاداً فيه‏تحقق الوضع، ويترتب عليه أثره، وهو صفة السببية بين اللفظ والمعنى.
وبكلمة، إن عملية الوضع عملية إنشائية، فإذا تحققت هذه العملية ترتب‏عليه آثارها التكوينية، وهي الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى، وهذه‏العملية كما تتحقق بالصيغة الاُولى، وهي تشبيه وضع اللفظ للمعنى بوضع‏العلامات الخارجية على المواقع المعينة، كذلك تتحقق بهذه الصيغة، وهي جعل‏الملازمة بين اللفظ والمعنى مشروطة بالعلم به، ومردّ الصيغة الاُولى أيضاً إلى‏ذلك روحاً. والنكتة فيه أن الهدف من وراء عملية الوضع هو تحقق الملازمةوالسببية التكوينية بين اللفظ والمعنى، ولا فرق بين أن يكون تحققها وحصولهابالصيغة الاُولى أو الثانية، على أساس أن كلتا الصيغتين تتضمن عملية الإنشاء،أي إنشاء الوضع وجعله، فلذلك تشتركان روحاً وجوهراً، وإن كانتا مختلفتين‏لفظاً وصيغة.
ودعوى أن موطن هذه الملازمة إما عالم الذهن أو الخارج، ولا ثالث لهما،وعلى كلا التقديرين لا يمكن جعلها وإنشاؤها، أما على الأول فلأن الملازمة بين‏وجوديهما في عالم الذهن ملازمة تكوينية، فلا يمكن انشاؤها بالجعل والاعتبار.وأما على الثاني فأيضاً الأمر كذلك، لأن الملازمة بين وجوديهما في الخارج لوكانت فهي تكوينية، فلا يمكن إيجادها بالجعل والاعتبار، مدفوعة بأن موطن‏هذه الملازمة إنما هو عالم الاعتبار ولوح الواقع، لا عالم الذهن ولا عالم الخارج،ولهذا يكون المجعول به الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى، لا بين وجوديهما في‏الذهن ولا في الخارج.
القول الثالث: أن حقيقة الوضع تنزيل وجود اللفظ منزلة وجود المعنى‏في‏عالم الاعتبار، وتترتب عليه آثاره، منها الانتقال إلى تصوره عند الإحساس‏باللفظ وتصوره.
بيان ذلك أن الموجود على نوعين: أحدهما: الموجود العيني، كالجواهروالأعراض، والآخر: الموجود الاعتباري. والوضع من النوع الثاني دون الأول،لوضوح أنه ليس من مقولة الجوهر ولا العرض، وعليه فلابد من تفسيره‏بالتنزيل، على أساس أن اللفظ مباين للمعنى ذاتاً ووجوداً، وحينئذ فترتيب‏آثاره عليه التي منها انتقال الذهن إليه عند الإحساس به بحاجة إلى نوع اتحادبين اللفظ والمعنى، بتنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى بوجوده الخارجي، لكي‏يترتب عليه انتقال الذهن منه إلى تصور المعنى عند تصوره، وبذلك يتحقق صفةالدلالة للفظ.
وقد أورد السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول بوجهين:
أحدهما: أن تفسير الوضع بهذا المعنى، تفسير بمعنى دقيق ومعقد، وبعيد عن‏أذهان عامة الواضعين غاية البعد، ولا سيما القاصرين منهم كالأطفال والمجانين،فحقيقة الوضع حقيقة عرفية سهل التناول والمأخذ، فلا تكون بهذه الدقة التي‏تغفل عنها أذهان الخاصة فضلاً عن العامة.
وثانيهما: أن الغرض الداعي إلى الوضع هو استعمال اللفظ في المعنى ودلالته‏عليه تصوراً أو تصديقاً، فالوضع يكون مقدمة للإستعمال والدلالة، ومن‏الطبيعي أن الدلالة اللفظية إنما هي بين شيئين، أحدهما دال والآخر مدلول،وعليه فاعتبار الوحدة بينهما بتنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى ينافي اعتبارالتعدد بينهما بجعل أحدهما دالاً والآخر مدلولاً.
وبكلمة: إن الوضع علقة بين وجود اللفظ ووجود المعنى، وهي تقتضي‏المغايرة بينهما، فلا تجتمع مع اعتبار الوحدة(9).
ولنا تعليق على كلا الإيرادين.
أما الإيراد الأول، فقد تقدم أن هذه البحوث بحوث لفظية تحليلية لا لغويةمحضة، إذ لا يواجه أحد الشك في أصل معنى الوضع ارتكازاً، ولا غموض فيه‏حتى لدى الصبيان والمجانين، وإنما يواجه الشك في تحليله وبيان حده، وهذاالتحليل وإن كان خارجاً عن أذهان عامة الواضعين والمستعملين، إلا أن ذلك لايمنع عن كونه معنىً تحليلياً للوضع، لوضوح أن عجزهم عن تحليل معنى الوضع‏لا يدل على أنه ليس تحليلاً لمعناه العرفي المرتكز في ذهن كل أحد.
وعلى الجملة فالبحث عن حقيقة الوضع وأنها حقيقة اعتبارية ونوع‏اعتباريتها، أو التكوينية ونوع تكوينيتها بحث تحليلي لا لغوي، فإذن هذا الإيرادمنه‏قدس سره في غير محله.
وأما الإيراد الثاني، فلأن اعتبار وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى في عالم‏الاعتبار، لا ينافي تعددهما في عالم الخارج، ولا يمنع عن كون أحدهما دالاًوالآخر مدلولاً، بل نفس هذا التنزيل يدل على التعدد، لا أنه ينافيه.
وإن شئت قلت: إن تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى، إنما هو بهدف جعله‏حاكياً عنه ودالاً عليه، ولا يدل هذا التنزيل على الاتحاد لكي ينافي كون أحدهمادالاً والآخر مدلولاً، بل يدل على أن ما يترتب من الأثر على المعنى في الخارج‏يترتب على اللفظ ببركة هذا التنزيل، والأثر المترتب على المعنى في الخارج، هوالانتقال إلى تصوره عند الإحساس به فيه، وبتنزيل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياًللمعنى يترتب عليه هذا الأثر، وهو الانتقال إلى تصور المعنى عند الإحساس‏باللفظ، غاية الأمر يكون الانتقال إلى تصور المعنى عند الإحساس به خارجاًأمراً طبيعياً، وأما الانتقال إلى تصوره عند الإحساس باللفظ، فهو إنما يكون‏بالجعل والتنزيل، فتحصل أنه لا يتم شي من الإيرادين.
ولكن مع هذا يمكن المناقشة في هذا القول، بتقريب أن معنى تنزيل وجوداللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، هو جعل اللفظ مصداقاً عنائياً له في الأثر المترتب‏على مصداقه الحقيقي، فإنه يوسع دائرة أفراد المنزّل عليه، ويجعلها الأعم من‏الأفراد الحقيقية والحكمية، مثلاً تنزيل الشارع الفقاع بمنزلة الخمر، معناه أن‏الحرمة لا تختص بأفرادها الحقيقية، بل تعم أفرادها العنائية أيضاً. ولكن‏التنزيل إنما يصح إذا كان للمنزل عليه أثر، كما في تنزيل الفقاع منزلة الخمر، وإلافلا يصح، وفي المقام حيث إنه لا أثر للمنزل عليه فلا معنى للتنزيل، وذلك لأن‏الأثر المتوهم له فيه هو الانتقال إلى تصوره عند الإحساس بفرده الخارجي‏الحقيقي، لكي يكون فرده العنائي مثله في ذلك الأثر، ولكنه غير ثابت، إذ لاملازمة بين الإحساس بالفرد الحقيقي في الخارج والانتقال منه إلى تصورالطبيعي في الذهن، فإن الملازمة انما هي ثابتة بين الإحساس به خارجاًوالانتقال إلى تصور نفسه فيه، لا إلى تصور طبيعيّة. مثلاً إذا رأى‏ زيداً انتقل‏ذهنه إلى صورته لا إلى صورة الانسان، هذا إذا كان نظر القائل بهذا القول إلى‏التنزيل واقعاً، وأما إذا كان نظره في ذلك إلى جعل اللفظ أداة للمعنى، واعطاءصفة الدلالة له بذلك، فلا مانع منه.
الى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الهدف من وراء الوضع هو إثبات‏صفة الدلالة للفظ، والملازمة بين تصوره والانتقال منه إلى تصور المعنى، بلافرق بين أن يكون الوضع بصيغة التشبيه أم بصيغة الاعتبار أم التنزيل، والغرض‏المطلوب منه يحصل بكل من هذه الصيغ إذا كانت مقرونة بشروطها، وعلى هذافالمناقشة في هذه الصيغ ترجع إلى المناقشة في أمر آخر، مثلاً المناقشة في صيغةالتشبيه إنما هي ترجع إلى التشبيه الحقيقي، وأما إذا كان الغرض منها تقريب‏الذهن فلا مجال لها، وكذلك في صيغة التنزيل كما مر.
وبكلمة، إن تفسير الوضع بالتفسيرات الثلاثة المذكورة ليس تفسيراً لحقيقةالوضع، لأن كل واحد من هذه التفسيرات يقوم على أساس خصوصية من‏خصوصيات الوضع، فالقول الأول في تفسير الوضع ينظر إلى أن وضع اللفظيشبه وضع العلامات الخارجية. والثاني ينظر إلى ما هو لازم الوضع ونتيجته،وهي وجود الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى. والثالث ينظر إلى أثره،وهو كون اللفظ مرآة للمعنى في مقام الاستعمال.
فالنتيجة: أن هذه الأقوال وإن أصابت في أصل اعتبارية الوضع، إلا أنهاأخطات في صياغة تفسيرها.
والصحيح في المسألة أن يقال: إن حقيقة الوضع حقيقة إنشائية متقومةبعنصرين:
الأول: العنصر الداخلي، وهو أن الواضع الذي يكون أمر الوضع بيده إذا كان‏في مقام الوضع وكان جاداً فيه فلا محالة يتصور لفظاً خاصاً ومعنىً مخصوصاً،وبعد ذلك يعتبر هذا اللفظ الخاص إسماً لذاك المعنى المخصوص في عالم الاعتباروالذهن، ويجعل القران بينهما في هذا العالم مؤكداً ومتعهداً بذلك.
الثاني: العنصر الخارجي، وهو ابراز ذلك القران الاعتباري بالقران‏الخارجي بقوله: سميت المولود الفلاني زيداً مثلاً وهكذا، مؤكداً على ذلك‏وملتزماً بأنه لا يريد بذلك إلا اعطاء صفة الدلالة للفظ، فإذا صنع ذلك تحقق‏الوضع، فيتصف اللفظ حينئذ بصفة الدلالة والسببية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائح التالية:
الاُولى: أن المسائل الاُصولية جميعاً تشترك في نقطة واحدة، وهي وقوعهافي طريق عملية الإستنباط، وتختلف في نقطة اُخرى، وهي نوع الدليلية على‏الأنحاء التالية:
الأول: الدليل العقلي، ويندرج فيه كل دليل عقلي برهاني يمكن وقوعه في‏طريق عملية الإستنباط، بلا فرق بين العقلي المستقل والعقلي غير المستقل، نعم‏فرق بينهما من ناحية اُخرى، وهي أن العقلي المستقل وإن كان من المسائل‏الاُصولية كبروياً، إلا أنه لا طريق لنا إلى احراز صغراه في الفقه، فمن أجل ذلك‏يكون عديم الفائدة، وأما العقلي غير المستقل، فقد مر أنه ليس من المسائل‏الاُصولية، بل من مبادئها القريبة.
الثاني: الحجج والأمارات، ويندرج فيها كل دليل ثبتت حجيته شرعاً على‏أساس الطريقية والكاشفية النوعية.
الثالث: الدليل الإستقرائي، كالإجماع المحصل والتواتر والسيرة، وقد تقدم أن‏حجية هذه المجموعة مبنية على أساس إتصالها بزمن المعصومين‏عليهم السلام، ووصولهاإلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، وحينئذ فإن كان وصولها من طريق معتبر كانت‏حجة شرعاً، وتكون من المسائل الاُصولية، ولكنها حينئذ تدخل في المجموعةالثانية، وليست مجموعة اُخرى في مقابلها، وإن كان وصولها من طريق متواترفهي قطعية، وحينئذ فإن كانت مضامينها أحكاماً واقعية، فهي واصلة إلينابالقطع والوجدان بنفسها ومباشرة، أي بدون التوقف على عملية الإجتهادوالإستنباط، وحينئذ فلا تكون من المسائل الاُصولية. وإن كانت مضامينهاأحكاماً ظاهرية، كحجية اخبار الثقة أو ظاهر الكتاب والسنة، أو الاُصول‏العملية، كانت مضامينها من المسائل الاُصولية، وكانت تلك أدلة عليها.
الرابع: الاُصول العملية الشرعية.
الخامس: الاُصول العملية العقلية.
الثانية: أن تقسيم السيد الاُستاذقدس سره المسائل الاُصولية إلى أربعة أقسام يكون‏مبنياً على طولية المسائل الاُصولية بلحاظ درجات إثباتها، لا طوليتها بلحاظوقوعها في طريق عملية الإستنباط كما تقدم.
الثالثة: قد تقدم أن ما ذكره‏قدس سره من التقسيم، مما لا يمكن المساعدة عليه في‏نفسه، فلاحظ.
الرابعة: أن دلالة الألفاظ على معانيها ليست بالذات، لا بمعنى العلة التامة كماهو واضح ولا بمعنى الإقتضاء، فإنه وإن كان أمراً ممكناً، إلا أنه لا طريق لنا إلى‏أن الوضع يكون على طبق المناسبة الإقتضائية.
الخامسة: أن ما اختاره المحقق العراقي‏قدس سره من أن حقيقة الوضع حقيقة واقعيةتحدث بين اللفظ والمعنى بالجعل والاعتبار، لا يرجع إلى معنى محصل، وهذا لامن جهة ما علقه السيد الاُستاذقدس سره عليه، لما مر من أنه لا يتم، بل من جهة أنه إن‏أريد بالملازمة الواقعية بين طبيعي اللفظ والمعنى، الملازمة بين تصوره وتصورالمعنى، ففيه أن هذه الملازمة وإن كانت واقعية، إلا أنها معلولة للعلم بالوضع في‏المرتبة السابقة، لا أنها معنى الوضع، وإن أريد به أنها مجعولة بنفس الوضع‏والجعل فيرد عليه أنها حينئذ لا يمكن أن تكون تكوينية، لأن الجعل عين المجعول‏فلا يعقل أن يكون الجعل اعتبارياً والمجعول أمراً تكوينياً.
السادسة: أن وضع اللفظ للمعنى كوضع العلامات على مواقع معينة، ولافرق بينهما إلا في أن الأول أمر اعتباري، والثاني خارجي، فلهذا يحتاج الوضع‏في الثاني إلى الموضوع عليه دون الأول.
السابعة: إن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول فقد مر أنه غير تام.
الثامنة: إن ما اورده بعض المحققين‏قدس سره من الاشكال على هذا القول،بان مجردذلك لا يكفي لإعطاء صفة الدلالة والسببية للفظ طالما لم تكن هناك عنايةاُخرى، فقد تقدم المناقشة فيه، وقلنا هناك أنه لا يحتاج في اعطاء صفة الدلالةللفظ إلى عناية اُخرى غير كون الواضع جاداً في عملية الوضع وكان أمرها بيده‏ومؤكداً ومتعهداً بها، ومع توفر ذلك يتحقق الوضع، فيعطى صفة الدلالةوالسببية للفظ حينئذ، على ما مر تفصيله، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏قدذكرنا فيما تقدم أنه لا بأس بهذا القول روحاً وجوهراً، وإن كان خاطئاًفي‏صياغته.
التاسعة: أن حقيقة الوضع اعتبار الملازمة بين طبيعي اللفظ والمعنى، وهذه‏الملازمة ملازمة اعتبارية. والمناقشة في هذا القول بأن مجرد ذلك لا يكفي طالما لم‏تكن هناك عناية فقد تقدم أنها غير صحيحة، كما أن المناقشة من السيدالاُستاذقدس سره فيه بأن اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى إن كان خارجاً فهو غيرمعقول، وإن كان ذهناً فإن كان مطلقاً حتى للجاهل بالوضع فهو لغو، وإن كان‏مختصاً بالعالم به لزم الدور غير تامة، لما ذكرناه من أنه لا يلزم الدور من تخصيص‏الوضع بالعالم به إذا كان بلحاظ تعدد المرتبة، بأن يؤخذ العلم بجعل الملازمة في‏موضوع نفسها في مرتبة اُخرى.
العاشرة: أن حقيقة الوضع تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى. وأورد عليه‏السيد الاُستاذقدس سره باشكالين، وتقدم أن كلا الإشكالين غير تام، وقلنا هناك إن‏غرض القائل من التنزيل ليس هو التنزيل الحقيقي، بل غرضه الوضع‏واختصاص اللفظ بالمعنى لاعطاء صفة الدلالة والسببية له.
الحادية عشرة: إن الأقوال الثلاثة المذكورة وإن أصابت في أصل اعتباريةالوضع، إلا أنها اخطأت في صياغة تفسيرها.
الثانية عشرة: الصحيح أن عملية الوضع عملية انشائية متقومة بعنصرين‏رئيسيين:
أحدهما إنشاء الوضع واعتباره ممن بيده ذلك، وكان جاداً فيه ومؤكداًومتعهداً به.
والآخر: ابرازه في الخارج على ما تقدم.
نظرية التعهد ...

نظرية التعهد
وأما النظرية الثالثة فهي التي اختارها السيد الاُستاذقدس سره(10)، و لها مميزات:
الاُولى: أن العلقة الوضعية على أساس هذه النظرية مختصة بما إذا قصدالمتكلم باللفظ تفهيم المعنى، ونتيجة ذلك اختصاص الدلالة الوضعيةبالدلالةالتصديقية.
الثانية: أن الوضع على ضوء هذه النظرية أمر تكويني نفساني، وهو التعهدوالالتزام في أفق النفس، وحيث إنه فعل اختياري للنفس فلابد أن يتعلق بفعل‏اختياري، وهو التلفظ بلفظ خاص عند إرادة تفهيم معناه، حتى يدل على‏أنه‏أراده منه.
الثالثة: أن القضية المتعهد بها قضية شرطية، مقدمها التلفظ بلفظ خاص،وتاليها إرادة إفهام معنى مخصوص، ونتيجة ذلك هي أنه لا داعي وراء التلفظبهذا اللفظ الخاص، إلاّ قصد إفهام ذاك المعنى المخصوص.
الرابعة: أن كل مستعمل واضع حقيقة على أساس هذه النظرية، باعتبار أنه‏متعهد بأنه لا ينطق باللفظ إلا عند ارادة تفهيم معناه الخاص، والغرض أن حقيقةالوضع هي التعهد، وتعهد كل شخص قائم بنفسه، وهو مسؤول عنه لا عن‏تعهدات الآخرين.
أو فقل: إن في ضوء هذه النظرية تعهد كل شخص وضع له، ولا يعقل أن‏يكون وضعاً لغيره ومحققاً للدلالة على قصد إفهام المعنى له بدون أن يكون‏متعهداً وقاصداً تفهيمه، ولا فرق في ذلك بين الواضع الأول والثاني والثالث‏وهكذا، إلا في أن الأول أسبق زماناً، واطلاق الواضع عليه دون غيره انما هوبلحاظ أن غيره تابع له في الوضع.
الخامسة: أن السيرة العقلائية قد استقرت على هذه التعهدات والإلتزامات‏في باب الألفاظ.
هذه هي المميزات والمفارقات لهذه النظرية عن غيرها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد عبر عن القضية المتعهد بها في كلمات السيد الاُستاذقدس سره‏بعدة تعبيرات وصيغ، أهمها ثلاث صيغ:
الصيغة الاُولى: تعهد المتكلم بأنه كلما قصد تفهيم معنى نطق بلفظ خاص.
الصيغة الثانية: تعهده بأنه كلما نطق بلفظ خاص قصد تفهيم معنى مخصوص.
الصيغة الثالثة: تعهده بأنه لا ينطق بلفظ إلا حينما أراد تفهيم معناه.
وقد علق على هذه الصيغ جميعاً بالتعليقات التالية:
أما على الصيغة الاُولى، فلأن لازمها أن قصد تفهيم المعنى يستلزم النطق‏باللفظ، دون العكس الذي هو المطلوب، لأن المقدم في القضية الشرطية المتعهدبها النطق باللفظ، والتالي قصد إفهام المعنى، وهذه الصيغة لا تدل على ذلك.
وأما على الصيغة الثانية، فلأنها وإن كانت محققة للمطلوب، وهو أنه كلمانطق باللفظ فهو قاصد تفهيم معناه، إلا أنه ليس بعقلائي، لأن لازم ذلك هو أن‏الدافع لقصد تفهيم المعنى هو النطق باللفظ، مع أن الأمر بالعكس.
وبكلمة، إن مفاد هذه الصيغة أن الإتيان باللفظ هو الذي يدفع المستعمل إلى‏إرادة معناه رغم أن الأمر بالعكس تماماً، فإن إرادة المعنى هي التي تدفع الانسان‏إلى التكلم باللفظ.
وأما على الصيغة الثالثة، فلأنها وإن كانت محققة لما هو المطلوب من‏النظرية، وهو أن المتكلم يتعهد بأنه لا يأتي باللفظ إلا حينما يكون قاصداًتفهيم‏المعنى، فالتعهد كذلك محقق للملازمة بين اللفظ والمعنى، غير أنه‏ينطوي‏على تعهد ضمني بعدم الاستعمال المجازي، وواضح أن الواضع لا يعني‏التعهد بعدم المجاز(11).
ولنأخذ بالنظر على هذه التعليقات:
أما التعليق على الصيغة الاُولى فيمكن دفعه بأن التعهد الذي يمثل علقة بين‏طرفي القضية الشرطية المتعهد بها - وهما قصد تفهيم المعنى والنطق باللفظ - يفسرالتلازم بين التلفظ باللفظ وقصد تفهيم المعنى، ويعطى صفة الدلالة والسببيةللفظ، فإذا تعهد المتكلم بأنه كلما قصد تفهيم الحيوان المفترس مثلاً نطق بلفظالأسد كان المتفاهم منه عرفاً أنه إذا لم يقصد تفهيم الحيوان المفترس لم ينطق بلفظالأسد وإن قصد تفهيم غيره. ونتيجة ذلك انحصار النطق به بما إذا قصد تفهيم‏الحيوان المفترس لا غيره، وعلى هذا فلا فرق بين أن يجعل المقدم في القضية قصدإفهام المعنى والتالي فيها النطق باللفظ وبين العكس، ومن هنا لا فرق بين الصيغةالاُولى والثانية لباً وروحاً، غاية الأمر يكون المقدم في الصيغة الاُولى بمثابة العلةوالداعي، والتالي بمثابة المعلول والمدعو، وفي الصيغة الثانية يكون العكس.
وإن شئت قلت: إن هذه الصيغة للتعهد وإن سلمنا أنها بنفسها لا تدل على‏تعهد المتكلم، بأنه كلما تكلم بلفظ الأسد مثلاً أراد تفهيم الحيوان المفترس، إلاأنها تدل على ذلك بضميمة القرائن الحالية أو المقامية، وهي كون المتكلم في مقام‏الوضع، واراد اختصاص اللفظ للدلالة على معناه وضعاً.
ومع الإغماض عن ذلك فالإشكال انما هو على صياغة هذه الصيغة، لا على‏أصل النظرية.
وأما التعليق على الصيغة الثانية بأن لازمها أن يكون الإتيان باللفظ هوالذي يدفع المستعمل إلى إرادة معناه، مع أن الأمر بالعكس، فهو مدفوع، بأن‏الصيغة المذكورة لا تدل على ذلك، لأن المتفاهم منها أن النطق باللفظ كاشف عن‏أنه أراد معناه، لا أنه علة لإرادته، بقرينة أن المقدم في القضية الشرطية المتعهدبها وهو النطق باللفظ معلول للتالي في القضية وهو إرادة معناه، فلذلك تدل‏القضية على أنه كاشف عن علته وداعيه وهو قصد تفهيم معناه، وأنه هو الذي‏يدفعه إلى النطق به ثبوتاً.
وبكلمة إن ما في التعليق من أن هذه الصيغة غير عقلائية، بلحاظ أنه جعل‏فيها المقدم والعلة النطق باللفظ، والتالي والمعلول إرادة تفهيم معناه، فلا يمكن‏المساعدة عليه، لأن المقدم في القضية الشرطية قد يكون العلة، والتالي معلول‏لها، ويكون مفادها حينئذ ترتب التالي على المقدم ثبوتاً واثباتاً، وقد يكون‏المقدم فيها المعلول، والتالي علة له، ويكون مفادها حينئذ ترتب التالي على‏المقدم إثباتاً، وأما ثبوتاً فيكون الأمر بالعكس، وما نحن فيه من قبيل الثاني،فإن المقدم في القضية الشرطية المتعهد بها وهو النطق باللفظ يكون معلولاً للتالي‏فيها وهو إرادة تفهيم معناه، ولكنه يقوم مقام العلة، وعلى هذا فلا يكون مدلول‏القضية كون المقدم هو العلة والدافع للتالي، بل مدلولها كونه كاشفاً عن علته،بمعنى أن التالي يترتب على المقدم اثباتاً، وهو مترتب على التالي ثبوتاً،وهذاأمرمعتاد في القضايا الشرطية ومتعارف، وليس على خلاف الأمر المعتادوالمتعارف لدى العقلاء.
والخلاصة: أن المتكلم في مقام الوضع إذا تعهد بأنه كلما تلفظ بلفظ الأسد مثلاًأراد تفهيم الحيوان المفترس كان المتفاهم منه أن لفظ الأسد دال على إرادة التفهيم‏وكاشف عنها، لا أن التلفظ به دافع إليها، وذلك بقرينة أنه معلول للإرادة.
فالنتيجة: أنه لا بأس بهذه الصيغة، وانهاتحقق المطلوب وتعطى صفةالدلالةوالسببية للفظ باعتبار أن المقصود بها إيجاد الملازمة بين طرفي القضيةالشرطية المتعهد بها.
وأما التعليق على الصيغة الثالثة بأنها تتضمن تعهداً ضمنياً بعدم الاستعمال‏المجازي، فيرد عليه أنها لا تتضمن ذلك التعهد ضمناً ولا تدل عليه، فإن مفادهاأنه لا ينطق بلفظ إلا حينما أراد تفهيم معناه، وواضح أن المراد بعدم النطق بلفظعدم النطق به مجرداً عن القرينة، على أساس أن المقام مقام الوضع، ولا تدل على‏عدم النطق بلفظ مقروناً بالقرينة، إذا أراد تفهيم معناه المجازي، وعلى هذا فمدلول‏الصيغة إن كان أنه لا ينطق بلفظ مجرداً عن القرينة إلا حينما أراد تفهيم معناه‏الحقيقي، كان لازمها أنه لا ينطق بلفظ مصحوباً بالقرينة إلا حينما أراد تفهيم معناه‏المجازي، وإن كان أنه لا ينطق بلفظ مطلقاً لا مجرداً ولا مصحوباً بالقرينة إلا حينماأراد تفهيم معناه الأعم من الحقيقي والمجازي، كان لازم ذلك دلالة الصيغة على‏التعهد الضمني بالاستعمال المجازي، لا على عدم التعهد الضمني به. وإن شئت‏قلت: إنه لا مانع من تقييد التعهد الوضعي بعدم الإتيان بالقرينة المتصلةالصارفة، وأما في حال الإتيان بها، فلا يكون تعهد وضعى.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن التعليقات المذكورة على‏صيغ هذه النظرية غير تامة روحاً وجوهراً، فإذن لا مانع من تفسيرها بإحدى‏الصيغ المتقدمة. هذا،
ولكن مع ذلك يمكن نقد هذه النظرية بوجوه:
الأول: أن المرتكز عند العرف والعقلاء هو أن التعهد والالتزام النفساني‏متفرع على الوضع في المرتبة السابقة ومترتب عليه، لا أنه هو الوضع، لوضوح‏أن تعهد المتكلم بأنه كلما نطق باللفظ الفلاني أراد معناه في مرتكز نفسه،مبني‏على الوضع مسبقاً، لا أنه وضع، لانه تعهد شخصي منه لايناسب الوضع‏كقانون عام.
الثاني: أن الوضع موجود منذ نشوء ظاهرة اللغة في مجتمع الانسان البدائي،لأن الانسان في العهود الاُولى لا يدرك ماعدا احساساته الأولية ومتطلبات‏حياته الضرورية، مع أن الوضع على ضوء هذه النظرية أمر عقلائي، ولابد من‏افتراضه في مجتمع عقلائي متكامل، وهو التعهد بأحد طرفي القضية الشرطيةالتعهدية إلى طرفها الآخر، والفرض أن ظاهرة اللغة موجودة في حياة الانسان‏البدائي قبل أن يصبح مجتمعه مجتمعاً عقلائياً وتتكامل مدركاته العقلائية.
الثالث: أن لازم هذه النظرية عدم تحقق الإشتراك اللفظي في اللغات نهائياً،وواضح أنه لا يمكن الالتزام بذلك، فإن وجود المشترك اللفظي في اللغات‏أمرلايقبل الشك، وأنه من ضروريات اللغات، وهذا دليل على عدم صحةهذه‏النظرية.
ودعوى أن الإشتراك في اللغات ناشي من الإختلاط فيها، فان في العصورالقديمة حيث كان لأهل كل قرية أو بلدة لغة خاصة بهم، على أساس عدم توفروسائل الإتصال والإختلاط بين القرى والبلدان، ولكن بعد توفر هذه الوسائل‏وتطورها وتوسعها، واتصال القرى والبلدان بعضها ببعضها الآخر،اختلطت‏اللغات بعضها بالآخر، وحدث الإشتراك اللفظي فيها، فلا يكون‏منشؤه الوضع.
مدفوعة بأن ذلك لا يمكن أن يكون منشأ الإشتراك اللفظي في تمام اللغات،نعم يمكن أن يكون ذلك منشأً له بنحو الموجبة الجزئية. ومن هنا لا يختص‏الإشتراك باللغات العالمية، بل هو موجود حتى في اللغات المحلية، ولا سيما في‏الأعلام الشخصية.
الرابع: أن لازم هذه النظرية انقلاب المستعمل واضعاً، وهذا خلاف المرتكزالقطعي، حيث إن المرتكز لدى العرف والعقلاء كون الاستعمال فرع الوضع‏ومترتب عليه، لا أنه الوضع، ويظهر ذلك بجلاء في الأعلام الشخصية.
الخامس: أن لازم هذه النظرية كون الدلالة الوضعية تصديقية لاتصورية،مع أن الأمر ليس كذلك، إذ لا شبهة في أن الدلالة التصورية مستندةإلى الوضع، وهذا يدل على أن الوضع غير التعهد.
وإن شئت قلت: إنه لولم يكن هناك دليل على بطلان هذه النظرية، لم يكن‏دليل على تعين الأخذ بها في مقابل نظرية الاعتبار، بل العكس هو المتعين كما مر.
ودعوى أن الدليل على صحة هذه النظرية موجود، وهو أن الغرض من وراءالوضع والدافع إليه هو التفهيم والتفهم بين أهل كل لغة في جميع ما يحتاجون إليه‏من الأمور الإجتماعية والفردية والمادية والمعنوية، ومن الواضح أن الوضع يتبع‏الغرض الداعي إليه في السعة والضيق، فلا يمكن أن تكون دائرة الوضع أوسع من‏دائرة الغرض، وإلا لكان لغواً، وعلى هذا فلا محالة تختص العلقة الوضعية بما إذاقصد المتكلم تفهيم المعنى من اللفظ.
مدفوعة بأن الغرض من الوضع وإن كان ذلك، إلا أنه ليس بمثابة العلةالتامة، بحيث يدور الوضع مداره وجوداً وعدماً وسعة وضيقاً، بل هوبمثابةالحكمة له الموجبة لخروج الوضع عن اللغوية، ولا مانع من تخلفهافي‏بعض‏الموارد، أو فقل إن قصد التفهيم من الداعي للوضع وجهة تعليلية لاتقييدية. هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن تحقق هذا الغرض وحصوله يتوقف على دلالة تصوريةفي المرتبة السابقة، حيث إنه لا يمكن تحقق الدلالة التصديقية بدونها، وعلى هذافلا مانع من وضع طبيعي اللفظ للمعنى بدون أخذ أي شي فيه ولا في العلقةالوضعية، وتكون نتيجة إيجاد التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى واعطاءصفة الدلالة التصورية له، ولكن هذا الوضع انما هو بغرض أن الوصول إلى‏الدلالة التصديقية يتوقف على الدلالة التصورية، ولا يمكن تحققها بدونها، فإذن‏يكون الغرض من وضع اللفظ بإزاء ذات المعنى انما هو بداعي الوصول إلى‏الدلالة التصديقية، وتوقفها عليها، وعليه فلا يكون هذا الوضع لغواً.
ودعوى أن الدلالة التصديقية، وإن كانت تتوقف على الدلالة التصورية،على أساس أن التصديق لا يمكن بدون التصور، إلا أن القائل بالتعهد يقول، بأن‏الدلالة التصورية مستندة إلى الاُنس الحاصل من وضع اللفظ بإزاء المدلول‏التصديقي، فلا حاجة إلى الوضع.
مدفوعة بأنها لا يمكن أن تستند إلى الاُنس، ضرورة أن الاُنس مستند إلى‏الوضع، ولولاه فلا اُنس في البين، فإذن استنادها إليه استناد إلى الوضع.
نظرية الاقتران ...
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الدلالة الوضعية على ضوء نظريةالتعهد دلالة تصديقية، وأما الدلالة التصورية فهي مستندة إلى الاُنس الذهني.وأما على ضوء نظرية الاعتبار، فالدلالة الوضعية دلالة تصورية، وأما الدلالةالتصديقية فهي مستندة إلى ظهور حال المتكلم، فإذا صدر كلام من متكلم مختارشاعر كان دالاً على أنه أراد تفهيم معناه، وهذه الدلالة على ضوء نظرية التعهدتستند إلى الوضع، لا إلى ظهور حال المتكلم، وعلى ضوء نظرية الاعتبارتستندإلى ظهور حال المتكلم، لا إلى الوضع.

نظرية الاقتران‏
وأما النظرية الرابعة فهي النظرية التي اختارها بعض المحققين‏قدس سره، وهي أن‏الوضع ليس أمراً اعتبارياً ومجعولاً من المجعولات الإنشائية والاعتبارية، وانماهو أمر تكويني يتمثل في اشراط مخصوص بين اللفظ والمعنى المحقق لصغرى‏قانون الاستجابة الشرطية الذي هو قانون طبيعي عام(12).
بيان ذلك: إن الدلالات تصنف إلى ثلاثة أصناف:
الأول: الدلالة التكوينية الأولية، وهي انتقال الذهن إلى صورة الشي‏ء عندالإحساس به، كما إذا رأى أسداً في الخارج، فإن ذهنه ينتقل إلى صورته‏مباشرة، ويسمى هذا في الإصطلاح الحديث بالاستجابة الطبيعية الأوليةللإحساس بالشي‏ء، وإذا سمع صوتاً انتقلت صورته إلى الذهن، وهكذا، وهذاقانون أولي تكويني عام.
الثاني: الدلالة التكوينية الثانوية، وهي الانتقال إلى صورة الشي‏ء من طريق‏إدراك مشابهه، كما إذا رأى صورة أسد في جدار، فإن الذهن ينتقل إلى هذه‏الصورة مباشرة، وبواسطتها ينتقل إلى صورة الأسد، ومن هذا القبيل ما إذا سمع‏صوت زيد، فإن ذهنه ينتقل إلى صورة الصوت أولاً، ثم إلى صورة زيد،وهكذا. ويسمى هذا بالاستجابة الطبيعية الثانوية للإحساس بالشي‏ء، وهذاقانون ثانوي تكويني عام.
الثالث: الدلالة التكوينية الناشئة من العامل الخارجي دون العامل الطبيعي،وهي انتقال صورة الشي إلى الذهن بإدراك ما يجده مقترناً ومشروطاً بذلك الشي‏على نحو أكيد بليغ ، بحيث يصبح القرين بمثابة القرينة، فيوجب انتقال الذهن إلى‏صورة ذلك الشي، وتسمى هذه الدلالة بالاستجابة الذهنية الشرطية، كما يسمى‏المقترن والمشروط به المنبّه الشرطي، وهذا النوع من الدلالة المسماة بالاستجابةالذهينة الشرطية موجود في كافة جوانب حياة الانسان الإعتيادية، فإذا سمع‏صوت زيد مثلاً وعلم بأنه صوته، كرر ذلك السماع أمام احساسه به، فلا محالةيؤدي ذلك التكرار إلى ترسيخ هذا الاقتران والاشراط بينهما في الذهن، بحيث‏كلما سمع هذا الصوت بعد ذلك، انتقل ذهنه إلى صورة زيد، أو إذا سمع جرس‏الباب بصوت معتدل وعلم بأنه من بكر مثلاً وكرر سماعه كذلك فبطبيعة الحال‏يؤدي تكراره في نهاية المطاف إلى ترسيخ الاقتران بين سماعه والانتقال منه إلى‏صورة بكر، بحيث كلما سمع ذلك الجرس انتقل ذهنه إلى صورة بكر، فالعامل‏الكمي المتمثل في تكرار القران بين شيئين هو المؤثر غالباً في إعطاء صفة المنبّه‏الشرطي للقرين وهو الجرس أو الصوت في المثال.
وهذه الاستجابة الذهنية الشرطية لا تختص بالحياة اليومية للإنسان، بل تعم‏الحياة اليومية للحيوانات أيضاً، وأمثلة ذلك كثيرة في بابها، ومن هذا القبيل‏الوضع، فإنه يمثل القران بين اللفظ والمعنى مؤكداً ومترسخاً في الذهن، فيحقق به‏الصغرى لقانون الاستجابة الذهنية الشرطية، وهذا الترسيخ والتركيز الذهني،
تارة: يكون نتيجة العامل الكمي، وهو تكرر القران بين اللفظ والمعنى‏واستعماله فيه في الخارج. واُخرى: يكون نتيجة العامل الكيفي، وهو القران‏المكتنف بالملابسات الخارجية المحقق لصغرى قانون الاستجابة الذهنيةالشرطية، على أساس أنه يوجب ترسيخ هذا القران بين اللفظ والمعنى في الذهن‏وتركيزه فيه، بحيث كلما سمع هذا اللفظ انتقل الذهن إلى معناه، وبذلك يتحقق‏الوضع المتمثل في الإشراط والارتباط بينهما.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الوضع عبارة عن القران بين‏اللفظ والمعنى بنحو أكيد مترسخ متركز في الذهن، وهذا التركيز والترسيخ‏الحاصل بينهما في الذهن، تارة يكون نتيجة العامل الكمي، واُخرى يكون نتيجةالعامل الكيفي، فالوضع على الأول تعيّني، وعلى الثاني تعييني، وعلى كلاالتقديرين فهو أمر تكويني متمثل في اشراط مخصوص بين اللفظ والمعنى المحقق‏لصغرى قانون الاستجابة الشرطية.
ويمكن المناقشة في هذه النظرية بتقريب: أن قانون الاستجابة الذهنيةسواء أكانت طبيعية أولية أم ثانوية أم شرطية فهو قانون عام في حياة الانسان‏اليومية، بل الحيوان أيضاً، ولا كلام في ذلك. وإنما الكلام في تطبيق قانون‏الاستجابة الذهنية الشرطية على وضع اللفظ للمعنى، ولا شبهة في تطبيق هذاالقانون على الوضع التعيّني، على أساس أنه نتيجة العامل الكمي،و هو كثرةاستعمال اللفظ في المعنى والقران بينهما خارجاً، فإنها تؤدي إلى تركيزالعلاقةبينهما وترسيخها في الذهن، وبها يتحقق صغرى قانون الاستجابةالمذكورة، وهي الارتباط والإشراط المخصوص بين اللفظ والمعنى، وهذاهوالوضع التعيّني.
والخلاصة: أن الوضع التعيني أمر تكويني يتمثل في اشراط خاص بين اللفظوالمعنى الحاصل بعامل كمي، وهو كثرة الاستعمال والقران.
وأما تطبيق هذا القانون على الوضع التعييني الذي هو محل الكلام فهو لا يخلوعن اشكال، وذلك لأن عملية الوضع التعييني عملية انشائية اعتبارية، فإن‏الواضع إذا كان في مقام الوضع، وكان الوضع بيده وجاداً فيه، فبطبيعة الحال‏يتصور أولاً اللفظ والمعنى، وبعد ذلك يجعل هذا اللفظ لهذا المعنى مصحوباًبالقران بينهما خارجاً مؤكداً ومترسخاً على أنه وضع هذا اللفظ واعتبره له، لكي‏يرتكز هذا الاعتبار المكتنف بالقران بينهما في الذهن، فيعطي صفة الدلالةوالسببية للفظ، ويظهر ذلك بوضوح في وضع أعلام الأشخاص.
وبكلمة، إن حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية متمثلة في الملازمة بين‏تصور اللفظ وتصور المعنى، ويعبر عن هذه الملازمة في الإصطلاح الحديث‏بالإشراط المخصوص بين اللفظ والمعنى الذي هو مصداق لقانون الاستجابةالذهنية الشرطية، ولا شبهة في أن هذه الملازمة أمر تكويني، وقد مر أنها قدتحصل بعامل كمي تكويني وهو كثرة الاستعمال والقران، وقد تحصل بعمليةانشائية اعتبارية، وهذا مما لا كلام فيه.
وإنما الكلام في أن حقيقة الوضع هل هي متمثلة في الملازمة المذكورة، التي‏هي صغرى لقانون الإستجابة الشرطية وأمر تكويني، أو متمثلة في نفس‏العملية الإنشائية الاعتبارية التي هي فعل الواضع ومنشأ تلك الملازمة؟فعلى‏الأول يكون الوضع أمراً تكوينياً وصغرى لقانون الاستجابة، وعلى الثاني‏يكون أمراً اعتبارياً.
والجواب: الظاهر أنها متمثلة في نفس العملية الاعتبارية، وذلك لأمرين:
أحدهما: أنه فرق بين الوضع التعيّني والوضع التعييني في نقطة، وهي أن‏الوضع التعيّني في الحقيقة ليس بوضع بمعنى فعل الواضع، بل هو متمثل في أنس‏الذهن الحاصل بين اللفظ والمعنى من العامل الكمي التكويني، وهو كثرةالاستعمال والقران بينهما خارجاً، ومن هنا لا مناص من الالتزام بأن حقيقةالوضع التعيني عبارة عن الأنس الذهني التكويني الوجداني، بينما الوضع التعييني‏يمثل فعل الواضع، دون أثره التكويني المترتب عليه، وهو الملازمة بين اللفظوالمعنى التي هي صغرى لقانون الاستجابة.
فإذن ما هو وضع اللفظ للمعنى فليس صغرى لهذا القانون، وما هو صغرى له‏وهو الملازمة بينهما تكويناً فليس بوضع، بل هو أثره المترتب عليه خارجاً،وعليه فلا موجب لأن يراد من الوضع الملازمة التي يعبر عنها في الاصطلاح‏الحديث بالاشراط المخصوص بينهما.
وثانيهما: أن المرتكزات العرفية والعقلائية تشهد بأن الملازمة الموجودة بين‏تصور اللفظ وتصور المعنى، انما هي أثر الوضع وناشئة منه، ويكون الوضع منشأًلها، لا أنها وضع بنفسها، ومن هنا لا خلاف في وجود هذه الملازمة بينهما،والخلاف إنما هو في معنى الوضع وتفسيره، مع الاتفاق على أن أثره تكويناًالمترتب عليه هو تلك الملازمة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مجرد القران بين اللفظ والمعنى خارجاً لا يحقق صغرى‏لقانون الاستجابة، بل يتوقف ذلك على أن يكون القران بينهما مترسخاً ومتركزاًفي الذهن، ومن الواضح أن ذلك بحاجة إلى عناية اُخرى، وهي أن عملية القران‏بينهما خارجاً مسبوقة بعملية جعلية اعتبارية ممن كانت العملية بيده وكان جاداًفيها ومؤكداً عليها ومتعهداً بها، وهي عملية جعل اللفظ الخاص اسماً لمعنى‏كذلك واعتباره له، فإذا كانت عملية القران مسبوقة بها، أصبحت راسخةفي‏الذهن وثابتة فيه، وبذلك يتحقق صغرى قانون الاستجابة الذهنية الشرطيةفي الإصطلاح الحديث.
فالنتيجة: أن قانون الاستجابة الذهنية الشرطية لا ينطبق على الوضع‏التعييني، نعم يكون أثره التكويني - وهو وجود الملازمة وفي الإصطلاح الحديث‏وجود الإشراط الخاص بينهما - مصداقاً لهذا القانون، دون نفس الوضع.
نتائج هذه البحوث أمور:
الأول: أن نظرية التعهد تمتاز عن نظرية الاعتبار في نقطتين:
الاُولى: أن الوضع على ضوء نظرية التعهد أمر تكويني وجداني، بينما الوضع‏على ضوء نظرية الاعتبار أمر اعتباري.
الثانية: أن الدلالة الوضعية على أساس نظرية التعهد دلالة تصديقية لاتصورية، بينما تكون على أساس نظرية الاعتبار تصورية لا تصديقية.
الثاني: إنه فسرت نظرية التعهد بثلاث صيغ مختلفة، وقد علق على هذه‏الصيغ بتمامها، ولكن تقدمت المناقشة في هذه التعليقات جميعاً.
الثالث: إنه لا يمكن الالتزام بهذه النظرية على تفصيل قد مر.
الرابع: إن نظرية كون الوضع قران بين اللفظ والمعنى بنحو أكيد، تمتاز عن‏نظرية الاعتبار في نقطة، وهى أن الوضع على ضوء نظرية القران أمر تكويني،وتمتاز عن نظرية التعهد في نقطة اُخرى، وهي أن الدلالة الوضعية على‏أساس‏هذه النظرية تصورية لا تصديقية، بينما تكون على أساس نظريةالتعهدتصديقية.
تشخيص الواضع ...
الخامس: إن قانون الاستجابة الذهينة الشرطية ينطبق على الوضع التعيّني‏الذي يكون نتيجة العامل الكمي، وهو كثرة الاستعمال وتكراره، ولكنه لا ينطبق‏على الوضع التعيني الذي هو عملية انشائية اعتبارية تصدر من الواضع مباشرة.نعم، ينطبق على أثرها التكويني المترتب عليها، وهو الملازمة بين الإحساس‏باللفظ وانتقال الذهن منه إلى صورة المعنى التي يعبر عنها بالإشراط المخصوص‏بينهما، وهو صغرى قانون الاستجابة - كما مر -.
السادس: الصحيح من النظريات في تفسير الوضع هو نظرية الاعتبار، دون‏نظرية التعهد أو القران، على تفصيل تقدم.

الجهة الثانية: تشخيص الواضع‏
فيه قولان:
أحدهما: القول بإلهية الوضع. وقد اختار هذا القول جماعة منهم المحقق‏النائيني‏قدس سره(13).
وثانيهما: القول ببشرية الوضع، وهذا القول هو المعروف والمشهوربين‏الاُصوليين.
والظاهر أن هذا هو الصحيح والمطابق لما هو الظاهر منذ نشوء ظاهرة اللغةمن عصر الانسان البدائي إلى العصر الحديث الذي تطورت فيه هذه الظاهرة،وتوسعت واستوعبت الدقائق الفنية في أوضاع اللغات.
بيان ذلك: أن الله تعالى قد منّ على الانسان بنعمتين: احداهما نعمة العقل‏والإدراك، والأخرى نعمة البيان، بمقتضى قوله عزّ من قائل: »عَلَّمَهُ البَيَان«(14)هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن الانسان بموجب علائقه بالآخرين في متطلبات حياته‏اليومية بحاجة إلى الوسائل والأسباب التي تنقل المعاني المطلوبة إلى أذهان‏الآخرين الذين يعيش معهم على وجه الكرة الأرضية، وهذا أمر وجداني في‏حياة الانسان حتى قبل نشوء ظاهرة اللغة، فإنه كان يستخدم الإشارات‏والأصوات والصور لنقل المعاني وإفهام الآخرين، إلى أن تطور شيئاً فشيئاًونضج فكرياً وعقلياً وتكاملت مدركاته نسبياً، فلم يكف إستخدام الوسائل‏الطبيعية البدائية لنقل أفكاره إلى‏الآخرين فلذلك توسل إلى استخدام الألفاظالتي هي‏أكثر تطوراً وأوسع شمولاً واستيعاباً، وهاتان الناحيتان مما لا كلام فيهما.
وإنما الكلام والخلاف في نقطة اُخرى، وهي أن عملية وضع الألفاظ واللغات‏بكافة أنواعها للمعاني، هل هي من صنع اللَّه تعالى، بمعنى أنه كان بإلهام منه‏تعالى، أو من صنع البشر؟ فهذه النقطة هي مورد الخلاف.
والصحيح أنها من صنع البشر، والسبب فيه: أن كون عملية الوضع من صنع‏اللَّه تعالى تقوم على أساس نقطة واحدة، وهي عدم تمكن البشر من القيام‏بالعملية بدون إلهام مباشر من اللَّه تعالى، رغم أن العملية من متطلبات حياةالانسان اليومية وحاجياته الضرورية.
ولكن تلك النقطة خاطئة، ولا واقع موضوعي لها، وذلك لما مر من أن‏الانسان بمقتضى النعمة الاُولى، وهي نعمة العقل، يدرك ما يتوقف عليه حياته‏اليومية، وبمقتضى النعمة الثانية، وهي نعمة البيان، يتمكن من ابراز ذلك‏للآخرين باستخدام الوسائل والأسباب التي تنقل ما في نفسه.
وبكلمة، إن الانسان بموجب هاتين النعمتين، يتمكن من ابراز ما في نفسه من‏المطالب والحاجات والأفكار للآخرين باستخدام الوسائل والأسباب التي تنقل‏المعاني، غاية الأمر أن الانسان في العصر البدائي، أي منذ أن وضع قدمه على‏وجه الكرة الأرضية، وقبل أن ينضج فكره وعقله ما كان يدرك إلا الوسائل‏البدائية، كالإشارات وتقليد الأصوات والصور وغيرها من المنبهات الطبيعية،حيث إن متطلبات حياة الانسان في ذلك العصر لم تستدع أكثر من استخدام تلك‏الوسائل البدائية والمنبهات الطبيعية، وأما بعد نضج الانسان فكرياً وتطوره‏اجتماعياً وعقلياً وتوسع متطلبات حياته وعدم كفاية استخدام المنبهات الطبيعيةلسدّ حاجته في نقل الأفكار والمطالب إلى الآخرين، فدعته الحاجة إلى استخدام‏الوسائل الأكثر تطوراً والأوسع شمولاً واستيعاباً، وهي متمثلة في ظاهرةاللغات، على أساس أنها تتطور بتطور المجتمع وتتوسع بتوسعه، لارتباطهاالوثيق به، ومن هنا كلما نضج المجتمع فكرياً وتطور عقلياً وتوسع ثقافياً تطورت‏لغاته وتوسعت كذلك، لأنها جزء المجتمع وحينئذ فمن الواضح أن الانسان هوالذي يقوم بجعل الألفاظ واللغات وسيلة لنقل المعاني وتفهيم الآخرين بمقتضى‏نعمة العقل والإدراك، بدون عناية خاصة من اللَّه تعالى مباشرة وهي الإلهام.
فالنتيجة، أن عملية الوضع من صنع البشر.
أما القول الأول، وهو القول بإلهية الوضع، فقد استدل عليه المحقق‏النائيني‏قدس سره بوجوه:
الأول: إن الوضع عبارة عن إلهام من اللَّه تعالى إلى الانسان في كيفية استخدام‏الألفاظ في نطاق الافادة والاستفادة ونقل المعاني والأفكار إلى الآخرين، وهوبهذا المعنى ليس بأمر تشريعي ولا تكويني، بل هو أمر متوسط بينهما.
أما أنه ليس بأمر تشريعي، فلأن الأمر التشريعي بحاجة إلى إرسال الرسل‏وانزال الكتب، كما هو الحال في الأحكام الشرعية، والفرض أن الوضع إنما يكون‏بإلهام منه تعالى للناس مباشرة، بدون واسطة نبي أو وصي.
وأما أنه ليس بأمر تكويني فلأنه ليس مما يدركه الانسان مباشرة حسب‏فطرته الأولية، كادراكه حدوث العطش و الجوع أو الألم أو ماشاكل ذلك بلاحاجة إلى واسطة، بينما لا يكون الإلهام من مدركات الانسان مباشرة.
والجواب: إنه‏قدس سره لم يبرهن في هذا الوجه أن الوضع هو إلهام من اللَّه تعالى،وإنما برهن فيه أن الإلهام أمر متوسط بين التشريع والتكوين، فلا يكون من‏الأول ولا من الثاني هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، انه‏قدس سره إن أراد من الإلهام إدراك الانسان بموجب نعمةالعقل كيفية استخدام الألفاظ في مجال نقل المعاني وتفهيم الآخرين، وابراز ما في‏ذهنه وقلبه في كل قرن وجيل، فيرده أولاً: إن الإدراك أمر تكويني وجداني، لاأنه أمر متوسط بينه وبين التشريع. وثانياً: إن الإدراك من مقولة العلم في أفق‏النفس، فلا يمكن أن يكون معنى الوضع. وثالثاً: إن الإدراك إنما هو على أساس‏نعمة العقل، لا نعمة الوحي.
وإن أرادقدس سره منه نعمة العقل، على أساس أن الانسان بسبب هذه النعمةيتمكن من استخدام الألفاظ في نطاق الاستفادة والتعبير عما في نفسه واسلوب‏استخدامها لنقل المعاني بما يتناسب مع كل لفظ، فيرده أولاً: إن مراده من الإلهام‏ليس نعمة العقل على أساس مانص عليه بقوله: إنه ليس بأمر تشريعي ولاتكويني، والفرض أن العقل أمر تكويني. وثانياً: أنه لا يمكن أن يراد من الوضع‏نعمة العقل، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن عدم كون الوضع أمراً تشريعياً ولا تكوينياً وجداناًلايستلزم كونه إلهاماً، بل هو أمر اعتباري عقلائي، على تفصيل قد مر.
الثاني: أن الوضع لو كان من صنع البشر لنقل في التاريخ، باعتبار أنه حدث‏هام وفيه خدمة كبيرة للبشرية، وكان نقله يصبح من الواضحات، لما مر من أن‏ظاهرة اللغة في كل مجتمع من أهم مظاهر حياته، وأنها العنصر الأساسي في‏تكوين المجتمع وتكامله، ولا يمكن افتراض خلو مجتمع عن ظاهرة اللغة، وإلالانهار، وفي مثل ذلك لو قام شخص بعملية الوضع لقام بأكبر خدمة في تاريخ‏البشرية، ومن الواضح أن ذكره يبقى مخلداً في التاريخ والأذهان، مع أنه لاعين‏منه ولا أثر، وهذا دليل على أن الوضع ليس من صنع البشر، بل هو بإلهام‏من‏اللَّه تعالى.
والجواب: أن هذا الوجه مبني على أن يكون الواضع لكل لغة فرداً معيناً أوجماعة خاصة، ولكن الأمر ليس كذلك، فإن القائم بعملية الوضع لكل لغة من‏اللغات جيل من خبراء تلك اللغة في كل عصر حسب متطلبات ذلك العصر،باعتبار أن اللغة تتطور وتتوسع بتطور متطلبات حياة الانسان بمختلف جوانبهاوتوسعها، فمن أجل ذلك اشترك في كل عصر جيل من خبراء اللغة بعمليةالوضع بقدر حاجة ذلك العصر، وحيث إن عملية الوضع كانت عملية جماعية،وليست من صنع إنسان معين، فلذلك لم يسجل في التاريخ.
والخلاصة: أن عملية الوضع عملية تدريجية، فكلما توسعت الحاجةوتطورت، تطلبت مزيداً من العملية بقدر اشباعها، وليست العملية من صنع‏فرد واحد أو جماعة معينة ليكتب في التاريخ، وعليه فعدم نقل التاريخ واضع‏الألفاظ واهماله لا يكون دليلاً على أن الوضع ليس من صنع البشر.
الثالث: أن الوضع لولم يكن إلهياً لم يتمكن جماعة من البشر من إيجاد ألفاظبقدر ما هو المتداول بين أهل كل لغة لكي يستطيعوا من وضع تلك الألفاظ بإزاءمعانيها، على أساس كثرة الألفاظ، فما ظنك بفرد واحد.
هذا إضافة إلى أن المعاني غير متناهية، فلا يتمكن المتناهي من تصور المعاني‏غير المتناهية، مع أن وضع الألفاظ بإزائها يقتضي تصورها.
والجواب: إن توسعة الألفاظ تتبع توسعة متطلبات حاجة الانسان، وحيث‏إنها كانت في العصور الاُولى قليلة وبسيطة فلا يحتاج إلا إلى ألفاظ قليلةلابرازها للآخرين، وكلما توسعت متطلبات الحياة، توسعت الألفاظ تباعاً،وحيث إن ذلك كان تدريجياً، فمن الواضح أن خبراء اللغة في كل عصر كانواقادرين على التوسعة واحداث الألفاظ بقدر ما تتطلب الحاجة إليه.
ومن هنا يظهر أن هذا الوجه مبني على كون حاجة الانسان في العصورالاُولى‏إلى الألفاظ بقدر ما يحتاج إليه في العصر الحديث، وهذا خلاف‏الضرورةوالوجدان.
وبكلمة، إن الانسان منذ نشوئه على وجه الكرة يقوم باستخدام الوسائل‏والأساليب الطبيعية لابراز ما في نفسه من المعاني للآخرين، كالإشارات وتقليدالأصوات وإرادة الرسوم وغير ذلك، وحيث إن الانسان بمرور الزمان في نضج‏فكرياً وعقلياً وتطور إجتماعياً فبطبيعة الحال تزيد متطلبات حياته من مختلف‏الجوانب بما لا يكفي استخدام الوسائل والأساليب الأولية لابرازها، فلهذا تدعوالحاجة إلى اختيار الوسائل والأساليب الأخرى التي هي أكثر تطوراً وأوسع‏شمولاً، وتلك الوسائل متمثلة في الألفاظ فحسب، وحيث إنها تتوسع من مختلف‏الجوانب تباعاً لنضج الانسان فكرياً وعقلياً وتطوره اجتماعياً عصراً بعد عصرفبطبيعة الحال تتطلب مزيداً من الألفاظ، وبما أن ذلك كان تدريجياً، فقد مرّأن‏خبراء اللغة في كل عصر قادرون على إحداث ألفاظ جديدة بقدر حاجةذلك العصر.
فالنتيجة أنه لا أساس لهذا الوجه، ولا مانع من الالتزام بأن عملية الوضع من‏صنع البشر، لا بإلهام منه تعالى.
وأما ما ذكر من المبعدات للقول ببشرية الوضع تارة: بأن الانسان ما قبل‏اللغة البدائي كيف قدر على الإلتفات إلى امكانية الاستفادة من الألفاظ ووضعهابإزاء المعاني لولا الإلهام من اللَّه تعالى والتدخل منه بهذا الشأن.
واُخرى: بأن ظاهرة اللغة على ضوء النظريات المعروفة في تفسيرالوضع،تتطلب درجة بالغة من النضج الفكري والتطور الإجتماعي حتى تؤهل‏الانسان البدائي لفهم معاني التعهد والجعل والاعتبار.
وثالثة: بأن الانسان البدائي كيف قدر على التفاهم مع الآخرين والإتفاق‏على الأفكار ونقلها؟
ورابعة: إنه كيف نفسر اتفاق مجموعة من الناس على لغة معينة؟ وهل كان‏انقداح ذلك في أذهانهم من باب الصدفة، أو كان بإلهام من اللَّه تعالى؟
فلا يمكن المساعدة عليه. إذ مصافاً إلى أنها مجرد استبعاد بشأن القول ببشريةالوضع، ولا تتضمن برهاناً على بطلانه، إنه يمكن التغلب على الجميع، بتقريب‏أن اللَّه تعالى بما أنه قد خصّ البشر بنعمة العقل والبيان، فهو وإن كان منذ ظهوره‏على وجه هذه الكرة غير ملتفت إلى الاستفادة من الألفاظ واستخدامها في مجال‏التفهيم، على أساس استغنائه عنها بالبديل منها، وهو الوسائل الطبيعية،كالإشارات وإراءة الصور والرسوم وتقليد الأصوات، وغير ذلك من المنبهات‏الطبيعية، ولكنه بعد نضجة فكرياً وعقلياً وتطوره اجتماعياً وتوسع متطلبات‏حياته وظروفها الإجتماعية تدريجاً من مختلف الجوانب، يدرك قصور تلك‏الأساليب والمنبهات الطبيعية وعدم كفايتها لابراز ما في نفسه من المعاني، وفي‏هذه الحالة يضطر إلى الإستعانة بطرق وأساليب اُخرى أكثر تطوراً وأوسع‏استيعاباً وشمولاً، وهي منحصرة بالألفاظ، ولا بديل آخر لها، وعليه فلايحتاج‏الانسان في مجال الاستفادة من الألفاظ إلى الالهام من اللَّه تعالى بذلك مباشرة.
وإن شئت قلت: إن متطلبات حياة الانسان وظروفه من مختلف الجوانب‏تجبره على استخدام عقله لاختيار الأساليب الأكثر تطوراً والأوسع استيعاباًوشمولاً بدلاً عن الالهام، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن إدراك الانسان البدائي الوضع بمعناه الاجمالي البسيطالساذج، وهو جعل الشي علامة لابراز ما في ذهنه من المعنى غير قابل للإنكار.نعم إنه لا يفهم الوضع بمعناه التحليلي، ولكن من الواضح أن استخدام الألفاظ في‏مجال الافادة والاستفادة لا يتوقف على فهم معنى الوضع تحليلاً، ومن هنا يظهرأن الانسان إذا عرف كيفية استخدام الألفاظ لابراز مقاصده للآخرين فقد عرف‏طريق التفاهم معهم، كما أنه يظهر أن الانسان بما أنه مدني بالطبع، ولا يمكن أن‏يعيش كل فرد وحده فيمكن تفسير اتفاق مجموعة من الناس على لغة واحدةبأنهم يعيشون في مكان واحد.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الصحيح كون الوضع من صنع‏البشر، لا بإلهام منه تعالى.
وإن شئت قلت: إن فرضية كون عملية الوضع إلهية لا بشرية بطولهاوعرضها العريض أي منذ نشوء ظاهرة اللغة إلى أن تطورت واتسعت حتى‏اصبحت بالشكل المنسّق المتكامل كما في العصر الحاضر فرضية تشبه بالخيال،ولا واقع موضوعي لها يقيناً وجزماً.
وأما فرضية كون العملية إلهية في أول نشوء ظاهرة اللغة في حياة الانسان‏وأنها كانت بتدخل من اللَّه تعالى على أساس أنه ليس بإمكان الانسان البدائي أن‏يدرك طريقة استخدام الألفاظ في مجال الاستفادة وكيفية نقل الأفكار بها إلى‏الآخرين مالم تكن هناك عناية خاصة من اللَّه تعالى وهي الإلهام بها، فيكون‏إلهامه بها في العصر البدائي فاتحاً الطريق أمام الانسان في المستقبل، ليتعلم كيفيةاستخدامها، وطرق الاستفادة منها فيه، فأيضاً لا يمكن الأخذ بها، لأن هذه‏الفرضية مبنية على أن عملية الوضع عملية معقدة، وليس بإمكان الانسان‏البدائي القيام بهذه العملية طالما لم ينضج فكرياً وعقلياً ولم يتطور اجتماعياً. ولكن‏قد مر أن عملية الوضع عملية ساذجة، وبإمكان الانسان البدائي القيام بها. نعم‏ليس بإمكانه تحليل هذه العملية وأنها تكوينية أو اعتبارية. ولكن ذلك لا يمنع‏من قدرته على القيام بعملية الوضع بمفهومه العرفي اللغوي، واستخدام الألفاظعلى أساس ذلك في مجال نقل أفكاره وخواطره إلى الآخرين.
تحصل مما ذكرنا أمور:
الأول: أن الصحيح هو كون عملية الوضع من صنع البشر منذ نشوء ظاهرةاللغة في حياة الانسان، بدون تدخل وعناية من اللَّه تعالى مباشرة بالالهام، لأن‏نعمة العقل والبيان التي خص اللَّه تعالى البشر بها تكفي في تمكنه من القيام بها.
الثاني: أن القول بأن عملية الوضع من صنع اللَّه تعالى لا يمكن المساعدةعليه، وما استدل على هذا القول من الوجوه فقد مر أنها جميعاً لا تتم، ولا يدل‏شي منها على أن الوضع إلهي.
الثالث: أن عملية الوضع كما أنها ليست بإلهية في تمام الأجيال والعصور،كذلك ليست بإلهية في الجيل الأول البدائي.
أقسام الوضع ...

