www.alfayadh.com
...المباحث الاُصولية - ج 2
الحقيقة الشرعية
وضع هيئات الجمل
الحادي عشر: وضع هيئات الجمل
يقع الكلام هنا في عدة مقامات:
الأول: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الناقصة.
الثاني: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الخبرية التامة وبيان المائز بينمدلولها
ومدلول الجملة الناقصة.
الثالث: في تحديد المدلول الوضعي للجمل الانشائية.
أما الكلام في المقام الأول فلا فرق بين مدلول هيئات الجمل الناقصة ومدلولالحروف
الداخلة عليها، وقد صرح بذلك جماعة من الاُصوليين منهم المحققالأصبهانيقدس سره،
حيث قال بأن الحروف أو ما يقوم مقامها من هيئات الجملالناقصة موضوعة بإزاء انحاء
النسب والروابط، فالمعنى الموضوع له لهيئات تلكالجمل بعينه هو المعنى الموضوع له
الحروف، ومنهم السيد الاُستاذقدس سره، حيث قدصرح بأن الحروف أو ما يشبهها من
الهيئات جميعاً موضوعة بإزاء التحصيصاتوالتضييقات، ومنهم بعض الأكابر، حيث قد صرح
بأن الحروف المذكورة أو مايقوم مقامها من الهيئات الناقصة موضوعة بإزاء النسب
التحليلية، وكذلك الحالبناءً على ما قويناه من أن الحروف المزبورة والهيئات
الناقصة كهيئة الإضافةوالتوصيف ونحوهما موضوعة جميعاً بإزاء النسب الواقعية الذهنية
على تفصيلتقدم، وتقدم تفصيل سائر الأقوال في المسألة بما لها من النقد
والمناقشةأيضاً،فلاحظ.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو مفاد هيئة الجمل الخبرية التامة ففيهنظريتان
رئيسيتان:
الاُولى: ما هو المعروف والمشهور بين الاُصوليين من أن الجمل الخبريةالتامة موضوعة
بإزاء النسبة التامة التي يصح السكوت عليها في مقابل الجملالناقصة أو الحروف
الداخلة عليها.
الثانية: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أنها موضوعة لإبراز أمرٍ نفسانيكقصد
الحكاية، والاخبار عن الواقع نفياً واثباتاً.
وقد قامقدس سره بمجموعة من المحاولات لتفنيد نظرية المشهور واثبات مااختارهقدس
سره من النظرية،
المحاولة الاُولى: أنه لا يمكن أن تكون الجمل الخبرية التامة موضوعةللدلالة على
ثبوت النسبة الواقعية في الخارج وعدم ثبوتها فيه، لأنها لا تدل علىثبوتها ولو ظناً
مع قطع النظر عن حال المخبر وعن القرائن الخارجية، مع أندلالة اللفظ لا تنفك عن
مدلوله الوضعي بقانون الوضع، وإلا فلا فائدة للوضع،فإذا فرضنا أن الجملة بما هي لا
تدل على تحقق النسبة في الواقع ولا كاشفية لهاعنه أصلاً حتى ظنا، فما معنى كون
الهيئة موضوعة له، نعم إنها وإن كانت عندالاطلاق تدل على ثبوت النسبة أو نفيها
بالدلالة التصورية إلاّ أنه بهذه الدلالةليس مدلولاً للهيئة، فإن مدلولها مدلول
تصديقي لا تصوري(1).
وللمناقشة في هذه المحاولة مجال لأنها مبنية على أن تكون الجملة موضوعةللدلالة على
ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها منه، ولكن قد مرّ أنها لم توضعلذلك وإنما هي
موضوعة بإزاء النسبة الواقعية الذهنية، وتدل الجملة عليهاجزماً بالدلالة التصورية
التي هي دلالة وضعية دون الدلالة التصديقية، فإنهامستندة إلى ظهور حال المتكلم
الملتفت لا إلى الجملة نفسها.
المحاولة الثانية: أن الجمل الخبرية التامة لو كانت موضوعة للنسبةالواقعية الخارجية
فلازم ذلك أن لا يكون لها مدلول نهائياً في موارد هلالبسيطة، حيث لا تعقل النسبة
خارجاً بين وجود الشيء وماهيته، ولاسيما بينذاته تعالى ووجوده وصفاته العليا
الذاتية كقولنا »اللَّه موجود« أو »قادر« أو»عالم« ولا في مثل قولنا »شريك الباري
ممتنع« و»العنقاء ممكن« و»اجتماعالنقيضين مستحيل« وهكذا، لأن ثبوت النسبة خارجاً
فرع ثبوت المنتسبينفيه، ومع عدم ثبوتهما لا يعقل ثبوتها، وبالتالي لا يصح استعمال
الجملة في هذهالموارد، لعدم معنى لها، مع أنه لا شبهة في صحة استعمالها فيها
كاستعمالها في سائرالموارد ويكون على نحو واحد، وهذا يكشف عن أن مدلول الجملة لابد
أنيكون معنى محفوظاً في الموارد المذكورة أيضاً، وهو ليس إلاّ ابراز الأمر
النفسانيكقصد الحكاية والاخبار عن الواقع نفياً أو اثباتاً(2).
والجواب: أن هذه المحاولة أيضاً مبنية على أن تكون الجملة موضوعة بإزاءالنسبة
الخارجية، ولكن قد مرّ أنها لم توضع بإزائها، وإنما وضعت بإزاء النسبةالواقعية
الذهنية، وهي ثابتة في جميع الموارد المذكورة بدون استثناء، فإذنلااشكال من هذه
الناحية.
المحاولة الثالثة: أن حقيقة الوضع بناء على ما اخترناه عبارة عن التعهدوالالتزام
النفساني، ومقتضاها تعهد كل متكلم أنه متى ما قصد تفهيم معنىخاص أن يتكلم بلفظ
مخصوص، فاللفظ مفهم ودال على أن المتكلم أراد تفهيمهبقانون الوضع، ومن الواضح أن
التعهد والالتزام لا يتعلقان إلا بالفعلالإختياري، إذ لا معنى للتعهد بالإضافة إلى
أمر غير اختياري، وحيث إن ثبوتالنسبة أو نفيها في الواقع خارج عن الإختيار، فلا
تعقل تعلق التعهد به، فإذن لامناص من الالتزام بتعلقه بإبراز قصد الحكاية في الجملة
الخبرية، وابراز أمراعتباري نفساني في الجملة الانشائية، حيث إنهما أمران
اختياريان(3).
والجواب أولاً: أن هذا مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضع، وأما علىمسلك المشهور
فلا مانع من وضع الجملة بإزاء النسبة الواقعية أو نفيها، فإنالوضع على مسلك
المشهور لا يتطلب أن يكون متعلقه فعلاً اختيارياً، سواءأكان بمعنى اعتبار الملازمة
بين اللفظ والمعنى أم بمعنى جعل اللفظ للمعنى أو علىالمعنى في عالم الإعتبار أم
كان بمعنى القرن الأكيد بين اللفظ والمعنى، فإن متعلقهعلى جميع التقادير ذات
المعنى دون الفعل الإختياري، ونتيجة ذلك هي انتقالالذهن من تصور اللفظ إلى تصور
المعنى.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن حقيقة الوضع هي التعهد والالتزامالنفساني،
إلاّ أن مراد المشهور من وضع الجملة بإزاء النسبة ليس هو التعهدبثبوت النسبة في
الواقع أو نفيها عنه لكي يقال إنه لا يعقل تعلق التعهدية باعتبارأنه خارج عن
الإختيار، بل مرادهم منه التعهد، بأنه إذا نطق بالجملة الخبريةالتامة قصد اخطار
ثبوت النسبة في ذهن السامع أو نفيها فيه تصوراً لا قصدالحكاية والاخبار عنه، وعليه
فيكون المعنى الموضوع له هو قصد اخطار النسبةفي ذهن السامع لا قصد الحكاية عن
ثبوتها في الواقع، وذلك لأن الوضع بمعنىالتعهد لا يقتضي أن تكون الجملة موضوعة
للدلالة على قصد الحكاية والاخبارعن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، إذ كما
يمكن ذلك يمكن أن تكونموضوعة للدلالة على قصد إخطار ثبوت النسبة في ذهن السامع.
وبكلمة، إن الوضع لوكان بمعنى التعهد فبطبيعة الحال يكون مراد المشهور منوضع
الجملة بإزاء النسبة هو التعهد بقصد اخطارها في ذهن السامع حين النطقبها، كما أن
مراد السيد الاُستاذقدس سره من وضع الحروف أو ما يقوم مقامهاللتحصيصات والتضييقات
للمفاهيم الاسمية التعهد بإرادة تفهيمها عند التكلمبها، وليس مراده وضعها بإزاء
نفس التحصيصات والتضييقات، لإستحالة تعلقالتعهد والالتزام بها، باعتبار خروجها عن
الإختيار كما هو الحال في الألفاظالمفردة، فإنهقدس سره يقول بأن لفظ الماء موضوع
للجسم السيال ولفظ النار موضوعللجسم المحرق وهكذا، مع أنه لا معنى للتعهد بثبوت
الجسم السيال أو المحرق فيالواقع، لأنه خارج عن الإختيار، فإذن لا محالة يكون
مراده من ذلك التعهد،بأنه إذا قصد تفهيم الجسم السيال ينطق بلفظ الماء، وإذا قصد
تفهيم الجسم المحرقينطق بلفظ النار وهكذا.
فالنتيجة أن الالتزام بكون حقيقة الوضع التعهد والتباني لا يقتضي وضعالجملة
الخبرية للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيهافيه، إذ كما
يمكن ذلك يمكن وضعها للدلالة على قصد اخطارها في ذهن السامع.
المحاولة الرابعة: أن دلالة الجملة الخبرية على معناها الموضوع له بما أنهادلالة
تصديقية لا تصورية، فلا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية، وإلاّ
لم تكن دلالتها تصديقية، فإذن لا مناص من الالتزام بأنها إما أنتكون موضوعة بإزاء
النسبة الخارجية أو بإزاء قصد الحكاية والاخبار عنالواقع نفياً أو اثباتاً، وحيث
إنها لم توضع بإزاء الاُولى، على أساس أن وضعهابإزائها يستلزم أن لا يكون لها مدلول
في موارد هل البسيطة وما شاكلها كماتقدم، فلا محالة تكون موضوعة بإزاء الثاني، وهو
قصد الحكاية.
والخلاصة: أن الجملة لا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء النسبة لا الخارجيةولا الذهنية،
فإذن لا مناص من الالتزام بوضعها للدلالة على قصد الحكايةوالاخبار عن ثبوت الواقع
أو نفيه.
والجواب أولاً: أن هذه المحاولة مبنية على القول بأن حقيقة الوضع هي
التعهدوالالتزام النفساني، فإن الدلالة الوضعية على ضوء هذا القول دلالة تصديقية.
وأما على ضوء سائر الأقوال في باب الوضع فلا مانع من وضع الجملةالخبرية التامة
بإزاء النسبة الذهنية، على أساس أن الدلالة الوضعية على أساستلك الأقوال دلالة
تصورية لا تصديقية حتى في الجملات تامة كانت أم ناقصة.
وثانياً: أنها لا تتم على مسلكهقدس سره في باب الوضع أيضاً، لأن الدلالة
الوضعيةعلى ضوء هذا المسلك وإن كانت دلالة تصديقية مطلقاً حتى في الألفاظوالكلمات
الا فرادية، إلاّ أن ذلك لا يقتضي أن يكون المراد من النسبة في الجملالتامة النسبة
الخارجية، لكي يقال إنها لم توضع بإزائها للمحذور المتقدم، بل منجهة أن الوضع بهذا
المعنى لا يقتضي إلا أن يكون متعلقه اختيارياً، وحينئذ فكمايمكن أن يكون متعلقه
ابراز قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الخارجأو نفيها فيه، فكذلك يمكن أن
يكون متعلقه ابراز قصد اخطار النسبة في ذهنالسامع، إذ من الواضح أن الوضع بمعنى
التعهد لا يقتضي تعين وضع الجملة بإزاءالمعنى الأول دون الثاني، فالنتيجة أن هذه
المحاولة أيضاً غير تامة.
المحاولة الخامسة: هي ما ذكرهقدس سره في مسألة الوضع من أن الغرض منهالتفهيم
والتفهم وابراز المعاني والمقاصد للآخرين، ومن الواضح أن الوضع سعةوضيقاً يدور مدار
سعة غرضه وضيقه، ولا يمكن أن يكون أوسع منه وإلاّ فهولغو، ومن هنا لابد أن تكون
الدلالة الوضعية دلالة تصديقية حتى على سائرالمباني والأقوال في المسألة، إذ لوكانت
دائرة الوضع أوسع من دائرة الغرضكانالوضع لغواً وجزافاً.
وعلى الجملة، فالغرض من الوضع إنما هو انتقال الذهن من تصور اللفظ إلىتصور المعنى
في موارد قصد التفهيم والافادة، وأما الإنتقال في غير هذه المواردفليس داخلاً في
دائرة الغرض منه، بل هو من جهة الاُنس الذهني لا الوضع،وعليه فلابد من تقييد العلقة
الوضعية بصورة قصد التفهيم، واطلاقها معاختصاص الغرض بها يكون بلا فائدة(4).
والجواب عنه: ما ذكرناه هناك موسعاً وحاصله أن الغرض من الوضع وإنكان ذلك إلا أنه
حكمة له تدعو إلى إيجاد العلقة الوضعية بين اللفظ والمعنى، ولايلزم الواضع بتقييدها
بموارد قصد التفهيم، على أساس أن اطلاقها مع فرضاختصاص الغرض بتلك الموارد لا يكون
لغواً، باعتبار أن الاطلاق أمر عدميعلى ما قويناه، فلا تكون فيه مؤنة لحاظية زائدة
حتى يكون لغواً، وعلى هذا فلامانع من جعل العلقة الوضعية مطلقة، فإنه يفي بالغرض
بدون أن تكون فيه مؤنةزائدة بالنسبة إلى جعلها مقيدة لكي يلزم اشكال اللغوية.
هذا إضافة إلى أن الكلام في امكان أصل هذا التقييد على تفصيل تقدم سابقاً.
المحاولة السادسة: أن الجمل التامة لو كانت موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية
فما هو الفارق حينئذ بينها وبين الجمل الناقصة؟ على أساس أن النسبة لاتقبل الاتصاف
بالتمامية تارةً وبالنقصان اُخرى، لأنها متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص وجود طرفيها في
الذهن أو الخارج، بلا فرق في ذلك بين الجمل التامةوالناقصة، وعلى هذا فلا يمكن
القول بوضع الجمل التامة بإزاء النسبة، بل لابدمن القول بأنها موضوعة للدلالة على
قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبةفي الواقع أو نفيها فيه، وبذلك تفترق الجمل
التامة عن الناقصة فيصح السكوتعليها دون الناقصة(5).
وغير خفي أن هذه المحاولة ليست نقداً وإشكالاً على مسلك المشهور بشكلمباشر، بل هي
في الحقيقة تتطلب منهم بيان الفارق بين الجملتين إذا كانتكلتاهما موضوعة بإزاء
النسبة الذهنية الواقعية، وسوف نشير بعونه تعالى إلىالفرق بينهما رغم أن كلتيهما
موضوعة بإزاء تلك النسبة.
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أورده السيد الاُستاذهقدس سره
علىمسلك المشهور من الإعتراضات والمحاولات لتفنيده غير تام.
فالصحيح هو أن الجمل الخبرية التامة موضوعة بإزاء النسب الواقعيةالذهنية التي هي
نسب بالحمل الشائع، ولها تمام خصائصها الذاتية في موطنها،وهي الالتصاق والإرتباط
الحقيقي بين مفهومين موجودين فيه، لأن النسبة فيكل موطن متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص
وجود طرفيها فيه ذهناً كان أم خارجاً،فإن كانت في الذهن فخصائصها مناسبة للموجودات
الذهنية، وإن كانت فيالخارج فخصائصها مناسبة للموجودات الخارجية.
ثم إن النسبة الذهنية ثابتة في جميع موارد استعمالات القضايا الحملية، سواءأكانت من
موارد هل البسيطة أو المركبة حتى في مثل قولنا »اللَّه موجود« أو»عالم« أو »قادر«
و»شريك الباري معدوم« وهكذا، فإن النسبة الخارجيةغير متصورة هناك، بل لا تتصور بين
وجود الشيء وماهيته فضلاً عن تلكالموارد، وأما النسبة الذهنية فهي متصورة حتى بين
ذاته تعالى ووجوده فضلاًبين وجود الشيء وماهيته وفي الاعتباريات والانتزاعيات، لأن
النسبة المذكورةإنما هي بين الموضوع والمحمول في عالم الذهن، سواء أكان لهما وجود
في عالمالخارج أم لا، وحيث إن مفهوم »اللَّه« ومفهوم »موجود« في القضية المعقولة
فيعالم الذهن موجودان حاكيان عن وجود واحد في الخارج حقيقة، وهو وجودهتعالى
وتصادقا عليه فيه، فالنسبة بينهما تكون ذهنية، بمعنى يكون الذهن ظرفاًلها والقضية
قضية معقولة فحسب، وأما في الخارج فلا قضية حتى تكون هناكنسبة، لأن الموضوع
والمحمول، إما أنه لا وجود لهما في الخارج كما فيالاعتباريات والانتزاعيات ونحوهما
أو أن لهما وجوداً واحداً فيه، والنسبةمتقومة ذاتاً وحقيقة بالمنتسبين ولا يعقل
وجودها بدونهما.
فالنتيجة أن القضية المعقولة في تلك الموارد اما أن لا تحكي عن شيء فيالخارج، كما
إذا كان الموضوع والمحمول كلاهما أمراً اعتبارياً أو ممتنعاً وجوده فيالخارج كشريك
الباري مثلاً أو تحكي عن وجود واحد فيه كما في القضاياالحملية التي هي بمفاد كان
التامة والهلية البسيطة كقولك »الانسان موجود«،فإن الموضوع والمحمول يحكيان عن وجود
واحد في الخارج، ولهذا لا تتصورالنسبة بينهما فيه.
وأما في القضايا الحملية التي هي بمفاد كان الناقصة والهلية المركبة كقولك»زيد
عالم«، فبما أن الموضوع فيها موجود في الخارج، والمحمول يكون منعوارضه فيه،
فالمعتبر في صحة الحمل فيها أمران: أحدهما: أن يكون الموضوعمتحداً مع المحمول في
الخارج، وإلاّ كان حمله عليه من حمل المباين على المباينوهو غير صحيح، والآخر
التغاير بينهما من جهة حتى لا يكون من حمل الشيءعلى نفسه، وعلى هذا فإن كانت الذات
مأخوذة في مفهوم المشتق لكان حمل العالمعلى زيد في المثال من حمل الكلي على فرده
في الخارج، وحينئذ فلا نتصورالنسبة بينهما منه، باعتبار أنهما موجودات بوجود واحد
فيه، وأما إذا لم تكنالذات مأخوذة في مفهوم المشتق بأن يكون مفهومه نفس المبدأ،
فحينئذيكونالمحمول مبايناً للموضوع فلا يصح حمله عليه، إلاّ أن يرجع إلى الحملعلى
الصفة القائمة بزيد وهو من حمل الكلي على فرده، ومن هذا القبيل حملالأبيض على
الجسم، فإنه يرجع إلى الحمل على الصفة القائمة بالجسم، وهذامنحمل الكلي على فرده
في الخارج، وحيث إن الموجود فيه واحد فلا تتصورالنسبة بينهما فيه.
ثم إنه لا فرق في ذلك بين كون الجملة الخبرية التامة اسمية، كقولك »زيدعالم«
أوفعلية كقولك »ضرب زيد«، فإن كلتا الجملتين موضوعة بإزاء النسبةالواقعية الذهنية
التي هي نسبة بالحمل الشائع، غاية الأمر أن قولك »زيد عالم«يرجع إلى قولك »زيد شيء
له صفة وتلك الصفة علم« فهنا ثلاث نسب: اثنتانمنها من النسب الحملية هما النسبة
بين زيد وبين شيء له صفة. والنسبة بين هذهالصفة القائمة بزيد والعلم والثالثة من
نسبة العرض إلى معروضه، وهي نسبةالصفة إلى الشيء، فإنها من نسبة العرض إلى موضوعه،
ولا موطن للنسبتينالاوليين إلاّ في صقع الذهن، باعتبار أن الموضوع والمحمول فيهما
متحدان فيالخارج، فلا يعقل وجود النسبة بينهما فيه، وأما النسبة الثالثة فهي كما
أنها ثابتةفي صقع الذهن كذلك أنها ثابتة في صقع الخارج، على أساس مغايرة العرض
معمعروضه في الذهن والخارج.
وأما الجمل الفعلية كقولك »ضرب زيد«، فإن النسبة فيها ليست من النسبالحملية، وهي
نسبة المحمول إلى الموضوع، بل نسبة العرض إلى معروضه، وهيقد تكون صدورية كالمثال
المذكور، وقد تكون حلولية كقولك »زيد قائم«و»بكر عالم« وهكذا، ولهذه النسبة موطن في
الذهن والخارج، بمعنى أنها إنكانت في الذهن فهي متقومة بشخص وجود طرفيها فيه، وإن
كانت في الخارجفكذلك فيه، فتكون النسبتان متباينتين ذاتاً وحقيقة من جهة أن
المقوماتالذاتية لكل منهما مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى.
وأما حكاية النسبة الذهنية عن النسبة الخارجية مع عدم انطباقها عليها علىحد انطباق
الطبيعي على فرده فهي إنما تكون بسبب طرفيها، باعتبار أنهما بالنظرالتصوري الآلي
عين الخارج، وبهذا النظرترى النسبة تبعاً بأنها عين النسبةالخارجية، وإلا فنسبتها
إليها نسبة المماثل إلى المماثل، لا الطبيعي إلى الفردفحكايتها عنها إنما هي بالتبع
لا بالأصالة.
والخلاصة: أن كلتا الجملتين الاسمية والفعلية معاً موضوعة بإزاء معنىواحد، وهو
النسبة الواقعية الذهنية التي هي نسبة بالحمل الشائع، والإختلافبينهما إنما هو في
بعض الخصوصيات الخارجة عن حريم المعنى الموضوع له، منهاما عرفت، ومنها أن الجملة
الفعلية تدل على الحدوث في عمود الزمان دونالاسمية.
لتوضيح ما ذكرناه نظرياً وتطبيقياً نذكر اُموراً:
الأول: أن نتيجة ما ذكرناه من أن الجملة الخبرية التامة موضوعة للنسبةالواقعية
الذهنية هي أن الدلالة الوضعية لها دلالة تصورية، لما ذكرناه في بابالوضع من أن
الدلالة الوضعية للألفاظ على معانيها مطلقاً - بلا فرق بين الألفاظالمفردة والألفاظ
المركبة كالجملات من التامة والناقصة - تصورية على أساسأن تلك الدلالة مستندة إلى
الوضع مباشرة دون الدلالة التصديقية، فإنهامستندة إلى الظهورات الحالية أو السياقية
مباشرة دون اللفظ بما هو.
وبكلمة، إن الدلالة الوضعية على جميع المباني في مسألة الوضع دلالةتصورية ولا يمكن
أن تكون تصديقية إلا على مبنى التعهد والالتزام النفساني،فإن الدلالة الوضعية على
أساس هذا المبنى دلالة تصديقية مطلقاً في الكلماتالأفرادية حقيقة أو حكماً،
والجملات التامة الاسمية والفعلية، فإن الاُولىموضوعة للدلالة على قصد تفهيم
معانيها، والثانية موضوعة للدلالة على قصدالحكاية والاخبار عن ثبوت شيء في الواقع
أو نفيه فيه.
فالنتيجة أن الدلالة الوضعية على جميع المباني في باب الوضع دلالة تصوريةلا تصديقية
إلاّ على مبنى التعهد.
الأمر الثاني: أن ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن الجملة التامة
موضوعةللدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه،
فلايمكنالمساعدة عليه.
أما أولاً فلأن ما اختارهقدس سره مبني على مسلكه من أن حقيقة الوضع هي
التعهدوالتباني، فإنه على هذا المسلك تكون الدلالة الوضعية دائماً دلالة
تصديقية،فالجملة التامة كقولك »الانسان عالم« موضوعة للدلالة على قصد
الحكايةوالاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، ولكن قد تقدم أن هذا
المسلكغير تام، وأما على ضوء سائر المسالك في باب الوضع فالدلالة الوضعية
دائماًدلالة تصورية، لما ذكرناه هناك من أنه لا يعقل نشوء أكثر من العلاقة
التصوريةبين اللفظ والمعنى من الوضع طالما لم يرجع إلى التعهد.
وثانياً: لو سلمنا أن الوضع بمعنى التعهد إلاّ أنه لا يقتضي أكثر من كون
متعلقهأمراً اختيارياً، وأما كونه في الجملة التامة كزيد عادل مثلاً هو قصد
الحكاية عنثبوت النسبة في الواقع فهو بحاجة إلى مبرر، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن
يكونمتعلقه قصد اخطار المعنى في الذهن، فلا ترجيح للأول على الثاني، وعلى هذا
فماأفادهقدس سره من أنه يقتضي كون الجملة التامة موضوعة للدلالة على قصد
الحكايةبحاجة إلى مبرر.
الثالث: أن الجملة الاستفهامية كقولك »هل زيد عالم« موضوعة للدلالةعلى النسبة
الاستفهامية بين المستفهم والمستفهم عنه في الذهن، وهذا لا كلامفيه، وإنما الكلام
في أن المستفهم عنه هل هو مدلول الجملة التامة وهو النسبة فيعالم الذهن أو أنه
ثبوت النسبة في الخارج.
والجواب: أنه لا ريب في أنالمستفهم عنهالعلم إلى زيد فيالخارج أي كونزيد عالماً
فيه، وليس المستفهم عنه النسبة الذهنية التي هي مدلولالجملة وضعاً،كما أنه ليس قصد
الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها فيه.
والخلاصة: أن كلمة »هل« تدل على النسبة الاستفهامية، ومدخولها وهوجملة »زيد عالم«
في المثال تدل على واقع النسبة الذهنية، فتكون استفادةالاستفهام من الجملة
الاستفهامية من باب تعدد الدال والمدلول، بأن تكونالنسبة الاستفهامية مدلولاً
لأداة الاستفهام، والنسبة الذهنية مدلولاً للجملةالتامة المدخول عليها الأداة.
وقد اُورد على القائل بأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على قصد الحكايةوالاخبار عن
ثبوت النسبة في الخارج أو نفيها فيه بالنقض بموارد دخول أداةالاستفهام على الجملة
التامة، كما في قولك »هل زيد عادل«، إذ لا شبهة في أنالمستفهم عنه نسبة العدالة
إلى زيد في الخارج، أي كون زيد عادلاً فيه لا قصدالحكاية والاخبار عنها(6).
وقد أجاب عن ذلك السيدالاُستاذقدس سره بأن أداةالاستفهام أوالجملةالاستفهامية
موضوعة بوضع واحد للدلالة على قصدالاستفهام، فليستاستفادة الاستفهام منالجملة
الاستفهامية منباب تعدد الدال والمدلول، بأنيكونالاستفهام مدلولاً للأداة،
والنسبة التامة مدلولاًللجملة، بلالدال والمدلولواحد، فإن الدال هو الجملة
الاستفهامية، والمدلول هو قصد الاستفهام وانشاؤه.
ولكن هذا الجواب تام على مسلكهقدس سره، فإن تعدد الدال والمدلول في
الجملةالاستفهامية إنما يتصورعلى مسلك المشهورالمختار، وهو أنالدلالة الوضعيةدلالة
تصورية، فإنالجملة الاستفهامية تدل علىالاستفهام والجملة التامةالمدخول
عليهاالأداة تدل علىالنسبة، فإذاقيل: هل زيد قائم كانالمتبادر منهأمران: أحدهما
الاستفهام والآخرالنسبة بينزيد وقائم، والدال علىالأول أداةالاستفهام،
وعلىالثاني الجملةالمدخول عليهاالأداة منباب تعددالدال والمدلول.
وأما على مسلك التعهد، فحيث إن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، فلايتصور تعدد الدال
والمدلول في الجملة الاستفهامية، فإنها تدل على الاستفهام،والجملة المدخول عليها
الأداة لا تدل على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة فيالخارج أو نفيها فيه، لأن هذه
الدلالة على ذلك المسلك وإن كانت وضعية إلاّ أنهاتتوقف على أن تكون الجملة صادرة من
متكلم شاعر ملتفت بالإستقلال،لاختصاص الوضع لها بهذه الحالة، والمفروض أنها لم تصدر
إلاّ في ضمن الجملةالاستفهامية، فلا ينطبق عليها قانون الوضع بمعنى التعهد، فتكون
الجملة حينئذمنسلخة عن معناها الموضوع له.
ودعوى أن استفادة الاستفهام من الجملة الاستفهامية لولم تكن من بابتعدد الدال
والمدلول، لم يصح تصديق الاستفهام في مقام الجواب بكلمة »نعم«أو»لا«. لأن مدلول
الجملة الاستفهامية مدلول انشائي، وهو غير قابلللتصديق أو للنفي، فصحة التصديق
اثباتاً أو نفياً تدل على أن الإستفادة من بابتعدد الدال والمدلول.
مدفوعة بأن مردّ التصديق في مقام الجواب بكلمة »نعم« أو»لا« إلىتصديق الجملة، حيث
إنه بمثابة تكرارها نفياً أو اثباتاً، لا إلى تصديق الانشاءلكي يقال: أنه لا يقبل
التصديق لا نفياً ولا اثباتاً(7).
وبكلمة، إنه على القول بالتعهد تكون للجملة الاستفهامية مدلول واحدوضعاً بدون أن
تكون للجملة المدخول عليها الأداة مدلول وضعي، باعتبار أنقانون الوضع بمعنى التعهد
لا ينطبق عليه، على أساس أن المتكلم بالجملةالاستفهامية، تعهد بأنه متى تكلم بها
أراد انشاء الاستفهام وطلب فهم ثبوتنسبة العلم إلى زيد في الخارج، وعلى هذا فإذا
أجاب المسؤول إليه بقوله »نعم«أو»لا« كان مرجع جوابه إلى التصديق بثبوت العلم لزيد
أو نفيه عنه، لا إلىالتصديق بالانشاء نفياً أو اثباتاًلكي يقال إنه غير معقول،
لوضوح أن الاستفهامعن شيء إذا اتجه إلى شخص، فإذا أجاب بقوله »نعم« أو»لا«
فبطبيعة الحاليرجع جوابه إلى التصديق بثبوت ذلك الشيء أو بنفيه، لا إلى التصديق
بانشاءالاستفهام أوبعدمه، ومن الواضح أن رجوع الجواب إلى التصديق بثبوت النسبةفي
الخارج أو نفيها فيه، لا يتوقف على أن تكون استفادة الاستفهام من الجملةالاستفهامية
من باب تعدد الدال والمدلول، هذا على القول بالتعهد.
وأما على سائر الأقوال في المسألة التي تكون الدلالة الوضعية على ضوئهادلالة تصورية
دائماً، فتكون دلالة الجملة الاستفهامية على الاستفهام من بابتعدد الدال والمدلول،
فإذا قيل: هل زيد عالم، فالجملة الاستفهامية تدل علىالاستفهام، والجملة التامة
المدخول عليها الأداة، تدل على النسبة بينهمافيالذهن، وهذا معنى أن استفادة
الاستفهام منها من باب تعدد الدال والمدلول،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المسؤول عنه في الجملة الاستفهامية، إنما هو المدلولالعرضي
للجملة التامة المدخول عليها الأداة، لا مدلولها الذاتي الوضعي،وإنشئت قلت: إن
المستفهم عنه فيها إنما هو ثبوت النسبة في الخارج، أي كونزيد عالماً فيه، والمفروض
أن المدلول الوضعي للجملة التامة، هو النسبة الذهنيةفي عالم الذهن.
ومن ناحية ثالثة، أن الجواب عن الاستفهام عن قيام زيد في قولك »هل زيدقائم« بكلمة
»نعم« أو»لا« يرجع في الحقيقة إلى الاخبار والحكاية عن ثبوتالقيام لزيد أو عدم
ثبوته له، بلا فرق في ذلك بين القول بالتعهد في باب الوضعوسائر الأقوال فيه، غاية
الأمر أن دلالته على قصد الاخبار والحكاية على القولبالتعهد إنما هي بالوضع، وعلى
سائر الأقوال بالظهور الحالي أو السياقي لابالوضع.
وقد اُورد النقض على مسلك السيد الاُستاذقدس سره أيضاً بما إذا دخل الفعل
علىالجملة التامة كما في مثل قولك »أخبرنيأن زيداً عادل«، فإن المخبر
بهنفسالنسبة، أي ثبوت العدالة لزيد في الخارج بمعنى كونه عادلاً فيه، لا
قصدالحكاية والاخبار عنها(8).
ولكن قد ظهر مما مرّ أنه لا أساس لهذا النقض، لأن الجملة المدخول عليهاالفعل لا تدل
على قصد الحكاية حتى على القول بالتعهد، على أساس أن دلالتهاعليه منوطة بكونها
صادرة من متكلم تعهد بأنه لا ينطق بها إلا إذا قصد الحكايةوالاخبار عنها، وهذا
الضابط لا ينطبق على الجملة، لأن المتكلم هنا في المقامطلب الاخبار بها لا هو أخبر
بها، وإذا أجاب المخاطب بقوله »إنه عادل«أو»ليس بعادل«، كان قاصداً الحكاية عنها
والاخبار بها.
هذا إضافة إلى أن كون المخبر به نفس النسبة في المثال لا قصد الحكاية عنها،فإنما هو
بلحاظ أنها ذات المعنى الموضوع له حتى على مسلك التعهد، فإن العلقةالوضعية على هذا
المسلك مقيدة بحالة خاصة، وهي حالة ما إذا قصد المتكلمالحكاية عنها لا المعنى، هذا
من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية والمطلوب فيهاإنما هو ثبوت
النسبة الخارجية، لا مدلول الجملة التامة، لا على القول بالتعهد فيمسألة الوضع ولا
على سائر الأقوال في المسألة.
الأمر الرابع: ما هو الفارق بين الجملة التامة والناقصة؟
والجواب: أن الاُصوليين قد ذكروا وجوهاً للفرق بينهما:
الوجه الأول: أن النسبة في الجملة التامة نسبة واقعية ذهنية ومورد للحكمالتصديقي،
فمن أجل ذلك يصح السكوت عليها، وأما النسبة في الجملة الناقصةفهي نسبة تحليلية
وليست بواقعية، فإن المفهوم منها شيء واحد في الذهن، وهوينحل إلى أجزاء ثلاثة منها
النسبة، ومن هنا تكون الجملة الناقصة بمثابة المفرد،فلا تكون نسبتها مورداً للحكم
التصديقي، فلذلك لا يصح السكوت عليها.
فالنتيجة أن منشأ صحة السكوت في الجملة التامة إنما هو كون نسبتها مورداًللحكم
التصديقي باعتبار أنها نسبة واقعية، ومنشأ عدم صحة السكوت فيالجملة الناقصة إنما
هو عدم صلاحية نسبتها لأن يكون مورداً للحكم التصديقيباعتبار أنها تحليلية لا
واقعية(9).
ولكن قد تقدم أن هذا الوجه غير تام.
الوجه الثاني: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، وحاصل ما أفاده: أن الجملةالتامة
موضوعة لقصد الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيهافيه، فلذلك يصح
السكوت عليها، باعتبار أنها تتضمن حكماً تصديقياً،وأماالجملة الناقصة فهي موضوعة
بإزاء قصد اخطار الحصة في ذهن المخاطبتصوراً، وحيث إنها لم تتضمن مطلباً تصديقياً
وإنما تضمنت مطلباً تصورياً،فلايصح السكوت عليها(10).
ولكن يمكن المناقشة فيه،
أما أولاً: فلأن هذا الفرق بين الجملتين مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضعوهو
التعهد، فإنه على ضوئه بنى على أن الجملة التامة موضوعة للدلالة علىقصد الحكاية
والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه، والجملةالناقصة موضوعة للدلالة
على قصد اخطار النسبة والحصة في الذهن تصوراً،ولكن تقدم موسعاً أن هذا المسلك غير
تام، فإذن لا يمكن الالتزام بهذا الفرق.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن حقيقة الوضع هي التعهد والتبانيإلا أن ذلك
لا يقتضي إلا أن يكون متعلقه فعلاً اختيارياً، وأما كون الجملة التامةموضوعة لقصد
الحكاية والاخبار، والناقصة لقصد الاخطار في الذهن، فهولايقتضي ذلك، وعلى هذا فوضع
الاُولى بإزاء قصد الحكاية والثانية بإزاءقصدالاخطار بحاجة إلى نكتة في المرتبة
السابقة تبرر ذلك، والمفروض أنه ليسهناك أي نكتة تبرره.
وعلى هذا فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الوضع على مسلكنا يقتضي كونالجملة
التامة موضوعة للدلالة على قصد الحكاية، والجملة الناقصة موضوعةللدلالة على قصد
الاخطار يكون بدون مبرر.
وإن شئت قلت: إن الوضع بمعنى التعهد يقتضي كون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية بأن
يكون متعلقه الإرادة والقصد، وعليه فالوضع لا يقتضي أن يكونمتعلقه قصد الحكاية في
الجملة التامة وقصد الاخطار في الجملة الناقصة،فالتعيين بحاجة إلى معين.
وثالثاً: مع الإغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أن الوضع يقتضي التعيين، إلاّ أنهذا
المدلول التصديقي لا يصلح أن يكون فارقاً بين الجملتين، حيث إن الفرقبينهما موجود
في الحالات التي لا يكون للجملة التامة ذلك المدلول التصديقي، كمافي الحالات التي
تكون الجملة التامة مدخولاً عليها أداة الاستفهام، كما في مثلقولك »هل زيد عالم«،
فإنه إذا دخلت عليها أداة الاستفهام انسلخت عنمفهومها التصديقي وهو قصد الحكاية،
ومع هذا يكون الفرق بينهما محفوظاً منتلك الحالات أيضاً، حيث إن دخول أداة
الاستفهام على الجملة التامة كالمثالالمذكور صحيح، بينما دخولها على الجملة
الناقصة غير صحيح، وهذا يكشف عنأن الفرق بينهما ليس في أن الجملة التامة تدل على
قصد الحكاية دون الجملةالناقصة، فإذن لابد أن يكون الفارق بينهما متمثلاً في شيء
آخر.
فالنتيجة، أنه لا يمكن الفرق بينهما في ذلك.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره، وهو يرجع إلى أمرين:
أحدهما: أن الجملة التامة موضوعة بإزاء ايقاع النسبة، والجملة الناقصةموضوعة بإزاء
النسبة الثابتة، فالاُولى تحكي عن إيقاع النسبة والثانية عنالنسبة الثابتة، وهذا
هو الفارق بينهما(11).
ويمكن المناقشة فيه بأنه إن اُريد بإيقاع النسبة إيقاعها في الخارج،
وبالنسبةالثابتة ثبوتها فيالذهن، فيرد عليه ما ذكرناه سابقاً من أن الجملة التامة
لم توضعبإزاء النسبة الخارجية، ولا تدل على إيقاعها فيه، وإنما هي موضوعة
بإزاءالنسبة الواقعية الذهنية كالجملة الناقصة، فلا فرق بينهما من هذه الناحية،
وقدتقدم موسعاً أنها لو كانت موضوعة بإزاء النسبة الخارجية، لزم أن لا يكون
لهامدلول في جملة من القضايا الحملية، منها القضايا التي هي في موارد هل
البسيطةوبين ذاته تعالى وصفاته الذاتية والاعتباريات والانتزاعيات، لأن
النسبةالخارجية لا تتصور في هذه الموارد بين الموضوع والمحمول، إما على أساس أنه
لاوجود لهما في الخارج أو أنهما موجودان بوجود واحد فيه حقيقة، مع أن
استعمالالجملة في تلك الموارد كاستعمالها فيموارد هل المركبة صحيح بدون أدنى
فرقبينهما.
هذا إضافة إلى أن هذا الفرق لا يؤدي إلى صحة السكوت في الاُولى دونالثانية، إذ كما
أن دلالة الاُولى على إيقاع النسبة في الخارج مما يصح السكوتعليه كذلك دلالة
الثانية على ثبوتها في الذهن، فإنها مما يصح السكوت عليه،فإذن لا فرق بينهما من هذه
الناحية.
وإن اُريد بإيقاع النسبة إيجادها التصوري وبثبوتها وجودها التصوري، فيردعليه أولاً:
أن هذا الفرق لا يؤدي إلى الفرق بين الجملتين في التمامية والناقصيةوصحة السكوت
وعدمها في مقام الافادة، إذ مرد هذا الفرق إلى الفرق بينهما فيالايجاد والوجود
التصوري، وأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على الايجادالتصوري والجملة الناقصة
موضوعة للدلالة على الوجود التصوري، مع أنه لافرق بينهما في الواقع إلا باللحاظ
والإعتبار.
وثانياً: ما ذكرناه سابقاً من أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا لوجودها، إذ لايعقل لها
وجود لا في الذهن ولا في الخارج، باعتبار أنه ليست لها ماهية متقررةفي المرتبة
السابقة على الوجود الذهني والخارجي، فلذلك لا يعقل أن تكونالجملة موضوعة بإزاء
وجود النسبة أو إيجادها، لأن وجودها التصوريواللحاظي مفهوم اسمي وليس بحرفي،
والموضوع بإزائه لفظ النسبة لا الجملة،لأن معناها حرفي لا اسمي، وعلى هذا فكما لا
يمكن أن تكون الجملة موضوعةبإزاء الوجود التصوري ولا إيجاده، فكذلك لا يمكن أن يكون
الايجاد والوجودالتصوري دخيلاً في المعنى الموضوع له لهما.
وثانيهما: أن الجملة التامة موضوعة بإزاء النسبة التي تحكي عنها بلحاظوجودها، مثلاً
جملة »زيد عالم« تحكي عن النسبة الموجودة بين زيد والعلم،والجملة الناقصة موضوعة
بإزاء النسبة التي تحكي عنها بلحاظ نفسهابقطعالنظر عن وجودها وعدمها، فلذلك لا
تكون مورداً للتصديق وبالتالي لايصح السكوت عليها(12).
وهذه المحاولة غير تامة، وذلك لأنه إن اُريد بالنسبة التي تحكي عنها بلحاظوجودها
وجود النسبة في الخارج، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبة الموجودةفيه، فيرد عليه.
أولاً: أنه لا وجود للنسبة في الخارج ولا للنسبة المقيدة بوجودها فيه، أماالأول
فلما تقدم من أن الخارج ظرف لنفسها لا لوجودها، على أساس أنه لوكانلها وجود، فلابد
من أن تكون لها ماهية متقررة في المرتبة السابقة على عالمالوجود، وقد مرّ أنه لا
يعقل أن تكون للنسبة ماهية كذلك، وإلا لم تكن نسبةبالحمل الشائع، أي متقومة بشخص
وجود طرفيها، وأما الثاني فلفرض أنه لاوجود لها حتى يكون قيداً لها.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أن لها وجوداً في الخارج، إلاّ أن
المعنىالموضوع له اللفظ لا يمكن أن يكون مقيداً بوجودها فيه، فإن الموضوع له
طبيعيالمعنى، وهو قد يوجد في الذهن وقد يوجد في الخارج، ولا يعقل أخذ
الوجودالخارجي أو الذهني في مدلول اللفظ.
وثالثاً: قد تقدم أن الجملة التامة لم توضع بإزاء النسبة الواقعية الخارجية.
وإن اُريد بها وجودها في الذهن أي أنها موضوعة بإزاء النسبة بلحاظوجودها في الذهن،
فيرد عليه.
أولاً: ما عرفت من أنه ليس للنسبة وجود تصوري ولحاظي في الذهن، لأنالمتصور بهذا
التصور والملحوظ بهذا اللحاظ مفهوم اسمي وليس بنسبة بالحملالشائع، فلا يكون هذا
الوجود وجود النسبة التي هي معنى حرفي، بل هو وجودلمعنى اسمي له تقرر ماهوي بقطع
النظر عن وجوده في الذهن أو الخارج، فإذن لايرجع ما أفادهقدس سره من أن الجملة
التامة موضوعة بإزاء النسبة بلحاظ وجودهافي الذهن إلى معنى محصل ومعقول.
وثانياً: ما تقدم من أن الوجود الذهني كالوجود الخارجي لا يعقل أن يؤخذفي المعنى
الموضوع له اللفظ.
وإن اُريد بها أن النسبة في الجملة التامة تلحظ فانية في الخارج بوجودهاالتصوري،
وفي الجملة الناقصة تلحظ فانية فيه بنفسها لا بوجودها التصوري،فيرد عليه.
أولاً: ما عرفت من أنه ليس للنسبة وجود تصوري لكي تكون ملحوظةفانية في الخارج به،
لأن الموجود بهذا الوجود في الذهن مفهوم اسمي لا حرفي،وحكاية النسبة الذهنية عن
النسبة الخارجية إنما هي بتبع حكاية اطرافهاعنالخارج لا بنفسها.
وثانياً: أن هذا المقدار من الفرق بين الجملتين لا يؤدي إلى الفرق الجوهريبينهما،
وهو صحة السكوت في الجملة الاُولى في مقام الافادة وعدم صحته فيالجملة الثانية في
هذا المقام، لأن النسبة إذا كانت ملحوظة في كلتيهما فانية فيالخارج، غاية الأمر أن
فناءها في الاُولى بوجودها التصوري وفي الثانية بنفسها،ومن الواضح أن هذا الفرق لا
يؤدي إلى عدم صحة السكوت في الثانية،لأنملاك صحة السكوت التصديق بثبوت النسبة في
الخارج، وهو متوفر فيكلتا الجملتين معاً.
وثالثاً: أن النسبة الذهنية لا يعقل أن تحكي بنفسها عن النسبة الخارجية، لماتقدم من
أنها مباينة لها من جهة أن المقومات الذاتية لها مباينة للمقومات الذاتيةلتلك،
ولهذا لا يعقل فناؤها فيها وحكايتها عنها بنفسها، فإذن ما أفادهقدس سره منأن
الجملة الناقصة موضوعة بإزاء النسبة التي تحكي بنفسها لا يرجع إلى معنىمحصل، إلا
أن يكون مراده من ذلك الحكاية في ضمن حكاية اطرافها وبتبعها،ولكن في ذلك لا فرق بين
النسبة في الجملة التامة والنسبة في الجملة الناقصة.
فالنتيجة: أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من نكتة الفرق بين الجملتين لا
يرجعإلى معنى محصل.
إلى هنا قد تبين أن الوجوه التي ذكرت لتمييز الجملة التامة عن الجملة الناقصةوصحة
السكوت على الاُولى دون الثانية، لا يتم شيء منها.
فالصحيح في المقام أن يقال: إنه لا فرق بين الجملتين في المدلول الوضعي، فإنكلتا
الجملتين موضوعة للنسبة الواقعية الذهنية التي هي نسبة بالحمل الشائعولا فرق
بينهما من هذه الناحية، ولكن مع هذا يكون الفرق بينهما محفوظاً، حيثإنه يصح السكوت
على الجملة التامة، ولايصح على الجملة الناقصة فيعامل معهامعاملة المفرد وتجعل اما
موضوعاً في القضية أو محمولاً فيها، بينما الجملة التامةمركبة من الموضوع والمحمول
معاً، وعلى هذا فلابد من أن تكون هناك نكتةاُخرى للفرق بينهما، وتلك النكتة متمثلة
فيما يلى:
هو أن الغرض من احضار الجملة التامة في اُفق الذهن إنما هو جعلها وسيلةلاصدار حكم
تصديقي عليها في الخارج، ففي مثل قولك »زيد قائم« يكونالغرض من احضاره في الذهن
إنما هو جعله وسيلة لاصدار الحكم بثبوت القياملزيد فيه، باعتبار أن المتكلم
والمخاطب فيها ينظران إلى الموضوع والمحمول بما همامنطبقان على موجود واحد في
الخارج ومتصادقان عليه، فمن أجل ذلك تتضمنالجملة حكماً تصديقياً خارجياً، ولهذا
يصح السكوت عليه.
وهذا بخلاف الجملة الناقصة، فإن المتكلم والمخاطب فيها لا ينظران إلىطرفيهما
كموضوع ومحمول في القضية بما هما منطبقان على موجود واحد فيالخارج ومتصادقان عليه
لكي تصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه،بلينظران إليهما كموضوع واحد في القضية أو
محمول واحد، فلذلك لاتصلحللحكم التصديقي عليها في الخارج، فحالها حال الكلمات الا
فراديةمنهذه الناحية.
وبكلمة، إن الجملة الناقصة وإن كانت مشتملة على النسبة إلاّ أنها لا تصلحلاصدار
حكم تصديقي عليها في الخارج من دون ضم محمول أو موضوع إليها،فإذا قيل »الصلاة في
المسجد« أو »النار في الموقد« كان المتبادر منها احضارنفسها في الذهن ومعرفتها كذلك
فيه، وفناءها التصوري في الخارج، فلذلك لاتصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه.
وهذا بخلاف ما إذا قيل »الصلاة مستحبة في المسجد« أو »النار موجودة فيالموقد«، فإن
المتبادر منه احضار نفس الجملة في الذهن ومعرفتها فيه وفناؤهافي الخارج تصوراً
وتصديقاً، فلذلك تصلح لاصدار حكم تصديقي عليها فيه.
والخلاصة: أن الجملة الناقصة بلحاظ مدلولها الوضعي لا تصلح لاصدارحكم تصديقي عليها
في الخارج، لما تقدم من أنها موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةفي وعاء الذهن، وهي لا
تحكي عن الخارج إلا بتبع حكاية طرفيها تصوراً لاتصديقاً، وهذا بخلاف الجملة التامة،
فإنها تحكي عن الخارج تصوراً وتصديقاً،فمن أجل ذلك تصلح الجملة التامة لاصدار حكم
تصديقي عليها دون الناقصة.
وبكلمة، إن الجملة التامة تتميز عن الجملة الناقصة في المدلول التصوريوالتصديقي
معاً، أما في الأول فلأن الجملة التامة موضوعة للدلالة على النسبةالتي تلحظ بالنظر
التصوري فانية في واقع مفروغ عنه في الخارج، فإذا قيل »زيدعالم« كان المتبادر منه
في الذهن النسبة بينهما كذلك، والجملة الناقصة موضوعةللدلالة على النسبة التي لم
تلحظ كذلك إلا فانية في نفسها، ولهذا كان ذلك هوالمتبادر منها عرفاً، فإذا قيل
»غلام زيد« مثلاً أو »الصلاة في المسجد« كان هذاهو المنسبق منه، وأما في الثاني
فلأن المدلول التصديقي للجملة التامة هو قصدالحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو
نفيها فيه، وهذا عبارة اُخرى عن أنغرض المتكلم من احضارها في ذهن السامع، هو جعلها
وسيلة ومورداً للحكمالتصديقي في الخارج، ولهذا يصح السكوت عليها، بينما المدلول
التصديقي للجملةالناقصة هو قصد تفهيم نفسها واخطارها في ذهن السامع بدون جعلها
مورداًللحكم التصديقي ووسيلة له.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الجملة إذا كان مفادهامورداً
للحكم التصديقي خارجاً، فهي تامة ويصح السكوت عليها في مقامالافادة، وإذا لم يكن
مفادها كذلك، فهي ناقصة ولا يصح السكوت عليها.
هذا تمام كلامنا في تعيين مدلول الجملة الناقصة والتامة وامتياز مدلول الاُولىعن
مدلول الثانية.
مدلول الجمل المتمحضة في الانشاء
وأما الكلام في المقام الثالث فيقع في موردين:
الأول: في الجمل المتمحضة في الانشاء.
الثاني: في الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار.
أما المورد الأول فالكلام فيه يقع في مرحلتين:
الاُولى: في تعيين مدلولها وضعاً.
الثانية: في الفارق بينهما وبين الجمل المتمحضة في الاخبار.
أما الكلام في المرحلة الاُولى ففيها أقوال:
القول الأول: أن الجملة الانشائية كصيغة الأمر موضوعة بإزاء الطلبوصيغة الاستفهام
موضوعة للإستفهام وصيغة التمني موضوعة للتمني وصيغةالترجي للترجي.
وغير خفي أن هذا القول مجمل المراد، وذلك لأنه إن اُريد بوضع هذه الصيغللمعاني
المذكورة إيجاد مصاديقها بها حقيقة في عالم الخارج فهو واضح البطلان،وذلك لأن
مصاديق تلك المعاني في الخارج أمور تكوينية غير قابلة للانشاء بها،لأنها تتبع عللها
التكوينية الواقعية وتوجد بوجودها.
وإن شئت قلت: إن مصاديق المعاني المذكورة في الخارج من الصفاتالنفسانية الحقيقية
القائمة بالنفس كصفات التمني والترجي والطلب والاستفهام،ولهذا قد تكون داعية
للانشاء بالصيغ المذكورة لا أنها منشأة.
وإن اُريد إيجاد هذه المعاني في الذهن، فيرده أن الايجاد التصوري اللحاظيغير مأخوذ
في مدلول الألفاظ، لوضوح أنها لم توضع بإزاء إيجاد معانيهاتصوراً، وإن اُريد به
الايجاد الاعتباري في عالم الاعتبار، فيرد عليه أن الايجادالاعتباري إنما هو
باعتبار المعتبر مباشرة، ولا يعقل أن يكون فعلاً له بالتسبيب،سواء أكان بسبب اللفظ
أم كان بغيره، وإن اُريد به مفهوم الطلب أو الاستفهام أوالتمني أو الترجي، فيرد
عليه أنه مفهوم اسمي، فلا يمكن أن يكون مدلولاً للجملةالانشائية، وإن اُريد به
الايجاد الانشائي في عالم الانشاء بنفس هذه الصيغ بلحاظأنه معناه الموضوع له، فيرد
عليه أن الكلام إنما هو في حقيقة هذا الوجودالانشائي وحدوده سعة وضيقاً، وهي مسكوت
عنها في هذا القول.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أن هذه الصيغ موضوعةللوجود
الانشائي الايقاعي(13) مما لا يمكن المساعدة عليه.
وذلك لأنه إن اُريد بالوجود الانشائي الوجود الاعتباري، فيرد عليه أنه قائمباعتبار
المعتبر مباشرة، ولا يعقل فيه التسبيب، وإن اُريد به الوجود الانشائيالمنشأ بها
بلحاظ أنه مدلولها وضعاً، فالكلام إنما هو في حقيقة هذا الوجود،والمفروض أنه غير
مبين في كلامهقدس سره وسيأتي توضيحه.
القول الثاني: ما ذهب إليه المحقق العراقيقدس سره من أن الجملة الانشائية
كصيغةالأمر وصيغتي التمني والترجي وأداة الاستفهام موضوعة بإزاء النسب،
كالنسبةالطلبية والتمنية والترجية والاستفهامية، وهذه النسبة في الجملة الطلبية
كقولك»صلِّ«، متقومة ذاتاً وحقيقة بالمادة ومفهوم الطلب الذي هو مفهوم اسمي،
وفيالجملة الاستفهامية كقولك »هل زيد قائم«، متقومة ذاتاً وحقيقة بالجملة
التامةالمدخول عليها الأداة ومفهوم الاستفهام، وفي جملة التمني أو الترجي
متقومةكذلك بالجملة المدخول عليها أداة التمني أو الترجي ومفهومه، لأن
الجملةالمدخول عليها أدوات الاستفهام والتمني والترجي بمثابة المادة لهيئات هذه
الجملالتي يكون مدلولها النسب الاستفهامية والترجية والتمنية.
وعلى هذا ففي الجملة الاستفهامية، مثل قولك »هل زيد عالم« نسبتان:الاُولى بين زيد
وعالم، الثانية بين مفهوم الاستفهام والجملة المستفهم عنهاوهيجملة »زيد عالم«،
وتدل الجملة الاستفهامية على النسبة الاستفهاميةبتعدد الدال والمدلول، بأن يكون
الدال على النسبة الاُولى الجملة المدخولعليهاالأداة والدال على النسبة الثانية
الجملة الاستفهامية، وكذلك الحالفيالجملة التمنية والترجية(14).
وقد يورد على هذا القول بإيرادين:
الأول: أن أحد طرفي النسبة في الكلام وهو الدال على مفهوم الاستفهام غيرمذكور فيه،
ولازم ذلك هو أن يكون الكلام على مستوى مدلوله اللفظي ناقصاً،وعليه فلا يمكن أن يدل
على هذه النسبة، إذ لو دلّ عليها، فبطبيعةالحال يدل علىطرفيها الموجودين فيه، حيث
إنه لا يعقل وجودالنسبة بدون وجود طرفيها(15).
والجواب: أن مفهوم الاستفهام مفهوم ثانوي وليس مدلولاً مطابقياً للفظ،فإن المدلول
المطابقي للفظ هو المفهوم الذي يرد على الذهن من الخارج مباشرةدون المفهوم الثانوي،
فإنه لم يرد على الذهن من الخارج كذلك، بل هو منتزع منالمفهوم الأولي، ولا موطن له
إلاّ الذهن، ولا يكون مدلولاً للفظ، وعلى هذا فلاتكون الجملة الاستفهامية ناقصة على
مستوى مدلولها اللفظي، وذلك لأن كلمة»هل« في قولك »هل زيد عالم« تدل على النسبة
المذكورة التي يكون أحدطرفيها مفهوم الاستفهام والطرف الآخر الجملة التامة المدخول
عليها الأداةبعنوان المستفهم عنها، وعليه فطرفا النسبة الاستفهامية من المفاهيم
الثانوية،وهما مفهوم الاستفهام والمستفهم عنه، فلذلك لا يكون مدلولاً للفظ
بالمطابقة،لأنه منتزع من المفهوم الأول وليس مدلولاً للفظ مباشرة، وعليه فعدم
دلالةالكلام على مفهوم الاستفهام بالمطابقة، لا يؤدي إلى كونه ناقصاً على
مستوىمدلوله اللفظي، لفرض أنه ليس مدلولاً للفظ كما عرفت، وحيث إن النسبة لاتتصور
إلاّ بين المنتسبين، فيكون الطرف الآخر لها، وهو مفهوم الاستفهاممستفاد من الأداة،
على أساس أنها تدل على النسبة بالمطابقة وعلى طرفيهابالتبع باعتبار أنها لا يعقل
بدونهما، ونفس الشيء يقال بالنسبة إلى سائر الجملالانشائية، كالجمل التمنية أو
الترجية أو الطلبية، على أساس أن هذه النسبأيضاً نسب ثانوية، حيث إن طرفيها من
المفاهيم الثانوية.
والخلاصة: أن أداة الاستفهام أو التمني أو الترجي أو هيئة الجملة الاستفهاميةأو
التمنية أو الترجية التي تدل على النسبة الاستفهامية أو التمنية أو
الترجيةبالمطابقة تدل على طرفيها بالالتزام والتبع، وهما مفهوم الاستفهام الذي
هومفهوم اسمي والمستفهم عنه وهو الجملة التامة المدخول عليها الأداة، وعلى
هذافلاتكون الجملة ناقصة على مستوى مدلولها اللفظي، فإذن لا اشكال في هذاالقول من
هذه الناحية.
ولكن الذي يرد عليه أن النسبة المذكورة التي تدل عليها الأداة أو الهيئةالمتحصلة من
دخولها على الجملة إنما هي نسبة بين المستفهم والمستفهم عنه، لابين مفهوم الاستفهام
والمستفهم عنه، لأن مفهوم الاستفهام مفهوم اسمي، ولا تدلالأداة أو الهيئة على
النسبة بينه وبين الجملة المدخول عليها الأداة، بل تدل علىالنسبة بين المستفهم
والمستفهم عنه.
هذا إضافة إلى أن مفهوم الاستفهام مفهوم لحاظي منتزع من النسبةالاستفهامية لا طرف
لها، فلذلك لا يصلح أن يكون طرفاً للنسبة.
الثاني: أن هذه النسبة التي هي بين مفهوم الاستفهام والجملة المستفهم عنهالا تخلو
من أن تكون نسبة تامة واقعية في صقع الذهن أو ناقصة تحليلية،وكلتاهما غير معقولة.
أما الأول فلأن ملاك النسبة التامة أن يكون موطنها الأصلي الذهن، وأماالنسب
الخارجية الأولية لا يمكن أن ترد إلى الذهن إلا ناقصة، والمقصودبالنسب الخارجية،
كلما ما كان خارج الذهن بوصفه وعاء للتصور واللحاظ،سواء أكان موجوداً في عالم
الخارج أي المادة أم في عالم النفس، ونتيجة ذلك أنهلا يمكن أن تكون النسبة
الاستفهامية تامة، لأنها ثابتة خارج الذهن ولو كان هوعالم النفس الذي هو موطن
الاستفهام.
وأما الثاني، فهو غير معقول في المقام، لأن طرفي النسبة التحليلية مع نفسالنسبة
يوجدان بوجود واحد في صقع الذهن، وذلك الوجود الواحد ينحل إلىأجزاء ثلاثة منها
النسبة، ومن الواضح أن الصورة الموجودة في الذهن منالجملة الاستفهامية ليست صورة
واحدة كصورة الانسان مثلاً وانحلالها عقلاًإلى ذات القيد وذات المقيد والتقيّد، بل
الموجود فيه صورة جملة تامة، وهيالمركبة من المقيد وهو الجملة المستفهم عنها،
والقيد وهو المستفهم، والنسبةبينهما، فالنتيجة أنه لا ينطبق ضابط النسبة التامة على
النسبة الاستفهامية، ولاضابط النسبة الناقصة التحليلية(16).
والجواب: ما تقدم موسعاً من أن النسبة سواء أكانت في الجملة التامةأمالناقصة ثابتة
في الذهن بنفسها لا بوجودها اللحاظي، لأن الملحوظبهذااللحاظ فيه مفهوم اسمي لا
حرفي، وانهابنفسها لا تتصف بالتمامية والنقصانإلاّ بالتبع.
وبكلمة، قد أشرنا في غير مورد أن الذهن ظرف لنفس النسبة لا لوجودهاالتصوري لاستحالة
أن توجد النسبة في الذهن، لأن ما وجد فيه تصوراً إنما هومفهوم النسبة لا واقعها،
والمفروض أن مفهوم النسبة ليس بنسبة بالحملالشائع، لأنه مفهوم اسمي وليس بحرفي،
وعلى هذا فالنسبة الاستفهامية نسبةثابتة في الذهن بنفسها لا بوجودها التصوري
اللحاظي، حيث إنه لا يعقل أنيكون لها وجود كذلك، فإذن لا يكون الذهن وعاءً وظرفاً
لوجود النسبة، وإنماهي ثابتة فيها بنفسها لا بوجودها اللحاظي التصوري، فإذن يكون
المراد منثبوت النسبة الاستفهامية في عالم النفس دون عالم الذهن ثبوتها
بنفسهالابوجودها اللحاظي التصوري في عالم الذهن الذي هو وعاء له.
فالنتيجة أن النسبة الاستفهامية نسبة واقعية ثابتة بنفسها في الذهن لابوجودها
التصوري، وهذا لا ينافي ثبوتها في عالم النفس.
ولكن الذي يرد على هذا القول هو أن أحد طرفي النسبة الاستفهامية ليسمفهوم
الاستفهام بل المستفهم، لأن مفهوم الاستفهام مفهوم انتزاعي منتزع منالنسبة
المذكورة في وعاء الذهن، فلا يصلح أن يكون طرفاً لها.
القول الثالث: ما اختاره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن الجمل المتمحضة فيالانشاء
كالجملة الاستفهامية موضوعة بإزاء النسبة بين المستفهم والجملةالمستفهم عنها، ولا
وعاء لها إلاّ وعاء الاستفهام، لأنها توجد فيه، فإذا قيل »هلزيد قائم«، دلت كلة
)هل( أو هيئة الجملة الاستفهامية على النسبة بينالمستفهم والسائل وبين القضية
المستفهم والمسئول عنها، وهذه النسبة أي النسبةالاستفهامية غير النسبة في الجملة
المدخول عليها كلمة »هل«، فإنها بين زيدوقائم، وتلك بين المستفهم والجملة المستفهم
عنها، وتوجد في وعاء الاستفهامعند وجود الجملة الاستفهامية ودلالتها عليها،
باعتبار أن الأداة أو الهيئة تدلعلى واقع الاستفهام، والسؤال الذي هو بالحمل
الشائع عين الربط والنسبةبينهما، وكذلك الحال في الجملة التمنية والترجية، وأما
مفهوم الاستفهام والتمنيوالترجي، فهو مفهوم اسمي وليس بحرفي ولا تدل الأداة
عليه(17).
وغير خفي أن هذاالقول هوالصحيح وموافق للمتفاهم العرفيالإرتكازيمنالجمل
الاستفهامية ونظيراتها، فإذا قيل»هل زيد عالم« كان المتبادر منهواقعالاستفهام عن
ثبوتالعلم لزيد فيالخارج، ومن الواضح أنالاستفهام متقومذاتاً وحقيقةً بشخص
المستفهم والمستفهم عنه، لأنه نسبة بينهما بالحمل الشائع،وهذه النسبة التي تسمى
بالنسبة الاستفهامية غيرالنسبة فيالجملة المدخولعليها الأداة، لأنها بين زيد
وعالم في المثال، ومباينة لها من جهة أن المقوماتالذاتية لكل منهما مباينة
للمقومات الذاتية للاُخرى، وعلى هذا فالجملةالاستفهامية تدل على النسبة بين
المستفهم والجملة المستفهم عنها بتعدد الدالوالمدلول، فإنها تدل على هذه النسبة،
والجملة المدخولة تدل علىالنسبة فيها،غاية الأمر أن هذه النسبة تخرج عن صلاحية
الحكاية إذا دخلت عليها الأداة.
القول الرابع: ما اختاره بعض المحققينقدس سره، وحاصل ما اختاره أن مفادالجملة
الاستفهامية واضرابها أو مفاد الأداة ليس نسبة مغايرة للنسبة المدلولعليها بالجملة
المدخول عليها الأداة بل هو متمم لها.
بيان ذلك أن النسبة بين »زيد« و»عالم« في مثل قولنا »هل زيد عالم« ليسلها ركنان
فحسب، بل لابد من ركن ثالث لها، على أساس أن النسبة التصادقيةلا معنى لها إلاّ
بلحاظ وعاء يكون فيه التصادق، فإن الذهن يتصور »زيد«و»عالم« متصادقين على شيء في
عالم من العوالم خارج الذهن، وهذا العالم فيالجملة الخبرية المجردة عن الأداة عالم
التحقق والثبوت، وفي الجملة الاستفهاميةعالم الاستفهام والسؤال، وفي الجملة التمنية
عالم التمني، وفي الجملة الترجية عالمالترجي وهكذا، ويكون المعنى في الجملة
الاُولى تصادق المفهومين في وعاءالتحقق والثبوت، وفي الجملة الثانية تصادقهما في
وعاء الاستفهام، وفي الجملةالثالثة وعاء التمني، وفي الجملة الرابعة وعاء الترجي
وهكذا، وليس المقصود منهذا الطرف الثالث وجود مفهوم اسمي ثالث للنسبة التصادقية
على حد مفهوم»زيد« و»عالم«، بل وجود ركن ثالث لقوام النسبة التصادقية، فإنها بحاجة
إلىوعاء يصدق بلحاظه المفهومان.
وإن شئت قلت: إن النسبة التصادقية بين مفهومين لها حصص عديدة إحداهاالنسبة
التصادقية بلحاظ وعاء التحقق، والاُخرى بلحاظ عالم السؤالوالاستفهام، والثالثة
بلحاظ عالم التمني وهكذا، وتعيين احدى هذهالحصصيكون بالأداة الداخلة على الجملة
أو بتجردها عن كل أداة كما فيالجملة الخبرية التامة(18).
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن مفاد الجملة الاستفهامية كقولك »هل زيدقائم«،
واضرابها، نسبة مغايرة للنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« التيدخلت عليها
الأداة، وذلك لما تقدم من أن مغايرة كل نسبة عن نسبة اُخرى إنماهي بمغايرة المقومات
الذاتية لكل منهما للمقومات الذاتية للاُخرى، وحيث إنالمقومات الذاتية للنسبة
الاستفهامية التي هي مفاد الأداة أو الهيئة المتحصلة مندخولها على الجملة، مباينة
للمقومات الذاتية للنسبة التي هي مفاد جملة »زيدقائم« التي هي المدخول عليها
الأداة، لأن الاُولى متقومة ذاتاً وحقيقة بشخصوجودي المستفهم والجملة المستفهم
عنها، والثانية متقومة كذلك بشخصوجودي »زيد« و»قائم«، فإذن لا محالة تكون النسبة
الاستفهامية مغايرةللنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم«، وعلى هذا فموطن النسبة
الاستفهاميةعالم الاستفهام، وموطن النسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« الذهن،
فهنانسبتان وتدل عليهما الجملة الاستفهامية بتعدد الدال والمدلول، فإن
أداةالاستفهام تدل على النسبة الاستفهامية، والجملة المدخول عليها الأداة ك
»زيدقائم« تدل على النسبة بينهما، فوعاء الاُولى عالم الاستفهام والسؤال،
ووعاءالثانية عالم الذهن بحسب مرحلة التكوين، وعالم التحقق بحسب مرحلةالتصادق نفياً
وإثباتاً، فإذن لا يمكن القول بأن مفاد الجملة الاستفهاميةواضرابها ليس نسبة مغايرة
للنسبة المدلول عليها بجملة »زيد قائم« في المثالالتي دخلت عليها الأداة، هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن النسبة التصادقية ليست مدلولاً وضعياً للجملة وإنماهي مدلول
تصديقي لها ومتمثلة في النسبة الخارجية، فإن عالم الخارج والتحققهو وعاء تصادق
مفهومي طرفي النسبة الذهنية، والمدلول الوضعي للجملة انماهو النسبة الواقعية
الذهنية التي يكون الذهن ظرفاً لنفسها وتحكي عن النسبةالخارجية بتبع اطرافها.
فالنتيجة أنه لا يمكن المساعدة على هذا القول.
القول الخامس: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن الجملة الانشائيةموضوعة
لإبراز أمر اعتباري نفساني من الوجوب أو الحرمة أو الملكية أوالزوجية أو الاستفهام
أو التمني أو الترجي، وقد أفاد في وجه ذلك أنه ليس فيموارد الجمل الانشائية عند
التحليل إلاّ اعتبار شيء في صقع الذهن وابرازه فيالخارج بمبرز ما، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما هو المشهور والمعروف بين الأصحاب من أنالانشاء عبارة عن
إيجاد المعنى باللفظ لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لأنه إناُريد بالايجاد الايجاد
التكويني كإيجاد الجوهر والعرض، فبطلانه منالضروريات التي لا تقبل النزاع، بداهة
أن الانشاء من المولى بما هو مولى لايمكن تعلقه بالموجودات الخارجية بشتى اشكالها
وأنواعها، فإنها توجد بوجوداسبابها وعللها التكوينية، والمفروض أن الألفاظ ليست
واقعة في سلسلة عللهاوأسبابها لكي توجد بها، وإن اُريد به الايجاد الاعتباري كإيجاد
الوجوبوالحرمة أو الملكية والزوجية وغير ذلك، فيرد عليه أن الايجاد الاعتباري
بيدالمعتبر وجوداً وعدماً، لأنه فعل اختياري له مباشرة، ولا يعقل فيه التسبيب،ومن
هنا يكفي في تحققه نفس الإعتبار النفساني من دون حاجة إلى اللفظوالتلفظ به، ولا
يعقل أن تكون الجملة الانشائية سبباً وعلة لإيجاده، وإلاّ لكانفعلاً تسبيباً وهذا
خلف، نعم يكون اللفظ مبرزاً له في الخارج لا موجداً له،وأماالإعتبار الشرعي أو
العقلائي، فهو مترتب على الجملة الانشائية إذااستعملت فيمعناها الموضوع له لا
مطلقاً، والكلام فعلاً إنما هو في تعيين هذاالمعنى وتحديده سعةً أو ضيقاً(19).
ما ذكرهقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الجملة الانشائية موضوعة للدلالة على قصد ابراز أمر اعتبارينفساني
خاص، على أساس أن كل متكلم يتعهد بأنه متى ما قصد ابراز ذلكيتكلم بالجملة
الانشائية، مثلاً إذا قصد ابراز اعتبار الملكية، يتكلم بصيغة»بعت« أو »ملكت«، وإذا
قصد ابراز اعتبار الزوجية، يبرزه بقوله »زوجت«أو »أنكحت«، وإذا قصد إبراز اعتبار
كون المادة على عهدة المخاطب، يتكلمبصيغة »افعل« أو نحوهما وهكذا.
ومن هنا قلنا إنه لا فرق بينهما وبين الجملة الخبرية في الدلالة الوضعيةوالإبراز
الخارجي، فكما أنها موضوعة للدلالة على ابراز أمر اعتباري كالملكيةوالزوجية
ونحوهما، فكذلك تلك موضوعة للدلالة على ابراز قصد الحكايةوالاخبار عن الواقع.
الثانية: أن ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من أن الجملة الانشائيةموضوعة
للدلالة على إيجاد المعنى في الخارج لا يرجع إلى معنى محصل.
ولكن كلتا النقطتين قابلة للنقد والمناقشة:
أما النقطة الاُولى فلأنها مبنية على مسلكهقدس سره في باب الوضع، وهو
التعهدوالالتزام النفساني، فإنه يقتضي أن تكون الجملة الانشائية موضوعة للدلالةعلى
قصد ابراز أمر اعتباري نفساني في الخارج، ولكن ذكرنا في باب الوضعموسعاً أن هذا
المسلك غير تام فلا نعيد.
هذا إضافة إلى أن الوضع بمعنى التعهد لا يقتضي وضع الجمل الانشائيةللدلالة على قصد
ابراز الأمر الاعتباري النفساني، إذ كما يمكن ذلك يمكن أنتكون موضوعة للدلالة على
قصد اخطار الأمر الاعتباري النفساني في الذهن،لأن الوضع بهذا المعنى وإن كان يقتضي
أخذ الإرادة والقصد في المعنى الموضوع لهأو العلقة الوضعية، باعتبار أن التعهد
والالتزام لابد أن يكون متعلقاً بفعلاختياري قصدي، وأما كون متعلق القصد الإبراز
أو الاخطار، فهو لا يقتضيذلك، وكيف كان فما ذكرهقدس سره مبني على مسلكه في باب
الوضع، وأما على سائرالمسالك فيه، فلا يتم ما أفاده كما سوف نشير إليه.
وأما النقطة الثانية فمن الواضح جداً أن مراد المشهور من الايجاد ليس هوالايجاد
التكويني الخارجي، على أساس أنه لا يمكن إيجاده بالانشاء باللفظ، ولاالايجاد
الاعتباري، فإنه بيد المعتبر مباشرة ولا يعقل فيه التسبيب، بل مرادهممنه الايجاد
الانشائي التصوري، على أساس أن الدلالة الوضعية دلالة تصوريةبحتة بدون فرق في ذلك
بين الألفاظ المفردة والألفاظ المركبة من الجملاتالخبرية والانشائية، ومعنى
الايجاد الانشائي التصوري هو أن المتبادر من الجملةالانشائية كصيغة الأمر مثلاً
النسبة المولوية البعثية الطلبية الفانية في واقع يرىبالنظر التصوري ثبوته بنفس
هذه الجملة، بينما كان المتبادر من الجملة الخبريةالنسبة الفانية في واقع يرى
بالنظر التصوري مفروغاً عنه، هذا هو الفارق بينهمافي المدلول التصوري، فيكون هذا
الفرق من شؤون مرحلة المدلول الوضعي،وأما في مرحلة المدلول التصديقي، فالصيغة تدل
على إرادة المولى تحرك المأمورنحو المادة وكشفها عن هذه الإرادة الجدية، بينما
الجملة الخبرية تدل على إرادةالمخبر الحكاية والاخبار عن ثبوت ذلك الأمر المفروع
عنه في الواقع أو نفيه فيه.
وعلى هذا فالظاهر أن المشهور أرادوا بتفسير الانشاء بالايجاد وضع الجملةالانشائية
بإزاء معنى لا واقع له الا في وعاء الانشاء، فإن كانت الجملة الانشائيةطلبية فوعاؤه
عالم الطلب، وإن كانت استفهامية فوعاؤه عالم الاستفهام، وإنكانت تمنية فوعاؤه عالم
التمني وإن كانت ترجية فوعاؤه عالم الترجي وهكذا، فإذاكانت الجمل الانشائية موضوعة
بإزاء المعاني الموجودة في هذه الأوعية ودالةعلى اخطارها في ذهن السامع وإن كانت
صادرة من لافظ بغير شعور واختياركانت معانيها إيجادية، يعني لا واقع موضوعي لها
ماعدا ثبوتها في تلك الأوعية،فالايجادية صفة للمعنى لا أنها صفة للفظ، لأن اللفظ لا
يكون سبباً وعلةلإيجاده، فالجملة الانشائية تدل على معنى لا واقع موضوعي له في
الخارج،ولذلك لا تتصف بالصدق والكذب، وهذا بخلاف الجملة الخبرية، فإنها تدلعلى
معنى له واقع موضوعي، ولهذا تتصف بالصدق والكذب من جهة أنهاقدتكون مطابقة للواقع
وقد تكون مخالفة له. تحصل من ذلك أن الايجادية صفةللمعنى وقائمة به بلحاظ وعائه لا
للجملة، واتصافها بها إنما هو بالعرض وبلحاظمعناها لا في نفسها.
فالنتيجة أن مراد المشهور من أن الانشاء إيجاد المعنى باللفظ هو الايجادالانشائي
التصوري، لا الايجاد التكويني ولا الايجاد الاعتباري، وهذا هوالظاهر من الجملة
الانشائية بشتى أنواعها وأشكالها.
وبكلمة، إن صيغة »افعل« موضوعة للدلالة على معنى فان في واقع يرىبالنظر التصوري
ثبوته بنفس هذه الصيغة في وعاء الطلب، وهو النسبة الطلبيةالمولوية، وصيغة الاستفهام
موضوعة للدلالة على معنى - وهو النسبةالاستفهامية - فإن في واقع يرى باللحاظ
التصوري ثبوته بنفس هذه الصيغة فيوعاء الاستفهام، وكذلك الحال في صيغة التمني
والترجي وما شاكلهما، وبذلكتفترق الجملة الانشائية عن الجملة الخبرية في مرحلة
المدلول الوضعيالتصوري، كما أنها تفترق عنها في مرحلة المدلول التصديقي، هذا تمام
الكلام فيالمرحلة الاُولى وهي تعيين المدلول الوضعي الذاتي للجملة الانشائية.
وأما الكلام في المرحلة الثانية فيقع في تمييز الجمل المختصة بالانشاء عنالجمل
المختصة بالاخبار، وهذا يختلف باختلاف المباني في تفسيرهما.
اما على مبنى السيد الاُستاذقدس سره فكلتا الجملتين تشترك في الدلالة الوضعية،وهي
الدلالة على قصد المتكلم وإرادته، وتختلف في سنخ المقصود، فإنه فيالجملة الاُولى
ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وفي الجملة الخبرية الحكايةوالاخبار عن الثبوت
والتحقق في الواقع أو نفيه، فلهذا لا تتصف الاُولى بالصدقوالكذب، على أساس أنه لا
واقع موضوعي لمدلوها في الخارج لكي يتصفبالصدق إذا كان مطابقاً للواقع، وبالكذب
إذا لم يكن مطابقاً له، وتتصف الثانيةبالصدق والكذب باعتبار أن لمدلولها واقعاً
موضوعياً قد يكون مطابقاً له وقديكون مخالفاً له، فعلى الأول تتصف بالصدق، وعلى
الثاني بالكذب.
وأما على القول الرابع فلا اختلاف بين الجملتين في ذات المدلول الوضعي وهوالنسبة،
وإنما الإختلاف بينهما في وعائها، مثلاً جملة »زيد قائم« موضوعةللدلالة على النسبة
بينهما، ووعاؤها عالم التحقق والثبوت في مرحلة التصادق،وإذا دخلت عليها أداة
الاستفهام كجملة »هل زيد قائم« دلت الأداة أو الهيئةالمتحصلة من دخولها عليها على
تلك النسبة في وعاء الاستفهام، فالفرق بينهاوبين الجملة المجردة عن الأداة إنما هو
في الوعاء، وكذلك إذا دخلت عليها أداةالتمني أو الترجي دلت على نفس النسبة في وعاء
التمني أو الترجي وهكذا.
الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار
والخلاصة: أن النسبة لما كانت بحاجة إلى ركن ثالث - وهو الوعاء - زائداًعلى طرفيها،
فهذا الركن في الجملة الخبرية إذا كانت مجردة عن الأداةعالمالتحقق والثبوت،
باعتبار أن طرفي النسبة متصادقان على شيء واحد فيه،وفيالجملة الانشائية إذا كان
استفهامية عالم الاستفهام، وإذا كانت تمنية عالمالتمني وهكذا.
وعلى هذا فالفرق بين الجملة الانشائية والخبرية إنما هو في وعاء المدلولالتصوري
الوضعي لا في ذاته، لأن المتبادر من الجملة الاستفهامية النسبةالاستفهامية
التصادقية في وعاء الاستفهام وإن كانت الجملة صادرة منمتكلمبغير شعور واختيار،
والمتبادر من الجملة التمنية، النسبة التمنية التصادقيةفي وعاء التمني وهكذا،
والمتبادر من الجملة الخبرية، النسبة التصادقية فيوعاءالتحقق والخارج.
وأما بناءً على ما قويناه فتفترق الجملة الانشائية من الجملة الخبرية فيالنسبة
والوعاء معاً، فإن الجملة الانشائية الاستفهامية موضوعة للدلالة علىالنسبة بين
المستفهم والجملة المستفهم عنها في عالم الاستفهام، والجملة التمنيةموضوعة للدلالة
على النسبة بين المتمني والجملة المتمني عنها وهكذا، والجملةالخبرية »كزيد عالم«
موضوعة للدلالة على النسبة التصادقية بينهما في عالمالتحقق والثبوت، وهذه النسبة
مغايرة للنسبة في الجملة الانشائية، من جهة أنالمقومات الذاتية لكل منهما مغايرة
للمقومات الذاتية للاُخرى.
ثم إن إيجادية المعنى الانشائي كما مرّ إنما هي بلحاظ ثبوته في وعاء لاواقعموضوعي
له في الخارج، كما أن حكائية المعنى الاخباري إنما هي بلحاظثبوته في الواقع.
وأما الكلام في المورد الثاني، فيقع في الجملة المشتركة وهي الجملةالخبرية التي
تستعمل في مقام الانشاء المعاملي كجملة »بعت« أو »اشتريت« أوفي مقام إنشاء البعث
والطلب كجملة »يعيد« أو »أعاد« وهكذا.
وهل يكون استعمالها في مقام الانشاء في معنى آخر مغاير لمعناها في مقامالاخبار،
فيه أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن مفاد »بعت« إخباراًوإنشاءاً
واحد، وهو نسبة إيجاد المادة إلى المتكلم، وهيئة »بعت« مستعملةفيها،وهذه النسبة
الايجادية الواقعة بين المادة والمتكلم إن قصد الحكاية عنثبوتها في الواقع فالجملة
خبرية، وان قصد إيجادها التنزيلي اللفظي في عالمالانشاء فالجملة انشائية(20).
ونتيجة ما أفادهقدس سره هي أن المدلول الوضعي التصوري للجملة المشتركةواحد، وهو
النسبة الايجادية بين المادة والمتكلم، فإنها تدل عليها وضعاً وإنكانصدورها عن
لافظ بغير شعور واختيار، وحينئذ فإن كان في مقام الانشاءكان يقصد إيجاد هذه النسبة
خارجاً بوجودها التنزيلي اللفظي، وليس وراء ذلكأمر آخر، وإن كان في مقام الاخبار
كان يقصد - زيادة عن ثبوت المعنى تنزيلاً -الحكاية عن ثبوته في موطنه.
والخلاصة: أن الجملة المشتركة بين الاخبار والانشاء إذا استعملت في مقامالاخبار،
فقد احتوت على نقطة زائدة، وهي قصد الحكاية عن ثبوت المعنىفيعالم التحقق والخارج
زائداً على قصد اخطاره في ذهن السامع وإيجادهالتنزيلي بالوجود اللفظي.
وما ذكرهقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن المدلول التصوري الوضعي في الجمل المشتركة بين الاخباروالانشاء واحد،
وهو إيجاد النسبة المتعلقة بالمادة بالوجود اللفظي التنزيليواخطارها في ذهن
السامع.
الثانية: أنها في مقام الاخبار تتضمن نكتة زائدة، وهي قصد الحكاية عنثبوت النسبة
المذكورة في موطنها وعدم ثبوتها فيه.
ولنأخذ بالنظر على كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى: فيرد عليها ما سوف نشير إليه في ضمن البحوث القادمة،من أن
الجمل المشتركة موضوعة بإزاء ذات النسبة المناسبة لكلا النحوين مناللحاظ التصوري
الحكائي والايجادي، وتدل عليها بتعدد الدال والمدلول، بأنتدل ذات الجملة على ذات
النسبة، وخصوصيتها على خصوصيتها من الايجاديةأو الحكائية، فالجملة في مقام الاخبار
تدل على نسبة فانية بالنظر التصوري فيمصداق مفروغ عنه في الخارج، وفي مقام الانشاء
تدل على نسبة فانية فيمصداق يرى بالنظر التصوري ثبوته بنفس هذه الجملة، هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن ما ذكرهقدس سره - من أن المدلول الوضعي لهذه الجملة النسبةبين
المادة والمتكلم، والجملة مستعملة فيهاسواء أكانت في مقام الاخبار أمالانشاء، غاية
الأمر إذا كانت في مقام الاخبار قصد أمراً زائداً عليها، وهوالحكاية عنها في الواقع
- لا يمكن المساعدة عليه، لأن الموضوع له لها إذا كانالنسبة الايجادية بينهما، فهي
لا تتصف بالحكائية لا تصوراً ولا تصديقاً، أماالأول فلأن النسبة الحكائية بالنظر
التصوري هي النسبة الفانية بهذا النظر فيواقع مفروغ عن ثبوته في الخارج، ومن
الواضح أن هذا في مقابل النسبة الفانيةبالنظر التصوري في مصداق يرى ثبوته ووجوده
بنفس الجملة، فلذلك لا يمكنالجمع بينهما، وأما الثاني فلأنه لا يمكن أن يقصد
المتكلم الحكاية عن هذه النسبةالتي لا واقع لها غير وجودها بين المادة والمتكلم
الحاصلة بنفس الجملة، ومن هناكان المتبادر منها بالتبادر التصوري في مقام الاخبار
غير ما هو المتبادر منها بهذاالتبادر في مقام الانشاء.
ومن ناحية ثالثة، إن تفسيره الايجاد بالايجاد التنزيلي اللفظي مبني على أنمعنى
الوضع عنده هو تنزيل وجود اللفظ وجوداً للمعنى، ولكن قد تقدم أن هذاالتفسير للوضع
تفسير خاطيء لا يمكن الالتزام به، ومن هنا يكون استعمالاللفظ في المعنى يقتضي
التغاير والإثنينية، لا أنه يتطلب الإتحاد والعينية بالتنزيلوالإعتبار.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها مامرّ الآن من أن قصدالحكاية عنالنسبةالايجادية
بينالمادة والمتكلمالتي لاثبوت لها بالنظرالتصوري إلا بثبوت نفسالجملة مما
لامعنى له، إذ لا واقع لها لكي يقصدالحكاية عنها، ومنالواضح أنقصدالحكاية عن
النسبة، يستلزم كون النسبة حكائية بالنظرالتصوري، علىأساس أنالمدلولالتصديقي
هوالمدلولالتصوري، ولافرق بينهما في نفس المدلول.
القول الثاني: ما اختاره المحقق الخراسانيقدس سره، فإنه بعد ما قوى أن
المعنىالحرفي والاسمي متحدان بالذات والحقيقة ومختلفان باللحاظ الآلي
والإستقلالي،قال لا يبعد أن يكون الانشاء والاخبار أيضاً من هذا القبيل، بمعنى أن
طبيعيالمعنى الموضوع له واحد فيهما، والإختلاف بينهما إنما هو في الداعي،
فإنهفيالانشاء قصد إيجاد المعنى، وفي الخبر قصد الحكاية عنه، وكلاهما خارجانعن
حريم المعنى(21).
توضيح ذلك: أن الصيغ المشتركة كصيغة »بعت« و»ملكت« ونحوهماتستعمل في معنى واحد مادة
وهيئة في مقام الاخبار والانشاء، وأما بحسب المادةفظاهر، لأن معناها الطبيعيُّ
المهمل، وهي تستعمل فيه دائماً سواء كانت الهيئةالطارئة عليها يستعمل في مقام
الاخبار أو الانشاء، وأما بحسب الهيئة فلأنهاتستعمل في نسبة إيجاد المادة إلى
المتكلم في كلا المقامين، غاية الأمر أن الداعي فيمقام الانشاء إنما هو إيجادها في
الخارج، وفي مقام الاخبار الحكاية عنها،فالإختلاف بينهما في الداعي لا في المستعمل
فيه.
وإن شئت قلت: إن العلقة الوضعية في أحدهما غير العلقة الوضعية في الثاني،فإنها في
الجمل الانشائية تختص بما إذا قصد المتكلم إيجاد المعنى في الخارج، وفيالجمل
الخبرية تختص بما إذا قصد الحكاية عنه فيه.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الإختلاف بين الجملة الخبريةوالانشائية،
إنما هو في المعنى الموضوع له والمستعمل فيه لا في مجرد الداعي،بتقريب أن هذه الجمل
تقسم إلى صنفين أحدهما ما يستعمل من مقام الانشاء،والآخر ما يستعمل في مقام
الاخبار.
أما الأول فهو موضوع للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوت شيءفي الواقع أو
نفيه فيه، والثاني موضوع للدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباريالنفساني، فالمعنى
الموضوع له في الأول هو قصد الحكاية والاخبار عن الواقع،وفي الثاني هو قصد ابراز
الأمر الاعتباري من الوجوب أو الحرمة أو الملكية أوالزوجية أو نحو ذلك.
ويؤكد ذلك أن معنى الانشاء والاخبار لو كان واحداً بالذات والحقيقة وكانالإختلاف
بينهما من ناحية الداعي، كان اللازم أن يصح استعمال الجملة الاسميةفي مقام الطلب
كما يصح استعمال الجملة الفعلية فيه، بأن يقال »إن المتكلم فيالصلاة معيد صلاته«،
كما يقال »إنه يعيد صلاته« أو »إنه إذا تكلم في صلاتهأعاد صلاته« مع أنه من أفحش
الأغلاط(22).
ولنأخذ بالنقد على ما أفادهقدس سره، وملخصه أن هذا الإشكال مبني علىمسلكهقدس سره
من باب الوضع، فإن الوضع بمعنى التعهد يقتضي كون الجملة ك»بعت« أو »اشتريت« مثلاً
في موارد الاخبار موضوعة للدلالة على قصدالحكاية عن الواقع نفياً أو اثباتاً، وفي
موارد الانشاء موضوعة للدلالة علىقصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني، ولا يمكن
انخفاظ قصد الحكاية والاخبارعن ثبوت شيء في الواقع أو نفيه فيه في موارد استعمالها
في الانشاء، إذ مقتضىمسلك التعهد أن كل مستعمل واضع، وعليه فالمستعمل للجملة
المشتركة إذااستعملها في موارد الاخبار، تعهد بأنه لا يتكلم بها في هذه الموارد إلا
إذا قصدالحكاية بها عن ثبوت شيء في الواقع، وإذا استعملها في موارد الانشاء،
تعهدبأنه لا يتكلم بها في هذه الموارد إلاّ إذا قصد ابراز الأمر الاعتباري
النفساني،فإذن يكون لها وضعان: وضع في موارد استعمالها في الاخبار، ووضع في
موارداستعمالها في الانشاء، وعليه فهذا الإختلاف بينهما في المعنى الموضوع
لهوالمستعمل فيه نتيجة حتمية للإلتزام بهذا المسلك، ولكن هذا المسلك غير تامكما
ذكرناه في باب الوضع.
وبكلمة أوضح أن الجمل المشتركة التي تستعمل في مقام الانشاء المعامليكصيغة »بعت«
و»ملكت« و»زوجت« وهكذا، أو في مقام إنشاء الطلب مثل»أعاد« و»يعيد« وما شاكل ذلك، هل
تستعمل في معنى آخر غير معناها الذييراد منها في موارد استعمالها في مقام الاخبار.
والجواب: أن هناك عدة تفسيرات لذلك.
الأول: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من انهما مختلفتان في المدلول الوضعي،فإنه
في موارد استعمالها في مقام الاخبار قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقعأو نفيها
فيه، وفي موارد استعمالها في مقام الانشاء قصد ابراز الأمر الاعتباري،كان من
الاعتبارات المعاملية أم التكليفية على تفصيل تقدم آنفاً.
ولكن قد مرّ أن ذلك مبني على مسلك التعهد في باب الوضع.
الثاني: ما ذهب إليه المحقق الخراسانيقدس سره من أن الجمل المشتركة موضوعةلمعنى
واحد، ولا فرق بينهما اخباراً وانشاءً فيه، والفرق إنما هو في الداعي، فإنكان
الداعي على استعمالها في معناها الموضوع له إيجاده وانشاؤه في وعائه فهيانشائية،
وإن كان الحكاية عن ثبوته في الخارج فهي خبرية.
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أنه إن اُريد من الداعي إرادة إيجاد مدلولهاالوضعي في
وعاء الطلب أو الإعتبار من الاعتبارات المعاملية في موارد استعمالهافي مقام الانشاء
وإرادة الحكاية عن ثبوته في وعاء التحقق والخارج في موارداستعمالها في الاخبار،
فيرد عليه أن لازم ذلك هو أن اتصاف الجملة المشتركةبالخبرية تارة والانشائية اُخرى،
إنما هو بلحاظ المدلول التصديقي لها دونالمدلول الوضعي، حيث إنه لا اختلاف بينها
اخباراً وانشاءً فيه، لأنها بلحاظه لاانشائية ولا اخبارية، وإنما تتصف بهما بلحاظ
مدلولها التصديقي.
والخلاصة: إن الجمل المشتركة على هذا القول لا تتصف بالخبرية والانشائيةبلحاظ
مدلولها الوضعي التصوري، وإنما تتصف بهما بلحاظ مدلولها التصديقي،ولكن سوف نشير إلى
أن الفرق بينهما اخباراً وانشاءً، إنما هو في المدلولالتصوري لا في المدلول
التصديقي فقط.
وإن اُريد من الداعي تقييد العلقة الوضعية في كل منهما بحالة خاصة كما فسرهبذلك
السيد الاُستاذقدس سره، فيرد عليه أن هذا التفسير لا ينسجم مع مسلكهقدس سره منأن
الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، فإن لازم هذا التفسير هوالالتزام بأن
الدلالة الوضعية تصديقية لا تصورية.
الثالث: أن الجملة في موارد الاخبار تختلف عن الجملة في موارد الانشاءبالمدلول
الوضعي التصوري بالالتزام بتعدد الوضع، بأن تكون الجملة في مواردالاخبار موضوعة
بإزاء النسبة التي تلحظ فانية باللحاظ التصوري في مصداقمفروغ عنه في عالم التحقق
والخارج، وفي موارد الانشاء موضوعة بإزاء نفسالنسبة، ولكنها تلحظ فانية باللحاظ
التصوري في مصداق يرى ثبوته بنفسهذه الجملة، وعليه فخصوصية الحكاية والايجادية
بالمعنى المذكور مأخوذة فيالمدلول التصوري لكل منهما، فإذن خبرية الجملة
وإنشائيتها إنما هي بالمدلولالتصوري دون التصديقي فحسب، وعلى هذا فلا يمكن أن تكون
الجملة خبريةإلاّ بلحاظ وضعها بإزاء معنى حكائي في عالم التصور، كما لا يمكن أن
تكونانشائية إلاّ بوضعها بإزاء معنى انشائي كذلك.
الرابع: أن الجملة المشتركة موضوعة بوضع واحد بإزاء معنى اخباري، وهوالمعنى الفاني
في واقع مفروغ عنه بالنظر التصوري، فهي بلحاظ وضعها جملةخبرية لا مشتركة بينها وبين
الانشائية، ولكنها في مقام الانشاء استعملت فيمعنى إنشائي مجازاً، و هو المعنى
الفاني في مصداق يرى بالنظر التصوري كأنهحاصل بنفس هذه الجملة، وعلى هذا فالجملة
المذكورة جملة اخبارية وضعاً،ولكنها قد تستعمل في مقام الانشاء مجازاً، وعليه
فخصوصية الاخباريةوالايجادية بالمعنى المذكور مأخوذة في المدلول التصوري بنحو
الحقيقة والمجاز.
الخامس: أن الجملة المذكورة موضوعة بإزاء ذات النسبة المناسبة لكلاالنحوين من
اللحاظ التصوري الحكائي والايجادي، فتدل عليها بنحو تعددالدال والمدلول، بأن تدل
الجملة بنفسها على ذات النسبة وبخصوصيتها علىالايجادية أو الحكائية.
وبعد ذلك نقول: أنه لا يمكن الالتزام بالوجه الأول، فإنه مبني على مسلكالتعهد، ولا
بالوجه الثاني كما مرّ.
وحينئذ فهل الظاهر من الوجوه الثلاثة الأخيرة الوجه الأول أو الثاني أوالثالث،
الظاهر هو الثالث دون الأول، فإن الالتزام بتعدد الوضع في الجملالمذكورة بعيد
جداً، لأن الظاهر أن لها وضعاً واحداً مادة وهيئة، ودون الوجهالثاني، لأن الالتزام
بأن استعمالها في مقام الانشاء مجاز، خلاف ما هو المرتكز فيالأذهان، وعلى هذا
فالظاهر هو أن استعمال هذه الجمل في مقام الانشاءوالاخبار كليهما حقيقي من باب تعدد
الدال والمدلول، فإن الجملة بنفسها تدلعلى ذات النسبة وبخصوصيتها، ككونها في مقام
الاخبار تدل على خصوصيةحكائية، وكونها في مقام الانشاء تدل على خصوصية إيجادية، على
أساسأنكل جملة ظاهرة في أن المدلول التصديقي لها مطابق للمدلول
التصوريطالمالمتكن قرينة على عدم المطابقة، باعتبار أن المدلول التصديقي
هوالمدلولالتصوري، ولا فرق بينهما إلاّ في أن الأول متعلق للإرادة والقصد،والثاني
لللحاظ والتصور.
