www.alfayadh.com
المباحث الاُصولية / ج
3
مبحث الأوامر
يقع الكلام هنا في مقامات :
المقام الأول في تعيين مدلول مادة الأمر سعةً وضيقاً .
المقام الثاني في تعيين مدلول صيغة الأمر كذلك .
المقام الثالث في منشأ دلالة الأمر مادةً وهيئةً على الوجوب وكيفية تفسير هذه
الدلالة وتحديد منشأها .
المقام الرابع في أن الطلب مغاير للارادة أو لا ؟
أما الكلام في المقام الأول فيقع في عدة جهات :
الجهة الاُولى : قد ذكر لمادة الأمر عدة معان ، منها الطلب ومنها الفعل ومنها الشأن
ومنها الغرض ومنها الحادثة ومنها الواقعة ومنها الفعل العجيب ومنها الشيء وهكذا(1)
.
ولا شك في أن أكثر هذه المعاني ليس معنى الأمر ، وإنما يستفاد في موارد استعماله من
دال آخر ، كما في قوله تعالى : (وَلَمّا جَاءَ أمْرُنَا)(2) ، فان الفعل العجيب
إنما هو مستفاد من دال آخر في الآية ، لا من كلمة الأمر ، وكذا قوله عز وجل :
(أتَعْجَبِيْنَ مِنْ أمْرِ الله)(3) ، ومن هذا القبيل استفادة الغرض من كلمة اللام
في قولنا جئتك لأمر كذا ، وكذلك الحال بالنسبة إلى الحادثة والواقعة والفعل
ـــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر هدايد المسترشدين : 129 ( نشر مؤسسة آل البيت عليهم السلام ) .
(2) سورة هود ( ) : 94 .
(3) سورة هود ( ) : 73 .
ـ6ـ
والشأن ، فيكون كل ذلك من باب اشتباه المفهوم بالمصداق ، لأن احتمال أن لفظ الأمر
موضوع بازاء مفاهيم هذه الألفاظ بالحمل الأولي غير محتمل ، لأمرين :
الأول : عدم تبادر هذه المفاهيم من لفظ الأمر عند اطلاقه .
الثاني : إن لازم ذلك أن يكون لفظ الأمر مرادفاً مع ألفاظ هذه المعاني وهو كماترى ،
واحتمال أنه موضوع بازاء واقع مفاهيمها بالحمل الشايع فأيضاً غير محتمل ، لأنه لو
كان موضوعاً بازاء واقعها ، لزم أن يكون بالوضع العام والموضوع له الخاص ، ونتيجة
ذلك اجمال لفظ الأمر وعدم دلالته على شيء من مصاديق تلك المعاني إلا بقرينة معينة ،
وهذا خلاف الوجدان ، لأن المتبادر منه عند الاطلاق هو الطلب اذا لم تكن هناك قرينة
على الخلاف .
فالنتيجة ، أن الأمر لم يوضع بإزاء هذه المعاني لا بالحمل الأولي الذاتي ولا بالحمل
الشائع الصناعي .
والخلاصة ، أن من يدعي أن هذه المعاني من معاني الأمر ، إن أراد أن الأمر موضوع
بإزائها بالحمل الأولي الذاتي ، فيرد عليه ما عرفتم ، وإن أراد أنه موضوع بإزائها
بالحمل الشائع ، فقد مرّ أنه باطل .
الجهة الثانية : هل يمكن أن يكون الأمر مشتركاً لفظياً بين الطلب والشيء ،
فيه قولان :
القول الأول : إنه مشترك لفظي بين المعنيين .
القول الثاني : إنه مشترك معنوي بينهما .
أما القول الأول ، فقد اختار جماعة من المحققين منهم المحقق صاحب
ـ7ـ
الكفاية (قدس سره)(1) وقد استدلوا عليه بأمرين :
الأول : اختلاف الأمر بمعنى الطلب عن الأمر بمعنى الشيء في صيغة الجمع . فإن الأول
يجمع على الأوامر والثاني على الأمور .
وهذا شاهد على اختلافهما في المعنى بالحمل الأولي ، ضرورة أن المعنى لوكان واحداً
فمن المستبعد جداً اختلافهما في الجمع ، إذ لايحتمل تعدد الجمع بلحاظ تعدد المصاديق
واختلافها فإنه غير معهود في اللغة .
الثاني : أن الأمر بمعنى الطلب من المشتقات وقابل للتصريف والاشتقاق ، والأمر بمعنى
الشيء من الجوامد وغير قابل للصرف ، ومن الواضح أن اشتراكهما في معنى واحد غير
معقول(2) . و غير خفي أن هذين الأمرين وإن كانا يدلان على اختلافهما في المعنى ،
إلا أنهما لا يدلان على أن الأمر مرادف للشيء في المعنى ومساوق له في المفهوم ،
فلوكان الأمر مشتركاً لفظياً بين الطلب والشيء ، كان يساوق مفهوم الشيء بعرضه
العريض ، مع أن الأمر ليس كذلك ، ضرورة أنه يصح اطلاق الشيء على الأعيان بينما لا
يصح اطلاق الأمر عليها ، ومن هنا صح أن يقال زيد شيء ولم يصح أن يقال زيد أمر ،
واذا رأى شخص فرساً عجيباً صح أن يقال رأيت شيئاً عجيباً ولم يصح أن يقال رأيت
أمراً عجيباً .
فالنتيجة أن الأمر لايمكن أن يكون مساوقاً للشيء بعرضه العريض ، ومن هنا اختلف
المحققون في المعنى الآخر للأمر ، فذهب المحقق النائيني (قدس سره) إلى أنه الواقعة
والحادثة مطلقاً أو الواقعة والحادثة الخطيرة المهمّة(3) . والمحقق
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 62 . طبع مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) .
(2) انظر محاضرات في اُصول الفقه 2 : 7 .
(3) أجود التقريرات 1 : 131 .
ـ8ـ
الأصبهاني (قدس سره)إلى أنه الفعل والحدث(1) وبعض الأعاظم إلى أنه أعمّ من الواقعة
والحادثة المهمة والفعل والحدث ومع ذلك لايكون مساوقاً للشيء . وقد استدل على أنه
أعم من الحادثة المهمة بأنه لاتناقض في قولنا كلام فلان أمر غير مهم أو الواقعة
الفلانية أمر غير خطير وهكذا ، كما أنه استدل على أنه أعم من الفعل بقوله اجتماع
النقيضين أمر محال أو شريك الباري أمر محال وهكذا ، وعدم اشتراك زيد في المجلس
الفلاني أمر عجيب ، مع أن المحال ليس واقعة أو فعلا ، فلا يصحّ أن يقال اجتماع
النقيضين فعل مستحيل أو واقعة مستحيلة وكذلك العدم(2) . وغير خفي أن ذلك بالنسبة
إلى المحال بالذات وإن كان صحيحاً ، ولكنه لايصح بالنسبة إلى العدم مطلقاً لأن
العدم الخاص قد يتصف بالحادثة والواقعة المهمة وغير المهمة ، فيصح أن يقال إن عدم
حضور الشخص الفلاني مثلا في الجلسة الكذائية حدث مهم أو واقعة تاريخية وهكذا هذا من
ناحية .
ومن ناحية اُخرى قد ظهر مما ذكرناه أن الأمر لايكون مساوقاً للحادثة والواقعة
المهمة ولا للحدث والفعل ، ومن ناحية ثالثة الظاهر أن النسبة بين الأمر والشيء عموم
من وجه ، فإن الشيء يصدق على الأعيان دون الأمر بينما الأمر يصدق على الفعل
التكويني المضاف إلى الفاعل دون الشيء كقوله تعالى : (أتَعْجَبِيْنَ مِنْ أمْرِ
اللهِ)(3) فإنه لايصح أن يقال أتعجبين من شيء الله ، ومثله قوله تعالى : (قُلِ
الرُّوحُ مِنْ أمْرِ رَبِّى)(4) إذ لايصح أن يقال قل الروح من شيء ربّي ، ومن هذا
القبيل أيضاً قوله تعالى : (لَهُ الْخَلْقُ وَالأمْرُ)(5) ، فانه لايصح
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 250 . طبع مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) .
(2) بحوث في علم الاُصول 2 : 12 .
(3) سورة هود ( 11 ) : 73 .
(4) سورة الأسراء ( 17 ) : 85 .
(5) سورة الأعراف ( 7 ) : 54 .
ـ9ـ
اطلاق الشيء بدل الأمر . ومنه قولنا أمر فلان مستقيم فانه لايصح أن يقال شيء فلان
مستقيم .
إلى هنا قد تبين أن الأمر مشترك لفظي بين الأمر بالمعنى الحدثي وهو حصة خاصة من
الطلب والأمر بالمعنى الجامد الجامع بين الحادثة والواقعة الخطيرة وغيرها والفعل .
الجهة الثالثة : هل يمكن أن يكون الأمر مشتركاً معنوياً بين الطلب ومعنى آخر ، فيه
قولان : فذهب المحقق الأصبهاني والمحقق النائيني (قدس سرهما) إلى القول الأول .
أما المحقق الأصبهاني (قدس سره) فقد حاول إلى توحيد معنى الأمر بالتقريب التالي ،
فانه (قدس سره) بعدما بنى على أن معنى الآخر للأمر هو الفعل ، قال أن مرد الأمر
بالآخرة إلى معنى واحد وهو الفعل في مقابل الصفات والأعيان ، واطلاق الطلب على
الفعل باعتبار أنه مورد للطلب التشريعي والتكويني ، بينما الصفات والأعيان لاتصلح
أن تكون مورداً لهما ومعرضاً لذلك ، فالأمر يطلق بمعناه المصدري المبني للمفعول على
الأفعال كاطلاق المطلب والمطالب على الأفعال الواقعة في معرض الطلب ، كما يقال رأيت
اليوم مطلباً عجيباً ، يراد منه فعل عجيب ، والحاصل أن نفس موردية الفعل ومعرضيته
لتعلق الطلب والارادة به تصحح اطلاق المطلب والمقصد والأمر عليه وإن لم يكن هناك
قصد ولاطلب متعلق به(1) . وملخص ما أفاده (قدس سره)أن المعنى الآخر للأمر هو الفعل
واستعمال الأمر فيه يرجع بالآخرة إلى استعماله في الطلب بنحو من العناية وهو المطلب
والمقصد ، فالجامع بين المعنيين هو المطلب الذي يصدق على الفعل ، باعتبار أنه في
معرض الطلب والارادة .
ويرد عليه أولا : مضافاً إلى أن هذا التأويل والتصرف بحاجة إلى عناية زائدة
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 252 .
ـ10ـ
إنه بدون مبرر ، لأن هذا المعنى المؤل ليس معنى الأمر جزماً ، ضرورة أن المتبادر
والمنسبق من الأمر عرفاً ليس هو المطلب ومعرضية الفعل للطلب والارادة ، فلا يكون
موضوعاً بإزائه حتى يكون مشتركاً معنوياً .
وثانياً : أن الأمر يستعمل فيما لايمكن أن يتعلق به الطلب والارادة كما في مثل
قولنا اجتماع النقيضين أمر مستحيل وشريك الباري أمر محال ، فانه لا يعقل معرضية
اجتماع النقيضين وشريك الباري للطلب والارادة .
والخلاصة ، أنه لا شبهة في صحة استعمال الأمر فيما يستحيل أن يكون مطلوباً ومراداً
كالأشياء غير الاختيارية التي لايمكن أن تكون في معرض الطلب والارادة هذا ، اضافة
إلى أن تعدد الجمع دليل على تعدد المعنى كما مرّ .
وأما المحقق النائيني (قدس سره) فقد حاول إلى توحيد معنى الأمر بتقريب آخر وهوأن
الطلب ليس معنى الأمر برأسه في قبال معنى الواقعة والحادثة ، بل هو مصداق من
مصاديقها ، فإذن الأمر موضوع لمعنى واحد كمفهوم الواقعة أو الحادثة وهو ينطبق على
الطلب كما ينطبق على غيره . فاذن لايكون الطلب من معنى الأمر بل هو مصداق من مصاديق
معناه(1) .
ويرد عليه أولا : أن الطلب معناه لغة وعرفاً هو السعي والتصدي وراء المقصود لا
الواقعة والحادثة ، فان كان ذلك بشكل مباشر كطالب الضالة وطالب الماء ، باعتبار أنه
يسعى ويتصدى بنفسه وراء ضالته وبشكل مباشر فهو طلب تكويني ، وإن كان بتحريك غيره
فهو طلب تشريعي ، فمفهوم الطلب واحد وهو السعي والتصدي وراء المقصود والمطلوب ،
وهذا المفهوم الواحد كما ينطبق على السعي والتصدي التكويني الخارجي ، كذلك ينطبق
على السعي والتصدي
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات : 131 .
ـ11ـ
التشريعي الاعتباري المتمثل في أمر المولى ، فالأمر مصداق للطلب ، فان الآمر يسعى
ويتصدى لتحريك غيره وراء الشيء المقصود والمطلوب بأمره المتجه إليه .
وثانياً : أن المتبادر من الأمر والمنسبق منه حصة خاصّة من الطلب مباشرة لا الواقعة
المهمة ، وهذا دليل على أنه معناه الموضوع له لا أنه من مصاديقه .
وثالثاً : أن الطلب معنى حدثي قابل للتصريف والاشتقاق ، وأما الواقعة فهي معنى جامد
، ومن الواضح أن الجامع الذاتي بين المعنى الحدثي والمعنى الجامد
غير متصور .
ورابعاً : أن اختلافهما في الجمع أظهر شاهد على عدم وحدة معنى الأمر ، إذ لوكان
المعنى واحداً فلايمكن أن يكون تعدد الجمع واختلافه بلحاظ اختلاف مصاديقه ، لأن ذلك
غير معهود في اللغة .
وخامساً : أن اطلاق الأمر على الطلب لوكان باعتبار أنه مصداق للواقعة ، لم يكن فرق
بين الطلب التشريعي والطلب التكويني ، فكما أن الأول مصداق للواقعة فكذلك الثاني ،
مع أن الأمر لايصدق على الطلب التكويني ، فإذا طلب شخص مالا من آخر ، فلا يقال أنه
أمره به .
فالنتيجة ، أن ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من أن معنى الأمر معنى واحد وهو
الواقعة والحادثة والاختلاف إنما هو في مصاديقه ، مما لا يمكن المساعدة عليه .
فالصحيح ، ما ذكرناه من أن الأمر مشترك لفظي بين المعنى الحدثي وهو حصة خاصة من
الطلب وبين المعنى الجامد الذي ينطبق على الفعل والحادثة والواقعة والشأن والغرض
والمحال والعدم وهكذا ، وهو معنى موسع وإن لم يكن مرادفاً للشيء وليس مشتركاً
معنوياً .
ـ12ـ
الجهة الرابعة : لا شبهة في أن المتبادر والمنسبق عرفاً من مادة الأمر إذا كانت
صادرة من المولى هو الطلب الحتمي اللزومي ، والنكتة في ذلك أن مولوية المولى ولا
سيما إذا كانت ذاتية كمولوية الله ـ سبحانه عزّ وجل ـ مساوقة للزوم والوجوب ، فاذا
صدر أمر من مولى ولم تكن قرينة متصلة على الاستحباب دل على الوجوب بلا شبهة ، ومن
هنا لم يستشكل فقيه في دلالة الأمر الوارد في لسان الشارع على الوجوب عند عدم
القرينة على الاستحباب .
فالنتيجة ، أنه لا شبهة في دلالة الأمر على الوجوب . نعم ، هناك كلام في كيفية
تفسير هذه الدلالة وتحديد منشأها وسوف يأتي البحث عن ذلك في ضمن البحوث القادمة .
وأما الكلام في المقام الثاني وهو تعيين مدلول صيغة الأمر سعةً وضيقاً ، فقد تقدم
في ضمن البحوث السالفة أن صيغة الأمر موضوعة للنسبة الطلبية بين المادة والمخاطب
وتدل عليها في وعاء الطلب والانشاء وبذلك تمتاز على اختيها الماضي والمضارع ،
باعتبار أنهما تدلان على النسبة في وعاء التحقق والاخبار ، كما أنها تمتاز عن مادة
الأمر في أن مدلولها معنى حرفي وهو النسبة المذكورة ، بينما يكون مدلول المادة معنى
اسمي وهو مفهوم الطلب الخاص هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى ، أنه لا شبهة في أن المتبادر من صيغة الأمر والمنسبق منها ارتكازاً
عرفاً وفطرة إذا كان في نصوص الكتاب والسنة عند عدم القرينة على الاستحباب هو طلب
المادة من المخاطب بنحو الحتم واللزوم ، وهذا
التبادر كاشف عرفاً عن أن صيغة الأمر موضوعة للوجوب بالمعنى الحرفي ، هذا من ناحية
.
ومن ناحية أخرى ، قد تبين أن المدلول الوضعي التصوري لمادة الأمر الطلب
ـ13ـ
الخاص بالمعنى الاسمي ، وبصيغة الأمر النسبة الطلبية الخاصة بالمعنى الحرفي لا
ابراز الأمر الاعتباري النفساني ، فهنا دعويان :
الاُولى : أن المدلول الوضعي للأمر مادة وهيئة هو الطلب الخاص ، غاية الأمر أنه على
الأول معنى اسمي ، وعلى الثاني معنى حرفي ، ونتيجة كلا المعنيين واحدة وهي الوجوب .
الثانية : أن المدلول الوضعي له ليس هو قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني .
أما الدعوى الاُولى فقد عرفت وجهها وهو تبادر الطلب المولوي منه المساوق للوجوب
عرفاً عند الاطلاق وعدم القرينة على الاستحباب بدون فرق في ذلك بين مادة الأمر
وهيئته .
وإن شئت قلت أن الأمر مادة وهيئة متقوم ذاتاً بصدوره من المولى بعنوان المولوية ،
وهذا معنى اعتبار العلو في صدق الأمر وعدم كفاية الاستعلاء فقط ، ومن هنا لا يصدق
الأمر على طلب المستعلى إذا لم يكن عالياً واقعاً إلاّ بالعناية والمجاز ، وحينئذ
فاذا صدر أمر من المولى كان المتبادر منه الوجوب .
وأما الدعوى الثانية التي اختارها السيد الاُستاذ (قدس سره) فهي ترتكز على مقدمتين
:
الاُولى : مبنية على مسلكه (قدس سره) في باب الوضع ، حيث إنه في ذلك الباب قد اختار
أن الوضع هو التعهد(1) ، فلذلك التزم بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية
، وإن الأمر موضوع مادة وهيئة للدلالة على قصد ابراز الأمر
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 44 و45 .
ـ14ـ
الاعتباري النفساني .
الثانية : أن الانشاء ليس عبارة عن ايجاد المعنى باللفظ ، وذلك لأنه إن اُريد
بالايجاد ، الايجاد التكويني ، فهو غير معقول ، بداهة أنه تابع لسلسلة علله
التكوينية واللفظ ليس داخلا في تلك السلسلة . و إن اُريد به الايجاد الاعتباري ،
فهو بيد المعتبر وجوداً وعدماً ، سواءً كان هناك لفظ يتلفظ به أم لا ، ومن هنا قال
(قدس سره) : إن الانشاء عبارة عن ابراز الأمر الاعتباري النفساني(1) . وعلى هذا
فالأمر مادة وهيئة موضوع للدلالة على قصد ابرازه في الخارج ، فاذا اعتبر المولى
فعلا على ذمة المكلف كان ابرازه في الخارج بمبرز ما من مادة الأمر أو هيئته أو ما
يقوم مقامها انشاء ، ولكن كلتا المقدمتين غير صحيحة .
أما المقدمة الأولى فقد تقدم الكلام فيها في باب الوضع وقلنا هناك بأن حقيقة الوضع
ليست هي التعهد والالتزام النفساني ، بل هي تخصيص اللفظ بالمعنى اعتباراً وخارجاً
بشكل جاد و مؤكد على تفصيل قد مر هناك(2) ، ومن أجل ذلك قلنا في باب الوضع أن
الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية ، وعليه فلايمكن القول بأن الأمر موضوع
مادة وهيئة للدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني ، فانه مبني على مسلك
التعهد وهو غير صحيح ، وتمام البحث في ذلك قد سبق في باب الوضع .
وأما المقدمة الثانية فهي مبنية على تفسير الايجاد في كلام المشهور ( الانشاء ايجاد
المعنى باللفظ ) بالايجاد التصديقي ، فمن أجل ذلك أورد عليه بأن ما هو المشهور في
تفسير الانشاء من ايجاد المعنى باللفظ اما غير معقول إن اُريد بالايجاد
ـــــــــــــــــــــ
(1)المصدر المتقدم : 88 .
(2) راجع الأجزاء السابقة .
ـ15ـ
الايجاد التكويني ، أو غير صحيح إن اُريد به الايجاد الاعتباري(1) .
ولكن من الواضح أن هذا التفسير منه (قدس سره) خاطىء جداً ، فانه لا ينسجم مع المسلك
المشهور في باب الوضع ، فان الدلالة الوضعية على المشهور دلالة تصورية لا تصديقية ،
وعلى هذا فحيث أن إيجاد المعنى في كلام المشهور مدلول اللفظ كالصيغ الانشائية أو ما
يقوم مقامها ، فلا محالة يكون المراد منه الايجاد التصوري دون التصديقي ، إذ لا
يعقل أن يكون المدلول الوضعي على المشهور مدلولا تصديقياً أو مقيداً بقيد تصديقي ،
فاذن لا يمكن أن يكون المراد من الايجاد في كلامهم الايجاد التصديقي ، وإلاّ لزم
خلف فرض كون المدلول الوضعي عندهم مدلولا تصورياً لا تصديقياً ، وعليه فلا أصل
للتفسير المذكور . هذا من ناحية ،
ومن ناحية أخرى أنه لا بأس بتفسير المشهور الانشاء بايجاد المعنى باللفظ أو ما يقوم
مقامه في الجملة ، وذلك لأن معنى إيجادية المعنى الانشائي أنه سنخ معنى يوجد مصداقه
بنفس أداة الانشاء في وعائه المناسب له ، فالأمر مادة وهيئة موضوع للطلب الخاص
المساوق للوجوب عند عدم القرينة على الخلاف ، فاذا صدر من المولى في مورد فقد أوجد
فرداً من هذا الطلب الخاص فيه بنفس هذا الأمر في وعاء الانشاء والطلب ، مثلا معنى
النكاح سنخ معنى يوجد مصداقه بنفس صيغة النكاح كقولك أنكحت وزوّجت وما شاكل ذلك
معقباً بالقبول في وعاء الانشاء ، وكذلك الحال في معنى البيع والشراء ونحوهما .
وإن شئت قلت أن صيغة الانشاء مستعملة في معناها الموضوع له الفاني في مصداق له يوجد
بنفس هذه الصيغة في وعائه المناسب ، مثلا جملة بعت موضوعة لتمليك عين بعوض ، فاذا
استعمل البائع هذه الجملة في مقام البيع وقال
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 88 .
ـ16ـ
بعت هذا الفرس مثلا بكذا ، فقد أوجد فرداً من تمليك عين بعوض في عالم الانشاء بنفس
هذه الصيغة ، وجملة أنكحت موضوعة لزوجية المرأة للرجل ، فاذا استعمل العاقد هذه
الجملة وقال أنكحت المرأة المعلومة من الرجل المعلوم فقد أوجد فرداً من الزوجية
والعلاقة بينهما في عالم الانشاء بنفس هذه الجملة ، وصيغة الأمر موضوعة للنسبة
الطلبية ، فاذا صدرت من المولى بعنوان المولوية فقد أوجد فرداً ومصداقاً من تلك
النسبة بها في عالم الطلب والبعث ، ومعنى هذا ليس استعمال الجملة الانشائية في
الفرد والمصداق ، بل هي مستعملة في معناها الموضوع له فانياً في مصداق يوجد بنفس
الجملة في عالم التصور واللحاظ . وهذا هو معنى إيجادية المعنى الانشائي ، ومن ذلك
يظهر أن الصحيح في تفسير الانشاء أن يقال ، أنه إيجاد مصداق المعنى باللفظ أو ما
يقوم مقامه في الوعاء المناسب له ، باعتبار أن اللفظ لا يعقل أن يكون علة و سبباً
لوجود معناه في وعائه ، بداهة أن المعنى لابد أن يكون ثابتاً فيه لكي يكون اللفظ
موضوعاً بازائه ودالا عليه ، مثلا جملة بعت موضوعة لتمليك عين بعوض وتدل عليه
فانياً في مصداقه الذي وجد بنفس الجملة تصوراً وتصديقاً ، حيث أن شأن كل مفهوم هو
الفناء في مصداقه والمرآة له في موطنه حتى في مرحلة التصور .
والخلاصة : أن الانشاء إيجاد مصداق المعنى باللفظ أو ما يقوم مقامه في عالم التصور
دون ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أنه متمثل في ابراز الأمر الاعتباري
النفساني في الخارج ، فان تفسيره بذلك بلا مبرر حتى على مسلكه (قدس سره) في باب
الوضع ، فان لازم هذا المسلك كون المدلول الوضعي مدلولا تصديقياً ، وإما كونه قصد
ابراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج فهو لايقتضي ذلك . اذ كما يمكن أن يكون
مدلولها ذلك يمكن أن يكون مدلولها إيجاد مصداق المعنى في عالم التصديق ، بل الثاني
هو المتفاهم العرفي من الجمل الانشائية بمعنى أن المتبادر منها
ـ17ـ
عرفاً هو إيجاد مصداق المعنى باللفظ أو ما يقوم مقامه ، غاية الأمر بناء على مسلكه
(قدس سره) في باب الوضع أن هذا الايجاد إيجاد تصديقي لاتصوري .
إلى هنا قد وصلنا إلى النتائج التالية :
الاُولى : أن أكثر المعاني التي ذكرت لمادة الأمر ليس معنى لها جزماً ،
إذ احتمال أنها موضوعة بازائها بالحمل الأولي الذاتي أو الشايع الصناعي غير محتمل
كما تقدم .
الثانية : أنها مشتركة بين معنيين :
أحدهما : الطلب الخاص الذي هو معنى حدثي قابل للتصريف والاشتقاق .
ثانيهما : المعنى الجامد الذي هو غير قابل للتصريف ، وهذا المعنى الجامد ليس
مرادفاً للشيء لأنه يصدق على الأعيان دون الأمر ، فإذن تفسيره بالشيء غير صحيح ، بل
الظاهر أن النسبة بينهما عموم من وجه ، فإن الشيء يصدق على الأعيان دون الأمر
والأمر يصدق على الفعل المضاف إلى الفاعل مطلقاً دون الشيء على ما مرّ تفصيله آنفاً
.
الثالثة : أن ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن المعنى الآخر للأمر هو
الواقعة المهمة غير تام ، إذ الأمر يصدق على الشيء غير المهم بدون تهافت وعلى
المحال ،
كقولنا : « شريك الباري أمر محال » مع عدم صدق الواقعة المهمة عليه ، كما أن ما
ذكره المحقق الأصبهاني (قدس سره) من أن المعنى الآخر له الفعل غير تام ، لأنه أعم
منه لصدقه على المحال بينما لا يصدق الفعل عليه هذا ، والظاهر أنه معنى عام ينطبق
على الواقعة المهمة وغيرها وعلى الفعل والشأن والفعل العجيب والمحال والعدم وهكذا .
ـ18ـ
الرابعة : أن محاولة المحقق النائيني والمحقق الأصبهاني (قدس سرهما) إلى ارجاع
المعنيين المذكورين إلى معنى واحد لا ترجع إلى معنى صحيح كما تقدم .
الخامسة : أن معنى الطلب لغة وعرفاً هو السعي وراء المقصود ، غاية الأمر إن كان ذلك
بشكل مباشر كطالب الضالة فهو طلب تكويني ، وإن كان بتحريك غيره فهو طلب تشريعي .
السادسة : أنه لا شبهة في أن المتبادر عرفاً من مادة الأمر هو الطلب الخاص بالمعنى
الاسمي المساوق للوجوب إذا لم تكن قرينة على الخلاف .
السابعة : أن صيغة الأمر موضوعة للنسبة الطلبية بين المادة والمخاطب وتدل عليها في
وعاء الطلب وبذلك تمتاز عن أختيها الماضي والمضارع ، وهذه النسبة الطلبية مساوقة
للوجوب إذا لم تكن هناك قرينة على الخلاف .
الثامنة : أن ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن الأمر مادة وهيئة موضوع
للدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني غير تام ، لأنه مبني على مسلكه
(قدس سره) في باب الوضع ، وقد مرّ عدم صحة هذا المسلك .
وأما الكلام في المقام الثالث فبعد ما عرفت من دلالة الأمر مادة وهيئة على الوجوب ،
وقع الخلاف بين الاُصوليين في كيفية تفسير هذه الدلالة وتحديد منشأها على أقوال .
القول الأول : أن منشأ هذه الدلالة الوضع .
القول الثاني : أن منشأها الاطلاق ومقدمات الحكمة .
القول الثالث : أن منشأها حكم العقل .
أما القول الأول : فلا شبهة في دلالة مادة الأمر على الوجوب اذا وردت من
ـ19ـ
قبل الشرع عند عدم القرينة على الخلاف ، وهذه الدلالة مستندة إلى نفس اللفظ لا إلى
جهة خارجة عنه كالاطلاق بمقدمات الحكمة أو حكم العقل . والوجه في ذلك ما عرفت من أن
المتبادر والمنسبق منه عرفاً ارتكازاً وفطرة هو الطلب اللزومي ، ولا يتوقف هذا
التبادر والانسباق على شيء غير صدوره من المولى وعدم القرينة على الخلاف ، وهذا
معنى كون دلالة الأمر على الوجوب إنما هي بالوضع لا بالاطلاق ومقدمات الحكمة ولا
بحكم العقل .
وأما صيغة الأمر فقد تقدم أنها موضوعة للدلالة على النسبة الطلبية بين المادة
والمخاطب وتدل على تلك النسبة في وعائها ، فاذا استخدمها المولى في مقام البعث
والطلب بعنوان المولوية صدق عليها عنوان الأمر ، فاذا صدق عليها ذلك كان المتبادر
منها عرفاً وارتكازاً هو نسبة إيجاد المادة إلى المخاطب بنحو اللزوم والوجوب ، ولا
تتوقف هذه الدلالة على شيء ماعدا صدورها من المولى وعدم نصب قرينة على الترخيص في
الترك ، فالنتيجة أن منشأ دلالة الأمر مادة وهيئة على الوجوب انما هو الوضع لا غيره
.
أما القول الثاني : وهو أن منشأ دلالة الأمر مادة وهيئة على الوجوب انما هو الاطلاق
ومقدمات الحكمة فقد اختاره المحقق العراقي (قدس سره)(1) وله في المقام دعويان :
الاُولى : أن الأمر لا يدل على الوجوب بالوضع .
الثانية : أنه يدل عليه بالاطلاق ومقدمات الحكمة .
أما الدعوى الاُولى فقد أفاد (قدس سره) في وجهها ، أنه لا شبهة في صدق الأمر حقيقة
على الطلب الصادر من المولى وإن كان ندبيّاً ، فلو كان الأمر حقيقة في
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقالات الاُصول 1 : 208 و222 .
ـ20ـ
الوجوب وموضوعاً بازائه لم يصح اطلاقه على الطلب الندبي إلاّ بالعناية والمجاز ،
وعليه فصحة اطلاق الأمر على الطلب الندبي حقيقة قرينة واضحة على أن الأمر موضوع
للطلب الجامع بين الوجوب والندب ، ويؤيد ذلك تقسيم الطلب إليهما(1) .
ويرد عليه أنه مصادرة واضحة ، فان صحة اطلاق الأمر حقيقة على الطلب الندبي منوط
بكون الأمر موضوعاً للجامع بين الوجوب والندب ، وأما اذا كان موضوعاً للوجوب فقط
فيكون اطلاقه على الطلب الندبي مجازاً ، ومن الواضح أن اطلاق الأمر على الطلب
الندبي حقيقه ليس أمراً مسلماً لكي يجعل ذلك قرينة على أنه لا يدل على الوجوب ولم
يوضع بازائه .
فالنتيجة : أنه لا يمكن اثبات وضع الأمر للجامع بصحة اطلاقه على الطلب الندبي حقيقة
لأنه دوري ، على أساس أن صحة اطلاقه كذلك متوقفة على وضعه للجامع وإلا لم يصح إلاّ
بالعناية والمجاز ، فلوكان وضعه للجامع متوقفاً عليها لدار . وأما صحة التقسيم فهي
لاتصلح أن تكون مؤيدة ، لأنها لا تدل على أكثر من استعمال الأمر في الجامع وهو أعم
من الحقيقة .
وأما الدعوى الثانية وهي أن دلالة الأمر على الوجوب إنما هي بالاطلاق ومقدمات
الحكمة ، فيمكن تقريب ذلك بعدة وجوه :
الأول :أن الطلب الوجوبي طلب تام وكامل ، وحيث أن كمال الشيء عين الشيء لا أنه أمر
زائد عليه ، فلا يحتاج بيانه في المقام إلى مؤونة زائدة ، وهذا بخلاف الطلب الندبي
فانه طلب ناقص وضعيف ، والنقص والضعف أمر عدمي
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأفكار 1 : 160 .
ـ21ـ
فلايمكن أن يكون عين الطلب ، وحينئذ فلا محالة يكون أمراً زائداً عليه ، فبيانه
بحاجة إلى مؤونة زائدة ولا يكفي اطلاق الأمر ، وعلى هذا فاذا ورد أمر من المولى
بشيء وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الندب كان مقتضى اطلاقه الوجوب ،
والخلاصة أن الطلب الندبي بما أنه مشتمل على خصوصية زائدة فارادته من الأمر بحاجة
إلى قرينة تدل عليها ولا يكفي اطلاق الأمر في ذلك ، فانه لا يدل إلا على ذات المقيد
، وهذا بخلاف الطلب الوجوبي ، فحيث إنه غير مشتمل على خصوصية زائدة فارادته من
الأمر لا تتوقف على قرينة تدل عليها بل يكفي نفس اطلاق الأمر(1) .
ولنأخذ بالمناقشة فيه ، بتقريب أنه إن أراد بالطلب الشديد الوجوب وبالطلب الضعيف
الندب ، فيرد عليه أن الوجوب والاستحباب لا تتصفان بالشدة والضعف ، على أساس أنهما
من الأمور الاعتبارية التي لا واقع
موضوعي لها خارجاً ، ومن الواضح أن صفتي الشدة والضعف من الصفات الحقيقية الطارئة
على الموجودات الخارجية الواقعية كعروضها على البياض والسواد ونحوهما .
وبكلمة ، أن الأحكام الشرعية في أنفسها اُمور اعتبارية لا واقع موضوعي لها في
الخارج غير اعتبار من بيده الاعتبار ، ولهذا ليست داخلة تحت أنه مقولة من المقولات
الواقعية ، ولا يعقل اتصافها بالصفات الحقيقية التي تعرض على المقولات الحقيقية في
الخارج ، وعلى هذا فلا موضوع لما ذكره (قدس سره) من أن اطلاق الأمر بمقدمات الحكمة
يعين الطلب المساوق للوجوب وهو الطلب الضعيف دون الطلب المساوق للاستحباب وهو الطلب
الضعيف ، ومع الاغماض عن ذلك
ـــــــــــــــــــــ
(1) مقالات الاُصول 1 : 208 . نهاية الأفكار 1 : 162 وانظر هداية المسترشدين : 141
.
ـ22ـ
وتسليم أن الوجوب هو الطلب الشديد والاستحباب هو الطلب الضعيف ، إلا أن نتيجة ذلك
ليست ما أفاده (قدس سره) لا بنظر العرف ولا العقل ، أما بنظر العرف فكما أن صفة
الضعف خصوصية زائدة على ذات الشيء فكذلك صفة الشدة ، ومن هنا تكون المرتبة الشديدة
من الشيء بنظر العرف مباينة للمرتبة الضعيفة منه ، لا أنه في المرتبة الضعيفة مشتمل
على أمر زائد دون المرتبة الشديدة ، وعلى هذا فالطلب الشديد والطلب الضعيف مرتبتان
من الطلب كل منهما متخصصة بخصوصية زائدة على ذات الطلب ، وإرادة كل منهما بحاجة إلى
قرينة والاطلاق لا يفي إلاّ لارادة الجامع دون الزائد عليه . وأما بالنظر الدقي
العقلي ، فكما أن المرتبة الشديدة عين الطبيعي الجامع في الخارج ، فكذلك المرتبة
الضعيفة ، مثلا البياض ذات مراتب متفاوتة من المرتبة الشديدة إلى المرتبة الضعيفة ،
ومن الواضح أن كل مرتبة من هذه المراتب عين البياض خارجاً لا أنها مركبة منه ومن
غيره ، بلا فرق في ذلك بين المرتبة الشديدة والمرتبة الضعيفة . أو فقل ، أن مفهوم
الشدة والضعف بالحمل الأولي الذاتي وإن كان مبايناً للبياض ، إلا أن الكلام ليس في
ذلك ، بل في واقعها بالحمل الشايع ، ومن المعلوم أن واقعهما بهذا الحمل عين البياض
خارجاً بلا فرق في ذلك بين المرتبة الشديدة والمرتبة الضعيفة ، فان المرتبة الضعيفة
من البياض ليست مركبة منه ومن الأمر العدمي .
وحيث أن المتبع في باب الألفاظ إنما هو نظر العرف ، فلايمكن التمسّك باطلاق الأمر
الوارد في الكتاب والسنة لتعيين الوجوب وإرادته دون الاستحباب ، لأن إرادة كل منهما
بحاجة إالى قرينة ، واطلاق الأمر لايفي إلا لإرادة الجامع دون خصوصية زائدة ، بل
لايمكن التمسك به بنظر العقل أيضاً لأن الاطلاق لايدل إلا على الجامع وخصوصية الشدة
والضعف وإن كانت عين الجامع بنظر العقل لازائدة عليه ، إلاّ أن هذه العينية إنما هي
في عالم الخارج لا في عالم المفهوم ،
ـ23ـ
والمفروض أن الاطلاق لايدل على الجامع الموجود في الخارج ، بل لو دلّ على ذلك
فتعيين أنه الحصة الشديدة أو الضعيفة بحاجة إلى دال آخر .
وإن أراد (قدس سره) بالطلب الشديد أو الضعيف ملاك الحكم في مرحلة المبادي ، بتقريب
أن الأمر مادة وهيئة يدل على الطلب بالمطابقة وعلى ملاكه بالالتزام المتمثل في
إرادة المولى الناشئة عن المصلحة والمحبوبية في الواقع . وهذا الملاك قد يكون
شديداً كما في الواجبات وقد يكون ضعيفاً كما في المستحبات ، وحيث أن شدة الملاك من
سنخه وليست شيئاً زائداً عليه وضعفه أمر زائد عليه ، فاذا صدر أمر من المولى وكان
في مقام البيان ولم ينصب قرينة على ضعف الملاك وعدم شدته ، فلا مانع حينئذ من
التمسك باطلاقه لاثبات الارادة الشديدة .
فيرد عليه أولا : أنه لا يمكن التمسك باطلاق الأمر بالنسبة إلى مدلوله الالتزامي
إذا لم يكن له اطلاق بالنسبة إلى مدلوله المطابقي ، لما تقدم من أن كلا من الوجوب
والاستحباب لايتصف بالشدة والضعف ، وعلى تقدير الاتصاف ، فكل من الصفتين أمر زائد
على ذات الطلب لاخصوص صفة الضعف ، فاذن إرادة كل منهما بحاجة إلى قرينة وبدونها ،
فالكلام مجمل فلا يدل على الوجوب ولا على الاستحباب ، فاذا لم يكن له اطلاق بالنسبة
إلى المدلول المطابقي وهو الوجوب لم يكن له اطلاق بالنسبة إلى المدلول الالتزامي
أيضاً وهو الملاك ، لأن الدلالة الالتزامية تتبع الدلالة المطابقية حدوثاً وبقاءً
واطلاقاً وتقييداً .
فاذن لايمكن التمسك باطلاق الأمر لاثبات ملاك الوجوب .
وثانياً : مامرّ من أنه لا فرق بين الشدة والضعف لا بنظر العقل ولا بنظر العرف ،
أما بنظر العقل فكما أن الارادة الشديدة بحدها حقيقة الارادة لا أنها إرادة وشيء
زائد عليها فكذلك الارادة الضعيفة ، فانها بحدها حقيقة الارادة لا
ـ24ـ
أنها إرادة وعدم ، وكذلك الحال في المصلحة والمفسدة والمحبوبية والمبغوضية .
وأما بنظر العرف فقد مرّ ، أن كلا من صفتي الشدة والضعف خصوصية زائدة على الطبيعي
الجامع ، لا أن صفة الضعف خصوصية زائدة دون صفة الشدة فلا فرق بينهما من هذه
الناحية .
وبكلمة ، أن ملاك الوجوب يختلف عن ملاك الاستحباب ، وهذا الاختلاف لا يخلو من أن
يكون في الكم أو في الكم والكيف معاً أو في الكيف فقط ولا رابع في البين ، أما إذا
كان في الكم كما إذا افترضنا أن المصلحة في فعل إذا بلغت من جهة الزيادة عشر درجات
مثلا فهي ملاك الوجوب و إذا كانت أقل منها فهي ملاك الاستحباب ، وعلى هذا فملاك كل
منهما متخصص بخصوصية فلا يمكن اثباتها باطلاق الأمر ، لأنه لايفي إلا لاثبات الجامع
دون تخصصه بخصوصية خاصة ، فانه بحاجة إلى دال آخر ، وأما إذا كان الاختلاف في الكم
والكيف معاً فالأمر فيه أيضاً كذلك ، وأما إذا كان في الكيف فقط يعني في الشدة
والضعف فقد عرفت أنه لا فرق بينهما لابنظر العرف ولا بنظر العقل .
فالنتيجة ، في نهاية المطاف أن ما أفاده المحقق العراقي (قدس سره) من دلالة الأمر
على الوجوب بالاطلاق ومقدمات الحكمة لايمكن المساعدة عليه بوجه .
الثاني : أنه لا شبهة في أن كل من يطلب فعلا عن غيره في اطار الأمر ، فالظاهر من
حاله أنه إنما يطلبه من أجل إيجاده في الخارج ، وعليه فلابد أن يكون طلبه إياه بحد
ذاته مما لا قصور فيه للتوسل به إلى إيجاده ، ومن المعلوم أن ذلك الطلب هو الطلب
اللزومي فانه لا قصور فيه من هذه الناحية ، وعلى هذا فلوكان هناك مايقتضي قصور طلبه
عن التأثير التام في إيجاد المطلوب والزامه به ، إما في الملاك أو لوجود مانع لكان
عليه أن ينصب قرينه على ذلك ، فاذا لم
ـ25ـ
ينصب قرينة كان مقتضى اطلاق الأمر أنه لا قصور فيه ، فيكون عدم نصب القرينة على
الاستحباب قرينة على الوجوب(1) .
والجواب أولا : ما عرفت من أن الأمر يدل مادة وهيئة على الوجوب بالوضع ، ولا تتوقف
هذه الدلالة على ما ذكره (قدس سره) من المقدمة ، وهي ظهور حال الأمر في أن أمره تام
في التوسل به إلى إيجاد المطلوب ومساوق لسد تمام أبواب العدم للانبعاث والتحرك نحو
إيجاده في الخارج .
وثانياً : أن هذا الوجه في نفسه غير تام ، لأنه مبني على أحد أمرين :
الأول : الغلبة بدعوى أن الغالب فيمن يأمر بشيء ويطلبه من غيره فانما يطلبه من أجل
إيجاده في الخارج واندفاعه إليه وتأثيره فيه تأثيراً تاماً .
الثاني : أن اطلاق الأمر الصادر من المولى ينصرف إلى إرادة الفرد التام والكامل وهو
الوجوب ، فان كماله وتماميته منشأ لهذا الظهور والانصراف ، ولكن كلا الأمرين ممنوع
.
أما الأمر الأول ، فيرد عليه أولا : منع الغلبة لأن الأوامر الاستحبابية الواردة في
الشريعة المقدسة لولم تكن أكثر من الأوامر الوجوبية ، فلا شبهة في أن الأوامر
الوجوبية ليست بأكثر منها بمرتبة تؤدي كثرتها إلى تكوين هذه القاعدة وهي قاعدة
الغلبة .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم كثرة الأوامر الوجوبية بهذه المرتبة ، إلا أن
هذه القاعدة قاعدة ظنية فلاتكون حجة .
وعلى الجملة فلولم يكن الأمر في نفسه ظاهراً في الوجوب ، لم يمكن حمله عليه
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأفكار 1 : 163 ومقالات الاُصول 1 : 208 .
ـ26ـ
على أساس الغلبة التي لاقيمة لها شرعاً .
وأما الثاني فقد مر ، أن الوجوب والاستحباب في أنفسهما لايتصفان بالشدة والضعف
والكمال والنقض ، وإنما يتصفان بهما بلحاظ مبادئهما ، على أساس أنها روح الحكم
وحقيقته . هذا إضافة إلى أن التمامية والشدة لاتصلح أن تكون منشأً للانصراف ، لأن
منشأ الانصراف إنما هو كثرة الاستعمال دون الكمال والتمام ، فاذا فرض أن الامر
موضوع للجامع بين الوجوب والاستحباب ، فانصرافه إلى الوجوب عند الاطلاق منوط بكثرة
استعماله فيه لابتماميته ولو بلحاظ مبدئه .
فالنتيجة ، أن كلا الأمرين لايصلح أن يكون منشأً لظهور الأمر في الوجوب .
الثالث : أن الوجوب عبارة عن طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك ، والاستحباب عبارة
عن طلب الفعل مع الترخيص في الترك ، فهما يشتركان في الجامع وهو الطلب المتعلق
بالفعل ويمتازان في القيد ، فان الوجوب مقيد بقيد عدمي والاستحباب مقيد بقيد وجودي
، فاذا كانت للجامع حصتان وكان المميز لإحداهما أمراً عدمياً وللاُخرى أمراً
وجودياً ، فمقتضى اطلاق الدليل تعين الحصة الاُولى دون الثانية ، باعتبار أنها
مقيدة بقيد عدمي فلايحتاج بيانها إلى مؤونة زائدة ودليل آخر ، بل يكفي في ذلك عدم
نصب قرينة على إرادة الثانية ، وعلى ذلك فاذا ورد أمر بشيء من قبل المولى ولم تكن
قرينة على الترخيص فهو محمول على الوجوب(1) .
والخلاصة : أن الاستحباب بما أنه مقيد بقيد وجودي فبيانه بحاجة إلى مؤونه زائدة
وقرينة لكي تدل على قيده الوجودي ، والوجوب بما أنه مقيد بقيد عدمي فبيانه لايحتاج
إلى مؤونة زائدة لأن القيد العدمي لايحتاج إلى بيان مستقل .
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 21 .
ـ27ـ
والجواب أولا : أن الوجوب ليس مركباً من الأمر الوجودي والأمر العدمي بل هو أمر
بسيط . نعم ، أن لازمه عدم الترخيص في الترك لا أنه جزئه .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أنه مركب ، إلا أنه مركب من طلب الفعل والمنع
عن الترك ، فيكون القيد وجودياً لا عدمياً ، وعليه فلا فرق بين الوجوب والاستحباب
من هذه الناحية .
وقد يستدل على ذلك بأن صيغة الأمر تدل على الارسال والدفع بنحو المعنى الحرفي ،
ولما كان الارسال والدفع مساوقاً لسد تمام أبواب العدم للتحرك والاندفاع ، فمقتضى
إصالة التطابق بين المدلول التصوري والمدلول التصديقي أن الطلب والحكم المبرز
بالصيغة سنخ حكم يشتمل على سد تمام أبواب العدم .
ويمكن المناقشة فيه بأن هذا التقريب لايختص بصيغة الأمر بل يجري في مادته أيضاً ،
لأن مادة الأمر وإن لم توضع للنسبة الارسالية والطلبية ، باعتبار أن معناها معنى
اسمي وليس بحرفي ، إلا أنها موضوعة للطلب بالمعنى الاسمي ، ولكن الدفع والتحرك
والارسال لازم للطلب المذكور ، فاذن تدل المادة على الطلب بالمطابقة وعلى الدفع
والارسال بالالتزام وهو مساوق لسد تمام أبواب العدم للتحرك والاندفاع ، وحيث أن
أصالة التطابق لاتختص بالمدلول المطابقي بل تجري في المدلول الالتزامي أيضاً ،
فيكون الطلب والحكم المبرز بالمادة سنخ حكم يشتمل على سد تمام أبواب العدم .
هذا إضافة إلى أن ما فرض في هذا التقريب من أن الدفع والارسال مساوق لسد تمام أبواب
العدم للاندفاع والتحرك قابل للمناقشة ، لأن الدفع والارسال جامع بين حصة مساوقة
للوجوب وحصة مساوقة للاستحباب ، فما هو مساوق لسد تمام أبواب العدم هو الحصة
الاُولى دون الجامع ، فاذن تمامية هذا التقريب
ـ28ـ
تتوقف على تمامية أحد الوجوه المتقدمة ، وحيث أنها جميعاً غير تامة فلايتم ذلك
أيضاً ، تحصل مما ذكرناه أن ما اختاره المحقق العراقي (قدس سره) من أن دلالة الأمر
على الوجوب مادة وهيئة إنما هي بالاطلاق ومقدمات الحكمة لا بالوضع لايتم .
وأما القول الثالث وهو أن الأمر لايدل على الوجوب لا بالوضع ولا بالاطلاق ومقدمات
الحكمة وإنما هو مستفاد من حكم العقل ، فقد اختاره المحقق النائيني (قدس سره) وتبعه
فيه السيد الاُستاذ (قدس سره) .
أما المحقق النائيني (قدس سره) فقد أفاد في وجهه أن صيغة الأمر موضوعة لايقاع
المادة على المخاطب ومستعملة فيه في جميع الموارد أعم من موارد الوجوب والاستحباب ،
ولكن العقل يحكم فيما إذا صدرت من المولى ولم تكن مقرونة بالقرينة على الترخيص في
الترك بلزوم الامتثال قضاء لحق المولوية وأداءً لوظيفة العبودية وتحصيلا للأمن من
العقوبة ، ولايصلح الاعتذار عن الترك بمجرد احتمال كون المصلحة غير لزومية طالما لم
تكن قرينة على ذلك لامتصلة ولا منفصلة(1) .
وأما السيد الاُستاذ (قدس سره) فقد قرب ذلك بما يلي :
أن الأمر موضوع مادة وهيئة للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني ، وحينئذ
فاذا أمر المولى بشيء فان نصب قرينة على الترخيص في الترك فهو ، وإلاّ فالعقل يحكم
بوجوب امتثاله والاتيان به في الخارج قضاء لحق المولوية وتحصيلا للامن من العقوبة ،
على أساس أن احتمال المولوية مساوق لاحتمال العقوبة إذا لم تكن قرينة على الأمن
منها ، ولا نقصد بالوجوب إلا ادراك العقل لابدية الخروج عن عهدته ، فيما إذا لم
يحرز لامن الداخل ولا من الخارج مايدل
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 144 .
ـ29ـ
على جواز تركه(1) .
ولنأخذ بالنقد عليه إما أولا : فلما تقدم من أن الأمر يدل مادة وهيئة على الوجوب
بالوضع ويكون هو المتبادر والمنسبق منه عند الاطلاق ارتكازاً وفطرة هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ، أن الأمر لم يوضع لا مادة ولا هيئة للدلالة على قصد ابراز الأمر
الاعتباري النفساني في الخارج ، لأن ذلك مبنيّ على مسلك التعهد في باب الوضع ، وقد
تقدم نقد هذا المسلك بما لا مزيد عليه .
وثانياً : أنه إن اُريد من حكم العقل بالوجوب ادراكه ذلك نظرياً فهو لا يمكن ،
ضرورة أنه لاطريق للعقل إلى الأحكام الشرعية وما لها من الملاكات والمباديء ، فلولا
النصوص الشرعية من الكتاب والسنة لم يكن بامكان العقل ادراك شيء من الأحكام الشرعية
من طريق ادراك مبادئها .
وإن اُريد من ذلك أن العقل ينتزع الوجوب من اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلف ،
بتقريب أن الأمر الصادر من الشارع يدل على اعتباره الفعل على ذمته ولا يدل على أكثر
من ذلك ، ولكن العقل ينتزع الوجوب منه مالم تكن هناك قرينة على الترخيص في الترك .
فيرد عليه أولا : ما عرفت من أن الأمر لم يوضع للدلالة على ابراز اعتبار الفعل على
ذمة المكلف .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أنه موضوع لذلك ، إلا أن حكم العقل بالوجوب
وانتزاعه منه منوط باحراز ملاكه في مرحلة المبادىء ولا طريق
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 14 ، 131 .
ـ30ـ
للعقل إلى احرازه فيها والوصول إليه ، والحاصل أن الأمر لا يدل إلا على الجامع بين
الوجوب والاستحباب ، فاذن حكم العقل بالوجوب بما أنه لايمكن أن يكون جزافاً ، فلا
محالة يكون مبنياً على احراز ملاكه ، والمفروض أنه ليس بامكانه ذلك وبالتالي ليس
بامكانه الحكم بالوجوب ، وإن اُريد من ذلك الحكم العقلي العملي بمعنى أن حكم العقل
بالوجوب في المقام يكون من تبعات حكمه بحسن الطاعة ووجوبها وقبح المعصية وحرمتها ،
على أساس أن الحاكم في هذا الباب هو العقل دون الشرع ، فيرد عليه أن الحاكم في باب
الطاعة وإن كان العقل تطبيقاً لكبرى قاعدة الحسن والقبح العقليين على المقام ، ولكن
من الواضح أن العقل لايحكم بوجوب الطاعة وقبح المعصية إلا بعد احراز موضوعه في
المرتبة السابقة وهو الوجوب والحرمة ، ومالم يحرز لم يحكم بلزوم الامتثال والطاعة ،
وأما إذا لم يكن موضوعه محرزاً كما في المقام إذ المفروض فيه أن الأمر الصادر من
المولى بشيء لايدل على وجوبه لا وضعاً ولا اطلاقاً ، ففي مثل ذلك لايمكن أن يحكم
العقل بوجوب الامتثال أداءً لوظيفة العبودية وتحصيلا للامن من العقوبة ، ضرورة أنه
منوط باحراز الوجوب في المرتبة السابقة ولو بالأصل العملي ، ومع عدم احرازه لا
موضوع له ، فاذن كيف يعقل أن يكون الوجوب بحكم العقل مع أنه متوقف على احرازه
مسبقاً .
وبكلمة ، أن العقل العملي وهو حكمه بالحسن والقبح يتبع ملاكه وموضوعه ويدور مداره
وجوداً وعدماً ، وحيث إن حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية من صغريات العقل
العملي ، فمن الواضح أنه لايحكم بذلك إلا بعد احراز موضوعه في المرتبة السابقة وهو
الوجوب والحرمة ، فما في كلام المحقق النائيني والسيد الاُستاذ (قدس سرهما) من أن
المولى إذا أمر بشيء ولم ينصب قرينة على الترخيص في الترك ، حكم العقل بلزوم
امتثاله تحصيلا للأمن من العقوبة لايرجع إلى معنى
ـ31ـ
صحيح ، لأن الأمر على الغرض لايدل على الوجوب لا بالوضع ولا بالاطلاق ، وعليه فيكون
الوجوب مشكوكاً ومع الشك فيه يرجع إلى أصالة البراءة ، ومع هذه الأصالة لايعقل حكم
العقل بلزوم الامتثال لأنه منوط باحتمال العقاب وهو منفي بها .
ودعوى أن منشأ حكم العقل بوجوب الامتثال هو أن احتمال المولوية مساوق لاحتمال
العقوبة إذا لم تكن هناك قرينة على الترخيص في الترك .
مدفوعة ، بأن احتمال المولوية إنما يكون مساوقاً لاحتمال العقوبة إذا كان في الشبهة
الحكمية قبل الفحص ، فان العقل يحكم فيها بلزوم الامتثال دفعاً لاحتمال العقاب ،
وأما إذا كان في الشبهة الحكمية بعد الفحص فلايحكم العقل فيها بلزوم الامتثال ،
بناء على ماهو الصحيح من أن الأصل الأولي فيها قاعدة قبح العقاب بلا بيان دون قاعدة
الاشتغال وحق الطاعة ، هذا إضافة إلى أن القرينة على الترخيص فيها موجودة وهي أدلة
البراءة الشرعية .
فالنتيجة ، أنه لايمكن أن تكون دلالة الأمر على الوجوب مادةً وهيئة بحكم العقل لا
بالعقل النظري ولا بالعقل العملي .
ثم أن بعض المحققين (قدس سره) قد أورد على هذا القول باشكالات اُخرى :
الأول : أن لازم هذا القول الالتزام بعدم الوجوب فيما إذا كان الأمر مقروناً بعام
يدل على الترخيص الشامل لمورده ، بتقريب أن حكم العقل بالوجوب معلق على عدم الترخيص
في الترك ، ومع الترخيص فيه لا موضوع لحكمه ، مثال ذلك إذا ورد في دليل أكرم العالم
العادل ثم ورد في دليل آخر لابأس بترك إكرام العالم ، فان بناء الفقهاء في مثل ذلك
الموافق للارتكاز العرفي هو الجمع بينهما بحمل العام على الخاص والالتزام بوجوب
إكرام العالم العادل ، فان ذلك من أحد
ـ32ـ
موارد الجمع العرفي بين الأدلة ، واعتبار التعارض بين العام والخاص من التعارض غير
المستقر ، على أساس أن الدليل الخاص بمقتضى الارتكاز العرفي الفطري قرينة على تحديد
المراد الجدي من العام ، هذا بناء على المشهور من أن مفاد الأمر الوجوب مادة وهيئة
، وأما بناء على ما ذكره السيد الاُستاذ والمحقق النائيني (قدس سرهما)من عدم دلالة
الأمر على الوجوب فلا تنافي بين الجملتين المذكورتين هما العام والخاص لكي تكون
الجملة الاُولى قرينة على تخصيص الثانية ، باعتبار أن الأمر في الاُولي لايدل إلاّ
على الطلب فقط وهو لا ينافي الترخيص في الترك في الثانية ، بل المتعين على هذا
المسلك أن تكون الجملة الثانية ( العام ) رافعة لموضوع حكم العقل بالوجوب في الجملة
الاُولى ، على أساس أن حكمه بالوجوب معلق على عدم ورود الترخيص في الترك من المولى
، والمفروض في المقام قد ورد الترخيص في الترك في إطار العام ، مع أنه ليس بامكان
أحد من الفقهاء الالتزام بهذا اللازم حتى المحقق النائيني والسيد الاُستاذ (قدس
سرهما)(1) .
ولكن يمكن المناقشة في هذا الاشكال بتقريب أن حكم العقل بوجوب امتثال الأمر الوارد
من المولى وإن كان معلقاً على عدم ورود الترخيص في الترك من قبل المولى ، إلا أن
ذلك إنما هو فيما إذا كان الترخيص فيه وارداً من قبله في إطار القرينة ، بحيث يرى
العرف عدم امكان حمل الأمر على الوجوب معها ، فان مثل هذا الترخيص يمنع عن حكم
العقل بوجوب الامتثال تأميناً للعقوبة بارتفاع موضوعه ، وأما إذا لم يكن الترخيص في
الترك في إطار القرينة بأن يكون في إطار الدليل العام كما في مثل المثال ، فالظاهر
أنه لا يمنع عن حكم العقل بالوجوب ولزوم الامتثال دفعاً لاحتمال العقاب ، لأن
الظاهر أنه غير معلق على الترخيص
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 19 .
ـ33ـ
في الترك مطلقاً وإن كان في ضمن دليل عام ، لأنه كما لايمنع عن دلالة الأمر على
الوجوب بالاطلاق ومقدمات الحكمة ، كذلك لايمنع عن حكم العقل بالوجوب ولزوم الامتثال
والخروج عن العهدة ، فانه منوط بعدم ورود الترخيص في الترك من قبل المولى في إطار
القرينة لامطلقاً ، ولهذا لا يرى العرف تنافياً بين حكم العقل بوجوب إكرام العالم
العادل في المثال وبين الترخيص في ترك إكرام
العالم مطلقاً .
وبكلمة ، أنه لاتنافي بين المدلول اللفظي للعام والمدلول اللفظي للخاص على هذا
المسلك ، لأن المدلول اللفظي الخاص هو طلب الفعل الجامع بين الوجوب والاستحباب
والمدلول اللفظي للعام هو الترخيص في تركه ولاتنافي بينما ، فإن التنافي إنما هو
بينه وبين الوجوب ، وموضوع حكم العقل بالوجوب ولزوم الامتثال والخروج عن العهدة
تأميناً للعقوبة هو طلب الفعل من المولى وعدم نصب قرينة على الترخيص ، فاذا تحقق
الأمران تحقق موضوع حكم العقل ، وحيث أن الترخيص في الترك في إطار الدليل العام ليس
ترخيصاً في إطار القرينة عرفاً ، فلايكون عدمه جزء موضوع حكم العقل ، وعلى هذا
فالترخيص في ضمن الدليل العام كما أنه لايمنع عن دلالة الأمر على الوجوب بالوضع
ولا بأطلاق مقدمات الحكمة ، كذلك لايمنع عن حكم العقل بالوجوب
ولزوم الامتثال .
الثاني : أن حكم العقل بالوجوب ولزوم الطاعة لايخلو من أن يكون معلقاً على عدم
الترخيص المتصل في الترك أو على الأعم منه ومن المنفصل في الواقع أو على عدم احراز
الترخيص فيه ، والكل لايمكن .
أما الأول : فلأن لازمه أنه إذا ورد أمر من المولى ولم ينصب قرينة متصلة على
ـ34ـ
الترخيص في الترك تم موضوع حكم العقل بالوجوب ولزوم الاطاعة ، ومعه يكون الترخيص
بالمنفصل منافياً له فيمتنع وهو واضح البطلان ، ضرورة أن القرائن المنفصلة على عدم
الوجوب في النصوص الشرعية من الكتاب
والسنة لاتكون أقل شأناً من القرائن المتصلة على ذلك ، فاذن كيف يمكن
الحكم بامتناعها .
وأما الثاني : فلأن لازمه عدم امكان احراز الوجوب عقلا عند الشك في وجود القرينة
المنفصلة على الترخيص في الترك في الواقع مع القطع بعدم وجود القرينة المتصلة على
ذلك ، باعتبار أن حكم العقل بالوجوب معلق على عدم الترخيص في الترك من قبل المولى
ولو منفصلا ، ومع الشك فيه لامحالة يشك في حكم العقل بالوجوب .
وأما الثالث : وهو كون حكم العقل معلقاً على عدم احراز الترخيص في الترك فهو خروج
عن محل الكلام ، لأن محل الكلام في الوجوب الواقعي الذي هو مشترك بين العالم
والجاهل لا في الوجوب المنجز المختص بالعالم ، هذا .
ويمكن المناقشة فيه أيضاً وذلك لأن حكم العقل بالوجوب وإن كان لايمكن تعليقه على
عدم الترخيص بالمتصل ولا على الأعم منه ومن عدم الترخيص بالمنفصل في الواقع للمحذور
المتقدم ، إلا أنه لا مانع من تعليقه على عدم احراز الترخيص في الترك ، لوضوح أن
حكم العقل بلزوم الطاعة والخروج عن العهدة تأميناً للعقوبة معلق على عدم احراز
الترخيص فيه من قبل المولى ، لأن هذا الحكم العقلي ليس حكماً واقعياً مشتركاً بين
العالم والجاهل ، بل هو حكم عقلي عملي متمثل في ادراك العقل لزوم طاعة المولى في
الأوامر الواردة من قبله إذا لم يحرز قرينة على الترخيص في الترك ، لما مر من أن
المراد من حكم العقل
ـ35ـ
بالوجوب حكم العقل العملي لا النظري كي يكون الوجوب وجوباً واقعياً مشتركاً بين
العالم والجاهل .
الثالث : إذا نسخ الوجوب وقع النزاع بين الفقهاء في أن الثابت بعد نسخ الوجوب هل هو
الجواز أو الاستحباب ؟
والجواب : أن المشهور هو الجواز دون الاستحباب ، مع أنه على هذا المسلك يتعيّن ثبوت
الاستحباب ، لأن الناسخ انما يرفع حكم العقل بالوجوب ولايرفع مدلول الأمر وهو الطلب
فيثبت الاستحباب .
والجواب : أن هذا ليس نقضاً على اصحاب هذا المسلك ، فان التزام المشهور بعدم ثبوت
الاستحباب مبني على مسلكهم من دلالة الأمر على الوجوب بالوضع ، فان الدليل الناسخ
حينئذ يرفع الوجوب الذي هو مدلول الأمر وبعد ارتفاعه فلا دليل على الاستحباب ، وأما
على ضوء هذا المسلك فلا مانع من الالتزام بثبوت الاستحباب بعد ارتفاع حكم العقل
بالوجوب بالنسخ ولا محذور فيه أصلا .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن الصحيح في المسألة القول الأول وهو
القول بأن الأمر مادة وهيئة موضوع للدلالة على الوجوب دون القول الثاني والثالث .
وهناك ثمرات فقهية تظهر بين الأقوال الثلاثة في المسألة في عديد من المسائل المبحوث
عنها في الاُصول ويأتي الكلام فيها في مواردها .
نتيجة البحث في المسألة عدّة نقاط :
الاُولى : أن في كيفية تفسير دلالة الأمر على الوجوب مادة وهيئة وتحديد
ـ36ـ
منشأها أقوالا :
الأول : أن منشأها الوضع .
الثاني : أن منشأها الاطلاق ومقدمات الحكمة .
الثالث : أن منشأها العقل .
الثانية : أن الصحيح من هذه الأقوال ، القول الأول لمكان التبادر الكاشف عن الوضع .
الثالثة : أن المحقق العراقي (قدس سره) قد اختار القول الثاني بتقريبات مختلفة ،
ولكن تقدم موسعاً عدم صحة جميع تلك التقريبات وعدم امكان الاستدلال بشيء منها .
الرابعة : أن المحقق النائيني والسيد الاُستاذ (قدس سرهما) قد إختارا القول الثالث
، بتقريب أن الأمر موضوع مادة وهيئة للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني أو
لايقاع المادة على المخاطب ، ولا يدل على الوجوب لا بالوضع ولا بالاطلاق ومقدمات
الحكمة ، ولكن العقل يحكم بلزوم الامتثال والخروج عن العهدة إذا لم تكن هناك قرينة
على الترخيص في الترك هذا ، وقد تقدم أنه لايمكن تخريج هذا القول صناعياً ، لأن
العقل النظري لاطريق له إلى ادراك الاحكام الشرعية من جهة عدم الطريق له إلى
ملاكاتها في مرحلة المبادي ، وأما
العقل العملي فحكمه بلزوم الامتثال منوط باحراز موضوعه في المرتبة السابقة وهو
الوجوب والحرمة ، وبدون احرازه فلا حكم له ، والمفروض في المقام عدم احراز موضوعه .
الخامسة : أن ما أورده بعض المحققين (قدس سره) من الاشكالات على ما هو لازم هذا
ـ37ـ
القول فقد تقدم المناقشة فيه .
وأما الكلام في المقام الرابع وهو أن الطلب متحد مع الارادة أو مغاير لها .
ففيه قولان :
القول الأول : اتحاد الطلب مع الارادة .
القول الثاني : مغايرة الطلب مع الارادة .
أما القول الأول فقد اختاره المحقق الخراساني (قدس سره) وقد أفاد في وجه ذلك ما
ملخصه : « إن لفظي الطلب والارادة موضوعان بازاء مفهوم واحد جامع بين فردين في
الخارج أي خارج اُفق الذهن ، أحدهما الفرد الحقيقي الخارجي وهو الارادة الحقيقية
والطلب الحقيقي والآخر الفرد الانشائي وهو الارادة الانشائية والطلب الانشائي .
فتكون الارادة الحقيقية عين الطلب الحقيقي وبالعكس ، والارادة الانشائية عين الطلب
الانشائي وبالعكس ، وليس المراد من اتحاد الطلب مع الارادة اتحاد الطلب الانشائي مع
الارادة الحقيقية والارادة الانشائية مع الطلب الحقيقي ، لأن المغايرة بينهما من
الواضحات ، ثم أحال (قدس سره) ما ذكره في المقام إلى الوجدان بدون أن يقيم برهاناً
عليه(1) .
ولنأخذ بالنقد عليه ، لا شبهة في أن مفهوم الطلب مغاير لمفهوم الارادة ، لأن
المتبادر والمنسبق عرفاً من لفظ الطلب هو السعي والتحرك وراء المقصود والمطلوب
والتصدي عملا نحو تحصيله ، غاية الأمر إن كان السعي بنحو المباشر كطالب الضالة
وطالب العلم فهو طلب تكويني ، وإن كان بتحريك غيره فهو طلب تشريعي . وهذا بخلاف
الارادة فانها مستعملة في معنيين :
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول طبع مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) 64 ـ 65 .
ـ38ـ
أحدهما : المشيئة والاختيار .
الثاني : الشوق المؤكد في النفس الذي يبلغ مرتبة الارادة ولا تكون متحدة مع الطلب
في شيء من المعنيين ، فانها بمعناها الأول وإن كانت من مقولة الفعل إلاّ أنها بهذا
المعنى من مبادىء الطلب الذي هو عنوان للفعل الخارجي ، وأما بمعناها الثاني فهي من
مقولة الكيف النفساني ولا ينطبق عليها عنوان الطلب ، فلا يقال لمن أراد تحصيل العلم
أنه طالب العلم أو تحصيل ضالته أنه طالب الضالة ، وعلى ضوء ذلك فالطلب مباين
للارادة مفهوماً ومصداقاً فلا يكون متحداً معها لا بالحمل الأولي الذاتي ولا بالحمل
الشايع الصناعي .
فالنتيجة ، أنهما ليسا من الألفاظ المترادفة جزماً ، وأما الارادة الانشائية فهي في
الحقيقة ليست بارادة في مقابل الارادة الحقيقية ، بداهة أنه ليس في النفس ارادتان
أحدهما الارادة الحقيقية والاُخرى الارادة الانشائية ، بل المراد منها الأمر
الانشائي من المولى المسبوق بالارادة الحقيقية ، وقد تقدم آنفاً أن السعي والتحرك
قديكون تكوينياً وقد يكون تشريعياً ، فالطلب التشريعي الانشائي هو الارادة
الانشائية ، وعليه فالارادة الانشائية عين الطلب الانشائي ، بمعنى أنهما شيء واحد
وهو الأمر التشريعي الذي قد يعبر عنه بالارادة التشريعية وقد يعبر عنه بالطلب
التشريعي ، كما أن مفهوم الطلب بالحمل الأولي وهو السعي والتصدي وراء المقصود جامع
بين الطلب التشريعي والارادة التشريعية والطلب التكويني ، لما مرّ من أن السعي
والتصدي إن كان بنحو المباشر فهو طلب تكويني وإن كان بتحريك غيره فهو طلب تشريعي .
ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن الطلب عنوان للفعل الخارجي
أو الذهني وليس منشأ بالأمر لا بمادته ولا بهيئته ، وعلى هذا فليس
ـ39ـ
للطلب الانشائي واقع موضوعي(1) لايتم ، وذلك لما عرفت من أن مفهوم الطلب بالحمل
الأولي وإن كان غير قابل للانشاء إلا أن مصداقه بالحمل الشايع إذا كان تشريعياً فهو
قابل للانشاء ، ومن هنا قلنا أن الأمر موضوع مادة وهيئة للطلب المولوي التشريعي
المساوق للوجوب على تفصيل تقدم ، فلذلك يكون الأمر مصداقاً للطلب . نعم ، ما ذكره
(قدس سره) من أن الطلب عنوان للفعل وليس منشأ مبني على مسلكه (قدس سره) في باب
الانشاء من أنه عبارة عن ابراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج بمبرز ما وليس
عبارة عن إيجاد المعنى باللفظ ، وعليه فيكون مدلول الأمر مادة وهيئة عبارة عن ابراز
الأمر الاعتباري النفساني في الخارج وليس مدلوله انشاء الطلب ، نعم يكون الطلب
عنواناً لذلك الأمر الاعتباري المبرز في الخارج بمبرز ما(2) هذا ، ولكن قد تقدم عدم
صحة هذا المسلك .
فالصحيح هو ماذكرناه من أن الأمر موضوع مادة وهيئة للطلب المولوي المساوق للوجوب
إذا لم تكن قرينة على الخلاف .
فالنتيجة ، أن الطلب الحقيقي مباين للارادة الحقيقية مفهوماً وواقعاً ، وأما
الارادة الانشائية فلا معنى لها غير الطلب الانشائي كما مرّ .
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 16 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 1 : 88 .
ـ40ـ
بحوث ونظريات
1 ـ نظرية الأشاعرة : الكلام النفسي ونقدها .
2 ـ نظرية الفلاسفة : إرادته تعالى عين ذاته ونقدها .
3 ـ نظرية الأشاعرة : مسألة الجبر ونقدها .
4 ـ نظرية الفلاسفة : مسألة الجبر ونقدها .
5 ـ نظرية المعتزلة : مسألة التفويض ونقدها .
6 ـ نظرية الامامية : مسألة الأمر بين الأمرين .
7 ـ الآراء والنظريات : حول مسألة العقاب والجزاء .
نظرية الأشاعرة : الكلام النفسي ونقدها …
نظرية الأشاعرة
الكلام النفسي ونقدها
يقع الكلام هنا في مرحلتين :
الاُولى : في تعيين المراد من الكلام النفسي عندهم .
الثانية : في تفنيد هذه النظرية .
أما الكلام في المرحلة الاُولى ، فلم يظهر من الأشاعرة تصريح ونص بالاتفاق على أن
الكلام النفسي الذي هو عندهم من الصفات الذاتية العليا كالعلم والقدرة ونحوهما
وقائم بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف وقديم هو
ـ41ـ
الطلب ، فان تعبيراتهم في المسألة مختلفة من مورد إلى مورد آخر ، فقد يعبر عنه في
كلماتهم بالأمر وقد يعبر عنه بالخبر وقد يعبر عنه بصيغة الخبر وقد يعبر عنه بالطلب
هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى أنهم لا ينكرون الكلام اللفظي لله تعالى ، بل يقولون به ولهذا قد
صرحوا بأن ما قالته المعتزلة لا ننكره نحن ، بل نقوله ونسميه كلاماً لفظياً ونعترف
بحدوثه وعدم قيامه بذاته تعالى ، ولكنا نثبت أمراً وراء ذلك وهو المعنى القائم
بالنفس الذي يعبر عنه بالألفاظ ونقول هو الكلام حقيقة وهو قديم قائم بذاته تعالى
وأنه غير العبارات ، إذ قد تختلف العبارات بالأزمنة والأمكنة والأقوام ولا يختلف
ذلك المعنى النفسي ، كما لا ينحصر الدلالة عليه بالألفاظ ، إذ قد يدل عليه بالاشارة
والكتابة(1) .
ومن هنا يظهر أن القول بالكلام النفسي لايتوقف على القول بأن الطلب مغاير للارادة ،
بل لو قلنا باتحاده معها فمع ذلك لا مانع من القول بالكلام النفسي ، فانه عند
القائلين به مدلول للكلام اللفظي ويتعدد بتعدّده وقائم بذاته تعالى قيام الصفة
بالموصوف وقديم وأنه غير الارادة والعلم والقدرة وغير الطلب ، لأن قيام الطلب بذاته
تعالى قيام الفعل بالفاعل ، وقيام الكلام النفسي بذاته سبحانه قيام الصفة بالموصوف
، كما أن القول بتغاير الطلب مع الارادة لا يستلزم القول بالكلام النفسي ، فان
الطلب كما مر فعل اختياري فلا يعقل أن يكون هو
الكلام النفسي .
فالنتيجة ، أن مسألة أن الطلب متحد مع الارادة أو مغاير لها لا ترتبط بمسألة
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف ( للشريف الجرجاني ) 8 : 93 .
ـ42ـ
الكلام النفسي لا اثباتاً ولا نفياً ، فانه في تلك المسألة سواء فيه القول بالاتحاد
أم التغاير فلابد في هذه المسألة من النظر إلى أدلتها ، ومن هنا يظهر أن محاولة
المحقق الخراساني (قدس سره) بأن القول باتحاد الطلب مع الارادة يستلزم بطلان القول
بالكلام النفسي(1) مما لا أساس لها ، فانها مبنية على أن الطلب لولم يكن متحداً مع
الارادة لكان هو الكلام النفسي ، ولكن عرفت أنه لا واقع موضوعي له ، فان الكلام
النفسي على ما ذكره الاشاعرة من المواصفات والمميزات لا ينطبق على الطلب لا الطلب
الحقيقي ولا الطلب الانشائي ، لأن كليهما أمر حادث مسبوق بالعدم وقيامه بالذات قيام
الفعل بالفاعل لا الصفة بالموصوف ، ثم أن الأشاعرة قد استدلوا على الكلام النفسي
بعدة وجوه :
الوجه الأول : ما ذكره في شرح المواقف من أن الكلام النفسي وراء الكلام اللفظي وهو
المعنى القائم بالنفس الذي يعبر عنه باللفظ أو غيره كالاشارة أو الكتابة وهو كلام
حقيقة وقديم قائم بذاته تعالى وهو غير العبارات ، حيث إن العبارات تختلف باختلاف
الأزمنة والأمكنة والاقوام ولا يختلف ذلك المعنى النفسي أبداً باختلافها الذي هو
الخبر وهو غير العلم ، حيث إن الرجل قد يخبر عما لا يعلمه بل يعلم خلافه أو يشك فيه
، فان الخبر هنا موجود دون العلم وهو الأمر غير الارادة ، لأن الشخص قد يأمر بما لا
يريد كالمختبر لعبده ، فان الأمر هنا موجود دون الارادة ، وفي هذه الصورة الموجود
واقعاً هو صيغة الأمر ، إذ لا طلب فيها كما لا إرادة قطعاً ، فاذن المعنى النفسي
الذي يعبر عنه بصيغة الخبر والأمر صفة ثالثة مغايرة للعلم والارادة قائمة بالنفس
وهي قديمة لامتناع
قيام الحادث بذاته تعالى . ومن الغريب جداً ما نسب إلى الحنابلة في شرح
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 65 . مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) .
ـ43ـ
المواقف ما نصه(1) .
قالت الحنابلة : كلامه تعالى حرف وصوت يقومان بذاته وأنه قديم وقد بالغوا فيه بنص
جهلا والجلد والغلاف قديمان فضلا عن المصحف(2) .
وهذا الدليل يتضمن عدة مميزات للكلام النفسي ، منها أنه مدلول للكلام اللفظي ومنها
أنه قائم بالنفس قيام الصفة بالموصوف لا الفعل بالفاعل ومنها أنه غير العلم وغير
الارادة ومنها أنه قديم لا حادث ، ولكن في هذا الدليل اشكالين :
الأول : أنه لا يمكن أن تتوفر هذه المميزات جميعاً في مدلول الكلام اللفظي ، بيان
ذلك أن الخطابات القرآنية تنقسم إلى مجموعتين :
المجموعة الاُولى : الخطابات الانشائية التي تتضمن اُموراً انشائية إيجادية .
المجموعة الثانية : الخطابات الاخبارية التي تتضمن الاخبار عن الوقائع والحوادث.
أما الخطابات الانشائية فلا يعقل أن يكون مدلولها من سنخ الكلام النفسي لعدم توفر
مميزاته فيه ، فانه وإن كان مدلولا للكلام اللفظي إلا أنه حادث مسبوق بالعدم وليس
بقديم وقائم بالنفس قيام الفعل بالفاعل ، باعتبار أنه فعل اختياري للشارع لا قيام
الصفة بالموصوف . نعم ، أنه غير العلم وغير الارادة فالعلم والارادة من المبادي له
.
فالنتيجة ، أن مدلول هذه الخطابات الانشائية حيث أنه أمر حادث مسبوق بالعدم لا قديم
وقائم بذاته تعالى قيام الفعل بالفاعل لا قيام الصفة بالموصوف ،
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف ( للشريف الجرجاني ) 8 : 93 .
(2) المصدر المتقدم : 92 .