الجهة الثالثة: أقسام الوضع‏
الوضع حيث إنه يمثل علقة بين طبيعي اللفظ والمعنى، فيتوقف تحققه على‏تصور اللفظ الموضوع وتصور المعنى الموضوع له معاً، وحينئذ فيقع الكلام فيه‏تارةً في مقام الثبوت والامكان، واُخرى في مقام الاثبات والوقوع.
أما الكلام في المقام الأول: فيقسم الوضع إلى أربعة أقسام:
1 - الوضع العام والموضوع له العام.
2 - الوضع الخاص والموضوع له الخاص.
3 - الوضع العام والموضوع له الخاص.
4 - الوضع الخاص والموضوع له العام.
أما القسم الأول والثاني فلا شبهة في إمكانهما، بل وقوعهما خارجاً. والأول‏يمثل وضع اسماء الأجناس، والثاني وضع أعلام الأشخاص.
وانما الشبهة والكلام في إمكان القسم الثالث والرابع.
أما القسم الثالث فقد ذكر في وجه امكانه، أن المفهوم العام الكلي الذي‏يتصوره الواضع في مقام الوضع باعتبار انطباقه على أفراده في الخارج وأنه عين‏تلك الأفراد فيه يصلح أن يكون عنواناً لها ومشيراً إليها، بحيث يكون تصوره‏تصوراً لها بعنوانهاووجهها، ومن الواضح أنه يكفي في وضع اللفظ بإزاء المعنى‏تصوره بعنوانه، ولا يتوقف على تصوره بحده التام أو برسمه كذلك، بل يكفي‏تصوره بعنوان من عناوينه وإن لم يكن حداً له ولا رسماً.
وبكلمة، إن الواضع في مقام إصدار الوضع للأفراد والحاكم في مقام إصدارالحكم عليها لا يحتاج إلى إحضارها في أنفسها في الذهن، بل يكفي إحضارهاباحضار مفهوم عام جامع بينها، على أساس أنه إحضار لها بعنوانها، وهو يكفي‏في عملية وضع اللفظ بإزاء أفراده.
وقد نوقش في هذا التقريب بما يلي: وهو أن الموضوع له اللفظ حيث إنه‏المفهوم لا الفرد الخارجي، على أساس أن العلقة الوضعية إنما هي قائمة بين‏طبيعي اللفظ والمفهوم، لا بينه وبين الواقع الخارجي، فبطبيعة الحال يتوقف‏وضع اللفظ بإزاء الخاص على تصوره، ولا يمكن تصوره بتصور المفهوم العام،لأن المفهوم العام مباين لمفهوم الخاص في عالم الذهن، فلا يعقل أن يكون عنواناًله لكي يكون تصوره تصوراً له بعنوانه، فإن إحضار مفهوم الانسان مثلاً في‏الذهن إحضار لنفسه، لا إحضار لمفهوم زيد ومفهوم عمرو وهكذا، لا بنفسه ولابعنوانه، باعتبار أنه مباين له، فلا يعقل أن يكون عنواناً فانياً فيه، كما أن مفهوم‏زيد مباين لمفهوم عمرو(15).
وبكلمة، إن المفاهيم الذهنية موجودات في عالم الذهن ومتباينات في أنفسهافيه، فلا يعقل صدق بعضها على بعضها الآخر، كما لا يعقل أن يكون عنواناً فانياًفيه، هذا بلا فرق بين المفاهيم الكلية والجزئية، لأن إتصاف المفاهيم بالكلية انماهو بقطع النظر عن وجودها في الذهن، وأما بلحاظ وجودها فيه فهي جزئية،لأن الوجود مساوق للتشخص، بدون فرق بين الوجود الذهني والوجودالخارجي، كما أن كل وجود يأبى عن وجود آخر، بلا فرق بين أن يكونا في‏الذهن أو الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المراد من الوجود الذهني تصور المفهوم فيه ولحاظه.
فالنتيجة: على ضوء هاتين الناحيتين هي أن تصور مفهوم الانسان وجوده في‏الذهن، وهو مباين لتصور مفهوم زيد فيه، فلا يعقل أن يكون عنواناً له، لأن كل‏مفهوم في عالم الذهن عنوان لنفسه، فلا يمكن أن يكون عنواناً لنفسه ولغيره معاً،وعلى هذا الأساس فإذا قام الواضع بتصور مفهوم عام كمفهوم الانسان، فحينئذإن وضع لفظ الانسان بإزاء نفس المفهوم فهذا خلف، لأنه من الوضع العام‏والموضوع له العام. وإن وضع بإزائه فانياً في أفراده في الخارج فناء العنوان في‏المعنون، فيرد عليه أنه إن أريد من الأفراد أفراده الخارجية، فقد مر أن الموضوع‏له لابد أن يكون مفهوماً، ولا يعقل أن يكون موجوداً خارجياً. وإن أريد منهاالمفاهيم الجزئية فقد عرفت أنه مباين له، فلا يكون عنواناً لها، ومن هنا لا يمكن‏أن يلحظ المفهوم العام فانياً في المفاهيم الجزئية، لأن المفهوم العام بلحاظ وجوده‏في الذهن مباين للمفهوم الخاص فيه، فلا يتصور أن يكون فانياً فيه.
والخلاصة أن الموجودات الذهنية كالموجودات الخارجية، فكما أن‏الموجودات الخارجية متباينات، فلايعقل صدق بعضها على بعضها الآخر، على‏أساس أن كل وجود يأتي عن وجود آخر، ولايعقل أن يكون عنواناً فانياً فيه،فكذلك الموجودات الذهنية.
هذا غاية ما يمكن أن يقال في وجه عدم إمكان الوضع العام والموضوع‏له‏الخاص.
ولكن هذا الوجه لا يتم إلا في المفاهيم الكلية الأصلية، التي هي منتزعة من‏الجهة المشتركة ذاتاً بين الأفراد بحيث لو الغيت خصوصيات الأفراد جميعاً لم يبق‏إلا تلك الجهة المشتركة، لأن تصور هذه المفاهيم لا يكون تصوراً للمفاهيم‏الجزئية الخاصة، لتباينها معها كما مرّ، بل هو تصور للجهة المشتركة.
وأما المفاهيم العرضية الكلية التي هي عنوان لنفس المفاهيم الجزئية ومنتزعةمنها، كمفهوم الفرد أو المصداق أو الجزئي فهو لا يتم، إذ بإمكان الواضع إذا أرادالوضع العام والموضوع له الخاص أن يتوسل إلى تصور المفهوم العرضي العام‏ووضع اللفظ بإزاء أفراده على أساس أنه عنوان لها بنفسه. مثلاً إذا أراد الواضع‏وضع لفظ الانسان بإزاء أفراده بالوضع العام و الموضوع له الخاص فله ان‏يتصور مفهوم الفرد من الانسان، فيضع لفظ الانسان بإزاء أفراده، باعتبار أن‏مفهوم الفرد يكون حاكياً عنها بتمام خصوصياتها، فتصوره حينئذ يكون تصوراًلها بعنوانها بدون عناية زائدة.
فالنتيجة: أن كل مفهوم كلي منتزع من الحيثية المشتركة بين أفراده، فلا يعقل‏أن يكون حاكياً عن الأفراد في الذهن، لأنه مباين لها فيه، وإنما يكون حاكياً عن‏الحيثية المشتركة بينها فحسب، وفي مثله لا يمكن الوضع العام والموضوع له‏الخاص. وكل مفهوم كلي عرضي منتزع من نفس مفاهيم الأفراد بما لها من‏الخصوصيات كمفهوم الفرد، فإنه يحكي عنها بكامل خصوصياتها تطبيقاً لقاعدةحكاية العنوان الانتزاعي عن منشأ انتزاعه بالكامل، مثلاً مفهوم الفرد من‏الانسان منتزغ من المفاهيم الجزئية لزيد وعمرو وخالد وهكذا بلحاظ الحيثيةالمشتركة المحفوظة في ضمن مفاهيم الأفراد بتمام خصوصياتها.
ومن هنا تمتاز هذه الحيثية المشتركة العرضية عن الحيثية المشتركة الذاتية بين‏الأفراد في نقطتين:
الاُولى: أن الحيثية المشتركة العرضية قائمة بالأفراد بما هي افراد، قياماًعرضياً على نحو تكون قائمة بهذا الفرد بخصوصه وذاك الفرد بخصوصه وهكذا،ولهذا تحكي عنها بكامل خصوصياتها، بينما الحيثية المشتركة الذاتية ثابتةفي‏أفرادها ضمناً، ولهذا لا تحكي إلا عن الجامع بين الأفراد الذي هو بمنزلةالجزء عن الكل.
الثانية: أن الحيثية المشتركة العرضية متقومة بالأفراد بخصوصياتها، ومع‏إلغائها ملغية وغير باقية، بينما الحيثية المشتركة الذاتية غير متقومة بالأفرادبخصوصياتها، بل هي ثابتة في الواقع بثبوت ماهوي بقطع النظر عنها، ولهذا لاتكون ملغية بالغاء خصوصياتها جميعاً.
ودعوى أن انتزاع مفهوم واحد عن الأفراد المتباينة، لا يمكن بدون اشتراك‏تلك الأفراد في جامع مشترك مصحح للإنتزاع، وعلى هذا فلا يمكن أن يكون‏المفهوم الواحد حاكياً عن الأفراد بخصوصياتها، بل يكون حاكياً عن جامع‏مشترك بينها الذي هو منشأ انتزاعه، وحينئذ فليس بإمكان الواضع استخدام‏هذا المفهوم للوضع بإزاء الأفراد.
مدفوعة: بأن الجامع بين الأفراد الذي هو منشأ الإنتزاع، إن كان ثابتاً بينهابالذات، أي مع تجريدها عن الخصوصيات والغائها كمفهوم الانسان ونحوه، فلايمكن أن يكون حاكياً عن الأفراد بخصوصياتها، ولا يعقل فيه الوضع العام‏والموضوع له الخاص، وإن لم يكن ثابتاً بينها كذلك بل يكون قائماً بالأفرادبخصوصياتها قياماً عرضياً كمفهوم الفرد فيكون حاكياً عنها ومنطبقاً عليها بما لهامن الخصوصيات مباشرة، فإن الفرد عنوان لمفهوم زيد بخصوصه ولمفهوم عمروكذلك وهكذا، وحينئذ فيكون تصوره تصوراً لها بخصوصياتها إجمالاً،وعلى‏هذا فبإمكان الواضع استخدام هذاالمفهوم العرضي للوضع‏العام والموضوع‏له الخاص.
وقد يعترض على ذلك بأن قيام الجامع المشترك بكل فرد بحده الفردي غيرمعقول، لأن الأفراد متباينات في أنفسها، فلا يقعل تأثيرها في الواحد بالنوع،وإلا لزم صدور الواحد بالنوع من الأفراد المتباينات بالذات(16).
والجواب: أن قيام ذلك الجامع بهذا الفرد بخصوصه وبذاك الفرد كذلك‏وهكذا ليس قياماً ذاتياً حتى يكشف عن حيثية مشتركة بينها كذلك، وهي التي‏تبقى بعد تجريدها عن جميع الخصوصيات، بل قيام عرضي، وليس من سنخ قيام‏الأثر بالمؤثر، فلا مجال لتطبيق القاعدة.
وإن شئت قلت: إن عنوان الفرد أو الجزئي أو المصداق عنوان عرضي قائم‏بكل فرد بكامل خصوصيته ومنطبق عليه كذلك ومنتزع من نفس مفهوم الفرد،فمن أجل ذلك يكون تصوره تصوراً للأفراد بكامل خصوصياتهابعنوانهاالاجمالي، وعلى هذا فبامكان الواضع أن يقوم بالوضع العام والموضوع‏له الخاص من طريق استخدام العنوان العرضي، كعنوان الفرد أو الجزئي أوالمصداق، وجعله مرآة للأفراد كافراد الانسان ثم وضع اللفظ لها.
فالنتيجة: أنه لا مانع من قيام عنوان عرضي مشترك واحد بأفراد كثيرة بماهي كثيرة ومتباينة، ولا يكشف إلا عن اشتراكها في هذا العنوان العرضي.
ثم إن للمحقق العراقي‏قدس سره في المقام كلاماً، وحاصله أنه يمكن تصوير حكايةالجامع عن الفرد بتمام خصوصيته، بحيث يكون تصوره تصوراً للفرد بعنوانه عن‏طريق اختراع الذهن الجامع الحاكي عن الفرد، ولا يمكن ذلك عن طريق‏التجريد وإلغاء الخصوصيات(17). هذا،
ولا يبعد أن يكون مراده‏قدس سره من الجامع المخترع للذهن هو الجامع العرضي،على أساس أنه لا وجود له إلا في الذهن ويقوم بانتزاعه، إذ من المستبعدأن‏يكون مراده الجامع الذي أنشأه وأخترعه الذهن بحتاً بدون أن يكون‏له‏منشأ انتزاع.
تحصل مما ذكرناه أن الوضع العام والموضوع له الخاص أمر ممكن ثبوتاً.
وأما القسم الرابع، وهو الوضع الخاص والموضوع له العام، فقد تبين مماتقدم‏أنه غير ممكن، إذ لا يعقل أن يكون المفهوم الخاص عنواناً للمفهوم العام‏وحاكياً له بوجه.
وأمّا الكلام في المقام الثاني: وهو مقام الإثبات والوقوع، فلا شبهة في‏وقوع القسم الأول، وهو الوضع العام والموضوع له العام، والقسم الثاني، وهوالوضع الخاص والموضوع له الخاص، وإنما الكلام في القسم الثالث، وهو الوضع‏العام والموضوع له الخاص، وهل هو واقع في الخارج؟ فيه قولان:
فذهب جماعة من الأصحاب إلى القول الأول، وأن وضع الحروف ومايشبهها من هذا القبيل، وخالف فيه جماعة، فذهبوا إلى أن الموضوع له فيها عام‏كالوضع، فتدخل في القسم الأول، وسيأتي شرح ذلك موسعاً في ضمن البحوث‏القادمة بعونه تعالى.
الوضع التعييني والتعيّني ...



الوضع التعييني والتعيّني‏
أما الوضع التعييني فيراد به أحد التفسيرات المتقدمة، وهي:
1 - التعهد والالتزام النفساني.
2 - القران بين صورة اللفظ والمعنى بشكل أكيد وبليغ في الذهن بعامل كيفي.
3 - عملية الجعل والاعتبار المؤكدة.
وقد تقدم تفصيل جميع ذلك.
وأما الوضع التعيّني: فيراد به ما يحصل العلقة الوضعية بالعامل الكمي، وهوكثرة الاستعمال، فإنها تؤدي إلى ثبوت علاقة التلازم التصورية بين صورةاللفظوالمعنى، وبها تحقق صغرى قانون الاستجابة الذهنية الشرطية، وهي‏أنه‏كلماسمع اللفظ ينتقل الذهن منه إلى معناه، وإن كان صادراً من لافظبغيرشعورواختيار.
فالنتيجة: أن الوضع التعييني يمثل فعل الواضع على الاختلاف في صيغةتفسيره كما مرّ، والوضع التعيّني يمثل العلاقة بين صورة اللفظ والمعنى في الذهن‏المعلولة للعامل الكمي، وهو تكرار الاستعمال وكثرته.
وقد يناقش في تحقق الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال، بتقريب أن استعمال‏اللفظ في معنى قبل تحقق الوضع بينهما وصيرورته حقيقة فيه لما كان مجازاً فلامحالة يتوقف صحته على وجود قرينة، ومن الواضح أن كثرة الاستعمال مع‏القرينة مهما بلغت فلا تؤدي إلى ثبوت علاقة التلازم بين صورة اللفظ المجرد عن‏القرينة والمعنى في الذهن، لأن الاُنس الحاصل بينهما إنما هو حاصل بين اللفظمقترناً بالقرينة والمعنى، لا بين ذات اللفظ والمعنى، وعلى هذا فلا ينتقل الذهن‏إلى المعنى عند الإحساس بذات اللفظ، لعدم العلاقة الاُنسية بينهما، وإنما ينتقل‏الذهن إليه عند الاحساس به مقترناً بالقرينة، فإذن يكون المنبه الشرطي اللفظالمقترن بالقرينة، لا ذات اللفظ(18).
والجواب: أن هذا الاستعمال يرتكز على عنصرين: أحدهما اللفظ والآخرالقرينة والأول عنصر ثابت فيه ولا يختلف باختلاف الموارد. والثاني غير ثابت‏ويختلف باختلاف الموارد، فإنه قد يكون حالياً وقد يكون مقامياً وقد يكون‏لفظياً، وهو يختلف باختلاف صياغة الكلام.
فبالنتيجة إن القرينة ليست عنصراً ثابتاً ومحفوظاً في هذا الاستعمال في تمام‏موارده، بينما اللفظ يكون عنصراً ثابتاً ومحفوظاً فيه في كل موارده بلا استثناء.
وإن شئت قلت: إن عنوان القرينة عنوان انتزاعي، فلا واقع موضوعي له في‏الخارج، وأما مصداقها فهو يختلف من مورد إلى مورد آخر، فإنها قد تكون‏حالية، وقد تكون مقامية، وقد تكون ارتكازية، وقد تكون لفظية، وهي تختلف‏باختلاف الموارد وصياغة الكلام.
وأما اللفظ فهو شي ثابت ومحفوظ بحدّه في تمام هذه الموارد، وعلى هذا فإذاتكرر استعمال اللفظ في معنى مقترناً بالقرينة، فقد تكون القرينة في مورد حالية،وفي مورد آخر ارتكازية، وفي ثالث لفظية، واللفظية تارة تكون بصيغة وتارةبصيغة اُخرى. وأما عنصر اللفظ فهو العنصر الثابت والمحفوظ في جميع هذه‏الموارد، وعندئذٍ فبموجب قانون الاستجابة الشرطية الذهنية ينمو الارتباطوالإشراط الذهني المخصوص بين ذات اللفظ والمعنى تدريجاً، على أساس‏تدريجية الاُنس الذهني الحاصل بينهما من الاستعمال كذلك إلى أن يحقق صغرى‏هذا القانون، ولا يمكن حصول هذا الارتباط والإشراط الذهني بين اللفظالمقترن بالقرينة والمعنى، لما مر من أن القرينة تختلف من مورد إلى مورد آخر،وحينئذ فافتراض حصول العلقة والارتباط بينه مقترناً بكل واحدة من هذه‏القرائن المختلفة وبين المعنى خلف الفرض، إذ المفروض أن استعمال اللفظ مقترناًمع كل واحدة منها لم يبلغ من الكثرة بدرجة تؤدي إلى حصول هذه العلاقةوالارتباط الذهني بينه مع كل منها وبين المعنى مستقلاً. كما أن افتراض حصول‏العلقة بينه مقترناً مع واحدة منها معينة دون الاُخرى وبين المعنى مضافاً إلى أنه‏ترجيح من غير مرجح خلف، والمجموع ليس قرينة مستقلة، لأنه عنوان‏انتزاعي لا واقع له.
والخلاصة أن اللفظ بما أنه عنصر ثابت ومحفوظ في جميع مواردالاستعمالات، فلا يغيب عن الذهن في شي من الموارد المذكورة، بينما القرينةالموجودة في مورد تغيب عن الذهن في مورد آخر، وهكذا. فلهذا يحصل الاُنس‏الذهني بين ذات اللفظ والمعنى، فإذا حصل هذا الاُنس حصل الارتباطوالاشراط بينهما في الذهن، وبذلك يتحقق الوضع، وهو صغرى قانون‏الاستجابة الذهنية الشرطية. نعم لو كانت القرينة واحدة محددة في جميع موارداستعمال هذا اللفظ، لم تحصل العلاقة والارتباط الذهني بين ذات اللفظ والمعنى،لعدم تحقق الاُنس بينهما، وإنما حصل بينه مقترناً بالقرينة الخاصة المحددةوالمعنى، وإن فرض بلوغ الاستعمال من الكثرة ما بلغ. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد يقال كما قيل: إن الوضع التعيّني لا يتصور على مسلك‏الاعتبار، على أساس أن الاعتبار فعل قصدي صدر من الواضع مباشرة، ولايمكن تحققه بالاستعمال، لأنه إن أريد بتحققه به ترتبه عليه ترتب الأثر على‏المؤثر والمعلول على العلة فهو غير معقول، لأن الاعتبار فعل قصدي مباشري،فلا يمكن أن يكون تسبيبياً ومترتباً على السبب قهراً.
وإن أريد بذلك أن كثرة الاستعمال مبرزة للإعتبار والجعل فيرد عليه:
أولاً: أن كثرة الاستعمال ليست فعلاً لشخص واحد، بل هي قائمة بأشخاص‏كثيرين.
وثانياً: على تقدير تسليم أنها قائمة بشخص واحد، إلاّ أنه لم يقصد بها إبرازالاعتبار والجعل في نفسه، بل كان يقصد الاستعمال فيه(19).
والجواب: أن هذا الإشكال مبني على أن الوضع التعيّني من سنخ الوضع‏التعييني، فإن كان الوضع التعييني أمراً اعتبارياً كان الوضع التعيّني أيضاً كذلك.
ولكن هذا البناء غير صحيح، إذ على مسلك الاعتبار، الوضع التعيّني‏الحاصل من كثرة الاستعمال إنما هو نتيجة الوضع لا نفسه، وهي العلقة الحاصلةبين صورة اللفظ والمعنى في الذهن. لا أنه وضع بمعنى الاعتبار والجعل.
وأما على مسلك التعهد فهو يتحقق بكثرة استعمال اللفظ في المعنى، لأنها تدل‏على تعهد المستعمل والتزامه بأنه كلما نطق به أراد تفهيمه.
هل يتحقق الوضع التعييني بالاستعمال؟ ...



هل يتحقق الوضع التعييني بالاستعمال ؟
يراد من الوضع بالاستعمال إنشاؤه وإيجاده به، وهل يمكن ذلك؟ فيه خلاف.والأظهر أنه يختلف باختلاف المباني والنظريات في مسألة الوضع.
أما على أساس نظرية الاعتبار، فلا يمكن إيجاده بالاستعمال، وذلك لأن‏حقيقة الوضع على القول بالاعتبار حقيقة اعتبارية محضة، وليست بانشائيةيتسبب إلى انشائها في الخارج باللفظ أو نحوه، كما هو الحال في المعاملات‏العقلائية والشرعية التي يتسبب بها إلى انشاء مسبباتها، بل هو أمر اعتباري‏صرف ويوجد بنفس اعتبار المعتبر مباشرة، ولا صلة للفظ به أو نحوه ماعداكونه مبرزاً له.
أو فقل: إن العلقة الوضعية على ضوء هذه النظرية أمر اعتباري قائم بنفس‏المعتبر بالمباشرة، ولا واقع له ماعدا اعتبار المعتبر إياه في عالم الاعتبار والذهن،فإن الواضع في مقام عملية الوضع قد اعتبرها بين اللفظ والمعنى مباشرة، ولايعقل التسبيب فيها، غاية الأمر أنه بعد اعتبار العلقة بينهما في عالم الاعتباروالذهن يبرزها في الخارج بالقران الوضعي بينه وبين المعنى بشكل أكيد مترسخ‏في الذهن، و لا فرق في عدم امكان تحقق الوضع بالاستعمال، على أساس نظريةالاعتبار بين الأقوال فيها.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى، كما هوظاهر المحقق الخراساني‏قدس سره(20) فإن أريد بالاختصاص العلاقة والارتباطالتكويني بين اللفظ والمعنى في الذهن، وحينئذ فإن كان منشؤه الاعتبار فقد مرأنه لا يتوقف على الاستعمال، وإن كان منشؤه التخصيص والتعيين الخارجي فلامانع من تحققه بالاستعمال، لأن حقيقة الاستعمال هي تخصيص اللفظ بالمعنى،وتعيينه له للدلالة عليه. أو فقل: إن الاستعمال هو اقتران اللفظ بالمعنى بغرض‏الدلالة عليه، ولا مانع من حصول الوضع بمعنى الاختصاص والارتباط بين‏صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن بالاستعمال، بل باستعمال واحد إذا كانت‏هناك ملابسات اُخرى، على أساس ما مر من أن منشأ الوضع بهذا المعنى قديكون عاملاً كمياً، وقد يكون عاملاً كيفياً.
ولا فرق في ذلك بين الاستعمال الحقيقي والاستعمال المجازي، وإنما الفرق بينهمافي نقطة اُخرى، وهي أن دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي مستندة إلى الوضع،وعلى المعنى المجازي مستندة إلى المناسبة مع القرينة، ولكن صفة الدلالة في كلاالموردين للفظ، إذ كما أن الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه كذلك‏القرينة، فإنها تؤهل اللفظ للدلالة على المعنى المجازي بنفسه، فالقرينة كالوضع‏جهة تعليلية لا تقييدية. ونتيجة ذلك أن سبب الدلالة أمران: أحدهما الوضع،والآخر القرينة.
وإن أريد به تخصيص اللفظ بالمعنى واقترانه به خارجاً بغرض حصول‏العلاقة والارتباط بينهما في الذهن، وأن هذا التخصيص هو الوضع، والارتباطأثره، فالاستعمال مصداق له إذا كان محققاً للغرض المذكور.
ولكن قد يقال: إن لازم ذلك هو أن كل استعمال مجازي وضع، باعتبار أن‏الوضع على ضوء هذه النظرية عبارة عن تخصيص اللفظ بإزاء المعنى للدلالةعليه بنفسه، والاستعمال المجازي محقق له ومصداق له.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما عن المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن تعيين اللفظ للدلالة على المعنى‏المجازي يتبع تعيينه للدلالة على المعنى الموضوع له، باعتبار أن المعنى المجازي‏معنى تكون له علاقة بالمعنى الحقيقي باحدى العلائق المعهودة، وعلى هذا ففعليةدلالة اللفظ على المعنى المجازي تتوقف على أمرين: أحدهما وجود العلاقة بينه‏وبين المعنى الحقيقي، والآخر القرينة الصارفة، بينما فعلية دلالة اللفظ على المعنى‏الحقيقي لا تتوقف على شي من هذين الأمرين، وإنما تتوقف على الوضع فقط(21).
وبكلمة، إن تعيين اللفظ بإزاء المعنى للدلالة عليه بنفسه ،إن كان كافياً في‏فعلية دلالته عليه، من دون التوقف على شي آخر فهو محقق للوضع، وإلا لم يكن‏محققاً للوضع، واللفظ في الاستعمال المجازي وإن عين للدلالة على المعنى بنفسه،ولكن ذلك لا يكفي في فعلية هذه الدلالة، بل هي منوطة بأمرين آخرين:أحدهما وجود العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، والآخر القرينة الصارفة، فمن‏أجل ذلك لا يكون الاستعمال المجازي محققاً للوضع ومصداقاً له.
فالنتيجة: أن الاستعمال الحقيقي يمكن أن يكون محققاً للوضع بمعنى‏الاختصاص، وأما الاستعمال المجازي فلا.
وغير خفي أن ما ذكره‏قدس سره من الجواب مبني على أن يكون هذا الاستعمال‏استعمالاً مجازياً، ولكن سوف نشير إلى أنه استعمال حقيقي، إذ لا يعتبر فيه‏أن‏يكون مسبوقاً بالوضع زماناً، بل المعيار فيه أن يكون في زمان الوضع‏ومقارناً معه.
وإن أريد بهذا الجواب، أن استعمال اللفظ في المعنى لا يصح بدون الوضع أوالعلاقة بينه وبين المعنى الموضوع له بعد ما لم تكن دلالته ذاتية، وحيث إنه لاوضع هنا ولا علاقة فلا يصح الاستعمال، فيرد عليه أولاً: ما عرفت من أن هذاالاستعمال استعمال في المعنى الموضوع له.
وثانياً: أنه لا مانع من الالتزام بصحة الاستعمال لدى العرف والعقلاء، إذا كان‏بدافع الوضع، كما في المقام.
الثاني: أن الاستعمال لا يمكن أن يكون مصداقاً للوضع بنفسه، وذلك لأن‏الواضع إن قصد بتعيين اللفظ للدلالة على المعنى بنفسه وتخصيصه به الوضع‏كانت نتيجته وضع شخص اللفظ المستعمل في هذا الاستعمال دون الطبيعي،باعتبار أن اللفظ المستعمل فيه جزئي حقيقي، وحينئذ فالاستعمال يكون‏مصداقاًلوضع فرد من اللفظ بحدّه الفردي، باعتبار أنه تعيين وضعي بالنسبةإليه خاصة(22).
ويمكن المناقشة فيه، بتقريب أن الاستعمال وإن كان يستلزم كون اللفظالمستعمل فيه جزئياً حقيقياً، إلا أن المستعمل لما قصد به وضع اللفظ المستعمل‏فيه، فلا محالة يكون قاصداً به وضعه بما هو بإلغاء خصوصية فرديته، ومع‏الغائها لا محالة يكون وضعه وضع طبيعي اللفظ دون فرده بحده الفردي، بل‏المستعمل في حال الاستعمال إذا لم يكن قاصداً للوضع به أيضاً، كان ينظر إلى‏اللفظ المستعمل بما هو لفظ، لا بما هو فرده، مثلاً إذا استعمل شخص لفظ الأسدفي الحيوان المفترس في مورد، فإن اللفظ المستعمل في هذا الاستعمال وإن كان‏فرداً من لفظ الأسد، إلا أن الشخص المستعمل كان ينظر إليه ما هو لفظ الأسد،لا بما هو فرده، وخصوصية الفرد ملغاة بنظره، وهذا هو المرتكز في أذهان‏المستعملين في موارد الاستعمال، ومن الواضح أن الفرد مع الغاء خصوصيةفرديته هو الطبيعي، لأن امتيازه عنه إنما هو بها، وإلا فلا امتياز بينهما، وعلى هذافإذا قصد المستعمل الوضع بالاستعمال، كان الموضوع طبيعي اللفظ لا فرده.
فالنتيجة: ان من استعمل لفظ الأسد مثلاً في الحيوان المفترس كان ينظرإلى‏لفظ الأسد بما هو، لا إلى الفرد المستعمل بحده الفردي، سواء أكان قاصداًبه‏الوضع أم لا.
الثالث: أنه لا يمكن كون الاستعمال مصداقاً للوضع ومحققاً له، لأن معنى‏الاستعمال تعيين اللفظ للمعنى بقصد الدلالة عليه والحكاية عنه، وهذه‏الدلالةوالحكاية لا تخلو من أن تكون مستندة إلى العامل الداخلي أو إلى‏العامل‏الخارجي.
أما الأول فهو مبني على أن تكون دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية، ولكن قدتقدم بطلانها.
وأما الثاني فلأن العامل الخارجي الذي هو منشأ الدلالة إما إنه متمثل في‏الوضع أو في المناسبة والعلاقة المعبر عنها بالوضع التبعي مع القرينة الصارفة،والمفروض عدم وجود الوضع هنا لكي تكون هذه الدلالة مستندة إليه، لابالأصالة ولا بالتبع، فإذن كيف يمكن للمستعمل أن يقصد بهذا الاستعمال‏الحكاية عن المعنى والدلالة عليه، مع أن شيئاً من العاملين المذكورين غيرمتوفرفيه(23).
ويمكن المناقشة فيه، أما أولاً: فلما سوف نشير إليه من أن هذا الاستعمال‏استعمال حقيقي ومستند إلى الوضع.
وأما ثانياً: فلان هذا الوجه مبني على أن دلالة اللفظ على المعنى بعد مالم تكن‏ذاتية، فلابد أن تكون مستندة إلى أحد سببين: إما الوضع، أو المناسبة والعلاقةالمعبر عنها بالوضع النوعي التبعي مع القرينة الصارفة، ولا ثالث لهما.
ولكن هذا البناء خاطى‏ء، اذ يمكن أن تكون مستندة إلى القرينة فقط بدون‏علاقة ومناسبة في البين، كما إذا استعمل لفظاً في معنى ابتداء، ونصب قرينة على‏أنه استعمل فيه للحكاية عنه والدلالة عليه، فإن قصد الحكاية به عنه والدلالةعليه ليس أمراً غير عقلائي لكي لا يمكن تأتيه من‏العاقل الملتفت، كماإذا قال:هذا ماء، وأراد بنفس هذاالاستعمال وضع لفظالماء له، ففي مثل ذلك لامانع من‏قصدالحكاية به عنه، والدلالة عليه بسبب‏القرينةالمتمثلة هنا في‏الاشارةالخارجية، وحينئذ فلا مانع من أن يقصدالمستعمل الوضع بنفس هذاالاستعمال.
وبكلمة، إنه لا مانع من استعمال اللفظ في معنى بدون كونه مسبوقاً بالوضع‏وإرادة الوضع به، ولا يلزم منه أي محذور، غاية الأمر أنه بحاجة إلى قرينتين:
احداهما: للدلالة على أنه استعمل هذا اللفظ فيه، بدون سبقه بالوضع،وقصد حكايته عنه ودلالته عليه.
والأخرى: على أنه أراد وضع هذا اللفظ له بنفس هذا الاستعمال.
ودعوى أن الوضع يتوقف على الاستعمال على أساس أنه محقق له،والاستعمال يتوقف على الوضع، وإلا لم يصح، مدفوعة بأن الوضع وإن كان‏يتوقف على الاستعمال، إلا أن الاستعمال لا يتوقف عليه، بل هو متوقف على‏وجود قرينة تدل عليه، لا على وجود قرينة صارفة كما في المجاز، بل مطلق مايدل على أنه استعمله فيه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن حقيقة العلقة الوضعية إذا كانت‏عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى تكويناً، فلا مانع من تحققه بنفس الاستعمال،بأن يكون الاستعمال محققاً له.
وأما بناءاً على أن تكون العلقة الوضعية عبارة عن التعهد والالتزام النفساني- كما هو مختار السيد الاُستاذقدس سره -، فلا يمكن إيجادها وتحققها بالاستعمال، لأن‏الوضع على ضوء هذه النظرية أمر تكويني وجداني وفعل قصدي مباشري، كان‏هناك لفظ أم لا، ولا يكون فعلاً تسبيبياً، وعلى هذا فلا يعقل أن يكون الاستعمال‏سبباً لإيجاد التعهد وتحققه، ضرورة أن إيجاده في النفس لا يتوقف على أي سبب‏من الأسباب، ويتحصل من ذلك أن الوضع على ضوء هذه النظرية لا يعقل أن‏يتحقق بالاستعمال. نعم يمكن أن يجعل الاستعمال مبرزاً له.
وأما بناء على أن يكون الوضع عبارة عن عملية الاقتران بين اللفظ والمعنى‏بشكل أكيد بليغ فلا مانع من تحققه بالاستعمال وكونه مصداقاً لهذه العملية، لأن‏حقيقة الاستعمال هي الاقتران بين اللفظ والمعنى، فإذا كان هذا الاقتران بقصدالوضع مؤكداً على ذلك كان مصداقاً له.
لحد الآن قد تبين أنه يمكن تحقق الوضع بالاستعمال على بعض المسالك‏دون‏بعضها الآخر.
ثم إن هنا مجموعة من الاعتراضات على إمكان تحقق الوضع بالاستعمال.
الاعتراض الأول: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، من أن قصد الوضع بالاستعمال‏يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد، وهو مستحيل(24).
بيان ذلك: أن في المقام عملية واحدة شخصية، وهذه العملية الواحدةالشخصية على أساس أنها استعمال يكون اللفظ فيها ملحوظاً آلياً للمعنى وفانياًفيه، وعلى أساس أنها وضع يكون اللفظ فيها ملحوظاً استقلالاً، ومن الواضح‏أنه لا يمكن الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد.
وإن شئت قلت: إن هذه العملية من جهة أنها استعمال تستدعي فعلية حكايةاللفظ عن المعنى، ومعنى فعليتها فناء الحاكي في المحكي فعلاً، ومن جهة أنهاوضع تؤهل اللفظ للحكاية عن المعنى وتعطى له صفة الصلاحية للدلالةوالحكاية عنه، بحيث تصبح هذه الصلاحية فعلية في مرحلة الاستعمال، وعلى‏هذا فالجمع بين الاستعمال والوضع فيها يستلزم الجمع بين صلاحية الحكايةوفعليتها في شي‏ء واحد، وهو اللفظ في آن واحد.
والجواب: أن هذا الاعتراض منه‏قدس سره مبني على أن تكون عملية الاستعمال‏بنفسها مصداقاً لعملية الوضع، وحيث إن الاُولى‏ متقومة باللحاظ الآلي‏والثانيةباللحاظ الاستقلالي، فيستلزم الجمع بينهما محذور الجمع بين اللحاظين‏في شي واحد.
ولكن ذلك غير تام على جميع المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك الاعتبار فقد تقدم أن عملية الوضع لا يمكن أن تكون متحدةمع عملية الاستعمال، لأنها اعتبارية وتلك خارجية، وكذلك على مسلك التعهد،فإنه فعل نفساني، والاستعمال فعل خارجي، فيستحيل انطباقه عليه في‏الخارج.
وأما على مسلك الاقتران بين اللفظ والمعنى، فعملية الاستعمال وإن كانت‏تصلح أن تكون بنفسها مصداقاً لعملية الوضع،لان عملية الاستعمال عبارة عن‏اقتران اللفظ بالمعنى خارجا،فانها قد تؤدي الى حصول الوضع ، وهو القرن‏الأكيد بين صورة اللفظ والمعنى في الذهن بنحو يحقق صغرى قانون الاستجابةالذهنية الشرطية.
ولكن هذا الاتحاد والجمع بينهما لا يستلزم محذور الجمع بين اللحاظ الآلي‏والاستقلالي في شي واحد، وذلك لأن الوضع على أساس هذا المسلك لا يكون‏متقوماً باللحاظ الاستقلالي لكي لا يمكن اجتماعه مع الاستعمال في عمليةواحدة،بل هو عبارة عن القرن الأكيد بين صورة اللفظ وصورة المعنى الحاصل‏من عامل كمي أو كيفي، والأول يمثل كثرة الاستعمال، والثاني يمثل الاقتران بينهماخارجاً بنحو يؤدي إلى ترسيخه وتركيزه في الذهن، وقد يحصل ذلك بالاقتران‏الاستعمالي مرة واحدة إذا كانت هناك ملابسات اُخرى.
فالنتيجة: على ضوء هذا المسلك، ان الوضع عبارة عن الارتباط والإشراطالمخصوص بين صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن، ويحصل ذلك بعامل كمي‏أو كيفي تكويناً، وعليه فلا موضوع للإشكال المذكور.
وكذلك على مسلك أن الوضع عبارة عن اختصاص اللفظ بالمعنى، فإنه لامانع من أن تكون عملية الاستعمال بنفسها محققة للوضع بهذا المعنى ، فإن‏اختصاص اللفظ بالمعنى الذي هو عبارة عن التلازم والارتباط التصوري بينهمافي الذهن وضع، ومن هنا لا يبعد أن يكون مرجع هذا القول إلى القول بأن‏الوضع هو القرن المؤكد بين صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن، والعامل لهذاالاختصاص أحد أمرين اما الكمي وهو كثرة الاستعمال، أو الكيفي وهو عمليةالتخصيص خارجاً. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنا لو سلمنا أن عملية الوضع عملية انشائية تسبيبيّةكسائر الأمور الإنشائية، إلا أنها مع ذلك لا تكون متحدة مع عملية الاستعمال،بل هي مسببة عنها ومنشأة بها، فلا تكون عملية الاستعمال مصداقاً لها، وعلى‏هذا فعملية الوضع وإن كانت متقومة باللحاظ الاستقلالي، وعملية الاستعمال‏باللحاظ الآلي، ولكنهما عمليتان لا تتحد إحداهما مع الأخرى لكي يلزم محذورالجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد.
والخلاصة أنه لا يلزم الجمع بين اللحاظين في شي واحد، فإن اللفظ ملحوظآلياً في جانب السبب، وهو عملية الاستعمال، وإستقلالاً في جانب المسبب،وهوعملية الوضع.
ومن ناحية ثالثة، إنا لو قلنا بأن صيغة الاستعمال بنفسها مصداق لصيغةالوضع، فمع ذلك لا مانع من أن يقصد المستعمل عملية الوضع بالاستعمال، ولايلزم منه محذور الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي، وذلك لأن عمليةالوضع إذا كانت مستقلة فبطبيعة الحال تتطلب لحاظ اللفظ مستقلاً وتصوره‏بنفسه، وأما إذا كانت في ضمن عملية الاستعمال فبامكان المستعمل أن يقصدوضع اللفظ الملحوظ في هذه العملية آلياً للمعنى المستعمل فيه، ولا يتوقف على‏لحاظه استقلالاً، إذ ليس معنى لحاظه الآلي أنه مغفول عنه ولا يكون موردالإلتفات أصلاً، بل معناه أنه مورد الالتفات مرآة للمعنى، وهذا المقدار من‏الالتفات في المقام يكفي في الوضع، وحينئذ فلا يكون هناك لحاظان حتى يلزم‏الجمع بينهما في شي واحد. وأما لزوم الجمع بين الحكاية الفعلية وصلاحيةالحكاية فلا محذور فيه، لأن إتصاف اللفظ بالحكاية الفعلية الآلية انما هو بلحاظكون الاستعمال مقارناً للوضع، فإذا كان مقارناً له أصبحت الحكاية فعلية، وأمااتصافه بالحكاية الشأنية فإنما هو بلحاظ المستقبل.
وأجاب عن هذا الاعتراض أيضاً المحقق العراقي‏قدس سره بما حاصله:
أنه لا يلزم من قصد الوضع بالاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي‏في شي، لأن الملحوظ استقلالياً طبيعي اللفظ، والملحوظ آلياً شخص هذا اللفظالمستعمل، فإذن لا محذور في البين(25).
وغير خفي ما في هذا الجواب، وذلك لأن المستعمل ان قصد وضع شخص‏اللفظ المستعمل في هذا الاستعمال، وهو فرد من طبيعي اللفظ، لزم محذور الجمع‏بين اللحاظ الآلي والاستقلالي فيه.
وإن قصد وضع طبيعي هذا اللفظ المستعمل لم يكن الاستعمال حينئذ مصداقاًله، باعتبار أنه متقوم باللحاظ الاستقلالي، فلا ينطبق على التعيين الإستعمالي‏المتقوم باللحاظ الآلي، والمفروض في المسألة أنه مصداق له.
هذا اضافة إلى ما ذكرناه آنفاً، من أن المستعمل حتى في مقام الاستعمال كان‏ينظر إلى اللفظ بما هو لفظ لا بما هو فرده، فيكون المستعمل طبيعي اللفظ، فإذن‏كيف يكون النظر إليه استقلالياً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا أساس لهذا الاعتراض‏على جميع المباني والمسالك في باب الوضع.
الاعتراض الثاني: أن هذا الاستعمال ليس بحقيقي، لعدم كونه مسبوقاًبالوضع، ولا بمجازي لأنه متفرع على الحقيقة، فإذن لا محالة يكون غلطاً، لأن‏دلالة اللفظ على المعنى إذا لم تكن ذاتية فلابد أن تكون مستندة إلى أحد أمرين:
الأول: الوضع. والثاني: العلاقة والمناسبة. وحيث إن شيئاً من الأمرين غيرمتوفر في هذا الاستعمال فلا يصح، وبالتالي لا دلالة فيه.
والجواب: الظاهر أن هذا الاستعمال يكون استعمالاً حقيقياً، إذ لا يعتبر فيه‏أن يكون مسبوقاً بالوضع زماناً، بل يكفي التقارن الزماني بينهما، وعلى هذافالاستعمال في المقام وإن كان متقدماً على الوضع رتبة، إلا أنه مقارن معه زماناً،وهذا يكفي في كونه استعمالاً حقيقياً، فإن المعيار فيه إنما هو بوجود الوضع في‏زمان الاستعمال، وهو موجود.
وأجاب عنه المحقق الخراساني‏قدس سره، وحاصله أن ملاك صحة الاستعمال ليس‏كونه حقيقياً أو مجازياً، بل يمكن أن لا يكون الاستعمال حقيقياً ولا مجازياً،ولكن مع ذلك يكون صحيحاً، كما إذا كان مما يقبله الطبع ولا يستنكره، وعليه‏فلا ينحصر ملاك صحة الاستعمال بالحقيقة والمجاز، بل هناك ملاك آخر وهو ممايقبله الطبع ولا يستنكره، وإن لم يكن بحقيقة ولا مجاز(26).
فالنتيجة: أن الاستعمال إذا كان حقيقياً أو مجازياً فهو صحيح وإن لم يقبله‏الطبع، وأما إذا لم يكن حقيقياً ولا مجازياً فإن قبله الطبع ولم يستنكره فهوصحيح، وإلا فهو غلط.
ولكن هذا الجواب لا يتم، لأن صحة استعمال اللفظ في معنى إذا لم يكن‏حقيقياً ولا مجازياً، منوطة بأن يكون بداع عقلائي، كوضعه له، لا أنها منوطة بمايقبله الطبع ولا يستنكره، وأن لم يكن هناك داع عقلائي له، لأن مجرد كونه‏موافقاً للطبع كما لا يعطي صفة الدلالة للفظ بنفسه على المعنى والانتقال منه إليه،كذلك لا يصلح أن يكون ميزاناً لصحة وضعه بإزائه في مقام الاستعمال، فإن‏الغرض قد يتعلق بذلك في مقام الاستعمال وإن لم يكن موافقاً للطبع.
فالنتيجة: الصحيح أن هذا الاستعمال استعمال حقيقي، ومع فرض عدم كونه‏حقيقياً فأيضاً لا مانع من صحته بسبب القرينة إذا كان في مقام وضعه له.
الاعتراض الثالث: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن استعمال اللفظ في معنى‏لدلالتة عليه وحكايته عنه، يتوقف على استعداد اللفظ وصلاحيته لها، ومن‏الواضح أن استعداده وصلاحيته لها يتوقف على وضعه بإزائه، حيث إنه يؤهل‏اللفظ للدلالة والحكاية عنه، ويعطي له هذه الصفة، على أساس أن هذه‏الصلاحية ليست ذاتية له، بل هي جعلية، إما بالوضع أو بالمناسبة والعلاقةالمعبر عنها بالوضع التبعي مع القرينة الصارفة، وحيث إن استعمال اللفظ في‏المعنى في المقام لم يكن مستنداً إلى الوضع، ولا إلى العلاقة والمناسبة، فإذن بطبيعةالحال يتوقف استعداده للدلالة عليه على هذا الاستعمال، باعتبار أنه مصداق‏للوضع، وهذا الاستعمال يتوقف على استعداده لها في المرتبة السابقة،فيلزم‏الدور(27).
والجواب: أن استعداد اللفظ للدلالة على المعنى والحكاية عنه وإن لم يكن‏ذاتياً، إلا أن هذا الإستعداد كما يحصل بالوضع، كذلك يحصل بالقرينة كما مر،لأنها تؤهل اللفظ للدلالة عليه بنفسه، وتعطي له هذه الصفة، فإذن لا دور.

نتيجة هذا البحث عدة نقاط:
الاُولى: الصحيح أن الوضع التعييني يمثل فعل الواضع على الاختلاف في‏تفسيره. نعم قد يفسر الوضع التعييني بالعلاقة والارتباط بين صورة اللفظوصورة المعنى في الذهن. ولكن الصحيح أنها أثر الوضع ونتيجته لا أنها وضع.والوضع التعيّني يمثل العلاقة والارتباط بين اللفظ والمعنى في الذهن التي تحصل‏بعامل كمي، وهذا هو الفارق بينهما.
الثانية: أن المناقشة في حصول الوضع التعيّني بكثرة الاستعمال، على أساس‏أن الاستعمال مع القرينة مهما كثر لا يؤدي إلى الارتباط والإشراط المخصوص‏بين ذات اللفظ والمعنى، مدفوعة بأن القرينة حيث كانت تختلف باختلاف مواردالاستعمال وليست عنصراً ثابتاً محدداً في جميع الموارد فلا تمنع عن حصول‏الارتباط والإشراط بين صورة ذات اللفظ وصورة المعنى، باعتبار أن اللفظعنصر ثابت محدد، ولا يختلف باختلاف موارد الاستعمال.
الثالثة: أن تحقق الوضع التعيّني بعامل كمي ككثرة الاستعمال أمر طبيعي‏بموجب قانون الاستجابة الشرطية الذهنية، بلا فرق في ذلك بين المباني في‏باب‏الوضع.
الرابعة: هل يمكن تحقق الوضع التعييني بالاستعمال؟
والجواب: أن ذلك يختلف باختلاف المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك اعتبارية الوضع فلا يمكن أن يكون تحققه متوقفاً على‏الاستعمال أو نحوه، لأنه يوجد بنفس اعتبار المعتبر، سواء أكان هناك استعمال أم‏لا، باعتبار أنه فعل قصدي مباشري لا تسبيبي. وأما على مسلك التعهد فأيضاًالأمر كذلك، لأنه فعل تكويني نفساني، ولا يكون وجوده مرتبطاً بالاستعمال‏ولا بغيره. نعم إنه قد يكون مبرزاً له لا موجداً. وأما على مسلك الاختصاص‏والقرن المؤكد، فلا مانع من تحققه بالاستعمال، إذا كان بشكل يؤدي إلى ترسيخه‏وتركيزه في الذهن.
الخامسة: أن الاعتراضات التي تبدو على قصد الوضع بالاستعمال، فقد تقدم‏علاجها والتغلب عليها.
السادسة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن قصد الوضع بالاستعمال‏يستلزم الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شى‏ء واحد وهو مستحيل، لايتم، لأنه مبني على أن تكون عملية الاستعمال بنفسها مصداقاً لعملية الوضع.
ولكن لا أساس لهذا البناء على جميع المسالك في باب الوضع.
أما على مسلك الاعتبار، فقد مر أنه لا يمكن أن يكون الاستعمال مصداقاً له،وكذلك على مسلك التعهد. وأما على مسلك الاقتران والاختصاص، فالوضع‏متمثل في الارتباط والإشراط المخصوص بين صورة اللفظ وصورة المعنى في‏الذهن الحاصل قهراً بعامل كمي أو كيفي، وعليه فلا موضوع للمحذور المذكور.
السابعة: أنا لو سلمنا أن عملية الوضع عملية انشائية فمع ذلك لا تتحد مع‏عملية الاستعمال ولا تنطبق عليها، بل هي مسببة عنها، فإذن لا يلزم من قصدالوضع بالاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد.
الثامنة: أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أنه لا يلزم من قصد الوضع‏بالاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي واحد، معللاً بأن‏الملحوظ مستقلاً هو طبيعي اللفظ، والملحوظ آلياً هو شخص هذا اللفظالمستعمل، لا يتم كما تقدم.
التاسعة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن صحة استعمال اللفظ في معنى‏إذا لم يكن مسبوقاً بالوضع منوطة بأن يقبله الطبع ولا يستنكره لا يتم كما مر.
التقييد في العلقة الوضعية ...

التقييد في العلقة الوضعية
لا إشكال في إمكان تقييد المعنى الموضوع له، وكذلك تقييد اللفظ الموضوع.وإنما الكلام في امكان تقييد العلقة الوضعية، وهل هذا ممكن أولا؟ الظاهر أن‏ذلك يختلف باختلاف النظريات في باب الوضع.
أما على أساس نظرية الاعتبار فلا اشكال في إمكان تقييدها، لأنها أمراعتباري، فيتبع إعتبار المعتبر في السعة والضيق والاطلاق والتقييد، كالمجعولات‏الشرعية من الوجوب والحرمة أو الملكية والزوجية أو نحوها. وعليه فللواضع‏أن يقوم باعتبار العلقة الوضعية بين طبيعي اللفظ والمعنى مطلقاً، وله اعتبارهامقيدة بحالة خاصة من المتكلم. وأما الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى،فهي من آثار الوضع تكويناً كما مر، لا أنها بنفسها وضع.
قد يقال كما قيل: إنه لا يمكن تقييد العلقة الوضعية بحالة خاصة، لأن الدلالةالوضعية التي هي دلالة تصورية معلولة لها، ومن الواضح أن هذه الدلالة غيرقابلة للتقييد. فاذا كان المعلول مطلقاً وغير مقيد، كان كاشفاً عن أن علته أيضاًكذلك، على أساس تبعية المعلول للعلة في السعة والضيق، فلا يعقل أن يكون‏المعلول مطلقاً والعلة مقيدة.
والجواب: أن اطلاق هذه الدلالة مستندة إلى الأنس الذهني الحاصل بين‏ذات اللفظ والمعنى على أثر تأثير عملية الوضع في ذلك، فإنها وإن كانت مقيدةبحالة خاصة، إلا أن طرفيها لما كانا مطلقين، فهي تؤدي إلى الترسيخ بين‏صورتيهما في الذهن كذلك.
فالنتيجة: أن الوضع على ضوء هذه النظرية قابل للتقييد.
وأما على أساس نظرية التعهد فأيضاً لا اشكال في إمكان تقييد العلقةالوضعية بحالة خاصة أو بتحقق أمر معين، وذلك لأن التعهد فعل النفس،وبامكان الشخص التعهد بشي مطلقاً أو في حالة خاصة أو في زمن خاص،وهكذا. وعلى هذا فيمكن أن ينيط الواضع تعهده والتزامه النفساني بحالة دون‏اُخرى، بأن يتعهد بأنه متى ما نطق باللفظ الفلاني وفي الوقت الفلاني أرادالمعنى‏الفلاني لا مطلقاً، أو متى وضع عمامته مثلاً عن رأسه، أراد الشي‏ءالفلاني، وهكذا.
وبكلمة، إن الدلالة الوضعية على ضوء هذه النظرية دلالة تصديقية، وهي‏دلالة اللفظ على إرادة تفهيم المعنى، ولا يمكن أن تكون تصورية، إذ لا يمكن‏التعهد والالتزام بها، لأنها خارجة عن الاختيار، والمفروض أن الدلالةالتصديقية قابلة للإطلاق والتقييد، فان للمتكلم أن يتعهد بأنه لا يأتي باللفظالفلاني إلا حينما أراد تفهيم المعنى الفلاني، وله أن يقيد هذا التعهد بحالة خاصة أوزمن معين أو عند تحقق شي خاص، وحينئذ فإذا تكلم المتكلم بذلك اللفظالخاص في الحالة أو الزمن المعين، دل على أنه أراد تفهيم معناه، وإلا فلا.
وأما على أساس نظرية الاقتران فلا يمكن تقييد العلقة الوضعية فيها، لأنهاعبارة عن الملازمة الذهنية بين تصور اللفظ وتصور المعنى الناشئة عن الاقتران‏بينهما في الخارج ومعلولة تكوينية له، وليست مجعولة تشريعية كالوجوب‏والحرمة والملكية والزوجية ونحوهما حتى تكون قابلة للتقييد.
وبكلمة، أن هذه الملازمة التصورية بين اللفظ والمعنى التكوينية غير قابلةللتقييد، سواء أكان منشؤها الاعتبار والجعل، أم كان الاقتران بينهما خارجاً،لأن الأمر التكويني يوجد بوجود منشئه قهراً، وليس كالأمر التشريعي قابل‏للاطلاق والتقييد والسعة والضيق، ولا فرق في ذلك بين أن تكون هذه الملازمةبنفسها وضعاً، كما هو مبنى هذه النظرية أو تكون من آثار الوضع ونتائجه، كماهو مبنى سائر النظريات.
الدلالة الوضعية ...
والخلاصة: أن العلقة الوضعية على ضوء نظرية الاعتبار قابلة للاطلاق‏والتقييد والسعة والضيق، كسائر الاُمور الاعتبارية التشريعية، وكذلك على‏ضوء نظرية التعهد. وأما على ضوء نظرية الاقتران فلا يمكن تقييدها كما عرفت.هذا تمام كلامنا في حقيقة الوضع تحليلاً وأقسامها.