فالنتيجة منذلك كله، أنالظاهر من هذهالوجوه الثلاثة هوالوجهالثالث،وعلى هذا
فلافرق بين الجملالمستعملة فيمقامالاخبار والجملالمستعملة في مقامالانشاء
فيذات المعنى الموضوع له، وإنما الفرق بينهما في خصوصيته بدال آخر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: أن الجملة الناقصة كهيئة الإضافة والتوصيف ونحوهماموضوعةبإزاء نسبة واقعية
ذهنية كالحروف الداخلة عليها، فلا فرق بينهمامنهذه الناحية.
الثانية: أن الجملة الخبرية التامة موضوعة للدلالة على واقع النسبة فيالذهن وهي
النسبة بالحمل الشائع، ولها خصائصها الذاتية التكوينية كالإرتباطوالالتصاق بين
المفاهيم فيه، وأما ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنها موضوعةللدلالة على قصد
الحكاية والاخبار عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيهفهوغير تام، لأنه مبني على
مسلك التعهد في باب الوضع، وقد تقدم أنهذاالمسلك غير تام.
الثالثة: أن مدلول الجمل الخبرية التامة بما أنه النسبة الواقعية الذهنية،فلذلك يصح
استعمالها في جميع الموارد، سواء كانت من موارد هل المركبة أمالبسيطة أم ذاته
تعالى وصفاته العليا الذاتية والاعتباريات والانتزاعيات، فلوكان مدلولها النسبة
الخارجية لم يصح استعمالها في كثير من تلك الموارد، باعتبارأنه لا مدلول لها فيها،
إما من جهة أنه لا وجود للموضوع والمحمول فيها فيالخارج أو أنهما موجودان بوجود
واحد فيه، وعلى كلا التقديرين فلا تعقلالنسبة الخارجية فيها.
الرابعة: أنه لا فرق في ذلك بين الجمل الاسمية كقولك »زيد عالم«، والجملالفعلية ك
»ضرب زيد«، فإن كلتا الجملتين موضوعة بإزاء النسبة الواقعيةالذهنية، غاية الأمر أن
جملة »زيد عالم« أو ماشاكلها ترجع إلى قولك »زيدشيء له صفة تلك الصفة علم« على
تفصيل تقدم في بحث علامية صحة الحمل.
الخامسة: أن الوضع على مسلك التعهد يقتضي أن يكون متعلقه اختيارياً،وهل في الجملة
التامة يقتضي أن يكون متعلقه قصد الحكاية والاخبار عن ثبوتالنسبة في الواقع أو
نفيها فيه؟ والجواب أنه لا يقتضي ذلك، إذ كما يمكن أن يكونذلك متعلقه، يمكن أن
يكون متعلقه قصد اخطار المعنى في ذهن السامع، فما ذكرهالسيد الاُستاذقدس سره من
تعين الأول، فهو بحاجة إلى مبرّر، ولا مبرر له.
السادسة: أن أداة الاستفهام الداخلة على الجملة التامة كقولك »هل زيدعالم« أو
الهيئة الحاصلة من دخولها عليها، موضوعة للدلالة على النسبةالاستفهامية بين شخص
المستفهم والقضية المستفهم عنها في وعاء الاستفهام.
السابعة: أن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية ليس ثبوت النسبة فيالجملة المدخول
عليها الأداة في وعاء الذهن، بل ثبوتها في وعاء الخارج الذيليس مدلولاً للجملة
وضعاً، فإن مدلولها الوضعي كما مرّ، النسبة الواقعيةالذهنية دون النسبة الخارجية،
والمسؤول عنه في الجملة الاستفهامية هو النسبةالخارجية، فإنها أحد طرفي النسبة
الاستفهامية.
الثامنة: أن أداة الاستفهام أو الجملة الاستفهامية على مسلك التعهدموضوعة للدلالة
على قصد الاستفهام وإنشائه، وليست دلالتها عليه من بابتعدد الدال والمدلول، لأن
الجملة المدخول عليها الأداة قد انسلخت عن معناهاالموضوع له وهو قصد الحكاية، فإنها
في هذه الحالة لا تدل عليه، لعدم توفرشروط هذه الدلالة فيها في تلك الحالة. وأما
على سائر المسالك في باب الوضع،فتكون دلالة الجملة الاستفهامية على الاستفهام من
باب تعدد الدال والمدلول،فإن الأداة تدل على الاستفهام، والجملة المدخول عليها
الأداة تدل علىالنسبةالتامة فيها.
التاسعة: أن المستفهم عنه في الجملة الاستفهامية ليس المدلول الوضعيللجملة المدخول
عليها الأداة، لا على مسلك التعهد في باب الوضع ولا على سائرالمسالك في هذا الباب،
أما على الأول فلأنها منسلخة عن معناها الموضوع له،وهو قصد الحكاية في حالة دخول
الأداة عليها، فإذن ليس لها معنى كي يتجهالاستفهام إليه.
وأما على الثاني فلأن السؤال في الجملة متجه إلى ثبوت النسبة في الخارج، لاإلى
معناها الموضوع له وهو النسبة الواقعية الذهنية، ولا فرق في ذلك بين دخولالأداة
على الجملة التامة كقولك »هل زيد قائم« أو دخول الفعل عليها كقولك»أخبرني أن زيداً
عادل« على تفصيل تقدم.
العاشرة: أن الجملة التامة تتميز عن الجملة الناقصة بالنكتة التالية، وهي أنالغرض
من احضار الجملة التامة في أفق الذهن، إنما هو جعلها وسيلة لاصدارالحكم التصديقي
عليها في الخارج الذي يصح السكوت عليه من دون أن يظل فيحالة الإنتظار، بينما يكون
الغرض من احضار الجملة الناقصة في الذهن، إنما هومعرفة نفسها مرآة لما وراءها في
الخارج، لا لاصدار حكم تصديقي عليها فيالخارج، باعتبار أنها لا تتضمن مطلباً
تصديقياً فيه، فمن أجل ذلك لا يصحالسكوت عليها، وهذا هو الفارق بينهما، لا أن
النسبة في الاُولى نسبة واقعيةذهنية وفي الثانية نسبة تحليلية، ولا ما ذكره السيد
الاُستاذقدس سره من الفرق بينهما،فإنه مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضع ولايتم
على سائر المسالك في هذاالباب، ولا ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من الفرق
بينهما، وقد تقدم كل ذلك موسعاً.
الحادية عشرة: الصحيح أن الجمل المتمحضة في الانشاء وكصيغة الاستفهاممثلاً موضوعة
بإزاء النسبة الاستفهامية بين المستفهم والقضية المستفهم عنهافيوعاء الاستفهام،
وهذه النسبة تختلف عن النسبة بين طرفي القضية المستقهمعنها ذاتاً ووعاءً.
الثانية عشرة: تتميز الجمل المتمحضة في الانشاء وكصيغة الأمر والاستفهاموالتمني
والترجي عن الجمل المتمحضة في الاخبار كزيد قائم مثلاً في النسبةووعائها معاً، لا
في الوعاء فقط كما تقدم.
الثالثة عشرة: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الفرق بينهما في أن
الاُولىموضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه
،والثانية موضوعة للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني، مبنيعلىمسلكهقدس
سره في باب الوضع، وحيث إن هذا المسلك غير تام كما ذكرناه هناك،فلا يمكن الالتزام
بهذا الفرق.
الرابعة عشرة: أن المعنى الانشائي إيجادي بلحاظ وعائه كوعاء الاستفهاموالطلب
والتمني والترجي وغير ذلك، فإن صيغة الاستفهام تدل على النسبةالاستفهامية في وعاء
الاستفهام، وصيغة الأمر تدل على النسبة الطلبية في وعاءالطلب، وصيغة التمني تدل على
النسبة التمنية في وعاء التمني وهكذا، ولا واقعموضوعي لها وراء ثبوتها في هذه
الأوعية التي توجد بنفس دلالة هذه الصيغ.
وإن شئت قلت: إن صيغة الأمر تدل على النسبة الطلبية الفانية بالنظرالتصوري في مصداق
يرى ثبوته بنفس الصيغة، وصيغة الاستفهام تدل علىالنسبة الاستفهامية الفانية
باللحاظ التصوري في مصداق يرى ثبوته بنفس هذهالصيغة، وهكذا صيغة التمني والترجي،
وهذا بخلاف الجملة الخبرية، فإنهاموضوعة للدلالة على النسبة التي تلحظ فانية بالنظر
التصوري في مصداقمفروغ عنه في الخارج، فلهذا تكون معانيها حكائية.
الخامسة عشرة: الظاهر أن الجمل المشتركة بين الانشاء والاخبار موضوعةللدلالة على
ذات النسبة المناسبة لكلا النحوين من اللحاظ التصوري الايجاديوالحكائي، وتدل عليها
بتعدد الدال والمدلول، بأن تدل الجملة على ذات النسبةوخصوصيتها على الحكائية
والايجادية.
السادسة عشرة: أن الجمل المستعملة في موارد الانشاء تمتاز عن الجملالمستعملة في
موارد الاخبار بالمدلول التصوري، فإنها في الموارد الاُولىمستعملة في النسبة
الفانية باللحاظ التصوري في مصداق يرى كأنه حاصلبنفس هذه العملية، وفي الثانية
مستعملة في النسبة الفانية بالنظر التصوريفيمصداق مفروغ عنه في الخارج.
السابعة عشرة: أن إيجادية الجملة الانشائية إنما هي بلحاظ مدلولهاالتصوري الوضعي
دون مدلولها التصديقي فحسب، وكذلك حكائية الجملةالخبرية، باعتبار أن المدلول
التصديقي لكل جملة يتناسب مع المدلول التصوريلها، وحيث إن المدلول التصوري للجملة
الانشائية النسبة في وعاء لا واقعموضوعي لها ماعدا ثبوتها فيه، فالمدلول التصديقي
المناسب هو قصد وجودتلك النسبة في نفس وعائها.
الثامنة عشرة: قد ظهر مما مرّ أمران:
مدلول حرف النداء
الأول: أن إيجادية المعنى الانشائي إنما هي بلحاظ وعائه كوعاء الاستفهاموالطلب
ونحوهما، على أساس أنه لا واقع موضوعي له وراءه، وحيث إن معنىالجملة الانشائية مما
لا وجود له إلا في هذا الوعاء، فلذلك تتصف بالايجادية،أي انها تدل على معنى لا وجود
له إلاّ فيه.
الثاني: أن إيجادية المعنى الانشائي ليست بمعنى التوليد والايجاد الخارجي،ولا بمعنى
الايجاد الاعتباري النفساني، ولا بمعنى انهافي طول دلالة الجملة علىمدلولها
التصوري والتصديقي، بل بمعنى أنه لا وعاء له إلاّ وعاء الجملة الانشائيةتصوراً
وتصديقاً، ولهذا يرى ثبوت مصداقه بنفس الجملة.
ها هنا اُمور:
الأول: في مدلول حرف النداء وتعيين حدوده.
الثاني: في مدلول اسماء الاشارة وتحديده سعةً وضيقاً.
الثالث: في تفسير الوضع النوعي وتمييزه عن الوضع الشخصي.
أما الكلام في الأمر الأول فالظاهر أن أداة النداء موضوعة بإزاء واقع النسبةبين
المنادى بالفتح والمنادي - بالكسر -، فإن معناها الموضوعة له هو النداء،وهو بالحمل
الشائع نسبة بينهما، ولم توضع بإزاء مفهوم النداء، باعتبار أنه ليسبنداء بالحمل
الشائع الصناعي، بل هو نداء بالحمل الأولي، ومفهوم اسمي وليسبحرفي، والموضوع
بإزائه هو لفظ النداء لا حرف النداء.
ثم إن أداة النداء تختلف عن أداة الاستفهام والتمني والترجي في نقطة، وهي أنتلك
الأداة لا تدخل إلا على الجملة التامة، كقولك »هل زيد عالم«، »ولعلزيداً عادل«
و»ليت بكراً قائم« بينما أداة النداء لا تدخل إلا على المفرد أو التثنيةأو الجمع
دون الجملة التامة.
وبكلمة، إن أداة الاستفهام موضوعة بإزاء واقع النسبة بين المستفهم والجملةالمستفهم
عنها، وأداة التمني موضوعة بإزاء واقع النسبة بين المتمني والجملةالمتمني عنها
وهكذا، وأداة النداء موضوعة بإزاء واقع النداء الذي هو نداءبالحمل الشائع بين الشخص
المنادي والمنادى - بالفتح - في وعاء النداء، ولا واقعموضوعي له، غير أنه يرى
بالنظر التصوري ثبوته في هذا الوعاء بنفس هذهالأداة، كوعاء الاستفهام والطلب
والتمني والترجي وغير ذلك.
قد يقال كما قيل: إن دلالة حرف النداء على النسبة المذكورة ليست من ناحيةالوضع
كسائر الحروف والأدوات، بل من ناحية أن حرف النداء كالصوت منبهطبيعي، غاية الأمر
أن الصوت منبه تكويني عام، وحرف النداء منبه تكوينيخاص، وعليه فإطلاقه إيجاد
للمنبه التكويني، لا كما هو حاك عن معناهالموضوع له ودال عليه(23).
ولكن هذا القول خاطىء جداً، وذلك لأن الإحساسات الأولية للإنسانوالحيوان وإن كانت
منبهات طبيعية تكوينية يستخدمها الانسان في حياتهالإعتيادية الأولية لابراز مقاصده
وافكاره للآخرين، إلاّ أنها لا تنطبق علىالألفاظ بالنسبة إلى معانيها.
بيان ذلك أن المنبه على نوعين:
الاول: المنبه الطبيعي التكويني.
الثاني: المنبه الشرطي الصناعي.
أما الأول فهو يمثل الإحساسات الأولية للإنسان والحيوان، فإذا رأى أحدأسداً مثلاً
انتقل الذهن إلى صورته مباشرة، وهذا الإنتقال والإستجابة الذهنيةنتيجة طبيعية أولية
للإحساس البصري، وإذا سمع صوته انتقل الذهن إلى صورةالصوت استجابة طبيعية أولية
للإحساس السمعي وهكذا.
ثم إن المنبة الطبيعي تارة يكون أولياً واُخرى يكون ثانوياً، فإذا سمع أحدصوتاً كان
انتقال الذهن منه إلى صورة الصوت أولياً، لأنه نتيجة الإحساس بهمباشرة، وأما
الإنتقال منه إلى صورة صاحبه من إنسان أو حيوان فهو ثانوي،مثلاً إذا رأى صورة الأسد
في جدار مثلاً كان انتقال الذهن إلى نفس هذه الصورةالمنقوشة أولياً وبشكل مباشر
بدون أي واسطة في البين، وأما انتقاله إلىصورةالحيوان المفترس في الخارج فهو
ثانوي، فالمنبه الطبيعي بكلا قسميهقانون عام تكويني في حياة الانسان الإعتيادية،
ولا يتوقف على أي عاملوسبب خارجي.
وأماالثاني وهو المنبه الشرطي، فهو يتوقف على عامل خارجي، كما إذا سمعشخص صوتاً من
خلف الباب مثلاً، فسماعه بالنسبة إلى انتقال الذهن إلى صورةالصوت منبه أولي،
وبالنسبة إلى صورة صاحبه اجمالاً منبه ثانوي، وأما بالنسبةإلى أنه زيد فهو منبه
شرطي يتوقف على تكرار سماع هذا الصوت من زيدبدرجة يحصل التقارن بينه وبين صورة زيد
في الذهن، وحينئذ فكلما سمع هذاالصوت انتقل الذهن إلى أنه صوت زيد، ومن هذا القبيل
ما إذا سمعصوتجرس الباب مثلاً من شخص خاص مكرراً إلى حدّ يوجب انتقال الذهنإلى
صورته متى سمع ذلك الصوت، فيكون سماعه حينئذ منبهاً شرطياًلانتقالالذهن إليها.
وأما اللفظ فالإنتقال منه إلى صورته عند الإحساس به نتيجة طبيعية،فيدخل في المنبهات
التكوينية الأولية، وأما الإنتقال منه إلى معناه فهو منبهشرطي وليس بطبيعي، على
أساس أنه بحاجة إلى عامل خارجي كمي أو كيفي،والأول يمثل كثرة الاستعمال إلى أن تؤدي
إلى الإشراط والإرتباط الذهني بينهوبين المعنى، والثاني يمثل الوضع.
فالنتيجة أن اللفظ إنما يكون منبهاً شرطياً بأحد العاملين المذكورين:
الأول: الوضع التعييني، وهو العامل الكيفي.
الثاني: الوضع التعيّني، وهو العامل الكمي.
فاللفظ يكون منبهاً شرطياً بالنسبة إلى معناه الموضوع له كغيره من الأفعال.
وبعد ذلك نقول: إن حرف النداء ككلمة »يا« مثلاً موضوع لواقع النداء الذيهو نداء
بالحمل الشائع وربط حقيقي بين المنادي والمنادى، ومن الواضح أنحرف النداء لا تدل
عليه بالذات وبدون عامل، بل تتوقف دلالته عليه علىعامل كمّي أو كيفي كدلالة سائر
الحروف على معانيها.
مدلول أسماء الاشارة
وبكلمة، إن حرف النداء يكون منبهاً طبيعياً بالنسبة إلى انتقال الذهن إلىصورته كما
هو الحال في سائر الألفاظ، وأما بالنسبة إلى معناه وهو واقع النسبةبين الشخص
المنادي والمنادى في وعاء النداء، فلا يكون منبهاً طبيعياً لانتقالالذهن إليه، بل
منبه شرطي كسائر الحروف وبحاجة إلى عامل خارجي كالوضعأو كثرة الاستعمال، وحيث إن
نسبة حرف النداء إلى مدخوله وغيره على حدسواء، فتعيينه بحاجة إلى دال آخر، فإذا
أراد نداء زيد مثلاً قال »يا زيد« فحرفالنداء يدل على واقع النسبة بين المنادي
والمنادى بتعدد الدال والمدلول، بأنيكون الدال على واقع النسبة حرف النداء، والدال
على أن المنادى هو زيد فيالمثال، الهيئة المتحصلة من دخول حرف النداء عليه، كأداة
الاستفهام وغيرها،فإنها تدل على النسبة الاستفهامية بتعدد الدال والمدلول، بأن تدل
الأداة علىهذه النسبة، والجملة المدخولة على النسبة بين جزئيها.
ومن هنا يظهر أن معنى حرف النداء كمعنى حرف الاستفهام ونحوه إيجادي،بمعنى أنه لا
واقع موضوعي له وراء ثبوته في وعاء النداء.
وأما الكلام في الأمر الثاني فيقع في مداليل اسماء الاشارة والضمائروالموصولات
وتحديدها سعة وضيقاً، فهنا أقوال:
القول الأول: ما اختاره المحقق الخراسانيقدس سره من أنه يمكن أن يقال أنالمستعمل
فيه في أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما عام كالحروف وأن تشخصه إنماجاء من قبل طور
استعمالها، حيث إن اسماء الاشارة وضعت ليشار بها إلىمعانيها، وكذا بعض الضمائر،
وبعضها ليخاطب بها المعنى، والاشارة والتخاطبيستدعيان التشخص كما لا يخفى، فدعوى
أن المستعمل في مثل »هذا« و»هو«و»إياك« إنما هو المفرد المذكر، وتشخصه إنما جاء من
قبل الاشارة والتخاطببهذه الألفاظ إليه، فإن الاشارة أو التخاطب لا يكاد يكون إلاّ
إلى الشخص أومعه غير مجازفة(24).
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره »بأنا لو سلمنا اتحاد المعنى الحرفي
والاسميذاتاً وحقيقة واختلافهما باللحاظ الآلي والإستقلالي، لم نسلم ما أفادهقدس
سره فيالمقام، والوجه فيه هو أن لحاظ المعنى في مرحلة الاستعمال مما لابد فيه
ولامناص عنه، ضرورة أن الاستعمال فعل اختياري للمستعمل، فيتوقف صدورهعلى تصور
اللفظ والمعنى، وعليه فللواضع أن يجعل العلقة الوضعية في الحروفبما إذا لوحظ
المعنى في مقام الاستعمال آلياً، وفي الأسماء بما إذا لوحظ المعنىاستقلالاً، ولا
يلزم على الواضع أن يجعل لحاظ المعنى آلياً كان أو استقلالياً قيداًللموضوع له، بل
هذا لغو وعبث بعد ضرورة وجوده وأنه في مقام الاستعمال ممالابد فيه، وهذا بخلاف
اسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، فإن الاشارة إلى المعنىليست مما لابد منه في
مرحلة الاستعمال.
بيان ذلك أنه إن اُريد بالاشارة استعمال اللفظ في المعنى ودلالتة عليه، كما
قدتستعمل في ذلك كما في مثل قولنا »قد أشرنا إليه فيما تقدم« أو »فلان أشار إلىأمر
كذا في كتابه أو كلامه«، فالاشارة بهذا المعنى مشترك فيها بين جميع الألفاظ،فلا
اختصاص لها بأسماء الاشارة وما يلحق بها، وإن اُريد بها أمر زائد علىالاستعمال،
فلابد من اخذه في الموضوع له، ضرورة أنه ليس كلحاظ المعنى ممالابد منه في مقام
الاستعمال، بمعنى أنه ليس شيئاً يقتضيه طبع الاستعمال، بحيث لايمكن الاستعمال
بدونه، وحينئذ فلابد من اخذه قيداً في المعنى الموضوع له، وإلاّفالاستعمال بدونه
بمكان من الامكان. »فالصحيح في المقام أن يقال: إن أسماءالاشارة والضمائر ونحوهما
وضعت للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عندالاشارة والتخاطب لا مطلقاً، فلا
يمكن ابراز تفهيم تلك المعاني بدون الاقترانبالاشارة أو التخاطب، فكل متكلم تعهد
في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم معانيهاأن يتكلم بها مقترنة بأحد هذين الأمرين،
فكلمة »هذا« أو »ذاك« لا تدل علىمعناها وهو المفرد المذكر إلاّ بمعونة الاشارة
الخارجية، كالاشارة باليد كما هيالغالب أو بالرأس أو بالعين، وضمير المخاطب لا
يبرز معناه إلا مقترناً بالخطابالخارجي، ومن هنا لا يفهم شيء من كلمة »هذا« مثلاً
عند اطلاقها مجردة عنأية إشارة خارجية(25)»، هذا.
ويمكن المناقشة فيه.
أما أولاً: فلما يظهر من المحقق الخراسانيقدس سره في أنه يمكن أخذ الاشارةوالتخاطب
في المعنى الموضوع له كما يمكن أخذها في العلقة الوضعية، فهما من هذهالناحية
يختلفان عن اللحاظ الآلي والإستقلالي، باعتبار أن لحاظ المعنى مما لابدمنه في مقام
الاستعمال دون الاشارة والتخاطب، فلهذا يكون أخذ اللحاظ فيالمعنى الموضوع له لغواً
دون أخذهما فيه.
وثانياً: إن ما ذكرهقدس سره من الفرق بين اسماء الاشارة والضمائر وبين
الحروفلايتم، وذلك لأن استعمال اللفظ في المعنى بملاك أنه فعل اختياري يتوقف
علىأصل اللحاظ والتصور، كما هو الحال في سائر الأفعال الإختيارية، لا على
لحاظوتصور خاص وهو اللحاظ الآلي أو الاستقلالي، ضرورة أن استعمال كلمة»من« مثلاً في
الابتداء الذي هو معناه الموضوع له على مسلكهقدس سره لا يتوقف علىلحاظه آلياً،
وإنما يتوقف على طبيعي اللحاظ الجامع بين الآلي والإستقلاليوصرف وجوده، وعليه فلا
مانع من أخذ خصوص اللحاظ الآلي في معناهاالموضوع له، باعتبار أنه ليس مما لابد منه
في مقام الاستعمال، وخصوصاللحاظ الإستقلالي في المعنى الموضوع له الأسماء، وعلى
هذا فلا فرق بين المقاموبين الحروف والأسماء، فكما أنه يمكن أخذ الاشارة والتخاطب
قيداً في المعنىالموضوع له في المقام، يمكن أخذ اللحاظ الآلي أو الإستقلالي قيداً
فيه هناك، ولايكون لغواً.
وثالثاً: أنه لا مانع من أخذ اللحاظ الآلي قيداً للمعنى الموضوع له فيالحروف،
والإستقلالي قيداً له في الأسماء ولكن في طول المعنى لا في عرضه، وماقيل من أن ذلك
لا يمكن، لأن اللحاظ المأخوذ قيداً للمعنى الموضوع له إن كانعين اللحاظ الجائي من
قبل الاستعمال، لزم أخذ ما هو متأخر رتبة في المتقدم،وإن كان غيره فهو خلاف
الوجدان، مدفوع بأن هذا المحذور إنما يلزم لو أخذاللحاظ الآلي أو الإستقلالي قيداً
للمعنى الموضوع له في عرضه، وأما إذا اُخذقيداً له في طوله، بأن يكون المعنى
الموضوع له مقيداً باللحاظ الآلي أوالاستقلالي الجائي من قبل الاستعمال، فلا يلزم
المحذور المذكور، على أساس أنهيتحقق بنفس اللحاظ الاستعمالي.
وبكلمة، إنه لا مانع ثبوتاً لذلك من أن يكون المعنى الموضوع له مقيداً بواقعاللحاظ
الآلي طولاً في الحروف، وبواقع اللحاظ الإستقلالي كذلك في الأسماء، وأن هذا القيد
الطولي يتحقق بالاستعمال لا أنه متحقق في عرض المعنى، ومنالواضح أنه لا محذور في
وضع لفظ بإزاء معنى مقيد بقيد طولي يتحقق ذلك القيدبنفس الاستعمال، كما أنه لا مانع
من تقييد المعنى الموضوع له بمفهوم اللحاظ الآليأو الاستقلالي لا بواقعة، غاية
الأمر فالمعنى الموضوع له عندئذٍ يكون كلياً لاجزئياً، ولكن التقييد بمفهوم اللحاظ
ليس مراد صاحب الكفايةقدس سره، فإن مرادهالتقييد بواقع اللحاظ الآلي فلذلك يصير
المعنى جزئياً، باعتبار أن الوجودمساوق للتشخص وإن كان وجوداً لحاظياً ذهنياً.
فالنتيجة: أنه لا مانع منتقييد المعنى بهذا القيد طولاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من تقييد العلقة
الوضعيةبالاشارة والتخاطب الخارجيين لا يتم.
أما أولاً: فلأنه لا موجب لهذا التقييد بعد ما كان المعنى الموضوع لهوالمستعمل فيه
مطلقاً وغير مقيد باللحاظ الآلي أو الإستقلالي، فإن الموجب لهذاالتقييد في الحروف،
هو أن امتيازها عن الأسماء الموازية لها يتوقف على ذلك، إذلا امتياز بينهما في ذات
المعنى الموضوع له، فلولم تكن العلقة الوضعية في الحروفمقيدة بما إذا لوحظ معانيها
آلياً وفي الأسماء بما إذا لوحظ معانيها استقلالياً، لم يكنفرق بينهما لا في الوضع
ولا في المعنى الموضوع له، وأما في المقام فلا موجب لتقييدالعلقة الوضعية في أسماء
الاشارة والضمائر بالاشارة والتخاطب، لفرض أن المعنىالموضوع له فيهما عام ولا مبرر
لتقييده ولا تقييد العلقة الوضعية، حيث لايتوقف الإمتياز بينهما على ذلك، فإذن لا
مقتضى له.
وثانياً: إن هذا التقييد لا ينسجم مع ما سلكهقدس سره في باب الوضع من أن
الدلالةالوضعية دلالة تصورية لا تصديقية، فإن مقتضى هذا التقييد هو أنها تصديقية
لاتصورية، لأن تقييد العلقة الوضعية بواقع الاشارة والتخاطب يتطلب كونالدلالة
الوضعية تصديقية، وهذا إنما ينسجم مع مسلك التعهد، لا مع ماهوالتحقيق في باب الوضع
من أنها تصورية محضة وثابتة حتى عند التلفظبالكلمة بدون قصد وشعور.
فالنتيجة أن ما استظهره المحقق الخراسانيقدس سره من أن المعنى الموضوع له فيأسماء
الاشارة وأخواتها عام والعلقة الوضعية فيهما خاصة وثابتة في حالةخاصة، وهي حالة ما
إذا أشار المتكلم إلى المعنى الموضوع له والمستعمل فيه أوخاطب به في مرحلة
الاستعمال غير تام، إذ لا موجب لهذا التخصيص أولاً،ومناسب لمسلك التعهد ثانياً دون
سائر المسالك.
القول الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن أسماء الاشارة
ونظيراتهاموضوعة للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب
لامطلقاً، فلا يمكن ابراز تفهيم تلك المعاني بدون الإقتران بالاشارة والتخاطب،فكل
متكلم تعهد في نفسه بأنه متى ما قصد تفهيم معانيها أن يتكلم بها مقترنةبأحد هذين
الأمرين، فكلمة »هذا« أو»ذاك« لا تدل عل معناها وهو المفردالمذكر إلاّ بمعونة
الاشارة الخارجية، كالاشارة باليد كما هي الغالب أو بالرأس أوبالعين، وضمير الخطاب
لا يبرز معناه إلاّ مقترناً بالخطاب الخارجي، ومن هنالا يفهم شيء من كلمة »هذا«
عند إطلاقها مجردة عن الإقتران بأية إشارةخارجية(26). هذا،
وللنظر فيه مجال، وذلك لأنه مبني على مسلك التعهد الذي هو مختارهقدس سره فيمسألة
الوضع، اذ على أساس هذا المسلك لابدّ من الالتزام بأن أسماء الاشارةوالضمائر موضوعة
للدلالة على قصد تفهيم معانيها خارجاً عند الاشارةوالتخاطب، باعتبار أن دلالة
الألفاظ على معانيها في ضوء هذا المسلكدلالةتصديقية لا تصورية، ولكن قد ذكرنا هناك
أن مسلك التعهد في بابالوضع غير تام، ومن هنا قلنا إن الدلالة الوضعية دلالة
تصورية بحتة علىتفصيل تقدم هناك.
والتحقيق في المقام أن يقال: إن أسماء الاشارة موضوعة بإزاء واقع الاشارةالتي هي
إشارة بالحمل الشائع، ومن الواضح أن واقع الاشارة يمثل النسبةبينالمشير والمشار
إليه، وتدل عليها بالدلالة الوضعية التصورية التي هيمحفوظة حتى عند التكلم بها
بدون قصد وشعور، وينتقل الذهن من سماعها إلىتصور معناها، وهو الاشارة الفانية في
واقعها وهو النسبة بين المشير والمشار إليهفي وعاء الاشارة.
وإن شئت قلت: إن كلمة »هذا« أو »ذاك« موضوعة للدلالة على الاشارةالواقعية وهي
النسبة بين المشير والمشار إليه، ولم توضع بإزاء مفهوم الاشارة التيهي إشارة
بالحمل الأولي ومفهوم اسمي، لأن الموضوع بإزائه هو كلمة )إشارة(،ومن الواضح أن كلمة
»هذا« لا تكون مرادفة لكلمة »الاشارة«، فلوكانتموضوعة بإزاء مفهومها لكانت مرادفة
لها، وهي كماترى، ومن هنا كان المتبادرمن كلمة »هذا« واقع الاشارة، والمتبادر من
كلمة »الاشارة« مفهومها، فيكونذاك نظير الحروف الداخلة على الجملة الناقصة ك »من«
و»إلى« و»في«و»على« وما شاكلها، فإن كلمة »من« موضوعة لواقع الابتداء الذي هو
ابتداءبالحمل الشائع، وهو النسبة بين المبتدأ به والمبتدأ منه، ولم توضع بإزاء
مفهومالابتداء الذي هو ابتداء بالحمل الأولي ومفهوم اسمي، فيكون الموضوع
بإزائهلفظ »الابتداء«.
ودعوى أن كلمة »هذا« أو »ذاك« لوكانت موضوعة بإزاء واقع الاشارة،فلازم ذلك أن تكون
الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، لأن واقع الاشارة - سواءكان متمثلاً في الفعل
الخارجي كالاشارة باليد أو العين أو الرأس أم الفعلالنفساني كتوجه خاص من النفس -
مدلول تصديقي.
مدفوعة، بأن المراد من واقع الاشارة هو النسبة الإشارية الواقعية بين المشيروالمشار
إليه التي هي إشارة بالحمل الشائع لا الفعل الخارجي ولا الفعلالنفساني، ومن الواضح
أن وضعها بإزاء تلك النسبة لا يستلزم كون الدلالةالوضعية تصديقية، لأن النسبة
الاشارية التي هي ثابتة في الذهن بنفسها منالمعاني التصورية كسائر أنحاء النسب
والروابط، مثلاً كلمة »من« موضوعةبإزاء واقع النسبة بين المبتدأ به والمبتدأ منه،
وكلمة »في« موضوعة بإزاء واقعالنسبة الظرفية بين الظرف والمظروف وهكذا، ولا يستلزم
ذلك كون دلالة تلكالحروف عليها تصديقية، بل هي تصورية بتبع دلالة أطرافها كما مر،
ونفسالشيء يقال في الضمائر.
والخلاصة: أن أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما كالحروف الداخلة علىالجمل الناقصة
مثل كلمة »من« و»إلى« و»على« و»في« وغيرها، فكما أنهذه الحروف موضوعة بإزاء النسب
الواقعية في عالم الذهن التي هي نسببالحمل الشائع، فكذلك أسماء الاشارة والضمائر
ونحوهما، فإنها موضوعة بإزاءالنسب الواقعية في وعاء الذهن، فاسم الاشارة موضوع
بإزاء واقع الاشارة وهوالنسبة الاشارية بين المشير والمشار إليه، وضمير المخاطب
موضوع لواقعالخطاب الذي هو خطاب بالحمل الشائع ونسبة بين المتكلم والمخاطب وهكذا.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الأول: بطلان ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره في أسماء الاشارة والضمائر
منأنالعلقة الوضعية قد قيدت فيهما بالاشارة والتخاطب مع كون المعنى الموضوعله
فيهما عاماً.
الثاني: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنهما موضوعتان للدلالة على قصدتفهيم
معانيها خارجاً عند الاشارة والتخاطب مبني على مسلكه في باب الوضع،وهو التعهد، ولكن
قد ذكرنا هناك أن المبنى غير تام.
الثالث: الصحيح أنهما موضوعتان بإزاء واقع الاشارة والخطاب، وهو النسبةبين المشير
والمشار إليه في عالم الذهن، والنسبة بين المتكلم والمخاطب فيه.
وهناك مجموعة من الدعاوي في المسألة.
الاُولى: قد يتوهم أن اسماء الاشارة ك »هذا« موضوعة بإزاء المفرد المذكر،و»هذه«
موضوعة بإزاء المفرد المؤنث.
ولكن لا أساس لهذا التوهم، ضرورة أن كلمة »هذا« لم توضع بإزاء المفردالمذكر، إذ
لوكانت موضوعة بإزائه لكان لازم ذلك أن يكون معناها معنىاسمياًلا حرفياً ومرادفة
لكلمة المفرد المذكر، وهذا باطل جزماً، لوضوح أنالمتبادر من كلمة »هذا« غير ما هو
المتبادر من كلمة المفرد المذكر، فإنالمتبادرمنها مفهومه، ولذلك تكون من اسماء
الأجناس، فلا يعقل أن تكونمرادفه لاسماء الاشارة.
الثانية: قد يقال: إن اسماء الاشارة موضوعة بإزاء الاشارة الخارجية التي هينسبة
خارجية بين وجود المشير ووجود المشار إليه في الخارج، في مقابلالاشارة الذهنية
التي هي نسبة بينهما في الذهن.
ولكن هذا القول أيضاً باطل.
أما أولاً: فلما ذكرناه في باب الوضع من أن الألفاظ لم توضع بإزاء المعانيالمقيدة
بالوجود الخارجي منها اسماء الاشارة ونحوها، كما أنها لم توضع بإزاءالمعاني المقيدة
بالوجود الذهني، أو فقل: إن وضع اللفظ بإزاء المعنى المقيدبالوجود الخارجي وإن كان
ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لم يقع في اللغات، لأنها موضوعةبإزاء معاني قد توجد في
الذهن وقد توجد في الخارج، واما إذا وضعت بإزاءالمعاني المقيدة بالوجود الخارجي،
فلا يمكن انطباقها عليها في الذهن، وكذلكالأمر بالعكس. فالنتيجة أن عدم وضع اسماء
الاشارة ونظيراتها للمعاني المقيدةبالوجود الخارجي أمر مقطوع به.
وثانياً: أن لازم ذلك هو كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، على أساسأن الموجود
الخارجي مساوق للتصديق به، فإذا كان المعنى الموضوع له مقيداًبالوجود الخارجي فهو
مدلول تصديقي للفظ، ولكن تقدم أن الدلالة الوضعيةدلالة تصورية بحتة وثابتة حتّى عند
صدور اللفظ من لافظ بلا شعور واختيار.
الثالثة: قد يتخيل أن اسماء الاشارة موضوعة بإزاء الاشارة في أفق النفس،وهي التوجه
الخاص منها إلى المشار إليه، و هو المفرد المذكر أو المؤنث.
ولكن يرد عليها أولاً: أن لازم ذلك هو كون الدلالة الوضعية لها دلالةتصديقية، على
أساس أن التوجه الخاص من النفس إلى شيء يناسب التصديقبه، لأنه فعل اختياري لها،
فلا يمكن صدوره منها بالنسبة إلى شيء بدونالإلتفات والتصديق.
وإن شئت قلت: إن الذهن هو وعاء التصور وموطن صور الأشياء، وأماوعاء التصديق فهو
خارج عن وعاء التصور، سواء كان عالم الخارج أم عالمالنفس، فإذن يكون عالم النفس في
وعاء التصديق لا التصور.
وثانياً: إن المتبادر من كلمة »هذا« أو »ذاك« هو واقع الاشارة بين المشيروالمشار
إليه في عالم الذهن دون توجه خاص من النفس.
فالنتيجة، أنه لا يتم شيء من هذه الدعاوي الثلاث.
هذا تمام الكلام في تحديد مفاهيم أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما.
وأما الكلام في الأمر الثالث فيقع في مقامين:
الأول: في بيان ضابط الوضع الشخصي والوضع النوعي.
الثاني: أن وضع الهيئات والحروف وماشاكلهما هل هو نوعي أو شخصي.
ضابط الوضع النوعي والوضع الشخصي
أما الكلام في المقام الأول فالضابط للوضع الشخصي هو تصور شخصاللفظ بحده الفردي
وشخصه الذاتي ثم وضعه بإزاء معنى، فيكون اللفظ الموضوعشخص الملحوظ والمستحضر في
الذهن لا نوعه، مثلاً إذا أراد الواضع وضع لفظ»زيد« مثلاً وقام باستحضار شخصه في
الذهن ثم وضع نفس المستحضر بإزاءمعنى كان الوضع شخصياً، لأن الموضوع شخص اللفظ
المستحضر لا فرده،وكذا إذا تصور لفظ »الانسان« بحدّه الشخصي ثم وضع بإزاء معنى كان
منالوضع الشخصي، فإن الضابط فيه كون اللفظ الموضوع شخص اللفظالمستحضر في الذهن لا
فرده المستحضر فيه بنوعه لا بشخصه.
وأما الضابط للوضع النوعي فهو أن الملحوظ والمستحضر في الذهن في مقامعملية الوضع
نوع اللفظ والعنوان العام دون شخص اللفظ الموضوع، كما إذاتصور الواضع في مقام عملية
الوضع هيئة »فاعل« من جهة أنها عنوان عامللهيئات الخاصة كهيئة »ضارب« و»ناصر«
و»عالم« و»عادل« و»قائم«وهكذا، فإن تصورها تصور لتلك الهيئات الخاصة بعنوانها العام
واستحضارهااستحضار لها كذلك، وحيث إن تصور اللفظ الموضوع واستحضاره في
الذهنإجمالاً بتصور واستحضار عنوانه العام فيه يكفي في مقام عملية الوضع،
فلامانعحينئذ من وضع الهيئات الخاصة بعنوانها العام، بأن يقول كل ما كانعلىزنة
»فاعل« فهو موضوع للمعنى الفلاني، فيكون الموضوع في الحقيقةشخص كل هيئة خاصة، بينما
المستحضر والمتصور في الذهن نوعها وهو الهيئةالعامة المنتزعة.
وقد تسأل هل يمكن وضع الهيئة العامة بإزاء معنى بنحو الوضع العاموالموضوع له
العام؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأنه لا يتصور معنى جامع بين معاني الهيئاتالخاصة حتى
تكون الهيئة العامة موضوعة بإزائه، باعتبار أن معاني الهيئاتالمذكورة معان نسبية،
وقد تقدم في بحث الحروف أن الجامع الذاتي بين أنحاءالنسب والروابط غير معقول، على
أساس أن كل نسبة متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص وجود طرفيها، ومع التحفظ على مقومات كل
نسبة فهي متبايناتبالذات، من جهة أن المقومات الذاتية لكل منها مباينة للمقومات
الذاتيةللاُخرى، ومع الغائها فلا نسبة حتى يتصور الجامع بينها.
هذا إضافة إلى أن معاني تلك الهيئات مختلفة من جهة اُخرى أيضاً، وهي أنالتلبس
والنسبة بين تلك الهيئات قد يكون صدورياً كما في »ضارب« وقد يكونحلولياً كما في
»مائت« و»عالم« هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن الهيئة العامة بما أنه لا واقع موضوعي لها في الخارج،باعتبار
أنها منتزعة من الهيئات الخاصة، فلا معنى لوضعها مستقلاً في مقابلوضع تلك الهيئات.
وضع الهيئات نوعي أو شخصي
وبكلمة، إن الوضع علاقة بين اللفظ والمعنى، وفي مقام عملية الوضع لابد منتصور
واستحضار كل من اللفظ »الموضوع« والمعنى »الموضوع له« في الذهن،فكما أن الواضع قد
يستحضر المعنى الكلي الانتزاعي في الذهن ويضع اللفظبإزاء أفراده، فيكون من الوضع
العام والموضوع له الخاص، وقد يستحضرالمعنى في الذهن ويضع اللفظ بإزاء نفس ذلك
المعنى المستحضر فيه، فيكون منالوضع العام والموضوع له العام، فكذلك قد يستحضر
اللفظ الموضوع في الذهنبشخصه ويضع نفس اللفظ المستحضر بإزاء المعنى، ويكون هذا من
الوضعالشخصي، وقد يستحضر اللفظ بعنوان عام في الذهن ويضع أفراده المستحضرةباحضاره
فيه بإزاء المعاني دون شخص اللفظ المستحضر، ويكون هذا منالوضع النوعي دون الشخصي.
إلى هنا قد تبين ضابط الوضع الشخصي والوضع النوعي.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع في موردين:
الأول: في وضع الهيئات الافرادية والجملية.
الثاني: في وضع الحروف وما يلحق بها.
أما المورد الأول: فالمعروف والمشهور بين الاُصوليين أن وضع الهيئاتنوعي لا شخصي،
ووضع المواد شخصي لا نوعي، ويمكن تقريب ذلك بأن المادةبما أنها ملحوظة بوحدتها
الذاتية الشخصية من قبل الواضع في مقام عمليةالوضع ثم توضع نفس تلك المادة
المستحضرة بإزاء معنى لا أفرادها، فلا محالةيكون من الوضع الشخصي، لأن الموضوع شخص
اللفظ المستحضر لا نوعه،مثلاً مادة »ضرب« وهي »ض ر ب« فإذا قام الواضع بوضعها
استحضرها فيالذهن بحدها الشخصي المميز عن غيرها، ثم وضع شخص تلك المادةالمستحضرة
في الذهن بإزاء معنى لا أفرادها، وهذا بخلاف الهيئة، فإن الواضعفيمقام وضع
الهيئات يقوم باستحضار هيئة جامعة بينها في الذهن التي هيعنوان عام لها ومندك فيها
في الخارج ، وحيث إن استحضارها استحضار لتلكالهيئات الخاصة بعنوانها العام، فيكفي
ذلك في وضع تلك الهيئات في ضمنهيئةجامعة عامة بالصيغة التالية: هي أن كلما كان على
هيئة »فعل« مثلاً،فهوموضوع للمعنى الكذائي، وكل ما كان على هيئة »فاعل«، فهو
موضوعللمعنى الفلاني وهكذا، إذ من البعيد جداً أن يقوم الواضع بوضع كل هيئةبخصوصها
بالوضع الشخصي.
فالنتيجة أن ضابط الوضع النوعي ينطبق على وضع الهيئات، فلذلك يكوننوعياً لا
شخصياً.
وقد استشكل على ذلك بوجهين:
أحدهما: أن ملاك شخصية الوضع في المواد إن كان امتيازها عن مادة اُخرىذاتاً وحقيقة
وبجوهر حروفها، فهذا الملاك موجود بعينه في الهيئة، لأن كل هيئةتمتاز عن هيئة اُخرى
ذاتاً وحقيقة وبوحدتها الطبيعية وهويتها الشخصية، فإنهيئة »فاعل« تمتاز عن هيئة
»مفعول« كذلك وهكذا، فإذن ما هو الموجبلكون وضع المواد شخصياً ووضع الهيئات
نوعياً، وإن كان ملاك نوعية وضعالهيئات عدم اختصاص الهيئة بمادة دون اُخرى، فهذا
الملاك بعينه موجود فيالمواد أيضاً، فإن المادة لا تختص بهيئة دون اُخرى، لأن مادة
»ض ر ب« لاتختص بهيئة »ضارب«، بل تعم سائر الهيئات ومشتقاتها أيضاً، فإذن ما
هوالسبب لكون وضع الهيئات نوعياً والمواد شخصياً؟
وقد أجاب عنه المحقق الأصبهانيقدس سره، وتقريب ذلك مع التوضيح أن المادةبوحدتها
الذاتية وهويتها الشخصية وجوهر حروفها جامعة ذاتية بين أفرادها،لأن جميع أفرادها
تشترك في المقومات الذاتية لها، وهي جوهر حروفهاوامتيازها الذاتي والماهوي عن
غيرها، والواضع في مقام عملية الوضع قداستحضر المادة بجوهر حروفها وبوحدتها وهويتها
الشخصية المميزة في الذهنثم وضعها بإزاء معنى، فيكون الموضوع شخص اللفظ الملحوظ
والمستحضر فيهمباشرة لا نوعه، وهذا هو معنى الوضع الشخصي.
وأما الهيئة فحيث إنها مندكة في المادة ومندمجة فيها غاية الإندماج، فلااستقلال لها
في الوجود اللحاظي كما في الوجود الخارجي كالمعنى الحرفي، فلايمكن انفكاكها عنها
وتجريدها ولو في الذهن، لأن كل هيئة متقومة ذاتاً وحقيقةبشخص مادتها، فلذلك تكون
مباينة للاُخرى، من جهة أن المقومات الذاتيةلكل منها مباينة للمقومات الذاتية
للاُخرى، وعليه فلا يتصور جامع ذاتي بينالهيئات لكي يكون الموضوع ذلك الجامع
الذاتي، فإذن لا محالة يجب الوضعلأشخاصها بجامع عنواني انتزاعي، كقولهم كلما كان
على زنة »فاعل« فهوموضوع لكذا وكذا.
وإن شئت قلت: إن الهيئة الجامعة ذاتاً وحقيقة بين جميع الهيئات غيرمتصورة، لأن تلك
الهيئات متباينات بالذات والحقيقة من جهة أن المقوماتالذاتية لكل منها مباينة
للمقومات الذاتية للاُخرى وهي المواد، فإذن لابدللواضع في مقام الوضع من احضار
عنوان انتزاعي يشير به إليها، على أساس أنهعنوان عام لها وتصوره تصور لها بعنوانها
ثم يضع تلك الهيئات بعنوان عام لمعنى،وهذا هو المراد من الوضع النوعي أي الوضع لها
بجامع عنواني، أو ان المراد منههو أن المادة حيث يمكن لحاظها فقط، فالوضع شخصي،
والهيئة حيث لا يمكنلحاظها فحسب، بل لابد أن يكون في ضمن مادة، فالوضع لها يوجب
اقتصارهعليها، فيجب حينئذ أن يقال هيئة »فاعل« وما يشبهها موضوعة لكذا، وهذامعنى
نوعية الوضع أي الوضع لها ولما يشبهها(27).
وقد علق على هذا الجواب بعض المحققينقدس سره بتقريب أنه لا يتم في بعضالهيئات الا
فرادية كهيئة اسم الفاعل وفعل الماضي، فإن الاُولى موضوعة للذاتالمتلبسة بالمبدأ،
والثانية موضوعة للنسبة بين الفعل والفاعل، وتلبس الذاتبالمبدأ قد يكون صدورياً
كما في »ضارب« و»قاتل«، وقد يكون حلولياً كما في»مائت« و»عالم« وهكذا، وكذلك نسبة
الفعل إلى الفاعل، فإنها قد تكونصدورية كما في مثل »ضرب« و»قتل« وقد تكون حلولية
كما في مثل »مات«و»علم« و»قام« وهكذا، وعلى هذا فلا يخلو اما أن يكون المعنى
الموضوع لهلاسم الفاعل الجامع بين النحوين من التلبس وهو الذات المتلبسة بالمبدأ
الجامعةبين التلبس الصدوري والحلولي أو حصة خاصة منه وهي التلبس الصدوري،وكلاهما لا
يمكن.
أما الأول: فلأن لازمه صحة استعمال هيئة اسم الفاعل في كل من التلبسالصدوري
والحلولي، مع أنه لا يصح استعمال هيئة »قاتل« في التلبس الحلولي،وكذا هيئة »ضارب«،
لأن من تلبس بحلول القتل عليه، فإنه مقتول لا قاتل،ومن تلبس بوقوع الضرب عليه، فإنه
مضروب لا ضارب، كما لا يصح استعمالهيئة »مائت« في التلبس الصدوري، وكذا هيئة
»عالم« و»قائم«.
وأما الثاني: فلأن لازمه عدم صحة استعمال هيئة »فاعل« في التلبسالحلولي على نحو
الحقيقة مع أنه لا شبهة في صحة استعمال هيئة »مائت«و»عالم« ونحوهما فيه حقيقة، وعدم
صحة استعمالها في التلبس الصدوري،ونفس الشيء يقال في نسبة الفعل إلى الفاعل.
وعلى هذا فلا مناص من الالتزام بأن الواضع حين عملية الوضع يلاحظ كلهيئة مقرونة
بمادتها الخاصة ويضعها للتلبس والنسبة المناسبة لها، مثلاً يلاحظهيئة »قاتل« مقرونة
بمادتها الخاصة وبعنوانها المخصوص ثم يضعها بإزاء معنىمناسب لها، فيكون الموضوع
نفس الهيئة المستحضرة في الذهن لا نوعها، وهذاهو ضابط الوضع الشخصي دون النوعي(28).
ولكن يمكن التعليق عليه بأنه لا مانع من الالتزام بأن هيئة اسم الفاعلموضوعة بإزاء
الذات المتلبسة بالمبدأ، وهيئة فعل الماضي موضوعة بإزاء نسبةالفعل إلى الفاعل، ولا
تدل على أكثر من ذلك، وأما الصدورية أو الحلولية فهيمأخوذة في مدلول المادة دون
الهيئة، فمادة هيئة القاتل موضوعة لمعنى مناسبللنسبة الصدورية، وكذا مادة هيئة
الضارب ونحوها، وأما مادة هيئة العالموالمائت وما شاكلهما، موضوعة بإزاء معنى
مناسب للنسبة الحلولية، وهذاالإشكال مبني على أن النسبة الصدورية والحلولية مأخوذة
في مدلول الهيئة،فعندئذ لا يمكن الالتزام بوضع واحد نوعي في الهيئات، بل لا مناص من
الالتزامبتعدده بتعدد الهيئات، فيكون وضعها حينئذ شخصياً، بلحاظ أن لكل هيئةمقترنة
بالمادة بشخصها وضعاً، وأما إذا كانت هذه النسبة من لوازم معنى المادة،فلا مانع من
الالتزام بالوضع النوعي في الهيئات كلها.
وبكلمة، إن المادة قد تكون قائمة بالذات المتلبسة بها وحالة فيها كمادة
الموتوالعلم والقيام ونحو ذلك، وقد تكون صادرة عنها وقائمة بغيرها كمادة
القتلوالضرب ونحوهما، وهيئة الفاعل في كل من الموردين تدل على تلبس الذاتبالمادة،
وأما كون المادة صدورية أو حلولية فهي لا تدل عليها، لأنها من شؤونالمادة ولوازمها
الذاتية، ومدلول هيئة اسم الفاعل تلبس الذات بالمادة، ومدلولهيئة فعل الماضي نسبة
المادة إلى الفاعل، وأما كون النسبة في مورد صدورية وفيآخر حلولية، فيكون من جهة
اختلاف معنى المادة، لا أنها مأخوذة في مدلولالهيئة، باعتبار أن مدلولها هو التلبس
والنسبة فقط بدون الدلالة على خصوصيةاُخرى، والمادة موضوعة لطبيعي معناها اللا
بشرط، ولا تدل بالدلالة الوضعيةإلاّ عليه بدون الدلالة على خصوصية اُخرى، وأما كون
التلبس والنسبةصدورية أو حلولية، فهو من شؤون خصوصية معنى المادة بالذات،
واتصافالنسبة بها إنما هو بالعرض أي من جهة معنى المادة، فإن المادة في مثل
»القاتل«و»قتل« موضوعة لمعنى لا يقبل إلاّ الصدور من الفاعل، وفي مثل
»المائت«و»مات« و»العالم« و»علم« موضوعة لمعنى لا يقبل إلاّ الحلول فيه.
وعلى هذا فلا مناص من الالتزام بالوضع النوعي في الهيئات، فإن هيئةالفاعل إذا كانت
بجميع أصنافها مشتركة في معنى واحد، فلا موجب للوضعالشخصي لكل صنف، وحينئذ فبامكان
الواضع أن يتصور الهيئة المنتزعةالجامعة بينها التي هي عنوان عام لها ثم يضع تلك
الهيئات بسبب تصورواستحضار عنوانهاالعام في الذهن، فيكون المستحضر فيه النوع،
والموضوع هوالشخص، وهذا هو المعيار العام للوضع النوعي.
إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة، وهي أن الأظهر أن وضع جميع الهيئاتنوعي بلا
فرق بين الهيئات الا فرادية والجملية.
وضع الحروف نوعي أو شخصي
وأما الحروف وما يلحق بها فهل يكون وضعها نوعياً أو شخصياً؟
والجواب: أن هنا نظريتين: الاُولى: أن وضعهانوعي، والثانية: أنهشخصي.
أما النظرية الاُولى: فيمكن تقريبها بأنه ليس للحروف وضع مستقل، بلهي موضوعة بوضع
ضمني أي في ضمن وضع الجملة، وقد تقدم أن وضعالجملة نوعي، على أساس أن أفراد الجملة
تختلف من مورد إلى مورد آخرباختلاف موادّها، وهي غير محصورة، فلابد للواضع في مقام
عملية الوضع مناحضار عنوان عام جامع يشير به إلى كل جملة تتألف مثلاً من الظرف
والمظروفوحرف الظرفية كقولك »الصلاة في المسجد« و»زيد في الدار« وهكذا، ثميضعها
بإزاء معنى مناسب لها وهو واقع النسبة الظرفية، فيكون الموضوع فيالحقيقة شخص كل
جملة تتألف من هذه العناصر الثلاثة المستحضرة في الذهنوالمتصورة فيه بنوعها لا
بشخصها، وهذا هو معنى الوضع النوعي(29).
ويؤكد ذلك أن دلالة الحروف على معانيها تتوقف على أن تكون في ضمنجملة وإلاّ فلا
مدلول لها، بينما دلالة الأسماء على معانيها لا تتوقف على ذلك.
وبكلمة، إن الأسماء مستقلة لفظاً ومعنى، وموضوعة بإزاء معان مستقلة،وهي المعاني
التي لها تقرر ذاتي ماهوي في المرتبة السابقة على الوجود الذهنيوالخارجي، وقد توجد
في الذهن وقد توجد في الخارج، وتدل عليها عنداطلاقها، سواء كانت وحدها أم كانت في
ضمن كلام، فإن دلالتها الوضعيةالتصورية لا تتوقف على ذلك، بينما تكون الحروف غير
مستقلة لفظاً ومعناً، فإندلالتها على معانيها تتوقف على أن تكون في ضمن كلام،
وإلاّ فلا دلالة لها ولامدلول، وعلى هذا فلا مبرر لأن يقوم الواضع بوضعها شخصياً
كوضع الأسماء، إذيكفي أن يقوم بوضعها في ضمن وضع الجملة، كقوله كل كلام يتألف من
الظرفوالمظروف، وحرف الظرفية فإنه موضوع للنسبة الظرفية بينهما، وكل كلاميتألف من
المستعلى والمستعلى عليه، وحرف الاستعلاء فإنه موضوع للنسبةالاستعلائية بينهما، وكل
كلام يتألف من المبتدأ به والمبتدأ منه، وحرف الابتداءفإنه موضوع للنسبة الابتدائية
بينهما.
وأما النظرية الثانية فهي مبنية على أن يكون للحروف وضع مستقلكالأسماء، فإذا كان
لها وضع كذلك فبطبيعة الحال يكون شخصياً، لأن ملاكشخصية الوضع هو أن يكون الملحوظ
والمستحضر في الذهن شخص اللفظالموضوع لا نوعه، كما أن ملاك نوعية الوضع هو أن يكون
الملحوظ والمستحضرفيه نوع اللفظ الموضوع لا شخصه، وعلى هذا فالواضع في مقام عملية
الوضعيلاحظ كلمة »في« مثلاً بوحدتها الذاتية وبحدها الشخصي ثم يضعها بإزاءمعنى،
وهو واقع نسبة الظرفية، فيكون الموضوع شخص اللفظ المستحضر فيالذهن والملحوظ فيه لا
نوعه، فإذن يكون وضعها كوضع الأسماء شخصي، ولافرق بينهما في هذه الناحية.
والخلاصة: أنه لا مانع من وضع الحروف بإزاء معانيها وهي النسب الواقعية،فإن الوضع
لا يتوقف على أكثر من تصور اللفظ الموضوع واحضاره في الذهنوتصور المعنى الموضوع
له.
غاية الأمر أنها لا تدل عليها إلاّ إذا كانت في ضمن جملة، وهذا لا من جهة أنوضعها
بإزاء المعاني لابد أن يكون في ضمن وضع الجملة، بل من جهةخصوصية في معانيها، وهي
كونها معان نسبية متقومة ذاتاً وحقيقة بشخصوجود طرفيها من المعاني الاسمية، ولهذا
لا تدل الحروف على معانيها إلاّ إذا كانتفي ضمن جملة حتى بالدلالة التصورية، إذ لا
يمكن تصورها إلاّ في ضمن غيرها،بينما الأسماء تدل على معانيها مطلقاً أي سواء كانت
في ضمن الجملة أم كانتوحدها، على أساس أن معانيها معان مستقلة ذاتاً وحقيقة، ولا
يتوقف تصورهاعلى أن تكون في ضمن كلام.
ثم إن الظاهر من هذين القولين هل هو القول الأول أو الثاني؟
والجواب: هو القول الثاني، وذلك لأمرين:
الأول: أن العرف العام واللغة يشهدان على أن الحروف كالأسماء موضوعةبإزاء معانيها
بشخصها الملحوظ لا بنوعها، غاية الأمر أن معاني الحروف بما أنهامعان نسبية متقومة
بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيها، فلذلك لا تدلعليها إلاّ أن تكون في ضمن جملة
ومتعلقة بالمفاهيم الاسمية، وهذا بخلافالأسماء، فإن معانيها بما أنها معان مستقلة
فهي تدل عليها مطلقاً، فعدم دلالةالحروف على معانيها إلاّ في ضمن جملة، لا يكون
قرينة على أنها لم توضع إلاّ فيضمن وضع الجملة، لأن أحد الأمرين غير مربوط بالآخر،
إذ للواضع أنيتصور معاني الحروف متعلقه بالمفاهيم الاسمية ثم يضعها بإزائها على
نحو الوضعالشخصي، ولكن بما أنها متعلقه بها ذاتاً وحقيقة، فلا يمكن دلالتها عليها
وحدهاومستقلة، بل لابد أن تكون في ضمن جملة.
الثاني: أن الجملة إذا لم تكن مشتملة على الحروف كقولك »زيد عالم«،فإنهيئتها
القائمة بعنصريها هما »زيد« و»عالم« في المثال موضوعةلواقعالنسبة بينهما، وعلى هذا
فالدال على النسبة هو هيئة الجملة لا عنصرالموضوع ولا المحمول.
وأما إذا كانت الجملة مشتملة على الحرف كالجملة المؤلفة من الظرفوالمظروف وحرف
الظرفية، كقولك »الصلاة في المسجد« مثلاً، فإن لفظ»الصلاة« موضوع لمعناه ويدل عليه،
وكذا لفظ »المسجد« ولا يدل شيء منهماعلى النسبة بينهما، وهي نسبة الظرفية، وعليه
فلا محالة يكون الدال عليها كلمة»في« في ضمنها، لوضوح أن الجملة مؤلفّة من ثلاثة
عناصر وهي كلمة»الصلاة« وكلمة »المسجد« وكلمة »في«، وكل من تلك العناصر يدل
علىمعناه، وبذلك يحصل الغرض المطلوب من الجملة ويتم المقصود منها، ومع هذا لاحاجة
إلى وضع الجملة بتمامها، فإنها لو كانت موضوعة فلا محالة موضوعة بإزاءالنسبة
المذكورة، والمفروض أن الدال عليها كلمة »في«، وعليه فوضع الجملة بماهي بإزائها
لغو.
فالنتيجة أن وضع الحروف شخصي لا نوعي.
قد يدعي أن كلمة »في« في المثال أو ما شاكله لم توضع لنسبة الظرفية،والموضوع
بإزائها إنما هو هيئة الجملة القائمة بعناصرها الثلاثة، فإنها تدل عليهادون كلمة
»في«.
ولكن هذه الدعوى فاسدة، إذ لا شبهة في أن كلمة »في« دخيلة في تكوينهذه الجملة
لفظاً ومعناً، ومن المعلوم أن معنى دخلها في تكوينها دلالتها علىنسبة الظرفية التي
تتكون الجملة بها، وعلى هذا فكلمة »في« لا تخلو من أن تدلعلى النسبة المذكورة أو
لا تدل، فعلى الأول لا معنى لوضع الهيئة بإزائها، لأنه لغومحض، وعلى الثاني فهو
خلاف الضرورة والوجدان، حيث إن دخلها في تكوينالجملة لفظاً ومعنى أمر وجداني، ومن
هنا تختلف الجمل التي لا تتوقف تكوينهاعلى الحرف عن الجمل التي يتوقف تكوينها عليه.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك أنه ليس لكلمة »في« مدلول في الجملة،وهذا كما ترى.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن وضع الحروف كوضعالأسماء شخصي لا
نوعي.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أن الضابط في الوضع الشخصي هو استحضار شخص اللفظ الموضوعبحدّه الشخصي في
الذهن ثم وضعه بإزاء معنى مناسب له، فيكون الموضوعشخص اللفظ المستحضر في الذهن
والمتصور فيه بنفسه لا بنوعه.
والضابط في الوضع النوعى هو استحضار الجامع العنواني الانتزاعي مشيراًبه إلى كل ما
يكون هذا الجامع عنواناً له، فيوضع كل ما هو المستحضر في الذهنوالمتصور فيه بهذا
العنوان الجامع بإزاء معنى مناسب له، فيكون الموضوع فيالحقيقة شخص كل فرد، ولكن
المستحضر في الذهن والملحوظ فيه ليسشخص كل فرد بنفسه بل بنوعه، وهذا هو ضابط الوضع
النوعي.
الثاني: أن وضع الهيئات نوعي، سواء كانت الهيئات إفرادية كهيئاتالمشتتقات ونحوها
أو جملية، ووضع المواد شخصي.
أما الأول: فلأن الواضع يقوم باستحضار هيئة عامة منتزعة كهيئة »فاعل«مشيراً بها إلى
الهيئات الخاصة كهيئة »ضارب« و»عالم« و»قاتل« وهكذا،فيضع تلك الهيئات الخاصة
بعنوانها العام كقولهم كلما كان على زنة الفاعل ...،فيكون الموضوع في الحقيقة شخص
هذه الهيئات الخاصة، ولكن المستحضروالمتصور في الذهن ليس بشخصها بل بنوعها.
وأما الثانية فلأن الواضع يقوم باستحضار شخص المادة بوحدتها الذاتية فيالذهن
وبوضعها بإزاء معنى، فيكون الموضوع شخص اللفظ المستحضروالمتصور في الذهن بنفسه،
وهذا هو ضابط الوضع الشخصي.
الثالث: أن وضع الحروف شخصي كالأسماء، فلا فرق بينهما من هذه الناحية،وإنما الفرق
بينهما من ناحية اُخرى، وهي أن الحروف لا تدل على معناهاإلاّفيضمن الجملة، بينما
الأسماء تدل على معناها، سواء كانت في ضمن الجملةأمكانت وحدها.
پاورقي
1) محاضرات في اُصول الفقه 85 :1.
2) دراسات في علم الاُصول 46 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 85 :1.
4) محاضرات في اُصول الفقه 104 :1.
5) نقلها عنه في بحوث في علم الاُصول 268 :1.
6) أورده مع نقل الجواب في بحوث في علم الاُصول 287 :1.
7) راجع بحوث في علم الاُصول 288 :1.
8) أورده في بحوث في علم الاُصول 288 :1.
9) بحوث في علم الاُصول 268 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 75 :1 و85.
11) نهاية الأفكار 54 :1.
12) نهاية الأفكار 55 :1.
13) كفاية الاُصول: 69.
14) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 296 :1.
15) أورده في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
16) أورده في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
17) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 297 :1.
18) بحوث في علم الاُصول 298 :1.
19) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1 و81.
20) نهاية الدراية 62 :1 و275.
21) كفاية الاُصول: 12.
22) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1.
23) بحوث في علم الاُصول 302 :1.
24) كفاية الاُصول: 12.
25) محاضرات في اُصول الفقه 90 :1.
26) محاضرات في اُصول الفقه 91 :1.
27) نهاية الدراية 77 :1.
28) بحوث في علم الاُصول 344 :1.
29) بحوث في علم الاُصول 343 :1.
.....................
...المباحث الاُصولية / ج 2
الحقيقة الشرعية ...
الحقيقة الشرعية ...
الثاني عشر: الحقيقة الشرعية
يقع الكلام في هذه المسألة في مرحلتين:
المرحلة الاُولى: في ثبوت الحقيقة الشرعية.
المرحلة الثانية: في ثمرة هذه المسألة.
أما الكلام في المرحلة الاُولى فيتوقف على ثبوت العلقة الوضعية تعييناً أوتعيّناً
بين ألفاظ العبادات ومعانيها الخاصة المخترعة من قبل الشارع.
أما الأول: وهو الوضع التعييني، فتارة يقع الكلام في قيام الشارع بنفسهبعملية
الوضع بصيغته الصريحة. واُخرى في قصده الوضع بصيغة الاستعمال،ويسمى ذلك بالوضع
التعييني الاستعمالي في مقابل الوضع التعييني بالصيغةالمألوفة الصريحة.
أما القسم الأول فهو غير محتمل، إذ لو كان النبي الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم هو
القائمبعملية وضع أسماء العبادات بإزاء معانيها الخاصة بغرض التفاهم بها في
المجتمعالاسلامي في مرأى المسلمين والصحابة لشاعت العملية في ذلك الزمنواشتهرت
بينهم، باعتبار أنها ليست عملية عادية فردية، بل هي عمليةاجتماعية تشكل جانباً
مهماً من حياة المجتمع، إذ كلما توسعت جوانب حياةالمجتمع علمياً وثقافياً، مادياً
ومعنوياً تتطلب توسع ظاهرة اللغة أكثر فأكثر،لأنها دخيلة في جميع جوانب الحياة
وتطورها وتوسعها، فلو كان النبيالأكرمصلى الله عليه وآله وسلم قائماً بهذه
العملية الاجتماعية سجّله التاريخ ونقل في الأحاديثواشتهر في الألسنة ووصل إلينا
يداً بيد وطبقة بعد طبقة، مع أنه لا عين له ولا أثرلا في التاريخ ولا في الأحاديث.
وأما القسم الثاني وهو الوضع التعييني بصيغة الاستعمال لا بتصريح منالواضع، فيقع
الكلام في إمكانه أولاً، وفي وقوعه ثانياً، فهنا مقامان:
أما الكلام في المقام الأول فقد ذهب المحقق النائينيقدس سره إلى عدم إمكانه،بتقريب
أن حقيقة الاستعمال هي إفناء اللفظ في المعنى بحيث إن المتكلم كأنه لايلقي إلى
المخاطب إلاّ المعنى والمخاطب لا يتلقى منه إلاّ ذلك المعنى، فاللفظ على كلحال
يكون مغفولاً عنه، بينما الوضع يقتضي لحاظ اللفظ بنفسه واستقلالاً لا
آليّاًوفانيّاً، كما أنه يقتضي لحاظ المعنى كذلك، وعلى هذا فلا يمكن تحقق
الوضعبالإستعمال وكونه مصداقاً ومحققاً له، وإلاّ لزم الجمع فيه بين اللحاظ
الآليوالاستقلالي وهو محال، وإن شئت قلت: إنه لا يمكن أن يكون إطلاق اللفظ
علىالمعنى استعمالاً ووضعاً معاً، فإنه بلحاظ كونه استعمالاً، فالنظر إليه آلي
وبلحاظكونه وضعاً فالنظر إليه استقلالي، ولا يعقل أن يكون النظر إليه آليّاً
واستقلالياً فينفس الوقت(1).
وقد علّق عليه السيد الاُستاذقدس سره بتعليقتين.
الاُولى: أن الوضع سواء أكان بمعنى التعهد والتباني أم بمعنى الاعتبار النفسانيفي
مرتبة متقدمة على الاستعمال، أما على الأول فواضح، ضرورة أن التعهدوالتباني بذكر
لفظ خاص عند إرادة تفهيم معنى ما يكون مقدماً على الاستعماللامحالة، من دون فرق
بين أن يكون إبراز هذا التعهد بمثل كلمة وضعت أونحوهاالدالة عليه بالمطابقة أو يكون
بنفس الاستعمال الدال على ذلك بالالتزامبمعونة القرينة.
وأما على الثاني فلأن اعتبار الملازمة أو نحوها بين لفظ خاص ومعنى خاصمقدم على
الاستعمال بالضرورة وإن كان المبرز لذلك الاعتبار نفس الاستعمال معنصب القرينة على
ذلك، فالنتيجة أن الاستعمال متأخر عن الوضع، ولا يلزممحذور الجمع بين اللحاظ الآلي
والاستقلالي إذا قصد الوضع بالاستعمال علىجميع المباني والمسالك في تفسير حقيقة
الوضع، على أساس أنه أمر نفساني ثابتفي اُفق النفس، والاستعمال أمر خارج عن اُفق
النفس وكاشف عنه، فلذلكيكون الوضع سابقاً على الاستعمال دائماً.
الثانية: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الاستعمال مقارن للوضع فمع ذلكإذا قصد الوضع
بنفس الاستعمال لم يلزم من تحقق الوضع به محذور الجمع بيناللحاظ الآلي والاستقلالي
في شيء واحد، لأن لزوم هذا المحذور مبتن علىمسلك المشهور في باب الاستعمال، حيث
إنهم يرون أن اللفظ في مقام الاستعمالملحوظ آلياً وفانياً في المعنى.
وأما بناء على ما هو الصحيح من أن حال الألفاظ حال المعاني في مرحلةالاستعمال، فكما
أن المعاني ملحوظة استقلالاً فكذلك الألفاظ، فإن المتكلمحين الاستعمال كما يلتفت
إلى المعاني وما لها من الخصوصيات يلتفت إلى الألفاظوما لها من الخصوصيات ككونها
عربية أو فارسية أو غير ذلك، فلا يلزم منالجمع بين الوضع والاستعمال الجمع بين
اللحاظ الآلي والاستقلالي.
فالنتيجة أن الوضع التعييني الاستعمالي بمكان من الامكان(2).
ولنا نظر في كلتا التعليقتين:
أما على الاُولى فلأن الوضع يختلف باختلاف المباني، فإنه على أساسنظرية الاعتبار
فلا يمكن إيجاده بالاستعمال، لأن حقيقة الوضع وإن كانتاعتبارية إلا أنها ليست
بإنشائية يتسبب إلى إنشائها في الخارج باللفظ أونحوهكماهو الحال في المعاملات
العقلائية والشرعية التي يتسبب بها إلى إنشاءمسبباتها، بل هو أمر اعتباري قائم بنفس
المعتبر بالمباشرة ولا واقع موضوعيله ما عدا اعتبار المعتبر إياه في عالم الاعتبار
والذهن، ولا صلة للفظ به أونحوهماعدا كونه مبرزاً له، فإن الواضع في مقام عملية
الوضع اعتبر العلاقة بين اللفظوالمعنى مباشرة ولا يعقل التسبيب فيها، لأن العملية
ليست عملية تسبيبيةبحاجة إلى سبب.
فالنتيجة أن حقيقة الوضع على ضوء هذه النظرية بما أنه أمر اعتباري، فهيفعل المعتبر
مباشرة ولا ترتبط بالاستعمال الذي هو عملية خارجية.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع التعهد والتباني النفساني فأيضاً لا يمكنإيجاده
بالاستعمال، لأن الوضع على ضوء هذه النظرية أمر تكويني وجدانيوفعل قصدي للمتعهد في
أفق النفس مباشرة، كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا، ولايكون فعلاً تسبيباً.
وأما على القول بأن حقيقة الوضع هي اختصاص اللفظ بالمعنى كما هو ظاهرالمحقق
الخراسانيقدس سره، فإن اُريد بالاختصاص العلاقة والارتباط التكويني بيناللفظ
والمعنى في الذهن، وحينئذ فإن كان منشؤه الاعتبار، فقد مرّ أنه لا يتوقفعلى
الاستعمال، وإن كان منشؤه التخصيص والتعيين الخارجي، فلا مانع منتحققه بالاستعمال،
على أساس أن حقيقة الاستعمال هي تخصيص اللفظ بالمعنى،أو فقل إنها عبارة عن اقتران
اللفظ بالمعنى بغرض الدلالة عليه، ولا مانع منحصول الوضع بمعنى الاختصاص والارتباط
بين صورة اللفظ وصورة المعنى فيالذهن بالاستعمال كمّاً أو كيفاً.
وكل هذه البحوث قد تقدمت بشكل موسع في ضمن الأبحاث السالفة.
وأما على الثانية فعلى تقدير تسليم أن عملية الوضع متحدة مع عمليةالاستعمال، فمع
ذلك لا مانع من أن يقصد المستعمل عملية الوضع بالاستعمال،ولا يلزم منه محذور الجمع
بين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شيء، لا من جهة ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من
أن حقيقة الاستعمال هي جعل اللفظ علامة علىالمعنى لا فانياً فيه، وذلك لما ذكرناه
في محله من أن هذا التفسير للاستعمال غيرصحيح، لأن اللفظ بما أنه وسيلة وأداة
لتفهيم المعاني، فلا محالة يكون النظرإليهنظر وسيلة وأداة لا علامة، ولكن في نفس
الوقت لا مانع من أنيكونمورداً للإلتفات والتوجه بتمام خصوصياته، فكونه آلة
ووسيلة لا يلازمكونه مغفولاً عنه.
وقوع الوضع بالاستعمال ...
وبكلمة، إن عملية الوضع إن كانت بصيغتها المألوفة الصريحة، فهي تتطلبلحاظ اللفظ
كالمعنى مستقلاً وفي نفسه لا بعنوان الوسيلة، وأما إذا كانت بصيغةالاستعمال،
فبإمكان المستعمل أن يقصد وضع اللفظ الملحوظ في هذه العمليةأداة ووسيلة للمعنى
المستعمل فيه ولا يتوقف على لحاظه مستقلاً، إذ ليس معنىلحاظه أداة ووسيلة أنه
مغفول عنه ولا يكون مورداً للالتفات أصلاً، بل معناهأنه مورد الالتفات أداة ووسيلة
للمعنى، وهذا يعني أنه أداة ووسيلة وفي نفسالوقت مورد للالتفات والتوجه، ولا تنافي
بين الأمرين أصلاً، فان التنافي إنما هوبين اللحاظ الآلي والاستقلالي في شيء، لا
بين كونه أداة ووسيلة بالذات وكونهمورداً للالتفات واللحاظ مستقلاً، ومن الواضح أن
هذا المقدار من اللحاظ يكفيفي مقام الوضع ولا يتوقف على أكثر من ذلك، وقد تقدم
تفصيل ذلك في ضمنالبحوث السابقة أيضاً. هذا كله في المقام الأول.
وأما الكلام في المقام الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أنه لا شبهة فيوقوع
الوضع التعييني بالاستعمال، بل ادّعىقدس سره كثرة وقوعه بين العرف والعقلاءفي
الاعلام الشخصية والمعاني المستحدثة المخترعة، وعلى هذا فدعوى ثبوتالحقيقة الشرعية
بالوضع التعييني على النحو المذكور غير بعيدة(3).
توضيح ذلك أن السيرة بين العرف والعقلاء جارية على أن وضع الأسماء بإزاءالمخترعات
من الصناعات أو غيرها إنما هو من مسؤولية المخترع، وحيث إنالمعاني الشرعية من
مخترعات الشارع، فلا محالة يكون تعيين أسماء بإزائها منمسؤوليته تبعاً للطريقة
المألوفة بين العقلاء على أساس أنه رئيسهم، بل لا معنىلأن يكون ذلك بيد غيره، فإنه
لا يليق بمقامه وشأنه، وقد مرّ أن هذا الوضع لايمكن أن يكون بصيغته المألوفة، فلا
محالة يكون بالاستعمال. هذا.
ولنا تعليق على ذلك، فإن الكلام هنا يقع تارة في الكبرى واُخرىفيالصغرى.
أما الكلام في الكبرى فلا شبهة في أنه لا يجب على الشارع اتباع هذه الطريقةالمرتكزة
لدى العقلاء ولا غيرها، فإنه بحاجة إلى دليل ولا أثر لمجرد احتمال اتباعالشارع
لها، نعم هنا شيء، وهو أن هذه المعاني لو كانت من مخترعات الشارعفبطبيعة الحال قد
استعمل هو تلك الألفاظ فيها في مقام التفهيم، وهذا الاستعمالوإن لم يدل على الوضع
في نفسه ولكن مركوزية تلك الطريقة في أذهان العقلاءوأعماق نفوسهم توجب ظهور هذا
الاستعمال في أن الشارع قصد به وضع هذهالألفاظ بإزاء تلك المعاني الشرعية
المستحدثة.
وأما الكلام في الصغرى فلأنه لم يثبت كون الشارع هو المخترع لمعاني أسماءالعبادات
على حد اختصاص المخترعين بالمخترعات الصناعية وغيرها،إذالظاهر من مجموعة من الآيات
الشريفة أن جملة من تلك المعاني ثابتة فيالشرائع السابقة كالصلاة والصيام والحج
ونحوها، منها قوله تعالى: »وَأَوْصَانِىبِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ
حَيّاً«(4)، ومنها قوله عزّ من قائل: »وَأَذِّنْ فِى النَّاسِبِالحَجّ«(5)، ومنها
قوله سبحانه وتعالى: »كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيَامُ كَمَا كُتِبَ عَلىالَّذِيْنَ
مِنْ قَبْلِكُم«(6)، حيث إنها تدل على أن إطلاق هذه الأسماء إنماهوعلىنفس هذه
المعاني هناك، فإذن لا تكون تلك المعاني من مخترعاتهذهالشريعة خاصة.
ودعوى أن هذه الآيات لا تدل على أن الصلاة والصيام والحج ونحوها كانتموجودة سابقاً
بنفس المعاني الاسلامية، لوضوح أنها لا تدل على أكثر من أنهذه العبادات كانت
موجودة هناك، وأما أن العبادات الاسلامية عين العباداتالعيسوية فهي لا تدل عليها.
مدفوعة بأن الظاهر من هذه الآيات هو أنها في مقام الحكاية عن ثبوت هذهالمعاني في
الشرائع السابقة وعدم اختصاصها بهذه الشريعة، فالاختلاف إنما هوفي بعض الأجزاء
والشروط غير الرئيسية والمقومة.
وعلى هذا فلا تكون هذه المعاني من المعاني والماهيات المخترعة من قبلالشارع فحسب،
بل هي ثابتة في الشرائع السابقة، واختلافها مع هذه الشريعةفي جزء أو شرط لا يوجب
الاختلاف في الحقيقة والماهية، واحتمال أن يكونالموجود في الشرايع السابقة سنخ
عبادات اُخرى مباينة لسنخ العباداتالاسلامية، بمعنى أن الصلاة العيسوية والصلاة
الاسلامية ليستا صنفان لصلاةواحدة كصلاتي المسافر والحاضر في شرعنا، وأن اطلاق
ألفاظ الصلاة عليهامجاز وكذا غيرها من ألفاظ العبادات غير محتمل بالنظر إلى تلك
الآيات وغيرهامن النصوص، إذ لا يحتمل أن يكون إطلاق لفظ الصلاة والصيام والحج
ونحوهاعلى تلك المعاني مجازاً في هذه الشريعة، لأن الظاهر من تلك الآيات أن
هذهالاطلاقات إنما هي على المعاني المعهودة والمرتكزة في أذهان الناس منذ
نزولها،لا أنها على معاني غريبة عن أذهانهم، وهذا يكشف عن ثبوت هذه المعاني
قبلالاسلام بنفس هذه الألفاظ.
وبكلمة، إن هذه المعاني ثابتة قبل الاسلام وقديمة إما بنفس هذه الألفاظ،حيث يظهر أن
إطلاقها عليها قبل الاسلام كان أمراً معروفاً ومعهوداً لدى الناسهناك، ومن هنا لا
يكون إطلاقها عليها بعد الاسلام أمراً غريباً بين الصحابةوالتابعين، حيث إنها بنفس
تلك الأسامي ثابتة في مجتمع الجزيرة العربية قبلالاسلام، ولم يصدر من الشارع بعده
إلا بعض الأجزاء والشروط والتفاصيلغير المقومة لها، أو ثابتة بأسماء اُخرى غيرها
كالسريانية أو العبرانية، بدعوىأنه لا ملازمة بين قدم هذه المعاني وثبوتها في
الشرايع السابقة والتسمية بهذهالأسماء الخاصة، ومجرد التعبير عنها في الكتاب
العزيز بتلك الأسماء لا يدل علىأنها موجودة بنفس هذه الأسماء في الشرايع السابقة،
بل هو من أجل إقتضاءمقام الافادة ذلك، كما هو الحال في سائر القصص والحكايات
القرآنية التي كانتبالسريانية كما في لغة عيسىعليه السلام، أو العبرانية كما في
لغة موسىعليه السلام ونقلت عنهابهذه الألفاظ الخاصة في القرآن الكريم من أجل أن
مقام الافادة يقتضي ذلك.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن هذه المعاني لو
كانتقديمة وثابتة قبل الاسلام لكانت ألفاظها حقائق لغوية(7) لا يتم، لما عرفت
منعدم الملازمة بين قدم هذه المعاني والتسمية بتلك الألفاظ.
وأما أن هذه المعاني من المعاني المخترعة والمستحدثة في الشريعة الاسلاميةفحسب من
قبل الشارع، فهو غير محتمل عرفاً وبعيد جداً.
ثم إن الأظهر من الاحتمالين السابقين هو الاحتمال الأول، وأن هذه المعانيثابتة قبل
الاسلام بنفس هذه الألفاظ الخاصة في الجزيرة العربية، اذ احتمال أنهاموجودة بألفاظ
اُخرى كالسريانية أو العبرانية في المجتمع العربي بعيد جداً،ويؤكد ذلك أن المسلمين
كانوا مأنوسين بهذه الألفاظ الواردة في النصوصالقرآنية وغيرها ولم تكن غريبة
عندهم.
ونتيجة ما ذكرناه أمران:
الأول: أن الشارع لا يكون مخترعاً لماهيات العبادات من الصلاة والصياموالحج وغيرها
في هذه الشريعة بحيث لم تكن لها سابقة بهذه الكمية والكيفية فيالأديان الماضية وأن
الصلاة والصيام والحج في تلك الأديان مباينة لها في الدينالاسلامي ولا تشتركان في
جامع واحد كصلاتي المسافر والحاضر، بل إنهاقديمة وثابتة في تلك الأديان، غاية الأمر
أن الشارع في الدين الاسلامي قدأكملها وأتمها ببعض الأجزاء والشروط غير المقومة
لها.
الثاني: أن ألفاظها على هذا حقائق لغوية لا شرعية، باعتبار أن الواضع لهابإزاء تلك
المعاني ليس هو الشارع لا بالوضع الصريح ولا بالاستعمال، بل هيموضوعة لها قبل
الاسلام.
قد يقال كما قيل إن المراد من اختراع الشارع المعاني العبادية هو استحداثهالتأليف
بين أجزائها بتنسيق معين من البداية إلى النهاية كالصلاة مثلاً، فإن معنىكونها
مخترعة، هو أن الشارع اخترع التركيب والتأليف بين أجزائها بكيفيةخاصة وكمية مخصوصة،
لا أن نفس الأجزاء والمواد مخترعة، ومن الواضح أنهذا المقدار من الاختراع يكفي
لتصديه وضع هذه الأسماء بإزائها، إذ من المستبعدجداً أن يكون الشارع هو المخترع
لتركيب الصلاة بالكيفية المذكورة والكميةالخاصة، ولكن الواضع للفظ الصلاة بإزائها
كان غيره.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن تلك المعاني العباديةليست
مجعولة ومخترعة من قبل الشارع غير جعلها في حيز الطلب(8) غير تام،فإن مراد من يقول
بكونها مجعولة ومخترعة من قبل الشارع، هو أن الهيئةالتركيبية لها مجعولة ومخترعة لا
موادها الأصلية(9).
والجواب عنه يظهر مما تقدم من أن هذه التركيبات العبادية بمقوماتهاالأساسية قديمة
وثابتة قبل الاسلام بنفس هذه الألفاظ، غاية الأمر أن الشارعبعد الاسلام قد يتصرف
فيها بزيادة جزء أو شرط أو مانع غير ركني.
والخلاصة أن هناك ثلاثة احتمالات:
الاحتمال الأول: أن هذه العبادات باُصولها الثابتة المقومة موجودة فيالشرائع
السابقة وليست من مخترعات الشارع ومختصات هذه الشريعة، بل هيعبادات وطقوس دينية
قديمة من لدن تلك الشرائع إلى هذه الشريعة، ولم تمرفترة على مجتمع لم يعش حياة
دينية ولم يسمع شيئاً من العبادات والطقوسالدينية حتى في فترة الجاهلية، فإن جمعاً
غفيراً من أصحاب الديانتين السابقتينعلى الاسلام كان يعيش مع مجتمع الجزيرة الذين
هم من القبائل العربية الأصيلةوكان جمع غفير من مجتمع الجزيرة اعتنقوا إحدى
الديانتين وعملوا بعباداتهاوالطقوس الدينية لها، ومن المستبعد جداً أنهم كانوا
يطلقون على العبادات أسماءغير عربية رغم شيوع تلك العبادات بينهم وابتلائهم بها، إذ
لو كان لها أسماءاُخرى غير العربية لا نعكس في التاريخ مع أنه لا عين لها فيه ولا
أثر.
ويؤكد وجود هذه الأسماء قبل الاسلام طرح القرآن الكريم نفس هذه الأسماءمنذ بداية
الوحي واستعمالها لافادة تلك العبادات، فلولم تكن تلك الأسماءمأنوسة عندهم ومركوزة
في أذهانهم وكانت من مستحدثات هذه الشريعةلكان طرح القرآن الكريم لهامنذ البداية
صدمة لدعوى النبوة ومن إحدىالموانع، على أساس أن القرآن قد جاء بعرف لغوي جديد
وكان عند المجتمع أمراًبدعاً وغريباً، وحيث إنهم لم يستغربوا هذا الطرح والاستعمال
وكان مأنوساًعندهم، فيكشف ذلك عن قدم هذه الألفاظ واستعمالها فيها قبل الاسلام،
وعلىهذا فبإمكاننا إثبات قدم هذه الألفاظ وثبوتها قبل الاسلام باُمور:
الأول: أن العبادات المذكورة عند المجتمع العربي في الجزيرة لو كانت مسماةبأسماء
اُخرى لأصبحت معروفة بعد الاسلام، على أساس اهتمام المسلمين بتلكالعبادات وبالتالي
بأسمائها قبل الاسلام، ولنقلت في التاريخ ولا سيما في تاريخالأدب العربي والنصوص.
الثاني: أن من المستبعد جداً أن القبائل العربية الأصيلة الموجودة في الجزيرةالذين
اعتنقوا إحدى الديانتين، كانوا يطلقون على تلك العبادات أسماء غيرعربية رغم أنهم
كانوا معروفين في الفصاحة والبلاغة في اللغة العربية، فإذن كيفيكون ذلك محتملاً في
حقهم.
الثالث: طرح نصوص القرآن والسنة هذه الأسماء على العبادات المذكورة بينالناس منذ
الوهلة الاُولى للوحي بدون استغرابهم تلك الأسماء مع أنها لو كانتمن الأسماء
الجديدة وغير المسبوقة كان إطلاقها عليها بنظرهم بدعاً وغريباً، معأن الأمر ليس
كذلك، حيث إن اطلاقها واستعمالها لإفادة تلك العباداتكاستعمال غيرها من الألفاظ
واللغات لإفادة معانيها بين أهل اللسان، فيكشفذلك عن وجود هذه الأسماء قبل الاسلام
واُنسهم بها، وأن اطلاق نصوصالكتاب والسنة أسماء العبادات عليها وإلقائها على
الناس كان طبعياً واعتيادياًكإطلاق اللغات على أهل اللسان، فلو كانت هذه الأسماء
والألفاظ غريبة لكانهذا الاطلاق في الكتاب والسنة بحاجة إلى عناية زائدة وقرينة.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أنه لا شاهد على ذلك لا
منالكتاب ولا من السنة ولا قرينة من الخارج(10) غير تام، لما عرفتم من أننصوص
الكتاب والسنة تشهد على ذلك، كما أن هناك قرينة خارجية أيضاً،وهي أن المجتمع العربي
في الجزيرة بما أن لغتهم لغة عربية، فلذلك يكونمنالمستبعد جداً بل غير محتمل عادة
أنهم كانوا يطلقون على تلك العباداتأسماء اُخرى غير عربية.
الاحتمال الثاني: أن المعاني الشرعية ثابتة في الشرائع السابقة لا بهذهالألفاظ بل
بألفاظ اُخرى، ولكن الشارع استعمل هذه الألفاظ فيها منذ بدايةالوحي في نصوص الكتاب
والسنة.
الاحتمال الثالث: أن لا تكون هذه المعاني الشرعية ثابتة قبل الاسلام،وحينئذ فلا
محالة تكون مخترعة من قبل الشارع.
وبعد ذلك نقول أما على الاحتمال الأول الذي هو الأظهر، فبما أن تلكالعبادات ثابتة
قبل الاسلام بنفس هذه الأسماء ولم يصدر من الشارع إلا بعضالتفاصيل والشروط غير
المقومة لحقيقتها الجامعة، فهي حقائق لغوية وهذهالألفاظ موضوعة بإزاء تلك الحقيقة
الجامعة قبل الاسلام، وهي الجامعة بين ماجاء به الاسلام وما جائت به الشرائع
السابقة.
وأما على الاحتمال الثاني فحيث إن إطلاق هذه الألفاظ الخاصة على تلكالمعاني
واستعمالها فيها من قبل الشارع في نصوص الكتاب والسنة ولا يكون منالقديم، فلذلك لا
يحتمل أن تكون حقيقة لغوية، فلا محالة تكون حقيقة شرعيةبالوضع الحاصل بالاستعمال،
وأما الوضع التعييني فهو غير محتمل كما تقدم.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن المعاني الشرعية لوكانت
ثابتة في الشرائع السابقة لكانت حقائق لغوية لا شرعية غير تام، لأنالمعيار في كون
هذه الألفاظ الخاصة حقائق لغوية أو شرعية إنما هو بوضع تلكالألفاظ بإزاء المعاني
المذكورة، فإن كان هذا الوضع مستنداً إلى الشارع بعدالاسلام فهي حقائق شرعية، وإن
كان ثابتاً قبل الاسلام فهي حقائق لغوية،وحيث إن تلك المعاني لم تثبت قبل الاسلام
بنفس هذه الألفاظ الخاصة، فلايمكن أن تكون حقائق لغوية.
فالنتيجة أنه لا ملازمة بين ثبوت المعاني المذكورة قبل الاسلام وثبوتهابنفسهذه
الألفاظ الخاصة، إذ كما يمكن ذلك يمكن أن تكون ثابتة بألفاظ اُخرى.
وأما على الاحتمال الثالث، فحيث إن الشارع هو المخترع لتلك العباداتبالكمية
والكيفية الموجودتين في الشريعة من دون أن يكون لها وجود قبلالاسلام، فلا محالة
يكون هو الواضع والمعين للأسماء بإزائها، إذ احتمال أنه اخترعتلك المعاني من دون
أن يعين لها أسماء غير محتمل عادة، فإذن بطبيعة الحال يعينلها أسماء خاصة، وحيث
إنه لا يحتمل أن يكون هذا التعيين منه بالوضعالصريح، فلا محالة يكون بالاستعمال،
وعليه فتكون هذه الألفاظ حقائق شرعيةبالوضع التعييني الاستعمالي لا بالصريح.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: الظاهر أن المعاني الشرعية قديمة وثابتة قبل الاسلام بأسمائها العربيةفي
المجتمع العربي الأصيل في الجزيرة، فإنهم بمقتضى عربيتهم كانوا يطلقون عليهاأسماء
عربية ويستعملونها في مقام إفادة تلك المعاني العبادية كما هو الحال في سائرالألفاظ
واللغات المستعملة بينهم للافادة والاستفادة، واحتمال أنهم يتبعون أهلالديانتين في
أسامي تلك العبادات بعيد جداً كما مرّ، فإذن تكون أسامي العباداتحقائق لغوية لا
شرعية.
الثانية: أن هذه المعاني لو كانت مخترعة من قبل الشارع لكانتأسماؤهاموضوعة بإزائها
من قبل الشارع بالوضع التعييني الاستعمالي،فتكونحقيقة شرعية.
الثالثة: أن تلك المعاني إذا كانت ثابتة قبل الاسلام بألفاظ اُخرى واستعمالالألفاظ
العربية فيها إنما كان بعد الاسلام في نصوص الكتاب والسنة، فإثباتالحقيقة الشرعية
في هذا الفرض بالوضع التعييني الصريح أو بالاستعمال من قبلالشارع لا يمكن كما مرّ.
ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيّني ...
وأما الثاني وهو الوضع التعيّني المستند إلى العامل الكمي ككثرة الاستعمال،فلا
موضوع له بناء على ما استظهرناه من أن هذه الألفاظ حقائق لغوية لاشرعية، نعم لو
كانت تلك المعاني مخترعة من قبل الشارع أو أن تلك الألفاظمستعملة فيها في الكتاب
والسنة بعد الاسلام فلا ريب في ثبوته، إذ لا شبهةفيكثرة استعمال هذه الألفاظ في
تلك المعاني في مختلف الموارد والمناسبات بنحوتؤدي إلى الوضع.
وقد استشكل في تحقق الوضع التعيّني بالاستعمال صغرى وكبرى.
أما الصغرى فلأن استعمال هذه الألفاظ في المعاني المذكورة في لسانالنبيالأكرمصلى
الله عليه وآله وسلم لم يبلغ من الكثرة بدرجة تؤدي إلى الوضع، نعم استعمالهافيهافي
لسانهصلى الله عليه وآله وسلم ولسان تابعيه وإن بلغ من الكثرة درجة تؤدي إلى
الوضعالتعيّني، أي الاستجابة الذهنية الشرطية إلا أنه ليس بحقيقة شرعية بلهوحقيقة
متشرعيّة.
والجواب: أن الغرض من ثبوت الحقيقة الشرعية هو حمل الألفاظ الواردةفي الكتاب والسنة
على معانيها الشرعية بدلاً عن حملها على معانيها اللغوية،وهذا الحمل يتوقف على ثبوت
العلقة الوضعية بين هذه المعاني والألفاظالمذكورة في عصر النبي الأكرمصلى الله
عليه وآله وسلم وإن لم يكن ثبوتها مستنداً إلى خصوصاستعمالهصلى الله عليه وآله
وسلم هذه الألفاظ، لأن الأثر المطلوب من ثبوت الحقيقة الشرعية هوحمل هذه الألفاظ
على المعاني المذكورة، وهذا الأثر يحصل في زمنهصلى الله عليه وآله وسلم وإن
لمتسمى العلقة الحاصلة بينهما بالحقيقة الشرعية.
فالنتيجة أنه لا شبهة في حصول الوضع التعيّني من مجموع استعمالهصلى الله عليه وآله
وسلمواستعمال تابعيه منذ أوائل البعثة، على أساس أن هذه الاستعمالات منهم مبنيةعلى
الاهتمام بتلك المعاني وترسيخها وتركيزها في الذهن، فلذلك تحصل الملازمةبين صورة
هذه الألفاظ وصورة تلك المعاني في الذهن في فترة قصيرة.
وأما الكبرى فلأن استعمال هذه الألفاظ في تلك المعاني لما كان استعمالاً فيغير
معناها الموضوع له فهو بحاجة إلى قرينة، ومن الواضح أن استعمال اللفظ معالقرينة في
معنى مهما بلغ من الكثرة، فهي توجب حصول الاُنس بينه وبين اللفظالمقترن بالقرينة،
لا بينه وبين ذات اللفظ المستعمل فيه ولا تتواجد بينهما علقة،وإنما تتواجد بينه
وبين اللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً ولو كان مجرداً عنها، فإذنلا يمكن حصول
الوضع التعيّني من كثرة استعمال اللفظ في المعنى إذا كانالاستعمال مع القرينة، على
أساس أن الاُنس الحاصل منها المترسخ في الذهنوالمتركز فيه إنما هو بين المعنى
واللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً.