ـ44ـ
فلايمكن أن يكون كلاماً نفسياً لعدم توفر مميزاته فيه ككونه قديماً وصفة ، وأما
الخطابات الاخبارية فلان مدلولها أيضاً لا يعقل أن يكون من سنخ الكلام النفسي ،
لأنه متمثل في ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه ، ومن الواضح أن مميزات الكلام
النفسي لا تتوفر فيه ، منها كونه صفة لله تعالى ليكون قيامه بذاته سبحانه قيام
الصفة بالموصوف ، ضرورة انه ليس صفة له تعالى حتى يكون قيامه بذاته كذلك ، وأما
الأخبار فهو فعله تعالى وقيامه به قيام الفعل بالفاعل .
فالنتيجة ، أن مدلول الخطابات القرآنية من الانشائية والاخبارية لا يمكن أن يكون من
سنخ الكلام النفسي .
الثاني : أن ما ذكر في هذا الدليل من أن الكلام النفسي غير العلم ، معللا بأن الرجل
قد يخبر عما لا يعلمه أو يعلم خلافه ، فان الكلام النفسي هنا موجود دون العلم غريب
جداً ، وذلك لانه ليس في هذا المورد إلا تصورالمخبرية بتصور ساذج مثلا يتصور موت
زيد من دون أن يعلم به أو يعلم أنه حيّ لاميت ثم يخبر عن موته في الخارج ، فإذن ليس
هنا إلا تصور موته، وحينئذ فان اُريد بالكلام النفسي هذاالتصورالساذج في اُفق الذهن
وأنه غير العلم والارادة، فيرد عليه أولا: أن الكلام النفسي مدلول للكلام اللفظي
وأنه سنخ معنى قائم بالنفس قيام الصفة بالموصوف وقديم، وهو بهذه المميزات لاينطبق
على الصورة الساذجة التي لاواقع لها غير وجودها في الذهن ، فانها ليست مدلولا
للكلام اللفظي ولا قديمة.
وثانياً : أن الكلام النفسي بهذا المعنى غير متصور في ذاته ، إذ لا يعقل قيام
التصور الساذج بذاته تعالى وتقدس ، لأنه عبارة عن انطباع صورة الشيء في اُفق الذهن
ولا موضوع له بالنسبة إلى ذاته المقدسة ، هذا إضافة إلى أن علمه تعالى بالأشياء
حضوري فلا يتوقف على مقدمة اُخرى .
ـ45ـ
وثالثاً : أن تصور الأشياء أي قيام صورها بالنفس من الصفات لها ومن مقولة الكيف
النفساني ، والفرض أن الكلام النفسي ليس من إحدى الصفات المعروفة في النفس والملكات
الموجودة فيها سواءً كانت من مقولة العلم أم لا .
ورابعاً : أن الكلام النفسي لايمكن أن يكون عبارة عن التصور الساذج ، لأنه أمر
وجداني ضروري فلا موضوع للبحث عن ثبوته والمطالبة بالدليل عليه .
وإن اُريد بالكلام النفسي الخبر فيرد عليه أولا : أن قيام الخبر بالمخبر قيام الفعل
بالفاعل لا قيام الصفة بالموصوف ، والفرض أن قيام الكلام النفسي بذاته تعالى قيام
الصفة بالموصوف لاالفعل بالفاعل . وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أنه صفة
للمخبر وقيامه به قيام الصفة بالموصوف إلا أنه صفة حادثة لا قديمة ، والمفروض أن من
مميّزات الكلام النفسي كونه قديماً فلهذا لا ينطبق
على الخبر .
والخلاصة : أن الكلام النفسي بما له من المميزات والمقومات لا ينطبق على الخبر لا
لفظاً ولا معنىً ولا صورة ، اما لفظاً فلأنه من مقولة الكيف المسموع وليس موجوداً
في النفس ولا قديماً ولهذا لا ينطبق عليه الكلام النفسي .
وأما معنىً فلأن صورته في الذهن تصوراً وتصديقاً من مقولة العلم والمفروض أن الكلام
النفسي غير العلم ، واما بلحاظ وجوده وراء الذهن فقد تقدم أنه ليس من سنخ الكلام
النفسي .
وأما صورة فلان صورة الكلام اللفظي في الذهن ليست مدلولا له والمفروض أن الكلام
النفسي مدلول للكلام اللفظي .
وأما قول الشاعر أن الكلام لفي الفؤاد وإنما ـ جعل اللسان على الفؤاد دليلا ،
ـ46ـ
فهو لا يدل على أن صورة الكلام في اُفق الذهن كلام نفسي ، حيث لا تتوفر فيها
مميزاته لمكان أنها من مقولة العلم من جهة وحادثة لا قديمة من جهة اُخرى ولم تكن
مدلولا للكلام اللفظي من جهة ثالثة .
الوجه الثاني : أن الله تعالى قد وصف نفسه بالتكلم في كتابة الكريم بقوله عزّ وجلّ
: (كَلَّمَ اللهُ مُوسى تَكْلِيْماً)(1) وحيث أن التكلم صفة له تعالى كالعلم
والقدرة والإرادة وما شاكلها فلا محالة يكون قائماً بذاته كسائر صفاته ، وعليه
فلابد من الالتزام بكون التكلم قديماً لاستحالة قيام الحادث بذاته تعالى كقيام
الحال بالمحل والصفة بالموصوف والعرض بالمعروض هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الكلام اللفظي حيث أنه مؤلف من حروف وأجزاء متدرجة متصرمة في
الوجود فلا محالة يكون حادثاً مسبوقاً بالعدم ولا يعقل أن يكون قديماً ، وعليه
فلايمكن أن يكون المراد من الكلام في الآية الشريفة الكلام اللفظي وإلاّ لزم كون
ذاته تعالى محلا للحوادث ، فإذن لا محالة يكون المراد منه الكلام النفسي وهو قديم
ولا يلزم من قيامه بذاته تعالى قيام الحادث بها ، فالنتيجة أن كلامه تعالى نفسي لا
لفظي(2) .
والجواب : أن هذا الوجه مبني على الخلط بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية بتخيل
أن جميع صفاته تعالى قديمة وقائمة بذاته قيام الصفة بالموصوف ،
بيان ذلك أن صفاته تعالى على نوعين :
الأول : الصفات الذاتية كالعلم والقدرة والحياة وما يؤول إليها ، فان هذه الصفات
عين ذاته تعالى في الخارج ولا اثنينية فيه ولا مغايرة ، فان قيامها بها
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء ( 4 ) : 164 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 25 .
ـ47ـ
قيام عيني وهو من أظهر وأعلى مراتب القيام لا قيام الصفة بالموصوف في الخارج أو
قيام الحال بالمحل فيه ، ومن هنا ورد في بعض الروايات أن الله
تعالى وجود كله وعلم كله وقدرة كله وحياة كله ، وهذا معنى قول أميرالمؤمنين (عليه
السلام)في نهج البلاغة(1) كمال الاخلاص نفي الصفات عنه لشهادة كل صفة أنها غير
الموصوف .
الثاني : الصفات الفعلية كالخلق والرزق والرحمة وماشاكلها فان هذه الصفات ليست عين
ذاته تعالى وتقدس ، حيث أن قيامها بها ليس قياماً عينياً كالصفات الذاتية بل قيامها
بها قيام الفعل بالفاعل ، على أساس أن مباديء هذه الصفات أفعاله تعالى فلهذا تنفك
عن ذاته المقدسة ، وليس كقيام الحال بالمحل وإلاّ لزم كون ذاته محلا للحوادث وهذا
مستحيل .
ومن هنا يظهر الفرق بين الصفات الفعلية والصفات الذاتية العليا ، فان الصفات
الفعلية غير ذاته تعالى خارجاً ووجوداً ولهذا لا مانع من فرض خلوّ ذاته عنها ،
بينما الصفات الذاتية عين ذاته تعالى خارجاً ووجوداً ولهذا يستحيل فرض خلوّ ذاته
عنها ، هذا هو جوهر الفرق بينهما ثبوتاً ، ونتيجة ذلك اثباتاً هي صحة دخول أداة
النفي والشرط والاستفهام والتمني والترجي وما شاكلها على الصفات الفعلية دون الصفات
الذاتية العليا ، فلا يصح أن يقال أن الله تعالى لم يكن عالماً بشيء ثم صار عالماً
به أو لم يكن قادراً عليه ثم صار قادراً ، بينما يصحّ أن يقال أن الله تعالى لم يكن
خالقاً للشيء الفلاني ثم خلقه وهكذا .
وعلى ضوء هذا الضابط العام للفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية قد ظهر أن
التكلم من الصفات الفعلية دون الذاتية ، ومن هنا يصح أن يقال أن الله
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهج البلاغة 1 : 15 . ( الشيخ محمد عبده ـ دار المعرفة . بيروت . لبنان ) .
ـ48ـ
تعالى كلّم موسى (عليه السلام) ولم يكلم عيسى (عليه السلام) وأنه قائم بذاته سبحانه
قيام الفعل بالفاعل لا الحال بالمحل وحادث مسبوق بالعدم ، فلهذا لا تتوفر فيه
مميّزات الكلام النفسي .
هذا إضافة إلى أن المراد من المتكلم في الآية الشريفة هو التكلم بالكلام اللفظي ،
فإنه تعالى كلم موسى (عليه السلام) بكلام لفظي لا معنوي لأنه عندهم مدلول للكلام
اللفظي ، فاذن لا مجال للاستدلال بالآية الشريفة على وجود الكلام النفسي ، إلا أن
يراد من الكلام في الآية المباركة مدلوله الذي هو كلام نفسي عندهم ، ولكن بما أنه
لا تتوفر فيه مميزاته فلايكون كلاماً نفسياً ، وذلك لأنه إن اُريد به مدلوله بالحمل
الأولي الذاتي فهو مضافاً إلى أنه أمر حادث مسبوق بالعدم ليس قائماً بذاته تعالى لا
قيام الصفة بالموصوف ولا قيام الفعل بالفاعل لأنه مفهوم محض وثابت في عالم
المفهومية فحسب ، وإن اُريد به واقعه بالحمل الشائع فهو وإن كان قائماً بذاته تعالى
ولكنه من قيام الفعل بالفاعل لا
الصفة بالموصوف .
فالنتيجة ، أن الآية الشريفة لا تدل على أن كلامه تعالى كلام نفسي أصلا .
الوجه الثالث : لا شبهة في أن الله تعالى متكلم وقد دلت على ذلك عدة من الآيات ،
ولازم ذلك قيام مبدأ المشتق وهو المتكلم بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف لا قيام
الفعل بالفاعل وإلاّ لم يصح اطلاق المتكلم عليه ، ومن هنا لا يصح اطلاق النائم
والمائت والقائم والمتحرك والساكن والذائق وماشابه ذلك عليه تعالى مع أن مبادىء هذه
الأوصاف قائمة بذاته قيام الفعل بالفاعل ، وإن شئت قلت أن هذه الهيئات الاشتقاقية
وأوصافها لا تصدق على من قام عليه المبدأ قيام الفعل بالفاعل وإنما تصدق على من قام
عليه المبدأ قيام الصفة
ـ49ـ
بالموصوف ، وحيث أن الكلام اللفظي له تعالى حادث ويكون قيامه بذاته سبحانه قيام
الفعل بالفاعل لا قيام الصفة بالموصوف فهو لا يصلح أن يكون مصححاً لمتكلميته تعالى
في مقابل سائر صفاته ، فإذن لا مناص من الالتزام بكون كلامه تعالى نفسياً وقائماً
بذاته سبحانه قيام الصفة بالموصوف
كسائر صفاته(1) .
والجواب عن ذلك نقضاً وحلا ، اما نقضاً فلأنه لا شبهة في أن الله تعالى متكلم بكلام
لفظي وقد نصت على ذلك عدة من الآيات منه قوله تعالى : (اِذَا أرَادَ شَيْئاً أنْ
يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)(2) ، فإن قوله كن فيكون كلامه سبحانه وتعالى وليس
بامكان الأشاعرة إنكار ذلك ، كيف فانهم معترفون بالكلام اللفظي ، فإذن ما هو المبرر
لهم في صحة اطلاق المتكلم بالكلام اللفظي عليه تعالى هو المبرر لنا .
وأما حلا فهو يتوقف على بيان مقدمة وهي ما تقدم موسعاً في بحث المشتق،
أن قيام المبدأ بالذات قد يكون حلولياً وصفياً وقد يكون صدورياً إيجادياً وقد يكون
ذاتياً من الذاتي باب البرهان أو الكليات الخمس وقد يكون عينياً هذا
من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن خصوصية الحلولية والوصفية والصدورية والايجادية إنما جائت من
قبل المبادىء دون الأوصاف والهيئات الاشتقاقية ، فان هذه الخصوصيات غير مأخوذة في
مداليلها ، لأن الهيئة الاشتقاقية تدل على تلبس الذات بالمبدأ وقيامه بها ، وإما
كون هذا القيام والتلبّس حلولياً أو صدورياً ، فالهيئة لا تدل عليه وإنما ذلك يكون
من خصوصية المادة ، فهيئة القائم تدل على
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 28 .
(2) سورة يس ( 36 ) : 82 .
ـ50ـ
تلبس الذات بالقيام واما كون هذا التلبس حلولياً فهو من جهة أرضية المادة ، فإنها
موضوعة لمعنى يقتضي أن يكون قيامه بالذات على نحو الحلول والتوصيف ، فإذن قيام
المبدأ بالذات بطبعه يقتضي تارة كونه حلولياً وصفياً واُخرى صدورياً إيجادياً .
ومن ناحية ثالثة أن المبدأ القائم بالذات إذا كان بنحو الحلول كان منشأً لانتزاع
عنوان وصفي اشتقاقي خاص وهو يدل على قيامه بها كذلك ، وذلك كالقائم والنائم
والمتحرك والمائت والساكن والجالس وماشاكل ذلك ، فان هذه الأوصاف الاشتقاقية تنتزع
من قيام مبادئها بالذات قيام حلولي وصفي أي قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل ،
فمن أجل ذلك تدل على تلبّسها بها حلولياً ،
وأما دلالتها على الحلول والوصف فإنما هي بلحاظ خصوصية مبادئها كما عرفت ، ولهذا لا
تصدق هذه العناوين والأوصاف الاشتقاقية على الذوات التي تكون مبادئها قائمة بها
بنحو الصدور والايجاد يعني قيام الفعل بالفاعل لا الصفة بالموصوف لما مرّ من أنها
منتزعة من قيام مبادئها بها قيام حلولي ، ومن هنا لا تصدق تلك الأوصاف الاشتقاقية
على الله تعالى مع أن مبادئها قائمة بذاته المقدسة بنحو الصدور والايجاد أي قيام
الفعل بالفاعل ، وأما إذا كان بنحو الصدور والايجاد فهو منشأ لانتزاع عنوان اشتقاقي
خاص وذلك كالضارب والناصر والقاتل والخالق والرازق وما شابه ذلك ، فان هذه العناوين
الاشتقاقية إن كانت تدل على تلبس الذات بالمبدأ بنحو الصدور والإيجاد أي بنحو قيام
الفعل بالفاعل لا الصفة بالموصوف ، ولكن خصوصية الصدورية إنما جائت من قبل مبادئها
لا من قبل الهيئات نفسها ، ومن هنا لا تصدق تلك العناوين على الذات القائمة بها تلك
المبادىء بنحو الحلول .
ـ51ـ
إلى هنا قد تبين أنه يصح اطلاق النائم والمائت والقائم والمتحرك والساكن وغيرها على
من حل فيه المبدأ وقام به قيام الحال بالمحل والصفة بالموصوف ، ولا يصح اطلاقها على
من صدر منه المبدأ كاطلاق المائت والنائم على فاعل النوم أو الموت ، وهذا بخلاف مثل
القاتل والضارب ونحوهما فانه لا يصح اطلاقها على من حلّ فيه المبدأ وإنما يصحّ على
من صدر منه المبدأ يعني الفاعل ، وهذا الفرق لخصوصية في المبدأ لا في الهيئة ، وبعد
ذلك نقول أنه لا شبهة في أن المتكلم من الصفات الفعلية دون الذاتية ، فان المبدأ
فيه قائم بالذات بنحو الصدور أي قيام الفعل بالفاعل ، وقد مرّ أن هذه الخصوصية إنما
جائت من قبل المبدأ لا الهيئة ، وعلى هذا الأساس فهيئة المتكلم منتزعة من قيام
التكلم بالذات بنحو الايجاد والصدور وهي تدلّ على ذلك ، واما خصوصية أنه بنحو
الصدور أو الحلول فهي من خصوصية المبدأ ، وعليه فحيث أن مبدأ المتكلم يقتضي أن يكون
قيامه بالذات بنحو الصّدور والإيجاد فهو منشأ لانتزاع هذا العنوان لا قيامه بها
بنحو الحلول ، هذا هو الفرق بين الهيئات الاشتقاقية مثل القاتل والضارب والناصر
والخالق والرازق والمتكلم وماشابه ذلك والهيئات الاشتقاقية مثل المائت والنائم
والمتحرك والساكن والقائم والجالس وماشاكل ذلك هذا من ناحية .
ومن ناحية أخرى أن الأشاعرة قد اخطأوا في نقطتين :
الاُولى : في عدم الفرق بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية ، حيث جعلوا جميع صفاته
تعالى من الصفات الذاتية بلا فرق بين صفة وصفة .
الثانية : في التزامهم بأن تمام صفاته تعالى قديمة زائدة على ذاته المقدسة
وقائمة بها قيام الصفة بالموصوف ، لاستحالة كونها حادثة وإلا لزم كون ذاته
محلا للحوادث .
ـ52ـ
أما في النقطة الاُولى ، فلأن الفرق بين الصفات الذاتية العليا والصفات الفعلية
واضح ، فإن الاُولى عين ذاته تعالى في الخارج ولا يمكن فرض خلوّ ذاته عنها وإلاّ
لزم أن تكون ذاته في مرتبة ذاته عاجزة وغير عالمة وبحاجة إليها وهو كماترى ، بينما
الثانية عين فعله تعالى في الخارج يمكن فرض خلوّ ذاته عنها ، ولذلك لا تدخل على
الاُولى أدوات النفي ولا الشرط ولا التمني والترجي وهكذا وتدخل على الثانية ، ولعل
منشأ التزامهم بالكلام النفسي هو خلطهم بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية بتخيل
أن قيام جميع صفاته تعالى بذاته من قيام الصفة بالموصوف وإنها جميعاً قديمة لا
حادثة ، فإن ذلك يؤدي إلى التزامهم بأن كلامهم تعالى نفسي لا لفظي ، باعتبار أن
كلامه اللفظي أمر حادث مسبوق بالعدم ويكون قيامه بذاته تعالى من قيام الفعل بالفاعل
.
فالنتيجة ، أن الكلام النفسي على ما ذكر له من المميزات والمواصفات في كلماتهم يشبه
الخيال .
أما النقطة الثانية ، فمن البديهي أنه لا يعقل أن تكون صفاته الذاتية العليا زائدة
على ذاته المقدسة ، إذ أنها لو كانت كذلك فلا تخلو من أن تكون وجودات مستقلة منفصلة
عن الذات أو متصلة ومرتبطة بها وكلتاهما غير معقولة ، أما الاُولى فلأن لازمها خلوّ
ذاته تعالى عن العلم والقدرة والحياة وهذا مستحيل . وأما الثانية ، فاتصالها إما
بنحو التركيب أو بنحو العينية ، أما الأول فهو لا يمكن لأن لازمه افتقار ذاته تعالى
إلى تلك الصفات وبالعكس ، باعتبار أن كل جزء من المركب بحاجة إلى جزء آخر في عملية
التركيب ، ومن الواضح أن هذه العملية بحاجة إلى فاعل أسبق وهكذا وهو كماترى ، وأما
الثاني فهوالمطلوب ولكنه خلاف ما بنوا عليهم في المسألة .
ـ53ـ
لحد الآن قد تبين أن الأشاعرة كما أنهم في خطأ واضح في الخلط بين الصفات الذاتية
والصفات الفعلية وعدم الفرق بينهما كذلك في خطأ في جعل صفاته تعالى جميعاً زائدة
على ذاته وقديمة .
بقي هنا اشكال وهو التسائل عن نكتة الفرق بين هيئة النائم والمائت والقائم والمتحرك
والساكن وماشابهها وبين هيئة القاتل والضارب والناصر والمانع والخالق والرازق وما
شاكلها ، على أساس أن المجموعة الاُولى من الأوصاف الاشتقاقية مستعملة في من حل فيه
المبدأ دون من صدر عنه وأوجده ، مثلا هيئة مائت يصح استعمالها ـ فيمن حلَّ فيه
الموت ولا يصح فيمن صدر عنه الموت وأوجده ، بينما المجموعة الثانية من تلك الأوصاف
على عكس الاُولى تماماً ، ولهذا يصح استعمال هيئة الضارب مثلا فيمن صدر عنه الضرب
ولا يصح استعمالها فيمن حل فيه الضرب مع أن المبدأ في كلتا المجموعتين عرض وله
نسبتان نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى المحل ، مثلا كما أن للموت نسبتين : نسبة إلى
الفاعل ونسبة إلى المحل كذلك للضرب نسبتين : نسبة إلى الفاعل ونسبة إلى المحل وليست
نسبة النوم والموت والعلم إلى محلها أولى من نسبتها إلى فاعلها ، ونسبة القتل
والضرب والخلق إلى فاعلها أولى من نسبتها إلى محلها لأن كلتا النسبتين على حدّ سواء
، والخلاصة أن هيئة النائم والمائت ونحوهما تشترك مع هيئة القاتل والضارت ونحوهما
في زنة الفاعل ، ولكن مع هذا صحّ استعمال الاُولى فيمن حلّ فيه المبدأ ولم يصحّ في
موجده ، بينما الثانية على عكس ذلك تماماً ، حيث أنه يصحّ استعمالها فيمن حلّ فيه
المبدأ ولم يصح فيمن أوجده ، فإذن ما هو نكتة الفرق بينهما ؟
وقد قام السيد الاُستاذ (قدس سره) بمحاولتين لتبرير هذا الفرق :
المحاولة الاُولى : أن ذلك الفرق بين هذه المبادىء سماعي وليس بقياسي
ـ54ـ
بحيث إذا صحّ الاطلاق بهذا الاعتبار في مورد صح اطلاقه في غيره من الموارد أيضاً
بذلك الاعتبار وليس لذلك ضابط كليّ . وحيث أن المجموعة الاُولى مستعملة فيمن حل فيه
المبدأ دون من صدر عنه ، والمجموعة الثانية على عكس ذلك ، فلابد من الاقتصار على
هذا وعدم التعدّي عنه وهذه المحاولة في نفسها لابأس بها ، حيث أنه ليس بوسعنا تبرير
هذا الفرق بين هذه الأوصاف الاشتقاقية المشتركة في الصيغة والزنة إلا بالسماع ، فان
صحة اطلاق القابض والباسط ونحوهما على موجد القبض والبسط دون ما حل فيه ، وعدم صحة
اطلاق المائت والنائم ونحوهما على موجد الموت والنوم وصحته على من حل فيه لا يمكن
تبريره إلا بالسماع والوصول من اللغة كذلك .
المحاولة الثانية : أن منشأ هذا الاختلاف ، اختلاف نوعي الفعل هما المتعدي واللازم
، بيان ذلك أن الفعل إذا كان متعدياً كضرب وقتل وبسط ونحو ذلك فبطبيعة الحال يكون
قيام المبدأ على الذات في اسم فاعله صدورياً كالضارب والقاتل والباسط والقابض
والخالق والرازق والمتكلم وهكذا وأنها تدل على تلبس الذات بالمبدأ بنحو الصدور
والايجاد ، غاية الأمر أن خصوصية الصدورية إنما جائت من قبل المبدأ فيه لا الهيئة .
نتائج البحث … وأما اذا كان الفعل لازماً كمات ونام وعلم وسكن وماشاكل ذلك فبطبيعة
الحال يكون قيام المبدأ بالذات في اسم فاعله حلولياً كالمائت والنائم والعالم
والساكن ونحو ذلك وإنها تدل على تلبس الذات بالمبدأ بنحو الحلول ، غاية الأمر أن
خصوصية الحلولية إنما جائت من قبل المبدأ فيه أي في الفعل اللازم ، فإذن هذا
الاختلاف يكون على القاعدة ، وعلى ذلك فيصحّ اطلاق المتكلم عليه سبحانه وتعالى ولا
يصح اطلاقه على الهواء ، كما لا يصح اطلاق الضارب على
ـ55ـ
من وقع عليه الضرب والقاتل على من وقع عليه القتل وهكذا(1) .
نذكر نتائج البحث في عدة نقاط :
الاُولى: أن الطلب مغايرللارادة، فان مفهوم الطلب السعي وراءالمقصود وهو قد يكون
تكوينياً وقد يكون تشريعياً، ومفهوم الارادة الشوق المؤكّد في النفس وقد يراد منها
المشيئة والاختيار، وعلى كل حال فهي مباينة للطلب مفهوماً ومصداقاً، فما ذكره
المحقق الخراساني(قدس سره) من اتحادالطلب مع الارادة واقعاً وحقيقة ، فلا يرجع إلى
معنى محصل، نعم الطلب التشريعي عين الارادة التشريعية.
الثانية : أن ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن الطلب عنوان للفعل الخارجي أو
الذهني وليس منشأً بالأمر لا مادةً ولا هيئةً ، مبني على مسلكه (قدس سره) في باب
الوضع وهو التعهد ، وأما على المبنى الصحيح هناك فالأمر موضوع مادةً وهيئةً للطلب
المولوي المساوق للوجوب كما مرّ .
الثالثة : أن تفسير الأشاعرة للكلام النفسي بما له من المميزات ككونه مدلولا للكلام
اللفظي وقائماً بذاته سبحانه وتعالى قيام الصفة بالموصوف كالعلم والقدرة والارادة
وأنه قديم وغير العلم والارادة لايرجع إلى معنى محصل ، بل هو أشبه شيء بالخيال .
الرابعة : أن القول بالكلام النفسي لايتوقف على القول بتغاير الطلب مع الإرادة كما
يظهر من صاحب الكفاية (قدس سره) ، وذلك لأن الطلب على هذا القول لا يخلو من أن يكون
تكوينياً أو تشريعياً ، وعلى كلا التقديرين فهو ليس بكلام نفسي . أما على الأول فهو
قائم بالطالب قيام الفعل بالفاعل لا قيام الصفة
ـــــــــــــــــــــ
(1)محاضرات في اُصول الفقه 2 : 30 .
ـ56ـ
بالموصوف والمفروض أن الكلام النفسي صفة لا فعل . وأما على الثاني فهو فعل اعتباري
لا واقع موضوعي له إلاّ في عالم الاعتبار ، وأمر حادث وقائم بالمعتبر قيام الفعل
بالفاعل لا الصفة بالموصوف .
الخامسة : أن الأشاعرة قد استدلوا على الكلام النفسي بوجوه :
الوجه الأول : أنهم ذكروا عدة مميزات للكلام النفسي وانه بهذه المميزات لاينطبق على
الكلام اللفظي ، منها أنه مدلول للكلام اللفظي ومنها أنه قديم لا حادث ومنها أنه
قائم بذاته تعالى قيام الصفة بالموصوف لا الفعل بالفاعل ومنها أنه غير العلم
والإرادة .
ولكن قد تقدم أنه بتلك المميزات لاينطبق على مدلول الخطابات القرآنية من الاخبارية
والانشائية لعدم توفرها فيه .
الوجه الثاني : أن الله تعالى قد وصف نفسه بالتكلم في كتابه الكريم وهذا يدل على
أنه صفة له تعالى لا فعل .
ولكن تقدم أنه مبني على الخلط بين الصفات الذاتية والصفات الفعلية ، والتكلم من
الصفات الفعلية ولا يمكن أن يكون من الصفات الذاتية .
نظرية الفلاسفة : الارادة من الصفات الذاتية ونقدها … الوجه الثالث : أن عدة من
الآيات قد نصّت على أن الله تعالى متكلم ، ولازم ذلك أن يكون قيام التكلم بذاته
تعالى قيام الصفة بالموصوف لا الفعل بالفاعل وإلاّ لم يصح اطلاق المتكلم عليه ، ومن
هنا لا يصح اطلاق مثل النائم والمائت ونحوهما عليه تعالى مع أن مبدئه قائم بذاته
تعالى قيام الفعل بالفاعل .
والجواب : أن منشأ هذا الفرق اما السماع أو الفرق بين الفعل المتعدي والفعل اللازم
كما تقدم .
ـ57ـ
نظرية الفلاسفة
الارادة من الصفات الذاتية ونقدها
قد تسأل أن ارادته تعالى وتقدس هل هي من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ونحوهما أو
من الصفات الفعلية كالخلق والرزق وغيرهما ؟ فيه قولان : المعروف والمشهور بين
الفلاسفة هو القول الأول(1) ، وقد اختاره جماعة من الاُصوليين أيضاً منهم المحقق
الخراساني (قدس سره) والمحقق الأصبهاني (قدس سرهما) .
أما المحقق الخراساني (قدس سره) فقد ذكر في وجه ذلك أن ارادته تعالى التكوينية
عبارة عن العلم بالنظام الكامل التام وليست شيئاً آخر(2) ، فلذلك بنى على أنها من
الصفات الذاتية هذا ، ولكن لايمكن المساعدة على ما ذكره (قدس سره) ، وذلك لأنه ان
أراد بهذا التفسير أن الارادة علم مفهوماً وبالحمل الأولي .
فيرد عليه أولا : أن مفهوم الارادة ليس هو العلم بالنظام الكامل التام ، بداهة أن
مفهوم الارادة غير مفهوم العلم وليس لفظ الارادة ولفظ العلم من اللفظين المترادفين
كالانسان والبشر . فالنتيجة أن تفسير الارادة بالعلم تفسير
خاطىء جداً .
وثانياً : أن ذلك يستلزم خلف الفرض ، لأن لازم ما أفاده (قدس سره) أن الارادة ليست
صفة اُخرى في قبال العلم ، لأن ملاك تعدد الصفات الذاتية العليا تعدد مفاهيمها في
مرحلة المفهوم وتباينها في هذه المرحلة ، فان مفهوم القدرة غير
ـــــــــــــــــــــ
(1) كما في الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 6 : 341 . ( السفر الثالث ، الموقف
الرابع ، الفصل 7 ) .
(2) كفاية الاُصول : 67 .
ـ58ـ
مفهوم العلم ومفهوم الحياة ، وهكذا وأما مطابقها في الخارج فهو واحد بالذات وهو
ذاته الأحدية ، لأن جميع صفاته الذاتية العليا عين ذاته خارجاً والتغاير إنما هو في
المفاهيم فحسب ، وعليه فلو كانت الارادة عين العلم مفهوماً وخارجاً فهي ليست صفة
اُخرى في مقابل العلم بل هي صفة العلم ، وقد يعبر عنها بالارادة ، وإن أراد بذلك
أنها عين العلم خارجاً وعيناً . فيرد عليه أن ذلك مجرد دعوى منه في المسألة ولم يأت
ببرهان عليه ، وسوف نشير إلى قيام دليل على أنها من الصفات الفعلية دون الذاتية ،
وإن أراد بذلك أن الارادة قسم من العلم الأزلي وهو علمه تعالى بالنظام الكامل التام
كالسميع والبصير فان الأول علمه تعالى بالمسموعات والثاني علمه تعالى بالمبصرات .
فيرد عليه أولا : أن لازم ذلك أن الارادة ليست صفة ذاتية مستقلة في مقابل العلم
والقدرة والحياة بل هي قسم من العلم وهو العلم بالنظام الكلّي كالسميع والبصير ،
وهذا خلف .
وثانياً : أن ذلك بحاجة إلى دليل واقامة برهان ولا يكفي مجرد الدعوى والمفروض أنه
(قدس سره) لم يأت ببرهان على ذلك .
فالنتيجة أن ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) لايرجع إلى معنى صحيح .
وأما المحقق الأصبهاني (قدس سره) فقد أفاد في وجة ذلك ما نصه : « لا ريب في أن
مفاهيم صفاته تعالى الذاتية متخالفة لا متوافقة مترادفة وإن كان مطابقها في الخارج
واحداً بالذات ومن جميع الجهات ، مثلا مفهوم العلم غير مفهوم الذات ومفهوم بقية
الصفات وإن كان مطابق الجميع ذاته بذاته لا شيء آخر منضّماً إلى ذاته فانه تعالى
صرف الوجود وصرف القدرة وصرف العلم وصرف الحياة وصرف الارادة ، ولذا قالوا وجود كله
وقدرة كله وعلم كله وحياة كله وارادة
ـ59ـ
كله ، مع أن مفهوم الارادة مغاير لمفهوم العلم ومفهوم الذات وسائر الصفات ، وليس
مفهوم الارادة العلم بالنظام الأصلح الكامل التام كما فسرها بذلك المحقق صاحب
الكفاية (قدس سره) ، ضرورة أن رجوع صفة ذاتية إلى ذاته تعالى وتقدس وإلى صفة اُخرى
كذلك إنما هو في المصداق لا في المفهوم ، لما عرفت من أن مفهوم كل واحد منها غير
مفهوم الآخر ، ومن هنا قال الأكابر من الفلاسفة أن مفهوم الارادة هو الابتهاج
والرضا أو ما يقاربهما معنى لا العلم بالصلاح والنظام ويعبر عنه بالشوق الأكيد فينا
، والسر في التعبير عن الارادة فينا بالشوق المؤكد وبصرف الابتهاج والرضا فيه تعالى
هوانا لمكان امكاننا ناقصون في الفاعلية وفاعليتنا لكل شيء بالقوة ، فلذا نحتاج في
الخروج من القوة إلى الفعل إلى مقدمات زائدة على ذواتنا من تصور الفعل والتصديق
بفائدته والشوق الأكيد ، فيكون الجميع محركاً للقوة الفاعلة المحركة للعضلات وهذا
بخلاف الواجب تعالى ، فانه لتقدّسه عن شوائب الامكان وجهات القوة والنقصان فاعل
بنفس ذاته العليمة المريدة ، وحيث أنه صرف الوجود وصرف الخير مبتهج بذاته أتم
الابتهاج وذاته مرضي لذاته أتم الرضا ، وينبعث من هذا الابتهاج الذاتي وهو الارادة
الذاتية ابتهاج في مرحلة الفعل ، فان من أحب شيئاً أحب اثاره وهذه المحبة الفعلية
هي الارادة في مرحلة الفعل وهي التي وردت الاخبار عن الأئمة الاطهار(عليهم
السلام)(1) . ما أفاده (قدس سره)في هذا النص اُمور :
الأول : أن مفهوم الارادة بالحمل الأولي الذاتي هو الرضا والابتهاج وهو غير مفهوم
العلم ، فان مفهومه انكشاف الواقع فلا يصحّ تفسير أحدهما بالآخر وإن كان مطابقهما
واحداً بالذات وهو ذاته تعالى .
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 278 .
ـ60ـ
الثاني : أن الابتهاج والرضا في مرحلة الذات هو الارادة الذاتية التي هي من الصفات
العليا الكمالية كالعلم والقدرة ونحوهما ، وفي مرحلة الفعل هو الارادة الفعلية التي
هي من آثار ارادته الذاتية .
الثالث : أن الارادة في الانسان هي الشوق الأكيد المحرّك للقوة العاملة للعضلات نحو
المراد ، وتحققها في النفس يتوقف على مقدمات كالتصور والتصديق بالفائدة ونحوهما ،
بينما الارادة في ذاته تعالى لا تتوقف على أية مقدمة خارجة عن ذاته المقدسة كعلمه
وقدرته ونحوهما .
ولنأخذ بالنظر إلى هذه الاُمور :
أما الأول : فلأنه (قدس سره) إن أراد بهذا التفسير تفسيرها بمعناها العرفي اللغوي ،
ففيه أنه ليس معناها لا لغة ولا عرفاً ، فان الارادة مستعملة في أحد معنيين :
الأول : الشوق المؤكد في النفس . والثاني : المشيئة والاختيار .
وإن أراد (قدس سره) به بيان حقيقة الارادة فإنها من الصفات الذاتية العليا كالعلم
والقدرة والحياة ونحوها ، فيرد عليه أن ما أفاده (قدس سره) من البيان في هذا النص
لايتضمّن أي برهان على أن ارادته تعالى من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ولا اشارة
إلى ذلك ، وإنما هو بيان وتقريراً اختاره (قدس سره) من دون الاشارة إلى تبريره
وسببه ، فلذلك لابد من النظر إلى ما هو المبرر لاختيار الفلاسفة وجماعة من
الاُصوليين لهذه النظرية مع أن المستفاد من الكتاب والسنة إن إرادته به تعالى فعله
كسائر أفعاله ، اما من الكتاب فقوله تعالى : (اِذَا أَرَادَ شَيْئاً أَنْ يَقُولَ
لَهُ كُنْ فَيَكُون)(1) ، فإنه ناص في أن ارادته تعالى هي أمره التكويني ويعبر عنه
بمشيئته
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة يس ( 36 ) : 82 .
ـ61ـ
تعالى أيضاً ، واما من السنة فهي روايات كثيرة تنصّ بمختلف الألسنة في أن ارادته
فعله تعالى(1) وفي بعضها نفي الارادة الأزلية الذاتية(2) وفي بعضها الآخر إن من
يقول بأن الله لم يزل مريداً شائياً فليس بموحد(3) ، وهكذا .
ولكن على الرغم من ذلك فقد اختار هؤلاء الجماعة تبعاً للفلاسفة ان ارادته تعالى عين
ذاته المقدسة كالعلم والقدرة وإنها هي الابتهاج والرضا في مرتبة ذاته تعالى ، ولكن
هذا الاختيار في مقابل الكتاب والسنة لايمكن أن يكون جزافاً وبدون نكتة مبررة لذلك
، وتلك النكتة التي دعتهم إلى اختيار هذه النظرية متمثلة في أمور :
الأول : أن اختيار الفعل مرتبطة بكونه مسبوقاً بالارادة بنحو ارتباط المعلول بالعلة
وإلا كان الفعل تسرياً لا ارادياً اختيارياً هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ان الارادة في الانسان هي الشوق الأكيد في النفس ، فإنه إذا بلغ
مرتبة الارادة ترتب عليها تحريك القوة العاملة المحركة للعضلات قهراً نحو الفعل في
الخارج وإيجاده فيه ، فالارادة حصة خاصة من الشوق المؤكد في النفس وهي ماترتب عليها
أثرها ( وهو تحريك العضلات ) ترتب المعلول على العلة .
وأما في الواجب تعالى فهي عين ذاته خارجاً كالعلم والقدرة ونحوهما ولايمكن أن تكون
عين فعله الخارجي الاختياري ، لأن اختيارية فعله تعالى مرتبطة بكونه مسبوقاً
بالارادة ، فكيف يعقل أن يكون عين الارادة ، فلذلك لابد
ـــــــــــــــــــــ
(1) الكافي 1 : 109 ح 3 ، باب الارادة انهامن صفات الفعل . بحار الأنوار 4 : 137 ح
4 ، باب القدرة والارادة .
(2)الكافي ، الباب المتقدم ، ح 1 . بحار الأنوار ، الباب المتقدم ، ح 16 .
(3) التوحيد للصدوق ـ عليه الرحمة ـ ص 338 ، ح 5 باب المشيئة والارادة . بحار
الأنوار ، الباب المتقدم ، ح 18 .
ـ62ـ
من الالتزام بكون ارادته تعالى عين ذاته حتى تكون أفعاله الاختيارية مسبوقة بها
وإلا كانت قسريّة لا ارادية اختيارية .
الثاني : أن مبدأ العلية مبدأ عام في الكون وإنه من القضايا الأولية الفطرية ، وسرّ
حاجة الشيء إلى هذا المبدأ امكانه الوجودي وفقره الذاتي ، وعلى هذا الأساس فامكان
الفعل الاختياري عين ارتباطه الوجودي بعلّته وفقره الذاتي إليها وهي الارادة
ولايمكن فرض تحقّقه ووجوده بدونها وإلا لزم خروجه واستغنائه عن مبدأ العلية وهو
كماترى هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ان ارادته تعالى وتقدس حيث أنها عين ذاته ، فنتيجة ذلك أن ذاته
المريدة هي العلة التامة للأشياء وتكوينها خارجاً ، باعتبار أن فاعليته تعالى لما
كانت منزهة عن جميع شوائب الامكان وكافة جهات النقصان والقوة فهي فعلية من كل
الجهات ومساوقة لسد تمام أبواب العدم ، فإذا كانت فاعليته في مرتبة ذاته تامة
ومطلقة فيستحيل انفكاك الأشياء عنها كاستحالة انفكاك المعلول عن العلة التامة ، أو
فقل أنه تعالى فاعل بنفس ذاته العليمة المريدة ، فلذلك تكون فاعليته من أتم مراتب
الفاعلية ، باعتبار أنه صرف الوجود وصرف الارادة ومنزه عن جميع شوائب النقص
والامكان . وأما في الانسان فارادته التي هي مرتبة خاصة من الشوق المؤكّد علة تامة
لفعله في الخارج ، لأنها إذا تحقّقت ترتب عليها تحريك العضلات قهراً نحو إيجاد
الفعل ، وحينئذ فيستحيل انفكاكه عنها كاستحالة انفكاك المعلول عن العلة التامة .
الثالث : أنه لا يوجد هناك شيء آخر بديلا عن الارادة يصلح أن يكون علة للفعل ، اما
العلم فهو لا يصلح أن يكون علة لوجود المعلوم في الخارج لأنه كاشف عنه وكذلك القدرة
، فاذن بطبيعة الحال أن ما يصلح أن يكون علة للفعل هو الارادة ، فلذلك التزموا بأن
ملاك اختيارية الفعل هو كونه مسبوقاً بها ومعلولا لها وإلاّ كان قسريا لا ارادياً .
ولنا تعليق على هذه النظرية وهو أن الكلام في المسألة ليس في الاصطلاحات الفارغة
وأن الفعل إرادي أو ليس بارادي ، وإنما الكلام في واقع الحال فيها ، ومن الطبيعي أن
الفعل واقعاً لايمكن أن يكون اختيارياً إذا كان معلولا للارادة ، وذلك لأن الارادة
بتمام مقدماتها ومبادئها غير اختيارية ، وهذه المقدمات والمبادىء معلولة لوجود
عللها في الواقع وناشئة بالضرورة منها إلى أن تنتهي السلسلة إلى الواجب بالذات ،
وعليه فلا محالة يكون حال الفعل الصادر من الانسان بالارادة كحال يد المرتعش
واصفرار وجه الخائف عند الخوف الناشىء بالضرورة من عوامل مؤثرة في النفس واضطرابها
الناشئة بالضرورة من عللها الطبيعية إلى أن تنتهي إلى الواجب بالذات ، فإذن كيف
يكون هذا الفعل اختيارياً ، فان الاختيار ينافي الوجوب لأن الوجوب مساوق للاضطرار
المقابل للاختيار ، وعلى هذا فلا فرق بين الفعل الصادر من الانسان بالارادة وبين
حركة يد المرتعش وحركة الامعاء عند الخوف إلا في التسمية والاصطلاح ، فيسمى الأول
بالفعل الاختياري الارادي ، والثاني بالفعل الاضطراري القسري ، وأما بحسب الواقع
فلا فرق بينهما اصلا إذ كما أن عند تحقق الخوف تحقق حركة الامعاء قهراً شاء أو لم
يشأ ، كذلك عند تحقق الارادة في النفس تحقق الفعل في الخارج قهراً شاء أو لم يشأ .
والخلاصة ، أن قاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد تحكم على فعل الانسان
باعتبار أنه ممكن ، ونتيجة هذا أنه غير مختار في أفعاله لمكان أنها تصدر منه
بالضرورة والضرورة تنافي الاختيار ولا تجتمع معه ، ولازم ذلك قبح محاسبة العبد على
أفعاله والعقاب عليه فانه كعقاب المرتعش على حركة يده ، بل يلزم من ذلك لغوية
التكليف نهائياً بمعنى أن ارسال الرسل وإنزال الكتب وتبليغ الأحكام لغو وبلا فائدة
هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الارادة في نفسها لا تصلح أن تكون علة تامة للفعل ، وذلك لأن
وجدان كل فرد تدرك بالضرورة أن الارادة مهما بلغت من القوة والشدة في النفس كماً
وكيفاً لم تترتب عليها حركة العضلات قهراً وبالضرورة كحركة يد المرتعش أو اصفرار
وجه الخائف عند الخوف ، وهذا غير قابل للمناقشة هذا من جهة ، ومن جهة ثانية قد
تتحرك العضلات نحو الفعل وإيجاده في الخارج رغم عدم وجود الارادة في النفس بل قد
يكون الموجود فيها الكراهة بديلة عنها ، ونتيجة هاتين الجهتين أن صدور الفعل من
الانسان لايمكن أن يتبع وجود الارادة في النفس كتبعية المعلول لوجود العلة ، ومن
هنا فالصحيح في المسألة هو ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره)(1) وأوضحه السيد
الاُستاذ (قدس سره)(2) من أن هناك شيئاً آخر غير الارادة والفعل مرتبط به وهو
السلطنة والاختيار ، فان سلطنة الانسان وإختياره على أفعاله أمر وجداني تدركه
الفطرة السليمة وهي تكفي لتحقق الفعل في الخارج كانت هناك إرادة في النفس أم لا ،
ولايمكن فرض احتياجها في ذلك إلى ضمّ مقدمة اُخرى إليها وإلا لتخرج السلطنة عن
كونها سلطنة وهو خلف .
وبكلمة ، أن إسناد وجود الفعل إلى السلطنة وصدوره منها ليس معناه تخصيص مبدأ العلية
بغير الفعل الاختياري وتحديده ، بداهة أنه لايمكن تحديده ، لأن هذا المبدأ كنظام
عام للكون من القضايا الفطرية الأولية المبرهنة باستحالة استغناء الممكن في وجوده
عن العلة ، والا لم يستقم علم ولا نظام في الكون ولا يمكن اثبات المبدأ للعالم .
نعم ، قاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده لم يوجد ، ليست كقاعدة عامة للكون ، فان
الفطرة السليمة إنما تحكم بوجوب وجود المعلول بوجود علته إذا كان من سنخ وجودها
وموجوداً بوجودها في مرتبتها بنحو الأتم ، ومن هنا يكون وجوداً لمعلول من مراتب
وجود العلة النازلة ، وأما الفعل الاختياري فهو وإن كان ممكناً وبحاجة إلى علة إلا
أن وجوده لما لم يكن من سنخ وجود علته وهي السلطنة ، فلا تحكم الفطرة السليمة
الوجدانية بوجوب وجوده بوجودها بل هو ظل على امكانه ، لأن نسبة السلطنة إليه وجوداً
وعدماً نسبة واحدة فلا ترجيح لأحدهما على الآخر ، وبذلك يختلف الفعل الاختياري عن
المعلول الطبيعي ، فان المعلول الطبيعي بما أنّ وجوده من سنخ وجود علته فيجب وجوده
بوجودها ، والفعل الاختياري بما أن وجوده ليس من سنخ وجود علته فلا يجب وجوده
بوجودها ، فلهذا لا يكون الفعل الاختياري من صغريات قاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده
لم يوجد . فالنتيجة أن الفعل يصدر من الانسان بالسلطنة والاختيار وهي علة تامة له ،
ومع ذلك لا يخرج الفعل عن اختيار الانسان وسلطانه وإلا لزم الخلف هذا في الانسان ،
وأما في الواجب تعالى فلنا دعويان :
الاُولى : أن ارادته تعالى من الصفات الفعلية دون الذاتية .
الثانية : على تقدير تسليم أنها من الصفات الذاتية ومع ذلك لايمكن أن تكون علة تامة
لفعله .
أما الدعوى الاُولى فلا يمكن لنا اثبات أن ارادته تعالى من الصفات الذاتية كالعلم
والقدرة دون الصفات الفعلية ولا برهان على ذلك ولا تحكم به الفطرة السليمة ، وأما
التزام الفلاسفة بذلك فهو مبني على نقطة خاطئة قد تقدمت الاشارة إليها ، فإذن لا
مبرر للالتزام بأن الارادة من صفات الذات كالعلم والقدرة ، وأما تفسير صاحب الكفاية
(قدس سره) الارادة بالعلم بالنظام الأتم فقد مرّ أنه تفسير خاطىء لأن مفهوم الارادة
غير مفهوم العلم . وأما تفسير المحقق الأصبهاني (قدس سره) الارادة بالرضا
والابتهاج(3) فأيضاً كذلك ، لأنه إن أراد بذلك مفهوم الرضا بالحمل الأولي الذاتي ،
فيرد عليه أن مفهوم الارادة غير مفهوم الرضا ولا تكون الارادة مع الرضا من اللفظين
المترادفين ، وإن أراد به واقع الرضا بالحمل الشايع ، فيرد عليه أن الرضا بالحمل
الشايع من صفات الفعل لا الذات ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن هناك شاهدين على أن ارادته تعالى من الصفات الفعلية دون الذاتية
.
الشاهد الأول : الكتاب والسنة ، أما الكتاب فقوله تعالى : (اِذَا أرَادَ شَيْئاً
أنْ يَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُون)(4) ، فانه ناص في أن ارادته تعالى فعله وأمره
التكويني ، ودعوى أن الآية الشريفة بنفسها لاتنفي الارادة الذاتية وإن كانت صحيحة
إلا أنك عرفت أنه لا دليل عليها وبضم ذلك إلى الآية الشريفة . فالنتيجة ، أن ارادته
تعالى فعلية لا ذاتية .
وأما السنة فهناك روايات كثيرة قد صرحت بأن ارادته تعالى مشيئته وهي فعله ، وفي
بعضها قد صرح بنفي الارادة الذاتية له تعالى وسوف نشير إلى تلك الروايات .
الشاهد الثاني : ما أشرنا إليه آنفاً من الفرق بين الصفات الذاتية العليا وبين
الصفات الفعلية ثبوتاً واثباتاً .
أما ثبوتاً فلا يمكن فرض خلوّ ذاته المقدسة عن الصفات العليا الذاتية كالعلم
والقدرة ونحوهما وإلا لزم أن تكون ذاته تعالى في مرتبة ذاته غير عالمة وغير قادرة
وبحاجة إلى العلم والقدرة والحياة وهذا مستحيل ، بداهة أن ذاته المقدسة في مرتبة
ذاته عين العلم والقدرة والحياة وغنّية بالذات ولهذا يكون تصورها للذات الواجبة
ملازماً للتصديق بثبوتها لها عيناً ، بينما يمكن فرض خلو ذاته المقدسة عن الصفات
الفعلية كالخلق والرزق ونحوهما والارادة من هذا القبيل ، إذ لايلزم من فرض خلو ذاته
في مرتبة ذاته عن الارادة أي محذوره لازم من فرض خلوها في تلك المرتبة من العلم
والقدرة والحياة .
وأما اثباتاً فلما تقدم من أن أدوات النفي والشرط والتمني والترجي وما شاكل ذلك لا
تدخل على الصفات الذاتية ، بينما تلك الأدوات تدخل على الصفات الفعلية ، وحيث أنه
يصح دخولها على الارادة ، فهو دليل على أنها من الصفات الفعلية ، فاذن لا مجال للشك
في أن إرادته تعالى فعلية لا ذاتية .
وأما الدعوى الثانية : فلو سلمنا أن ارادته تعالى ذاتية كالعلم والقدرة ، فمع ذلك
لايمكن أن تكون علة لفعله بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد ، لأن
نتيجة ذلك أن لا يكون الواجب تعالى مختاراً في فعله ، باعتبار أنه ناشىء بالضرورة
من ارادته الواجبة بالذات والضرورة تنافي الاختيار ، ومعنى ذلك نفي القدرة والسلطنة
عن الله تعالى على أفعاله وبالتالي أنه لا فرق من هذه الناحية بين أن يكون مبدأ
الكون هو الله تعالى أو المادة العمياء وهو كماترى ، ومجرد الاصطلاحات والتعبيرات
الفارغة بأن الله تعالى فاعل بالارادة والاختيار والمادة فاعلة بالايجاب والقسر ،
لا قيمة لها ولا تغير الواقع عما هو عليه ، فمن أجل هذه النقطة وحكم الفطرة السليمة
بأن فعله تعالى صادر من ذاته المقدسة باختياره وسلطنته المطلقة التامة لا بإرادته
وإن قلنا فرضاً أنها ذاتية ، وقد مرّ أن ارتباط الفعل الاختياري بالسلطنة غير
ارتباط المعلول الطبيعي لعلته التامة ، فان الأول لا يجب وجوده بوجود السلطنة بل
يبقى على حدّ امكانه ، وأما الثاني فهو يجب وجوده بوجود علته .
ومن هنا قلنا أن ارتباط الأول بها لا يكون من صغريات قاعدة أن الممكن مالم يجب
وجوده لم يوجد ، باعتبار أن نسبة السلطنة إلى الفعل وجوداً وعدماً نسبة واحدة ، ومع
ذلك تكفي لتحقق أحد الطرفين بدون الحاجة إلى ضمّ مقدمة اُخرى إليها وإلا لتخرج
السلطنة عن كونها سلطنة وهو خلف ، وقد يعبر عن السلطنة بالاختيار تارة وبالمشيئة
اُخرى ، وسيأتي هذا البحث بمزيد من التوضيح قادماً .
بقي هنا شيء هو أنه قد ورد في صحيحة عمر بن اذنيه قوله (عليه السلام) : « خلق الله
المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة »(5) .
يقع الكلام في المراد من المشيئة المخلوقة بنفسها ، فهل المراد منها السلطنة
والاختيار أو الارادة فيه قولان :
فذهب المحقق الأصبهاني (قدس سره) إلى القول الأول بدعوى أن المشيئة على نوعين :
مشيئة ذاتية وهي عين ذاته المقدسة كبقية صفاته الذاتية فالمشيئة الواجبة عين الواجب
تعالى ، ومشيئة فعلية وهي عين الوجود الاطلاقي المنبسط على الماهيات ، والمراد من
المشيئة في هذه الرواية وغيرها هو المشيئة الفعلية التي هي عين الوجود المنبسط
والوجود الاطلاقي ، وعلى هذا فمعنى الحديث الشريف هو أن موجودية الوجود المنبسط
بنفسها لا بوجود آخر ، وأما موجودية سائر الاشياء في النظام الجملي التسلسلي فانما
هي بالوجود المنبسط وهو فعله
الأول الاطلاقي(6) .
وغير خفي أن هذا التفسير منه (قدس سره) مبني على نظرية الفلاسفة القائلة بتوحيد
الفعل على أساس مبدأ التناسب والسنخية بين ذاته المريدة بين الأشياء ، وحيث أن هذا
المبدأ غير متوفر بين ذاته المقدسة المريدة بين الأشياء بكافة أشكالها المادية ،
فلذلك التزموا بالنظام الجملي الطولي وأن الصادر الأول منه تعالى هو الوجود الصرف
المعبر عنه تارة بالوجود المنبسط واُخرى بالوجود الاطلاقي الذي لا قيد له . وفيه
أنه لا أساس لما أفاده (قدس سره) من التفسير لانه مبني على أن تكون لله تعالى
إرادتان :
إرادة ذاتية وهي العلة التامة للأشياء وفعلية ، ولكن قد تقدم أنه لا يمكن أن تكون
ارادته ذاتية ، وعلى تقدير تسليم أنها ذاتية فلايمكن أن تكون علة لفعله تعالى كما
مر ، بل العلة له سلطنته المطلقة التامة على الأشياء بنسبة واحدة بالنسبة إلى كلا
طرفيها من الوجود والعدم ، ومن هنا يظهر أن نظرية الفلاسفة التي ترتكز على علية
ذاته المقدسة المريدة التامة من جميع الجهات على أساس مبدأ التناسب والسنخية بين
العلة والمعلول ، تستلزم نفي القدرة الأزلية عن الله
تعالى وضرورة صدور الفعل منه واضطراره إليه واقعاً ، وحينئذ فالتعبير عن أنه تعالى
مختار في أفعاله لا مضطر وانه فاعل بالارادة لا بالايجاب والضرورة مجرد اصطلاحات
متداولة بينهم وتعبيرات فارغة بدون المحتوى هذا ، فالصحيح هو القول الأول وأن
المراد من المشيئية المخلوقة بنفسها هو السلطنة المطلقة للذات الواجبة ، والمراد من
خلقها بنفسها أنها ثابتة كذلك باعتبار أنها من آثار قدرته تعالى الذاتية ، فاذن
يكون معنى الحديث الشريف خلق الله المشيئة بنفسها أي اثبت سلطنته المطلقة وأحكمها
بنفسها لا بسلطنة اُخرى ، والمراد من الاثبات ، الاثبات الأزلي ، ثم اثبت سائر
الأشياء بها يعني أظهرها وأوجدها ، وسيأتي مزيد من البحث عنها في ضمن البحوث الآتية
.
نتيجة هذا البحث … نتيجة هذا البحث أمور :
الأول : أن الفلاسفة وجماعة من الاُصوليين منهم صاحب الكفاية والمحقق الأصبهاني
(قدس سرهما) ذهبوا إلى أن ارادته تعالى من الصفات الذاتية كالعلم والقدرة ، أما
صاحب الكفاية (قدس سره) فقد فسّر الارادة بالعلم بالنظام الأكمل والأتم ، ولكن تقدم
أن هذا التفسير خاطىء جداً لأن مفهوم الارادة غير مفهوم العلم ، وإلاّ فلازم ذلك أن
تكون الارادة والعلم صفة واحدة لا صفتين ، لأن تعدد الصفات الذاتية إنما هو بتعدد
مفاهيمها وإلاّ فهي في الواقع الخارجي شيء واحد ولا تعدد فيه .
وأما المحقق الأصبهاني (قدس سره) فقد فسّرها بالابتهاج والرضا ، ولكن قد مرّ عدم
صحة هذا التفسير أيضاً .
الثاني : أن منشأ التزام هؤلاء بأن ارادته تعالى من الصفات الذاتية هو أن فعله ممكن
والممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد ، وحينئذ فلابدّ له من علة ، وذاته المقدسة
في نفسه لاتصلح أن تكون علة وكذلك علمه وقدرته ، وما يصلح أن يكون علة له هو ارادته
تعالى ، وهذه الارادة لابد من أن تكون عين ذاته تعالى وتقدّس ، إذ لوكانت عين فعله
فهي بحاجة إلى علة ، فلذلك التزموا بأن ارادته تعالى من الصفات الذاتية . ولكن قد
تقدم أن فعله تعالى لا يمكن أن يكون معلولا لارادته حتى ولو قلنا بأنّها من الصفات
الذاتية .
الثالث : الصحيح أن ارادته تعالى من الصفات الفعلية لا الذاتية ، اما أولا : فلأنه
لايوجد في كلمات القائلين بأنها من الصفات الذاتية برهان على ذلك ، وإنما التزموا
بذلك من جهة ما أشرنا إليه من النكتة وبعد بطلان تلك النكتة وعدم الأصل لها فلا
موجب للالتزام بأنها من الصفات الذاتية . وثانياً : أن الخصائص والمميزات للصفات
الذاتية العليا غير متوفرة فيها ، وانما المتوفر فيها الخصائص والمميزات للصفات
الفعلية ثبوتاً واثباتاً على تفصيل تقدم . وثالثاً : أن الروايات الكثيرة تنص على
أن ارادته تعالى من الصفات الفعلية لا الذاتية . ورابعاً : أن فعل الانسان لايمكن
أن يكون معلولا لارادته التي هي عبارة عن الشوق المؤكد في اُفق نفسه وإلا لزم أن
لايكون مختاراً في أفعاله ، باعتبار أن الارادة بتمام مبادئها غير اختيارية ومعلولة
لعللها وناشئة بالضرورة منها إلى أن تنتهي السلسلة إلى الواجب بالذات ، ونتيجة ذلك
قبح العقاب بل لغوية التكليف نهائياً .
الرابع : أن المراد من المشيئة الواردة في الآيات والروايات منها صحيحة عمر بن
اذينه : « خلق الله المشيئة بنفسها ثم خلق الأشياء بالمشيئة » ، هو سلطنته المطلقة
التامة على الأشياء ، والمراد من خلقها بنفسها أنها ثابتة كذلك بلحاظ أنها من آثار
القدرة الذاتية كما مرّ ، وليس المراد منها الوجود المنبسط على الماهيّات ، بل
لايمكن أن يكون المراد منها ذلك لأنه مبني على مبدأ التناسب والسنخية بين ذاته
المقدسة وبين فعله ، وقد تقدم أن هذا البناء مستحيل .
نظرية الأشاعرة
مسألة الجبر ونقدها
المعروف والمشهور في الألسنة أن الأشاعرة يقولون بأن العبد في يد الله تعالى كالميت
في يد الغسّال ، فكما أنه لا حول ولا قوة للميت أصلا وإنما الحول والقوة تماماً
للغسال فكذلك لا حول ولا قوة للعبد وأن الحول والقوة كله لله تعالى وتقدّس وقد
استدل على هذه النظرية بوجوه :
نظرية الأشاعرة : مسألة الجبر ونقدها … الوجه الأول : أن الفعل ممكن والممكن متساوي
الطرفين فلا يقتضي وجوده ولا عدمه فتحقق أحد الطرفين دون الطرف الآخر بحاجة إلى
مرجح ، بداهة أنه لو تحقق بدون وجود المرجح لكان من الصدفة وهي مستحيلة ، حيث أن
لازم ذلك سد باب اثبات الصّانع باعتبار أن كل شيء ينطوي على امكان الوجود وامكان
العدم بصورة متعادلة ، فإذا وجد من دون علة فهو صدفة وهي تمنع عن اثبات المبدأ
الأول ، إذ لو امكن وجود شيء في الخارج بدون علة لم يمكن اثباته ، فلذلك لايمكن
وجود فعل في الخارج بدون وجود مرجح فيه وعليه فتنقل الكلام إلى ذلك المرجح ، فان
كان ممكناً فوجوده بحاجة إلى مرجح آخر وهكذا إلى أن يذهب إلى مالا نهاية له ، وبما
أن ذلك مستحيل فلابد أن ينتهي إلى مرجح واجب بالذات ، ولازم ذلك خروج الفعل عن
اختيار الانسان ، لأن وجوده مستند في نهاية المطاف إلى الواجب بالذات ، فلايكون
صدوره منه بالاختيار بل هو بمثابة الآلة بدون حول ولا قوة له .
والجواب : أن هذا الوجه مبني على أن صدور الفعل من الانسان منوط بوجود مرجح خارج عن
اختياره لقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد . ولكن هذا البناء غير
صحيح لأن المرجح المتوهم له في المقام هو ارادة الانسان في النفس ، وحيث أن هذه
الارادة بتمام مقدماتها ومبادئها غير اختيارية وناشئة بالضرورة من عللها الواقعية
إلى أن تنتهي إلى الواجب بالذات ، فمن أجل ذلك يكون الانسان غير مختار في أفعاله
لأن الضرورة تنافي الاختيار .
ولكن قد تقدم أن الارادة بمعنى الشوق المؤكد في النفس مهما بلغت ذروتها من القوة
والشدة كماً وكيفاً لعوامل داخلية أو خارجية لم توجب ضرورة انبعاث النفس نحو تحريك
القوة العاملة للعضلات خارجاً وترتبه عليها ترتب المعلول على العلة التامة قهراً ،
وهذا أمر فطري وجداني وغير قابل للبحث والنقاش ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الارادة لو كانت علة تامة للفعل فلازمه أن يكون الانسان غير
مختار في أفعاله ، لأن ضرورتها بالارادة بقاعدة أن الشيء مالم يجب لم يوجد تنافي
الاختيار ، ونتيجة هذا قبح المحاسبة والعقوبة عليها بل لغوية التكليف نهائياً كما
مرّ .
ومن ناحية ثالثة أن الفطرة السليمة الوجدانية تحكم بأن فعل الانسان مرتبط بسلطنته
وقدرته كانت هناك ارادة في النفس أم لا ، وقد تقدم أن نسبة السلطنة إلى الفعل
وجوداً وعدماً على حد سواء . فالفعل لايخرج عن حد الامكان والتعادل بالسلطنة عليه ،
وهذه السلطنة رغم أن نسبتها إلى كل من وجود الفعل وعدمه على حد الامكان لا الضرورة
، تكفي لتحقق أحد الطرفين بدون الحاجة لها إلى ضم مقدمة زائدة إليها وإلاّ لزم خلف
فرض السلطنة عليه ، ومن هنا قلنا أن ارتباط الفعل الاختياري بالسلطنة بما أنه في حد
الامكان ، فلا يكون مصداقاً لقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد .
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 137 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 53 ـ 59 .
(3) نهاية الدراية 1 : 246 و279 .
(4) سورة يس ( 36 ) : 82 .
(5) الكافي 1 : 110 ، ح 4 ، باب الارادة أنها من صفات الفعل . التوحيد للصدوق ـ
عليه الرحمة ـ ص 148 ، ح 19 ، باب الذات وصفات الفعل .
(6) اُنظر نهاية الدراية 1 : 287 ـ تعليقة منه (قدس سره) .
.....................................................
ـ1ـ
… المباحث الاُصولية / ج 3
نظرية الأشاعرة : مسألة الجبر ونقدها …
ـ74ـ
فالنتيجة على ضوء هذه النواحي أن الانسان مختار في أفعاله وإنها تحت سلطانه وقدرته
بدون حاجة إلى مقدمة زائدة وهذا لا ينافي كون مبادىء الفعل من الحياة والقدرة
والعلم بيده تعالى وتحت سلطانه المطلق ، وذلك لأن الانسان مختار طالما فيه الحياة
والقدرة والعلم . وهذا يكفي في حكم العقل بحسن التكليف والحساب والعقاب .
وإن شئت قلت أن أفعال العباد ليست معلولة للارادة وخاضعة لها بل هي خاضعة لسلطنة
العباد وقدرتهم عليها مباشرة كانت هناك ارادة أم لا ، وأما مبادىء هذه الأفعال فهي
خاضعة لسلطنة الله تعالى وقدرته ، ونتيجة ذلك أن صدور الفعل من العبد بحاجة إلى
مقدمتين :
الاُولى : بيد العبد وهي سلطنته وقدرته عليه .
الثانية : بيده تعالى وتقدس ، والمقدمة الاُولى تمتاز عن الثانية بأمرين : أحدهما
أنها في طول الثانية ومتفرعة عليها . ثانيهما : أن مقدمية الاُولى بنحو المباشر
والثانية بالواسطة ، وهذا هو معنى الأمر بين الأمرين كما سوف نشير إليه تفصيلا(1) .
الوجه الثاني : أن فعل العبد ممكن وليس بواجب ولا ممتنع ، ومعنى امكانه أن وجوده
وعدمه متعادلان ولاترجيح لأحدهما على الآخر ، فاذا كان ممكناً كان مقدوراً لله
تعالى ، ولاشيء مما هو مقدور لله تعالى بواقع بقدرة العبد ، لاستحالة اجتماع قدرتين
مؤثرتين على مقدور واحد ، فاذن لا محالة يقع بقدرة الله عز وجل دون العبد(2) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) عند البحث عن نظرية الامامية .
(2) اُنظر شرح المواقف ( للشريف الجرجاني ) 8 : 148 .
ـ75ـ
والجواب : أن هذه الوجه مبني على الخلط بين المقدور بالمباشرة والمقدور بالواسطة ،
فان فعل العبد وإن كان مقدوراً لله تعالى إلا أنه مقدور بواسطة قدرته سبحانه على
مبادئه ومقدماته لا عليه مباشرة لاستحالة تعلق سلطنته به بنحو المباشر ، وعلى هذا
فقدرة العبد على الفعل مشروط ببقاء حياته وقدرته وعلمه به بنحو القضية الشرطية ،
فانه طالما تكون المبادىء موجودة في العبد فهو قادر على الفعل وصادر منه باختياره
وسلطنته . فاذن ما يكون متعلقاً لقدرة العبد وسلطنته مباشرة وهو فعله ، يستحيل أن
يكون متعلقاً لقدرة الله تعالى وسلطنته كذلك ، وما يكون متعلقاً لقدرته سبحانه
وسلطنته مباشرة وهو مبادىء الفعل ، يستحيل أن يكون متعلقاً لقدرة العبد وسلطنته
كذلك .
فالنتيجة : أنه لا يلزم من قدرة العبد على فعله وكونه تحت سلطنته واختياره اجتماع
قدرتين مؤثرتين فيه ، وبكلمة أن ما في هذا الوجه من الصغرى والكبرى يعني أن فعل
العبد ممكن وكل ممكن مقدور لله تعالى وإن كان صحيحاً ، ضرورة أن الممكنات بكافة
أنواعها وأشكالها مقدورة له تعالى ، إلا أن ما رتّبه على تلك الكبرى من أنه لاشيء
مما هو مقدور لله بواقع تحت قدرة العبد ، معللا بامتناع اجتماع قدرتين مؤثرتين على
مقدور واحد ، خاطىء جداً ولا واقع موضوعي له ، وذلك لأن أفعال العباد رغم كونها
مقدورة لله تعالى من ناحية أن مبادئها بيده سبحانه وتعالى ، مقدورة للعباد أيضاً
وواقعة تحت اختيارهم وسلطانهم مباشرة . ونتيجة ذلك أن الأفعال مقدورة لله عزّ وجل
بالواسطة وللعبد بالمباشرة ولا تنافي بينهما أصلا ، فاذن لايرجع هذا الوجه إلى معنى
محصّل .
الوجه الثالث : ما نسب إلى أبي الحسن الأشعري على ما في شرح المواقف وحاصل هذا
الوجه ، أن فعل العبد صادر منه في الخارج بقدرة الله تعالى وليس
ـ76ـ
لقدرته تأثير فيه ، غاية الأمر أن سنة الله قد جرت على إيجاد القدرة والاختيار في
العبد وإيجاد فعله مقارناً لهما إذا لم يكن هناك مانع في البين ، فيكون فعل العبد
مخلوقاً لله إبداعاً واحداثاً من دون تأثير قدرة العبد وإرادته فيه ، نعم أنه مكسوب
له والمراد به مقارنته لقدرته وإرادته وكونه محلا له(1) .
والجواب : أنه إريد بوقوع فعل العبد بقدرة الله وحدها وقوعه بها مباشرة ، فقد عرفت
أنه مستحيل لاستحالة تعلق مشيئة الله تعالى وسلطنته بفعل العبد كذلك ، لأن المحل
غير قابل لذلك ، وإن اُريد به أن مباديه من الحياة والقدرة ونحوهما واقعة بقدرته
سبحانه وتعالى وحدها فهو صحيح . ولكنه لايمنع عن كون الفعل تحت قدرة العبد وسلطنته
مباشرة ، إذ من الواضح أن وقوع المبادىء بقدرته تعالى لايستلزم ضرورة وقوع الفعل من
العبد في الخارج وصدوره منه ، بداهة أن تلك المبادىء موجودة في العبد مع أن الفعل
قد يصدر منه ، وقد لايصدر فلا ملازمة بين وجودها ووقوع الفعل منه بل هو منوط
باختيار العبد وسلطنته وهي تكفي لتحققه بدون الحاجة إلى ضم مقدمة خارجية إليها .
وبكلمة أن وقوع الفعل من العبد يتوقف على مقدمتين طوليتين :
الاُولى : حياة العبد وقدرته وعلمه .
الثانية : اختيار العبد وسلطنته عليه مباشرة ، وبانتفاء كل واحدة منهما يستحيل وقوع
الفعل في الخارج ، فالمقدمة الاُولى تحت قدرة الله وسلطنته المطلقة التامة والمقدمة
الثانية بيد العبد ، فاذا كانت المقدمة الاُولى متحققة فوقوع الفعل في الخارج
باختيار العبد ومشيئته بدون التوقف على أي مقدمة اُخرى .
ـــــــــــــــــــــ
(1) شرح المواقف للشريف الجرجاني ص 145 ـ 146 .
ـ77ـ
وأما ما في هذا الوجه من أن عادة الله قد جرت على إيجاد القدرة والاختيار في العبد
، فاذا لم يكن هناك مانع من إيجاد فعله فأوجده مقارناً لهما فيكون فعله مخلوقاً لله
سبحانه احداثاً وابداعاً .
فان اُريد بذلك إيجاده تعالى فعل العبد مباشرة من دون دخل لقدرة العبد واختياره فيه
فقد مرّ أنه مستحيل ، لأن الفعل الصادر من العبد غير قابل لتعلق قدرته تعالى
واختياره به مباشرة .
وإن اُريد به إيجاده بالواسطة بمعنى أن مبادىء هذا الفعل ومقدماته الأولية بيده
تعالى وتحت سلطانه فهو صحيح ولذلك يصح اسناده إليه تعالى ، باعتبار أن المقدور
بالواسطة مقدور ، ولكن فعلية وقوعه في الخارج بيد العبد مباشرة وباختياره ، فانه
إذا شاء تحقق بدون التوقف على مقدمة اُخرى ، لا أن وقوعه فيه مقارن لقدرته بدون
التأثير لها فيه ، فانه خلاف الوجدان والفطرة السليمة .
ومن هنا يظهر أن سنة الله قدجرت على ذلك لا على مجرد التقارن الذي لا تقبله الفطرة
والوجدان ، والنكتة في ذلك أن سنة الله تعالى جارية في الكون على النظام العليّ
الطولي الساري في الكائنات برمتها لحاجتها الكامنة في صميم ذواتها ووجوداتها التي
هي في الحقيقة عين الفقر والربط إلى أن تنتهي هذه السلسلة إلى الواجب بالذات الذي
هو مبدأ الكل فالكل ينال منه .
تفصيل ذلك أن الكائنات بكافة أنواعها وأشكالها خاضعة للقوانين الطبيعية والنظم
الخاصة التي أودعها الله تعالى في كمون ذواتها وصميم طبايعها ضمن اطار معين محدد
وهي مبدأ التناسب والسنخية ، والسر في ذلك أن العلل تملك معاليلها في صميم كيانها
وكمون وجودها بنحو الأتمّ والأكمل وليست المعاليل موجودة مستقلة في قبال وجود عللها
بل هي تتولد منها وتكون من مراتب وجودها
ـ78ـ
النازلة ، مثلا النار تملك الحرارة في صميم كيانها وتتولد منها فالكائنات برمّتها
خاضعة لهذا المبدأ ويستحيل أن تتخلف في سيرها وحركتها عنه ، منها الانسان ، والمراد
من سنة الله الجارية في الكون كنظام عام هو مبدأ العلة الساري في الكائنات تماماً
على أساس مبدأ التناسب والسنخية ، فإنها لكل مراتبها الطولية وحلقاتها التصاعدية
بعللها ومعلولاتها عين الفقر والتعلق لاذات له الفقر والتعلق إلى أن تنتهي السلسلة
إلى الواجب بالذات فانه مبدأ الكل ، وعلى ضوء هذا الأساس فلايمكن القول بأن ترتب
المعاليل على عللها بمجرد جريان عادة الله تعالى بذلك بدون علاقة وارتباط بينهما ،
لأن مرد هذا القول إلى انكار مبدأ العلية الذي هو نظام عام للكون وبالتالي الالتزام
بالصدفة وانكار المبدأ للعالم ، لأن الترابط بين الأشياء كامن في صميم كيانها
ووجودها على أساس مبدأ العلية القائل بأن كل حادثة ترتبط في وجودها بأسبابها
وشروطها الخاصة على أساس قانون التناسب والسنخية ، ويرفض هذا المبدأ الصدفة
والاتفاق كما يرفض الضرورة الذاتية للحوادث ، ويقول أن العالم مرتبط ارتباطاً
وثيقاً كاملا بعضه مع بعضه الآخر ، ويجعل كل جزء منه موضعه من الكون الذي تحتمه
شروط وجوده ، ولايمكن أن يكون هذا الارتباط مستنداً إلى العادة التي تحصل بالتكرار
، فان لازمه أن لا يكون ناشئاً من صميم ذوات الأشياء بل لعامل خارجي عرضي وهو قد
يتخلف هذا ، إضافة إلى أنه لا يمكن تطبيق العادة على المعلول الأول .
فالنتيجة أن ما ذكر في هذا الوجه لايرجع إلى معنى محصّل .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن الوجوه التي استدل بها على نظرية
الأشاعرة لايرجع شيء منها إلى معنى محصّل ومعقول ، ومن هنا
ـ79ـ
لايحتمل أنهم كانوا منكرين اختيار العبد وسلطنته على أفعاله عملياً بحكم الفطرة
السليمة وإنما كانوا منكرين ذلك نظرياً فحسب على أساس عدم توصلهم فكرياً إلى مغزى
نظرية الأمر بين الأمرين .
ـ80ـ
نظرية الفلاسفة : مسألة الجبر ونقدها …
نظرية الفلاسفة
مسألة الجبر ونقدها
قد استدلّ على هذه النظرية بعدّة وجوه :
الوجه الأول : المعروف والمشهور بين الفلاسفة قديماً وحديثاً أن الأفعال الاختيارية
برمّتها وبتمام أنواعها معلولة للارادة وخاضعة لها وجوداً وعدماً فانها إذا بلغت
حدها استحال تخلفها عنها وإن لم تبلغ استحال وجودها لاستحاله وجود المعلول بدون
وجود العلة ، وتبعهم في ذلك جماعة من الاُصوليين منهم المحقق صاحب الكفاية(1)
والمحقق الأصبهاني (قدس سرهما)(2) ، ونتيجة ذلك أن الارادة إذا بلغت حدها التام وجب
صدور الفعل من الفاعل في الخارج واستحال تخلفه عنه لاستحالة تخلّف المعلول عن العلة
التامة ، وإلى هذا أشار المحقق الأصبهاني (قدس سره)بقوله : الارادة مالم تبلغ حدّاً
يستحيل تخلف المراد عنها ، لايمكن وجود الفعل لأن معناه صدور المعلول بلا علة تامة
، وإذا بلغت ذلك الحد امتنع تخلفه عنها ، وإلا لزم تخلف المعلول عن علته التامّة .
وقال صدر المتألهين إن إرادتك مادامت متساوية النسبة إلى وجود المراد وعدمه لم تكن
صالحة لأحد ذينك الطرفين على الآخر ، وأما إذا صارت حد الوجوب لزم منه وقوع
الفعل(3) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الفوائد ( للمحقق الخراساني (قدس سره) ) : 290 ، وكفاية الاُصول : 65 و67 .
(2) نهاية الدراية 1 : 285 .
(3) الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 6 : 317 .
ـ81ـ
والخلاصة : أن كلمات الفلاسفة متفقة على أن الارادة علة تامة للفعل بقاعدة أن
الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد ، ولنأخذ بنقد هذه النظرية على ضوء دراسة
نقطتين :
الاُولى : أن الارادة مهما بلغت لايمكن أن تكون علة تامة للفعل .
الثانية : أن الأفعال الاختيارية بكافة أنواعها مرتبطة بسلطنة الفاعل وقدرته لا
بارادته بلافرق في ذلك بين فعله تعالى وفعل العبد .
أما النقطة الاُولى : فهي مدروسة حسّاً ووجداناً .
أما الأول فلان من المحسوس والمشاهد خارجاً في مختلف الموارد والمناسبات أن الفعل
يصدر من الانسان بدون وجود إرادة في اُفق نفسه أو كانت ولكنها لم تبلغ حدها التام
بل قد يكون صدوره منه مع أن الموجود في نفسه الكراهة دون الارادة ، فان كل ذلك يكشف
كشفاً جزمياً عن أن وجود الفعل في الخارج وصدوره من الانسان غير منوط بالارادة
اناطة المعلول بالعلة التامة .
وأما الثاني فلان الفطرة السليمة الوجدانية لكل فرد حاكمة بأن ارادته مهما بلغت
ذروتها من القوة والشدة لعوامل نفسية داخلية أو خارجية فلا تترتب عليها حركة
العضلات قهراً ترتب المعلول على العلة التامة ، بل أمرها بيده وجوداً وعدماً وتحت
قدرته وسلطنته ، ولا تخرج بسبب وجود الارادة في نفسه عن حد الامكان والتعادل إلى حد
الوجوب والضرورة لكي تخرج بذلك عن تحت قدرته .