الدلالة الوضعيّة
وهل هي دلالة تصورية أو تصديقية؟ فيه قولان:
قد اختار السيد الاُستاذقدس سره القول الثاني(28)، ولكن الصحيح القول الأول.
بيان ذلك: أن المراد من الدلالة هو الانتقال من شي إلى شي آخر، وهذا فرع‏الملازمة بينهما، وحينئذ فإن كانت الملازمة بين وجوديهما في الخارج كان الانتقال‏تصديقياً، كالانتقال من وجود العلة إلى وجود المعلول، أو بالعكس، أو من‏وجود أحد المتلازمين إلى وجود الملازم الآخر، وهكذا. وإن كانت الملازمة بين‏وجوديهما في الذهن كان الانتقال تصورياً، كالانتقال من تصور النار إلى تصورالحرارة وهكذا. وعلى هذا فمنشأ هذا الاختلاف إنما هو الاختلاف في حقيقةالوضع، فعلى القول بأن حقيقة الوضع عبارة عن التعهد والالتزام النفساني،فلامناص من الالتزام بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، لأن التعهد إنماهوبين وجود اللفظ في الخارج ووجود الارادة التفهيمية، ومن الواضح أن‏الملازمة بينهما ملازمة تصديقية، فالدلالة الناتجة منها أيضاً كذلك، ولا يعقل‏أن‏تكون تصورية.
وبكلمة، إن كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية على ضوء هذه النظرية، لايحتاج إلى إقامة أي برهان، فان ذلك نتيجة حتمية لها، على أساس أنه لا يعقل‏التعهد والالتزام بكون اللفظ دالاً على معناه ولو صدر عن لافظ بلا شعورواختيار، بل ولو صدر عن اصطكاك حجر بآخر، فإن هذا غير اختياري، فلايمكن أن يكون طرفاً للتعهد والالتزام، فلذلك لا مناص من الالتزام بتخصيص‏العلقة الوضعية بصورة قصد تفهيم المعنى من اللفظ وإرادته، سواء أكانت الارادةتفهيمية محضة، أم جدية أيضاً، فانه أمر اختياري، فيكون متعلقاً للإلتزام‏والتعهد، ومرجعهما إلى إيجاد الملازمة بين وجودين في الخارج، هما التلفظ بلفظخاص وإرادة تفهيم معنىً كذلك، ومن الواضح أن الدلالة الناتجة من هذه‏الملازمة دلالة تصديقية.
ولكن قد تقدم أن نظرية التعهد والالتزام غير صحيحة، ولا يمكن الأخذبها.وأما على أساس سائر النظريات فالدلالة الوضعية دلالة تصورية،وليست‏بتصديقية.
أما على أساس نظرية الاعتبار، فلأن الوضع عبارة عن جعل الملازمة بين‏طبيعي اللفظ والمعنى في عالم الاعتبار والذهن، سواء أكان ذلك بلسان الجعل‏والاعتبار، أم كان بلسان تنزيل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، أم بلسان‏جعل اللفظ على المعنى اعتباراً، وحيث إن موطن هذه الملازمة المجعولة بينهما عالم‏الذهن والاعتبار دون الخارج، فلا محالة تكون تصورية، ومن الطبيعي أن‏الدلالة الناتجة منها لا محالة دلالة تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية.
وإن شئت قلت: إن طرفي الملازمة إن كانا في الذهن فالملازمة ذهنية، وإن كانافي الخارج فالملازمة خارجية، باعتبار أنها متقومة بشخص وجود طرفيها ذاتاًحقيقة، وليست لها ماهية متقررة بقطع النظر عن وجودهما، ولهذا يكون طرفاهابمثابة الجنس والفصل لها، فإذن كون الدلالة الوضعية دلالة تصورية لازم حتمي‏للقول باعتبارية الوضع.
وأما على اساس نظرية الاقتران فأيضاً تكون الدلالة الوضعية دلالةتصورية، لأن حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية متمثلة في القرن المؤكد بين‏صورة اللفظ والمعنى في الذهن. ومن الواضح أن هذه الملازمة بينهما ملازمةتصورية، باعتبار أن موطنها الذهن، والدلالة الناتجة منها دلالة تصورية لامحالة، ولا يعقل أن تكون تصديقية، فإن الدلالة التصديقية ناشئة من ظهورحال المتكلم الملتفت بأنه لا يأتي باللفظ لغواً وجزافاً وعلى سبيل لقلقة اللسان،وإنما يأتي به بداعي تفهيم معناه وارادة ذلك.
فالنتيجة: أن الدلالة التصديقية لا تستند إلى الوضع، وإنما تستند إلى‏الغلبةالحاصلة من الظهور السياقي لحال المتكلم الملتفت، بأنه لا يأتي باللفظلغواً وجزافاً.
وقد يستدل على أن الدلالة الوضعية لابد أن تكون دلالة تصديقية على جميع‏المباني في باب الوضع، بدون فرق بين مبنى ومبنى، بتقريب أن الغرض الداعي‏إلى وضع الألفاظ إنما هو التفهيم والتفهم وابراز ما قصده للآخرين، لا مجردالانتقال من صورة اللفظ إلى صورة المعنى في الذهن قهراً.
وبكلمة، إن سعة الحاجة، وعدم كفاية الأساليب البدائية لابرازها، قد دعت‏إلى ضرورة استخدام الألفاظ، وحيث إن دلالتها لم تكن ذاتية فتدعو الحاجة إلى‏عملية الوضع، ولا يمكن القول بأن العملية أوسع دائرة من الغرض الدافع إليها،وإلاّ لزم كون وجود المعلول أوسع دائرة من وجود العلة، وهذا قرينة على‏اختصاص العلقة الوضعية بحالة خاصة، وهي ما إذا أراد المتكلم تفهيم المعنى لامطلقاً، فإذن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية على جميع المباني في باب‏الوضع. وأما الدلالة التصورية فهي مستندة إلى الاُنس الذهني الحاصل بين‏اللفظ والمعنى بعامل كمي أو كيفي(29).
والجواب أولاً: أن الغرض الأصلي من استخدام الألفاظ والقيام بعمليةوضعها وإن كان ذلك، إلا أنه لا يترتب على العملية مباشرة، بل يتوقف على‏مقدمتين: الاُولى: الوضع. والثانية: إحراز أن المتكلم في مقام الافادةوالاستفادة، والمترتب على المقدمة الاُولى صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى‏بنفسه، وقد مرّ أن الوضع يؤهل اللفظ لها، وهذه الدلالة دلالة تصورية وعبارةعن انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى ومقدمة للدلالة التصديقية،فلا يمكن تحققها بدونها، لأنها تتوقف عليها وعلى مقدمة اُخرى خارجية، وهي‏إحراز أن المتكلم في مقام التفهيم والتفهم، ويكفي في إحراز هذه المقدمة ظهورحال المتكلم الملتفت بأنه لا يأتي بلفظ لغواً وعلى سبيل لقلقة اللسان.
والخلاصة أن التفهيم والتفهم ليس الغرض المباشر من وضع الألفاظ بإزاءالمعاني، بل هو الغرض النهائي منه، فإن الغرض المباشر له، إنما هو اعطاء صفةالصلاحية والأهلية للفظ، للدلالة على المعنى بنفسه والحكاية عنه بعد ما لم تكن‏دلالته ذاتية، وحيث إن الغرض المباشر لا يختص بحالة دون اُخرى، فلا يقتضى‏تخصيص العلقة الوضعية بحالة ما.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الغرض من الوضع هو التفهيم‏والتفهم مع الآخرين مباشرة، إلاّ أن هذا الغرض لا يترتب على الوضع وحده،بل يتوقف على مقدمة اُخرى، وهي إحراز أن المتكلم في مقام البيان وارادةالتفهيم والتفهم، لأن الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على ارادة التفهيم ،ويعطي له‏صفة الاستعداد و الصلاحية لها، وأما فعلية هذه الدلالة تتوقف على مقدمةاُخرى، وهي احراز كون المتكلم في مقام الافادة والاستفادة، وعلى هذا فلا فرق‏بين أن تكون العلقة الوضعية مقيدة بهذه الحالة أو مطلقة، إذ على كلا التقديرين‏لا تترتب الدلالة التصديقية عليها مباشرة، بل لابد من ضم مقدمة اُخرى إليها،فإذن لا مانع من أن تكون العلقة الوضعية مطلقة وغير مقيدة بحالة إرادة تفهيم‏المعنى، بل تقييدها بهذه الحالة لغو، إذ لا فرق في ترتب الأثر عليها بين اطلاقهاوتقييدها، فإنه على كلا التقديرين يتوقف على مقدمة اُخرى خارجية، وعلى‏ذلك يتعين الاطلاق على ما قويناه في محله، من أنه أمر عدمي، وعبارة عن عدم‏التقييد، ولا يحتاج إلى مؤنة زائدة، وهذا بخلاف التقييد، فإنه أمر وجودي‏وبحاجة إلى مؤنة زائدة، وحيث لا يترتب على تقييد العلقة الوضعية بالحالةالمذكورة أثر زائد على ما يترتب على اطلاقها، فلذلك يكون لغواً.
وثالثاً: أن الوضع على القول بالاعتبار وإن كان قابلاً للتقييد، حيث إن أمره‏بيد المعتبر اطلاقاً وتقييداً، إلا أنه لا يترتب على تقييده بصورة إرادة تفهيم المعنى‏أثر، على أساس أن موطن هذا التقييد هو عالم الاعتبار والذهن، فيكون مرده‏إلى التقييد بلحاظ الوجود الذهني، لا الوجود الخارجي، وعليه فلا محالة تكون‏الدلالة تصورية، وهي الانتقال من صورة اللفظ إلى صورة إرادة تفهيم المعنى في‏الذهن، ومن الواضح أن الملازمة بينهما تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية،لأن الملازمة التصديقية إنما تكون بين وجود اللفظ في الخارج وواقع الارادة فيه،لا صورتها في الذهن. وقد تقدم آنفاً أن الملازمة إن كانت بين الوجودين‏الخارجيين كانت تصديقية، وإن كانت بين الوجودين الذهنيين كانت تصورية.
وقد تحصل من ذلك أن الدلالة الوضعية لا يمكن أن تكون دلالة تصديقيةعلى غير مسلك التعهد والالتزام.
ورابعاً: أن إرادة تفهيم المعنى لا تخلو إما أن تكون قيداً للعلقة الوضعية، أوأنها قيد للمعنى الموضوع له.
أما الأول، فقد مر الآن أن العلقة الوضعية على جميع المسالك لم تكن مقيدةبحالة إرادة تفهيم المعنى، إلا على مسلك التعهد.
وأما الثاني وهو أخذ الارادة في المعنى الموضوع له فإن أريد به أخذ مفهوم‏الارادة، فيرد عليه أنه لا أثر له، ولا يجعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية،غاية الأمر أن اللفظ حينئذ يدل بالدلالة التصورية على صورة الارادة في الذهن،لا على واقعها الخارجي.
وبكلمة، إن المأخوذ في المعنى الموضوع له إن كان مفهوم الارادة، كان اللفظدالاً على الملازمة بين صورة اللفظ وصورة إرادة المعنى في الذهن، لفرض أنه لاموطن للمفهوم إلا الذهن، كان مفهوم الارادة أم مفهوم غيرها، وقد مر أن‏الملازمة بين المفهومين في الذهن ملازمة تصورية، ولا يعقل أن تكون تصديقية،لأن الملازمة التصديقية موطنها الخارج.
وإن كان المأخوذ فيه واقع الارادة وحقيقتها بالحمل الشائع في الخارج، القائمةفي نفس المتكلم، فيرد عليه أنه غير معقول،لأن الملازمة لا تتصور بين صورةاللفظ في الذهن و وجود الارادة في الخارج، فإن طرفيها إن كانا في الذهن فهي‏تصورية، وإن كانا في الخارج فهي تصديقية. وأما إذا كان أحدهما في الذهن‏والآخر في الخارج، فلا تتصور الملازمة بينهما، لا تصوراً ولا تصديقاً، لما مر من‏أن الملازمة متقومة ذاتاً بشخص وجود طرفيها، فإن كانا في الذهن فهي ذهنية،وإن كانا في الخارج فهي خارجية، ولا يعقل أن تكون ذهنية وخارجية معاً.وعلى هذا فإن اُريد أن اللفظ بصورته الذهنية يدل على المعنى المقيد بوجودالارادة في الخارج والانتقال إليه فهو غير معقول، إذ لا تعقل الملازمة بين الوجودالذهني والوجود الخارجي. وإن أريد أن الدال عليه حصة خاصة من اللفظ،وهي‏اللفظ الصادر من متكلم ملتفت، فيرد عليه أن مرده إلى تقييد اللفظالموضوع أيضاً بما إذا صدر من‏اللافظ عن‏إرادة والتفات، وهذا خلف الفرض،لأن المفروض هو تقييد المعنى‏الموضوع له بالارادة، لاالموضوع والموضوع له معاً.
هذا إضافة إلى أن الدال على إرادة تفهيم المعنى حينئذ، إن كان صدور اللفظمن اللافظ الملتفت، فمثل هذه الدلالة التصديقية لا يمكن تكوينها إلا على القول‏بأن الوضع هو التعهد، وإن كان الظهور السياقي وهو ظهور حال اللافظ الملتفت‏فهذه الدلالة لا ترتبط بوضع اللفظ، لعدم استنادها إليه.
ثم إن المحقق الخراساني‏قدس سره قد اعترض على أخذ الارادة في المعنى الموضوع‏له‏بوجوه:
الأول: أن لازم ذلك عدم انطباق المعنى الموضوع له على الخارج، باعتبار أنه‏مقيد بالارادة التي لا موطن لها إلاّ الذهن.
الثاني: أن لازم ذلك كون المعنى الموضوع له في عامة الألفاظ خاصاً، بلحاظأنه مقيد بالوجود الذهني، وهو الارادة، والوجود مساوق للتشخص، بدون‏فرق في ذلك بين الوجود الذهني والوجود الخارجي.
الثالث: أن الارادة حيث كانت من مقومات الاستعمال، ومتأخرة عن المعنى‏الموضوع له طبعاً تأخر الارادة عن المراد، فلا يمكن أخذها في المعنى المستعمل‏فيه المراد، وإلا لزم تقدم الارادة على نفسها وهو خلف(30).
والجواب: أما عن الاعتراض الأول والثاني فلأن الارادة تارة تلحظبالنسبة إلى المراد بالذات، وهو الموجود في افق الذهن، واُخرى تلحظ بالنسبةإلى المراد بالعرض، وهو الموجود في أفق الخارج.
أما على الأول فالارادة عين المراد بالذات في اُفق الذهن، لأنه نفس الوجودالارادي، والاختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار والاضافة، فإن الموجود بالوجودالارادي القائم بالنفس بلحاظ إضافته إلى المريد إرادة، وبلحاظ إضافته‏إلى‏الواقع مراد، كالعلم بالنسبة إلى المعلوم بالذات، فإنه عينه في عالم النفس،إذلا وجود للمعلوم بالذات إلا الوجود العلمي، فالعلم وجود علمي للمعلوم‏بالذات، فإن كان تصديقياً فهو وجود تصديقي له، وإن كان تصورياً فهووجودتصوري له.
وعلى هذا فإن كان المقصود من أخذ الارادة في المعنى الموضوع له وضع اللفظبإزاء المعنى المراد بالذات، لكان الاعتراض الأول والثاني في محله، فإن مردّه إلى‏الوضع للوجود الارادي وهو لا ينطبق على ما في الخارج من ناحية، وخاص‏من ناحية اُخرى.
وأما إذا كان المقصود من ذلك وضع اللفظ للمراد بالعرض، وهو ذات المعنى‏الموضوع له الخارج عن اُفق الذهن،مع اخذ نسبة بينه وبين الارادة فيه فلا يمنع‏عن انطباق المعنى الموضوع له على الخارج، لأن نسبة الارادة المأخوذة فيه بما أنه‏لا واقع موضوعي لها لا في الذهن ولا في الخارج، فلا تمنع عن قابلية الانطباق‏على الخارجيات .
وبكلمة، إن المعنى مراد بالعرض، وللارادة في أفق النفس نسبة إليه في خارج‏الأفق، ولا مانع من تقييد المعنى بهذه النسبة ووضع اللفظ بإزائه، ولا يلزم من‏ذلك شي من المحذورين، باعتبار أنها لا تمنع عن الانطباق كما عرفت، ولا توجب‏تخصيص المعنى الموضوع له، لا في الذهن ولا في الخارج.
أو فقل: إن المأخوذ في المعنى الموضوع له إن كان نسبة الارادة إلى المرادبالذات، فهي تمنع عن الانطباق، على أساس أن لهذه النسبة واقعاً موضوعياً،وهو وجود الارادة للمراد في الذهن، وإن كانت نسبة الارادة إلى المراد بالعرض،فلا تمنع عن قابلية الانطباق على الخارجيات،على اساس أنه لا واقع لهذه النسبةلا في الذهن ولا في الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مقصود القائل بأن اللفظ موضوع للمعنى المراد، ليس‏المراد بالذات، لوضوح أن اللفظ لم يوضع بإزاء الموجود الذهني، كما أنه لم يوضع‏بإزاء الموجود الخارجي، بل مقصوده المراد بالعرض الذي هو طرف لإضافةالارادة إليه بالعرض، ومن الواضح أن مجرد كونه طرفاً لها لا يمنع عن الانطباق‏ولا يوجب تخصصه بها، فإن المانع عن ذلك، إنما هو أخذ الوجود الإرادي في‏المعنى الموضوع له الذي لا موطن له إلا النفس.
فالنتيجة: أن الموضوع له هو ذات المعنى، لكن لا مطلقاً، بل مقيدة بنسبةالارادة إليه في الخارج، وهذه النسبة القائمة بين ذات المعنى والارادة لو كان لهاواقع في قبال الارادة في الذهن، لكانت مانعة عن الانطباق على الأفراد في‏الخارج، لأن المركب من الوجود الذهني والمقيد به، لا يمكن أن ينطبق على ما في‏الخارج. ولكن المفروض أنه لا واقع لها في قبال وجود الارادة في الذهن، لأنهاأمر انتزاعي، فتارة تنتزع بلحاظ المراد بالعرض، واُخرى بلحاظ المرادبالذات، ولا واقع لها ماعدا منشأ انتزاعها، وهو في الأول المراد بالعرض، وفي‏الثاني المراد بالذات، وموطن الأول الخارج، والثاني الذهن، فمن أجل ذلك إذاكان المأخوذ في المعنى الموضوع له نسبة الارادة إلى المراد بالعرض، لم تمنع عن‏قابلية المعنى للانطباق على الخارج.
وأما عن الاعتراض الثالث فلأن الارادة التفهيمية التي اُخذت في المعنى‏الموضوع له على نحو الجزئية أو القيدية إنما اُخذت في طول المعنى الذي هو أحدجزئي الموضوع له، فإنه مركب من جزأين طوليين أو مقيد بقيد طولي أحدهماذات المعنى والآخر إرادته التفهيمية، فالارادة التفهيمية بنفسها جزء للمعنى‏الموضوع له أو قيد له، فاللفظ موضوع للمركب من ذات المعنى وإرادته التفهيميةالتي هي في طولها، أو لذات المعنى المقيدة بإرادته التفهيمية، وعلى هذا الأساس‏فإذا أراد المتكلم تفهيم المعنى من اللفظ فقد تحقق المعنى الموضوع له بكلا جزأيةأو مع قيده. أما جزؤه الأول وهو ذات المعنى فقد كان متحققاً، وأما جزؤه الآخروهو الارادة التفهيمية، فقد تحقق بنفس الاستعمال.
ومن هنا يظهر أن منشأ هذا الاعتراض تخيل أن ما يدعى أخذه في المعنى، هوالارادة التفهيمية لتمام المعنى الموضوع له لا لجزئه، وهو لا يمكن، وإلا لزم أخذالارادة التفهيمية في المعنى المراد بشخص هذه الارادة وبنفسها، لا بإرادة اُخرى،لأن ذلك من أخذ الارادة التفهيمية في موضوع شخصها، وهو مستحيل،لإستلزامه تقدم الشي على نفسه، لأن الارادة متأخرة عن المراد بها رتبة، فيكف‏يمكن أخذها في مرتبة موضوع نفسها.
وإن شئت قلت: إن المدعى هو أن اللفظ موضوع لمعنى مركب من جزأين‏طوليين، هما ذات المعنى وإرادته التفهيمية التي هي في طول ذات المعنى ومتأخرةعنها رتبة ومتحققة بالاستعمال، ولا مانع من وضع لفظ لمعنى مركب من جزأين‏أو أجزاء كذلك، ولا يلزم منه محذور الدور أو الخلف. وليس المدعى أن الارادةالتفهيمية لتمام المعنى الموضوع له والمستعمل فيه، مأخوذة في نفس هذا المعنى‏المراد بشخص هذه الارادة، وإلا لزم أخذها في موضوع شخصها وهو مستحيل.والاعتراض المذكور مبني على ذلك. نعم إذا كانت هناك إرادتان، فلا مانع من‏أخذ إحداهما في موضوع الاُخرى. ومن هنا لا مانع من أخذ الارادة الجدية في‏موضوع الارادة التفهيمية، ولا يلزم منه محذور تقدم الشي على نفسه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الموضوع له إذا كان مركباًمن ذات المعنى وإرادته التفهيمية التي هي في طولها رتبة لا في عرضها، فلاأساس لشي من الاعتراضات المذكورة.
أما الأول فلأن المعيار في الانطباق وعدم الانطباق، إنما هو بانطباق المعنى‏المراد بالعرض وعدم انطباقه. والمفروض أنه قابل للإنطباق على الخارجيات.
وأما الثاني فلأن‏المعيار في عموم المعنى الموضوع له وخصوصه إنما هوبذات‏المراد بالعرض، فإن كان عاماً فالموضوع له عام، وإن كان خاصاًفالموضوع له خاص.
وأما الثالث فهو مبني على أن المأخوذ هو الارادة التفهيمية لتمام المعنى‏الموضوع له، فإنه من أخذ الارادة في المعنى المراد بنفس هذه الارادة وهذامتسحيل، ولكن المدعى ليس ذلك، بل المدعى أن المأخوذ هو الارادة التفهيميةلجزء المعنى التي هي بنفسها الجزء الآخر لذلك المعنى، فعندئذ لا يلزم محذور أخذالارادة في المراد. هذا.
وقد أجاب المحقق العراقي‏قدس سره عن هذه الاعتراضات بما حاصله:
أن الارادة لم تؤخذ في المعنى الموضوع له، لا جزءاً ولا قيداً، وإنما اُخذت‏مقارنة معه، وهذا يعني أن اللفظ موضوع لذات الحصة التوأمة مع الارادةالمساوقة لخروجها عن المعنى الموضوع له قيداً وتقييداً، وعندئذ فلا يلزم شي‏من المحاذير المذكورة(31).
والجواب: إن التوأمية بالمعنى الذي ذكره‏قدس سره، لا يعقل أن توجب تخصص‏الطبيعي إلى حصص متباينة في عالم المفهوم، طالما لم يكن التقيد به دخيلاً، لأن‏تحصص المفهوم الكلي بحصص متباينة متمايزة إنما هي، على أساس تقييده بقيودكذلك. مثلاً إن تحصص الانسان بحصص متمايزة انما هو، على أساس تقييده‏بقيود متمايزة ومتباينة، بحيث يكون التقيد بها دخيلاً ومقوماً، كالانسان العالم،والانسان الجاهل أو الانسان العادل والانسان الفاسق، وهكذا. فإن تخصص‏الانسان بهذه الحصص المتباية المتمايزة انما هو على أثر تقييده بقيود كذلك. وأماإذا جردت عن هذه القيود فلا امتياز بينها. وأما إذا افترض أن التقيد كالقيدخارج وغير دخيل في تحصصه بحصة فلا يعقل صيرورته حصة في عالم المفهوم،فتحصص المفاهيم في عالم المفهومية بحصص متباينة متمايزة، متقوم بتقييدكل‏حصة بقيد مباين متمايز عن سائر القيود، وإلا فلا يعقل الإمتياز في ذلك‏العالم‏أصلاً.
وعلى هذا فالتوأمية مع الارادة إن كانت بمعنى أن التقيد بها دخيل في صيرورةالمعنى الموضوع له حصة عاد المحذور المتقدم، وإن كانت بمعنى أن التقيد بها كالقيدخارج عنه وغير دخيل فيه، فعندئذ لا توجب صيرورته حصة.
فالنتيجة: أن التوأمية في عالم المفاهيم في مقابل التقييد لا يعقل أن‏توجب‏صيرورة المفهوم حصة حصة في ذلك العالم، فمن أجل ذلك لا يرجع‏جوابه‏قدس سره إلى معنى محصل.
نعم، التوأمية بهذا المعنى إنما تتصور في الأفراد الخارجية، على أساس أن لكل‏فرد تعيناً وجودياً في مقابل غيره من الأفراد، بقطع النظر عن اقترانه‏بخصوصياته العرضية من الكم والكيف والأين والوضع وما شاكل ذلك، بلحاظأن تشخص كل فرد وامتيازه عن فرد آخر انما هو بتعينه الوجودي، وفي مثل‏ذلك إذا فرض وضع لفظ بإزاء فرد في الخارج أمكن وضعه بإزاء التوأم مع إرادته‏بدون تقيده بها، لأن تشخصه إنما هو بوجوده كانت معه إرادة أم لا، فلذلك إذاجرد عنها كانت الحال فيه كما كانت قبل التجريد بدون أي تفاوت، ولكن ذلك‏لا يعقل في الحصص المفهومية، فإنه إذا جردت الحصة عن التقييد بقيد في مقام‏ترتب الحكم عليها كان الحكم مترتباً على الجامع، فإن الحصة متقومة بالتقييدبقيد خاص، فإذا جردت عنه في مقام الوضع كان الوضع لا محالة للجامع لانتفاءالحصة بانتفاء القيد، فالانسان المتقيد بالعلم في مقام ترتب الحكم عليه إذا جردعن العلم كان الحكم مترتباً على الجامع بينه وبين الجاهل.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من الجواب عن‏الاشكالات المتقدمة لا يمكن المساعدة عليه، فالصحيح في الجواب عنها ماعرفته موسعاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنه على تقدير أخذ الارادة التفهيمية في المعنى الموضوع له‏فقد مر أن أخذها وحده لا يكفي في صيرورة الدلالة الوضعية، دلالة تصديقية،بل هي تتوقف على مقدمة اُخرى، وهي تقييد اللفظ الموضوع بحصة خاصة منه،وهي الحصة الصادرة من اللافظ الملتفت بالاختيار والارادة. ولكن مع هذاالتقييد لا حاجة إلى أخذ الارادة قيداً للمعنى الموضوع له، لأن هذا التقييد وحده‏يكفي في صيرورة الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، باعتبار أن اللفظ إذا صدرعن اللافظ الشاعر بالاختيار، فبطبيعة الحال كان يدل على أنه أراد تفهيم معناه.
وبكلمة، إن أخذ الارادة التفهيمية في المعنى الموضوع له، إنما هو بدافع أن‏الأثر مترتب على الدلالة التصديقية دون الدلالة التصورية، فمن أجل ذلك‏يكون الوضع بغرض إيجاد الدلالة التصورية لغواً، ولكن أخذها فيه وحده لايكفي بدون تقييد اللفظ، لما تقدم من أن الدلالة التي تمثل الملازمة إذا كانت‏بين‏وجودين في الذهن كانت تصورية، ونقصد بها الانتقال من تصور أحدهماإلى تصور الآخر في الذهن، وإذا كانت بين وجودين في الخارج كانت تصديقية،ونقصد بها الانتقال من التصديق بوجود أحدهما في الخارج التصديق بوجودالآخر فيه.
وأما إذا كان أحدهما موجوداً في الذهن والآخر موجوداً في الخارج‏فيستحيل أن تكون بينهما ملازمة، لا تصديقية ولا تصورية، لأن الملازمةمتقومة ذاتاً بشخص وجود طرفيها، فإن كانا في الذهن فالملازمة ذهنية، وإن‏كانا في الخارج فالملازمة خارجية. وأما إذا كان أحدهما في الذهن والآخر في‏الخارج، فلا تعقل الملازمة بينهما. ومن هنا لا يكفي مجرد تقييد المعنى الموضوع له‏بالارادة التفهيمية في كون الدلالة الوضعية تصديقية طالما كان الموضوع‏وهواللفظ غير مقيد بقيد تصديقي، لاستحالة الملازمة بين الموجود الذهني‏والموجود الخارجي.
وأما تقييد الموضوع وهو اللفظ فهو على نحوين:
الأول: أنه مقيد بقيد تصوري، كتقييده بصيغة خاصة من حيث السكون أوالحركة أو التنوين، أو غير ذلك من الخصوصيات.
الثاني: أنه مقيد بقيد تصديقي، كتقييده بالارادة الخارجية.
أما على الأول فلا مانع منه، لأن الواضع قد يضع اللفظ للمعنى مجرداً عن‏الخصوصية كالتنوين ونحوه، وقد يضع بقيد التنوين أو نحوه، فعلى الأول تكون‏الملازمة بين صورة اللفظ المجرد عن الخصوصية وصورة المعنى المقيد بالارادة في‏الذهن. وعلى الثاني بين صورة اللفظ المنون وصورة المعنى المذكور. وهذا التقييدلا يوجد الملازمة بين صورة اللفظ المنون في الذهن ووجود المعنى المراد بتلك‏الارادة في الخارج، لما عرفت من عدم تعقل الملازمة بين الوجود الذهني‏والوجود الخارجي، لا التصديقية ولا التصورية.
و أما على الثاني، فمرجع هذا التقييد إلى اختصاص الوضع بحصة خاصة من‏اللفظ، وهي ما إذا صدر من المتكلم الملتفت، فإنه حينئذ يدل على أنه أراد تفهيم‏معناه، فإذن تكون الملازمة تصديقية، ولكن اختصاص الوضع بهذه الحالة لايمكن إلا على القول بأن حقيقة الوضع هو التعهد والالتزام النفساني، وأما على‏سائر الأقوال في المسألة، فلا يمكن هذا الاختصاص لتكون نتيجة كون الدلالةالوضعية تصديقية. وحيث قد تقدم موسعاً عدم صحة القول بأن الوضع هوالتعهد والالتزام، فلا يمكن جعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية حينئذ، بتقييدالمعنى الموضوع له بالارادة التفهيمية الخارجية، لما مر من أن مجرد تقييده بها لايكفي في جعلها تصديقية بدون تقييد اللفظ الموضوع بها. وقد عرفت أن تقييده لايجدي إلا على أساس القول بأن الوضع التعهد، وهو باطل، كما أن تقييد اللفظالموضوع وحده بالارادة الخارجية لا يكفي لصيرورة الدلالة الوضعية دلالةتصديقية، بدون تقييد المعنى الموضوع له بها، ومع تقييد كليهما فالدلالة وإن‏كانت حينئذ تصديقية، إلا أن كونها وضعية مبنية على مسلك التعهد لا مطلقاً.
إلى هنا قد تبين أمور:
الأول: أن تقييد المعنى الموضوع له بمفهوم الارادة تقييد بقيد تصوري، ولايجعل الدلالة التصورية تصديقية، غاية الأمر أن ذهن الانسان ينتقل من صورةاللفظ إلى صورة المعنى المقيد بالارادة في الذهن، وأما تقييده بقيد تصديقي وهوواقع الارادة في الخارج، فقد مر أنه وحده لا يكفي في جعل الدلالة الوضعيةتصديقية، كما أنه لا تعقل دلالة تصورية بين صورة اللفظ وصورة المعنى المقيدبهذا القيد التصديقي في الذهن، لاستحالة أن يكون المدلول التصوري مقيداً بقيدتصديقي، لأن معنى كونه مقيداً بهذا القيد أنه موجود في الخارج، ومعنى كونه‏مدلولاً تصورياً أنه لا موطن له إلا الذهن، فالجمع بين الأمرين مستحيل، لأنه‏من الجمع بين المتناقضين.
الثاني: إن تقييد اللفظ الموضوع بالارادة التفهيمية إن كان بمفهومها فلا أثرله، فإنه لا يجعل الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، ضرورة أن الانتقال من صورةاللفظ المقيدة بالارادة صورة المعنى في الذهن انتقال تصوري، ولا يعقل أن يكون‏تصديقياً، ولا يكشف عن وجودها في الخارج، كما هو شأن كل دلالة تصورية،وإن كان بواقعها الخارجي أي بقيد تصديقي، فأيضاً لا يجعل الدلالة الوضعيةدلالة تصديقية، لأن الانتقال من صورة اللفظ المقترنة بالارادة الخارجية الى‏صورة المعنى في الذهن غير معقول،اذ لا تعقل الملازمة بين تصور وتصديق.
أو فقل: إن الغرض من تقييد اللفظ الموضوع بالارادة التفهيمية الخارجية إن‏كان دخلها بوجودها الواقعي في نفس المتكلم في انتقال ذهن السامع إلى صورةالمعنى الموضوع له في الذهن فإنه غير متصور، ضرورة أنه لاصلة بين وجودهافي نفس المتكلم واقعاً وبين انتقال السامع إلى صورة المعنى تصوراً، لأن الانتقال‏إليها تصوراً ليس معلولاً للإرادة الخارجية الموجودة في نفس المتكلم، وإن كان‏الانتقال إلى صورة المعنى معلولاً عن تصور صورة اللفظ المنضم إلى التصديق‏بالارادة الخارجية فإنه أيضاً غير متصور، لما عرفت من أن الملازمة بين تصوروتصديق غير معقولة.
الثالث: أن تقييد العلقة الوضعية بالارادة التفهيمية على القول باعتباريةالوضع بمكان من الامكان، كما هو الحال في سائر المجعولات الاعتباريةالتشريعية، وكذلك على القول بالتعهد والالتزام. نعم على القول بالاقتران فلايمكن تقييده كما تقدمت الاشارة إلى كل ذلك. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن تقييد العلقة الوضعية يستلزم تقييد الموضوع‏والموضوع له معنى ولبّاً، على أساس أن العلقة الوضعية متقومة ذاتاً ووجوداًبشخص وجود طرفها، هما الموضوع والموضوع له، وليس لها ماهية متقررةبقطع النظر عنه، فلذلك يكون تقييدها تقييداً لهما لبّاً.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن الوضع على القول بكونه أمراً اعتبارياً قابل للتقييد، كسائرالأمور الاعتبارية، من الشرعية والعرفية، كالوجوب والحرمة والملكيةوالزوجية ونحوهما. وكذلك على القول بالتعهد، على أساس أنه فعل قصدي‏للنفس، وبامكان كل شخص التعهد بشي مطلقاً، كما أن بامكانه التعهد به في‏حالة خاصة، أو في زمن معين، ولا فرق في ذلك بين التعهد والالتزام الوضعي‏وغيره. نعم، على القول بأن الوضع هو القرن المؤكد لا يمكن تقييده، على أساس‏أنه عبارة عن الارتباط والاشراط المخصوص بين صورة اللفظ وصورة المعنى في‏الذهن تكويناً و صغرى لقانون الاستجابة الذهنية الشرطية المترتب على العامل‏الكمي أو الكيفي، ترتب المعلول على العلة قهراً، وليس فعلاً اختيارياً للواضع‏كالتعهد لكي يقبل التقييد، كما أنه ليس مجعولاً تشريعياً كالوجوب والحرمة أوالملكية والزوجية حتى يكون قابلاً للتخصيص.
الثانية: أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، وهي الانتقال من صورة اللفظإلى صورة المعنى، على أساس أن عملية الوضع إنما هي بين طبيعي اللفظ والمعنى‏بدون تخصيصها بحالة خاصة، ومن الواضح أن مقتضاها الانتقال التصوري من‏اللفظ عند الإحساس به إلى المعنى في الذهن، لأنها لا تتطلب أكثر من ذلك، ولافرق في ذلك بين مسلك الاعتبار بشتى اشكاله ومسلك الاقتران، فإن الوضع‏على ضوء هذا المسلك يمثل القرن المؤكد والمترسخ بين صورة اللفظ وصورةالمعنى في الذهن، ومن الطبيعي أن هذه الملازمة لا يمكن أن تكون تصديقه، لأن‏الملازمة التصديقية إنما هي بين الوجودين في الخارج، فلا يعقل أن تكون بين‏الوجودين في الذهن. نعم على مسلك التعهد تكون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية، على أساس اختصاص الوضع على هذا المسلك بحالة خاصة، وهي‏حالة عدم الاتيان باللفظ إلا عند إرادة تفهيم معناه.
الثالثة: الاستدلال بأن الدلالة الوضعية لابد أن تكون تصديقية، على أساس‏أن الغرض الداعي إلى وضع الألفاظ إنما هو الافادة والاستفادة وإبراز ما في نفسه‏للآخرين، لا مجرد انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى في الذهن،وإلاّ لكان الوضع لغواً، فإذن لا يمكن أن تكون دائرة الوضع أوسع من دائرةالغرض الداعي إليه.
مدفوع بأن الغرض الأصلي من الوضع وإن كان ذلك، إلاّ أنه لا يترتب عليه‏مباشرة، بل ترتبه عليه بحاجة إلى مقدمة اُخرى، وهي احراز أن المتكلم في مقام‏الافادة والاستفادة، فبالنتيجة إن الغرض مترتب على مقدمتين: الاُولى:الوضع. والثانية: ظهور حال المتكلم. هذا، إضافة إلى أن اطلاق الوضع مع‏اختصاص الغرض منه بحالة خاصة انما يكون لغواً إذا كان في الاطلاق مؤنةزائدة، وحيث إنه على المختار عبارة عن عدم التقييد فلا يكون اطلاق‏الوضع‏لغواً، باعتبار أنه لا يحتاج إلى مؤنة زائدة على جعل الوضع مقيداً حتى‏يلزم اشكال اللغوية.
الرابعة: أن تقييد المعنى الموضوع له بالارادة التفهيمية لا يجعل الدلالةالوضعية دلالة تصديقية، فإن التقييد إن كان بمفهوم الارادة فلا قيمة له، على‏أساس أنه لا موطن له إلا الذهن. وإن كان بواقع الارادة في الخارج استحال أن‏يؤدي إلى الملازمة التصديقية بين صورة اللفظ في الذهن والانتقال منها إلى المعنى‏المراد في الواقع، لأنها لا تعقل بين الوجود الذهني والوجود الخارجي، يعني بين‏التصور والتصديق، فإنها متقومة بشخص وجود طرفيها، فإن كانا في الذهن‏فالملازمة ذهنية، وإن كانا في الخارج فالملازمة خارجية.
الخامسة: أن تقييد اللفظ الموضوع بحصة خاصة، وهي ما صدر من متكلم‏ملتفت وإن أدى إلى دلالة اللفظ الصادر منه على إرادة تفهيم معناه، إلاّ أن كون‏هذه الدلالة وضعية، مبنية على الالتزام بمسلك التعهد، وحيث إنه لايمكن‏الالتزام به، فلا محالة تكون هذه الدلالة دلالة سياقية لا وضعية.
السادسة: أن ما أورده المحقق الخراساني‏قدس سره، على أخذ الارادة التفهيمية في‏المعنى الموضوع له من الوجوه الثلاثة، لا يتم شي‏ء منها كما مر توضيحه.
السابعة: أن جواب المحقق العراقي‏قدس سره عما أورده المحقق الخراساني‏قدس سره من‏الاعتراضات، بأنه مبني على أخذ الارادة في المعنى الموضوع له جزءاً أو قيداً،ولكن لا ملزم لذلك، بل يكفي أخذها مع المعنى، بأن يكون اللفظ موضوعاًللحصة التوأمة مع الارادة، بحيث لا تكون الارادة جزءاً له ولا قيداً، وعند ئذفلا يرد عليه شي من الاعتراضات المذكورة، لا يتم، بل لا يرجع إلى معنىً‏محصل، كما تقدم شرحه آنفاً.

پاورقي

1) نهاية الأفكار 25 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 39 :1.
3) نهاية الدراية 46 :1و 40 :2.
4) محاضرات في اُصول الفقه 43 :1.
5) بحوث في علم الأصول 76 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 76 :1.
7) بحوث في علم الاُصول 77 :1.
8) محاضرات في اُصول الفقه 40 :1.
9) محاضرات في اُصول الفقه 41 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 44 :1.
11) بحوث في علم الاُصول 79 :1.
12) بحوث في علم الأصول 81 :1.
13) أجود التقريرات 19 :1، فوائد الأصول 30 :1.
14) سورة الرحمن (4 :(55.
15) أنظر المناقشة مع جوابها في بحوث في علم الاُصول 88 :1.
16) أنظر الاعتراض مع جوابه في بحوث في علم الاُصول 91 :1.
17) مقالات الاُصول 75 :1.
18) أنظر المناقشة مع جوابها في بحوث في علم الاُصول 96 :1.
19) بحوث في علم الاُصول 96 :1.
20) كفاية الاُصول: 9.
21) نهاية الدراية 87 :1.
22) بحوث في علم الاُصول 99 :1.
23) نفس المصدر.
24) أجود التقريرات 49 :1.
25) مقالات الاُصول 67 :1.
26) كفاية الاُصول: 21.
27) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 102 :1.
28) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
29) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
30) كفاية الاُصول: 16.
31) نهاية الأفكار 64 :1.
..........................................
...المباحث الاُصولية / ج 1
الاشتراك ...


الخامس: الاشتراك‏
يقع الكلام هنا في عدة جهات:
الجهة الاُولى: في إمكان الاشتراك اللفظي واستحالته.
الجهة الثانية: أنه على تقدير امكانه، هل هو واقع في اللغات؟
الجهة الثالثة: في منشأ وقوعه، وأنه الوضع أو جهة اُخرى أو كلاهما معاً.
أما الكلام في الجهة الاُولى: فقد يدعى استحالة الاشتراك اللفظي في‏اللغات، على أساس أنه ينافي حكمة الوضع التي تدعو إلى وضع الألفاظ بإزاءالمعاني لغرض الافادة والاستفادة، وإبراز ما في الذهن من المعاني الموضوع لهاللآخرين، ومن الواضح أن ذلك يتطلب أن يكون ما وضع بإزائه اللفظ متعيناً لامردداً بين معنيين أو أكثر، وإلاّ لأخل بحكمة الوضع.
والجواب، أولاً: أن هذه الدعوى لا تدل على استحالة وقوع الاشتراك في‏اللغات، وإنما تدل على أنه لا ينسجم مع حكمة الوضع.
وثانياً: أن حكمة وضع الألفاظ بإزاء المعاني، ليست فعلية دلالتها عليهاوالحكاية عنها، لكي يكون الاشتراك منافياً لها، بل هي اعطاء صبغة التأهليةوالصلاحية لها للدلالة والحكاية عنها، وأما فعليتها، فإنما هي بالاستعمال، ومن‏الواضح أن الاشتراك لا ينافي ذلك، إذ لا فرق في هذه الصلاحية بين اللفظالمشترك وغيره، وإنما الفرق بينهما في نقطة اُخرى، وهي أن اللفظ إذا كان‏مشتركاً، تتوقف فعلية دلالته على قرينة معينة، وإلاّ فلا.
فالنتيجة: أن الاشتراك لا ينافي حكمة الوضع، وهي جعل اللفظ قابلاًومستعداً للدلالة على المعنى بنفسه، بعد مالم يكن واجداً لهذه القابلية بالذات.
وأما ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الغرض من الوضع قد يتعلق‏بالاجمال والاهمال(1)، فلا يمكن المساعدة عليه، إذ لا معنى لكون الغرض من‏الوضع الاجمال والاهمال، لأنه لا يتوقف على وضع اللفظ بإزاء معنيين أو أكثرعلى نحو الاشتراك، إذ للمتكلم إذا تعلق غرضه في مورد باتيان كلام مجمل‏ومهمل أن يأتي بكلام محفوفاً بما يوجب اجماله واهماله ويمنع عن ظهوره في‏معناه، ولا مبرر للوضع بهذا الداعي، باعتبار أن الغرض الأساسي من وضع‏الألفاظ واللغات منذ نشوئها، هو عدم كفاية الأساليب البدائية في نقل المعاني‏والأفكار إلى الآخرين من ناحية، وانحصار الأساليب الاُخرى التي هي‏أكثرتطوراً وأوسع شمولاً واستيعاباً بالألفاظ من ناحية اُخرى، فلذلك قام كل‏مجتمع على وجه الكرة الأرضية باستخدام الألفاظ في نقل المعاني وابراز ما في‏أنفسهم للآخرين.
فالنتيجة: أن الغرض من استخدام الألفاظ واللغات منذ نشوئها، هو الافادةوالاستفادة ونقل المعاني والأفكار بها، وافتراض أن الغرض منه قد يكون‏الابهام والاجمال، فهو غير محتمل عقلائياً، فإذن لا اشكال في امكان الاشتراك.
وأمّا الكلام في الجهة الثانية: فقد يدعى وجوب الاشتراك في اللغات،بدعوى أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية، وهذا بطبيعة الحال يتطلب‏الاشتراك وتعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى.
والجواب: أنه تارة يراد من الاشتراك ما يعم الوضع العام والموضوع له‏الخاص. واُخرى يراد منه تعدد وضع لفظ واحد لمعنيين أو أكثر.
أما على الأول، فقد ادعي أن الاشتراك بهذا المعنى ضروري، إذ لولم نقل‏به،فلابد من افتراض لفظ خاص لكل ربط ونسبة يدل عليه، على أساس أن‏كل ربط مغاير ذاتاً وماهية لربط آخر، ولا جامع بين الربطين ولو كان طرفاه‏فردين من جامع واحد، باعتبار أن قوام الربط إنما هو بشخص وجود طرفيه،لأنها من ذاتياته، كالجنس والفصل للماهية النوعية، على ما سوف يأتي بيان‏ذلك في معاني الحروف. فهناك إذن أنحاء من الربط غير متناهية لعدم تناهي‏الأفراد والجزئيات، ومن الواضح أنه لا يتوفر من الألفاظ ما يوازيها عدداً حتى‏يكون لكل معنى لفظ يختص به. هذا،
ولكن بإمكاننا أن ندفع ضرورة وقوع الاشتراك بهذا المعنى، باختيار الوضع‏العام والموضوع له العام في الحروف وما شاكلها، بديلاً عن الوضع العام‏والموضوع له الخاص فيها، بدعوى أن الحرف قد وضع بإزاء مفهوم الربطوالنسبة الذي هو ليس بربط ونسبة بالحمل الشائع، ولكنه في مقام الاستعمال‏يستعمل في واقع الربط الذي هو ربط بالحمل الشائع، بلحاظ أن الغرض متعلق‏بواقعه، غاية الأمر أنه على هذا لا فرق بين الحرف والإسم في المعنى الموضوع له،وإنما الفرق بينهما في المستعمل فيه. وهذا القول وإن كان باطلاً، إلا أنه ممكن‏وليس بمستحيل.
فالنتيجة: أن الاشتراك بهذا المعنى وإن كان ممكناً، بل هو واقع في اللغات، إلاأنه ليس بضروري.
وأما على الثاني، فقد يدعى أن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ يتطلب‏ضرورة وقوع الاشتراك في اللغات، بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى،كما هو الظاهر من الاشتراك عند اطلاقه.
وقد حاول المحقق الخراساني‏قدس سره التغلب على هذه الدعوى ودفع الضرورة بأن‏المعاني الجزئية وإن كانت غير متناهية، إلا أن المعاني الكلية متناهية، ولا مانع‏من وضع الألفاظ بإزائها، وهذا يغني عن وضعها بإزاء المعاني الجزئية، فإذن لاحاجة إلى الوضع بإزائها فضلاً عن الضرورة(2).
ولكن هذه المحاولة فاشلة.
أما أولاً فلأنه‏قدس سره لم يأت ببرهان على تحديد المعاني الكلية وتناهيها، فمن‏أجل ذلك إنه إن اُريد من المعاني الكلية خصوص الأجناس العاليات فهي وإن‏كانت متناهية، إلا أن المعاني الكلية غير منحصرة بتلك الأجناس، ولا مبررلتخصيصها بها، حيث أن إختصاص وضع الألفاظ بها لا يكفي لاشباع حاجةالانسان، ولا يغني عن وضعها بإزاء سائر المعاني.
وإن اُريد منها المعاني الكلية المتأصلة المنتزعة من الجهة المشتركة الذاتية بين‏أفرادها، فير د عليه:
أولاً: أن المعاني الكلية غير منحصرة فيها، بل هناك معان كلية اُخرى من‏الاعتبارية أو الانتزاعية.
وثانياً: عدم انحصار الأوضاع اللغوية بتلك المعاني الكلية جزماً، لأن هناك‏ألفاظاً موضوعة بإزاء معانٍ كلية غير متأصلة، كالممكن والزوج والفرد والجزئي‏وما شاكل ذلك.
وثالثاً: إن الغرض من الوضع هو اشباع حاجة الناس، ومن الواضح أن‏الوضع بإزاء المعاني الكلية المتأصلة لا يكفي لاشباع حاجاتهم، ولا يغني عن‏الوضع بإزاء غيرها.
وإن اُريد منها مطلق المعاني الكلية الأعم من المتأصلة والاعتباريةوالمنتزعة، فيرد عليه أن المعاني الكلية بهذا العرض العريض غير متناهيةكالمعاني الجزئية، لوضوح أن المعاني الكلية الاعتبارية التي تنتزع من ملاحظةمجموع أمرين أو اُمور بعد الباسهما ثوب الوحدة اعتباراً غير متناهية كمراتب‏الأعداد، فإنها تذهب إلى مالا نهاية له، ومفاهيم الدار والبستان والمدينة والقريةوالغرفة والفوق والتحت واليمين واليسار وهكذا، حيث إن أي مفهوم اعتباري‏يفترض يمكن أن ينتزع منه ومن مفهوم آخر عنوان انتزاعي آخر، وهكذا إلى‏مالا نهاية له.
وثانياً: أن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ لا يتطلب ضرورة وقوع‏الاشتراك في اللغات، بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى، وذلك‏لامكان‏الاستغناء عنه بالوضع العام والموضوع له الخاص، بل بالوضع العام‏والموضوع له العام.
وثالثاً: إن سعة الوضع إنما هي تتبع سعة حاجة الانسان ومتطلبات حياته في‏كل عصر، من عصر الانسان البدائي منذ نشوء ظاهرة اللغة إلى العصر الحديث‏المتطور. وحيث إن متطلبات حياة الانسان مهما تطورت وتوسعت عصراً بعدعصر فتكون محدودة، على أساس أن الانسان محدود ومتناه، وليس بوسعه إلاتصوير المعاني المحدودة والمتناهية وابرازها للآخرين عندما تدعو الحاجة إليه.
وعلى هذا فلا محالة يكون الوضع محدوداً تبعاً لمحدودية الحاجة، ومن‏الواضح أن الوضع بأزيد من مقدار الحاجة يكون لغواً، فلا يمكن صدوره من‏الواضع حتى إذا كان الواضع هو اللَّه تعالى.
وبكلمة، إنه لا قيمة لعدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ، فإنه لا يتطلب‏وقوع الاشتراك في اللغات فضلاً عن ضرورته، باعتبار أن المعاني التي تتعلق بهاحاجة الانسان في نقلها وابرازها للآخرين في طول التاريخ متناهية كالألفاظ.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن متطلبات حياة الانسان من كافة نواحيهاالإجتماعية والفردية المادية والمعنوية بما أنها متناهية فلا تتطلب إلاّ أوضاعاًمتناهية وإن كان الواضع غير متناه.
ومن هنا يظهر حال الأسماء، فإن معانيها وإن كانت غير متناهية، وألفاظهامتناهية، إلاّ أن ذلك لا يقتضي تعدد الوضع للفظ واحد، ولا الوضع العام‏والموضوع له الخاص، على أساس ما عرفت من أن الوضع يتبع في سعته وضيقه‏حاجة الانسان في كل عصر، وبما أنها محدودة مهما تطورت وتوسعت، فلاتتطلب إلا أوضاعاً متناهية. نعم، إن الأسماء تمتاز عن الحروف وما يلحق بها في‏نقطة وهي أنه لا موجب للالتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص في الأسماء،فإن الموجب للالتزام به،هو أن الألفاظ لا توازي المعاني عدداً كما في الحروف‏وما يلحق بها، وأما إذا كانت موازية لها كذلك فلا مبرر للالتزام به، إذ كل معنى‏حينئذ تتعلق به حاجة الانسان يمكن وضع لفظ خاص بإزائه مباشرة.
والنكتة في ذلك أن الأسماء تتوسع وتتطور تبعاً لتوسع حاجة الانسان‏وتطورها عصراً بعد عصر وقرناً بعد قرن، ومن الطبيعي أن ذلك يستلزم خلق‏ألفاظ جديدة مركبة أو بسيطة بالمقدار الذي يوازي المعاني الجديدة التي تتعلق‏بها الحاجة في نقلها وابرازها للآخرين، وهذا بخلاف الحروف وما يلحق بهاكالهيئات، فإنها معدودة ومحدودة، فلا تتوسع بتوسع حاجة الانسان ومتطلبات‏حياته، فلذلك تدعو الحاجة إلى الالتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص أوالوضع العام والموضوع له العام بديلاً عن الاشتراك، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إذا افترضنا عدم كفاية الألفاظ لاشباع حاجة الانسان في‏كل عصر، على أساس توسعها وتطورها بتطور الحياة، فيمكن الالتجاءباستخدام الألفاظ المهملة، أو ألفاظ من لغات اُخرى، والاستغناء بذلك عن‏الاشتراك، وتعدد الوضع للفظ واحد.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن منشأ القول بضرورةوقوع الاشتراك في اللغات، توهم أن لكل معنى لابد أن يكون لفظاً موضوعاً له،وحيث إن المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية، فبطبيعة الحال يتطلب ذلك‏الاشتراك وتعدد الوضع للفظ واحد لأكثر من معنى.
ولكن قد مر أنه لا أساس لهذا التوهم، ضرورة أنه لا ملزم لأن يكون لكل‏معنى لفظ خاص وضع بإزائه ولو بنحو الاشتراك، فإن اللازم هو الوضع بقدرالحاجة دون الأكثر، فإنه لغو. هذا،
وأجاب المحقق الخراساني‏قدس سره عن ذلك بجواب آخر، وحاصله أنه يمكن‏الاستغناء عن ضرورة وقوع الاشتراك في اللغات بالالتزام بالمجاز(3).
ولكن هذا الجواب لا يتم، بناءً على عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ،وذلك لأنا لو قلنا بأن المعاني متناهية كالألفاظ، غاية الأمر أن عدد المعاني أكثرمن عدد الألفاظ ففي مثل ذلك يمكن الاستغناء عن الاشتراك بالمجاز، وأما إذاكانت المعاني غير متناهية والألفاظ متناهية فحينئذ إن قلنا بأن تلك المعاني لاتقتضى أوضاعاً غير متناهية، على أساس أن الوضع انما هو لاشباع حاجةالانسان دون الأكثر من ذلك، ففي هذه الحالة إن كانت الألفاظ وافية بها، فلامقتضى للالتزام بالمجاز ولا بالاشتراك، وأما إذا فرض أنها غير وافية، فعندئذلابد من الالتزام بأحد أمرين: إما الاشتراك وتعدد الوضع أو المجاز. فإذن لايمكن تفسير الاشتراك على أساس الضرورة. وأما لو قلنا بأن كثرة المعاني‏وعدم‏تناهيها تقتضي أوضاعاً غير متناهية، ففي مثل ذلك هل يمكن الاستغناءعن الاشتراك بالمجاز؟
الظاهر أنه لا يمكن، إذ حينئذ لابد من افتراض علاقات غير متناهية بين‏المعنى الحقيقي المتناهي والمعنى المجازي غير المتناهي، وحيث إن كل علاقة تمثل‏حيثية في المعنى الحقيقي، فيؤدي ذلك إلى اشتمال المعنى الحقيقي على حيثيات غيرمتناهية، وإن فرض أن ذات العلاقة واحدة إلاّ أن حيثيتها تختلف باختلاف‏المعاني المجازية وكل هذه الحيثيات بحاجة إلى لفظ يدل عليها فيعود المحذور، لأن‏الألفاظ متناهية. فإذن لا يمكن الاستغناء عن الاشتراك بالمجاز.
وعلى هذا، فإن كان مراده‏قدس سره من هذا الجواب الاستغناء عن ضرورةالاشتراك في اللغات على الفرضين الأولين فهو صحيح. وإن كان مراده‏قدس سره منه‏الاستغناء عنها على الفرض الثالث الأخير كما هو الظاهر، فقد عرفت أنه لايدفع‏ضرورة الالتزام بالاشتراك، بل يعود إليها.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد أجاب عن ذلك بأن الألفاظ وإن كانت موادهامتناهية من الواحد إلى الثمانية والعشرين حرفاً مثلاً، إلاّ أنها بحسب صورهاوهيئاتها الحاصلة من ضم بعضها إلى بعضها الآخر غير متناهية، فان اختلاف‏الألفاظ وتعددها بالصور والهيئات التي تتكون من التقديم والتأخير والزيادةوالنقصان، والحركات والسكنات، وهكذا، يؤدي إلى مالا نهاية له، وهذا نظيرالعدد، فإن مواده وإن كانت آحاداً محدودة من الواحد إلى العشرة، إلاّ أن تركبه‏منها بحسب سلسلته الطولية يبلغ إلى مالا نهاية له(4).
فالنتيجة: أن الألفاظ غير متناهية كالمعاني والأعداد.
وأورد عليه بعض المحققين‏قدس سره بأن الألفاظ مهما كان لها صور فإنها تظل دائماًأقل من المعاني، بدعوى أن أي تركيب لفظي كما يحقق لفظاً جديداً، كذلك‏يحقق‏معنى جديداً(5).
ولكن يمكن المناقشة في هذا الإيراد بتقريب أنه لا ملازمة بين تحقق لفظجديد من تركيب لفظي وتحقق معنى جديد له، لإمكان أن يكون من الألفاظالجديدة التي في طول سلسلة صورها وهيئاتها غير المتناهية مهملة ولم يكن‏لهامعنى، وحينئذ يوضع هذا اللفظ بإزاء معنى من تلك المعاني الذي ليس له‏لفظ،وهكذا.
وبكلمة، إنه يمكن افتراض لفظ جديد من تركيب لفظي من دون أن يكون له‏معنى، كما هو الحال في الألفاظ المهملة، فإن التركيبات اللفظية تحقق هذه الألفاظولا تحقق لها معان. فإذن لا ملازمة بين أي صورة من صور الألفاظ الجديدةالحاصلة من التركيبات اللفظية الاعتبارية وبين خلق معنى جديد. نعم التركيب‏اللفظي إذا كان من مشتقات المادة الموضوعة لمعنى، فإنه كما يحقق لفظاً جديداًكذلك يحقق معنى جديداً.
ولكن محل الكلام إنما هو في مطلق الصور والهيئات الحاصلة من التركيبات‏اللفظية، سواء أكان حصولها بالتقديم أو التأخير أو الزيادة أو النقصان أوالحركات والسكنات أم كان بغير ذلك كالمشتقات المصطلحة. وعلى هذا فإذاكانت الصور والهيئات من مشتقات المادة الموضوعة لمعنى، فإنها كما تحقق لفظاًجديداً كذلك تحقق معنى جديداً، وأما إذا لم تكن الصور والهيئات منها فلاملازمة بين تحقق لفظ جديد ومعنى كذلك.
فالنتيجة: أنه لا ملازمة بين خلق لفظ جديد وخلق معنى جديد، لتظل‏الألفاظ أقل عدداً من المعاني دائماً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن الألفاظ إذا كانت بتمام صورها وأشكالها المكونة من‏التركيبات اللفظية الاعتبارية غير متناهية كالمعاني فكيف يتصور أنها تكون‏أقل عدداً من المعاني، لوضوح أن الأقلية والأكثرية انما هما من صفات الأشياءالمتناهية. وأما غير المتناهي فلا يعقل أن يتصف بالأقل أو الأكثر، وإلاّلزم‏الخلف.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الألفاظ كالمعاني غيرمتناهية، وعليه فلا موجب للإشتراك اللفظي فضلاً عن وجوبه.
وعلى تقدير تسليم أن الألفاظ متناهية والمعاني غير متناهية فمع ذلك لاضرورة للإشتراك، فإنه مضافاً إلى امكان الاستغناء عنه بالبديل، أن الوضع‏يكون بمقدار حاجة الانسان دون الأكثر، وإن كان الواضع هو اللَّه تعالى كما مر.
وأمّا الكلام في الجهة الثالثة: فالظاهر أن الاشتراك اللفظي لا ينحصربتعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى على صعيد لغوي واحد، إذ كما يمكن ذلك‏يمكن أن يكون ناشئاً من خلط اللغات بعضها ببعض، على أساس أن في القرون‏الاُولى كان لكل مجموعة على وجه الكرة الأرضية لغة خاصة بهم، بلحاظ عدم‏وسائل الارتباط والاتصال بينهم. ولكن بعد توفر وسائل الارتباط والاتصال‏بينهم، أصبحوا بحكم مجتمع واحد وبلدة واحدة. ومن الطبيعي أن هذا يؤدي إلى‏الاختلاط بين لغاتهم، وبذلك يحدث الاشتراك.
وبكملة، إن الاشتراك كما يتصور في الأعلام الشخصية، يتصور في أسماءالأجناس أيضاً، ومنشؤه أحد الأمرين: هما تعدد الوضع والاختلاطبين‏اللغات.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن الاشتراك اللفظي بمعنى تعدد وضع لفظ واحد لأكثر من معنى في‏اللغات بمكان من الامكان. ودعوى استحالته من جهة أنه ينافي حكمة الوضع‏وهي التفهيم والتفهم، مدفوعة بأن حكمة الوضع هي إعطاء صفة القابلية للفظللدلالة والحكاية عن المعنى بنفسه، بعدما لم يكن واجداً لهذه الصفة ذاتاً.والاشتراك لاينافي هذه القابلية، وإنما ينافي فعليتها. ومن هنا تتوقف فعلية دلالةاللفظ المشترك على أحد معنييه أو معانيه معيناً على قرينة معينة، لا أصل قابليته‏للدلالة عليه.
الثانية:أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الغرض من الوضع قد يكون‏الاهمال والاجمال، فلا يمكن المساعدة عليه.
الثالثة: أن القول بوجوب وقوع الاشتراك، بدعوى أن الألفاظ متناهيةوالمعاني غير متناهية لا يرجع إلى معنى محصل.
أما أولاً: فلأن الألفاظ كالمعاني غير متناهية.
وأما ثانياً: فعلى تقدير تسليم تناهي الألفاظ، فيمكن الاستغناء عن‏الاشتراك بالالتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص أو الوضع العام‏والموضوع له العام.
وأما ثالثاً: فإن الوضع انما هو لاشباع حاجة الانسان، وهي متناهيةكالانسان، وعليه فالوضع غير المتناهي على تقدير إمكانه، كما إذا كان الواضع‏هو اللَّه تعالى لغو.
الرابعة: أن محاولة المحقق الخراساني‏قدس سره للتغلب على شبهة ضرورة وقوع‏الاشتراك في اللغات بما يلي، من أن المعاني الجزئية وإن كانت غير متناهية، إلاّ أن‏المعاني الكلية متناهية، وحينئذ فيمكن الاستغناء عن الاشتراك بوضع الألفاظبإزائها، غير تامة،
أولاً: لما مر من أن المعاني الكلية كالمعاني الجزئية غير متناهية.
وثانياً: إن عدم تناهي المعاني وتناهي الألفاظ، لا يتطلب ضرورة الاشتراك‏كما مرّ.
دلالة اللفظ على المعنى المجازي ...
وثالثاً: إن الوضع إنما هو بمقدار الحاجة لا أكثر، ولا فرق في ذلك بين أن‏تكون المعاني متناهية، أو غير متناهية.
الخامسة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الألفاظ كالمعاني غير متناهيةتام، وما أورد عليه من أن الألفاظ وإن كانت غير متناهية، إلاّ أنها تظل أقل‏عدداً من المعاني غير تام، على ماتقدم شرحه.
السادسة: الظاهر أن الاشتراك اللفظي واقع في اللغات، ومنشؤه إما الوضع،أو الاختلاط بين اللغات، وهذا بلا فرق بين اعلام الأشخاص وأسماء الأجناس.

دلالة اللفظ على المعنى المجازي‏
في هذا البحث اتجاهان:
الأول: إتجاه السكاكي في باب المجاز.
الثاني: إتجاه المشهور في هذا الباب.
أمّا الإتجاه الأول، فقد أنكر السكاكي كون المجاز استعمالاً للفظ في غيرالمعنى الموضوع له، واعتبره من باب الاستعمال في المعنى الحقيقي، والتجوز إنما هوفي تطبيق ذلك المعنى الحقيقي على فرده في الخارج إدعاءً. مثلاً لفظ الأسد قداُستعمل في معناه الموضوع له، وهو الحيوان المفترس في بابي الحقيقة والمجاز معاً،غاية الأمر يكون انطباقه على فرده الواقعي حقيقياً فلا عناية ولاتجوّز حينئذ لافي الكلمة ولا في التطبيق والاسناد، وأما انطباقه على فرده التنزيلي كالرجل‏الشجاع - مثلاً - فهو عنائي، فيكون التجوز حينئذ في التطبيق والاسناد لا في‏الكلمة. ومن هنا يكون المدلول المجازي على ضوء هذا الإتجاه مدلولاً عقلياًادعائياً لا لفظياً.
وأمّا الإتجاه الثاني: فهو مبني على أن المجاز إنما هو في مدلول الكلمةمباشرة، لأنه استعمال اللفظ في معنى غير معناه الموضوع له على حد استعماله في‏معناه الموضوع له، فلا فرق بين المجاز والحقيقة من هذه الناحية، وإنما الفرق بينهمافي النقطتين التاليتين:
الاُولى: أن المؤهل لصلاحيته للدلالة على المعنى المجازي العلاقة بينه وبين‏المعنى الحقيقي التي تنشأ من هذه العلاقة، علاقة بين اللفظ والمعنى المجازي بالتبع،وفي طول العلاقة بين اللفظ والمعنى الحقيقي.
الثانية: أن فعلية دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي عند الاستعمال أيضاً مستندةإلى الوضع، فالوضع منشأ وعلة للصلاحية والفعلية معاً، بينما فعلية دلالة اللفظعلى المعنى المجازي تتوقف على نصب قرينة صارفة.
اتجاه السكاكي‏
محتملات هذا الإتجاه اُمور:
الأول: ادعاء أن المعنى المجازي هو المعنى الحقيقي بالحمل الأولي، بأن يدعى‏أن مفهوم الرجل الشجاع هو نفس مفهوم الحيوان المفترس، واستعمال لفظالأسد فيه إنما هو على أساس هذه العينية الادعائية.
الثاني: ادعاء أن المعنى المجازي كالمعنى الحقيقي في الأثر، بأن يدعى أن مفهوم‏الرجل الشجاع كمفهوم الحيوان المفترس في صحة استعمال لفظ الأسد فيه.
الثالث: ادعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي بالحمل الشائع، بأن‏يدعى أن المعنى الحقيقي ينطبق عليه كانطباقه على فرده الحقيقي، غاية الأمر أن‏هذا حقيقي وذاك ادعائي.
والفرق بين هذه المحتملات، هو أنّ مرد الأول إلى إدعاء توسعة المعنى الحقيقي‏في مرحلة المفهوم. ومرد الثاني إلى ادعاء توسعته بلحاظ الأثر المترتب عليه.ومرد الثالث إلى ادعاء توسعته في مرحلة التطبيق.
ولنأخذ بالنقد على الجميع.
أما الأول: فيرد عليه أولاً: أنه يثبت عكس اتجاه السكاكي، وهو اتجاه‏المشهور، فان معنى ادعاء أن مفهوم الرجل الشجاع عين مفهوم الحيوان‏المفترس، هو صحة استعمال لفظ الأسد في الحيوان المفترس إلا دعائي.والمفروض أن استعماله فيه بما أنه استعمال في معنىً غير المعنى الموضوع له،فيكون مجازاً في الكلمة، لا في أمر عقلي‏صرف من الاسناد و التطبيق. فبالنتيجةإن هذا الادعاء يحقق المجاز في الكلمة لا في الأمر العقلي.
وثانياً: أن هذا الادعاء - أي ادعاء عينية المعنى المجازي للمعنى الحقيقي في‏مرحلة المفهوم وبالحمل الأولي - لا يخرج عن مجرد الادعاء، ولا يكون أكثر من‏لقلقة اللسان، لأن موطن هذا الادعاء إنما هو عالم المفهوم، والمفروض أن مفهوم‏الرجل الشجاع مثلاً في هذا العالم مباين لمفهوم الحيوان المفترس، على أساس أن‏المفاهيم في عالم المفهومية متباينات كالموجودات في عالم الوجود، ومع هذا ادعاءأن الرجل الشجاع مفهوماً، عين الحيوان المفترس كذلك في عالم المفهوم، ادعاءلا يمكن صدوره عن عاقل ملتفت، لأنه لا يكون أكثر من التلفظ بكلام لا معنى‏له، ولا يمكن أن تترتب على هذا الادعاء صحة الاستعمال، أي استعمال لفظالأسد مثلاً في مفهوم الرجل الشجاع لا حقيقة ولا إدعاء، أما عدم صحته‏حقيقتا، فلأنها مبنية على أساس العينية الواقعية، والمفروض عدمها، وأما عدم‏صحته ادعاءً، فلأنها مبنية على أن تكون بين المفهومين مناسبة توجب حدوث‏علقة وربط بين اللفظ والمفهوم المجازي بالتبع، فإذا كانت بينهما مناسبة كذلك،صح استعمال لفظ الأسد في مفهوم الرجل الشجاع، كان هناك ادعاء العينية بينه‏وبين الحيوان المفترس أم لم يكن. وإن لم تكن بينهما مناسبة، لم يصح الاستعمال‏وإن ادعي العينية بينهما في عالم المفهوم، فإن ادعاء العينية لا يغير الواقع، ولايوجب توسعة العلقة الوضعية بين لفظ الأسد ومفهوم الحيوان المفترس حكماًلكي تشمل مفهوم الرجل الشجاع أيضاً، ولا يكون مرجع هذا الادعاء إلى‏وضع جديد بين لفظ الأسد والرجل الشجاع، فإنه خلف الفرض، إذ لازم ذلك‏أن استعماله فيه حقيقي أيضاً لا مجازي وادعائي.
وأما الثاني فيرد عليه أنه لا أثر للادعاء وتنزيل المعنى المجازي منزلة المعنى‏الحقيقي في صحة الاستعمال، وذلك لأن صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي‏مرتبطة بوجود العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، التي على أثرها تحدث‏العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي مباشرة و بالتبع، وهذه العلاقة هي المصححةلاستعماله فيه. وعلى هذا فإن كانت العلاقة والمناسبة موجودة بين المعنى المجازي‏كالرجل الشجاع،والمعنى الحقيقي كالحيوان المفترس، صح على أثرها استعمال‏لفظ الأسد في الرجل الشجاع، كان هناك ادعاء وتنزيل أم لا، وإن لم تكن‏موجودة بينهما، لم يصح استعماله فيه وإن كان هناك ادعاء وتنزيل، فإنه لا يغيرالواقع، ولا يكون أكثر من لقلقة اللسان محضاً، بداهة أنه لا يوجب إيجادالمناسبة والعلاقة بينهما تكويناً بعدما لم تكن، ولا تكوين الدلالة، لأنهاتتوقف‏على وجود العلاقة والمناسبة، وإلاّ فلا دلالة، ولا يوجب توسعة العلقةالوضعية حكماً.
وإن شئت قلت: إن صحة الاستعمال والدلالة من الآثار التكوينية للعلقةالوضعية ولو حكماً، كالعلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي تبعاً للعلقةالوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي، ولا يمكن اثباتها بالادعاء والتنزيل، لأن‏الثابت بالتنزيل، انما هو الآثار المجعولة من قبل المنزل دون الآثار التكوينية التي‏هي تتبع عللها ومناشئها.
وأما الثالث وهو ادعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي فإنه إن اُريدبه أن لفظ الأسد مثلاً في مثل قولنا جئني بأسد، استعمل في معناه الحقيقي، وهوالحيوان المفترس، والمجاز إنما هو في تطبيقه، فإنه إن كان على فرده الحقيقي وهوالحيوان المفترس فلا مجاز، لا في الكلمة لفرض أنها مستعملة في معناها الموضوع‏له، ولا في الاسناد والتطبيق لفرض أنه حقيقي، وإن كان على فرده الادعائي‏كالرجل الشجاع، كان المجاز في الاسناد والتطبيق، لا في الكلمة.
ومن هنا يظهر أن مورد المجاز والحقيقة في الكلمة، يختلف عن مورد المجازوالحقيقة في الاسناد والتطبيق، فإن مورد الأول المراد الاستعمالي، لأنه إن كان‏المعنى الموضوع له، كان استعمال الكلمة فيه حقيقياً، وإن كان معنى مناسباًللمعنى الموضوع له، كان استعمالها فيه مجازياً. ومورد الثاني المراد الجدي، فإن‏تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجدي في الواقع إن كان على فرده ومصداقه‏واقعاً كان الاسناد والتطبيق حقيقياً، وإن كان على فرده تنزيلاً وادعاءً، كان‏الاسناد والتطبيق مجازياً.
فإن اُريد به ذلك فيرد عليه أنه لا أثر لهذا الادعاء والتنزيل، فإنه لا يوجب‏انقلاب الواقع، ولا يجعل ماليس بفرد للمعنى فرداً له، وذلك لأن الادعاءوالتنزيل إنما يصح بلحاظ الآثار المجعولة من قبل المنزّل كالتنزيلات الشرعية،ولا يصح بلحاظ الآثار التكوينية، باعتبار أنها تتبع تحقق موضوعها ومنشئها،فإن تحقق ترتبت عليه، وإلاّ فلا، والمفروض أن التنزيل لا يحقق موضوعه‏تكويناً، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن التنزيل والادعاء فيه إنما هو بلحاظتطبيق المعنى المستعمل فيه على الفرد التنزيلي والادعائي، وعلى هذا فالفردالمنزل، إن كان مشابهاً للفرد الحقيقي ومناسباً له، أمكن انطباقه عليه مجازاًوعناية، وإن لم يكن مشابها ومناسباً له، لم يصح الانطباق والاسناد مجازاً أيضاً،ومن الواضح أن التنزيل والادعاء بأنه كالفرد الحقيقي له لا يكون مؤثراً، ولايوجب حدوث العلاقة والمشابهة له، فأنه لا يؤثر في إيجاد أمر تكويني.
وبكلمة، إن صحة الاستعمال المجازي، سواء أكانت في الكلمة أم كانت في‏الاسناد، تتوقف على وجود نوع علاقة بين‏المعنى الحقيقي والمعنى المجازي في‏المرتبة السابقة، وهذه العلاقة كما تؤهل اللفظ للدلالة على المعنى المجازي‏كالوضع، كذلك تؤهل صحة تطبيق المعنى الحقيقي عليه وتنزيله منزلة فرده‏الواقعي، ولولا تلك العلاقة فلا أثر للتنزيل والادعاء، فإنه لا يحدث علاقةعلى‏الفرض.
وعلى هذا الأساس، فإذا نظرنا إلى جملة رأيت أسداً يرمي، أو جئني بأسد،أو جاءني أسد، أو ما شاكلها، فنرى أن لفظ أسد قد استعمل في الرجل الشجاع‏مباشرة، على أساس وجود العلاقة بينه وبين معناها الموضوع له، وهو الحيوان‏المفترس، ومن الواضح أن الالتزام في هذه الأمثلة ونظائرها، بأن المجاز انما هو في‏التطبيق والاسناد لا في الكلمة بعيد عرفاً، إذ لا شبهة في ظهورها العرفي في المجازفي الكلمة. نعم في مثل قولنا زيد أسد أو زيد بدر، يكون المجاز في التطبيق‏والاسناد لا في الكلمة، لأن الظاهر أن كلمة )أسد( وكلمة )بدر( في هذه الأمثلةوما يشاكلها، استعملتا في معناهما الموضوع له، والمجاز انما هو في تطبيقه على‏المراد الجدي.
والخلاصة: أن اتجاه السكاكي، بأن التجوز في الإستعمالات المتعارفة بين‏العرف العام جميعاً، إنما هو في مرحلة تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجدي‏ادعاء وتنزيلاً لا في الكلمة، وأنها مستعملة في معناها الحقيقي في تلك‏الإستعمالات دائماً، مما لا يمكن الالتزام به مطلقاً، كما سوف نشير إليه، ولا يصلح‏أن يكون ميزاناً عاماً للتجوز في اللغات. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن انطباق المعنى المستعمل فيه على الفرد في الخارج منوطبأحد أمرين:
الأول: أن يكون ذلك الفرد فرداً له واقعاً.
الثاني : أن تكون له علاقة به كعلاقة المشابهة أو نحوها.
فعلى الأول يكون انطباقه عليه حقيقياً. وعلى الثاني يكون مجازياً، وتمام‏الملاك بصحة انطباقه على الثاني انما هو بوجود العلاقة والمناسبة بينهما، كان‏هناك تنزيل وادعاء أم لا. كما أنه لا يصح الانطباق، إذا لم تكن علاقة ومناسبةبينهما، وإن كان هناك تنزيل وادعاء. فالمعيار انما هو بوجود العلاقة المصححةللتجوز لا بالتنزيل والادعاء.
وإن اُريد به أن اللفظ كلفظ الأسد مثلاً، وان استعمل في الرجل الشجاع‏مباشرة، ولكنه كان بعد التنزيل والادعاء بأنه هو الحيوان المفترس، فيرد عليه‏أن صحة الاستعمال المجازي منوطة بوجود علاقة ومناسبة بينه وبين المعنى‏الحقيقي، فإذا كانت موجودة بينهما صح، كان هناك تنزيل أم لا، ويكون من‏المجاز في الكلمة لا في الاسناد. وإن لم تكن علاقة بينهما لم يصح، سواءً أكان هناك‏تنزيل أم لا، لأن التنزيل والادعاء لا يحقق العلاقة بينهما بعد مالم تكن.
وقد أورد على هذا الإتجاه بعض المحققين‏قدس سره بوجوه اُخرى(6).
الأول: أن التجوز في الكلام لا ينحصر بموارد اشتماله على المراد الجدي، بأن‏يكون له مدلول استعمالي ومدلول جدي معاً، بل يتصور في موارد يكون الداعي‏للكلام الهزل أو الإمتحان دون الجد، بأن يكون الكلام متمحضاً في المرادالاستعمالي فحسب. وعلى هذا فإن كان المجاز مراداً في مرحلة المدلول‏الاستعمالي، فهو لا ينسجم مع المدعى، وهو كون المجاز مراداً في مرحلة المدلول‏الجدّي، وإن كان مراداً في مرحلة المدلول الجدي، فهو خلف فرض أن الكلام‏متمحض في المراد الاستعمالي.
ويمكن المناقشة فيه‏
أولاً: أن هذا الإشكال لو تم، فإنما يتم على الفرض الأول، وهو ما إذا كان‏المجاز في تطبيق المراد الاستعمالي على المراد الجدي. ولكنه لا يتم على الفرض‏الثاني وهو ما إذا استعمل اللفظ في المعنى المجازي مباشرة بعد التنزيل‏والادعاءبأنه هو المعنى الحقيقي، فان المجاز في هذا الفرض لايستلزم أن يكون‏للكلام مراد جدي.
وثانياً: أن السكاكي لا ينكر المجاز في الكلمة نهائياً حتى في موارد الهزل، وانماينكر التجوز في الكلمة في الإستعمالات الشائعة المتعارفة بين العرف العام، التي‏هي مبنية غالباً على البلاغة والفصاحة ونوع من المبالغة، ويدعي أن المجاز فيهاإنما هو في الاسناد والتطبيق على المراد الجدي لا في الكلمة، على أساس أن ذلك‏هو المناسب للبلاغة والفصاحة، ومن هنا يفرق في العرف العام بين قولنا )زيدقمر(، وقولنا )زيد حسن الوجه(، أو بين قولنا )زيد أسد(، وقولنا )زيدشجاع( وهكذا.
الثاني: أن لازم هذا الإتجاه، هو أن يكون المعنى الحقيقي معنى كلياً حتى‏يفترض كون هذا الفرد فرداً له، وعلى هذا فإذا كان المعنى الحقيقي معنىً جزئياًفلا يمكن افتراض كون هذا الفرد فرداً له، فإنه إنما يمكن إذا كان المعنى الحقيقي‏كلياً، وعلى هذا فإذا فرض أن كلمتي »الشمس« و»القمر« موضوعتان لهذين‏النيرين الخاصين، فلا يمكن تطبيق هذا التفسير على قولنا »هذا قمر أو شمس«،أو »أن هؤلاء أقمار أو شموس«، لأن المعنى الموضوع له للقمر أو الشمس، بما أنه‏جزئي حقيقي، فهو غير قابل للانطباق على كثيرين، فلا يمكن القول حينئذ بأن‏المجاز إنما هو في التطبيق والاسناد، لأنه فرع كلية المعنى الحقيقي.
والجواب أولاً: أن هذا الإشكال لم يرد على الفرض الثاني، باعتبار أنه مبني‏على تنزيل المعنى المجازي بمنزلة المعنى الحقيقي في مرحلة المدلول الاستعمالي، لافي مرحلة التطبيق على المراد الجدي كما هو مقتضى الفرض الأول، ولا يتطلب‏هذا التنزيل كون المعنى الحقيقي كلياً، إذ لا مانع فيه من كون المعنى الحقيقي جزئياًوالمعنى المجازي كلياً.
وثانياً: أن كون المعنى الحقيقي جزئياً، لا يمنع عن افتراض المعنى المجازي فرداًله تنزيلاً، فإذا نزّل وصار فرداً له كذلك، أصبح المعنى الحقيقي ذا فردين،أحدهما فرد حقيقي له، والآخر فرد تنزيلي، ولا يتطلب ذلك كون المعنى الحقيقي‏كلياً في نفسه.
وبكلمة، إن هذا الإتجاه مبني على أن المجاز إنما هو في تطبيق المدلول‏الاستعمالي على المدلول الجدي، فإن كان المدلول الجدي واقعياً، كان التطبيق‏حقيقياً، وحينئذ فإن كان المدلول الاستعمالي كلياً، كانت نسبته اليه نسبة تطبيق‏الكلي على فرده في الخارج، وإن كان جزئياً، كانت نسبته إليه نسبة المفهوم‏الجزئي إلى واقعه الخارجي، وإن كان المدلول الجدي عنائياً، كانت نسبته إليه‏نسبة تطبيقه على فرده العنائي،ومن الواضح أن ذلك لا يتطلب كون المدلول‏الاستعمالي كلياً، فإنه وإن كان جزئياً، ولكن بعد إيجاد الفرد التنزيلي له، أصبح‏كلياً تنزيلياً وعنائياً، وكان المجاز في نسبته إلى هذا الفرد التنزيلي العنائي،وتطبيقه عليه.
ودعوى أن كلمة التطبيق تقتضي كون المعنى الحقيقي كلياً، إذ لو كان جزئياًحقيقياً فهو غير قابل للتطبيق، مدفوعة بأن المعنى الموضوع له إن كان جزئياًحقيقياً فهو غير قابل للتطبيق على كثيرين، لا أنه غير قابل للتطبيق على فرده في‏الخارج ومصداقه فيه. مثلاً مفهوم زيد غير قابل للانطباق على كثيرين في‏الخارج، ولكنه ينطبق على زيد فيه، هذا إضافة إلى أن الكلام في المقام ليس في‏ظهور اللفظ عرفاً، وإنما هو في نسبة المدلول الاستعمالي إلى المدلول الجدي،وهذه النسبة حقيقية إذا كان المدلول الجدي حقيقياً، وعنائية إذا كان المدلول‏الجدي عنائياً. ومن الواضح أن هذا لا يتطلب كون المدلول الاستعمالي كلياً،وعنوان التطبيق مرآة لذلك، ولا موضوعية له.
الثالث: أن الوجدان يحكم بأن اسباغ صفات المعنى الحقيقي ادعاءً وتنزيلاًعلى شي‏ء قد يؤدي إلى عكس المقصود للمتجوز، فان من يريد أن يبالغ في جمال‏يوسف فيقول »إنه بدر«، ليس في ذهنه اطلاقاً ادعاء أن وجه يوسف مستديركالبدر، وإلاّ لفقد جماله كانسان، لأن صفات البدر أنما تكون سبباً للجمال في‏البدر بالذات لا في الانسان.
والجواب: أن معنى التنزيل ليس اسباغ تمام صفات المعنى الحقيقي ادعاءًوتنزيلاً على المعنى المجازي، لكي يؤدي إلى خلاف المقصود، بل معناه اسباغ‏بعض صفات المعنى الحقيقي على المعنى المجازي، لوضوح أن المتمثل في المعنى‏المجازي بعض صفات المعنى الحقيقي لاتمام صفاته، وإلاّ لكان فرداً حقيقياً له لاادعائياً، ومن الواضح أن تمثل بعض صفاته فيه، يكفي في صحة الادعاءوالتنزيل، ولهذا من يريد أن يبالغ في جمال يوسف فيقول إنه بدر، رغم أنه واجدلبعض صفات البدر لاتمامها، وإلاّ لفقد جماله كانسان، ومن يريد أن يبالغ في‏شجاعة زيد فيقول إنه أسد، مع أنه واجد لأشهر صفاته دون تمامها، وإلاّ لفقدشجاعته كإنسان.
فالنتيجة: في نهاية المطاف أن الأظهر عدم صحة شي من هذه الإشكالات‏على اتجاه السكاكي.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد مال إلى اتجاه السكاكي، بدعوى أنه أقرب إلى‏مقتضى الحال، على أساس أنه يتضمن خصوصية تدل على نوع من المبالغة في‏الكلام، وهذا بخلاف المجاز على مسلك القوم، فإنه لا يتضمن خصوصية تدل‏على ذلك، فإذا قيل زيد أسد، فإن كان لفظ الأسد مستعملاً في الحيوان المفترس‏وكان التجوز في الاسناد والتطبيق دل على أن القائل به بالغ في شجاعة زيد حتى‏جعله من أفراد الحيوان المفترس، بينما إذا كان لفظ الأسد مستعملاً في الرجل‏الشجاع لم يدل على هذه النكتة(7).
أو فقل: إن الأسد في المثال المتقدم، إذا كان مستعملاً في الحيوان المفترس،واُريد تطبيقه على زيد الشجاع استبطن الكلام نكتة الأبلغية، بينما إذا كان‏مستعملاً في الرجل الشجاع، لم يستبطن هذه النكتة، بل هو بمثابة أن يقول )زيدرجل شجاع( فلذلك مال‏قدس سره إلى اتجاه السكاكي، باعتبار أنه أبلغ.
ولنا تعليق على ذلك.
أما أولاً: فلأن ما أفاده‏قدس سره لو تم فإنما يتم في المثال المذكور ونظائره، ولا يتم‏في مثل قولنا »رأيت أسداً يرمي« إذ لا شبهة في أن المتبادر منه والمستقر في‏الذهن بلا تأمل وتردد، هو صورة رجل شجاع يرمي بالسهم، لا صورة حيوان‏مفترس بين يده قوس وسهم يرمي بهما، باعتبار غربتها وعدم الاُنس الذهني بهاالموجب لخطورها، وعليه فدعوى أن لفظ الأسد في المثال مستعمل في الحيوان‏المفترس ولكن المراد الجدي منه الرجل الشجاع، خلاف الوجدان، لماعرفت‏من أن المتبادر منه صورة رجل شجاع يرمي بالسهم، لا صورة حيوان‏مفترس كذلك.
وثانياً: إن نكتة الأبلغية إنما هي في لفظ الأسد، فإنه يمثل تلك النكتة بلا فرق‏بين أن يكون مستعملاً في معناه الحقيقي وهو الحيوان المفترس وكان التصرف في‏التطبيق والاسناد، أو مستعملاً في معناه المجازي مباشرة وهو الرجل الشجاع،فإنه على كلا التقديرين يستبطن تلك النكتة، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون‏لفظ الأسد في مثل قولنا »زيد أسد« مستعملاً في الحيوان المفترس وكان التجوزفي التطبيق أو مستعملاً في الرجل الشجاع وكان التجوز في الكلمة، فإنه على كلاالتقديرين أبلغ بمقتضى الحال من قولنا زيد رجل شجاع، فإذن الخصوصية إنماهي في اللفظ، كان المجاز في الاسناد والتطبيق أم كان في الكلمة، لا أن‏الخصوصية في كون المجاز في الاسناد والتطبيق دون الكلمة، وكذلك الحال في‏قولنا رأيت أسداً يرمي، فإنه آكد وأبلغ من قولنا رأيت رجلاً شجاعاً يرمي.ومن هذا القبيل من يريد أن يبالغ في جمال زيد فيقول إنه قمر، فإنه أبلغ على‏كلاالاتجاهين، من قوله زيد حسن الوجه، وكذا قوله إنه بدر، فإنه أبلغ من قوله‏إنه جميل وهكذا.
وبكلمة، أنه لا فرق بين الإتجاه المشهور واتجاه السكاكي، فإن قولنا زيد أسدأبلغ وآكد على كلا الاتجاهين من قولنا زيد رجل شجاع. والنكتة فيه أن الأول‏يدل على أنه بلغ من الشجاعة درجة يكون مناظراً للحيوان المفترس، وعلى‏الثاني يدل على أنه شجاع، ويكفي في صحة اطلاقه وجود أدنى مرتبة الشجاعةفيه،وكذلك الحال في قولنا زيد بدر،فانه يدل على أنه بلغ في الجمال وحسن‏الوجه درجة يناظر البدر،بينما قولنا زيد حسن الوجه لا يدل على ذلك،إذ يكفي‏في صحته وجود أدنى مرتبة الجمال فيه، وهكذا.
فالنتيجة: أن الخصوصية انما هي في اللفظ بلا فرق بين المجاز في الكلمة والمجازفي الاسناد، لا في كون المجاز في الاسناد والتطبيق دون الكلمة. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أن لفظ الأسد في مثل قولنا زيد أسد، هل استعمل في‏الحيوان المفترس، والتجوز إنما هو في مرحلة التطبيق، أو إنه استعمل في الرجل‏الشجاع مباشرة، ويكون المجاز في الكلمة، بعد عدم الفرق بين الصورتين في‏الدلالة على الأبلغية؟
والجواب: أن المتبادر من لفظ الأسد في المثال بلحاظ الدلالات التصورية،هو صورة الحيوان المفترس، وانتقال الذهن إليها قهراً عند الإحساس بلفظالأسد، وأما كون هذه الصورة مرادة بالارادة الاستعمالية في ظرفها فهو غيرمعلوم، إذ كما يحتمل أن يكون المراد الاستعمالي من لفظ الأسد في المثال، هوالحيوان المفترس، والتجوز إنما هو في الاسناد والتطبيق، يحتمل أن يكون المرادالاستعمالي منه الرجل الشجاع، ولا قرينة على الأول في المثال، ولا يكون‏استعماله في الحيوان المفترس أبلغ وآكد من استعماله في الرجل الشجاع، حتى‏يكون ذلك قرينة على تعيين الاحتمال الأول، لما مر من أن الخصوصية الدالة على‏الأبلغية، إنما هي في استخدام لفظ الأسد واستعماله لا في المستعمل فيه. ومن هناقلنا إنه لا فرق في دلالة هذا اللفظ على الخصوصية المذكورة بين اتجاه المشهورواتجاه السكاكي.
والخلاصة، ففي مثل قولنا »زيد أسد« أو »إن هؤلاء أقمار أو شموس«، كمايحتمل أن المستعمل استعمل لفظ الأسد في الحيوان المفترس وأراد تطبيقه على‏زيد الشجاع في مرحلة الجد مبالغاً أنه فرده، وكذا الحال في لفظ القمر والشمس،يحتمل أنه استعمل لفظ الأسد في الرجل الشجاع ولفظ القمر أو الشمس في‏الانسان الجميل مبالغاً في شجاعته على الأول وجماله على الثاني، فالمرادالاستعمالي في الأول الحيوان المفترس، وفي الثاني الرجل الشجاع، وعليه‏فالتجوز على الأول يكون في التطبيق والاسناد، وعلى الثاني في الكلمة، وإذا لم‏تكن قرينة لا على الاحتمال الأول ولا على الاحتمال الثاني، فهل تصبح هذه‏الأمثلة ونظائرها مجملة؟
والجواب: لا يبعد دعوى ظهورها في الاحتمال الأول وكون المتفاهم منهاعرفاً أن المجاز إنما هو في الحمل والاسناد لا في الكلمة، فتأمل. وهذا بخلاف مثل‏قولنا رأيت أسداً يرمي، فإنه ظاهر عرفاً في الاحتمال الثاني، وهو أن لفظ الأسداستعمل في الرجل الشجاع.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الصحيح في المقام التفصيل،وعدم صحة اطلاق كلا الاتجاهين في تفسير المجاز تفسيراً عاماً، فإن اتجاه‏المشهور صحيح بنحو الموجبة الجزئية، وكذلك اتجاه السكاكي، كما مر.
نتيجة هذا البحث اُمور:
الأول: أن اتجاه السكاكي في تفسير المجاز، يمثل المجاز في التطبيق والاسنادلافي الكلمة، واتجاه المشهور في تفسيره يمثله في مدلول الكلمة مباشرةدون‏التطبيق والاسناد.
الثاني: أنه يمكن تفسير اتجاه السكاكي بأحد تفسيرات:
الأول: إدعاء أن المعنى المجازي هو المعنى الحقيقي في عالم المفهوم وبالحمل‏الأولي، واستعمال اللفظ فيه على أساس هذه العينية الادعائية.
الثاني: إدعاء أن المعنى المجازي، كالمعنى الحقيقي في صحة استعمال اللفظ فيه.
الثالث: إدعاء أن المعنى المجازي فرد من المعنى الحقيقي بالحمل الشائع، وأنه‏ينطبق عليه كانطباقه على فرده الحقيقي.
الثالث: أن التفسير الأول لا يرجع إلى معنى محصل، فإن ادعاء التوسعةوالعينية في عالم المفهوم بين المعنى المجازي والمعنى الحقيقي مجرد تلفظ، ولا يكون‏أكثر من لقلقة اللسان بدون أن يدل على شي، ومن الواضح أن هذا الادعاء لايصحح الاستعمال، بعد ما كانا متباينين في ذلك العالم. وكذلك التفسير الثاني،فان تنزيل المعنى المجازي منزلة المعنى الحقيقي في صحة الاستعمال، لا يرجع إلى‏معنى محصل، لأن صحة الاستعمال منوطة بأحد أمرين، إما الوضع وإما العلاقةوالمناسبة، والأول مفقود في المقام.
وأما الثاني فإن كانت هناك علاقة ومناسبة بينهما في المرتبة السابقة صح‏الاستعمال في المعنى المجازي، كان هناك ادعاء وتنزيل أم لا. وإن لم تكن علاقةبينهما، لم يصح الاستعمال وإن كان هناك تنزيل وادعاء، فإنه لا يوجب تكوين‏الدلالة، ولا توسعة العلقة الوضعية حكماً، كما تقدم.
الرابع: أن صحةالمجاز منوطة بوجودالعلاقة بين‏المعنى الحقيقي والمعنى المجازي‏في‏المرتبةالسابقة، سواءً أكان المجاز في‏الكلمة أم كان في‏الاسناد والتطبيق،غايةالأمر أن موردالمجاز على‏الأول المدلول‏الاستعمالي، وعلى‏الثاني المدلول‏الجدي، يعني في تطبيق‏المدلول الاستعمالي على‏المدلول الجدي واسناده‏إليه.
الخامس: أن ما أورده البعض على اتجاه السكاكي من الإشكالات، فقد تقدم‏المناقشة فيها جميعاً.
السادس: أن ما قيل من أن اتجاه السكاكي أبلغ وآكد من اتجاه المشهور، فمن‏أجل ذلك مال إليه السيد الاُستاذقدس سره لا يتم.
أما أولاً فلأنه لو تم فإنما يتم في بعض التركيبات المجازية، كقولنا زيد أسد،أوإن هؤلاء أقمار أو شموس، وما يناظر ذلك، ولكنه لا يتم في مثل قولنا رأيت‏أسداً يرمي، حيث إن لفظ الأسد في مثله قد استعمل في الرجل الشجاع، لافي‏الحيوان المفترس.
وأما ثانيا فلأنه لا يتم في التركيبات المذكورة أيضاً، لما مر من أن الخصوصيةالدالة على الأبلغية، إنما هي في خصوص اللفظ لا في المستعمل فيه، فإنه بلحاظتلك الخصوصية يدل على الأبلغية، سواءً أكان المعنى المستعمل فيه معنى حقيقياًأم مجازياً.
السابع: أن إتجاه كل من السكاكي والمشهور في تفسير المجاز لا يصلح تفسيراًعاماً للمجاز في اللغات، والصحيح في المقام التفصيل، كما مر.
منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي ...

منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي‏
يقع الكلام فيه تارة على أساس القول باعتبارية الوضع، أو القران المؤكد بين‏صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن. واُخرى على أساس القول بالتعهدوالالتزام.
أمّا على الأول: فيقع الكلام مرة في منشأ صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى‏المجازي، واُخرى في منشأ فعلية دلالته عليه.
أمّا الأول: فإن منشأ صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي بدلالةتصورية، إنما هو وجود علاقة ومناسبة بينه وبين المعنى الموضوع له، بحيث‏تعطي تلك العلاقة صفة الصلاحية للفظ لاخطار المعنى المجازي والدلالة عليه‏بنفسه، بعد ما لم تكن هذه الصلاحية ذاتية له.
وبكملة، إن صلاحية اللفظ كلفظ الأسد مثلاً للدلالة على المعنى المجازي‏كالرجل الشجاع، حيث إنها لم تكن ذاتية، فبطبيعة الحال تتوقف على عامل‏خارجي، وهو العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، وتلك العلاقة تجعل‏المعنى المجازي من توابع المعنى الحقيقي وأقماره، وبسببها تحدث العلاقة بين اللفظوالمعنى المجازي تبعاً لها، ولكن بدرجة أضعف منها وفي طولها، ومن هنا يعبر عن‏هذه العلاقة بالوضع التبعي، وعلى هذا فإذا وضع اللفظ بإزاء معنى، فكما أن‏العلاقة تحدث بينه وبين المعنى الموضوع له مباشرة، فكذلك تحدث بينه وبين كل‏معنى تكون له علاقة ومناسبة بالمعنى الموضوع له تبعاً وبالواسطة، وهذا معنى‏أن العلقة الوضعية تتوسع حكماً بتوسع العلائق بالمعنى الموضوع له، وحيث إن‏هذه العلاقة في طول العلاقة بين اللفظ والمعنى الحقيقي وتكون أضعف منها، فلاتعطي اللفظ إلاّ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي والحكاية عنه، بينما العلاقةبين اللفظ والمعنى الحقيقي، حيث إنها تكون أقوى منها، فتعطي للفظ صلاحيةالدلالة وفعليتها في ظرف الاستعمال معاً، بمعنى أن فعليتها لا تتوقف على مقدمةاُخرى وتؤثر في انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى عند الإحساس‏به، وتمنع عن تأثير العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي لمكان ضعفها. ومن هناتكون دلالة اللفظ على المعنى المجازي من تبعات الوضع ولوازمه وفي طول دلالته‏على المعنى الحقيقي، ولهذا تتوقف فعليتها والانتقال إليه على نصب قرينة صارفة.
فالنتيجة: أن صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي كصلاحيته للدلالةعلى المعنى الحقيقي، غاية الأمر أن الاُولى مستندة إلى الوضع بالواسطة، والثانيةإلى الوضع بالمباشرة.
وعلى ضوء ما ذكرناه، تمتاز دلالة اللفظ على المعنى المجازي عن دلالته على‏المعنى الحقيقي بعدة نقاط:
الاُولى: أن العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي علاقة بالتبع، فلذلك‏لا تعطي للفظ إلاّ صلاحية الدلالة عليه دون فعليتها، فإنها تتوقف على ضم‏قرينة صارفة إليها، بينما العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى الحقيقي، علاقةبالأصالة، ولهذا تعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة عليه والفعلية معاً، ولاتتوقف فعليتها على ضم شي آخر إليها عدا استعمال اللفظ واطلاقه.
الثانية: أن الدلالة على المعنى المجازي في طول الدلالة على المعنى الحقيقي،على أساس أن العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي في طول العلاقةالوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي رتبة، ومن هنا لا يحمل اللفظ على المعنى‏المجازي إلاّ عند تعذر إرادة المعنى الحقيقي منه عرفاً.
أو فقل: إن صلاحية انتقال الذهن من صورة اللفظ إلى صورة المعنى المجازي‏وإثارته في الذهن إنما هي بسبب علاقته بالمعنى الحقيقي، وتلك العلاقة إنما تسبّب‏هذه النقلة والإثارة بموجب أنها تحدث العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي تبعاً،ومن الطبيعي أن هذه العلاقة إنما تؤثر في ظرف عدم تأثير العلاقة بينه وبين المعنى‏الحقيقي، باعتبار أنها في طولها وأضعف منها، ومن أجل ذلك يكون الانتقال من‏تصور اللفظ إلى تصور المعنى المجازي، في طول الانتقال من تصوره إلى تصورالمعنى الحقيقي وعند تعذره لا مطلقاً.
الثالثة: أن دلالة اللفظ على‏المعنى المجازي بدلالة فعلية مرتبطة بتوفر عاملين:
الأول: وجود العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، بأن يشترك معه في حيثية من‏الحيثيات، وصفة من الصفات.
الثاني: وجود القرينة الصارفة في الكلام.
فإذا توفر هذان الأمران فيه أصبحت دلالته فعلية، فإن العلاقة تعطي له صفةالصلاحية، والقرينة الصارفة صفة الفعلية، بينما دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي‏مرتبطة بعامل واحد، وهو العلاقة الوضعية المباشرة بينهما، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى،أن القرينة الصارفة هل هي بنفسها تدل على المعنى‏المجازي، أو أنها تعطي اللفظ صفة الدلالة الفعلية، على أساس أنها تصرف‏الذهن عن الانتقال منه إلى المعنى الحقيقي، ومع هذا لا محالة ينتقل الذهن منه إلى‏المعنى المجازي، باعتبار أن المقتضي للانتقال إليه موجود، وهو العلاقة بينه وبين‏المعنى المجازي، والمانع عن تأثيرها هو تأثير العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي،فإذا كانت القرينة الصارفة مانعة عن تأثيرها، كانت تلك العلاقة مؤثرة، تطبيقاًلقاعدة تأثير المقتضي عند ارتفاع المانع، فشأن القرينة الصارفة إنما هو رفع‏المانع، لا دخلها في تأثير المقتضي، وهو العلاقة والمناسبة بين اللفظ والمعنى‏المجازي، فإنها تصلح أن تكون مؤثرة لولا المانع في البين، وهو تأثير العلاقةالوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي، فإذا ارتفع المانع بسبب أو آخر كانت مؤثرةولا قصور فيها، فإن جزء العلة التامة عدم المانع، والقرينة الصارفة في المقام‏محققة لهذا الجزء لا أنها جزء المقتضي.
مثال ذلك: إذا قال شخص »رأيت أسداً يرمي«، فإن كلمة »يرمي« لا تدل‏على المعنى المجازي بنفسها، وهو الرجل الشجاع ، لأنها تدل على أن المراد من‏الأسد إنسان في يديه قوس يرمي به، وأما أنه شجاع أو لا، فهي لا تدل عليه،والدال عليه هو كلمة »أسد«، على أساس أن العلاقة بين الرجل الشجاع‏والحيوان المفترس، تعطي لكلمة »أسد« الصلاحية للدلالة عليه، وحينئذفالمقتضي لها تام، ولكن المانع عنه موجود، وهو تأثير العلاقة الوضعية بين‏اللفظ والمعنى الحقيقي، فإذا ارتفع المانع، كان المقتضي مؤثراً، وارتفاع المانع إنماهو بقيام القرينة الصارفة، وفي المثال لفظ الأسد يصلح للدلالة على الرجل‏الشجاع، والمانع عنها هو انتقال الذهن منه إلى الحيوان المفترس، وكلمة»يرمي« فيه رافعة لهذا المانع، لأنها تصرف الذهن عن المعنى الحقيقي، فإذا ارتفع‏المنع عنه كانت دلالة لفظ »الأسد« في المثال على الرجل الشجاع فعلية، باعتبارأن المقتضي إذا كان موجوداً والمانع مفقوداً، كان تأثيره في المقتضي فعلياً.
وإن شئت قلت: إن القرينة الصارفة شأنها صرف الذهن عن المعنى الحقيقي‏فحسب، وأما انتقال الذهن إلى المعنى المجازي فهو مستند إلى صلاحية اللفظللدلالة عليه بعد رفع المانع عنه، لا إلى القرينة.
ثم إن هنا تفسيرين آخرين لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي:
الأول: ما ذهب إليه المحقق الخراساني‏قدس سره من أن منشأها قبول الطبع وعدم‏استنكاره، فصحة استعمال كل لفظ في معنى غير المعنى الموضوع له منوطة بكونه‏مما يقبله الطبع ولا يستنكره، وهذا هو الميزان العام في تفسير المجاز(8).
ولكن للمناقشة فيه مجالاً، وذلك لأنه إن اُريد بذلك طبع المستعمل في كل‏مورد، فيرده أنه لا يمكن أن يكون معياراً عاماً لصحة الاستعمال المجازي وعدم‏صحته، لأنه يختلف باختلاف طبائع المستعملين، فقد يقبل طبع المستعمل في‏مورد الاستعمال ولا يستنكره، ولكن قد لا يقبله طبع مستعمل آخر ويستنكره،وهذا ربّما يؤدي إلى اختلال النظام العام للتفهيم والتفهم ونقل المعاني والأفكارإلى الآخرين، فإن المتكلم في مورد يدعي، أن الاستعمال فيه مقبول وغير منكر،والمخاطب يدعي أنه فيه غير مقبول ومستهجن وهكذا.
وإن اُريد به قبوله لدى العرف العام، وأن كل استعمال لم يكن في المعنى‏الموضوع له إذا كان مقبولاً عندهم، فهو صحيح، وإلاّ فلا، فيرد عليه أن صحةالاستعمال لدى العرف العام وعدم صحتة، لا يمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتةمبررة. ومن الواضح أن النكتة المبررة لذلك، ليست إلاّ العلاقة الوضعية التبعية،لما مر من أن دلالة الألفاظ على المعاني ليست ذاتية، بل تتوقف على العامل‏الخارجي، وهو متمثل في أحد أمرين، الأول الوضع، والثاني العلاقة والمناسبةالمعبر عنها بالوضع التبعي. وأما مع قطع النظر عن ذلك،فلا يصح استعمال اللفظفي معنى ودلالته عليه في العرف العام. نعم قد تقدم سابقاً أنه لا بأس باستعمال‏اللفظ في معنى ابتداء، بغرض وضعه له بقرينة تدل على ذلك، هذا لولم نقل بأنه‏استعمال حقيقي، وإلاّ فهو مستند إلى الوضع.
الثاني: ما نسب إلى المشهور من أن صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى‏المجازي، ترتكز على أساس الوضع النوعي، ولا فرق حينئذ بين المجازوالحقيقة،إلاّ في أن الوضع في الأول نوعي، وفي الثاني شخصي.
ويمكن تفسير ذلك بما يلي:
إن المراد من الوضع النوعي، ما ينحل إلى أوضاع متعددة بتعدد المعاني‏المجازية في الواقع، ويثبت لكل معنى منها وضع مستقل، فإن الواضع يتصورعنوان المشابهة مع المعنى الحقيقي، مشيراً به إلى المعاني المجازية في الواقع اجمالاً،فيضع اللفظ لكل ما يشابه المعنى الموضوع له.
ولكن هذا التفسير خاطي‏ء جداً.
أما أولاً: فلأن هذا خلف الفرض، لأن المفروض هو استعمال اللفظ في المعنى‏المجازي، يعني لا يكون مستنداً إلى الوضع مباشرة وأصالة. فإذا افترض أن‏اللفظ موضوع بإزائه بوضع مستقل لا بوضع تبعي، كان استعماله فيه كاستعماله‏في المعنى الموضوع له مستنداً إلى الوضع مباشرة، وهو خلف.
وأما ثانياً: فان العلقة بين اللفظ والمعنى المجازي إنما هي في طول العلقة بينه‏وبين المعنى الحقيقي، على أساس أن هذه الطولية مقومة لمجازية المعنى بالنسبة إلى‏المعنى الحقيقي، لوضوح أن العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي لوكانت في عرض‏العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي لزم أن لا يكون المعنى المجازي معنىً مجازياًبالنسبة إلى المعنى الحقيقي وهو خلف. وعلى هذا الأساس فلو كانت دلالة اللفظعلى المعنى المجازي مستندة إلى الوضع النوعي المستقل لم يكن بوسعنا الحفاظعلى الطولية بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ونقصد بهذه الطولية أن العلقةبين اللفظ والمعنى‏المجازي لاتؤثر في انتقال‏الذهن من تصوراللفظ إلى تصوره، إلاّفي فرض عدم تأثيرالعلقة الوضعية بينه و بين المعنى الحقيقي و تعذره،و الا فلا أثرلها. فبالنتيجة أن تأثيرالعلقة المجازية فرع عدم تأثيرالعلقة الحقيقة وفي‏طوله.
وحينئذ فهل بامكاننا الحفاظ على هذه الطولية مع الالتزام بالوضع النوعي‏في‏المجاز؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأن غاية ما يمكن أن لفظ القمر مثلاً موضوع‏لكل ما يشابه معناه الموضوع له وهو النير الخاص، ولفظ الأسد موضوع لكل مايشابه معناه الموضوع له وهو الحيوان المفترس، ومن الواضح أن مجرد أخذعنوان المشابهة عنواناً مشيراً إلى المعاني المجازية، ووضع لفظ الأسد أو القمر أوالشمس بإزائها بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص لا يعالج مشكلة الطولية،بحيث لا يؤثر هذا الوضع إلا عند عدم تأثير الوضع الشخصي،و ذلك لأن‏المشابهة للمعنى الحقيقي وان كان في طوله،إلاّ أن الكلام ليس في ذلك، بل الكلام‏إنما هو في أن العلقة الوضعية بالوضع النوعي بين اللفظ والمعنى المجازي تكون في‏طول العلقة الوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي، ومن الطبيعي أن الوضع لعنوان‏المشابه للمعنى الحقيقي بنحو الوضع النوعي لا يتطلب ذلك،اي إن تأثيره في‏انتقال الذهن من صورة اللفظ الى صورة المعنى المجازي في الذهن، في طول انتقال‏الذهن من صورته الى صورة المعنى الحقيقي، لأن هذه الطولية بحاجة إلى مؤنةزائدة، كتقييد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي بقيد يتطلب هذه‏الطولية، وأما إذا كان الوضع النوعي كالوضع الشخصي مطلقاً، كانت العلقةالوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي مطلقة، كالعلقة الوضعية بينه وبين المعنى‏الحقيقي، فإذن بطبيعة الحال يكون تأثيرها في عرض تأثيرها، وهذا خلف‏فرض أن انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى المجازي في طول انتقاله‏منه إلى المعنى الحقيقي، ولا يمكن أن يكون في عرضه، لأنه خلف فرض كونه‏معنى مجازياً له، إذ معنى مجازيته أن انفهامه من اللفظ في طول انفهام المعنى‏الحقيقي، وإلاّ لم يكن معنى مجازياً له.
وبكملة، إن الوضع النوعي بين اللفظ والمعاني المجازية، إذا كان مستقلاً ولم‏يكن مقيداً بقيد طولي، فبطبيعة الحال يكون في عرض الوضع الشخصي بينه‏وبين المعاني الحقيقية، فإذن هناك سببان مستقلان للدلالة، أحدهما الوضع‏النوعي، والآخر الوضع الشخصي. وعليه فتكون دلالة اللفظ على المعنى‏المجازي في عرض دلالته على المعنى الحقيقي.
فالنتيجة: أنه لا يمكن أن يكون منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي‏الوضع‏النوعي.
قد يقال - كما قيل -: إن هذا الإشكال إنما يتوجه لو كان الوضع النوعي بين‏اللفظ والمعاني المجازية مطلقاً وغير مقيد بقيد طولي، ولكن يمكن علاج‏هذاالإشكال بتقييد الوضع النوعي بقيد يتطلب كون العلقة الوضعية بين اللفظوالمعاني المجازية في طول العلقة الوضعية بينه وبين المعاني الحقيقية،بأحدتقريبين(9):
التقريب الأول: أن الموضوع بإزاء المعنى المجازي حصة خاصة من اللفظ،وهي المقترنة بالقرينة الصارفة لا مطلقاً، ونتيجة ذلك أن العلقة الوضعية مختصةبحالة خاصة، وهي حالة إقتران اللفظ بالقرينة الصارفة، فلا وضع في غير تلك‏الحالة، ويترتب على ذلك أن اللفظ إذا كان مقترناً بها، دل على المعنى المجازي،باعتبار أن في هذه الحالة لم تؤثر العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ونتيجة ذلك أن‏العلاقة الوضعية بينه وبين المعنى المجازي لا تؤثر إلاّ في فرض عدم تأثير العلاقةالوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي. وهذا معنى كونها في طولها.
ولكن هذا التقريب غير تام، لأن نتيجة ذلك اختصاص العلقة الوضعية بين‏اللفظ والمعنى المجازي بحالة وجود القرينة الصارفة. وأما في حالة عدم‏وجودها،فلا تكون هناك علقة وضعية بينهما، لمكان اختصاص الوضع بالحالةالاُولى، ومع انتفاء الوضع، فلا يصح الاستعمال المجازي، على أساس أن صحته‏منوطة بالوضع النوعي، وفي حالات عدم وجود القرينة الصارفة، فلا وضع ولاعلقة، وبالتالي فلا استعمال، مع أنه لا شبهة في صحة الاستعمال في هذه الحالات،وهذا يكشف عن أن منشأ الدلالة والاستعمال ليس هو الوضع النوعي المستقل.
وبكملة، إن الغرض من وضع اللفظ مقيداً بالقرينة الصارفة، إن كان تكوين‏فعلية دلالة اللفظ على المعنى المجازي في حال اقترانه بها دون أصل صلاحيته‏للدلالة عليه، فيرد عليه، انه حاصل باقترانه بالقرينة خارجاً، بلحاظ صلاحيةالدلالة فيه في المرتبة السابقة بدون حاجة إلى الوضع في هذه الحالة، فإنه لغومحض. وهذا نظير وضع المركب، فإن وضعه بما هو بعد وضع تمام أجزائه مادةوهيئة يكون لغواً، والمقام كذلك، إذ بعد استعداد اللفظ للدلالة على المعنى‏المجازي بواسطة العلاقة والمناسبة بينه وبين المعنى الحقيقي، ووضع القرينةللدلالة على معناها بما هي قرينة،فوضع المجموع،أي اللفظ المقترن بالقرينةللدلالة على المعنى المجازي يكون لغواً صرفاً، لفرض أن اللفظ المقترن بها يدل‏عليه بدلالة فعلية بلا حاجة إلى الوضع المذكور.
وإن كان الغرض منه صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي، وصلاحيته‏للدلالة عليه في حالة إقترانه بالقرينة الصارفة، وعدم الصلاحية في حالة عدم‏الاقتران، فيرد عليه، أنه لا شبهة في صلاحية اللفظ للدلالة على المعنى المجازي‏وصحة استعماله فيه بدون القرينة، ولهذا لا يشك أحد في صلاحية لفظ الأسدللدلالة على الرجل الشجاع، وصحة استعماله فيه في الواقع، لأن العلاقةالموجودة بينه وبين الحيوان المفترس الموجبة لحدوث العلاقة بينه وبين الرجل‏الشجاع بالتبع هي المنشأ لهذه الصلاحية لا الوضع النوعي.
وإن كان الغرض منه تحقق كلا الأمرين معاً، هما صلاحيته للدلالة على المعنى‏المجازي وفعلية تلك الدلالة، كما هو الحال في وضع الألفاظ بإزاء المعاني‏الحقيقة،فيرد عليه، أنه لا حاجة في تحقق هذين الأمرين إلى القيام بعمليةالوضع، بلحاظ أن منشأ صلاحيّة الدلالة في اللفظ، هو العلاقة بين المعنى‏المجازي والمعنى الحقيقي كما مر، ومنشأ فعلية تلك الدلالة فيه، هو اقترانه بالقرينةالصارفة، فإذن بطبيعة الحال يكون الوضع بغرض تحقق مجموع الأمرين لغواًمحضاً.
التقريب الثاني: تقييد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى المجازي بعدم إرادةالمعنى الحقيقي، ونتيجة ذلك عدم حمل اللفظ على المعنى المجازي إلاّ في حالةعدم‏إرادة المعنى الحقيقي. وأما مع إرادته، فلا يمكن حمله عليه، وبذلك تثبت‏الطولية بينهما.
والجواب: أن هذا التقييد وإن كان ممكناً على القول باعتبارية الوضع إلاّ أن‏لازم ذلك، هو أن المتكلم إذا لم يرد المعنى الحقيقي، كما إذا صدر اللفظ منه بغيرشعور واختيار، فلا يمكن تفسير اقوائية دلالة اللفظ على المعنى الحقيقي في‏مرحلة المدلول التصوري بذلك، إذ في هذه الحالة كلا الوضعين موجود في عرض‏الآخر. أما الوضع بإزاء المعنى المجازي، فلفرض تحقق قيده وشرطه، وهو عدم‏إرادة المعنى الحقيقي، وأما الوضع بإزاء المعنى الحقيقي فهو مطلق ولا يكون مقيداًبشي‏ء، فإذا كان كلا الوضعين موجوداً في هذه الحالة، فما هو الموجب لتبادرالمعنى الحقيقي من اللفظ دون المعنى المجازي، رغم أن سبب التبادر الوضع، وهوموجود بالنسبة إلى كليهما معاً، مع أنه لا شبهة في أن المتبادر من اللفظ عندالإحساس به ولو من لافظ بلا شعور واختيار، هو المعنى الحقيقي دون المعنى‏المجازي، وهذا يكشف عن وضع واحد، وهو الوضع للمعنى الحقيقي وعدم وضع‏مستقل للمعنى المجازي، وأن منشأ صلاحية دلالة اللفظ عليه، إنما هو العلاقةبينه وبين المعنى الحقيقي.
فالنتيجة: أن المصحح لدلالة اللفظ على المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينه‏وبين المعنى الحقيقي المستتبعة للعلاقة بينه وبين المعنى المجازي دون الوضع‏النوعي، لا مطلقاً ولا مقيداً.
وأما على أساس نظرية أن الوضع هو التعهد والالتزام، فهل يكون منشأدلالة اللفظ على المعنى المجازي أيضاً التعهد والالتزام، أو شي آخر؟
والجواب: الظاهر أن منشؤه الوضع، إذ على ضوء هذه النظرية كل مستعمل‏واضع حقيقة، غاية الأمر إذا تعهد بأنه كلما نطق بلفظ خاص عند إرادة تفهيم‏معنى مخصوص دون أن يأتي بقرينة، فهو وضع للمعنى الحقيقي، وإذا تعهد بأنه‏كلما نطق بذلك اللفظ الخاص عند إرادة تفهيم معنىً آخر مناسب للمعنى الأول‏مع نصب قرينة صارفة، فهو وضع للمعنى المجازي، فإذن كما أن التعهد والالتزام‏موجود بالقياس إلى تفهيم المعاني الحقيقية، كذلك موجود بالقياس إلى تفهيم‏المعاني المجازية، ولكنه كان في طول تفهيم المعاني الحقيقية، فإذا قال المتكلم»رأيت أسداً« دل على أنه أراد تفهيم معناه، وهو الحيوان المفترس، وإذا قال»رأيت أسداً يرمي«، دل على أنه أراد تفهيم معناه المجازي، وهوالرجل‏الشجاع، فتكون العلقة الوضعية التصديقية بين اللفظ والمعنى المجازي‏على ضوء هذه النظرية، في طول العلقة الوضعية التصديقية بينه وبين المعنى‏الحقيقي، باعتبار أن التعهد على الأول مقيد باقتران اللفظ بالقرينة الصارفة،وعلى الثاني مطلق.
أو فقل: إن التعهد الوضعي بإرادة المعنى المجازي من اللفظ، مقيد بعدم التعهدبإرادة المعنى الحقيقي منه، وحينئذ يكون التعهد بإرادته رافعاً لموضوع التعهدبإرادة المعنى المجازي.
وبذلك تمتاز نظرية التعهد عن نظرية الاعتبار، لما مر من أن دلالة اللفظ على‏المعنى المجازي على ضوء نظرية الاعتبار، لا تبتني على الوضع، بل على العلاقةبينه وبين المعنى الحقيقي مع القرينة الصارفة. وكذلك على أساس نظرية الاقتران‏المؤكد بين اللفظ والمعنى في الذهن.
فالنتيجة: أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي على القول بالتعهد مستندة إلى‏الوضع، كدلالته على المعنى الحقيقي.
ولكن ذكر بعض المحققين أن الدلالة التصديقية للفظ على المعنى المجازي لاتتوقف على الوضع. وقد أفاد في وجه ذلك أنه بعد الفراغ عن تحقق الدلالةالتصورية الشأنية للفظ على المعنى المجازي بمقتضى العلاقة بينه وبين المعنى‏الحقيقي، لا تستند الدلالة التصديقية له على الوضع وهو التعهد، لأن المرادالاستعمالي في مثل قولنا جئني بأسد، مردد بين اُمور ثلاثة في بادي الأمر:الحيوان المفترس و الرجل الشجاع ومعنى لا يناسب الحيوان المفترس كالماء مثلاً، والاحتمال الأول وهو الحيوان المفترس ينفى‏ بالقرينة الصارفة، والثالث بظهورحال المتكلم العرفي في أنه لا يقصد بلفظ الأسد معنىً ليس في اللفظ دلالةتصورية شأنية عليه، وبذلك تتم الدلالة التصديقية على المعنى المجازي، بلاحاجة إلى التعهد الوضعي(10).
ولكن يمكن التعليق عليه،
أما أولاً: فلأن المراد الاستعمالي في المثال ونظائره لا يكون في بادي‏ء الأمرمردداً بين اُمور ثلاثة، إذ احتمال أن يكون المراد من الأسد في المثال الماء أو غيره‏من معنى لا يناسب الحيوان المفترس غير محتمل في العرف العام، ولا يكون‏عقلائياً، والمفروض أن هذا الكلام بما أنه صادر من متكلم عرفي، فلا يحتمل أن‏يراد منه معنىً غير محتمل إرادته عرفاً، فإذن يكون المراد الاستعمالي في المثال في‏بادي‏ء الأمر مردداً بين أمرين، الحيوان المفترس والرجل الشجاع.
وأما ثانياً: فلإن دلالة القرينة الصارفة على نفي إرادة الحيوان المفترس من‏لفظ الأسد في المثال لا محالة تكون مستندة إلى التعهد، على أساس هذه‏النظرية،بعد مالم تكن دلالتها ذاتية، لوضوح أن المتكلم العرفي قد تعهد بأنه لايأتي بالقرينة الصارفة إلاّ إذا أراد تفهيم المعنى المجازي، فإذا قال رأيت أسداًيرمي، دل بمقتضى تعهده على أنه أراد تفهيم الرجل الشجاع، فدلالة القرينةالصارفة على نفي إرادة الحيوان المفترس من لفظ الأسد في المثال إنما هي على أثرتعهده بأنه لا يأتي بها، إلاّ إذا أراد منه الرجل الشجاع دون الحيوان المفترس.
وبكلمة، إن المستعمل العرفي قد تعهد بأنه لا يأتي بلفظ الأسد مثلاً مع القرينةالصارفة، إلاّ حينما أراد تفهيم معناه المجازي وهو الرجل الشجاع، فيكون‏الموضوع بإزاء المعنى المجازي حصة خاصة من لفظ الأسد، وهي الحصة المقيدةبالقرينة الصارفة، بنحو يكون التقيد دخيلاً في اللفظ الموضوع، والقيد وهو ذات‏القرينة الصارفة خارج عنه. ولكن حيث إن القرينة الصارفة مانعة عن دلالةاللفظ على إرادة تفهيم المعنى الحقيقي، فتتيح الفرصة لدلالة اللفظ على إرادة تفهيم‏المعنى المجازي، باعتبار أن دلالته على إرادة تفهيمه مقيدة بوجود المانع عن‏دلالته على إرادة تفهيم المعنى الحقيقي، وهو القرينة الصارفة، وحينئذ فلايمكن‏القول بأنه لا تعهد لإرادة تفهيم المعنى المجازي عند وجود المانع عن إرادةالمعنى الحقيقي.
والخلاصة، أن للقرينة حيثيتين:
إحداهما: حيثية كونها قيداً للفظ الموضوع بإزاء المعنى المجازي.
والاُخرى: حيثية مانعيتها عن إرادة المعنى الحقيقي.
ونتيجة ذلك أن المتكلم العرفي متعهد، بأنه متى أراد تفهيم المعنى المجازي، أتى‏باللفظ مع القرينة المانعة، وهذه القرينة المانعة باعتبار أنها قيد للفظ الموضوع‏تعطي صفة الدلالة الفعلية التصديقية له على أساس الوضع التعهدي.
ومن هنا يظهر أن المراد الاستعمالي وإن قلنا إنه في بادي الأمر مردد بين اُمورثلاثة، إلا أن نفي الاحتمال الثالث انما هو لازم تعهده والتزامه على أساس هذاالقول، لا ظهور حال المتكلم، فإنه مبني على أساس سائر الأقوال في المسألة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو نوعه أو صنفه ...
الاُولى: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينه وبين‏المعنى الحقيقي، التي تتمثل في حيثية من حيثياته البارزة القائمة به، وتعد من‏تبعاته ولوازمه، وتستتبع تلك العلاقة، العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي‏مباشرة، وتعطى هذه العلاقة للفظ الصلاحية للدلالة عليه. وأما فعلية هذه‏الدلالة فهي تتوقف على وجود القرينة الصارفة.
الثانية: أن دلالة اللفظ على المعنى المجازي في طول دلالته على المعنى الحقيقي،على أساس أن دلالته على المعنى الحقيقي تستند إلى العلاقة الوضعية بينهمابالأصالة، وأما دلالته على المعنى المجازي، فهي تستند إلى العلاقة الوضعية بينهمابالتبع، فمن أجل ذلك تكون في طول الاُولى وأضعف منها. ومن هنا لا تؤثرفي‏انتقال الذهن إلى المعنى المجازي، إلاّ في فرض عدم تأثير الاُولى في انتقاله‏إلى‏المعنى الحقيقي.
الثالثة: أن الوضع النوعي لا يصلح أن يكون منشأ لدلالة اللفظ على المعنى‏المجازي، لا مطلقاً ولا مقيداً، على تفصيل قد مرّ آنفاً.
الرابعة: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي ليس حسن استعماله فيه‏كماتقدم.
الخامسة: أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي على القول باعتباريةالوضع، وكذلك على القول بأن الوضع هو القرن المؤكذ بين اللفظ والمعنى في‏الذهن، إنما هو العلاقة الوضعية بينه وبين المعنى المجازي بالتبع التي تتولد من‏العلاقة الوضعية بينه وبين المعنى الحقيقي بالأصالة. وأما على القول بالتعهد،فالصحيح أن منشأ دلالة اللفظ على المعنى المجازي هو التعهد الوضعي في حال‏اقتران اللفظ بالقرينة الصارفة كما تقدم.

إطلاق اللفظ وإرادة شخصه أو نوعه أو صنفه‏
ذكر المحقق صاحب الكفايةقدس سره أنه لا شبهة في صحة اطلاق اللفظ وإرادةنوعه أو صنفه أو مثله، وحسن هذا الاطلاق. وأفاد في وجه ذلك: أن منشأصحة هذا الاطلاق وحسنه إنما يكون بالطبع لا بالوضع، وإلاّ لزم ثبوت الوضع‏في الألفاظ المهملة، باعتبار صحة هذا الاطلاق فيها(11).
وهاهنا مسائل:
الاُولى: ما ذكره‏قدس سره من أن منشأ صحة الاستعمال المجازي حسنه بالطبع، لاالوضع ولا العلاقة بين المعنى المجازي والحقيقي.
الثانية: إطلاق اللفظ وإرادة شخصه.
الثالثة: إطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله.
أمّا المسألة الاُولى: فقد تقدم الكلام فيها موسعاً(12)، وقلنا هناك: إن منشأصحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي، إنما هو العلاقة بينهما الناشئة من العلاقةبينه وبين المعنى الحقيقي، على أساس أن المعنى المجازي حيث إنه يشبه المعنى‏الحقيقي، فإذا وضع لفظ بإزاء معنى، كان الوضع منشأً للعلاقة بينه وبين المعنى‏الموضوع له مباشرة، وتستتبع هذه العلاقة، العلاقة بينه وبين كل معنى يشابه‏المعنى الموضوع له ويشاركه في حيثية من حيثياته البارزة، ولهذا تكون علاقةاللفظ مع المعنى المجازي أضعف من علاقته مع المعنى الحقيقي وفي طولها.
والخلاصة: أن العلاقة المذكورة التي يعبر عنها بالوضع التبعي هي المنشألصحة الاستعمال المجازي، لا الوضع النوعي ولا حسنه عند الطبع.
وأما ما ذكره‏قدس سره من أن ملاك صحة اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أومثله إنما هو حسنه عند الطبع لا الوضع، وإلاّ لكانت المهملات موضوعة،باعتبار صحة هذا الاطلاق فيها، فلا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن هذه‏الاطلاقات وإن كانت من قبيل الاستعمال كما سوف نشير إليه، إلاّ أن منشأصحتها ليس حسنها عند الطبع، بل منشؤها العلاقة الذاتية بين اللفظ والمعنى‏المستعمل فيه، باعتبار أن المعنى الموضوع له في المقام من سنخ اللفظ، وهذاالمقدار من المناسبة يكفي في جعله وسيلة، كاللفظ للإنتقال منه إلى نوعه أو صنفه‏أو مثله، وأيضاً أن اللفظ في المقام فرد من المستعمل فيه، وهو بحده الفردي وإن‏كان مبايناً للنوع، إلاّ أنه باعتبار اشتماله على حصة منه يصلح أن يجعله أداةكاللفظ للإنتقال منه إلى الطبيعي.
والخلاصة: أن منشأ صحة هذه الاطلاقات من باب الاستعمال، ليس حسنهاعند الطبع، لما سوف نشير إليه من أنه لا يصلح أن يكون معياراً عاماً للمجاز،بل إن منشأها ما ذكرناه من المناسبة.
وثانياً: على تقدير تسليم أن منشأ صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي‏الوضع، فلا يلزم منه كون الألفاظ المهملة موضوعة، لأن معنى اهمال هذه‏الألفاظ، أنها لم توضع بإزاء معنى في مقابل الألفاظ الموضوعة. وأما وضعهابإزاء نوعها أو صنفها أو مثلها، فلا يوجب خروجها عن الاهمال إلى الألفاظالموضوعة، لأن ملاك اهمالها، عدم معنى لها كانت موضوعة بإزاء نوعها أوصنفها أو مثلها، أم لا.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره في هذه المسألة فلا يمكن‏المساعدةعليه.
وأمّاالمسألة الثانية: وهي اطلاق اللفظ وإرادة شخصه، كما إذا قيل: زيدثلاثي، واُريد به شخص لفظه الموجد، فلا يعقل أن يكون ذلك من باب‏الاستعمال، بل من قبيل الاطلاق الايجادي، يعني إيجاد الشي واحضاره بنفسه في‏ذهن المخاطب لا بالواسطة.
فلنا دعويان:
الاُولى: أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من قبيل الاستعمال.
الثانية: أنه من قبيل الاطلاق الايجادي.
أما الدعوى الاُولى: فلأن حقيقة الاستعمال حقيقة حكائية تتطلب الأثنينيةوالمغايرة بين اللفظ المستعمل والمعنى المستعمل فيه، لكي يكون الأول دالاً على‏الثاني وحاكياً عنه، ولهذا يستحيل انتقال الذهن إلى المعنى مباشرة، بل لابد من‏أن يكون بوسيلة صورة اُخرى، وهي صورة اللفظ في الذهن، على أساس أن‏صورته تنبه الذهن إلى الانتقال إلى معناه، ومن الواضح أنه لا يمكن تصور ذلك‏في شي واحد بالنسبة إلى نفسه، لاستحالة أن يكون الشي وسيلة حكائية عن‏نفسه، بأن ينتقل الذهن من صورته إلى صورة نفسه، ولا فرق في ذلك بين أن‏تكون حقيقة الاستعمال فناء اللفظ في المعنى، أو جعل اللفظ علامة عليه، أوتنزيل وجوده وجوداً تنزيلياً للمعنى، أو إخطار ما هو غير المقصود افهامه‏للإنتقال إلى ما هو المقصود افهامه، فإنه بجميع تفسيراته يقتضي التغاير بين الدال‏والمدلول،و الحاكي والمحكي،والمستعمل والمستعمل فيه،فلذلك لا يمكن أن‏يكون اطلاق اللفظ وارادة شخصه من قبيل الاستعمال،والا لزم اتحاد الدال‏والمدلول، بل هو من قبيل ايجاد الشي واحضاره بشخصه في الذهن بدون أي‏وسيلة وأداة في البين، ومن هنا يمتاز اللفظ عن المعنى، فإن ايجاد اللفظ واحضاره‏بنفسه في الذهن ممكن، بدون أن يحتاج إلى واسطة، وأما إيجاد المعنى واحضاره‏فيه بنفسه لا يمكن، بل لابد من أن يكون بواسطة لفظ أو غيره، بأن تحضرالواسطة فيه أولاً ثم المعنى.
ولكن للمحقق الخراساني‏قدس سره في المقام كلاماً، وحاصله: أنه لا مانع من أن‏يكون اطلاق اللفظ وإرادة شخصه من قبيل الاستعمال، وعلل ذلك بأنه لا يلزم‏أن يكون الدال والمدلول متغايرين ذاتاً ووجوداً، بل يكفي تغايرهما اعتباراً،وعلى هذا فالدال والمدلول في المقام وإن كانا متحدين حقيقة ووجوداً، إلاّ أنه‏يكفي تغايرهما اعتباراً وحيثية، فإن شخص اللفظ الموجد في القضية من حيث‏صدوره عن اللافظ دال، ومن حيث كون شخصه مراداً مدلول، وهذا المقدار من‏المغايرة بينهما يكفي في كون أحدهما دالاً والآخر مدلولاً، طالما لم يكونا متحدين‏من جميع الجهات والحيثيات(13).
وقد ناقش فيه المحقق الأصبهاني‏قدس سره بتقريب: أن ما ذكره‏قدس سره من كفاية التغايرالاعتباري بين الدال والمدلول وإن كانا متحدين ذاتاً وحقيقة، أجنبي عما في‏المقام، فإن محل الكلام فيه إنما هو في الدلالة اللفظية، وهي لا تعقل في شي واحدذاتاً ووجوداً وإن كان متعدداً اعتباراً، بداهة أنه لا يمكن فرض دلالة اللفظعلى‏شي‏ء والحكاية عنه، إذا لم يكن هناك مدلول وراء نفسه، ولا محكي‏غيرشخصه(14).
وما ذكره‏قدس سره من دلالة اللفظ الصادر عن اللافظ على أن شخصه مرادومقصود وإن كانت صحيحة، إلاّ أن هذه الدلالة أجنبية عن دلالة اللفظ على‏المعنى رأساً، بل هي دلالة عقلية سائرة في جميع الأفعال الإختيارية، لأن كل‏فعل صادر بالإختيار عن الفاعل، يدل على أنه متعلق لإرادته، ضرورة لزوم‏سبق الارادة على الفعل الإختياري في تمام الموارد، فهذه الدلالة من دلالة المعلول‏على العلة، وهي أجنبية عن دلالة الألفاظ على معانيها نهائياً.
وقد علق على هذه المناقشة بأنها إنما تتم، لو كان مراد صاحب الكفايةقدس سره من‏الارادة، الارادة التكوينية للمتكلم التي هي من مبادي الأفعال الإختيارية،ولكنه بعيد، على أساس أنه‏قدس سره بصدد اثبات أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه من‏قبيل استعمال اللفظ في شخص نفسه، فلو كان مراده‏قدس سره من الارادة، الارادةالتكوينية التي هي من مقدمات الفعل الإختياري، لكان لازمه استعمال اللفظ في‏شي آخر، وهو الارادة التكوينية لا في شخص نفسه، وهذا قرينة على أنه‏قدس سره‏أراد من الارادة، الارادة التفهيمية أو الاستعمالية، بمعنى أن اللفظ بما أنه اُريد به‏التفهيم دال، وبما أنه اُريد تفهيم نفسه مدلول(15).
وفيه: أن حمل قوله‏قدس سره في الكفاية: ».. فمن حيث إنه لفظ صادر عن لافظه‏كان دالاً، ومن حيث إن نفسه وشخصه مراده كان مدلولاً...« على ذلك بعيدجداً، على أساس أنه‏قدس سره جعل الدال حيثية صدوره عن اللافظ، ومن الواضح‏أن هذه الحيثية تدل على أن الفعل الصادر منه متعلق لإرادته تكويناً، على‏أساس أن صدور كل فعل اختياري عن فاعله، يدل على أنه مسبوق بإرادته‏التكوينية التي هي من مبادئه، ولا يمكن حمل قوله‏قدس سره على أن اللفظ بما أنه اُريد به‏التفهيم دال، وبما أنه اُريد تفهيم نفسه مدلول، لأن لازم هذا الحمل أن حيثيةالصدور غير دخيلة في الدلالة، مع أن قوله‏قدس سره ظاهر بل ناص في أنها تمام الدخل‏فيها. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن صاحب الكفايةقدس سره أراد كفاية المغايرة الاعتبارية بين‏الدال والمدلول في مرحلة المدلول التصديقي.وأما في مرحلة المدلول التصوري‏فلا يعقل أن يكون الدال والمدلول شيئا واحدا،بل لابد أن يكونا متغايرين ذاتاوحقيقتا،ولا يكفي اختلافهما اعتبارا.
ومن ناحية ثالثة، إن ما ذكره‏قدس سره من أن اللفظ من حيث انه صادر عن لافظه‏دال، ومن حيث إن شخصه مراد ومقصود مدلول، مبني على الخلط بين الدلالةالعقلية والدلالة اللفظية، والكلام في المقام إنما هو في الدلالة اللفظيةالتي‏هي‏وسيلة حكاية عن الواقع واراءتة بها، وما ذكره‏قدس سره هنا من الدلالةدلالةعقلية، ولاصلة لها بالدلالة اللفظية، على أساس أن كل فعل اختياري‏صادر عن فاعله بالإختيار، يدل على أنه متعلق إرادته، سواء أكان ذلك الفعل‏عملاً خارجياً أم قولاً.
ومن ناحية رابعة، إن المحقق الأصبهاني‏قدس سره قد أجاب عن أصل هذه الدعوى،ببيان أن المفهومين المتضايفين ليسا متقابلين مطلقاً، بل التقابل في قسم خاص‏من التضايف، وهو ما إذا كان بين المتضايفين تعاند وتناف في الوجود، كالعليةوالمعلولية، والأبوة والبنوة، مما قضى البرهان بامتناع اجتماعهما في وجود واحد،لا في مثل العالمية والمعلومية، والمحبية والمحبوبية، فإنهما يجتمعان في واحد غيرذي‏الجهات. والحاكي والمحكي، والدليل والمدلول، كادا أن يكونا من قبيل‏القسم الثاني، حيث لا برهان على امتناع حكاية الشي عن نفسه، كماقال‏عليه السلام،»يا من دلّ على ذاته بذاته« وقال‏عليه السلام : »وأنت دللتني عليك«(16).
ونتيجة ما ذكره‏قدس سره أنه لا مانع في المقام من حكاية اللفظ عن نفسه‏ودلالته‏عليها.
وقد علق على ذلك السيد الاُستاذقدس سره بما حاصله: أن ما أفاده‏قدس سره من أن‏التقابل في قسم خاص من التضايف، لا في مطلق المتضايفين وإن كان صحيحاً،إلاّ أنه أجنبي عن محل كلامنا في المقام بالكلية. فإن محل الكلام هنا، إنما هو في‏دلالة اللفظ على المعنى، وهي قسم خاص من الدلالة التي لا يمكن أن تجتمع في‏شي واحد، لما بيناه من أن حقيقة تلك الدلالة عبارة عن وجود اللفظ وحضوره‏في ذهن المخاطب أولاً، وحضور المعنى ووجوده فيه بتبعه ثانياً، لوضوح أن كل‏مخاطب وسامع عند سماع اللفظ، ينتقل ذهنه إلى صورة اللفظ أولاً، وإلى صورةالمعنى ثانياً، فحضور اللفظ علة لحضور المعنى، ومن الواضح أن ذلك لا يعقل في‏شي واحد، بداهة أن العلية تقتضي الأثنينية والتعدد، فلا يعقل علية حضورالشي في الذهن لحضور نفسه، هذا بالقياس إلى المخاطب والسامع.
وأما بالنسبة إلى المتكلم والمستعمل فحقيقة الاستعمال إما أنها عبارة عن إفناءاللفظ في المعنى، فكأنه لم يلق إلى المخاطب إلاّ المعنى، ولا ينظر إلاّ إليه كما هوالمشهور فيما بينهم، أو عبارة عن جعل اللفظ علامة للمعنى مبرزاً له أو وسيلةوأداة حكاية عنه، فعلى جميع التقديرات لا يعقل استعمال الشي في نفسه،ضرورة استحالة فناء الشي في نفسه، أو جعل الشي علامة على نفسه أو وسيلةحكاية عنها، فإن كل ذلك لا يعقل، إلاّ بين شيئين متغايرين في الوجود(17)، هذا.
ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التعليق صحيح، فإن الدلالة على أنواع:
النوع الأول: الدلالة اللفظية الجعلية، وهي دلالة انتقالية من اللفظ إلى المعنى‏ووسيلة حكائية، ويستحيل أن يجتمع في شي‏ء واحد، فلا يعقل أن يكون شي‏ءواحد حاكياً ومحكياً معاً، لاستحالة حكاية الشي‏ء عن نفسه وانتقال الشي‏ءإلى‏نفسه.
النوع الثاني: الدلالة العقلية المتمثلة في دلالة العلة على المعلول وبالعكس،ودلالة أحد المتلازمين على الملازم الآخر وهكذا، وهذه الدلالة أيضاً لا تجتمع‏في شي واحد.
النوع الثالث: الدلالة العرفانية، ومنها دلالة ذاته تعالى على ذاته، يعني ظهورذاته بذاته، والدلالة بهذا المعنى خارجة عن المتفاهم العرفي، وتختص بأهل‏العرفان إن لم تكن مجرد لقلقة اللسان.
والمراد من قوله‏عليه السلام: »يا من دل على ذاته بذاته...« أي بآثار ذاته، فإن ذاته‏تعالى قد تجلى بتجلي آثاره من الكائنات بشتى أنواعها المنسقة وأشكالهاالمنظمة. وكذلك قوله‏عليه السلام: »وأنت دللتني عليك« ونحوه. فإذن ترجع هذه‏الدلالة إلى دلالة المعلول على العلة، والآثار على المؤثر، وهي دلالة عاميةارتكازية، وتدخل في النوع الثاني من الدلالة دون النوع الأول.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس‏من قبيل الاستعمال الذي يمثل الدلالة الانتقالية والحكاية عن المعنى.
وأمّا الدعوى الثانية: فالصحيح أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه، من قبيل‏الوسيلة الإيجابية المتمثلة في إيجاد اللفظ خارجاً، واحضاره بشخصه في ذهن‏المخاطب بدون أي وسيلة وواسطة. فإذا قيل زيد لفظ، انتقل الذهن إلى صورةشخص لفظ زيد الموجد مباشرة، بدون استخدام أي وسيلة اُخرى، على أساس‏أن هذا الانتقال نتيجة طبيعية للإحساس به، وبذلك يمتاز عن الاطلاق‏الاستعمالي الذي هو من قبيل الوسيلة الحكائية، لأن الاستعمال يمثل حكايةاللفظ عن المعنى، فإذا قيل )زيد عالم(، انتقل الذهن أولاً إلى صورة اللفظمباشرة بدون توسط صورة اُخرى نتيجة طبيعيّة للاحساس به، ثم انتقل منهاإلى صورة المعنى، وهذا الانتقال هو انتقال ثانوي، وبحاجة إلى الجعل‏والمواضعة، وليس بتكويني، لما مر من أن دلالة الألفاظ على المعاني ليست‏بذاتية. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن الغرض في الاطلاق الحكائي يختلف عن الغرض في‏الاطلاق الايجادي، لأن الغرض في الأول متعلق بالانتقال الثاني بموجب قانون‏الإستجابة الذهنية الشرطية دون الانتقال الأول، فإنه وسيلة للوصول إلى‏الانتقال الثاني ومقدمة له، باعتبار أنه لا يمكن الوصول إليه بدونه، ومن هنايكون الإتيان باللفظ مجرد كونه وسيلة للإنتقال إلى المعنى، بدون أن يتعلق‏الغرض به موضوعياً، ولهذا ينظر إليه كمعنى حرفي لا اسمي، ويسمى انتقال‏الذهن إلى صورة اللفظ بالإستجابة الطبيعية، وانتقال الذهن إلى صورة المعنى‏بالإستجابة الشرطية في الإصطلاح الحديث. ومن هنا تكون عملية الوضع‏محققة لصغرى قانون الإستجابة الذهنية الشرطية.
وهذا بخلاف الاطلاق الايجادي، فإنه محقق لصغرى قانون الإستجابةالذهنية التكوينية، فإذا قيل »زيد ثلاثي« انتقل الذهن إلى صورة لفظ زيدمباشرة، بدون توسط صورة ذهنية اُخرى، بل لا يمكن أن يكون حضورها في‏الذهن بتوسط صورة اُخرى، لأن الصورة الاُخرى إما اللفظ أو وسيلة اُخرى.
أما الثاني: فقد تقدم أن استخدام الوسائل الاُخرى البدائية الساذجة من‏الإشارات وإرادة الصور وتقليد الأصوات في مقام التعبير عما في ذهنه ونقله إلى‏الآخرين لا يفي بمتطلبات حياة الانسان التي تطورت ونمت ككل.
وأما الأول: فننقل الكلام إلى صورة ذلك اللفظ ونقول: إنها إما أن تحضر في‏الذهن بنفسها، أو يحتاج حضورها إلى صورة لفظ آخر، فعلى الأول، لا فرق بين‏لفظ ولفظ، وعلى الثاني، يذهب إلى ما نهاية له، فمن أجل ذلك يكون حضوراللفظ في الذهن بنفسه نتيجة طبيعية للإحساس به، ومن هذا القبيل ما إذا اطلق‏شخص مثلاً صوتاً مشابهاً لصوت الأسد، فإنه ينتقل الذهن إلى تصور ذلك‏الصوت مباشرة، نتيجةً للإحساس السمعي به، ثم إلى تصور الحيوان المفترس.وإذا رأى زيداً مثلاً انتقل ذهنه إلى صورته مباشرة نتيجة طبيعية للإحساس‏البصري به، وإذا لامس حيواناً كالفرس مثلاً انتقل ذهنه إلى صورته نتيجةطبيعية للإحساس اللمسي به، وهكذا.
ومن الواضح أن هذه الإنتقالات الذهنية التي تدور في حياة الانسان اليوميةبشكل منتظم انتقالات طبيعية تكوينية نتيجة للإحساسات الأولية للإنسان،وليست بحاجة إلى أي وضع وجعل، كما أنها لا تختص بالانسان.وهذه‏الإحساسات هي الأساليب والوسائل الأولية التي استخدمها الانسان في‏حياته البدائية.
وأما الألفاظ واللغات، فهي الوسائل والأساليب الثانوية المتطورة التي‏يستخدمها في متطلبات حياته التي تطورت وتوسعت عصراً بعد عصر.وتسمى الاُولى في الإصطلاح الحديث بالمنبهات الطبيعية التكوينية، والثانيةبالمنبهات الشرطية، بلحاظ أن اتصافها بها إنما هو بالجعل والمواضعة.
والخلاصة: أن الاطلاق الايجادي من صغريات المنبهات التكوينية. وعلى‏هذا فيفترق الاطلاق الاستعمالي الحكائي عن الاطلاق الايجادي في اُمور:
الأول: أن الاطلاق الاستعمالي الذي هو من قبيل الوسيلة الحكائية، من‏صغريات المنبهات الشرطية، بينما الاطلاق الذي هو من قبيل الوسيلةالايجادية،من صغريات المنبهات التكوينية.
الثاني: أن المقصود بالأصالة في الاطلاق الحكائي، هو الانتقال إلى صورةذهنية اُخرى، لا الانتقال إلى صورة ذهنية اُولى، فإنه مجرد وسيلة للوصول إلى‏الثاني ولا ينظر إليه إلاّ كأداة ووسيلة، بينما المقصود بالأصالة في الاطلاق‏الايجادي، هو الانتقال إلى صورة ذهنية اُولى فحسب.
الثالث: أن موضوع القضية في الاطلاق الحكائي قد يكون كلياً، وقد يكون‏جزئياً، فإن اللفظ كما يحكي عن معنى جزئي، يحكي عن معنى كلي أيضاً، بينماالموضوع في الاطلاق الايجادي لا يمكن أن يكون كلياً، لأنه شخص الموجودبالوسيلة الايجادية، وهو جزئي دائماً، ولا يعقل أن يكون كلياً.
ويترتب على ذلك أن المقصود في القضية، إن كان احضار المعنى في ذهن‏المخاطب وترتب الحكم عليه، واللفظ مجرد وسيلة لإحضاره فيه بدون أن يكون‏له دخل في الحكم فالقضية حكائية، وإن كان المقصود إحضار صورة شخص‏اللفظ الموضوع في القضية في ذهن المخاطب، من دون أن يقصد به الحكاية عن‏معناه، نظراً إلى أن المحمول فيها سنخ حكم ثابت للفظ فقط ومترتب عليه دون‏معناه، كما في مثل قضية »زيد لفظ«، فإن المحمول في القضية وهو »لفظ« سنخ‏حكم ثابت للفظ »زيد« ومحمول عليه بالحمل الشائع الصناعي، ولا يعقل أن‏يكون محمولاً على معناه، ففي مثل ذلك لا محالة تكون القضية إيجادية والموضوع‏فيها شخص اللفظ الموجود دون معناه، ولفظ »زيد« في المثال بشخصه موضوع‏للقضية الموجود بالوسيلة الايجادية، لا أنه لفظ الموضوع، وحيث إنه لا يعقل أن‏يكون حاكياً عن نفسه، فلا محالة تكون قضية »زيد لفظ« إيجاد للفظ »زيد«واحضار صورته في ذهن السامع بنفسه نتيجة طبيعية للإحساس به، وعلى هذافالموضوع في هذه القضية شخص لفظ »زيد«، والمحمول وهو »لفظ« ثابت له.فإذن تكون القضية مركبة من أجزاء ثلاثة: الموضوع وهو شخص لفظ »زيد«والمحمول وهو »لفظ«، والنسبة بينهما التي هي مفاد الهيئة القائمة بهما.
قد يقال - كما قيل -: إن لازم كون الموضوع في القضية شخص لفظ زيد بماهو بدون أن يحكي عن الواقع أن تكون القضية مركبة من جزأين، فإن القضيةاللفظية تحكي بموضوعها عن موضوع القضية الواقعية، وبمحمولها عن محمول‏القضية، وبنسبتها عن نسبتها. وعلى هذا فإذا فرض أن الموضوع في القضيةاللفظية لا يحكي عن الموضوع في القضية الواقعية، فلازم ذلك أن تكون القضيةالواقعية مركبة من جزأين، أحدهما المحمول، والآخر النسبة، مع أن تحقق‏النسبة بدون تحقق طرفي القضية مستحيل(18).
والجواب: أن هذا الإشكال مبني على تخيل أن الموضوع في القضية الحقيقيةدائماً بحاجة في وجوده وحضوره في الأذهان إلى واسطة حكائية، كاللفظبالنسبة إلى المعنى، فإنه واسطة لوجوده وحضوره فيها، وليس نفسه موضوعاًللقضية، بل هو لفظ الموضوع وحاك عنه.
وأما إذا كان الموضوع في القضية لا يحتاج في وجوده وحضوره في ذهن‏المخاطب إلى الواسطة، بل كان حاله حال بقية الأفعال الخارجية والموجودات‏الفعلية، التي يكون حضور صورها في‏الأذهان نتيجة طبيعة للإحساس بها بدون‏حاجة إلى وسيلة حكائية، فلا يلزم حينئذ محذور تركب القضية من جزأين.ومقامنا من هذا القبيل، فإن الموضوع في مثل قولنا: )زيد ثلاثي( شخص ذلك‏اللفظ الذي هو من الكيف المسموع، لا أنه لفظه، ومن الواضح أن اللفظ لا يحتاج‏وجوده في الذهن إلى أي وسيلة حكائية، لإمكان إيجاده فيه على ما هو عليه،واثبات المحمول له بالوسيلة الايجادية، بمعنى أن وجوده وحضوره في الذهن‏نتيجة طبيعية للإحساس به خارجاً، وعليه فالقضية مركبة من أجزاء ثلاثة:الموضوع وهو ذات اللفظ وشخصه، والمحمول وهو ثلاثي، والهيئة المتحصلة التي‏تدل على النسبة بينهما.
وإن شئت قلت: إن كون الشي‏ء موضوعاً في القضية، باعتبار أن المحمول‏ثابت له، فقد يكون المحمول ثابتاً لما يحتاج في وجوده وحضوره إلى الواسطةكالمعنى، كما هو الحال في غالب القضايا، وقد يكون ثابتاً لما لا يحتاج في وجوده‏في الذهن إلى الواسطة كاللفظ، وحيث كان الموضوع في المقام شخص اللفظ، من‏جهة أن المحمول ثابت له، فإنه سنخ حكم محمول عليه دون المعنى، فلا يلزم‏المحذور المذكور، فإن لزومه هنا مبتن على أن لا يكون الموضوع شخص اللفظ.
وعلى هذا فلا فرق بين قولنا »زيد ثلاثي« وقولنا »زيد عالم«، فكما أن الهيئةالمتحصلة من المجموع المركب من »زيد« و»عالم« تدل على النسبة بينهما،فكذلك الهيئة المتحصلة من المجموع المركب من لفظ »زيد« و»ثلاثي«، فإنهاتدل على النسبة بنيهما، غاية الأمر إن جملة »زيد ثلاثي« مركبة من الوسيلةالايجادية والوسيلة الحكائية، وهذا ليس بفارق، فإن المعيار في تكوين القضيةبوجود النسبة بين طرفيها، ولا موضوعية لخصوصية الأطراف.
وأمّا المسألة الثالثة: وهي اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله،فالكلام فيها يقع في مقامين:
الأول: في إطلاق اللفظ وإرادة نوعه به.
الثاني: في إطلاق اللفظ وإرادة صنفه أو مثله به.
أمّا الكلام في المقام الأول فهل هذا الاطلاق من قبيل الاطلاق الحكائي،أو أنه من قبيل الاطلاق الايجادي؟ فيه قولان:
فقد اختار السيد الاُستاذقدس سره أنه من قبيل الاطلاق الايجادي دون الحكائي.وأفاد في وجه ذلك أنه إذا قيل )زيد لفظ(، واُريد به طبيعي ذلك اللفظ، فهوليس من قبيل الاستعمال ، بل هو من قبيل إحضار الطبيعي في ذهن المخاطب‏بإراءة فرده، فالمتكلم بذلك اللفظ قد قصد ثبوت الحكم للطبيعي،ليسري‏منه‏الى أفراده،وأوجد في ذهن المخاطب أمرين: أحدهما شخص اللفظ الصادر منه،والثاني طبيعي ذاك اللفظ الجامع بينه وبين غيره، ولما لم يمكن ايجاده على ما هوعليه في الخارج إلاّ بإيجاد فرده، فلا يكون من قبيل استعمال اللفظ في المعنى في‏شي، فإن وجوده عين وجود فرده في الخارج، وايجاده عين ايجاد فرده، وعليه‏فلا يعقل أن يجعل وجود الفرد فانياً في وجوده، أو مبرزاً له وعلامة عليه، فإن‏كل ذلك لا يعقل إلاّ بين وجودين خارجاً والمفروض أنه لا اثنينية في المقام، فلايمكن أن يكون وجود الفرد واسطة لاحضار الطبيعي في الذهن، فإن الواسطةتقتضي التعدد في الوجود، ولا تعدد هنا فيه أصلاً(19). هذا،
ولنا تعليق عليه، وهو ما تقدم منا من أن الاطلاق الايجادي يمثل المنبه‏التكويني، والاطلاق الاستعمالي يمثل المنبه الشرطي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد مر أن موضوع القضية في الاطلاق الايجادي لا يمكن‏أن يكون كلياً، ضرورة أنه لا يعقل ايجاد الكلي في الذهن عن طريق الوسيلةالايجادية، لأن ما يوجد بها خارجاً فرد جزئي مساوق للتشخص، ووجودالكلي في ضمن وجود الفرد وجود تحليلي لا وجود له بحدّه وبما هو كلي، فما هوالموضوع للقضية - وهو الموجد بالوسيلة الايجادية مباشرة - جزئي حقيقي‏وليس بكلي، ووجوده في ضمنه لا يجلعه كلياً، لأنه تحليلي، والموجود في الذهن‏صورة الفرد، فمن أجل ذلك تكون الوسيلة الايجادية من صغريات المنبهات‏الطبيعية.
والخلاصة: أن الاطلاق الايجادي، هو الذي يمثل ايجاد الموضوع في القضيةفي ذهن المخاطب بنفسه ومباشرة، ويكون هذا الإيجاد نتيجة طبيعية للإحساس‏السمعي به، ومن الواضح أن صورة الفرد في الذهن بحده الفردي، غير صورةالكلي فيه بحده، والحاضر فيه مباشرة في الاطلاق الايجادي هو صورة الفرددون الكلي، وعلى هذا فإذا كان موضوع القضية كلياً، فلا يمكن احضار صورته‏بما هو كلي وايجادها في الذهن مباشرة بالوسيلة الايجادية، لأن الموجود بها دائماًفرد جزئي، ولا يمكن أن يكون كلياً، فإذن احضار صورة الكلي في الذهن بحاجةإلى واسطة وهي صورة الفرد فيه، بأن يجعلها في ذهن المخاطب وسيلة للإنتقال‏منها إلى صورة الكلي وهو النوع.
وعلى هذا الاساس فإطلاق اللفظ وإرادة نوعه لا يمكن أن يكون من قبيل‏الاطلاق الايجادي، لان احضار النوع بما هو نوع في ذهن المخاطب لا يمكن‏مباشرة، بل لابد أن يكون بالواسطة، والواسطة إما صورة الفرد التي هي تدخل‏في ذهن‏المخاطب نتيجة للإحساس به مباشرة، أو القرينة الخارجية. وعلى‏الأول يجعل المتكلم صورةالفرد وسيلة ومقدمة للإنتقال منها إلى صورة النوع،وعلى الثاني يجعل‏القرينة وسيلة لذلك، وعلى كلا التقديرين فلا يكون هذاالاطلاق من قبيل‏الوسيلة الايجادية، بل من‏قبيل الوسيلةالحكائية، إذ لانقصدبها إلاّ انتقال‏الذهن من‏صورة ذهنية إلى صورة ذهنية اُخرى، وهومعنى‏الحكاية.
مثلاً إذا قيل »زيد لفظ« اُريد به نوع لفظ »زيد« لا شخصه، فلا يمكن أن‏يكون هذا الاطلاق من قبيل الوسيلة الايجادية، لأن ايجاد النوع واحضاره في‏ذهن المخاطب لا يمكن مباشرة بمجرد الإحساس به، بل احضاره فيه بحاجة إلى‏وسيلة اُخرى كصورة الفرد، وعلى هذا فإن اُريد النوع في المثال، فإما أن يجعل‏صورة الفرد وسيلة للإنتقال إليه، أو يجعل قرينة عليه، وعلى كل‏تقديرفالاطلاق حكائي لا ايجادي. نعم انه ايجادي بالنسبة إلى الفرد، ولكنه‏ليس موضوعاً للقضية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن اطلاق اللفظ وارادة نوعه‏يكون من قبيل الاطلاق الحكائي،وليس من قبيل الاطلاق الايجادي، وبذلك‏يمتاز عن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه، فإنه من الاطلاق الايجادي كما تقدم.
وأمّا الكلام في المقام الثاني وهو ما إذا اُطلق اللفظ واُريد به صنفه أومثله، فهل هو من قبيل الاطلاق الايجادي أو الحكائي؟ فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الأول، وقد أفاد في وجه ذلك أن‏الحروف قد وضعت لتضييق المفاهيم الإسمية، وتقييدها بقيودات خارجة عن‏حريم ذواتها، على أساس أن الغرض قد يتعلق بتفهيم طبيعي المعنى الإسمي على‏اطلاقه وسعته، وقد يتعلق بتفهيم حصة خاصة منه، والدال على الحصة ليس إلاّالحروف أو ما يحذو حذوها، وعلى أساس ذلك إن المتكلم كما إذا قصد تفهيم‏حصة خاصة من المعنى، يجعل مبرزه الحرف أو ما يقوم مقامه، كذلك إذا قصدتفهيم حصة خاصة من اللفظ يجعل مبرزه ذلك، فالحرف كما يدل على تضييق‏المعنى وتخصيصه بخصوصية ما، كذلك يدل على تضييق اللفظ وتقييده بقيودما،فإن الغرض كما يتعلق بإيجاد طبيعي اللفظ على ما هو عليه من الاطلاق‏والسعة، يتعلق بايجاد حصة خاصة من ذلك الطبيعي الموجد بنفسه كالصنف أوالمثل، فالمبرز لذلك ليس إلاّ الحرف أو ما يشبهه، فلا فرق في إفادة الحروف‏التضييق بين الألفاظ والمعاني، فكلمة »في« في قولنا »زيد في ضرب زيدفاعل« تدل على تخصيص طبيعي لفظ زيد بخصوصية ما من الصنف أو المثل، كماأنها في قولنا »الصلاة في المسجد حكمها كذا« تدل على أن المراد من الصلاة ليس‏هو الطبيعة السارية إلى كل فرد، بل خصوص حصة خاصة منها(20). هذا،
ولنا تعليق على ما أفاده‏قدس سره وحاصل هذا التعليق أن موضوع القضية في‏المقام المثل أو الصنف دون الفرد بحده الفردي. ومن الواضح أن إطلاق القضية في‏مثل قولنا »زيد في ضرب زيد فاعل« لا يمكن أن يكون من قبيل الوسيلةالايجادية للموضوع، أي موضوع القضية من الصنف أو المثل، لأن هذا الاطلاق‏لا يمثل ايجاد الموضوع واحضاره في ذهن المخاطب بنفسه ومباشرة وبدون‏استخدام أي وسيلة اُخرى، وإنما يمثل إيجاد الفرد بحده الفردي واحضاره في ذهن‏السامع، باعتبار أن الموجد به دائماً فرد جزئي، وحينئذ فإن كان إحضار صورةالفرد في الذهن بغرض جعلها مقدمة اعدادية ووسيلة للإنتقال منها إلى صورةالصنف أو المثل فيه بضميمة قرينة تدل على ذلك، فعندئذٍ وإن كان الذهن ينتقل‏إلى صورة الصنف أو المثل، إلاّ أن هذا الانتقال إنما هو بوسيلة حكائية لاإيجادية، إذ لا يقصد بها إلاّ الانتقال من صورة ذهنية إلى صورة ذهنية اُخرى،وهو معنى الاطلاق الحكائي في مقابل الاطلاق الايجادي.
وعلى الجملة، فإذا قيل »زيد في ضرب زيد فاعل« واُريد به صنفه، كان‏المنتقل إلى ذهن السامع مباشرة صورة شخص »زيد« الذي هو المسموع له‏حساً نتيجة للإحساس السمعي به، فلا يحتاج إلى أي وسيلة اُخرى، ثم ينتقل‏الذهن منها إلى صورة الصنف بلحاظ أن الحكم الثابت له في القضية لا يختص به،بل يعم تمام ما وقع بعد الفعل بلا فصل مرفوعاً، ومن الواضح أن الانتقال إلى‏صورة الصنف ليس طبيعياً، بل بحاجة إلى وسيلة اُخرى، فإذن لا يكون هذاالاطلاق وسيلة إيجادية لموضوع القضية، فإن ضابط الاطلاق الايجادي هو أنه‏يمثل المنبه الطبيعي، كما أن ضابط الاطلاق الحكائي هو أنه يمثل المنبّه الشرطي.
ومنه يظهر حال ما إذا كان الموضوع للقضية المثل، فإن صورة المثل للشي‏غير صورة ذلك الشي، فالاطلاق لا يمثل إلاّ ايجاد الفرد دون مثله، ومنبه‏طبيعي‏بالنسبة إلى صورته دون صورة المثل، فإن الانتقال إليها بحاجة إلى‏استخدام وسيلة اُخرى.
والخلاصة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن موضوع القضية يوجدبنفسه، والحرف يدل على تضييقه بإرادة الصنف و المثل، لا يرجع إلى معنى‏صحيح، وذلك لأن الموضوع الموجد بنفسه في القضية هو الفرد بحده الفردي،ومن الواضح أن الفرد الخارجي لا يقبل الاطلاق والتقييد.
فالصحيح أن اطلاق اللفظ وإرادة نوعه أو صنفه أو مثله يكون من باب‏الاستعمال والاطلاق الحكائي لا الايجادي. نعم اطلاق اللفظ وإرادة شخصه‏يكون من قبيل الوسيلة الايجادية كما مر، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد يقال إن هذه الاطلاقات إذا كانت من باب الاستعمال‏فهو بحاجة إلى وجود مناسبة بين اللفظ ونوعه أو صنفه أو مثله لكي‏يصح‏استعمال اللفظ فيه ولا مناسبة بينهما، فإذن لا تصح هذه الاطلاقات من‏باب الاستعمال.
والجواب عن ذلك ما تقدم، من أنه يكفي في صحة هذه الاطلاقات من باب‏الاستعمال توفر أحد أمرين فيها:
الأول: كون المعنى فيها بما أنه من سنخ اللفظ، فلا يبعد كفاية ذلك في صحةتلك الاطلاقات من باب الاستعمال، لأن ذلك مناسبة ذاتية تصلح أن تعطي‏للفرد صفة الحكاية كاللفظ عن الطبيعي.
الثاني: أن اشتمال الفرد على حصة من الطبيعي يكفي في صحة استعماله فيه،لأن ذلك مناسبة عرفية تصلح أن تجعل الفرد أداة للإنتقال إلى الطبيعي.
ولكن المناسبة الثانية مختصة باستعمال الفرد في نوعه أو صنفه، ولا تشمل‏استعماله في مثله. وأما المناسبة الاُولى فهي تعم جميع هذه الاطلاقات.
ودعوى أن هذه الاطلاقات لا يمكن أن تكون من باب الاستعمال، وإلاّ لزم‏اتحاد الدال والمدلول فيما إذا كان الدال فرداً والمدلول نوعاً أو صنفاً، على أساس‏أن الفرد بنفسه مصداق لنوعه أو صنفه ومتحد معه خارجاً، فلو استعمل فيه‏لكان الدال والمدلول في الخارج واحداً.
مدفوعة بأن المستحيل إنما هو اتحاد الدال مع المدلول بالذات، بان يكون‏الدال والمدلول مفهوماً واحداً، وأما إذا كانا متعددين في عالم المفهوم، فلا ينافي‏اتحادهما في المصداق الخارجي، لأن الموجود الخارجي ليس مدلولاً للفظ.
نتيجة هذا البحث عدة اُمور:
الأول: إن ما ذكره المحقق صاحب الكفايةقدس سره من أن صحة اطلاق اللفظوإرادة نوعه أو صنفه أو مثله ليست من باب الوضع ولا العلاقة، لأنها فرع‏الحقيقة، ولا حقيقة في المقام، بل هي من باب حسنه عند الطبع لايتم، لأن منشأصحة هذه الاطلاقات من باب الاستعمال إنما هو العلاقة بين الفرد والنوع، وبين‏الفرد والصنف أو المثل، إذ لا فرق في العلاقة المصححة للاستعمال بين أن تكون‏متمثلة في العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المستتبعة للعلاقة بين اللفظوالمعنى المجازي تبعاً، أو متمثلة في العلاقة بين اللفظ والمعنى ابتداء، بدون أن‏تسبقها علاقة اُخرى كما في المقام.
الثاني: أن اطلاق اللفظ وإرادة شخصه ليس من قبيل الاطلاق الاستعمالي،بل هو من قبيل الاطلاق الايجادي، الذي يمثل صغرى قانون الإستجابة الذهنيةالتكوينية في مقابل الاطلاق الاستعمالي الذي يمثل صغرى قانون الإستجابةالذهنية الشرطية، فمن أجل ذلك لا يعقل أن يكون هذا الاطلاق من قبيل‏الاستعمال، لأن الاستعمال يمثل الوسيلة الحكائية، وهي تقتضي المغايرة بين‏الحاكي والمحكي، ولا تعقل حكاية الشي عن نفسه.
الثالث: أن ما ذكره المحقق صاحب الكفايةقدس سره من كفاية المغايرة الاعتباريةبين الدال والمدلول، مبني على الخلط بين الدلالة اللفظية والدلالة العقلية كماتقدم، هذا إضافة إلى ما مر من اعتبار التغاير بين الدال والمدلول في الدلالةالعقلية أيضاً.
الرابع: أن ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أنه لا برهان على امتناع حكايةالشي عن نفسه، ودلالة الشي على نفسه مستدلاً بقوله‏عليه السلام »يا من دل على ذاته‏بذاته« وبقوله‏عليه السلام »وأنت دللتني عليك« مبني على الخلط بين الدلالة اللفظيةوالدلالة عند أهل العرفان التي مجرد لقلقة اللسان، أو المراد الدالة على ذاته بآثارذاته على ما سبق.
الخامس: أن الاطلاق الاستعمالي الذي يمثل الوسيلة الحكائية يمتاز عن‏الاطلاق الايجادي في نقاط ثلاث التي تقدمت الإشارة إليها آنفاً فلاحظ.
السادس: أن الموضوع في القضية الحقيقية إن كان معنى تطلّب اخطاره في‏ذهن السامع واحضاره فيه وسيلة حكائية كاللفظ، وإن كان لفظاً أو غيره من‏الأفعال الخارجية، كان حضوره في ذهن السامع نتيجة طبيعية للإحساس به،ولا يحتاج إلى أي وسيلة اُخرى كما تقدم.
السابع: الصحيح أن إطلاق اللفظ وارادة نوعه أو صنفه أو مثله، يكون من‏باب الاستعمال، لا من باب الاطلاق الايجادي.