والجواب: أن الإشكال مبني على أن تكون القرينة كاللفظ عنصراً ثابتاًمحفوظاً في تمام
موارد الاستعمال، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن القرينة عنوانانتراعي وأفرادها تختلف
في كل مورد عن مورد آخر، فإنها في مورد حالية، وفيآخر لفظية، وفي ثالث معنوية، وفي
رابع ارتكازية وهكذا، والعنصر الثابت فيتمام الموارد هو اللفظ، فإنه لا يختلف
باختلافها، وعلى هذا فحيث إن عنصرالقرينة ليس عنصراً ثابتاً محفوظاً في تمام
الموارد وعنصر اللفظ عنصر ثابتمحفوظ في كل الموارد، فبطبيعة الحال يوجب هذا حصول
العلقة بين المعنى وذاتاللفظ المستعمل فيه، لا بينه وبين اللفظ المقترن بالقرينة،
إذ لا أثر لاقترانه بهابعد تبدلها وتغيرها من مورد إلى آخر.
فالنتيجة أنه لا مانع من حصول الوضع التعيّني بعامل كمي، وهو كثرةالاستعمال بين ذات
اللفظ والمعنى، فإذا أطلق انتقل الذهن من تصوره إلى تصورالمعنى، سواء كان مقترناً
مع القرينة أم لا. هذا تمام الكلام في المرحلة الاُولى.
وأما الكلام في المرحلة الثانية وهي ثمرة القول بثبوت الحقيقة الشرعية، فقدذكروا
أنه على القول بثبوت الوضع الشرعي بأحد أنحائه الثلاثة المتقدمة تحملالنصوص
الواردة في الكتاب والسنة على المعاني الشرعية بمقتضى أصالةالظهور، وعلى القول بعدم
ثبوت الوضع الشرعي تحمل النصوص على معانيهااللغوية عملاً بأصالة الحقيقة، وأما إذا
لم يثبت القول بالحقيقة الشرعية ولاعدمها، فتصبح النصوص مجملة فلا يمكن التمسك بها.
هذا،
وقد علق المحقق النائينيقدس سره على هذه الثمرة بأنه لا واقع موضوعي لها
فيالخارج، وذلك لأن ظهور النصوص الواردة من الأئمة الأطهارعليهم السلام في
إرادةالمعاني الشرعية مما لا شبهة فيه ولا يحتمل أن يكون المراد منها
المعانياللغوية، وأما النصوص الصادرة في زمن النبي الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم
فالثمرة وإن كانتتظهر فيها إلا أن تلك النصوص لم تثبت من طرقنا إلا ماروي عن
الأئمةالأطهارعليهم السلام بسند تام، فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر بين القولين في
المسألة(11).
الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات ...
ولكن لا أساس لهذا التعليق، فإنا لو سلمنا أن النصوص الصادرة من النبيالأكرمصلى
الله عليه وآله وسلم لم تصل إلينا بطرق معتبرة، فما هو موقفك من النصوص
القرآنيةالتي يتضمن كثير منها العبادات والمعاملات بأساميهما الخاصة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من عدم ظهور الثمرة
بينالقولين في المسألة وإن كان صحيحاً من هذه الجهة، إلا أنه غير صحيح من جهةتخصيص
ذلك بخصوص النصوص الصادرة من الأئمة الأطهارعليهم السلام، إذ لا وجهلهذا التخصيص
أصلاً، فإن مراد الشارع من النصوص الشرعية، سواء كانت منالكتاب أو السنة معلوم أنه
هو المعاني الشرعية ولا شك في ذلك، بلا فرق فيه بينالنصوص الواردة من الأئمة
الأطهارعليهم السلام والنصوص القرآنية والنبوية، إذ لاشبهة في أن نصوص القرآن
مستعملة في المعاني الشرعية، وكذلك نصوصالنبيالأكرمصلى الله عليه وآله، كما هو
الحال في نصوص الأئمة الأطهارعليهم السلام، هذا تمام كلامنافي وضع العبادات.
الحقيقة الشرعية في ألفاظ المعاملات
وأما المعاملات فلا شبهة في أنها اُمور عقلائية ثابتة بين العقلاء قبل الشرع،كما
أنه لا شبهة في ثبوتها بنفس هذه الألفاظ الخاصة قبل الاسلام في المجتمعالعربي في
الجزيرة، إذ احتمال أنهم كانوا يستعملونها كنظام مالي في حياتهمالاقتصادية بألفاظ
اُخرى غير محتمل فيها وإن فرض احتماله في العبادات، علىأساس أن من اعتنق من
القبائل العربية إحدى الديانتين بحاجة إلى استعمالالعبادات دون غيره، بينما
المعاملات باعتبار أنها نظام مالي حياتي للمجتمعككل، فجميع القبائل العربية هناك
بحاجة إلى استعمالها بألفاظ عربية في مقامالمفاهمة ونقل الأفكار بها إلى الآخرين،
ومن هنا لا يكون طرح القرآنالمعاملات بأسمائها الخاصة منذ بداية الوحي أمراً بدعاً
وغريباً لدى الناس ولغةجديدة لهم، بل هم كانوا يتلقون خطابات القرآن كالخطابات
المتبادلة بينهم فيمحاوراتهم بدون أدنى غربة.
نستعرض نتائج البحث حول الحقيقة الشرعية بما يلي:
الاُولى: أن من غير المحتمل أن يكون النبي الأكرمصلى الله عليه وآله وسلم هو
الواضع لأسماءالعبادات بإزاء معانيها مباشرة، وإلا لشاع ذلك بين المسلمين وسجّل في
التواريخوالأحاديث مع أنه لا عين ولا أثر له فيهما.
الثانية: في تحقق الوضع التعييني بصيغة الاستعمال خلاف، فذهب المحققالنائينيقدس
سره إلى استحالة ذلك،بدعوى أن الاستعمال يقتضي لحاظ اللفظ آلياًوالوضع يقتضي لحاظه
استقلالاً، والجمع بينهما يستلزم الجمع بين اللحاظالآليوالاستقلالي في شىء واحد
وهو مستحيل، بينما ذهب السيد الاُستاذقدس سرهإلىإمكانه، بدعوى أن الاستعمال لا
يقتضي لحاظ اللفظ آلياً، فلا مانع منالجمعبينهما.
والصحيح في المقام هو التفصيل، فإن ذلك يختلف باختلاف المباني في حقيقةالوضع، فعلى
مبنى أن حقيقة الوضع حقيقة اعتبارية قائمة بالمعتبر مباشرة، فلايمكن إيجادها
بالاستعمال، وإلا لكانت حقيقة إنشائية تسبيبية لا اعتبارية محضةوهذا خلف، وكذلك على
مبنى التعهد والتباني، لأن حقيقة الوضع على هذا المبنىحقيقة تكوينية وجدانية، وهي
فعل المتعهد في أفق النفس مباشرة، ولا يكونتسبيباً، نعم على مبنى الاختصاص بأن
تكون حقيقته اختصاص اللفظ بالمعنىفي عالم الذهن، فإن كان منشؤه التعيين والتخصيص
أي الاقتران بين اللفظوالمعنى في الخارج، أمكن إيجاده بالاستعمال على تفصيل تقدم.
الثالثة: لا يلزم من اتحاد عملية الوضع مع عملية الاستعمال الجمع بيناللحاظ الآلي
والاستقلالي في شيء واحد، لا من جهة ما ذكره السيد الاُستاذقدس سرهمن أن حقيقة
الاستعمال جعل اللفظ علامة، فإنه غير صحيح كما تقدم، بل منجهة ما ذكرناه من أن
النظر إلى اللفظ بالذات في مقام الاستعمال نظر وسيلة وأداةوفي نفس الوقت لا مانع من
كونه مورداً للتوجه واللحاظ مستقلاً، فلا يلزمالمحذور المذكور حينئذ من الجمع بين
العمليتين.
الرابعة: قد بنى السيد الاُستاذقدس سره على وقوع الوضع التعييني بالاستعمال
بينالعرف والعقلاء في الأعلام الشخصية والمعاني المستحدثة المخترعة، منها
المعانيالشرعية، ولهذا قال فدعوى ثبوت الحقيقة الشرعية بالوضع التعيينيبالاستعمال
غيرة بعيدة.
ولكن الصحيح عدم ثبوت الحقيقة الشرعية لا بهذا الوضع ولا بالوضعالصريح ولا بالوضع
التعيّني، لأن الظاهر من جملة من الآيات أن أساميالعبادات حقائق لغوية بمعنى أنها
موضوعة بإزاء تلك المعاني قبل الاسلام، ولميصدر من قبل الشارع بعد الاسلام إلا بعض
التفاصيل من الأجزاء والشروطغير المقومة لحقيقة هذه المعاني الجامعة بين ما جاء به
الاسلام وما جاءت بهالشرائع والأديان السابقة على ما تقدم تفصيله.
الخامسة: أن كثرة استعمال اللفظ في المعنى المجازي التي تؤدي إلى الوضعالتعيّني لا
تتوقف على كثرة استعمال اللفظ مجرداً عن القرينة فيه، بل من جهة أناللفظ عنصر ثابت
ومحفوظ في جميع موراد الاستعمال دون القرينة، فإنها تختلفباختلاف الموارد، فلذلك
يحصل منها الاُنس الذهني بين ذات اللفظ والمعنى بقطعالنظر عن اقترانه بالقرينة،
وهذا هو الوضع التعيّني.
السادسة: الظاهر أن الثمرة لا تظهر بين القولين في المسألة، على أساس أنالمراد من
النصوص التشريعية في الكتاب والسنة معلوم، وهو المعاني الشرعية،سواء أكان الاستعمال
فيها حقيقياً أم مجازياً على تفصيل تقدم.
الصحيح والأعم ...
الثالث عشر: الصحيح والأعم
اختلف الاُصوليون في تحديد المدلول الوضعي لألفاظ العبادات والمعاملاتسعة وضيقاً،
فذهب جماعة منهم إلى أنها موضوعة لحصة خاصة منها وهيالحصة الصحيحة، وفي مقابل ذلك
ذهب جماعة اُخرى إلى أنها موضوعة بإزاءجامع بينها وبين الفاسدة، فهنا مقامان:
المقام الأول في أسماء العبادات. المقام الثاني في أسماء المعاملات.
أسماء العبادات ...
أسماء العبادات
أما المقام الأول فقبل الدخول في بيان القولين الرئيسيين في المسألة ينبغيتقديم
عدة نقاط:
النقطة الاُولى: أن البحث في هذه المسألة ينسجم مع جميع الأقوال
فيالمسئلةالمتقدمة، وهي مسألة الحقيقة الشرعية، وقد مرّ أن الأقوال فيتلكالمسألة
ثلاثة:
القول الأول: أن ألفاظ العبادات موضوعة بإزائها من قبل الشارع إمابالوضع التعييني
أو التعيّني.
القول الثاني: أنها موضوعة بإزائها قبل الاسلام، على أساس أنها معان قديمةوليست
بمستحدثة في الشريعة المقدسة.
القول الثالث: أنها مستعملة فيها مجازاً.
أما على القول الأول وهو القول بثبوت الحقيقة الشرعية فالأمر واضح، فإنالقائل
بالصحيح في هذه المسألة يدعي أن الشارع وضع ألفاظ العبادات بإزاءحصة خاصة وهي
الصحيحة، والقائل بالأعم يدعي أن الشارع وضع ألفاظهابإزاء جامع بين الصحيحة
والفاسدة.
وأما على القول الثاني وهو أنها موضوعة بإزائها قبل الاسلام، فالأمر أيضاًواضح، لأن
مرد هذا النزاع إلى النزاع في تحديد المعاني اللغوية سعة وضيقاً،فالصحيحي يدعي
ضيقها والأعمّي يدعي سعتها.
وأما على القول بالمجاز فقد قيل في تصوير هذا النزاع وجوه:
الأول: ما جاء في الكفاية من أن غاية ما يمكن أن يقال في تصويره هو أنالنزاع على
هذه القول مبني على أن هذه الألفاظ التي استعملت في المعانيالشرعية مجازاً في نصوص
الكتاب والسنة، هل الأصل في هذه الاستعمالات هوالاستعمال في خصوص الصحيحة ويكون
الاستعمال في الأعم بتبعه ومناسبته، أوأن الأمر بالعكس(12).
وبكلمة واضحة إن الأقرب إلى المعنى الحقيقي، هل هو خصوص الصحيحةأو الجامع بينها
وبين الفاسدة، فالقائل بالصحيح يدعي أن الأقرب إلى المعنىاللغوي وأشبه به هو
الصحيحة دون الأعم، وعلى هذا فالألفاظ المستعملة فيالكتاب والسنة محمولة عليها،
ويكفي في ذلك وجود قرينة صارفة على عدمإرادة المعنى اللغوي وعدم الحاجة إلى قرينة
معينة، تطبيقاً لقاعدة أن إرادة المعنىالحقيقي إذا تعذّرت فأقرب المجازات هو
المتعين، وأما استعمالها في الأعم، فهوبحاجة إلى قرينة اُخرى، لأن استعمالها فيه
إما على أساس مناسبته للصحيحة،فيكون في طولها، أو على أساس أن مناسبته مع المعنى
الحقيقي في مرتبة دونمرتبة مناسبة الصحيحة معه، والقائل بالأعم يدعي أن الأعم هو
أقرب المجازاتإلى المعنى الحقيقي، ولكن هذا البيان بحسب الكبرى وإن كان تاماً إلا
أنكونالمقام من صغريات هذه الكبرى محل إشكال بل منع، لأن تطبيقها عليهمنوط بأحد
افتراضين:
الأول: أن تكون علاقة الصحيحة مع المعنى الحقيقي أقوى وآكد من علاقةالأعم معه أو
بالعكس.
الثاني: أن تكون علاقة المعنى الحقيقي مع أحدهما في طول علاقته مع الآخر.
وكلا الافتراضين غير صحيح.
أما الأول، فلأن العلاقة الموجودة بين المعنى اللغوي وكل من المعنى الشرعيالصحيح
والأعمّ إنما هي علاقة المشابهة والمشاكلة، ولا تكون هذه العلاقة بينالمعنى اللغوي
وبين أحدهما أقوى وآكد من العلاقة بينه وبين الآخر بنظر العرفبدرجة توجب انصراف
اللفظ إليه عند نصب قرينة على عدم إرادة المعنىاللغوي وعدم حاجة إلى قرينة اُخرى
المعينة، بينما تكون إرادة الآخر بحاجةإلىقرينة اُخرى.
وأما الثاني، فلأنه لا مجال لتوهم أن علاقة الأعم في طول علاقة الصحيح،بمعنى أن
للصحيح علاقة مع المعنى اللغوي مباشرة وللأعم علاقة مع الصحيحكذلك ومع المعنى
اللغوي بالواسطة، ضرورة أنه لا معنى للطولية بعد أن كانتالعلاقة المصححة محفوظة
فيهما بدرجة واحدة.
ومن هنا يظهر أن اعتراض المحقق صاحب الكفايةقدس سره على هذا الوجه فيمحله، فإنه
ناظر إلى أن علاقة كل من الصحيح والأعم مع المعنى اللغوي فيعرض الآخر وعلى مستوى
واحد، فلا طولية ولا أقوائية في البين.
الثاني: ما جاء في كلمات المحقق الأصبهانيقدس سره من أنه يمكن تصوير النزاع
فيالمسألة بما يلي، من أن القائل بالأعم يدعي أن اللفظ كالصلاة مثلاً قد
استعملدائماً في الأعم لعلاقة بينه وبين المعنى الحقيقي، وأما استفادة خصوصية
اُخرىكوصف الصحة أو الفساد فهي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، ومععدم دال
آخر يحمل اللفظ على الأعم، والخلاصة أن القائل بالأعم يدعي أنالطريقة المتّبعة في
استعمال ألفاظ العبادات في نصوص الكتاب والسنة هياستعمالها في الأعم وهو الجامع
بين الصحيح والفاسد وإرادة خصوص الصحيحأو الفاسد إنما هي بدالّ آخر.
والقائل بالصحيح يدعي أن اللفظ دائماً استعمل في الصحيحة، على أساسعلاقة بينها
وبين المعنى اللغوي، وفي الفاسدة لا لعلاقة بينها وبين المعنى الحقيقيولا للمشاكلة
بينها وبين الصحيحة، بل من أجل التصرف في أمر عقلي وهوتنزيل المعدوم من الأجزاء أو
الشروط منزلة الموجود، لئلا يلزم سبك المجاز منالمجاز، فلا مجاز أصلاً من حيث
المعنى إلا في استعمال اللفظ في الصحيحة، وحيثإن الاستعمال دائماً في الصحيحة من
حيث المفهوم والمعنى فمع عدم القرينة علىالتصرف في أمر عقلي يحمل على الصحيحة
ويترتب عليه ما يترتب على الوضعللصحيحة من الثمرة(13).
وغير خفي أن هذا التقريب وإن كان ممكناً عقلاً إذ لا مانع من دعوى كل منالصحيحي
والأعمي ذلك، إلا أنه لا يمكن عرفاً الأخذ به، حيث إن الأخذ بهكذلك منوط بأن يكون
بصيغة عرفية مقبولة، حيث لا يحتمل أن يكون استعمالالشارع هذه الألفاظ في معانيها
الشرعية مجازاً في الكتاب والسنة خارجاً عنالطريقة المتّبعة لدى العرف والعقلاء في
باب المحاورات والافادات، ضرورةاختيار الشارع طريقة التفاهم في باب الألفاظ نفس
الطريقة المتبعة لدى العرفالعام في هذا الباب، وهذا أمر واضح، وعلى ذلك فلابد من
النظر إلى دعوى كلمن الصحيحي والأعمى.
أما دعوى الصحيحي بأن اللفظ في الكتاب والسنة دائماً مستعمل فيالصحيحة حتى إذا كان
المراد منها الفاسدة بعد تنزيلها منزلة الصحيحة بالالتزامبالمجاز في الأمر العقلي
لا في الكلمة، فهي لا تبتني على نكتة عرفية، وذلك لأنالعلاقة المصححة للاستعمال
المجازي كما هي متوفرة ومحفوظة بين المعنى اللغويوالصحيحة، كذلك هي متوفرة ومحفوظة
بينه وبين المعنى الأعم، وعليه فدعوىأن الشارع استعمل اللفظ دائماً في الصحيحة إما
حقيقة أو ادعاء أي بعد تنزيلالمعدوم من الأجزاء أو الشرائط منزلة الموجود بلا
مبرّر وموجب، ضرورة أنهإذا صح استعمال اللفظ في الفاسدة مجازاً بواسطة العلاقة
بينها وبين المعنى اللغويمباشرة فلا مقتضى للتنزيل، ولا يلزم من ذلك سبك المجاز عن
المجاز، لأن كلاالمجازين في عرض واحد، لا أن أحدهما في طول الآخر.
هذا إضافة إلى أنه لا محذور في سبك المجاز من المجاز، ولا مانع من أن يكوناستعمال
لفظ في معنى مجازاً من جهة علاقته بالمعنى الحقيقي مباشرة، واستعماله فيمعنى آخر
مجازاً من جهة علاقته بالمعنى المجازي كذلك.
وبكلمة، إذا كانت لكل من الماهية الصحيحة والأعم علاقة مع المعنى الحقيقيفي عرض
الآخر، وهي على الفرض مصححة لاستعمال اللفظ في كل منهما،فحينئذ لا مبرر لتنزيل
الحصة الفاسدة منزلة الصحيحة أولاً ثم استعمال اللفظفيها مجازاً، فإنه لغو محض، لأن
صحة هذا الاستعمال لا تتوقف على هذا التنزيل،والمفروض أنه لا يوجب صيرورة هذا
الاستعمال استعمالاً حقيقياً ولو ادعاء،لفرض أن استعمال اللفظ في الحصة الصحيحة
مجاز على كل حال، أي سواء كانتصحيحة واقعاً أم ادعاء، فإذن اللجوء إلى التنزيل
أولاً ثم استعمال اللفظ فيالصحيحة الادعائية مجازاً رغم صحة هذا الاستعمال في
الفاسدة ابتداء بدونسبق التنزيل بلا موجب، إذ لا يترتب على هذا التنزيل أي فائدة
وأثر، لأنالمجاز في الكلمة محفوظ في المقام على كل حال، وحينئذ فالالتزام
بالمجازفيالاسناد والأمر العقلي أيضاً يكون لغواً، ولذلك لا تكون هذه
الطريقةطريقةعرفية عقلائية، ولا يمكن للشارع أن يختار هذه الطريقة في نصوصالكتاب
والسنة.
وأما دعوى الأعميّ وهي أن خصوصية الصحيحة أو الفاسدة مستفادة مندال آخر، فهي أيضاً
لا تبتني على نكتة عرفية، وذلك لأن تعدّد الدال والمدلولوإن كان من الطرق المتّبعة
لدى العرف والعقلاء في استعمالاتهم ومحاوراتهم، إلاأنها إنما تتبع في موارد يراد
فيها التحفظ على الحقيقة، بأن يستعمل اللفظ في معناهالحقيقي، والخصوصية مستفادة من
دال آخر، وطالما يمكن ذلك، فلا تصل النوبةإلى المجاز، ولكن ذلك لا ينطبق على
المقام، لأن استعمال اللفظ في المقام مجاز علىكل حال، أي سواء كان في الأعم أو في
الصحيحة.
ودعوى أن هذه الطريقة وإن كانت تتخذ غالباً للحفاظ على استعمال اللفظ فيالمعنى
الحقيقي، إلا أنه لا مانع من اتخاذها في المقام أيضاً، لأن الاستعمال فيه وإنكان
مجازياً على كل حال، إلا أن الظاهر هو أن الشارع استعمل هذه الألفاظ فيالنصوص
التشريعية في معنى جامع بين الصحيحة والفاسدة، وإرادة خصوصالصحيحة أو الفاسدة منها
بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول.
مدفوعة بأن اتباع هذه الطريقة في المحاورات والاستعمالات العرفية إنما هوبنكتة
اُخرى لا مجرد التحفظ على وحدة المستعمل فيه، وهي أن اللفظ في بابالحقيقة ظاهر عند
الاطلاق في إرادة المعنى الحقيقي واستعماله فيه، وعليه فإذانصب المتكلم قرينة على
إرادة حصة خاصة منه فيدور الأمر بين استعمال اللفظفي هذه الحصة مجازاً ورفع اليد عن
ظهوره في معناه الحقيقي، وبين التحفظ علىهذا الظهور وإرادة الحصة بدال آخر من باب
تعدد الدال والمدلول، فالثاني متعيّنتحفظاً على ظهوره في معناه الحقيقي، حيث لا
موجب لرفع اليد عنه واستعماله فيالحصة مجازاً، فإذا قيل »جاء أسد« فلفظ الأسد
مستعمل في معناه الحقيقي، وهوالحيوان المفترس الجامع، وتطبيقه على الفرد إنما هو
بدال آخر وهو الرؤية، لا أنلفظ الأسد مستعمل في الفرد مجازاً، لأنه خلاف الظاهر،
وهذه النكتة غيرمتوفرة في المقام، وذلك لأن استعمال اللفظ فيه في الأعم مجاز على
الفرض، وعلىهذا فإذا أراد المتكلم حصة خاصة منه وهي الصحيحة أو الفاسدة ونصب
قرينةعلى إرادتها، فلا ظهور للفظ في الأعم وهو الجامع وكون إرادة الحصة منه
بدالآخر، على أساس أن ظهوره فيه مستند إلى القرينة لا إلى الوضع، وعليه فإذانصب
المتكلم قرينة على إرادة الحصة منه انتفى ظهوره بانتفاء منشئه وهوالقرينة، فإذن لا
ظهور له لكي يدور الأمر بين التحفظ عليه وإرادة الحصة منهبدال آخر وبين رفع اليد
عنه واستعماله في الحصة مجازاً، لوضوح أنه إذا نصبقرينة على إرادة الخاص من ألفاظ
الكتاب والسنة دون مدلولها اللغوي، فمعناهأنها مستعملة فيه لا أنها مستعملة في
الأعم، وإرادة الخاص بالقرينة من بابتعدد الدال والمدلول، لفرض أنه لم ينصب قرينة
على إرادة الأعم واستعمالها فيه،وإنما نصب قرينة على إرادة الخاص واستعمالها فيه.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا يمكن تصوير النزاع في المسألة بهذه الطريقةعلى
القول بالمجاز.
الثالث: أن مرجع النزاع في المسألة على هذا القول إلى تحديد مفاد القرينةالعامة
التي يعتمد عليها الشارع في استعمال هذه الألفاظ الخاصة في المعانيالشرعية مجازاً،
وتلك القرينة العامة متمثلة في استعمال الشارع هذه الألفاظ فيالنصوص الشرعية من
الكتاب والسنة في المعاني المذكورة بما أنه شارع لا بما أنهمتكلم عرفي أو لغوي،
وهذه الجهة قرينة عامة على استعمال هذه الألفاظ فيالكتاب والسنة في المعاني
الشرعية مجازاً دون المعاني اللغوية الحقيقية.
فإذن يقع الكلام في تحديد مدلول هذه القرينة العامة، فالصحيحي يدعي أنمدلولها هو
استعمال تلك الألفاظ في الكتاب والسنة في الصحيحة، وإرادة الأعمأو الفاسدة منها
بحاجة إلى قرينة خاصة، والأعمي يدعي أن مدلولها هواستعمالها فيهما في الأعم، وإرادة
خصوص الصحيحة بحاجة إلى قرينة خاصة(14).
والخلاصة: أن القرينة العامة قائمة على أن هذه الألفاظ في الكتاب والسنةمستعملة في
المعاني الشرعية كما إذا كانت موضوعة بإزائها، هذا مما لا إشكالفيه، والنزاع إنما
هو في أن مقتضى هذه القرينة العامة هو استعمالها في الأعم،وإرادة الخاص في مورد
بحاجة إلى قرينة خاصة أو بالعكس، فالقائلون بالأعميدعون الأول، والقائلون بالصحيح
يدعون الثاني.
وإلى ذلك أشار السيد الاُستاذقدس سره من أن مرجع النزاع على هذا القول هو أنالشارع
المقدس من لدن نزول القرآن الحكيم هل استعمل هذه الألفاظ في المعانيالشرعية
الصحيحة من جهة لحاظ علاقة بينها وبين المعاني اللغوية أو استعملهافي الأعم من جهة
لحاظ علاقة بينه وبين المعاني اللغوية، فعلى الأول الأصل فياستعمالات الشارع
الاستعمال في الصحيح إلا إذا قامت قرينة على الخلاف، وعلىالثاني ينعكس الأمر.
بل يجري النزاع حتى على القول المنسوب إلى الباقلاني، وهو أن هذه الألفاظاستعملت في
لسان الشارع في معانيها اللغوية، ولكنه أراد المعاني الشرعية منجهة نصب قرينة تدل
على ذلك بنحو تعدّد الدال والمدلول، والوجه في ذلك هوأن النزاع يقع في أن الشارع
حين إرادته المعاني الشرعية بالقرينة، هل نصبالقرينة العامة على إرادة المعاني
الصحيحة حتى يحتاج إرادة الأعم إلىقرينةخاصة، أو أنه نصبها على إرادة الأعم،
فإرادة الصحيحة تحتاج إلىقرينةخاصة(15).
فالنتيجة أنه لا مانع من تصوير النزاع في المسألة على هذا القول بهذه الكيفية.
معنى الصحة والفساد ...
النقطة الثانية: في تحديد المراد من الصحة سعة وضيقاً، وقد فسّرت بوجوه:
الوجه الأول: ما نسب إلى المتكلمين من أن المراد منها موافقة الشريعة أوتحصيل
الغرض.
الوجه الثاني: ما عن الفقهاء من أن المراد منها سقوط القضاء والاعادة.
وقد اُورد عليهما بأنهما ليسا معنى الصحة بل هما من لوازمها، فإن لازم صحةالمأمور
به موافقة الشريعة وحصول الغرض، كما أن من لوازمها سقوط القضاءوالاعادة، وليس شي
منها معنى الصحة حقيقة(16).
الوجه الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن معنى الصحة هو التماميّة
منحيث الأجزاء والشرائط التي يعبّر عنها في لغة الفرس بكلمة »درستي« وهيمعناها
لغة وعرفاً.
ومن هنا أشكل على تفسيرها باسقاط القضاء والاعادة تارة وبموافقةالشريعة تارة اُخرى
بأنه تفسير باللازم، فإن الصلاة مثلاً إذا كانت تامةمنحيث الأجزاء والشرائط، كان
لازمها أنها موافقة للشريعة ومسقطةللاعادة والقضاء(17).
وغير خفي أن ما ذكرهقدس سره بحاجة إلى البحث والنظر، وذلك لأن تماميّة الشيمرة
تكون بلحاظ أنه واجد لذاته وذاتياته بلا فرق بين أن تكون ذاتياته منالأجزاء
الخارجية أو الداخلية كالجنس والفصل، والأول يمثل المركباتالخارجية كالصلاة
ونحوها، والثاني يمثل المركبات التحليلية كالانسان وغيره،واُخرى تكون بلحاظ الحيثية
المطلوبة منه وراء ذاته وذاتياته، مثلاً الحيثيةالمطلوبة من الصلاة والمرغوب فيها
حيثية إسقاط الاعادة في الوقت والقضاء فيخارج الوقت وموافقة الشريعة وحصول الغرض،
فتمامية الصلاة بلحاظ أنهاواجدة لهذه الحيثيات.
وبعد ذلك نقول: إن التمامية بالمعنى الأول ليست مساوقة للصحة، فلا يقالعرفاً للشي
التام بهذا المعنى إنه صحيح لوجوه:
الأول: أن للتمامية بهذا المعنى واقعاً موضوعياً، فإنها متمثلة في وجدان
الشيءلذاته وذاتياته وأجزائه وقيوده، على أساس أن ماهية كل شيء في الواقع
متقومةذاتاً وحقيقة بأجزائه، سواء كانت من الأجزاء التحليلية أم كانت من
الأجزاءالخارجية، نعم إن مفهوم التمامية الذي هو تمام بالحمل الأولي مفهوم
انتزاعيومرآة لواقعها كسائر المفاهيم، ولكن من الواضح أن من يقول بأن معنى
الصحةالتمامية لم يرد مفهوم التمامية، بل أراد واقعها الذي هو تمام بالحمل الشائع
كما هوظاهر، بينما تكون الصحة عنواناً انتزاعياً لا واقع موضوعي لها ومنتزعاً
منانطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، نظير حيثية إسقاط
القضاءوالاعادة وموافقة الشريعة وغيرها، فإنها جميعاً حيثيات انتزاعية لا
واقعموضوعي لها ماعدا وجود المأمور به في الخارج، فإذن لا يمكن أن يكون معنىالصحة
التمامية بهذا المعنى.
الثاني: أن التمامية بالمعنى المذكور تشمل المركب والبسيط، فإن كل شيءواجد لذاته
وذاتياته فإنه تام، سواء كان مركباً أم بسيطاً كالانسان، مع أنالبسيط لا يتصف
بالصحة تارة وبالفساد اُخرى، فإنهما من مفاد كان الناقصة،وإنما يتصف بالوجود والعدم
الذين هما من مفاد كان التامة.
الثالث: أن الشيء إنما يتصف بالصحة بلحاظ ما يترتب ويتطلب منه منالأثر، كحيثية
سقوط الاعادة والقضاء وموافقة الشريعة وحصول الغرض،ضرورة أن الصلاة مثلاً لا تتصف
بالصحة تارة وبالفساد اُخرى إلا بلحاظترتب تلك الحيثية عليها وعدم ترتبها، وبقطع
النظر عنه، فلا تتصف بالصحة،فإذن يكون اتصافها بالصحة وجوداً وعدماً متقوماً
بالحيثية المذكورة كذلك،فإن انتزاع الصحة من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به
في الخارج منوطبترتب تلك الحيثية عليه، وإلا فلا مجال لانتزاعها منه.
فالنتيجة أنه لا يصح تفسير الصحة بالتمامية بالمعنى الأول.
وأما التمامية بالمعنى الثاني وهي وجدان الشيء للحيثية المطلوبة منه فهيمساوقة
للصحة، إذ لا واقع موضوعي لها ماعدا منشأ انتزاعها، وهو مطابقةالمأتي به للمأمور به
في الخارج المتحيّث بحيثية إسقاط القضاء والاعادةوموافقةالشريعة.
ومن هنا ذكر المحقق الاصبهانىقدس سره أن حيثية إسقاط القضاء وموافقة
الشريعةوغيرهما تكون من الحيثيات التي تتم بها حقيقة التمامية، وليست من
لوازمالتمامية بالدقة، حيث لا واقع للتمامية إلا التمامية من حيث إسقاط القضاء أو
منحيث موافقة الشريعة أو من حيث ترتب الغرض إلى غير ذلك، ومن الواضح أناللازم ليس
من متمّمات معنى الملزوم(18).
فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنها من لوازم التمامية إنما يتم بالنسبة إلى
التماميةبالمعنى الأول، ولكن قد عرفت أنها ليست معنى الصحة، وأما التمامية
بالمعنىالثاني فهو أمر نسبي انتزاعي، فلا واقع موضوعي لها إلا إضافة
العملإلىالحيثيات المذكورة، فالصلاة المسقطة للقضاء والاعادة الموافقة
للشريعةمنشأ لانتزاع التمامية والصحة واتصافها بهما، فلذلك لا واقع موضوعي
لهماماعدا تلك الحيثيات.
والخلاصة: أن التمامية بالمعنى الأول وإن كان لها واقع موضوعي إلا أنهاليست معنى
الصحة كما مرّ، وأما التمامية بالمعنى الثاني التي هي معنى الصحة، فلاواقع موضوعي
لها كما عرفت.
ثم إنه على القول بالصحيح في باب العبادات والمعاملات، هل المأخوذ فيالمسمّى ما هو
الصحيح بالحمل الشائع من أفراد المعنى الشرعي، أو ما هوالصحيح بالحمل الأولي وهو
مفهومه، أما الأول فسوف يقع البحث فيه في ضمنالبحوث القادمة عن كيفية تصوير الجامع
بين الأفراد الصحيحة، وأما الثاني وهوأخذ مفهوم الصحيح في المسمى، فهو مقطوع العدم
لوجوه:
الأول: أن المتبادر عرفاً من ألفاظ العبادات والمعاملات كالصلاة ونحوها هونفس
الأجزاء المرتبطة المقيّدة بالقيود الخاصة دون مفهوم الصحة بالحملالأولي، فإذا قيل
»زيد يصلي« كان المتبادر من لفظ الصلاة هو أجزائها الخاصةالمرتبطة بشروطها المخصوصة
دون مفهوم الصحيح.
الثاني: أن لفظ الصلاة لو كان موضوعاً لمفهوم الصحيح، لزم أن يكونمترادفاً مع لفظ
الصحيح مع أن الأمر ليس كذلك، ضرورة أن المتبادر من لفظالصحيح غير ما هو المتبادر
من لفظ الصلاة.
أخذ الأجزاء والشرائط في المسمى ...
الثالث: أن مفهوم الصحة بما أنه متأخر عن الأمر ومتفرع عليه، فلا يمكنأخذه في
متعلقة وهو المسمى لأسماء العبادات، حيث إنه متعلق الأمر حتى علىالقول بوضعها
للصحيح، ومن الواضح أنه لا يمكن أخذ مالا يتأتى إلا من قبلالأمر كاسقاط القضاء
والاعادة وموافقة الشريعة ونحو ذلك في متعلقه، علىأساس أن كل هذه الحيثيات حيثيات
انتزاعية منتزعة من انطباق المأمور به علىالفرد المأتي به في الخارج ومتفرّعة
عليه، ومن الطبيعي أنه لا يمكن أخذ الصحةبهذا المعنى في متعلق الأمر، لأنها في طول
تعلق الأمر به.
فالنتيجة أن المتبادر من ألفاظ العبادات هو واقع الصحيح لا مفهومه.
النقطة الثالثة: لا شبهة في اعتبار الصحة في مسميّات العبادات من ناحيةالأجزاء على
القول بالصحيح، ونقصد بصحتها وجدان تلك الأجزاء للحيثياتالمطلوبة منها.
وكذلك لا شبهة في اعتبارها من ناحية الشرائط، فإن وجدان الأجزاءللحيثيات المطلوبة
منها منوطة بتوفّر تلك الشروط فيها، سواء كانت شروطاًلنفسها مباشرة أم لأجزائها
كذلك.
نعم، نسب إلى شيخنا الأنصاريقدس سره على ما في تقرير بحثه عدم إمكان دخولالشرائط
في المسمى، بدعوى أن الشرط متأخر عن المشروط وفي طوله،فلايمكن أخذه معه في العبادات
في عرض واحد، فإن معنى أخذه فيها أنهفيعرض الأجزاء(19).
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الطولية بين الشرط والمشروط به وهوالجزء
إنما هي في عالم الوجود لا في عالم المفهوم، ومحل الكلام إنما هو في الثاني،ومن
الواضح أنه لا مانع فيه من ملاحظة الجزء والشرط معاً في عرض واحد فيمقام التسمية
بدون أن يكون الشرط في طول الجزء. هذا(20).
والصحيح في المقام أن يقال إنه لا طولية بينهما لا في عالم الوجود ولا في
عالمالمفهوم، فإن الطولية الرتبية بين شيئين بحاجة إلى ملاك في كلا العالمين،
كالعليةوالمعلولية والسببية والمسبّبية ونحوها، ولا يمكن أن تكون جزافاً، والفرض
أنوجود الجزء في عالم الوجود ليس علة لوجود الشرط فيه، كما أنه لا ملاكلتقدمه
عليه في عالم المفهوم، فإذن لا يكون الشرط في طول الجزء لا في عالمالوجود ولا في
عالم المفهوم.
أجل، قد يتوهم أن الجزء يتقدم رتبة على الشرط في مقام تأثيره فيالملاك، على أساس
أنه بمثابة المقتضي والفاعل، والشرط في طرف الفاعلمصحح لفاعليته، وفي طرف القابل
مصحح لقابليته، فلذلك يكون متأخراً عناقتضاء المقتضي في مقام التأثير.
ولكن لا أساس لهذا التوهم، وذلك لأن تمام المؤثر في المقام إنما هو حصةخاصة من
الجزء وهي الحصة المقيّدة بالشرط، ولا اقتضاء للتأثير في ذات الجزءبما هي حتى يكون
الشرط مصححاً لفاعليتها ويكون تأثيره في طول تأثيرها،وقياس الجزء والشرط في
المركبات الاعتبارية كالصلاة ونحوها بالمقتضيوالشرط في التكوينيات قياس مع الفارق.
هذا إضافة إلى أن حيثية التأثير حيثية انتزاعية غير مأخوذة في مسمىاللفظ، وإن شئت
قلت: إن حيثية التأثير التي تكون الأجزاء المقيدة بالشروطواجدة لها اقتضاء لا واقع
موضوعي لها في الخارج غير نفس الأجزاء المقيدةحتى تكون مأخوذة في المسمى في عرض تلك
الأجزاء، وأما حيثية التأثيرالفعلي فهي مساوقة لمفهوم الصحيح، وقد تقدم أن ألفاظ
العبادات لم توضعبإزائه، وإنما وضعت بإزاء الصحيح بالحمل الشائع يعني ذوات الأجزاء
المقيدةبالشرائط، وإطلاق الصحيح عليها إنما هو بلحاظ أنها واجدة للحيثية
المطلوبةمنها، ومن هنا قلنا إن مجرد تمامية الأجزاء والشرائط ليس معنى الصحة،
بلبلحاظ وجدانهما للحيثية المذكورة.
إلى هنا قد تبين أنه لا ترتب بين الجزء والشرط في المركبات الشرعية، لا فيعالم
الوجود ولا في عالم المفهوم ولا في عالم التأثير.
ومن ذلك يظهر أن ما علقه السيد الاُستاذقدس سره على الشيخقدس سره بأن الترتب
بينالجزء والشرط إنما هو في عالم الوجود لا في عالم المفهوم والتسمية، غير تام،
لماعرفتم من أنه لا ترتب بينهما أصلاً لا في عالم الوجود ولا في غيره.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم الطولية بينهما رتبة إلا أن هذه الطولية لا تؤثرفي عالم
التصور والانتقال، ولا تمنع من وضع اللفظ بإزائهما معاً وفي آن واحد،فإذا اُطلق لفظ
»الصلاة« مثلاً انتقل الذهن إلى معناها، وهو الأجزاء المقيدةبالشروط في آن واحد،
سواء أكانت بينهما طولية رتبة أم لا، فالطولية الرتبية بينشيئين كانا متقارنين
زماناً لا أثر لها في عالم الوضع والتصور، حيث إن إمكانالوضع بإزاء المتقدم
والمتأخر رتبة في زمان واحد من الواضحات، لأن التأخر فيمقام العلية لا يوجب التأخر
في مقام التسمية، فإن أحد المقامين أجنبي عن المقامالآخر بالكلية، بل لا مانع من
وضع اللفظ بإزاء شيئين طوليين زماناً، لأنطوليتهما، إنما هي بلحاظ وجودهما في
الخارج، والمفروض أن اللفظ لم يوضعبإزاء وجودهما فيه، وإنما وضع بإزاء المركب
منهما في عالم المفهوم وهو عالمالتسمية، ومن الواضح أن طوليتهما في عالم الوجود
الخارجي لا يقتضي طوليتهمافي عالم التسمية والمفهوم.
فالنتيجة لحد الآن أمران:
الأول: أن ما نسب إلى شيخنا الأنصاريقدس سره على ما في تقرير بحثه لا يرجعإلى
معنى صحيح.
الثاني: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من تسليم الطولية بين الأجزاءوالشروط
رتبة بحسب عالم الوجود في المقام غير تام كما مرّ.
وأما اعتبار قصد القربة في الصحة على القول بالصحيح، فهو مبني علىالبحث المعروف
بين الاُصوليين حول إمكان أخذه في متعلق الأمر، فإنه إن قلنابإمكانه، فلا مانع من
أخذه في المسمى على هذا القول، لأن القائل بالصحيحيدعي أن المسمى لأسامي العبادات
يصلح أن يقع متعلقاً للحكم في الخطاباتالشرعية، وعلى هذا فما يمكن أخذه في متعلق
الأمر، فبإمكان الصحيحي أنيدعي أخذه في المسمى، وما لا يمكن أخذه فيه، فليس
بإمكانه أن يدعي أخذهفيه وإن كان معتبراً في الصحة شرعاً أو عقلاً.
وأما القيود اللبية التي منها عدم المزاحم بناء على أن صحّة العبادة مشروطةبه،
ومنها عدم النهي بناء على القول باقتضائه الفساد.
أما الأول وهو عدم المزاحم فإنه غير معتبر في صحة العبادة بناء على القولبإمكان
الترتب كما هو الصحيح، وأما بناءً على القول بعدم إمكانه فصحتها وإنكانت متوقفة في
نهاية المطاف - على أساس أنّ وجود المزاحم لها مانع عن الأمربها فعلاً، ومع عدم
الأمر بها كذلك لا يمكن إحراز اشتمالها على الملاك،وبالتالي لا يمكن الحكم بالصحة
لتوقفها على إحراز أحد أمرين: إما وجود الأمربها فعلاً أو اشتمالها على الملاك،
وإلا فلا يمكن الحكم بالصحة - إلا أنه لا يكونمأخوذاً في المسمى، لأنه ليس قيداً
شرعاً، وإنما هو قيد لبّاً بحكم العقل في موردالتزاحم متأخراً عن المسمى، والصحيحي
في مقابل الأعمي لا يدعى إلا وضعألفاظ العبادات لمعنى يكون ذلك المعنى هو متعلق
الأمر، فما لا يكون مأخوذاً فيمتعلقه، فليس للصحيحي أن يدعي أخذه في المسمّى وإن
كان دخيلاً في الصحةعقلاً أو شرعاً، وحيث إن عدم المزاحم لا يكون مأخوذاً في متعلق
الأمرشرعاً، فلا يحتمل أن يكون مأخوذاً في المسمى.
وأما الثاني وهو عدم النهي عن العبادة، فقد ذكرنا في ضمن البحوث السالفةأنه لا
يقتضي فساد العبادة لكي يكون عدمه شرطاً لها كسائر شروطها.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعض المحققينقدس سره من أن عدم المزاحم وعدم النهيإن
كانا مضافين إلى المسمى بما هو مسمى، كانا في طول المسمى لا محالة، وقد مرّأنه لا
ينبغي للصحيحي أن يدعي أخذه فيه، فانه إنما يدعي أخذ ما يمكن أخذهفي متعلق الأمر،
على أساس أنه هو المسمى، والمفروض أن عدم المزاحم وكذلكعدم النهي في طول متعلق
الأمر ومتفرع عليه، فلا يمكن أن يكون مأخوذاً فيه،وإن كانا مضافين إلى ذات المسمى
أمكن أن تلحظ الصحة من ناحيتهما أيضاً، كماهو الحال في سائر القيود(21).
فما ذكرهقدس سره قابل للمناقشة، أما بالنسبة إلى المزاحم فإنه إنما يتصف بهذاالوصف
من جهة إضافته إلى المسمى بما هو مسمى، لأن التزاحم إنما هو بينواجبين ولا يتصور
بين واجب وغير واجب، وعليه فبطبيعة الحال يكون عدمالمزاحم مضافاً إلى المسمى بما
هو متعلق الأمر، لا إلى ذات المسمى بقطع النظرعن كونه متعلقاً للأمر.
وأما بالنسبة إلى النهي فيمكن أن يكون عدمه مضافاً إلى ذات المسمى كمايمكن أن يكون
مضافاً إلى المسمى بما هو مسمى، فعلى الأول يمكن أن تلحظالصحة من ناحيته أيضاً،
وعلى الثاني فلا يمكن ذلك، لأنه في طول المسمى،هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى ذكر المحقق النائينيقدس سره أنه لا يمكن أخذ جميع هذا فيالمسمى،
وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله، أن الصحة من جهة عدم المزاحموعدم النهي وقصد القربة
في مرتبة متأخرة عن المسمى وفرع تحققه لكي يتعلقبه النهي أو يوجد له مزاحم أويقصد
به التقرب، وعلى هذا فلا يعقل اعتبارها فيالمسمى وأخذها فيه، فيكون من قبيل أخذ ما
هو متأخر رتبة في المتقدم كذلك،وهو غير معقول(22)، والخلاصة أنهقدس سره حكم
باستحالة أخذ هذه الاُمور فيالمسمى، معللاً بأنها متفرعة على تحقق المسمى في
المرتبة السابقة.
ولكن قد تبين مما تقدم أن ما أفادهقدس سره لا يتم مطلقاً، أما قصد القربة فقد
مرّأنه على القول بامكان أخذه في متعلق الأمر، فحاله حال سائر الأجزاء
والقيودالمأخوذة فيه، وأما على القول بعدم إمكان ذلك فهو خارج عن المسمى،
لأنالصحيحي لا يدعى أخذ ما لا يمكن أخذه في متعلق الأمر في المسمى، وأما
عدمالمزاحم، فقد تقدم أنه ليس شرطاً للمأمور به على القول بالترتب، وأما علىالقول
بالعدم، فوجوده وإن كان مانعاً عن الأمر بالعبادة، إلا أن عدمه ملحوظفي طول المسمى
بما هو مسمى، فلا يمكن أن تلحظ الصحة من ناحيته. وأما عدمالنهي عن العبادة، فقد
مرّ أنه لا يكون شرطاً لصحتها، لأن شرطيته مبنية علىاقتضائه الفساد، وهو محل اشكال
بل منع.
لزوم تصوير الجامع ...
وأما السيد الاُستاذقدس سره فقد أورد عليه بأنه لا مانع من وضع لفظ بإزاء
شيئينطوليين رتبة بل زماناً، ولا يلزم منه أي محذور، ومقامنا من هذا القبيل، إذ
مجردكون قصد القربة وعدم المزاحم وعدم النهي في طول الأجزاء المأمور بهاوالشرائط لا
يوجب استحالة أخذها في مسمى لفظ »الصلاة« ولا يوجب تقدمالشىء على نفسه، وما
ذكرهقدس سره من أن تلك الاُمور متفرعة على تحقق المسمى فيالمرتبة السابقة مبني
على عدم أخذ هذه الاُمور فيه، وأما إذا فرض أنها مأخوذةفيه كسائر الأجزاء والشرائط،
فلا يتحقق إلا مقيداً بتلك الاُمور(23).
وغير خفي أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره من الاشكال على المحقق النائينيقدس
سرهإن أراد به مجرد نفي الاستحالة وإمكان وضع اللفظ بإزاء المقيد بها فلا بأس
به،وإن أراد بذلك أن بإمكان الصحيحي أن يدعي أخذ هذه الاُمور في المسمى رغمأنها
غير مأخوذة في متعلق الأمر، فقد عرفت أنه لا يمكن، إذ ليس للصحيحيإلا أن يدعى وضع
أسامى العبادات بإزاء معنى جامع يصلح متعلقاً للأحكامالشرعية، فما لا يكون مأخوذاً
في متعلق الأمر الشرعي، إما من جهة عدمإمكانه أو من ناحية اُخرى، فليس بإمكان
الصحيحي أن يدعي أخذه فيالمسمى وإن كان دخيلاً في الصحة عقلاً أو شرعاً، وهذا
ظاهر.
النقطة الرابعة: أن على كل من الصحيحي والأعمي تصوير جامع مشتركبين الأفراد، فعلى
الصحيحي تصويره بين الأفراد الصحيحة، وعلى الأعميتصويره بين الأعم منها ومن
الفاسدة حتى يكون ذلك الجامع هو المعنى الموضوعله لأسامي العبادات، والوجه في ذلك
هو أن ألفاظ العبادات كلفظ الصلاةونحوها ليست من الألفاظ المشتركة بين معان متعددة
بأوضاع عديدة، لوضوحأن لها وضعاً واحداً بإزاء معنى واحد، وتستعمل في كلمات الشارع
في الكتابوالسنة في كل الموارد والمقامات فيه بدون استخدام أي قرينة معينه، مع
أنها لوكانت مشتركة لفظية، فحينئذ وإن كان استعمالها في كل صنف من أصنافها أو فردمن
أفرادها حقيقياً إلا أنه بحاجة إلى قرينة معينة، وبدونها فلا تدل على
التعيين،والمفروض أن الأمر ليس كذلك، فإذن لا محالة يكون استعمالها في كل مورد
منالموارد في الجامع، والخصوصية مستفادة من دال آخر من باب تعدّد الدالوالمدلول،
وحينئذ فإن كان هناك دال آخر فهو، وإلا فاللفظ لا يدل إلا علىالجامع بدون خصوصية.
ومن هنا يظهر أنه لا يمكن الإلتزام بالوضع العام والموضوع له الخاص فيها،وذلك لنفس
المحذور المذكور، وهو كون استعمالها في كل صنف أو فرد منها وإنكان حقيقياً إلا أنه
بحاجة إلى قرينة معينة، حيث إن الوضع العام والموضوع لهالخاص كالمشترك اللفظي من
هذه الناحية.
وبكملة، إنه يمكن تصوير وضع أسامي العبادات واختصاصها بها علىأحدأنحاء.
الأول: أن يكون بنحو الاشتراك اللفظي.
الثاني: أن يكون بنحو الوضع العام والموضوع له الخاص.
الثالث: أن يكون بنحو الحقيقة في بعض المراتب والمجاز في الباقي.
الرابع: أن يكون بنحو الوضع العام والموضوع له العام.
أما الأول فمضافاً إلى القطع بعدم تعدد الوضع فيها بعدد أفرادها أو أصنافها
لابالوضع التعييني الصريح ولا بالوضع التعييني الاستعمالي ولا بالوضع التعيّني،
إنلازم ذلك إجمال ألفاظ العبادات في نصوص الكتاب والسنة وعدم تبادر شيءمنها عند
إطلاقها إلا بمعونة قرينة معينة، وهو خلاف الضرورة والوجدان فيها.
وأما الثاني فهو كالمشترك اللفظي في النتيجة، وهي إجمال اللفظ وعدم تبادرشيء منه
بدون قرينة معينة.
وأما الثالث فهو مقطوع البطلان كما سوف يأتي الكلام فيه قريباً.
فإذن يتعين النحو الرابع وهو الوضع العام والموضوع له العام.
وعلى هذا الأساس فلابد على كلا القولين في المسألة من تصوير جامعبينالأفراد.
ولكن خالف في ذلك المحقق النائينيقدس سره فذهب إلى أنه ليست هناك ضرورةتدعو إلى
تصوير جامع مشترك بين جميع الأفراد بعرضها العريض على كلاالقولين في المسألة. وأفاد
في وجه ذلك، أنه لا مانع من الالتزام بأن الموضوع لهفي مثل لفظ الصلاة هو المرتبة
العليا الواجدة لتمام الأجزاء والشرائط، فانللصلاة مثلاً باعتبار مراتبها عرضاً
عريضاً، ولها مرتبة عليا وهي صلاة المختار،ولها مرتبة دنيا وهي صلاة الغرقى، وبين
الحدين متوسطات، فلفظة الصلاة ابتداءموضوعة للمرتبة العليا على كلا القولين في
المسألة، واستعمالها في غيرها منالمراتب النازلة من باب الادعاء والتنزيل أو من
باب الاشتراك في الأثر،فالصحيحي يدعي أن استعمال لفظ الصلاة في بقية المراتب
الصحيحة إما من بابالادعاء وتنزيل الفاقد منزلة الواجد مسامحة فيما يصح فيه
التنزيل، أو من بابالاشتراك في الأثر واكتفاء الشارع به في مقام الامتثال كما في
صلاة الغرقى، فانه لايمكن فيها الالتزام بالتنزيل المذكور، والأعمي يدعي أن
استعمالها في بقية مراتبهاالأعم من الصحيحة والفاسدة من باب العناية والتنزيل أو من
باب الاشتراك فيالأثر، فكل واحد من الأمرين موجب لجواز الاستعمال حتى في الفرد
الفاسدكصلاة الغرقى من باب تنزيله منزلة الواجد منها المنزل منزلة التام
الأجزاءوالشرائط من جهة الاشتراك في الأثر. نعم، استثنىقدس سره من ذلك صلاتي
القصروالتمام، فقال إنهما في عرض واحد فلابد من تصوير جامع بينهما.
ثم رتب على ذلك بطلان ثمرة النزاع بين قول الأعمي وقول الصحيحي، وهيجواز التمسك
بالاطلاق على الأعمي وعدم جوازه على الصحيحي، فإنه بناءعلى كون الصلاة مثلاً موضوعة
لخصوص المرتبة العليا لم يجز التمسك بالاطلاقولو فرض وجود مطلق في العبادات، لعدم
العلم بالتنزيل والمسامحة في مقامالاستعمال، ومعه يصبح اللفظ مجملاً لا محالة، ثم
قال إن الحال في سائر المركباتالاختراعية أيضاً كذلك(24).
ونتيجة ما أفادهقدس سره عدة نقاط:
الاُولى: أن المعنى الموضوع له في مثل لفظة الصلاة هو المرتبة العليا على
كلاالقولين في المسألة، غاية الأمر أن الصحيحي يدعي صحة الاستعمال فيخصوص المراتب
الصحيحة والأعمي يدعي صحته على الاطلاق.
الثانية: أن على كل من الصحيحي والاعمي تصوير جامع بين خصوصصلاتي القصر والاتمام
باعتبار أنهما في عرض واحد.
الثالثة: بطلان ثمرة النزاع بين القولين في المسألة.
الرابعة: أنه لا فرق في ذلك بين العبادات وغيرها من المركبات الاختراعية.
أما النقطة الاُولى فيرد عليها أولاً أن ما أفادهقدس سره وإن كان ممكناً في
مقامالثبوت إلا أنه لا يمكن الالتزام به في مقام الاثبات، وذلك لأن إطلاق
لفظةالصلاة على جميع مراتبها الطولية من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا يكون
علىنسق واحد، لا أن إطلاقها على ما دون المرتبة العليا من المراتب النازلة
إطلاقاًعنائياً وبحاجة إلى التنزيل أو ملاحظة الاشتراك في الأثر مثلاً، كما أن
إطلاقهاعلى الصلاة مع الطهارة المائية حقيقي كذلك إطلاقها على الصلاة مع
الطهارةالترابية، رغم أن الاُولى صلاة المختار والثانية صلاة المضطر ودونها في
المرتبة،ومن هذا القبيل صلاة القائم وصلاة القاعد، والصلاة في الثوب النجس
والصلاةفي الثوب الطاهر وهكذا.
وبكلمة، إن الصلاة مستعملة في تمام مراتبها في الشرع في معنى واحد،والاختلاف إنما
هو في تطبيقه على مصاديقه وأفراده الطولية، ولكن هذا المعنىالواحد الجامع لا تكون
سعته بحد تشمل مثل صلاة الغرقى، على أساس أنالمقومات الذاتية للصلاة لابد أن تكون
محفوظة في كل مرتبة من مراتبها، وإلافلا تكون من مراتبها وبالتالي من مصاديقها،
وعلى هذا فإن كانت صلاة الغرقىواجدة للأركان المقوّمة، فهي من مراتبها الذاتية
النهائية، وإلا فلا تكونمنهاومن مصاديقها.
وعليه فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعنى الجامع للصلاة يشمل صلاةالغرقى
أيضاً وأن إطلاقه عليها إطلاق حقيقي، لا يمكن المساعدة عليه مطلقاً.
قد يقال كما قيل: إن لفظة الصلاة منصرفة إلى المرتبة العليا، وهي صلاةالمختار
الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط، وحيث إنه لا منشأ لهذا الانصرافوالانسباق إلا
الوضع، فبطبيعة الحال يكشف ذلك عن وضعها بإزائها.
والجواب أولاً: أن هذا الانصراف ممنوع، لأن المتبادر من لفظة الصلاة عندإطلاقها هو
الجامع بين أفراد الصلاة كالأركان، وانطباقه على كل مرتبة منمراتبه من المرتبة
العليا إلى المرتبة الدنيا بحاجة إلى عناية زائدة وقرينة معينة،ولا فرق من هذه
الناحية بين المرتبة العليا وسائر المراتب، بل لا فرق في ذلك بينالأفراد الصحيحة
والأفراد الفاسدة، شريطة أن تكون واجدة للعناصر المقومةوهي الأركان.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن لفظة الصلاة موضوعة للمرتبةالعليا إلا أنه
لابد من تصوير جامع مشترك بين أفراد تلك المرتبة أيضاً، باعتبارأن المرتبة العليا
ليست مرتبة واحدة محدّدة كماً وكيفاً، بحيث لا تزيد ولا تنقصليكون اللفظ موضوعاً
بإزائها، بل هي أيضاً تختلف باختلاف أصناف الصلاة،فإن المرتبة العليا من صلاة الظهر
أو العصر مغايرة كماً وكيفاً للمرتبة العليامنصلاة المغرب، والمرتبة العليا منهما
مغايرة كذلك للمرتبة العليا من صلاةالصبح وهكذا.
وعلى هذا فلوكانت لفظة الصلاة موضوعة بإزاء المرتبة العليا، فلابد إما منتصوير
جامع مشترك بين أفراد تلك المرتبة على كلا القولين في المسألة أوالالتزام بتعدد
الوضع فيها بتعدد أفرادها، فإذن الالتزام بأن الموضوع له لمثللفظة الصلاة هو
المرتبة العليا لا يغني عن لابدية أحد الأمرين: إما تصوير جامعمشترك بين أفراد هذه
المرتبة أو الالتزام بتعدد الوضع.
وأما النقطة الثانية فقد ظهر مما مرّ من أنه على تقدير تسليم أن الصلاةموضوعة
للمرتبة العليا، فالحاجة إلى تصوير الجامع لا تنحصر بالقصر والتمام،بل لابد من
تصويره بين صلاة العشاء والمغرب أيضاً، على أساس أن المرتبةالعليا من صلاة العشاء
غير المرتبة العليا من صلاة المغرب، وهما غير المرتبةالعليا من صلاة الصبح، بل
المرتبة العليا من صلاتي الظهرين غير المرتبة العليا منصلاة العشاء، على أساس
اختلافهما في الكيفية، وهي بأجمعها غير المرتبة العليامن صلاة الآيات والعيدين
ونحوهما، وعلى هذا فلابد من تصوير جامع بينالمراتب العليا في كل من هذه الموارد،
فلاوجه للتخصيص بالقصر والتمام.
وأما النقطة الثالثة فما أفادهقدس سره من عدم ظهور الثمرة على هذا بين القولين
لايتم، لأنه مبني على أن تكون المرتبة العليا مرتبة خاصة محددة وليست بنفسهاذات
مراتب متعددة وأفراد مختلفة، ولكن قد عرفت أن لها في نفسها مراتبمتفاوتة كماً
وكيفاً، وعلى هذا فتظهر الثمرة بين القولين، فإنه على القول بالصحيحلا يمكن التمسك
بالاطلاق عند الشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً، لأن الشكفي ذلك مساوق للشك في
تحقق المسمى بدون ذلك الشيء المشكوك فيه، وأماعلى القول بالأعم فلا مانع منه.
وأما النقطة الرابعة فيرد عليها أن ما أفادهقدس سره من أن المركبات
الاختراعيةكالمركبات الشرعية لا يتم مطلقاً، لأن تلك المركبات على أنواع:
الأول: المركبات الكيمياوية.
الثاني: المعاجين كالحلويات وما شاكلها.
الثالث: المركبات الخارجية.
أما النوع الأول فلأن التركيب فيه يقوم على أساس موازين ومقاييسخاصة محددة كماً
وكيفاً، وليس له مراتب طولية كالصلاة، بل له مرتبة واحدةمحددة واللفظ موضوع
بإزائها.
أما النوع الثاني فالظاهر أن حاله حال الصلاة، حيث إن له مراتب متفاوتةمن المرتبة
العالية إلى المرتبة الدانية، مثلاً كلمة »حلوى« كال »صلاة«موضوعة بإزاء الجامع بين
جميع مراتبها وأفرادها أو بإزاء خصوص المرتبة العليامنها، وإطلاقها على ما دونها من
المراتب النازلة إما بلحاظ تنزيل الفاقد منزلةالواجد أو الاشتراك في الأثر.
وأما النوع الثالث فالظاهر أنه كالصلاة من ناحية ويختلف عنها من ناحيةاُخرى. أما
أنه كالصلاة فباعتبار أن له أجزاء رئيسية محددة، وقوامه بهاوبانتفائها ينتفي
المركب، وأما أنه يختلف عنها فمن أجل أن الزيادة على الأجزاءالرئيسية فيه كمال لا
واجب وضروري. وهذا بخلاف الزيادة على الأجزاءالرئيسية في الصلاة، فإنها واجبة
وضرورية في تلك المرتبة.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا يصح قياس سائر المركبات الاختراعيةبالعبادات
مطلقاً، بل لابد فيها من التفصيل كما مرّ.
إلى هنا قد تبين أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره في المقام غير تام، وعلىهذا
فلابد من تصوير جامع مشترك بين أفراد العبادات على كلا القولين فيالمسألة لتكون
العبادات موضوعة بإزائه، فإذن يقع الكلام تارة في تصوير جامعبين الأفراد الصحيحة،
واُخرى في تصوير جامع بين الأعم منها ومن الفاسدة.
تصوير الجامع على الصحيحي ...
تصوير الجامع على الصحيحي
قد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أنه يمكن تطبيق قاعدةفلسفية -
وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« - على المقام(25)، بيان ذلك أنهذه القاعدة
الفلسفية ترتكز على مبدأ التناسب والسنخية بين العلة والمعلول،فاذا كانت العلة
واحدة فمن الضروري أن يكون المعلول واحداً تطبيقاً لهذا المبدأوإلا لأمكن تأثير كل
شيء في كل شيء، وهذا هدم لمبدأ العلية، ومن الواضح أنهدم هذا المبدأ، مساوق
لانهيار جميع العلوم من الطبيعية والنظرية والتطبيقية،حيث لا يمكن حينئذ للانسان
الاستدلال بشيء، وهذا واضح. وعلى هذا فحيثإن أفراد الصلاة الصحيحة مثلاً تشترك
جميعاً في أثر واحد وهو النهي عنالفحشاء والمنكر بمقتضى قوله تعالى: »إنَّ
الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِوَالْمُنْكَرِ«(26).
فمن الطبيعي أن وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر، على أساس مبدأالتناسب، وعلى هذا
فلا يعقل أن يكون المؤثر في هذا الأثر الواحد كل فرد منالأفراد الصحيحة بحده
الفردي، وإلا لزم أن يكون الواحد مسانخاً للكثير، وهومستحيل، فإذن لا محالة يستكشف
كشفاً قطعياً عن وجود جامع واحد بينالأفراد الصحيحة، ويكون ذلك الجامع الواحد هو
المؤثر في ذلك الأثر الواحدتطبيقاً لقاعدة أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد سنخاً«.
والخلاصة أن كشف جامع ذاتي بين الأفراد الصحيحة منوط بتوفر أمرين:
الأول: ترتب أثر واحد على تلك الأفراد جميعاً بدون استثناء.
الثاني: أن الواحد لا يمكن أن يصدر إلا من الواحد سنخاً بمقتضى مبدأالتناسب
والسنخية بين العلة والمعلول، وحيث إن كلا الأمرين متوفر فيالمقام، فلا محالة
يستكشف من ذلك وجود جامع واحد بين الأفراد الصحيحة،ويكون ذلك الجامع الواحد هو
المؤثر في ذلك الأثر، لاستحالة أن يكون المؤثرفيه نفس الأفراد بخصوصياتها الفردية
المختلفة كماً وكيفاً كما مرّ، ومن هناقالقدس سره: إن تصوير الجامع الوحداني بين
الأفراد الصحيحة خاصة بمكان منالامكان، بل هو ضروري دون الأعم، لعدم تحقق صغرى هذه
القاعدة علىالقول بالأعم، وبدونها لا طريق لنا إلى كشف الجامع من ناحية اُخرى.
ولنأخذ بالنظر فيه من جهات:
الاُولى: أن هذه القاعدة الفلسفية وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد«كما تنطبق
على الواحد الشخصي كذلك تنطبق على الواحد النوعي والجنسي،فان المعلول إذا كانت
وحدته شخصية فهي تكشف عن أن علته أيضاً كذلك،على أساس مبدأ التناسب والسنخية
بينهما، وهذا ليس شرطاً خارجياً، بل هومقوم لعلية العلة، باعتبار أن المعلول من سنخ
وجود العلة ومن مراتب وجودهاالنازلة، وإن كانت وحدته نوعية، فهي تكشف عن أن علته
أيضاً واحدة بالنوعبمقتضى هذا المبدأ، وكذلك إذا كانت وحدته جنسية بنفس الملاك،
فوحدةالحرارة تكشف عن وحدة علتها، وحيث إن وحدتها نوعية، فهي تكشف عنوحدة علتها
كذلك، ضرورة أنه لا يعقل أن تكون وحدة المعلول نوعية دونوحدة العلة، وإلا لزم خلف
فرض العلية بينهما، مثلاً صفة الضحك التي هيعارضة على أفراد الانسان المتناسبة
والمشتركة في حقيقة واحدة نوعية، تكشفعن أن المؤثر فيها جهة واحدة مشتركة بينها
على أساس قانون التناسب،ضرورة أنه لا يمكن أن يكون المؤثر في كل فرد من الضحك فرد
من الانسانبحده الفردي، لأنه من تأثير المباين في المباين، فلا محالة يكون المؤثر
في وجودالضحك بما هو وجود الأنسان كذلك بقطع النظر عن الخصوصيات العرضيةالطارئة
عليها في الخارج، وعلى هذا فترتب أفراد الضحك على أفراد الانسانيكشف عن أن المؤثر
فيها هو الجهة الجامعة الواحدة بين أفراد الانسان، لا كلفرد بحده الفردي باعتبار
أن الضحك صفة للانسان دون الفرد، وكونه صفة له إنماهو بلحاظ أنه إنسان، ومن هذا
القبيل صفة الاحساس التي هي مترتبة علىأفراد الحيوان، فإنها تكشف عن جهة واحدة
جامعة بينها، فيكون تأثير كل فردفيها على أساس وجود تلك الجهة الجامعة فيه تطبيقاً
للقاعدة الفلسفية.
فالنتيجة أن هذه القاعدة التي تبتني على أساس مبدأ التناسب والسنخيةبينالعلة
والمعلول من القواعد الأولية التي قياساتها معها، ولهذا لا مجالللتأملوالنقاش
حولها.
الثانية: أن هذه القاعدة لا تنطبق على المقام، وذلك لأن الأثر إذا كانتوحدته نوعية
- بمعنى أن يكون ذا أفراد متناسبة مشتركة في حقيقة واحدة -تكشف وحدته النوعية عن أن
المؤثر فيه أيضاً أفراد متناسبة مشتركة في حقيقةكذلك، وبالتالي يكون تأثير كل فرد
بلحاظ اشتماله على الجهة المشتركة لا بحدهالفردي تطبيقاً للقاعدة، وأما إذا كانت
وحدة الأثر المترتب عليها وحدةانتزاعية لا نوعية كما في المقام، فإن عنوان النهي عن
الفحشاء والمنكر عنوانانتزاعي، فهي لا تكشف عن جهة واحدة جامعة بينها، إذ لا مانع
من انتزاعهامن حقائق مختلفة، كعنوان الطويل أو القصير، فانه عنوان انتزاعي منتزع
منحقائق مختلفة كالانسان الطويل أو القصير والشجر الطويل أو القصير وهكذا،فان نسبة
هذه الأعراض إلى موضوعاتها نسبة العرض إلى منشأ انتزاعه، لانسبة الأثر إلى المؤثر
والمعلول إلى العلة، وعليه فلا يمكن تطبيق القاعدة الفلسفيةعلى الاُمور الاعتبارية
أو الانتزاعية.
والخلاصة أن العنوان الانتزاعي الذي هو منتزع من الأفراد في الخارج لايكشف عن جهة
واحدة جامعة بينها لتكون تلك الجهة الجامعة هي المؤثرة فيه،إذ لا مانع من انتزاعه
عن كل فرد بحده الفردي، وعلى هذا فحيث إن عنوانالنهي عن الفحشاء والمنكر عنوان
انتزاعي، فلا مانع من انتزاعه عن الصلاةالمركبة من حقائق مختلفة، ولا يكشف عن جهة
واحدة جامعة بينها في الخارج،فلذلك لا يمكن تطبيق القاعدة على المقام.
الثالثة: أنه لا يعقل وجود جامع بسيط ذاتي بين الأفرد الصحيحة، لأنالصلاة مؤلفة من
حقائق مختلفة ومقولات متباينة سنخاً كمقولة الكيف المسموعوالكيف النفساني ومقولة
الوضع، ومن الواضح أن الجامع الذاتي المشتركبينهذه المقولات غير متصور، لأنها
أجناس عاليات فلا يتصور جنس فوقها،وإلا لزم الخلف.
وبكلمة واضحة، إنه لا يتصور وجود جامع ذاتي بسيط بين حقيقتينمتباينتين بتمام الذات
والهوية، وإلا لم تكونا متباينتين كذلك بل مشتركتينفيحقيقة واحدة، وهذا خلف،
والمقام من هذا القبيل، وذلك لأن الصلاة مركبةمن مقولات متباينات بتمام الذات
والحقيقة كمقولة الوضع والكيف النفسانيوالمسموعي، وقد برهن في محله أن المقولات
أجناس عاليات ومتبايناتبتمامالذات والذاتيات، فلا يعقل دخولها تحت جنس فوقها،
وإلا لم تكنأجناساًعاليات، وهذا خلف، فإذن لا يمكن أن تكون الصلاة حقيقة
واحدةنوعية تشترك جميع أفرادها فيها، هذا إذا كان المراد من الجامع الذاتي،
الذاتيفيباب الكليات.
وأما إذا كان المراد منه الذاتي في باب البرهان، وهو لازم الماهية، فهو أيضاًغير
معقول، إذ لا يتصور أن يكون لماهية الصلاة لازم واحد، لأنها مؤلفة منالماهيات
المتباينات، فلو كان لها لازم واحد لزم أن يكون معلولاً لها، ومنالواضح أن اللازم
الواحد لا يمكن أن يكون معلولاً لماهيات متباينة ذاتاً وسنخاًومسانخاً لها، نعم
يعقل وجود جامع عنواني عرضي لمقولات متباينة كعنوانالناهي عن الفحشاء والمنكر أو
ما شاكله، إلا أن لفظة »الصلاة« لم توضع بإزاءهذا الجامع العرضي، وذلك لأمرين:
الأول أن المتبادر من لفظة »الصلاة« هو نفس الأجزاء المقيدة بقيود معينةدون العنوان
المذكور، وهذا دليل إنّي على أنها لم توضع بإزائه، وإنما وضعت بإزاءنفس الأجزاء
المذكورة.
الثاني: أنها لو كانت موضوعة بإزاء ذلك العنوان العرضي، لزم أن تكونالصلاة مرادفة
مع عنوان الناهي، مع أن الأمر ليس كذلك وجداناً.
إلى هنا قد تبين أنه لا يمكن تطبيق القاعدة الفلسفية على المقام، لأن موردالقاعدة
ما إذا كان الأثر المترتب على شي أثراً ذاتياً، فإنه يكشف عن وجودجامع ذاتي بين
أفراد ذلك الشيء تطبيقاً للقاعدة، وحيث إن الأثر المترتب علىالصلاة في المقام أثر
النتزاعي، فلا يكشف عن وجود جامع ذاتي بين أفرادها.
هذا إضافة إلى أنه لا يمكن وجود جامع ذاتي بين أفراد الصلاة.
وقد أورد على ذلك السيد الاُستاذقدس سره بإشكال آخر، وهو أن الأثر في المقامغير
مترتب على الجامع بين الأفراد الصحيحة، وإنما هو مترتب على أفرادالصلاة بخصوصياتها
من الأجزاء والشرائط المعتبرة فيها، فإن ترتب النهي عنالفحشاء والمنكر على الصلاة،
ليس كترتب الاحراق على النار وترتب سائرالآثار الخارجية على أسبابها، فإن الأثر في
جميع هذه الموارد مترتب على الجامعمن دون دخل لأية خصوصية من الخصوصيات الفردية
فيه، بينما يكون الأثر فيالمقام وهو النهي عن الفحشاء والمنكر مترتباً على أفراد
الصلاة وحصصها بما لهامن الخصوصيات المعتبرة في صحتها شرعاً، مثلاً صحة صلاة الصبح
منوطةبوقوع التسليمة في الركعة الثانية، وصحة صلاة المغرب منوطة بخصوصية
وقوعالتسليمة في الركعة الثالثة وعدم وقوعها في الركعة الثانية، وصحة صلاةالظهرين
أو ما شاكلها متوقفة على خصوصية وقوع التسليمة في الركعة الرابعةومقيدة بعدم وقوعها
في الركعة الثالثة وهكذا، فالنتيجة أن المؤثر في النهيعنالفحشاء والمنكر نفس تلك
الخصوصيات لا الجامع بين الأفراد، فإنهإنمايكون مؤثراً إذا لم يكن دخل للخصوصيات
في ترتب الأثر، وهذا لا يتصورفي المقام(27).
وقد علق عليه بعض المحققينقدس سره بما حاصله أنه إن اُريد من دخالةالخصوصيات
دخالتها في تحقق الجامع وانتزاعه فهو مسلم، ولكنه لا ملازمة بيندخالتها في تحقق
الجامع ودخولها في المسمى، بل المسمى ذات الجامع، وإن اُريددخالتها في التأثير
وإيجاد الأثر المشترك، فهو ممنوع على ضوء قانون »الواحدلايصدر إلا من واحد«، إذ على
فرض تصوير وجود جامع بين الأفرادالصحيحة، فيكون المؤثر هو الجامع في ضمن كل صنف دون
الخصوصياتتطبيقاً للقاعدة(28).
ويمكن المناقشة في هذا التعليق، وذلك لأن الخصوصيات المذكورة وإنكانت دخيلة في
تحقق الجامع، فالجامع انتزاعي لا حقيقي، والجامع الأنتزاعييتحقق بتحقق منشأ
انتزاعه وينتفي بانتفائه، وحيث إن منشأ انتزاعه في المقامالخصوصيات الصنفية لكل
صنف من الصلاة، فبطبيعة الحال يلغى الجامع بإلغاءتلك الخصوصيات، لأنه متقوم بها
ومعلول لها، ومع إلغائها فلا جامع، وأما إذاكان الجامع حقيقياً، فلا تكون الخصوصيات
دخيلة في تحققه، لأنه محفوظ معإلغاء جميع هذه الخصوصيات العرضية، وحيث قد فرض في
هذا التعليق دخالةالخصوصيات في تحققه، فبطبيعة الحال يكون الجامع انتزاعياً، وقد مر
أنه لايمكن تطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد« على الجامع الانتزاعي
منناحية، وعدم كون هذا الجامع مسمى بأسامي العبادات من ناحية اُخرى.
والخلاصة أن الجامع بين الأفراد الصحيحة إن كان ذاتياً فالخصوصياتالعرضية غير
دخيلة في تحققه، وإن كان عنوانياً منتزعاً فهي دخيله فيه، ولكنهلا يكون مسمى
لأسامي العبادات كالصلاة ونحوها. هذا،
والذي يمكن أن يعلق على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره هو أنه لا شبهة فيدخالة
الخصوصيات في الصحة وترتب الأثر، ولكن لقائل أن يقول إن دخالتهافيها إنما هي من جهة
اشتمالها على الجهة الجامعة لا بحدها الخاص، مثلاً تأثيرصلاة الصبح فيها إنما هو من
جهة اشتمالها على الجهة الجامعة لا بحدها الخاص،وكذلك الحال في سائر أصناف الصلاة،
وعلى هذا فإن اُريد بدخالة هذهالخصوصيات في الصحة وإيجاد الأثر المشترك دخالتها
بما هي، فهي ممنوعةومخالفة لقاعدة »الواحد لا يصدر إلا من واحد«، فإن مقتضى هذه
القاعدة هوأن المؤثر فيه هو الجامع المشترك في ضمن هذه الخصوصيات لا نفسها،
وماذكرهقدس سره من أن الخصوصيات والقيودات الخاصة دخيلة في إيجاد الأثر، لا
ينفيأن دخالتها إنما هي من جهة اشتمالها على الجهة المشتركة تطبيقاً للقاعدة لا
فينفسها، وإن اُريد بدخالتها دخالتها في المسمى، فيرد عليه أن المسمى ذاتالجامع،
والخصوصيات خارجة عنه.
فالنتيجة أن ما أورده السيد الاُستاذقدس سره من الاشكال حتى مع فرض إمكانتصوير
الجامع بين الأفراد الصحيحة غير تام.
إلى هنا قد تبين أنه لا يمكن ثبوتاً تصوير جامع ذاتي بين أجزاء الصلاة،لتباينها
بالذات والحقيقة، ولا مجال لتطبيق قاعدة »الواحد لا يصدر إلامنواحد« عليها، فما عن
المحقق الخراسانيقدس سره من التطبيق خطأ لا ينبغيصدوره من مثله.
الرابعة: أن الجامع الذي فرضهقدس سره بين الأفراد الصحيحة لا يمكن أن يكونبسيطاً
كما تقدم، وهل يمكن أن يكون مركباً؟
والجواب: أنه لا يمكن أيضاً، بيان ذلك أن لتصويره طريقين، وكلاالطريقينخاطىء.
الأول: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الأجزاء والشرائط المعتبرة في أفرادالصلوات
الصحيحة جميعاً.
الثانى: أن تؤخذ فيه الأجزاء والشرائط المعتبرة في صحة الفعل كل بحسبحاله وموضوعه
من الاختيار والاضطرار ونحوهما.
أما الطريق الأول فلا يمكن تصويره، لأن أياً من المركب افترض بين تلكالأفراد
يتداخل فيه الصحة والفساد، ويكون صحيحاً في حالة وفاسداً في حالةاُخرى، وصحيحاً من
مكلف وفاسداً من مكلف آخر، ضرورة أن الجامعالمركب الذي افترض لا يخلو من أن يكون
تاماً أو ناقصاً، ولا ثالث لهما، والأوللا ينطبق على الناقص وإن كان صحيحاً،
والثاني لا ينطبق على التام.
وإن شئت قلت: إن افتراض الجامع المركب إما أن يكون بين خصوص أفرادالمرتبة العليا أو
خصوص أفراد المرتبة الدنيا أو بين جميع المراتب بعرضهاالعريض، والأول لا ينطبق على
أفراد المرتبة الدنيا، والثاني لا ينطبق على أفرادالمرتبة العليا، فإذن شيء منهما
لا يكون جامعاً بين جميع الأفراد الصحيحة بتماممراتبها، لأن الجامع بينها لابد أن
يكون متمحضاً في الصحة مطلقاً وفي جميعالحالات. والثالث غير معقول، إذ لا يمكن
افتراض جامع مركب بين جميعالمراتب بعرضها العريض.
وأما الطريق الثاني فكيفية تصويره على النحو الآتي:
أولاً: إن ما يعتبر في صحة العمل مطلقاً وفي جميع الحالات كنية القربة مثلاًتؤخذ في
الجامع التركيبي تعييناً.
ثانياً: إن ما يكون له بدل في عرضه تخييراً كالتسبيحات الأربع في
الركعتينالأخيرتين - حيث إن المكلف مخير فيهما بين الاتيان بها والاتيان بالحمد -
يؤخذفيه الجامع بينهما وبين بدلها العرضي.
ثالثاً: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الطهارة من الحدث، وهي متمثلةفيالوضوء للمحدث
بالأصغر وفي الغسل للمحدث بالأكبر، أو يؤخذ فيهالجامع بين الركعتين الأخيرتين
للحاضر وتركهما للمسافر، بمعنى أن المأخوذ فيالجامع التركيبي أحدهما.
رابعاً: أن يؤخذ في الجامع التركيبي الطهارة أعم من الطهارة المائية والترابيةمع
التقييد بحالتي الاختيار والاضطرار، بمعنى أنه يؤخذ فيه الطهارة المائية فيحال
الاختيار والتمكن، والطهارة الترابية في حال العجز عن الاُولى.
خامساً: ما يعتبر في صحة الفعل حال الاختيار من دون بدل له أو في حالالتذكر
والالتفات كذلك، والأول كالبسملة، فإنها معتبرة في حال الاختيار فقطدون حال التقية
بلا بدل لها في هذه الحالة، والثاني الأجزاء والقيود غير الخمسةللصلاة، فإنها
معتبرة في حال الالتفات والتذكر فقط دون حال النسيان والجهلبلا بدل لها في هذه
الحالة، ولكن مع ذلك يمكن تصوير أخذه بما يلي:
أما في الشق الأول فيؤخذ في المسمى التركيبي الجامع بين البسملة وبينبقيةالأجزاء
خاصة في حال التقية بها، وأما في الشق الثاني فيؤخذ فيهالجامعبين الأجزاء غير
الخمسة وبين الخمسة خاصة في حال الجهل والنسيانبتلك الأجزاء.
ولنأخذ بالمناقشة فيه.
أما أولاً فلأن تصويره بهذا الطريق أيضاً لا يمكن، بيان ذلك أما القسم
الأولوالثاني فالأمر فيهما كما مر.
وأما القسم الثالث فالأمر فيه بالنسبة إلى المحدث بالأكبر والمحدث بالأصغروإن كان
كذلك، باعتبار أن المأخوذ في الجامع التركيبي هو الطهارة بلا فرق بينأن يكون سببها
الغسل أو الوضوء، إلا أن الأمر بالنسبة إلى الركعتين الأخيرتينليس كذلك، إذ لا
يمكن أن يكون المأخوذ في المسمى التركيبي الجامع بين تقييدالركعتين الأوليين
بالأخيرتين من الحاضر وبين تركهما من المسافر بأن يقيد كلمنهما بموضوعه، وذلك لأنه
لا شبهة في أن متعلق الأمر المتوجه إلى الحاضر،الصلاة المقيدة بوقوع التسليمة بعد
الركعة الرابعة، ومتعلق الأمر المتوجه إلىالمسافر، الصلاة المقيدة بوقوع التسليمة
بعد الركعة الثانية، ولا يكون متعلقالأمر الجامع بين التقييد والترك.
وإن شئت قلت: إن كلا التقييدين المذكورين - وهما تقييد وقوع التسليمة بعدالركعة
الرابعة وتقييد وقوعها بعد الركعة الثانية - مأخوذ في متعلق الأمر بالنسبةإلى كل من
الحاضر والمسافر تعييناً، لا أن المأخوذ فيه هو الجامع بين التقييدوالترك، فيكون
هنا متعلقان متباينان، فلا يتصور الجامع بينهما حتى يكون ذلكالجامع هو متعلق
الأمر.
وأما القسم الرابع فلا يمكن أخذ الجامع بين الطهارة المائية والطهارة الترابية
بماهو جامع في المسمى التركيبي، وإلا كانت نتيجته التخيير، بل لابد من تقييدالاُولى
بموضوعها وهو الواجد للماء، وتقييد الثانية بالفاقد له، ونتيجة هذا التقييدأن
المأخوذ فيه الحصة دون الجامع، فالحصة الاُولى مأخوذة بالنسبة إلى المتمكنمن
استعمال الماء، والحصة الثانية مأخوذة بالنسبة إلى غير المتمكن من استعمالهوفي طول
الاُولى، أو فقل: إن الجامع بينهما لا يمكن أن يكون قيداً للمسمىالتركيبي، بل
القيد الطهارة المائية للمتمكن منها والطهارة الترابية لغير المتمكنمن الاُولى،
ومع هذا كيف يعقل أن يكون الجامع قيداً له، ومن هنا يظهر الحالبالنسبة إلى مراتب
الركوع والسجود، فإنه لا يمكن أن يكون المأخوذ فيه الجامعبين هذه المراتب، لوضوح
أن المأخوذ في المسمى التركيبي الذي هو متعلق الأمرخصوص ركوع القائم عن قيام عند
التمكن منه، وعند تعذره ركوع الجالس إنامكن، وإلا فالايماء والاشارة.
وأما القسم الخامس فلأن متعلق الأمر في غير حال التقية الصلاة الجامعةللبسملة وفي
حال التقية الصلاة الفاقدة لها، وافتراض أن المأخوذ في المسمى هوالجامع بين البسملة
وتقييد سائر الأجزاء بحال التقية فيها وتعلق الأمر به مجردافتراض لا واقع موضوعي
له، إذ لا شبهة في أن الأمر المتعلق بالواجد للبسملةغير الأمر المتعلق بالفاقد لها،
فلا جامع بينهما لكي يكون الأمر متعلقاً به.
ومن هنا يظهر حال الشق الثاني من هذا القسم، إذ لا شبهة في أن مقتضىالأدلة تعدد
متعلق الأمر بتعدد حالات المكلف من الاختيار والاضطراروالتذكروالنسيان، وافتراض
أنالمأخوذ في المسمى التركيبي هو الجامعلايطابقمع الواقع.
وثانياً لو سلمنا تصوير جامع تركيبي بين الأفراد الصحيحة بهذه الطريقة إلاأنا نقطع
بأن أسامي العبادات لم توضع بإزاء ذلك الجامع، لأنه معنى معقدوغيرعرفي وخارج عن
الأذهان، وأسامي العبادات لابد أن تكون موضوعةبإزاء معان عرفية يدركها المتشرعة عند
إطلاقها وينتقل الذهن من تصويرهاإلىتصوير معانيها، ولا يمكن أن تكون موضوعة بإزاء
معان معقدة خارجةعنالأذهان.
ودعوى أن الواضع لألفاظ العبادات بما أنه الشارع دون العرف العام، فلامانع من وضع
الشارع تلك الألفاظ بإزاء ذلك الجامع المعقد.
مدفوعة أما أولاً فقد تقدم أن الشارع لم يقم بعملية وضع هذه الألفاظ بإزاءمعانيها
بالوضع التعييني الصريح ولا بالوضع التعييني الاستعمالي، لأنها إماموضوعه بإزائها
قبل الاسلام أو أنه قد حصل بكثرة الاستعمال، وعلى كلاالتقديرين فلابد أن يكون الوضع
بإزاء معنى عرفي.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الشارع هو الواضع لها إلا أنه لاشبهة في أنه
وضعها بإزاء معان عرفية، ولا يمكن أن يقوم بوضعها بإزاء معانمعقدة خارجة عن أذهان
العرف، لأن ذلك لغو.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن تصوير جامع بين الأفرادالصحيحة
غير معقول لا مركباً ولا بسيطاً، وتصوير جامع عنواني وإن كان أمراًممكناً إلا أن
اللفظ لم يوضع بإزائه ولا بإزاء معنونه وهو الأفراد الخارجية، علىأساس أن الوضع
بإزاء معنونه لا يمكن إلا بنحو الوضع العام والموضوع لهالخاص، وقد تقدم أن وضع
ألفاظ العبادات بإزائها ليس كذلك، وإنما هو بنحوالوضع العام والموضوع له العام.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره من أن الجامع لا ينحصر
بالجامعالذاتي ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن الأول غير متصور، والثاني لم
يوضعبإزائه اللفظ، بل هنا جامع ثالث وهو الجامع الوجودي، بتقريب أن الأفرادالصحيحة
وإن كانت متباينات سنخاً وذاتاً إلا أنها مشتركات في حيثية واحدةوهي حيثية الوجود.
بيان ذلك أن الصلاة مثلاً مركبة من مقولات متباينات بتمام الذات والحقيقة،وتلك
المقولات وإن لم تندرج تحت جامع مقولي حقيقي، باعتبار أنها أجناسعاليات إلا أنها
مندرجة تحت مرتبة خاصة من الوجود الساري، وتلك المرتبةالخاصة البسيطة من الوجود
حاوية لجملة من المقولات ومحدودة من ناحيةالقلة بالأركان على سعتها، وأما من ناحية
الزيادة فهو لا بشرط، بمعنى أنه قابلللانطباق على القليل والكثير، وهذه الجهة
الوجودية جهة جامعة بين جميعالأفراد الصحيحة، فالصلاة عبارة عن تلك المرتبة الخاصة
من الوجود المحفوظةفي المقولات بلا دخل لخصوصية المقولية في حقيقة الصلاة، ولا مانع
من وضعلفظة الصلاة بإزاء هذه المرتبة الخاصة من الوجود الساري الجامعة
بينأفرادهاالصحيحة(29).
ولنأخذ بالمناقشة فيه.
أما أولاً فكما أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بين المقولات بأنفسها لأنهامتباينات
بتمام ذاتها وذاتياتها، فلا يمكن أن تندرج تحت مقولة واحدة، فكذلكلا يعقل تحقق
جامع وجودي بين وجوداتها، إذ كما يستحيل اتحاد مقولتينواندراجهما تحت مقولة واحدة،
فكذلك يستحيل اتحاد وجوديهما واندراجهماتحت وجود واحد بسيط، بداهة أن اتحاد مقولة
مع مقولة اُخرى ماهية ووجوداًمستحيل، وعلى هذا فالصلاة مثلاً مؤلفة من مقولات
متباينة ذاتاً وسنخاً،ولكل مقولة وجود، ولا يعقل أن يكون وجودها حاوياً لغيرها
وسارياً إليهاووجوداً لها أيضاً، ولهذا يستحيل اشتراك مقولتين متباينتين ذاتاً
وسنخاً فيوجود واحد حقيقة، فإن اشتراكهما في وجود واحد يستدعي اشتراكهما في
حقيقةواحدة واندراجهما تحت ماهية واحدة، بقانون أن لكل ماهية وجوداً واحداً
وبالعكس، ويستحيل أن يكون وجود واحد وجوداً لماهيتين متباينتين ذاتاًوسنخاً
وبالعكس، لأن الوجود حد للماهية، ولا يعقل أن يكون لها حدان كماحقق في محله، فإذا
كانت الصلاة مركبة من مقولات متباينات بالذات والحقيقةفبطبيعة الحال يكون لكل واحدة
منها وجود واحد مباين سنخاً لوجود مقولةاُخرى وهكذا.
فالنتيجة أنه لا يمكن أن تشترك المقولات المتباينة سنخاً وذاتاً في حيثيةوجودية
واحدة حقيقية.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم إمكان اشتراك المقولات المتباينة سنخاًفي حيثية
وجودية واحدة جامعة بين وجودات المقولات، إلا أن أساميالعبادات لم توضع بإزاء تلك
الحيثية الوجودية، فإنه إن اُريد منها واقع الوجودوحقيقته، فقد تقدم في مبحث الوضع
أن الألفاظ لم توضع بإزائه الذي لم ينالهالذهن إلا بعنوانه الأنتزاعي، وإنما وضعت
بإزاء المفاهيم التي قد توجد في الذهنوقد توجد في الخارج. هذا إضافة إلى أن لازم
ذلك كون المدلول الوضعي مدلولاًتصديقياً، وهذا لا يمكن إلا على القول بالتعهد.
وإن اُريد منها الحيثية الانتزاعية التي هي عنوان للوجود الخارجي، فمنالواضح أن
ألفاظ العبادات لم توضع بإزاء هذا العنوان العرضي المشير إلى واقعالوجود، ضرورة
أنه ليس مدلولاً لها، ولهذا لا يتبادر منها عند إطلاقها.
وبكلمة، إنه قدس سره إن أراد من الحيثية الوجودية الجامعة المشتركة بينوجودات
المقولات المتباينة سنخاً واقع الوجود، فقد مرّ أن اللفظ لم يوضعبإزائه، على أساس
أنه لا يمكن إحضاره في الذهن إلا بعنوانه العرضي،والمفروض أن العنوان العرضي ليس
مدلولاً لأسامي العبادات.
هذا، إضافة إلىأن لازم ذلك أن يكون مدلوله الوضعي مدلولاً تصديقياً،وهو لا يمكن
إلا على القول بالتعهد.
وإن أرادقدس سره من تلك الحيثية الحيثية الانتزاعية التي يعبّر عنها بمفهوم
الوجودكما صرحقدس سره في مقالاته بقوله: إن الصلاة اسم لمفهوم منتزع من الوجود
الجامعبين الوجودات الخاصة المحددة التي يكون كل منها محفوظاً في مقولته(30)،
فيردعليه أن أسامي العبادات لم توضع بإزائه، باعتبار أن مفهوم الوجود المنتزععنوان
عرضي في طول العناوين الخاصة لأجزاء الصلاة كالركوع والسجودوالقراءة والتشهد وغير
ذلك، وهذا وإن كان أمراً معقولاً إلا أن مرده إلى تصويرجامع انتزاعي بين أفراد
الصلاة وأجزائها، وقد تقدم أن ألفاظ العبادات لم توضعبإزاء نفس الجامع العنواني
الانتزاعي، ولا بإزاء معنونه وهو الوجوداتالخارجية الخاصة.
وعلى الجملة فشأن مفهوم الوجود المنتزع في المقام شأن سائر المفاهيم، فلامانع من
وضع اللفظ بإزائه في نفسه، وليس كوضع اللفظ بإزاء الموجودالخارجي، إلا أن أسامي
العبادات لم توضع بإزاء مفهومه، فلذلك كان المتبادروالمنسبق من لفظة الصلاة مثلاً
نفس الأجزاء المقيدة بقيود محددة دون مفهوموجود تلك الأجزاء المركبة.
فتلخص مما ذكرناه أن ما أفاده المحقق العراقيقدس سره من تصوير جامع بين
الأفرادالصحيحة لا يرجع إلى معنى صحيح.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من إمكان تصوير جامع مشتركبين
الأفراد الصحيحة، وقد أفاد في وجه ذلك ما إليكم نصه: »والتحقيق أن سنخالمعاني
والماهيات وسنخ الوجود العيني الذي حيثية ذاته حيثية طرد العدم فيمسألة السعة
والاطلاق متعاكسان، فان سعة سنخ الماهيات من جهة الضعفوالابهام، وسعة سنخ الوجود
الحقيقي من فرط الفعلية، فلذا كلما كان الضعفوالابهام في المعنى أكثر، كان الاطلاق
والشمول أوفر، وكلما كان الوجود أشدوأقوى، كان الاطلاق والسعة أعظم وأتم.
فإن كانت الماهية من الماهيات الحقيقية، كان ضعفها وإبهامها بلحاظالطوارىء وعوارض
ذاتها مع حفظ نفسها كالانسان مثلاً، فإنه لا إبهام فيهمنحيث الجنس والفصل
المقومين لحقيقته، وإنما الابهام فيه من حيثالشكلوشدهالقوى وضعفها وعوارض النفس
والبدن حتى عوارضها اللازمةلها ماهية ووجوداً.
وإن كانت الماهية من الاُمور المؤتلفة من عدة اُمور بحيث تزيد وتنقص كماًوكيفاً،
فمقتضى الوضع لها بحيث يعمها مع تفرقها وشتاتها أن تلاحظ على نحومبهم في غاية
الابهام بمعرفية بعض العناوين الغير المنفكة عنها، فكما أن الخمرمثلاً مائع مبهم من
حيث اتخاذه من العنب والتمر وغيرهما، ومن حيث اللونوالطعم والريح، ومن حيث مرتبة
الاسكار، ولذا لا يمكن وصفه إلا بمائع خاصبمعرفية المسكرية من دون لحاظ الخصوصية
تفصيلاً، بحيث إذا أراد المتصورتصوره لم يوجد في ذهنه إلا مصداق مائع مبهم من جميع
الجهات إلا حيثيةالمائعية بمعرفية المسكرية، كذلك لفظ »الصلاة« مع هذا الاختلاف
الشديد بينمراتبها كماً وكيفاً، لابد من أن يوضع لسنخ عمل معرفه النهي عن الفحشاء
أوغيره من المعرفات، بل العرف لا ينتقلون من سماع لفظ »الصلاة« إلا إلى سنخعمل خاص
مبهم إلا من حيث كونه مطلوباً في الأوقات الخاصة، ولا دخل لماذكرناه بالنكرة، فإنه
لم يؤخذ فيه الخصوصية البدلية كما اُخذت فيها.
وبالجملة الابهام غير الترديد، وهذا الذي تصورناه في ما وضع له الصلاة
بتماممراتبها من دون الالتزام بجامع ذاتي مقولي وجامع عنواني ومن دون
الالتزامبالاشتراك اللفظي مما لا مناص له بعد القطع بحصول الوضع ولو تعيناً، وقد
التزمبنظيره بعض أكابر فن المعقول(31) في تصحيح التشكيك في الماهية جواباً عنتصور
شمول طبيعة واحدة لتمام مراتب الزائدة والمتوسطة والناقصة، حيث قال:نعم الجميع
مشترك في سنخ واحد مبهم غاية الابهام بالقياس إلى تمام نفسالحقيقة ونقصانها وراء
الابهام الناشيء فيه عن اختلاف الأفراد بحسب هوياتهاانتهى، مع أن ما ذكرناه أولى
به مما ذكره في الحقائق المتأصلة والماهياتالواقعيةكما لا يخفى«(32).