وإن شئت قلت أن كل فرد إذا راجع وجدانه وفطرته السليمة في أعماق نفسه وصميم كيانه
حتى الأشعري ، يدرك الفرق بين حركة يد المرتعش وحركة يد
ـ82ـ
غيره وبين حركة النبض وحركة الأصابع وبين حركة الدم في العروق وحركة اليد يمنة
ويسرة وبين حركة الامعاء عند الخوف وحركة الرجل خطوة فخطوة وهكذا ، ومن الطبيعي أنه
ليس بامكان أي فرد انكار الفرق بين هذه الحركات فانه بمثابة انكار أبده البديهيات
كالواحد نصف الأثنين والكل أعظم من الجزء وماشاكلهما ، فلوكانت الارادة علة تامة
بحدها وكانت حركة العضلات معلولة لها فبطبيعة الحال كان حالها حال حركة يد المرتعش
وحركة الدم في العروق وحركة الأمعاء عند الخوف وهكذا ، على أساس أن الارادة بتمام
مقدماتها ومبادئها غير اختيارية وناشئة بالضرورة من عللها بقاعدة أن الممكن مالم
يجب وجوده لم يوجد إلى أن تنتهي السلسلة إلى الذات الواجبة ، ونتيجة ذلك أن حركة
العضلات من الانسان واجبة عند الارادة كحركة البدن عند الخوف ، فكما أن الحركة
الثانية قهرية وخارجة عن اختيار الانسان وقدرته ومترتبة على صفة الخوف ، فكذلك
الحركة الاُولى فانها خارجة عن قدرة الانسان ومترتبة على صفة الارادة قهراً ، فاذن
لا فرق في الحقيقة بين حركة العضلات المترتبة على صفة الارادة ترتب المعلول على
العلة التامة وبين حركة البدن المترتبة على صفة الخوف وماشاكلها إلا في مجرد
الاصطلاح والتسمية بأن تسمى الطائفة الاُولى بالأفعال الاختيارية والثانية بالأفعال
الاضطرارية ، ومن الواضح أن هذه التسمية لاتعالج مشكلة الفرق بين الطائفتين وهي حسن
المحاسبة والعقوبة على الطائفة الاُولى وقبحها على الطائفة الثانية رغم أن كلتا
الطائفتين غير اختيارية ومترتبة على علتها ترتب المعلول على العلة التامة ، فإذن
كيف تكون المحاسبة والعقوبة على الطائفة الاُولى حسنة بحكم العقل رغم أنها على
الأمر الخارج عن الاختيار وهي قبيحة لا حسنة ، بل عدم اختياريتها يؤدي إلى مشكلة
أعمق من ذلك وهي لغوية التكليف نهائياً ، فالنتيجة أن هذا الفرق لايصحح جعل التكليف
ـ83ـ
بارسال الرسل وانزال الكتب لأنه لغو .
ومن الغريب هنا ما صرح به المحقق الأصبهاني (قدس سره) من أن انتهاء الفعل إلى ارادة
الباري تعالى من جهة انتهاء إرادة العبد إلى إرادته تعالى بلحاظ امكانها المقتضي
للانتهاء إلى الواجب بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده بالغير لم يوجد لا يضر
بالفاعلية(1) .
وجه الغرابة أن ارادة العبد إذا كانت علة تامة لفعله وهي غير اختيارية بتمام
مقدماتها وناشئة بالضرورة من عللها المنتهية في نهاية المطاف إلى ارادة الباري عزّ
وجل فكيف لايضر ذلك بفاعليته واختياره ، فان الارادة إذا تحققت في نفس العبد بحدها
، كان تحقق الفعل منه ضرورياً لتحقق المعلول عند وجود علته التامة واستحالة تخلفه
عنه ومع هذا لا يعقل أن يكون العبد فاعلا ومختاراً ، فان نسبته إلى فعله كنسبة
المرتعش إلى حركة يده .
والخلاصة : أن الفطرة السليمة الوجدانية تحكم بالفرق بين الأفعال الاختيارية التي
تصدر عن الانسان وبين الأفعال المترتبة على صفة الخوف ونحوها كارتعاش البدن واصفرار
الوجه وحركة الأمعاء ونحو ذلك ، فلوكانت الارادة علة تامة لوجود الأفعال وكان
ترتبها عليها ترتب المعلول على العلة التامة ، لم يكن فرق بين الأفعال المترتبة على
صفة الارادة والأفعال المترتبة على صفة الخوف إلا بالتسمية من دون أن يكون لها واقع
موضوعي ، مع أن الفرق بينهما من الواضحات الأولية ، ولهذا تتصف الطائفة الاُولى من
الأفعال بالحسن والقبح دون الطائفة الثانية ، ومن الواضح أن هذا الفرق يرتكز على
نقطة موضوعية وهي اختيارية الطائفة الاُولى دون الطائفة الثانية لا على مجرد
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 289 . ( تعليقة منه (قدس سره) ) .
ـ84ـ
الاصطلاح بتسمية الاُولى بالأفعال الاختيارية والثانية بالأفعال الاضطرارية ، تحصل
أن الارادة لا تعقل أن تكون علة تامة للفعل مهما بلغت ذروتها من القوة والشدة ، ومن
هنا يظهر أن هذه النظرية مخالفة للضرورة وجداناً وفطرة ، ولعل السبب الذي دعا
أصحابها إلى الالتزام بها رغم مخالفتها للوجدان السليم ومكابرتها للعقل الفطري
واستلزامها للتوالي الفاسدة منها كون بعث الرسل وانزال الكتب لغواً ، هو التزامهم
بصورة موضوعية بعموم قاعدة أن الممكن مالم يجب لم يوجد من ناحية وعدم وجدانهم في
الصفات النفسانية صفة تصلح أن تكون علة للفعل غير الارادة من ناحية اُخرى . وسوف
يأتي درس كلتا الناحيتين ضمن درس النقطة الثانية .
وأما النقطة الثانية فقد تقدم الاشارة إلى أن الفعل الاختياري مرتبط بالسلطنة
والقدرة للانسان وخاضع لها لا بالارادة ، فلنا دعويان :
الاُولى : أن الأفعال الاختيارية لاتخضع للارادة ولا تدور مدارها وجوداً وعدماً .
الثانية : أنها تخضع للسلطنة والقدرة .
أما الدعوى الاُولى ، فقد تقدم الكلام فيها موسعاً وقلنا هناك أن الفعل لايخضع
للارادة وجوداً ولا عدماً مهما كانت وبلغت فراجع .
وأما الدعوى الثانية ، فلأن خضوع الفعل للسلطنة والقدرة للانسان لايوجب خروجه عن حد
التعادل بين الوجود والعدم وهو حد الامكان إلى ضرورة الوجود أو العدم ، بيان ذلك
يتطلب درس عدة نقاط :
الاُولى : أن فعل الانسان لايمكن أن يكون خاضعاً لنظام عام كامن في صميم
ـ85ـ
ذاته وهو مبدأ التناسب والسنخية حتى يكون سيره الوجودي على ضوء هذا النظام والمبدأ
وجوبياً بقاعدة أن الممكن مالم يجب لم يوجد ، والوجه في ذلك هو أن خضوع الفعل
الاختياري للسلطنة والقدرة وارتباطه بها ليس على حد خضوع المعلول الطبيعي بعلته
وارتباطه بها ، فان الأول بما أنه ليس على أساس مبدأ التناسب والسنخية فلايوجب خروج
الفعل عن حد الامكان والتعادل بين الوجود والعدم إلى حد الضرورة لأحد الطرفين .
وأما الثاني فبما أنه على أساس هذا المبدأ ، فلامحالة يوجب خروجه عن حد الامكان
والتعادل إلى حد الضرورة بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده لم يوجد ، وعلى ضوء هذا
الأساس فالفعل الاختياري ليس من مصاديق هذه القاعدة ، باعتبار أن وجوده ليس من سنخ
وجود السلطنة لكي يجب بوجودها ، وبذلك تختلف الأفعال الاختيارية عن المعلولات
الطبيعية .
الثانية : أن الفطرة السليمة الوجدانية تحكم بأن الانسان يملك السلطنة والقدرة على
أفعاله وإنها تصدر منه بها ، كانت هناك إرادة أم لا ، كما أنها تحكم بأنها تكفي
لتحقق الفعل في الخارج رغم أن نسبتها إلى الوجود والعدم على حد سواء ، على أساس
أنها لولم تكن كافية في ذلك بأن تحتاج إلى ضمّ مقدمة اُخرى إليها ، لزم أن لا يكون
الفعل تحت قدرته وسلطنته وهو خلف .
وبكلمة ، أن نفس الانسان بالوجدان والفطرة السليمة تملك السلطنة على قواها الداخلية
والخارجية وأنها تخضع لها في أفعالها ، ومن هنا فرق بين
الأفعال التي تصدر منها قهراً والأفعال التي تصدر منها بسلطنة النفس ومشيئتها ، فان
الثانية اختيارية دون الاُولى وسيأتي الاشارة إلى ذلك في مسألة الأمر بين الأمرين .
ـ86ـ
الثالثة : أن خضوع الفعل الاختياري للسلطنة وارتباطه بها ليس معناه تخصيص مبدأ
العلية بغيره وتحديده ، بل معناه أن الفعل الاختياري معلول لسلطنة الانسان وقدرته
لا لارادته ، غاية الأمر أن نحو ارتباطه بها وخضوعه لها يختلف عن نحو ارتباط
المعلول الطبيعي بعلته التامة وخضوعه لها ، فان ارتباطه بها إنما هو على أساس مبدأ
التناسب والسنخية بينما ارتباط الفعل بسلطنة الفاعل ليس على هذا الأساس كما مرّ ،
بل على أساس امكانه الوجودي وفقره الذاتي ، لأن سرّ حاجة الأشياء إلى هذا المبدأ
كنظام عام للكون كامن في صميم كيانها ووجودها ، بمعنى أن كيانها ووجودها كيان
ارتباطي ووجود تعلقي ولايملك المعلول وجوداً حقيقياً وراء ارتباطه بعلته ، لأنه عين
الربط والتعلق بها ، ولا فرق في ذلك بين الفعل الاختياري والمعلول الطبيعي ، فكما
أن سرّ حاجة المعلول الطبيعي كامن في صميم كيانه ووجوده وأنه عين التعلق والربط
بعلته لاشيء له الربط ، فكذلك سر حاجة الفعل إلى العلة كامن في صميم ذاته ووجوده
وأنه عين التعلق بعلته وهي سلطنة الفاعل واختياره ، فلافرق بينهما في هذه النقطة ،
وإنما الفرق بينهما في نقطة اُخرى وهي أنه يكفي في ارتباط الفعل بسلطنة الفاعل
وخضوعه لها امكانه الوجودي وفقره الذاتي ، ولهذا لايخرج الفعل عن حدّ الامكان
والتعادل بين الوجود والعدم بوجود سلطنة الفاعل وقدرته ، وعلى ضوء هذه النقطة يكون
الفعل اختيارياً رغم كونه مرتبطاً بها وخاضعاً لها على أساس أن ربطه بها وخضوعه لها
لايخرجه عن حد الامكان والتعادل إلى حد الوجوب لكي ينافي الاختيار ، ومع ذلك تكفي
السلطنة لتحقق أحد الطرفين بدون الحاجة إلى ضمّ مقدمة اُخرى إليها وإلاّ لم يكن
الفعل مرتبطاً بالسلطنة ومعلولا لها فحسب وهو خلف ، ومن هنا تختلف الأفعال
الاختيارية عن المعلولات الطبيعية رغم أن كلتيهما خاضعة لمبدء العلية .
ـ87ـ
الرابعة : أن إقامة البرهان على السلطنة والقدرة للانسان على أفعاله وإن كانت صعبة
إلاّ أنه لا حاجة إليها بعدما كانت المسألة فطرية وجدانية ، لأن الوجدان السليم
والعقل الفطري حاكم بسلطنة الانسان على أفعاله وتصرفاته بمختلف أنواعها وأشكالها ،
ومن هنا لايختلف اثنان من العقلاء في أن تلك التصرفات والأفعال مورد للحسن والقبح
والحساب والعقاب والمدح والذم ، ولهذا يفرقون بين الأفعال الاضطرارية وهي الأفعال
التي تصدر من الانسان بغير اختيار كحركة يد المرتعش واصفرار وجه الخائف عند الخوف
أو ارتعاش يديه أو حركة أمعائه وما شاكل ذلك ، وبين الأفعال الاختيارية التي تصدر
منه بسلطنته وقدرته ، فان الاُولى لاتكون مورداً للحساب والعقاب والمدح والذم
والحسن والقبح دون الثانية ، وهذا الفرق غير قابل للانكار ، فان انكاره إنكار
للوجدان والفطرة السليمة .
والخلاصة : أن سلطنة الانسان على أفعاله وتصرفاته صفة وجدانية في النفس كسائر
صفاتها الوجدانية كالحب والبغض والخوف وما شاكل ذلك ، فلذا لا مجال للبحث عن أن
الانسان مالك لهذه الصفة أو لا ، فانه كالبحث عن أنه مالك لصفة الحب والبعض ونحوهما
. ويؤكد ذلك أن الانسان كثير مايرجح أحد طرفي الفعل على الآخر بلا مرجح ، فلوكان
صدور الفعل من الانسان منوطاً بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده لم يوجد ، استحال
صدور الفعل منه بلا مرجح يوجب وجوب وجوده مع أن امكان صدوره منه بدون أي مرجح أمر
وجداني ، كما إذا كان عنده إناءان من الماء متساويان من جميع الجهات بدون أي مرجح
لأحدهما على الآخر ، فانه لامحالة اختار أحدهما ولايبقى عطشاناً ، فلوكان صدور
الفعل متوقفاً على وجود مرجح بقاعدة الوجوب بالعلة لبقي عطشاناً وهو كماترى ، ومنه
ما إذا كان أمام الهارب طريقان بدون ترجيح
ـ88ـ
لأحدهما على الآخر فلا محالة اختار أحدهما ولا يبقى واقفاً أمامهما ، فلو كان الفعل
متوقف على وجود مرجح لبقي واقفاً وهو خلاف الضرورة وهكذا .
وإن شئت قلت : أن المرجح إن كان بنحو الوجوب لصدور الفعل من الفاعل فهو مضافاً إلى
أنه خلاف الوجدان ، خلف فرض كونه تحت اختياره وسلطنته ، وإن لم يكن كذلك فوجوده
وعدمه على حد سواء ، وحينئذ فوجود الفعل لا محالة مستند إلى السلطنة فحسب لا إليها
مع ضميمة شيء آخر وإلاّ لزم الخلف .
الخامسة : أن مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) قد أصرت على أن الاختيار فعل نفساني
وراء الفعل الخارجي ويعبر عنه تارة بالمشيئة واُخرى باعمال القدرة وثالثة بالاختيار
، وقيامه بالنفس قيام الفعل بالفاعل لا قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل ، فالفعل
الخارجي مرتبط بالاختيار واعمال القدرة من النفس . وهذا الفعل النفساني ليس معلولا
للارادة بل هو فعل النفس وتحت سلطانها وقدرتها مباشرة كانت هناك إرادة أم لم تكن ،
ولذلك كان بامكان النفس بعد الارادة أن تقوم باعمال قدرتها نحو الفعل في الخارج وأن
لا تقوم باعمالها ، فليست بعدها مقهورة ومضطرة إلى التحرك ، ولا فرق في سلطنة النفس
على الفعل بين وجود الارادة فيها وعدم وجودها ، فإنها إن شائت الفعل فعلت وإن لم
تشأ لم تفعل سواءاً كانت إرادة فيها أم لا ، وعلى هذا فكلا الفعلين اختياري ، أما
فعل النفس فهو بالذات لا باختيار آخر وإلاّ لزم التسلسل ، وأما الفعل الخارجي فهو
اختياري بالاختيار ووجوب وجوده به لا ينافي الاختيار لأنه وجوب نشأ من الفعل الأول
وهو الاختيار واعمال القدرة ، والوجوب إذا كان في طول الاختيار فلا ينافي الاختيار
وما نحن فيه كذلك ، فلهذا يكون خارجاً عن قاعدة
ـ89ـ
أن الشيء مالم يجب لم يوجد(1) .
وغير خفي ، أن ما أفاده المدرسة من أن الأفعال الاختيارية خارجة عن قاعدة أن الشيء
مالم يجب وجوده لم يوجد وإن كان صحيحاً ولا مناص عنه ، إلاّ أن في تبرير ذلك
بالالتزام بالفعل النفساني المسمى بالاختيار واعمال القدرة وراء الفعل الخارجي نظر
، وتحقيق ذلك يتطلب الكلام في مقامين :
المقام الأول : هل يوجد في النفس فعل يصدر منها مباشرة في وعائها وراء وعاء الخارج
فيه قولان ، فذهب جماعة منهم السيد الاُستاذ (قدس سره) أن للنفس أفعالا في اُفقها
وعالمها وراء الأفعال الخارجية منها البناء القلبي ، فان لها أن تبني على شيء ولها
أن لا تبني عليه ، فانه فعل النفس مباشرة لا انه صادر منها بواسطة إحدى قواها ،
ومنها قصد إقامة عشرة أيام في بلد فان لها أن تقصد الاقامة فيه عشرة أيام ولها أن
لا تقصدها فهو تحت يدها وسلطنتها مباشرة .
ومنها ، عقد القلب وقد دل عليه قوله تعالى : (وَجَحَدُوا بِهَا وَاسْتَيْقَنَتْهَا
أنْفُسُهُمْ)(2) . فأثبت سبحانه أن عقد القلب على شيء غير اليقين به ، فان الكفار
كانوا متيقنين بالرسالة والنبوة بمقتضى الآية الكريمة ولكنهم لم يكونوا عاقدين بها
، وكيف كان فلا شبهة في أن للنفس أفعالا في اُفقها تصدر منها باختيارها واعمال
سلطنتها وقدرتها(3) ، وعلى هذا فلا مانع من الالتزام بأن الاختيار فعل نفساني في
وعاء النفس وقائم بها فيه قيام الفعل بالفاعل لا الصفة بالموصوف والعرض بالمعروض ،
وموجود فيه وراء وجود الفعل في الخارج ، وهذا الفعل
ـــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ أجود التقريرات 1 : 135 ـ 139 . ومحاضرات في اُصول الفقه 2 : 59 .
(2) سورة النمل ( 27 ) : 14 .
(3) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 63 .
ـ90ـ
النفساني هو العلة للفعل الخارجي لأنه مرتبط به وخاضع له وجوداً وعدماً خضوع
المعلول للعلة ، وأما وجوب وجوده به فانه لا ينافي اختياره ، لأن الوجوب إذا كان
معلولا للاختيار وكان في طوله فلا ينافيه .
ولنا تعليق على ذلك ، اما ما أفاده (قدس سره) من أن البناء فعل للنفس في وعائها
وقائم بها فيه قيام الفعل بالفاعل لا قيام العرض بالمعروض فلا يمكن المساعدة عليه ،
وذلك لأن البناء لا يخلو إما أن يكون في مورد القطع بشيء أو الظن به أو الشك فيه .
أما في المورد الأول ، فهو لا ينفك عن القطع وإنه لازم قهري له ، فإنه إن كان القطع
بوجود شيء فلا يمكن البناء على عدمه وإن كان القطع بعدمه فلا يمكن البناء على وجوده
.
وأما في المورد الثاني ، فهو لا ينفك عن الظن كذلك .
وأما في المورد الثالث : فلا يتصور فيه البناء إلاّ شكاً واحتمالا ، فبالنتيجة أنه
لازم قهري للشك بمعنى أنه لا يمكن البناء على أحد طرفي الشك جزماً أو ظنّاً ، وعلى
هذا فلا يمكن القول بأن البناء فعل نفساني في وعاء النفس وتحت اختيارها وجوداً
وعدماً بل هو لازم قهري لمباديه وخارج عن اختيارها .
وأما قصد إقامة عشرة أيام في بلد فهو لازم قهري للعلم بها ولا ينفك عنه ، فإذا علم
المسافر بأنه يبقى في هذا البلد عشرة أيام جزماً كان لا محالة قاصداً إقامة العشرة
فيه ، إذ ليس بإمكانه أن لا يقصد ذلك أو يقصد خلافها .
فالنتيجة : أن القصد ليس شيئاً زائداً على العلم حتى يكون فعلا للنفس وبيدها وجوداً
وعدماً بل هو لازم قهري له ولا ينفك عنه ، ومن هنا لا يكون
ـ91ـ
قصد الاقامة شرطاً زائداً على العلم بها .
وأما عقد القلب فهو أيضاً كذلك ، لانه لازم قهري لليقين بشيء ولا ينفك عنه ، ضرورة
أنه لا معنى لعقد القلب على عدم وجوده مع اليقين به ، واما الآية الشريفة فهي لا
تدل على أنه فعل النفس وشيء زائد على اليقين ، لأن الظاهر من الجحود في الآية
الانكار القولي والعملي لا القلبي ، إذ مع اليقين بالرسالة والنبوة كيف يمكن
انكارها قلباً والعقد في النفس على خلافه ، إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه
النتيجة وهي أن ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن البناء والقصد وعقد القلب
من أفعال النفس وتحت اختيارها وسلطنتها مباشرة وجوداً وعدماً لايرجع بالتحليل
الوجداني إلى معنى صحيح ، لما عرفت من أنها بشهادة الوجدان من اللوازم القهرية
للعلم ونحوه في اُفق النفس وليست تحت اختيارها وقائمة بها قيام الفعل بالفاعل .
وأما الاختيار فأيضاً لايمكن القول بأنه فعل نفساني وراء الفعل الخارجي ، بل إنه
عنوان انتزاعي منتزع من وجود الفعل في الخارج وليس له واقع موضوعي ، بيان ذلك أن
الاختيار واعمال القدرة وتأثير النفس كل ذلك مفاهيم انتزاعية منتزعة من اضافة الفعل
الخارجي إلى الفاعل وليس لها حقيقة واقعية في عالم النفس قائمة بها قيام الفعل
بالفاعل وراء الفعل في عالم الخارج ، باعتبار أن الاختيار عين الخيار خارجاً
والاعمال عين العمل فيه والتأثير عين الأثر والاختلاف بينهما بالاعتبار ، فانه
باعتبار إضافته إلى الفاعل اختيار واعمال وتأثير ، وباعتبار إضافته إلى المحل خيار
وعمل وأثر كالايجاد والوجود لأنهما شيء واحد ، فالايجاد باعتبار إضافته إلى الفاعل
والوجود باعتبار إضافته إلى المحل ، فمنشأ انتزاع تلك المفاهيم هو إضافة الفعل
الخارجي إلى الفاعل ، هذا
ـ92ـ
مضافاً إلى أن الوجدان السليم يشهد بأن الاختيار ليس فعلا للنفس في وعائها وموجوداً
فيه وراء وجود الفعل في وعاء الخارج ، لأنه لايرى في النفس أفعالا لها كان أمرها
بيدها وجوداً وعدماً ماعدا الصفات المعروفة المشهورة فيها كالعلم والقدرة والسخاوة
والشجاعة والحب والبغض وماشاكلها من الصفات الحميدة والملكات الفاضلة التي هي
نسبتها إلى النفس نسبة الصفة إلى الموصوف والعرض إلى المعروض ، وعلى الجملة فحركة
العضلات نحو الفعل في الخارج تصدر من النفس مباشرة بقدرتها وسلطنتها عليها لا بتوسط
فعل لها في اُفقها وراء وجود تلك الحركة في الخارج وهو المسمى بالاختيار واعمال
القدرة ، ضرورة أن اعمال القدرة نحو الحركة عين إيجادها في الخارج ، لا أن النفس
أوجدت أولا فعلا في وعائها ثم بتوسطه أوجدت الفعل في الخارج ، فإنه خلاف الوجدان
والبرهان .
فالنتيجة ، أن الاختيار واعمال القدرة والمشيئة كل ذلك من العناوين الانتزاعية
منتزعة من إضافة الفعل الخارجي إلى الفاعل ، لا انها أفعال للنفس تصدر منها في
أفقها مباشرة وراء الأفعال الخارجية ، وعليه فما ذكره مدرسة المحقق النائيني (قدس
سره) من أن الاختيار فعل نفساني وراء الفعل الخارجي غير تام ومخالف للوجدان
والبرهان .
المقام الثاني : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الاختيار فعل نفساني ، فهل هو يصلح أن
يكون علة للفعل الخارجي فيه وجهان ، الظاهر أنه لا يصلح لذلك ، والنكتة فيه أن
الاختيار لوكان علة فالعلة بما أنها فعل طبيعي فلا محالة يكون تأثيرها في معلولها ،
على أساس مبدأ التناسب والسنخية بقاعدة أن الممكن مالم يجب وجوده لم يوجد ، وهذه
القاعدة لاتنطبق على الفعل الصادر من
ـ93ـ
الفاعل بالمباشرة ، باعتبار أن نسبة سلطنته إليه وجوداً وعدماً نسبة واحدة فلا
تقتضي وجوبه ، وأما الفعل المعلول له فيكون حاله حال سائر المعلولات الطبيعية
بالنسبة إلى عللها كذلك ولايمكن خروج هذا الفعل عن القاعدة ، وعلى هذا فحيث أن
الفعل الخارجي صادر من النفس بتوسط الفعل النفساني وهو الاختيار ، والفعل النفساني
صادر منها بقدرتها وسلطنتها مباشرة ، فبطبيعة الحال يكون الخارج عن القاعدة هو
الفعل النفساني باعتبار أن نسبة سلطنة النفس إليه وجوداً وعدماً على حد سواء ، فلا
تبرر وجوبه دون الفعل الخارجي ، فإنه حيث كان معلولا للواسطة وهي الفعل النفساني
وصادراً منها مباشرة دون النفس ، فلايمكن ذلك إلا على ضوء القاعدة المذكورة ، فإذن
بطبيعة الحال لايمكن فرض وجوده وتحققه في الخارج إلا بالوجوب والضرورة بالعلة ،
بداهة أنه مادام في حد الامكان والتعادل بين الوجود والعدم لايمكن وجوده وتحققه فيه
، لأن الامكان لايكفي لتحقق أحد الطرفين وإلا لزم انقلاب الممكن واجباً وهو كماترى
، ومقتضى ذلك أن الفعل الخارجي بما أنه وليد الفعل النفساني مباشرة فلايمكن ذلك
إلاّ على أساس القاعدة ومبدأ التناسب ، والمفروض أنه لا تناسب بينهما ذاتاً ووجوداً
، لأن الفعل الخارجي لا يكون من سنخ الفعل النفساني وجوداً حتى يعقل أن يكون معلولا
له ومتولداً منه تولد المعلول عن علته ، لاستحالة تأثير كل شيء في كل شيء طالما لم
تكن بينهما سنخية .
ومن ذلك يظهر أن ما التزم به مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) من أن القاعدة وهي أن
الممكن مالم يجب لم يوجد لا تنطبق على الفعل الخارجي(1) غير تام ، لأن المستثنى من
هذه القاعدة موضوعاً الفعل الاختياري الصادر من الفاعل بقدرته
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 139 . ومحاضرات في اُصول الفقه 2 : 58 .
ـ94ـ
وسلطنته مباشرة ، وهذا لا ينطبق إلا على الفعل النفساني وهو الاختيار ، باعتبار أن
نسبة سلطنة النفس إليه وجوداً وعدماً نسبة واحدة فلاتوجب خروجه عن حد الامكان
والتعادل إلى حد الضرورة ولا ينطبق ذلك على الفعل الخارجي ، على أساس مامرّ من أنه
معلول له ومتولد منه ، ومن الواضح أن التولد منه لايمكن إلا على ضوء قاعدة أن الشيء
مالم يجب لم يوجد ، وعليه فما التزم به مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) من الجمع
بين خروج الفعل الخارجي عن القاعدة وعدم انطباقها عليه وبين صدوره بتوسط الفعل
النفساني لا بالمباشرة في الحقيقة يرجع إلى الجمع بين أمرين متنافيين ، فان صدور
الفعل الخارجي إن كان بتوسط الفعل النفساني كان معلولا له ومتولداً منه ، وحينئذ
فلايمكن خروجه عن القاعدة كما مرّ ، فان الخارج عنها عندئذ هو الفعل النفساني وإن
كان صدوره بدون توسطه وبنحو المباشر من سلطنة النفس كان خارجاً عن القاعدة ، فإذن
الجمع بين خروجه عن القاعدة وصدوره بتوسط الفعل النفساني جمع بين أمرين متناقضين ،
هذا إضافة إلى أن الفعل الخارجي لايمكن أن يكون معلولا للفعل النفساني ومتولداً منه
لعدم التناسب بينهما وجوداً ، وبدونه لا يعقل أن يكون الفعل النفساني مؤثراً فيه
وإلا لزم امكان تأثير كل شيء في كل شيء ، تحصل مما ذكرناه أن هناك إشكالين على
مدرسة المحقق النائيني :
الأول : أنهم جمعوا بين خروج الفعل الخارجي عن القاعدة وصدوره بتوسط الفعل النفساني
، وهذا لا يمكن كما مرّ .
الثاني : أنه لا يمكن أن يكون الفعل الخارجي خاضعاً للفعل النفساني خضوع المعلول
للعلة التامة لعدم العلاقة بينهما ذاتاً ووجوداً كما عرفت ، وعلى ضوء هذا الأساس
فلو قلنا بالفعل النفساني وراء الفعل الخارجي فلابد من الالتزام
ـ95ـ
باستقلال كل منهما في الصدور عن النفس ، فكما أن الفعل النفساني يصدر منه بسلطنتها
وقدرتها عليه مباشرة ، فكذلك الفعل الخارجي ، وعلى هذا الفرض فكلا الفعلين خارج عن
القاعدة المذكورة .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية :
الأول : أنه لا يمكن الالتزام بوجود الفعل النفساني في وعاء النفس وقائم بها قيام
الفعل بالفاعل في قبال وجود الفعل الخارجي إذ مضافاً إلى أنه لابرهان عليه مخالف
للوجدان أيضاً .
الثانية : أن دفع شبهة الجبر لا يتوقف على الألتزام بالفعل النفساني المسمّى
بالاختيار ، حيث أن بامكان النفس إيجاد الفعل الخارجي بسلطنتها وقدرتها عليه مباشرة
بدون الحاجة إلى توسط الفعل النفساني .
الثالثة : أن ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) من عدم انطباق قاعدة أن
الممكن مالم يجب لم يوجد على الفعل الخارجي ، لاينسجم مع التزامهم بأن الفعل
الخارجي خاضع للفعل النفساني لا لسلطنة الفاعل مباشرة ، وعلى هذا فلايمكن خروج
الفعل الخارجي عن القاعدة المذكورة لأن الخارج منها هو الفعل الخاضع لسلطنة الفاعل
مباشرة دون أثرها ومعلولها ، فإذن لازم ما أفادته مدرسة المحقق النائيني (قدس سره)
عدم انطباق القاعدة على الفعل النفساني فحسب وهو الاختيار دون الفعل الخارجي ، أو
فقل أنه لا فرق بين كون الفعل الخارجي وليد صفة الارادة وكونه وليد الاختيار الذي
هو فعل نفساني ، فإنه على كلا التقديرين خاضع لقاعدة أن الممكن مالم يجب لم يوجد ،
غاية الأمر أن الفعل على الأول غير اختياري باعتبار أن صفة الارادة قهرية بتمام
مبادئها وعلى الثاني اختياري ، فان وجوب وجوده بالاختيار وفي طوله ، والوجوب
بالاختيار لا ينافي الاختيار ،
ـ96ـ
فمن أوجد النار فقد وجدت الحرارة بالضرورة ، وهذه الضرورة بما أنها بالاختيار فلا
تنافي الاختيار .
الرابعة : أن الفعل الخارجي لايمكن أن يكون معلولا للفعل النفساني وخاضعاً له لعدم
التناسب والسنخية بينهما ، فإذن لايمكن أن يكون الفعل الخارجي وليد الفعل النفساني
.
الخامسة : أنه على تقدير الالتزام بالفعل النفساني فلابد من الالتزام بأن الفعل
الخارجي في عرض الفعل النفساني لا أنه في طوله .
السادسة : ما تقدم من أن الاختيار واعمال القدرة وتأثير النفس في كل ذلك عنوان
انتزاعي منتزع من اضافة الفعل الخارجي إلى سلطنة الفاعل كالايجاد والوجود ولا واقع
موضوعي لها في وعاء النفس في قبال الفعل في وعاء الخارج .
ثم أن المحقق الأصبهاني (قدس سره) قد علّق على مدرسة المحقق النائيني في المسألة
بوجوه :
الوجه الأول : أنه ليس للنفس بما هي وبقطع النظر عن قواها الباطنة والظاهرة فعل ،
فان فاعلية النفس بموجودات عالم النفس إذا كانت في مرتبة القوة العاقلة الإيجاد
النوري العقلاني وفي مرتبة القوة الواهمة الغرض والتقدير وفي مرتبة القوة المتخيلة
الوجود الخيالي وفي مرتبة القوة الباصرة الأبصار وفي مرتبة السامعة الأسماع وهكذا .
ومن الواضح أن الايجاد النوري المناسب للقوة العاقلة أجنبي عن الاختيار الذي جعلته
مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) أمراً آخر مما لابد منه في كل فعل اختياري ، بداهة
أن النفس بعد حصول الشوق الأكيد ليس لها إلا الهيجان
ـ97ـ
بالقبض والبسط في مرتبة القوة العضلانية(1) .
ما أفاده (قدس سره) في هذا الوجه نقطتان :
الاُولى : أنه ليس للنفس فعل في وعائها بنحو المباشر وبقطع النظر عن قواها الباطنة
والظاهرة في قبال وجود الفعل في الخارج .
الثانية : أن المؤثر في حركة العضلات هو هيجان النفس بالقبض والبسط وهو معلول
للارادة ، أما النقطة الاُولى فقد مرّ أنها في محلها ، إذ مضافاً إلى أنه لا برهان
على أن النفس فعلا في وعائها وراء وجود الفعل في الخارج مخالف للوجدان أيضاً .
وأما النقطة الثانية ، فيرد عليها ما تقدم من أن الارادة مهما بلغت ذروتها من القوة
والشدة لاتصلح أن تكون علة تامة للفعل في الخارج ، بداهة أنه خاضع لسلطنة النفس
كانت هناك إرادة أم لم تكن ، وقد سبق أن ذلك وإن لم يكن برهانياً إلا أنه وجداني
على تفصيل قد مرّ .
فالنتيجة ، أن هذه النقطة خاطئة جداً ولا واقع موضوعي لها .
الوجه الثاني : أن هذا الفعل النفساني المسمّى بالاختيار إذا حصل في النفس فان ترتب
عليه حركة العضلات ترتب المعلول على العلة قهراً كان حاله حال صفة الارادة ، فإذن
ما المانع عن كون صفة الارادة علة تامة للفعل دون الفعل النفساني وكونه وجوباً
بالاختيار مثل كونه وجوباً بالارادة ، وإن لم تترتب عليه الحركة فلا يصلح أن يكون
علة لها .
والجواب عن ذلك واضح ، وهو أن الوجوب إذا كان بالاختيار فلاينافي
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 286 .
ـ98ـ
الاختيار باعتبار أنه في طول الاختيار وما نحن فيه من هذا القبيل ، وأما الوجوب
بالارادة فهو ينافي الاختيار باعتبار أن الارادة بتمام مبادئها غير اختيارية وناشئة
بالضرورة من عللها المنتهية إلى إرادة الباري عزّ وجلّ والضرورة تنافي الاختيار ،
فإذن كيف يكون الوجوب بالاختيار مثل الوجوب بالارادة ، وبكلمة أن الوجوب بالاختيار
يختلف عن الوجوب بالارادة ، فان الوجوب بالاختيار مردّه إلى الوجوب بشرط المحمول أي
بشرط الوجود ، ومن الطبيعي أن مثل هذا الوجوب لاينافي الاختيار ، حيث إنه معلول له
فكيف يعقل أن يكون منافياً له ، فيكون المقام نظير المسبب المترتب على السبب
الاختياري وهذا بخلاف الوجوب بالارادة ، فانه ينافي الاختيار باعتبار أن الارادة
بتمام مبادئها غير اختيارية كما مرّ .
الوجه الثالث : أن الاختيار الذي هو فعل نفساني لا يخلو من أن لا ينفك عن الصفات
الموجودة في النفس كالعلم والقدرة والارادة أو ينفك عنها ، فعلى الأول فهو فعل قهري
لا اختياري لأن مبادية قهرية . وعلى الثاني فالصفات المذكورة بضميمة النفس الموجودة
في جميع الأحوال علة ناقصة للاختيار ، ومن الواضح أن المعلول لا يوجد إلا بعلته
التامّة ، وتوهم الفرق بين الفعل الاختياري وغيره من حيث كفاية وجود المرجح في
الأول دون الثاني من الغرائب ، فإنه لا فرق بين ممكن وممكن في الحاجة إلى العلة
التامة ولا فرق بين معلول ومعول في الحاجة إلى العلة التامة ، فإن الامكان مساوق
للافتقار إليها بل هو عين الافتقار والارتباط .
والجواب أن الممكن وإن كان يستحيل أن يوجد في الخارج بدون علة ولا فرق في ذلك بين
ممكن وممكن ، لما مر من أن سر حاجة الممكن إلى العلة كامن في صميم ذاته وكيان وجوده
ولكن تأثير العلة في المعلول يختلف ، فإن كان المعلول
ـ99ـ
من الحوادث الطبيعية كان تأثيرها فيه يقوم على أساس مبدأ التناسب والسنخية بقاعدة
أن الشيء مالم يجب لم يوجد ، وإن كان من الأفعال الاختيارية كان تأثيرها فيه على
أساس سلطنتها عليه ، وقد تقدم أن نسبة السلطنة إلى الفعل وجوداً وعدماً على حد سواء
، ولهذا لا يخرج الفعل من جهة ارتباطه بها وخضوعه لها عن حد الامكان والتعادل بين
الوجود والعدم إلى حد الوجوب ومع ذلك تكفي تلك السلطنة في إيجاده وتحققه في الخارج
بدون حاجة لها إلى ضم مقدمة تلك السلطنة في إيجاده وتحققه في الخارج بدون حاجة لها
إلى ضم مقدمة اُخرى إليها وإلا لزم خلف فرض كونه تحت السلطنة ، ولهذا لا تنطبق
قاعدة أن الشيء مالم يجب لم يوجد على الفعل الاختياري ، فالنتيجة أنه على تقدير
تسليم مقالة مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) فلا يرد عليها هذا الاشكال .
الوجه الرابع : أن الفعل المسمى بالاختياري إن كان ملاكاً لاختيارية الأفعال على
أساس أن ترتبها على صفة الارادة مانع عن استناد الفعل إلى الفاعل لكان الأمر في
الباري تعالى أيضاً كذلك ، لأن صدور الفعل منه بارادته مانع عن استناده إليه ،
باعتبار أن المناط في عدم اختيارية الفعل عدم اختيارية الارادة ، سواءاً كان بالذات
كما في إرادته تعالى وتقدس ، على أساس أنها عين ذاته المقدسة أم كان بالغير كما في
إرادة غيره تعالى ، فإن عدم اختياريتها من جهة انتهائها إلى إرادة الباري عزّ وجلّ
، ولكن لا يمكن أن يكون صدور الفعل من الواجب تعالى بتوسط الاختيار ، وذلك لأن
الاختيار لا يخلو من أن يكون عين ذات الواجب المقدسة أو غيره فكلاهما مستحيل ، اما
على الأول فلان الاختيار فعل والفعل يستحيل أن يكون عين فاعله وعليه فلايمكن أن
يكون الاختيار عين ذاته الواجبة ، وأما على الثاني فهو لا يخلو من أن يكون قديماً
أو حادثاً ، فعلى الأول يلزم تعدد القدما وهو باطل ، وعلى الثاني يلزم أن يكون ذاته
المقدسة
ـ100ـ
محلا للحوادث وهو مستحيل .
فالنتيجة ، أن الكل محال فلذلك لايمكن أن يكون الفعل المسمى بالاختيار ملاكاً
لاختيارية الأفعال في الواجب تعالى ولا في غيره .
والجواب : أن صفة الارادة لاتصلح أن تكون علة تامة للفعل لا في الواجب تعالى ولا في
غيره ، أما في الواجب تعالى فقد تقدم أن إرادته ليست من الصفات الذاتية كالعلم
والقدرة ونحوهما بل هي من الصفات الفعلية كالخلق والرزق وغيرهما ، ومع الاغماض عن
ذلك وتسليم أنها من الصفات الذاتية إلاّ أنها لا يمكن أن تكون علة تامة لفعله تعالى
بأن يكون فعله خاضعاً لها وجوداً
وعدماً كخضوع المعلول للعلة ، وذلك لأن لازم هذا أن فاعليته تعالى غير اختيارية ،
لأن ضرورة الفعل بضرورة الارادة تنافي الاختيار على تفصيل قد سبق هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن ملاك اختيارية الفعل ارتباطه بسلطنة الفاعل وخضوعه لها بلا فرق
في ذلك بين الباري عزّ وجلّ وبين غيره ، وقد مرّ أن الفطرة السليمة الوجدانية تحكم
بثبوت هذه السلطنة والقدرة للفاعل على أفعاله ، هذا إضافة إلى أن إثبات القدرة
والسلطنة لله سبحانه وتعالى برهاني أيضاً ، وكيف كان فلا شبهة في ارتباط الفعل
الاختياري بسلطنة الفاعل وقدرته وخضوعه لها وجوداً وعدماً لا بارادته ، وقد سبق أن
نحو ارتباطه بها ليس كنحو ارتباط المعلول الطبيعي بالعلة الطبيعية ، ولهذا لاتنطبق
عليه قاعدة أن الشيء مالم يجب لم يوجد .
ومن ناحية ثالثة ما ذكرناه آنفاً من أن الفعل الاختياري مرتبط بسلطنة الفاعل وقدرته
مباشرة لا بالفعل النفساني المسمى بالاختيار ، لما عرفت من أنه
ـ101ـ
لا برهان عليه مضافاً إلى أن وجوده في النفس وراء وجود الفعل في الخارج خلاف
الوجدان أيضاً ، ومن هنا يظهر أنه كان ينبغي للمحقق الأصبهاني (قدس سره) أن يعلق
على مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) بذلك لا بما ذكره من أن الاختيار إما عين ذات
الواجب تعالى أو غيره والكل مستحيل ، وذلك لأنه لا مانع من كون الاختيار فعلا له
تعالى قائماً به قيام الفعل بالفاعل صدوراً ، إذ لا مانع من ذلك ولا يلزم منه محذور
، فإن المحذور إنما يلزم إذا كان قيامه به قيام الصفة بالموصوف والحال بالمحل
والمفروض أن الأمر ليس كذلك ، والنكتة فيه أن الاختيار الذي هو عبارة عن إعمال
القدرة يوجد بقدرته تعالى وسلطنته مباشرة ثم الفعل الخارجي بتوسطه ، لا أنه موجود
في مرتبة ذاته المقدسة بقطع النظر عن الفعل الخارجي لكي يكون قيامه بذاته في هذه
المرتبة قيام الحال بالمحل ، فما ذكره المحقق الأصبهاني (قدس سره) مبني على أن يكون
الاختيار ثابتاً في مرتبة ذاته تعالى ، فعندئذ كان لما أفاده (قدس سره) من التشقيق
مجال ولكن الأمر ليس كذلك ، لأنه ثابت في مرتبة فعله ، فإذا كان ثابتاً في هذه
المرتبة فلا محالة كان قيامه بذاته المقدسة قيام الفعل بالفاعل كقيام سائر أفعاله ،
غاية الأمر أنه يوجد بقدرته وسلطنته مباشرة لا باختيار آخر واعمال قدرة اُخرى ، ثم
يوجد الفعل الخارجي بتوسطه كما هو الحال في الانسان .
لحد الآن تبين أن ما أفاده المحقق الأصبهاني (قدس سره) من التعليقات على مدرسة
المحقق النائيني (قدس سره) في المسألة لايتم شيء منها ، فالصحيح هو ما ذكرناه من
التعليق عليها .
الوجه الثاني : أن أفعال العباد لا تخلو من أن تكون متعلقة لارادة الله سبحانه
وتعالى أو لا تكون متعلقة لها ولا ثالث لهما ، فعلى الأول لابد من وقوعها
ـ102ـ
في الخارج لاستحالة تخلف المراد عن إرادته تعالى ، وعلى الثاني يستحيل وقوعها في
الخارج لأن وقوع الممكن بدون إرادته تعالى مستحيل ، حيث لا مؤثر في الوجود إلاّ
الله ، ونتيجة ذلك أن العبد مقهور في إرادته ولا اختيار
له أصلا(1) .
والجواب : عن ذلك قد ظهر مما تقدم من أن فعله تعالى إنما يصدر منه بسلطنته وقدرته
عليه لا بارادته ، هذا إضافة إلى أن ارادته تعالى ليست بذاتية بل هي فعلية وعبارة
عن مشيئته تعالى ، والمشيئة ليست فعلا مستقلا وراء الفعل الخارجي بل هي نفس اعمال
السلطنة والقدرة ، وقد تقدم أن الاعمال عين العمل في الخارج والفرق بينهما إنما هو
بالاعتبار ، ومن الواضح أن سلطنته تعالى إنما تتعلق بأفعاله سبحانه مباشرة ، منها
مبادىء فعل العبد وهي الحياة والعلم والقدرة ونحو ذلك ، واما فعل العبد فلا يعقل أن
يكون متعلقاً بسلطنته تعالى مباشرة لأنه غير قابل لأن يكون متعلقاً كذلك لها . نعم
مبادىء الفعل متعلقة لها وتصدر منها مباشرة ، وإما نفس الفعل فهي تصدر من العبد
كذلك شريطة وجود المبادىء فيه ، وما في هذا الوجه من أن أفعال العباد لولم تكن
متعلقة لارادته تعالى استحال وقوعها في الخارج ، حيث لامؤثر في الوجود إلا الله
تعالى لايرجع إلى معنى محصل ، لأنه إن اُريد بذلك أنها ليست متعلقة لارادته تعالى
مطلقاً حتى مبادئها ، فيرد عليه أنه خلاف الضرورة ، وإن اُريد بذلك أن نفس الأفعال
إذا لم تكن متعلقة لها لم تقع في الخارج ، فيرد عليه ما عرفت من استحالة وقوعها
متعلقة لارادته تعالى وسلطنته مباشرة من ناحية ، ووقوعها في الخارج بسلطنة العبد من
ناحية اُخرى ، وهذا لاينافي أن لا يكون المؤثر في الوجود إلا
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 71 .
ـ103ـ
الله تعالى ، فإن معنى ذلك أن كل شيء لايوجد في الخارج إلا بقدرة الله وسلطنته ،
غاية الأمر قد يوجد بلا واسطة وقد يوجد مع الواسطة كأفعال العباد ، فإنها توجد
بقدرته تعالى وسلطنته مع الواسطة وهي حياة العباد وقدرتهم وعلمهم وما شاكل ذلك ،
ولولا وجود هذه الواسطة استحال تحقق الفعل من العبد في الخارج ، ومن هنا قلنا أن
وقوع الفعل منه وتحققه اختياراً مشروط ببقاء
مباديه فيه .
نعم لو اُريد من أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله التأثير بدون الواسطة ، فهو غير
صحيح ولا يعقل أن يكون المراد منه ذلك ، فهذا الوجه لايرجع إلى معنى معقول .
الوجه الثالث : أن الله تعالى عالم بأفعال العبد بكافة خصوصياتها من كمّها وكيفها
وأينها ومتاها ووضعها ونحو ذلك ، ومن الطبيعي أنه لابد من وقوعها منه في الخارج على
طبق علمه سبحانه وتعالى لا على طبق اختيار العبد وإلا لزم تخلفه عنها وهو مستحيل ،
ثم إن الاستدلال بهذا الوجه تارة يكون مبنياً على أن أفعال العباد لولم يجب وقوعها
في الخارج على طبق علمه تعالى بها لكان علمه جهلا تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً .
وعليه فلابد من الالتزام بوقوعها خارجاً في إطار علمه سبحانه وتعالى ولا يمكن
التخلف عنه ، ومن الواضح أن العباد لو كانوا مختارين في أفعالهم لوقع التخلف في غير
مورد وهو محال ، وقد صرح بذلك صدر المتألّهين بقوله ومما يدل على ما ذكرناه من أنه
ليس من شرط كون الذات مريداً وقادراً إمكان أن لا يفعل ، حيث أن الله تعالى إذا علم
أنه يفعل الفعل الفلاني في الوقت الفلاني فذلك الفعل لولم يقع لكان علمه جهلا وذلك
محال والمؤدي إلى المحال محال ، فعدم وقوع ذلك الفعل محال ، فوقوعه واجب
ـ104ـ
لاستحالة خروجه من طرفي النقيضين(1) .
واُخرى يكون مبنياً على أن علمه تعالى علة لمعلومه خارجاً ، بتقريب أن إضافته إليه
إضافة اشراقية لا إضافة محمولية ، ومعنى الاضافة الاشراقية أن المضاف إليه يوجد
بنفس الاضافة ، وعلى هذا فالمعلوم بعلمه تعالى يوجد بنفس علمه ، وهذا بخلاف الاضافة
المحمولية فانها تتوقف على وجود المضاف إليه في المرتبة السابقة عليها ، بيان ذلك
أن أفعال العباد بما أنها حادثة من الحوادث المسبوقة بالعدم ، فلايمكن أن تقع طرفاً
لعلمه الذاتي مباشرة وإلا لكانت أزلية ، وعلى ذلك فلا مناص من الالتزام بأن أفعال
العباد جزء من سلسلة الأشياء الطبيعية الطولية بعللها ومعلولاتها وحلقاته التصاعدية
، على أساس مبدأ العلية الذي هو نظام عام للكون ، وأفعال العباد بما أنها جزء من
هذه السلسلة فلا محالة تسير وتتحرك قهراً بنظامها الخاص ولا صلة لها حينئذ باختيار
العبد هذا ، ويمكن التعليق على كلا الوجهين :
أما الوجه الأول فلأن حقيقة العلم هي انكشاف الأشياء بما لها من الخصوصيات في
الواقع لدى العالم ولا فرق في ذلك بين علمه تعالى وعلم غيره ، غاية الأمر أن علمه
سبحانه بالاشياء حضوري بمعنى أن الأشياء بواقعها وحقيقتها حاضرة عنده تعالى ، وأما
علم غيره بها فهو حصولي بمعنى أن الأشياء حاضرة عنده بصورها لا بواقعها الموضوعي
هذا هو علمه الفعلي ، وأما علمه الذاتي بالأشياء قبل خلقها ووجودها فهو خارج عن
حدود تصورنا وادراكنا ، ضرورة أنه ليس بامكاننا تصوّر علمه الذاتي الذي هو عين ذاته
المقدسة وإلا لكان بالامكان تصور ذاته المقدسة أيضاً ، وعلى الجملة فلا يمكن تصور
كيفية
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 72 .
ـ105ـ
تعلق علمه الذاتي الأزلي بالأشياء قبل وجودها ، لأنه لا يمكن أن يكون تعلقه بها
بنحو العلم الحصولي فإنه غير متصور في الواجب تعالى ، كما لا يمكن أن يكون بنحو
الحضور لأنه فرع وجود تلك الأشياء ، وأما تعلقه بها بكيفية اُخرى فهو خارج عن دائرة
تصورنا ، وهذا لا ينافي التصديق بأنه تعالى عالم بالأشياء بالعلم الأزلي وإن علمه
هذا عين ذاته المقدسة .
فإذا كانت حقيقة العلم انكشاف الأشياء على ما هي عليه في الواقع ، استحال أن يكون
مؤثراً في وقوعها في الخارج ، لأن وقوعها خاضع لعللها في الواقع والعلم تعلق
بوقوعها فيه وليداً من عللها . وعلى هذا فعلمه تعالى بصدور الفعل من العبد بسلطنته
واختياره في المستقبل لا يوجب ضرورة صدوره منه لكي يكون خارجاً عن اختياره وجداناً
وبرهاناً .
أما الأول فلأن كل عالم إذا رجع إلى وجدانه يدرك أن العلم لا يغير الواقع ولا يؤثر
فيه بل هو مجرد انكشاف عما هو عليه في الواقع .
وأما الثاني فلأن علمه تعالى تعلق بصدور الفعل من العبد بسلطنته وإعمال قدرته ،
وعليه فلابد أن يصدر منه كذلك وإلاّ لكان علمه جهلا أعاذنا الله من ذلك . هذا من
ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن علمه تعالى بوقوع الفعل من العبد في الخارج ليس من إحدى مقدماته
ومباديه لأن مقدماته ومباديه عبارة عن حياة العبد
وقدرته وعلمه بالحال ، فالعبد مختار في فعله شريطة وجود هذه المبادىء والمقدمات فيه
.
وأما الوجه الثاني فلأنه مبني على نظرية الفلاسفة من أن ذاته العليمة علة تامة
لتكوين الأشياء وإيجادها بكافة سلسلتها الطولية العرضية وحلقاتها
ـ106ـ
التصاعدية من الوجود المنبسط الذي هو صرف الوجود إلى الوجود المندمج بالماهية ،
وحيث أن إضافة العلة إلى معلولها إضافة اشراقية فإضافة ذاته العليمة إلى معلوماتها
أيضاً كذلك أي إضافة اشراقية لا محمولية ، وهذا معنى أن علمه تعالى علة لمعلومه .
ولكن قد تقدم الاشارة إلى بطلان هذه النظرية ولا يمكن الالتزام بها من جهة أنها
تستبطن الجبر في أفعال الباري عزّ وجلّ ونفي القدرة والسلطنة عنه تعالى في الواقع
وهو كماترى، وإن كان أصحاب النظرية مصرين على أن ضرورة الفعل الناشئة من ضرورة
الارادة لا تنافي الاختيار سواء كانت ضرورتها بالغير كما في الانسان أم بالذات كما
في الباري عزّ وجلّ، بل تؤكده ، لأن الملاك في الاختيارية إنما هو بصدق القضية
الشرطية القائلة بأنه لو أراد السفر لسافر ولو شاء الصلاة لصلّى وهكذا، فإن ضرورة
السفر عند الارادة تؤكد الملازمة بين التالي والمقدم في القضية الشرطية، على أساس
أن صدقها يدور مدارها وجوداً وعدماً، وإليه يرجع ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس
سره) من أن الفعل الاختياري ما يكون صادراً عن الارادة بمبادئها لا ما يكون صادراً
عن إرادة صادرة عن اختيار(1).
نتيجة هذا البحث … وهذا الكلام منهم غريب جداً ، أما بالنسبة إلى إرادة الباري عزّ
وجلّ فلا يمكن تشكيل القضية الشرطية فيها ، لما ذكرناه سابقاً من أن أداة الشرط
كأداة النفي والتمني والترجي والاستفهام لا تدخل على الصفات الذاتية العليا ، وحيث
أن الارادة عندهم من الصفات الذاتية فلا يمكن دخول أداة الشرط عليها لكي تشكل قضية
شرطية يكون مقدمها الارادة الأزلية وتاليها الفعل هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الارادة إذا كانت غير اختيارية سواءاً كانت بالغير كما
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 68 . ( مؤسسة آل البيت(عليهم السلام) ) .
ـ107ـ
في إرادة الانسان أم بالذات كما في إرادة الواجب تعالى فكيف لا تنافي الاختيار ،
بداهة أن ضرورة الفعل لا تجتمع مع الاختيار ، فحركة الأصابع إذا كانت ناشئة
بالضرورة من الارادة في النفس الناشئة بالضرورة من عللها إلى أن تنتهي إلى إرادة
الواجب تعالى كانت حالها تماماً حال حركة يد المرتعش الناشئة بالضرورة من المرض
المؤثر فيها الناشىء من عوامله إلى أن تنتهي إلى إرادة الواجب بالذات ، فكما أن
حركة يد المرتعش غير اختيارية ، فكذلك حركة الأصابع ، فإن كلتيهما ناشئة من عللها
الخارجة عن اختيار الانسان ، وحينئذ فإن أراد بذلك أن ملاك اختيارية الفعل هو كونه
مسبوقاً بالارادة وإن كانت الارادة غير اختيارية ، وملاك عدم اختيارية الفعل هو
كونه غير مسبوقاً بها ، ففيه أن ذلك الفرق يرجع إلى مجرد الاصطلاح بدون أن يكون له
واقع موضوعي ، ومن الواضح أنه لايجدي فيما هو المطلوب في المسألة وهو حسن المحاسبة
والعقوبة على الأفعال الاختيارية وقبحهما على الأفعال الاضطرارية كحركة يد المرتعش
واصفرار وجه الخائف عند الخوف ، فلوكان الفعل الاختياري المسبوق بالارادة كالفعل
الاضطراري خارجاً عن اختيار الانسان وسلطنته كانت المحاسبة والعقوبة عليه قبيحة لا
انها حسنة .
فالنتيجة : أن ذاته العليمة لايمكن أن تكون علة للأشياء المعلومة .
نستعرض نتائج البحث في نقاط :
الاُولى : أن استدلال الأشاعرة على الجبر وعدم كون العبد مختاراً في فعله بأن الفعل
ممكن والممكن متساوي الطرفين ، فترجيح أحدهما على الآخر بحاجة إلى علة بقاعدة أن
الممكن مالم يجب لم يوجد ، وعليه فلا حول ولا قوة للعبد لا يرجع إلى معنى محصل ،
لأن الوجدان السليم يحكم بسلطنة الانسان وقدرته على
ـ108ـ
فعله طالما أنه حي وقادر وملتفت .
الثانية : أن ما ذكر من أن فعل العبد ممكن والممكن مقدور لله تعالى ولا شيء مما هو
مقدور له تعالى بواقع تحت قدرة العبد لايرجع إلى معنى محصل ، لأن فعل العبد مقدور
له تعالى بالواسطة ومع ذلك واقع بقدرة العبد مباشرة ولا تنافي بين الأمرين أصلا .
الثالثة : أن ما قيل من أن عادة الله قد جرت على إيجاد فعل العبد عند قدرته
واختياره إبداعاً وإحداثاً بدون التأثير لقدرته فيه ، لا يرجع إلى معنى معقول على
ما تقدم تفصيله .
الرابعة : أن كلمات الفلاسفة متفقة على أن ملاك اختيارية الفعل هو ارتباطه بالارادة
وخضوعه لها بنحو خضوع المعلول بالعلة التامة .
ولكن قد تقدم أن الارادة مهما كانت لايمكن أن تكون علة تامة للفعل وإلا فلا يكون
الانسان مختاراً في أفعاله ، على أساس أن الارادة بما أنها بتمام مقدماتها غير
اختيارية وناشئة بالضرورة من عللها المنتهية إلى الذات الواجبة ، فكيف يعقل أن تكون
الأفعال المترتبة عليها اختيارية ، ضرورة أنه لا فرق حينئذ بين حركة يد المرتعش
وحركة الأصابع ، فإن الكل مترتب على عامل غير اختياري ترتب المعلول على العلة
التامة ، وعليه فلا فرق بينهما إلا في مجرد الاصطلاح وهو لا يجدي في صحة المحاسبة
والعقاب وصحة التكليف ، فإن كل ذلك إنما هو على الفعل الاختياري واقعاً لا اصطلاحاً
الذي لا يكون اختيارياً واقعاً .
الخامسة : الصحيح أن الارادة مهما بلغت لا تصلح أن تكون علة تامة للفعل بأن يكون
الفعل خاضعاً لها وجوداً وعدماً لأمرين :
ـ109ـ
الأول : أن ذلك خلاف الوجدان والفطرة السليمة ، حيث أن الفعل كثيراً ما كان يصدر من
الانسان في الخارج سواءاً كانت هناك إرادة في نفسه أم لا .
الثاني : أن الفعل يحكم بقبح المحاسبة والعقاب عليه لأنها من محاسبة العاجز وهي
قبيحة ، هذا إضافة إلى أن لازم ذلك لغوية التكليف نهائياً كما تقدم .
السادسة : أن ملاك اختيارية الفعل هو ارتباطه لسلطنة الفاعل وخضوعه لها وهذا
الارتباط يختلف عن ارتباط المعلول الطبيعي بعلته التامة لأنه قائم على أساس مبدأ
التناسب والسنخية بقاعدة أن الشيء مالم يجب لم يوجد ، بينما لا يكون ارتباط الفعل
بالسلطنة قائماً على أساس هذا المبدأ ، فلذلك لا تنطبق عليه قاعدة أن الشيء مالم
يجب لم يوجد على تفصيل تقدم .
السابعة : أن مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) قد التزموا في المسألة بالفعل
النفساني المسمى بالاختيار واعمال القدرة وراء الفعل الخارجي ، بدعوى أنه مرتبط به
وخاضع له خضوع المعلول للعلة ، ووجوب وجوده به لا ينافي الاختيار ، باعتبار أنه
وجوب بشرط المحمول من جهة وفي طوله من جهة اُخرى .
ولكن تقدم أن الالتزام بوجود الفعل النفساني المسمّى بالاختيار في وعاء النفس وراء
الفعل الخارجي مخالف للوجدان والبرهان .
أما الأول فلان الوجدان يشهد بأنه ليس في النفس سوى الصفات المعروفة والمشهورة
ولوازمها القهرية .
وأما الثاني : فلأن الظاهر أن الاختيار واعمال القدرة وتأثير النفس كل ذلك من
العناوين الانتزاعية التي هي منتزعة من إضافة الفعل إلى الفاعل ، لأن الاعمال عين
العمل في الخارج والاختيار عين الخيار فيه والتأثير عين الأثر
ـ110ـ
كالايجاد والوجود ، لا أن الاختيار فعل في النفس وموجود فيها وراء وجود الفعل في
الخارج .
الثامنة : أن المحقق الأصبهاني (قدس سره) حيث قد التزم بأن الفعل خاضع للارادة خضوع
المعلول للعلة التامة ويدور مدارها وجوداً وعدماً تبعاً للفلاسفة ، فلذلك حاول نقد
مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) بوجوه ، وقد تقدم هذه الوجوه ونقدها وعدم ورود شيء
منها على المدرسة ، فالصحيح في نقدها ما ذكرناه .
التاسعة : أن ما ذكر من أن أفعال العباد لا تخلو من أن تكون متعلقة لارادته تعالى
أو لا ، فعلى الأول لابد من وقوعها لاستحالة تخلف المراد عن إرادته تعالى ، وعلى
الثاني يستحيل وقوعها في الخارج ، على أساس أنه لا مؤثر في الوجود إلاّ الله ،
لايرجع إلى معنى محصل ، لأن أفعال العباد لايمكن أن تقع متعلقة لارادته تعالى
مباشرة ، فالواقع تحت إرادته وسلطنته هو مبادىء تلك الأفعال ، ومن الواضح أن ذلك
لايستلزم ضرورة وقوعها من العباد في الخارج ، وأما أنه لا مؤثر في الوجود إلا الله
فهو صحيح إذا اُريد من التأثير أعم من أن يكون مع الواسطة أو بدونها ، وأما إذا
اُريد منه خصوص ما يكون بلا واسطة فهو
غير صحيح .
العاشرة : أن الظاهر من الفلاسفة أمران :
الأول : أن علمه تعالى بوقوع أفعال العباد زماناً ومكاناً لايمكن أن يتخلف عنه
وإلاّ لزم علمه تعالى جهلا تعالى الله عن ذلك علواً كبيراً ، وقد صرّح بذلك صدر
المتألّهين .
الثاني : أن اضافة علمه تعالى إلى معلومه اضافة اشراقية لا محمولية ، ومردّ ذلك إلى
أن علمه تعالى علة لايجاد معلومه في الخارج ، وعليه فلايمكن أن يكون
ـ111ـ
العبد مختاراً في فعله .
ولكن قد تقدم نقد كلا الأمرين :
أما الأول فلأن حقيقة العلم هي انكشاف الأشياء على ما هي عليه في الواقع ولا يعقل
أن يكون مؤثراً فيها وإلا لزم تخلف العلم عن معلومه وهو مستحيل .
وأما الثاني فلما عرفت من أن معنى العلم هو انكشاف الواقع على ما هو عليه لا أنه
علة لايجاد معلومه فيه ، إلا أن يكون المراد من ذلك إضافة الذات العليمة إلى
الأشياء المعلومة وإضافة الذات إليها عند الفلاسفة إضافة اشراقية ، ولكن قد مرّ أنه
لا يمكن أن تكون ذاته تعالى علة تامة للأشياء ، وإلاّ لزم الجبر والقهر في أفعاله
سبحانه وهو كماترى .
الوجه الرابع : أن الذات الواجبة والحقيقة الالهية بوحدتها وأحديّتها علة تامة
للأشياء بسلسلتها الوجودية الطولية وحلقاتها التصاعدية التي ينبثق بعضها من بعض ،
فإنها برمّتها تتولد من الذات الواجبة كتولد الشعاع من الشمس والضوء من النور على
أساس مبدأ التناسب ، وحيث أن أفعال العباد جزء من تلك السلسلة والحلقات فلا محالة
توجد بوجودها على ضوء أن كل حلقة متأخرة من تلك الحلقات معلولة لحلقة سابقة مباشرة
إلى أن تنتهي إلى حلقة مستقلة في وجودها وهي الواجبة بالذات ، ونتيجة ذلك أن
الحلقات المتصاعدة جميعاً متعلقات ومربوطات بالذات الواجبة التي هي الحلقة الاُولى
والسبب الأعلى للعالم منها أفعال العباد ، فلذلك لا حول ولا قدرة لهم عليها .
والجواب : أولا : أن الذات الواجبة لايمكن أن تكون علة تامة للأشياء بالتفسير
الفلسفي وإلاّ لكانت الأشياء واجبة بوجود ذاته المقدسة ، ومن الواضح أن الوجوب
ينافي الاختيار بل أن لازم ذلك نفي القدرة والسلطنة عن الباري
ـ112ـ
والخالق للعالم وهو كما ترى .
وثانياً : أنه لا يمكن تفسير اختلاف الأشياء بمظاهرها وحركاتها وتنوعها من الماء
والتراب والنار والحديد والأزوت والرصاص والذهب والفضة والخشب وغير ذلك على أساس
مبدأ واحد للعالم بالتفسير الفلسفي ، لأن العلة التامة إذا كانت واحدة فلابد أن
يكون معلولها أيضاً كذلك بمقتضى مبدأ التناسب ، غاية الأمر إن كانت وحدتها شخصية
فوحدة معلولها أيضاً كذلك ، وإن كانت نوعية فكذلك ، بداهة أنه لايمكن أن تكون دائرة
المعلول أوسع من دائرة العلة أو أضيق ، كيف فإن المعلول عين الربط والتعلق بالعلة
ووليد منها وكامن في
صميم كيانها ووجودها ، ولهذا يكون من مراتب وجودها النازلة وليس شيئاً منفصلا عنها
.
وعلى ضوء هذا الأساس فإذا كان مبدأ العالم واحداً استحال أن تختلف آثاره ومظاهره
وتتنوع أفعاله بقاعدة أن الواحد لا يصدر منه إلاّ الواحد ، وحيث أن ذاته المقدسة
واحدة من جميع الجهات والحيثيات فيستحيل أن تصدر منها أفعال متباينة ومتنوعة في طول
سلسلة وجودها وحلقاتها التصاعدية ، على أساس إنها برمتها متولدة من الذات الواجبة
بالمباشرة أم بالواسطة .
فالنتيجة : أنه لا يمكن تفسير اختلاف الأشياء في الآثار والاحكام والتنوع على ضوء
تفسير الفلاسفة علية ذاته المقدسة للأشياء ، وهو أنها جامعة لجميع تلك الأشياء بنحو
الأتمّ والأشد بلا حدود لها في مرتبة ذاته ، ثم تتولد منها وتتكثر على ضوء القانون
القائل بأن العلل المتصاعدة في الحساب الفلسفي التي ينبثق بعضها عن بعض يجب أن يكون
لها بداية أي علة أولي لم تنبثق عن علة سابقة ، إذ لا يمكن أن يذهب تسلسل العلل إلى
ما لا نهاية له ، لأن كل معلول
ـ113ـ
ليس إلا نحو من التعليق والارتباط بعلته ، فالموجودات المعلولة جميعاً ارتباطات
وتعلقات فلا يعقل استقلالها في الوجود ، ومن الواضح أن تلك الارتباطات والتعلقات
بحاجة إلى حقيقة مستقلة في الوجود ولم تنبثق عن علة سابقة وهي الذات الواجبة وإلاّ
استحال وجودها .
وبكلمة أوضح أنه يمكن التعليق على هذه النظرية بعدة اُمور :
الأول : أنه لا يمكن تفسير علية ذاته المقدسة للأشياء بالمفهوم الفلسفي وهو العلية
على أساس مبدأ التناسب والسنخية بينها ذاتاً ، لأن لازم ذلك نفي القدرة والسلطنة عن
الباري عزّ وجلّ والخالق للعالم .
الثاني : ما مرّ الآن من أنه لايمكن تفسير اختلاف الأشياء في التنوع والآثار على
ضوء مبدأ واحد للعالم وهو الذات الواجبة بالمفهوم الفلسفي .
الثالث : أن العلة إذا كانت قديمة أزلية فلابدّ أن يكون المعلول أيضاً كذلك على
أساس أن المعلول بكيانه ووجوده مرتبط بالعلة ارتباطاً ذاتياً فيستحيل أن يوجد بعد
زوال العلة أو يبقى بعد ارتفاعها ، ويترتب على ذلك ضرورة قدم العالم بقدم علته وهي
الذات الواجبة ، بداهة أنه لا يمكن أن تكون العلة قديمة والمعلول حادثاً مسبوقاً
بالعدم ، لاستحالة ارتباط الحادث بالقديم ارتباطاً ذاتياً ، وحيث أنه لا شبهة في
حدوث العالم وتجدده ، ومعه كيف يمكن أن تكون علته قديمة ثابتة والمعلول حادثاً
متغيراً ، لوضوح أن العلة إذا كانت قديمة وثابتة فالمعلول أيضاً لابد أن يكون كذلك
، وإلاّ فلا يكون معلولا لها ، ومن هنا وقع الفلاسفة في عويصة مشكلة صلة الحادث
بالقديم ذاتاً وتأثير القديم فيه .
ـ114ـ
محاولة الفلاسفة لدفع هذه الاُمور … محاولة الفلاسفة لدفع هذه الاُمور :
أما الأمر الأول فلأن هذه النظرية نتيجة حتمية لمجموعة من القواعد العقلية الضرورية
.
الاُولى : قاعدة أن لكل شيء سبباً وعلة .
الثانية : قاعدة التناسب والسنخية بين العلة والمعلول .
الثالثة : قاعدة أن الشيء مالم يجب وجوده لم يوجد .
الرابعة : قاعدة التعاصر بين العلة والمعلول .
بيان ذلك أن ذاته المقدسة هي سبب العالم ككل وعلته تطبيقاً للقاعدة الاُولى وهذه
القاعدة من أوليات ما يدركه البشر في حياته الاعتيادية وأنها كنظام عام للكون
موجودة في صميم طبيعة الانسان بصورة فطرية وهو الباعث الذي يبعث الانسان فطرة إلى
تبرير وجود الأشياء باستكشاف أسبابها وعللها ، وقد يوجد ذلك عند الحيوانات أيضاً
ولهذا لايكون هذا المبدأ قابلا للتخصيص ، لأنه ليس من القواعد الشرعية حتى يكون
قابلا له بل هو من القواعد العقلية الفطرية ، ومن هنا لولا مبدأ العليّة وقوانينها
الصارمة لم يمكن اثبات أي نظرية من النظريات العلمية وقوانينها ولم يصح الاستدلال
بأي دليل كان في مختلف مجالات المعرفة البشرية ، كما لم يمكن اثبات موضوعية الاحساس
والتجربة إلا به ، وعلى هذا فلابد من أن تكون علية الذات الواجبة للأشياء على أساس
مبدأ التناسب والسنخية تطبيقاً للقاعدة الثانية ، وإلاّ فلايمكن أن تكون الأشياء
خاضعة لها خضوع المعلول للعلة ، فإذا كان ارتباط الأشياء بالذات الواجبة على أساس
هذا المبدأ فلا محالة يجب وجودها بوجود العلة تطبيقاً للقاعدة الثالثة ، وحيث إن
ـ115ـ
حاجة الأشياء إلى العلة كامن في صميم كيانها ووجودها بلا فرق فيها بين الوجود
الحدوثي والوجود البقائي تطبيقاً للقاعدة الرابعة .
تحصل أن علية الذات الواجبة للأشياء بالمفهوم الفلسفي نتيجة حتمية لتلك القواعد
العقلية الضرورية هذا .
والواقع أن في عرض هذه القواعد وتطبيقها جميعاً على مبدئيّة الذات الواجبة للعالم
خطأ ، توضيح ذلك أنه لا ريب في أن الله تعالى هو مبدأ العالم ككل والكل ينال منه
ولكن مبدئيّته للعالم ليست على أساس مبدأ التناسب والسنخية كما فسرها الفلاسفة بذلك
بل بسلطنته المطلقة على العالم ، لأن فاعليته تعالى للأشياء إنما هي بها لا بعليّة
ذاته الواجبة أو إرادته بالمفهوم الفلسفي ، وقد تقدم أن نسبة السلطنة إلى طرفي
الأشياء على حد سواء ولا تخرج الأشياء بها عن حد الامكان والتعادل بين الوجود
والعدم إلى حدّ الضرورة وتوجد بها بدون الحاجة إلى ضمّ مقدمة خارجية إليها ، وعلى
هذا فالقاعدة الاُولى وإن كانت لا نتطبق على سلطنة الباري عزّ وجلّ لأنها ليست علة
بالمفهوم الفلسفي إلا أنه لا وجه لتخصيص القاعدة بذلك ، فإن المراد منها استحالة
وجود الشيء بلا سبب سواءاً كان ذلك السبب العلة بالمفهوم الفلسفي أم كان السلطنة
للفاعل كما تقدم ، ومن هنا يظهر أن القاعدة الثانية لا تنطبق على سلطنة الباري عزّ
وجلّ لعدم التناسب بينها وبين الأشياء الصادرة منها ذاتاً ، وإن شئت قلت أن سلسلة
الوجود وحلقاته التصاعدية لابد أن تبدأ حتماً بالواجب بالذات وإلاّ لتذهب إلى مالا
نهاية لها وبالتالي لا وجود لها وهو خلف ، وعليه فالحلقة الاُولى متمثلة في الواجب
بالذات والحلقة الثانية تصدر منه مباشرة بالسلطنة والاختيار لا بالوجوب والضرورة
وبدون مناسبة بينهما ذاتاً ، ولهذا لا يكون خضوع الأشياء لسطنة
ـ116ـ
الباري عزّ وجلّ كخضوع المعلول للعلة التامة بالمفهوم الفلسفي ، ومن هنا لا يكون
تأثير السلطنة في الأشياء وجوداً وعدماً مبنياً على القاعدة الثانية ، كما أن
صدورها منها ليس مبنياً على القاعدة الثالثة ، فإن ضرورتها بالسلطنة إنما هي من
الضرورة بشرط المحمول أي بشرط الوجود لا الضرورة بالعلة كما هو مقتضى هذه القاعدة ،
فلذلك لا تنطبق القاعدتان عليها .
وأما القاعدة الرابعة ، فهي تنطبق على المقام ، لأن الأشياء في حدوثها وبقائها
بحاجة إلى الافاضة والامداد من الله تعالى بسلطنته وقدرته آناً فآناً ، فلو انقطعت
الافاضة عليها انعدمت ، هذا كله بالنسبة إلى الحلقة الثانية من الحلقات التصاعدية
للوجود .
وأما الحلقة الثالثة فعلتها المباشرة هي الحلقة الثانية ، وحيث أنها من الأشياء
الطبيعية التكوينية فلا محالة تكون عليتها لها انما هي بالمفهوم الفلسفي ، فلذلك
تنطبق عليها جميع القواعد المذكورة ، وعلى هذا الأساس فالأفعال الاختيارية تختلف عن
الحوادث الطبيعية ، فإن الأفعال الاختيارية خاضعة لسلطنة الفاعل وجوداً وعدماً لا
على أساس مبدأ التناسب الذاتي بينهما بل على أساس أن السلطنة على الفعل وحدها تكفي
لتحقق احد الطرفين بدون الحاجة لها إلى ضم مقدمة خارجية إليها ، بينما الحوادث
الطبيعية التي هي علل لآثارها ومعلولات لأسبابها في الحلقة السابقة خاضعة لمبدء
التناسب والسنخية ، فالنتيجة أن السلطنة علة للفعل لا بالمفهوم الفلسفي .
إلى هنا قد تبيّن أنه لا شبهة في بطلان هذه النظرية ، فإنه مضافاً إلى استلزامها
نفي القدرة والسلطنة عن الباري عزّ وجلّ أنها مخالفة للوجدان والبرهان . أما الأول
فلأن الفطرة السليمة الوجدانية تحكم بأن أفعاله تعالى خاضعة للسلطنة
ـ117ـ
والقدرة لا لعلية ذاته الواجبة أو إرادته بالمفهوم الفلسفي . وأما الثاني فقد ثبت
في محله بالأدلة الصارمة القدرة لله تعالى على الأشياء والسلطنة عليها التامة .
وأما الأمر الثاني فلأنهم حاولوا لتبرير اختلاف الأشياء في التنوع والاثار بأن
الصادر من الله تعالى مباشرة هو الوجود المنبسط ، وقد يعبر عنه بالوجود الاطلاقي
أيضاً لا الأشياء بأنواعها المختلفة ، لكي يقال أن صدورها منه تعالى مستحيل ، لأنه
من صدور الكثير عن الواحد ، وأما صدور الوجود المنبسط عنه فهو من صدور الواحد عن
الواحد على أساس أنه من مراتب وجوده تعالى النازلة ومن سنخه ، وأما التكثر
والاختلاف بين الأشياء فهو ناشيء من انبساط هذا الوجود الاطلاقي على الماهيات في
عالم المادة التي هي عبارة عن حدودها وفوارق بعضها عن بعض آخر ، ومن الواضح أن تلك
الحدود والفوارق اُمور عدمية لا واقع موضوعي لها فلا تكشف عن اختلاف علتها ، ولهذا
لو الغيت هذه الفوارق والحدود فلا امتياز بينها أصلا بل هي الوجود المنبسط ، ولذلك
قيل أن الوحدة في عين الكثرة وبالعكس ، فان وحدة الوجود المنبسط في عين الكثرة لأنه
ينطوي على جميع الوجودات الخاصة بنحو الأتمّ والأشدّ أي بدون حدودها وفوارقها ،
والكثرة في عين الوحدة لأن الوجودات الخاصة إذا الغيت جميع حدودها وفوارقها فهي عين
الوجود المنبسط هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الوجودات الخاصة بما أنها مختلفة بحدودها فلذلك تختلف آثارها
وتتباين أفعالها وتتنوع مظاهرها ، وهذا الاختلاف حيث أنه ناشىء من اختلاف فوارقها
وحدودها التي هي اُمور عدميّة فلا يكشف عن اختلاف علتها ، وإن شئت قلت أن منشأ
الاختلاف بين الأشياء إنما هو ضعف الوجود ، فان حيثية الوجود حيثية طرد العدم ،
وكلما كان الوجود أشد وأوسع
ـ118ـ
كانت حيثية طرد عدمه كذلك ، وكلما كان أضعف كانت حيثية طرد عدمه كذلك على عكس
الماهية ، فان سعة سنخ الماهية من جهة الضعف والابهام وسعة سنخ الوجود الحقيقي من
فرط الشدة والفعلية ، ولهذا كلما كان الضعف والابهام في المعنى أكثر كان الاطلاق
والشمول فيه أوفر وكلما كان الوجود أشد وأقوى كان الاطلاق والسعة فيه أكثر وأتم .
وغير خفي أن هذه المحاولة غير تامة ، اما أولا فلأنها مبنية على علية ذاته الواجبة
للأشياء بالمفهوم الفلسفي ، ولكن قد تقدم أنه لا يمكن أن تكون ذاته تعالى علة تامة
للأشياء بهذا المفهوم لاستلزام ذلك نفي القدرة والسلطنة عن الباري عزّ وجلّ ، هذا
إضافة إلى أن عليتها كذلك مخالفة للوجدان والبرهان
كما مرّ .
وثانياً أن الوجود المنبسط الذي لا حدود له في السعة فلا يعقل أن تصدر منه وجودات
خاصّة المتنوعة والمختلفة التي لها حدود وفوارق معيّنة ، لأن ذلك من صدور الكثير عن
الواحد وهو محال ، ضرورة أن العلة إذا كانت واحدة وغير محدودة فلابد أن يكون
معلولها أيضاً كذلك ، وإلاّ فلا يكون معلولا لها . هذا إضافة إلى أن منشأ اختلافها
لو كان أمراً عدمياً فلا يمكن أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها ، لأن الحقيقة
الواحدة لا محالة تكون آثارها واحدة ، وإلاّ لزم صدور الكثير من الواحد وهو مستحيل
، بداهة أن اختلاف الأشياء في الآثار والأنواع كاشف حتماً عن اختلافها بالذات
والحقيقة لا بالاعتبار .
