www.alfayadh.com

 

أدخل العبارة التي ترديها بدقة



بسم الله الرحمن الرحيم
 

...المباحث الاُصولية - ج 2

الحقيقة الشرعية

وضع هيئات الجمل‏

الحادي عشر: وضع هيئات الجمل‏
يقع الكلام هنا في عدة مقامات:
الأول: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الناقصة.
الثاني: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الخبرية التامة وبيان المائز بين‏مدلولها ومدلول الجملة الناقصة.
الثالث: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الانشائية.
أما الكلام في المقام الأول فلا فرق بين مدلول هيئات الجمل الناقصة ومدلول‏الحروف الداخلة عليها، وقد صرح بذلك جماعة من الاُصوليين منهم المحقق‏الأصبهاني‏قدس سره، حيث قال بأن الحروف أو ما يقوم مقامها من هيئات الجمل‏الناقصة موضوعة بإزاء انحاء النسب والروابط، فالمعنى الموضوع له لهيئات تلك‏الجمل بعينه هو المعنى الموضوع له الحروف، ومنهم السيد الاُستاذقدس سره، حيث قدصرح بأن الحروف أو ما يشبهها من الهيئات جميعاً موضوعة بإزاء التحصيصات‏والتضييقات، ومنهم بعض الأكابر، حيث قد صرح بأن الحروف المذكورة أو مايقوم مقامها من الهيئات الناقصة موضوعة بإزاء النسب التحليلية، وكذلك الحال‏بناءً على ما قويناه من أن الحروف المزبورة والهيئات الناقصة كهيئة الإضافةوالتوصيف ونحوهما موضوعة جميعاً بإزاء النسب الواقعية الذهنية على تفصيل‏تقدم، وتقدم تفصيل سائر الأقوال في المسألة بما لها من النقد والمناقشةأيضاً،فلاحظ.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو مفاد هيئة الجمل الخبرية التامة ففيه‏نظريتان رئيسيتان:
الاُولى: ما هو المعروف والمشهور بين الاُصوليين من أن الجمل الخبريةالتامة موضوعة بإزاء النسبة التامة التي يصح السكوت عليها في مقابل الجمل‏الناقصة أو الحروف الداخلة عليها.
الثانية: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أنها موضوعة لإبراز أمرٍ نفساني‏كقصد الحكاية، والاخبار عن الواقع نفياً واثباتاً.
وقد قام‏قدس سره بمجموعة من المحاولات لتفنيد نظرية المشهور واثبات مااختاره‏قدس سره من النظرية،
المحاولة الاُولى: أنه لا يمكن أن تكون الجمل الخبرية التامة موضوعةللدلالة على ثبوت النسبة الواقعية في الخارج وعدم ثبوتها فيه، لأنها لا تدل على‏ثبوتها ولو ظناً مع قطع النظر عن حال المخبر وعن القرائن الخارجية، مع أن‏دلالة اللفظ لا تنفك عن مدلوله الوضعي بقانون الوضع، وإلا فلا فائدة للوضع،فإذا فرضنا أن الجملة بما هي لا تدل على تحقق النسبة في الواقع ولا كاشفية لهاعنه أصلاً حتى ظنا، فما معنى كون الهيئة موضوعة له، نعم إنها وإن كانت عندالاطلاق تدل على ثبوت النسبة أو نفيها بالدلالة التصورية إلاّ أنه بهذه الدلالةليس مدلولاً للهيئة، فإن مدلولها مدلول تصديقي لا تصوري(1).
وللمناقشة في هذه المحاولة مجال لأنها مبنية على أن تكون الجملة موضوعةللدلالة على ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها منه، ولكن قد مرّ أنها لم توضع‏لذلك وإنما هي موضوعة بإزاء النسبة الواقعية الذهنية، وتدل الجملة عليهاجزماً بالدلالة التصورية التي هي دلالة وضعية دون الدلالة التصديقية، فإنهامستندة إلى ظهور حال المتكلم الملتفت لا إلى الجملة نفسها.
المحاولة الثانية: أن الجمل الخبرية التامة لو كانت موضوعة للنسبةالواقعية الخارجية فلازم ذلك أن لا يكون لها مدلول نهائياً في موارد هل‏البسيطة، حيث لا تعقل النسبة خارجاً بين وجود الشي‏ء وماهيته، ولاسيما بين‏ذاته تعالى ووجوده وصفاته العليا الذاتية كقولنا »اللَّه موجود« أو »قادر« أو»عالم« ولا في مثل قولنا »شريك الباري ممتنع« و»العنقاء ممكن« و»اجتماع‏النقيضين مستحيل« وهكذا، لأن ثبوت النسبة خارجاً فرع ثبوت المنتسبين‏فيه، ومع عدم ثبوتهما لا يعقل ثبوتها، وبالتالي لا يصح استعمال الجملة في هذه‏الموارد، لعدم معنى لها، مع أنه لا شبهة في صحة استعمالها فيها كاستعمالها في سائرالموارد ويكون على نحو واحد، وهذا يكشف عن أن مدلول الجملة لابد أن‏يكون معنى محفوظاً في الموارد المذكورة أيضاً، وهو ليس إلاّ ابراز الأمر النفساني‏كقصد الحكاية والاخبار عن الواقع نفياً أو اثباتاً(2).
والجواب: أن هذه المحاولة أيضاً مبنية على أن تكون الجملة موضوعة بإزاءالنسبة الخارجية، ولكن قد مرّ أنها لم توضع بإزائها، وإنما وضعت بإزاء النسبةالواقعية الذهنية، وهي ثابتة في جميع الموارد المذكورة بدون استثناء، فإذن‏لااشكال من هذه الناحية.
المحاولة الثالثة: أن حقيقة الوضع بناء على ما اخترناه عبارة عن التعهدوالالتزام النفساني، ومقتضاها تعهد كل متكلم أنه متى ما قصد تفهيم معنى‏خاص أن يتكلم بلفظ مخصوص، فاللفظ مفهم ودال على أن المتكلم أراد تفهيمه‏بقانون الوضع، ومن الواضح أن التعهد والالتزام لا يتعلقان إلا بالفعل‏الإختياري، إذ لا معنى للتعهد بالإضافة إلى أمر غير اختياري، وحيث إن ثبوت‏النسبة أو نفيها في الواقع خارج عن الإختيار، فلا تعقل تعلق التعهد به، فإذن لامناص من الالتزام بتعلقه بإبراز قصد الحكاية في الجملة الخبرية، وابراز أمراعتباري نفساني في الجملة الانشائية، حيث إنهما أمران اختياريان(3).
والجواب أولاً: أن هذا مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، وأما على‏مسلك المشهور فلا مانع من وضع الجملة بإزاء النسبة الواقعية أو نفيها، فإن‏الوضع على مسلك المشهور لا يتطلب أن يكون متعلقه فعلاً اختيارياً، سواءأكان بمعنى اعتبار الملازمة بين اللفظ والمعنى أم بمعنى جعل اللفظ للمعنى أو على‏المعنى في عالم الإعتبار أم كان بمعنى القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى، فإن متعلقه‏على جميع التقادير ذات المعنى دون الفعل الإختياري، ونتيجة ذلك هي انتقال‏الذهن من تصور اللفظ إلى تصور المعنى.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن حقيقة الوضع هي التعهد والالتزام‏النفساني، إلاّ أن مراد المشهور من وضع الجملة بإزاء النسبة ليس هو التعهدبثبوت النسبة في الواقع أو نفيها عنه لكي يقال إنه لا يعقل تعلق التعهدية باعتبارأنه خارج عن الإختيار، بل مرادهم منه التعهد، بأنه إذا نطق بالجملة الخبريةالتامة قصد اخطار ثبوت النسبة في ذهن السامع أو نفيها فيه تصوراً لا قصدالحكاية والاخبار عنه، وعليه فيكون المعنى الموضوع له هو قصد اخطار النسبةفي ذهن السامع لا قصد الحكاية عن ثبوتها في الواقع، وذلك لأن الوضع بمعنى‏التعهد لا يقتضي أن تكون الجملة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبارعن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن تكون‏موضوعة للدلالة على قصد إخطار ثبوت النسبة في ذهن السامع.
وبكلمة، إن الوضع لوكان بمعنى التعهد فبطبيعة الحال يكون مراد المشهور من‏وضع الجملة بإزاء النسبة هو التعهد بقصد اخطارها في ذهن السامع حين النطق‏بها، كما أن مراد السيد الاُستاذقدس سره من وضع الحروف أو ما يقوم مقامهاللتحصيصات والتضييقات للمفاهيم الاسمية التعهد بإرادة تفهيمها عند التكلم‏بها، وليس مراده وضعها بإزاء نفس التحصيصات والتضييقات، لإستحالة تعلق‏التعهد والالتزام بها، باعتبار خروجها عن الإختيار كما هو الحال في الألفاظالمفردة، فإنه‏قدس سره يقول بأن لفظ الماء موضوع للجسم السيال ولفظ النار موضوع‏للجسم المحرق وهكذا، مع أنه لا معنى للتعهد بثبوت الجسم السيال أو المحرق في‏الواقع، لأنه خارج عن الإختيار، فإذن لا محالة يكون مراده من ذلك التعهد،بأنه إذا قصد تفهيم الجسم السيال ينطق بلفظ الماء، وإذا قصد تفهيم الجسم المحرق‏ينطق بلفظ النار وهكذا.
فالنتيجة أن الالتزام بكون حقيقة الوضع التعهد والتباني لا يقتضي وضع‏الجملة الخبرية للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيهافيه، إذ كما يمكن ذلك يمكن وضعها للدلالة على قصد اخطارها في ذهن السامع.
المحاولة الرابعة: أن دلالة الجملة الخبرية على معناها الموضوع له بما أنهادلالة تصديقية لا تصورية، فلا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية، وإلاّ لم تكن دلالتها تصديقية، فإذن لا مناص من الالتزام بأنها إما أن‏تكون موضوعة بإزاء النسبة الخارجية أو بإزاء قصد الحكاية والاخبار عن‏الواقع نفياً أو اثباتاً، وحيث إنها لم توضع بإزاء الاُولى، على أساس أن وضعهابإزائها يستلزم أن لا يكون لها مدلول في موارد هل البسيطة وما شاكلها كماتقدم، فلا محالة تكون موضوعة بإزاء الثاني، وهو قصد الحكاية.
والخلاصة: أن الجملة لا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء النسبة لا الخارجيةولا الذهنية، فإذن لا مناص من الالتزام بوضعها للدلالة على قصد الحكايةوالاخبار عن ثبوت الواقع أو نفيه.
والجواب أولاً: أن هذه المحاولة مبنية على القول بأن حقيقة الوضع هي التعهدوالالتزام النفساني، فإن الدلالة الوضعية على ضوء هذا القول دلالة تصديقية.
وأما على ضوء سائر الأقوال في باب الوضع فلا مانع من وضع الجملةالخبرية التامة بإزاء النسبة الذهنية، على أساس أن الدلالة الوضعية على أساس‏تلك الأقوال دلالة تصورية لا تصديقية حتى في الجملات تامة كانت أم ناقصة.
وثانياً: أنها لا تتم على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع أيضاً، لأن الدلالة الوضعيةعلى ضوء هذا المسلك وإن كانت دلالة تصديقية مطلقاً حتى في الألفاظوالكلمات الا فرادية، إلاّ أن ذلك لا يقتضي أن يكون المراد من النسبة في الجمل‏التامة النسبة الخارجية، لكي يقال إنها لم توضع بإزائها للمحذور المتقدم، بل من‏جهة أن الوضع بهذا المعنى لا يقتضي إلا أن يكون متعلقه اختيارياً، وحينئذ فكمايمكن أن يكون متعلقه ابراز قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الخارج‏أو نفيها فيه، فكذلك يمكن أن يكون متعلقه ابراز قصد اخطار النسبة في ذهن‏السامع، إذ من الواضح أن الوضع بمعنى التعهد لا يقتضي تعين وضع الجملة بإزاءالمعنى الأول دون الثاني، فالنتيجة أن هذه المحاولة أيضاً غير تامة.
المحاولة الخامسة: هي ما ذكره‏قدس سره في مسألة الوضع من أن الغرض منه‏التفهيم والتفهم وابراز المعاني والمقاصد للآخرين، ومن الواضح أن الوضع سعةوضيقاً يدور مدار سعة غرضه وضيقه، ولا يمكن أن يكون أوسع منه وإلاّ فهولغو، ومن هنا لابد أن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية حتى على سائرالمباني والأقوال في المسألة، إذ لوكانت دائرة الوضع أوسع من دائرة الغرض‏كان‏الوضع لغواً وجزافاً.
وعلى الجملة، فالغرض من الوضع إنما هو انتقال الذهن من تصور اللفظ إلى‏تصور المعنى في موارد قصد التفهيم والافادة، وأما الإنتقال في غير هذه المواردفليس داخلاً في دائرة الغرض منه، بل هو من جهة الاُنس الذهني لا الوضع،وعليه فلابد من تقييد العلقة الوضعية بصورة قصد التفهيم، واطلاقها مع‏اختصاص الغرض بها يكون بلا فائدة(4).
والجواب عنه: ما ذكرناه هناك موسعاً وحاصله أن الغرض من الوضع وإن‏كان ذلك إلا أنه حكمة له تدعو إلى إيجاد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، ولايلزم الواضع بتقييدها بموارد قصد التفهيم، على أساس أن اطلاقها مع فرض‏اختصاص الغرض بتلك الموارد لا يكون لغواً، باعتبار أن الاطلاق أمر عدمي‏على ما قويناه، فلا تكون فيه مؤنة لحاظية زائدة حتى يكون لغواً، وعلى هذا فلامانع من جعل العلقة الوضعية مطلقة، فإنه يفي بالغرض بدون أن تكون فيه مؤنةزائدة بالنسبة إلى جعلها مقيدة لكي يلزم اشكال اللغوية.
هذا إضافة إلى أن الكلام في امكان أصل هذا التقييد على تفصيل تقدم سابقاً.
المحاولة السادسة: أن الجمل التامة لو كانت موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية فما هو الفارق حينئذ بينها وبين الجمل الناقصة؟ على أساس أن النسبة لاتقبل الاتصاف بالتمامية تارةً وبالنقصان اُخرى، لأنها متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص وجود طرفيها في الذهن أو الخارج، بلا فرق في ذلك بين الجمل التامةوالناقصة، وعلى هذا فلا يمكن القول بوضع الجمل التامة بإزاء النسبة، بل لابدمن القول بأنها موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبةفي الواقع أو نفيها فيه، وبذلك تفترق الجمل التامة عن الناقصة فيصح السكوت‏عليها دون الناقصة(5).
وغير خفي أن هذه المحاولة ليست نقداً وإشكالاً على مسلك المشهور بشكل‏مباشر، بل هي في الحقيقة تتطلب منهم بيان الفارق بين الجملتين إذا كانت‏كلتاهما موضوعة بإزاء النسبة الذهنية الواقعية، وسوف نشير بعونه تعالى إلى‏الفرق بينهما رغم أن كلتيهما موضوعة بإزاء تلك النسبة.
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أورده السيد الاُستاذه‏قدس سره على‏مسلك المشهور من الإعتراضات والمحاولات لتفنيده غير تام.
فالصحيح هو أن الجمل الخبرية التامة موضوعة بإزاء النسب الواقعيةالذهنية التي هي نسب بالحمل الشائع، ولها تمام خصائصها الذاتية في موطنها،وهي الالتصاق والإرتباط الحقيقي بين مفهومين موجودين فيه، لأن النسبة في‏كل موطن متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها فيه ذهناً كان أم خارجاً،فإن كانت في الذهن فخصائصها مناسبة للموجودات الذهنية، وإن كانت في‏الخارج فخصائصها مناسبة للموجودات الخارجية.
ثم إن النسبة الذهنية ثابتة في جميع موارد استعمالات القضايا الحملية، سواءأكانت من موارد هل البسيطة أو المركبة حتى في مثل قولنا »اللَّه موجود« أو»عالم« أو »قادر« و»شريك الباري معدوم« وهكذا، فإن النسبة الخارجيةغير متصورة هناك، بل لا تتصور بين وجود الشي‏ء وماهيته فضلاً عن تلك‏الموارد، وأما النسبة الذهنية فهي متصورة حتى بين ذاته تعالى ووجوده فضلاًبين وجود الشي‏ء وماهيته وفي الاعتباريات والانتزاعيات، لأن النسبة المذكورةإنما هي بين الموضوع والمحمول في عالم الذهن، سواء أكان لهما وجود في عالم‏الخارج أم لا، وحيث إن مفهوم »اللَّه« ومفهوم »موجود« في القضية المعقولة في‏عالم الذهن موجودان حاكيان عن وجود واحد في الخارج حقيقة، وهو وجوده‏تعالى وتصادقا عليه فيه، فالنسبة بينهما تكون ذهنية، بمعنى يكون الذهن ظرفاًلها والقضية قضية معقولة فحسب، وأما في الخارج فلا قضية حتى تكون هناك‏نسبة، لأن الموضوع والمحمول، إما أنه لا وجود لهما في الخارج كما في‏الاعتباريات والانتزاعيات ونحوهما أو أن لهما وجوداً واحداً فيه، والنسبةمتقومة ذاتاً وحقيقة بالمنتسبين ولا يعقل وجودها بدونهما.
فالنتيجة أن القضية المعقولة في تلك الموارد اما أن لا تحكي عن شي‏ء في‏الخارج، كما إذا كان الموضوع والمحمول كلاهما أمراً اعتبارياً أو ممتنعاً وجوده في‏الخارج كشريك الباري مثلاً أو تحكي عن وجود واحد فيه كما في القضاياالحملية التي هي بمفاد كان التامة والهلية البسيطة كقولك »الانسان موجود«،فإن الموضوع والمحمول يحكيان عن وجود واحد في الخارج، ولهذا لا تتصورالنسبة بينهما فيه.
وأما في القضايا الحملية التي هي بمفاد كان الناقصة والهلية المركبة كقولك»زيد عالم«، فبما أن الموضوع فيها موجود في الخارج، والمحمول يكون من‏عوارضه فيه، فالمعتبر في صحة الحمل فيها أمران: أحدهما: أن يكون الموضوع‏متحداً مع المحمول في الخارج، وإلاّ كان حمله عليه من حمل المباين على المباين‏وهو غير صحيح، والآخر التغاير بينهما من جهة حتى لا يكون من حمل الشي‏ءعلى نفسه، وعلى هذا فإن كانت الذات مأخوذة في مفهوم المشتق لكان حمل العالم‏على زيد في المثال من حمل الكلي على فرده في الخارج، وحينئذ فلا نتصورالنسبة بينهما منه، باعتبار أنهما موجودات بوجود واحد فيه، وأما إذا لم تكن‏الذات مأخوذة في مفهوم المشتق بأن يكون مفهومه نفس المبدأ، فحينئذيكون‏المحمول مبايناً للموضوع فلا يصح حمله عليه، إلاّ أن يرجع إلى الحمل‏على الصفة القائمة بزيد وهو من حمل الكلي على فرده، ومن هذا القبيل حمل‏الأبيض على الجسم، فإنه يرجع إلى الحمل على الصفة القائمة بالجسم، وهذامن‏حمل الكلي على فرده في الخارج، وحيث إن الموجود فيه واحد فلا تتصورالنسبة بينهما فيه.
ثم إنه لا فرق في ذلك بين كون الجملة الخبرية التامة اسمية، كقولك »زيدعالم« أوفعلية كقولك »ضرب زيد«، فإن كلتا الجملتين موضوعة بإزاء النسبةالواقعية الذهنية التي هي نسبة بالحمل الشائع، غاية الأمر أن قولك »زيد عالم«يرجع إلى قولك »زيد شي‏ء له صفة وتلك الصفة علم« فهنا ثلاث نسب: اثنتان‏منها من النسب الحملية هما النسبة بين زيد وبين شي‏ء له صفة. والنسبة بين هذه‏الصفة القائمة بزيد والعلم والثالثة من نسبة العرض إلى معروضه، وهي نسبةالصفة إلى الشي‏ء، فإنها من نسبة العرض إلى موضوعه، ولا موطن للنسبتين‏الاوليين إلاّ في صقع الذهن، باعتبار أن الموضوع والمحمول فيهما متحدان في‏الخارج، فلا يعقل وجود النسبة بينهما فيه، وأما النسبة الثالثة فهي كما أنها ثابتةفي صقع الذهن كذلك أنها ثابتة في صقع الخارج، على أساس مغايرة العرض مع‏معروضه في الذهن والخارج.
وأما الجمل الفعلية كقولك »ضرب زيد«، فإن النسبة فيها ليست من النسب‏الحملية، وهي نسبة المحمول إلى الموضوع، بل نسبة العرض إلى معروضه، وهي‏قد تكون صدورية كالمثال المذكور، وقد تكون حلولية كقولك »زيد قائم«و»بكر عالم« وهكذا، ولهذه النسبة موطن في الذهن والخارج، بمعنى أنها إن‏كانت في الذهن فهي متقومة بشخص وجود طرفيها فيه، وإن كانت في الخارج‏فكذلك فيه، فتكون النسبتان متباينتين ذاتاً وحقيقة من جهة أن المقومات‏الذاتية لكل منهما مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى.
وأما حكاية النسبة الذهنية عن النسبة الخارجية مع عدم انطباقها عليها على‏حد انطباق الطبيعي على فرده فهي إنما تكون بسبب طرفيها، باعتبار أنهما بالنظرالتصوري الآلي عين الخارج، وبهذا النظرترى النسبة تبعاً بأنها عين النسبةالخارجية، وإلا فنسبتها إليها نسبة المماثل إلى المماثل، لا الطبيعي إلى الفردفحكايتها عنها إنما هي بالتبع لا بالأصالة.
والخلاصة: أن كلتا الجملتين الاسمية والفعلية معاً موضوعة بإزاء معنى‏واحد، وهو النسبة الواقعية الذهنية التي هي نسبة بالحمل الشائع، والإختلاف‏بينهما إنما هو في بعض الخصوصيات الخارجة عن حريم المعنى الموضوع له، منهاما عرفت، ومنها أن الجملة الفعلية تدل على الحدوث في عمود الزمان دون‏الاسمية.
لتوضيح ما ذكرناه نظرياً وتطبيقياً نذكر اُموراً:
الأول: أن نتيجة ما ذكرناه من أن الجملة الخبرية التامة موضوعة للنسبةالواقعية الذهنية هي أن الدلالة الوضعية لها دلالة تصورية، لما ذكرناه في باب‏الوضع من أن الدلالة الوضعية للألفاظ على معانيها مطلقاً - بلا فرق بين الألفاظالمفردة والألفاظ المركبة كالجملات من التامة والناقصة - تصورية على أساس‏أن تلك الدلالة مستندة إلى الوضع مباشرة دون الدلالة التصديقية، فإنهامستندة إلى الظهورات الحالية أو السياقية مباشرة دون اللفظ بما هو.
وبكلمة، إن الدلالة الوضعية على جميع المباني في مسألة الوضع دلالةتصورية ولا يمكن أن تكون تصديقية إلا على مبنى التعهد والالتزام النفساني،فإن الدلالة الوضعية على أساس هذا المبنى دلالة تصديقية مطلقاً في الكلمات‏الأفرادية حقيقة أو حكماً، والجملات التامة الاسمية والفعلية، فإن الاُولى‏موضوعة للدلالة على قصد تفهيم معانيها، والثانية موضوعة للدلالة على قصدالحكاية والاخبار عن ثبوت شي‏ء في الواقع أو نفيه فيه.
فالنتيجة أن الدلالة الوضعية على جميع المباني في باب الوضع دلالة تصوريةلا تصديقية إلاّ على مبنى التعهد.
الأمر الثاني: أن ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن الجملة التامة موضوعةللدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، فلايمكن‏المساعدة عليه.
أما أولاً فلأن ما اختاره‏قدس سره مبني على مسلكه من أن حقيقة الوضع هي التعهدوالتباني، فإنه على هذا المسلك تكون الدلالة الوضعية دائماً دلالة تصديقية،فالجملة التامة كقولك »الانسان عالم« موضوعة للدلالة على قصد الحكايةوالاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، ولكن قد تقدم أن هذا المسلك‏غير تام، وأما على ضوء سائر المسالك في باب الوضع فالدلالة الوضعية دائماًدلالة تصورية، لما ذكرناه هناك من أنه لا يعقل نشوء أكثر من العلاقة التصوريةبين اللفظ والمعنى من الوضع طالما لم يرجع إلى التعهد.
وثانياً: لو سلمنا أن الوضع بمعنى التعهد إلاّ أنه لا يقتضي أكثر من كون متعلقه‏أمراً اختيارياً، وأما كونه في الجملة التامة كزيد عادل مثلاً هو قصد الحكاية عن‏ثبوت النسبة في الواقع فهو بحاجة إلى مبرر، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن يكون‏متعلقه قصد اخطار المعنى في الذهن، فلا ترجيح للأول على الثاني، وعلى هذا فماأفاده‏قدس سره من أنه يقتضي كون الجملة التامة موضوعة للدلالة على قصد الحكايةبحاجة إلى مبرر.
الثالث: أن الجملة الاستفهامية كقولك »هل زيد عالم« موضوعة للدلالةعلى النسبة الاستفهامية بين المستفهم والمستفهم عنه في الذهن، وهذا لا كلام‏فيه، وإنما الكلام في أن المستفهم عنه هل هو مدلول الجملة التامة وهو النسبة في‏عالم الذهن أو أنه ثبوت النسبة في الخارج.
والجواب: أنه لا ريب في أن‏المستفهم عنه‏العلم إلى زيد في‏الخارج أي كون‏زيد عالماً فيه، وليس المستفهم عنه النسبة الذهنية التي هي مدلول‏الجملة وضعاً،كما أنه ليس قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها فيه.
والخلاصة: أن كلمة »هل« تدل على النسبة الاستفهامية، ومدخولها وهوجملة »زيد عالم« في المثال تدل على واقع النسبة الذهنية، فتكون استفادةالاستفهام من الجملة الاستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول، بأن تكون‏النسبة الاستفهامية مدلولاً لأداة الاستفهام، والنسبة الذهنية مدلولاً للجملةالتامة المدخول عليها الأداة.
وقد اُورد على القائل بأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على قصد الحكايةوالاخبار عن ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها فيه بالنقض بموارد دخول أداةالاستفهام على الجملة التامة، كما في قولك »هل زيد عادل«، إذ لا شبهة في أن‏المستفهم عنه نسبة العدالة إلى زيد في الخارج، أي كون زيد عادلاً فيه لا قصدالحكاية والاخبار عنها(6).
وقد أجاب عن ذلك السيدالاُستاذقدس سره بأن أداةالاستفهام أوالجملةالاستفهامية موضوعة بوضع واحد للدلالة على قصدالاستفهام، فليست‏استفادة الاستفهام من‏الجملة الاستفهامية من‏باب تعدد الدال والمدلول، بأن‏يكون‏الاستفهام مدلولاً للأداة، والنسبة التامة مدلولاًللجملة، بل‏الدال والمدلول‏واحد، فإن الدال هو الجملة الاستفهامية، والمدلول هو قصد الاستفهام وانشاؤه.
ولكن هذا الجواب تام على مسلكه‏قدس سره، فإن تعدد الدال والمدلول في الجملةالاستفهامية إنما يتصورعلى مسلك المشهورالمختار، وهو أن‏الدلالة الوضعيةدلالة تصورية، فإن‏الجملة الاستفهامية تدل على‏الاستفهام والجملة التامةالمدخول عليهاالأداة تدل على‏النسبة، فإذاقيل: هل زيد قائم كان‏المتبادر منه‏أمران: أحدهما الاستفهام والآخرالنسبة بين‏زيد وقائم، والدال على‏الأول أداةالاستفهام، وعلى‏الثاني الجملةالمدخول عليهاالأداة من‏باب تعددالدال والمدلول.
وأما على مسلك التعهد، فحيث إن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، فلايتصور تعدد الدال والمدلول في الجملة الاستفهامية، فإنها تدل على الاستفهام،والجملة المدخول عليها الأداة لا تدل على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في‏الخارج أو نفيها فيه، لأن هذه الدلالة على ذلك المسلك وإن كانت وضعية إلاّ أنهاتتوقف على أن تكون الجملة صادرة من متكلم شاعر ملتفت بالإستقلال،لاختصاص الوضع لها بهذه الحالة، والمفروض أنها لم تصدر إلاّ في ضمن الجملةالاستفهامية، فلا ينطبق عليها قانون الوضع بمعنى التعهد، فتكون الجملة حينئذمنسلخة عن معناها الموضوع له.
ودعوى أن استفادة الاستفهام من الجملة الاستفهامية لولم تكن من باب‏تعدد الدال والمدلول، لم يصح تصديق الاستفهام في مقام الجواب بكلمة »نعم«أو»لا«. لأن مدلول الجملة الاستفهامية مدلول انشائي، وهو غير قابل‏للتصديق أو للنفي، فصحة التصديق اثباتاً أو نفياً تدل على أن الإستفادة من باب‏تعدد الدال والمدلول.
مدفوعة بأن مردّ التصديق في مقام الجواب بكلمة »نعم« أو»لا« إلى‏تصديق الجملة، حيث إنه بمثابة تكرارها نفياً أو اثباتاً، لا إلى تصديق الانشاءلكي يقال: أنه لا يقبل التصديق لا نفياً ولا اثباتاً(7).
وبكلمة، إنه على القول بالتعهد تكون للجملة الاستفهامية مدلول واحدوضعاً بدون أن تكون للجملة المدخول عليها الأداة مدلول وضعي، باعتبار أن‏قانون الوضع بمعنى التعهد لا ينطبق عليه، على أساس أن المتكلم بالجملةالاستفهامية، تعهد بأنه متى تكلم بها أراد انشاء الاستفهام وطلب فهم ثبوت‏نسبة العلم إلى زيد في الخارج، وعلى هذا فإذا أجاب المسؤول إليه بقوله »نعم«أو»لا« كان مرجع جوابه إلى التصديق بثبوت العلم لزيد أو نفيه عنه، لا إلى‏التصديق بالانشاء نفياً أو اثباتاًلكي يقال إنه غير معقول، لوضوح أن الاستفهام‏عن شي‏ء إذا اتجه إلى شخص، فإذا أجاب بقوله »نعم« أو»لا« فبطبيعة الحال‏يرجع جوابه إلى التصديق بثبوت ذلك الشي‏ء أو بنفيه، لا إلى التصديق بانشاءالاستفهام أوبعدمه، ومن الواضح أن رجوع الجواب إلى التصديق بثبوت النسبةفي الخارج أو نفيها فيه، لا يتوقف على أن تكون استفادة الاستفهام من الجملةالاستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول، هذا على القول بالتعهد.
وأما على سائر الأقوال في المسألة التي تكون الدلالة الوضعية على ضوئهادلالة تصورية دائماً، فتكون دلالة الجملة الاستفهامية على الاستفهام من باب‏تعدد الدال والمدلول، فإذا قيل: هل زيد عالم، فالجملة الاستفهامية تدل على‏الاستفهام، والجملة التامة المدخول عليها الأداة، تدل على النسبة بينهمافي‏الذهن، وهذا معنى أن استفادة الاستفهام منها من باب تعدد الدال والمدلول،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المسؤول عنه في الجملة الاستفهامية، إنما هو المدلول‏العرضي للجملة التامة المدخول عليها الأداة، لا مدلولها الذاتي الوضعي،وإن‏شئت قلت: إن المستفهم عنه فيها إنما هو ثبوت النسبة في الخارج، أي كون‏زيد عالماً فيه، والمفروض أن المدلول الوضعي للجملة التامة، هو النسبة الذهنيةفي عالم الذهن.
ومن ناحية ثالثة، أن الجواب عن الاستفهام عن قيام زيد في قولك »هل زيدقائم« بكلمة »نعم« أو»لا« يرجع في الحقيقة إلى الاخبار والحكاية عن ثبوت‏القيام لزيد أو عدم ثبوته له، بلا فرق في ذلك بين القول بالتعهد في باب الوضع‏وسائر الأقوال فيه، غاية الأمر أن دلالته على قصد الاخبار والحكاية على القول‏بالتعهد إنما هي بالوضع، وعلى سائر الأقوال بالظهور الحالي أو السياقي لابالوضع.
وقد اُورد النقض على مسلك السيد الاُستاذقدس سره أيضاً بما إذا دخل الفعل على‏الجملة التامة كما في مثل قولك »أخبرني‏أن زيداً عادل«، فإن المخبر به‏نفس‏النسبة، أي ثبوت العدالة لزيد في الخارج بمعنى كونه عادلاً فيه، لا قصدالحكاية والاخبار عنها(8).
ولكن قد ظهر مما مرّ أنه لا أساس لهذا النقض، لأن الجملة المدخول عليهاالفعل لا تدل على قصد الحكاية حتى على القول بالتعهد، على أساس أن دلالتهاعليه منوطة بكونها صادرة من متكلم تعهد بأنه لا ينطق بها إلا إذا قصد الحكايةوالاخبار عنها، وهذا الضابط لا ينطبق على الجملة، لأن المتكلم هنا في المقام‏طلب الاخبار بها لا هو أخبر بها، وإذا أجاب المخاطب بقوله »إنه عادل«أو»ليس بعادل«، كان قاصداً الحكاية عنها والاخبار بها.
هذا إضافة إلى أن كون المخبر به نفس النسبة في المثال لا قصد الحكاية عنها،فإنما هو بلحاظ أنها ذات المعنى الموضوع له حتى على مسلك التعهد، فإن العلقةالوضعية على هذا المسلك مقيدة بحالة خاصة، وهي حالة ما إذا قصد المتكلم‏الحكاية عنها لا المعنى، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية والمطلوب فيهاإنما هو ثبوت النسبة الخارجية، لا مدلول الجملة التامة، لا على القول بالتعهد في‏مسألة الوضع ولا على سائر الأقوال في المسألة.
الأمر الرابع: ما هو الفارق بين الجملة التامة والناقصة؟
والجواب: أن الاُصوليين قد ذكروا وجوهاً للفرق بينهما:
الوجه الأول: أن النسبة في الجملة التامة نسبة واقعية ذهنية ومورد للحكم‏التصديقي، فمن أجل ذلك يصح السكوت عليها، وأما النسبة في الجملة الناقصةفهي نسبة تحليلية وليست بواقعية، فإن المفهوم منها شي‏ء واحد في الذهن، وهوينحل إلى أجزاء ثلاثة منها النسبة، ومن هنا تكون الجملة الناقصة بمثابة المفرد،فلا تكون نسبتها مورداً للحكم التصديقي، فلذلك لا يصح السكوت عليها.
فالنتيجة أن منشأ صحة السكوت في الجملة التامة إنما هو كون نسبتها مورداًللحكم التصديقي باعتبار أنها نسبة واقعية، ومنشأ عدم صحة السكوت في‏الجملة الناقصة إنما هو عدم صلاحية نسبتها لأن يكون مورداً للحكم التصديقي‏باعتبار أنها تحليلية لا واقعية(9).
ولكن قد تقدم أن هذا الوجه غير تام.
الوجه الثاني: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، وحاصل ما أفاده: أن الجملةالتامة موضوعة لقصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيهافيه، فلذلك يصح السكوت عليها، باعتبار أنها تتضمن حكماً تصديقياً،وأماالجملة الناقصة فهي موضوعة بإزاء قصد اخطار الحصة في ذهن المخاطب‏تصوراً، وحيث إنها لم تتضمن مطلباً تصديقياً وإنما تضمنت مطلباً تصورياً،فلايصح السكوت عليها(10).
ولكن يمكن المناقشة فيه،
أما أولاً: فلأن هذا الفرق بين الجملتين مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع‏وهو التعهد، فإنه على ضوئه بنى على أن الجملة التامة موضوعة للدلالة على‏قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، والجملةالناقصة موضوعة للدلالة على قصد اخطار النسبة والحصة في الذهن تصوراً،ولكن تقدم موسعاً أن هذا المسلك غير تام، فإذن لا يمكن الالتزام بهذا الفرق.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن حقيقة الوضع هي التعهد والتباني‏إلا أن ذلك لا يقتضي إلا أن يكون متعلقه فعلاً اختيارياً، وأما كون الجملة التامةموضوعة لقصد الحكاية والاخبار، والناقصة لقصد الاخطار في الذهن، فهولايقتضي ذلك، وعلى هذا فوضع الاُولى بإزاء قصد الحكاية والثانية بإزاءقصدالاخطار بحاجة إلى نكتة في المرتبة السابقة تبرر ذلك، والمفروض أنه ليس‏هناك أي نكتة تبرره.
وعلى هذا فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الوضع على مسلكنا يقتضي كون‏الجملة التامة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية، والجملة الناقصة موضوعةللدلالة على قصد الاخطار يكون بدون مبرر.
وإن شئت قلت: إن الوضع بمعنى التعهد يقتضي كون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية بأن يكون متعلقه الإرادة والقصد، وعليه فالوضع لا يقتضي أن يكون‏متعلقه قصد الحكاية في الجملة التامة وقصد الاخطار في الجملة الناقصة،فالتعيين بحاجة إلى معين.
وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أن الوضع يقتضي التعيين، إلاّ أن‏هذا المدلول التصديقي لا يصلح أن يكون فارقاً بين الجملتين، حيث إن الفرق‏بينهما موجود في الحالات التي لا يكون للجملة التامة ذلك المدلول التصديقي، كمافي الحالات التي تكون الجملة التامة مدخولاً عليها أداة الاستفهام، كما في مثل‏قولك »هل زيد عالم«، فإنه إذا دخلت عليها أداة الاستفهام انسلخت عن‏مفهومها التصديقي وهو قصد الحكاية، ومع هذا يكون الفرق بينهما محفوظاً من‏تلك الحالات أيضاً، حيث إن دخول أداة الاستفهام على الجملة التامة كالمثال‏المذكور صحيح، بينما دخولها على الجملة الناقصة غير صحيح، وهذا يكشف عن‏أن الفرق بينهما ليس في أن الجملة التامة تدل على قصد الحكاية دون الجملةالناقصة، فإذن لابد أن يكون الفارق بينهما متمثلاً في شي‏ء آخر.
فالنتيجة، أنه لا يمكن الفرق بينهما في ذلك.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره، وهو يرجع إلى أمرين:
أحدهما: أن الجملة التامة موضوعة بإزاء ايقاع النسبة، والجملة الناقصةموضوعة بإزاء النسبة الثابتة، فالاُولى تحكي عن إيقاع النسبة والثانية عن‏النسبة الثابتة، وهذا هو الفارق بينهما(11).
ويمكن المناقشة فيه بأنه إن اُريد بإيقاع النسبة إيقاعها في الخارج، وبالنسبةالثابتة ثبوتها في‏الذهن، فيرد عليه ما ذكرناه سابقاً من أن الجملة التامة لم توضع‏بإزاء النسبة الخارجية، ولا تدل على إيقاعها فيه، وإنما هي موضوعة بإزاءالنسبة الواقعية الذهنية كالجملة الناقصة، فلا فرق بينهما من هذه الناحية، وقدتقدم موسعاً أنها لو كانت موضوعة بإزاء النسبة الخارجية، لزم أن لا يكون لهامدلول في جملة من القضايا الحملية، منها القضايا التي هي في موارد هل البسيطةوبين ذاته تعالى وصفاته الذاتية والاعتباريات والانتزاعيات، لأن النسبةالخارجية لا تتصور في هذه الموارد بين الموضوع والمحمول، إما على أساس أنه لاوجود لهما في الخارج أو أنهما موجودان بوجود واحد فيه حقيقة، مع أن استعمال‏الجملة في تلك الموارد كاستعمالها في‏موارد هل المركبة صحيح بدون أدنى فرق‏بينهما.
هذا إضافة إلى أن هذا الفرق لا يؤدي إلى صحة السكوت في الاُولى دون‏الثانية، إذ كما أن دلالة الاُولى على إيقاع النسبة في الخارج مما يصح السكوت‏عليه كذلك دلالة الثانية على ثبوتها في الذهن، فإنها مما يصح السكوت عليه،فإذن لا فرق بينهما من هذه الناحية.
وإن اُريد بإيقاع النسبة إيجادها التصوري وبثبوتها وجودها التصوري، فيردعليه أولاً: أن هذا الفرق لا يؤدي إلى الفرق بين الجملتين في التمامية والناقصيةوصحة السكوت وعدمها في مقام الافادة، إذ مرد هذا الفرق إلى الفرق بينهما في‏الايجاد والوجود التصوري، وأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على الايجادالتصوري والجملة الناقصة موضوعة للدلالة على الوجود التصوري، مع أنه لافرق بينهما في الواقع إلا باللحاظ والإعتبار.
وثانياً: ما ذكرناه سابقاً من أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا لوجودها، إذ لايعقل لها وجود لا في الذهن ولا في الخارج، باعتبار أنه ليست لها ماهية متقررةفي المرتبة السابقة على الوجود الذهني والخارجي، فلذلك لا يعقل أن تكون‏الجملة موضوعة بإزاء وجود النسبة أو إيجادها، لأن وجودها التصوري‏واللحاظي مفهوم اسمي وليس بحرفي، والموضوع بإزائه لفظ النسبة لا الجملة،لأن معناها حرفي لا اسمي، وعلى هذا فكما لا يمكن أن تكون الجملة موضوعةبإزاء الوجود التصوري ولا إيجاده، فكذلك لا يمكن أن يكون الايجاد والوجودالتصوري دخيلاً في المعنى الموضوع له لهما.
وثانيهما: أن الجملة التامة موضوعة بإزاء النسبة التي تحكي عنها بلحاظوجودها، مثلاً جملة »زيد عالم« تحكي عن النسبة الموجودة بين زيد والعلم،والجملة الناقصة موضوعة بإزاء النسبة التي تحكي عنها بلحاظ نفسهابقطع‏النظر عن وجودها وعدمها، فلذلك لا تكون مورداً للتصديق وبالتالي لايصح السكوت عليها(12).
وهذه المحاولة غير تامة، وذلك لأنه إن اُريد بالنسبة التي تحكي عنها بلحاظوجودها وجود النسبة في الخارج، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبة الموجودةفيه، فيرد عليه.
أولاً: أنه لا وجود للنسبة في الخارج ولا للنسبة المقيدة بوجودها فيه، أماالأول فلما تقدم من أن الخارج ظرف لنفسها لا لوجودها، على أساس أنه لوكان‏لها وجود، فلابد من أن تكون لها ماهية متقررة في المرتبة السابقة على عالم‏الوجود، وقد مرّ أنه لا يعقل أن تكون للنسبة ماهية كذلك، وإلا لم تكن نسبةبالحمل الشائع، أي متقومة بشخص وجود طرفيها، وأما الثاني فلفرض أنه لاوجود لها حتى يكون قيداً لها.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن لها وجوداً في الخارج، إلاّ أن المعنى‏الموضوع له اللفظ لا يمكن أن يكون مقيداً بوجودها فيه، فإن الموضوع له طبيعي‏المعنى، وهو قد يوجد في الذهن وقد يوجد في الخارج، ولا يعقل أخذ الوجودالخارجي أو الذهني في مدلول اللفظ.
وثالثاً: قد تقدم أن الجملة التامة لم توضع بإزاء النسبة الواقعية الخارجية.
وإن اُريد بها وجودها في الذهن أي أنها موضوعة بإزاء النسبة بلحاظوجودها في الذهن، فيرد عليه.
أولاً: ما عرفت من أنه ليس للنسبة وجود تصوري ولحاظي في الذهن، لأن‏المتصور بهذا التصور والملحوظ بهذا اللحاظ مفهوم اسمي وليس بنسبة بالحمل‏الشائع، فلا يكون هذا الوجود وجود النسبة التي هي معنى حرفي، بل هو وجودلمعنى اسمي له تقرر ماهوي بقطع النظر عن وجوده في الذهن أو الخارج، فإذن لايرجع ما أفاده‏قدس سره من أن الجملة التامة موضوعة بإزاء النسبة بلحاظ وجودهافي الذهن إلى معنى محصل ومعقول.
وثانياً: ما تقدم من أن الوجود الذهني كالوجود الخارجي لا يعقل أن يؤخذفي المعنى الموضوع له اللفظ.
وإن اُريد بها أن النسبة في الجملة التامة تلحظ فانية في الخارج بوجودهاالتصوري، وفي الجملة الناقصة تلحظ فانية فيه بنفسها لا بوجودها التصوري،فيرد عليه.
أولاً: ما عرفت من أنه ليس للنسبة وجود تصوري لكي تكون ملحوظةفانية في الخارج به، لأن الموجود بهذا الوجود في الذهن مفهوم اسمي لا حرفي،وحكاية النسبة الذهنية عن النسبة الخارجية إنما هي بتبع حكاية اطرافهاعن‏الخارج لا بنفسها.
وثانياً: أن هذا المقدار من الفرق بين الجملتين لا يؤدي إلى الفرق الجوهري‏بينهما، وهو صحة السكوت في الجملة الاُولى في مقام الافادة وعدم صحته في‏الجملة الثانية في هذا المقام، لأن النسبة إذا كانت ملحوظة في كلتيهما فانية في‏الخارج، غاية الأمر أن فناءها في الاُولى بوجودها التصوري وفي الثانية بنفسها،ومن الواضح أن هذا الفرق لا يؤدي إلى عدم صحة السكوت في الثانية،لأن‏ملاك صحة السكوت التصديق بثبوت النسبة في الخارج، وهو متوفر في‏كلتا الجملتين معاً.
وثالثاً: أن النسبة الذهنية لا يعقل أن تحكي بنفسها عن النسبة الخارجية، لماتقدم من أنها مباينة لها من جهة أن المقومات الذاتية لها مباينة للمقومات الذاتيةلتلك، ولهذا لا يعقل فناؤها فيها وحكايتها عنها بنفسها، فإذن ما أفاده‏قدس سره من‏أن الجملة الناقصة موضوعة بإزاء النسبة التي تحكي بنفسها لا يرجع إلى معنى‏محصل، إلا أن يكون مراده من ذلك الحكاية في ضمن حكاية اطرافها وبتبعها،ولكن في ذلك لا فرق بين النسبة في الجملة التامة والنسبة في الجملة الناقصة.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من نكتة الفرق بين الجملتين لا يرجع‏إلى معنى محصل.
إلى هنا قد تبين أن الوجوه التي ذكرت لتمييز الجملة التامة عن الجملة الناقصةوصحة السكوت على الاُولى دون الثانية، لا يتم شي‏ء منها.
فالصحيح في المقام أن يقال: إنه لا فرق بين الجملتين في المدلول الوضعي، فإن‏كلتا الجملتين موضوعة للنسبة الواقعية الذهنية التي هي نسبة بالحمل الشائع‏ولا فرق بينهما من هذه الناحية، ولكن مع هذا يكون الفرق بينهما محفوظاً، حيث‏إنه يصح السكوت على الجملة التامة، ولايصح على الجملة الناقصة فيعامل معهامعاملة المفرد وتجعل اما موضوعاً في القضية أو محمولاً فيها، بينما الجملة التامةمركبة من الموضوع والمحمول معاً، وعلى هذا فلابد من أن تكون هناك نكتةاُخرى للفرق بينهما، وتلك النكتة متمثلة فيما يلى:
هو أن الغرض من احضار الجملة التامة في اُفق الذهن إنما هو جعلها وسيلةلاصدار حكم تصديقي عليها في الخارج، ففي مثل قولك »زيد قائم« يكون‏الغرض من احضاره في الذهن إنما هو جعله وسيلة لاصدار الحكم بثبوت القيام‏لزيد فيه، باعتبار أن المتكلم والمخاطب فيها ينظران إلى الموضوع والمحمول بما همامنطبقان على موجود واحد في الخارج ومتصادقان عليه، فمن أجل ذلك تتضمن‏الجملة حكماً تصديقياً خارجياً، ولهذا يصح السكوت عليه.
وهذا بخلاف الجملة الناقصة، فإن المتكلم والمخاطب فيها لا ينظران إلى‏طرفيهما كموضوع ومحمول في القضية بما هما منطبقان على موجود واحد في‏الخارج ومتصادقان عليه لكي تصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه،بل‏ينظران إليهما كموضوع واحد في القضية أو محمول واحد، فلذلك لاتصلح‏للحكم التصديقي عليها في الخارج، فحالها حال الكلمات الا فراديةمن‏هذه الناحية.
وبكلمة، إن الجملة الناقصة وإن كانت مشتملة على النسبة إلاّ أنها لا تصلح‏لاصدار حكم تصديقي عليها في الخارج من دون ضم محمول أو موضوع إليها،فإذا قيل »الصلاة في المسجد« أو »النار في الموقد« كان المتبادر منها احضارنفسها في الذهن ومعرفتها كذلك فيه، وفناءها التصوري في الخارج، فلذلك لاتصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه.
وهذا بخلاف ما إذا قيل »الصلاة مستحبة في المسجد« أو »النار موجودة في‏الموقد«، فإن المتبادر منه احضار نفس الجملة في الذهن ومعرفتها فيه وفناؤهافي الخارج تصوراً وتصديقاً، فلذلك تصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه.
والخلاصة: أن الجملة الناقصة بلحاظ مدلولها الوضعي لا تصلح لاصدارحكم تصديقي عليها في الخارج، لما تقدم من أنها موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةفي وعاء الذهن، وهي لا تحكي عن الخارج إلا بتبع حكاية طرفيها تصوراً لاتصديقاً، وهذا بخلاف الجملة التامة، فإنها تحكي عن الخارج تصوراً وتصديقاً،فمن أجل ذلك تصلح الجملة التامة لاصدار حكم تصديقي عليها دون الناقصة.
وبكلمة، إن الجملة التامة تتميز عن الجملة الناقصة في المدلول التصوري‏والتصديقي معاً، أما في الأول فلأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على النسبةالتي تلحظ بالنظر التصوري فانية في واقع مفروغ عنه في الخارج، فإذا قيل »زيدعالم« كان المتبادر منه في الذهن النسبة بينهما كذلك، والجملة الناقصة موضوعةللدلالة على النسبة التي لم تلحظ كذلك إلا فانية في نفسها، ولهذا كان ذلك هوالمتبادر منها عرفاً، فإذا قيل »غلام زيد« مثلاً أو »الصلاة في المسجد« كان هذاهو المنسبق منه، وأما في الثاني فلأن المدلول التصديقي للجملة التامة هو قصدالحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، وهذا عبارة اُخرى عن أن‏غرض المتكلم من احضارها في ذهن السامع، هو جعلها وسيلة ومورداً للحكم‏التصديقي في الخارج، ولهذا يصح السكوت عليها، بينما المدلول التصديقي للجملةالناقصة هو قصد تفهيم نفسها واخطارها في ذهن السامع بدون جعلها مورداًللحكم التصديقي ووسيلة له.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الجملة إذا كان مفادهامورداً للحكم التصديقي خارجاً، فهي تامة ويصح السكوت عليها في مقام‏الافادة، وإذا لم يكن مفادها كذلك، فهي ناقصة ولا يصح السكوت عليها.
هذا تمام كلامنا في تعيين مدلول الجملة الناقصة والتامة وامتياز مدلول الاُولى‏عن مدلول الثانية.
مدلول الجمل المتمحضة في الانشاء
وأما الكلام في المقام الثالث فيقع في موردين:
الأول: في الجمل المتمحضة في الانشاء.
الثاني: في الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار.
أما المورد الأول فالكلام فيه يقع في مرحلتين:
الاُولى: في تعيين مدلولها وضعاً.
الثانية: في الفارق بينهما وبين الجمل المتمحضة في الاخبار.
أما الكلام في المرحلة الاُولى ففيها أقوال:
القول الأول: أن الجملة الانشائية كصيغة الأمر موضوعة بإزاء الطلب‏وصيغة الاستفهام موضوعة للإستفهام وصيغة التمني موضوعة للتمني وصيغةالترجي للترجي.
وغير خفي أن هذا القول مجمل المراد، وذلك لأنه إن اُريد بوضع هذه الصيغ‏للمعاني المذكورة إيجاد مصاديقها بها حقيقة في عالم الخارج فهو واضح البطلان،وذلك لأن مصاديق تلك المعاني في الخارج أمور تكوينية غير قابلة للانشاء بها،لأنها تتبع عللها التكوينية الواقعية وتوجد بوجودها.
وإن شئت قلت: إن مصاديق المعاني المذكورة في الخارج من الصفات‏النفسانية الحقيقية القائمة بالنفس كصفات التمني والترجي والطلب والاستفهام،ولهذا قد تكون داعية للانشاء بالصيغ المذكورة لا أنها منشأة.
وإن اُريد إيجاد هذه المعاني في الذهن، فيرده أن الايجاد التصوري اللحاظي‏غير مأخوذ في مدلول الألفاظ، لوضوح أنها لم توضع بإزاء إيجاد معانيهاتصوراً، وإن اُريد به الايجاد الاعتباري في عالم الاعتبار، فيرد عليه أن الايجادالاعتباري إنما هو باعتبار المعتبر مباشرة، ولا يعقل أن يكون فعلاً له بالتسبيب،سواء أكان بسبب اللفظ أم كان بغيره، وإن اُريد به مفهوم الطلب أو الاستفهام أوالتمني أو الترجي، فيرد عليه أنه مفهوم اسمي، فلا يمكن أن يكون مدلولاً للجملةالانشائية، وإن اُريد به الايجاد الانشائي في عالم الانشاء بنفس هذه الصيغ بلحاظأنه معناه الموضوع له، فيرد عليه أن الكلام إنما هو في حقيقة هذا الوجودالانشائي وحدوده سعة وضيقاً، وهي مسكوت عنها في هذا القول.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن هذه الصيغ موضوعةللوجود الانشائي الايقاعي(13) مما لا يمكن المساعدة عليه.
وذلك لأنه إن اُريد بالوجود الانشائي الوجود الاعتباري، فيرد عليه أنه قائم‏باعتبار المعتبر مباشرة، ولا يعقل فيه التسبيب، وإن اُريد به الوجود الانشائي‏المنشأ بها بلحاظ أنه مدلولها وضعاً، فالكلام إنما هو في حقيقة هذا الوجود،والمفروض أنه غير مبين في كلامه‏قدس سره وسيأتي توضيحه.
القول الثاني: ما ذهب إليه المحقق العراقي‏قدس سره من أن الجملة الانشائية كصيغةالأمر وصيغتي التمني والترجي وأداة الاستفهام موضوعة بإزاء النسب، كالنسبةالطلبية والتمنية والترجية والاستفهامية، وهذه النسبة في الجملة الطلبية كقولك»صلِّ«، متقومة ذاتاً وحقيقة بالمادة ومفهوم الطلب الذي هو مفهوم اسمي، وفي‏الجملة الاستفهامية كقولك »هل زيد قائم«، متقومة ذاتاً وحقيقة بالجملة التامةالمدخول عليها الأداة ومفهوم الاستفهام، وفي جملة التمني أو الترجي متقومةكذلك بالجملة المدخول عليها أداة التمني أو الترجي ومفهومه، لأن الجملةالمدخول عليها أدوات الاستفهام والتمني والترجي بمثابة المادة لهيئات هذه الجمل‏التي يكون مدلولها النسب الاستفهامية والترجية والتمنية.
وعلى هذا ففي الجملة الاستفهامية، مثل قولك »هل زيد عالم« نسبتان:الاُولى بين زيد وعالم، الثانية بين مفهوم الاستفهام والجملة المستفهم عنهاوهي‏جملة »زيد عالم«، وتدل الجملة الاستفهامية على النسبة الاستفهاميةبتعدد الدال والمدلول، بأن يكون الدال على النسبة الاُولى الجملة المدخول‏عليهاالأداة والدال على النسبة الثانية الجملة الاستفهامية، وكذلك الحال‏في‏الجملة التمنية والترجية(14).
وقد يورد على هذا القول بإيرادين:
الأول: أن أحد طرفي النسبة في الكلام وهو الدال على مفهوم الاستفهام غيرمذكور فيه، ولازم ذلك هو أن يكون الكلام على مستوى مدلوله اللفظي ناقصاً،وعليه فلا يمكن أن يدل على هذه النسبة، إذ لو دلّ عليها، فبطبيعةالحال يدل على‏طرفيها الموجودين فيه، حيث إنه لا يعقل وجودالنسبة بدون وجود طرفيها(15).
والجواب: أن مفهوم الاستفهام مفهوم ثانوي وليس مدلولاً مطابقياً للفظ،فإن المدلول المطابقي للفظ هو المفهوم الذي يرد على الذهن من الخارج مباشرةدون المفهوم الثانوي، فإنه لم يرد على الذهن من الخارج كذلك، بل هو منتزع من‏المفهوم الأولي، ولا موطن له إلاّ الذهن، ولا يكون مدلولاً للفظ، وعلى هذا فلاتكون الجملة الاستفهامية ناقصة على مستوى مدلولها اللفظي، وذلك لأن كلمة»هل« في قولك »هل زيد عالم« تدل على النسبة المذكورة التي يكون أحدطرفيها مفهوم الاستفهام والطرف الآخر الجملة التامة المدخول عليها الأداةبعنوان المستفهم عنها، وعليه فطرفا النسبة الاستفهامية من المفاهيم الثانوية،وهما مفهوم الاستفهام والمستفهم عنه، فلذلك لا يكون مدلولاً للفظ بالمطابقة،لأنه منتزع من المفهوم الأول وليس مدلولاً للفظ مباشرة، وعليه فعدم دلالةالكلام على مفهوم الاستفهام بالمطابقة، لا يؤدي إلى كونه ناقصاً على مستوى‏مدلوله اللفظي، لفرض أنه ليس مدلولاً للفظ كما عرفت، وحيث إن النسبة لاتتصور إلاّ بين المنتسبين، فيكون الطرف الآخر لها، وهو مفهوم الاستفهام‏مستفاد من الأداة، على أساس أنها تدل على النسبة بالمطابقة وعلى طرفيهابالتبع باعتبار أنها لا يعقل بدونهما، ونفس الشي‏ء يقال بالنسبة إلى سائر الجمل‏الانشائية، كالجمل التمنية أو الترجية أو الطلبية، على أساس أن هذه النسب‏أيضاً نسب ثانوية، حيث إن طرفيها من المفاهيم الثانوية.
والخلاصة: أن أداة الاستفهام أو التمني أو الترجي أو هيئة الجملة الاستفهاميةأو التمنية أو الترجية التي تدل على النسبة الاستفهامية أو التمنية أو الترجيةبالمطابقة تدل على طرفيها بالالتزام والتبع، وهما مفهوم الاستفهام الذي هومفهوم اسمي والمستفهم عنه وهو الجملة التامة المدخول عليها الأداة، وعلى هذافلاتكون الجملة ناقصة على مستوى مدلولها اللفظي، فإذن لا اشكال في هذاالقول من هذه الناحية.
ولكن الذي يرد عليه أن النسبة المذكورة التي تدل عليها الأداة أو الهيئةالمتحصلة من دخولها على الجملة إنما هي نسبة بين المستفهم والمستفهم عنه، لابين مفهوم الاستفهام والمستفهم عنه، لأن مفهوم الاستفهام مفهوم اسمي، ولا تدل‏الأداة أو الهيئة على النسبة بينه وبين الجملة المدخول عليها الأداة، بل تدل على‏النسبة بين المستفهم والمستفهم عنه.
هذا إضافة إلى أن مفهوم الاستفهام مفهوم لحاظي منتزع من النسبةالاستفهامية لا طرف لها، فلذلك لا يصلح أن يكون طرفاً للنسبة.
الثاني: أن هذه النسبة التي هي بين مفهوم الاستفهام والجملة المستفهم عنهالا تخلو من أن تكون نسبة تامة واقعية في صقع الذهن أو ناقصة تحليلية،وكلتاهما غير معقولة.
أما الأول فلأن ملاك النسبة التامة أن يكون موطنها الأصلي الذهن، وأماالنسب الخارجية الأولية لا يمكن أن ترد إلى الذهن إلا ناقصة، والمقصودبالنسب الخارجية، كلما ما كان خارج الذهن بوصفه وعاء للتصور واللحاظ،سواء أكان موجوداً في عالم الخارج أي المادة أم في عالم النفس، ونتيجة ذلك أنه‏لا يمكن أن تكون النسبة الاستفهامية تامة، لأنها ثابتة خارج الذهن ولو كان هوعالم النفس الذي هو موطن الاستفهام.
وأما الثاني، فهو غير معقول في المقام، لأن طرفي النسبة التحليلية مع نفس‏النسبة يوجدان بوجود واحد في صقع الذهن، وذلك الوجود الواحد ينحل إلى‏أجزاء ثلاثة منها النسبة، ومن الواضح أن الصورة الموجودة في الذهن من‏الجملة الاستفهامية ليست صورة واحدة كصورة الانسان مثلاً وانحلالها عقلاًإلى ذات القيد وذات المقيد والتقيّد، بل الموجود فيه صورة جملة تامة، وهي‏المركبة من المقيد وهو الجملة المستفهم عنها، والقيد وهو المستفهم، والنسبةبينهما، فالنتيجة أنه لا ينطبق ضابط النسبة التامة على النسبة الاستفهامية، ولاضابط النسبة الناقصة التحليلية(16).
والجواب: ما تقدم موسعاً من أن النسبة سواء أكانت في الجملة التامةأم‏الناقصة ثابتة في الذهن بنفسها لا بوجودها اللحاظي، لأن الملحوظبهذااللحاظ فيه مفهوم اسمي لا حرفي، وانهابنفسها لا تتصف بالتمامية والنقصان‏إلاّ بالتبع.
وبكلمة، قد أشرنا في غير مورد أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا لوجودهاالتصوري لاستحالة أن توجد النسبة في الذهن، لأن ما وجد فيه تصوراً إنما هومفهوم النسبة لا واقعها، والمفروض أن مفهوم النسبة ليس بنسبة بالحمل‏الشائع، لأنه مفهوم اسمي وليس بحرفي، وعلى هذا فالنسبة الاستفهامية نسبةثابتة في الذهن بنفسها لا بوجودها التصوري اللحاظي، حيث إنه لا يعقل أن‏يكون لها وجود كذلك، فإذن لا يكون الذهن وعاءً وظرفاً لوجود النسبة، وإنماهي ثابتة فيها بنفسها لا بوجودها اللحاظي التصوري، فإذن يكون المراد من‏ثبوت النسبة الاستفهامية في عالم النفس دون عالم الذهن ثبوتها بنفسهالابوجودها اللحاظي التصوري في عالم الذهن الذي هو وعاء له.
فالنتيجة أن النسبة الاستفهامية نسبة واقعية ثابتة بنفسها في الذهن لابوجودها التصوري، وهذا لا ينافي ثبوتها في عالم النفس.
ولكن الذي يرد على هذا القول هو أن أحد طرفي النسبة الاستفهامية ليس‏مفهوم الاستفهام بل المستفهم، لأن مفهوم الاستفهام مفهوم انتزاعي منتزع من‏النسبة المذكورة في وعاء الذهن، فلا يصلح أن يكون طرفاً لها.
القول الثالث: ما اختاره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن الجمل المتمحضة في‏الانشاء كالجملة الاستفهامية موضوعة بإزاء النسبة بين المستفهم والجملةالمستفهم عنها، ولا وعاء لها إلاّ وعاء الاستفهام، لأنها توجد فيه، فإذا قيل »هل‏زيد قائم«، دلت كل‏ة )هل( أو هيئة الجملة الاستفهامية على النسبة بين‏المستفهم والسائل وبين القضية المستفهم والمسئول عنها، وهذه النسبة أي النسبةالاستفهامية غير النسبة في الجملة المدخول عليها كلمة »هل«، فإنها بين زيدوقائم، وتلك بين المستفهم والجملة المستفهم عنها، وتوجد في وعاء الاستفهام‏عند وجود الجملة الاستفهامية ودلالتها عليها، باعتبار أن الأداة أو الهيئة تدل‏على واقع الاستفهام، والسؤال الذي هو بالحمل الشائع عين الربط والنسبةبينهما، وكذلك الحال في الجملة التمنية والترجية، وأما مفهوم الاستفهام والتمني‏والترجي، فهو مفهوم اسمي وليس بحرفي ولا تدل الأداة عليه(17).
وغير خفي أن هذاالقول هوالصحيح وموافق للمتفاهم العرفي‏الإرتكازي‏من‏الجمل الاستفهامية ونظيراتها، فإذا قيل»هل زيد عالم« كان المتبادر منه‏واقع‏الاستفهام عن ثبوت‏العلم لزيد في‏الخارج، ومن الواضح أن‏الاستفهام متقوم‏ذاتاً وحقيقةً بشخص المستفهم والمستفهم عنه، لأنه نسبة بينهما بالحمل الشائع،وهذه النسبة التي تسمى بالنسبة الاستفهامية غيرالنسبة في‏الجملة المدخول‏عليها الأداة، لأنها بين زيد وعالم في المثال، ومباينة لها من جهة أن المقومات‏الذاتية لكل منهما مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى، وعلى هذا فالجملةالاستفهامية تدل على النسبة بين المستفهم والجملة المستفهم عنها بتعدد الدال‏والمدلول، فإنها تدل على هذه النسبة، والجملة المدخولة تدل على‏النسبة فيها،غاية الأمر أن هذه النسبة تخرج عن صلاحية الحكاية إذا دخلت عليها الأداة.
القول الرابع: ما اختاره بعض المحققين‏قدس سره، وحاصل ما اختاره أن مفادالجملة الاستفهامية واضرابها أو مفاد الأداة ليس نسبة مغايرة للنسبة المدلول‏عليها بالجملة المدخول عليها الأداة بل هو متمم لها.
بيان ذلك أن النسبة بين »زيد« و»عالم« في مثل قولنا »هل زيد عالم« ليس‏لها ركنان فحسب، بل لابد من ركن ثالث لها، على أساس أن النسبة التصادقيةلا معنى لها إلاّ بلحاظ وعاء يكون فيه التصادق، فإن الذهن يتصور »زيد«و»عالم« متصادقين على شي‏ء في عالم من العوالم خارج الذهن، وهذا العالم في‏الجملة الخبرية المجردة عن الأداة عالم التحقق والثبوت، وفي الجملة الاستفهاميةعالم الاستفهام والسؤال، وفي الجملة التمنية عالم التمني، وفي الجملة الترجية عالم‏الترجي وهكذا، ويكون المعنى في الجملة الاُولى تصادق المفهومين في وعاءالتحقق والثبوت، وفي الجملة الثانية تصادقهما في وعاء الاستفهام، وفي الجملةالثالثة وعاء التمني، وفي الجملة الرابعة وعاء الترجي وهكذا، وليس المقصود من‏هذا الطرف الثالث وجود مفهوم اسمي ثالث للنسبة التصادقية على حد مفهوم»زيد« و»عالم«، بل وجود ركن ثالث لقوام النسبة التصادقية، فإنها بحاجة إلى‏وعاء يصدق بلحاظه المفهومان.
وإن شئت قلت: إن النسبة التصادقية بين مفهومين لها حصص عديدة إحداهاالنسبة التصادقية بلحاظ وعاء التحقق، والاُخرى بلحاظ عالم السؤال‏والاستفهام، والثالثة بلحاظ عالم التمني وهكذا، وتعيين احدى هذه‏الحصص‏يكون بالأداة الداخلة على الجملة أو بتجردها عن كل أداة كما في‏الجملة الخبرية التامة(18).
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن مفاد الجملة الاستفهامية كقولك »هل زيدقائم«، واضرابها، نسبة مغايرة للنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« التي‏دخلت عليها الأداة، وذلك لما تقدم من أن مغايرة كل نسبة عن نسبة اُخرى إنماهي بمغايرة المقومات الذاتية لكل منهما للمقومات الذاتية للاُخرى، وحيث إن‏المقومات الذاتية للنسبة الاستفهامية التي هي مفاد الأداة أو الهيئة المتحصلة من‏دخولها على الجملة، مباينة للمقومات الذاتية للنسبة التي هي مفاد جملة »زيدقائم« التي هي المدخول عليها الأداة، لأن الاُولى متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص‏وجودي المستفهم والجملة المستفهم عنها، والثانية متقومة كذلك بشخص‏وجودي »زيد« و»قائم«، فإذن لا محالة تكون النسبة الاستفهامية مغايرةللنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم«، وعلى هذا فموطن النسبة الاستفهاميةعالم الاستفهام، وموطن النسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« الذهن، فهنانسبتان وتدل عليهما الجملة الاستفهامية بتعدد الدال والمدلول، فإن أداةالاستفهام تدل على النسبة الاستفهامية، والجملة المدخول عليها الأداة ك »زيدقائم« تدل على النسبة بينهما، فوعاء الاُولى عالم الاستفهام والسؤال، ووعاءالثانية عالم الذهن بحسب مرحلة التكوين، وعالم التحقق بحسب مرحلةالتصادق نفياً وإثباتاً، فإذن لا يمكن القول بأن مفاد الجملة الاستفهاميةواضرابها ليس نسبة مغايرة للنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« في المثال‏التي دخلت عليها الأداة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن النسبة التصادقية ليست مدلولاً وضعياً للجملة وإنماهي مدلول تصديقي لها ومتمثلة في النسبة الخارجية، فإن عالم الخارج والتحقق‏هو وعاء تصادق مفهومي طرفي النسبة الذهنية، والمدلول الوضعي للجملة انماهو النسبة الواقعية الذهنية التي يكون الذهن ظرفاً لنفسها وتحكي عن النسبةالخارجية بتبع اطرافها.
فالنتيجة أنه لا يمكن المساعدة على هذا القول.
القول الخامس: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن الجملة الانشائيةموضوعة لإبراز أمر اعتباري نفساني من الوجوب أو الحرمة أو الملكية أوالزوجية أو الاستفهام أو التمني أو الترجي، وقد أفاد في وجه ذلك أنه ليس في‏موارد الجمل الانشائية عند التحليل إلاّ اعتبار شي‏ء في صقع الذهن وابرازه في‏الخارج بمبرز ما، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما هو المشهور والمعروف بين الأصحاب من أن‏الانشاء عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لأنه إن‏اُريد بالايجاد الايجاد التكويني كإيجاد الجوهر والعرض، فبطلانه من‏الضروريات التي لا تقبل النزاع، بداهة أن الانشاء من المولى بما هو مولى لايمكن تعلقه بالموجودات الخارجية بشتى اشكالها وأنواعها، فإنها توجد بوجوداسبابها وعللها التكوينية، والمفروض أن الألفاظ ليست واقعة في سلسلة عللهاوأسبابها لكي توجد بها، وإن اُريد به الايجاد الاعتباري كإيجاد الوجوب‏والحرمة أو الملكية والزوجية وغير ذلك، فيرد عليه أن الايجاد الاعتباري بيدالمعتبر وجوداً وعدماً، لأنه فعل اختياري له مباشرة، ولا يعقل فيه التسبيب،ومن هنا يكفي في تحققه نفس الإعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظوالتلفظ به، ولا يعقل أن تكون الجملة الانشائية سبباً وعلة لإيجاده، وإلاّ لكان‏فعلاً تسبيباً وهذا خلف، نعم يكون اللفظ مبرزاً له في الخارج لا موجداً له،وأماالإعتبار الشرعي أو العقلائي، فهو مترتب على الجملة الانشائية إذااستعملت في‏معناها الموضوع له لا مطلقاً، والكلام فعلاً إنما هو في تعيين هذاالمعنى وتحديده سعةً أو ضيقاً(19).
ما ذكره‏قدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الجملة الانشائية موضوعة للدلالة على قصد ابراز أمر اعتباري‏نفساني خاص، على أساس أن كل متكلم يتعهد بأنه متى ما قصد ابراز ذلك‏يتكلم بالجملة الانشائية، مثلاً إذا قصد ابراز اعتبار الملكية، يتكلم بصيغة»بعت« أو »ملكت«، وإذا قصد ابراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله »زوجت«أو »أنكحت«، وإذا قصد إبراز اعتبار كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلم‏بصيغة »افعل« أو نحوهما وهكذا.
ومن هنا قلنا إنه لا فرق بينهما وبين الجملة الخبرية في الدلالة الوضعيةوالإبراز الخارجي، فكما أنها موضوعة للدلالة على ابراز أمر اعتباري كالملكيةوالزوجية ونحوهما، فكذلك تلك موضوعة للدلالة على ابراز قصد الحكايةوالاخبار عن الواقع.
الثانية: أن ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من أن الجملة الانشائيةموضوعة للدلالة على إيجاد المعنى في الخارج لا يرجع إلى معنى محصل.
ولكن كلتا النقطتين قابلة للنقد والمناقشة:
أما النقطة الاُولى فلأنها مبنية على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، وهو التعهدوالالتزام النفساني، فإنه يقتضي أن تكون الجملة الانشائية موضوعة للدلالةعلى قصد ابراز أمر اعتباري نفساني في الخارج، ولكن ذكرنا في باب الوضع‏موسعاً أن هذا المسلك غير تام فلا نعيد.
هذا إضافة إلى أن الوضع بمعنى التعهد لا يقتضي وضع الجمل الانشائيةللدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن‏تكون موضوعة للدلالة على قصد اخطار الأمر الاعتباري النفساني في الذهن،لأن الوضع بهذا المعنى وإن كان يقتضي أخذ الإرادة والقصد في المعنى الموضوع له‏أو العلقة الوضعية، باعتبار أن التعهد والالتزام لابد أن يكون متعلقاً بفعل‏اختياري قصدي، وأما كون متعلق القصد الإبراز أو الاخطار، فهو لا يقتضي‏ذلك، وكيف كان فما ذكره‏قدس سره مبني على مسلكه في باب الوضع، وأما على سائرالمسالك فيه، فلا يتم ما أفاده كما سوف نشير إليه.
وأما النقطة الثانية فمن الواضح جداً أن مراد المشهور من الايجاد ليس هوالايجاد التكويني الخارجي، على أساس أنه لا يمكن إيجاده بالانشاء باللفظ، ولاالايجاد الاعتباري، فإنه بيد المعتبر مباشرة ولا يعقل فيه التسبيب، بل مرادهم‏منه الايجاد الانشائي التصوري، على أساس أن الدلالة الوضعية دلالة تصوريةبحتة بدون فرق في ذلك بين الألفاظ المفردة والألفاظ المركبة من الجملات‏الخبرية والانشائية، ومعنى الايجاد الانشائي التصوري هو أن المتبادر من الجملةالانشائية كصيغة الأمر مثلاً النسبة المولوية البعثية الطلبية الفانية في واقع يرى‏بالنظر التصوري ثبوته بنفس هذه الجملة، بينما كان المتبادر من الجملة الخبريةالنسبة الفانية في واقع يرى بالنظر التصوري مفروغاً عنه، هذا هو الفارق بينهمافي المدلول التصوري، فيكون هذا الفرق من شؤون مرحلة المدلول الوضعي،وأما في مرحلة المدلول التصديقي، فالصيغة تدل على إرادة المولى تحرك المأمورنحو المادة وكشفها عن هذه الإرادة الجدية، بينما الجملة الخبرية تدل على إرادةالمخبر الحكاية والاخبار عن ثبوت ذلك الأمر المفروع عنه في الواقع أو نفيه فيه.
وعلى هذا فالظاهر أن المشهور أرادوا بتفسير الانشاء بالايجاد وضع الجملةالانشائية بإزاء معنى لا واقع له الا في وعاء الانشاء، فإن كانت الجملة الانشائيةطلبية فوعاؤه عالم الطلب، وإن كانت استفهامية فوعاؤه عالم الاستفهام، وإن‏كانت تمنية فوعاؤه عالم التمني وإن كانت ترجية فوعاؤه عالم الترجي وهكذا، فإذاكانت الجمل الانشائية موضوعة بإزاء المعاني الموجودة في هذه الأوعية ودالةعلى اخطارها في ذهن السامع وإن كانت صادرة من لافظ بغير شعور واختياركانت معانيها إيجادية، يعني لا واقع موضوعي لها ماعدا ثبوتها في تلك الأوعية،فالايجادية صفة للمعنى لا أنها صفة للفظ، لأن اللفظ لا يكون سبباً وعلةلإيجاده، فالجملة الانشائية تدل على معنى لا واقع موضوعي له في الخارج،ولذلك لا تتصف بالصدق والكذب، وهذا بخلاف الجملة الخبرية، فإنها تدل‏على معنى له واقع موضوعي، ولهذا تتصف بالصدق والكذب من جهة أنهاقدتكون مطابقة للواقع وقد تكون مخالفة له. تحصل من ذلك أن الايجادية صفةللمعنى وقائمة به بلحاظ وعائه لا للجملة، واتصافها بها إنما هو بالعرض وبلحاظمعناها لا في نفسها.
فالنتيجة أن مراد المشهور من أن الانشاء إيجاد المعنى باللفظ هو الايجادالانشائي التصوري، لا الايجاد التكويني ولا الايجاد الاعتباري، وهذا هوالظاهر من الجملة الانشائية بشتى أنواعها وأشكالها.
وبكلمة، إن صيغة »افعل« موضوعة للدلالة على معنى فان في واقع يرى‏بالنظر التصوري ثبوته بنفس هذه الصيغة في وعاء الطلب، وهو النسبة الطلبيةالمولوية، وصيغة الاستفهام موضوعة للدلالة على معنى - وهو النسبةالاستفهامية - فإن في واقع يرى باللحاظ التصوري ثبوته بنفس هذه الصيغة في‏وعاء الاستفهام، وكذلك الحال في صيغة التمني والترجي وما شاكلهما، وبذلك‏تفترق الجملة الانشائية عن الجملة الخبرية في مرحلة المدلول الوضعي‏التصوري، كما أنها تفترق عنها في مرحلة المدلول التصديقي، هذا تمام الكلام في‏المرحلة الاُولى وهي تعيين المدلول الوضعي الذاتي للجملة الانشائية.
وأما الكلام في المرحلة الثانية فيقع في تمييز الجمل المختصة بالانشاء عن‏الجمل المختصة بالاخبار، وهذا يختلف باختلاف المباني في تفسيرهما.
اما على مبنى السيد الاُستاذقدس سره فكلتا الجملتين تشترك في الدلالة الوضعية،وهي الدلالة على قصد المتكلم وإرادته، وتختلف في سنخ المقصود، فإنه في‏الجملة الاُولى ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وفي الجملة الخبرية الحكايةوالاخبار عن الثبوت والتحقق في الواقع أو نفيه، فلهذا لا تتصف الاُولى بالصدق‏والكذب، على أساس أنه لا واقع موضوعي لمدلوها في الخارج لكي يتصف‏بالصدق إذا كان مطابقاً للواقع، وبالكذب إذا لم يكن مطابقاً له، وتتصف الثانيةبالصدق والكذب باعتبار أن لمدلولها واقعاً موضوعياً قد يكون مطابقاً له وقديكون مخالفاً له، فعلى الأول تتصف بالصدق، وعلى الثاني بالكذب.
وأما على القول الرابع فلا اختلاف بين الجملتين في ذات المدلول الوضعي وهوالنسبة، وإنما الإختلاف بينهما في وعائها، مثلاً جملة »زيد قائم« موضوعةللدلالة على النسبة بينهما، ووعاؤها عالم التحقق والثبوت في مرحلة التصادق،وإذا دخلت عليها أداة الاستفهام كجملة »هل زيد قائم« دلت الأداة أو الهيئةالمتحصلة من دخولها عليها على تلك النسبة في وعاء الاستفهام، فالفرق بينهاوبين الجملة المجردة عن الأداة إنما هو في الوعاء، وكذلك إذا دخلت عليها أداةالتمني أو الترجي دلت على نفس النسبة في وعاء التمني أو الترجي وهكذا.
الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار
والخلاصة: أن النسبة لما كانت بحاجة إلى ركن ثالث - وهو الوعاء - زائداًعلى طرفيها، فهذا الركن في الجملة الخبرية إذا كانت مجردة عن الأداةعالم‏التحقق والثبوت، باعتبار أن طرفي النسبة متصادقان على شي‏ء واحد فيه،وفي‏الجملة الانشائية إذا كان استفهامية عالم الاستفهام، وإذا كانت تمنية عالم‏التمني وهكذا.
وعلى هذا فالفرق بين الجملة الانشائية والخبرية إنما هو في وعاء المدلول‏التصوري الوضعي لا في ذاته، لأن المتبادر من الجملة الاستفهامية النسبةالاستفهامية التصادقية في وعاء الاستفهام وإن كانت الجملة صادرة من‏متكلم‏بغير شعور واختيار، والمتبادر من الجملة التمنية، النسبة التمنية التصادقيةفي وعاء التمني وهكذا، والمتبادر من الجملة الخبرية، النسبة التصادقية في‏وعاءالتحقق والخارج.
وأما بناءً على ما قويناه فتفترق الجملة الانشائية من الجملة الخبرية في‏النسبة والوعاء معاً، فإن الجملة الانشائية الاستفهامية موضوعة للدلالة على‏النسبة بين المستفهم والجملة المستفهم عنها في عالم الاستفهام، والجملة التمنيةموضوعة للدلالة على النسبة بين المتمني والجملة المتمني عنها وهكذا، والجملةالخبرية »كزيد عالم« موضوعة للدلالة على النسبة التصادقية بينهما في عالم‏التحقق والثبوت، وهذه النسبة مغايرة للنسبة في الجملة الانشائية، من جهة أن‏المقومات الذاتية لكل منهما مغايرة للمقومات الذاتية للاُخرى.
ثم إن إيجادية المعنى الانشائي كما مرّ إنما هي بلحاظ ثبوته في وعاء لاواقع‏موضوعي له في الخارج، كما أن حكائية المعنى الاخباري إنما هي بلحاظثبوته في الواقع.
وأما الكلام في المورد الثاني، فيقع في الجملة المشتركة وهي الجملةالخبرية التي تستعمل في مقام الانشاء المعاملي كجملة »بعت« أو »اشتريت« أوفي مقام إنشاء البعث والطلب كجملة »يعيد« أو »أعاد« وهكذا.
وهل يكون استعمالها في مقام الانشاء في معنى آخر مغاير لمعناها في مقام‏الاخبار، فيه أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن مفاد »بعت« إخباراًوإنشاءاً واحد، وهو نسبة إيجاد المادة إلى المتكلم، وهيئة »بعت« مستعملةفيها،وهذه النسبة الايجادية الواقعة بين المادة والمتكلم إن قصد الحكاية عن‏ثبوتها في الواقع فالجملة خبرية، وان قصد إيجادها التنزيلي اللفظي في عالم‏الانشاء فالجملة انشائية(20).
ونتيجة ما أفاده‏قدس سره هي أن المدلول الوضعي التصوري للجملة المشتركةواحد، وهو النسبة الايجادية بين المادة والمتكلم، فإنها تدل عليها وضعاً وإن‏كان‏صدورها عن لافظ بغير شعور واختيار، وحينئذ فإن كان في مقام الانشاءكان يقصد إيجاد هذه النسبة خارجاً بوجودها التنزيلي اللفظي، وليس وراء ذلك‏أمر آخر، وإن كان في مقام الاخبار كان يقصد - زيادة عن ثبوت المعنى تنزيلاً -الحكاية عن ثبوته في موطنه.
والخلاصة: أن الجملة المشتركة بين الاخبار والانشاء إذا استعملت في مقام‏الاخبار، فقد احتوت على نقطة زائدة، وهي قصد الحكاية عن ثبوت المعنى‏في‏عالم التحقق والخارج زائداً على قصد اخطاره في ذهن السامع وإيجاده‏التنزيلي بالوجود اللفظي.
وما ذكره‏قدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن المدلول التصوري الوضعي في الجمل المشتركة بين الاخباروالانشاء واحد، وهو إيجاد النسبة المتعلقة بالمادة بالوجود اللفظي التنزيلي‏واخطارها في ذهن السامع.
الثانية: أنها في مقام الاخبار تتضمن نكتة زائدة، وهي قصد الحكاية عن‏ثبوت النسبة المذكورة في موطنها وعدم ثبوتها فيه.
ولنأخذ بالنظر على كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى: فيرد عليها ما سوف نشير إليه في ضمن البحوث القادمة،من أن الجمل المشتركة موضوعة بإزاء ذات النسبة المناسبة لكلا النحوين من‏اللحاظ التصوري الحكائي والايجادي، وتدل عليها بتعدد الدال والمدلول، بأن‏تدل ذات الجملة على ذات النسبة، وخصوصيتها على خصوصيتها من الايجاديةأو الحكائية، فالجملة في مقام الاخبار تدل على نسبة فانية بالنظر التصوري في‏مصداق مفروغ عنه في الخارج، وفي مقام الانشاء تدل على نسبة فانية في‏مصداق يرى بالنظر التصوري ثبوته بنفس هذه الجملة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن ما ذكره‏قدس سره - من أن المدلول الوضعي لهذه الجملة النسبةبين المادة والمتكلم، والجملة مستعملة فيهاسواء أكانت في مقام الاخبار أم‏الانشاء، غاية الأمر إذا كانت في مقام الاخبار قصد أمراً زائداً عليها، وهوالحكاية عنها في الواقع - لا يمكن المساعدة عليه، لأن الموضوع له لها إذا كان‏النسبة الايجادية بينهما، فهي لا تتصف بالحكائية لا تصوراً ولا تصديقاً، أماالأول فلأن النسبة الحكائية بالنظر التصوري هي النسبة الفانية بهذا النظر في‏واقع مفروغ عن ثبوته في الخارج، ومن الواضح أن هذا في مقابل النسبة الفانيةبالنظر التصوري في مصداق يرى ثبوته ووجوده بنفس الجملة، فلذلك لا يمكن‏الجمع بينهما، وأما الثاني فلأنه لا يمكن أن يقصد المتكلم الحكاية عن هذه النسبةالتي لا واقع لها غير وجودها بين المادة والمتكلم الحاصلة بنفس الجملة، ومن هناكان المتبادر منها بالتبادر التصوري في مقام الاخبار غير ما هو المتبادر منها بهذاالتبادر في مقام الانشاء.
ومن ناحية ثالثة، إن تفسيره الايجاد بالايجاد التنزيلي اللفظي مبني على أن‏معنى الوضع عنده هو تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى، ولكن قد تقدم أن هذاالتفسير للوضع تفسير خاطي‏ء لا يمكن الالتزام به، ومن هنا يكون استعمال‏اللفظ في المعنى يقتضي التغاير والإثنينية، لا أنه يتطلب الإتحاد والعينية بالتنزيل‏والإعتبار.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها مامرّ الآن من أن قصدالحكاية عن‏النسبةالايجادية بين‏المادة والمتكلم‏التي لاثبوت لها بالنظرالتصوري إلا بثبوت نفس‏الجملة مما لامعنى له، إذ لا واقع لها لكي يقصدالحكاية عنها، ومن‏الواضح أن‏قصدالحكاية عن النسبة، يستلزم كون النسبة حكائية بالنظرالتصوري، على‏أساس أن‏المدلول‏التصديقي هوالمدلول‏التصوري، ولافرق بينهما في نفس المدلول.
القول الثاني: ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره، فإنه بعد ما قوى أن المعنى‏الحرفي والاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ الآلي والإستقلالي،قال لا يبعد أن يكون الانشاء والاخبار أيضاً من هذا القبيل، بمعنى أن طبيعي‏المعنى الموضوع له واحد فيهما، والإختلاف بينهما إنما هو في الداعي، فإنه‏في‏الانشاء قصد إيجاد المعنى، وفي الخبر قصد الحكاية عنه، وكلاهما خارجان‏عن حريم المعنى(21).
توضيح ذلك: أن الصيغ المشتركة كصيغة »بعت« و»ملكت« ونحوهماتستعمل في معنى واحد مادة وهيئة في مقام الاخبار والانشاء، وأما بحسب المادةفظاهر، لأن معناها الطبيعيُّ المهمل، وهي تستعمل فيه دائماً سواء كانت الهيئةالطارئة عليها يستعمل في مقام الاخبار أو الانشاء، وأما بحسب الهيئة فلأنهاتستعمل في نسبة إيجاد المادة إلى المتكلم في كلا المقامين، غاية الأمر أن الداعي في‏مقام الانشاء إنما هو إيجادها في الخارج، وفي مقام الاخبار الحكاية عنها،فالإختلاف بينهما في الداعي لا في المستعمل فيه.
وإن شئت قلت: إن العلقة الوضعية في أحدهما غير العلقة الوضعية في الثاني،فإنها في الجمل الانشائية تختص بما إذا قصد المتكلم إيجاد المعنى في الخارج، وفي‏الجمل الخبرية تختص بما إذا قصد الحكاية عنه فيه.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الإختلاف بين الجملة الخبريةوالانشائية، إنما هو في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه لا في مجرد الداعي،بتقريب أن هذه الجمل تقسم إلى صنفين أحدهما ما يستعمل من مقام الانشاء،والآخر ما يستعمل في مقام الاخبار.
أما الأول فهو موضوع للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت شي‏ءفي الواقع أو نفيه فيه، والثاني موضوع للدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباري‏النفساني، فالمعنى الموضوع له في الأول هو قصد الحكاية والاخبار عن الواقع،وفي الثاني هو قصد ابراز الأمر الاعتباري من الوجوب أو الحرمة أو الملكية أوالزوجية أو نحو ذلك.
ويؤكد ذلك أن معنى الانشاء والاخبار لو كان واحداً بالذات والحقيقة وكان‏الإختلاف بينهما من ناحية الداعي، كان اللازم أن يصح استعمال الجملة الاسميةفي مقام الطلب كما يصح استعمال الجملة الفعلية فيه، بأن يقال »إن المتكلم في‏الصلاة معيد صلاته«، كما يقال »إنه يعيد صلاته« أو »إنه إذا تكلم في صلاته‏أعاد صلاته« مع أنه من أفحش الأغلاط(22).
ولنأخذ بالنقد على ما أفاده‏قدس سره، وملخصه أن هذا الإشكال مبني على‏مسلكه‏قدس سره من باب الوضع، فإن الوضع بمعنى التعهد يقتضي كون الجملة ك»بعت« أو »اشتريت« مثلاً في موارد الاخبار موضوعة للدلالة على قصدالحكاية عن الواقع نفياً أو اثباتاً، وفي موارد الانشاء موضوعة للدلالة على‏قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني، ولا يمكن انخفاظ قصد الحكاية والاخبارعن ثبوت شي‏ء في الواقع أو نفيه فيه في موارد استعمالها في الانشاء، إذ مقتضى‏مسلك التعهد أن كل مستعمل واضع، وعليه فالمستعمل للجملة المشتركة إذااستعملها في موارد الاخبار، تعهد بأنه لا يتكلم بها في هذه الموارد إلا إذا قصدالحكاية بها عن ثبوت شي‏ء في الواقع، وإذا استعملها في موارد الانشاء، تعهدبأنه لا يتكلم بها في هذه الموارد إلاّ إذا قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني،فإذن يكون لها وضعان: وضع في موارد استعمالها في الاخبار، ووضع في موارداستعمالها في الانشاء، وعليه فهذا الإختلاف بينهما في المعنى الموضوع له‏والمستعمل فيه نتيجة حتمية للإلتزام بهذا المسلك، ولكن هذا المسلك غير تام‏كما ذكرناه في باب الوضع.
وبكلمة أوضح أن الجمل المشتركة التي تستعمل في مقام الانشاء المعاملي‏كصيغة »بعت« و»ملكت« و»زوجت« وهكذا، أو في مقام إنشاء الطلب مثل»أعاد« و»يعيد« وما شاكل ذلك، هل تستعمل في معنى آخر غير معناها الذي‏يراد منها في موارد استعمالها في مقام الاخبار.
والجواب: أن هناك عدة تفسيرات لذلك.
الأول: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من انهما مختلفتان في المدلول الوضعي،فإنه في موارد استعمالها في مقام الاخبار قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع‏أو نفيها فيه، وفي موارد استعمالها في مقام الانشاء قصد ابراز الأمر الاعتباري،كان من الاعتبارات المعاملية أم التكليفية على تفصيل تقدم آنفاً.
ولكن قد مرّ أن ذلك مبني على مسلك التعهد في باب الوضع.
الثاني: ما ذهب إليه المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الجمل المشتركة موضوعةلمعنى واحد، ولا فرق بينهما اخباراً وانشاءً فيه، والفرق إنما هو في الداعي، فإن‏كان الداعي على استعمالها في معناها الموضوع له إيجاده وانشاؤه في وعائه فهي‏انشائية، وإن كان الحكاية عن ثبوته في الخارج فهي خبرية.
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أنه إن اُريد من الداعي إرادة إيجاد مدلولهاالوضعي في وعاء الطلب أو الإعتبار من الاعتبارات المعاملية في موارد استعمالهافي مقام الانشاء وإرادة الحكاية عن ثبوته في وعاء التحقق والخارج في موارداستعمالها في الاخبار، فيرد عليه أن لازم ذلك هو أن اتصاف الجملة المشتركةبالخبرية تارة والانشائية اُخرى، إنما هو بلحاظ المدلول التصديقي لها دون‏المدلول الوضعي، حيث إنه لا اختلاف بينها اخباراً وانشاءً فيه، لأنها بلحاظه لاانشائية ولا اخبارية، وإنما تتصف بهما بلحاظ مدلولها التصديقي.
والخلاصة: إن الجمل المشتركة على هذا القول لا تتصف بالخبرية والانشائيةبلحاظ مدلولها الوضعي التصوري، وإنما تتصف بهما بلحاظ مدلولها التصديقي،ولكن سوف نشير إلى أن الفرق بينهما اخباراً وانشاءً، إنما هو في المدلول‏التصوري لا في المدلول التصديقي فقط.
وإن اُريد من الداعي تقييد العلقة الوضعية في كل منهما بحالة خاصة كما فسره‏بذلك السيد الاُستاذقدس سره، فيرد عليه أن هذا التفسير لا ينسجم مع مسلكه‏قدس سره من‏أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، فإن لازم هذا التفسير هوالالتزام بأن الدلالة الوضعية تصديقية لا تصورية.
الثالث: أن الجملة في موارد الاخبار تختلف عن الجملة في موارد الانشاءبالمدلول الوضعي التصوري بالالتزام بتعدد الوضع، بأن تكون الجملة في مواردالاخبار موضوعة بإزاء النسبة التي تلحظ فانية باللحاظ التصوري في مصداق‏مفروغ عنه في عالم التحقق والخارج، وفي موارد الانشاء موضوعة بإزاء نفس‏النسبة، ولكنها تلحظ فانية باللحاظ التصوري في مصداق يرى ثبوته بنفس‏هذه الجملة، وعليه فخصوصية الحكاية والايجادية بالمعنى المذكور مأخوذة في‏المدلول التصوري لكل منهما، فإذن خبرية الجملة وإنشائيتها إنما هي بالمدلول‏التصوري دون التصديقي فحسب، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون الجملة خبريةإلاّ بلحاظ وضعها بإزاء معنى حكائي في عالم التصور، كما لا يمكن أن تكون‏انشائية إلاّ بوضعها بإزاء معنى انشائي كذلك.
الرابع: أن الجملة المشتركة موضوعة بوضع واحد بإزاء معنى اخباري، وهوالمعنى الفاني في واقع مفروغ عنه بالنظر التصوري، فهي بلحاظ وضعها جملةخبرية لا مشتركة بينها وبين الانشائية، ولكنها في مقام الانشاء استعملت في‏معنى إنشائي مجازاً، و هو المعنى الفاني في مصداق يرى بالنظر التصوري كأنه‏حاصل بنفس هذه الجملة، وعلى هذا فالجملة المذكورة جملة اخبارية وضعاً،ولكنها قد تستعمل في مقام الانشاء مجازاً، وعليه فخصوصية الاخباريةوالايجادية بالمعنى المذكور مأخوذة في المدلول التصوري بنحو الحقيقة والمجاز.
الخامس: أن الجملة المذكورة موضوعة بإزاء ذات النسبة المناسبة لكلاالنحوين من اللحاظ التصوري الحكائي والايجادي، فتدل عليها بنحو تعددالدال والمدلول، بأن تدل الجملة بنفسها على ذات النسبة وبخصوصيتها على‏الايجادية أو الحكائية.
وبعد ذلك نقول: أنه لا يمكن الالتزام بالوجه الأول، فإنه مبني على مسلك‏التعهد، ولا بالوجه الثاني كما مرّ.
وحينئذ فهل الظاهر من الوجوه الثلاثة الأخيرة الوجه الأول أو الثاني أوالثالث، الظاهر هو الثالث دون الأول، فإن الالتزام بتعدد الوضع في الجمل‏المذكورة بعيد جداً، لأن الظاهر أن لها وضعاً واحداً مادة وهيئة، ودون الوجه‏الثاني، لأن الالتزام بأن استعمالها في مقام الانشاء مجاز، خلاف ما هو المرتكز في‏الأذهان، وعلى هذا فالظاهر هو أن استعمال هذه الجمل في مقام الانشاءوالاخبار كليهما حقيقي من باب تعدد الدال والمدلول، فإن الجملة بنفسها تدل‏على ذات النسبة وبخصوصيتها، ككونها في مقام الاخبار تدل على خصوصيةحكائية، وكونها في مقام الانشاء تدل على خصوصية إيجادية، على أساس‏أن‏كل جملة ظاهرة في أن المدلول التصديقي لها مطابق للمدلول التصوري‏طالمالم‏تكن قرينة على عدم المطابقة، باعتبار أن المدلول التصديقي هوالمدلول‏التصوري، ولا فرق بينهما إلاّ في أن الأول متعلق للإرادة والقصد،والثاني لللحاظ والتصور.
فالنتيجة من‏ذلك كله، أن‏الظاهر من هذه‏الوجوه الثلاثة هوالوجه‏الثالث،وعلى هذا فلافرق بين الجمل‏المستعملة في‏مقام‏الاخبار والجمل‏المستعملة في مقام‏الانشاء في‏ذات المعنى الموضوع له، وإنما الفرق بينهما في خصوصيته بدال آخر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: أن الجملة الناقصة كهيئة الإضافة والتوصيف ونحوهماموضوعةبإزاء نسبة واقعية ذهنية كالحروف الداخلة عليها، فلا فرق بينهمامن‏هذه الناحية.
الثانية: أن الجملة الخبرية التامة موضوعة للدلالة على واقع النسبة في‏الذهن وهي النسبة بالحمل الشائع، ولها خصائصها الذاتية التكوينية كالإرتباطوالالتصاق بين المفاهيم فيه، وأما ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنها موضوعةللدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه‏فهوغير تام، لأنه مبني على مسلك التعهد في باب الوضع، وقد تقدم أن‏هذاالمسلك غير تام.
الثالثة: أن مدلول الجمل الخبرية التامة بما أنه النسبة الواقعية الذهنية،فلذلك يصح استعمالها في جميع الموارد، سواء كانت من موارد هل المركبة أم‏البسيطة أم ذاته تعالى وصفاته العليا الذاتية والاعتباريات والانتزاعيات، فلوكان مدلولها النسبة الخارجية لم يصح استعمالها في كثير من تلك الموارد، باعتبارأنه لا مدلول لها فيها، إما من جهة أنه لا وجود للموضوع والمحمول فيها في‏الخارج أو أنهما موجودان بوجود واحد فيه، وعلى كلا التقديرين فلا تعقل‏النسبة الخارجية فيها.
الرابعة: أنه لا فرق في ذلك بين الجمل الاسمية كقولك »زيد عالم«، والجمل‏الفعلية ك »ضرب زيد«، فإن كلتا الجملتين موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية، غاية الأمر أن جملة »زيد عالم« أو ماشاكلها ترجع إلى قولك »زيدشي‏ء له صفة تلك الصفة علم« على تفصيل تقدم في بحث علامية صحة الحمل.
الخامسة: أن الوضع على مسلك التعهد يقتضي أن يكون متعلقه اختيارياً،وهل في الجملة التامة يقتضي أن يكون متعلقه قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت‏النسبة في الواقع أو نفيها فيه؟ والجواب أنه لا يقتضي ذلك، إذ كما يمكن أن يكون‏ذلك متعلقه، يمكن أن يكون متعلقه قصد اخطار المعنى في ذهن السامع، فما ذكره‏السيد الاُستاذقدس سره من تعين الأول، فهو بحاجة إلى مبرّر، ولا مبرر له.
السادسة: أن أداة الاستفهام الداخلة على الجملة التامة كقولك »هل زيدعالم« أو الهيئة الحاصلة من دخولها عليها، موضوعة للدلالة على النسبةالاستفهامية بين شخص المستفهم والقضية المستفهم عنها في وعاء الاستفهام.
السابعة: أن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية ليس ثبوت النسبة في‏الجملة المدخول عليها الأداة في وعاء الذهن، بل ثبوتها في وعاء الخارج الذي‏ليس مدلولاً للجملة وضعاً، فإن مدلولها الوضعي كما مرّ، النسبة الواقعيةالذهنية دون النسبة الخارجية، والمسؤول عنه في الجملة الاستفهامية هو النسبةالخارجية، فإنها أحد طرفي النسبة الاستفهامية.
الثامنة: أن أداة الاستفهام أو الجملة الاستفهامية على مسلك التعهدموضوعة للدلالة على قصد الاستفهام وإنشائه، وليست دلالتها عليه من باب‏تعدد الدال والمدلول، لأن الجملة المدخول عليها الأداة قد انسلخت عن معناهاالموضوع له وهو قصد الحكاية، فإنها في هذه الحالة لا تدل عليه، لعدم توفرشروط هذه الدلالة فيها في تلك الحالة. وأما على سائر المسالك في باب الوضع،فتكون دلالة الجملة الاستفهامية على الاستفهام من باب تعدد الدال والمدلول،فإن الأداة تدل على الاستفهام، والجملة المدخول عليها الأداة تدل على‏النسبةالتامة فيها.
التاسعة: أن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية ليس المدلول الوضعي‏للجملة المدخول عليها الأداة، لا على مسلك التعهد في باب الوضع ولا على سائرالمسالك في هذا الباب، أما على الأول فلأنها منسلخة عن معناها الموضوع له،وهو قصد الحكاية في حالة دخول الأداة عليها، فإذن ليس لها معنى كي يتجه‏الاستفهام إليه.
وأما على الثاني فلأن السؤال في الجملة متجه إلى ثبوت النسبة في الخارج، لاإلى معناها الموضوع له وهو النسبة الواقعية الذهنية، ولا فرق في ذلك بين دخول‏الأداة على الجملة التامة كقولك »هل زيد قائم« أو دخول الفعل عليها كقولك»أخبرني أن زيداً عادل« على تفصيل تقدم.
العاشرة: أن الجملة التامة تتميز عن الجملة الناقصة بالنكتة التالية، وهي أن‏الغرض من احضار الجملة التامة في أفق الذهن، إنما هو جعلها وسيلة لاصدارالحكم التصديقي عليها في الخارج الذي يصح السكوت عليه من دون أن يظل في‏حالة الإنتظار، بينما يكون الغرض من احضار الجملة الناقصة في الذهن، إنما هومعرفة نفسها مرآة لما وراءها في الخارج، لا لاصدار حكم تصديقي عليها في‏الخارج، باعتبار أنها لا تتضمن مطلباً تصديقياً فيه، فمن أجل ذلك لا يصح‏السكوت عليها، وهذا هو الفارق بينهما، لا أن النسبة في الاُولى نسبة واقعيةذهنية وفي الثانية نسبة تحليلية، ولا ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الفرق بينهما،فإنه مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع ولايتم على سائر المسالك في هذاالباب، ولا ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من الفرق بينهما، وقد تقدم كل ذلك موسعاً.
الحادية عشرة: الصحيح أن الجمل المتمحضة في الانشاء وكصيغة الاستفهام‏مثلاً موضوعة بإزاء النسبة الاستفهامية بين المستفهم والقضية المستفهم عنهافي‏وعاء الاستفهام، وهذه النسبة تختلف عن النسبة بين طرفي القضية المستقهم‏عنها ذاتاً ووعاءً.
الثانية عشرة: تتميز الجمل المتمحضة في الانشاء وكصيغة الأمر والاستفهام‏والتمني والترجي عن الجمل المتمحضة في الاخبار كزيد قائم مثلاً في النسبةووعائها معاً، لا في الوعاء فقط كما تقدم.
الثالثة عشرة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الفرق بينهما في أن الاُولى‏موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه ،والثانية موضوعة للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني، مبني‏على‏مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، وحيث إن هذا المسلك غير تام كما ذكرناه هناك،فلا يمكن الالتزام بهذا الفرق.
الرابعة عشرة: أن المعنى الانشائي إيجادي بلحاظ وعائه كوعاء الاستفهام‏والطلب والتمني والترجي وغير ذلك، فإن صيغة الاستفهام تدل على النسبةالاستفهامية في وعاء الاستفهام، وصيغة الأمر تدل على النسبة الطلبية في وعاءالطلب، وصيغة التمني تدل على النسبة التمنية في وعاء التمني وهكذا، ولا واقع‏موضوعي لها وراء ثبوتها في هذه الأوعية التي توجد بنفس دلالة هذه الصيغ.
وإن شئت قلت: إن صيغة الأمر تدل على النسبة الطلبية الفانية بالنظرالتصوري في مصداق يرى ثبوته بنفس الصيغة، وصيغة الاستفهام تدل على‏النسبة الاستفهامية الفانية باللحاظ التصوري في مصداق يرى ثبوته بنفس هذه‏الصيغة، وهكذا صيغة التمني والترجي، وهذا بخلاف الجملة الخبرية، فإنهاموضوعة للدلالة على النسبة التي تلحظ فانية بالنظر التصوري في مصداق‏مفروغ عنه في الخارج، فلهذا تكون معانيها حكائية.
الخامسة عشرة: الظاهر أن الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار موضوعةللدلالة على ذات النسبة المناسبة لكلا النحوين من اللحاظ التصوري الايجادي‏والحكائي، وتدل عليها بتعدد الدال والمدلول، بأن تدل الجملة على ذات النسبةوخصوصيتها على الحكائية والايجادية.
السادسة عشرة: أن الجمل المستعملة في موارد الانشاء تمتاز عن الجمل‏المستعملة في موارد الاخبار بالمدلول التصوري، فإنها في الموارد الاُولى‏مستعملة في النسبة الفانية باللحاظ التصوري في مصداق يرى كأنه حاصل‏بنفس هذه العملية، وفي الثانية مستعملة في النسبة الفانية بالنظر التصوري‏في‏مصداق مفروغ عنه في الخارج.
السابعة عشرة: أن إيجادية الجملة الانشائية إنما هي بلحاظ مدلولهاالتصوري الوضعي دون مدلولها التصديقي فحسب، وكذلك حكائية الجملةالخبرية، باعتبار أن المدلول التصديقي لكل جملة يتناسب مع المدلول التصوري‏لها، وحيث إن المدلول التصوري للجملة الانشائية النسبة في وعاء لا واقع‏موضوعي لها ماعدا ثبوتها فيه، فالمدلول التصديقي المناسب هو قصد وجودتلك النسبة في نفس وعائها.
الثامنة عشرة: قد ظهر مما مرّ أمران:
مدلول حرف النداء
الأول: أن إيجادية المعنى الانشائي إنما هي بلحاظ وعائه كوعاء الاستفهام‏والطلب ونحوهما، على أساس أنه لا واقع موضوعي له وراءه، وحيث إن معنى‏الجملة الانشائية مما لا وجود له إلا في هذا الوعاء، فلذلك تتصف بالايجادية،أي انها تدل على معنى لا وجود له إلاّ فيه.
الثاني: أن إيجادية المعنى الانشائي ليست بمعنى التوليد والايجاد الخارجي،ولا بمعنى الايجاد الاعتباري النفساني، ولا بمعنى انهافي طول دلالة الجملة على‏مدلولها التصوري والتصديقي، بل بمعنى أنه لا وعاء له إلاّ وعاء الجملة الانشائيةتصوراً وتصديقاً، ولهذا يرى ثبوت مصداقه بنفس الجملة.
ها هنا اُمور:
الأول: في مدلول حرف النداء وتعيين حدوده.
الثاني: في مدلول اسماء الاشارة وتحديده سعةً وضيقاً.
الثالث: في تفسير الوضع النوعي وتمييزه عن الوضع الشخصي.
أما الكلام في الأمر الأول فالظاهر أن أداة النداء موضوعة بإزاء واقع النسبةبين المنادى بالفتح والمنادي - بالكسر -، فإن معناها الموضوعة له هو النداء،وهو بالحمل الشائع نسبة بينهما، ولم توضع بإزاء مفهوم النداء، باعتبار أنه ليس‏بنداء بالحمل الشائع الصناعي، بل هو نداء بالحمل الأولي، ومفهوم اسمي وليس‏بحرفي، والموضوع بإزائه هو لفظ النداء لا حرف النداء.
ثم إن أداة النداء تختلف عن أداة الاستفهام والتمني والترجي في نقطة، وهي أن‏تلك الأداة لا تدخل إلا على الجملة التامة، كقولك »هل زيد عالم«، »ولعل‏زيداً عادل« و»ليت بكراً قائم« بينما أداة النداء لا تدخل إلا على المفرد أو التثنيةأو الجمع دون الجملة التامة.
وبكلمة، إن أداة الاستفهام موضوعة بإزاء واقع النسبة بين المستفهم والجملةالمستفهم عنها، وأداة التمني موضوعة بإزاء واقع النسبة بين المتمني والجملةالمتمني عنها وهكذا، وأداة النداء موضوعة بإزاء واقع النداء الذي هو نداءبالحمل الشائع بين الشخص المنادي والمنادى - بالفتح - في وعاء النداء، ولا واقع‏موضوعي له، غير أنه يرى بالنظر التصوري ثبوته في هذا الوعاء بنفس هذه‏الأداة، كوعاء الاستفهام والطلب والتمني والترجي وغير ذلك.
قد يقال كما قيل: إن دلالة حرف النداء على النسبة المذكورة ليست من ناحيةالوضع كسائر الحروف والأدوات، بل من ناحية أن حرف النداء كالصوت منبه‏طبيعي، غاية الأمر أن الصوت منبه تكويني عام، وحرف النداء منبه تكويني‏خاص، وعليه فإطلاقه إيجاد للمنبه التكويني، لا كما هو حاك عن معناه‏الموضوع له ودال عليه(23).
ولكن هذا القول خاطى‏ء جداً، وذلك لأن الإحساسات الأولية للإنسان‏والحيوان وإن كانت منبهات طبيعية تكوينية يستخدمها الانسان في حياته‏الإعتيادية الأولية لابراز مقاصده وافكاره للآخرين، إلاّ أنها لا تنطبق على‏الألفاظ بالنسبة إلى معانيها.
بيان ذلك أن المنبه على نوعين:
الاول: المنبه الطبيعي التكويني.
الثاني: المنبه الشرطي الصناعي.
أما الأول فهو يمثل الإحساسات الأولية للإنسان والحيوان، فإذا رأى أحدأسداً مثلاً انتقل الذهن إلى صورته مباشرة، وهذا الإنتقال والإستجابة الذهنيةنتيجة طبيعية أولية للإحساس البصري، وإذا سمع صوته انتقل الذهن إلى صورةالصوت استجابة طبيعية أولية للإحساس السمعي وهكذا.
ثم إن المنبة الطبيعي تارة يكون أولياً واُخرى يكون ثانوياً، فإذا سمع أحدصوتاً كان انتقال الذهن منه إلى صورة الصوت أولياً، لأنه نتيجة الإحساس به‏مباشرة، وأما الإنتقال منه إلى صورة صاحبه من إنسان أو حيوان فهو ثانوي،مثلاً إذا رأى صورة الأسد في جدار مثلاً كان انتقال الذهن إلى نفس هذه الصورةالمنقوشة أولياً وبشكل مباشر بدون أي واسطة في البين، وأما انتقاله إلى‏صورةالحيوان المفترس في الخارج فهو ثانوي، فالمنبه الطبيعي بكلا قسميه‏قانون عام تكويني في حياة الانسان الإعتيادية، ولا يتوقف على أي عامل‏وسبب خارجي.
وأماالثاني وهو المنبه الشرطي، فهو يتوقف على عامل خارجي، كما إذا سمع‏شخص صوتاً من خلف الباب مثلاً، فسماعه بالنسبة إلى انتقال الذهن إلى صورةالصوت منبه أولي، وبالنسبة إلى صورة صاحبه اجمالاً منبه ثانوي، وأما بالنسبةإلى أنه زيد فهو منبه شرطي يتوقف على تكرار سماع هذا الصوت من زيدبدرجة يحصل التقارن بينه وبين صورة زيد في الذهن، وحينئذ فكلما سمع هذاالصوت انتقل الذهن إلى أنه صوت زيد، ومن هذا القبيل ما إذا سمع‏صوت‏جرس الباب مثلاً من شخص خاص مكرراً إلى حدّ يوجب انتقال الذهن‏إلى صورته متى سمع ذلك الصوت، فيكون سماعه حينئذ منبهاً شرطياًلانتقال‏الذهن إليها.
وأما اللفظ فالإنتقال منه إلى صورته عند الإحساس به نتيجة طبيعية،فيدخل في المنبهات التكوينية الأولية، وأما الإنتقال منه إلى معناه فهو منبه‏شرطي وليس بطبيعي، على أساس أنه بحاجة إلى عامل خارجي كمي أو كيفي،والأول يمثل كثرة الاستعمال إلى أن تؤدي إلى الإشراط والإرتباط الذهني بينه‏وبين المعنى، والثاني يمثل الوضع.
فالنتيجة أن اللفظ إنما يكون منبهاً شرطياً بأحد العاملين المذكورين:
الأول: الوضع التعييني، وهو العامل الكيفي.
الثاني: الوضع التعيّني، وهو العامل الكمي.
فاللفظ يكون منبهاً شرطياً بالنسبة إلى معناه الموضوع له كغيره من الأفعال.
وبعد ذلك نقول: إن حرف النداء ككلمة »يا« مثلاً موضوع لواقع النداء الذي‏هو نداء بالحمل الشائع وربط حقيقي بين المنادي والمنادى، ومن الواضح أن‏حرف النداء لا تدل عليه بالذات وبدون عامل، بل تتوقف دلالته عليه على‏عامل كمّي أو كيفي كدلالة سائر الحروف على معانيها.
مدلول أسماء الاشارة
وبكلمة، إن حرف النداء يكون منبهاً طبيعياً بالنسبة إلى انتقال الذهن إلى‏صورته كما هو الحال في سائر الألفاظ، وأما بالنسبة إلى معناه وهو واقع النسبةبين الشخص المنادي والمنادى في وعاء النداء، فلا يكون منبهاً طبيعياً لانتقال‏الذهن إليه، بل منبه شرطي كسائر الحروف وبحاجة إلى عامل خارجي كالوضع‏أو كثرة الاستعمال، وحيث إن نسبة حرف النداء إلى مدخوله وغيره على حدسواء، فتعيينه بحاجة إلى دال آخر، فإذا أراد نداء زيد مثلاً قال »يا زيد« فحرف‏النداء يدل على واقع النسبة بين المنادي والمنادى بتعدد الدال والمدلول، بأن‏يكون الدال على واقع النسبة حرف النداء، والدال على أن المنادى هو زيد في‏المثال، الهيئة المتحصلة من دخول حرف النداء عليه، كأداة الاستفهام وغيرها،فإنها تدل على النسبة الاستفهامية بتعدد الدال والمدلول، بأن تدل الأداة على‏هذه النسبة، والجملة المدخولة على النسبة بين جزئيها.
ومن هنا يظهر أن معنى حرف النداء كمعنى حرف الاستفهام ونحوه إيجادي،بمعنى أنه لا واقع موضوعي له وراء ثبوته في وعاء النداء.
وأما الكلام في الأمر الثاني فيقع في مداليل اسماء الاشارة والضمائروالموصولات وتحديدها سعة وضيقاً، فهنا أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره من أنه يمكن أن يقال أن‏المستعمل فيه في أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما عام كالحروف وأن تشخصه إنماجاء من قبل طور استعمالها، حيث إن اسماء الاشارة وضعت ليشار بها إلى‏معانيها، وكذا بعض الضمائر، وبعضها ليخاطب بها المعنى، والاشارة والتخاطب‏يستدعيان التشخص كما لا يخفى، فدعوى أن المستعمل في مثل »هذا« و»هو«و»إياك« إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من قبل الاشارة والتخاطب‏بهذه الألفاظ إليه، فإن الاشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلاّ إلى الشخص أومعه غير مجازفة(24).
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره »بأنا لو سلمنا اتحاد المعنى الحرفي والاسمي‏ذاتاً وحقيقة واختلافهما باللحاظ الآلي والإستقلالي، لم نسلم ما أفاده‏قدس سره في‏المقام، والوجه فيه هو أن لحاظ المعنى في مرحلة الاستعمال مما لابد فيه ولامناص عنه، ضرورة أن الاستعمال فعل اختياري للمستعمل، فيتوقف صدوره‏على تصور اللفظ والمعنى، وعليه فللواضع أن يجعل العلقة الوضعية في الحروف‏بما إذا لوحظ المعنى في مقام الاستعمال آلياً، وفي الأسماء بما إذا لوحظ المعنى‏استقلالاً، ولا يلزم على الواضع أن يجعل لحاظ المعنى آلياً كان أو استقلالياً قيداًللموضوع له، بل هذا لغو وعبث بعد ضرورة وجوده وأنه في مقام الاستعمال ممالابد فيه، وهذا بخلاف اسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، فإن الاشارة إلى المعنى‏ليست مما لابد منه في مرحلة الاستعمال.
بيان ذلك أنه إن اُريد بالاشارة استعمال اللفظ في المعنى ودلالتة عليه، كما قدتستعمل في ذلك كما في مثل قولنا »قد أشرنا إليه فيما تقدم« أو »فلان أشار إلى‏أمر كذا في كتابه أو كلامه«، فالاشارة بهذا المعنى مشترك فيها بين جميع الألفاظ،فلا اختصاص لها بأسماء الاشارة وما يلحق بها، وإن اُريد بها أمر زائد على‏الاستعمال، فلابد من اخذه في الموضوع له، ضرورة أنه ليس كلحاظ المعنى ممالابد منه في مقام الاستعمال، بمعنى أنه ليس شيئاً يقتضيه طبع الاستعمال، بحيث لايمكن الاستعمال بدونه، وحينئذ فلابد من اخذه قيداً في المعنى الموضوع له، وإلاّفالاستعمال بدونه بمكان من الامكان. »فالصحيح في المقام أن يقال: إن أسماءالاشارة والضمائر ونحوهما وضعت للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عندالاشارة والتخاطب لا مطلقاً، فلا يمكن ابراز تفهيم تلك المعاني بدون الاقتران‏بالاشارة أو التخاطب، فكل متكلم تعهد في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم معانيهاأن يتكلم بها مقترنة بأحد هذين الأمرين، فكلمة »هذا« أو »ذاك« لا تدل على‏معناها وهو المفرد المذكر إلاّ بمعونة الاشارة الخارجية، كالاشارة باليد كما هي‏الغالب أو بالرأس أو بالعين، وضمير المخاطب لا يبرز معناه إلا مقترناً بالخطاب‏الخارجي، ومن هنا لا يفهم شي‏ء من كلمة »هذا« مثلاً عند اطلاقها مجردة عن‏أية إشارة خارجية(25)»، هذا.
ويمكن المناقشة فيه.
أما أولاً: فلما يظهر من المحقق الخراساني‏قدس سره في أنه يمكن أخذ الاشارةوالتخاطب في المعنى الموضوع له كما يمكن أخذها في العلقة الوضعية، فهما من هذه‏الناحية يختلفان عن اللحاظ الآلي والإستقلالي، باعتبار أن لحاظ المعنى مما لابدمنه في مقام الاستعمال دون الاشارة والتخاطب، فلهذا يكون أخذ اللحاظ في‏المعنى الموضوع له لغواً دون أخذهما فيه.
وثانياً: إن ما ذكره‏قدس سره من الفرق بين اسماء الاشارة والضمائر وبين الحروف‏لايتم، وذلك لأن استعمال اللفظ في المعنى بملاك أنه فعل اختياري يتوقف على‏أصل اللحاظ والتصور، كما هو الحال في سائر الأفعال الإختيارية، لا على لحاظوتصور خاص وهو اللحاظ الآلي أو الاستقلالي، ضرورة أن استعمال كلمة»من« مثلاً في الابتداء الذي هو معناه الموضوع له على مسلكه‏قدس سره لا يتوقف على‏لحاظه آلياً، وإنما يتوقف على طبيعي اللحاظ الجامع بين الآلي والإستقلالي‏وصرف وجوده، وعليه فلا مانع من أخذ خصوص اللحاظ الآلي في معناهاالموضوع له، باعتبار أنه ليس مما لابد منه في مقام الاستعمال، وخصوص‏اللحاظ الإستقلالي في المعنى الموضوع له الأسماء، وعلى هذا فلا فرق بين المقام‏وبين الحروف والأسماء، فكما أنه يمكن أخذ الاشارة والتخاطب قيداً في المعنى‏الموضوع له في المقام، يمكن أخذ اللحاظ الآلي أو الإستقلالي قيداً فيه هناك، ولايكون لغواً.
وثالثاً: أنه لا مانع من أخذ اللحاظ الآلي قيداً للمعنى الموضوع له في‏الحروف، والإستقلالي قيداً له في الأسماء ولكن في طول المعنى لا في عرضه، وماقيل من أن ذلك لا يمكن، لأن اللحاظ المأخوذ قيداً للمعنى الموضوع له إن كان‏عين اللحاظ الجائي من قبل الاستعمال، لزم أخذ ما هو متأخر رتبة في المتقدم،وإن كان غيره فهو خلاف الوجدان، مدفوع بأن هذا المحذور إنما يلزم لو أخذاللحاظ الآلي أو الإستقلالي قيداً للمعنى الموضوع له في عرضه، وأما إذا اُخذقيداً له في طوله، بأن يكون المعنى الموضوع له مقيداً باللحاظ الآلي أوالاستقلالي الجائي من قبل الاستعمال، فلا يلزم المحذور المذكور، على أساس أنه‏يتحقق بنفس اللحاظ الاستعمالي.
وبكلمة، إنه لا مانع ثبوتاً لذلك من أن يكون المعنى الموضوع له مقيداً بواقع‏اللحاظ الآلي طولاً في الحروف، وبواقع اللحاظ الإستقلالي كذلك في الأسماء، وأن هذا القيد الطولي يتحقق بالاستعمال لا أنه متحقق في عرض المعنى، ومن‏الواضح أنه لا محذور في وضع لفظ بإزاء معنى مقيد بقيد طولي يتحقق ذلك القيدبنفس الاستعمال، كما أنه لا مانع من تقييد المعنى الموضوع له بمفهوم اللحاظ الآلي‏أو الاستقلالي لا بواقعة، غاية الأمر فالمعنى الموضوع له عندئذٍ يكون كلياً لاجزئياً، ولكن التقييد بمفهوم اللحاظ ليس مراد صاحب الكفايةقدس سره، فإن مراده‏التقييد بواقع اللحاظ الآلي فلذلك يصير المعنى جزئياً، باعتبار أن الوجودمساوق للتشخص وإن كان وجوداً لحاظياً ذهنياً. فالنتيجة: أنه لا مانع من‏تقييد المعنى بهذا القيد طولاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من تقييد العلقة الوضعيةبالاشارة والتخاطب الخارجيين لا يتم.
أما أولاً: فلأنه لا موجب لهذا التقييد بعد ما كان المعنى الموضوع له‏والمستعمل فيه مطلقاً وغير مقيد باللحاظ الآلي أو الإستقلالي، فإن الموجب لهذاالتقييد في الحروف، هو أن امتيازها عن الأسماء الموازية لها يتوقف على ذلك، إذلا امتياز بينهما في ذات المعنى الموضوع له، فلولم تكن العلقة الوضعية في الحروف‏مقيدة بما إذا لوحظ معانيها آلياً وفي الأسماء بما إذا لوحظ معانيها استقلالياً، لم يكن‏فرق بينهما لا في الوضع ولا في المعنى الموضوع له، وأما في المقام فلا موجب لتقييدالعلقة الوضعية في أسماء الاشارة والضمائر بالاشارة والتخاطب، لفرض أن المعنى‏الموضوع له فيهما عام ولا مبرر لتقييده ولا تقييد العلقة الوضعية، حيث لايتوقف الإمتياز بينهما على ذلك، فإذن لا مقتضى له.
وثانياً: إن هذا التقييد لا ينسجم مع ما سلكه‏قدس سره في باب الوضع من أن الدلالةالوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، فإن مقتضى هذا التقييد هو أنها تصديقية لاتصورية، لأن تقييد العلقة الوضعية بواقع الاشارة والتخاطب يتطلب كون‏الدلالة الوضعية تصديقية، وهذا إنما ينسجم مع مسلك التعهد، لا مع ماهوالتحقيق في باب الوضع من أنها تصورية محضة وثابتة حتى عند التلفظبالكلمة بدون قصد وشعور.
فالنتيجة أن ما استظهره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن المعنى الموضوع له في‏أسماء الاشارة وأخواتها عام والعلقة الوضعية فيهما خاصة وثابتة في حالةخاصة، وهي حالة ما إذا أشار المتكلم إلى المعنى الموضوع له والمستعمل فيه أوخاطب به في مرحلة الاستعمال غير تام، إذ لا موجب لهذا التخصيص أولاً،ومناسب لمسلك التعهد ثانياً دون سائر المسالك.
القول الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن أسماء الاشارة ونظيراتهاموضوعة للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب لامطلقاً، فلا يمكن ابراز تفهيم تلك المعاني بدون الإقتران بالاشارة والتخاطب،فكل متكلم تعهد في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم معانيها أن يتكلم بها مقترنةبأحد هذين الأمرين، فكلمة »هذا« أو»ذاك« لا تدل عل معناها وهو المفردالمذكر إلاّ بمعونة الاشارة الخارجية، كالاشارة باليد كما هي الغالب أو بالرأس أوبالعين، وضمير الخطاب لا يبرز معناه إلاّ مقترناً بالخطاب الخارجي، ومن هنالا يفهم شي‏ء من كلمة »هذا« عند إطلاقها مجردة عن الإقتران بأية إشارةخارجية(26). هذا،
وللنظر فيه مجال، وذلك لأنه مبني على مسلك التعهد الذي هو مختاره‏قدس سره في‏مسألة الوضع، اذ على أساس هذا المسلك لابدّ من الالتزام بأن أسماء الاشارةوالضمائر موضوعة للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارةوالتخاطب، باعتبار أن دلالة الألفاظ على معانيها في ضوء هذا المسلك‏دلالةتصديقية لا تصورية، ولكن قد ذكرنا هناك أن مسلك التعهد في باب‏الوضع غير تام، ومن هنا قلنا إن الدلالة الوضعية دلالة تصورية بحتة على‏تفصيل تقدم هناك.
والتحقيق في المقام أن يقال: إن أسماء الاشارة موضوعة بإزاء واقع الاشارةالتي هي إشارة بالحمل الشائع، ومن الواضح أن واقع الاشارة يمثل النسبةبين‏المشير والمشار إليه، وتدل عليها بالدلالة الوضعية التصورية التي هي‏محفوظة حتى عند التكلم بها بدون قصد وشعور، وينتقل الذهن من سماعها إلى‏تصور معناها، وهو الاشارة الفانية في واقعها وهو النسبة بين المشير والمشار إليه‏في وعاء الاشارة.
وإن شئت قلت: إن كلمة »هذا« أو »ذاك« موضوعة للدلالة على الاشارةالواقعية وهي النسبة بين المشير والمشار إليه، ولم توضع بإزاء مفهوم الاشارة التي‏هي إشارة بالحمل الأولي ومفهوم اسمي، لأن الموضوع بإزائه هو كلمة )إشارة(،ومن الواضح أن كلمة »هذا« لا تكون مرادفة لكلمة »الاشارة«، فلوكانت‏موضوعة بإزاء مفهومها لكانت مرادفة لها، وهي كماترى، ومن هنا كان المتبادرمن كلمة »هذا« واقع الاشارة، والمتبادر من كلمة »الاشارة« مفهومها، فيكون‏ذاك نظير الحروف الداخلة على الجملة الناقصة ك »من« و»إلى« و»في«و»على« وما شاكلها، فإن كلمة »من« موضوعة لواقع الابتداء الذي هو ابتداءبالحمل الشائع، وهو النسبة بين المبتدأ به والمبتدأ منه، ولم توضع بإزاء مفهوم‏الابتداء الذي هو ابتداء بالحمل الأولي ومفهوم اسمي، فيكون الموضوع بإزائه‏لفظ »الابتداء«.
ودعوى أن كلمة »هذا« أو »ذاك« لوكانت موضوعة بإزاء واقع الاشارة،فلازم ذلك أن تكون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، لأن واقع الاشارة - سواءكان متمثلاً في الفعل الخارجي كالاشارة باليد أو العين أو الرأس أم الفعل‏النفساني كتوجه خاص من النفس - مدلول تصديقي.
مدفوعة، بأن المراد من واقع الاشارة هو النسبة الإشارية الواقعية بين المشيروالمشار إليه التي هي إشارة بالحمل الشائع لا الفعل الخارجي ولا الفعل‏النفساني، ومن الواضح أن وضعها بإزاء تلك النسبة لا يستلزم كون الدلالةالوضعية تصديقية، لأن النسبة الاشارية التي هي ثابتة في الذهن بنفسها من‏المعاني التصورية كسائر أنحاء النسب والروابط، مثلاً كلمة »من« موضوعةبإزاء واقع النسبة بين المبتدأ به والمبتدأ منه، وكلمة »في« موضوعة بإزاء واقع‏النسبة الظرفية بين الظرف والمظروف وهكذا، ولا يستلزم ذلك كون دلالة تلك‏الحروف عليها تصديقية، بل هي تصورية بتبع دلالة أطرافها كما مر، ونفس‏الشي‏ء يقال في الضمائر.
والخلاصة: أن أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما كالحروف الداخلة على‏الجمل الناقصة مثل كلمة »من« و»إلى« و»على« و»في« وغيرها، فكما أن‏هذه الحروف موضوعة بإزاء النسب الواقعية في عالم الذهن التي هي نسب‏بالحمل الشائع، فكذلك أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، فإنها موضوعة بإزاءالنسب الواقعية في وعاء الذهن، فاسم الاشارة موضوع بإزاء واقع الاشارة وهوالنسبة الاشارية بين المشير والمشار إليه، وضمير المخاطب موضوع لواقع‏الخطاب الذي هو خطاب بالحمل الشائع ونسبة بين المتكلم والمخاطب وهكذا.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الأول: بطلان ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره في أسماء الاشارة والضمائر من‏أن‏العلقة الوضعية قد قيدت فيهما بالاشارة والتخاطب مع كون المعنى الموضوع‏له فيهما عاماً.
الثاني: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنهما موضوعتان للدلالة على قصدتفهيم معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب مبني على مسلكه في باب الوضع،وهو التعهد، ولكن قد ذكرنا هناك أن المبنى غير تام.
الثالث: الصحيح أنهما موضوعتان بإزاء واقع الاشارة والخطاب، وهو النسبةبين المشير والمشار إليه في عالم الذهن، والنسبة بين المتكلم والمخاطب فيه.
وهناك مجموعة من الدعاوي في المسألة.
الاُولى: قد يتوهم أن اسماء الاشارة ك »هذا« موضوعة بإزاء المفرد المذكر،و»هذه« موضوعة بإزاء المفرد المؤنث.
ولكن لا أساس لهذا التوهم، ضرورة أن كلمة »هذا« لم توضع بإزاء المفردالمذكر، إذ لوكانت موضوعة بإزائه لكان لازم ذلك أن يكون معناها معنى‏اسمياًلا حرفياً ومرادفة لكلمة المفرد المذكر، وهذا باطل جزماً، لوضوح أن‏المتبادر من كلمة »هذا« غير ما هو المتبادر من كلمة المفرد المذكر، فإن‏المتبادرمنها مفهومه، ولذلك تكون من اسماء الأجناس، فلا يعقل أن تكون‏مرادفه لاسماء الاشارة.
الثانية: قد يقال: إن اسماء الاشارة موضوعة بإزاء الاشارة الخارجية التي هي‏نسبة خارجية بين وجود المشير ووجود المشار إليه في الخارج، في مقابل‏الاشارة الذهنية التي هي نسبة بينهما في الذهن.
ولكن هذا القول أيضاً باطل.
أما أولاً: فلما ذكرناه في باب الوضع من أن الألفاظ لم توضع بإزاء المعاني‏المقيدة بالوجود الخارجي منها اسماء الاشارة ونحوها، كما أنها لم توضع بإزاءالمعاني المقيدة بالوجود الذهني، أو فقل: إن وضع اللفظ بإزاء المعنى المقيدبالوجود الخارجي وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لم يقع في اللغات، لأنها موضوعةبإزاء معاني قد توجد في الذهن وقد توجد في الخارج، واما إذا وضعت بإزاءالمعاني المقيدة بالوجود الخارجي، فلا يمكن انطباقها عليها في الذهن، وكذلك‏الأمر بالعكس. فالنتيجة أن عدم وضع اسماء الاشارة ونظيراتها للمعاني المقيدةبالوجود الخارجي أمر مقطوع به.
وثانياً: أن لازم ذلك هو كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، على أساس‏أن الموجود الخارجي مساوق للتصديق به، فإذا كان المعنى الموضوع له مقيداًبالوجود الخارجي فهو مدلول تصديقي للفظ، ولكن تقدم أن الدلالة الوضعيةدلالة تصورية بحتة وثابتة حتّى عند صدور اللفظ من لافظ بلا شعور واختيار.
الثالثة: قد يتخيل أن اسماء الاشارة موضوعة بإزاء الاشارة في أفق النفس،وهي التوجه الخاص منها إلى المشار إليه، و هو المفرد المذكر أو المؤنث.
ولكن يرد عليها أولاً: أن لازم ذلك هو كون الدلالة الوضعية لها دلالةتصديقية، على أساس أن التوجه الخاص من النفس إلى شي‏ء يناسب التصديق‏به، لأنه فعل اختياري لها، فلا يمكن صدوره منها بالنسبة إلى شي‏ء بدون‏الإلتفات والتصديق.
وإن شئت قلت: إن الذهن هو وعاء التصور وموطن صور الأشياء، وأماوعاء التصديق فهو خارج عن وعاء التصور، سواء كان عالم الخارج أم عالم‏النفس، فإذن يكون عالم النفس في وعاء التصديق لا التصور.
وثانياً: إن المتبادر من كلمة »هذا« أو »ذاك« هو واقع الاشارة بين المشيروالمشار إليه في عالم الذهن دون توجه خاص من النفس.
فالنتيجة، أنه لا يتم شي‏ء من هذه الدعاوي الثلاث.
هذا تمام الكلام في تحديد مفاهيم أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما.
وأما الكلام في الأمر الثالث فيقع في مقامين:
الأول: في بيان ضابط الوضع الشخصي والوضع النوعي.
الثاني: أن وضع الهيئات والحروف وماشاكلهما هل هو نوعي أو شخصي.
ضابط الوضع النوعي والوضع الشخصي‏
أما الكلام في المقام الأول فالضابط للوضع الشخصي هو تصور شخص‏اللفظ بحده الفردي وشخصه الذاتي ثم وضعه بإزاء معنى، فيكون اللفظ الموضوع‏شخص الملحوظ والمستحضر في الذهن لا نوعه، مثلاً إذا أراد الواضع وضع لفظ»زيد« مثلاً وقام باستحضار شخصه في الذهن ثم وضع نفس المستحضر بإزاءمعنى كان الوضع شخصياً، لأن الموضوع شخص اللفظ المستحضر لا فرده،وكذا إذا تصور لفظ »الانسان« بحدّه الشخصي ثم وضع بإزاء معنى كان من‏الوضع الشخصي، فإن الضابط فيه كون اللفظ الموضوع شخص اللفظالمستحضر في الذهن لا فرده المستحضر فيه بنوعه لا بشخصه.
وأما الضابط للوضع النوعي فهو أن الملحوظ والمستحضر في الذهن في مقام‏عملية الوضع نوع اللفظ والعنوان العام دون شخص اللفظ الموضوع، كما إذاتصور الواضع في مقام عملية الوضع هيئة »فاعل« من جهة أنها عنوان عام‏للهيئات الخاصة كهيئة »ضارب« و»ناصر« و»عالم« و»عادل« و»قائم«وهكذا، فإن تصورها تصور لتلك الهيئات الخاصة بعنوانها العام واستحضارهااستحضار لها كذلك، وحيث إن تصور اللفظ الموضوع واستحضاره في الذهن‏إجمالاً بتصور واستحضار عنوانه العام فيه يكفي في مقام عملية الوضع، فلامانع‏حينئذ من وضع الهيئات الخاصة بعنوانها العام، بأن يقول كل ما كان‏على‏زنة »فاعل« فهو موضوع للمعنى الفلاني، فيكون الموضوع في الحقيقةشخص كل هيئة خاصة، بينما المستحضر والمتصور في الذهن نوعها وهو الهيئةالعامة المنتزعة.
وقد تسأل هل يمكن وضع الهيئة العامة بإزاء معنى بنحو الوضع العام‏والموضوع له العام؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأنه لا يتصور معنى جامع بين معاني الهيئات‏الخاصة حتى تكون الهيئة العامة موضوعة بإزائه، باعتبار أن معاني الهيئات‏المذكورة معان نسبية، وقد تقدم في بحث الحروف أن الجامع الذاتي بين أنحاءالنسب والروابط غير معقول، على أساس أن كل نسبة متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص وجود طرفيها، ومع التحفظ على مقومات كل نسبة فهي متباينات‏بالذات، من جهة أن المقومات الذاتية لكل منها مباينة للمقومات الذاتيةللاُخرى، ومع الغائها فلا نسبة حتى يتصور الجامع بينها.
هذا إضافة إلى أن معاني تلك الهيئات مختلفة من جهة اُخرى أيضاً، وهي أن‏التلبس والنسبة بين تلك الهيئات قد يكون صدورياً كما في »ضارب« وقد يكون‏حلولياً كما في »مائت« و»عالم« هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن الهيئة العامة بما أنه لا واقع موضوعي لها في الخارج،باعتبار أنها منتزعة من الهيئات الخاصة، فلا معنى لوضعها مستقلاً في مقابل‏وضع تلك الهيئات.
وضع الهيئات نوعي أو شخصي‏
وبكلمة، إن الوضع علاقة بين اللفظ والمعنى، وفي مقام عملية الوضع لابد من‏تصور واستحضار كل من اللفظ »الموضوع« والمعنى »الموضوع له« في الذهن،فكما أن الواضع قد يستحضر المعنى الكلي الانتزاعي في الذهن ويضع اللفظبإزاء أفراده، فيكون من الوضع العام والموضوع له الخاص، وقد يستحضرالمعنى في الذهن ويضع اللفظ بإزاء نفس ذلك المعنى المستحضر فيه، فيكون من‏الوضع العام والموضوع له العام، فكذلك قد يستحضر اللفظ الموضوع في الذهن‏بشخصه ويضع نفس اللفظ المستحضر بإزاء المعنى، ويكون هذا من الوضع‏الشخصي، وقد يستحضر اللفظ بعنوان عام في الذهن ويضع أفراده المستحضرةباحضاره فيه بإزاء المعاني دون شخص اللفظ المستحضر، ويكون هذا من‏الوضع النوعي دون الشخصي.
إلى هنا قد تبين ضابط الوضع الشخصي والوضع النوعي.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع في موردين:
الأول: في وضع الهيئات الافرادية والجملية.
الثاني: في وضع الحروف وما يلحق بها.
أما المورد الأول: فالمعروف والمشهور بين الاُصوليين أن وضع الهيئات‏نوعي لا شخصي، ووضع المواد شخصي لا نوعي، ويمكن تقريب ذلك بأن المادةبما أنها ملحوظة بوحدتها الذاتية الشخصية من قبل الواضع في مقام عمليةالوضع ثم توضع نفس تلك المادة المستحضرة بإزاء معنى لا أفرادها، فلا محالةيكون من الوضع الشخصي، لأن الموضوع شخص اللفظ المستحضر لا نوعه،مثلاً مادة »ضرب« وهي »ض ر ب« فإذا قام الواضع بوضعها استحضرها في‏الذهن بحدها الشخصي المميز عن غيرها، ثم وضع شخص تلك المادةالمستحضرة في الذهن بإزاء معنى لا أفرادها، وهذا بخلاف الهيئة، فإن الواضع‏في‏مقام وضع الهيئات يقوم باستحضار هيئة جامعة بينها في الذهن التي هي‏عنوان عام لها ومندك فيها في الخارج ، وحيث إن استحضارها استحضار لتلك‏الهيئات الخاصة بعنوانها العام، فيكفي ذلك في وضع تلك الهيئات في ضمن‏هيئةجامعة عامة بالصيغة التالية: هي أن كلما كان على هيئة »فعل« مثلاً،فهوموضوع للمعنى الكذائي، وكل ما كان على هيئة »فاعل«، فهو موضوع‏للمعنى الفلاني وهكذا، إذ من البعيد جداً أن يقوم الواضع بوضع كل هيئةبخصوصها بالوضع الشخصي.
فالنتيجة أن ضابط الوضع النوعي ينطبق على وضع الهيئات، فلذلك يكون‏نوعياً لا شخصياً.
وقد استشكل على ذلك بوجهين:
أحدهما: أن ملاك شخصية الوضع في المواد إن كان امتيازها عن مادة اُخرى‏ذاتاً وحقيقة وبجوهر حروفها، فهذا الملاك موجود بعينه في الهيئة، لأن كل هيئةتمتاز عن هيئة اُخرى ذاتاً وحقيقة وبوحدتها الطبيعية وهويتها الشخصية، فإن‏هيئة »فاعل« تمتاز عن هيئة »مفعول« كذلك وهكذا، فإذن ما هو الموجب‏لكون وضع المواد شخصياً ووضع الهيئات نوعياً، وإن كان ملاك نوعية وضع‏الهيئات عدم اختصاص الهيئة بمادة دون اُخرى، فهذا الملاك بعينه موجود في‏المواد أيضاً، فإن المادة لا تختص بهيئة دون اُخرى، لأن مادة »ض ر ب« لاتختص بهيئة »ضارب«، بل تعم سائر الهيئات ومشتقاتها أيضاً، فإذن ما هوالسبب لكون وضع الهيئات نوعياً والمواد شخصياً؟
وقد أجاب عنه المحقق الأصبهاني‏قدس سره، وتقريب ذلك مع التوضيح أن المادةبوحدتها الذاتية وهويتها الشخصية وجوهر حروفها جامعة ذاتية بين أفرادها،لأن جميع أفرادها تشترك في المقومات الذاتية لها، وهي جوهر حروفهاوامتيازها الذاتي والماهوي عن غيرها، والواضع في مقام عملية الوضع قداستحضر المادة بجوهر حروفها وبوحدتها وهويتها الشخصية المميزة في الذهن‏ثم وضعها بإزاء معنى، فيكون الموضوع شخص اللفظ الملحوظ والمستحضر فيه‏مباشرة لا نوعه، وهذا هو معنى الوضع الشخصي.
وأما الهيئة فحيث إنها مندكة في المادة ومندمجة فيها غاية الإندماج، فلااستقلال لها في الوجود اللحاظي كما في الوجود الخارجي كالمعنى الحرفي، فلايمكن انفكاكها عنها وتجريدها ولو في الذهن، لأن كل هيئة متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص مادتها، فلذلك تكون مباينة للاُخرى، من جهة أن المقومات الذاتيةلكل منها مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى، وعليه فلا يتصور جامع ذاتي بين‏الهيئات لكي يكون الموضوع ذلك الجامع الذاتي، فإذن لا محالة يجب الوضع‏لأشخاصها بجامع عنواني انتزاعي، كقولهم كلما كان على زنة »فاعل« فهوموضوع لكذا وكذا.
وإن شئت قلت: إن الهيئة الجامعة ذاتاً وحقيقة بين جميع الهيئات غيرمتصورة، لأن تلك الهيئات متباينات بالذات والحقيقة من جهة أن المقومات‏الذاتية لكل منها مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى وهي المواد، فإذن لابدللواضع في مقام الوضع من احضار عنوان انتزاعي يشير به إليها، على أساس أنه‏عنوان عام لها وتصوره تصور لها بعنوانها ثم يضع تلك الهيئات بعنوان عام لمعنى،وهذا هو المراد من الوضع النوعي أي الوضع لها بجامع عنواني، أو ان المراد منه‏هو أن المادة حيث يمكن لحاظها فقط، فالوضع شخصي، والهيئة حيث لا يمكن‏لحاظها فحسب، بل لابد أن يكون في ضمن مادة، فالوضع لها يوجب اقتصاره‏عليها، فيجب حينئذ أن يقال هيئة »فاعل« وما يشبهها موضوعة لكذا، وهذامعنى نوعية الوضع أي الوضع لها ولما يشبهها(27).
وقد علق على هذا الجواب بعض المحققين‏قدس سره بتقريب أنه لا يتم في بعض‏الهيئات الا فرادية كهيئة اسم الفاعل وفعل الماضي، فإن الاُولى موضوعة للذات‏المتلبسة بالمبدأ، والثانية موضوعة للنسبة بين الفعل والفاعل، وتلبس الذات‏بالمبدأ قد يكون صدورياً كما في »ضارب« و»قاتل«، وقد يكون حلولياً كما في»مائت« و»عالم« وهكذا، وكذلك نسبة الفعل إلى الفاعل، فإنها قد تكون‏صدورية كما في مثل »ضرب« و»قتل« وقد تكون حلولية كما في مثل »مات«و»علم« و»قام« وهكذا، وعلى هذا فلا يخلو اما أن يكون المعنى الموضوع له‏لاسم الفاعل الجامع بين النحوين من التلبس وهو الذات المتلبسة بالمبدأ الجامعةبين التلبس الصدوري والحلولي أو حصة خاصة منه وهي التلبس الصدوري،وكلاهما لا يمكن.
أما الأول: فلأن لازمه صحة استعمال هيئة اسم الفاعل في كل من التلبس‏الصدوري والحلولي، مع أنه لا يصح استعمال هيئة »قاتل« في التلبس الحلولي،وكذا هيئة »ضارب«، لأن من تلبس بحلول القتل عليه، فإنه مقتول لا قاتل،ومن تلبس بوقوع الضرب عليه، فإنه مضروب لا ضارب، كما لا يصح استعمال‏هيئة »مائت« في التلبس الصدوري، وكذا هيئة »عالم« و»قائم«.
وأما الثاني: فلأن لازمه عدم صحة استعمال هيئة »فاعل« في التلبس‏الحلولي على نحو الحقيقة مع أنه لا شبهة في صحة استعمال هيئة »مائت«و»عالم« ونحوهما فيه حقيقة، وعدم صحة استعمالها في التلبس الصدوري،ونفس الشي‏ء يقال في نسبة الفعل إلى الفاعل.
وعلى هذا فلا مناص من الالتزام بأن الواضع حين عملية الوضع يلاحظ كل‏هيئة مقرونة بمادتها الخاصة ويضعها للتلبس والنسبة المناسبة لها، مثلاً يلاحظهيئة »قاتل« مقرونة بمادتها الخاصة وبعنوانها المخصوص ثم يضعها بإزاء معنى‏مناسب لها، فيكون الموضوع نفس الهيئة المستحضرة في الذهن لا نوعها، وهذاهو ضابط الوضع الشخصي دون النوعي(28).
ولكن يمكن التعليق عليه بأنه لا مانع من الالتزام بأن هيئة اسم الفاعل‏موضوعة بإزاء الذات المتلبسة بالمبدأ، وهيئة فعل الماضي موضوعة بإزاء نسبةالفعل إلى الفاعل، ولا تدل على أكثر من ذلك، وأما الصدورية أو الحلولية فهي‏مأخوذة في مدلول المادة دون الهيئة، فمادة هيئة القاتل موضوعة لمعنى مناسب‏للنسبة الصدورية، وكذا مادة هيئة الضارب ونحوها، وأما مادة هيئة العالم‏والمائت وما شاكلهما، موضوعة بإزاء معنى مناسب للنسبة الحلولية، وهذاالإشكال مبني على أن النسبة الصدورية والحلولية مأخوذة في مدلول الهيئة،فعندئذ لا يمكن الالتزام بوضع واحد نوعي في الهيئات، بل لا مناص من الالتزام‏بتعدده بتعدد الهيئات، فيكون وضعها حينئذ شخصياً، بلحاظ أن لكل هيئةمقترنة بالمادة بشخصها وضعاً، وأما إذا كانت هذه النسبة من لوازم معنى المادة،فلا مانع من الالتزام بالوضع النوعي في الهيئات كلها.
وبكلمة، إن المادة قد تكون قائمة بالذات المتلبسة بها وحالة فيها كمادة الموت‏والعلم والقيام ونحو ذلك، وقد تكون صادرة عنها وقائمة بغيرها كمادة القتل‏والضرب ونحوهما، وهيئة الفاعل في كل من الموردين تدل على تلبس الذات‏بالمادة، وأما كون المادة صدورية أو حلولية فهي لا تدل عليها، لأنها من شؤون‏المادة ولوازمها الذاتية، ومدلول هيئة اسم الفاعل تلبس الذات بالمادة، ومدلول‏هيئة فعل الماضي نسبة المادة إلى الفاعل، وأما كون النسبة في مورد صدورية وفي‏آخر حلولية، فيكون من جهة اختلاف معنى المادة، لا أنها مأخوذة في مدلول‏الهيئة، باعتبار أن مدلولها هو التلبس والنسبة فقط بدون الدلالة على خصوصيةاُخرى، والمادة موضوعة لطبيعي معناها اللا بشرط، ولا تدل بالدلالة الوضعيةإلاّ عليه بدون الدلالة على خصوصية اُخرى، وأما كون التلبس والنسبةصدورية أو حلولية، فهو من شؤون خصوصية معنى المادة بالذات، واتصاف‏النسبة بها إنما هو بالعرض أي من جهة معنى المادة، فإن المادة في مثل »القاتل«و»قتل« موضوعة لمعنى لا يقبل إلاّ الصدور من الفاعل، وفي مثل »المائت«و»مات« و»العالم« و»علم« موضوعة لمعنى لا يقبل إلاّ الحلول فيه.
وعلى هذا فلا مناص من الالتزام بالوضع النوعي في الهيئات، فإن هيئةالفاعل إذا كانت بجميع أصنافها مشتركة في معنى واحد، فلا موجب للوضع‏الشخصي لكل صنف، وحينئذ فبامكان الواضع أن يتصور الهيئة المنتزعةالجامعة بينها التي هي عنوان عام لها ثم يضع تلك الهيئات بسبب تصورواستحضار عنوانهاالعام في الذهن، فيكون المستحضر فيه النوع، والموضوع هوالشخص، وهذا هو المعيار العام للوضع النوعي.
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة، وهي أن الأظهر أن وضع جميع الهيئات‏نوعي بلا فرق بين الهيئات الا فرادية والجملية.
وضع الحروف نوعي أو شخصي‏
وأما الحروف وما يلحق بها فهل يكون وضعها نوعياً أو شخصياً؟
والجواب: أن هنا نظريتين: الاُولى: أن وضعهانوعي، والثانية: أنه‏شخصي.
أما النظرية الاُولى: فيمكن تقريبها بأنه ليس للحروف وضع مستقل، بل‏هي موضوعة بوضع ضمني أي في ضمن وضع الجملة، وقد تقدم أن وضع‏الجملة نوعي، على أساس أن أفراد الجملة تختلف من مورد إلى مورد آخرباختلاف موادّها، وهي غير محصورة، فلابد للواضع في مقام عملية الوضع من‏احضار عنوان عام جامع يشير به إلى كل جملة تتألف مثلاً من الظرف والمظروف‏وحرف الظرفية كقولك »الصلاة في المسجد« و»زيد في الدار« وهكذا، ثم‏يضعها بإزاء معنى مناسب لها وهو واقع النسبة الظرفية، فيكون الموضوع في‏الحقيقة شخص كل جملة تتألف من هذه العناصر الثلاثة المستحضرة في الذهن‏والمتصورة فيه بنوعها لا بشخصها، وهذا هو معنى الوضع النوعي(29).
ويؤكد ذلك أن دلالة الحروف على معانيها تتوقف على أن تكون في ضمن‏جملة وإلاّ فلا مدلول لها، بينما دلالة الأسماء على معانيها لا تتوقف على ذلك.
وبكلمة، إن الأسماء مستقلة لفظاً ومعنى، وموضوعة بإزاء معان مستقلة،وهي المعاني التي لها تقرر ذاتي ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود الذهني‏والخارجي، وقد توجد في الذهن وقد توجد في الخارج، وتدل عليها عنداطلاقها، سواء كانت وحدها أم كانت في ضمن كلام، فإن دلالتها الوضعيةالتصورية لا تتوقف على ذلك، بينما تكون الحروف غير مستقلة لفظاً ومعناً، فإن‏دلالتها على معانيها تتوقف على أن تكون في ضمن كلام، وإلاّ فلا دلالة لها ولامدلول، وعلى هذا فلا مبرر لأن يقوم الواضع بوضعها شخصياً كوضع الأسماء، إذيكفي أن يقوم بوضعها في ضمن وضع الجملة، كقوله كل كلام يتألف من الظرف‏والمظروف، وحرف الظرفية فإنه موضوع للنسبة الظرفية بينهما، وكل كلام‏يتألف من المستعلى والمستعلى عليه، وحرف الاستعلاء فإنه موضوع للنسبةالاستعلائية بينهما، وكل كلام يتألف من المبتدأ به والمبتدأ منه، وحرف الابتداءفإنه موضوع للنسبة الابتدائية بينهما.
وأما النظرية الثانية فهي مبنية على أن يكون للحروف وضع مستقل‏كالأسماء، فإذا كان لها وضع كذلك فبطبيعة الحال يكون شخصياً، لأن ملاك‏شخصية الوضع هو أن يكون الملحوظ والمستحضر في الذهن شخص اللفظالموضوع لا نوعه، كما أن ملاك نوعية الوضع هو أن يكون الملحوظ والمستحضرفيه نوع اللفظ الموضوع لا شخصه، وعلى هذا فالواضع في مقام عملية الوضع‏يلاحظ كلمة »في« مثلاً بوحدتها الذاتية وبحدها الشخصي ثم يضعها بإزاءمعنى، وهو واقع نسبة الظرفية، فيكون الموضوع شخص اللفظ المستحضر في‏الذهن والملحوظ فيه لا نوعه، فإذن يكون وضعها كوضع الأسماء شخصي، ولافرق بينهما في هذه الناحية.
والخلاصة: أنه لا مانع من وضع الحروف بإزاء معانيها وهي النسب الواقعية،فإن الوضع لا يتوقف على أكثر من تصور اللفظ الموضوع واحضاره في الذهن‏وتصور المعنى الموضوع له.
غاية الأمر أنها لا تدل عليها إلاّ إذا كانت في ضمن جملة، وهذا لا من جهة أن‏وضعها بإزاء المعاني لابد أن يكون في ضمن وضع الجملة، بل من جهةخصوصية في معانيها، وهي كونها معان نسبية متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص‏وجود طرفيها من المعاني الاسمية، ولهذا لا تدل الحروف على معانيها إلاّ إذا كانت‏في ضمن جملة حتى بالدلالة التصورية، إذ لا يمكن تصورها إلاّ في ضمن غيرها،بينما الأسماء تدل على معانيها مطلقاً أي سواء كانت في ضمن الجملة أم كانت‏وحدها، على أساس أن معانيها معان مستقلة ذاتاً وحقيقة، ولا يتوقف تصورهاعلى أن تكون في ضمن كلام.
ثم إن الظاهر من هذين القولين هل هو القول الأول أو الثاني؟
والجواب: هو القول الثاني، وذلك لأمرين:
الأول: أن العرف العام واللغة يشهدان على أن الحروف كالأسماء موضوعةبإزاء معانيها بشخصها الملحوظ لا بنوعها، غاية الأمر أن معاني الحروف بما أنهامعان نسبية متقومة بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيها، فلذلك لا تدل‏عليها إلاّ أن تكون في ضمن جملة ومتعلقة بالمفاهيم الاسمية، وهذا بخلاف‏الأسماء، فإن معانيها بما أنها معان مستقلة فهي تدل عليها مطلقاً، فعدم دلالةالحروف على معانيها إلاّ في ضمن جملة، لا يكون قرينة على أنها لم توضع إلاّ في‏ضمن وضع الجملة، لأن أحد الأمرين غير مربوط بالآخر، إذ للواضع أن‏يتصور معاني الحروف متعلقه بالمفاهيم الاسمية ثم يضعها بإزائها على نحو الوضع‏الشخصي، ولكن بما أنها متعلقه بها ذاتاً وحقيقة، فلا يمكن دلالتها عليها وحدهاومستقلة، بل لابد أن تكون في ضمن جملة.
الثاني: أن الجملة إذا لم تكن مشتملة على الحروف كقولك »زيد عالم«،فإن‏هيئتها القائمة بعنصريها هما »زيد« و»عالم« في المثال موضوعةلواقع‏النسبة بينهما، وعلى هذا فالدال على النسبة هو هيئة الجملة لا عنصرالموضوع ولا المحمول.
وأما إذا كانت الجملة مشتملة على الحرف كالجملة المؤلفة من الظرف‏والمظروف وحرف الظرفية، كقولك »الصلاة في المسجد« مثلاً، فإن لفظ»الصلاة« موضوع لمعناه ويدل عليه، وكذا لفظ »المسجد« ولا يدل شي‏ء منهماعلى النسبة بينهما، وهي نسبة الظرفية، وعليه فلا محالة يكون الدال عليها كلمة»في« في ضمنها، لوضوح أن الجملة مؤلفّة من ثلاثة عناصر وهي كلمة»الصلاة« وكلمة »المسجد« وكلمة »في«، وكل من تلك العناصر يدل على‏معناه، وبذلك يحصل الغرض المطلوب من الجملة ويتم المقصود منها، ومع هذا لاحاجة إلى وضع الجملة بتمامها، فإنها لو كانت موضوعة فلا محالة موضوعة بإزاءالنسبة المذكورة، والمفروض أن الدال عليها كلمة »في«، وعليه فوضع الجملة بماهي بإزائها لغو.
فالنتيجة أن وضع الحروف شخصي لا نوعي.
قد يدعي أن كلمة »في« في المثال أو ما شاكله لم توضع لنسبة الظرفية،والموضوع بإزائها إنما هو هيئة الجملة القائمة بعناصرها الثلاثة، فإنها تدل عليهادون كلمة »في«.
ولكن هذه الدعوى فاسدة، إذ لا شبهة في أن كلمة »في« دخيلة في تكوين‏هذه الجملة لفظاً ومعناً، ومن المعلوم أن معنى دخلها في تكوينها دلالتها على‏نسبة الظرفية التي تتكون الجملة بها، وعلى هذا فكلمة »في« لا تخلو من أن تدل‏على النسبة المذكورة أو لا تدل، فعلى الأول لا معنى لوضع الهيئة بإزائها، لأنه لغومحض، وعلى الثاني فهو خلاف الضرورة والوجدان، حيث إن دخلها في تكوين‏الجملة لفظاً ومعنى أمر وجداني، ومن هنا تختلف الجمل التي لا تتوقف تكوينهاعلى الحرف عن الجمل التي يتوقف تكوينها عليه.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك أنه ليس لكلمة »في« مدلول في الجملة،وهذا كما ترى.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وضع الحروف كوضع‏الأسماء شخصي لا نوعي.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أن الضابط في الوضع الشخصي هو استحضار شخص اللفظ الموضوع‏بحدّه الشخصي في الذهن ثم وضعه بإزاء معنى مناسب له، فيكون الموضوع‏شخص اللفظ المستحضر في الذهن والمتصور فيه بنفسه لا بنوعه.
والضابط في الوضع النوعى هو استحضار الجامع العنواني الانتزاعي مشيراًبه إلى كل ما يكون هذا الجامع عنواناً له، فيوضع كل ما هو المستحضر في الذهن‏والمتصور فيه بهذا العنوان الجامع بإزاء معنى مناسب له، فيكون الموضوع في‏الحقيقة شخص كل فرد، ولكن المستحضر في الذهن والملحوظ فيه ليس‏شخص كل فرد بنفسه بل بنوعه، وهذا هو ضابط الوضع النوعي.
الثاني: أن وضع الهيئات نوعي، سواء كانت الهيئات إفرادية كهيئات‏المشتتقات ونحوها أو جملية، ووضع المواد شخصي.
أما الأول: فلأن الواضع يقوم باستحضار هيئة عامة منتزعة كهيئة »فاعل«مشيراً بها إلى الهيئات الخاصة كهيئة »ضارب« و»عالم« و»قاتل« وهكذا،فيضع تلك الهيئات الخاصة بعنوانها العام كقولهم كلما كان على زنة الفاعل ...،فيكون الموضوع في الحقيقة شخص هذه الهيئات الخاصة، ولكن المستحضروالمتصور في الذهن ليس بشخصها بل بنوعها.
وأما الثانية فلأن الواضع يقوم باستحضار شخص المادة بوحدتها الذاتية في‏الذهن وبوضعها بإزاء معنى، فيكون الموضوع شخص اللفظ المستحضروالمتصور في الذهن بنفسه، وهذا هو ضابط الوضع الشخصي.
الثالث: أن وضع الحروف شخصي كالأسماء، فلا فرق بينهما من هذه الناحية،وإنما الفرق بينهما من ناحية اُخرى، وهي أن الحروف لا تدل على معناهاإلاّفي‏ضمن الجملة، بينما الأسماء تدل على معناها، سواء كانت في ضمن الجملةأم‏كانت وحدها.