ثم قالقدس سره: »وأما على ما تصورنا الجامع، فالصحيحي والأعمى في إمكانتصوير
الجامع على حد سواء، فإن المعرف إن كان فعلية النهي عن الفحشاء،فهي كاشفة عن الجامع
بين الأفراد الصحيحة، وإن كان اقتضاء النهي عنالفحشاء، فهو كاشف عن الجامع بين
الأعم«(33) انتهى كلامه.
ملخص ما أفادهقدس سره اُمور:
الأول: أن الماهية والوجود متعاكسان من جهة السعة والاطلاق، فالوجودكلما كان أشد
وأقوى، كان الاطلاق والشمول فيه أوسع وأوفر، بينما الماهية كلماكان الضعف والابهام
فيها أكثر، كان الاطلاق والسعة فيها أشمل وأوفر.
الثاني: أن الجامع بين الماهيات الاعتبارية كالصلاة ونحوها سنخ عمل مبهمفي غاية
الابهام، فإنه جامع لجميع شتاتها ومتفرقاتها كماً وكيفاً، وصادقعلىالقليل والكثير
والزائد والناقص، مثلاً الجامع بين أفراد الصلاة سنخعملمبهم من جميع الجهات إلا
من حيث النهي عن الفحشاء والمنكر أو منحيث فريضة الوقت.
الثالث: أن الماهيات الاعتبارية نظير الماهيات المتأصلة التشكيكية من جهةإبهامها،
غاية الأمر أن إبهام الاُولى اعتبارية وابهام الثانية ذاتية.
ولنأخذ بالنظر على هذه الاُمور:
أما الأمر الأول: فهو في غاية الصحة والمتانة، فإن الماهية كلما كانت مبهمةوخالية
عن جميع القيودات والخصوصيات الذهنية والخارجية، فهي أكثر سعةوأوسع شمولاً، وأما
الوجود فهو كلما كان أشد وأقوى، كان أكثر شمولاً وأوسعإطلاقاً بعكس الماهية كما
حقق في محله.
وأما الأمر الثاني فيرد عليه:
أولاً: أن حقيقة الصلاة مثلاً عبارة عن عدة مقولات متباينة ذاتاً وسنخاًومقيدة
بقيود محددة من التكبيرة إلى التسليمة ولا إبهام فيها، وأما العمل المبهمغاية
الابهام فهو لا يخلو من أن يكون عنواناً ذاتياً لها أو انتزاعياً، ولا ثالث لهما.
أما الفرض الأول فهو غير معقول، لما مر من أن الجامع الذاتي بمعنى الجنسوالفصل بين
تلك المقولات المتباينة ذاتاً وسنخاً غير متصور، لا ستحالة اندراجهذه المقولات تحت
جامع ذاتي واحد، وإلا لم تكن أجناساً عاليات، وهذاخلف، وكذلك بمعنى لازم الماهية،
لاستحالة أن يكون لتلك المقولات المتباينةسنخاً لازم واحد، على أساس أن لازم
الماهية بمثابة المعلول لها ومسانخ معها،وعليه فلا يعقل أن يكون اللازم الواحد
مسانخاً لماهية مقولة من تلك المقولاتالصلاتية وفي نفس الوقت يكون مسانخاً لماهية
مقولة اُخرى منها.
وأما الفرض الثاني وهو كون العمل المبهم جامعاً عنوانياً انتزاعياً فهو أمرمعقول في
نفسه، إذ لا مانع من انتزاعه من حقائق مختلفة كعنوان الناهي عنالفحشاء والمنكر
ونحوه، وتكون نسبته إلى تلك الحقائق المختلفة نسبة العرضإلى منشأ انتزاعه لا نسبة
المعلول إلى علته، ولكن حيث إنه لا واقع موضوعي لهماعدا ثبوته في عالم المفهوم
والذهن، فلا يمكن أن يكون مسمى لاسم الصلاة،بداهة أنه ليس وراء المقولات التي تكون
الصلاة مركبة منها شيئاً آخر زائداًعليها حتى يمكن تعلق الأمر به.
هذا إضافة إلى أن لفظة »الصلاة« لم توضع بإزائه جزماً، وذلك لأن المتبادرمنها عند
الاطلاق هو نفس الأجزاء المتباينة والقيود المختلفة سنخاً، وواضح أنهذا التبادر
والانسباق كاشف عن أنها موضوعة بإزاء نفس تلك الأجزاءوالشرائط، دون عنوان العمل
المبهم المنتزع، مع أنها لو كانت موضوعة بإزائهلكانت مرادفة له، وهذا كما ترى.
وثانياً: أنه إن اُريد بإبهام مسمى الصلاة وغيرها إبهامه في مقام الثبوتوالواقع
فهو غير معقول، بداهة أنه لا إبهام فيها من حيث المفهوم والمعنىالموضوع له،
وإبهامها إنما هو من حيث انطباقها على ما في الخارج، مع أنهاليست من الأسماء
المبهمات، بل هي من أسماء الأجناس.
وبكلمة، إن المعنى لا يمكن أن يكون مبهماً في جوهر ذاته وذاتياته ثبوتاً، بلهو
متعين فيه، فلا يعقل دخول الابهام في تجوهر ذاته، لأن الشيء بتجوهر ذاتهمتعين
ومتحصل في الواقع، وعلى هذا فمسمى الصلاة في الواقع متعين ولا يعقلدخول الابهام في
جوهر ذاته، لأنه متمثل في مجموعة من المقولات المتباينةسنخاً المتعينة في الواقع،
وإنما يتصور الابهام بلحاظ الطواريء والعوارضالخارجية كما صرح هوقدس سره بذلك في
الماهيات المتأصلة، فحقيقة الصلاة حقيقةمتعينة بتجوهر ذاتها، والابهام فيها إما أن
يكون بلحاظ الطواريء والعوارضالخارجية أو بلحاظ انطباقها على ما في الخارج.
وإن اُريد بذلك أن المسمى عنوان عرضي يشار به إلى واقع تلك المركباتالخارجية،
فيكون مبهماً لعدم تبين تلك المركبات، فيرد عليه أن ألفاظ العباداتلم توضع بإزاء
العنوان العرضي كما مرّ آنفاً.
ومن هنا يظهر أن ما ذكرهقدس سره من أن لفظ الخمر موضوع بإزاء مائع مبهم، فإناُريد
أنه مبهم ثبوتاً، فقد عرفت أنه غير معقول، لأن كل معنى متعين بجوهر ذاتهوذاتياته
في الواقع ومقام الثبوت، وإن اُريد أنه مبهم من حيث إنه مأخوذ لابشرط من ناحية
مرتبة إسكاره ومنشأ اتخاذه من العنب أو غيره، ففيه أنه ليسمن الابهام في المعنى
الموضوع له، على أساس أن المأخوذ فيه طبيعي الاسكار لامرتبة خاصة منه، كما أنه لا
فرق فيه بين كون منشأ اتخاذه العنب أو غيره، لأنالابهام فيه لا يوجب الابهام في
المعنى الموضوع له، وإن اُريد من الابهام الابهامفي تشخيص المعنى الموضوع له لدى
العرف العام كما في أسامي بعض المركباتوالمعاجين، فيرد عليه حينئذ أنه لا إبهام في
المعنى الموضوع له، وإنما الابهام فيطريقة تشخيص ذلك لدى العرف العام.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره منأن
أسامي العبادات كالصلاة مثلاً موضوعة بإزاء عمل مبهم غاية الابهام لايرجع بالتحليل
إلى معنى معقول.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أنه لابد من تصوير جامع ذاتي يشترك فيه جميع الأفراد الصحيحة أوالأعم منها
ومن الفاسدة على كلا القولين في المسألة، خلافاً للمحقق النائينيقدس سره،حيث إنه
منع عن هذه اللابدية وقال: إن المسمى بأسامي العبادات هو المرتبةالعليا، واستعمالها
في سائر المراتب إما بالتنزيل أو من جهة الاشتراك في الأثر،ولكن قد تقدم نقده،
وقلنا بأن ما أفادهقدس سره لا يرجع إلى معنى صحيح، ولا يغنيعن تصوير جامع.
الثاني: أن تمسك المحقق الخراسانيقدس سره لاثبات الجامع بين الأفراد الصحيحةبقاعدة
فلسفية، وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« في غير محله، فإن
پاورقي
1) اجود التقريرات 49 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 127 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 128 :1.
4) سورة مريم (31 :(19.
5) سورة الحج (27 :(22.
6) سورة البقرة (183 :(2.
7) كفاية الاُصول: 21.
8) نهاية الدراية 89 :1.
9) بحوث في علم الاُصول 180 :1.
10) محاضرات في اُصول الفقه 132 :1.
11) أجود التقريرات 48 :1.
12) كفاية الاُصول: 23.
13) نهاية الدراية 92 :1.
14) بحوث في علم الاُصول 189 :1.
15) محاضرات في اُصول الفقه 134 :1.
16) راجع كفاية الاُصول: 24 ومحاضرات في اُصول الفقه 135 :1.
17) محاضرات في اُصول الفقه 135 :1.
18) نهاية الدراية 95 :1.
19) نقله عنه في محاضرات في اُصول الفقه 137 :1.
20) محاضرات في اُصول الفقه 137 :1.
21) بحوث في علم الاُصول 191 :1.
22) أجود التقريرات 51 :1.
23) محاضرات في اُصول الفقه 138 :1.
24) أجود التقريرات 53 :1.
25) كفاية الاُصول: 24.
26) سورة العنكبوت (45 :(29.
27) محاضرات في اُصول الفقه 145 :1.
28) بحوث في علم الاُصول 196 :1.
29) مقالات الاُصول 142 :1.
30) مقالات الاُصول 143 :1.
31) هو صدر المتألهين في الأسفار 431 :1.
32) نهاية الدراية 101 :1.
33) نهاية الدراية 113 :1.
..........................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
تصوير الجامع على الاعمي ...
المقام كما مرّ ليس من صغريات هذه القاعدة، ولا يمكن تطبيقها عليه.
الثالث: أن ما أفاده المحقق العراقيقدس سره من أن الجامع لا ينحصر بالجامع
الذاتيالماهوي لكي يقال إنه غير متصور، ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن
ألفاظالعبادات لم توضع بإزائه، بل هنا جامع ثالث، وهو الجامع الوجودي، ولا مانعمن
اشتراك الأفراد الصحيحة فيه ووضع اللفظ بإزائه، ولكن قد تقدم أنه إذا لميمكن تصوير
جامع مقولي بين الأفراد الصحيحة لم يمكن تصوير جامع وجوديبينها أيضاً، إذ لا يعقل
اندراج وجودات المقولات المتباينة سنخاً تحت وجودواحد، لأن لكل ماهية وجوداً
واحداً، ولا يعقل أن يكون وجود واحد وجوداًللماهيات المتعددة المتباينة، وأما مفهوم
الوجود فهو وإن أمكن انتزاعه منحقائق مختلفة، إلا أن ألفاظ العبادات لم توضع
بإزائه.
الرابع: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن المسمى لأسامي العبادات هوالعمل
المبهم من جميع الجهات، ولا يمكن تعريفه إلا من طريق أنه مطلوبوفريضة الوقت
والناهي عن الفحشاء والمنكر، ولكن تقدم أن أسامي العباداتلم توضع بإزائه، لأنه إن
اُريد بالعمل المبهم الجامع الذاتي بين أفراد العباداتالصحيحة، فقد مرّ أنه غير
معقول، وإن اُريد به الجامع العنواني، فقد عرفت أنألفاظ العبادات لم توضع بإزائه.
تصوير الجامع على الأعمي
قد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره من أن العمل المبهم كما يمكن
أنيكون جامعاً بين الأفراد الصحيحة يمكن أن يكون جامعاً بين الأعم منها
ومنالفاسدة، بتقريب أن المعرف للجامع المذكور إن كان فعلية النهي عن
الفحشاءوالمنكر، فهي كاشفة عن الجامع بين الأفراد الصحيحة فحسب، وإن كان
اقتضاءالنهي عن الفحشاء والمنكر، فهو كاشف عن وجود جامع بينها وبين
الفاسدة،فالنتيجة أن العمل المبهم كما يصلح أن يكون جامعاً بين الأفراد
الصحيحةعلىالقول بالصحيح، يصلح أن يكون جامعاً بين الأعم منها ومن
الفاسدةعلىالقول بالأعم(1).
ولكن تقدم أن العمل المبهم الذي لا يمكن وصفه إلا بعنوان الناهي عنالفحشاء والمنكر
أو فريضة الوقت لا يصلح أن يكون جامعاً، فإن المراد منه إنكان الجامع الذاتي، فهو
غير متصور بين أفراد العبادات كالصلاة ونحوها، وإنكان الجامع العنواني، فألفاظ
العبادات لم توضع بإزائه.
الوجه الثاني: ما عن المحقق القميقدس سره من أن العبادات أسام للأركان خاصة،وأما
بقية الأجزاء والشرائط، فهي دخيله في المأمور به دون المسمى، فلفظالصلاة مثلاً
موضوع لذات التكبيرة والركوع والسجود والطهور المقيدة بالوقتوالقبلة، فإنها من
العناصر المقومة وأركانها، وأما غيرها من الأجزاءوالشرائط، فهي معتبرة جميعاً في
مطلوبيتها شرعاً لا في تسميتها عرفاً(2).
ونتيجة ما أفادهقدس سره أمران:
الأول: أن ألفاظ العبادات موضوعة بإزاء الأركان التي هي من أجزائهاالرئيسية
المقومة.
الثاني: أن سائر أجزائها وشرائطها دخيلة في المأمور به فحسبدونالمسمى.
واُورد عليه بأن المعنى الموضوع له لألفاظ العبادات لو كان خصوصالأركان، لزم أن
يكون إطلاق لفظة الصلاة على الصلاة الواجدة لها ولبقيةالأجزاء والشرائط مجازاً
واستعمالاً في غير المعنى الموضوع له من باب إطلاقاللفظ الموضوع للجزء على الكل،
مع أن الأمر ليس كذلك، لوضوح أن إطلاقهاعليها إطلاق حقيقي، فلذلك لا يمكن الالتزام
بهذا القول(3).
ويمكن الجواب عن ذلك بأن إطلاق لفظ الصلاة مثلاً على الواجدة لجميعالأجزاء
والشرائط حقيقي لا بلحاظ أنه مستعمل في الكل، بل بلحاظ أنهمستعمل في معناه الموضوع
له وهو الأركان، والخصوصيات الزائدة مستفادة مندال آخر من باب تعدد الدال
والمدلول، وسوف نشير إلى توضيح ذلك. نعم هناشيء آخر، وهو ما تأتي الاشارة إليه عن
قريب من أن الظاهر هو انحصار أركانالصلاة في أجزاء ثلاثة: الركوع والسجود والطهور،
وأما الوقت والقبلة فهما وإنكانا دخيلين في صحة الصلاة مطلقاً وفي جميع الحالات
إلا أنه لم يثبت كونهما منالأركان المقومة لمسمى الصلاة، ومثلها التكبيرة على
الأظهر.
الوجه الثالث: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن أسامي العبادات موضوعةبإزاء
الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط، ومرجع هذاإلى أن الأجزاء
أو الشرائط الاُخرى عند وجودها داخلة في المسمى، وعندعدمها خارجة عنه، مثلاً لفظ
»الصلاة« موضوع بإزاء الأركان الملحوظة لابشرط بالنسبة إلى سائر أجزائها وشرائطها،
ونتيجة ذلك أنها عند وجودهاداخلة في مسماها وعند عدمها خارجة عنه، ولذلك نظائر
كثيرة في المركباتالخارجية الاعتبارية كالدار مثلاً، فإنها موضوعة لمعنى مركب من
العناصرالرئيسية المقومة، وهي الحيطان والساحة والغرفة وإنها أركانها، ولم يلحظ
فيهامواداً معينة ولا شكلاً معيناً من الأشكال الهندسية، وأما بالاضافة إلى
الزائدعليها فهي مأخوذة لا بشرط، بمعنى أن الزائد على تقدير وجوده داخل فيالمسمى
وعلى تقدير عدمه خارج عنه، فالموضوع له معنى وسيع يصدق علىالقليل والكثير والتام
والناقص على نسق واحد. ومن هذا القبيل الكلمةوالكلام، فإن الكلمة موضوعة للمركب من
حرفين فصاعداً، فإن زيد عليهماحرف أو أزيد فهو داخل في معناها، وإلا فلا، والكلام
موضوع للمركب منكلمتين فمازاد وهكذا.
وبكلمة، إن المركبات الاعتبارية على نحوين:
أحدهما: ما لوحظ فيه حد خاص محدد من طرفي القلة والكثرة معاًكالاعداد، فإن كل مرتبة
منها مركبة من عدد خاص محدد من طرفي القلةوالكثرة، كالخمسة مثلاً أو الأربعة أو
الستة وهكذا.
والآخر: ما لوحظ فيه أجزاء معينة من جانب القلة فقط، وله حد خاص منهذا الطرف، وأما
من جانب الكثرة ودخول الزائد فقد اُخذ لا بشرط، كالأمثلةالمتقدمة وما شاكلها،
والصلاة من هذا القبيل، فإنها موضوعة للأركان فصاعداً،والزائد عليها من الأجزاء
والشرائط عند وجوده داخل في المسمى، وإلا فلا.
فالمتحصل من تعبيراتهقدس سره المختلفة في المقام عنصران:
الأول: أن المعنى الموضوع له للصلاة مثلاً الأركان بنحو لا بشرط بالنسبةإلىالزائد.
الثاني: أن المعنى الموضوع له لها الأركان ومازاد.
والعنصران متقابلان فلا ينطبق أحدهما على الآخر، فإن معنى العنصر الأولهو أن
الأركان مأخوذة لا بشرط، يعني مطلقة وغير مقيدة بشيء لا وجوداً ولاعدماً، لأن
ماهية لا بشرط هي الماهية المطلقة التي لم يؤخذ فيها أي قيد، فيمقابل ماهية بشرط
شيء وماهية بشرط لا، فإن الاُولى مقيدة بوجود شيء،والثانية مقيدة بعدم شيء آخر.
ومعنى العنصر الثاني هو أن المعنى الموضوع لهمركب من عنوانين، أحدهما الأركان،
والآخر مازاد عليها.
وفي كلا العنصرين إشكال.
أما العنصر الأول، فلأن الاطلاق الذي هو مفاد لا بشرط إما بمعنى رفضالقيود وعدم
أخذ شيء منها في المطلق كما أختارهقدس سره أو بمعنى عدم القيد كماقويناه، وعلى
كلا القولين فاللا بشرط المأخوذ في مسمى العبادات المساوقللاطلاق لا يدل على دخول
الأجزاء أو الشرائط فيه عند وجودها، أما علىالقول الأول فلأن مفاد الاطلاق رفض
القيود، وهو ملازم لخروجها عن المطلقوجوداً وعدماً لا جمع القيود، وأما على الثاني
فلأن مفاده عدم التقييد بقيد، وهويلازم خروجه عنه وجوداً وعدماً، وعليه فما
أفادهقدس سره من أن سائر الأجزاء عندوجودها داخلة في المسمى وعند عدمها خارجة عنه
لا ينسجم مع ما بنىعليهقدس سره من أن المسمى وهو الأركان ملحوظ بنحو لا بشرط، فإن
معنى اللابشرط هو الاطلاق، والاطلاق على كلا القولين كما مرّ ملازم لخروج
سائرالأجزاء والشرائط عن المسمى وجوداً وعدماً، وإلا لم يكن المسمى ملحوظاًلابشرط،
لأن الأجزاء الاُخرى لو كانت داخلة فيه عند وجودها، فمعناهأنهمأخوذ بشرط شيء لا
لابشرط، ولو كان عدمها داخلاً فيه فمعناه أنهمأخوذبشرط لا.
وبكلمة، إن مسمى العبادات كالصلاة ونحوها إذا كان هو الأركان، فلا يخلوإما أن يؤخذ
لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط أو يؤخذ بشرطشيء بالنسبة إليها أو بشرط
لا، ولا رابع في البين، وعلى الأول فالمسمى مطلقولا يدخل فيه شيء من الأجزاء أو
الشرائط الاُخرى لا وجوداً ولا عدماً،وعلى الثاني فالمسمى مقيد بوجود الأجزاء
والشرائط الاُخرى، وعلى الثالثفهو مقيد بعدمها، وعلى هذا فما ذكرهقدس سره من أن
المسمى مأخوذ لا بشرط بالنسبةإلى الزائد من الأجزاء والشرائط الاُخرى في طرف النقيض
مع ما بنى عليهقدس سرهمن أن الزائد عند وجوده داخل فيه، لأن معنى كونه مأخوذاً
لا بشرط أن الزائدغير داخل فيه لا وجوداً ولا عدماً، ومعنى أن الزائد داخل فيه عند
وجوده أنهمأخوذ بشرط شيء بالنسبة إليه لا لابشرط.
هذا إضافة إلى أنه لايمكن أن يكون الزائد عند وجوده داخلاً في المسمىوجزءاً له،
لأن المسمى هو المعنى الموضوع له، وهو من سنخ المفهوم، حيث إناللفظ لم يوضع إلا
بإزاء المفهوم، دون الموجود الخارجي أو الذهني، وعلى هذافلا يعقل أن يكون الزائد
عند وجوده داخلاً في المسمى وجزءاً له، لأن الموجودالخارجي لا يمكن أن يكون جزءاً
للمفهوم، نعم يكون جزءاً لمصداقه عندوجوده، وعدم كونه جزءاً له عند عدمه.
وعلى هذا فالمسمى لا ينطبق في الخارج إلا على الأركان فقط، سواء أكانمعها أجزاء
اُخرى أم لا، على أساس أن كل مفهوم ينطبق على مصاديقه وأفرادهفيه لا على غيرها،
والمسمى بما أنه مفهوم الأركان، فهو ينطبق عليها دون غيرهامن الأجزاء، فإذن كما أن
الأجزاء الاُخرى ليست جزء المسمى وداخلة فيه عندوجودها كذلك، ليست جزء مصداقه بما
هو مصداقه وإن كانت جزء الموجودالخارجي، ولكن الموجود الخارجي بما هو ليس مصداقه بل
هو مركب منه ومنغيره، كما هو الحال في سائر أسماء الأجناس، وعليه فكما أن دخول
الزائد عندوجوده في مصداق المسمى لا يستلزم المجاز في الكلمة، لأن كلمة الصلاة
مثلاًمستعملة في جميع أفرادها وتمام مراتبها الطولية في معناها الموضوع
له،وهوالأركان، سواء أكانت معها أجزاء اُخرى أم لا، كذلك لا يستلزم
المجازفيالاسناد والتطبيق أيضاً، لأن المسمى منطبق على مصداقه فقط كان معهشيءآخر
أم لا.
ومن هنا يظهر أن نتيجة وضع أسماء العبادات بإزاء الأركان بنحو لا بشرطهي صحة
انطباقها على جميع أفرادها في الخارج المشتملة عليها، وأما اشتمالهاعلى الأجزاء
الاُخرى والخصوصيات العرضية، فهو لا يمنع عن انطباقها علىمصاديقها، فلحاظ الأركان
لا بشرط لا يتطلب كون الأجزاء الاُخرى عندوجودها داخلة في المسمى، بل قد أشرنا
آنفاً أن ذلك غير معقول، بل لا يتطلبكونها عند وجودها داخلة في مصداقه في الخارج
بما هو مصداقه، نعم إنها داخلةفيه بما هو موجود في الخارج.
وأما العنصر الثاني فلأن لازم كون المسمى مركباً من الأركان وما زاد عليهاعدم
انطباقه على الأركان فقط، وانتفاؤه بانتفاء ما زاد الذي هو عنوان لسائرالأجزاء
والشرائط، لأن المركب ينتفي بانتفاء أحد أجزائه، وبذلك يظهر حال ماأفادهقدس سره في
المركبات الخارجية الاعتبارية.
والخلاصة أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن ألفاظ العبادات موضوعةبإزاء
الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء أو الشرائط، فإن اُريدبكلمة لا بشرط
الاطلاق كما هو معناه، فقد عرفت أنه يلازم خروج سائرالأجزاء والشرائط عن المسمى
وجوداً وعدماً، وإن اُريد بها مازاد على المسمىمن الأجزاء والشرائط الاُخرى، فقد
عرفت أن لازم ذلك عدم انطباق المسمىعلى الأركان فقط.
ثم إن هناك إشكالات اُخرى على هذا القول.
الأول: ما عن المحقق النائينيقدس سره، وحاصله أنه إن اُريد بعدم دخول بقيةالأجزاء
والشرائط في المسمى عدم دخولها فيه دائماً، فيرده أنه ينافي الوضعللأعم، فإن لازمه
عدم صدق لفظ »الصلاة« على الفرد الصحيح إلا بنحو منالعناية والمجاز ومن باب إطلاق
اللفظ الموضوع للجزء على الكل، وإن اُريد بهدخولها فيه عند وجودها وخروجها عنه عند
عدمها فهو غير معقول، ضرورةأن دخول شيء واحد في ماهية عند وجوده وخروجه عنه عند
عدمه أمرمستحيل، لاستحالة كون شيء جزءاً لماهية مرة وخارجاً عنها مرة اُخرى،
فإنكل ماهية متقومة بجنس وفصل أو ما يشبههما، فلا يعقل أن يكون شيء واحدمقوماً
لماهية عند وجوده ولا يكون كذلك عند عدمه، يعني أنها لا تنتفي بانتفائه،فإذن لا
يقعل أن تكون بقية الأجزاء داخلة في المسمى عند وجودها وخارجهعنه عند عدمها، فإن
معنى دخولها فيه عند وجودها أنها مقومة له، فإذا كانتمقومة له فلا محالة ينتفي
بانتفائها، ومعنى خروجها عنه عند عدمها أنه لا ينتفيبانتفائها، وبالتالي لا تكون
مقومة له، فإذن يكون مرد دخولها في المسمى عندوجودها وخروجها عنه عند عدمها إلى
أنها مقومة له وفي نفس الوقت لا تكونمقومة له، وهذا تناقض(4).
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأنه مبني على الخلط بين المركباتالحقيقية
والمركبات الاعتبارية، وما أفادهقدس سره إنما يتم في المركبات الحقيقية، حيثإنها
مركبة من جنس وفصل ومادة وصورة، باعتبار أن لكل واحد من الجزئينجهة افتقار
بالاضافة إلى الآخر، فلا يعقل فيها تبديل الأجزاء بغيرها ولاالاختلاف فيها كماً
وكيفاً، فإذا كان شيء واحد جنساً أو فصلاً لماهية، فلا يعقلأن يكون جنساً أو
فصلاً لها في حالة ولا يكون كذلك في حالة اُخرى، إذ معنىذلك أنه مقوم لها وفي نفس
الوقت لا يكون مقوماً لها، مثلاً الناطق فصل مقومللانسان، ولا يعقل أن يكون فصلاً
له عند وجوده ولا يكون فصلاً له عندعدمهوهكذا.
وأما في المركبات الاعتبارية فهو لا يتم، لأن التركيب فيها بين أمرين مختلفينأو
أزيد، وليس بينهما أي جهة اتحاد حقيقة ولا افتقار ولا ارتباط، بل إن كلواحد منهما
موجود مستقل على حياله ومباين للآخر في التحصل والفعلية،والوحدة العارضة عليهما
وحدة اعتبارية، لاستحالة التركيب الحقيقي بين أمرينأو اُمور متحصلة بالفعل، وعلى
هذا فلا مانع من كون شيء واحد داخلاً فيالمركب الاعتباري عند وجوده وخارجاً عنه
عند عدمه.
ومن أمثلة ذلك كلمة »الدار«، فإنها موضوعة لمعنى مركب، وهو ما اشتملعلى الحيطان
والساحة والغرفة، وهي أجزاؤها الرئيسية ومقومة لصدقعنوانها، وحينئذ فإن كان لها
غرفة اُخرى وسرداب أو طبقة ثانية أو غير ذلكفهي من أجزائها وداخلة في المسمى، ومن
هذا القبيل »الكلمة« و»الكلام«ونحوهما كما مرّ، وعلى هذا فحيث إن العبادات كالصلاة
ونحوها من المركباتالاعتبارية، فلا مانع من الالتزام بأن مسماها الأركان وما زاد
عليها من الأجزاءداخل فيه عند وجوده وخارج عنه عند عدمه كما تقدم.
فالنتيجة أن الالتزام بذلك لا يمكن في المركبات الحقيقية الواقعية، وأما
فيالمركبات الاعتبارية، سواء أكانت شرعية أم عرفية فلا مانع من ذلك(5). هذا،
ولكن قد سبق أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من الطريقة في وضع
المركباتالاعتبارية أعم من الشرعية والعرفية في نفسه غير صحيح، لا من جهة ما
ذكرهالمحقق النائينيقدس سره، فلنا دعويان.
الاُولى: أن عدم صحته من جهة ما ذكرناه.
الثانية: أن عدم صحته ليس من جهة ما ذكره المحقق النائينيقدس سره.
أما الدعوى الاُولى، فلما عرفت موسعاً من أنه لا يمكن أن يكون ما زاد علىالمسمى
عند وجوده داخلاً فيه بما هو مسمى، لأن الموجود الخارجي لا يعقل أنيكون جزء
المفهوم الذهني، كما لا يمكن أن يكون داخلاً في مصداقه بما هومصداقه، نعم هو داخل
في الموجود الخارجي بما هو موجود فيه.
وأما الدعوى الثانية، فلأن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره مبني على عدم
الفرقبين المركبات الحقيقية والمركبات الاعتبارية، ولكن الفرق بينهما واضح،
فإنالمركبات الاعتبارية بما أنها بيد معتبرها ومخترعها سعة وضيقاً، فله أن
يجعلبعض أجزائها على البدل، كما أن له أن يجعل الشيء داخلاً فيه عند
وجودهوخارجاً عنه عند عدمه، هذا في مقام الاختراع.
وأما في مقام الوضع، فلأن الوضع بما أنه علقة بين اللفظ والمعنى في عالمالمفهوم،
فلا محالة يكون وضع هذه المركبات بإزاء المعاني في عالم المفهوم، وعليهفلا يمكن أن
يكون الشيء داخلاً فيها عند وجوده وخارجاً عنها عند عدمه، إذلا يعقل أن يكون
الشيء الموجود خارجاً جزء المعنى في عالم المفهوم، وعلى هذافلابد أن يكون وضعها
بإزاء مفاهيم محددة في ذلك العالم، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى: إن المركبات الاعتبارية على نوعين:
النوع الأول: ما يكون متقوماً بأركان محددة متمثلة في أجزاء معينة،كالمركبات
الشرعية من الصلاة ونحوها وبعض المركبات العرفية.
النوع الثاني: ما يكون متقوماً بأركان غير محددة بأجزاء معينة خارجاً،وذلك كالدار
والبستان والكلمة والكلام ونحوها.
أما النوع الأول: فلا يبعد القول بأنه موضوع بإزاء الأركان بنحو لا بشرط فيمقابل
بشرط شيء وبشرط لا، بمعنى أنه لا يؤخذ في معناه الموضوع له شيء منالخصوصيات
الزائدة لا وجوداً ولا عدماً، وعلى هذا فاطلاق أسماء هذا النوعمن المركبات على
جميع مواردها ومراتبها إطلاق حقيقي بلحاظ أن معناهالموضوع له محفوظ فيها، وأما
الخصوصيات الزائدة عليه أعم من الخصوصياتالعرضية أو الأجزاء والشرائط الاُخرى، فهي
مستفادة من دال آخر من بابتعدد الدال والمدلول، والدال الآخر قد يكون قرينة حالية
كحال المصلي منالاختيار والاضطرار، وقد يكون مقامية، وإذا كثر الاستعمال في
الواجدة لبقيةالأجزاء والشرائط بالقرينة، فقد تؤدي إلى تحقق الوضع التعيني
والمنبهالشرطي، على أساس أن القرينة ليست عنصراً ثابتاً في كل الموارد
المستعملة،بل هي تختلف من مورد إلى آخر بينما اللفظ عنصر ثابت في جميع
مواردالاستعمال، فمن أجل ذلك يحصل الاُنس الذهني بين ذات اللفظ والمعنى كانتهناك
قرينة أم لا، وإذا اُطلق لفظ الصلاة حينئذ، كان المتبادر منه صورة الصلاةالواجدة من
التكبيرة إلى التسليمة.
والخلاصة أن أسامي العبادات مستعملة في معانيها الموضوعة لها فقط - وهيالأركان -
دائماً وفي جميع الموارد، لا أنها مستعملة فيها مع الأجزاء والشرائطالاُخرى، فإن
تلك الأجزاء والشرائط مستفادة من دال آخر عند الحاجة وتعلقالغرض بأفهامها، كما هو
الحال في سائر أسماء الأجناس، نعم قد يحصل الوضعالتعيّني لها بإزاء المجموع بعامل
كمي كما عرفت.
ثم إن التزام السيد الاُستاذقدس سره بأن مازاد على المسمى وهو الأركان داخل فيهعند
وجوده وخارج عنه عند عدمه، إنما هو من جهة تخيل أنه لو لم يلتزمبذلك، فلابد من
الالتزام بأن استعمال العبادات في الواجدة لجميع الأجزاءوالشرائط في كل مرتبة من
مراتبها يكون مجازاً ومن باب استعمال اللفظالموضوع للجزء في الكل، مع أن الأمر ليس
كذلك.
ولكن قد تقدم أنه لا ملازمة بين الأمرين، إذ لا مانع من القول بوضعالعبادات
للأركان فقط واستعمالها فيها دائماً، سواء أكان معها أجزاء اُخرى أم لا،واستفادة
تلك الأجزاء عند الحاجة وتعلق الغرض بأفهامها إنما هي بدال آخرمن باب تعدد الدال
والمدلول، فإذن لا مانع من الالتزام بوضعها بإزاءالأركانفحسب.
وأما النوع الثاني وهو الذي متقوم بأركان غير محددة بأجزاء معينة، فالظاهرأنه موضوع
لمفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحو الابهام مباشرة المنطبق علىتجمع الأركان وحدها
وعلى تجمع المشتمل عليها وعلى الأجزاء والشرائطالاُخرى، مثلاً لفظ »كلمة« موضوع
بإزاء عنوان مازاد على حرف، وهذاالعنوان كما ينطبق على الكلمة الثنائية الحروف كذلك
ينطبق على الكلمة الثلاثيةالحروف وهكذا، ولفظ »كلام« موضوع بإزاء عنوان مازاد على
كلمة، وهذا كماينطبق على الكلام المركب من كلمتين ينطبق على الكلام المركب من
كلماتوهكذا، ولفظ »الدار« موضوع بإزاء مفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحوالابهام
بدون التحديد بحد خاص لا كماً ولا كيفاً، وهو يصدق على القليلوالكثير والتام
والناقص وهكذا.
ودعوى أن ألفاظ العبادات أيضاً موضوعة بإزاء مفهوم منتزع مباشرة منتجمع الأجزاء
بنحو الابهام بدون تعيين حدّ له لا كماً ولا كيفاً، وهذا المفهوميصدق على الصلاة
التامة والناقصة في كل مرتبة من مراتبها.
مدفوعة بأنها لم توضع بإزاء ذلك المفهوم المنتزع، لعدم كونه متبادراً منها
عندالاطلاق كما هو واضح.
الاشكال الثاني: هو أن الأركان بنفسها مختلفة كماً وكيفاً ولها عرضعريض ومراتب
طويلة، فإذن لابد من تصوير جامع ذاتي مشترك بين تلكالمراتب لكي يصدق على القليل
والكثير والناقص والتام على نسق واحد، فيعودالمحذور، وذلك لأن هذا الجامع الذاتي لا
يمكن أن يكون بسيطاً، سواء أكان المرادمن الذاتي، الذاتي في باب الكليات أم باب
البرهان، وكذلك لا يمكن أن يكونمركباً على تفصيل تقدم(6).
ويمكن الجواب عنه بأحد طريقين:
الأول: أن المأخوذ في المسمى طبيعي الأركان بعرضها العريض ومراتبهاالطويلة، وهو
الجامع بين الطهارة المائية والطهارة الترابية، وبين ركوع القائموركوع الجالس
وهكذا، فيكون المأخوذ فيه الجامع بين البدل والمبدل بقطعالنظر عن حيثية البدلية
والمبدلية، فإن الحيثية غير مأخوذة فيه، إذ مع أخذحيثية كل منهما بعين الاعتبار لا
يتصور جامع بينهما فيعود الاشكال. وأما تقييدالجامع بين البدلين بحالتي الاختيار
والاضطرار، فهو إنما يكون في مرتبة تعلقالأمر به لا في مرتبة المسمى، فإن الأمر
المتعلق بالصلاة الواجدة لجميعالأجزاءوالشرائط، مقيدة بالطهارة المائية في حال
الاختيار والتمكن، وبالطهارةالترابية في حال الاضطرار والعجز عن الاُولى، وكذلك
الحال بالنسبة إلىالركوعوالسجود.
فالنتيجة أنه لا تقييد للجامع في مرتبة التسمية، والتقييد إنما هو في
مرتبةتعلقالأمر به.
ولكن قد يشكل عليه بأن متعلق الأمر هو المسمى، فإذا كان المسمى الجامعكان متعلق
الأمر هو الجامع، لا أن متعلقه حصة خاصة منه.
والجواب أن هذا تام على القول بالصحيح، فإنه على هذا القول لا يمكنالاختلاف بين
المسمى ومتعلق الأمر، والمفروض أن المسمى على هذا القول هوالجامع بين الأفراد
الصحيحة، فإذا كان المسمى ذلك كان هو متعلق الأمر، ولايمكن أن يكون مشتملاً على
خصوصية زائدة على المسمى جزءاً أو شرطاً وإلالزم الخلف، وأما على القول بالأعم
فيختلف متعلق الأمر عن المسمى.
الثاني: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنه لا مانع من وضع الصلاة
للأركانبعرضها العريض على سبيل البدل، بأن يكون المقوم للمركب أحد اُمور على
نحوالبدلية طولاً، فالطهارة المائية مقومة للصلاة في حال الاختيار، والطهارة
الترابيةمقومة لها في حال الاضطرار وفي مرتبة متأخرة، والركوع من القائم عن
قياممقوم لها في حال التمكن والاختيار، ومن الجالس عن جلوس مقوم لها في حالالعجز
والاضطرار وهكذا، ومثل ذلك لفظ »الحلوى« فإنه موضوع للمركبالمطبوخ من سُكَّر
وغيره، وذلك الغير قد يكون دقيق حنطة وقد يكون دقيقحمص أو اُرز أو غير ذلك، فإن كل
واحد منها مقوم له على سبيل البدل، غايةالأمر أن الفرق بين هذا المثال وما نحن فيه،
هو أن المأخوذ في المركب في هذاالمثال أحد هذه الاُمور على نحو البدلية في عرض
الآخر، بينما المأخوذ في مسمىالعبادات في المقام أحد الاُمور المذكورة على نحو
البدلية في طول الآخر.
والخلاصة: أن وضع أسامي العبادات بإزاء الأركان على سبيل البدل، بأنيكون المأخوذ
في المسمى مثلاً ركوع القائم في حال القيام، وإذا تعذر ذلك ركوعالجالس في حال
الجلوس وهكذا، فبما أنه ممكن، فلا تصل النوبة إلى تصويرجامع مشترك بين مراتب
الأركان ولا حاجة إليه(7).
ويمكن المناقشة فيه بما ذكرناه آنفاً، من أن هذا التقييد إنما هو في مرتبه
تعلقالأمر بالمسمى لا في مرتبة التسمية، حيث إن الظاهر في هذه المرتبة كما
مرملاحظه جامع بين مراتب الأركان بدون أن تلحظ طوليتها في هذا المقام كحيثيةالبدلية
والمبدلية، بينما تلحظ هذه الطولية في مقام تعلق الأمر بالمسمى.
هذا إضافة إلى أن أخذ أحد اُمور على سبيل البدل في المركبات الاعتباريةوإن كان
ممكناً إلا أنه ليس بعرفي، وعلى هذا فالصحيح في دفع هذا الاشكالوعلاجه ما ذكرناه
لا ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
الاشكال الثالث: دعوى القطع بأن الصلاة لم توضع بازاء الأركان فحسب،إذ لو كانت
موضوعة لها كذلك لم تصدق على الصلاة الواجدة لجميع الأجزاءوالشرائط إذا كانت فاقدة
لبعض الأركان، مع أن صدقها عليه من الواضحات،وهذا يدل على أن هذه الصلاة لم توضع
بإزاء الأركان فقط، كما أنها لا تصدقعلى الأركان فحسب بدون اقترانهاببقية الأجزاء
أو الشرائط، فإذن لا يدورصدق الصلاة مدار الأركان وجوداً وعدماً.
وهذا الاشكال ينحل إلى جانب إيجابي، وهو صدق الصلاة بما لها من المعنىعلى الفاقدة
لبعض الأركان إذا كانت واجدة لبقية الأجزاء والشرائط، وإلىجانب سلبي وهو عدم صدقها
كذلك على الأركان فقط إذا كانت خالية عن سائرالأجزاء والشرائط جميعاً.
ولكن كلا الجانبين لا يخلو عن إشكال بل منع، حيث إنه لا منشأ لهذهالدعوى وإنها
مبنية على المسامحة لدى العرف والمتشرعة، إذ لا شبهة في أنالصلاة تدور مدار
الأركان وجوداً وعدماً، وبانتفاء واحد منها تنتفي الصلاة،سواء أكانت سائر الأجزاء
والشرائط موجودة أم لا، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن كل مركب اعتباري لابد أنيعرف من
قبل مخترعه، سواء أكان ذلك المخترع هو الشارع المقدس أم غيره،وحيث إن العبادات
كالصلاة ونحوها من مخترعات الشارع من حيث الكميةوالكيفية، فلابد من أن يعرف حقيقتها
التي يدور صدقها مدارها وجوداً وعدماًمن قبل الشارع، فإذن لابد من الرجوع إلى
النصوص الشرعية لتعيين حقيقتهاوتحديدها كماً وكيفاً، وقد استفدنا منها أن حقيقة
الصلاة التي يدور صدقهامدارها نفياً وإثباتاً عبارة عن التكبيرة والركوع والسجود
والطهور، وأما بقيةالأجزاء فهي غير مأخوذة فيها(8)، فهنا دعويان:
الاُولى: أن بقية الأجزاء غير مأخوذة في المسمى.
الثانية: أن المأخوذ في المسمى الأركان الأربعة.
أما الدعوى الاُولى فيدل عليها حديث لا تعاد(9)، فإن مفاده أن الاخلالبغير الخمسة
من الأجزاء والشرائط نسياناً أو جهلاً إذا كان مركباً أو بسيطاًشريطة أن يكون
معذوراً فيه لا يضر بصحة الصلاة فضلاً عن صدقها مادامتالخمسة موجودة، ومن الواضح
أن هذا ناص في عدم أخذ غير الخمسة منالأجزاء والشرائط في المسمى.
ودعوى أن الحديث على القول بالصحيح لا يدل على أن تلك الأجزاءوالشرائط غير مأخوذة
في المسمى، وذلك لأن الصحيحي إنما ينتزع الجامع عمايكون مطابقاً للمأمور به بمقدار
دخالته فيه لا أكثر، فإذا كان اعتباره منوطاً بحالدون حال أخذ الجامع مقيداً بذلك
الحال، وحينئذ فلا يكون إخلال به في الحالالاُخرى، على هذا فحيث إن اعتبار الأجزاء
والشرائط غير الخمسة مقيد بحالالالتفات والتذكر، فإذن لا إخلال في حال النسيان
وعدم الالتفات،
مدفوعة أما أولاً فلأن محل الكلام في المسألة إنما هو علىالقول بالأعمدونالصحيح.
وثانياً قد تقدم أن تصوير الجامع المركب على القول بالصحيح بالنحو المذكوروإن فرض
أنه ممكن إلا أن من الواضح عدم وضع لفظ الصلاة بإزائه، لأنه معنىمعقد خارج عن
الفهم العرفي كما مرّ.
وثالثاً أن لازم ذلك هو أن مسمى الصلاة في حال الاختيار والالتفات غيرمسماها في حال
النسيان والجهل، وهو مما لا يمكن الالتزام به.
فالنتيجة أنه لا شبهة في أن الأجزاء والشرائط غير الخمسة لم تؤخذ فيالمسمى، وإنما
اُخذت في المأمور به.
وأما الخمسة، فهل يدل الحديث على أنها من الأركان التي يدور صدقعنوان الصلاة
مدارها وجوداً وعدماً؟
والجواب أنه لا يدل على ذلك، بتقريب أن مفاده في عقد المستثنى منه يكونإرشاداً إلى
أن اعتبار غير الخمسة من الأجزاء والشرائط مقيد بحال الالتفاتوالتذكر لا مطلقاً،
وعلى هذا فلا يكون إخلال بها في حال النسيان والغفلة حتىتبطل الصلاة به، وفي عقد
المستثنى يكون إرشاداً إلى اعتبارالخمسة مطلقاً حكماًوملاكاً وفي جميع الحالات،
فلذلك تبطل الصلاة بالاخلال بها وإن كان نسياناً.
وبكلمة، إن الموضوع في عقد المستثنى والمستثنى منه في الحديث هو الصلاة،ومفاده
الارشاد في كلا العقدين، وفي العقد الأول إرشاد إلى أن غير الخمسة منالأجزاء أو
الشرائط إنما اعتبرت جزءاً وشرطاً في حال التذكر والالتفات لامطلقاً أي حتى في حال
النسيان والجهل، وفي العقد الثاني إرشاد إلى أن الشارعاعتبر الخمسة جزءاً وشرطاً
مطلقاً وفي جميع الحالات، فلهذا تبطل الصلاةبالاخلال بها ولو نسياناً، وعلى هذا
فالحديث الشريف في مقام بيان الفرق بينالخمسة المستثناة فيه وبين غيرها من الأجزاء
والشرائط في أن الخمسة دخيلةفي الملاك والحكم مطلقاً وفي تمام الحالات، بينما يكون
غيرها دخيل فيهما في حالالالتفات والتذكر فقط لا مطلقاً، وليس في مقام بيان أنها
من الأركان المقومة.
هذا إضافة إلى إيجاب إعادة الصلاة بالاخلال بالخمسة يدل على أن حقيقةالصلاة لا
تنتفي بالاخلال بها، على أساس أن كلمة الاعادة تنصّ على الوجودالثاني للصلاة بعد
الفراغ عن وجودها الأول، فلو كانت الخمسة من الأركان،فلا صلاة عند الاخلال بها، لا
أنها وجدت فاقدة لبعض الأجزاء أو الشرائط،فالنتيجة أن حديث لا تعاد لا يدل على أن
الخمسة من الأركان بل يدل علىأنهاليست منها.
وأما الدعوى الثانية فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن صحيحة الحلبي التيتنص على
أن الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث منها الطهور، وثلث منها الركوع،وثلث منها السجود(10)،
فقد دلت على حصر الصلاة بهذه الثلاثة وأنها حقيقتها،ولكن لابد من رفع اليد عنها من
هذه الجهة بما دل من الروايات على أن التكبيرةأيضاً ركن ومقوم لها، وأما عدم ذكرها
في حديث لا تعاد، فلعله من جهة أنالدخول في الصلاة لا يصدق بدونها حتى يصدق على
الاتيان بها الاعادة، لأنهاعرفاً وجود ثان للشيء بعد وجوده أولاً، باعتبار أن
المستفاد من رواياتالتكبيرة هو أن الصلاة عمل خاص لا يمكن الدخول فيه بدون
الافتتاح بها، فلودخل فيه بدونها نسياناً أو جهلاً فلا يكون مشمولاً للحديث،
فالنتيجة هيتقييد إطلاق رواية التثليث بروايات التكبيرة، وعليه فأركان الصلاة
أربعة:التكبيرة والركوع والسجود والطهور، وهذهالأركان هي مسمىالصلاة(11)، هذا.
والتحقيق يتطلب النظر إلى المسألة في مقامين:
الأول: النظر إلى رواية التثليث ومدى دلالتها على حقيقة الصلاة التي يدورصدقها
مدارها وجوداً وعدماً.
الثاني: النظر إلى روايات التكبيرة ومدى دلالتها على أنها ركن.
أما المقام الأول فلا شبهة في أن رواية التثليث ظاهرة في بيان حقيقة الصلاةوتكوّنها
من الأجزاء الثلاثة، ولكن مع هذا فقد نوقش فيها بوجوه:
الوجه الأول: أن دلالة رواية التثليث على ركنية الثلاثة وإن كانت بالنصولكن
دلالتها على نفي ركنية غيرها إنما هي بالاطلاق الناشىء من السكوت فيمقام البيان،
ونتيجة ذلك أن دلالتها على حصر الأركان بها إنما هي بالاطلاقالمذكور، وحيث إن هذا
الاطلاق من أضعف مراتب الدلالة، فلذلك لا يصلح أنيعارض روايات التكبيرة التي كانت
تدل على أنها ركن، فإذن لابد من رفع اليدعن إطلاقها بها تطبيقاً لقاعدة حمل الظاهر
على الأظهر.
ويمكن المناقشة فيه بأن دلالة رواية التثليث على الحصر وإن كانتبالاطلاق الناشىء
من السكوت في مقام البيان، إلا أن روايات التكبيرة بتمامطوائفها كما سوف نشير
إليها ضعيفة إما دلالةً وسنداً أو دلالة فحسب، ولا يدلشيء منها على أنها ركن،
فلهذا لا تصلح أن تكون مقيدة لاطلاق رواية التثليث.
قد يقال بأنه لا تنافي بين رواية التثليث وروايات التكبيرة، بدعوى أنالمرادمن
قولهعليه السلام في روايةالتثليث)الصلاة ثلاثة أثلاث( إنما هو بعدالدخولفيها
بالتكبيرة.
والجواب أولاً أن حمل رواية التثليث على ذلك خلاف الظاهر، لأن الظاهرمنها أنها في
مقام بيان حقيقة الصلاة لا أنها في مقام بيان تثليثها بعد الدخولفيهابالتكبير.
وثانياً أن ذلك لا ينسجم مع كون أحد الثلاثة الطهور، فإنه لابد أن يكونمقارناً مع
التكبير، ولا يمكن أن يكون بعده، وإلا لزم كون التكبير بدونطهور،وهو باطل.
الوجه الثاني: أن حديثالتثليث لا يكون ظاهراً في بيان حقيقةالصلاة، فإنهإما أن
يكون ظاهراً في إرادة التثليث من حيث الأهمية والثواب أويكون مجملاً.
والجواب: ما مرّ من أنه لا شبهة في ظهور الحديث في إرادة التثليث من حيثبيان حقيقة
الصلاة لا أهميتها، لوضوح أن قولهعليه السلام: »الصلاة ثلاثة أثلاث«ظاهر في أن
حقيقة الصلاة تنقسم إلى الثلاثة، ولا رابع لها، لأن الصلاة اسملحقيقتها، وإرادة
الأهمية منها بحاجة إلى قرينة.
الوجه الثالث: أن حديث التثليث وإن كان ظاهراً في بيان حقيقة الصلاة إلاأنه لابد من
رفع اليد عن هذا الظهور بقرينة قولهعليه السلام: »لا صلاة إلا بفاتحةالكتاب«(12)
وقولهعليه السلام: »لا صلاة لمن لم يقم صلبه«(13) وهكذا، مع أن فاتحةالكتاب ليست
ركناً للصلاة، وكذا القيام منتصباً، فإذن هذا التعبير أو ما شابههلايدل على أنه في
مقام بيان حقيقة الصلاة وتكوينها.
والجواب: أنه لا شبهة في ظهور تلك الروايات في نفسها في نفي الحقيقة،ولكن رفعنا
اليد عن ظهورها في ذلك لقرائن خارجية، ولولا تلك القرائن فلامناص من الأخذ به،
والمفروض أنه لا قرينة في المقام، فإذن لا مناص من الأخذبظهور حديث التثليث، وهو أن
أركان الصلاة ثلاثة: الركوع والسجودوالطهور، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن حديث التثليث هل يدل على أن الأركان الثلاثةهيمسمى الصلاة؟
والجواب أنه لا يدل على ذلك، فإن مفاده أن حقيقة الصلاة ثلاثة أثلاث، أماأن لفظ
»الصلاة« موضوع بإزائها فقط أو الأعم منها ومن غيرها، فهو لا يدلعلى شيء منهما
وساكت عن ذلك.
وأما المقام الثاني فلأن روايات التكبير في نفسها قاصرة عن الدلالة علىركنيّته
للصلاة، وهي على طوائف ثلاث.
الطائفة الاُولى: هي الروايات التي جائت تارة بلسان أن افتتاح الصلاةبالتكبير
كرواية ناصح المؤذن(14)، واُخرى بلسان لا تفتتح الصلاة إلا بها كما فيرواية
المجالس(15)، وثالثة بلسان أن لكل شيء أنف، وأنف الصلاة التكبير كما فيرواية
إسماعيل بن مسلم(16)، وتقريب الاستدلال بها أنها جميعاً تحكي عن مطلبواحد، وهو أن
مبدأ الصلاة التكبير ولا تنعقد إلا به.
والجواب: أما عن الرواية الاُولى فلأنها وإن دلّت على أن افتتاح الصلاةبالتكبير
وأنها لا تنعقد بدونه، إلا أن دلالتها على ركنية التكبير ودخالته فيالمسمى منوطة
بأن تكون في مقام بيان حقيقة الصلاة وما يعتبر فيها، لا في مقامبيان ما يعتبر في
مطلوبيّتها شرعاً، ولكن الظاهر منها الثاني دون الأول، فإنمناسبة الحكم والموضوع
الارتكازية وهي صدورها من المولى تقتضي أنها فيمقام الاشارة إلى جزئية التكبير
للصلاة المأمور بها شرعاً وبيان أنه مبدؤها،وحملها على أنها في مقام بيان أنه جزء
المسمى ودخيل فيه بحاجة إلى قرينة، ومعالاغماض عن ذلك وتسليم أنه لا ظهور لها في
ذلك، إلا أنه لا ظهور لها في الأولأيضاً، فتصبح الرواية مجملة، بل لو سلمنا ظهورها
في الأول ومع ذلك لا يمكنالأخذ بها من جهة ضعفها سنداً.
وأما الرواية الثانية فمن المحتمل أن تكون الجملة فيها ناهية لا خبرية،
وهذاالاحتمال يمنع عن الاستدلال بها، هذا إضافة إلى أنها لا تدل على أكثر من
كونالتكبير جزءاً للصلاة، وأما أنه جزء مقوم لها فهي لا تدل عليه، هذا إضافة
إلىأنها ضعيفة سنداً.
وأما الرواية الثالثة فهي تدل على عكس المطلوب، فإن تشبيه التكبيربالأنف للشيء يدل
على أنه ليس بركن، باعتبار أن أنف الشيء لا يكون ركناً،هذا إضافة إلى أنها ضعيفة
سنداً أيضاً.
الطائفة الثانية: التي جائت بلسان أن تحريمها التكبير، فإنها لا تدل على أكثرمن
حرمة الاتيان بمنافيات الصلاة بعد الدخول فيها بالتكبير، فلا إشعار فيهافضلاً عن
الدلالة على أنه ركن.
الطائفة الثالثة: منها قولهعليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم عن أبيجعفرعليه
السلام:»التكبيرة الواحدة في افتتاح الصلاة تجزىء، والثلاث أفضل«(17)، بدعوى
أنهيدل على أن الصلاة لا تتحقق بدون التكبيرة، فلو دخل المصلي في القراءة بدونأن
يكبر، لا يصدق أنه دخل في الصلاة.
ولكن يمكن المناقشة في دلالتها، بتقريب أنها لا تدل على أكثر من إجزاءتكبيرة واحدة
فيافتتاح الصلاة والشروع فيها، وكلمة الاجزاء تدل علىأنالصحيحة في مقام بيان ما
يعتبر في صحة الصلاة لا في مقام بيان حقيقتها،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنها في مقام بيان أن تكبيرة واحدة تكفي في مقابل الأكثر،وليست في
مقام بيان أنها ركن.
ومنها قولهعليه السلام في موثقة عمار في جواب السؤال: »عن رجل سها خلفالامام فلم
يفتتح الصلاة، يعيد الصلاة، ولا صلاة بغير افتتاح«(18)، بدعوى أنقولهعليه السلام
لا صلاة بغير افتتاح، ظاهر في أن التكبيرة معتبرة في حقيقة الصلاة،ولهذا نفى الصلاة
بدونها.
ولكن بإمكاننا المناقشة في دلالتها على ذلك، فإنا لو كنا نحن وقولهعليه السلام:
»لاصلاة بغير افتتاح«، فلا مناص من الالتزام بظهوره في نفي حقيقة الصلاة
بدونالتكبيرة، ولكن بما أنه مسبوق بقولهعليه السلام: »يعيد الصلاة« فهو يصلح أن
يكونمانعاً عن ظهوره في ذلك، على أساس أن وجوب الاعادة ظاهر في الوجودالثاني
للصلاة بعد الفراغ عن وجودها الأول، ومعنى هذا أن التكبيرة غير دخيلةفي حقيقة
الصلاة وأنها لا تنتفي بانتفائها، ولكن حيث إنها كانت فاسدة من جهةالاخلال بها،
فتجب إعادتها مرة اُخرى.
وبكلمة، إن ظهور قولهعليه السلام: »يعيد الصلاة« في أن التكبيرة غير دخيلة
فيحقيقة الصلاة وإنما هي دخيلة في صحتها مطلقاً وفي تمام الحالات يصلح أنيكون
مانعاً عن ظهور قولهعليه السلام: »لا صلاة بغير افتتاح« في نفي الحقيقة،
باعتبارأنه من جهة مسبوقيته بالجملة المتقدمة، ظاهر في أن الصلاة المنفيّة فيه هو
نفسالصلاة التي اُمر بإعادتها في الجملة السابقة.
ومع الاغماض عن ذلك فتقع المعارضة بينهما، فإن جملة »يعيد الصلاة«ظاهرة في الارشاد
إلى فساد الصلاة المأتي بها في الخارج بدون التكبيرة، ومنالمعلوم أن الصحة والفساد
صفتان للصلاة الموجودة في الخارج، فإنها إن كانتمطابقة للصلاة المأمور بها اتصفت
بالصحة، وإلا فبالفساد، أو فقل: إن كلمةالاعادة بنفسها تدل على أن وجودها الأول
مفروغ عنه في الخارج، وحيث إنهلا يجزىء في مقام الامتثال لعدم مطابقته للمأمور
به، فلذلك اُمر بالاعادة مرةاُخرى، وجملة لا صلاة بغير افتتاح، ظاهرة في نفي حقيقة
الصلاة بدون الافتتاح،ولا يمكن الجمع بينهما عرفاً بتطبيق أحد عناصر الجمع العرفي،
لأن المقام ليسمن موارده، فإذن لا محالة تكون بين الظهورين معارضة، فيسقطان معاً
من جهةالمعارضة، فتصبح كلتا الجملتين مجملة حكماً، فلا يمكن العمل بشيء منهما.
فالنتيجة في نهاية الشوط أنه لا دليل على أن تكبيرة الافتتاح ركن مقوملحقيقة
الصلاة، وعلى هذا فلا مقيد لرواية التثليث.
وخلاصة ما حققناه لحد الآن هو أن المسمى لأسامي العبادات كالصلاةونحوها، الأركان
التي تدور العبادات مدارها وجوداً وعدماً، وحيث إنالأركان محفوظة بين جميع أفرادها
ومراتبها الطولية من المرتبة العليا إلى المرتبةالدنيا، فتكون كالمقومات الذاتية من
الجنس والفصل في المركبات الحقيقة التيهي محفوظة بين أفرادها بقطع النظر عن
خصوصياتها العرضية، وعلى هذا فكماأن إطلاق الانسان على كل فرد من أفراده إطلاق
حقيقي، باعتبار أنه مستعمل فيمعناه الموضوع له - وهو الجامع الذاتي - والخصوصية
مستفادة من دال آخر منباب تعدد الدال والمدلول، فكذلك إطلاق الصلاة على كل فرد من
أفرادهاإطلاق حقيقي، لأنها مستعملة في معناها الموضوع له وهو الأركان،والخصوصيات
الزائدة عليها من الأجزاء والشرائط مستفادة من دال آخر بتعددالدال والمدلول.
وقد يقال كما قيل إن لفظ الصلاة موضوع بإزاء معظم الأجزاء ويدور صدقهمداره وجوداً
وعدماً(19).
ولكن هذا القول لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لأن المراد من وضع لفظالصلاة بإزاء
معظم الأجزاء ليس وضعه بإزاء مفهومه بالحمل الأولي، بداهة أنهليس معنى الصلاة
ومفهومها، وإلا لزم أن يكون لفظ الصلاة مرادفاً للفظ معظمالأجزاء، بل المراد وضعه
بإزاء واقع معظم الأجزاء الذي هو معظم بالحملالشائع، وعلى هذا فإن اُريد بمعظم
الأجزاء خصوص الأركان، فقد تقدم الكلامفيه، وإن اُريد به الأركان منضمة إلى جملة
من الأجزاء أو الشرائط الاُخرى،فيرد عليه أن لازم ذلك تبادل القيود الزائدة على
الأركان المأخوذة في المسمى،بأن يكون شيء واحد داخلاً فيه تارة وخارجاً عنه آخرى،
بل مردداً بين أنيكون هو الخارج أو غيره عند اجتماع تمام الأجزاء والشرائط، ولا
سيما بالنسبةإلى ما عليه العبادات من الاختلاف الفاحش بحسب اختلاف حالات
المكلفينمن السفر والحضر والاختيار والاضطرار ونحو ذلك، كما أنها مختلفة في
أنفسهاباختلاف أصنافها من حيث الكمية والكيفية، وعليه فالأجزاء الزائدة علىالأركان
بما أنها تختلف كماً وكيفاً من الناحيتين المذكورتين، فيلزم من ذلكدخول شيء واحد
في المسمى مرة وخروجه عنه اُخرى، بل عند اجتماع تمامالأجزاء لا تعيين ولا تمييز
بين ما هو الداخل فيه وما هو الخارج عنه، باعتبار أننسبة كل جزء إلى المسمى على حد
سواء، فإذن كون هذا الجزء داخلاً فيه دونآخر ترجيح من دون مرجح.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأن المسمى وهو معظم الأجزاء قداعتبر لا
بشرط بالاضافة إلى الزائدة، ونتيجة ذلك أن قوام المسمى بواقع معظمالأجزاء، وأما
الزائد عليه فهو داخل فيه عند وجوده، وخارج عنه عند عدمه،ولدى اجتماع جميع الأجزاء
والشرائط فالجيمع داخل في المسمى، لا أنه لاتعينللداخل(20).
ولنأخذ بالنقد عليه.
أما أولاً فلأن واقع معظم الأجزاء يختلف كماً وكيفاً باختلاف حالاتالمكلفين، كما
أنه يختلف باختلاف نفس العبادات، لأن معظم الأجزاء في صلاةالصبح غير معظم الأجزاء
في صلاة المغرب مثلاً وهكذا، فإذن لابد من تصويرجامع بين أفراد معظم الأجزاء
المختلفة، ولهذا لا يقاس معظم الأجزاء بالأركان،فإن الأركان في الواقع متعينة
ومحددة في جميع الحالات وبالنسبة إلى تمام أصنافالصلاة، بينما لا يمكن تحديد معظم
الأجزاء كماً وكيفاً.
أدلة القول بالأعم ...
وثانياً إن معنى اللا بشرط هو الاطلاق مقابل التقييد، فإذا اعتبر المسمى لابشرط،
فمعناه أنه اعتبره مطلقاً مقابل تقييده بقيد الذي هو معنى بشرط الشيء،والاطلاق إما
بمعنى عدم التقييد أو بمعنى رفض القيود، وعلى كلا المعنيين أيسواء أكان بالمعنى
الأول كما هو الصحيح أم بالمعنى الثاني كما هو مختارهقدس سره،فلازمه خروج الزائد
عن المسمى وجوداً وعدماً، فلو كان الزائد داخلاً فيه عندوجوده فلازمه تقييد المسمى
به، وهو خلف فرض اعتباره لا بشرط، وعلىالجملة فعلى مسلكهقدس سره من أن الاطلاق هو
رفض القيود لا ينسجم مع افتراضكون الزائد داخلاً في المسمى عند وجوده، فإنه في طرف
المقابل له.
هذا إضافة إلى أن الوضع بإزاء معنى على سبيل البدل غير عرفي.
وإن اُريد به أعم من أن يكون مشتملاً على جميع الأركان أو على بعضها،فيرد عليه أن
معظم أجزاء الصلاة مثلاً إذا لم يكن مشتملاً على تمام أركانها،فلايكون صلاة كما
مرّ.
فالنتيجة أن معظم الأجزاء لا يصلح أن يكون مسمى لاسامي العباداتكالصلاة ونحوها.
أدلة القول بالأعم
قد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: الأخبار البيانية، وهي وردت في تحديد أجزاء الصلاةوقيودها المقومة،
وقد قرب الاستدلال بها السيد الاُستاذقدس سره ببيان أن حديثالتثليث يدل على أن
الصلاة ثلاثة أثلاث: ثلث منها الطهور وثلث منها الركوعوثلث منها السجود، ومقتضى
هذا الحديث حصر حقيقة الصلاة بالمؤلفة منهذه الأجزاء الثلاثة، ولكن لابد من رفع
اليد عنه من هذه الجهة بما دل منالروايات على أن التكبير أيضاً ركن، ونتيجة ذلك أن
أركان الصلاة أربعة:التكبير والركوع والسجود والطهور، وأما الأجزاء الاُخرى غيرها،
فلا تكونمقومة للمسمى(21)، هذا.
وفيه ما تقدم موسعاً من أن روايات التكبير بتمام طوائفها قاصرة عن الدلالةعلى أنه
ركن من أركان الصلاة، هذا مضافاً إلى قصور جملة منها سنداً أيضاً.
وأما حديث لا تعاد فقد مرّ أنه لا يدل على أن الخمسة من الأركان، هذامنناحية.
ومن ناحية اُخرى فقد تقدم أن حديث التثليث وإن دل على أن حقيقة الصلاةثلاثة أثلاث
إلا أنه لا يدل على أنها مسمى الصلاة والموضوع له لها.
الوجه الثاني: التبادر، بتقريب أن المتبادر في الذهن من أسماء العباداتكالصلاة
مثلاً عند إطلاقها هو المعنى الأعم.
وقد يورد عليه بأن المتبادر والمنسبق منها عند الاطلاق في زماننا هذا وإنكان هو
المعنى الأعم إلا أنه لا يكشف عن وضعها بإزائه في زمن الشارع، لاحتمالأنها كانت
موضوعة بإزاء الصحيح في ذلك الزمن ولكنها نقلت عنه إلى المعنىالأعم من جهة كثرة
استعمالها فيه عند المتشرعة، ولا دليل على أصالة عدمالنقل، فإن هذه الأصالة إنما
تكون حجة من باب الظهور، ولا ظهور لها فيعدمالنقل(22).
والجواب: أن تبادر المعنى الأعم وانسباقه عند المتشرعة من إطلاقاتالكتاب والسنة
فعلاً، كاشف إناً عن وصوله إليهم كذلك يداً بيد وطبقة بعد طبقةمن زمن الشارع، على
أساس أن المتشرعة تتبع الشارع في استعمالات ألفاظالعبادات في الكتاب والسنة، فإذا
فرضنا أن ألفاظ العبادات موضوعة للأعم فيزمن الشارع بالوضع التعييني أو التعيّني
على تفصيل تقدم ومستعملة فيالنصوص التشريعية فيه، فلا يمكن مخالفة المتشرعة للشارع
في ذلك، فإنالمتشرعة الموجودين في زمان الرسولصلى الله عليه وآله والأئمة
الأطهارعليهم السلام يستعملونتلك الألفاظ في الكتاب والسنة في نفس المعنى الذي
استعملها الرسولصلى الله عليه وآله فيهوالأئمة الأطهارعليهم السلام، وكذلك الحال
في الطبقة بعد هذه الطبقة، لأن كل طبقة تتبعفي ذلك الطبقة المتقدمة، باعتبار أنهم
أقرب إلى زمان المعصومينعليهم السلام وهكذا،واحتمال النقل من المتشرعة بعيد جداً
وغير محتمل عادة.
وأما التوسع في الاطلاقات عند المتشرعة، بأن تستعمل ألفاظ العبادات فيالأعم مع
أنها موضوعة للصحيح، فهو لا يقتضي النقل، إذ يمكن إشباعهذاالتوسع بالاستعمال
المجازي، حيث إن باب المجاز واسع، فلا تصل النوبةإلىالنقل.
وبكلمة، إن التوسع في الاطلاقات والاستعمالات إنما هو من جهة توسعالحاجة إليها،
ومن الواضح أنه يمكن إشباع هذه الحاجة بالاستعمال والاطلاقالمجازى، ولا ضرورة
للنقل والوضع الجديد بل لا مبرر له.
ولكن قد يتوهم أن توسع الاطلاق والاستعمال المجازي من جهة توسعالحاجة قد يؤدي في
نهاية المطاف إلى تحقق الوضع التعيّني، بتقريب أن ألفاظالعبادات لو كانت موضوعة
بإزاء المعنى الصحيح في زمان الشارع ولكن توسعالحاجة تطلب الاستعمال في الأعم
مجازاً بواسطة القرينة، فإذا كثر هذه الاستعمالوتوسع بمرور الأيام والأزمان عند
المتشرعة من جهة توسع الحاجة وأدّى فينهاية الشوط إلى حصول العلاقة بين ذاتها وبين
المعنى المجازي، بحيث ينتقلالذهن إليه عند إطلاقها مجردة عن القرينة وسماعها، فقد
تحقق الوضع التعينيللأعم، فإذن يكون المتبادر فعلاً من ألفاظ العبادات كالصلاة
ونحوها في الكتابوالسنة عند المتشرعة وإن كان هو المعنى الأعم، ولكن لا يمكن أن
يستكشف منذلك وضعها للأعم في زمن الشارع، إذ كما يمكن ذلك أن يكون منشؤه
حصولالوضع التعيّني من كثرة الاستعمال بين المتشرعة رغم أنها موضوعة للصحيح فيزمن
الشارع، ولا معين للاحتمال الأول.
والجواب أن هذا التوهم لا أساس له، لأنه مبني على أن توسع الحاجة إلىاستعمال ألفاظ
العبادات في الأعم كان يصل من الكثرة بدرجة يصبح استعمالها فيالصحيح نادراً، ولكن
الأمر ليس كذلك جزماً، فإنها لو كانت موضوعة بإزاءالصحيح كانت مستعملة فيه عند
المتشرعة غالباً، والحاجة إلى استعمالها فيالأعم وإن كانت تتفق في غير مورد، إلا
أن توسعها ليس بدرجة يتطلب كثرةالاستعمال فيه بنحو توجب حصول العلاقة بينه وبين
ألفاظ العبادات تعيّناً.
الوجه الثالث: قوله عليه السلام: »دعيالصلاة أيام أقرائك«(23) بتقريب أن
صلاةالحائض بما أنها فاقدة للطهارة من الحدث فهي فاسدة، ومع ذلك اُطلقعليهالفظ
»الصلاة«، وظاهر الاطلاق أنه حقيقي، إذ لو كان مجازياً كانبحاجةإلى قرينة.
ويرد عليه أولاً: أن الاطلاق أعم من الحقيقة ولا يدل عليها.
وثانياً: أن هذا النهي ليس نهياً حقيقياً، بل هو نهي إرشادي، ويكون مفادهالارشاد
إلى مانعية حدث الحيض عن الصلاة، ولهذا تكون حرمتها عليها حرمةتشريعية لا ذاتية،
وعليه فبطبيعة الحال يكون المراد من الصلاة المنهي عنها هوخصوص الصلاة الصحيحة،
بقرينة أن حدث الحيض مانع عنها دون الفاسدة.
أو فقل: إنالنهي في المقام إنما هو عن الصلاة التي كانت الحائض موظفةبالأتيان بها
بقطعالنظر عن طروءالحيض عليها لا الصلاة التي لم تكن موظفة بها.
قد يقال كما قيل: إن حمل النهي في الرواية على الارشاد إلى عدم قدرةالحائض على
الصلاة عن طهارة في حال الحيض لغو، لفرض عدم قدرة الحائضعليها في هذه الحالة(24).
والجواب: أن مفاد الجملة الانشائية الناهية في الرواية هو الارشاد إلى أنالشارع
جعل حدث الحيض مانعاً عن الصلاة، فتكون الرواية في مقام جعلالمانعية لا في مقام
النهي عن الصلاة، كما هو الحال في سائر النواهي في بابالعبادات، كالنهي عن الصلاة
في الحرير والذهب والميتة وغير ذلك، فإنه ظاهرفي الارشاد إلى مانعية هذه الاُمور عن
الصلاة، ولا يمكن حمله على النهيالمولوي، ومن هنا قلنا إن ظهور النهي في المولوية
ينقلب في باب العباداتكالصلاة ونحوها إلى ظهوره في الارشاد إلى المانعية، كما أن
ظهور الأمر في هذاالباب ينقلب عن المولوية إلى ظهوره في الارشاد إلى الجزئية أو
الشرطية، فإذنلا يكون نهي الحائض عن الصلاة في حال الحيض نهياً تكليفياً لكي
يستلزمالتكليف بالمحال.
الوجه الرابع: صحة تقسيم أسامي العبادات بما لها من المعاني إلى الصحيحةوالفاسدة،
وهي تدل على صحة إطلاقها على المقسم وهو الجامع بينهما، وظاهرالاطلاق هو الاطلاق
الحقيقي.
والجواب: أنها لا تدل على أكثر من صحة استعمالها في الأعم، وهي أعممنالحقيقة ولا
تدل عليها.
الوجه الخامس: ما ورد في الروايات الكثيرة من التعبير بالاعادة في مواردالاخلال
بالصلاة جزءاً أو شرطاً، بتقريب أن كلمة »الاعادة« تدل بالالتزامعلى وجود الصلاة
المفروغ عنها في الخارج، وحيث إنها كانت فاسدة فتجبإعادتها مرة ثانية، وهذا لا
يمكن إلا على القول بالأعم.
والجواب: أن هذه الروايات لا تدل على أكثر من صحة إطلاق الصلاة علىالصلاة الفاسدة،
والمفروض أنها أعم من الحقيقة.
الوجه السادس: ما تقدم في مسألة الحقيقة الشرعية من أن فيهاأربعةاحتمالات:
الأول: أن تكون أسامي العبادات حقائق لغوية وموضوعة بإزاء هذه المعانيقبل الاسلام.
الثاني: أن تكون حقائق شرعية بالوضع التعيّني.
الثالث: أن تكون حقائق شرعية بالوضع التعييني الاستعمالي.
الرابع: أن تكون حقائق متشرعية لا شرعية .
أما على الاحتمال الأول، فلا شبهة في أنها موضوعة للأعم، وهوالجامع بينالعبادات ما
قبل الاسلام والعبادات ما بعده، على أساس أن الشارع قد اعتبرفيها من الأجزاءالقيود
غيرالمقومة التي لم تكن معتبرة فيها قبل الاسلام كما تقدم.
وأما على الاحتمال الثاني، فالظاهر أنها موضوعة بالوضع التعيّني للأعمأيضاً، وذلك
لما تقدم من أن كثرة استعمالها في المعاني الشرعية في لسان الشارعوالمتشرعة من
الصحابة والتابعين تكون بدرجة تؤدي إلى الوضع التعيّني لهاواتصافها بالمنبه الشرطي،
هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، الظاهر أن هذا الاستعمال من الشارع في نصوص الكتابوالسنة كان في
الأعم وتكشف عن ذلك شيوع الاستعمال في الأعم عندالمتشرعة، إذ احتمال أنهم قاموا
بوضعها للأعم تعييناً أو تعيّناً بعيد جداً، فإنالظاهر أنهم تابعون لنصوص الكتاب
والسنة في الاستعمال، فلوكانت مستعملةفي تلك النصوص في الصحيح، فمن المستبعد جداً
أن يكون استعمال المتشرعةعلى خلافها، واحتمال أن توسع الحاجة قد دعاهم إلى
الاستعمال في الأعم رغمأنها كانت مستعملة في زمن الشارع في الصحيح ضعيف جداً، إذ
لو كان الأمركذلك لنبهوا على هذه المخالفة، مع أنه كان بإمكانهم إشباع هذه
الحاجةبالاستعمال المجازي، هذا إضافة إلى ما تقدم آنفاً من أن الحاجة إلى الاستعمال
فيالأعم ليست بدرجة تتطلب كثرة الاستعمال فيه بنحو توجب الوضع التعيّني.
وأما على الاحتمال الثالث فليس لنا طريق إلى إحراز الوضع التعيينيالاستعمالي من
قبل الشارع للصحيح، وأما للأعم فيمكن ذلك بوجهين:
الأول: أنه لا شبهة في أن المتشرعة كانوا يستعملون أسامي العبادات فيالأعم بدون
عناية، بمعنى أن استعمالها في الصحيح كاستعمالها في الفاسد على حدسواء، وهذا يكشف
عن الوضع للأعم وأن استعمالها في كل من الصحيح والفاسدإنما هو باعتبار مصداقيته له،
إذ احتمال تخلف المتشرعة عما صنعه الشارع منالوضع غير محتمل عادة، فإنهم بصفة
كونهم تابعين له في العباداتوالمعاملات، فلا يمكن مخالفتهم معه في ذلك، وفي حالة
توسع الحاجة،فبإمكانهم إشباعها بالاستعمال المجازي.
هذا إضافة إلى أن طريقة العقلاء في المركبات الاعتبارية هي الوضع للأعممنالتام
والناقص.
الثاني: أن تدريجية بيان أجزاء العبادات كالصلاة ونحوها تقتضي الوضعللأعم، بمعنى
أن ألفاظ العبادات موضوعة للمعنى الجامع القابل للأنطباق على ماهو موجود في زمن
النبي الأكرمصلى الله عليه وآله من الأجزاء والشرائط وعلى ما زاد عليه فيالمستقبل
على حد سواء، لأن الوضع بإزاء مفهوم الصحيح الذي هو صحيحبالحمل الأولي غير محتمل،
وأما الوضع بإزاء واقع الصحيح الذي هو صحيحبالحمل الشائع وهو الأجزاء والشرائط
التي لم تعرف بعد ومبهمة، فلا ينسجم معالغرض من الوضع وهو التفهيم والتفهم، وأما
الوضع بإزاء خصوص المبين منالأجزاء والشرائط فعلاً، فهو لا يمكن أن يظل محفوظاً في
المستقبل، فلا محالةيتغير كماً وكيفياً ببيان الأجزاء والشرائط الاُخرى فيما بعد.
أدلة القول بالوضع للصحيح ...
ولكن لا يخفى أن هذا الوجه لا يصلح لترجيح الوضع للأعم على الوضعللصحيح، لأن الوضع
سواء أكان للأعم أو الصحيح، فلابد أن يكون للجامعالمنطبق على الأجزاء والشرائط
الموجودتين في صدر الاسلام فقط وعلىالمشتملتين على ما زاد عليهما في المستقبل على
السواء، غاية الأمر أن الصحيحييدعي أن الجامع المذكور ينطبق على التجمع من الأجزاء
والشرائط الموجودتينفي صدر الاسلام الواجد للحيثية المطلوبة منه فعلاً وعلى
المشتمل على ما زادعليهما في الآتي على حد سواء، والاعمي يدعي أن الجامع المزبور
ينطبق علىالتجمع المذكور الموجود في صدر الاسلام الواجد للحيثية المطلوبة منه
اقتضاءوعلى المشتمل على ما زاد في المستقبل على حد سواء، فالنتيجة أن هذا الوجه
لايصلح أن يكون دليلاً على الوضع للأعم فالعمدة هي الوجه الأول.
وأما على الاحتمال الرابع، فالظاهر أنه لا شبهة في حصول الوضع التعيّنيللعبادات في
الأعم من كثرة استعمال ألفاظها فيه عند المتشرعة، وحيث إن هذاالوضع حاصل من كثرة
الاستعمال لديهم فالحقيقة متشرعية، والدليل على ذلكأن إطلاق لفظ »الصلاة« على
الصلاة الفاسدة كإطلاقها على الصلاةالصحيحة، على حد سواء، وهذا قرينة على الوضع
للأعم وأن إطلاق لفظ»الصلاة« على كل منهما إنما هو باعتبار أنه مصداق له، إذ لو كان
موضوعاًلخصوص الصحيحة كان إطلاقه على الفاسدة مجازاً، مع أن الأمر ليس كذلك،ولهذا
لا فرق بين الاطلاقين في عدم الاحتياج إلى عناية زائدة وقرينة صارفة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن القول بالوضع للأعمهوالصحيح دون
غيره.
أدلة القول بالوضع للصحيح
الأول: التمسك بالنصوص الواردة في الكتاب والسنة.
أما في الكتاب فبقوله تعالى: »إنّ الصَّلاةَ تَنْهى عَنِ الْفَحْشاءِ
وَالْمُنْكَر«(25)،وأما في السنة فبروايات كثيرة منها قولهعليه السلام: »الصلاة
قربان كل تقي«(26)ومنها: »الصلاة عماد الدين«(27) ومنها: »الصلاة معراج
المؤمن«(28).
وتقريب الاستدلال بها أن هذه النصوص تدل على أن »الصلاة« اسم للعبادةالتي تكون لها
هذه الآثار، وأما إذا لم تكن لها تلك الآثار، فهي ليست بصلاةحقيقة، لا أنها صلاة
فاسدة.
والجواب: أن هذه النصوص وإن كانت تدل على أن الصلاة التي لها هذهالآثار صلاة صحيحة
إلا أنها لا تدل على أن ما لا يترتب عليه هذه الآثار، فهوليس بصلاة، لأن خروج
الصلاة الفاسدة عن هذه النصوص كما يحتمل أن يكونبالتخصيص يحتمل أن يكون بالتخصص،
فعلى الاحتمال الأول فهي لا تدل علىالوضع للصحيح، بل تدل على العكس، وعلى الاحتمال
الثاني فتدل على الوضعللصحيح، وحيث إنه لا ظهور لها في نفسها لا في الاحتمال الأول
ولا في الاحتمالالثاني، فلا تدل على أن لفظ »الصلاة« موضوع بإزاء الصحيح.
وبكملة، إن غاية ما في هذه النصوص هو استعمال لفظ »الصلاة« فيالصحيحة، وهو أعم من
الحقيقة، ولا يدل عليها إلا على القول بحجية أصالةالحقيقة من باب التعبد، ولا دليل
عليه، فإذن الاحتمالات الموجودة فيها ثلاثة:
الأول: أن يكون هذا الاطلاق حقيقياً.
الثاني: أن يكون مجازياً.
الثالث: أن يكون من باب التطبيق بتعدد الدال والمدلول، بأن تكون الصلاةمستعملة في
الأعم، وتطبيقها على الصحيحة يكون بدال آخر.
فإرادة الاحتمال الأول بحاجة إلى قرينة، ولا قرينة في البين، فالنتيجة أنه لايمكن
الاستدلال بالنصوص المذكورة على القول بالصحيح.
الثاني: أن المتبادر والمنسبق من لفظ »الصلاة« عند إطلاقه هوالصلاةالصحيحة دون
الأعم، فإذا قيل »فلان صلى« يفهم منه أنه أتى بصلاةصحيحة وهكذا.
والجواب: أن هذا التبادر وإن كان موجوداً إلا أنه غير مستند إلى اللفظ حتىيكون
علامة على الوضع، بل هو مستند إلى قرينة حالية وهي أن حال كلمكلف في مقام الامتثال
تتطلب الاتيان بما هو وظيفته الشرعية بشكل مبرىءللذمة، وعلى هذا فالمتبادر من مثل
قولك »فلان صلى« أو »يصلي« أو مثلقولنا »صليت« أو »صلى« وإن كان الصلاة الصحيحة
إلا أنه ليس من ذاتاللفظ، بل بضميمة القرينة الخارجية وهي حال المكلف في مقام
الامتثال وإبراءالذمة.
الثالث: أن الطريقة العقلائية للمخترعين في المركبات الاعتبارية هي وضعهاللصحيح دون
الأعم، وحيث إنه لم يظهر من الشارع في المركبات الشرعية طريقآخر للوضع فيه،
فلامحالة يتبع هذه الطريقة.
والجواب أولاً: الظاهر أن الطريقة المتبعة عند العقلاء للمخترعين فيالمركبات
الاختراعية الاعتبارية هي الوضع للأعم إلا في المركبات التي تكونأجزاؤها محددة من
طرفي الزيادة والنقيصة كمراتب الأعداد أو ما شاكلها، وأماالمركبات التي لا تكون
أجزاؤها محددة من طرف الزيادة، فهي موضوعة للأعمبأصنافها المختلفة.
وثانياً: أن الطريقة المتبعة إن كانت ارتكازية عند العرف والعقلاء وناشئة منأعماق
نفوسهم وموافقة للفطرة والجبلة، فحينئذ إذا لم يصدر من الشارع ردععنها، كان ذلك
كاشفاً عن إمضائه لها وموافقته بها، وأما إذا لم تكن كذلك كما هوالحال في المقام،
فإن مجرد أن طريقة المخترعين عند العقلاء هو وضع أساميالمركبات للصحيحة، فلا دليل
على حجيتها ولا تكشف عن موافقة الشارع لها.
فالنتيجة أن مجرد ثبوت هذه الطريقة عند العقلاء لا يكشف عن اتباع الشارعلها في وضع
أسماء العبادات.
الرابع: ما دل على نفي الصلاة عن الفاقد كقولهعليه السلام: »لا صلاة إلا
بفاتحةالكتاب«(29) أو ما شاكله، فإنه يدل على الوضع للصحيح، وإلا فلا معنى
لنفيالصلاة عن الفاقدة لفاتحة الكتاب.
والجواب: أن لسان الحديث هو الارشاد إلى جزئية فاتحة الكتاب وبياناعتبارها فيما هو
وظيفة المكلف من الصلاة في مقام الأداء والامتثال لا في مقامالتسمية، أو فقل: إن
محتملات هذا الحديث ثلاثة:
الأول: أن يكون الخبر المقدر لكلمة »لا« فيه »حقيقة«.
الثاني: أن يكون »صحيحة«.
الثالث: أى يكون »واجبة«.
ثمرة النزاع الصحيحي والاعمي ...
وهذه الجملة في نفسها ظاهرة في الاحتمال الأول، ويكون مفادها على هذاالاحتمال ركنية
فاتحة الكتاب للصلاة وانتفاؤها، ولكن لابد من رفع اليد عن هذاالظهور بروايات اُخرى
التي تدل على أن فاتحة الكتاب ليست بركن، منهاحديث »لا تعاد«، وعليه فتكون الجملة
في مقام بيان جزئية فاتحة الكتابللصلاة المطلوبة من المكلف، فإذن لا محالة يكون
الخبر المقدر في تلك الجملة»صحيحة« بلحاظ أنها في مقام بيان جزئية الفاتحة للصلاة
التي تكون وظيفةالمكلف الاتيان بها في مقام الامتثال لا في مقام بيان المسمى لهما.
إلى هنا قد تبين أنه لا دليل على القول بأن أسامي العبادات موضوعةللصحيحة.
ثمرة النزاع بين القولين
المهم ثمرتان:
الاُولى: أن الأعمي يتمسك بأصالة البراءة في موارد الشك في الأجزاءوالشرائط،
والصحيحي يتمسك بقاعدة الاشتغال والاحتياط في تلك الموارد.
وهذه الثمرة ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: أن يكون المسمى جامعاً بسيطاً على القول بالصحيح، وجامعاً مركباًعلى القول
بالأعم.
الثانية: أن تكون نسبة الجامع بسيطاً إلى الأفراد الصحيحة نسبة المسبب إلىالسبب
والمعلول إلى العلة، لا نسبة الطبيعي إلى أفراده ومصاديقه.
فإذا تمت هاتان الركيزتان تظهر الثمرة بين القولين في المسألة، أما على
القولبالأعم، فلأن المسألة حينئذ تصبح من إحدى صغريات كبرى مسألة الأقلوالأكثر
الارتباطيين، وقد ذكرنا هناك أن الصحيح في تلك المسألة هو الرجوعإلى أصالة
البراءة، لانحلال العلم الاجمالي فيها إلى علم تفصيلي بالأقل وشكبدوي في التقييد
الزائد، والمرجع فيه البراءة على تفصيل مذكور هناك، وأما علىالقول بالصحيح، فالشك
في جزئية شيء أو شرطية آخر يرجع إلى الشك فيالمحصل للواجب، وهو الجامع البسيط،
والمرجع فيه قاعدة الاشتغالوالاحتياط، فإذا شك في جزئية السورة للصلاة مثلاً،
فالشك إنما في جزئيتهاللمحصل، حيث إن الصلاة المركبة من الأجزاء الخارجية المقيدة
بقيود كذلك،محصلة للمأمور به الذي هو أمر بسيط ومسبب عنها، لا أنها نفسها مأمور
بها،فإذا كان الشك في المحصل، فالمرجع فيه قاعدة الاشتغال.
ولكن كلتا الركيزتين خاطئة ولا واقع موضوعي لها، أما الركيزة الاُولى فيردعليها ما
تقدم من أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفراد الصحيحة، لامن الذاتي باب
الكليات ولا من باب البرهان.
وأما الركيزة الثانية، فعلى تقدير تسليم وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفرادالصحيحة،
إلا أن نسبته إلى الأفراد في الخارج ليست نسبة المسبب إلى السببوالمعلول إلى
العلة، بل نسبة الطبيعي إلى أفراده، وعلى هذا فالشك في جزيئةشيء أو شرطية آخر لا
يرجع إلى الشك في المحصل ليكون المرجع فيه قاعدةالاشتغال، على أساس أن الطبيعي عين
الفرد في الخارج، فالشك في جزئية شيءللفرد في الخارج بعينه هو الشك في جزئيته
للطبيعي الذي هو المأمور به، فإذا كانالشك في جزء المأمور به أو شرطه، فالمرجع فيه
قاعدة البراءة.
ولا فرق في ذلك بين الجامع الذي استكشفه المحقق الخراسانيقدس سره بين
الأفرادالصحيحة من جهة تطبيق قاعدة فلسفية عليها، وهي أن »الواحد لا يصدر إلامن
واحد« والجامع الذي حاول المحقق الأصبهانيقدس سره تصويره بينها بمعرفيةبعض
العناوين غير المنفكة عنها كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر، والجامعالذي ذكره
المحقق العراقيقدس سره.
أما على الأول، فلأن الجامع الذاتي المستكشف بالقاعدة عين الأفراد فيالخارج، وعليه
فالشك في جزئية شيء للفرد أو شرطية آخر له بعينه هو الشكفي جزئيته للمأمور به أو
شرطيته له، ولا يكون من موارد الشك في المحصل،فإذن يكون المرجع فيه أصالة البراءة
بناء على ما هو الصحيح من جريانها فيمسألة الأقل والأكثر الارتباطيين.
وبكلمة، إن الطبيعي الجامع عين أفراده خارجاً ومتحد معها عيناً، فالأمرالمتعلق به
متعلق بالأجزاء مع شرائطها، سواء فيه القول بأن متعلق الأوامرالطبائع أم القول بأن
متعلقها الأفراد، أما على الثاني فهو واضح، وأما على الأولفلاتحاد الطبيعي معها
خارجاً، غاية الأمر أن الخصوصيات الفردية العرضيةغير دخيلة في ذلك، فعلى كلا
القولين يرجع الشك في اعتبار شيء جزءاً أوشرطاً إلى الشك في إطلاق المأمور به
وتقييده، لا إلى أمر خارج عن دائرةالمأمور به، فبناء على ما هو الصحيح من جريان
البراءة في مسألة الأقل والأكثرالارتباطيين، كان المرجع في المقام البراءة عن
التقييد الزائد المشكوك فيه.
أما على الثاني فهو واضح، لأن الجامع على هذا القول بما أنه جامع عنواني لاذاتى،
فلا وجود له في الخارج لكي يكون ذلك متعلق الأمر، لأن الموجود فيهواقعاً إنما هو
منشأ انتزاعه، وعليه فالأمر في الحقيقة متعلق به، وهو في المقامنفس الأجزاء
والشرائط، وأخذ ذلك الأمر الانتزاعي في لسان الدليل إنما هولأجل الاشارة إلى ما هو
متعلق الأمر في القضية، وعلى هذا فالشك في اعتبارشيء جزءاً أو قيداً يرجع إلى الشك
في تقييد المأمور به بقيد زائد على المقدارالمتيقّن، فالمرجع فيه أصالة البراءة دون
قاعدة الاشتغال.
وأما على الثالث فلأن الجامع بين الأفراد الصحيحة جامع تشكيكي يصدقعلى جميع مراتب
الصلاة من المرتبة العليا إلى المرتبة الدنيا، فإن اختلاف مراتبالصلاة من حيث
الأجزاء والشرائط يؤدي إلى سعة ذلك الجامع وضيقه، علىأساس أن ذلك الجامع البسيط
الذي هو ذو مراتب تشكيكية كل مرتبة منهمتحدة مع مرتبة من مراتب الصلاة خارجاً،
ونسبتها إليها نسبة الطبيعي إلىالفرد لا نسبة المسبب إلى السبب، بأن يكون هناك
وجودان أحدهما مسببوالآخر سبب، بل وجود واحد وله إضافتان، إحداهما إلى الفرد بحده
الفردي،والاُخرى إلى الجامع بحده الجامعي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن موارد الشك في الجزئيةأو الشرطية
على القول بالصحيح ليست من موارد الشك في المحصل للمأمور بهخارجاً لكي يكون المرجع
فيه قاعدة الاشتغال والاحتياط.
وأما على القول بأن الجامع بين الأفراد الصحيحة مركب، فلا يعقل أن يكونذلك الجامع
المركب مسبباً عن الأفراد الخارجية، لأنه عين الأجزاء والشرائط،فالأجزاء المقيدة
بالشرائط بأنفسها متعلقة للأمر، ووحدتها ليست وحدةحقيقية، بل وحدة اعتبارية، بداهة
أنه لا تحصل من ضم ماهية الركوع إلىماهية السجود ماهية ثالثة مباينة لماهيتهما،
وعليه فلا مانع من الرجوع إلىأصالة البراءة عند الشك في اعتبار شيء زائد على
المقدار المعلوم، بناء على ما هوالصحيح من جريانها في مسألة دوران الواجب بين الأقل
والأكثر الإرتباطيين،نعم بناء على القول بعدم انحلال العلم الاجمالي في تلك
المسألة، فالمرجعفيهاقاعدة الاشتغال.
إلى هنا قد تبين أنه لا تظهر الثمرة بين القولين في المسألة، وأن المرجع على
كلاالقولين فيها قاعدة البراءة دون الاشتغال.
ولكن خالف في ذلك المحقق النائينيقدس سره وقال بظهور هذه الثمرة بين القولين
فيالمسألة، فعلى القول بالصحيح لا مناص من الرجوع إلى قاعدة الاشتغال، وعلىالقول
بالأعم إلى قاعدة البراءة، وقد أفاد في وجه ذلك بما يلي:
أما على القول بالصحيح، فلأن تصوير الجامع بين الأفراد الصحيحة لا يمكنإلا بتقييد
المسمى بعنوان بسيط خاص، إما من ناحية علل الأحكام كعنوانالمحصل للملاك أو من
ناحية معلولاتها كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر أونحو ذلك، وهذا العنوان خارج عن
المأتي به في الخارج ومأخوذ في المأمور به،وعليه فالشك في اعتبار شيء فيه جزءاً أو
شرطاً لا محالة يوجب الشك فيحصول العنوان المذكور بدون ذلك الشيء المشكوك فيه،
وهذا من الشك فيالمحصل، والمرجع فيه قاعدة الاشتغال(30).
وقد اعترض عليه السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن الجامع على القول بالصحيحينطبق
على نفس الأجزاء والشرائط انطباق الكلي على فرده، ولهذا يكون الشكفي اعتبار شيء
جزءاً أو شرطاً في المقام من صغريات كبرى دوران الأمر بينالاقل والأكثر
الارتباطين، فبناء على ما هو الصحيح فيه من انحلال العلمالاجمالي، فالمرجع قاعدة
البراءة هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ما ذكرهقدس سره من أنه على القول بالصحيح لابد من تقييدالمسمى
بعنوان بسيط إما من ناحية علل الأحكام أو معلولاتها، مبني على الخلطبين الصحة
الفعلية التي تنتزع من انطباق المأمور به على الفرد الماتي به في الخارجوالصحة
بمعنى التمامية التي هي مأخوذة في المسمى، فالحاجة إلى التقييد إنماتكون فيما إذا
كان النزاع بين الصحيحي والأعمي في أخذ الصحة الفعلية فيالمسمى وعدم أخذها فيه،
فإنه على هذا لابد للصحيحي من تقييده بعنوانخاص كعنوان الناهي عن الفحشاء والمنكر
أو المحصل للغرض، ولكن قدتقدمأنه لا يعقل أخذها في المأمور به فضلاً عن المسمى،
فلا تكون الصحة بهذاالمعنى مورداً للنزاع(31).
ولنا في المقام تعليقان:
الأول: على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من الاعتراض.
الثانى: على ما ذكره المحقق النائينيقدس سره.
أما الأول فلأنه لا ملازمة بين تقييد المسمى بعنوان الناهي عن الفحشاءوالمنكر أو
المحصل للغرض وكون مورد النزاع أخذ الصحة الفعلية في المسمى،لكي يقال إن أخذها فيه
غير معقول، لتأخرها عن وجود المسمى في الخارجفضلاً عن ماهيته، وذلك لما ذكرناه
سابقاً من أن معنى الصحة ليس هو التمامية،كما أنها ليست مرادفة لعنوان الناهي عن
الفحشاء والمنكر، وقد تقدم تفصيلذلك بشكل موسع، بل هي عبارة عن وجدان المأمور به
للحيثية المطلوبة منه.