علامات الحقيقة والمجاز ...

السادس: علامات الحقيقة والمجاز
المعروف والمشهور بين الاُصوليين أن علامات الحقيقة والمجاز ثلاث.

العلامة الاُولى: التبادر
ويراد به انتقال الذهن إلى معنى معين عند اطلاق لفظ كذلك والإحساس به،لأنه يكشف إنّاً عن أنه موضوع بإزائه، بتقريب أن هذا الانتقال ليس بذاتي، لماتقدم في باب الوضع، من أن دلالة الألفاظ على المعاني لا تستند إلى المناسبات‏الذاتية، بل هي مستندة إلى أحد عاملين:
الأول: الوضع، فإنه يعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة على المعنى‏والحكايةعنه.
الثاني: العلاقة المصححة التي تمنح اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي‏مع القرينة الصارفة. وعليه فإذا كان المعنى متبادراً من اللفظ، ولم تكن قرينة في‏البين، كان هذا التبادر كاشفاً إنّياً عن أنه المعنى الموضوع له اللفظ.
وقد اعترض على علامية التبادر، بتقريب أن علاميتها للكشف عن الوضع‏مستحيلة، لاستلزامها الدور، من جهة أن التبادر وهو إنسباق المعنى في الذهن‏يتوقف على العلم بالوضع، إذ لا يعقل الانسباق والتبادر من اللفظ بدون العلم‏مسبقاً بوضعه له، فلو كان العلم بالوضع متوقفاً عليه لدار.
وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن علامية التبادر لتعيين المعنى الموضوع‏له على القول باعتبارية الوضع غير معقولة، وذلك لأن التبادر برهان إني على‏الوضع، وعلى هذا فإذا كان الوضع عبارة عن اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى‏القائم بالواضع، فمن الضروري أنه بجعله الواقعي لا يكون علة للتبادر، ليكون‏التبادر كاشفاً إنياً عنه، فان من يكون جاهلاً بوضع لفظ »الأسد« مثلاً للحيوان‏المفترس، وباعتبار الملازمة بينهما، لا يعقل أن ينتقل ذهنه إلى تصوره من تصورلفظ »الأسد«.
فالنتيجة: أن الوضع بوجوده الاعتباري في الواقع، لا يعقل أن يكون علةللتبادر والانسباق، بل تمام العلة للتبادر العلم بالوضع، وإن كان مخالفاً للواقع.فإذا علم بأن اللفظ الفلاني وضع للمعنى الفلاني، كان ذلك المعنى هو المتبادر منه‏عند اطلاقه وإن لم يكن في الواقع موضوعاً له، فإذن تمام العلة للتبادر هو العلم‏بالوضع، ولا أثر له في الواقع بدون العلم به.
فتحصل أن التبادر على القول بأن الوضع أمر جعلي اعتباري، يستحيل أن‏يكون علامة على الوضع.
وأما على القول بأن الوضع أمر تكويني وعبارة عن عملية قرن بين تصوراللفظ وتصور المعنى في ذهن السامع بنحو أكيد، بحيث يوجب انتقال الذهن من‏تصور أحدهما إلى تصور الآخر، فتكون علامية التبادر أمر معقول، لأن التبادرمن اللفظ فرع الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى في ذهنه، وهذه الملازمةالتصورية فرع القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى الذي هو روح الوضع، وهو أمرواقعي، فإذا كانت الملازمة ثابتة بين تصور اللفظ وتصور المعنى في الذهن، فمتى‏ما تصور اللفظ انتقل ذهنه إلى تصور المعنى، ولا يتوقف هذا الانتقال التصوري‏في اُفق الذهن على العلم التصديقي بالوضع في الخارج، لأن هذا الانتقال فرع‏الملازمة التصورية بين اللفظ والمعنى في عالم الذهن، وهو لا يتوقف إلاّ على‏ثبوت هذه الملازمة التصورية فيه، ولا يتوقف على التصديق بها في الخارج،ولهذا يحصل هذا الانسباق والتبادر للصبيان أيضاً، نتيجةً لثبوت الملازمة بين‏تصوريهما في الذهن مع عدم وجود أي علم تصديقي لديهم بالملازمة.
وعلى هذا فعلامية التبادر للوضع معقولة، لأنها لا تتوقف على العلم‏التصديقي بالوضع، فإذن يمكن استعلام الوضع به إنّياً.
ومن هنا تمتاز هذه الملازمة عن الملازمات الواقعية، كالملازمة بين الناروالاحراق، وبين تعدد الآلهة وفساد العالم، وبين وجوب شي ووجوب مقدمته،وهكذا... في نقطة، وهي أن الانتقال من اللازم إلى الملزوم لا يمكن بدون العلم‏التصديقي بالملازمة بينهما في الملازمات الواقعية، سواء أكان الانتقال انتقالاًتصديقياً أم كان تصورياً، فإن العلم بالاحراق في الخارج، إنما يستلزم العلم‏بوجود النار فيه إذا علم بثبوت الملازمة بينهما خارجاً، وأما مع عدم العلم‏بثبوتها، فلا ينتقل من العلم بوجود الاحراق خارجاً إلى العلم بوجود الناركذلك، وكذا لا يستلزم تصور وجود الاحراق تصور وجود النار في الذهن إلا إذاعلم بوجود الملازمة بينهما خارجاً وهذا بخلاف الملازمة في المقام، فإنها انماتكون بين نفس التصورين والادراكين، لا بين نفس المدركين كما في الملازمات‏الواقعية، فإذا كانت الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى، لا بين ذات اللفظوذات المعنى، فتصور المعنى بنفسه لازم لا أنه تصور للازم، وتصور اللفظ بنفسه‏ملزوم لا أنه تصور للملزوم، فإذا فرض أن الملازمة بين نفس الادراكين‏والتصورين، فلا محالة يستتبع أحدهما الآخر في أفق الذهن، كما أن الملازمة إذاكانت بين نفس المدركين في الواقع كالنار والاحراق، كان وجود الملزوم فيه‏يستتبع وجود اللازم.
والخلاصة: أن الوضع هو الاقتران بين اللفظ والمعنى خارجاً، وهو المنشأللملازمة بين الادراكين والتصورين في الذهن، فإذا كانت صورة الاقتران المؤكدموجودة في أفق الذهن، كانت تلك الصورة هي السبب للانسباق والتبادر، وإن‏لم يعلم بأن هذا الاقتران وضع. أو فقل إن ثبوت هذا الاقتران والارتباط في‏الذهن بنفسه منشأ للإنتقال من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، ولا يتوقف على‏العلم التصديقي بأن هذا الاقتران وضع.
وبذلك تفترق هذه النظرية عن نظرية الاعتبار، فإن حقيقة الوضع إذا كانت‏أمراً اعتبارياً جعلياً قائماً بالجاعل والواضع، فمن البيّن أنه طالما لا يعلم الشخص‏بهذا الاعتبار والجعل، فلا يعقل الانسباق والتبادر عنده، وكذلك الحال على‏القول بأن الوضع هو التعهد، فإنه مادام لا يعلم به، فلا انسباق ولا تبادر(21).
ولنا تعليق على ذلك:
أما أولاً: فلأن علامية التبادر على القول بأن حقيقة الوضع القرن الأكيد بين‏اللفظ والمعنى وإن كانت ممكنة ولا تستلزم الدور، إلاّ أنها لا تخرج عن حدودالامكان فقط، إذ افتراض الانسباق والتبادر من الاقتران الموجود في الذهن‏بدون أن يعلم خارجاً بأنه وضع، مجرد وهم، لا واقع له إلاّ في الصبي أو المجنون،وأما في غيره كالسامع الشاعر الملتفت، فافتراض ذلك بدون التفاته التصديقي‏بأنه وضع، لا يخرج عن دائرة الخيال إلى دائرة التحقق، هذا إضافة إلى أنه لا يفيدالعلم التصديقي بالوضع.
وأمّا ثانياً: فمع الإغماض عن هذا، إلاّ أن مبنى ذلك غير صحيح، لما تقدم من‏أن الأقرب، هو كون حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية جعلية، على تفصيل تقدم،لا مجرد إقتران بين اللفظ والمعنى خارجاً بدون ضم أي اعتبار إليه. وأما الملازمةالذهنية بين صورة اللفظ وصورة المعنى فهي من آثار الوضع وليست بحقيقةالوضع.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره وهذا الوجه يرجع إلى جوابين:
الأول: أن تبادر العالم بالوضع علامة للجاهل به وبرهان إني له عليه.
الثاني: أن التبادر لدى المستعلم يتوقف على العلم‏الاجمالي بالوضع، وهو لايتوقف على التبادر، وما يتوقف عليه هو العلم التفصيلي به، فإذن لا دور.
والمراد بالعلم‏الاجمالي، العلم الارتكازي الثابت في أعماق النفس، بدون‏التفات النفس إليه فعلاً وتفصيلاً، وليس المراد منه العلم‏الاجمالي بالمعنى‏الاُصولي. والمراد بالعلم التفصيلي العلم بالعلم بالوضع.
فالتبادر يتوقف على العلم بالوضع ارتكازاً، والعلم بالعلم بالوضع المساوق‏للإلتفات الفعلي اليه يتوقف على التبادر وفي طوله، كما أن التبادر يكون في طول‏العلم الارتكازي، وعليه فلا موضوع للدور(22).
ولنأخذ بالنقد على كلا الجوابين:
أما الأول: فيرد عليه أولاً أنه خارج عن محل الكلام، فإن محل الكلام هناإنما هو في تبادر المستعلم، وأنه هل يصلح أن يكون علامة وبرهاناً إنياً له على‏الوضع أو لا؟ وليس في تبادر العالم به.
وثانياً: أن علامية تبادر العالم بالوضع للجاهل المستعلم وإن كانت ممكنة ولامحذور فيها، إلاّ أنه وحده لا يكفي عادة لحصول العلم بالوضع، إذ لابد فيه من‏إحراز أنه مستند إلى اللفظ بما هو بدون ضم أي شي آخر إليه. ومن الواضح أن‏احرازه عادة يتوقف على تكرار الاستعمال واطراده حتى يدفع بذلك احتمال أن‏يكون تبادره مستنداً إلى وجود قرينة حالية أو عهدية عنده، إذ لا يمكن نفي هذاالاحتمال عادة إلاّ بتكرار الاستعمال واطراده في مختلف الموارد، أو بين العالمين‏بالوضع، فلذلك لا يكون بمجرده علامة.
وبكملة، إن العلامة على الوضع حينئذ، إنما هي التبادر الاطرادي لا نفس‏التبادر، ونتيجة ذلك أن تبادر العالم بالوضع بما هو تبادر لا يكون علامة على‏الحقيقة، وإنما العلامة هي اطراده، فإنه يكشف إنياً عن الوضع.
وأما الجواب الثاني فهو وإن كان يدفع محذور الدور، إلاّ أنه يؤدي إلى إلغاءدور علامية التبادر للوضع.
أما أولاً: فلأنه لا معنى لجعل التبادر برهاناً إنياً لدى المستعلم على علمه‏بالوضع، لأنه بمجرد استعلامه عن علم نفسه والتفاته إليه، يحصل له اليقين‏المباشر بعلمه، لأن العلم بالعلم مساوق للإلتفات الفعلي، ولا يعقل أن يتوسطبين العلم التفصيلي له بالوضع والعلم‏الاجمالي به واسطة لكي تكون الواسطةبرهاناً إنياً على الأول، لفرض أنه بمجرد الإستعلام عن علمه والتوجه إليه أصبح‏علماً تفصيلياً فعلياً له، على أساس أن في أفق النفس ليس إلاّ علم واحد، وهوالعلم‏الاجمالي بالوضع أولاً، وهو بأدنى منبه خارجي أو توجه داخلي صارتفصيلياً، وحينئذ فالموجود في أفق النفس ليس إلاّ العلم التفصيلي بالوضع لاغيره، فلذلك لا يعقل أن يتوسط التبادر بينهما كبرهان إني.
فالنتيجة: أن العالم بالوضع اجمالاً وارتكازاً ليس بحاجة في تحصيل العلم‏التفصيلي به إلى التمسك بالتبادر كبرهان إني، بل أنه بصرف الإستعلام عن علمه‏أصبح عالما بالوضع تفصيلاً.
وثانياً: أن لازم ذلك هو أن التبادر لا يكون علامة أولية لتمييز الحقيقة عن‏المجاز، وذلك لأن العلم الارتكازي بالوضع، بما أنه ليس بذاتي على الفرض،فبطبيعة الحال يكون مستنداً إلى سبب آخر كالتنصيص او نحوه، لا إلى‏التبادر،لمحذور الدور.
فالنتيجة: أن التبادر لا يصلح أن يكون علامة على الوضع ابتداء وبرهاناً إنياًعليه، وإنما يكون علامة ثانوية للعالم به اجمالاً لا مطلقاً.
الوجه الثالث: ما نقله المحقق الأصبهاني‏قدس سره عن بعض الأعلام، من أن التبادرليس معلولاً للعلم بالوضع، بل معلول لنفس الوضع ومن مقتضياته، فإنه‏يقتضي التبادر، والعلم به شرط في تأثيره، وعليه فلا دور، حيث إن صفةالإقتضاء للوضع والمعلولية للتبادر لا تتوقف على العلم به(23).
ولكن هذا الجواب غريب جداً.
أما أولاً: فلأن الضرورة والوجدان تحكم بأن العلم بالوضع تمام العلةللتبادر، ولا دخل للوضع بوجوده الواقعي فيه أصلاً. ومن هنا إذا علم بوضع‏لفظ لمعنى، كان المعنى هو المتبادر منه عند اطلاقه وإن لم يكن العلم مطابقاًللواقع‏كما مر.
وثانياً: أن ذلك لا يدفع محذور الدور، للزومه في جانب الشرط، فان التبادرمتوقف على العلم بالوضع بملاك أنه شرط، والعلم بالوضع متوقف على التبادربملاك أنه علامة وبرهان إني عليه.
والخلاصة: أن الوضع في نفسه لا يقتضي التبادر، وتمام العلة له العلم به وإن‏كان مخالفاً للواقع، وعلى تقدير تسليم أنه مقتض له، ولكنه لا يدفع الدور،للزومه في جانب الشرط.
الوجه الرابع: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أنه يكفي في ارتفاع الدور، تغايرالموقوف والموقوف عليه بالشخص لا بالنوع والذات، وعلى هذا فيمكن في‏المقام افتراض علمين متماثلين، أحدهما يتوقف على التبادر، والآخر مما يتوقف‏التبادر عليه، وإن كان العلمان متحدين ذاتاً وحقيقة، فإذن لا دور(24).
وفيه أن هذا الجواب منه‏قدس سره غريب جداً،
أما أولاً: فلأن قيام العالم بالوضع بعملية التبادر لتحصيل العلم به ثانياً لغومحض، ضرورة أنه لا معنى لتحصيل العلم به مرة اُخرى، ولا موضوع حينئذلعلامية التبادر.
وثانياً: أن هذه الفرضية في نفسها غير معقولة، بداهة استحالة افتراض تعددالعلم التفصيلي التصديقي بشي‏ء واحد، لأن المعلوم بالعرض إذا كان واحداً في‏الخارج استحال تعلق أكثر من علم تفصيلي تصديقي واحد به، لأن شيئاً واحداًفي الخارج مرئي بنحو واحد، ولا يعقل أن يكون مرئياً بنحوين أو أكثر من‏شخص واحد. مثلاً عدالة زيد في الخارج لا يمكن أن تكون مرئية بعلمين‏تصديقيين من فرد واحد، ولا فرق في ذلك بين العلم والشك والظن، فكما أن‏تعدد العلم التصديقي بشي‏ء واحد غير معقول، فكذلك تعدد الشك والظن به.
وعلى هذا فلا يعقل أن يتعلق بالوضع علمان تصديقيان، أحدهما ما يتوقف‏عليه التبادر، والآخر ما يتوقف على التبادر، فإنه إذا علم بالوضع علماً تصديقياًتفصيلياً، استحال تعلق علم آخر به كذلك ولو بسبب آخر. نعم يمكن تعدد العلم‏التصوري بشي‏ء واحد، كما إذا تصوره أكثر من مرة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي استحالة علامية التبادرللوضع من جهة استلزامها الدور، على أساس أن تمام العلة للتبادر هو العلم‏بالوضع وإن كان مخالفاً للواقع، ولا دخل للوضع فيه أصلاً كما مر.

العلامة الثانية: عدم صحة السلب أي صحة الحمل‏
المشهور بين الاُصوليين أن صحة الحمل علامة للحقيقة والوضع، وعدم‏صحة الحمل علامة للمجاز وعدم الوضع.
بيان ذلك: أن صحة حمل اللفظ بما له من المعنى على معنى معين بالحمل الأولي‏الذاتي علامة كونه نفس معناه الموضوع له، لأنها تدل على أن المعنى الموضوع في‏القضية متحد مع المعنى المحمول فيها ذاتاً ومفهوماً، وبالتالي تكشف عن أنه معناه‏الموضوع له. وصحة حمله كذلك على معنى بالحمل الشائع، علامة كونه من‏أفراد ومصاديق معناه الموضوع له، هذا هو المعروف والمشهور.
والصحيح أن صحة الحمل لا تصلح أن تكون علامة على الحقيقة، بدون فرق‏في ذلك بين الحمل الأولي الذاتي والحمل الشائع الصناعي. وذلك لسببين:
الأول: أن المقتضي في نفسه غير تام، والوجه فيه أن الحمل إذا كان حملاً أولياًوذاتياً، فملاك صحته أن المحمول في القضية عين الموضوع فيها ذاتاً وحقيقة، ومن‏الواضح أنها لا تكشف عن أن الموضوع في القضية معنىً حقيقي للفظ، وإنماتكشف عن أن الموضوع فيها عين المعنى المستعمل فيه اللفظ، وأما أنه معنى‏حقيقي له أو معنى مجازي، فصحة الحمل لا تكشف عن أنه معنى حقيقي له، إلاّبناءً على أن الأصل في الاستعمال الحقيقة، وهو غير ثابت. مثلاً، إذا قيل»الحيوان الناطق إنسان« فإنه يدل على أن الموضوع في القضية عين المحمول فيهاذاتاً ومفهوماً، وأما أن الموضوع معنى حقيقي للفظ الانسان أو معنى مجازي له،فصحة الحمل لا تكشف عن أنه معنى حقيقي له، إلاّ بناءً على ثبوت أصالةالحقيقة تعبداً، وهي غير ثابتة.
أو فقل: إن القضية المذكورة تدل على أن الموضوع فيها عين المعنى المستعمل‏فيه لفظ الانسان، وأما أن لفظ الانسان استعمل فيه حقيقة أو مجازاً، فصحةحمله لا تكشف عن أنه استعمل فيه حقيقة.
وبكلمة : إن ملاك صحة الحمل الأولي الذاتي اتحاد المحمول مع الموضوع ذاتاًوحقيقة، وأما أن لفظ المحمول استعمل في معناه الموضوع له ليكون الموضوع في‏القضية معنىً حقيقياً له، فصحة الحمل المذكور لا تكشف عن ذلك، وإنما تكشف‏عن أن الموضوع في القضية عين المعنى المستعمل فيه اللفظ، وأما أن المعنى‏المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له فلا تكشف عنه، غاية الأمر أنه إن كان معنى‏حقيقياً له، كان الموضوع متحداً مع المعنى الحقيقي، وإن كان معنى مجازياً، كان‏الموضوع متحداً مع المعنى المجازي، وبالتالي يكون معنى مجازياً له.
فالنتيجة: أن الحمل الأولي الذاتي لا يصلح أن يكون علامة للحقيقة.
وأما الحمل الشائع فهو على أنواع.
النوع الأول: حمل الكلي على فرده، كقولنا »زيد إنسان« ومنه حمل الجنس‏على النوع، وحمل الفصل عليه.
النوع الثاني: حمل العناوين العرضية على معروضاتها، كقولنا »زيد عالم« أو»ضاحك« وهكذا.
النوع الثالث: حمل العناوين العرضية بعضها على بعضها الآخر، كقولهم»الكاتب متحرك الأصابع« و»المتعجب ضاحك« وما شاكل ذلك.
أما النوع الأول فان كان من قبيل حمل الطبيعي على فرده فالموضوع في‏القضية فرد من المحمول فيها ومتحد معه خارجاً، على أساس أن وجود الطبيعي‏في الخارج عين وجود فرده فيه، وليس له وجود آخر، فالإختلاف بينهما إنما هوفي جهة الإضافة وإن كان من قبيل حمل الجنس أو الفصل على النوع، كقولنا»الانسان حيوان« أو »ناطق« فالموضوع في القضية متحد مع المحمول فيهافي‏الوجود الخارجي.
وعلى هذا، فقد يقال بأن صحة الحمل في هذا النوع كاشفة عن كون اللفظحقيقة في المعنى الموجود بوجود فرده في الخارج. مثلاً حصة خاصة من الحيوان‏الموجودة بوجود زيد في الخارج، ويحمل عليها لفظ الانسان بما له من المعنى‏العرفي، وحينئذ فإن وجد صحة هذا الحمل عرفاً، كشفت صحته عن اتحادالحصة الموجودة بوجود زيد مع المعنى الموضوع له لفظ الانسان، وإن وجد عدم‏صحته، كشف عن عدم اتحاده معه.
والخلاصة: أن الضابط لعلامية صحة الحمل، ثبوت المحمول في مرتبة ذات‏الموضوع، فإنه إذا كان ثابتاً فيها، تكشف صحته عن أن اللفظ موضوع لمعنى‏ثابت في مرتبة ذات الموضوع، وعلى هذا فحيث إن معنى الانسان ثابت في مرتبةذات زيد في الخارج الذي هو موضوع القضية، فصحة حمله عليه كاشفة عن أنه‏موضوع بإزاء معنى ثابت في مرتبة ذات الموضوع، وكذا الحال في معنى الحيوان‏أو الناطق، فإنه لمّا كان ثابتاً في مرتبة ذات الانسان الذي هو الموضوع في‏القضية، فصحة حمله كاشفة عن أنه موضوع لمعنى ثابت في مرتبة ذات‏الموضوع.
وأما النوع الثاني والثالث، فحيث إن المحمول فيه غير ثابت في مرتبة ذات‏الموضوع، كقولنا »زيد عالم« وقولنا »الناطق ضاحك« و»الناطق حيوان«و»الكاتب متحرك الأصابع« وهكذا، فلا يصح الإستكشاف المذكور.
وعلى الجملة فالقائل بأن صحة الحمل علامة لا يقول إنه بمجرده علامة، بل‏من جهة أن الحمل إن كان أولياً ذاتياً، فاتحاد الموضوع مع المحمول في القضيةفي‏الذات والمفهوم دليل على الحقيقة. وإن كان شائعاً صناعياً، كقولنا »زيدإنسان«فاتحاد الموضوع مع المحمول خارجاً، يكشف عن أن اللفظ موضوع‏لمعنى موجود بوجود زيد، وفي مرتبة ذاته، وهذا الملاك غير متوفر في النوع‏الثاني والثالث.
أما في الأول، كقولنا »زيد عالم« فإن مبدأ المحمول غير الموضوع، فلا يكون‏موجوداً بوجوده، وإن كانا منطبقين على موجود واحد في الخارج ابتداء، فإن‏ذلك لا يكون ملاك الكشف، فإن ملاكه ما إذا كان معنى المحمول ثابتاً في مرتبةذات الموضوع، وهو غير متوفر في المقام.
وأما الثاني، فإن كان من قبيل حمل أحد الكليين المتساويين على الآخر،كقولنا »الناطق ضاحك« فالأمر واضح، لأن معنى المحمول غير ثابت في مرتبةذات الموضوع. وإن كان من قبيل حمل الأعم على الأخص، كقولنا »الناطق‏حيوان« فإن معنى المحمول غير موجود بوجود الموضوع، لأن مبدأ الفصل غيرمبدأ الجنس، وإن كان التركيب بينهما اتحادياً، فالميزان في كشف الحمل عن‏الحقيقة ثبوت معنى المحمول في مرتبة ذات الموضوع، وإلاّ فلا كشف(25).
ولنا تعليق على ذلك.
أما أولاً فلأن صحة الحمل مطلقاً، سواء أكانت بالحمل الأولي الذاتي، أم‏بالشائع الصناعي، لا تصلح أن تكون علامة للحقيقة.
أما الأول فقد تقدم الكلام فيه.
وأما الثاني فلأنه لا يدل على أكثر من أن الموضوع من مصاديق المحمول،ومتحد معه في الخارج، وأما كون معنى المحمول معنى حقيقياً للفظ أو معنى‏مجازياً، فالقضية لا تدل على شي منهما، فإن ما هو ملاك صحة الحمل هو كون‏الموضوع فرداً للمحمول، وأما كون المحمول معنى حقيقياً للفظ فصحة الحمل بماهي لا تدل على ذلك، وإنما تدل على اتحاد المحمول مع الموضوع خارجاً، وأما أن‏استعمال اللفظ في المعنى المحمول يكون على نحو الحقيقة فهي لا تدل عليه،لوضوح أنه ليس هنا شي غير استعمال اللفظ في المعنى، وهو أعم من الحقيقة.نعم إذا فرض تجرد اللفظ عن القرينة وتبادر المعنى منه، كان ذلك علامة على‏الحقيقة، ولكنه خارج عن محل الكلام بالكلية، فإذن ما هو ملاك صحة الحمل‏الشائع، هو نحو من أنحاء الإتحاد بين الموضوع والمحمول خارجاً، وما هو ملاك‏الحقيقة، استعمال اللفظ في المعنى الموضوع له، فأحد الملاكين أجنبي عن الملاك‏الآخر، لإمكان أن يتحد الموضوع والمحمول في الخارج مع كون استعمال اللفظ في‏المحمول مجازاً، غاية الأمر أنه يتحد مع المعنى المجازي. ومن هنا ترجع الحقيقةوالمجاز إلى عالم الألفاظ، وصحة الحمل إلى عالم المدلول، فلذلك لا يكون اثبات‏أحدهما دليلاً على اثبات الآخر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن صحة الحمل سواء أكان بالحمل‏الأولي الذاتي، أم كان بالحمل الشائع الصناعي، فلا تصلح في نفسها أن‏تكون‏علامة للحقيقة.
وثانياً لو سلمنا أن صحة الحمل علامة للحقيقة وتكشف عن الوضع، ولكن‏الظاهر حينئذ أن لا فرق بين أنواع الحمل الشائع، فكما أن النوع الأول يكشف‏عن الوضع والحقيقة، فكذلك النوع الثاني والثالث.
أما النوع الثاني المتمثل في مثل قولنا »زيد عالم« أو »ضاحك« أو »إنّ هذاالجسم أبيض« و»ذاك أسود« وهكذا، فلأن العناوين المحمولة على الموضوع‏جميعها من العناوين الانتزاعية التي هي منتزعة من قيام الأعراض بموضوعاتهاوليس لها وجود في الخارج، والموجود فيه انما هو نفس الأعراض والمقولات‏التي هي من مبادي تلك العناوين ومنشأ انتزاعها، وعلى هذا فنسبة ما به الإتحادبين الموضوع والمحمول في القضية، وهو وجود زيد مثلاً إلى تلك العناوين إنما هي‏بالعرض والمجاز، وبقانون أن كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات،يرجع هذا الحمل أي حمل العناوين على معروضاتها إلى حمل ثان، ويدل الكلام‏عليه بالدلالة الالتزامية لا محالة، وهذا الحمل يكون من قبيل حمل الكلي على‏فرده، وعلى هذا فمثل قولنا »زيد ضاحك« يرجع في نهاية المطاف إلى قولناالصفة القائمة بزيد ضحك، وهكذا وهذا من حمل الكلي على فرده، وتدل صحته‏على أن اللفظ موضوع لمعنى متحد مع المعنى الموجود في مرتبة ذات الموضوع.
وأما النوع الثالث المتمثل في مثل قولنا »المتعجب ضاحك« و»الكاتب‏متحرك الأصابع« ونحوهما، فهو بصيغته الخاصة وإن لم يصلح أن يكون علامةللوضع، لوضوح أنه لا يدل على أن الضاحك موضوع لمعنى متحد مع المعنى‏الموجود في مرتبة ذات المتعجب. فإن مبدأ الضاحك غير مبدأ المتعجب ومباين‏له، بل يدل على أنهما منطبقان على شي واحد في الخارج كزيد مثلاً ابتداء، ولكنه‏بمقتضى قانون أن كل ما بالعرض لابد وأن ينتهي إلى ما بالذات يرجع لبّاً وواقعاًإلى حملين، كلاهما من حمل الكلي على فرده، لأن مرجع »المتعجب ضاحك« إلى‏حمل التعجب على الصفة القائمة بزيد مثلاً، وحمل الضحك على الصفة القائمة به،وحيث إن كلا الحملين من حمل الطبيعي على فرده، فيكون المحمول ثابتاً في‏مرتبة ذات الموضوع، وصحته تكشف عن الوضع والحقيقة، أي عن كون‏الموضوع في القضية فرد من المحمول الذي هو معنى اللفظ.
فالنتيجة: أنه لا فرق بين أنواع الحمل الشائع الصناعي بحسب مقام اللب‏والواقع، فإن مآل الكل إلى نوع واحد من الحمل، وهو حمل الكلي على فرده،وإنما الفرق بينها في صياغة القضية، وحينئذ فإن نظرنا إلى صياغة كل منها فالنوع‏الثاني والثالث لايدلان بصياغتهما على أن المحمول في القضية متحد مع المعنى‏الموجود في مرتبة ذات الموضوع، وإن نظرنا إلى مآلهما لباً وواقعاً، فحالهماحال‏النوع الأول.
الثاني: أن علامية صحة الحمل للحقيقة مستحيلة، وذلك لأن علاميتهاتستلزم الدور. ببيان أن صحة الحمل تتوقف على العلم بأن الموضوع في القضيةمعنى حقيقي للفظ في المرتبة السابقة، وإلاّ فلا يمكن الحكم بصحة حمل المحمول في‏القضية عليه واستعلام الوضع والحقيقة منها، فلو كان العلم به متوقفاً على صحةالحمل لدار. ولا فرق في ذلك بين الحمل الأولي الذاتي وبين الحمل الشائع‏الصناعي، فإن صحته على كلا التقديرين فرع العلم في المرتبة السابقة، بأن‏الموضوع في القضية هو المعنى الحقيقي للفظ.
وقد أجيب عن ذلك بأن صحة الحمل تتوقف على العلم‏الاجمالي الارتكازي‏بالمعنى الموضوع له، وهو لا يتوقف عليها، فإن المتوقف عليها العلم التفصيلي‏بالمعنى الموضوع له، فالنتيجة: أن صحة الحمل في طول العلم‏الاجمالي‏الارتكازي، والعلم التفصيلي في طول صحة الحمل، فإذن لا دور(26).
ولكن هذا الجواب لا يرجع إلى معنى صحيح.
أما أولاً: فلأنه لا يمكن جعل صحة الحمل برهاناً إنياً للمستعلم على علمه‏بالعلم بالوضع، إذ لا يعقل أن تتوسط بينهما واسطة، على أساس أن العلم‏التفصيلي هو العلم الارتكازي بعد الإستعلام والتوجه، فإن العالم بالوضع في‏أعماق نفسه لا يحتاج في صيرورة علمه علماً تفصيلياً إلى التبادر أو صحةالحمل، بل لا يعقل أن يتوسط بين العلم التفصيلي والعلم الارتكازي واسطة بهايثبت العلم التفصيلي بالعلم الارتكازي بالوضع، لفرض أنه ليس هنا علمان، بل‏علم واحد كان ارتكازياً، ثم بمجرد الإستعلام عنه والتوجه إليه صار علماًتفصيلياً، ولهذا لا يتصور بينهما الحد الوسط، واثبات الأكبر للأصغر.
وثانياً: أن صحة الحمل إذا كانت مسبوقة بالعلم الارتكازي بالوضع، فلازم‏ذلك أنها لا تكون علامة، باعتبار أن العلم الارتكازي بالوضع ليس ذاتياً، بل‏لا محالة يكون مستنداً إلى سبب من الأسباب، كالتنصيص أو نحوه، وذلك‏السبب هو العلامة على الوضع دون صحة الحمل.
وثالثاً: أنه لا يمكن دفع محذور الدور هنا بما ذكر في دفع هذا المحذور في باب‏علامية التبادر، بنكتة أنه يكفي في التبادر والانسباق، الإلتفات إلى اللفظ الذي‏يكون معناه مرتكزاً في الذهن، فإن الإلتفات إليه بمثابة المنبه الشرطي لحصول‏الإلتفات التفصيلي بما هو مرتكز في الذهن من المعنى الحقيقي، فلذلك لا يتوقف‏التبادر على العلم التفصيلي التصديقي بالوضع، بل يكفي فيه العلم الارتكازي به،بينما صحة حمل اللفظ بما له من المعنى الحقيقي تتوقف على العلم التفصيلي‏التصديقي، بأن المعنى المحمول المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له في المرتبةالسابقة، ولا يكفي فيها العلم الارتكازي به.
والنكتة في ذلك أن صحة الحمل تتوقف على تصور الموضوع في القضيةوالمحمول فيها، واحراز أن المحمول المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له مسبقاً،ولا يكفي في احراز ذلك مجرد تصور الموضوع والمحمول في القضية. نعم تصورالمحمول قد يكون بمثابة المنبه الشرطي للإنتقال إلى معناه، ولكن بعد هذا الانتقال‏والتصديق بأنه معنى حقيقي للفظ يصح الحمل وإلاّ فلا، طالما لم يعلم بأنه معنى‏حقيقي له مسبقاً.
وبكملة، إن صحة القضية الحملية إن كانت منوطة بوحدة الموضوع والمحمول‏إما في عالم المفهوم أو في عالم الخارج، توقفت على احراز هذه الوحدة والعلم‏التصديقي بها، وإلاّ فلا يمكن الحكم بصحتها، لأن تمام ملاك صحة القضيةالحملية ومدلولها هو هذه الوحدة، وحينئذ فلا تدل القضية على أن المحمول‏المستعمل فيه اللفظ معنى حقيقي له أصلاً. وإن كانت منوطة بأمرين: الأول‏وحدة الموضوع والمحمول. والآخر كون المحمول المستعمل فيه اللفظ معنى‏حقيقياً له، توقفت صحتها على احراز كلا الأمرين معاً، فمن يقوم بعملية الحمل‏لابد له في المرتبة السابقة من احراز وحدة الموضوع والمحمول، إما في عالم المفهوم‏أو الخارج واحراز أن المحمول معنى حقيقي للفظ، وطالما لم يحرز هذين الأمرين‏معاً، فليس بإمكانه الحكم بصحة الحمل.
فالنتيجة في نهاية المطاف أن صحة الحمل لدى المستعلم لا تصلح أن تكون‏علامة للوضع والحقيقة. وأما صحة الحمل لدى العالم، فهل تصلح أن تكون‏علامة على الحقيقة للجاهل؟
والجواب: أنها أيضاً لا تصلح أن تكون علامة، لأن ملاك عدم قابليتهاللعلامية في كلا المقامين واحد، وهو ما عرفت من أن صحة الحمل لا تدل على‏أكثر من اتحاد المحمول مع الموضوع مفهوماً أو خارجاً، وأما كون معنى المحمول‏المستعمل فيه معنى حقيقياً للفظ، فهي لاتدل عليه أصلاً، فإذن ما هو ملاك‏صحة الحمل غير ما هو ملاك الوضع والحقيقة ولا صلة لأحدهما بالآخر.

العلامة الثالثة: الاطراد
وقد فسر الاطراد بعدة تفسيرات:
الأول: ما قيل من أن المراد منه تكرار الاستعمال في معنى.
فيه: أنه إن اُريد به تكرار صحة استعمال لفظ في معنى، فيرد عليه أنه غيرقابل للذكر، بداهة أنه إذا صح استعمال لفظ في معنى مرة واحدة، صح استعماله‏فيه إلى مالا نهاية له بملاك واحد، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الاستعمال في‏المعنى الحقيقي أو المجازي.
وإن اُريد به كثرة الاستعمال في معنى في موارد مختلفة، بحيث يحصل استعماله‏فيه من الكثرة بدرجة الشيوع لدى العرف العام، ففي مثل ذلك لا يبعد أن تكون‏علامة على الحقيقة، لأن كثرة الاستعمال إذا كانت مطردة في مختلف الموارد لامحالة تكشف عن الوضع، إذ لا يحتمل عادة أن تكون تلك الإستعمالات الكثيرةكلها مجازاً ومع القرينة، وإلاّ لم تطرد ولوقع التخلف في مورد لا محالة، فإذن يدورالأمر بين أن يكون جميع هذه الإستعمالات الكثيرة في مختلف الموارد مجازاً، أويكون حقيقة. والأول غير محتمل عادة، فيتعين الثاني.
والنكتة في ذلك أن عنصر اللفظ عنصر ثابت في جميع موارد الاستعمال،وعنصر القرينة غير ثابت، وكثرة الاستعمال إذا كانت مطردة كانت قرينة على‏أن الدلالة مستندة إلى اللفظ، وإلاّ لم تطرد.
الثاني: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره وإليك نصه:
»إن مورد هاتين العلامتين )الاطراد وعدمه ( ما إذا اُطلق لفظ باعتبار معنى‏كلي على كل فرد يقطع بعدم كونه من حيث الفردية من المعاني الحقيقية، لكنه‏يشك في أن ذلك الكلي كذلك أو لا، فإذا وجد صحة الاطلاق مطرداً باعتبارذلك الكلي، كشف عن كونه من المعاني الحقيقية، لأن صحة الاستعمال فيه‏وإطلاقه على افراده مطرداً، لابد من أن تكون معلولة لأحد الأمرين: إما الوضع‏أو العلاقة. وحيث لا إطراد لأنواع العلائق المصححة للتجوز، يثبت الإستنادإلى الوضع، فنفس الاطراد دليل على الحقيقة وإن لم يعلم وجه الاستعمال على‏الحقيقة، كما أن عدم الاطراد في غير مورد يكشف عن عدم الوضع له، وإلاّ لزم‏تخلف المعلول عن العلة، لأن الوضع علة صحة الاستعمال مطرداً، وهذه العلامةعلامة قطعية لو ثبت عدم اطراد علائق المجاز، كما هو المعروف والمشاهد في جملةمن الموارد(27)» انتهى.
وملخصه: أن اطلاق اللفظ كلفظ الأسد على كل فرد من أفراد الحيوان‏المفترس، مع العلم بعدم كون الفرد بخصوصه من المعاني الحقيقية، لمّا كان‏مطرداً، كشف ذلك عن كون الحيوان المفترس معنىً حقيقياً، واطلاقه على كل‏فرد من أفراد الشجاع حيث إنه لم يكن مطرداً، باعتبار أنه يصح اطلاق هذااللفظ بإعتبار هذا المفهوم الكلي وهو الشجاع على الانسان وعلى جملة من‏الحيوانات، ولا يصح اطلاقه على النملة الشجاعة مثلاً، فيكشف عن كونه من‏المعاني المجازية.
وقد أورد عليه السيد الأستادقدس سره بما حاصله: أن الاطراد كما لا يمكن أن يرادبه تكرار الاستعمال في معنى، كذلك لا يمكن أن يراد به التكرار في التطبيق، أي‏تطبيق المعنى على مصاديقه وأفراده، معللاً بأن انطباق الطبيعي على أفراده‏والكلي على مصاديقه أمر عقلي، واجنبي عن الاستعمال بالكلية، فلا يعقل أن‏يكون المعنى كلياً، ومع ذلك لا ينطبق على تمام أفراده ومصاديقه، ومن الواضح‏أنه لا فرق في ذلك بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، فكما أن انطباق الحيوان‏المفترس على تمام أفراده ومصاديقه قهري، فكذلك انطباق الرجل الشجاع على‏تمام أفراده في الخارج. ولا يعقل فيه عدم الاطراد والتخلف. نعم يختلف انطباق‏المفهوم سعة وضيقاً باختلاف نفس المفهوم كذلك، فإن المفهوم إذا كان وسيعاً كان‏الانطباق كذلك، وإذا كان ضيقاً كان الانطباق كذلك. مثلاً مفهوم الانسان إذالاحظناه بما له من السعة والاطلاق، فلا محالة ينطبق على جميع أفراده بشتى‏ألوانها وأشكالها، وإذا لاحظناه بما له من الخصوصية كالعالمية أو الهاشمية أوالعربية أو نحو ذلك، فلا يعقل انطباقه إلاّ على أفراد هذه الحصة فحسب. ومن‏المعلوم أن عدم الاطراد بهذا المعنى أو الاطراد أمر مشترك فيه بين المعنى الحقيقي‏والمعنى المجازي ويتبع سعة المعنى وضيقه. ومن هنا يظهر أن عدم اطراد اطلاق‏لفظ الأسد على كل فرد من أفراد مفهوم الشجاع، إنما هو من أجل خصوصية في‏لفظ الأسد بما له من المعنى، فلذلك لا ينطبق إلاّ على أفراد حصة خاصة من‏مفهوم الشجاع. ومن المعلوم أن اطلاقه على أفراد تلك الحصة مطرد(28)، هذا.
ولكن الظاهر أن مراده‏قدس سره من الاطراد ليس الاطراد في التطبيق، كما فسره به‏السيد الاُستاذقدس سره بل الاطراد في الاستعمال بلحاظ التطبيق، بقرينة أن تطبيق‏الكلي على أفراده واطراده فيه أمر ضروري، بلا فرق بين أن يكون الكلي معنى‏حقيقياً أو مجازياً، ولا يحتمل أن يكون ذلك علامة للحقيقة. وهذا بخلاف‏استعمال اللفظ في الفرد بلحاظ تطبيق الكلي عليه، فإنه إن كان مطرداً،كشف عن‏كون الكلي معنى حقيقياً له، وإن لم يكن مطرداً، كشف عن كونه معنى مجازياً له.مثلاً استعمال لفظ الأسد في أفراد الحيوان المفترس ومصاديقه بلحاظ تطبيقه‏عليها مطرد، وأما استعماله في أفراد معنى يكون مشابهاً للحيوان المفترس لايكون مطرداً، فالاول يكشف عن كون الحيوان المفترس معنى حقيقياً له،والثاني يكشف عن كونه معنى مجازياً له بعلاقة المشابهة، ومن هنا لا يكون‏استعماله في أفراد الحيوان الشجاع مطرداً، فلو كان معناه الموضوع له لكان‏مطرداً لا محالة.
فالنتيجة: أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره عليه فالظاهر أنه غير متجه.
ولكن مع ذلك ما أفاده‏قدس سره غير تام، وذلك لما تقدم من أن دلالة الألفاظ على‏المعاني ليست ذاتية، وإنما هي مستندة إلى عامل خارجي، وهو أحد أمرين:
الأول: العلاقة الوضعية بين اللفظ والمعنى.
الثاني: ما يناسب المعنى الموضوع له من المعاني في صفة من صفاته البارزة،وحيثية من حيثياته الكاملة.
وحيث إن تلك المناسبة والعلاقة بينه وبين تلك المعاني تستتبع العلاقةوالمناسبة بين اللفظ والمعاني المذكورة بالتبع، فلذلك تعطي اللفظ صلاحيةالدلالة عليها، وتصبح تلك الدلالة فعلية مع القرينة الصارفة، فإذن مطلق‏علاقة المشابهة لا تكون مصححة للاستعمال، بل حصة خاصة منها، وهي‏الحصة التي تعطي للفظ صفة الصلاحية والإستعداد للدلالة على المعنى المجازي،وعلى هذا فكما أن اطلاق اللفظ على كل فرد من أفراد المعنى الحقيقي مطرد، ولايمكن التخلف وعدم الاطراد في شي من الموارد، فكذلك اطلاقه على كل فرد من‏أفراد المعنى المجازي الذي تكون بينه وبين المعنى الحقيقي علاقة ومناسبةمصححة للإطلاق والاستعمال، وأما إذا لم تكن بينه وبين المعنى الحقيقي علاقةكذلك، وإن كانت بين بعض أفراده والمعنى الحقيقي علاقة مصححة له، فهوباطلاقه وسعته ليس معنى مجازياً له، بل المعنى المجازي حينئذ حصة خاصة منه،والمفروض أن الاطلاق بلحاظ تلك الحصة مطرد. ومن هنا ذكر المحقق‏الخراساني‏قدس سره أن هذا المعنى من الاطراد موجود في المعاني المجازية أيضاً،شريطةأن يكون مصحح المجاز محفوظاً فيها، وإلاّ فلا مجاز، لأن قوام اتصاف المعنى‏بالمجاز، إنما هو بوجود العلاقة المصححة بينه وبين المعنى الحقيقي، وإلاّ فلايكون‏متصفاً به(29).
الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المراد من الاطراد الكاشف عن‏المعنى الحقيقي، اطلاق لفظ خاص على معنى مخصوص، واستعماله فيه في مختلف‏الموارد مع إلغاء جميع ما يحتمل أن يكون قرينة على إرادة المجاز، فإنه يكشف عن‏كونه معنىً حقيقياً له، وهذه الطريقة طريقة عملية لتعليم اللغات الأجنبية، فإن‏من جاء من بلدة إلى بلدة اُخرى لا يعرف لغاتهم، فإذا أراد تعلمها اختار هذه‏الطريقة، وينظر إلى موارد استعمالاتهم، فيرى أنهم يطلقون لفظاً ويريدون به‏معنى، ويطلقون لفظاً آخر ويريدون به معنى آخر، وهكذا، ولكنه لايدري أن‏هذه الاطلاقات من الاطلاقات الحقيقية أو المجازية، فإذا رأى أنهم يطلقون هذه‏الألفاظ ويريدون بها تلك المعاني في جميع الموارد بشكل مطرد، حصل له العلم‏بأنها معاني حقيقية، لأن جواز الاستعمال معلول لأحد أمرين: الأول الوضع،والثاني القرينة. وحيث فرض انتفاء القرينة من جهة الاطراد، فلا محالة يكون‏مستنداً إلى الوضع بعد مالم تكن دلالة الألفاظ ذاتية(30).
ولكن غير خفي أن ما أفاده‏قدس سره من الطريقة وإن كانت طريقة عملية في‏الخارج لتعليم اللغات الأجنبية، إلاّ أن من يقوم بهذه العملية غالباً ليس نظره إلى‏تمييز المعاني الحقيقية عن المعاني المجازية، بل نظره إلى تحصيل العلم بمواردالاستعمال، أعم من أن يكون الاستعمال في المعاني الحقيقية، أو المعاني المجازية.هذا، إضافة إلى أنه‏قدس سره إن أراد أن اطراد الاستعمال بما هو استعمال دليل على‏الحقيقة، فيرد عليه أن الاستعمال أعم من الحقيقة، فلا يكون أمارة عليها، فإنه‏كما يصح في المعنى الحقيقي، كذلك يصح في المعنى المجازي.
وإن أراد به اطراد انسباقه وتبادره، فهو وإن كان علامة للحقيقة، إلاّ أن ذلك‏لا يكون مستنداً إلى الاطراد بما هو، بل مستند إلى إطراد الانسباق والتبادر،وهذا معناه الغاء علامية الاطراد بما هو.
فالنتيجة: أن مراد السيد الاُستاذقدس سره من ذلك، إن كان الاطراد التبادري، فهووإن كان علامة على الحقيقة، إلاّ أنه ليس بملاك الاطراد بما هو، وإن كان‏الاطرادالاستعمالي، فهو ليس بعلامة، لأن الاستعمال أعم من الحقيقة، ومشترك‏بينهما وبين المجاز.
إلى هنا قد تبين أن الاطراد بما هو إطراد ليس علامة للحقيقة.
نتائج هذا البحث عدّة نقاط:
الاُولى: أن علامية التبادر والانسباق الذهني لدى المستعلم غير معقولة،لإستلزامهاالدور. ودفع الدور بأن التبادر إنما هو متوقف على العلم الارتكازي‏فحسب، والمتوقف على التبادر انما هو العلم التفصيلي به، فإذن لا دور وإن كان‏صحيحاً، إلاّ أن لازم ذلك الغاء علامية التبادر للوضع، لفرض أنه عالم به‏ارتكازاً. ومن الواضح أن هذا العلم ليس ذاتياً له، بل لا محالة يكون مستنداً إلى‏سبب كالتنصيص أو نحوه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه لا يعقل أن يتوسط شي بين العلم التفصيلي بالوضع‏والعلم الارتكازي به، لأن الثاني ينقلب إلى الأول بصرف التوجه والإستعلام،والبرهان ألاني انما يتصور بين شيئين.
الثانية: أن علامية التبادر - على القول بأن حقيقة الوضع القرن الأكيد بين‏صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن - وإن كانت ممكنة ولا تستلزم الدور، إلاّأن ذلك لا يخرج عن مجرد الافتراض، كما تقدم.
الثالثة: أن تبادر العالم بالوضع لا يصلح أن يكون علامة للجاهل به إلاّبتكراره في مختلف الموارد، أو بين العالمين بالوضع.
الرابعة: أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من افتراض علمين: أحدهما متوقف‏على التبادر وفي طوله، والآخر مما يتوقف عليه التبادر، لا يرجع إلى‏معنى‏محصل، إذ مضافاً إلى أن العلم الثاني لغو، إنه لا يمكن افتراض علمين‏تصديقيين بشي‏ء واحد.
الخامسة: أن صحة الحمل سواء أكانت بالحمل الأولي الذاتي أم كانت‏بالحمل الشائع الصناعي لا تصلح أن تكون علامة على الحقيقة، لأن الحمل إن‏كان أولياً، فهو يدل على أن المحمول عين الموضوع، وأما كون المحمول معنى‏حقيقياً للفظ، فالحمل لا يدل عليه، إلاّ بناءً على أن الأصل في الاستعمال‏الحقيقة.وإن كان شائعاً، دل على أن الموضوع متحد مع المحمول في الخارج، وأماكون معنى المحمول معنى حقيقياً، فالحمل لا يدل عليه.
السادسة: أن علامية صحة الحمل مستحيلة، لإستلزامها الدور، ولا يمكن‏دفع الدور هنا بالعلم الارتكازي.
السابعة: أن الاطراد بكل تفسيراته بما هو اطراد، لا يصلح أن يكون علامةعلى الوضع. نعم اطراد التبادر والانسباق علامة له، لكن لا بملاك الاطراد، بل‏بملاك الاطراد التبادري.
حقيقة الارادة الاستعمالية ...