پاورقي
1) محاضرات في اُصول الفقه 85 :1.
2) دراسات في علم الاُصول 46 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 85 :1.
4) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
5) نقلها عنه في بحوث في علم الاُصول 268 :1.
6) أورده مع نقل الجواب في بحوث في علم الاُصول 287 :1.
7) راجع بحوث في علم الاُصول 288 :1.
8) أورده في بحوث في علم الاُصول 288 :1.
9) بحوث في علم الاُصول 268 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 75 :1 و85.
11) نهاية الأفكار 54 :1.
12) نهاية الأفكار 55 :1.
13) كفاية الاُصول: 69.
14) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 296 :1.
15) أورده في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
16) أورده في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
17) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
18) بحوث في علم الاُصول 298 :1.
19) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1 و81.
20) نهاية الدراية 62 :1 و275.
21) كفاية الاُصول: 12.
22) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1.
23) بحوث في علم الاُصول 302 :1.
24) كفاية الاُصول: 12.
25) محاضرات في اُصول الفقه 90 :1.
26) محاضرات في اُصول الفقه 91 :1.
27) نهاية الدراية 77 :1.
28) بحوث في علم الاُصول 344 :1.
29) بحوث في علم الاُصول 343 :1.
.....................
...المباحث الاُصولية / ج 2
الحقيقة الشرعية ...

الحقيقة الشرعية ...

الثاني عشر: الحقيقة الشرعية
يقع الكلام في هذه المسألة في مرحلتين:
المرحلة الاُولى: في ثبوت الحقيقة الشرعية.
المرحلة الثانية: في ثمرة هذه المسألة.
أما الكلام في المرحلة الاُولى فيتوقف على ثبوت العلقة الوضعية تعييناً أوتعيّناً بين ألفاظ العبادات ومعانيها الخاصة المخترعة من قبل الشارع.
أما الأول: وهو الوضع التعييني، فتارة يقع الكلام في قيام الشارع بنفسه‏بعملية الوضع بصيغته الصريحة. واُخرى في قصده الوضع بصيغة الاستعمال،ويسمى ذلك بالوضع التعييني الاستعمالي في مقابل الوضع التعييني بالصيغةالمألوفة الصريحة.
أما القسم الأول فهو غير محتمل، إذ لو كان النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم هو القائم‏بعملية وضع أسماء العبادات بإزاء معانيها الخاصة بغرض التفاهم بها في المجتمع‏الاسلامي في مرأى المسلمين والصحابة لشاعت العملية في ذلك الزمن‏واشتهرت بينهم، باعتبار أنها ليست عملية عادية فردية، بل هي عمليةاجتماعية تشكل جانباً مهماً من حياة المجتمع، إذ كلما توسعت جوانب حياةالمجتمع علمياً وثقافياً، مادياً ومعنوياً تتطلب توسع ظاهرة اللغة أكثر فأكثر،لأنها دخيلة في جميع جوانب الحياة وتطورها وتوسعها، فلو كان النبي‏الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم قائماً بهذه العملية الاجتماعية سجّله التاريخ ونقل في الأحاديث‏واشتهر في الألسنة ووصل إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، مع أنه لا عين له ولا أثرلا في التاريخ ولا في الأحاديث.
وأما القسم الثاني وهو الوضع التعييني بصيغة الاستعمال لا بتصريح من‏الواضع، فيقع الكلام في إمكانه أولاً، وفي وقوعه ثانياً، فهنا مقامان:
أما الكلام في المقام الأول فقد ذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى عدم إمكانه،بتقريب أن حقيقة الاستعمال هي إفناء اللفظ في المعنى بحيث إن المتكلم كأنه لايلقي إلى المخاطب إلاّ المعنى والمخاطب لا يتلقى منه إلاّ ذلك المعنى، فاللفظ على كل‏حال يكون مغفولاً عنه، بينما الوضع يقتضي لحاظ اللفظ بنفسه واستقلالاً لا آليّاًوفانيّاً، كما أنه يقتضي لحاظ المعنى كذلك، وعلى هذا فلا يمكن تحقق الوضع‏بالإستعمال وكونه مصداقاً ومحققاً له، وإلاّ لزم الجمع فيه بين اللحاظ الآلي‏والاستقلالي وهو محال، وإن شئت قلت: إنه لا يمكن أن يكون إطلاق اللفظ على‏المعنى استعمالاً ووضعاً معاً، فإنه بلحاظ كونه استعمالاً، فالنظر إليه آلي وبلحاظكونه وضعاً فالنظر إليه استقلالي، ولا يعقل أن يكون النظر إليه آليّاً واستقلالياً في‏نفس الوقت(1).
وقد علّق عليه السيد الاُستاذقدس سره بتعليقتين.
الاُولى: أن الوضع سواء أكان بمعنى التعهد والتباني أم بمعنى الاعتبار النفساني‏في مرتبة متقدمة على الاستعمال، أما على الأول فواضح، ضرورة أن التعهدوالتباني بذكر لفظ خاص عند إرادة تفهيم معنى ما يكون مقدماً على الاستعمال‏لامحالة، من دون فرق بين أن يكون إبراز هذا التعهد بمثل كلمة وضعت أونحوهاالدالة عليه بالمطابقة أو يكون بنفس الاستعمال الدال على ذلك بالالتزام‏بمعونة القرينة.
وأما على الثاني فلأن اعتبار الملازمة أو نحوها بين لفظ خاص ومعنى خاص‏مقدم على الاستعمال بالضرورة وإن كان المبرز لذلك الاعتبار نفس الاستعمال مع‏نصب القرينة على ذلك، فالنتيجة أن الاستعمال متأخر عن الوضع، ولا يلزم‏محذور الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي إذا قصد الوضع بالاستعمال على‏جميع المباني والمسالك في تفسير حقيقة الوضع، على أساس أنه أمر نفساني ثابت‏في اُفق النفس، والاستعمال أمر خارج عن اُفق النفس وكاشف عنه، فلذلك‏يكون الوضع سابقاً على الاستعمال دائماً.
الثانية: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الاستعمال مقارن للوضع فمع ذلك‏إذا قصد الوضع بنفس الاستعمال لم يلزم من تحقق الوضع به محذور الجمع بين‏اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي‏ء واحد، لأن لزوم هذا المحذور مبتن على‏مسلك المشهور في باب الاستعمال، حيث إنهم يرون أن اللفظ في مقام الاستعمال‏ملحوظ آلياً وفانياً في المعنى.
وأما بناء على ما هو الصحيح من أن حال الألفاظ حال المعاني في مرحلةالاستعمال، فكما أن المعاني ملحوظة استقلالاً فكذلك الألفاظ، فإن المتكلم‏حين الاستعمال كما يلتفت إلى المعاني وما لها من الخصوصيات يلتفت إلى الألفاظوما لها من الخصوصيات ككونها عربية أو فارسية أو غير ذلك، فلا يلزم من‏الجمع بين الوضع والاستعمال الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي.
فالنتيجة أن الوضع التعييني الاستعمالي بمكان من الامكان(2).
ولنا نظر في كلتا التعليقتين:
أما على الاُولى فلأن الوضع يختلف باختلاف المباني، فإنه على أساس‏نظرية الاعتبار فلا يمكن إيجاده بالاستعمال، لأن حقيقة الوضع وإن كانت‏اعتبارية إلا أنها ليست بإنشائية يتسبب إلى إنشائها في الخارج باللفظ أونحوه‏كماهو الحال في المعاملات العقلائية والشرعية التي يتسبب بها إلى إنشاءمسبباتها، بل هو أمر اعتباري قائم بنفس المعتبر بالمباشرة ولا واقع موضوعي‏له ما عدا اعتبار المعتبر إياه في عالم الاعتبار والذهن، ولا صلة للفظ به أونحوه‏ماعدا كونه مبرزاً له، فإن الواضع في مقام عملية الوضع اعتبر العلاقة بين اللفظوالمعنى مباشرة ولا يعقل التسبيب فيها، لأن العملية ليست عملية تسبيبيةبحاجة إلى سبب.
فالنتيجة أن حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية بما أنه أمر اعتباري، فهي‏فعل المعتبر مباشرة ولا ترتبط بالاستعمال الذي هو عملية خارجية.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع التعهد والتباني النفساني فأيضاً لا يمكن‏إيجاده بالاستعمال، لأن الوضع على ضوء هذه النظرية أمر تكويني وجداني‏وفعل قصدي للمتعهد في أفق النفس مباشرة، كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا، ولايكون فعلاً تسبيباً.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع هي اختصاص اللفظ بالمعنى كما هو ظاهرالمحقق الخراساني‏قدس سره، فإن اُريد بالاختصاص العلاقة والارتباط التكويني بين‏اللفظ والمعنى في الذهن، وحينئذ فإن كان منشؤه الاعتبار، فقد مرّ أنه لا يتوقف‏على الاستعمال، وإن كان منشؤه التخصيص والتعيين الخارجي، فلا مانع من‏تحققه بالاستعمال، على أساس أن حقيقة الاستعمال هي تخصيص اللفظ بالمعنى،أو فقل إنها عبارة عن اقتران اللفظ بالمعنى بغرض الدلالة عليه، ولا مانع من‏حصول الوضع بمعنى الاختصاص والارتباط بين صورة اللفظ وصورة المعنى في‏الذهن بالاستعمال كمّاً أو كيفاً.
وكل هذه البحوث قد تقدمت بشكل موسع في ضمن الأبحاث السالفة.
وأما على الثانية فعلى تقدير تسليم أن عملية الوضع متحدة مع عمليةالاستعمال، فمع ذلك لا مانع من أن يقصد المستعمل عملية الوضع بالاستعمال،ولا يلزم منه محذور الجمع بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي‏ء، لا من جهة ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة على‏المعنى لا فانياً فيه، وذلك لما ذكرناه في محله من أن هذا التفسير للاستعمال غيرصحيح، لأن اللفظ بما أنه وسيلة وأداة لتفهيم المعاني، فلا محالة يكون النظرإليه‏نظر وسيلة وأداة لا علامة، ولكن في نفس الوقت لا مانع من أن‏يكون‏مورداً للإلتفات والتوجه بتمام خصوصياته، فكونه آلة ووسيلة لا يلازم‏كونه مغفولاً عنه.
وقوع الوضع بالاستعمال ...
وبكلمة، إن عملية الوضع إن كانت بصيغتها المألوفة الصريحة، فهي تتطلب‏لحاظ اللفظ كالمعنى مستقلاً وفي نفسه لا بعنوان الوسيلة، وأما إذا كانت بصيغةالاستعمال، فبإمكان المستعمل أن يقصد وضع اللفظ الملحوظ في هذه العمليةأداة ووسيلة للمعنى المستعمل فيه ولا يتوقف على لحاظه مستقلاً، إذ ليس معنى‏لحاظه أداة ووسيلة أنه مغفول عنه ولا يكون مورداً للالتفات أصلاً، بل معناه‏أنه مورد الالتفات أداة ووسيلة للمعنى، وهذا يعني أنه أداة ووسيلة وفي نفس‏الوقت مورد للالتفات والتوجه، ولا تنافي بين الأمرين أصلاً، فان التنافي إنما هوبين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي‏ء، لا بين كونه أداة ووسيلة بالذات وكونه‏مورداً للالتفات واللحاظ مستقلاً، ومن الواضح أن هذا المقدار من اللحاظ يكفي‏في مقام الوضع ولا يتوقف على أكثر من ذلك، وقد تقدم تفصيل ذلك في ضمن‏البحوث السابقة أيضاً. هذا كله في المقام الأول.
وأما الكلام في المقام الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أنه لا شبهة في‏وقوع الوضع التعييني بالاستعمال، بل ادّعى‏قدس سره كثرة وقوعه بين العرف والعقلاءفي الاعلام الشخصية والمعاني المستحدثة المخترعة، وعلى هذا فدعوى ثبوت‏الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني على النحو المذكور غير بعيدة(3).
توضيح ذلك أن السيرة بين العرف والعقلاء جارية على أن وضع الأسماء بإزاءالمخترعات من الصناعات أو غيرها إنما هو من مسؤولية المخترع، وحيث إن‏المعاني الشرعية من مخترعات الشارع، فلا محالة يكون تعيين أسماء بإزائها من‏مسؤوليته تبعاً للطريقة المألوفة بين العقلاء على أساس أنه رئيسهم، بل لا معنى‏لأن يكون ذلك بيد غيره، فإنه لا يليق بمقامه وشأنه، وقد مرّ أن هذا الوضع لايمكن أن يكون بصيغته المألوفة، فلا محالة يكون بالاستعمال. هذا.
ولنا تعليق على ذلك، فإن الكلام هنا يقع تارة في الكبرى واُخرى‏في‏الصغرى.
أما الكلام في الكبرى فلا شبهة في أنه لا يجب على الشارع اتباع هذه الطريقةالمرتكزة لدى العقلاء ولا غيرها، فإنه بحاجة إلى دليل ولا أثر لمجرد احتمال اتباع‏الشارع لها، نعم هنا شي‏ء، وهو أن هذه المعاني لو كانت من مخترعات الشارع‏فبطبيعة الحال قد استعمل هو تلك الألفاظ فيها في مقام التفهيم، وهذا الاستعمال‏وإن لم يدل على الوضع في نفسه ولكن مركوزية تلك الطريقة في أذهان العقلاءوأعماق نفوسهم توجب ظهور هذا الاستعمال في أن الشارع قصد به وضع هذه‏الألفاظ بإزاء تلك المعاني الشرعية المستحدثة.
وأما الكلام في الصغرى فلأنه لم يثبت كون الشارع هو المخترع لمعاني أسماءالعبادات على حد اختصاص المخترعين بالمخترعات الصناعية وغيرها،إذالظاهر من مجموعة من الآيات الشريفة أن جملة من تلك المعاني ثابتة في‏الشرائع السابقة كالصلاة والصيام والحج ونحوها، منها قوله تعالى: »وَأَوْصَانِى‏بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيّاً«(4)، ومنها قوله عزّ من قائل: »وَأَذِّنْ فِى النَّاسِ‏بِالحَجّ«(5)، ومنها قوله سبحانه وتعالى: »كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلى‏الَّذِيْنَ مِنْ قَبْلِكُم«(6)، حيث إنها تدل على أن إطلاق هذه الأسماء إنماهوعلى‏نفس هذه المعاني هناك، فإذن لا تكون تلك المعاني من مخترعات‏هذه‏الشريعة خاصة.
ودعوى أن هذه الآيات لا تدل على أن الصلاة والصيام والحج ونحوها كانت‏موجودة سابقاً بنفس المعاني الاسلامية، لوضوح أنها لا تدل على أكثر من أن‏هذه العبادات كانت موجودة هناك، وأما أن العبادات الاسلامية عين العبادات‏العيسوية فهي لا تدل عليها.
مدفوعة بأن الظاهر من هذه الآيات هو أنها في مقام الحكاية عن ثبوت هذه‏المعاني في الشرائع السابقة وعدم اختصاصها بهذه الشريعة، فالاختلاف إنما هوفي بعض الأجزاء والشروط غير الرئيسية والمقومة.
وعلى هذا فلا تكون هذه المعاني من المعاني والماهيات المخترعة من قبل‏الشارع فحسب، بل هي ثابتة في الشرائع السابقة، واختلافها مع هذه الشريعةفي جزء أو شرط لا يوجب الاختلاف في الحقيقة والماهية، واحتمال أن يكون‏الموجود في الشرايع السابقة سنخ عبادات اُخرى مباينة لسنخ العبادات‏الاسلامية، بمعنى أن الصلاة العيسوية والصلاة الاسلامية ليستا صنفان لصلاةواحدة كصلاتي المسافر والحاضر في شرعنا، وأن اطلاق ألفاظ الصلاة عليهامجاز وكذا غيرها من ألفاظ العبادات غير محتمل بالنظر إلى تلك الآيات وغيرهامن النصوص، إذ لا يحتمل أن يكون إطلاق لفظ الصلاة والصيام والحج ونحوهاعلى تلك المعاني مجازاً في هذه الشريعة، لأن الظاهر من تلك الآيات أن هذه‏الاطلاقات إنما هي على المعاني المعهودة والمرتكزة في أذهان الناس منذ نزولها،لا أنها على معاني غريبة عن أذهانهم، وهذا يكشف عن ثبوت هذه المعاني قبل‏الاسلام بنفس هذه الألفاظ.
وبكلمة، إن هذه المعاني ثابتة قبل الاسلام وقديمة إما بنفس هذه الألفاظ،حيث يظهر أن إطلاقها عليها قبل الاسلام كان أمراً معروفاً ومعهوداً لدى الناس‏هناك، ومن هنا لا يكون إطلاقها عليها بعد الاسلام أمراً غريباً بين الصحابةوالتابعين، حيث إنها بنفس تلك الأسامي ثابتة في مجتمع الجزيرة العربية قبل‏الاسلام، ولم يصدر من الشارع بعده إلا بعض الأجزاء والشروط والتفاصيل‏غير المقومة لها، أو ثابتة بأسماء اُخرى غيرها كالسريانية أو العبرانية، بدعوى‏أنه لا ملازمة بين قدم هذه المعاني وثبوتها في الشرايع السابقة والتسمية بهذه‏الأسماء الخاصة، ومجرد التعبير عنها في الكتاب العزيز بتلك الأسماء لا يدل على‏أنها موجودة بنفس هذه الأسماء في الشرايع السابقة، بل هو من أجل إقتضاءمقام الافادة ذلك، كما هو الحال في سائر القصص والحكايات القرآنية التي كانت‏بالسريانية كما في لغة عيسى‏عليه السلام، أو العبرانية كما في لغة موسى‏عليه السلام ونقلت عنهابهذه الألفاظ الخاصة في القرآن الكريم من أجل أن مقام الافادة يقتضي ذلك.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن هذه المعاني لو كانت‏قديمة وثابتة قبل الاسلام لكانت ألفاظها حقائق لغوية(7) لا يتم، لما عرفت من‏عدم الملازمة بين قدم هذه المعاني والتسمية بتلك الألفاظ.
وأما أن هذه المعاني من المعاني المخترعة والمستحدثة في الشريعة الاسلاميةفحسب من قبل الشارع، فهو غير محتمل عرفاً وبعيد جداً.
ثم إن الأظهر من الاحتمالين السابقين هو الاحتمال الأول، وأن هذه المعاني‏ثابتة قبل الاسلام بنفس هذه الألفاظ الخاصة في الجزيرة العربية، اذ احتمال أنهاموجودة بألفاظ اُخرى كالسريانية أو العبرانية في المجتمع العربي بعيد جداً،ويؤكد ذلك أن المسلمين كانوا مأنوسين بهذه الألفاظ الواردة في النصوص‏القرآنية وغيرها ولم تكن غريبة عندهم.
ونتيجة ما ذكرناه أمران:
الأول: أن الشارع لا يكون مخترعاً لماهيات العبادات من الصلاة والصيام‏والحج وغيرها في هذه الشريعة بحيث لم تكن لها سابقة بهذه الكمية والكيفية في‏الأديان الماضية وأن الصلاة والصيام والحج في تلك الأديان مباينة لها في الدين‏الاسلامي ولا تشتركان في جامع واحد كصلاتي المسافر والحاضر، بل إنهاقديمة وثابتة في تلك الأديان، غاية الأمر أن الشارع في الدين الاسلامي قدأكملها وأتمها ببعض الأجزاء والشروط غير المقومة لها.
الثاني: أن ألفاظها على هذا حقائق لغوية لا شرعية، باعتبار أن الواضع لهابإزاء تلك المعاني ليس هو الشارع لا بالوضع الصريح ولا بالاستعمال، بل هي‏موضوعة لها قبل الاسلام.
قد يقال كما قيل إن المراد من اختراع الشارع المعاني العبادية هو استحداثه‏التأليف بين أجزائها بتنسيق معين من البداية إلى النهاية كالصلاة مثلاً، فإن معنى‏كونها مخترعة، هو أن الشارع اخترع التركيب والتأليف بين أجزائها بكيفيةخاصة وكمية مخصوصة، لا أن نفس الأجزاء والمواد مخترعة، ومن الواضح أن‏هذا المقدار من الاختراع يكفي لتصديه وضع هذه الأسماء بإزائها، إذ من المستبعدجداً أن يكون الشارع هو المخترع لتركيب الصلاة بالكيفية المذكورة والكميةالخاصة، ولكن الواضع للفظ الصلاة بإزائها كان غيره.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن تلك المعاني العباديةليست مجعولة ومخترعة من قبل الشارع غير جعلها في حيز الطلب(8) غير تام،فإن مراد من يقول بكونها مجعولة ومخترعة من قبل الشارع، هو أن الهيئةالتركيبية لها مجعولة ومخترعة لا موادها الأصلية(9).
والجواب عنه يظهر مما تقدم من أن هذه التركيبات العبادية بمقوماتهاالأساسية قديمة وثابتة قبل الاسلام بنفس هذه الألفاظ، غاية الأمر أن الشارع‏بعد الاسلام قد يتصرف فيها بزيادة جزء أو شرط أو مانع غير ركني.
والخلاصة أن هناك ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن هذه العبادات باُصولها الثابتة المقومة موجودة في‏الشرائع السابقة وليست من مخترعات الشارع ومختصات هذه الشريعة، بل هي‏عبادات وطقوس دينية قديمة من لدن تلك الشرائع إلى هذه الشريعة، ولم تمرفترة على مجتمع لم يعش حياة دينية ولم يسمع شيئاً من العبادات والطقوس‏الدينية حتى في فترة الجاهلية، فإن جمعاً غفيراً من أصحاب الديانتين السابقتين‏على الاسلام كان يعيش مع مجتمع الجزيرة الذين هم من القبائل العربية الأصيلةوكان جمع غفير من مجتمع الجزيرة اعتنقوا إحدى الديانتين وعملوا بعباداتهاوالطقوس الدينية لها، ومن المستبعد جداً أنهم كانوا يطلقون على العبادات أسماءغير عربية رغم شيوع تلك العبادات بينهم وابتلائهم بها، إذ لو كان لها أسماءاُخرى غير العربية لا نعكس في التاريخ مع أنه لا عين لها فيه ولا أثر.
ويؤكد وجود هذه الأسماء قبل الاسلام طرح القرآن الكريم نفس هذه الأسماءمنذ بداية الوحي واستعمالها لافادة تلك العبادات، فلولم تكن تلك الأسماءمأنوسة عندهم ومركوزة في أذهانهم وكانت من مستحدثات هذه الشريعةلكان طرح القرآن الكريم لهامنذ البداية صدمة لدعوى النبوة ومن إحدى‏الموانع، على أساس أن القرآن قد جاء بعرف لغوي جديد وكان عند المجتمع أمراًبدعاً وغريباً، وحيث إنهم لم يستغربوا هذا الطرح والاستعمال وكان مأنوساًعندهم، فيكشف ذلك عن قدم هذه الألفاظ واستعمالها فيها قبل الاسلام، وعلى‏هذا فبإمكاننا إثبات قدم هذه الألفاظ وثبوتها قبل الاسلام باُمور:
الأول: أن العبادات المذكورة عند المجتمع العربي في الجزيرة لو كانت مسماةبأسماء اُخرى لأصبحت معروفة بعد الاسلام، على أساس اهتمام المسلمين بتلك‏العبادات وبالتالي بأسمائها قبل الاسلام، ولنقلت في التاريخ ولا سيما في تاريخ‏الأدب العربي والنصوص.
الثاني: أن من المستبعد جداً أن القبائل العربية الأصيلة الموجودة في الجزيرةالذين اعتنقوا إحدى الديانتين، كانوا يطلقون على تلك العبادات أسماء غيرعربية رغم أنهم كانوا معروفين في الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية، فإذن كيف‏يكون ذلك محتملاً في حقهم.
الثالث: طرح نصوص القرآن والسنة هذه الأسماء على العبادات المذكورة بين‏الناس منذ الوهلة الاُولى للوحي بدون استغرابهم تلك الأسماء مع أنها لو كانت‏من الأسماء الجديدة وغير المسبوقة كان إطلاقها عليها بنظرهم بدعاً وغريباً، مع‏أن الأمر ليس كذلك، حيث إن اطلاقها واستعمالها لإفادة تلك العبادات‏كاستعمال غيرها من الألفاظ واللغات لإفادة معانيها بين أهل اللسان، فيكشف‏ذلك عن وجود هذه الأسماء قبل الاسلام واُنسهم بها، وأن اطلاق نصوص‏الكتاب والسنة أسماء العبادات عليها وإلقائها على الناس كان طبعياً واعتيادياًكإطلاق اللغات على أهل اللسان، فلو كانت هذه الأسماء والألفاظ غريبة لكان‏هذا الاطلاق في الكتاب والسنة بحاجة إلى عناية زائدة وقرينة.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنه لا شاهد على ذلك لا من‏الكتاب ولا من السنة ولا قرينة من الخارج(10) غير تام، لما عرفتم من أن‏نصوص الكتاب والسنة تشهد على ذلك، كما أن هناك قرينة خارجية أيضاً،وهي أن المجتمع العربي في الجزيرة بما أن لغتهم لغة عربية، فلذلك يكون‏من‏المستبعد جداً بل غير محتمل عادة أنهم كانوا يطلقون على تلك العبادات‏أسماء اُخرى غير عربية.
الاحتمال الثاني: أن المعاني الشرعية ثابتة في الشرائع السابقة لا بهذه‏الألفاظ بل بألفاظ اُخرى، ولكن الشارع استعمل هذه الألفاظ فيها منذ بدايةالوحي في نصوص الكتاب والسنة.
الاحتمال الثالث: أن لا تكون هذه المعاني الشرعية ثابتة قبل الاسلام،وحينئذ فلا محالة تكون مخترعة من قبل الشارع.
وبعد ذلك نقول أما على الاحتمال الأول الذي هو الأظهر، فبما أن تلك‏العبادات ثابتة قبل الاسلام بنفس هذه الأسماء ولم يصدر من الشارع إلا بعض‏التفاصيل والشروط غير المقومة لحقيقتها الجامعة، فهي حقائق لغوية وهذه‏الألفاظ موضوعة بإزاء تلك الحقيقة الجامعة قبل الاسلام، وهي الجامعة بين ماجاء به الاسلام وما جائت به الشرائع السابقة.
وأما على الاحتمال الثاني فحيث إن إطلاق هذه الألفاظ الخاصة على تلك‏المعاني واستعمالها فيها من قبل الشارع في نصوص الكتاب والسنة ولا يكون من‏القديم، فلذلك لا يحتمل أن تكون حقيقة لغوية، فلا محالة تكون حقيقة شرعيةبالوضع الحاصل بالاستعمال، وأما الوضع التعييني فهو غير محتمل كما تقدم.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن المعاني الشرعية لوكانت ثابتة في الشرائع السابقة لكانت حقائق لغوية لا شرعية غير تام، لأن‏المعيار في كون هذه الألفاظ الخاصة حقائق لغوية أو شرعية إنما هو بوضع تلك‏الألفاظ بإزاء المعاني المذكورة، فإن كان هذا الوضع مستنداً إلى الشارع بعدالاسلام فهي حقائق شرعية، وإن كان ثابتاً قبل الاسلام فهي حقائق لغوية،وحيث إن تلك المعاني لم تثبت قبل الاسلام بنفس هذه الألفاظ الخاصة، فلايمكن أن تكون حقائق لغوية.
فالنتيجة أنه لا ملازمة بين ثبوت المعاني المذكورة قبل الاسلام وثبوتهابنفس‏هذه الألفاظ الخاصة، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن تكون ثابتة بألفاظ اُخرى.
وأما على الاحتمال الثالث، فحيث إن الشارع هو المخترع لتلك العبادات‏بالكمية والكيفية الموجودتين في الشريعة من دون أن يكون لها وجود قبل‏الاسلام، فلا محالة يكون هو الواضع والمعين للأسماء بإزائها، إذ احتمال أنه اخترع‏تلك المعاني من دون أن يعين لها أسماء غير محتمل عادة، فإذن بطبيعة الحال يعين‏لها أسماء خاصة، وحيث إنه لا يحتمل أن يكون هذا التعيين منه بالوضع‏الصريح، فلا محالة يكون بالاستعمال، وعليه فتكون هذه الألفاظ حقائق شرعيةبالوضع التعييني الاستعمالي لا بالصريح.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: الظاهر أن المعاني الشرعية قديمة وثابتة قبل الاسلام بأسمائها العربيةفي المجتمع العربي الأصيل في الجزيرة، فإنهم بمقتضى عربيتهم كانوا يطلقون عليهاأسماء عربية ويستعملونها في مقام إفادة تلك المعاني العبادية كما هو الحال في سائرالألفاظ واللغات المستعملة بينهم للافادة والاستفادة، واحتمال أنهم يتبعون أهل‏الديانتين في أسامي تلك العبادات بعيد جداً كما مرّ، فإذن تكون أسامي العبادات‏حقائق لغوية لا شرعية.
الثانية: أن هذه المعاني لو كانت مخترعة من قبل الشارع لكانت‏أسماؤهاموضوعة بإزائها من قبل الشارع بالوضع التعييني الاستعمالي،فتكون‏حقيقة شرعية.
الثالثة: أن تلك المعاني إذا كانت ثابتة قبل الاسلام بألفاظ اُخرى واستعمال‏الألفاظ العربية فيها إنما كان بعد الاسلام في نصوص الكتاب والسنة، فإثبات‏الحقيقة الشرعية في هذا الفرض بالوضع التعييني الصريح أو بالاستعمال من قبل‏الشارع لا يمكن كما مرّ.
ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيّني ...
وأما الثاني وهو الوضع التعيّني المستند إلى العامل الكمي ككثرة الاستعمال،فلا موضوع له بناء على ما استظهرناه من أن هذه الألفاظ حقائق لغوية لاشرعية، نعم لو كانت تلك المعاني مخترعة من قبل الشارع أو أن تلك الألفاظمستعملة فيها في الكتاب والسنة بعد الاسلام فلا ريب في ثبوته، إذ لا شبهةفي‏كثرة استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني في مختلف الموارد والمناسبات بنحوتؤدي إلى الوضع.
وقد استشكل في تحقق الوضع التعيّني بالاستعمال صغرى وكبرى.
أما الصغرى فلأن استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسان‏النبي‏الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم لم يبلغ من الكثرة بدرجة تؤدي إلى الوضع، نعم استعمالهافيهافي لسانه‏صلى الله عليه وآله وسلم ولسان تابعيه وإن بلغ من الكثرة درجة تؤدي إلى الوضع‏التعيّني، أي الاستجابة الذهنية الشرطية إلا أنه ليس بحقيقة شرعية بل‏هوحقيقة متشرعيّة.
والجواب: أن الغرض من ثبوت الحقيقة الشرعية هو حمل الألفاظ الواردةفي الكتاب والسنة على معانيها الشرعية بدلاً عن حملها على معانيها اللغوية،وهذا الحمل يتوقف على ثبوت العلقة الوضعية بين هذه المعاني والألفاظالمذكورة في عصر النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم يكن ثبوتها مستنداً إلى خصوص‏استعماله‏صلى الله عليه وآله وسلم هذه الألفاظ، لأن الأثر المطلوب من ثبوت الحقيقة الشرعية هوحمل هذه الألفاظ على المعاني المذكورة، وهذا الأثر يحصل في زمنه‏صلى الله عليه وآله وسلم وإن لم‏تسمى العلقة الحاصلة بينهما بالحقيقة الشرعية.
فالنتيجة أنه لا شبهة في حصول الوضع التعيّني من مجموع استعماله‏صلى الله عليه وآله وسلم‏واستعمال تابعيه منذ أوائل البعثة، على أساس أن هذه الاستعمالات منهم مبنيةعلى الاهتمام بتلك المعاني وترسيخها وتركيزها في الذهن، فلذلك تحصل الملازمةبين صورة هذه الألفاظ وصورة تلك المعاني في الذهن في فترة قصيرة.
وأما الكبرى فلأن استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني لما كان استعمالاً في‏غير معناها الموضوع له فهو بحاجة إلى قرينة، ومن الواضح أن استعمال اللفظ مع‏القرينة في معنى مهما بلغ من الكثرة، فهي توجب حصول الاُنس بينه وبين اللفظالمقترن بالقرينة، لا بينه وبين ذات اللفظ المستعمل فيه ولا تتواجد بينهما علقة،وإنما تتواجد بينه وبين اللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً ولو كان مجرداً عنها، فإذن‏لا يمكن حصول الوضع التعيّني من كثرة استعمال اللفظ في المعنى إذا كان‏الاستعمال مع القرينة، على أساس أن الاُنس الحاصل منها المترسخ في الذهن‏والمتركز فيه إنما هو بين المعنى واللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً.
والجواب: أن الإشكال مبني على أن تكون القرينة كاللفظ عنصراً ثابتاًمحفوظاً في تمام موارد الاستعمال، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن القرينة عنوان‏انتراعي وأفرادها تختلف في كل مورد عن مورد آخر، فإنها في مورد حالية، وفي‏آخر لفظية، وفي ثالث معنوية، وفي رابع ارتكازية وهكذا، والعنصر الثابت في‏تمام الموارد هو اللفظ، فإنه لا يختلف باختلافها، وعلى هذا فحيث إن عنصرالقرينة ليس عنصراً ثابتاً محفوظاً في تمام الموارد وعنصر اللفظ عنصر ثابت‏محفوظ في كل الموارد، فبطبيعة الحال يوجب هذا حصول العلقة بين المعنى وذات‏اللفظ المستعمل فيه، لا بينه وبين اللفظ المقترن بالقرينة، إذ لا أثر لاقترانه بهابعد تبدلها وتغيرها من مورد إلى آخر.
فالنتيجة أنه لا مانع من حصول الوضع التعيّني بعامل كمي، وهو كثرةالاستعمال بين ذات اللفظ والمعنى، فإذا أطلق انتقل الذهن من تصوره إلى تصورالمعنى، سواء كان مقترناً مع القرينة أم لا. هذا تمام الكلام في المرحلة الاُولى.
وأما الكلام في المرحلة الثانية وهي ثمرة القول بثبوت الحقيقة الشرعية، فقدذكروا أنه على القول بثبوت الوضع الشرعي بأحد أنحائه الثلاثة المتقدمة تحمل‏النصوص الواردة في الكتاب والسنة على المعاني الشرعية بمقتضى أصالةالظهور، وعلى القول بعدم ثبوت الوضع الشرعي تحمل النصوص على معانيهااللغوية عملاً بأصالة الحقيقة، وأما إذا لم يثبت القول بالحقيقة الشرعية ولاعدمها، فتصبح النصوص مجملة فلا يمكن التمسك بها. هذا،
وقد علق المحقق النائيني‏قدس سره على هذه الثمرة بأنه لا واقع موضوعي لها في‏الخارج، وذلك لأن ظهور النصوص الواردة من الأئمة الأطهارعليهم السلام في إرادةالمعاني الشرعية مما لا شبهة فيه ولا يحتمل أن يكون المراد منها المعاني‏اللغوية، وأما النصوص الصادرة في زمن النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم فالثمرة وإن كانت‏تظهر فيها إلا أن تلك النصوص لم تثبت من طرقنا إلا ماروي عن الأئمةالأطهارعليهم السلام بسند تام، فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر بين القولين في المسألة(11).
الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات ...
ولكن لا أساس لهذا التعليق، فإنا لو سلمنا أن النصوص الصادرة من النبي‏الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم لم تصل إلينا بطرق معتبرة، فما هو موقفك من النصوص القرآنيةالتي يتضمن كثير منها العبادات والمعاملات بأساميهما الخاصة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من عدم ظهور الثمرة بين‏القولين في المسألة وإن كان صحيحاً من هذه الجهة، إلا أنه غير صحيح من جهةتخصيص ذلك بخصوص النصوص الصادرة من الأئمة الأطهارعليهم السلام، إذ لا وجه‏لهذا التخصيص أصلاً، فإن مراد الشارع من النصوص الشرعية، سواء كانت من‏الكتاب أو السنة معلوم أنه هو المعاني الشرعية ولا شك في ذلك، بلا فرق فيه بين‏النصوص الواردة من الأئمة الأطهارعليهم السلام والنصوص القرآنية والنبوية، إذ لاشبهة في أن نصوص القرآن مستعملة في المعاني الشرعية، وكذلك نصوص‏النبي‏الأكرم‏صلى الله عليه وآله، كما هو الحال في نصوص الأئمة الأطهارعليهم السلام، هذا تمام كلامنافي وضع العبادات.

الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات‏
وأما المعاملات فلا شبهة في أنها اُمور عقلائية ثابتة بين العقلاء قبل الشرع،كما أنه لا شبهة في ثبوتها بنفس هذه الألفاظ الخاصة قبل الاسلام في المجتمع‏العربي في الجزيرة، إذ احتمال أنهم كانوا يستعملونها كنظام مالي في حياتهم‏الاقتصادية بألفاظ اُخرى غير محتمل فيها وإن فرض احتماله في العبادات، على‏أساس أن من اعتنق من القبائل العربية إحدى الديانتين بحاجة إلى استعمال‏العبادات دون غيره، بينما المعاملات باعتبار أنها نظام مالي حياتي للمجتمع‏ككل، فجميع القبائل العربية هناك بحاجة إلى استعمالها بألفاظ عربية في مقام‏المفاهمة ونقل الأفكار بها إلى الآخرين، ومن هنا لا يكون طرح القرآن‏المعاملات بأسمائها الخاصة منذ بداية الوحي أمراً بدعاً وغريباً لدى الناس ولغةجديدة لهم، بل هم كانوا يتلقون خطابات القرآن كالخطابات المتبادلة بينهم في‏محاوراتهم بدون أدنى غربة.
نستعرض نتائج البحث حول الحقيقة الشرعية بما يلي:
الاُولى: أن من غير المحتمل أن يكون النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله وسلم هو الواضع لأسماءالعبادات بإزاء معانيها مباشرة، وإلا لشاع ذلك بين المسلمين وسجّل في التواريخ‏والأحاديث مع أنه لا عين ولا أثر له فيهما.
الثانية: في تحقق الوضع التعييني بصيغة الاستعمال خلاف، فذهب المحقق‏النائيني‏قدس سره إلى استحالة ذلك،بدعوى أن الاستعمال يقتضي لحاظ اللفظ آلياًوالوضع يقتضي لحاظه استقلالاً، والجمع بينهما يستلزم الجمع بين اللحاظالآلي‏والاستقلالي في شى‏ء واحد وهو مستحيل، بينما ذهب السيد الاُستاذقدس سره‏إلى‏إمكانه، بدعوى أن الاستعمال لا يقتضي لحاظ اللفظ آلياً، فلا مانع من‏الجمع‏بينهما.
والصحيح في المقام هو التفصيل، فإن ذلك يختلف باختلاف المباني في حقيقةالوضع، فعلى مبنى أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية قائمة بالمعتبر مباشرة، فلايمكن إيجادها بالاستعمال، وإلا لكانت حقيقة إنشائية تسبيبية لا اعتبارية محضةوهذا خلف، وكذلك على مبنى التعهد والتباني، لأن حقيقة الوضع على هذا المبنى‏حقيقة تكوينية وجدانية، وهي فعل المتعهد في أفق النفس مباشرة، ولا يكون‏تسبيباً، نعم على مبنى الاختصاص بأن تكون حقيقته اختصاص اللفظ بالمعنى‏في عالم الذهن، فإن كان منشؤه التعيين والتخصيص أي الاقتران بين اللفظوالمعنى في الخارج، أمكن إيجاده بالاستعمال على تفصيل تقدم.
الثالثة: لا يلزم من اتحاد عملية الوضع مع عملية الاستعمال الجمع بين‏اللحاظ الآلي والاستقلالي في شي‏ء واحد، لا من جهة ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره‏من أن حقيقة الاستعمال جعل اللفظ علامة، فإنه غير صحيح كما تقدم، بل من‏جهة ما ذكرناه من أن النظر إلى اللفظ بالذات في مقام الاستعمال نظر وسيلة وأداةوفي نفس الوقت لا مانع من كونه مورداً للتوجه واللحاظ مستقلاً، فلا يلزم‏المحذور المذكور حينئذ من الجمع بين العمليتين.
الرابعة: قد بنى السيد الاُستاذقدس سره على وقوع الوضع التعييني بالاستعمال بين‏العرف والعقلاء في الأعلام الشخصية والمعاني المستحدثة المخترعة، منها المعاني‏الشرعية، ولهذا قال فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعييني‏بالاستعمال غيرة بعيدة.
ولكن الصحيح عدم ثبوت الحقيقة الشرعية لا بهذا الوضع ولا بالوضع‏الصريح ولا بالوضع التعيّني، لأن الظاهر من جملة من الآيات أن أسامي‏العبادات حقائق لغوية بمعنى أنها موضوعة بإزاء تلك المعاني قبل الاسلام، ولم‏يصدر من قبل الشارع بعد الاسلام إلا بعض التفاصيل من الأجزاء والشروطغير المقومة لحقيقة هذه المعاني الجامعة بين ما جاء به الاسلام وما جاءت به‏الشرائع والأديان السابقة على ما تقدم تفصيله.
الخامسة: أن كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي التي تؤدي إلى الوضع‏التعيّني لا تتوقف على كثرة استعمال اللفظ مجرداً عن القرينة فيه، بل من جهة أن‏اللفظ عنصر ثابت ومحفوظ في جميع موراد الاستعمال دون القرينة، فإنها تختلف‏باختلاف الموارد، فلذلك يحصل منها الاُنس الذهني بين ذات اللفظ والمعنى بقطع‏النظر عن اقترانه بالقرينة، وهذا هو الوضع التعيّني.
السادسة: الظاهر أن الثمرة لا تظهر بين القولين في المسألة، على أساس أن‏المراد من النصوص التشريعية في الكتاب والسنة معلوم، وهو المعاني الشرعية،سواء أكان الاستعمال فيها حقيقياً أم مجازياً على تفصيل تقدم.
الصحيح والأعم ...

الثالث عشر: الصحيح والأعم‏
اختلف الاُصوليون في تحديد المدلول الوضعي لألفاظ العبادات والمعاملات‏سعة وضيقاً، فذهب جماعة منهم إلى أنها موضوعة لحصة خاصة منها وهي‏الحصة الصحيحة، وفي مقابل ذلك ذهب جماعة اُخرى إلى أنها موضوعة بإزاءجامع بينها وبين الفاسدة، فهنا مقامان:
المقام الأول في أسماء العبادات. المقام الثاني في أسماء المعاملات.
أسماء العبادات ...

أسماء العبادات‏
أما المقام الأول فقبل الدخول في بيان القولين الرئيسيين في المسألة ينبغي‏تقديم عدة نقاط:
النقطة الاُولى: أن البحث في هذه المسألة ينسجم مع جميع الأقوال في‏المسئلةالمتقدمة، وهي مسألة الحقيقة الشرعية، وقد مرّ أن الأقوال في‏تلك‏المسألة ثلاثة:
القول الأول: أن ألفاظ العبادات موضوعة بإزائها من قبل الشارع إمابالوضع التعييني أو التعيّني.
القول الثاني: أنها موضوعة بإزائها قبل الاسلام، على أساس أنها معان قديمةوليست بمستحدثة في الشريعة المقدسة.
القول الثالث: أنها مستعملة فيها مجازاً.
أما على القول الأول وهو القول بثبوت الحقيقة الشرعية فالأمر واضح، فإن‏القائل بالصحيح في هذه المسألة يدعي أن الشارع وضع ألفاظ العبادات بإزاءحصة خاصة وهي الصحيحة، والقائل بالأعم يدعي أن الشارع وضع ألفاظهابإزاء جامع بين الصحيحة والفاسدة.
وأما على القول الثاني وهو أنها موضوعة بإزائها قبل الاسلام، فالأمر أيضاًواضح، لأن مرد هذا النزاع إلى النزاع في تحديد المعاني اللغوية سعة وضيقاً،فالصحيحي يدعي ضيقها والأعمّي يدعي سعتها.
وأما على القول بالمجاز فقد قيل في تصوير هذا النزاع وجوه:
الأول: ما جاء في الكفاية من أن غاية ما يمكن أن يقال في تصويره هو أن‏النزاع على هذه القول مبني على أن هذه الألفاظ التي استعملت في المعاني‏الشرعية مجازاً في نصوص الكتاب والسنة، هل الأصل في هذه الاستعمالات هوالاستعمال في خصوص الصحيحة ويكون الاستعمال في الأعم بتبعه ومناسبته، أوأن الأمر بالعكس(12).
وبكلمة واضحة إن الأقرب إلى المعنى الحقيقي، هل هو خصوص الصحيحةأو الجامع بينها وبين الفاسدة، فالقائل بالصحيح يدعي أن الأقرب إلى المعنى‏اللغوي وأشبه به هو الصحيحة دون الأعم، وعلى هذا فالألفاظ المستعملة في‏الكتاب والسنة محمولة عليها، ويكفي في ذلك وجود قرينة صارفة على عدم‏إرادة المعنى اللغوي وعدم الحاجة إلى قرينة معينة، تطبيقاً لقاعدة أن إرادة المعنى‏الحقيقي إذا تعذّرت فأقرب المجازات هو المتعين، وأما استعمالها في الأعم، فهوبحاجة إلى قرينة اُخرى، لأن استعمالها فيه إما على أساس مناسبته للصحيحة،فيكون في طولها، أو على أساس أن مناسبته مع المعنى الحقيقي في مرتبة دون‏مرتبة مناسبة الصحيحة معه، والقائل بالأعم يدعي أن الأعم هو أقرب المجازات‏إلى المعنى الحقيقي، ولكن هذا البيان بحسب الكبرى وإن كان تاماً إلا أن‏كون‏المقام من صغريات هذه الكبرى محل إشكال بل منع، لأن تطبيقها عليه‏منوط بأحد افتراضين:
الأول: أن تكون علاقة الصحيحة مع المعنى الحقيقي أقوى وآكد من علاقةالأعم معه أو بالعكس.
الثاني: أن تكون علاقة المعنى الحقيقي مع أحدهما في طول علاقته مع الآخر.
وكلا الافتراضين غير صحيح.
أما الأول، فلأن العلاقة الموجودة بين المعنى اللغوي وكل من المعنى الشرعي‏الصحيح والأعمّ إنما هي علاقة المشابهة والمشاكلة، ولا تكون هذه العلاقة بين‏المعنى اللغوي وبين أحدهما أقوى وآكد من العلاقة بينه وبين الآخر بنظر العرف‏بدرجة توجب انصراف اللفظ إليه عند نصب قرينة على عدم إرادة المعنى‏اللغوي وعدم حاجة إلى قرينة اُخرى المعينة، بينما تكون إرادة الآخر بحاجةإلى‏قرينة اُخرى.
وأما الثاني، فلأنه لا مجال لتوهم أن علاقة الأعم في طول علاقة الصحيح،بمعنى أن للصحيح علاقة مع المعنى اللغوي مباشرة وللأعم علاقة مع الصحيح‏كذلك ومع المعنى اللغوي بالواسطة، ضرورة أنه لا معنى للطولية بعد أن كانت‏العلاقة المصححة محفوظة فيهما بدرجة واحدة.
ومن هنا يظهر أن اعتراض المحقق صاحب الكفايةقدس سره على هذا الوجه في‏محله، فإنه ناظر إلى أن علاقة كل من الصحيح والأعم مع المعنى اللغوي في‏عرض الآخر وعلى مستوى واحد، فلا طولية ولا أقوائية في البين.
الثاني: ما جاء في كلمات المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أنه يمكن تصوير النزاع في‏المسألة بما يلي، من أن القائل بالأعم يدعي أن اللفظ كالصلاة مثلاً قد استعمل‏دائماً في الأعم لعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، وأما استفادة خصوصية اُخرى‏كوصف الصحة أو الفساد فهي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، ومع‏عدم دال آخر يحمل اللفظ على الأعم، والخلاصة أن القائل بالأعم يدعي أن‏الطريقة المتّبعة في استعمال ألفاظ العبادات في نصوص الكتاب والسنة هي‏استعمالها في الأعم وهو الجامع بين الصحيح والفاسد وإرادة خصوص الصحيح‏أو الفاسد إنما هي بدالّ آخر.
والقائل بالصحيح يدعي أن اللفظ دائماً استعمل في الصحيحة، على أساس‏علاقة بينها وبين المعنى اللغوي، وفي الفاسدة لا لعلاقة بينها وبين المعنى الحقيقي‏ولا للمشاكلة بينها وبين الصحيحة، بل من أجل التصرف في أمر عقلي وهوتنزيل المعدوم من الأجزاء أو الشروط منزلة الموجود، لئلا يلزم سبك المجاز من‏المجاز، فلا مجاز أصلاً من حيث المعنى إلا في استعمال اللفظ في الصحيحة، وحيث‏إن الاستعمال دائماً في الصحيحة من حيث المفهوم والمعنى فمع عدم القرينة على‏التصرف في أمر عقلي يحمل على الصحيحة ويترتب عليه ما يترتب على الوضع‏للصحيحة من الثمرة(13).
وغير خفي أن هذا التقريب وإن كان ممكناً عقلاً إذ لا مانع من دعوى كل من‏الصحيحي والأعمي ذلك، إلا أنه لا يمكن عرفاً الأخذ به، حيث إن الأخذ به‏كذلك منوط بأن يكون بصيغة عرفية مقبولة، حيث لا يحتمل أن يكون استعمال‏الشارع هذه الألفاظ في معانيها الشرعية مجازاً في الكتاب والسنة خارجاً عن‏الطريقة المتّبعة لدى العرف والعقلاء في باب المحاورات والافادات، ضرورةاختيار الشارع طريقة التفاهم في باب الألفاظ نفس الطريقة المتبعة لدى العرف‏العام في هذا الباب، وهذا أمر واضح، وعلى ذلك فلابد من النظر إلى دعوى كل‏من الصحيحي والأعمى.
أما دعوى الصحيحي بأن اللفظ في الكتاب والسنة دائماً مستعمل في‏الصحيحة حتى إذا كان المراد منها الفاسدة بعد تنزيلها منزلة الصحيحة بالالتزام‏بالمجاز في الأمر العقلي لا في الكلمة، فهي لا تبتني على نكتة عرفية، وذلك لأن‏العلاقة المصححة للاستعمال المجازي كما هي متوفرة ومحفوظة بين المعنى اللغوي‏والصحيحة، كذلك هي متوفرة ومحفوظة بينه وبين المعنى الأعم، وعليه فدعوى‏أن الشارع استعمل اللفظ دائماً في الصحيحة إما حقيقة أو ادعاء أي بعد تنزيل‏المعدوم من الأجزاء أو الشرائط منزلة الموجود بلا مبرّر وموجب، ضرورة أنه‏إذا صح استعمال اللفظ في الفاسدة مجازاً بواسطة العلاقة بينها وبين المعنى اللغوي‏مباشرة فلا مقتضى للتنزيل، ولا يلزم من ذلك سبك المجاز عن المجاز، لأن كلاالمجازين في عرض واحد، لا أن أحدهما في طول الآخر.
هذا إضافة إلى أنه لا محذور في سبك المجاز من المجاز، ولا مانع من أن يكون‏استعمال لفظ في معنى مجازاً من جهة علاقته بالمعنى الحقيقي مباشرة، واستعماله في‏معنى آخر مجازاً من جهة علاقته بالمعنى المجازي كذلك.
وبكلمة، إذا كانت لكل من الماهية الصحيحة والأعم علاقة مع المعنى الحقيقي‏في عرض الآخر، وهي على الفرض مصححة لاستعمال اللفظ في كل منهما،فحينئذ لا مبرر لتنزيل الحصة الفاسدة منزلة الصحيحة أولاً ثم استعمال اللفظفيها مجازاً، فإنه لغو محض، لأن صحة هذا الاستعمال لا تتوقف على هذا التنزيل،والمفروض أنه لا يوجب صيرورة هذا الاستعمال استعمالاً حقيقياً ولو ادعاء،لفرض أن استعمال اللفظ في الحصة الصحيحة مجاز على كل حال، أي سواء كانت‏صحيحة واقعاً أم ادعاء، فإذن اللجوء إلى التنزيل أولاً ثم استعمال اللفظ في‏الصحيحة الادعائية مجازاً رغم صحة هذا الاستعمال في الفاسدة ابتداء بدون‏سبق التنزيل بلا موجب، إذ لا يترتب على هذا التنزيل أي فائدة وأثر، لأن‏المجاز في الكلمة محفوظ في المقام على كل حال، وحينئذ فالالتزام بالمجازفي‏الاسناد والأمر العقلي أيضاً يكون لغواً، ولذلك لا تكون هذه الطريقةطريقةعرفية عقلائية، ولا يمكن للشارع أن يختار هذه الطريقة في نصوص‏الكتاب والسنة.
وأما دعوى الأعميّ وهي أن خصوصية الصحيحة أو الفاسدة مستفادة من‏دال آخر، فهي أيضاً لا تبتني على نكتة عرفية، وذلك لأن تعدّد الدال والمدلول‏وإن كان من الطرق المتّبعة لدى العرف والعقلاء في استعمالاتهم ومحاوراتهم، إلاأنها إنما تتبع في موارد يراد فيها التحفظ على الحقيقة، بأن يستعمل اللفظ في معناه‏الحقيقي، والخصوصية مستفادة من دال آخر، وطالما يمكن ذلك، فلا تصل النوبةإلى المجاز، ولكن ذلك لا ينطبق على المقام، لأن استعمال اللفظ في المقام مجاز على‏كل حال، أي سواء كان في الأعم أو في الصحيحة.
ودعوى أن هذه الطريقة وإن كانت تتخذ غالباً للحفاظ على استعمال اللفظ في‏المعنى الحقيقي، إلا أنه لا مانع من اتخاذها في المقام أيضاً، لأن الاستعمال فيه وإن‏كان مجازياً على كل حال، إلا أن الظاهر هو أن الشارع استعمل هذه الألفاظ في‏النصوص التشريعية في معنى جامع بين الصحيحة والفاسدة، وإرادة خصوص‏الصحيحة أو الفاسدة منها بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول.
مدفوعة بأن اتباع هذه الطريقة في المحاورات والاستعمالات العرفية إنما هوبنكتة اُخرى لا مجرد التحفظ على وحدة المستعمل فيه، وهي أن اللفظ في باب‏الحقيقة ظاهر عند الاطلاق في إرادة المعنى الحقيقي واستعماله فيه، وعليه فإذانصب المتكلم قرينة على إرادة حصة خاصة منه فيدور الأمر بين استعمال اللفظفي هذه الحصة مجازاً ورفع اليد عن ظهوره في معناه الحقيقي، وبين التحفظ على‏هذا الظهور وإرادة الحصة بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، فالثاني متعيّن‏تحفظاً على ظهوره في معناه الحقيقي، حيث لا موجب لرفع اليد عنه واستعماله في‏الحصة مجازاً، فإذا قيل »جاء أسد« فلفظ الأسد مستعمل في معناه الحقيقي، وهوالحيوان المفترس الجامع، وتطبيقه على الفرد إنما هو بدال آخر وهو الرؤية، لا أن‏لفظ الأسد مستعمل في الفرد مجازاً، لأنه خلاف الظاهر، وهذه النكتة غيرمتوفرة في المقام، وذلك لأن استعمال اللفظ فيه في الأعم مجاز على الفرض، وعلى‏هذا فإذا أراد المتكلم حصة خاصة منه وهي الصحيحة أو الفاسدة ونصب قرينةعلى إرادتها، فلا ظهور للفظ في الأعم وهو الجامع وكون إرادة الحصة منه بدال‏آخر، على أساس أن ظهوره فيه مستند إلى القرينة لا إلى الوضع، وعليه فإذانصب المتكلم قرينة على إرادة الحصة منه انتفى ظهوره بانتفاء منشئه وهوالقرينة، فإذن لا ظهور له لكي يدور الأمر بين التحفظ عليه وإرادة الحصة منه‏بدال آخر وبين رفع اليد عنه واستعماله في الحصة مجازاً، لوضوح أنه إذا نصب‏قرينة على إرادة الخاص من ألفاظ الكتاب والسنة دون مدلولها اللغوي، فمعناه‏أنها مستعملة فيه لا أنها مستعملة في الأعم، وإرادة الخاص بالقرينة من باب‏تعدد الدال والمدلول، لفرض أنه لم ينصب قرينة على إرادة الأعم واستعمالها فيه،وإنما نصب قرينة على إرادة الخاص واستعمالها فيه.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا يمكن تصوير النزاع في المسألة بهذه الطريقةعلى القول بالمجاز.
الثالث: أن مرجع النزاع في المسألة على هذا القول إلى تحديد مفاد القرينةالعامة التي يعتمد عليها الشارع في استعمال هذه الألفاظ الخاصة في المعاني‏الشرعية مجازاً، وتلك القرينة العامة متمثلة في استعمال الشارع هذه الألفاظ في‏النصوص الشرعية من الكتاب والسنة في المعاني المذكورة بما أنه شارع لا بما أنه‏متكلم عرفي أو لغوي، وهذه الجهة قرينة عامة على استعمال هذه الألفاظ في‏الكتاب والسنة في المعاني الشرعية مجازاً دون المعاني اللغوية الحقيقية.
فإذن يقع الكلام في تحديد مدلول هذه القرينة العامة، فالصحيحي يدعي أن‏مدلولها هو استعمال تلك الألفاظ في الكتاب والسنة في الصحيحة، وإرادة الأعم‏أو الفاسدة منها بحاجة إلى قرينة خاصة، والأعمي يدعي أن مدلولها هواستعمالها فيهما في الأعم، وإرادة خصوص الصحيحة بحاجة إلى قرينة خاصة(14).
والخلاصة: أن القرينة العامة قائمة على أن هذه الألفاظ في الكتاب والسنةمستعملة في المعاني الشرعية كما إذا كانت موضوعة بإزائها، هذا مما لا إشكال‏فيه، والنزاع إنما هو في أن مقتضى هذه القرينة العامة هو استعمالها في الأعم،وإرادة الخاص في مورد بحاجة إلى قرينة خاصة أو بالعكس، فالقائلون بالأعم‏يدعون الأول، والقائلون بالصحيح يدعون الثاني.
وإلى ذلك أشار السيد الاُستاذقدس سره من أن مرجع النزاع على هذا القول هو أن‏الشارع المقدس من لدن نزول القرآن الحكيم هل استعمل هذه الألفاظ في المعاني‏الشرعية الصحيحة من جهة لحاظ علاقة بينها وبين المعاني اللغوية أو استعملهافي الأعم من جهة لحاظ علاقة بينه وبين المعاني اللغوية، فعلى الأول الأصل في‏استعمالات الشارع الاستعمال في الصحيح إلا إذا قامت قرينة على الخلاف، وعلى‏الثاني ينعكس الأمر.
بل يجري النزاع حتى على القول المنسوب إلى الباقلاني، وهو أن هذه الألفاظاستعملت في لسان الشارع في معانيها اللغوية، ولكنه أراد المعاني الشرعية من‏جهة نصب قرينة تدل على ذلك بنحو تعدّد الدال والمدلول، والوجه في ذلك هوأن النزاع يقع في أن الشارع حين إرادته المعاني الشرعية بالقرينة، هل نصب‏القرينة العامة على إرادة المعاني الصحيحة حتى يحتاج إرادة الأعم إلى‏قرينةخاصة، أو أنه نصبها على إرادة الأعم، فإرادة الصحيحة تحتاج إلى‏قرينةخاصة(15).
فالنتيجة أنه لا مانع من تصوير النزاع في المسألة على هذا القول بهذه الكيفية.
معنى الصحة والفساد ...
النقطة الثانية: في تحديد المراد من الصحة سعة وضيقاً، وقد فسّرت بوجوه:
الوجه الأول: ما نسب إلى المتكلمين من أن المراد منها موافقة الشريعة أوتحصيل الغرض.
الوجه الثاني: ما عن الفقهاء من أن المراد منها سقوط القضاء والاعادة.
وقد اُورد عليهما بأنهما ليسا معنى الصحة بل هما من لوازمها، فإن لازم صحةالمأمور به موافقة الشريعة وحصول الغرض، كما أن من لوازمها سقوط القضاءوالاعادة، وليس شي منها معنى الصحة حقيقة(16).
الوجه الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن معنى الصحة هو التماميّة من‏حيث الأجزاء والشرائط التي يعبّر عنها في لغة الفرس بكلمة »درستي« وهي‏معناها لغة وعرفاً.
ومن هنا أشكل على تفسيرها باسقاط القضاء والاعادة تارة وبموافقةالشريعة تارة اُخرى بأنه تفسير باللازم، فإن الصلاة مثلاً إذا كانت تامةمن‏حيث الأجزاء والشرائط، كان لازمها أنها موافقة للشريعة ومسقطةللاعادة والقضاء(17).
وغير خفي أن ما ذكره‏قدس سره بحاجة إلى البحث والنظر، وذلك لأن تماميّة الشي‏مرة تكون بلحاظ أنه واجد لذاته وذاتياته بلا فرق بين أن تكون ذاتياته من‏الأجزاء الخارجية أو الداخلية كالجنس والفصل، والأول يمثل المركبات‏الخارجية كالصلاة ونحوها، والثاني يمثل المركبات التحليلية كالانسان وغيره،واُخرى تكون بلحاظ الحيثية المطلوبة منه وراء ذاته وذاتياته، مثلاً الحيثيةالمطلوبة من الصلاة والمرغوب فيها حيثية إسقاط الاعادة في الوقت والقضاء في‏خارج الوقت وموافقة الشريعة وحصول الغرض، فتمامية الصلاة بلحاظ أنهاواجدة لهذه الحيثيات.
وبعد ذلك نقول: إن التمامية بالمعنى الأول ليست مساوقة للصحة، فلا يقال‏عرفاً للشي التام بهذا المعنى إنه صحيح لوجوه:
الأول: أن للتمامية بهذا المعنى واقعاً موضوعياً، فإنها متمثلة في وجدان الشي‏ءلذاته وذاتياته وأجزائه وقيوده، على أساس أن ماهية كل شي‏ء في الواقع متقومةذاتاً وحقيقة بأجزائه، سواء كانت من الأجزاء التحليلية أم كانت من الأجزاءالخارجية، نعم إن مفهوم التمامية الذي هو تمام بالحمل الأولي مفهوم انتزاعي‏ومرآة لواقعها كسائر المفاهيم، ولكن من الواضح أن من يقول بأن معنى الصحةالتمامية لم يرد مفهوم التمامية، بل أراد واقعها الذي هو تمام بالحمل الشائع كما هوظاهر، بينما تكون الصحة عنواناً انتزاعياً لا واقع موضوعي لها ومنتزعاً من‏انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، نظير حيثية إسقاط القضاءوالاعادة وموافقة الشريعة وغيرها، فإنها جميعاً حيثيات انتزاعية لا واقع‏موضوعي لها ماعدا وجود المأمور به في الخارج، فإذن لا يمكن أن يكون معنى‏الصحة التمامية بهذا المعنى.
الثاني: أن التمامية بالمعنى المذكور تشمل المركب والبسيط، فإن كل شي‏ءواجد لذاته وذاتياته فإنه تام، سواء كان مركباً أم بسيطاً كالانسان، مع أن‏البسيط لا يتصف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى، فإنهما من مفاد كان الناقصة،وإنما يتصف بالوجود والعدم الذين هما من مفاد كان التامة.
الثالث: أن الشي‏ء إنما يتصف بالصحة بلحاظ ما يترتب ويتطلب منه من‏الأثر، كحيثية سقوط الاعادة والقضاء وموافقة الشريعة وحصول الغرض،ضرورة أن الصلاة مثلاً لا تتصف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى إلا بلحاظترتب تلك الحيثية عليها وعدم ترتبها، وبقطع النظر عنه، فلا تتصف بالصحة،فإذن يكون اتصافها بالصحة وجوداً وعدماً متقوماً بالحيثية المذكورة كذلك،فإن انتزاع الصحة من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج منوطبترتب تلك الحيثية عليه، وإلا فلا مجال لانتزاعها منه.
فالنتيجة أنه لا يصح تفسير الصحة بالتمامية بالمعنى الأول.
وأما التمامية بالمعنى الثاني وهي وجدان الشي‏ء للحيثية المطلوبة منه فهي‏مساوقة للصحة، إذ لا واقع موضوعي لها ماعدا منشأ انتزاعها، وهو مطابقةالمأتي به للمأمور به في الخارج المتحيّث بحيثية إسقاط القضاء والاعادةوموافقةالشريعة.
ومن هنا ذكر المحقق الاصبهانى‏قدس سره أن حيثية إسقاط القضاء وموافقة الشريعةوغيرهما تكون من الحيثيات التي تتم بها حقيقة التمامية، وليست من لوازم‏التمامية بالدقة، حيث لا واقع للتمامية إلا التمامية من حيث إسقاط القضاء أو من‏حيث موافقة الشريعة أو من حيث ترتب الغرض إلى غير ذلك، ومن الواضح أن‏اللازم ليس من متمّمات معنى الملزوم(18).
فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنها من لوازم التمامية إنما يتم بالنسبة إلى التماميةبالمعنى الأول، ولكن قد عرفت أنها ليست معنى الصحة، وأما التمامية بالمعنى‏الثاني فهو أمر نسبي انتزاعي، فلا واقع موضوعي لها إلا إضافة العمل‏إلى‏الحيثيات المذكورة، فالصلاة المسقطة للقضاء والاعادة الموافقة للشريعةمنشأ لانتزاع التمامية والصحة واتصافها بهما، فلذلك لا واقع موضوعي لهماماعدا تلك الحيثيات.
والخلاصة: أن التمامية بالمعنى الأول وإن كان لها واقع موضوعي إلا أنهاليست معنى الصحة كما مرّ، وأما التمامية بالمعنى الثاني التي هي معنى الصحة، فلاواقع موضوعي لها كما عرفت.
ثم إنه على القول بالصحيح في باب العبادات والمعاملات، هل المأخوذ في‏المسمّى ما هو الصحيح بالحمل الشائع من أفراد المعنى الشرعي، أو ما هوالصحيح بالحمل الأولي وهو مفهومه، أما الأول فسوف يقع البحث فيه في ضمن‏البحوث القادمة عن كيفية تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة، وأما الثاني وهوأخذ مفهوم الصحيح في المسمى، فهو مقطوع العدم لوجوه:
الأول: أن المتبادر عرفاً من ألفاظ العبادات والمعاملات كالصلاة ونحوها هونفس الأجزاء المرتبطة المقيّدة بالقيود الخاصة دون مفهوم الصحة بالحمل‏الأولي، فإذا قيل »زيد يصلي« كان المتبادر من لفظ الصلاة هو أجزائها الخاصةالمرتبطة بشروطها المخصوصة دون مفهوم الصحيح.
الثاني: أن لفظ الصلاة لو كان موضوعاً لمفهوم الصحيح، لزم أن يكون‏مترادفاً مع لفظ الصحيح مع أن الأمر ليس كذلك، ضرورة أن المتبادر من لفظالصحيح غير ما هو المتبادر من لفظ الصلاة.
أخذ الأجزاء والشرائط في المسمى ...
الثالث: أن مفهوم الصحة بما أنه متأخر عن الأمر ومتفرع عليه، فلا يمكن‏أخذه في متعلقة وهو المسمى لأسماء العبادات، حيث إنه متعلق الأمر حتى على‏القول بوضعها للصحيح، ومن الواضح أنه لا يمكن أخذ مالا يتأتى إلا من قبل‏الأمر كاسقاط القضاء والاعادة وموافقة الشريعة ونحو ذلك في متعلقه، على‏أساس أن كل هذه الحيثيات حيثيات انتزاعية منتزعة من انطباق المأمور به على‏الفرد المأتي به في الخارج ومتفرّعة عليه، ومن الطبيعي أنه لا يمكن أخذ الصحةبهذا المعنى في متعلق الأمر، لأنها في طول تعلق الأمر به.
فالنتيجة أن المتبادر من ألفاظ العبادات هو واقع الصحيح لا مفهومه.
النقطة الثالثة: لا شبهة في اعتبار الصحة في مسميّات العبادات من ناحيةالأجزاء على القول بالصحيح، ونقصد بصحتها وجدان تلك الأجزاء للحيثيات‏المطلوبة منها.
وكذلك لا شبهة في اعتبارها من ناحية الشرائط، فإن وجدان الأجزاءللحيثيات المطلوبة منها منوطة بتوفّر تلك الشروط فيها، سواء كانت شروطاًلنفسها مباشرة أم لأجزائها كذلك.
نعم، نسب إلى شيخنا الأنصاري‏قدس سره على ما في تقرير بحثه عدم إمكان دخول‏الشرائط في المسمى، بدعوى أن الشرط متأخر عن المشروط وفي طوله،فلايمكن أخذه معه في العبادات في عرض واحد، فإن معنى أخذه فيها أنه‏في‏عرض الأجزاء(19).
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الطولية بين الشرط والمشروط به وهوالجزء إنما هي في عالم الوجود لا في عالم المفهوم، ومحل الكلام إنما هو في الثاني،ومن الواضح أنه لا مانع فيه من ملاحظة الجزء والشرط معاً في عرض واحد في‏مقام التسمية بدون أن يكون الشرط في طول الجزء. هذا(20).
والصحيح في المقام أن يقال إنه لا طولية بينهما لا في عالم الوجود ولا في عالم‏المفهوم، فإن الطولية الرتبية بين شيئين بحاجة إلى ملاك في كلا العالمين، كالعليةوالمعلولية والسببية والمسبّبية ونحوها، ولا يمكن أن تكون جزافاً، والفرض أن‏وجود الجزء في عالم الوجود ليس علة لوجود الشرط فيه، كما أنه لا ملاك‏لتقدمه عليه في عالم المفهوم، فإذن لا يكون الشرط في طول الجزء لا في عالم‏الوجود ولا في عالم المفهوم.
أجل، قد يتوهم أن الجزء يتقدم رتبة على الشرط في مقام تأثيره في‏الملاك، على أساس أنه بمثابة المقتضي والفاعل، والشرط في طرف الفاعل‏مصحح لفاعليته، وفي طرف القابل مصحح لقابليته، فلذلك يكون متأخراً عن‏اقتضاء المقتضي في مقام التأثير.
ولكن لا أساس لهذا التوهم، وذلك لأن تمام المؤثر في المقام إنما هو حصةخاصة من الجزء وهي الحصة المقيّدة بالشرط، ولا اقتضاء للتأثير في ذات الجزءبما هي حتى يكون الشرط مصححاً لفاعليتها ويكون تأثيره في طول تأثيرها،وقياس الجزء والشرط في المركبات الاعتبارية كالصلاة ونحوها بالمقتضي‏والشرط في التكوينيات قياس مع الفارق.
هذا إضافة إلى أن حيثية التأثير حيثية انتزاعية غير مأخوذة في مسمى‏اللفظ، وإن شئت قلت: إن حيثية التأثير التي تكون الأجزاء المقيدة بالشروطواجدة لها اقتضاء لا واقع موضوعي لها في الخارج غير نفس الأجزاء المقيدةحتى تكون مأخوذة في المسمى في عرض تلك الأجزاء، وأما حيثية التأثيرالفعلي فهي مساوقة لمفهوم الصحيح، وقد تقدم أن ألفاظ العبادات لم توضع‏بإزائه، وإنما وضعت بإزاء الصحيح بالحمل الشائع يعني ذوات الأجزاء المقيدةبالشرائط، وإطلاق الصحيح عليها إنما هو بلحاظ أنها واجدة للحيثية المطلوبةمنها، ومن هنا قلنا إن مجرد تمامية الأجزاء والشرائط ليس معنى الصحة، بل‏بلحاظ وجدانهما للحيثية المذكورة.
إلى هنا قد تبين أنه لا ترتب بين الجزء والشرط في المركبات الشرعية، لا في‏عالم الوجود ولا في عالم المفهوم ولا في عالم التأثير.
ومن ذلك يظهر أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على الشيخ‏قدس سره بأن الترتب بين‏الجزء والشرط إنما هو في عالم الوجود لا في عالم المفهوم والتسمية، غير تام، لماعرفتم من أنه لا ترتب بينهما أصلاً لا في عالم الوجود ولا في غيره.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم الطولية بينهما رتبة إلا أن هذه الطولية لا تؤثرفي عالم التصور والانتقال، ولا تمنع من وضع اللفظ بإزائهما معاً وفي آن واحد،فإذا اُطلق لفظ »الصلاة« مثلاً انتقل الذهن إلى معناها، وهو الأجزاء المقيدةبالشروط في آن واحد، سواء أكانت بينهما طولية رتبة أم لا، فالطولية الرتبية بين‏شيئين كانا متقارنين زماناً لا أثر لها في عالم الوضع والتصور، حيث إن إمكان‏الوضع بإزاء المتقدم والمتأخر رتبة في زمان واحد من الواضحات، لأن التأخر في‏مقام العلية لا يوجب التأخر في مقام التسمية، فإن أحد المقامين أجنبي عن المقام‏الآخر بالكلية، بل لا مانع من وضع اللفظ بإزاء شيئين طوليين زماناً، لأن‏طوليتهما، إنما هي بلحاظ وجودهما في الخارج، والمفروض أن اللفظ لم يوضع‏بإزاء وجودهما فيه، وإنما وضع بإزاء المركب منهما في عالم المفهوم وهو عالم‏التسمية، ومن الواضح أن طوليتهما في عالم الوجود الخارجي لا يقتضي طوليتهمافي عالم التسمية والمفهوم.
فالنتيجة لحد الآن أمران:
الأول: أن ما نسب إلى شيخنا الأنصاري‏قدس سره على ما في تقرير بحثه لا يرجع‏إلى معنى صحيح.
الثاني: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من تسليم الطولية بين الأجزاءوالشروط رتبة بحسب عالم الوجود في المقام غير تام كما مرّ.
وأما اعتبار قصد القربة في الصحة على القول بالصحيح، فهو مبني على‏البحث المعروف بين الاُصوليين حول إمكان أخذه في متعلق الأمر، فإنه إن قلنابإمكانه، فلا مانع من أخذه في المسمى على هذا القول، لأن القائل بالصحيح‏يدعي أن المسمى لأسامي العبادات يصلح أن يقع متعلقاً للحكم في الخطابات‏الشرعية، وعلى هذا فما يمكن أخذه في متعلق الأمر، فبإمكان الصحيحي أن‏يدعي أخذه في المسمى، وما لا يمكن أخذه فيه، فليس بإمكانه أن يدعي أخذه‏فيه وإن كان معتبراً في الصحة شرعاً أو عقلاً.
وأما القيود اللبية التي منها عدم المزاحم بناء على أن صحّة العبادة مشروطةبه، ومنها عدم النهي بناء على القول باقتضائه الفساد.
أما الأول وهو عدم المزاحم فإنه غير معتبر في صحة العبادة بناء على القول‏بإمكان الترتب كما هو الصحيح، وأما بناءً على القول بعدم إمكانه فصحتها وإن‏كانت متوقفة في نهاية المطاف - على أساس أنّ وجود المزاحم لها مانع عن الأمربها فعلاً، ومع عدم الأمر بها كذلك لا يمكن إحراز اشتمالها على الملاك،وبالتالي لا يمكن الحكم بالصحة لتوقفها على إحراز أحد أمرين: إما وجود الأمربها فعلاً أو اشتمالها على الملاك، وإلا فلا يمكن الحكم بالصحة - إلا أنه لا يكون‏مأخوذاً في المسمى، لأنه ليس قيداً شرعاً، وإنما هو قيد لبّاً بحكم العقل في موردالتزاحم متأخراً عن المسمى، والصحيحي في مقابل الأعمي لا يدعى إلا وضع‏ألفاظ العبادات لمعنى يكون ذلك المعنى هو متعلق الأمر، فما لا يكون مأخوذاً في‏متعلقه، فليس للصحيحي أن يدعي أخذه في المسمّى وإن كان دخيلاً في الصحةعقلاً أو شرعاً، وحيث إن عدم المزاحم لا يكون مأخوذاً في متعلق الأمرشرعاً، فلا يحتمل أن يكون مأخوذاً في المسمى.
وأما الثاني وهو عدم النهي عن العبادة، فقد ذكرنا في ضمن البحوث السالفةأنه لا يقتضي فساد العبادة لكي يكون عدمه شرطاً لها كسائر شروطها.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن عدم المزاحم وعدم النهي‏إن كانا مضافين إلى المسمى بما هو مسمى، كانا في طول المسمى لا محالة، وقد مرّأنه لا ينبغي للصحيحي أن يدعي أخذه فيه، فانه إنما يدعي أخذ ما يمكن أخذه‏في متعلق الأمر، على أساس أنه هو المسمى، والمفروض أن عدم المزاحم وكذلك‏عدم النهي في طول متعلق الأمر ومتفرع عليه، فلا يمكن أن يكون مأخوذاً فيه،وإن كانا مضافين إلى ذات المسمى أمكن أن تلحظ الصحة من ناحيتهما أيضاً، كماهو الحال في سائر القيود(21).
فما ذكره‏قدس سره قابل للمناقشة، أما بالنسبة إلى المزاحم فإنه إنما يتصف بهذاالوصف من جهة إضافته إلى المسمى بما هو مسمى، لأن التزاحم إنما هو بين‏واجبين ولا يتصور بين واجب وغير واجب، وعليه فبطبيعة الحال يكون عدم‏المزاحم مضافاً إلى المسمى بما هو متعلق الأمر، لا إلى ذات المسمى بقطع النظرعن كونه متعلقاً للأمر.
وأما بالنسبة إلى النهي فيمكن أن يكون عدمه مضافاً إلى ذات المسمى كمايمكن أن يكون مضافاً إلى المسمى بما هو مسمى، فعلى الأول يمكن أن تلحظالصحة من ناحيته أيضاً، وعلى الثاني فلا يمكن ذلك، لأنه في طول المسمى،هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى ذكر المحقق النائيني‏قدس سره أنه لا يمكن أخذ جميع هذا في‏المسمى، وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله، أن الصحة من جهة عدم المزاحم‏وعدم النهي وقصد القربة في مرتبة متأخرة عن المسمى وفرع تحققه لكي يتعلق‏به النهي أو يوجد له مزاحم أويقصد به التقرب، وعلى هذا فلا يعقل اعتبارها في‏المسمى وأخذها فيه، فيكون من قبيل أخذ ما هو متأخر رتبة في المتقدم كذلك،وهو غير معقول(22)، والخلاصة أنه‏قدس سره حكم باستحالة أخذ هذه الاُمور في‏المسمى، معللاً بأنها متفرعة على تحقق المسمى في المرتبة السابقة.
ولكن قد تبين مما تقدم أن ما أفاده‏قدس سره لا يتم مطلقاً، أما قصد القربة فقد مرّأنه على القول بامكان أخذه في متعلق الأمر، فحاله حال سائر الأجزاء والقيودالمأخوذة فيه، وأما على القول بعدم إمكان ذلك فهو خارج عن المسمى، لأن‏الصحيحي لا يدعى أخذ ما لا يمكن أخذه في متعلق الأمر في المسمى، وأما عدم‏المزاحم، فقد تقدم أنه ليس شرطاً للمأمور به على القول بالترتب، وأما على‏القول بالعدم، فوجوده وإن كان مانعاً عن الأمر بالعبادة، إلا أن عدمه ملحوظفي طول المسمى بما هو مسمى، فلا يمكن أن تلحظ الصحة من ناحيته. وأما عدم‏النهي عن العبادة، فقد مرّ أنه لا يكون شرطاً لصحتها، لأن شرطيته مبنية على‏اقتضائه الفساد، وهو محل اشكال بل منع.
لزوم تصوير الجامع ...
وأما السيد الاُستاذقدس سره فقد أورد عليه بأنه لا مانع من وضع لفظ بإزاء شيئين‏طوليين رتبة بل زماناً، ولا يلزم منه أي محذور، ومقامنا من هذا القبيل، إذ مجردكون قصد القربة وعدم المزاحم وعدم النهي في طول الأجزاء المأمور بهاوالشرائط لا يوجب استحالة أخذها في مسمى لفظ »الصلاة« ولا يوجب تقدم‏الشى‏ء على نفسه، وما ذكره‏قدس سره من أن تلك الاُمور متفرعة على تحقق المسمى في‏المرتبة السابقة مبني على عدم أخذ هذه الاُمور فيه، وأما إذا فرض أنها مأخوذةفيه كسائر الأجزاء والشرائط، فلا يتحقق إلا مقيداً بتلك الاُمور(23).
وغير خفي أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره من الاشكال على المحقق النائيني‏قدس سره‏إن أراد به مجرد نفي الاستحالة وإمكان وضع اللفظ بإزاء المقيد بها فلا بأس به،وإن أراد بذلك أن بإمكان الصحيحي أن يدعي أخذ هذه الاُمور في المسمى رغم‏أنها غير مأخوذة في متعلق الأمر، فقد عرفت أنه لا يمكن، إذ ليس للصحيحي‏إلا أن يدعى وضع أسامى العبادات بإزاء معنى جامع يصلح متعلقاً للأحكام‏الشرعية، فما لا يكون مأخوذاً في متعلق الأمر الشرعي، إما من جهة عدم‏إمكانه أو من ناحية اُخرى، فليس بإمكان الصحيحي أن يدعي أخذه في‏المسمى وإن كان دخيلاً في الصحة عقلاً أو شرعاً، وهذا ظاهر.
النقطة الرابعة: أن على كل من الصحيحي والأعمي تصوير جامع مشترك‏بين الأفراد، فعلى الصحيحي تصويره بين الأفراد الصحيحة، وعلى الأعمي‏تصويره بين الأعم منها ومن الفاسدة حتى يكون ذلك الجامع هو المعنى الموضوع‏له لأسامي العبادات، والوجه في ذلك هو أن ألفاظ العبادات كلفظ الصلاةونحوها ليست من الألفاظ المشتركة بين معان متعددة بأوضاع عديدة، لوضوح‏أن لها وضعاً واحداً بإزاء معنى واحد، وتستعمل في كلمات الشارع في الكتاب‏والسنة في كل الموارد والمقامات فيه بدون استخدام أي قرينة معينه، مع أنها لوكانت مشتركة لفظية، فحينئذ وإن كان استعمالها في كل صنف من أصنافها أو فردمن أفرادها حقيقياً إلا أنه بحاجة إلى قرينة معينة، وبدونها فلا تدل على التعيين،والمفروض أن الأمر ليس كذلك، فإذن لا محالة يكون استعمالها في كل مورد من‏الموارد في الجامع، والخصوصية مستفادة من دال آخر من باب تعدّد الدال‏والمدلول، وحينئذ فإن كان هناك دال آخر فهو، وإلا فاللفظ لا يدل إلا على‏الجامع بدون خصوصية.
ومن هنا يظهر أنه لا يمكن الإلتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص فيها،وذلك لنفس المحذور المذكور، وهو كون استعمالها في كل صنف أو فرد منها وإن‏كان حقيقياً إلا أنه بحاجة إلى قرينة معينة، حيث إن الوضع العام والموضوع له‏الخاص كالمشترك اللفظي من هذه الناحية.
وبكملة، إنه يمكن تصوير وضع أسامي العبادات واختصاصها بها على‏أحدأنحاء.
الأول: أن يكون بنحو الاشتراك اللفظي.
الثاني: أن يكون بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص.
الثالث: أن يكون بنحو الحقيقة في بعض المراتب والمجاز في الباقي.
الرابع: أن يكون بنحو الوضع العام والموضوع له العام.
أما الأول فمضافاً إلى القطع بعدم تعدد الوضع فيها بعدد أفرادها أو أصنافها لابالوضع التعييني الصريح ولا بالوضع التعييني الاستعمالي ولا بالوضع التعيّني، إن‏لازم ذلك إجمال ألفاظ العبادات في نصوص الكتاب والسنة وعدم تبادر شي‏ءمنها عند إطلاقها إلا بمعونة قرينة معينة، وهو خلاف الضرورة والوجدان فيها.
وأما الثاني فهو كالمشترك اللفظي في النتيجة، وهي إجمال اللفظ وعدم تبادرشي‏ء منه بدون قرينة معينة.
وأما الثالث فهو مقطوع البطلان كما سوف يأتي الكلام فيه قريباً.
فإذن يتعين النحو الرابع وهو الوضع العام والموضوع له العام.
وعلى هذا الأساس فلابد على كلا القولين في المسألة من تصوير جامع‏بين‏الأفراد.
ولكن خالف في ذلك المحقق النائيني‏قدس سره فذهب إلى أنه ليست هناك ضرورةتدعو إلى تصوير جامع مشترك بين جميع الأفراد بعرضها العريض على كلاالقولين في المسألة. وأفاد في وجه ذلك، أنه لا مانع من الالتزام بأن الموضوع له‏في مثل لفظ الصلاة هو المرتبة العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، فان‏للصلاة مثلاً باعتبار مراتبها عرضاً عريضاً، ولها مرتبة عليا وهي صلاة المختار،ولها مرتبة دنيا وهي صلاة الغرقى، وبين الحدين متوسطات، فلفظة الصلاة ابتداءموضوعة للمرتبة العليا على كلا القولين في المسألة، واستعمالها في غيرها من‏المراتب النازلة من باب الادعاء والتنزيل أو من باب الاشتراك في الأثر،فالصحيحي يدعي أن استعمال لفظ الصلاة في بقية المراتب الصحيحة إما من باب‏الادعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة فيما يصح فيه التنزيل، أو من باب‏الاشتراك في الأثر واكتفاء الشارع به في مقام الامتثال كما في صلاة الغرقى، فانه لايمكن فيها الالتزام بالتنزيل المذكور، والأعمي يدعي أن استعمالها في بقية مراتبهاالأعم من الصحيحة والفاسدة من باب العناية والتنزيل أو من باب الاشتراك في‏الأثر، فكل واحد من الأمرين موجب لجواز الاستعمال حتى في الفرد الفاسدكصلاة الغرقى من باب تنزيله منزلة الواجد منها المنزل منزلة التام الأجزاءوالشرائط من جهة الاشتراك في الأثر. نعم، استثنى‏قدس سره من ذلك صلاتي القصروالتمام، فقال إنهما في عرض واحد فلابد من تصوير جامع بينهما.
ثم رتب على ذلك بطلان ثمرة النزاع بين قول الأعمي وقول الصحيحي، وهي‏جواز التمسك بالاطلاق على الأعمي وعدم جوازه على الصحيحي، فإنه بناءعلى كون الصلاة مثلاً موضوعة لخصوص المرتبة العليا لم يجز التمسك بالاطلاق‏ولو فرض وجود مطلق في العبادات، لعدم العلم بالتنزيل والمسامحة في مقام‏الاستعمال، ومعه يصبح اللفظ مجملاً لا محالة، ثم قال إن الحال في سائر المركبات‏الاختراعية أيضاً كذلك(24).
ونتيجة ما أفاده‏قدس سره عدة نقاط:
الاُولى: أن المعنى الموضوع له في مثل لفظة الصلاة هو المرتبة العليا على كلاالقولين في المسألة، غاية الأمر أن الصحيحي يدعي صحة الاستعمال في‏خصوص المراتب الصحيحة والأعمي يدعي صحته على الاطلاق.
الثانية: أن على كل من الصحيحي والاعمي تصوير جامع بين خصوص‏صلاتي القصر والاتمام باعتبار أنهما في عرض واحد.
الثالثة: بطلان ثمرة النزاع بين القولين في المسألة.
الرابعة: أنه لا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها من المركبات الاختراعية.
أما النقطة الاُولى فيرد عليها أولاً أن ما أفاده‏قدس سره وإن كان ممكناً في مقام‏الثبوت إلا أنه لا يمكن الالتزام به في مقام الاثبات، وذلك لأن إطلاق لفظةالصلاة على جميع مراتبها الطولية من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا يكون على‏نسق واحد، لا أن إطلاقها على ما دون المرتبة العليا من المراتب النازلة إطلاقاًعنائياً وبحاجة إلى التنزيل أو ملاحظة الاشتراك في الأثر مثلاً، كما أن إطلاقهاعلى الصلاة مع الطهارة المائية حقيقي كذلك إطلاقها على الصلاة مع الطهارةالترابية، رغم أن الاُولى صلاة المختار والثانية صلاة المضطر ودونها في المرتبة،ومن هذا القبيل صلاة القائم وصلاة القاعد، والصلاة في الثوب النجس والصلاةفي الثوب الطاهر وهكذا.
وبكلمة، إن الصلاة مستعملة في تمام مراتبها في الشرع في معنى واحد،والاختلاف إنما هو في تطبيقه على مصاديقه وأفراده الطولية، ولكن هذا المعنى‏الواحد الجامع لا تكون سعته بحد تشمل مثل صلاة الغرقى، على أساس أن‏المقومات الذاتية للصلاة لابد أن تكون محفوظة في كل مرتبة من مراتبها، وإلافلا تكون من مراتبها وبالتالي من مصاديقها، وعلى هذا فإن كانت صلاة الغرقى‏واجدة للأركان المقوّمة، فهي من مراتبها الذاتية النهائية، وإلا فلا تكون‏منهاومن مصاديقها.
وعليه فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعنى الجامع للصلاة يشمل صلاةالغرقى أيضاً وأن إطلاقه عليها إطلاق حقيقي، لا يمكن المساعدة عليه مطلقاً.
قد يقال كما قيل: إن لفظة الصلاة منصرفة إلى المرتبة العليا، وهي صلاةالمختار الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط، وحيث إنه لا منشأ لهذا الانصراف‏والانسباق إلا الوضع، فبطبيعة الحال يكشف ذلك عن وضعها بإزائها.
والجواب أولاً: أن هذا الانصراف ممنوع، لأن المتبادر من لفظة الصلاة عندإطلاقها هو الجامع بين أفراد الصلاة كالأركان، وانطباقه على كل مرتبة من‏مراتبه من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا بحاجة إلى عناية زائدة وقرينة معينة،ولا فرق من هذه الناحية بين المرتبة العليا وسائر المراتب، بل لا فرق في ذلك بين‏الأفراد الصحيحة والأفراد الفاسدة، شريطة أن تكون واجدة للعناصر المقومةوهي الأركان.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن لفظة الصلاة موضوعة للمرتبةالعليا إلا أنه لابد من تصوير جامع مشترك بين أفراد تلك المرتبة أيضاً، باعتبارأن المرتبة العليا ليست مرتبة واحدة محدّدة كماً وكيفاً، بحيث لا تزيد ولا تنقص‏ليكون اللفظ موضوعاً بإزائها، بل هي أيضاً تختلف باختلاف أصناف الصلاة،فإن المرتبة العليا من صلاة الظهر أو العصر مغايرة كماً وكيفاً للمرتبة العليامن‏صلاة المغرب، والمرتبة العليا منهما مغايرة كذلك للمرتبة العليا من صلاةالصبح وهكذا.
وعلى هذا فلوكانت لفظة الصلاة موضوعة بإزاء المرتبة العليا، فلابد إما من‏تصوير جامع مشترك بين أفراد تلك المرتبة على كلا القولين في المسألة أوالالتزام بتعدد الوضع فيها بتعدد أفرادها، فإذن الالتزام بأن الموضوع له لمثل‏لفظة الصلاة هو المرتبة العليا لا يغني عن لابدية أحد الأمرين: إما تصوير جامع‏مشترك بين أفراد هذه المرتبة أو الالتزام بتعدد الوضع.
وأما النقطة الثانية فقد ظهر مما مرّ من أنه على تقدير تسليم أن الصلاةموضوعة للمرتبة العليا، فالحاجة إلى تصوير الجامع لا تنحصر بالقصر والتمام،بل لابد من تصويره بين صلاة العشاء والمغرب أيضاً، على أساس أن المرتبةالعليا من صلاة العشاء غير المرتبة العليا من صلاة المغرب، وهما غير المرتبةالعليا من صلاة الصبح، بل المرتبة العليا من صلاتي الظهرين غير المرتبة العليا من‏صلاة العشاء، على أساس اختلافهما في الكيفية، وهي بأجمعها غير المرتبة العليامن صلاة الآيات والعيدين ونحوهما، وعلى هذا فلابد من تصوير جامع بين‏المراتب العليا في كل من هذه الموارد، فلاوجه للتخصيص بالقصر والتمام.
وأما النقطة الثالثة فما أفاده‏قدس سره من عدم ظهور الثمرة على هذا بين القولين لايتم، لأنه مبني على أن تكون المرتبة العليا مرتبة خاصة محددة وليست بنفسهاذات مراتب متعددة وأفراد مختلفة، ولكن قد عرفت أن لها في نفسها مراتب‏متفاوتة كماً وكيفاً، وعلى هذا فتظهر الثمرة بين القولين، فإنه على القول بالصحيح‏لا يمكن التمسك بالاطلاق عند الشك في اعتبار شي‏ء جزءاً أو شرطاً، لأن الشك‏في ذلك مساوق للشك في تحقق المسمى بدون ذلك الشي‏ء المشكوك فيه، وأماعلى القول بالأعم فلا مانع منه.
وأما النقطة الرابعة فيرد عليها أن ما أفاده‏قدس سره من أن المركبات الاختراعيةكالمركبات الشرعية لا يتم مطلقاً، لأن تلك المركبات على أنواع:
الأول: المركبات الكيمياوية.
الثاني: المعاجين كالحلويات وما شاكلها.
الثالث: المركبات الخارجية.
أما النوع الأول فلأن التركيب فيه يقوم على أساس موازين ومقاييس‏خاصة محددة كماً وكيفاً، وليس له مراتب طولية كالصلاة، بل له مرتبة واحدةمحددة واللفظ موضوع بإزائها.
أما النوع الثاني فالظاهر أن حاله حال الصلاة، حيث إن له مراتب متفاوتةمن المرتبة العالية إلى المرتبة الدانية، مثلاً كلمة »حلوى« كال »صلاة«موضوعة بإزاء الجامع بين جميع مراتبها وأفرادها أو بإزاء خصوص المرتبة العليامنها، وإطلاقها على ما دونها من المراتب النازلة إما بلحاظ تنزيل الفاقد منزلةالواجد أو الاشتراك في الأثر.
وأما النوع الثالث فالظاهر أنه كالصلاة من ناحية ويختلف عنها من ناحيةاُخرى. أما أنه كالصلاة فباعتبار أن له أجزاء رئيسية محددة، وقوامه بهاوبانتفائها ينتفي المركب، وأما أنه يختلف عنها فمن أجل أن الزيادة على الأجزاءالرئيسية فيه كمال لا واجب وضروري. وهذا بخلاف الزيادة على الأجزاءالرئيسية في الصلاة، فإنها واجبة وضرورية في تلك المرتبة.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا يصح قياس سائر المركبات الاختراعيةبالعبادات مطلقاً، بل لابد فيها من التفصيل كما مرّ.
إلى هنا قد تبين أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره في المقام غير تام، وعلى‏هذا فلابد من تصوير جامع مشترك بين أفراد العبادات على كلا القولين في‏المسألة لتكون العبادات موضوعة بإزائه، فإذن يقع الكلام تارة في تصوير جامع‏بين الأفراد الصحيحة، واُخرى في تصوير جامع بين الأعم منها ومن الفاسدة.
تصوير الجامع على الصحيحي ...

تصوير الجامع على الصحيحي‏
قد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أنه يمكن تطبيق قاعدةفلسفية - وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« - على المقام(25)، بيان ذلك أن‏هذه القاعدة الفلسفية ترتكز على مبدأ التناسب والسنخية بين العلة والمعلول،فاذا كانت العلة واحدة فمن الضروري أن يكون المعلول واحداً تطبيقاً لهذا المبدأوإلا لأمكن تأثير كل شي‏ء في كل شي‏ء، وهذا هدم لمبدأ العلية، ومن الواضح أن‏هدم هذا المبدأ، مساوق لانهيار جميع العلوم من الطبيعية والنظرية والتطبيقية،حيث لا يمكن حينئذ للانسان الاستدلال بشي‏ء، وهذا واضح. وعلى هذا فحيث‏إن أفراد الصلاة الصحيحة مثلاً تشترك جميعاً في أثر واحد وهو النهي عن‏الفحشاء والمنكر بمقتضى قوله تعالى: »إنَّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِوَالْمُنْكَرِ«(26).
فمن الطبيعي أن وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر، على أساس مبدأالتناسب، وعلى هذا فلا يعقل أن يكون المؤثر في هذا الأثر الواحد كل فرد من‏الأفراد الصحيحة بحده الفردي، وإلا لزم أن يكون الواحد مسانخاً للكثير، وهومستحيل، فإذن لا محالة يستكشف كشفاً قطعياً عن وجود جامع واحد بين‏الأفراد الصحيحة، ويكون ذلك الجامع الواحد هو المؤثر في ذلك الأثر الواحدتطبيقاً لقاعدة أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد سنخاً«.
والخلاصة أن كشف جامع ذاتي بين الأفراد الصحيحة منوط بتوفر أمرين:
الأول: ترتب أثر واحد على تلك الأفراد جميعاً بدون استثناء.
الثاني: أن الواحد لا يمكن أن يصدر إلا من الواحد سنخاً بمقتضى مبدأالتناسب والسنخية بين العلة والمعلول، وحيث إن كلا الأمرين متوفر في‏المقام، فلا محالة يستكشف من ذلك وجود جامع واحد بين الأفراد الصحيحة،ويكون ذلك الجامع الواحد هو المؤثر في ذلك الأثر، لاستحالة أن يكون المؤثرفيه نفس الأفراد بخصوصياتها الفردية المختلفة كماً وكيفاً كما مرّ، ومن هناقال‏قدس سره: إن تصوير الجامع الوحداني بين الأفراد الصحيحة خاصة بمكان من‏الامكان، بل هو ضروري دون الأعم، لعدم تحقق صغرى هذه القاعدة على‏القول بالأعم، وبدونها لا طريق لنا إلى كشف الجامع من ناحية اُخرى.
ولنأخذ بالنظر فيه من جهات:
الاُولى: أن هذه القاعدة الفلسفية وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد«كما تنطبق على الواحد الشخصي كذلك تنطبق على الواحد النوعي والجنسي،فان المعلول إذا كانت وحدته شخصية فهي تكشف عن أن علته أيضاً كذلك،على أساس مبدأ التناسب والسنخية بينهما، وهذا ليس شرطاً خارجياً، بل هومقوم لعلية العلة، باعتبار أن المعلول من سنخ وجود العلة ومن مراتب وجودهاالنازلة، وإن كانت وحدته نوعية، فهي تكشف عن أن علته أيضاً واحدة بالنوع‏بمقتضى هذا المبدأ، وكذلك إذا كانت وحدته جنسية بنفس الملاك، فوحدةالحرارة تكشف عن وحدة علتها، وحيث إن وحدتها نوعية، فهي تكشف عن‏وحدة علتها كذلك، ضرورة أنه لا يعقل أن تكون وحدة المعلول نوعية دون‏وحدة العلة، وإلا لزم خلف فرض العلية بينهما، مثلاً صفة الضحك التي هي‏عارضة على أفراد الانسان المتناسبة والمشتركة في حقيقة واحدة نوعية، تكشف‏عن أن المؤثر فيها جهة واحدة مشتركة بينها على أساس قانون التناسب،ضرورة أنه لا يمكن أن يكون المؤثر في كل فرد من الضحك فرد من الانسان‏بحده الفردي، لأنه من تأثير المباين في المباين، فلا محالة يكون المؤثر في وجودالضحك بما هو وجود الأنسان كذلك بقطع النظر عن الخصوصيات العرضيةالطارئة عليها في الخارج، وعلى هذا فترتب أفراد الضحك على أفراد الانسان‏يكشف عن أن المؤثر فيها هو الجهة الجامعة الواحدة بين أفراد الانسان، لا كل‏فرد بحده الفردي باعتبار أن الضحك صفة للانسان دون الفرد، وكونه صفة له إنماهو بلحاظ أنه إنسان، ومن هذا القبيل صفة الاحساس التي هي مترتبة على‏أفراد الحيوان، فإنها تكشف عن جهة واحدة جامعة بينها، فيكون تأثير كل فردفيها على أساس وجود تلك الجهة الجامعة فيه تطبيقاً للقاعدة الفلسفية.
فالنتيجة أن هذه القاعدة التي تبتني على أساس مبدأ التناسب والسنخيةبين‏العلة والمعلول من القواعد الأولية التي قياساتها معها، ولهذا لا مجال‏للتأمل‏والنقاش حولها.
الثانية: أن هذه القاعدة لا تنطبق على المقام، وذلك لأن الأثر إذا كانت‏وحدته نوعية - بمعنى أن يكون ذا أفراد متناسبة مشتركة في حقيقة واحدة -تكشف وحدته النوعية عن أن المؤثر فيه أيضاً أفراد متناسبة مشتركة في حقيقةكذلك، وبالتالي يكون تأثير كل فرد بلحاظ اشتماله على الجهة المشتركة لا بحده‏الفردي تطبيقاً للقاعدة، وأما إذا كانت وحدة الأثر المترتب عليها وحدةانتزاعية لا نوعية كما في المقام، فإن عنوان النهي عن الفحشاء والمنكر عنوان‏انتزاعي، فهي لا تكشف عن جهة واحدة جامعة بينها، إذ لا مانع من انتزاعهامن حقائق مختلفة، كعنوان الطويل أو القصير، فانه عنوان انتزاعي منتزع من‏حقائق مختلفة كالانسان الطويل أو القصير والشجر الطويل أو القصير وهكذا،فان نسبة هذه الأعراض إلى موضوعاتها نسبة العرض إلى منشأ انتزاعه، لانسبة الأثر إلى المؤثر والمعلول إلى العلة، وعليه فلا يمكن تطبيق القاعدة الفلسفيةعلى الاُمور الاعتبارية أو الانتزاعية.
والخلاصة أن العنوان الانتزاعي الذي هو منتزع من الأفراد في الخارج لايكشف عن جهة واحدة جامعة بينها لتكون تلك الجهة الجامعة هي المؤثرة فيه،إذ لا مانع من انتزاعه عن كل فرد بحده الفردي، وعلى هذا فحيث إن عنوان‏النهي عن الفحشاء والمنكر عنوان انتزاعي، فلا مانع من انتزاعه عن الصلاةالمركبة من حقائق مختلفة، ولا يكشف عن جهة واحدة جامعة بينها في الخارج،فلذلك لا يمكن تطبيق القاعدة على المقام.
الثالثة: أنه لا يعقل وجود جامع بسيط ذاتي بين الأفرد الصحيحة، لأن‏الصلاة مؤلفة من حقائق مختلفة ومقولات متباينة سنخاً كمقولة الكيف المسموع‏والكيف النفساني ومقولة الوضع، ومن الواضح أن الجامع الذاتي المشترك‏بين‏هذه المقولات غير متصور، لأنها أجناس عاليات فلا يتصور جنس فوقها،وإلا لزم الخلف.
وبكلمة واضحة، إنه لا يتصور وجود جامع ذاتي بسيط بين حقيقتين‏متباينتين بتمام الذات والهوية، وإلا لم تكونا متباينتين كذلك بل مشتركتين‏في‏حقيقة واحدة، وهذا خلف، والمقام من هذا القبيل، وذلك لأن الصلاة مركبةمن مقولات متباينات بتمام الذات والحقيقة كمقولة الوضع والكيف النفساني‏والمسموعي، وقد برهن في محله أن المقولات أجناس عاليات ومتباينات‏بتمام‏الذات والذاتيات، فلا يعقل دخولها تحت جنس فوقها، وإلا لم تكن‏أجناساًعاليات، وهذا خلف، فإذن لا يمكن أن تكون الصلاة حقيقة واحدةنوعية تشترك جميع أفرادها فيها، هذا إذا كان المراد من الجامع الذاتي، الذاتي‏في‏باب الكليات.
وأما إذا كان المراد منه الذاتي في باب البرهان، وهو لازم الماهية، فهو أيضاًغير معقول، إذ لا يتصور أن يكون لماهية الصلاة لازم واحد، لأنها مؤلفة من‏الماهيات المتباينات، فلو كان لها لازم واحد لزم أن يكون معلولاً لها، ومن‏الواضح أن اللازم الواحد لا يمكن أن يكون معلولاً لماهيات متباينة ذاتاً وسنخاًومسانخاً لها، نعم يعقل وجود جامع عنواني عرضي لمقولات متباينة كعنوان‏الناهي عن الفحشاء والمنكر أو ما شاكله، إلا أن لفظة »الصلاة« لم توضع بإزاءهذا الجامع العرضي، وذلك لأمرين:
الأول أن المتبادر من لفظة »الصلاة« هو نفس الأجزاء المقيدة بقيود معينةدون العنوان المذكور، وهذا دليل إنّي على أنها لم توضع بإزائه، وإنما وضعت بإزاءنفس الأجزاء المذكورة.
الثاني: أنها لو كانت موضوعة بإزاء ذلك العنوان العرضي، لزم أن تكون‏الصلاة مرادفة مع عنوان الناهي، مع أن الأمر ليس كذلك وجداناً.
إلى هنا قد تبين أنه لا يمكن تطبيق القاعدة الفلسفية على المقام، لأن موردالقاعدة ما إذا كان الأثر المترتب على شي أثراً ذاتياً، فإنه يكشف عن وجودجامع ذاتي بين أفراد ذلك الشي‏ء تطبيقاً للقاعدة، وحيث إن الأثر المترتب على‏الصلاة في المقام أثر النتزاعي، فلا يكشف عن وجود جامع ذاتي بين أفرادها.
هذا إضافة إلى أنه لا يمكن وجود جامع ذاتي بين أفراد الصلاة.
وقد أورد على ذلك السيد الاُستاذقدس سره بإشكال آخر، وهو أن الأثر في المقام‏غير مترتب على الجامع بين الأفراد الصحيحة، وإنما هو مترتب على أفرادالصلاة بخصوصياتها من الأجزاء والشرائط المعتبرة فيها، فإن ترتب النهي عن‏الفحشاء والمنكر على الصلاة، ليس كترتب الاحراق على النار وترتب سائرالآثار الخارجية على أسبابها، فإن الأثر في جميع هذه الموارد مترتب على الجامع‏من دون دخل لأية خصوصية من الخصوصيات الفردية فيه، بينما يكون الأثر في‏المقام وهو النهي عن الفحشاء والمنكر مترتباً على أفراد الصلاة وحصصها بما لهامن الخصوصيات المعتبرة في صحتها شرعاً، مثلاً صحة صلاة الصبح منوطةبوقوع التسليمة في الركعة الثانية، وصحة صلاة المغرب منوطة بخصوصية وقوع‏التسليمة في الركعة الثالثة وعدم وقوعها في الركعة الثانية، وصحة صلاةالظهرين أو ما شاكلها متوقفة على خصوصية وقوع التسليمة في الركعة الرابعةومقيدة بعدم وقوعها في الركعة الثالثة وهكذا، فالنتيجة أن المؤثر في النهي‏عن‏الفحشاء والمنكر نفس تلك الخصوصيات لا الجامع بين الأفراد، فإنه‏إنمايكون مؤثراً إذا لم يكن دخل للخصوصيات في ترتب الأثر، وهذا لا يتصورفي المقام(27).
وقد علق عليه بعض المحققين‏قدس سره بما حاصله أنه إن اُريد من دخالةالخصوصيات دخالتها في تحقق الجامع وانتزاعه فهو مسلم، ولكنه لا ملازمة بين‏دخالتها في تحقق الجامع ودخولها في المسمى، بل المسمى ذات الجامع، وإن اُريددخالتها في التأثير وإيجاد الأثر المشترك، فهو ممنوع على ضوء قانون »الواحدلايصدر إلا من واحد«، إذ على فرض تصوير وجود جامع بين الأفرادالصحيحة، فيكون المؤثر هو الجامع في ضمن كل صنف دون الخصوصيات‏تطبيقاً للقاعدة(28).
ويمكن المناقشة في هذا التعليق، وذلك لأن الخصوصيات المذكورة وإن‏كانت دخيلة في تحقق الجامع، فالجامع انتزاعي لا حقيقي، والجامع الأنتزاعي‏يتحقق بتحقق منشأ انتزاعه وينتفي بانتفائه، وحيث إن منشأ انتزاعه في المقام‏الخصوصيات الصنفية لكل صنف من الصلاة، فبطبيعة الحال يلغى الجامع بإلغاءتلك الخصوصيات، لأنه متقوم بها ومعلول لها، ومع إلغائها فلا جامع، وأما إذاكان الجامع حقيقياً، فلا تكون الخصوصيات دخيلة في تحققه، لأنه محفوظ مع‏إلغاء جميع هذه الخصوصيات العرضية، وحيث قد فرض في هذا التعليق دخالةالخصوصيات في تحققه، فبطبيعة الحال يكون الجامع انتزاعياً، وقد مر أنه لايمكن تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على الجامع الانتزاعي من‏ناحية، وعدم كون هذا الجامع مسمى بأسامي العبادات من ناحية اُخرى.
والخلاصة أن الجامع بين الأفراد الصحيحة إن كان ذاتياً فالخصوصيات‏العرضية غير دخيلة في تحققه، وإن كان عنوانياً منتزعاً فهي دخيله فيه، ولكنه‏لا يكون مسمى لأسامي العبادات كالصلاة ونحوها. هذا،
والذي يمكن أن يعلق على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره هو أنه لا شبهة في‏دخالة الخصوصيات في الصحة وترتب الأثر، ولكن لقائل أن يقول إن دخالتهافيها إنما هي من جهة اشتمالها على الجهة الجامعة لا بحدها الخاص، مثلاً تأثيرصلاة الصبح فيها إنما هو من جهة اشتمالها على الجهة الجامعة لا بحدها الخاص،وكذلك الحال في سائر أصناف الصلاة، وعلى هذا فإن اُريد بدخالة هذه‏الخصوصيات في الصحة وإيجاد الأثر المشترك دخالتها بما هي، فهي ممنوعةومخالفة لقاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد«، فإن مقتضى هذه القاعدة هوأن المؤثر فيه هو الجامع المشترك في ضمن هذه الخصوصيات لا نفسها، وماذكره‏قدس سره من أن الخصوصيات والقيودات الخاصة دخيلة في إيجاد الأثر، لا ينفي‏أن دخالتها إنما هي من جهة اشتمالها على الجهة المشتركة تطبيقاً للقاعدة لا في‏نفسها، وإن اُريد بدخالتها دخالتها في المسمى، فيرد عليه أن المسمى ذات‏الجامع، والخصوصيات خارجة عنه.
فالنتيجة أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره من الاشكال حتى مع فرض إمكان‏تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة غير تام.
إلى هنا قد تبين أنه لا يمكن ثبوتاً تصوير جامع ذاتي بين أجزاء الصلاة،لتباينها بالذات والحقيقة، ولا مجال لتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلامن‏واحد« عليها، فما عن المحقق الخراساني‏قدس سره من التطبيق خطأ لا ينبغي‏صدوره من مثله.
الرابعة: أن الجامع الذي فرضه‏قدس سره بين الأفراد الصحيحة لا يمكن أن يكون‏بسيطاً كما تقدم، وهل يمكن أن يكون مركباً؟
والجواب: أنه لا يمكن أيضاً، بيان ذلك أن لتصويره طريقين، وكلاالطريقين‏خاطى‏ء.
الأول: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الأجزاء والشرائط المعتبرة في أفرادالصلوات الصحيحة جميعاً.
الثانى: أن تؤخذ فيه الأجزاء والشرائط المعتبرة في صحة الفعل كل بحسب‏حاله وموضوعه من الاختيار والاضطرار ونحوهما.
أما الطريق الأول فلا يمكن تصويره، لأن أياً من المركب افترض بين تلك‏الأفراد يتداخل فيه الصحة والفساد، ويكون صحيحاً في حالة وفاسداً في حالةاُخرى، وصحيحاً من مكلف وفاسداً من مكلف آخر، ضرورة أن الجامع‏المركب الذي افترض لا يخلو من أن يكون تاماً أو ناقصاً، ولا ثالث لهما، والأول‏لا ينطبق على الناقص وإن كان صحيحاً، والثاني لا ينطبق على التام.
وإن شئت قلت: إن افتراض الجامع المركب إما أن يكون بين خصوص أفرادالمرتبة العليا أو خصوص أفراد المرتبة الدنيا أو بين جميع المراتب بعرضهاالعريض، والأول لا ينطبق على أفراد المرتبة الدنيا، والثاني لا ينطبق على أفرادالمرتبة العليا، فإذن شي‏ء منهما لا يكون جامعاً بين جميع الأفراد الصحيحة بتمام‏مراتبها، لأن الجامع بينها لابد أن يكون متمحضاً في الصحة مطلقاً وفي جميع‏الحالات. والثالث غير معقول، إذ لا يمكن افتراض جامع مركب بين جميع‏المراتب بعرضها العريض.
وأما الطريق الثاني فكيفية تصويره على النحو الآتي:
أولاً: إن ما يعتبر في صحة العمل مطلقاً وفي جميع الحالات كنية القربة مثلاًتؤخذ في الجامع التركيبي تعييناً.
ثانياً: إن ما يكون له بدل في عرضه تخييراً كالتسبيحات الأربع في الركعتين‏الأخيرتين - حيث إن المكلف مخير فيهما بين الاتيان بها والاتيان بالحمد - يؤخذفيه الجامع بينهما وبين بدلها العرضي.
ثالثاً: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الطهارة من الحدث، وهي متمثلةفي‏الوضوء للمحدث بالأصغر وفي الغسل للمحدث بالأكبر، أو يؤخذ فيه‏الجامع بين الركعتين الأخيرتين للحاضر وتركهما للمسافر، بمعنى أن المأخوذ في‏الجامع التركيبي أحدهما.
رابعاً: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الطهارة أعم من الطهارة المائية والترابيةمع التقييد بحالتي الاختيار والاضطرار، بمعنى أنه يؤخذ فيه الطهارة المائية في‏حال الاختيار والتمكن، والطهارة الترابية في حال العجز عن الاُولى.
خامساً: ما يعتبر في صحة الفعل حال الاختيار من دون بدل له أو في حال‏التذكر والالتفات كذلك، والأول كالبسملة، فإنها معتبرة في حال الاختيار فقطدون حال التقية بلا بدل لها في هذه الحالة، والثاني الأجزاء والقيود غير الخمسةللصلاة، فإنها معتبرة في حال الالتفات والتذكر فقط دون حال النسيان والجهل‏بلا بدل لها في هذه الحالة، ولكن مع ذلك يمكن تصوير أخذه بما يلي:
أما في الشق الأول فيؤخذ في المسمى التركيبي الجامع بين البسملة وبين‏بقيةالأجزاء خاصة في حال التقية بها، وأما في الشق الثاني فيؤخذ فيه‏الجامع‏بين الأجزاء غير الخمسة وبين الخمسة خاصة في حال الجهل والنسيان‏بتلك الأجزاء.
ولنأخذ بالمناقشة فيه.
أما أولاً فلأن تصويره بهذا الطريق أيضاً لا يمكن، بيان ذلك أما القسم الأول‏والثاني فالأمر فيهما كما مر.
وأما القسم الثالث فالأمر فيه بالنسبة إلى المحدث بالأكبر والمحدث بالأصغروإن كان كذلك، باعتبار أن المأخوذ في الجامع التركيبي هو الطهارة بلا فرق بين‏أن يكون سببها الغسل أو الوضوء، إلا أن الأمر بالنسبة إلى الركعتين الأخيرتين‏ليس كذلك، إذ لا يمكن أن يكون المأخوذ في المسمى التركيبي الجامع بين تقييدالركعتين الأوليين بالأخيرتين من الحاضر وبين تركهما من المسافر بأن يقيد كل‏منهما بموضوعه، وذلك لأنه لا شبهة في أن متعلق الأمر المتوجه إلى الحاضر،الصلاة المقيدة بوقوع التسليمة بعد الركعة الرابعة، ومتعلق الأمر المتوجه إلى‏المسافر، الصلاة المقيدة بوقوع التسليمة بعد الركعة الثانية، ولا يكون متعلق‏الأمر الجامع بين التقييد والترك.
وإن شئت قلت: إن كلا التقييدين المذكورين - وهما تقييد وقوع التسليمة بعدالركعة الرابعة وتقييد وقوعها بعد الركعة الثانية - مأخوذ في متعلق الأمر بالنسبةإلى كل من الحاضر والمسافر تعييناً، لا أن المأخوذ فيه هو الجامع بين التقييدوالترك، فيكون هنا متعلقان متباينان، فلا يتصور الجامع بينهما حتى يكون ذلك‏الجامع هو متعلق الأمر.
وأما القسم الرابع فلا يمكن أخذ الجامع بين الطهارة المائية والطهارة الترابية بماهو جامع في المسمى التركيبي، وإلا كانت نتيجته التخيير، بل لابد من تقييدالاُولى بموضوعها وهو الواجد للماء، وتقييد الثانية بالفاقد له، ونتيجة هذا التقييدأن المأخوذ فيه الحصة دون الجامع، فالحصة الاُولى مأخوذة بالنسبة إلى المتمكن‏من استعمال الماء، والحصة الثانية مأخوذة بالنسبة إلى غير المتمكن من استعماله‏وفي طول الاُولى، أو فقل: إن الجامع بينهما لا يمكن أن يكون قيداً للمسمى‏التركيبي، بل القيد الطهارة المائية للمتمكن منها والطهارة الترابية لغير المتمكن‏من الاُولى، ومع هذا كيف يعقل أن يكون الجامع قيداً له، ومن هنا يظهر الحال‏بالنسبة إلى مراتب الركوع والسجود، فإنه لا يمكن أن يكون المأخوذ فيه الجامع‏بين هذه المراتب، لوضوح أن المأخوذ في المسمى التركيبي الذي هو متعلق الأمرخصوص ركوع القائم عن قيام عند التمكن منه، وعند تعذره ركوع الجالس إن‏امكن، وإلا فالايماء والاشارة.
وأما القسم الخامس فلأن متعلق الأمر في غير حال التقية الصلاة الجامعةللبسملة وفي حال التقية الصلاة الفاقدة لها، وافتراض أن المأخوذ في المسمى هوالجامع بين البسملة وتقييد سائر الأجزاء بحال التقية فيها وتعلق الأمر به مجردافتراض لا واقع موضوعي له، إذ لا شبهة في أن الأمر المتعلق بالواجد للبسملةغير الأمر المتعلق بالفاقد لها، فلا جامع بينهما لكي يكون الأمر متعلقاً به.
ومن هنا يظهر حال الشق الثاني من هذا القسم، إذ لا شبهة في أن مقتضى‏الأدلة تعدد متعلق الأمر بتعدد حالات المكلف من الاختيار والاضطراروالتذكروالنسيان، وافتراض أن‏المأخوذ في المسمى التركيبي هو الجامع‏لايطابق‏مع الواقع.
وثانياً لو سلمنا تصوير جامع تركيبي بين الأفراد الصحيحة بهذه الطريقة إلاأنا نقطع بأن أسامي العبادات لم توضع بإزاء ذلك الجامع، لأنه معنى معقدوغيرعرفي وخارج عن الأذهان، وأسامي العبادات لابد أن تكون موضوعةبإزاء معان عرفية يدركها المتشرعة عند إطلاقها وينتقل الذهن من تصويرهاإلى‏تصوير معانيها، ولا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء معان معقدة خارجةعن‏الأذهان.
ودعوى أن الواضع لألفاظ العبادات بما أنه الشارع دون العرف العام، فلامانع من وضع الشارع تلك الألفاظ بإزاء ذلك الجامع المعقد.
مدفوعة أما أولاً فقد تقدم أن الشارع لم يقم بعملية وضع هذه الألفاظ بإزاءمعانيها بالوضع التعييني الصريح ولا بالوضع التعييني الاستعمالي، لأنها إماموضوعه بإزائها قبل الاسلام أو أنه قد حصل بكثرة الاستعمال، وعلى كلاالتقديرين فلابد أن يكون الوضع بإزاء معنى عرفي.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الشارع هو الواضع لها إلا أنه لاشبهة في أنه وضعها بإزاء معان عرفية، ولا يمكن أن يقوم بوضعها بإزاء معان‏معقدة خارجة عن أذهان العرف، لأن ذلك لغو.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن تصوير جامع بين الأفرادالصحيحة غير معقول لا مركباً ولا بسيطاً، وتصوير جامع عنواني وإن كان أمراًممكناً إلا أن اللفظ لم يوضع بإزائه ولا بإزاء معنونه وهو الأفراد الخارجية، على‏أساس أن الوضع بإزاء معنونه لا يمكن إلا بنحو الوضع العام والموضوع له‏الخاص، وقد تقدم أن وضع ألفاظ العبادات بإزائها ليس كذلك، وإنما هو بنحوالوضع العام والموضوع له العام.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن الجامع لا ينحصر بالجامع‏الذاتي ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن الأول غير متصور، والثاني لم يوضع‏بإزائه اللفظ، بل هنا جامع ثالث وهو الجامع الوجودي، بتقريب أن الأفرادالصحيحة وإن كانت متباينات سنخاً وذاتاً إلا أنها مشتركات في حيثية واحدةوهي حيثية الوجود.
بيان ذلك أن الصلاة مثلاً مركبة من مقولات متباينات بتمام الذات والحقيقة،وتلك المقولات وإن لم تندرج تحت جامع مقولي حقيقي، باعتبار أنها أجناس‏عاليات إلا أنها مندرجة تحت مرتبة خاصة من الوجود الساري، وتلك المرتبةالخاصة البسيطة من الوجود حاوية لجملة من المقولات ومحدودة من ناحيةالقلة بالأركان على سعتها، وأما من ناحية الزيادة فهو لا بشرط، بمعنى أنه قابل‏للانطباق على القليل والكثير، وهذه الجهة الوجودية جهة جامعة بين جميع‏الأفراد الصحيحة، فالصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصة من الوجود المحفوظةفي المقولات بلا دخل لخصوصية المقولية في حقيقة الصلاة، ولا مانع من وضع‏لفظة الصلاة بإزاء هذه المرتبة الخاصة من الوجود الساري الجامعة بين‏أفرادهاالصحيحة(29).
ولنأخذ بالمناقشة فيه.
أما أولاً فكما أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين المقولات بأنفسها لأنهامتباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، فلا يمكن أن تندرج تحت مقولة واحدة، فكذلك‏لا يعقل تحقق جامع وجودي بين وجوداتها، إذ كما يستحيل اتحاد مقولتين‏واندراجهما تحت مقولة واحدة، فكذلك يستحيل اتحاد وجوديهما واندراجهماتحت وجود واحد بسيط، بداهة أن اتحاد مقولة مع مقولة اُخرى ماهية ووجوداًمستحيل، وعلى هذا فالصلاة مثلاً مؤلفة من مقولات متباينة ذاتاً وسنخاً،ولكل مقولة وجود، ولا يعقل أن يكون وجودها حاوياً لغيرها وسارياً إليهاووجوداً لها أيضاً، ولهذا يستحيل اشتراك مقولتين متباينتين ذاتاً وسنخاً في‏وجود واحد حقيقة، فإن اشتراكهما في وجود واحد يستدعي اشتراكهما في حقيقةواحدة واندراجهما تحت ماهية واحدة، بقانون أن لكل ماهية وجوداً واحداً وبالعكس، ويستحيل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين متباينتين ذاتاًوسنخاً وبالعكس، لأن الوجود حد للماهية، ولا يعقل أن يكون لها حدان كماحقق في محله، فإذا كانت الصلاة مركبة من مقولات متباينات بالذات والحقيقةفبطبيعة الحال يكون لكل واحدة منها وجود واحد مباين سنخاً لوجود مقولةاُخرى وهكذا.
فالنتيجة أنه لا يمكن أن تشترك المقولات المتباينة سنخاً وذاتاً في حيثيةوجودية واحدة حقيقية.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم إمكان اشتراك المقولات المتباينة سنخاًفي حيثية وجودية واحدة جامعة بين وجودات المقولات، إلا أن أسامي‏العبادات لم توضع بإزاء تلك الحيثية الوجودية، فإنه إن اُريد منها واقع الوجودوحقيقته، فقد تقدم في مبحث الوضع أن الألفاظ لم توضع بإزائه الذي لم يناله‏الذهن إلا بعنوانه الأنتزاعي، وإنما وضعت بإزاء المفاهيم التي قد توجد في الذهن‏وقد توجد في الخارج. هذا إضافة إلى أن لازم ذلك كون المدلول الوضعي مدلولاًتصديقياً، وهذا لا يمكن إلا على القول بالتعهد.
وإن اُريد منها الحيثية الانتزاعية التي هي عنوان للوجود الخارجي، فمن‏الواضح أن ألفاظ العبادات لم توضع بإزاء هذا العنوان العرضي المشير إلى واقع‏الوجود، ضرورة أنه ليس مدلولاً لها، ولهذا لا يتبادر منها عند إطلاقها.
وبكلمة، إنه قدس سره إن أراد من الحيثية الوجودية الجامعة المشتركة بين‏وجودات المقولات المتباينة سنخاً واقع الوجود، فقد مرّ أن اللفظ لم يوضع‏بإزائه، على أساس أنه لا يمكن إحضاره في الذهن إلا بعنوانه العرضي،والمفروض أن العنوان العرضي ليس مدلولاً لأسامي العبادات.
هذا، إضافة إلى‏أن لازم ذلك أن يكون مدلوله الوضعي مدلولاً تصديقياً،وهو لا يمكن إلا على القول بالتعهد.
وإن أرادقدس سره من تلك الحيثية الحيثية الانتزاعية التي يعبّر عنها بمفهوم الوجودكما صرح‏قدس سره في مقالاته بقوله: إن الصلاة اسم لمفهوم منتزع من الوجود الجامع‏بين الوجودات الخاصة المحددة التي يكون كل منها محفوظاً في مقولته(30)، فيردعليه أن أسامي العبادات لم توضع بإزائه، باعتبار أن مفهوم الوجود المنتزع‏عنوان عرضي في طول العناوين الخاصة لأجزاء الصلاة كالركوع والسجودوالقراءة والتشهد وغير ذلك، وهذا وإن كان أمراً معقولاً إلا أن مرده إلى تصويرجامع انتزاعي بين أفراد الصلاة وأجزائها، وقد تقدم أن ألفاظ العبادات لم توضع‏بإزاء نفس الجامع العنواني الانتزاعي، ولا بإزاء معنونه وهو الوجودات‏الخارجية الخاصة.
وعلى الجملة فشأن مفهوم الوجود المنتزع في المقام شأن سائر المفاهيم، فلامانع من وضع اللفظ بإزائه في نفسه، وليس كوضع اللفظ بإزاء الموجودالخارجي، إلا أن أسامي العبادات لم توضع بإزاء مفهومه، فلذلك كان المتبادروالمنسبق من لفظة الصلاة مثلاً نفس الأجزاء المقيدة بقيود محددة دون مفهوم‏وجود تلك الأجزاء المركبة.
فتلخص مما ذكرناه أن ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من تصوير جامع بين الأفرادالصحيحة لا يرجع إلى معنى صحيح.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من إمكان تصوير جامع مشترك‏بين الأفراد الصحيحة، وقد أفاد في وجه ذلك ما إليكم نصه: »والتحقيق أن سنخ‏المعاني والماهيات وسنخ الوجود العيني الذي حيثية ذاته حيثية طرد العدم في‏مسألة السعة والاطلاق متعاكسان، فان سعة سنخ الماهيات من جهة الضعف‏والابهام، وسعة سنخ الوجود الحقيقي من فرط الفعلية، فلذا كلما كان الضعف‏والابهام في المعنى أكثر، كان الاطلاق والشمول أوفر، وكلما كان الوجود أشدوأقوى، كان الاطلاق والسعة أعظم وأتم.
فإن كانت الماهية من الماهيات الحقيقية، كان ضعفها وإبهامها بلحاظالطوارى‏ء وعوارض ذاتها مع حفظ نفسها كالانسان مثلاً، فإنه لا إبهام فيه‏من‏حيث الجنس والفصل المقومين لحقيقته، وإنما الابهام فيه من حيث‏الشكل‏وشده‏القوى وضعفها وعوارض النفس والبدن حتى عوارضها اللازمةلها ماهية ووجوداً.
وإن كانت الماهية من الاُمور المؤتلفة من عدة اُمور بحيث تزيد وتنقص كماًوكيفاً، فمقتضى الوضع لها بحيث يعمها مع تفرقها وشتاتها أن تلاحظ على نحومبهم في غاية الابهام بمعرفية بعض العناوين الغير المنفكة عنها، فكما أن الخمرمثلاً مائع مبهم من حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما، ومن حيث اللون‏والطعم والريح، ومن حيث مرتبة الاسكار، ولذا لا يمكن وصفه إلا بمائع خاص‏بمعرفية المسكرية من دون لحاظ الخصوصية تفصيلاً، بحيث إذا أراد المتصورتصوره لم يوجد في ذهنه إلا مصداق مائع مبهم من جميع الجهات إلا حيثيةالمائعية بمعرفية المسكرية، كذلك لفظ »الصلاة« مع هذا الاختلاف الشديد بين‏مراتبها كماً وكيفاً، لابد من أن يوضع لسنخ عمل معرفه النهي عن الفحشاء أوغيره من المعرفات، بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ »الصلاة« إلا إلى سنخ‏عمل خاص مبهم إلا من حيث كونه مطلوباً في الأوقات الخاصة، ولا دخل لماذكرناه بالنكرة، فإنه لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية كما اُخذت فيها.
وبالجملة الابهام غير الترديد، وهذا الذي تصورناه في ما وضع له الصلاة بتمام‏مراتبها من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي وجامع عنواني ومن دون الالتزام‏بالاشتراك اللفظي مما لا مناص له بعد القطع بحصول الوضع ولو تعيناً، وقد التزم‏بنظيره بعض أكابر فن المعقول(31) في تصحيح التشكيك في الماهية جواباً عن‏تصور شمول طبيعة واحدة لتمام مراتب الزائدة والمتوسطة والناقصة، حيث قال:نعم الجميع مشترك في سنخ واحد مبهم غاية الابهام بالقياس إلى تمام نفس‏الحقيقة ونقصانها وراء الابهام الناشي‏ء فيه عن اختلاف الأفراد بحسب هوياتهاانتهى، مع أن ما ذكرناه أولى به مما ذكره في الحقائق المتأصلة والماهيات‏الواقعيةكما لا يخفى«(32).
ثم قال‏قدس سره: »وأما على ما تصورنا الجامع، فالصحيحي والأعمى في إمكان‏تصوير الجامع على حد سواء، فإن المعرف إن كان فعلية النهي عن الفحشاء،فهي كاشفة عن الجامع بين الأفراد الصحيحة، وإن كان اقتضاء النهي عن‏الفحشاء، فهو كاشف عن الجامع بين الأعم«(33) انتهى كلامه.
ملخص ما أفاده‏قدس سره اُمور:
الأول: أن الماهية والوجود متعاكسان من جهة السعة والاطلاق، فالوجودكلما كان أشد وأقوى، كان الاطلاق والشمول فيه أوسع وأوفر، بينما الماهية كلماكان الضعف والابهام فيها أكثر، كان الاطلاق والسعة فيها أشمل وأوفر.
الثاني: أن الجامع بين الماهيات الاعتبارية كالصلاة ونحوها سنخ عمل مبهم‏في غاية الابهام، فإنه جامع لجميع شتاتها ومتفرقاتها كماً وكيفاً، وصادق‏على‏القليل والكثير والزائد والناقص، مثلاً الجامع بين أفراد الصلاة سنخ‏عمل‏مبهم من جميع الجهات إلا من حيث النهي عن الفحشاء والمنكر أو من‏حيث فريضة الوقت.
الثالث: أن الماهيات الاعتبارية نظير الماهيات المتأصلة التشكيكية من جهةإبهامها، غاية الأمر أن إبهام الاُولى اعتبارية وابهام الثانية ذاتية.
ولنأخذ بالنظر على هذه الاُمور:
أما الأمر الأول: فهو في غاية الصحة والمتانة، فإن الماهية كلما كانت مبهمةوخالية عن جميع القيودات والخصوصيات الذهنية والخارجية، فهي أكثر سعةوأوسع شمولاً، وأما الوجود فهو كلما كان أشد وأقوى، كان أكثر شمولاً وأوسع‏إطلاقاً بعكس الماهية كما حقق في محله.
وأما الأمر الثاني فيرد عليه:
أولاً: أن حقيقة الصلاة مثلاً عبارة عن عدة مقولات متباينة ذاتاً وسنخاًومقيدة بقيود محددة من التكبيرة إلى التسليمة ولا إبهام فيها، وأما العمل المبهم‏غاية الابهام فهو لا يخلو من أن يكون عنواناً ذاتياً لها أو انتزاعياً، ولا ثالث لهما.
أما الفرض الأول فهو غير معقول، لما مر من أن الجامع الذاتي بمعنى الجنس‏والفصل بين تلك المقولات المتباينة ذاتاً وسنخاً غير متصور، لا ستحالة اندراج‏هذه المقولات تحت جامع ذاتي واحد، وإلا لم تكن أجناساً عاليات، وهذاخلف، وكذلك بمعنى لازم الماهية، لاستحالة أن يكون لتلك المقولات المتباينةسنخاً لازم واحد، على أساس أن لازم الماهية بمثابة المعلول لها ومسانخ معها،وعليه فلا يعقل أن يكون اللازم الواحد مسانخاً لماهية مقولة من تلك المقولات‏الصلاتية وفي نفس الوقت يكون مسانخاً لماهية مقولة اُخرى منها.
وأما الفرض الثاني وهو كون العمل المبهم جامعاً عنوانياً انتزاعياً فهو أمرمعقول في نفسه، إذ لا مانع من انتزاعه من حقائق مختلفة كعنوان الناهي عن‏الفحشاء والمنكر ونحوه، وتكون نسبته إلى تلك الحقائق المختلفة نسبة العرض‏إلى منشأ انتزاعه لا نسبة المعلول إلى علته، ولكن حيث إنه لا واقع موضوعي له‏ماعدا ثبوته في عالم المفهوم والذهن، فلا يمكن أن يكون مسمى لاسم الصلاة،بداهة أنه ليس وراء المقولات التي تكون الصلاة مركبة منها شيئاً آخر زائداًعليها حتى يمكن تعلق الأمر به.
هذا إضافة إلى أن لفظة »الصلاة« لم توضع بإزائه جزماً، وذلك لأن المتبادرمنها عند الاطلاق هو نفس الأجزاء المتباينة والقيود المختلفة سنخاً، وواضح أن‏هذا التبادر والانسباق كاشف عن أنها موضوعة بإزاء نفس تلك الأجزاءوالشرائط، دون عنوان العمل المبهم المنتزع، مع أنها لو كانت موضوعة بإزائه‏لكانت مرادفة له، وهذا كما ترى.
وثانياً: أنه إن اُريد بإبهام مسمى الصلاة وغيرها إبهامه في مقام الثبوت‏والواقع فهو غير معقول، بداهة أنه لا إبهام فيها من حيث المفهوم والمعنى‏الموضوع له، وإبهامها إنما هو من حيث انطباقها على ما في الخارج، مع أنهاليست من الأسماء المبهمات، بل هي من أسماء الأجناس.
وبكلمة، إن المعنى لا يمكن أن يكون مبهماً في جوهر ذاته وذاتياته ثبوتاً، بل‏هو متعين فيه، فلا يعقل دخول الابهام في تجوهر ذاته، لأن الشي‏ء بتجوهر ذاته‏متعين ومتحصل في الواقع، وعلى هذا فمسمى الصلاة في الواقع متعين ولا يعقل‏دخول الابهام في جوهر ذاته، لأنه متمثل في مجموعة من المقولات المتباينةسنخاً المتعينة في الواقع، وإنما يتصور الابهام بلحاظ الطواري‏ء والعوارض‏الخارجية كما صرح هوقدس سره بذلك في الماهيات المتأصلة، فحقيقة الصلاة حقيقةمتعينة بتجوهر ذاتها، والابهام فيها إما أن يكون بلحاظ الطواري‏ء والعوارض‏الخارجية أو بلحاظ انطباقها على ما في الخارج.
وإن اُريد بذلك أن المسمى عنوان عرضي يشار به إلى واقع تلك المركبات‏الخارجية، فيكون مبهماً لعدم تبين تلك المركبات، فيرد عليه أن ألفاظ العبادات‏لم توضع بإزاء العنوان العرضي كما مرّ آنفاً.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أن لفظ الخمر موضوع بإزاء مائع مبهم، فإن‏اُريد أنه مبهم ثبوتاً، فقد عرفت أنه غير معقول، لأن كل معنى متعين بجوهر ذاته‏وذاتياته في الواقع ومقام الثبوت، وإن اُريد أنه مبهم من حيث إنه مأخوذ لابشرط من ناحية مرتبة إسكاره ومنشأ اتخاذه من العنب أو غيره، ففيه أنه ليس‏من الابهام في المعنى الموضوع له، على أساس أن المأخوذ فيه طبيعي الاسكار لامرتبة خاصة منه، كما أنه لا فرق فيه بين كون منشأ اتخاذه العنب أو غيره، لأن‏الابهام فيه لا يوجب الابهام في المعنى الموضوع له، وإن اُريد من الابهام الابهام‏في تشخيص المعنى الموضوع له لدى العرف العام كما في أسامي بعض المركبات‏والمعاجين، فيرد عليه حينئذ أنه لا إبهام في المعنى الموضوع له، وإنما الابهام في‏طريقة تشخيص ذلك لدى العرف العام.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره من‏أن أسامي العبادات كالصلاة مثلاً موضوعة بإزاء عمل مبهم غاية الابهام لايرجع بالتحليل إلى معنى معقول.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أنه لابد من تصوير جامع ذاتي يشترك فيه جميع الأفراد الصحيحة أوالأعم منها ومن الفاسدة على كلا القولين في المسألة، خلافاً للمحقق النائيني‏قدس سره،حيث إنه منع عن هذه اللابدية وقال: إن المسمى بأسامي العبادات هو المرتبةالعليا، واستعمالها في سائر المراتب إما بالتنزيل أو من جهة الاشتراك في الأثر،ولكن قد تقدم نقده، وقلنا بأن ما أفاده‏قدس سره لا يرجع إلى معنى صحيح، ولا يغني‏عن تصوير جامع.
الثاني: أن تمسك المحقق الخراساني‏قدس سره لاثبات الجامع بين الأفراد الصحيحةبقاعدة فلسفية، وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« في غير محله، فإن‏
پاورقي
1) اجود التقريرات 49 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 127 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 128 :1.
4) سورة مريم (31 :(19.
5) سورة الحج (27 :(22.
6) سورة البقرة (183 :(2.
7) كفاية الاُصول: 21.
8) نهاية الدراية 89 :1.
9) بحوث في علم الاُصول 180 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 132 :1.
11) أجود التقريرات 48 :1.
12) كفاية الاُصول: 23.
13) نهاية الدراية 92 :1.
14) بحوث في علم الاُصول 189 :1.
15) محاضرات في اُصول الفقه 134 :1.
16) راجع كفاية الاُصول: 24 ومحاضرات في اُصول الفقه 135 :1.
17) محاضرات في اُصول الفقه 135 :1.
18) نهاية الدراية 95 :1.
19) نقله عنه في محاضرات في اُصول الفقه 137 :1.
20) محاضرات في اُصول الفقه 137 :1.
21) بحوث في علم الاُصول 191 :1.
22) أجود التقريرات 51 :1.
23) محاضرات في اُصول الفقه 138 :1.
24) أجود التقريرات 53 :1.
25) كفاية الاُصول: 24.
26) سورة العنكبوت (45 :(29.
27) محاضرات في اُصول الفقه 145 :1.
28) بحوث في علم الاُصول 196 :1.
29) مقالات الاُصول 142 :1.
30) مقالات الاُصول 143 :1.
31) هو صدر المتألهين في الأسفار 431 :1.
32) نهاية الدراية 101 :1.
33) نهاية الدراية 113 :1.
..........................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
تصوير الجامع على الاعمي ...