إلى هنا قد تبين أن الالتزام بالنظام الجملي التسلسلي للوجود بالتفسير الفلسفي مبتن
على الالتزام بعلية ذاته المقدسة بالمفهوم الفلسفي ، وحيث أن التالي باطل جزماً كما
عرفت فالمقدم مثل هذا ، ولكن السيد الاُستاذ (قدس سره) قد علّق على
ـ119ـ
هذا النظام الجملي التسلسلي للوجود بأمرين آخرين :
الأول : أنه على ضوء هذه النظرية وهي أن ذاته الأزلية علة تامة للأشياء بالمفهوم
الفلسفي لايمكن اثبات علة أولي للعالم التي لم تنبثق عن علة سابقة ، والنكتة في ذلك
أن سلسلة العلل والحلقات المتصاعدة التي ينبثق بعضها من بعض لا تخلو من أن تتصاعد
تلك الحلقات وتذهب إلى مالا نهاية لها أو لها نهاية ، فعلى الأول هو التسلسل الباطل
، ضرورة أن هذه الحلقات جميعاً معلولات وارتباطات فتحتاج في وجودها وتحققها إلى علة
ذاتية واجبة الوجود حتى تنبثق منها وإلاّ استحال تحققها ، وعلى الثاني يلزم وجود
المعلول بدون علة ، وذلك لأن السلسلة إذا كانت لها نهاية فلا محالة تكون مسبوقة
بالعدم ، ومن الطبيعي أن ما يكون مسبوقاً بالعدم ممكن فلا يصلح أن يكون علة للعالم
، مبدأ له هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لا علة له ، فالنتيجة على ضوئهما هي وجود الممكن بلا علة وسبب
وهو محال ، كيف أن في ذلك القضاء الحاسم على مبدأ العلية ، فإذن على القائلين بهذه
النظرية أن يلتزموا بأحد أمرين إما بالقضاء على مبدأ العلية أو بالتسلسل وكلاهما
محال(1) .
ولكن للمناقشة في هذا التعليق مجالا ، بتقريب أن التزام الفلاسفة بسلسلة طولية
وحلقات تصاعدية للوجود بالتفسير الخاص إنما هو على أساس أنه لا يمكن تبرير تفسير
اختلاف الأشياء وتنوعها في المظاهر والآثار إلا بذلك ، وعلى هذا فهذه السلسلة التي
ينبثق كل حلقة متأخرة منها عن حلقة سابقة ، فلابد أن تنتهي إلى حلقة واجبة بالذات
التي لا تنبثق عن علة سابقة وإلا لتذهب إلى مالا
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 75 .
ـ120ـ
نهاية لها وهو باطل ، والمراد من انتهاء السلسلة انتهائها إلى الواجب بالذات الذي
هو مبدأ العالم والسبب الأعلى له فالانتهاء صفة للسلسلة ، باعتبار أنها برمتها
منتهية إلى الذات الواجبة ، وأما الذات الواجبة التي هي مبدأ السلسلة فلا انتهاء
لها ولا حد ، فما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن هذه السلسلة إما أنه لا
بداية لها أو أن لها بداية وحدّ ، فعلى الأول باطلة وعلى الثاني مسبوقة بالعدم ،
مبني على الخلط بين أن تكون السلسلة بنفسها منتهية ومحدودة وبين أن تكون منتهية إلى
الواجب بالذات . والأول محال لأن السلسلة برمتها ممكنة فيتسحيل أن توجد بنفسها .
والثاني واجب لأنها بوصف كونها ممكنة لابد أن تكون منتهية إلى الواجب بالذات ،
فالسلسلة الممكنة لابد أن تبدأ حتماً من الواجب بالذات باعتبار أنها عين التعلق
والربط به ، وأما الواجب بالذات فهو لا نهاية له ولا بداية .
والثاني أن لازم هذه النظرية انتفاء العلة بانتفاء شيء من تلك السلسلة ، بتقريب أن
هذه السلسلة والحلقات التصاعدية جميعاً معلولات لعلة واحدة وارتباطات وتعلقات بها
ذاتاً وحقيقة وإنها برمّتها كامنة في كيانها ووجودها وتنبثق منها ، فيستحيل أن
تتخلف عنها كما يستحيل أن تختلف ، وعلى ضوء هذا الأساس فإذا انتفى شيء من تلك
السلسلة فبطبيعة الحال يكشف عن انتفاء العلة ، ضرورة استحالة انتفاء المعلول مع
بقاء علته وتخلفه عنها هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لا شبهة في انتفاء الاعراض في هذا الكون ، ومن الطبيعي أن
انتفائها إنما هو من ناحية انتفاء علتها وإلاّ فلا يعقل انتفائها ، فالتحليل العلمي
في ذلك يؤدي في نهاية المطاف إلى انتفاء علة العلل ، وعلى هذا فلا يمكن تفسير
انتفاء بعض الأشياء في هذا الكون تفسيراً يلائم مع هذه النظرية .
ـ121ـ
والجواب : أولا : أن العرض كالجوهر فلا يطرأ عليه الفناء بعد الوجود ، وذلك لأن
وجود العرض وجود تدريجي في موضوع محقق في الخارج وهو الجوهر وانه عين التحرك
والتطور فيه سواءاً كان من مقولة الكم أم الكيف أم الوضع أو الأين وهكذا ، مثلا
شتلة الشجر فإنها في تحرك وتطور مستمر من مرحلة إلى مرحلة أرقى ومن النقص إلى
الكمال كمّاً وكيفاً وايناً ووضعاً إلى أن تصبح شجرة كاملة ، مثلا النطفة في تطور
وتحرك دائم من القوة إلى الفعل من النقص إلى الكمال إلى أن تصبح انساناً كاملا
مفكراً ، فوجود العرض وجود تدريجي ومتقوم بالتدرج والتطور من درجة إلى اُخرى ، وهذا
الوجود التدريجي وجود واحد في طول الخط بين المبدأ والمنتهى وقوام هذا الوجود
بالتدرج والتطور ، ولهذا لا يمكن اجتماع جزئين منه في عرض واحد وزمن فارد ،
وعلى هذا فالعرض كالكم والكيف والأين والوضع وغير ذلك موجود في طول الخط بالتدرج .
وبكلمة ، أن حقيقة الحركة سير تدريجي للوجود وتطور للشيء في الدرجات التي تتسع
امكاناته ، ولهذا حدد المفهوم الفلسفي للحركة بأنها خروج الشيء من القوة إلى الفعل
تدريجاً وليست عبارة عن فناء الشيء فناء مطلقاً ووجود شيء آخر جديد وإنما هي تطور
الشيء في درجات الوجود ، فيجب إذن أن تحتوي كل حركة على وجود واحد مستمر منذ أن
تنطلق إلى أن تتوقف ، وهذا الوجود هو الذي يتحرك بمعنى أنه يتدرج ويتطور بصورة
مستمرة ، وكل درجة تعبر عن مرحلة من مراحل ذلك الوجود الواحد ، وهذه المراحل انما
توجد بالحركة ، ومن هنا لايملك الشيء المتحرك قبل الحركة تلك المراحل من الوجود
التي توجد بالحركة وإلا لم توجد حركة بل هو في لحظة الانطلاق إلى الحركة لا يتمثل
إلا في قوى وامكانات وتستنفد تلك الامكانات والقوى تدريجاً
ـ122ـ
ومرحلة بعد مرحلة ودرجة بعد درجة ، بأن تستبدل في كل مرحلة من مراحل الحركة ودرجة
من درجاتها القوة بالفعليّة والامكان بالوجود ، فحقيقة الحركة خروج الشيء من القوة
إلى الفعلية ، وفي كل مرحلة من مراحلها تتشابك فيها القوة والفعلية لأنها مركبة في
كل دور من أدوارها ومرحلة من مراحلها من قوة وفعل وامكان ووجود وهما متشابكان في
جميع الأدوار والمراحل لها ، فالوجود في كل مرحلة من مراحل حركته التكاملية يحتوي
على درجة معينة من الحركة في هذه المرحلة بالفعل وعلى درجة معينة أرقى منها بالقوة
، مثلا النطفة تحتوي على درجة معينة من الحركة بالفعل وعلى درجة معينة أرقى منها
بالقوة وهي المضغة فإنها في اللحظة التي تتكيف فيها بتلك المرحلة تتجه سيراً نحو
المرحلة الأرقى والأكمل ، وهكذا إلى أن تنفد جميع طاقاتها وامكاناتها فتقف ، وبذلك
يظهر جلياً أن الحركة لا تنطوي على التناقض فإن اجتماع القوة والفعلية في كل مرحلة
من مراحلها لا يكون من الاجتماع بين المتناقضين ، فإنه إنما يكون من الاجتماع
بينهما إذا كان الوجود في كل مرحلة من مراحل الحركة يحتوي على القوة والفعلية
بالنسبة إلى نفس هذه المرحلة ، فإن هذا لا يمكن لأن مردّ ذلك إلى أن هذه المرحلة
تحتوي على فعلية الحركة وفي نفس الوقت لا تحتوي عليها بل على امكانها ، وأما إذا
كان احتوائه على الفعلية بلحاظ نفس هذه المرحلة التي يتكيف في هذه اللحظة بها وعلى
القوة بلحاظ المرحلة الآتية وهي المرحلة الأرقى منها فلا تناقض ، كيف فان الحركة في
كل مرحلة ودرجة مركبة من قوة وفعل ولا يمكن أن توجد ماهية الحركة من دون هذين
العنصرين .
إلى هنا قد تبين أن الحركة وجود مستمر متقوم بالتدرج والتطور وليست فناء الشيء فناء
مطلقاً ووجود شيء آخر جديد ، وعلى ضوء هذا الأساس فلا يعقل طرو الفناء على العرض
بعد وجوده لأنه متقوم بالحركة والتدرج في الوجود ولا
ـ123ـ
يتصور فيه الفناء هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الحركة العرضية في ظواهر الأشياء كحركة الكم والكيف ونحوهما لا
محالة تكشف عن وجود حركة أعمق وهي الحركة الكامنة في صميم كيان هذه الأشياء ووجودها
، على أساس أن الحركة العرضية بحاجة إلى علة مباشرة لها لاستحالة أن توجد الحركة
بنفسها وبدون وجود محرك لها ، ومن الواضح أن علتها المباشرة لابد أن تكون أمراً
متجدداً ومتطوراً وغير ثابت على أساس مبدأ التناسب والسنخية بين العلة والمعلول ،
ضرورة أن المعلول إذا كان متجدداً ومتطوراً فهو يكشف عن أن علته المباشرة كذلك ، إذ
لو كانت علته المباشرة ثابتة استحال أن يكون معلولها أمراً متجدداً ومتطوراً ، وعلى
هذا فلا محالة تكشف الحركة العرضية في ظواهر الأشياء عن وجود حركة في عمق ذاتها
وصميم طبيعتها وكيانها وهي الحركة الجوهرية التي هي العلة المباشرة لها ، فما ذكره
السيد الاُستاذ (قدس سره) من طرو الفناء على العرض دون الجوهر غير تام ، لأن الفناء
لوكان طارئاً على العرض بعد وجوده لكان كاشفاً عن طروه على الجوهر ، باعتبار أن
الحركة الجوهرية هي العلة المباشرة للحركة العرضية ، فمع عدم طرو الفناء على الجوهر
بعد وجوده استحال طروه على العرض لاستحالة فناء المعلول بدون فناء العلة ، وقد مرّ
أن الحركة ليست فناء الشيء فناءً مطلقاً ووجود شيء آخر جديد بل هي وجود تدريجي وذات
درجات ومراتب ، والوجود التدريجي بتمام مراتبه ودرجاته على طول الخط وجود واحد
وحقيقة فاردة .
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن معنى الحركة هو فناء الشيء فناءاً مطلقاً
ووجود شيء آخر جديد في كل مرحلة من مراحلها ودور من أدوارها ،
ـ124ـ
ولكن حينئذ كما أن العرض يفنى فناءً مطلقاً بعد وجوده وينعدم كذلك الجوهر ، وعليه
ففناء العرض كاشف عن فناء الجوهر لا عن انتفاء المبدأ الأول ، والسبب الأعلى للعالم
وهو الذات الواجبة وفناء الجوهر نتيجة حتمية لطبيعة العالم المادي التجديدية لا من
أجل حدوث العلة وتجددها ، نعم يبقى هنا إشكال صلة الحادث المتجدد بالقديم الثابت
وسوف نشير إليه ، فالنتيجة أن ما أفاده السيد الاُستاذ (قدس سره)من الاشكال غير تام
، فالصحيح هو ما ذكرناه في المسألة .
وأما الأمر الثالث فقد ذكر الفلاسفة أن العلة إذا كانت قديمة وأزليّة فلابد أن يكون
معلولها أيضاً كذلك بمقتضى مبدأ التناسب والسنخية بينهما ذاتاً وكون المعلول وليد
العلة وليس شيئاً منفصلا عنها ، وحيث أن الصادر من الذات الواجبة مباشرة هو الوجود
المنبسط فهو قديم أزلي وليس حادثاً مسبوقاً بالعدم ، فإذن لا مناص من الالتزام بقدم
العالم .
والجواب عن ذلك قد ظهر مما تقدم ، اما أولا : فلأنه مبني على أنّ ذاته الواجبة علة
تامة للأشياء بالمفهوم الفلسفي ، ولكن قد سبق موسعاً خطأ هذه النظرية وعدم امكان
الالتزام بها ، لأنها مضافاً إلى كونها مخالفة للوجدان والبرهان ، تستلزم نفي
القدرة والسلطنة عن الخالق للعالم وهو لا يمكن .
وثانياً : أنه لايدفع الاشكال عن العالم المادي إذ لا شبهة في حدوث هذا العالم
وتغيّره وتجدّده بصورة مستمرة ، وعليه فلا يعقل أن تكون علته قديمة ثابتة لاستحالة
صدور الحادث المتغير المتجدد كذلك عن القديم الثابت هذا ، وقد أجاب عن هذا الاشكال
صدر المتألّهين(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الحكمة المتعالية في الأسفار الأربعة 3 : 68 .
ـ125ـ
وقبل أن نستعرض جوابه نذكر مقدمة وهي أن الحركة بمفهومها الفلسفي خروج الشيء من
القوة إلى الفعل تدريجاً ، وليست عبارة عن فناء الشيء فناءً مطلقاً ووجود شيء آخر
جديد ، لأنها تطور الشيء في درجات الوجود الواحد باعتبار أن كل حركة تنطوي على وجود
واحد مستمر في التطور والتدرج من مرحلة إلى مرحلة اُخرى ، وكل مرحلة من مراحله تعبر
عن درجة من وجوده ويستبدل في كل مرحلة من مراحل الحركة الامكان بالوجود والقوة
بالفعلية ، فلذلك تكون القوة والفعلية متشابكتين في جميع أدوار الحركة ومراحلها
طالما لم تستنفد جميع امكاناتها ، فإذا استنفدت ولم تبق في الشيء طاقة على درجة
جديدة انتهى عمر الحركة .
والخلاصة أن الحركة في كل مرحلة ذات لونين هما :
الامكان والواقع والقوة والفعلية ، فإنها إذا وصلت إلى مرحلة ودرجة فالحركة بالنسبة
إلى هذه المرحلة فعلية وواقعية وبالنسبة إلى المرحلة الثانية بالقوة والامكان ،
فالشيء المتحرك في كل مرحلة يملك الحركة بالفعل والواقع فيها وبالقوة والامكان
بالنسبة إلى المرحلة الثانية ، فلهذا لا تناقض فيها .
وبعد ذلك نقول أن صدر المتألّهين قد وضع نظرية الحركة بصورة أعمق وأدق وهي النظرية
القائلة : بأن الحركة كامنة في صميم طبيعة الأشياء وكيان وجودها ، فإنها بذاتها
وذاتياتها في تطور وتدرج دائم ومستمر ولا تقتصر الحركة في ظواهر الأشياء وسطحها
العرضي فحسب بل هي تتبع الحركة في عمقها وكيانها الوجودي وهي الحركة الجوهرية ،
وذلك لأن الحركة العرضية القائمة بظواهر الأشياء كالحركة الأينية والكمية والكيفية
وغيرها لما كان معناها التجدد والتطور فلابد أن تكون علّتها المباشرة أمراً متجدداً
، بداهة أنه لا يعقل
ـ126ـ
أن تكون العلة ثابتة والمعلول متجدداً وبالعكس ، وعلى هذا فلابد أن تكون علة الحركة
العرضية متجددة متطورة طبقاً لتجددها وتطورها ، فلوكانت ثابتة ومستقرة فكل ما يتولد
منها يكون ثابتاً ومستقراً ، وحينئذ فتعود الحركة سكوناً وهذا خلف ، وبذلك نستكشف
أن العلة المباشرة لهذه الحركة السطحية في ظواهر الأشياء موجودة في صميم طبيعتها
وكيانها وهي القوة المتحركة المتطورة التي يعبر عنها بالقوة الجوهرية ، فان هذه
القوة بسبب تطورها وتجددها علة مباشرة للحركة العرضية هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن صدر المتألّهين قد بنى حل مشكلة صلة الحادث بالقديم على نظرية
الحركة الجوهرية التي وضعها بتقريب ، أن السبب المباشر لتطور وجود العرض وتجدّده من
مرحلة إلى مرحلة اُخرى ومن درجة إلى درجة ثانية هو تطور وجود الجوهر وتجدده بنحو
دائم ومستمر ، فإذن لا تمس الحركة ظواهر الأشياء السطحية بل هي في أعماقها وجوهر
ذاتها وكيانها وهي الحركة الجوهرية التي هي العلة المباشرة لها من الداخل وليست
علتها من الخارج ، وعليه فحدوث العالم المادي مستند إلى طبيعته التجددية بالذات لا
إلى علة خارجية قديمة ورائه لكي يقال أنه لا يمكن ارتباط الحادث بالقديم وصلته به .
ولكن هذه المحاولة من صدر المتألهين لا تدفع المشكلة ، وذلك لأن الحركة الجوهرية
كالحركة العرضية بحاجة إلى علة فلا يمكن أن توجد بنفسها وبدون علة خارجية ، وذلك
لأن المادة المتحركة المتجددة بصورة مستمرة لايمكن أن تكون هي علة للحركة وسبباً
لها ، لأن معنى ذلك انها علة لنفسها باعتبار ان وجود المادة بنفسه وجود تدريجي
وتطوري لا أنه شيء ثابت تصدر منه الحركة وإلا استحال صدور الحركة منه ، لأن العلة
إذا كانت ثابتة فكل ما يصدر منها فهو ثابت ، ولا يعقل أن يصدر منها أمر متجدد متحرك
وإلا لم تكن ثابتة وهذا خلف ، والنكتة في ذلك أن الحركة متقومة بأمرين :
1 ـ المتحرك ، وهو الموضوع 2 ـ المحرك ، وهو العلة ، ولايمكن أن يكون شيء واحد من
جهة واحدة موضوعاً للحركة وعلة لها معاً وفي آن واحد ، لأن تعدد المتحرك والمحرك
أمر ضروري لما مرّ من أن الحركة تطور وتكامل تدريجي للشيء الناقص ، ومن الضروري أنه
لا يمكن للشيء الناقص أن يطور نفسه بنفسه ويكمل وجوده تدريجاً بصورة ذاتية ، فإن
معنى ذلك في الحقيقة وجود الممكن بنفسه وبدون علة وسبب ، وهذا كما ترى بعد استحالة
تطوره بالذات من جهة الصراع الداخل كما توهم ، فإذن لا يعقل أن تكون علة الحركة
التطورية للمادة التي هي في صميم ذاتها وجوهرها نفس المادة لأنها بنفسها حركة وتطور
، ولايمكن أن تكون الحركة الجوهرية المادية علة لنفسها وتوجد بصورة ذاتية وبدون سبب
، وعليه فلا محالة تكون علة الحركة الجوهرية وراء المادة المتحركة وهي الواجب
بالذات ، فإنه يمدها بالتطور الدائم المستمر ويفيض عليها بالحركة التكاملية بالتدرج
، فإذن تبقى مشكلة صلة الحادث بالقديم على حالها .
وبكلمة ، أن الحركة العامة الكامنة في طبيعة الأشياء بنفسها تبرهن على ضرورة وجود
علة وراء حدود المادة ، وذلك لأن الحركة كيفية وجود الطبيعة ، فوجود الطبيعة عبارة
اُخرى عن حركتها وتدرجها من مرحلة إلى مرحلة اُخرى من درجة إلى درجة أرقى وخروجها
المستمر من القوة إلى الفعلية والامكان إلى الوجود ، وأما توهم الاستغناء الذاتي
للحركة بتناقضاتها الداخلية التي تنبثق الحركة عن الصراع بينها فلا أصل له ، بداهة
أنه لا تناقض ولا صراع في الحركة التي هي عبارة عن خروج الشيء من القوة إلى الفعلية
ومن الامكان إلى الوجود ولايجتمع في كل مرحلة من مراحل الحركة إلا الامكان والوجود
والقوة والفعلية ولا تناقض بينهما ، ولا يجتمع على الفرض في كل مرحلة من مراحلها
الوجود والعدم معاً حتى يكون بينهما تناقض ، فإذن لابد أن تكون العلة شيئاً خارج
حدود الطبيعة ، لأن أي شيء في الطبيعة فوجوده حركة وتدرج ، إذ لا ثبات في عالم
الطبيعة بموجب قانون الحركة العامة في عالم المادة ، وعلى هذا فالحركة الجوهرية
التي هي حركة عامة كامنة في صميم طبيعة الأشياء في عالم المادة برمّتها بما أنه لا
يمكن أن توجد بذاتها ، فلا محالة تكون علّتها وراء عالمها وهي الواجب بالذات ، فإنه
يمدّها تدريجاً ويفيض عليها الحركة مرحلة بعد مرحلة ، فإذن لايمكن حل مشكلة الحادث
بالقديم بالحركة الجوهرية إلا على القول بأنها ذاتية وهو باطل بالضرورة ، بداهة أن
العلة إذا كانت قديمة ثابتة استحال أن يكون المعلول حادثاً متجدداً على ضوء نظرية
الفلاسفة القائلة بأن ذاته الواجبة علة تامة للأشياء بالمفهوم الفلسفي ، ولكن تقدم
بطلان هذه النظرية وجداناً وبرهاناً وعدم امكان الالتزام بها لما يترتّب عليه من
المحذور المتقدم .
تكميل … ومن هنا فالصحيح هو ما أشرنا إليه سابقاً من أن مبدئية الله تعالى للعالم
ككل وخالقيته له إنما هي على أساس قدرته وسلطنته المطلقة على الأشياء برمّتها ، لا
على أساس علية ذاته الواجبة لها بالمفهوم الفلسفي ، وتحكم بذلك الفطرة السليمة
الوجدانية من ناحية والأدلة القاطعة من ناحية اُخرى كما حقق في محله ، وعلى هذا فكل
فعل صادر منه تعالى بسلطنته واختياره لا بالضرورة والوجوب ، وقد سبق أن نسبة
السلطنة إلى الطرفين من الفعل نسبة واحدة ولايخرج الفعل بسببها عن حد الامكان
والتعادل إلى حد الضرورة والوجوب ، فلذلك يكون صدور الأفعال المتباينة والأشياء
المتنوعة المختلفة من ذاته تعالى وتقدس بقدرته وسلطنته على القاعدة ، إذ لا مانع من
أن تختلف آثاره وتتباين أفعاله طالما لم يكن صدورها منه مبنياً على مبدأ التناسب
والضرورة .
ومن ذلك يظهر أنه لا يمكن تفسير اختلاف الأشياء في الآثار والأنواع تفسيراً
موضوعياً إلاّ على ضوء هذه النظرية .
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن الأفعال الاختيارية تمتاز عن
الحوادث الطبيعية في نقطة وهي أن الأفعال الاختيارية تصدر من الفاعل باختياره
وسلطنته لا بالضرورة والوجوب لأن الضرورة تنافي الاختيار ، بينما الحوادث الطبيعية
تصدر من عللها بالضرورة والوجوب بمقتضى مبدأ التناسب .
تكميل
قد تسأل هل تصلح المادة الأصيلة للعالم أن تكون علة فاعلية والسبب الأعلى له ؟
والجواب : النفي بصورة قاطعة وذلك لعدة نقاط :
النقطة الاُولى : أنه قد ثبت علمياً أن المادة الأصيلة للعالم حقيقة واحدة ، فإن
التجارب العلمية قد أثبتت أن المادة تحول إلى طاقة والطاقة إلى مادة ، ونتيجة ذلك
أن صفة المادة ليست بذاتية بل هي عرضية كسائر صفات الأشياء كصفة الماء والتراب
والحديد والرصاص وهكذا . وعلى ضوء هذا الأساس فالمادة الأصيلة للعالم سواءاً كانت
بصفة المادة أم بالقوة حقيقة واحدة مشتركة بين جميع الأشياء بأنواعها المختلفة
وأشكالها المتعددة ، وأثر ذلك حتماً أنه لا يمكن أن تختلف آثارها وتتباين أفعالها
وحركاتها ، إذ من المستحيل أن تتولد من حقيقة واحدة آثاراً مختلفة وأنواعاً متباينة
، ضرورة استحالة صدور الكثير من الواحد وإلا لامكن تأثير كل شيء في كل شيء ، ومعنى
هذا انهيار مبدأ العلية وفيه القضاء الحاسم على جميع العلوم الطبيعية بمختلف
أشكالها .
وبكلمة ، أن المادة الأصيلة موجودة في التراب والماء والحديد والأزوت والرصاص
والذهب والفضة وهكذا ، على أساس أن تلك الأشياء المتنوعة جميعاً بالتحليل العلمي
ترجع إلى مادة واحدة وتلك المادة الواحدة موجودة في كل واحد من هذه الأشياء بعنوانه
الخاص ، فإذن كيف يمكن تفسير اختلافاتها وتباينها مع أن مبدئها وهو المادة واحد
بالسنخ فيجب أن يكون أثره أيضاً واحداً كذلك ، فاختلاف الأشياء في التنوع والآثار
برهان قطعي على أن المادة الأصيلة الواحدة لا تكون سبباً وعلة لها ، بداهة أن
الحقيقة الواحدة لا تختلف آثارها ولا تتباين أفعالها على أساس قاعدة فلسفية فطرية
وهي أن الواحد لا يصدر منه إلا الواحد .
النقطة الثانية : أن الشيء المتحرك منذ بداية تحركه وتطوره يملك طاقات وامكانات في
صميم طبيعته وكيان وجوده وبالحركة تستنفد تلك الطاقات والامكانات تدريجاً وتستبدل
في كل مرحلة من مراحل الحركة الطاقة والقوة بالفعل والامكان بالوجود إلى أن تستنفد
الطاقات والامكانات نهائياً ، فتوقف الحركة باعتبار أن الحركة تنطوي على وجود واحد
مستمر على طول الخط من المبدأ إلى المنتهى ومنذ أن تنطلق إلى أن تتوقف ، وكل مرحلة
تمثل درجة من درجات هذا الوجود الواحد .
وعلى هذا فكون وجود المادة ذات درجات ومراحل متفاوتة من القضايا الأولية كوجود
البياض مثلا ، فإنه ذات مراتب ودرجات متفاوتة وهكذا ، ومن الطبيعي أن المرتبة
الاُولى من المادة لا يمكن أن تكون علة وسبباً للمرتبة الأعلى بصورة ذاتية ، لأن
الحركة تطور وتكامل تدريجي للشيء الناقص ، ومن البديهي أن الشيء الناقص لايمكن أن
يطور نفسه بنفسه ويكمل وجوده تدريجاً وديناميكياً أي ذاتياً وهذا معناه وجود الممكن
بنفسه وبدون حاجة إلى علة وسبب وهو مستحيل ، لأن حقيقة الحركة هي خروج الشيء من
القوة إلى الفعلية ، ومن الواضح أن خروج الشيء من القوة إلى الفعلية ومن الامكان
إلى الوجود بحاجة إلى علة ، ولايمكن أن تكون تلك العلة داخلية وهي الصراع بين
التناقضات ، ضرورة أنه ليست في الحركة تناقضات وأضداد لتنشأ الحركة من الصراع بينها
، بل فيها تشابك بين القوة والفعلية في جميع أدوارها ومراحلها ولا تناقض ولا تضاد
بينهما ، فإن فعلية الحركة بالنسبة إلى درجة وقوتها وامكانها بالنسبة إلى درجة
ثانية بالتدريج ، حيث أن الشيء المتحرك في كل مرحلة يملك درجة خاصة منها بالفعل
ودرجة اُخرى بالقوة والامكان وهكذا ، فإذن لا موضوع للقول بأن علة حركة المادة
وتطورها داخلية ذاتية وهي الصراع بين المتناقضات والاضداد ، وعليه فلا محالة تكون
علّتها خارج حدودها المادية وهي تمدّها تدريجاً وتفيض عليها الحركة التكاملية ، حيث
لا يوجد في عالم المادة شيء ثابت ، إذ أي شيء فيه فوجوده حركة وتدرج بموجب قانون
الحركة العامة ، هذا إضافة إلى أن الشيء الثابت لا يمكن أن يكون علة الشيء المتحرك
، وبكلمة واضحة أن هناك ثلاث قضايا أولية :
الاُولى : قضية أن لكل شيء علة وسبباً .
الثانية : قضية أن المعلول لايمكن أن يكون أكبر من العلة لا كماً ولا كيفاً .
الثالثة : قضية أن فاقد الشيء لايكون معطياً .
أما القضية الاُولى فإنها من أوليات ما يدركه البشر في حياته الاعتيادية فطرة .
وأما القضية الثانية فلأن الزيادة على العلة سواءاً كانت كيفية أم كمية فلا يعقل أن
تكون معلولة لها ، لأن المعلول عين التعلق والربط بالعلة ووليدها وجوداً ولهذا يكون
وجوده من حدود وجودها ، فلذلك تكون هذه القضية من تبعات القضية الاُولى . وأما
القضية الثالثة فمردها إلى وجود الشيء بدون علة وسبب وهو مستحيل .
وعلى هذا فعدم صلاحية المادة الأصيلة المتطورة لعلية العالم نتيجة حتمية لهذه
القضايا الأولية المرتبطة بعضها ببعض ذاتاً ، فإن تطور المادة وتجددها بصورة مستمرة
من النقص إلى الكمال بحاجة إلى علة ولايمكن أن تكون علتها داخلية وهي الصراع بين
المتناقضات والاضداد في الحركة لما عرفت من أنه ليست في الحركة متناقضات وأضداد
أصلا ، وإلاّ فلا يعقل وجود الحركة ، ضرورة أن وجودها مبني على أساس مبدأ عدم
التناقض بين القوة والفعل في كل مرحلة من مراحلها ودور من أدوارها ، إذلو كانت
الحركة مبنية على أساس مبدأ التناقض وجوازه لم توجد حركة ، لأن الحركة تنطوي على
التطور والتجدد في مراتب الشيء ودرجاته ، فلو كانت تلك المراتب والدرجات المتناقضة
موجودة بالفعل ولم يكن بينها صراع فلا حركة ، حيث لا تطور ولا تجدد بل هي جمود
وثبات ، فإذن كيف يعقل أن يكون منشأ الحركة الصراع بين المتناقضات .
والحاصل أن المتناقضات لو جازت فلا صراع بينها حتى يكون منشأً للحركة ، وإذا
استحالت فلا موضوع له لأن الصراع إنما يتصور في درجة واحدة لا في درجتين هذا من
ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الناقص كما لا يمكن أن يطور نفسه بنفسه ويكمل وجوده بصورة ذاتية
من الداخل كما عرفت ، كذلك لايمكن أن يكون الناقص بما هو علة للكامل تطبيقاً للقضية
الثانية والثالثة بل الاُولى أيضاً ، فإذن وجود المبدأ للعالم خارج حدوده المادي
أمر حتمي ، فإنه يمدها تدريجاً ويفيض عليها الحركة مرحلة بعد المرحلة ودرجة بعد
الدرجة ، ومن هنا يكون تعدد المتحرك والمحرك ضرورياً ، بداهة أنه لا يمكن أن يكون
شيء واحد من جهة واحدة موضوعاً للحركة وعلة لها في وقت واحد ، وإلا لزم كون الناقص
متطوراً نفسه بنفسه ويكمل وجوده تدريجاً بصورة ذاتية وهذا محال كما عرفت .
النقطة الثالثة : أن المادة قابلة للتجزئة والانفصال مهما كانت كما حقّق ذلك في
الفلسفة العليا ، وعليه فالاتصال مقوم لوحدتها ونتيجة ذلك أن وحدات العالم المادي
مركبة من مادة وصورة ، وعلى هذا الأساس فالمادة لا يعقل أن تكون السبب الأعلى
للعالم ، بداهة أن السبب الأعلى له لابد أن يكون واجب الوجود بالذات وغنياً في
كيانه ووجوده عن أي شيء آخر ، والمادة بما أنها مركبة من جزئين فتحقق كل جزء منها
يتوقف على تحقق الجزء الآخر ، فلايمكن أن توجد المادة بدون صورة والصورة بدون مادة
، لأن عملية التركيب بينهما لايمكن أن تكون بصورة ذاتية وبدون علة ، فلا محالة
تحتاج إلى سبب العملية
وموجدها ورائها .
والخلاصة : أن المادة في كيانها ووجودها بحاجة إلى تحقق جزئيها معاً وكل منهما في
وجوده بحاجة إلى الآخر ، فإذن لابد من أن يكون هناك عامل ثالث ورائهما هو الموجد
للتركيب بينها والمفيض عليهما هذا ، ونكتفي بهذا القدر في بيان التكملة ونترك
التفاصيل في المسألة وجوانب اُخرى فيها إلى محلها ، لحد الآن قد تبيّن أن القول بأن
المادة الأصيلة هي السبب الأعلى للعالم لا يخرج عن مجرد تخيل وأفكار ذاتية لا واقع
موضوعي لها ولا يبتني على أي أساس علمي ولا فلسفي
............................................................
ـ1ـ
… المباحث الاُصولية / ج 3
التعبدي والتوصلي …
ـ268ـ
النفس بعد وجوده في الخارج ، إذ لا يعقل بقاء الارادة بعد تحقق المراد ، وإلا لزم
الخلف .
فإذن لا محالة يكون متعلق الارادة والأمر هو الفعل بوجوده الذهني الفاني ، والفرض
أنه متقدم على الارادة والأمر معاً ، فما هو متأخر عنهما هو الفعل بوجوده الخارجي ،
هذا إضافة إلى أن ما هو منشأ الارادة محبوبية الفعل أو اشتماله على الملاك ، وما هو
متعلق هذه الارادة ومعلولها هو إيجاد الفعل بقصد المحبوبية أو الاشتمال على الملاك
في الخارج .
ومن هنا يظهر أن ما أجاب به السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن هناك فردان من الارادة
والاختيار . أحدهما متعلق بالفعل بوجوده الذهني والآخر متعلق بالفعل بوجوده الخارجي
، لايمكن المساعدة عليه(1) ، لما عرفت من أنه لايمكن تعلق الارادة بالفعل الخارجي .
وثالثاً أن الاشكال لو تمّ فإنما يتم في الارادة الشخصية ، حيث أنها لا تعقل أن
تكون سبباً لما تنبعث منه ، فإن معنى ذلك أنها متقدمة عليه رتبة ، ومعنى أنها
منبعثة منه أنها متأخرة عنه رتبة ، ولازم ذلك تقدمها على نفسها وهو كما ترى .
وأما إذا فرضنا أن هناك فردين من الارادة :
الأول منبعث من الدواع المذكورة ومتعلق بالفعل المحبوب مثلا .
والثاني علة لها ولم ينبعث عنها ، وإنما إنبعث من سبب آخر كالخوف من العقاب والطمع
في الثواب ومتعلق بإيجاد الفعل بهذه الدواعي ، فإذن لا محذور .
فالنتيجة ، أنه لا مانع من أخذ سائر الدواع القريبة في العبادات .
ـــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر محاضرات في اُصول الفقه 2 : 183 .
ـ269ـ
الاشكال الثاني ، أن قصد المصلحة في متعلق الأمر كالصلاة مثلا يتوقف على ترتبها على
ذات الصلاة بقطع النظر عن اعتبار قصد المصلحة فيها ، والمفروض أنه لو كان مأخوذاً
فيها لكان دخيلا في ترتبها عليها فإذن يلزم الدور ، وذلك لأن قصد المصلحة في متعلق
الأمر يتوقف على وجودها فيه وترتبها عليه ، والمفروض أنه يتوقف على قصدها(1) .
والجواب : أن هذا الاشكال أيضاً مبني على الخلط بين المصلحة بوجودها الذهني
والمصلحة بوجودها الخارجي ، فإن ما يتوقف عليه القصد هو المصلحة بوجودها الذهني
والفرض أنها بهذا الوجود لا تتوقف على القصد ، وما يتوقف عليه هو المصلحة بوجودها
الخارجي ، فإذن لا دور ، فإن ما يتوقف عليه القصد غير ما يتوقف على القصد ، وإن شئت
قلت أن المأخوذ في متعلق الأمر قصد مفهوم المصلحة وعنوانها الفاني الذي لا موطن له
إلا الذهن ، فإن المولى إذا تصور الصلاة مثلا بما لها من الأجزاء والشروط منها قصد
مصلحتها وأمر بها ، كان أمره متعلقاً بالأجزاء بوجوداتها الذهنية الفانية لا
بوجوداتها الخارجية لأنها مسقط للأمر فكيف يعقل تعلق الأمر بها ، و على هذا فالقصد
يتوقف على المصلحة بوجودها الذهني وهي لا تتوقف على القصد ، فإن المتوقف عليه هو
المصلحة بوجودها الخارجي وترتبها عليها ، غاية الأمر أن هذا الجزء وهو قصد المصلحة
يتحقق بنفس قصد المكلف حين الامتثال والاتيان بالمأمور به ، ولا مانع من أن يكون
الواجب مركباً من جزئين طوليين ، أحدهما جزء خارجي له ما بإزاء في الخارج والآخر
جزء ذهني وليس له ما بإزاء فيه ، وإنما يتحقق ويوجد بنفس قصد المكلف حين الامتثال
ولا محذور فيه ، حيث لا يلزم منه قصد قصد
ـــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر أجود التقريرات 1 : 163 .
ـ270ـ
المصلحة ، حتى يقال أنه بمثابة داعوية الشيء لداعوية نفسه .
فالنتيجة ، أنه لا مانع من أخذ قصد المصلحة في متعلق الأمر .
وبذلك كله يتضح أنه لا مانع ثبوتاً من أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ، سواءً كان
بمعنى قصد الأمر أم كان بمعنى قصد المحبوبية أو المصلحة أو غيرها من الدواعي
القريبة ، والجامع أن المعتبر في صحة العبادة هو إضافتها إلى المولى سبحانه وتعالى
وهي المأخوذة فيه لاخصوص هذا أو ذاك .
هذا تمام الكلام في الفارق الأول بين الواجب التوصلي والواجب العبادي .
الفارق الثاني بين الواجب التعبدي والتوصلي
تعدد الأمر ووحدته
أما الكلام فيه ، فقد ذكر جماعة من الاُصوليين أن عبادية العبادة إنما هي بتعدد
الأمر ، بيان ذلك أن الواجب إذا كان توصلياً فلايوجد فيه إلا أمر واحد متعلق بذات
الفعل ، وأما إذا كان تعبدياً فيوجد فيه أمران : أحدهما تعلق بذات الفعل والآخر
بالاتيان به بقصد الأمر الأول ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى إنهم اختلفوا في تفسير تعدد الأمر فيها على وجوه :
الوجه الأول : أن أحد الأمرين متعلق بذات الفعل مطلقاً ، والأمر الثاني متعلق
بالاتيان بها بقصد امتثال الامر الأول وهما مستقلان جعلا ومجعولا .
وقد أورد عليه في الكفاية(1) بما حاصله أن المكلف إذا أتى بذات الفعل بدون
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 74 .
ـ271ـ
قصد القربة ، فهل يسقط الأمر الأول بذلك أو لا ؟
أما على الأول فلا موضوع لامتثال الأمر الثاني ، لأن موضوعه هو الاتيان بذات الفعل
بداع الأمر الأول ، فإذا سقط الأمر الأول بمجرد الاتيان بمتعلقه بدون قصد امتثال
أمره ، كشف ذلك عن كون الأمر الثاني لغواً ، لأن مدلوله كون الأمر الأول تعبدياً ،
فإذا فرض أنه ليس بتعبدي كان وجود الأمر الثاني كعدمه فلا أثر له ، وأما على الثاني
فلأن عدم سقوطه يكشف عن عدم حصول الغرض الداعي إلى جعله ، وأن سقوطه متوقف على
حصوله له ويدور مداره وجوداً وعدماً ، فإذا علم بذلك فالعقل مستقل بالاتيان به بقصد
امتثال أمره لتحصيل الغرض ، ولاحاجة حينئذ إلى الأمر الثاني فأنه لغو ولا يترتب
عليه أي أثر .
فالنتيجة ، كما أنه لا يمكن أخذ قصد الأمر في متعلقه بأمر واحد كذلك لايمكن ذلك
بأمرين ، ومن هنا اختار (قدس سره) أن اعتبار قصد القربة إنما هو بحكم العقل لا بحكم
الشرع جزءاً أو قيداً .
ولكن المحقق الأصبهاني (قدس سره) قد استشكل في كلا الشقين من كلامه (قدس سره) .
أما الشق الأول فقد أفاد بما إليك نصه :
لنا الالتزام بهذا الشق ، ولكن نقول بأن موافقة الأمر الأول ليست علة تامة لحصول
الغرض ، بل يمكن إعادة المأتي به لتحصيل الغرض المترتب على الفعل بداع الأمر .
توضيحه أن ذات الفعل مثلا لها مصلحة ملزمة وللصلاة المأتي بها بداعي أمرها مصلحة
ملزمة اُخرى أو تلك المصلحة بالنحو الأوفى ، بحيث يكون بحدّها لازمة الاستيفاء ،
وسيجيء إن شاء الله في المباحث الآتية أن الامتثال ليس
ـ272ـ
عنده (قدس سره) علة تامة لحصول الغرض ، كي لاتمكن الاعادة وتبديل الامتثال بامتثال
آخر ، غاية الأمر أن تبديل الامتثال ربما يكون لتحصيل غرض أوفى فيندب الاعادة ،
واُخرى يكون لتحصيل المصلحة الملزمة القائمة بالمأتي به بداع الامتثال فتجب الاعادة
، فموافقة الأمر الأول قابلة لاسقاط الأمر لو اقتصر عليه ، لكن حيث أن المصلحة
القائمة بالمأتي به بداعي الامتثال لازمة الاستيفاء وكانت قابلة للاستيفاء لبقاء
الأمر الأول على حاله حيث لم تكن موافقته علة تامة لسقوطه ، فلذا يجب إعادة المأتي
به بداعي الأمر الأول فيحصل الغرضان .
وأما توهم أنه يسقط الأمر الأول وكذا الثاني ، لكنه حيث إن الغرض باق فيحدث أمران
آخران إلى أن يحصل الغرض ، وإلا فبقاء الأمر بعد حصول متعلقه طلب الحاصل .
فمندفع بأن الغرض إن كان علة للأمر ، فبقاء المعلول ببقاء علته بديهي ، وإلاّ لا
يوجب حدوثه أولا فضلا عن عليته لحدوثه ثانياً وثالثاً ، ولا يلزم منه طلب الحاصل ،
لأن مقتضاه ليس الموجود الخارجي كي يكون طلبه طلب الحاصل ، كما لا يلزم منه اخصّية
الغرض لما سيجيء إن شاء الله تعالى(1) .
وفي كلامه عدة نقاط :
الاُولى : أن مجرد موافقة الأمر الأول ليست علة تامة لحصول الغرض ، فيمكن إعادة
المأتي به مرة اُخرى بداعي الأمر لتحصيل الغرض .
الثانية : أن الامتثال عند صاحب الكفاية (قدس سره) ليس علة تامة لحصول
الغرض ، ولهذا بنى على جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر ، وإلا لم يكن امتثال
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 332 .
ـ273ـ
الثاني مشروعاً .
الثالثة : أن الاتيان بذات الفعل بدون قصد الامتثال وإن كان موافقاً للأمر الأول ،
إلا أنه لا يوجب سقوطه من جهة عدم حصول الغرض المترتب على الفعل بداع الامتثال ،
فيبقى كلا الأمرين معاً ، ولهذا لابد من الاتيان بالفعل بداعي الامتثال لكي يحصل
الغرض ويسقط الأمران معاً .
الرابعة : أن سقوط الأمر الأول من جهة أن بقائه طلب الحاصل وكذا الثاني ، وحدوث
أمرين آخرين إلى أن يحصل الغرض غير صحيح ، لأن الغرض إن كان علة تامة للأمر ، فلا
يعقل سقوطه مع بقاء الغرض ، لأن بقاء المعلول ببقاء علته أمر بديهي .
وللنظر في هذه النقاط مجال :
أما النقطة الاُولى ، فلا شبهة في أن الاتيان بمتعلق الأمر بكامل أجزائه وشروطه علة
تامة لسقوطه ، فلا يعقل بقاء شخص ذلك الأمر بعد تحقق متعلقه في الخارج وإلاّ لزم
طلب الحاصل وهو محال ، وأما الأمر بإيجاده في ضمن فرد آخر من الطبيعي غير الفرد
الواقع في الخارج ، فهو وإن كان ممكناً ، إلا أنه أمر آخر دون الأمر الأول .
وأما ما ذكره (قدس سره) في مقام تحليل ذلك ثبوتاً من أنه يمكن أن تكون ذات الصلاة
مشتملة على مصلحة ملزمة والصلاة المقيدة بداعي أمرها مشتملة على مصلحة ملزمة اُخرى
أو على تلك المصلحة بالنحو الأوفى ، بحيث تكون بحدها لازمة الاستيفاء فهو مقطوع
البطلان ، لأنه لايتعدى عن مجرد تصور في عالم الذهن ، ضرورة أن ذات الصلاة لوكانت
مشتملة على مصلحة ملزمة والصلاة المقيدة بداعي أمرها مشتملة على مصلحة ملزمة اُخرى
، لزم كون الوجوب والواجب
ـ274ـ
متعدداً ، بأن تكون ذات الصلاة واجبة بوجوب مستقل جعلا ومجعولا والحصة المقيدة بقصد
الأمر واجبة بوجوب آخر كذلك وهذا كماترى .
وأما النقطة الثانية ، فلا يقاس المقام بجواز تبديل الامتثال بامتثال آخر ، فإن
جواز تبديل الامتثال بامتثال آخر إنما ثبت بالنص الخاص في مورد خاص وهو أن من صلى
منفرداً يجوز أن يعيد صلاته جماعة ، إماماً كان أم مأموماً(1) ، وكذلك من صلى جماعة
إماماً أو مأموماً ، يجوز له أن يعيدها في جماعة اُخرى إماماً(2) ، ومن الواضح أنه
لايمكن التعدي عن هذا المورد إلى سائر الموارد ، على أساس أن الحكم يكون على خلاف
القاعدة .
هذا إضافة إلى أنه لا شبهة في سقوط الأمر الأول بالامتثال ، والتبديل إنما يكون
بأمر آخر لا بالأمر الأول وهو استحبابي لا وجوبي .
وأما النقطة الثالثة ، فيظهر حالها مما مرّ من أنه لا شبهة في سقوط الأمر المتعلق
بشيء بالاتيان به ولا يعقل بقاؤه شخصياً وإلا لزم طلب الحاصل وهو مستحيل ، فما في
هذه النقطة من أن الاتيان بذات الفعل لا يوجب سقوط الأمر الأول غريب جداً ، نعم حيث
أن الغرض باق وهو حقيقة الحكم وروحه ، فيوجب حدوث أمر ثان متوجه إليه بالنسبة إلى
فرد آخر غير الفرد المأتي به .
والخلاصة : أن الأمر الأول متعلق بذات الطبيعة وهو لايقتضي إلا الاتيان بها فحسب ،
والأمر الثاني بما أنه تعلق بالاتيان بها بداع أمرها ، فحينئذ إذا أتى المكلف بذات
الطبيعة المأمور بها لابداعي أمرها ، فقد وافق الأمر الأول وخالف الأمر الثاني ،
ومن هنا لا مناص من سقوط الأمر الأول بعد تحقق متعلقه
ـــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر الوسائل 8 : 40 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة .
(2) المصدر المتقدم .
ـ275ـ
ووجوده في الخارج ، فإذا سقط الأمر الأول سقط الأمر الثاني أيضاً بسقوط موضوعه ،
وحيث إن الغرض باق فهو يوجب حدوث أمرين آخرين للوصول إلى هذا الغرض وحصوله .
ومن هنا يظهر حال النقطة الرابعة ، وجه الظهور ما عرفت من أن الاتيان بذات الفعل
بما أنه موافق للأمر الأول ، فلا محالة يوجب سقوطه ، فإذا سقط الأمر الثاني أيضاً
بسقوط موضوعه ، وحيث إن الغرض باق وغير حاصل ، فلا محالة يوجب جعل أمرين آخرين
لتحصيل هذا الغرض كما مرّ .
وغير خفي أن ما ذكره (قدس سره) من النقاط مبني على أن كلا من الأمرين أمر مولوي
مستقل جعلا ومجعولا ، غاية الأمر أن متعلق الأمر الأول الطبيعية المطلقة ومتعلق
الأمر الثاني الطبيعية المقيدة بقصد امتثال الأمر الأول ، هذا كله بالنسبة إلى الشق
الأول مما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) ، وأما الشق الثاني منه فقد ذكر (قدس سره)أن
لنا الالتزام به ، ومع هذا لا يكون الأمر الثاني لغواً ، وقد أفاد في وجه ذلك
كلاماً طويلا(1) ملخصة نقطتان :
الاُولى : أن الفرق بين الجزء والشرط هو أن الجزء دخيل في أصل الغرض الداعي للمولى
إلى الأمر به والشرط دخيل في فعليته لا في أصله ، مثلا أجزاء الصلاة دخيلة في تكوين
أصل المصلحة القائمة بها ، وأما شرائطها كقصد القربة والطهارة والستر والاستقبال
وغير ذلك فهي دخيلة في ترتب تلك المصلحة على الأجزاء فعلا ، ومن هنا لا تكون
الشرائط في مرتبة الأجزاء ولا يعقل تعلق الارادة بالأجزاء وشروطها في عرض واحد ،
فللمولى الأمر بالأجزاء والأمر بالشرائط مستقلا ، وأما عدم سقوط الأمر بالاتيان
بالأجزاء مع عدم الاتيان
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 333 ـ 335 .
ـ276ـ
بشرائطها ، فهو من لوازم الاشتراط وتقييد الأجزاء بها بلا فرق في ذلك بين قصد
القربة وغيره .
الثانية : أن الأمر الثاني رغم عدم سقوط الأمر الأول بالاتيان بذات الفعل لا يكون
لغواً ، فإنه إنما يكون لغواً إذا كان العقل مستقلا باعتبار قصد القربة في متعلق
الأمر الأول ، والمفروض أن العقل لا يحكم بذلك ، ضرورة أنه لايكون مشرعاً ، وأما
حكمه باتيان ما يحتمل دخله في الغرض فهو معلّق بعدم تمكن المولى من البيان ،
والمفروض في المقام تمكنه منه بالأمر الثاني ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون بالأمر
الأول أو الثاني ، فعلى كلا التقديرين لا مجال لحكم العقل .
وللنظر في كلتا النقطتين مجال .
أما النقطة الاُولى ، فيرد عليها أن إجزاء المأمور به كالصلاة مثلا غير مؤثرة
ودخيلة بنفسها في إتصافها بالمصلحة وقيامها بها ، فإن ما هو مؤثر في اتصاف تلك
الأجزاء بها إنما هو شروط الأمر كالبلوغ والعقل والاستطاعة والوقت وهكذا ، فإنها
شروط الحكم في مرحلة الجعل وشروط الاتصاف في مرحلة المبادىء ، فإذن لا تكون الأجزاء
بنفسها مؤثرة ودخيلة في ذلك بدون شروط وجوبها ، فإن اتصافها بها إنما هو عند تحقق
تلك الشروط وتوفرها ، وأما شروط نفسها وهي شروط الواجب كالطهارة والستر واستقبال
القبلة ونحوها فهي دخيلة في فعلية ترتبها على تلك الأجزاء عند تحققها في الخارج ،
على أساس أن فعليتها كاملة منوطة بفعلية تلك الشروط كذلك ، باعتبار أن تقيدها بها
جزء للمأمور به .
والخلاصة : أن المؤثر والدخيل في أصل المصلحة بمعنى اتصاف اجزاء المأمور به بها في
مرحلة المبادىء إنما هو شروط الوجوب ، وأما ترتب تلك المصلحة
ـ277ـ
عليها خارجاً فهو منوط بوجود تلك الأجزاء كاملة في الخارج ، ومن الواضح أن وجودها
كذلك فيه منوط بوجود تلك الشروط وفعليتها خارجاً ، وهذا هو معنى أن شروط الواجب
دخيلة ومؤثرة في فعلية الملاك ، وعلى هذا المأمور به حصة خاصة من الأجزاء لا
طبيعتها وهي الأجزاء المقيدة بتلك الشروط والقيود ، بحيث يكون التقيد داخلا والقيد
خارجاً ، ومن الطبيعي أن تلك الحصة التي هي المأمور بها متعلقة لارادة واحدة كما
أنها متعلقة لأمر واحد ، فما ذكره (قدس سره)من أنه لا يعقل تعلق الارادة بذات
الأجزاء وشرائطها في عرض واحد وكذلك الأمر لا يتم ، لأنه إن اُريد بالشرائط
التقييدات ، فيرد عليه أنها داخلة في المأمور به وتكون من أجزائه ، ومن الواضح أن
تعلق الارادة بجميع أجزاء المأمور به في عرض واحد ، باعتبار أن متعلق الارادة حصة
خاصة من الأجزاء ، وإن اُريد بها ذوات الشرائط والقيود ، فهي وإن لم تكن مرادة
بإرادة المأمور به ولا مرادة بإرادة اُخرى في عرض إرادة المأمور به ، إلا أن ذلك
إنما هو من جهة أنها ليست مرادة بالأصالة والذات ، وإنما هي مرادة بالتبع والغرض من
جهة أن تحصيل الغرض والملاك من المأمور به متوقف عليها .
ومن هنا فالأمر المتعلق بها أمر ارشادي لا مولوي ، فيكون ارشاداً إلى أنها من قيود
المأمور به وشروطه ولا ملاك فيها ذاتاً ، والأمر المتعلق بها ناجم من الملاك القائم
بالمأمور به كما أن الارادة المتعلقة بها ناجمة عن الملاك فيه ، فإنها كالأمر تبعية
لاذاتية .
وعلى هذا فالأمر الثاني لايمكن أن يكون أمراً مولوياً ، بل هو ارشاد إلى أن متعلق
الأمر الأول حصة خاصة وهي الحصة المقيدة بقصد الأمر ، فإذن عدم سقوط الأمر الأول
بالاتيان بذات الفعل يكون على القاعدة، لأنه لم يأت بالمأمور
ـ278ـ
به وما أتى به ليس مصداقاً له .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن الأمر الثاني ناش من نفس الملاك
الناشيء منه الأمر الأول ، على أساس أن الملاك قائم بالحصة الخاصة من الفعل وهي
الحصة المقيدة بقصد القربة ، فإن تلك الحصة هي المطلوبة للمولى في الواقع ومشتملة
على الملاك ، وحيث إن هذا التقييد لا يمكن بالأمر الأول ، فبإمكان المولى أن يأمر
بهذا التقييد ثانياً ، فيكون مفاد الأمر الثاني الارشاد إلى أن متعلق الأمر الأول
ليس هو طبيعي الفعل مطلقاً بل حصة خاصة منه وهي تلك الحصة ، فإذن يكون الأمر الثاني
المتعلق بالاتيان بالفعل بقصد أمره الأول ارشاداً إلى شرطية قصد القربة كالأمر
بالاتيان بالصلاة مع الستر أو الطهارة ، فإنه ارشاد إلى شرطية الستر والطهارة فيها
، فلهذا يكون الأمران بمثابة أمر واحد روحاً وملاكاً .
وأما النقطة الثانية ، فيظهر حالها مما مرّ ، وجه الظهور هو أن عدم سقوط الأمر
الأول بالاتيان بذات الفعل بدون قصد أمره يكون على القاعدة ، باعتبار أن المأمور به
بالأمر الأول ليس هو طبيعي الفعل المطلق بل حصة خاصة منه وهي الحصة المقيدة بقصد
القربة ، والدال على هذا التقييد هو الأمر الثاني ، فحينئذ إن أتى المكلف بالحصة
المذكورة فقد وافق الأمر الأول وسقط ولا يعقل بقاؤه ، وإن أتى بذات الفعل بدون قصد
القربة لم يأت بالمأمور به حتى يسقط أمره لأن ما أتى به ليس مصداقاً للمأمور به ،
وحينئذ فالعقل يحكم بلزوم الاعادة ، بملاك أنه لم يأت بالمأمور به لا أنه يحكم
بوجوب الاتيان بملاك احتمال أنه دخيل في الملاك والغرض ، إذ لا شك في المقام في شيء
، لأن الأمر الثاني يدل على أن متعلق الأمر الأول حصة خاصة ، فطالما لم يأت المكلف
بهذه الحصة لم يسقط الأمر عنها كما
ـ279ـ
هو الحال في سائر الموارد ، فإذا أتى المكلف بالصلاة بدون الطهارة لم يأت بالصلاة
المأمور بها ، وحينئذ فلا محالة يحكم العقل بوجوب الاعادة من باب أنه لم يأت
بالمأمور به ، ومع ذلك لا يكون الأمر الثاني لغواً ، لأن مفاده تعيين المأمور به
وانه حصة خاصة ، وبعد التعيين يكون الحاكم بالامتثال والاتيان هو العقل ، على أساس
استقلاله بوجوب الطاعة وقبح المعصية ، ومن هنا يظهر أنه لايمكن أن يكون الأمر
الثاني أمراً مولوياً مستقلا جعلا ومجعولا وملاكاً عن الأمر الأول ، إلاّ بناء على
افتراض أن ذات الفعل مشتملة على مصلحة ملزمة وحصة منه وهي المقيدة بقصد أمرها ،
مشتملة على مصلحة ملزمة اُخرى ،ولكن لازم هذا الافتراض تعدد الواجب وهو كماترى ،
فلذلك لابد أن يكون الأمر الثاني أمراً شرطياً ومفاده الارشاد إلى شرطية قصد القربة
للواجب بالأمر الأول وتقييده به بعد ما لايمكن ذلك بالأمر الأول ، وبيان شروط
الواجب وقيوده نوعاً يكون بالأوامر الشرطية التي يكون مفادها الارشاد إلى شرطيتها
وتقيد الواجب بها كالأمر بالصلاة مثلا مع الطهارة أو الستر أو الاستقبال أو ما
شاكلها ، ولا فرق في ذلك بين ما يمكن أخذه في متعلق الأمر الأول كالطهارة والستر
والاستقبال ونحوها وبين مالا يمكن أخذه فيه كقصد القربة ، وعلى هذا فمتعلق الأمر
الأول ليس ذات الطبيعة بل حصة خاصة منها وهي الحصة المقيدة بقصد امتثال الأمر ،
وبذلك يظهر أن ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من أن الأمر الثاني لغو عند عدم سقوط
الأمر الأول بالاتيان بذات الفعل ، مبني على أن يكون الأمر الثاني أمراً مولوياً ،
وأما إذا كان ارشاداً إلى تقييد المأمور به في الأمر الأول كما هو كذلك ، فلا موضوع
لهذا الاشكال .
فالنتيجة ، أن تفسير تعدد الأمر بتعددهما واقعاً أي جعلا ومجعولا وملاكاً في غير
محله ، لأن لازم ذلك تعدد المأمور به واقعاً وهو خلف فرض كون المأمور به
ـ280ـ
في المقام واحداً ، بل المراد من الأمر الثاني بيان أن المأمور به في الأمر الأول
مقيد بقصد الأمر بعد ما لايمكن هذا التقييد بالأمر الأول .
الوجه الثاني ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن الأمر الأول متعلق بالطبيعة
المهملة من حيث التقييد والاطلاق ، على أساس مسلكه (قدس سره) من أن التقابل بين
الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ، فاستحالة التقييد تستلزم استحالة
الاطلاق ، وحيث إن تقييد الطبيعة المأمور بها بقصد الأمر مستحيل ، فإطلاقها أيضاً
كذلك ، وحيث إنه لايمكن أن تكون الطبيعة المأموربها مهملة في الواقع لاستحالة
الاهمال فيه ، فإذن لابد للمولى من رفع هذا الابهام والاهمال بالأمر الثاني الذي هو
متمّم للأمر الأول اطلاقاً أو تقييداً .
وبكلمة ، أن استحالة تقييد الطبيعة المأمور بها بقصد الأمر تستلزم استحالة الاطلاق
، على أساس أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، وحيث إن الاهمال في الواقع
مستحيل ، فلابد للمولى من رفع هذا الاهمال بجعل الأمر الثاني المتمّم للجعل
الأول(1) .
وغير خفي أنه ليس للأمر الثاني المسمى بمتمّم الجعل شأن في مقابل الأمر الأول ، بل
هو بيان لحدوده اطلاقاً أو تقييداً وناجم من نفس ملاكه ، ومن هنا لا يلزم أن يكون
متمّم الجعل بلسان الأمر ، بل يمكن أن يكون بلسان الاخبار ، فإن المعيار إنما هو
برفع الاهمال عن الأمر الأول اطلاقاً أو تقييداً بأي لسان كان هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى قد أورد السيد الاُستاذ (قدس سره) على هذا التفسير بوجهين :
ـــــــــــــــــــــ
(1) اُنظر أجود التقريرات 1 : 172 ـ 174 .
ـ281ـ
الأول : أن التقابل بين الاطلاق والتقييد ليس من تقابل العدم والملكة ، بل هو من
تقابل التضاد ، وعليه فاستحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق وبالعكس لا
استحالته(1) ، وسوف يأتي تفصيل ذلك في ضمن البحوث القادمة ، ولكن هذا الاشكال
مبنائي ، هذا مضافاً إلى أن المبنى غير صحيح ، فإن الصحيح هو أن التقابل بينهما من
تقابل الايجاب والسلب لا العدم والملكة ولا التضاد وستأتي الاشارة إليه .
الثاني : أن الاهمال في الأمر الأول غير معقول حتى تدعو الحاجة إلى رفعه بجعل الأمر
الثاني المتمم للأمر الأول ، وقد أفاد في وجه ذلك أن الشارع حيث إنه عالم بتمام
خصوصيات الطبيعة المأمور بها من الخصوصيات الأولية والثانوية ، فبطبيعة الحال إذا
جعل الحكم لها ، فلا محالة إما أن يكون مطلقاً بالنسبة إلى تلك الخصوصيات والقيودات
، سواءً كانت من القيودات الأولية أو الثانوية أو مقيداً ببعضها دون بعضها الآخر
ولا ثالث في البين ، بداهة أنه لا يعقل أن يكون الجاعل مردداً في حكمه المجعول ولا
يدري أنه جعله على الطبيعي أو الحصة الخاصة ، مثلا إذا أمر المولى بالصلاة فلا
محالة كان يعلم بتمام قيوداتها الأولية كالطهارة والستر والاستقبال وما شاكل ذلك ،
والثانوية كقصد امتثال الأمر وقصد الوجه ونحوهما ، وحينئذ فالامر المجعول لها
بطبيعة الحال لا يخلو إما أن يكون مجعولا لها مطلقاً بالنسبة إلى جميع قيوداتها
الأولية والثانوية أو مقيداً بها ولا ثالث في البين ، فإذا استحال تقييدها
بالقيودات الثانوية تعين اطلاقها بالنسبة إليها ، ولا يعقل أن يكون مردداً في أن
الحكم المجعول لها من قبله مطلق أو مقيد بأن يكون جاهلا بذلك ، بداهة أن ذلك غير
معقول من الجاعل العالم
ـــــــــــــــــــــ
(3) راجع محاضرات في اُصول الفقه 2 : 173 ـ 174 و188 .
ـ282ـ
بالواقع بتمام خصوصياته ، فلهذا لا موضوع لمتمم الجعل اطلاقاً أو تقييداً في خطابات
الكتاب والسنة .
وقد أورد بعض المحققين (قدس سره) على السيد الاُستاذ (قدس سره) بأن هذا الاشكال
مبني على تفسير الاهمال في كلام المحقق النائيني (قدس سره) بالاهمال الوجودي أي
المردّد بين المطلق والمقيد ، ولكن هذا التفسير غير صحيح ، فإن المراد من الاهمال
في كلامه الاهمال المفهومي لا الوجودي ; فإن متعلق الأمر مدلول اسم الجنس وهو ذات
الطبيعة المهملة الجامعة بين الطبيعة المطلقة والمقيدة ، باعتبار أن الاطلاق
والتقييد حيثيتان زائدتان على ذات الطبيعة المهملة ، وحينئذ فإذا استحال كل من
الاطلاق والتقييد اللحاظين في متعلق الجعل الأول ، اضطر المولى أن يجعل أمره على
ذات الطبيعة المهملة ويتصدى لرفع الاهمال بأمر ثان اطلاقاً أو تقييداً ويكون متمماً
للجعل الأول(1) . هذا ،
ويمكن المناقشة فيه بأن حمل اشكال السيد الاُستاذ (قدس سره) على أنه مبني على تفسير
الاهمال في كلام المحقق النائيني (قدس سره) بالاهمال الوجودي أي المردد بين المطلق
والمقيد في الخارج في غير محله ، لوضوح أن اشكاله (قدس سره) متجه إلى التزامه
بالاهمال في متعلق الأمر وهو طبيعي الفعل بالنسبة إلى القيودات الثانوية منها قصد
الأمر ، باعتبار أنه إذا استحال تقييده بها استحال اطلاقه ، وهذا معنى أنه مهمل ،
وحاصل الاشكال أنه غير معقول من الشارع الحكيم ، باعتبار أنه عالم بالواقع فيعلم أن
حكمه المجعول إما مطلق في الواقع ومقام الثبوت أو مقيد فيه ولا ثالث في البين ،
فالنتيجة أنه لا يمكن أن يكون اشكال السيد الاُستاذ (قدس سره) مبنياً على تفسير
الاهمال في كلام المحقق النائيني (قدس سره) بالاهمال الوجودي وهو الفرد المردد
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 91 .
ـ283ـ
هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لايمكن حمل كلام المحقق النائيني (قدس سره) على أن مراده من
إهمال متعلق الأمر الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلقة والمقيدة العارية عن جميع
الخصوصيات حتى خصوصية المقسمية ، لأن هذه الطبيعية مساوقة للطبيعة المطلقة ذاتاً
وتنطبق على جميع أفرادها النوعية والصنفية والشخصية أو أنها مساوقة للطبيعة المقيدة
، على أساس أنها في قوة المقيدة ، وعلى هذا فلا اهمال في متعلق الأمر حتى يتصدى
لرفعه بمتمم الجعل ، فالالتجاء إلى تتميمه اطلاقاً أو تقييداً ثبوتاً قرينة على أن
مراده (قدس سره) من الاهمال ليس تعلق الأمر بالطبيعة المهملة ، وإلا فلا حاجة إلى
المتمم هذا ، ولا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) أنه مع اشتماله التقييد واستحالة
الاطلاق لا يمكن كشف مراد المولى في الواقع اثباتاً وأنه مهمل في هذا المقام لا
ثبوتاً ، فالحاجة إلى المتمم لاحراز مراده اطلاقاً أو تقييداً في مقام الاثبات .
الفارق الثالث بين الواجب التعبدي والتوصلي
في الملاك
وأما الكلام فيه ، فقد جاء في الكفاية أنه لا فرق بين الواجب التوصلي والواجب
التعبدي لا في الأمر ولا في المتعلق وإنما الفرق بينهما في الملاك ، حيث إن الأمر
التوصلي يسقط بمجرد الاتيان بمتعلقه وهو ذات الفعل لحصول الغرض به ، بينما الأمر
التعبدي لايسقط بذلك إلا مع قصد القربة ، لأن الغرض منه لا يحصل إلا به ، والأمر
يدور مداره ثبوتاً وسقوطاً لا مدار الاتيان بمتعلقه .
ـ284ـ
والخلاصة : أنه لا فرق بين الأمر المتعلق بالواجب التعبدي والأمر المتعلق بالواجب
التوصلي كما أنه لا فرق بينهما في نفس الواجب ، وإنما الفرق بينهما في الغرض الداعي
إلى الأمر ، فإنه لايترتب في الواجب التعبدي على الاتيان به بدون قصد القربة ،
بينما هو مترتب في الواجب التوصلي على الاتيان به مطلقاً ، ومن هنا يكون الحاكم
باعتباره في العبادات هو العقل دون الشرع ، على أساس أن الغرض منها لا يحصل بدونه
فلايسقط أمرها أيضاً ، فإنه يدور مدار حصول الغرض وعدم حصوله ، فإن حصل سقط وإلا
فلا وإن تحقق متعلقه في الخارج ، فالنتيجة أن ما أفاده (قدس سره) يتضمن عدة نقاط .
الاُولى : أن أخذ قصد الأمر في متعلقه لا يمكن لا بالأمر الأول ولا بالأمر الثاني ،
وأما أخذ سائر الدواعي القريبة فيه وإن كان بمكان من الامكان إلا أنه مقطوع العدم
كما تقدم .
الثانية : أنه لا فرق بين الواجب التعبدي والواجب التوصلي لا في المتعلق ولا في
الأمر ، وإنما الفرق بينهما في الغرض المترتب عليهما ، فإن حصوله في الواجب التعبدي
يتوقف على قصد القربة دون الواجب التوصلي .
الثالثة : أن الحاكم باعتبار قصد القربة في الواجب التعبدي العقل دون الشرع ،
وللمناقشة في هذه النقاط مجال واسع(1) .
أما النقطة الاُولى ، فقد تقدم الكلام فيها وقلنا هناك أن أخذ قصد الأمر في متعلقه
بمكان من الامكان فلا حاجة إلى الاعادة .
وأما النقطة الثانية ، فقد ظهر مما سبق أن الفرق بين الواجب التعبّدي
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 72 ـ 74 .
ـ285ـ
والواجب التوصلي إنما هو في المتعلق ، فإنه في الأول حصة خاصة من الفعل وهي الحصة
المقيدة بقصد القربة ، وفي الثاني ذات الفعل هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لولم يكن فرق بينهما في المتعلق فلابد من الالتزام بسقوط الأمر
عند الاتيان بمتعلقه ، بداهة أنه لا يعقل بقاء الأمر بعد تحقق متعلقه في الخارج ،
وإلا لزم طلب الحاصل وهو محال .
وإن شئت قلت أن الأمر المتعلق بطبيعي الفعل لا محالة يسقط بتحققه في الخارج ، على
أساس أن المطلوب منه صرف وجوده وهو يتحقق بأول الوجود . وعليه فلا يعقل بقاء الأمر
المتعلق به وإلا لزم طلب الحاصل ، وأما إفتراض أمر آخر فهو وإن كان معقولا إلا أن
متعلقه الوجود الثاني ، فإنه إذا تغير تغير الأمر أيضاً فلا يعقل بقاء الأمر الأول
.
فالنتيجة ، أن ما أفاده (قدس سره) من أن سقوط الأمر يدور مدار حصول الغرض دون تحقق
متعلقه فلايمكن المساعدة عليه ، لأن بقائه بعد تحقق متعلقه غير معقول وإلا لزم طلب
الحاصل ، نعم إذا لم يحصل الغرض منه كان ذلك كاشفاً عن بقاء طبيعي الأمر لا شخصه .
فالنتيجة أن الفرق بين الواجب التعبدي والتوصلي إنما هو في المتعلق .
وأما النقطة الثالثة ، فإن أراد بها أن العقل يدرك دخل قصد القربة في ملاك الواجب
العبادي وأنه لا يترتب عليه في الخارج إلا مع قصد القربة ، فيرد عليه أنه مبني على
أن يكون للعقل طريق إلى ملاكات الأحكام الشرعية وإحرازها وهذا مقطوع البطلان ومخالف
للوجدان ، ضرورة أنه لا طريق له إليها ، وعلى ذلك فليس بامكان العقل الحكم بأن قصد
القربة معتبر في العبادات ودخيل في
ـ286ـ
ملاكها ، وإن أراد (قدس سره) بها أن قصد القربة معتبر في استحقاق المثوبة وبدونه
فلا مثوبة ، ففيه أن الأمر وإن كان كذلك إلا أن محل الكلام ليس في ذلك وإنما هو في
اعتباره في صحة المأمور به وعدم حصول الغرض منه بدونه ، وقد عرفت أنه ليس بامكان
العقل الحكم بذلك . وإن أراد (قدس سره) بها أن العقل يحكم بذلك في موارد الشك في
دخله في حصول الغرض على أساس قاعدة الاشتغال ، بتقريب أن المقام ليس من موارد قاعدة
البرائة ، اما البرائة العقلية فلأن الشك هنا ليس في الواجب قلة وكثرة ، لأن الواجب
معلوم بتمام أجزائه وشروطه والشك انما هو في حصول الغرض بمجرد الاتيان به بدون قصد
القربة ، فيكون المقام من قبيل الشك في المحصل والمرجع فيه قاعدة الاشتغال ، وأما
البرائة الشرعية فلأن الشك هنا ليس في جزئيه شيء لواجب أو شرطية آخر شرعاً لكي نرجع
إليها ، بل الشك في المقام انما هو في حصول الغرض بالاتيان بالواجب بكامل أجزائه
وشروطه بدون قصد القربة ، فيكون كالشك في المحصل والمرجع فيه قاعدة الاشتغال .
نتائج هذا البحث … فيرد عليه أولا ، أنه لا طريق لنا إلى الملاك والغرض في الواقع
إلا من ناحية الأمر ، فإذا كان الأمر متعلقاً بفعل كان كاشفاً عن وجود الملاك فيه ،
وفي المقام بما أنه تعلق بذات الفعل بدون تقييده بقصد القربة فهو يكشف عن وجود
مصلحة فيه ، وعلى هذا فلوشك في تحقق الغرض من جهة احتمال أن قصد القربة دخيل فيه ،
كان على المولى بيان ذلك ولو بجملة خبرية ، فإن أخذه في متعلق الأمر لايمكن ، وأما
بيان اعتباره ودخله في الملاك بطريق آخر فهو بمكان من الامكان ، ومع ذلك فإذا لم
يقم بيان عليه من قبل المولى ، فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا بيان ،
بل لا مانع من الرجوع إلى البرائة الشرعية أيضاً .
فالنتيجة ، في نهاية المطاف أن ما اختاره المحقق الخراساني (قدس سره) في المقام
لايرجع
ـ287ـ
إلى معنى صحيح .
نتائج البحث نلخصها في عدة نقاط :
الاُولى : أن في الفرق بين الواجب التعبدي والواجب التوصلي ثلاثة أقوال :
الأول : أن الفرق بينهما في المتعلق .
الثاني : أن الفرق بينهما في الملاك .
الثالث : أن الفرق بينهما في الأمر .
الثانية : أن المشهور بين المحققين من الاُصوليين استحالة أخذ قصد الأمر في متعلق
نفسه ، وقد استدل على ذلك بوجوه .
الثالثة : أن ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) من أنه لوكان مأخوذاً في متعلق
نفسه ، فلابد من أخذ الأمر الذي هو متعلق القصد مفروض الوجود في الخارج ، ولازم ذلك
اتحاد الحكم والموضوع جعلا ومجعولا .
فجوابه : أن متعلق المتعلق وإن كان هو الأمر ، إلا أن أخذه مفروض الوجود في الخارج
مبني على نكتتين :
الاُولى : إثباتية وهي متمثلة في الظهور العرفي للدليل على ذلك .
والاُخرى : ثبوتية وهي متمثلة في حكم العقل بذلك ، بملاك أنه لولم يؤخذ مفروض
الوجود لزم التكليف بغير المقدور ، وكلتا النكتتين غير متوفرة في المقام ، فلهذا لا
مقتضي لأخذه مفروض الوجود على تفصيل تقدم .
الرابعة : أن ما أفاده السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن الخطابات التحريمية غير
ظاهرة في أنها مجعولة على نهج القضايا الحقيقية للموضوع المفروض الوجود في
ـ288ـ
الخارج ، قد تقدم تفصيله .
الخامسة : أن تحقق الأمر وحده يكفي في القدرة واقعاً على قصد امتثاله ، غاية الأمر
أن المكلف قد يكون جاهلا بقدرته عليه من جهة جهله بالأمر ، وهذا الجهل لا يمنع عن
اطلاق التكليف وإنما يمنع عن تنجزه .
السادسة : أن أخذ قصد الأمر في متعلقه بوجوده العنواني في اُفق الذهن لايستلزم
التهافت بنظر الآمر ، حيث إنه يعلم بعدم واقع له مفروغ عنه في الخارج ، ولكن مع ذلك
له أن يأخذه في متعلقه بملاك أن مصداقه سوف يتحقق ويفي بالغرض لا بملاك أنه موجود
في الذهن بنحو المعنى الاسمي على
تفصيل هناك .
السابعة : أن ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) تارة بأن أخذ قصد الأمر في متعلقه
يستلزم تقدم الشيء على نفسه ، لأنه بلحاظ أخذه في المتعلق يكون في مرتبة الأجزاء
وبلحاظ تعلقه بها يكون في مرتبة متأخرة عنها ، واُخرى بأن أخذه فيه يستلزم الدور ،
لأن الأمر مشروط بالقدرة على متعلقه ومتوقف عليها وهي متوقفة على متعلقها ، فلو أخذ
قصد الأمر فيه لزم توقف الشيء على نفسه
غير تام .
أما الأول فهو مبني على أن يكون المأخوذ في المتعلق قصد الأمر بوجوده الواقعي ،
ولكن قد مرّ أن المأخوذ فيه قصد الأمر بوجوده العنواني وهو لا يكون متأخراً عن
الأجزاء ، فإذن ماهو متأخر عن الاجزاء غير ماهو في مرتبتها .
وأما الثاني فلان القدرة المعتبرة بحكم العقل إنما هي القدرة التعليقية أي لو تعلق
الأمر به ، لا القدرة المطلقة والقدرة التعليقية موجودة .
ـ289ـ
الثامنة : أن ما أفاده المحقق الخراساني (قدس سره) تارة بأن قصد الأمر متأخر رتبة
عن نفس الأمر ، وعليه فلوكان قصده مأخوذاً في متعلقه لزم تقدمه على الأمر بالرتبة ،
واُخرى بأن لازم أخذه في متعلق الأمر عدم التمكن من الامتثال ، لأن ذات الفعل لم
تكن متعلقة للأمر فلايمكن الاتيان بها بقصد الأمر إلاّ تشريعاً
غير تام .
أما الأول : فلأن المتأخر عن الأمر هو قصده بوجوده الواقعي لا بوجوده العنواني ،
والمأخوذ في المتعلق هو القصد بوجوده العنواني وهو لا يتوقف على الأمر في الخارج
حتى يلزم تقدم الشيء على نفسه .
وأما الثاني : فلأن الاتيان بالجزء مستقلا بداعي الأمر غير ممكن لأنه لا أمر به ،
وأما الاتيان به ملحوقاً بجزء ومسبوقاً بآخر بداعي الأمر فلا شبهة فيه ، وفي المقام
إذا أتى المكلف بالصلاة مثلا بقصد الأمر فقد أتى بالواجب بكلا جزئيه وسقط الأمر
المتعلق بالمجموع ، وقد تقدم تفصيل ذلك .