السابع: حقيقة الارادة الاستعمالية
لا شبهة في أن عملية الاستعمال عملية اختيارية للمستعمل كسائر أعماله‏الإختيارية وتتبع قصده وإرادته، وأنها غير الدلالة التصورية، لأنها ليست‏باختيارية ولا تتبع القصد والارادة، ومتمثلة في انتقال الذهن من تصور اللفظإلى تصور المعنى قهراً وإن كان اللفظ صادراً عن لافظ بلا شعور واختيار.
ثم إن الارادة الاستعمالية تفسر بعدة تفسيرات:
الأول: أنها هي الارادة التفهيمية، يعني إرادة تفهيم المعنى واخطاره باللفظفعلاً.
وفيه: أنه لا ملازمة بين إرادة الاستعمال وإرادة تفهيم المعنى من اللفظ، إذالارادة الاستعمالية قد تكون موجودة في موارد عدم إرادة تفهيم المعنى من‏اللفظ، كما في موارد الإتيان بالألفاظ المشتركة في مقام الاستعمال، قاصداً بهاالاجمال وعدم إرادة تفهيم معنى من معانيها، وفي هذه الحالة، الارادة الاستعماليةموجودة دون الارادة التفهيمية.
الثاني: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةإيجاد المعنى باللفظ إيجاداً تنزيلياً(31).
واُورد عليه: أن هذا التفسير مبني على ما بنى عليه‏قدس سره في باب الوضع من أنه‏عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى، وحيث إن الاستعمال لابدأن يكون تطبيقاً فعلياً لعملية الوضع، فلذلك لابد أن يكون عبارة عن جعل‏وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى فعلاً(32).
وبكملة، إن عملية الوضع حيث كانت عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداًتنزيلياً للمعنى بنحو القضية الحقيقية، ففعليتها لا محالة تكون بفعلية الاستعمال ،فإذن يكون الاستعمال تفسيراً للوضع حرفياً، ولايمكن أن يكون مخالفاً له.
ولنا تعليق على ذلك.
أمّا أولاً: فقد تقدم في باب الوضع أن الغرض من تفسيره بالتنزيل هوالإشارة إلى أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية جعلية، ولعل نظر المفسر في ذلك‏إلى أن مآل الوضع لباً يرجع إلى ذلك لا أنه حقيقة الوضع، ولهذا ليس للتنزيل في‏باب الوضع عين ولا أثر، ولا يكون أمراً مركوزاً في ذهن الواضع.
وأمّا ثانياً: فلأن الاستعمال ليس تفسيراً حرفياً للوضع وتطبيقاً فعلياً له،وذلك لأن كون الاستعمال كذلك مبني على أن يكون الوضع جهة تقييدية له،ولكن الأمر ليس كذلك، إذ لا شبهة في أن الوضع جهة تعليلة له لا تقييدية، على‏أساس أنه يعطي اللفظ صفة الصلاحية للدلالة على المعنى والحكاية عنه، وهذه‏الصفة تصبح فعلية بفعلية الاستعمال، فإذن يدور الاستعمال مدار هذه الصلاحيةوجوداً وعدماً. نعم يكون الوضع سبباً لها وعلة، وعليه فلا مبرر لأن يكون‏الاستعمال تطبيقاً فعلياً للوضع، بل هو تطبيق فعلي للصلاحية المذكورة.
ولا فرق في ذلك بين تفسير الوضع بالتنزيل أو بغيره، فإنه على جميع التفاسيرجهة تعليلية للاستعمال لاتقييدية له، وعلة لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى‏والحكاية عنه. ومن هنا يكون استخدام الألفاظ في باب الاستعمال كوسيلةحكائية و أداة لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين، ويكون حالها من هذه‏الناحية حال الوسائل والأساليب البدائية التي استخدمها الانسان كوسيلة وأداةمنذ نشوئه على وجه الكرة لنقل المعاني إلى الآخرين، كالإشارات وتقليدالأصوات وإراءة الصور ونحوها، وحيث إنها لا تكفي بعد تطور الانسان فكرياًواجتماعياً، قام باستخدام الوسائل التي هي أكثر تطوراً وأوسع شمولاً وأدق‏تنظيماً وهي الألفاظ، فإذن ليست الألفاظ إلاّ وسائل حكائية عما في نفس‏الانسان من المعاني والأفكار للآخرين، واستعمالها ليس إلاّ استخدام تلك‏الوسائل والأساليب. ولا فرق في ذلك بين أن يكون الوضع بمعنى التنزيل أوبمعنى آخر، فإنه على كلا التقديرين ليس الاستعمال تفسيراً حرفياً للوضع، بل‏هو تفسير لصلاحية اللفظ للدلالة على المعنى الناشئة من الوضع.
فالنتيجة: أن الوضع وإن كان عبارة عن جعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياًلوجود المعنى، إلاّ أن الارادة الاستعمالية ليست إرادة إيجاد المعنى باللفظ ايجاداًتنزيلياً فعلاً، إلاّ بناءً على افتراض كون الوضع جهة تقييدية. ولكن قد مرّ أنه لاريب في كونه جهة تعليلية ومصححاً للاستعمال. نعم على القول بالتعهد يكون‏الاستعمال تطبيقاً فعلياً له حرفياً، على أساس أن الوضع على ضوء هذا القول‏جهة تقييدية للاستعمال لا تعليلية.
هذا إضافة إلى أن إرادة إيجاد المعنى باللفظ فعلاً مساوق لإرادة تفهيمه. وقدمر أن الارادة الاستعمالية غير الارادة التفهيمية.
الثالث: ما يظهر من السيد الاُستاذقدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةالتلفظ بلفظ خاص عند إرادة تفهيم معناه، على أساس ما بنى عليه‏قدس سره من أن‏كل‏مستعمل متعهد بأنه متى ما تلفظ بلفظ خاص أراد تفهيم معنى مخصوص.وعليه فبطبيعة الحال تتمثل الارادة الاستعمالية في إرادة التلفظ بلفظ خاص عندإرادة تفهيم المعنى(33).
ولكن قد تقدم أن المبنى غير صحيح، وأما على تقدير صحته فالأمر كماأفاده‏قدس سره.
الرابع: أن الارادة الاستعمالية عبارة عن إرادة التلفظ باللفظ.
وفيه: أن مطلق إرادة التلفظ باللفظ لا تكون من الارادة الاستعمالية، فإنهاحصة خاصة من إرادة التلفظ باللفظ، وهي ما إذا كان التلفظ باللفظ بملاك أنه‏وسيلة حكائية عن المعنى وأداة لنقل الأفكار إلى الآخرين. وأما إذا كان التلفظباللفظ بعنوان التلقين أو الإمتحان أو بما هو صوت أو ما شاكل ذلك، فلا تكون‏إرادته من الارادة الاستعمالية.
الخامس: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةافناء اللفظ في المعنى، فكأن المتكلم لا يلقي إلى المخاطب إلاّ معناه، والمخاطب لايتلقى منه إلاّ المعنى(34).
وفيه أولاً: أن هذا تفسير للاستعمال لا للإرادة الاستعمالية. والكلام في المقام‏إنما هو في تفسير الارادة الاستعمالية، لا في تفسير الاستعمال.
وثانياً: أنه إن اُريد من افناء اللفظ في المعنى، أن لحاظ آلية اللفظ ومرآتيته‏من مقومات الاستعمال، فيرد عليه أن الأمر ليس كذلك، كما سوف نشير إليه.وإن اُريد منه أن اللفظ بما أنه وسيلة حكائية وأداة لنقل المعاني، فطبع المطلب‏يقتضي أن يكون النظر إليه آلياً، كما هو الحال في كل شي استعمل كوسيلةحكائية وأداة فهو صحيح، ولكن الآلية بهذا المعنى ليست من مقومات‏الاستعمال، كما سيأتي توضيح ذلك في ضمن البحوث القادمة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هذه التفسيرات للإرادةالاستعمالية بأجمعها غير صحيحة.
فالصحيح أن الارادة الاستعمالية هي إرادة المتكلم والتلفظ بلفظ بما أنه‏وسيلةحكائية شأناً، وأداة لنقل المعاني‏كذلك، لا بما هو صوت لفظي، أو مجردلقلقة اللسان.
حقيقة الاستعمال ...
ثم إن الارادة الاستعمالية تفترق عن الارادة التفهيمية في نقطة، وهي أن‏متعلق الاُولى ايجاد الوسيلة الحكائية، وأداة نقل المعاني شأناً وذاتاً ومتعلق‏الثانية تفهيم المعنى واخطاره في ذهن المخاطب فعلاً، ولهذا من أتى بالألفاظالمشتركة وكان في مقام‏الاجمال، فالارادة الاستعمالية موجودة دون الارادةالتفهيمية. وأما إذا أراد تفهيم المعنى من اللفظ واخطاره في ذهن المخاطب، فإن‏كان جاداً في ذلك فمضافاً إلى وجود الارادة الاستعمالية والتفهيمية، فالارادةالجدية أيضاً موجودة، وإن لم يكن جاداً، فالاُوليان موجودتان دون الثالثة.

حقيقة الاستعمال‏
هل تكون حقيقة الاستعمال من باب الآلية والمرآتية، أو من باب العلامية؟
فهنا قولان: فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني.
وقد أفاد في وجه ذلك: أن الاستعمال تطبيق للوضع، فإن كان الوضع بمعنى‏التعهد - كما هو الصحيح - فالاستعمال ليس إلاّ فعلية ذلك التعهد، لأن الواضع‏تعهد بالنطق بلفظ خاص عند إرادة تفهيم معنى مخصوص بنحو القضية الحقيقيةالتي يكون الموضوع فيها مفروض الوجود، وحينئذ فإذا أراد تفهيم ذلك المعنى‏المخصوص جعل اللفظ المذكور مبرزاً له، وعلامة عليه، لأن الوضع بهذا المعنى لايتطلب أكثر من ذلك. وأما فناء اللفظ في المعنى وجعله مرآةً له، فلا يكون من‏متطلبات الوضع. وكذلك الحال إذا كان الوضع بمعنى اعتبار الملازمة بين طبيعي‏اللفظ والمعنى، فإنه لا يقتضي أكثر من جعل اللفظ علامة على المعنى ودالاً عليه،وأما الفناء والمرآتية فلا. نعم على القول بتفسير الوضع، بجعل وجود اللفظوجوداً تنزيلياً للمعنى، كان يقتضي في مقام التطبيق أي مقام الاستعمال جعل‏وجود اللفظ مرآة للمعنى،بحيث لا يرى الا المعنى(35). هذا،
وحري بنا أن نتكلم هنا في مقامين:
الأول: بناءً على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن الدلالة الوضعية دلالةتصديقية على جميع المسالك في باب الوضع، وتقوم على أساس الملازمةالتصديقية بين اللفظ وإرادة المعنى(36).
الثاني: بناءً على مسلك المشهور من أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية تقوم‏على أساس التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى.
أمّا الكلام في المقام الأول فهل ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن الاستعمال‏تطبيق فعلي للوضع المجعول بنحو القضية الحقيقية صحيح أو لا؟
والجواب: الظاهر أنه صحيح، أما على القول بالتعهد فهو واضح، على‏أساس أن كل مستعمل على ضوء هذا القول واضع ويقوم بتطبيق التعهد في‏الخارج عملاً حرفياً.
وأما على القول بالاعتبار، فحيث إن العلقة الوضعية على هذا القول مختصة بماإذا أراد المتكلم تفهيم المعنى، فحينئذ إن أراد المستعمل في مرحلة الاستعمال تفهيم‏المعنى من اللفظ، كان الاستعمال تطبيقاً عملياً للوضع الكلي حرفياً، وأما إذا لم‏يرد المستعمل في هذه المرحلة تفهيم المعنى منه، فلا يكون استعماله تطبيقاً فعلياًللوضع، حيث إنه لا وضع في هذه الصورة، ويكون الاستعمال فيها بدون العلقةالوضعية، لاختصاصها بما إذا اُريد تفهيم المعنى لا مطلقاً، وحينئذ ففي هذه الحالةلابد أن يكون الاستعمال تطبيقاً فعلياً للوضع حرفياً، وإلاّ لم يصح الاستعمال.
وكذلك الحال إذا خص الواضع العلقة الوضعية بما إذا لوحظ اللفظ آلياً للمعنى‏وفانياً فيه، إذ على هذا فالعلقة الوضعية مختصة بحصة خاصة من اللفظ، وهي ماإذا لوحظ آلياً ومرآة للمعنى لا مطلقاً، وعلى هذا فإذا استعمل المستعمل اللفظ في‏المعنى ، وحينئذ فإن إعتبره مرآة لمعناه وفانياً فيه، كان تطبيقاً فعلياً للوضع‏حرفياً، لفرض اختصاصه بهذه الحالة. وأما إذا لم يعتبره مرآة له وفانياً فيه، فلايكون تطبيقاً فعلياً للوضع كذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع باعتبار أنه لاوضع في هذه الحالة، ويكون الاستعمال فيها استعمالاً بدون العلقة الوضعية،وهوباطل.
فالنتيجة: أن ما أفاده‏قدس سره من أن الاستعمال تطبيق فعلي للوضع المجعول بنحوالكلي متين على ضوء ما بنى عليه‏قدس سره من اختصاص العلقة الوضعية بحالةتصديقية خاصة، وعلى هذا فإن كان الاستعمال مطابقاً لتلك الحالة كان تطبيقاًفعلياً لها، وإلاّ كان بدون العلقة الوضعية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، هل حقيقة الاستعمال على ضوء هذا المسلك متمثلة في‏العلامية، أو في المرآتية؟
والجواب: قد ظهر مما تقدم أن حقيقة الوضع إن كانت عبارة عن جعل اللفظمرآة للمعنى ووجوداً تنزيلياً له، فالاستعمال لابد أن يكون متقوماً بلحاظالمرآتية، باعتبار أن فعلية الوضع المجعول على هذا المسلك إنما هي بفعليةالاستعمال كما مر.
وأما إذا كانت حقيقة الوضع التعهد والالتزام، أو اعتبار الملازمة بين اللفظوالمعنى في حالة خاصة، فهل الاستعمال يتطلب لحاظ اللفظ آلياً؟
والجواب: أنه يتطلب ذلك بطبعه لا أنه من مقوماته، باعتبار أن استخدام‏اللفظ سواء أكان في مرحلة المدلول التصوري، أم كان في مرحلة المدلول‏التصديقي، إنما هو على أساس أنه وسيلة حكائية عن الواقع وأداة آلية. ومن هنايكون توجه المتكلم منصباً على المعنى واللفظ مغفول عنه، فيكون حاله من هذه‏الناحية حال الأدوات الخارجية، كالقلم الذي هو آلة للكتابة والمنشار الذي هوآلة للنجارة وهكذا، فالكاتب حين الكتابة يكون تمام توجهه منصباً على‏خصوصيات الكتابة دون خصوصيات القلم، فإنها مغفول عنها.
وبكملة، إن علاقة اللفظ بالمعنى على أساس هذا المسلك وإن كانت تصديقيةكعلاقة العلامة بذيها، إلاّ أنها مع ذلك لا تؤثر ولا تجعله مصباً للتوجه واللحاظالإستقلالي، باعتبار أن استخدام اللفظ في مقام الاستعمال يختلف عن استخدام‏العلامة في مواضعها، فإن استخدام اللفظ في هذا المقام طبعاً إنما هو بعنوان أنه‏وسيلة حكائية وأداة للتفهيم كالأدوات الخارجية، بينما يكون استخدام العلامةإنما هو بعنوان أنها موجودة مستقلة ذات طابع العلامية.
فالنتيجة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن حقيقة الاستعمال متمثلة في‏علامية اللفظ لا آليته ومرآتيته لا يتم.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو الكلام مع البناء على أن الدلالة الوضعيةدلالة تصورية كما هو الصحيح، فلا يكون الاستعمال فيه تطبيقاً عملياً للوضع‏المجعول بنحو الكلي، لأن ذلك مبني على أن المقصود من اعتبار الواضع وجعله‏اللفظ مرآة للمعنى تحقق المعتبر بهذا الاعتبار، والمفروض أن المعتبر بهذاالاعتبار حصة خاصة من العلقة الوضعية، وهي المختصة بما إذا لوحظ اللفظ مرآةللمعنى، وفعلية المعتبر والمجعول بالاعتبار الوضعي إنما هي بفعلية الاستعمال،وعلى هذا فالاستعمال تطبيق فعلي للوضع المجعول بنحو القضية الحقيقية، وإلاّلكان الاستعمال بدون وضع، كما إذا استعمل اللفظ للوضع بدون جعله مرآةللمعنى، فإنه استعمال بدون العلقة الوضعية، ويكون باطلاً.
ولكن هذا المبنى غير صحيح، لأن المقصود من اعتبار الواضع اللفظ مرآةللمعنى ليس تحقق المعتبر بهذا الاعتبار، كما هو الحال في الاعتبارات الشرعية،بل المقصود منه سببية هذا الاعتبار لإيجاد التلازم بين تصور اللفظ وتصور المعنى‏تكويناً، إذ لو كان المقصود تحقق المعتبر به دون إيجاد الملازمة بينهما تكويناً،لم‏يترتب عليه أثر طالما لم توجد الملازمة بينهما، فمن أجل ذلك لا يمكن أن يكون‏المقصود من الاعتبار الوضعي تحقق المعتبر بهذا الاعتبار، حيث لا يترتب عليه‏أي أثر، مالم تترتب عليه ثبوت الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى تكويناً.
هذا إضافة إلى أن المقصود لو كان تحقق المعتبر بهذا الاعتبار لكانت الدلالةالوضعية دلالة تصديقية، مع أن الأمر ليس كذلك.
والخلاصة: أنه لا شبهة في أن الغرض من الاعتبار الوضعي سببية هذاالاعتبار لإيجاد الملازمة بين صورة اللفظ وصورة المعنى، وإلاّ فلا أثر للمعتبربهذا الاعتبار لا شرعاً ولا عرفاً طالما لم تتحقق الملازمة بينهما، فإذا تحققت فهي‏منشأ صحة الاستعمال، سواء أجعل اللفظ في حال الاستعمال مرآة للمعنى أم لا،فإذن المعيار إنما هو بهذه الملازمة التي هي نتيجة الوضع تكويناً، لا بكيفية اعتبارالواضع وجعله، ومن ذلك يظهر أن صحة الاستعمال تدور مدار وجود الملازمةبينهما وعدم وجودها، لا مدار أنها تطبيق فعلي للوضع.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن حقيقة الاستعمال‏ليست‏جعل اللفظ علامة على المعنى حتى على القول بأن الدلالة الوضعيةدلالةتصديقية.
والصحيح أن حقيقة الاستعمال تمثل لحاظ اللفظ آلة للمعنى ومرآة له طبعاً،بدون أن يكون ذلك اللحاظ من مقوماته، ومن هنا يكون بإمكان كل من‏المستعمل والسامع أن ينظر إلى اللفظ بما له من الخصوصية كنظرته إلى المعنى،بأن يكون نظره منصباً إلى كل منهما، لا إلى خصوص المعنى، ولكن ذلك بحاجةإلى عناية زائدة، وإلاّ فطبع المطلب يقتضي كون النظر منصباً إلى المعنى دون‏اللفظ، فيكون اللفظ بما له من الخصوصية مغفول عنه.
والنكتة في ذلك أن استخدام الألفاظ لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين انماهو كوسيلة حكائية بديلاً عن الوسائل الطبيعية البدائية، كالإشارات وتقليدالأصوات وإراءة الصور، على أساس أن الانسان لما تطور فكرياً واجتماعياًوتطور نمط حياته وأصبح أكثر عمقاً وسعة، لم يكف استخدام الوسائل البدائيةالمسماة بالمنبهات التكوينية، فلذلك التجأ إلى استخدام الوسائل الأكثر تطوراًوسعةً بديلاً عنها وهي متمثلة في الألفاظ، باعتبار أنها أكثر دقة وعمقاً وأوسع‏استيعاباً وشمولاً، ومن الواضح أن استخدامها ليس إلاّ على أنها وسيلة حكائيةوأداة لنقل المعاني واحضارها، وحيث إن الغرض مترتب على احضار المعاني،فتمام النظر منصب على احضارها والحكاية عنها دون نفس الوسائل، فإن النظرإليها طبعاً يكون بالتبع، وبعنوان الوسيلة للوصول بها إلى ما هو المقصود ومحطالنظر لا بعنوان الموضوعية، ولهذا تكون خصوصياتها مغفولاً عنها غالباً وإن‏كانت مرتكزة في‏الذهن، فتكون حالها من هذه الناحية حال الأدوات الخارجية.
وبكملة، إن طبع الاستعمال يتطلب أن يكون نظر المستعمل إلى اللفظ آلياًوكذا نظر السامع، باعتبار أنه استخدمه كوسيلة وأداة لنقل المعاني والأفكار،فتكون آلية النظر إليه أمر يقتضيه طبع المطلب، كما هو شأن كل أداة نشأت العادةعلى استعمالها لأغراض معينة، ولكن ذلك لا يمنع من توجه المتكلم أو السامع إلى‏اللفظ بتمام خصوصياته مستقلاً، كما كان يتوجه إلى المعنى كذلك.
بيان ذلك: أن توجه المتكلم عادة منصبّ على المعنى، ولا سيما في المكالمات‏الاعتيادية وكذلك السامع. نعم قد تكون هناك عناية تتطلب التوجه إلى اللفظأيضاً، كما إذا كان المتكلم في مقام إلقاء كلمة، وأراد إلقاءها بجمل منسقةومنتظمة وعبارات بليغة وفصيحة، ففي مثل ذلك بطبيعة الحال كان يتوجه إلى مايصدر منه من ألفاظ وجمل بما لها من خصوصيات ومزايا، وكذلك إذا ألقى شعراًوأراد أن يكون شعره مميزاً لفظاً ومعنى.
ودعوى أن النفس بسيطة، فلا يعقل أن تتوجه إلى شيئين مستقلين في عرض‏واحد، مدفوعة بأن ذلك لا ينافي بساطتها بالوجدان، ولهذا تدرك النفس‏وجداناً القضية بتمام عناصرها من الموضوع والمحمول والنسبة بينهما في آن واحدمستقلاً، وليس معنى بساطتها أنها لا تتوجه إلاّ إلى شي واحد، بل معنى‏بساطتها أنها ليست مركبة من جزءين أو أكثر، ومن هذا القبيل السامع، فإن‏توجهه عادة منصب على المعنى، واللفظ مغفول عنه، ولكنه قد يتوجه إليه أيضاًبما له من الخصوصية.
إلى هنا قد اتضح اُمور:
الأول: أن لحاظ اللفظ آلياً ومرآتياً في مقام عملية الاستعمال ليس من‏مقوماتها، فإن العنصر المقوم لهذه العملية هو استخدام اللفظ فيها كوسيلةحكائية عن المعنى، وأداة لإحضاره وإن كان ملحوظاً فيها مستقلاً، فإن لحاظه‏استقلالاً في العملية لا ينافي آليته واستعداده كوسيلة للحكاية في نفسه.
الثاني: أن مرآتية اللفظ للمعنى ليست كمرآتية العنوان للمعنون،وذلك‏لأمرين:
أحدهما: أن مرآتية اللفظ للمعنى بالجعل والمواضعة، بينما تكون مرآتيةالعنوان لمعنونه بالذات.
والآخر: أن مرآتية اللفظ للمعنى ليست بمعنى أنه عينه بوجه، بل بمعنى أنه‏وسيلة حاكية عنه، وأداة لاحضاره في الذهن،بينما تكون مرآتية العنوان لمعنونه‏بنحو العينية بوجه من الوجوه.
الثالث: أن انتقال الذهن من اللفظ إلى المعنى يمتاز عن انتقال الذهن من‏العلامة إلى ذيها، فإنه في الأول تصوري على أساس التلازم بينهما ذهناً، بناءً على‏ما هو الصحيح من أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، بينما هو في الثاني تصديقي،ولا يكفي تصورها للتصديق بذيها، لأن التصديق بأحد المتلازمين يتوقف على‏التصديق بالآخر، فطالما لم يتحول تصورها إلى التصديق بوجودها في الخارج لم‏يحصل التصديق بذيها.
الرابع: أن آلية اللفظ للمعنى ليست بمعنى فنائه فيه، وجعله كأنه هو المعنى،وذلك لأن هذا الجعل حقيقة غير معقول، باعتبار أن وجود اللفظ مباين لوجودالمعنى، فكيف يعقل فناؤه واندكاكه فيه، وأما اعتباراً فهو يتوقف على تحقق‏أمرين: أحدهما امكان ترتب أثر المعنى على اللفظ. والآخر أن يكون هذاالاعتبار مولوياً. ولكن شي من الأمرين غير متحقق، فلهذا لا معنى لاعتباراللفظ فانياً في المعنى الموضوع له.
بقي هنا شي‏ء وهو أنه لا شبهة في أن الوضع حيثية تعليلية لا تقييدية، فإنه‏يوجب حدوث العلاقة بين اللفظ الموضوع والمعنى الموضوع له مباشرة، وهذه‏العلاقة تعطي للفظ صفة الصلاحية للحكاية عن المعنى والدلالة عليه، فإذن‏تكون نسبة الوضع إلى دلالة اللفظ على المعنى نسبة العلة إلى المعلول.
وأما العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي المصححة لاستعمال اللفظ فيه،فقد يقال إنها حيثية تقييدية ويكون استحضارها وملاحظتها من شروطالاستعمال، كاستحضار اللفظ والمعنى.
ولكن الصحيح أنها حيثية تعليلية على أساس أن العلاقة بين المعنى الحقيقي‏والمعنى المجازي هي التي تستتبع العلاقة بين اللفظ والمعنى المجازي بالتبع، وهذه‏العلاقة هي التي تعطي للفظ صفة الصلاحية للدلالة على المعنى المجازي والحكايةعنه مباشرة، فيكون دور العلاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي دور العلية،باعتبار أنها تعطي صلاحية الدلالة للفظ كالوضع، فإذا فرض وضع لفظ بإزاءمعنى، فإنه كما يحدث علاقة بين اللفظ والمعنى الموضوع له مباشرة، كذلك يحدث‏علاقة بينه وبين كل معنى مشابه للمعنى الموضوع له تبعاً وبالواسطة، ويعبر عن‏هذه العلاقة بالوضع التبعي، فالعلاقة الاُولى مصححة لاستعمال اللفظ في المعنى‏الحقيقي، والثانية مصححة لاستعماله في المعنى المجازي.
فالنتيجة: أن العلاقة المصححة لاستعمال اللفظ في المعنى المجازي حيثيةتعليلية كالوضع، ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
نتيجة هذا البحث تتمثل في اُمور:
الأول: أن الارادة الاستعمالية هي إرادة التلفظ باللفظ الصالح للدلالةوالحكاية عن المعنى، سواء أراد تفهيمه فعلاً أم لا، فإذا أتى المتكلم باللفظالمشترك بدون نصب قرينة على تعيين أحد معنييه، فالارادة الاستعماليةموجودة دون الارادة التفهيمية.
الثاني: أن ما قيل من أن الارادة الاستعمالية هي إرادة إيجاد المعنى باللفظتنزيلاً، لا يرجع إلى معنى محصل، لأنه مبني على تفسير الوضع بجعل‏وجوداللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى. ولكن تقدم أنه على تقدير صحة المبنى‏فالبناء غير صحيح.
الثالث: أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الارادة الاستعمالية هي إرادةافناء اللفظ في المعنى لا يتم. فإنه مضافاً إلى أن ذلك تفسير للاستعمال لا للإرادةالاستعمالية، لا يمكن تفسير الارادة الاستعمالية بذلك كما تقدم.
الرابع: أن حقيقة الاستعمال متمثلة في استخدام اللفظ كوسيلة حكائية عن‏المعنى وأداة لإحضاره في ذهن السامع لا كعلامة لذيها، ومن هنا يقتضي طبع‏الاستعمال لحاظ اللفظ آلياً ومرآة للمعنى، بحيث يكون التوجه منصباً عليه،

پاورقي

1) كفاية الاُصول : 35.
2) كفاية الاُصول : 35.
3) كفاية الاُصول: 35.
4) محاضرات في اُصول الفقه 199 :1.
5) بحوث في علم الاُصول 114 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 119 :1.
7) محاضرات في اُصول الفقه 93 :1.
8) كفاية الاُصول :13.
9) بحوث في علم الاُصول 122 :1.
10) بحوث في علم الاُصول 125 :1.
11) كفاية الاُصول: 14.
12) تقدم في ص 134.
13) كفاية الاُصول: 14.
14) نهاية الدراية 65:1.
15) بحوث في علم الاُصول 145 :1.
16) نهاية الدراية 65 :1.
17) محاضرات في اُصول الفقه 98 :1.
18) راجع كفاية الاُصول : 14.
19) محاضرات في اُصول الفقه 100 :1.
20) محاضرات في اُصول الفقه 100 :1.
21) بحوث في علم الاُصول 165 :1.
22) كفاية الاُصول: 18.
23) نهاية الدراية 78 :1.
24) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 164 :1.
25) نهاية الدراية 82 :1.
26) راجع كفاية الاُصول: 20.
27) نهاية الدراية 84 :1.
28) محاضرات في اُصول الفقه 122 :1.
29) كفاية الاُصول :20.
30) محاضرات في اُصول الفقه 124 :1.
31) نهاية الدراية 70 :1.
32) بحوث في علم الاُصول 132 :1.
33) محاضرات في اُصول الفقه 45 :1.
34) كفاية الاُصول: 36.
35) محاضرات في اُصول الفقه 207 :1.
36) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
.
...........................................................

...المباحث الاُصولية / ج 1
...

واللفظ مغفول عنه عادة.
الخامس: أن لحاظ الآلية والمرآتية للفظ ليست من مقومات الاستعمال، إذبإمكان كل من المتكلم والسامع أن يتوجه إلى اللفظ وإلى المعنى توجهاً مستقلاً.نعم، الذي يكون من مقوماته استخدام اللفظ كوسيلة وأداة لإحضار المعنى.
السادس: أن الدلالة الوضعية لو كانت دلالة تصديقية تطلّب الوضع كون‏الاستعمال تطبيقاً فعلياً له، وإلاّ لكان الاستعمال بدون العلقة الوضعية. وإن كانت‏الدلالة الوضعية دلالة تصورية لم يتطلب الوضع ذلك، فإن الاستعمال حينئذيدور مدار الملازمة بين تصور اللفظ وتصور المعنى الحادثة بالوضع.
السابع: أن الوضع حيثية تعليلية بحتة، ويمنح اللفظ صلاحية الدلالةوالحكاية عن المعنى، وكذلك العلاقة المصححة لإستعمال اللفظ في المعنى المجازي‏فإنها حيثيّة تعليلية لا تقييدية، وتمنح اللفظ صلاحية الدلالة على المعنى المجازي.

استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد ...

الثامن: استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد
محل النزاع في هذه المسألة ما إذا كان كل من المعنيين متعلقاً للإرادةالاستعمالية استقلالاً، وأما إرادة مجموع المعنيين، أو إرادة كل منهما في ضمن‏إرادة الجامع بينهما، فهي خارجة عن محل الكلام. فإنه من استعمال اللفظ في‏معنى واحد.
وبعد ذلك يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في امكان استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى واحد.
الثاني: في امكان استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى.
أمّا الكلام في المقام الأول فيقع في موردين:
الأول: في جواز استعمال اللفظ في معنيين أو أكثر.
الثاني: على تقدير جوازه، فهل هذا الاستعمال يكون بنحو الحقيقة أو المجاز؟
أمّا الكلام في المورد الأول: فقد ذهب جماعة من الاُصوليين إلى استحالةاستعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد. واستدل على ذلك بعدة وجوه.
الوجه الأول: ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره، وإليك نصّه:
»إن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى في الخارج باللفظ، حيث إن وجود اللفظفي الخارج وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ووجود لطبيعي المعنى بالجعل‏والمواضعة والتنزيل، لا بالذات، إذ لا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداًلماهيتين بالذات، كما هو واضح، وحيث إن الموجود الخارجي بالذات واحد، فلإ؛8خ‏خ امجال لأن يقال بأن وجود اللفظ وجود لهذا المعنى خارجاً، ووجود آخر لمعنى‏آخر، حيث لا وجود آخر كي ينسب إلى الآخر بالتنزيل، وليس الاستعمال إلاّإيجاد المعنى بنحو وجوده اللفظي خارجاً، وقد عرفت أن الإيجاد والوجودمتحدان بالذات، وحيث إن الوجود واحد فكذا الإيجاد.
وبالجملة الاستقلال في الإيجاد التنزيلي كما هو معنى الاستعمال الذي هو محل‏الكلام، يقتضي الاستقلال في الوجود التنزيلي، وليس الوجود التنزيلي إلاّوجود اللفظ حقيقة، فالتفرد بالوجود التنزيلي والإختصاص به يقتضي التفردبالوجود الحقيقي، وإلاّ لكان وجوداً تنزيلياً لهما معاً، لا لكلٍ منفرداً،فتدبرجيداً«(1).
ما ذكره‏قدس سره يرجع إلى أمور:
الأول: أن الوجود الحقيقي واحد، وهو وجود لطبيعي اللفظ بالذات، ولايمكن أن يكون ذلك الوجود الواحد وجوداً لماهيتين متباينتين بالذات.
الثاني: أن الوجود الواحد لا يمكن أن يكون وجوداً تنزيلياً لهذا المعنى،ووجوداً تنزيلياً لمعنى آخر، لفرض أنه ليس هنا وجود آخر، لكي ينسب إلى‏المعنى الآخر بالتنزيل.
وبكلمة، إن الوجود اللفظي الحقيقي في المقام واحد، وهذا الوجود الواحدوجود تنزيلي لهذا المعنى، ولا يعقل حينئذ أن يكون وجوداً تنزيلياً لمعنى آخر،باعتبار أنه عين الوجود التنزيلي، فتعدده يستلزم تعدده، وهو خلف.
الثالث: أن الاستعمال عين ايجاد المعنى بالوجود اللفظي مستقلاً، والاستقلال‏في الإيجاد التنزيلي يقتضي الاستقلال في الوجود التنزيلي، لأن الإيجاد عين‏الوجود، والاستقلال بالوجود التنزيلي يقتضي الاستقلال بالوجود اللفظي‏الحقيقي، لأن الوجود التنزيلي للمعنى عين الوجود الحقيقي للفظ، فالاستقلال في‏أحدهما مساوق للاستقلال بالآخر.
ولنأخذ بالنظر إلى هذه الأمور:
أمّا الأمر الأول فهو واضح، بداهة أن الوجود الواحد لا يمكن أن يكون‏وجوداً بالذات لاثنين.
وأما الثاني فيرد عليه أن تعدد وجود المنزل عليه بوجود اعتباري في عالم‏الاعتبار والتنزيل الذي لا واقع موضوعي له، لا يستلزم تعدد وجود المنزل‏بوجود حقيقي في عالم الواقع والخارج، إذ لا مانع من تنزيل شي‏ء واحد منزلةأشياء متعددة وبتنزيلات عديدة، ولا يتطلب ذلك وجوداً حقيقياً آخر لينزل‏منزلة شي‏ء آخر، وهكذا.
وبكلمة، إن تعدد الوجود التنزيلي للفظ، لا يستلزم تعدد وجوده الحقيقي،لأن الوجود التنزيلي وجود اعتباري، فيكون موطنه عالم الاعتبار والتنزيل،وأما الوجود الحقيقي فهو وجود واقعي، فيكون موطنه عالم العين والخارج،والأول أمره بيد المعتبر نفياً وإثباتاً، ولا واقع له ماعدا اعتبار المعتبر القائم به‏مباشرة، ولهذا يتحقق بنفس اعتباره، والثاني أمر تكويني خارجي وتابع لعلله‏التكوينية. وعلى هذا الأساس، فالوجود اللفظي الحقيقي وإن كان واحداً، إلاّ أنه‏لا مانع من اعتبار ذلك الوجود الواحد وجوداتٍ اعتبارية تنزيلية، باعتبارات‏وتنزيلات متعددة، باعتبار أن تلك الوجودات بيد المعتبر نفياً وإثباتاً قلةوكثرة، وعليه فلا مانع من تنزيل وجود اللفظ منزلة هذا المعنى، وتنزيل وجوده‏منزلة المعنى الآخر وهكذا، لأن تعدد الوجود الاعتباري التنزيلي لا يستلزم‏تعدد الوجود الحقيقي، لعدم صلة بين الأمرين. فإن تعدد الوجود الاعتباري‏التنزيلي بيد المعتبر دون الوجود الحقيقي.
فما ذكره‏قدس سره من أن الوجود التنزيلي عين الوجود الحقيقي، وتعدده يستلزم‏تعدده، لا يرجع إلى معنى محصل، لأن الوجود التنزيلي اعتباري، فكيف يعقل‏أن يكون عين الوجود الحقيقي؟ وكيف يعقل أيضاً أن يستلزم تعدده تعددالوجود الحقيقي؟ ومن هنا يحتمل قوياً أن يكون مراده‏قدس سره من إيجاد المعنى باللفظفناء وجود اللفظ في وجود المعنى، أو جعل وجوده مرآة لوجود المعنى، وهذامستحيل، إذ لا يمكن فناء وجود اللفظ الواحد في معنيين مستقلين، وكذلك‏جعله مرآة لكل منهما في عرض الآخر بنحو الاستقلال، ولكن ذلك أيضاً غيرصحيح، أما كون حقيقة الاستعمال فناء وجود اللفظ في وجود المعنى فقد تقدم‏أنه لا يرجع إلى معنى محصل. وأما كون حقيقته جعل اللفظ مرآة للمعنى فقد مرأن لحاظ الآلية والمرآتية ليس من مقومات الاستعمال، وإن كان طبع المطلب‏يقتضي ذلك.
فالنتيجة: أن مراده‏قدس سره سواء أكان الفرض الأول، أم كان الفرض الثاني، فهوغير تام.
وأما الثالث فيرد عليه أنه إن اُريد بكون حقيقة الاستعمال ايجاد المعنى باللفظجعل وجود اللفظ وجوداً تنزيلياً للمعنى فقد تقدم أنه لا مانع من جعل وجوداللفظ وجوداً تنزيلياً لأكثر من معنى واحد، ولا يلزم منه أي محذور، إذ تعددالوجود التنزيلي الاعتباري لا يستلزم تعدد الوجود الحقيقي، لعدم صلة بينهمامن هذه الناحية كما مر.
وإن اُريد بذلك كون اللفظ مرآة للمعنى وأداة لإحضاره فقد تقدم أن‏لحاظاللفظ آلياً ومرآتياً ليس من مقومات الاستعمال وإن كان طبع الاستعمال‏يتطلب ذلك.
وإن اُريد بذلك فناء وجود اللفظ في وجود المعنى، فقد مر أنه لا يرجع إلى‏معنى محصل .
وأما ما ذكره‏قدس سره من أن استقلال الوجود التنزيلي مساوق لاستقلال الوجودالحقيقي فغريب جداً، وذلك لأن الوجود التنزيلي وجود اعتباري موطنه عالم‏الاعتبار، والوجود الحقيقي وجود تكويني موطنه عالم الخارج. والأول بيدالمعتبر وجوداً وعدماً وسعة وضيقاً وقلة وكثرة. والثاني تابع لعلله التكوينية،فلا صلة بين الوجودين أصلاً، ولا مانع من تنزيل وجود واحد بتنزيلات‏متعددة واعتبارات عديدة مستقلة. هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه لا يمكن تفسير الاستعمال بايجاد المعنى باللفظ، وذلك‏لأنه إن اُريد به اعتبار أن اللفظ عين المعنى كما هو الحال في التنزيلات‏الشرعية، فيرد عليه أن هذا ليس حقيقة الاستعمال، لأنها متمثلة في دلالة اللفظعلى المعنى وحكايته عنه.
وإن اُريد به فناء وجود اللفظ في وجود المعنى أو اعتباره مرآة له فيرد عليه مامر. ومن هنا لا يكون لهذا التنزيل عين ولا أثر في الاستعمالات المتعارفة الشايعةبين العرف العام.
فالنتيجة: أن ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره في وجه استحالة استعمال اللفظ في‏أكثر من معنى واحد غير تام.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن حقيقة الاستعمال هي‏إفناء اللفظ في المعنى، بحيث لا يرى المخاطب إلاّ المعنى ولا يلقي المتكلم إلاّ إياه،ويكون نظر كل منهما منصباً على المعنى بدون التفات تفصيلي إلى اللفظ، ومن‏الطبيعي أنه لا يمكن إفناء شي‏ء واحد في اثنين بما هما اثنان، لأن افناء اللفظ في‏أحد معنيين معناه أنه متحد معه في عالم اللحاظ والتصور اتحاد الفاني مع المفني‏فيه، ومعه لا يمكن افناؤه في معنى آخر، لاستحالة وحدة الفاني مع تعدد المفني‏فيه، فمن أجل ذلك لا يمكن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، هذا إذا كان‏مراده‏قدس سره من الافناء الإتحاد والعينية.
ويمكن أن يكون مراده‏قدس سره من الافناء لحاظ اللفظ في مقام الاستعمال آلياً،بتقريب أن الاستعمال متقوم بأن يلحظ اللفظ آلياً ومرآة للمعنى، وعلى هذا فلايمكن استعماله في أكثر من معنى واحد، وإلاّ لزم اجتماع لحاظين آليين على‏ملحوظ واحد وهو اللفظ، باعتبار أن كل واحد من المعنيين ملحوظ باللحاظالاستقلالي، والمفروض أن هذا اللحاظ الاستقلالي لكل منهما إنما هو بتوسطاللفظ، ونتيجة ذلك أن اللفظ مرآة لكل منهما مستقلاً، وملحوظ باللحاظ الآلي‏كذلك، ولازم هذا اجتماع اللحاظين الآليين فيه، وهو مستحيل(2).
والخلاصة أن هناك تقريبين.
أحدهما: إن الاستعمال يتطلب إفناء اللفظ في المعنى واتحاده معه اتحاد الفاني‏مع المفني فيه. والآخر: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم اجتماع‏اللحاظين الآليين فيه. وعلى ضوء كلا التقريبين لا يمكن استعمال اللفظ في أكثرمن معنى واحد.
والجواب: أما عن التقريب الأول فلأن حقيقة الاستعمال ليست افناء اللفظفي المعنى واتحاده معه، وذلك لأن إفناء اللفظ في المعنى واندكاكه فيه في نفسه لايرجع إلى معنى محصل، لأنه إن اُريد بالافناء الافناء حقيقة وعيناً، فيرد عليه أنه‏غير معقول لا في عالم الخارج ولا في عالم اللحاظ، لأن اللفظ مباين للمعنى في كلاالعالمين، فلا تعقل الوحدة والعينية بينهما.
هذا إضافة إلى أن ذلك لا ينسجم مع حقيقة الاستعمال، لأنها تتطلب المغايرةبين اللفظ المستعمل والمعنى المستعمل فيه والدال والمدلول والحاكي والمحكي.
وإن اُريد به الافناء تنزيلاً، بمعنى أن المستعمل ينظر إلى المعنى بنظرة اللفظويراه برؤيته، على أساس أن المفني فيه يرى برؤية الفاني، فيرد عليه:
أولاً: أنه خلاف الضرورة والوجدان، لأن توجه المتكلم في مقام الاستعمال‏منصب على المعنى، ويكون اللفظ مغفولاً عنه، وكذلك توجه السامع، ففرض أن‏التوجه منصب على اللفظ باعتبار أن المعنى يرى برؤيته خلاف الوجدان.
وثانياً: أن مرآتية اللفظ بنحو يرى المعنى برؤيته غير معقولة بدون اعتبارالوحدة والعينية بينهما.
فالنتيجة: أنه لا يمكن تفسير الاستعمال بالافناء بهذاالمعنى.
وأما التقريب الثاني فيرد عليه ما تقدم من أن لحاظ الآلية والمرآتية للفظ في‏مقام الاستعمال ليس من مقوماته، وإن كان طبع الاستعمال يتطلب ذلك، إلاّ أن‏استعماله بدون هذا بمكان من الإمكان. وأما اقتضاء طبع الاستعمال ذلك فإنما هوعلى أساس أن اللفظ وسيلة حكائية عن المعنى وأداة لاحضاره، ومن الطبيعي‏أن النظر إليه كوسيلة وأداة آلي طبعاً، كما هو الحال في الأدوات الخارجية، ولكن‏ذلك لا يمنع عن إمكان توجه المتكلم إلى اللفظ في مقام الاستعمال مستقلاًكالمعنى، وكذلك السامع، كما تقدم تفصيل ذلك.
وعليه فلا يلزم اجتماع لحاظين آليين على ملحوظ واحد وهو اللفظ، فإن‏المتكلم إذا أراد استعمال اللفظ في أكثر من معنى، توجه إلى اللفظ الصالح لأن‏يكون منبهاً شرطياً للإنتقال إلى كل من المعنيين بانتقال مستقل، فإذا استخدم‏المتكلم اللفظ كذلك، فقد استعمله كوسيلة حكائية لتفهيم المعنيين بدون اجتماع‏لحاظين آليين عليه.
فالنتيجة: أن ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره - من أن حقيقة الاستعمال بما أنهاافناء اللفظ في المعنى فلذلك استحال استعماله في أكثر من معنى واحد - لا يتم، لاعلى التفسير الأول ولا على التفسير الثاني كما مر.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن حقيقة الاستعمال ليست إلاّعبارة عن إيجاد المعنى باللفظ وإلقائه إلى المخاطب خارجاً، ومن هنا لا يرى‏المخاطب إلاّ المعنى، فإنه الملحوظ أولاً وبالذات، واللفظ بتبعه وفان فيه، وعليه‏فلازم استعمال اللفظ في معنيين على نحو الاستقلال تعلق اللحاظ الاستقلالي‏بكل واحد منهما في آن واحد كما لولم يستعمل اللفظ إلاّ فيه. ومن الواضح أن‏النفس لا تستطيع على أن تجمع بين اللحاظين المستقلين في آن واحد، ولا ريب‏في أن الاستعمال في أكثر من معنى واحد يستلزم ذلك، والمستلزم للمحال محال.
والخلاصة: أن النفس من جهة بساطتها ليس بمقدورها أن تجمع بين لحاظين‏مستقلين لمعنيين في وقت واحد، وحيث إن استعمال اللفظ في معنيين يستلزم‏لحاظ كل منهما مستقلاً في آن فلذلك لا يمكن(3).
والجواب: أن النفس وإن كانت بسيطة، إلاّ أن بساطتها في مقابل أنها ليست‏بمركبة، لا في مقابل أنها لا تتمكن من إدراك شيئين مستقلين في آن واحد،لوضوح أن لها عرضاً عريضاً، وتقدر في آن واحد على الإنتقالات والتصورات‏المتعددة للأشياء المختلفة من طرق قواها الخمس التي هي بمثابة جنودها في انتقال‏صور الأشياء إليها، ولا مانع من حصول صور متعددة في النفس من الأشياء في‏آن واحد نتيجة حصول الإحساسات المتعددة في ذلك الآن من الإحساس‏السمعي والبصري واللمسي وهكذا، فإذا اتفق حصول هذه الإحساسات في آن‏واحد حصل صورها جميعاً في النفس في ذلك الآن.
وبكلمة، إن النفس لا تدرك الأشياء مباشرة، وإنما تدركها بواسطة قواهاالخمس، حيث إنها تدرك الأشياء مباشرة وتنتقل صورها منها إلى النفس، فإن‏صورة المسموع تنتقل إليها بواسطة القوة السامعة، وصورة الملموس بواسطةالقوة اللامسة، وصورة المبصر بواسطة القوة الباصرة، وهكذا. ويمكن انتقال‏جميع هذه الصور إليها دفعة واحدة، فإذن تقدر النفس على أن تجمع بين صورتين‏أو أكثر في آن واحد باستخدام قواها الخمس، ومن هنا تقدر النفس على لحاظأجزاء القضية من الموضوع والمحمول والنسبة بينهما في آن حكمها بثبوت أحدهماللآخر، ضرورة لزوم حضورها عند النفس في آن حكمها بالثبوت، وإلاّفلايمكن الحكم.
ويؤكد ذلك صدور أكثر من فعل في آن واحد من شخص، وحيث إن كلاالفعلين أو الأفعال اختياري فلا محالة يكون مسبوقاً بالإرادة واللحاظ.
فالنتيجة: أن ما أفاده‏قدس سره من أن النفس لا تقدر على أن تجمع بين اللحاظين‏المستقلين في آن واحد لا يمكن المساعدة عليه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكره‏قدس سره من أن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى باللفظوإلقائه إلى المخاطب خارجاً وأنه لا يرى إلاّ المعنى، فإنه الملحوظ أولاً وبالذات،واللفظ ملحوظ بتبعه فقد تقدم أنه غير تام، لأن كون اللفظ ملحوظاً تبعاً وآلياًليس من مقومات الاستعمال، بل هو مقتضى طبع المطلب، ولا مانع من لحاظه‏مستقلاً كالمعنى إذا كانت هناك عناية تتطلب ذلك.
الوجه الرابع: ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من أنه لو جاز استعمال اللفظ في أكثرمن معنى واحد لزم صدور الكثير عن الواحد، وهو مستحيل.
بيان ذلك: أن لازم هذا الاستعمال هو أن يكون لفظ واحد سبباً لا نتقالين‏وانفهامين مستقلين في الذهن وعلة لكل منهما بنحو الاستقلال، وهذا من تواردالمعلولين على علة واحدة وهو مستحيل(4).
والجواب: أن القاعدة وإن كانت تامة، لأنها مقتضى مبدأ التناسب الذاتي بين‏العلة والمعلول، إلاّ أنها لا تنطبق على المقام، فإن موردها الواحد من تمام‏الجهات، سواء أكان واحداً بالنوع أم بالشخص، وأما إذا كانت فيه جهتان‏متباينتان أو أكثر، فلا مانع من تأثيره بكل جهة من جهاته في شي‏ء، ولا يلزم‏من ذلك صدور الكثير عن الواحد، بل صدور الكثير عن الكثير.
وما نحن فيه كذلك، فإن سببية اللفظ للإنتقال إلى المعنى وانفهامه ليست‏ذاتية، وإنما هي بالجعل والمواضعة، وعلى هذا فإذا كان للفظ وضعان لمعنيين،سواء أكان كلا الوضعين أصلياً أم كان أحدهما أصلياً والآخر تبعياً، كان فيه‏سببان للإنتقال، فإن وضعه بإزاء هذا المعنى يحدث علاقة بينهما توجب سببيةتصور اللفظ لتصور المعنى، فيكون الإنتقال منه إلى هذا المعنى من جهة تلك‏الحيثية التي اكتسبها اللفظ من هذا الوضع، ووضعه بإزاء معنى آخر يحدث علاقةبينه وبين ذاك المعنى توجب سببية تصور اللفظ لتصورة، من جهة أنه اكتسب‏تلك الحيثية من ذاك الوضع. وعلى هذا فاللفظ في المقام وإن كان واحداً، إلاّأن‏فيه حيثيتين متغايرتين، فباحداهما يؤثر في الإنتقال إلى المعنى الأول،وبالاُخرى في الإنتقال إلى المعنى الثاني، فإذن لا يلزم توارد المعلولين المستقلين‏على علة واحدة.
فالنتيجة: أن ما أفاده‏قدس سره في وجه استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى لايرجع إلى معنى صحيح.
وقد يعترض على هذا الوجه بأن انتقال الذهن إلى المعنى ليس من الشروطالمقومة للإستعمال، حيث إن المستعمل قد يكون في مقام الإهمال والإجمال، فلاتتوقف صحة الاستعمال على ذلك، وقد تقدم أن المقوم للإستعمال هو قصدالمستعمل وإرادته التلفظ بلفظ صالح للحكاية عن المعنى وكاشف عنه ولو شأناً،وعليه فلا يقتضي استعمال اللفظ في أكثر من معنى توارد الإنتقالين الفعلين على‏اللفظ في ذهن السامع.
ولكن لا أساس لهذا الإعتراض، فإن علية اللفظ الواحد لانتقالين فعليين لوكانت مستحيلة، استحالت صلاحيته للعلية لذلك الإنتقال أيضاً، وإلاّ فهي‏ممكنة لامستحيلة، ففرض‏الإستحالة لا ينسجم مع فرض الامكان والصلاحية.
الوجه الخامس: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره أيضاً، وحاصل ما ذكره أن لحاظاللفظ آلياً من مقومات الاستعمال، وعلى هذا فإذا استعمل اللفظ في أكثر من‏معنى لزم اجتماع لحاظين آليين على ملحوظ واحد وهو اللفظ، على أساس أن‏لحاظ المعنى مستقلاً إنما هو بواسطة اللفظ، فيمر منه إلى المعنى، فيكون اللفظكالجسر، فاللحاظ باعتبار استقراره على المعنى استقلالي، وباعتبار استطراقه‏عن اللفظ آلي، وعلى هذا فإذا استعمل اللفظ في معنيين، كان اللحاظان يعبران‏عن اللفظ إلى المعنيين، فيكونا لحاظين استقلاليين لهما ولحاظين آليين للفظ،فإذن يلزم اجتماع اللحاظين الآليين على ملحوظ واحد وهو اللفظ، وهذامستحيل في استعمال واحد.
نعم إذا انكرنا ذلك في مقام الاستعمال، وبنينا على أن اللفظ فيه ملحوظبلحاظاستقلالي أمكن‏استعمال اللفظ في‏أكثر من‏معنى، بدون لزوم أي‏محذور(5).
والجواب: ما تقدم من أن لحاظ اللفظ آلياً ليس من مقومات الاستعمال، فإن‏بإمكان كل من المتكلم والسامع أن يلحظ اللفظ مستقلاً كالمعنى إذا كانت هناك‏عناية تتطلب ذلك، نعم طبع‏المطلب يقتضي ذلك، على‏أساس أن اللفظ يستخدم‏في مقام الاستعمال كوسيلة وأداة لإحضار المعنى في ذهن السامع، فمن أجل‏ذلك‏يكون اللحاظ المتعلق به بطبعه آلياً وتبعياً يتبع آليته بنفسه في هذا المقام،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لحاظ المعنى وإن كان بتوسط اللفظ، ولكن لا مروراًمنه إليه، بل من جهة ثبوت الملازمة التصورية بينهما، بمعنى أن تصور اللفظيستلزم تصور المعنى ابتداء لا أنه يمر من اللفظ إليه ويستقر عليه، وعلى هذافيمكن استعمال اللفظ بطبعه الأداتي في معنيين بواسطة العلقة الوضعية بينه‏وبينهما التي تعطي للفظ صلاحية الدلالة والحكاية عنهما.
وبكلمة، إن اللفظ في مقام الاستعمال حيث إنه يستخدم كوسيلة وأداة لنقل‏المعنى وإحضاره في الذهن، فطبعاً يلحظ آلياً وأداتياً بدون الإلتفات تفصيلاً إلى‏خصوصياته، وهذا ليس معناه أن استعمال اللفظ إن كان في معنى واحد فهناك‏لحاظ واحد يعبر عن اللفظ إلى المعنى، فيكون لحاظاً استقلالياً للمعنى باعتباراستقراره عليه، ولحاظاً آلياً للفظ باعتبار استطراقه وعبوره منه، وإن كان في‏أكثر من معنى، فهناك لحاظان يعبران عن اللفظ إلى المعنين فيكونا لحاظين‏استقلاليين لهما ولحاظين آليين للفظ، فإذن يلزم اجتماع لحاظين آليين على‏ملحوظ واحد، وهو لا يمكن، بل معناه أن اللفظ بحكم كونه أداة ووسيلةملحوظ طبعاً بلحاظ آلي وموجود بوجود ذهني كذلك، وهذا الوجود الذهني‏الآلي سبب لانتقال الذهن منه إلى وجود المعنى فيه بوجود مستقل ابتداء.
وعلى هذا فلا فرق بين استعمال اللفظ في معنى أو معنيين، فإن اللفظ على كلاالتقديرين ملحوظ طبعاً بلحاظ واحد آلي وموجود في الذهن بوجود واحدكذلك، فإنه كما يمكن أن يجعل اللفظ باللحاظ المذكور أداة لتفهيم معنى واحديمكن أن يجعل أداة لتفهيم معنيين، بدون أن يلزم منه محذور اجتماع لحاظين آليين‏على ملحوظ واحد وهو اللفظ.
والخلاصة أن لحاظ المعنى في الذهن بلحاظ مستقل إنما هو بواسطة لحاظاللفظ طبعاً في الذهن بلحاظ أداتي، لا أنه يعبر عنه إليه، فإنه خلاف الوجدان.فما ذكره‏قدس سره من لزوم اجتماع لحاظين آليين على اللفظ إذا استعمل في معنيين، لايرجع إلى معنى محصل.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن شيئاً من الأدلة التي‏استدل بها على استحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد لا يتم،والصحيح‏إمكان ذلك، ولا مانع من جعل لحاظ اللفظ في الذهن آلياً أداةووسيلة لتفهيم معنيين مستقلين إذا كانت له علاقة بهما، ولا يلزم من ذلك شي‏ءمن المحاذير التي تقدمت.
ومن هنا ذهب السيد الاُستاذقدس سره أيضاً إلى الجواز، ولكنه‏قدس سره قد بنى ذلك على‏أن حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة على المعنى، فإذا كان شأن اللفظشأن العلامة فالنظر إليه استقلالي كالنظر إلى العلامة. وحيث إن الدلالة الوضعيةعنده‏قدس سره دلالة تصديقية فلا يكفي مجرد الاحساس باللفظ للتصديق بإرادة تفهيم‏المعنى، طالما لم يتحول هذا الاحساس إلى التصديق بأحد طرفي الملازمةالمستبطن لتصوره، فالنظر إلى اللفظ تصوراً وتصديقاً نظر استقلالي كالنظر إلى‏العلامة، ولا مانع من جعل اللفظ علامة لابراز ما في النفس، سواء أكان معنى‏واحداً أم كان معنيين مستقلين أم مجموع المعنيين(6).
ولنا تعليق على ذلك.
أما ما أفاده‏قدس سره من امكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد فهو صحيح،ولكن ابتناء ذلك على كون حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة على تفهيم‏المعنى مورد البحث والنقد، والصحيح إمكان ذلك مطلقاً وإن قلنا بأن حقيقةالاستعمال ليست جعل اللفظ علامة على إرادة المعنى وإبرازه. فلنا دعويان.
الاُولى: عدم صحة تفسير الاستعمال بجعل اللفظ علامة.
الثانية: أن إمكان استعمال اللفظ في أكثر من معنى لا يبتني على ذلك.
أما الدعوى الاُولى فلأن نسبة اللفظ إلى المعنى في مقام الاستعمال ليست‏كنسبة العلامة إلى ذي العلامة في الخارج، بل نسبة الآلة والوسيلة إلى ذيها. ومن‏هنا يقتضي طبع الاستعمال كون اللفظ مغفولاً عنه تفصيلاً، والتوجه منصب على‏المعنى على أساس أن همّ المستعمل وغرضه الداعي إلى الاستعمال هو الوصول‏إلى المعنى بأي وسيلة كانت، وهذا بخلاف العلامة، فإن النفس متوجهة إليهاتفصيلاً في مرحلة التصور والتصديق، وليست مغفولاً عنها عادة كاللفظ، فحال‏اللفظ من هذه الناحية حال الأدوات الخارجية، فكما أن تلك الأدوات حين‏استخدامها مغفول عنها تفصيلاً والإلتفات والتوجه منصب على ذويها فكذلك‏اللفظ حين استعماله في معنى. هذا بناء على ما هو الصحيح من أن الدلالةالوضعية دلالة تصورية.
وأما بناءً على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية كما بنى عليه السيدالاُستاذقدس سره فهل الأمر أيضاً كذلك؟ يعني أن طبع المطلب يقتضي كون النظر إلى‏اللفظ آلياً؟
والجواب: نعم، ولا فرق بين القولين في المسألة من هذه الناحية، فإن ملاك‏كون النظر الى اللفظ آلياً حين عملية الاستعمال، هو أنه يستخدم في هذه العمليةكوسيلة وآلة لإبراز المعنى واحضاره في الذهن، ومن الطبيعي أن النظر إلى‏الوسيلة والآلة طبعاً يكون آلياً ومرآتياً بدون النظر إليها تفصيلاً وإن كانت ثابتةفي أعماق النفس إجمالاً، باعتبار أن التركيز إنما هو على اثبات ذي‏الآلةوالوسيلة، والنظر إلى الوسيلة والآلة إنما هو على أساس أنها توصل إلى ذيهابدون أن تكون لها خصوصية وموضوعية، ومن الواضح أنه لا فرق في ذلك بين‏أن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصورية أو تصديقية.
فالنتيجة أنه لا فرق في ذلك بين الدلالة التصورية والدلالة التصديقية.
وأمّا الدعوى‏ الثانية فقد تقدم أن جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى لايتوقف على أن تكون حقيقة الاستعمال علامية اللفظ للمعنى، كما لا يتوقف على‏لحاظ اللفظ مستقلاً كالمعنى، أما عدم التوقف على الأول فلأنه - مضافاً إلى‏تفسير الاستعمال بعلامية اللفظ تفسير خاطي - يمكن استعمال اللفظ باللحاظالآلي والأداتي في أكثر من معنى بدون لزوم أي محذور، فإنه بوجوده الآلي‏والأداتي في الذهن يصلح أن يكون سبباً للإنتقال إلى لحاظ معنيين مستقلين‏بسبب علاقته بهما كما مر. ومن هنا يظهر أنه لا يتوقف على لحاظ اللفظ مستقلاًفي الذهن، إذ كما أن وجود اللفظ في الذهن مستقلاً يصلح أن يكون سبباً للإنتقال‏إلى لحاظ معنيين مستقلين كذلك وجوده فيه بوجود آلي وأداتي، ولا فرق بين‏الوجودين إلاّ بالاجمال والتفصيل. فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن جوازاستعمال اللفظ في أكثر من معنى يتوقف على كون حقيقة الاستعمال علامية اللفظللمعنى غير تام، كما مر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: أن القول باستحالة استعمال اللفظ في أكثر من معنى غير تام، لأنه‏مبني على أحد الأمور التالية على سبيل مانعة الخلو:
الأول: أن حقيقة الاستعمال إيجاد المعنى باللفظ تنزيلاً، وحيث إن للفظوجوداً حقيقياً واحداً، فهو وجود تنزيلي للمعنى، فلا يعقل أن يكون وجوداًتنزيلياً لمعنى آخر، فلذلك يستحيل استعمال اللفظ في أكثر من معنى.
ولكن قد تقدم - مضافاً إلى أن حقيقة الاستعمال ليست إيجاد المعنى باللفظتنزيلاً - أنه لا مانع من أن يكون للوجود الحقيقي الواحد وجود تنزيلي متعدد،ولا يستلزم تعدده تعدد الوجود الحقيقي كما تقدم تفصيل ذلك.
الثاني: أن حقيقة الاستعمال افناء اللفظ في المعنى، ولا يمكن افناء اللفظالواحد في معنيين مستقلين، فمن أجل ذلك يستحيل استعمال اللفظ في أكثرمن‏معنى. ولكن قد مر أن تفسير الاستعمال بذلك تفسير خاطي، ولا يرجع‏إلى‏معنى محصل.
الثالث: أن النفس على أساس بساطتها لا تستطيع أن تجمع بين لحاظين‏مستقلين في آن واحد، وحيث إن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد يستلزم‏الجمع بينهما كذلك، فلهذا لا يمكن.
ولكن قد تقدم أن بساطتها لا تمنع عن ذلك.
الرابع: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى يستلزم اجتماع لحاضين آليين‏عليه، باعتبار أن لحاظ المعنى كان يعبر من اللفظ إليه، فيكون لحاظاً استقلالياًللمعنى، لاستقراره عليه، ولحاظاً آلياً للفظ لاستطراقه منه، فإذا استعمل في‏معنيين فقد اجتمع عليه لحاظان آليان بنفس الملاك.
ولكن قد مر إن لحاظ المعنى وإن كان بتوسط لحاظ اللفظ، إلاّ أنه لا يعبرمنه‏إليه، بل أن تصوره يستلزم تصور المعنى، لا أنه يعبر منه إليه، فإذن لاموضوع للعبور.
الخامس: أن استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد يستلزم صدور الكثيرعن الواحد، وهو مستحيل.
ولكن قد تقدم أن القاعدة لا تنطبق على المقام.
الثانية: الصحيح جواز استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، ولا يتوقف‏ذلك على عناية زائدة كلحاظ اللفظ مستقلاً، بل يمكن ذلك مع ما هو مقتضى‏طبع الاستعمال من كون اللفظ ملحوظاً باللحاظ الآلي الأداتي في الذهن، وهوبهذا اللحاظ فيه يصلح أن يكون سبباً لانتقال الذهن إلى كل من المعنيين مستقلاًفي آن واحد، على تفصيل تقدم.
الثالثة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن جواز الاستعمال في أكثر من‏معنى واحد مبني على كون حقيقة الاستعمال متمثلة في علامية اللفظ للمعنى،وإلاّ لم يجز - فقد مر أنه غير تام.
الرابعة: أنه لا فرق بين أن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصورية أو دلالةتصديقية، فإنه على كلا التقديرين يكون اللفظ في مقام الاستعمال ملحوظاًباللحاظ الآلي الأداتي طبعاً.
وأما الكلام في المورد الثاني فهل هذا الاستعمال بعد البناء على جوازه كماهو الظاهر يكون على نحو الحقيقة أو المجاز، فيه قولان.
الصحيح هو القول الأول، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن الألفاظ موضوعةللمعاني بما هي بدون أخذ أيّ خصوصية فيها تنافي الاستعمال في أكثر منها كقيدالوحدة مثلاً، هذا بلا فرق بين المعاني الكلية والجزئية، وعلى هذا فإذا افترض‏أن اللفظ موضوع لمعنيين كلفظ العين مثلاً فإنه موضوع للعين الباكية والعين‏الجارية، فمن الواضح أن المعنى الموضوع له أنما هو طبيعي العين الباكية والعين‏الجارية بنحو الماهية المهملة الجامعة بين حال وحدتها وحال اجتماعها مع‏غيرها، وحينئذ فإذا استعمل لفظ العين في العين الباكية والجارية معاً بنحوالاستقلال، كان استعمالاً في المعنى الموضوع له، وهو طبيعي المعنى الجامع بين أن‏يكون وحده أو مع آخر. هذا،
وذهب صاحب المعالم‏قدس سره إلى القول الثاني، وهو أن هذا الاستعمال استعمال في‏المعنى المجازي، بدعوى أن قيد الوحدة مأخوذ في المعنى الموضوع له، وعليه فإذااستعمل اللفظ في معنيين لزم الغاء هذا القيد، ومعه يكون الاستعمال في غير المعنى‏الموضوع له، وهو مجاز.
وكذلك الحال لو كانت الألفاظ موضوعة للمعاني في حال الوحدة، بمعنى أن‏تكون الوحدة قيداً للعلقة الوضعية لا للموضوع له، كما هو ظاهر المحقق‏القمي‏قدس سره، وإلاّ فلا معنى لتخصيص الوضع بحال الوحدة من دون كونها قيداً لها،لأن العلقة الوضعية في الواقع إما مقيدة بما إذا لوحظ المعنى وحده أو مطلقة،ولاثالث لهما.
وكيف كان فلا شبهة في بطلان هذا القول، وذلك لأن المراد من قيد الوحدةليس وحدة المعنى بالذات، لوضوح أن كل معنى واحد بالذات، وهو لا يمنع من‏استعمال اللفظ في أكثر من معنى واحد، باعتبار أنه لا ينافي وحدته ذاتاً، كما أنه‏ليس المراد منه لحاظ المعنى مستقلاً في مقابل لحاظه ضمناً أي في ضمن المجموع،حيث إن لحاظه كذلك محفوظ في موارد استعمال اللفظ في معنيين أو أكثر، لأن‏محل الكلام إنما هو في استعمال اللفظ في كل منهما بنحو الاستقلال، فيكون هذاالقيد محفوظاً، وأما الاستعمال في المجموع المركب منهما فهو خارج عن محل‏الكلام، لأنه من استعمال اللفظ في معنى واحد، فإذن بطبيعة الحال يكون المرادمنه عدم لحاظ معنى آخر معه في مقام الاستعمال، بمعنى أن المعنى الموضوع له‏مقيد بعدم ذلك وضعاً، وهل يمكن هذا التقييد؟
والجواب: إما على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، فلا مانع منه،على أساس أن المدلول الوضعي حينئذ مدلول تصديقي، فلا مانع من تقييده بقيدتصديقي، وهو عدم لحاظ معنىً آخر في مقام الاستعمال، حيث إن مرد قيدالوحدة على هذا إلى تقييد كل من المعنيين بعدم لحاظ المعنى الآخر لحاظاًاستعمالياً في مقام استعمال اللفظ فيه، وأما كونه قيداً تصديقياً فلأن المراد منه‏واقع عدم اللحاظ لا محالة، لا مفهومه التصوري، فإنه غير محتمل.
وأما على القول بأن الدلالة الوضعية دلالة تصورية كما هو الصحيح، فلايمكن تقييد المدلول الوضعي بهذا القيد، لما مر من أن تقييد المدلول التصوري بقيدتصديقي غير معقول، لعدم تعقل الملازمة بين التصور والتصديق.
ثم إن للمحقق العراقي‏قدس سره في المقام كلاماً، وحاصله أنه لا يمكن أخذ قيدالوحدة اللحاظية في المعنى الموضوع له، على أساس أنها من مقومات‏الاستعمال، فتكون متأخرة عن المعنى الموضوع له رتبة، فلوكانت مأخوذة فيه،لزم أن تكون متقدمة على نفسها، وهو مستحيل، فلذلك لا يمكن أخذها في‏المعنى الموضوع له(7).
وللنظر فيه مجال.
إما أولاً: فلأن هذا المحذور إنما يلزم إذا كان القيد المذكور جزء المعنى الموضوع‏له في عرض جزئه الآخر أو قيده، بأن يكون المعنى الموضوع له مركباً من ذات‏المعنى وهذا القيد أو مقيّداً به، وحينئذ فلوكان هذا القيد وهو الوحدة اللحاظيةمن مقومات الاستعمال لزم المحذور المذكور وهو تقدم الشي‏ء على نفسه، وأما إذاقلنا بأن هذا القيد جزء المعنى الموضوع له ولكنه في طول جزئه الآخر لا في‏عرضه أو قيده كذلك، وأنه يتحقق بنفس الاستعمال، لا أن تحققه فرض في‏المرتبة السابقة عليه، فلا يلزم المحذور المذكور، فإن المستعمل في حال الاستعمال‏إذا لاحظ ذات المعنى وحده، تحقق الجزء الثاني للمعنى الموضوع له، ولامانع‏من وضع لفظ للمعنى المركب من جزئين طوليين يتحقق الجزء المتأخربنفس الاستعمال.
وبكلمة، إن ما ذكره‏قدس سره مبني على أن الوحدة اللحاظية لو كانت مأخوذة في‏المعنى الموضوع له فلابد أن تكون غير الوحدة اللحاظية الجائية من قبل‏الاستعمال، فإنها متعلقة بالمعنى المقيّد بهذه الوحدة فكيف تكون مأخوذةفيه‏مع‏أن تعددّها خلاف الوجدان والضرورة، ووحدتها تستلزم أخذ المتأخرفي مرتبة متقدمة.
ولكن قد عرفت خطأ ذلك وأنه لا مانع من أخذ الوحدة اللحاظية في المعنى‏الموضوع له طولاً، وتتحقق هذه الوحدة اللحاظية بنفس اللحاظ الاستعمالي،فإذن لا اشكال.
وثانياً: أنه‏قدس سره تخيل أن المراد من الوحدة اللحاظية المأخوذة في المعنى‏الموضوع له هو اللحاظ الاستعمالي الذي هو من مقومات استعمال اللفظ في‏المعنى، وفي مرتبة متأخرة عنه، فلذلك لا يمكن أخذها فيه وإلاّ لزم أخذ ما هومتأخر رتبةً في مرتبة متقدمة.
ولكن قد مرّ أن المراد منها عدم لحاظ معنى آخر في مقام استعمال اللفظ في‏معنى، وهو ليس في طول المعنى المستعمل فيه، فيكون كل من المعنيين مقيداً بعدم‏لحاظ الآخر في مقام استعمال اللفظ فيه، وهذا القيد ليس في طول المعنى المقيّدلكي يلزم المحذور المذكور، أو فقل إن عدم لحاظ معنى آخر، أو لحاظه مقام‏الاستعمال ليس من مقوماته لكي يكون متأخراً عن المعنى الموضوع له.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الالفاظ موضوعة بإزاء المعاني‏من دون أخذ قيد الوحدة فيها، وعلى هذا فاستعمال اللفظ في أكثر من معنى‏واحد استعمال حقيقي وليس بمجازي.
استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى...

استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى‏
أما الكلام في المقام الثاني فهل يجوز استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى‏واحد، فيه قولان:
فذهب صاحب المعالم‏قدس سره إلى القول الأول وبنى على جواز استعمال التثنيةوالجمع في أكثر من معنى على نحو الحقيقة رغم أنه‏قدس سره أبطل ذلك في المفرد،باعتبار أخذ قيد الوحدة فيه، وقد علّل ذلك بأن التثنية والجمع في قوة تكرارالمفرد، فمثل قولنا »رأيت عينين« في قوة قولنا »رأيت عيناً وعيناً« ولا مانع‏حنيئذٍ من أن يراد من العين الاُولى العين الباكية ومن الثانية العين الجارية.
وفيه: أن هذا الكلام غريب منه‏قدس سره، فإن التثنية والجمع، وإن كانا في قوةتكرار المفرد، إلاّ أن ذلك ليس من استعمالهما في أكثر من معنى، بل هو من‏استعمالهما في معناهما الموضوع له.
والتحقيق في المقام يقتضي التكلم في جهتين:
الاُولى: هل يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنىً، أو يكفي‏اتحادهما لفظاً فقط؟
الثانية: إذا استعملت المادة في معنيين، كالعين إذا اُريد منها العين الباكيةوالجارية معاً، فهيئة التثنية الواردة عليها الدالة على إرادة فردين من كل من‏المعنيين، فهل هي من دلالتها على أكثر من معنى واحد، أو لا؟
أما الكلام في الجهة الاُولى وففيها اتجاهان رئيسيان:
الإتجاه الأول: أنه لا يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعناً، بل‏يكفي اتحادهما لفظاً فقط.
الإتجاه الثاني: اعتبار اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنى.
أما الإتجاه الأول فقد استشهدوا على ذلك بالتثنية والجمع في الأعلام‏الشخصية وأسماء الاشارة، بتقريب أن المادة فيها مستعملة في معنى خاص‏شخصي، وهو غير قابل للتعدد خارجاً، وهيئة المثنى التي‏ترد عليه كقولنا زيدان‏تدل على فردين متغايرين في المعنى ومشتركين في اللفظ فقط، ومن الواضح أن‏استعمال التثنية والجمع في الأعلام الشخصية وأسماء الاشارة كاستعمالهما في‏غيرها بدون عناية زائدة، وهذا دليل قطعي على أنه لا يعتبر في التثنية والجمع إلااتحاد مدلوليهما لفظاً فقط، ومن هذا القبيل الأسماء المشتركة كالعين مثلاً، ففي‏قولنا »رأيت عينين« إذا اُريد منهما العين الباكية والعين الجارية، صح مع عدم‏اتحاد مدلول التثنية في المعنى وإنما يكون متحداً في اللفظ فقط.
وأما أصحاب الإتجاه الثاني، فقد حاولوا تأويل التثنية والجمع في الأعلام‏وأسماء الاشارة والأسماء المشتركة بعدة محاولات:
المحاولة الاُولى: أن يراد من المادة في تثنية الأعلام الشخصية وجمعهاالمسمّى، والهيئة التي تعرض عليها تدل على إرادة المتعدد من المسمى، ففي مثل‏قولنا »جاء زيدان« فالتثنية تدل على إرادة فردين من مفهوم المسمى بزيد.
ولنأخذ بالنقد على هذه المحاولة.
أما أولاً: فلأنها لو تمت فإنما تتم في تثنية الأعلام الشخصية والأسماء المشتركةولا تتم في تثنية أسماء الاشارة، وذلك لأن المشار إليه اسم الاشارة فرد معين‏وغير قابل للتعدد، ولا يمكن أن يراد به طبيعي المشار إليه، وهو المفرد المذكربقطع النظر عن الاشارة إليه، فإنه حينئذ وإن كان كلياً قابلاً للتعدد إلا أن الكلام‏إنما هو في تثنية اسم الاشارة ك »هذا« المتعلق بالمشار إليه الموجب لتشخصه‏وتعينه في الخارج، لا في تثنية طبيعي المشار إليه بقطع النظر عن الاشارة إليه.
فما عن المحقق العراقي‏قدس سره - من أن تثنية اسم الاشارة، إنما هي بلحاظ مادتها في‏المرتبة السابقة، وبقطع النظر عن طروء الاشارة عليها، والمفروض أنها في تلك‏المرتبة كلية قابلة للتعدد(8) - غريب جداً، فإن الكلام في تثنية اسم الاشارة،الذي يتعين المشار إليه ويتشخص بها خارجاً وغير قابل للتعدد، لا في تثنيتة في‏المرتبة السابقة على تعيّنه بطروء الاشارة عليه، فإنها في تلك المرتبة ليست تثنيةاسم الاشارة، بل هي تثنية اسم الجنس، مثلاً تثنية المفرد المذكر إن كانت بقطع‏النظر عن تعينه وتشخصه بطروء الاشارة عليه وفي المرتبة السابقة على ذلك،فهي ليست بتثنية اسم الاشارة، بل هي تثنية طبيعي المفرد المذكر.
وثانياً: إن إرادة المسمى من المادة في تثنية الأعلام والأسماء المشتركة بحاجةإلى قرينة تدل على ذلك.
ودعوى أن القرينة على ذلك عدم صحة تثنية الأعلام وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة بدون هذا التأويل والتصرف، مدفوعة بأنها عين المدعى،فإن عدم صحة تثنية الأعلام والأسماء المشتركة بدون ذلك أول الكلام، بل قد مرّأن الظاهر صحتها بدون التأويل والتصرف، غاية الأمر أن التثنية في الأعلام‏والأسماء المذكورة تدل على تكرار لفظ المادة، فيكون قولنا »جاء زيدان« في قوةقولنا »جاء زيد وزيد« وقولنا »رأيت عينين« في قوة قولنا »رأيت عيناًوعيناً« ومن الواضح أن إطلاق التثنية والجمع في باب الأعلام وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة ليس اطلاقاً عنائياً ومجازاً وبحاجة إلى علاقة وقرينة، بل هواطلاق حقيقي لدى العرف العام كإطلاقهما في باب أسماء الأجناس، وهذا دليل‏على أنه لا يعتبر في التثنية والجمع الإتحاد في اللفظ والمعنى معاً، بل يكفي الإتحادفي اللفظ فقط.
وثالثاً: إن هذه المحاولة لو تمت فإنما تتم في الأسماء المشتركة، ولا تتم في‏الأعلام الشخصية وأسماء الاشارة، لأن لازم هذا التأويل وإرادة المسمى من‏المادة، أن يعامل مع تثنية الأعلام وأسماء الاشارة معاملة النكرة وإخراجها عن‏العلمية وادخالها في تثنية أسماء الأجناس، فإن هيئة المثنى في قولنا »زيدان«،تدل على فردين من المسمى بزيد، وهو معنى كلي ينطبق على أفراد كثيرين في‏الخارج كالرجل ونحوه، مع أنه لا شبهة في علمية تثنية الأعلام والمعاملة معهامعاملة المعرفة دون النكرة، ومن هنا لا يكون المتفاهم العرفي من مثل‏قولك»جاء زيدان« مجي فردين من مفهوم المسمى، بل المتفاهم العرفي منه‏مجي‏ء فردين معلومين في الخارج المشتركين في هذا الاسم، فالنتيجة أن هذه‏المحاولة غير تامة.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره واليك نصه: »نعم يمكن‏تصحيح التثنية والجمع في الأعلام بوجه آخر، وهو استعمال المادة في‏طبيعي‏لفظها لكن بماله من المعنى بحيث لا يكون المعنى مراداً من المادة ليلزم‏المحذور، بل بنحو الاشارة إليه بما هو معنى لطبيعي اللفظ، لا بما هو معنى اللفظالمستعمل، فيكون كقولك »ضرب فعل مشتمل على النسبة« فإن المعنى النسبي‏غير مراد من نفس لفظ ضرب، بل المراد منه طبيعي لفظه لكن لا بما هو إذ لانسبة فيه، بل بما هو ذو معنى نسبي، فيكون المراد من قولنا »زيدان« فردين من‏لفظ زيد بماله من المعنى والمفروض أن له معنيين(9)».
وملخصه أن المادة كشخص لفظ زيد مثلاً في قولنا »زيدان« قد استعملت في‏طبيعي لفظه، كاستعمال اللفظ في نوعه، غاية الأمر أن استعمال اللفظ في نوعه بماهو لفظ، وأما في المقام فقد استعمل في نوعه لابما هو لفظ، وإلا لدخل في استعمال‏اللفظ في نوعه، بل بماله من معنى، على أساس أن هيئة التثنية تعرض على المادة -وهي لفظ زيد في المثال - بمالها من معنى لا بما أنها لفظ، ضرورة أن قولنا»زيدان« يدل على فردين من طبيعي لفظ زيد بماله من معنى لا بما أنه لفظ،ولكن هذا المعنى غير مراد من المادة، إذ لو كان مراداً منها فبما أنه غير قابل للتعددفلا يمكن عروض هيئة المثنى عليها بلحاظ معناها الذي هو غير قابل له،بل‏بنحو الاشارة إليه بما هو معنى لطبيعي اللفظ، لا بما هو معنى اللفظ المستعمل،وعلى هذا فهيئة التثنية في مثل قولنا »جائنا زيدان« تدل على فردين من طبيعي‏لفظ زيد بما له من معنى، والمفروض أن له معنيين.
ويمكن المناقشة في هذه المحاولة من وجوه:
الأول: أن ما أفاده‏قدس سره في هذه المحاولة بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً،أما ثبوتاً فهي تتوقف على التصرف في المادة باستعمالها في طبيعي لفظها بماله من‏معنى، وأما إثباتاً فهي تتوقف على وجود قرينة تدل عليها، وإلا فلا شبهة في أن‏المرتكز في الأذهان من تثنية الأعلام كقولنا »زيدان«، هو فردان معلومان في‏الخارج ومشتركان في الاسم، ولا يكون المتبادر منها فردين من طبيعي لفظ زيدفي المثال بماله من معنى.
فالنتيجة أن هذه المحاولة على تقدير امكانها فليس بمقدورنا الأخذ بها، لأنهامخالفة لما هو المرتكز والمتفاهم عرفاً من التثنية والجمع في الأعلام وأسماءالاشارة ونحوهما، وبحاجة إلى قرينة.
الثاني: أن لازم هذه المحاولة أن لا تكون تثنية الأعلام في نفسها علماً، فإنهاعلى أساس تلك المحاولة تدل على فردين من طبيعي لفظ المادة بماله من معنى،فإذا قال شخص »جائني زيدان« دل على مجي فردين من لفظ زيد كذلك، وعلى‏هذا فيكون مفاد التثنية - وهو فردان من طبيعي لفظ المادة في نفسه - نكرة،نعم‏يدل على تعريفه تقييده بماله من معنى، باعتبار أنه في تثنية الأعلام وأسماءالاشارة معلوم في الخارج، وكذا في جمعها، مع أن المرتكز في أذهان العرف‏من‏تثنية الأعلام هو أن مفادها في نفسه معرفة كنفس الأعلام، لا أن تعريفه‏جاءمن الخارج.
الثالث: أن المادة كشخص لفظ زيد مثلاً، في مثل قولنا »زيدان« قداستعملت في طبيعي لفظها، فيكون مدلولها طبيعي اللفظ المقيد بماله من معنى،وحينئذ فلابد من النظر إلى هذا القيد الذي هو قيد لمدلول المادة ومأخوذ فيه‏هل‏هو قيد تصوري أو تصديقي، فإن كان المأخوذ فيه مفهوم ماله من معنى،فهوقيد تصوري، وإن كان واقع ماله من معنى فهو قيد تصديقي، وقد تقدم أنه لامانع من تقييدالمدلول التصوري للفظ بقيد تصوري، وأما تقييده بقيد تصديقي‏فهو لا يمكن.
وأما في المقام فلا يمكن تقييد مدلول المادة، وهو طبيعي اللفظ بهذا القيدلاتصوراً ولا تصديقاً.
أما الأول فلأن التثنية في الأعلام لا تدل على هذا القيد بدلالة تصورية،لوضوح أنه لا يتبادر من تثنية الأعلام، كقولنا »زيدان« في الذهن هذا القيد،لأن المتبادر منها في المثال فردان مسميان بزيد، وهذا يكشف عن بطلان هذه‏المحاولة، لأن صحتها مبنية على تقييد مدلول المادة بهذا القيد.
وأما الثاني فقد سبق موسعاً أنه لا يمكن تقييد المدلول التصوري بقيدتصديقي، فإن الملازمة لا تتصور بين تصور وتصديق، بل لابد من أن تكون‏إمابين تصورين أو تصديقين، فمن أجل ذلك لا يمكن تقييد مدلول المادةالتصوري بقيد تصديقي.
فالنتيجة أن هذه المحاولة أيضاً غير تامة.
المحاولة الثالثة: أن مدلول المادة أحد المعنيين في تثنية الأعلام وأسماءالاشارة والأسماء المشتركة، فإن لفظ زيد مثلاً بعد وضعه لهذا المعنى ووضعه لذاك‏المعنى، أصبح صالحاً للدلالة على كل منهما تعييناً، وكذلك لفظ العين، فإنه بعدوضعه للعين الباكية ووضعه للعين الجارية، صالح للدلالة على كل منهما كذلك،ولكن دلالته الفعلية عند اطلاقه بلا قرينة انما هي على أحدهما بدون تعيين، فإذااطلق لفظ العين مثلاً بلا قرينة كان المتبادر منه إحداهما كذلك، وكذا إذا اطلق‏لفظ زيد بلا قرينة على التعيين، فإن المتبادر منه احدهما، وهذا نتيجة مجموع‏الوضعين، وعلى هذا فمدلول المادة في مثل قولنا »زيدان«، أحدهما بمعنى أن لفظزيد عند الاطلاق وبدون قرينة على التعيين يدل عليه، وهيئة التثنية التي تعرض‏عليه تدل على تعدد مدلوله.
وبكلمة، إن مادة التثنية والجمع في الأعلام الشخصية وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة كالعين مثلاً تدل على أحد المعنيين، وقد مرّ أن هذه الدلالةنتيجة مجموع الوضعين بنحو الإشتراك مثلاً إذا قال شخص »جائني زيدان«فالمادة وهي زيد تدل على أحد المعنيين في الخارج، وهيئة التثنية تدل على‏تعدده، فهناك دالان ومدلولان. الأول المادة ومدلولها أحدهما. والثاني الهيئةومدلولها تعدد مدخولها، وإذا قال »رأيت عينين« فالمادة وهي لفظ العين تدل‏على أحد المعنيين وهيئة التثنية تدل على تعدده، وإذا قال »كلّمت هذين‏الرجلين« فالمادة كلفظ هذا تدل على أحدهما، وهيئة التثنية تدل على تعددمدلولها، وهذا معنى أن المعتبر في التثنية والجمع أن يكون مدلول المادةقابلاًللتعدد، وإلاّ فلا تثنية ولا جمع باعتبار أن التثنية موضوعة للدلالة على‏تعدد مدلول المادة، وكذلك هيئة الجمع، فإذا لم يكن مدلول المادة قابلاً له فلاموضوع للتثنية ولا للجمع.
ولكن يمكن المناقشة في هذه المحاولة أيضاً، بتقريب أن مدلول المادة سواءكان في الأعلام الشخصية أم كان في أسماء الاشارة أو في الأسماء المشتركة متعين‏في الواقع، لوضوح أن مدلولها ليس أحدهما المفهومي كما هو واضح، ولاأحدهما المصداقي المردّد، فإنه لا واقع له، وشأن اللفظ المشترك عند الاطلاق‏وعدم نصب قرينة على التعيين وإن كان التردّد بين هذا المعنى وذاك المعنى‏في‏الواقع، ولكن هذا التردد والإحتمال لا يخرج عن أفق الذهن إلى الخارج،ومن‏الواضح أنه لا يجعل مدلول المادة كلياً قابلاً للتعدد، لأن مدلولها في الواقع‏جزئي وغير قابل للتعدد.
وبكلمة، إن الفرد المردّد الذي تدل عليه المادة ليس بكلي قابل للتعدّد.
هذا إضافة إلى أن الترديد في الدلالة التصورية غير معقول، لأنها متمثلة في‏انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى، ولا يعقل الترديد فيه، فإذا اطلق‏كلمة العين كان المتبادر منها احدى معنييها مفهوماً لا مصداقاً، والواحدالمفهومي وإن كان كلياً، إلاّ أنه ليس مدلول المادة جزماً، والترديد إنما يتصور في‏الدلالة التصديقية، وعلى هذا فالترديد بين المدلولين للمادة انما يكون في المدلول‏التصديقي لا المدلول التصوري، وحينئذ فيكون مدلول المادة الذي يعبر عنه‏بأحدهما المردد بين هذا وذاك مدلول تصديقي.
والخلاصة أنا لو سلمنا أن مدلول المادة أحدهما المردد في الواقع وأنه قابل‏للتعدد إلا أنه لما كان مدلولاً تصديقياً لها لم يصلح أن يكون مادة للتثنية والجمع،فإن مدلولهما تصوري فلا يعقل ارتباطه بمدلول المادة الذي هو تصديقي، فإذن لايعقل عروض هيئة التثنية على المادة بلحاظ مدلولها التصديقي، لأن مدلول الهيئةلابد أن يكون محفوظاً في مرحلة المدلول التصوري للمادة.
وإن شئت قلت : إن المادة في المقام بلحاظ مدلولها التصوري لا يصلح أن‏تعرض عليها هيئة التثنية من جهة أنه لا يمكن تعلق مفاد الهيئة بمفاد المادةعلى‏أساس أنه غير قابل للتعدد، وأما بلحاظ مدلولها التصديقي فأيضاً لاتصلح‏أن تكون مادة لها كما مرّ.
فالنتيجة أن هذه المحاولة أيضاً غير تامة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه لا يتم شي‏ء من المحاولات‏المذكورة، وبالتالي لا يمكن المساعدة على الإتجاه الثاني، فالصحيح هو الإتجاه‏الأول، وذلك لأن استعمال التثنية والجمع في اعلام الأشخاص وأسماء الاشارةوالأسماء المشتركة في العرف العام كاستعمالهما في أسماء الأجناس من دون أي‏عناية زائدة، وهذا دليل إنّي كاشف عن أن مفاد التثنية هو الدلالة على فردين‏مشتركين في اللفظ والمعنى أو في اللفظ فقط، والأول كتثنية أسماء الأجناس،فإنها تدل على فردين مشتركين في اللفظ والمعنى معاً كرجلين أو عالمين وهكذا،والثاني كتثنية اعلام الأشخاص وأسماء الاشارة، فإنها تدل على فردين‏مشتركين في الاسم فقط دون المعنى كزيدين أو عمرين وهكذا، ومن هنا يكون‏المتبادر والمنسبق في الذهن من تثنية الأعلام فردين معلومين في الخارج‏المشتركين في الاسم، فلوكانت التثنية موضوعة للدلالة على فردين مشتركين في‏اللفظ والمعنى معاً، لكان استعمالها في تثنية الأعلام ونظيرتها مجازاً واستعمالاً في‏غير المعنى الموضوع له، وهو بحاجة إلى علاقة وقرينة، مع أنه لا فرق بحسب‏المرتكزات العرفية بين المثالين في استعمال التثنية، فكما أنه على نحو الحقيقة في‏المثال الأول فكذلك في المثال الثاني.
ودعوى أن التثنية والجمع في الأعلام ونظائرها ليست بتثنية وجمع‏في‏الحقيقة، بل هي مجرد تجميع في العبارة، لأن المتكلم بدلاً عن أن يقول »جاءزيد وزيد« يقول »جاء زيدان«، وبدلاً عن أن يقول »جاء زيد وزيد وزيد«يقول »جاء زيدون«
مدفوعة بل غريبة جداً، فإن التثنية في لغة العرب هيئة تعرض على الكلمةبزيادة الألف والنون، والجمع هيئة تعرض عليها بزيادة الواو والنون بدون فرق‏في ذلك بين التثنية والجمع في أسماء الأجناس وبينهما في الأعلام ونظيرتها،وأماأن قولك »جاء زيدان« في قوة قولك »جاء زيد وزيد« فهو صحيح، ولكن‏ذلك لا يختص بالتثنية والجمع في الأعلام ونظيرتها، بل الأمر كذلك في تثنيةأسماء الأجناس وجمعها أيضاً، فإن قولك »جاء رجلان« في قوة قولك »جاءرجل ورجل«.
فالنتيجة: أن التثنية تدل على المتعدد من مدخولها، سواء أكان معنيين بأن‏يكونا مشتركين في اللفظ فقط دون المعنى، أم فردين بأن يكونا مشتركين في‏اللفظ والمعنى معاً.
وأما الكلام في الجهة الثانية وهي ما إذا استعملت المادة في معنيين‏مستقلين كما إذا استعملت كلمة العين في العين الباكية والعين الجارية أو في الذهب‏والفضة، فحينئذ هل تكون دلالة تثنيتها على فردين من العين الباكية وفردين‏من العين الجارية، أو فردين من الذهب وفردين من الفضة من استعمالها في أكثرمن معنى واحد أو لا؟ فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني، وقد أفاد في وجه ذلك، أن هذاليس من استعمال التثنية في أكثر من معنى واحد، بل هو من استعمال المادة في أكثرمن معنى، لأن كلمة العين قد استعملت في معنيين هما العين الباكية والعين الجاريةأو الذهب والفضة، والتثنية مستعملة في معناها الموضوع له، وهو الدلالة على‏المتعدد من مدخولها، وهذا بعينه نظير ما إذا ثنّي ما يكون متعدداً في نفسه‏كالعشرة مثلاً أو الطائفة أو الجماعة أو القوم إلى غير ذلك كقولنا »رأيت‏طائفتين« فكما أنه لم يذهب إلى وهم أحد أن التثنية في أمثال هذه المواردمستعملة في أكثر من معنى واحد فكذلك في المقام، فلا فرق في ذلك بين المقامين‏أصلاً، غاية الأمر أن المفرد هنا استعمل في المتعدد بالعناية دون هناك.
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن المادة ككلمة »العين« إن استعملت في‏مجموع المعنيين على نحو كان المجموع مدلولاً واحداً لها، فحينئذ وإن كانت تثنيتهاكتثنية العشرة وما شاكلها، غاية الأمر أن استعمالها في المجموع بالعناية والمجازدون استعمال كلمة العشرة في مدلولها، إلاّ أن ذلك خلاف المفروض في كلامه‏قدس سره،فإن المفروض فيه هو استعمالها في معنيين لا في معنى واحد مركب، وعلى هذا فإذااستعملت كلمة »العين« في كل من المعنيين على استقلاله فلها مدلولان. أحدهماالعين الباكية والآخر العين الجارية، أو أحدهما الذهب والآخر الفضة، وهيئةالتثنية موضوعة بالوضع النوعي للدلالة على تعدد مدلول مدخولها إذا كان قابلاًللتعدد، وحيث إن للمادة مدلولين، فبطبيعة الحال يكون للهيئة مدلولان.أحدهما المتعدد من أحد مدلولي المادة. والآخر المتعدد من مدلولها الآخر.
فإذن قياس المقام بتثنية العشرة ونظيرتها قياس مع الفارق، فإن في تثنيةالعشرة أو ما شاكلها لم تستعمل مادتها إلاّ في مدلول واحد، وتثنيتها تدل على‏إرادة فردين منه.
وبكلمة، إن للتثنية وضعين: أحدهما للهيئة بنحو الوضع العام والموضوع له‏الخاص. والآخر للمادة بنحو الوضع العام والموضوع له العام، كما إذا كانت المادةمن أسماء الأجناس، أو الوضع الخاص والموضوع له الخاص، كما إذا كانت من‏الأعلام وأسماء الاشارة.
وعلى هذا فإذا اُريد بالمادة كالعين طبيعة واحدة كالذهب مثلاً فالهيئة التي‏تعرض عليها تدل على فردين منها، وإذا استعملت في فردين وفردين منها بنحوالاستقلال، فإن هذا من استعمالها في معنيين، فإذا قيل مثلاً »جاء رجلان«واُريد منه فردان وفردان من الرجل، كان هذا من استعمال التثنية في أكثر من‏معنى واحد، فإنه في قوة قوله »جاء رجلان ورجلان«.
وأما إذا اُريد من المادة طبيعتين، إحداهما الذهب والاُخرى الفضة، ففي مثل‏ذلك قد استعملت المادة في معنيين، وهل التثنية التي تعرض على تلك المادة أيضاًاستعملت في معنيين أو لا؟
والجواب نعم، فإنها في هذه الحالة قد استعملت في مدلولين، أحدهمادلالتهاعلى إرادة فردين من الذهب الذي هو أحد مدلولي المادة، والآخر دلالتها على‏إرادة فردين من الفضة التي هي مدلولها الثاني، وهذا من استعمال التثنية في أكثرمن معنى واحد، فإن مدلولها الوضعي فردان من المادة، فإذا استعملت في فردين‏وفردين منها بنحو الاستقلال، كان هذا من استعمالها في أكثر من معناها الموضوع‏له، سواء أكان المراد من المادة طبيعة واحدة أم طبيعتين.
فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المادة إذا استعملت في معنيين، فدلالة تثنيتهاعلى إرادة فردين من هذا المعنى وفردين من ذاك المعنى ليست من استعمالها في‏أكثر من معنى قياساً بتثنية العشرة ونظيرتها، فقد عرفت أنه قياس مع الفارق،فإن في تثنية العشرة ونظيرتها لم تستعمل المادة ولا الهيئة في أكثر من معنى واحد.
وإذا استعملت المادة في معنى واحد، كما إذا اُريد من كلمة العين الفضة مثلاًويراد من تثنيتها التي تعرض عليها الذهب والفضة معاً، فهل هذا من استعمال‏التثنية في أكثر من معنى أو لا؟
والجواب: أنه ليس من استعمالها في أكثر من معنى، بل هو من استعمالها في‏معنى واحد بإرادة استعمالية واحدة، وفي استعمال اللفظ في معنيين سواء أكان‏مفرداً أم مثنى لابد من افتراض إرادتين استعماليتين بنحو الاستقلال تعلّقت‏إحداهما بأحد المعنيين، والاُخرى بالمعنى الآخر.
فالنتيجة أن قياس التثنية في المقام بتثنية العشرة والطائفة ونحوهما إنما يصح‏إذا كانت المادة في المقام مستعملة في مجموع المعنيين بنحو يكون المجموع المركب‏منهما مدلولاً واحداً كما في تثنية العشرة والطائفة، وأما إذا كانت المادة في المقام‏مستعملة في كل من المعنيين مستقلاً كما هو المفروض فيكون القياس في غير محله،لأن استعمال المادة في أكثر من معنى يستلزم استعمال التثنية فيه أيضاً كما مرّ.
ثم إن هذا الاستعمال يكون على نحو الحقيقة، كما هو الحال في استعمال اللفظالمفرد في أكثر من معنى واحد.
لمزيد من التوضيح نذكر نتائج البحث، وهي كما يلي:
الاُولى: أن استعمال اللفظ المفرد في أكثر من معنى يكون على نحو الحقيقة لاالمجاز، فإن المجاز مبني على اعتبار قيد الوحدة في المعنى الموضوع له، وحيث إن‏الألفاظ موضوعة للمعاني بما هي بقطع النظر عن الخصوصيات الذهنيةوالخارجية - منها قيد الوحدة - فلا يكون هذا القيد مأخوذا في المعنى الموضوع له‏ولا في العلقة الوضعية.
الثانية: أن المراد من الوحدة ليس وحدة المعنى ذاتاً، إذ كل معنى بالذات‏واحد في مقابل المتعدد، ولا تمنع هذه الوحدة عن استعمال اللفظ في أكثر من‏معنى، بل المراد منها الوحدة اللحاظية ونقصد بها عدم لحاظ معنى آخر في مقام‏الاستعمال، فإن الوحدة بهذا المعنى تمنع عن استعمال اللفظ في أكثر من معنى، لاالوحدة بمعنى لحاظ المعنى مستقلاً، فإنها لا تمنع عن الاستعمال المذكور كما تقدم.
الثالثة: أن ما قيل باستحالة أخذ الوحدة اللحاظية في المعنى الموضوع له -بدعوى أنها من مقومات الاستعمال فلا يمكن أخذها في المعنى المستعمل فيه،وإلاّ لزم أخذ المتأخر في مرتبة متقدمة وهو مستحيل - لا يرجع إلى معنى‏صحيح، إذ مضافاً إلى أن الوحدة اللحاظية بمعنى عدم لحاظ معنى آخر في مقام‏الاستعمال ليست من مقومات الاستعمال - إنه لا مانع من أخذها في المعنى‏الموضوع له، ولكن في طول المعنى لا في عرضه، فيكون المعنى مركباً من جزئين‏طوليين، ويتحقق الجزء الطولي - وهو الوحدة اللحاظية - بنفس اللحاظالاستعمالي، فإذا تعلق هذا اللحاظ بذات المعنى تحقق المعنى بكلا جزئية، فإذن لايلزم المحذور المذكور.
الرابعة: أنه لا يمكن تقييد كل من المعنيين بعدم لحاظ المعنى الآخر لحاظاًاستعمالياً، على أساس أن المراد منه واقع عدم اللحاظ لا مفهومه التصوري،وعليه فيكون القيد المذكور قيداً تصديقياً، وحينئذ فإن قلنا بأن المدلول الوضعي‏مدلول تصديقي، فلا مانع من تقييده بهذا القيد، وأما إذا قلنا بأن المدلول الوضعي‏مدلول تصوري كما هو الصحيح، فلا يمكن تقييده بهذا القيد كما تقدم.
الخامسة: يجوز استعمال التثنية والجمع في أكثر من معنى واحد، وإن‏هذاالاستعمال يكون على نحو الحقيقة دون المجاز، كما هو الحال في المفرد على‏تفصيل قد مرّ.
السادسة: الأقرب أنه لا يعتبر في التثنية والجمع اتحاد مدلوليهما لفظاً ومعنىً،بل يكفي اتحادهما لفظاً فحسب وإن كانا متغايرين معنى، كما هو الحال في تثنيةوجمع الأعلام وأسماء الاشارة كقولنا »زيدان«، فإنه يدل على فردين مشتركين‏في الاسم لا في المعنى، وكذلك الحال في الجمع.
السابعة: أن اطلاق الثنية على تثنية الأعلام وأسماء الاشارة كإطلاقها على‏تثنية أسماء الأجناس عرفاً وارتكازاً، لا أن اطلاقها على الأول عنائي دون‏الثاني، وهذا دليل إنّي على أن التثنية موضوعة للدلالة على فردين من المادةلفظاًومعنىً كما في أسماء الأجناس أو لفظاً فقط كما في اعلام الأشخاص، وكذاالحال في‏الجمع.
الثامنة: أن جميع المحاولات التي أقيمت لتأويل تثنية الأعلام وأسماء الاشارةونحوهما إلى الإتحاد لفظاً ومعنى، فقد تقدم أنها غير تامة.
التاسعة: إن المادة ككلمة العين إذا استعملت في معنيين، كالذهب والفضة مثلاًفهيئة التثنية تدل على فردين من الذهب وفردين من الفضة، وهذا من استعمال‏التثنية في معنيين كالمادة، على أساس أن استعمال المادة في معنيين يستلزم استعمال‏تثنيتها فيهما أيضاً كما مرّ.

المعنى الحرفي...