وبكلمة: إن عنوان الناهي إنما اُخذ لمجرد المعرفية والطريقية المحضة للصلاةالواجدة
للحيثية المطلوبة منها، كحيثية إسقاط القضاء والاعادة وموافقةالشريعة وحصول الغرض،
ومن الواضح أن الصلاة الواجدة للحيثية المطلوبةهي الصلاة التامة لا محالة، ضرورة
أنها واجدة لها دون الناقصة، ولكن اتصافهابالصحة إنما هو بلحاظ وجدانها لتلك
الحيثية لا بلحاظ تماميتها فحسب، وقدعرفتم أن هذا هو معنى الصحة في المقام لا مجرد
التمامية، فالعنوان المذكور عنوانللمسمى الواجد للحيثية المطلوبة، لا أنه عنوان
للموجود الخارجي المتصفبالصحة الفعلية، فأخذه في المسمى معناه أخذ الحيثية
المطلوبة منه فيه، لا معناهأخذ الصحة الفعلية فيه التي هي منتزعة من انطباق
المأمور به على الفرد المأتي بهفي الخارج، لكي يقال إن أخذها فيه غير معقول،
فتقييد المسمى بعنوان الناهيلا يستلزم أن يكون النزاع في أخذ الصحة الفعلية فيه
كما مرّ، وعلى هذا فالصحةالفعلية لا يمكن أخذها في المسمى.
وأما الصحة بمعنى وجدان المسمى للحيثية المطلوبة منه فلا، مانع من أخذهافيه، غاية
الأمر أن الصحيحي يدعي أن المأخوذ فيه وجدانه للحيثية المطلوبةمنه فعلاً، والأعمي
يدعي أن المأخوذ فيه وجدانه للحيثية المطلوبة منه شأناًواقتضاء لا فعلاً.
وأما الثاني فلأن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من ظهور الثمرة بين القولين
فيالمسألة لا يتم، وذلك لأن عنوان الناهي كما تقدم عنوان انتزاعي صرف مشيرإلى
المسمى ومعرف له، وليس له واقع موضوعي في الخارج في مقابل المسمى،ولا وجود له في
الخارج إلا بوجود المسمى الواجد للحيثية المطلوبة، فإذن لايرجع الشك في جزئية شيء
أو شرطية آخر إلى الشك في المحصل لكي يكونالمرجع فيه قاعدة الاشتغال، لأن الشك فيه
إنما يكون في المحصل إذا كان العنوانالمذكور قيداً زائداً على المسمى في الخارج لا
مجرد كونه عنواناً معرفاً له،والمفروض أنه ليس قيداً زائداً عليه.
ودعوى أن عنوان الناهي عن الفحشاء وإن كان عنواناً انتزاعياً صرفا وليسله ما بإزاء
في الخارج إلا أن منشأ انتزاعه ليس ذات المسمى بما هو، لوضوح أنهإنما ينتزع عنه
بلحاظ تلبسه بخصوصية ما، وهي كونه واجداً للحيثية المطلوبةمنه فعلاً، وعلى هذا فإذا
شك في اعتبار شيء فيه، فبطبيعة الحال يرجع إلى الشكفي أنه دخيل في اتصافه بتلك
الحيثية أو لا، ومعه لا يمكن التمسك بالبراءة،
مدفوعة بأن مرجع الشك في جزئية شيء أو شرطية آخر إلى الشك في أنهدخيل شرعاً جزءاً
أو شرطاً في وجدان سائر الأجزاء والشرائط للحيثيةالمطلوبة منهما فعلاً أو لا، وفي
مثل ذلك لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عندخالته فيه، وبالتالي عن جزئيته أو
شرطيته.
وإن شئت قلت: حيث إن مرد هذا الشك إلى الشك في أن وجدان سائرالأجزاء والشرائط
للحيثية المطلوبة منهما، هل هو مقيد ومشروط بهذا الشيءالمشكوك فيه جزءاً أو شرطاً،
فلا مانع من الرجوع إلى إصالة البراءة عن هذاالتقييد الزائد بناء على ما هو الصحيح
من جريان الأصالة في دوران الأمر بينالأقل والأكثر الارتباطيين.
الثمرة الثانية: ذكر جماعة من الاُصوليين منهم المحقق الخراسانىقدس سره أنه
يجوزالتمسك باطلاقات الكتاب والسنة على القول بالأعم عند الشك في اعتبار شيءجزءاً
أو شرطاً، ولا يجوز التمسك بها على القول بالصحيح، بل لابد فيه منالرجوع إلى
الاُصول العملية(32).
بيان ذلك أن التمسك بالاطلاق من الكتاب والسنة وغيرهما يتوقف علىتمامية مقدمات
الحكمة، وهي:
الاُولى: أن يكون الحكم في القضية وارداً على الجامع بين الأفراد والحصصلا على حصة
خاصة أو فرد مخصوص.
الثانية: إحراز أن المتكلم في مقام البيان ولو بأصل عقلائي لا في مقام
الاهمالوالاجمال، ويكفي في إثبات هذه المقدمة ظهور حال المتكلم في ذلك.
الثالثة: إحراز أنه لم ينصب قرينة على التعيين والتقييد.
فإذا تمت هذه المقدمات في مقام الاثبات ثبت الاطلاق فيه، وبه يكشف عنالاطلاق في
مقام الثبوت وأن مراده الاستعمالي مطابق لمراده الجدي، وحينئذفإذا شك في دخل شيء
جزءاً أو شرطاً في المأمور به، فلا مانع من التمسكبإطلاقه لدفع ما شك في اعتباره
فيه، على أساس أنه شك في اعتبار أمر زائد علىصدقه، ومعه لا مانع من التمسك
بالاطلاق.
وحيث إن هذه المقدمات تامة على القول بالأعم، فلا مانع من التمسكبالاطلاق فيه عند
الشك في اعتبار شيء جزءاً أو قيداً، باعتبار أنه شك في أمرزائد على صدق طبيعي
المطلق فيدفع باطلاقه. وهذا بخلاف القول بالوضعللصحيح، فإن المقدمة الاُولى التي
هي مقدمة رئيسية من تلك المقدمات الثلاثغير متوفرة على هذا القول، فإن الحكم فيه
لم يرد على الجامع بين الصحيحةوالفاسدة، وإنما ورد على حصة خاصة منه، وهي خصوص
الصحيحة المتقومةبوجدانها لجميع الأجزاء والشرائط، ولو شك عند ئذ في جزيئة شيء أو
شرطيةآخر لها، فلا محالة يرجع الشك إلى الشك في صدقها على الفاقد للمشكوك
فيه،لاحتمال دخله في المسمى، ومعه لا يمكن التمسك بالاطلاق.
والخلاصة أن الشك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً على هذا القول مساوقللشك في صدق
المسمى، لأنه إن كان جزءاً أو شرطاً له في الواقع فهو داخل فيه،وإلا فهو خارج عنه،
وحيث إنا لا نعلم بذلك، فيكون صدقه على الفاقد لهمشكوكاً فيه، ومعه لا مجال للتمسك
بأصالة الاطلاق.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهده النتيجة، وهي إمكان التمسك باطلاقالكتاب والسنة
على القول بالأعم وعدم إمكان التمسك به على القول بالصحيح.
نعم لو كان الشك في اعتبار شيء ركناً للصلاة مثلاً لم يجز التمسك بالاطلاقحتى على
القول بالأعم، لأن الشك فيه مساوق للشك في الصدق، فلا يكونصدق طبيعي المطلق على
الفاقد محرزاً حتى يكون الشك في اعتبار أمر زائد.
وقد نوقش في هذه الثمرة بعدة وجوه:
الأول: أنه لا فرق بين القولين في إمكان التمسك بالاطلاق وعدم إمكانه،والسبب فيه أن
المناط في إمكان التمسك بالاطلاق إنما هو بكون المتكلم في مقامالبيان ولم ينصب
قرينة على التقييد، وعليه فكما أن الأعمى يتمسك بالاطلاقفيما إذا احتمل دخل شيء
في المأمور به زائداً على المقدار المتيقن، فكذلكالصحيحي يتمسك به فيما إذا شك في
اعتبار شيء زائداً على المقدار المعلوم، ومنهنا يتمسك الفقهاءقدس سرهم باطلاق
صحيحة حماد التي قد وردت في مقام بيانالأجزاء والشرائط، حيث إن الامامعليه السلام
في الصحيحة قد بين جميع أجزاء الصلاةمن التكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد
والتسليمة ونحوها مقتصراًعلى تلك الأجزاء وساكتاً عن غيرها، وحينئذ فإذا شك في أن
الاستعاذة مثلاًجزء لها، فلا مانع من التمسك بإطلاقها لاثبات عدم كونها جزءاً.
والجواب: أن هذه المناقشة مبنية على الخلط بين التمسك بالاطلاق اللفظيوالتمسك
بالاطلاق المقامي الناشىء من السكوت في مقام البيان، ومحل الكلام فيالمقام إنما
هو في الأول، وقد تقدم أن التمسك به يتوقف على تمامية مقدماتالحكمة، وهي متمثلة في
الثلاث، اُولاها إحراز تعلق الحكم بالجامع بحسبالمراد الاستعمالي وقابلية انقسامه
إلى قسمين أو أقسام في الواقع، وهذه المقدمةلابد من إحرازها، وإلا فلا يعقل الاطلاق
في مقام الثبوت لكي يستكشف ذلكبالاطلاق في مقام الاثبات، وحيث إن الحكم على القول
بالصحيح متعلق بحصةخاصة وهي خصوص الحصة الصحيحة، فالمقدمة الاُولى غير تامة على
هذاالقول، وحينئذ فالاطلاق اللفظي غير معقول فيه.
وأما صحيحة حماد، فإطلاقها يكون مقامياً ناشئاً عن السكوت في مقامالبيان، ولا فرق
في جواز التمسك به بين القول بالصحيح والقول بالأعم، والسرفي ذلك واضح، وهو أن
المعتبر فيه سكوت المتكلم عن البيان حينما كان يوردالحكم على نفس الأجزاء والشرائط
أو الأفراد تفصيلاً، مثلاً إذا كان المولى فيمقام بيان ما يحتاجه في اليوم من
اللحم والخبز واللبن والأرز والحمص وغيرذلك، فأمر خادمه بشرائها وسكت عن غيرها،
فسكوته هذا في مقام البيانكاشف عن عدم إرادة غير هذه الأشياء، وإلا لم يسكت، ولهذا
لا نحتاج في هذاالنحو من الاطلاق إلى وجود لفظ مطلق في القضية، وهذا بخلاف
الاطلاقاللفظي، فإن المعتبر فيه ورود الحكم في القضية على الطبيعي الجامع
القابلللانطباق على أفراد وحصص عديدة، ولا أقل من حصتين ثم إحراز أن المتكلمفي
مقام البيان لا في مقام الاهمال والاجمال، وأنه لا ينصب قرينة على إرادةالخلاف،
فإذا تمت هذه المقدمات تم الاطلاق في مقام الاثبات الكاشف عنالاطلاق في مقام
الثبوت، وحينئذ فإذا شك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً، فإنكان اعتبار ذلك الشيء
زائداً على صدق المطلق والموضوع في القضية على الفاقدله كما هو الحال على القول
بالأعم، يتمسك بالاطلاق لدفع اعتباره طالما لم يدلدليل على ثبوته، وإن لم يكن
زائداً عليه بأن يكون الشك في اعتباره مساوقاًللشك في تحقق المطلق والموضوع في
القضية كما هو الحال على القول بالصحيح،فلا يمكن التمسك بالاطلاق لدفع اعتباره.
فالنتيجة: أن الاطلاق إذا كان مقامياً، جاز التمسك به مطلقاً بلا فرق بينالقولين
في المسألة أصلاً، وإذا كان لفظياً، فلابد من التفصيل فيه، فعلى القولبالأعم يجوز
التمسك به دون القول بالصحيح.
الثاني: أن أدلة العبادات جميعاً مجملة في الكتاب والسنة، فلا إطلاق لها حتىيمكن
التمسك به، لما مرّ من أن الاطلاق منوط بثبوت مقدمات الحكمة الثلاثجميعاً،
والمفروض في المقام عدم ثبوت المقدمة الثانية وهي كون المتكلم فيها فيمقام البيان،
وعلى هذا فلا تظهر الثمرة بين القولين في المسألة.
وبكلمة، إن أدلة العبادات بما أنها جميعاً في مقام أصل التشريع والجعل بلانظر لها
إلى خصوصياتها التفصيلية كماً وكيفاً، فلا إطلاق لها حتى يمكن التمسكبه، غاية
الأمر أن عدم جواز التمسك بها على القول بالاعم من جهة واحدة وهيعدم كونها في مقام
البيان، وعلى القول بالصحيح من جهتين وهما عدم ورودهافي مقام البيان وعدم تعلق
الحكم فيها بالجامع والمقسم، فالنتيجة عدم إمكانالتمسك بالاطلاق على كلا القولين
في المسألة، وعليه فلا تظهر الثمرة بينهما.
والجواب: - مضافاً إلى أن ذلك مبني على الحدس والاجتهاد الخاطىء بدونالقيام
بالفحص والبحث عن الآيات والروايات - أن الأمر ليس كذلك.
أما الروايات الواردة في أبواب العبادات فكثير منها في مقام البيان ولهاإطلاق، ولا
مانع من التمسك بإطلاقها عند الشك في اعتبار شيء فيها، وهذاواضح لكل فقيه يقوم
بعملية الاجتهاد والاستنباط في تلك الأبواب.
وأما الآيات فمنها قوله تعالى: »كُتِبَ عَلَيْكُمُ الصِّيامُ كَما كُتِبَ عَلَى
الَّذِيْنَمِنْ قَبْلِكُم«(33)، فإن المفهوم من كلمة الصيام عرفاً هو كف النفس عن
الأكلوالشرب، وهو معناه اللغوي والعرفي، فالصيام بهذا المعنى ثابت في
الشرائعالسابقة والأديان الاُخرى، ويدل على ذلك قوله تعالى: »كُلُوا وَاشْرَبُوا
حَتّىيَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضُ مِنَ الْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ
الْفَجْرِ«(34)، فإذن حقيقةالصيام هي كف النفس عن الأكل والشرب في جميع الشرائع،
نعم تختلف هذهالشريعة عن الشرائع السابقة في بعض الشروط غير المقومة لحقيقة
الصيامكالكف عن الجماع والاستمناء والكذب على اللَّه تعالى ورسولهصلى الله عليه
وآله والأئمةالأطهارعليهم السلام وغير ذلك، وعلى هذا فإذا شك في اعتبار شيء فيه
جزءاً أو شرطاًزائداً على صدقه، فلا مانع من الرجوع إلى إطلاق الآية الشريفة،
ومقتضاه عدماعتباره، فإذن حال الآية الشريفة حال قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ
الْبَيْعَ«(35)و»تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ«(36) و»وَأَوْفُوا بِالْعُقُودِ«(37) ونحو
ذلك، فكما أنه لا مانعمن التمسك بإطلاق هذه الآيات في باب المعاملات، فكذلك لا
مانع من التمسكبإطلاق الآية المباركة في باب الصوم عند الشك في دخل شيء في صحته
شرعاً.
هذا إضافة إلى أنه يكفي في ظهور هذه الثمرة إمكان ترتبها، لأن المعتبر فياُصولية
المسألة إمكان وقوعها في طريق عملية الاستنباط لا فعلية ذلك، وعلىهذا فلو فرضنا أن
أدلة العبادات جميعاً من الكتاب والسنة مجملة، فلا يمكنالتمسك بها عند الشك في
اعتبار شيء فيها جزءاً أو شرطاً، إلا أن ذلك لا يمنععنإمكان ترتب هذه الثمرة لو
كان هناك إطلاق، وهذا المقدار يكفي في كونالمسألة اُصولية.
الثالث: أن الاطلاق والتقييد في العبادات إنما يلاحظ بالاضافة إلى المأمور
بهومتعلق الأمر لا بالقياس إلى المسمى، لوضوح أن الاطلاق أو التقييد في كل
كلامإنما هو بالقياس إلى مراد المتكلم منه، فإذا كان المتكلم هو الشارع، فلا
محالةلوحظ الاطلاق أو التقييد بالنسبة إلى مراده وأنه مطلق أو مقيد لا إلى ما
هوأجنبي عنه، وعلى ذلك فلا فرق بين القولين في المسألة، فكما أن الصحيحي لايمكنه
التمسك بالاطلاق فكذلك الأعمي. أما الصحيحي فلما تقدم من عدم إحرازالصدق على الفاقد
لما شك في اعتباره جزءاً أو قيداً، وأما الأعمي فمن أجل أنهيعلم بأن مراد المولى
هو المسمى بوصف كونه مأموراً به ومتعلق الأمر، ومنالواضح أن المأمور به حصة خاصة
من المسمى وهي الحصة الصحيحة، ضرورةأن الشارع لا يأمر بالحصة الفاسدة ولا بالأعم
منها ومن الصحيحة، وعلى هذافلا يمكن التمسك بالاطلاق عند الشك في جزئية شيء أو
شرطية آخر، للشك فيصدق المأمور به حينئذ على الفاقد للشيء المشكوك فيه.
والخلاصة: أن الصحة لو كانت مأخوذة في المسمى، سواء أكانت مأخوذةفيه بما هو مسمى
كما هو الحال على القول بالصحيح أم مأخوذة فيه بوصف كونهمأموراً به ومتعلق الأمر
كما هو الحال على القول بالأعم، فلا يمكن التمسكبالاطلاق لا على القول الأول ولا
على الثاني.
والجواب: أن الاطلاق والتقييد في مقام الثبوت والواقع إنما يلحظانبالاضافة إلى ذات
المأمور به ومتعلق الأمر لا بوصف كونه مأموراً به ومتعلقالأمر، لأن الأمر في
الواقع لا يخلو إما أن يكون متعلقاً بالمسمى مطلقاً أو مقيداً،ولا ثالث لهما،
لاستحالة الاهمال في الواقع، وعلى هذا فإن كان في مقام الاثباتدليل مطلق من آية أو
رواية، فلا مانع من التمسك بإطلاقه عند الشك في اعتبارشيء في المأمور به جزءاً أو
شرطاً على القول بالأعم، باعتبار أن صدق المطلقعلى الفاقد للشيء المشكوك فيه
محرز، والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد،وحينئذ فلا مانع من التمسك بإطلاقه لدفع
اعتباره فيه، وبه يستكشف أن المأموربه في الواقع مطلق.
وبكلمة، إنه إذا شك في اعتبار شيء جزءاً أو شرطاً في الصلاة المأمور بهامثلاً
كالسورة، فعلى القول بالوضع للأعم حيث إن صدق الصلاة بما لها من المعنىالموضوع له
على الفاقدة للسورة معلوم، والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد فلامانع من التمسك
بالاطلاق لنفي اعتباره والحكم بأن المأمور به في الواقع ومقامالثبوت هو الصلاة
بدون السورة، وأما على القول بالوضع للصحيح، فحيث إنصدق الصلاة بما لها من المعنى
على الفاقدة للسورة مشكوك فيه لاحتمال دخلها فيمسماها، فلا إطلاق لها لكي يمكن
التمسك به.
فالنتيجة: أن هذا الوجه مبني على نقطة خاطئة، وهي كون المسمى بوصفكونه مأموراً به
متعلق الأمر، وهذا مستحيل لاستحالة أخذ هذا الوصففيمتعلق الأمر، لأنه متأخر منه
ومنتزع من تعلقه بالمسمى، فكيف يعقلأخذهفي متعلقه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا غبار في ظهور هذهالثمرة بين
القولين في المسألة، هذا تمام كلامنا في العبادات.
أسماء المعاملات ...
أسماء المعاملات
المقام الثاني في المعاملات. يقع الكلام فيه من عدة جهات:
الجهة الاُولى أن في المعاملات اتجاهين رئيسيين:
الأول: ما هو المعروف والمشهور بين الأصحاب من أن المعاملات اُمورإنشائية تسبيبية.
الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعاملات اُمور اعتبارية
نفسانيةمبرزة في الخارج بمبرز ما.
أما الاتجاه الأول فقد ذكر الأصحاب قديماً وحديثاً أن المعاملات تنقسم إلىأسباب
ومسببات. أما الأسباب فهي متمثلة في صيغ خاصة لفظية كانت أوفعلية مشتملة على
الأجزاء والشرائط، فمن أجل ذلك تتصف بالصحة تارةوبالفساد اُخرى. وأما المسببات فهي
متمثلة في الملكية أو الزوجية أو نحوهاسواء أكانت شرعية أم عقلائية، وهي لا تتصف
بالصحة أو الفساد، بل بالوجودتارة والعدم اُخرى، على أساس أنها اُمور بسيطة.
أما الاتجاه الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن أسامي المعاملات موضوعةلابراز
أمر اعتباري نفساني غير قصد الحكاية، مثلاً صيغة بعت موضوعةللدلالة على قصد إبراز
ملكية المبيع، حيث إن البائع في مقام البيع اعتبرملكيتهللمشتري، ثم يبرزها في
الخارج بصيغة بعت أو ما شاكلها لكي تدل علىأنه قصد إبرازها(38).
ومن هنا ذكرقدس سره أن معنى الانشاء هو إبراز الأمر الاعتباري النفساني فيالخارج
بمبرز ما من قول أو فعل(39)، ومن الواضح أن كلا من الاعتبار والابرازفعلاختياري
للمعتبر مباشرة لا تسبيباً، فلا يكون هناك سبب ولا مسبب ولاآلة ولا ذيها.
وبكلمة، إنه ليس في باب المعاملات إلا أمران، أحدهما الأمر الاعتباريالقائم بنفس
المتعاملين مباشرة، والآخر الأثر الشرعي أو العقلائي المترتب علىفعل المتعاملين
كذلك، وكلاهما فعل مباشر ولا يعقل أن يكون فعلاً تسبيبياً. أماالأول فهو فعل نفساني
للمتعاملين بالمباشرة وبيدهما وجوداً وعدماً، ولا يعقلأن يكون مسبباً عن شيء آخر.
وأما الثاني فهو فعل الشارع أو العقلاءبالمباشرة، غاية الأمر أن الشارع أو العقلاء
يعتبر الملكية أو الزوجية كذلك فيموضوع خاص، هذا إضافة إلى أن مراد المشهور من
المسبب ليس هو الأثرالشرعي أو العقلائي، فالنتيجة أنه ليس في باب المعاملات سببية
ولا مسبّبية ولاآلة ولا ذيها، لأن كل ذلك غير موجود، فالموجود إنما هو اعتبار
المتعاملينالملكية أو الزوجية في عالم الاعتبار والنفس وإبرازه في الخارج بمبرز ما
من قولأو فعل، ومجموع المبرز - بالكسر - والمبرز - بالفتح - بمثابة الموضوع
للأثرالشرعي أو العقلائي، هذا ملخص ما أفادهقدس سره.
وما أفادهقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الانشاء عبارة عن إبراز الأمر الاعتباري النفساني بمبرز مامنقول أو
فعل.
الثانية: أنه لا سببية ولا مسببية في باب المعاملات.
أما النقطة الاُولى، فيرد عليها أن تفسير الانشاء بذلك مبني على مسلكهقدس سرهفي
باب الوضع من أنه عبارة عن التعهد والالتزام النفساني، باعتبار أن لازم هذاالمسلك
هو كون الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية، وعليه فلابد منالالتزام بأن
المعاملات موضوعة للدلالة على قصد إبراز الأمر الاعتباريالنفساني في الخارج بمبرز
ما حتى تكون دلالتها الوضعية دلالة تصديقية، ولكنحيث إنا قد ذكرنا في باب الوضع
عدم صحة هذا المسلك موسعاً وقلنا هناك بأنالدلالة الوضعية دلالة تصورية لا
تصديقية، فمن أجل ذلك لا يمكن تفسيرالمعاملات بذلك، وقد تقدم في ضمن البحوث السالفة
تفسير الانشاء فيها بماينسجم مع كون الدلالة الوضعية لها دلالة تصورية.
وأما النقطة الثانية، فلأنه لا مانع من أن يراد من المسبب في المعاملة
الأثرالعقلائي أو الشرعي المترتب عليها ترتب الأثر على المؤثر والمسبب علىالسبب،
باعتبار أنه الأثر المطلوب من إيجاد المعاملة في الخارج بما لها من المعنىالانشائي
التسبيبي.
وبكلمة، إن جعل هذا الأثر بنحو القضية الحقيقية وإن كان بفعل الشارع أوالعقلاء في
مرحلة الجعل والاعتبار، ولكن فعلية هذا الأثر إنما هي بيد المتعاملين،فإنهما إذا
قاما بإيجاد السبب وهو المعاملة بما لها من الشروط، ترتب عليه ذلكالأثر، ومن
الواضح أن هذا الترتب إنما هو مستند إلى فعل المتعاملين من بابترتب الأثر على
المؤثر والمسبب على السبب، وقد تحصل من ذلك أن فعلية الأثرالشرعي أو العقلائي هي
المسبب في باب المعاملات، وأما الصيغة بما لها من المعنىالانشائي فهي سبب لها،
غاية الأمر أن العلاقة بين السبب والمسبب تارة تكونذاتية بينهما كالعلاقة بين
النار والحرارة، واُخرى تكون جعلية كما في المقام،فالجامع بين المقامين هوا ستحالة
انفكاك أحدهما عن الآخر خارجاً إما بالذاتأو بالجعل، والظاهر أن هذا هو مراد
المشهور من المسبب في باب المعاملات.
ولكن قد يستشكل في ذلك بأن السببية بهذا المعنى لا تختص بالمعاملات،لأن كونها سبباً
لفعلية الأثر ليس إلا بلحاظ أنها موضوع له، على أساس أنفعلية الحكم تدور مدار
فعلية موضوعه خارجاً واستحالة انفكاكها عنها، ولافرق في ذلك بين الأحكام الوضعية و
الأحكام التكليفية، فكما أن فعلية الأحكامالوضعية تتبع فعلية موضوعاتها في الخارج
فكذلك فعلية الأحكام التكليفية،فإنها تتبع فعلية موضوعاتها فيه، وعلى هذا فإطلاق
الأسباب على موضوعاتالأحكام الوضعية دون موضوعات الأحكام التكليفية ليس إلا مجرد
اصطلاحبلا أي نكتة مبررة لذلك. هذا،
ولكن الظاهر أن هذا الفرق مبني على نكتة، وهي أن موضوعات الأحكامالوضعية تختلف عن
موضوعات الأحكام التكليفية في نقطة، وهي أنموضوعات الأحكام الوضعية التي هي متمثلة
في المعاملات اُمور إنشائيةقصدية، مثلاً جملة »بِعْتُ« الانشائية تدل على قصد إيجاد
معناها في وعاءالتصور والتصديق، والغرض منه الوصول إلى أثره الشرعي أو العقلائي
المترتبعليه ترتب المسبب على السبب، فالصيغة بما لها من المعنى الانشائي سبب،
لأنالمتعامل في مقام المعاملة يقصد بها التسبيب ولو ارتكازاً إلى ترتب الأثرالشرعي
عليها. وعلى الجملة فتسمية المعاملات بالأسباب في الأحكامالوضعية مع أنها موضوعات
لها في الحقيقة، فإنما هي من جهة أنها اُمورإنشائيةتسبيبية، ولا يمكن تحققها بدون
قصد التسبيب بها ولو في أعماق نفسهارتكازاً وفطرة.
وهذا بخلاف موضوعات الأحكام التكليفية، فإنها بين ما يكون خارجاً عنقدرة المكلف
كالعقل والبلوغ والوقت ورؤية الهلال وما شاكلها، وما يكونالموضوع فيها جامعاً بين
الحصة الاختيارية وغير الاختيارية كالاستطاعةونحوها، والجامع أن القصد والارادة غير
دخيل في تحققها أصلاً.
فالنتيجة أن موضوعات الأحكام الوضعية في باب العقود والايقاعات اُمورإنشائية قصدية
في نفسها، فلذلك تسمى بالأسباب بالاضافة إلى ما يترتبعليها من الأحكام، بينما لا
تكون موضوعات الأحكام التكليفية كذلك، فلهذا لاتسمى بالأسباب بالنسبة إلى ما يترتب
عليها من الآثار.
وكيف كان فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المعاملات اُمور اعتبارية
نفسانيةمبرزة في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، لا يتم إلا على مسلكهقدس سره في
بابالوضع، حيث لا شبهة في أنها اُمور إنشائية قصدية بصيغتها الخاصة من قول أوفعل،
وقد تقدم تفصيل ذلك في بابي الانشاء والاخبار موسعاً.
الجهة الثانية: أن محل النزاع في أن أسماء المعاملات موضوعة للصحيح أوالأعم، هل هو
بنظر الشرع أو العقلاء؟ فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الثاني، بدعوى أن المعاملات المأخوذة
فيموضوع أدلة الامضاء كالبيع والاجارة ونحوهما معاملات عرفية عقلائيةوموجودة قبل
مجيء الشرع ولم يتصرف الشارع فيها بعد مجيئه أي تصرفأساسي لا من حيث اللفظ ولا من
حيث المعنى، بل أمضاها بما لها من المفاهيملدى العرف والعقلاء قبل الاسلام، حيث إن
المعاملات بهذه الأسامي كانتدارجة بين الناس في الجزيرة العربية، واحتمال أن
المعاملات موجودة عند العرببألفاظ اُخرى غير الألفاظ العربية التي يعبّر بها عنها
في الكتاب والسنةغيرمحتمل، ويؤكد ذلك أن النبي الأكرمصلى الله عليه وآله حينما طرح
المعاملات بأساميهاالخاصة على الناس منذ بداية الاسلام لم تكن هذه الأسامي غريبة
عندهم، بلكانوا مأنوسين بها.
ومن هنا تفترق المعاملات عن العبادات، فإن العبادات حيث إنها ماهياتمخترعة عند
الشارع بجميع أجزائها وشرائطها، فلوكانت موضوعة للصحيحةفلا يمكننا التمسك
بإطلاقاتها عند الشك في جزئية شيء أو شرطية آخر، لاحتمالدخله في المسمى كما سبق،
وهذا بخلاف المعاملات، فإنها ماهيات مخترعة عندالعرف والعقلاء، فلو شككنا في اعتبار
شيء فيها شرعاً، فيكون الشك في اعتبارأمر زائد على ما كان معتبراً عندهم، وفي مثله
لا مانع من التمسك بالاطلاق ولوعلى القول بكونها موضوعة للصحيحة عندهم.
نعم لو شككنا في اعتبار شيء فيها عرفاً كاعتبار المالية مثلاً أو نحوها، فلايمكننا
التمسك بالاطلاق، لعدم إحراز صدق البيع على فاقد المالية أو نحوها علىالقول بالوضع
للصحيح.
والخلاصة أن محل النزاع إنما هو في وضع المعاملات للصحيحة أو الأعم بنظرالعقلاء دون
الشرع، إذ لو كانت موضوعة للصحيحة لدى الشرع، لأدّى ذلكإلى كون أدلة الامضاء كقوله
تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«، و»وَتِجَارَةً عَنْ تَراضٍ«ونحوهما لغواً، فإن
مرد ذلك إلى قولنا البيع الصحيح صحيح، التجارة الصحيحةصحيحة وهكذا، فلذلك لا يمكن
أن يكون محل النزاع في الوضع للصحيحة أوالأعم بنظر الشرع، بل يتعين أن يكون بنظر
العقلاء فقط(40).
وقد استشكل عليه بأنه لا مانع من أن يكون محل النزاع في وضع المعاملاتللصحيحة أو
الأعم عند الشارع، غاية الأمر إذا كانت موضوعة للصحيحةكانت مستعملة في الأعم مجازاً
في مقام ورودها للامضاء(41).
وهذا الاشكال غريب جداً، ضرورة أنها لو كانت مستعملة في الأعم مجازاًفي أدلة
الامضاء، فحينئذ ما هو المبرر لوضعها شرعاً للصحيحة، ومن الواضحأنه لا مبرر له بعد
ما كانت صحتها مستفادة من أدلة الامضاء، وإن شئت قلت:إنها لو كانت موضوعة للصحيحة
عند الشارع، فوقتئذ إما أن يكون وضعها لهالغواً أو أنَّ أدلة الامضاء لغو، فلذلك لا
أساس لهذا الاشكال.
فالصحيح في الجواب أن يقال: إنه لا مانع من تصوير النزاع في المسألةللصحيح أو الأعم
بنظر الشرع أيضاً، وذلك لأن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره منمحذور اللغوية في
أدلة الامضاء وإنما يلزم لو كانت الصحة المأخوذة في مسمىالمعاملات الصحة بمعنى
الامضاء أو مفهوم الصحة المنتزع من إمضاء الشرع لها،ولكن من الواضح أن الصحة بهذا
المعنى غير مأخوذة في مسمى المعاملات،ضرورة أنه لا يحتمل أن تكون أسماء المعاملات
موضوعة بإزاء المعاملاتالموصوفة بالصحة والامضاء حتى يكون الامضاء لغواً، إذ
معناها حينئذ أنالمعاملة الصحيحة صحيحة والبيع الممضى ممضى وهكذا، بل الصحة
المأخوذة فيالمسمى على القول بوضعها للصحيح هي الصحة بمعنى تمامية المعاملة
بأجزائهاوشروطها الواجدة للحيثية المطلوبة منها، فإنها الصحة بالحمل الشائع،
ولامانع من وضع أسماء المعاملات بإزائها، ولا يستوجب ذلك محذور لغوية أدلةالامضاء،
فإنها على هذا تعلقت بالمعاملة تامة الأجزاء والشرائط الواجدةللحيثية المطلوبة،
فإذا تعلقت بها ترتب عليها آثارها، مثلاً العقد الواقع بينالمتعاملين المقرون
بالتراضي بينهما إذا تعلق به دليل الامضاء كقوله تعالى:»تِجارَةٍ عَنْ تَراضٍ« أو
»أَوْفُوا بِالْعُقُود« ترتب عليه أثره، وإلا فلا.
وبكلمة أوضح، إنه لا فرق من هذه الناحية بين العبادات والمعاملات، فكماأنه لا يمكن
أخذ مفهوم الصحة وعنوانها بالحمل الأولي في مسمى العبادات،على أساس أنه منتزع من
انطباق العبادة المأمور بها على الفرد المأتي به فيالخارج ولا يعقل أخذه فيه كما
تقدم، فكذلك لا يمكن أخذ مفهوم الصحة بالحملالأولي في مسمى المعاملات، لأنه منتزع
من تعلق دليل الامضاء بالمعاملة فيالخارج ولا يمكن أخذه فيه، وإلا لكان دليل
الامضاء لغواً.
وأما واقع الصحة الذي هو صحة بالحمل الشائع، فكما أنه لا مانع من أخذهفي مسمى
العبادات، فكذلك لا مانع من أخذه في مسمى المعاملات، لأن واقعالصحيح هو المركب
المشتمل على تمام الأجزاء والشرائط الواجد للحيثيةالمطلوبة منه، ولا فرق بين أن
يكون ذلك المركب عبادة أو معاملة، إذ معنى وضعلفظ »البيع« للصحيح وضعه بإزاء تمليك
عين بعوض المقرون بالرضا المنشأ بفعلأو قول من بالغ وعاقل، وهو متعلق لدليل
الامضاء، وعليه فإذا تعلق الامضاءبه ترتب عليه الأثر الشرعي وهو حصول الملك شرعاً،
وإذا لم يتعلق به دليلالامضاء، لم يحكم بحصول التمليك وترتيب الأثر عليه.
وهذا هو معنى الصحة في العبادات والمعاملات، ولا فرق بينهما فيه أصلاً،وأما الصحة
الجائية من قبل الامضاء في المعاملات والمتقوّمة به والصحة الجائيةمن قبل الأمر في
العبادات المتقومة به، فلا يمكن أخذها في المسمى لا فيالمعاملات ولا في العبادات،
هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن تصوير النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيحة أوللأعم من وجهة
نظر الشرع وإن كان ممكناً، إلا أنه غير واقع في الخارج، لأنالواقع هو وضع أسماء
المعاملات بإزاء معانيها قبل الاسلام، ولهذا تكون حقائقعرفية عقلائية لا شرعية،
فإن هذه الأسماء مستعملة في تلك المعاني قبل مجيءالاسلام وبعده على حد سواء، غاية
الأمر أن الشارع قد يتصرف فيها فنهى عنبعض المعاملات الدارجة بينهم كالمعاملة
الربوية وما شاكلها، وزاد فيبعضالموارد قيداً أو جزءاً لم يكن معتبراً عند
العقلاء كاعتبار البلوغ فيالمتعاقدين ونحو ذلك.
ومن هنا يجوز التمسك بإطلاقات أدلة المعاملات في الكتاب والسنة عندالشك في اعتبار
شيء فيها شرعاً جزءاً أو شرطاً، بلا فرق في ذلك بين أن تكونأسماء المعاملات عند
العقلاء موضوعة للصحيح أو للأعم، ولهذا لا تظهر الثمرةبين القولين في المسألة عند
الشارع، نعم تظهر الثمرة بينهما عند العقلاء.
الجهة الثالثة: قد تسأل هل يجري النزاع في وضع أسماء المعاملات بمعنىالمسببات
للصحيحة أو الأعم؟
والجواب: أن المعروف المشهور بين الأصحاب أنه لا يجري في المعاملاتبمعنى المسببات،
والوجه في ذلك هو أن المسبب كالملكية أو الزوجية أو نحوهابسيط ويدور أمره بين
الوجود والعدم المحموليين، لا بين الصحة والفساد بمفادكان وليس الناقصتين، فلذلك لا
يعقل جريان هذا النزاع في المسببات، وعلىهذا فالنزاع إنما هو في أسماء المعاملات
بمعنى الأسباب، على أساس أنها تتصفبالصحة تارة وبالفساد اُخرى، باعتبار أنها مركبة
من أجزاء ومقيدة بقيود، فإنكانت واجدة لتمام أجزائها وقيودها اتصفت بالصحة، وإن
كانت فاقدة لبعضهااتصفت بالفساد، فإذن يختص النزاع في باب المعاملات بالأسباب، ولا
يمكنجريانه في المسببات لعدم قبولها للاتصاف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى.
ولكن السيد الاُستاذقدس سره قد علق على ذلك بأن في باب المعاملات لا سبب ولامسبب
ولا آلة ولا ذيها، وقد أفاد في وجه ذلك أن ما هو المعروف بين الأصحابمن أن الانشاء
إيجاد المعنى باللفظ لا يرجع إلى معنى محصل، لأنه إن اُريد بالايجادالايحاد
التكويني الخارجي فهو غير معقول، بداهة أن اللفظ لا يكون واقعاً فيسلسلة علل وجوده
وأسبابه، وإن اُريد به الايجاد الاعتباري، فيرد عليه أنهيوجد بنفس اعتبار المعتبر،
سواء كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا، فاللفظ لا يكونسبباً لإيجاده الاعتباري ولا آلة
له، فإذن ليس في باب المعاملات إلا أمران:أحدهما المبرز - بالفتح - وهو الأمر
الاعتباري النفساني في اُفق النفس، والآخرالمبرز - بالكسر - وهو اللفظ أو الفعل في
الخارج، والمعاملة اسم للمركب منهذين الأمرين.
وبكلمة، إن المعاملات أسام للمركب من الأمر الاعتباري النفساني وإبرازهفي الخارج
باللفظ أو نحوه، لأن الآثار المترقبة لا تترتب إلا على المركب منهذين الأمرين،
فالبيع والايجار والصلح والنكاح وما شاكلها لا يصدق علىمجرد الاعتبار النفساني
بدون إبرازه في الخارج بمبرز ما، فلو اعتبر أحد ملكيةداره أو فرسه لزيد مثلاً في
اُفق نفسه بدون أن يبرزها في الخارج بمبرر ما من قولأو فعل، فلا يصدق أنه باع داره
أو فرسه من زيد، كما أن هذه العناوين لا تصدقعلى مجرد إطلاق اللفظ أو نحوه من دون
اعتبار نفساني في اُفق الذهن، كما لو كانفي مقام تعداد صيغ العقود أو الايقاعات،
أو كان التكلم بها بداع آخر غيرإبرازما في اُفق النفس من الأمر الاعتباري، فلو قال
أحد بعت أو زوجت أونحوذلك من دون اعتبار نفساني، فلا يصدق عليه عنوان البيع أو
التزويجوالنكاح وهكذا.
والخلاصة: أن المعاملات بعناوينها الخاصة من البيع أو الهبة وما شاكلها أسامللمركب
من الأمرين، فلا يصدق على كل واحد منهما بالخصوص، فإذن لاسبب ولا مسبب ولا آلة ولا
ذيها، بل أمر اعتباري نفساني في اُفق النفسوإبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو
فعل، وعلى هذا فكما أن المبرز الذييمثل صيغ العقود يتصف بالصحة تارة باعتبار
وجدانه للشروط وبالفساد اُخرىباعتبار فقدانه لها، فكذلك الأمر الاعتباري النفساني
الذي هو بمثابة موضوعللاعتبار العقلائي والشرعي، فإنه يتصف بالصحة والفساد باعتبار
استتباعهللأثر الشرعي وعدمه، لأنه إذا كان واجداً للشرائط كما إذا كان صادراً
منالعاقل البالغ المالك اتصف بالصحة، وإذا كان صادراً من الصبي أو المجنون
أوالفضولي فبالفساد.
أو فقل: إن ما يسمى بالمسبب أمران: الأول الأثر الشرعي أو العقلائيكالملكية أو
الزوجية أو نحوهما، والثاني الأثر المنشأ من قبل المتعاقدين أنفسهما،وهو اعتبار
شخصي قائم بالمتعاقدين، ويكون موضوعاً للمسبب الأول وهوالأثر الشرعي أو العقلائي،
والذي لا يتصف بالصحة والفساد إنما هو المسبببالمعنى الأول، لأنه إما موجود أو غير
موجود، ولا ثالث لهما، وأما المسبببالمعنى الثاني، فهو يتصف بالصحة والفساد(42).
وغير خفي أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره في المقام من التفسير للانشاء في
بابالمعاملات مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضع، وهو أنه التعهد والتباني، على
پاورقي
1) نهاية الدراية 113 :1.
2) قوانين الاُصول 44 :1.
3) كفاية الاُصول: 25.
4) أجود التقريرات 61 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 159 :1.
6) أجود التقريرات 61 :1.
7) محاضرات في اُصول الفقه 162 :1.
8) محاضرات في اُصول الفقه 161 :1.
9) الوسائل 91 :6 ح 5 / أبواب القراءة ب 29.
10) الوسائل 310 :6 ح 1 / أبواب الركوع ب 9.
11) محاضرات في اُصول الفقه 163 :1.
12) مستدرك الوسائل 158:4 ح 5 و8.
13) ورد هذا المضمون في الوسائل 488 :5 ح 1 و2 / أبواب القيام ب 2.
14) الوسائل 10 :6 ح 7 / أبواب تكبيرة الافتتاح ب 1.
15) نفس المصدر: 12 ح 12.
16) نفس المصدر: 10 ح 6.
17) نفس المصدر: ح 4.
18) الوسائل 14 :6 ح 7 / أبواب تكبيرة الاحرام ب 2.
19) نقله في كفاية الاُصول: 26.
20) محاضرات في اُصول الفقه 167 :1.
21) محاضرات في اُصول الفقه 163 :1.
22) أورده في بحوث في علم الاُصول 206 :1.
23) الوسائل 287 :2 ح 2 / أبواب الحيض ب 7.
24) نهاية الدراية 129 :1.
25) سورة العنكبوت (45 :(29.
26) الوسائل 43 :4 ح 1 و44 ح 2 / أبواب أعداد الفرائض ب 12.
27) الوسائل 373 :2 ح 5 / أبواب الاستحاضة ب 1 و27 :4 ح 12 / أبواب أعداد الفرائض ب
7.
28) محاسن البرقي - كتاب ثواب الأعمال: ح 60 ص 44.
29) مستدرك الوسائل 158 :4 ح 5 و8.
30) أجود التقريرات 66 :1.
31) محاضرات في اُصول الفقه 173 :1.
32) كفاية الاُصول: 28.
33) سورة البقرة (183 :(2.
34) سورة البقرة (187 :(2.
35) سورة البقرة (275 :(2.
36) سورة النساء (29 :(4.
37) سورة المائدة (1 :(5.
38) محاضرات في اُصول الفقه 192 :1 و195.
39) محاضرات في اُصول الفقه 88 :1.
40) محاضرات في اُصول الفقه 193 :1.
41) بحوث في علم الاُصول 211 :1.
42) محاضرات في اُصول الفقه 192 :1.
.............................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
أسماء المعاملات ...
أساس أن لازم هذا المسلك كون المدلول الوضعي مدلولاً تصديقياً، وهو يتطلبتفسير
الانشاء في هذا الباب بهذا التفسير لكي يكون المدلول الوضعيللمعاملات مدلولاً
تصديقياً، هذا، ولكن ذكرنا في باب الوضع موسعاً عدمصحة هذا المسلك، ولهذا نقول بأن
المدلول الوضعي مدلول تصوري لا تصديقي،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه لا شبهة في أن المعاملات اُمور إنشائية تصدر منالمتعاملين
بالتسبيب، لا أنها اُمور اعتبارية تصدر منهم بالمباشرة كما مرّ.
ومن ناحية ثالثة، إن ظاهر المشهور من المعاملة بمعنى المسبب الأثر الشرعيأو
العقلائي المترتب عليها خارجاً ترتب المسبب على السبب، باعتبار أن ترتبههو النتيجة
المطلوبة من قبل المتعاملين ومسبب عن فعلهما، وعليه فلا يمكنجريان النزاع في
المعاملات بمعنى المسبب، لأنها بهذا المعنى لا تتصف بالصحةوالفساد، بل بالوجود
والعدم.
وبكلمة، إن مضمون المعاملة المنشأة من قبل المتعاملين بصيغتها الخاصة منقول أن
فعل، يكون بمثابة الموضوع والسبب للأثر الشرعي أو العقلائي، باعتبارأن ترتبه عليها
هو النتيجة المتوخّاة من قبلهما، لأن الغرض من هذا الانشاءوالاعتبار الشخصي هو
الوصول إلى تلك النتيجة وتحققها خارجاً، وعلى هذافإذا ترتب على ذلك المنشأ من
قبلهما أثر شرعي أو عقلائي، اتصفت المعاملةبالصحة، وإلا فبالفساد، ومعنى اتصافها
بالصحة أن المنشأ يصبح شرعياً،فالملكية المنشأة من قبل المتعاملين تصبح ملكية شرعية
قانونية، وترتب الأثرعليها منوط بتوفر الشروط المعتبرة في إنشائها شرعاً، كالبلوغ
والعقل وأن لاتكون فضولياً، وأن تكون بصيغة خاصة إذا كان انشاؤها منوطاً بها، وفي
ضوءذلك إن كان مراد المشهور من المسبب هو ترتب الأثر الشرعي عليها خارجاً كماهو
الظاهر منهم، فهو لا يتصف بالصحة والفساد، ولا يمكن جريان النزاع فيه،وإن كان
مرادهم منه نفس المنشأ الشخصي في المعاملة من قبل المتعاملين بقول أوبفعل، فهو يتصف
بالصحة إن كانت شروطه متوفرة، وبالفساد إن لم يكن كذلك.
الجهة الرابعة: أن المعاملات إذا كانت أسامي للأسباب، فلا شبهة في جوازالتمسك
بإطلاق أدلة الامضاء، كقوله تعالى: »أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ« و»تِجَارَةٍ
عَنْتَراضٍ« ونحوهما، حتى على القول بوضعها للصحيح عند العقلاء، باعتبار أنالصحيح
عندهم أعم منه عند الشارع، فإذا شك في اعتبار شيء فيها شرعاً، فلامانع من التمسك
بإطلاقها، لأن صدق لفظ المطلق على الفاقد للشيء المشكوكفيه لدى العقلاء محرز،
والشك إنما هو في اعتبار أمر زائد عليه، نعم على هذاالقول إذا شك في اعتبار شيء
فيها عند العقلاء، فلا إطلاق لفظي لكي يتمسكبه، باعتبار أن الصدق حينئذ على الفاقد
غير محرز، كما أن الأمر كذلك على القولبالوضع للصحيح الشرعي.
فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر شرعاً بين القولين في المسألة بناء على ما هوالصحيح من
أن المعاملات أمور عرفية عقلائية وموضوعة بإزاء معانيها قبلالشرع والشريعة
ومستعملة فيها في نصوص الكتاب والسنة، وحينئذ فإذا شكفي اعتبار شيء منها شرعاً
جزءاً أو شرطاً، فلا مانع من التمسك بإطلاق تلكالنصوص على كلا القولين في المسألة.
نعم تظهر الثمرة بينهما بناء على وضعها للصحيح عند الشارع، فإنه على هذاالقول لا
يتصور فيها إطلاق لفظي لكي يتمسك به، بينما على القول بوضعها للأعميتصور فيه إطلاق
لفظي يمكن التمسك به عند الشك في اعتبار شيء جزءاً أوشرطاً، ولا فرق من هذه
الناحية بين العبادات والمعاملات.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن هذا النزاع في بابالمعاملات
لا يجري عند الشارع، على أساس أنه لا يمكن أخذ الصحة الشرعيةفي مسمى المعاملات الذي
هو موضوع لأدلة الامضاء، وإلا لكان معنى قولهتعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْع« أن
البيع الممضى ممضى، وهذا مما لا معنى له، لأنه منالقضية بشرط المحمول - لا يتم،
لما تقدم من أنه لا مانع من تصوير هذا النزاععند الشارع، ولا فرق من هذه الناحية
بين المعاملات والعبادات، فإن الصحةالمأخوذة في المسمى، سواء كانت في العبادات أم
في المعاملات، إنما هي واقعالصحة أي الصحة بالحمل الشائع، وهو المركب المشتمل على
جميع الأجزاءوالقيود الواجد للأثر المطلوب منه، فإذا تعلق به دليل الامضاء، ترتب
عليه ذلكالأثر واتصف بالصحة فعلاً، ومن الواضح أن هذه الصحة الفعلية لا يمكن
أخذهافي المسمى، لأنها متفرعة على دليل الامضاء المتعلق به، كما أن الصحة
المنتزعةمن انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، لايمكن أخذها في
المسمى فيباب العبادات، لأنها متقومة بالأمر، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه بناء على ما استظهرناه سابقاً من أن أسامي العباداتحقائق
لغوية وموضوعة بإزائها قبل الاسلام، فأيضاً لا تظهر الثمرة بين القولينفيها، أما
على القول بالأعم فواضح، وأما على القول بالصحيح، فلأن الصحةعندهم أعم منها عند
الشارع بعد الاسلام، فإذن لا فرق بين العباداتوالمعاملات من هذه الناحية أيضاً.
وأما إذا كانت المعاملات أسامي للمسببات، فهل يمكن التمسك باطلاقاتأدلة الامضاء من
الآيات والروايات لامضاء أسبابها؟ فيه قولان: الأول جوازالتمسك بها، والثاني عدم
جوازه.
أما القول الأول، فقد اختاره المحقق النائينيقدس سره، وقد أفاد في وجه ذلك أننسبة
صيغ العقود إلى المعاملات ليست منه الأسباب إلى المسببات لتكوناموجودين خارجيتين
تترتب إحداهما على الأخرى ترتباً قهرياً، ويكون تعلقالارادة بالمسبب بتبع تعلقها
بالسبب، من جهة أن اختيارية المسبب إنما هيباختيارية السبب، كما هو الحال في جميع
الأفعال التوليدية، بل نسبتها إليها نسبةالآلة إلى ذيها، والارادة تكون متعلقة بنفس
المعاملة ابتداء، كما هو الحال في سائرالانشاءات، فإن قولنا »بعت« أو »صلّ« ليس
بنفسه موجداً للملكية أوالطلب في الخارج نظير إلقاء الحطب في النار الموجد للاحراق،
بل الموجد فيالواقع هو الارادة المتعلقة بإيجاده إنشاء، والخلاصة أنه إذ لم تكن
الصيغ من قبيلالأسباب والمعاملات من قبيل المسببات، فلم يكن هناك موجودان
خارجيانمترتبان كي لا يكون إمضاء أحدهما إمضاء للآخر، بل موجود واحد، غاية مافي
الباب أنه باختلاف الآلة ينقسم إلى أقسام عديدة، فالبيع المنشأ بالمعاطاةقسم،
وبغيرها قسم آخر، وباللفظ العربي قسم، وبغير العربي قسم آخر وهكذا،فإذا كان دليل
إمضاء البيع مثلاً في مقام البيان ولم يقيده بنوع دون نوع،فيستكشف منه عمومه لجميع
الأقسام والأنواع، كما في بقية المطلقاتحرفاً(1)بحرف.
ولكن للنظر فيه مجالاً، وذلك لأن أدلة الامضاء المتعلقة بالمعاملات بمعنىالمسببات،
إن كانت ناظرة إلى أسبابها أيضاً وهي صيغ العقود دلت علىإمضائها، سواء أكانت تلك
الصيغ مسماة بالأسباب أم بالآلات، وحينئذ فإن كانلها إطلاق من هذه الناحية فلا
مانع من التمسك به، وإن لم تكن ناظرة إلىإمضائها، فهي لا تدل عليه وإن كانت مسماة
بالآلات، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، إنه لا ريب في أن وجود الصيغ في باب المعاملات مغايرلوجود المسببات
في هذا الباب، فإن المسببات فيه اُمور إنشائية اعتبارية لاوجود لها إلا في عالم
الانشاء والاعتبار، بينما تلك الصيغ اُمور واقعية حقيقيةموجودة في الخارج، وهي
الألفاظ والأفعال فيه، سواء أكان يعبّر عنهابالأسباب أم بالآلات، فان الاختلاف في
التعبير لا يغير الواقع.
فما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن نسبة صيغ العقود إلى المعاملات ليست
نسبةالأسباب إلى المسببات، بل نسبتها إليها نسبة الآلة إلى ذيها، فإن أريد بذلك
أنهماليستا موجودتين في الخارج حتى تترتب إحداهما على الاُخرى خارجاً قهراًكترتب
المسببات الخارجية على أسبابها والمعلولات على عللها، بل الموجود فيهالصيغ فقط دون
المسببات، فإنها اُمور اعتبارية إنشائية ولا وجود لها إلا في عالمالإنشاء
والاعتبار دون الخارج، ولهذا تكون نسبتها إليها نسبة الآلات إلى ذيها،فيرد عليه أن
نسبة الصيغ إليها وإن لم تكن كنسبة الأسباب إلى مسبباتهاالخارجية إلا أن ذلك لا
يجدي في دفع الاشكال، وهو أن إمضاء المعاملات بمعنىالمسببات لا يستلزم إمضاء
صيغها، فإن هذا الاشكال مبني على أن وجود الصيغمباين لوجود المعاملات، فإنها
موجودة في الخارج بوجود حقيقي، والمعاملاتموجودة في عالم الاعتبار والانشاء دون
الخارج.
وإن اُريد بذلك أن نسبة الصيغ إلى المعاملات إن كانت نسبة الآلة إلى ذيها،فإمضاء ذي
الآلة يستلزم إمضاء الآلة، دون ما إذا كانت نسبتها إليها نسبة السببإلى المسبب،
فيرد عليه أن مجرد التغيير في الاسم لايغير الواقع.
وعلى ضوء ذلك أن أدلة الامضاء من الآيات والروايات المتّجهة إلى إمضاءالمعاملات
بمعنى المسببات، هل تنظر إلى إمضاء كل ما يمكن إيجادها به،سواءأكان ذلك مسمى بالسبب
أم بالآلة، فإن المعيار إنما هو بالواقع لا بالتسمية،فيه قولان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى القول الأول، وقد أفاد في وجه ذلك ما ملخصهأن
المسببات كالأسباب متعددة، وتنحل خارجاً بعدد الأسباب، بلا فرق فيذلك بين أن يكون
المراد من المسبب الأمر الاعتباري النفساني كما اختارهقدس سره أوالوجود الانشائي
المتحصل من الصيغة القولية أو الفعلية كما هو المشهور بينالأصحاب أو الامضاء
العقلائي الذي هو مسبب عن فعل المتعاملين.
أما على الأول فلأن الاعتبار النفساني في كل معاملة غير الاعتبار النفسانيفي
معاملة اُخرى، فإذا باع داره بالصيغة العربية وباع فرسه بالصيغة الفارسيةوباع كتابه
بالمعاطاة وهكذا، كانت هناك أسباب ومسببات بعددها، لأنالاعتبار المبرز بالصيغة
العربية غير الاعتبار المبرز بالصيغة الفارسية، وهما غيرالاعتبار المبرز بالمعاطاة.
وأما على الثاني فالأمر أوضح من الأول، لأن المنشأ بكل صيغة عربية أوفارسية أو
فعلية غير المنشأ بالأخرى.
وأما على الثالث فالأمر أيضاً كذلك، ضرورة أن العقلاء يمضون كل بيعصادر من البائع
إذا كان واجداً للشروط، فإذا باع زيد كتابه، فهو مورد لامضاءالعقلاء، وإذا باع فرسه
كان مورداً لامضائهم، وإذا باع داره فكذلك وهكذا.
وعلى ذلك فإذا أمضى الشارع المسبب الموجود والمبرز باللغة الفارسية أوبالمعاطاة،
فلا محالة أمضى المعاطاة أو الصيغة الفارسية، إذ لا معنى للقول بامضاءالمسبب منها
والمنشأ بها دون نفسها.
والخلاصة أن المسبب بأي معنى كان يتعدد بتعدد الأسباب، وإمضاء كلمسبب لا يمكن أن
ينفك عن إمضاء سببه، وعلى هذا فلا مانع من التمسك بإطلاقأدلة الامضاء بالنسبة إلى
الأسباب أيضاً، فإنها إذا كانت مطلقة بالنسبة إلىالمسببات، فهي مطلقة بالنسبة إلى
الأسباب أيضاً، على أساس أنها تنحلّبانحلال المسببات، فيكون لكل مسبب إمضاء،
والمفروض أن انحلال المسبباتإنما هو بانحلال أسبابها، فإذن تدل أدلة الامضاء على
إمضاء المسببات بالمطابقة،وعلى إمضاء الأسباب بالالتزام(2). هذا،
ولكن الظاهر هو القول الثاني، وهو عدم إمكان التمسك بإطلاقات أدلةالامضاء بالنسبة
إلى الأسباب، وذلك لأن مفاد أدلة الامضاء إعطاء قاعدة كليةلا إمضاء كل مسبب في
الخارج، مثلاً مفاد قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَالرِّبا« هو
إمضاء المبادلة بين المالين، يعني تمليك عين بعوض إذا لم تكن ربوية،وأما إمضاؤها عن
كل طريق وسبب يمكن إيجادها به فهو لا يدل عليه، وليسمفاده إمضاء كل مبادلة تقع في
الخارج وبأي سبب.
وإن شئت قلت: إن المتفاهم العرفي منه هو أن اللَّه تعالى قد منح الناس الفرصةعلى
إيجاد البيع وهو المبادلة بين المالين في قبال المنع عنه. وأما أن هذه الفرصةمتاحة
لهم بأي طريق وسبب يمكن إيجاده به فلا إطلاق له، لأن معنى إمضاءالمعاملة عند الشارع
والعقلاء، إنما هو إعطاء الفرصة للناس على إيجادها فيمقابل المنع، كما هو مقتضى
قوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبا«، فإذا كانذلك هو معنى
إمضاء المعاملة شرعاً وعقلائياً، فلا إطلاق لفظي في أدلةالامضاء، على أساس أن إعطاء
الفرصة ومنحها للناس لايجاد المسبب كالمبادلةبين المالين مثلاً لا يقتضي منح إيجاده
عن أي سبب يمكن إيجاده به.
وعلى هذا فإن كان بين الأسباب قدر متيقن فلابد من الأخذ به، وفي الزائديرجع إلى
الأصل وإن لم يكن بينها قدر متيقن حكم بامضاء الجميع، إذ الحكمبامضاء البعض دون
بعض ترجيح من غير مرجح.
فالنتيجة أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من التلازم بين إمضاء المسبباتوإمضاء
الأسباب، لا يمكن المساعدة عليه على نحو الإطلاق.
الجهة الخامسة: في ثمرة النزاع بين القولين في المسألة، ولكن ظهر مما تقدمأن
الثمرة لا تظهر بينهما.
وعلل ذلك السيد الاُستاذقدس سره بأن المعاملات تفترق عن العبادات، فإنالعبادات بما
أنها ماهية مخترعة من قبل الشارع المقدس، فلو كانت موضوعةللصحيحة فلا يمكننا التمسك
بإطلاق أدلتها، لأن الشك في اعتبار شيء فيها جزءاًأو شرطاً يرجع إلى الشك في صدق
اللفظ بما له من المعنى على الفاقد للشيءالمشكوك فيه، لاحتمال مدخليته في المسمى،
وهذا بخلاف المعاملات، فإنهاحيث كانت ماهيات مخترعة من قبل العقلاء لحفظ النظام،
فلوكانت موضوعةللصحيحة لم يكن مانع من التمسك بالاطلاق، باعتبار أن الصحيح عند
العقلاءأعم مورداً منالصحيح عندالشارع، نعم تظهرالثمرة بينالقولين في
بابالمعاملاتأيضاً فيما إذا شك في اعتبار شيء فيها عند العقلاء جزءاً أو شرطاً
كما مرّ(3).
وغير خفي أن ما ذكرهقدس سره من أن المعاملات اُمور عرفية عقلائية وإن كانصحيحاً،
إلا أن ما ذكرهقدس سره من أن العبادات من مخترعات الشارع غير صحيح،لما تقدم من
أنالعبادات بصورهاالخاصة المحددة كماً وكيفاً موجودة قبل الاسلامبألفاظها
المخصوصة، ولا يتصرفالشارع فيها بعدالاسلام إلا بما لا يكون ذلكمن مقوماتها، فإذن
لا فرق من هذه الناحية بينالعبادات والمعاملات.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم هذا الفرق، إلا أنه لا يوجب عدم جرياننزاع الصحيح
والأعم في باب المعاملات عند الشارع، لما مرّ من أنه لا فرق بينهمامن هذه الناحية
أيضاً.
فالنتيجة أن الثمرة لا تظهر بين القولين في المسألة، لا من جهة ما ذكره
السيدالاُستاذقدس سره من الفرق بين العبادات والمعاملات، بل من جهة أن
أساميالمعاملات أسام عرفية عقلائية لا شرعية، سواء أكان هناك فرق
بينهماوبينالعبادات أم لا.
الجهة السادسة: قد تسأل هل أن أسامي المعاملات موضوعة للمعاملاتبمعنى الأسباب أو
المسببات.
والجواب: أنها موضوعة للاُولى دون الثانية. فلنا دعويان:
الاُولى: أنها موضوعة للمعاملات بمعنى الأسباب.
الثانية: أنها لم توضع للمعاملات بمعنى المسببات.
أما الدعوى الاُولى، فلا شبهة في أن المعاملات بمعنى الأسباب كالبيعوالاجارة
والنكاح والهبة والصلح وما شاكل ذلك من العناوين الخاصة كلها اسملفعل المتعاملين،
وهو إنشاء مضمون المعاملة من الملكية أو الزوجية أو نحوهاعن قصد بصيغتها الخاصة من
قول أو فعل، ولا يصدق عنوان البيع مثلاً علىالصيغة فقط، بل عليها بما لها من
المضمون الانشائي، فإذا أنشأ البائع تمليك عينبعوض بلفظ أو ما يقوم مقامه وكان
جاداً فيه، تحقق البيع في الخارج وصدقعليها عنوانه الخاص ويكون مشمولاً لدليل
الامضاء كقوله تعالى: »أَحَلَّ اللَّهُالْبَيْعَ«، فإنه أوجد البيع الذي أحله
تعالى ورخص فيه.
وبكلمة أوضح، إن المعاملات المذكورة متقومة بثلاثة عناصر:
الأول: أداة الانشاء من لفظ أو ما يقوم مقامه.
الثاني: إنشاء مضمون المعاملة بها.
الثالث: أن يكون جاداً في إنشائه.
فالمعاملة تتكون من هذه العناصر الثلاثة، فإذا تحققت كانت مشمولة لدليلالامضاء
وترتب عليها أثرها القانوني، وهو حكم الشارع بالصحة، فإذا أنشأالبائع المبادلة بين
مالين بأداتها من قول أو فعل وكان جاداً في ذلك ومتوفراًشروطها وشروط المتعاملين،
تحقق البيع خارجاً وصدق عليه اسمه وترتب عليهأثره الشرعي، لمكان شمول دليل الامضاء
له.
وأما قصد التسبيب إلى ذلك الأثر، فهل هو معتبر في تحقق المعاملة بعنوانهاالخاص
واسمها المخصوص زائداً على العناصر المتقدمة، فيه قولان:
فذهب بعض المحققينقدس سره إلى اعتباره في تحقق المعاملة التي هي بمثابة
الموضوعلدليل الامضاء(4).
ولكن الظاهر أن قصد التسبيب إلى الأثر الشرعي أو العقلائي غير معتبر فيتحقق
المعاملة، وليس من أركانها وعناصرها المقومة، ومن هنا قد يكون قصدالتسبيب إلى الأثر
الشرعي أو العقلائي القانوني أمراً مغفولاً عنه عن أذهانالمتعاملين، ولهذا لم يؤخذ
في تعريف المعاملة كالبيع أو نحوه، وأدلة الامضاء لاتدل على أن قصد التسبيب دخيل في
تحقق المعاملة وأنه من أحد عناصرهاالمقومة، لأن مفادها إمضاء المعاملات بعناوينها
الخاصة كالبيع والاجارةوالنكاح والصلح وغيرها، والترخيص في إيجادها.
ودعوى أن البيع أو نحوه من المعاملات معاملات تسبيبية متقومة بالقصد،مدفوعة بأن ذلك
إنما هو من جهة أن الشارع جعلها سبباً لترتب الأثر الشرعيوموضوعاً له، ومن الواضح
أن قصد موضوعية الموضوع غير معتبر فيموضوعيته، وكذلك قصد سببية السبب.
هذا إضافة إلى أن البائع إذا كان في مقام إنشاء البيع وكان جاداً في ذلك، فلامحالة
يكون قصد التسبيب موجوداً في أعماق نفسه ارتكازاً، فلا يلزم قصدهتفصيلاً، إلا أن
يكون مرادهقدس سره من قصد التسبيب أعم من قصده ارتكازاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن ألفاظ المعاملات المعنونةبعناوين
خاصة أسام لها، شريطة وجدانها للعناصر الثلاثة المتقدمة.
أما الدعوى الثانية، فلأنه إن اُريد بالمسبب الشرعي نفس الحكم الشرعي،وهو حليّة
إيجاد البيع والترخيص فيه الذي هو مفاد أدلة الامضاء، فلا شبهة فيأن المعاملات
ليست أسامي له، فإن المعاملات موضوعة ومتعلقة له، وإن أريدبه الأثر الشرعي القانوني
الذي هو نتيجة أدلة الامضاء، فلا اثنينية بين السببوالمسبب حينئذ إلا بالاعتبار،
لأن تمليك عين بعوض كما في البيع سبب بلحاظأنه تحقق بانشاء البائع بالمباشرة، ومسبب
بلحاظ أن الشارع أحل هذا التمليكوأقرّه وأمضاه، فالممضى هو نفس التمليك المذكور
الذي هو فعل البائع، وبعدتعلق الامضاء به اتصف بالشرعي، وعلى هذا الأساس فليس هنا
فردان منالتمليك لا في عالم الخارج ولا في عالم الاعتبار، بل فرد واحد من التمليك
وهوالمنشأ من البائع بالقصد والاختيار، وحينئذ فإذا تعلق به الامضاء من قبلالشارع
صحّ إسناده إليه أيضاً، فلا اختلاف بينهما إلا بالاعتبار والاضافة، فإنهباعتبار
إضافته إلى الشارع مسبب، وباعتبار اضافته إلى البائع سبب.
وبكلمة أوضح إن الانشاء الشخصي الصادر من البائع في باب البيع كتمليكعين بعوض،
تارة يكون مورداً لامضاء الشارع إذا كان واجداً لشرائطالامضاء، واُخرى لا يكون
مورداً له كما إذا لم تتوفر فيه الشروط المعتبرة من قبلالشارع، ولكن يكون مورداً
لامضاء العقلاء بلحاظ توفر شروط إمضائهم فيه،وثالثة لا يكون مورداً لا لهذا ولا
لذاك.
أما على الأول، فلأن للمنشأ بهذا الانشاء الشخصي ثبوت وتحقق في عالمالاعتبار
والانشاء لدى الشارع، وكان يتصف بالصفة الشرعية ويترتب عليهآثاره، ولا اثنينية بين
ما يسمى بالسبب وما يسمى بالمسبب ذاتاً وحقيقة،فالاختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار،
وعلى هذا الأساس لا معنى للنزاع في أنألفاظ المعاملات موضوعة للسبب أو المسبب إلا
إذا كانت حيثية إضافته إلىالشارع دخيله في المسمى، وهي غير محتملة.
وأما على الثاني، فلأن للمنشأ بهذا الانشاء الشخصي ثبوت وتحقق فيعالمالاعتبار
والانشاء لدى العقلاء دون الشرع، أي لا ثبوت له في هذاالعالملدى الشارع، ومن هنا
يكون البيع صحيحاً عند العقلاء ولا يكونصحيحاًعند الشارع.
وأما على الثالث، فلأنه لا ثبوت للمنشأ بالانشاء المذكور لا عند الشارعولا عند
العقلاء، باعتبار أن شروط الصحة غير متوفرة فيه مطلقاً حتى عندالعقلاء، وإنما له
ثبوت وتحقق شخصي عند المتعاملين مع علمهما بعدم ثبوته لاعند الشارع ولا عند
العقلاء.
ومن هنا يظهر أن المراد من المسبب ليس هو نفس إمضاء الشارع وحكمهبالحلية، بل
المراد منه هو الممضى والمحلل شرعاً الذي هو متمثل في الملكيةالمنشأة بإنشاء
المتعاملين أو الزوجية المنشأة بإنشاء المتعاقدين في باب النكاحوهكذا، فالنتيجة
أنه لا تعدد بين السبب والمسبب ذاتاً وحقيقة، والاختلافبينهما إنما هو بالاعتبار،
هذا.
وقد يقال: إن السبب عبارة عن أداة الانشاء فحسب من لفظ أو ما يقوممقامه، وهو غير
المسبب الذي هو عبارة عن مضمون المعاملة، وهو الملكيةأوالزوجية.
ولكن هذا القول غير صحيح، إذ من الواضح جداً أن المراد من السبب ليسهو نفس الأداة
للانشاء، بل هي أداة للسبب الذي هو نفس إنشاء مضمونالمعاملة بها عن جد.
إلى هنا قد تبين أن المعاملة كالبيع أو نحوه اسم لمجموع العناصر الثلاثةالمتقدمة.
الجهة السابعة: قد عرفتم أن المعاملات متقومة بالعناصر والأركان الثلاثة،ونتيجة ذلك
أنها موضوعة للأعم، وهو الجامع بين ما ينطبق على المعاملةالمشتملة على الأركان
الثلاثة فقط والمشتملة عليها وعلى غيرها من الأجزاءوالشروط غير المقومة على حد
سواء، نظير ما ذكرناه في باب العبادات،ويدلعلى ذلك أمران:
الأول: صحة إطلاق المعاملة على المعاملة الفاسدة كإطلاقها على المعاملةالصحيحة بلا
فرق بينهما في ذلك، مثلاً إطلاق البيع على البيع الفاسد كإطلاقهعلى البيع الصحيح
على حد سواء، وهذا يكشف عن أن المعنى الموضوع له هوالجامع بين الصحيح والفاسد،
واللفظ مستعمل فيه دائماً، وإرادة كل من الخاصإنما هي بدال آخر من باب تعدد الدال
والمدلول.
نتيجة بحث الصحيح والأعم ...
الثاني: أن النبي الأكرمصلى الله عليه وآله منذ بداية الوحي قد طرح نفس هذه
الأسماء فينصوص الكتاب والسنة لإفادة معانيها على المجتمع الاسلامي من
الصحابةوالتابعين له بدون أي استغراب منهم على هذا الطرح، بل يظهر منها أنهم
كانوامأنوسين بها، وهذا يدل على أن المعاملات كانت موجودة بنفس تلك الأساميقبل
الاسلام ودارجة بها بين العرب في الجزيرة، إذ من الواضح أنها لولم تكندارجة بين
الناس قبل الاسلام بنفس الأسامي الموجودة في نصوص الكتابوالسنة، بأن تكون موجودة
بأسامي ولغات اُخرى من العبرانية أو السريانية،لكان طرح النبي الأكرمصلى الله عليه
وآله المعاملات منذ بداية الوحي بهذه الأسماء والألفاظالعربية الخاصة أمراً
مستغرباً عندهم، حيث إنهم كانوا مأنوسين بألفاظ اُخرىدون هذه الألفاظ، فعدم
استغرابهم من هذا الطرح، يكشف عن أنها كانتموجودة بنفس هذه الألفاظ قبل الاسلام،
غاية الأمر أن الشارع بعد الاسلام قداعتبر فيها جزءاً أو شرطاً أو مانعاً لم يكن
معتبراً فيها عند العقلاء ولا مانعاً،ومن هنا لا ملازمة بين الصحيح لدى العقلاء
والصحيح عند الشارع، فربّما تكونالمعاملة صحيحة عند العقلاء ولا تكون صحيحة عند
الشارع.
فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا شبهة في أن المعاملات موضوعة للأعمدونالصحيح.
نتيجة بحث الصحيح والأعم تمثل عدة نقاط:
الاُولى: أن النزاع في وضع أسماء العبادات والمعاملات للصحيح أو الأعميجري على
جميع الأقوال في مسألة الحقيقة الشرعية، أما على القول بوضعها منقبل الشارع بإزاء
المعاني الشرعية فالأمر واضح، وكذلك على القول بوضعهابإزاء تلك المعاني قبل الاسلام
، وأما على القول بالمجاز، فالصحيح في تصويره أنيقال: إن مفاد القرينة العامة التي
يعتمد عليها الشارع في استعمال هذه الألفاظالخاصة في المعاني الشرعية مجازاً، هل هو
استعمال الشارع تلك الألفاظ فيالمعاني الصحيحة وإرادة الأعم بحاجة إلى قرينة خاصة،
أو استعمالها في الأعموإرادة الصحيحة بحاجة إلى قرينة خاصة؟ والأعمي يدعي الأول،
والصحيحييدعي الثاني على تفصيل تقدم.
الثانية: أن تفسير الصحة بمعنى التمامية غير واقعي، لأن التمامية بمعنى
وجدانالشيء لذاته وذاتياته ليست مساوقة للصحة، سواء كان ذلك الشيء بسيطاً
أممركباً، وكذلك بمعنى وجدان الشيء للأجزاء والشرائط، بل الظاهر أن التماميةبمعنى
وجدان الشيء للحيثية المطلوبة منه مساوقة للصحة، وهذه الحيثية هيحيثية إسقاط
القضاء والاعادة وموافقة الشريعة في العبادات.
الثالثة: قد تقدم أنه لا شبهة في أن الصحة من ناحية الأجزاء والشرائط علىالقول
بالصحيح معتبرة في مسمى العبادة كالصلاة ونحوها، ولا طولية بينهما لا فيعالم
الوجود ولا في عالم آخر، وأما الصحة من ناحية قصد القربة، فهي منوطةبإمكان أخذه في
المسمى الذي هو متعلق الأمر، وأما الصحة من ناحية عدمالمزاحم والنهي عن العبادة،
فلا تكون مأخوذة في المسمى.
الرابعة: أن على كل من الصحيحي والأعمي تصوير جامع بين أفرادالعبادات لكي تكون
أسماؤها موضوعة بإزاء ذلك الجامع، فعلى الصحيحيتصويره بين الأفراد الصحيحة، وعلى
الأعمي تصويره بين الأعم منها ومنالفاسدة، على أساس أن احتمال الاشتراك اللفظي أو
الوضع العام والموضوع لهالخاص غير موجود على تفصيل تقدم سابقاً.
الخامسة: أن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أنه لا ضرورة تدعو إلى تصويرجامع
بين أفراد العبادات على كلا القولين في المسألة، غير تام على ما تقدم.
السادسة: أن المحقق الخراسانيقدس سره قد استدل على وجود جامع بين الأفرادالصحيحة
بقاعدة فلسفية، وهي أن »الواحد لا يصدر إلا من واحد« علىأساس اشتراك تلك الأفراد
في أثر واحد، ولكن تقدم أنه لايمكن تطبيق تلكالقاعدة عليها في المقام.
السابعة: أنه لا يعقل وجود جامع ذاتي بسيط بين الأفراد الصحيحة، باعتبارأن الصلاة
مركبة من حقائق مختلفة ومقولات متباينة، والجامع الذاتي بين تلكالمقولات غير
معقول.
الثامنة: أنه لا يتصور وجود جامع مركب بين الأفراد الصحيحة، لأن كلمركب فرض أنه
جامع، فهو صحيح في حالة وفاسد في حالة اُخرى، فلا يمكنتصويره بينها في تمام
الحالات.
التاسعة: أن ما ذكره المحقق العراقيقدس سره - من أن الجامع بين الأفراد
الصحيحةلاينحصر بالجامع الذاتي ولا بالجامع العنواني لكي يقال إن الأول
غيرمتصور،والثاني لم يوضع اللفظ بإزائه، بل هنا جامع ثالث وهو الجامعالوجودي بينها
- غير تام.
العاشرة: أن ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره - من أن الجامع بين الأفرادالصحيحة
سنخ عمل مبهم من جميع الجهات إلا من حيث كونه مطلوباً في أوقاتخاصة أو من حيث أثره
الخاص كالناهي عن الفحشاء والمنكر - غير تام.
الحادية عشرة: أن ما ذكره المحقق القميقدس سره - من أن أسماء العبادات
كالصلاةمثلاً موضوعة بإزاء الأركان فقط، وأما بقية الأجزاء والشرائط، فهي دخيلة
فيالمأمور به دون المسمى - غير بعيد على تفصيل تقدم.
الثانية عشرة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن ألفاظ العبادات موضوعةبإزاء
الأركان بنحو لا بشرط بالنسبة إلى سائر الأجزاء والشرائط، بمعنى أنهاعند وجودها
داخلة في المسمى وعند عدمها خارجة عنه - غير تام، لأن الماهيةلا بشرط هي الماهية
المطلقة في مقابل الماهية بشرط شيء وبشرط لا التي هيالماهية المقيّدة بالوجود أو
بالعدم، والاطلاق إما بمعنى رفض القيود كما هومختارهقدس سره أو بمعنى عدم التقييد
كما قويناه، فعلى كلا التقديرين ليس معنى لابشرط دخول سائر الأجزاء والشرايط في
المسمى عند وجودها وعدم دخولهافيه عند عدم وجودها، فإن ما ذكرهقدس سره من التفسير
لكلمة لا بشرط ليستفسيراً لها على ما تقدم.
الثالثة عشرة: أن ما أورده المحقق النائينيقدس سره من أن شيئاً واحداً لا يمكن
أنيكون داخلاً في المركب عند وجوده وخارجاً عنه عند عدمه، مبني على الخلطبين
المركبات الحقيقية والمركبات الاعتبارية، فما أفادهقدس سره تام في
المركباتالحقيقية دون الاعتبارية.
الرابعة عشرة: يمكن القول بأن ألفاظ المركبات الاعتبارية كالعباداتونحوها، موضوعة
بإزاء مفهوم منتزع من تجمع الأجزاء بنحو الابهام المنطبقعلى تجمع الأركان وحدها
وعلى تجمع المشتمل عليها وعلى الأجزاء والشرائطالاُخرى، ولكن تقدم أن هذا القول
أيضاً غير تام.
الخامسة عشرة: أن الأركان المأخوذة في المسمى طبيعي الأركان بعرضهاالعريض ومراتبها
الطويلة، فالمأخوذ الطهارة الحدثية الجامعة بين الطهارة المائيةوالترابية، والركوع
الجامع بين ركوع القائم وركوع الجالس وهكذا، هذا إذا كانبين البدل والمبدل جامع،
وإلا فالمأخوذة كل منهما على البدل، وما عن السيدالاُستاذ من أن الأركان مأخوذ فيه
على سبيل البدل، لا يتم مطلقاً.
السادسة عشرة: أن حديث لا تعاد لايدل على أن الخمسة ركن وتدورالصلاة مدارها وجوداً
وعدماً، بل يدل على أنها دخيلة في صحة الصلاة حتى فيحال النسيان، وأما روايات
التكبيرة، فإنها أيضاً لا تدل على أنها ركن مقومةللصلاة، نعم رواية التثليث تدل على
أن الثلاثة مقومة للصلاة ويدور صدقهامدارها وجوداً وعدماً، ولكنها لاتدل على أنها
مسمى الصلاة فقط، وقد تقدمتفصيل ذلك.
السادسة عشرة: أن القول بوضع الصلاة بإزاء معظم الأجزاء، لايرجع إلىمعنى محصل كما
مرّ.
الثامنة عشرة: الصحيح أن أسماء العبادات موضوعة بإزاء الأعمدونالصحيحة.
التاسعة عشرة: أن الثمرة لا تظهر بين القولين في الاُصول العملية، فإن المرجععلى
كلا القولين أصالة البراءة.
العشرون: أن الثمرة تظهر بين القولين بالنسبة إلى الاُصول اللفظية، فإنهعلىالقول
بالأعم لا مانع من الرجوع إلى إطلاق الأدلة من الكتاب والسنة عندالشك في جزئية شيء
أو شرطية آخر، وأما على القول بالصحيح، فلا يمكنالتمسك بإطلاقها.
الحادية والعشرون: الصحيح أن معنى المعاملة أمر إنشائي منشأ بصيغةخاصة من قول أو ما
يقوم مقامة، فإذا كان المتعامل جاداً في ذلك ومتوفراًشروطه، ترتب عليه أثره، وليس
معناه اعتبار الأمر النفساني في اُفق النفسوإبرازه بمبرز ما في الخارج من قول أو
فعل كما بنى عليه السيد الاُستاذقدس سره.
الثانية والعشرون: أن محل النزاع في وضع أسماء المعاملات للصحيح أوللأعم، هل هو
بنظر الشرع أو العقلاء؟ فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى أنه بنظرالعقلاء وعدم إمكان
أن يكون بنظر الشارع، إذ لو كانت موضوعة للصحيح بنظرالشارع، استحال تعلق دليل
الامضاء به، لأن مفاد دليل الامضاء صحةالمعاملة، فلو كانت صحيحة في المرتبة
السابقة، لكان معنى تعلقه بها أن المعاملةالصحيحة صحيحة، وهذا كما ترى.
ولكن الصحيح إمكان هذا النزاع بنظر الشارع أيضاً، لأن ما ذكرهقدس سره منالمحذور
مبني على وضع أسماء المعاملات للصحيح بالحمل الأولي، وهو مفهومالصحيح المتقوم
بالامضاء، وأما وضعها بإزاء واقع الصحيح - وهو المركب التاممن الأجزاء والشرائط
الواجد للأثر المطلوب منه - فلا مانع من وضعها بإزائه،كما هو الحال في العبادات على
ما تقدم تفصيله.
الثالثة والعشرون: أن المعاملات بمعنى المسببات لا تتصف بالصحة والفساد،بل بالوجود
تارة وبالعدم اُخرى إذا كان المراد بالمسبب ترتب الأثر الشرعي أوالعقلائي ، كما هو
ظاهر المشهور، وأما لوكان المراد به الأمر الانشائي المنشأ منقبل المتعاملين
بصيغته الخاصة من لفظ أو ما يقوم مقامه كالملكية أو الزوجية،فهو يتصف بالصحة تارة
وبالفساد اُخرى.
الرابعة والعشرون: يجوز التمسك بإطلاق أدلة الامضاء على كلا القولين فيالمسألة،
ولا تظهر الثمرة بينهما بناء على ما هو الصحيح من أن المعاملات اُمورعرفية عقلائية،
إذ على هذا فالصحيح عند العقلاء أعم منه عند الشارع، فلامانع حينئذ من التمسك
بإطلاق أدلة الامضاء إذا شك في اعتبار شيء فيها شرعاً،لأن صدق اللفظ بما له من
المعنى على الفاقد للشيء المشكوك فيه محرز، والشكإنما هو في اعتبار أمر زائد
عليه، نعم تظهر الثمرة بينهما إذا شك في اعتبار شيء فيهاعند العقلاء، فإنه على
القول بالأعم يجوز التمسك بالاطلاق دون القولبالصحيح، وكذلك لو كان هذا النزاع عند
الشارع، كما هو الحال في العبادات.
الخامسة والعشرون: أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره - من أن أدلة الامضاء لوكانت
متجهة إلى إمضاء المعاملات بمعنى المسببات، فهي تدل على إمضاء أسبابهاأيضاً
بالالتزام - لا يتم.
السادسة والعشرون: أن أسماء المعاملات موضوعة بإزاء الأسباب التي هيمتمثلة في
العناصر الثلاثة:
1 - أداة الانشاء من لفظ أو ما يقوم مقامه.
2 - إنشاء مضمون المعاملة بها.
3 - أن يكون جاداً في ذلك.
المشتق ...
الرابع عشر: المشتق
ها هنا جهات من البحث.
الجهة الاُولى: في تنقيح موضوع البحث وتحديده سعةً وضيقاً.
وغير خفي أن موضوع البحث في المسألة ومحوره الاسم في مقابل الفعلوالمصدر، فإنهما
خارجان عن محل النزاع كما سوف نشير إليه.
ثم إن الاسم على أنواع.
النوع الأول: متمثل في الاسم الذي يكون مفهومه منتزعاً عن مقام ذاتهوذاتياته، وهي
جنسه وفصله الذاتيين بلا دخل لأي شيء خارج عن مقام ذاتهوذاتياته فيه، وذلك كمفهوم
الانسان والحيوان والشجر والحجر وما شاكل ذلك،فإن تلك المفاهيم منتزعة عن ذوات هذه
الأسماء بذاتها وذاتياتها على أثر اتصافتلك الذوات بالمبادىء الذاتية لها، كاتصاف
ذات الانسان بصورته النوعية وهيصورة الانسانية، فإن هذا الاتصاف هو المنشأ لانتزاع
مفهوم الانسان وهكذا.
النوع الثاني: متمثل في الاسم الذي يكون مفهومه منتزعاً عن أمر خارج عنذاته
وذاتياته بملاك اتصاف ذاته به، وذلك كمفهوم الزوج والزوجة والرق والحروما شابه ذلك.
النوع الثالث: متمثل في الاسم الذي يكون وصفاً اشتقاقياً، وذلك كأسماءالفاعلين
والمفعولين والصفات المشبهات بالفعل وأسماء الأزمنة والأمكنة ونحوذلك، هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن دخول كل اسم في موضوع البحث منوط بتوفرأمرينفيه:
أحدهما: أن يكون الاسم جارياً على الذات المتلبّسة بالمبدأ بنحو من أنحاءالتلبس
ومحمولاً عليه حقيقة.
وثانيهما: بقاء الذات في حال انقضاء المبدأ عنها وعدم استحالة ذلك، بأنتكون الذات
جامعة بين الفرد المتلبس بالمبدأ والفرد المنقضى عنه المبدأ.
وعلى ضوء هذا الأساس فالنوع الأول من الأسماء خارج عن موضوع النزاعفي المسألة،
لعدم توفر شيء من الشرطين فيه، أما عدم توفر الشرط الأول فلأنهعين ذاته وذاتياته،
فلذلك لايمكن حمله عليها إلا بالحمل الأولي الذاتي لابالشائع الصناعي، لأن حمل
الانسان على الحيوان الناطق حمل أولي لا شائع،وأما عدم توفر الشرط الثاني فلأن بقاء
الذات فيه مع انقضاء المبدأ عنهامستحيل، على أساس أنه ذاتي لها من الذاتي باب
الكليات، ولا يعقل بقاء ذاتالانسان مع زوال صورته النوعية.
وأما النوع الثاني من الأسماء، فالظاهر أنه داخل في محل النزاع، على أساسأن كلا
الشرطين متوفر فيه، أما توفر الأول فلمكان صحة حمله على الذات،كقولك زيد زوج أو رق
أو حر وهند زوجة وهكذا. وأما توفر الثاني فلأنالذات لا تنتفي بانتفاء المبدأ عنها،
لأنه ليس من مقوماته.
وأما النوع الثالث، فهو القدر المتيقن من دخوله في محل النزاع.
فالنتيجة أن دخول كل اسم في محل النزاع منوط بتوفر الشرطين المذكورينفيه. ومن هنا
يظهر أن خروج الأفعال والمصادر عن محل النزاع إنما هو من جهةعدم توفر الشرط الأول
فيهما، وهو صحة الحمل والجري على الذات.
قد يقال كما قيل: إن لازم اعتبار الشرط الثاني خروج مجموعة كبيرة منالعناوين
الاشتقاقية عن محل النزاع.
منها العناوين التي تكون مبادئها من لوازم ذواتها، فيستحيل انفكاكها عنهاخارجاً،
وذلك كالممكن والممتنع والواجب والمعلول والعلة وما شاكل ذلك،فإن مبادىء هذه
العناوين وإن كانت حيثية عرضية لها، إلا أنها لازمة لذاتهاولايمكن زوالها عنها إلا
بزوال ذاتها، ولهذا تكون تلك المبادىء من الذاتي بابالبرهان، مثلاً إمكان الممكن
منتزع عن مقام ذاته لا عن شيء خارج عن ذاته،وإلا لزم أن يكون الممكن خالياً عن
الامكان في مرتبة ذاته، وهذا مستحيل،لاستلزام ذلك انقلاب الممكن إلى أحد أخوية،
ونفس الشيء يقال في الواجبوالممتنع والمعلول والعلة ونحوها.
فمن أجل ذلك ذهب المحقق النائينيقدس سره إلى خروج هذه العناوين عن محلالنزاع
كالعناوين الذاتية، ولا معنى للبحث عن أنها موضوعة لخصوص المتلبسبالمبدأ فعلاً أو
للجامع بينه وبين المنقضي عنه المبدأ، باعتبار أن انقضاء المبدأ عنهالا يتصور إلا
بانقضاء نفس الذات في الخارج.
وإن شئت قلت: إن المواد الثلاث وهي الوجوب والامكان والامتناع وإنكانت خارجة عن
ذات الشيء وذاتياته، إلا أنها منتزعة عن مقام ذاته لا عنشيء خارج عن ذاته، ولهذا
تكون من الخارج المحمول، ولا يعقل خلوّ شيء منالأشياء في الواقع عن إحدى هذه
المواد الثلاث في الخارج، ومن هذا القبيلالعلية والمعلولية، فإنهما منتزعتان عن
مقام ذات العلة وذوات المعلول، وهما وإنكانتا خارجتين عن مفاد ذاتيهما ولكن لايعقل
زوالهما مع بقاء الذات، وإلا لزماتصاف ذات العلة وذات المعلول بغيرهما، وهو كما
ترى(5).
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن وضع الهيئات لو كانشخصياً كوضع
المواد، فلا يمكن دفع هذا الاشكال، ضرورة أنه لا معنى للبحثحينئذ عن أن هذه
الهيئات الخاصة موضوعة لخصوص الذات المتلبسة بالمبدأفعلاً أو للأعم منها ومن الذات
المنقضية عنها المبدأ رغم أن بقاء الذات فيها معانقضاء المبدأ عنها مستحيل، وأما
إذا كان وضعها نوعياً كما هو كذلك، فلا مجاللهذا الأشكال، لأن النزاع عندئذ إنما
هو في وضع الهيئة الجامعة بين الهيئاتالخاصة التي لا يمكن فيها بقاء الذات مع زوال
المبدأ عنها والهيئات الاُخرى التييمكن فيها بقاء الذات مع زوال المبدأ عنها، لأن
البحث عن وضع الهيئة الجامعةسعةً وضيقاً لا يكون لغواً بعدما كانت الذات باقية بعد
زوال المبدأ في جملة كثيرةمن أفرادها، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن النزاع إنما
هو في وضع هيئة»مفعول« وهيئة »فاعل« وهيئة »مفعل«، ومن الواضح أن هذه الهيئات
لاتختص بالمواد التي هي منتزعة عن مقام ذاتها وذاتياتها ولازمة لها، بحيث لايعقل
زوالها مع بقاء ذاتها، كالممكن والممتنع والواجب والعلة والمعلولونحوهالكي لا يجري
النزاع فيها، بل تشمل ما يمكن فيه بقاء الذات مع زوالالتلبس بالمبدأ وانقضائه
عنها، كالمقيم والمنعم والضارب والمالك والمملوكوالقادر والمقدور وهكذا.
والخلاصة أن وضع الهيئات بما أنه نوعي، فلا موجب لخروج تلك العناوينعن محل النزاع.
فإن الخارج عن محل النزاع أمران لا غير.
الأول العناوين الذاتية، والثاني الأفعال والمصادر(6). هذا،
ويمكن التعليق على ذلك بتقريب أنه لا مانع من الالتزام بدخول تلكالعناوين في محل
النزاع حتى القول بأن وضع الهيئات شخصي كوضع المواد،وذلك لأن استحالة وجود فرد في
الخارج لا تمنع عن إمكان الوضع بإزاء مفهومجامع بينه وبين فرد آخر إذا كان الجامع
قابلاً للتصور واللحاظ.
وعلى هذا فدخول العناوين المذكورة في محل النزاع مبتن على ركيزتين:
الاُولى: إمكان تصور الجامع بين الفرد المتلبّس والمنقضي.
الثانية: أن استحالة تحقق الفرد المنقضي في الخارج لاتمنع عن الوضع بإزاءالجامع.
أما الركيزة الثانية فالظاهر أنه لا وجه للنقاش فيها، إذ استحالة أحد فرديالجامع
في الخارج لا تمنع عن إمكان الوضع بإزاء جامع بينه وبين الفرد الآخر،وعلى هذا فلا
مانع من وضع المشتق بإزاء جامع بين المتلبّس بالمبدأ فعلاً وبينالمنقضي عنه المبدأ
وإن استحاال وجود الفرد المنقضي في الخارج.
ودعوى أن مثل هذا الوضع لغو ولا فائدة فيه، مدفوعة بأنه إنما يكون لغواًإذا كان
الفرض مترتباً على فرده في الخارج، وهو خصوص المتلبس في المقام،بحيث لا يستعمل
اللفظ إلا فيه دون الجامع، وأما إذا فرض أن اللفظ مستعملفيالجامع واستفادة الفرد
إنما هي بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول،فلايكون لغواً.
فالنتيجة، أن الجامع بين المتلبس والمنقضي إذا كان متصوراً، فاستحالةوجود الفرد
المنقضي في الخارج لا تمنع عن الوضع بإزاء الجامع.
وأما الركيزة الاُولى: فقد يقال إن الجامع بين الفرد المتلبّس والمنقضي فيالعناوين
المذكورة غير متصور حتى يكون اللفظ موضوعاً بإزائه، فلذلك تخرجعن محل النزاع،
فيكون حالها من هذه الناحية حال العناوين الذاتية، فكما أنالجامع بينهما في تلك
العناوين غير متصور، لاستلزامه التناقض في عالم التصورواللحاظ، فكذلك في هذه
العناوين.
بيان ذلك أن تصور الجامع بين الذات المتلبسة بالامكان مثلاً والذات الفارغةعنها
الامكان يستلزم في نفس الوقت عدم تصوره بينهما، على أساس أن الذاتالفارغة عنها
الامكان ليست بذات الممكن حتى يكون هذا الجامع جامعاً بينفرديها، وهذا هو معنى
التناقض في عالم التصور واللحاظ، كما هو الحال فيالعناوين الذاتية.
والخلاصة أن خروج هذه العناوين العرضية عن محل النزاع ليس من جهةاستحالة وقوع الفرد
المنقضي فيها خارجاً، بل من جهة عدم إمكانتصورالجامع بين الفردين فيها واستلزامه
التناقض في هذه المرحلة أي مرحلةالتصور. هذا،
والجواب، أن استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثاني تتصورعلىنحوين:
الأول: أنها وقوعية فعلية، لا ذاتية منطقية.
الثاني: أنها ذاتية منطقية.
وعلى هذا فالاستحالة إن كانت على النحو الأول، فهي لاتمنع عن تصورالجامع بينهما في
عالم المفهوم، وإن كانت على النحو الثاني تمنع عن تصوره،وحيث ان استحالة الانفكاك
في تلك العناوين وقوعية فعلية لا ذاتية منطقية، فلاتمنع عن حضور الجامع بين فردي
المتلبس والمنقضي فيها، وذلك لأن المبدأ فيالعناوين المذكورة مغاير للذات مفهوماً
ومصداقاً، غاية الأمر أنه لا ينفك عنهاخارجاً، لأنه من لوازمها الذاتية من الذاتي
باب البرهان، ولكن ذلك لا يمنع عنتصور الجامع بينهما، لأن المبدأ إذا كان مغايراً
مع الذات كما هو المفروض فيالعناوين المذكورة، أمكن تصور الذات فارغة ومنقضية عنها
المبدأ في عالمالتصور واللحاظ، ولا يلزم من ذلك عدم تصورها حتى يكون
تصورهامستحيلاً بملاك التناقض في نفس عالم التصور واللحاظ، وإنما يلزم ذلك إذا
كانالمبدأ عين الذات حقيقة كما في العناوين الذاتية كالانسان والحيوان
ونحوهما،فإنه لا يمكن تصور ذات الانسان فارغة عن مبدئها وهو الانسانية التي
هيصورتها النوعية المقومة، بداهة أن تصورها كذلك ليس تصوراً لها في نفسالوقت،
فيلزم حينئذ التناقض في عالم التصور واللحاظ، وهو مستحيل.
وبكلمة، إن تصور الشيء بدون صورته النوعية المقومة له وبقطع النظر عنهاليس تصوراً
له، وهذا معنى أنه يلزم من تصوره كذلك عدم تصوره، وما يلزممن تصوره عدم تصوره،
فتصوره مستحيل، وأما تصور ذات الممكن بدونالامكان وبقطع النظر عنه، فهو بمكان من
الامكان، باعتبار أن مبدئها مغاير لها،فلا مانع من التفكيك بينهما في عالم التصور
واللحاظ، وإنما لا يمكن ذلك في عالمالواقع والخارج، وعلى هذا فبإمكان الواضع تصور
الجامع بين الذات المتلبسةبالامكان والذات الفارغة عنها الامكان ووضع لفظ »الممكن«
بإزائه، ونفسالشيء يقال في نظائره، غاية الأمر أن تحقق الفرد المنقضي في الخارج
مستحيل.
فالنتيجة أن استحالة وقوع الفرد المنقضي في الخارج لا تمنع عن دخولالعناوين
المذكورة في محل النزاع ووضع اللفظ بإزاء الجامع بعد إمكان تصوره.