التاسعة : أن ما أفاده السيد الاُستاذ (قدس سره) في الجواب عن الثاني ، بأن الأمر
المتعلق بالمجموع المركب من الفعل وقصد الأمر ينحل إلى أمرين ضمنيين :
أحدهما متعلق بذات الفعل ، والآخر متعلق بقصد الأمر ، وحينئذ فيتمكن المكلف من
الاتيان بذات الفعل بقصد امتثال أمرها الضمني الذي هو المأخوذ في المتعلق دون الأمر
الاستقلالي ، فإن أخذه فيه لايمكن غير تام . وذلك لأن الأمر الضمني لايمكن أن يكون
داعياً إلاّ بداعوية الأمر الاستقلالي ، ولهذا كان يأتي المكلف بكل جزء جزء من
الواجب بداعي الأمر الاستقلالي المتعلق به مرتبطاً بسائر الأجزاء ، وعلى هذا
فبإمكان المكلف الاتيان بذات الفعل بقصد امتثال الأمر الاستقلالي المتعلق بها مع
قصد الأمر .
ـ290ـ
هذا إضافة إلى أنه لا واقع موضوعي للأمر الضمني إلا بتحليل من العقل بالعرض لا
بالذات فلا أثر له ، وحينئذ فلا مانع من أن يكون قصد الأمر الاستقلالي مأخوذاً في
متعلقه ، ولايلزم منه محذور كما تقدم تفصيله .
العاشرة : أن ما أفاده السيد الاُستاذ (قدس سره) من أنه لا مانع من كون الواجب
مركباً من جزئين : أحدهما يكون تعبدياً ، والآخر توصلياً وما نحن فيه من هذا القبيل
، فإن الأمر الضمني المتعلق بذات الفعل فهو أمر تعبّدي ، والأمر الضمني المتعلق
بقصد الأمر فهو أمر توصلي .
لا يمكن المساعدة عليه ، إذ مضافاً إلى أن الأمر الضمني لايمكن أن يكون داعياً إلا
بداعوية الأمر الاستقلالي ، أنه لا واقع له إلا بتحليل من العقل ، فإذن لا مجال
للبحث عن أنه مقرب أو لا .
الحادية عشر : أنه لا مانع ثبوتاً وإثباتاً من أخذ قصد الأمر الاستقلالي في متعلقه
، بأن يكون الواجب مركباً من ذات الفعل وقصد الأمر الاستقلالي ، وفي مقام الاثبات
يتعلق الأمر بالمجموع المركب منهما ، وحينئذ فإذا قام المكلف بالاتيان بذات الفعل
بقصد امتثال الأمر الاستقلالي المتعلق بها مرتبطة بالجزء الآخر وهو قصد الأمر
بوجوده العنواني ، فقد أتى بكلا الجزئين معاً على تفصيل
قد سبق .
الثانية عشر : أن ما ذكره المحقق الأصبهاني (قدس سره) من أنه يلزم من أخذ قصد الأمر
في متعلقه داعوية الأمر لداعوية نفسه ، وهذا كعلية الشيء لنفسه مستحيلة ، مبني على
الخلط بين كون المأخوذ فيه واقع قصد الأمر وبين كون المأخوذ فيه عنوانه الذهني ،
والمحذور المذكور إنما يلزم لو كان المأخوذ فيه الأول دون الثاني ، والمفروض أن
المأخوذ فيه هو الثاني دون الأول ، فإذن لا محذور كما
ـ291ـ
أن ما ذكره (قدس سره) من أنه يلزم من أخذ قصد الأمر في متعلقه عدم أخذه فيه ، مبني
على هذا الخلط على تفصيل قد مرّ .
الثالثة عشر : أن المحقق العراقي (قدس سره) قد ذكر أن المستحيل إنما هو أخذ قصد
الأمر في متعلقه جزءً وقيداً ، وأما إذا لم يكن مأخوذاً فيه كذلك بأن يكون متعلقه
الحصة التوأم معه بدون كونه جزءً وقيداً له ، فلا محذور فيه ولا مانع منه ، ولكن
تقدم أن الحصة التوأم لا ترجع إلى معنى محصل ، لأن قصد الأمر إذا لم يكن قيداً
لمتعلق الأمر لم يوجب تحصصه بحصة خاصة ، فإذن يلزم من إفتراض كون الأمر متعلقاً
بالحصة عدم كونه متعلقاً بها وهذا خلف .
الرابعة عشر : أن أخذ قصد الأمر في متعلقه مباشرة وإن كان مستحيلا ، إلا أنه لا
مانع من أخذه فيه بواسطة عنوان ملازم له كعنوان عدم صدور الفعل بداع دنيوي أو
نفساني ، فإنه ملازم لصدوره بداع إلهي ، ولا يرد عليه ما علقه المحقق النائيني (قدس
سره) وقد تقدم تفصيله ، نعم يرد عليه ما ذكرناه من أنه لايفيد ولا يدفع محذور الدور
وداعوية الشيء لداعوية نفسه على ما مرّ .
الخامسة عشر : أن أخذ سائر الدواعي القريبة في متعلق الأمر كقصد المحبوبية أو
المصلحة أو نحوها وإن كان بمكان من الامكان ، إلا أن أخذها
فيه بالخصوص غير محتمل ، إذ لازم ذلك عدم صحة الاتيان بالعبادة بقصد أمرها وهو كما
ترى .
السادسة عشر : الظاهر أن المأخوذ في متعلق الأمر هو الجامع بين قصد الأمر وقصد
المحبوبية والمصلحة وغيرها من الدواعي القربية .
السابعة عشر : أن المحقق النائيني (قدس سره) قد ذكر أنه لايمكن أخذ سائر الدواعي
القربية في متعلق الأمر أيضاً ، بنكته أنها منشأ وسبب لارادة العبادة ، فلو كانت
ـ292ـ
مأخوذة منها لكانت في عرضها متعلقة للارادة ومعلولة لها ، وحينئذ فيلزم كونهامتأخرة
عن نفسها وهو محال .
ولكن قد تقدم أن ما ذكره (قدس سره) من النكتة مبني على الخلط بين الفعل بوجوده
الخارجي والفعل بوجوده الذهني ، لأن ما هو متعلق الارادة ومنشأ وجودها في اُفق
النفس هو تصور الفعل بما له من الفائدة والتصديق بها ، وما هو معلول لها هو الفعل
بوجوده الخارجي .
الثامنة عشر : أن ما قيل من أنه لايمكن أخذ قصد المصلحة في متعلق الأمر كالصلاة
مثلا ، لأنه يتوقف على اشتمال الصلاة على المصلحة في المرتبة السابقة وترتبها عليها
، والمفروض أنه لوكان مأخوذاً فيها كان دخيلا في ترتبها عليها ، فإذن يلزم الدور ،
مدفوع بأنه مبني على الخلط بين المصلحة بوجودها الذهني والمصلحة بوجودها الخارجي
على تفصيل تقدم .
التاسعة عشر : أن عبادية الواجب العبادي إنما هي بتعدد الأمر طولا ، فالأمر الأول
تعلق بذات الفعل والأمر الثاني تعلق بالاتيان به بداع الأمر الأول ، وبذلك يفترق عن
الواجب التوصلي .
العشرون : أن صاحب الكفاية (قدس سره) قد أشكل بأنه لايمكن أخذ قصد القربة في متعلق
الأمر حتى بالأمر الثاني ، معللا بأن المكلف إذا أتى بذات الفعل ، فإن سقط الأمر
الأول سقط الأمر الثاني أيضاً بسقوط موضوعه، وإن لم يسقط فالعقل مستقل بلزوم
الاتيان بها بقصد الامتثال، فيكون الأمرالثاني لغواً على كل تقدير .
الأصل اللفظي والعملي في موارد الشك … وأورد المحقق الأصبهاني (قدس سره) عليه ،
بأنه لا مانع من الالتزام بكلا شقي من كلامه ، وقد أفاد وجه ذلك في مقالة طويلة
تقدمت ، وتقدم منا نقدها .
ـ293ـ
الحادية والعشرون : أن الأمر الثاني لايمكن أن يكون أمراً مولوياً مستقلا جعلا
ومجعولا عن الأمر الأول ، وإلا لزم تعدد المأمور به وهو خلف ، بل هو أمر ارشادي ،
فيكون مفاده الارشاد إلى شرطية قصد القربة واعتباره في متعلق الأمر الأول وأنه حصة
خاصة من الفعل ، وهي الحصة المقيدة بقصد القربة لا ذات الفعل .
الثانية والعشرون : أن ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن الأمر الأول متعلق
بالطبيعة المهملة من حيث التقييد والاطلاق ، والأمر الثاني متمم له اطلاقاً أو
تقييداً ، مبني على مسلكه (قدس سره) من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل
العدم والملكة ، فاستحالة أحدهما تستلزم استحالة الاخر ، وحيث إن التقييد في المقام
مستحيل فالاطلاق أيضاً كذلك ، فلهذا يحتاج إلى المتمم ، ولكن حيث إن المسلك غير تام
، فلا يتم ما أفاده (قدس سره) .
الثالثة والعشرون : أن ما جاء في الكفاية من أنه لا فرق بين الواجب التعبدي والواجب
التوصلي لا في الأمر ولا في المتعلق وإنما الفرق بينهما في الغرض ، فإنه في الواجب
التعبدي لا يترتب إلا على الاتيان به بقصد القربة ، بينما في الواجب التوصلي يترتب
عليه بدونه غير تام ، والصحيح أن الفرق بينهما في المتعلق ، فإنه حصة خاصة في
الواجب التعبدي وهي الحصة المقيدة بقصد القربة ، وذات الفعل في الواجب التوصلي .
ـ294ـ
الأصل اللفظي والعملي في موارد الشك
أما الكلام في الجهة الثانية ، فتارة يقع في مقتضى الأصل اللفظي على القول باستحالة
أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ، واُخرى على القول بامكان
أخذه فيه .
وهنا أقوال اُخرى تفصيلية في المسألة ستأتي الاشارة إليها ، فها هنا مقامان :
المقام الأول : في نقطة التقابل بين الاطلاق والتقييد وماهي حقيقة
هذه النقطة .
المقام الثاني : في امكان التمسّك بالاطلاق وعدم امكانه ، أو التفصيل في المسألة
بين الأقوال فيها .
أما الكلام في المقام الأول ففيه بحوث :
البحث الأول : أن فيه آراءً :
الرأي الأول : أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة .
الرأي الثاني : أن التقابل بينهما من تقابل التضاد .
الرأي الثالث : أن التقابل بينهما من تقابل الإيجاب والسلب .
أما الرأي الأول ، فقد اختاره المحقق النائيني (قدس سره) وقد أفاد في وجه ذلك ، أن
الاطلاق ليس عبارة عن عدم التقييد مطلقاً ، بل هو عبارة عن عدم تقييد خاص وهو عدم
التقييد في مورد القابل كالعمى والبصر ، فإن العمى عدم البصر لا مطلقاً ، بل عدم
البصر في محل قابل للبصر ، ولهذا لا يصح اطلاق العمى على
ـ295ـ
الجدار ، باعتبار أنه غير قابل للاتصاف بهذا الوصف ، ومن هنا تستلزم استحالة
التقييد استحالة الاطلاق ، وفي مثل ذلك لايمكن التمسك بالاطلاق في مقام الاثبات
للكشف عن الاطلاق في مقام الثبوت ، إذ لا اطلاق فيه بلحاظ أن في كل مورد استحال
التقييد فيه ثبوتاً استحال الاطلاق فيه كذلك ، فلا يصل الدور حينئذ إلى مقام
الاثبات .
بيان ذلك أن الماهية المهملة قابلة للتقييد ذاتاً بالقيودات الأولية الذاتية
والعرضية وهي القيودات التي تعرض عليها بعنوانها الأولي وبقطع النظر عن أي جهة
خارجية ثانوية ، كما أنها قابلة للاطلاق كذلك بالنسبة إليها بدون التوقف على مؤونة
زائدة كماهية الانسان ، فإنها قابلة للتقييد بالقيودات الأولية التي تطرأ عليها في
المرتبة السابقة ، كما أنها قابلة للاطلاق بالنسبة إليها بدون التوقف على أي مؤونه
لحاظية ، ومنها ماهية الصلاة مثلا فإنها قابلة للتقييد والاطلاق معاً بالنسبة إلى
قيوداتها الأولية التي تعرض عليها في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن تعلق الأمر
بها ، هذا كله بالنسبة إلى القيودات الأولية الذاتية والعرضية التي تطرأ على
الماهية في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن طرد عنوان ثانوي عليها .
وأما بالنسبة إلى القيودات الثانوية التي تطرأ على الماهية بعد اتصافها بعنوان
ثانوي كالقيودات التي تعرض على الصلاة مثلا بعد تعلق الأمر بها كقصد القربة وقصد
التمييز ونحوهما التي تتولد بواسطة تعلق الأمر بها ومعلولة له ولا وجود لها قبل ذلك
، فحيث إنه لايمكن تقييدها بها لايمكن اطلاقها أيضاً ، على أساس أن استحالة التقييد
تستلزم استحالة الاطلاق ، بملاك أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة(1) ،
فالنتيجة أنه على هذا القول لايمكن التمسك بالاطلاق في مقام
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 2 : 416 .
ـ296ـ
الاثبات للكشف عنه في مقام الثبوت لأنه تابع له ، فإذا لم يمكن ثبوتاً لم يمكن
اثباتاً أيضاً .
وأما الرأي الثاني ، فقد اختاره السيد الاُستاذ (قدس سره) وقال في تفسير ذلك ، أن
الاطلاق عبارة عن رفض القيود والغائها ولحاظ عدمها في موضوع الحكم أو متعلقه ،
والتقييد عبارة عن لحاظ قيد من القيود فيه ، فالاطلاق على هذا أمر وجودي كالتقييد ،
وعليه فلا محالة يكون التقابل بينهما من تقابل التضاد لا العدم والملكة ، وقد أفاد
في وجه ذلك أن الخصوصيات والانقسامات الطارئة على موضوع الحكم و متعلقه سواءاً كانت
من الخصوصيات النوعية أو الصنفية أو الشخصية ، فلا تخلو من أن يكون لها دخل في
الحكم والغرض أو لايكون لها دخل في ذلك ولا ثالث لهما ، وعلى الأول فبطبيعة الحال
يتصور المولى موضوع الحكم أو متعلقه مع تلك الخصوصية التي لها دخل فيه ، وهذا هو
معنى التقييد ، وعلى الثاني يتصور الموضوع أو المتعلق مع لحاظ عدم تلك الخصوصيات
التي ليس لها دخل فيه ورفضها عنه . وهذا هو معنى الاطلاق ، ومن الطببعي أن النسبة
بين اللحاظ الأول واللحاظ الثاني نسبة التضاد ، فلا يمكن اجتماعها في شيء واحد من
جهة واحدة .
وبكلمة ، أن الغرض لايخلو من أن يكون قائماً بالطبيعي الجامع بين كافة خصوصياته أو
قائماً بحصة خاصة منه ولا ثالث لهما ، فعلى الأول لابد من لحاظه بنحو الاطلاق
والسريان رافضاً عنه جميع القيود والخصوصيات الطارئة عليه ، وعلى الثاني لابد من
لحاظه مقيداً بقيد خاص وهو الحصة ولا ثالث في البين ، فإن مرد الثالث وهو لحاظه بلا
رفض القيود وبلا لحاظ تقيده بقيد خاص إلى الاهمال في الواقع وهو من المولى الملتفت
مستحيل ، وعليه فالموضوع أو المتعلق
ـ297ـ
في الواقع إما مطلق أو مقيد هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الاطلاق والتقييد على ضوء هذا البيان أمران وجوديان ، فإذن
بطبيعة الحال يكون التقابل بينهما من تقابل الضدّين(1) .
ونتيجة هذا الرأي أن استحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق على عكس نتيجة الرأي
الأول .
وأما الرأي الثالث : فيظهر اختياره من جماعة وهو الصحيح ، والنكتة في ذلك أن انطباق
الطبيعة على تمام أفرادها من العرضية والطولية وسريانها إليها بمختلف أشكالها
وأصنافها ذاتي وقهري ولا يتوقف على أي عناية زائدة غير عدم لحاظ القيد فيها الذي هو
نقيض لحاظ القيد ، فلذلك يكون التقابل بينهما من تقابل الايجاب والسلب لا العدم
والملكة ولا التضاد .
بيان ذلك أن الماهية المطلقة كماهية لابشرط التي هي في مقابل الماهية بشرط لا وبشرط
شيء قابلة للانطباق على كافة أفرادها من النوعية والصنفية والشخصية ، ومن الطبيعي
أن هذه القابلية ذاتية لا لحاظية ، على أساس أنها بذاتها وذاتياتها محفوظة فيها ولا
تتوقف على أي مقدمة خارجية وعناية زائدة ، ولا يمكن المنع عن هذا الانطباق وسلخه عن
الماهية ، لأنه من سلخ الشيء عن ذاته وذاتياته ، نعم إذا لوحظ قيد معها فتصبح ماهية
مقيدة وزال الاطلاق عنها بزوال موضوعه ، باعتبار أنه بلحاظ القيد يوجد في عالم
الذهن مفهوم جديد وماهية اُخرى مباينة للماهية الاُولى وهي الماهية المقيدة في
مقابل الماهية المطلقة ، مثلا ماهية الانسان مع عدم لحاظ قيد تنطبق على تمام
أفرادها من الانسان العالم
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 173 .
ـ298ـ
والجاهل والعادل والفاسق والغني والفقير وهكذا ، وهذا الانطباق كما مر ذاتي ولا
يتوقف على أي شيء آخر غير عدم لحاظ القيد الذي هو نقيض لحاظ القيد ، وعلى هذا فيكفي
في كون موضوع الحكم أو متعلقه ماهية مطلقة عدم لحاظ القيد معه ، باعتبار أنه صالح
ذاتاً للانطباق على تمام أفراده كما عرفت ، ولا تنتفي هذه الصلاحية الذاتية عنه إلا
بلحاظ القيد ، فإن لوحظ انتفت بانتفاء موضوعها وتحدث ماهية جديدة . لحد الآن قد
تبين بوضوح أن الاطلاق في مقابل التقييد عبارة عن عدم لحاظ القيد في موضوع الحكم أو
متعلقه الذي هو نقيض لحاظ القيد فيه ، فلذلك يكون التقابل بينهما من تقابل الايجاب
والسلب ، لا أنه عبارة عن عدم لحاظ القيد في موضوع قابل للتقييد ، بداهة أن هذه
القابلية غير معتبرة في صلاحية الماهية للانطباق على تمام أفرادها وسريانها إليها ،
لأنها ذاتية ولايمكن دخالة شيء آخر فيها وإناطتها بأمر خارج ، لاستحالة أن تكون
معلولة لعلة أجنبية ، وإلاّ لزم أحد محذورين ، إما تفكيك الشيء عن أفراده الذي هو
محفوظ فيها بذاته وذاتياته أو الخلف أي ما فرض أنه ذاتي فليس بذاتي ، وكلاهما
مستحيل ، وحيث إنه يكفي في هذا الاطلاق عدم لحاظ القيد ، فلا فرق بين أن يكون عدم
لحاظ القيد من جهة عدم إمكان تقييدها به أو من جهة عدم دخله في الغرض والملاك ،
فالنتيجة أنه لايمكن أن يكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن الاطلاق كما لايمكن أن يكون عبارة عن عدم خاص ، كذلك لايمكن أن
يكون عبارة عن أمر وجودي أيضاً وهو لحاظ عدم القيد ورفضه ، بداهة أن ذلك غير دخيل
في اطلاق الماهية وصلاحيتها للانطباق على كل مايمكن أن يكون فرداً لها لما عرفت من
أنها ذاتية ، فلا تتوقف على أي شيء غير عدم لحاظ القيد دون لحاظ عدم القيد ورفضه .
ـ299ـ
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية :
الاُولى : أن الرأي القائل بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل الايجاب
والسلب ، هو الرأي الصحيح الموافق للطبع الأولي والوجدان العقلي .
الثانية : أن الرأي القائل بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم
والملكة ، فقد عرفت أنه غير سديد ولا واقع موضوعي له .
الثالثة : أن الرأي القائل بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد مبني
على الخلط بين الاطلاق الذاتي والاطلاق اللحاظي ، والكلام إنما هو في الأول ، فإنه
يسري إلى أفراده طبعاً وذاتاً وبدون أي مؤونه زائدة دون الثاني ، فأنه لا وجود له
إلا في عالم اللحاظ ولا ينطبق مع هذا القيد على ما في الخارج ، إلا أن يقال أن
اللحاظ مرآة إلى الواقع ولا موضوعية له لكي يمنع عن الانطباق ، ولكن حينئذ لا حاجة
إليه لعدم توقف الانطباق عليه كما تقدم .
البحث الثاني : أن السيد الاُستاذ (قدس سره) اشكل على ما اختاره المحقق النائيني
(قدس سره)بوجهين :
الأول : أن استحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق أو ضرورة التقييد بخلافه ، لا أنه
تستلزم استحالة الاطلاق ، وقد أفاد في وجه ذلك أن الاهمال في الواقع مستحيل ، لأن
الغرض الداعي إلى جعل الحكم على شيء لا يخلو من أن يقوم بطبيعي ذلك الشيء الجامع
بين خصوصياته من دون دخل شيء منها فيه أو بحصة خاصة منه ولا ثالث لهما ، فعلى الأول
لا محالة يلاحظ تلك الحصة الخاصة منه ، وعلى كلا التقديرين فلا اهمال في الواقع ،
لأن الحكم على الأول مطلق وعلى الثاني مقيد ، ولا فرق في ذلك بين الانقسامات
الأولية والثانوية ، بداهة أن المولى الملتفت إلى انقسام الصلاة خارجاً إلى الصلاة
مع قصد القربة
ـ300ـ
والصلاة بدونه ، لا محالة إما أن يعتبرها على ذمة المكلف بنحو الاطلاق أو يعتبرها
مقيدة بقصد القربة ولا يتصور ثالث ، لأن مرد الثالث إلى الاهمال بالإضافة إلى هذه
الخصوصية وهو غير معقول ، كيف فإن مردّه إلى عدم علم المولى بمتعلق حكمه أو موضوعه
سعة وضيقاً وهو كماترى .
وعلى هذا فإذا افترضنا استحالة تقييدها بقصد القربة في الواقع ، فالاطلاق ضروري أو
التقييد بخلافه ، وبذلك يظهر أن التقابل بين الاطلاق والتقييد لايمكن أن يكون من
تقابل العدم والملكه .
الثاني : أنا لو سلمنا أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، إلا أن ما ذكره
(قدس سره) من أن استحالة التقييد تستلزم إستحالة الاطلاق ، غير تام نقضاً وحلا .
أما نقضاً فمجموعة من الموارد ، منها أن الانسان جاهل بكنه ذاته تعالى وليس بامكانه
الاحاطة به ، لاستحالة احاطة الممكن بالواجب بالذات ، فإذا استحال علم الانسان
بذاته تعالى كان جهله بها ضرورياً ، مع أن التقابل بين الجهل والعلم من تقابل العدم
والملكة ، فلوكانت استحالة العلم شيء تستلزم استحالة الجهل به ، لزم استحالة جهل
الانسان بكنه ذاته سبحانه وهو كما ترى .
ومنها ، أن استحالة قدرة الانسان على الطيران في السماء مثلا تستلزم ضرورة عجزه عنه
لا استحالته ، مع أن التقابل بين القدرة والعجز من تقابل
العدم والملكة .
ومنها ، أن استحالة استطاعة الانسان على حفظ جميع الكتب الموجودة في هذه المكتبة
تستلزم ضرورة عجزه عن ذلك لا استحالته ، مع أن التقابل بين الاستطاعة والعجز من
تقابل العدم والملكة ومنها غير ذلك .
ـ301ـ
وأما حلا ، فلأن قابلية المورد التي هي معتبرة بين العدم والملكة لا يلزم أن تكون
شخصية وموجودة في كل مورد ، بحيث لولم تكن في مورد لم يكن التقابل بينهما فيه من
تقابل العدم والملكة ، بل أنها قد تكون شخصية وقد تكون نوعية وقد تكون جنسية ، ومن
هنا ذكر الفلاسفة أن القابلية المعتبرة بين الاعدام والملكات ليست شخصية في كل مورد
، بل الأعم منه ومن الصنفية والنوعية والجنسية حسب اختلاف الموارد والمقامات ، فلا
يعتبر في صدق العدم المقابل للملكه على مورد أن يكون ذلك المورد بخصوصه قابلا
للاتصاف بالملكة ، فإنه كما يكفي ذلك يكفي في صدقه أن يكون صنف هذا المورد أو نوعه
أو جنسه قابلا للاتصاف بها .
والخلاصة : أن كون التقابل بين العلم والجهل والقدرة والعجز ونحوهما من تقابل العدم
والملكة إنما هو بلحاظ قابلية المحل نوعاً لا شخصاً ، وعلى هذا فالتقابل بين
الاطلاق والتقييد وإن كان من تقابل العدم والملكة ، إلا أنه لا يلزم أن يكون ذلك
بلحاظ قابلية شخص المحل لكي تستلزم استحالة التقييد استحالة الاطلاق في كل مورد ،
إذ يمكن أن يكون ذلك بلحاظ قابلية نوع المحل(1) هذا ، وللنظر في كلا التعليقين مجال
.
أما التعليق الأول فهو مبنائي ، فإن من يقول بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من
تقابل العدم والملكة ، فلا مناص له من الالتزام بأن استحالة التقييد تستلزم استحالة
الاطلاق ، ولكن هل يكون لازم ذلك إهمال الواقع بمعنى عدم علم الحاكم بموضوع حكمها
ومتعلقه سعة أو ضيقاً ، أو بمعنى إهمال المأمور به من حيث الاطلاق والتقييد بلحاظ
عدم امكان ذلك بالدليل الأول مع علم الحاكم
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 175 ـ 176 .
ـ302ـ
بمراده سعة أو ضيقاً في الواقع ، ولكن ليس بامكانه بيانه تقييداً أو اطلاقاً
بالدليل الأول ، فلهذا التجأ إلى بيانه كذلك بالدليل الثاني وهو متمم الجعل فيه
وجهان :
الظاهر أن مراد المحقق النائيني (قدس سره) الثاني ، إذ لا يحتمل أن يكون مراده (قدس
سره) من إهمال الواقع جهل الحاكم بالحكم المجعول سعةً وضيقاً ، بداهة أن ذلك غير
معقول بالنسبة إلى المولى الحكيم العالم بالواقع بتمام خصوصياته ، سواءً أكانت من
الخصوصيات الأولية أم الثانوية ، أما الأولية فهي التي تقسم الطبيعة المأمور بها
إليها في المرتبة السابقة على الأمر وبقطع النظر عن تعلقه بها ، وذلك كالصلاة
بالنسبة إلى الطهارة من الحدث والخبث واستقبال القبلة والقيام والاستقرار وما شاكل
ذلك .
وأما الثانوية ، فهي التي تقسم الطبيعة المأمور بها إليها في المرتبة المتأخرة عن
الأمر وبعد تعلقه بها ، وذلك كالصلاة بالنسبة إلى قصد القربة وقصد التمييز ، وعلى
هذا فالمولى في مقام جعل الوجوب على الصلاة ، فلا محالة يلاحظ جميع خصوصياتها
الأولية والثانوية ، فما هو منها دخيل في ترتب الملاك على الصلاة خارجاً يقيد
الصلاة به ، بلا فرق بين أن يكون ذلك من القيودات الأولية أو الثانوية كقصد القربة
، فإنه إذا كان دخيلا في ترتب الملاك على الصلاة فلا محالة يقيد الصلاة به كتقييدها
بغيره من القيودات التي لها دخل في ذلك ، فيكون المأمور به حصة خاصة من الصلاة وهي
الصلاة المقيدة بقصد القربة ، وإن لم يكن دخيلا فيه فالمأمور به هو الصلاة المطلقة
من هذه الناحية ، غاية الأمر على القول بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل
العدم والملكة لايمكن هذا التقييد بدليل الأمر الأول ، وعلى المولى حينئذ بيانه
بدليل آخر ولوكان بجلمة خبرية تقييداً أو اطلاقاً . ودعوى أن الصلاة لايمكن أن تكون
مقسماً للقيودات الثانوية
ـ303ـ
إلا بعد تعلق الأمر بها وفي المرتبة المتأخرة عنه ، حيث لايمكن لحاظ تلك القيودات
فيها قبل وجود الأمر بها حتى يمكن أن تكون مقيدة بها أو مطلقة ، وأما تحقق تلك
القيودات في المرتبة المتأخرة عن الأمر وبعد تعلقه بها ، فحيث إنه كان بعد تحديد
متعلقه تقييداً أو اطلاقاً في المرتبة السابقة ، فلا يمكن تقييده بها أو اطلاقه
وإلا لزم الخلف ، والحاصل أن تقسيم الصلاة إلى الحصة المقيدة بقصد القربة وإلى
غيرها يتوقف على تعلق الأمر بها ، وإلا فلا موضوع لهذا التقسيم .
مدفوعة بأنها مبتنية على الخلط بين مقسمية الصلاة للحصص في الخارج بقطع النظر عن
تعلق الأمر بها وبين مقسميتها في عالم المفهوم للحصص فيه ، فالحصص الخارجية تتوقف
على تعلق الأمر بها وفي المرتبة المتأخرة عنه ، وأما الحصص الذهنية التي هي حصص لها
في عالم المفهوم ، فلا تتوقف على وجود الأمر بها ولا تكون في المرتبة المتأخرة عنه
، فإذن لا مانع من تصور المولى في مقام جعل الحكم لشيء كالصلاة مثلا جميع قيوداته
من الأولية والثانوية ، ولا يتوقف هذا التصور على وجود الأمر في المرتبة السابقة
وتعلقه به خارجاً ، وإنما يتوقف على وجود الأمر في الذهن .
وإن شئت قلت أن المأخوذ في متعلق الأمر هو قصد الأمر بوجوده الذهني وهو متقدم على
الأمر بوجوده الواقعي الجعلي ، وعليه فلا مانع من كون الصلاة مقسماً للحصص الثانوية
بلحاظ وجوداتها الذهنية ، لأنها بهذا اللحاظ لا تتوقف على الأمر بوجوده الواقعي
الجعلي ، وإنما تتوقف على الأمر بوجوده الذهني اللحاظي الفاني ، فما هو في طول
الأمر وجود القسمين في الخارج ، وما هو مقدم على الأمر وجود القسمين في عالم الذهن
والمفهوم .
فالنتيجة ، أن مقسمية الصلاة إنما تلحظ بالنسبة إلى خصوصياتها وقيوداتها
ـ304ـ
في مقام الجعل والاعتبار في عالم التصور واللحاظ وهو عالم الذهن ، ومن الواضح أن
مقسميتها بالنسبة إلى حصصها وقيوداتها في هذا العالم على حد سواء ، بلا فرق بين أن
تكون تلك الحصص والقيودات من الحصص والقيودات الأولية أو الثانوية ، لأن الأولية
والثانوية إنما تلحظان بلحاظ وجوداتهما في الخارج ، وأما بلحاظ وجوداتهما في الذهن
، فلا الأولية ولا الثانوية بل هما في عرض واحد .
وأما التعليق الثاني ، فلأن قابلية المحل معتبرة بين العدم والملكة ، لأن المحل إذا
كان قابلا للاتصاف بالملكة كان قابلا للاتصاف بعدمها ، فيكون التقابل فيهما من
تقابل العدم والملكة ، وعلى هذا فكل محل قابل للاتصاف بالعلم فهو قابل للاتصاف
بالجهل أيضاً ، ويكون التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، وأما إذا لم يكن
المحل قابلا للاتصاف بالملكة كالعلم ، لم يكن قابلا للاتصاف بالعدم المقابل للملكة
أيضاً كالحيوان مثلا ، فإنه غير قابل للاتصاف بالعلم ، فإذا استحال اتصافه به ،
استحال اتصافه بالجهل وهو عدم العلم الخاص المقابل للملكة ، لاعدم اتصافه به الذي
هو نقيض الاتصاف فإنه ضروري ، ومن هذا القبيل ما إذا استحال علم الانسان بكنه ذاته
تعالى وتقدس ، استحال اتصافه بالجهل وهو عدم العلم الخاص المقابل للملكة ، من جهة
أن المورد غير قابل للاتصاف بالعلم ولا للاتصاف بعدمه الخاص من باب السالبة بانتفاء
الموضوع ، ومن هنا يكون عدم الاتصاف به ضرورياً لأنه نقيض الاتصاف ، ففي كل مورد
يكون المحل قابلا فهو قابل للاتصاف بكليهما معاً وإلا فهو غير قابل للاتصاف بكليهما
كذلك ، وهذا معنى أن استحالة أحدهما يستلزم استحالة الآخر .
والخلاصة : أن امتناع العلم بكنه ذاته سبحانه وتعالى وامتناع قدرة الانسان على
الطيران في السماء وهكذا ، يستلزم إمتناع الاتصاف بالعدم الخاص وهو
ـ305ـ
العدم المقابل للملكة لا عدم الاتصاف بالعلم أو القدرة الذي هو نقيض الاتصاف فإنه
ضروري ، وعليه فالجهل بمعنى الاتصاف بعدم العلم ممتنع من باب أنه لا موضوع له ،
وأما الجهل بمعنى عدم الاتصاف بالعلم الذي هو نقيض الاتصاف فهو ضروري ، وكذلك الحال
في العجز فإنه بمعنى الاتصاف بعدم القدرة ممتنع لعدم كون المورد قابلا له ، وأما
بمعنى عدم الاتصاف بها فهو واجب ، باعتبار أنه نقيض الاتصاف ، ومن هنا يظهر حال
مسألة الاطلاق والتقييد أيضاً ، لأن في كل مورد إذا أمكن فيه تقييد متعلق الأمر
بقيد أمكن فيه اطلاقه أيضاً ، وفي كل مورد إذا لم يمكن فيه تقييده بقيد كقصد القربة
، لم يمكن فيه اطلاقه أيضاً بمعنى الاتصاف بعدم القيد ، لأن المورد غير قابل له ،
لا بمعنى عدم الاتصاف بالقيد فإنه ضروري ، وعليه فإذا استحال تقييد الصلاة بقصد
القربة ، استحال اطلاقها أيضاً بمعنى الاتصاف بعدم قصد القربة ، واما بمعنى عدم
الاتصاف فهو ضروري ، اما إستحالة الأول فمن جهة عدم قابلية المحل لا للاتصاف
بالملكه ولا للاتصاف بعدمها المقابل لها ، وأما ضرورة الثاني فمن جهة أن استحالة
أحد النقيضين تستلزم ضرورة الآخر ، فالنتيجة أن استحالة الملكة في كل مورد تستلزم
استحالة العدم المقابل لها فيه لا ضرورية .
هذا إضافة إلى أن مسألة الاطلاق والتقييد منوطة بنكتة واقعية وهي انطباق الطبيعة
على أفرادها وسريانها إليها ، وقد تقدم أن هذا الانطباق ذاتي فلا يحتاج إلى مقدمة
خارجية حتى لحاظ عدم القيد ورفضه ، نعم إذا كان الاطلاق لحاظياً كما هو مختار السيد
الاُستاذ (قدس سره) ، فهو يتوقف على هذا اللحاظ ومتقوّم به .
والخلاصة : أنه بناء على ما قويناه من أن اطلاق الطبيعة وسريانها إلى أفرادها ذاتي
، فيكفي فيه عدم لحاظ القيد معها الذي هو نقيض لحاظ القيد ،
ـ306ـ
فلذلك يكون التقابل بينهما من تقابل الايجاب والسلب ، وأما بناء على مسلك السيد
الاُستاذ (قدس سره) من أن اطلاقها لحاظي فيتوقف على لحاظ زائد على الطبيعة ، فلذلك
يكونان معاً أمرين وجوديين ويكون التقابل بينهما من تقابل الضدين ، ولا يتصور أن
يتوقف سريان الطبيعة إلى أفرادها وانطباقها عليها على قابليتها وشأنيتها للاتصاف
بالقيد لكي تقبل الاتصاف بالعدم الذي هو معنى الاطلاق على المسلك القائل بأن
التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة .
وأما تفسير الاطلاق بالجمع بين القيود فهو لا يرجع إلى معنى محصل .
البحث الثالث : أنه قد فسرت استحالة الاطلاق في المقام بتقسيرين :
الأول : أن يكون المراد منها استحالة شمول الخطاب للمقيد الذي كان يستحيل تقييد
الحكم به .
الثاني : أن يكون المراد منها استحالة نفي التقييد به وشمول الخطاب لصورة فقدان
القيد .
أما التفسير الأول ، فهو في غير محله ، لأنه لابد من النظر فيه إلى ملاك الاستحالة
، فإن كان قائماً بنفس ثبوت الحكم ، فعندئذ لا فرق بين ثبوته للمقيد وثبوته للمطلق
، فكما أن الأول مستحيل فكذلك الثاني بنفس الملاك ، وذلك كثبوت الحكم على العاجز ،
فإن ملاك الاستحالة قائم بنفس ثبوت الحكم له سواءاً كان بالتقييد به أم كان
بالاطلاق ، وإن كان ملاك الاستحالة قائماً بعملية التقييد فحسب ، فلا مانع من
الاطلاق ولا موجب لاستحالته حينئذ أصلا ، وذلك كتقييد خطابات الكتاب والسنة العامة
بالكفار فإنه لايمكن ، وأما اطلاقها بنحو يشمل الكفار فلا مانع منه ، ومن هذا
القبيل تقييد تلك الخطابات بطائفة خاصة فإنه لا يمكن ، وأما اطلاقها بنحو يشمل تلك
الطائفة فلا مانع منه وهكذا .
ـ307ـ
والخلاصة : أن ملاك الاستحالة إن كان في ثبوت الحكم على المقيد سواءاً كان بالتقييد
أم بالاطلاق ، فكلاهما مستحيل بملاك واحد وفي عرض واحد ، وإن كان ملاك الاستحالة
قائماً بنفس عملية التقييد فحسب فلا مانع من الاطلاق .
ومن هنا لو كانت استحالة تقييد المأمور به كالصلاة مثلا بقصد الأمر من جهة محذور
الدور ، وهو أن الأمر بالصلاة متوقف على قصده من باب توقف الحكم على متعلقه ،
والقصد متوقف على الأمر من باب توقف العرض على معروضه ، فلا مانع من اطلاقها
وشمولها لكلتا الحصتين معاً هما الصلاة مع قصد الأمر والصلاة بدون قصده ، لأن الأمر
حينئذ لما كان متعلقاً بالطبيعي الجامع بينهما فلا يتوقف على قصده ، باعتبار أنه
غير مأخوذ في متعلقه ، نعم لو كان ملاك استحالة تقييد المأمور به بقصد الأمر داعوية
الأمر لداعوية نفسه ، فاطلاقه أيضاً مستحيل بنفس هذا الملاك ، إذ معنى اطلاقه على
هذا التفسير هو شموله للحصة المقيدة بقصد الأمر ، ومن الواضح أنه لا يمكن شموله لها
بنفس ذلك المحذور لا بملاك أن استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق .
فالنتيجة ، أن ملاك الاستحالة إن كان في عملية التقييد فحسب فلا مانع من الاطلاق ،
وإن كان في عملية الاطلاق أيضاً فكلاهما مستحيل .
وأما التفسير الثاني لاستحالة الاطلاق الذي هو مراد المحقق النائيني (قدس سره) ،
فقد أفاد في وجه ذلك أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ،
فاستحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، فإذا فرض أن تقييد المأمور به بقصد
القربة مستحيل ، فاطلاقه لنفي هذا التقييد وشموله لصورة فقدان القيد
أيضاً مستحيل(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 156 و160 .
ـ308ـ
وللنظر فيه مجال ، أما أولا فلما تقدم من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل
الايجاب والسلب لا العدم والملكة ، وعليه فاستحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق لا
استحالته ، على أساس أن ارتفاع النقيضين كاجتماعهما مستحيل . وثانياً لو تنزلنا عن
ذلك وسلمنا أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة ، إلا أن
استحالة التقييد إنما تستلزم استحالة الاطلاق بمعنى الاتصاف بعدم قصد القربة ،
باعتبار أنه متوقف على قابلية المحل وهو غير قابل له ذاتاً ، لا استحالة الاطلاق
بمعنى عدم الاتصاف به الذي هو نقيض الاتصاف فإنه ضروري ، على أساس أن استحالة أحد
النقيضين تستلزم ضرورة الآخر . وهذا الاطلاق يكفي لنفي التعبد به عند الشك فيها .
هذا تمام الكلام في
المقام الأول .
وأما الكلام في المقام الثاني وهو امكان التمسك بالاطلاق اللفظي عند الشك في تعبدية
الواجب وتوصليته ، فيختلف الحال فيه باختلاف الآراء في المسألة وهي كما يلي .
الرأي الأول : أن أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ممكن .
الرأي الثاني : أنه مستحيل .
الرأي الثالث : التفصيل بين الأمر الأول والأمر الثاني واستحالة أخذه في متعلق
الأمر الأول وامكان أخذه في متعلق الأمر الثاني .
الرأي الرابع : التفصيل بين قصد الأمر وبين سائر الدواعي القريبة أو بينه وبين
الجامع .
أما على الرأي الأول ، فلا مانع من التمسك بالاطلاق إذا كان لنفي تعبدية
ـ309ـ
الواجب واثبات أنه توصلي ، باعتبار أن حال قصد القربة حينئذ حال سائر قيود الواجب
الشرعية ، فكما أنه إذا شك في اعتبار قيد من تلك القيود فلا مانع من التمسك باطلاق
دليل الواجب لنفي اعتباره ، فكذلك إذا شك في اعتبار
قصد القربة .
وأما على الرأي الثاني ، فعلى القول بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل
العدم والملكة ، فاستحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، فإذن الاطلاق مستحيل
ثبوتاً كالتقييد ، فإذا كان مستحيلا ثبوتاً فلا اطلاق في مقام الاثبات ، لأنه تابع
للاطلاق في مقام الثبوت وكاشف عنه ، ولا يعقل وجود الكاشف بدون المكشوف في الواقع
والحاكي بدون وجود المحكي فيه .
وأما على الرأي القائل بأن استحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق ، كما إذا كان
التقابل بينهما من تقابل التضاد أو الايجاب والسلب ، فهل يمكن التمسك بالاطلاق في
مقام الاثبات ؟ الظاهر أنه لايمكن ، لأن الاطلاق في مقام الاثبات إنما يكون كاشفاً
عن الاطلاق في مقام الثبوت بمعونة مقدمات الحكمة منها عدم ذكر القيد ، ومن الواضح
أن عدم ذكر القيد في مقام الاثبات إنما يكون كاشفاً عرفاً عن عدم اعتباره في مقام
الثبوت إذا كان التقييد به ممكناً فيه ، وأما إذا لم يمكن فلا يكون عدم ذكره كاشفاً
عن عدم دخله في الغرض ، لاحتمال أن يكون دخيلا فيه ثبوتاً بأن يكون مراد المولى
جداً هو المقيد في الواقع ، ولكنه لايتمكن من تقييده به ، وعلى الجملة فدلالة
مقدمات الحكمة إنما هي من جهة ظهور حال المتكلم ، ومن المعلوم أن عدم ذكر القيد في
مقام الاثبات إنما يكون كاشفاً عن عدم اعتباره ودخله في الغرض إذا كان بامكان
المتكلم التقييد به ، وأما إذا لم يكن بامكانه ذلك ، فلا يدل عدم ذكره فيه على عدم
اعتباره في الواقع وعدم دخله في الغرض
ـ310ـ
ولا ظهور له فيه ، إذ يحتمل أن يكون له دخل فيه في الواقع ، ولكن عدم التقييد به
لعله كان من جهة عدم تمكنه منه ثبوتاً لامن جهة عدم اعتباره ودخله في الغرض ، وعلى
هذا فلا تتم مقدمات الحكمة ، وبدون تماميتها فلايمكن التمسك بالاطلاق في مقام
الاثبات لنفي التعبدية واثبات التوصلية عند الشك فيهما .
فالنتيجة ، أنه على القول باستحالة أخذ قصد القربة في متعلق الأمر كالصلاة مثلا ،
فعلى القول بأن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل الايجاب والسلب أو التضاد ،
فالاطلاق وإن كان ضرورياً ثبوتاً إلا أنه لايمكن التمسك بالاطلاق في مقام الاثبات
للكشف عن أن الاطلاق في مقام الثبوت واف بالغرض ، لاحتمال أن الغرض متعلق بالمقيد
فيه . ولكن المولى لايتمكن من التقييد ، فإذن لا يكشف عدم ذكر القيد في مقام
الاثبات عن عدم اعتباره في مقام الثبوت ، ولو سلمنا أن استحالة التقييد لاتستلزم
ضرورة الاطلاق ولا استحالته بل هو ممكن ثبوتاً ، فهل يمكن التمسك بالاطلاق في مقام
الاثبات لاحرازه في مقام الثبوت ، الظاهر أنه لايمكن بنفس مامر من الملاك وهو عدم
تمامية مقدمات الحكمة ، فإن من مقدماتها عدم ذكر القيد في مقام الاثبات الكاشف عن
عدم اعتباره في مقام الثبوت ، وأما في المقام فلا يكشف عرفاً عن عدم اعتباره في
مقام الثبوت وعدم دخله في الغرض ، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون من جهة عدم
التمكن من التقييد به لا من جهة أنه غير دخيل في الغرض ، فلذلك لا يكون الاطلاق في
مقام الاثبات كاشفاً عن الاطلاق في مقام الثبوت .
وأما على الرأي الثالث ، القائل بأن أخذ قصد القربة ممكن في متعلق الأمر الثاني دون
متعلق الأمر الأول ، فلا شبهة في أنه لا يمكن التمسك باطلاق الأمر الأول في مقام
الاثبات ، لأنه في مقام الثبوت اما مهمل أو مطلق ، أما على الأول
ـ311ـ
فواضح ، لأن الاطلاق في مقام الاثبات كاشف عن الاطلاق في مقام الثبوت وتابع له ،
فإذا لم يكن اطلاق في مقام الثبوت فلا معنى للاطلاق في مقام الاثبات .
وأما على الثاني ، فلما عرفت من أن التقييد في مقام الثبوت إذا كان مستحيلا ، فلا
يكشف الاطلاق في مقام الاثبات عن عدم دخله في الغرض لاحتمال أنه دخيل فيه ، ولكن
عدم ذكر القيد في مقام الاثبات لعله كان من جهة عدم التمكن من التقييد به ثبوتاً لا
من جهة عدم اعتباره .
وأما الأمر الثاني ، فإن كان قيد قصد القربة مأخوذاً في لسانه فهو يدل على أن
الواجب تعبدي ، وإن لم يكن مأخوذاً فيه إثباتاً مع التمكن من التقييد به ثبوتاً ،
لا مانع من التمسك باطلاقه لاثبات أن الواجب توصلي لا تعبدي .
وأما على الرأي الرابع ، فلا مانع من التمسك بالاطلاق إذا كان الشك في تقييد متعلق
الأمر بقصد المحبوبية أو المصلحة أو جامع قصد القربة وهو إضافة الفعل إلى المولى ،
لأن الاطلاق في مقام الاثبات كاشف عنه في مقام الثبوت ونتيجة ذلك عدم تقييد
المأموربه ، به .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنه لا مانع من التمسك بالاطلاق
اللفظي على الرأي الأول مطلقاً ، وعلى الرأي الثالث فيما إذا كان للأمر الثاني
اطلاق ، وعلى الرأي الرابع فيما إذا شك في أخذ سائر الدواعي القريبة في متعلق الأمر
أو الجامع ، وأما على الرأي الثاني فلا يمكن التمسك بالاطلاق مطلقاً كما تقدم .
هذا تمام الكلام في الاطلاق اللفظي ، وأما الاطلاق المقامي الذي هو ناش من سكوت
المتكلم في مقام البيان ، فلا مانع من التمسك به إذا كان ، كما إذا أمر المولى عبده
بالذهاب إلى السوق وشراء أشياء معينة ، فإن سكوته عن شراء غيرها
ـ312ـ
رغم ظهور حاله في أنه في مقام بيان تمام مراده ، يدل على أنه لم يرد غيرها ، وهذا
الظهور الناشىء من السكوت في مقام البيان حجة وإن كان من أضعف مراتب الظهور ، وفي
المقام إذا أمر المولى بالتكبيرة والقراءة والركوع والسجود والتشهد والتسليم في
الوقت المعين مستقبل القبلة مع الطهارة من الحدث والخبث والقيام وهكذا وسكت عن قصد
القربة ونحوه فيها رغم كونه في مقام البيان ، يدل سكوته على عدم دخل غير هذه
الأجزاء والشروط في غرضه وإلا لبيّن ، ولا فرق فيه بين أن يكون بيان ذلك بالأمر أو
بغيره ولو بجملة خبريّة .
وهنا وجه آخر لاثبات قصد القربة في متعلق الأمر ، وهو أنه لوكان معتبراً ودخيلا في
الغرض والملاك كان على المولى بيانه ولو بجملة خبريّة ، باعتبار أنه لاطريق إليه
إلا من قبل الشرع ، فعدم البيان من قبل المولى يدل على عدم اعتباره ودخله في الغرض
، والمقصود من هذا الوجه عدم بيان المولى دخالة قصد القربة في الغرض في شيء من
خطابه ، ومن هنا يظهر أن ما أورد على هذا الوجه بأنه لا يثبت الاطلاق المقامي في
شخص خطاب لم يذكر فيه دخالة قصد القربة في الغرض فهو غير وجيه ، لأن المقصود من هذا
الوجه ليس إثبات الاطلاق المقامي لكل خطاب شخصي للمولى مع احتمال أنه يذكر دخالته
في خطاباته الاُخرى ، بل المقصود منه أن المولى إذا لم يذكر دخالة قصد القربة في
الغرض في شيء من خطاباته وبياناته ، كان عدم ذكرها قرينة عرفاً على عدم دخالته في
الغرض .
إلى هنا قد تبيّن أن مقتضى اطلاق الخطاب سواءً كان لفظياً أم مقامياً هو نفي
التعبدية واثبات التوصلية عند الشك فيهما هذا ، ولكن هناك جماعة ذهبوا إلى أن مقتضى
الأصل الأول التعبدية ، فالتوصلية بحاجة إلى دليل ، وقد استدلوا على
ـ313ـ
ذلك بوجوه :
الوجه الأول : بقوله تعالى : (وَمَا اُمِرُوا اَلاّ لِيَعْبُدُوا اللهَ
مُخْلِصِيْنَ لَهُ الدِّيْن)(1) ، بدعوى أن الآية الشريفة تدل على حصر الأوامر
بالأوامر العبادية ، على أساس إختصاص العبودية والاخلاص بالعبادات ، فإذن كون
الواجب توصلياً بحاجة إلى دليل .
والجواب : أن الآية الشريفة لا تدل على أن قصد القربة معتبر في الواجبات الالهية
جزاءً وشرطاً ، لأن مدلولها أن الغرض من الأوامر الصادرة من المولى الحكيم العبادة
وإلا طاعة على أساس أنها حق ذاتي له تعالى ، والنكتة في ذلك أن مفاد الآية إرشاد
إلى ما استقل به العقل وهو حكمه بوجوب عبادته تعالى وطاعته في أوامره مخلصاً ، ومن
هنا لولا الآية الشريفة كان العقل مستقلا بذلك تطبيقاً لحق عبوديته الذاتية ، هذا
إضافة إلى أن من المحتمل قوياً أن تكون الآية في مقام حصر المعبود بالله تعالى في
مقابل عبادة الأصنام والأوثان ، ولعل سياق الآية شاهد على ذلك .
فالنتيجة ، أن الآية الشريفة أجنبية عن الدلالة على اعتبار قصد القربة في كل واجب
إلا ما خرج بالدليل .
الوجه الثاني : بالروايات التي تنصّ على أن الأعمال بالنيات ولا أثر لها بدونها(2)
والمراد من النية ، نية القربة .
والجواب : أن هذه الروايات وإن كانت كثيرة وفيها روايات معتبرة إلا أنها أجنبية عن
الدلالة على أن نية القربة معتبرة في كل عمل واجب في الشريعة
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة البيّنة ( 98 ) : 5 .
(2) لاحظ وسائل الشيعة 1 : 46 ، باب 5 من أبواب مقدمة العبادات .
ـ314ـ
المقدسة ، لأن معنى أن الأعمال بالنيّات أنها تتبع في الحسن والقبح والخير والشر ،
نية العامل ، فإن عملا واحداً إذا صدر من العامل بنية الخير فهو حسن ، وإذا صدر منه
بنية الشر فهو قبيح ، مثلا ضرب اليتيم إذا كان بنية التأديب فهو حسن ، وإذا كان
بنية الإيذاء أو امتحان العصا فهو قبيح ، وكذلك القيام إذا كان بنية احترام مؤمن
فهو حسن وإذا كان بنية هتكه وهدر حقه فهو قبيح وهكذا ، وهذا معنى أن الأعمال
بالنيات .
فالنتيجة ، أنه لا صلة لهذه الروايات بالدلالة على أن كل عمل واجب في الشريعة
المقدسة فهو واجب عبادي ، وأما كونه واجباً توصلياً فهو بحاجة إلى دليل ، هذا إضافة
إلى أن تخصيص الأعمال في هذه الروايات بالواجبات العبادية في الشريعة المقدسة تخصيص
بالفرد النادر وهو قبيح عرفاً .
الوجه الثالث : أن مقتضى الأصل في كل واجب لدى العقل هو كونه تعبدياً فالتوصلية
بحاجة إلى دليل ، وذلك لأنه لا شبهة في أن الغرض من الأمر المتعلق بشيء كالصلاة
مثلا هو إيجاد الداعي في نفس المكلف للتحريك نحو إيجاد ذلك الشيء في الخارج ، وقد
تقدم أن الأمر الصادر من المولى يتضمن التحريك والسعي نحو المأمورية في الخارج على
أساس دلالته عليه ، وحيث إن الغرض من الأمر هو إيجاد الداعي في نفس المكلف ، فحينئذ
إن أتى بالمأموربه بذلك الداعي حصل الغرض منه وسقط أمره ، وأما إذا لم يأت به
بالداعي المذكور فلا يعلم بحصول الغرض وسقوط الأمر ، ومع عدم العلم بذلك لا محالة
يحكم العقل بوجوب لاتيان بالمأموربه بداعي أمره تحصيلا للغرض ، إلا إذا قام دليل من
الخارج على أن الغرض منه يحصل بدون الاتيان به بداعي أمره ، وهذا هو معنى كونه
واجباً توصلياً .
ـ315ـ
والجواب : أن الغرض من الأمر الوارد من المولى بعنوان المولوية وإن كان هو إيجاد
الداعي في نفس المكلف للتحريك نحو الاتيان بمتعلقه في الخارج ، لأن معنى الأمر هو
طلب الاتيان به والسعي نحوه ، ولافرق في ذلك بين الأوامر التعبدية والأوامر
التوصّلية ، لأن الغرض من الجميع إيجاد الداعي في نفس المكلف وإلا كان الأمر به
لغواً ، إلا أن ذلك الداعي يكون علة لتحريك المكلف نحو إيجاد المأمور به بتمام
أجزائه وقيوده في الخارج لا أنه قيد له ودخيل في غرضه ومعتبر في صحته ، ضرورة أن
الأمر المتعلق بالصلاة بما لها من الأجزاء والقيود يدعو المكلف إلى الاتيان بها
بتمام تلك الأجزاء والقيود ، ولا يدل على أن الاتيان بها لابد أن تكون بداعي نفسه
بأن يأتي بالصلاة مثلا بداعي أمره ، بداهة أن الأمر المتعلق بها لا يدل إلا على
الاتيان بها فحسب لا على الاتيان بها بداعي نفسه ، وإلا لزم داعويته إلى داعوية
نفسه .
فالنتيجة ، أن هذه الوجوه بأجمعها لا ترجع إلى معنى محصل ، فالصحيح ما ذكرناه من أن
مقتضى الاطلاق نفي التعبدية ، سواءاً كان الاطلاق لفظاً أم مقامياً .
وأما الكلام في الجهة الثالثة ، وهي مقتضى الأصل العملي ، فهو يختلف باختلاف الآراء
في المسألة .
أما على الرأي المختار وهو إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ، فحاله حال سائر
أجزاء الصلاة وقيودها ، فإذ شك في اعتباره جزءاً وقيداً ، دخل المقام في كبرى مسألة
الأقل والأكثر الارتباطيين ، فإن قلنا هناك بأصالة البراءة العقلية والشرعية ،
فنقول بها في المقام أيضاً ، ولو قلنا هناك بأصالة الاحتياط والاشتغال ، إما بدعوى
عدم انحلال العلم الاجمالي أو بدعوى عدم احراز سقوط التكليف المعلوم ثبوته وفعليته
بالاتيان بالأقل ، أو بدعوى عدم العلم
ـ316ـ
بحصول الغرض إلا بالاتيان بالأكثر ، فنقول بها في المقام أيضاً بنفس الملاك . هذا ،
ولكن الصحيح أن المرجع في تلك المسألة هو أصالة البراءة عقلا وشرعاً وكذا في المقام
، وتفصيل الكلام في محله إنشاء الله تعالى .
وأما على الرأي القائل بعدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ، فعلى ضوء مقالة
المحقق الخراساني (قدس سره) من أن اعتباره إنما هو في الغرض والملاك وهو لا يحصل
إلا مع قصد القربة ، فهل مقتضى الأصل العملي عند الشك في دخله فيه أصالة البراءة أو
أصالة الاشتغال ؟ فيه قولان :
فقد إختار المحقق الخراساني (قدس سره) القول الثاني(1) وأن المرجع فيه أصالة
الاشتغال عند الشك دون أصالة البراءة لا الشرعية ولا العقلية ، بتقريب أن قصد
القربة غير مأخوذ في متعلق الأمر شرعاً لا الأمر الأول ولا الأمر الثاني ، وإنما هو
دخيل في الغرض بحكم العقل ، وعلى هذا فإذا شك في حصول الغرض بالاتيان بالواجب بدون
قصد القربة ، حكم العقل بلزوم اتيانه بقصد القربة حتى يحصل اليقين بتحققه ، وعليه
فمقتضى الأصل العملي عند الشك في واجب أنه تعبدي أو توصلي ، التعبدية فالتوصلية
بحاجة إلى دليل .
هذا ، وقد أفاد السيد الاُستاذ (قدس سره) أن ما ذكره هنا يشترك مع ما ذكره في مسألة
الأقل والأكثر الارتباطيين في نقطة وتفترق عنه في نقطة اُخرى ، أما نقطة الاشتراك
فهي أن العقل كما يستقل بوجوب تحصيل الغرض هناك عند الشك في حصوله كذلك يستقل بوجوب
تحصيله هنا عند الشك فيه ، ومن هنا التزم (قدس سره)هناك بأصالة الاشتغال وعدم جريان
أصالة البراءة العقلية كما هو الحال في المقام .
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 75 .
ـ317ـ
وأما نقطة الافتراق فهي أنه (قدس سره) قد إلتزم بجريان البراءة الشرعية هناك دون
هنا ، والنكتة في ذلك أنه عند الشك في اعتبار شيء في العبادة كالصلاة مثلا كما يعلم
اجمالا بوجود تكليف مردد بين تعلقه بالأقل أو الأكثر ، كذلك يعلم اجمالا بوجود غرض
مردد بين تعلقه بهذا أو ذاك ، وحيث إن هذا العلم الاجمالي لاينحل إلى علم تفصيلي
بالأقل وشك بدوي بالأكثر ، فبطبيعة الحال يكون مقتضاه وجوب الاحتياط وعدم جريان
البراءة العقلية ، وأما البراءة الشرعية فالظاهر أنه لا مانع من جريانها ، لأن
مقتضى أدلة البراءة الشرعية هو رفع التقييد الزائد المشكوك فيه ، فإذا شككنا في
جزئية السورة مثلا في الصلاة فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن جزئيتها ،
وإذا ضممنا ذلك إلى ما علمناه اجمالا من الأجزاء والشرائط ، يثبت الاطلاق ظاهراً
وهو وجوب الأقل وهذا بخلاف المقام ، فإنه لايمكن فيه جريان البراءة الشرعية ، فإنها
إنما تجري فيما يكون أمره رفعاً ووضعاً بيد الشارع ، وأما ما لايكون كذلك فلا تجري
فيه البراءة ، وعلى هذا فكل ما يكون قابلا للجعل شرعاً من الأجزاء والشرائط إذا شك
فيه فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه ، وأما ما لايكون قابلا للجعل شرعاً
، فإذا شك في اعتباره عقلا فلا مجال للرجوع إلى أصالة البراءة عنه ، وما نحن فيه من
هذا القبيل ، فإن الشك إنما هو في دخل قصد القربة في الغرض عقلا لا شرعاً(1) .
ثم علق (قدس سره) عليه بأمور :
الأول : ما تقدم من أنه لا مانع من أخذ قصد القربة في متعلق الأمر شرعاً ، وعليه
فلا فرق بينه وبين سائر الأجزاء والشرائط .
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 194 .
ـ318ـ
الثاني : أن العلم الاجمالي في مسألة الأقل والأكثر ينحل حكماً .
الثالث : أنه لا فرق بين التكليف والغرض ، كما أن التكليف مالم يصل الى المكلف لا
يحكم العقل بتنجزه ووجوب موافقته كذلك الغرض ، فإنه مالم يصل إلى المكلف لا يحكم
العقل بتنجزه ووجوب تحصيله ، فإنه لايزيد على
أصل التكليف .
وغير خفي أن التعليق الأول والثاني وإن كان صحيحاً ، إلا أن التعليق الثالث غير
سديد ، وذلك لأن صاحب الكفاية لم يقل بالفرق بين ما إذا كان الشك في التكليف وما
إذا كان الشك في الغرض ، وإنما يقول بأصالة الاشتغال في مسألة الأقل والأكثر
الارتباطيين عند الشك في الغرض من جهة العلم الاجمالي وعدم انحلاله ، فلهذا يحكم
العقل بقاعدة الاشتغال لا بقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، ولكن بما أنه (قدس سره) قد
بنى في نهاية المطاف على جريان البراءة الشرعية وانحلال العلم الاجمالي حكماً
فلايحكم العقل بقاعدة الاشتغال ، فإن الوظيفة حينئذ الاتيان بالأقل ، وهذا قرينة
على أنه لا يقول بقاعدة الاشتغال في كل مورد يكون الشك فيه شكاً في الغرض ، وأما في
المقام فمن جهة أن الغرض قد وصل إلى المكلف بوصول الأمر إليه ، والشك إنما هو في
حصوله بالاتيان بالواجب بدون قصد القربة ، فمن أجل ذلك يحكم العقل بقاعدة الاشتغال
، على أساس أن الشغل اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني ، ومن الواضح أن التزامه (قدس
سره) بالاشتغال في هذين الموردين لا يدل على التزامه به في كل مورد وإن كان الشك في
الغرض فيه بدوياً هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه (قدس سره) قد صرح في الكفاية أنه لا مجال في المقام إلا لقاعدة
الاشتغال ، ولو قيل بأصالة البراءة فيما إذا دار الأمر بين الأقل والأكثر
ـ319ـ
الارتباطيين ، وذلك لأن الشك في المقام إنما هو في الخروج عن عهدة التكليف المعلوم
مع استقلال العقل بلزوم الخروج عن عهدته ، فلا يكون العقاب مع الشك وعدم احراز
الخروج عقاباً بلا بيان والمؤاخذة عليه بلا برهان ، ضرورة أنه مع العلم بالتكليف
تصحّ المؤاخذة على المخالفة(1) ، هذا هو الفرق بين المقام وبين مسألة الأقل والأكثر
الارتباطيين ، ولكن هذا الفرق لايجدي في أن المرجع في المقام قاعدة الاشتغال ، وفي
مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين قاعدة البراءة ، وذلك لأن المكلف وإن كان يعلم
بالغرض القائم بذات الواجب واشتغال ذمته به من جهة أنه وصل إليه بوصول الأمر به ،
والشك إنما هو في سقوطه بالاتيان به بدون قصد القربة ، ولكن هذا الشك إنما يكون
مورداً لقاعدة الاشتغال إذا لم يكن راجعاً إلى المولى ، وإلا كان مورداً لقاعدة
البرائة .
ودعوى أن هذا صحيح إذا كان اعتبار قصد القربة بيد الشارع كغيره من الأجزاء والشرائط
، والمفروض أن اعتباره ليس بيده ، لما مر من أنه لايمكن أخذه في متعلق الأمر لا
بالأمر الأول ولا بالأمر الثاني ، مدفوعة بأن هناك مسألتين :
الاُولى : أخذه في متعلق الأمر .
الثانية : بيان دخله في الغرض ولو بجملة خبرية . والذي لايمكن في المقام هي المسألة
الاُولى ، وأما المسألة الثانية فهي بيد المولى، لأن بيان تمام ما له دخل في حصول
الغرض بيده منه دخالة قصد القربة ، فإن أخذه في متعلق الأمر وإن كان غير ممكن إلا
أن بيان أنه دخيل في الغرض ولو بجملة خبرية بيده، فإذا كان بإمكان المولى بيان ذلك
ومع هذا سكت ولم يبين دخالته فيه، كان ذلك قرينة على
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 75 .
ـ320ـ
أنه غير دخيل فيه، ولو شك فيه فالمرجع قاعدة البراءة العقلية والشرعية، ولا تختص
البراءة بما إذا كان الشك في جزئية شيء للمأمور به أو شرطية آخر له ، بل تعم ما إذا
كان الشك في دخالة شيء في الغرض وإن لم يكن جزءاً للمأمور به أو قيداً له كما في
المقام ، لأن مفاد أدلة أصالة البراءة رفع ما كان قابلا للوضع شرعاً.
وإن شئت قلت : أن الشك في سقوط التكليف أو الغرض إنما يكون مورداً لقاعدة الاشتغال
إذا كان راجعاً إلى المكلف وكان البيان تامّاً من قبل الشارع ، كما إذا كان الشك في
ذلك من جهة الشك في كيفية الامتثال ، ففي مثل ذلك يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال ،
وأما إذا كان راجعاً إلى المولى كما في المقام ، فإن دخل قصد القربة في الغرض وعدم
دخله فيه إنما هو راجع إلى المولى دون المكلف ، لأنه لا طريق له إلى ذلك ، وعلى هذا
فإن كان دخيلا فيه فعليه بيانه ولو بجملة خبرية إن لم يمكن بصيغة الأمر ، ومع ذلك
إذا لم يبين وسكت ، فسكوته يدل على أنه غير دخيل فيه ، ولو شك ولم يكن هناك اطلاق ،
فالمرجع فيه
قاعدة البراءة .
وأما على ضوء مقالة المحقق النائيني (قدس سره) من استحالة التقييد تستلزم استحالة
الاطلاق ، أو مقالة السيد الاُستاذ (قدس سره) أو ما قويناه من أن استحالة التقييد
تستلزم ضرورة الاطلاق ، فهل يمكن التمسك بأصالة البراءة أو أن المرجع فيه قاعدة
الاشتغال ؟ الظاهر هو الأول ، وذلك لأن أخذ قصد القربة في متعلق الأمر وإن لم يمكن
، إلا أنه لو كان دخيلا في حصول الغرض في الواقع فعلى المولى بيانه لانه بيده ، ومع
ذلك إذا لم يبين وسكت ، فسكوته في مقام البيان يدل على عدم اعتباره ، وحينئذ فلو شك
في ذلك كان المرجع أصالة البراءة عقلا وشرعاً .
والخلاصة : أنه على هذين القولين معاً ، فالاطلاق اللفظي في مقام الاثبات
ـ321ـ
الكاشف عن الاطلاق الحقيقي في مقام الثبوت غير موجود ، فإذا لم يكن هناك اطلاق
مقامي فالمرجع الأصل العملي ، ودعوى أنه لا يجري في المقام ، أما البراءة
العقلية فلأمرين : أحدهما : أن مقتضى العلم الاجمالي في مسألة الأقل والأكثر
الارتباطيين هو قاعدة الاشتغال دون البراءة ، والمفروض أن المقام داخل فيها ،
والآخر أن الشك في المقام إنما هو في سقوط الغرض بعد العلم بثبوته وهو مورد لقاعدة
الاشتغال ، وأما البراءة الشرعية فلأن مفاد أدلتها رفع التكليف المشكوك ولا يمكن
تطبيقها على المقام ، لأن التكليف فيه معلوم ولا شك فيه ، والشك إنما هو في دخالة
قصد القربة في الغرض ولايمكن نفيها بالبراءة الشرعية .
مدفوعة ، أما أولا فلأن كلا الأمرين المذكورين غير صحيح ، أما الأمر الأول فقد تقدم
أن العلم الاجمالي في مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين منحل حكماً فلا أثر له ،
وأما الأمر الثاني فلما مرّ أيضاً من أن مرد الشك في السقوط في المقام إلى الشك في
أن قصد القربة دخيل في الغرض أو لا ، وحيث إن بيان ذلك بيد الشارع وهو متمكن من ذلك
ولو بجملة خبرية ، فإذا لم يبين وسكت فلا مانع من الرجوع إلى قاعدة قبح العقاب بلا
بيان شريطة أن لا ينعقد هناك اطلاق .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن البراءة العقلية لاتجري في المقام ولكن لا
مانع من جريان البراءة الشرعية ، لأن مفاد أدلتها رفع الكلفة إذا كان منشأها اعتبار
من الشرع ، وحيث إن الشك في المقام إنما هو في دخالة قصد القربة في الغرض ، فمن
الواضح أنها ترجع إلى الشارع ، فإنه إن اعتبر دخالة قصد القربة فيه ، ففي تركه
مسؤلية وإلا فلا مسؤولية فيه ، وبما أن اعتبار الشارع مشكوك فيه ، فالشك في
المسؤولية على تركه ، فلا مانع حينئذ من التمسك بأصالة البراءة لرفع هذه المسؤولية
، هذا إضافة إلى أن بيان دخالة قصد القربة في الغرض
ـ322ـ
وإن كان بجملة خبرية ، فيدل على الوجوب بالالتزام ، وحينئذ فلا مانع من تطبيق أدلة
البراءة على المقام وإن قلنا بأن مفادها رفع التكليف المشكوك فيه .
هذا تمام كلامنا في مقتضى الأصل اللفظي والعملي في موارد الشك في كون الواجب
تعبدياً أو توصلياً .
ولمزيد من المعرفة بهذه المسألة نظرياً وتطبيقياً نستعرض نتائجها في ضمن النقاط
التالية .
الاُولى : أن في التقابل بين الاطلاق والتقييد آراء .
الأول : أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، وقد اختاره المحقق النائيني
(قدس سره) .
الثاني : أن التقابل بينهما من تقابل التضاد ، وقد اختاره السيد الاُستاذ (قدس سره)
.
الثالث : أن التقابل بينهما من تقابل الايجاب والسلب .
الثانية : أن الصحيح من هذه الآراء هو الرأي الثالث ، وذلك لأن الاطلاق الذي هو
عبارة عن انطباق الطبيعة على أفرادها وسريانها إليها لا يتوقف على أي مقدمة خارجية
وعناية لأنه ذاتي ، ويكفي فيه عدم لحاظ القيد الذي هو نقيض لحاظ القيد ، وأما
تفسيره بالعدم الخاص في مقابل الملكة فهو بلا مبرر ، لأن الاطلاق لا يتوقف عليه ،
كما أن تفسيره بلحاظ عدم القيد ورفضه الذي هو أمر وجودي مضاد للحاظ القيد بلا موجب
، لعدم توقف الاطلاق عليه على ما مرّ تفصيله .
الثالثة : أن السيد الاُستاذ (قدس سره) قد علق على ما اختاره المحقق النائيني (قدس
سره) من أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم والملكة وأن استحالة
التقييد
ـ323ـ
تستلزم استحالة الاطلاق بأمرين :
الأول : أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد لا العدم والملكة ، وعليه
فاستحالة التقييد تستلزم إما ضرورة الاطلاق أو ضرورة التقييد بخلافه ، لاستحالة
الاهمال في الواقع .
الثاني : أنه على تقدير تسليم أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل العدم
والملكة ، ومع ذلك ما ذكره (قدس سره) من أن استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق
غير تام نقضاً وحلا ، وقد مرّ تفصيل ذلك موسعاً .
الرابعة : أن تعليقه الأول على ما أفاده المحقق النائيني (قدس سره) مبنائي هذا من
ناحية . ومن ناحية اُخرى الظاهر أن مراده (قدس سره) من اهمال الواقع اهماله من حيث
الاطلاق والتقييد اللحاظيين مع علم الحاكم بمراده في الواقع سعة وضيقاً ، ولهذا
التجأ إلى دليل آخر يدل على الاطلاق أو التقييد ، وليس المراد من الاهمال تردد
الحاكم في أن مراده مطلق أو مقيد .
وأما تعليقه الثاني ، فهو غير سديد ، لأن تقابل العدم والملكة في كل مورد منوط
بقابلية ذلك المورد للاتصاف بكل منهما ، وأما إذا لم يكن قابلا لذلك ، فلا يكون
التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة ، مثلا علم الانسان بكنه ذاته تعالى وتقدس
مستحيل من جهة أن المحل غير قابل للاتصاف بالعلم به ، فإذا لم يكن المحلل قابلا
للاتصاف به لم يكن قابلا للاتصاف بعدمه أيضاً ، فلهذا يكون عدم الاتصاف الذي هو
نقيض الاتصاف ضروري .
الخامسة : أن استحالة الاطلاق عند استحالة التقييد قد فسرت بتفسيرين :
الأول : استحالة شمول الخطاب للمقيد .
ـ324ـ
الثاني : استحالة نفي التقييد به وشمول الخطاب لصورة فقدان القيد ، ومراد المحقق
النائيني (قدس سره) من هذين التفسيرين التفسير الثاني بقرينة أنه (قدس سره) أراد من
الاطلاق المستحيل نفي التعبدية واثبات التوصلية .
وأما التفسير الأول ، فيرد عليه أنه يتبع ملاك الاستحالة ، فإنه إن كان قائماً بنفس
ثبوت الحكم ، فإذن الاطلاق كالتقييد مستحيل بملاك واحد وفي عرض واحد ، لأن استحالة
التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، وإن كان قائماً بعملية التقييد فحسب ، فلا يكون
الاطلاق مستحيلا .
السادسة : أنه على الرأي المختار من إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر ، فلا
مانع من التمسك باطلاق دليله عند الشك في اعتباره ، وأما على الرأي القائل باستحالة
أخذه فيه فلا يمكن التمسك بالاطلاق ، سواء فيه القول بأن استحالة التقييد تستلزم
استحالة الاطلاق أم القول بأنها تستلزم ضرورته على تفصيل تقدم ، وأما إذا لم يكن
هناك اطلاق لفظي ، فلا مانع من التمسك بالاطلاق المقامي الناشيء من السكوت في مقام
البيان إذا كان .
السابعة : قد يقال كما قيل أن الأصل في الواجب التعبدية، فالتوصلية بحاجة إلى دليل،
وقد استدل على ذلك بوجوه ولايتم شيء منها، وقد مرّ تفصيل ذلك .
الثامنة : أن مقتضى الأصل العملي على المختار من إمكان أخذ قصد القربة في متعلق
الأمر البراءة، باعتبار أن المقام حينئذ داخل في كبرى مسألة الأقل والأكثر
الارتباطيين، والصحيح في تلك المسألة هو أصالة البراءة عقلا وشرعاً ، وأما على
القول بعدم إمكان أخذه فيه ، فعلى مقالة المحقق الخراساني (قدس سره)أصالة الاشتغال
، ولكن الصحيح أصالة البراءة ، وأما على مقالة المحقق النائيني (قدس سره) من أن
استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق ، فالصحيح فيها أيضاً أصالة
ـ325ـ
البراءة وكذلك على مقالتي السيد الاُستاذ(قدس سره) ، والمختار من أن استحالة
التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق ، وقد تقدم تفصيل كل ذلك بشكل موسّع .
التاسعة : أن المرجع على المختار من إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر هو أصالة
البراءة ، لأن المسألة حينئذ داخلة في كبرى مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر
الارتباطيين ، حيث إن حال قصد القربة على هذا القول حال سائر الأجزاء والشروط .
العاشرة : أن المرجع على الرأي القائل بعدم إمكان أخذ قصد القربة في متعلق الأمر هو
أصالة البراءة أيضاً على تفصيل تقدم ، خلافاً للمحقق الخراساني (قدس سره) ، حيث إنه
ذهب إلى أن المرجع على هذا القول هو أصالة الاشتغال وإن قلنا بأصالة البراءة في
مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين .
الحادية عشر : أن الشك في المقام وإن كان في سقوط الغرض بالاتيان بالمأمور به بدون
قصد القربة ولكن مع ذلك يكون المرجع فيه أصالة البراءة ، وذلك لأن الشك في السقوط
بعد الثبوت إنما يكون مورداً لقاعدة الاشتغال إذا كان راجعاً إلى المكلف دون الشارع
، كما إذا شك في السقوط من جهة الشك في الامتثال وأما إذا كان راجعاً إلى الشارع
فهو مورد لأصالة البراءة ، وحيث إن الشك في السقوط في المقام يرجع إلى أن الشارع
اعتبر دخالة قصد القربة في الغرض أو لا وإن لم يكن اعتباره بنحو الجزئية أو الشرطية
للمأمور به ، حيث لا شبهة في أن بامكان الشارع بيان أنه دخيل فيه ولو بجملة خبرية ،
ومع الشك فيه يرجع إلى أصالة البراءة وقد تقدم تفصيله .
الثانية عشر : أن المرجع في المسألة عند الشك وعدم وجود الاطلاق أصالة البراءة بلا
فرق بين القول بأن استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق أو
ـ326ـ
تستلزم ضرورته .
الشك في النفسي والغيري
يقع الكلام فيه في مقامين :
المقام الأول في مقتضى الأصل اللفظي .
المقام الثاني في مقتضى الأصل العملي .
أما الكلام في المقام الأول ، فيمكن اثبات أن الواجب نفسي بأحد طريقين :
الأول : التمسك باطلاق المادة ، كما إذا أمر المولى بالصلاة وأمر بالوضوء وشككنا في
أن الوضوء قيد للصلاة حتى يكون وجوبه غيرياً ، أو أنه ليس قيداً لها حتى يكون وجوبه
نفسياً ، فلا مانع من التمسك باطلاق الصلاة لاثبات عدم تقيدها بالوضوء ، ولازم ذلك
أن وجوب الوضوء نفسي وهذا اللازم حجة في باب الاُصول اللفظية ، ولا فرق في ذلك بين
أن يكون دليل الأمر بالواجب المردد بين النفسي والغيري كدليل الوضوء متصلا بدليل
الواجب النفسي كدليل الأمر بالصلاة أو منفصلا عنه ، ودعوى أنه لو كان متصلا بدليل
الواجب النفسي يسري اجماله وتردد إليه .
مدفوعة بأنها إنما تتم إذا كان الدليل المجمل المردد بمثابة القرينة على الدليل
الآخر كالخاص بالنسبة إلى العام ، فإنه إذا كان متصلا بالعام ومجملا سرى اجماله
إليه ، والمفروض أن دليل الأمر بالواجب المردد بين النفسي والغيري ليس بمثابة
القرينة على دليل الواجب النفسي حتى يسري اجماله إليه ، ومن الواضح أن مجرد اقترانه
به لا يوجب سراية اجماله إليه ، بل مقتضى اطلاق المادة فيه نفي الاجمال عنه إذا كان
المتكلم في مقام البيان .
ـ327ـ
وقد يقال كما قيل إنه يمكن التمسك باطلاق المادة كالوضوء ، مثلا أن الحصة غير
الموصلة منها مصداق للواجب أيضاً ، ولازم ذلك أن الوضوء واجب نفسي بناء على ما هو
الصحيح من اختصاص الوجوب الغيري بالحصة الموصلة فقط ، وهذا اللازم حجة في باب
الألفاظ ، أو فقل أن اطلاق المادة يدل بالمطابقة على أن الحصة غير الموصلة مصداق
لها وبالالتزام على أنها واجبة نفسية لا غيرية .
والجواب : أولا أن هذه الطريقة لو تمت فإنما تتم على القول بتخصيص الواجب الغيري
بالحصة الموصلة فقط لا مطلقاً .