المقام كما مرّ ليس من صغريات هذه القاعدة، ولا يمكن تطبيقها عليه.
الثالث: أن ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من أن الجامع لا ينحصر بالجامع الذاتي‏الماهوي لكي يقال إنه غير متصور، ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن ألفاظالعبادات لم توضع بإزائه، بل هنا جامع ثالث، وهو الجامع الوجودي، ولا مانع‏من اشتراك الأفراد الصحيحة فيه ووضع اللفظ بإزائه، ولكن قد تقدم أنه إذا لم‏يمكن تصوير جامع مقولي بين الأفراد الصحيحة لم يمكن تصوير جامع وجودي‏بينها أيضاً، إذ لا يعقل اندراج وجودات المقولات المتباينة سنخاً تحت وجودواحد، لأن لكل ماهية وجوداً واحداً، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداًللماهيات المتعددة المتباينة، وأما مفهوم الوجود فهو وإن أمكن انتزاعه من‏حقائق مختلفة، إلا أن ألفاظ العبادات لم توضع بإزائه.
الرابع: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن المسمى لأسامي العبادات هوالعمل المبهم من جميع الجهات، ولا يمكن تعريفه إلا من طريق أنه مطلوب‏وفريضة الوقت والناهي عن الفحشاء والمنكر، ولكن تقدم أن أسامي العبادات‏لم توضع بإزائه، لأنه إن اُريد بالعمل المبهم الجامع الذاتي بين أفراد العبادات‏الصحيحة، فقد مرّ أنه غير معقول، وإن اُريد به الجامع العنواني، فقد عرفت أن‏ألفاظ العبادات لم توضع بإزائه.

تصوير الجامع على الأعمي‏
قد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن العمل المبهم كما يمكن أن‏يكون جامعاً بين الأفراد الصحيحة يمكن أن يكون جامعاً بين الأعم منها ومن‏الفاسدة، بتقريب أن المعرف للجامع المذكور إن كان فعلية النهي عن الفحشاءوالمنكر، فهي كاشفة عن الجامع بين الأفراد الصحيحة فحسب، وإن كان اقتضاءالنهي عن الفحشاء والمنكر، فهو كاشف عن وجود جامع بينها وبين الفاسدة،فالنتيجة أن العمل المبهم كما يصلح أن يكون جامعاً بين الأفراد الصحيحةعلى‏القول بالصحيح، يصلح أن يكون جامعاً بين الأعم منها ومن الفاسدةعلى‏القول بالأعم(1).
ولكن تقدم أن العمل المبهم الذي لا يمكن وصفه إلا بعنوان الناهي عن‏الفحشاء والمنكر أو فريضة الوقت لا يصلح أن يكون جامعاً، فإن المراد منه إن‏كان الجامع الذاتي، فهو غير متصور بين أفراد العبادات كالصلاة ونحوها، وإن‏كان الجامع العنواني، فألفاظ العبادات لم توضع بإزائه.
الوجه الثاني: ما عن المحقق القمي‏قدس سره من أن العبادات أسام للأركان خاصة،وأما بقية الأجزاء والشرائط، فهي دخيله في المأمور به دون المسمى، فلفظالصلاة مثلاً موضوع لذات التكبيرة والركوع والسجود والطهور المقيدة بالوقت‏والقبلة، فإنها من العناصر المقومة وأركانها، وأما غيرها من الأجزاءوالشرائط، فهي معتبرة جميعاً في مطلوبيتها شرعاً لا في تسميتها عرفاً(2).
ونتيجة ما أفاده‏قدس سره أمران:
الأول: أن ألفاظ العبادات موضوعة بإزاء الأركان التي هي من أجزائهاالرئيسية المقومة.
الثاني: أن سائر أجزائها وشرائطها دخيلة في المأمور به فحسب‏دون‏المسمى.
واُورد عليه بأن المعنى الموضوع له لألفاظ العبادات لو كان خصوص‏الأركان، لزم أن يكون إطلاق لفظة الصلاة على الصلاة الواجدة لها ولبقيةالأجزاء والشرائط مجازاً واستعمالاً في غير المعنى الموضوع له من باب إطلاق‏اللفظ الموضوع للجزء على الكل، مع أن الأمر ليس كذلك، لوضوح أن إطلاقهاعليها إطلاق حقيقي، فلذلك لا يمكن الالتزام بهذا القول(3).
ويمكن الجواب عن ذلك بأن إطلاق لفظ الصلاة مثلاً على الواجدة لجميع‏الأجزاء والشرائط حقيقي لا بلحاظ أنه مستعمل في الكل، بل بلحاظ أنه‏مستعمل في معناه الموضوع له وهو الأركان، والخصوصيات الزائدة مستفادة من‏دال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، وسوف نشير إلى توضيح ذلك. نعم هناشي‏ء آخر، وهو ما تأتي الاشارة إليه عن قريب من أن الظاهر هو انحصار أركان‏الصلاة في أجزاء ثلاثة: الركوع والسجود والطهور، وأما الوقت والقبلة فهما وإن‏كانا دخيلين في صحة الصلاة مطلقاً وفي جميع الحالات إلا أنه لم يثبت كونهما من‏الأركان المقومة لمسمى الصلاة، ومثلها التكبيرة على الأظهر.
الوجه الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن أسامي العبادات موضوعةبإزاء الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط، ومرجع هذاإلى أن الأجزاء أو الشرائط الاُخرى عند وجودها داخلة في المسمى، وعندعدمها خارجة عنه، مثلاً لفظ »الصلاة« موضوع بإزاء الأركان الملحوظة لابشرط بالنسبة إلى سائر أجزائها وشرائطها، ونتيجة ذلك أنها عند وجودهاداخلة في مسماها وعند عدمها خارجة عنه، ولذلك نظائر كثيرة في المركبات‏الخارجية الاعتبارية كالدار مثلاً، فإنها موضوعة لمعنى مركب من العناصرالرئيسية المقومة، وهي الحيطان والساحة والغرفة وإنها أركانها، ولم يلحظ فيهامواداً معينة ولا شكلاً معيناً من الأشكال الهندسية، وأما بالاضافة إلى الزائدعليها فهي مأخوذة لا بشرط، بمعنى أن الزائد على تقدير وجوده داخل في‏المسمى وعلى تقدير عدمه خارج عنه، فالموضوع له معنى وسيع يصدق على‏القليل والكثير والتام والناقص على نسق واحد. ومن هذا القبيل الكلمةوالكلام، فإن الكلمة موضوعة للمركب من حرفين فصاعداً، فإن زيد عليهماحرف أو أزيد فهو داخل في معناها، وإلا فلا، والكلام موضوع للمركب من‏كلمتين فمازاد وهكذا.
وبكلمة، إن المركبات الاعتبارية على نحوين:
أحدهما: ما لوحظ فيه حد خاص محدد من طرفي القلة والكثرة معاًكالاعداد، فإن كل مرتبة منها مركبة من عدد خاص محدد من طرفي القلةوالكثرة، كالخمسة مثلاً أو الأربعة أو الستة وهكذا.
والآخر: ما لوحظ فيه أجزاء معينة من جانب القلة فقط، وله حد خاص من‏هذا الطرف، وأما من جانب الكثرة ودخول الزائد فقد اُخذ لا بشرط، كالأمثلةالمتقدمة وما شاكلها، والصلاة من هذا القبيل، فإنها موضوعة للأركان فصاعداً،والزائد عليها من الأجزاء والشرائط عند وجوده داخل في المسمى، وإلا فلا.
فالمتحصل من تعبيراته‏قدس سره المختلفة في المقام عنصران:
الأول: أن المعنى الموضوع له للصلاة مثلاً الأركان بنحو لا بشرط بالنسبةإلى‏الزائد.
الثاني: أن المعنى الموضوع له لها الأركان ومازاد.
والعنصران متقابلان فلا ينطبق أحدهما على الآخر، فإن معنى العنصر الأول‏هو أن الأركان مأخوذة لا بشرط، يعني مطلقة وغير مقيدة بشي‏ء لا وجوداً ولاعدماً، لأن ماهية لا بشرط هي الماهية المطلقة التي لم يؤخذ فيها أي قيد، في‏مقابل ماهية بشرط شي‏ء وماهية بشرط لا، فإن الاُولى مقيدة بوجود شي‏ء،والثانية مقيدة بعدم شي‏ء آخر. ومعنى العنصر الثاني هو أن المعنى الموضوع له‏مركب من عنوانين، أحدهما الأركان، والآخر مازاد عليها.
وفي كلا العنصرين إشكال.
أما العنصر الأول، فلأن الاطلاق الذي هو مفاد لا بشرط إما بمعنى رفض‏القيود وعدم أخذ شي‏ء منها في المطلق كما أختاره‏قدس سره أو بمعنى عدم القيد كماقويناه، وعلى كلا القولين فاللا بشرط المأخوذ في مسمى العبادات المساوق‏للاطلاق لا يدل على دخول الأجزاء أو الشرائط فيه عند وجودها، أما على‏القول الأول فلأن مفاد الاطلاق رفض القيود، وهو ملازم لخروجها عن المطلق‏وجوداً وعدماً لا جمع القيود، وأما على الثاني فلأن مفاده عدم التقييد بقيد، وهويلازم خروجه عنه وجوداً وعدماً، وعليه فما أفاده‏قدس سره من أن سائر الأجزاء عندوجودها داخلة في المسمى وعند عدمها خارجة عنه لا ينسجم مع ما بنى‏عليه‏قدس سره من أن المسمى وهو الأركان ملحوظ بنحو لا بشرط، فإن معنى اللابشرط هو الاطلاق، والاطلاق على كلا القولين كما مرّ ملازم لخروج سائرالأجزاء والشرائط عن المسمى وجوداً وعدماً، وإلا لم يكن المسمى ملحوظاًلابشرط، لأن الأجزاء الاُخرى لو كانت داخلة فيه عند وجودها، فمعناه‏أنه‏مأخوذ بشرط شي‏ء لا لابشرط، ولو كان عدمها داخلاً فيه فمعناه أنه‏مأخوذبشرط لا.
وبكلمة، إن مسمى العبادات كالصلاة ونحوها إذا كان هو الأركان، فلا يخلوإما أن يؤخذ لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط أو يؤخذ بشرطشي‏ء بالنسبة إليها أو بشرط لا، ولا رابع في البين، وعلى الأول فالمسمى مطلق‏ولا يدخل فيه شي‏ء من الأجزاء أو الشرائط الاُخرى لا وجوداً ولا عدماً،وعلى الثاني فالمسمى مقيد بوجود الأجزاء والشرائط الاُخرى، وعلى الثالث‏فهو مقيد بعدمها، وعلى هذا فما ذكره‏قدس سره من أن المسمى مأخوذ لا بشرط بالنسبةإلى الزائد من الأجزاء والشرائط الاُخرى في طرف النقيض مع ما بنى‏ عليه‏قدس سره‏من أن الزائد عند وجوده داخل فيه، لأن معنى كونه مأخوذاً لا بشرط أن الزائدغير داخل فيه لا وجوداً ولا عدماً، ومعنى أن الزائد داخل فيه عند وجوده أنه‏مأخوذ بشرط شي‏ء بالنسبة إليه لا لابشرط.
هذا إضافة إلى أنه لايمكن أن يكون الزائد عند وجوده داخلاً في المسمى‏وجزءاً له، لأن المسمى هو المعنى الموضوع له، وهو من سنخ المفهوم، حيث إن‏اللفظ لم يوضع إلا بإزاء المفهوم، دون الموجود الخارجي أو الذهني، وعلى هذافلا يعقل أن يكون الزائد عند وجوده داخلاً في المسمى وجزءاً له، لأن الموجودالخارجي لا يمكن أن يكون جزءاً للمفهوم، نعم يكون جزءاً لمصداقه عندوجوده، وعدم كونه جزءاً له عند عدمه.
وعلى هذا فالمسمى لا ينطبق في الخارج إلا على الأركان فقط، سواء أكان‏معها أجزاء اُخرى أم لا، على أساس أن كل مفهوم ينطبق على مصاديقه وأفراده‏فيه لا على غيرها، والمسمى بما أنه مفهوم الأركان، فهو ينطبق عليها دون غيرهامن الأجزاء، فإذن كما أن الأجزاء الاُخرى ليست جزء المسمى وداخلة فيه عندوجودها كذلك، ليست جزء مصداقه بما هو مصداقه وإن كانت جزء الموجودالخارجي، ولكن الموجود الخارجي بما هو ليس مصداقه بل هو مركب منه ومن‏غيره، كما هو الحال في سائر أسماء الأجناس، وعليه فكما أن دخول الزائد عندوجوده في مصداق المسمى لا يستلزم المجاز في الكلمة، لأن كلمة الصلاة مثلاًمستعملة في جميع أفرادها وتمام مراتبها الطولية في معناها الموضوع له،وهوالأركان، سواء أكانت معها أجزاء اُخرى أم لا، كذلك لا يستلزم المجازفي‏الاسناد والتطبيق أيضاً، لأن المسمى منطبق على مصداقه فقط كان معه‏شي‏ءآخر أم لا.
ومن هنا يظهر أن نتيجة وضع أسماء العبادات بإزاء الأركان بنحو لا بشرطهي صحة انطباقها على جميع أفرادها في الخارج المشتملة عليها، وأما اشتمالهاعلى الأجزاء الاُخرى والخصوصيات العرضية، فهو لا يمنع عن انطباقها على‏مصاديقها، فلحاظ الأركان لا بشرط لا يتطلب كون الأجزاء الاُخرى عندوجودها داخلة في المسمى، بل قد أشرنا آنفاً أن ذلك غير معقول، بل لا يتطلب‏كونها عند وجودها داخلة في مصداقه في الخارج بما هو مصداقه، نعم إنها داخلةفيه بما هو موجود في الخارج.
وأما العنصر الثاني فلأن لازم كون المسمى مركباً من الأركان وما زاد عليهاعدم انطباقه على الأركان فقط، وانتفاؤه بانتفاء ما زاد الذي هو عنوان لسائرالأجزاء والشرائط، لأن المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، وبذلك يظهر حال ماأفاده‏قدس سره في المركبات الخارجية الاعتبارية.
والخلاصة أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن ألفاظ العبادات موضوعةبإزاء الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء أو الشرائط، فإن اُريدبكلمة لا بشرط الاطلاق كما هو معناه، فقد عرفت أنه يلازم خروج سائرالأجزاء والشرائط عن المسمى وجوداً وعدماً، وإن اُريد بها مازاد على المسمى‏من الأجزاء والشرائط الاُخرى، فقد عرفت أن لازم ذلك عدم انطباق المسمى‏على الأركان فقط.
ثم إن هناك إشكالات اُخرى على هذا القول.
الأول: ما عن المحقق النائيني‏قدس سره، وحاصله أنه إن اُريد بعدم دخول بقيةالأجزاء والشرائط في المسمى عدم دخولها فيه دائماً، فيرده أنه ينافي الوضع‏للأعم، فإن لازمه عدم صدق لفظ »الصلاة« على الفرد الصحيح إلا بنحو من‏العناية والمجاز ومن باب إطلاق اللفظ الموضوع للجزء على الكل، وإن اُريد به‏دخولها فيه عند وجودها وخروجها عنه عند عدمها فهو غير معقول، ضرورةأن دخول شي‏ء واحد في ماهية عند وجوده وخروجه عنه عند عدمه أمرمستحيل، لاستحالة كون شي‏ء جزءاً لماهية مرة وخارجاً عنها مرة اُخرى، فإن‏كل ماهية متقومة بجنس وفصل أو ما يشبههما، فلا يعقل أن يكون شي‏ء واحدمقوماً لماهية عند وجوده ولا يكون كذلك عند عدمه، يعني أنها لا تنتفي بانتفائه،فإذن لا يقعل أن تكون بقية الأجزاء داخلة في المسمى عند وجودها وخارجه‏عنه عند عدمها، فإن معنى دخولها فيه عند وجودها أنها مقومة له، فإذا كانت‏مقومة له فلا محالة ينتفي بانتفائها، ومعنى خروجها عنه عند عدمها أنه لا ينتفي‏بانتفائها، وبالتالي لا تكون مقومة له، فإذن يكون مرد دخولها في المسمى عندوجودها وخروجها عنه عند عدمها إلى أنها مقومة له وفي نفس الوقت لا تكون‏مقومة له، وهذا تناقض(4).
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأنه مبني على الخلط بين المركبات‏الحقيقية والمركبات الاعتبارية، وما أفاده‏قدس سره إنما يتم في المركبات الحقيقية، حيث‏إنها مركبة من جنس وفصل ومادة وصورة، باعتبار أن لكل واحد من الجزئين‏جهة افتقار بالاضافة إلى الآخر، فلا يعقل فيها تبديل الأجزاء بغيرها ولاالاختلاف فيها كماً وكيفاً، فإذا كان شي‏ء واحد جنساً أو فصلاً لماهية، فلا يعقل‏أن يكون جنساً أو فصلاً لها في حالة ولا يكون كذلك في حالة اُخرى، إذ معنى‏ذلك أنه مقوم لها وفي نفس الوقت لا يكون مقوماً لها، مثلاً الناطق فصل مقوم‏للانسان، ولا يعقل أن يكون فصلاً له عند وجوده ولا يكون فصلاً له عندعدمه‏وهكذا.
وأما في المركبات الاعتبارية فهو لا يتم، لأن التركيب فيها بين أمرين مختلفين‏أو أزيد، وليس بينهما أي جهة اتحاد حقيقة ولا افتقار ولا ارتباط، بل إن كل‏واحد منهما موجود مستقل على حياله ومباين للآخر في التحصل والفعلية،والوحدة العارضة عليهما وحدة اعتبارية، لاستحالة التركيب الحقيقي بين أمرين‏أو اُمور متحصلة بالفعل، وعلى هذا فلا مانع من كون شي‏ء واحد داخلاً في‏المركب الاعتباري عند وجوده وخارجاً عنه عند عدمه.
ومن أمثلة ذلك كلمة »الدار«، فإنها موضوعة لمعنى مركب، وهو ما اشتمل‏على الحيطان والساحة والغرفة، وهي أجزاؤها الرئيسية ومقومة لصدق‏عنوانها، وحينئذ فإن كان لها غرفة اُخرى وسرداب أو طبقة ثانية أو غير ذلك‏فهي من أجزائها وداخلة في المسمى، ومن هذا القبيل »الكلمة« و»الكلام«ونحوهما كما مرّ، وعلى هذا فحيث إن العبادات كالصلاة ونحوها من المركبات‏الاعتبارية، فلا مانع من الالتزام بأن مسماها الأركان وما زاد عليها من الأجزاءداخل فيه عند وجوده وخارج عنه عند عدمه كما تقدم.
فالنتيجة أن الالتزام بذلك لا يمكن في المركبات الحقيقية الواقعية، وأما في‏المركبات الاعتبارية، سواء أكانت شرعية أم عرفية فلا مانع من ذلك(5). هذا،
ولكن قد سبق أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من الطريقة في وضع المركبات‏الاعتبارية أعم من الشرعية والعرفية في نفسه غير صحيح، لا من جهة ما ذكره‏المحقق النائيني‏قدس سره، فلنا دعويان.
الاُولى: أن عدم صحته من جهة ما ذكرناه.
الثانية: أن عدم صحته ليس من جهة ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره.
أما الدعوى الاُولى، فلما عرفت موسعاً من أنه لا يمكن أن يكون ما زاد على‏المسمى عند وجوده داخلاً فيه بما هو مسمى، لأن الموجود الخارجي لا يعقل أن‏يكون جزء المفهوم الذهني، كما لا يمكن أن يكون داخلاً في مصداقه بما هومصداقه، نعم هو داخل في الموجود الخارجي بما هو موجود فيه.
وأما الدعوى الثانية، فلأن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره مبني على عدم الفرق‏بين المركبات الحقيقية والمركبات الاعتبارية، ولكن الفرق بينهما واضح، فإن‏المركبات الاعتبارية بما أنها بيد معتبرها ومخترعها سعة وضيقاً، فله أن يجعل‏بعض أجزائها على البدل، كما أن له أن يجعل الشي‏ء داخلاً فيه عند وجوده‏وخارجاً عنه عند عدمه، هذا في مقام الاختراع.
وأما في مقام الوضع، فلأن الوضع بما أنه علقة بين اللفظ والمعنى في عالم‏المفهوم، فلا محالة يكون وضع هذه المركبات بإزاء المعاني في عالم المفهوم، وعليه‏فلا يمكن أن يكون الشي‏ء داخلاً فيها عند وجوده وخارجاً عنها عند عدمه، إذلا يعقل أن يكون الشي‏ء الموجود خارجاً جزء المعنى في عالم المفهوم، وعلى هذافلابد أن يكون وضعها بإزاء مفاهيم محددة في ذلك العالم، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى: إن المركبات الاعتبارية على نوعين:
النوع الأول: ما يكون متقوماً بأركان محددة متمثلة في أجزاء معينة،كالمركبات الشرعية من الصلاة ونحوها وبعض المركبات العرفية.
النوع الثاني: ما يكون متقوماً بأركان غير محددة بأجزاء معينة خارجاً،وذلك كالدار والبستان والكلمة والكلام ونحوها.
أما النوع الأول: فلا يبعد القول بأنه موضوع بإزاء الأركان بنحو لا بشرط في‏مقابل بشرط شي‏ء وبشرط لا، بمعنى أنه لا يؤخذ في معناه الموضوع له شي‏ء من‏الخصوصيات الزائدة لا وجوداً ولا عدماً، وعلى هذا فاطلاق أسماء هذا النوع‏من المركبات على جميع مواردها ومراتبها إطلاق حقيقي بلحاظ أن معناه‏الموضوع له محفوظ فيها، وأما الخصوصيات الزائدة عليه أعم من الخصوصيات‏العرضية أو الأجزاء والشرائط الاُخرى، فهي مستفادة من دال آخر من باب‏تعدد الدال والمدلول، والدال الآخر قد يكون قرينة حالية كحال المصلي من‏الاختيار والاضطرار، وقد يكون مقامية، وإذا كثر الاستعمال في الواجدة لبقيةالأجزاء والشرائط بالقرينة، فقد تؤدي إلى تحقق الوضع التعيني والمنبه‏الشرطي، على أساس أن القرينة ليست عنصراً ثابتاً في كل الموارد المستعملة،بل هي تختلف من مورد إلى آخر بينما اللفظ عنصر ثابت في جميع مواردالاستعمال، فمن أجل ذلك يحصل الاُنس الذهني بين ذات اللفظ والمعنى كانت‏هناك قرينة أم لا، وإذا اُطلق لفظ الصلاة حينئذ، كان المتبادر منه صورة الصلاةالواجدة من التكبيرة إلى التسليمة.
والخلاصة أن أسامي العبادات مستعملة في معانيها الموضوعة لها فقط - وهي‏الأركان - دائماً وفي جميع الموارد، لا أنها مستعملة فيها مع الأجزاء والشرائطالاُخرى، فإن تلك الأجزاء والشرائط مستفادة من دال آخر عند الحاجة وتعلق‏الغرض بأفهامها، كما هو الحال في سائر أسماء الأجناس، نعم قد يحصل الوضع‏التعيّني لها بإزاء المجموع بعامل كمي كما عرفت.
ثم إن التزام السيد الاُستاذقدس سره بأن مازاد على المسمى وهو الأركان داخل فيه‏عند وجوده وخارج عنه عند عدمه، إنما هو من جهة تخيل أنه لو لم يلتزم‏بذلك، فلابد من الالتزام بأن استعمال العبادات في الواجدة لجميع الأجزاءوالشرائط في كل مرتبة من مراتبها يكون مجازاً ومن باب استعمال اللفظالموضوع للجزء في الكل، مع أن الأمر ليس كذلك.
ولكن قد تقدم أنه لا ملازمة بين الأمرين، إذ لا مانع من القول بوضع‏العبادات للأركان فقط واستعمالها فيها دائماً، سواء أكان معها أجزاء اُخرى أم لا،واستفادة تلك الأجزاء عند الحاجة وتعلق الغرض بأفهامها إنما هي بدال آخرمن باب تعدد الدال والمدلول، فإذن لا مانع من الالتزام بوضعها بإزاءالأركان‏فحسب.
وأما النوع الثاني وهو الذي متقوم بأركان غير محددة بأجزاء معينة، فالظاهرأنه موضوع لمفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحو الابهام مباشرة المنطبق على‏تجمع الأركان وحدها وعلى تجمع المشتمل عليها وعلى الأجزاء والشرائطالاُخرى، مثلاً لفظ »كلمة« موضوع بإزاء عنوان مازاد على حرف، وهذاالعنوان كما ينطبق على الكلمة الثنائية الحروف كذلك ينطبق على الكلمة الثلاثيةالحروف وهكذا، ولفظ »كلام« موضوع بإزاء عنوان مازاد على كلمة، وهذا كماينطبق على الكلام المركب من كلمتين ينطبق على الكلام المركب من كلمات‏وهكذا، ولفظ »الدار« موضوع بإزاء مفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحوالابهام بدون التحديد بحد خاص لا كماً ولا كيفاً، وهو يصدق على القليل‏والكثير والتام والناقص وهكذا.
ودعوى أن ألفاظ العبادات أيضاً موضوعة بإزاء مفهوم منتزع مباشرة من‏تجمع الأجزاء بنحو الابهام بدون تعيين حدّ له لا كماً ولا كيفاً، وهذا المفهوم‏يصدق على الصلاة التامة والناقصة في كل مرتبة من مراتبها.
مدفوعة بأنها لم توضع بإزاء ذلك المفهوم المنتزع، لعدم كونه متبادراً منها عندالاطلاق كما هو واضح.
الاشكال الثاني: هو أن الأركان بنفسها مختلفة كماً وكيفاً ولها عرض‏عريض ومراتب طويلة، فإذن لابد من تصوير جامع ذاتي مشترك بين تلك‏المراتب لكي يصدق على القليل والكثير والناقص والتام على نسق واحد، فيعودالمحذور، وذلك لأن هذا الجامع الذاتي لا يمكن أن يكون بسيطاً، سواء أكان المرادمن الذاتي، الذاتي في باب الكليات أم باب البرهان، وكذلك لا يمكن أن يكون‏مركباً على تفصيل تقدم(6).
ويمكن الجواب عنه بأحد طريقين:
الأول: أن المأخوذ في المسمى طبيعي الأركان بعرضها العريض ومراتبهاالطويلة، وهو الجامع بين الطهارة المائية والطهارة الترابية، وبين ركوع القائم‏وركوع الجالس وهكذا، فيكون المأخوذ فيه الجامع بين البدل والمبدل بقطع‏النظر عن حيثية البدلية والمبدلية، فإن الحيثية غير مأخوذة فيه، إذ مع أخذحيثية كل منهما بعين الاعتبار لا يتصور جامع بينهما فيعود الاشكال. وأما تقييدالجامع بين البدلين بحالتي الاختيار والاضطرار، فهو إنما يكون في مرتبة تعلق‏الأمر به لا في مرتبة المسمى، فإن الأمر المتعلق بالصلاة الواجدة لجميع‏الأجزاءوالشرائط، مقيدة بالطهارة المائية في حال الاختيار والتمكن، وبالطهارةالترابية في حال الاضطرار والعجز عن الاُولى، وكذلك الحال بالنسبة إلى‏الركوع‏والسجود.
فالنتيجة أنه لا تقييد للجامع في مرتبة التسمية، والتقييد إنما هو في مرتبةتعلق‏الأمر به.
ولكن قد يشكل عليه بأن متعلق الأمر هو المسمى، فإذا كان المسمى الجامع‏كان متعلق الأمر هو الجامع، لا أن متعلقه حصة خاصة منه.
والجواب أن هذا تام على القول بالصحيح، فإنه على هذا القول لا يمكن‏الاختلاف بين المسمى ومتعلق الأمر، والمفروض أن المسمى على هذا القول هوالجامع بين الأفراد الصحيحة، فإذا كان المسمى ذلك كان هو متعلق الأمر، ولايمكن أن يكون مشتملاً على خصوصية زائدة على المسمى جزءاً أو شرطاً وإلالزم الخلف، وأما على القول بالأعم فيختلف متعلق الأمر عن المسمى.
الثاني: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنه لا مانع من وضع الصلاة للأركان‏بعرضها العريض على سبيل البدل، بأن يكون المقوم للمركب أحد اُمور على نحوالبدلية طولاً، فالطهارة المائية مقومة للصلاة في حال الاختيار، والطهارة الترابيةمقومة لها في حال الاضطرار وفي مرتبة متأخرة، والركوع من القائم عن قيام‏مقوم لها في حال التمكن والاختيار، ومن الجالس عن جلوس مقوم لها في حال‏العجز والاضطرار وهكذا، ومثل ذلك لفظ »الحلوى« فإنه موضوع للمركب‏المطبوخ من سُكَّر وغيره، وذلك الغير قد يكون دقيق حنطة وقد يكون دقيق‏حمص أو اُرز أو غير ذلك، فإن كل واحد منها مقوم له على سبيل البدل، غايةالأمر أن الفرق بين هذا المثال وما نحن فيه، هو أن المأخوذ في المركب في هذاالمثال أحد هذه الاُمور على نحو البدلية في عرض الآخر، بينما المأخوذ في مسمى‏العبادات في المقام أحد الاُمور المذكورة على نحو البدلية في طول الآخر.
والخلاصة: أن وضع أسامي العبادات بإزاء الأركان على سبيل البدل، بأن‏يكون المأخوذ في المسمى مثلاً ركوع القائم في حال القيام، وإذا تعذر ذلك ركوع‏الجالس في حال الجلوس وهكذا، فبما أنه ممكن، فلا تصل النوبة إلى تصويرجامع مشترك بين مراتب الأركان ولا حاجة إليه(7).
ويمكن المناقشة فيه بما ذكرناه آنفاً، من أن هذا التقييد إنما هو في مرتبه تعلق‏الأمر بالمسمى لا في مرتبة التسمية، حيث إن الظاهر في هذه المرتبة كما مرملاحظه جامع بين مراتب الأركان بدون أن تلحظ طوليتها في هذا المقام كحيثيةالبدلية والمبدلية، بينما تلحظ هذه الطولية في مقام تعلق الأمر بالمسمى.
هذا إضافة إلى أن أخذ أحد اُمور على سبيل البدل في المركبات الاعتباريةوإن كان ممكناً إلا أنه ليس بعرفي، وعلى هذا فالصحيح في دفع هذا الاشكال‏وعلاجه ما ذكرناه لا ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
الاشكال الثالث: دعوى القطع بأن الصلاة لم توضع بازاء الأركان فحسب،إذ لو كانت موضوعة لها كذلك لم تصدق على الصلاة الواجدة لجميع الأجزاءوالشرائط إذا كانت فاقدة لبعض الأركان، مع أن صدقها عليه من الواضحات،وهذا يدل على أن هذه الصلاة لم توضع بإزاء الأركان فقط، كما أنها لا تصدق‏على الأركان فحسب بدون اقترانهاببقية الأجزاء أو الشرائط، فإذن لا يدورصدق الصلاة مدار الأركان وجوداً وعدماً.
وهذا الاشكال ينحل إلى جانب إيجابي، وهو صدق الصلاة بما لها من المعنى‏على الفاقدة لبعض الأركان إذا كانت واجدة لبقية الأجزاء والشرائط، وإلى‏جانب سلبي وهو عدم صدقها كذلك على الأركان فقط إذا كانت خالية عن سائرالأجزاء والشرائط جميعاً.
ولكن كلا الجانبين لا يخلو عن إشكال بل منع، حيث إنه لا منشأ لهذه‏الدعوى وإنها مبنية على المسامحة لدى العرف والمتشرعة، إذ لا شبهة في أن‏الصلاة تدور مدار الأركان وجوداً وعدماً، وبانتفاء واحد منها تنتفي الصلاة،سواء أكانت سائر الأجزاء والشرائط موجودة أم لا، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن كل مركب اعتباري لابد أن‏يعرف من قبل مخترعه، سواء أكان ذلك المخترع هو الشارع المقدس أم غيره،وحيث إن العبادات كالصلاة ونحوها من مخترعات الشارع من حيث الكميةوالكيفية، فلابد من أن يعرف حقيقتها التي يدور صدقها مدارها وجوداً وعدماًمن قبل الشارع، فإذن لابد من الرجوع إلى النصوص الشرعية لتعيين حقيقتهاوتحديدها كماً وكيفاً، وقد استفدنا منها أن حقيقة الصلاة التي يدور صدقهامدارها نفياً وإثباتاً عبارة عن التكبيرة والركوع والسجود والطهور، وأما بقيةالأجزاء فهي غير مأخوذة فيها(8)، فهنا دعويان:
الاُولى: أن بقية الأجزاء غير مأخوذة في المسمى.
الثانية: أن المأخوذ في المسمى الأركان الأربعة.
أما الدعوى الاُولى فيدل عليها حديث لا تعاد(9)، فإن مفاده أن الاخلال‏بغير الخمسة من الأجزاء والشرائط نسياناً أو جهلاً إذا كان مركباً أو بسيطاًشريطة أن يكون معذوراً فيه لا يضر بصحة الصلاة فضلاً عن صدقها مادامت‏الخمسة موجودة، ومن الواضح أن هذا ناص في عدم أخذ غير الخمسة من‏الأجزاء والشرائط في المسمى.
ودعوى أن الحديث على القول بالصحيح لا يدل على أن تلك الأجزاءوالشرائط غير مأخوذة في المسمى، وذلك لأن الصحيحي إنما ينتزع الجامع عمايكون مطابقاً للمأمور به بمقدار دخالته فيه لا أكثر، فإذا كان اعتباره منوطاً بحال‏دون حال أخذ الجامع مقيداً بذلك الحال، وحينئذ فلا يكون إخلال به في الحال‏الاُخرى، على هذا فحيث إن اعتبار الأجزاء والشرائط غير الخمسة مقيد بحال‏الالتفات والتذكر، فإذن لا إخلال في حال النسيان وعدم الالتفات،
مدفوعة أما أولاً فلأن محل الكلام في المسألة إنما هو على‏القول بالأعم‏دون‏الصحيح.
وثانياً قد تقدم أن تصوير الجامع المركب على القول بالصحيح بالنحو المذكوروإن فرض أنه ممكن إلا أن من الواضح عدم وضع لفظ الصلاة بإزائه، لأنه معنى‏معقد خارج عن الفهم العرفي كما مرّ.
وثالثاً أن لازم ذلك هو أن مسمى الصلاة في حال الاختيار والالتفات غيرمسماها في حال النسيان والجهل، وهو مما لا يمكن الالتزام به.
فالنتيجة أنه لا شبهة في أن الأجزاء والشرائط غير الخمسة لم تؤخذ في‏المسمى، وإنما اُخذت في المأمور به.
وأما الخمسة، فهل يدل الحديث على أنها من الأركان التي يدور صدق‏عنوان الصلاة مدارها وجوداً وعدماً؟
والجواب أنه لا يدل على ذلك، بتقريب أن مفاده في عقد المستثنى منه يكون‏إرشاداً إلى أن اعتبار غير الخمسة من الأجزاء والشرائط مقيد بحال الالتفات‏والتذكر لا مطلقاً، وعلى هذا فلا يكون إخلال بها في حال النسيان والغفلة حتى‏تبطل الصلاة به، وفي عقد المستثنى يكون إرشاداً إلى اعتبارالخمسة مطلقاً حكماًوملاكاً وفي جميع الحالات، فلذلك تبطل الصلاة بالاخلال بها وإن كان نسياناً.
وبكلمة، إن الموضوع في عقد المستثنى والمستثنى منه في الحديث هو الصلاة،ومفاده الارشاد في كلا العقدين، وفي العقد الأول إرشاد إلى أن غير الخمسة من‏الأجزاء أو الشرائط إنما اعتبرت جزءاً وشرطاً في حال التذكر والالتفات لامطلقاً أي حتى في حال النسيان والجهل، وفي العقد الثاني إرشاد إلى أن الشارع‏اعتبر الخمسة جزءاً وشرطاً مطلقاً وفي جميع الحالات، فلهذا تبطل الصلاةبالاخلال بها ولو نسياناً، وعلى هذا فالحديث الشريف في مقام بيان الفرق بين‏الخمسة المستثناة فيه وبين غيرها من الأجزاء والشرائط في أن الخمسة دخيلةفي الملاك والحكم مطلقاً وفي تمام الحالات، بينما يكون غيرها دخيل فيهما في حال‏الالتفات والتذكر فقط لا مطلقاً، وليس في مقام بيان أنها من الأركان المقومة.
هذا إضافة إلى إيجاب إعادة الصلاة بالاخلال بالخمسة يدل على أن حقيقةالصلاة لا تنتفي بالاخلال بها، على أساس أن كلمة الاعادة تنصّ على الوجودالثاني للصلاة بعد الفراغ عن وجودها الأول، فلو كانت الخمسة من الأركان،فلا صلاة عند الاخلال بها، لا أنها وجدت فاقدة لبعض الأجزاء أو الشرائط،فالنتيجة أن حديث لا تعاد لا يدل على أن الخمسة من الأركان بل يدل على‏أنهاليست منها.
وأما الدعوى الثانية فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن صحيحة الحلبي التي‏تنص على أن الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث منها الطهور، وثلث منها الركوع،وثلث منها السجود(10)، فقد دلت على حصر الصلاة بهذه الثلاثة وأنها حقيقتها،ولكن لابد من رفع اليد عنها من هذه الجهة بما دل من الروايات على أن التكبيرةأيضاً ركن ومقوم لها، وأما عدم ذكرها في حديث لا تعاد، فلعله من جهة أن‏الدخول في الصلاة لا يصدق بدونها حتى يصدق على الاتيان بها الاعادة، لأنهاعرفاً وجود ثان للشي‏ء بعد وجوده أولاً، باعتبار أن المستفاد من روايات‏التكبيرة هو أن الصلاة عمل خاص لا يمكن الدخول فيه بدون الافتتاح بها، فلودخل فيه بدونها نسياناً أو جهلاً فلا يكون مشمولاً للحديث، فالنتيجة هي‏تقييد إطلاق رواية التثليث بروايات التكبيرة، وعليه فأركان الصلاة أربعة:التكبيرة والركوع والسجود والطهور، وهذه‏الأركان هي مسمى‏الصلاة(11)، هذا.
والتحقيق يتطلب النظر إلى المسألة في مقامين:
الأول: النظر إلى رواية التثليث ومدى دلالتها على حقيقة الصلاة التي يدورصدقها مدارها وجوداً وعدماً.
الثاني: النظر إلى روايات التكبيرة ومدى دلالتها على أنها ركن.
أما المقام الأول فلا شبهة في أن رواية التثليث ظاهرة في بيان حقيقة الصلاةوتكوّنها من الأجزاء الثلاثة، ولكن مع هذا فقد نوقش فيها بوجوه:
الوجه الأول: أن دلالة رواية التثليث على ركنية الثلاثة وإن كانت بالنص‏ولكن دلالتها على نفي ركنية غيرها إنما هي بالاطلاق الناشى‏ء من السكوت في‏مقام البيان، ونتيجة ذلك أن دلالتها على حصر الأركان بها إنما هي بالاطلاق‏المذكور، وحيث إن هذا الاطلاق من أضعف مراتب الدلالة، فلذلك لا يصلح أن‏يعارض روايات التكبيرة التي كانت تدل على أنها ركن، فإذن لابد من رفع اليدعن إطلاقها بها تطبيقاً لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر.
ويمكن المناقشة فيه بأن دلالة رواية التثليث على الحصر وإن كانت‏بالاطلاق الناشى‏ء من السكوت في مقام البيان، إلا أن روايات التكبيرة بتمام‏طوائفها كما سوف نشير إليها ضعيفة إما دلالةً وسنداً أو دلالة فحسب، ولا يدل‏شي‏ء منها على أنها ركن، فلهذا لا تصلح أن تكون مقيدة لاطلاق رواية التثليث.
قد يقال بأنه لا تنافي بين رواية التثليث وروايات التكبيرة، بدعوى أن‏المرادمن قوله‏عليه السلام في روايةالتثليث)الصلاة ثلاثة أثلاث( إنما هو بعدالدخول‏فيها بالتكبيرة.
والجواب أولاً أن حمل رواية التثليث على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهرمنها أنها في مقام بيان حقيقة الصلاة لا أنها في مقام بيان تثليثها بعد الدخول‏فيهابالتكبير.
وثانياً أن ذلك لا ينسجم مع كون أحد الثلاثة الطهور، فإنه لابد أن يكون‏مقارناً مع التكبير، ولا يمكن أن يكون بعده، وإلا لزم كون التكبير بدون‏طهور،وهو باطل.
الوجه الثاني: أن حديث‏التثليث لا يكون ظاهراً في بيان حقيقةالصلاة، فإنه‏إما أن يكون ظاهراً في إرادة التثليث من حيث الأهمية والثواب أويكون مجملاً.
والجواب: ما مرّ من أنه لا شبهة في ظهور الحديث في إرادة التثليث من حيث‏بيان حقيقة الصلاة لا أهميتها، لوضوح أن قوله‏عليه السلام: »الصلاة ثلاثة أثلاث«ظاهر في أن حقيقة الصلاة تنقسم إلى الثلاثة، ولا رابع لها، لأن الصلاة اسم‏لحقيقتها، وإرادة الأهمية منها بحاجة إلى قرينة.
الوجه الثالث: أن حديث التثليث وإن كان ظاهراً في بيان حقيقة الصلاة إلاأنه لابد من رفع اليد عن هذا الظهور بقرينة قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلا بفاتحةالكتاب«(12) وقوله‏عليه السلام: »لا صلاة لمن لم يقم صلبه«(13) وهكذا، مع أن فاتحةالكتاب ليست ركناً للصلاة، وكذا القيام منتصباً، فإذن هذا التعبير أو ما شابهه‏لايدل على أنه في مقام بيان حقيقة الصلاة وتكوينها.
والجواب: أنه لا شبهة في ظهور تلك الروايات في نفسها في نفي الحقيقة،ولكن رفعنا اليد عن ظهورها في ذلك لقرائن خارجية، ولولا تلك القرائن فلامناص من الأخذ به، والمفروض أنه لا قرينة في المقام، فإذن لا مناص من الأخذبظهور حديث التثليث، وهو أن أركان الصلاة ثلاثة: الركوع والسجودوالطهور، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن حديث التثليث هل يدل على أن الأركان الثلاثةهي‏مسمى الصلاة؟
والجواب أنه لا يدل على ذلك، فإن مفاده أن حقيقة الصلاة ثلاثة أثلاث، أماأن لفظ »الصلاة« موضوع بإزائها فقط أو الأعم منها ومن غيرها، فهو لا يدل‏على شي‏ء منهما وساكت عن ذلك.
وأما المقام الثاني فلأن روايات التكبير في نفسها قاصرة عن الدلالة على‏ركنيّته للصلاة، وهي على طوائف ثلاث.
الطائفة الاُولى: هي الروايات التي جائت تارة بلسان أن افتتاح الصلاةبالتكبير كرواية ناصح المؤذن(14)، واُخرى بلسان لا تفتتح الصلاة إلا بها كما في‏رواية المجالس(15)، وثالثة بلسان أن لكل شي‏ء أنف، وأنف الصلاة التكبير كما في‏رواية إسماعيل بن مسلم(16)، وتقريب الاستدلال بها أنها جميعاً تحكي عن مطلب‏واحد، وهو أن مبدأ الصلاة التكبير ولا تنعقد إلا به.
والجواب: أما عن الرواية الاُولى فلأنها وإن دلّت على أن افتتاح الصلاةبالتكبير وأنها لا تنعقد بدونه، إلا أن دلالتها على ركنية التكبير ودخالته في‏المسمى منوطة بأن تكون في مقام بيان حقيقة الصلاة وما يعتبر فيها، لا في مقام‏بيان ما يعتبر في مطلوبيّتها شرعاً، ولكن الظاهر منها الثاني دون الأول، فإن‏مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية وهي صدورها من المولى تقتضي أنها في‏مقام الاشارة إلى جزئية التكبير للصلاة المأمور بها شرعاً وبيان أنه مبدؤها،وحملها على أنها في مقام بيان أنه جزء المسمى ودخيل فيه بحاجة إلى قرينة، ومع‏الاغماض عن ذلك وتسليم أنه لا ظهور لها في ذلك، إلا أنه لا ظهور لها في الأول‏أيضاً، فتصبح الرواية مجملة، بل لو سلمنا ظهورها في الأول ومع ذلك لا يمكن‏الأخذ بها من جهة ضعفها سنداً.
وأما الرواية الثانية فمن المحتمل أن تكون الجملة فيها ناهية لا خبرية، وهذاالاحتمال يمنع عن الاستدلال بها، هذا إضافة إلى أنها لا تدل على أكثر من كون‏التكبير جزءاً للصلاة، وأما أنه جزء مقوم لها فهي لا تدل عليه، هذا إضافة إلى‏أنها ضعيفة سنداً.
وأما الرواية الثالثة فهي تدل على عكس المطلوب، فإن تشبيه التكبيربالأنف للشي‏ء يدل على أنه ليس بركن، باعتبار أن أنف الشي‏ء لا يكون ركناً،هذا إضافة إلى أنها ضعيفة سنداً أيضاً.
الطائفة الثانية: التي جائت بلسان أن تحريمها التكبير، فإنها لا تدل على أكثرمن حرمة الاتيان بمنافيات الصلاة بعد الدخول فيها بالتكبير، فلا إشعار فيهافضلاً عن الدلالة على أنه ركن.
الطائفة الثالثة: منها قوله‏عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم عن أبي‏جعفرعليه السلام:»التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزى‏ء، والثلاث أفضل«(17)، بدعوى أنه‏يدل على أن الصلاة لا تتحقق بدون التكبيرة، فلو دخل المصلي في القراءة بدون‏أن يكبر، لا يصدق أنه دخل في الصلاة.
ولكن يمكن المناقشة في دلالتها، بتقريب أنها لا تدل على أكثر من إجزاءتكبيرة واحدة في‏افتتاح الصلاة والشروع فيها، وكلمة الاجزاء تدل على‏أن‏الصحيحة في مقام بيان ما يعتبر في صحة الصلاة لا في مقام بيان حقيقتها،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنها في مقام بيان أن تكبيرة واحدة تكفي في مقابل الأكثر،وليست في مقام بيان أنها ركن.
ومنها قوله‏عليه السلام في موثقة عمار في جواب السؤال: »عن رجل سها خلف‏الامام فلم يفتتح الصلاة، يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح«(18)، بدعوى أن‏قوله‏عليه السلام لا صلاة بغير افتتاح، ظاهر في أن التكبيرة معتبرة في حقيقة الصلاة،ولهذا نفى الصلاة بدونها.
ولكن بإمكاننا المناقشة في دلالتها على ذلك، فإنا لو كنا نحن وقوله‏عليه السلام: »لاصلاة بغير افتتاح«، فلا مناص من الالتزام بظهوره في نفي حقيقة الصلاة بدون‏التكبيرة، ولكن بما أنه مسبوق بقوله‏عليه السلام: »يعيد الصلاة« فهو يصلح أن يكون‏مانعاً عن ظهوره في ذلك، على أساس أن وجوب الاعادة ظاهر في الوجودالثاني للصلاة بعد الفراغ عن وجودها الأول، ومعنى هذا أن التكبيرة غير دخيلةفي حقيقة الصلاة وأنها لا تنتفي بانتفائها، ولكن حيث إنها كانت فاسدة من جهةالاخلال بها، فتجب إعادتها مرة اُخرى.
وبكلمة، إن ظهور قوله‏عليه السلام: »يعيد الصلاة« في أن التكبيرة غير دخيلة في‏حقيقة الصلاة وإنما هي دخيلة في صحتها مطلقاً وفي تمام الحالات يصلح أن‏يكون مانعاً عن ظهور قوله‏عليه السلام: »لا صلاة بغير افتتاح« في نفي الحقيقة، باعتبارأنه من جهة مسبوقيته بالجملة المتقدمة، ظاهر في أن الصلاة المنفيّة فيه هو نفس‏الصلاة التي اُمر بإعادتها في الجملة السابقة.
ومع الاغماض عن ذلك فتقع المعارضة بينهما، فإن جملة »يعيد الصلاة«ظاهرة في الارشاد إلى فساد الصلاة المأتي بها في الخارج بدون التكبيرة، ومن‏المعلوم أن الصحة والفساد صفتان للصلاة الموجودة في الخارج، فإنها إن كانت‏مطابقة للصلاة المأمور بها اتصفت بالصحة، وإلا فبالفساد، أو فقل: إن كلمةالاعادة بنفسها تدل على أن وجودها الأول مفروغ عنه في الخارج، وحيث إنه‏لا يجزى‏ء في مقام الامتثال لعدم مطابقته للمأمور به، فلذلك اُمر بالاعادة مرةاُخرى، وجملة لا صلاة بغير افتتاح، ظاهرة في نفي حقيقة الصلاة بدون الافتتاح،ولا يمكن الجمع بينهما عرفاً بتطبيق أحد عناصر الجمع العرفي، لأن المقام ليس‏من موارده، فإذن لا محالة تكون بين الظهورين معارضة، فيسقطان معاً من جهةالمعارضة، فتصبح كلتا الجملتين مجملة حكماً، فلا يمكن العمل بشي‏ء منهما.
فالنتيجة في نهاية الشوط أنه لا دليل على أن تكبيرة الافتتاح ركن مقوم‏لحقيقة الصلاة، وعلى هذا فلا مقيد لرواية التثليث.
وخلاصة ما حققناه لحد الآن هو أن المسمى لأسامي العبادات كالصلاةونحوها، الأركان التي تدور العبادات مدارها وجوداً وعدماً، وحيث إن‏الأركان محفوظة بين جميع أفرادها ومراتبها الطولية من المرتبة العليا إلى المرتبةالدنيا، فتكون كالمقومات الذاتية من الجنس والفصل في المركبات الحقيقة التي‏هي محفوظة بين أفرادها بقطع النظر عن خصوصياتها العرضية، وعلى هذا فكماأن إطلاق الانسان على كل فرد من أفراده إطلاق حقيقي، باعتبار أنه مستعمل في‏معناه الموضوع له - وهو الجامع الذاتي - والخصوصية مستفادة من دال آخر من‏باب تعدد الدال والمدلول، فكذلك إطلاق الصلاة على كل فرد من أفرادهاإطلاق حقيقي، لأنها مستعملة في معناها الموضوع له وهو الأركان،والخصوصيات الزائدة عليها من الأجزاء والشرائط مستفادة من دال آخر بتعددالدال والمدلول.
وقد يقال كما قيل إن لفظ الصلاة موضوع بإزاء معظم الأجزاء ويدور صدقه‏مداره وجوداً وعدماً(19).
ولكن هذا القول لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لأن المراد من وضع لفظالصلاة بإزاء معظم الأجزاء ليس وضعه بإزاء مفهومه بالحمل الأولي، بداهة أنه‏ليس معنى الصلاة ومفهومها، وإلا لزم أن يكون لفظ الصلاة مرادفاً للفظ معظم‏الأجزاء، بل المراد وضعه بإزاء واقع معظم الأجزاء الذي هو معظم بالحمل‏الشائع، وعلى هذا فإن اُريد بمعظم الأجزاء خصوص الأركان، فقد تقدم الكلام‏فيه، وإن اُريد به الأركان منضمة إلى جملة من الأجزاء أو الشرائط الاُخرى،فيرد عليه أن لازم ذلك تبادل القيود الزائدة على الأركان المأخوذة في المسمى،بأن يكون شي‏ء واحد داخلاً فيه تارة وخارجاً عنه آخرى، بل مردداً بين أن‏يكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء والشرائط، ولا سيما بالنسبةإلى ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب اختلاف حالات المكلفين‏من السفر والحضر والاختيار والاضطرار ونحو ذلك، كما أنها مختلفة في أنفسهاباختلاف أصنافها من حيث الكمية والكيفية، وعليه فالأجزاء الزائدة على‏الأركان بما أنها تختلف كماً وكيفاً من الناحيتين المذكورتين، فيلزم من ذلك‏دخول شي‏ء واحد في المسمى مرة وخروجه عنه اُخرى، بل عند اجتماع تمام‏الأجزاء لا تعيين ولا تمييز بين ما هو الداخل فيه وما هو الخارج عنه، باعتبار أن‏نسبة كل جزء إلى المسمى على حد سواء، فإذن كون هذا الجزء داخلاً فيه دون‏آخر ترجيح من دون مرجح.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأن المسمى وهو معظم الأجزاء قداعتبر لا بشرط بالاضافة إلى الزائدة، ونتيجة ذلك أن قوام المسمى بواقع معظم‏الأجزاء، وأما الزائد عليه فهو داخل فيه عند وجوده، وخارج عنه عند عدمه،ولدى اجتماع جميع الأجزاء والشرائط فالجيمع داخل في المسمى، لا أنه لاتعين‏للداخل(20).
ولنأخذ بالنقد عليه.
أما أولاً فلأن واقع معظم الأجزاء يختلف كماً وكيفاً باختلاف حالات‏المكلفين، كما أنه يختلف باختلاف نفس العبادات، لأن معظم الأجزاء في صلاةالصبح غير معظم الأجزاء في صلاة المغرب مثلاً وهكذا، فإذن لابد من تصويرجامع بين أفراد معظم الأجزاء المختلفة، ولهذا لا يقاس معظم الأجزاء بالأركان،فإن الأركان في الواقع متعينة ومحددة في جميع الحالات وبالنسبة إلى تمام أصناف‏الصلاة، بينما لا يمكن تحديد معظم الأجزاء كماً وكيفاً.
أدلة القول بالأعم ...
وثانياً إن معنى اللا بشرط هو الاطلاق مقابل التقييد، فإذا اعتبر المسمى لابشرط، فمعناه أنه اعتبره مطلقاً مقابل تقييده بقيد الذي هو معنى بشرط الشي‏ء،والاطلاق إما بمعنى عدم التقييد أو بمعنى رفض القيود، وعلى كلا المعنيين أي‏سواء أكان بالمعنى الأول كما هو الصحيح أم بالمعنى الثاني كما هو مختاره‏قدس سره،فلازمه خروج الزائد عن المسمى وجوداً وعدماً، فلو كان الزائد داخلاً فيه عندوجوده فلازمه تقييد المسمى به، وهو خلف فرض اعتباره لا بشرط، وعلى‏الجملة فعلى مسلكه‏قدس سره من أن الاطلاق هو رفض القيود لا ينسجم مع افتراض‏كون الزائد داخلاً في المسمى عند وجوده، فإنه في طرف المقابل له.
هذا إضافة إلى أن الوضع بإزاء معنى على سبيل البدل غير عرفي.
وإن اُريد به أعم من أن يكون مشتملاً على جميع الأركان أو على بعضها،فيرد عليه أن معظم أجزاء الصلاة مثلاً إذا لم يكن مشتملاً على تمام أركانها،فلايكون صلاة كما مرّ.
فالنتيجة أن معظم الأجزاء لا يصلح أن يكون مسمى لاسامي العبادات‏كالصلاة ونحوها.

أدلة القول بالأعم‏
قد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: الأخبار البيانية، وهي وردت في تحديد أجزاء الصلاةوقيودها المقومة، وقد قرب الاستدلال بها السيد الاُستاذقدس سره ببيان أن حديث‏التثليث يدل على أن الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث منها الطهور وثلث منها الركوع‏وثلث منها السجود، ومقتضى هذا الحديث حصر حقيقة الصلاة بالمؤلفة من‏هذه الأجزاء الثلاثة، ولكن لابد من رفع اليد عنه من هذه الجهة بما دل من‏الروايات على أن التكبير أيضاً ركن، ونتيجة ذلك أن أركان الصلاة أربعة:التكبير والركوع والسجود والطهور، وأما الأجزاء الاُخرى غيرها، فلا تكون‏مقومة للمسمى(21)، هذا.
وفيه ما تقدم موسعاً من أن روايات التكبير بتمام طوائفها قاصرة عن الدلالةعلى أنه ركن من أركان الصلاة، هذا مضافاً إلى قصور جملة منها سنداً أيضاً.
وأما حديث لا تعاد فقد مرّ أنه لا يدل على أن الخمسة من الأركان، هذامن‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى فقد تقدم أن حديث التثليث وإن دل على أن حقيقة الصلاةثلاثة أثلاث إلا أنه لا يدل على أنها مسمى الصلاة والموضوع له لها.
الوجه الثاني: التبادر، بتقريب أن المتبادر في الذهن من أسماء العبادات‏كالصلاة مثلاً عند إطلاقها هو المعنى الأعم.
وقد يورد عليه بأن المتبادر والمنسبق منها عند الاطلاق في زماننا هذا وإن‏كان هو المعنى الأعم إلا أنه لا يكشف عن وضعها بإزائه في زمن الشارع، لاحتمال‏أنها كانت موضوعة بإزاء الصحيح في ذلك الزمن ولكنها نقلت عنه إلى المعنى‏الأعم من جهة كثرة استعمالها فيه عند المتشرعة، ولا دليل على أصالة عدم‏النقل، فإن هذه الأصالة إنما تكون حجة من باب الظهور، ولا ظهور لها في‏عدم‏النقل(22).
والجواب: أن تبادر المعنى الأعم وانسباقه عند المتشرعة من إطلاقات‏الكتاب والسنة فعلاً، كاشف إناً عن وصوله إليهم كذلك يداً بيد وطبقة بعد طبقةمن زمن الشارع، على أساس أن المتشرعة تتبع الشارع في استعمالات ألفاظالعبادات في الكتاب والسنة، فإذا فرضنا أن ألفاظ العبادات موضوعة للأعم في‏زمن الشارع بالوضع التعييني أو التعيّني على تفصيل تقدم ومستعملة في‏النصوص التشريعية فيه، فلا يمكن مخالفة المتشرعة للشارع في ذلك، فإن‏المتشرعة الموجودين في زمان الرسول‏صلى الله عليه وآله والأئمة الأطهارعليهم السلام يستعملون‏تلك الألفاظ في الكتاب والسنة في نفس المعنى الذي استعملها الرسول‏صلى الله عليه وآله فيه‏والأئمة الأطهارعليهم السلام، وكذلك الحال في الطبقة بعد هذه الطبقة، لأن كل طبقة تتبع‏في ذلك الطبقة المتقدمة، باعتبار أنهم أقرب إلى زمان المعصومين‏عليهم السلام وهكذا،واحتمال النقل من المتشرعة بعيد جداً وغير محتمل عادة.
وأما التوسع في الاطلاقات عند المتشرعة، بأن تستعمل ألفاظ العبادات في‏الأعم مع أنها موضوعة للصحيح، فهو لا يقتضي النقل، إذ يمكن إشباع‏هذاالتوسع بالاستعمال المجازي، حيث إن باب المجاز واسع، فلا تصل النوبةإلى‏النقل.
وبكلمة، إن التوسع في الاطلاقات والاستعمالات إنما هو من جهة توسع‏الحاجة إليها، ومن الواضح أنه يمكن إشباع هذه الحاجة بالاستعمال والاطلاق‏المجازى، ولا ضرورة للنقل والوضع الجديد بل لا مبرر له.
ولكن قد يتوهم أن توسع الاطلاق والاستعمال المجازي من جهة توسع‏الحاجة قد يؤدي في نهاية المطاف إلى تحقق الوضع التعيّني، بتقريب أن ألفاظالعبادات لو كانت موضوعة بإزاء المعنى الصحيح في زمان الشارع ولكن توسع‏الحاجة تطلب الاستعمال في الأعم مجازاً بواسطة القرينة، فإذا كثر هذه الاستعمال‏وتوسع بمرور الأيام والأزمان عند المتشرعة من جهة توسع الحاجة وأدّى في‏نهاية الشوط إلى حصول العلاقة بين ذاتها وبين المعنى المجازي، بحيث ينتقل‏الذهن إليه عند إطلاقها مجردة عن القرينة وسماعها، فقد تحقق الوضع التعيني‏للأعم، فإذن يكون المتبادر فعلاً من ألفاظ العبادات كالصلاة ونحوها في الكتاب‏والسنة عند المتشرعة وإن كان هو المعنى الأعم، ولكن لا يمكن أن يستكشف من‏ذلك وضعها للأعم في زمن الشارع، إذ كما يمكن ذلك أن يكون منشؤه حصول‏الوضع التعيّني من كثرة الاستعمال بين المتشرعة رغم أنها موضوعة للصحيح في‏زمن الشارع، ولا معين للاحتمال الأول.
والجواب أن هذا التوهم لا أساس له، لأنه مبني على أن توسع الحاجة إلى‏استعمال ألفاظ العبادات في الأعم كان يصل من الكثرة بدرجة يصبح استعمالها في‏الصحيح نادراً، ولكن الأمر ليس كذلك جزماً، فإنها لو كانت موضوعة بإزاءالصحيح كانت مستعملة فيه عند المتشرعة غالباً، والحاجة إلى استعمالها في‏الأعم وإن كانت تتفق في غير مورد، إلا أن توسعها ليس بدرجة يتطلب كثرةالاستعمال فيه بنحو توجب حصول العلاقة بينه وبين ألفاظ العبادات تعيّناً.
الوجه الثالث: قوله عليه السلام: »دعي‏الصلاة أيام أقرائك«(23) بتقريب أن صلاةالحائض بما أنها فاقدة للطهارة من الحدث فهي فاسدة، ومع ذلك اُطلق‏عليهالفظ »الصلاة«، وظاهر الاطلاق أنه حقيقي، إذ لو كان مجازياً كان‏بحاجةإلى قرينة.
ويرد عليه أولاً: أن الاطلاق أعم من الحقيقة ولا يدل عليها.
وثانياً: أن هذا النهي ليس نهياً حقيقياً، بل هو نهي إرشادي، ويكون مفاده‏الارشاد إلى مانعية حدث الحيض عن الصلاة، ولهذا تكون حرمتها عليها حرمةتشريعية لا ذاتية، وعليه فبطبيعة الحال يكون المراد من الصلاة المنهي عنها هوخصوص الصلاة الصحيحة، بقرينة أن حدث الحيض مانع عنها دون الفاسدة.
أو فقل: إن‏النهي في المقام إنما هو عن الصلاة التي كانت الحائض موظفةبالأتيان بها بقطع‏النظر عن طروءالحيض عليها لا الصلاة التي لم تكن موظفة بها.
قد يقال كما قيل: إن حمل النهي في الرواية على الارشاد إلى عدم قدرةالحائض على الصلاة عن طهارة في حال الحيض لغو، لفرض عدم قدرة الحائض‏عليها في هذه الحالة(24).
والجواب: أن مفاد الجملة الانشائية الناهية في الرواية هو الارشاد إلى أن‏الشارع جعل حدث الحيض مانعاً عن الصلاة، فتكون الرواية في مقام جعل‏المانعية لا في مقام النهي عن الصلاة، كما هو الحال في سائر النواهي في باب‏العبادات، كالنهي عن الصلاة في الحرير والذهب والميتة وغير ذلك، فإنه ظاهرفي الارشاد إلى مانعية هذه الاُمور عن الصلاة، ولا يمكن حمله على النهي‏المولوي، ومن هنا قلنا إن ظهور النهي في المولوية ينقلب في باب العبادات‏كالصلاة ونحوها إلى ظهوره في الارشاد إلى المانعية، كما أن ظهور الأمر في هذاالباب ينقلب عن المولوية إلى ظهوره في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية، فإذن‏لا يكون نهي الحائض عن الصلاة في حال الحيض نهياً تكليفياً لكي يستلزم‏التكليف بالمحال.
الوجه الرابع: صحة تقسيم أسامي العبادات بما لها من المعاني إلى الصحيحةوالفاسدة، وهي تدل على صحة إطلاقها على المقسم وهو الجامع بينهما، وظاهرالاطلاق هو الاطلاق الحقيقي.
والجواب: أنها لا تدل على أكثر من صحة استعمالها في الأعم، وهي أعم‏من‏الحقيقة ولا تدل عليها.
الوجه الخامس: ما ورد في الروايات الكثيرة من التعبير بالاعادة في مواردالاخلال بالصلاة جزءاً أو شرطاً، بتقريب أن كلمة »الاعادة« تدل بالالتزام‏على وجود الصلاة المفروغ عنها في الخارج، وحيث إنها كانت فاسدة فتجب‏إعادتها مرة ثانية، وهذا لا يمكن إلا على القول بالأعم.
والجواب: أن هذه الروايات لا تدل على أكثر من صحة إطلاق الصلاة على‏الصلاة الفاسدة، والمفروض أنها أعم من الحقيقة.
الوجه السادس: ما تقدم في مسألة الحقيقة الشرعية من أن فيهاأربعةاحتمالات:
الأول: أن تكون أسامي العبادات حقائق لغوية وموضوعة بإزاء هذه المعاني‏قبل الاسلام.
الثاني: أن تكون حقائق شرعية بالوضع التعيّني.
الثالث: أن تكون حقائق شرعية بالوضع التعييني الاستعمالي.
الرابع: أن تكون حقائق متشرعية لا شرعية .
أما على الاحتمال الأول، فلا شبهة في أنها موضوعة للأعم، وهوالجامع بين‏العبادات ما قبل الاسلام والعبادات ما بعده، على أساس أن الشارع قد اعتبرفيها من الأجزاءالقيود غيرالمقومة التي لم تكن معتبرة فيها قبل الاسلام كما تقدم.
وأما على الاحتمال الثاني، فالظاهر أنها موضوعة بالوضع التعيّني للأعم‏أيضاً، وذلك لما تقدم من أن كثرة استعمالها في المعاني الشرعية في لسان الشارع‏والمتشرعة من الصحابة والتابعين تكون بدرجة تؤدي إلى الوضع التعيّني لهاواتصافها بالمنبه الشرطي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، الظاهر أن هذا الاستعمال من الشارع في نصوص الكتاب‏والسنة كان في الأعم وتكشف عن ذلك شيوع الاستعمال في الأعم عندالمتشرعة، إذ احتمال أنهم قاموا بوضعها للأعم تعييناً أو تعيّناً بعيد جداً، فإن‏الظاهر أنهم تابعون لنصوص الكتاب والسنة في الاستعمال، فلوكانت مستعملةفي تلك النصوص في الصحيح، فمن المستبعد جداً أن يكون استعمال المتشرعةعلى خلافها، واحتمال أن توسع الحاجة قد دعاهم إلى الاستعمال في الأعم رغم‏أنها كانت مستعملة في زمن الشارع في الصحيح ضعيف جداً، إذ لو كان الأمركذلك لنبهوا على هذه المخالفة، مع أنه كان بإمكانهم إشباع هذه الحاجةبالاستعمال المجازي، هذا إضافة إلى ما تقدم آنفاً من أن الحاجة إلى الاستعمال في‏الأعم ليست بدرجة تتطلب كثرة الاستعمال فيه بنحو توجب الوضع التعيّني.
وأما على الاحتمال الثالث فليس لنا طريق إلى إحراز الوضع التعييني‏الاستعمالي من قبل الشارع للصحيح، وأما للأعم فيمكن ذلك بوجهين:
الأول: أنه لا شبهة في أن المتشرعة كانوا يستعملون أسامي العبادات في‏الأعم بدون عناية، بمعنى أن استعمالها في الصحيح كاستعمالها في الفاسد على حدسواء، وهذا يكشف عن الوضع للأعم وأن استعمالها في كل من الصحيح والفاسدإنما هو باعتبار مصداقيته له، إذ احتمال تخلف المتشرعة عما صنعه الشارع من‏الوضع غير محتمل عادة، فإنهم بصفة كونهم تابعين له في العبادات‏والمعاملات، فلا يمكن مخالفتهم معه في ذلك، وفي حالة توسع الحاجة،فبإمكانهم إشباعها بالاستعمال المجازي.
هذا إضافة إلى أن طريقة العقلاء في المركبات الاعتبارية هي الوضع للأعم‏من‏التام والناقص.
الثاني: أن تدريجية بيان أجزاء العبادات كالصلاة ونحوها تقتضي الوضع‏للأعم، بمعنى أن ألفاظ العبادات موضوعة للمعنى الجامع القابل للأنطباق على ماهو موجود في زمن النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله من الأجزاء والشرائط وعلى ما زاد عليه في‏المستقبل على حد سواء، لأن الوضع بإزاء مفهوم الصحيح الذي هو صحيح‏بالحمل الأولي غير محتمل، وأما الوضع بإزاء واقع الصحيح الذي هو صحيح‏بالحمل الشائع وهو الأجزاء والشرائط التي لم تعرف بعد ومبهمة، فلا ينسجم مع‏الغرض من الوضع وهو التفهيم والتفهم، وأما الوضع بإزاء خصوص المبين من‏الأجزاء والشرائط فعلاً، فهو لا يمكن أن يظل محفوظاً في المستقبل، فلا محالةيتغير كماً وكيفياً ببيان الأجزاء والشرائط الاُخرى فيما بعد.
أدلة القول بالوضع للصحيح ...
ولكن لا يخفى أن هذا الوجه لا يصلح لترجيح الوضع للأعم على الوضع‏للصحيح، لأن الوضع سواء أكان للأعم أو الصحيح، فلابد أن يكون للجامع‏المنطبق على الأجزاء والشرائط الموجودتين في صدر الاسلام فقط وعلى‏المشتملتين على ما زاد عليهما في المستقبل على السواء، غاية الأمر أن الصحيحي‏يدعي أن الجامع المذكور ينطبق على التجمع من الأجزاء والشرائط الموجودتين‏في صدر الاسلام الواجد للحيثية المطلوبة منه فعلاً وعلى المشتمل على ما زادعليهما في الآتي على حد سواء، والاعمي يدعي أن الجامع المزبور ينطبق على‏التجمع المذكور الموجود في صدر الاسلام الواجد للحيثية المطلوبة منه اقتضاءوعلى المشتمل على ما زاد في المستقبل على حد سواء، فالنتيجة أن هذا الوجه لايصلح أن يكون دليلاً على الوضع للأعم فالعمدة هي الوجه الأول.
وأما على الاحتمال الرابع، فالظاهر أنه لا شبهة في حصول الوضع التعيّني‏للعبادات في الأعم من كثرة استعمال ألفاظها فيه عند المتشرعة، وحيث إن هذاالوضع حاصل من كثرة الاستعمال لديهم فالحقيقة متشرعية، والدليل على ذلك‏أن إطلاق لفظ »الصلاة« على الصلاة الفاسدة كإطلاقها على الصلاةالصحيحة، على حد سواء، وهذا قرينة على الوضع للأعم وأن إطلاق لفظ»الصلاة« على كل منهما إنما هو باعتبار أنه مصداق له، إذ لو كان موضوعاًلخصوص الصحيحة كان إطلاقه على الفاسدة مجازاً، مع أن الأمر ليس كذلك،ولهذا لا فرق بين الاطلاقين في عدم الاحتياج إلى عناية زائدة وقرينة صارفة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن القول بالوضع للأعم‏هوالصحيح دون غيره.

أدلة القول بالوضع للصحيح‏
الأول: التمسك بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة.
أما في الكتاب فبقوله تعالى: »إنّ الصَّلاةَ تَنْهى‏ عَنِ الْفَحْشاءِ وَالْمُنْكَر«(25)،وأما في السنة فبروايات كثيرة منها قوله‏عليه السلام: »الصلاة قربان كل تقي«(26)ومنها: »الصلاة عماد الدين«(27) ومنها: »الصلاة معراج المؤمن«(28).
وتقريب الاستدلال بها أن هذه النصوص تدل على أن »الصلاة« اسم للعبادةالتي تكون لها هذه الآثار، وأما إذا لم تكن لها تلك الآثار، فهي ليست بصلاةحقيقة، لا أنها صلاة فاسدة.
والجواب: أن هذه النصوص وإن كانت تدل على أن الصلاة التي لها هذه‏الآثار صلاة صحيحة إلا أنها لا تدل على أن ما لا يترتب عليه هذه الآثار، فهوليس بصلاة، لأن خروج الصلاة الفاسدة عن هذه النصوص كما يحتمل أن يكون‏بالتخصيص يحتمل أن يكون بالتخصص، فعلى الاحتمال الأول فهي لا تدل على‏الوضع للصحيح، بل تدل على العكس، وعلى الاحتمال الثاني فتدل على الوضع‏للصحيح، وحيث إنه لا ظهور لها في نفسها لا في الاحتمال الأول ولا في الاحتمال‏الثاني، فلا تدل على أن لفظ »الصلاة« موضوع بإزاء الصحيح.
وبكملة، إن غاية ما في هذه النصوص هو استعمال لفظ »الصلاة« في‏الصحيحة، وهو أعم من الحقيقة، ولا يدل عليها إلا على القول بحجية أصالةالحقيقة من باب التعبد، ولا دليل عليه، فإذن الاحتمالات الموجودة فيها ثلاثة:
الأول: أن يكون هذا الاطلاق حقيقياً.
الثاني: أن يكون مجازياً.
الثالث: أن يكون من باب التطبيق بتعدد الدال والمدلول، بأن تكون الصلاةمستعملة في الأعم، وتطبيقها على الصحيحة يكون بدال آخر.
فإرادة الاحتمال الأول بحاجة إلى قرينة، ولا قرينة في البين، فالنتيجة أنه لايمكن الاستدلال بالنصوص المذكورة على القول بالصحيح.
الثاني: أن المتبادر والمنسبق من لفظ »الصلاة« عند إطلاقه هوالصلاةالصحيحة دون الأعم، فإذا قيل »فلان صلى« يفهم منه أنه أتى بصلاةصحيحة وهكذا.
والجواب: أن هذا التبادر وإن كان موجوداً إلا أنه غير مستند إلى اللفظ حتى‏يكون علامة على الوضع، بل هو مستند إلى قرينة حالية وهي أن حال كل‏مكلف في مقام الامتثال تتطلب الاتيان بما هو وظيفته الشرعية بشكل مبرى‏ءللذمة، وعلى هذا فالمتبادر من مثل قولك »فلان صلى« أو »يصلي« أو مثل‏قولنا »صليت« أو »صلى« وإن كان الصلاة الصحيحة إلا أنه ليس من ذات‏اللفظ، بل بضميمة القرينة الخارجية وهي حال المكلف في مقام الامتثال وإبراءالذمة.
الثالث: أن الطريقة العقلائية للمخترعين في المركبات الاعتبارية هي وضعهاللصحيح دون الأعم، وحيث إنه لم يظهر من الشارع في المركبات الشرعية طريق‏آخر للوضع فيه، فلامحالة يتبع هذه الطريقة.
والجواب أولاً: الظاهر أن الطريقة المتبعة عند العقلاء للمخترعين في‏المركبات الاختراعية الاعتبارية هي الوضع للأعم إلا في المركبات التي تكون‏أجزاؤها محددة من طرفي الزيادة والنقيصة كمراتب الأعداد أو ما شاكلها، وأماالمركبات التي لا تكون أجزاؤها محددة من طرف الزيادة، فهي موضوعة للأعم‏بأصنافها المختلفة.
وثانياً: أن الطريقة المتبعة إن كانت ارتكازية عند العرف والعقلاء وناشئة من‏أعماق نفوسهم وموافقة للفطرة والجبلة، فحينئذ إذا لم يصدر من الشارع ردع‏عنها، كان ذلك كاشفاً عن إمضائه لها وموافقته بها، وأما إذا لم تكن كذلك كما هوالحال في المقام، فإن مجرد أن طريقة المخترعين عند العقلاء هو وضع أسامي‏المركبات للصحيحة، فلا دليل على حجيتها ولا تكشف عن موافقة الشارع لها.
فالنتيجة أن مجرد ثبوت هذه الطريقة عند العقلاء لا يكشف عن اتباع الشارع‏لها في وضع أسماء العبادات.
الرابع: ما دل على نفي الصلاة عن الفاقد كقوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلا بفاتحةالكتاب«(29) أو ما شاكله، فإنه يدل على الوضع للصحيح، وإلا فلا معنى لنفي‏الصلاة عن الفاقدة لفاتحة الكتاب.
والجواب: أن لسان الحديث هو الارشاد إلى جزئية فاتحة الكتاب وبيان‏اعتبارها فيما هو وظيفة المكلف من الصلاة في مقام الأداء والامتثال لا في مقام‏التسمية، أو فقل: إن محتملات هذا الحديث ثلاثة:
الأول: أن يكون الخبر المقدر لكلمة »لا« فيه »حقيقة«.
الثاني: أن يكون »صحيحة«.
الثالث: أى يكون »واجبة«.
ثمرة النزاع الصحيحي والاعمي ...
وهذه الجملة في نفسها ظاهرة في الاحتمال الأول، ويكون مفادها على هذاالاحتمال ركنية فاتحة الكتاب للصلاة وانتفاؤها، ولكن لابد من رفع اليد عن هذاالظهور بروايات اُخرى التي تدل على أن فاتحة الكتاب ليست بركن، منهاحديث »لا تعاد«، وعليه فتكون الجملة في مقام بيان جزئية فاتحة الكتاب‏للصلاة المطلوبة من المكلف، فإذن لا محالة يكون الخبر المقدر في تلك الجملة»صحيحة« بلحاظ أنها في مقام بيان جزئية الفاتحة للصلاة التي تكون وظيفةالمكلف الاتيان بها في مقام الامتثال لا في مقام بيان المسمى لهما.
إلى هنا قد تبين أنه لا دليل على القول بأن أسامي العبادات موضوعةللصحيحة.