ومن هنا يظهر أن المراد من استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثانيهو
الاستحالة الذاتية المنطقية، وحينئذ فاشتراط عدمها مساوق لاشتراطالمغايرة بين
المبدأ والذات ولو كان المبدأ لازماً لها خارجاً، وأما إذا كان المبدأمتحداً مع
الذات ومقوماً لها حقيقة وذاتاً، فلا يكون هذا الشرط متوفراً فيه كمافي العناوين
الذاتية مثل الانسان والحيوان والشجر والحجر ونحوها، فإن مبدأالانسان المتمثل في
صورته النوعية المقومة وهي الانسانية لا يعقل انفكاكه عنهلا في عالم الخارج ولا في
عالم التصور واللحاظ، بداهة أنه لا يمكن تصور ذاتالانسان فارغة عن الانسانية، لأنه
ليس تصوراً لها، فيلزم حينئذ من فرضتصورها عدم تصورها، وهو مستحيل.
إلى هنا قد تبين أن العناوين العرضية التي يكون مبدؤها لازماً لذاتها منالذاتي باب
البرهان، داخلة في محل النزاع حتى على القول بأن وضع الهيئاتشخصي، وأما العناوين
الذاتية التي يكون مبدؤها مقوماً لذاتها من الذاتي بابالكليات، فهي خارجة عن محل
النزاع.
ومنها ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن أسماء الأزمنة خارجة عن محلالنزاع،
بتقريب أن الشرط الثاني وهو إمكان انخفاظ الذات مع زوال المبدأ عنهاغير متوفر فيها،
باعتبار أن الذات فيها هي نفس الزمان، وهو ينصرم آناً فآناًولا يعقل انخفاظه
وبقاؤه، وعلى هذا فالزمان الذي وقع فيه المبدأ فقد انصرمومضى، والزمان الذي هو
موجود فعلاً لم يقع فيه المبدأ، ونتيجة ذلك أن الشرطالثاني غير متوفر فيها، فلذلك
تكون خارجة عن محل النزاع(7).
وقد اُجيب عن ذلك بوجوه:
الأول: ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن هذا الاشكال مبني على أن يكونلأسماء
الأزمنة وضع على حدة في قبال أسماء الأمكنة، ولكن الأمر ليس كذلك،فإن الهيئة
المشتركة بينهما وهي هيئة »مفعل« موضوعة بوضع واحد لمعنى واحدكلي، وهو ظرف وقوع
الفعل في الخارج أعم من أن يكون زماناً أو مكاناً، وقدمرّ أن النزاع في المقام إنما
هو في وضع الهيئة بلا نظر إلى مادة دون مادة، فإذا لميعقل بقاء الذات في مادة مع
زوالها، لم يوجب ذلك عدم جريان النزاع في الهيئةنفسها التي هي مشتركة بين ما يعقل
فيه بقاء الذات مع انقضاء المبدأ عنها وما لايعقل فيه ذلك، وحيث إن الهيئة في محل
البحث وضعت لوعاء المبدأ الجامع بينالزمان والمكان، كان النزاع في وضعها لخصوص
المتلبس أو الأعم نزاعاًمعقولاً، غاية الأمر أن الذات إذا كانت زماناً لم يعقل
بقاؤها مع زوال التلبّس عنالمبدأ، وإذا كانت مكاناً يعقل فيه ذلك، ولا مانع من وضع
اللفظ للجامع بينالفرد الممكن والممتنع إذا تعلقت الحاجة بتفهيمه. نعم، لو كانت
هيئة اسم الزمانموضوعة بوضع على حدة لخصوص الزمان الذي وقع فيه الفعل، لم يكن
مناصمن الالتزام بخروج اسم الزمان عن محل النزاع(8)، وقد سبقه في هذا
الجوابالمحقق الأصبهانيقدس سره(9).
ولنا تعليق على هذا الجواب، وحاصل هذا التعليق هو أن هيئة اسمي الزمانوالمكان وإن
كانت هيئة واحدة ومشتركة بينهما، إلا أن اشتراكهما فيها إنما هو فياللفظ فقط لا في
المعنى، وذلك لأن معنى كل من اسمي الزمان والمكان معنىحرفي، وليس معناه مفهوم
الظرفية بالحمل الأولى الذي هو مفهوم اسمي، بلواقع الظرفية الذي هو ظرف بالحمل
الشائع ونسبة بين الظرف والمظروف،وحيث إن النسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود
طرفيها، فبطبيعة الحالتختلف النسبة الظرفية في ظرف الزمان عن النسبة الظرفية في
ظرف المكان، علىأساس أن شخص طرفيها في الأول يختلفان عن شخص طرفيها في الثاني،
فإذنلا محالة تختلف النسبتان ولا يعقل اشتراكهما في جامع ذاتي، لما ذكرناه في
بحثالحروف من أن الجامع الذاتي بين أنحاء النسب والروابط غير معقول، لأنالمقومات
الذاتية لكل نسبة مباينة للمقومات الذاتية للنسبة الاُخرى، ومعإلغائها فلا نسبة في
البين، ومع الحفاظ عليها، فالنسب وإن كانت ثابتة إلا أنهامتباينات بالذات والحقيقة.
وعلى هذا فما أفادهقدس سره من أن هيئة »مفعل« موضوعة بوضع واحد لمعنىواحد كلي فلا
يمكن المساعدة عليه، لأنه إن اُريد بالمعنى الكلي الجامع الذاتي بينظرف الزمان
وظرف المكان، فقد عرفت أن الجامع الذاتي بينهما غير متصور،وإن اُريد به الجامع
العنواني الانتزاعي، فهو وإن كان أمراً معقولاً وجامعاًبينهماإلا أن الهيئة
المشتركة لم توضع بإزائه، لأنه مفهوم اسمي لا حرفي، ومعنىالهيئة معنى حرفي.
ودعوى أنه لا مانع من الالتزام بوضع الهيئة للنسبتين بالوضع العاموالموضوع له
الخاص، بأن يتصور الواضع الجامع العنواني بينهما، وهوعنوانالظرفية ويوضع اللفظ
بإزاء واقعه وهو النسبتان بنحو الوضع العاموالموضوع له الخاص.
مدفوعة بأن لازم ذلك أن الصيغة المشتركة لا تدل على خصوصية كونالظرف زمانياً أو
مكانياً إلا بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، باعتبار أنحالها حينئذ حال
اللفظ المشترك بين معنيين أو أكثر مع أن الأمر ليس كذلك،فإن الصيغة بنفسها تدل على
الخصوصية من الزمانية أو المكانية.
ولكن غير خفي أن هذا الدفع لا يخلو عن تأمل، وذلك لأن النسبة الظرفية فيأسماء
الأزمنة مباينة للنسبة الظرفية في أسماء الأمكنة من جهة أن المقوماتالذاتية لكل
منها مباينة للمقومات الذاتية للاُخرى، ومن الواضح أن الدال علىالاُولى، وبما لها
من خصوصية كون الظرفية زمانية هو اسماء الأزمنة، والدال علىالثانية كذلك هو أسماء
الأمكنة، ولكن مع هذا فمن يقول بأن الهيئة المشتركةموضوعة بإزاء النسبتين بنحو
الوضع العام والموضوع له الخاص أو بنحوالاشتراك اللفظي فلا مجازفة فيه، بقرينة أنها
لا تدل بنفسها على الخصوصيةالخاصة بدون قرينة عليها، كخصوصية كون الظرف زمانياً أو
مكانياً، مثلاً إذاقيل »مقتل زيد« فلا تدل الهيئة على شيء من الخصوصيتين، فالدلالة
عليهابحاجة إلى ضم قرينة في البين من الحالية أو المقامية أو غيرها، وما مر من
أنالهيئة بنفسها تدل على الخصوصية لعله خلاف الوجدان.
الثاني: ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن انحصار مفهوم كلي في فردينأحدهما
ممكن والآخر ممتنع، لايوجب عدم إمكان وضع اللفظ للكلي ليضطر إلىوضعه للفرد الممكن،
فإن له أن يلاحظ المعنى الجامع بين الفردين ووضع اللفظله، وما نحن فيه من هذا
القبيل، فإن انحصار مفهوم اسم الزمان في فرد وهو الفردالمتلبس لا يوجب وصفه له، بل
يمكن ملاحظة المفهوم العام ووضع اللفظ بإزائه،لأن إنحصاره في الخارج في فرد وهو
الزمان المتلبس بالمبدأ بالفعل وامتناع تحققفرده الآخر وهو الزمان المنقضي عنه
المبدأ لا يمنع عن وضع لفظ للجامع بين الفردالممكن والمستحيل، ومن هنا وقع النزاع
في وضع لفظ الجلالة )اللَّه( وأنه اسمللجامع أو علم لذاته المقدسة، فلو لم يكن
الوضع للكلي الجامع بين الممكنوالممتنع لم يصح النزاع فيه، بل كان المتعين أنه علم
لا اسم جنس، بل قالقدس سره إنكلمة الواجب موضوعة للمعنى الجامع مع استحالة سائر
أفراده غير ذاته تعالىوتقدس(10)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن وضع لفظ للمعنى الجامع بين الفردالممكن
والممتنع وإن كان ممكناً بل لا مانع من وضع لفظ لخصوص الفردالمستحيل، كوضع لفظ بسيط
للحصة المستحيلة من الدور أو التسلسل أو لمفهوماجتماع النقيضين فضلاً عن الوضع
للجامع بين ما يمكن وما يستحيل، كما هوالحال في لفظ الدور والتسلسل والاجتماع وما
شاكل ذلك، فإن الجميع وضعللمفهوم العام مع امتناع بعض أفراده في الخارج، ولكن وقوع
مثل هذا الوضعمتوقف على تعلق الحاجة بتفهيم الجامع المذكور، وذلك لأن الغرض من
الوضعوالداعي إليه التفهيم والتفهم في المعاني التي تتعلق الحاجة بإبرازها كما في
الأمثلةالمذكورة، لأن الحاجة كثيراً ما تتعلق باستعمال تلك الألفاظ في الجامع، بل
تطلقكثيراً ما ويراد منها خصوص الفرد المستحيل والحصة الممتنعة، وأما إذا لم
تتعلقالحاجة بذلك فيكون الوضع لغواً، وحيث إن الحاجة لم تكن متعلقة باستعمالأسماء
الأزمنة في الجامع بين الزمان المنقضي عنه المبدأ والزمان المتلبّس كانالوضع
بإزائه لغواً، فلذلك تخرج عن محل النزاع.
ثم إنهقدس سره قد أشكل عليه بأن قياس المقام باسم الجلالة قياس مع الفارق،
لأنالحاجة تتعلق باستعمال لفظ الجلالة في الجامع في مسألة البحث عن التوحيدوغيره،
فلذلك لا يكون وضعه بإزاء الجامع لغواً(11).
ولنا تعليق عليه، وحاصل هذا التعليق هو أن تصور الجامع بين الفردالمتلبّس والمنقضي
في أسماء الأزمنة إذا فرض أنه ممكن، فلا مانع من وضعاللفظبإزائه.
ودعوى أن اسم الزمان بما أنه مستعمل دائماً في خصوص الفرد المتلبّس،فيكون وضعه
بإزاء الجامع لغواً وبلا فائدة.
مدفوعة أما أولاً، فلأن الجامع إذا كان متصوراً بينهما وكان اللفظ موضوعاًبإزائه،
فلا مانع من استعماله فيه، وإرادة خصوص الفرد المتلبس عندتعلقالحاجة به إنما هي
بدال آخر من باب تعدد الدال والمدلول، كما هو الحالفيسائر الموارد.
وثانياً: إن الغرض الكلي من وضع الألفاظ إنما هو إعطاء صفة الصلاحية لهالاستخدامها
واستعمالها كوسيلة لنقل المعاني والأفكار إلى الآخرين لدى الحاجةبنحو القضية
الشرطية، وأما فعلية هذا الاستخدام والاستعمال، فهي تتبع فعليةالحاجة، وعلى هذا
فإذا فرض أن أسماء الأزمنة موضوعة بإزاء الجامع، فقدترتب على وضعها بإزائه أثره،
وهو صفة الصلاحية للدلالة عليه، فلا يكونلغواً، وأما فعلية الاستعمال والدلالة،
فهي منوطة بفعلية حاجة المستعمل،وعليه فإذا فرض أن حاجة المستعمل دائماً متعلقة
بتفهيم الفرد دون الجامع،فهيلا تدعو إلى استعمالها في الفرد مجازاً لا في الجامع،
إذ كما يمكن ذلك يمكناستعمالها في الجامع وإرادة الفرد بدال آخر، فلا يكون هذا
الوضع حينئذ لغواً،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى هل يمكن تصور الجامع بين المتلبّس والمنقضي في أسماءالأزمنة أم لا؟
والجواب: أنه لا يمكن بنظر العقل، وذلك لأنه يلزم من تصور الزمان الفارغعنه المبدأ
عدم تصوره، وما يلزم من تصوره عدمه فتصوره محال.
وبكلمة، إن مفهوم الزمان الذي هو زمان بالحمل الأولي وإن كان جامعاً بينالزمان
المتلبس بالمبدأ والزمان المنقضي، إلا أن أسماء الأزمنة لم توضع بإزاءمفهوم الزمان،
لأنه مفهوم اسمي، ومعنى اسم الزمان معنى حرفي.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك أن يكون اسم الزمان مرادفاً مع لفظ الزمان فيالمعنى،
وهو كما ترى.
وأما واقع الزمان الذي هو زمان بالحمل الشائع، فلا يمكن تصور جامع بينالزمان
المتلبس بالمبدأ والزمان المنقضي عنه المبدأ، على أساس أنه يلزم منتصوره عدم
تصوره، وهو مستحيل.
هذا كله بحسب النظر الدّقي العقلي، وأما بحسب النظر العرفي، فسوف يأتيالكلام فيه
عن قريب.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أنه على ضوء النظر الدّقي العقلي، فإنكان
الجامع بين المتلبس والمنقضي متصوراً في أسماء الأزمنة، فلا مبرر لخروجهاعن محل
النزاع، وإن لم يكن متصوراً بينهما، فلا مناص من خروجها عن محلالنزاع، لعدم توفر
الشرط الثاني فيها.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق العراقيقدس سره من أن الذات محفوظة في اسمالزمان
بعد زوال المبدأ عنها، بتقريب أن الاتصال بين اللحظات الزمنية وآناتهامساوق للوحدة
بنظر العرف، وذلك مثل اليوم مثلاً، فإنه بنظر العرف شيءواحد يوجد بوجود أول جزء
منه حقيقة وينتفي بانتفاء آخر جزء.
وعليه فإذا وقع القتل مثلاً في جزء منه تلبّس اليوم به بلحاظ ذلك الجزء، وإذاانقضى
هذا الجزء وجاء الجزء الثاني فقد انقضى عنه المبدأ بلحاظ هذا الجزء،فالذات وهي
اليوم محفوظة في كلتا الحالتين، هما حالة التلبس وحالة الانقضاء.
وبكلمة، إن واقع الزمان تدريجي تصرّمي متقوم بالتدريج والتصرم ذاتاًوحقيقة، بمعنى
أن التدرج والتصرم من المقومات الذاتية له كالجنس والفصلللنوع، وقد قسّم هذا
الزمان إلى قطعات خاصة بلحاظ ما يترتب عليها منالآثار الشرعية أو العرفية، ويكون
كل قطعة منها المعنونة بعنوان مخصوصوالمسماة باسم خاص موضوع للأثر، وذلك كاليوم
والليل والاُسبوع والشهروالسنة والدهر والساعة وهكذا، ويكون لكل قطعة منها وجود
مستقل يوجدحقيقة بوجود أول جزء منها ويستمر وجودها إلى انتهاء آخر جزء منها،
وعلىهذا فإذا وقع قتل في يوم الجمعة مثلاً، فقد تلبس نفس يوم الجمعة بالقتل
حقيقةبلحاظ وجوده بوجود الجزء الواقع فيه القتل، كما أنه قد انقضى عنه القتل
كذلكبلحاظ وجوده بوجود الجزء الثاني وانقضاء الجزء الواقع فيه القتل وهكذا،وعلى
كلا التقديرين فالذات وهي نفس يوم الجمعة محفوظة في كلتا الحالتين معاً،وهما حالة
التلبس وحالة الأنقضاء، فيكون حال أسماء الأزمنة حينئذ حالأسماء الأمكنة ولا فرق
بينهما، فكما أن الذات في أسماء الأمكنة محفوظة فيكلتاالحالتين فكذلك في أسماء
الأزمنة، وعليه فلا إشكال في دخولها فيمحلالنزاع(12).
وهذا الجواب هو الأقرب وأظهر ما في الباب.
إلى هنا قد تبين أن النظر إلى الزمان إن كان بدقّة عقلية فبما أن كل آن
منهبهذاالنظر مباين للآخر، فبطبيعة الحال لم يتوفر فيه الشرط الثاني، وإن
كانبنظرعرفي فبما أن لكل قطعة من الآنات المتصلة وحدة وجودية، فيكون حالهحال اسم
المكان.
ومنها ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن اسم الآلة خارج عن محل النزاع
فيالمسألة، بتقريب أن الهيئة في أسماء الآلة قد وضعت للدلالة على قابلية
الذاتللتلبس بالمبدأ واستعدادها له، فإذا كانت الذات كذلك صدق عليها اسم
الآلةحقيقة وإن لم تتلبس بالمبدأ فعلاً، مثلاً هيئة المفتاح تصدق على آلة الفتح
حقيقةوبدون عناية وإن لم تتلبس بالفتح فعلاً، ومن هنا يكفي في صحة إطلاق اسم
الآلةحقيقة شأنية الآلة وقابليتها للتلبّس بالمبدأ وإن لم تكن متلبسة به بالفعل،
فإذنلا معنى للنزاع في أن هيئة أسماء الآلة موضوعة لخصوص الذات المتلبسة
بالمبدأفعلاً أو للأعم منها ومن الذات المنقضية(13).
ولكن يمكن المناقشة فيه، بتقريب أنه لا شبهة في أن المبدأ في أسماء الآلةكالمفتاح
والمكنس ونحوهما هو القابلية والشانية، فما دامت قابلية الذاتللاتصاف بالمبدأ
موجودة فالتلبّس فعلي، والاطلاق حينئذ يكون على المتلبس،لأن الانقضاء فيها إنما هو
بزوال تلك القابلية عنها ولو بكسر بعض أسنانها أوغير ذلك، وعلى هذا فبناء على القول
بكون المشتق موضوعاً للمعنى الجامع بينالذات المنقضية عنها المبدأ والمتلبسة به
فعلاً يصدق عليه أنه مفتاح على نحوالحقيقة، وعلى القول بكونه موضوعاً للمتلبس به
فعلاً لا يصدق عليه إلا مجازاً،ومن هنا لا شبهة في صدق لفظ المفتاح حقيقة على كل ما
فيه قابلية للفتح ولولميقع الفتح به خارجاً، وكذا المكنس.
فالنتيجة أن المبدأ فيها هو القابلية والشأنية لا الفعل الخارجي كالفتحوالكنس
الخارجيين، وعليه فما أفادهقدس سره من خروج اسم الآلة عن محل النزاعمبني على
الخلط بين شأنية اتصاف الذات بالمبدأ وفعليته به، وتخيل أن المعتبر فيالتلبس إنما
هو التلبس بالمبدأ بالفعل.
ومنها استثناؤهقدس سره أسماء المفعولين، بدعوى أن هيئة تلك الأسماء موضوعةللدلالة
على وقوع المبدأ على الذات، وهو مما لا يعقل فيه الانقضاء، لأن ماوقعلا ينقلب عما
وقع عليه(14).
والجواب أولاً بالنقض بأسماء الفاعلين، لأن ما أفادهقدس سره من المبرّر
لخروجأسماء المفعولين موجود بعينه في أسماء الفاعلين، إذ كما أن الشيء إذا وقع
فيالخارج لا ينقلب عما وقع عليه كذلك إذا صدر شيء عن الفاعل فيه، استحال أنينقلب
عما صدر عنه.
وثانياً بالحلّ، وحاصله أن ما ذكرهقدس سره من المبرر لخروج أسماء المفعولين عنمحل
النزاع مبني على الخلط بين الأمرين، أحدهما أن يكون المبدأ في مثل هيئةالمضروب
الضرب الواقع على الذات في الخارج، والآخر أن يكون المبدأ فيهاالضرب الذي يقع عليها
فعلاً، فإن كان المبدأ الأول فالأمر كما أفادهقدس سره، إذيستحيل أن ما وقع في
الخارج ينقلب عما وقع عليه، ولكن الأمر ليس كذلك،فإن الأول لايصلح أن يكون مبدأ
لهيئة المفعول كالمضروب، وذلك لأن المتفاهمالعرفي من هيئة المضروب مثلاً إما خصوص
من يقع عليه الضرب فعلاً أو الأعممنه وممن ينقضي عنه الضرب.
وبكلمة، إن الضرب مبدأ للفاعل والمفعول معاً، غاية الأمر أن تلبس الذاتبه في
الفاعل تلبس فاعلي يتضمّن حيثية الصدور، وفي المفعول تلبس مفعولييتضمن حيثية
الوقوع، وهاتان الحيثيتان من حيثيات نسبة المبدأ إلى الفاعلوإلى المفعول، فإن
نسبته إلى الأول تستبطن حيثية الصدور، وإلى الثاني حيثيةالوقوع، وحيث إن كل نسبة
متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها فيالذهن أو الخارج، فعليه تكون نسبته إلى
الفاعل مباينة لنسبته إلى المفعول،ولكن بما أنهما تشتركان في طرف واحد وهو المبدأ،
فبانتفائه تنتفي كلتا النسبتينمعاً، وحينئذ فيقع الكلام في أن إطلاق هيئة المضروب
مثلاً على الذات التيانقضت نسبة المبدأ عنها وزالت، هل هو إطلاق حقيقي أو مجازي،
فعلى القولبوضع المشتق للأعم حقيقي، وإلا فمجازي، وكذلك الحال في طرف
الفاعلكالضارب مثلاً، فإنه بعد زوال نسبة المبدأ عنه بزواله، فعلى القول
بالأعمحقيقي، وعلى القول بالأخص مجازي.
والخلاصة، أنه لا فرق بين اسم الفاعل والمفعول، فكما أن النزاع يجري فيهيئة اسم
الفاعل وأنها وضعت بإزاء مفهوم كان مطابقه في الخارج فرداً واحداًوهو خصوص المتلبّس
بالمبدأ فعلاً أو فردين أحدهما المتلبس والآخر المنقضيفكذلك يجري في هيئة اسم
المفعول وأنها وضعت لمعنى كان مطابقه في الخارجفرداً واحداً أو فردين.
ويمكن تقريب ذلك بطريق آخر، وهو أن للمبدأ نسبتين: نسبة إلى مفعوله،ونسبة إلى
فاعله، وهاتان النسبتان متقابلتان بتقابل التضايف لدى المتفاهمالعرفي الإرتكازي،
مثلاً للعلم نسبتان:
نسبة إلى العالم، ونسبة إلى المعلوم، والاُولى نسبة فاعلية، والثانية نسبةمفعولية،
فإذا فرض أن زيداً كان يعلم بإجتهاد عمرو مثلاً فزيد عالم واجتهادعمرو معلوم، ونسبة
العلم إلى زيد نسبة فاعلية، ونسبته إلى اجتهاد عمرو نسبةمفعولية، ويستحيل انفكاك
إحدى النسبتين عن الأخرى، باعتبار أنهمامتضايفتان، فلا يعقل الانفكاك بينهما، وإلا
لزم الخلف، وعلى هذا فإذا زال المبدأوهو العلم عن زيد في المثال، فقد زال عن اجتهاد
عمرو أيضاً، ويستحيل بقاؤهعلى صفة المعلومية مع زوال صفة العالمية عن زيد، لفرض
أنه كان معلوماً بعلمهلا بعلم آخر، والمفروض أن علمه قد زال، فإذن كما يقع الكلام
في أن إطلاقالعالم على زيد بعد زوال العلم عنه، هل هو إطلاق حقيقي أو مجازي، فعلى
القولبوضع المشتق للجامع، حقيقي، وعلى القول الآخر مجازي، كذلك يقع الكلام فيأن
إطلاق المعلوم على اجتهاد عمرو بعد انقضاء صفة العلم عنه وزوالها، هل هوحقيقي أو
مجازي، فعلى القول الأول حقيقي وعلى الثاني مجازي، وعلى ذلك فلايمكن التفكيك بين
اسم الفاعل واسم المفعول، باعتبار أن كلتا الهيئتين مشتركة فيمادة واحدة، فطالما
المادة باقية، فالتلبس فعلي في كليهما، وإذا زالت وانقضت،فقد زالت عن كليهما معاً،
فما ذكرهقدس سره من عدم تصور حالة الانقضاء في اسمالمفعول لا يرجع إلى معنى محصل،
بداهه أنها لولم تتصور في اسم المفعول لم تصورفي اسم الفاعل أيضاً بملاك التقابل
بينهما.
وأما في هيئة المضروب فالأمر فيها أيضاً كذلك، فإن للضرب نسبتين: نسبةإلى الفاعل،
ونسبة إلى المفعول، وهاتان النسبتان أيضاً متقابلتان بتقابلالتضايف، فيستحيل
انفكاك إحداهما عن الاُخرى، وعلى هذا فهيئة المضروبعلى القول بالأعم موضوعة للجامع
بين من يقع عليه الضرب فعلاً ومن ينقضيعنه الضرب، أي الجامع بين المتلبس والمنقضي،
وعلى القول الآخر موضوعةلخصوص من يقع عليه الضرب فعلاً، وكذلك هيئة الضارب، فإنها
على القولبالأعم موضوعة للجامع بين من يصدر منه الضرب بالفعل ومن ينقضي عنهصدور
الضرب طالما يصدر من زيد مثلاً ويقع على عمرو، فزيد متلبسبالضرب صدوراً بالفعل
وعمرو متلبس بالضرب وقوعاً كذلك، وإذا انقطعصدور الضرب عنه انقطع وقوعه على عمرو
أيضاً، إذ لا يعقل الانفكاك بينهما،وعندئذ فكما يقع الكلام في أن إطلاق الضارب على
زيد الذي انقضى عنه المبدأهل هو حقيقي أو مجازي، فعلى القول بالأعم حقيقي، وعلى
القول الآخر مجازي،فكذلك يقع في أن إطلاق المضروب على عمرو بعد انقضاء الضرب عنه،
هل هوحقيقي أو مجازي، فعلى القول الأول حقيقي وعلى الثاني مجازي، ولا يمكن
القولبأن هيئة المضروب موضوعة للأعم وهيئة الضارب لخصوص المتلبس رغمالتقابل
بينهما بتقابل التضايف، لأن زوال نسبة المبدأ عن الفاعل زوال نسبته عنالمفعول
أيضاً، كما أن تلبسالأول بالمبدأ تلبسالثاني به أيضاً، ولا يمكن التفكيكبينهما
في ذلك، وعليه فالقول بأن هيئة المضروب موضوعة للأعم لا يمكن إلاعلىالقول
بوضعالمشتق له، لأنه متفرع عليه، فإذن لا فرق بين هيئة الضاربوهيئة المضروب، وكون
هيئةالمضروب خاصة موضوعة للأعم غير محتمل.
وعلى الجملة فإن كانت هيئة المضروب موضوعة لمن يقع عليه الضربلكانت هيئة الضارب
موضوعة لمن يصدر عنه الضرب بقرينة التقابل بينهما،وحينئذ فإن كانت هيئة المضروب
موضوعة للجامع بين من يقع عليه الضربفعلاً ومن ينقضي عنه وقوع الضرب، لكانت هيئة
الضارب موضوعة للجامعبين من يصدر عنه الضرب فعلاً ومن ينقضي عنه صدور الضرب، وإن
كانتهيئة المضروب موضوعة لخصوص من يقع عليه الضرب فعلاً، لكانت هيئةالضارب موضوعة
لخصوص من يصدر عنه الضرب فعلاً، كل ذلك بقرينة أنالتقابل بينهما من تقابل التضايف.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أنه لا تقابل بين اسم الفاعل واسمالمفعول،
إلا أن ما ذكرهقدس سره لو تمّ فإنما يتم في مثل هيئة المضروب والمقتول، ولايتم في
كثير من أسماء المفعولين كالمعلوم والمملوك والمقدور والمصبوع والمسجوروالمسجون
والمطلوب والمديون والمنصور والمعيوب والمنقوص وما شاكل ذلك،فإنه لا شبهة في إمكان
انقضاء المبدأ عن الذات في هذه الأسماء ووقوع النزاع فيصدقها على الذات مع زوال
المبدأ عنها فعلاً، فالأعمي يدعي أن صدق المعلومعلى الشيء بعد زوال العلم عنه
حقيقي، وصدق المطلوب على شيء بعد زوالالطلب عنه كذلك، وكذا صدق المعيوب بعد زوال
العيب والمملوك بعد زوالالملك وهكذا، وأما على القول بالوضع لخصوص المتلبس بالمبدأ
فعلاً، فلايصدق إلا مجازاً.
فالنتيجة أن ما أفادهقدس سره لو تمّ فإنما يتم في مثل هيئة المضروب
والمقتولونحوهما دون غيرهما من أسماء المفعولين.
قد يقال كما قيل بخروج أسماء الصناعات والحرف وما يلحق بها كالمهندسوالطبيب
والخياط والبناء والصائغ والسايق والمجتهد وما شاكل ذلك عن محلالنزاع في المسألة،
بدعوى أنه لا شبهة في صدق هذه العناوين حقيقة في حالاتانقضاء المبدأ عن الذات، بل
لا شبهة في صدقها كذلك على من لم يتلبس بالمبدأبعد كالطبيب، فإنه يصدق حقيقة على من
لديه علم الطب وإن لم يقم بعد بعمليةالطبابة خارجاً، والمجتهد يصدق على من لديه
قدرة على عملية الاستنباط وإن لميقم بعد بالعملية، وكذا المهندس والصائغ والخياط
وهكذا، وهذا يكشف إنّاً عنأنها موضوعة للأعم من المتلبس والمنقضي وغير المتلبس
بعد، ولهذا لا مجالللنزاع فيها أنها موضوعة للأعم أو لخصوص المتلبس.
والجواب: أنه لابد من الالتزام فيها بأحد أمرين:
الأول: الالتزام بأنها موضوعة للجامع بين المتلبس والمنقضي وغيرالمتلبسبعد.
الثاني: أن المبدأ في مثل المجتهد والمهندس والطبيب وما شاكل ذلك القوةوالاستعداد
لا الفعل الخارجي، فمن كانت عنده قدرة على عملية الاستنباط فهومجتهد حقيقة وإن لم
يقم بالعملية بعد، ومن كانت عنده قدرة على عملية الطبابةفهو طبيب وإن لم يقم بعد
بالعملية وهكذا، والمبدأ في مثل الخياط والبناء والبزازوالحداد والنساج والنجار
وغير ذلك هو الحرفة والصنعة، فمن أخذ الخياطةحرفة له فهو خياط فعلاً ومتلبس بالمبدأ
بالفعل، سواء كان مشغولاً بالخياطةخارجاً أم لا، ومن أخذ البناء حرفة له فهو بناء
وهكذا، والانقضاء في مثل ذلكإنما يكون بترك هذه الحرفة، فما دام لم يتركها ولم
يعرض عنها، فالتلبس فعلي وإنلم يشتغل بالخياطة أو البناء أو غير ذلك.
أما الأمر الأول فلا يمكن الالتزام به لوجهين:
الأول: أنه مبني على أن يكون المبدأ فيها الفعل الخارجي، ولكن قد عرفتأن المبدأ في
بعض تلك العناوين القدرة والاستعداد العلمي، وفي بعضهاالآخرالحرفة والصنعة، فإذن لا
موجب فيها للالتزام بالوضع للأعم بل حالهاحال سائر المشتقات، وتدور مدارها في الوضع
للأعم أو لخصوص المتلبسبالمبدأ بالفعل.
الثاني: أن ذلك لا ينسجم مع كون وضع الهيئات نوعياً، لأن معنى كونوضعها نوعياً أن
المعنى الموضوع له في جميع الهيئات الخاصة على نحو واحد سعةوضيقاً، فلا يمكن أن
يكون المعنى الموضوع له في بعض تلك الهيئات أوسع منالمعنى الموضوع له في بعضها
الآخر رغم أن الجميع قد وضعت بجامع عنوانيواحد لسنخ معنى كذلك كماً وكيفاً، ولا
يمكن تعدد المعنى الموضوع له سنخاً، بأنيكون معنى هيئة الضارب مثلاً خصوص المتلبس
بالمبدأ بالفعل، ومعنى هيئةالصائغ الجامع بينه وبين المنقضي وهكذا، مع أنهما
موضوعان بجامع عنوانيواحد.
فالنتيجة أنه لا يمكن الالتزام بأن وضع تلك العناوين الخاصة للأعم أمرمسلم.
وأما الثاني: وهو أن المبادىء في هذه العناوين ليست الأفعال الخارجية، بلفي بعضها
القوة والملكة العلمية وفي بعضها الآخر الحرفة والصنعة فهو الصحيح،وعلى هذا ففي مثل
المجتهد والمهندس والطبيب طالما الملكة والقوة موجودة فينفوسهم، فالإطلاق إطلاق
على المتلبس بالمبدأ بالفعل، وإذا زالت هذه الملكةوالقوة، فعندئذ على القول بالأعم
فالاطلاق حقيقي وعلى القول الآخر مجازي،وفي مثل الخياط والنجار والصائغ ونحو ذلك،
فطالما كانوا متخذين هذه الأعمالحرفة وصنعة لهم فالصدق يكون على المتلبس بالفعل،
لأن فعلية التلبس حينئذتدور مدار اتخاذها شغلاً وكسباً وانتسابها إلى الذات، ولا
فرق بين أن يكونذلك الانتساب انتساباً حقيقياً كما في الخياط والنساج والنجار وما
شاكلها، أوتبعياً كما في البقال والبزاز والحداد والتامر واللابن وأمثالها، لأن
موادها من أسماءالأعيان وإنها غير قابلة للانتساب إلى الذات حقيقة، فلا محالة يكون
انتسابهاإليها بتبع اتحاد الفعل المتعلق بها حرفة وشغلاً، فمن اتخذ بيع التمر شغلاً
له صار التمرمربوطاً به تبعاً، ومن اتخذ بيع اللبن شغلاً له صار اللبن مربوطاً به
وهكذا،والانقضاء في أمثال ذلك إنما يكون بترك هذه الحرفة وذاك الشغل، وحينئذ
فعلىالقول بوضع المشتق للأعم فالصدق أيضاً حقيقي، وعلى القول بوضعه لخصوصالمتلبس
بالمبدأ فعلاً فالصدق مجازي.
إلى هنا قد وصلنا إلى النتائج التالية:
الأولى: أن الدخول في محل النزاع في المسألة منوط بتوفّر أمرين:
الأول: صحة المحل والجري على الذات.
الثاني: إمكان انفكاك الذات عن المبدأ ولو في عالم المفهوم والتصور
والمغايرةبينهما، فكل اسم إذا توفر فيه كلا الأمرين فهو داخل في محل النزاع، وإلا
فلا.
الثانية: أن العناوين الذاتية كالانسان والحيوان ونحوهما خارجة عن محلالنزاع
بمقتضى الأمر الثاني، حيث إنه لا يمكن انفكاك الذات عن المبدأ في تلكالعناوين حتى
في عالم التصور واللحاظ فضلاً عن عالم الخارج، على أساس أنالمبدأ فيها صورة نوعية
للذات ومتحد معها ولا مغايرة بينهما.
كيفية وضع الأفعال والمصادر والأوصاف الاشتقاقية ...
الثالثة: أن المراد من استحالة انفكاك المبدأ عن الذات في الشرط الثاني هوالاستحالة
الذاتية يعبر عنا بالاستحالة المنطقية أيضاً لا الاستحالة الوقوعية،ولذلك قلنا إن
العناوين التي يكون مبدؤها لازماً لذاتها بحيث يستحيل انفكاكهعنها واقعاً خارجاً
داخلة في محل النزاع، باعتبار أن استحالة الانفكاك فيهاوقوعية لا منطقية.
الرابعة: أن اسم الزمان كاسم المكان داخل في محل النزاع، هذا لا من جهة ماأفاده
السيد الاُستاذقدس سره من أن الهيئة المشتركة بينهما موضوعة بإزاء معنى جامعبينهما
وهو الظرفية، سواء أكانت زمانية أم مكانية، لما تقدم من أن الجامع بينهماغير متصور،
لأن النسبة الزمانية مباينة للنسبة المكانية، بل من جهة أن لكلقطعة من الزمان وحدة
بنظر العرف، فلذلك تتصور حالة الانقضاء فيها كما تقدم،نعم دعوى وضع الهيئة المشتركة
بإزاء اسمي الزمان والمكان بنحو الوضع العاموالموضوع له الخاص، غير بعيدة كما
تقدم.
الخامسة: أن استثناء المحقق النائينيقدس سره اسمي الآلة والمفعول عن محل
النزاع،مما لا يرجع إلى معنى صحيح.
الجهة الثانية: في كيفية وضع الأفعال والمصادر
والأوصاف الاشتقاقية
ويقع الكلام فيها في مقامات:
المقام الأول: في كيفية وضع الأفعال.
المقام الثاني: في كيفية وضع المصادر.
المقام الثالث: في كيفية وضع الأوصاف الاشتقاقية.
أما الكلام في المقام الأول وهو وضع الأفعال، فلا شبهة في أن المتفاهم
العرفيالارتكازي من هيئة الفعل كقولك »ضرب« مثلاً نسبة المادة إلى الذات
المبهمةالفاعلة، وهذه النسبة تختلف باختلاف الأفعال، فإنها في مثل »ضرب«صدورية، وفي
مثل »مات« حلولية، وفي مثل »قعد« و»قام« حلوليةوصدورية معاً وهكذا..
ثم إن هذه الخصوصيات هل هي مأخوذة في مدلول المادة أو في مدلول الهيئة؟
والجواب: أن هنا قولين:
الأول: أنها مأخوذة في مدلول الهيئة.
الثاني: أنها مأخوذة في مدلول المادة دون الهيئة.
أما القول الأول فهو لا يتم، بناء على القول بأن وضع الهيئات نوعي، إذ علىهذا
القول فجميع الهيئات الخاصة المشتركة في الهيئة المنتزعة الجامعة بينهاالمندكة فيها
موضوعة بواسطتها بوضع واحد نوعي لمعنى واحد كذلك، ولا يمكناختلاف تلك الهيئات
الخاصة في سنخ المعنى كماً وكيفاً، وعلى هذا فلا يمكن أنتدل هيئة »ضرب« مثلاً على
نسبة المادة إلى الذات المبهمة صدوراً، وهيئة»مات« حلولاً، ولذلك لا يمكن أن تكون
خصوصية الصدورية أو الحلوليةمأخوذة في مدلول الهيئة، بل هي من خصوصيات مدلول
المادة.
وأما على القول بأن وضع الهيئة شخصي، فهل هذه الخصوصيات مأخوذةفيمدلولها الخاص؟
والجواب: أن ذلك وإن كان ممكناً بأن توضع هيئة »ضرب« مثلاً في ضمنمادتها الشخصية
للنسبة الصدورية، وهيئة »مات« في ضمن مادتها كذلكللنسبة الحلولية وهكذا، ولكن مع
ذلك يكون المتفاهم العرفي من كل هيئةخاصة النسبة بدون خصوصية زائدة عليها،
والخصوصية إنما جائت من قبلمادتها، فانها مختلفة وينسجم بعضها مع خصوصية الصدورية
كالضرب مثلاً،وبعضها الآخر مع خصوصية الحلولية كالموت ونحوه.
والخلاصة: أن المادة إذا كانت من قبيل الضرب ونحوه، فهي تتضمن كوننسبتها إلى
الفاعل صدورية، وإذا كانت من قبيل الموت ونحوه، فتتضمن كوننسبتها إليه حلولية، هذا
من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لجملة »ضرب زيد« مثلاً هيئتين: الاُولى هيئة الفعل،والثانية
هيئة الجملة، وهذا مما لا كلام فيه، وإنما الكلام في أن هيئة الفعل هلوضعت للنسبة
التامة، وهيئة الجملة لتعيين طرفها وهو الذات، أو إنها وضعتللنسبة الناقصة، وهيئة
الجملة للنسبة التامة، فيه قولان.
الصحيح هو القول الأول دون الثاني، فلنا دعويان:
الاُولى: أن هيئة الفعل موضوعة للنسبة بين المادة والذات المبهمة، وهيئةالجملة
موضوعة لتعيين أحد طرفيها، وهو الذات المبهمة في فرد معين فيالخارج، ولم توضع
للنسبة الاُخرى.
الثانية: أن هيئة الفعل لم توضع للنسبة الناقصة وهيئة الجملة للنسبة التامة.
أما الدعوى الاُولى فقد عرفت أن المتفاهم العرفي من هيئة الفعل عند إطلاقهانسبة
المادة إلى الذات المبهمة، وهذه النسبة نسبة بالحمل الشائع، لوضوح أنها لمتوضع
بإزاء مفهوم النسبة الذي هو نسبة بالحمل الأولي، لأنه مفهوم اسمي لاحرفي، وتامة لما
ذكرناه آنفاً من أن تمامية النسبة إنما هي بوجود طرفيها في الذهنأو الخارج، نعم لا
ملازمة بين كون النسبة تامة وبين ما صح السكوت عليها،لأن النسبة في الجمل الناقصة
تامة، ومع ذلك لايصح السكوت عليها، والنكتةفي ذلك أن النسبة متقومة ذاتاً وحقيقة
بشخص وجود طرفيها، ولا نعني بتماميتهاإلا ثبوتها بثبوتهما في الذهن أو الخارج،
باعتبار أنهما من المقومات الذاتية لهاوبمثابة الجنس والفصل للنوع، فلذلك يدور
أمرها بين كونها ثابتة أو غير ثابتة،لا بين أنها بعد الثبوت تامة أو ناقصة.
وبكلمة، إن ثبوت النسبة إنما هي بثبوت طرفيها، فإذا كانا ثابتين في الذهنأو الخارج
فالنسبة ثابتة، وإلا فلا نسبة، لا أنها ثابتة ناقصة، بداهة أنه لا يعقلثبوت النسبة
الناقصة بدون ثبوت طرفيها، ومع ثبوتهما فالنسبة تامة، وأما كونالجملة ناقصة، فهو
ليس بملاك أن نسبتها ناقصة، بل بملاك آخر، وقد تقدمالكلام فيه موسعاً، ومن هنا
يكون المتفاهم العرفي الارتكازي من هيئة الفعلنسبة المادة إلى الفاعل المبهم في
عالم الذهن، ومن الهيئة القائمة بالفعل والفاعلكقولك »ضرب زيد« تعيين الفاعل
المبهم المستتر في فرد معين كزيد مثلاً لاالنسبة، لأن الدال عليها هيئة الفعل التي
هي أسبق منها.
وأما الدعوى الثانية فقد ظهر حالها مما تقدم، وجه الظهور هو أنه لايمكنالقول بأن
هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة، وهيئة الجملة موضوعةللنسبةالتامة.
أما أولاً فقد عرفت أن النسبة لا تتصف بالتمامية والنقصان، فإنها إمام ثابتةفي
وعائها أو لا، على أساس أن طرفيها إن كانا ثابتين فيه فهي ثابتة بثبوتهما،وإلاّ فلا
ثبوت لها، ولا يعقل أن تكون النسبة ثابتة بثبوت طرفيها ومع ذلكتكون ناقصة، إلا أن
يراد من نقصانها عدم صحة السكوت عليها، ولكن قد مرأن ذلك مرتبط بنقصان الجملة،
بمعنى أنها لا تصلح أن تكون مورداً للحكمالتصديقي لا بمعنى أن نسبتها ناقصة.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن النسبة تتصف بالتمامية والنقصان إلاأنه لا
يمكن القول بأن هيئة الفعل تدل على النسبة الناقصة وهيئة الجملة علىالنسبة التامة،
وذلك لأن المتفاهم العرفي الارتكازي من الفعل هو النسبة التامة،ومن هيئة الجملة
تعيين أحد طرفيها وهو الفاعل، فإذا قيل »ضرب« كانالمتبادر منه نسبة الضرب إلى فاعل
ما، وإذا قيل »ضرب زيد« كان المتبادر منهأن فاعل الضرب هو زيد، وعليه فقولك ضرب
زيد يدل على أمرين من بابتعدد الدال والمدلول، فهيئة الفعل تدل على نسبة المادة
إلى فاعل ما، وهيئةالجملة على تعيين الفاعل ورفع الاجمال عنه، لا أن هيئة الفعل تدل
على النسبةالناقصة وهيئة الجملة على النسبة التامة، لأن ذلك غير متبادر من
الجملةجزماً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن شخص المادة لا يمكن أن يكون طرفاً لنسبتينمتباينتين في عرض
واحد وإن كانت إحداهما تامة والاُخرى ناقصة، لأنه لايمكن أن يكون مقوماً ذاتياً
لهما معاً، فالنتيجة أن قيام نسبتين متباينتين في عرضواحد بمادة واحدة وطرفين
آخرين غير معقول.
ومن ناحية ثالثة، إنه إن اُريد بالنسبة الناقصة النسبة التي يكون أحد طرفيهاالمادة
وطرفها الآخر الفاعل المبهم المقدر، ففيه أنها نسبة تامة، إذ لا يحتمل أنيكون
تعيين الفاعل دخيلاً في تمامية النسبة، وإن اُريد بها الخصوصية القائمةبالمادة لا
النسبة التي هي متقومة بالطرفين، باعتبار أن المادة تدل على أحدطرفيها ولا يوجد في
الكلام ما يدل على طرفها الآخر، وأما الفاعل فهو طرفللنسبة التامة لا الناقصة،
والمفروض أن النسبة لا تتصور بدون وجود طرفيها،لأنهما من المقومات الذاتية لها
كالجنس والفصل للنوع، فلذلك يكون المراد منالنسبة الناقصة الحيثية القائمة
بالمادة، وهي حيثية الصدور والحلول، فإنها إناُضيفت إلى الفاعل فالحيثية القائمة
بها صدورية، وإن اُضيفت إلى المفعول فهيحلولية، وهيئة الفعل تدل على أنها صدورية،
وهي حالة قائمة بالمادة كقيامالمعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وهي غير النسبة، ولهذا
تكون قائمة بطرف واحد،وإن اُريد ذلك، فيرد عليه أن هيئة الفعل كما مرّ تدل على
النسبة التامة الصدوريةبالمطابقة وعلى طرفيها بالالتزام، على أساس أنها لا تتصور
إلا بين الفعل وفاعلما، لا أنها تدل على حيثية الصدور فحسب دون النسبة الصدورية.
هذا إضافة إلى أنه إن اُريد بالحيثية الصدورية الحالة القائمة بالمادة
التييستبطنها معناها، فالمادة تدل عليها لا هيئة الفعل، وإن اُريد بها
النسبةالصدورية وهي نسبة المادة إلى فاعل ما، فالدال عليها هيئة الفعل، فإنها
إذاطرأت على المادة التي تتضمن حيثية الصدور، فتدل على النسبة الصدورية، لامن جهة
أن حيثية الصدور مأخوذة في مدلولها، بل من جهة أنها منخصوصيات مادتها، وإذا طرأت
على المادة التي تتضمن حيثية الحلول، فتدلعلى النسبة الحلولية بنفس ما مرّ من
الملاك.
فالنتيجة أن هيئة الفعل الدالة على النسبة الواقعية التامة بالمطابقة، فلا محالةتدل
على وجود طرفيها بالالتزام، وهما في المقام المادة والذات المبهمة، فإذنلاحاجة إلى
وجود ما يدل في الكلام على الذات المبهمة لكي يقال إنه لا يوجدفيه ما يدل عليها.
ودعوى أن انفهام الذات المبهمة من الفعل خلاف الوجدان، مدفوعة بأنهاوإن لم تكن جزء
معنى الفعل إلا أنه يدل عليها بالالتزام كما مرّ وجداناً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن مدلول هيئة الفعل النسبةالتامةبين المادة
والذات المبهمة، ومدلول هيئة الجملة تعيين الذات المبهمة فيفردخاص، هذا.
ولكن قد اعترض على هذا المحقق العراقيقدس سره نقضاً وحلاً.
أما نقضاً ففي بعض الجمل الإسمية كجملة »زيد ضرب« مثلاً، فإنها بلحاظاشتمالها على
هيئة الفعل كجملة »ضرب زيد«، وعلى هذا فلوكانت هيئة الفعلفي جملة »ضرب زيد« موضوعة
للنسبة التامة دون هيئة الجملة لكان الأمركذلك في جملة »زيد ضرب« أيضاً، لاشتراكهما
في الاشتمال على هيئة الفعل معأن الأمر فيها ليس كذلك(15).
وقد اُجيب عن ذلك بأن الفرق بين الجملتين واضح، فإن الجملة الإسميةكجملة »زيد ضرب«
مشتملة على نسبتين: الاُولى النسبة بين المادة والضميرالمستتر في الفعل، والثانية
النسبة بين المبتدأ والجملة الفعلية، وهيئة الفعل تدلعلى النسبة الاُولى، وهيئة
الجملة تدل على النسبة الثانية، بينما الجملة الفعلية لايمكن أن تكون مشتملة على
نسبتين، وإلا لزم أحد محذورين، إما تقوم كل منالنسبتين بعين ما تقوّمت به الاُخرى،
لأن المفروض أن المقومات الذاتية للنسبةفي المقام واحدة، وهي المادة والفاعل، ولا
يعقل تعدد النسبة بينهما، لأنتعددهاإنما هو بتعدد المقومات الذاتية لها التي هي
بمثابة الجنس والفصل،فإذاكانت واحدة استحال تعددها، وإما أن يكون إحداهما قائمة
بطرف واحد،وهو غير معقول.
ولنا تعليق على هذا الجواب، وتقريبه أن تحليل جملة »زيد ضرب« إلىجملة اسمية وجملة
فعلية أي إلى جملة كبيرة وجملة صغيرة وملاحظة كل جملةبحيالها بحاجة إلى ملاك مبرر
لذلك، ولا يمكن أن يكون ذلك جزافاً وبلا ملاك،وملاكه إما تعدد الموضوع أو المحمول
والنسبة، وأما مع وحدة الموضوعوالمحمول والنسبة، فلا ملاك للانحلال وتحويل الجملة
إلى جملتين، وعلى هذا ففيالمقام لا موجب للانحلال، لأن الموضوع والمحمول فيه واحد،
فإن الموضوع فيالقضية »زيد« والمحمول فيها الجملة الفعلية، وعليه فبطبيعة الحال
تكون النسبةبينهما واحدة ولا يمكن تعددها، وإلا لزم أحد المحذورين المتقدمين، فإذن
ما هوالدال على هذه النسبة الواحدة؟
والجواب: أن الدال عليها هيئة الفعل، فإنها تدل على نسبة المادة إلى فاعلما، وهو
الضمير المستتر فيه، وهيئة الجملة تدل على تعيين هذا الفاعل بفردخاص، وعلى ذلك فلا
فرق بين جملة »زيد ضرب« وجملة »ضرب زيد«، فإنمدلول هيئة الفعل في كلتا الجملتين
النسبة التامة بين المادة والذات المبهمة،ومدلول هيئة الجملة تعيين الذات المبهمة
في فرد خاص، إذ كما أن فيجملة»ضرب زيد« لا يمكن أن يكون مدلول هيئة الفعل النسبة
الناقصةومدلول هيئة الجملة النسبة التامة كما تقدم كذلك من جملة »زيد ضرب« لايمكن
أن يكون مدلول هيئة الفعل النسبة الناقصة ومدلول هيئة الجملة النسبةالتامة بنفس
الملاك.
فالنتيجة أن الجملة المذكورة جملة واحدة ومؤلفة من الفعل والفاعل، فحالهاحال جملة
»ضرب زيد«، فلا فرق بينهما إلا في الصورة والشكل.
وأما حلاً فقد ذكرهقدس سره أن هيئة الفعل موضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما،ولكن
حيث إنها هيئة إفرادية فوضعها لا يغني عن وضع هيئة الجملة القائمةبالفعل
والفاعل(16).
ولكنه قابل للنقد، وذلك لأنه إن اُريد بذلك أن هيئة الفعل موضوعة للنسبةالناقصة
وهيئة الجملة موضوعة للنسبة التامة، فيرد عليه:
أولاً ما تقدم من أن النسبة لا تتصف بالتمامية والنقصان، لأنها إما ثابتةبثبوت شخص
طرفيها في وعاء الذهن أو الخارج أو لا، ولا ثالث لهما.
وثانياً أن طرفي النسبة الناقصة إن كانا نفس المادة والذات الفاعلة فهي عينالنسبة
التامة، اذ لا يمكن تعدد النسبة مع وحدة الطرفين، وإن لم تكن الذات أحدطرفيها، لزم
أن تكون قائمة بطرف واحد، وهذا مستحيل، إلا أن يراد من النسبةالناقصة الحيثية
الصدورية أو الحلولية التي هي حالة قائمة بالمادة، ولكن مضافاًإلى أن ذلك بحاجة إلى
قرينة إن هيئة الفعل لا تدل عليها، فإن الدال عليها نفسالمادة.
وإن أرادقدس سره بذلك أن وضع هيئة الفعل بإزاء النسبة التامة لا يغني عن وضعهيئة
الجملة للدلالة على تعيين أحد طرفيها وهو الفاعل، ففيه أنه لم يقل أحد إنوضعها
للنسبة التامة يعني عن وضع هيئة الجملة للتعيين، بل يقول إن وضعهابإزاء النسبة
التامة يغني عن وضع هيئة الجملة بإزائها أيضاً، باعتبار أنه لغو.
فالنتيجة أن ما أفادهقدس سره من الجواب الحلّي إن كان مرده إلى ما ذكرناه فهو،وإلا
فلا يتم.
ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه بين فعل الماضي وفعل المضارع، فإن هيئة الفعلماضياً كان
أم مضارعاً موضوعة للنسبة التامة بين المادة والذات المبهمةالفاعلة، وهيئة الجملة
الطارئة عليها تدل على تعيين الذات المبهمة في فردخاص، ولا فرق من هذه الناحية بين
الفعلين، وإنما الفرق بينهما من ناحيةاُخرى، وهي ما مرّ من أن النسبة في فعل الماضي
تتضمن حيثية الحكاية عنالثبوت والتحقق في عالم الخارج، بينما إنها في فعل المضارع
تتضمن حيثية الوقوعفعلاً أو استقبالاً.
إلى هنا قد تبين أن القول بأن هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة وهيئةالجملة موضوعة
للنسبة التامة لا يرجع إلى معنى صحيح، فالصحيح هو القولبأنها موضوعة للنسبة التامة
وهيئة الجملة لتعيين أحد طرفي النسبة.
وهنا قولان آخران في المسألة:
الأول: ما اختاره المحقق النائينيقدس سره من أن هيئة فعل الماضي موضوعة
لنسبةالمادة إلى فاعل ما على نحو التحقق، وهيئة فعل المضارع موضوعة لنسبة المادةإلى
فاعل ما على نحو الترقب، وبذلك يمتاز فعل الماضي عن المضارع(17). هذا،
وغير خفي أنهقدس سره إن أراد بإضافة هذا القيد أن حيثية التحقق مأخوذة فيمدلول
هيئة فعل الماضي، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبة الخارجية، وحيثيةالترقب مأخوذة في
مدلول هيئة فعل المضارع، بمعنى أنها موضوعة بإزاء النسبةالتي تقع في الخارج أو سوف
تقع فيه، فيرد عليه:
أولاً أن لازم وضع هيئة الفعل للنسبة الخارجية أن يكون مدلولها الوضعيتصديقياً لا
تصورياً، وهو كماترى، لما ذكرناه في بحث الوضع موسعاً منأنالدلالة الوضعية على
جميع المباني في باب الوضع غير مبنى التعهد دلالةتصورية لا تصديقية.
ثانياً: أن لازم ذلك عدم صحة استعمال هيئة الفعل فيما لا تتصور فيه النسبةالخارجية،
كما في الصفات الذاتية للَّه تعالى كقولنا »علم اللَّه« وموارد الهليةالبسيطة
والاعتباريات الانتزاعيات، فإن النسبة الخارجية لا تتصور في هذهالموارد، مع أن
استعمال فعل الماضي والمضارع في هذه الموارد كاستعمالهما فيغيرها من الموارد التي
تتصور فيها النسبة الخارجية على حد سواء، وهذا كاشفعن أن هيئة الفعل لم توضع بإزاء
النسبة الخارجية.
وإن أرادقدس سره بذلك أن النسبة في فعل الماضي تتضمن حيثية الحكاية والاخبارعما وقع
في خارج الذهن، وفي فعل المضارع تتضمن حيثية الحكاية والاخبارعما يقع فيه فعلاً أو
في المستقبل القريب فهو صحيح، لأن هيئة فعل الماضيموضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما
التي تتضمن حيثية الحكاية بتبع حكايةطرفيها عما تحقق في الخارج وتدل على هذا المعنى
الحكائي بالدلالة التصورية فيمرحلة التصور، وبالدلالة التصديقية في مرحلة التصديق،
وهيئة فعل المضارعموضوعة لنسبة المادة إلى فاعل ما التي تتضمن حيثية الحكاية عما
يقع فيهتصوراً وتصديقاً، ومن هنا إذا سمع الانسان لفظ »ضرب« ولو من لافظ بلاشعور
واختيار، كان المتبادر منه في الذهن ارتكازاً وفطرة معناه الحكائيعماتحقق في
الخارج، كما أن المتبادر من لفظ »يضرب« هو معناه الحكائيعمايتحقق فيه.
ومن هنا يظهر أن ما قيل من أنه لا فرق بين فعل الماضي والمضارع في المدلولالتصوري،
وإنما الفرق بينهما في المدلول التصديقي، فإنه في فعل الماضي قصدالحكاية عن ثبوت
المبدأ وتحققه في الخارج، وفي فعل المضارع قصد الحكاية عمايقع في الخارج غير صحيح،
وذلك لما عرفت من الفرق بينهما في نفس المدلولالتصوري، حيث إنه في كل منهما متخصص
بخصوصية خاصة كما مرّ، ولذلكيختلف المدلول التصديقي في كل منهما عن المدلول
التصديقي في الآخر،وإلافلازمه أن يكون المدلول التصديقي لكل منهما مخالفاً لمدلوله
التصوريالوضعي، وهو كماترى، لوضوح أن المدلول التصديقي للفظ هو المدلولالتصوري،
غاية الأمر أنه في مرحلة التصور متعلق للتصور، وفي مرحلةالتصديق متعلق للتصديق.
القول الثاني: ما اختاره السيد الاُستاذقدس سره من أن هيئة الفعل سواء كانماضياً
أم مضارعاً موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن ثبوتالواقع أو نفيه، فيكون
قصد الحكاية عن الواقع هو المدلول الوضعي لها، ولذلكتكون دلالتها الوضعية دلالة
تصديقية لا تصورية(18).
وفيه أن ذلك مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضع من أنه عبارة عن التعهدوالالتزام
النفساني، فإن الدلالة الوضعية على ضوء هذا المسلك دلالة تصديقيةلا تصورية، ولكن قد
تقدم نقد هذا المسلك بشكل موسع، فلاحظ.
إلى هنا قد تبين أن الأقوال في المسألة أربعة، فالصحيح منها هو القول الثاني،هذا
تمام الكلام في فعل الماضي وفعل المضارع.
وأما فعل الأمر ففيه جهتان:
الجهة الاُولى متمثلة في النظر إليه بما أنه فعل كأخويه من فعلالماضيوالمضارع.
الجهة الثانية متمثلة في النظر إليه بما أنه يتضمن طلب المادة من المخاطب،
وبهايمتاز عن أخويه الماضي والمضارع.
وأما الكلام في الجهة الاُولى، فلأن ملاك فعليته أنه يتضمن نسبة المادة إلىفاعل ما
كالماضي والمضارع، على أساس أن فعلية الفعل متقومة بتلك النسبة،وهي محفوظة فيه كما
هي محفوظة فيهما، غاية الأمر أنه تدل عليها في وعاء الطلبوالارسال، وهما يدلان
عليها في وعاء التحقق والاخبار، وهذا الفرق لا يمثلفارقاً فيما هو مدلول الفعل بما
هو فعل.
وأما الكلام في الجهة الثانية، فلأنه يدل على النسبة في عالم الطلب والانشاء،بينما
يدل فعل الماضي والمضارع عليها في عالم التحقق والاخبار، وبذلكيمتازعنهما.
وبكلمة، إن فعلية الفعل متقومة بدلالته على نسبة المادة إلى فاعل ما وتدورمدارها
وجوداً وعدماً، والمفروض أنها محفوظة في فعل الأمر كما أنها محفوظة فينظيريه، وأما
خصوصية كون النسبة نسبة طلبية إنشائية في عالم الانشاء والطلبأو حكائية إخبارية في
عالم التحقق والثبوت، فهي تمثل حقيقة مدلول الفعل،ومن هنا تمتاز الخصوصية التي تنشأ
من قبل الهيئة كالطلبية والانشائية في فعلالأمر والاخبارية والحكائية في فعل
الماضي والمضارع عن الخصوصية التي تنشأمن قبل المادة كالصدورية والحلولية في نقطة،
وهي أن الاُولى من مقوماتالنسبة التي هي مدلول الهيئة، والثانية من لوازم مدلول
المادة.
إلى هنا قد تبين أن فعل الأمر يشترك مع فعل الماضي والمضارع في ذاتالمدلول، وهي
النسبة بما هي، ويمتاز عنهما في وعائها المقوم لها، حيث إنه يدلعلى النسبة في وعاء
الطلب والانشاء، بينما هما يدلان على النسبة في وعاءالاخبار والحكاية عن الواقع،
ونتيجة ذلك أن النسبة وإن كانت محفوظة في فعلالأمر التي هي ملاك فعليته، إلا أنها
غير النسبة في فعل الماضي والمضارع، فإنهامتمثلة في النسبة الطلبية الانشائية
تصوراً وتصديقاً، بينما النسبة فيهما متمثلة فيالنسبة الحكائية والاخبارية كذلك،
فإذن يمتاز فعل الأمر عن أخويه في المدلولالتصوري، لأن المتبادر منه عند سماعه هو
النسبة الطلبية وإن كان من لافظ بغيرشعور واختيار، كما أن المتبادر منهما النسبة
الاخبارية الحكائية كذلك، ومن هناإذا استعمل فعل المضارع في النسبة الطلبية
الانشائية لم يجرد عن كونه فعلاً، لأناستعماله فيها لا ينافي فعليته.
والخلاصة أن ملاك فعلية الفعل إنما هو دلالته على نسبة المادة إلى فاعل ماصدوراً أو
حلولاً، غاية الأمر أن هذه النسبة قد تكون في وعاء الطلبوالانشاء، وقد تكون في
وعاء التحقق والاخبار، فالنسبة الصدورية من الفاعلفي كلا الوعائين ثابتة، ولا فرق
بين أن تكون هذه النسبة بنحو الطلب منه أوبنحو التحقق والاخبار عنه، وعلى هذا فملاك
فعلية الفعل محفوظة في صيغة الأمركما أنه محفوظة في صيغة المضارع إذا استعملت في
مقام الانشاء والطلب.
نعم لو كان ملاك فعلية الفعل دلالته على النسبة في وعاء التحقق والاخبارلمتكن صيغة
الأمر فعلاً، لفرض أنها لا تدل على النسبة في ذلك الوعاء، ولكنلازم هذا تجريد فعل
المضارع عن الفعلية أيضاً إذا استعمل في مقام الطلبوالانشاء، وهو كماترى.
قد يقال كما قيل: إن من خاصة الفعل المميزة دلالته على الزمان، وحيث إنهالم تتوفر
في فعل الأمر لعدم دلالته عليه، فلا يكون فعلاً.
والجواب: أن الدلالة على الزمان ليست من مقومات فعلية الفعل، فلهذا لايدل عليه فعل
الماضي والمضارع أيضاً كما سوف نشير إليه، فإذن ليست الدلالةعلى الزمان من ملاك
فعلية الفعل.
بقي هنا أمران:
الأول: أن الفعل لا يقع محكوماً عليه ويقع محكوماً به، أما عدم وقوعهمحكوماً عليه،
فلأن الفعل وإن كان متكوناً من المادة التي هي معنى اسمي والهيئةالتي هي معنى حرفي،
إلا أن الملحوظ والمنظور فيه إنما هو المعنى الحرفي، أيمدلول الهيئة الذي هو ملاك
فعلية الفعل، دون مدلول المادة المشتركة، فإنه معنىاسمي وليس دخيلاً في فعلية
الفعل، لأنها متقومة بهيئته الطارئة على المادة التيهي بمثابة الصورة النوعية له،
ولهذا يكون امتياز كل فعل عن آخر إنما هو بهيئته،فمن هذه الجهة لا يقع الفعل
محكوماً عليه.
فالنتيجة أن الفعل وإن كان مركباً من المعنى الاسمي الذي هو مدلول المادةوالمعنى
الحرفي الذي هو مدلول الهيئة، إلا أن الدخيل في فعليته إنما هومدلولالهيئة، وهو
النسبة بين المادة والفاعل، فاحتياج الفعل إلى المادةكاحتياجالصورة إلى الهيولى،
باعتبار أن فعلية الفعل إنما هو بصورته النوعيةالقائمة بالمادةلا بمادته، ومن
الواضح أن تلك النسبة لا تصلح أن تقع موضوعاًللحكم في القضية.
وأما وقوعه محكوماً به كما في مثل »زيد قام« فإنما هو من أجل أن المتفاهمالعرفي من
الفعل الواقع خبراً للمبتدأ في الجملة الاسمية هو الذات المتلبسةبالمبدأ، ولهذا
ترجع الجملة المذكورة إلى جملة »زيد قائم«، وعليه فوقوعهمحمولاً إنما هو بهذا
اللحاظ لا بلحاظ مدلوله في نفسه وهو النسبة، وبذلك تمتازالجملة الفعلية كقولك »قام
زيد« عن الجملة الاسمية المشتملة على الفعل كقولك»زيد قام«، لأن الفعل في الجملة
الاسمية مشتمل على الذات بلحاظ الضميرفيه، ولهذا كان المتفاهم منه الذات المتلبسة
بالمبدأ، بينما الفعل في الجملة الفعليةمشتمل على المادة والهيئة فحسب دون الذات،
نعم إنها تدل عليها بالالتزام كماتقدم، فإذن وقوعه محكوماً به فإنما هو بلحاظ
اشتماله على الذات.
الثاني: أن الزمان غير مأخوذ في مدلول الفعل، لما عرفت من أن مدلولهنسبة المادة
إلى فاعل ما، ولا يعتبر فيه وقوعه في الخارج في زمان، لأن موطنهعالم الذهن أو عالم
الطلب والبعث، ومن هنا يظهر أن ما نسب إلى النحاة مندلالة الفعل على الزمان لا أصل
له، لأن الفعل لم يوضع بإزاء النسبة الخارجيةلكي يتوهم أنها تقع في زمان ما، مع أن
وقوعها فيه لا يدل على أنه مأخوذ فيمدلوله جزءاً أو قيداً، بل لعله من باب أن كل
زماني لابد أن يقع في زمان، مع أنالزمان لو كان مأخوذاً في مدلوله لكان مدلوله
تصديقياً لا تصورياً، لأن معنىذلك أنه موضوع بإزاء النسبة الخارجية لا الذهنية،
والحال أن الأمر ليسكذلك، لما مرّ من أنه موضوع بإزاء واقع النسبة التي يكون الذهن
ظرفاً لنفسها لالوجودها اللحاظي، لأنها بهذا الوجود معنى اسمي لا حرفي، كما أشرنا
إليهسابقاً، هذا تمام كلامنا حول وضع الأفعال وامتياز بعضها عن بعضها الآخر.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو وضع المصادر، فلا شبهة في أن المصدربما هو لا
يكون مبدأ المشتقات، لأن المبدأ لها لابد أن يكون سارياً فيجميعأنواعها وأشكالها،
بأن يكون خالياً ومجرداً عن كلالخصوصيات لفظاً ومعنىحتى يقبل أيصورة تطرأ عليه
كالهيولى فيالأشياء، بينماالمصدر ليس كذلك، فإنهمشتمل على خصوصية لفظاً ومعنى،
أما لفظاً فلأنه مشتمل على هيئة خاصة،وأما معنىً فلأنه مشتمل على خصوصية زائدة على
صرف الحدث.
والخلاصة أن المبدأ كالهيولى الاُولى، فكما أنها عارية عن كل خصوصية منالخصوصيات،
وإلا فلا يمكن أن تقبل أيّ صورة ترد عليها ولا تصلح أن تكونمادة لجميع الأشياء
فكذلك المبدأ، وهذا بخلاف المصدر، فإنه مشتمل علىخصوصية زائدة على نفس الحدث
المشترك.
ومن هنا يظهر أن ما هو المشهور بين النحاة من أن المصدر أصل المشتقاتومبدأ لها لا
يرجع إلى معنى محصل، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد تسأل أن الخصوصية التي تدل عليها هيئة المصدر ماهي؟
والجواب: أن فيه قولين:
الأول: ما ذهب إليه جماعة من أنها عبارة عن النسبة الناقصة بين المادةوالذات
المبهمة، وهيئة المصدر موضوعة بإزائها وتدل عليها، هذا.
وعليه تعليقان:
الأول: ما عن المحقق النائينيقدس سره من أن المصدر لو كان موضوعاً للنسبةالناقصة
بين المادة والذات المبهمة، فلازمه أن يكون مبنياً من جهة مشابهتهللحرف في معناه
النسبي، مع أنه معرب لا مبني(19).
ولكن هذا التعليق غير صحيح.
أما أولاً: فبالنقض بالأوصاف الاشتقاقية، فإنها موضوعة بإزاء معان نسبيةوهي نسبة
المبدأ إلى الذات، مع أنها معربة وليست بمبنية.
وثانياً: بالحلّ وهو أن وضع هيئة المصدر للنسبة الناقصة وإن كان مؤدّياًإلىمشابهته
للحرف في مدلول هيئة، إلا أنه لا أثر لهذه المشابهة، لأنها لاتستدعي أن يكون المصدر
مبنياً، لأن الملاك في كونه مبنياً إنما هو مشابهتهللحرف بمدلول مادته كما في
أسماء الاشارة والضمائر ونحوهما، ولا قيمة لمشابهتهللحرف بمدلول هيئته.
وبكلمة، إن المصدر مركب من أمرين: الأول المادة التي هي معنى اسمي،والثاني الهيئة
التي هي معنى حرفي، فالمصدر بلحاظ مادته اسم ولا يشبههالحرف، وشباهته له بلحاظ
هيئته لا تضر بكونه معرباً بلحاظ مادته، لأنه منجهة ما يشبه المعنى الحرفي لا دخل
له في حيثية كونه معرباً، ومن جهة ماله دخلفي ذلك لا يشبه المعنى الحرفي، فلذلك لا
يكون مبنياً.
هذا إضافة إلى أن الملحوظ في المصدر بالأصالة إنما هو مدلول المادة، لأنهالعنصر
الأساسي فيه دون مدلول الهيئة، فإنه مندك فيه ولا ينظر إليه إلا تبعاً،فلهذا يقع
المصدر محكوماً عليه دون الفعل، حيث إن فعلية الفعل إنما هي بهيئته لابمادته، بينما
يكون المصدر بعكس ذلك.
الثاني: أن هيئة المصدر لو كانت موضوعة للنسبة الناقصة بين المادة والذاتالمبهمة
لم تصح إضافة المصدر إلى الذات في مثل »ضرب زيد« و»قيام عمرو«و»علم خالد« وهكذا،
لأستلزم ذلك قيام نسبتين ناقصتين في عرض واحد بينمادة واحدة وطرفين أحدهما الذات
المبهمة والآخر الذات المعينة كزيد مثلاً،وهذ مستحيل، لاستحالة أن يكون شخص المادة
طرفاً لنسبتين متباينتين معاً،لما مر من أن كل نسبة متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود
طرفيها في الذهن أوالخارج، ومن الواضح أنه لا يعقل أن يكون شخص المادة من المقومات
الذاتيةلنسبتين متباينتين في عرض واحد، فإن هذا نظير أن يكون فصل واحد منالمقومات
الذاتية لنوعين متباينتين كذلك، وهو كما ترى.
أو فقل: إن شخص وجود المادة في الذهن أو الخارج إذا كان طرفاً لنسبة فيه،فلا يعقل
أن يكون في نفس الوقت طرفاً لنسبة اُخرى فيه مباينة للاُولى، لما تقدممن أن الجامع
الذاتي بين أنحاء النسب غير متصور، لأنها متباينات بالذاتوالحقيقة بتباين مقوماتها
الذاتية، لأن المقومات الذاتية لكل نسبة مباينةللمقومات الذاتية للاُخرى، حيث إنها
بمثابة الجنس والفصل للنوع، فكما أن كلنوع من الأنواع مباين للنوع الآخر باعتبار
أن الجنس والفصل لكل منها مباينللجنس والفصل للآخر، فلا يعقل اشتراك نوعين
متباينين في شخصالجنسوالفصل ولا في أحدهما فقط دون الآخر، فكذلك الحال في أنحاء
النسب،فإنه لا يعقل اشتراك نسبتين متباينتين في شخص الطرفين أو في أحدهما فحسبدون
الآخر(20).
ولكن يمكن المناقشة فيه، إذ بإمكان القائل بهذا القول أن يقول بأن هيئةالمصدر تدل
على النسبة الناقصة، وهيئة الاضافة على تعيين الذات المبهمة التيهي أحد طرفيها في
فرد معين في الخارج، لا على النسبة الناقصة الاُخرى فيعرض الاُولى. هذا،
والصحيح في نقد هذا القول أن يقال إن هيئة المصدر لم توضع للنسبةالناقصةبين الحدث
والذات المبهمة، وإنما وضعت لحصة خاصة من الحدث،فلنادعويان:
الاُولى: أن المصدر لم يوضع للنسبة الناقصة بين الحدث والذات المبهمة.
الثانية: أنها موضوعة لحصة خاصة من الحدث.
أما الدعوى الاُولى فلأن هيئة المصدر لو كانت موضوعة للنسبة بين الحدثوالذات
المبهمة، فلابد من أن تكون النسبة تامة، لما ذكرناه سابقاً من أن تماميةالنسبة في
أيّ وعاء إنما هي بتمامية شخص طرفيها فيه، سواء أكان ذلك الوعاءوعاء الخارج أم
الذهن، لأن ذهنية النسبة أنما هي بذهنية طرفيها، كما أنخارجيتها إنما هي
بخارجيتها، ولا يعقل أن توجد النسبة في الذهن أو الخارجناقصة، لأن طرفيها إن وجدا
في الذهن أو الخارج فالنسبة ثابتة فيه، وإلا فلانسبة، لا أنها موجودة ناقصة.
والخلاصة أن هيئة المصدر لو كانت موضوعة بإزاء النسبة بين الحدثوالذات المبهمة لم
يكن فرق بينها وبين هيئة الفعل في المعنى الموضوع له، حيث قدمر أن هيئة الفعل أيضاً
موضوعة للنسبة بين الحدث والذات المبهمة، مع أنالفرق بينهما في المعنى الموضوع له
واضح وجداناً وارتكازاً، ومن هنا يختلفالمصدر عن الفعل في عدة نقاط:
منها: أن المصدر يصح وقوعه محكوماً عليه دون الفعل.
ومنها: أن المصدر يصح إضافته إلى الفاعل تارة والمفعول اُخرى دون الفعل،فإنه لايصح
إضافته إلى شيء منهما.
ومنها: أن العنصر الأساسي في المصدر إنما هو مادته دون هيئته، بينما الأمر فيالفعل
على العكس.
ومن الواضح أن تلك تدل بوضوح على أن هيئة المصدر لم توضع بإزاء
پاورقي
1) أجود التقريرات 73 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 188 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 184:1.
4) بحوث في علم الاُصول 214 :1.
5) أجود التقريرات 79 :1.
6) محاضرات في اُصول الفقه 229 :1.
7) كفاية الاُصول: 40.
8) محاضرات في اُصول الفقه 232 :1.
9) نهاية الدراية 172 :1.
10) كفاية الاُصول: 40.
11) محاضرات في اُصول الفقه 231 :1.
12) نهاية الأفكار 129 :1.
13) أجود التقريرات 124 :1.
14) أجود التقريرات 124 :1.
15) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 314 :1.
16) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 314 :1.
17) أجود التقريرات 91 :1.
18) محاضرات في اُصول الفقه 235 85 :1.
19) أجود التقريرات 93 :1.
20) ذكره في بحوث في علم الاُصول 315 :1.
..............................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
كيفية وضع الأفعال والمصادر والأوصاف الاشتقاقية ...
النسبة بين الحدث والذات المبهمة، وإلا كان حاله حال الفعل، فلا فرق بينهمامنهذه
الناحية.
وأما الدعوى الثانية فلأن المتفاهم العرفي من هيئة المصدر حيثية خاصة قائمةبذات
الحدث كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي، وليست تلك الحيثية نسبة حتىلا يعقل
قيامها بطرف واحد.
وبذلك يفترق المصدر عن الفعل، وهذا يمثل الفرق بينهما جوهرياً، لأنالمصدر متقوم
بمدلول مادته وهو ذات الحدث الفارغة عن جميع الخصوصياتوالحيثيات الطارئة، دون
مدلول هيئته وهو الحيثية القائمة بها، والفعل متقومبمدلول هيئته وهو النسبة بين
المادة والذات المبهمة كما تقدم، دون مدلول مادته.
وعلى الجملة فالظاهر أن هيئة المصدر موضوعة بإزاء الحيثية القائمة بذاتالحدث التي
هي معنى مادته وتدل عليها، وهذه الحيثية وإن كانت تستلزم إضافةالحدث إلى الذات
المبهمة إلا أنها لم تؤخذ في مدلولها، لأن الأخذ فيه شيءوالاستلزام شيء آخر.
وما ذكرناه سابقاً من أن حيثية الصدور أو الحلول لم تؤخذ في مدلول الهيئة،وإنما هي
مأخوذة في مدلول المادة لا ينافي ما مرّ الآن من أن هيئة المصدر تدلعلى خصوصية
قائمة بذات المادة، لأن الخصوصية التي تكون مدلولة لهيئةالمصدر هي خصوصية الإيجاد،
فإن المصدر في مرحلة التصور قد يلحظ بما هوحدث وإيجاد، وقد يلحظ بما هو موجود
بالذات في الخارج، نظير الخلقوالمخلوق والإيجاد والوجود، فإنهما متحدان في الواقع
ذاتاً وحقيقة ومختلفاناعتباراً، فالقيام تارة يلحظ بما هو حدث وإيجاد، واُخرى يلحظ
بما هو وجود فيالخارج، فهيئة المصدر موضوعة للقيام بلحاظ الحيثية الاُولى، أي بما
هو حدثوإيجاد، وأما خصوصية الحلولية، فهي مقتضى أرضية القيام وخاصته، فلاتكون هيئة
المصدر موضوعة لها، ومن هنا يظهر حال اسم المصدر، فإنه موضوعللحدث بلحاظ الحيثية
الثانية، لأن كلتا الحيثيتين من حيثيات الحدث ومنالحالات القائمة بذاته، غاية
الأمر أن مدلول هيئة المصدر حينئذ موجود فيضمن مدلول كل هيئة من الهيئات
الاشتقاقية، حيث إنه أسبق رتبة من سائرالمشتقات، وكذلك اسم المصدر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن هيئة المصدر موضوعة للحيثيةالقائمة بذات
الحدث لا للنسبة بينها وبين الذات المبهمة.
وهنا قولان آخران:
القول الأول: ما عن المحقق النائينيقدس سره فإنه في مقام التمييز بين المصدر
واسمالمصدر قال: إن المصدر موضوع للحدث الملحوظ بنحو قابل لورود النسبةعليه، أي
إنه موضوع للحدث الملحوظ بنحو لا بشرط، واسم المصدرموضوعللحدث بشرط عدم هذه
النسبة، يعني أنه موضوع للحدث الملحوظبشرط لا(1). هذا،
ولكن للمناقشة فيه مجالاً واسعاً، وذلك لأنهقدس سره إن أراد بكلمة »لا
بشرط«عنوانها ومفهومها وأن المصدر موضوع بإزائه، فيرد عليه أن مفهوم هذه
الكلمةمفهوم اسمي، فلا يمكن أن تكون هيئة المصدر موضوعة بإزائه، لأن مدلولها
معنىحرفي لا اسمي.
وإن أراد بها واقعها الموضوعي، وهو الخصوصية التي يستبطنها الحدثكخصوصية الصدورية
أو الحلولية، وهي قابلية الحدث لورود الاضافة والنسبةعليه، وهذه الخصوصية قائمة
بذات الحدث كقيام المعنى الحرفي بالمعنى الاسمي،وليست نسبة بالمعنى الذي يحتاج إلى
الطرفين، وأما كونها مأخوذة لا بشرطفإنما هو بالنسبة إلى إضافة الحدث إلى الذات
وعدم إضافته إليها، فيرد عليه أنلازم ذلك كون المصدر مبنياً عندهقدس سره للمشابهة
بالمعنى الحرفي وهو الخصوصيةالمذكورة، ومن هنا منعقدس سره عن وضع هيئة المصدر
بإزاء النسبة بين المادةوالذات، معللاً بأنها لو كانت موضوعة بإزائها لكان المصدر
مبنياً بملاك المشابهةلا معرباً، والخصوصية المذكورة وإن لم تكن نسبة إلا أنها معنى
حرفي، فإذا كانتمعنى حرفياً، فلا يرىقدس سره وضع المصدر بإزائها بنفس الملاك
المتقدم، فالنتيجة أنهلا يمكن أن يكون مرادهقدس سره من اللا بشرط تلك الخصوصية.
وإن أرادقدس سره بها ذات المعنون بعنوان لا بشرط، وهي طبيعي الحدث الذي لميلحظ معه
أيّ خصوصية من الخصوصيات العرضية، بأن يكون مهملاً من جميعالجهات والخصوصيات، فيرد
عليه أن الحدث بهذا المعنى مبدأ للمشتقات، فلايمكن أن يكون مدلولاً للمصدر، لأن
المصدر مشتمل على خصوصية زائدة لفظاًومعنى، فلا يصلح أن يكون مبدأ لها كالهيولى، بل
هو من أحد المشتقات،هذاإضافة إلى أن الحدث بهذا اللحاظ معنى اسمي، فلا يمكن أن يكون
مدلولاًلهيئة المصدر.
فالنتيجة أن هذه المحاولة بتمام محتملاتها غير تامة.
نعم، قد يظهر من بعض كلماته أن المصدر وضع للحدث القائم بموضوع،واسم المصدر وضع
للحدث بشرط عدم لحاظ قيامه به، فهما متباينان معنى(2).
ويمكن المناقشة فيه بأنه إن أرادقدس سره بقيامه بالموضوع قيامه به خارجاً، فيردعليه
أن لازم ذلك وضع هيئة المصدر للنسبة الخارجية، لأن قيام الحدثبالموضوع في الخارج
عبارة اُخرى عن نسبته إليه، ومن الواضح أنه لايمكنالالتزام به، لأن لازمه أن يكون
المدلول الوضعي لها مدلولاً تصديقياً، وأيضاًلازمه أن يكون المصدر مبنياً عندهقدس
سره مع أنه لا يلتزم بالبناء.
هذا إضافة إلى أن لازم وضعها للنسبة الخارجية عدم ثبوت المدلول لها فيموارد الهلية
البسيطة والصفات الذاتية له تعالى والاعتباريات والانتزاعيات،من جهة أن النسبة
الخارجية لا تتصور في هذه الموارد كافة.
وإن أرادقدس سره بذلك قيامه بالموضوع في صقع الذهن، فيرد عليه أن لازم ذلكوضع هيئة
المصدر للنسبة الذهنية، والحال أنهقدس سره لا يلتزم به، بل ينفي ذلك معللاًبأن
وضعها لهايستلزم كون المصدر مبنياً مع أنه معرب، فالنتيجة أنه ليس بوسعهالالتزام
بوضع المصدر بإزاء النسبة ولا بإزاء الخصوصية القائمة بالحدث،لاستلزام ذلك كونه
مبنياً عنده.
وأما ما أفادهقدس سره بالنسبة إلى اسم المصدر، فلا يمكن المساعدة عليه.
أما أولاً: فلأن لازم ذلك عدم وجود مصداق لمدلول اسم المصدر في الخارج،لأن الحدث
بشرط عدم لحاظ إضافته إلى ذات فيه مجرد مفهوم في عالمالذهنلاواقع له خارجاً،
ضرورة أنه لا يمكن فرض وجود حدث بدون انتسابهإلى ذات فيه.
وثانياً: أنه لا شبهة في صحة إضافة اسم المصدر إلى فاعله، فلوكان موضوعاًللحدث بنحو
بشرط لا، أي بشرط عدم الاضافة إليه، لزم إلغاء معناه الموضوعله واستعماله في غيره
في مثل قولك »غُسل زيد« مثلاً، أو فقل إنه يلزم التناقضوالتهافت بين مدلوله ومدلول
الاضافة.
القول الثاني: ما ذهب إليه السيد الاُستاذقدس سره من أن هيئة المصدر موضوعةللدلالة
على قصد نسبة الحدث إلى فاعل ما، وهيئة اسم المصدر موضوعةللدلالة على قصد الحدث من
دون لحاظه منتسباً إلى ذات في الخارج.
وأما هيئة فعل الماضي، فقد تقدم أنها موضوعة للدلالة على قصد الحكايةعن تحقق المبدأ
في الخارج قبل التكلم بها ولو آناً ما، وهيئة فعل المضارعموضوعة للدلالة على قصد
الحكاية عن تحقق المبدأ حال التكلم أو بعده ولوبآن، وعلى هذا فتمتاز هيئة المصدر عن
اسم المصدر في المعنى الموضوع له،وكذلك تمتاز هيئة المصدر عن هيئة الفعل في ذلك(3)،
هذا.
ويمكن المناقشة فيه.
أما أولاً فلأن ما ذكرهقدس سره مبني على نظريته في مسألة الوضع، وهي
التعهدوالالتزام النفساني، حيث إن لازم هذه النظرية كون الدلالة الوضعية
دلالةتصديقية، والفرق بين هيئة المصدر وهيئة الفعل على ضوئها ظاهرة، وأما علىضوء
سائر النظريات في باب الوضع فقد مرّ أن الدلالة الوضعية دلالة تصورية،وعلى هذا فما
هو الفارق بين هيئة المصدر وهيئة الفعل بعد ما كان المدلولالوضعي في كلتيهما هو
النسبة بين الحدث والذات المبهمة، وقد تقدم أنه علىهذالا فرق بينهما.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم نظرية التعهد، ولكن مع هذا يكونالمتبادر من
هيئة المصدر عرفاً قصد تفهيم الخصوصية القائمة بالحدث دونالنسبة بينه وبين الذات
المبهمة، كما أنها هي المتفاهم منها عرفاً على ضوء سائرالنظريات، وقد تقدم أن هذا
هو الصحيح.
وأما هيئة اسم المصدر، فإن كانت متحدة مع هيئة المصدر كما هو الغالبفياللغة
العربية فالمدلول الوضعي لها واحد، وذلك مثل »الضرب« و»النصر«ونحوهما، لوضوح أنه
ليس لها معنيان: أحدهما المعنى المصدري، والآخرالمعنىالاسم المصدري.
وأما إذا كانت لكل منهما هيئة مستقلة ك »الغُسل« و»الغَسل«، فالظاهر أنهيئة اسم
المصدر موضوعة للحدث بلحاظ أنه موجود في موطنه، وهيئةالمصدر موضوعة بإزائه بلحاظ
إيجاده، فيكون الفرق بينهما الفرق بين الايجادوالوجود، فالمصدر وضع لحيثية الايجاد،
واسم المصدر لحيثية الوجود.
ثم إن مرادنا من الايجاد والوجود ليس هو الايجاد والوجود الخارجيين لكييقال إن
اللفظ لم يوضع بإزاء الوجود الخارجي، بل المراد منهما أن الحدث في عالمالتصور قد
ينظر إليه بما أنه حدث وإيجاد وقد ينظر إليه بما أنه وجود في موطنه،والأول المعنى
المصدري، والثاني المعنى الاسم المصدري.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى: أن هيئة الفعل بشتى أنواعه موضوعة للنسبة بين المادة والذاتوالمبهمة في
وعاء التحقق والطلب، وهيئة الجملة في مثل قولك »ضرب زيد«وضعت لتعيين الذات المبهمة
في فرد خاص.
الثانية: أن صدورية النسبة وحلوليتها إنما هي من خصوصيات المادة دونالهيئة، وهذا
واضح على القول بأن وضع الهيئة نوعي، وأما على القول بأنوضعها شخصي فالظاهر أن
الأمر أيضاً كذلك كما تقدم.
الثالثة: أن القول بأن هيئة الفعل موضوعة للنسبة الناقصة وهيئة الجملةموضوعة للنسبة
التامة، لا يرجع إلى معنى صحيح، بل لازم ذلك قيام نسبتينمتباينتين في عرض واحد
بمادة واحدة وطرفين آخرين، وهو غير معقول كما مرّ.
الرابعة: أنه لا فرق بين جملة »ضرب زيد« التي هي جملة فعلية وبين جملة»زيد ضرب«
التي هي جملة اسمية، فكما أن هيئة الفعل في الجملة الاُولى تدلعلى النسبة التامة
بين المادة والذات المبهمة، وهيئة الجملة تدل على تعيين الذاتالمبهمة في فرد معين
في الخارج كزيد مثلاً فكذلك هيئة الفعل في الجملة الثانية،فإنها تدل على النسبة بين
المادة والذات المبهمة المستترة فيه، وهيئة الجملة تدلعلى تعيين الذات المبهمة في
فرد خاص، غاية الأمر أن هيئة الفعل في الجملةالاُولى تدل على الذات المبهمة
بالالتزام، على أساس دلالتها على وقوع المادةوتحققها خارجاً، وأما في الجملة
الثانية فتدل عليها بالمطابقة، وهي الضميرالمستتر فيه.
ودعوى أن الجملة الثانية تنحل إلى جملتين صغيرة وكبيرة ومشتملة علىنسبتين،
فالصغيرة جملة فعلية تدل على النسبة بين المادة والفاعل المبهم وهوالضمير المستتر
فيه، والكبيرة جملة اسمية تدل على النسبة بين المبتدأ والخبر وهوالجملة الفعلية،
بينما الجملة الاُولى لا تنحل إلى جملتين كذلك.
مدفوعة بأن هذا الانحلال وإن كان معروفاً إلا أنه لا ملاك له، بل هي جملةواحدة
كالجملة الاُولى، غاية الأمر أن الفاعل في الجملة الاُولى متأخر عنالفعلوفي
الثانية متقدم عليه، ولكن هذا المقدار من الاختلاف لا يمثل الفرقبينهما واقعاً
وجوهراً.
الخامسة: أن ما أفاده بعض الأعاظمقدس سره - من أن هيئة الفعل في الجملةالاسمية وإن
كانت موضوعة بإزاء نسبة المادة إلى فاعل ما، إلا أنها لما كانت هيئةإفرادية، فوضعها
بإزائها لا يغني عن وضع هيئة الجملة القائمة بالفعل والفاعل -غير تام كما تقدم.
السادسة: أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره - من أن هيئة فعل الماضي موضوعةلنسبة
المادة إلى فاعل ما بنحو التحقق، وهيئة فعل المضارع موضوعة لنسبةالمادة إلى فاعل ما
بنحو الترقب، وبذلك يمتاز فعل الماضي عن المضارع - مما لايمكن المساعدة عليه، إلا
أن يكون مرادهقدس سره من ذلك أن النسبة في فعل الماضيتتضمن حيثية الحكاية
والاخبار عما وقع في الخارج، وفي فعل المضارع تتضمنحيثية الحكاية والاخبار عما يقع
فيه فعلاً أو في المستقبل ، فعندئذ ما أفادهقدس سرهتام.
السابعة: أن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره - من أن هيئة الفعل ماضياً كان
أممضارعاً موضوعة للدلالة على قصد الحكاية والاخبار عن الواقع نفياً أو إثباتاً-
مبني على مسلكهقدس سره في باب الوضع، وحيث إنه غير تام عندنا، فلا يمكنالمساعدة
على ما أفادهقدس سره.
الثامنة: أن فعلية صيغة الأمر إنما هي بلحاظ اشتمالها على النسبة بين المادةوالفاعل
كأخويها من فعل الماضي والمضارع، على أساس أن فعلية الفعلمتقومة بتلك النسبة، وحيث
إن فعل الأمر مشتمل عليها، فهو يشترك معهما فيالفعلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن وعاء هذه النسبة في فعل الأمر وعاء الطلب والانشاء،وفي فعل
الماضي والمضارع وعاء التحقق والاخبار، وبذلك يمتاز فعلالأمرعنهما.
التاسعة: أن الفعل لا يقع محكوماً عليه، بنكتة أن فعلية الفعل إنما هي بهيئتهالتي
هي بمثابة صورته النوعية دون مادته التي هي بمثابة الهيولى، فلذلك يكونمدلول الفعل
معنى حرفياً، باعتبار أنه مدلول هيئته، والمعنى الحرفي لا يصلح أنيحكم عليه، وأما
وقوعه محكوماً به، فلا يكون من جهة معناه الموضوع له وهوالنسبة، لأنه من هذه الجهة
كما لا يحكم عليه لا يحكم به أيضاً، بل من جهة أنالجملة الفعلية إذا وقعت خبراً
للمبتدأ كقولك »زيد قام« ترجع في الحقيقة إلىجملة اسمية وهي قولك »زيد قائم«، على
أساس أن المتفاهم العرفي منها هوتلبس الذات بالمبدأ، فيكون المحمول في الحقيقة هو
تلك الذات المتلبسة كماتقدم، دون الفعل، بما هو فعل دال على النسبة.
العاشرة: أن المصدر لا يصلح أن يكون مبدأ للمشتقات وأصلاً لها كما فيكلمات النحاة،
لأنه مشتمل على خصوصية زائدة لفظاً ومعنى، والمبدأ لابد أنيكون خالياً عن جميع
الخصوصيات العرضية حتى يكون سارياً في جميعالمشتقات بشتى أنواعها وأشكالها.
الحادية عشرة: أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن هيئة المصدر لو
كانتموضوعة بإزاء النسبة الناقصة بين المادة والذات المبهمة كان مبنياً
منجهةالمشابهة غير تام، لأن المصدر معرب من جهة مادته التي هي معنىاسمي،والمفروض
أنه لا يشبه الحرف من هذه الجهة، وإنما يشبه الحرف منجهةهيئته، والشباهة من هذه
الجهة لا ترتبط بالجهة التي يكون المصدر معرباًمن تلك الجهة.
الثانية عشرة: أن صحة إضافة المصدر إلى الذات ك »ضرب زيد« و»قيامعمرو« تمنع عن وضع
هيئته للنسبة الناقصة، وإلا لزم قيام نسبتين ناقصتين فيعرض واحد بين مادة واحدة
وطرفين، وهما الذات المبهمة والذات المعينة،وهذا مستحيل، لاستحالة أن يكون شخص
المادة طرفاً مقوماً لنسبتينمتباينتين معاً كما تقدم.
الثالثة عشرة: الصحيح أن هيئة المصدر موضوعة لخصوصية خاصة قائمةبالحدث، وهي ليست
بنسبة حتى تحتاج إلى وجود طرفين لها، بل هي منالحالات القائمة بالغير كقيام المعنى
الحرفي بالمعنى الاسمي.
الرابعة عشرة: أن المصدر يمتاز عن الفعل بعدة نقاط: منها وقوعه محكوماًعليه، ومنها
صحة إضافته إلى الفاعل، ومنها إلى المفعول، بينما لا يقع الفعلمحكوماً عليه ولا
يصح إضافته إلى الفاعل ولا إلى المفعول.
وأما الكلام في المقام الثالث وهو وضع الأوصاف الاشتقاقية، ففيهقولانرئيسيان:
القول الأول: أنها موضوعة للمتلبس بالمبدأ فعلاً.
القول الثاني: أنها موضوعة للجامع بينه وبين ما انقضى عنه المبدأ.
وأما الأقوال الاُخرى في المسألة، فهي أقوال جانبية ويظهر حالها من بيانالقولين
الرئيسين فيها.
ثم إن هذا النزاع مبتن على إمكان تصوير جامع بين المتلبس بالمبدأ والمنقضيعنه
المبدأ، وأما على تقدير عدم إمكان تصويره، فلا موضوع لهذا النزاع، لأنهبنفسه دليل
على بطلان القول بالأعم وتعين القول بالوضع لخصوص المتلبس،فلذلك يقع الكلام في
مقامين:
الأول: في مقام الثبوت.
الثاني: في مقام الاثبات.
أما الكلام في المقام الأول فعلى القول ببساطة مفهوم المشتق وأنه نفس المبدأالملحوظ
لا بشرط من حيث الحمل، فلا يعقل تصور معنى جامع قابل للانطباقعلى المتلبس والمنقضي
معاً في الخارج، لأن المبدأ إما أن يكون موجوداً فيه أومعدوماً، ولا ثالث لهما،
فتصويره تصوير جامع بين النقيضين، وهو غير معقول،وعليه فالمشتق بما أنه عين المبدأ
ذاتاً وحقيقة، فطالما يكون المبدأ موجوداًفالمشتق صادق، وإذا زال وانقضى زال المشتق
ولا يعقل بقاؤه، وعلى هذا القوليكون حال العناوين الاشتقاقية كحال العناوين
الذاتية كالانسان والحيوانونحوهما، فكما أنه يستحيل بقاء تلك العناوين مع زوال
مبادئها الذاتية التي هيحقيقتها، باعتبار أن شيئية الشيء إنما هي بصورته النوعية
المقومة فكذلكعنوان المشتق، فإنه يستحيل بقاؤه مع زوال المبدأ، وإلاّ لزم خلف فرض
كونهعينه، بل هو أسوء حالاً من العناوين الذاتية، فإن تلك العناوين مركبة من
المادةوالصورة، فإذا زالت صورتها النوعية زالت العناوين بصورتها لا بمادتها.