وثانياً أن اثبات مصداقية الحصة غير الموصلة للواجب كالوضوء مثلا متوقف على كونه
واجباً نفسياً ، إذ لوكان غيرياً لم تكن الحصة المذكورة مصداقاً له ، فلو توقف كونه
واجباً نفسياً على مصداقية تلك الحصة لزم الدور ، وعليه فلابد من اثبات وجوب المادة
كالوضوء بوجوب نفسي في المرتبة السابقة ، فإذا ثبت وجوبها النفسي كذلك ، فعندئذ
كانت الحصة المذكورة مصداقاً لها وإلا فلا . نعم ، لوكانت مصداقية الحصة غير
الموصلة للمادة بنفسها تدل على وجوبها النفسي بالالتزام ، صح هذا الوجه ، إلا أن
المقدم باطل حينئذ ، لوضوح أن المادة لا تقسم إلى الحصتين المذكورتين إلا بعد فرض
وجوبها لا مطلقاً ، ضرورة أنه لا معنى لتقسيم الوضوء إلى الوضوء الموصل وغير الموصل
في نفسه وبقطع النظر عن وجوبه .
هذا إضافة إلى أن الوضوء لو كان واجباً نفسياً لم ينقسم إلى الحصة الموصلة وغير
الموصلة ، لأن هذا التقسيم إنما هو بملاك اختصاص وجوب المقدمة بالحصة الموصلة ،
ومعنى اختصاصه بها أنه مشروط بترتب ذي المقدمة عليها خارجاً ، ومن الواضح أن هذا
الملاك غير موجود فيما إذا كان وجوبه نفسياً ، فإذن لا
ـ328ـ
تتصف أفراده في الخارج بهذين الوصفين حتى ينقسم إليهما .
الثاني : التمسك باطلاق الهيئة ، بتقريب أن وجوب الوضوء مثلا لو كان غيرياً لكان
مربوطاً بوجوب واجب نفسي ، لفرض أن وجوب الواجب الغيري تابع لوجوبه ومشروط به ، إما
بملاك أنه مترشح منه أو أن الشارع إذا جعله جعل وجوب مقدماته أيضاً بالتبع ، وعلى
هذا فإذا شك في أن وجوبه مرتبط بوجوبه أو أنه غير مرتبط به ، فلا مانع من التمسك
باطلاق الهيئة ، فإن مقتضاه عدم تقييد وجوب المادة الذي هو مفاد الهيئة بوجوب واجب
آخر ، ونتيجة ذلك أن وجوبها نفسي .
وإن شئت قلت : أن مقتضى اطلاق دليل وجوب الوضوء هو عدم تقيد وجوبه بما إذا وجب شيء
آخر ، وهذا هو معنى كونه نفسياً .
قد يقال كما قيل أنه يمكن اثبات كون مفاد الهيئة وجوباً نفسياً لا غيرياً بطريق آخر
وهو أن الأمر في المقام يدور بين قيدين :
أحدهما وجودي وهو قيد الغيرية : فإنه عبارة عن الوجوب الناشيء عن وجوب واجب آخر ،
والآخر عدمي وهو قيد النفسية ، فإنه عبارة عن الوجوب الذي لم ينشأ عن وجوب واجب آخر
، ومن الطبيعي أنه كلما دار الأمر بين قيدين أحدهما وجودي والآخر عدمي ، فمقتضى
الاطلاق في مقام الاثبات إرادة القيد العدمي دون الوجودي ، فإن إرادته بحاجة إلى
قرينة وعناية زائدة ولا قرينة في المقام على إرادة القيد الوجودي ، فإذن مقتضى
اطلاق الهيئة كون الوجوب نفسياً ، ولكن هذا الطريق غير سديد ، أما أولا فلأن الأمر
في المقام لا يدور بين قيدين أحدهما وجودي وهو قيد الغيرية والآخر عدمي وهو قيد
النفسية ، بل الأمر في المقام يدور بين لحاظ قيد وهو لحاظ تقيد وجوب الوضوء في
المثال
ـ329ـ
..................................................................
ـ1ـ
… المباحث الاُصولية / ج 3
الشك في التعييني والتخييري …
ـ329ـ
بوجوب واجب آخر وعدم لحاظه ، فإنه يكفي في الاطلاق ولا يتوقف على لحاظ العدم ،
ومقتضى اطلاق الهيئة عدم لحاظ تقيد الوجوب بوجوب واجب آخر ، وعليه فلايدور الأمر في
المقام بين قيدين الأول الوجودي والآخر العدمي ، بل يدور بين لحاظ قيد وعدم لحاظه
الذي هو نقيض اللحاظ .
وثانياً أن الأمر إذا دار بين لحاظ قيدين الوجودي والعدمي فالاطلاق لا يعين الثاني
، فإذا أمر المولى باكرام عالم وشككنا في أن المأخوذ في موضوع وجوب الاكرام هل هو
قيد العدالة أو عدم الفسق ، فالاطلاق لا يعين أن المأخوذ فيه الثاني دون الأول ،
لأن أخذ كل منهما فيه بحاجة إلى عناية زائدة والاطلاق لايفي لاثباتها ، نعم إذا دار
الأمر بين أن يكون الموضوع مقيداً بالعدالة أو لا ، فمقتضى الاطلاق عدم تقييده بها
لا تقييده بعدم الفسق بنحو العدم النعتي .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة ، وهي أن مقتضى اطلاق دليل الأمر مادة
وهيئة هو كون الواجب نفسياً لا غيرياً ، وسيأتي الكلام في بعض خصوصيات هذه المسألة
في بحث مقدمة الواجب إنشاء الله تعالى .
الشك في التعييني والتخييري
يقع الكلام هنا في مقامين :
المقام الأول : في مقتضى الأصل اللفظي .
المقام الثاني : في مقتضى الأصل العملي .
وأما البحث عن حقيقة الوجوب التخييري والأقوال والاتّجاهات في تفسيرها ، فسيأتي في
مبحث الواجب التخييري موسعاً .
ـ330ـ
أما الكلام في المقام الأول وهو ما إذا شك في كون الواجب تعيينياً أو تخييرياً ،
فلا شبهة في أن مقتضى الاطلاق التعيين فالتخيير بحاجة إلى دليل ، أما على القول بأن
حقيقة الوجوب التخييري ترجع إلى أن المجعول وجوبات متعددة مشروطة ، فمقتضى الاطلاق
عدم الاشتراط وأن المجعول وجوب واحد ، وأما على القول بأنها ترجع الى وجوب واحد
مجعول للجامع ، فمقتضى اطلاق المادة أن الواجب هو متعلق الأمر بعنوانه الخاص لا أنه
فرد للواجب ، مثلا إذا أمر المولى بصوم شهرين وشككنا في أنه واجب تعييني أو تخييري
، فمقتضى اطلاق المادة أن الصوم بعنوانه واجب لا أن الواجب هو الجامع والصوم فرد له
، فإنه بحاجة إلى قرينة بل لا مانع من التمسك بالاطلاق الأحوالي للهيئة ، فإن سكوت
المولى عن بيان العدل له وعدم سقوطه بفعل آخر كاطعام ستين مسكيناً مثلا يدل
بالالتزام على أنه واجب تعييني .
والخلاصة : أن ثبوت الوجوب التخييري على جميع الأقوال في المسألة متوقف على مؤونة
زائدة ، بينما ثبوت الوجوب التعييني لا يتوقف عليها ، ولهذا إذا دار الأمر بينهما
في مقام الاثبات ، فمقتضى اطلاق الأمر الوجوب التعييني ، تحصل أن مفاد الأمر مادة
وهيئة هو الوجوب النفسي التعييني وإرادة الوجوب الغيري أو التخييري منه بحاجة إلى
قرينة .
وأما الكلام في المقام الثاني وهو مقتضى الأصل العملي عند الشك في كون الواجب
تعيينياً أو تخييرياً ، فالظاهر هو أصالة البراءة عن التعيين لأن فيه كلفة زائدة لا
في التخيير ، وذلك لأن مرد التخيير لايخلو من أن يكون إلى جعل وجوبات متعددة
المشروطة أو إلى جعل وجوب واحد على الجامع والتخيير بين أفراده ، وعلى كلا
التقديرين فمرجع الشك فيه إلى الشك في التعيين والتخيير ، فإذا
ـ331ـ
أمر المولى بصوم شهرين متتابعين وشككنا في أن وجوبه تعييني أو تخييري ، فبطبيعة
الحال يكون مرد هذا الشك إلى الشك في أن الصوم واجب على المكلف تعيينياً ، أو أنه
واجب عليه تخييراً بينه وبين الاطعام ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون متعلق الوجوب
التخييري كل واحد من الخصال بعنوانه بنحو الوجوب المشروط أو الجامع بينها ، وعلى
كلا الفرضين فالشك في أن الصوم في المثال واجب تعيينياً أو تخييرياً بينه وبين
الاطعام ، إما بملاك أن كلا منهما واجب بنحو الواجب المشروط أو بملاك أن كلا منهما
فرد للواجب ، فإذا كان الشك في المقام من موارد الشك في التعيين والتخيير . فالمرجع
فيه إصالة البراءة عن التعيين ، فالنتيجة هي التخيير ، وبكلمة أن المرجع في دوران
الأمر بين التعيين والتخيير أصالة الاشتغال في مسألتين :
الاُولى : أن يكون الشك في التعيين والتخيير في الحجية ، بأن يكون الأمر دائراً بين
حجية امارة تعيينياً وحجيتها تخييراً بينها وبين امارة اُخرى ، ففي مثل ذلك يكون
مقتضى الأصل التعيين .
الثانية : أن يكون الشك فيهما في مرحلة الامتثال بعد العلم بالتكليف بتمام حدوده
واشتغال ذمته به .
وأما إذا كان الشك في التعيين والتخيير في مرحلة الجعل ، فيكون المرجع فيه قاعدة
البراءة عن التعيين ، وما نحن فيه من هذا القبيل .
ومن هنا يظهر أن نتيجة الأصل اللفظي في هذه المسألة تختلف عن نتيجة الأصل العملي
فيها ، فإن نتيجة الأول اثبات التعيين ونتيجة الثاني اثبات التخيير .
ـ332ـ
الشك في الكفائي والعيني
يقع الكلام فيه في مقامين :
المقام الأول : في مقتضى الأصل اللفظي .
المقام الثاني : في مقتضى الأصل العملي ، وأما البحث عن حقيقة الوجوب الكفائي
والأقوال في تفسيرها فسيأتي في مبحث الواجب الكفائي انشاء
الله تعالى .
أما الكلام في المقام الأول وهو مقتضى الأصل اللفظي عند الشك في واجب أنه كفائي أو
عيني ، فلا شبهة في أن مقتضاه أنه عيني ، لأن الكفائية بحاجة إلى عناية زائدة ، ولا
فرق في ذلك بين أن يكون الوجوب الكفائي سنخ وجوب متوجه إلى فرد أو فئة معينة في
الواقع عند الله وغير معينة عندنا أو إلى أحاد المكلفين بنحو العموم المجموعي أو
العموم الاستغراقي أو إلى فرد أو فئة لا بعينه أو إلى كل فرد أو جماعة بنحو الوجوب
المشروط ، فإن مقتضى اطلاق دليل الأمر على جميع الأقوال في المسألة العينية ، أما
على القول الأول ، فلأن مقتضى اطلاق الأمر المتوجه إلى فرد أو فئة عدم سقوطه عنه
بفعل غيره وكذلك الحال على القول الثالث والرابع ، وأما على الثاني فلأن مقتضى
اطلاق الأمر المتوجه إلى آحاد المكلفين أن كل فرد تمام الموضوع لا أنه جزء الموضوع
، فإنه بحاجة إلى دليل ، وأما على القول الخامس ، فلأن مقتضى إطلاق الأمر المتوجه
إلى كل فرد أو فئة عدم الاشتراط ، فالاشتراط بحاجة إلى دليل .
فالنتيجة ، أن مقتضى اطلاق الأمر كون الوجوب نفسياً تعيينياً عينياً ، وإرادة
ـ333ـ
الغيري أو التخييري أو الكفائي منه بحاجة إلى قرينة .
وأما الكلام في المقام الثاني وهو مقتضى الأصل العملي ، فالصحيح أن مقتضاه نفي
العينية عند الشك فيها ، باعتبار أن فيها كلفة زائدة ، فإذا فرضنا أن المولى أمر
فئة بالقيام بعمل وشككنا في أنه واجب كفائي يسقط بقيام غيرهم به أو عيني لا يسقط به
، ففي مثل ذلك لا مانع من الرجوع إلى أصالة البرائة عن العينية ، ودعوى أن الأمر
إذا كان متوجهاً إلى فرد وشك في أنه كفائي أو عيني ، فيرجع هذا الشك إلى الشك في
السقوط بقيام الغير به وهو من موارد قاعدة الاشتغال دون البراءة .
مدفوعة ، بأن سنخ الوجوب العيني غير سنخ الوجوب الكفائي روحاً وملاكاً ، وعلى هذا
فإذا توجه أمر إلى فرد وشك في أنه عيني أو كفائي ، فهو حينئذ وإن كان يعلم بثبوت
الوجوب الجامع بين العيني والكفائي ولكن لا يعلم بثبوت كل من الوجوب العيني أو
الكفائي بحده الخاص ، لأن حدوث كل منهما مشكوك فيه والعلم بالجامع لا أثر له إلا
فيما إذا لم يقم غيره بالعمل ، فإنه حينئذ يجب عليه القيام به ، سواءاً كان كفائياً
أم عينياً ، وأما إذا قام غيره به فهو عندئذ وإن كان شاكاً في سقوطه ، إلا أن مرد
هذا الشك إلى الشك في حدوث الوجوب العيني واشتغال ذمته به ، ومن الواضح أن المرجع
فيه أصالة البراءة ، ولا تعارض بأصالة البراءة عن الوجوب الكفائي لعدم جريانها فيه
، من جهة أنه لا كلفة فيه والكلفة إنما هي في الوجوب العيني .
فالنتيجة ، أن المرجع في موارد الشك في كون الوجوب عينياً أو كفائياً هو أصالة
البراءة عن العينية ، وبذلك يختلف نتيجة الأصل اللفظي عن نتيجة الأصل العملي في
المقام .
ـ334ـ
خلاصة هذه البحوث اُمور :
الأول : أنه يمكن التمسك بإطلاق الأمر من ناحية المادة تارة ومن ناحية الهيئة تارة
اُخرى لاثبات أن الواجب نفسي لا غيري .
الثاني : أن مقتضى اطلاق دليل الأمر أن الواجب تعييني لا تخييري ، فالتخييرية بحاجة
إلى عناية زائدة ، نعم مقتضى الأصل العملي نفي التعيينية ، ولهذا تكون نتيجته على
عكس نتيجة الأصل اللفظي .
الثالث : أن مقتضى اطلاق دليل الأمر كون الواجب عينياً لا كفائياً ، فإن الكفائية
بحاجة إلى بيان زائد ، نعم مقتضى الأصل العملي فيه نفي العينية ، فتكون النتيجة على
عكس ما هو مقتضى الأصل اللفظي .
الرابع : أن مدلول الأمر وضعاً النسبة الطلبية المولوية المساوقة للوجوب ، ومدلول
اطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة ، كون الواجب نفسياً تعيينياً عينيّاً ، وارادة كل من
الواجب الغيري أو التخييري أو الكفائي بحاجة إلى قرينة .
الأمر الوارد تلو الحظر …
ـ335ـ
الأمر الوارد تلو الحظر
إذا ورد الأمر من المولى عقيب الحظر أو في مورد توهمه ، فهل يبقى ظهوره في الوجوب
أو لا ، وعلى الثاني فهل يدل على الاباحة أو على الحكم السابق قبل النهي ، أو لا
هذا ولا ذاك بل يصبح مجملا ، فيه وجوه :
الظاهر أن شيئاً من هذه الوجوه غير صحيح ، فلنا دعويان :
الاُولى : أن المناسب في المقام أن تجعل صيغة البحث في محل النزاع البحث عن وجود
المانع النوعي من دلالة الأمر على الوجوب ، لا البحث عن دلالته على أحد الوجوه
المذكورة بعنوان ثانوي .
الثانية : بطلان هذه الوجوه .
أما الدعوى الاُولى ، فلان من الواضح أنه ليس للأمر وضع آخر بعنوان ثانوي للدلالة
على أحد الوجوه المذكورة ، وحينئذ فلا معنى لجعل ذلك محل النزاع والبحث في المسألة
، ومن هنا قلنا أن الأنسب جعل صيغة البحث في المقام عن وجود المانع النوعي عن دلالة
الأمر على معناه الموضوع له وهو الوجوب ، باعتبار أن هذه الدلالة سواءاً كانت
مستندة إلى الوضع أم الاطلاق ومقدمات الحكمة أو حكم العقل ، فلا تختلف باختلاف
الموارد والمقامات ، وإنما تختلف باختلاف القرائن والمناسبات ، وهذه القرائن قد
تكون شخصية وهي تختلف من مورد إلى آخر وليس لها ضابط كلي ومعيار معين ، وقد تكون
نوعية وهي لا تختلف من مورد إلى آخر ولها ضابط كلي .
وعلى هذا فينبغي أن يبحث في المقام عن أن وقوع الأمر عقيب الحظر أو في
ـ336ـ
مورد توهمه ، هل يصلح أن يكون قرينة نوعية مانعة عن دلالة الأمر على الوجوب أو لا ،
وأما كونه قرينة في بعض الموارد لمناسبة أو خصوصية فيه فلا اشكال فيه ، وإنما
الكلام في قرينيته نوعاً بنحو ضابط كلي ، وهي التي تناسب أن تكون مبحوثاً عنها في
المسألة دون البحث عن دلالة الأمر على الوجوب أو على الاباحة أو على الحكم السابق
قبل النهي ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى الظاهر أن وقوع الأمر تلو الحظر قرينة نوعية على المنع من دلالة
الأمر على الوجوب ورفع الحظر ، بمعنى أنه لا منع ولا حظر بعد ذلك ، وأما أنه واجب
أو مباح أو مكروه أو مستحب فلا يدل على شيء من هذا ، نعم إذا كان الأمر معلقاً على
زوال علة النهي كان يدل على الحكم السابق قبل النهي إن كان وجوباً ، فالوجوب كما في
قوله تعالى : (فَاِذَا انْسَلَخَ الأشْهُرُ الحُرُمُ فَاقْتُلُوا
الْمُشْرِكُيْن)(1) ، فإنه يدل على الوجوب ، بقرينة أن الحكم السابق هو الوجوب وإن
كان مباحاً ، فالاباحة كما في قوله تعالى : (وَاِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)(2) ،
فإنه يدل على الإباحة باعتبار أن الحكم السابق هو الاباحة ، وهذه الدلالة من جهة
قرينة المقام لا في نفسه .
فالنتيجة ، أن الأمر الواقع عقيب الحظر لايدل إلا على رفع الحظر والمنع ، وأما
دلالته على الوجوب أو الاباحة بحاجة إلى قرينة .
وأما الدعوى الثانية ، فقد ظهر مما مر أن الأمر الواقع عقيب الحظر لا يدل على
الوجوب في نفسه ، ومن هنا ذكر السيد الاُستاذ (قدس سره) أن عدم دلالة الأمر على
الوجوب واضح على جميع الأقوال في المسألة ، أما على القول بأن دلالته عليه
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة التوبة ( 9 ) 5 .
(2) سورة المائدة ( 5 ) 2 .
ـ337ـ
بحكم العقل أو بالاطلاق ومقدمات الحكمة فالأمر ظاهر ، ضرورة أن مقدمات الحكمة لا
تتم على القول الثاني مع فرض وقوع الأمر عقيب الحظر لأنه صالح للقرينية ومانع عن
تماميتها ، وأما على القول الأول ، فلان العقل إنما يحكم بالوجوب بمقتضى قانون
المولوية والعبودية إذا لم تقم قرينة على الترخيص وإلا فلا يحكم بذلك ، وأما على
القول بأن الأمر موضوع للدلالة على الوجوب ، فلا ظهور له فيه إذا كان واقعاً عقيب
الحظر ، وأصالة الحقيقة لا أثر لها طالما لم يكن هناك ظهور(1) .
وقد علق على ذلك بعض المحققين (قدس سره) بأن الأمر له مدلول تصوري وهو الوجوب
المعبر عنه بالنسبة الارسالية المولوية المساوقة له وله مدلول تصديقي وهو إرادة طلب
الفعل ، والأمر في مورد توهم الحظر مستعمل في معناه الموضوع له ، ومن هنا لا يكون
الأمر في قوله تعالى : (وَاِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا)(2) مستعملا في معنى مجازي
بل هو مستعمل في معناه الموضوع له وهو النسبة الارسالية المولوية(3) .
وغير خفي أن هذا التعليق وإن كان صحيحاً في نفسه إلا أنه لا يكون تعليقاً على ما
ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) ، لوضوح أن غرضه من عدم دلالة الأمر الواقع عقيب
الحظر على الوجوب عدم دلالته عليه بدلالة تصديقية وبالظهور العرفي ، وليس غرضه
المنع من استعماله في مدلوله التصوري ، والقرينة على ذلك أنه (قدس سره)قال أنه لا
يمكن التمسك بأصالة الحقيقة لأنها لا تكون حجة تعبداً وإنما تكون حجة من باب الظهور
، ومن الواضح أن مورد أصالة الحقيقة الشك في المراد
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 205 ـ 206 .
(2) سورة المائدة ( 5 ) : 2 .
(3) لاحظ بحوث في علم الاُصول 2 : 117 ـ 118 .
ـ338ـ
التصديقي وأنه معنى حقيقي أو معنى مجازي ، وحينئذ فإن كان للفظ ظهور في إرادة
المعنى الحقيقي فهو حجة ، وإن لم يكن له ظهور في ذلك لم تكن الأصالة حجة ، بل يكون
اللفظ مجملا ، وهذا لا ينافي كونه مستعملا في مدلوله التصوري ، ومن هنا يظهر أن
الأمر المذكور لا يدل على الاباحة ، ضرورة أنه غير مستعمل فيها كما أنه غير مستعمل
في الحكم السابق ، بل هو مستعمل في معناه ومدلوله التصوري ويدل على رفع الحظر كما
تقدم ، فالنتيجة أن المتفاهم العرفي من الأمر الواقع عقيب الحظر هو رفع المنع
والحظر فحسب ولا يدل على أكثر من ذلك ، وأما إرادة خصوصية اُخرى فهي بحاجة إلى
قرينة حالية أو مقالية .
المرة والتكرار …
ـ339ـ
المرة والتكرار
اختلف الاُصوليون في أن صيغة الأمر هل تدل على المرة أو التكرار في الأفراد الطولية
والدفعة أو الدفعات في الأفراد العرضية أو لا تدل ؟
فالصحيح أنها لا تدل على شيء من هذه الخصوصيات لا من ناحية المادة ولا من ناحية
الهيئة ، أما من ناحية المادة فلأنها موضوعة للماهية المهملة التي يكون النظر فيها
مقصوراً على ذاتها وذاتياتها وهي غير واجدة للحيثية الخارجية عن ذاتها وذاتياتها
وعارية عن كافة الخصوصيات اللحاظية حتى إضافتها إلى ما عداها ، وإلا كانت لها
تعينات ثلاثة اللا بشرطية وبشرط اللائية وبشرط الشيئية وهي مقسم لها ، فإذن لا تدل
المادة على شيء من الخصوصيات منها المرة والتكرار والدفعة والدفعات ، وأما من ناحية
الهيئة فلأنها موضوعة للنسبة الطلبية المولوية المساوقة للوجوب إذا لم تكن قرينة
على الخلاف ، فالنتيجة أن الصيغة لا تدل وضعاً لا على المرة ولا على التكرار في
الأفراد الطولية ولا على الدفعة أو الدفعات في الأفراد العرضية ، ويؤكد ذلك أنها لو
كانت موضوعة للدلالة على المرة لكان تقييدها بالتكرار مجازاً وبالعكس مع أن الأمر
ليس كذلك ، وأما على القول بأن الصيغة تدل على الوجوب بالاطلاق ومقدمات الحكمة أو
بحكم العقل ، فالأمر أيضاً كذلك ، أما على الأول فلأن مقتضى اطلاق الصيغة الثابت
بمقدمات الحكمة هو الوجوب فحسب دون المرة أو التكرار ، فإنها خارجة عن مدلول
الاطلاق ، وأما على الثاني فلأن العقل لا يحكم إلا بالوجوب فقط عند عدم قرينة على
الترخيص بملاك مولوية الأمر ، وأما كونه مرة واحدة أو مكرراً فلا يدرك العقل ذلك .
ـ340ـ
إلى هنا قد تبين أن صيغة الأمر تدل على الطلب المولوي بالمعنى الحرفي المساوق
للوجوب ، ومادة الأمر تدل عليه بالمعنى الاسمي ولا تدل على أكثر من ذلك حتى على أنه
متعلق بصرف وجود الطبيعة دون مطلق وجودها ، فإن ذلك مستفاد من اطلاق الطبيعة من
ناحية ، وبقرينة أنه لا يمكن أن يكون متعلقه مطلق وجودها في الخارج من الوجودات
العرضية والطولية من ناحية اُخرى ، وعدم تقييدها بحصة خاصة من ناحية ثالثة ،
فالنتيجة على ضوء ذلك أن متعلق الطلب صرف وجود الطبيعة الصادق على أول وجودها ،
وعليه فالاكتفاء في مقام الامتثال بالمرة في الأفراد الطولية وبالدفعة في الأفراد
العرضية إنما هو من جهة أنه لازم كون المطلوب صرف وجود الطبيعة لا أن الصيغة تدل
على ذلك ، لما عرفت من أنها لا تدل إلا على النسبة الطلبية المولوية وهي النسبة بين
المادة والمخاطب ، ولا تدل على أكثر من ذلك حتى على كون هذه النسبة متعلقة بصرف
وجود المادة ، فإنه مستفاد من اطلاقها بمقدمات الحكمة بضميمة ما مر من الخصوصيات .
ومن هنا تختلف صيغة الأمر عن صيغة النهي في نقطة وتشترك معها في نقطة اُخرى ، أما
نقطة الاشتراك فلأن صيغة النهي موضوعة للنسبة الزجرية المولوية المساوقة للحرمة
وتدل عليها ، ولا تدل على خصوصية اُخرى وضعاً ، ولهذا لا فرق بين صيغة الأمر وصيغة
النهي في الدلالة الوضعية ، فإن كلتيهما تدلان على النسبة المولوية ، غاية الأمر
أنها طلبية في صيغة الأمر وزجرية في صيغة النهي ، ولا تدلان على خصوصية زائدة ،
وأما نقطة الافتراق فلأن مقتضى إطلاق متعلق النهي من جهة وخصوصية النسبة الزجرية
المتعلقة به من جهة اُخرى انحلال النهي بانحلال متعلقه ، فإذا نهى المولى عن شرب
الخمر مثلا ، كان مقتضى اطلاق متعلقه وهو الشرب ، وعدم تقييده بحصة خاصة من جهة ،
وخصوصية
ـ341ـ
الزجر المولوي المتعلق به من جهة اُخرى انحلال حرمة الشرب بانحلال أفراده في الخارج
، فيثبت لكل فرد منها فرد من الحرمة ، إذ لا يمكن أن يكون متعلقه صرف وجود الطبيعة
، فلأن المتفاهم العرفي من الخطابات التحريمية بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية
هو أن متعلقها مطلق وجود الطبيعة لا صرف وجودها المنطبق على وجودها الأول فحسب دون
الثاني والثالث وهكذا ، ضرورة أنه من غير المحتمل قطعاً أن تكون روح الحرمة وملاكها
قائمة بصرف وجود الطبيعة ، فلا محالة تكون قائمة بمطلق وجودها ، وإلا لكان جعل
الحرمة
له لغواً .
وبكلمة اُخرى ، أنه قد مر أن صيغة الأمر موضوعة للنسبة الطلبية المولوية وتدل عليها
وضعاً ولا تدل على خصوصية زائدة .
وأما صيغة النهي فهي موضوعة للنسبة الزجرية المولوية المساوقة للحرمة وتدل عليها
وضعاً ، ولا تدل على أي خصوصية اُخرى زائدة ، وهذه النسبة كالنسبة الاُولى بين
المخاطب والمادة وكلتاهما تتعلقان بالمادة ، وحيث إن سنخ النسبة الاُولى تختلف عن
سنخ النسبة الثانية ، فلذلك يشتمل كل واحدة منهما على خصوصية غير خصوصية الاُخرى ،
فإن الاُولى تشتمل على خصوصية الطلب والثانية تشتمل على خصوصية الزجر ، فتختلف
الاُولى عن الثانية خصوصية وروحاً وملاكاً ، وعلى هذا فاختلاف الأمر مع النهي في
مقام الاثبات ناجم عن هاتين الخصوصيتين الواقعيتين ، لأن النسبة الزجرية المولوية
إذا تعلقت بالمادة من دون تقييدها بقيد خاص ، كان المتفاهم منها عرفاً بمناسبة
الحكم والموضوع الارتكازية إنحلال الزجر بانحلال أفراد المادة ، فيثبت لكل فرد من
أفرادها فرد من الزجر مستقلا طالما لم يتقيد المادة بحصة خاصة ، ولا
ـ342ـ
يمكن القول بأن متعلق الزجر هو صرف وجود المادة كما تقدم . بينما إذا تعلقت النسبة
الطلبية المولوية بالمادة كالصلاة مثلا ، كان المتبادر منها عرفاً بمناسبة الحكم
والموضوع الارتكازية القطعية أن متعلقها صرف وجودها لا مطلق وجودها ، لعدم قدرة
المكلف عليه ، والنكتة في ذلك أن مفاد الأمر بما أنه طلب الفعل فهو يتطلب كلفة
العمل خارجاً ، فلذلك لابد أن يكون متعلقه صرف وجود المادة لا مطلق وجودها ، وإلا
لزم التكليف بغير المقدور ، ومفاد النهي بما أنه الزجر عن الاقتحام في الفعل خارجاً
، فهو لا يتطلب أكثر من الأنزجار والابتعاد عنه وعدم الدخول فيه ، ومن الواضح أنه
يتطلب روحاً وملاكاً الانزجار والابتعاد عن مطلق وجود المادة في الخارج لا عن صرف
وجودها وإلا لكان لغواً ، فلذلك تتطلب خصوصية النسبة الزجرية انحلالها بانحلال
متعلقها في الخارج ، بينما تتطلب خصوصية النسبة الطلبية عدم انحلالها بانحلال
متعلقها فيه هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لا شبهة في انحلال الحكم بانحلال موضوعاته في الخارج . فإذا
أمر المولى بالصلاة بقوله ( صل ) ، فالوجوب بلحاظ متعلقه وهو الصلاة لا ينحل
بانحلال أفراده ، وأما بلحاظ موضوعه وهو الانسان البالغ العاقل فهو ينحل بانحلال
أفراده ، ومن هذا القبيل ما إذا قال المولى أكرم العالم ، فان الوجوب بلحاظ متعلقه
وهو الاكرام لا ينحل بانحلال أفراده ، ولا يجب بالنسبة إلى كل عالم أكثر من اكرام
واحد ، بينما هو ينحل بانحلال أفراد موضوعه في الخارج ويتكثر بتكثر العلماء ، ويثبت
لكل فرد من العالم فرد من وجوب الاكرام ، وهذا الفرق بين المتعلق والموضوع واضح ،
وإنما الكلام في نكتة ذلك ، والمذكور في كلماتهم نكتتان :
ـ343ـ
الاُولى : أن الاطلاق بلحاظ المتعلق بدلي وبلحاظ الموضوع شمولي ، ولكن هذه النكتة
غير صحيحة ، وذلك لأن مدلول مقدمات الحكمة في تمام الموارد واحد وهو عدم تقيد
الطبيعة بقيد في مرحلة الجعل ، وقد تقدم أن معنى الاطلاق هو عدم لحاظ القيد مع
الطبيعة ، فإذن مقدمات الحكمة تثبت الاطلاق في مقام الاثبات أي عدم القيد للطبيعة
في مقام الجعل ، وأما أنه بدلي أو شمولي فمقدمات الحكمة لا تدل لا على الأول ولا
على الثاني ، وعليه فلا محالة تكون خصوصية البدلية أو الشمولية ترتبط بنكتة اُخرى ،
وهي تتطلب البدلية في مورد والشمولية في مورد آخر لا بمقدمات الحكمة في مقام
الاثبات .
الثانية : أن انحلال الحكم بانحلال الموضوع وعدم انحلاله بانحلال المتعلق ، إنما هو
بنكتة أن الموضوع في القضية الحقيقية سواءاً كانت اخبارية أم كانت انشائية مأخوذ
مفروض الوجود في الخارج ، فلهذا ترجع القضية الحقيقية إلى قضية شرطية مقدمها وجود
الموضوع وتاليها ثبوت المحمول ، فإذا قال المولى اكرم العالم كان يرجع إلى قضية
شرطية وهي أن العالم إذا وجد وجب اكرامه ، ومن الواضح أن فعلية الجزاء تتبع فعلية
الشرط ومرتبطة بها ولا يعقل تخلفها عنها ، وعلى هذا فبطبيعة الحال يتعدد الجزاء
بتعدد الشرط وهو معنى انحلال الحكم بانحلال موضوعه ، وهذا بخلاف المتعلق ، فإنه حيث
لم يؤخذ في مرحلة الجعل مفروض الوجود فلا يتطلب تعدده ، تعدد الحكم ، لفرض أنه ليس
بشرط حتى يكون ارتباط الحكم به من ارتباط الجزاء بالشرط ، بل لا يعقل ذلك ، فإن مرد
ارتباط الحكم بالمتعلق لو كان إلى ارتباط الجزاء بالشرط ، فمعناه أن ثبوت الحكم
مرتبط بوجود الشرط في الخارج مع أن وجود المتعلق في الخارج مسقط للحكم ، فلا يعقل
أن يكون سبباً لثبوته ، وفي المثال المتقدم لا يعقل أن يكون ثبوت الوجوب مرتبطاً
بوجود الاكرام خارجاً ، لأنه مسقط له لا أنه علة
ـ344ـ
لثبوته ، فلذلك لا موجب للانحلال .
ويمكن المناقشة في هذه النكتة أيضاً ، أما أولا فلأنها مبنية على أن يكون الموضوع
في جميع الخطابات الشرعية مأخوذاً مفروض الوجود في الخارج ولكنه غير ثابت في جميع
الخطابات الشرعية ، نعم أنه ثابت في الخطابات الوجوبية ، وأما في الخطابات
التحريمية فهو غير معلوم ، مثلا في مثل قضية لاتشرب الخمر لايبعد أن يقال أن الخمر
لم تؤخذ مفروضة الوجود في الخارج حتى يكون فعلية حرمة شربها منوطة بفعلية وجود
الخمر فيه ، بل الظاهر أنها فعلية وإن لم تكن الخمر موجودة إذا كان بامكان المكلف
إيجادها في الخارج ، وهذا معنى أن الخمر لم تؤخذ مفروضة الوجود في القضية ، وإلا
كانت فعلية حرمة شربها مرتبطة بفعلية الخمر في الخارج بملاك ارتباط فعلية الجزاء
بفعلية الشرط وهكذا .
وثانياً أن النهي ينحل بانحلال متعلقه على أساس ما أشرنا إليه من النكتة ، وهي أن
متعلق الزجز المولوي لايمكن أن يكون صرف وجود الطبيعة وإلا كان النهي لغواً ، وهذا
قرينة لبّية على أن متعلقه مطلق وجود الطبيعة بنحو الانحلال ، والنكتة المذكورة لا
تقتضي عدم انحلال النهي بلحاظ المتعلق ، وإنما تقتضي انحلال الحكم بلحاظ الموضوع في
الأوامر والنواهي ، وأما بلحاظ المتعلق فلابد من النظر إلى أن هناك نكتة وخصوصية
اُخرى تقتضي الانحلال أو تقتضي عدمه أو لا هذا ولا ذاك ، وقد مرّ أن في الأوامر
خصوصية تقتضي عدم الانحلال بلحاظ المتعلق ، وهذه الخصوصية بمثابة القرينة المتصلة
لتعيين متعلقها ، وفي النواهي خصوصية تقتضي الانحلال بلحاظ المتعلق وهي تعين لباً
أن متعلقها مطلق الوجود ، وفي بعض الكلمات أنه لا فرق بين الأمر والنهي ، فأن مقتضى
ـ345ـ
القاعدة فيهما معاً الانحلال بلحاظ الموضوع وعدم الانحلال بلحاظ المتعلق ، وقد أفاد
في وجه ذلك أن متعلق الأمر كما يكون صرف وجود الطبيعية كذلك يكون متعلق النهي صرف
وجودها ، ولايكون المجعول بلحاظ المتعلق إلا حكم واحد بلا فرق في ذلك بين الأمر
والنهي ، وإنما الفرق بينهما في مقام الامتثال والتطبيق ، باعتبار أن المطلوب في
الأمر إيجاد تلك الطبيعة وفي النهي اعدامها ، وإيجادها يتحقق بإيجاد فرد منها ،
وبذلك يحصل الغرض ويتم المطلوب ، واعدامها لايمكن إلا باعدام جميع أفرادها وإلا لم
تنعدم ، وعلى هذا فامتثال الأمر يتحقق بإيجاد فرد منها ، وأما امتثال النهي فلا
يتحقق إلا بالاجتناب والابتعاد عن تمام الأفراد ، فالفرق بين الأمر والنهي ليس
راجعاً إلى كون الحكم واحداً في الأمر ومتعدداً في النهي ، بل الحكم فيهما معاً
يكون واحداً ومتعلقاً بالطبيعة بنحو صرف الوجود ، وإنما الفرق بينهما في مقام
الامتثال وايجاد الطبيعة واعدامها ، فلو قال المولى اكرم العالم كان المتبادر منه
وجوب اكرام كل عالم بوجوب واحد غير منحل إلى وجوبات متعددة بعدد انحاء الاكرام ،
ويتحقق امثتال هذا الوجوب الواحد باكرام واحد ، وإذا قال لا تكرم فاسقاً ، كان
مقتضى الطبع الأولي أن يحرم اكرام كل فاسق حرمة واحدة غير منحلة ، بحيث لو أكرم
فاسقاً مرة سقط الحكم بالنسبة إلى ذلك الفاسق بالعصيان وجاز اكرامه مرة اُخرى ،
ولكن هذه الحرمة الواحدة لا يتحقق امتثالها إلا بترك جميع أفراد اكرامه ، بينما ذاك
الوجوب الواحد يتحقق امتثاله باكرام واحد كما مر .
وهذا الفرق ثابت بين الجملة الخبرية الموجبة والنافية أيضاً ، فقولك العالم موجود
لا يدل إلا على صرف وجود العالم المنطبق على وجود عالم واحد ، بينما
ـ346ـ
قولك العالم ليس بموجود لا يصدق إلا بانعدام تمام العلماء(1) هذا .
ولكن لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن الحرمة المتعلقة بالطبيعة إذا كانت واحدة
فلا محالة يكون المطلوب منها صرف تركها وهو يتحقق بأول الترك ، وذلك لأن المفسدة
الملزمة لا تخلو من أن تكون قائمة بصرف وجود الطبيعة أو بمطلق وجودها المنحل إلى
وجودات متعددة أو بحصة خاصّة منها ولا رابع في البين ، أما على الاحتمال الأول
فالحرمة بما أنها متعلقة بصرف وجود الطبيعة كما هو المصرح به في هذه المقالة فيكون
الحرام والمبغوض هو صرف وجودها ، ونتيجة ذلك أن المكلف إذا عصى وأوجد تلك الطبيعة
في ضمن فرد منها ، فلا يكون إيجادها بعد ذلك محرماً ومبغوضاً ، لأن المبغوض والمحرم
هو صرف الوجود ولا يكون وجودها الثاني مصداقاً له ، هذا إضافة إلى أن نقيض صرف
الوجود صرف الترك ، وصرف الترك بالنسبة إلى الأفراد الطولية يتحقق في الآن الأول ،
والترك في الآن الثاني ترك للفرد الثاني ونقيض له لا للأول ، وأما أن اعدام الطبيعة
لايمكن إلا باعدام جميع أفرادها كما في الكفاية(2) ، فهو مبني على الخلط بين العدم
المضاف إلى ذات الطبيعة وهي الطبيعة المطلقة والعدم المضاف إلى صرف وجودها ، فإن
الأول نقيض للطبيعة المطلقة ولا يتحقق إلا بترك تلك الطبيعة ، ومن المعلوم أن ترك
الطبيعة المطلقة لا يمكن إلا بترك جميع أفرادها ، والعدم الثاني نقيض لوجودها الأول
المتمثل في صرف وجودها وليس نقيضاً لوجودها الثاني والثالث وهكذا .
نتيجة هذا البحث … وأما على الاحتمال الثاني فبما أن المفسدة الملزمة قائمة بمطلق
وجود الطبيعة
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 123 ـ 124 .
(2) كفاية الاُصول : 149 .
ـ347ـ
بنحو الانحلال ، فلا محالة تنحل الحرمة بانحلالها لأنها روح الحرمة وحقيقتها ، وعلى
هذا فبطبيعة الحال تتعدد الحرمة المجعولة في باب النواهي بتعدد افراد متعلقها ،
فيكون كل فرد من أفراده متعلقاً للنهي مستقلا جعلا ومجعولا ، بمعنى أن المولى جعل
في مقام الثبوت نواهي متعددة بعدد أفراد الطبيعة من الطولية والعرضية ، وهذا هو
الفرق بين الأمر والنهي ، حيث إن الحكم في باب الأمر واحد جعلا ومجعولا دون باب
النهي ، تحصل أن الفرق بين الأوامر والنواهي إنما هو في مرحلة الانشاء جعلا ومجعولا
لا في مرحلة الامتثال والتطبيق .
نتيجة هذا البحث عدة اُمور :
الأول : أن مدلول الأمر مادة وهيئة الطلب المولوي المساوق للوجوب إما وضعاً كما هو
الصحيح أو اطلاقاً بمقدمات الحكمة أو بحكم العقل ، ولا يدل على أكثر من تعلقه
بالطبيعة بدون تخصصها بخصوصية زائدة كالمرة أو التكرار في الأفراد الطولية والدفعة
أو الدفعات في الأفراد العرضية .
الثاني : أن في مدلول الأمر خصوصية تقتضي تعلقه بصرف وجود الطبيعة إلا إذا كانت
هناك قرينة تدل على الخلاف .
الثالث : أن مدلول النهي خصوصية تقتضي تعلقه بمطلق وجود الطبيعة
بنحو الانحلال .
الرابع : أن الفرق بين الأمر والنهي هو أن الأمر واحد جعلا ومجعولا بينما النهي
متعدد كذلك .
الخامس : أن انحلال الحكم بانحلال موضوعه يكون على القاعدة وبمقتضى الطبع الأولي
إذا كان مأخوذاً مفروض الوجود في الخارج كما هو الغالب ، على
ـ348ـ
أساس أنه بمثابة الشرط بالنسبة إلى حكمه ، ومن الطبيعي أن الجزاء بحكم ارتباطه
بالشرط يتعدد بتعدده ، نعم لو كانت هناك قرينة على عدم الانحلال فلابد من الأخذ به
، كما لو قال المولى اكرم عالماً ، فإنه لا إنحلال فيه للحكم من جهة أن موضوعه غير
قابل له .
السادس : أن انحلال الحكم في طرف الموضوع إنما هو من شؤون عالم التطبيق والفعلية
ولا ربط له بعالم الجعل والاعتبار ، وأما عدم الانحلال في طرف المتعلق فإنما هو من
شؤون عالم الجعل والاعتبار ، على أساس أن المجعول في هذا العالم حكم واحد وهو الطلب
المولوي المتعلق بصرف وجود الطبيعة ، فعدم الانحلال فيه إنما هو من جهة وحدة الحكم
المجعول في عالم الجعل وعدم تعدده فيه ، والمفروض أنه ليس للحكم بلحاظ المتعلق
عالمان :
1 ـ عالم الجعل والاعتبار .
2 ـ عالم التطبيق والفعلية ، لأن المتعلق في عالم التطبيق والفعلية مسقط للحكم لا
أنه موجب لفعليته . وإنما له عالمان بلحاظ الموضوع فقط ، وعلى هذا فالانحلال وعدمه
بلحاظ المتعلق إنما هو من شؤون عالم الجعل والاعتبار ، فإن كان المجعول فيه حكماً
واحداً فلا انحلال في عالم التطبيق والفعلية ، وإن كان متعدداً فيه كان متعدداً في
عالم التطبيق ، ومن هنا يظهر أن انحلال النهي بلحاظ المتعلق إنما هو من شؤون عالم
الجعل والاعتبار لا عالم التطبيق ، ودعوى أن الحكم المجعول في الشريعة المقدسة
بلحاظ الموضوع في مرحلة الجعل أيضاً متعدد ، بمعنى أن الشارع جعل أحكاماً متعددة
بعدد أفراد الموضوع في الخارج في تلك المرحلة لا حكماً واحداً ، ويتعدد في مرحلة
الانطباق وإن كانت صحيحة ، إذ لولم يكن المجعول احكاماً متعددة ، فكيف يمكن تعدده
في مرحلة الانطباق
ـ349ـ
والفعلية ، إلا أن الأثر حيث لا يترتب عليه إلا في مرحلة الفعلية والانطباق ، فلذلك
جعل تعدده بلحاظ الموضوع من شؤون هذه المرحلة دون مرحلة الجعل ، وهذا بخلاف وحدته
أو تعدده بلحاظ المتعلق ، فإنه حيث لاتكون له بهذا اللحاظ مرحلتان بل مرحلة واحدة
وهي مرحلة الجعل ، باعتبار أن فعلية المتعلق ووجوده خارجاً مسقطة للحكم ، فكيف يعقل
أن تكون من مرحلة ثبوته ووجوده .
السابع : أن مقتضى اطلاق الهيئة نفي تقيد الوجوب بالمرة أو التكرار وبالدفعة أو
الدفعات ، ومقتضى إطلاق المادة عدم تقيدها بشيء من هذه الخصوصيات ، وأما الاكتفاء
في مقام الامتثال بالمرة ، فإنما هو من جهة إنطباق المأمور به على الفرد المأتي به
في الخارج .
وأما مقتضى الأصل العملي في المقام عند الشك في وجوب التكرار هو أصالة البراءة عن
وجوبه ، لأنه تقييد زائد ولا يعلم المكلف باشتغال ذمته به .
بقي هنا شيء وهو ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) من أن الامتثال قد يكون علة
تامة لحصول الغرض ، وفي مثله لايمكن الامتثال بعده ، وقد لا يكون علة تامة لحصوله ،
ومثل لذلك بما إذا أمر المولى عبده بإتيان ماء من جهة أنه عطشان مثلا ، فإذا جاء
بماء فقد امتثل أمر المولى ، ولكن للمولى تبديل هذا الامتثال بامتثال آخر ، وهذا
شاهد على أن الامتثال الأول لا يكون علة تامة لحصول الغرض(1) .
وقد علق عليه السيد الاُستاذ والمحقق الأصبهاني(2) (قدس سرهما) بما حاصله : من أن
معنى
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 79 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 209 ، ونهاية الدراية 1 : 361 .
ـ350ـ
الامتثال هو اتيان المكلف بالمأمور به بتمام أجزائه وقيوده ، فإذا كان آتياً به
كذلك كان علة تامة لحصول الغرض المترتب على الأمر به ، وإلا فلا يمكن الجزم
بالامتثال في شيء من الموارد ، لأن الامتثال الثاني كالامتثال الأول ، فلا فرق
بينهما ، فلولم يكن الأول علة تامة له ، لم يكن الثاني أيضاً كذلك ، وأما المثال
الذي ذكره (قدس سره) ففيه غرضان :
أحدهما مترتب على فعل العبد وهو احضاره الماء عند المولى وجعله تحت تصرفه ، والآخر
مترتب على فعل المولى ، ومن الواضح أن الغرض الثاني لا يترتب على فعل العبد وتكليفه
بحصوله يكون من التكليف بغير المقدور ، وأما ما يترتب على فعل العبد وهو احضار
الماء للمولى وجعله تحت يده ، فيكون فعله علة تامة لحصوله ، فإذن كيف يعقل بقاء شخص
هذا الأمر .
وبكلمة ، أن الغرض المترتب على فعل العبد الداعي إلى الأمر به ، فلا محالة يترتب
عليه إذا أتى العبد به ويسقط أمره وإلا لزم الخلف أو تحصيل الحاصل ، ودعوى أن الأمر
باحضار الماء في المثال أمر مقدمي ، فإن الغرض الأصلي الموجب للأمر به هو رفع العطش
عن المولى ، وعليه فاحضار الماء يكون مقدمة له ، ومن الواضح أن الامتثال لا يحصل
بالاتيان بالمقدمة ، فإذن يكون الأمر باحضار الماء أمراً غيرياً ، فلا امتثال له
حتى يكون تبديله من تبديل الامتثال بامتثال آخر .
مدفوعة ، بأن الأمر باحضار الماء لا يمكن أن يكون أمراً مقدمياً ، لأن الأمر
المقدمي غير قابل للتنجز ، فلذلك لا يستحق الثواب على الاتيان بمتعلقه ولا العقاب
على تركه ، مع أنه لا شبهة في أن العبد يستحق العقاب على مخالفة ذلك الأمر وترك
احضار الماء للمولى ، وهذا شاهد على أنه أمر مولوي نفسي
ـ351ـ
لا غيري .
فالنتيجة ، أن تبديل الامتثال بامتثال آخر غير معقول حتى في مثل المثال المذكور ،
إذ لا يعقل بقاء الأمر الأول بعد الاتيان بمتعلقه بتمام أجزائه وقيوده ، وإلا لزم
طلب الحاصل ، ولو أمر المولى في المثال باحضار الماء ثانياً ، فهو أمر آخر تعلق
باحضار فرد آخر ، لا أنه الأمر الأول ، وعلى هذا فالتعليق من العلمين على ما ذكره
المحقق الخراساني (قدس سره) في محله .
ـ352ـ
الفور والتراخي …
الفور والتراخي
قد اتضح مما تقدم أن صيغة الأمر لا تدل إلا على الوجوب بالمعنى الحرفي فحسب ، إما
بالوضع كما استظهرناه أو بالاطلاق ومقدمات الحكمة أو بحكم العقل ، ولا تدل على
خصوصية زائدة عليه ككونه بالفور أو بالتراخي ، فإنها ليست جزء مدلولها على جميع
الأقوال في المسألة ، فأرادة كل منهما من الصيغة بحاجة إلى دليل .
وأما اطلاق متعلقها ، فهل يدل على الفور أو التراخي أو لا ، الظاهر أنه لا يدل على
شيء منها ، بل مقتضاه نفي تقيّده بالفور واثبات السعة للمكلف ، نعم نتيجة هذا
الاطلاق جواز التراخي ، وإن شئت قلت إنا إذا شككنا في اعتبار الفورية وعدمه ،
فمقتضى إطلاق دليل الأمر عدم اعتبارها وإن كان الشك في تقييد الوجوب بالزمن الأول ،
فلا مانع من التمسك باطلاق الهيئة لنفي هذا التقييد واثبات إنه مطلق ، وإن كان في
تقييد الواجب به فيتمسك باطلاق المادة لاثبات أن الواجب مطلق وغير مقيد بالزمن
الأول ، هذا إذا كان في المسألة أصل لفظي ، وإلا فالمرجع الأصل العملي وهو أصالة
البراءة عن التقييد الزائد هذا .
وقد يستدل على وجوب الفور بآيتين :
الأولى : قوله تعالى : (سَارِعُوا اِلى مَغْفِرَة مِنْ رَبِّكُمْ)(1) بتقريب أن
الآية الشريفة تدل على وجوب المسارعة إلى المغفرة ، وحيث أنها فعله تعالى ، فإذن
بطبيعة الحال يكون المراد وجوب المسارعة إلى أسبابها ، ومن الواضح أن من
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة آل عمران ( 3 ) : 133 .
ـ353ـ
أظهرها الاتيان بالواجبات الالهية ، فإذن تجب المسارعة إليها ، وهذا هو معنى وجوبها
فوراً ، وللمناقشة في دلالتها مجال واسع ، أما أولا فلأن في الآية احتمالان :
الأول : أن يكون المراد من المغفرة فيها رضوانه تعالى وجنته المعلى .
الثاني : غفرانه تعالى عباده وتجاوزه عن سيئاته .
أما على الاحتمال الأول ، فيكون الاتيان بالواجبات من أسباب الدخول في الجنة كسائر
أسبابه ، وأما على الاحتمال الثاني ، فلا يكون الاتيان بها من أسباب غفرانه تعالى
وتجاوزه عن السيئات ، لأن المكلف إن أتى بتلك الواجبات استحق الثواب والدخول في
الجنة بفضله سبحانه ، وإن عصى وترك هذه الواجبات إستحق العقوبة والدخول في النار ،
فالنتيجة ، أن الاتيان بالواجبات الالهية ليس سبباً لمحو الذنوب السابقة وإزالتها
من صحائف الأعمال ، وعلى هذا فالآية الشريفة لولم تكن ظاهرة في الاحتمال الثاني فلا
ظهور لها في الاحتمال الأول فتكون مجملة ، فلايمكن الاستدلال بها .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها ظاهرة في الاحتمال الأول ، ولكن يرد عليها
أن أسباب المغفرة كثيرة منها الاتيان بالواجبات ومنها التوبة ومنها الاعمال
المستحبة بأنواعها المختلفة واشكالها المتعددة ، ومن الواضح أن المسارعة إلى
الأعمال المستحبة غير واجبة ، فإذن لا محالة يكون الأمر بالمسارعة في الآية مستعملا
في الجامع بين الوجوب والندب ، فلا يدل على الوجوب فإذن الوجوب بحاجة إلى قرينة .
وثالثاً : أن الأمر بالمسارعة أمر ارشادي ولا يحتمل أن يكون أمراً مولوياً نفسياً ،
بأن تكون المسارعة واجبة مستقلة في الشريعة المقدسة كالصلاة ونحوها ، بحيث يستحق
العقوبة على تركها والمثوبة على فعلها ، فإذا سارع إلى
ـ354ـ
الاتيان بالصلاة مثلا وأتى بها فقد استحق مثوبتين :
مثوبة على الصلاة ومثوبة على المسارعة وهو كماترى ، مع أن هذا ليس مقصود المستدل ،
فإن مقصوده من الاستدلال بها ، اثبات فورية وجوب الصلاة ونحوها ، لا أن المسارعة
واجبة مستقلة في الشرع .
والخلاصة : أن الأمر بالمسارعة ارشاد إلى ما استقل به العقل ولا شأن له غير شأن
المرشد إليه ، فإن كان وجوبها فورياً فالمسارعة إليها واجبة بحكم العقل ، باعتبار
أن الأمر بها ارشاد إليه ، وإن لم يكن وجوبها فورياً لم تجب المسارعة إليها بحكم
العقل ، فإذن لابد من إثبات وجوب الأعمال الواجبة فوري أو أنه غير فوري في المرتبة
السابقة ، لأن الأمر بالمسارعة تابع له في ذلك ، ولهذا لا مجال للاستدلال بالآية
الشريفة على الفور .
ورابعاً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الآية تدل على الفور ، إلا أن معنى ذلك
دلالة الأوامر على الفور بقرينة خارجية وهذا لا كلام فيه ، وإنما الكلام في دلالتها
على الفور في نفسها إما بالوضع أو بالاطلاق ومقدمات الحكمة أو بحكم العقل ،
والمفروض أنها لا تدل عليه كذلك كما مر ، هذا إضافة إلى أن تطبيق الآية الشريفة على
الواجبات الشرعية لا يخلو عن اشكال بل منع ، لأن الواجبات الشرعية على قسمين :
الأول : موقت . والثاني : غير موقت .
أما القسم الأول ، فهو لايخلو من أن يكون وقته مضيقاً بأن لا يزيد الوقت على مفعول
العمل أو متسعاً ، فعلى الأول فهو خارج عن محل الكلام ، إذ لا موضوع فيه للفور أو
التراخي كالصوم في شهر رمضان ونحوه . وأما على الثاني ، فمقتضى ما دل على أن وقته
متسع ، هو تخيير المكلف في الاتيان به في أي فترة من وقته شاء كالصلاة ونحوها ، ولا
يدل على وجوب الاتيان به في أول جزء من الوقت ، وإلا ففي الجزء الثاني وهكذا فوراً
ففوراً ، وعلى هذا فلو دلت الآية الشريفة على وجوب الفور ، فلابد من تقييد اطلاقها
بغير هذا القسم من الواجبات بما دل على اتساع وقته تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على
المقيد .
وأما القسم الثاني ، فبما أنه غير موقت ، فالمكلف مخير في الاتيان به في أي وقت شاء
، طالما يكون واثقاً ومطمئناً بأنه لا يفوت عنه ، فإذن لابد من تقييد اطلاق الآية
الشريفة بغير ذلك ، إلا أن يقال بأن وجوب القضاء فوري بنحو تعدد المطلوب ، بمعنى
أنه يجب الاتيان به في أول أزمنة الامكان وإلا ففي الزمن الثاني وهكذا فوراً ففوراً
، ولكن هذا القول مضافاً إلى أنه ضعيف ، إن القائل به إنما يقول لا من جهة الآية
الشريفة بل من جهة دعوى الاجماع أو الشهرة . وأما وجوب الحج فمضافاً إلى إمكان
المناقشة في فوريته ، إنها مستفادة من دليل خاص لا من الآية الشريفة ، ومن هنا يظهر
الحال في وجوب صلاة
الآيات أيضاً .
الآية الثانية : قوله تعالى : (فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ)(1) بتقريب أن الآية
الشريفة تدل على وجوب الاستباق إلى الخيرات ، ومن الواضح أن الاتيان بالواجبات
الالهية من أظهر مصاديقها ، فإذن يجب الاستباق إليها .
ويرد على الاستدلال بهذه الآية الشريفة جميع ما أوردناه على الآية الأول حرفاً بحرف
بدون تفاوت بينهما هذا ، ولكن السيد الاُستاذ (قدس سره) قد ذكر أن كلتا الآيتين
أجنبية عن محل الكلام ، أما الآية الاُولى فلأن الظاهر من المغفرة فيها خصوص التوبة
دون الأعم منها ومن الواجبات الشرعية والأعمال المستحبة ، فإذن يكون مفادها ارشاد
إلى ما استقل به العقل من وجوب التوبة(2) .
وفيه أن هذا الاشكال متين ومبني على ما أشرنا إليه في مستهل البحث من أنه لا يبعد
أن يكون المراد من المغفرة غفرانه تعالى العبد والتجاوز عن سيئاته ، وحيث إن
الواجبات الشرعية ليست من أسباب محو الذنوب وإزالة السيئات عن العبد فلا تكون
مشمولة للآية الشريفة ، وعندئذ إما أن تكون الآية مختصة بالتوبة ، باعتبار أنها من
أظهر أسباب غفران الذنوب ومحوها أو تعم سائر أسبابه أيضاً ولا يبعد العموم .
وأما الآية الثانية ، فلأن الظاهر منها عرفاً هو أنه تعالى أمر عباده بالتسابق إلى
المشروعات الخيرية العامة كتشييد المدارس الدينية والمساجد والحسينيات والجسور
العامة ونحوها ، حيث إن على كل واحد منهم أن يسبق الآخر في تلك الأعمال ، وعليه
فالأمر في الآية الشريفة متوجه إلى كل واحد منهم بالمسابقة في الخيرات لا بفعلها
ابتداءاً ، وعلى هذا فمفاد الآية الشريفة أجنبي عن الواجبات الشرعية ولا ينطبق
عليها ، باعتبار أن فيها كل فرد مأمور بالاتيان بها مستقلا وابتداءً وهذا الاشكال
في محله .
ثم أن من الغريب ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) في المقام وحاصل ما ذكره ، أن
الآية الشريفة تدل على وجوب الاستباق إلى الأعمال الخيرية جميعاً ، وحيث إن كل فرد
من المكلف لا يتمكن من إيجاد جميع الأعمال الخيرية فلا محالة تقع المزاحمة بينها
الناشىء من عدم قدرته على ذلك ، وعندئذ فيسقط وجوب الاستباق على أساس المزاحمة وعدم
القدرة ، فإذا سقط وجوب الاستباق انتفت المزاحمة بانتفاء منشأها ، وإذا انتفت
المزاحمة وجب الاستباق من جهة أن سقوطه من جهة المزاحمة ، ومع فرض انتفائها فلا
موجب لسقوطه ، فإذن يلزم من فرض وجوب الاستباق عدم وجوبه وهو محال(3) ، ووجه
الغرابة أن ما ذكره (قدس سره) مبني على تخيل أن مفاد الآية الشريفة وجوب الاستباق
على كل مكلف إلى إيجاد جميع الأعمال الخيرية ، وحيث إنه غير مقدور فتقع المزاحمة
بينها ، ولكن من الواضح أن ذلك ليس مفاد الآية ، ضرورة أن مفادها توجه الأمر إلى
المكلفين جميعاً بإيجاد أنواع الخيرات كذلك ، ومقابلة الجمع بالجمع تفيد التوزيع ،
فيكون معنى الآية أن كل مكلف مأمور بإيجاد ما هو مقدور من الأعمال الخيرية ، وإن
عليه أن يتسابق فيه على الآخرين ، هذا إضافة إلى أن وجوب التسابق على كل فرد من
أفراد المكلف بإيجاد تمام أنواع الخيرات تكليف بغير المقدور فكيف يمكن جعله من
المولى الحكيم ، والتزاحم انما هو بين التكليفين المجعولين في الشريعة المقدسة في
مرحلة الامتثال اتفاقاً لا دائماً وإلا كان بينهما تعارض ، فلايمكن جعل كليهما معاً
، وأيضاً لو فرضنا وقوع المزاحمة بينها ، فيكون الساقط عندئذ وجوب التسابق في
الجميع لا في البعض الذي يكون التسابق فيه مقدوراً ، وعليه فمقتضى مرجحات باب
التزاحم ترجيح وجوب التسابق بالأهم فالأهم ، فما في كلامه (قدس سره)من أنه إذا سقط
وجوب التسابق انتفت المزاحمة ، فإذا انتفت المزاحمة عاد وجوب التسابق ، لاينبغي
صدوره من مثله ، فإن انتفاء المزاحمة ليس معلولا لانتفاء وجوب التسابق ، بل الأمر
بالعكس تماماً ، لأن سقوط وجوب التسابق في الجميع معلول لوقوع التزاحم الناجم من
عدم قدرة المكلف عليه ، فإذن لا محذور ، فإن وجوب التسابق في الجميع قد سقط لمكان
عدم القدرة ، ووجوب التسابق في المقدار المقدور منها ثابت ومقتضاه مراعاة الأهم
فالأهم .
فالنتيجة ، في نهاية المطاف أن الأمر لا يدل على الفور ولا على التراخي ، أما هيئة
فلما عرفت من أنها موضوعة للنسبة الطلبية المولوية المساوقة للوجوب ، وأما مادة
فلأنها موضوعة للطبيعة المهملة وهي الطبيعة العارية عن جميع الخصوصيات اللحاظية ،
فإذن لا يدل الأمر إلا على النسبة الطلبية المولوية بين المخاطب والمادة لا على
أكثر من ذلك لا بالوضع ولا بالاطلاق ومقدمات الحكمة ولا بحكم العقل ، وأما
الاستدلال بآية المسارعة وآية الاستباق على الفور ، فقد تقدم موسعاً أنه في غير
محله ، وإن الآيتين الشريفتين أجنبيتان عن الدلالة على ذلك نهائياً .
الاجزاء …
مبحث الاجـزاء
هناك ثلاث مراحل رئيسية :
المرحلة الاُولى : أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ، هل يجزي عن وجوب
الإعادة في الوقت والقضاء في خارج الوقت ، أم لا ؟
المرحلة الثانية : أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري ، هل يكون مجزياً عن
المأمور به بالأمر الواقعي إعادة في الوقت وقضاءً في خارج الوقت عند رفع الاضطرار ،
أو لا ؟
المرحلة الثالثة : أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ، هل يجزي عن الاتيان
بالمأمور به بالأمر الواقعي إعادة في الوقت وقضاءً في خارج الوقت عند كشف الخلاف
فيه ، أم لا ؟
أما الكلام في المرحلة الاُولى ، فلا شبهة في أن الاتيان بالمأمور به بالأمر
الواقعي بتمام أجزائه وشروطه مجزىء ، بل هو علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر وعدم
وجوب إعادته لا في الوقت ولا في خارجه ، بداهة أنه لولم يحصل الغرض به ولم يسقط
الأمر لم يمكن الجزم بحصوله وسقوط الأمر بالامتثال الثاني ، لأنه كالأول فلا فرق
بينهما أصلا ، فانطباق المأمور به بكامل أجزائه وشروطه على الفرد المأتي به في
الخارج لولم يستوجب حصول الغرض وسقوط الأمر به في الامتثال ، لم يستوجب في الامتثال
الثاني أيضاً ، لاستحالة الترجيح بلا مرجّح .
والخلاصة أن الغرض لولم يحصل بالاتيان بالمأمور به الواقعي بكامل الاجزاء والشرائط
ولم يسقط أمره به ، فلازمه أحد اُمور :
الأول : عدم إمكان الامتثال نهائياً وهو كماترى .
الثاني : أن ما فرض ترتب الغرض عليه وتعلق الأمر به ليس كما فرض
وهو خلف .
الثالث : أن بقاء الأمر يستلزم طلب الحاصل وهو مستحيل .
ولكن مع هذا قد يتوهم جواز الامتثال بعد الامتثال في مجموعة من المسائل .
الاُولى : أن من صلى وحده ثم انعقدت جماعة ، فيجوز له أن يعيد صلاته جماعة ، ومن
الواضح أن هذا من الامتثال بعد الامتثال ، وقد دلت على ذلك عدة من الروايات .
منها ، صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبدالله (عليه السلام) أنه قال في الرجل يصلي
الصلاة وحده ثم يجد جماعة ، قال يصلي معهم ويجعلها الفريضة إن شاء(4) .
ومنها ، صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبدالله (عليه السلام) في الرجل يصلي الصلاة
وحده ثم يجد جماعة ، قال يصلي معهم ويجعلها الفريضة(5) .
ومنها ، موثقة عمار ، قال سألت أبا عبدالله (عليه السلام) عن الرجل يصلي الفريضة ثم
يجد قوماً يصلون جماعة أيجوز له أن يعيد الصلاة معهم ؟ قال : نعم هو أفضل ، قلت :
فإن لم يفعل ؟ قال : ليس به بأس(6) .
ومنها ، غيرها(7) بتقريب أن الأمر بالاعادة في هذه الروايات يدل بوضوح على أن
الامتثال بعد الامتثال جائز ، فلوكان الامتثال الأول علة تامة لحصول الغرض وسقوط
الأمر ، كان الأمر بالاعادة لغواً وجزافاً ، فإذن لا محالة تكشف هذه الروايات عن أن
الامتثال الأول ليس علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر ، وإلاّ فلايمكن الأمر
بالاعادة ثانياً ، فوقوعه فيها أدل دليل على إمكانه وإلا لم يقع ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن في قوله(عليه السلام) يصلي معهم ويجعلهاالفريضة عدة احتمالات:
الأول : أن يجعل الصلاة المعادة جماعة فريضة فعلية دون صلاة الفرادى .
الثاني : أن يكون المراد منه تبديل الامتثال بامتثال آخر .
الثالث : أن يكون المراد من جعلها الفريضة ، جعل الصلاة المعادة فريضة الظهر أو
العصر التي صلاها فرادى لادراك ثواب الجماعة الذي فات عنه .
ودعوى أن إعادتها إذا كانت مستحبة ، فلا تكون مشروعة في الجماعة .
مدفوعة ، بأن الجماعة غير مشروعة في النوافل الذاتية المرتبة وغير المرتبة في مقابل
الفرائض كذلك ، وأما الاعادة فهي مستحبة بعنوان فريضة الظهر أو العصر ، فلا تكون من
النوافل الذاتية حتى تكون مشمولة لاطلاق ما دل على عدم مشروعية الجماعة فيها .
ولنأخذ بالنظر في هذه الاحتمالات ، أما الاحتمال الأول فهو غير معقول ، بداهة أنه
لايمكن القول بأن الصلاة المعادة جماعة فريضة فعلية دون صلاة الفرادى التي صلاها
سابقاً ، فإن لازم ذلك عدم إمكان الامتثال نهائياً ، إذ لا فرق بين الامتثال الأول
والامتثال الثاني ، فإن الامتثال الأول إذا لم يكن وافياً بالغرض ومسقطاً للأمر
فالامتثال الثاني أيضاً كذلك ، وإن كان في ضمن فرد أفضل كالصلاة في الجماعة أو
المسجد أو الحرم ، هذا إضافة إلى أن الغرض إذا لم يحصل بانطباق المأمور به بكامل
أجزائه وشروطه على الفرد المأتي به في الخارج ، لزم أحد محذورين ، إما أن هذا الغرض
ليس غرضاً له وهو خلف ، وإما أن ذلك المأمور به لاينطبق عليه بكامل أجزائه وقيوده
وهو أيضاً كذلك ، وأما بقاء الأمر مع الاتيان بمتعلقه فهو غير معقول ، وإلا لزم طلب
الحاصل .
ودعوى أن هنا ملاكين : أحدهما قائم بالجامع بين صلاة الفرادى وصلاة الجماعة ،
والآخر قائم بخصوص صلاة الجماعة ، وعلى هذا فالغرض القائم بالجامع يحصل بالامتثال
الأول ، وأما الغرض القائم بالحصة الخاصة وهي الصلاة جماعة فلا يحصل إلا بالاتيان
بها ، وعلى هذا فالامتثال الثاني إنما هو لتحصيل الغرض الثاني .
مدفوعة ، بأن ذلك وإن كان ممكناً ثبوتاً ، إلا أنه خلاف المفروض في المقام ، فإن
المفروض فيه وحدة المطلوب ملاكاً وحكماً ، فإذا كان المطلوب واحداً كذلك فكيف يعقل
عدم حصول الغرض وعدم سقوطه الأمر بالامتثال الأول وهو انطباق المأمور به بكامل
أجزائه وشروطه على الفرد المأتي به في الخارج ، وأما فرض تعدد الغرض والملاك وتعدد
الأمر فهو خارج عن محل الكلام ، حيث إنه لابد فيه من تعدد الامتثال .
قد يقال أن وجوب الصلاة فرادى مشروط بعدم التمكن من الاتيان بها جماعة كوجوب الصلاة
مع الطهارة الترابية ، فإنه مشروط بعدم التمكن من الصلاة مع الطهارة المائية ، وعلى
هذا فإذا كان المصلي متمكناً من الاتيان بالصلاة جماعة وجب عليه الاتيان بها ، ولا
يكفي الاتيان بالصلاة فرادى .
وفيه أن ذلك وإن كان ممكناً ثبوتاً إلا أنه خلاف الضرورة الفقهية اثباتاً ، بل خلاف
سيرة المسلمين كافة من لدن زمن التشريع إلى زماننا هذا ، فلوكان الأمر كذلك لبان
واشتهر بين المسلمين وأصبح من الواضحات من جهة كثرة الابتلاء به ، وأهمية الموضوع
والروايات المتقدمة لا تدل على هذه الفرضية ، بل تدل على خلافها كما هو ظاهر .
وأما الاحتمال الثاني ، فهو أيضاً غير معقول ، لأنه إذا حصل الغرض وسقط الأمر
باتيان الصلاة فرادى فكيف يمكن تبديله بامتثال آخر ، بداهة استحالة انقلاب الشيء
عما هو عليه ، فإذا كانت الصلاة المأمور بها تنطبق بكامل أجزائها وقيودها على الفرد
المأتي به في الخارج ، كان حصول الغرض وسقوط الأمر عنها ضرورياً بسبب ذلك الانطباق
القهري الذاتي ، ولايمكن تبديله بعدم الانطباق ، لأنه من انسلاخ الشيء عن ذاته
وذاتياته .
وأما الاحتمال الثالث ، فهو وإن كان خلاف الظاهر إلا أنه لا مانع من الالتزام به ،
لامكان حمل قوله (عليه السلام) في صحيحة حفص بن البختري ( ويجعلها الفريضة على ذلك
) ، بتقريب أنه بعدما لا يمكن حمله على فريضة فعلية كما مرّ ، فلا مانع من حمله على
إعادة فريضة الظهر أو العصر مستحبة ، فيكون المراد من الرواية أن من صلى فريضة
الظهر أو العصر فرادى ، فإذا انعقدت هناك جماعة جاز له أن يعيدها بعنوان فريضة
الظهر أو العصر استحباباً بعدما لايمكن أن تكون وجوباً ، وعلى هذا فلابد أن يراد من
قوله (عليه السلام) ويجعلها الفريضة ، الفريضة بالذات لا بالفعل ، ولا ينافي كونها
مستحبة بالفعل ، لأن الاستحباب الفعلي يجتمع مع الفريضة الشأنية وبالذات ، كما أن
المراد من الجعل في الصحيحة ليس أن اختيار الصلاة المعادة جماعة فريضة مستحبة بيد
المصلي واختياره ، بل صيرورتها كذلك إنما هي بحكم الشارع وخارج عن اختيار المصلي ،
ونظير ذلك ما ورد من أن المصلي إذا دخل في صلاة العصر معتقداً بأنه صلى الظهر ، ثم
في الأثناء انكشف وبان أنه لم يصل الظهر فوظيفته العدول إلى العصر ، فإن التعبير
بالعدول ليس معناه أن أمره بيده بل هو قهري ، لأن ما صلاة عصراً انقلب ظهراً بحكم
الشارع أراد المصلي أو لم يرد .
تحصل أن الصلاة المعادة جماعة هي فريضة الظهر أو العصر ذاتاً ومستحبة فعلا ، فيكون
الأمر بالاعادة أمراً استحبابياً ، بل نفس الصحيحة تدل على ذلك ، بقرينة أن الأمر
فيها قد ورد في مورد توهم الحظر ولا يدل على أكثر من رفع الحظر ، وهنا روايات اُخرى
تنص على استحباب الاعادة ، منها موثقة عمار المتقدمة(8) .
ومنها ، صحيحة الحلبي عن أبي عبدالله (عليه السلام) ( قال : إذا صليت صلاة وأنت في
المسجد واُقيمت الجماعة ، فإن شئت فاخرج وإن شئت فصل معهم واجعلها تسبيحاً )(9) ،
فإنها ناصة على أن الصلاة المعادة مستحبة .
فالنتيجة ، أن المستفاد من مجموع الروايات أن إعادة ما صلاه فرادى جماعة مستحبة ،
والغرض الداعي إلى استحبابها هو إدراك فضيلة الجماعة وما يترتب عليها من الآثار ،
إلى هنا قد تبين أن هذه الروايات أجنبية عن الدلالة على جواز الامتثال بعد الامتثال
.
ينبغي التنبيه على عدة نقاط :
الاُولى : أن هذه الروايات لا تنافي ما دل من الروايات على عدم مشروعية الجماعة في
النوافل(10) ، أما أولا : فلأن الصلاة المعادة جماعة وإن كانت نافلة فعلا إلا أن
الظاهر اختصاص تلك الروايات بالنوافل الأصلية كصلاة الليل والنوافل اليومية المرتبة
وغيرها ، فلاتشمل النوافل بالعرض كما في المقام .
وثانياً : فعلى تقدير تسليم أن تلك الروايات تشمل النوافل بالعرض إلا أنه لابد من
تقييد اطلاقها بالروايات المتقدمة التي تدل على مشروعية الجماعة في النوافل بالعرض
كما هو الحال في صلاتي العيدين وصلاة الاستسقاء والصلاة المتبرع بها عن الغير
والصلوات الاحتياطية الاستحبابية .
الثانية : أن مشروعية الاعادة جماعة بعد الامتثال فرادى ، حيث إنها كانت على خلاف
القاعدة ، فلابد من الاقتصار على موردها وهو ما إذا صلى منفرداً أن يعيد صلاته
جماعة إماماً كان أم مأموماً ، وكذا إذا كان قد صلى جماعة إماماً أو مأموماً ، فإن
له أن يعيدها في جماعة اُخرى إماماً فقط ، ولايمكن التعدي عن هذه الموارد إلى سائر
الموارد .
الثالثة : أن قوله (عليه السلام) في صحيحة هشام بن سالم ( ويجعلها الفريضة إن شاء
)(11) ، يدل على أن الرجل الذي صلى الصلاة وحده ثم يجد جماعة ، فله أن يصلي معهم
بنية فريضة فاتته إذا شاء ، كما أن له أن يصلي بنية الاستحباب لادراك ثواب الجماعة
فحسب .
الرابعة : أن الرواية التي تدل على أن الله تعالى يختار أحبهما إليه(12) ضعيفة من
ناحية السند فلايمكن الاعتماد عليها ، ومع الاغماض عن سندها فالظاهر منها أنه تعالى
في مقام التفضل والامتنان على العباد إختار الصلاة المعادة في مقام الاحتساب واعطاء
الأجر والثواب ، وهذا أمر آخر غير حصول الغرض وسقوط الأمر بالاتيان بالمأمور به ،
أو فقل : أن الغرض الأصلي الملزم الداعي للمولى إلى إيجاب الصلاة الذي هو مشترك بين
الصلاة فرادى والصلاة جماعة بما أنه قد حصل بالامتثال الأول وسقط الأمر ، فلايمكن
حمل هذه الرواية على الاجزاء ، فإذن لابد من حمل الرواية على أنها في مقام اعطاء
الأجر والثواب هذا ، وللمحقق العراقي (قدس سره) تفسير آخر لهذه الرواية ، وحاصل هذا
التفسير أن المستفاد منها أنه ليس للصلاة غرض نفسي قائم بصرف وجودها حتى يحصل بمجرد
تحققها في الخارج ، بل لها غرض مقدمي بمعنى أن الصلاة مقدمة لاختيار المولى من
أفرادها عند تعددها في الخارج ماشاء ، وعلى هذا فبناء على وجوب المقدمة الموصلة ،
فإن اقتصر المكلف في مقام الامتثال على صلاة واحدة عازماً على عدم الاتيان بصلاة
اُخرى تحقق الغرض بها وسقط الأمر ، وأما إذا لم يقتصر في هذا المقام على امتثال فرد
واحد بل كرر في ضمن فردين أو أكثر ، فعندئذ إذا اختار المولى من الفردين أو الأفراد
ما شاء ، كان ذلك الفرد المختار هو المصداق للصلاة المأمور بها وفرد لها وهي تنطبق
عليه لا على غيره ، وهذا معنى قوله (عليه السلام)يختار أحبّهما إليه .
وفيه ، أن هذا التفسير غريب جداً ، إذ لا يمكن أن يكون ذلك هو معنى الرواية ، لأن
مرد هذا المعنى إلى أن حصول الغرض وسقوط الأمر بالفرد الأول مراعى بعدم الاتيان
بالفرد الثاني أو الثالث وهكذا وهو كماترى ، بداهة أن إنطباق المأمور به على الفرد
المأتي به في الخارج أمر قهري وذاتي ، والمفروض أن هذا الانطباق علة تامة لحصول
الغرض وسقوط الأمر . فإذن كيف يعقل أن يكون مراعى بعدم الاتيان بالفرد الثاني أو
الثالث وهكذا ، وإلاّ فلازمه أن لا يكون علة تامة له وهو خلف .
والخلاصة ، أن المأمور به لا يخلو إما ينطبق على الفرد الأول المأتي به في الخارج
بكامل الاجزاء والقيود أو لا ، والثاني غير معقول ، لأن الانطباق أمر قهري تكويني ،
أما على الأول فهو علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر ، فلا يعقل أن يكون مراعى بعدم
الاتيان بالفرد الثاني أو الثالث ، لأن المعلوم يتبع العلة ، فلا يعقل أن يكون
مربوطاً بشيء آخر ، ولازم ما أفاده (قدس سره) أن وجود الفرد الأفضل والأكمل مانع عن
انطباق الطبيعي المأمور به على الفرد الأول غير الأفضل وهو كماترى ، فإنه إن كان
فرداً ومصداقاً له فانطباقه عليه قهري ، ولا يعقل أن يكون وجود الفرد الأفضل مانعاً
عنه ، وإن لم يكن فرداً ومصداقاً له فلايمكن الانطباق ، فالنتيجة أن ما أفاده (قدس
سره) من التفسير لايرجع إلى معنى محصل .
المسألة الثانية : من صلى وحده ثم اُقيمت جماعة منهم جاز له أن يدخل معهم في
الجماعة ويعيد ما صلاه وحده جماعة ، وتدل على ذلك مجموعة من الروايات ، منها صحيحة
عمر بن يزيد عن أبي عبدالله (عليه السلام) : ( أنه قال : ما منكم أحد يصلي صلاة
فريضة في وقتها ثم يصلي معهم صلاة تقية وهو متوضأ إلا كتب الله له بها خمساً وعشرين
درجة فارغبوا في ذلك )(13) .