ثمرة النزاع بين القولين‏
المهم ثمرتان:
الاُولى: أن الأعمي يتمسك بأصالة البراءة في موارد الشك في الأجزاءوالشرائط، والصحيحي يتمسك بقاعدة الاشتغال والاحتياط في تلك الموارد.
وهذه الثمرة ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: أن يكون المسمى جامعاً بسيطاً على القول بالصحيح، وجامعاً مركباًعلى القول بالأعم.
الثانية: أن تكون نسبة الجامع بسيطاً إلى الأفراد الصحيحة نسبة المسبب إلى‏السبب والمعلول إلى العلة، لا نسبة الطبيعي إلى أفراده ومصاديقه.
فإذا تمت هاتان الركيزتان تظهر الثمرة بين القولين في المسألة، أما على القول‏بالأعم، فلأن المسألة حينئذ تصبح من إحدى صغريات كبرى مسألة الأقل‏والأكثر الارتباطيين، وقد ذكرنا هناك أن الصحيح في تلك المسألة هو الرجوع‏إلى أصالة البراءة، لانحلال العلم الاجمالي فيها إلى علم تفصيلي بالأقل وشك‏بدوي في التقييد الزائد، والمرجع فيه البراءة على تفصيل مذكور هناك، وأما على‏القول بالصحيح، فالشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر يرجع إلى الشك في‏المحصل للواجب، وهو الجامع البسيط، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال‏والاحتياط، فإذا شك في جزئية السورة للصلاة مثلاً، فالشك إنما في جزئيتهاللمحصل، حيث إن الصلاة المركبة من الأجزاء الخارجية المقيدة بقيود كذلك،محصلة للمأمور به الذي هو أمر بسيط ومسبب عنها، لا أنها نفسها مأمور بها،فإذا كان الشك في المحصل، فالمرجع فيه قاعدة الاشتغال.
ولكن كلتا الركيزتين خاطئة ولا واقع موضوعي لها، أما الركيزة الاُولى فيردعليها ما تقدم من أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفراد الصحيحة، لامن الذاتي باب الكليات ولا من باب البرهان.
وأما الركيزة الثانية، فعلى تقدير تسليم وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفرادالصحيحة، إلا أن نسبته إلى الأفراد في الخارج ليست نسبة المسبب إلى السبب‏والمعلول إلى العلة، بل نسبة الطبيعي إلى أفراده، وعلى هذا فالشك في جزيئةشي‏ء أو شرطية آخر لا يرجع إلى الشك في المحصل ليكون المرجع فيه قاعدةالاشتغال، على أساس أن الطبيعي عين الفرد في الخارج، فالشك في جزئية شي‏ءللفرد في الخارج بعينه هو الشك في جزئيته للطبيعي الذي هو المأمور به، فإذا كان‏الشك في جزء المأمور به أو شرطه، فالمرجع فيه قاعدة البراءة.
ولا فرق في ذلك بين الجامع الذي استكشفه المحقق الخراساني‏قدس سره بين الأفرادالصحيحة من جهة تطبيق قاعدة فلسفية عليها، وهي أن »الواحد لا يصدر إلامن واحد« والجامع الذي حاول المحقق الأصبهاني‏قدس سره تصويره بينها بمعرفيةبعض العناوين غير المنفكة عنها كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، والجامع‏الذي ذكره المحقق العراقي‏قدس سره.
أما على الأول، فلأن الجامع الذاتي المستكشف بالقاعدة عين الأفراد في‏الخارج، وعليه فالشك في جزئية شي‏ء للفرد أو شرطية آخر له بعينه هو الشك‏في جزئيته للمأمور به أو شرطيته له، ولا يكون من موارد الشك في المحصل،فإذن يكون المرجع فيه أصالة البراءة بناء على ما هو الصحيح من جريانها في‏مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين.
وبكلمة، إن الطبيعي الجامع عين أفراده خارجاً ومتحد معها عيناً، فالأمرالمتعلق به متعلق بالأجزاء مع شرائطها، سواء فيه القول بأن متعلق الأوامرالطبائع أم القول بأن متعلقها الأفراد، أما على الثاني فهو واضح، وأما على الأول‏فلاتحاد الطبيعي معها خارجاً، غاية الأمر أن الخصوصيات الفردية العرضيةغير دخيلة في ذلك، فعلى كلا القولين يرجع الشك في اعتبار شي‏ء جزءاً أوشرطاً إلى الشك في إطلاق المأمور به وتقييده، لا إلى أمر خارج عن دائرةالمأمور به، فبناء على ما هو الصحيح من جريان البراءة في مسألة الأقل والأكثرالارتباطيين، كان المرجع في المقام البراءة عن التقييد الزائد المشكوك فيه.
أما على الثاني فهو واضح، لأن الجامع على هذا القول بما أنه جامع عنواني لاذاتى، فلا وجود له في الخارج لكي يكون ذلك متعلق الأمر، لأن الموجود فيه‏واقعاً إنما هو منشأ انتزاعه، وعليه فالأمر في الحقيقة متعلق به، وهو في المقام‏نفس الأجزاء والشرائط، وأخذ ذلك الأمر الانتزاعي في لسان الدليل إنما هولأجل الاشارة إلى ما هو متعلق الأمر في القضية، وعلى هذا فالشك في اعتبارشي‏ء جزءاً أو قيداً يرجع إلى الشك في تقييد المأمور به بقيد زائد على المقدارالمتيقّن، فالمرجع فيه أصالة البراءة دون قاعدة الاشتغال.
وأما على الثالث فلأن الجامع بين الأفراد الصحيحة جامع تشكيكي يصدق‏على جميع مراتب الصلاة من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا، فإن اختلاف مراتب‏الصلاة من حيث الأجزاء والشرائط يؤدي إلى سعة ذلك الجامع وضيقه، على‏أساس أن ذلك الجامع البسيط الذي هو ذو مراتب تشكيكية كل مرتبة منه‏متحدة مع مرتبة من مراتب الصلاة خارجاً، ونسبتها إليها نسبة الطبيعي إلى‏الفرد لا نسبة المسبب إلى السبب، بأن يكون هناك وجودان أحدهما مسبب‏والآخر سبب، بل وجود واحد وله إضافتان، إحداهما إلى الفرد بحده الفردي،والاُخرى إلى الجامع بحده الجامعي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن موارد الشك في الجزئيةأو الشرطية على القول بالصحيح ليست من موارد الشك في المحصل للمأمور به‏خارجاً لكي يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال والاحتياط.
وأما على القول بأن الجامع بين الأفراد الصحيحة مركب، فلا يعقل أن يكون‏ذلك الجامع المركب مسبباً عن الأفراد الخارجية، لأنه عين الأجزاء والشرائط،فالأجزاء المقيدة بالشرائط بأنفسها متعلقة للأمر، ووحدتها ليست وحدةحقيقية، بل وحدة اعتبارية، بداهة أنه لا تحصل من ضم ماهية الركوع إلى‏ماهية السجود ماهية ثالثة مباينة لماهيتهما، وعليه فلا مانع من الرجوع إلى‏أصالة البراءة عند الشك في اعتبار شي‏ء زائد على المقدار المعلوم، بناء على ما هوالصحيح من جريانها في مسألة دوران الواجب بين الأقل والأكثر الإرتباطيين،نعم بناء على القول بعدم انحلال العلم الاجمالي في تلك المسألة، فالمرجع‏فيهاقاعدة الاشتغال.
إلى هنا قد تبين أنه لا تظهر الثمرة بين القولين في المسألة، وأن المرجع على كلاالقولين فيها قاعدة البراءة دون الاشتغال.
ولكن خالف في ذلك المحقق النائيني‏قدس سره وقال بظهور هذه الثمرة بين القولين في‏المسألة، فعلى القول بالصحيح لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، وعلى‏القول بالأعم إلى قاعدة البراءة، وقد أفاد في وجه ذلك بما يلي:
أما على القول بالصحيح، فلأن تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة لا يمكن‏إلا بتقييد المسمى بعنوان بسيط خاص، إما من ناحية علل الأحكام كعنوان‏المحصل للملاك أو من ناحية معلولاتها كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر أونحو ذلك، وهذا العنوان خارج عن المأتي به في الخارج ومأخوذ في المأمور به،وعليه فالشك في اعتبار شي‏ء فيه جزءاً أو شرطاً لا محالة يوجب الشك في‏حصول العنوان المذكور بدون ذلك الشي‏ء المشكوك فيه، وهذا من الشك في‏المحصل، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال(30).
وقد اعترض عليه السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن الجامع على القول بالصحيح‏ينطبق على نفس الأجزاء والشرائط انطباق الكلي على فرده، ولهذا يكون الشك‏في اعتبار شي‏ء جزءاً أو شرطاً في المقام من صغريات كبرى دوران الأمر بين‏الاقل والأكثر الارتباطين، فبناء على ما هو الصحيح فيه من انحلال العلم‏الاجمالي، فالمرجع قاعدة البراءة هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكره‏قدس سره من أنه على القول بالصحيح لابد من تقييدالمسمى بعنوان بسيط إما من ناحية علل الأحكام أو معلولاتها، مبني على الخلطبين الصحة الفعلية التي تنتزع من انطباق المأمور به على الفرد الماتي به في الخارج‏والصحة بمعنى التمامية التي هي مأخوذة في المسمى، فالحاجة إلى التقييد إنماتكون فيما إذا كان النزاع بين الصحيحي والأعمي في أخذ الصحة الفعلية في‏المسمى وعدم أخذها فيه، فإنه على هذا لابد للصحيحي من تقييده بعنوان‏خاص كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر أو المحصل للغرض، ولكن قدتقدم‏أنه لا يعقل أخذها في المأمور به فضلاً عن المسمى، فلا تكون الصحة بهذاالمعنى مورداً للنزاع(31).
ولنا في المقام تعليقان:
الأول: على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من الاعتراض.
الثانى: على ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره.
أما الأول فلأنه لا ملازمة بين تقييد المسمى بعنوان الناهي عن الفحشاءوالمنكر أو المحصل للغرض وكون مورد النزاع أخذ الصحة الفعلية في المسمى،لكي يقال إن أخذها فيه غير معقول، لتأخرها عن وجود المسمى في الخارج‏فضلاً عن ماهيته، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن معنى الصحة ليس هو التمامية،كما أنها ليست مرادفة لعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، وقد تقدم تفصيل‏ذلك بشكل موسع، بل هي عبارة عن وجدان المأمور به للحيثية المطلوبة منه.
وبكلمة: إن عنوان الناهي إنما اُخذ لمجرد المعرفية والطريقية المحضة للصلاةالواجدة للحيثية المطلوبة منها، كحيثية إسقاط القضاء والاعادة وموافقةالشريعة وحصول الغرض، ومن الواضح أن الصلاة الواجدة للحيثية المطلوبةهي الصلاة التامة لا محالة، ضرورة أنها واجدة لها دون الناقصة، ولكن اتصافهابالصحة إنما هو بلحاظ وجدانها لتلك الحيثية لا بلحاظ تماميتها فحسب، وقدعرفتم أن هذا هو معنى الصحة في المقام لا مجرد التمامية، فالعنوان المذكور عنوان‏للمسمى الواجد للحيثية المطلوبة، لا أنه عنوان للموجود الخارجي المتصف‏بالصحة الفعلية، فأخذه في المسمى معناه أخذ الحيثية المطلوبة منه فيه، لا معناه‏أخذ الصحة الفعلية فيه التي هي منتزعة من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به‏في الخارج، لكي يقال إن أخذها فيه غير معقول، فتقييد المسمى بعنوان الناهي‏لا يستلزم أن يكون النزاع في أخذ الصحة الفعلية فيه كما مرّ، وعلى هذا فالصحةالفعلية لا يمكن أخذها في المسمى.
وأما الصحة بمعنى وجدان المسمى للحيثية المطلوبة منه فلا، مانع من أخذهافيه، غاية الأمر أن الصحيحي يدعي أن المأخوذ فيه وجدانه للحيثية المطلوبةمنه فعلاً، والأعمي يدعي أن المأخوذ فيه وجدانه للحيثية المطلوبة منه شأناًواقتضاء لا فعلاً.
وأما الثاني فلأن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من ظهور الثمرة بين القولين في‏المسألة لا يتم، وذلك لأن عنوان الناهي كما تقدم عنوان انتزاعي صرف مشيرإلى المسمى ومعرف له، وليس له واقع موضوعي في الخارج في مقابل المسمى،ولا وجود له في الخارج إلا بوجود المسمى الواجد للحيثية المطلوبة، فإذن لايرجع الشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر إلى الشك في المحصل لكي يكون‏المرجع فيه قاعدة الاشتغال، لأن الشك فيه إنما يكون في المحصل إذا كان العنوان‏المذكور قيداً زائداً على المسمى في الخارج لا مجرد كونه عنواناً معرفاً له،والمفروض أنه ليس قيداً زائداً عليه.
ودعوى أن عنوان الناهي عن الفحشاء وإن كان عنواناً انتزاعياً صرفا وليس‏له ما بإزاء في الخارج إلا أن منشأ انتزاعه ليس ذات المسمى بما هو، لوضوح أنه‏إنما ينتزع عنه بلحاظ تلبسه بخصوصية ما، وهي كونه واجداً للحيثية المطلوبةمنه فعلاً، وعلى هذا فإذا شك في اعتبار شي‏ء فيه، فبطبيعة الحال يرجع إلى الشك‏في أنه دخيل في اتصافه بتلك الحيثية أو لا، ومعه لا يمكن التمسك بالبراءة،
مدفوعة بأن مرجع الشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر إلى الشك في أنه‏دخيل شرعاً جزءاً أو شرطاً في وجدان سائر الأجزاء والشرائط للحيثيةالمطلوبة منهما فعلاً أو لا، وفي مثل ذلك لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن‏دخالته فيه، وبالتالي عن جزئيته أو شرطيته.
وإن شئت قلت: حيث إن مرد هذا الشك إلى الشك في أن وجدان سائرالأجزاء والشرائط للحيثية المطلوبة منهما، هل هو مقيد ومشروط بهذا الشي‏ءالمشكوك فيه جزءاً أو شرطاً، فلا مانع من الرجوع إلى إصالة البراءة عن هذاالتقييد الزائد بناء على ما هو الصحيح من جريان الأصالة في دوران الأمر بين‏الأقل والأكثر الارتباطيين.
الثمرة الثانية: ذكر جماعة من الاُصوليين منهم المحقق الخراسانى‏قدس سره أنه يجوزالتمسك باطلاقات الكتاب والسنة على القول بالأعم عند الشك في اعتبار شي‏ءجزءاً أو شرطاً، ولا يجوز التمسك بها على القول بالصحيح، بل لابد فيه من‏الرجوع إلى الاُصول العملية(32).
بيان ذلك أن التمسك بالاطلاق من الكتاب والسنة وغيرهما يتوقف على‏تمامية مقدمات الحكمة، وهي:
الاُولى: أن يكون الحكم في القضية وارداً على الجامع بين الأفراد والحصص‏لا على حصة خاصة أو فرد مخصوص.
الثانية: إحراز أن المتكلم في مقام البيان ولو بأصل عقلائي لا في مقام الاهمال‏والاجمال، ويكفي في إثبات هذه المقدمة ظهور حال المتكلم في ذلك.
الثالثة: إحراز أنه لم ينصب قرينة على التعيين والتقييد.
فإذا تمت هذه المقدمات في مقام الاثبات ثبت الاطلاق فيه، وبه يكشف عن‏الاطلاق في مقام الثبوت وأن مراده الاستعمالي مطابق لمراده الجدي، وحينئذفإذا شك في دخل شي‏ء جزءاً أو شرطاً في المأمور به، فلا مانع من التمسك‏بإطلاقه لدفع ما شك في اعتباره فيه، على أساس أنه شك في اعتبار أمر زائد على‏صدقه، ومعه لا مانع من التمسك بالاطلاق.
وحيث إن هذه المقدمات تامة على القول بالأعم، فلا مانع من التمسك‏بالاطلاق فيه عند الشك في اعتبار شي‏ء جزءاً أو قيداً، باعتبار أنه شك في أمرزائد على صدق طبيعي المطلق فيدفع باطلاقه. وهذا بخلاف القول بالوضع‏للصحيح، فإن المقدمة الاُولى التي هي مقدمة رئيسية من تلك المقدمات الثلاث‏غير متوفرة على هذا القول، فإن الحكم فيه لم يرد على الجامع بين الصحيحةوالفاسدة، وإنما ورد على حصة خاصة منه، وهي خصوص الصحيحة المتقومةبوجدانها لجميع الأجزاء والشرائط، ولو شك عند ئذ في جزيئة شي‏ء أو شرطيةآخر لها، فلا محالة يرجع الشك إلى الشك في صدقها على الفاقد للمشكوك فيه،لاحتمال دخله في المسمى، ومعه لا يمكن التمسك بالاطلاق.
والخلاصة أن الشك في اعتبار شي‏ء جزءاً أو شرطاً على هذا القول مساوق‏للشك في صدق المسمى، لأنه إن كان جزءاً أو شرطاً له في الواقع فهو داخل فيه،وإلا فهو خارج عنه، وحيث إنا لا نعلم بذلك، فيكون صدقه على الفاقد له‏مشكوكاً فيه، ومعه لا مجال للتمسك بأصالة الاطلاق.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهده النتيجة، وهي إمكان التمسك باطلاق‏الكتاب والسنة على القول بالأعم وعدم إمكان التمسك به على القول بالصحيح.
نعم لو كان الشك في اعتبار شي‏ء ركناً للصلاة مثلاً لم يجز التمسك بالاطلاق‏حتى على القول بالأعم، لأن الشك فيه مساوق للشك في الصدق، فلا يكون‏صدق طبيعي المطلق على الفاقد محرزاً حتى يكون الشك في اعتبار أمر زائد.
وقد نوقش في هذه الثمرة بعدة وجوه:
الأول: أنه لا فرق بين القولين في إمكان التمسك بالاطلاق وعدم إمكانه،والسبب فيه أن المناط في إمكان التمسك بالاطلاق إنما هو بكون المتكلم في مقام‏البيان ولم ينصب قرينة على التقييد، وعليه فكما أن الأعمى يتمسك بالاطلاق‏فيما إذا احتمل دخل شي‏ء في المأمور به زائداً على المقدار المتيقن، فكذلك‏الصحيحي يتمسك به فيما إذا شك في اعتبار شي‏ء زائداً على المقدار المعلوم، ومن‏هنا يتمسك الفقهاءقدس سرهم باطلاق صحيحة حماد التي قد وردت في مقام بيان‏الأجزاء والشرائط، حيث إن الامام‏عليه السلام في الصحيحة قد بين جميع أجزاء الصلاةمن التكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليمة ونحوها مقتصراًعلى تلك الأجزاء وساكتاً عن غيرها، وحينئذ فإذا شك في أن الاستعاذة مثلاًجزء لها، فلا مانع من التمسك بإطلاقها لاثبات عدم كونها جزءاً.
والجواب: أن هذه المناقشة مبنية على الخلط بين التمسك بالاطلاق اللفظي‏والتمسك بالاطلاق المقامي الناشى‏ء من السكوت في مقام البيان، ومحل الكلام في‏المقام إنما هو في الأول، وقد تقدم أن التمسك به يتوقف على تمامية مقدمات‏الحكمة، وهي متمثلة في الثلاث، اُولاها إحراز تعلق الحكم بالجامع بحسب‏المراد الاستعمالي وقابلية انقسامه إلى قسمين أو أقسام في الواقع، وهذه المقدمةلابد من إحرازها، وإلا فلا يعقل الاطلاق في مقام الثبوت لكي يستكشف ذلك‏بالاطلاق في مقام الاثبات، وحيث إن الحكم على القول بالصحيح متعلق بحصةخاصة وهي خصوص الحصة الصحيحة، فالمقدمة الاُولى غير تامة على هذاالقول، وحينئذ فالاطلاق اللفظي غير معقول فيه.
وأما صحيحة حماد، فإطلاقها يكون مقامياً ناشئاً عن السكوت في مقام‏البيان، ولا فرق في جواز التمسك به بين القول بالصحيح والقول بالأعم، والسرفي ذلك واضح، وهو أن المعتبر فيه سكوت المتكلم عن البيان حينما كان يوردالحكم على نفس الأجزاء والشرائط أو الأفراد تفصيلاً، مثلاً إذا كان المولى في‏مقام بيان ما يحتاجه في اليوم من اللحم والخبز واللبن والأرز والحمص وغيرذلك، فأمر خادمه بشرائها وسكت عن غيرها، فسكوته هذا في مقام البيان‏كاشف عن عدم إرادة غير هذه الأشياء، وإلا لم يسكت، ولهذا لا نحتاج في هذاالنحو من الاطلاق إلى وجود لفظ مطلق في القضية، وهذا بخلاف الاطلاق‏اللفظي، فإن المعتبر فيه ورود الحكم في القضية على الطبيعي الجامع القابل‏للانطباق على أفراد وحصص عديدة، ولا أقل من حصتين ثم إحراز أن المتكلم‏في مقام البيان لا في مقام الاهمال والاجمال، وأنه لا ينصب قرينة على إرادةالخلاف، فإذا تمت هذه المقدمات تم الاطلاق في مقام الاثبات الكاشف عن‏الاطلاق في مقام الثبوت، وحينئذ فإذا شك في اعتبار شي‏ء جزءاً أو شرطاً، فإن‏كان اعتبار ذلك الشي‏ء زائداً على صدق المطلق والموضوع في القضية على الفاقدله كما هو الحال على القول بالأعم، يتمسك بالاطلاق لدفع اعتباره طالما لم يدل‏دليل على ثبوته، وإن لم يكن زائداً عليه بأن يكون الشك في اعتباره مساوقاًللشك في تحقق المطلق والموضوع في القضية كما هو الحال على القول بالصحيح،فلا يمكن التمسك بالاطلاق لدفع اعتباره.
فالنتيجة: أن الاطلاق إذا كان مقامياً، جاز التمسك به مطلقاً بلا فرق بين‏القولين في المسألة أصلاً، وإذا كان لفظياً، فلابد من التفصيل فيه، فعلى القول‏بالأعم يجوز التمسك به دون القول بالصحيح.
الثاني: أن أدلة العبادات جميعاً مجملة في الكتاب والسنة، فلا إطلاق لها حتى‏يمكن التمسك به، لما مرّ من أن الاطلاق منوط بثبوت مقدمات الحكمة الثلاث‏جميعاً، والمفروض في المقام عدم ثبوت المقدمة الثانية وهي كون المتكلم فيها في‏مقام البيان، وعلى هذا فلا تظهر الثمرة بين القولين في المسألة.
وبكلمة، إن أدلة العبادات بما أنها جميعاً في مقام أصل التشريع والجعل بلانظر لها إلى خصوصياتها التفصيلية كماً وكيفاً، فلا إطلاق لها حتى يمكن التمسك‏به، غاية الأمر أن عدم جواز التمسك بها على القول بالاعم من جهة واحدة وهي‏عدم كونها في مقام البيان، وعلى القول بالصحيح من جهتين وهما عدم ورودهافي مقام البيان وعدم تعلق الحكم فيها بالجامع والمقسم، فالنتيجة عدم إمكان‏التمسك بالاطلاق على كلا القولين في المسألة، وعليه فلا تظهر الثمرة بينهما.
والجواب: - مضافاً إلى أن ذلك مبني على الحدس والاجتهاد الخاطى‏ء بدون‏القيام بالفحص والبحث عن الآيات والروايات - أن الأمر ليس كذلك.
أما الروايات الواردة في أبواب العبادات فكثير منها في مقام البيان ولهاإطلاق، ولا مانع من التمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شي‏ء فيها، وهذاواضح لكل فقيه يقوم بعملية الاجتهاد والاستنباط في تلك الأبواب.
وأما الآيات فمنها قوله تعالى: »كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى الَّذِيْنَ‏مِنْ قَبْلِكُم«(33)، فإن المفهوم من كلمة الصيام عرفاً هو كف النفس عن الأكل‏والشرب، وهو معناه اللغوي والعرفي، فالصيام بهذا المعنى ثابت في الشرائع‏السابقة والأديان الاُخرى، ويدل على ذلك قوله تعالى: »كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتّى‏يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْرِ«(34)، فإذن حقيقةالصيام هي كف النفس عن الأكل والشرب في جميع الشرائع، نعم تختلف هذه‏الشريعة عن الشرائع السابقة في بعض الشروط غير المقومة لحقيقة الصيام‏كالكف عن الجماع والاستمناء والكذب على اللَّه تعالى ورسوله‏صلى الله عليه وآله والأئمةالأطهارعليهم السلام وغير ذلك، وعلى هذا فإذا شك في اعتبار شي‏ء فيه جزءاً أو شرطاًزائداً على صدقه، فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق الآية الشريفة، ومقتضاه عدم‏اعتباره، فإذن حال الآية الشريفة حال قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«(35)و»تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ«(36) و»وَأَوْفُوا بِالْعُقُودِ«(37) ونحو ذلك، فكما أنه لا مانع‏من التمسك بإطلاق هذه الآيات في باب المعاملات، فكذلك لا مانع من التمسك‏بإطلاق الآية المباركة في باب الصوم عند الشك في دخل شي‏ء في صحته شرعاً.
هذا إضافة إلى أنه يكفي في ظهور هذه الثمرة إمكان ترتبها، لأن المعتبر في‏اُصولية المسألة إمكان وقوعها في طريق عملية الاستنباط لا فعلية ذلك، وعلى‏هذا فلو فرضنا أن أدلة العبادات جميعاً من الكتاب والسنة مجملة، فلا يمكن‏التمسك بها عند الشك في اعتبار شي‏ء فيها جزءاً أو شرطاً، إلا أن ذلك لا يمنع‏عن‏إمكان ترتب هذه الثمرة لو كان هناك إطلاق، وهذا المقدار يكفي في كون‏المسألة اُصولية.
الثالث: أن الاطلاق والتقييد في العبادات إنما يلاحظ بالاضافة إلى المأمور به‏ومتعلق الأمر لا بالقياس إلى المسمى، لوضوح أن الاطلاق أو التقييد في كل كلام‏إنما هو بالقياس إلى مراد المتكلم منه، فإذا كان المتكلم هو الشارع، فلا محالةلوحظ الاطلاق أو التقييد بالنسبة إلى مراده وأنه مطلق أو مقيد لا إلى ما هوأجنبي عنه، وعلى ذلك فلا فرق بين القولين في المسألة، فكما أن الصحيحي لايمكنه التمسك بالاطلاق فكذلك الأعمي. أما الصحيحي فلما تقدم من عدم إحرازالصدق على الفاقد لما شك في اعتباره جزءاً أو قيداً، وأما الأعمي فمن أجل أنه‏يعلم بأن مراد المولى هو المسمى بوصف كونه مأموراً به ومتعلق الأمر، ومن‏الواضح أن المأمور به حصة خاصة من المسمى وهي الحصة الصحيحة، ضرورةأن الشارع لا يأمر بالحصة الفاسدة ولا بالأعم منها ومن الصحيحة، وعلى هذافلا يمكن التمسك بالاطلاق عند الشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر، للشك في‏صدق المأمور به حينئذ على الفاقد للشي‏ء المشكوك فيه.
والخلاصة: أن الصحة لو كانت مأخوذة في المسمى، سواء أكانت مأخوذةفيه بما هو مسمى كما هو الحال على القول بالصحيح أم مأخوذة فيه بوصف كونه‏مأموراً به ومتعلق الأمر كما هو الحال على القول بالأعم، فلا يمكن التمسك‏بالاطلاق لا على القول الأول ولا على الثاني.
والجواب: أن الاطلاق والتقييد في مقام الثبوت والواقع إنما يلحظان‏بالاضافة إلى ذات المأمور به ومتعلق الأمر لا بوصف كونه مأموراً به ومتعلق‏الأمر، لأن الأمر في الواقع لا يخلو إما أن يكون متعلقاً بالمسمى مطلقاً أو مقيداً،ولا ثالث لهما، لاستحالة الاهمال في الواقع، وعلى هذا فإن كان في مقام الاثبات‏دليل مطلق من آية أو رواية، فلا مانع من التمسك بإطلاقه عند الشك في اعتبارشي‏ء في المأمور به جزءاً أو شرطاً على القول بالأعم، باعتبار أن صدق المطلق‏على الفاقد للشي‏ء المشكوك فيه محرز، والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد،وحينئذ فلا مانع من التمسك بإطلاقه لدفع اعتباره فيه، وبه يستكشف أن المأموربه في الواقع مطلق.
وبكلمة، إنه إذا شك في اعتبار شي‏ء جزءاً أو شرطاً في الصلاة المأمور بهامثلاً كالسورة، فعلى القول بالوضع للأعم حيث إن صدق الصلاة بما لها من المعنى‏الموضوع له على الفاقدة للسورة معلوم، والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد فلامانع من التمسك بالاطلاق لنفي اعتباره والحكم بأن المأمور به في الواقع ومقام‏الثبوت هو الصلاة بدون السورة، وأما على القول بالوضع للصحيح، فحيث إن‏صدق الصلاة بما لها من المعنى على الفاقدة للسورة مشكوك فيه لاحتمال دخلها في‏مسماها، فلا إطلاق لها لكي يمكن التمسك به.
فالنتيجة: أن هذا الوجه مبني على نقطة خاطئة، وهي كون المسمى بوصف‏كونه مأموراً به متعلق الأمر، وهذا مستحيل لاستحالة أخذ هذا الوصف‏في‏متعلق الأمر، لأنه متأخر منه ومنتزع من تعلقه بالمسمى، فكيف يعقل‏أخذه‏في متعلقه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا غبار في ظهور هذه‏الثمرة بين القولين في المسألة، هذا تمام كلامنا في العبادات.
أسماء المعاملات ...

أسماء المعاملات‏
المقام الثاني في المعاملات. يقع الكلام فيه من عدة جهات:
الجهة الاُولى أن في المعاملات اتجاهين رئيسيين:
الأول: ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من أن المعاملات اُمورإنشائية تسبيبية.
الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعاملات اُمور اعتبارية نفسانيةمبرزة في الخارج بمبرز ما.
أما الاتجاه الأول فقد ذكر الأصحاب قديماً وحديثاً أن المعاملات تنقسم إلى‏أسباب ومسببات. أما الأسباب فهي متمثلة في صيغ خاصة لفظية كانت أوفعلية مشتملة على الأجزاء والشرائط، فمن أجل ذلك تتصف بالصحة تارةوبالفساد اُخرى. وأما المسببات فهي متمثلة في الملكية أو الزوجية أو نحوهاسواء أكانت شرعية أم عقلائية، وهي لا تتصف بالصحة أو الفساد، بل بالوجودتارة والعدم اُخرى، على أساس أنها اُمور بسيطة.
أما الاتجاه الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن أسامي المعاملات موضوعةلابراز أمر اعتباري نفساني غير قصد الحكاية، مثلاً صيغة بعت موضوعةللدلالة على قصد إبراز ملكية المبيع، حيث إن البائع في مقام البيع اعتبرملكيته‏للمشتري، ثم يبرزها في الخارج بصيغة بعت أو ما شاكلها لكي تدل على‏أنه قصد إبرازها(38).
ومن هنا ذكرقدس سره أن معنى الانشاء هو إبراز الأمر الاعتباري النفساني في‏الخارج بمبرز ما من قول أو فعل(39)، ومن الواضح أن كلا من الاعتبار والابرازفعل‏اختياري للمعتبر مباشرة لا تسبيباً، فلا يكون هناك سبب ولا مسبب ولاآلة ولا ذيها.
وبكلمة، إنه ليس في باب المعاملات إلا أمران، أحدهما الأمر الاعتباري‏القائم بنفس المتعاملين مباشرة، والآخر الأثر الشرعي أو العقلائي المترتب على‏فعل المتعاملين كذلك، وكلاهما فعل مباشر ولا يعقل أن يكون فعلاً تسبيبياً. أماالأول فهو فعل نفساني للمتعاملين بالمباشرة وبيدهما وجوداً وعدماً، ولا يعقل‏أن يكون مسبباً عن شي‏ء آخر. وأما الثاني فهو فعل الشارع أو العقلاءبالمباشرة، غاية الأمر أن الشارع أو العقلاء يعتبر الملكية أو الزوجية كذلك في‏موضوع خاص، هذا إضافة إلى أن مراد المشهور من المسبب ليس هو الأثرالشرعي أو العقلائي، فالنتيجة أنه ليس في باب المعاملات سببية ولا مسبّبية ولاآلة ولا ذيها، لأن كل ذلك غير موجود، فالموجود إنما هو اعتبار المتعاملين‏الملكية أو الزوجية في عالم الاعتبار والنفس وإبرازه في الخارج بمبرز ما من قول‏أو فعل، ومجموع المبرز - بالكسر - والمبرز - بالفتح - بمثابة الموضوع للأثرالشرعي أو العقلائي، هذا ملخص ما أفاده‏قدس سره.
وما أفاده‏قدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الانشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني بمبرز مامن‏قول أو فعل.
الثانية: أنه لا سببية ولا مسببية في باب المعاملات.
أما النقطة الاُولى، فيرد عليها أن تفسير الانشاء بذلك مبني على مسلكه‏قدس سره‏في باب الوضع من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، باعتبار أن لازم هذاالمسلك هو كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية، وعليه فلابد من‏الالتزام بأن المعاملات موضوعة للدلالة على قصد إبراز الأمر الاعتباري‏النفساني في الخارج بمبرز ما حتى تكون دلالتها الوضعية دلالة تصديقية، ولكن‏حيث إنا قد ذكرنا في باب الوضع عدم صحة هذا المسلك موسعاً وقلنا هناك بأن‏الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، فمن أجل ذلك لا يمكن تفسيرالمعاملات بذلك، وقد تقدم في ضمن البحوث السالفة تفسير الانشاء فيها بماينسجم مع كون الدلالة الوضعية لها دلالة تصورية.
وأما النقطة الثانية، فلأنه لا مانع من أن يراد من المسبب في المعاملة الأثرالعقلائي أو الشرعي المترتب عليها ترتب الأثر على المؤثر والمسبب على‏السبب، باعتبار أنه الأثر المطلوب من إيجاد المعاملة في الخارج بما لها من المعنى‏الانشائي التسبيبي.
وبكلمة، إن جعل هذا الأثر بنحو القضية الحقيقية وإن كان بفعل الشارع أوالعقلاء في مرحلة الجعل والاعتبار، ولكن فعلية هذا الأثر إنما هي بيد المتعاملين،فإنهما إذا قاما بإيجاد السبب وهو المعاملة بما لها من الشروط، ترتب عليه ذلك‏الأثر، ومن الواضح أن هذا الترتب إنما هو مستند إلى فعل المتعاملين من باب‏ترتب الأثر على المؤثر والمسبب على السبب، وقد تحصل من ذلك أن فعلية الأثرالشرعي أو العقلائي هي المسبب في باب المعاملات، وأما الصيغة بما لها من المعنى‏الانشائي فهي سبب لها، غاية الأمر أن العلاقة بين السبب والمسبب تارة تكون‏ذاتية بينهما كالعلاقة بين النار والحرارة، واُخرى تكون جعلية كما في المقام،فالجامع بين المقامين هوا ستحالة انفكاك أحدهما عن الآخر خارجاً إما بالذات‏أو بالجعل، والظاهر أن هذا هو مراد المشهور من المسبب في باب المعاملات.
ولكن قد يستشكل في ذلك بأن السببية بهذا المعنى لا تختص بالمعاملات،لأن كونها سبباً لفعلية الأثر ليس إلا بلحاظ أنها موضوع له، على أساس أن‏فعلية الحكم تدور مدار فعلية موضوعه خارجاً واستحالة انفكاكها عنها، ولافرق في ذلك بين الأحكام الوضعية و الأحكام التكليفية، فكما أن فعلية الأحكام‏الوضعية تتبع فعلية موضوعاتها في الخارج فكذلك فعلية الأحكام التكليفية،فإنها تتبع فعلية موضوعاتها فيه، وعلى هذا فإطلاق الأسباب على موضوعات‏الأحكام الوضعية دون موضوعات الأحكام التكليفية ليس إلا مجرد اصطلاح‏بلا أي نكتة مبررة لذلك. هذا،
ولكن الظاهر أن هذا الفرق مبني على نكتة، وهي أن موضوعات الأحكام‏الوضعية تختلف عن موضوعات الأحكام التكليفية في نقطة، وهي أن‏موضوعات الأحكام الوضعية التي هي متمثلة في المعاملات اُمور إنشائيةقصدية، مثلاً جملة »بِعْتُ« الانشائية تدل على قصد إيجاد معناها في وعاءالتصور والتصديق، والغرض منه الوصول إلى أثره الشرعي أو العقلائي المترتب‏عليه ترتب المسبب على السبب، فالصيغة بما لها من المعنى الانشائي سبب، لأن‏المتعامل في مقام المعاملة يقصد بها التسبيب ولو ارتكازاً إلى ترتب الأثرالشرعي عليها. وعلى الجملة فتسمية المعاملات بالأسباب في الأحكام‏الوضعية مع أنها موضوعات لها في الحقيقة، فإنما هي من جهة أنها اُمورإنشائيةتسبيبية، ولا يمكن تحققها بدون قصد التسبيب بها ولو في أعماق نفسه‏ارتكازاً وفطرة.
وهذا بخلاف موضوعات الأحكام التكليفية، فإنها بين ما يكون خارجاً عن‏قدرة المكلف كالعقل والبلوغ والوقت ورؤية الهلال وما شاكلها، وما يكون‏الموضوع فيها جامعاً بين الحصة الاختيارية وغير الاختيارية كالاستطاعةونحوها، والجامع أن القصد والارادة غير دخيل في تحققها أصلاً.
فالنتيجة أن موضوعات الأحكام الوضعية في باب العقود والايقاعات اُمورإنشائية قصدية في نفسها، فلذلك تسمى بالأسباب بالاضافة إلى ما يترتب‏عليها من الأحكام، بينما لا تكون موضوعات الأحكام التكليفية كذلك، فلهذا لاتسمى بالأسباب بالنسبة إلى ما يترتب عليها من الآثار.
وكيف كان فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعاملات اُمور اعتبارية نفسانيةمبرزة في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، لا يتم إلا على مسلكه‏قدس سره في باب‏الوضع، حيث لا شبهة في أنها اُمور إنشائية قصدية بصيغتها الخاصة من قول أوفعل، وقد تقدم تفصيل ذلك في بابي الانشاء والاخبار موسعاً.
الجهة الثانية: أن محل النزاع في أن أسماء المعاملات موضوعة للصحيح أوالأعم، هل هو بنظر الشرع أو العقلاء؟ فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني، بدعوى أن المعاملات المأخوذة في‏موضوع أدلة الامضاء كالبيع والاجارة ونحوهما معاملات عرفية عقلائيةوموجودة قبل مجي‏ء الشرع ولم يتصرف الشارع فيها بعد مجيئه أي تصرف‏أساسي لا من حيث اللفظ ولا من حيث المعنى، بل أمضاها بما لها من المفاهيم‏لدى العرف والعقلاء قبل الاسلام، حيث إن المعاملات بهذه الأسامي كانت‏دارجة بين الناس في الجزيرة العربية، واحتمال أن المعاملات موجودة عند العرب‏بألفاظ اُخرى غير الألفاظ العربية التي يعبّر بها عنها في الكتاب والسنةغيرمحتمل، ويؤكد ذلك أن النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله حينما طرح المعاملات بأساميهاالخاصة على الناس منذ بداية الاسلام لم تكن هذه الأسامي غريبة عندهم، بل‏كانوا مأنوسين بها.
ومن هنا تفترق المعاملات عن العبادات، فإن العبادات حيث إنها ماهيات‏مخترعة عند الشارع بجميع أجزائها وشرائطها، فلوكانت موضوعة للصحيحةفلا يمكننا التمسك بإطلاقاتها عند الشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر، لاحتمال‏دخله في المسمى كما سبق، وهذا بخلاف المعاملات، فإنها ماهيات مخترعة عندالعرف والعقلاء، فلو شككنا في اعتبار شي‏ء فيها شرعاً، فيكون الشك في اعتبارأمر زائد على ما كان معتبراً عندهم، وفي مثله لا مانع من التمسك بالاطلاق ولوعلى القول بكونها موضوعة للصحيحة عندهم.
نعم لو شككنا في اعتبار شي‏ء فيها عرفاً كاعتبار المالية مثلاً أو نحوها، فلايمكننا التمسك بالاطلاق، لعدم إحراز صدق البيع على فاقد المالية أو نحوها على‏القول بالوضع للصحيح.
والخلاصة أن محل النزاع إنما هو في وضع المعاملات للصحيحة أو الأعم بنظرالعقلاء دون الشرع، إذ لو كانت موضوعة للصحيحة لدى الشرع، لأدّى ذلك‏إلى كون أدلة الامضاء كقوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«، و»وَتِجَارَةً عَنْ تَراضٍ«ونحوهما لغواً، فإن مرد ذلك إلى قولنا البيع الصحيح صحيح، التجارة الصحيحةصحيحة وهكذا، فلذلك لا يمكن أن يكون محل النزاع في الوضع للصحيحة أوالأعم بنظر الشرع، بل يتعين أن يكون بنظر العقلاء فقط(40).
وقد استشكل عليه بأنه لا مانع من أن يكون محل النزاع في وضع المعاملات‏للصحيحة أو الأعم عند الشارع، غاية الأمر إذا كانت موضوعة للصحيحةكانت مستعملة في الأعم مجازاً في مقام ورودها للامضاء(41).
وهذا الاشكال غريب جداً، ضرورة أنها لو كانت مستعملة في الأعم مجازاًفي أدلة الامضاء، فحينئذ ما هو المبرر لوضعها شرعاً للصحيحة، ومن الواضح‏أنه لا مبرر له بعد ما كانت صحتها مستفادة من أدلة الامضاء، وإن شئت قلت:إنها لو كانت موضوعة للصحيحة عند الشارع، فوقتئذ إما أن يكون وضعها لهالغواً أو أنَّ أدلة الامضاء لغو، فلذلك لا أساس لهذا الاشكال.
فالصحيح في الجواب أن يقال: إنه لا مانع من تصوير النزاع في المسألةللصحيح أو الأعم بنظر الشرع أيضاً، وذلك لأن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من‏محذور اللغوية في أدلة الامضاء وإنما يلزم لو كانت الصحة المأخوذة في مسمى‏المعاملات الصحة بمعنى الامضاء أو مفهوم الصحة المنتزع من إمضاء الشرع لها،ولكن من الواضح أن الصحة بهذا المعنى غير مأخوذة في مسمى المعاملات،ضرورة أنه لا يحتمل أن تكون أسماء المعاملات موضوعة بإزاء المعاملات‏الموصوفة بالصحة والامضاء حتى يكون الامضاء لغواً، إذ معناها حينئذ أن‏المعاملة الصحيحة صحيحة والبيع الممضى ممضى وهكذا، بل الصحة المأخوذة في‏المسمى على القول بوضعها للصحيح هي الصحة بمعنى تمامية المعاملة بأجزائهاوشروطها الواجدة للحيثية المطلوبة منها، فإنها الصحة بالحمل الشائع، ولامانع من وضع أسماء المعاملات بإزائها، ولا يستوجب ذلك محذور لغوية أدلةالامضاء، فإنها على هذا تعلقت بالمعاملة تامة الأجزاء والشرائط الواجدةللحيثية المطلوبة، فإذا تعلقت بها ترتب عليها آثارها، مثلاً العقد الواقع بين‏المتعاملين المقرون بالتراضي بينهما إذا تعلق به دليل الامضاء كقوله تعالى:»تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ« أو »أَوْفُوا بِالْعُقُود« ترتب عليه أثره، وإلا فلا.
وبكلمة أوضح، إنه لا فرق من هذه الناحية بين العبادات والمعاملات، فكماأنه لا يمكن أخذ مفهوم الصحة وعنوانها بالحمل الأولي في مسمى العبادات،على أساس أنه منتزع من انطباق العبادة المأمور بها على الفرد المأتي به في‏الخارج ولا يعقل أخذه فيه كما تقدم، فكذلك لا يمكن أخذ مفهوم الصحة بالحمل‏الأولي في مسمى المعاملات، لأنه منتزع من تعلق دليل الامضاء بالمعاملة في‏الخارج ولا يمكن أخذه فيه، وإلا لكان دليل الامضاء لغواً.
وأما واقع الصحة الذي هو صحة بالحمل الشائع، فكما أنه لا مانع من أخذه‏في مسمى العبادات، فكذلك لا مانع من أخذه في مسمى المعاملات، لأن واقع‏الصحيح هو المركب المشتمل على تمام الأجزاء والشرائط الواجد للحيثيةالمطلوبة منه، ولا فرق بين أن يكون ذلك المركب عبادة أو معاملة، إذ معنى وضع‏لفظ »البيع« للصحيح وضعه بإزاء تمليك عين بعوض المقرون بالرضا المنشأ بفعل‏أو قول من بالغ وعاقل، وهو متعلق لدليل الامضاء، وعليه فإذا تعلق الامضاءبه ترتب عليه الأثر الشرعي وهو حصول الملك شرعاً، وإذا لم يتعلق به دليل‏الامضاء، لم يحكم بحصول التمليك وترتيب الأثر عليه.
وهذا هو معنى الصحة في العبادات والمعاملات، ولا فرق بينهما فيه أصلاً،وأما الصحة الجائية من قبل الامضاء في المعاملات والمتقوّمة به والصحة الجائيةمن قبل الأمر في العبادات المتقومة به، فلا يمكن أخذها في المسمى لا في‏المعاملات ولا في العبادات، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن تصوير النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيحة أوللأعم من وجهة نظر الشرع وإن كان ممكناً، إلا أنه غير واقع في الخارج، لأن‏الواقع هو وضع أسماء المعاملات بإزاء معانيها قبل الاسلام، ولهذا تكون حقائق‏عرفية عقلائية لا شرعية، فإن هذه الأسماء مستعملة في تلك المعاني قبل مجي‏ءالاسلام وبعده على حد سواء، غاية الأمر أن الشارع قد يتصرف فيها فنهى عن‏بعض المعاملات الدارجة بينهم كالمعاملة الربوية وما شاكلها، وزاد في‏بعض‏الموارد قيداً أو جزءاً لم يكن معتبراً عند العقلاء كاعتبار البلوغ في‏المتعاقدين ونحو ذلك.
ومن هنا يجوز التمسك بإطلاقات أدلة المعاملات في الكتاب والسنة عندالشك في اعتبار شي‏ء فيها شرعاً جزءاً أو شرطاً، بلا فرق في ذلك بين أن تكون‏أسماء المعاملات عند العقلاء موضوعة للصحيح أو للأعم، ولهذا لا تظهر الثمرةبين القولين في المسألة عند الشارع، نعم تظهر الثمرة بينهما عند العقلاء.
الجهة الثالثة: قد تسأل هل يجري النزاع في وضع أسماء المعاملات بمعنى‏المسببات للصحيحة أو الأعم؟
والجواب: أن المعروف المشهور بين الأصحاب أنه لا يجري في المعاملات‏بمعنى المسببات، والوجه في ذلك هو أن المسبب كالملكية أو الزوجية أو نحوهابسيط ويدور أمره بين الوجود والعدم المحموليين، لا بين الصحة والفساد بمفادكان وليس الناقصتين، فلذلك لا يعقل جريان هذا النزاع في المسببات، وعلى‏هذا فالنزاع إنما هو في أسماء المعاملات بمعنى الأسباب، على أساس أنها تتصف‏بالصحة تارة وبالفساد اُخرى، باعتبار أنها مركبة من أجزاء ومقيدة بقيود، فإن‏كانت واجدة لتمام أجزائها وقيودها اتصفت بالصحة، وإن كانت فاقدة لبعضهااتصفت بالفساد، فإذن يختص النزاع في باب المعاملات بالأسباب، ولا يمكن‏جريانه في المسببات لعدم قبولها للاتصاف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى.
ولكن السيد الاُستاذقدس سره قد علق على ذلك بأن في باب المعاملات لا سبب ولامسبب ولا آلة ولا ذيها، وقد أفاد في وجه ذلك أن ما هو المعروف بين الأصحاب‏من أن الانشاء إيجاد المعنى باللفظ لا يرجع إلى معنى محصل، لأنه إن اُريد بالايجادالايحاد التكويني الخارجي فهو غير معقول، بداهة أن اللفظ لا يكون واقعاً في‏سلسلة علل وجوده وأسبابه، وإن اُريد به الايجاد الاعتباري، فيرد عليه أنه‏يوجد بنفس اعتبار المعتبر، سواء كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا، فاللفظ لا يكون‏سبباً لإيجاده الاعتباري ولا آلة له، فإذن ليس في باب المعاملات إلا أمران:أحدهما المبرز - بالفتح - وهو الأمر الاعتباري النفساني في اُفق النفس، والآخرالمبرز - بالكسر - وهو اللفظ أو الفعل في الخارج، والمعاملة اسم للمركب من‏هذين الأمرين.
وبكلمة، إن المعاملات أسام للمركب من الأمر الاعتباري النفساني وإبرازه‏في الخارج باللفظ أو نحوه، لأن الآثار المترقبة لا تترتب إلا على المركب من‏هذين الأمرين، فالبيع والايجار والصلح والنكاح وما شاكلها لا يصدق على‏مجرد الاعتبار النفساني بدون إبرازه في الخارج بمبرز ما، فلو اعتبر أحد ملكيةداره أو فرسه لزيد مثلاً في اُفق نفسه بدون أن يبرزها في الخارج بمبرر ما من قول‏أو فعل، فلا يصدق أنه باع داره أو فرسه من زيد، كما أن هذه العناوين لا تصدق‏على مجرد إطلاق اللفظ أو نحوه من دون اعتبار نفساني في اُفق الذهن، كما لو كان‏في مقام تعداد صيغ العقود أو الايقاعات، أو كان التكلم بها بداع آخر غيرإبرازما في اُفق النفس من الأمر الاعتباري، فلو قال أحد بعت أو زوجت أونحوذلك من دون اعتبار نفساني، فلا يصدق عليه عنوان البيع أو التزويج‏والنكاح وهكذا.
والخلاصة: أن المعاملات بعناوينها الخاصة من البيع أو الهبة وما شاكلها أسام‏للمركب من الأمرين، فلا يصدق على كل واحد منهما بالخصوص، فإذن لاسبب ولا مسبب ولا آلة ولا ذيها، بل أمر اعتباري نفساني في اُفق النفس‏وإبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، وعلى هذا فكما أن المبرز الذي‏يمثل صيغ العقود يتصف بالصحة تارة باعتبار وجدانه للشروط وبالفساد اُخرى‏باعتبار فقدانه لها، فكذلك الأمر الاعتباري النفساني الذي هو بمثابة موضوع‏للاعتبار العقلائي والشرعي، فإنه يتصف بالصحة والفساد باعتبار استتباعه‏للأثر الشرعي وعدمه، لأنه إذا كان واجداً للشرائط كما إذا كان صادراً من‏العاقل البالغ المالك اتصف بالصحة، وإذا كان صادراً من الصبي أو المجنون أوالفضولي فبالفساد.
أو فقل: إن ما يسمى بالمسبب أمران: الأول الأثر الشرعي أو العقلائي‏كالملكية أو الزوجية أو نحوهما، والثاني الأثر المنشأ من قبل المتعاقدين أنفسهما،وهو اعتبار شخصي قائم بالمتعاقدين، ويكون موضوعاً للمسبب الأول وهوالأثر الشرعي أو العقلائي، والذي لا يتصف بالصحة والفساد إنما هو المسبب‏بالمعنى الأول، لأنه إما موجود أو غير موجود، ولا ثالث لهما، وأما المسبب‏بالمعنى الثاني، فهو يتصف بالصحة والفساد(42).
وغير خفي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره في المقام من التفسير للانشاء في باب‏المعاملات مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، وهو أنه التعهد والتباني، على‏
پاورقي
1) نهاية الدراية 113 :1.
2) قوانين الاُصول 44 :1.
3) كفاية الاُصول: 25.
4) أجود التقريرات 61 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 159 :1.
6) أجود التقريرات 61 :1.
7) محاضرات في اُصول الفقه 162 :1.
8) محاضرات في اُصول الفقه 161 :1.
9) الوسائل 91 :6 ح 5 / أبواب القراءة ب 29.
10) الوسائل 310 :6 ح 1 / أبواب الركوع ب 9.
11) محاضرات في اُصول الفقه 163 :1.
12) مستدرك الوسائل 158:4 ح 5 و8.
13) ورد هذا المضمون في الوسائل 488 :5 ح 1 و2 / أبواب القيام ب 2.
14) الوسائل 10 :6 ح 7 / أبواب تكبيرة الافتتاح ب 1.
15) نفس المصدر: 12 ح 12.
16) نفس المصدر: 10 ح 6.
17) نفس المصدر: ح 4.
18) الوسائل 14 :6 ح 7 / أبواب تكبيرة الاحرام ب 2.
19) نقله في كفاية الاُصول: 26.
20) محاضرات في اُصول الفقه 167 :1.
21) محاضرات في اُصول الفقه 163 :1.
22) أورده في بحوث في علم الاُصول 206 :1.
23) الوسائل 287 :2 ح 2 / أبواب الحيض ب 7.
24) نهاية الدراية 129 :1.
25) سورة العنكبوت (45 :(29.
26) الوسائل 43 :4 ح 1 و44 ح 2 / أبواب أعداد الفرائض ب 12.
27) الوسائل 373 :2 ح 5 / أبواب الاستحاضة ب 1 و27 :4 ح 12 / أبواب أعداد الفرائض ب 7.
28) محاسن البرقي - كتاب ثواب الأعمال: ح 60 ص 44.
29) مستدرك الوسائل 158 :4 ح 5 و8.
30) أجود التقريرات 66 :1.
31) محاضرات في اُصول الفقه 173 :1.
32) كفاية الاُصول: 28.
33) سورة البقرة (183 :(2.
34) سورة البقرة (187 :(2.
35) سورة البقرة (275 :(2.
36) سورة النساء (29 :(4.
37) سورة المائدة (1 :(5.
38) محاضرات في اُصول الفقه 192 :1 و195.
39) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1.
40) محاضرات في اُصول الفقه 193 :1.
41) بحوث في علم الاُصول 211 :1.
42) محاضرات في اُصول الفقه 192 :1.

.............................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
أسماء المعاملات ...

أساس أن لازم هذا المسلك كون المدلول الوضعي مدلولاً تصديقياً، وهو يتطلب‏تفسير الانشاء في هذا الباب بهذا التفسير لكي يكون المدلول الوضعي‏للمعاملات مدلولاً تصديقياً، هذا، ولكن ذكرنا في باب الوضع موسعاً عدم‏صحة هذا المسلك، ولهذا نقول بأن المدلول الوضعي مدلول تصوري لا تصديقي،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه لا شبهة في أن المعاملات اُمور إنشائية تصدر من‏المتعاملين بالتسبيب، لا أنها اُمور اعتبارية تصدر منهم بالمباشرة كما مرّ.
ومن ناحية ثالثة، إن ظاهر المشهور من المعاملة بمعنى المسبب الأثر الشرعي‏أو العقلائي المترتب عليها خارجاً ترتب المسبب على السبب، باعتبار أن ترتبه‏هو النتيجة المطلوبة من قبل المتعاملين ومسبب عن فعلهما، وعليه فلا يمكن‏جريان النزاع في المعاملات بمعنى المسبب، لأنها بهذا المعنى لا تتصف بالصحةوالفساد، بل بالوجود والعدم.
وبكلمة، إن مضمون المعاملة المنشأة من قبل المتعاملين بصيغتها الخاصة من‏قول أن فعل، يكون بمثابة الموضوع والسبب للأثر الشرعي أو العقلائي، باعتبارأن ترتبه عليها هو النتيجة المتوخّاة من قبلهما، لأن الغرض من هذا الانشاءوالاعتبار الشخصي هو الوصول إلى تلك النتيجة وتحققها خارجاً، وعلى هذافإذا ترتب على ذلك المنشأ من قبلهما أثر شرعي أو عقلائي، اتصفت المعاملةبالصحة، وإلا فبالفساد، ومعنى اتصافها بالصحة أن المنشأ يصبح شرعياً،فالملكية المنشأة من قبل المتعاملين تصبح ملكية شرعية قانونية، وترتب الأثرعليها منوط بتوفر الشروط المعتبرة في إنشائها شرعاً، كالبلوغ والعقل وأن لاتكون فضولياً، وأن تكون بصيغة خاصة إذا كان انشاؤها منوطاً بها، وفي ضوءذلك إن كان مراد المشهور من المسبب هو ترتب الأثر الشرعي عليها خارجاً كماهو الظاهر منهم، فهو لا يتصف بالصحة والفساد، ولا يمكن جريان النزاع فيه،وإن كان مرادهم منه نفس المنشأ الشخصي في المعاملة من قبل المتعاملين بقول أوبفعل، فهو يتصف بالصحة إن كانت شروطه متوفرة، وبالفساد إن لم يكن كذلك.
الجهة الرابعة: أن المعاملات إذا كانت أسامي للأسباب، فلا شبهة في جوازالتمسك بإطلاق أدلة الامضاء، كقوله تعالى: »أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ« و»تِجَارَةٍ عَنْ‏تَراضٍ« ونحوهما، حتى على القول بوضعها للصحيح عند العقلاء، باعتبار أن‏الصحيح عندهم أعم منه عند الشارع، فإذا شك في اعتبار شي‏ء فيها شرعاً، فلامانع من التمسك بإطلاقها، لأن صدق لفظ المطلق على الفاقد للشي‏ء المشكوك‏فيه لدى العقلاء محرز، والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد عليه، نعم على هذاالقول إذا شك في اعتبار شي‏ء فيها عند العقلاء، فلا إطلاق لفظي لكي يتمسك‏به، باعتبار أن الصدق حينئذ على الفاقد غير محرز، كما أن الأمر كذلك على القول‏بالوضع للصحيح الشرعي.
فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر شرعاً بين القولين في المسألة بناء على ما هوالصحيح من أن المعاملات أمور عرفية عقلائية وموضوعة بإزاء معانيها قبل‏الشرع والشريعة ومستعملة فيها في نصوص الكتاب والسنة، وحينئذ فإذا شك‏في اعتبار شي‏ء منها شرعاً جزءاً أو شرطاً، فلا مانع من التمسك بإطلاق تلك‏النصوص على كلا القولين في المسألة.
نعم تظهر الثمرة بينهما بناء على وضعها للصحيح عند الشارع، فإنه على هذاالقول لا يتصور فيها إطلاق لفظي لكي يتمسك به، بينما على القول بوضعها للأعم‏يتصور فيه إطلاق لفظي يمكن التمسك به عند الشك في اعتبار شي‏ء جزءاً أوشرطاً، ولا فرق من هذه الناحية بين العبادات والمعاملات.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن هذا النزاع في باب‏المعاملات لا يجري عند الشارع، على أساس أنه لا يمكن أخذ الصحة الشرعيةفي مسمى المعاملات الذي هو موضوع لأدلة الامضاء، وإلا لكان معنى قوله‏تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع« أن البيع الممضى ممضى، وهذا مما لا معنى له، لأنه من‏القضية بشرط المحمول - لا يتم، لما تقدم من أنه لا مانع من تصوير هذا النزاع‏عند الشارع، ولا فرق من هذه الناحية بين المعاملات والعبادات، فإن الصحةالمأخوذة في المسمى، سواء كانت في العبادات أم في المعاملات، إنما هي واقع‏الصحة أي الصحة بالحمل الشائع، وهو المركب المشتمل على جميع الأجزاءوالقيود الواجد للأثر المطلوب منه، فإذا تعلق به دليل الامضاء، ترتب عليه ذلك‏الأثر واتصف بالصحة فعلاً، ومن الواضح أن هذه الصحة الفعلية لا يمكن أخذهافي المسمى، لأنها متفرعة على دليل الامضاء المتعلق به، كما أن الصحة المنتزعةمن انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، لايمكن أخذها في المسمى في‏باب العبادات، لأنها متقومة بالأمر، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه بناء على ما استظهرناه سابقاً من أن أسامي العبادات‏حقائق لغوية وموضوعة بإزائها قبل الاسلام، فأيضاً لا تظهر الثمرة بين القولين‏فيها، أما على القول بالأعم فواضح، وأما على القول بالصحيح، فلأن الصحةعندهم أعم منها عند الشارع بعد الاسلام، فإذن لا فرق بين العبادات‏والمعاملات من هذه الناحية أيضاً.
وأما إذا كانت المعاملات أسامي للمسببات، فهل يمكن التمسك باطلاقات‏أدلة الامضاء من الآيات والروايات لامضاء أسبابها؟ فيه قولان: الأول جوازالتمسك بها، والثاني عدم جوازه.
أما القول الأول، فقد اختاره المحقق النائيني‏قدس سره، وقد أفاد في وجه ذلك أن‏نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست منه الأسباب إلى المسببات لتكوناموجودين خارجيتين تترتب إحداهما على الأخرى ترتباً قهرياً، ويكون تعلق‏الارادة بالمسبب بتبع تعلقها بالسبب، من جهة أن اختيارية المسبب إنما هي‏باختيارية السبب، كما هو الحال في جميع الأفعال التوليدية، بل نسبتها إليها نسبةالآلة إلى ذيها، والارادة تكون متعلقة بنفس المعاملة ابتداء، كما هو الحال في سائرالانشاءات، فإن قولنا »بعت« أو »صلّ« ليس بنفسه موجداً للملكية أوالطلب في الخارج نظير إلقاء الحطب في النار الموجد للاحراق، بل الموجد في‏الواقع هو الارادة المتعلقة بإيجاده إنشاء، والخلاصة أنه إذ لم تكن الصيغ من قبيل‏الأسباب والمعاملات من قبيل المسببات، فلم يكن هناك موجودان خارجيان‏مترتبان كي لا يكون إمضاء أحدهما إمضاء للآخر، بل موجود واحد، غاية مافي الباب أنه باختلاف الآلة ينقسم إلى أقسام عديدة، فالبيع المنشأ بالمعاطاةقسم، وبغيرها قسم آخر، وباللفظ العربي قسم، وبغير العربي قسم آخر وهكذا،فإذا كان دليل إمضاء البيع مثلاً في مقام البيان ولم يقيده بنوع دون نوع،فيستكشف منه عمومه لجميع الأقسام والأنواع، كما في بقية المطلقات‏حرفاً(1)بحرف.
ولكن للنظر فيه مجالاً، وذلك لأن أدلة الامضاء المتعلقة بالمعاملات بمعنى‏المسببات، إن كانت ناظرة إلى أسبابها أيضاً وهي صيغ العقود دلت على‏إمضائها، سواء أكانت تلك الصيغ مسماة بالأسباب أم بالآلات، وحينئذ فإن كان‏لها إطلاق من هذه الناحية فلا مانع من التمسك به، وإن لم تكن ناظرة إلى‏إمضائها، فهي لا تدل عليه وإن كانت مسماة بالآلات، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، إنه لا ريب في أن وجود الصيغ في باب المعاملات مغايرلوجود المسببات في هذا الباب، فإن المسببات فيه اُمور إنشائية اعتبارية لاوجود لها إلا في عالم الانشاء والاعتبار، بينما تلك الصيغ اُمور واقعية حقيقيةموجودة في الخارج، وهي الألفاظ والأفعال فيه، سواء أكان يعبّر عنهابالأسباب أم بالآلات، فان الاختلاف في التعبير لا يغير الواقع.
فما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست نسبةالأسباب إلى المسببات، بل نسبتها إليها نسبة الآلة إلى ذيها، فإن أريد بذلك أنهماليستا موجودتين في الخارج حتى تترتب إحداهما على الاُخرى خارجاً قهراًكترتب المسببات الخارجية على أسبابها والمعلولات على عللها، بل الموجود فيه‏الصيغ فقط دون المسببات، فإنها اُمور اعتبارية إنشائية ولا وجود لها إلا في عالم‏الإنشاء والاعتبار دون الخارج، ولهذا تكون نسبتها إليها نسبة الآلات إلى ذيها،فيرد عليه أن نسبة الصيغ إليها وإن لم تكن كنسبة الأسباب إلى مسبباتهاالخارجية إلا أن ذلك لا يجدي في دفع الاشكال، وهو أن إمضاء المعاملات بمعنى‏المسببات لا يستلزم إمضاء صيغها، فإن هذا الاشكال مبني على أن وجود الصيغ‏مباين لوجود المعاملات، فإنها موجودة في الخارج بوجود حقيقي، والمعاملات‏موجودة في عالم الاعتبار والانشاء دون الخارج.
وإن اُريد بذلك أن نسبة الصيغ إلى المعاملات إن كانت نسبة الآلة إلى ذيها،فإمضاء ذي الآلة يستلزم إمضاء الآلة، دون ما إذا كانت نسبتها إليها نسبة السبب‏إلى المسبب، فيرد عليه أن مجرد التغيير في الاسم لايغير الواقع.
وعلى ضوء ذلك أن أدلة الامضاء من الآيات والروايات المتّجهة إلى إمضاءالمعاملات بمعنى المسببات، هل تنظر إلى إمضاء كل ما يمكن إيجادها به،سواءأكان ذلك مسمى بالسبب أم بالآلة، فإن المعيار إنما هو بالواقع لا بالتسمية،فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الأول، وقد أفاد في وجه ذلك ما ملخصه‏أن المسببات كالأسباب متعددة، وتنحل خارجاً بعدد الأسباب، بلا فرق في‏ذلك بين أن يكون المراد من المسبب الأمر الاعتباري النفساني كما اختاره‏قدس سره أوالوجود الانشائي المتحصل من الصيغة القولية أو الفعلية كما هو المشهور بين‏الأصحاب أو الامضاء العقلائي الذي هو مسبب عن فعل المتعاملين.
أما على الأول فلأن الاعتبار النفساني في كل معاملة غير الاعتبار النفساني‏في معاملة اُخرى، فإذا باع داره بالصيغة العربية وباع فرسه بالصيغة الفارسيةوباع كتابه بالمعاطاة وهكذا، كانت هناك أسباب ومسببات بعددها، لأن‏الاعتبار المبرز بالصيغة العربية غير الاعتبار المبرز بالصيغة الفارسية، وهما غيرالاعتبار المبرز بالمعاطاة.
وأما على الثاني فالأمر أوضح من الأول، لأن المنشأ بكل صيغة عربية أوفارسية أو فعلية غير المنشأ بالأخرى.
وأما على الثالث فالأمر أيضاً كذلك، ضرورة أن العقلاء يمضون كل بيع‏صادر من البائع إذا كان واجداً للشروط، فإذا باع زيد كتابه، فهو مورد لامضاءالعقلاء، وإذا باع فرسه كان مورداً لامضائهم، وإذا باع داره فكذلك وهكذا.
وعلى ذلك فإذا أمضى الشارع المسبب الموجود والمبرز باللغة الفارسية أوبالمعاطاة، فلا محالة أمضى المعاطاة أو الصيغة الفارسية، إذ لا معنى للقول بامضاءالمسبب منها والمنشأ بها دون نفسها.
والخلاصة أن المسبب بأي معنى كان يتعدد بتعدد الأسباب، وإمضاء كل‏مسبب لا يمكن أن ينفك عن إمضاء سببه، وعلى هذا فلا مانع من التمسك بإطلاق‏أدلة الامضاء بالنسبة إلى الأسباب أيضاً، فإنها إذا كانت مطلقة بالنسبة إلى‏المسببات، فهي مطلقة بالنسبة إلى الأسباب أيضاً، على أساس أنها تنحلّ‏بانحلال المسببات، فيكون لكل مسبب إمضاء، والمفروض أن انحلال المسببات‏إنما هو بانحلال أسبابها، فإذن تدل أدلة الامضاء على إمضاء المسببات بالمطابقة،وعلى إمضاء الأسباب بالالتزام(2). هذا،
ولكن الظاهر هو القول الثاني، وهو عدم إمكان التمسك بإطلاقات أدلةالامضاء بالنسبة إلى الأسباب، وذلك لأن مفاد أدلة الامضاء إعطاء قاعدة كليةلا إمضاء كل مسبب في الخارج، مثلاً مفاد قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ‏الرِّبا« هو إمضاء المبادلة بين المالين، يعني تمليك عين بعوض إذا لم تكن ربوية،وأما إمضاؤها عن كل طريق وسبب يمكن إيجادها به فهو لا يدل عليه، وليس‏مفاده إمضاء كل مبادلة تقع في الخارج وبأي سبب.
وإن شئت قلت: إن المتفاهم العرفي منه هو أن اللَّه تعالى قد منح الناس الفرصةعلى إيجاد البيع وهو المبادلة بين المالين في قبال المنع عنه. وأما أن هذه الفرصةمتاحة لهم بأي طريق وسبب يمكن إيجاده به فلا إطلاق له، لأن معنى إمضاءالمعاملة عند الشارع والعقلاء، إنما هو إعطاء الفرصة للناس على إيجادها في‏مقابل المنع، كما هو مقتضى قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا«، فإذا كان‏ذلك هو معنى إمضاء المعاملة شرعاً وعقلائياً، فلا إطلاق لفظي في أدلةالامضاء، على أساس أن إعطاء الفرصة ومنحها للناس لايجاد المسبب كالمبادلةبين المالين مثلاً لا يقتضي منح إيجاده عن أي سبب يمكن إيجاده به.
وعلى هذا فإن كان بين الأسباب قدر متيقن فلابد من الأخذ به، وفي الزائديرجع إلى الأصل وإن لم يكن بينها قدر متيقن حكم بامضاء الجميع، إذ الحكم‏بامضاء البعض دون بعض ترجيح من غير مرجح.
فالنتيجة أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من التلازم بين إمضاء المسببات‏وإمضاء الأسباب، لا يمكن المساعدة عليه على نحو الإطلاق.
الجهة الخامسة: في ثمرة النزاع بين القولين في المسألة، ولكن ظهر مما تقدم‏أن الثمرة لا تظهر بينهما.
وعلل ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأن المعاملات تفترق عن العبادات، فإن‏العبادات بما أنها ماهية مخترعة من قبل الشارع المقدس، فلو كانت موضوعةللصحيحة فلا يمكننا التمسك بإطلاق أدلتها، لأن الشك في اعتبار شي‏ء فيها جزءاًأو شرطاً يرجع إلى الشك في صدق اللفظ بما له من المعنى على الفاقد للشي‏ءالمشكوك فيه، لاحتمال مدخليته في المسمى، وهذا بخلاف المعاملات، فإنهاحيث كانت ماهيات مخترعة من قبل العقلاء لحفظ النظام، فلوكانت موضوعةللصحيحة لم يكن مانع من التمسك بالاطلاق، باعتبار أن الصحيح عند العقلاءأعم مورداً من‏الصحيح عندالشارع، نعم تظهرالثمرة بين‏القولين في باب‏المعاملات‏أيضاً فيما إذا شك في اعتبار شي‏ء فيها عند العقلاء جزءاً أو شرطاً كما مرّ(3).
وغير خفي أن ما ذكره‏قدس سره من أن المعاملات اُمور عرفية عقلائية وإن كان‏صحيحاً، إلا أن ما ذكره‏قدس سره من أن العبادات من مخترعات الشارع غير صحيح،لما تقدم من أن‏العبادات بصورهاالخاصة المحددة كماً وكيفاً موجودة قبل الاسلام‏بألفاظها المخصوصة، ولا يتصرف‏الشارع فيها بعدالاسلام إلا بما لا يكون ذلك‏من مقوماتها، فإذن لا فرق من هذه الناحية بين‏العبادات والمعاملات.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم هذا الفرق، إلا أنه لا يوجب عدم جريان‏نزاع الصحيح والأعم في باب المعاملات عند الشارع، لما مرّ من أنه لا فرق بينهمامن هذه الناحية أيضاً.
فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر بين القولين في المسألة، لا من جهة ما ذكره السيدالاُستاذقدس سره من الفرق بين العبادات والمعاملات، بل من جهة أن أسامي‏المعاملات أسام عرفية عقلائية لا شرعية، سواء أكان هناك فرق بينهماوبين‏العبادات أم لا.
الجهة السادسة: قد تسأل هل أن أسامي المعاملات موضوعة للمعاملات‏بمعنى الأسباب أو المسببات.
والجواب: أنها موضوعة للاُولى دون الثانية. فلنا دعويان:
الاُولى: أنها موضوعة للمعاملات بمعنى الأسباب.
الثانية: أنها لم توضع للمعاملات بمعنى المسببات.
أما الدعوى الاُولى، فلا شبهة في أن المعاملات بمعنى الأسباب كالبيع‏والاجارة والنكاح والهبة والصلح وما شاكل ذلك من العناوين الخاصة كلها اسم‏لفعل المتعاملين، وهو إنشاء مضمون المعاملة من الملكية أو الزوجية أو نحوهاعن قصد بصيغتها الخاصة من قول أو فعل، ولا يصدق عنوان البيع مثلاً على‏الصيغة فقط، بل عليها بما لها من المضمون الانشائي، فإذا أنشأ البائع تمليك عين‏بعوض بلفظ أو ما يقوم مقامه وكان جاداً فيه، تحقق البيع في الخارج وصدق‏عليها عنوانه الخاص ويكون مشمولاً لدليل الامضاء كقوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ‏الْبَيْعَ«، فإنه أوجد البيع الذي أحله تعالى ورخص فيه.
وبكلمة أوضح، إن المعاملات المذكورة متقومة بثلاثة عناصر:
الأول: أداة الانشاء من لفظ أو ما يقوم مقامه.
الثاني: إنشاء مضمون المعاملة بها.
الثالث: أن يكون جاداً في إنشائه.
فالمعاملة تتكون من هذه العناصر الثلاثة، فإذا تحققت كانت مشمولة لدليل‏الامضاء وترتب عليها أثرها القانوني، وهو حكم الشارع بالصحة، فإذا أنشأالبائع المبادلة بين مالين بأداتها من قول أو فعل وكان جاداً في ذلك ومتوفراًشروطها وشروط المتعاملين، تحقق البيع خارجاً وصدق عليه اسمه وترتب عليه‏أثره الشرعي، لمكان شمول دليل الامضاء له.
وأما قصد التسبيب إلى ذلك الأثر، فهل هو معتبر في تحقق المعاملة بعنوانهاالخاص واسمها المخصوص زائداً على العناصر المتقدمة، فيه قولان:
فذهب بعض المحققين‏قدس سره إلى اعتباره في تحقق المعاملة التي هي بمثابة الموضوع‏لدليل الامضاء(4).
ولكن الظاهر أن قصد التسبيب إلى الأثر الشرعي أو العقلائي غير معتبر في‏تحقق المعاملة، وليس من أركانها وعناصرها المقومة، ومن هنا قد يكون قصدالتسبيب إلى الأثر الشرعي أو العقلائي القانوني أمراً مغفولاً عنه عن أذهان‏المتعاملين، ولهذا لم يؤخذ في تعريف المعاملة كالبيع أو نحوه، وأدلة الامضاء لاتدل على أن قصد التسبيب دخيل في تحقق المعاملة وأنه من أحد عناصرهاالمقومة، لأن مفادها إمضاء المعاملات بعناوينها الخاصة كالبيع والاجارةوالنكاح والصلح وغيرها، والترخيص في إيجادها.
ودعوى أن البيع أو نحوه من المعاملات معاملات تسبيبية متقومة بالقصد،مدفوعة بأن ذلك إنما هو من جهة أن الشارع جعلها سبباً لترتب الأثر الشرعي‏وموضوعاً له، ومن الواضح أن قصد موضوعية الموضوع غير معتبر في‏موضوعيته، وكذلك قصد سببية السبب.
هذا إضافة إلى أن البائع إذا كان في مقام إنشاء البيع وكان جاداً في ذلك، فلامحالة يكون قصد التسبيب موجوداً في أعماق نفسه ارتكازاً، فلا يلزم قصده‏تفصيلاً، إلا أن يكون مراده‏قدس سره من قصد التسبيب أعم من قصده ارتكازاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن ألفاظ المعاملات المعنونةبعناوين خاصة أسام لها، شريطة وجدانها للعناصر الثلاثة المتقدمة.
أما الدعوى الثانية، فلأنه إن اُريد بالمسبب الشرعي نفس الحكم الشرعي،وهو حليّة إيجاد البيع والترخيص فيه الذي هو مفاد أدلة الامضاء، فلا شبهة في‏أن المعاملات ليست أسامي له، فإن المعاملات موضوعة ومتعلقة له، وإن أريدبه الأثر الشرعي القانوني الذي هو نتيجة أدلة الامضاء، فلا اثنينية بين السبب‏والمسبب حينئذ إلا بالاعتبار، لأن تمليك عين بعوض كما في البيع سبب بلحاظأنه تحقق بانشاء البائع بالمباشرة، ومسبب بلحاظ أن الشارع أحل هذا التمليك‏وأقرّه وأمضاه، فالممضى هو نفس التمليك المذكور الذي هو فعل البائع، وبعدتعلق الامضاء به اتصف بالشرعي، وعلى هذا الأساس فليس هنا فردان من‏التمليك لا في عالم الخارج ولا في عالم الاعتبار، بل فرد واحد من التمليك وهوالمنشأ من البائع بالقصد والاختيار، وحينئذ فإذا تعلق به الامضاء من قبل‏الشارع صحّ إسناده إليه أيضاً، فلا اختلاف بينهما إلا بالاعتبار والاضافة، فإنه‏باعتبار إضافته إلى الشارع مسبب، وباعتبار اضافته إلى البائع سبب.
وبكلمة أوضح إن الانشاء الشخصي الصادر من البائع في باب البيع كتمليك‏عين بعوض، تارة يكون مورداً لامضاء الشارع إذا كان واجداً لشرائطالامضاء، واُخرى لا يكون مورداً له كما إذا لم تتوفر فيه الشروط المعتبرة من قبل‏الشارع، ولكن يكون مورداً لامضاء العقلاء بلحاظ توفر شروط إمضائهم فيه،وثالثة لا يكون مورداً لا لهذا ولا لذاك.
أما على الأول، فلأن للمنشأ بهذا الانشاء الشخصي ثبوت وتحقق في عالم‏الاعتبار والانشاء لدى الشارع، وكان يتصف بالصفة الشرعية ويترتب عليه‏آثاره، ولا اثنينية بين ما يسمى بالسبب وما يسمى بالمسبب ذاتاً وحقيقة،فالاختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار، وعلى هذا الأساس لا معنى للنزاع في أن‏ألفاظ المعاملات موضوعة للسبب أو المسبب إلا إذا كانت حيثية إضافته إلى‏الشارع دخيله في المسمى، وهي غير محتملة.
وأما على الثاني، فلأن للمنشأ بهذا الانشاء الشخصي ثبوت وتحقق في‏عالم‏الاعتبار والانشاء لدى العقلاء دون الشرع، أي لا ثبوت له في هذاالعالم‏لدى الشارع، ومن هنا يكون البيع صحيحاً عند العقلاء ولا يكون‏صحيحاًعند الشارع.
وأما على الثالث، فلأنه لا ثبوت للمنشأ بالانشاء المذكور لا عند الشارع‏ولا عند العقلاء، باعتبار أن شروط الصحة غير متوفرة فيه مطلقاً حتى عندالعقلاء، وإنما له ثبوت وتحقق شخصي عند المتعاملين مع علمهما بعدم ثبوته لاعند الشارع ولا عند العقلاء.
ومن هنا يظهر أن المراد من المسبب ليس هو نفس إمضاء الشارع وحكمه‏بالحلية، بل المراد منه هو الممضى والمحلل شرعاً الذي هو متمثل في الملكيةالمنشأة بإنشاء المتعاملين أو الزوجية المنشأة بإنشاء المتعاقدين في باب النكاح‏وهكذا، فالنتيجة أنه لا تعدد بين السبب والمسبب ذاتاً وحقيقة، والاختلاف‏بينهما إنما هو بالاعتبار، هذا.
وقد يقال: إن السبب عبارة عن أداة الانشاء فحسب من لفظ أو ما يقوم‏مقامه، وهو غير المسبب الذي هو عبارة عن مضمون المعاملة، وهو الملكيةأوالزوجية.
ولكن هذا القول غير صحيح، إذ من الواضح جداً أن المراد من السبب ليس‏هو نفس الأداة للانشاء، بل هي أداة للسبب الذي هو نفس إنشاء مضمون‏المعاملة بها عن جد.
إلى هنا قد تبين أن المعاملة كالبيع أو نحوه اسم لمجموع العناصر الثلاثةالمتقدمة.
الجهة السابعة: قد عرفتم أن المعاملات متقومة بالعناصر والأركان الثلاثة،ونتيجة ذلك أنها موضوعة للأعم، وهو الجامع بين ما ينطبق على المعاملةالمشتملة على الأركان الثلاثة فقط والمشتملة عليها وعلى غيرها من الأجزاءوالشروط غير المقومة على حد سواء، نظير ما ذكرناه في باب العبادات،ويدل‏على ذلك أمران:
الأول: صحة إطلاق المعاملة على المعاملة الفاسدة كإطلاقها على المعاملةالصحيحة بلا فرق بينهما في ذلك، مثلاً إطلاق البيع على البيع الفاسد كإطلاقه‏على البيع الصحيح على حد سواء، وهذا يكشف عن أن المعنى الموضوع له هوالجامع بين الصحيح والفاسد، واللفظ مستعمل فيه دائماً، وإرادة كل من الخاص‏إنما هي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول.
نتيجة بحث الصحيح والأعم ...
الثاني: أن النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله منذ بداية الوحي قد طرح نفس هذه الأسماء في‏نصوص الكتاب والسنة لإفادة معانيها على المجتمع الاسلامي من الصحابةوالتابعين له بدون أي استغراب منهم على هذا الطرح، بل يظهر منها أنهم كانوامأنوسين بها، وهذا يدل على أن المعاملات كانت موجودة بنفس تلك الأسامي‏قبل الاسلام ودارجة بها بين العرب في الجزيرة، إذ من الواضح أنها لولم تكن‏دارجة بين الناس قبل الاسلام بنفس الأسامي الموجودة في نصوص الكتاب‏والسنة، بأن تكون موجودة بأسامي ولغات اُخرى من العبرانية أو السريانية،لكان طرح النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله المعاملات منذ بداية الوحي بهذه الأسماء والألفاظالعربية الخاصة أمراً مستغرباً عندهم، حيث إنهم كانوا مأنوسين بألفاظ اُخرى‏دون هذه الألفاظ، فعدم استغرابهم من هذا الطرح، يكشف عن أنها كانت‏موجودة بنفس هذه الألفاظ قبل الاسلام، غاية الأمر أن الشارع بعد الاسلام قداعتبر فيها جزءاً أو شرطاً أو مانعاً لم يكن معتبراً فيها عند العقلاء ولا مانعاً،ومن هنا لا ملازمة بين الصحيح لدى العقلاء والصحيح عند الشارع، فربّما تكون‏المعاملة صحيحة عند العقلاء ولا تكون صحيحة عند الشارع.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا شبهة في أن المعاملات موضوعة للأعم‏دون‏الصحيح.
نتيجة بحث الصحيح والأعم تمثل عدة نقاط:
الاُولى: أن النزاع في وضع أسماء العبادات والمعاملات للصحيح أو الأعم‏يجري على جميع الأقوال في مسألة الحقيقة الشرعية، أما على القول بوضعها من‏قبل الشارع بإزاء المعاني الشرعية فالأمر واضح، وكذلك على القول بوضعهابإزاء تلك المعاني قبل الاسلام ، وأما على القول بالمجاز، فالصحيح في تصويره أن‏يقال: إن مفاد القرينة العامة التي يعتمد عليها الشارع في استعمال هذه الألفاظالخاصة في المعاني الشرعية مجازاً، هل هو استعمال الشارع تلك الألفاظ في‏المعاني الصحيحة وإرادة الأعم بحاجة إلى قرينة خاصة، أو استعمالها في الأعم‏وإرادة الصحيحة بحاجة إلى قرينة خاصة؟ والأعمي يدعي الأول، والصحيحي‏يدعي الثاني على تفصيل تقدم.
الثانية: أن تفسير الصحة بمعنى التمامية غير واقعي، لأن التمامية بمعنى وجدان‏الشي‏ء لذاته وذاتياته ليست مساوقة للصحة، سواء كان ذلك الشي‏ء بسيطاً أم‏مركباً، وكذلك بمعنى وجدان الشي‏ء للأجزاء والشرائط، بل الظاهر أن التماميةبمعنى وجدان الشي‏ء للحيثية المطلوبة منه مساوقة للصحة، وهذه الحيثية هي‏حيثية إسقاط القضاء والاعادة وموافقة الشريعة في العبادات.
الثالثة: قد تقدم أنه لا شبهة في أن الصحة من ناحية الأجزاء والشرائط على‏القول بالصحيح معتبرة في مسمى العبادة كالصلاة ونحوها، ولا طولية بينهما لا في‏عالم الوجود ولا في عالم آخر، وأما الصحة من ناحية قصد القربة، فهي منوطةبإمكان أخذه في المسمى الذي هو متعلق الأمر، وأما الصحة من ناحية عدم‏المزاحم والنهي عن العبادة، فلا تكون مأخوذة في المسمى.
الرابعة: أن على كل من الصحيحي والأعمي تصوير جامع بين أفرادالعبادات لكي تكون أسماؤها موضوعة بإزاء ذلك الجامع، فعلى الصحيحي‏تصويره بين الأفراد الصحيحة، وعلى الأعمي تصويره بين الأعم منها ومن‏الفاسدة، على أساس أن احتمال الاشتراك اللفظي أو الوضع العام والموضوع له‏الخاص غير موجود على تفصيل تقدم سابقاً.
الخامسة: أن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أنه لا ضرورة تدعو إلى تصويرجامع بين أفراد العبادات على كلا القولين في المسألة، غير تام على ما تقدم.
السادسة: أن المحقق الخراساني‏قدس سره قد استدل على وجود جامع بين الأفرادالصحيحة بقاعدة فلسفية، وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على‏أساس اشتراك تلك الأفراد في أثر واحد، ولكن تقدم أنه لايمكن تطبيق تلك‏القاعدة عليها في المقام.
السابعة: أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفراد الصحيحة، باعتبارأن الصلاة مركبة من حقائق مختلفة ومقولات متباينة، والجامع الذاتي بين تلك‏المقولات غير معقول.
الثامنة: أنه لا يتصور وجود جامع مركب بين الأفراد الصحيحة، لأن كل‏مركب فرض أنه جامع، فهو صحيح في حالة وفاسد في حالة اُخرى، فلا يمكن‏تصويره بينها في تمام الحالات.
التاسعة: أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره - من أن الجامع بين الأفراد الصحيحةلاينحصر بالجامع الذاتي ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن الأول غيرمتصور،والثاني لم يوضع اللفظ بإزائه، بل هنا جامع ثالث وهو الجامع‏الوجودي بينها - غير تام.
العاشرة: أن ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره - من أن الجامع بين الأفرادالصحيحة سنخ عمل مبهم من جميع الجهات إلا من حيث كونه مطلوباً في أوقات‏خاصة أو من حيث أثره الخاص كالناهي عن الفحشاء والمنكر - غير تام.
الحادية عشرة: أن ما ذكره المحقق القمي‏قدس سره - من أن أسماء العبادات كالصلاةمثلاً موضوعة بإزاء الأركان فقط، وأما بقية الأجزاء والشرائط، فهي دخيلة في‏المأمور به دون المسمى - غير بعيد على تفصيل تقدم.
الثانية عشرة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن ألفاظ العبادات موضوعةبإزاء الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط، بمعنى أنهاعند وجودها داخلة في المسمى وعند عدمها خارجة عنه - غير تام، لأن الماهيةلا بشرط هي الماهية المطلقة في مقابل الماهية بشرط شي‏ء وبشرط لا التي هي‏الماهية المقيّدة بالوجود أو بالعدم، والاطلاق إما بمعنى رفض القيود كما هومختاره‏قدس سره أو بمعنى عدم التقييد كما قويناه، فعلى كلا التقديرين ليس معنى لابشرط دخول سائر الأجزاء والشرايط في المسمى عند وجودها وعدم دخولهافيه عند عدم وجودها، فإن ما ذكره‏قدس سره من التفسير لكلمة لا بشرط ليس‏تفسيراً لها على ما تقدم.
الثالثة عشرة: أن ما أورده المحقق النائيني‏قدس سره من أن شيئاً واحداً لا يمكن أن‏يكون داخلاً في المركب عند وجوده وخارجاً عنه عند عدمه، مبني على الخلطبين المركبات الحقيقية والمركبات الاعتبارية، فما أفاده‏قدس سره تام في المركبات‏الحقيقية دون الاعتبارية.
الرابعة عشرة: يمكن القول بأن ألفاظ المركبات الاعتبارية كالعبادات‏ونحوها، موضوعة بإزاء مفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحو الابهام المنطبق‏على تجمع الأركان وحدها وعلى تجمع المشتمل عليها وعلى الأجزاء والشرائطالاُخرى، ولكن تقدم أن هذا القول أيضاً غير تام.
الخامسة عشرة: أن الأركان المأخوذة في المسمى طبيعي الأركان بعرضهاالعريض ومراتبها الطويلة، فالمأخوذ الطهارة الحدثية الجامعة بين الطهارة المائيةوالترابية، والركوع الجامع بين ركوع القائم وركوع الجالس وهكذا، هذا إذا كان‏بين البدل والمبدل جامع، وإلا فالمأخوذة كل منهما على البدل، وما عن السيدالاُستاذ من أن الأركان مأخوذ فيه على سبيل البدل، لا يتم مطلقاً.
السادسة عشرة: أن حديث لا تعاد لايدل على أن الخمسة ركن وتدورالصلاة مدارها وجوداً وعدماً، بل يدل على أنها دخيلة في صحة الصلاة حتى في‏حال النسيان، وأما روايات التكبيرة، فإنها أيضاً لا تدل على أنها ركن مقومةللصلاة، نعم رواية التثليث تدل على أن الثلاثة مقومة للصلاة ويدور صدقهامدارها وجوداً وعدماً، ولكنها لاتدل على أنها مسمى الصلاة فقط، وقد تقدم‏تفصيل ذلك.
السادسة عشرة: أن القول بوضع الصلاة بإزاء معظم الأجزاء، لايرجع إلى‏معنى محصل كما مرّ.
الثامنة عشرة: الصحيح أن أسماء العبادات موضوعة بإزاء الأعم‏دون‏الصحيحة.
التاسعة عشرة: أن الثمرة لا تظهر بين القولين في الاُصول العملية، فإن المرجع‏على كلا القولين أصالة البراءة.
العشرون: أن الثمرة تظهر بين القولين بالنسبة إلى الاُصول اللفظية، فإنه‏على‏القول بالأعم لا مانع من الرجوع إلى إطلاق الأدلة من الكتاب والسنة عندالشك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر، وأما على القول بالصحيح، فلا يمكن‏التمسك بإطلاقها.
الحادية والعشرون: الصحيح أن معنى المعاملة أمر إنشائي منشأ بصيغةخاصة من قول أو ما يقوم مقامة، فإذا كان المتعامل جاداً في ذلك ومتوفراًشروطه، ترتب عليه أثره، وليس معناه اعتبار الأمر النفساني في اُفق النفس‏وإبرازه بمبرز ما في الخارج من قول أو فعل كما بنى عليه السيد الاُستاذقدس سره.
الثانية والعشرون: أن محل النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيح أوللأعم، هل هو بنظر الشرع أو العقلاء؟ فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى أنه بنظرالعقلاء وعدم إمكان أن يكون بنظر الشارع، إذ لو كانت موضوعة للصحيح بنظرالشارع، استحال تعلق دليل الامضاء به، لأن مفاد دليل الامضاء صحةالمعاملة، فلو كانت صحيحة في المرتبة السابقة، لكان معنى تعلقه بها أن المعاملةالصحيحة صحيحة، وهذا كما ترى.
ولكن الصحيح إمكان هذا النزاع بنظر الشارع أيضاً، لأن ما ذكره‏قدس سره من‏المحذور مبني على وضع أسماء المعاملات للصحيح بالحمل الأولي، وهو مفهوم‏الصحيح المتقوم بالامضاء، وأما وضعها بإزاء واقع الصحيح - وهو المركب التام‏من الأجزاء والشرائط الواجد للأثر المطلوب منه - فلا مانع من وضعها بإزائه،كما هو الحال في العبادات على ما تقدم تفصيله.
الثالثة والعشرون: أن المعاملات بمعنى المسببات لا تتصف بالصحة والفساد،بل بالوجود تارة وبالعدم اُخرى إذا كان المراد بالمسبب ترتب الأثر الشرعي أوالعقلائي ، كما هو ظاهر المشهور، وأما لوكان المراد به الأمر الانشائي المنشأ من‏قبل المتعاملين بصيغته الخاصة من لفظ أو ما يقوم مقامه كالملكية أو الزوجية،فهو يتصف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى.
الرابعة والعشرون: يجوز التمسك بإطلاق أدلة الامضاء على كلا القولين في‏المسألة، ولا تظهر الثمرة بينهما بناء على ما هو الصحيح من أن المعاملات اُمورعرفية عقلائية، إذ على هذا فالصحيح عند العقلاء أعم منه عند الشارع، فلامانع حينئذ من التمسك بإطلاق أدلة الامضاء إذا شك في اعتبار شي‏ء فيها شرعاً،لأن صدق اللفظ بما له من المعنى على الفاقد للشي‏ء المشكوك فيه محرز، والشك‏إنما هو في اعتبار أمر زائد عليه، نعم تظهر الثمرة بينهما إذا شك في اعتبار شي‏ء فيهاعند العقلاء، فإنه على القول بالأعم يجوز التمسك بالاطلاق دون القول‏بالصحيح، وكذلك لو كان هذا النزاع عند الشارع، كما هو الحال في العبادات.
الخامسة والعشرون: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن أدلة الامضاء لوكانت متجهة إلى إمضاء المعاملات بمعنى المسببات، فهي تدل على إمضاء أسبابهاأيضاً بالالتزام - لا يتم.
السادسة والعشرون: أن أسماء المعاملات موضوعة بإزاء الأسباب التي هي‏متمثلة في العناصر الثلاثة:
1 - أداة الانشاء من لفظ أو ما يقوم مقامه.
2 - إنشاء مضمون المعاملة بها.
3 - أن يكون جاداً في ذلك.
المشتق ...