هذا إضافة إلى أن هناك بحثاً في الفلسفة عن إمكان انفكاك الذات عنصورتها النوعية
من جهة البحث عن مدى تقوم الصورة الجسمية بالصورةالنوعية، فهناك قول بأن الصورة
النوعية كالأعراض للصورة الجسمية، ولادخل لها فيها، وقول بأن الصورة الجسمية متقومة
بإحدى الصور النوعية علىالبدل، وقول بأنها متقومة بأشخاص الصور النوعية، وتمام
الكلام هناك،فالغرض هنا الاشارة إلى أن مسألة عدم انفكاك الذات عن صورتها
النوعيةليست من المسائل المسلمة لدى الفلاسفة، وهذا بخلاف المشتق، فإنه
علىالقولببساطته عين المبدأ، فزواله بزوال المبدأ أمر وجداني غير
قابلللبحث،فلذلك لا موضوع حينئذ للنزاع في أنه وضع للأعم أو الخصوصالمتلبس
بالمبدأ بالفعل.
وبكلمة اُخرى، إن الركن الوطيد على هذا القول هو نفس المبدأ غاية الأمرأنه ملحوظ لا
بشرط، ومعه لا يأبى عن الحمل على الذات، وحينئذ فالصدقمتقوم بالمبدأ وجوداً
وعدماً، فإذا انعدم لم يصدق العنوان الاشتقاقي إلا بالعنايةوالمجاز، وبذلك تختلف
العناوين الاشتقاقية عن العناوين الذاتية، فإن العناوينالاشتقاقية على الرغم من
كونها عين مبادئها ذاتاً وحقيقة وبسيطة، سواء أكانتالمبادىء من إحدى المقولات أم
كانت من غيرها، فإذا زالت المبادىء زالتالعناوين الاشتقاقية بالكلية، ولكن مع هذا
يصح إطلاقها على الذات قبلالاتصاف بها وبعده مجازاً بعلاقة الأول والمشارفة أو
علاقة ما كان.
بينما العناوين الذاتية على الرغم من كونها مركبة من الصورة والمادة، فإذازالت
الصورة وتبدلت بصورة اُخرى بقيت المادة، ولكن مع هذا لا يصح إطلاقهاعلى المادة ولو
مجازاً، فإذا صار الانسان أو الكلب ملحاً لم يصح إطلاق الانسانعلى المادة ولا
الكلب لا حقيقة ولا بالعناية والمجاز، والنكتة في ذلك هي أنالمتصف بالانسانية حصة
من الهيولى، وتزول تلك الحصة بزوال صورتها وهيالانسانية، والباقي هو الهيولى
المشتركة بين جميع الأشياء، وهي بحدّها لا تتصفبالانسانية أصلاً، بل لا يعقل
اتصافها بها، وأما الحصة المتصفة بالترابية، فهيمباينة للحصة المتصفة بالانسانية
وهكذا، فلذلك لا يصح إطلاق العناوينالذاتية على الهيولى المشتركة ولا على حصة
اُخرى منها مباينة ولو مجازاً، لعدمالعلاقة المجوزة في البين، وهذا بخلاف الذات في
باب العناوين الاشتقاقية، فإنهاقبل الاتصاف بها وحين الاتصاف بها وبعدة ذات واحدة
شخصية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتيجتين التاليتين:
الاُولى: أنه على القول ببساطة مفهوم المشتق لا موضوع للنزاع في أنه وضعللأعم أو
لخصوص المتلبّس.
الثانية: أن هذا القول بنفسه دليل قطعي على وضع المشتق لخصوص المتلبسبالمبدأ
بالفعل.
وأما على القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذات والمبدأ، فهل يمكن حينئذتصوير معنى
جامع بين المتلبس والمنقضي أو لا؟
فيه قولان:
فذهب المحقق النائينيقدس سره إلى القول الثاني بتقريب أن تصوير معنى جامع
بينالذات المتلبسة بالمبدأ فعلاً والذات الفاقدة له كذلك غير ممكن، لأن
تصويرهبينهما كتصوير جامع بين الواجد والفاقد والوجود والعدم، وهو غير معقول.
فالنتيجة أن وضع المشتق للأعم يتوقف على تصوير جامع بين المتلبّسوالمنقضي في
الواقع ومقام الثبوت وهو غير متصور(4). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأنه يمكن تصوير الجامع على القولبالتركيب
بأحد الوجهين التاليين:
الأول: أن الجامع بين المتلبس والمنقضي هو اتصاف الذات بالمبدأ في الجملة،في مقابل
الذات التي لم تتلبس به بعد، فإن الذات في الخارج على نوعين:
الأول: الذات التي لم تتلبس بالمبدأ بعد، وهذا النوع من الذات خارجعنالمقسم.
الثاني: الذات التي تتصف بالمبدأ، وهي أعم من أن يكون اتصافها باقياً حينالنطق أو
لا يكون باقياً، وهو جامع بين المتلبس والمنقضي، وينطبق على كلمنهما انطباق
الطبيعي على أفراده، وعلى هذا فالموضوع له على القول بالأعم هوصرف وجود الاتصاف
العاري عن أي خصوصية من الخصوصيات العرضية،كما هو شأن الجامع والمقسم في كل مورد،
وهو كما ينطبق على الفردالمتلبسحقيقة كذلك ينطبق على الفرد المنقضي، باعتبار أن
هذا المعنى موجودفي كلا الفردين.
وإن شئت قلت: إن الجامع بينهما خروج المبدأ من العدم إلى الوجود، فانالمبدأ كما
خرج من العدم إلى الوجود في موارد التلبس كذلك خرج في مواردالانقضاء، فصرف وجود
المبدأ للذات من دون اعتبار امتداده بقاء جامع بينالفردين، وخصوصية البقاء
والانقضاء من خصوصيات الأفراد خارجتان عنالمعنى الموضوع له.
الثاني: أنا لو سلمنا أن تصوير جامع حقيقي بين الفردين غير ممكن إلا أنبإمكاننا
تصوير جامع انتزاعي بينهما، وهو عنوان أحدهما، نظير ما ذكرناه فيبحث الصحيح والأعم
من تصوير جامع انتزاعي بين الأركان، ولا ملزم لأنيكون الجامع ذاتياً، لعدم مقتض
له، إذ في مقام الوضع يكفي الجامعالانتزاعي، لأن الحاجة التي قد دعت إلى تصوير
جامع هنا هي الوضع بإزائه،وهو لا يستدعي أزيد من تصوير معنى ما، سواء أكان ذلك
المعنى من الماهياتالمتأصلة أم كان من الماهيات الاعتبارية أم الأنتزاعية(5).
وقد علق على كلا الوجهين بعض المحققينقدس سره.
أما على الوجه الأول فبأمرين:
الأول: أن المتفاهم عرفاً من المشتقات ليس هو خروج المبدأ من العدم إلىالوجود، بل
المتفاهم منها تلبس الذات بالمبدأ لا بتوسيط عدمه(6).
وفيه: أن هذا التعليق في غير محله.
أما أولاً فلأن الكلام في المقام إنما هو في إمكان تصوير معنى جامع بين
الفردالمتلبس والمنقضي ثبوتاً، وأما كون هذا الجامع هو المتفاهم من المشتق عرفاً
فيمقام الاثبات أو أن المتفاهم منه شيء آخر في هذا المقام، فهو مسألة اُخرىسوف
يأتي الكلام فيها.
وثانياً: أن هذا التعليق أشبه بالتعليق على صيغة التعبير لا على المضمون،حيث إن
مقصودهقدس سره من هذه الصيغة هو تلبس الذات بصرف وجود المبدأ لا أنقيد العدم دخيل
في الجامع، أو فقل إن هذا التعبير تعبير عن واقع الحال،وهوأنالمبدأ كغيره من
الأشياء يخرج من العدم إلى الوجود، لا أن سبقه بالعدمدخيل فيه.
الثاني: أنه إن اُريد بالجامع مفهوم المتلبس، ففيه أن المتلبس نفسه منالمشتقات،
ولابد من تحديد معناه سعةً وضيقاً، فلا يمكن أن يكون المعنىالموضوع له للأوصاف
الاشتقاقية وجامعاً بين الفردين فيها، وإن اُريد به واقعالمتلبس، وهو التلبس بنحو
الفعل الماضي، ففيه أنه لا يمكن أخذ مضمون الفعلالماضي في مفاد المشتقات، وإلا
فلازمه عدم صدق المشتق على الذات بلحاظ آنحدوث المبدأ، لأن الفعل الماضي لا يصدق
إلا حينما يكون المبدأ حادثاً قبل زمانالجري، وأيضاً لازمة عدم صحة جري المشتق
بلحاظ المستقبل كقولك »زيدمن قائم غداً«، لعدم عرفية إجراء الماضي بلحاظ
المستقبل،هذا إضافة إلى أنه لايصح أخذ مفاد الفعل الماضي في جملة من المشتقات
كأسماء الآلة وأسماء الأزمنةوالأمكنة ونحوها(7).
ويمكن المناقشة فيه بأن المأخوذ في الجامع ليس هو مفهوم المتلبس ولا مفادالفعل
الماضي، بل المأخوذ فيه تلبس الذات بالمبدأ في الجملة، أي بنحو صرفالوجود، ولا يرد
عليه شيء من الاشكالات المتقدمة، لأنه ليس بنحو مفادالفعل الماضي، لأن التلبس بنحو
الفعل الماضي إنما يتصور بالنسبة إلىالفردالمنقضي في مرحلة التطبيق لا في الجامع،
والمفروض أن صدق الجامععلىالمنقضي إنما هو بلحاظ تلبّسه بالمبدأ في الجملة أي
بنحو صرفالوجود،والتلبس كذلك يصدق عليه حقيقة في مقابل عدم صدقه كذلك علىمن لم
يتلبس به بعد.
نعم، إن الجامع بين الحالتين هما حالة التلبس وحالة الانقضاء لا يمكنتصويره،
لأنهما من الحالتين المتضادين فلا جامع بينهما، وأما الجامع بين الذاتينهما الذات
في حال التلبس والذات في حال الانقضاء فهو بمكان من الامكان،وهو صرف التلبس
بالمبدأ، لأن كلتيهما مشتركة فيه، وهو جامع بين الفردين فيالحالتين بدون أن يكون
شيء من الحالتين مأخوذاً في الجامع ودخيلاً فيه.
وعلى هذا فالصحيح هو ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من إمكان تصوير جامعبين
الفردين على القول بالتركيب.
ودعوى أن الجامع بينهما لابد أن يكون واجداً لصفتي كل منهما وهما حالةالانقضاء
وحالة التلبس، ومن الواضح أنه لا يتصور جامع يكون واجداً لكلتاالحالتين المتضادتين.
مدفوعة بأن الجامع لابد أن يكون عارياً عن جميع الخصوصيات العرضية،وهي الخصوصيات
الطارئة على أفراده، والجامع في المقام هو صرف تلبسالذات بالمبدأ في الجملة، ولم
يؤخذ فيه أية خصوصية لا خصوصية التلبس فيالحال ولا خصوصية الانقضاء، فإنهما من
خصوصيات الفرد العرضية.
أما على الوجه الثاني فلأن تصوير جامع انتزاعي كعنوان أحدهما بينالفردين في
المسألة وإن كان بمكان من الامكان بل لا مانع منه حتى بين النقيضين،إلا أن الكلام
إنما هو في تصوير معنى جامع يكون المشتق موضوعاً بإزائه،والظاهر أن المشتق لم يوضع
بإزائه، لعدم انفهامه منه(8).
وفيه: أن مجرد دعوى عدم الانفهام والتبادر لا يكون دليلاً على أن عنوانأحدهما لا
يصلح أن يكون معنى للمشتق في المسألة، إذ بإمكان القائل بالأعم أنيدعى وضع المشتق
بإزائه بنحو الوضع العام والموضوع له العام، أو لمصداقهبنحو الوضع العام والموضوع
له الخاص.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن تصوير الجامع بينالفردين في
المسألة ثبوتاً بمكان من الامكان على القول بالتركيب.
وأما الكلام في مقام الاثبات، فعلى القول بأن مدلول المشتق بسيط فلاموضوع للنزاع في
هذا المقام، لأنه متفرع على إمكان تصوير جامع في مقامالثبوت، والفرض عدم إمكانه
فيه، ومن هنا يكون نفس هذا القول دليلاً قطعياًعلى وضع المشتق لخصوص المتلبس
بالمبدأ بالفعل.
أما على القول بأن مدلول المشتق مركب من الذات والمبدأ، فحيث إن الجامعمتصور فيه
ثبوتاً، فيقع النزاع فيه في مقام الاثبات على أقوال عمدتها قولان:
الأول: أن هيئة المشتق موضوعة لخصوص المتلبّس بالمبدأ بالفعل.
الثانى: أنها موضوعة للجامع بينه وبين المنقضي.
أما القول الأول فقد استدل عليه بوجوه:
الأول: التبادر، بتقريب أن المتبادر والمنسبق من المشتق في العرف العام لدىالاطلاق
ارتكازاً هو المتلبس خاصة دون الأعم، ولا فرق في هذا التبادر بين أنيكون المشتق في
ضمن الجملة التامة كقولك »زيد عالم« أو في ضمن الجملةالناقصة ك »دار عالم« و»علم
مجتهد« وهكذا أو لا يكون في ضمن أي منهما،فإنه على كل حال كاشف عن وضعه للمتلبس
خاصة.
وقد علق على هذا الوجه بأن منشأ التبادر قد يكون الوضع وقد يكونالانصراف الناجم من
كثرة الاستعمال، وفي المقام كما يحتمل الأول كذلك يحتملالثاني، ومع هذا الاحتمال
لا يكون كاشفاً عن الوضع(9).
والجواب: أن كثرة الاستعمال في المتلبس خاصة إذا بلغت درجة ينجم منهاتبادر خصوص
المتلبس عند الاطلاق فمعنى ذلك تحقق الوضع بعامل كمي، وهوكثرة الاستعمال، فإذن تكون
النتيجة أن تبادر المتلبس من المشتق عند الاطلاقمستند إلى الوضع وكاشف عنه، ولا
فرق في ذلك بين أن يكون الوضع تعيينياً أوتعيّنياً، فإن الغرض هو إثبات وضع المشتق
لخصوص المتلبس سواء أكانبالوضع التعييني أم التعيّني.
ودعوى أن كثرة الاستعمال مع القرينة مهما كانت لا تؤدي إلى الوضع، لأنهاإنما توجب
العلاقة بين المعنى واللفظ المقترن بالقرينة لا مطلقاً، فإذا جرّد اللفظعن القرينة
لم يكن المعنى متبادراً منه، لعدم حصول العلاقة بينه مجرداً وبينالمعنى، فإذن لا
تكون نتيجة هذه الكثرة حصول الوضع التعيّني.
مدفوعة بأن لهذا الاستعمال عنصرين: أحدهما: اللفظ والآخر القرينة،والأول عنصر ثابت
في جميع موارد الاستعمال على حدّ سواء، والثاني، عنصرمتغير، لأن القرينة تختلف من
استعمال إلى استعمال آخر، ففي مورد تكون لفظيةوفي آخر تكون حالية وفي ثالث عهدية
وفي رابع مقاميّة وهكذا، لأن القرينة فيكل مورد من موارد الاستعمال حسب ما يتطلبها
انفهام المعنى المجازي من اللفظفيه، وحيث إن اللفظ عنصر ثابت ولا يختلف باختلاف
الموارد، فبطبيعة الحالإذا كثر الاستعمال كانت تؤدي إلى حصول العلاقة بينه وبين
المعنى، سواء أكانتمعه قرينة أم لا، وهي الاُنس الذهني الحاصل بينهما من العامل
الكمّي الموجبلتبادر المعنى منه عند إطلاقه، نعم لو كان عنصر القرينة عنصراً
ثابتاً كاللفظ فيجميع الموارد، فلا يمكن حصول الوضع التعيّني من كثرة الاستعمال
مهما بلغت.
وقد اُجيب عن ذلك بأن استعمال المشتق في المنقضي في موارد الانقضاء أكثرمن استعماله
في المتلبس خاصة، وعليه فلا يحتمل أن يكون تبادر المتلبس منالمشتق ناجماً من كثرة
الاستعمال فيه، وإلا لكان الأمر بالعكس، فإذن لا محالةيكون مستنداً إلى الوضع
وناجماً منه(10).
وقد يعترض على ذلك بأن المشتق لو كان موضوعاً للمتلبّس خاصة ومعذلك يكون استعماله
في موارد الانقضاء أكثر، لزم كونه منافياً لحكمة الوضع التيتتطلب تعيّن الوضع على
طبقها، وهو الوضع للاعم.
والجواب أولاً: أن هذا الاشكال لو تمّ فإنما يتم لو كان الوضع إلهيّاً، إذ حينئذلا
يمكن صدوره منه تعالى بدون حكمة تتطلب ذلك، وأما إذا كان الوضع بشرياًفلا يتم ذلك
مطلقاً، لأن صدور الوضع من الواضع البشري إنما هو بحسب مايدركه من متطلبات المجتمع
وحاجياتهم، فان أدرك أن وضع المشتق للمتلبّسخاصة أوفى بها من وضعه بإزاء الجامع
بينه وبين المنقضي قام بوضعه له، وإنأدرك العكس فبالعكس، ولا يعلم بمتطلبات حياتهم
الاجتماعية والفردية فيالمستقبل، ولعلها تتطلب استعمال المشتق في الأعم أكثر منه
في المتلبس خاصة فيالآتي لظروف خاصة أو عامة، نعم إذا علم حين الوضع أن الحاجة
تدعو إلىاستعمال المشتق في الأعم أكثر منه في المتلبس خاصة، لكان وضعه بإزاء
المتلبسمنافياً لحكمة الوضع.
وثانياً: أنه لا يتم حتى على القول بكون الوضع إلهيّاً، لأن الوضع إذا كان منصنعه
تعالى ومع ذلك إذا وضع المشتق للمتلبس خاصة، رغم أن استعماله فيموارد الانقضاء
أكثر من استعماله في خصوص المتلبس، فلا محالة يكون ذلكعن حكمة مبرّرة له، إذ كون
ذلك جزافاً وبلا حكمة غير محتمل، غاية الأمر أنهلا طريق لنا إلى تلك الحكمة
المبررة.
وثالثاً: أن الغرض من وضع الألفاظ في كل لغة إنما هو إشباع حاجة الانسانفي حياته
الاعتيادية في وجه هذه الكرة في كل وقت وعصر، وحيث إن حياةالانسان منذ ولادته على
وجه الكرة حياة بسيطة جداً ولهذا يكتفي في مقامالتفهيم والتفهم مع الآخرين
بالوسائل الطبيعية البدائية الساذجة كالاشاراتوالتصويرات وتقليد الأصوات وما
شاكلها، ويعبر عنها بالمنبهات الطبيعية، ثمبدأت تتكامل وتتوسع بتمام شؤونها يوماً
بعد يوم وقرناً بعد آخر، فلهذا تتطلباستخدام الوسائل والأساليب الأكثر شمولاً
واستيعاباً للمعاني وعدم كفايةاستخدام الوسائل البدائية وهي متمثلة في الألفاظ
واللغات التي تلعب دوراًمحورياً أساسياً في كل مجتمع، ومن المعلوم أن الغرض من
الوضع لا يختصبالوضع الحقيقي الشخصي، بل يترتب على الأعم منه ومن الوضع
النوعيالمجازي، إذ كما أن العلاقة الحاصلة بين اللفظ والمعنى بالوضع الشخصي
مصححةللاستعمال ووافية بالغرض، كذلك العلاقة الحاصلة بينه وبين المعنى المجازي
بتبعالعلاقة الاُولى، فإنها مصححة له.
فإذا فرض وضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ بالفعل، فإنه كما يوجبصحة استعماله
واستخدامه فيه إذا تعلقت الحاجة بإبرازه للآخرين، كذلكيوجب صحة استعماله في الأعم
منه عند تعلق الحاجة به، وعلى هذا فأكثريةاستعمال المشتق في المنقضي في حال انقضاء
المبدأ عنه من استعماله في المتلبسخاصة لا ينافي حكمة الوضع، لأن حكمة الوضع تتطلب
وضع اللفظ بإزاء معنىبغرض استعماله فيه وفي كل ما يناسبه من المعاني، لا أنها
تتطلب استعماله فيالأول فقط وهو معناه الموضوع له مباشرة دون غيره، فالنتيجة أن
الحكمة التيتتطلب وضع الألفاظ بإزاء المعاني هي استخدامها واستعمالها فيها عند
تعلقالحاجة بإبرازها للآخرين بلا فرق في ذلك بين أن تكون تلك المعاني من
المعانيالحقيقية أو المجازية.
ورابعاً: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء وإن كان أكثر من استعماله فيموارد
التلبس، إلا أن ذلك لا يستلزم أن يكون استعماله في المنقضي أكثر مناستعماله في
المتلبس، وذلك لأن استعمال المشتق في موارد الانقضاء إنما يكوناستعمالاً في
المنقضي عنه المبدأ بالفعل إذا كان بلحاظ حال النطق، وأما إذا كانبلحاظ حال التلبس
والاسناد، فهو استعمال في المتلبس لا في المنقضي.
بيان ذلك أن الموارد التي استعمل المشتق فيها لا تخلو من أن يكون من
الجملالانشائية الحقيقية كقوله تعالى: »السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُو
أَيْدِيَهُمَا«(11)وقوله تعالى: »الزّانِيَةُ وَالزَّانِى فَاجْلِدُو كُلَّ وَاحِدٍ
مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَة«(12)ونحوهما أو من الجمل التطبيقية الفعلية أو الاسمية.
أما في الجمل الحقيقية التي هي جمل تقديرية لا تطبيقية، فلا يمكن الاستشهادبها على
أن المشتق في تلك الجملات مستعمل في المنقضي أو في الأعم منه ومنالمتلبس، وذلك لأن
الموضوع فيها قد اُخذ مفروض الوجود، سواء أكانموجوداً في الخارج أم لا، ففي الآية
الاُولى قد فرض المولى وجود شخصمتلبس بالسرقة وحكم عليه بقطع اليد، وفي الآية
الثانية فرض وجود شخصمتلبس بالزنا وحكم عليه بمائة جلدة، فالمشتق في كلتا الآيتين
استعمل فيالمتلبس، وهو تمام الموضوع للحكم المذكور فيهما، وقد ذكرنا في غير مورد
أنالموضوع في القضايا الحقيقية مأخوذ مقدّر الوجود في الخارج، ولهذا ترجع كلقضية
حقيقية إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له،وحيث إن الآيتين
الشريفتين من القضايا الحقيقية فالموضوع فيهما إنسان فرضتلبّسه بالسرقة أو الزنا
في الخارج، ولا يعقل الانقضاء في هذه المرحلة، فإنه إنمايتصور في مرحلة التطبيق
والقضايا الخارجية لا في مرحلة الجعل والتقدير بنحوالقضية الحقيقية، وعليه فعنوان
الزاني والسارق في الآيتين مستعمل فيمن فرضتلبسه بالمبدأ، غاية الأمر أن زمان
القطع والجلد متأخر في الخارج عن زمانالتلبس، فقد تحصل أن الاستعمال في المنقضي في
القضايا الحقيقية غير معقول،وإلا لزم الخلف، أي ما فرض موضوعاً في لسان الدليل ليس
بموضوع.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره بعضهم من أن المشتق في الآيتين أو ما شاكلهمااستعمل فيمن
انقضى عنه المبدأ، وهذا دليل على أنه موضوع للأعم وإلا لم يصحاستعماله فيه إلا
بالعناية والمجاز، مبني على الخلط بين القضايا الحقيقية والقضاياالخارجية، وتخيل أن
إطلاق السارق والزاني في الآيتين إنما هو بلحاظ ظرفتطبيق الحكم وإجرائه لا بلحاظ
ظرف الجعل، مع أن الأمر ليس كذلك،لوضوح أن الاطلاق فيهما إنما هو بلحاظ ظرف الجعل،
لما عرفت من أن الآيتينالشريفتين من قبيل القضايا الحقيقية، فتكونان بصدد جعل
الحكم على المتلبسبالسرقة والزنا، لا في مقام تطبيقه عليه في الخارج، كما أنه لا
وجه لما أفاده المحققالخراسانيقدس سره في مقام الجواب عن هذا الاستدلال من أن
الاستعمال فيهما إنمايكون بلحاظ حال التلبس دون الانقضاء(13)، وذلك لأن حالة
الانقضاء لاتتصور فيالقضايا الحقيقية لكي يكونالاستعمال فيها بلحاظ حالالتلبس
دونها.
والخلاصة أن العناوين الاشتقاقية الواردة في لسان الأدلة التي اُخذ تلبسالذات
بالمبدأ فيها مفروض الوجود في الخارج مستعملة في المتلبس خاصة،ولا يعقل استعمالها
في المنقضي إلا في مقام التطبيق.
وأما الجمل التطبيقية، فإن كانت فعلية كقولنا »قام العالم« و»أكرمت العالم«و»ضربت
الفاسق« فلا شبهة في ظهورها عرفاً في أن إطلاق المشتق في هذهالجملات إنما هو بلحاظ
حال الاسناد والنسبة لا حال النطق، وعليه فيكوناستعماله فيها في المتلبس خاصة لا
في المنقضي، وحينئذ فلا يمكن الاستشهاد بهاعلى استعمال المشتق في المنقضي في موارد
الانقضاء.
وإن كانت اسمية فإن كانت من قبيل قولنا »زيد عالم«، »بكر عادل«،»عمرو فاسق« وهكذا،
فهي وإن كانت ظاهرة في أن إطلاق المشتق فيها يكونبلحاظ حال الاستعمال والنطق دون
حال التلبس، إلا أن موارد انقضاء المبدأ عنالذات في هذا القسم من الجملات
التطبيقية ليست بأكثر وأغلب من موارد عدمالانقضاء فيها وتلبس الذات به، حتى يكون
استعمال المشتق في المنقضي فيتلكالجملات أكثر من استعماله في المتلبس فضلاً عن
كونه أكثر بالنسبة إلىجميعموارد الانقضاء.
وإن كانت من قبيل قولنا »الشيخ الأنصاري فقيه« مثلاً، و»الشيخ النائينيعالم
اُصولي« وهكذا، والجامع أن لا يكون الموضوع الذي يحمل عليه المشتقباقياً ومحفوظاً،
فهي ظاهرة في أن الاطلاق إنما هو بلحاظ حال الاسنادوالجريلا حال النطق.
فالنتيجة أن في الجمل الاسمية إن كان الموضوع محفوظاً وموجوداً فعلاً،فالجملة وإن
كانت ظاهرة في أن إطلاق المشتق فيها يكون بلحاظ حال النطق لاحال التلبس، إلا أنك
عرفت أن موارد الانقضاء فيها ليست بتلك الكثرة لكيتنافي حكمة الوضع، وإن لم يكن
الموضوع محفوظاً وموجوداً فيها، كانتظاهرةفي أن الاطلاق يكون بلحاظ حال الاسناد
والنسبة، فتحصل أنه لا بأسبالاستدلال على القول بأن المشتق موضوع للمتلبس خاصة
بالتبادر لدىالعرف العام.
الوجه الثاني: أنه لا شبهة في أن المرتكز في أعماق نفوس الانسان هو التضادبين
العناوين الاشتقاقية بما لها من المبادىء، ولا يمكن اجتماع اثنين منها فيموضوع
واحد، كالعالم والجاهل والمتحرك والساكن والمسافر والحاضروالفاسق والعادل والقائم
والقاعد وهكذا، وارتكازية هذا التضاد تكشف عنوضع المشتق لخصوص المتلبس بالمبدأ
بالفعل، إذ لو كان موضوعاً للأعم لم يكنالتضاد موجوداً بينها، ويصدق حينئذ على شخص
واحد عنوان العالم والجاهلمعاً في آن واحد حقيقة إذا كان جاهلاً سابقاً ثم صار
عالماً، وعنوان المتحركوالساكن معاً على شيء واحد إذا كان متحركاً سابقاً والآن
ساكن وهكذا، مع أنالتضاد بينها ثابت ارتكازاً.
ولكن لا يمكن أن يكون هذا الوجه وجهاً مستقلاً في مقابل التبادر، بل مردّهإليه في
نهاية المطاف، حيث إنه لا منشأ للمضادة بين العناوين الاشتقاقية إلاتبادر المتلبس
خاصة منها عند إطلاقها ارتكازاً، إذ لا يحتمل أن تكون المضادةبينها ذاتية، فإن
المضادة الذاتية إنما هي بين مبادئها دون نفس تلك العناوين،ومن هنا فالقائل بالأعم
لا يقول بالمضادة بينها، وإنما يقول بها بين مبادئهافحسب كالعلم والجهل، لا العالم
والجاهل، إذ لا مانع من صدقهما معاً علىشخص واحد في آن واحد، باعتبار أن صدقهما
عليه لا يستلزم اجتماع مبدئهمافيه وهو العلم والجهل، وكذلك الحال في نظائرهما. أو
فقل إن المعيار في صدقالمشتق على القول بالأعم إنما هو بتلبس الذات بالمبدأ في
الجملة وإن زال المبدأعنها بعد ذلك، لا بوجود المبدأ حين الصدق، ولكن ارتكازية
التضاد في الأذهانتحكم على القول بالأعم، إذ لازم هذا القول صحة استعمال المشتق في
كل منالمتلبس والمنقضي على حدّ سواء، وهي تؤدي لا محالة إلى ارتكازية التجانسوعدم
التنافي بين العناوين الاشتقاقية بعضها مع بعضها الآخر، فإذن ارتكازيةالتضاد بينها
لا محالة تكشف عن الوضع للمتلبس خاصة.
ثم إن هذا الوجه يختلف بحسب الصورة عن الوجه الأول وهو التبادر لابحسب الجوهر، لأن
التبادر دليل على الوضع بإزاء المتلبس، كانت مضادة بينالعناوين الاشتقاقية بعضها
مع بعضها الآخر أم لا، ولا تتوقف دليليته علىوجود المضادة بينها، وهذا بخلاف هذا
الوجه، فإن دليليته إنما هي بإفتراضوجود المضادة بينها، ولكن منشأ هذه المضادة
التبادر لا الذات.
الوجه الثالث: صحة سلب المشتق عن المنقضي عنه بالمبدأ، فإذا كان زيدعادلاً ثم زالت
عنه العدالة، صح أن يقال زيد ليس بعادل.
وقد اعترض عليه بوجهين:
الأول: في كبرى علامية صحة السلب للحقيقة وعدم صحته للمجاز.
الثاني: مع الاغماض عن ذلك وتسليم الكبرى أنها في خصوص المقام لاتصلح أن تكون
علامة، بتقريب أنه إن اُريد بها سلب المطلق حتى بلحاظ حالالتلبس فهو غير صحيح، وإن
اُريد بها سلب المقيد فهو لا يكون علامة، لأنسلب المقيد لا يستلزم سلب المطلق،
هذا.
وقد أجاب المحقق الخراسانيقدس سره عن الاعتراض الثاني بأن سلب المطلق عنالذات حتى
بلحاظ حال التلبس وإن كان غير صحيح، إلا أن سلب المقيد تارةيكون بلحاظ أن القيد قيد
للمسلوب عنه، واُخرى بلحاظ أنه قيد للسلب،وثالثة بلحاظ أنه قيد للمسلوب، أما على
الأول والثاني فلا يضر التقييد، كما إذاقيل زيد الآن ليس بعادل، فإنه علامة ودليل
على أن المشتق لم يوضع للأعم،وإلا لم يصح سلبه عن زيد في حال الانقضاء، لفرض أنه
موضوع للجامع بينالمتلبس والمنقضي، فكما يصدق عليه في حال تلبسه بالمبدأ فكذلك
يصدق عليهفي حال انقضاء المبدأ عنه، وكذلك إذا كان القيد قيداً للسلب، كما إذا قيل
زيدالآن ليس بعادل، فإنه قيد للسلب الذي هو مفاد ليس، لا للمسلوب ولاللمسلوب عنه،
وهو يدل على أن المشتق لم يوضع للأعم، وإلا لم يصح هذاالسلب. وأما على الثالث وهو
ما إذا كان القيد قيداً للمسلوب كما إذا قيل زيدليس بقائم الآن، فلا يكون علامة
ودليلاً على عدم وضع المشتق للأعم، لأنسلب الأخص لا يدل على سلب الأعم، وإنما يدل
على أن المشتق لم يوضع بإزاءالأخص، ولا يدل على أنه لم يوضع بإزاء الأعم، ولكن
تقييده ممنوع.
وغير خفي أن منشأ هذا الاعتراض هو الخلط بين تقييد المادة بحال الانقضاءالفعلي
وتقييد الوصف الاشتقاقي بها.
بيان ذلك أن حال الانقضاء إن كان قيداً للمادة كما في مثل قولك »زيد ليسمتلبساً
بالعدالة الآن«، فإنه لا يدل على أنه لم يكن متلبساً بها سابقاً أيضاً،لأنالمنفي
عنه هو التلبس بالعدالة فعلاً، ومن الواضح أن نفيه عنه لا يستلزمنفيالأعم منها
ومن العدالة السابقة، فإن زيداً إذا كان متلبساً بالعدالة سابقاً ثمزالت عنه
العدالة، صح أن يقال إنه كان متلبساً بالعدالة في السابق وليس بمتلبسبها في الحال.
وبكلمة، إن سلب المادة كالعدالة مثلاً عن الذات المنقضية عنها المادة فعلاً
لايستلزم سلبها عنها مطلقاً حتى في السابق، على أساس أن سلب الأخص لايستلزم سلب
الأعم، وهذا بخلاف سلب الوصف الاشتقاقي كعنوان العادل مثلاًعن زيد مقيداً بحال
الانقضاء، فإنه يدل على عدم وضعه للأعم، وإلا لم يصحسلبه عنه بنحو السلب بالحمل
الشائع، ولا فرق في ذلك بين أن يكون القيد قيداًللمسلوب عنه أو للمسلوب، وما في
كلام المحقق الخراسانيقدس سره من الفرقبينهما(14)، لا يرجع إلى معنى محصل إلا إذا
كان مراده من ذلك أن القيد إذا كانللمسلوب، فهو راجع إلى المادة دون الوصف
الاشتقاقي، بينما إذا كان للمسلوبعنه فلا يمكن رجوعه إلى المادة، وهذا هو الفارق
بينهما، ولكن استفادة ذلك منكلامه بحاجة إلى عناية زائدة، إذ لا ظهور له فيه وإن
كان محتملاً، هذا إضافة إلىأنه لا فرق من هذه الناحية أيضاً بين أن يكون القيد
قيداً للمسلوب أو المسلوبعنه كما لا يخفى.
وأما ما ذكرهقدس سره من أن القيد قد يكون للسلب الذي هو مفاد ليس في مقابلالمسلوب
والمسلوب عنه فلا يمكن المساعدة عليه، لأن السلب معنى حرفي ولايمكن تقييده إلا
بتقييد متعلقه من المسلوب أو المسلوب عنه في المقام.
ودعوى أن الاعتراض المذكور إنما يكون ناشئاً من الخلط إذا كان المراد منسلب الوصف
الاشتقاقي عن المنقضي في حال الانقضاء السلب بالحمل الشائع،فإنه يدل على أنه لم
يوضع للجامع، وإلا لم يصح سلبه عن مصداقه وفرده، ولافرق في ذلك بين أن يكون حال
الانقضاء قيداً للمسلوب أو للمسلوب عنه،وأما إذا كان المراد من سلبه عن المنقضي
بلحاظ حال الانقضاء السلب بالحملالأولي الذاتي، فالاعتراض حينئذ يكون في مورده،
فإن سلب الوصفالاشتقاقي بما له من المعنى الارتكازي عن المنقضي مقيداً بحال
الانقضاء بالحملالأولي لا يدل على سلبه كذلك عن الجامع، فإن عدم وضع المشتق
للمنقضي لايكون أمارة على عدم وضعه للجامع.
مدفوعة، بأنه لا يمكن أن يراد من سلب الوصف الاشتقاقي عن المنقضيمقيداً بحال
الانقضاء السلب بالحمل الأولي، بداهة أنه لا يحتمل أن يكونالمشتق موضوعاً بإزاء
المنقضي خاصة، كما لا يحتمل تعدّد الوضع فيه، فإذن لامحالة يكون المشتق موضوعاً إما
لخصوص المتلبس أو للجامع بينه وبين المنقضيولا ثالث لهما، وعليه فلا يمكن أن يراد
من سلب المشتق عن المنقضي فيحالالانقضاء السلب بالحمل الذاتي الأولي، بل لا محالة
يكون المراد منهالسلببالحمل الشائع، وهو بطبيعة الحال يكون أمارة على عدم الوضع
للجامع،فالنتيجة في نهاية المطاف أنه لا بأس بالاستدلال بصحة السلب فيالمقام
فينفسه.
ولكن الكلام إنما هو في كبرى علاميتها، وقد تقدم الاشكال فيها في بابعلامات
الحقيقة والمجاز بشكل موسع فلاحظ، فمن أجل ذلك لا يمكنالاستدلال بها في المقام.
هذه هي أهم الوجوه التي استدل بها على وضع المشتق للمتلبس خاصة،وعمدتها الوجه
الأول.
وأما القول الثاني وهو وضع المشتق للأعم، فقد استدل عليه بعدة وجوه:
الوجه الأول: التبادر، بدعوى أن المتبادر من المشتق عند الاطلاق عرفاً،هو الأعم دون
خصوص المتلبس بالمبدأ.
وفيه: ما عرفت من أن المتبادر والمنسبق منه في أذهان العرف عند الاطلاقهو المتلبس
خاصة دون الأعم.
الوجه الثاني: عدم صحة سلب المشتق بما له من المعنى عن الأعم، وهذاأمارة على كونه
موضوعاً له، وإلا صحّ سلبه عنه.
وفيه مضافاً إلى ما تقدم من المناقشة في كبرى علامية صحة السلب، أن عدمصحة سلبه عن
الجامع أول الكلام، بل ظهر مما مر أنه يصح.
الوجه الثالث: أن إطلاق المشتق في موارد الانقضاء كإطلاقه في مواردالتلبس يكون على
نحو الحقيقة، فيقال »هذا قاتل زيد« و»ذاك مقتول عمرو«وهكذا بدون أي عناية في البين.
وفيه: الظاهر أن مثل هذا الاطلاق في موارد الانقضاء إنما هو بلحاظ حالالتلبس، لا
بلحاظ حال الانقضاء والنطق، فلا يكون دليلاً على الوضع للأعم،ومع الاغماض عن ذلك
وتسليم أن هذا الاطلاق إنما هو بلحاظ حال الانقضاءوالنطق لا بلحاظ حال التلبس، إلا
أنه مع ذلك لا يدل على الوضع للأعم، لأنالاطلاق أعم من الحقيقة، فدلالته عليها
بحاجة إلى عناية زائدة.
الوجه الرابع: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء أكثر من استعماله فيموارد
التلبس، فلو كان المشتق موضوعاً للمتلبس خاصة، لزم أن يكوناستعمال المشتق في
المعنى المجازي أكثر من استعماله في المعنى الحقيقي، وهذا بعيدفي نفسه مع أنه ينافي
حكمة الوضع.
وفيه أولاً: ما أشرنا إليه سابقاً من أنه لا مانع من أن يكون الاستعمالالمجازي
أكثر من الاستعمال الحقيقي ولا ينافي ذلك حكمة الوضع، باعتبار أن كلاالاستعمالين
معلول للوضع ومن متطلباته، لا خصوص الاستعمال الحقيقي، غايةالأمر أن الوضع كان يعطي
صلاحية الدلالة للفظ على المعنى الحقيقي بالمباشرةوعلى المعنى المجازي بالواسطة،
حيث إن الغرض من وضع الألفاظ ذلك لكييتمكن من استخدامها كوسيلة لابراز المعاني
والأفكار للآخرين، ومن الواضحأن اللفظ بعد الوضع كما يصلح للدلالة على المعنى
الحقيقي كذلك يصلحللدلالةعلى المعنى المجازي، فإذن حكمة الوضع لا تنحصر بدلالة
اللفظ علىالمعنى الحقيقي فقط.
وثانياً: أن هذا لو تمّ فإنما يتم لو كان الوضع الهياً، وأما إذا كان بشرياً كما
هوالصحيح، فلا يتم كما تقدم موسعاً.
وثالثاً: أنه لا يتم ولو كان الوضع الهياً كما مرّ.
ورابعاً: أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء وإن كان أكثر من استعماله فيموارد
التلبس، إلا أن ذلك لا يستلزم كون استعماله فيها في المنقضي بلحاظ حالالنطق أكثر
من استعماله في المتلبس بلحاظ حال التلبس، حيث إن استعماله فيموارد الانقضاء
كثيراً ما يكون بلحاظ حال التلبس لا بلحاظ حال الانقضاءوالنطق كما مر تفصيل ذلك.
الوجه الخامس: قوله تعالى:»لا يَنَالُ عَهْدِى الظّالِمِيْنَ«(15) وتقريبالاستدلال
به أنه يدل على عدم لياقه عبدة الأصنام للخلافة ولو بعد دخولهم فيالاسلام، ولذلك
استشهد الامامعليه السلام بالآية على عدم لياقة الخلفاء الثلاثللخلافة الالهية،
وهذا الاستشهاد منه دليل على أن المشتق موضوع للأعم، إذلوكان موضوعاً لخصوص المتلبس
بالمبدأ بالفعل لم يتم الاستشهاد بها، لأنهم فيزمن دعواهم لمنصب الخلافة كانوا
متشرفين بالاسلام وغير متلبسين بالظلموعبادة الوثن، وإنما كان تلبّسهم به قبل
التشرف بالاسلام وفي زمن الجاهلية،فإذن لا يتم الاستدلال بالآية إلا على القول
بالوضع للأعم لكي يصدق عليهمعنوان الظالم فعلاً.
والجواب: أنه لا يمكن الاستدلال بالآية الشريفة على وضع المشتق للأعم،لأن مفادها هو
القضية الحقيقية، وقد تقدم أن القضية خارجة عن محل النزاع،لأن الموضوع فيها قد اُخذ
مفروض الوجود في الخارج واللفظ مستعمل فيه،فإذا كان الموضوع في لسان الدليل العنوان
الاشتقاقي كما في الآية الكريمة فقد اُخذتلبس الذات بالمبدأ فيه مفروض الوجود،
واللفظ مستعمل فيه. ومن هنا قلنا إنالنزاع في أن المشتق مستعمل في المتلبس خاصة أو
في المنقضي مختص بالقضاياالخارجية، ولا يتصور ذلك في القضايا الحقيقية.
فالنتيجة أن عنوان »الظالمين« في الآية الشريفة مستعمل في المتلبسين بالظلملا في
الأعم ولا في المنقضي.
وأما استشهاد الامامعليه السلام بالآية الشريفة على عدم لياقة الخلفاء
الثلاثةللخلافة، فلا يكون مبنياً على وضع المشتق للأعم، بل هو مبني على نزاع
آخر،وهو أن العناوين التي تؤخذ في موضوعات الأحكام الشرعية ومتعلقاتها فيالقضايا
الحقيقية، هل تدور تلك الأحكام مدارها حدوثاً وبقاء أو تدور مدارهاحدوثاً فقط؟
والجواب: أن تلك العناوين تارة تكون من العناوين المأخوذة في موضوعاتالقضايا
الخارجية، واُخرى تكون مأخوذة في موضوعات القضايا الحقيقية، أماعلى الأول فهي على
قسمين:
أحدهما: أنها مأخوذة بنحو المعرفية الصرفة لما هو الموضوع في القضية بدونأي دخل
لها فيه، كما في مثل قولك »صل خلف هذا القائم«، فإن عنوان القائم قداُخذ بنحو
المعرفية والمشيرية إلى من هو الموضوع لجواز الاقتداء به في الصلاة،إذ لا يحتمل أن
يكون له دخل فيه لا جزءاً ولا قيداً.
والآخر: أنها مأخوذ بنحو الموضوعية، كما في مثل قولنا »صل خلفالعادل«، فإن عنوان
العادل المأخوذ فيالموضوع، إنما اُخذ بنحوالموضوعية، بأنيكون له دخل فيه ومقوم له
ويدورالحكم المجعول عليه مداره وجوداً وعدماً.
وأما على الثاني فهي على أنحاء:
النحو الأول: ما يكون مأخوذاً بنحو المعرفية والطريقية الصرفة لما هوالموضوع في
القضية واقعاً.
النحو الثاني: ما يكون مأخوذاً في لسان الدليل بنحو الموضوعية بحيث يدورالحكم مداره
حدوثاً وبقاءً، كما في مثل قوله تعالى: »وَللَّهِ عَلَى النّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِمَنِ اسْتَطَاعَ اِلَيْهِ سَبِيْلاً«(16)، فإن عنوان الاستطاعة دخيل في
اتصاف الفعلبالملاك في مرحلة المبادىء، وفي الحكم في مرحلة الجعل، وفي مثل قولك
»أكرمالعلماء« و»أطعم الفقراء« وهكذا، فإن الحكم في أمثال هذه القضايا يدور
مدارالعنوان المأخوذ في الموضوع في لسان الدليل وجوداً وعدماً حدوثاً وبقاء.
النحو الثالث: ما يكون حدوثه دخيلاً في الحكم حدوثاً وبقاء، بمعنى أنحدوثه سبب
لحدوث الحكم وبقاؤه معاً، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الاثبات، فالمعيار في أن العناوين المأخوذة في لسان الأدلةهل هي
مأخوذة على النحو الأول أو الثاني أو الثالث إنما هو فهم العرف ارتكازاًبمناسبة
الحكم والموضوع في كل قضية، وقد يكون المتفاهم العرفي من العنوانالمأخوذ في لسان
الدليل فيها بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية هو النحوالأول كما في قوله تعالى:
»كُلُوا وَاشْرَبُوا حَتَّى يَتَبَيَّنَ لَكُمُ الْخَيْطُ الأَبْيَضِ
مِنَالْخَيْطِ الأَسْوَدِ مِنَ الْفَجْر«(17)، فإن المتفاهم العرفي من عنوان
التبيّن المأخوذ فيلسان الآية الشريفة بمناسبة الحكم والموضوع هو المعرفية
والطريقية المحضة.
وقد يكون المتفاهم العرفي منه على أثر المناسبات الارتكازية هو النحوالثاني، كما هو
الغالب في العناوين المأخوذة في القضايا الحقيقية، كعنوان»الاستطاعة« الذي اُخذ في
موضوع وجوب الحج في الآية الشريفة، فإنالمتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم والموضوع
أنه دخيل في الحكم والملاكمعاًحدوثاً وبقاء، ومنها عنوان »العادل« المأخوذ في
موضوع جواز الصلاةخلفه وقبول شهادته وغيرهما، ومنها عنوان »المجتهد« الذي هو مأخوذ
فيموضوع جواز التقليد ونفوذ حكمه في باب القضاء بل مطلقاً، ومنها عنوان»المسافر«
المأخوذ في موضوع وجوب القصر، وعنوان »الحاضر« في موضوعوجوب التمام وهكذا.
وقد يكون المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أنحدوثه دخيل في
الحكم حدوثاً وبقاء، بمعنى أن بقاء الحكم لا يدور مدار بقاءالعنوان.
وبعد ذلك نقول: إن العناوين التي اُخذت في موضوعات القضايا الحقيقية،فهي لا تخلو عن
أحد النحوين الأخيرين، وأما النحو الأول، فهو في تلكالقضايا قليل جداً، نعم إنه
غالباً يكون في القضايا الخارجية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن ظاهر العناوين المأخوذة في القضايا الحقيقية أنهااُخذت على
النحو الثاني، بمعنى أنها دخيلة في الحكم والملاك حدوثاً وبقاء، ولايكفي حدوثها في
بقاء الحكم والملاك، وأما إرادة النحو الثالث منها، فهي بحاجةإلى عناية زائدة، وإلا
فالعناوين بنفسها ظاهرة في النحو الثاني، مثلاً قوله تعالى:»الزَّانِيَةُ
وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهُمَا مَائَةَ جَلْدَة«(18)، وقوله
تعالى:»السَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُوا أَيْدِيَهُمَا«(19) ظاهران عرفاً في
أن العنوان فيهمامأخوذ على النحو الثالث، ولكن بعناية زائدة وهي أن الحكم فيهما لو
كان دائراًمدار العنوان المأخوذ وجوداً وعدماً حدوثاً وبقاءً كان لغواً، لعدم إمكان
إجراءهذا الحكم في مرحلة التطبيق، حيث إنه قد زال تلبّسه بالسرقة أو الزنا في
هذهالمرحلة، فمن أجل هذه النكتة كانت الآيتان ظاهرتين في أن تلبس شخص بالزناأو
السرقة حدوثاً دخيل في حدوث الحكم عليه وبقائه معاً طالما لم يطبق عليهخارجاً وإن
زال المبدأ عنه.
وعلى ضوء هذا الأساس يقع الكلام في أن عنوان »الظالم« المأخوذ في الآيةالشريفة، هل
هو مأخوذ على النحو الثاني بأن يكون الحكم في الخارج يدورمداره حدوثاً وبقاءً أو
أنه مأخوذ على النحو الثالث، فالاستدلال بالآيةالشريفة على عدم لياقة عبدة الأصنام
للخلافة مبتن على أن يكون مأخوذاً علىالنحو الثالث.
والجواب: الظاهر أن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي أن عبدهالأوثان لا
يليقون لمنصب الخلافة والامامة التي هي من أعظم المناصب الالهيةبعد الرسالة، فإن
المرتكز في أعماق نفوس الناس أن المتقمّص لهذا المنصب الالهيالعظيم لابد أن يكون
مثالاً سامياً في المجتمع ومنزهاً عن جميع الأعمال الدنيةوالمفاسد الأخلاقية في طول
عمره وقدوة للناس في سيرته وسلوكه اجتماعياًوفردياً ومعرّاً عن أي منقصة خَلقية
وخُلقية، ومن هنا إنّ شارب الخمر أو الزانيإذا ترك شرب الخمر أو الزنا وتاب ثم
ادعى منصب الخلافة والامامة من قبل اللَّهتعالى لم يقبل الناس منه هذه الدعوى فطرة
وارتكازاً، ويقولون إنه كان يشربالخمر في الأمس والآن يدعي الامامة والخلافة.
وبكلمة، إن المرتكز في أعماق نفوس الناس فطرة وجبلةً أن المتلبّس بثوبالرسالة أو
الامامة من قبل اللَّه تعالى لابد أن يكون إنساناً كاملاً في المجتمع خَلقاًوخُلقاً
ومثالاً روحياً للبشر ومربياً لهم في سيرته وسلوكه وداعياً إلى اللَّهبأخلاقه
وأعماله ولم تكن في سجلات حياته التاريخية في مختلف مجالاتها منالاجتماعية
والفردية نقطة سوداء تحط من شأنه وجلالة قدره وتأثيره فيالنفوس، وإلا فهو بنظر
الناس لا يصلح أن يكون ممثلاً من قبل اللَّه تعالىوسفيراً، وعلى هذا فمن عبد الوثن
مدة معتداً بها من عمره ثم تركوتشرفبالاسلام، فإنه وإن كان يجب ما قبله كالتوبة
إلا أن في سجل حياتهنقطة سوداء، وهي تبقى في نفوس الناس وتحط من شأنه ولياقته
لمنصب الخلاقةوالامامة ولا يصلح أن يكون ممثلاً وسفيراً من اللَّه تعالى، إذ من
الواضح أنالمتصدى لمنصب الرسالة والإمامة لديهم لابد أن يكون مثالاً أعلى في
المجتمعالانساني في علو الشأن وجلالة القدر والمكانة حتى يكون له وقر وأثر كبير
فينفوس الناس قولاً وعملاً.
ويؤكد ذلك ما ورد في الروايات من النهي عن الصلاة خلف المحدودوالمجزوم، ولعل نكتة
ذلك أن منصب إمامة الجماعة وإن كان دون منصب الامامةوالخلافة بمراتب إلا أنه في
نفسه منصب مهم في الشريعة المقدسة، والمتصدي لهلابد أن لا يكون ساقطاً عن الأنظار
خلقياً، وبما أن المحدود ساقط عن الأنظاركذلك، فلا يصلح لهذا المنصب، بل إن هذا
الارتكاز الناشىء من الفطرة والجبلةثابت حتى بين العقلاء في المناصب الدنيوية
أيضاً، لأن من يريد أن يتصدىلمنصب الرئاسة أو الوزارة يدقق في سجل تاريخ حياته
الاجتماعية والفردية، فإنكانت فيه نقطة سوداء تحط من شأنه في المجتمع وكرامته عند
الناس خلقياًوبالتالي سقوطه عن الأنظار لم ينتخب رئيساً أو وزيراً.
وعلى هذا فاستدلال الامامعليه السلام بالآية الشريفة على عدم لياقة هؤلاء
الثلاثةلمنصب الخلافة عن الرسول الأعظمصلى الله عليه وآله ليس مبتن على وضع المشتق
للأعم،بل هو مبتن على هذه النكتة، وهي أن هؤلاء الثلاثة لما كانوا من عبدة
الأوثانوالأصنام فترة معتداً بها من عمرهم فبعد تشرفهم بالاسلام تبقى هذه
النقطةالسوداء في سجل تاريخ حياتهم، وهي تمس من كرامتهم وتحط من قدرهموشأنهم في
المجتمع، فلذلك لا يليق مثل هؤلاء لمنصب الخلافة عن الرسولصلى الله عليه
وآلهوالامامة التي هي من أعظم المناصب الالهية بعد الرسالة، لأن علوّ شأن
هذاالمنصب وجلالة قدره ومكانته يتطلب أن يكون المتصدي لها مثالاً أعلى فيالمجتمع
الانساني ككل في الخلق والكرامة وعلوّ الشأن وجلالة القدر والمكانة،فيكون إنساناً
كاملاً خَلقاً وخُلقاً، فإذن تشير الآية الشريفة إلى مطلبارتكازي فطري للبشر، وهذا
قرينة على أن صرف حدوث مبدأ الوصفالاشتقاقي المأخوذ في موضوع الآية الشريفة علة
للحكم حدوثاً وبقاء.
فقد تحصل مما ذكرناه أنه لا يتم شيء من الوجوه التي استدل بها على وضعالمشتق
للأعم، فالصحيح أنه موضوع للمتلبس خاصة.
نتيجة البحث عن وضع الأوصاف الاشتقاقية عدة نقاط:
الاُولى: أن الجامع بين المتلبس والمنقضي على القول بأن مفهوم المشتق بسيطغير
متصور، ولهذا لا مناص على هذا القول من الوضع لخصوص المتلبس، وأماعلى القول بأن
مفهومه مركب من الذات والمبدأ، فهل يمكن تصوير معنى جامعبينهما، فيه قولان: الأظهر
أنه ممكن كما تقدم.
الثانية: الصحيح أن المشتق موضوع لخصوص المتلبس بالمبدأ، أما علىالقول بالبساطة
فهو واضح، وأما على القول بالتركيب، فأيضاً الأمر كذلك علىالقول بعدم إمكان تصوير
جامع بينهما، وأما على القول بإمكان تصويره،فالظاهر أنه موضوع أيضاً للمتلبس خاصة
دون الأعم، بملاك أنه المتبادر منهعرفاً عند الاطلاق كما تقدم.
الثالثة: أن ما قيل - من أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء بما أنّه أكثر
مناستعماله في موارد التلبس، فهو يتطلب وضعه للأعمّ، وإلا لكان منافياً لحكمةالوضع
- فقد تقدم الجواب عنه بعدّة وجوه.
الرابعة: أن المشتق في القضايا الحقيقية مستعمل دائماً في المتلبس بالمبدأخاصة لا
في الأعم ولا في المنقضي كما مر، وأما في القضايا التطبيقية، فإن كانتفعلية،
فالظاهر أن استعمال المشتق في موارد الانقضاء إنما هو بلحاظ حالالتلبس والاسناد لا
بلحاظ حال النطق والانقضاء، وإن كان اسمية، فهي تختلفباختلاف الموارد كما تقدم.
الخامسة: أن المضادة بين العناوين الاشتقاقية بعضها مع بعضها الآخر وإنكانت مرتكزة
في الأذهان فطرة إلا أن منشأها إنما هو المضادة بين مبادئها ذاتاً، إذلا يمكن
اجتماع العلم والجهل مثلاً في شخص واحد، وأما انطباق عنواني العالموالجاهل على
الشخص الذي كان عالماً سابقاً ثم صار جاهلاً أمر ممكن، فإنالقائل بوضع المشتق
للأعم يقول بانطباق كلا العنوانين عليه في آن واحد حقيقة،نعم الذي لا يمكن هو
اجتماع العلم والجهل فيه، فالاستدلال بالمضادة بينها يرجعفي نهاية المطاف إلى
الاستدلال بالتبادر، ولا يكون وجهاً آخر في مقابلة كما مرّ.
السادسة: أنه لا يصح الاستدلال على وضع المشتق للمتلبس خاصة بصحةالسلب عن المنقضي،
وذلك لما ذكرناه في بحث علائم الحقيقة والمجاز من المناقشةفي كبرى أمارية صحة السلب
وعدم صحته، وأما مع الاغماض عن ذلكفالاعتراض عليه - بأنه إن اُريد بصحة السلب سلب
المطلق فهو غير صحيح،وإن اُريد بها سلب المقيد فهو ليس بعلامة - غير وارد، لأنه
مبني على الخلط بينتقييد المادة وتقييد الوصف الاشتقاقي كما تقدم.
السابعة: أنه لا يصح الاستدلال على وضع المشتق للأعم بالتبادر، ولا بعدمصحة السلب،
ولا بقوله تعالى: »لايَنَالُ عَهْدِي الظَّالِمِيْن« على تفصيل قد مرّ.
الجهة الثالثة: ما هو المراد من الحال المأخوذ في عنوان النزاع في المسألة.
قد يقال كما قيل: إن المراد منه زمان النطق، وهو مأخوذ في مدلول المشتق،بدعوى أن
المتبادر عرفاً من جملة »زيد ضارب« و»عمرو عادل« و»بكرعالم« ونحوها هو تلبس الذات
بالمبدأ في زمان النطق، وهذا التبادر دليل على أنزمان الحال وهو زمان النطق مأخوذ
في مدلول المشتق، إذ إرادة التلبس في غيرزمان النطق كزمان الماضي أو المضارع بحاجة
إلى قرينة.
ولكن لا أساس لهذا القيل.
أما أولاً: فلأن المشتق في هذه الجملات وإن كان ظاهراً في تلبس الذاتبالمبدأ في
زمان الحال إلا أن ذلك ليس من جهة أن زمان الحال مأخوذ في مدلولهجزءاً أو قيداً،
بل من جهة أن كل أمر زماني لابد أن يقع في زمان ما من الماضيأو المضارع أو الحال،
وحيث إن مدلوله تلبس الذات بالمبدأ أن يكون في زمان،وليس معنى ذلك أن الزمان مأخوذ
في مدلوله، بل هو من لوازمه.
هذا إضافة إلى أن ظهور المشتق في النسبة التلبسية في زمن الحال إنما هوإذاكان في
ضمن الجملات الحملية التطبيقية إذا كان الموضوع فيها محفوظاً لامطلقاً كما تقدم،
وأما إذا كان في ضمن الجملات الفعلية التطبيقية كقولنا»أكرمتالعالم« و»ضربت
الفاسق« وهكذا، فهو ظاهر في النسبة التلبسيةفيزمان الجري والاسناد لا زمان النطق،
وهذا شاهد على أن الزمان غيرمأخوذ في مدلول المشتق.
وثانياً: إن هذا الظهور ليس بظهور المشتق نفسه وبقطع النظر عن الظمائمالخارجية، بل
هو ظهور وقوعه في ضمن الجملة الحملية التطبيقية، ولهذا لا بأسبتسمية هذا الظهور
بالظهور السياقي لها لا ظهور المشتق نفسه، ومن هنا إذا لميكن في سياق الجملة، فلا
ظهور له إلا في واجدية الذات للمبدأ بدون الدلالةعلى أنها في زمان الماضي أو
المضارع أو الحال.
هذا إضافة إلى أن هذا الظهور مدلول تصديقي، فلا يمكن أن يكون مدلولاًللمشتق وضعاً،
لأن مدلوله الوضعي تصوري لا تصديقي.
وثالثاً: إن لازم ذلك أن يكون إطلاق المشتق في مثل قولك »زيد ضاربغداً« أو »ضارب
في الأمس« مجازاً، مع أن الأمر ليس كذلك جزماً، لأن هذاالاطلاق إنما هو بلحاظ زمان
التلبس، والاطلاق بلحاظ هذا الزمان إطلاقحقيقي حتى على القول بوضع المشتق للمتلبس
خاصة وهذا شاهد على أن زمانالحال غير مأخوذ في مدلول المشتق.
ورابعاً: أن مدلول المشتق لا يمكن أن يكون مقيداً بزمان الحال، وهو زمانالنطق،
لأنه اُريد بتقييده بمفهوم زمان النطق، فيرد عليه أن مفهومه بالحملالأولي الذاتي
ليس بزمان الحال، فلا يكون تقييد مدلول المشتق به تقييداً بزمانالحال بالحمل
الشائع، هذا إضافة إلى أن عدم دلالة المشتق على مفهوم زمانالحال واضح، لأن الدال
عليه هو لفظ الحال.
وإن اُريد به واقع زمان النطق الذي هو زمان الحال بالحمل الشائع، فيردعليه أن تقييد
مدلول المشتق به يستلزم كون مدلوله مدلولاً تصديقياً، وهذا لايمكن إلا على مسلك
التعهد، فإنه على هذا المسلك تكون الدلالة الوضعية دلالةتصديقية والمدلول الوضعي
مدلول تصديقي، وأما على سائر المسالك في بابالوضع، فالمدلول الوضعي مدلول تصوري،
ولا يمكن أن يكون مقيّداً بقيدتصديقي، إذ لا معنى لتقييد المعنى الموضوع له بقيد
إلا الانتقال من اللفظ إليه معقيده، فلوكان قيده تصديقياً استحال الانتقال من
اللفظ إليه بمقتضى الوضع، لأنهذا الانتقال تصديقي لا تصوري، والمفروض أن مقتضى
الوضع على غير مسلكالتعهد هو الانتقال التصوري من اللفظ إلى المعنى الموضوع له
بتمام قيوده لاالتصديقي، فلذلك لا يمكن أن يكون اللفظ موضوعاً لمعنى مقيد بقيد
تصديقي،حيث لايمكن الانتقال إليه إلا بانتقال تصديقي، وهو خلف فرض كون مقتضىالوضع
الانتقال التصوري دون التصديقي.
هذا إضافة إلى أنه لا معنى لتقييد مفهوم المشتق بواقع زمان النطق في
الخارج،وإلافلازمة أنلايدلالمشتق علىمعنى بدون تحققالنطقبه خارجاً وهوكماترى.
فالنتيجة أنه لا يمكن تقييد المدلول الوضعي للمشتق بواقع زمانالحالوالنطق.
وقد يقال كما قيل: إن المراد من الحال هو زمان الجري والاسناد، بمعنى أنالمشتق
موضوع للمتلبس بالمبدأ مقارناً لزمان الجري والاسناد، بدعوى أنهالمتبادر منه عرفاً
عند الاطلاق، فإذا قيل »جاء قاتل« كان المتبادر منه التلبسبالمبدأ في زمان الجري
والاسناد لا في زمن النطق.
والجواب أولاً: أنه ليس المتبادر من المشتق في نفسه، فإن المتبادر منهكذلككما مرّ
واجدية الذات للمبدأ بدون الدلالة على أنها في زمان الجريوالاسناد أو في زمن
النطق، ولهذا لا يتبادر من المشتق عن الاطلاق أي زمان لازمان الحال ولا غيره.
وثانياً: أنه إن اُريد بذلك تقييد مدلول المشتق بمفهوم زمان الجري والاسنادبالحمل
الأولي الذاتي فهو باطل، لأنه ليس بزمان بالحمل الشائع، فلا يكونالتقييد به
تقييداً بزمان الجري والاسناد، وإن اُريد به واقع زمان الجري والاسنادوهو الزمان
الخارجي، فيرد عليه:
أولاً: أن لازم ذلك أن لا يدل المشتق على معناه من دون تحقق الجريوالاسناد خارجاً،
باعتبار أنه قيد مقوم له.
وثانياً: أن نتيجة هذا كون مدلوله الوضعي مقيداً بقيد تصديقي، وهو لايمكن، لأن معنى
كونه قيداً للمعنى الموضوع له أن الانتقال من اللفظ إليه بمقتضىالوضع تصوري لا
تصديقي، ومعنى كونه قيداً تصديقياً أن الانتقال منه إليه لايمكن إلا بالانتقال
التصديقي دون التصوري، وبالتالي يلزم من فرض كونه قيداًللمعنى الموضوع له عدم كونه
قيداً له.
فالنتيجة أنه لا يمكن أن يراد من الحال المأخوذ في عنوان المسألة زمان النطقولا
زمان الجري والاسناد.
ومن هنا ذكر السيد الاُستاذقدس سره أن المراد بالحال فيه ليس زمن النطق والتكلمولا
أحد الأزمنة الثلاثة، بل المراد به فعلية تلبس الذات بالمبدأ بمعنى أنالنزاعفي
المسألة إنما هو في سعة مفاهيم المشتقات وضيقها، وأنها موضوعةللمفاهيم التي مطابقها
في الخارج خصوص الذات حال تلبسها بالمبدأ أو الأعممن ذلك ومن حال الانقضاء، فبناء
على القول بالأعم كانت مفاهيمها قابلةللانطباق خارجاً على فردين هما المتلبس فعلاً
والمنقضي عنه المبدأ، وعلى القولبالأخص كانت مفاهيمها غير قابلة للانطباق إلا على
فرد واحد، وهو خصوصالمتلبس بالمبدأ فعلاً(20).
وهذا التفسير هو الصحيح، ولا معنى له غير واجدية الذات للمبدأ وفعليةتلبسها به في
مقابل انقضائه عنها، وليس شيئاً زائداً على ذلك.
قد يقال كما قيل: إن الظاهر من إطلاق المشتقات وحملها على شيء هو فعليةتلبس الذات
بالمبدأ حين النطق والتكلم، فإن الظاهر من قولنا »زيد قائم« كونهكذلك بالفعل وفي
زمن النطق، وحينئذ فلا معنى للنزاع في كون المشتق موضوعاًللأعم أو للأخص بعد
التسالم على أن المرجع في تعيين مداليل الألفاظ ومفاهيمهاسعة وضيقاً هو الفهم
العرفي العام.
والجواب: أن محل النزاع في المسألة إنما هو في وضع المشتق بنفسه وبقطعالنظر عن
كونه واقعاً في ضمن القضايا التطبيقية وأنه موضوع لمعنى جامع أولمعنى خاص، وأما إذا
كان واقعاً في ضمن تلك القضايا، فإن كانت فعلية،فالظاهر أن إطلاقه إنما هو بلحاظ
الجري والاسناد لا حال النطق والتكلم،ولكن هذا الظهور ليس من جهة أن المشتق في نفسه
ظاهر في ذلك، بل من جهةظهور الجملة في أن إطلاقه إنما هو بهذا اللحاظ لا بلحاظ حال
النطق، وإن كانتحملية كالمثال المتقدم ونحوه، فالظاهر أن إطلاق المشتق فيها إنما
هو بلحاظ حالالنطق، ولكن هذا الظهور أيضاً ليس من جهة أنه في نفسه ظاهر في ذلك، بل
منجهة ظهور الجملة الحملية في أن إطلاقه إنما هو بلحاظ حال النطق.
فالنتيجة أن ظهور المشتق في القضايا الحملية التطبيقية في فعلية تلبس الذاتبالمبدأ
حين النطق والتكلم، إنما هو من جهة ظهور تلك القضايا في ذلك لا منجهة ظهور المشتق
بنفسه فيه، وقد تقدمت الاشارة إلى أن القضايا التطبيقيةمختلفة في ذلك، وليس لها
ضابط واحد في تمام الموارد.
الجهة الرابعة: هل المشتق بسيط أم مركب؟
اختلف الاُصوليون في بساطة مفهوم المشتق وتركيبه، فذهب جماعة إلى أنهبسيط، منهم
المحقق الشريف والمحقق الدواني والمحقق النائيني، وخالف فيهجماعة فذهبوا إلى أنه
مركب، منهم المحقق العراقي والمحقق الأصبهاني والسيدالاُستاذقدس سرهم.
ثم إن القائلين بالتركيب قد اختلفوا إلى قولين: فذهب المحقق العراقيقدس سره إلى
أنمادة المشتق موضوعة لذات الحدث الخالي عن كافة الخصوصيات العرضية،وهيئته موضوعة
لنسبته إلى الذات، وأما المحقق الأصبهاني والسيد الاُستاذ0فقد اختارا أن هيئة
المشتق موضوعة للذات المنتسب إليها المادة، فالمشتق علىالأول يدل على نسبة المادة
إلى الذات وعلى الثاني يدل على الذات المنتسب إليهاالمادة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن محل النزاع في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب إنما هوبلحاظ عالم
الواقع والتحليل العقلي، لا بلحاظ عالم الادراك والتصور الساذج،وذلك لأن البساطة
الادراكية تجتمع مع تركب المفهوم واقعاً وحقيقة، ضرورة أنالمتبادر في الذهن في
مرحلة التصور من كل لفظ مفرد عند الاطلاق معنى بسيط،سواء أكان في الواقع وعالم
التحليل أيضاً بسيطاً أم كان مركباً، وهذا بلا فرق بينالمشتقات وغيرها من الألفاظ،
وحينئذ فلا معنى لأن يجعل مركز البحثالبساطة والتركيب بحسب التصور والادراك، لأن
ذلك أمر وجداني غير قابلللبحث والنظر فيه وإقامة البرهان عليه.
ومن هنا يظهر أن ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره - من أن معنى البساطة
بحسبالمفهوم وحدته إدراكاً وتصوراً، بحيث لا يتصور عند تصوره إلا شيء واحد
لاشيئان وإن انحل بتعمل من العقل إلى شيئين كانحلال مفهوم الحجر والشجر إلىشيء له
الحجرية أو الشجرية مع وضوح بساطة مفهومهما(21) - غريب جداً، لماعرفت من أن ما يصلح
لأن يكون مورد البحث والنزاع هو البساطة والتركيببحسب التحليل العقلي لا بحسب
الادراك والتصور، ضرورة أن البساطةاللحاظية لا تصلح لأن تكون محوراً للبحث ومركزاً
لتصادم الأدلة والبراهينالعقلية، بل لا تقع تحت أي بحث علمي ولا فلسفي، لأن المرجع
في إثباتها فهمالعرف وإدراكه الوجداني، حيث إن واقعها انطباع صورة علمية واحدة
فيمرآةالذهن، سواء أكانت قابلة للانحلال في الواقع كمفهوم الانسان ونحوه أم لم
تكن،فمناط البساطة اللحاظية وحدة المفهوم إدراكاً، ووحدته كذلك أمر وجداني ولايقع
لأحد فيه شك ولا ريب.
فالنتيجة أن مركز النزاع في المسألة إنما هو في البساطة والتركيب بلحاظ عالمالواقع
والتحليل الفلسفي، لا بلحاظ عالم الادراك والتصور، ومن ذلك يظهر أنالمحقق
الخراسانيقدس سره في الحقيقة من القائلين بالتركيب لا البساطة.
أدلة بساطة مفهوم المشتق ...
وبعد ذلك نقول: إن المشهور بين الفلاسفة والمتأخرين من الاُصوليين بساطةالمفاهيم
الاشتقاقية والاصرار على أنه لا فرق بينها وبين مبادئها حقيقة وذاتاً،والفرق بينهما
إنما هو بالاعتبار، أي باللحاظ اللا بشرطي والشرطي اللائي،وفيمقابل ذلك ذهب جماعة
إلى أنها مركبة من الذات والمبدأ. فإذن يقع الكلامفي مقامين:
المقام الأول: في أدلة القائلين بالبساطة.
المقام الثاني: في أدلة القائلين بالتركيب.
أما الكلام في المقام الأول فقد استدل على بساطة مفهوم المشتق بعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن مفهوم المشتق لو كان مركباًمن
الذات والمبدأ فبطبيعة الحال تكون النسبة بينهما داخلة فيه، فإذن يكونمفهوم المشتق
مشتملاً على معنى حرفي، ولازم ذلك أن يكون المشتق مبنياًللمشابهة لا معرباً، مع أنه
معرب، وهذا كاشف عن أن مفهومه بسيط لا مركب.
والجواب: أن مجرد اشتمال مفهوم المشتق على النسبة بين الذات والمبدأ لايوجب كونه
مبنياً حتى تكون معربيته دليلاً على بساطته، إذ لا مانع من كونمفهومه مركباً
مشتملاً على النسبة ومع ذلك يكون معرباً لا مبنياً، والنكتة فيه أنللمشتق جهتين:
الأولى جهة اشتماله على المادة التي هي معنى اسمي، والاُخرىجهة اشتماله على الهيئة
التي هي معنى حرفي، فالمشتق معرب من الجهة الاُولى ولايشبه الحرف من تلك الجهة،
وإنما يشبه الحرف من الجهة الثانية، والمفروض أنإعرابه ليس من هذه الجهة حتى تكون
شباهته مانعة عنه، وعليه فالجهة التيتكون دخيلة في إعرابه لا يشبه الحرف من هذه
الجهة حتى يكون مبنياً، والجهةالتي لا تكون دخيلة في اعرابه وإن كان يشبه الحرف من
تلك الجهة إلا أنه لا أثرلذلك، فإنها لا تؤثر في الجهة الاُولى ولا تجعلها شبيهة
بالحرف، فإذن قياسالمشتق بأسماء الاشارة والضمائر قياس مع الفارق، فإن أسماء
الاشارة تشبهالحروف في معناها الموضوع له، وكذلك الضمائر، بينما المشتق لا يشبه
الحروف فيمدلول مادته الذي هو مدلول اسمي، وإنما يشبهه في مدلول هيئته الذي هو
مدلولحرفي، والمفروض أن إعراب المشتق إنما هو باعتبار مدلول أحد جزأيه وهوالمادة
دون مدلول جزئه الآخر وهو الهيئة.
فالنتيجة أن المشتق بلحاظ مادته اسم ومعرب ولا يشبه الحرف، وبلحاظهيئته حرف، وعلى
هذا فإن كان المشتق بسيطاً فلا يتضمن معنى حرفياً أصلاً،وإن كان مركباً فهو وإن كان
يتضمن معنى حرفياً إلا أنه لا يكون دخيلاً في الجهةالتي تقتضي إعرابه، فلذلك يكون
من الاسماء المعربة سواء أكان بسيطاً أم مركباً.
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره أيضاً من أن أخذ الذات في
مفهومالمشتق وإن سلمنا أنه ممكن إلا أنه غير واقع في الخارج، وذلك لأن أخذها فيه
لايمكن أن يكون جزافاً، بل لابد أن يكون مبنياً على نكتة، وتلك النكتة هي أنحمل
المشتق بماله من المفهوم على الذات غير صحيح بدون أخذها فيه، وأما إذاصح الحمل بدون
ذلك فلا مقتضى له، والمفروض أنه صحيح بدون ذلك، لأنلحاظ المادة لا بشرط وبما هي
متحدة مع الذات خارجاً مصحح له، ومعه يكونأخذ الذات فيه لغواً(22).
والجواب أولاً: أن ما يدعو إلى وضع الألفاظ بإزاء المعاني هو سعة الحاجةوتطورها
وعدم كفاية الوسائل الأولية لابرازها، فإذن يكون الغرض الداعيإلى وضع المشتقات
بإزاء معانيها هو إبرازها بها لدى الحاجة في كل مورد وعدمكفاية الأساليب الاُخرى
البدائية لذلك، بلا فرق بين أن تكون تلك المعانيبسيطة أو مركبة، قابلة للحمل أم
لا، وأما صحة الحمل وعدم صحته، فهي منصفات المعنى وليست من الدواعي للوضع.
وثانياً: أن ملاك صحة الحمل الأولي الذاتي إنما هو اتحاد الموضوع والمحمولذاتاً
وحقيقة واختلافهما اعتباراً كالتفصيل والاجمال ونحوهما، كقولك »الانسانحيوان
ناطق«، وملاك صحة الحمل الشائع الصناعي إنما هو اتحاد الموضوعوالمحمول في الخارج،
بأن يكونا موجودين بوجود واحد فيه، واختلافهما فيالمفهوم كقولك »زيد انسان«.
أو فقل: إن صحة الحمل الشائع ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: اتحاد الموضوع والمحمول في الوجود الخارجي واقعاً وحقيقة.
الثانية: تغايرهما في المفهوم الذهني كذلك.
وأما إذا كان الموضوع مغايراً مع المحمول في الوجود الخارجي فلا يمكن حملهعليه،
لأنه من حمل المباين على المباين، وعلى هذا فإذا كان مفهوم المشتق متمثلاًفي المبدأ
فحسب بدون أخذ الذات فيه، كان مبايناً معها في الوجود الخارجيواقعاً، لأن المبدأ
سواء كان من مقولة العرض أم من الاعتباريات والانتزاعياتمباين للذات في الخارج
وجوداً، ولا يعقل اتحاده معها فيه، ومن الواضح أن مايكون مبايناً للذات وجوداً
واقعاً في الخارج ومغايراً لها عيناً لا يمكن تصحيححمله عليها باعتبار اللا
بشرطية، ضرورة أن مجرد اعتبارها ولحاظها لا يوجبانقلاب الواقع، ولا يجعل المبدأ
المباين للذات متحداً معها خارجاً، لاستحالةانقلاب الشيء عما هو عليه في الواقع،
مع أن صحة الحمل منوطة بالاتحادوالعينية بين الموضوع والمحمول، وعليه فلو كان
المبدأ متحداً مع الذات صح حملهعليه، سواء اعتبرناه لا بشرط أم بشرط لا عن الحمل،
وإلا لم يصح حمله عليهاوإن اعتبرناه لا بشرط.
وبكلمة، إن صحة الحمل منوطة بالاتحاد والعينية بين الموضوع والمحمولواقعاً في
الخارج، وعدم صحته منوط بعدم الاتحاد والعينية بينهما فيه، وعلى هذاففي المقام إن
كان المبدأ متحداً مع الذات في الوجود الخارجي واقعاً بأن يكوناموجودين بوجود واحد
في الخارج، صح حمله عليها واقعاً وحقيقة وإناعتبرناه بشرط لا عن الحمل لحاظاً،
ضرورة أنه لا أثر لهذا الاعتبار واللحاظالذي لا يخرج عن اُفق الذهن إلى الواقع،
والمفروض أن صحة الحمل منوطةبالاتحاد والعينية في الواقع، وهو موجود. وإن لم يكن
متحداً معها فيه، لم يصححمله عليها وإن اعتبرناه لا بشرط.
الثالث: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره أيضاً من أن الذات لو كانت مأخوذة
فيمفهوم المشتق لزم أخذ النسبة بينها وبين المبدأ أيضاً فيه، إذ لا يمكن أخذها
بدونأخذ النسبة بينهما، وعندئذ يلزم اشتمال جملة واحدة كجملة »زيد عالم«
علىنسبتين في عرض واحد، إحداهما النسبة بين الذات والمبدأ والاُخرى النسبة بينزيد
والذات المتلبسة بالمبدأ، وهو لا يمكن، لأن وجود نسبتين متباينتين فيعرض واحد
يقتضي وجود طرفين كذلك لكل منهما، لأن تعدد النسبة إنما هوبتعدد شخص طرفيها،
باعتبار أنها متقومة بهما ذاتاً وحقيقة كتقوم النوعبالجنس والفصل، وفي المقام ليس
كذلك، لأن الذات المتلبسة هي زيد، ولا فرقبينهما إلا بالاجمال والتفصيل(23).
والجواب: أن الجملة الواحدة وإن كانت لا يمكن أن تكون مشتملة علىنسبتين متباينتين
في الذهن أو الخارج، لأن وجود النسبتين كذلك يتطلب وجودطرفين مستقلين لكل منهما
متباينين مع الطرفين للاُخرى، على أساس أن تباينكل نسبة عن نسبة اُخرى إنما هو
بتباين المقومات الذاتية لكل منهما للمقوماتالذاتية للاُخرى، وهي شخص وجود طرفيها،
إلا أنه لا مانع من اشتمالها علىنسبة واحدة تامة ونسبة تحليلية يتضمنها المشتق،
لأن مفهوم المشتق فياُفقالذهن وإن كان واحداً، وهو طرف للنسبة بينه وبين موضوع
الجملة، إلاأنهينحل بتعمل من العقل وتحليله إلى ذات ومبدأ ونسبة بينهما، وهذه
النسبةنسبة تحليلية لا واقعية.
والخلاصة: أنه لا مانع من اشتمال الجملة الواحدة على نسبة تامة واقعيةونسبة
تحليلية، وحيث إن النسبة التحليلية هي النسبة التي يحللها العقل منالشيء الواحد
كالانسان مثلاً إلى أجزاء ثلاثة منها النسبة، فلذلك ليست بنسبةواقعية لا في الذهن
ولا في الخارج حتى تكون في عرض نسبة الجملة فيه،وبالتالي فالجملة لا تشتمل إلا على
نسبة واحدة واقعية، فتحصل مما ذكرناه أنما أفاده المحقق النائينيقدس سره من
الوجوه الثلاثة لا يتم شيء منها.
الوجه الرابع: ما أفاده المحقق الدوانيقدس سره من أنه لا شبهة في صحة إطلاقالمشتق
على المبدأ وحده كإطلاق الأبيض على البياض والموجود على الوجودونحو ذلك، ومن هذا
القبيل إطلاق العالم القادر على ذاته تعالى وتقدس،معأنصفاته العليا الذاتية عين
ذاته تعالى، ولا يعقل وجود ذات وراء تلكالصفات في عالم العين والخارج، وهذا دليل
على عدم أخذ الذات في مفهومالمشتق، إذ لو كانت الذات مأخوذة فيه لم يصح إطلاقه في
الموارد المذكورةإلابالعناية والمجاز(24).
والجواب: أن هذا الوجه مبني على أن مفهوم المشتق لو كان مركباً من الذاتوالمبدأ،
فلابد أن تكون الذات مغايرة للمبدأ في الوجود الخارجي، وعلى هذافالمشتق يدل على
تلبس الذات بالمبدأ في عالم الخارج، ومن الواضح أن التلبسفي عالم الخارج يقتضي
الاثنينية فيه، كما أن التلبس في عالم الذهن يقتضيالاثنينية فيه، وعلى هذا فإذا
كانت المغايرة معتبرة بين الذات والمبدأ في الخارج،فبطبيعة الحال يكون مدلول المشتق
تلبس الذات بالمبدأ فيه، وحيث لا مغايرةبين الذات والمبدأ في الموارد المذكورة
خارجاً، فلا محالة يكون إطلاق المشتق فيتلك الموارد بالعناية والمجاز. هذا،
ولكن ذلك البناء غير صحيح، لأن التعدد والاثنينية المعتبر بين الذات والمبدأإنما هو
في عالم المفهوم والذهن، وهو موجود بينهما حتى في الموارد المذكورة، لأنالصفات
الذاتية له تعالى كالعالم والقادر والحياة ونحوها وإن كانت مبادئها عينالذات
خارجاً إلا أنها مغايرة لها مفهوماً، وهذه المغايرة تكفي في صحة إطلاقهاعلى ذاته
تعالى، وكذلك الحال في إطلاق الموجود على الوجود وإطلاق الأبيضعلى البياض وهكذا،
فإنه يكفي في صحة هذا الاطلاق المغايرة بين المبدأ والذاتمفهوماً وإن كان عينها
خارجاً، وعلى هذا فالمشتق موضوع للذات المتلبسةبالمبدأ في عالم الذهن الفانية في
الخارج تصوراً وتصديقاً، باعتبار أن المدلولالوضعي له مدلول تصوري لا تصديقي، ولا
يمكن أن يكون المشتق موضوعاًللذات المتلبسة بالمبدأ خارجاً، وإلا لزم أن لا يكون
للمشتق مدلول في المواردالمتقدمة، على أساس أن التلبس يقتضي المغايرة والاثنينية
خارجاً، ولا اثنينةبين ذاته تعالى وصفاته العليا كذلك، وكذا بين الوجود والموجود
وبين البياضوالأبيض وهكذا، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن لازم وضع المشتق للمتلبس في الخارج كون مدلولهالوضعي مدلولاً
تصديقياً، وهذا مما لا يمكن الالتزام به إلا على القول بالتعهد.
وبكلمة، إن تلبس الذات بالمبدأ الذي هو مفهوم المشتق إنما هو التلبس فيعالم الذهن
والمفهوم دون عالم الخارج، وعلى هذا فإذا كان المبدأ مغايراً للذاتمفهوماً كفى ذلك
في صدق المشتق وإن كان عينها خارجاً، وحينئذ فلا يكونإطلاق العالم والقادر والحي
على اللَّه تعالى مجرد لقلقة اللسان، بل هو إطلاقحقيقي كإطلاق العالم على زيد، على
أساس أن المعيار في صحة الاطلاق إنما هوبتغايرهما مفهوماً، سواء كانا متغايرين
خارجاً أم لا، ولا يمكن أن يكون المشتقموضوعاً للمتلبس في الخارج، إذ مضافاً إلى
أن لازم ذلك كون المدلول الوضعيله مدلولاً تصديقياً لا تصورياً، يلزم أن لا يكون
مدلول له أصلاً في الموارد الهليةالبسيطة والصفات العليا الذاتية والاعتباريات
والانتزاعيات، حيث إن التلبسالخارجي غير متصور في تلك الموارد، مع أن إطلاق المشتق
فيها كإطلاقه فيغيرها مما يتصور فيه التلبس الخارجي على حد سواء.
ومن هنا يظهر أن ما التزم به صاحب الفصولقدس سره في الصفات العليا الذاتيةوالأسماء
الحسنى الجارية على ذاته تعالى بالنقل والتجوز(25)، مبني على أنالمشتقموضوع لتلبس
الذات بالمبدأ خارجاً، وحيث إنه لا يتصور فيالصفاتالمذكورة، فإذن لابد من
الالتزام بالنقل والتجوز، فالنتيجة أن هذاالوجه أيضاً لا يتم.
الوجه الخامس: ما أفاده المحقق الخراسانيقدس سره من أن الذات لوكانت مأخوذةفي
مدلول المشتق لزم تكرار الموضوع في مثل قولنا »زيد عالم«، »الانسانكاتب« ونحوهما،
فإن الأول يؤول إلى قولنا »زيد زيد له العلم« والثاني يؤولإلى قولنا »الانسان
انسان له الكتابة« مع أن هذا التكرار خلاف الوجدانوالمتفاهم العرفي من المشتق عن
الاطلاق فطرة وارتكازاً، وعدم انفهامه منهعرفاً، وهذا دليل على عدم أخذ الذات في
مدلوله(26).
والجواب: أنه مبني على أن يكون المأخوذ في مدلول المشتق مصداق الشيءلا مفهومه،
فعندئذ يؤول قولنا »زيد عالم« إلى قولنا »زيد زيد له العلم«، وأماإذا كان المأخوذ
فيه مفهوم الشيء فلا يلزم التكرار، فإن قولنا »الانسان كاتب«يؤول إلى قولنا
»الانسان شيء له الكتابة« ولا تكرار فيه، لأن التكرار عرفاً هوإعادة عين الشيء
الأول مرة ثانية، ولهذا لا مانع من التصريح بجلمة »الانسانشيء له الكتابة«، فإنها
كجملة »الانسان كاتب«، فكما لا تكرار فيها فكذلك لاتكرار في تلك.
وعلى الجملة فحيث إن المأخوذ في مفهوم المشتق شيء مبهم ومعرى عن كلخصوصية من
الخصوصيات العرضية ماعدا قيام المبدأ به، ولا تعيّن له إلابالانطباق على ذوات خاصة
معينة في الخارج كزيد وعمرو ونحوهما، فلا يلزمالتكرار في مثل »زيد عادل« و»بكرٌ
عالم« و»الانسان ضاحك« وغير ذلك،لوضوح أنه لا فرق بين جملة »زيد عادل« وجملة »زيد
شيء له العدالة«، فكمالا تكرار في الجملة الاُولى فكذلك في الثانية.
فالنتيجة أن هذا الوجه كالوجوه السابقة فلا يدل على عدم إمكان أخذالذات في مفهوم
المشتق.
الوجه السادس: ما أفاده صاحب الفصولقدس سره من أن الذات لو كانتمأخوذة في مفهوم
المشتق لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، مثلاًقضية »الانسان كاتب« قضية
ممكنة في نفسها، فلو كان مفهوم الذات مأخوذاًفي مدلول المشتق لزم الانقلاب المذكور،
باعتبار أن صدق مفهوم الذات علىجميع الأشياء والذوات الخاصة ضرورية(27).
والجواب: أن المحمول في القضية تارة يكون طبيعي الشيء بنحو اللابشرط، واُخرى يكون
مقيداً بقيد خاص، وذلك القيد لا يخلو من أن يكونمبايناً للموضوع في القضية أو
مساوياً له أو عاماً أو خاصاً، فإن كان المحمولملحوظاً على النحو الأول، فثبوته
للموضوع وإن كان ضرورياً إلا أن محمولالقضية في المقام ليس كذلك، لأنه على القول
بالتركيب الشيء المقيد بنحو بشرطالشيء لا المطلق بنحو لا بشرط، مثلاً المحمول في
مثل قضية »الانسان كاتب«هوالشيء المقيد بالكتابة لا المطلق، وعلى هذا فكون القضية
ضرورية أو ممكنةأو ممتنعة تتبع القيد المأخوذ في محمولها، فإن كان ثبوت ذلك القيد
ضرورياًللموضوع فالقضية ضرورية، كما إذا كان القيد من ذاتيات الموضوع في
بابالكليات أو باب البرهان، وذلك مثل قولك »الانسان ناطق«، فإن ثبوت المبدأوهو
النطق للانسان الذي هو الموضوع في القضية ضروري، وإن لم يكنضرورياً له، فإن كان من
العوارض المفارقة له كالكتابة ونحوها، فبما أن ثبوتهللموضوع ممكن فالقضية ممكنة،
وذلك مثل قولك »الانسان كاتب«، فإنثبوت القيد وهو الكتابة لموضوع القضية كالانسان
إنما هو بالامكان،فلذلكتظل القضية على إمكانها، ولا يوجب أخذ مفهوم الشيء في
مدلولالمشتق الانقلاب في مثل المثال، وإن كان من الأشياء الممتنعة
ثبوتهاللموضوعفالقضية ممتنعة، وذلك كقولك »شريك الباري ممتنع« و»اجتماعالنقيضين
مستحيل« وهكذا.
إلى هنا قد تبين أن أخذ مفهوم الذات والشيء في مدلول المشتق لا يوجبانقلاب القضية
الممكنة إلى قضية ضرورية، لوضوح أن قضية »الانسان كاتب«قضية ممكنة مطلقاً، أي سواء
أكان مفهوم الذات مأخوذاً في مدلول المشتق أملا، وقضية »الانسان ناطق« قضية ضرورية
كذلك، لأن أخذ مفهوم الشيء فيمدلول المشتق لا يؤثر في جهة القضية أصلاً، فإنها إن
كانت ممكنة ظلت علىإمكانها، وإن كانت ضرورية ظلت على ضرورتها، وهكذا.
فما أفاده صاحب الفصولقدس سره من أن أخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتقيوجب
الانقلاب لا يرجع إلى معنى صحيح.
قد يقال كما قيل: هذا فيما إذا كان المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشيء،وأما إذا
كان المأخوذ فيه واقع الشيء ومصداقه لزم الانقلاب، إذ حينئذ تؤولقضية »الانسان
كاتب« إلى قضية »الانسان إنسان له الكتابة«، وعليهفالمحمول في القضية إما ذات
المقيد، والقيد قد اُخذ بنحو المعرفية والمشيرية إليهاأو المقيد بما هو المقيد،
والقيد قد اُخذ بنحو الموضوعية، فعلى الأول تكون القضيةضرورية، فإن ثبوت الانسان
للانسان ضروري، وعلى الثاني تكون ممكنة،لأن ثبوت الانسان المقيد بالكتابة للانسان
ممكن.
والجواب أولاً: أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشيء المبهم، لا واقعهوهو
الذوات الخاصة، وهذا واضح بناء على أن وضع الهيئات نوعي، وأما بناءعلى أن وضعها
شخصي فالأمر أيضاً كذلك إذا كان وضعها من باب الوضع العاموالموضوع له العام، نعم
إذا كان من باب الوضع العام والموضوع له الخاصفالمأخوذ فيه الذوات الخاص، ولكنه
مجرد افتراض لا واقع موضوعي له.
وثانياً: أن لزوم الانقلاب هنا مبني على نقطة خاطئة، وهي أن يكون المحمولفي القضية
ذات الانسان وقيد الكتابة قد اُخذ بنحو المعرفية والمشيرية إليه بدونأن يكون له
دخل فيه، ولكن من الواضح أن هذه النقطة خاطئة، إذ لازم ذلك أنيكون المحمول في قضية
»الانسان كاتب« هو ذات الانسان، وعنوان الكتاب قداُخذ بنحو المعرفية المحضة من دون
أن يكون له دخل فيه، وعليه فتكون القضيةضرورية، لأن ثبوت الانسان للانسان ضروري،
وهذا كماترى، وبداهة أنهاقضية ممكنة، لأن المحمول فيها على القول بالتركيب الانسان
المقيد بالكتابة الذيهو مدلول المشتق لا طبيعي الانسان، وعليه فبطبيعة الحال يكون
المحمول فيالقضية المنحلة والمؤولة نفس ذلك المحمول، والفرق إنما هو بالاجمال
والتفصيلوالانحلال وعدمه، ومن الواضح أن المحمول إنما يكون قابلاً للانحلال على
القولبتركب المشتق من الذات والمبدأ والنسبة.
ومن هنا يظهرأن الانقلاب غير معقول، بلا فرق بين أن يكون المأخوذ فيمدلول المشتق
مفهوم الشيء و مصداقه، باعتبار أن المحمول وهو مدلول المشتقمركب منالذات والمبدأ
والنسبة، وإمكان القضية إنما هو من جهة أن ثبوت المبدألموضوعها إن كان بالامكان
فالقضية ممكنة، وإن كان بالضرورة فضرورية،ولا فرق في ذلك بين أن يكون مدلول المشتق
محمولاً في القضية بالاجمال أوبالتفصيل والتحليل، ولا يعقل أن يكون ثبوته بالتحليل
ضرورياً وبالاجمالممكناً، وإلا لم يكن الفرق بينهما بالاجمال والتفصيل بل
بالتباين، وهذا خلف.
قد يقال كما قيل: إن القيد إذا كان مأخوذاً بنحو الموضوعية بأن يكون قيداًللمحمول
واقعاً لا معرفاً له فحسب، فهو وإن كان يدفع محذور الانقلاب إلا أنهيستلزم محذوراً
آخر، وهو حمل الأخص على الأعم، لأن الانسان المقيدبالكتابة أو نحوها يكون أخص من
الانسان المطلق وغير المقيد، ومن المعلوم أنحمل الأخص على الأعم غير صحيح، لأن
ملاك صحة الحمل هو اتحاد المحمولمع الموضوع في القضية خارجاً وجوداً، وهذا إنما هو
فيما إذا كان المحمول مساوياًمع الموضوع أو أعم منه، وأما إذا كان أخص منه، فهو لا
يتخد إلا مع حصة منه،فلذلك لا يصح حمل الأخص على الأعم إلاّ بالتأويل والعناوية،
فإذن لابد أنيكون القيد مأخوذاً بنحو المعرفية والمشيرية لا بنحو الموضوعية.
والجوب: أن المحمول في مثل قضية »الانسان كاتب« أو »ضاحك« ليسأخص من الموضوع فيها،
لأن قيد الكتابة مثلاً بما أنه ملحوظ ثبوته له بنحوالامكان فهو بهذا اللحاظ ليس أخص
منه، وعلى هذا فلا يكون حمل الكاتبعلى الانسان في قولنا »الانسان كاتب« من
حملالأخص على الأعم، بل هومنحملالمساوي على المساوي، وأما إذاكانالقيد أخص
منالموضوع، فلايصححمله على الأعم إلا بالتأويل.
وبكلمة، إن حمل الأخص مفهوماً على الأعم كذلك غير صحيح إذا كان كلمنهما ملحوظاً
بحدّه بنحو الموضوعية، وأما إذا كانا ملحوظين بنحو الفناء فيحقيقة واحدة في الخارج
ومعبران عنها في مرحلة التصادق، فحينئذ وإن كانالحمل صحيحاً لتوفر ملاكه وهو
انطباقهما على موجود واحد، إلا أنه ليس منحمل الأخص مفهوماً على الأعم كذلك، إلا
صورة، فإنه في الحقيقة من حملالمساوي على المساوي، ومن هذا القبيل ما إذا جعل
الموضوع فانياً في مصداقالمحمول، فإن الحمل وقتئذ وإن كان صحيحاً إلا أنه من حمل
المساوي علىالمساوي، لا حمل الأخص على الأعم إلا صورة، فالنتيجة أن حمل الأخص
علىالأعم لا يصح إلا بالتصرف والتأويل، لحد الآن قد تبين أن أخذ مفهوم الشيء
فيمدلول المشتق أو واقعة الموضوعي لا يوجب الانقلاب.
ولكن قد يقال: إن أخذ واقع الشيء فيه إنما لا يوجب الانقلاب فيما إذا كانقابلاً
للتقييد، كما في مثل قولنا »الانسان كاتب« أو »ضاحك«، وأما إذا لم يكنقابلاً
للتقييد فأخذه يوجب الانقلاب، كما في مثل قولنا »زيد عالم«، فإنه ينحلإلى قولنا
»زيد زيد له العلم«، وزيد بما أنه جزئي حقيقي فلا يقبل التقييد، فإذنيكون القيد
مجرد معرف ومشير إليه من دون أن يكون له دخل فيه، وحينئذفتكون قضية »زيدٌ زيد له
العلم« قضية ضرورية، لأنه من حمل الشيء علىنفسه، وهذا هو معنى الانقلاب(28).
والجواب: أولاً: أن الانقلاب إنما يلزم لو كان المأخوذ في مدلول المشتق
خصوص ما لا يقبل التقييد لا مطلقاً، مع أن القائل به يدعي لزومه مطلقاً.
وثانياً: أن لزوم الانقلاب في مثل المثال المذكور إنما هو لو كان المأخوذ فيمدلول
المشتق شخص الموضوع في القضية، وهو زيد في المثال، ولكن الظاهر أنالمأخوذ فيه نوع
الموضوع لا شخصه، بقرينة أن المراد من واقع الشيء المأخوذفيه ما يكون معروضاً
للمبدأ عادة في الخارج، ومن الواضح أن ما يكونمعروضاً له عادة هو الانسان، باعتبار
أن العلم والعدالة والكتابة ونحوها منعوارضه، لا من عوارض الفرد بحدّه الفردي كزيد
مثلاً، فإن عروضها عليه إنماهو بلحاظ أنه انسان لا بلحاظ أنه زيد، وحينئذ فتنحل
قضية »زيد عالم« إلىقضية »زيد انسان له العلم« لا إلى قضية »زيد زيد له العلم«،
فإذن لا انقلاب.