ومنها ، صحيحة عبدالله بن سنان عن أبي عبدالله ( أنه قال : ما من عبد يصلي في الوقت
ويفرغ ثم يأتيهم ويصلي معهم وهو على وضوء إلا كتب الله له خمساً وعشرين درجة )(14)
.
ومنها ، صحيحة زرارة عن أبي جعفر (عليه السلام) في حديث ( قال : لاينبغي للرجل أن
يدخل معهم في صلاتهم وهو لا ينويها صلاة ، بل ينبغي له أن ينويها وإن كان قد صلى ،
فإن له صلاة اُخرى )(15) .
ومنها غيرها(16) بدعوى أن هذه الروايات تدل على جواز الامتثال بعد الامتثال .
والجواب ، أنها لا تدل على مشروعية الامتثال بعد الامتثال بداعي نفس الغرض والأمر
الأول ، فإن معنى ذلك أن الغرض لم يحصل بالامتثال الأول ولا الأمر يسقط به ،
والاتيان بالمأمور به مرة اُخرى إنما هو بداعي حصوله وسقوط الأمر ، وأما إذا سقط
الأمر بالامتثال الأول وحصل الغرض به ولكنه يأتي بفرد آخر منه بداعي الأمر الآخر
والغرض الثاني ، سواءاً كان ذلك الأمر وجوبياً أم استحبابياً ، فهو ليس من الامتثال
بعد الامتثال وخارج عن محل الكلام .
ومورد الروايات في المقام الثاني دون الأول ، ضرورة أنه لا شبهة في سقوط الأمر
بالامتثال الأول وحصول الغرض به ، وإلا لزم عدم امكان الجزم بالامتثال نهائياً أو
الخلف ، وأما الدخول معهم في صلاتهم ، فإنما هو لغرض آخر يدعو إلى ذلك وهو المداراة
معهم تقية ، فإن مصلحة المداراة التي منها وحدة صفوف المسلمين وجمع شملهم ، ومنها
المحافظة على دماء الطائفة أو أعراضهم أو أموالهم ، تقتضي ذلك .
فالنتيجة ، أن هذه الروايات أجنبية عن الدلالة على جواز الامتثال بعد الامتثال .
المسألة الثالثة : وهي أن من صلى صلاة الآيات ، جاز له أن يعيدها مرة ثانية ، وقد
دلت على ذلك صحيحة معاوية بن عمار ، قال : قال أبو عبدالله (عليه السلام) : « صلاة
الكسوف إذا فرغت قبل أن ينجلي فأعد »(17) .
بدعوى ، أنها تدل على جواز الامتثال بعد الامتثال .
والجواب : أن ظاهر الأمر بالاعادة في الصحيحة الارشاد إلى بطلان صلاة الآيات إذا
فرغ المكلف منها قبل الانجلاء ، وعلى هذا فالصحيحة تدل على بطلان الامتثال الأول ،
من جهة أنه فاقد للشرط وهو الفراغ منها بعد الانجلاء ووجوب امتثالها مرة ثانية ،
ولا تدل على جواز الامتثال بعد الامتثال أصلا ، فلو كنا نحن وهذه الصحيحة فلابد من
الالتزام بظاهرها ، ولكن في مقابلها رواية اُخرى وهي معتبرة عمار عن أبي الله (عليه
السلام) قال : « إن صليت الكسوف إلى أن يذهب الكسوف عن الشمس والقمر وتطوِّل في
صلاتك ، فإن ذلك أفضل ، وإن أحببت أن تصلي فتفرغ من صلاتك قبل أن يذهب الكسوف فهو
جائز »(18) .
وهذه المعتبرة تدل على أن الفراغ عن الصلاة بعد الانجلاء ليس شرطاً في صحتها ، فإذن
تقع المعارضة بينهما ، باعتبار أن مفاد الصحيحة هو الارشاد إلى أن الفراغ شرط في
صحتها ، ومفاد المعتبرة الارشاد إلى أنه ليس شرطاً فيها ، فتسقطان معاً ونشك في
شرطيته ، فمقتضى أصالة البراءة عدمها ، فالنتيجة أنه ليس بشرط ، نعم إطالة الصلاة
إلى ما بعد الانجلاء أمر محبوب كما نصت
عليه المعتبرة .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة ، وهي أن الاتيان بالمأمور به بكامل
أجزائه وشرائطه علة تامة لحصول الغرض وسقوط الأمر وإلا لزم أحد المحذورين :
الأول : عدم إمكان الجزم بالامتثال نهائياً ، فإن الامتثال الثاني كالامتثال الأول
فلا فرق بينهما .
الثاني : الخلف وكلاهما لايمكن .
هذا تمام الكلام في المرحلة الاُولى وهي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي
عن الاعادة في الوقت والقضاء خارج الوقت .
إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي …
إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي
وأما الكلام في المرحلة الثانية وهي إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن
المأمور به بالأمر الواقعي إعادةً وقضاءً وعدم إجزائه .
فيقع الكلام في مقامين :
الأول : في مقام الثبوت والواقع .
الثاني : في مقام الاثبات والكشف .
أما الكلام في المقام الأول ، فلا شبهة في أن جعل الحكم الاضطراري كوجوب التيمم
لغير واجد الماء ونحوه في موارده لايمكن أن يكون جزافاً وبلا ملاك ، فلا محالة يكون
مبنياً على نكتة ملزمة تدعو المولى إلى جعله فيها وهي تفي بغرض المولى ، لأن الأمر
الاضطراري أمر واقعي ، غاية الأمر أنه مجعول على المكلف بعنوان ثانوي وهو كونه
معذوراً عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عذره
واقعياً تكوينياً أو شرعياً ، والأول كالعاجز تكويناً عن الصلاة قائماً أو مع
الطهارة المائية . والثاني كالعاجز شرعاً عن الصلاة قائماً أو مع الطهارة المائية ،
وفي كلتا الحالتين يكون المكلف مأموراً واقعاً بالصلاة جالساً أو مع الطهارة
الترابية ، ومن الواضح أن هذا الأمر يكشف عن أن الصلاة المذكورة تفي بغرض المولى في
هذه الحالات .
وبكلمة واضحة أن مقتضى القاعدة الأولية عدم الاجزاء ، فإن سقوط الواجب وحصول الغرض
بالاتيان بغير الواجب بحاجة إلى دليل يدل على تقييد وجوبه بعدم الاتيان به ، وعلى
هذا الأساس فمقتضى اطلاق دليل كل واجب عدم سقوط وجوبه بالاتيان بغيره ، فإن مسقطية
الغير بحاجة إلى دليل .
هذا إذا كان لدليل الواجب اطلاق وأما إذا لم يكن له اطلاق ، فمقتضى الأصل العملي
عدم السقوط بغيره تطبيقاً لقاعدة أن الاشتغال اليقيني يقتضي البراءة اليقينية وهذا
لا كلام فيه ، وإنما الكلام في الخروج عن مقتضى هذه القاعدة الأولية في حال
الاضطرار إلى الاتيان بغير المأمور به الواقعي ، كما إذا اضطر إلى الصلاة مع
الطهارة الترابية عند عدم التمكن من الطهارة المائية عقلا أو شرعاً أو إلى الصلاة
جالساً أو في ثوب نجس عند عدم التمكن من الصلاة قائماً أو في ثوب طاهر وهكذا ،
والخروج عن مقتضى تلك القاعدة يتوقف على أن يكون الأمر الاضطراري كاشفاً عن وجود
ملاك في متعلقه يفي بملاك الأمر الواقعي ، فإذا كان كاشفاً عن ذلك كان دالا على
الاجزاء ، مثلا الأمر المتعلق بالصلاة مع الطهارة الترابية عند عدم التمكن من
الصلاة مع الطهارة المائية إذا كان كاشفاً عن وجود ملاك فيها يفي بملاك الواقع
إجزاء الاتيان بها عنها إعادة وقضاءً ، وعلى هذا فيقع الكلام في ثبوت الملازمة بين
وجود الأمر الاضطراري بشيء ووجود ملاك فيه يفي بغرض الواقع في مسألتين :
الاُولى : فيما إذا كان الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت .
الثانية : فيما إذا لم يكن مستوعباً لتمام الوقت .
أما الكلام في المسألة الاُولى ، فيقع تارة في مقام الثبوت واُخرى في
مقام الاثبات .
أما الكلام في الأول ، فيمكن تصور ملاك المأمور به بالأمر الاضطراري على أربعة صور
:
الاُولى : أن يكون وافياً بتمام ملاك الواقع .
الثانية : أن يكون وافياً بمعظم ملاكه ، بحيث يكون المقدار المتبقي غير لزومي .
الثالثة : أن يكون وافياً ببعض ملاكه ، والبعض المتبقي وإن كان لزومياً ولكن لايمكن
استيفائه ثانياً .
الرابعة : هذا الفرض ولكن يمكن استيفاء المقدار المتبقي مرة ثانية ، أما على الصور
الثلاث الاُولى فلا شبهة في الاجزاء ، أما في الصورة الاُولى ، فلأن المأمور به
بالأمر الاضطراري مشتمل على تمام ملاك المأمور به بالأمر الواقعي ، ومعه لا شبهة في
الاجزاء ولا موضوع للقضاء حينئذ ، وأما في الصورة الثانية ، فلأن المقدار المتبقي
من الملاك غير لزومي ، وأما في الصورة الثالثة ، فلأنه وإن كان لزومياً إلاّ أنه
غير قابل للاستيفاء ، نعم في الصورة الرابعة لا إجزاء ، باعتبار أن المقدار المتبقي
فيها لزومي وقابل للاستيفاء ، فالنتيجة أن الملازمة بين جعل الأمر الاضطراري بشيء
في مقام الثبوت وبين الاجزاء غير ثابتة ، حيث إن المكلف لا يعلم أنه مجعول على
النحو الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع .
وأما الكلام في مقام الاثبات ، فلاشبهة في أن مقتضى اطلاق الأمر الاضطراري بشيء
كالصلاة مع الطهارة الترابية مثلا أو الصلاة جالساً أو نحو ذلك هو الاجزاء ، وذلك
لأن المولى إذا أمر بالصلاة مع الطهارة الترابية عند عدم التمكن من الصلاة مع
الطهارة المائية في تمام الوقت وكان في مقام البيان ومع ذلك إذا سكت عن وجوب القضاء
في خارج الوقت ، كان ذلك يشكل دلالة التزامية للأمر الاضطراري ، وهي دلالته على أن
المأمور به بذلك الأمر مشتمل على ملاك يفي بتمام ملاك الواقع أو بالمقدار المعتد به
منه ، بحيث يكون المقدار المتبقي غير الزامي ، وأما إذا كان الزامياً وقابلا
للتدارك في خارج الوقت ، فعلى المولى بيان إيجاب القضاء فيه لتداركه وإلا لأخلّ
بغرضه ، ومع هذا إذا سكت عن ذلك كان سكوته قرينة على أن المقدار المتبقي غير الزامي
.
فالنتيجة ، أن لدليل الأمر الاضطراري إذا كان إطلاقاً ، فلا مانع من التمسك به لنفي
وجوب القضاء في خارج الوقت لأنه بحاجة إلى بيان زائد ، وحيث لم يكن فالاطلاق كاشف
عن أن الملاك القائم بالبدل يكون على النحو الأول أوالثاني أو الثالث ، وأما إذا لم
يكن لدليل الأمر الاضطراري إطلاق أو كان لبياً ، فلا مامع من الرجوع إلى أصالة
البراءة عن وجوب القضاء ، لأن المكلف إذا أتى بوظيفته الاضطرارية كالصلاة مع
الطهارة الترابية في الوقت وشك في إجزائها عن القضاء خارج الوقت ، فيكون المرجع فيه
أصالة البراءة عن وجوب القضاء ، باعتبار أن الشك في أصل وجوبه لأنه بأمر جديد .
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن جعل الأمر الاضطراري لشيء ثبوتاً لا يلزم
الاجزاء والاكتفاء به عن الواقع ، ولا ملازمة بين الأمرين في مقام الثبوت ، وأما في
مقام الاثبات ، فإن كان لدليل الأمر الاضطراري اطلاق فهو المرجع وإلا فالأصل العملي
.
ثم إن للمحقق النائيني (قدس سره) في المسألة كلاماً وحاصل هذا الكلام ، أن القول
بعدم إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري في هذه المسألة ، وهي ما إذا كان
الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت غير معقول ، وقد أفاد في وجه ذلك ، أن القيد المتعذر
على المكلف في الصلاة وهو الطهارة المائية مثلا في تمام الوقت لايخلو من أن يكون له
دخل في ملاك الواجب الواقعي مطلقاً حتى في حال تعذره وعدم التمكن منه كالقيود
المقومة له ، أو يكون له دخل في ملاكه في حال التمكن فحسب لا مطلقاً كالطهارة
المائية التي يكون دخلها في الملاك مختص بحال التمكن فقط ، فعلى الأول لايمكن الأمر
بالفاقد في الوقت كالصلاة بلا طهور لعدم اشتماله على الملاك حتى يدعو المولى إلى
الأمر به ، وعلى الثاني فيبقى الأمر بالفاقد بحاله ، على أساس اشتماله على الملاك
التام ، لفرض عدم دخل القيد المتعذر فيه حال التعذر ، لأن قيديته مختصه بحال التمكن
كالطهارة المائية ، فإنها دخيلة في الملاك حال التمكن منها لا مطلقاً ، وأما في حال
تعذرها فملاك الصلاة قد ظل باقياً ، باعتبار أنه لا دخل لها فيه في هذه الحالة ،
وعلى ضوء ذلك فعلى الفرض الأول لايمكن الأمر بالفاقد كالصلاة بدون طهور في الوقت
لعدم ملاك له كما مرّ ، فإذن يتعين الأمر بالواجد كالصلاة مع الطهارة المائية خارج
الوقت ، وعلى الفرض الثاني يتعين الأمر بالفاقد كالصلاة مع الطهارة الترابية في
الوقت لاشتماله على تمام ملاك الواقع ، وعليه فالجمع بين الأمر بالفاقد في الوقت
أداءاً كالصلاة مع الطهارة الترابية وبين الأمر بالواجد خارج الوقت قضاءً كالصلاة
مع الطهارة المائية جمع بين أمرين متناقضين ، فإن معنى الأمر بالفاقد في الوقت أنه
مشتمل على تمام ملاك الواقع ، وحينئذ فلا مبرر للقضاء ولا موضوع له ، ضرورة أن
موضوع الأمر بالقضاء فوت الفريضة ، ومن الطبيعي أن صدقه منوط بعدم الأمر بالفاقد في
الوقت أداءً وعدم اشتماله على الملاك ودخل القيد فيه مطلقاً حتى حال التعذر ، وأما
مع فرض الأمر به واشتماله على الملاك وعدم دخل القيد فيه حال التعذر فلا موضوع له ،
ومعنى الأمر بالواجد في خارج الوقت قضاءً أن الفاقد في الوقت غير مشتمل على الملاك
ولا أمر به ، فإذن لايمكن الجمع ين الأمرين ، على أساس أن الأول يستلزم عدم الموضوع
للثاني والثاني يستلزم عدم الملاك للأول ، فلذلك يكون إجزاء الاتيان بالمأمور به
بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الواقعي ضرورياً في مسألتنا هذه وهي ما كان
الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت ، وعدم الاجزاء فيها غير معقول(19) .
ويمكن المناقشة فيه ، وذلك لأن الصلاة ذات مراتب متعددة ومتفاوته طولا من المرتبة
العليا وهي صلاة المختار إلى المرتبة الدنيا وهي صلاة الغرقى مثلا وبينهما متوسطات
، وكل مرتبة منها واجبة ومشتملة على مصلحة ملزمة عند تعذر مرتبة فوقها ، فإذا تعذر
على المكلف الصلاة مع الطهارة المائية انتقلت وظيفته إلى الصلاة مع الطهارة
الترابية ، وإذا تعذر عليه الصلاة قائماً انتقلت وظيفته إلى الصلاة جالساً وهكذا ،
وعلى هذا فالصلاة مع الطهارة الترابية بما أنها في طول الصلاة مع الطهارة المائية
ودونها في المرتبة ، فلايمكن أن تكون مشتملة على تمام ملاك الصلاة مع الطهارة
المائية ، وإلا فتكون في عرضها لا في طولها ، وفي مرتبتها لا دونها في المرتبة ،
وعليه فبطبيعة الحال لا يكون ملاكها وافياً بتمام ملاكها ، إذ لا شبهة في أن ملاك
الصلاة مع الطهارة المائية أقوى وأكبر من ملاك الصلاة مع الطهارة الترابية وإلا فلا
مبرر للطولية بينهما ، وعلى هذا فيقع الكلام في أن المقدار المتبقي من مصلحة الصلاة
مع الطهارة المائية بعد استيفاء المقدار المهم منها الصلاة مع الطهارة الترابية في
الوقت وعدم امكان تدارك تمامها به فيه ، هل هو لازم الاستيفاء مع إمكانه أو أنه ليس
بلازم الاستيفاء ، أو أنه لازم الاستيفاء ولكنه غير ممكن ؟ فعلى الأول يجب الاتيان
بالصلاة مع الطهارة المائية خارج الوقت لاستيفاء المقدار المتبقي من تلك المصلحة ،
وأما على الثاني والثالث فلا موجب للاتيان بها خارج الوقت ، وعلى هذا فلا تهافت ولا
تناقض بين وجوب الفاقد وهو المرتبة الذاتية من الصلاة كالصلاة مع الطهارة الترابية
في الوقت أداءً وبين وجوب الواجد في خارج الوقت وهو الصلاة مع الطهارة المائية ،
لأن التناقض بينهما مبني على نقطة خاطئة وهي تخيل أن الصلاة مع الطهارة الترابية
مشتملة على تمام ملاك الصلاة مع الطهارة المائية ، على أساس أن الطهارة المائية غير
دخيلة في الملاك في حال تعذرها ، وهذا الخيال خاطيء جداً ولا واقع موضوعي له ، لأن
دخالة الطهارة المائية في الملاك مختصة بحال التمكن منها عقلا وشرعاً ، بمعنى أنها
دخيلة في ملاك صلاة المختار ولا تكون دخيلة في ملاك صلاة دونها في المرتبة وهي
الصلاة مع الطهارة الترابية ، ومن الواضح أن عدم دخالتها في ملاكها ليس معناه أن
ملاكها نفس ملاك الصلاة مع الطهارة المائية ، بل معناه أن الدخيل في ملاكها في هذه
المرتبة هو الطهارة الترابية ، والدخيل في ملاكها في المرتبة العليا ( صلاة المختار
) هو الطهارة المائية ، فلذلك تختلف المرتبتان ملاكاً ، ومن هنا لا يستلزم وجوب
الصلاة مع الطهارة الترابية في الوقت عدم وجوب القضاء في خارج الوقت ، لأنه يدور
مدار أن المقدار المتبقي من المصلحة ليس بلازم الاستيفاء أو أن استيفائه غير ممكن
وإن كان لازماً في نفسه ، وأما إن كان لازماً كذلك وكان بالامكان استيفاؤه فيجب
القضاء في خارج الوقت ، كما أن وجوب القضاء فيه لايستلزم عدم الأمر بالفاقد في
الوقت وعدم اشتماله على الملاك فلا ملازمة بين الأمرين .
وبكلمة أن قيود الصلاة على نوعين :
الأول : أن قيديته ثابتة في جميع مراتب الصلاة من المرتبة العليا إلى المرتبة
الدنيا في تمام حالات المكلف الطارئة عليه ، وذلك كالطهارة من الحدث الأكبر والأصغر
الأعم من المائية والترابية ، فإنها كما تكون شرطاً للصلاة في المرتبة العليا كذلك
يكون شرطاً لها في سائر مراتبها ، ومن هنا إذا تعذرت الطهارة المائية والترابية
معاً يسقط الأمر بالصلاة بسقوط موضوعها فلا صلاة حتى تكون واجبة ، ولهذا تسقط
الصلاة عن فاقد الطهورين .
الثاني : أن قيديته مختصة بحال التمكن كالطهارة المائية فقط والقيام واستقبال
القبلة والاستقرار وما شاكل ذلك .
ومعنى هذا أن المكلف طالما يكون متمكناً من الصلاة مع الطهارة المائية فلا يصل دور
الصلاة مع الطهارة الترابية ، وإذا تعذر عليه تلك الصلاة عقلا أو شرعاً انتقلت
وظيفته إلى الصلاة مع الطهارة الترابية وكذلك الحال في سائر الشرائط ، فإن المكلف
مادام قادراً على القيام فوظيفته الصلاة قائماً وإلا فالصلاة جالساً ، ومادام
متمكناً من الركوع والسجود فوظيفته الصلاة راكعاً وساجداً وإلا فالصلاة مع الايماء
بديلا عن الركوع والسجود ، فالنتيجة أن دخل هذا النوع من الشروط في ترتب الملاك
مختص بحال التمكن لا مطلقاً ، وعلى هذا فإذا تعذر مرتبة من الصلاة تعلق الأمر
بمرتبة اُخرى منها دونها وهكذا ، ومن الواضح أنه لا تنافي بين الأمر بالصلاة
الفاقدة للطهارة المائية في الوقت وبين قضائها في خارج الوقت ، لأن وجوب الصلاة مع
الطهارة الترابية في الوقت عند تعذر الطهارة المائية إنما هو بملاك أنها لا تسقط
بحال ، وأما وجوب قضائها مع الطهارة المائية في خارج الوقت فهو بملاك أنها لا تفي
بتمام غرضها من جهة ، المقدار المتبقي منه لازم الاستيفاء من جهة اُخرى ، وبالامكان
استيفاؤه من جهة ثالثة ، فما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن الجمع بينهما من
الجمع بين أمرين متناقضين ، لايرجع إلى معنى محصل ، هذا تمام الكلام فيما إذا كان
الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت .
وأما الكلام في المسألة الثانية وهي ما إذا كان الاضطرار في جزء من الوقت وغير
مستوعب لتمام الوقت ، فيقع تارة في مقام الثبوت واُخرى في مقام الاثبات .
أما الكلام في مقام الثبوت فيمكن أن يكون المأمور به بالأمر الاضطراري على أحد
الأنحاء التالية :
الأول : أن يكون ملاكه وافياً بتمام ملاك الواجب الواقعي .
الثاني : أن يكون وافياً بجزء مهم من ملاكه والجزء المتبقي غير ملزم .
الثالث : أن يكون وافياً ببعض ملاكه ، والبعض الآخر المتبقي ملزم ولكن لايمكن
استيفاؤه ثانياً .
الرابع : هذه الصورة ولكن بالامكان استيفاء ذلك البعض المتبقي من الملاك ثانياً .
ويقع البحث حول هذه الفروض الأربعة :
أما على الفرض الأول ، فلا شبهة في الاجزاء بملاك أنه يفي بتمام غرض الواقع ، فإذا
كان المكلف في أول الوقت غير واجد للماء وتيمم وصلى ثم وجد الماء في آخر الوقت لم
تجب عليه الاعادة ، لأن الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت وافية بتمام ملاك
الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، فإذن لا مقتضي للاعادة ، ولكن الواجب على
هذا الفرض هو الجامع بين الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع
الطهارة المائية في آخر الوقت طولا والمكلف مخير بينهما ، وكذا إذا لم يتمكن المكلف
من القيام في أول الوقت وصلى جالساً وفي آخر الوقت تمكن من القيام لم تجب عليه
إعادة الصلاة قائماً ، لأن الواجب هو الجامع بينهما وهكذا .
وأما على الفرض الثاني ، فأيضاً لا شبهة في الاجزاء ، لأن المقدار المتبقي من
الملاك بما إنه غير ملزم ، فلا يجب استيفاؤه .
وأما على الفرض الثالث ، فإن الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري في أول الوقت
وإن كان مجزياً وضعاً إلا أنه غير جائر تكليفاً ، لأنه يوجب تفويت المقدار من
الملاك الملزم بدون مبرر ، فإن المكلف إذا أتى بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول
الوقت ، فهي وإن كانت صحيحة من جهة اشتمالها على الملاك الملزم في نفسه ، إلا أنها
لا تجوز شرعاً من جهة أنها توجب تفويت المقدار الملزم من ملاك الصلاة مع الطهارة
المائية ، مع أن بامكانه استيفاء الجميع ، لأنه لولم يأت بها مع الطهارة الترابية
في أول الوقت ، كانت وظيفته الاتيان بها مع الطهارة المائية في آخر الوقت ،
واستيفاء تمام ملاكها وعدم تفويت شيء منه ، وكذلك لايجوز له البدار تكليفاً في هذا
الفرض ، لاستلزامه تفويت المقدار الملزم من الملاك الذي كان بامكانه ادراكه في آخر
الوقت لولم يبادر في اول الوقت ، ودعوى أن البدار إذا كان منهياً عنه فهو يوجب فساد
العبادة تطبيقاً لكبرى اقتضاء النهي عن العبادة الفساد ، فإذن لايمكن القول بجواز
البدار فيه وضعاً لا تكليفاً .
مدفوعة بأن اقتضاء النهي عن العبادة الفساد إنما هو فيما إذا كان النهي نفسياً
مولوياً ، وأما إذا كان غيرياً فهو لا يقتضي الفساد والنهي عن البدار في المقام ،
بما أنه غيري ناشىء من تفويت الملاك المبتقي الملزم في الصلاة الاختيارية فلا يقتضي
الفساد ، لوضوح أن النهي عن الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت لم ينشأ عن
وجود مفسدة فيها لكي يقتضي فسادها ، بل هو ناشىء من مبغوضية تفويت الباقي من الملاك
في الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، باعتبار أن إدراك جزء من ملاكها
بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت مانع عن إدراك الجزء الآخر بها مع
الطهارة المائية في آخر الوقت ، هذا اضافة إلى أن تفويت الملاك إنما هو في طول صحة
الصلاة مع الطهارة الترابية ، فإنها إذا كانت صحيحة كانت مفوتة له ، وأما إذا كانت
فاسدة فلا توجب تفويته ، وعليه فالمبغوضية والحرمة لا يمكن أن تكون موجبة لبطلان
الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت ، ضرورة أنها لو بطلت فلا مبغوضية ولا
حرمة ، فإذن يلزم من فرض وجودها عدمها ، فوجودها محال ، فالنتيجة أن البدار جائز
وضعاً في هذا الفرض لا تكليفاً .
وأما على الفرض الرابع ، فهل يجوز البدار إلى الاتيان بالوظيفة الاضطرارية في أول
الوقت ثم الاتيان بالوظيفة الاختيارية في آخر الوقت أو لا ؟ فيه وجهان : قد يقال
كما قيل بالوجه الثاني ، وذلك لأن الأمر بالوظيفة الاضطرارية في أول الوقت يكون
لغواً ولا يترتب عليه أثر ، إذ لابد للمكلف من الاتيان بالوظيفة الاختيارية في آخر
الوقت وإن أتى بالوظيفة الاضطرارية في أول الوقت ، ولا معنى للتخيير بين الاتيان
بعملين والاتيان بعمل واحد ، بمعنى أن يكون المكلف مخيراً بين الصلاة مع الطهارة
الترابية في أول الوقت ثم الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، وبين الاقتصار
على الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، ومن الطبيعي أنه لا معنى لهذا
التخيير ، ويكون الأمر بالصلاة مع الطهارة الترابية منضمة إلى الصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت لغواً محضاً ولا ملاك له أصلا ، وعلى هذا فلا يجوز البدار في
هذا الفرض ، لأن جوازه واقعاً معناه أن العمل الاضطراري متعلق للأمر وهو لايمكن ،
فإذن يتعين الأمر بالعمل الاختياري في آخر الوقت ولايكون العمل الاضطراري مشروعاً
في أول الوقت ، ولكن الصحيح هو الوجه الأول ، وذلك لأن الوظيفة الاضطرارية في أول
الوقت كالصلاة مع الطهارة الترابية إذا كانت مشتملة على ملاك ملزم في نفسه كما هو
المفروض ، لم يكن الأمر بها منضمة إلى الوظيفة الاختيارية في آخر الوقت لغواً وبلا
ملاك وروح بنحو التخيير ، لأن حقيقة الحكم وروحه الملاك وهو موجود فيها ، نعم الأمر
بها كذلك تعييناً لغو وبلا مبرر ، وأما تخييراً فلا مانع منه ، حيث إنه موجود لبّاً
وملاكاً ، فإذا كان موجوداً لبّاً فلا مانع منه اثباتاً .
وإن شئت قلت إنا نعلم جزماً أنه لا يجب على المكلف في هذا الفرض الانتظار والاقتصار
على الاتيان بالوظيفة الاختيارية في آخر الوقت تعييناً وعدم مشروعية الوظيفة
الاضطرارية في أول الوقت ، إذ لا شبهة في أنها مشروعة ، لفرض أنها مشتملة على
الملاك الملزم في نفسه وإن كان دون الملاك الملزم للوظيفة الاختيارية وبنسبة الجزء
إلى الكل ، فإذن لا محالة يكون المجعول في هذه الحالة هو الأمر بالجامع بين عملين
طوليين زماناً هما العمل الاضطراري في أول الوقت والعمل الاختياري في آخر الوقت ،
وبين عمل واحد وهو العمل الاختياري في آخر الوقت ، غاية الأمر أن المكلف إذا اختار
العملين فالمستوفي بالعمل الاختياري الجزء المتبقي من الملاك ، باعتبار استيفاء جزء
منه بالعمل الاضطراري ، وإذا اختار العمل الواحد وهو العمل الاختياري ، فالمستوفى
به تمام الملاك ، فالنتيجة جواز البدار في هذا الفرض واقعاً تكليفاً ووضعاً .
نعم ، لولم يعلم بالحال في مقام الثبوت ودار الأمر في مقام الاثبات بين أن يكون
الواجب عملين طوليين زماناً أو عمل واحد ، فلايمكن اثبات التخيير بينهما ، لأن وجوب
الاتيان بالعمل الواحد معلوم على كل تقدير ، فإذن إيجاب الاتيان بالعمل الآخر
منضماً إليه لغو ولا يترتب عليه أثر ، وأما إذا كان اشتمال كلا الفعلين على الملاك
الملزم معلوماً ، غاية الأمر أن المكلف إذا اقتصر في مقام الامتثال على العمل
الأخير فقد استوفى تمام الملاك به ، وإن أتى بالعمل الأول فقد استوفى به جزء الملاك
المتبقي ، وحيث إن التخيير روحاً وملاكاً في مقام الثبوت موجود فلا مناص منه في
مقام الاثبات ، ولا يقاس المقام بالتخيير بين الأقل والأكثر الاستقلاليين فإنه غير
معقول ، باعتبار أن المكلف مهما أتى بالأقل حصل الغرض به وسقط الأمر وإن كان في ضمن
الأكثر ، وحينئذ فلا محالة يكون الأمر بالأكثر ولو تخييراً لغواً وجزافاً ، وهذا
بخلاف المقام فإن المكلف إذا أتى بالأكثر حصل الغرض به لا بالأقل ، وإن اقتصر على
الأقل حصل الغرض به ولا يتوقف على الأكثر .
ومن هنا يظهر أن الصحيح هو ما ذهب إليه المحقق الخراساني(20) والمحقق الأصبهاني(21)
(قدس سرهما) من التخيير في المسألة بين البدار والاتيان بالوظيفتين الاضطرارية في
أول الوقت والاختيارية في آخر الوقت أو الانتظار والاقتصار على عمل واحد وهو
الوظيفة الاختيارية في آخر الوقت ولا مانع من ذلك ، وقد أفاد المحقق الأصبهاني (قدس
سره) في وجه ذلك ، أن المصلحة الصلاتية قائمة بالصلاة الواحدة في حال الاختيار إذا
لم يسبقهاالصلاة الاضطرارية ، وبالصلاتين في حالتي الاختيار والاضطرار ، بمعنى أن
المترتب على كل واحدة منهما جزء المصلحة ، وفي مثل ذلك لا مناص من الالتزام بالأمر
التخييري ولا يعقل غيره ، لأن وفاء العملين وهما العمل الاضطراري في أول الوقت
والعمل الاختياري في آخر الوقت معاً بتمام المصلحة ، يمنع عن الأمر التعييني بخصوص
العمل الاختياري فإنه بلا موجب ومبرر ، نعم لايمكن أن يكون الأمر بكل من العمل
الاضطراري في أول الوقت والاختياري في آخر الوقت تعييناً لأنه بلا مقتضي(22) ، إلى
هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن مقتضى القاعدة في الفرض الأول والثاني والثالث
الاجزاء ، وأما في الفرض الرابع فالمكلف مخير بين البدار بالاتيان بالعمل الاضطراري
في أول الوقت والعمل الاختياري في آخر الوقت ، وبين الانتظار والاقتصار بالاتيان
بالعمل الاختياري في آخر الوقت ، هذا كله بحسب مقام الثبوت .
وأما الكلام في مقام الاثبات فقد تقدم أن العذر إذا كان مستوعباً لتمام الوقت ،
فمقتضى اطلاق أدلة الأوامر الاضطرارية الاجزاء وهذا لا كلام فيه وتقدم ، وإنما
الكلام في المقام وهو إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام الوقت في أنه هل لأدلة
الأوامر الاضطرارية اطلاق يمكن التمسك به لاثبات الاجزاء وعدم وجوب الاعادة أو لا ؟
فيه قولان :
فقد اختار المحقق الخراساني (قدس سره) القول الأول ، وقد أفاد في وجه ذلك إنه لا
مانع من التمسك باطلاق قوله تعالى : (اِذَا قُمْتُمْ اِلى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ)اِلى قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً
طَيِّباً)(23) .
وإطلاق الروايات كقوله (عليه السلام) : « التراب أحد الطهورين يكفيك عشر سنين »(24)
وقوله (عليه السلام) : « إن رب الماء ورب الأرض واحد »(25) وقوله (عليه السلام) : «
إن الله جعل التراب طهوراً كما جعل الماء طهوراً »(26) وقوله (عليه السلام) : « فإن
فاته الماء فلن تفوته الأرض »(27) ونحوها(28) ، ومقتضى اطلاق هذه الأدلة جواز
البدار وضعاً وتكليفاً ، فإذا لم يجد الماء في أول الوقت وتيمم وصلى صحت صلاته ،
فإذا ارتفع العذر في أثناء الوقت لم تجب الاعادة(29) ، وقد اختار هذا القول في خصوص
ما إذا كان العذر عدم وجدان الماء لا مطلق العذر جماعة ، منهم السيد الطباطبائى(30)
(قدس سره) هذا ، والصحيح هو القول الثاني وذلك لأمرين :
الأمر الأول : أن الآية الشريفة إنما هي في مقام بيان أن المكلف على نوعين :
أحدهما : الواجد للماء . والآخر : الفاقد له .
ووظيفة الأول الطهارة المائية ووظيفة الثاني الطهارة الترابية ، وحيث إن التقسيم
قاطع للشركة ، فلايمكن اشتراكهما في التكليف ، وهذا هو مقتضى ظاهر الآية الشريفة
ولا نظر لها إلى أن وظيفة الفاقد للماء الصلاة مع الطهارة الترابية مطلقاً حتى فيما
إذا كان للمكلف فاقداً له في بعض الوقت دون تمام الوقت ، فإنها ليست في مقام البيان
من هذه الجهة ، وأما الروايات المتقدمة فهي أيضاً كذلك ، لأن مفادها أن التراب طهور
، أما أنه طهور مطلقاً حتى فيما إذا لم يكن فاقداً للماء في تمام الوقت فلا تدل
عليه ، أو فقل أن الروايات المذكورة بألسنة مختلفة إنما هي في مقام تشريع طهورية
التراب في طول طهورية الماء عند عدم التمكن من استعماله ، فلا تدل على أنه طهور
مطلقاً وإن كان عدم التمكن من الاستعمال في بعض الوقت لا في تمامه .
الأمر الثاني : أن كل صلاة فريضة موقتة بوقت خاص بداية ونهاية ، فالواجب هو الجامع
بين الأفراد الطولية والعرضية في الوقت ويكون المكلف مخيراً في مقام الامتثال بين
الأفراد المذكورة ، فطالما يكون متمكناً من إيجاد الطبيعي الواجب في ضمن أحد أفراده
في طول الوقت كالصلاة مع الطهارة المائية فلا يصل دور الصلاة مع الطهارة الترابية ،
لأنها وظيفة العاجز عن الاُولى في الوقت لا وظيفة المتمكن منها فيه ، وإلا لزم أن
يكون وجوبها في وقتها وهو خلف ، ومن الطبيعي أنه يكفي في تمكن المكلف من الاتيان
بالصلاة مع الطهارة المائية في الوقت ، التمكن من الاتيان بفرد منها فيه ولو بنحو
صرف الوجود وإن لم يتمكن منها في سائر أجزائه ، فإذا تمكن من الصلاة مع الطهارة
المائية ولو في جزء منه ، صدق أنه متمكن منها في وقتها ومعه تكون وظيفته الصلاة مع
الطهارة المائية دون الطهارة الترابية .
تحصل مما ذكرناه أن مقتضى القاعدة الأولية هو أن الصلاة مع الطهارة الترابية في أول
الوقت غير مشروعة في حق من تمكن من الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت كما هو
المفروض في المسألة ، إلا إذا كان هناك دليل على الاجزاء ، ومع الاغماض عن ذلك
وتسليم أن لأدلة الأوامر الاضطرارية كالآية الشريفة والروايات اطلاق من هذه الناحية
، فلا مانع من التمسك به لاثبات الاجزاء ، فإن مقتضاه أن العذر غير المستوعب لتمام
الوقت موضوع للأمر الاضطراري كالعذر المستوعب لتمام الوقت ، وعلى هذا فإن كان
المكلف فاقداً للماء في أول الوقت وتيمم وصلى صحت صلاته وإن ارتفع العذر في آخر
الوقت وتمكن من الصلاة مع الطهارة المائية فيه ، ولكن قد يعترض على ذلك بأنه لو كان
لها اطلاق فمع ذلك لايمكن التمسك باطلاقها لسببين :
الأول : أن لازم ذلك أن تكون شرطية الطهارة الترابية في عرض شرطية الطهارة المائية
وهو كماترى ، ضرورة أن المكلف إذا كان متمكناً من الصلاة مع الطهارة المائية في
الوقت لم يجز له الاكتفاء بالصلاة مع الطهارة الترابية فيه ، لأن ذلك خلاف الآية
الشريفة التي تنص على أن وظيفة الواجد للماء في الوقت الصلاة مع الطهارة المائية
ووظيفة الفاقد الصلاة مع الطهارة الترابية ، وعليه فإذا كان المكلف واجداً للماء في
آخر الوقت وتمكن من الصلاة مع الطهارة المائية فيه فوظيفته الاتيان بها دون الصلاة
مع الطهارة الترابية ، ولو صلاها في أول الوقت انكشف بطلانها وظهر أنه غير مأمور
بها .
الثاني : أن لازم ذلك أن تكون كل حصة من الصلاة مشروطة بالطهارة المائية ، فإذا كان
المكلف في أول الوقت فاقداً للماء فوظيفته الطهارة الترابية بالنسبة إلى الحصة
الواقعة فيه ، فإذا أتى بتلك الحصة معها صحت فلا إعادة عليه ، وهذا كماترى ، ضرورة
أن الطهارة المائية شرط لطبيعة الصلاة الجامعة بين أفرادها الطولية من المبدأ إلى
المنتهى لا أنها شرط لكل حصة ، حصة منها في طول الوقت مستقلا . ويمكن المناقشة في
كلا الأمرين :
أما الأمر الأول ، فلأنه لو كان لدليل الأمر الاضطراري اطلاق كالآية الشريفة
والروايات ، كان مقتضاه أن الاضطرار غير المستوعب لتمام الوقت موضوع للأمر
الاضطراري كالمستوعب له ، وعليه فلا مانع من التمسك باطلاقه لاثبات عدم وجوب
الاعادة ، ومن الواضح أنه ليس معنى هذا كون شرطية الطهارة الترابية في عرض شرطية
الطهارة المائية بل هي في طولها وعند تعذرها ، غاية الأمر أعم من أن يكون تعذرها في
تمام الوقت أو في جزء منه ، ونتيجة هذا الاطلاق جواز البدار واقعاً تكليفاً ووضعاً
، وعلى هذا فإذا تيمم وصلى صحت صلاته وإن ارتفع العذر في آخر الوقت وتمكن من الصلاة
مع الطهارة المائية .
ودعوى ، أن مقتضى اطلاق دليل الأمر الاضطراري وإن كان كفاية الوظيفة الاضطرارية عن
الوظيفة الاختيارية إلا أنه معارض بإطلاق دليل الأمر الاختياري ، فإن مقتضى اطلاقه
تعين الوظيفة الاختيارية في مجموع الوقت أي بين المبدأ والمنتهى وعدم كفاية الوظيفة
الاضطرارية عنها .
مدفوعة ، فإن مقتضى اطلاق دليل الأمر الاختياري وإن كان ذلك إلا أن اطلاق دليل
الأمر الاضطراري يتقدم عليه ، على أساس تقدم أدلة الأحكام الثانوية على أدلة
الأحكام الأولية كدليل لا ضرر ولا حرج ونحوهما ، وعلى هذا فلابد من رفع اليد عن
اطلاق دليل الأمر الاختياري وحمله على ما إذا لم يكن على خلافه دليل الأمر
الاضطراري ، وإلا فلابد من تقييد اطلاقه بغير مورده .
فالنتيجة ، أنه لو كان لدليل الأمر الاضطراري اطلاق فهو المحكم والمرجع دون اطلاق
دليل الأمر الاختياري ، ولكن الذي يسهل الخطب أنه لا اطلاق له .
وأما الأمر الثاني ، فلأن مقتضى اطلاق دليل الأمر الاضطراري ليس تضيق دائرة شرطية
الطهارة المائية وجعلها لحصة خاصة من الصلاة وهي الحصة الواقعة في أول الوقت ، بل
مقتضاه كفاية الاتيان بالوظيفة الاضطرارية عن الوظيفة الاختيارية في آخر الوقت
وأنها تفي بغرضها ، لا أن الطهارة المائية ليست شرطاً لها ، ومن هنا إذا لم يأت
بالوظيفة الاضطرارية في أول الوقت وجب عليه الاتيان بالوظيفة الاختيارية في آخر
الوقت وهي الصلاة مع الطهارة المائية ، فإذن كيف يمكن أن يكون مقتضى اطلاقه تخصيص
شرطية الطهارة المائية بالصلاة في أول الوقت دون الصلاة في آخر الوقت فإنه خلاف
الكتاب والسنة .
والخلاصة : أن نتيجة اطلاق دليل الأمر الاضطراري وتقديمه على دليل الأمر الاختياري
هي أن الواجب في المسألة الجامع بين الوظيفة الاضطرارية في أول الوقت كالصلاة مع
الطهارة الترابية والوظيفة الاختيارية في آخر الوقت والمكلف مخير بينهما طولا ،
فإذا أتى بالاُولى كفت عن الثانية وإلا وجب عليه الاتيان بالثانية .
تحصل أن الاطلاق لو ثبت لدليل الأمر الاضطراري لكان هو المتعين ومقتضاه جواز البدار
واقعاً تكليفاً ووضعاً ، ولكن قد مر أنه غير ثابت لا في الآية الشريفة ولا في
الروايات ، فإذن مقتضى القاعدة في المسألة عدم جوار البدار واقعاً وعدم كفاية
الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت مع التمكن من الاتيان بالصلاة مع
الطهارة المائية في آخر الوقت ، هذا هو مقتضى القاعدة ، ولكن مع ذلك ذهب جماعة من
المحققين إلى الاجزاء في المسألة ، منهم المحقق العراقي والمحقق النائيني والمحقق
الأصبهاني (قدس سرهم) ، أما المحقق العراقي فقد ذكر في وجه ذلك وجوهاً :
الوجه الأول : أن أدلة البدلية كآية التيمم والروايات مطلقة ، وتدل باطلاقها على أن
موضوع وجوب التيمم مطلق العذر أعم من أن يكون مستوعباً لتمام الوقت أو غير مستوعب
له ، بدعوى أن المتبادر من قوله تعالى : (إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا
وُجُوهَكُمْ) إلَى قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً
طَيِّباً)(31) ، هو أن المكلف إذا أراد الاتيان بالصلاة في أي جزء من أجزاء الوقت ،
فإن كان واجداً للماء في ذلك الجزء ، فوظيفته الوضوء والغسل فيه وإلا
فوظيفته التيمم .
فالنتيجة ، أن المعيار بالوجدان والفقدان إنما هو في الوقت الذي أراد المكلف
الاتيان بالصلاة ، سواء أكان ذلك في أول الوقت أم في أثنائه أم آخره ، فإذا أراد
الاتيان بها في أول الوقت وكان فاقداً للماء فوظيفته الاتيان بها مع الطهارة
الترابية وهكذا(32) ، ولكنه (قدس سره) أعقب ذلك بتعليقين :
الأول : أن هذا الاطلاق معارض باطلاق دليل الأمر الاختياري ، فإن مقتضاه أن القيد
المضطر إلى تركه في جزء من الوقت دخيل في الملاك وغير ساقط بالاضطرار غير المستوعب
، فيكون معارضاً لاطلاق دليل الأمر الاضطراري فيسقطان معاً من جهة المعارضة فلا
دليل على الاجزاء ، وفيه ما أشرنا إليه آنفاً من أن اطلاق دليل الأمر الاضطراري
يتقدم على إطلاق دليل الأمر الاختياري بالحكومة ، فلو ثبت أن للآية الشريفة إطلاقاً
وكذلك للروايات التي تنص على بدلية التراب عن الماء ، فلا مناص من الأخذ به ولا
يعارضه اطلاق دليل
الأمر الاختياري
الثاني : تقديم ظهور دليل الأمر الاختياري على اطلاق دليل الأمر الاضطراري
بالأظهرية أو الحكومة ، بدعوى أن ظهور دليل الأمر الاختياري في دخل القيد في الملاك
الواقعي وصغي ، والظهور الوضعي يتقدم على الظهور الاطلاقي من باب تقديم الأظهر على
الظاهر(33) .
والجواب : أولا ، أن المعارض مع اطلاق دليل الاضطراري ليس أصل الظهور في دخل القيد
، بل اطلاقه لحالة ما إذا أتى المكلف المضطر بالوظيفة الاضطرارية في أول الوقت ثم
ارتفع عذره في آخر الوقت .
وثانياً : ما تقدم من أن اطلاق دليل الأمر الاضطراري يتقدم على اطلاق دليل الأمر
الاختياري ، ويكون هذا التقديم بالحكومة وتضييق دائرة دخل القيد في الملاك بما إذا
لم يضطر المكلف إلى تركة ولو في بعض الوقت وكفاية بدله في هذه الحالة ، وعلى الجملة
فأدلة البدلية كالآية الشريفة والروايات تدل على أصل بدلية الطهارة الترابية عن
الطهارة المائية عند الاضطرار والعذر بالوضع ، وتدل على كفاية البدل في هذه الحالة
وهي الاضطرار في جزء من الوقت بالاطلاق ، وحيث إنها ناظرة إلى تشريع البدل حتى في
هذه الحالة ، فلذلك تكون حاكمة على دليل المبدل ، ومن هنا يظهر أن ما ذكره (قدس
سره) من أن دليل الأمر الاختياري حاكم على دليل الأمر الاضطراري غريب جداً ،
فالنتيجة أنه لو كان لأدلة البدلية إطلاق فلا مناص من الاخذ به ، وحيث إنه لا إطلاق
لها ، فيكون إطلاق دليل الأمر الاختياري محكماً .
الوجه الثاني : أن الواجب في المسألة وهي ما إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام الوقت
الجامع بين الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة المائية في
آخر الوقت ، وكذا الجامع بين الصلاة جالساً في أول الوقت والصلاة قائماً في آخر
الوقت وهكذا ، كما هو الحال في صلاتي المسافر والحاضر ، فإن الواجب هو الجامع
بينهما ، ولكن الشارع عين لكل من المكلف المضطر والمكلف المختار حصة خاصة من الجامع
، فللأول الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت وللثاني الصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت وهكذا ، كما أنه عين للمسافر الصلاة قصراً فقط وللحاضر الصلاة
تماماً كذلك ، وعندئذ فيكون إجزاء الفرد الاضطراري عن الفرد الاختياري على القاعدة
، باعتبار أن كل واحد من فردي الجامع واف بالمصلحة القائمة به بنسبة واحدة(34) .
وفيه إنه لايمكن إتمام هذا الوجه لا ثبوتاً ولا اثباتاً .
أما ثبوتاً فلأن الواجب لو كان الجامع بينهما ، فما معنى تعيين الشارع لكل من
المختار والمضطر والقادر والعاجز فرداً خاصاً معيناً من الجامع ، بداهة أن هذا
التعيين لايمكن أن يكون جزافاً ، فلا محالة تكون من جهة أن خصوصية الفرد دخيلة في
المصلحة ، فإذا كانت دخيلة فيها إستحال أن يكون الواجب هو الجامع بينهما ، فإن معنى
كون الواجب الجامع أن خصوصية الفرد ملغاة وغير دخيلة في المصلحة ، ووفاء كل من
الفردين بها بلحاظ اشتماله على الجامع ، وعلى هذا فالجمع بين كون الواجب الجامع
بينهما وبين تعيين الشارع لكل منهما فرداً خاصاً ، جمع بين نقيضين فلايمكن ، ومن
هنا يظهر حال صلاتي القصر والتمام ، ضرورة أن الواجب ليس هو الجامع بينهما ، بل
الواجب على كل من الحاضر والمسافر حصة خاصة من الصلاة .
فالنتيجة ، أن ما ذكره (قدس سره) ثبوتاً لايمكن ، وأما اثباتاً فلأن كون الواجب هو
الجامع بينهما يتوقف على أن يكون لأدلة البدلية اطلاق ، وقد مر أنه لا اطلاق لتمام
الوقت .
الوجه الثالث : أن ظاهر دليل الأمر الاضطراري التعيين لا التخيير كما هو الحال في
دليل الأمر الاختياري ، على أساس أن الأمر إذا تعلق بشيء ظاهر في أنه واجب بنفسه
وبعنوانه لا أنه فرد من واجب ، وعلى هذا فمقتضى أدلة الأوامر الاضطرارية كالآية
الشريفة والروايات أن وجوب الصلاة مع الطهارة الترابية وجوب تعييني ناشيء عن وجود
مصلحة ملزمة فيها ، كما أن وجوب الصلاة مع الطهارة المائية وجوب تعييني ناشيء عن
وجود مصلحة ملزمة فيها ، فإذن إجزاء الصلاة مع الطهارة الترابية عن الصلاة مع
الطهارة المائية إنما هو بملاك أن الاتيان بالاُولى يوجب تفويت مصلحة الصلاة مع
الطهارة المائية تماماً للمضادة بينهما ، فلايمكن استيفاء تلك المصلحة بالاعادة في
آخر الوقت عند ارتفاع العذر ، ومن هنا لولا اطلاق أدلة الاضطرار كان العقل مستقلا
بعدم جواز البدار الموجب لتفويت المصلحة كاملة(35) .
وفيه أولا : ما عرفت من أنه لا اطلاق لأدلة الأوامر الاضطرارية بالنسبة إلى العذر
غير المستوعب لتمام الوقت .
وثانياً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن لها اطلاقاً ، إلا أن مقتضى اطلاقها جواز
البدار والاتيان بالوظيفة الاضطرارية في أول الوقت كالصلاة مع الطهارة الترابية أو
جالساً أو مع الايماء ، ولا يحتمل تعين البدار إليها ثبوتاً ، لفرض أن الوظيفة
الاختيارية في آخر الوقت كالصلاة مع الطهارة المائية بعد ارتفاع العذر مشتملة على
مصلحة أكمل وأهم من مصلحة الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت ، فإذن كيف يمكن
أن يكون الأمر بها في أول الوقت تعيينياً لا تخييرياً .
وثالثاً : أن العقل إذا كان مستقلا بعدم جواز تفويت المصحلة الكاملة والاكتفاء
بالمصلحة الناقصة كان ذلك قرينة لبّية مانعة عن انعقاد ظهور أدلة الأوامر
الاضطرارية في الاطلاق ، نعم لوكان هناك نص على الترخيص في التفويت ، ارتفع حكم
العقل بارتفاع موضوعه ، ولكنه غير موجود .
ورابعاً : أن فرض التضاد بين المصلحتين مع عدم التضاد بين الصلاتين مجرد فرض لا
واقع موضوعي له ، بداهة أن المضادة إنما هي بين الأفعال الخارجية ، فإذا لم تكن
مضادة بينها ، فلا مضادة بين آثارها وما يترتب عليها من الفوائد والمصالح .
وخامساً : مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن بينهما مضادة ، إلا أنه حينئذ تقع المعارضة
بين دليل الأمر الاضطراري المتعلق بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت ودليل
الأمر الاختياري المتعلق بالصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت بعد ارتفاع العذر
، ولايمكن جعل كليهما معاً لأنه لغو .
وأما المحقق النائيني (قدس سره) فقد اختار الاجزاء في صورة خاصة وهي صورة اليأس عن
ارتفاع العذر في طول الوقت أو الظن بعدم ارتفاعه ، وقد أفاد في وجه ذلك ، أن جواز
البدار فيها لا يخلو من أن يكون ظاهرياً أو واقعياً ، فعلى الأول يدخل البحث في
البحث عن المرحلة الثالثة الآتية ، وهي أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ، هل
يجزي عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي أو لا ، وسوف يأتي تفصيل ذلك .
وعلى الثاني ، فلا شبهة في الاجزاء ، فإن جواز البدار واقعاً ملازم لوجود الأمر
الاضطراري بالصلاة مع الطهارة الترابية ، ومع وجود هذا الأمر يستحيل تعلق أمر آخر
بها مع الطهارة المائية في وقت واحد ، لقيام الضرورة والاجماع القطعي على عدم وجوب
ستة صلوات على المكلف في يوم واحد ، لأن الواجب في كل يوم خمسة صلوات لا أكثر ،
وعلى هذا فلا محالة يكشف الأمر الاضطراري المتعلق بالصلاة مع الطهارة الترابية في
أول الوقت عن وجود مصلحة فيها لا تقل عن مصلحة الصلاة مع الطهارة المائية ، أو أن
المقدار المتبقي فيها غير الزامي ، ولهذا فإذا ارتفع العذر في آخر الوقت وتمكن
المكلف من الصلاة مع الطهارة المائية فيه ، لم تجب إعادتها وكفاية الصلاة مع
الطهارة الترابية في أول الوقت ، وكذلك إذا صلى جالساً في أول الوقت أو مع الايماء
بديلا عن الركوع والسجود ثم ارتفع العذر في آخر الوقت وتمكن من الصلاة قائماً أو مع
الركوع والسجود ، فإنها تكفي ولا تجب عليه الاعادة(36) . هذا ،
وللمناقشة فيه مجال واسع ، فإن جواز البدار واقعاً أي وضعاً وتكليفاً في هذه الصورة
مع كشف الخلاف وارتفاع العذر في أثناء الوقت ، بحاجة إلى دليل يدل على أن الواجب هو
الجامع بين الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة المائية في
آخر الوقت ، وإلا فمقتضى القاعدة عدم جواز البدار وعدم وجود الأمر الاضطراري واقعاً
، والموجود إنما هو الأمر الاختياري بالصلاة مع الطهارة المائية ، على أساس تمكن
المكلف منها واقعاً في الوقت ولو في الجزء الأخير منه . والفرض أنه لا دليل على ذلك
، أما الدليل الخاص المختص بصورة اليأس فهو غير موجود جزماً ، وأما الدليل العام
كالآية الشريفة والروايات ، فقد تقدم أنه لا اطلاق لها بالنسبة إلى العذر غير
المستوعب لتمام الوقت .
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها مطلقة وباطلاقها تشمل العذر غير المستوعب فلا وجه
لهذا التفصيل ، فإن مقتضى اطلاقها كفاية الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية في
أول الوقت ، سواءً كان قاطعاً باستمرار العذر إلى آخر الوقت أم قاطعاً بعدم
استمراره أم لا هذا ولا ذاك ، هذا من جانب ومن جانب آخر ، أن الصلاة مع الطهارة
الترابية في أول الوقت مع تمكن المكلف من الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت
إن كانت مشتمله على مصلحة وافية بتمام مصلحة الصلاة مع الطهارة المائية ، كانت
مشتمله عليها في تمام الحالات المذكورة ، وإن لم تكن مشتملة على مصلحة كذلك ، لم
تكن مشتملة عليها في شيء من تلك الحالات ، ضرورة أنه لا يحتمل اشتمالها على مصلحة
في صورة اليأس عن ارتفاع العذر والقطع باستمراره إلى آخر الوقت فقط ، أو من غير
المحتمل أن يكون القطع بعدم ارتفاع العذر واستمراره دخيلا في اشتمال الصلاة مع
الطهارة الترابية
على المصلحة .
وإن شئت قلت : أن موضوع الأمر الاضطراري إن كان العذر المستوعب لتمام الوقت ، فلا
أمر واقعاً فيما إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام الوقت ، وإن كان أعم من العذر
المستوعب وغير المستوعب ، فالأمر الاضطراري موجود واقعاً وهو الأمر بالصلاة مع
الطهارة الترابية في أول الوقت وإن ارتفع العذر في آخر الوقت وتمكن المكلف من
الصلاة مع الطهارة المائية ، فالتفصيل بين صورة القطع باستمرار العذر المخالف
للواقع وصورة عدم القطع به ، فعلى الأول يكون الأمر الاضطراري موجوداً دون الثاني
لا وجه له أصلا ، بداهة أنه لايحتمل أن يكون للقطع المخالف للواقع دخيل في الملاك ،
وهكذا الحال في سائر الأعذار في باب الصلاة وغيره .
ومن هنا يظهر أنه لو قلنا بجواز البدار واقعاً وكفاية الصلاة مع الطهارة الترابية
في أول الوقت ، فعندئذ عدم وجوب الصلاة مع الطهارة المائية يكون على القاعدة ،
باعتبار أن الواجب على هذا هو الجامع بينهما طولا ، والمفروض أن المكلف قد أتى بأحد
فرديه ، كما هو الحال فيما إذا كان الواجب على المكلف الجامع بين صلاتي القصر
والتمام أو بين الجمعة والظهر في يوم الجمعة ، وحينئذ فلا وجه للاستدلال بالضرورة
والاجماع على عدم وجوب ستة صلوات ،فإن الاستدلال بهما إنما يكون له محل لو قيل بأن
الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت واجبة تعيينية ، فعندئذ لو كانت الصلاة مع
الطهارة المائية واجبة كذلك بعد ارتفاع العذر في آخر الوقت لزم هذا المحذور ،
والفرض أن من يقول بكفاية الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت في المسألة عن
الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت بعد ارتفاع العذر ، إنما يقول بأن الواجب
حينئذ هو الجامع بينهما لا خصوص الاُولى في أول الوقت والثانية في آخر الوقت .
هذا إضافة إلى أن ذلك لو تم فرضاً فإنما يتم في باب الصلاة فقط ، وأما في سائر
أبواب الواجبات ، فلا مانع من الالتزام بتعدد الواجب من هذه الناحية .
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة ، وهي أن مقتضى القاعدة في هذه المسألة عدم جواز
البدار واقعاً ، فجوازه بحاجة إلى دليل خاص ، ففي كل مورد قام دليل خاص على ذلك
نأخذ به وإلا فلا ، ومن ذلك المورد ، موارد التقية فإنه قد ثبت جواز البدار فيها
واقعاً تكليفاً ، وأما تكليفاً ووضعاً فقد ثبت في باب الصلاة والوضوء لا مطلقاً ،
وسوف يأتي تفصيله .
وأما الأصل العملي في المقام ، فحيث أن الشك فيه يرجع إلى الشك في أن الواجب هو
الجامع بين الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة المائية في
آخر الوقت أو خصوص الصلاة مع الطهارة المائية فحسب ، فيدور الأمر عندئذ بين التعيين
والتخيير في مرحلة الجعل ، والمرجع فيه أصالة البرائة عن التعيين ، فالنتيجة كفاية
الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت وعدم وجوب إعادة الصلاة مع
الطهارة المائية في آخر الوقت .
وأما المحقق الأصبهاني (قدس سره) فقد أفاد في وجه ذلك ما نصه :
تحقيق الحال فيه أن بدلية شيء عن شيء وقيامه مقامه ولو بنحو الترتيب لايعقل إلا مع
جهة جامعة وافية بسنخ غرض واحد ، فإن كان البدل في غرض المبدل لزم مساواته له في
تمام المصلحة ، إما ذاتاً أو بالعرض والوجه واضح ، وإن كان البدل في طول المبدل كما
في مفروض البحث ، فاللازم مجرد مسانخة الغرضين ، سواءً كان مصلحة المبدل أقوى من
مصلحة البدل أو لا ، وحديث إمكان استيفاء بقية مصلحة المبدل إنما يصح إذا كان
المبدل مشتملا
على مصلحتين :
إحداهما تقوم بالجامع بين المبدل والبدل ، والاُخرى بخصوص المبدل ، بحيث تكون كلتا
المصلحتين ملزمتين قابلتين لانقداح البعث ، وأما إذا كانت المصلحة في البدل والمبدل
واحدة وكان التفاوت بالضعف والشدة ، فلا تكاد تكون بقية المصلحة ملاكاً للبعث إلى
المبدل بتمامه ، إذ المفروض حصول طبيعة المصلحة القائمة بالجامع الموجود بوجود
البدل ، فتسقط عن الاقتضاء والشدة بما هي ، لا يعقل أن تكون ملاكاً للأمر بالمبدل
بكماله ، حيث إن المفروض أن تمام الملاك للأمر بتمام المبدل وهي المصلحة الكاملة
القوية وطبيعتها وجدت في الخارج وسقطت عن الاقتضاء ، فلوكان مع هذا حد الطبيعة
القوية مقتضياً للأمر بتمام المبدل لزم الخلف . نعم ، اقتضاؤه لتحصيل الخصوصية
القائمة بالمبدل معقول ، نظراً إلى أن اشتراك المبدل والبدل في جامع الملاك يكشف عن
جامع بينهما ، لكنه لايجدي إلا مع الالتزام بالأمر بالجامع أيضاً في ضمن المبدل
تحصيلا للخصوصية التي لها ملاك ملزم ، فيكون الأمر بالمبدل مقدمياً وهو مما لا
ينبغي الالتزام به ، ومنه تعرف أن الالتزام بمصلحتين في المبدل أيضاً لا يجدي إذا
كانت احداهما قائمة بالجامع فقط واُخرى بالخصوصية ، بل لابد من الالتزام بقيام
مصلحتين إحداهما بالجامع فقط واُخرى بالجامع المتخصص بالخصوصية(37) .
ما أفاده يتضمن عدة نقاط :
الاُولى : أن البدلية إذا كانت عرضية لزم تساوي طرفيها في الملاك .
الثانية : أنها إذا كانت طويلة فلابد من اشتراك البدل مع المبدل في سنخ الملاك وإن
كان ملاك المبدل أقوى من ملاك البدل .
الثالثة : أن استيفاء الملاك المتبقي من ملاك المبدل إنما هو فيما إذا كان المبدل
مشتملا على ملاكين أحدهما قائم بالجامع بين البدل والمبدل ، والآخر بالجامع المتخصص
بخصوصية المبدل وكان كل منهما ملزماً في نفسه ، وأما إذا كان البدل والمبدل كلاهما
مشتملا على ملاك واحد وكان التفاوت بينهما بالشدة والضعف ، فلا يصلح الملاك المتبقي
أن يكون داعياً إلى المبدل بتمامه بعد استيفاء طبيعة الملاك الجامعة بين ذات البدل
وذات المبدل ، فإذا استوفى ذلك الملاك بالاتيان بالبدل لم يبق لذات المبدل ملاك ،
وإنما يبقى الملاك القائم بخصوصيته الخاصة فحسب ، فإذن لابد إما من إفتراض الأمر
بذات المبدل وهو ذوالخصوصية مقدمة الملاك القائم بها أو إفتراضه بنفس الخصوصية ،
ولكن كلا الفرضين لايمكن ، أما الأول فلأن لازمه أن يكون الأمر بالمبدل أمراً
مقدمياً غيرياً ناشئاً من الملاك القائم بخصوصيته المقترنة به وجوداً الخارجة عنه
ذاتاً وحقيقة ، ونتيجة ذلك أن الأمر بالصلاة مع الطهارة المائية أو مع القيام في
آخر الوقت بعد ارتفاع العذر غيري ، شريطة إتيانه بالصلاة مع الطهارة الترابية أو
جالساً في أول الوقت ، باعتبار أن الأمر بالصلاة إنما هو مقدمة لتحصيل الملاك
القائم بالطهارة المائية أو بالقيام فيها لا بنفسها ، وهذا خلاف ظاهر الدليل .
وأما الثاني ، فلأن لازمه أن يكون الأمر متعلقاً بالخصوصية لا بذيها وهو كماترى ،
ضرورة أنه متعلق بالصلاة مع الطهارة المائية أو مع القيام لا بالطهارة المائية في
الصلاة أو القيام فيها ، وبذلك يظهر أن إمكان استيفاء بقية مصلحة المبدل منوط بوجود
مصلحتين :
إحداهما قائمة بالجامع فقط ، والاُخرى قائمة بالجامع المتخصص بالخصوصية ، وأما إذا
كانت إحداهما قائمة بالجامع والاُخرى بالخصوصية فقط ، فأيضاً لا يمكن بنفس ما عرفت
من الملاك ، هذا توضيح لما أفاده (قدس سره) هنا .
ولنأخذ بالنظر إلى هذه النقاط .
أما النقطة الاُولى : فلأن ما ذكره (قدس سره) من أن المعتبر في البدلية العرضية أن
يكون طرفاها متساويين بنسبة واحدة في تمام المصلحة .
فإن أراد بذلك أن مصلحة البدل مساوية لمصلحة المبدل وبالعكس ، فيرد عليه أنه إذا
كانت لكل من البدل والمبدل مصلحة تامة مساوية لمصلحة الآخر ، فلا مبرر حينئذ
للتخيير والبدلية إلا إذا فرض التضاد بين المصلحتين ، ولكن هذا مجرد فرض لا واقع له
، إذ لا يتصور المضادة بينهما طالما لم تكن مضادة بين الفعلين في الخارج ، وإن أراد
بذلك أن استيفاء المصلحة في كل منهما مشروط بعدم إستيفائها في الآخر ، بأن تكون
هناك مصلحتان مشروطتان ويتبعهما وجوبان مشروطان كما هو أحد الأقوال في مسألة الواجب
التخييري ، فيرد عليه أنه لا معنى لأن يكون استيفاء المصلحة في كل منهما مشروطاً
بعدم استيفائها في الآخر ، لأن المصلحة أمر تكويني ، فإذا لم تكن بينهما مضادة وجب
استيفاء كليهما معاً لا إحداهما فحسب ، ومن هنا قلنا ببطلان هذا القول في الواجب
التخييري وإنه لا يرجع إلى معنى محصل ، وإن أراد بذلك تساوي كل من البدل والمبدل في
الوفاء بتمام المصلحة القائمة بالجامع فهو صحيح ، لما ذكرناه من أن المصلحة في
الواجب التخييري قائمة بالجامع وهي واحدة ، ولهذا يكون المجعول فيه وجوب واحد ،
فالتنيجة أن الواجب في البدلية العرضية واحد ملاكاً وحكماً ومتعلقاً ، والتخيير
إنما هو بين أفراده .
وأما النقطة الثانية : فقد ذكر (قدس سره) أن المعتبر في البدلية الطولية مجرد
مسانخة الغرضين ، بأن يكون الغرض القائم بالبدل مسانخاً للغرض القائم بالمبدل ،
سواء أكان غرض المبدل أقوى من غرض البدل أم لا ، ويمكن المناقشة فيه بأن الغرض
القائم بالمبدل إذا لم يكن أقوى من الغرض القائم بالبدل ، فلا موجب لكون البدلية
بينهما طولية ، بأن يكون وجوب البدل مشروطاً بالعجز عن المبدل ، إذ لا معنى لهذا
الاشتراط إذا كانا متساويين في الملاك والغرض ، ضرورة أن جعل الشارع وجوب الصلاة مع
الطهارة الترابية في طول وجوبها مع الطهارة المائية لايمكن أن يكون جزافاً وبلا
ملاك ، فلا محالة يكون لنكته ، وتلك النكتة ليست إلا أن مصلحة الصلاة مع الطهارة
المائية أقوى بدرجة تلزم المكلف بالاتيان بها طالما يتمكن منها ، وإذا تعذر انتقلت
وظيفته إلى الصلاة مع الطهارة الترابية ، فإذا فرضنا أن مصلحة الصلاة مع الطهارة
المائية ليست أقوى من مصلحة الصلاة مع الطهارة الترابية في الوقت ، فلا مبرر لكون
الثانية في طول الاُولى ، وأما إذا كان الغرض القائم بالمبدل أقوى من الغرض القائم
بالبدل بدرجة تلزم المكلف بالاتيان بالمبدل طالما يكون متمكناً منه ، وإذا تعذر
عقلا أو شرعاً ، انتقل
الأمر إلى البدل ، فهل يعتبر في هذه الطولية أن يكون غرض البدل مسانخاً لغرض المبدل
؟
فقد التزم المحقق الأصبهاني (قدس سره) باعتبار المسانخة بينهما في كون البدل في طول
المبدل ، ولكن الظاهر عدم إعتبارها ، إذ لايلزم أن تكون مصلحة الصلاة مع الطهارة
الترابية عند تعذر الصلاة مع الطهارة المائية في تمام الوقت مسانخة لمصلحتها ،
فيمكن أن تكون مصلحة الصلاة مع الطهارة الترابية عند تعذرها مع الطهارة المائية في
تمام الوقت غير مسانخة لمصلحة الصلاة مع الطهارة المائية ، فإن المعيار في وجوبها
كونها مشتملة على مصلحة ملزمة في حالة خاصة وهي حالة تعذر الصلاة مع الطهارة
المائية لا مطلقاً ، وأما كونها من سنخ مصلحتها فهو غير دخيل في وجوبها ولا في
بدليتها لها ، لأن العبرة فيها إنما هي بكونها في طولها وعند تعذرها هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لا شبهة في أن الصلاة مع الطهارة الترابية عند تعذر الصلاة مع
الطهارة المائية في تمام الوقت واجدة ومشتملة على مصلحة ملزمة في هذه الحالة وإن
كانت دون مصلحة الصلاة مع الطهارة المائية كما تقدم ، وأما إذا كان التعذر في بعض
الوقت لا في تمامه ، كما إذا كان المكلف فاقداً للماء في أول الوقت وواجداً له في
آخر الوقت ، فإن كان لدليل الأمر الاضطراري اطلاق ، فالواجب هو الجامع بين الصلاة
مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، إذ
لايمكن أن يكون وجوب كل منهما تعيينياً كما مرّ ، وعلى هذا فمقتضى الاطلاق الاجزاء
، وقد تقدم أن اطلاقه يتقدم على اطلاق دليل الأمر الاختياري ، وإن لم يكن له اطلاق
، فالمرجع حينئذ إطلاق دليل الأمر الاختياري ومقتضاه عدم الاجزاء .
وأما النقطة الثالثة : فإن كان العذر مستوعباً لتمام الوقت ، فلا شبهة في أن كل
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة البقرة ( 2 ) : 148 ، وسورة المائدة ( 5 ) : 48 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 214 ـ 215 .
(3) لاحظ بدائع الافكار : 252 .
(1) (2) (3) الوسائل 8 : 401 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 1 و11 و9 .
(7) راجع الوسائل 8 ، الباب المتقدم .
(8) الوسائل 8 : 403 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 9 .
(9) الوسائل 8 : 402 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 8 .
(10) اُنظر الوسائل 8 : 28 ، باب 7 من أبواب نافلة شهر رمضان ، ح 6 ، وص 45 ، باب
10 من هذه الأبواب .
(11) الوسائل 8 : 401 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ح 1 .
(12) الوسائل 8 : 403 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 10 .
(1) (2) الوسائل 8 : 302 ، باب 6 ، من أبواب صلاة الجماعة ، ح 1 و2 .
(15) الوسائل 8 : 401 ، باب 54 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 2 .
(16) لاحظ الوسائل 8 : 302 ، باب 6 من أبواب صلاة الجماعة .
(17) الوسائل 7 : 498 ، باب 8 ، من أبواب صلاة الكسوف والآيات ، ح 1 .
(18) الوسائل 7 : 498 ،باب 8 من أبواب صلاة الكسوف والآيات ح 2 .
(19) أجود التقريرات 1 : 283 .
(20) كفاية الاُصول : 85 .
(21) نهاية الدراية 1 : 385 .
(22) المصدر المتقدم .
(23) سورة المائدة ( 5 ) : 6 .
(24) هذا السياق تلفيق روايتين احداهما وردت في الوسائل 3 : 386 ، باب 23 من أبواب
التيمم ، ح 5 ولفظها : ( إن التيمم أحد . . . ) والثانية وردت في نفس الباب ، ح 4
ولفظها : ( يكفيك الصعيد . . . ) .
(25) الوسائل 3 : 386 ، باب 23 من أبواب التيمم ، ح 6 . ولفظه : ( إن ربّ الماء هو
رب الصعيد ) .
(26) الوسائل 3 : 385 ، باب 23 من أبواب التيمم ، ح 1 .
(27) الوسائل 3 : 384 ، باب 22 من أبواب التيمم ، ح 3 .
(28) لاحظ أحاديث البابين المتقدّمين في الوسائل .
(29) لاحظ كفاية الاُصول : 85 .
(30) راجع العروة الوثقى 1 : 502 ، مسألة 8 .
(31) سورة المائدة ( 5 ) : 6 .
(32) مقالات الاُصول 1 : 270 .
(33) نهاية الأفكار 1 : 234 .
(34) المصدر المتقدم .
(35) مقالات الاُصول 1 : 277 .
(36) أجود التقريرات 1 : 284 ـ 285 .
(37) نهاية الدراية 1 : 382 .
...................................................
ـ1ـ
… المباحث الاُصولية / ج 3
إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي …
ـ402ـ
من البدل والمبدل مشتمل على مصلحة غير مصلحة الآخر ، فالصلاة مع الطهارة الترابية
عند تعذر الطهارة المائية في تمام الوقت مشتملة على مصلحة غير مصلحة الصلاة مع
الطهارة المائية ، ولا شبهة في تعدد المصلحة في هذه الصورة ، فمصلحة البدل تقوم
بالبدل بحده ومصلحة المبدل تقوم بالمبدل كذلك ، ولا يمكن أن تكون قائمة بالجامع ،
لأن الواجب في هذه الحالة هو خصوص البدل تعييناً ، وأما إذا لم يكن العذر مستوعباً
لتمام الوقت ، فاشتمال البدل على المصلحة ثبوتاً يتصور على وجوه ، وقد تقدم الكلام
في تلك الوجوه موسعاً ، وأما إثباتاً فإن كان لدليل الأمر الاضطراري اطلاق فرضاً
فمقتضاه الاجزاء وعدم وجوب الاعادة ، وإن لم يكن له اطلاق كما هو كذلك ، فمقتضى
اطلاق دليل الأمر الاختياري عدم الاجزاء ووجوب الاعادة هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن ما ذكره (قدس سره) من أن المصلحة الباقية إذا كانت قائمة
بالخصوصية ، فلايمكن تداركها كما تقدم قابل للمناقشة ، اما أولا ، فلأن فرض قيام
المصلحة بالخصوصية بحدها بدون دخل ذيها فيها مجرد افتراض لا واقع موضوعي له ، إذ لا
يحتمل أن تكون المصلحة في القيام للصلاة وفي الطهارة المائية لها ، لوضوح أن القيام
دخيل في مصلحة الصلاة وكذلك الطهارة المائية ، فالمصلحة قائمة بحصة خاصة من الصلاة
وهي الحصة المقيدة بالطهارة المائية أو القيام ، وثانياً أن المصلحة لم تقم
بالخصوصية القيامية أو الطهاراتية مطلقاً ، وإنما تقوم بالقيام الصلاتي وبالطهارة
الصلاتية ، وعليه فالأمر بالصلاة إنما هو من جهة قيام مصلحة بخصوصية قائمة بها قيام
العنوان بالمعنون ، وهذا بنظر العرف ليس من الأمر بالمقدمة ، تحصل أن ما أفاده
المحقق الأصبهاني (قدس سره) في المقام ، فلايمكن المساعدة عليه .
ـ403ـ
هذا كله بالنسبة إلى أدلة الأوامر الاضطرارية الخاصة كالآية الشريفة والروايات ،
وأما الأدلة العامة فهي متمثلة في أمرين :
الأول : قاعدة الميسور التي يكون مقتضاها أن العمل الناقص الميسور مجز عن العمل
التام المعسور ، ولا فرق بين أن يكون العمل الناقص الميسور الصلاة مع الطهارة
الترابية بعد تعذر الطهارة المائية أو غيرها ، وفيه أن هذه القاعدة غير ثابتة في
نفسها ، لأن رواياتها ضعيفة سنداً ودلالةً ، فلايمكن الاعتماد عليها وتمام الكلام
في محله .
الثاني : حديث رفع الاضطرار ، بتقريب أن المكلف إذا اضطر إلى ترك الصلاة مع الطهارة
المائية أو مع القيام أو مع الركوع والسجود و غيرها ، فحيث إن الاضطرار رافع
لوجوبها بمقتضى قوله (عليه السلام) رفع ما اضطروا إليه(1) ، فحينئذ لا محالة يكون
الواجب هو الصلاة مع الطهارة الترابية أو مع الجلوس أو الايماء . وفيه ، أن مفاد
حديث الرفع ، رفع الحكم عن العمل الذي اضطر المكلف إلى ترك جزء أو قيد منه ، لا
اثبات الحكم للعمل الفاقد له لا مطابقة ولا التزاماً ، وعلى الجملة فالحديث يدل على
رفع الوجوب عن الصلاة مع الطهارة المائية عند الاضطرار إلى تركها ، ولا يدل على
اثبات الوجوب للصلاة مع الطهارة الترابية ولو بالالتزام ، بل لا اشعار فيه على ذلك
فضلا عن الدلالة ، وتمام الكلام في محله .
وأما الكلام في الاضطرار إلى ذلك في سائر الواجبات كالوضوء والغسل والصوم والحج
وغير ذلك ، فيقع تارة في مقتضى الأدلة العامة واُخرى في مقتضى الأدلة الخاصة .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 15 : 369 ، باب 56 من أبواب جهاد النفس وما يناسبه ، ح 1 و 3 ، وج 16 :
218 ، باب 25 من أبواب الأمر والنهي ، ح 10 .
ـ404ـ
أما الأدلة العامة فقد عرفت قصورها سنداً ودلالة أو دلالة فقط فلا يمكن الاستدلال
بها .
وأما الدلالة الخاصة ، فقد دلت مجموعة من الروايات على إجزاء الوضوء والغسل
الناقصين عن الوضوء والغسل التامين ، وهي روايات الجبيرة(1) التي يكون مفادها أن
وضوء الجبيرة بديل عن الوضوء التام وكذلك غسل الجبيرة فإنه بديل عن الغسل التام ،
شريطة أن يكون العذر مستوعباً لتمام الوقت لا مطلقاً على تفصيل في محله ، ومن هذا
القبيل وضوء المسلوس والمبطون ، فإن مقتضى الروايات(2) كفاية وضوئهما عن الوضوء
التام ، شريطة أن يكون واجداً للشروط المعتبرة فيه بالنسبة إليهما على تفصيل ذكرناه
في الفقه هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى أن روايات الجبيرة والمسلوس والمبطون لا تدل على الاجزاء إذا لم
يكن العذر مستوعباً لتمام الوقت وتفصيل الكلام هناك ، بقي الكلام في الاضطرار إلى
ترك جزء أو قيد من جهة التقية .
الروايات الواردة فيها على طائفتين :
الاُولى : الروايات العامة .
الثانية : الروايات الخاصة .