الرابع عشر: المشتق‏
ها هنا جهات من البحث.
الجهة الاُولى: في تنقيح موضوع البحث وتحديده سعةً وضيقاً.
وغير خفي أن موضوع البحث في المسألة ومحوره الاسم في مقابل الفعل‏والمصدر، فإنهما خارجان عن محل النزاع كما سوف نشير إليه.
ثم إن الاسم على أنواع.
النوع الأول: متمثل في الاسم الذي يكون مفهومه منتزعاً عن مقام ذاته‏وذاتياته، وهي جنسه وفصله الذاتيين بلا دخل لأي شي‏ء خارج عن مقام ذاته‏وذاتياته فيه، وذلك كمفهوم الانسان والحيوان والشجر والحجر وما شاكل ذلك،فإن تلك المفاهيم منتزعة عن ذوات هذه الأسماء بذاتها وذاتياتها على أثر اتصاف‏تلك الذوات بالمبادى‏ء الذاتية لها، كاتصاف ذات الانسان بصورته النوعية وهي‏صورة الانسانية، فإن هذا الاتصاف هو المنشأ لانتزاع مفهوم الانسان وهكذا.
النوع الثاني: متمثل في الاسم الذي يكون مفهومه منتزعاً عن أمر خارج عن‏ذاته وذاتياته بملاك اتصاف ذاته به، وذلك كمفهوم الزوج والزوجة والرق والحروما شابه ذلك.
النوع الثالث: متمثل في الاسم الذي يكون وصفاً اشتقاقياً، وذلك كأسماءالفاعلين والمفعولين والصفات المشبهات بالفعل وأسماء الأزمنة والأمكنة ونحوذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن دخول كل اسم في موضوع البحث منوط بتوفرأمرين‏فيه:
أحدهما: أن يكون الاسم جارياً على الذات المتلبّسة بالمبدأ بنحو من أنحاءالتلبس ومحمولاً عليه حقيقة.
وثانيهما: بقاء الذات في حال انقضاء المبدأ عنها وعدم استحالة ذلك، بأن‏تكون الذات جامعة بين الفرد المتلبس بالمبدأ والفرد المنقضى عنه المبدأ.
وعلى ضوء هذا الأساس فالنوع الأول من الأسماء خارج عن موضوع النزاع‏في المسألة، لعدم توفر شي‏ء من الشرطين فيه، أما عدم توفر الشرط الأول فلأنه‏عين ذاته وذاتياته، فلذلك لايمكن حمله عليها إلا بالحمل الأولي الذاتي لابالشائع الصناعي، لأن حمل الانسان على الحيوان الناطق حمل أولي لا شائع،وأما عدم توفر الشرط الثاني فلأن بقاء الذات فيه مع انقضاء المبدأ عنهامستحيل، على أساس أنه ذاتي لها من الذاتي باب الكليات، ولا يعقل بقاء ذات‏الانسان مع زوال صورته النوعية.
وأما النوع الثاني من الأسماء، فالظاهر أنه داخل في محل النزاع، على أساس‏أن كلا الشرطين متوفر فيه، أما توفر الأول فلمكان صحة حمله على الذات،كقولك زيد زوج أو رق أو حر وهند زوجة وهكذا. وأما توفر الثاني فلأن‏الذات لا تنتفي بانتفاء المبدأ عنها، لأنه ليس من مقوماته.
وأما النوع الثالث، فهو القدر المتيقن من دخوله في محل النزاع.
فالنتيجة أن دخول كل اسم في محل النزاع منوط بتوفر الشرطين المذكورين‏فيه. ومن هنا يظهر أن خروج الأفعال والمصادر عن محل النزاع إنما هو من جهةعدم توفر الشرط الأول فيهما، وهو صحة الحمل والجري على الذات.
قد يقال كما قيل: إن لازم اعتبار الشرط الثاني خروج مجموعة كبيرة من‏العناوين الاشتقاقية عن محل النزاع.
منها العناوين التي تكون مبادئها من لوازم ذواتها، فيستحيل انفكاكها عنهاخارجاً، وذلك كالممكن والممتنع والواجب والمعلول والعلة وما شاكل ذلك،فإن مبادى‏ء هذه العناوين وإن كانت حيثية عرضية لها، إلا أنها لازمة لذاتهاولايمكن زوالها عنها إلا بزوال ذاتها، ولهذا تكون تلك المبادى‏ء من الذاتي باب‏البرهان، مثلاً إمكان الممكن منتزع عن مقام ذاته لا عن شي‏ء خارج عن ذاته،وإلا لزم أن يكون الممكن خالياً عن الامكان في مرتبة ذاته، وهذا مستحيل،لاستلزام ذلك انقلاب الممكن إلى أحد أخوية، ونفس الشي‏ء يقال في الواجب‏والممتنع والمعلول والعلة ونحوها.
فمن أجل ذلك ذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى خروج هذه العناوين عن محل‏النزاع كالعناوين الذاتية، ولا معنى للبحث عن أنها موضوعة لخصوص المتلبس‏بالمبدأ فعلاً أو للجامع بينه وبين المنقضي عنه المبدأ، باعتبار أن انقضاء المبدأ عنهالا يتصور إلا بانقضاء نفس الذات في الخارج.
وإن شئت قلت: إن المواد الثلاث وهي الوجوب والامكان والامتناع وإن‏كانت خارجة عن ذات الشي‏ء وذاتياته، إلا أنها منتزعة عن مقام ذاته لا عن‏شي‏ء خارج عن ذاته، ولهذا تكون من الخارج المحمول، ولا يعقل خلوّ شي‏ء من‏الأشياء في الواقع عن إحدى هذه المواد الثلاث في الخارج، ومن هذا القبيل‏العلية والمعلولية، فإنهما منتزعتان عن مقام ذات العلة وذوات المعلول، وهما وإن‏كانتا خارجتين عن مفاد ذاتيهما ولكن لايعقل زوالهما مع بقاء الذات، وإلا لزم‏اتصاف ذات العلة وذات المعلول بغيرهما، وهو كما ترى(5).
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن وضع الهيئات لو كان‏شخصياً كوضع المواد، فلا يمكن دفع هذا الاشكال، ضرورة أنه لا معنى للبحث‏حينئذ عن أن هذه الهيئات الخاصة موضوعة لخصوص الذات المتلبسة بالمبدأفعلاً أو للأعم منها ومن الذات المنقضية عنها المبدأ رغم أن بقاء الذات فيها مع‏انقضاء المبدأ عنها مستحيل، وأما إذا كان وضعها نوعياً كما هو كذلك، فلا مجال‏لهذا الأشكال، لأن النزاع عندئذ إنما هو في وضع الهيئة الجامعة بين الهيئات‏الخاصة التي لا يمكن فيها بقاء الذات مع زوال المبدأ عنها والهيئات الاُخرى التي‏يمكن فيها بقاء الذات مع زوال المبدأ عنها، لأن البحث عن وضع الهيئة الجامعةسعةً وضيقاً لا يكون لغواً بعدما كانت الذات باقية بعد زوال المبدأ في جملة كثيرةمن أفرادها، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن النزاع إنما هو في وضع هيئة»مفعول« وهيئة »فاعل« وهيئة »مفعل«، ومن الواضح أن هذه الهيئات لاتختص بالمواد التي هي منتزعة عن مقام ذاتها وذاتياتها ولازمة لها، بحيث لايعقل زوالها مع بقاء ذاتها، كالممكن والممتنع والواجب والعلة والمعلول‏ونحوهالكي لا يجري النزاع فيها، بل تشمل ما يمكن فيه بقاء الذات مع زوال‏التلبس بالمبدأ وانقضائه عنها، كالمقيم والمنعم والضارب والمالك والمملوك‏والقادر والمقدور وهكذا.
والخلاصة أن وضع الهيئات بما أنه نوعي، فلا موجب لخروج تلك العناوين‏عن محل النزاع. فإن الخارج عن محل النزاع أمران لا غير.
الأول العناوين الذاتية، والثاني الأفعال والمصادر(6). هذا،
ويمكن التعليق على ذلك بتقريب أنه لا مانع من الالتزام بدخول تلك‏العناوين في محل النزاع حتى القول بأن وضع الهيئات شخصي كوضع المواد،وذلك لأن استحالة وجود فرد في الخارج لا تمنع عن إمكان الوضع بإزاء مفهوم‏جامع بينه وبين فرد آخر إذا كان الجامع قابلاً للتصور واللحاظ.
وعلى هذا فدخول العناوين المذكورة في محل النزاع مبتن على ركيزتين:
الاُولى: إمكان تصور الجامع بين الفرد المتلبّس والمنقضي.
الثانية: أن استحالة تحقق الفرد المنقضي في الخارج لاتمنع عن الوضع بإزاءالجامع.
أما الركيزة الثانية فالظاهر أنه لا وجه للنقاش فيها، إذ استحالة أحد فردي‏الجامع في الخارج لا تمنع عن إمكان الوضع بإزاء جامع بينه وبين الفرد الآخر،وعلى هذا فلا مانع من وضع المشتق بإزاء جامع بين المتلبّس بالمبدأ فعلاً وبين‏المنقضي عنه المبدأ وإن استحاال وجود الفرد المنقضي في الخارج.
ودعوى أن مثل هذا الوضع لغو ولا فائدة فيه، مدفوعة بأنه إنما يكون لغواًإذا كان الفرض مترتباً على فرده في الخارج، وهو خصوص المتلبس في المقام،بحيث لا يستعمل اللفظ إلا فيه دون الجامع، وأما إذا فرض أن اللفظ مستعمل‏في‏الجامع واستفادة الفرد إنما هي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول،فلايكون لغواً.
فالنتيجة، أن الجامع بين المتلبس والمنقضي إذا كان متصوراً، فاستحالةوجود الفرد المنقضي في الخارج لا تمنع عن الوضع بإزاء الجامع.
وأما الركيزة الاُولى: فقد يقال إن الجامع بين الفرد المتلبّس والمنقضي في‏العناوين المذكورة غير متصور حتى يكون اللفظ موضوعاً بإزائه، فلذلك تخرج‏عن محل النزاع، فيكون حالها من هذه الناحية حال العناوين الذاتية، فكما أن‏الجامع بينهما في تلك العناوين غير متصور، لاستلزامه التناقض في عالم التصورواللحاظ، فكذلك في هذه العناوين.
بيان ذلك أن تصور الجامع بين الذات المتلبسة بالامكان مثلاً والذات الفارغةعنها الامكان يستلزم في نفس الوقت عدم تصوره بينهما، على أساس أن الذات‏الفارغة عنها الامكان ليست بذات الممكن حتى يكون هذا الجامع جامعاً بين‏فرديها، وهذا هو معنى التناقض في عالم التصور واللحاظ، كما هو الحال في‏العناوين الذاتية.
والخلاصة أن خروج هذه العناوين العرضية عن محل النزاع ليس من جهةاستحالة وقوع الفرد المنقضي فيها خارجاً، بل من جهة عدم إمكان‏تصورالجامع بين الفردين فيها واستلزامه التناقض في هذه المرحلة أي مرحلةالتصور. هذا،
والجواب، أن استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثاني تتصورعلى‏نحوين:
الأول: أنها وقوعية فعلية، لا ذاتية منطقية.
الثاني: أنها ذاتية منطقية.
وعلى هذا فالاستحالة إن كانت على النحو الأول، فهي لاتمنع عن تصورالجامع بينهما في عالم المفهوم، وإن كانت على النحو الثاني تمنع عن تصوره،وحيث ان استحالة الانفكاك في تلك العناوين وقوعية فعلية لا ذاتية منطقية، فلاتمنع عن حضور الجامع بين فردي المتلبس والمنقضي فيها، وذلك لأن المبدأ في‏العناوين المذكورة مغاير للذات مفهوماً ومصداقاً، غاية الأمر أنه لا ينفك عنهاخارجاً، لأنه من لوازمها الذاتية من الذاتي باب البرهان، ولكن ذلك لا يمنع عن‏تصور الجامع بينهما، لأن المبدأ إذا كان مغايراً مع الذات كما هو المفروض في‏العناوين المذكورة، أمكن تصور الذات فارغة ومنقضية عنها المبدأ في عالم‏التصور واللحاظ، ولا يلزم من ذلك عدم تصورها حتى يكون تصورهامستحيلاً بملاك التناقض في نفس عالم التصور واللحاظ، وإنما يلزم ذلك إذا كان‏المبدأ عين الذات حقيقة كما في العناوين الذاتية كالانسان والحيوان ونحوهما،فإنه لا يمكن تصور ذات الانسان فارغة عن مبدئها وهو الانسانية التي هي‏صورتها النوعية المقومة، بداهة أن تصورها كذلك ليس تصوراً لها في نفس‏الوقت، فيلزم حينئذ التناقض في عالم التصور واللحاظ، وهو مستحيل.
وبكلمة، إن تصور الشي‏ء بدون صورته النوعية المقومة له وبقطع النظر عنهاليس تصوراً له، وهذا معنى أنه يلزم من تصوره كذلك عدم تصوره، وما يلزم‏من تصوره عدم تصوره، فتصوره مستحيل، وأما تصور ذات الممكن بدون‏الامكان وبقطع النظر عنه، فهو بمكان من الامكان، باعتبار أن مبدئها مغاير لها،فلا مانع من التفكيك بينهما في عالم التصور واللحاظ، وإنما لا يمكن ذلك في عالم‏الواقع والخارج، وعلى هذا فبإمكان الواضع تصور الجامع بين الذات المتلبسةبالامكان والذات الفارغة عنها الامكان ووضع لفظ »الممكن« بإزائه، ونفس‏الشي‏ء يقال في نظائره، غاية الأمر أن تحقق الفرد المنقضي في الخارج مستحيل.
فالنتيجة أن استحالة وقوع الفرد المنقضي في الخارج لا تمنع عن دخول‏العناوين المذكورة في محل النزاع ووضع اللفظ بإزاء الجامع بعد إمكان تصوره.
ومن هنا يظهر أن المراد من استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثاني‏هو الاستحالة الذاتية المنطقية، وحينئذ فاشتراط عدمها مساوق لاشتراطالمغايرة بين المبدأ والذات ولو كان المبدأ لازماً لها خارجاً، وأما إذا كان المبدأمتحداً مع الذات ومقوماً لها حقيقة وذاتاً، فلا يكون هذا الشرط متوفراً فيه كمافي العناوين الذاتية مثل الانسان والحيوان والشجر والحجر ونحوها، فإن مبدأالانسان المتمثل في صورته النوعية المقومة وهي الانسانية لا يعقل انفكاكه عنه‏لا في عالم الخارج ولا في عالم التصور واللحاظ، بداهة أنه لا يمكن تصور ذات‏الانسان فارغة عن الانسانية، لأنه ليس تصوراً لها، فيلزم حينئذ من فرض‏تصورها عدم تصورها، وهو مستحيل.
إلى هنا قد تبين أن العناوين العرضية التي يكون مبدؤها لازماً لذاتها من‏الذاتي باب البرهان، داخلة في محل النزاع حتى على القول بأن وضع الهيئات‏شخصي، وأما العناوين الذاتية التي يكون مبدؤها مقوماً لذاتها من الذاتي باب‏الكليات، فهي خارجة عن محل النزاع.
ومنها ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن أسماء الأزمنة خارجة عن محل‏النزاع، بتقريب أن الشرط الثاني وهو إمكان انخفاظ الذات مع زوال المبدأ عنهاغير متوفر فيها، باعتبار أن الذات فيها هي نفس الزمان، وهو ينصرم آناً فآناًولا يعقل انخفاظه وبقاؤه، وعلى هذا فالزمان الذي وقع فيه المبدأ فقد انصرم‏ومضى، والزمان الذي هو موجود فعلاً لم يقع فيه المبدأ، ونتيجة ذلك أن الشرطالثاني غير متوفر فيها، فلذلك تكون خارجة عن محل النزاع(7).
وقد اُجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن هذا الاشكال مبني على أن يكون‏لأسماء الأزمنة وضع على حدة في قبال أسماء الأمكنة، ولكن الأمر ليس كذلك،فإن الهيئة المشتركة بينهما وهي هيئة »مفعل« موضوعة بوضع واحد لمعنى واحدكلي، وهو ظرف وقوع الفعل في الخارج أعم من أن يكون زماناً أو مكاناً، وقدمرّ أن النزاع في المقام إنما هو في وضع الهيئة بلا نظر إلى مادة دون مادة، فإذا لم‏يعقل بقاء الذات في مادة مع زوالها، لم يوجب ذلك عدم جريان النزاع في الهيئةنفسها التي هي مشتركة بين ما يعقل فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ عنها وما لايعقل فيه ذلك، وحيث إن الهيئة في محل البحث وضعت لوعاء المبدأ الجامع بين‏الزمان والمكان، كان النزاع في وضعها لخصوص المتلبس أو الأعم نزاعاًمعقولاً، غاية الأمر أن الذات إذا كانت زماناً لم يعقل بقاؤها مع زوال التلبّس عن‏المبدأ، وإذا كانت مكاناً يعقل فيه ذلك، ولا مانع من وضع اللفظ للجامع بين‏الفرد الممكن والممتنع إذا تعلقت الحاجة بتفهيمه. نعم، لو كانت هيئة اسم الزمان‏موضوعة بوضع على حدة لخصوص الزمان الذي وقع فيه الفعل، لم يكن مناص‏من الالتزام بخروج اسم الزمان عن محل النزاع(8)، وقد سبقه في هذا الجواب‏المحقق الأصبهاني‏قدس سره(9).
ولنا تعليق على هذا الجواب، وحاصل هذا التعليق هو أن هيئة اسمي الزمان‏والمكان وإن كانت هيئة واحدة ومشتركة بينهما، إلا أن اشتراكهما فيها إنما هو في‏اللفظ فقط لا في المعنى، وذلك لأن معنى كل من اسمي الزمان والمكان معنى‏حرفي، وليس معناه مفهوم الظرفية بالحمل الأولى الذي هو مفهوم اسمي، بل‏واقع الظرفية الذي هو ظرف بالحمل الشائع ونسبة بين الظرف والمظروف،وحيث إن النسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها، فبطبيعة الحال‏تختلف النسبة الظرفية في ظرف الزمان عن النسبة الظرفية في ظرف المكان، على‏أساس أن شخص طرفيها في الأول يختلفان عن شخص طرفيها في الثاني، فإذن‏لا محالة تختلف النسبتان ولا يعقل اشتراكهما في جامع ذاتي، لما ذكرناه في بحث‏الحروف من أن الجامع الذاتي بين أنحاء النسب والروابط غير معقول، لأن‏المقومات الذاتية لكل نسبة مباينة للمقومات الذاتية للنسبة الاُخرى، ومع‏إلغائها فلا نسبة في البين، ومع الحفاظ عليها، فالنسب وإن كانت ثابتة إلا أنهامتباينات بالذات والحقيقة.
وعلى هذا فما أفاده‏قدس سره من أن هيئة »مفعل« موضوعة بوضع واحد لمعنى‏واحد كلي فلا يمكن المساعدة عليه، لأنه إن اُريد بالمعنى الكلي الجامع الذاتي بين‏ظرف الزمان وظرف المكان، فقد عرفت أن الجامع الذاتي بينهما غير متصور،وإن اُريد به الجامع العنواني الانتزاعي، فهو وإن كان أمراً معقولاً وجامعاًبينهماإلا أن الهيئة المشتركة لم توضع بإزائه، لأنه مفهوم اسمي لا حرفي، ومعنى‏الهيئة معنى حرفي.
ودعوى أنه لا مانع من الالتزام بوضع الهيئة للنسبتين بالوضع العام‏والموضوع له الخاص، بأن يتصور الواضع الجامع العنواني بينهما، وهوعنوان‏الظرفية ويوضع اللفظ بإزاء واقعه وهو النسبتان بنحو الوضع العام‏والموضوع له الخاص.
مدفوعة بأن لازم ذلك أن الصيغة المشتركة لا تدل على خصوصية كون‏الظرف زمانياً أو مكانياً إلا بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، باعتبار أن‏حالها حينئذ حال اللفظ المشترك بين معنيين أو أكثر مع أن الأمر ليس كذلك،فإن الصيغة بنفسها تدل على الخصوصية من الزمانية أو المكانية.
ولكن غير خفي أن هذا الدفع لا يخلو عن تأمل، وذلك لأن النسبة الظرفية في‏أسماء الأزمنة مباينة للنسبة الظرفية في أسماء الأمكنة من جهة أن المقومات‏الذاتية لكل منها مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى، ومن الواضح أن الدال على‏الاُولى، وبما لها من خصوصية كون الظرفية زمانية هو اسماء الأزمنة، والدال على‏الثانية كذلك هو أسماء الأمكنة، ولكن مع هذا فمن يقول بأن الهيئة المشتركةموضوعة بإزاء النسبتين بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص أو بنحوالاشتراك اللفظي فلا مجازفة فيه، بقرينة أنها لا تدل بنفسها على الخصوصيةالخاصة بدون قرينة عليها، كخصوصية كون الظرف زمانياً أو مكانياً، مثلاً إذاقيل »مقتل زيد« فلا تدل الهيئة على شي‏ء من الخصوصيتين، فالدلالة عليهابحاجة إلى ضم قرينة في البين من الحالية أو المقامية أو غيرها، وما مر من أن‏الهيئة بنفسها تدل على الخصوصية لعله خلاف الوجدان.
الثاني: ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن انحصار مفهوم كلي في فردين‏أحدهما ممكن والآخر ممتنع، لايوجب عدم إمكان وضع اللفظ للكلي ليضطر إلى‏وضعه للفرد الممكن، فإن له أن يلاحظ المعنى الجامع بين الفردين ووضع اللفظله، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن انحصار مفهوم اسم الزمان في فرد وهو الفردالمتلبس لا يوجب وصفه له، بل يمكن ملاحظة المفهوم العام ووضع اللفظ بإزائه،لأن إنحصاره في الخارج في فرد وهو الزمان المتلبس بالمبدأ بالفعل وامتناع تحقق‏فرده الآخر وهو الزمان المنقضي عنه المبدأ لا يمنع عن وضع لفظ للجامع بين الفردالممكن والمستحيل، ومن هنا وقع النزاع في وضع لفظ الجلالة )اللَّه( وأنه اسم‏للجامع أو علم لذاته المقدسة، فلو لم يكن الوضع للكلي الجامع بين الممكن‏والممتنع لم يصح النزاع فيه، بل كان المتعين أنه علم لا اسم جنس، بل قال‏قدس سره إن‏كلمة الواجب موضوعة للمعنى الجامع مع استحالة سائر أفراده غير ذاته تعالى‏وتقدس(10)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن وضع لفظ للمعنى الجامع بين الفردالممكن والممتنع وإن كان ممكناً بل لا مانع من وضع لفظ لخصوص الفردالمستحيل، كوضع لفظ بسيط للحصة المستحيلة من الدور أو التسلسل أو لمفهوم‏اجتماع النقيضين فضلاً عن الوضع للجامع بين ما يمكن وما يستحيل، كما هوالحال في لفظ الدور والتسلسل والاجتماع وما شاكل ذلك، فإن الجميع وضع‏للمفهوم العام مع امتناع بعض أفراده في الخارج، ولكن وقوع مثل هذا الوضع‏متوقف على تعلق الحاجة بتفهيم الجامع المذكور، وذلك لأن الغرض من الوضع‏والداعي إليه التفهيم والتفهم في المعاني التي تتعلق الحاجة بإبرازها كما في الأمثلةالمذكورة، لأن الحاجة كثيراً ما تتعلق باستعمال تلك الألفاظ في الجامع، بل تطلق‏كثيراً ما ويراد منها خصوص الفرد المستحيل والحصة الممتنعة، وأما إذا لم تتعلق‏الحاجة بذلك فيكون الوضع لغواً، وحيث إن الحاجة لم تكن متعلقة باستعمال‏أسماء الأزمنة في الجامع بين الزمان المنقضي عنه المبدأ والزمان المتلبّس كان‏الوضع بإزائه لغواً، فلذلك تخرج عن محل النزاع.
ثم إنه‏قدس سره قد أشكل عليه بأن قياس المقام باسم الجلالة قياس مع الفارق، لأن‏الحاجة تتعلق باستعمال لفظ الجلالة في الجامع في مسألة البحث عن التوحيدوغيره، فلذلك لا يكون وضعه بإزاء الجامع لغواً(11).
ولنا تعليق عليه، وحاصل هذا التعليق هو أن تصور الجامع بين الفردالمتلبّس والمنقضي في أسماء الأزمنة إذا فرض أنه ممكن، فلا مانع من وضع‏اللفظبإزائه.
ودعوى أن اسم الزمان بما أنه مستعمل دائماً في خصوص الفرد المتلبّس،فيكون وضعه بإزاء الجامع لغواً وبلا فائدة.
مدفوعة أما أولاً، فلأن الجامع إذا كان متصوراً بينهما وكان اللفظ موضوعاًبإزائه، فلا مانع من استعماله فيه، وإرادة خصوص الفرد المتلبس عندتعلق‏الحاجة به إنما هي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، كما هو الحال‏في‏سائر الموارد.
وثانياً: إن الغرض الكلي من وضع الألفاظ إنما هو إعطاء صفة الصلاحية لهالاستخدامها واستعمالها كوسيلة لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين لدى الحاجةبنحو القضية الشرطية، وأما فعلية هذا الاستخدام والاستعمال، فهي تتبع فعليةالحاجة، وعلى هذا فإذا فرض أن أسماء الأزمنة موضوعة بإزاء الجامع، فقدترتب على وضعها بإزائه أثره، وهو صفة الصلاحية للدلالة عليه، فلا يكون‏لغواً، وأما فعلية الاستعمال والدلالة، فهي منوطة بفعلية حاجة المستعمل،وعليه فإذا فرض أن حاجة المستعمل دائماً متعلقة بتفهيم الفرد دون الجامع،فهي‏لا تدعو إلى استعمالها في الفرد مجازاً لا في الجامع، إذ كما يمكن ذلك يمكن‏استعمالها في الجامع وإرادة الفرد بدال آخر، فلا يكون هذا الوضع حينئذ لغواً،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى هل يمكن تصور الجامع بين المتلبّس والمنقضي في أسماءالأزمنة أم لا؟
والجواب: أنه لا يمكن بنظر العقل، وذلك لأنه يلزم من تصور الزمان الفارغ‏عنه المبدأ عدم تصوره، وما يلزم من تصوره عدمه فتصوره محال.
وبكلمة، إن مفهوم الزمان الذي هو زمان بالحمل الأولي وإن كان جامعاً بين‏الزمان المتلبس بالمبدأ والزمان المنقضي، إلا أن أسماء الأزمنة لم توضع بإزاءمفهوم الزمان، لأنه مفهوم اسمي، ومعنى اسم الزمان معنى حرفي.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك أن يكون اسم الزمان مرادفاً مع لفظ الزمان في‏المعنى، وهو كما ترى.
وأما واقع الزمان الذي هو زمان بالحمل الشائع، فلا يمكن تصور جامع بين‏الزمان المتلبس بالمبدأ والزمان المنقضي عنه المبدأ، على أساس أنه يلزم من‏تصوره عدم تصوره، وهو مستحيل.
هذا كله بحسب النظر الدّقي العقلي، وأما بحسب النظر العرفي، فسوف يأتي‏الكلام فيه عن قريب.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه على ضوء النظر الدّقي العقلي، فإن‏كان الجامع بين المتلبس والمنقضي متصوراً في أسماء الأزمنة، فلا مبرر لخروجهاعن محل النزاع، وإن لم يكن متصوراً بينهما، فلا مناص من خروجها عن محل‏النزاع، لعدم توفر الشرط الثاني فيها.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من أن الذات محفوظة في اسم‏الزمان بعد زوال المبدأ عنها، بتقريب أن الاتصال بين اللحظات الزمنية وآناتهامساوق للوحدة بنظر العرف، وذلك مثل اليوم مثلاً، فإنه بنظر العرف شي‏ءواحد يوجد بوجود أول جزء منه حقيقة وينتفي بانتفاء آخر جزء.
وعليه فإذا وقع القتل مثلاً في جزء منه تلبّس اليوم به بلحاظ ذلك الجزء، وإذاانقضى هذا الجزء وجاء الجزء الثاني فقد انقضى عنه المبدأ بلحاظ هذا الجزء،فالذات وهي اليوم محفوظة في كلتا الحالتين، هما حالة التلبس وحالة الانقضاء.
وبكلمة، إن واقع الزمان تدريجي تصرّمي متقوم بالتدريج والتصرم ذاتاًوحقيقة، بمعنى أن التدرج والتصرم من المقومات الذاتية له كالجنس والفصل‏للنوع، وقد قسّم هذا الزمان إلى قطعات خاصة بلحاظ ما يترتب عليها من‏الآثار الشرعية أو العرفية، ويكون كل قطعة منها المعنونة بعنوان مخصوص‏والمسماة باسم خاص موضوع للأثر، وذلك كاليوم والليل والاُسبوع والشهروالسنة والدهر والساعة وهكذا، ويكون لكل قطعة منها وجود مستقل يوجدحقيقة بوجود أول جزء منها ويستمر وجودها إلى انتهاء آخر جزء منها، وعلى‏هذا فإذا وقع قتل في يوم الجمعة مثلاً، فقد تلبس نفس يوم الجمعة بالقتل حقيقةبلحاظ وجوده بوجود الجزء الواقع فيه القتل، كما أنه قد انقضى عنه القتل كذلك‏بلحاظ وجوده بوجود الجزء الثاني وانقضاء الجزء الواقع فيه القتل وهكذا،وعلى كلا التقديرين فالذات وهي نفس يوم الجمعة محفوظة في كلتا الحالتين معاً،وهما حالة التلبس وحالة الأنقضاء، فيكون حال أسماء الأزمنة حينئذ حال‏أسماء الأمكنة ولا فرق بينهما، فكما أن الذات في أسماء الأمكنة محفوظة في‏كلتاالحالتين فكذلك في أسماء الأزمنة، وعليه فلا إشكال في دخولها في‏محل‏النزاع(12).
وهذا الجواب هو الأقرب وأظهر ما في الباب.
إلى هنا قد تبين أن النظر إلى الزمان إن كان بدقّة عقلية فبما أن كل آن منه‏بهذاالنظر مباين للآخر، فبطبيعة الحال لم يتوفر فيه الشرط الثاني، وإن كان‏بنظرعرفي فبما أن لكل قطعة من الآنات المتصلة وحدة وجودية، فيكون حاله‏حال اسم المكان.
ومنها ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن اسم الآلة خارج عن محل النزاع في‏المسألة، بتقريب أن الهيئة في أسماء الآلة قد وضعت للدلالة على قابلية الذات‏للتلبس بالمبدأ واستعدادها له، فإذا كانت الذات كذلك صدق عليها اسم الآلةحقيقة وإن لم تتلبس بالمبدأ فعلاً، مثلاً هيئة المفتاح تصدق على آلة الفتح حقيقةوبدون عناية وإن لم تتلبس بالفتح فعلاً، ومن هنا يكفي في صحة إطلاق اسم الآلةحقيقة شأنية الآلة وقابليتها للتلبّس بالمبدأ وإن لم تكن متلبسة به بالفعل، فإذن‏لا معنى للنزاع في أن هيئة أسماء الآلة موضوعة لخصوص الذات المتلبسة بالمبدأفعلاً أو للأعم منها ومن الذات المنقضية(13).
ولكن يمكن المناقشة فيه، بتقريب أنه لا شبهة في أن المبدأ في أسماء الآلةكالمفتاح والمكنس ونحوهما هو القابلية والشانية، فما دامت قابلية الذات‏للاتصاف بالمبدأ موجودة فالتلبّس فعلي، والاطلاق حينئذ يكون على المتلبس،لأن الانقضاء فيها إنما هو بزوال تلك القابلية عنها ولو بكسر بعض أسنانها أوغير ذلك، وعلى هذا فبناء على القول بكون المشتق موضوعاً للمعنى الجامع بين‏الذات المنقضية عنها المبدأ والمتلبسة به فعلاً يصدق عليه أنه مفتاح على نحوالحقيقة، وعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبس به فعلاً لا يصدق عليه إلا مجازاً،ومن هنا لا شبهة في صدق لفظ المفتاح حقيقة على كل ما فيه قابلية للفتح ولولم‏يقع الفتح به خارجاً، وكذا المكنس.
فالنتيجة أن المبدأ فيها هو القابلية والشأنية لا الفعل الخارجي كالفتح‏والكنس الخارجيين، وعليه فما أفاده‏قدس سره من خروج اسم الآلة عن محل النزاع‏مبني على الخلط بين شأنية اتصاف الذات بالمبدأ وفعليته به، وتخيل أن المعتبر في‏التلبس إنما هو التلبس بالمبدأ بالفعل.
ومنها استثناؤه‏قدس سره أسماء المفعولين، بدعوى أن هيئة تلك الأسماء موضوعةللدلالة على وقوع المبدأ على الذات، وهو مما لا يعقل فيه الانقضاء، لأن ماوقع‏لا ينقلب عما وقع عليه(14).
والجواب أولاً بالنقض بأسماء الفاعلين، لأن ما أفاده‏قدس سره من المبرّر لخروج‏أسماء المفعولين موجود بعينه في أسماء الفاعلين، إذ كما أن الشي‏ء إذا وقع في‏الخارج لا ينقلب عما وقع عليه كذلك إذا صدر شي‏ء عن الفاعل فيه، استحال أن‏ينقلب عما صدر عنه.
وثانياً بالحلّ، وحاصله أن ما ذكره‏قدس سره من المبرر لخروج أسماء المفعولين عن‏محل النزاع مبني على الخلط بين الأمرين، أحدهما أن يكون المبدأ في مثل هيئةالمضروب الضرب الواقع على الذات في الخارج، والآخر أن يكون المبدأ فيهاالضرب الذي يقع عليها فعلاً، فإن كان المبدأ الأول فالأمر كما أفاده‏قدس سره، إذيستحيل أن ما وقع في الخارج ينقلب عما وقع عليه، ولكن الأمر ليس كذلك،فإن الأول لايصلح أن يكون مبدأ لهيئة المفعول كالمضروب، وذلك لأن المتفاهم‏العرفي من هيئة المضروب مثلاً إما خصوص من يقع عليه الضرب فعلاً أو الأعم‏منه وممن ينقضي عنه الضرب.
وبكلمة، إن الضرب مبدأ للفاعل والمفعول معاً، غاية الأمر أن تلبس الذات‏به في الفاعل تلبس فاعلي يتضمّن حيثية الصدور، وفي المفعول تلبس مفعولي‏يتضمن حيثية الوقوع، وهاتان الحيثيتان من حيثيات نسبة المبدأ إلى الفاعل‏وإلى المفعول، فإن نسبته إلى الأول تستبطن حيثية الصدور، وإلى الثاني حيثيةالوقوع، وحيث إن كل نسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها في‏الذهن أو الخارج، فعليه تكون نسبته إلى الفاعل مباينة لنسبته إلى المفعول،ولكن بما أنهما تشتركان في طرف واحد وهو المبدأ، فبانتفائه تنتفي كلتا النسبتين‏معاً، وحينئذ فيقع الكلام في أن إطلاق هيئة المضروب مثلاً على الذات التي‏انقضت نسبة المبدأ عنها وزالت، هل هو إطلاق حقيقي أو مجازي، فعلى القول‏بوضع المشتق للأعم حقيقي، وإلا فمجازي، وكذلك الحال في طرف الفاعل‏كالضارب مثلاً، فإنه بعد زوال نسبة المبدأ عنه بزواله، فعلى القول بالأعم‏حقيقي، وعلى القول بالأخص مجازي.
والخلاصة، أنه لا فرق بين اسم الفاعل والمفعول، فكما أن النزاع يجري في‏هيئة اسم الفاعل وأنها وضعت بإزاء مفهوم كان مطابقه في الخارج فرداً واحداًوهو خصوص المتلبّس بالمبدأ فعلاً أو فردين أحدهما المتلبس والآخر المنقضي‏فكذلك يجري في هيئة اسم المفعول وأنها وضعت لمعنى كان مطابقه في الخارج‏فرداً واحداً أو فردين.
ويمكن تقريب ذلك بطريق آخر، وهو أن للمبدأ نسبتين: نسبة إلى مفعوله،ونسبة إلى فاعله، وهاتان النسبتان متقابلتان بتقابل التضايف لدى المتفاهم‏العرفي الإرتكازي، مثلاً للعلم نسبتان:
نسبة إلى العالم، ونسبة إلى المعلوم، والاُولى نسبة فاعلية، والثانية نسبةمفعولية، فإذا فرض أن زيداً كان يعلم بإجتهاد عمرو مثلاً فزيد عالم واجتهادعمرو معلوم، ونسبة العلم إلى زيد نسبة فاعلية، ونسبته إلى اجتهاد عمرو نسبةمفعولية، ويستحيل انفكاك إحدى النسبتين عن الأخرى، باعتبار أنهمامتضايفتان، فلا يعقل الانفكاك بينهما، وإلا لزم الخلف، وعلى هذا فإذا زال المبدأوهو العلم عن زيد في المثال، فقد زال عن اجتهاد عمرو أيضاً، ويستحيل بقاؤه‏على صفة المعلومية مع زوال صفة العالمية عن زيد، لفرض أنه كان معلوماً بعلمه‏لا بعلم آخر، والمفروض أن علمه قد زال، فإذن كما يقع الكلام في أن إطلاق‏العالم على زيد بعد زوال العلم عنه، هل هو إطلاق حقيقي أو مجازي، فعلى القول‏بوضع المشتق للجامع، حقيقي، وعلى القول الآخر مجازي، كذلك يقع الكلام في‏أن إطلاق المعلوم على اجتهاد عمرو بعد انقضاء صفة العلم عنه وزوالها، هل هوحقيقي أو مجازي، فعلى القول الأول حقيقي وعلى الثاني مجازي، وعلى ذلك فلايمكن التفكيك بين اسم الفاعل واسم المفعول، باعتبار أن كلتا الهيئتين مشتركة في‏مادة واحدة، فطالما المادة باقية، فالتلبس فعلي في كليهما، وإذا زالت وانقضت،فقد زالت عن كليهما معاً، فما ذكره‏قدس سره من عدم تصور حالة الانقضاء في اسم‏المفعول لا يرجع إلى معنى محصل، بداهه أنها لولم تتصور في اسم المفعول لم تصورفي اسم الفاعل أيضاً بملاك التقابل بينهما.
وأما في هيئة المضروب فالأمر فيها أيضاً كذلك، فإن للضرب نسبتين: نسبةإلى الفاعل، ونسبة إلى المفعول، وهاتان النسبتان أيضاً متقابلتان بتقابل‏التضايف، فيستحيل انفكاك إحداهما عن الاُخرى، وعلى هذا فهيئة المضروب‏على القول بالأعم موضوعة للجامع بين من يقع عليه الضرب فعلاً ومن ينقضي‏عنه الضرب، أي الجامع بين المتلبس والمنقضي، وعلى القول الآخر موضوعةلخصوص من يقع عليه الضرب فعلاً، وكذلك هيئة الضارب، فإنها على القول‏بالأعم موضوعة للجامع بين من يصدر منه الضرب بالفعل ومن ينقضي عنه‏صدور الضرب طالما يصدر من زيد مثلاً ويقع على عمرو، فزيد متلبس‏بالضرب صدوراً بالفعل وعمرو متلبس بالضرب وقوعاً كذلك، وإذا انقطع‏صدور الضرب عنه انقطع وقوعه على عمرو أيضاً، إذ لا يعقل الانفكاك بينهما،وعندئذ فكما يقع الكلام في أن إطلاق الضارب على زيد الذي انقضى عنه المبدأهل هو حقيقي أو مجازي، فعلى القول بالأعم حقيقي، وعلى القول الآخر مجازي،فكذلك يقع في أن إطلاق المضروب على عمرو بعد انقضاء الضرب عنه، هل هوحقيقي أو مجازي، فعلى القول الأول حقيقي وعلى الثاني مجازي، ولا يمكن القول‏بأن هيئة المضروب موضوعة للأعم وهيئة الضارب لخصوص المتلبس رغم‏التقابل بينهما بتقابل التضايف، لأن زوال نسبة المبدأ عن الفاعل زوال نسبته عن‏المفعول أيضاً، كما أن تلبس‏الأول بالمبدأ تلبس‏الثاني به أيضاً، ولا يمكن التفكيك‏بينهما في ذلك، وعليه فالقول بأن هيئة المضروب موضوعة للأعم لا يمكن إلاعلى‏القول بوضع‏المشتق له، لأنه متفرع عليه، فإذن لا فرق بين هيئة الضارب‏وهيئة المضروب، وكون هيئةالمضروب خاصة موضوعة للأعم غير محتمل.
وعلى الجملة فإن كانت هيئة المضروب موضوعة لمن يقع عليه الضرب‏لكانت هيئة الضارب موضوعة لمن يصدر عنه الضرب بقرينة التقابل بينهما،وحينئذ فإن كانت هيئة المضروب موضوعة للجامع بين من يقع عليه الضرب‏فعلاً ومن ينقضي عنه وقوع الضرب، لكانت هيئة الضارب موضوعة للجامع‏بين من يصدر عنه الضرب فعلاً ومن ينقضي عنه صدور الضرب، وإن كانت‏هيئة المضروب موضوعة لخصوص من يقع عليه الضرب فعلاً، لكانت هيئةالضارب موضوعة لخصوص من يصدر عنه الضرب فعلاً، كل ذلك بقرينة أن‏التقابل بينهما من تقابل التضايف.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أنه لا تقابل بين اسم الفاعل واسم‏المفعول، إلا أن ما ذكره‏قدس سره لو تمّ فإنما يتم في مثل هيئة المضروب والمقتول، ولايتم في كثير من أسماء المفعولين كالمعلوم والمملوك والمقدور والمصبوع والمسجوروالمسجون والمطلوب والمديون والمنصور والمعيوب والمنقوص وما شاكل ذلك،فإنه لا شبهة في إمكان انقضاء المبدأ عن الذات في هذه الأسماء ووقوع النزاع في‏صدقها على الذات مع زوال المبدأ عنها فعلاً، فالأعمي يدعي أن صدق المعلوم‏على الشي‏ء بعد زوال العلم عنه حقيقي، وصدق المطلوب على شي‏ء بعد زوال‏الطلب عنه كذلك، وكذا صدق المعيوب بعد زوال العيب والمملوك بعد زوال‏الملك وهكذا، وأما على القول بالوضع لخصوص المتلبس بالمبدأ فعلاً، فلايصدق إلا مجازاً.
فالنتيجة أن ما أفاده‏قدس سره لو تمّ فإنما يتم في مثل هيئة المضروب والمقتول‏ونحوهما دون غيرهما من أسماء المفعولين.
قد يقال كما قيل بخروج أسماء الصناعات والحرف وما يلحق بها كالمهندس‏والطبيب والخياط والبناء والصائغ والسايق والمجتهد وما شاكل ذلك عن محل‏النزاع في المسألة، بدعوى أنه لا شبهة في صدق هذه العناوين حقيقة في حالات‏انقضاء المبدأ عن الذات، بل لا شبهة في صدقها كذلك على من لم يتلبس بالمبدأبعد كالطبيب، فإنه يصدق حقيقة على من لديه علم الطب وإن لم يقم بعد بعمليةالطبابة خارجاً، والمجتهد يصدق على من لديه قدرة على عملية الاستنباط وإن لم‏يقم بعد بالعملية، وكذا المهندس والصائغ والخياط وهكذا، وهذا يكشف إنّاً عن‏أنها موضوعة للأعم من المتلبس والمنقضي وغير المتلبس بعد، ولهذا لا مجال‏للنزاع فيها أنها موضوعة للأعم أو لخصوص المتلبس.
والجواب: أنه لابد من الالتزام فيها بأحد أمرين:
الأول: الالتزام بأنها موضوعة للجامع بين المتلبس والمنقضي وغيرالمتلبس‏بعد.
الثاني: أن المبدأ في مثل المجتهد والمهندس والطبيب وما شاكل ذلك القوةوالاستعداد لا الفعل الخارجي، فمن كانت عنده قدرة على عملية الاستنباط فهومجتهد حقيقة وإن لم يقم بالعملية بعد، ومن كانت عنده قدرة على عملية الطبابةفهو طبيب وإن لم يقم بعد بالعملية وهكذا، والمبدأ في مثل الخياط والبناء والبزازوالحداد والنساج والنجار وغير ذلك هو الحرفة والصنعة، فمن أخذ الخياطةحرفة له فهو خياط فعلاً ومتلبس بالمبدأ بالفعل، سواء كان مشغولاً بالخياطةخارجاً أم لا، ومن أخذ البناء حرفة له فهو بناء وهكذا، والانقضاء في مثل ذلك‏إنما يكون بترك هذه الحرفة، فما دام لم يتركها ولم يعرض عنها، فالتلبس فعلي وإن‏لم يشتغل بالخياطة أو البناء أو غير ذلك.
أما الأمر الأول فلا يمكن الالتزام به لوجهين:
الأول: أنه مبني على أن يكون المبدأ فيها الفعل الخارجي، ولكن قد عرفت‏أن المبدأ في بعض تلك العناوين القدرة والاستعداد العلمي، وفي بعضهاالآخرالحرفة والصنعة، فإذن لا موجب فيها للالتزام بالوضع للأعم بل حالهاحال سائر المشتقات، وتدور مدارها في الوضع للأعم أو لخصوص المتلبس‏بالمبدأ بالفعل.
الثاني: أن ذلك لا ينسجم مع كون وضع الهيئات نوعياً، لأن معنى كون‏وضعها نوعياً أن المعنى الموضوع له في جميع الهيئات الخاصة على نحو واحد سعةوضيقاً، فلا يمكن أن يكون المعنى الموضوع له في بعض تلك الهيئات أوسع من‏المعنى الموضوع له في بعضها الآخر رغم أن الجميع قد وضعت بجامع عنواني‏واحد لسنخ معنى كذلك كماً وكيفاً، ولا يمكن تعدد المعنى الموضوع له سنخاً، بأن‏يكون معنى هيئة الضارب مثلاً خصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل، ومعنى هيئةالصائغ الجامع بينه وبين المنقضي وهكذا، مع أنهما موضوعان بجامع عنواني‏واحد.
فالنتيجة أنه لا يمكن الالتزام بأن وضع تلك العناوين الخاصة للأعم أمرمسلم.
وأما الثاني: وهو أن المبادى‏ء في هذه العناوين ليست الأفعال الخارجية، بل‏في بعضها القوة والملكة العلمية وفي بعضها الآخر الحرفة والصنعة فهو الصحيح،وعلى هذا ففي مثل المجتهد والمهندس والطبيب طالما الملكة والقوة موجودة في‏نفوسهم، فالإطلاق إطلاق على المتلبس بالمبدأ بالفعل، وإذا زالت هذه الملكةوالقوة، فعندئذ على القول بالأعم فالاطلاق حقيقي وعلى القول الآخر مجازي،وفي مثل الخياط والنجار والصائغ ونحو ذلك، فطالما كانوا متخذين هذه الأعمال‏حرفة وصنعة لهم فالصدق يكون على المتلبس بالفعل، لأن فعلية التلبس حينئذتدور مدار اتخاذها شغلاً وكسباً وانتسابها إلى الذات، ولا فرق بين أن يكون‏ذلك الانتساب انتساباً حقيقياً كما في الخياط والنساج والنجار وما شاكلها، أوتبعياً كما في البقال والبزاز والحداد والتامر واللابن وأمثالها، لأن موادها من أسماءالأعيان وإنها غير قابلة للانتساب إلى الذات حقيقة، فلا محالة يكون انتسابهاإليها بتبع اتحاد الفعل المتعلق بها حرفة وشغلاً، فمن اتخذ بيع التمر شغلاً له صار التمرمربوطاً به تبعاً، ومن اتخذ بيع اللبن شغلاً له صار اللبن مربوطاً به وهكذا،والانقضاء في أمثال ذلك إنما يكون بترك هذه الحرفة وذاك الشغل، وحينئذ فعلى‏القول بوضع المشتق للأعم فالصدق أيضاً حقيقي، وعلى القول بوضعه لخصوص‏المتلبس بالمبدأ فعلاً فالصدق مجازي.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتائج التالية:
الأولى: أن الدخول في محل النزاع في المسألة منوط بتوفّر أمرين:
الأول: صحة المحل والجري على الذات.
الثاني: إمكان انفكاك الذات عن المبدأ ولو في عالم المفهوم والتصور والمغايرةبينهما، فكل اسم إذا توفر فيه كلا الأمرين فهو داخل في محل النزاع، وإلا فلا.
الثانية: أن العناوين الذاتية كالانسان والحيوان ونحوهما خارجة عن محل‏النزاع بمقتضى الأمر الثاني، حيث إنه لا يمكن انفكاك الذات عن المبدأ في تلك‏العناوين حتى في عالم التصور واللحاظ فضلاً عن عالم الخارج، على أساس أن‏المبدأ فيها صورة نوعية للذات ومتحد معها ولا مغايرة بينهما.
كيفية وضع الأفعال والمصادر والأوصاف الاشتقاقية ...
الثالثة: أن المراد من استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثاني هوالاستحالة الذاتية يعبر عنا بالاستحالة المنطقية أيضاً لا الاستحالة الوقوعية،ولذلك قلنا إن العناوين التي يكون مبدؤها لازماً لذاتها بحيث يستحيل انفكاكه‏عنها واقعاً خارجاً داخلة في محل النزاع، باعتبار أن استحالة الانفكاك فيهاوقوعية لا منطقية.
الرابعة: أن اسم الزمان كاسم المكان داخل في محل النزاع، هذا لا من جهة ماأفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن الهيئة المشتركة بينهما موضوعة بإزاء معنى جامع‏بينهما وهو الظرفية، سواء أكانت زمانية أم مكانية، لما تقدم من أن الجامع بينهماغير متصور، لأن النسبة الزمانية مباينة للنسبة المكانية، بل من جهة أن لكل‏قطعة من الزمان وحدة بنظر العرف، فلذلك تتصور حالة الانقضاء فيها كما تقدم،نعم دعوى وضع الهيئة المشتركة بإزاء اسمي الزمان والمكان بنحو الوضع العام‏والموضوع له الخاص، غير بعيدة كما تقدم.
الخامسة: أن استثناء المحقق النائيني‏قدس سره اسمي الآلة والمفعول عن محل النزاع،مما لا يرجع إلى معنى صحيح.

الجهة الثانية: في كيفية وضع الأفعال والمصادر
والأوصاف الاشتقاقية
ويقع الكلام فيها في مقامات:
المقام الأول: في كيفية وضع الأفعال.
المقام الثاني: في كيفية وضع المصادر.
المقام الثالث: في كيفية وضع الأوصاف الاشتقاقية.
أما الكلام في المقام الأول وهو وضع الأفعال، فلا شبهة في أن المتفاهم العرفي‏الارتكازي من هيئة الفعل كقولك »ضرب« مثلاً نسبة المادة إلى الذات المبهمةالفاعلة، وهذه النسبة تختلف باختلاف الأفعال، فإنها في مثل »ضرب«صدورية، وفي مثل »مات« حلولية، وفي مثل »قعد« و»قام« حلوليةوصدورية معاً وهكذا..
ثم إن هذه الخصوصيات هل هي مأخوذة في مدلول المادة أو في مدلول الهيئة؟
والجواب: أن هنا قولين:
الأول: أنها مأخوذة في مدلول الهيئة.
الثاني: أنها مأخوذة في مدلول المادة دون الهيئة.
أما القول الأول فهو لا يتم، بناء على القول بأن وضع الهيئات نوعي، إذ على‏هذا القول فجميع الهيئات الخاصة المشتركة في الهيئة المنتزعة الجامعة بينهاالمندكة فيها موضوعة بواسطتها بوضع واحد نوعي لمعنى واحد كذلك، ولا يمكن‏اختلاف تلك الهيئات الخاصة في سنخ المعنى كماً وكيفاً، وعلى هذا فلا يمكن أن‏تدل هيئة »ضرب« مثلاً على نسبة المادة إلى الذات المبهمة صدوراً، وهيئة»مات« حلولاً، ولذلك لا يمكن أن تكون خصوصية الصدورية أو الحلوليةمأخوذة في مدلول الهيئة، بل هي من خصوصيات مدلول المادة.
وأما على القول بأن وضع الهيئة شخصي، فهل هذه الخصوصيات مأخوذةفي‏مدلولها الخاص؟
والجواب: أن ذلك وإن كان ممكناً بأن توضع هيئة »ضرب« مثلاً في ضمن‏مادتها الشخصية للنسبة الصدورية، وهيئة »مات« في ضمن مادتها كذلك‏للنسبة الحلولية وهكذا، ولكن مع ذلك يكون المتفاهم العرفي من كل هيئةخاصة النسبة بدون خصوصية زائدة عليها، والخصوصية إنما جائت من قبل‏مادتها، فانها مختلفة وينسجم بعضها مع خصوصية الصدورية كالضرب مثلاً،وبعضها الآخر مع خصوصية الحلولية كالموت ونحوه.
والخلاصة: أن المادة إذا كانت من قبيل الضرب ونحوه، فهي تتضمن كون‏نسبتها إلى الفاعل صدورية، وإذا كانت من قبيل الموت ونحوه، فتتضمن كون‏نسبتها إليه حلولية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لجملة »ضرب زيد« مثلاً هيئتين: الاُولى هيئة الفعل،والثانية هيئة الجملة، وهذا مما لا كلام فيه، وإنما الكلام في أن هيئة الفعل هل‏وضعت للنسبة التامة، وهيئة الجملة لتعيين طرفها وهو الذات، أو إنها وضعت‏للنسبة الناقصة، وهيئة الجملة للنسبة التامة، فيه قولان.
الصحيح هو القول الأول دون الثاني، فلنا دعويان:
الاُولى: أن هيئة الفعل موضوعة للنسبة بين المادة والذات المبهمة، وهيئةالجملة موضوعة لتعيين أحد طرفيها، وهو الذات المبهمة في فرد معين في‏الخارج، ولم توضع للنسبة الاُخرى.
الثانية: أن هيئة الفعل لم توضع للنسبة الناقصة وهيئة الجملة للنسبة التامة.
أما الدعوى الاُولى فقد عرفت أن المتفاهم العرفي من هيئة الفعل عند إطلاقهانسبة المادة إلى الذات المبهمة، وهذه النسبة نسبة بالحمل الشائع، لوضوح أنها لم‏توضع بإزاء مفهوم النسبة الذي هو نسبة بالحمل الأولي، لأنه مفهوم اسمي لاحرفي، وتامة لما ذكرناه آنفاً من أن تمامية النسبة إنما هي بوجود طرفيها في الذهن‏أو الخارج، نعم لا ملازمة بين كون النسبة تامة وبين ما صح السكوت عليها،لأن النسبة في الجمل الناقصة تامة، ومع ذلك لايصح السكوت عليها، والنكتةفي ذلك أن النسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها، ولا نعني بتماميتهاإلا ثبوتها بثبوتهما في الذهن أو الخارج، باعتبار أنهما من المقومات الذاتية لهاوبمثابة الجنس والفصل للنوع، فلذلك يدور أمرها بين كونها ثابتة أو غير ثابتة،لا بين أنها بعد الثبوت تامة أو ناقصة.
وبكلمة، إن ثبوت النسبة إنما هي بثبوت طرفيها، فإذا كانا ثابتين في الذهن‏أو الخارج فالنسبة ثابتة، وإلا فلا نسبة، لا أنها ثابتة ناقصة، بداهة أنه لا يعقل‏ثبوت النسبة الناقصة بدون ثبوت طرفيها، ومع ثبوتهما فالنسبة تامة، وأما كون‏الجملة ناقصة، فهو ليس بملاك أن نسبتها ناقصة، بل بملاك آخر، وقد تقدم‏الكلام فيه موسعاً، ومن هنا يكون المتفاهم العرفي الارتكازي من هيئة الفعل‏نسبة المادة إلى الفاعل المبهم في عالم الذهن، ومن الهيئة القائمة بالفعل والفاعل‏كقولك »ضرب زيد« تعيين الفاعل المبهم المستتر في فرد معين كزيد مثلاً لاالنسبة، لأن الدال عليها هيئة الفعل التي هي أسبق منها.
وأما الدعوى الثانية فقد ظهر حالها مما تقدم، وجه الظهور هو أنه لايمكن‏القول بأن هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة، وهيئة الجملة موضوعةللنسبةالتامة.
أما أولاً فقد عرفت أن النسبة لا تتصف بالتمامية والنقصان، فإنها إمام ثابتةفي وعائها أو لا، على أساس أن طرفيها إن كانا ثابتين فيه فهي ثابتة بثبوتهما،وإلاّ فلا ثبوت لها، ولا يعقل أن تكون النسبة ثابتة بثبوت طرفيها ومع ذلك‏تكون ناقصة، إلا أن يراد من نقصانها عدم صحة السكوت عليها، ولكن قد مرأن ذلك مرتبط بنقصان الجملة، بمعنى أنها لا تصلح أن تكون مورداً للحكم‏التصديقي لا بمعنى أن نسبتها ناقصة.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن النسبة تتصف بالتمامية والنقصان إلاأنه لا يمكن القول بأن هيئة الفعل تدل على النسبة الناقصة وهيئة الجملة على‏النسبة التامة، وذلك لأن المتفاهم العرفي الارتكازي من الفعل هو النسبة التامة،ومن هيئة الجملة تعيين أحد طرفيها وهو الفاعل، فإذا قيل »ضرب« كان‏المتبادر منه نسبة الضرب إلى فاعل ما، وإذا قيل »ضرب زيد« كان المتبادر منه‏أن فاعل الضرب هو زيد، وعليه فقولك ضرب زيد يدل على أمرين من باب‏تعدد الدال والمدلول، فهيئة الفعل تدل على نسبة المادة إلى فاعل ما، وهيئةالجملة على تعيين الفاعل ورفع الاجمال عنه، لا أن هيئة الفعل تدل على النسبةالناقصة وهيئة الجملة على النسبة التامة، لأن ذلك غير متبادر من الجملةجزماً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن شخص المادة لا يمكن أن يكون طرفاً لنسبتين‏متباينتين في عرض واحد وإن كانت إحداهما تامة والاُخرى ناقصة، لأنه لايمكن أن يكون مقوماً ذاتياً لهما معاً، فالنتيجة أن قيام نسبتين متباينتين في عرض‏واحد بمادة واحدة وطرفين آخرين غير معقول.
ومن ناحية ثالثة، إنه إن اُريد بالنسبة الناقصة النسبة التي يكون أحد طرفيهاالمادة وطرفها الآخر الفاعل المبهم المقدر، ففيه أنها نسبة تامة، إذ لا يحتمل أن‏يكون تعيين الفاعل دخيلاً في تمامية النسبة، وإن اُريد بها الخصوصية القائمةبالمادة لا النسبة التي هي متقومة بالطرفين، باعتبار أن المادة تدل على أحدطرفيها ولا يوجد في الكلام ما يدل على طرفها الآخر، وأما الفاعل فهو طرف‏للنسبة التامة لا الناقصة، والمفروض أن النسبة لا تتصور بدون وجود طرفيها،لأنهما من المقومات الذاتية لها كالجنس والفصل للنوع، فلذلك يكون المراد من‏النسبة الناقصة الحيثية القائمة بالمادة، وهي حيثية الصدور والحلول، فإنها إن‏اُضيفت إلى الفاعل فالحيثية القائمة بها صدورية، وإن اُضيفت إلى المفعول فهي‏حلولية، وهيئة الفعل تدل على أنها صدورية، وهي حالة قائمة بالمادة كقيام‏المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وهي غير النسبة، ولهذا تكون قائمة بطرف واحد،وإن اُريد ذلك، فيرد عليه أن هيئة الفعل كما مرّ تدل على النسبة التامة الصدوريةبالمطابقة وعلى طرفيها بالالتزام، على أساس أنها لا تتصور إلا بين الفعل وفاعل‏ما، لا أنها تدل على حيثية الصدور فحسب دون النسبة الصدورية.
هذا إضافة إلى أنه إن اُريد بالحيثية الصدورية الحالة القائمة بالمادة التي‏يستبطنها معناها، فالمادة تدل عليها لا هيئة الفعل، وإن اُريد بها النسبةالصدورية وهي نسبة المادة إلى فاعل ما، فالدال عليها هيئة الفعل، فإنها إذاطرأت على المادة التي تتضمن حيثية الصدور، فتدل على النسبة الصدورية، لامن جهة أن حيثية الصدور مأخوذة في مدلولها، بل من جهة أنها من‏خصوصيات مادتها، وإذا طرأت على المادة التي تتضمن حيثية الحلول، فتدل‏على النسبة الحلولية بنفس ما مرّ من الملاك.
فالنتيجة أن هيئة الفعل الدالة على النسبة الواقعية التامة بالمطابقة، فلا محالةتدل على وجود طرفيها بالالتزام، وهما في المقام المادة والذات المبهمة، فإذن‏لاحاجة إلى وجود ما يدل في الكلام على الذات المبهمة لكي يقال إنه لا يوجدفيه ما يدل عليها.
ودعوى أن انفهام الذات المبهمة من الفعل خلاف الوجدان، مدفوعة بأنهاوإن لم تكن جزء معنى الفعل إلا أنه يدل عليها بالالتزام كما مرّ وجداناً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن مدلول هيئة الفعل النسبةالتامةبين المادة والذات المبهمة، ومدلول هيئة الجملة تعيين الذات المبهمة في‏فردخاص، هذا.
ولكن قد اعترض على هذا المحقق العراقي‏قدس سره نقضاً وحلاً.
أما نقضاً ففي بعض الجمل الإسمية كجملة »زيد ضرب« مثلاً، فإنها بلحاظاشتمالها على هيئة الفعل كجملة »ضرب زيد«، وعلى هذا فلوكانت هيئة الفعل‏في جملة »ضرب زيد« موضوعة للنسبة التامة دون هيئة الجملة لكان الأمركذلك في جملة »زيد ضرب« أيضاً، لاشتراكهما في الاشتمال على هيئة الفعل مع‏أن الأمر فيها ليس كذلك(15).
وقد اُجيب عن ذلك بأن الفرق بين الجملتين واضح، فإن الجملة الإسميةكجملة »زيد ضرب« مشتملة على نسبتين: الاُولى النسبة بين المادة والضميرالمستتر في الفعل، والثانية النسبة بين المبتدأ والجملة الفعلية، وهيئة الفعل تدل‏على النسبة الاُولى، وهيئة الجملة تدل على النسبة الثانية، بينما الجملة الفعلية لايمكن أن تكون مشتملة على نسبتين، وإلا لزم أحد محذورين، إما تقوم كل من‏النسبتين بعين ما تقوّمت به الاُخرى، لأن المفروض أن المقومات الذاتية للنسبةفي المقام واحدة، وهي المادة والفاعل، ولا يعقل تعدد النسبة بينهما، لأن‏تعددهاإنما هو بتعدد المقومات الذاتية لها التي هي بمثابة الجنس والفصل،فإذاكانت واحدة استحال تعددها، وإما أن يكون إحداهما قائمة بطرف واحد،وهو غير معقول.
ولنا تعليق على هذا الجواب، وتقريبه أن تحليل جملة »زيد ضرب« إلى‏جملة اسمية وجملة فعلية أي إلى جملة كبيرة وجملة صغيرة وملاحظة كل جملةبحيالها بحاجة إلى ملاك مبرر لذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك جزافاً وبلا ملاك،وملاكه إما تعدد الموضوع أو المحمول والنسبة، وأما مع وحدة الموضوع‏والمحمول والنسبة، فلا ملاك للانحلال وتحويل الجملة إلى جملتين، وعلى هذا ففي‏المقام لا موجب للانحلال، لأن الموضوع والمحمول فيه واحد، فإن الموضوع في‏القضية »زيد« والمحمول فيها الجملة الفعلية، وعليه فبطبيعة الحال تكون النسبةبينهما واحدة ولا يمكن تعددها، وإلا لزم أحد المحذورين المتقدمين، فإذن ما هوالدال على هذه النسبة الواحدة؟
والجواب: أن الدال عليها هيئة الفعل، فإنها تدل على نسبة المادة إلى فاعل‏ما، وهو الضمير المستتر فيه، وهيئة الجملة تدل على تعيين هذا الفاعل بفردخاص، وعلى ذلك فلا فرق بين جملة »زيد ضرب« وجملة »ضرب زيد«، فإن‏مدلول هيئة الفعل في كلتا الجملتين النسبة التامة بين المادة والذات المبهمة،ومدلول هيئة الجملة تعيين الذات المبهمة في فرد خاص، إذ كما أن في‏جملة»ضرب زيد« لا يمكن أن يكون مدلول هيئة الفعل النسبة الناقصةومدلول هيئة الجملة النسبة التامة كما تقدم كذلك من جملة »زيد ضرب« لايمكن أن يكون مدلول هيئة الفعل النسبة الناقصة ومدلول هيئة الجملة النسبةالتامة بنفس الملاك.
فالنتيجة أن الجملة المذكورة جملة واحدة ومؤلفة من الفعل والفاعل، فحالهاحال جملة »ضرب زيد«، فلا فرق بينهما إلا في الصورة والشكل.
وأما حلاً فقد ذكره‏قدس سره أن هيئة الفعل موضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما،ولكن حيث إنها هيئة إفرادية فوضعها لا يغني عن وضع هيئة الجملة القائمةبالفعل والفاعل(16).
ولكنه قابل للنقد، وذلك لأنه إن اُريد بذلك أن هيئة الفعل موضوعة للنسبةالناقصة وهيئة الجملة موضوعة للنسبة التامة، فيرد عليه:
أولاً ما تقدم من أن النسبة لا تتصف بالتمامية والنقصان، لأنها إما ثابتةبثبوت شخص طرفيها في وعاء الذهن أو الخارج أو لا، ولا ثالث لهما.
وثانياً أن طرفي النسبة الناقصة إن كانا نفس المادة والذات الفاعلة فهي عين‏النسبة التامة، اذ لا يمكن تعدد النسبة مع وحدة الطرفين، وإن لم تكن الذات أحدطرفيها، لزم أن تكون قائمة بطرف واحد، وهذا مستحيل، إلا أن يراد من النسبةالناقصة الحيثية الصدورية أو الحلولية التي هي حالة قائمة بالمادة، ولكن مضافاًإلى أن ذلك بحاجة إلى قرينة إن هيئة الفعل لا تدل عليها، فإن الدال عليها نفس‏المادة.
وإن أرادقدس سره بذلك أن وضع هيئة الفعل بإزاء النسبة التامة لا يغني عن وضع‏هيئة الجملة للدلالة على تعيين أحد طرفيها وهو الفاعل، ففيه أنه لم يقل أحد إن‏وضعها للنسبة التامة يعني عن وضع هيئة الجملة للتعيين، بل يقول إن وضعهابإزاء النسبة التامة يغني عن وضع هيئة الجملة بإزائها أيضاً، باعتبار أنه لغو.
فالنتيجة أن ما أفاده‏قدس سره من الجواب الحلّي إن كان مرده إلى ما ذكرناه فهو،وإلا فلا يتم.
ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه بين فعل الماضي وفعل المضارع، فإن هيئة الفعل‏ماضياً كان أم مضارعاً موضوعة للنسبة التامة بين المادة والذات المبهمةالفاعلة، وهيئة الجملة الطارئة عليها تدل على تعيين الذات المبهمة في فردخاص، ولا فرق من هذه الناحية بين الفعلين، وإنما الفرق بينهما من ناحيةاُخرى، وهي ما مرّ من أن النسبة في فعل الماضي تتضمن حيثية الحكاية عن‏الثبوت والتحقق في عالم الخارج، بينما إنها في فعل المضارع تتضمن حيثية الوقوع‏فعلاً أو استقبالاً.
إلى هنا قد تبين أن القول بأن هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة وهيئةالجملة موضوعة للنسبة التامة لا يرجع إلى معنى صحيح، فالصحيح هو القول‏بأنها موضوعة للنسبة التامة وهيئة الجملة لتعيين أحد طرفي النسبة.
وهنا قولان آخران في المسألة:
الأول: ما اختاره المحقق النائيني‏قدس سره من أن هيئة فعل الماضي موضوعة لنسبةالمادة إلى فاعل ما على نحو التحقق، وهيئة فعل المضارع موضوعة لنسبة المادةإلى فاعل ما على نحو الترقب، وبذلك يمتاز فعل الماضي عن المضارع(17). هذا،
وغير خفي أنه‏قدس سره إن أراد بإضافة هذا القيد أن حيثية التحقق مأخوذة في‏مدلول هيئة فعل الماضي، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبة الخارجية، وحيثيةالترقب مأخوذة في مدلول هيئة فعل المضارع، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبةالتي تقع في الخارج أو سوف تقع فيه، فيرد عليه:
أولاً أن لازم وضع هيئة الفعل للنسبة الخارجية أن يكون مدلولها الوضعي‏تصديقياً لا تصورياً، وهو كماترى، لما ذكرناه في بحث الوضع موسعاً من‏أن‏الدلالة الوضعية على جميع المباني في باب الوضع غير مبنى التعهد دلالةتصورية لا تصديقية.
ثانياً: أن لازم ذلك عدم صحة استعمال هيئة الفعل فيما لا تتصور فيه النسبةالخارجية، كما في الصفات الذاتية للَّه تعالى كقولنا »علم اللَّه« وموارد الهليةالبسيطة والاعتباريات الانتزاعيات، فإن النسبة الخارجية لا تتصور في هذه‏الموارد، مع أن استعمال فعل الماضي والمضارع في هذه الموارد كاستعمالهما في‏غيرها من الموارد التي تتصور فيها النسبة الخارجية على حد سواء، وهذا كاشف‏عن أن هيئة الفعل لم توضع بإزاء النسبة الخارجية.
وإن أرادقدس سره بذلك أن النسبة في فعل الماضي تتضمن حيثية الحكاية والاخبارعما وقع في خارج الذهن، وفي فعل المضارع تتضمن حيثية الحكاية والاخبارعما يقع فيه فعلاً أو في المستقبل القريب فهو صحيح، لأن هيئة فعل الماضي‏موضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما التي تتضمن حيثية الحكاية بتبع حكايةطرفيها عما تحقق في الخارج وتدل على هذا المعنى الحكائي بالدلالة التصورية في‏مرحلة التصور، وبالدلالة التصديقية في مرحلة التصديق، وهيئة فعل المضارع‏موضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما التي تتضمن حيثية الحكاية عما يقع فيه‏تصوراً وتصديقاً، ومن هنا إذا سمع الانسان لفظ »ضرب« ولو من لافظ بلاشعور واختيار، كان المتبادر منه في الذهن ارتكازاً وفطرة معناه الحكائي‏عماتحقق في الخارج، كما أن المتبادر من لفظ »يضرب« هو معناه الحكائي‏عمايتحقق فيه.
ومن هنا يظهر أن ما قيل من أنه لا فرق بين فعل الماضي والمضارع في المدلول‏التصوري، وإنما الفرق بينهما في المدلول التصديقي، فإنه في فعل الماضي قصدالحكاية عن ثبوت المبدأ وتحققه في الخارج، وفي فعل المضارع قصد الحكاية عمايقع في الخارج غير صحيح، وذلك لما عرفت من الفرق بينهما في نفس المدلول‏التصوري، حيث إنه في كل منهما متخصص بخصوصية خاصة كما مرّ، ولذلك‏يختلف المدلول التصديقي في كل منهما عن المدلول التصديقي في الآخر،وإلافلازمه أن يكون المدلول التصديقي لكل منهما مخالفاً لمدلوله التصوري‏الوضعي، وهو كماترى، لوضوح أن المدلول التصديقي للفظ هو المدلول‏التصوري، غاية الأمر أنه في مرحلة التصور متعلق للتصور، وفي مرحلةالتصديق متعلق للتصديق.
القول الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن هيئة الفعل سواء كان‏ماضياً أم مضارعاً موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت‏الواقع أو نفيه، فيكون قصد الحكاية عن الواقع هو المدلول الوضعي لها، ولذلك‏تكون دلالتها الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية(18).
وفيه أن ذلك مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع من أنه عبارة عن التعهدوالالتزام النفساني، فإن الدلالة الوضعية على ضوء هذا المسلك دلالة تصديقيةلا تصورية، ولكن قد تقدم نقد هذا المسلك بشكل موسع، فلاحظ.
إلى هنا قد تبين أن الأقوال في المسألة أربعة، فالصحيح منها هو القول الثاني،هذا تمام الكلام في فعل الماضي وفعل المضارع.
وأما فعل الأمر ففيه جهتان:
الجهة الاُولى متمثلة في النظر إليه بما أنه فعل كأخويه من فعل‏الماضي‏والمضارع.
الجهة الثانية متمثلة في النظر إليه بما أنه يتضمن طلب المادة من المخاطب، وبهايمتاز عن أخويه الماضي والمضارع.
وأما الكلام في الجهة الاُولى، فلأن ملاك فعليته أنه يتضمن نسبة المادة إلى‏فاعل ما كالماضي والمضارع، على أساس أن فعلية الفعل متقومة بتلك النسبة،وهي محفوظة فيه كما هي محفوظة فيهما، غاية الأمر أنه تدل عليها في وعاء الطلب‏والارسال، وهما يدلان عليها في وعاء التحقق والاخبار، وهذا الفرق لا يمثل‏فارقاً فيما هو مدلول الفعل بما هو فعل.
وأما الكلام في الجهة الثانية، فلأنه يدل على النسبة في عالم الطلب والانشاء،بينما يدل فعل الماضي والمضارع عليها في عالم التحقق والاخبار، وبذلك‏يمتازعنهما.
وبكلمة، إن فعلية الفعل متقومة بدلالته على نسبة المادة إلى فاعل ما وتدورمدارها وجوداً وعدماً، والمفروض أنها محفوظة في فعل الأمر كما أنها محفوظة في‏نظيريه، وأما خصوصية كون النسبة نسبة طلبية إنشائية في عالم الانشاء والطلب‏أو حكائية إخبارية في عالم التحقق والثبوت، فهي تمثل حقيقة مدلول الفعل،ومن هنا تمتاز الخصوصية التي تنشأ من قبل الهيئة كالطلبية والانشائية في فعل‏الأمر والاخبارية والحكائية في فعل الماضي والمضارع عن الخصوصية التي تنشأمن قبل المادة كالصدورية والحلولية في نقطة، وهي أن الاُولى من مقومات‏النسبة التي هي مدلول الهيئة، والثانية من لوازم مدلول المادة.
إلى هنا قد تبين أن فعل الأمر يشترك مع فعل الماضي والمضارع في ذات‏المدلول، وهي النسبة بما هي، ويمتاز عنهما في وعائها المقوم لها، حيث إنه يدل‏على النسبة في وعاء الطلب والانشاء، بينما هما يدلان على النسبة في وعاءالاخبار والحكاية عن الواقع، ونتيجة ذلك أن النسبة وإن كانت محفوظة في فعل‏الأمر التي هي ملاك فعليته، إلا أنها غير النسبة في فعل الماضي والمضارع، فإنهامتمثلة في النسبة الطلبية الانشائية تصوراً وتصديقاً، بينما النسبة فيهما متمثلة في‏النسبة الحكائية والاخبارية كذلك، فإذن يمتاز فعل الأمر عن أخويه في المدلول‏التصوري، لأن المتبادر منه عند سماعه هو النسبة الطلبية وإن كان من لافظ بغيرشعور واختيار، كما أن المتبادر منهما النسبة الاخبارية الحكائية كذلك، ومن هناإذا استعمل فعل المضارع في النسبة الطلبية الانشائية لم يجرد عن كونه فعلاً، لأن‏استعماله فيها لا ينافي فعليته.
والخلاصة أن ملاك فعلية الفعل إنما هو دلالته على نسبة المادة إلى فاعل ماصدوراً أو حلولاً، غاية الأمر أن هذه النسبة قد تكون في وعاء الطلب‏والانشاء، وقد تكون في وعاء التحقق والاخبار، فالنسبة الصدورية من الفاعل‏في كلا الوعائين ثابتة، ولا فرق بين أن تكون هذه النسبة بنحو الطلب منه أوبنحو التحقق والاخبار عنه، وعلى هذا فملاك فعلية الفعل محفوظة في صيغة الأمركما أنه محفوظة في صيغة المضارع إذا استعملت في مقام الانشاء والطلب.
نعم لو كان ملاك فعلية الفعل دلالته على النسبة في وعاء التحقق والاخبارلم‏تكن صيغة الأمر فعلاً، لفرض أنها لا تدل على النسبة في ذلك الوعاء، ولكن‏لازم هذا تجريد فعل المضارع عن الفعلية أيضاً إذا استعمل في مقام الطلب‏والانشاء، وهو كماترى.
قد يقال كما قيل: إن من خاصة الفعل المميزة دلالته على الزمان، وحيث إنهالم تتوفر في فعل الأمر لعدم دلالته عليه، فلا يكون فعلاً.
والجواب: أن الدلالة على الزمان ليست من مقومات فعلية الفعل، فلهذا لايدل عليه فعل الماضي والمضارع أيضاً كما سوف نشير إليه، فإذن ليست الدلالةعلى الزمان من ملاك فعلية الفعل.
بقي هنا أمران:
الأول: أن الفعل لا يقع محكوماً عليه ويقع محكوماً به، أما عدم وقوعه‏محكوماً عليه، فلأن الفعل وإن كان متكوناً من المادة التي هي معنى اسمي والهيئةالتي هي معنى حرفي، إلا أن الملحوظ والمنظور فيه إنما هو المعنى الحرفي، أي‏مدلول الهيئة الذي هو ملاك فعلية الفعل، دون مدلول المادة المشتركة، فإنه معنى‏اسمي وليس دخيلاً في فعلية الفعل، لأنها متقومة بهيئته الطارئة على المادة التي‏هي بمثابة الصورة النوعية له، ولهذا يكون امتياز كل فعل عن آخر إنما هو بهيئته،فمن هذه الجهة لا يقع الفعل محكوماً عليه.
فالنتيجة أن الفعل وإن كان مركباً من المعنى الاسمي الذي هو مدلول المادةوالمعنى الحرفي الذي هو مدلول الهيئة، إلا أن الدخيل في فعليته إنما هومدلول‏الهيئة، وهو النسبة بين المادة والفاعل، فاحتياج الفعل إلى المادةكاحتياج‏الصورة إلى الهيولى، باعتبار أن فعلية الفعل إنما هو بصورته النوعيةالقائمة بالمادةلا بمادته، ومن الواضح أن تلك النسبة لا تصلح أن تقع موضوعاًللحكم في القضية.
وأما وقوعه محكوماً به كما في مثل »زيد قام« فإنما هو من أجل أن المتفاهم‏العرفي من الفعل الواقع خبراً للمبتدأ في الجملة الاسمية هو الذات المتلبسةبالمبدأ، ولهذا ترجع الجملة المذكورة إلى جملة »زيد قائم«، وعليه فوقوعه‏محمولاً إنما هو بهذا اللحاظ لا بلحاظ مدلوله في نفسه وهو النسبة، وبذلك تمتازالجملة الفعلية كقولك »قام زيد« عن الجملة الاسمية المشتملة على الفعل كقولك»زيد قام«، لأن الفعل في الجملة الاسمية مشتمل على الذات بلحاظ الضميرفيه، ولهذا كان المتفاهم منه الذات المتلبسة بالمبدأ، بينما الفعل في الجملة الفعليةمشتمل على المادة والهيئة فحسب دون الذات، نعم إنها تدل عليها بالالتزام كماتقدم، فإذن وقوعه محكوماً به فإنما هو بلحاظ اشتماله على الذات.
الثاني: أن الزمان غير مأخوذ في مدلول الفعل، لما عرفت من أن مدلوله‏نسبة المادة إلى فاعل ما، ولا يعتبر فيه وقوعه في الخارج في زمان، لأن موطنه‏عالم الذهن أو عالم الطلب والبعث، ومن هنا يظهر أن ما نسب إلى النحاة من‏دلالة الفعل على الزمان لا أصل له، لأن الفعل لم يوضع بإزاء النسبة الخارجيةلكي يتوهم أنها تقع في زمان ما، مع أن وقوعها فيه لا يدل على أنه مأخوذ في‏مدلوله جزءاً أو قيداً، بل لعله من باب أن كل زماني لابد أن يقع في زمان، مع أن‏الزمان لو كان مأخوذاً في مدلوله لكان مدلوله تصديقياً لا تصورياً، لأن معنى‏ذلك أنه موضوع بإزاء النسبة الخارجية لا الذهنية، والحال أن الأمر ليس‏كذلك، لما مرّ من أنه موضوع بإزاء واقع النسبة التي يكون الذهن ظرفاً لنفسها لالوجودها اللحاظي، لأنها بهذا الوجود معنى اسمي لا حرفي، كما أشرنا إليه‏سابقاً، هذا تمام كلامنا حول وضع الأفعال وامتياز بعضها عن بعضها الآخر.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو وضع المصادر، فلا شبهة في أن المصدربما هو لا يكون مبدأ المشتقات، لأن المبدأ لها لابد أن يكون سارياً في‏جميع‏أنواعها وأشكالها، بأن يكون خالياً ومجرداً عن كل‏الخصوصيات لفظاً ومعنى‏حتى يقبل أي‏صورة تطرأ عليه كالهيولى في‏الأشياء، بينماالمصدر ليس كذلك، فإنه‏مشتمل على خصوصية لفظاً ومعنى، أما لفظاً فلأنه مشتمل على هيئة خاصة،وأما معنىً فلأنه مشتمل على خصوصية زائدة على صرف الحدث.
والخلاصة أن المبدأ كالهيولى الاُولى، فكما أنها عارية عن كل خصوصية من‏الخصوصيات، وإلا فلا يمكن أن تقبل أيّ صورة ترد عليها ولا تصلح أن تكون‏مادة لجميع الأشياء فكذلك المبدأ، وهذا بخلاف المصدر، فإنه مشتمل على‏خصوصية زائدة على نفس الحدث المشترك.
ومن هنا يظهر أن ما هو المشهور بين النحاة من أن المصدر أصل المشتقات‏ومبدأ لها لا يرجع إلى معنى محصل، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد تسأل أن الخصوصية التي تدل عليها هيئة المصدر ماهي؟
والجواب: أن فيه قولين:
الأول: ما ذهب إليه جماعة من أنها عبارة عن النسبة الناقصة بين المادةوالذات المبهمة، وهيئة المصدر موضوعة بإزائها وتدل عليها، هذا.
وعليه تعليقان:
الأول: ما عن المحقق النائيني‏قدس سره من أن المصدر لو كان موضوعاً للنسبةالناقصة بين المادة والذات المبهمة، فلازمه أن يكون مبنياً من جهة مشابهته‏للحرف في معناه النسبي، مع أنه معرب لا مبني(19).
ولكن هذا التعليق غير صحيح.
أما أولاً: فبالنقض بالأوصاف الاشتقاقية، فإنها موضوعة بإزاء معان نسبيةوهي نسبة المبدأ إلى الذات، مع أنها معربة وليست بمبنية.
وثانياً: بالحلّ وهو أن وضع هيئة المصدر للنسبة الناقصة وإن كان مؤدّياًإلى‏مشابهته للحرف في مدلول هيئة، إلا أنه لا أثر لهذه المشابهة، لأنها لاتستدعي أن يكون المصدر مبنياً، لأن الملاك في كونه مبنياً إنما هو مشابهته‏للحرف بمدلول مادته كما في أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، ولا قيمة لمشابهته‏للحرف بمدلول هيئته.
وبكلمة، إن المصدر مركب من أمرين: الأول المادة التي هي معنى اسمي،والثاني الهيئة التي هي معنى حرفي، فالمصدر بلحاظ مادته اسم ولا يشبهه‏الحرف، وشباهته له بلحاظ هيئته لا تضر بكونه معرباً بلحاظ مادته، لأنه من‏جهة ما يشبه المعنى الحرفي لا دخل له في حيثية كونه معرباً، ومن جهة ماله دخل‏في ذلك لا يشبه المعنى الحرفي، فلذلك لا يكون مبنياً.
هذا إضافة إلى أن الملحوظ في المصدر بالأصالة إنما هو مدلول المادة، لأنه‏العنصر الأساسي فيه دون مدلول الهيئة، فإنه مندك فيه ولا ينظر إليه إلا تبعاً،فلهذا يقع المصدر محكوماً عليه دون الفعل، حيث إن فعلية الفعل إنما هي بهيئته لابمادته، بينما يكون المصدر بعكس ذلك.
الثاني: أن هيئة المصدر لو كانت موضوعة للنسبة الناقصة بين المادة والذات‏المبهمة لم تصح إضافة المصدر إلى الذات في مثل »ضرب زيد« و»قيام عمرو«و»علم خالد« وهكذا، لأستلزم ذلك قيام نسبتين ناقصتين في عرض واحد بين‏مادة واحدة وطرفين أحدهما الذات المبهمة والآخر الذات المعينة كزيد مثلاً،وهذ مستحيل، لاستحالة أن يكون شخص المادة طرفاً لنسبتين متباينتين معاً،لما مر من أن كل نسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها في الذهن أوالخارج، ومن الواضح أنه لا يعقل أن يكون شخص المادة من المقومات الذاتيةلنسبتين متباينتين في عرض واحد، فإن هذا نظير أن يكون فصل واحد من‏المقومات الذاتية لنوعين متباينتين كذلك، وهو كما ترى.
أو فقل: إن شخص وجود المادة في الذهن أو الخارج إذا كان طرفاً لنسبة فيه،فلا يعقل أن يكون في نفس الوقت طرفاً لنسبة اُخرى فيه مباينة للاُولى، لما تقدم‏من أن الجامع الذاتي بين أنحاء النسب غير متصور، لأنها متباينات بالذات‏والحقيقة بتباين مقوماتها الذاتية، لأن المقومات الذاتية لكل نسبة مباينةللمقومات الذاتية للاُخرى، حيث إنها بمثابة الجنس والفصل للنوع، فكما أن كل‏نوع من الأنواع مباين للنوع الآخر باعتبار أن الجنس والفصل لكل منها مباين‏للجنس والفصل للآخر، فلا يعقل اشتراك نوعين متباينين في شخص‏الجنس‏والفصل ولا في أحدهما فقط دون الآخر، فكذلك الحال في أنحاء النسب،فإنه لا يعقل اشتراك نسبتين متباينتين في شخص الطرفين أو في أحدهما فحسب‏دون الآخر(20).
ولكن يمكن المناقشة فيه، إذ بإمكان القائل بهذا القول أن يقول بأن هيئةالمصدر تدل على النسبة الناقصة، وهيئة الاضافة على تعيين الذات المبهمة التي‏هي أحد طرفيها في فرد معين في الخارج، لا على النسبة الناقصة الاُخرى في‏عرض الاُولى. هذا،
والصحيح في نقد هذا القول أن يقال إن هيئة المصدر لم توضع للنسبةالناقصةبين الحدث والذات المبهمة، وإنما وضعت لحصة خاصة من الحدث،فلنادعويان:
الاُولى: أن المصدر لم يوضع للنسبة الناقصة بين الحدث والذات المبهمة.
الثانية: أنها موضوعة لحصة خاصة من الحدث.
أما الدعوى الاُولى فلأن هيئة المصدر لو كانت موضوعة للنسبة بين الحدث‏والذات المبهمة، فلابد من أن تكون النسبة تامة، لما ذكرناه سابقاً من أن تماميةالنسبة في أيّ وعاء إنما هي بتمامية شخص طرفيها فيه، سواء أكان ذلك الوعاءوعاء الخارج أم الذهن، لأن ذهنية النسبة أنما هي بذهنية طرفيها، كما أن‏خارجيتها إنما هي بخارجيتها، ولا يعقل أن توجد النسبة في الذهن أو الخارج‏ناقصة، لأن طرفيها إن وجدا في الذهن أو الخارج فالنسبة ثابتة فيه، وإلا فلانسبة، لا أنها موجودة ناقصة.
والخلاصة أن هيئة المصدر لو كانت موضوعة بإزاء النسبة بين الحدث‏والذات المبهمة لم يكن فرق بينها وبين هيئة الفعل في المعنى الموضوع له، حيث قدمر أن هيئة الفعل أيضاً موضوعة للنسبة بين الحدث والذات المبهمة، مع أن‏الفرق بينهما في المعنى الموضوع له واضح وجداناً وارتكازاً، ومن هنا يختلف‏المصدر عن الفعل في عدة نقاط:
منها: أن المصدر يصح وقوعه محكوماً عليه دون الفعل.
ومنها: أن المصدر يصح إضافته إلى الفاعل تارة والمفعول اُخرى دون الفعل،فإنه لايصح إضافته إلى شي‏ء منهما.
ومنها: أن العنصر الأساسي في المصدر إنما هو مادته دون هيئته، بينما الأمر في‏الفعل على العكس.
ومن الواضح أن تلك تدل بوضوح على أن هيئة المصدر لم توضع بإزاء
پاورقي
1) أجود التقريرات 73 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 188 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 184:1.
4) بحوث في علم الاُصول 214 :1.
5) أجود التقريرات 79 :1.
6) محاضرات في اُصول الفقه 229 :1.
7) كفاية الاُصول: 40.
8) محاضرات في اُصول الفقه 232 :1.
9) نهاية الدراية 172 :1.
10) كفاية الاُصول: 40.
11) محاضرات في اُصول الفقه 231 :1.
12) نهاية الأفكار 129 :1.
13) أجود التقريرات 124 :1.
14) أجود التقريرات 124 :1.
15) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 314 :1.
16) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 314 :1.
17) أجود التقريرات 91 :1.
18) محاضرات في اُصول الفقه 235 85 :1.
19) أجود التقريرات 93 :1.
20) ذكره في بحوث في علم الاُصول 315 :1.
..............................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
كيفية وضع الأفعال والمصادر والأوصاف الاشتقاقية ...