التاسع: المعنى الحرفي‏
النظريات الرئيسية فيه متمثلة في ثلاث، نعم هناك نظريات اُخرى ولكنهاجانبية يبحث عنها في ضمن البحث عن النظريات الرئيسية.
النظرية الاُولى: أن الحروف لم توضع لمعانٍ خاصة لكي تدل عليها، وإنماهي مجرد علامة على خصوصية من خصوصيات مدخولها، كالظرفيةوالاستعلائية والابتدائية والانتهائية وغيرها، وتكون بمثابة المنبه عليها بدون‏علاقة ودلالة عليها بالجعل والمواضعة، فحالها من هذه الناحية حال الحركات‏الإعرابية في الكلام، فكما أنها لم توضع بإزاء معان خاصة وإنما هي مجرد علامةعلى خصوصية من خصوصيات مدخولها كالفاعلية والمفعولية والابتدائيةوالخبرية، مثلاً الفتحة علامة على خصوصية خاصة في مدخولها والضمة علامةعلى خصوصية اُخرى فيه، والكسرة علامة على خصوصية ثالثة، والتنوين‏علامة على خصوصية رابعة وهكذا فكذلك الحروف، فإن »في« علامة على‏خصوصية في مدخولها، و»على« علامة على خصوصية اُخرى فيه مباينةللأولى، وهكذا.
ويمكن تفسير هذا الإتجاه بوجوه:
الأول: أن يراد به خلوّ الحروف عن المعنى الموضوع له والدلالة عليه، وإن‏وجودها في الكلام كالحرف الزائد فيه بدون أي تأثير لها في تكوين الجملات‏وتنسيقها ومداليلها.
ولكن هذا التفسير خلاف الضرورة والوجدان، بداهة أن للحروف تأثيراًكبيراً في تكوين الجملات ومداليلها، ولولاها لانهارت الجملات ومداليلهانهائياً واصبحت كلمات متفرقة غير مرتبطة. والخلاصة أن عنصر الحرف في‏الجملة كعنصر الاسم والفعل، فكما أن لعنصر الاسم والفعل دوراً كبيراً في‏تكوين الجملة بمالها من المدلول فكذلك لعنصر الحرف، مثلاً لحرف »في« في‏مثل قولنا »الصلاة في المسجد كذا وكذا« دور كبير في تكوين هذه الجملة بمالهامن المعنى، وإلاّ فلا تكون هناك جملة مؤلفة لا لفظاً ولا معنى.
الثاني: أن الحرف لا يدل على معنى في عرض دلالة الاسم عليه، ولا يكون‏دوره في تكوين الجملة في عرض دور الاسم فيه، وإنما يدل على معنى في طول‏دلالة الاسم، فيكون مدلوله في طول مدلوله.
والجواب: أنه إن اُريد بذلك أن المعنى الحرفي هو تحصص المعنى الاسمي الذي‏هو في طوله ومن تبعاته، فيرد عليه - مضافاً إلى أن هذا من أحد الأقوال الآتيةالجانبية وليس نظرية رئيسية في المسألة في مقابل النظريتين الاُخريين -أن‏التحصص والحصة ليس معنى حرفياً على ما سوف نشير إليه في ضمن‏البحوث القادمة.
وإن اُريد به أن الحرف يعين المراد من المعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال، ففي‏مثل قولنا »الغسل في يوم الجمعة مستحب«، يدل حرف »في« على أن المراد من‏الغسل حصة خاصة منه، وهي الواقعة في يوم الجمعة وهكذا، فيرد عليه أن‏لازم ذلك دلالة حرف »في« في المثال على أن الغسل قد استعمل في حصة خاصةمنه، وهي الحصة الواقعة في يوم الجمعة، ومن الواضح أن هذا استعمال للغسل في‏غير معناه الموضوع له، وهو طبيعي الغسل، فإذن لابد من الالتزام بالمجاز في‏المثال وما شاكله وهو كماترى.
هذا إضافة إلى ما سيجي‏ء من أن للحرف معنى في مقابل معنى الاسم، لا أن‏معناه تعيين المراد الاستعمالي من الاسم.
الثالث: أن لا يكون للحرف مدلول لا في عرض مدلول الاسم ولا في طوله،وإنما يكون شأنه تقييد الاسم لفظاً، وعليه فالدال على المعنى هو الاسم، فإنه إن‏كان مطلقاً وغير مقيد دل على الطبيعي الجامع، وإن كان مقيداً بالحرف كما في‏مثل قولنا »الصلاة في المسجد« دل على الطبيعي المقيد وهو الحصة، فالدال‏الاسم على كلا التقديرين دون الحرف.
والجواب: أن هذا الوجه غريب جداً، لأن مقتضاه أن الدال على الخصوصيةهو الحرف دون الاسم، لأنه إذا كان مطلقاً لم يدل عليها، وإذا كان مقيداًبالحرف‏دل عليها، وهذا معناه أن الدال عليها الجهة التقييدية، ومن الواضح أن‏الحرف في الكلام ليس جهة تعليلية بأن يكون علة لاعطاء الاسم صلاحيةالدلالة على الحصة.
ودعوى أن مقصود القائل بهذا الإتجاه وضع الاسم المقيد بالحرف لمعنى‏خاص، ففي مثل قولنا »الصلاة في المسجد«، فالصلاة المقيّدة بحرف »في«موضوعة للدلالة على حصة خاصة، ولا يبقى حينئذ لحرف »في« معنى إضافي‏في الكلام لكي تدل عليه،
مدفوعة أولاً: أن لأسماء الأجناس وضعاً واحداً بإزاء الطبيعي الجامع،وليس لها وضع آخر بإزاء حصصه، مثلاً للصلاة وضع واحد، وهو الوضع بإزاءالطبيعي الجامع، وليس للصلاة في المسجد وضع آخر بإزاء حصة من الجامع،وللصلاة في البيت وضع ثالث وهكذا، فتعدد الوضع بتعدد القيد بالحروف‏خلاف الضرورة لدى العرف العام واللغة.
وثانياً: أن هذا الوضع لغو، وذلك لأن الحرف إما من الألفاظ المهملة أوالموضوعة ولا ثالث لهما، فعلى الأول لا أثر لتقييد الاسم به حتى يوضع الاسم‏المقيد به لمعنى خاص، فلو وضع لكان لغواً، وعلى الثاني فالحرف بمقتضى وضعه‏يدل على الحصة فلا حاجة إلى وضع الاسم المقيد به بإزائها، أو فقل إن الاسم‏يدل على الطبيعي الجامع، والحرف يدل على تحصصه بحصة خاصة، فإذن يكون‏وضع الاسم المقيد به للدلالة على الحصة لغواً.
ومن هنا إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره يصلح في نفسه جواباً عن هذه‏النظرية، وهو أن خصوصية من خصوصيات المدخول التي تدل عليها الحروف‏هي بعينها المعاني التي وضعت الحروف بإزائها، إذ المفروض أن تلك‏الخصوصيات ليست مما تدل عليه الأسماء، لعدم كونها مأخوذة في مفاهيمها،فإذن لا محالة يكون الدال عليه الحروف.
ولا يقاس الحروف بالحركات الإعرابية، فإن الحركات الإعرابية لا تكون‏أكثر من مجرد العلامة بدون وضعها للدلالة على خصوصية من خصوصيات‏مدخولها، كفاعلية الاسم ومفعولية الآخر وهكذا، فإن »الضمة« لم توضع‏للدلالة على الفاعلية، والفتحة للدلالة على المفعولية، لأن فاعلية الاسم متقومةبصدور الفعل منه مباشرة أو بقيامه عليه كذلك، كانت هناك ضمة أم لا، وهذابخلاف الحروف، فإنه لولا حرف »في« في مثل قولنا »الصلاة في المسجد« لم‏تكن هناك جملة ولا حصة، فتكوين الجملة لفظاً ومعناً مرتبط بحرف »في«،فإذن قياس الحروف بالحركات الإعرابية قياس مع الفارق. نعم، سوف نشير في‏ضمن البحوث الآتية أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الحروف موضوعةللدلالة على تحصيص المفاهيم الاسمية وتضييقها غير تام.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتيجة التالية، وهي أن هذه النظرية في مسألة الحروف‏لا ترجع إلى معنى محصل.
النظرية الثانية: أنه لا فرق بين المعنى الحرفي والمعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة،وإنما الفرق بينهما في أمر خارج عن حقيقتهما، وهو اللحاظ الآلي والاستقلالي،بمعنى أن المعنى الواحد حقيقة وذاتاً إن لوحظ في مرحلة الاستعمال آلياً، فهومعنى حرفي، وإن لوحظ فيها استقلالياً فهو معنى اسمي.
واختار هذه النظرية المحقق الخراساني‏قدس سره، وقد أفاد في وجه ذلك: أن المعنى‏الحرفي والمعنى الاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ والاعتبار،فكلمة »الإبتداء« وحرف »من« مشتركتان في طبيعة معنى واحد، ولا امتيازلاحداهما عن الاُخرى إلا في اللحاظ الذهني في مرحلة الاستعمال، فإنه‏في‏الأسماء استقلالي وفي الحروف آلي، وأن الاستقلالية والآلية خارجتان عن‏حريم المعنى، فالمعنى في نفسه لا يتصف بأنه مستقل ولا غير مستقل، بل همامن‏توابع الاستعمال(10).
وقد استدل‏قدس سره على عدم امكان أخذ اللحاظ الآلي كاللحاظ الاستقلالي في‏المعنى الموضوع له بوجوه ثلاثة، ولكن جميع هذه الوجوه مبنية على صحة هذه‏النظرية، وحيث إنها باطلة ولا ترجع إلى معنى محصل كما سوف نشير إليه فلاموضوع لتلك الوجوه، لأن عدم أخذ اللحاظ الذهني آلياً كان أم استقلالياً في‏المعنى الموضوع له أمر واضح، إذ الألفاظ كما لم توضع بإزاء المعاني الموجودة في‏الخارج، وإلا لكانت المداليل الوضعية مداليل تصديقية لم توضع بإزاء المعاني‏الموجودة في الذهن، وإلا لم تنطبق على ما في الخارج، بل هي موضوعة للماهيةالمتقررة في المرتبة السابقة على الوجود الذهني والوجود الخارجي ماعداالحروف، وسيأتي الكلام فيها.
هذا إضافة إلى أن تلك الوجوه لا تقتضي عدم امكان أخذ اللحاظ الآلي في‏المعنى الموضوع له غير الوجه الأول، ولكنه غير صحيح، وذلك لأنه مبني على‏أن أخذ اللحاظ الآلي الذي هو مقوّم للإستعمال في المعنى الموضوع له من أخذ ماهو متأخر في مرتبة متقدمة، ولكن ذلك إنما يلزم إذا كان مأخوذاً فيه في عرضه‏وفي مرتبته، وأما إذا كان مأخوذاً فيه طولاً، بأن يكون الموضوع له مركباً من‏جزئين طوليين. أحدهما ذات المعنى والآخر اللحاظ الآلي فلا يلزم المحذورالمذكور، لأن الجزء الطولي وهو اللحاظ الآلي يتحقق بنفس اللحاظ الاستعمالي‏في مرحلته، لا أنه متحقق في المرتبة السابقة.
ثم إن هذه النظرية ترجع إلى عدة نقاط:
الاُولى: أن الحروف تشترك مع الأسماء وفي طبيعي المعنى بالذات والحقيقة،ولا فرق بينهما فيه، فتكون ذات المعنى بمثابة الجنس المشترك فيهما.
الثانية: أن ملاك حرفية الحرف لحاظ المعنى آلياً في مرحلة الاستعمال،وملاك اسمية الإسم لحاظ المعنى استقلالياً في هذه المرحلة، ومعنى حرف »من«وكلمة »الإبتداء« واحد ذاتاً وحقيقة، ولا فرق بينهما في ذات المعنى، وإنما الفرق‏بينهما في اللحاظ الذهني، فإن لوحظ هذ المعنى الواحد بالذات آلياً في مرحلةالاستعمال فهو معنى حرفي، وإن لوحظ استقلالاً في تلك المرحلة فهو معنى اسمي‏فهذه النقطة بمثابة الفصل المميز لهما.
الثالثة: أن اللحاظ الآلي والاستقلالي قد اخذا في العلقة الوضعية لا في المعنى‏الموضوع له، فحرف »من« موضوعه لنفس المعنى المذكور مقيدة بما إذا لوحظفي مقام الاستعمال آلياً، وكلمة »ابتداء« موضوعة لنفس ذلك المعنى أيضاً لكن‏مقيدة بما إذا لوحظ استقلالاً في مقام الاستعمال هذا.
وقد اعترض على هذه النظرية بعدّة وجوه:
الأول: ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره، وإليكم نصّه:
»إن الاسم والحرف لو كانا متحدي المعنى وكان الفرق بمجرد اللحاظالاستقلالي والآلي لكان طبيعي المعنى الوحداني قابلاً لأن يوجد في الخارج على‏نحوين، كما يوجد في الذهن على طورين، مع أن المعنى الحرفي كأنحاء النسب‏والروابط لا يوجد في الخارج إلاّ على نحو واحد، وهو الوجود لا في نفسه، ولايعقل أن توجد النسبة في الخارج بوجود نفسي، فإن القابل لهذا النحو من‏الوجود ما كان له ماهية تامة ملحوظ في العقل كالجواهر والاعراض، غايةالأمر أن الجوهر يوجد في نفسه لنفسه، والعرض يوجد في نفسه لغيره«(11)،هذا.
ومقصوده‏قدس سره من ذلك البيان إقامة البرهان على أن المعنى الحرفي لا يكون‏متحداً مع المعنى الاسمي ومباين له ذاتاً وحقيقة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن مراده‏قدس سره من أن المعنى الواحد، لوكان يوجد في الذهن‏على طورين آلي واستقلالي لزم أن يوجد في الخارج أيضاً كذلك، هو أن‏الموجودات الذهنية كالموجودات الخارجية، بمعنى أن عالم الذهن مطابق لعالم‏الخارج في أنحاء الوجود، فكما أن الموجودات الذهنية على نحوين: أحدهماالمستقل بذاته في عالم الذهن وهو المعنى الاسمي، والآخر غير المستقل بذاته فيه‏وهو المعنى الحرفي كأنحاء النسب والروابط فكذلك الموجودات الخارجية،فإنهاأيضاً على نحوين: أحدهما المستقل بذاته في عالم الخارج كالجواهروالأعراض، فإنها موجودة في نفسها فيه. والآخر غير المستقل بذاته فيه كأنحاءالنسب والروابط.
وبكلمة، إنه‏قدس سره أراد من ذلك أن المعنى الاسمي بما أنه مستقل بذاته فإنه كمايوجد في الذهن على هذا الطور يوجد في الخارج أيضاً كذلك كالجواهروالاعراض، والمعنى الحرفي كأنحاء النسب والروابط بما أنه غير مستقل بذاته،فإنه لا يوجد في الذهن ولا الخارج إلاّ بوجود لا في نفسه.
هذا هو مراده‏قدس سره من تطابق عالم الذهن مع عالم الخارج في أنحاء الوجود،وليس مراده أن كل معنى يمكن أن يلحظ في الذهن مستقلاً لزم أن يوجد في‏الخارج كذلك، فإن بطلانه من الواضحات، إذ يمكن لحاظ العرض في الذهن‏مستقلاً عن موضوعه مع أنه في الخارج لا يوجد إلاّ في موضوعه، وسوف يأتي‏النظر إلى ما اختاره‏قدس سره من المعنى الحرفي.
الثاني: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن مجرد اشتراط الواضع الآلية في‏استعمال الحرف، والاستقلالية في استعمال الاسم، بعد ما كان المستعمل فيه في‏كليهما واحداً بالذات والحقيقة لا قيمة له، ولا يكون ملزماً للمستعمل بالالتزام‏بهذا الشرط في مرحلة الاستعمال، لانتفاء المولوية، ولا يترتب على هذا الشرطعدم صحة استعمال اللفظ في معناه الموضوع له إذا خالفه، بأن استعمل الحرف‏فيه بدون اللحاظ الآلي أو استعمل الاسم فيه بدون اللحاظ الاستقلالي، بل ولوسلمنا عدم صحته، فإنما هو بقانون الوضع لا مطلقاً ولو مجازاً، مع وضوح أن‏استعمال الحرف في موضع الاسم، وبالعكس غير صحيح مطلقاً(12). هذا.
وقد علق عليه بعض المحققين‏قدس سره بما حاصله، أن مرجع تقييد الواضع الوضع‏باللحاظ الآلي في الحروف وبالاستقلالي في الأسماء ليس إلى اشتراط ذلك على‏المستعمل على حد الإشتراط الفقهي، وهو الالتزام في الالتزام، فإنه غير محتمل‏عادة في باب الوضع، بل إلى تقييد العلقة الوضعية، فإنها قيدت في الحروف بما إذالوحظ المعنى آلة وفي الأسماء بما إذا لوحظ استقلالاً.
وأما عدم صحة استعمال الحرف في موضع الاسم وبالعكس مطلقاً فقد علل‏ذلك بأن الحرف في حالة عدم اللحاظ الآلي يكون مهملاً، لعدم الوضع في هذه‏الحالة، والمهمل لا يصح استعماله في معنى لا حقيقة ولا مجازاً، أما الأول فلأنه‏خلف الإهمال، وأما الثاني فلأنه يتوقف على أن يكون له معنى حقيقي فعلاً، لأن‏المصحح للإستعمال في المعنى المجازي هو العلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، ومع‏عدم المعنى الحقيقي له فلا موضوع لها(13).
وغير خفي أن التعليق الأول يكون في محله، إذ لا شبهة في أن مرجع تقييدالواضع الوضع إلى تقييد العلقة الوضعية لا إلى الشرط الخارجي.
وأما التعليق الثاني فهو محل منع ومناقشة، فإن الحرف في حالة عدم لحاظالمعنى آلياً لا يكون من اللفظ المهمل في مقابل اللفظ الموضوع، كما أن الاسم في‏حالة عدم لحاظ المعنى استقلالاً لا يكون من اللفظ المهمل، كيف فإن الحرف‏موضوع لمعنى في حالة لحاظه آلياً، والاسم موضوع لمعنى في حالة لحاظه‏استقلالاً، فإذن يكون الحرف كالاسم من اللفظ الموضوع في مقابل اللفظ المهمل‏الذي لا وضع له نهائياً.
وعلى هذا فإذا استعمل الحرف كحرف »من« في ذات معناه الموضوع له‏بدون لحاظه آلياً، فهو وإن كان استعمالاً بدون العلقة الوضعية إلا أنه لا مانع من‏الالتزام بأن هذا الاستعمال استعمال مجازي، وذلك لأن المصحح لهذا الاستعمال‏هو العلاقة الحاصلة بين الحرف وذات المعنى الموضوع له تبعاً لوضعه بإزاء هذاالمعنى في حالة خاصة، فإذن يكون هذا المجاز مسبوقاً بالوضع ومستنداً إليه في‏نهاية المطاف، فالحد الأوسط المصحح للإستعمال المجازي هو الوضع.
وبكلمة، إن وضع الحرف كحرف »من« لمعنى الإبتداء وإن كان مختصاً بحالةخاصة، وهي ما إذا لوحظ المعنى آلياً، إلاّ أنه يؤدي إلى تحقق العلاقة بينه وبين‏المعنى في حالة اُخرى بالتبع، وحينئذ فتكون العلاقة بينهما ذاتية، وهذا يعني أن‏المعنى المستعمل فيه من الحالتين واحد ذاتاً وحقيقة، ولا تتوقف صحة هذاالاستعمال على وجود علاقة بينه وبين المعنى المجازي بواسطة المعنى الحقيقي، أي‏بواسطة العلاقة بينه وبين المعنى المجازي لكي يقال إنه ليس له معنى حقيقي في هذه‏الحالة، فالنتيجة أن هذا التعليق غير صحيح.
الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن هذه النظرية تنحل إلى نقطتين:
النقطة الاُولى: نقطة الإشتراك، وهي أن الحروف والأسماء مشتركتان في‏طبيعي معنى واحد، فالآلية والاستقلالية خارجتان عن حريم المعنى، فالمعنى في‏نفسه لا مستقل ولا غير مستقل.
النقطة الثانية: نقطة الامتياز، وهي أن ملاك الحرفية ملاحظة المعنى آلة،وملاك الاسمية ملاحظة المعنى استقلالاً، وبذلك يمتاز أحدهما عن الآخر.
ثم قد علق‏قدس سره على كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى: فلأن لازمها صحة استعمال كل من الاسم والحرف في‏موضع الآخر، كاستعمال حرف »في« موضع الظرفية وبالعكس، واستعمال‏حرف »من« موضع الإبتداء وبالعكس، مع أنه من أفحش الأغلاط في‏الاستعمالات العرفية، حيث إنه يؤدي إلى انهيار الجملة بمالها من المعنى.
أما جواز الاستعمال على ضوء هذه النقطة فقد ذكرقدس سره أن العلاقة الخارجيةوالمناسبة الأجنبية إذا كانت مصححة لإستعمال اللفظ في المعنى بدون العلقةالوضعية فالعلاقة الداخلية والمناسبة الذاتية بطريق أولى، وما نحن فيه من هذاالقبيل، فإن استعمال الحرف في موضع الاسم وبالعكس وإن كان بدون العلقةالوضعية إلا إنه استعمال في ذات المعنى الموضوع له، والعلاقة الحاصلة بينهما بتبع‏وضعه لهذا المعنى في حالة خاصة أقوى من العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى‏المجازي المباين للمعنى الحقيقي، بنكته إن وضع اللفظ بإزاء معنى إذا كان موجباًلحدوث علاقة بينه وبين معنى آخر مباين له ذاتاً ومشابهاً له وصفاً بالتبع‏فوضعه بإزائه في حالة خاصة لا محاله، يوجب حدوث علاقة بينه وبين نفس‏هذا المعنى في حالة اُخرى بالتبع أقوى من الاُولى، باعتبار أن المعنى المجازي فيه‏عين المعنى الحقيقي، ومع هذا لا يصح استعمال الحرف موضع الاسم وبالعكس،وهذا كاشف عن أن المعنى الحرفي مباين للمعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة(14).
وأما النقطة الثانية: فقد علق‏قدس سره عليها بوجوه:
الأول: أن لازم هذه النقطة كون العناوين الكلية في القضايا الحقيقية التي هي‏مأخوذة معرفات صرفة لموضوعاتها من المعاني الحرفية، باعتبار أنها أخذت‏مرآة لها، مثلاً التبين في قوله تعالى: »كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطَالأَبْيَضِ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَد«(15) قد أخذ معرفاً ومرآة لطلوع الفجر بدون أي‏دخل له في حرمة الأكل والشرب(16).
ويمكن المناقشة في هذا التعليق بأن المراد بآلية المعنى الحرفي في المقام فناءمفهوم الحرف في مفهوم الاسم، لافناء العنوان في المصداق الخارجي الذي ليس‏من باب فناء المفهوم في المفهوم، ومن هنا قد صرح بذلك صاحب الكفايةقدس سره‏بقوله »إنه لا يكاد يكون المعنى حرفياً إلاّ إذا لوحظ حالة لمعنى آخر ومن‏خصوصياته القائمة به(17)»، مثلاً معنى الابتداء لا يكون معنى حرف »من« إلا إذالوحظ آلة وحالة لمعنى آخر من ناحية، وكونه دخيلاً في تكوين الجملة بمالها من‏المعنى من ناحية اُخرى، فإذن يختلف المعنى الحرفي عن العنوان في نقطتين:الاُولى: أن العنوان متحد مع المعنون بالذات في عالم المفهوم، ومحمول عليه‏بالحمل الأولي الذاتي، بينما مفهوم الحرف الفاني مباين للمفهوم الاسمي المفني.والثانية: أن العنوان بمفهومه الذهني مرآة للمعنون في الخارج، بينما مفهوم الحرف‏مرآة لمفهوم الاسم في عالم المفهوم لا الخارج.
هذا إضافة إلى أن مفهوم الحرف دخيل في تكوين الجملة بمالها من المعنى‏واقعاً، بينما العنوان غير دخيل فيه، وإنما هو مجرد معرف للموضوع.
الثاني: أن لحاظ المعنى حالة للغير لو كان تمام الملاك لحرفيته لزم منه كون‏جميع المصادر معاني حرفية، باعتبار أنها أوصاف لمعروضاتها ومن حالاتها،وهذا بخلاف أسماء المصادر، فإن الملحوظ فيها الحدث فقط دون الوصفية،وبذلك تمتاز المصادر عن اسمائها(18).
وقد أورد عليه بعض المحققين‏قدس سره بأن المصادر تحتوي على المادة والهيئة، فإن‏اُريد النقض بمادتها فهي موضوعة لذات الحدث، وإن اُريد النقض بهيئتها فقديسلم بكونها كالحروف وسائر الهيئات(19).
ولكن الظاهر أن ذلك لا يدفع ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التعليق، لأن‏نظره‏قدس سره ليس إلى الهيئة ولا إلى المادة وحدها، باعتبار أن معنى الهيئة معنى حرفي‏ومعنى المادة معنى اسمي، بل نظره إلى أن المصدر بما هو مشتمل على المادة والهيئةمعاً حالة للغير وصفة لمعروضه كالمعنى الحرفي، لا باعتبار مادته فقط أو هيئته.وعلى الجملة فإذا كان الملاك في حرفية المعنى كونه حالة للغير وصفة له لزم كون‏المصدر معنى حرفياً لتوفر ملاك الحرفية فيه، مع أنه ليس بحرف.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق، أن ملاك حرفية المعنى إنما هو آليته‏باللحاظ لا بالذات، لأن المعنى بالذات لا مستقل ولا غير مستقل، بينما المصدريكون وصفاً لمعروضه وحالة له بالذات لا باللحاظ فقط، فإذن ما هو ملاك‏حرفية المعنى غير متوفر في المصدر.
الثالث: أن ما هو المشهور من أن المعنى الحرفي ملحوظ آلة لا أصل له، وذلك‏لأنه لا فرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي في ذلك، إذ كما أن اللحاظالإستقلالي والقصد الأولي يتعلقان بالمعنى الاسمي في مرحلة الاستعمال قديتعلقان بالمعنى الحرفي أيضاً، على أساس أنه ليس لذلك ضابط كلي، بل هويختلف باختلاف ما هو المقصود بالإفادة في الكلام، فإن كان المقصود بالإفادةفيه المعنى الاسمي، فإنه الملحوظ مستقلاً، وإن كان المقصود بالإفادة فيه المعنى‏الحرفي كما إذا كان الموضوع والمجهول في القضية معلومين عند شخص ولكنه كان‏جاهلاً بخصوصيتهما فسأل عنها فأجيب على طبق سؤاله، فهو والمجيب إنماينظران إلى هذه الخصوصية نظرة استقلالية، مثلاً إذا كان مجي‏ء زيد معلوماًولكن كانت كيفية مجيئه مجهولة عند أحد، فلم يعلم أنه جاء مع غيره أو جاءوحده، فسأل عنها فقيل إنه جاء مع عمرو، فالمنظور بالاستقلال والملحوظكذلك في الافادة والاستفادة في مثل ذلك إنما هو هذه الخصوصية التي هي من‏المعاني الحرفية دون المفهوم الاسمي فإنه معلوم، بل إن الغالب في موارد الإفادةوالاستفادة عند العرف العام النظر الاستقلالي والقصد الأولي بإفادةالخصوصيات والكيفيات المتعلقات بالمفاهيم الاسمية(20).
وفيه: أن ذلك خلاف مبناه‏قدس سره، وهو المبنى المشهور بين المتأخرين من أن‏المعاني الحرفية غير مستقلة بذاتها سواء كان في الذهن أم في الخارج، فلا يعقل‏وجودها بإستقلالها، فإن الآلية والفنائية ذاتية لها في عالم الذهن والخارج، ولايتصور أن يكون المعنى الحرفي ملحوظاً مستقلاً بالإفادة، وما ذكره‏قدس سره من‏الأمثلة لكون المعنى الحرفي ملحوظاً بالاستقلال فالأمر فيها ليس كذلك، فإن‏الخصوصية المجهولة التي هي معنى حرفي ملحوظة بالعنوان الإنتزاعي الذي هومفهوم اسمي، لما سيجي من أن المعنى الحرفي بنفسه غير قابل لأن يكون ملحوظاًباللحاظ الذهني، فإن كل ما هو ملحوظ كذلك فهو معنى اسمي لا حرفي.
وبكلمة، إن هذا التعليق لا يتم لا على القول باتحاد المعنى الحرفي مع المعنى‏الاسمي ذاتاً وحقيقة ولا على القول بتباينه معه كذلك.
أما على الأول فلأن ملاك حرفية المعنى على ضوء هذا القول لحاظه آلياً، فلولوحظ استقلالاً فهو معنى اسمي، وعلى هذا فلا يمكن افتراض لحاظ المعنى‏الحرفي مستقلاً، وإلا لزم خلف فرض كونه معنى حرفياً.
وأما على الثاني فلما عرفت من أن المعنى الحرفي آلي بالذات سواء أكان في‏الذهن أم في الخارج، فلا يعقل وجوده في الذهن ولا في الخارج، وما هوالملحوظ في الذهن مفهوم اسمي وإن كان بعنوان مشير إلى واقع المعنى الحرفي.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه‏النتيجة، وهي‏أن ما أورده‏السيد الاُستاذقدس سره على‏هذه النظرية من‏التعليقات لايتم شي‏ء منها ماعداالتعليق الأول على النقطةالاُولى. فالصحيح في المسألة أن يقال إن هذه النظرية باطلة جزماً. بيان ذلك ماأشرنا إليه فيما سبق من أنها تنحل إلى عنصرين:
الأول: أن المعنى الحرفي متحد مع المعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة.
الثاني: أن المعنى الحرفي متقوم باللحاظ الآلي والمعنى الاسمي متقوم باللحاظالاستقلالي. فالعنصر الأول بمثابة الجنس لهما، والثاني بمثابة الفصل، ولكن‏كلاالعنصرين خاطي‏ء.
أما العنصر الأول، فلا شبهة في أن المعنى الحرفي مباين بتمام ذاته وذاتياته مع‏المعنى الاسمي، فإن المعنى الحرفي عين واقع الربط والنسبة بين مفهومين من‏المفاهيم الاسمية ومتقوم بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيه، حيث إنهما من‏المقومات الذاتية له بمثابة الجنس والفصل للنوع.
ومن هنا لا يكون للمعنى الحرفي تقرر ذاتي ماهوي في مرتبة سابقة على‏الوجود الذهني أو الخارجي، لأن تقرر النسبة أنما هو بشخص وجود طرفيها،فإن كانا في الذهن كانت النسبة ذهنية، لأنهما من المقومات الذاتية لها، وإن كانافي الخارج كانت النسبة خارجية.
وأما المعنى الاسمي فهو بحد ذاته وذاتياته مستقل، ويكون له تقرر ذاتي‏ماهوي في المرتبة السابقة على وجوده في الذهن أو الخارج، فإن مقوماته الذاتيةكالجنس والفصل محفوظة فيه في تلك المرتبة، مثلاً مفهوم الانسان مفهوم متقررذاتاً وماهية في المرتبة السابقة على وجوده في الذهن أو الخارج، لأن مقوماته‏الذاتية كالحيوانية والناطقية محفوظة فيه بقطع النظر عن وجوده، فإن الانسان‏حيوان ناطق سواء أوجد في الذهن أم الخارج أم لا، وبذلك يظهر أن المعنى‏الحرفي يمتاز عن المعنى الاسمي في عدة نقاط:
1 - أن المعنى الحرفي عين التعلق والربط لا شي‏ء له تعلق وربط، بينما المعنى‏الاسمي عين الاستقلال لا شي‏ء له الاّ استقلال.
2 - ليس للمعنى الحرفي تقرر ماهوي ذاتي في مرتبة سابقة على الوجود، بينماكان للمعنى الاسمي تقرر ماهوي ذاتي في المرتبة السابقة على الوجود.
3 - أن وجود شخص طرفي المعنى الحرفي من المقومات الذاتية له، بينما إن‏وجود المعنى الاسمي ليس من مقوماته الذاتية له، وإنما يكون تشخصه به. ويأتي‏تفصيل ذلك لدى تعرض النظرية الثالثة.
هذا إضافة إلى أن هذه النظرية بنفسها إذا حللناها لا ترجع إلى معنى معقول،إذ لا يمكن أن يكون مراد المحقق الخراساني‏قدس سره من أن المعنى الحرفي المتحد مع‏المعنى الاسمي ذاتاً وحقيقة في مثل حرف »من« واقع الإبتداء الذي هو عبارةعن واقع النسبة بين شخص وجود طرفيها، وإلاّ لكان المعنى الحرفي مبايناًللمعنى الاسمي بتمام ذاته وذاتياته، بل يكون مراده‏قدس سره منه مفهوم الإبتداء، ولاشبهة في استقلاله بالذات في عالم المفهوم، وما في هذه النظرية من أن المعنى في‏نفسه لا مستقل ولا غير مستقل لا يراد بذلك نفي الاستقلال وعدم نفيه بالذات‏لاستحالة ارتفاع النقيضين، بل يراد به عدم لحاظه لا مستقلاً ولا آلياً في الذهن،فإذا كان المعنى والمفهوم في ذاته مستقلاً ولم يكن آلة للغير وحالة له، فلا يعقل‏جعله آلة للغير وحالة له باللحاظ، لوضوح أن اللحاظ لا يجعل المفهوم المستقل‏بذاته غير مستقل كذلك، ولا يكون أكثر من مجرد تصور آليته للغير ولحاظه‏كذلك بدون أن يكون له واقع موضوعي.
وبكلمة، إن المفهوم في عالم المفهومية إذا كان مستقلاً بالذات ومبايناً لمفاهيم‏اُخرى فيه وليس فانياً في مفهوم آخر ذاتاً وحالة له فيه، فلا يمكن جعله فانياً في‏مفهوم آخر باللحاظ، لأنه مباين له في عالم الذهن والمفهوم، فكيف يعقل جعله‏فانياً فيه وحالة له، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون لحاظ المعنى الحرفي مندكاً في‏المعنى الاسمي وفانياً فيه ناجم عن الفرق الجوهري بينهما ذاتاً وسنخاً، وإن المعنى‏الحرفي مندك بالذات في المعنى الاسمي وفانياً فيه لا باللحاظ الآلي.
ودعوى أن المراد من لحاظ المعنى والمفهوم آلة هو لحاظه آلة ومرآة لمصاديقه‏الخارجية لا آلة ومرآة لمفهوم آخر حتى يقال أنه غير معقول، مدفوعة بأن كل‏مفهوم مرآة لمصاديقه في الخارج ومنطبق عليها انطباق الطبيعي على أفراده،غاية الأمر إن كان المفهوم كلياً فإنه مرآة للحيثية المشتركة بين أفراده لالخصوصياتها، وإن كان جزئياً فهو مرآة للخاص في الخارج، وعلى هذا فلا فرق‏بين المفهوم الحرفي والمفهوم الاسمي.
والخلاصة أنه لو لم يكن فرق بين المعاني الحرفية والمعاني الاسمية في عالم‏المفهوم لم يكن بالإمكان التمييز بينهما بحسب عالم الإنطباق في الخارج، فمن أجل‏ذلك لا ترجع هذه النظرية إلى معنى معقول.
وأما العنصر الثاني فيقع الكلام فيه في موردين:
الأول: في امكان تقييد العلقة الوضعية بشي‏ء كما يمكن تقييد الموضوع‏والموضوع له به.
الثاني: أنه على تقدير إمكان تقييدها، فهل يمكن تقييدها باللحاظ الآلي‏والاستقلالي؟
أما الكلام في المورد الأول فقد تقدم في مبحث الوضع أنه لا مانع من تقييدالعلقة الوضعية بقيد ما بناء على ما هو الصحيح من أن حقيقة الوضع حقيقةاعتبارية، فحالها من هذه الناحية حال سائر المجعولات الاعتبارية، وكذلك لامانع من تقييدها على مسلك التعهد، نعم لا يمكن تقييدها على مسلك أن حقيقةالوضع هي القرن الأكيد بين صورة اللفظ وصورة المعنى في الذهن، على‏أساس‏أن الوضع على أساس هذا المسلك حقيقة تكوينية غير قابلة للتقييدبالجعل والاعتبار.
وأما الكلام في المورد الثاني، فإن كانت آلية المعنى الحرفي في نفسه ذاتية، فلاموضوع لتقييد العلقة الوضعية باللحاظ الآلي، إذ ليس للمعنى حينئذ حالتان:حالة لحاظه آلياً وحالة لحاظه استقلالاً لكي يمكن تقييد العلقة الوضعية بالحالةالاُولى وإن كانت استقلالية كذلك ذاتية، فقد مرّ أنه لا أثر للحاظه آلة وحالةللغير، فإنه لا يكون أكثر من مجرد لحاظ وتصور بدون أن يؤثر في كونه حالةلمفهوم آخر، وحينئذ فلا أثر لتقييد العلقة الوضعية بهذه الحالة ويكون لغواًصرفاً، ومن هنا قلنا إن هذه النظرية بالتحليل لا ترجع إلى معنى محصل.
نتائج البحث لحد الآن عدة نقاط:
الاُولى: أن القول بأن الحروف لم توضع لمعان خاصة، وإنما هي مجرد علامةكالحركات الإعرابية لا ترجع إلى معنى محصل بكل تفسيراته كما مر تفصيلاً.
الثانية: أن المحقق الخراساني‏قدس سره اختار أن المعنى الحرفي متحد مع المعنى‏الاسمي ذاتاً وحقيقة، والفرق بينهما إنما هو باللحاظ الآلي والاستقلالي، بمعنى‏أن‏العلقة الوضعية في الحروف مختصة بما إذا لوحظ المعنى آلياً، وفي الأسماء بماإذالوحظ استقلالاً.
الثالثة: قد أورد على هذه النظرية جماعة من المحققين بوجوه، وقد تقدم‏الكلام في تلك الوجوه وما فيها، والصحيح أن هذه النظرية مضافاً إلى وضوح‏بطلانها جزماً إنها في نفسها لا ترجع إلى معنى صحيح.
النظرية الثالثة القائلة بالتمايز الذاتي بين المعاني الحرفية والمعاني الاسميةوعدم الإشتراك بينهما لا في الذات والذاتيات، ولا في الخصوصيات والآثار،وهذه النظرية هي محطة انظار أكثر المحققين من الاُصوليين، ولكنهم اختلفوا في‏تفسير نقطة التمايز والتغاير بينهما على أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق النائيني‏قدس سره من أن التمايز بين المعاني الحرفيةوالمعاني الاسمية ناجم عن إيجادية الاُولى واخطارية الثانية(21).
بيان ذلك أن المفهوم الاسمي بشتى أنواعه من الجواهر والاعراض ونحوهمامفهوم اخطاري، على أساس أن له تقرراً ماهوياً في عالم المفهوم في مرتبة سابقةعلى وجوده الذهني والخارجي، فإذا قيل »الانسان موجود« فالموضوع هومفهوم الانسان الذي له تقرر ماهوي في المرتبة السابقة، ومن الطبيعي أنه انمايصلح موضوعاً في القضية إذا كان له تقرر وثبوت ماهوي بقطع النظر عن‏وجوده في الذهن والخارج، وإلا فلا يعقل أن يكون موضوع القضية وجودالانسان، وإلاّ لزم إما حمل الشي‏ء على نفسه أو حمل مباين على مباين، فمن‏أجل‏ذلك يكون المفهوم الاسمي مفهوماً اخطارياً ويكون الاسم منبهاً شرطياًلاخطاره في الذهن.
وأما المعنى الحرفي فهو بكافة أنواعه وألوانه إيجادي، على أساس أنه ليس له‏تقرر ماهوي في المرتبة السابقة على وجوده في الذهن والخارج، فلذلك يكون‏عين التعلق والربط، وهو النسبة التي هي متقومة بشخص وجود طرفيها،باعتبار أن شخص وجودها في أي موطن في الذهن كان أم في الخارج من‏المقومات الذاتية له، فلهذا تكون النسبة ذهنية بعين ذهنية شخص وجودطرفيها وخارجية بعين خارجية شخص وجود طرفيها.
وعلى ضوء هذا الأساس فالمعنى الاسمي مستقل بحد ذاته كالجوهر في عالم‏العين، فلا يتوقف تحققه في عالم المفهوم على تحقق الغير فيه، بل هو قائم بذاته،ومن هنا يخطر في الذهن بمجرد اطلاق الاسم كالانسان ونحوه، ويخرج من عالم‏التقرّر إلى عالم الذهن، سواء أكان ذلك في ضمن تركيب كلامي أم لا، فتمام الملاك‏لاخطارية المعنى الاسمي هو استقلاله الذاتي وتقرّره الماهوي في المرتبة السابقة.
والمعنى الحرفي غير مستقل بحد ذاته وإنه عين الربط والتعلق كالعرض في عالم‏العين، فلا يمكن تحققه بدون تحقق شخص طرفيه في وعاء الذهن أو الخارج، ولايمكن تقرره في عالم المفهوم، لأن تقرّره فيه مساوق لاستقلاله ذاتاً، وهو خلف‏فرض أنه عين الربط والتعلق في أي وعاء كان، ومن هنا لا يخطر في الذهن شي‏ءإذا اطلق كلمة »من« بدون ذكر طرفيها، أو كلمة »في« أو »على« أو ما شاكل‏ذلك، وأما إذا اطلقت في ضمن تركيب كلامي كقولنا »الصلاة في المسجد« مثلاًفتدل على معناها في ضمن هذا التركيب حيث لا وعاء له إلاّ فيه.
فالنتيجة أن استقلالية المعنى بحدّ ذاته وجوهره علة لاخطاريته وآلية المعنى‏كذلك علة لايجاديته.
ثم يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في تفسير المراد من إيجادية معاني الحروف.
الثاني: في مراد المحقق النائيني‏قدس سره من كلمة الايجادية.
أما المقام الأول فقد اختلفت كلمات الأعلام حول تفسيرها على عدة معان:
الأول: ما ذكره بعض الأعلام من أن المقصود من إيجادية المعنى الحرفي إن‏الحرف بدلاً عن أن يدل على معنى موجدٌ لمعناه في نفس التركيب الكلامي من‏دون أن يكون له تحقق في أي وعاء بقطع النظر عنه، فيكون التلفظ بالحرف في‏ضمن الكلام سبباً وعلة لإيجاده فيه، كعلية النار لإيجاد الحرارة.
الثاني: أن المقصود منها أن الحرف يدل على الربط الكلامي، وحيث إنه لاوعاء له إلاّ عالم الكلام واللفظ، فيوجد فيه ولهذا يكون إيجادياً.
الثالث: أن المعنى الحرفي يمتاز عن المعنى الاسمي بمجموعة من الخصائص،فمن أجل ذلك يكون إيجادياً دون المعنى الاسمي.
الاُولى: أن المعنى الحرفي عين التعلق والربط لا شي‏ء له الربط والتعلق،فيكون عدم استقلاليته ثابتاً في كمون ذاته وحقيقته فلا ذات له، بينما المعنى‏الاسمي عين الاستقلال في حدّ ذاته.
الثانية: أنه ليس للمعنى الحرفي تقرّر ماهوي ذاتي في مرتبة سابقة على عالم‏الوجود، بل تقرّره الذاتي والماهوي في طول هذا العالم، على أساس أن المعنى‏الحرفي واقع الربط والنسبة، أي النسبة بالحمل الشائع لا مفهوم الربط والنسبة،أي النسبة بالحمل الأولي الذاتي، فإنه مفهوم اسمي وليس بربط ونسبة، وبذلك‏يظهر أنه لا ماهية للنسبة، إذ لو كانت لها ماهية لكان لها تقرر في مرتبة سابقةعلى عالم الوجود، حيث إنه يعرض عليها إما في الذهن أو الخارج كالمعنى‏الاسمي، فإذا لم تكن لها ماهية لم يكن لها وجود، لأن الوجود اما يعرض على‏الماهية، ونتيجة ذلك أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا لوجودها اللحاظي، وكذاالخارج ظرف لنفسها لا لوجودها العيني، وهي متقومة بشخص وجودطرفيها، فإنه من المقومات الذاتية لها وبمثابة الجنس والفصل للمعنى الاسمي،ومن هنا إذاكان شخص وجود طرفيها في الذهن كانت النسبة ذهنية، فإن‏ذهنيتها بعين ذهنية طرفيها، وإذا كان في الخارج كانت خارجية، حيث إن‏خارجيتها بعين خارجية طرفيها.
وهذا بخلاف المعنى الاسمي، فإن له ماهية متقررة بتمام ذاتها وذاتياتها في‏المرتبة السابقة على عالم الوجود كالانسان مثلاً، فإن له ماهية وهي الحيوانيةوالناطقية متقرّرة ماهوية وذاتية بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج،فإن الوجود انما يعرض عليها. ومن هنا يكون الذهن أو الخارج ظرف‏لوجودها، فإنها اما ان توجد في عالم الذهن أو عالم الخارج، ولا فرق في ذلك بين‏القول بأصالة الوجود والقول بأصالة الماهية.
الثالثة: أن المعنى الحرفي حيث إنه عبارة عن النسبة بالحمل الشائع فلا يعقل‏أن تحكي عن النسبة في الخارج حكاية الطبيعي عن فرده، لما مرّ من أن النسبةسواء أكانت في الذهن أم كانت في الخارج متقومة بشخص وجود طرفيها فيه،وعليه فإذا كانت في الذهن فهي متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيهافيه، حيث إن وجودهما فيه من المقومات الذاتية لها، ومن الواضح أن الوجودالذهني مباين للوجود الخارجي، فلا يمكن انطباقه عليه، فإذن النسبة الذهنيةمباينة للنسبة الخارجية ونسبتها إليها نسبة المماثل إلى المماثل لا الطبيعي إلى‏فرده، فتكون حكاية النسبة الذهنية عن النسبة الخارجية من حكاية المماثل عن‏المماثل لا الطبيعي عن فرده.
وهذا بخلاف المعنى الاسمي، فإنه لما كان متقرّراً ماهوياً ذاتياً في المرتبةالسابقة على عالم الوجود كانت نسبته إلى الخارج نسبة الطبيعي إلى فرده كمفهوم‏الانسان، فإن نسبته إلى الخارجيات نسبة الكلي إلى أفراده لا نسبة المماثل‏إلى‏المماثل.
الرابعة: قد تبين مما تقدم أن الوجود الذهني أو الخارجي مقوم ذاتي للمعنى‏الحرفي، بينما أنه لا يكون مقوّماً ذاتياً للمعنى الاسمي، بل يتشخص المعنى‏الاسمي‏به، على أساس أن تشخص الماهية إنما هو بالوجود سواء أكان ذهنياًأوخارجياً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن النسبة بالحمل الشائع التي هي‏معنى الحروف لا يمكن احضارها في الذهن بالوجود اللحاظي التصوري ولابالوجود التصديقي، لما مرّ من أن ما لا ماهية له لا وجود له، بل إنهاتحضر في‏الذهن بنفسها لا بوجودها اللحاظي، فيكون الذهن ظرفاً لها لا له، كما أنهاتحضر في الخارج كذلك، وقد مرّ أن حضورها سواء أكان في الذهن أم الخارج‏إنما هو بنفس حضور طرفيها، ويترتب على ذلك إيجاد الارتباط والالتصاق بين‏مفهومين اسميين حقيقة، لوضوح أن النسبة بالحمل الأولي لا توجب ذلك، لأنهامفهوم اسمي لا حرفي، وأما النسبة بالحمل الشائع التي هي معنى حرفي، فهي‏توجب الالتصاق والارتباط بينهما واقعاً وبذلك تتكون الجملة بما لها من المعنى.ومن هنا تكون معاني الحروف دخيلة في تكوين الجملات، مثلاً كلمة »في« في‏مثل قولنا »الصلاة في المسجد« دخيلة في تكوين هذه الجملة بما لها من معناها،فإنها توجب التصاق الصلاة بالمسجد وارتباطها به، وإلا فلا ترتبط إحداهمابنفسها بالاُخرى، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن النسبة التي هي معنى حرفي بالحمل الشائع فبما أنهاتحضر في الذهن بنفسها لا بوجودها اللحاظي، فلذلك تحضر فيه بمالها من‏خصائصها التكوينية، وهي الالتصاق والارتباط بين المفاهيم الاسمية بعضهاببعض حقيقة وتكويناً. وهذا بخلاف المفهوم الاسمي، فإن إحضاره في الذهن لماكان بوجوده اللحاظي لا الواقعي كان بغرض كونه مرآة لما في الخارج لترتيب‏آثاره عليه، حيث إن خصائصه وآثاره التكوينية لا تترتب عليه في الذهن،وهذا هو الفارق بين المفهوم الحرفي والمفهوم الاسمي.
فيتحصل من ذلك كله أن إيجادية المعنى الحرفي انما هي على أساس أنه ليست‏له ماهية متقرّرة ماهوية في المرتبة السابقة على عالم الوجود، واخطارية المعنى‏الاسمي انما هي على أساس أن له ماهية متقرّرة ماهوية ذاتية في مرتبة سابقة على‏الوجود الذهني والخارجي.
هذه هي التفسيرات التي فسرت إيجادية المعاني الحرفية بها، ولنأخذ بالنظرفي هذه التفسيرات:
أما التفسير الأول فهو باطل جزماً، إذ - مضافاً إلى أنه خلاف الضرورة من‏اللغة، حيث لا معنى حينئذ للوضع بعد ما كان الحرف علة لإيجاد معناه في عالم‏الكلام واللفظ خارجاً - إن عليّته لذلك في نفسها غير معقولة، لأن عليّة الحرف‏لإيجاد معناه منوطة بتوفر مبدأ التناسب والسنخية بينهما ذاتاً لكي يكون علة له،والمفروض عدم توفرّه، كيف فإنه مباين لمعناه.
وأما التفسير الثاني فهو أيضاً غير صحيح، لما عرفت من أن للمعنى الحرفي‏موطناً غير عالم الكلام واللفظ وهو عالم الذهن، حيث قد مرّ أن النسبة بالحمل‏الشائع بنفسها ثابتة في الذهن لا بوجودها اللحاظي.
وأما التفسير الثالث فهو الصحيح، ولكنه ينسجم مع إخطارية المعنى الحرفي‏أيضاً وإن لم تكن اخطاريته كإخطارية المعنى الاسمي، كما سوف نشير إليه.
وأما المقام الثاني فالكلام يقع في بيان مقصود المحقق النائيني‏قدس سره من كلمةالايجادية. الظاهر أن مقصوده‏قدس سره من هذه الكلمة هو التفسير الثاني، بقرينةأنه‏قدس سره قد صرح في غير مورد أنه لا وعاء للمعنى الحرفي إلا عالم الكلام واللفظولا موطن له إلا ذلك، ومن الواضح أن هذا لا ينسجم مع التفسير الثالث، حيث‏إن وعاءه على ضوء هذا التفسير هو الذهن كما مرّ.
وعليه فلا يمكن حمل كلامه‏قدس سره على هذا التفسير، ويؤكد ذلك استشهاده‏قدس سره‏على إيجادية المعنى الحرفي بالرواية المنسوبة إلى أميرالمؤمنين )عليه السلام((22)،فإن مفادها أن الحرف أوجد معنى في غيره، فلو كان معناه النسبة بالحمل الشائع‏لم يصح اسناد إيجادها إلى الحرف.
ثم إن منشأ التزامه‏قدس سره بهذا القول أحد أمور:
الأول: الرواية المذكورة، فإنها تدل على أن المعنى الحرفي إيجادي، وبذلك‏يمتاز عن المفهوم الاسمي الذي هو إخطاري.
الثاني: أن المعنى الحرفي لم يكن اخطارياً، بدليل أنه إذا اُطلق الحرف وحده‏كحرف »في« أو »على« أو »من« أو ما شاكل ذلك، لم يخطر في الذهن شي‏ء إلاّإذا كان في ضمن تركيب كلامي، فإذا لم يكن اخطارياً فهو إيجادي لا محالة،لعدم‏الواسطة بينهما.
الثالث: أن النسبة بالحمل الشائع لا تصلح أن تكون معنى حرفياً، لعدم‏وجودها في الذهن، فإن الموجود فيه إنما هو مفهوم النسبة الذي هو نسبة بالحمل‏الأولي، والمفروض أنه مفهوم اسمي لا حرفي، وأما النسبة الخارجية فهي وإن‏كانت ثابتة إلاّ أن الحرف لم يوضع بإزائها، وعليه فبطبيعة الحال يكون‏المعنى‏الموضوع له الحرف هو النسبة الكلامية التي لا وعاء لها إلا عالم الكلام‏واللفظ، هذا.
ولكن شي‏ء من هذه الأمور لا يصلح أن يكون منشأ للإلتزام بإيجادية المعنى‏الحرفي بالتفسير الثاني.
أما الأمر الأول فلأن الرواية المذكورة لم تثبت سنداً، بل يمكن المناقشة في‏دلالتها أيضاً، إذ لا يمكن أن يراد من قوله )ع( »الحرف ما أوجد معنى في غيره«أنه علة لإيجاد معناه، لما تقدم من أن عليته غير معقولة، فإذن لا محالة يكون‏المراد منه أما الايجادية بالتفسير الثاني أو الثالث، ولا ظهور لها في الثاني.
وأما الأمر الثاني فلأنه لا ملازمة بين عدم كونه اخطارياً وكونه إيجادياًبالتفسير الثاني، لأن معنى اخطارية المفهوم الاسمي هو أن ماهيته متقرّرة ماهويةذاتية في مرتبة سابقة على عالم الوجود، سواء أكانت موجودة في الذهن أوالخارج أم لا، ومعنى إيجادية المفهوم الحرفي أنه غير متقرّر ماهوياً في مرتبةسابقة على عالم الوجود، فعدم اخطارية المعنى ملازم لإيجاديته بالتفسير الثالث‏لا بالتفسير الثاني الذي هو ظاهر كلامه‏قدس سره.
وأما الأمر الثالث فلا أساس له، لما تقدم من أن النسبة بالحمل الشائع ثابتةفي الذهن بنفسها لا بوجودها اللحاظي، والبرهان على ذلك وجود خصائصهاالذاتية التكوينية - وهي الالتصاق والارتباط بين مفهومين اسميين - فيه حقيقة،ففي مثل قولنا »الصلاة في المسجد«، فإن حرف »في« تدل على واقع النسبة وهوالنسبة بالحمل الشائع بين هذين المفهومين هما الصلاة والمسجد الموجبةلإلتصاق أحدهما بالآخر وارتباطه به واقعاً وحقيقة، ولولا تلك النسبة لما كان‏بينهما أي التصاق وارتباط أصلاً.
وبكلمة أوضح، إن مفهوم النسبة الموجود في الذهن بالوجود اللحاظي‏التصوري الذي هو نسبة بالحمل الأولي لا يمكن أن يكون مفهوماً حرفياً، بل هومفهوم اسمي مستقل بحد ذاته، فإن المفهوم الحرفي هو واقع النسبة بالحمل الشائع‏التي لا ماهية لها ولا وجود لحاظي لها في الذهن لا تصوراً ولا تصديقاً، باعتبارأن تصور النسبة في الذهن ولحاظها فيه ليس بنسبة، بل هو تصور مفهوم‏النسبة، نعم يمكن أن يشير به إليها ويجعله مرآة لها في الخارج، ولكن بما أن‏الغرض من احضار المعنى الحرفي في الذهن ليس هو احضار مفهوم النسبة فيه كماهو الحال في المعنى الاسمي، بل إحضار واقع النسبة فيه التي تترتب عليهاخصائصها وآثارها التكوينية، وهي الالتصاق والارتباط واقعاً بين المفاهيم‏الاسمية المتباينة، فمن الواضح أنه لا يمكن إيجاد ذلك باحضار النسبة في الذهن‏بالحمل الأولي، لأنها مفهوم اسمي مستقل في مقابل مفهومين اسميين آخرين فيه،فلا يعقل أن يكون رابطاً بينهما، فإذا قيل »الصلاة في المسجد« يواجه ذهن‏السامع ابتداء نوعين من المفاهيم:
أحدهما مفهوم مستقل، وهو مفهوم الصلاة ومفهوم المسجد، والآخر مفهوم‏غير مستقل ذاتاً وحقيقة، وهو صورة العلاقة بين صورة الصلاة وصورة المسجدفيه، وهذا أمر وجداني، وأما كون هذه العلاقة القائمة بينهما علاقة حقيقيةبالحمل الشائع بكل خصائصها الذاتية، لا أنها مجرد مفهوم بالحمل الاُولى فهوثابت بالبرهان، وذلك لأن هذه العلاقة التي يعبّر عنها بالنسبة لو كانت مجردمفهوم لم يكن هناك التصاق وارتباط بين مفهومي الصلاة والمسجد، بل الموجودفي الذهن حينئذ ثلاثة مفاهيم مستقلة من دون أن يرتبط بعضها ببعضها الآخر،وهذا خلاف الوجدان، لأن ذهن السامع عند اطلاق هذه الجملة يواجه‏بالوجدان مفهومي الصلاة والمسجد المرتبط أحدهما بالآخر فيه، ومعنى هذا أن‏العلاقة بينهما علاقة حقيقية وبالحمل الشائع بتمام خصائصها التكوينية، ومن هنايكون المتبادر من حرف »من« في مثل قولنا »سر من البصرة إلى الكوفة« غيرما هو المتبادر من كلمة »ابتداء«، فإن المتبادر من الأول واقع النسبة والعلاقةبين المبتدأ به والمبتدأ منه، بينما المتبادر من الثاني هو مفهوم الإبتداء بالحمل‏الأولي، وكذلك الحال في حرف »في« وكلمة »ظرفية« وهكذا.
ونتيجة ذلك أن المعنى الحرفي يخطر في الذهن مباشرة لا بواسطة مفهوم‏النسبة، بل يتبع المفهوم الاسمي، وهو وجود شخص طرفيه في الذهن، لأن‏حضوره فيه بنفس حضور طرفيه فيه، فالحرف يحكي عن معناه في الذهن بتبع‏حكاية طرفيه عن معناهما فيه، وأما حكاية المفهوم الحرفي في الذهن عنه في‏الخارج، فتكون من قبيل حكاية المماثل عن المماثل، لا من قبيل الحكاية عن‏فرده ومصداقه في الخارج، كما هو الحال في المفهوم الاسمي.
ومنشأ هذا الفرق هو ما عرفت من أن للمفهوم الاسمي تقرراً ماهوياً ذاتياً في‏المرتبة السابقة على عالم الوجود دون المفهوم الحرفي، فإنه في طول عالم الوجودوليس له تقرّر ماهوي مسبقاً.
فالنتيجة أن المعنى الحرفي يحضر في الذهن بنفسه يتبع حضور شخص طرفيه‏فيه، لا بمفهومه اللحاظي، فإنه مفهوم اسمي وليس بحرفي، وهذا بخلاف احضارالمعنى الاسمي في الذهن، فإن احضاره بخصائصه التكوينية فيه غير معقول، فلامحالة يكون الغرض من احضاره فيه انما هو جعله عنواناً ومرآةً لما في الخارج‏بداعي اصدار الحكم عليه، ومن هنا يكون المعنى الحرفي ثابتاً بنفس حقيقته في‏الذهن، وهو النسبة بالحمل الشائع بتمام خصائصها الذاتية، كالارتباطوالالتصاق بين المفاهيم الاسمية بعضها ببعضها الآخر حقيقة وواقعاً بالنظرالتصوري والتصديقي، فلهذا يكون الذهن ظرفاً لنفسه لا لوجوده اللحاظي،بينماالمعنى الاسمي ثابت في الذهن بوجوده اللحاظي لا بوجوده الواقعي بماله‏من‏الخصائص التكوينية.
وإن شئت قلت، إن المفهوم الاسمي كمفهوم الانسان فتارة ينظر إليه بما هوموجود في الذهن، واُخرى ينظر إلى ذات المفهوم بقطع النظر عن وجوده في‏الذهن، فعلى الأول فهو جزئي ذهني حقيقي، فلايمكن انطباقه على ما في الخارج،وعلى الثاني، فهو كلي قابل للانطباق عليه انطباق الطبيعي على فرده.
وهذا بخلاف المفهوم الحرفي، فإنه لا يمكن أن ينظر إليه تارةً بما هو موجود في‏الذهن، واُخرى إلى ذاته بقطع النظر عن وجوده في الذهن، لما تقدم من أن‏المفهوم الحرفي كالنسبة متقوم بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيه في الذهن،فلا ذات له بقطع النظر عن وجوده كما عرفت، لكي ينظر إليها بالنظر التصوري‏الفاني في الخارج، فلذلك يكون جزئياً حقيقياً في الذهن بنفس جزئية طرفيه فيه‏بالنظر التصوري والتصديقي، وتكون نسبته إلى الخارج نسبة المماثل إلى المماثل‏لا نسبة الطبيعي إلى فرده، وأما النظر إلى الطرفين فإن كان بقطع النظر عن‏وجودهما في الذهن فهو آلي وفان في الخارج، وتكون نسبتهما إليه نسبة الكلي‏إلى فرده، فلا يكونا بهذا النظر من مقومات المعنى الحرفي الذاتية، وإن كان بما هماموجودان في الذهن فكانا من مقوماته الذاتية فيه، ولكن نسبتهما عندئذ إلى‏الخارج نسبة المماثل إلى المماثل، على أساس أن نسبة الوجود الذهني إلى الوجودالخارجي نسبة المماثل إلى المماثل، وعلى هذا فالنسبة الذهنية بمالها من المقومات‏الذاتية لها وهي شخص وجود طرفيها في الذهن، مماثلة للنسبة الخارجية بمالهامن المقومات الذاتية لها، وهي شخص وجود طرفيها في الخارج.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وعاء المعنى الحرفي عالم‏الذهن، والحرف يدلّ على ثبوته فيه متقوماً بالغير ذاتاً، ومن هنا يظهران إيجاديةالمعنى الحرفي بالتفسير الأول والثاني لا أساس له، وأما إيجاديته بالتفسيرالثالث، فإنما هي على أساس عدم تقرره الماهوي الذاتي بقطع النظر عن وجوده‏الذهني أو الخارجي، فلذلك يكون في طول عالم الوجود، وعلى هذا فيكون‏معناه سنخ معنى إيجادي، يعني يوجد في الذهن من دون تقرره الماهوي بقطع‏النظر عن وجوده فيه في مقابل المعنى الاسمي، فإنه اخطاري على أساس أنه‏متقرر ماهوياً في المرتبة السابقة على عالم الوجود، ولكن مع هذا لا مانع من‏اطلاق الاخطاري عليه أيضاً، على أساس أن الحرف كالاسم منبه شرطي‏بالنسبة إلى معناه بسبب الوضع، فلا فرق بينهما من هذه الناحية.
وقد تحصل من ذلك أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن الحروف توضع‏للنسب الكلامية، وتدل على إيجادها في ظرف الاستعمال، والكلام لا يرجع‏إلى‏معنى محصل.
هذا إضافة إلى أن موطن النسبة الكلامية إما الذهن أو الخارج لا الكلام‏واللفظ.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من الأركان الأربعة لإيجادية معاني الحروف‏لايتم شي‏ء منها.
أما الركن الأول فهو مبني على أن التقابل بين الايجادية والإخطارية من‏تقابل التضاد، فنفي الاُولى يستلزم ثبوت الثانية، وعلى هذا فإذا لم يكن المعنى‏الحرفي إيجادياً فهو اخطاري، وحيث إنه ليس باخطاري فهو إيجادي لا محالة.
وفيه: ما عرفت من أن المعنى الحرفي كالمعنى الاسمي اخطاري، وإن الحرف‏كالاسم منبه شرطي لاخطار معناه والدلالة عليه، هذا إضافة إلى أن عدم كونه‏اخطارياً بمعنى عدم تقرره الماهوي بقطع النظر عن وجوده لا يستلزم كونه‏إيجادياً بمعنى أنه لا وعاء له إلاّ عالم الكلام واللفظ.
وأمّا الركن الثاني فهو مبني على أن لا يكون للمعاني الحرفية وعاء وموطن‏غير التراكيب الكلامية.
ولكن قد مرّ أن لها وعاءً وموطناً، وهو عالم الذهن كان هناك كلام أم لا.
وأما الركن الثالث فهو في مقام الفرق بين الايجاد في الإنشاء والإيجاد في‏الحروف، وهو أن وعاء الأول عالم الاعتبار، ووعاء الثاني عالم اللفظ والكلام.
ولكن قد عرفت مما ذكرناه أن وعاء المعنى الحرفي ليس هو عالم اللفظوالكلام، بل هو عالم الذهن كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا.
وأما الركن الرابع وهو أن حال المعاني الحرفية حال الألفاظ حين استعمالها،فكما أن النظر إليها آلي فكذلك إلى المعاني الحرفية، وجعل هذا الركن هوالأساس لجميع الأركان، وبانهدامه تنهدم الجميع، بلحاظ أن ملاك إيجاديةالمعنى الحرفي آليته وتعلقه بالغير ذاتاً وحقيقة، ومن هنا لا يوجد وحده وإنمايوجد في ضمن تركيب كلامي.
فيرد عليه أولاً: أن قياس المعاني الحرفية بالألفاظ قياس مع الفارق لأن‏لحاظ المعاني الحرفية آلياً انما هو بملاك أنها عين التعلقات والارتباطات بالمعاني‏الاسمية، فلا ذات لها إلا متعلقاتها، واما لحاظ الألفاظ آلياً فإنما هو بملاك أنهاوسيلة وأداة لتفهيم المعاني، لا أنها بنفسها تعلقات وارتباطات بالغير ذاتاً.
وثانياً: مامرّ من أن آلية المعنى الحرفي وعدم استقلاليته بالذات لا تستلزم‏كونه إيجادياً بمعنى أنه لا وعاء له غير عالم اللفظ والكلام.
إلى هنا قد تبين أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من الأركان الأربعة لإيجاديةالمعاني الحرفية لا يتم شي‏ء منها. هذا،
وقد ناقش المحقق العراقي‏قدس سره في إيجادية معاني الحروف بعدّة وجوه:
الأول: أن الهيئة التي تعرض على المادة متأخرة بالطبع عن المادة تأخرالعارض عن المعروض، والمادة متأخرة كذلك عن مدلولها الاسمي تأخر الدال‏عن المدلول، وحينئذ فلو كانت الهيئة موجدة لمعناها في المعنى الاسمي لكان‏معناها متأخراً عن الهيئة تأخر المعلول عن العلة، ونتيجة ذلك تأخر مدلول‏الهيئة عن مدلول المادة بثلاث رتب، لأن الهيئة متأخرة عن مدلول المادةبرتبتين، ومدلولها متأخر عنها برتبة، مع أن مدلول الهيئة قيد لمدلول المادةوالقيد مقوم للمقيد، فيكون في مرتبته ولا يعقل أن يكون متأخراً عنه رتبةً،وإلالزم كون المتأخر مقوماً للمتقدم، فمن أجل ذلك لا يمكن أن يكون المعنى‏الحرفي إيجادياً(23).
ويرد عليه أولاً: أن تقديم شي‏ء على آخر رتبة إذا كانا متقارنين زماناً بحاجةإلى ملاك مبرر له، إذ لا يمكن أن يكون ذلك جزافاً، وعلى هذا الأساس فتقديم‏المادة على الهيئة إنما هو بملاك تقديم المعروض على العارض والموضوع على‏الحكم، وتقديم مدلول المادة عليها إنما هو بملاك تقديم المدلول طبعاً على الدال،وتأخر مدلول الهيئة عنها، فإنما هو بملاك أنه معلول لها، وأما تأخره رتبة عن‏المادة ومدلولها، فهو بلا مبرر بعد ما كان مقارناً لهما زماناً.
ومن هنا تكون العلة متقدمة على المعلول رتبة بملاك حق العلية، والشرطمتقدم على المشروط قضاءً لحق الشرطية، والمانع متقدم على الممنوع قضاء لحق‏المانعية وهكذا، واما عدم العلة الذي هو في مرتبتها فلا يكون متقدماً على‏المعلول رتبة، كما أن العلة لا تكون متقدمة على عدم المعلول كذلك، ولهذا لاقيمة لقياس المساواة في باب الرتب.
ومن ذلك يظهر أن تأخر الهيئة عن مدلول المادة برتبتين بلامبرر، فإنهامتأخرة عن المادة تأخر العارض عن المعروض، وأما تأخرها عن مدلولها فهوبلا موجب، فإذن لا يكون مدلول الهيئة متأخراً عن مدلول المادة رتبة، بل هوفي مرتبته لعدم الملاك للتقدم، فإذن لا مانع من كونه قيداً مقوماً له.
ثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن مدلول الهيئة متأخر عن مدلول المادةبثلاث رتب، إلا أن هذا التأخر إنما هو عن ذات المدلول لا عن وصف كونه‏مقيداً، لأن هذا الوصف إنما جاء من قبل القيد فكيف يكون مقدماً عليه، بل‏الأمر بالعكس، فإنه متأخر عن القيد رتبةً تأخر المعلول عن العلة، لوضوح أن‏اتصاف مدلول المادة بوصف كونه مقيداً معلول لهذا القيد، وإلا فلا مبررلاتصافه بهذا الوصف.
وثالثاً: قد تقدم أن مقصود المحقق النائيني‏قدس سره من إيجادية المعنى الحرفي ليس‏إيجاديته بهذا المعنى، بل بمعنى أنه لا وعاء له غير عالم اللفظ والكلام، إذ الايجاديةبمعنى أن الحروف علة لإيجاد معانيها غير معقولة كما سبق.
الوجه الثاني: أن لكل قضية مدلولاً بالذات ومدلولاً بالعرض، ويرادبالأول المدلول الذهني وبالثاني المدلول الخارجي، باعتبار أن القضية تحكي عن‏الأول في الذهن مباشرة وعن الثاني بواسطة الأول، فلذلك سمي الأول بالمدلول‏بالذات والثاني بالمدلول بالعرض، نظير المعلوم بالذات والمعلوم بالعرض،وحيث إن المدلول بالذات في كل قضية يكون فانياً في المدلول بالعرض وحاكياًعنه فحينئذ لو كان المعنى الحرفي إيجادياً في مرحلة الاستعمال ولا وعاء له إلاوعاء الاستعمال والكلام، لزم أن لا يكون للحروف مدلول بالعرض، ولا تكون‏القضية الذهنية عندئذ مطابقة للقضية الخارجية، فإذن تظل القضية في مرحلةالمدلول بالعرض ناقصة، بمعنى أنه ليس لها مدلول بالعرض لكي يكون محكياً بهابمدلولها بالذات وبالتالي انحصار القضية بالقضية الذهنية وعدم وجود قضيةواقعية محكية بها(24).
والجواب: أن القول بالايجادية لا يستلزم هذا المحذور، فإن المدلول بالعرض‏للحرف هو النسبة الخارجية بين جزئي الكلام في الخارج، سواء أكان مدلوله‏بالذات إيجادياً أم كان اخطارياً، ولا فرق بين القولين في المسألة من هذه‏الناحية، غاية الأمر أن حكاية المدلول بالذات للحرف عن المدلول بالعرض له‏تختلف عن حكاية المدلول بالذات للاسم عن مدلوله بالعرض، فإن مدلول‏الحرف حيث ليس له تقرر ماهوي بقطع النظر عن وجوده في الذهن أو الخارج‏فيكون من سنخ المعنى الإيجادي لا من سنخ المفهوم، فلذلك لا تكون حكايةمدلوله بالذات الذهني عن مدلوله بالعرض بنحو المرآتية والفنائية، بل بنحوحكاية المماثل عن المماثل، لأن كل نسبة مباينة للنسبة الاُخرى ذهنية كانت أم‏خارجية بذاتها وذاتياتها، إذ ذاتيات كل نسبة إنما هي شخص وجود طرفيها،ولهذا لا يتصور الجامع الذاتي بين أنحاء النسب وأفرادها.
وعلى هذا فالنسبة الذهنية مباينة للنسبة الخارجية ومماثلة لها، لا أنها فانيةفيها ومرآة لها، وهذا بخلاف مدلول الاسم، فإنه لما كان متقرراً ذاتاً وما هوياً في‏المرتبة السابقة بقطع النظر عن وجوده الذهني أوالخارجي كان من سنخ المعنى‏والمفهوم الذي يطرأ عليه الوجود في الذهن تارةً وفي الخارج اُخرى،فلذلك‏يكون مدلوله بالذات مرآة لمدلوله بالعرض في الخارج وفانياً فيه،فتكون حكايته عنه بنحو الفناء والمرآتية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مدلوله‏كلياً أو جزئياً.
فالنتيجة أن للحرف مدلولاً بالذات ومدلولاً بالعرض من دون فرق بين أن‏يكون مدلوله بالذات إيجادياً أو اخطارياً.
الوجه الثالث: أن مدلول الحرف في قول الآمر »سر من النجف إلى بغداد« أو»من الكوفة إلى البصرة« بناءً على كونه إيجادياً، يكون في مرتبة إيجاد الطلب‏وإنشائه، لأن الآمر بقوله »سر« كما أنشأ الطلب وأوجده كذلك بقوله »من‏النجف إلى بغداد« أوجد معنى حرف »من« فيكون في مرتبة الطلب، وعليه‏فبطبيعة الحال يتأخر عن المطلوب رتبة كما يتأخر عنه الطلب كذلك، مع أن‏المعنى الحرفي من قيود المطلوب، فيكون متقدماً على الطلب رتبة كتقدم المطلوب‏عليه كذلك(25).
ويرد عليه أولاً: أن ذلك لا يقتضي كون إيجاد المعنى الحرفي في مرتبة إيجادالطلب، فإن المعنى الحرفي بملاك كونه قيداً للمطلوب يكون في مرتبته، وعليه فلايلزم أن يكون المتأخر قيداً للمتقدم ومقوماً له.
وثانياً: لو سلمنا أن المعنى الحرفي يوجد في مرتبة إيجاد الطلب، فمع هذا لايستلزم ذلك تأخره عن المطلوب رتبة كالطلب، لعدم الملاك المبرر له، فإن تأخرالطلب عن المطلوب انما هو بملاك تأخر الحكم عن متعلقة، والمفروض عدم‏وجود مثل هذا الملاك بالنسبة إلى المعنى الحرفي، فإذن لا يلزم المحذور المذكورمن كونه قيداً للمطلوب.
وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً، وتسليم أن المعنى الحرفي متأخر عن‏المطلوب رتبة إلاّ أن تأخره انما هو عن ذات المطلوب لا عن وصف مطلوبيّته،والمفروض أنه مطلوب مع هذا القيد لا في المرتبة السابقة عليه.
ورابعاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً إلا أنه لما كان مقارناً له زماناً وإن كان‏متأخراً عنه رتبة فلا مانع من تقييده به، ولا أثر لتأخره عنه رتبة، إذ يكفي في‏تقييده به كونه مقارناً له زماناً باعتبار أن الأحكام الشرعية مجعولة للموجودات‏الزمانية دون الرتب العقلية، فالأثر أنما هو مترتب على السبق واللحوق‏الزمانيين ولا أثر للسبق واللحوق الرتبيين.
وخامساً: أن ما هو من قيود المطلوب هو الربط الحقيقي دون الربط الكلامي،فلو كان المعنى الحرفي إيجادياً، وكان وعاؤه عالم اللفظ والكلام، فهو لا يصلح أن‏يكون قيداً للمطلوب، فإذن صحة مثل هذا المثال تدل على أن المعنى الحرفي‏ليس إيجادياً بهذا المعنى.
الوجه الرابع: أن إيجادية معاني الحروف تقوم على أساس امكان وجودالماهية المهملة في الذهن خالية عن الاطلاق والتقييد لكي يمكن إيجاد التقييدبالحروف فيها، مع أن وجود الماهية في الذهن أو الخارج كذلك مستحيل، بداهةأن المقسم لا يعقل أن يوجد فيه إلاّ في ضمن أحد أقسامه، وحينئذ فإن وجد في‏ضمن الماهية بشرط شي‏ء أو بشرط لا، فالتقييد ثابت في مرحلة سابقة على‏الكلام ويستحيل إيجاده فيه بالحرف، فان إيجاد نفس التقييد الأول به تحصيل‏الحاصل، وأما إيجاد تقييد آخر فيها وإن كان ممكناً بالحرف ولكن عندئذ ما هوالدال على التقييد الأول، فإن لم يكن الدال عليه الحرف فمعناه امكان التقييدبغيره، وعلى هذا فبإمكاننا الإستغناء عن الحرف نهائياً، وهذا خلاف الضرورةوالوجدان، إذ دخل الحرف في تكوين الجملة لفظاً ومعنىً أمر وجداني، وإن‏وجد في ضمن الماهية لا بشرط في مرحلة سابقة على الكلام، استحال إيجادالتقييد فيها في الكلام إلا بإزالة صورتها، وهي صورة الماهية لا بشرط القسمي‏واستبدالها بصورة اُخرى قابلة للإطلاق والتقييد، وهي الماهية المهملة، فيعودالمحذور حينئذ(26).
والجواب: أن الماهية المهملة وإن لم توجد في الذهن إلاّ في ضمن أحدأقسامها الثلاثة، إلاّ أن تقييدها بالوجود أو العدم بالحرف إنما هو من الأول،بمعنى أنها توجد مقيدة بقيد وجودي أو عدمي، لا أنها تقيدت به بعد وجودهالكي يقال أن وجودها من دون وجود أحد أقسامها مستحيل، ولا فرق في ذلك‏بين أن يكون المعنى الحرفي إيجادياً أو اخطارياً، فعلى الأول يوجد التقييدبالاستعمال فلا وعاء له دونه، وعلى الثاني فهو ثابت قبل الاستعمال.
وأما الماهية لا بشرط القسمي التي هي ماهية مطلقة، فلا مانع من تقييدهابعد وجودها في الذهن بقيد متصل أو منفصل بحرف أو بمفاد الهيئة، بناء على ماهو الصحيح من أن الاطلاق أمر عدمي وعبارة عن عدم التقييد، وهو لا يمنع عن‏التقييد، نعم الاطلاق بمعنى لحاظ عدم التقييد ينافي التقييد ولا يعقل طروه عليه،إلا بتبديل شخص هذا اللحاظ، أي لحاظ عدم التقييد، وعلى هذا فرق بين أن‏يكون التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد أو من تقابل الإيجاب‏والسلب كما قويناه، فعلى الأول ينافي التقييد دون الثاني.
إلى هنا قد تبين أن ما أورده المحقق العراقي‏قدس سره من الإشكالات على ما اختاره‏المحقق النائيني‏قدس سره من إيجادية المعنى الحرفي لا يتم شي‏ء منها، فالصحيح هو ماتقدم آنفاً من أن إيجادية معاني الحروف باطلة بالتفسير الأول والثاني، نعم لابأس بالالتزام بها على التفسير الثالث، وهذا التفسير مبني على الفرق بينها وبين‏معاني الأسماء وينسجم مع الإخطارية أيضاً، ولكن هذ التفسير لا يظهر من كلام‏المحقق النائيني‏قدس سره، فإن الظاهر منه هو التفسير الثاني.
القول الثاني: ما اختاره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن الحروف والأدوات‏موضوعه بإزاء النسب والروابط(27)، وقد أفاد في وجه ذلك ما يرجع إلى‏ثلاث‏نقاط:
الاُولى: أن الحروف موضوعة لأنحاء النسب والروابط بالحمل الشائع لابالحمل الأولي، فإن ما هو نسبة بهذا الحمل انما هو مفهوم النسبة الذي هو مفهوم‏اسمي مستقل ولم يوضع الحرف بإزائه، والموضوع بإزائه انما هو لفظ النسبةوالربط، وتكون نسبة هذا المفهوم إلى ما هو نسبة وربط بالحمل الشائع نسبةالعنوان إلى المعنون لا الطبيعي إلى فرده، لأن الطبيعي عين فرده في الذهن‏والخارج، بينما العنوان لا يتعدى عن أفق الذهن إلى الخارج ومغاير للمعنون ذاتاًووجوداً، ومن هنا يكون مفهوم النسبة نسبة بالحمل الأولي ولا يكون نسبةبالحمل الشائع، نظير مفهوم العدم وشريك الباري )عزو جل( واجتماع‏النقيضين، وغير ذلك، فإن نسبة هذه المفاهيم إلى واقعها نسبة العنوان إلى المعنون‏لا الطبيعي إلى أفراده، لأن تلك المفاهيم لا تتعدى عن عالم الذهن إلى عالم‏الخارج، ومن أجل ذلك لا يصح حملها على واقعها بالحمل الشائع الصناعي،فإن مفهوم العدم، عدم بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع، فإنه موجود في الذهن،ومفهوم شريك الباري، شريك الباري بالحمل الأولي لا بالحمل الشائع، لأنه‏موجود في عالم الذهن، وكذا مفهوم اجتماع النقيضيين، وما نحن فيه من هذاالقبيل، فإن مفهوم النسبة، نسبة بالحمل الأولي وليس بنسبة بالحمل الشائع،لأن ما كان بهذا الحمل نسبة وربط معنون هذا العنوان وواقعه، ومن هنا كان‏المتبادر من لفظ الربط والنسبة واقع الربط لا مفهومه.
الثانية: أن النسب والروابط موجودات لا في أنفسها، ومتقومات بغيرها ذاتاًوحقيقة لا بوجوداتها، إذ إنها ليست بذوات لها وجودات، بل ذاتها عين الربطوالنسبة لا ذات لها الربط، ومن هنا لا ماهية لها ولا تقع في جواب ما هو، فإن‏الواقع في جواب ما هو ما كان له ماهية تامة، والوجود الرابط سنخ وجودلاماهية له، ولهذا لا يدخل تحت شي‏ء من المقولات، بل كان وجوده أضعف‏جميع مراتب الوجود.
الثالثة: أنه لا فرق في ذلك بين كونه النسبة بمفاد هل المركبة أو هل البسيطةأومن النسبة المقومة للأعراض النسبية ككون الشي‏ء في زمان أو مكان أو نحوذلك، هذا.
وقد علق السيد الاُستاذقدس سره على هذا القول بمجموعة من التعليقات:
الاُولى: أن الوجود في الخارج على ثلاثة أنواع:
الأول: وجود الواجب تعالى شأنه، فإن وجوده في نفسه ولنفسه وبنفسه،يعني أنه قائم بذاته وليس بمعلول لغيره، فإن الكائنات التي يتشكل منها العوالم‏بكل مراتبها ودرجاتها بشتى أنواعها وأشكالها معلولة لوجوده تعالى وتقدس،فإنه مبدأ الكل وسبب أعمق وإليه تنتهي كافة سلسلة العلل والمعلولات بطولهاوعرضها وبشتى أشكالها وأنحائها.
الثاني: وجود الجوهر، وهو وجود في نفسه ولنفسه ولكن بغيره، يعني أنه‏قائم بنفسه ومعلول لغيره.
الثالث: وجود العرض، وهو وجود في نفسه ولغيره، يعني أنه غير قائم‏بذاته، بل متقوم بموضوع محقق في الخارج وصفة له، فإن وجوده في نفسه‏عين‏وجوده لموضوعه.
ثم قال‏قدس سره إنه لا دليل على وجود الوجود الرابط في الخارج في مقابل وجودالجوهر والعرض حتى يكون الحرف موضوعاً بإزائه.
وأما ما ذكره‏قدس سره - من أنا قد نعلم بوجود زيد وبوجود علم ونشك في ثبوته‏له، وبوجود صلاة وبوجود مكان ونشك في وقوعها فيه، وهكذا، وحيث إنه لايمكن اجتماع صفتي اليقين والشك بشي‏ء في آن واحد لتضادهما، فلا محالة يكون‏المشكوك غير المتيقن، وعليه فبطبيعة الحال يكون المشكوك أمراً ثالثاً وهوالوجود الرابط، على أساس أن وجودي الجوهر والعرض معلومان، فمن أجل‏ذلك لا يمكن انكاره - فلا يتم.
وذلك لأن صفتي اليقين والشك وإن كانتا من الصفات المتضادّة، فلا يمكن أن‏تتعلقا بشي‏ء في آن واحد من جهة واحدة إلاّ أن تحققهما في الذهن لا يكشف عن‏تعدد متعلقهما في الخارج، فإن الطبيعي عين فرده في الخارج ومع ذلك يمكن أن‏يكون أحدهما متعلقاً لصفة اليقين والآخر متعلقاً لصفة الشك، كما إذا علم‏بوجود إنسان في الدار، ولكن شك في أنه زيد أو عمرو، فلا يكشف تضادهماعن تعدد متعلقهما في الخارج، فإنهما موجودان بوجود واحد فيه، وذلك‏الوجودالواحد من جهة انتسابه إلى الطبيعي متعلق لليقين، ومن جهة انتسابه‏إلى الفرد متعلق للشك.
وما نحن فيه من هذا القبيل فإن اليقين متعلق بثبوت طبيعي العرض للجوهر،والشك متعلق بثبوت حصة خاصة منه له، فليس هنا وجودان في الخارج،أحدهما متعلق لليقين والآخر للشك، بل وجود واحد منه حقيقة مشكوك فيه‏من جهة ومتيقن من جهة اُخرى، فتضاد صفتي اليقين والشك انما يقتضي تعددمتعلقهما في أفق الذهن، ولا يمكن تعلقهما فيه بشي‏ء في آن واحد، ولا يقتضي‏تعددهما في الخارج.
الثانية: على تقدير تسليم أن للنسبة والربط وجوداً في الخارج في مقابل‏وجود الجوهر والعرض إلا أن الحروف لم توضع بإزائها، لما تقدم في مسألةالوضع من أن الألفاظ موضوعة لذوات المفاهيم والماهيات بقطع النظر عن‏وجوداتها في الذهن أو الخارج، لا للموجوات الخارجية ولا الذهنية، فإن‏الاُولى غير قابلة للإحضار في الذهن، وإلا فلا تكون بخارجية، والثانية غيرقابلة للإحضار ثانياً، فإن الموجود الذهني لا يقبل وجوداً ذهنياً آخر،والمفروض أن الغرض من الوضع التفهيم والتفهم، وهو لا يجتمع مع الوضع‏للوجود الذهني أو الخارجي.
والخلاصة: أن اللفظ موضوع للمعنى سواء أكان موجوداً في الخارج أم‏معدوماً فيه ممكناً كان أو ممتنعاً، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون الحروف‏والأدوات موضوعة لأنحاء النسب والروابط باعتبار أنها سنخ وجود لا ماهيةلها فلا تكون قابلة للإحضار في الذهن.
الثالثة: مع الإغماض عن ذلك أيضاً، وتسليم أنه لا مانع من وضع اللفظللموجود الخارجي، إلاّ أنا نقطع بأن الحروف لم توضع بإزاء النسب والروابطالخارجية وإلا لم يصح استعمالها في الموارد التي يستحيل تحقق النسبة الخارجيةفيها، مع أنه لا شبهة في صحة استعمالها في تلك الموارد، فلا فرق بين قولناالوجود للإنسان ممكن وهو للَّه تعالى ضروري، وهو لشريك الباري مستحيل،فإن حرف اللام في جميع ذلك تستعمل في معنى واحد، وهو تحصص مدخولهابخصوصية ما في عالم المفهوم على نسق واحد بلا عناية في شي‏ء منها، ولا لحاظأي نسبة في الخارج حتى بمفاد كان التامة، فإنها انما تتصور بين الماهيةووجودها، ولا تتصور بين ذاته تعالى وجوده وصفاته الذاتية، ولا في‏الإنتزاعيات والاعتبارات.(28) هذا،
ولكن لنا نظر على جميع هذه التعليقات.
أما التعليق الأول فلأنه إن اُريد بالوجود الرابط وجود ثالث في الخارج في‏مقابل وجود الجوهر والعرض فإنكاره في محله، لوضوح أنه ليس في عالم العين‏وجود ثالث في مقابل وجودهما، وإن اُريد به ثبوت علاقة واقعية في الخارج‏وراء واقعية الجوهر والعرض المنتسبين فإنكاره في غير محله، إذ النسبة بين‏المنتسبين في الخارج حقيقة واقعية غير قابلة للانكار، ففي مثل قولنا »الصلاة في‏المسجد« و»الماء في الاناء« وهكذا، لا شبهة في ثبوت النسبة بالحمل الشائع بين‏المنتسبين، هما الصلاة والمسجد في المثال الأول، والماء والاناء في المثال الثاني،وهذه النسبة ذهنية إذا كان طرفاها في الذهن، وخارجية إذا كان طرفاها في‏الخارج، لما تقدم من أن النسبة متقومة ذاتاً بشخص وجود طرفيها، وحيث أن‏شخص وجود طرفيها في الذهن مباين لشخص وجود طرفيها في الخارج‏فالنسبة في الأول مباينة للنسبة في الثاني، على أساس أن المقومات الذاتيةللاُولى مباينة للمقومات الذاتية للثانية، وعلى هذا الأساس فكل نسبة تختلف‏عن النسبة الاُخرى في المقومات الذاتية لها، فالنسبة الذهنية تختلف في المقومات‏الذاتية عن النسبة الخارجية، والنسبة في ذهن المتكلم تختلف عن النسبة في‏ذهن‏السامع وهكذا.
والظاهر أن مراد المحقق الأصبهاني من الوجود الرابط هذه النسبة، بل لاشبهة في ذلك حيث إنه‏قدس سره قد صرّح في غير مورد بأن النسبة لا يعقل أن توجد في‏الخارج إلا بوجود رابط لا في نفسه، وانها في ذاتها متقومة بالمنتسبين لا في‏وجودها فقط، وانها لا توجد في الخارج إلاّ بتبع وجود المنتسبين من دون نفسيةواستقلال وهكذا، فإن كل ذلك قرينة قطعية على أن مراده‏قدس سره من الوجود الرابطالنسبة في الخارج.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من البرهان على الوجود الرابط زائداً على‏وجودي الجوهر والعرض تام، وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المثال بمفاد هل‏البسيطة وهو اليقين بوجود إنسان في الدار والشك في وجود زيد فيها، لا يكون‏دليلاً على عدم الوجود الرابط في الخارج بين العرض وموضوعه، فإن عدم‏تحققه في موارد هل البسيطة من جهة أن الموجود فيها واحد في الخارج، ولايعقل فيه الوجود الرابط.
فالنتيجة أنه لا شبهة في أن النسبة بالحمل الشائع بين المنتسبين في الخارج‏حقيقة واقعية ومندكة فيهما بذاتها، وهذا أمر وجداني وغير قابل للإنكار.
وأما التعليق الثاني فالظاهر أنه غير وارد.
أما أولاً: فلأنه لم يظهر من كلامه‏قدس سره في المقام أن الحروف موضوعة للنسب‏والروابط الخارجية، بل فيه قرائن تدل على أنها موضوعة لانحاء النسب‏والروابط الحقيقية بقطع النظر عن أحد الوجودين من الذهني والعيني.
القرينة الاُولى: مجموعة من أقواله في المقام.
منها: قوله »لا شبهة في أن النسبة لا يعقل أن توجد في الخارج إلاّ بوجودرابط لا في نفسه«، فإنه يدل بوضوح على أن النسبة هي المعنى الحرفي، ولكنها لاتوجد في الخارج إلاّ بوجود رابط، لا أن المعنى الحرفي هو الوجود الرابط.
ومنها: قوله‏قدس سره »أن حقيقة النسبة لا توجد في الخارج إلاّ بتبع وجودالمنتسبين من دون نفسية واستقلال أصلاً، ومتقومة في ذاتها بهما لا في وجودهافقط«، فإنه يدل على أن المعنى الحرفي، هو النسبة التي لا توجد في الخارج إلاّبتبع وجود المنتسبين فيه، لا أن المعنى الحرفي هو وجودها فيه.
ومنها: قوله‏قدس سره»وإذا كانت النسبة بذاتها وحقيقتها متقومة بالطرفين،فلامحالة يستحيل اختلافها باختلاف الوجودين«، فإنه ناصّ في أن الوجودالذهني والخارجي غير دخيلين في حقيقة النسبة التي هي معنى حرفي، وأنهالاتختلف باختلافهما.
ومنها: قوله‏قدس سره »وأما حقيقة المعنى الحرفي والمفهوم الأدوي، فهو ما كان‏في‏حد ذاته غير استقلالي بأي وجود فرض«، فإنه صريح في أن المعنى الموضوع‏له الحرف ليس هو الوجود الرابط في الخارج، بل هو حقيقة النسبة والربطبأي‏وجود فرض.
ومنها: قوله‏قدس سره »أن انحاء النسب الحقيقية في حد ذاتها مع قطع النظر عن أحدالوجودين من الذهن أو العين تعلقية، ولا يعقل انسلاخها عن هذا الشأن،والوجود ذهنياً كان أو عينياً مبرز لأحكامها ومظهر لأحوالها(29)»، وهذا صريح‏أيضاً في أن المعنى الحرفي ليس الوجود الرابط الخارج.
القرينة الثانية: أنه‏قدس سره قد صرح بأن النسبة التي هي معنى حرفي محفوظة في‏موارد هل البسيطة بقوله »ومنه ظهر أن الأمر كذلك في جميع أنحاء النسب، سواءكان بمعنى ثبوت شي‏ء لشي‏ء، كما في الوجود الرابط المختص بمفاد الهليّات‏المركبةالإيجابية، أو بمعنى كون هذا ذاك، الثابت حتى في مفاد الهلية البسيطة،وهو ثبوت الشي‏ء« مع وضوح أنه لا يتصور وجود رابط خارجي بين وجودالشي‏ء وماهيّته.
القرينة الثالثة: تشبيه المعنى الاسمي والحرفي بالوجود المحمولي والوجودالرابط بقوله »إن تنظير المعنى الاسمي والحرفي بالجوهر والعرض غير وجيه، فإن‏العرض موجود في نفسه لغيره، والصحيح تنظيرهما بالوجود المحمولي والوجودالرابط لا الرابطي«، فإنه يدل على أن المعنى الاسمي والحرفي في عالم المفاهيم‏كالوجود المحمولي والوجود الرابط في عالم الخارج، لا أن المعنى الحرفي هواالوجود الرابط، فالنتيجة أن هذا التعليق في غير محله.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن الحرف موضوع بإزاء الوجودالرابط في الخارج ولكن لا يرد عليه ما أورده السيد الاُستاذقدس سره - من أن اللفظ لم‏يوضع بإزاء الموجود الخارجي، لأنه غير قابل للإحضار في الذهن، وعلى هذافلا يمكن وضع الحرف للوجود الرابط في الخارج - وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من‏الفرق بين المعنى الاسمي والمعنى الحرفي.
وملخصه: أن للمعنى الاسمي تقرراً ماهوياً ذاتياً في المرتبة السابقة على‏وجوده الذهني أو الخارجي، بينما ليس للمعنى الحرفي تقرر ماهوي ذاتي كذلك،ويترتب على هذا أن المعنى الحرفي متقوم ذاتاً بشخص وجود طرفيه في الذهن أوالخارج، وأن شخص وجودهما من المقومات الذاتية له كالجنس والفصل‏للمعنى الاسمي، ومن هنا لا يتصور الجامع الذاتي بين أنحاء النسب والروابط،حيث إن المقومات الذاتية لكل نسبة تختلف ذاتاً عن المقومات الذاتية للنسبةالاُخرى، وحينئذ فمع الغائها فلا نسبة، ومع وجودها فلا جامع ذاتي بينهما،والجامع الذاتي بين الأفراد أنما يتصور فيما إذا كانت مشتركة في المقومات الذاتية،كأفراد الانسان مثلاً، بأن تكون تلك المقومات الذاتية محفوظة فيها مع الغاءخصوصياتها العرضية جميعاً، ويترتب على هذا الفرق أن الأسماء موضوعة بإزاءالمعاني بقطع‏النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج لا للمقيدة بالوجود الذهني‏أو الخارجي، فإن ذلك ينافي الغرض من‏الوضع، وهو التفهيم والتفهم منها كما مرّ.
وهذا بخلاف الحروف، فإنها لا تخلو إما أن تكون موضوعة لأنحاء النسب‏والروابط الذهنية أو الخارجية، إذ لا يعقل وضعها لها بقطع النظر عن ثبوتها في‏الذهن أو الخارج، لما مرّ من أنه ليس لها ماهيات متقررة في المرتبة السابقة على‏عالم الوجود لكي تكون الحروف موضوعة بإزائها، وعلى كلا التقديرين فليس‏الغرض من وضع الحروف لها احضارها في الذهن بالوجود اللحاظي التصوري‏كما هو الحال في الأسماء، فإن الملحوظ بهذا اللحاظ والمتصور به هو مفهوم النسبةلا واقعها، ومن هنا تختلف دلالة الحروف على معانيها عن دلالة الأسماء، فإن‏دلالة الأسماء، على معانيها أنما هي باحضارها في الذهن بالوجود اللحاظي‏التصوري، وأما دلالة الحروف على معانيها كالنسب والروابط فإنما هي على‏واقعها لا على مفهومها التصوري، فإنه مفهوم اسمي والدال عليه لفظ النسبةوالربط دون الحرف.
وأما التعليق الثالث فقد ظهر حاله مما تقدم، فإنه مبني على القول بوضع‏الحروف للنسب والروابط الخارجية، وقد عرفت أنه‏قدس سره لا يقول بذلك، وعلى‏تقدير القول به فلا يلزم ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المحذور كما مرّ.
فالنتيجة: في نهاية المطاف أن ما علّقه السيد الاُستاذقدس سره على ما اختاره المحقق‏الأصبهاني‏قدس سره لايتم.
ولكن مع هذا كان للنظر فيما اختاره‏قدس سره من المعنى الحرفي مجال.
بيان ذلك، أنه‏قدس سره إن أراد من وضع الحروف لأنحاء النسب والروابط وضعهالها في الخارج، فيرد عليه أولاً أنه خلاف ما يظهر من كلامه‏قدس سره في المقام، فإن‏الظاهر منه كما مرّ، انها لم توضع للنسب والروابط الخارجية.
وثانياً أن لازم ذلك أن لا يكون للحرف مدلول في موارد هل البسيطة، على‏أساس أنه لا تعقل النسبة الخارجية بين وجود الشي‏ء وماهيته ولا بين ذاته‏تعالى ووجوده ولا بينه وبين صفاته العليا الذاتية، مع أن استعمال الحروف في‏تلك الموارد كاستعمالها في موارد هل المركبة بدون أي عناية فيها، وهذا كاشف‏عن أنها لم توضع بإزاء النسب والروابط الخارجية.
وإن أرادقدس سره من ذلك وضعها للنسب والروابط الذهنية التي هي نسب وروابطبالحمل الشائع، فيرد عليه أن الظاهر منه‏قدس سره في المقام ان الحرف موضوع لذات‏النسبة التي هي بذاتها تعلقية بقطع النظر عن وجودها في الذهن أو الخارج، ولهذاقال »أن أنحاء النسب الحقيقية في حد ذاتها مع قطع النظر عن أحد الوجودين‏من الذهن أو العين تعلقية«، وقال في موضع آخر »أن المعنى الحرفي كأنحاءالنسب والروابط لا يوجد في الخارج إلا على نحو واحد وهو الوجود لا في‏نفسه« فإنه يدل على أن المعنى الحرفي ليس خصوص النسبة الذهنية، وإلاّفيستحيل وجودها في الخارج، لأن النسبة الذهنية مخالفة ذاتاً للنسبة الخارجيةعلى أساس أن اختلاف النسبة، إنما هو باختلاف