وثالثاً: مع الاغماض عن جميع ذلك وتسليم أن المأخوذ في مدلول المشتقشخص الموضوع في
القضية، فمع هذا لا يلزم الانقلاب، وذلك لأن الجزئي لايقبل التقييد الافرادي، وأما
الأحوالي فلا مانع منه، وعلى هذا فمثل قولنا »زيدعالم« وإن انحل إلى قولنا »زيدٌ
زيد له العلم« ولكن زيد بما أنه مقيد بحالة العلم،فلا يكون حمله مقيّداً بها على
زيد - الذي هو موضوع القضية مطلقاً - ضرورياً،من جهة أن ثبوت تلك الحالة له ليس
بضروري، وإنما هو بالامكان.
وقد يقال كما قيل: إن أخذَ واقع الشيء في مدلول المشتق يؤدي إلى انحلالالقضية
الواحدة إلى قضيتين: إحداهما ضرورية، وهي »الانسان إنسان«،والاُخرى ممكنة، وهي
»الانسان له الكتابة« مع أن قضية »الانسان كاتب«قضية واحدة ممكنة لدى العرف
والعقلاء، وهذا شاهد على عدم أخذ واقعالشيء في مدلول المشتق(29).
والجواب: أن انحلال القضية الواحدة الممكنة إلى قضيتين: الاُولى ضرورية،والثانية
ممكنة مبني على أحد أمرين:
الأول: اشتمال القضية على نسبتين في عرض واحد، إحداهما النسبة بينالانسان والكاتب،
والاُخرى النسبة بينه وبين المبدأ كالكتابة ونحوها، وحيثإن وحدة القضية وتعدّدها
إنما هي بوحدة النسبة وتعدّدها، فإذا كانت النسبةواحدة فالقضية واحدة، وإذا كانت
متعددة فالقضية متعددة، على أساس أنالنسبة هي المقومة للقضية ولا يمكن تكوينها
بدونها.
الثاني: انحلال عقد الحمل إلى قضية، وهذه القضية وإن كانت تقييدية وصفيةإلا أنها
تصبح قضية إخبارية مستقلة بقانون أن الوصف قبل العلم به إخبار.
ولنا تعليق على كلا الأمرين:
أما على الأمر الأول فلأن اشتمال القضية على نسبتين في عرض واحد إنمايوجب تعددها
وانحلالها إلى قضيتين إذا كانت النسبتان تامّتين، إذ حينئذ لا يعقلأن تكون القضية
واحدة، لما ذكرناه في ضمن البحوث السابقة من أن كل نسبةمباينة ذاتاً وحقيقة للنسبة
الاُخرى، من جهة أن المقومات الذاتية لكل منهمامباينة للمقوماتالذاتية للاُخرى،
وهي متمثلة في شخص وجود طرفيها هماالموضوع والمحمول فيالقضية، فلذلك لايعقل أن
تكون القضيةالواحدة موضوعاًومحمولاً مشتملة على نسبتين تامتين، بداهة أنه يلزم
منافتراض وحدتها كذلكتعددها، وما يلزم من افتراض وجوده عدمه، فوجوده مستحيل.
ولكن الأمر في المقام ليس كذلك، لأن قضية »الانسان كاتب« مشتملة علىنسبة واحدة،
وهي النسبة بين الانسان والكاتب، ولا يعقل اشتمالها على نسبة
اُخرى تامة كما عرفت، وأما المحمول في تلك القضية وهو »الكاتب«، فلايكون مشتملاً
على نسبة واقعية تامة، وإلاّ لزم قيام النسبة بطرف واحد، وهومستحيل، نعم إنه بتحليل
من العقل ينحل إلى أجزاء ثلاثة: الذات والمبدأوالنسبة بينهما، إلا أن تلك النسبة
نسبة تحليلية لا واقعية، فإنها ليست في وعاءالذهن أو الخارج، فلهذا لا تستدعي وجود
طرفين فيه، لأن الموجود في الذهنمفهوم واحد، وهو مفهوم الكاتب، ولكن العقل في مقام
التحليل يحلله إلى ثلاثةأجزاء، فتلك الأجزاء تحليلية عقلية لا خارجية ولا ذهنية،
فالمعيار في وحدةالقضية إنما هو بوحدة الموضوع والمحمول في عالم الذهن أو الخارج،
وحيث إنالموضوع والمحمول في قضية »الانسان كاتب« واحد فيه فالقضية واحدة،وانحلال
الكاتب إلى أجزاء ثلاثة لا يؤثر في وحدتها ولا يجعلها متعددة، ومنهنا لا يكون
النسبة التحليلية في عرض النسبة الواقعية، فإن أحد طرفي النسبةالواقعية »الكاتب«،
وهو موجود واحد في أفق الذهن، والمفروض عدم نسبةاُخرى في هذا الاُفق في عرض النسبة
الاُولى، فإذن تكون القضية المذكورةمشتملة على نسبة واحدة في عالم الذهن أو الخارج،
والنسبة التحليلية ليستبنسبة في عالم الواقع، بل هي نسبة في عالم التحليل فحسب،
فيكون المقام نظيرقولنا»زيد انسان« فإنه قضية واحدة مشتملة على نسبة واحدة، وهي
النسبةبين »زيد« و»انسان« في عالم الذهن، ولا يضر بوحدتها اشتمال الانسانبالتحليل
من العقل على نسبة تحليلية، وهي النسبة بين الحيوان والناطق، ومنالواضح أن النسبة
التحليلية لا تشكل قضية واقعية ولا لها دخل في تكوينها،لأن قضية »الانسان كاتب«
قضية واحدة مشتملة على نسبة واحدة، وهي
پاورقي
1) أجود التقريرات 93 91 :1.
2) أجود التقريرات 94 :1.
3) محاضرات في اُصول الفقه 235 :1 و277.
4) فوائد الاُصول 121 :1، أجود التقريرات 115 :1.
5) محاضرات في اُصول الفقه 25 :1.
6) بحوث في علم الاُصول 373 :1.
7) بحوث في علم الاُصول 373 :1.
8) بحوث في علم الاُصول 372 :1.
9) نقله في بحوث في علم الاُصول 374 :1.
10) نقله في بحوث في علم الاُصول 374 :1.
11) سورة المائدة (38 :(5.
12) سورة النور (2 :(24.
13) كفاية الاُصول: 50.
14) كفاية الاُصول: 47.
15) سورة البقرة (124 :(2.
16) سورة آل عمران (97 :(3.
17) سورة البقرة (187 :(2.
18) سورة النور (2 :(24.
19) سورة المائدة (38 :(5.
20) محاضرات في اصول الفقه 24 :1.
21) كفاية الاُصول: 54.
22) أجود التقريرات 98 :1.
23) أجود التقريرات 100 :1.
24) نقله عنه في بحوث في علم الاُصول 322 :1.
25) الفصول، فصل المشتق، التنبيه الثالث. ونقله عنه في كفاية الاُصول: 56.
26) كفاية الاُصول: 54.
27) الفصول، فصل المشتق، التنبيه الأول.
28) نقله في بحوث في علم الاُصول 332 :1.
29) كفاية الاُصول: 52.
...................................................
...المباحث الاُصولية / ج 2
أدلة بساطة مفهوم المشتق ...
النسبة بين الانسان والكاتب، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الكاتب مشتملاًعلى النسبة
التحليلية أو لا، وكذلك قضية »زيد انسان«.
فالنتيجة أن القضية المذكورة مشتملة على نسبة واحدة، سواء أكان الشيءمأخوذاً في
مدلول المشتق أم لا.
وأما التعليق على الأمر الثاني، فلأن قضية »الانسان كاتب« على القولبالتركيب تتضمن
إخبارين: أحدهما الاخبار عن ثبوت المقيد، وهو »إنسان لهالكتابة«، والآخر الاخبار
عن ثوت المطلق في ضمن المقيّد، وهو »انسان« فيالمثال، بملاك أن الاخبار عن ثبوت
المقيد يستلزم الاخبار عن ثبوت المطلق،فالاخبار الأول مدلول مطابقي للقضية وجهته
الامكان، والاخبار الثاني مدلولتضمني لها وجهته الضرورة، وهذا ليس من الانقلاب في
شيء.
وإن شئت قلت: إنه على القول بأخذ مصداق الشيء في مدلول المشتقفالمحمول في مثل
قولك »الانسان كاتب« انحل إلى محمولين: أحدهما المقيد وهو»إنسان له الكتابة« والآخر
المطلق وهو »إنسان«، فثبوت الأول للموضوعبالامكان، والثاني بالضرورة، وحيث إن
القضية المطابقية هي القضية المقيدة،فهي باقية على جهتها وهي الامكان، ولا انقلاب
فيها، وأما القضية الضمنيةوهي القضية المطلقة، فهي وإن كانت ضرورية إلا أنها بملاك
أن جهتها الواقعيةالضرورة لا من جهة الانقلاب، هذا نظير جملة »زيد خطيب بارع«
و»عمروطبيب ماهر« وهكذا، فإنها تنحل إلى إخبارين: أحدهما الاخبار عن
المدلولالمطابقي لها، وهو براعة زيد في فن الخطابة، ومهارة عمرو في فن
الطبابة،والآخرعن المدلول التضمني لها، وهو الاخبار عن خطابة زيد وطبابة عمرو،ولا
مانع من أن تكون جهة القضية بلحاظ مدلولها المطابقي الامكان وبلحاظمدلولها التضمني
الضرورة.
وهذا أمر طبيعي في القضايا المذكورة وأشباهها، وليس من الانقلاب فيشيء، لأن
القضايا التي تكون محمولاتها من القضايا الوصفية تنحل إلى قضيتينطبعاً: الاُولى
قضية مستقلة وهي القضية المقيّدة، والثانية قضية ضمنية وهيالقضية المطلقة، مثلاً
قضية »زيد خطيب بارع« تنحل إلى الاخبار عن براعةزيد في الخطابة والاخبار عن خطابته
ضمناً، والاُولى قضية مستقلة، والثانية:قضية ضمنية وهكذا، باعتبار أن كل قضية يكون
محمولها مقيداً بقيد تتضمنقضية اُخرى في ضمن القضية المستقلة، وكل قضية يكون
محمولها بسيطاً فلاتتضمن قضية اُخرى، وعلى هذا فعلى القول بأخذ مصداق الشيء في
مدلولالمشتق، فالمحمول في مثل قضية »الانسان كاتب« مقيد بالمبدأ في الواقع،
وكذلكإذا كان المأخوذ فيه مفهوم الشيء، وأما على القول ببساطة مفهوم
المشتقفالمحمول فيها بسيط ولا موضوع للانحلال.
والخلاصة أنه إن اُريد بالانحلال أن المحمول على القول بالتركيب بما أنهمشتمل على
نسبة، فيلزم عروض نسبتين على الذات في عرض واحد وهومستحيل، فيرد عليه أن المحال
إنما هو عروض نسبتين واقعيتين على شيء واحد،والمفروض في المقام أن النسبة الواقعية
في وعاء الذهن أو الخارج واحدة، وأماالنسبة بين الذات والمبدأ، فهي نسبة تحليلية في
المرتبة السابقة على الحمل لاواقعية، وإن اُريد به انحلال المحمول إلى إخبارين:
أحدهما الاخبار عن القضيةالمقيدة المستقلة، والآخر الاخبار عن القضية المطلقة
الضمنية، فيرد عليه أن هذاالانحلال أمر طبيعي على القول بالتركيب، وليس هذا من
الانقلاب المستحيل،لأنه متمثل في انقلاب مادة الامكان إلى الضرورة.
الوجه السابع: ما ذكره المحقق الشريف من أن المأخوذ في مدلول المشتق إنكان مصداق
الشيء لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، وإن كانالمأخوذ فيه مفهوم
الشيء لزم دخول العرض العام في الفصل كالناطق مثلاً، وهولا يمكن، لاستحالة أن يكون
العرض جزءاً من الجوهر ومقوماً له، وعلى هذافلوكان العرض داخلاً في الفصل لزم أن
يكون مقوماً للانسان والحيوان ونحوهماوذاتياً لها، وهو كما ترى(1). هذا،
والجواب عن ذلك: أما عن الشق الأول من كلامه، فقد تقدم موسعاً فلاحاجة إلى الاعادة.
وأما عن الشق الثاني منه وهو دخول العرض العام في الفصل، فقد اُجيبعنهبعدة وجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره وجماعة من الفلاسفة المتأخرينمنهم
السبزواري، من أن الناطق فصل مشهوري وليس فصلاً حقيقياً، وقد أفادفي وجه ذلك أن
معرفة حقائق الأشياء وفصولها الحقيقية متعذرة ولا يمكنالوصول إليها إلا للباري عز
وجل، ومن أجل ذلك قد وضعوا مكانها ما هو منلوازمها وخاصّتها التي يشيروا بها
إليها، فالناطق والصاهل والناهق جميعاًليست بفصول حقيقية، فإن الناطق إن اُريد به
النطق الخارجي الذي هو منخاصة الانسان، فهو من مقولة الكيف المسموع، فلا يعقل أن
يكون مقوّماًللجوهر النوعي، وإن اُريد به الادراك الباطني أعني إدراك الكليات، فهو
كيفنفساني وعرض من أعراض الانسان، فيستحيل أن يكون مقوماً له، لأنالعرض إنما يعرض
على الشيء بعد تقومه بذاته وذاتياته وتحصله بفصله، وأماالصاهل والناهق فكلاهما من
الكيف المسموع، فلا يعقل أن يكون مقوماًللجوهر النوعي، ومن هنا قد يجعلون لازمين
وخاصتين مكان فصل واحد،فيقولون »الحيوان حساس متحرك بالارادة« ومن الطبيعي أن
الحساسوالمتحرك بالارادة خاصتان للحيوان وليستا بفصلين له، ضرورة أن الشيءالواحد
لا يعقل أن يتقوم بفصلين، لأن كل فصل مقوم للنوع وذاتي له، فلا يعقلاجتماعهما في
شيء واحد، وعليه فلا يلزم من أخذ الشيء في المشتق دخولالعرض العام في الفصل، بل
يلزم منه دخوله في الخاصة، وهذا أمر طبيعي ولامحذور فيه، فإن العرض العام كالشيء
إذا قيد بقيد خاص أصبح خاصة، فما أفادهالمحقق الشريف من استلزام أخذ مفهوم الشيء
في مفهوم المشتق دخول العرضالعام في الفصل غير تام، ولا يرجع إلى معنى محصل(2).
الوجه الثاني: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن الناطق بمعنى النطق
الظاهريأو إدراك الكليات وإن كان من لوازم الانسان وعوارضه الخاصة ولا يعقل
أنيكون فصلاً مقوماً له، إلا أن الناطق بمعنى صاحب النفس الناطقة فصل حقيقيله،
فيلزم حينئذٍ من أخذ مفهوم الشيء في المفهوم الاشتقاقي دخول العرضالعامفي
الفصل(3). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن صاحب النفس الناطقة هو الانسان،وهو نوع لا
فصل(4)، نعم لو فسر الناطق بالنفس الناطقة لم يرد عليه هذاالاشكال، فإن النفس
الناطقة هي الفصل الحقيقي للانسان، وهي بسيطة،والناطق اسم لها وليس من الأوصاف
الاشتقاقية، فإذن لا موضوع لما ذكرهالمحقق الشريف من أن مفهوم الشيء إن كان
مأخوذاً في مدلول المشتق لزمدخول العرض العام في الفصل، لأن الناطق بمعناه اللغوي
وهو النطق الظاهريأو الادراك الباطني ليس بفصل، فلا يلزم المحذور المذكور، وبمعنى
النفس الناطقةوإن كان فصلاً إلا أنه بهذا المعنى بسيط، فلا يكون مفهوم الشيء
مأخوذاً فيه.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائيني قدس سره أيضاً من أن الشيء ليس منالعرض
العام، بل هو جنس الأجناس وجهة مشتركة بين جميع المقولات منالجواهر والأعراض، وقد
أفاد في وجه ذلك أن ضابط العرض العام هو ما كانخاصة للجنس القريب أو البعيد،
كالماشي والمتحيز، والشيئية تعرض لكلماهية من الماهيات وتنطبق عليها، فهي جهة
مشتركة بين جميعها وليس ورائهاأمر آخر، يكون ذلك الأمر هو الجهة المشتركة وجنس
الأجناس لتكون الشيئيةعارضة عليه وخاصة له، كما هو شأن العرض العام، وعلى هذا
فاللازم من أخذمفهوم الشيء في المشتق دخول الجنس في الفصل لا دخول العرض العام
فيه،ومن الواضح أنه كما يستحيل دخول العرض العام في الفصل كذلك يستحيلدخول الجنس
فيه، لأن لكل واحد من الجنس والفصل ماهية تباين ماهيةالآخر ذاتاً وحقيقة، فلا يكون
أحدهما ذاتياً للآخر، فالحيوان ليس ذاتياًللناطق وبالعكس، بل هو لازم أعم بالاضافة
إليه، وذلك لازم أخص، وعليهفيلزم من دخول الجنس في الفصل انقلاب الفصل إلى النوع،
وهو محال.
والخلاصة أن خروج مفهوم الشيء عن مفهوم المشتق أمر ضروري، سواءفيه القول بأن
الشيء عرض عام أو جنس، وسواء أكان الناطق فصلاً حقيقياًأممشهورياً، فإن دخول
الجنس في اللازم كدخوله في الفصل الحقيقيمحال(5)،هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن هذا غريب منه، فإن الشيء لا يعقل أنيكون
جنساً عالياً للأشياء جميعاً من الواجب والممتنع والممكن بأقسامه منالجواهر
والأعراض والاعتباريات والانتزاعيات، فإنه وإن كان صادقاً علىالجميع حتى على
الممتنعات، فيقال »شريك الباري شيء ممتنع« و»اجتماعالنقيضين شيء مستحيل« وهكذا،
إلا أن صدقه ليس صدقاً ذاتياً ليقال إنهجنس عال له، بداهة استحالة وجود الجامع
الماهوي بين ذاته تعالى وبين غيرهمن المقولات المتأصلة والماهيات الاعتبارية
والانتزاعية والأشياء الممتنعة، بللا يعقل الجامع الذاتي بين المقولات العشر
بأنفسها، لأنها أجناس عالياتومتباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، بل ذكرقدس سره أنه
قد برهن في محله أن الجامع الحقيقيبين المقولات التسع العرضية فضلاً عن الجامع
كذلك بين جميع المقولات غيرمتصور(6). هذا.
وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: أن الشيء لا يعقل أن يكون جنساً عالياً للجميع من الواجبوالممكن
والممتنع.
الثانية: أنه قد برهن في محله أن المقولات العشرة أجناس عاليات ومتبايناتبتمام
ذاتها وذاتياتها، ولا يعقل أن تندرج تحت مقولة واحدة ذاتاً وحقيقية. هذا،
وغير خفي أن النقطة الاُولى واضحة ولا تقبل الشك، بداهة أنه لا يعقل أنيكون الشيء
بعرضه العريض جنساً عالياً للأشياء جميعاً.
وأما النقطة الثانية فقد يناقش فيها بأنه لم يقم برهان في الفلسفة على استحالةوجود
جنس أعلى للمقولات العشرة لا أنه قام برهان على الاستحالة، وقدصرح بذلك صاحب
الأسفار(7).
وفيه أنا وإن سلمنا عدم قيام برهان على استحالة وجود جنس أعلىللمقولات العشر إلا
أن الشيء لا يعقل أن يكون جنساً أعلى لها جامعاً ذاتياًبينجميع الأشياء لأمرين:
الأول: أن الشيء يصدق على الواجب والممتنع والممكن بشتى أنواعهوأشكاله، ومن
الواضح استحالة تصوير جامع حقيقي بينها جميعاً، بداهة أنه لايعقل أن يكون الواجب
تعالى شريكاً مع الممكن والممتنع في الجنس.
الثاني: أن الشيء لو كان جنساً أعلى للمقولات العشر لكان كل مقولة مركبةمنه ومن
فصل يميزه عن المقولات الاُخرى، وحينئذ نقول إن الفصل شيء أو لا؟والثاني لا يمكن،
فعلى الأول فإن كانت الشيئية تمام حقيقته لزم اتحاد الجنسوالفصل، وإن كانت جزئه
لزم تركبه من جزئين، وحينئذ فتنقل الكلام إلى جزئهالثاني فهل هو شيء؟ والجواب:
نعم إنه شيء، وهكذا يذهب إلى مالا نهاية له،فإذن لا يمكن الوصول إلى ما يميز
المقولات بعضها عن بعضها الآخر.
فالصحيح أن الشيء عرض عام للأشياء جميعاً من الواجب والممكنوالممتنع، ويصدق على
الجميع صدقاً عرضياً، فلذلك يكون من العرض العام،لا من العرض المقابل للجوهر، فإنه
لا يصدق على وجود الواجب تعالى ولا علىغيره من الاعتباريات والانتزاعيات ونحوهما،
ومن الواضح أن الشيء بما له منالمفهوم يصدق على الجميع على نسق واحد.
وأما ما أفادهقدس سره - من أن ضابط العرض العام أن يكون خاصة للجنسالقريب أو
البعيد بأن يكون ما وراءه جنساً وهو عارض عليه وخاصة له،وضابط العرض الخاص أن يكون
خاصة للنوع كالضحك مثلاً، وهذا الضابط لاينطبق على الشيء - فلا أصل له، وذلك
لأنهقدس سره إن أراد بذلك أن عروضالعارض على الجنس مقوم لعمومه لا لعرضيته، ففيه
أن كونه مقوماً لعمومه إنماهو بملاك أنه أكثر أفراداً وأوسع دائرة من النوع، فإذن
يكون ملاك اتصافالعرض بالعرض العام كون دائرة معروضة أوسع من دائرة معروض
العرضالخاص، وأما كونه جنساً قريباً كان أم بعيداً أو غيره فغير معتبر، إذ لا
يحتمل أنتكون جنسية معروضة، دخيلة في اتصافه بالعرض العام، وإن أراد به أنه
مقوملعرضيته، ففيه أن عرضية العرض متقومة ذاتاً وحقيقة بعروضه على شيء،سواء أكان
ذلك الشيء جنساً أم لا، ثم إن كون العرض عاماً وخاصاً أمر إضافينسبي، فالماشي عرض
عام باعتبار وإضافة، وخاص باعتبار آخر وإضافةاُخرى، فالنتيجة ما أفادهقدس سره من
الضابط للعرض العام لا يرجع إلى معنى صحيحفالمعيار فيه ما ذكرناه.
الوجه الرابع: أن محل الكلام في بساطة مفهوم المشتق وتركيبه، حيث إنه فيمدلوله
اللغوي، فلا يلزم من أخذ مفهوم الشيء في مدلوله لغة دخول العرضالعام في الفصل
الحقيقي حتى يكون محالاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى فقد اُجيب في شرح المطالع عن شبهة وجهت على تعريفالادراك بترتيب
اُمور معلومة لتحصيل أمر مجهول، وهي أنه لا يشمل التعريفبالحد الناقص، وهو التعريف
بالفصل وحده، فاُجيب عنها بأن الفصلأيضاًمركب من أمور وليس بسيطاً، فالناطق شيء
له النطق، فإذن لا إشكالفيالتعريف(8).
ولكن علق على هذا الجواب المحقق الشريف بأن لازم ذلك دخول العرضالعام في الفصل
الحقيقي(9). ومن الواضح أن الشريف أراد من الناطق الفصلالحقيقي بقرينة أن التعريف
إنما هو به بقطع النظر عن باب الدلالة اللغويةوالعرفية، وعليه فما ذكره المحقق
الخراسانيقدس سره - من أن الناطق فصل مشهوريلا حقيقي، ووضع مكان الفصل الحقيقي
باعتبار أنه لازم له، وحينئذ فلا يلزم منأخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتق دخول
العرض العام في الفصل الحقيقي، وإنمايلزم من ذلك دخول العرض العام في الفصل
المشهوري، وهذا مما لا محذور فيه -ليس جواباً عن تعليق المحقق الشريف، لما عرفت من
أن نظره فيه متّجه إلىالفصل الحقيقي دون المشهوري، فإذن لا صلة لما ذكره المحقق
الخراسانيقدس سره بماعلق عليه الشريف. هذا،
فالصحيح في المقام أن يقال إن هنا مسألتين:
الاُولى: أن مدلول المشتق بسيط أو مركب.
الثانية: أن الناطق هل هو فصل بمعناه اللغوي العرفي أو لا.
أما المسألة الاُولى فهي مسألة لغوية، والمرجع في إثباتها الطرق المقرّرة لدىالعرف
العام، كالتنصيص والتبادر ونحوهما.
وأما المسألة الثانية: فلا شبهة في أن الناطق بما له من المعنى اللغوي لا يصلحأن
يكون فصلاً حقيقياً للانسان، وكذلك الصاهل والناطق ونحوهما، ولا فرقفي ذلك أن يكون
المشتق موضوعاً لمعين بسيط أو مركب، لأن المبدأ في الناطقوهو النطق لا يمكن أن
يكون فصلاً حقيقياً للانسان، باعتبار أنه إن كان بمعنىالنطق الظاهري، فهو من مقولة
الكيف المسموع، وإن كان بمعنى الادراكالباطني، فهو من مقولة الكيف النفساني، وعلى
كلا التقديرين فلا يصلح أنيكون فصلاً حقيقياً، بلا فرق بين أن يكون مفهوم الشيء
مأخوذاً فيه أولاً،وعلى هذا فجعل الناطق في باب الكليات من الذاتي والفصل الحقيقي
للانسانلايمكن بدون تجريده عن معناه اللغوي مادة وهيئة وإرادة معنى آخر
منه،وهوالنفس الناطقة.
وبكلمة، إن الناطق عند العرف واللغة موضوع للشيء المتلبّس بالنطقالظاهري أو
الباطني، وهو بهذا المعنى لا يصلح أن يكون فصلاً حقيقياً للانسانومقوماً له، وعليه
فجعله في المنطق فصلاً حقيقياً لا يمكن أن يكون بمعناهاللغوي، فلا محالة يكون قد
جرد عنه تماماً واستعمل في معنى جامد بسيط، وهوالنفس الناطقة، فإنه بهذا المعنى
يصلح أن يكون فصلاً حقيقياً ومقوماً، علىأساس أن نظر المناطقة إلى حقائق الأشياء
من الجنس والفصل الذاتيين، لا إلىالأوضاع اللغوية والمعاني العرفية، فلذلك جعلوا
الناطق أسماءً للنفس الناطقة،وهو بهذا المعنى فصل حقيقي للانسان.
وعلى هذا فلا يلزم من أخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتق لغة وعرفاً دخولالعرض
العام في الفصل الحقيقي، لما عرفت من أن الناطق أو ما شاكله ليس بمعناهاللغوي
فصلاً، وإنما هو فصل بمعنى آخر، وهو النفس الناطقة التي هي صورةالانسان وحقيقته،
ومن هنا يظهر أن اعتراض المحقق الشريف بأن مفهوم الشيءلو كان مأخوذاً في مدلول
المشتق، لزم دخول العرض العام في الفصل مبني علىالخلط بين المسألتين، لأن مفهوم
الشيء لو كان مأخوذاً فيه، لزم دخول العرضفي معناه اللغوي لا في الفصل الحقيقي
كما تخيّله.
هذا إضافة إلى أن هذا الوجه لو تمّ فإنه يمنع عن دخول مفهوم الشيء فيمدلول
المشتق، ولا يمنع عن دخول النسبة فيه، بأن يكون المشتق موضوعاًللمبدأ ونسبته إلى
الذات، ولا يلزم منه أيّ محذور.
ودعوى أن أخذ النسبة في مدلول المشتق يستلزم أخذ الذات فيه أيضاًلاستحالة تقوم
النسبة بطرف واحد.
مدفوعة، فإن استحالة ذلك إنما هي بلحاظ أنها متقومة ذاتاً وحقيقة بشخصوجود طرفيها
في الذهن أو الخارج، ولكن هذا لا يقتضي استحالة وضع اللفظمع طرف واحد، لأن عملية
الوضع عملية اختيارية للواضع، فإن له أخذ شيءفي المعنى الموضوع له قيداً، وله عدم
أخذه فيه كذلك، فاللفظ على الأول يدلعلى المعنى المقيد به لا أكثر، وعلى الثاني
على المعنى المطلق كذلك، وفي المقام لامانع من وضع المشتق بإزاء المبدأ والنسبة
بدون أخذ الذات فيه، فإنه حينئذ لايدل إلا على المبدأ ونسبته إلى الذات دون نفس
الذات، وهذا ليس معناه قيامالنسبة بطرف واحد، بل دلالة اللفظ عليها مع طرف واحد.
ومن هنا فالحروفموضوعة للنسب والروابط فحسب بدون أخذ أطرافها في معناها الموضوع
له،مع أنها متقومة بها ذاتاً وحقيقة.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن شيئاً من الوجوه التياستدل بها
على بساطة مفهوم المشتق لايتم، فلا يمكن القول حينئذ بالبساطة.
وأما الكلام في المقام الثانية وهي القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذاتوالمبدأ
والنسبة بينهما، فنقول إن المراد من الذات المأخوذة في مفهوم المشتق هوالذات
المبهمة غاية الابهام ومعراة عن كل خصوصية من الخصوصيات العرضيةما عدا قيام المبدأ
بها، وليس المراد منها مصداقها، فلنا دعويان:
الاُولى: أن مصداق الذات والشيء غير مأخوذ في مفهوم المشتق.
الثانية: أن المأخوذ فيه مفهوم الشيء والذات بنحو الابهام.
أما الدعوى الاُولى فهي باطلة جزماً، لأن لازم ذلك أن يكون المشتق منمتكثر المعنى،
بأن يكون الوضع فيه عاماً والموضوع له خاصاً، وهذا خلافالارتكاز العرفي منه فطرة،
لأن المرتكز منه كذلك معنى واحد مبهم غاية الابهام،ولهذا يقبل الحمل على الواجب
تعالى كقولك »اللَّه عالم وقادر وحيّ« وهكذا،وعلى الممكن بشتى أنواعه من الماهيات
المتأصلة كالجواهر والأعراضوالماهيات الاعتبارية والانتزاعية، وعلى الممتنع كقولك
»شريك الباري ممتنع«و»اجتماع النقيضين مستحيل« وهكذا، والجميع على نسق واحد.
وأيضاً لازم ذلك أن يكون استعمال المشتق في الذات المتلبسة بالمبدأ المعراةعن
الخصوصيات العرضية مجازاً، لأنه استعمال في غير معناه الموضوع له، وأنيكون المشتق
مجملاً إذ لم تكن هناك قرينة على تعيين المصداق، باعتبار أن حكمهحينئذ حكم اللفظ
المشترك، فلا يدل على التعيين.
ودعوى أن جعل المصداق موضوعاً في القضية يدل على أنه مأخوذفيمدلول المشتق.
مدفوعة بأن المشتق لا يكون محمولاً دائماً، بل قد يكون محمولاً وقد لايكون، كما في
مثل قولنا »أكرم العالم« و»لا تصلّ خلف الفاسق« وهكذا، فإنهلا يكون محمولاً في مثل
هذه الموارد مع أن استعماله فيها كاستعماله فيما إذا كانمحمولاً بلا فرق بينهما
أصلاً.
والخلاصة أن القول بأن المأخوذ في مفهوم المشتق الشيء لا يرجع إلىمعنىمحصل.
وأما الدعوى الثانية وهي أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشيء المبهممن جميع
الجهات والخصوصيات حتى من جهة خصوصية أنه عين المبدأ خارجاًكما في صفات الباري عز
وجل الذاتية، فيدل عليها أمران:
الأول: أن المتبادر من المشتق عند إطلاقه ارتكازاً وفطرة هو تلبس الذاتالمبهمة
بالمبدأ، فإذا قيل »زيد عالم« تمثل في النفس ذات مبهمة متلبسة بالعلم،وتنطبق في
المثال على زيد، ومن الواضح أن هذا التبادر الارتكازي الموافقللفطرة في أعماق
النفس دليل قطعي على أن مفهوم الشيء والذات المبهمة مأخوذفي مدلول المشتق وضعاً،
وحيث إنه مبهم من جميع الجهات حتى من جهة اتحادهمع المبدأ، فلهذا يصدق على الجميع
من الجوهر والعرض والأمر الاعتباريوالانتزاعي والزمان وما فوقه من الواجب تعالى
وغيره على نسق واحد بدونلحاظ أية عناية في شيء منها.
الثاني: أنه لا شبهة في صحة حمل المشتق بما له من المعنى المرتكز في الذهنعلى
الذات في الخارج، كقولنا »زيد عالم« و»الانسان ضاحك« وهكذا، ومنالواضح أنه لا يمكن
تصحيح هذا الحمل بدون أخذ مفهوم الذات في مدلولالمشتق، لأن المبدأ مغاير للذات
مفهوماً وعيناً، وقد مرّ أن صحة الحمل ترتكزعلى ركيزتين: الاُولى: اتحاد المحمول مع
الموضوع في عالم الوجود، والثانية:مغايرتهما في عالم المفهوم، وبانتفاء أية من
الركيزتين فلا موضوع للحمل، وفيالمقام حيث إن المبدأ مغاير للذات في الوجود
الخارجي والمفهوم الذهني معاً فلايمكن حمله عليها، ومجرد اعتباره لا بشرط ومتحداً
مع الذات لا يوجب اتحادهمعها خارجاً وقلبه عما كان عليه في الواقع من المغايرة
والمباينة، بداهة أن المغايرةبينهما واقعية لا اعتبارية لكي تنتفي باعتبار آخر،
فإذن لا قيمة لاعتبار المبدأ لابشرط، ولا يوجب صحة حمله على الذات التي هي منوطة
بأن يكون متحداًمعها في الخارج حقيقة. هذا،
ولكن المحقق النائينيقدس سره قد أصر في المقام على أن اعتبار المبدأ لا بشرطولحاظه
متحداً مع الذات يكفي في صحة حمله عليها، ولذلك بنى على أن الذاتغير مأخوذة في
مفهوم المشتق، وقد أفاد في وجه ذلك أن وجود العرض في نفسهعين وجوده لموضوعه، وهذا
لا بمعنى أن له وجودين: أحدهما لنفسه والآخرلموضوعه، لاستحالة أن يكون لماهية واحدة
وجودان، بل بمعنى أن وجودهالنفسي عين وجوده الرابطي لموضوعاته.
وإن شئت قلت: إن للعرض وجوداً واحداً في الخارج، ولكن له حيثيتان:الاُولى حيثية أنه
لنفسه، والثانية حيثية أنه لموضوعه، وعلى هذا فإن لوحظالعرض من الحيثية الاُولى أي
بما أنه شيء من الأشياء وموجود من الموجوداتفي الخارج بحياله واستقلاله في مقابل
وجود الجوهر كذلك، فهو بهذا الاعتبارواللحاظ عرض مباين لموضوعه وجوداً وغير محمول
عليه، وإن لوحظ منالحيثية الثانية أي بما هو واقعه في الخارج بلا أي مؤنه اُخرى
وأن وجوده فينفسه عين وجوده لموضوعه فيه، فهو بهذا اللحاظ والاعتبار عرضي
ومشتقوقابل للحمل على موضوعه ومتحد معه، حيث إنه من شؤونه وأطواره،فإنشأن الشيء
لا يباينه.
والخلاصة أن للمبدأ لحاظين: أحدهما لحاظه موجوداً في الخارج بحيالهواستقلاله في
مقابل الذات، والآخر لحاظه لا بشرط أي بما هو واقعةالموضوعي، وهو أن وجوده في نفسه
عين وجوده لموضوعه، ولا يمكن حملهعليها باللحاظ الأول، وأما باللحاظ الثاني فلا
مانع منه، لأنه بهذا اللحاظ متحدمعها بنحو من أنحاء الاتحاد في الخارج(10). هذا،
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره بعدة وجوه:
الوجه الأول: أن ما ذكرهقدس سره من الفرق ليس فارقاً بين المشتق ومبدئه، بلهو
فارق بين المصدر واسم المصدر، فإن العرض كالعلم مثلاً متحيّث بحيثيتينواقعيتين:
الاُولى حيثية وجوده في نفسه، والثانية حيثية وجوده لموضوعه،فيمكن أن يلحظ مرة
بالحيثية الاُولى، وهي أنه شيء من الأشياء وموجود منالموجودات بحياله، واستقلاله
في مقابل وجود الجوهر، وبهذا الاعتبار يعبر عنهباسم المصدر، ومرة اُخرى بالحيثية
الثانية، وهي أن وجوده في نفسه عينوجوده لموضوعه، وأنه طور من أطواره، وبهذا
الاعتبار يعبّر عنه بالمصدر،حيث قد اعتبر فيه الاسناد إلى فاعل ما دون اسم المصدر.
وبكلمة، إن اسم المصدر وضع للدلالة على الوجود المحمولي في قبال العدمالمحمولي،
والمصدر وضع للدلالة على الوجود النعتي في مقابل العدم النعتي،فماذكرهقدس سره ليس
فارقاً بين المشتق ومبدئه، وإنما هو فارق بين المصدرواسمالمصدر(11).
ويمكن نقد هذا الوجه من عدة جهات:
الاُولى: ما تقدم موسعاً في باب الوضع من أن الألفاظ لم توضع بإزاءالموجودات
الخارجية ولا الموجودات الذهنية، وإنما هي موضوعة بإزاء طبيعيالمعنى الذي قد يوجد
في الذهن وقد يوجد في الخارج، بدون أن يكون الوجودالذهني أو الخارجي قيداً له.
هذا إضافة إلى أن لازم الوضع بإزاء الموجود الخارجي كون المدلول الوضعيمدلولاً
تصديقياً، وهو لا يمكن إلا على القول بالتعهد.
وعلى هذا فالمصدر لم يوضع للوجود النعتي واسم المصدر للوجود المحمولي،إلا أن يكون
مرادهقدس سره من ذلك وضع المصدر بإزاء معنى فان في الوجود النعتي فيالخارج، واسم
المصدر بإزاء معنى فان في الوجود المحمولي فيه، ولكن إرادة ذلكمن كلامهقدس سره
بحاجة إلى قرينة.
الثانية: ما تقدم آنفاً من أن المصدر لم يوضع لنسبة المادة إلى الذات، وإنماوضع
بإزاء خصوصية قائمة بالمادة كالصدورية أو الحلولية ونحوهما، وتلكالخصوصية غير
النسبة، لأنها متقومة بالطرفين، فلا يمكن قيامها بطرف واحد،بينما هي قائمة بطرف
واحد، واسم المصدر وضع بإزاء الحدث بما هو بدون لحاظأي خصوصية معه، وهذا الفرق
بينهما إنما هو بحسب المفهوم، وذلك لا يمنع عنوحدتهما في الوجود الخارجي.
الثالثة: الظاهر أن المحقق النائينيقدس سره أراد بذلك الفرق بين المشتق والمصدر،
لابينه وبين مبدئه، ولا بين المصدر واسم المصدر، بقرينة أنهقدس سره ذكر أن للعرض
فيمقابل الجوهر حيثيتين واقعيتين، وهما حيثية وجوده في نفسه، وحيثية
وجودهلموضوعه، فإن لوحظ من الحيثية الاُولى فهو عرض ومصدر ومباين للذاتوجوداً ولا
يقبل الحمل عليها، وإن لوحظ من الحيثية الثانية فهو عرضيومشتق يقبل الحمل، باعتبار
أنه من شؤونه وأطواره ومن مراتب وجوده،وشؤون الشيء لا تكون أجنبية عنه.
الوجه الثاني: لا ريب في أن وجود العرض في الخارج في مقابل وجودالجوهر فيه، وأنه
مباين له وإن كان يختلف عنه سنخاً، لأن وجود الجوهر فينفسه لنفسه، ووجود العرض في
نفسه لغيره، وهذا ليس بمعنى أن وجوده منحدود وجوده وأنه ليس هناك إلا وجود واحد
وهو وجود الجوهر، بل بمعنى أنوجوده في نفسه عين وجوده لموضوعه، لا أنه عين وجود
موضوعه.
وبكلمة، إنه لولم يكن في الخارج إلا وجود واحد وهو وجود الجوهر،والعرض من حدود
وجوده ومرتبة من مراتبه وليس موجوداً مستقلاً في مقابلهفلا شبهة في صحة حمله عليه،
لمكان الاتحاد بينهما، ولكن هذا مجرد افتراض لاواقع موضوعي له، بداهة أن العرض ليس
من حدود وجود الجوهر، بل هومباين له وجوداً، وعليه فمجرد اعتباره لا بشرط بالنسبة
إلى موضوعه لا يؤثرفي الواقع ولا يوجب انقلابه عما كان عليه من المغايرة، ضرورة
أنها ليستبالاعتبار، فإذن لا يمكن القول بأن العرض إن لوحظ لا بشرط وعلى ما هو
عليهفي الواقع، فهو من شؤون موضوعه وطور من أطواره، وشؤون الشيء لاتباينه، وإن
لوحظ بشرط لا وعلى حياله واستقلاله وأنه شيء من الأشياء فيالخارج في مقابل موضوعه
فيه، فهو مغاير له ولا يمكن حمله عليه، وذلك لأنالعرض لو كان متحداً مع الجوهر
وجوداً في الخارج بأن يكونا موجودينبوجود واحد فيه، صح حمله عليه سواء أكان
ملحوظاً لا بشرط أم لا، وإن كانمغايراً معه وجوداً في الخارج، بأن يكون هناك
وجودان: أحدهما وجودالعرض، والآخر وجود الجوهر، لم يصح حمله عليه وإن اعتبره لا
بشرط(12).
وغير خفي أن ما أفاده السيدقدس سره من أنه لا أثر لاعتبار المبدأ لا بشرط، فإنهلا
يصحح حمله على الذات بعد ما كان مغايراً لها وجوداً، صحيح وغير قابلللمناقشة لا
نظرياً ولا تطبيقياً، ولكن يمكن أن يقال إن نظر المحقق النائينيقدس سرهليس إلى
ذلك، بل إلى واقع لا بشرط، بمعنى أن لحاظ المعنى لا بشرط تارة يكونبنحو الموضوعية
واُخرى بنحو الطريقية، ولا يبعد أن يكون نظرهقدس سره في المقام إلىالثاني، بقرينة
أنهقدس سره قال في مقام الفرق بين العرض والعرضي )المبدأ والمشتق(أن ماهيتهما
واحدة بالذات والحقيقة، والفرق بينهما إنما هو بالاعتبار واللحاظ،ببيان أن لماهية
العرض حيثيتين واقعيتين: إحداهما حيثية وجودة في نفسه،والاُخرى حيثية وجوده
لموضوعه، فهي تارة تلحظ من الحيثية الاُولى وبما هيموجودة في حيالها واستقلالها
وأنها شيء من الأشياء في قبال وجوداتموضوعاتها، فهي بهذا اللحاظ والاعتبار عرض
معنون بعنوان البشرط لائيةوغير محمول على موضوعه لمكان المباينة بينهما، واُخرى
تلحظ بما هي موجودةفي الواقع ونفس الأمر وأن وجودها في نفسها عين وجودها لموضوعها
ومنمراتب وجوده، فهي بهذا الاعتبار عرضي ومشتق معنون بعنوان اللا بشرطيةومحمول على
الذات، وهذا الكلام منهقدس سره يدل على أن نظره إلى اللا بشرطيةوالشرط لائية ليس
بنحو الموضوعية، بل بنحو الطريقية والمعرفية الصرفة.
ولكن هذا أيضاً غير تام، وذلك لأن صحة حمل العرض على موضوعه مبنيةعلى فرضية، وعدم
صحة حمله عليه مبني على فرضيه اُخرى.
أما الفرضية الاُولى فهي ترتكز على ركيزة واحدة، وهي أن الموجود فيالخارج واحد وهو
وجود الجوهر، وأما العرض فلا وجود له في قبال وجوده،وإنما هو شأن من شؤون وجوده
وحدوده، وحدّ الشيء نفس الشيء ولا يغايره،وعليه فيصح الحمل لمكان الاتحاد.
وهذه الفرضية وإن كانت لا واقع موضوعي لها ومخالفة للوجدان الموافقللفطرة، إلا أنه
مع ذلك قيل إنه لم يقم برهان في الفلسفة على أن للعرض وجوداًفي الخارج في قبال وجود
الجوهر، ولهذا نسب إلى بعض الفلاسفة أن الصورالعلمية العارضة على النفس من مراتب
وجودها وحدوده، وليس لها وجود فيقبال وجودها، حيث إن هناك وجوداً واحداً وهو وجود
النفس، وتلك الصورالعارضة عليها من مراتب ذلك الوجود وحدوده، فإذا كانت الصور
المذكورةالتي هي من مقولة الكيف النفساني متحدة مع النفس، كان الأمر كذلك في
سائرالمقولات العرضية أيضاً، إذ الفرق غير محتمل(13)، وعلى هذا فلو أرادقدس سره
منذلك أن العرض شأن من شؤون موضوعه وطور من أطواره وأنه لا وجود له فيالخارج إلا
وجود موضوعه، ففيه أن حمله على الذات حينئذ وإن كان صحيحاًلمكان الاتحاد بينهما
وجوداً، إلا أن ذلك مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، إذلا شبهة في أن وجود العرض غير
وجود الجوهر في الخارج، وهما نحوانوسنخان من الوجود فيه، وهذا أمر لا يقبل الشك
كما تقدم.
وأما الفرضية الثانية فهي تبتني على أن وجود العرض مباين لوجود الجوهرفي الخارج،
وهما سنخان متباينان من الوجود، فإن وجود العرض وجوديتوقف على موضوع محقق فيه ولا
يمكن وجوده بدونه، بينما وجود الجوهروجود مستقل فلا يتوقف على ذلك، فإذن كيف يعقل
أن يكون وجود العرضعين وجود الجوهر في الخارج ومن حدود وجوده، وعلى ضوء ذلك فلا
يمكنالحمل لمكان المغايرة، وملاك صحة الحمل الاتحاد.
وعليه فما ذكره المحقق النائينيقدس سره - من أن العرض إن كان ملحوظاً من حيثوجوده
في نفسه وأنه شيء من الأشياء في الخارج في مقابل الجوهر، فهو مباينله وغير قابل
للحمل عليه، وإن كان ملحوظاً من حيث أن وجوده في نفسه عينوجوده لموضوعه وأنه من
شؤونه، فهو قابل للحمل عليه - لا يرجع إلى معنىصحيح، فإنه إن اُريد بالشؤون أنه من
حدود وجود موضوعه في الخارج ولاوجود له فيه إلا وجود موضوعه فيه، فيرده أنه خلاف
مفروض كلامه، لأنمفروض كلامه أن للعرض وجوداً في الخارج في مقابل وجود الجوهر،
وأنهناك سنخين من الوجود: وجوداً في نفسه لنفسه، ووجوداً في نفسه لغيره،والأول
وجود الجوهر والثاني وجود العرض، وإن اُريد بها أنه من عوارضه فيالخارج ولا يوجد
بدون وجوده فيه، ففيه أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن معنىهذا أن له وجوداً فيه في
قبال وجود موضوعه، غاية الأمر أن سنخ وجودهيختلف عن سنخ وجود موضوعه، ونتيجة ذلك
عدم صحة حمله عليه.
الثالث: أن ما أفاده المحقق النائينيقدس سره من أن العرض قد يلحظ بنفسه بمفادكان
التامة، وقد يلحظ بما هو قائم بموضوعه في الخارج بمفاد كان الناقصة لو تمفإنما يتم
في المشتقات التي تكون مبادئها من المقولات الحقيقية التي لها وجود فيالخارج، ولا
يتم في المشتقات التي تكون مبادئها من الاُمور الاعتبارية أوالانتزاعية التي لا
وجود لها في الخارج لكي يلحظ تارة بنفسه وبمفاد كان التامة،واُخرى بما هو قائم
بموضوعه وبمفاد كان الناقصة(14).
وغير خفي أن هذا التعليق بدل ما يبرهن عدم صحة حمل المشتقات التيتكون مبادئها من
الاُمور الاعتبارية أو الانتزاعية يبرهن الفرق بينها وبينالمشتقات التي تكون
مبادئها من الأعراض، وحينئذٍ فبإمكان المحقق النائينيقدس سرهأن يدعي أن صحة حمل
تلك المشتقات على الذوات لا تتوقف على لحاظ مبادئهالا بشرط لكي يقال إنها لا توجد
في الخارج حتى تلحظ كذلك، بينما صحة حملهذه المشتقات تتوقف على ذلك، فإذن لا مجال
لهذا التعليق. هذا،
ولكن الصحيح في الجواب أن يقال: إن المبدأ إذا كان من المقولات فقد تقدمأن وجوده
في الخارج مباين لوجود موضوعه واقعاً وحقيقة، ولا يجدي لحاظهلا بشرط، لا بنحو
الموضوعية ولا بنحو الطريقية، وأما إذا كان المبدأ أمراًاعتبارياً أو انتزاعياً
كالملكية أو الزوجية أو نحوها، فلا يكون عنواناً لمصداقالموضوع في الخارج لكي
ينطبق عليه انطباق العنوان على المعنون، فإذن لا يتوفرفيه ملاك صحة الحمل، وقد مرّ
أن ملاك صحته إما اتحاد المحمول مع الموضوع فيالوجود الخارجي بأن يكونا موجودين
بوجود واحد فيه أو انطباق المحمول معالموضوع على موجود واحد، وكلا الملاكين غير
متوفر في المقام، أما الأول فهوواضح، وأما الثاني فلأن المبدأ ليس عنواناً لمصداق
الموضوع في الخارج لكيينطبق عليه انطباق العنوان على المعنون، مثلاً قولنا »زيد
مالك« لا يمكن أنيكون المالك بلحاظ مدلوله الوضعي البسيط وهو الملكية عنواناً لزيد
فيالخارج، لأن كونه عنواناً له لا يمكن إلا بلحاظ اشتماله على الذات، بأن
يكونمفهومه مركباً منها ومن المبدأ، وأما المبدأ فهو بنفسه لايصلح أن يكون
عنواناًللوضوع في الخارج، لا بلحاظ نفسه ولا بلحاظ منشأ انتزاعه، وهذا بخلافمفهوم
الشيء والذات، فإنه وإن كان من المفاهيم الانتزاعية التي لا وجود لها فيالخارج،
إلا أنه لما كان بنفسه عنواناً للموضوع في الخارج صحّ حمله عليه كقولك»زيد شيء له
الكتابة..« مثلاً.
الرابع: أن ما أفادهقدس سره لو تم في المشتقات التي تكون مبادئها وضعاً للذاتسواء
أكان من المقولات أم من الاعتبارات أو الانتزاعات، ولا يتم في المشتقاتالتي لا
يكون المبدأ فيها صفة للذات، كما في أسماء الأزمنة والأمكنة وأسماء الآلة،لأن اتحاد
المبدأ فيها مع الذات غير معقول، لأن المبدأ في اسم الزمان كالمقتل هوالقتل، والذات
فيه الزمان، وفي اسم المكان المكانُ، ولا يعقل اتحاده لا مع الزمانولا مع المكان
وكذلك الحال في اسم الآلة كالمفتاح، فإن المبدأ فيه وهو الفتح لايعقل أن يكون
متحداً مع الذات فيه وهو الحديد مثلاً، وأوضح من ذلك كلهالمشتقات التي تكون
مبادئها من الأعيان الخارجية كالبقال والتامر واللابن وماشاكل ذلك، فإن المبدأ في
الأول البقل، وفي الثاني التمر، وفي الثالث اللبن، ومنالواضح أن شيئاً من هذه
المبادىء لا يعقل أن يتحد مع الذات.
والخلاصة: أنا لو سلمنا الوصف متحد مع موضوعه في الوعاء المناسب له منالذهن أو
الخارج بلحاظ أن الوصف شأن من شؤون الموصوف ومن حدودوجوده، فلا نسلم اتحاده مع
زمانه أو مكانه أو آلته وغير ذلك من ملابساته(15).
ويمكن نقده أيضاً، فإن لحاظ المبدأ قائماً بموضوعه قيام صدور أو حلول إنماهو
باعتبار أنه متلبس به بنحو من أنحاء التلبس من الصدوري أو الحلولي، ولايمكن تحققه
بدون ذلك، وهذا الملاك موجود بالنسبة إلى زمانه ومكانه وآلته،بداهة أن المبدأ كما
هو بحاجة إلى فاعل ما كذلك بحاجة إلى زمان ومكان وآله،لأن كل فعل زماني لا يعقل أن
يوجد بدون شيء من ذلك، وعلى هذا فالمبدأ كماأنه قائم بالفاعل قيام صدور أو حلول،
كذلك إنه قائم بظرف الزمان أو المكانقيام المظروف بالظرف أو بالآلة قيام ذيها بها،
غاية الأمر أن قيامه بالفاعليكون على أحد النحوين المذكورين، وقيامه بالزمان
والمكان والآلة على نحوواحد، وهو قيام المظروف بالظرف وقيام ذي الآلة بها، مثلاً
القتل مبدأ للقتل،فإنه كما يكون وصفاً لموضوعه وهو القائل، يكون وصفاً لزمانه
ومكانه أيضاً،والفتح في المفتاح فإنه كما يكون وصفاً لموضوعه وهو الفاتح، يكون
وصفاً لآلتهأيضاً وهي الحديد وهكذا، وأما المبدأ في مثل اللابن والتامر والبقال
ونحو ذلك،فهو ليس من الأعيان الخارجية، بل هو منالحرف، ومن هنا يصدق التامرواللابن
والبقال على الشخص حقيقة وإن لم يكن مشغولاً به فعلاً، بل كانمسافراً أو نائماً أو
غير ذلك، كأصحاب الملكات من المجتهد والمهندس والطبيبوالبناء والنجار والخياط وما
شاكل ذلك، ومن الواضح أن المهن والحرفأوصاف لاربابها كالأعراض التي هي أوصاف
لمعروضاتها.
فالنتيجة أنه لا فرق بين أسماء الأزمنة والأمكنة والآلة وبين سائر المشتقات،فكما أن
المبدأ في تلك المشتقات وصف من أوصاف الذات وقائم بها فكذلك فيهذه الأسماء، غاية
الأمر أن قيامه بها هناك قيام صدور أو حلول، وأما قيامه بهاهنا قيام المظروف بالظرف
وقيام ذي الآلة بها. هذا،
وقد اُجيب عن ذلك بأنه يمكن التخلص عن هذا الاعتراض بافتراض أنالمبدأ في أسماء
الأزمنة والأمكنة ليس هو الحدث، بل المحلية والمعرضية للحدثالتي تكون نسبتها إلى
الزمان والمكان نسبة العرض إلى موضوعه(16).
وفيه: أنه لا يمكن الالتزام به، لوضوح أن المبدأ في مثل المقتل القتللاالمعرضية
والمحلية، نعم المعرضية صفة للذات المنتزعة من وقوع المبدأ فيهالاأنها مبدأ.
إلى هنا قد تبين أن تعليقات السيد الاُستاذقدس سره على ما ذكره المحقق النائيني
منأن صحة حمل المشتق على الذات لا تتوقف على أخذ مفهومها فيه وإن كانتقابلة
للمناقشة في صيغها الخاصة، إلا أن المجموع من حيث المجموع يدل علىأنما أفادهقدس
سره غير صحيح، لأن وجود العرض إذا كان مبايناً لوجود الجوهرفيالخارج، فلا يكفي
مجرد قيامه به خارجاً وعروضه عليه في صحة الحملبعدتغايرهما وجوداً.
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا يمكن حمل المشتقعلى الذات
على القول ببساطة مفهومه، فلذلك لا مناص من الالتزام بالقول بأنمفهومه مركب من
الذات المبهمة المعراة عن جميع الخصوصيات العرضية والمبدأ،فيصح حينئذ حمله عليها،
ويكون من حمل الطبيعي على فرده في الخارج على ماتقدم تفصيله في ضمن البحوث السالفة.
ثم إن هنا قولاً ثالثاً في مقابل القول بالبساطة والتركيب، وهو أن مادةالمشتق
موضوعة لطبيعي الحدث، وهيئته موضوعة للنسبة بينه وبين الذات،وأما الذات فهي غير
مأخوذة في مدلوله، وقد اختار هذا القول المحقق العراقيقدس سرهوأفاد في وجه ذلك أن
الاستقراء في وضع الهيئات بشتى أنواعها وأشكالها منالهيئات الافرادية والهيئات
التركيبية في اللغات، يشهد بأن كل هيئة موضوعةبإزاء النسبة، ومن الواضح أن هيئة
المشتق لا تكون خارجة عنها، ونتيجة ذلكأن مادة المشتق موضوعة بإزاء الحدث، وهيئته
موضوعة بإزاء النسبة أي نسبةالحدث إلى الذات، فالذات خارجة عن مدلولها، وحيث إنه
ملتفت إلى أن هناكإشكالاً متجه عليه على أساس هذا القول وهو أن معنى المشتق على
هذا معنىحرفي فلا يصح حمله على الذات، مع أن صحة حمله عليها من الواضحاتالأولية،
فلهذا حاول دفع هذا الاشكال عنه وعلاج هذه النقطة بمحاولتين:
المحاولة الأولى: أن هيئة المشتق وإن كانت موضوعة بإزاء نسبة المادة إلىالذاات،
إلا أن النسبة بما أنها متقومة ذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها فيالذهن أو الخارج
واستحالة قيامها بطرف واحد، فهي تدل على الذات بالدلالةالالتزامية، بملاك أنها أحد
طرفي مدلولها الوضعي، وعليه فصحة حمله علىالذات إما هي بلحاظ مدلوله الالتزامي دون
المطابقي.
المحاولة الثانية: أن مدلول هيئة المشتق بما أنه النسبة الاتحادية بين
الذاتوالمبدأ، فلا مغايرة بينها وبين الذات في الخارج، والتغاير بينهما إنما هو في
الذهن،وعلى هذا فالنسبة متحدة مع الذات في الخارج ومتغايرة معها في الذهن، وهذاهو
ملاك صحة حمل المشتق على الذات(17).
ولنأخذ بالنقد على كلتا المحاولتين:
أما المحاولة الاُولى فيرد عليها أنه لا شبهة في أن المشتق في مثل قولنا »زيدعالم«
محمول على »زيد« بماله من المعنى الموضوع له، لا أنه مستعمل في مدلولهالالتزامي
مجازاً وهو محمول عليه، لوضوح أنه لا فرق بين أن يكون المشتقمحمولاً في قولنا »زيد
عالم« وبين أن لا يكون محمولاً كما في قولنا »جاء عالم«فان »العالم« في كلام
المثالين مستعمل في معنى واحد، لا أنه في المثال الأولمستعمل في مدلوله الالتزامي
مجازاً دون الثاني.
فالنتيجة أن المشتق سواء أكان محمولاً في القضية أم لا، فهو مستعمل في
معناهالموضوع له، لا أنه إذا كان محمولاً في القضية، فمستعمل في مدلوله
الالتزاميمجازاً، وإذا لم يكن محمولاً فيها، فمستعمل في مدلوله المطابقي، فإنه
خلافالضرورة عرفاً.
هذا إضافة إلى أن لازم ذلك صحة حمل المصدر على الذات، بناء على المشهورمن أن هيئة
المصدر موضوعة للنسبة بين الذات والحدث، وحينئذ فتكونالذات مدلولاً التزامياً
للمصدر، فيصح عندئذ حمله على الذات بلحاظ مدلولهالالتزامي، مع أن حمله على الذات
غير صحيح حتى على المشهور، بل هوقدس سرهأيضاً لا يرى صحة حمله على الذات.
وقد أجاب عن ذلك بعض المحققينقدس سره بأن المشتق الذي يدل بالدلالةالالتزامية على
أخذ الذات طرفاً للنسبة لا يدل على أنها طرف لها بنحو المقيد،يعني ذات متلبسة
بالمبدأ، أو بنحو القيد يعني مبدأ لذات، والذي يجدي في صحةالحمل هو الأول دون
الثاني(18).
ويمكن المناقشة فيه بتقريب أن أخذ الذات طرفاً للنسبة بنحو المقيد لايحتاج إلى
عناية زائدة، بل هو على القاعدة، باعتبار أن المبدأ وصف من أوصافالذات وعرض من
أعراضها في المرتبة السابقة عليه، وما يعرض عليها فبطبيعةالحال يكون من حالاتها
وقيودها منها المبدأ، وأما العكس وهو أن يكون المبدأمقيداً والذات قيداً له، فهو
بحاجة إلى عناية زائدة، وعلى هذا فبطبيعة الحال يدلالمشتق بالدلالة الالتزامية على
أن الذات المأخوذة طرفاً للنسبة مأخوذة بنحوالمقيد دون القيد، ولا فرق بين أن تكون
مأخوذة في مدلوله المطابقي أوالالتزامي، فإنه على كلا التقديرين يكون أخذها بنحو
المقيد يعني ذات متلبسةبالمبدأ لا بنحو القيد يعني مبدأ لذات، فإنه يشبه الأكل من
القفاء، فإذنيكونالمنساق والمتبادر من كون الذات طرفاً للنسبة، كونها طرفاً لها
بنحو المقيدكما هومقتضى طبع القضية.
وأما المحاولة الثانية فهي لا ترجع إلى معنى محصل.
أما أولاً فلأن الكلام في المقام في صحة حمل المشتق على الموضوع في القضيةوعدم صحته
إذا لم تؤخذ الذات في مدلوله، وأما وضع المشتق بإزاء النسبة بينالذات والمبدأ، فهو
لا يرتبط بذلك ولا يعالج المشكلة، لأن المبدأ إن كان متحداًمع الذات في الخارج صح
حمله عليها لمكان الاتحاد، لا من جهة أن المشتقموضوع للنسبة الاتحادية، وإن كان
مغايراً معها فيه لم يصح حمله عليها، لمكانالمغايرة وإن كان المشتق موضوعاً بإزاء
النسبة المذكورة.
وثانياً إنهقدس سره إن أراد بالنسبة الاتحادية النسبة بين الذات والمبدأ إذا
كانتامتحدتين في الخارج، فيرد عليه أن النسبة حينئذ لا تتصور بينهما، لأنها
متقومةذاتاً وحقيقة بشخص وجود طرفيها المتغايرين في الذهن أو الخارج، وإن أرادبها
النسبة بينهما في الذهن وأنها متحدة مع طرفيها في الخارج إذا كانا متحدينفيه، فيرد
عليه أنها لا تعقل أن تتحد مع طرفيها فيه، لأنها إذا كانت متقومة ذاتاًبشخص وجود
طرفيها في الذهن يستحيل أن تتحد معهما وجوداً في الخارج،وإن أراد بها أن النسبة بما
أنها متقومة بالذات والحقيقة بشخص وجود طرفيها،على أساس أنهما من المقومات الذاتية
لها وبمثابة الجنس والفصل للنوع، فلامحالة تكون متحدة معهما، فيرد عليه أن تقومها
بهما غير تقوم النوع بالجنسوالفصل، لأن معنى تقوم النوع لهما أنهما تمام الذات له،
ومعنى تقوم النسبةبطرفيها أنها بذاتها وحقيقتها بما أنها تعلقية يستحيل تحققها بدون
طرفيها، لا أنطرفيها تمام الذات لها.
فالنتيجة أن ما ذكرهقدس سره من أن هيئة المشتق موضوعة للنسبة الاتحادية بينالذات
والمبدأ لا يرجع إلى معنى معقول.
هذا كله مضافاً إلى أن المنساق والمتبادر من المشتق عرفاً عند الاطلاق هوالذات
المتلبسة بالمبدأ لا غير.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الصحيح من الأقوال فيالمسألة، هو
القول بأن مدلول المشتق مركب من الذات والمبدأ والنسبة، هذا منناحية، ومن ناحية
اُخرى إن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الذات والشيءبنحو الابهام بالنسبة إلى كل
خصوصية من الخصوصيات العرضية، بحيث لمتلحظ فيه أيّ خصوصية من تلك الخصوصيات ما عدا
قيام المبدأ بها إجمالاً وإنكان قيامه بها بنحو العينية، ومن هنا يصدق على الواجب
والممتنع والممكنبجميع أقسامه من جواهره واعراضه وانتزاعياته واعتبارياته، ولا فرق
في ذلكبين أن يكون وضع المشتق نوعياً كما هو الظاهر أو شخصياً بنحو الوضع
العاموالموضوع له العام.
نتيجة البحث اُمور:
الأول: أن المراد من الحال المأخوذ في عنوان النزاع في المسألة ليس زمانالحال
والنطق في مقابل زمان الماضي والمضارع، فإن الزمان غير مأخوذ فيمدلول المشتق، وما
قيل من أن المتبادر من مثل قولنا »زيد عالم«، »بكر عادل«ونحوهما هو تلبس الذات
بالمبدأ في زمان النطق، وهذا التبادر دليل على أنهمأخوذ في مدلول المشتق، مدفوع
بأنه - مضافاً إلى أن هذا التبادر مستند إلىوقوع المشتق في ضمن الجملة، لا إلى
ظهوره في نفسه - لا يمكن أن يكون زمانالنطق مأخوذاً في مدلوله، لا مفهومه بالحمل
الأولي لأنه ليس بزمان، ولا واقعهبالحمل الشائع لأنه أمر تصديقي، ولا يعقل تقييد
المدلول التصوري بقيدتصديقي، لاستحالة الانتقال إليه بانتقال تصوري، ومن هنا يظهر
أنه لا يمكن أنيكون المأخوذ في مدلول المشتق زمان الجري والاسناد أيضاً بنفس
الملاك.
الثاني: أن المراد بالحال هو فعلية تلبس الذات بالمبدأ وواجديتها له، وحيثإن فعلية
التلبس أمر زماني، فلابد أن يقع في زمان ما.
الثالث: أن محل النزاع في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب، إنما هو بلحاظعالم الواقع
والتحليل العقلي لا بلحاظ عالم الادراك والتصور الساذج، لأنالبساطة الادراكية
لحاظاً تجتمع مع كون المفهوم مركباً واقعاً وحقيقة، وما يظهرمن المحقق
الخراسانيقدس سره من أن المراد من البساطة في محل النزاع البساطة بحسبالادراك
والتصور لا بحسب الواقع والتحليل العقلي، غريب جداً كما تقدم.
الرابع: أن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره - من أن مفهوم المشتق لو كان مركباً
منالذات والمبدأ، فلا محالة تكون النسبة بينهما داخلة فيه، وعندئذ فلابد
منالالتزام بكون المشتق مبنياً لا معرباً لمكان المشابهة - غير تام، لأن كون
المشتقمعرباً إنما هو من جهة مادته التي هي معنى اسمي، ولا يشبه الحرف من
هذهالجهة، وإنما يشبه الحرف من جهة هيئته، وهذه الجهة غير دخيلة في إعرابه.
الخامس: تخيل أن أخذ الذات في مدلول المشتق إنما هو من جهة أنه لا يمكنحمله عليها
بدون ذلك، وأما إذا أمكن بدونه من جهة اُخرى وهي لحاظه لابشرط، فلا موجب لأخذها
فيه، لأنه لغو، قد تقدم فساده، لأن أخذ شيء فيالمعنى الموضوع له مقام الوضع إنما
هو من جهة أن الحاجة تدعو إلى ذلك في مقامالتفهيم والتفهم لا من أجل صحة الحمل،
فإنها من صفات المعنى وليست مندواعي الوضع، هذا إضافة إلى أن المبدأ إذا كان
مغايراً للذات وجوداً فيالخارج، فلا أثر للحاظه لا بشرط، فإنه لا يغير الواقع عما
كان عليه من المغايرةإلى الاتحاد، لأنها ليست بالاعتبار حتى تنتفي باعتبار آخر.
السادس: أن الذات لو كانت مأخوذة في مفهوم المشتق، لزم أخذ النسبة بينهاوبين المبدأ
فيه أيضاً، ولازم ذلك اشتمال جملة واحدة كجملة »زيد عالم« علىنسبتين في عرض واحد،
وهو مستحيل، ولكن قد تقدم أن الجملة المذكورة لاتشتمل إلا على نسبة واحدة واقعية،
وهي النسبة بين زيد وعالم في وعائها، وأماالمشتق إذا كان مفهومه مركباً، فهو مشتمل
على نسبة تحليليّة لا واقعية، وهيليست في عرض النسبة الواقعية.
السابع: أن القول بأن صحة إطلاق المشتق على المبدأ وحده كإطلاق الأبيضعلى البياض
والموجود على الوجود وإطلاق العالم والقادر على اللَّه عز وجل،دليل على أن الذات
غير مأخوذ في مفهوم المشتق غير تام، لأنه مبني على أنالذات المأخوذة في مفهومه
لابد أن تكون مغايرة للمبدأ خارجاً، ولكن تقدم أنهتكفي المغايرة بينهما مفهوماً
وإن كان المبدأ عين الذات خارجاً، كما في موارد الهليةالبسيطة والصفات العليا
الذاتية له تعالى.
الثامن: أنه لا يلزم من أخذ الذات في مفهوم المشتق التكرار، كما ذكرهصاحب
الكفايةقدس سره.
التاسع: أن أخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتق لايوجب انقلاب القضيةالممكنة إلى قضية
ضرورية، كما عن صاحب الفصولقدس سره لأن الانقلاب مبني علىأن يكون المحمول في
القضية طبيعي الشيء بنحو لا بشرط، والمفروض أنهالشيء المقيّد، وعليه فإن كان
ثبوت القيد للموضوع ضرورياً فالقضيةضرورية، وإن كان ممكناً فالقضية ممكنة، فلا
انقلاب في البين.
العاشر: أن ما قيل - من أخذ مفهوم الشيء في مدلول المشتق وإن لم يوجبالانقلاب إلا
أن أخذ واقع الشيء فيه يوجب الانقلاب، كما في مثل قولنا»الانسان كاتب«، فإنه يؤول
إلى قولنا »الانسان إنسان له الكتابة«، وحملالانسان على الانسان ضروري، لأنه من
حمل الشيء على نفسه - غير صحيح،لأنه مبني على أن يكون القيد في مثل المثال مأخوذاً
بنحو المعرفية والمشيريةبدون أن يكون له دخل في المحمول أصلاً، وهذا كماترى، ضرورة
أنه لا شبهةفيأن قيد الكتابة في المثال ملحوظ بنحو الموضوعية، وأن المحمول
هوالانسانالمقيد بالكتابة لا طبيعي الانسان، فاذن لا فرق بين أن يكون
المأخوذفيمدلول المشتق مفهوم الشيء أو المأخوذ فيه واقعه، فعلى كلا
التقديرينلايلزم الانقلاب.
الحادي عشر: أن ما ذكر من أخذ واقع الشيء في مدلول المشتق يؤدي إلىانحلال القضية
الواحدة إلى قضيتين: إحداهما ضرورية والاُخرى ممكنة مبنيعلى أحد الأمرين، وقد
علقنا على كليهما معاً كما تقدم.
الثاني عشر: أن ما ذكره المحقق الشريف من أن المأخوذ في مدلول المشتق إنكان مصداق
الشيء، لزم انقلاب القضية الممكنة إلى قضية ضرورية، وإن كانمفهوم الشيء، لزم
دخول العرض العام في الفصل، ولكن كلا الاشكالين غير تامعلى تفصيل قد سبق.
الثالث عشر: أن الشيء عرض عام للأشياء بكافة أنواعها من الواجبوالممكن والممتنع،
لا أنه جنس الأجناس كما ذكره المحقق النائينيقدس سره، بداهة أنهلا يعقل وجود مانع
ذاتي بين جميع الأشياء كذلك.
الرابع عشر: أن الميزان في العرض العام أن تكون دائرة معروضه أوسع مندائرة معروض
العرض الخاص نسبياً، باعتبار أن العموم والخصوص فيهما أمرنسبي لا مطلق، فيمكن أن
يكون شيء واحد عرضاً عاماً بالنسبة إلى موضوعوخاصاً بالنسبة إلى موضوع آخر، فما
ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن الميزان فيالعرض العام أن يكون معروضه جنساً
قريباً كان أم بعيداً، والميزان في العرضالخاص أن يكون معروضه نوعاً، فلا مبرر له.
الخامس عشر: أن محل الكلام في أن مفهوم المشتق بسيط أو مركب بما أنهفيمدلوله
اللغوي العرفي، فلا يلزم من أخذ مفهوم الشيء فيه دخول العرضالعام في الفصل
الحقيقي.
السادس عشر: أن الناطق بما له من المعنى اللغوي لا يصلح أن يكون فصلاًحقيقياً
للانسان، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بسيطاً أو مركباً، لأن المبدأ فيهوهو النطق
إما بمعنى النطق الظاهري أو بمعنى الادراك الباطني، وعلى كلاالتقديرين، فلا يصلح أن
يكون ذاتياً للانسان، وحينئذ فلا يلزم من أخذ مفهومالشيء في مدلوله دخول العرض
العام في الفصل.
السابع عشر: أنه إذا فرض عدم إمكان أخذ الذات في مدلول المشتق، فلامانع من أخذ
النسبة فيه مع المبدأ، بأن يكون موضوعاً للمبدأ ونسبته إلى الذاتمع خروج الذات عن
مدلوله الوضعي.
الثامن عشر: الصحيح أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الشيء بالنحوالمبهم والمعرى
عن جميع الخصوصيات العرضية ماعدا قيام المبدأ به.
التاسع عشر: أنه لا يصح حمل المبدأ على الذات، لأنه مغاير لها وجوداً، وماذكره
المحقق النائينيقدس سره - من المحاولة لتصحيح حمله عليها باعتباره لا بشرط -غير
تام بداهة أن اعتباره لا بشرط لا يوجب انقلابه عما كان عليه من المغايرةإلى
الاتحاد، لأنها ليست باعتبارية لكي تنتفي باعتبار آخر، ولهذا علق عليهالسيد
الاُستاذقدس سره بعدة وجوه، ونحن وإن ناقشنا في صيغ تلك الوجوه واُسلوبهاولكن أصل
الاشكال وهو أن لحاظ لا بشرط لا يجدى في صحة الحمل تام ولامناص عنه. وإن شئت قلت:
إن المبدأ إن لوحظ لا بشرط بنحو الموضوعية فلاأثر له، ولا يوجب انقلاب الواقع عما
كان عليه من المغايرة إلى الاتحاد،وإنلوحظ بنحو الطريقية فلا واقع لها، لأن المبدأ
في الواقع لا يكون متحداًمعالذات بنحو من أنحاء الاتحاد.
العشرون: أن ما ذهب إليه المحقق العراقيقدس سره - من أن هيئة المشتق موضوعةبإزاء
نسبة المبدأ إلى الذات، وأما الذات فهي خارجة عن معناها الموضوع له - لايرجع إلى
معنى محصل كما تقدم.
الحادي والعشرون: أن الصحيح من الأقوال في المسألة هو القول بأن المشتقموضوع للذات
المتلبسة بالمبدأ دون القول بالبساطة.
الثاني والعشرون: أن المأخوذ في مدلول المشتق مفهوم الذات بنحو الابهامدون مصداقه،
ولهذا يصدق على الواجب والممتنع والممكن بكافة أنواعه.
مقتضى الأصل العملي في المسألة ...
مقتضى الأصل العملي في المسألة
يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في مقتضى الأصل العملي في المبادىء الاُصولية.
الثاني: في مقتضى الأصل العملي في المسألة الفقهية.
أما الكلام في المقام الأول، فهل يمكن التعويل على الأصل العملي عند الشكفي تعيين
المعنى الموضوع له وأنه المعنى الوسيع أو الضيق بعد فرض عدم تماميةالأدلة على تعيين
الوضع لأحدهما؟
والجواب: أنه لا يمكن، وذلك لأن وضع المشتق لكل من المعنى الأعموالأخص وإن كان
مسبوقاً بالعدم، إلا أن استصحاب عدم وضعه للأعممعارض باستصحاب عدم وضعه للأخص،
فيسقطان معاً. هذا إضافة إلى أنه لايجري في نفسه، لأن استصحاب عدم وضعه للأعم لا
يثبت الوضع للأخصوبالعكس إلا على القول بالأصل المثبت.
ودعوى أن الوضع للمتلبس خاصة بحاجة إلى عناية زائدة دون الوضعللأعم، وهي لحاظ
خصوصية التلبس زائدة على لحاظ المعنى الأعم، وعليهفلحاظ المعنى الأعم في مقام
الوضع متيقن إما مستقلاً أو في ضمن الأخص،والشك إنما هو في لحاظ خصوصية زائدة،
وحينئذ فلا مانع من التمسكباستصحاب عدم أخذ تلك الخصوصية قيداً في مقام الوضع،
وبذلك يثبتالوضع للأعم بناء على ما هو الصحيح من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد
منتقابل الايجاب والسلب، وإن شئت قلت: إن وضع المشتق للمعنى معلوم،والشك إنما هو
في الاطلاق والتقييد، وباستصحاب عدم التقييد يثبت الاطلاقوينفي المقيد، خاطئة
جداً، لأن الشك في المقام إنما هو في أن الواضع في مقامالوضع، هل لاحظ المعنى
الأعم في عالم المفهوم ووضع اللفظ بإزائه أو المعنىالأخص ووضع اللفظ بإزائه، ومن
الطبيعي أن لحاظ كل واحد منهما في عالمالمفهوم مباين للحاظ الآخر فيه، بداهة أن
المفاهيم في حد مفهوميتها اللحاظيةمتباينات، فلا يعقل فيها الاطلاق والتقييد، فإن
ذلك إنما يعقل بلحاظ الصدق فيالخارج، لأن المفهومين متباينان دائماً بحسب عالم
اللحاظ والمفهوم، سواء أكانابحسب عالم الصدق والخارج متحدين أم لا، فالنتيجة أن
الشك في المقام ليس فيالاطلاق والتقييد، بل الشك في وضع المشتق بإزاء أحد المعنيين
المتباينين فيعالمالمفهوم واللحاظ.
وبكلمة، إن نسبة المفاهيم بعضها مع بعض بلحاظ عالم الصدق والانطباقخارجاً، إما
الاتحاد في الوجود الخارجي أو التباين فيه أو العموم من وجه أوالعموم المطلق، وأما
بلحاظ عالم المفهوم فهي التباين دائماً، لأن الوجود اللحاظيلكل مفهوم في هذا
العالم مباين للوجود اللحاظي لمفهوم آخر فيه.
وعلى هذا فلا يعقل أن يكون لحاظ المعنى الأخص في المقام مشتملاً علىلحاظ المعنى
الأعم مع خصوصية زائدة، ضرورة أن لحاظ المعنى الأخص هووجوده اللحاظي في عالم الذهن
بحده، ولحاظ المعنى الأعم هو وجوده اللحاظيفيه كذلك، وهما وجودان متباينان في هذا
العالم، فالنتيجة أن الجامع والمتلبسخاصة وإن كان متحدين بحسب عالم الصدق في
الخارج إلا أنهما متباينان بحسبعالم اللحاظ والمفهوم.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن أصالة عدم لحاظ الخصوصية تجري فيالمقام وتثبت بها
الوضع للأعم، إلا أن ذلك لا يجدي في ترتب الأثر الشرعي علىالمسألة، فإنه إنما
يترتب على الظهور لمكان حجيته لا على الوضع، وإثباتالظهور بإثبات الوضع بالاستصحاب
من الأصل المثبت.
وأما الكلام في المقام الثاني وهو التمسك بالأصل العملي في المسألة الفقهية،فقد ذكر
المحقق الخراسانيقدس سره أنه يختلف باختلاف الموارد، ففي الموارد التي نشكفيها
حدوث الحكم بعد انقضاء المبدأ عن الذات يرجع فيها إلى أصالة البراءة، كماإذا فرضنا
أن زيداً كان عالماً ثم زال عنه العلم، وبعد ذلك ورد في الدليل »أكرمكل عالم«
فشككنا في وجوب إكرام زيد لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم.
وأما في الموارد التي نشك فيها في بقاء الحكم بعد حدوثه وثبوته، فالمرجعفيههو
الاستصحاب كما إذا كان زيد مثلاً عالماً حينما أمر المولى بوجوب إكرامكلعالم، ثم
بعد ذلك زال عنه العلم وأصبح جاهلاً لسبب أو آخر، ففي مثلذلكلا محالة يكون الشك
في بقاء الحكم، لاحتمال كون المشتق موضوعاً للأعم،فإذن يستصحب بقاؤه(19).
وقد علق على ذلك التفصيل السيد الاُستاذقدس سره، وأفاد أنه لا فرق بين المواردالتي
يكون الشك فيها في حدوث الحكم من الأول والموارد التي يكون الشك فيهافي بقاء الحكم
بعد حدوثه، فإن المرجع في جميع هذه الموارد أصالة البراءة، أما فيموارد الشك في
حدوث التكليف فعدم جريانه فيها واضح، وأما في موارد الشكفي البقاء، فبناء على ما
قويناه في باب الاستصحاب من عدم جريانه في الشبهاتالحكمية خلافاً للمشهور فالأمر
فيها أيضاً كذلك، وأما على المسلك المشهور بينالأصحاب من جريان الاستصحاب في
الشبهات الحكمية، فالظاهر أنه لا يجريفي المقام أيضاً، وذلك لاختصاص جريانه بما
إذا كان مفهوم اللفظ متعيّناًومعلوماً من حيث السعة والضيق وكان الشك متمحضاً في
سعة الحكم المجعولوضيقه، كالشك في بقاء حرمة وطء الحائض بعد انقطاع الدم وقبل
الاغتسال،فإن المرجع فيه هو استصحاب بقاء الحرمة إلى أن تغتسل، أو الشك في
بقاءنجاسة الماء المتغير بأحد أوصاف النجس بعد زوال تغيره في نفسه، أو في بقاءنجاسة
الماء المتمم كرّاً بناء على نجاسة الماء القليل بالملاقاة، فإن المرجع في
جميعذلك، هو استصحاب بقاء النجاسة وبه يثبت سعتها.
وأما إذا لم يكن مفهوم اللفظ متعيناً ومعلوماً، بأن يكون منشأ الشك في الحكمسعة
وضيقاً هو الشك في المفهوم كذلك، فلا يجري الاستصحاب فيه، لا فيالحكم ولا في
الموضوع.
أما في الأول فلأن المعتبر في جريان الاستصحاب وحدة القضية المتيقنة معالقضية
المشكوك فيها موضوعاً ومحمولاً، بداهة أنه لا يصدق نقض اليقينبالشك مع اختلاف
القضيتين في الموضوع أو المحمول، وفي الشبهات المفهوميةحيث لم يحرز الاتحاد بينهما
موضوعاً، فلا يمكن التمسك بالاستصحاب الحكمي،كما إذا شك في بقاء وجوب صلاة العصر أو
الصوم بعد استتار القرص وقبلذهاب الحمرة المشرقية عن قمّة الرأس من جهة الشك في
مفهوم المغرب سعةًوضيقاً وأن المراد به الاستتار أو ذهاب الحمرة، فعلى الأول لم يبق
موضوعالوجوب، وعلى الثاني فالموضوع بعد باق، وبما أنا لم نحرز بقاء الموضوع
فلمنحرز الاتحاد بين القضيتين فيه، وبدونه فلا يمكن جريان الاستصحاب الحكمي.
وأما في الثاني وهو استحصاب بقاء الموضوع فلعدم الشك في شيء خارجاً لافي انقلاب
شيء ولا في حدوث حادث، فإن استتار القرص عن الاُفق معلوم لناحساً، وذهاب الحمرة
غير متحقق كذلك، فإذن لا شك في المقام إلا في وضع لفظالمغرب وتردد مفهومه بين السعة
والضيق، وقد مرّ أنه لا أصل يمكن التعويلعليه في تعيين الوضع سعة وضيقاً.
وما نحن فيه من هذا القبيل، فان الشبهة فيه مفهومية، والمعنى الموضوع لهفيها مردد
بين خصوص المتلبس أو الأعم منه ومن المنقضي، فالاستصحابالحكمي فيه لا يجري للشك في
بقاء موضوعه، لأن موضوع الحكم إن كان هوالجامع كان باقياً، وإن كان خصوص المتلبس
كان منتفياً، وحيث إنا لم نحرز أنالمشتق موضوع للأول أو الثاني، فبطبيعة الحال نشك
في بقاء موضوعه، ومعه لانحرز الاتحاد بين القضيتين، فلا يمكن جريان الاستصحاب
الحكمي.
وأما الاستصحاب الموضوعي، فهو لا يجري في المقام لعدم الشك في شيءخارجاً مع قطع
النظر عن وضع المشتق وتردد مفهومه بين الأعم والأخص، وقدمرّ أنه لا أصل في المقام
يمكن التعويل عليه لتعيين وضعه لأحدهما.
وبكلمة، إن المعتبر في جريان الاستصحاب أمران: اليقين السابق والشكاللاحق مع وحدة
متعلقهما في الخارج، والشك في المقام غير موجود، فإن تلبسزيد بالمبدأ سابقاً
متيقين، وكذلك انقضاؤه عنه فعلاً، فلا شك في شيء منهما،والشك في المقام إنما هو في
وضع المشتق للأعم أو للأخص، وقد عرفت أنه لاأصل فيه يرجع إليه في تعيينه، فبالنتيجة
أن المرجع في المسألة أصالة البراءةمطلقاً، أي سواء أكان الانقضاء قبل ثبوت الحكم
أم بعده، ولا وجه لما ذكرهالمحقق صاحب الكفايةقدس سره من التفصيل بينهما
أصلاً(20). هذا،
ويمكن المناقشة فيه، وذلك لأن هناك مسألتين:
الاُولى: مسألة الشبهة المفهومية، يعني تردد معنى اللفظ وضعاً بينالسعةوالضيق.
الثانية: مسألة مدى تشخيص موضوع الاستصحاب بقاء.
والظاهر أن إحدى المسألتين لا ترتبط بالأخرى، فان المرجع في تعيينالمسألة الاُولى
إحدى العلائم المذكورة في محلها، منها التبادر، وأما في الثانية فهوالمناسبات
الارتكازية العرفية بين الحكم وموضوعه، فان الخصوصية المأخوذةفي موضوع الحكم
المستصحب بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية، تارةتكون من الخصوصيات التعليلية غير
المقومة، واُخرى تكون من الخصوصياتالتقييدية المقومة، فعلى الأول لا ينتفي الموضوع
بانتفائها، وعلى الثاني ينتفيبانتفائها، وعلى هذا فخصوصية تلبس الذات بالمبدأ إن
كانت بمناسبة الحكموالموضوع الارتكازية من الجهات التعليلة لم ينتف الموضوع
بانتفائها، ولا فرقفي ذلك بين كون المشتق موضوعاً للأعم أو الخصوص المتلبس، فان
وضعهلخصوص المتلبس شيء ومدى تشخيص العرف موضوع الحكم بالمناسباتالارتكازية
العرفية شيء آخر، فيمكن أن يكون المشتق موضوعاً للذاتالمتلبسة بالمبدأ خاصة
وموضوع الحكم بمدى تشخيص العرف بالمناسباتالمذكورة هو الذات، وخصوصية التلبس من
الجهات التعليلية التي لا ينتفيالموضوع بانتفائها لا التقييدية، فاذا ورد في
الدليل »الماء المتغير نجس« كانالمتفاهم العرفي منه بالمناسبات الارتكازية العرفية
أن موضوع النجس طبيعيالماء، وخصوصية التغير من الجهات التعليلية لا التقييدية،
وحينئذ ينتفيالموضوع بانتفائها، ولهذا لا مانع من استصحاب بقاء نجاسته بعد زوال
التغير،بلا فرق في ذلك بين أن يكون المشتق موضوعاً للأعم أو للمتلبس خاصة، كماأنه
لا فرق بين أن يكون الوارد في لسان الدليل »الماء المتغير نجس« أو الوارد فيلسانه
»الماء إذا تغير إلخ«، فإنه على كلا التقديرين يكون المتفاهم العرفي منهبمناسبة
الحكم والموضوع أن خصوصية التغير من الجهات التعليلية لا التقييدية،بينما إذا ورد
في الدليل »أكرم كل عالم« مثلاً كان المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكموالموضوع أن
خصوصية التلبس فيه من الجهات التقييدية لا التعليلية، بلا فرقفي ذلك بين أن يكون
المشتق موضوعاً للأعم أو للمتلبس خاصة، فإنه علىالأول وإن كان عنوان العالم يصدق
على الذات بعد زوال حيثية التلبس عنها، إلاأن هذا الصدق إنما هو بلحاظ الوضع لا
بلحاظ مدى تشخيص العرف موضوعالحكم، على أساس المناسبات المذكورة، فإنه على ضوء تلك
المناسبات مقيدبحيثية التلبس الفعلي وينتفي بانتفائها.
وبكلمة، إن العرف يفهم من الدليل المذكور بمناسبة الحكم والموضوعالارتكازية أن
التلبس بالعلم تمام الموضوع والملاك للحكم، لا أنه مجرد علةوالموضوع هو الذات،
ولهذا يدور الحكم بنظرهم مدار العلم وجوداً وعدماًحدوثاً وبقاءاً، لا مدار صدق
عنوان المشتق، فإنه يصدق على الذات على القولبالوضع للأعم بعد انقضاء العلم عنها
أيضاً، ومع ذلك لا يكون موضوعاًللحكم، حيث إنه متقوم عندهم بحيثية وجود العلم فيها
بالفعل، لا بحيثية صدقعنوان العالم عليها كذلك وإن كان العلم منقضياً عنها.
فالنتيجة أنه لابد في كل مورد من موارد الشبهة المفهومية من ملاحظةالخصوصية
المفقودة فيه، وأنها بنظر العرف ومدى تشخيصه، هل هي منالحيثيات التعليلية لموضوع
الحكم أو التقييدية، ولا يدور ذلك مدار أنهامأخوذة في المعنى الموضوع له أو لا،
فإنه على الرغم من تردد الوضع بين السعةوالضيق، فالعرف، يشخص على ضوء المناسبات
المذكورة أن الحيثية الزائلة عنالموضوع حيثية تعليلية فحسب أو تقييدية كذلك، فما
ذكره السيد الاُستاذقدس سره منعدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية إذا كان
منشؤها الشبهة المفهوميةمبني على نقطة خاطئة، وهي أن موضوع الحكم في القضية يدور
سعةً وضيقاًمدار الوضع كذلك، فإذا كان الوضع مجهولاً من هذه الناحية، كان
موضوعالحكم أيضاً مجهولاً، ولكن قد عرفت أن الأمر ليس ذلك، فإن تشخيصموضوع الحكم
منوط بمدى فهم العرف على ضوء المناسبات العرفية ولا يرتبطبالوضع، فإذن ملاك جريان
الاستصحاب فيها وعدم جريانه شيء آخر لا كونالشبهة مفهومية وعدمها.
الفرق بين المشتق والمبدأ ...
الفرق بين المشتق والمبدأ
أما على القول بأن مفهوم المشتق مركب من الذات والمبدأ والنسبة، فهوواضح ولا كلام
فيه، وأما على القول بأن مفهوم المشتق بسيط، فالمعروف بينالفلاسفة هو أن الفرق بين
المبدأ والمشتق إنما هو باعتبار اللابشرطية والبشرطلائية، فمدلول المشتق ملحوظ لا
بشرط ومدلول المادة ملحوظ بشرط لا، ولهذايصح حمل الأول على الذات دون الثاني.
بيان ذلك أن ماهية العرض والعرضي )المبدأ والمشتق( واحدة بالذاتوالحقيقة، والفرق
بينهما بالاعتبار واللحاظ، من جهة أن لماهية العرض حيثيتينواقعيتين: الاُولى حيثية
وجوده في نفسه، والثانية حيثية وجوده لموضوعه،فهي تارة تلحظ من الحيثية الاُولى
وبما هي موجودة في حيالها واستقلالها وأنهاشيء من الأشياء في قبال وجودات
موضوعاتها، فهي بهذا الاعتبار واللحاظعرض ومبدأ )بشرط لا( وغير محمول على موضوعه
لمباينته معه في الخارج،وملاك صحة الحمل الاتحاد في الوجود، وتارة اُخرى تلحظ بما
هي في الواقعونفس الأمر وأن وجودها في نفسه عين وجودها لموضوعها وأنه ظهوره وطورمن
أطواره ومرتبة من وجوده، وظهور الشيء لا يباينه، فهي بهذا الاعتبارعرضي ومشتق )لا
بشرط(، فيصح حملها عليه.
وبنفس هذا البيان قد جروا في مقام الفرق بين الجنس والمادة والفصلوالصورة، حيث
قالوا إن التركيب بين المادة والصورة تركيب اتحادي لاانضمامي، لأنهما موجودتان في
الخارج بوجود واحد حقيقة، وهو وجود النوعكالانسان ونحوه، لأن المركبات الحقيقية
لابد لها من جهة وحدة حقيقية، وإلالكان التركيب بين أجزائها انضمامياً، ومن الطبيعي
أن الوحدة الحقيقية لا تحصلإلا إذا كان أحد الجزأين قوة صرفة والآخر فعلية محضة،
فإن الاتحاد الحقيقي بينالجزأين فعليين أو الجزأين كليهما بالقوة غير معقول، لإباء
فعلية عن فعليةاُخرى، وكذلك كل قوة عن قوة اُخرى، ولذلك صح حمل كل من الجنس
علىالفصل وبالعكس، وحمل كل منهما على النوع، وكذا العكس، ومن الواضح أنالتركيب لو
كان انضمامياً لم يصح الحمل، لمكان المباينة والمغايرة، وعلى هذافالتحليل بين أجزاء
المركبات الحقيقية لا محالة تحليل عقلي، بمعنى أن العقل يحللتلك الجهة الواحدة إلى
ما به الاشتراك وهو الجنس، وما به الامتياز وهوالفصل، فالجنس هو الجهة الجامعة
والمشتركة بين هذه الحقيقة الواحدة وبينسائر الحقائق، ويعبر عن تلك الجهة الجامعة
بالجنس بلحاظ الأجزاء الذهنيةالتحليلية، وبالمادة بلحاظ الأجزاء الخارجية
التحليلية، وأما الفصل فهو الجهةالمميزة بين تلك الحقيقة الواحدة وبقية الحقائق،
ويعبر عن تلك الجهة المميزةبالفصل بلحاظ عالم الذهن، وبالصورة بلحاظ عالم الخارج،
وليس ذلك إلا منجهة أن اللحاظ مختلف.
فقد تلاحظ جهة الاشتراك في الخارج بما لها من المرتبة الخاصة والدرجةالمخصوصة من
الوجود الساري وهي كونها قوة صرفة ومادة محضة، وقدتلاحظ جهة الامتياز كذلك بما لها
من المرتبة الخاصة من ذلك الوجود الساريوهي كونها فعلية وصورة، وحيث إن الدرجتين
والمرتبتين بما هما درجتانومرتبتان متباينتان، فلا يصح حمل إحداهما على الأخرى،
ولا حمل كلتيهما علىالنوع، لمكان المباينة ولمغايرة، والمعتبر في صحة الحمل
الاتحاد في الوجود.
وقد تلاحظ كل من جهتي الاشتراك والامتياز بما لهما من الاتحاد الوجودي فيالواقع،
نظراً إلى شمول الوجود الواحد لهما، وهو الساري من الصورة وما بهالفعلية إلى
المادة وما به القوة، ومتحدتان في الخارج بوحدة حقيقية، لأنالتركيب بينهما اتحادي
لا انضمامي كما مرّ، وبهذا اللحاظ صح الحمل كما أنه بهذااللحاظ يعبر عن جهة
الاشتراك بالجنس، وعن جهة الامتياز بالفصل، وهذا هومرادهم من لحاظهما لا بشرط.
فالنتيجة أن ما به الاشتراك إن لوحظ لا بشرط، فهو جنس قابل للحمل علىالفصل والنوع،
وإن لوحظ بشرط لا، فهو مادة غير قابلة للحمل على الصورةولا على النوع، وكذا ما به
الامتياز، فإنه إن لوحظ لا بشرط، فهو فصل قابلللحمل على الجنس والنوع، وإن لوحظ
بشرط لا فهو صورة غير قابل للحملعلى المادة ولا على النوع.
ولنا تعليق على كلا الموردين:
أما المورد الأول فقد تقدم موسعاً أن العرض مباين للجوهر وجوداً فيالخارج، فلا
يكونان موجودين بوجود واحد، بل بوجودين متباينين سنخاً،والمعتبر في صحة الحمل
الاتحاد في الوجود والتغاير في المفهوم، ولحاظ العرضلا بشرط واعتباره كذلك لا
يجعله متحداً مع الجوهر وجوداً خارجاً، كيف فإناللحاظ والاعتبار لا يخرج عن عالم
الذهن والاعتبار إلى عالم الواقع حتى يكونمؤثراً فيه، فإذا كان الغرض مبايناً
للجوهر وجوداً في الخارج، فلا أثر لاعتبارهلا بشرط، فإنه لا يوجب انقلابه عما كان
عليه في الواقع من المغايرة، كما أنه لوكان متحداً معه فيه بأن يكون من حدود وجوده،
فلا أثر لاعتباره بشرط لا،فإنه لا يوجب انقلابه عما كان عليه من الاتحاد، وتمام
الكلام هناك.
وأما المورد الثاني فهو يختلف عن المورد الأول، فإن الحيثيتين الواقعيتينلماهية
العرض إنما هما بلحاظ وجوده في الخارج، فإن وجوده منه في نفسه عينوجوده لموضوعه،
وهذا بخلاف الحيثيتين الواقعيتين لجهتي الاشتراك والامتياز،فإن إحداهما بلحاظ عالم
الذهن، والاُخرى بلحاظ عالم الخارج، فإن الجنسوالفصل من الأجزاء التحليلية الذهنية
لماهية النوع، والمادة والصورة منالأجزاء التحليلية الخارجية لها، وعلى أساس ذلك
فالجنس والفصل وإن كانامتغايرين مفهوماً في عالم الذهن إلا أنهما متحدان في عالم
الخارج وموجودان فيهبوجود واحد، فلذلك صح حمل أحدهما على الآخر وحمل كليهما على
النوعلمكان الاتحاد، وهذا بخلاف المادة والصورة، فإنهما حيث كانتا من
الأجزاءالتحليلية الخارجية، فتكونان متغايرتين في الخارج، لأن المادة فيه متمثلة
فيالقوة المحضة، ويعبر عنها بالهيولى أيضاً