النسبة بين الحدث والذات المبهمة، وإلا كان حاله حال الفعل، فلا فرق بينهمامن‏هذه الناحية.
وأما الدعوى الثانية فلأن المتفاهم العرفي من هيئة المصدر حيثية خاصة قائمةبذات الحدث كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وليست تلك الحيثية نسبة حتى‏لا يعقل قيامها بطرف واحد.
وبذلك يفترق المصدر عن الفعل، وهذا يمثل الفرق بينهما جوهرياً، لأن‏المصدر متقوم بمدلول مادته وهو ذات الحدث الفارغة عن جميع الخصوصيات‏والحيثيات الطارئة، دون مدلول هيئته وهو الحيثية القائمة بها، والفعل متقوم‏بمدلول هيئته وهو النسبة بين المادة والذات المبهمة كما تقدم، دون مدلول مادته.
وعلى الجملة فالظاهر أن هيئة المصدر موضوعة بإزاء الحيثية القائمة بذات‏الحدث التي هي معنى مادته وتدل عليها، وهذه الحيثية وإن كانت تستلزم إضافةالحدث إلى الذات المبهمة إلا أنها لم تؤخذ في مدلولها، لأن الأخذ فيه شي‏ءوالاستلزام شي‏ء آخر.
وما ذكرناه سابقاً من أن حيثية الصدور أو الحلول لم تؤخذ في مدلول الهيئة،وإنما هي مأخوذة في مدلول المادة لا ينافي ما مرّ الآن من أن هيئة المصدر تدل‏على خصوصية قائمة بذات المادة، لأن الخصوصية التي تكون مدلولة لهيئةالمصدر هي خصوصية الإيجاد، فإن المصدر في مرحلة التصور قد يلحظ بما هوحدث وإيجاد، وقد يلحظ بما هو موجود بالذات في الخارج، نظير الخلق‏والمخلوق والإيجاد والوجود، فإنهما متحدان في الواقع ذاتاً وحقيقة ومختلفان‏اعتباراً، فالقيام تارة يلحظ بما هو حدث وإيجاد، واُخرى يلحظ بما هو وجود في‏الخارج، فهيئة المصدر موضوعة للقيام بلحاظ الحيثية الاُولى، أي بما هو حدث‏وإيجاد، وأما خصوصية الحلولية، فهي مقتضى أرضية القيام وخاصته، فلاتكون هيئة المصدر موضوعة لها، ومن هنا يظهر حال اسم المصدر، فإنه موضوع‏للحدث بلحاظ الحيثية الثانية، لأن كلتا الحيثيتين من حيثيات الحدث ومن‏الحالات القائمة بذاته، غاية الأمر أن مدلول هيئة المصدر حينئذ موجود في‏ضمن مدلول كل هيئة من الهيئات الاشتقاقية، حيث إنه أسبق رتبة من سائرالمشتقات، وكذلك اسم المصدر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هيئة المصدر موضوعة للحيثيةالقائمة بذات الحدث لا للنسبة بينها وبين الذات المبهمة.
وهنا قولان آخران:
القول الأول: ما عن المحقق النائيني‏قدس سره فإنه في مقام التمييز بين المصدر واسم‏المصدر قال: إن المصدر موضوع للحدث الملحوظ بنحو قابل لورود النسبةعليه، أي إنه موضوع للحدث الملحوظ بنحو لا بشرط، واسم المصدرموضوع‏للحدث بشرط عدم هذه النسبة، يعني أنه موضوع للحدث الملحوظبشرط لا(1). هذا،
ولكن للمناقشة فيه مجالاً واسعاً، وذلك لأنه‏قدس سره إن أراد بكلمة »لا بشرط«عنوانها ومفهومها وأن المصدر موضوع بإزائه، فيرد عليه أن مفهوم هذه الكلمةمفهوم اسمي، فلا يمكن أن تكون هيئة المصدر موضوعة بإزائه، لأن مدلولها معنى‏حرفي لا اسمي.
وإن أراد بها واقعها الموضوعي، وهو الخصوصية التي يستبطنها الحدث‏كخصوصية الصدورية أو الحلولية، وهي قابلية الحدث لورود الاضافة والنسبةعليه، وهذه الخصوصية قائمة بذات الحدث كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي،وليست نسبة بالمعنى الذي يحتاج إلى الطرفين، وأما كونها مأخوذة لا بشرطفإنما هو بالنسبة إلى إضافة الحدث إلى الذات وعدم إضافته إليها، فيرد عليه أن‏لازم ذلك كون المصدر مبنياً عنده‏قدس سره للمشابهة بالمعنى الحرفي وهو الخصوصيةالمذكورة، ومن هنا منع‏قدس سره عن وضع هيئة المصدر بإزاء النسبة بين المادةوالذات، معللاً بأنها لو كانت موضوعة بإزائها لكان المصدر مبنياً بملاك المشابهةلا معرباً، والخصوصية المذكورة وإن لم تكن نسبة إلا أنها معنى حرفي، فإذا كانت‏معنى حرفياً، فلا يرى‏قدس سره وضع المصدر بإزائها بنفس الملاك المتقدم، فالنتيجة أنه‏لا يمكن أن يكون مراده‏قدس سره من اللا بشرط تلك الخصوصية.
وإن أرادقدس سره بها ذات المعنون بعنوان لا بشرط، وهي طبيعي الحدث الذي لم‏يلحظ معه أيّ خصوصية من الخصوصيات العرضية، بأن يكون مهملاً من جميع‏الجهات والخصوصيات، فيرد عليه أن الحدث بهذا المعنى مبدأ للمشتقات، فلايمكن أن يكون مدلولاً للمصدر، لأن المصدر مشتمل على خصوصية زائدة لفظاًومعنى، فلا يصلح أن يكون مبدأ لها كالهيولى، بل هو من أحد المشتقات،هذاإضافة إلى أن الحدث بهذا اللحاظ معنى اسمي، فلا يمكن أن يكون مدلولاًلهيئة المصدر.
فالنتيجة أن هذه المحاولة بتمام محتملاتها غير تامة.
نعم، قد يظهر من بعض كلماته أن المصدر وضع للحدث القائم بموضوع،واسم المصدر وضع للحدث بشرط عدم لحاظ قيامه به، فهما متباينان معنى(2).
ويمكن المناقشة فيه بأنه إن أرادقدس سره بقيامه بالموضوع قيامه به خارجاً، فيردعليه أن لازم ذلك وضع هيئة المصدر للنسبة الخارجية، لأن قيام الحدث‏بالموضوع في الخارج عبارة اُخرى عن نسبته إليه، ومن الواضح أنه لايمكن‏الالتزام به، لأن لازمه أن يكون المدلول الوضعي لها مدلولاً تصديقياً، وأيضاًلازمه أن يكون المصدر مبنياً عنده‏قدس سره مع أنه لا يلتزم بالبناء.
هذا إضافة إلى أن لازم وضعها للنسبة الخارجية عدم ثبوت المدلول لها في‏موارد الهلية البسيطة والصفات الذاتية له تعالى والاعتباريات والانتزاعيات،من جهة أن النسبة الخارجية لا تتصور في هذه الموارد كافة.
وإن أرادقدس سره بذلك قيامه بالموضوع في صقع الذهن، فيرد عليه أن لازم ذلك‏وضع هيئة المصدر للنسبة الذهنية، والحال أنه‏قدس سره لا يلتزم به، بل ينفي ذلك معللاًبأن وضعها لهايستلزم كون المصدر مبنياً مع أنه معرب، فالنتيجة أنه ليس بوسعه‏الالتزام بوضع المصدر بإزاء النسبة ولا بإزاء الخصوصية القائمة بالحدث،لاستلزام ذلك كونه مبنياً عنده.
وأما ما أفاده‏قدس سره بالنسبة إلى اسم المصدر، فلا يمكن المساعدة عليه.
أما أولاً: فلأن لازم ذلك عدم وجود مصداق لمدلول اسم المصدر في الخارج،لأن الحدث بشرط عدم لحاظ إضافته إلى ذات فيه مجرد مفهوم في عالم‏الذهن‏لاواقع له خارجاً، ضرورة أنه لا يمكن فرض وجود حدث بدون انتسابه‏إلى ذات فيه.
وثانياً: أنه لا شبهة في صحة إضافة اسم المصدر إلى فاعله، فلوكان موضوعاًللحدث بنحو بشرط لا، أي بشرط عدم الاضافة إليه، لزم إلغاء معناه الموضوع‏له واستعماله في غيره في مثل قولك »غُسل زيد« مثلاً، أو فقل إنه يلزم التناقض‏والتهافت بين مدلوله ومدلول الاضافة.
القول الثاني: ما ذهب إليه السيد الاُستاذقدس سره من أن هيئة المصدر موضوعةللدلالة على قصد نسبة الحدث إلى فاعل ما، وهيئة اسم المصدر موضوعةللدلالة على قصد الحدث من دون لحاظه منتسباً إلى ذات في الخارج.
وأما هيئة فعل الماضي، فقد تقدم أنها موضوعة للدلالة على قصد الحكايةعن تحقق المبدأ في الخارج قبل التكلم بها ولو آناً ما، وهيئة فعل المضارع‏موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن تحقق المبدأ حال التكلم أو بعده ولوبآن، وعلى هذا فتمتاز هيئة المصدر عن اسم المصدر في المعنى الموضوع له،وكذلك تمتاز هيئة المصدر عن هيئة الفعل في ذلك(3)، هذا.
ويمكن المناقشة فيه.
أما أولاً فلأن ما ذكره‏قدس سره مبني على نظريته في مسألة الوضع، وهي التعهدوالالتزام النفساني، حيث إن لازم هذه النظرية كون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية، والفرق بين هيئة المصدر وهيئة الفعل على ضوئها ظاهرة، وأما على‏ضوء سائر النظريات في باب الوضع فقد مرّ أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية،وعلى هذا فما هو الفارق بين هيئة المصدر وهيئة الفعل بعد ما كان المدلول‏الوضعي في كلتيهما هو النسبة بين الحدث والذات المبهمة، وقد تقدم أنه على‏هذالا فرق بينهما.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم نظرية التعهد، ولكن مع هذا يكون‏المتبادر من هيئة المصدر عرفاً قصد تفهيم الخصوصية القائمة بالحدث دون‏النسبة بينه وبين الذات المبهمة، كما أنها هي المتفاهم منها عرفاً على ضوء سائرالنظريات، وقد تقدم أن هذا هو الصحيح.
وأما هيئة اسم المصدر، فإن كانت متحدة مع هيئة المصدر كما هو الغالب‏في‏اللغة العربية فالمدلول الوضعي لها واحد، وذلك مثل »الضرب« و»النصر«ونحوهما، لوضوح أنه ليس لها معنيان: أحدهما المعنى المصدري، والآخرالمعنى‏الاسم المصدري.
وأما إذا كانت لكل منهما هيئة مستقلة ك »الغُسل« و»الغَسل«، فالظاهر أن‏هيئة اسم المصدر موضوعة للحدث بلحاظ أنه موجود في موطنه، وهيئةالمصدر موضوعة بإزائه بلحاظ إيجاده، فيكون الفرق بينهما الفرق بين الايجادوالوجود، فالمصدر وضع لحيثية الايجاد، واسم المصدر لحيثية الوجود.
ثم إن مرادنا من الايجاد والوجود ليس هو الايجاد والوجود الخارجيين لكي‏يقال إن اللفظ لم يوضع بإزاء الوجود الخارجي، بل المراد منهما أن الحدث في عالم‏التصور قد ينظر إليه بما أنه حدث وإيجاد وقد ينظر إليه بما أنه وجود في موطنه،والأول المعنى المصدري، والثاني المعنى الاسم المصدري.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى: أن هيئة الفعل بشتى أنواعه موضوعة للنسبة بين المادة والذات‏والمبهمة في وعاء التحقق والطلب، وهيئة الجملة في مثل قولك »ضرب زيد«وضعت لتعيين الذات المبهمة في فرد خاص.
الثانية: أن صدورية النسبة وحلوليتها إنما هي من خصوصيات المادة دون‏الهيئة، وهذا واضح على القول بأن وضع الهيئة نوعي، وأما على القول بأن‏وضعها شخصي فالظاهر أن الأمر أيضاً كذلك كما تقدم.
الثالثة: أن القول بأن هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة وهيئة الجملةموضوعة للنسبة التامة، لا يرجع إلى معنى صحيح، بل لازم ذلك قيام نسبتين‏متباينتين في عرض واحد بمادة واحدة وطرفين آخرين، وهو غير معقول كما مرّ.
الرابعة: أنه لا فرق بين جملة »ضرب زيد« التي هي جملة فعلية وبين جملة»زيد ضرب« التي هي جملة اسمية، فكما أن هيئة الفعل في الجملة الاُولى تدل‏على النسبة التامة بين المادة والذات المبهمة، وهيئة الجملة تدل على تعيين الذات‏المبهمة في فرد معين في الخارج كزيد مثلاً فكذلك هيئة الفعل في الجملة الثانية،فإنها تدل على النسبة بين المادة والذات المبهمة المستترة فيه، وهيئة الجملة تدل‏على تعيين الذات المبهمة في فرد خاص، غاية الأمر أن هيئة الفعل في الجملةالاُولى تدل على الذات المبهمة بالالتزام، على أساس دلالتها على وقوع المادةوتحققها خارجاً، وأما في الجملة الثانية فتدل عليها بالمطابقة، وهي الضميرالمستتر فيه.
ودعوى أن الجملة الثانية تنحل إلى جملتين صغيرة وكبيرة ومشتملة على‏نسبتين، فالصغيرة جملة فعلية تدل على النسبة بين المادة والفاعل المبهم وهوالضمير المستتر فيه، والكبيرة جملة اسمية تدل على النسبة بين المبتدأ والخبر وهوالجملة الفعلية، بينما الجملة الاُولى لا تنحل إلى جملتين كذلك.
مدفوعة بأن هذا الانحلال وإن كان معروفاً إلا أنه لا ملاك له، بل هي جملةواحدة كالجملة الاُولى، غاية الأمر أن الفاعل في الجملة الاُولى متأخر عن‏الفعل‏وفي الثانية متقدم عليه، ولكن هذا المقدار من الاختلاف لا يمثل الفرق‏بينهما واقعاً وجوهراً.
الخامسة: أن ما أفاده بعض الأعاظم‏قدس سره - من أن هيئة الفعل في الجملةالاسمية وإن كانت موضوعة بإزاء نسبة المادة إلى فاعل ما، إلا أنها لما كانت هيئةإفرادية، فوضعها بإزائها لا يغني عن وضع هيئة الجملة القائمة بالفعل والفاعل -غير تام كما تقدم.
السادسة: أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره - من أن هيئة فعل الماضي موضوعةلنسبة المادة إلى فاعل ما بنحو التحقق، وهيئة فعل المضارع موضوعة لنسبةالمادة إلى فاعل ما بنحو الترقب، وبذلك يمتاز فعل الماضي عن المضارع - مما لايمكن المساعدة عليه، إلا أن يكون مراده‏قدس سره من ذلك أن النسبة في فعل الماضي‏تتضمن حيثية الحكاية والاخبار عما وقع في الخارج، وفي فعل المضارع تتضمن‏حيثية الحكاية والاخبار عما يقع فيه فعلاً أو في المستقبل ، فعندئذ ما أفاده‏قدس سره‏تام.
السابعة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره - من أن هيئة الفعل ماضياً كان أم‏مضارعاً موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن الواقع نفياً أو إثباتاً- مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، وحيث إنه غير تام عندنا، فلا يمكن‏المساعدة على ما أفاده‏قدس سره.
الثامنة: أن فعلية صيغة الأمر إنما هي بلحاظ اشتمالها على النسبة بين المادةوالفاعل كأخويها من فعل الماضي والمضارع، على أساس أن فعلية الفعل‏متقومة بتلك النسبة، وحيث إن فعل الأمر مشتمل عليها، فهو يشترك معهما في‏الفعلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن وعاء هذه النسبة في فعل الأمر وعاء الطلب والانشاء،وفي فعل الماضي والمضارع وعاء التحقق والاخبار، وبذلك يمتاز فعل‏الأمرعنهما.
التاسعة: أن الفعل لا يقع محكوماً عليه، بنكتة أن فعلية الفعل إنما هي بهيئته‏التي هي بمثابة صورته النوعية دون مادته التي هي بمثابة الهيولى، فلذلك يكون‏مدلول الفعل معنى حرفياً، باعتبار أنه مدلول هيئته، والمعنى الحرفي لا يصلح أن‏يحكم عليه، وأما وقوعه محكوماً به، فلا يكون من جهة معناه الموضوع له وهوالنسبة، لأنه من هذه الجهة كما لا يحكم عليه لا يحكم به أيضاً، بل من جهة أن‏الجملة الفعلية إذا وقعت خبراً للمبتدأ كقولك »زيد قام« ترجع في الحقيقة إلى‏جملة اسمية وهي قولك »زيد قائم«، على أساس أن المتفاهم العرفي منها هوتلبس الذات بالمبدأ، فيكون المحمول في الحقيقة هو تلك الذات المتلبسة كماتقدم، دون الفعل، بما هو فعل دال على النسبة.
العاشرة: أن المصدر لا يصلح أن يكون مبدأ للمشتقات وأصلاً لها كما في‏كلمات النحاة، لأنه مشتمل على خصوصية زائدة لفظاً ومعنى، والمبدأ لابد أن‏يكون خالياً عن جميع الخصوصيات العرضية حتى يكون سارياً في جميع‏المشتقات بشتى أنواعها وأشكالها.
الحادية عشرة: أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن هيئة المصدر لو كانت‏موضوعة بإزاء النسبة الناقصة بين المادة والذات المبهمة كان مبنياً من‏جهةالمشابهة غير تام، لأن المصدر معرب من جهة مادته التي هي معنى‏اسمي،والمفروض أنه لا يشبه الحرف من هذه الجهة، وإنما يشبه الحرف من‏جهةهيئته، والشباهة من هذه الجهة لا ترتبط بالجهة التي يكون المصدر معرباًمن تلك الجهة.
الثانية عشرة: أن صحة إضافة المصدر إلى الذات ك »ضرب زيد« و»قيام‏عمرو« تمنع عن وضع هيئته للنسبة الناقصة، وإلا لزم قيام نسبتين ناقصتين في‏عرض واحد بين مادة واحدة وطرفين، وهما الذات المبهمة والذات المعينة،وهذا مستحيل، لاستحالة أن يكون شخص المادة طرفاً مقوماً لنسبتين‏متباينتين معاً كما تقدم.
الثالثة عشرة: الصحيح أن هيئة المصدر موضوعة لخصوصية خاصة قائمةبالحدث، وهي ليست بنسبة حتى تحتاج إلى وجود طرفين لها، بل هي من‏الحالات القائمة بالغير كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي.
الرابعة عشرة: أن المصدر يمتاز عن الفعل بعدة نقاط: منها وقوعه محكوماًعليه، ومنها صحة إضافته إلى الفاعل، ومنها إلى المفعول، بينما لا يقع الفعل‏محكوماً عليه ولا يصح إضافته إلى الفاعل ولا إلى المفعول.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو وضع الأوصاف الاشتقاقية، ففيه‏قولان‏رئيسيان:
القول الأول: أنها موضوعة للمتلبس بالمبدأ فعلاً.
القول الثاني: أنها موضوعة للجامع بينه وبين ما انقضى عنه المبدأ.
وأما الأقوال الاُخرى في المسألة، فهي أقوال جانبية ويظهر حالها من بيان‏القولين الرئيسين فيها.
ثم إن هذا النزاع مبتن على إمكان تصوير جامع بين المتلبس بالمبدأ والمنقضي‏عنه المبدأ، وأما على تقدير عدم إمكان تصويره، فلا موضوع لهذا النزاع، لأنه‏بنفسه دليل على بطلان القول بالأعم وتعين القول بالوضع لخصوص المتلبس،فلذلك يقع الكلام في مقامين:
الأول: في مقام الثبوت.
الثاني: في مقام الاثبات.
أما الكلام في المقام الأول فعلى القول ببساطة مفهوم المشتق وأنه نفس المبدأالملحوظ لا بشرط من حيث الحمل، فلا يعقل تصور معنى جامع قابل للانطباق‏على المتلبس والمنقضي معاً في الخارج، لأن المبدأ إما أن يكون موجوداً فيه أومعدوماً، ولا ثالث لهما، فتصويره تصوير جامع بين النقيضين، وهو غير معقول،وعليه فالمشتق بما أنه عين المبدأ ذاتاً وحقيقة، فطالما يكون المبدأ موجوداًفالمشتق صادق، وإذا زال وانقضى زال المشتق ولا يعقل بقاؤه، وعلى هذا القول‏يكون حال العناوين الاشتقاقية كحال العناوين الذاتية كالانسان والحيوان‏ونحوهما، فكما أنه يستحيل بقاء تلك العناوين مع زوال مبادئها الذاتية التي هي‏حقيقتها، باعتبار أن شيئية الشي‏ء إنما هي بصورته النوعية المقومة فكذلك‏عنوان المشتق، فإنه يستحيل بقاؤه مع زوال المبدأ، وإلاّ لزم خلف فرض كونه‏عينه، بل هو أسوء حالاً من العناوين الذاتية، فإن تلك العناوين مركبة من المادةوالصورة، فإذا زالت صورتها النوعية زالت العناوين بصورتها لا بمادتها.
هذا إضافة إلى أن هناك بحثاً في الفلسفة عن إمكان انفكاك الذات عن‏صورتها النوعية من جهة البحث عن مدى تقوم الصورة الجسمية بالصورةالنوعية، فهناك قول بأن الصورة النوعية كالأعراض للصورة الجسمية، ولادخل لها فيها، وقول بأن الصورة الجسمية متقومة بإحدى الصور النوعية على‏البدل، وقول بأنها متقومة بأشخاص الصور النوعية، وتمام الكلام هناك،فالغرض هنا الاشارة إلى أن مسألة عدم انفكاك الذات عن صورتها النوعيةليست من المسائل المسلمة لدى الفلاسفة، وهذا بخلاف المشتق، فإنه على‏القول‏ببساطته عين المبدأ، فزواله بزوال المبدأ أمر وجداني غير قابل‏للبحث،فلذلك لا موضوع حينئذ للنزاع في أنه وضع للأعم أو الخصوص‏المتلبس بالمبدأ بالفعل.
وبكلمة اُخرى، إن الركن الوطيد على هذا القول هو نفس المبدأ غاية الأمرأنه ملحوظ لا بشرط، ومعه لا يأبى عن الحمل على الذات، وحينئذ فالصدق‏متقوم بالمبدأ وجوداً وعدماً، فإذا انعدم لم يصدق العنوان الاشتقاقي إلا بالعنايةوالمجاز، وبذلك تختلف العناوين الاشتقاقية عن العناوين الذاتية، فإن العناوين‏الاشتقاقية على الرغم من كونها عين مبادئها ذاتاً وحقيقة وبسيطة، سواء أكانت‏المبادى‏ء من إحدى المقولات أم كانت من غيرها، فإذا زالت المبادى‏ء زالت‏العناوين الاشتقاقية بالكلية، ولكن مع هذا يصح إطلاقها على الذات قبل‏الاتصاف بها وبعده مجازاً بعلاقة الأول والمشارفة أو علاقة ما كان.
بينما العناوين الذاتية على الرغم من كونها مركبة من الصورة والمادة، فإذازالت الصورة وتبدلت بصورة اُخرى بقيت المادة، ولكن مع هذا لا يصح إطلاقهاعلى المادة ولو مجازاً، فإذا صار الانسان أو الكلب ملحاً لم يصح إطلاق الانسان‏على المادة ولا الكلب لا حقيقة ولا بالعناية والمجاز، والنكتة في ذلك هي أن‏المتصف بالانسانية حصة من الهيولى، وتزول تلك الحصة بزوال صورتها وهي‏الانسانية، والباقي هو الهيولى المشتركة بين جميع الأشياء، وهي بحدّها لا تتصف‏بالانسانية أصلاً، بل لا يعقل اتصافها بها، وأما الحصة المتصفة بالترابية، فهي‏مباينة للحصة المتصفة بالانسانية وهكذا، فلذلك لا يصح إطلاق العناوين‏الذاتية على الهيولى المشتركة ولا على حصة اُخرى منها مباينة ولو مجازاً، لعدم‏العلاقة المجوزة في البين، وهذا بخلاف الذات في باب العناوين الاشتقاقية، فإنهاقبل الاتصاف بها وحين الاتصاف بها وبعدة ذات واحدة شخصية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتيجتين التاليتين:
الاُولى: أنه على القول ببساطة مفهوم المشتق لا موضوع للنزاع في أنه وضع‏للأعم أو لخصوص المتلبّس.
الثانية: أن هذا القول بنفسه دليل قطعي على وضع المشتق لخصوص المتلبس‏بالمبدأ بالفعل.
وأما على القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذات والمبدأ، فهل يمكن حينئذتصوير معنى جامع بين المتلبس والمنقضي أو لا؟
فيه قولان:
فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى القول الثاني بتقريب أن تصوير معنى جامع بين‏الذات المتلبسة بالمبدأ فعلاً والذات الفاقدة له كذلك غير ممكن، لأن تصويره‏بينهما كتصوير جامع بين الواجد والفاقد والوجود والعدم، وهو غير معقول.
فالنتيجة أن وضع المشتق للأعم يتوقف على تصوير جامع بين المتلبّس‏والمنقضي في الواقع ومقام الثبوت وهو غير متصور(4). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأنه يمكن تصوير الجامع على القول‏بالتركيب بأحد الوجهين التاليين:
الأول: أن الجامع بين المتلبس والمنقضي هو اتصاف الذات بالمبدأ في الجملة،في مقابل الذات التي لم تتلبس به بعد، فإن الذات في الخارج على نوعين:
الأول: الذات التي لم تتلبس بالمبدأ بعد، وهذا النوع من الذات خارج‏عن‏المقسم.
الثاني: الذات التي تتصف بالمبدأ، وهي أعم من أن يكون اتصافها باقياً حين‏النطق أو لا يكون باقياً، وهو جامع بين المتلبس والمنقضي، وينطبق على كل‏منهما انطباق الطبيعي على أفراده، وعلى هذا فالموضوع له على القول بالأعم هوصرف وجود الاتصاف العاري عن أي خصوصية من الخصوصيات العرضية،كما هو شأن الجامع والمقسم في كل مورد، وهو كما ينطبق على الفردالمتلبس‏حقيقة كذلك ينطبق على الفرد المنقضي، باعتبار أن هذا المعنى موجودفي كلا الفردين.
وإن شئت قلت: إن الجامع بينهما خروج المبدأ من العدم إلى الوجود، فان‏المبدأ كما خرج من العدم إلى الوجود في موارد التلبس كذلك خرج في مواردالانقضاء، فصرف وجود المبدأ للذات من دون اعتبار امتداده بقاء جامع بين‏الفردين، وخصوصية البقاء والانقضاء من خصوصيات الأفراد خارجتان عن‏المعنى الموضوع له.
الثاني: أنا لو سلمنا أن تصوير جامع حقيقي بين الفردين غير ممكن إلا أن‏بإمكاننا تصوير جامع انتزاعي بينهما، وهو عنوان أحدهما، نظير ما ذكرناه في‏بحث الصحيح والأعم من تصوير جامع انتزاعي بين الأركان، ولا ملزم لأن‏يكون الجامع ذاتياً، لعدم مقتض له، إذ في مقام الوضع يكفي الجامع‏الانتزاعي، لأن الحاجة التي قد دعت إلى تصوير جامع هنا هي الوضع بإزائه،وهو لا يستدعي أزيد من تصوير معنى ما، سواء أكان ذلك المعنى من الماهيات‏المتأصلة أم كان من الماهيات الاعتبارية أم الأنتزاعية(5).
وقد علق على كلا الوجهين بعض المحققين‏قدس سره.
أما على الوجه الأول فبأمرين:
الأول: أن المتفاهم عرفاً من المشتقات ليس هو خروج المبدأ من العدم إلى‏الوجود، بل المتفاهم منها تلبس الذات بالمبدأ لا بتوسيط عدمه(6).
وفيه: أن هذا التعليق في غير محله.
أما أولاً فلأن الكلام في المقام إنما هو في إمكان تصوير معنى جامع بين الفردالمتلبس والمنقضي ثبوتاً، وأما كون هذا الجامع هو المتفاهم من المشتق عرفاً في‏مقام الاثبات أو أن المتفاهم منه شي‏ء آخر في هذا المقام، فهو مسألة اُخرى‏سوف يأتي الكلام فيها.
وثانياً: أن هذا التعليق أشبه بالتعليق على صيغة التعبير لا على المضمون،حيث إن مقصوده‏قدس سره من هذه الصيغة هو تلبس الذات بصرف وجود المبدأ لا أن‏قيد العدم دخيل في الجامع، أو فقل إن هذا التعبير تعبير عن واقع الحال،وهوأن‏المبدأ كغيره من الأشياء يخرج من العدم إلى الوجود، لا أن سبقه بالعدم‏دخيل فيه.
الثاني: أنه إن اُريد بالجامع مفهوم المتلبس، ففيه أن المتلبس نفسه من‏المشتقات، ولابد من تحديد معناه سعةً وضيقاً، فلا يمكن أن يكون المعنى‏الموضوع له للأوصاف الاشتقاقية وجامعاً بين الفردين فيها، وإن اُريد به واقع‏المتلبس، وهو التلبس بنحو الفعل الماضي، ففيه أنه لا يمكن أخذ مضمون الفعل‏الماضي في مفاد المشتقات، وإلا فلازمه عدم صدق المشتق على الذات بلحاظ آن‏حدوث المبدأ، لأن الفعل الماضي لا يصدق إلا حينما يكون المبدأ حادثاً قبل زمان‏الجري، وأيضاً لازمة عدم صحة جري المشتق بلحاظ المستقبل كقولك »زيدمن قائم غداً«، لعدم عرفية إجراء الماضي بلحاظ المستقبل،هذا إضافة إلى أنه لايصح أخذ مفاد الفعل الماضي في جملة من المشتقات كأسماء الآلة وأسماء الأزمنةوالأمكنة ونحوها(7).
ويمكن المناقشة فيه بأن المأخوذ في الجامع ليس هو مفهوم المتلبس ولا مفادالفعل الماضي، بل المأخوذ فيه تلبس الذات بالمبدأ في الجملة، أي بنحو صرف‏الوجود، ولا يرد عليه شي‏ء من الاشكالات المتقدمة، لأنه ليس بنحو مفادالفعل الماضي، لأن التلبس بنحو الفعل الماضي إنما يتصور بالنسبة إلى‏الفردالمنقضي في مرحلة التطبيق لا في الجامع، والمفروض أن صدق الجامع‏على‏المنقضي إنما هو بلحاظ تلبّسه بالمبدأ في الجملة أي بنحو صرف‏الوجود،والتلبس كذلك يصدق عليه حقيقة في مقابل عدم صدقه كذلك على‏من لم يتلبس به بعد.
نعم، إن الجامع بين الحالتين هما حالة التلبس وحالة الانقضاء لا يمكن‏تصويره، لأنهما من الحالتين المتضادين فلا جامع بينهما، وأما الجامع بين الذاتين‏هما الذات في حال التلبس والذات في حال الانقضاء فهو بمكان من الامكان،وهو صرف التلبس بالمبدأ، لأن كلتيهما مشتركة فيه، وهو جامع بين الفردين في‏الحالتين بدون أن يكون شي‏ء من الحالتين مأخوذاً في الجامع ودخيلاً فيه.
وعلى هذا فالصحيح هو ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من إمكان تصوير جامع‏بين الفردين على القول بالتركيب.
ودعوى أن الجامع بينهما لابد أن يكون واجداً لصفتي كل منهما وهما حالةالانقضاء وحالة التلبس، ومن الواضح أنه لا يتصور جامع يكون واجداً لكلتاالحالتين المتضادتين.
مدفوعة بأن الجامع لابد أن يكون عارياً عن جميع الخصوصيات العرضية،وهي الخصوصيات الطارئة على أفراده، والجامع في المقام هو صرف تلبس‏الذات بالمبدأ في الجملة، ولم يؤخذ فيه أية خصوصية لا خصوصية التلبس في‏الحال ولا خصوصية الانقضاء، فإنهما من خصوصيات الفرد العرضية.
أما على الوجه الثاني فلأن تصوير جامع انتزاعي كعنوان أحدهما بين‏الفردين في المسألة وإن كان بمكان من الامكان بل لا مانع منه حتى بين النقيضين،إلا أن الكلام إنما هو في تصوير معنى جامع يكون المشتق موضوعاً بإزائه،والظاهر أن المشتق لم يوضع بإزائه، لعدم انفهامه منه(8).
وفيه: أن مجرد دعوى عدم الانفهام والتبادر لا يكون دليلاً على أن عنوان‏أحدهما لا يصلح أن يكون معنى للمشتق في المسألة، إذ بإمكان القائل بالأعم أن‏يدعى وضع المشتق بإزائه بنحو الوضع العام والموضوع له العام، أو لمصداقه‏بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن تصوير الجامع بين‏الفردين في المسألة ثبوتاً بمكان من الامكان على القول بالتركيب.
وأما الكلام في مقام الاثبات، فعلى القول بأن مدلول المشتق بسيط فلاموضوع للنزاع في هذا المقام، لأنه متفرع على إمكان تصوير جامع في مقام‏الثبوت، والفرض عدم إمكانه فيه، ومن هنا يكون نفس هذا القول دليلاً قطعياًعلى وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل.
أما على القول بأن مدلول المشتق مركب من الذات والمبدأ، فحيث إن الجامع‏متصور فيه ثبوتاً، فيقع النزاع فيه في مقام الاثبات على أقوال عمدتها قولان:
الأول: أن هيئة المشتق موضوعة لخصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل.
الثانى: أنها موضوعة للجامع بينه وبين المنقضي.
أما القول الأول فقد استدل عليه بوجوه:
الأول: التبادر، بتقريب أن المتبادر والمنسبق من المشتق في العرف العام لدى‏الاطلاق ارتكازاً هو المتلبس خاصة دون الأعم، ولا فرق في هذا التبادر بين أن‏يكون المشتق في ضمن الجملة التامة كقولك »زيد عالم« أو في ضمن الجملةالناقصة ك »دار عالم« و»علم مجتهد« وهكذا أو لا يكون في ضمن أي منهما،فإنه على كل حال كاشف عن وضعه للمتلبس خاصة.
وقد علق على هذا الوجه بأن منشأ التبادر قد يكون الوضع وقد يكون‏الانصراف الناجم من كثرة الاستعمال، وفي المقام كما يحتمل الأول كذلك يحتمل‏الثاني، ومع هذا الاحتمال لا يكون كاشفاً عن الوضع(9).
والجواب: أن كثرة الاستعمال في المتلبس خاصة إذا بلغت درجة ينجم منهاتبادر خصوص المتلبس عند الاطلاق فمعنى ذلك تحقق الوضع بعامل كمي، وهوكثرة الاستعمال، فإذن تكون النتيجة أن تبادر المتلبس من المشتق عند الاطلاق‏مستند إلى الوضع وكاشف عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الوضع تعيينياً أوتعيّنياً، فإن الغرض هو إثبات وضع المشتق لخصوص المتلبس سواء أكان‏بالوضع التعييني أم التعيّني.
ودعوى أن كثرة الاستعمال مع القرينة مهما كانت لا تؤدي إلى الوضع، لأنهاإنما توجب العلاقة بين المعنى واللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً، فإذا جرّد اللفظعن القرينة لم يكن المعنى متبادراً منه، لعدم حصول العلاقة بينه مجرداً وبين‏المعنى، فإذن لا تكون نتيجة هذه الكثرة حصول الوضع التعيّني.
مدفوعة بأن لهذا الاستعمال عنصرين: أحدهما: اللفظ والآخر القرينة،والأول عنصر ثابت في جميع موارد الاستعمال على حدّ سواء، والثاني، عنصرمتغير، لأن القرينة تختلف من استعمال إلى استعمال آخر، ففي مورد تكون لفظيةوفي آخر تكون حالية وفي ثالث عهدية وفي رابع مقاميّة وهكذا، لأن القرينة في‏كل مورد من موارد الاستعمال حسب ما يتطلبها انفهام المعنى المجازي من اللفظفيه، وحيث إن اللفظ عنصر ثابت ولا يختلف باختلاف الموارد، فبطبيعة الحال‏إذا كثر الاستعمال كانت تؤدي إلى حصول العلاقة بينه وبين المعنى، سواء أكانت‏معه قرينة أم لا، وهي الاُنس الذهني الحاصل بينهما من العامل الكمّي الموجب‏لتبادر المعنى منه عند إطلاقه، نعم لو كان عنصر القرينة عنصراً ثابتاً كاللفظ في‏جميع الموارد، فلا يمكن حصول الوضع التعيّني من كثرة الاستعمال مهما بلغت.
وقد اُجيب عن ذلك بأن استعمال المشتق في المنقضي في موارد الانقضاء أكثرمن استعماله في المتلبس خاصة، وعليه فلا يحتمل أن يكون تبادر المتلبس من‏المشتق ناجماً من كثرة الاستعمال فيه، وإلا لكان الأمر بالعكس، فإذن لا محالةيكون مستنداً إلى الوضع وناجماً منه(10).
وقد يعترض على ذلك بأن المشتق لو كان موضوعاً للمتلبّس خاصة ومع‏ذلك يكون استعماله في موارد الانقضاء أكثر، لزم كونه منافياً لحكمة الوضع التي‏تتطلب تعيّن الوضع على طبقها، وهو الوضع للاعم.
والجواب أولاً: أن هذا الاشكال لو تمّ فإنما يتم لو كان الوضع إلهيّاً، إذ حينئذلا يمكن صدوره منه تعالى بدون حكمة تتطلب ذلك، وأما إذا كان الوضع بشرياًفلا يتم ذلك مطلقاً، لأن صدور الوضع من الواضع البشري إنما هو بحسب مايدركه من متطلبات المجتمع وحاجياتهم، فان أدرك أن وضع المشتق للمتلبّس‏خاصة أوفى بها من وضعه بإزاء الجامع بينه وبين المنقضي قام بوضعه له، وإن‏أدرك العكس فبالعكس، ولا يعلم بمتطلبات حياتهم الاجتماعية والفردية في‏المستقبل، ولعلها تتطلب استعمال المشتق في الأعم أكثر منه في المتلبس خاصة في‏الآتي لظروف خاصة أو عامة، نعم إذا علم حين الوضع أن الحاجة تدعو إلى‏استعمال المشتق في الأعم أكثر منه في المتلبس خاصة، لكان وضعه بإزاء المتلبس‏منافياً لحكمة الوضع.
وثانياً: أنه لا يتم حتى على القول بكون الوضع إلهيّاً، لأن الوضع إذا كان من‏صنعه تعالى ومع ذلك إذا وضع المشتق للمتلبس خاصة، رغم أن استعماله في‏موارد الانقضاء أكثر من استعماله في خصوص المتلبس، فلا محالة يكون ذلك‏عن حكمة مبرّرة له، إذ كون ذلك جزافاً وبلا حكمة غير محتمل، غاية الأمر أنه‏لا طريق لنا إلى تلك الحكمة المبررة.
وثالثاً: أن الغرض من وضع الألفاظ في كل لغة إنما هو إشباع حاجة الانسان‏في حياته الاعتيادية في وجه هذه الكرة في كل وقت وعصر، وحيث إن حياةالانسان منذ ولادته على وجه الكرة حياة بسيطة جداً ولهذا يكتفي في مقام‏التفهيم والتفهم مع الآخرين بالوسائل الطبيعية البدائية الساذجة كالاشارات‏والتصويرات وتقليد الأصوات وما شاكلها، ويعبر عنها بالمنبهات الطبيعية، ثم‏بدأت تتكامل وتتوسع بتمام شؤونها يوماً بعد يوم وقرناً بعد آخر، فلهذا تتطلب‏استخدام الوسائل والأساليب الأكثر شمولاً واستيعاباً للمعاني وعدم كفايةاستخدام الوسائل البدائية وهي متمثلة في الألفاظ واللغات التي تلعب دوراًمحورياً أساسياً في كل مجتمع، ومن المعلوم أن الغرض من الوضع لا يختص‏بالوضع الحقيقي الشخصي، بل يترتب على الأعم منه ومن الوضع النوعي‏المجازي، إذ كما أن العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بالوضع الشخصي مصححةللاستعمال ووافية بالغرض، كذلك العلاقة الحاصلة بينه وبين المعنى المجازي بتبع‏العلاقة الاُولى، فإنها مصححة له.
فإذا فرض وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل، فإنه كما يوجب‏صحة استعماله واستخدامه فيه إذا تعلقت الحاجة بإبرازه للآخرين، كذلك‏يوجب صحة استعماله في الأعم منه عند تعلق الحاجة به، وعلى هذا فأكثريةاستعمال المشتق في المنقضي في حال انقضاء المبدأ عنه من استعماله في المتلبس‏خاصة لا ينافي حكمة الوضع، لأن حكمة الوضع تتطلب وضع اللفظ بإزاء معنى‏بغرض استعماله فيه وفي كل ما يناسبه من المعاني، لا أنها تتطلب استعماله في‏الأول فقط وهو معناه الموضوع له مباشرة دون غيره، فالنتيجة أن الحكمة التي‏تتطلب وضع الألفاظ بإزاء المعاني هي استخدامها واستعمالها فيها عند تعلق‏الحاجة بإبرازها للآخرين بلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المعاني من المعاني‏الحقيقية أو المجازية.
ورابعاً: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء وإن كان أكثر من استعماله في‏موارد التلبس، إلا أن ذلك لا يستلزم أن يكون استعماله في المنقضي أكثر من‏استعماله في المتلبس، وذلك لأن استعمال المشتق في موارد الانقضاء إنما يكون‏استعمالاً في المنقضي عنه المبدأ بالفعل إذا كان بلحاظ حال النطق، وأما إذا كان‏بلحاظ حال التلبس والاسناد، فهو استعمال في المتلبس لا في المنقضي.
بيان ذلك أن الموارد التي استعمل المشتق فيها لا تخلو من أن يكون من الجمل‏الانشائية الحقيقية كقوله تعالى: »السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُو أَيْدِيَهُمَا«(11)وقوله تعالى: »الزّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُو كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَة«(12)ونحوهما أو من الجمل التطبيقية الفعلية أو الاسمية.
أما في الجمل الحقيقية التي هي جمل تقديرية لا تطبيقية، فلا يمكن الاستشهادبها على أن المشتق في تلك الجملات مستعمل في المنقضي أو في الأعم منه ومن‏المتلبس، وذلك لأن الموضوع فيها قد اُخذ مفروض الوجود، سواء أكان‏موجوداً في الخارج أم لا، ففي الآية الاُولى قد فرض المولى وجود شخص‏متلبس بالسرقة وحكم عليه بقطع اليد، وفي الآية الثانية فرض وجود شخص‏متلبس بالزنا وحكم عليه بمائة جلدة، فالمشتق في كلتا الآيتين استعمل في‏المتلبس، وهو تمام الموضوع للحكم المذكور فيهما، وقد ذكرنا في غير مورد أن‏الموضوع في القضايا الحقيقية مأخوذ مقدّر الوجود في الخارج، ولهذا ترجع كل‏قضية حقيقية إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له،وحيث إن الآيتين الشريفتين من القضايا الحقيقية فالموضوع فيهما إنسان فرض‏تلبّسه بالسرقة أو الزنا في الخارج، ولا يعقل الانقضاء في هذه المرحلة، فإنه إنمايتصور في مرحلة التطبيق والقضايا الخارجية لا في مرحلة الجعل والتقدير بنحوالقضية الحقيقية، وعليه فعنوان الزاني والسارق في الآيتين مستعمل فيمن فرض‏تلبسه بالمبدأ، غاية الأمر أن زمان القطع والجلد متأخر في الخارج عن زمان‏التلبس، فقد تحصل أن الاستعمال في المنقضي في القضايا الحقيقية غير معقول،وإلا لزم الخلف، أي ما فرض موضوعاً في لسان الدليل ليس بموضوع.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعضهم من أن المشتق في الآيتين أو ما شاكلهمااستعمل فيمن انقضى عنه المبدأ، وهذا دليل على أنه موضوع للأعم وإلا لم يصح‏استعماله فيه إلا بالعناية والمجاز، مبني على الخلط بين القضايا الحقيقية والقضاياالخارجية، وتخيل أن إطلاق السارق والزاني في الآيتين إنما هو بلحاظ ظرف‏تطبيق الحكم وإجرائه لا بلحاظ ظرف الجعل، مع أن الأمر ليس كذلك،لوضوح أن الاطلاق فيهما إنما هو بلحاظ ظرف الجعل، لما عرفت من أن الآيتين‏الشريفتين من قبيل القضايا الحقيقية، فتكونان بصدد جعل الحكم على المتلبس‏بالسرقة والزنا، لا في مقام تطبيقه عليه في الخارج، كما أنه لا وجه لما أفاده المحقق‏الخراساني‏قدس سره في مقام الجواب عن هذا الاستدلال من أن الاستعمال فيهما إنمايكون بلحاظ حال التلبس دون الانقضاء(13)، وذلك لأن حالة الانقضاء لاتتصور في‏القضايا الحقيقية لكي يكون‏الاستعمال فيها بلحاظ حال‏التلبس دونها.
والخلاصة أن العناوين الاشتقاقية الواردة في لسان الأدلة التي اُخذ تلبس‏الذات بالمبدأ فيها مفروض الوجود في الخارج مستعملة في المتلبس خاصة،ولا يعقل استعمالها في المنقضي إلا في مقام التطبيق.
وأما الجمل التطبيقية، فإن كانت فعلية كقولنا »قام العالم« و»أكرمت العالم«و»ضربت الفاسق« فلا شبهة في ظهورها عرفاً في أن إطلاق المشتق في هذه‏الجملات إنما هو بلحاظ حال الاسناد والنسبة لا حال النطق، وعليه فيكون‏استعماله فيها في المتلبس خاصة لا في المنقضي، وحينئذ فلا يمكن الاستشهاد بهاعلى استعمال المشتق في المنقضي في موارد الانقضاء.
وإن كانت اسمية فإن كانت من قبيل قولنا »زيد عالم«، »بكر عادل«،»عمرو فاسق« وهكذا، فهي وإن كانت ظاهرة في أن إطلاق المشتق فيها يكون‏بلحاظ حال الاستعمال والنطق دون حال التلبس، إلا أن موارد انقضاء المبدأ عن‏الذات في هذا القسم من الجملات التطبيقية ليست بأكثر وأغلب من موارد عدم‏الانقضاء فيها وتلبس الذات به، حتى يكون استعمال المشتق في المنقضي في‏تلك‏الجملات أكثر من استعماله في المتلبس فضلاً عن كونه أكثر بالنسبة إلى‏جميع‏موارد الانقضاء.
وإن كانت من قبيل قولنا »الشيخ الأنصاري فقيه« مثلاً، و»الشيخ النائيني‏عالم اُصولي« وهكذا، والجامع أن لا يكون الموضوع الذي يحمل عليه المشتق‏باقياً ومحفوظاً، فهي ظاهرة في أن الاطلاق إنما هو بلحاظ حال الاسنادوالجري‏لا حال النطق.
فالنتيجة أن في الجمل الاسمية إن كان الموضوع محفوظاً وموجوداً فعلاً،فالجملة وإن كانت ظاهرة في أن إطلاق المشتق فيها يكون بلحاظ حال النطق لاحال التلبس، إلا أنك عرفت أن موارد الانقضاء فيها ليست بتلك الكثرة لكي‏تنافي حكمة الوضع، وإن لم يكن الموضوع محفوظاً وموجوداً فيها، كانت‏ظاهرةفي أن الاطلاق يكون بلحاظ حال الاسناد والنسبة، فتحصل أنه لا بأس‏بالاستدلال على القول بأن المشتق موضوع للمتلبس خاصة بالتبادر لدى‏العرف العام.
الوجه الثاني: أنه لا شبهة في أن المرتكز في أعماق نفوس الانسان هو التضادبين العناوين الاشتقاقية بما لها من المبادى‏ء، ولا يمكن اجتماع اثنين منها في‏موضوع واحد، كالعالم والجاهل والمتحرك والساكن والمسافر والحاضروالفاسق والعادل والقائم والقاعد وهكذا، وارتكازية هذا التضاد تكشف عن‏وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل، إذ لو كان موضوعاً للأعم لم يكن‏التضاد موجوداً بينها، ويصدق حينئذ على شخص واحد عنوان العالم والجاهل‏معاً في آن واحد حقيقة إذا كان جاهلاً سابقاً ثم صار عالماً، وعنوان المتحرك‏والساكن معاً على شي‏ء واحد إذا كان متحركاً سابقاً والآن ساكن وهكذا، مع أن‏التضاد بينها ثابت ارتكازاً.
ولكن لا يمكن أن يكون هذا الوجه وجهاً مستقلاً في مقابل التبادر، بل مردّه‏إليه في نهاية المطاف، حيث إنه لا منشأ للمضادة بين العناوين الاشتقاقية إلاتبادر المتلبس خاصة منها عند إطلاقها ارتكازاً، إذ لا يحتمل أن تكون المضادةبينها ذاتية، فإن المضادة الذاتية إنما هي بين مبادئها دون نفس تلك العناوين،ومن هنا فالقائل بالأعم لا يقول بالمضادة بينها، وإنما يقول بها بين مبادئهافحسب كالعلم والجهل، لا العالم والجاهل، إذ لا مانع من صدقهما معاً على‏شخص واحد في آن واحد، باعتبار أن صدقهما عليه لا يستلزم اجتماع مبدئهمافيه وهو العلم والجهل، وكذلك الحال في نظائرهما. أو فقل إن المعيار في صدق‏المشتق على القول بالأعم إنما هو بتلبس الذات بالمبدأ في الجملة وإن زال المبدأعنها بعد ذلك، لا بوجود المبدأ حين الصدق، ولكن ارتكازية التضاد في الأذهان‏تحكم على القول بالأعم، إذ لازم هذا القول صحة استعمال المشتق في كل من‏المتلبس والمنقضي على حدّ سواء، وهي تؤدي لا محالة إلى ارتكازية التجانس‏وعدم التنافي بين العناوين الاشتقاقية بعضها مع بعضها الآخر، فإذن ارتكازيةالتضاد بينها لا محالة تكشف عن الوضع للمتلبس خاصة.
ثم إن هذا الوجه يختلف بحسب الصورة عن الوجه الأول وهو التبادر لابحسب الجوهر، لأن التبادر دليل على الوضع بإزاء المتلبس، كانت مضادة بين‏العناوين الاشتقاقية بعضها مع بعضها الآخر أم لا، ولا تتوقف دليليته على‏وجود المضادة بينها، وهذا بخلاف هذا الوجه، فإن دليليته إنما هي بإفتراض‏وجود المضادة بينها، ولكن منشأ هذه المضادة التبادر لا الذات.
الوجه الثالث: صحة سلب المشتق عن المنقضي عنه بالمبدأ، فإذا كان زيدعادلاً ثم زالت عنه العدالة، صح أن يقال زيد ليس بعادل.
وقد اعترض عليه بوجهين:
الأول: في كبرى علامية صحة السلب للحقيقة وعدم صحته للمجاز.
الثاني: مع الاغماض عن ذلك وتسليم الكبرى أنها في خصوص المقام لاتصلح أن تكون علامة، بتقريب أنه إن اُريد بها سلب المطلق حتى بلحاظ حال‏التلبس فهو غير صحيح، وإن اُريد بها سلب المقيد فهو لا يكون علامة، لأن‏سلب المقيد لا يستلزم سلب المطلق، هذا.
وقد أجاب المحقق الخراساني‏قدس سره عن الاعتراض الثاني بأن سلب المطلق عن‏الذات حتى بلحاظ حال التلبس وإن كان غير صحيح، إلا أن سلب المقيد تارةيكون بلحاظ أن القيد قيد للمسلوب عنه، واُخرى بلحاظ أنه قيد للسلب،وثالثة بلحاظ أنه قيد للمسلوب، أما على الأول والثاني فلا يضر التقييد، كما إذاقيل زيد الآن ليس بعادل، فإنه علامة ودليل على أن المشتق لم يوضع للأعم،وإلا لم يصح سلبه عن زيد في حال الانقضاء، لفرض أنه موضوع للجامع بين‏المتلبس والمنقضي، فكما يصدق عليه في حال تلبسه بالمبدأ فكذلك يصدق عليه‏في حال انقضاء المبدأ عنه، وكذلك إذا كان القيد قيداً للسلب، كما إذا قيل زيدالآن ليس بعادل، فإنه قيد للسلب الذي هو مفاد ليس، لا للمسلوب ولاللمسلوب عنه، وهو يدل على أن المشتق لم يوضع للأعم، وإلا لم يصح هذاالسلب. وأما على الثالث وهو ما إذا كان القيد قيداً للمسلوب كما إذا قيل زيدليس بقائم الآن، فلا يكون علامة ودليلاً على عدم وضع المشتق للأعم، لأن‏سلب الأخص لا يدل على سلب الأعم، وإنما يدل على أن المشتق لم يوضع بإزاءالأخص، ولا يدل على أنه لم يوضع بإزاء الأعم، ولكن تقييده ممنوع.
وغير خفي أن منشأ هذا الاعتراض هو الخلط بين تقييد المادة بحال الانقضاءالفعلي وتقييد الوصف الاشتقاقي بها.
بيان ذلك أن حال الانقضاء إن كان قيداً للمادة كما في مثل قولك »زيد ليس‏متلبساً بالعدالة الآن«، فإنه لا يدل على أنه لم يكن متلبساً بها سابقاً أيضاً،لأن‏المنفي عنه هو التلبس بالعدالة فعلاً، ومن الواضح أن نفيه عنه لا يستلزم‏نفي‏الأعم منها ومن العدالة السابقة، فإن زيداً إذا كان متلبساً بالعدالة سابقاً ثم‏زالت عنه العدالة، صح أن يقال إنه كان متلبساً بالعدالة في السابق وليس بمتلبس‏بها في الحال.
وبكلمة، إن سلب المادة كالعدالة مثلاً عن الذات المنقضية عنها المادة فعلاً لايستلزم سلبها عنها مطلقاً حتى في السابق، على أساس أن سلب الأخص لايستلزم سلب الأعم، وهذا بخلاف سلب الوصف الاشتقاقي كعنوان العادل مثلاًعن زيد مقيداً بحال الانقضاء، فإنه يدل على عدم وضعه للأعم، وإلا لم يصح‏سلبه عنه بنحو السلب بالحمل الشائع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القيد قيداًللمسلوب عنه أو للمسلوب، وما في كلام المحقق الخراساني‏قدس سره من الفرق‏بينهما(14)، لا يرجع إلى معنى محصل إلا إذا كان مراده من ذلك أن القيد إذا كان‏للمسلوب، فهو راجع إلى المادة دون الوصف الاشتقاقي، بينما إذا كان للمسلوب‏عنه فلا يمكن رجوعه إلى المادة، وهذا هو الفارق بينهما، ولكن استفادة ذلك من‏كلامه بحاجة إلى عناية زائدة، إذ لا ظهور له فيه وإن كان محتملاً، هذا إضافة إلى‏أنه لا فرق من هذه الناحية أيضاً بين أن يكون القيد قيداً للمسلوب أو المسلوب‏عنه كما لا يخفى.
وأما ما ذكره‏قدس سره من أن القيد قد يكون للسلب الذي هو مفاد ليس في مقابل‏المسلوب والمسلوب عنه فلا يمكن المساعدة عليه، لأن السلب معنى حرفي ولايمكن تقييده إلا بتقييد متعلقه من المسلوب أو المسلوب عنه في المقام.
ودعوى أن الاعتراض المذكور إنما يكون ناشئاً من الخلط إذا كان المراد من‏سلب الوصف الاشتقاقي عن المنقضي في حال الانقضاء السلب بالحمل الشائع،فإنه يدل على أنه لم يوضع للجامع، وإلا لم يصح سلبه عن مصداقه وفرده، ولافرق في ذلك بين أن يكون حال الانقضاء قيداً للمسلوب أو للمسلوب عنه،وأما إذا كان المراد من سلبه عن المنقضي بلحاظ حال الانقضاء السلب بالحمل‏الأولي الذاتي، فالاعتراض حينئذ يكون في مورده، فإن سلب الوصف‏الاشتقاقي بما له من المعنى الارتكازي عن المنقضي مقيداً بحال الانقضاء بالحمل‏الأولي لا يدل على سلبه كذلك عن الجامع، فإن عدم وضع المشتق للمنقضي لايكون أمارة على عدم وضعه للجامع.
مدفوعة، بأنه لا يمكن أن يراد من سلب الوصف الاشتقاقي عن المنقضي‏مقيداً بحال الانقضاء السلب بالحمل الأولي، بداهة أنه لا يحتمل أن يكون‏المشتق موضوعاً بإزاء المنقضي خاصة، كما لا يحتمل تعدّد الوضع فيه، فإذن لامحالة يكون المشتق موضوعاً إما لخصوص المتلبس أو للجامع بينه وبين المنقضي‏ولا ثالث لهما، وعليه فلا يمكن أن يراد من سلب المشتق عن المنقضي في‏حال‏الانقضاء السلب بالحمل الذاتي الأولي، بل لا محالة يكون المراد منه‏السلب‏بالحمل الشائع، وهو بطبيعة الحال يكون أمارة على عدم الوضع للجامع،فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا بأس بالاستدلال بصحة السلب في‏المقام في‏نفسه.
ولكن الكلام إنما هو في كبرى علاميتها، وقد تقدم الاشكال فيها في باب‏علامات الحقيقة والمجاز بشكل موسع فلاحظ، فمن أجل ذلك لا يمكن‏الاستدلال بها في المقام.
هذه هي أهم الوجوه التي استدل بها على وضع المشتق للمتلبس خاصة،وعمدتها الوجه الأول.
وأما القول الثاني وهو وضع المشتق للأعم، فقد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: التبادر، بدعوى أن المتبادر من المشتق عند الاطلاق عرفاً،هو الأعم دون خصوص المتلبس بالمبدأ.
وفيه: ما عرفت من أن المتبادر والمنسبق منه في أذهان العرف عند الاطلاق‏هو المتلبس خاصة دون الأعم.
الوجه الثاني: عدم صحة سلب المشتق بما له من المعنى عن الأعم، وهذاأمارة على كونه موضوعاً له، وإلا صحّ سلبه عنه.
وفيه مضافاً إلى ما تقدم من المناقشة في كبرى علامية صحة السلب، أن عدم‏صحة سلبه عن الجامع أول الكلام، بل ظهر مما مر أنه يصح.
الوجه الثالث: أن إطلاق المشتق في موارد الانقضاء كإطلاقه في مواردالتلبس يكون على نحو الحقيقة، فيقال »هذا قاتل زيد« و»ذاك مقتول عمرو«وهكذا بدون أي عناية في البين.
وفيه: الظاهر أن مثل هذا الاطلاق في موارد الانقضاء إنما هو بلحاظ حال‏التلبس، لا بلحاظ حال الانقضاء والنطق، فلا يكون دليلاً على الوضع للأعم،ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن هذا الاطلاق إنما هو بلحاظ حال الانقضاءوالنطق لا بلحاظ حال التلبس، إلا أنه مع ذلك لا يدل على الوضع للأعم، لأن‏الاطلاق أعم من الحقيقة، فدلالته عليها بحاجة إلى عناية زائدة.
الوجه الرابع: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء أكثر من استعماله في‏موارد التلبس، فلو كان المشتق موضوعاً للمتلبس خاصة، لزم أن يكون‏استعمال المشتق في المعنى المجازي أكثر من استعماله في المعنى الحقيقي، وهذا بعيدفي نفسه مع أنه ينافي حكمة الوضع.
وفيه أولاً: ما أشرنا إليه سابقاً من أنه لا مانع من أن يكون الاستعمال‏المجازي أكثر من الاستعمال الحقيقي ولا ينافي ذلك حكمة الوضع، باعتبار أن كلاالاستعمالين معلول للوضع ومن متطلباته، لا خصوص الاستعمال الحقيقي، غايةالأمر أن الوضع كان يعطي صلاحية الدلالة للفظ على المعنى الحقيقي بالمباشرةوعلى المعنى المجازي بالواسطة، حيث إن الغرض من وضع الألفاظ ذلك لكي‏يتمكن من استخدامها كوسيلة لابراز المعاني والأفكار للآخرين، ومن الواضح‏أن اللفظ بعد الوضع كما يصلح للدلالة على المعنى الحقيقي كذلك يصلح‏للدلالةعلى المعنى المجازي، فإذن حكمة الوضع لا تنحصر بدلالة اللفظ على‏المعنى الحقيقي فقط.
وثانياً: أن هذا لو تمّ فإنما يتم لو كان الوضع الهياً، وأما إذا كان بشرياً كما هوالصحيح، فلا يتم كما تقدم موسعاً.
وثالثاً: أنه لا يتم ولو كان الوضع الهياً كما مرّ.
ورابعاً: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء وإن كان أكثر من استعماله في‏موارد التلبس، إلا أن ذلك لا يستلزم كون استعماله فيها في المنقضي بلحاظ حال‏النطق أكثر من استعماله في المتلبس بلحاظ حال التلبس، حيث إن استعماله في‏موارد الانقضاء كثيراً ما يكون بلحاظ حال التلبس لا بلحاظ حال الانقضاءوالنطق كما مر تفصيل ذلك.
الوجه الخامس: قوله تعالى:»لا يَنَالُ عَهْدِى الظّالِمِيْنَ«(15) وتقريب‏الاستدلال به أنه يدل على عدم لياقه عبدة الأصنام للخلافة ولو بعد دخولهم في‏الاسلام، ولذلك استشهد الامام‏عليه السلام بالآية على عدم لياقة الخلفاء الثلاث‏للخلافة الالهية، وهذا الاستشهاد منه دليل على أن المشتق موضوع للأعم، إذلوكان موضوعاً لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل لم يتم الاستشهاد بها، لأنهم في‏زمن دعواهم لمنصب الخلافة كانوا متشرفين بالاسلام وغير متلبسين بالظلم‏وعبادة الوثن، وإنما كان تلبّسهم به قبل التشرف بالاسلام وفي زمن الجاهلية،فإذن لا يتم الاستدلال بالآية إلا على القول بالوضع للأعم لكي يصدق عليهم‏عنوان الظالم فعلاً.
والجواب: أنه لا يمكن الاستدلال بالآية الشريفة على وضع المشتق للأعم،لأن مفادها هو القضية الحقيقية، وقد تقدم أن القضية خارجة عن محل النزاع،لأن الموضوع فيها قد اُخذ مفروض الوجود في الخارج واللفظ مستعمل فيه،فإذا كان الموضوع في لسان الدليل العنوان الاشتقاقي كما في الآية الكريمة فقد اُخذتلبس الذات بالمبدأ فيه مفروض الوجود، واللفظ مستعمل فيه. ومن هنا قلنا إن‏النزاع في أن المشتق مستعمل في المتلبس خاصة أو في المنقضي مختص بالقضاياالخارجية، ولا يتصور ذلك في القضايا الحقيقية.
فالنتيجة أن عنوان »الظالمين« في الآية الشريفة مستعمل في المتلبسين بالظلم‏لا في الأعم ولا في المنقضي.
وأما استشهاد الامام‏عليه السلام بالآية الشريفة على عدم لياقة الخلفاء الثلاثةللخلافة، فلا يكون مبنياً على وضع المشتق للأعم، بل هو مبني على نزاع آخر،وهو أن العناوين التي تؤخذ في موضوعات الأحكام الشرعية ومتعلقاتها في‏القضايا الحقيقية، هل تدور تلك الأحكام مدارها حدوثاً وبقاء أو تدور مدارهاحدوثاً فقط؟
والجواب: أن تلك العناوين تارة تكون من العناوين المأخوذة في موضوعات‏القضايا الخارجية، واُخرى تكون مأخوذة في موضوعات القضايا الحقيقية، أماعلى الأول فهي على قسمين:
أحدهما: أنها مأخوذة بنحو المعرفية الصرفة لما هو الموضوع في القضية بدون‏أي دخل لها فيه، كما في مثل قولك »صل خلف هذا القائم«، فإن عنوان القائم قداُخذ بنحو المعرفية والمشيرية إلى من هو الموضوع لجواز الاقتداء به في الصلاة،إذ لا يحتمل أن يكون له دخل فيه لا جزءاً ولا قيداً.
والآخر: أنها مأخوذ بنحو الموضوعية، كما في مثل قولنا »صل خلف‏العادل«، فإن عنوان العادل المأخوذ في‏الموضوع، إنما اُخذ بنحوالموضوعية، بأن‏يكون له دخل فيه ومقوم له ويدورالحكم المجعول عليه مداره وجوداً وعدماً.
وأما على الثاني فهي على أنحاء:
النحو الأول: ما يكون مأخوذاً بنحو المعرفية والطريقية الصرفة لما هوالموضوع في القضية واقعاً.
النحو الثاني: ما يكون مأخوذاً في لسان الدليل بنحو الموضوعية بحيث يدورالحكم مداره حدوثاً وبقاءً، كما في مثل قوله تعالى: »وَللَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ‏مَنِ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَبِيْلاً«(16)، فإن عنوان الاستطاعة دخيل في اتصاف الفعل‏بالملاك في مرحلة المبادى‏ء، وفي الحكم في مرحلة الجعل، وفي مثل قولك »أكرم‏العلماء« و»أطعم الفقراء« وهكذا، فإن الحكم في أمثال هذه القضايا يدور مدارالعنوان المأخوذ في الموضوع في لسان الدليل وجوداً وعدماً حدوثاً وبقاء.
النحو الثالث: ما يكون حدوثه دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاء، بمعنى أن‏حدوثه سبب لحدوث الحكم وبقاؤه معاً، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الاثبات، فالمعيار في أن العناوين المأخوذة في لسان الأدلةهل هي مأخوذة على النحو الأول أو الثاني أو الثالث إنما هو فهم العرف ارتكازاًبمناسبة الحكم والموضوع في كل قضية، وقد يكون المتفاهم العرفي من العنوان‏المأخوذ في لسان الدليل فيها بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية هو النحوالأول كما في قوله تعالى: »كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضِ مِنَ‏الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر«(17)، فإن المتفاهم العرفي من عنوان التبيّن المأخوذ في‏لسان الآية الشريفة بمناسبة الحكم والموضوع هو المعرفية والطريقية المحضة.
وقد يكون المتفاهم العرفي منه على أثر المناسبات الارتكازية هو النحوالثاني، كما هو الغالب في العناوين المأخوذة في القضايا الحقيقية، كعنوان»الاستطاعة« الذي اُخذ في موضوع وجوب الحج في الآية الشريفة، فإن‏المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم والموضوع أنه دخيل في الحكم والملاك‏معاًحدوثاً وبقاء، ومنها عنوان »العادل« المأخوذ في موضوع جواز الصلاةخلفه وقبول شهادته وغيرهما، ومنها عنوان »المجتهد« الذي هو مأخوذ في‏موضوع جواز التقليد ونفوذ حكمه في باب القضاء بل مطلقاً، ومنها عنوان»المسافر« المأخوذ في موضوع وجوب القصر، وعنوان »الحاضر« في موضوع‏وجوب التمام وهكذا.
وقد يكون المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أن‏حدوثه دخيل في الحكم حدوثاً وبقاء، بمعنى أن بقاء الحكم لا يدور مدار بقاءالعنوان.
وبعد ذلك نقول: إن العناوين التي اُخذت في موضوعات القضايا الحقيقية،فهي لا تخلو عن أحد النحوين الأخيرين، وأما النحو الأول، فهو في تلك‏القضايا قليل جداً، نعم إنه غالباً يكون في القضايا الخارجية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ظاهر العناوين المأخوذة في القضايا الحقيقية أنهااُخذت على النحو الثاني، بمعنى أنها دخيلة في الحكم والملاك حدوثاً وبقاء، ولايكفي حدوثها في بقاء الحكم والملاك، وأما إرادة النحو الثالث منها، فهي بحاجةإلى عناية زائدة، وإلا فالعناوين بنفسها ظاهرة في النحو الثاني، مثلاً قوله تعالى:»الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَة«(18)، وقوله تعالى:»السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا«(19) ظاهران عرفاً في أن العنوان فيهمامأخوذ على النحو الثالث، ولكن بعناية زائدة وهي أن الحكم فيهما لو كان دائراًمدار العنوان المأخوذ وجوداً وعدماً حدوثاً وبقاءً كان لغواً، لعدم إمكان إجراءهذا الحكم في مرحلة التطبيق، حيث إنه قد زال تلبّسه بالسرقة أو الزنا في هذه‏المرحلة، فمن أجل هذه النكتة كانت الآيتان ظاهرتين في أن تلبس شخص بالزناأو السرقة حدوثاً دخيل في حدوث الحكم عليه وبقائه معاً طالما لم يطبق عليه‏خارجاً وإن زال المبدأ عنه.
وعلى ضوء هذا الأساس يقع الكلام في أن عنوان »الظالم« المأخوذ في الآيةالشريفة، هل هو مأخوذ على النحو الثاني بأن يكون الحكم في الخارج يدورمداره حدوثاً وبقاءً أو أنه مأخوذ على النحو الثالث، فالاستدلال بالآيةالشريفة على عدم لياقة عبدة الأصنام للخلافة مبتن على أن يكون مأخوذاً على‏النحو الثالث.
والجواب: الظاهر أن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي أن عبده‏الأوثان لا يليقون لمنصب الخلافة والامامة التي هي من أعظم المناصب الالهيةبعد الرسالة، فإن المرتكز في أعماق نفوس الناس أن المتقمّص لهذا المنصب الالهي‏العظيم لابد أن يكون مثالاً سامياً في المجتمع ومنزهاً عن جميع الأعمال الدنيةوالمفاسد الأخلاقية في طول عمره وقدوة للناس في سيرته وسلوكه اجتماعياًوفردياً ومعرّاً عن أي منقصة خَلقية وخُلقية، ومن هنا إنّ شارب الخمر أو الزاني‏إذا ترك شرب الخمر أو الزنا وتاب ثم ادعى منصب الخلافة والامامة من قبل اللَّه‏تعالى لم يقبل الناس منه هذه الدعوى فطرة وارتكازاً، ويقولون إنه كان يشرب‏الخمر في الأمس والآن يدعي الامامة والخلافة.
وبكلمة، إن المرتكز في أعماق نفوس الناس فطرة وجبلةً أن المتلبّس بثوب‏الرسالة أو الامامة من قبل اللَّه تعالى لابد أن يكون إنساناً كاملاً في المجتمع خَلقاًوخُلقاً ومثالاً روحياً للبشر ومربياً لهم في سيرته وسلوكه وداعياً إلى اللَّه‏بأخلاقه وأعماله ولم تكن في سجلات حياته التاريخية في مختلف مجالاتها من‏الاجتماعية والفردية نقطة سوداء تحط من شأنه وجلالة قدره وتأثيره في‏النفوس، وإلا فهو بنظر الناس لا يصلح أن يكون ممثلاً من قبل اللَّه تعالى‏وسفيراً، وعلى هذا فمن عبد الوثن مدة معتداً بها من عمره ثم ترك‏وتشرف‏بالاسلام، فإنه وإن كان يجب ما قبله كالتوبة إلا أن في سجل حياته‏نقطة سوداء، وهي تبقى في نفوس الناس وتحط من شأنه ولياقته لمنصب الخلاقةوالامامة ولا يصلح أن يكون ممثلاً وسفيراً من اللَّه تعالى، إذ من الواضح أن‏المتصدى لمنصب الرسالة والإمامة لديهم لابد أن يكون مثالاً أعلى في المجتمع‏الانساني في علو الشأن وجلالة القدر والمكانة حتى يكون له وقر وأثر كبير في‏نفوس الناس قولاً وعملاً.
ويؤكد ذلك ما ورد في الروايات من النهي عن الصلاة خلف المحدودوالمجزوم، ولعل نكتة ذلك أن منصب إمامة الجماعة وإن كان دون منصب الامامةوالخلافة بمراتب إلا أنه في نفسه منصب مهم في الشريعة المقدسة، والمتصدي له‏لابد أن لا يكون ساقطاً عن الأنظار خلقياً، وبما أن المحدود ساقط عن الأنظاركذلك، فلا يصلح لهذا المنصب، بل إن هذا الارتكاز الناشى‏ء من الفطرة والجبلةثابت حتى بين العقلاء في المناصب الدنيوية أيضاً، لأن من يريد أن يتصدى‏لمنصب الرئاسة أو الوزارة يدقق في سجل تاريخ حياته الاجتماعية والفردية، فإن‏كانت فيه نقطة سوداء تحط من شأنه في المجتمع وكرامته عند الناس خلقياًوبالتالي سقوطه عن الأنظار لم ينتخب رئيساً أو وزيراً.
وعلى هذا فاستدلال الامام‏عليه السلام بالآية الشريفة على عدم لياقة هؤلاء الثلاثةلمنصب الخلافة عن الرسول الأعظم‏صلى الله عليه وآله ليس مبتن على وضع المشتق للأعم،بل هو مبتن على هذه النكتة، وهي أن هؤلاء الثلاثة لما كانوا من عبدة الأوثان‏والأصنام فترة معتداً بها من عمرهم فبعد تشرفهم بالاسلام تبقى هذه النقطةالسوداء في سجل تاريخ حياتهم، وهي تمس من كرامتهم وتحط من قدرهم‏وشأنهم في المجتمع، فلذلك لا يليق مثل هؤلاء لمنصب الخلافة عن الرسول‏صلى الله عليه وآله‏والامامة التي هي من أعظم المناصب الالهية بعد الرسالة، لأن علوّ شأن هذاالمنصب وجلالة قدره ومكانته يتطلب أن يكون المتصدي لها مثالاً أعلى في‏المجتمع الانساني ككل في الخلق والكرامة وعلوّ الشأن وجلالة القدر والمكانة،فيكون إنساناً كاملاً خَلقاً وخُلقاً، فإذن تشير الآية الشريفة إلى مطلب‏ارتكازي فطري للبشر، وهذا قرينة على أن صرف حدوث مبدأ الوصف‏الاشتقاقي المأخوذ في موضوع الآية الشريفة علة للحكم حدوثاً وبقاء.
فقد تحصل مما ذكرناه أنه لا يتم شي‏ء من الوجوه التي استدل بها على وضع‏المشتق للأعم، فالصحيح أنه موضوع للمتلبس خاصة.
نتيجة البحث عن وضع الأوصاف الاشتقاقية عدة نقاط:
الاُولى: أن الجامع بين المتلبس والمنقضي على القول بأن مفهوم المشتق بسيطغير متصور، ولهذا لا مناص على هذا القول من الوضع لخصوص المتلبس، وأماعلى القول بأن مفهومه مركب من الذات والمبدأ، فهل يمكن تصوير معنى جامع‏بينهما، فيه قولان: الأظهر أنه ممكن كما تقدم.
الثانية: الصحيح أن المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدأ، أما على‏القول بالبساطة فهو واضح، وأما على القول بالتركيب، فأيضاً الأمر كذلك على‏القول بعدم إمكان تصوير جامع بينهما، وأما على القول بإمكان تصويره،فالظاهر أنه موضوع أيضاً للمتلبس خاصة دون الأعم، بملاك أنه المتبادر منه‏عرفاً عند الاطلاق كما تقدم.
الثالثة: أن ما قيل - من أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء بما أنّه أكثر من‏استعماله في موارد التلبس، فهو يتطلب وضعه للأعمّ، وإلا لكان منافياً لحكمةالوضع - فقد تقدم الجواب عنه بعدّة وجوه.
الرابعة: أن المشتق في القضايا الحقيقية مستعمل دائماً في المتلبس بالمبدأخاصة لا في الأعم ولا في المنقضي كما مر، وأما في القضايا التطبيقية، فإن كانت‏فعلية، فالظاهر أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء إنما هو بلحاظ حال‏التلبس والاسناد لا بلحاظ حال النطق والانقضاء، وإن كان اسمية، فهي تختلف‏باختلاف الموارد كما تقدم.
الخامسة: أن المضادة بين العناوين الاشتقاقية بعضها مع بعضها الآخر وإن‏كانت مرتكزة في الأذهان فطرة إلا أن منشأها إنما هو المضادة بين مبادئها ذاتاً، إذلا يمكن اجتماع العلم والجهل مثلاً في شخص واحد، وأما انطباق عنواني العالم‏والجاهل على الشخص الذي كان عالماً سابقاً ثم صار جاهلاً أمر ممكن، فإن‏القائل بوضع المشتق للأعم يقول بانطباق كلا العنوانين عليه في آن واحد حقيقة،نعم الذي لا يمكن هو اجتماع العلم والجهل فيه، فالاستدلال بالمضادة بينها يرجع‏في نهاية المطاف إلى الاستدلال بالتبادر، ولا يكون وجهاً آخر في مقابلة كما مرّ.
السادسة: أنه لا يصح الاستدلال على وضع المشتق للمتلبس خاصة بصحةالسلب عن المنقضي، وذلك لما ذكرناه في بحث علائم الحقيقة والمجاز من المناقشةفي كبرى أمارية صحة السلب وعدم صحته، وأما مع الاغماض عن ذلك‏فالاعتراض عليه - بأنه إن اُريد بصحة السلب سلب المطلق فهو غير صحيح،وإن اُريد بها سلب المقيد فهو ليس بعلامة - غير وارد، لأنه مبني على الخلط بين‏تقييد المادة وتقييد الوصف الاشتقاقي كما تقدم.
السابعة: أنه لا يصح الاستدلال على وضع المشتق للأعم بالتبادر، ولا بعدم‏صحة السلب، ولا بقوله تعالى: »لايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِيْن« على تفصيل قد مرّ.
الجهة الثالثة: ما هو المراد من الحال المأخوذ في عنوان النزاع في المسألة.
قد يقال كما قيل: إن المراد منه زمان النطق، وهو مأخوذ في مدلول المشتق،بدعوى أن المتبادر عرفاً من جملة »زيد ضارب« و»عمرو عادل« و»بكرعالم« ونحوها هو تلبس الذات بالمبدأ في زمان النطق، وهذا التبادر دليل على أن‏زمان الحال وهو زمان النطق مأخوذ في مدلول المشتق، إذ إرادة التلبس في غيرزمان النطق كزمان الماضي أو المضارع بحاجة إلى قرينة.
ولكن لا أساس لهذا القيل.
أما أولاً: فلأن المشتق في هذه الجملات وإن كان ظاهراً في تلبس الذات‏بالمبدأ في زمان الحال إلا أن ذلك ليس من جهة أن زمان الحال مأخوذ في مدلوله‏جزءاً أو قيداً، بل من جهة أن كل أمر زماني لابد أن يقع في زمان ما من الماضي‏أو المضارع أو الحال، وحيث إن مدلوله تلبس الذات بالمبدأ أن يكون في زمان،وليس معنى ذلك أن الزمان مأخوذ في مدلوله، بل هو من لوازمه.
هذا إضافة إلى أن ظهور المشتق في النسبة التلبسية في زمن الحال إنما هوإذاكان في ضمن الجملات الحملية التطبيقية إذا كان الموضوع فيها محفوظاً لامطلقاً كما تقدم، وأما إذا كان في ضمن الجملات الفعلية التطبيقية كقولنا»أكرمت‏العالم« و»ضربت الفاسق« وهكذا، فهو ظاهر في النسبة التلبسيةفي‏زمان الجري والاسناد لا زمان النطق، وهذا شاهد على أن الزمان غيرمأخوذ في مدلول المشتق.
وثانياً: إن هذا الظهور ليس بظهور المشتق نفسه وبقطع النظر عن الظمائم‏الخارجية، بل هو ظهور وقوعه في ضمن الجملة الحملية التطبيقية، ولهذا لا بأس‏بتسمية هذا الظهور بالظهور السياقي لها لا ظهور المشتق نفسه، ومن هنا إذا لم‏يكن في سياق الجملة، فلا ظهور له إلا في واجدية الذات للمبدأ بدون الدلالةعلى أنها في زمان الماضي أو المضارع أو الحال.
هذا إضافة إلى أن هذا الظهور مدلول تصديقي، فلا يمكن أن يكون مدلولاًللمشتق وضعاً، لأن مدلوله الوضعي تصوري لا تصديقي.
وثالثاً: إن لازم ذلك أن يكون إطلاق المشتق في مثل قولك »زيد ضارب‏غداً« أو »ضارب في الأمس« مجازاً، مع أن الأمر ليس كذلك جزماً، لأن هذاالاطلاق إنما هو بلحاظ زمان التلبس، والاطلاق بلحاظ هذا الزمان إطلاق‏حقيقي حتى على القول بوضع المشتق للمتلبس خاصة وهذا شاهد على أن زمان‏الحال غير مأخوذ في مدلول المشتق.
ورابعاً: أن مدلول المشتق لا يمكن أن يكون مقيداً بزمان الحال، وهو زمان‏النطق، لأنه اُريد بتقييده بمفهوم زمان النطق، فيرد عليه أن مفهومه بالحمل‏الأولي الذاتي ليس بزمان الحال، فلا يكون تقييد مدلول المشتق به تقييداً بزمان‏الحال بالحمل الشائع، هذا إضافة إلى أن عدم دلالة المشتق على مفهوم زمان‏الحال واضح، لأن الدال عليه هو لفظ الحال.
وإن اُريد به واقع زمان النطق الذي هو زمان الحال بالحمل الشائع، فيردعليه أن تقييد مدلول المشتق به يستلزم كون مدلوله مدلولاً تصديقياً، وهذا لايمكن إلا على مسلك التعهد، فإنه على هذا المسلك تكون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية والمدلول الوضعي مدلول تصديقي، وأما على سائر المسالك في باب‏الوضع، فالمدلول الوضعي مدلول تصوري، ولا يمكن أن يكون مقيّداً بقيدتصديقي، إذ لا معنى لتقييد المعنى الموضوع له بقيد إلا الانتقال من اللفظ إليه مع‏قيده، فلوكان قيده تصديقياً استحال الانتقال من اللفظ إليه بمقتضى الوضع، لأن‏هذا الانتقال تصديقي لا تصوري، والمفروض أن مقتضى الوضع على غير مسلك‏التعهد هو الانتقال التصوري من اللفظ إلى المعنى الموضوع له بتمام قيوده لاالتصديقي، فلذلك لا يمكن أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مقيد بقيد تصديقي،حيث لايمكن الانتقال إليه إلا بانتقال تصديقي، وهو خلف فرض كون مقتضى‏الوضع الانتقال التصوري دون التصديقي.
هذا إضافة إلى أنه لا معنى لتقييد مفهوم المشتق بواقع زمان النطق في الخارج،وإلافلازمة أن‏لايدل‏المشتق على‏معنى بدون تحقق‏النطق‏به خارجاً وهوكماترى.
فالنتيجة أنه لا يمكن تقييد المدلول الوضعي للمشتق بواقع زمان‏الحال‏والنطق.
وقد يقال كما قيل: إن المراد من الحال هو زمان الجري والاسناد، بمعنى أن‏المشتق موضوع للمتلبس بالمبدأ مقارناً لزمان الجري والاسناد، بدعوى أنه‏المتبادر منه عرفاً عند الاطلاق، فإذا قيل »جاء قاتل« كان المتبادر منه التلبس‏بالمبدأ في زمان الجري والاسناد لا في زمن النطق.
والجواب أولاً: أنه ليس المتبادر من المشتق في نفسه، فإن المتبادر منه‏كذلك‏كما مرّ واجدية الذات للمبدأ بدون الدلالة على أنها في زمان الجري‏والاسناد أو في زمن النطق، ولهذا لا يتبادر من المشتق عن الاطلاق أي زمان لازمان الحال ولا غيره.
وثانياً: أنه إن اُريد بذلك تقييد مدلول المشتق بمفهوم زمان الجري والاسنادبالحمل الأولي الذاتي فهو باطل، لأنه ليس بزمان بالحمل الشائع، فلا يكون‏التقييد به تقييداً بزمان الجري والاسناد، وإن اُريد به واقع زمان الجري والاسنادوهو الزمان الخارجي، فيرد عليه:
أولاً: أن لازم ذلك أن لا يدل المشتق على معناه من دون تحقق الجري‏والاسناد خارجاً، باعتبار أنه قيد مقوم له.
وثانياً: أن نتيجة هذا كون مدلوله الوضعي مقيداً بقيد تصديقي، وهو لايمكن، لأن معنى كونه قيداً للمعنى الموضوع له أن الانتقال من اللفظ إليه بمقتضى‏الوضع تصوري لا تصديقي، ومعنى كونه قيداً تصديقياً أن الانتقال منه إليه لايمكن إلا بالانتقال التصديقي دون التصوري، وبالتالي يلزم من فرض كونه قيداًللمعنى الموضوع له عدم كونه قيداً له.
فالنتيجة أنه لا يمكن أن يراد من الحال المأخوذ في عنوان المسألة زمان النطق‏ولا زمان الجري والاسناد.
ومن هنا ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن المراد بالحال فيه ليس زمن النطق والتكلم‏ولا أحد الأزمنة الثلاثة، بل المراد به فعلية تلبس الذات بالمبدأ بمعنى أن‏النزاع‏في المسألة إنما هو في سعة مفاهيم المشتقات وضيقها، وأنها موضوعةللمفاهيم التي مطابقها في الخارج خصوص الذات حال تلبسها بالمبدأ أو الأعم‏من ذلك ومن حال الانقضاء، فبناء على القول بالأعم كانت مفاهيمها قابلةللانطباق خارجاً على فردين هما المتلبس فعلاً والمنقضي عنه المبدأ، وعلى القول‏بالأخص كانت مفاهيمها غير قابلة للانطباق إلا على فرد واحد، وهو خصوص‏المتلبس بالمبدأ فعلاً(20).
وهذا التفسير هو الصحيح، ولا معنى له غير واجدية الذات للمبدأ وفعليةتلبسها به في مقابل انقضائه عنها، وليس شيئاً زائداً على ذلك.
قد يقال كما قيل: إن الظاهر من إطلاق المشتقات وحملها على شي‏ء هو فعليةتلبس الذات بالمبدأ حين النطق والتكلم، فإن الظاهر من قولنا »زيد قائم« كونه‏كذلك بالفعل وفي زمن النطق، وحينئذ فلا معنى للنزاع في كون المشتق موضوعاًللأعم أو للأخص بعد التسالم على أن المرجع في تعيين مداليل الألفاظ ومفاهيمهاسعة وضيقاً هو الفهم العرفي العام.
والجواب: أن محل النزاع في المسألة إنما هو في وضع المشتق بنفسه وبقطع‏النظر عن كونه واقعاً في ضمن القضايا التطبيقية وأنه موضوع لمعنى جامع أولمعنى خاص، وأما إذا كان واقعاً في ضمن تلك القضايا، فإن كانت فعلية،فالظاهر أن إطلاقه إنما هو بلحاظ الجري والاسناد لا حال النطق والتكلم،ولكن هذا الظهور ليس من جهة أن المشتق في نفسه ظاهر في ذلك، بل من جهةظهور الجملة في أن إطلاقه إنما هو بهذا اللحاظ لا بلحاظ حال النطق، وإن كانت‏حملية كالمثال المتقدم ونحوه، فالظاهر أن إطلاق المشتق فيها إنما هو بلحاظ حال‏النطق، ولكن هذا الظهور أيضاً ليس من جهة أنه في نفسه ظاهر في ذلك، بل من‏جهة ظهور الجملة الحملية في أن إطلاقه إنما هو بلحاظ حال النطق.
فالنتيجة أن ظهور المشتق في القضايا الحملية التطبيقية في فعلية تلبس الذات‏بالمبدأ حين النطق والتكلم، إنما هو من جهة ظهور تلك القضايا في ذلك لا من‏جهة ظهور المشتق بنفسه فيه، وقد تقدمت الاشارة إلى أن القضايا التطبيقيةمختلفة في ذلك، وليس لها ضابط واحد في تمام الموارد.
الجهة الرابعة: هل المشتق بسيط أم مركب؟
اختلف الاُصوليون في بساطة مفهوم المشتق وتركيبه، فذهب جماعة إلى أنه‏بسيط، منهم المحقق الشريف والمحقق الدواني والمحقق النائيني، وخالف فيه‏جماعة فذهبوا إلى أنه مركب، منهم المحقق العراقي والمحقق الأصبهاني والسيدالاُستاذقدس سرهم.
ثم إن القائلين بالتركيب قد اختلفوا إلى قولين: فذهب المحقق العراقي‏قدس سره إلى أن‏مادة المشتق موضوعة لذات الحدث الخالي عن كافة الخصوصيات العرضية،وهيئته موضوعة لنسبته إلى الذات، وأما المحقق الأصبهاني والسيد الاُستاذ0فقد اختارا أن هيئة المشتق موضوعة للذات المنتسب إليها المادة، فالمشتق على‏الأول يدل على نسبة المادة إلى الذات وعلى الثاني يدل على الذات المنتسب إليهاالمادة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن محل النزاع في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب إنما هوبلحاظ عالم الواقع والتحليل العقلي، لا بلحاظ عالم الادراك والتصور الساذج،وذلك لأن البساطة الادراكية تجتمع مع تركب المفهوم واقعاً وحقيقة، ضرورة أن‏المتبادر في الذهن في مرحلة التصور من كل لفظ مفرد عند الاطلاق معنى بسيط،سواء أكان في الواقع وعالم التحليل أيضاً بسيطاً أم كان مركباً، وهذا بلا فرق بين‏المشتقات وغيرها من الألفاظ، وحينئذ فلا معنى لأن يجعل مركز البحث‏البساطة والتركيب بحسب التصور والادراك، لأن ذلك أمر وجداني غير قابل‏للبحث والنظر فيه وإقامة البرهان عليه.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره - من أن معنى البساطة بحسب‏المفهوم وحدته إدراكاً وتصوراً، بحيث لا يتصور عند تصوره إلا شي‏ء واحد لاشيئان وإن انحل بتعمل من العقل إلى شيئين كانحلال مفهوم الحجر والشجر إلى‏شي‏ء له الحجرية أو الشجرية مع وضوح بساطة مفهومهما(21) - غريب جداً، لماعرفت من أن ما يصلح لأن يكون مورد البحث والنزاع هو البساطة والتركيب‏بحسب التحليل العقلي لا بحسب الادراك والتصور، ضرورة أن البساطةاللحاظية لا تصلح لأن تكون محوراً للبحث ومركزاً لتصادم الأدلة والبراهين‏العقلية، بل لا تقع تحت أي بحث علمي ولا فلسفي، لأن المرجع في إثباتها فهم‏العرف وإدراكه الوجداني، حيث إن واقعها انطباع صورة علمية واحدة في‏مرآةالذهن، سواء أكانت قابلة للانحلال في الواقع كمفهوم الانسان ونحوه أم لم تكن،فمناط البساطة اللحاظية وحدة المفهوم إدراكاً، ووحدته كذلك أمر وجداني ولايقع لأحد فيه شك ولا ريب.
فالنتيجة أن مركز النزاع في المسألة إنما هو في البساطة والتركيب بلحاظ عالم‏الواقع والتحليل الفلسفي، لا بلحاظ عالم الادراك والتصور، ومن ذلك يظهر أن‏المحقق الخراساني‏قدس سره في الحقيقة من القائلين بالتركيب لا البساطة.
أدلة بساطة مفهوم المشتق ...
وبعد ذلك نقول: إن المشهور بين الفلاسفة والمتأخرين من الاُصوليين بساطةالمفاهيم الاشتقاقية والاصرار على أنه لا فرق بينها وبين مبادئها حقيقة وذاتاً،والفرق بينهما إنما هو بالاعتبار، أي باللحاظ اللا بشرطي والشرطي اللائي،وفي‏مقابل ذلك ذهب جماعة إلى أنها مركبة من الذات والمبدأ. فإذن يقع الكلام‏في مقامين:
المقام الأول: في أدلة القائلين بالبساطة.
المقام الثاني: في أدلة القائلين بالتركيب.
أما الكلام في المقام الأول فقد استدل على بساطة مفهوم المشتق بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن مفهوم المشتق لو كان مركباًمن الذات والمبدأ فبطبيعة الحال تكون النسبة بينهما داخلة فيه، فإذن يكون‏مفهوم المشتق مشتملاً على معنى حرفي، ولازم ذلك أن يكون المشتق مبنياًللمشابهة لا معرباً، مع أنه معرب، وهذا كاشف عن أن مفهومه بسيط لا مركب.
والجواب: أن مجرد اشتمال مفهوم المشتق على النسبة بين الذات والمبدأ لايوجب كونه مبنياً حتى تكون معربيته دليلاً على بساطته، إذ لا مانع من كون‏مفهومه مركباً مشتملاً على النسبة ومع ذلك يكون معرباً لا مبنياً، والنكتة فيه أن‏للمشتق جهتين: الأولى جهة اشتماله على المادة التي هي معنى اسمي، والاُخرى‏جهة اشتماله على الهيئة التي هي معنى حرفي، فالمشتق معرب من الجهة الاُولى ولايشبه الحرف من تلك الجهة، وإنما يشبه الحرف من الجهة الثانية، والمفروض أن‏إعرابه ليس من هذه الجهة حتى تكون شباهته مانعة عنه، وعليه فالجهة التي‏تكون دخيلة في إعرابه لا يشبه الحرف من هذه الجهة حتى يكون مبنياً، والجهةالتي لا تكون دخيلة في اعرابه وإن كان يشبه الحرف من تلك الجهة إلا أنه لا أثرلذلك، فإنها لا تؤثر في الجهة الاُولى ولا تجعلها شبيهة بالحرف، فإذن قياس‏المشتق بأسماء الاشارة والضمائر قياس مع الفارق، فإن أسماء الاشارة تشبه‏الحروف في معناها الموضوع له، وكذلك الضمائر، بينما المشتق لا يشبه الحروف في‏مدلول مادته الذي هو مدلول اسمي، وإنما يشبهه في مدلول هيئته الذي هو مدلول‏حرفي، والمفروض أن إعراب المشتق إنما هو باعتبار مدلول أحد جزأيه وهوالمادة دون مدلول جزئه الآخر وهو الهيئة.
فالنتيجة أن المشتق بلحاظ مادته اسم ومعرب ولا يشبه الحرف، وبلحاظهيئته حرف، وعلى هذا فإن كان المشتق بسيطاً فلا يتضمن معنى حرفياً أصلاً،وإن كان مركباً فهو وإن كان يتضمن معنى حرفياً إلا أنه لا يكون دخيلاً في الجهةالتي تقتضي إعرابه، فلذلك يكون من الاسماء المعربة سواء أكان بسيطاً أم مركباً.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره أيضاً من أن أخذ الذات في مفهوم‏المشتق وإن سلمنا أنه ممكن إلا أنه غير واقع في الخارج، وذلك لأن أخذها فيه لايمكن أن يكون جزافاً، بل لابد أن يكون مبنياً على نكتة، وتلك النكتة هي أن‏حمل المشتق بماله من المفهوم على الذات غير صحيح بدون أخذها فيه، وأما إذاصح الحمل بدون ذلك فلا مقتضى له، والمفروض أنه صحيح بدون ذلك، لأن‏لحاظ المادة لا بشرط وبما هي متحدة مع الذات خارجاً مصحح له، ومعه يكون‏أخذ الذات فيه لغواً(22).
والجواب أولاً: أن ما يدعو إلى وضع الألفاظ بإزاء المعاني هو سعة الحاجةوتطورها وعدم كفاية الوسائل الأولية لابرازها، فإذن يكون الغرض الداعي‏إلى وضع المشتقات بإزاء معانيها هو إبرازها بها لدى الحاجة في كل مورد وعدم‏كفاية الأساليب الاُخرى البدائية لذلك، بلا فرق بين أن تكون تلك المعاني‏بسيطة أو مركبة، قابلة للحمل أم لا، وأما صحة الحمل وعدم صحته، فهي من‏صفات المعنى وليست من الدواعي للوضع.
وثانياً: أن ملاك صحة الحمل الأولي الذاتي إنما هو اتحاد الموضوع والمحمول‏ذاتاً وحقيقة واختلافهما اعتباراً كالتفصيل والاجمال ونحوهما، كقولك »الانسان‏حيوان ناطق«، وملاك صحة الحمل الشائع الصناعي إنما هو اتحاد الموضوع‏والمحمول في الخارج، بأن يكونا موجودين بوجود واحد فيه، واختلافهما في‏المفهوم كقولك »زيد انسان«.
أو فقل: إن صحة الحمل الشائع ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: اتحاد الموضوع والمحمول في الوجود الخارجي واقعاً وحقيقة.
الثانية: تغايرهما في المفهوم الذهني كذلك.
وأما إذا كان الموضوع مغايراً مع المحمول في الوجود الخارجي فلا يمكن حمله‏عليه، لأنه من حمل المباين على المباين، وعلى هذا فإذا كان مفهوم المشتق متمثلاًفي المبدأ فحسب بدون أخذ الذات فيه، كان مبايناً معها في الوجود الخارجي‏واقعاً، لأن المبدأ سواء كان من مقولة العرض أم من الاعتباريات والانتزاعيات‏مباين للذات في الخارج وجوداً، ولا يعقل اتحاده معها فيه، ومن الواضح أن مايكون مبايناً للذات وجوداً واقعاً في الخارج ومغايراً لها عيناً لا يمكن تصحيح‏حمله عليها باعتبار اللا بشرطية، ضرورة أن مجرد اعتبارها ولحاظها لا يوجب‏انقلاب الواقع، ولا يجعل المبدأ المباين للذات متحداً معها خارجاً، لاستحالةانقلاب الشي‏ء عما هو عليه في الواقع، مع أن صحة الحمل منوطة بالاتحادوالعينية بين الموضوع والمحمول، وعليه فلو كان المبدأ متحداً مع الذات صح حمله‏عليه، سواء اعتبرناه لا بشرط أم بشرط لا عن الحمل، وإلا لم يصح حمله عليهاوإن اعتبرناه لا بشرط.
وبكلمة، إن صحة الحمل منوطة بالاتحاد والعينية بين الموضوع والمحمول‏واقعاً في الخارج، وعدم صحته منوط بعدم الاتحاد والعينية بينهما فيه، وعلى هذاففي المقام إن كان المبدأ متحداً مع الذات في الوجود الخارجي واقعاً بأن يكوناموجودين بوجود واحد في الخارج، صح حمله عليها واقعاً وحقيقة وإن‏اعتبرناه بشرط لا عن الحمل لحاظاً، ضرورة أنه لا أثر لهذا الاعتبار واللحاظالذي لا يخرج عن اُفق الذهن إلى الواقع، والمفروض أن صحة الحمل منوطةبالاتحاد والعينية في الواقع، وهو موجود. وإن لم يكن متحداً معها فيه، لم يصح‏حمله عليها وإن اعتبرناه لا بشرط.
الثالث: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره أيضاً من أن الذات لو كانت مأخوذة في‏مفهوم المشتق لزم أخذ النسبة بينها وبين المبدأ أيضاً فيه، إذ لا يمكن أخذها بدون‏أخذ النسبة بينهما، وعندئذ يلزم اشتمال جملة واحدة كجملة »زيد عالم« على‏نسبتين في عرض واحد، إحداهما النسبة بين الذات والمبدأ والاُخرى النسبة بين‏زيد والذات المتلبسة بالمبدأ، وهو لا يمكن، لأن وجود نسبتين متباينتين في‏عرض واحد يقتضي وجود طرفين كذلك لكل منهما، لأن تعدد النسبة إنما هوبتعدد شخص طرفيها، باعتبار أنها متقومة بهما ذاتاً وحقيقة كتقوم النوع‏بالجنس والفصل، وفي المقام ليس كذلك، لأن الذات المتلبسة هي زيد، ولا فرق‏بينهما إلا بالاجمال والتفصيل(23).
والجواب: أن الجملة الواحدة وإن كانت لا يمكن أن تكون مشتملة على‏نسبتين متباينتين في الذهن أو الخارج، لأن وجود النسبتين كذلك يتطلب وجودطرفين مستقلين لكل منهما متباينين مع الطرفين للاُخرى، على أساس أن تباين‏كل نسبة عن نسبة اُخرى إنما هو بتباين المقومات الذاتية لكل منهما للمقومات‏الذاتية للاُخرى، وهي شخص وجود طرفيها، إلا أنه لا مانع من اشتمالها على‏نسبة واحدة تامة ونسبة تحليلية يتضمنها المشتق، لأن مفهوم المشتق في‏اُفق‏الذهن وإن كان واحداً، وهو طرف للنسبة بينه وبين موضوع الجملة، إلاأنه‏ينحل بتعمل من العقل وتحليله إلى ذات ومبدأ ونسبة بينهما، وهذه النسبةنسبة تحليلية لا واقعية.
والخلاصة: أنه لا مانع من اشتمال الجملة الواحدة على نسبة تامة واقعيةونسبة تحليلية، وحيث إن النسبة التحليلية هي النسبة التي يحللها العقل من‏الشي‏ء الواحد كالانسان مثلاً إلى أجزاء ثلاثة منها النسبة، فلذلك ليست بنسبةواقعية لا في الذهن ولا في الخارج حتى تكون في عرض نسبة الجملة فيه،وبالتالي فالجملة لا تشتمل إلا على نسبة واحدة واقعية، فتحصل مما ذكرناه أن‏ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من الوجوه الثلاثة لا يتم شي‏ء منها.
الوجه الرابع: ما أفاده المحقق الدواني‏قدس سره من أنه لا شبهة في صحة إطلاق‏المشتق على المبدأ وحده كإطلاق الأبيض على البياض والموجود على الوجودونحو ذلك، ومن هذا القبيل إطلاق العالم القادر على ذاته تعالى وتقدس،مع‏أن‏صفاته العليا الذاتية عين ذاته تعالى، ولا يعقل وجود ذات وراء تلك‏الصفات في عالم العين والخارج، وهذا دليل على عدم أخذ الذات في مفهوم‏المشتق، إذ لو كانت الذات مأخوذة فيه لم يصح إطلاقه في الموارد المذكورةإلابالعناية والمجاز(24).
والجواب: أن هذا الوجه مبني على أن مفهوم المشتق لو كان مركباً من الذات‏والمبدأ، فلابد أن تكون الذات مغايرة للمبدأ في الوجود الخارجي، وعلى هذافالمشتق يدل على تلبس الذات بالمبدأ في عالم الخارج، ومن الواضح أن التلبس‏في عالم الخارج يقتضي الاثنينية فيه، كما أن التلبس في عالم الذهن يقتضي‏الاثنينية فيه، وعلى هذا فإذا كانت المغايرة معتبرة بين الذات والمبدأ في الخارج،فبطبيعة الحال يكون مدلول المشتق تلبس الذات بالمبدأ فيه، وحيث لا مغايرةبين الذات والمبدأ في الموارد المذكورة خارجاً، فلا محالة يكون إطلاق المشتق في‏تلك الموارد بالعناية والمجاز. هذا،
ولكن ذلك البناء غير صحيح، لأن التعدد والاثنينية المعتبر بين الذات والمبدأإنما هو في عالم المفهوم والذهن، وهو موجود بينهما حتى في الموارد المذكورة، لأن‏الصفات الذاتية له تعالى كالعالم والقادر والحياة ونحوها وإن كانت مبادئها عين‏الذات خارجاً إلا أنها مغايرة لها مفهوماً، وهذه المغايرة تكفي في صحة إطلاقهاعلى ذاته تعالى، وكذلك الحال في إطلاق الموجود على الوجود وإطلاق الأبيض‏على البياض وهكذا، فإنه يكفي في صحة هذا الاطلاق المغايرة بين المبدأ والذات‏مفهوماً وإن كان عينها خارجاً، وعلى هذا فالمشتق موضوع للذات المتلبسةبالمبدأ في عالم الذهن الفانية في الخارج تصوراً وتصديقاً، باعتبار أن المدلول‏الوضعي له مدلول تصوري لا تصديقي، ولا يمكن أن يكون المشتق موضوعاًللذات المتلبسة بالمبدأ خارجاً، وإلا لزم أن لا يكون للمشتق مدلول في المواردالمتقدمة، على أساس أن التلبس يقتضي المغايرة والاثنينية خارجاً، ولا اثنينةبين ذاته تعالى وصفاته العليا كذلك، وكذا بين الوجود والموجود وبين البياض‏والأبيض وهكذا، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لازم وضع المشتق للمتلبس في الخارج كون مدلوله‏الوضعي مدلولاً تصديقياً، وهذا مما لا يمكن الالتزام به إلا على القول بالتعهد.
وبكلمة، إن تلبس الذات بالمبدأ الذي هو مفهوم المشتق إنما هو التلبس في‏عالم الذهن والمفهوم دون عالم الخارج، وعلى هذا فإذا كان المبدأ مغايراً للذات‏مفهوماً كفى ذلك في صدق المشتق وإن كان عينها خارجاً، وحينئذ فلا يكون‏إطلاق العالم والقادر والحي على اللَّه تعالى مجرد لقلقة اللسان، بل هو إطلاق‏حقيقي كإطلاق العالم على زيد، على أساس أن المعيار في صحة الاطلاق إنما هوبتغايرهما مفهوماً، سواء كانا متغايرين خارجاً أم لا، ولا يمكن أن يكون المشتق‏موضوعاً للمتلبس في الخارج، إذ مضافاً إلى أن لازم ذلك كون المدلول الوضعي‏له مدلولاً تصديقياً لا تصورياً، يلزم أن لا يكون مدلول له أصلاً في الموارد الهليةالبسيطة والصفات العليا الذاتية والاعتباريات والانتزاعيات، حيث إن التلبس‏الخارجي غير متصور في تلك الموارد، مع أن إطلاق المشتق فيها كإطلاقه في‏غيرها مما يتصور فيه التلبس الخارجي على حد سواء.
ومن هنا يظهر أن ما التزم به صاحب الفصول‏قدس سره في الصفات العليا الذاتيةوالأسماء الحسنى الجارية على ذاته تعالى بالنقل والتجوز(25)، مبني على أن‏المشتق‏موضوع لتلبس الذات بالمبدأ خارجاً، وحيث إنه لا يتصور في‏الصفات‏المذكورة، فإذن لابد من الالتزام بالنقل والتجوز، فالنتيجة أن هذاالوجه أيضاً لا يتم.
الوجه الخامس: ما أفاده المحقق الخراساني‏قدس سره من أن الذات لوكانت مأخوذةفي مدلول المشتق لزم تكرار الموضوع في مثل قولنا »زيد عالم«، »الانسان‏كاتب« ونحوهما، فإن الأول يؤول إلى قولنا »زيد زيد له العلم« والثاني يؤول‏إلى قولنا »الانسان انسان له الكتابة« مع أن هذا التكرار خلاف الوجدان‏والمتفاهم العرفي من المشتق عن الاطلاق فطرة وارتكازاً، وعدم انفهامه منه‏عرفاً، وهذا دليل على عدم أخذ الذات في مدلوله(26).
والجواب: أنه مبني على أن يكون المأخوذ في مدلول المشتق مصداق الشي‏ءلا مفهومه، فعندئذ يؤول قولنا »زيد عالم« إلى قولنا »زيد زيد له العلم«، وأماإذا كان المأخوذ فيه مفهوم الشي‏ء فلا يلزم التكرار، فإن قولنا »الانسان كاتب«يؤول إلى قولنا »الانسان شي‏ء له الكتابة« ولا تكرار فيه، لأن التكرار عرفاً هوإعادة عين الشي‏ء الأول مرة ثانية، ولهذا لا مانع من التصريح بجلمة »الانسان‏شي‏ء له الكتابة«، فإنها كجملة »الانسان كاتب«، فكما لا تكرار فيها فكذلك لاتكرار في تلك.
وعلى الجملة فحيث إن المأخوذ في مفهوم المشتق شي‏ء مبهم ومعرى عن كل‏خصوصية من الخصوصيات العرضية ماعدا قيام المبدأ به، ولا تعيّن له إلابالانطباق على ذوات خاصة معينة في الخارج كزيد وعمرو ونحوهما، فلا يلزم‏التكرار في مثل »زيد عادل« و»بكرٌ عالم« و»الانسان ضاحك« وغير ذلك،لوضوح أنه لا فرق بين جملة »زيد عادل« وجملة »زيد شي‏ء له العدالة«، فكمالا تكرار في الجملة الاُولى فكذلك في الثانية.
فالنتيجة أن هذا الوجه كالوجوه السابقة فلا يدل على عدم إمكان أخذالذات في مفهوم المشتق.
الوجه السادس: ما أفاده صاحب الفصول‏قدس سره من أن الذات لو كانت‏مأخوذة في مفهوم المشتق لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، مثلاًقضية »الانسان كاتب« قضية ممكنة في نفسها، فلو كان مفهوم الذات مأخوذاًفي مدلول المشتق لزم الانقلاب المذكور، باعتبار أن صدق مفهوم الذات على‏جميع الأشياء والذوات الخاصة ضرورية(27).
والجواب: أن المحمول في القضية تارة يكون طبيعي الشي‏ء بنحو اللابشرط، واُخرى يكون مقيداً بقيد خاص، وذلك القيد لا يخلو من أن يكون‏مبايناً للموضوع في القضية أو مساوياً له أو عاماً أو خاصاً، فإن كان المحمول‏ملحوظاً على النحو الأول، فثبوته للموضوع وإن كان ضرورياً إلا أن محمول‏القضية في المقام ليس كذلك، لأنه على القول بالتركيب الشي‏ء المقيد بنحو بشرطالشي‏ء لا المطلق بنحو لا بشرط، مثلاً المحمول في مثل قضية »الانسان كاتب«هوالشي‏ء المقيد بالكتابة لا المطلق، وعلى هذا فكون القضية ضرورية أو ممكنةأو ممتنعة تتبع القيد المأخوذ في محمولها، فإن كان ثبوت ذلك القيد ضرورياًللموضوع فالقضية ضرورية، كما إذا كان القيد من ذاتيات الموضوع في باب‏الكليات أو باب البرهان، وذلك مثل قولك »الانسان ناطق«، فإن ثبوت المبدأوهو النطق للانسان الذي هو الموضوع في القضية ضروري، وإن لم يكن‏ضرورياً له، فإن كان من العوارض المفارقة له كالكتابة ونحوها، فبما أن ثبوته‏للموضوع ممكن فالقضية ممكنة، وذلك مثل قولك »الانسان كاتب«، فإن‏ثبوت القيد وهو الكتابة لموضوع القضية كالانسان إنما هو بالامكان،فلذلك‏تظل القضية على إمكانها، ولا يوجب أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول‏المشتق الانقلاب في مثل المثال، وإن كان من الأشياء الممتنعة ثبوتهاللموضوع‏فالقضية ممتنعة، وذلك كقولك »شريك الباري ممتنع« و»اجتماع‏النقيضين مستحيل« وهكذا.
إلى هنا قد تبين أن أخذ مفهوم الذات والشي‏ء في مدلول المشتق لا يوجب‏انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، لوضوح أن قضية »الانسان كاتب«قضية ممكنة مطلقاً، أي سواء أكان مفهوم الذات مأخوذاً في مدلول المشتق أم‏لا، وقضية »الانسان ناطق« قضية ضرورية كذلك، لأن أخذ مفهوم الشي‏ء في‏مدلول المشتق لا يؤثر في جهة القضية أصلاً، فإنها إن كانت ممكنة ظلت على‏إمكانها، وإن كانت ضرورية ظلت على ضرورتها، وهكذا.
فما أفاده صاحب الفصول‏قدس سره من أن أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول المشتق‏يوجب الانقلاب لا يرجع إلى معنى صحيح.
قد يقال كما قيل: هذا فيما إذا كان المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء،وأما إذا كان المأخوذ فيه واقع الشي‏ء ومصداقه لزم الانقلاب، إذ حينئذ تؤول‏قضية »الانسان كاتب« إلى قضية »الانسان إنسان له الكتابة«، وعليه‏فالمحمول في القضية إما ذات المقيد، والقيد قد اُخذ بنحو المعرفية والمشيرية إليهاأو المقيد بما هو المقيد، والقيد قد اُخذ بنحو الموضوعية، فعلى الأول تكون القضيةضرورية، فإن ثبوت الانسان للانسان ضروري، وعلى الثاني تكون ممكنة،لأن ثبوت الانسان المقيد بالكتابة للانسان ممكن.
والجواب أولاً: أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء المبهم، لا واقعه‏وهو الذوات الخاصة، وهذا واضح بناء على أن وضع الهيئات نوعي، وأما بناءعلى أن وضعها شخصي فالأمر أيضاً كذلك إذا كان وضعها من باب الوضع العام‏والموضوع له العام، نعم إذا كان من باب الوضع العام والموضوع له الخاص‏فالمأخوذ فيه الذوات الخاص، ولكنه مجرد افتراض لا واقع موضوعي له.
وثانياً: أن لزوم الانقلاب هنا مبني على نقطة خاطئة، وهي أن يكون المحمول‏في القضية ذات الانسان وقيد الكتابة قد اُخذ بنحو المعرفية والمشيرية إليه بدون‏أن يكون له دخل فيه، ولكن من الواضح أن هذه النقطة خاطئة، إذ لازم ذلك أن‏يكون المحمول في قضية »الانسان كاتب« هو ذات الانسان، وعنوان الكتاب قداُخذ بنحو المعرفية المحضة من دون أن يكون له دخل فيه، وعليه فتكون القضيةضرورية، لأن ثبوت الانسان للانسان ضروري، وهذا كماترى، وبداهة أنهاقضية ممكنة، لأن المحمول فيها على القول بالتركيب الانسان المقيد بالكتابة الذي‏هو مدلول المشتق لا طبيعي الانسان، وعليه فبطبيعة الحال يكون المحمول في‏القضية المنحلة والمؤولة نفس ذلك المحمول، والفرق إنما هو بالاجمال والتفصيل‏والانحلال وعدمه، ومن الواضح أن المحمول إنما يكون قابلاً للانحلال على القول‏بتركب المشتق من الذات والمبدأ والنسبة.
ومن هنا يظهرأن الانقلاب غير معقول، بلا فرق بين أن يكون المأخوذ في‏مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء و مصداقه، باعتبار أن المحمول وهو مدلول المشتق‏مركب من‏الذات والمبدأ والنسبة، وإمكان القضية إنما هو من جهة أن ثبوت المبدألموضوعها إن كان بالامكان فالقضية ممكنة، وإن كان بالضرورة فضرورية،ولا فرق في ذلك بين أن يكون مدلول المشتق محمولاً في القضية بالاجمال أوبالتفصيل والتحليل، ولا يعقل أن يكون ثبوته بالتحليل ضرورياً وبالاجمال‏ممكناً، وإلا لم يكن الفرق بينهما بالاجمال والتفصيل بل بالتباين، وهذا خلف.
قد يقال كما قيل: إن القيد إذا كان مأخوذاً بنحو الموضوعية بأن يكون قيداًللمحمول واقعاً لا معرفاً له فحسب، فهو وإن كان يدفع محذور الانقلاب إلا أنه‏يستلزم محذوراً آخر، وهو حمل الأخص على الأعم، لأن الانسان المقيدبالكتابة أو نحوها يكون أخص من الانسان المطلق وغير المقيد، ومن المعلوم أن‏حمل الأخص على الأعم غير صحيح، لأن ملاك صحة الحمل هو اتحاد المحمول‏مع الموضوع في القضية خارجاً وجوداً، وهذا إنما هو فيما إذا كان المحمول مساوياًمع الموضوع أو أعم منه، وأما إذا كان أخص منه، فهو لا يتخد إلا مع حصة منه،فلذلك لا يصح حمل الأخص على الأعم إلاّ بالتأويل والعناوية، فإذن لابد أن‏يكون القيد مأخوذاً بنحو المعرفية والمشيرية لا بنحو الموضوعية.
والجوب: أن المحمول في مثل قضية »الانسان كاتب« أو »ضاحك« ليس‏أخص من الموضوع فيها، لأن قيد الكتابة مثلاً بما أنه ملحوظ ثبوته له بنحوالامكان فهو بهذا اللحاظ ليس أخص منه، وعلى هذا فلا يكون حمل الكاتب‏على الانسان في قولنا »الانسان كاتب« من حمل‏الأخص على الأعم، بل هومن‏حمل‏المساوي على المساوي، وأما إذاكان‏القيد أخص من‏الموضوع، فلايصح‏حمله على الأعم إلا بالتأويل.
وبكلمة، إن حمل الأخص مفهوماً على الأعم كذلك غير صحيح إذا كان كل‏منهما ملحوظاً بحدّه بنحو الموضوعية، وأما إذا كانا ملحوظين بنحو الفناء في‏حقيقة واحدة في الخارج ومعبران عنها في مرحلة التصادق، فحينئذ وإن كان‏الحمل صحيحاً لتوفر ملاكه وهو انطباقهما على موجود واحد، إلا أنه ليس من‏حمل الأخص مفهوماً على الأعم كذلك، إلا صورة، فإنه في الحقيقة من حمل‏المساوي على المساوي، ومن هذا القبيل ما إذا جعل الموضوع فانياً في مصداق‏المحمول، فإن الحمل وقتئذ وإن كان صحيحاً إلا أنه من حمل المساوي على‏المساوي، لا حمل الأخص على الأعم إلا صورة، فالنتيجة أن حمل الأخص على‏الأعم لا يصح إلا بالتصرف والتأويل، لحد الآن قد تبين أن أخذ مفهوم الشي‏ء في‏مدلول المشتق أو واقعة الموضوعي لا يوجب الانقلاب.
ولكن قد يقال: إن أخذ واقع الشي‏ء فيه إنما لا يوجب الانقلاب فيما إذا كان‏قابلاً للتقييد، كما في مثل قولنا »الانسان كاتب« أو »ضاحك«، وأما إذا لم يكن‏قابلاً للتقييد فأخذه يوجب الانقلاب، كما في مثل قولنا »زيد عالم«، فإنه ينحل‏إلى قولنا »زيد زيد له العلم«، وزيد بما أنه جزئي حقيقي فلا يقبل التقييد، فإذن‏يكون القيد مجرد معرف ومشير إليه من دون أن يكون له دخل فيه، وحينئذفتكون قضية »زيدٌ زيد له العلم« قضية ضرورية، لأنه من حمل الشي‏ء على‏نفسه، وهذا هو معنى الانقلاب(28).
والجواب: أولاً: أن الانقلاب إنما يلزم لو كان المأخوذ في مدلول المشتق‏
خصوص ما لا يقبل التقييد لا مطلقاً، مع أن القائل به يدعي لزومه مطلقاً.
وثانياً: أن لزوم الانقلاب في مثل المثال المذكور إنما هو لو كان المأخوذ في‏مدلول المشتق شخص الموضوع في القضية، وهو زيد في المثال، ولكن الظاهر أن‏المأخوذ فيه نوع الموضوع لا شخصه، بقرينة أن المراد من واقع الشي‏ء المأخوذفيه ما يكون معروضاً للمبدأ عادة في الخارج، ومن الواضح أن ما يكون‏معروضاً له عادة هو الانسان، باعتبار أن العلم والعدالة والكتابة ونحوها من‏عوارضه، لا من عوارض الفرد بحدّه الفردي كزيد مثلاً، فإن عروضها عليه إنماهو بلحاظ أنه انسان لا بلحاظ أنه زيد، وحينئذ فتنحل قضية »زيد عالم« إلى‏قضية »زيد انسان له العلم« لا إلى قضية »زيد زيد له العلم«، فإذن لا انقلاب.
وثالثاً: مع الاغماض عن جميع ذلك وتسليم أن المأخوذ في مدلول المشتق‏شخص الموضوع في القضية، فمع هذا لا يلزم الانقلاب، وذلك لأن الجزئي لايقبل التقييد الافرادي، وأما الأحوالي فلا مانع منه، وعلى هذا فمثل قولنا »زيدعالم« وإن انحل إلى قولنا »زيدٌ زيد له العلم« ولكن زيد بما أنه مقيد بحالة العلم،فلا يكون حمله مقيّداً بها على زيد - الذي هو موضوع القضية مطلقاً - ضرورياً،من جهة أن ثبوت تلك الحالة له ليس بضروري، وإنما هو بالامكان.
وقد يقال كما قيل: إن أخذَ واقع الشي‏ء في مدلول المشتق يؤدي إلى انحلال‏القضية الواحدة إلى قضيتين: إحداهما ضرورية، وهي »الانسان إنسان«،والاُخرى ممكنة، وهي »الانسان له الكتابة« مع أن قضية »الانسان كاتب«قضية واحدة ممكنة لدى العرف والعقلاء، وهذا شاهد على عدم أخذ واقع‏الشي‏ء في مدلول المشتق(29).
والجواب: أن انحلال القضية الواحدة الممكنة إلى قضيتين: الاُولى ضرورية،والثانية ممكنة مبني على أحد أمرين:
الأول: اشتمال القضية على نسبتين في عرض واحد، إحداهما النسبة بين‏الانسان والكاتب، والاُخرى النسبة بينه وبين المبدأ كالكتابة ونحوها، وحيث‏إن وحدة القضية وتعدّدها إنما هي بوحدة النسبة وتعدّدها، فإذا كانت النسبةواحدة فالقضية واحدة، وإذا كانت متعددة فالقضية متعددة، على أساس أن‏النسبة هي المقومة للقضية ولا يمكن تكوينها بدونها.
الثاني: انحلال عقد الحمل إلى قضية، وهذه القضية وإن كانت تقييدية وصفيةإلا أنها تصبح قضية إخبارية مستقلة بقانون أن الوصف قبل العلم به إخبار.
ولنا تعليق على كلا الأمرين:
أما على الأمر الأول فلأن اشتمال القضية على نسبتين في عرض واحد إنمايوجب تعددها وانحلالها إلى قضيتين إذا كانت النسبتان تامّتين، إذ حينئذ لا يعقل‏أن تكون القضية واحدة، لما ذكرناه في ضمن البحوث السابقة من أن كل نسبةمباينة ذاتاً وحقيقة للنسبة الاُخرى، من جهة أن المقومات الذاتية لكل منهمامباينة للمقومات‏الذاتية للاُخرى، وهي متمثلة في شخص وجود طرفيها هماالموضوع والمحمول في‏القضية، فلذلك لايعقل أن تكون القضيةالواحدة موضوعاًومحمولاً مشتملة على نسبتين تامتين، بداهة أنه يلزم من‏افتراض وحدتها كذلك‏تعددها، وما يلزم من افتراض وجوده عدمه، فوجوده مستحيل.
ولكن الأمر في المقام ليس كذلك، لأن قضية »الانسان كاتب« مشتملة على‏نسبة واحدة، وهي النسبة بين الانسان والكاتب، ولا يعقل اشتمالها على نسبة
اُخرى تامة كما عرفت، وأما المحمول في تلك القضية وهو »الكاتب«، فلايكون مشتملاً على نسبة واقعية تامة، وإلاّ لزم قيام النسبة بطرف واحد، وهومستحيل، نعم إنه بتحليل من العقل ينحل إلى أجزاء ثلاثة: الذات والمبدأوالنسبة بينهما، إلا أن تلك النسبة نسبة تحليلية لا واقعية، فإنها ليست في وعاءالذهن أو الخارج، فلهذا لا تستدعي وجود طرفين فيه، لأن الموجود في الذهن‏مفهوم واحد، وهو مفهوم الكاتب، ولكن العقل في مقام التحليل يحلله إلى ثلاثةأجزاء، فتلك الأجزاء تحليلية عقلية لا خارجية ولا ذهنية، فالمعيار في وحدةالقضية إنما هو بوحدة الموضوع والمحمول في عالم الذهن أو الخارج، وحيث إن‏الموضوع والمحمول في قضية »الانسان كاتب« واحد فيه فالقضية واحدة،وانحلال الكاتب إلى أجزاء ثلاثة لا يؤثر في وحدتها ولا يجعلها متعددة، ومن‏هنا لا يكون النسبة التحليلية في عرض النسبة الواقعية، فإن أحد طرفي النسبةالواقعية »الكاتب«، وهو موجود واحد في أفق الذهن، والمفروض عدم نسبةاُخرى في هذا الاُفق في عرض النسبة الاُولى، فإذن تكون القضية المذكورةمشتملة على نسبة واحدة في عالم الذهن أو الخارج، والنسبة التحليلية ليست‏بنسبة في عالم الواقع، بل هي نسبة في عالم التحليل فحسب، فيكون المقام نظيرقولنا»زيد انسان« فإنه قضية واحدة مشتملة على نسبة واحدة، وهي النسبةبين »زيد« و»انسان« في عالم الذهن، ولا يضر بوحدتها اشتمال الانسان‏بالتحليل من العقل على نسبة تحليلية، وهي النسبة بين الحيوان والناطق، ومن‏الواضح أن النسبة التحليلية لا تشكل قضية واقعية ولا لها دخل في تكوينها،لأن قضية »الانسان كاتب« قضية واحدة مشتملة على نسبة واحدة، وهي‏
پاورقي
1) أجود التقريرات 93 91 :1.
2) أجود التقريرات 94 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 235 :1 و277.
4) فوائد الاُصول 121 :1، أجود التقريرات 115 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 25 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 373 :1.
7) بحوث في علم الاُصول 373 :1.
8) بحوث في علم الاُصول 372 :1.
9) نقله في بحوث في علم الاُصول 374 :1.
10) نقله في بحوث في علم الاُصول 374 :1.
11) سورة المائدة (38 :(5.
12) سورة النور (2 :(24.
13) كفاية الاُصول: 50.
14) كفاية الاُصول: 47.
15) سورة البقرة (124 :(2.
16) سورة آل عمران (97 :(3.
17) سورة البقرة (187 :(2.
18) سورة النور (2 :(24.
19) سورة المائدة (38 :(5.
20) محاضرات في اصول الفقه 24 :1.
21) كفاية الاُصول: 54.
22) أجود التقريرات 98 :1.
23) أجود التقريرات 100 :1.
24) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 322 :1.
25) الفصول، فصل المشتق، التنبيه الثالث. ونقله عنه في كفاية الاُصول: 56.
26) كفاية الاُصول: 54.
27) الفصول، فصل المشتق، التنبيه الأول.
28) نقله في بحوث في علم الاُصول 332 :1.
29) كفاية الاُصول: 52.
...................................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
أدلة بساطة مفهوم المشتق ...

النسبة بين الانسان والكاتب، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الكاتب مشتملاًعلى النسبة التحليلية أو لا، وكذلك قضية »زيد انسان«.
فالنتيجة أن القضية المذكورة مشتملة على نسبة واحدة، سواء أكان الشي‏ءمأخوذاً في مدلول المشتق أم لا.
وأما التعليق على الأمر الثاني، فلأن قضية »الانسان كاتب« على القول‏بالتركيب تتضمن إخبارين: أحدهما الاخبار عن ثبوت المقيد، وهو »إنسان له‏الكتابة«، والآخر الاخبار عن ثوت المطلق في ضمن المقيّد، وهو »انسان« في‏المثال، بملاك أن الاخبار عن ثبوت المقيد يستلزم الاخبار عن ثبوت المطلق،فالاخبار الأول مدلول مطابقي للقضية وجهته الامكان، والاخبار الثاني مدلول‏تضمني لها وجهته الضرورة، وهذا ليس من الانقلاب في شي‏ء.
وإن شئت قلت: إنه على القول بأخذ مصداق الشي‏ء في مدلول المشتق‏فالمحمول في مثل قولك »الانسان كاتب« انحل إلى محمولين: أحدهما المقيد وهو»إنسان له الكتابة« والآخر المطلق وهو »إنسان«، فثبوت الأول للموضوع‏بالامكان، والثاني بالضرورة، وحيث إن القضية المطابقية هي القضية المقيدة،فهي باقية على جهتها وهي الامكان، ولا انقلاب فيها، وأما القضية الضمنيةوهي القضية المطلقة، فهي وإن كانت ضرورية إلا أنها بملاك أن جهتها الواقعيةالضرورة لا من جهة الانقلاب، هذا نظير جملة »زيد خطيب بارع« و»عمروطبيب ماهر« وهكذا، فإنها تنحل إلى إخبارين: أحدهما الاخبار عن المدلول‏المطابقي لها، وهو براعة زيد في فن الخطابة، ومهارة عمرو في فن الطبابة،والآخرعن المدلول التضمني لها، وهو الاخبار عن خطابة زيد وطبابة عمرو،ولا مانع من أن تكون جهة القضية بلحاظ مدلولها المطابقي الامكان وبلحاظمدلولها التضمني الضرورة.
وهذا أمر طبيعي في القضايا المذكورة وأشباهها، وليس من الانقلاب في‏شي‏ء، لأن القضايا التي تكون محمولاتها من القضايا الوصفية تنحل إلى قضيتين‏طبعاً: الاُولى قضية مستقلة وهي القضية المقيّدة، والثانية قضية ضمنية وهي‏القضية المطلقة، مثلاً قضية »زيد خطيب بارع« تنحل إلى الاخبار عن براعةزيد في الخطابة والاخبار عن خطابته ضمناً، والاُولى قضية مستقلة، والثانية:قضية ضمنية وهكذا، باعتبار أن كل قضية يكون محمولها مقيداً بقيد تتضمن‏قضية اُخرى في ضمن القضية المستقلة، وكل قضية يكون محمولها بسيطاً فلاتتضمن قضية اُخرى، وعلى هذا فعلى القول بأخذ مصداق الشي‏ء في مدلول‏المشتق، فالمحمول في مثل قضية »الانسان كاتب« مقيد بالمبدأ في الواقع، وكذلك‏إذا كان المأخوذ فيه مفهوم الشي‏ء، وأما على القول ببساطة مفهوم المشتق‏فالمحمول فيها بسيط ولا موضوع للانحلال.
والخلاصة أنه إن اُريد بالانحلال أن المحمول على القول بالتركيب بما أنه‏مشتمل على نسبة، فيلزم عروض نسبتين على الذات في عرض واحد وهومستحيل، فيرد عليه أن المحال إنما هو عروض نسبتين واقعيتين على شي‏ء واحد،والمفروض في المقام أن النسبة الواقعية في وعاء الذهن أو الخارج واحدة، وأماالنسبة بين الذات والمبدأ، فهي نسبة تحليلية في المرتبة السابقة على الحمل لاواقعية، وإن اُريد به انحلال المحمول إلى إخبارين: أحدهما الاخبار عن القضيةالمقيدة المستقلة، والآخر الاخبار عن القضية المطلقة الضمنية، فيرد عليه أن هذاالانحلال أمر طبيعي على القول بالتركيب، وليس هذا من الانقلاب المستحيل،لأنه متمثل في انقلاب مادة الامكان إلى الضرورة.
الوجه السابع: ما ذكره المحقق الشريف من أن المأخوذ في مدلول المشتق إن‏كان مصداق الشي‏ء لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، وإن كان‏المأخوذ فيه مفهوم الشي‏ء لزم دخول العرض العام في الفصل كالناطق مثلاً، وهولا يمكن، لاستحالة أن يكون العرض جزءاً من الجوهر ومقوماً له، وعلى هذافلوكان العرض داخلاً في الفصل لزم أن يكون مقوماً للانسان والحيوان ونحوهماوذاتياً لها، وهو كما ترى(1). هذا،
والجواب عن ذلك: أما عن الشق الأول من كلامه، فقد تقدم موسعاً فلاحاجة إلى الاعادة.
وأما عن الشق الثاني منه وهو دخول العرض العام في الفصل، فقد اُجيب‏عنه‏بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره وجماعة من الفلاسفة المتأخرين‏منهم السبزواري، من أن الناطق فصل مشهوري وليس فصلاً حقيقياً، وقد أفادفي وجه ذلك أن معرفة حقائق الأشياء وفصولها الحقيقية متعذرة ولا يمكن‏الوصول إليها إلا للباري عز وجل، ومن أجل ذلك قد وضعوا مكانها ما هو من‏لوازمها وخاصّتها التي يشيروا بها إليها، فالناطق والصاهل والناهق جميعاًليست بفصول حقيقية، فإن الناطق إن اُريد به النطق الخارجي الذي هو من‏خاصة الانسان، فهو من مقولة الكيف المسموع، فلا يعقل أن يكون مقوّماًللجوهر النوعي، وإن اُريد به الادراك الباطني أعني إدراك الكليات، فهو كيف‏نفساني وعرض من أعراض الانسان، فيستحيل أن يكون مقوماً له، لأن‏العرض إنما يعرض على الشي‏ء بعد تقومه بذاته وذاتياته وتحصله بفصله، وأماالصاهل والناهق فكلاهما من الكيف المسموع، فلا يعقل أن يكون مقوماًللجوهر النوعي، ومن هنا قد يجعلون لازمين وخاصتين مكان فصل واحد،فيقولون »الحيوان حساس متحرك بالارادة« ومن الطبيعي أن الحساس‏والمتحرك بالارادة خاصتان للحيوان وليستا بفصلين له، ضرورة أن الشي‏ءالواحد لا يعقل أن يتقوم بفصلين، لأن كل فصل مقوم للنوع وذاتي له، فلا يعقل‏اجتماعهما في شي‏ء واحد، وعليه فلا يلزم من أخذ الشي‏ء في المشتق دخول‏العرض العام في الفصل، بل يلزم منه دخوله في الخاصة، وهذا أمر طبيعي ولامحذور فيه، فإن العرض العام كالشي‏ء إذا قيد بقيد خاص أصبح خاصة، فما أفاده‏المحقق الشريف من استلزام أخذ مفهوم الشي‏ء في مفهوم المشتق دخول العرض‏العام في الفصل غير تام، ولا يرجع إلى معنى محصل(2).
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن الناطق بمعنى النطق الظاهري‏أو إدراك الكليات وإن كان من لوازم الانسان وعوارضه الخاصة ولا يعقل أن‏يكون فصلاً مقوماً له، إلا أن الناطق بمعنى صاحب النفس الناطقة فصل حقيقي‏له، فيلزم حينئذٍ من أخذ مفهوم الشي‏ء في المفهوم الاشتقاقي دخول العرض‏العام‏في الفصل(3). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن صاحب النفس الناطقة هو الانسان،وهو نوع لا فصل(4)، نعم لو فسر الناطق بالنفس الناطقة لم يرد عليه هذاالاشكال، فإن النفس الناطقة هي الفصل الحقيقي للانسان، وهي بسيطة،والناطق اسم لها وليس من الأوصاف الاشتقاقية، فإذن لا موضوع لما ذكره‏المحقق الشريف من أن مفهوم الشي‏ء إن كان مأخوذاً في مدلول المشتق لزم‏دخول العرض العام في الفصل، لأن الناطق بمعناه اللغوي وهو النطق الظاهري‏أو الادراك الباطني ليس بفصل، فلا يلزم المحذور المذكور، وبمعنى النفس الناطقةوإن كان فصلاً إلا أنه بهذا المعنى بسيط، فلا يكون مفهوم الشي‏ء مأخوذاً فيه.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائيني قدس سره أيضاً من أن الشي‏ء ليس من‏العرض العام، بل هو جنس الأجناس وجهة مشتركة بين جميع المقولات من‏الجواهر والأعراض، وقد أفاد في وجه ذلك أن ضابط العرض العام هو ما كان‏خاصة للجنس القريب أو البعيد، كالماشي والمتحيز، والشيئية تعرض لكل‏ماهية من الماهيات وتنطبق عليها، فهي جهة مشتركة بين جميعها وليس ورائهاأمر آخر، يكون ذلك الأمر هو الجهة المشتركة وجنس الأجناس لتكون الشيئيةعارضة عليه وخاصة له، كما هو شأن العرض العام، وعلى هذا فاللازم من أخذمفهوم الشي‏ء في المشتق دخول الجنس في الفصل لا دخول العرض العام فيه،ومن الواضح أنه كما يستحيل دخول العرض العام في الفصل كذلك يستحيل‏دخول الجنس فيه، لأن لكل واحد من الجنس والفصل ماهية تباين ماهيةالآخر ذاتاً وحقيقة، فلا يكون أحدهما ذاتياً للآخر، فالحيوان ليس ذاتياًللناطق وبالعكس، بل هو لازم أعم بالاضافة إليه، وذلك لازم أخص، وعليه‏فيلزم من دخول الجنس في الفصل انقلاب الفصل إلى النوع، وهو محال.
والخلاصة أن خروج مفهوم الشي‏ء عن مفهوم المشتق أمر ضروري، سواءفيه القول بأن الشي‏ء عرض عام أو جنس، وسواء أكان الناطق فصلاً حقيقياًأم‏مشهورياً، فإن دخول الجنس في اللازم كدخوله في الفصل الحقيقي‏محال(5)،هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن هذا غريب منه، فإن الشي‏ء لا يعقل أن‏يكون جنساً عالياً للأشياء جميعاً من الواجب والممتنع والممكن بأقسامه من‏الجواهر والأعراض والاعتباريات والانتزاعيات، فإنه وإن كان صادقاً على‏الجميع حتى على الممتنعات، فيقال »شريك الباري شي‏ء ممتنع« و»اجتماع‏النقيضين شي‏ء مستحيل« وهكذا، إلا أن صدقه ليس صدقاً ذاتياً ليقال إنه‏جنس عال له، بداهة استحالة وجود الجامع الماهوي بين ذاته تعالى وبين غيره‏من المقولات المتأصلة والماهيات الاعتبارية والانتزاعية والأشياء الممتنعة، بل‏لا يعقل الجامع الذاتي بين المقولات العشر بأنفسها، لأنها أجناس عاليات‏ومتباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، بل ذكرقدس سره أنه قد برهن في محله أن الجامع الحقيقي‏بين المقولات التسع العرضية فضلاً عن الجامع كذلك بين جميع المقولات غيرمتصور(6). هذا.
وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الشي‏ء لا يعقل أن يكون جنساً عالياً للجميع من الواجب‏والممكن والممتنع.
الثانية: أنه قد برهن في محله أن المقولات العشرة أجناس عاليات ومتباينات‏بتمام ذاتها وذاتياتها، ولا يعقل أن تندرج تحت مقولة واحدة ذاتاً وحقيقية. هذا،
وغير خفي أن النقطة الاُولى واضحة ولا تقبل الشك، بداهة أنه لا يعقل أن‏يكون الشي‏ء بعرضه العريض جنساً عالياً للأشياء جميعاً.
وأما النقطة الثانية فقد يناقش فيها بأنه لم يقم برهان في الفلسفة على استحالةوجود جنس أعلى للمقولات العشرة لا أنه قام برهان على الاستحالة، وقدصرح بذلك صاحب الأسفار(7).
وفيه أنا وإن سلمنا عدم قيام برهان على استحالة وجود جنس أعلى‏للمقولات العشر إلا أن الشي‏ء لا يعقل أن يكون جنساً أعلى لها جامعاً ذاتياًبين‏جميع الأشياء لأمرين:
الأول: أن الشي‏ء يصدق على الواجب والممتنع والممكن بشتى أنواعه‏وأشكاله، ومن الواضح استحالة تصوير جامع حقيقي بينها جميعاً، بداهة أنه لايعقل أن يكون الواجب تعالى شريكاً مع الممكن والممتنع في الجنس.
الثاني: أن الشي‏ء لو كان جنساً أعلى للمقولات العشر لكان كل مقولة مركبةمنه ومن فصل يميزه عن المقولات الاُخرى، وحينئذ نقول إن الفصل شي‏ء أو لا؟والثاني لا يمكن، فعلى الأول فإن كانت الشيئية تمام حقيقته لزم اتحاد الجنس‏والفصل، وإن كانت جزئه لزم تركبه من جزئين، وحينئذ فتنقل الكلام إلى جزئه‏الثاني فهل هو شي‏ء؟ والجواب: نعم إنه شي‏ء، وهكذا يذهب إلى مالا نهاية له،فإذن لا يمكن الوصول إلى ما يميز المقولات بعضها عن بعضها الآخر.
فالصحيح أن الشي‏ء عرض عام للأشياء جميعاً من الواجب والممكن‏والممتنع، ويصدق على الجميع صدقاً عرضياً، فلذلك يكون من العرض العام،لا من العرض المقابل للجوهر، فإنه لا يصدق على وجود الواجب تعالى ولا على‏غيره من الاعتباريات والانتزاعيات ونحوهما، ومن الواضح أن الشي‏ء بما له من‏المفهوم يصدق على الجميع على نسق واحد.
وأما ما أفاده‏قدس سره - من أن ضابط العرض العام أن يكون خاصة للجنس‏القريب أو البعيد بأن يكون ما وراءه جنساً وهو عارض عليه وخاصة له،وضابط العرض الخاص أن يكون خاصة للنوع كالضحك مثلاً، وهذا الضابط لاينطبق على الشي‏ء - فلا أصل له، وذلك لأنه‏قدس سره إن أراد بذلك أن عروض‏العارض على الجنس مقوم لعمومه لا لعرضيته، ففيه أن كونه مقوماً لعمومه إنماهو بملاك أنه أكثر أفراداً وأوسع دائرة من النوع، فإذن يكون ملاك اتصاف‏العرض بالعرض العام كون دائرة معروضة أوسع من دائرة معروض العرض‏الخاص، وأما كونه جنساً قريباً كان أم بعيداً أو غيره فغير معتبر، إذ لا يحتمل أن‏تكون جنسية معروضة، دخيلة في اتصافه بالعرض العام، وإن أراد به أنه مقوم‏لعرضيته، ففيه أن عرضية العرض متقومة ذاتاً وحقيقة بعروضه على شي‏ء،سواء أكان ذلك الشي‏ء جنساً أم لا، ثم إن كون العرض عاماً وخاصاً أمر إضافي‏نسبي، فالماشي عرض عام باعتبار وإضافة، وخاص باعتبار آخر وإضافةاُخرى، فالنتيجة ما أفاده‏قدس سره من الضابط للعرض العام لا يرجع إلى معنى صحيح‏فالمعيار فيه ما ذكرناه.
الوجه الرابع: أن محل الكلام في بساطة مفهوم المشتق وتركيبه، حيث إنه في‏مدلوله اللغوي، فلا يلزم من أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلوله لغة دخول العرض‏العام في الفصل الحقيقي حتى يكون محالاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى فقد اُجيب في شرح المطالع عن شبهة وجهت على تعريف‏الادراك بترتيب اُمور معلومة لتحصيل أمر مجهول، وهي أنه لا يشمل التعريف‏بالحد الناقص، وهو التعريف بالفصل وحده، فاُجيب عنها بأن الفصل‏أيضاًمركب من أمور وليس بسيطاً، فالناطق شي‏ء له النطق، فإذن لا إشكال‏في‏التعريف(8).
ولكن علق على هذا الجواب المحقق الشريف بأن لازم ذلك دخول العرض‏العام في الفصل الحقيقي(9). ومن الواضح أن الشريف أراد من الناطق الفصل‏الحقيقي بقرينة أن التعريف إنما هو به بقطع النظر عن باب الدلالة اللغويةوالعرفية، وعليه فما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره - من أن الناطق فصل مشهوري‏لا حقيقي، ووضع مكان الفصل الحقيقي باعتبار أنه لازم له، وحينئذ فلا يلزم من‏أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول المشتق دخول العرض العام في الفصل الحقيقي، وإنمايلزم من ذلك دخول العرض العام في الفصل المشهوري، وهذا مما لا محذور فيه -ليس جواباً عن تعليق المحقق الشريف، لما عرفت من أن نظره فيه متّجه إلى‏الفصل الحقيقي دون المشهوري، فإذن لا صلة لما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره بماعلق عليه الشريف. هذا،
فالصحيح في المقام أن يقال إن هنا مسألتين:
الاُولى: أن مدلول المشتق بسيط أو مركب.
الثانية: أن الناطق هل هو فصل بمعناه اللغوي العرفي أو لا.
أما المسألة الاُولى فهي مسألة لغوية، والمرجع في إثباتها الطرق المقرّرة لدى‏العرف العام، كالتنصيص والتبادر ونحوهما.
وأما المسألة الثانية: فلا شبهة في أن الناطق بما له من المعنى اللغوي لا يصلح‏أن يكون فصلاً حقيقياً للانسان، وكذلك الصاهل والناطق ونحوهما، ولا فرق‏في ذلك أن يكون المشتق موضوعاً لمعين بسيط أو مركب، لأن المبدأ في الناطق‏وهو النطق لا يمكن أن يكون فصلاً حقيقياً للانسان، باعتبار أنه إن كان بمعنى‏النطق الظاهري، فهو من مقولة الكيف المسموع، وإن كان بمعنى الادراك‏الباطني، فهو من مقولة الكيف النفساني، وعلى كلا التقديرين فلا يصلح أن‏يكون فصلاً حقيقياً، بلا فرق بين أن يكون مفهوم الشي‏ء مأخوذاً فيه أولاً،وعلى هذا فجعل الناطق في باب الكليات من الذاتي والفصل الحقيقي للانسان‏لايمكن بدون تجريده عن معناه اللغوي مادة وهيئة وإرادة معنى آخر منه،وهوالنفس الناطقة.
وبكلمة، إن الناطق عند العرف واللغة موضوع للشي‏ء المتلبّس بالنطق‏الظاهري أو الباطني، وهو بهذا المعنى لا يصلح أن يكون فصلاً حقيقياً للانسان‏ومقوماً له، وعليه فجعله في المنطق فصلاً حقيقياً لا يمكن أن يكون بمعناه‏اللغوي، فلا محالة يكون قد جرد عنه تماماً واستعمل في معنى جامد بسيط، وهوالنفس الناطقة، فإنه بهذا المعنى يصلح أن يكون فصلاً حقيقياً ومقوماً، على‏أساس أن نظر المناطقة إلى حقائق الأشياء من الجنس والفصل الذاتيين، لا إلى‏الأوضاع اللغوية والمعاني العرفية، فلذلك جعلوا الناطق أسماءً للنفس الناطقة،وهو بهذا المعنى فصل حقيقي للانسان.
وعلى هذا فلا يلزم من أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول المشتق لغة وعرفاً دخول‏العرض العام في الفصل الحقيقي، لما عرفت من أن الناطق أو ما شاكله ليس بمعناه‏اللغوي فصلاً، وإنما هو فصل بمعنى آخر، وهو النفس الناطقة التي هي صورةالانسان وحقيقته، ومن هنا يظهر أن اعتراض المحقق الشريف بأن مفهوم الشي‏ءلو كان مأخوذاً في مدلول المشتق، لزم دخول العرض العام في الفصل مبني على‏الخلط بين المسألتين، لأن مفهوم الشي‏ء لو كان مأخوذاً فيه، لزم دخول العرض‏في معناه اللغوي لا في الفصل الحقيقي كما تخيّله.
هذا إضافة إلى أن هذا الوجه لو تمّ فإنه يمنع عن دخول مفهوم الشي‏ء في‏مدلول المشتق، ولا يمنع عن دخول النسبة فيه، بأن يكون المشتق موضوعاًللمبدأ ونسبته إلى الذات، ولا يلزم منه أيّ محذور.
ودعوى أن أخذ النسبة في مدلول المشتق يستلزم أخذ الذات فيه أيضاًلاستحالة تقوم النسبة بطرف واحد.
مدفوعة، فإن استحالة ذلك إنما هي بلحاظ أنها متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص‏وجود طرفيها في الذهن أو الخارج، ولكن هذا لا يقتضي استحالة وضع اللفظمع طرف واحد، لأن عملية الوضع عملية اختيارية للواضع، فإن له أخذ شي‏ءفي المعنى الموضوع له قيداً، وله عدم أخذه فيه كذلك، فاللفظ على الأول يدل‏على المعنى المقيد به لا أكثر، وعلى الثاني على المعنى المطلق كذلك، وفي المقام لامانع من وضع المشتق بإزاء المبدأ والنسبة بدون أخذ الذات فيه، فإنه حينئذ لايدل إلا على المبدأ ونسبته إلى الذات دون نفس الذات، وهذا ليس معناه قيام‏النسبة بطرف واحد، بل دلالة اللفظ عليها مع طرف واحد. ومن هنا فالحروف‏موضوعة للنسب والروابط فحسب بدون أخذ أطرافها في معناها الموضوع له،مع أنها متقومة بها ذاتاً وحقيقة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن شيئاً من الوجوه التي‏استدل بها على بساطة مفهوم المشتق لايتم، فلا يمكن القول حينئذ بالبساطة.
وأما الكلام في المقام الثانية وهي القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذات‏والمبدأ والنسبة بينهما، فنقول إن المراد من الذات المأخوذة في مفهوم المشتق هوالذات المبهمة غاية الابهام ومعراة عن كل خصوصية من الخصوصيات العرضيةما عدا قيام المبدأ بها، وليس المراد منها مصداقها، فلنا دعويان:
الاُولى: أن مصداق الذات والشي‏ء غير مأخوذ في مفهوم المشتق.
الثانية: أن المأخوذ فيه مفهوم الشي‏ء والذات بنحو الابهام.
أما الدعوى الاُولى فهي باطلة جزماً، لأن لازم ذلك أن يكون المشتق من‏متكثر المعنى، بأن يكون الوضع فيه عاماً والموضوع له خاصاً، وهذا خلاف‏الارتكاز العرفي منه فطرة، لأن المرتكز منه كذلك معنى واحد مبهم غاية الابهام،ولهذا يقبل الحمل على الواجب تعالى كقولك »اللَّه عالم وقادر وحيّ« وهكذا،وعلى الممكن بشتى أنواعه من الماهيات المتأصلة كالجواهر والأعراض‏والماهيات الاعتبارية والانتزاعية، وعلى الممتنع كقولك »شريك الباري ممتنع«و»اجتماع النقيضين مستحيل« وهكذا، والجميع على نسق واحد.
وأيضاً لازم ذلك أن يكون استعمال المشتق في الذات المتلبسة بالمبدأ المعراةعن الخصوصيات العرضية مجازاً، لأنه استعمال في غير معناه الموضوع له، وأن‏يكون المشتق مجملاً إذ لم تكن هناك قرينة على تعيين المصداق، باعتبار أن حكمه‏حينئذ حكم اللفظ المشترك، فلا يدل على التعيين.
ودعوى أن جعل المصداق موضوعاً في القضية يدل على أنه مأخوذفي‏مدلول المشتق.
مدفوعة بأن المشتق لا يكون محمولاً دائماً، بل قد يكون محمولاً وقد لايكون، كما في مثل قولنا »أكرم العالم« و»لا تصلّ خلف الفاسق« وهكذا، فإنه‏لا يكون محمولاً في مثل هذه الموارد مع أن استعماله فيها كاستعماله فيما إذا كان‏محمولاً بلا فرق بينهما أصلاً.
والخلاصة أن القول بأن المأخوذ في مفهوم المشتق الشي‏ء لا يرجع إلى‏معنى‏محصل.
وأما الدعوى الثانية وهي أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء المبهم‏من جميع الجهات والخصوصيات حتى من جهة خصوصية أنه عين المبدأ خارجاًكما في صفات الباري عز وجل الذاتية، فيدل عليها أمران:
الأول: أن المتبادر من المشتق عند إطلاقه ارتكازاً وفطرة هو تلبس الذات‏المبهمة بالمبدأ، فإذا قيل »زيد عالم« تمثل في النفس ذات مبهمة متلبسة بالعلم،وتنطبق في المثال على زيد، ومن الواضح أن هذا التبادر الارتكازي الموافق‏للفطرة في أعماق النفس دليل قطعي على أن مفهوم الشي‏ء والذات المبهمة مأخوذفي مدلول المشتق وضعاً، وحيث إنه مبهم من جميع الجهات حتى من جهة اتحاده‏مع المبدأ، فلهذا يصدق على الجميع من الجوهر والعرض والأمر الاعتباري‏والانتزاعي والزمان وما فوقه من الواجب تعالى وغيره على نسق واحد بدون‏لحاظ أية عناية في شي‏ء منها.
الثاني: أنه لا شبهة في صحة حمل المشتق بما له من المعنى المرتكز في الذهن‏على الذات في الخارج، كقولنا »زيد عالم« و»الانسان ضاحك« وهكذا، ومن‏الواضح أنه لا يمكن تصحيح هذا الحمل بدون أخذ مفهوم الذات في مدلول‏المشتق، لأن المبدأ مغاير للذات مفهوماً وعيناً، وقد مرّ أن صحة الحمل ترتكزعلى ركيزتين: الاُولى: اتحاد المحمول مع الموضوع في عالم الوجود، والثانية:مغايرتهما في عالم المفهوم، وبانتفاء أية من الركيزتين فلا موضوع للحمل، وفي‏المقام حيث إن المبدأ مغاير للذات في الوجود الخارجي والمفهوم الذهني معاً فلايمكن حمله عليها، ومجرد اعتباره لا بشرط ومتحداً مع الذات لا يوجب اتحاده‏معها خارجاً وقلبه عما كان عليه في الواقع من المغايرة والمباينة، بداهة أن المغايرةبينهما واقعية لا اعتبارية لكي تنتفي باعتبار آخر، فإذن لا قيمة لاعتبار المبدأ لابشرط، ولا يوجب صحة حمله على الذات التي هي منوطة بأن يكون متحداًمعها في الخارج حقيقة. هذا،
ولكن المحقق النائيني‏قدس سره قد أصر في المقام على أن اعتبار المبدأ لا بشرطولحاظه متحداً مع الذات يكفي في صحة حمله عليها، ولذلك بنى على أن الذات‏غير مأخوذة في مفهوم المشتق، وقد أفاد في وجه ذلك أن وجود العرض في نفسه‏عين وجوده لموضوعه، وهذا لا بمعنى أن له وجودين: أحدهما لنفسه والآخرلموضوعه، لاستحالة أن يكون لماهية واحدة وجودان، بل بمعنى أن وجوده‏النفسي عين وجوده الرابطي لموضوعاته.
وإن شئت قلت: إن للعرض وجوداً واحداً في الخارج، ولكن له حيثيتان:الاُولى حيثية أنه لنفسه، والثانية حيثية أنه لموضوعه، وعلى هذا فإن لوحظالعرض من الحيثية الاُولى أي بما أنه شي‏ء من الأشياء وموجود من الموجودات‏في الخارج بحياله واستقلاله في مقابل وجود الجوهر كذلك، فهو بهذا الاعتبارواللحاظ عرض مباين لموضوعه وجوداً وغير محمول عليه، وإن لوحظ من‏الحيثية الثانية أي بما هو واقعه في الخارج بلا أي مؤنه اُخرى وأن وجوده في‏نفسه عين وجوده لموضوعه فيه، فهو بهذا اللحاظ والاعتبار عرضي ومشتق‏وقابل للحمل على موضوعه ومتحد معه، حيث إنه من شؤونه وأطواره،فإن‏شأن الشي‏ء لا يباينه.
والخلاصة أن للمبدأ لحاظين: أحدهما لحاظه موجوداً في الخارج بحياله‏واستقلاله في مقابل الذات، والآخر لحاظه لا بشرط أي بما هو واقعةالموضوعي، وهو أن وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، ولا يمكن حمله‏عليها باللحاظ الأول، وأما باللحاظ الثاني فلا مانع منه، لأنه بهذا اللحاظ متحدمعها بنحو من أنحاء الاتحاد في الخارج(10). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بعدة وجوه:
الوجه الأول: أن ما ذكره‏قدس سره من الفرق ليس فارقاً بين المشتق ومبدئه، بل‏هو فارق بين المصدر واسم المصدر، فإن العرض كالعلم مثلاً متحيّث بحيثيتين‏واقعيتين: الاُولى حيثية وجوده في نفسه، والثانية حيثية وجوده لموضوعه،فيمكن أن يلحظ مرة بالحيثية الاُولى، وهي أنه شي‏ء من الأشياء وموجود من‏الموجودات بحياله، واستقلاله في مقابل وجود الجوهر، وبهذا الاعتبار يعبر عنه‏باسم المصدر، ومرة اُخرى بالحيثية الثانية، وهي أن وجوده في نفسه عين‏وجوده لموضوعه، وأنه طور من أطواره، وبهذا الاعتبار يعبّر عنه بالمصدر،حيث قد اعتبر فيه الاسناد إلى فاعل ما دون اسم المصدر.
وبكلمة، إن اسم المصدر وضع للدلالة على الوجود المحمولي في قبال العدم‏المحمولي، والمصدر وضع للدلالة على الوجود النعتي في مقابل العدم النعتي،فماذكره‏قدس سره ليس فارقاً بين المشتق ومبدئه، وإنما هو فارق بين المصدرواسم‏المصدر(11).
ويمكن نقد هذا الوجه من عدة جهات:
الاُولى: ما تقدم موسعاً في باب الوضع من أن الألفاظ لم توضع بإزاءالموجودات الخارجية ولا الموجودات الذهنية، وإنما هي موضوعة بإزاء طبيعي‏المعنى الذي قد يوجد في الذهن وقد يوجد في الخارج، بدون أن يكون الوجودالذهني أو الخارجي قيداً له.
هذا إضافة إلى أن لازم الوضع بإزاء الموجود الخارجي كون المدلول الوضعي‏مدلولاً تصديقياً، وهو لا يمكن إلا على القول بالتعهد.
وعلى هذا فالمصدر لم يوضع للوجود النعتي واسم المصدر للوجود المحمولي،إلا أن يكون مراده‏قدس سره من ذلك وضع المصدر بإزاء معنى فان في الوجود النعتي في‏الخارج، واسم المصدر بإزاء معنى فان في الوجود المحمولي فيه، ولكن إرادة ذلك‏من كلامه‏قدس سره بحاجة إلى قرينة.
الثانية: ما تقدم آنفاً من أن المصدر لم يوضع لنسبة المادة إلى الذات، وإنماوضع بإزاء خصوصية قائمة بالمادة كالصدورية أو الحلولية ونحوهما، وتلك‏الخصوصية غير النسبة، لأنها متقومة بالطرفين، فلا يمكن قيامها بطرف واحد،بينما هي قائمة بطرف واحد، واسم المصدر وضع بإزاء الحدث بما هو بدون لحاظأي خصوصية معه، وهذا الفرق بينهما إنما هو بحسب المفهوم، وذلك لا يمنع عن‏وحدتهما في الوجود الخارجي.
الثالثة: الظاهر أن المحقق النائيني‏قدس سره أراد بذلك الفرق بين المشتق والمصدر، لابينه وبين مبدئه، ولا بين المصدر واسم المصدر، بقرينة أنه‏قدس سره ذكر أن للعرض في‏مقابل الجوهر حيثيتين واقعيتين، وهما حيثية وجوده في نفسه، وحيثية وجوده‏لموضوعه، فإن لوحظ من الحيثية الاُولى فهو عرض ومصدر ومباين للذات‏وجوداً ولا يقبل الحمل عليها، وإن لوحظ من الحيثية الثانية فهو عرضي‏ومشتق يقبل الحمل، باعتبار أنه من شؤونه وأطواره ومن مراتب وجوده،وشؤون الشي‏ء لا تكون أجنبية عنه.
الوجه الثاني: لا ريب في أن وجود العرض في الخارج في مقابل وجودالجوهر فيه، وأنه مباين له وإن كان يختلف عنه سنخاً، لأن وجود الجوهر في‏نفسه لنفسه، ووجود العرض في نفسه لغيره، وهذا ليس بمعنى أن وجوده من‏حدود وجوده وأنه ليس هناك إلا وجود واحد وهو وجود الجوهر، بل بمعنى أن‏وجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، لا أنه عين وجود موضوعه.
وبكلمة، إنه لولم يكن في الخارج إلا وجود واحد وهو وجود الجوهر،والعرض من حدود وجوده ومرتبة من مراتبه وليس موجوداً مستقلاً في مقابله‏فلا شبهة في صحة حمله عليه، لمكان الاتحاد بينهما، ولكن هذا مجرد افتراض لاواقع موضوعي له، بداهة أن العرض ليس من حدود وجود الجوهر، بل هومباين له وجوداً، وعليه فمجرد اعتباره لا بشرط بالنسبة إلى موضوعه لا يؤثرفي الواقع ولا يوجب انقلابه عما كان عليه من المغايرة، ضرورة أنها ليست‏بالاعتبار، فإذن لا يمكن القول بأن العرض إن لوحظ لا بشرط وعلى ما هو عليه‏في الواقع، فهو من شؤون موضوعه وطور من أطواره، وشؤون الشي‏ء لاتباينه، وإن لوحظ بشرط لا وعلى حياله واستقلاله وأنه شي‏ء من الأشياء في‏الخارج في مقابل موضوعه فيه، فهو مغاير له ولا يمكن حمله عليه، وذلك لأن‏العرض لو كان متحداً مع الجوهر وجوداً في الخارج بأن يكونا موجودين‏بوجود واحد فيه، صح حمله عليه سواء أكان ملحوظاً لا بشرط أم لا، وإن كان‏مغايراً معه وجوداً في الخارج، بأن يكون هناك وجودان: أحدهما وجودالعرض، والآخر وجود الجوهر، لم يصح حمله عليه وإن اعتبره لا بشرط(12).
وغير خفي أن ما أفاده السيدقدس سره من أنه لا أثر لاعتبار المبدأ لا بشرط، فإنه‏لا يصحح حمله على الذات بعد ما كان مغايراً لها وجوداً، صحيح وغير قابل‏للمناقشة لا نظرياً ولا تطبيقياً، ولكن يمكن أن يقال إن نظر المحقق النائيني‏قدس سره‏ليس إلى ذلك، بل إلى واقع لا بشرط، بمعنى أن لحاظ المعنى لا بشرط تارة يكون‏بنحو الموضوعية واُخرى بنحو الطريقية، ولا يبعد أن يكون نظره‏قدس سره في المقام إلى‏الثاني، بقرينة أنه‏قدس سره قال في مقام الفرق بين العرض والعرضي )المبدأ والمشتق(أن ماهيتهما واحدة بالذات والحقيقة، والفرق بينهما إنما هو بالاعتبار واللحاظ،ببيان أن لماهية العرض حيثيتين واقعيتين: إحداهما حيثية وجودة في نفسه،والاُخرى حيثية وجوده لموضوعه، فهي تارة تلحظ من الحيثية الاُولى وبما هي‏موجودة في حيالها واستقلالها وأنها شي‏ء من الأشياء في قبال وجودات‏موضوعاتها، فهي بهذا اللحاظ والاعتبار عرض معنون بعنوان البشرط لائيةوغير محمول على موضوعه لمكان المباينة بينهما، واُخرى تلحظ بما هي موجودةفي الواقع ونفس الأمر وأن وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعها ومن‏مراتب وجوده، فهي بهذا الاعتبار عرضي ومشتق معنون بعنوان اللا بشرطيةومحمول على الذات، وهذا الكلام منه‏قدس سره يدل على أن نظره إلى اللا بشرطيةوالشرط لائية ليس بنحو الموضوعية، بل بنحو الطريقية والمعرفية الصرفة.
ولكن هذا أيضاً غير تام، وذلك لأن صحة حمل العرض على موضوعه مبنيةعلى فرضية، وعدم صحة حمله عليه مبني على فرضيه اُخرى.
أما الفرضية الاُولى فهي ترتكز على ركيزة واحدة، وهي أن الموجود في‏الخارج واحد وهو وجود الجوهر، وأما العرض فلا وجود له في قبال وجوده،وإنما هو شأن من شؤون وجوده وحدوده، وحدّ الشي‏ء نفس الشي‏ء ولا يغايره،وعليه فيصح الحمل لمكان الاتحاد.
وهذه الفرضية وإن كانت لا واقع موضوعي لها ومخالفة للوجدان الموافق‏للفطرة، إلا أنه مع ذلك قيل إنه لم يقم برهان في الفلسفة على أن للعرض وجوداًفي الخارج في قبال وجود الجوهر، ولهذا نسب إلى بعض الفلاسفة أن الصورالعلمية العارضة على النفس من مراتب وجودها وحدوده، وليس لها وجود في‏قبال وجودها، حيث إن هناك وجوداً واحداً وهو وجود النفس، وتلك الصورالعارضة عليها من مراتب ذلك الوجود وحدوده، فإذا كانت الصور المذكورةالتي هي من مقولة الكيف النفساني متحدة مع النفس، كان الأمر كذلك في سائرالمقولات العرضية أيضاً، إذ الفرق غير محتمل(13)، وعلى هذا فلو أرادقدس سره من‏ذلك أن العرض شأن من شؤون موضوعه وطور من أطواره وأنه لا وجود له في‏الخارج إلا وجود موضوعه، ففيه أن حمله على الذات حينئذ وإن كان صحيحاًلمكان الاتحاد بينهما وجوداً، إلا أن ذلك مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، إذلا شبهة في أن وجود العرض غير وجود الجوهر في الخارج، وهما نحوان‏وسنخان من الوجود فيه، وهذا أمر لا يقبل الشك كما تقدم.
وأما الفرضية الثانية فهي تبتني على أن وجود العرض مباين لوجود الجوهرفي الخارج، وهما سنخان متباينان من الوجود، فإن وجود العرض وجوديتوقف على موضوع محقق فيه ولا يمكن وجوده بدونه، بينما وجود الجوهروجود مستقل فلا يتوقف على ذلك، فإذن كيف يعقل أن يكون وجود العرض‏عين وجود الجوهر في الخارج ومن حدود وجوده، وعلى ضوء ذلك فلا يمكن‏الحمل لمكان المغايرة، وملاك صحة الحمل الاتحاد.
وعليه فما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره - من أن العرض إن كان ملحوظاً من حيث‏وجوده في نفسه وأنه شي‏ء من الأشياء في الخارج في مقابل الجوهر، فهو مباين‏له وغير قابل للحمل عليه، وإن كان ملحوظاً من حيث أن وجوده في نفسه عين‏وجوده لموضوعه وأنه من شؤونه، فهو قابل للحمل عليه - لا يرجع إلى معنى‏صحيح، فإنه إن اُريد بالشؤون أنه من حدود وجود موضوعه في الخارج ولاوجود له فيه إلا وجود موضوعه فيه، فيرده أنه خلاف مفروض كلامه، لأن‏مفروض كلامه أن للعرض وجوداً في الخارج في مقابل وجود الجوهر، وأن‏هناك سنخين من الوجود: وجوداً في نفسه لنفسه، ووجوداً في نفسه لغيره،والأول وجود الجوهر والثاني وجود العرض، وإن اُريد بها أنه من عوارضه في‏الخارج ولا يوجد بدون وجوده فيه، ففيه أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن معنى‏هذا أن له وجوداً فيه في قبال وجود موضوعه، غاية الأمر أن سنخ وجوده‏يختلف عن سنخ وجود موضوعه، ونتيجة ذلك عدم صحة حمله عليه.
الثالث: أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن العرض قد يلحظ بنفسه بمفادكان التامة، وقد يلحظ بما هو قائم بموضوعه في الخارج بمفاد كان الناقصة لو تم‏فإنما يتم في المشتقات التي تكون مبادئها من المقولات الحقيقية التي لها وجود في‏الخارج، ولا يتم في المشتقات التي تكون مبادئها من الاُمور الاعتبارية أوالانتزاعية التي لا وجود لها في الخارج لكي يلحظ تارة بنفسه وبمفاد كان التامة،واُخرى بما هو قائم بموضوعه وبمفاد كان الناقصة(14).
وغير خفي أن هذا التعليق بدل ما يبرهن عدم صحة حمل المشتقات التي‏تكون مبادئها من الاُمور الاعتبارية أو الانتزاعية يبرهن الفرق بينها وبين‏المشتقات التي تكون مبادئها من الأعراض، وحينئذٍ فبإمكان المحقق النائيني‏قدس سره‏أن يدعي أن صحة حمل تلك المشتقات على الذوات لا تتوقف على لحاظ مبادئهالا بشرط لكي يقال إنها لا توجد في الخارج حتى تلحظ كذلك، بينما صحة حمل‏هذه المشتقات تتوقف على ذلك، فإذن لا مجال لهذا التعليق. هذا،
ولكن الصحيح في الجواب أن يقال: إن المبدأ إذا كان من المقولات فقد تقدم‏أن وجوده في الخارج مباين لوجود موضوعه واقعاً وحقيقة، ولا يجدي لحاظه‏لا بشرط، لا بنحو الموضوعية ولا بنحو الطريقية، وأما إذا كان المبدأ أمراًاعتبارياً أو انتزاعياً كالملكية أو الزوجية أو نحوها، فلا يكون عنواناً لمصداق‏الموضوع في الخارج لكي ينطبق عليه انطباق العنوان على المعنون، فإذن لا يتوفرفيه ملاك صحة الحمل، وقد مرّ أن ملاك صحته إما اتحاد المحمول مع الموضوع في‏الوجود الخارجي بأن يكونا موجودين بوجود واحد فيه أو انطباق المحمول مع‏الموضوع على موجود واحد، وكلا الملاكين غير متوفر في المقام، أما الأول فهوواضح، وأما الثاني فلأن المبدأ ليس عنواناً لمصداق الموضوع في الخارج لكي‏ينطبق عليه انطباق العنوان على المعنون، مثلاً قولنا »زيد مالك« لا يمكن أن‏يكون المالك بلحاظ مدلوله الوضعي البسيط وهو الملكية عنواناً لزيد في‏الخارج، لأن كونه عنواناً له لا يمكن إلا بلحاظ اشتماله على الذات، بأن يكون‏مفهومه مركباً منها ومن المبدأ، وأما المبدأ فهو بنفسه لايصلح أن يكون عنواناًللوضوع في الخارج، لا بلحاظ نفسه ولا بلحاظ منشأ انتزاعه، وهذا بخلاف‏مفهوم الشي‏ء والذات، فإنه وإن كان من المفاهيم الانتزاعية التي لا وجود لها في‏الخارج، إلا أنه لما كان بنفسه عنواناً للموضوع في الخارج صحّ حمله عليه كقولك»زيد شي‏ء له الكتابة..« مثلاً.
الرابع: أن ما أفاده‏قدس سره لو تم في المشتقات التي تكون مبادئها وضعاً للذات‏سواء أكان من المقولات أم من الاعتبارات أو الانتزاعات، ولا يتم في المشتقات‏التي لا يكون المبدأ فيها صفة للذات، كما في أسماء الأزمنة والأمكنة وأسماء الآلة،لأن اتحاد المبدأ فيها مع الذات غير معقول، لأن المبدأ في اسم الزمان كالمقتل هوالقتل، والذات فيه الزمان، وفي اسم المكان المكانُ، ولا يعقل اتحاده لا مع الزمان‏ولا مع المكان وكذلك الحال في اسم الآلة كالمفتاح، فإن المبدأ فيه وهو الفتح لايعقل أن يكون متحداً مع الذات فيه وهو الحديد مثلاً، وأوضح من ذلك كله‏المشتقات التي تكون مبادئها من الأعيان الخارجية كالبقال والتامر واللابن وماشاكل ذلك، فإن المبدأ في الأول البقل، وفي الثاني التمر، وفي الثالث اللبن، ومن‏الواضح أن شيئاً من هذه المبادى‏ء لا يعقل أن يتحد مع الذات.
والخلاصة: أنا لو سلمنا الوصف متحد مع موضوعه في الوعاء المناسب له من‏الذهن أو الخارج بلحاظ أن الوصف شأن من شؤون الموصوف ومن حدودوجوده، فلا نسلم اتحاده مع زمانه أو مكانه أو آلته وغير ذلك من ملابساته(15).
ويمكن نقده أيضاً، فإن لحاظ المبدأ قائماً بموضوعه قيام صدور أو حلول إنماهو باعتبار أنه متلبس به بنحو من أنحاء التلبس من الصدوري أو الحلولي، ولايمكن تحققه بدون ذلك، وهذا الملاك موجود بالنسبة إلى زمانه ومكانه وآلته،بداهة أن المبدأ كما هو بحاجة إلى فاعل ما كذلك بحاجة إلى زمان ومكان وآله،لأن كل فعل زماني لا يعقل أن يوجد بدون شي‏ء من ذلك، وعلى هذا فالمبدأ كماأنه قائم بالفاعل قيام صدور أو حلول، كذلك إنه قائم بظرف الزمان أو المكان‏قيام المظروف بالظرف أو بالآلة قيام ذيها بها، غاية الأمر أن قيامه بالفاعل‏يكون على أحد النحوين المذكورين، وقيامه بالزمان والمكان والآلة على نحوواحد، وهو قيام المظروف بالظرف وقيام ذي الآلة بها، مثلاً القتل مبدأ للقتل،فإنه كما يكون وصفاً لموضوعه وهو القائل، يكون وصفاً لزمانه ومكانه أيضاً،والفتح في المفتاح فإنه كما يكون وصفاً لموضوعه وهو الفاتح، يكون وصفاً لآلته‏أيضاً وهي الحديد وهكذا، وأما المبدأ في مثل اللابن والتامر والبقال ونحو ذلك،فهو ليس من الأعيان الخارجية، بل هو من‏الحرف، ومن هنا يصدق التامرواللابن والبقال على الشخص حقيقة وإن لم يكن مشغولاً به فعلاً، بل كان‏مسافراً أو نائماً أو غير ذلك، كأصحاب الملكات من المجتهد والمهندس والطبيب‏والبناء والنجار والخياط وما شاكل ذلك، ومن الواضح أن المهن والحرف‏أوصاف لاربابها كالأعراض التي هي أوصاف لمعروضاتها.
فالنتيجة أنه لا فرق بين أسماء الأزمنة والأمكنة والآلة وبين سائر المشتقات،فكما أن المبدأ في تلك المشتقات وصف من أوصاف الذات وقائم بها فكذلك في‏هذه الأسماء، غاية الأمر أن قيامه بها هناك قيام صدور أو حلول، وأما قيامه بهاهنا قيام المظروف بالظرف وقيام ذي الآلة بها. هذا،
وقد اُجيب عن ذلك بأنه يمكن التخلص عن هذا الاعتراض بافتراض أن‏المبدأ في أسماء الأزمنة والأمكنة ليس هو الحدث، بل المحلية والمعرضية للحدث‏التي تكون نسبتها إلى الزمان والمكان نسبة العرض إلى موضوعه(16).
وفيه: أنه لا يمكن الالتزام به، لوضوح أن المبدأ في مثل المقتل القتل‏لاالمعرضية والمحلية، نعم المعرضية صفة للذات المنتزعة من وقوع المبدأ فيهالاأنها مبدأ.
إلى هنا قد تبين أن تعليقات السيد الاُستاذقدس سره على ما ذكره المحقق النائيني من‏أن صحة حمل المشتق على الذات لا تتوقف على أخذ مفهومها فيه وإن كانت‏قابلة للمناقشة في صيغها الخاصة، إلا أن المجموع من حيث المجموع يدل على‏أن‏ما أفاده‏قدس سره غير صحيح، لأن وجود العرض إذا كان مبايناً لوجود الجوهرفي‏الخارج، فلا يكفي مجرد قيامه به خارجاً وعروضه عليه في صحة الحمل‏بعدتغايرهما وجوداً.
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا يمكن حمل المشتق‏على الذات على القول ببساطة مفهومه، فلذلك لا مناص من الالتزام بالقول بأن‏مفهومه مركب من الذات المبهمة المعراة عن جميع الخصوصيات العرضية والمبدأ،فيصح حينئذ حمله عليها، ويكون من حمل الطبيعي على فرده في الخارج على ماتقدم تفصيله في ضمن البحوث السالفة.
ثم إن هنا قولاً ثالثاً في مقابل القول بالبساطة والتركيب، وهو أن مادةالمشتق موضوعة لطبيعي الحدث، وهيئته موضوعة للنسبة بينه وبين الذات،وأما الذات فهي غير مأخوذة في مدلوله، وقد اختار هذا القول المحقق العراقي‏قدس سره‏وأفاد في وجه ذلك أن الاستقراء في وضع الهيئات بشتى أنواعها وأشكالها من‏الهيئات الافرادية والهيئات التركيبية في اللغات، يشهد بأن كل هيئة موضوعةبإزاء النسبة، ومن الواضح أن هيئة المشتق لا تكون خارجة عنها، ونتيجة ذلك‏أن مادة المشتق موضوعة بإزاء الحدث، وهيئته موضوعة بإزاء النسبة أي نسبةالحدث إلى الذات، فالذات خارجة عن مدلولها، وحيث إنه ملتفت إلى أن هناك‏إشكالاً متجه عليه على أساس هذا القول وهو أن معنى المشتق على هذا معنى‏حرفي فلا يصح حمله على الذات، مع أن صحة حمله عليها من الواضحات‏الأولية، فلهذا حاول دفع هذا الاشكال عنه وعلاج هذه النقطة بمحاولتين:
المحاولة الأولى: أن هيئة المشتق وإن كانت موضوعة بإزاء نسبة المادة إلى‏الذاات، إلا أن النسبة بما أنها متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها في‏الذهن أو الخارج واستحالة قيامها بطرف واحد، فهي تدل على الذات بالدلالةالالتزامية، بملاك أنها أحد طرفي مدلولها الوضعي، وعليه فصحة حمله على‏الذات إما هي بلحاظ مدلوله الالتزامي دون المطابقي.
المحاولة الثانية: أن مدلول هيئة المشتق بما أنه النسبة الاتحادية بين الذات‏والمبدأ، فلا مغايرة بينها وبين الذات في الخارج، والتغاير بينهما إنما هو في الذهن،وعلى هذا فالنسبة متحدة مع الذات في الخارج ومتغايرة معها في الذهن، وهذاهو ملاك صحة حمل المشتق على الذات(17).
ولنأخذ بالنقد على كلتا المحاولتين:
أما المحاولة الاُولى فيرد عليها أنه لا شبهة في أن المشتق في مثل قولنا »زيدعالم« محمول على »زيد« بماله من المعنى الموضوع له، لا أنه مستعمل في مدلوله‏الالتزامي مجازاً وهو محمول عليه، لوضوح أنه لا فرق بين أن يكون المشتق‏محمولاً في قولنا »زيد عالم« وبين أن لا يكون محمولاً كما في قولنا »جاء عالم«فان »العالم« في كلام المثالين مستعمل في معنى واحد، لا أنه في المثال الأول‏مستعمل في مدلوله الالتزامي مجازاً دون الثاني.
فالنتيجة أن المشتق سواء أكان محمولاً في القضية أم لا، فهو مستعمل في معناه‏الموضوع له، لا أنه إذا كان محمولاً في القضية، فمستعمل في مدلوله الالتزامي‏مجازاً، وإذا لم يكن محمولاً فيها، فمستعمل في مدلوله المطابقي، فإنه خلاف‏الضرورة عرفاً.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك صحة حمل المصدر على الذات، بناء على المشهورمن أن هيئة المصدر موضوعة للنسبة بين الذات والحدث، وحينئذ فتكون‏الذات مدلولاً التزامياً للمصدر، فيصح عندئذ حمله على الذات بلحاظ مدلوله‏الالتزامي، مع أن حمله على الذات غير صحيح حتى على المشهور، بل هوقدس سره‏أيضاً لا يرى صحة حمله على الذات.
وقد أجاب عن ذلك بعض المحققين‏قدس سره بأن المشتق الذي يدل بالدلالةالالتزامية على أخذ الذات طرفاً للنسبة لا يدل على أنها طرف لها بنحو المقيد،يعني ذات متلبسة بالمبدأ، أو بنحو القيد يعني مبدأ لذات، والذي يجدي في صحةالحمل هو الأول دون الثاني(18).
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن أخذ الذات طرفاً للنسبة بنحو المقيد لايحتاج إلى عناية زائدة، بل هو على القاعدة، باعتبار أن المبدأ وصف من أوصاف‏الذات وعرض من أعراضها في المرتبة السابقة عليه، وما يعرض عليها فبطبيعةالحال يكون من حالاتها وقيودها منها المبدأ، وأما العكس وهو أن يكون المبدأمقيداً والذات قيداً له، فهو بحاجة إلى عناية زائدة، وعلى هذا فبطبيعة الحال يدل‏المشتق بالدلالة الالتزامية على أن الذات المأخوذة طرفاً للنسبة مأخوذة بنحوالمقيد دون القيد، ولا فرق بين أن تكون مأخوذة في مدلوله المطابقي أوالالتزامي، فإنه على كلا التقديرين يكون أخذها بنحو المقيد يعني ذات متلبسةبالمبدأ لا بنحو القيد يعني مبدأ لذات، فإنه يشبه الأكل من القفاء، فإذن‏يكون‏المنساق والمتبادر من كون الذات طرفاً للنسبة، كونها طرفاً لها بنحو المقيدكما هومقتضى طبع القضية.
وأما المحاولة الثانية فهي لا ترجع إلى معنى محصل.
أما أولاً فلأن الكلام في المقام في صحة حمل المشتق على الموضوع في القضيةوعدم صحته إذا لم تؤخذ الذات في مدلوله، وأما وضع المشتق بإزاء النسبة بين‏الذات والمبدأ، فهو لا يرتبط بذلك ولا يعالج المشكلة، لأن المبدأ إن كان متحداًمع الذات في الخارج صح حمله عليها لمكان الاتحاد، لا من جهة أن المشتق‏موضوع للنسبة الاتحادية، وإن كان مغايراً معها فيه لم يصح حمله عليها، لمكان‏المغايرة وإن كان المشتق موضوعاً بإزاء النسبة المذكورة.
وثانياً إنه‏قدس سره إن أراد بالنسبة الاتحادية النسبة بين الذات والمبدأ إذا كانتامتحدتين في الخارج، فيرد عليه أن النسبة حينئذ لا تتصور بينهما، لأنها متقومةذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها المتغايرين في الذهن أو الخارج، وإن أرادبها النسبة بينهما في الذهن وأنها متحدة مع طرفيها في الخارج إذا كانا متحدين‏فيه، فيرد عليه أنها لا تعقل أن تتحد مع طرفيها فيه، لأنها إذا كانت متقومة ذاتاًبشخص وجود طرفيها في الذهن يستحيل أن تتحد معهما وجوداً في الخارج،وإن أراد بها أن النسبة بما أنها متقومة بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيها،على أساس أنهما من المقومات الذاتية لها وبمثابة الجنس والفصل للنوع، فلامحالة تكون متحدة معهما، فيرد عليه أن تقومها بهما غير تقوم النوع بالجنس‏والفصل، لأن معنى تقوم النوع لهما أنهما تمام الذات له، ومعنى تقوم النسبةبطرفيها أنها بذاتها وحقيقتها بما أنها تعلقية يستحيل تحققها بدون طرفيها، لا أن‏طرفيها تمام الذات لها.
فالنتيجة أن ما ذكره‏قدس سره من أن هيئة المشتق موضوعة للنسبة الاتحادية بين‏الذات والمبدأ لا يرجع إلى معنى معقول.
هذا كله مضافاً إلى أن المنساق والمتبادر من المشتق عرفاً عند الاطلاق هوالذات المتلبسة بالمبدأ لا غير.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الصحيح من الأقوال في‏المسألة، هو القول بأن مدلول المشتق مركب من الذات والمبدأ والنسبة، هذا من‏ناحية، ومن ناحية اُخرى إن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الذات والشي‏ءبنحو الابهام بالنسبة إلى كل خصوصية من الخصوصيات العرضية، بحيث لم‏تلحظ فيه أيّ خصوصية من تلك الخصوصيات ما عدا قيام المبدأ بها إجمالاً وإن‏كان قيامه بها بنحو العينية، ومن هنا يصدق على الواجب والممتنع والممكن‏بجميع أقسامه من جواهره واعراضه وانتزاعياته واعتبارياته، ولا فرق في ذلك‏بين أن يكون وضع المشتق نوعياً كما هو الظاهر أو شخصياً بنحو الوضع العام‏والموضوع له العام.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أن المراد من الحال المأخوذ في عنوان النزاع في المسألة ليس زمان‏الحال والنطق في مقابل زمان الماضي والمضارع، فإن الزمان غير مأخوذ في‏مدلول المشتق، وما قيل من أن المتبادر من مثل قولنا »زيد عالم«، »بكر عادل«ونحوهما هو تلبس الذات بالمبدأ في زمان النطق، وهذا التبادر دليل على أنه‏مأخوذ في مدلول المشتق، مدفوع بأنه - مضافاً إلى أن هذا التبادر مستند إلى‏وقوع المشتق في ضمن الجملة، لا إلى ظهوره في نفسه - لا يمكن أن يكون زمان‏النطق مأخوذاً في مدلوله، لا مفهومه بالحمل الأولي لأنه ليس بزمان، ولا واقعه‏بالحمل الشائع لأنه أمر تصديقي، ولا يعقل تقييد المدلول التصوري بقيدتصديقي، لاستحالة الانتقال إليه بانتقال تصوري، ومن هنا يظهر أنه لا يمكن أن‏يكون المأخوذ في مدلول المشتق زمان الجري والاسناد أيضاً بنفس الملاك.
الثاني: أن المراد بالحال هو فعلية تلبس الذات بالمبدأ وواجديتها له، وحيث‏إن فعلية التلبس أمر زماني، فلابد أن يقع في زمان ما.
الثالث: أن محل النزاع في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب، إنما هو بلحاظعالم الواقع والتحليل العقلي لا بلحاظ عالم الادراك والتصور الساذج، لأن‏البساطة الادراكية لحاظاً تجتمع مع كون المفهوم مركباً واقعاً وحقيقة، وما يظهرمن المحقق الخراساني‏قدس سره من أن المراد من البساطة في محل النزاع البساطة بحسب‏الادراك والتصور لا بحسب الواقع والتحليل العقلي، غريب جداً كما تقدم.
الرابع: أن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره - من أن مفهوم المشتق لو كان مركباً من‏الذات والمبدأ، فلا محالة تكون النسبة بينهما داخلة فيه، وعندئذ فلابد من‏الالتزام بكون المشتق مبنياً لا معرباً لمكان المشابهة - غير تام، لأن كون المشتق‏معرباً إنما هو من جهة مادته التي هي معنى اسمي، ولا يشبه الحرف من هذه‏الجهة، وإنما يشبه الحرف من جهة هيئته، وهذه الجهة غير دخيلة في إعرابه.
الخامس: تخيل أن أخذ الذات في مدلول المشتق إنما هو من جهة أنه لا يمكن‏حمله عليها بدون ذلك، وأما إذا أمكن بدونه من جهة اُخرى وهي لحاظه لابشرط، فلا موجب لأخذها فيه، لأنه لغو، قد تقدم فساده، لأن أخذ شي‏ء في‏المعنى الموضوع له مقام الوضع إنما هو من جهة أن الحاجة تدعو إلى ذلك في مقام‏التفهيم والتفهم لا من أجل صحة الحمل، فإنها من صفات المعنى وليست من‏دواعي الوضع، هذا إضافة إلى أن المبدأ إذا كان مغايراً للذات وجوداً في‏الخارج، فلا أثر للحاظه لا بشرط، فإنه لا يغير الواقع عما كان عليه من المغايرةإلى الاتحاد، لأنها ليست بالاعتبار حتى تنتفي باعتبار آخر.
السادس: أن الذات لو كانت مأخوذة في مفهوم المشتق، لزم أخذ النسبة بينهاوبين المبدأ فيه أيضاً، ولازم ذلك اشتمال جملة واحدة كجملة »زيد عالم« على‏نسبتين في عرض واحد، وهو مستحيل، ولكن قد تقدم أن الجملة المذكورة لاتشتمل إلا على نسبة واحدة واقعية، وهي النسبة بين زيد وعالم في وعائها، وأماالمشتق إذا كان مفهومه مركباً، فهو مشتمل على نسبة تحليليّة لا واقعية، وهي‏ليست في عرض النسبة الواقعية.
السابع: أن القول بأن صحة إطلاق المشتق على المبدأ وحده كإطلاق الأبيض‏على البياض والموجود على الوجود وإطلاق العالم والقادر على اللَّه عز وجل،دليل على أن الذات غير مأخوذ في مفهوم المشتق غير تام، لأنه مبني على أن‏الذات المأخوذة في مفهومه لابد أن تكون مغايرة للمبدأ خارجاً، ولكن تقدم أنه‏تكفي المغايرة بينهما مفهوماً وإن كان المبدأ عين الذات خارجاً، كما في موارد الهليةالبسيطة والصفات العليا الذاتية له تعالى.
الثامن: أنه لا يلزم من أخذ الذات في مفهوم المشتق التكرار، كما ذكره‏صاحب الكفايةقدس سره.
التاسع: أن أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول المشتق لايوجب انقلاب القضيةالممكنة إلى قضية ضرورية، كما عن صاحب الفصول‏قدس سره لأن الانقلاب مبني على‏أن يكون المحمول في القضية طبيعي الشي‏ء بنحو لا بشرط، والمفروض أنه‏الشي‏ء المقيّد، وعليه فإن كان ثبوت القيد للموضوع ضرورياً فالقضيةضرورية، وإن كان ممكناً فالقضية ممكنة، فلا انقلاب في البين.
العاشر: أن ما قيل - من أخذ مفهوم الشي‏ء في مدلول المشتق وإن لم يوجب‏الانقلاب إلا أن أخذ واقع الشي‏ء فيه يوجب الانقلاب، كما في مثل قولنا»الانسان كاتب«، فإنه يؤول إلى قولنا »الانسان إنسان له الكتابة«، وحمل‏الانسان على الانسان ضروري، لأنه من حمل الشي‏ء على نفسه - غير صحيح،لأنه مبني على أن يكون القيد في مثل المثال مأخوذاً بنحو المعرفية والمشيريةبدون أن يكون له دخل في المحمول أصلاً، وهذا كماترى، ضرورة أنه لا شبهةفي‏أن قيد الكتابة في المثال ملحوظ بنحو الموضوعية، وأن المحمول هوالانسان‏المقيد بالكتابة لا طبيعي الانسان، فاذن لا فرق بين أن يكون المأخوذفي‏مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء أو المأخوذ فيه واقعه، فعلى كلا التقديرين‏لايلزم الانقلاب.
الحادي عشر: أن ما ذكر من أخذ واقع الشي‏ء في مدلول المشتق يؤدي إلى‏انحلال القضية الواحدة إلى قضيتين: إحداهما ضرورية والاُخرى ممكنة مبني‏على أحد الأمرين، وقد علقنا على كليهما معاً كما تقدم.
الثاني عشر: أن ما ذكره المحقق الشريف من أن المأخوذ في مدلول المشتق إن‏كان مصداق الشي‏ء، لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، وإن كان‏مفهوم الشي‏ء، لزم دخول العرض العام في الفصل، ولكن كلا الاشكالين غير تام‏على تفصيل قد سبق.
الثالث عشر: أن الشي‏ء عرض عام للأشياء بكافة أنواعها من الواجب‏والممكن والممتنع، لا أنه جنس الأجناس كما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، بداهة أنه‏لا يعقل وجود مانع ذاتي بين جميع الأشياء كذلك.
الرابع عشر: أن الميزان في العرض العام أن تكون دائرة معروضه أوسع من‏دائرة معروض العرض الخاص نسبياً، باعتبار أن العموم والخصوص فيهما أمرنسبي لا مطلق، فيمكن أن يكون شي‏ء واحد عرضاً عاماً بالنسبة إلى موضوع‏وخاصاً بالنسبة إلى موضوع آخر، فما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الميزان في‏العرض العام أن يكون معروضه جنساً قريباً كان أم بعيداً، والميزان في العرض‏الخاص أن يكون معروضه نوعاً، فلا مبرر له.
الخامس عشر: أن محل الكلام في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب بما أنه‏في‏مدلوله اللغوي العرفي، فلا يلزم من أخذ مفهوم الشي‏ء فيه دخول العرض‏العام في الفصل الحقيقي.
السادس عشر: أن الناطق بما له من المعنى اللغوي لا يصلح أن يكون فصلاًحقيقياً للانسان، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بسيطاً أو مركباً، لأن المبدأ فيه‏وهو النطق إما بمعنى النطق الظاهري أو بمعنى الادراك الباطني، وعلى كلاالتقديرين، فلا يصلح أن يكون ذاتياً للانسان، وحينئذ فلا يلزم من أخذ مفهوم‏الشي‏ء في مدلوله دخول العرض العام في الفصل.
السابع عشر: أنه إذا فرض عدم إمكان أخذ الذات في مدلول المشتق، فلامانع من أخذ النسبة فيه مع المبدأ، بأن يكون موضوعاً للمبدأ ونسبته إلى الذات‏مع خروج الذات عن مدلوله الوضعي.
الثامن عشر: الصحيح أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشي‏ء بالنحوالمبهم والمعرى عن جميع الخصوصيات العرضية ماعدا قيام المبدأ به.
التاسع عشر: أنه لا يصح حمل المبدأ على الذات، لأنه مغاير لها وجوداً، وماذكره المحقق النائيني‏قدس سره - من المحاولة لتصحيح حمله عليها باعتباره لا بشرط -غير تام بداهة أن اعتباره لا بشرط لا يوجب انقلابه عما كان عليه من المغايرةإلى الاتحاد، لأنها ليست باعتبارية لكي تنتفي باعتبار آخر، ولهذا علق عليه‏السيد الاُستاذقدس سره بعدة وجوه، ونحن وإن ناقشنا في صيغ تلك الوجوه واُسلوبهاولكن أصل الاشكال وهو أن لحاظ لا بشرط لا يجدى في صحة الحمل تام ولامناص عنه. وإن شئت قلت: إن المبدأ إن لوحظ لا بشرط بنحو الموضوعية فلاأثر له، ولا يوجب انقلاب الواقع عما كان عليه من المغايرة إلى الاتحاد،وإن‏لوحظ بنحو الطريقية فلا واقع لها، لأن المبدأ في الواقع لا يكون متحداًمع‏الذات بنحو من أنحاء الاتحاد.
العشرون: أن ما ذهب إليه المحقق العراقي‏قدس سره - من أن هيئة المشتق موضوعةبإزاء نسبة المبدأ إلى الذات، وأما الذات فهي خارجة عن معناها الموضوع له - لايرجع إلى معنى محصل كما تقدم.
الحادي والعشرون: أن الصحيح من الأقوال في المسألة هو القول بأن المشتق‏موضوع للذات المتلبسة بالمبدأ دون القول بالبساطة.
الثاني والعشرون: أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الذات بنحو الابهام‏دون مصداقه، ولهذا يصدق على الواجب والممتنع والممكن بكافة أنواعه.
مقتضى الأصل العملي في المسألة ...

مقتضى الأصل العملي في المسألة
يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في مقتضى الأصل العملي في المبادى‏ء الاُصولية.
الثاني: في مقتضى الأصل العملي في المسألة الفقهية.
أما الكلام في المقام الأول، فهل يمكن التعويل على الأصل العملي عند الشك‏في تعيين المعنى الموضوع له وأنه المعنى الوسيع أو الضيق بعد فرض عدم تماميةالأدلة على تعيين الوضع لأحدهما؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأن وضع المشتق لكل من المعنى الأعم‏والأخص وإن كان مسبوقاً بالعدم، إلا أن استصحاب عدم وضعه للأعم‏معارض باستصحاب عدم وضعه للأخص، فيسقطان معاً. هذا إضافة إلى أنه لايجري في نفسه، لأن استصحاب عدم وضعه للأعم لا يثبت الوضع للأخص‏وبالعكس إلا على القول بالأصل المثبت.
ودعوى أن الوضع للمتلبس خاصة بحاجة إلى عناية زائدة دون الوضع‏للأعم، وهي لحاظ خصوصية التلبس زائدة على لحاظ المعنى الأعم، وعليه‏فلحاظ المعنى الأعم في مقام الوضع متيقن إما مستقلاً أو في ضمن الأخص،والشك إنما هو في لحاظ خصوصية زائدة، وحينئذ فلا مانع من التمسك‏باستصحاب عدم أخذ تلك الخصوصية قيداً في مقام الوضع، وبذلك يثبت‏الوضع للأعم بناء على ما هو الصحيح من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من‏تقابل الايجاب والسلب، وإن شئت قلت: إن وضع المشتق للمعنى معلوم،والشك إنما هو في الاطلاق والتقييد، وباستصحاب عدم التقييد يثبت الاطلاق‏وينفي المقيد، خاطئة جداً، لأن الشك في المقام إنما هو في أن الواضع في مقام‏الوضع، هل لاحظ المعنى الأعم في عالم المفهوم ووضع اللفظ بإزائه أو المعنى‏الأخص ووضع اللفظ بإزائه، ومن الطبيعي أن لحاظ كل واحد منهما في عالم‏المفهوم مباين للحاظ الآخر فيه، بداهة أن المفاهيم في حد مفهوميتها اللحاظيةمتباينات، فلا يعقل فيها الاطلاق والتقييد، فإن ذلك إنما يعقل بلحاظ الصدق في‏الخارج، لأن المفهومين متباينان دائماً بحسب عالم اللحاظ والمفهوم، سواء أكانابحسب عالم الصدق والخارج متحدين أم لا، فالنتيجة أن الشك في المقام ليس في‏الاطلاق والتقييد، بل الشك في وضع المشتق بإزاء أحد المعنيين المتباينين في‏عالم‏المفهوم واللحاظ.
وبكلمة، إن نسبة المفاهيم بعضها مع بعض بلحاظ عالم الصدق والانطباق‏خارجاً، إما الاتحاد في الوجود الخارجي أو التباين فيه أو العموم من وجه أوالعموم المطلق، وأما بلحاظ عالم المفهوم فهي التباين دائماً، لأن الوجود اللحاظي‏لكل مفهوم في هذا العالم مباين للوجود اللحاظي لمفهوم آخر فيه.
وعلى هذا فلا يعقل أن يكون لحاظ المعنى الأخص في المقام مشتملاً على‏لحاظ المعنى الأعم مع خصوصية زائدة، ضرورة أن لحاظ المعنى الأخص هووجوده اللحاظي في عالم الذهن بحده، ولحاظ المعنى الأعم هو وجوده اللحاظي‏فيه كذلك، وهما وجودان متباينان في هذا العالم، فالنتيجة أن الجامع والمتلبس‏خاصة وإن كان متحدين بحسب عالم الصدق في الخارج إلا أنهما متباينان بحسب‏عالم اللحاظ والمفهوم.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن أصالة عدم لحاظ الخصوصية تجري في‏المقام وتثبت بها الوضع للأعم، إلا أن ذلك لا يجدي في ترتب الأثر الشرعي على‏المسألة، فإنه إنما يترتب على الظهور لمكان حجيته لا على الوضع، وإثبات‏الظهور بإثبات الوضع بالاستصحاب من الأصل المثبت.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو التمسك بالأصل العملي في المسألة الفقهية،فقد ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره أنه يختلف باختلاف الموارد، ففي الموارد التي نشك‏فيها حدوث الحكم بعد انقضاء المبدأ عن الذات يرجع فيها إلى أصالة البراءة، كماإذا فرضنا أن زيداً كان عالماً ثم زال عنه العلم، وبعد ذلك ورد في الدليل »أكرم‏كل عالم« فشككنا في وجوب إكرام زيد لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم.
وأما في الموارد التي نشك فيها في بقاء الحكم بعد حدوثه وثبوته، فالمرجع‏فيه‏هو الاستصحاب كما إذا كان زيد مثلاً عالماً حينما أمر المولى بوجوب إكرام‏كل‏عالم، ثم بعد ذلك زال عنه العلم وأصبح جاهلاً لسبب أو آخر، ففي مثل‏ذلك‏لا محالة يكون الشك في بقاء الحكم، لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم،فإذن يستصحب بقاؤه(19).
وقد علق على ذلك التفصيل السيد الاُستاذقدس سره، وأفاد أنه لا فرق بين المواردالتي يكون الشك فيها في حدوث الحكم من الأول والموارد التي يكون الشك فيهافي بقاء الحكم بعد حدوثه، فإن المرجع في جميع هذه الموارد أصالة البراءة، أما في‏موارد الشك في حدوث التكليف فعدم جريانه فيها واضح، وأما في موارد الشك‏في البقاء، فبناء على ما قويناه في باب الاستصحاب من عدم جريانه في الشبهات‏الحكمية خلافاً للمشهور فالأمر فيها أيضاً كذلك، وأما على المسلك المشهور بين‏الأصحاب من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، فالظاهر أنه لا يجري‏في المقام أيضاً، وذلك لاختصاص جريانه بما إذا كان مفهوم اللفظ متعيّناًومعلوماً من حيث السعة والضيق وكان الشك متمحضاً في سعة الحكم المجعول‏وضيقه، كالشك في بقاء حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل الاغتسال،فإن المرجع فيه هو استصحاب بقاء الحرمة إلى أن تغتسل، أو الشك في بقاءنجاسة الماء المتغير بأحد أوصاف النجس بعد زوال تغيره في نفسه، أو في بقاءنجاسة الماء المتمم كرّاً بناء على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، فإن المرجع في جميع‏ذلك، هو استصحاب بقاء النجاسة وبه يثبت سعتها.
وأما إذا لم يكن مفهوم اللفظ متعيناً ومعلوماً، بأن يكون منشأ الشك في الحكم‏سعة وضيقاً هو الشك في المفهوم كذلك، فلا يجري الاستصحاب فيه، لا في‏الحكم ولا في الموضوع.
أما في الأول فلأن المعتبر في جريان الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة مع‏القضية المشكوك فيها موضوعاً ومحمولاً، بداهة أنه لا يصدق نقض اليقين‏بالشك مع اختلاف القضيتين في الموضوع أو المحمول، وفي الشبهات المفهوميةحيث لم يحرز الاتحاد بينهما موضوعاً، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب الحكمي،كما إذا شك في بقاء وجوب صلاة العصر أو الصوم بعد استتار القرص وقبل‏ذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس من جهة الشك في مفهوم المغرب سعةًوضيقاً وأن المراد به الاستتار أو ذهاب الحمرة، فعلى الأول لم يبق موضوع‏الوجوب، وعلى الثاني فالموضوع بعد باق، وبما أنا لم نحرز بقاء الموضوع فلم‏نحرز الاتحاد بين القضيتين فيه، وبدونه فلا يمكن جريان الاستصحاب الحكمي.
وأما في الثاني وهو استحصاب بقاء الموضوع فلعدم الشك في شي‏ء خارجاً لافي انقلاب شي‏ء ولا في حدوث حادث، فإن استتار القرص عن الاُفق معلوم لناحساً، وذهاب الحمرة غير متحقق كذلك، فإذن لا شك في المقام إلا في وضع لفظالمغرب وتردد مفهومه بين السعة والضيق، وقد مرّ أنه لا أصل يمكن التعويل‏عليه في تعيين الوضع سعة وضيقاً.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فان الشبهة فيه مفهومية، والمعنى الموضوع له‏فيها مردد بين خصوص المتلبس أو الأعم منه ومن المنقضي، فالاستصحاب‏الحكمي فيه لا يجري للشك في بقاء موضوعه، لأن موضوع الحكم إن كان هوالجامع كان باقياً، وإن كان خصوص المتلبس كان منتفياً، وحيث إنا لم نحرز أن‏المشتق موضوع للأول أو الثاني، فبطبيعة الحال نشك في بقاء موضوعه، ومعه لانحرز الاتحاد بين القضيتين، فلا يمكن جريان الاستصحاب الحكمي.
وأما الاستصحاب الموضوعي، فهو لا يجري في المقام لعدم الشك في شي‏ءخارجاً مع قطع النظر عن وضع المشتق وتردد مفهومه بين الأعم والأخص، وقدمرّ أنه لا أصل في المقام يمكن التعويل عليه لتعيين وضعه لأحدهما.
وبكلمة، إن المعتبر في جريان الاستصحاب أمران: اليقين السابق والشك‏اللاحق مع وحدة متعلقهما في الخارج، والشك في المقام غير موجود، فإن تلبس‏زيد بالمبدأ سابقاً متيقين، وكذلك انقضاؤه عنه فعلاً، فلا شك في شي‏ء منهما،والشك في المقام إنما هو في وضع المشتق للأعم أو للأخص، وقد عرفت أنه لاأصل فيه يرجع إليه في تعيينه، فبالنتيجة أن المرجع في المسألة أصالة البراءةمطلقاً، أي سواء أكان الانقضاء قبل ثبوت الحكم أم بعده، ولا وجه لما ذكره‏المحقق صاحب الكفايةقدس سره من التفصيل بينهما أصلاً(20). هذا،
ويمكن المناقشة فيه، وذلك لأن هناك مسألتين:
الاُولى: مسألة الشبهة المفهومية، يعني تردد معنى اللفظ وضعاً بين‏السعةوالضيق.
الثانية: مسألة مدى تشخيص موضوع الاستصحاب بقاء.
والظاهر أن إحدى المسألتين لا ترتبط بالأخرى، فان المرجع في تعيين‏المسألة الاُولى إحدى العلائم المذكورة في محلها، منها التبادر، وأما في الثانية فهوالمناسبات الارتكازية العرفية بين الحكم وموضوعه، فان الخصوصية المأخوذةفي موضوع الحكم المستصحب بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية، تارةتكون من الخصوصيات التعليلية غير المقومة، واُخرى تكون من الخصوصيات‏التقييدية المقومة، فعلى الأول لا ينتفي الموضوع بانتفائها، وعلى الثاني ينتفي‏بانتفائها، وعلى هذا فخصوصية تلبس الذات بالمبدأ إن كانت بمناسبة الحكم‏والموضوع الارتكازية من الجهات التعليلة لم ينتف الموضوع بانتفائها، ولا فرق‏في ذلك بين كون المشتق موضوعاً للأعم أو الخصوص المتلبس، فان وضعه‏لخصوص المتلبس شي‏ء ومدى تشخيص العرف موضوع الحكم بالمناسبات‏الارتكازية العرفية شي‏ء آخر، فيمكن أن يكون المشتق موضوعاً للذات‏المتلبسة بالمبدأ خاصة وموضوع الحكم بمدى تشخيص العرف بالمناسبات‏المذكورة هو الذات، وخصوصية التلبس من الجهات التعليلية التي لا ينتفي‏الموضوع بانتفائها لا التقييدية، فاذا ورد في الدليل »الماء المتغير نجس« كان‏المتفاهم العرفي منه بالمناسبات الارتكازية العرفية أن موضوع النجس طبيعي‏الماء، وخصوصية التغير من الجهات التعليلية لا التقييدية، وحينئذ ينتفي‏الموضوع بانتفائها، ولهذا لا مانع من استصحاب بقاء نجاسته بعد زوال التغير،بلا فرق في ذلك بين أن يكون المشتق موضوعاً للأعم أو للمتلبس خاصة، كماأنه لا فرق بين أن يكون الوارد في لسان الدليل »الماء المتغير نجس« أو الوارد في‏لسانه »الماء إذا تغير إلخ«، فإنه على كلا التقديرين يكون المتفاهم العرفي منه‏بمناسبة الحكم والموضوع أن خصوصية التغير من الجهات التعليلية لا التقييدية،بينما إذا ورد في الدليل »أكرم كل عالم« مثلاً كان المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم‏والموضوع أن خصوصية التلبس فيه من الجهات التقييدية لا التعليلية، بلا فرق‏في ذلك بين أن يكون المشتق موضوعاً للأعم أو للمتلبس خاصة، فإنه على‏الأول وإن كان عنوان العالم يصدق على الذات بعد زوال حيثية التلبس عنها، إلاأن هذا الصدق إنما هو بلحاظ الوضع لا بلحاظ مدى تشخيص العرف موضوع‏الحكم، على أساس المناسبات المذكورة، فإنه على ضوء تلك المناسبات مقيدبحيثية التلبس الفعلي وينتفي بانتفائها.
وبكلمة، إن العرف يفهم من الدليل المذكور بمناسبة الحكم والموضوع‏الارتكازية أن التلبس بالعلم تمام الموضوع والملاك للحكم، لا أنه مجرد علةوالموضوع هو الذات، ولهذا يدور الحكم بنظرهم مدار العلم وجوداً وعدماًحدوثاً وبقاءاً، لا مدار صدق عنوان المشتق، فإنه يصدق على الذات على القول‏بالوضع للأعم بعد انقضاء العلم عنها أيضاً، ومع ذلك لا يكون موضوعاًللحكم، حيث إنه متقوم عندهم بحيثية وجود العلم فيها بالفعل، لا بحيثية صدق‏عنوان العالم عليها كذلك وإن كان العلم منقضياً عنها.
فالنتيجة أنه لابد في كل مورد من موارد الشبهة المفهومية من ملاحظةالخصوصية المفقودة فيه، وأنها بنظر العرف ومدى تشخيصه، هل هي من‏الحيثيات التعليلية لموضوع الحكم أو التقييدية، ولا يدور ذلك مدار أنهامأخوذة في المعنى الموضوع له أو لا، فإنه على الرغم من تردد الوضع بين السعةوالضيق، فالعرف، يشخص على ضوء المناسبات المذكورة أن الحيثية الزائلة عن‏الموضوع حيثية تعليلية فحسب أو تقييدية كذلك، فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من‏عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية إذا كان منشؤها الشبهة المفهوميةمبني على نقطة خاطئة، وهي أن موضوع الحكم في القضية يدور سعةً وضيقاًمدار الوضع كذلك، فإذا كان الوضع مجهولاً من هذه الناحية، كان موضوع‏الحكم أيضاً مجهولاً، ولكن قد عرفت أن الأمر ليس ذلك، فإن تشخيص‏موضوع الحكم منوط بمدى فهم العرف على ضوء المناسبات العرفية ولا يرتبطبالوضع، فإذن ملاك جريان الاستصحاب فيها وعدم جريانه شي‏ء آخر لا كون‏الشبهة مفهومية وعدمها.
الفرق بين المشتق والمبدأ ...

الفرق بين المشتق والمبدأ
أما على القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذات والمبدأ والنسبة، فهوواضح ولا كلام فيه، وأما على القول بأن مفهوم المشتق بسيط، فالمعروف بين‏الفلاسفة هو أن الفرق بين المبدأ والمشتق إنما هو باعتبار اللابشرطية والبشرطلائية، فمدلول المشتق ملحوظ لا بشرط ومدلول المادة ملحوظ بشرط لا، ولهذايصح حمل الأول على الذات دون الثاني.
بيان ذلك أن ماهية العرض والعرضي )المبدأ والمشتق( واحدة بالذات‏والحقيقة، والفرق بينهما بالاعتبار واللحاظ، من جهة أن لماهية العرض حيثيتين‏واقعيتين: الاُولى حيثية وجوده في نفسه، والثانية حيثية وجوده لموضوعه،فهي تارة تلحظ من الحيثية الاُولى وبما هي موجودة في حيالها واستقلالها وأنهاشي‏ء من الأشياء في قبال وجودات موضوعاتها، فهي بهذا الاعتبار واللحاظعرض ومبدأ )بشرط لا( وغير محمول على موضوعه لمباينته معه في الخارج،وملاك صحة الحمل الاتحاد في الوجود، وتارة اُخرى تلحظ بما هي في الواقع‏ونفس الأمر وأن وجودها في نفسه عين وجودها لموضوعها وأنه ظهوره وطورمن أطواره ومرتبة من وجوده، وظهور الشي‏ء لا يباينه، فهي بهذا الاعتبارعرضي ومشتق )لا بشرط(، فيصح حملها عليه.
وبنفس هذا البيان قد جروا في مقام الفرق بين الجنس والمادة والفصل‏والصورة، حيث قالوا إن التركيب بين المادة والصورة تركيب اتحادي لاانضمامي، لأنهما موجودتان في الخارج بوجود واحد حقيقة، وهو وجود النوع‏كالانسان ونحوه، لأن المركبات الحقيقية لابد لها من جهة وحدة حقيقية، وإلالكان التركيب بين أجزائها انضمامياً، ومن الطبيعي أن الوحدة الحقيقية لا تحصل‏إلا إذا كان أحد الجزأين قوة صرفة والآخر فعلية محضة، فإن الاتحاد الحقيقي بين‏الجزأين فعليين أو الجزأين كليهما بالقوة غير معقول، لإباء فعلية عن فعليةاُخرى، وكذلك كل قوة عن قوة اُخرى، ولذلك صح حمل كل من الجنس على‏الفصل وبالعكس، وحمل كل منهما على النوع، وكذا العكس، ومن الواضح أن‏التركيب لو كان انضمامياً لم يصح الحمل، لمكان المباينة والمغايرة، وعلى هذافالتحليل بين أجزاء المركبات الحقيقية لا محالة تحليل عقلي، بمعنى أن العقل يحلل‏تلك الجهة الواحدة إلى ما به الاشتراك وهو الجنس، وما به الامتياز وهوالفصل، فالجنس هو الجهة الجامعة والمشتركة بين هذه الحقيقة الواحدة وبين‏سائر الحقائق، ويعبر عن تلك الجهة الجامعة بالجنس بلحاظ الأجزاء الذهنيةالتحليلية، وبالمادة بلحاظ الأجزاء الخارجية التحليلية، وأما الفصل فهو الجهةالمميزة بين تلك الحقيقة الواحدة وبقية الحقائق، ويعبر عن تلك الجهة المميزةبالفصل بلحاظ عالم الذهن، وبالصورة بلحاظ عالم الخارج، وليس ذلك إلا من‏جهة أن اللحاظ مختلف.
فقد تلاحظ جهة الاشتراك في الخارج بما لها من المرتبة الخاصة والدرجةالمخصوصة من الوجود الساري وهي كونها قوة صرفة ومادة محضة، وقدتلاحظ جهة الامتياز كذلك بما لها من المرتبة الخاصة من ذلك الوجود الساري‏وهي كونها فعلية وصورة، وحيث إن الدرجتين والمرتبتين بما هما درجتان‏ومرتبتان متباينتان، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى، ولا حمل كلتيهما على‏النوع، لمكان المباينة ولمغايرة، والمعتبر في صحة الحمل الاتحاد في الوجود.
وقد تلاحظ كل من جهتي الاشتراك والامتياز بما لهما من الاتحاد الوجودي في‏الواقع، نظراً إلى شمول الوجود الواحد لهما، وهو الساري من الصورة وما به‏الفعلية إلى المادة وما به القوة، ومتحدتان في الخارج بوحدة حقيقية، لأن‏التركيب بينهما اتحادي لا انضمامي كما مرّ، وبهذا اللحاظ صح الحمل كما أنه بهذااللحاظ يعبر عن جهة الاشتراك بالجنس، وعن جهة الامتياز بالفصل، وهذا هومرادهم من لحاظهما لا بشرط.
فالنتيجة أن ما به الاشتراك إن لوحظ لا بشرط، فهو جنس قابل للحمل على‏الفصل والنوع، وإن لوحظ بشرط لا، فهو مادة غير قابلة للحمل على الصورةولا على النوع، وكذا ما به الامتياز، فإنه إن لوحظ لا بشرط، فهو فصل قابل‏للحمل على الجنس والنوع، وإن لوحظ بشرط لا فهو صورة غير قابل للحمل‏على المادة ولا على النوع.
ولنا تعليق على كلا الموردين:
أما المورد الأول فقد تقدم موسعاً أن العرض مباين للجوهر وجوداً في‏الخارج، فلا يكونان موجودين بوجود واحد، بل بوجودين متباينين سنخاً،والمعتبر في صحة الحمل الاتحاد في الوجود والتغاير في المفهوم، ولحاظ العرض‏لا بشرط واعتباره كذلك لا يجعله متحداً مع الجوهر وجوداً خارجاً، كيف فإن‏اللحاظ والاعتبار لا يخرج عن عالم الذهن والاعتبار إلى عالم الواقع حتى يكون‏مؤثراً فيه، فإذا كان الغرض مبايناً للجوهر وجوداً في الخارج، فلا أثر لاعتباره‏لا بشرط، فإنه لا يوجب انقلابه عما كان عليه في الواقع من المغايرة، كما أنه لوكان متحداً معه فيه بأن يكون من حدود وجوده، فلا أثر لاعتباره بشرط لا،فإنه لا يوجب انقلابه عما كان عليه من الاتحاد، وتمام الكلام هناك.
وأما المورد الثاني فهو يختلف عن المورد الأول، فإن الحيثيتين الواقعيتين‏لماهية العرض إنما هما بلحاظ وجوده في الخارج، فإن وجوده منه في نفسه عين‏وجوده لموضوعه، وهذا بخلاف الحيثيتين الواقعيتين لجهتي الاشتراك والامتياز،فإن إحداهما بلحاظ عالم الذهن، والاُخرى بلحاظ عالم الخارج، فإن الجنس‏والفصل من الأجزاء التحليلية الذهنية لماهية النوع، والمادة والصورة من‏الأجزاء التحليلية الخارجية لها، وعلى أساس ذلك فالجنس والفصل وإن كانامتغايرين مفهوماً في عالم الذهن إلا أنهما متحدان في عالم الخارج وموجودان فيه‏بوجود واحد، فلذلك صح حمل أحدهما على الآخر وحمل كليهما على النوع‏لمكان الاتحاد، وهذا بخلاف المادة والصورة، فإنهما حيث كانتا من الأجزاءالتحليلية الخارجية، فتكونان متغايرتين في الخارج، لأن المادة فيه متمثلة في‏القوة المحضة، ويعبر عنها بالهيولى أيضاً