أما الاُولى ، فهي روايات كثيرة قد وردت بألسنة مختلفة ، منها ما جاء بلسان أن
التقية ديني ودين أبائي ولا إيمان لمن لا تقية له(3) ، ومنها ما جاء بلسان التقية
ـــــــــــــــــــــ
(1) لاحظ الوسائل 1 : 463 ، باب 39 من أبواب الوضوء .
(2) اُنظر الوسائل 1 : 297 ، باب 19 من نواقض الوضوء .
(3) الوسائل 16 : 204 ، باب 24 من أبواب الأمر والنهي ، ح 4 ولفظه : ( التقية من
ديني و . . . ) .
ـ405ـ
حرز المؤمن ولا إيمان لمن لا تقية له(1) ، ومنها ما جاء بلسان لا دين لمن لا تقية
له(2) ، ومنها ما جاء بلسان التقية في كل ضرورة(3) وغير ذلك(4) . .
وتقريب الاستدلال بها أنها تنص على أن التقية من الدين ، وحيث إنها عنوان للعمل
المتقي به فيصبح العمل المذكور من الدين ، وعلى هذا فإذا اضطر المكلف تقية إلى
الصلاة بدون البسملة أو مع التكتف وهكذا ، كانت الصلاة من الدين ، فإذا كانت من
الدين كانت بطبيعة الحال واجبة ومأموراً بها ، وحينئذ فلا محالة تكون مجزية عن
الواقع ، باعتبار أن وجوبها كاشف عن وجود مصلحة فيها تفي بمصلحة الواقع وإلا لكان
وجوبها لغواً ، نعم لو اضطر المكلف إلى الافطار في جزء من نهار شهر رمضان وأفطر فيه
، لم يكف صومه في سائر أجزائه عن صوم ذلك اليوم كاملا ، لأن الاضطرار الناشىء من
التقية في المقام رافع لوجوب الصوم فحسب ، ولا يدل على أن هذا الافطار كلا افطار
ولا أثر له ، ولا ينطبق على هذا الصوم الناقص عنوان التقيّة لكي يكون من الدين
وواجباً ، فإن هذا العنوان إنما ينطبق على الافطار في جزء من النهار لا على صوم
باقي النهار ، وهذا بخلاف الوقوف بعرفات ، فإن الوقوف معهم تقية مجزىء ، لا من جهة
انطباق عنوان التقية عليه ، بل من جهة ما ذكرناه من الوجه وتمام الكلام فيه في محله
هذا . ولكن التحقيق عدم دلالة هذه الروايات على الاجزاء ، وذلك لأنها وإن كانت تنص
على أن التقية من الدين وإنها شرعت كسائر الأحكام الشريعة ، إلا أن الكلام إنما هو
في دلالتها على الاجزاء ، ومن الواضح أنها إنما تدل عليه لوكان مفادها أن
ـــــــــــــــــــــ
(1) المصدر المتقدم ح 7 .
(2) المصدر المتقدم ح 3 و23 و24 .
(3) الوسائل 16 : 214 ، باب 25 من أبواب الأمر والنهي ، ح 1 .
(4) لاحظ الوسائل 16 : 203 ، باب 24 ، وما بعده من أبواب الأمر والنهي .
ـ406ـ
العمل المتقي به مأمور به بعنوان ثانوي بعد سقوط الأمر عنه بعنوان أولي ، فإذا اضطر
المكلف تقية إلى ترك البسملة في الصلاة أو إلى التكتف فيها ، فلا شبهة في أن الأمر
المتعلق بالصلاة مع البسملة أو مقيدة بعدم التكتف قد سقط بسقوط متعلقه ولا يعقل
بقائه ، وإلا لزم التكليف بالمحال ، وأما ثبوت الأمر الآخر المتعلق بالصلاة بدون
البسملة أو مع التكتف ، فهو بحاجة إلى دليل وروايات التقية العامة لا تدل عليه ،
وقد قيل في وجه عدم دلالتها ، بأن التقية إنما هي في جزء من العمل المتقى به وهو
ترك البسملة في المثال أو التكتف ، لا في القراءة ولا في الركوع والسجود ولا في
التشهد والتسليم ، ومن الواضح أن في ترك البسملة مصلحة وهي مصلحة حفظ النفس وكذلك
في التكتف ، فلذلك يكون واجباً ، وأما في بقية الاجزاء فحيث أن الأمر الأول قد سقط
عنها بسقوط متعلقه روحاً وملاكاً ، فثبوت الأمر الآخر بها بحاجة إلى دليل ولا دليل
عليه ، لأن هذه الروايات لا تدل إلا على محبوبية العمل المتقى به من جهة ما يترتب
عليه من الآثار وهي حفظ النفس أو العرض أو المال ، والمفروض عدم صدق هذا العنوان
على بقية الاجزاء ، وإنما يصدق على ترك البسملة أو التكتف فحسب ، مثلا غسل الرجلين
في الوضوء مصداق للتقية دون سائر أجزائه ، ولكن لا وجه لهذا التقريب لنقطتين :
الاُولى : أن التقية عنوان للصلاة بدون البسملة أو الصلاة مع التكتف ، ضرورة أن
عنوان التقية لا يصدق على ترك البسملة مطلقاً أو على التكتف كذلك ، وإنما يصدق على
حصة خاصة منه وهي ترك البسملة في ضمن الصلاة ومرتبطاً بها ، ومن الواضح أن صدق هذا
العنوان عليه حينئذ لا ينفك عن صدقه على سائر الاجزاء ، لأن الاتيان بها كذلك إنما
هو من أجل التقية وإلا فلا موجب له ، فإذن عنوان التقية يصدق على الصلاة بدون
البسملة أو مع التكتف لا على
ـ407ـ
جزء منه فقط ، ومن المعلوم أن الاتيان بها إنما هو بغرض دفع مفسدة التقية .
الثانية : أن انطباق عنوان التقية على العمل المتقى به ليس من جهة ما فيه من الملاك
الخاص ، بل من جهة مصلحة عامة التي اهتم الشارع بها ، ومن أجل التحفظ على تلك
المصلحة العامة أمر الشارع بالتقية ، وهي مصلحة حفظ النفس أو العرض أو المال ،
فالاتيان بالعمل المتقى به إنما هو من أجل تلك المصلحة العامة ، فلذلك لا يكشف
إنطباقه عليه عن وجوبه النفسي لكي يكون مجزياً
عن الواقع .
والخلاصة : أن الروايات المذكورة وإن كانت ناصة في وجوب التقية وأنها من الدين ،
إلا أنها لا تدل على أن وجوبها ناشيء من الملاك القائم بالعمل المتقى به لكي يكشف
عن وجوبه النفسي ، بل الظاهر منها بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أنه ناشيء من
مصالح اُخرى وهي مصالح حفظ النفس أو العرض أو المال التي اهتم الشارع بها ، فيكون
وجوبه مقدميّاً .
هذا إضافة إلى أن هناك مجموعة من الروايات التي تنص على أن علة جعل التقية وتشريعها
من الدين هي حقن الدماء والأنفس ، كصحيحة محمد بن مسلم(1) وصحيحة أبي حمزة
الثمالي(2) ونحوهما(3) ، فإنها تنص على أن مصلحة جعل التقية وحكمته حقن الدماء وحفظ
الأنفس وما يلحق بها من الاعراض والأموال ، وعلى هذا فلا تدل هذه الروايات على أن
العمل المتقى به مأمور به حتى يكون الاتيان به مجزياً عن الواقع .
ومن هنا يظهر أن ما نسب إلى المشهور من دلالة هذه الروايات على الاجزاء
ـــــــــــــــــــــ
(1) (2) الوسائل 16 : 234 ، باب 31 من أبواب الأمر والنهي ، ح 1 و2 .
(3) لاحظ الوسائل 16 : 235 ، باب 32 من أبواب الأمر والنهي .
ـ408ـ
لايمكن المساعدة عليه ، فالنتيجة أن أدلة التقية العامة لا تدل على الاجزاء .
وأما الأدلة الخاصة فتارة يقع الكلام في الأدلة الخاصة الواردة في باب الصلاة
واُخرى في غيرها ، أما الكلام في الأول فقد وردت فيها طوائف من الروايات :
الاُولى : الروايات التي تنص على ترغيب المؤمنين في الصلاة معهم والحث على الدخول
في مساجدهم وحضور جنائزهم ، وقد جاء في صحيحة حماد بن عثمان وصحيحة الحلبي أن من
صلى معهم في الصف الأول كان كمن صلى خلف رسول الله (صلى الله عليه وآله) في الصف
الأول(1) ، وهذه الطائفة تدل بوضوح على الاجزاء ، ومقتضى اطلاقها أن الصلاة معهم
مجزية وإن كانت فاقدة للجزء أو الشرط ، كما إذا كانت فاقدة للقراءة أو البسملة أو
مقرونة بالتكتف أو نحو ذلك ، بل مقتضى هذه الروايات صحة الصلاة معهم مداراة وإن لم
تكن هناك تقية ، بل مقتضى الصحيحتين المذكورتين أنها أفضل وأكثر ثواباً من الصلاة
وحدة .
الثانية : الروايات الناهية عن الصلاة خلفهم والاقتداء بهم ، ومقتضى اطلاقها أنها
غير صحيحة وإن كانت في حال التقية(2) .
الثالثة : الروايات التي تدل على جواز الصلاة خلفهم شريطة أن يقرأ القراءة بنفسه
واخفاتاً ، كقوله (عليه السلام) في صحيحة علي بن يقطين إقرء لنفسك وإن لم تسمع
نفسك(3) ، وقوله (عليه السلام) في صحيحة الحلبي فاقرء خلفه سمعت قراءته أو لم
تسمع(4) . وهكذا(5) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 8 : 299 ، باب 5 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 1 و4 .
(2) الوسائل 8 : 303 ، باب 6 من أبواب صلاة الجماعة ح 5 .
(3) الوسائل 8 : 363 ، باب 33 من أبواب صلاة الجماعة ، ح 1 .
(4) الوسائل 8 : 363 ، باب 33 من أبواب صلاة الجماعة ح 9 .
(5) لاحظ أحاديث الباب المتقدم .
ـ409ـ
ثم إن بين الطائفة الاُولى والثانية معارضة ، فإن الاُولى تدل على صحة الصلاة خلف
إمامهم والثانية تدل على بطلانها فتسقطان معاً من جهة المعارضة ، فيكون المرجع
الطائفة الثالثة التي لا معارض لها ، ومقتضى هذه الطائفة جواز الاقتداء بهم بشرط أن
يقرء القراءة بنفسه ، نعم ما يترتب على الاشتراك معهم في الصلاة والاقتداء بإمامهم
من المصالح العامة كإظهار الوحدة بين صفوف المسلمين والمحافظة على مصالح الطائفة
لايرتبط بصحة صلاته ، لأنها منوطة بأن يقرء القراءة بنفسه ، ولايمكن أن يعول على
قراءة إمامهم بأن تعوض قرائته عن قرائته ، لأن شروط التعويل غير متوفرة فيه ، نعم
مقتضى إطلاق هذه الروايات أن التكتف أو السجود على ما لا يصح السجود عليه لا يضر
بصحة الصلاة وإن كان بامكانه الاتيان بها في مكان آخر بدون التكتف ومع السجود على
ما يصح ، ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام ، فإن محل الكلام إنما هو في كفاية
الصلاة الاضطرارية عن الصلاة الاختيارية فيما إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام
الوقت ، وأما إذا كان الاتيان بالصلاة الناقصة بإرادة المكلف واختياره مع تمكنه من
الاتيان بالصلاة التامة في عرضها كما هو المفروض في مورد هذه الروايات ، فهو خارج
عن محل الكلام .
وأما الكلام في الثانية ، وهي ماورد في بعض الروايات الخاصة من الأمر بغسل الرجلين
في الوضوء تقية(1) ، فهل يجزي إذا توضأ شخص كذلك ، الظاهر أنه يجزي ، وذلك لأن
الأمر المتعلق بالوضوء كذلك يكشف عن وجود مصلحة ملزمة فيه وهي تفي بمصلحة الواقع ،
وأما عنوان التقية فهو عنوان تعليلي له وليس بتقييدي لكي يكون الأمر به من جهة ما
يترتب على التقية من المصلحة .
ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 1 : 444 ، باب 32 من أبواب الوضوء ، ح 3 .
ـ410ـ
ومن هنا تختلف الأدلة العامة للتقية عن الأدلة الخاصة لها ، فإن الاُولى ظاهرة في
أن الأمر بالتقية بعنوانها إنما هو من أجل ما يترتب عليها من المصلحة العامة وهي
حقن الدماء وحفظ الأموال والأعراض ، لا من أجل ما يترتب على الفعل المتقى به
بعنوانه الأولي من المصلحة ، فلهذا يكون الظاهر منها أن التقية جهة تقييدية لا
تعليلية ، وهذا بخلاف الأدلة الخاصة فإنها حيث كانت ظاهرة في أن الأمر متعلق بالفعل
بعنوانه الأولي لا بالتقية ، ولكن من أجل التقية فيكون الظاهر منها أنها جهة
تعليلية لا تقييدية .
هذا كله في الاضطرار الطارىء على الانسان بغير اختياره ، وأما إذا كان بسوء
الاختيار ، فهل هو مشمول لاطلاق أدلة الأوامر الاضطرارية من الآية الشريفة
والروايات أو لا ؟ فقد ذكر السيد الاسُتاذ (قدس سره) أن الاضطرار العارض على المكلف
بغير اختباره هو القدر المتيقن من اطلاقها ، وأما إذا كان بسوء اختياره كما إذا كان
معجزاً نفسه عن الوضوء أو الغسل بإهراق الماء عنده ، أو معجزاً كذلك عن الصلاة
قائماً أو الصلاة في ثوب طاهر بإرادته ، فقد ذكر (قدس سره) أنه غير مشمول لاطلاق
أدلة الأوامر الاضطرارية ، بدعوى أن هذه الاطلاقات منصرفه عنه ومختصة بالاضطرار
الطبيعي وغير الاختياري ، فإن قوله تعالى : (فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا
صَعِيْداً طَيِّباً)(1) ، ظاهر عرفاً فيما إذا كان عدم وجدان الماء بطبعه لا بسوء
اختياره ، ولا يشمل ما إذا كان عدم وجدانه الماء مستنداً إلى سوء اختياره كما إذا
كان عنده ماء أهرقه باختياره ، وكذلك قوله (عليه السلام) : « إذا قوى فليقم »(2) ،
فإنه لايشمل ما إذا كان عجزه عن القيام مستنداً إلى سوء اختياره ، وعلى هذا فلا
ـــــــــــــــــــــ
(1) سورة النساء ( 4 ) : 43 وسورة المائدة ( 5 ) : 6 .
(2) الوسائل 5 : 495 ، باب 6 من أبواب القيام ، ح 3 .
ـ411ـ
يجوز للمكلف إيقاع نفسه في الاضطرار اختياراً ، لأنه يستوجب فوات الملاك الملزم
القائم بالمبدل وحرمان نفسه عنه وهو غير جائز ، لأن العقل كما يحكم بقبح تفويت
التكليف المنجز كذلك يحكم بقبح تفويت الملاك المنجز الذي هو حقيقة التكليف وروحه .
وعلى الجملة فاطلاقات أدلة الأوامر الاضطرارية إذا لم تشمل الاضطرار الناشيء بسوء
اختيار المكلف ، لم يكن هناك أمر اضطراري حتى يكون الاتيان بمتعلقه مجزياً عن
الواقع ، فلهذا قد حرم نفسه عن استيفاء الملاك المولوي وفوّت على نفسه تمام ملاك
الواقع .
ثم ذكر (قدس سره) أن الثمرة لاتظهر بين القولين في باب الصلاة ، على أساس أنها
لاتسقط بحال ، فإذا أوقع المكلف نفسه في الاضطرار إلى التيمم باهراق الماء الموجود
عنده باختياره ، فالآية الشريفة عندئذ وإن كانت لا تشمل مثله وهو الفاقد للماء
باختياره ، إلا أن الصلاة بما أنها لا تسقط بحال ، فيجب عليه الاتيان بها مع
الطهارة الترابية ، والثمرة إنما تظهر بين القولين في غير باب الصلاة(1) هذا . ولنا
تعليقان على ما أفاده (قدس سره) في المسألة :
الأول : على أصل الدعوى .
الثاني : على ما ذكره (قدس سره) من أن الثمرة لا تظهر بين القولين في باب الصلاة .
أما التعليق الأول ، فلأن الآية الشريفة وإن كان يمكن القول بأن المنصرف منها عدم
وجدان المكلف الماء بطبعه وبغير سوء اختياره ، إلا أن هذا الانصراف بدويّ ، لأن
التأمل في الآية الشريفة بضم صدرها إلى ذيلها بمناسبة الحكم
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 241 ـ 243 .
ـ412ـ
والموضوع الارتكازية يؤكد أن موضوع وجوب الوضوء في الآية تمكن المكلف من استعمال
الماء عقلا وشرعاً ، وموضوع وجوب التيمم عدم تمكنه من الاستعمال كذلك ، وعلى هذا
فإن كان المكلف متمكناً من استعمال الماء عقلا وشرعاً فوظيفته الوضوء أو الغسل وإلا
فوظيفته التيمم ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون عدم التمكن مستنداً إلى أمر خارج عن
اختيار المكلف أو مستنداً إلى سوء اختياره ، فإنه على كلا التقديرين يصدق عليه أنه
غير متمكن من استعمال الماء عقلا أو شرعاً .
فالنتيجة ، أن الآية تشمل الاضطرار الناشيء من سوء اختيار المكلف ولا تختص
بالاضطرار الجائي بغير اختياره .
وأما روايات البدلية ، فالظاهر أن ها تشمل العجز الناشيء من سوء الاختيار ، فإنها
تدل على أن التراب بدل عن الماء بالمطابقة وأن هذه البدلية طولية بالالتزام ، وعليه
فإذا كان المكلف عاجزاً عن استعمال الماء انتقلت وظيفته إلى بدله وهو التراب ، ولا
فرق بين أن يكون العجز عن الماء بالقهر أو بالاختيار ، ولا مجال لدعوى انصراف العجز
فيها إلى العجز بغير الاختيار ، لفرض أنه لم يؤخذ في لسان هذه الروايات لكي يدعي
انصرافه عن ذلك ، بل هو قيد يستفاد منها بالالتزام عقلا ، وعلى هذا فمقتضى اطلاق
هذه الروايات عدم الفرق بين أن يكون العجز عن الماء بسوء الاختيار أو بغيره هذا من
ناحية .
ومن ناحية اُخرى أنه لو كان لدليل الأوامر الاضطرارية إطلاق بالنسبة إلى العذر غير
المستوعب لتمام الوقت وتشمله باطلاقها ، فعلى هذا لا فرق بين العذر المذكور بسوء
اختيار المكلف أو بغير سوء اختياره ، إذ على كلا التقديرين إن كان ملاك الوظيفة
الاضطرارية وافياً بتمام ملاك الوظيفة الاختيارية أو أن المقدار
ـ413ـ
المتبقي غير الزامي ، فلا شبهة في الاجزاء ، حيث إن الواجب حينئذ هو الجامع بين
الوظيفة الاختيارية والوظيفة الاضطرارية ، وأما إذا كان المقدار المتبقي الزامياً
قابلا للاستيفاء ، فالواجب هو الجامع بين عملين الاضطراري في أول الوقت والاختياري
في آخر الوقت ، وبين الاقتصار على عمل واحد وهو الاختياري في آخر الوقت ، ولا مانع
من ذلك كما تقدم ، وأما إذا لم يكن قابلا للاستيفاء فلا يجوز للمكلف إيقاع نفسه في
الاضطرار ، لأنه يوجب تفويت الملاك الملزم وهو قبيح ، وأما لو أوقع نفسه فيه بسوء
اختياره وأتى بالصلاة الاضطرارية في أول الوقت ، فصلاته وإن كانت صحيحة إلا أنه أثم
على تفويت المقدار المتبقي من الملاك الملزم في نفسه ، ومن هنا يظهر أنه لا يجوز
البدار في هذا الفرض تكليفاً ، وأما وضعاً فهو جائز كما تقدم تفصيله .
وأما إذا لم يكن لدليل تلك الأوامر اطلاق بالنسبة إلى العذر غير المستوعب ، بأن
يكون مختصاً بالعذر المستوعب لتمام الوقت ، فأيضاً لافرق بين أن يكون العذر قهرياً
أو بسوء الاختيار ، فإنه على كلا التقديرين يكون موضوعاً
للأمر الاضطراري .
وأما التعليق الثاني من الالتزام بأن الاضطرار إذا كان بسوء الاختيار لم يكن مشمولا
لاطلاق أدلة الأوامر الاضطرارية ، فلايمكن المساعدة على ما أفاده (قدس سره)من أن
الثمرة لاتظهر بين القولين في باب الصلاة فإنه على كلا القولين فيه لابد من الاتيان
بها مع الطهارة الترابية ، وذلك لأن تعذر استعمال الماء بسوء الاختيار إذا كان غير
مشمول للآية الشريفة والروايات ، فلا دليل على وجوب التيمم حينئذ والصلاة معه ، بل
إنه فاقد الطهورين ، لأن الطهارة المائية متعذرة عليه إما عقلا أو شرعاً ، وأما
الطهارة الترابية فلا يكون مأموراً بها ، باعتبار أن عدم قدرته على
ـ414ـ
الطهارة المائية حيث إنه كان بسوء اختياره ، فلا يكون مشمولا لأدلة البدلية كالآية
الشريفة والروايات حتى يكون مأموراً بالطهارة الترابية والصلاة معها ، وأما حديث لا
تدع الصلاة بحال(1) فهو لا يثبت موضوعه وهو الصلاة ، فلابد من فرض تمكن المكلف منها
في المرتبة السابقة حتى يدل الحديث على أنها لا تسقط عنه ، والمفروض أنه غير متمكن
منها في المقام ، أما الصلاة مع الطهارة المائية فهو غير قادرة عليها ، وأما
الطهارة الترابية فغير مشروعة في حقه حتى يكون قادراً على الصلاة معها ، فإذن يكون
فاقداً الطهورين فلا يكون مشمولا للحديث حتى يدل على أن الصلاة لا تسقط عنه ، وعلى
الجملة فالحديث الشريف يدل على أن الصلاة لاتسقط بسقوط جزء أو شرط منها طالما لم
يكن الجزء أو الشرط من مقوماتها ، وأما إذا كان من مقوماتها فهي تسقط بسقوطه لا
محالة ، وحينئذ فلا صلاة لكي يكون مشمولا للحديث ويدل على عدم سقوطها ، وحيث إن
الطهور من مقوماتها ، فمن لم يتمكن منه فلا صلاة له لكي يدل الحديث على أنها لا
تسقط عنه ، فموضوع الحديث من يتمكن من الصلاة في المرتبة السابقة ولو بأدنى مرتبتها
، فإنه مأمور بالاتيان بها وعدم جواز تركها وأنها لا تسقط عنه ، وأما من لم يتمكن
منها كفاقد الطهورين فهو خارج عن موضوع الحديث ، فلا يكون مشمولا له .
وأما نفس الحديث فهي لا تدل على مشروعية التيمم ، وذلك لأن دلالة الحديث على عدم
سقوط الصلاة بحال تتوقف على تمكن المكلف من الصلاة في المرتبة السابقة ، فلو توقف
تمكنه منها على دلالته عليه لدار ، فما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) في المقام
غير تام كالآية الشريفة أو الروايات ونحوها ، إلى هنا قد
ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 2 : 373 ، باب 1 من أبواب الاستحاضة ، ح 5 . وفيه : ( لا تدع الصلاة
على حال ) .
ـ415ـ
تبين أن اطلاقات أدلة الأوامر الاضطرارية كالآية الشريفة والروايات ونحوها لا تشمل
الاضطرار غير المستوعب لتمام الوقت ، وعلى هذا فلو صلى المكلف في أول الوقت مع
الطهارة الترابية ثم ارتفع العذر في آخر الوقت وتمكن من الطهارة المائية ، وجبت
عليه إعادة الصلاة مع الطهارة المائية ، فيكون مقتضى القاعدة فيه عدم الاجزاء .
وأما إذا كان العذر مستوعباً لتمام الوقت ، فقد تقدم أن مقتضى اطلاق أدلتها الاجزاء
، هذا تمام الكلام في مقتضى الأصل اللفظي .
وأما الكلام في مقتضى الأصل العملي فيما إذا شك في أن الاتيان بالمأمور به بالأمر
الاضطراري في أول الوقت ، هل يجزي عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي في آخر
الوقت أو لا ؟ فيه وجهان :
فذهب المحقق صاحب الكفاية (قدس سره) إلى أن مقتضاه الاجزاء ، وذلك لأصالة البراءة
عن وجوب الاعادة عند الشك فيه(1) ، وفي مقابل ذلك قول بعدم الاجزاء ، وذلك لأصالة
الاشتغال فيه ، بدعوى أن المكلف يعلم بأن ذمته مشغولة بالصلاة مع الطهارة المائية
الجامعة بين فردها المقدور وهو فردها في آخر الوقت وغير المقدور وهو فردها في أول
الوقت ، ولا مانع من وجوب الجامع بين المقدور وغير المقدور ، لأنه مقدور ، ويشك في
سقوطها عن ذمته بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت وهو مورد لقاعدة الاشتغال
دون البرائة ، لأن الشك في السقوط لا في الثبوت .
ولكن هذا القول خارج عن محل الكلام ، لأن محل الكلام إنما هو في إجزاء الاتيان
بالصلاة مع الطهارة الترابية المأمور بها بالأمر الاضطراري في أول الوقت
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 85 .
ـ416ـ
عن الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، فلنا دعويان :
الاُولى : أن القول المذكور خارج عن محل الكلام .
الثانية : أن محل الكلام إنما هو في إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر الاضطراري عن
المأمور به بالأمر الواقعي .
أما الدعوى الاُولى ، فلأن الأمر الاضطراري إذا كان ثبوته مشكوكاً فيه فلا معنى
للبحث عن أنه يجزي أو لا ، فإذا لم تثبت مشروعية التيممم لفاقد الماء في جزء من
الوقت وكان يشك في مشروعيته ، فكيف يمكن القول بأن الصلاة معه في أول الوقت مجزية
عن الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت .
وأما الدعوى الثانية ، فلوضوح أن محل الكلام إنما هو في إجزاء الاتيان بالمأمور به
بالأمر الاضطراري عن المأمور به بالأمر الواقعي ، فإذا ثبتت مشروعية الطهارة
الترابية لفاقد الماء في جزء من الوقت مع كونه واجداً له في جزء آخر منه ، فعندئذ
يشك في أن الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت هل تجزي عن الصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت أو لا ، ومنشأ هذا الشك ، الشك في أن ملاك الصلاة مع الطهارة
الترابية في أول الوقت يفي بتمام ملاك الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت أو
بمقدار منه ، والمقدار المتبقي منه لا يخلو إما أنه غير لزومي أو إنه لزومي ، وعلى
الثاني فإما أنه قابل للاستيفاء أو غير قابل له فهنا وجوه :
فعلى الوجه الأول والثاني ، فالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت بديلة وعديلة
للصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ولا شبهة في إجزائها عنها ولا موضوع
للاعادة ، لأن التخيير بينهما حينئذ من التخيير بين المتباينيين فيكفي الاتيان
باحداهما في مقام الامتثال ، لأن الواجب حينئذ هو الجامع بينهما طولا ،
ـ417ـ
وأما على الوجه الثالث فلا تجزي ، لأن الواجب على هذا الفرض يدور بين الأقل والأكثر
، لأن الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت وحده لا تجزي بدون ضميمة الصلاة مع
الطهارة المائية في آخر الوقت ، فإذن يكون المكلف فيه مخيراً بين الاتيان بهما معاً
في طول الوقت وبين الاتيان بالصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت فحسب ، لأنها
تفي بتمام الملاك إذا لم تسبقها الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت ، وعليه
فوجوب البدل منضماً إلى المبدل تخييراً معلوم ، ووجوب المبدل إذا لم يسبقه البدل
تخييراً أيضاً معلوم ، وأما وجوب المبدل تعييناً بوجوب آخر فهو غير معلوم ، فلا
مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه ، لأنه من الشك في التكليف الزائد ولا ربط له
بمسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، نعم على القول بأن مثل هذا التخيير غير
معقول ، بدعوى أن الأمر بالبدل منضماً إلى المبدل لغو وجزاف بعد كفاية المبدل وحده
، فعندئذ يكون المبدل واجباً تعيينياً .
ولكن قد تقدم أنه لا مانع من هذا التخيير ، ولا يقاس هذا بالتخيير بين الأقل
والأكثر الاستقلاليين .
وأما على الوجه الرابع ، فلا يجوز البدار إلى الصلاة مع الطهارة الترابية في أول
الوقت تكليفاً ، لأنه يوجب تفويت الملاك الملزم بلا مبرر ، وأما وضعاً فالاتيان بها
مجزيء ، هذا كله بحسب مقام الثبوت ، وأما في مقام الاثبات فإذا لم يكن دليل لفظي
لاثبات الوجه الأول أو الثاني فيصل الدور إلى الأصل العملي ، وحيث لا نعلم أن الأمر
بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت هل هو على النحو الأول أو الثاني أو
الثالث أو الرابع ثبوتاً ، فيكون ذلك منشأ للشك في إجزاء الصلاة مع الطهارة
الترابية في أول الوقت وحدها عن الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، ومرجع
هذا الشك إلى الشك في وجوب إعادتها مع الطهارة المائية وعدم
ـ418ـ
وجوبها ، ولا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوبها ، فالنتيجة الاجزاء .
ولكن مع هذا فقد اعترض المحقق العراقي (قدس سره) على أصالة البراءة في المسألة ،
بدعوى أن الأصل فيها أصالة الاشتغال دون البراءة ، وقد استدل على
ذلك بوجهين :
الأول : أن الشك في وجوب إعادة الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ناشىء من
الشك في أن المتبقي من الملاك بعد الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول
الوقت قابل للاستيفاء أو لا . وهذا من الشك في القدرة وهو مورد لقاعدة الاشتغال .
الثاني : أن المقام داخل في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير ، فإن الصلاة
مع الطهارة الترابية إن كانت مجزية عن الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ،
فالواجب هو الجامع بينهما ، ويكون المكلف مخيراً بين الاتيان بالاُولى أو الثانية ،
وإن لم تكن مجزية ، فالواجب خصوص الصلاة مع الطهارة المائية تعيينياً ، فإذا كان
الأمر دائراً بين التعيين والتخيير ، فالأصل في هذه المسألة التعيين والاحتياط دون
البراءة(1) ، ولكن كلا الوجهين غير تام .
أما الوجه الأول ، فيرد عليه أنه لا فرق في جريان أصالة البراءة في موارد الشك في
التكليف بين أن يكون منشأه الشك في القدرة أو الشك من جهة اُخرى ، فإنه على كلا
التقديرين لا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة لاطلاق أدلتها ، فإذا شك في وجوب
الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت بعد الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية
في أول الوقت ، فلا مانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عنه إن كان منشأه الشك في
القدرة على استيفاء الملاك المتبقي منها .
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الأفكار 1 : 230 .
ـ419ـ
وبكلمة ، أن الشك في القدرة يتصور على نحوين :
الأول : أن يكون الشك فيها في موارد يكون أصل ثبوت التكليف في تلك الموارد مشكوكاً
فيه كما في المقام ، فإن المكلف لا يعلم بوجوب الصلاة مع الطهارة المائية على تقدير
الاتيان بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت ولا يعلم بدخولها في الذمة من
الأول .
الثاني : أن يكون الشك في القدرة على امتثال ما تنجز من التكليف ودخل في العهدة ،
ومورد الشك في القدرة الذي هو مجرى الاحتياط عقلا ، الثاني دون الأول ، إذ لا موجب
لكونه مورداً لأصالة الاحتياط بعد ما كان الشك في أصل ثبوت التكليف ، فإن المكلف
إذا ترك الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت فقد علم بوجوب الصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت ، وأما على تقدير الاتيان بها فوجوبها مشكوك فيه ، وهذا من
الشك في أصل ثبوت التكليف وهو مورد لأصالة البراءة دون أصالة الاحتياط ، وإن كان
منشأه الشك في القدرة ، إذ لا فرق بين أن يكون منشأ الشك في أصل ثبوت التكليف الشك
في القدرة أو من جهة اُخرى ، طالما لا يرجع إلى الشك في القدرة على امتثال ما ثبت
وتنجز من التكليف ، فإذا رجع إليه فهو مورد لأصالة الاحتياط ، باعتبار أنه من موارد
الشك في السقوط بعد الثبوت ، ولا فرق فيه بين أن يكون منشأه الشك في القدرة أو من
جهة اُخرى ، وأما إذا لم يرجع إليه فهو من موارد أصالة البراءة ، فما هو المشهور من
أن موارد الشك في القدرة من موارد أصالة الاحتياط مطلقاً
غير تام .
وأما الوجه الثاني ، فالأمر في المسألة لايدور بين التعيين والتخيير ، فإن دورانه
بينهما مبني على أن الأمر إما أن يكون متعلقاً بالجامع بين العمل
ـ420ـ
الاضطراري والعمل الاختياري أو بخصوص العمل الاختياري فقط ، وهذا الاحتمال غير
محتمل في جميع فروض المسألة ، أما على الفرض الأول والثاني ، فالأمر متعلق بالجامع
بينهما جزماً ويكون التخيير بينهما من التخيير بين المتباينين ، إذ على ضوئهما يكون
المكلف مخيراً بين الصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت ، وأما على الفرض الثالث ، فالأمر متعلق بالجامع بين الأقل
والأكثر ، بمعنى أن المكلف مخيّر بين الانتظار والاتيان بصلاة واحدة وهي الصلاة مع
الطهارة المائية في آخر الوقت وبين جواز البدار والاتيان بصلاتين الصلاة مع الطهارة
الترابية في أول الوقت والصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت ، ولايدور الأمر في
المسألة بين التعيين والتخيير ، وأما احتمال وجوب الصلاة مع الطهارة المائية في آخر
الوقت تعييناً لا تخييراً ولا منضماً وإن كان محتملا ، إلا أنه من الشك في التكليف
الزائد والمرجع فيه أصالة البراءة ، ولا يرتبط بمسألة دوران الأمر بين التعيين
والتخيير ، هذا بناء على امكان هذا التخيير كما هو الصحيح ، وأما بناء على القول
باستحالته فالأمر أيضاً كذلك ، لأن وجوب الصلاة مع الطهارة المائية في آخر الوقت
حينئذ يكون معيناً ، فلا يدور أمره بين التعيين والتخيير .
نتائج هذا البحث … وأما على الفرض الرابع ، فلا يجوز البدار تكليفاً ولكنه جائز
وضعاً ، بمعنى أن المكلف إذا أتى بالصلاة مع الطهارة الترابية في أول الوقت فصلاته
صحيحة ، ولكنه آثم من جهة أنه قد فوت على نفسه الملاك الملزم وهو المقدار المتبقي ،
فلهذا لا يجوز له البدار تكليفاً ، وفي هذا الفرض لا شك في المسألة لكي يدور الأمر
بين التعيين والتخيير ، لأن وظيفة المكلف فيها معلومة وهي الصلاة مع الطهارة
المائية في آخر الوقت .
ـ421ـ
فالنتيجة ، أن ما ذكره المحقق العراقي (قدس سره) من أن الأمر في المسألة يدور بين
التعيين والتخيير ، لا يتم على جميع فروض المسألة واحتمالاتها ، هذا إضافة إلى أن
المرجع في مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير في مقام الجعل أصالة البراءة لا
أصالة الاشتغال إلا في مسألتين :
الاُولى : في دوران الأمر بين التعيين والتخيير في حجية شيء .
الثانية : في دوران الأمر بينهما في مقام الامتثال ، وحيث أن المقام داخل في
المسألة الاُولى دون الثانية والثالثة ، فالمرجع فيها أصالة البراءة عن التعيين .
هذا تمام الكلام في إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي .
نتائج هذا البحث عدة نقاط :
الاُولى : أن مقتضى القاعدة الأولية عدم الاجزاء ، فإن سقوط الواجب عن المكلف وحصول
الغرض منه بالاتيان بغير الواجب بحاجة إلى دليل وإلا فمقتضى اطلاق دليله عدم السقوط
إذا كان له اطلاق ، وإلا فهو مقتضى الأصل العملي أيضاً ، لأن الشك إنما هو في سقوط
الواجب بغيره ، وهذا من موارد أصالة الاشتغال تطبيقاً لقاعدة أن الشغل اليقيني
يقتضي الفراغ اليقيني .
الثانية : أن الدليل قد دل على الخروج عن مقتضى هذه القاعدة في موارد اضطرار المكلف
إلى الاتيان بغير المأمور به بالأمر الواقعي الأولي ، كما إذا اضطر إلى الصلاة مع
الطهارة الترابية ، من جهة أنه فاقد للماء أو غير متمكن من استعمالها ، وإلى الصلاة
عن جلوس من جهة عدم قدرته على القيام أو أنه حرجي عليه وهكذا ، ففي مثل ذلك حيث إن
الأمر بالصلاة مع الطهارة الترابية أو مع الجلوس لايمكن أن يكون جزافاً ، فلا محالة
يكشف عن وجود ملاك فيها يفي
ـ422ـ
بغرض المولى في الواقع .
الثالثة : أن الاضطرار الطارىء على المكلف تارة يكون مستوعباً لتمام الوقت واُخرى
يكون في جزء من الوقت دون جزء آخر ، أما الكلام في الأول ، فتارة يقع في مقام
الثبوت واُخرى في مقام الاثبات ، أما في مقام الثبوت فالملاك الذي يدعو المولى إلى
الأمر الاضطراري يتصور على وجوه تقدم الكلام فيها موسعاً ، وأما في مقام الاثبات
فمقتضى اطلاق دليل الأمر الاضطراري الاجزاء وعدم وجوب القضاء في خارج الوقت .
الرابعة : أن ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن عدم الاجزاء في هذه المسألة
وهي ما إذا كان الاضطرار مستوعباً لتمام الوقت غير معقول ، بدعوى أن القيد المتعذر
لا يخلو من أن يكون دخيلا في الملاك مطلقاً حتى في حال تعذره ، أو لا يكون دخيلا
فيه إلا في حال التمكن ، فعلى الأول لا أمر بالفاقد وعلى الثاني فالملاك فيه تام ،
لفرض أن القيد المتعذر غير دخيل فيه ، فإذا كان ملاكه تاماً فلا موضوع للقضاء في
خارج الوقت ، لأن موضوعه الفوت ولم يفت من المكلف شيء ، غير تام ، لأن الصلاة ذات
مراتب متفاوتة ، فلكل مرتبة منها ملاك دون ملاك المرتبة الاُولى ، مثلا المصلحة
المترتبة على الصلاة مع الطهارة الترابية دون المصلحة المترتبة على الصلاة مع
الطهارة المائية ، وعلى هذا فإذا كان المقدار المتبقي منها لزومياً ، فلا مانع من
الجمع بين الأداء بالوظيفة الاضطرارية كالصلاة مع الطهارة الترابية في الوقت
والقضاء بالوظيفة الاختيارية كالصلاة مع الطهارة المائية في خارج الوقت لادراك تمام
المصلحة على تفصيل تقدم .
الخامسة : أن الاضطرار إذا لم يكن مستوعباً لتمام الوقت ، ففي مثل ذلك يمكن تصوير
المأمور به بالأمر الاضطراري ثبوتاً على أحد الأنحاء الأربعة التالية :
ـ423ـ
الأول : أن يكون مشتملا على ملاك يفي بتمام ملاك الواقع .
الثاني : بجزء منه والجزء المتبقي غير لزومي .
الثالث : أنه لزومي قابل للاستيفاء .
الرابع : أنه غير قابل له .
فعلى الأول والثاني يكون الاجزاء على القاعدة ، وعلى الثالث فمقتضى القاعدة عدم
الاجزاء ، لأن الواجب حينئذ هو الجامع بين الأقل والأكثر ، بمعنى أن المكلف مخير
بين الاتيان بعملين في طول الوقت هما الاضطراري والاختياري وبين الاقتصار بعمل واحد
وهو الاختياري في آخر الوقت . وعلى الرابع الاجزاء وصفاً لا تكليفاً وقد تقدم كل
ذلك موسعاً .
السادسة :أن ما ذكره المحقق الخراساني (قدس سره) من جواز التمسك باطلاق آية التيمم
وروايات البدلية لاثبات الاجزاء في المسألة وعدم وجوب الاعادة غير تام ، أما أولا :
فلأنه لا إطلاق لأدلة البدلية من الآية الشريفة والروايات من هذه الناحية حتى يمكن
التمسك باطلاقها كما مرت الاشارة إليه .
وثانياً : أن الواجب هو طبيعة الصلاة مع الطهارة المائية الجامعة بين مبدأ الوقت
ومنتهاه ، فطالما يكون المكلف متمكناً من الاتيان بها في ضمن أحد أفرادها الطولية ،
فلا تصل النوبة إلى الصلاة مع الطهارة الترابية لأنها وظيفة العاجز عن الأولى .
السابعة : أن لو كان لدليل الأوامر الاضطرارية اطلاق فرضاً ، فلا مانع من التمسك
باطلاقها ، لأن مقتضاه أن الاضطرار غير المستوعب كالاضطرار المستوعب موضوع للأمر
الاضطراري فلا فرق بينهما من هذه الناحية ، ودعوى
ـ424ـ
أنه لا يمكن الأخذ بهذا الاطلاق ، مدفوعة كما تقدم .
الثامنة : أن ما قيل من أن اطلاق دليل الأوامر الاضطرارية في المسألة معارض باطلاق
دليل الأوامر الاختيارية مما لا أصل له ، لأن اطلاق الدليل الأول بما أنه متكفل
للحكم بعنوان ثانوي يتقدم على اطلاق الدليل الثاني المتكفل للحكم بعنوان أولي من
باب الحكومة كما سبق تفصيله .
التاسعة : أن مقتضى القاعدة عدم الاجزاء بناء على ما هو الصحيح ، من أنه لا إطلاق
لأدلة الأوامر الاضطرارية إذا لم يكن العذر مستوعباً لتمام الوقت ، ولكن مع ذلك ذهب
جماعة إلى الاجزاء في المسألة كالمحقق العراقي والمحقق النائيني والمحقق الأصبهاني
(قدس سرهم) ، أما المحقق العراقي (قدس سره) فقد استدل على ذلك بوجوه ، ولكن تقدم
عدم تمامية شيء من تلك الوجوه ، وأما المحقق النائيني (قدس سره) فقد اختار الاجزاء
في صورة خاصة من المسألة وهي ما إذا كان المكلف مأيوساً عن ارتفاع العذر في الوقت
أو ظاناً بعدم ارتفاعه ، ولكن قد سبق عدم تمامية ذلك أيضاً ، وأنه لا فرق بين هذه
الصورة وصورة العلم بارتفاع العذر في آخرالوقت ، فإن مقتضى القاعدة في كلتا
الصورتين عدم الاجزاء ، وأما المحقق الأصبهاني (قدس سره) فقد اختار في المسألة
الاجزاء ، وأفاد في وجه ذلك كلاماً طويلا أشرنا إليه وما فيه من الاشكال .
العاشرة : لا شبهة في إجزاء وضوء الجبيرة عن الوضوء التام لكن لا مطلقاً ، بل فيما
إذا كان العذر مستوعباً لتمام الوقت وإلا فلا يجزي ، وكذا غسل الجبيرة ، ومن هذا
القبيل وضوء المسلوس والمبطون .
الحادية عشر : أن الاضطرار إلى ترك جزء أو شرط إذا كان من جهة التقية ، فالروايات
العامة الواردة بلسان أن التقية ديني ودين آبائي ونحوه لا تدل على
ـ425ـ
الاجزاء ، لأنها لا تكشف عن وجود مصلحة ملزمة في الفعل المتقي به لكي يكون الأمر
بالتقية أمراً بذلك الفعل حقيقة ، بل الظاهر منها أن التقية إنما هي من جهة مصلحة
مترتبة عليها وهي حقن الدماء والاعراض والأموال ، فالاتيان بالفعل المتقي به إنما
هو من أجل ذلك لا لمصلحة في نفسه .
الثانية عشر : أن المستفاد من مجموعة من الروايات هو أن الصلاة معهم وخلف إمامهم
صحيحة شريطة أن يقرء القراءة بنفسه ولا يعول على قراءة إمامهم وإن كانت الصلاة مع
التكتف أو بدون ما يصح السجود عليه ، بل وإن لم تكن هناك تقية واضطرار أصلا ، فإنه
يجوز له الدخول معهم في صلاتهم جماعة اختياراً ، بل هو أفضل من صلاته فرادى .
الثالثة عشر : أن الوضوء مع غسل رجلين بدل مسحها تقية صحيح كما
تقدم تفصيله .
الرابعة عشر : الأظهر أن الاضطرار إذا كان بسوء الاختيار فهو مشمول لاطلاق أدلة
الأوامر الاضطرارية خلافاً للسيد الاُستاذ (قدس سره) .
الخامسة عشر : أن ما ذكره السيد الاُستاذ (قدس سره) من أن الثمرة لاتظهر بين
القولين في باب الصلاة ، فإن المكلف إذا أوقع نفسه بسوء اختياره في الاضطرار إلى
الطهارة الترابية وجب عليه الاتيان بها والصلاة معها ، هذا لا من جهة أنها مشمولة
لاطلاق أدلة الاضطرار كالآية الشريفة والروايات ، بل من جهة أن الصلاة لا تسقط بحال
لايتم ، لأن الطهارة الترابية إذا لم تكن مشمولة للآية الشريفة ونحوها ، فلايمكن
اثبات مشروعيتها بقوله (عليه السلام) : « لا تدع
الصلاة بحال » .
السادسة عشر : إذا لم يكن أصل لفظي في المسألة فالمرجع فيها الأصل العملي
ـ426ـ
وهو أصالة البراءة في المقام عن وجوب الاعادة ، وإعتراض المحقق العراقي (قدس
سره)عليها بأن المرجع فيها أصالة الاشتغال دون البراءة في غير محله على
تفصيل تقدم .
إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع …
ـ427ـ
إجزاء الأمر الظاهري عن الواقع
وأما الكلام في المرحلة الثالثة وهي أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري ، هل
يجزي عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي أو لا :
فيقع في مقامات ثلاثة :
المقام الأول : في بيان حجية الامارات ومدى تأثيرها في المسألة .
المقام الثاني : في بيان حجية الاُصول العملية وما هو مقدار تأثيرها
في الواقع .
المقام الثالث : في بيان الأقوال في المسألة .
أما الكلام في المقام الأول ففيه تفسيران للحجية :
أحدهما الطريقية والكاشفية للامارات بدون أن تكون دخيلة في الواقع أصلا ، وثانيهما
السببية والموضوعية للامارات التي لها تأثير في الواقع . وأما التفسير الأول ففيه
أقوال :
القول الأول : أنه لا جعل ولا مجعول في باب الامارات أصلا ، وإنما هو إمضاء وتقرير
من الشارع لما بنى عليه العقلاء من العمل باخبار الثقة ، على أساس ما فيها من
النكتة المبررة لذلك البناء وهو أقربيتها إلى الواقع من غيرها ، وهذا القول هو
الصحيح على تفصيل يأتي في محله إنشاء الله تعالى .
القول الثاني : ما ذهبت إليه مدرسة المحقق النائيني (قدس سره) من أن المجعول في هذا
الباب إنما هو الطريقية والعلم التعبدي فحالها حال العلم الواجداني من هذه
ـ428ـ
الناحية ، فإن كانت مطابقة للواقع فقد أدرك الواقع بما له من الملاك ، وإلا فقد فات
الواقع عنه كذلك(1) .
القول الثالث : أن المجعول في باب الامارات الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في
صورة مطابقتها للواقع والمخالف في صورة عدم مطابقتها له ، وهذا الحكم الظاهري
المجعول حكم طريقي لا شأن له غير تنجيز الواقع عند الاصابة والتعذير عند الخطأ .
القول الرابع : أن المجعول في هذا الباب هو المنجزية والمعذرية ، وقد اختار هذا
القول المحقق الخراساني (قدس سره)(2) .
ثم إن هذه الأقوال في المسألة تشترك في نقطة وهي أن مقتضى القاعدة على ضوء جميع هذه
الأقوال عدم إجزاء الاتيان بمؤدي الامارة عن الواقع ، باعتبار أن مؤداها على جميع
الأقوال المذكورة لا يكون مشتملا على مصلحة تفي بمصلحة الواقع حتى يكون مجزياً .
وأما التفسير الثاني ففيه أيضاً أقوال :
القول الأول : السببية المنسوبة إلى الأشاعرة ، وهي أنه لا واقع قبل قيام الامارة
على شيء ، فالامارة هي التي تحدث مصلحة فيه وتجعله الواقع بدون أن يكون هناك واقع
مجعول من قبل الله تعالى في المرتبة السابقة ، والسببية بهذا المعنى مضافاً إلى
أنها غير معقولة ومخالفة للكتاب والسنة وضرورة من الشرع ، أنه لا معنى حينئذ للبحث
عن إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي ولا
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 292 .
(2) كفاية الاُصول : 347 و469 .
ـ429ـ
موضوع له ، إذ لا أمر على ذلك إلا للمؤدي ، ومن الواضح أن هذا البحث يتطلب تعدد
الأمر ولا يعقل في أمر واحد ، نعم أن البحث عن ذلك على هذا القول يندرج في صغريات
البحث عن المرحلة الاُولى ، وهي أن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي يجزي أداءً
وقضاءً ، وقد تقدم أن الاجزاء بهذا المعنى ضروري وإلا فلا يمكن الامتثال أصلا(1) .
القول الثاني : السببية المنسوبة إلى المعتزلة ، وهي أن معنى حجية الامارات أنها
توجب انقلاب الواقع وارتفاعه في صورة المخالفة وإنحصاره بالمؤدي ، على أساس أنه
مغيّ بعدم قيام الامارة على خلافه .
وبذلك تمتاز سببية المعتزلة عن سببية الأشاعرة ، فإن الامارات على ضوء سببية
الأشاعرة تحدث بالواقع ابتداءً ، حيث إنه لا حكم مجعول من قبل الشارع في المرتبة
السابقة إنما يجعل الحكم ، الحكم تبعاً لقيام الامارة وفي المرتبة المتأخرة ، ولهذا
لا تتصور فيها المخالفة حينئذ تارة والمطابقة تارة اُخرى ، وأما على ضوء سببية
المعتزلة فالأحكام الواقعية وإن كانت مجعولة من قبل الشارع وثابتة في المرتبة
السابقة إلا أنها مغياة بعدم قيام الامارة على خلافها ، فإذا قامت على خلافها
ارتفعت بارتفاع غايتها ، نعم في صورة مطابقتها لها صارت نفس تلك الأحكام فعلية
ومنجزة ، فالحكم الواقعي ما أدت إليه الامارة كانت مطابقة للواقع أم لا ، ولكن على
هذا القول أيضاً لا مجال لهذا البحث ، إذ ليس في موارد الامارات أمران ظاهري وواقعي
حتى يقع البحث عن أن الامتثال الأول هل يجزي عن امتثال الثاني أو لا ، بل أمر واقعي
واحد وهو الأمر بالمؤدي ، فيكون المقام من صغريات البحث عن المرحلة الاُولى لا هذه
المرحلة .
ـــــــــــــــــــــ
(1) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 266 .
ـ430ـ
القول الثالث : ما ذكره شيخنا الأنصاري (قدس سره) من السببية بمعنى المصلحة
السلوكية ونقصد بها كون المصلحة في نفس سلوك الامارة وتطبيق العمل عليها(1) ، ولهذا
تختلف هذه المصلحة باختلاف السلوك سعة وضيقاً ، فإن كان سلوكها في أول الوقت ،
فمصلحته تفي بمصلحة أول الوقت فحسب ، وإن كان سلوكها في تمام الوقت فمصلحته تفي
بمصلحة تمام الوقت ، ولهذا تجب الاعادة في الأول لاستيفاء مصلحة أصل الوقت بعد
استيفاء مصلحة الوقت المفضل ، ويجب القضاء في الثاني ، لأن المصلحة السلوكية إنما
تفي بمصلحة الوقت فقط ، وأما مصلحة أصل الصلاة فهي باقية فلابد من استيفائها
بالقضاء إذا كان القضاء بالأمر الأول ، نعم إذا كان بأمر جديد لم يجب القضاء ، لأن
موضوعه فوت الفريضة والمفروض عدم فوتها كما عن السيد الاُستاذ (قدس سره)(2) هذا ،
وقد علق عليه بعض المحققين (قدس سره) بأن الالتزام بالمصلحة السلوكية إنما هو على
أثر برهان قبح التفويت بمقدار لولاها لزم تفويت مصلحة الواقع بلا تدارك أصلا وهو
قبيح ، وهذا البرهان لا يقتضي أكثر من وجود مصلحة سلوكية بمقدار مصلحة الوقت التي
لا يمكن تداركها أصلا ، وأما مصلحة أصل الفعل الذي يمكن تداركه بالقضاء كما هو ظاهر
دليل القضاء ، فلا يمكن أن يستفاد من دليل الحكم الظاهري تداركها ، لأن مدرك هذا
التقييد هو الضرورة والبرهان ، والضرورات تتقدر بقدرها لا أكثر ، فإذن يجب القضاء
كما هو مقتضى ظاهر دليله(3) .
وللنظر في هذا التعليق مجال ، فإن الالتزام بوجود مصلحة سلوكية في باب الامارات
إنما هو على أساس حكم العقل بقبح تفويت ملاك الواقع ، باعتبار أن
ـــــــــــــــــــــ
(1) فرائد الاُصول : 27 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 274 ـ 276 .
(3) لاحظ بحوث في علم الاُصول 2 : 164 .
ـ431ـ
حجية الامارات من باب الطريقية تستلزم ذلك ، فمن أجل دفع هذا القبح لابد من
الالتزام بالمصلحة السلوكية فيها لكي يتدارك بها مصلحة الواقع الفائتة ، وعلى هذا
فإن كان سلوك الامارة في الوقت المفضل فحسب ثم انكشف الخلاف وتبين أنها غير مطابقة
للواقع ، فلابد حينئذ أن تكون مصلحته بمقدار يتدارك به مصلحة الصلاة في الوقت
المفضل ، وإن كان في تمام الوقت فلابد أن تكون مصلحته بمقدار يتدارك به مصلحة
الصلاة في تمام الوقت ، فإذن لا يفوت شيء منه في الوقت حتى يجب قضاؤها في خارج
الوقت ، ودعوى أن المتدارك بالمصلحة السلوكية إنما هو مصلحة الوقت فحسب دون مصلحة
أصل الصلاة ، فإنها قابلة للتدارك بالقضاء في خارج الوقت ومصلحة الوقت غير قابلة له
فيه ، مدفوعة بأنها مبنية على نقطة خاطئة وهي أن تكون هناك مصلحتان مستقلتان ،
إحداهما مصلحة الصلاة ، والاُخرى مصلحة الوقت ، والمتدارك بالمصلحة السلوكية مصلحة
الوقت دون مصلحة الصلاة ، وأما خطأ هذه النقطة ، فلأنه لا شبهة في أن هنا مصلحة
واحدة قائمة بحصة خاصة من الصلاة وهي الصلاة المقيدة بالوقت المحدد ، والوقت دخيل
في اتصاف الصلاة بها من ناحية وترتبها عليها خارجاً من ناحية اُخرى ، ولايمكن القول
بأن الوقت دخيل في اتصاف الصلاة بمقدار من المصلحة لا في أصلها ، لأن ذلك القول
مبني على الالتزام بتعدد المطلوب والملاك وهو قول لا أساس له .
فالنتيجة ، أن المصلحة السلوكية في تمام الوقت بما أنها تفي بتمام مصلحة الصلاة في
الوقت . فلا موضوع للقضاء ، لوضوح أنه لا مصلحة للصلاة في خارج الوقت إلا في عرض
فوتها في الوقت .
وبكلمة ، أن الالتزام بالمصلحة السلوكية في باب الامارات إنما هو على
ـ432ـ
أساس تدارك ما فات عن المكلف من مصلحة الواقع ، فإن كان سلوك الامارة في الوقت
المفضل فحسب ، فمصلحته تفي بمصلحة الصلاة في الوقت المفضل ، وإن كان سلوكها في تمام
الوقت فمصلحته تفي بمصلحة الصلاة في تمام الوقت ، فلا يجب القضاء ، لأنه تابع لتحقق
موضوعه وهو فوت الفريضة في الوقت ، فإنه يوجب اتصاف الصلاة بالملاك في خارج الوقت
وإلا فلا ملاك لها ، والمفروض عدم تحقق فوتها فيه .
ومن هنا يظهر أن هذا القول لا يقتضي الاجزاء بالنسبة إلى الاعادة في الوقت ، فإذا
انكشف خلاف الامارة في الوقت وتبين عدم مطابقتها للواقع وجبت الاعادة ، على أساس أن
المتدارك بمصلحة السلوك إنما هو مصلحة الصلاة في الوقت المفضل لا في تمام الوقت ،
وأما بالنسبة إلى وجوب القضاء فيقتضي الاجزاء ، باعتبار أن سلوك الامارة إذا كان في
تمام الوقت ، فالمتدارك مصلحة الصلاة كذلك ، فإذن لا يفوت منه شيء في الوقت حتى يجب
التضاد في
خارج الوقت .
ولكن المحقق النائيني (قدس سره) ذهب إلى أن مقتضى القاعدة فيه عدم الاجزاء مطلقاً
أي في الوقت وخارجه فحاله حال القول بالطريقية ، وقد أفاد في وجه ذلك أن المصلحة
السلوكية تختلف باختلاف أمد السلوك ، فإن كان أمده في الوقت المفضل فحسب فالمتدارك
بمصلحته مصلحة الصلاة في هذا الوقت فقط لا في تمام الوقت ، فلهذا تجب إعادتها
لاستيفاء مصلحة تمام الوقت ، وإن كان أمده في تمام الوقت فالمتدارك بها مصلحة
الصلاة في الوقت فقط دون مصلحة أصل الصلاة ، فإذن لابد من الاتيان بها قضاءً
لاستيفاء تلك المصلحة(1) .
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 293 ـ 294 .
ـ433ـ
ولكن لا يمكن المساعدة عليه ، لأن ما ذكره (قدس سره) مبني على أن تكون الصلاة
مشتملة على مصلحتين مستقلتين :
إحداهما : قائمة بحصة خاصة منها وهي الصلاة في أول الوقت ، والاُخرى قائمة بذات
الصلاة ، وحيث أن المتدارك بالمصلحة السلوكية إنما هو مصلحة الصلاة في الوقت فتبقى
مصلحة ذات الصلاة ، فيجب تداركها بالقضاء ، ولكن هذا المبنى خاطىء ، لأن الصلاة لا
تكون مشتملة على مصلحتين مستقلتين ، الاولى مصلحة الوقت والثانية مصلحة ذات الصلاة
، لوضوح أنه لا مصلحة لذات الصلاة بما هي ، فالمصلحة إنما هي لحصة خاصة منها وهي
حصتها في الوقت لا مطلقاً كما مرّ ، بل لو صح القول بتعدد المطلوب والملاك كانت
مصلحة ذات الصلاة في طول مصلحة الصلاة في الوقت ، فوجوب استيفائها في خارج الوقت
منوط بعدم استيفائها في الوقت ، وأما مع استيفائها فيه فلايجب استيفائها في الخارج
، وعلى هذا فإذا كانت مصلحة الصلاة في الوقت متداركة بالمصلحة السلوكية ، فلا موجب
لقضائها في خارج الوقت ، لأنه منوط بعدم تداركها في الوقت إما بنفسها أو بالمصلحة
السلوكية ، وأما مع التدارك فلا موضوع له ، هذا إضافة إلى أن القول بتعدد المطلوب
مبني على جعل المقيد على أفضل الأفراد لا حمل المطلق عليه ، وهذا خلاف الارتكاز
القطعي العرفي ، فإن المرتكز لدى العرف العام هو أن المقيد قرينة نوعية لبيان
المراد من المطلق ، ومن هنا يكون حمل المطلق على المقيد من أحد موارد الجمع العرفي
وخارج عن موارد التعارض المستقر ، وعلى هذا فلابد من حمل اطلاقات أدلة وجوب الصلاة
في الكتاب والسنة على ما دل على تقييد وجوبها بوقت خاص بداية ونهاية .
وهنا فروض اُخرى للقول بالتسبيب :
ـ434ـ
الفرض الأول : الالتزام بوجود مصلحة في المؤدى ، على أساس أن تفويت مصلحة الواقع
بلا مبرر قبيح ، فلذلك لابد من الالتزام بوجودها فيه حتى لا يلزم هذا المحذور .
وهذه المصلحة قد تكون مسانخة لمصلحة الواقع وقد تكون غير مسانخة لها ، وأما إذا
كانت مسانخة لها ، فإن كانت أقوى من مصلحة الواقع انقلب الواقع إلى واقع ثانوي وهو
مؤدي الامارة ، باعتبار أن مصلحته حيث كانت أقوى من مصلحة الواقع فهي المؤثرة دونها
، لأن تأثيرها منوط بأن لا يكون لها مزاحم أقوى ، ولازم ذلك التصويب والاجزاء ،
وأما التصويب فلأنه مرد ذلك إلى أن الحكم الواقعي مشروط بعدم قيام الامارة على
خلافه ، فإذا قامت ارتفع بارتفاع موضوعه ، وهذا هو التصويب المنسوب إلى المعتزلة ،
أما الاجزاء فهو واضح لمكان استيفاء مصلحة الواقع بمصلحة أقوى منها وهو مصلحة
المؤدى ، فلا مبرر حينئذ للاعادة ولا للقضاء . وإن كانت مساوية لها ، فالواجب حينئذ
تخييري وهو الجامع بين الواقع والمؤدى ، ولا يمكن أن يكون تعيينياً ، ضرورة أن
الاتيان بكل من المؤدى والواقع يكفي عن الآخر ملاكاً وحكماً ومعه لا يمكن أن يكون
كل منهما واجباً تعيينياً ، ولازم ذلك أيضاً التصويب والاجزاء ، أما التصويب فلأن
الواقع ينقلب عن التعيين إلى التخيير ، وأما الاجزاء فلأن المكلف إذا
عمل بالامارة المخالفة فقد أتى بأحد فردي الواجب ، وأما إذا كانت مصلحة المؤدى غير
مسانخة لمصلحة الواقع ، فلا تستلزم التصويب ولا الاجزاء ، أما الأول فلأن استيفائها
ليس استيفاء لها ، فإذا عمل المكلف بالمؤدى فقد استوفى مصلحته ، وأما مصلحة الواقع
فهي باقية على حالها ، أو فقل إن هنا واجبين مستقلين لايرتبط أحدهما بالآخر لا
ملاكاً ولا حكماً وهما المؤدى والواقع ، وعلى هذا فإذا أتى المكلف بالمؤدى لم يسقط
الواقع عنه لا ملاكاً ولا حكماً ،
ـ435ـ
لفرض أن ملاك المؤدى ليس من سنخ ملاكه حتى يكون استيفاؤه استيفاءً له كما هو الحال
في جميع الواجبات المستقلة ، فإذن يبقى الواقع كما هو ، غاية الأمر أن المكلف جاهل
به ، وحينئذ فإذا إنكشف الخلاف في الوقت وجب الاعادة فيه ، وإذا انكشف خارج الوقت
وجب القضاء فيه هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى هل يتصور ذلك في باب الصلاة ، بأن لا تكون مصلحة المؤدى فيه من سنخ
مصلحة الواقع ، الظاهر أنه غير متصور فيه ، فإذا قامت الامارة على عدم جزئية السورة
مثلا في الصلاة وكان الواجب في الواقع هو الصلاة مع السورة ، ففي مثل ذلك لوكانت
مصلحة المؤدى مباينة لمصلحة الواقع وغير مسانخة لها ، لزم تعدد الواجب حكماً
وملاكاً وهو لا يمكن ، ضرورة أن الواجب على المكلف صلاة واحدة إما بدون السورة أو
معها ، فلو فرض وجود مصلحة في الصلاة بدون السورة التي هي مؤدى الامارة ، فلابد أن
تكون من سنخ مصلحة الصلاة مع السورة التي هي واجبة في الواقع حتى تستوفي بها ،
فلايمكن فرض وجود مصلحة مستقلة فيها غير مسانخة لها ، وإلا لزم محذور تعدد الواجب
حكماً وملاكاً .
وأما في غير باب الصلاة كالصوم والحج والزكاة والخمس وغيرها ، فلا مانع من افتراض
تعدد المصلحة سنخاً ، بأن لا تكون مصلحة مؤدى الامارة من سنخ مصلحة الواقع ، كما
إذا قامت الامارة على وجوب الصلاة ركعتين مثلا عند رؤية الهلال وكان الواجب في
الواقع الدعاء ، فلا مانع من أن تكون مصلحة الصلاة التي هي مؤدى الامارة مباينة
لمصلحة الدعاء بدون المضادة بينها ، وعلى هذا فالقول بالتسبيب على هذا الفرض
لايستلزم التصويب ولا الاجزاء في غير باب الصلاة من أبواب العبادات .
ـ436ـ
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن المصلحة التي كانت تحدث في مؤدى
الامارة بواسطة دليل حجيتها ، فإن كانت تلك الامارة في باب الصلاة فلا يمكن أن تكون
تلك المصلحة مباينة لمصلحة الواقع وغير مسانخة لها ، بل لابد أن تكون من سنخها
ذاتاً وإلا لزم تعدد الواجب حكماًّ وملاكاً وهو خلاف الضرورة في باب الصلاة ، وإن
كانت في سائر الأبواب غير باب الصلاة ، فلا مانع من أن تكون مصلحة المؤدى مباينة
لمصلحة الواقع وغير مسانخة لها ، غاية الأمر يلزم حينئذ تعدد الواجب حكماً وملاكاً
ولا محذور فيه في سائر الأبواب .
الفرض الثاني : الالتزام بوجود مصلحة في جعل الحكم الظاهري لا في متعلقه من أجل رفع
قبح تفويت مصلحة الواقع ، بدعوى أن هذا التفويت إنما يكون قبيحاً إذا لم تكن مصلحة
في نفس هذا التفويت وهو جعل الحكم الظاهري لأن جعله ، جعل التفويت ، وعلى هذا الفرض
لا تصويب ولا إجزاء ، لفرض أن مصلحة الواقع محفوظة وغير متداركة ، ومعها يجب
الاتيان به في الوقت إذا كان انكشاف الخلاف فيه ، وخارج الوقت إذا كان إنكشاف
الخلاف فيه .
الفرض الثالث : ما ذكره المحقق الأصبهاني (قدس سره) من أنه يمكن إفتراض وجود مصلحة
في مؤدى الامارة المخالفة للواقع ، بما هو مؤدى الامارة المخالفة وهي مصلحة في عرض
مصلحة الواقع ، فإنها قائمة بالمؤدى بعنوان ثانوي وهو مؤدى الامارة المخالفة للواقع
، ومصلحة الواقع قائمة به بعنوان أولى(1) ، وعلى هذا فإذا عمل المكلف بالامارة وأتى
بمؤداها ، حصل الغرض وسقط الأمر عن الواقع ، فإذن هذا التصوير من السببية يوجب
الاجزاء ولايوجب التصويب وتبدل الأمر
الواقعي التعييني بالواقع إلى الأمر بالجامع بينه وبين مؤدى الامارة المخالفة
للواقع
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 405 .
ـ437ـ
بما هو مؤدى الامارة المخالفة لاستحالة ذلك .
وللمناقشة فيه مجال وذلك لأن مصلحة مؤدى الامارة المخالفة للواقع بهذا العنوان ، لا
تخلو من أن تكون مباينة لمصلحة الواقع أو مسانخة لها ، أما على الأول فإن كانت
بينهما مضادة ، فلايمكن الأمر بتحصيلهما معاً لاستحالة الأمر بالضدين ، وعلى هذا
فإذا عمل المكلف بالامارة المخالفة ، فقد استوفى مصلحة مؤداها بما هي مصلحة مؤداها
، ومع استيفاءها لا يمكن استيفاء مصلحة الواقع لمكان المضادة ، فإذن لا محالة يسقط
الأمر بالواقع ، ولا مناص حينئذ من الالتزام بالأجزاء دون التصويب وانقلاب الواقع ،
وفي هذه الصورة يستلزم القول بالتسبيب الاجزاء ولا يستلزم التصويب ، فأحدهما ينفك
عن الآخر ، وأما إن لم تمكن بينهما مضادة بأن يكون بامكان المكلف تحصيلهما معاً ،
ففي مثل ذلك لا تصويب ولا إجزاء .
أما الأول ، فلأن المصلحتين بما أنهما متباينتان ولا ترتبط إحداهما بالاُخرى فلا
تستوفي مصلحة الواقع بمصلحة المؤدى حتى ينقلب ، بل هي باقية على حالها ، غاية الأمر
أن المكلف غير مأمور بتحصيلها من جهة عدم وصولها إليه .
وأما الثاني ، فلأن مصلحة الواقع قد ظلّت بحالها فلا موجب لسقوط الواقع عن المكلف ،
وحينئذ فإذا إنكشف الخلاف فإن كان في الوقت وجب الاتيان به فيه لاستيفاء مصلحته ،
وإن كان في خارج الوقت وجب قضاؤه فيه ، ولكن هنا إنما يتصور في غير باب الصلاة من
الواجبات ، وأما في باب الصلاة فقد تقدم أنه لا يمكن فرض كون مصلحة مؤدى الامارة
المخالفة للواقع مباينة لمصلحة الواقع وغير مربوطة بها ، وإلا لزم تعدد الواجب
واقعاً ملاكاً وحكماً وهو كما ترى .
وأما على الثاني وهو ما إذا كانت مصلحة المؤدى من سنخ مصلحة الواقع ،
ـ438ـ
فلابد من الالتزام بالانقلاب من التعيين إلى التخيير ، حيث لا يمكن أن يكون الأمر
بكل منهما أمراً تعيينياً ، لأن حدوث مصلحة في مؤدى الامارة المخالفة المسانخة
لمصلحة الواقع لا محالة يوجب انقلاب الأمر الواقعي التعييني بالواقع إلى الأمر
التخييري بالجامع بينه وبين مؤدى الامارة المخالفة بما هو المخالفة ، غاية الأمر أن
المكلف مأمور بالعمل بالامارة المخالفة للواقع وتحصيل المصلحة القائمة بمؤداها ،
ولا يكون مأموراً بتحصيل المصلحة القائمة بالواقع لعدم وصولها إليه وجهله بها ،
فالنتيجة أن السببية في هذا الفرض تستلزم التصويب والاجزاء معاً ، فما ذكره (قدس
سره) من أنها تستلزم الاجزاء دون التصويب فلا يتم .
وبكلمة ، أن مصلحة المؤدى بما هو مؤدى الامارة المخالفة للواقع إن كانت من سنخ
مصلحة الواقع ، فمعنى ذلك أنها مصلحة بدلية عن مصلحة الواقع ، فإذا كانت كذلك
فمعناها التصويب وانقلاب الواقع من الواجب التعييني إلى الواجب التخييري ، ولكن هل
يمكن هذا الانقلاب ، فقد ذكر (قدس سره) أنه مستحيل(1) .
الظاهر أنه لم يرد بالاستحالة ، استحالة تصوير الجامع بين الواقع ومؤدى الامارة
المخالفة له ، فإن تصويره بمعنى مفهوم أحدهما بمكان من الامكان ، بل الظاهر أنه
أراد بذلك أن الواجب لا يمكن أن يكون الجامع بينهما بأن يكون الأمر في الواقع أمراً
تخييرياً لا تعيينياً ، لأن تحقق أحد فردي الجامع وهو مؤدى الامارة المخالفة للواقع
يتوقف على تعلق الأمر بالواقع تعيينياً ، ومن الواضح أن الأمر المتعلق به كذلك
ناشيء من وجود مصلحة في متعلقه ، فلوكان الأمر الواقعي متعلقاً بالجامع فلم يتحقق
ذلك الفرد ، فإذن يلزم من فرض انقلاب الواقع من التعيين إلى التخيير عدم الانقلاب ،
وعلى الجملة فعنوان مخالفة مؤدى
ـــــــــــــــــــــ
(1) نهاية الدراية 1 : 405 .
ـ439ـ
الامارة للواقع يتوقف على ثبوت الأمر التعييني بالواقع في المرتبة السابقة ، ومن
المعلوم أن الأمر المتعلق به ينبثق عن وجود مصلحة تعيينية في متعلقه ، فلو كان
الأمر الواقعي تخييرياً متعلقاً بالجامع بينهما لم تتحقق الامارة المخالفة للواقع
حتى توجب الانقلاب ، فإذا لم تتحقق فلا انقلاب ، فيلزم حينئذ من فرض الانقلاب عدم
الانقلاب ، ومن فرض تحقق مخالفة مؤدى الامارة للواقع عدم المخالفة وهو محال .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية :
الاُولى : أن حجية الامارات على القول بالطريقية لا تستلزم الاجزاء لا في الوقت ولا
في خارج الوقت على ضوء جميع الآراء في تفسيرها كما مرّ .
الثانية : أن حجيتها على القول بالسببية هل تستلزم الاجزاء ؟
والجواب : أن ذلك يختلف باختلاف الأقوال في تفسيرها ، فعلى ضوء التفسير المنسوب إلى
الأشاعرة فلا شبهة في الاجزاء ، إذ على هذا التفسير لا واقع قبل قيام الامارة
وحجيتها ، فالواقع أولا وثانياً هو مؤدى الامارة ، فإذن يكون ذلك من إجزاء الاتيان
بالمأمور به بالأمر الواقعي عن أمره لا من إجزاء الاتيان بالمأمور به بالأمر
الظاهري عن المأمور به بالأمر الواقعي ، وكذلك الحال على التفسير المنسوب إلى
المعتزلة كما تقدم .
وأما على التفسير بالمصلحة السلوكية ، فقد مرّ أنها تستلزم الاجزاء بالنسبة إلى
القضاء دون الامارة .
وأما على التفسير بالمصلحة في مؤدى الامارة ، فإن كانت مسانخة لمصلحة الواقع فهي
توجب التصويب والاجزاء معاً كما عرفت ، وإن لم تكن مسانخة لها
ـ440ـ
فلا توجب التصويب ولا الاجزاء ، لأن مصلحة الواقع غير مستوفاة بها .
وأما على التفسير بالمصلحة في نفس جعل الحكم الظاهري ، فهي لا تستلزم التصويب ولا
الاجزاء ، لفرض أنها ليست من سنخ مصلحة الواقع وأنها لا تتدارك بها .
وأما على التفسير بالمصلحة في مؤدى الامارة المخالفة للواقع بما هو مؤدى الامارة
المخالفة ، فإن كانت تلك المصلحة من سنخ مصلحة الواقع ، فلازمه التصويب والاجزاء
معاً وإن لم تكن من سنخها ، فإن كانت مضادة لها فلازمها الاجزاء دون التصويب
وانقلاب الواقع ، وإن لم تكن مضادة لها فلا تصويب ولا إجزاء ، لفرض أن مصلحة الواقع
غير مستوفاة بها .
الثالثة : قد ظهر مما تقدم أن القول بالسببية إذا استلزم التصويب وانقلاب الواقع ،
استلزم الاجزاء أيضاً ، وأما إذا لم يستلزم التصويب والانقلاب فلا يستلزم الاجزاء
إلا في صورة خاصة وهي ما إذا كانت بين المصلحتين مضادة ، فإنه حينئذ يستلزم الاجزاء
دون التصويب والانقلاب كما مر ، وأما السببية بمعنى المصلحة السلوكية ، فهي لا
تستلزم الانقلاب والتصويب وإن كانت تستلزم الاجزاء بالنسبة إلى القضاء دون الاعادة
.
والخلاصة : أن التصويب ملازم للاجزاء ، وأما الاجزاء فهو غير ملازم للتصويب .
الرابعة : أن الغرض من بيان الآراء والاحتمالات في حجية الامارات على القول
بالطريقية والسببية ليس التحقيق في صحتها وسقمها ، فإن لذلك محلا آخر وهو باب الظن
وسيأتي الكلام فيه إنشاء الله تعالى ، بل الغرض من بيانها أن الملازمة بين هذه
الآراء والاحتمالات وبين الاجزاء ثابتة في الجميع أو في البعض
ـ441ـ
أو لا تكون ثابتة أصلا ، وقد ظهر مما مر أن الملازمة لم تثبت بين الاجزاء وشيء من
الآراء على القول بالطريقية ، وأما على القول بالسببية فقد تقدم أن الملازمة ثابتة
على ضوء بعض الآراء والتفاسير دون بعضها الآخر .
وأما الكلام في المقام الثاني وهو مفاد حجية الاُصول العملية كأصالة الطهارة
والحلية واستصحابهما ، فلا شبهة في أن مقتضى القاعدة عدم الاجزاء عند انكشاف الخلاف
إلا على القول بالتصويب وارتفاع الحكم الواقعي بجعل الحكم الظاهري ، وأما على القول
بالطريقية فبما أن الحكم الواقعي لا يرتفع بالحكم الظاهري ، فمع انكشاف الخلاف وعدم
امتثاله فلا محالة تجب الاعادة في الوقت إذا كان انكشاف الخلاف فيه وإلا ففي خارج
الوقت .
ولكن المحقق الخراساني (قدس سره) قد فصل في المقام بين الحكم الظاهري المجعول بلسان
احراز الواقع والنظر إليه والحكم الظاهري المجعول بلسان جعل الحكم المماثل للواقع
ابتداء من غير نظر إليه ، فإن كان من قبيل الأول لم يجزىء وإن كان من قبيل الثاني
أجزأ ، فلو صلى في ثوب محكوم بالطهارة بمقتضى أصالة الطهارة أو في ثوب محكوم
بالحلية بمقتضى أصالة الحل ثم انكشف الخلاف وبان أن الثوب نجس أو مغصوب ، كان مقتضى
القاعدة الاجزاء من جهة أن دليل أصالة الطهارة أو أصالة الحلية يوسع موضوع دليل
اشتراط الطهارة أو الحل في الصلاة وينقح صغرى الشرط ويجعله أعم من الطهارة الواقعية
والظاهرية ، وحينئذ فإذا صلى مع أصالة الطهارة أو الحلية صلى مع الشرط واقعاً وليس
فيه انكشاف الخلاف ، غاية الأمر إذا علم بالنجاسة ارتفع الشرط بارتفاع موضوعه من
حين العلم بالنجاسة ، لأن انكشاف الخلاف إنما هو بالنسبة إلى النجاسة لا بالنسبة
إلى
ـ442ـ
الشرط(1) ، بيان ذلك أن مفاد هذه الاُصول ومدلولها أحكام ظاهرية ثابتة واقعاً في
ظرفها وهو ظرف الجهل بالواقع وعدم العلم به ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ، أن نسبة هذه الاُصول العملية إلى الأدلة الاجتهادية التي تدل على
شرطية الطهارة والحلية في الصلاة نسبة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم ، فإنها
توسع دائرة الشرطية وتنقح صغراها وتجعل الشرط أعم من الطهارة أو الحلية الواقعية
والظاهرية ، لأن الحكومة تارة تكون واقعية كما إذا كان الدليل الحاكم كالدليل
المحكوم دليلا اجتهادياً ناظراً إلى اثبات الواقع كجملة ( الطواف في البيت صلاة ) ،
و( الفقاع خمر ) وهكذا ، فإن الدليل الحاكم يوسع موضوع الدليل المحكوم واقعاً ويجعل
فرداً آخر له تزيلا ، واُخرى تكون ظاهرية ، فلا يكون للدليل الحاكم تأثير في الواقع
لا توسعةً ولا تضييقاً ، وهذه الحكومة قد تكون في طريق إثبات الواقع كأدلة حجية
الامارات ، إذ لولاها لم يمكن اثبات الواقع إلا بالعلم الوجداني ، ولكنها توسع
دائرة الاثبات وتجعله أعم من الاثبات الوجداني والاثبات التعبدي على تفصيل ذكرناه
في محله ، وقد تكون في توسعة الواقع ظاهراً لا واقعاً كحكومة دليل أصالة الطهارة
على الدليل الاجتهادي الدال على شرطية طهارة البدن والثياب في الصلاة الظاهر في أن
الشرط خصوص الطهارة الواقعية ، باعتبار أن دليل الأصالة يدل على أن الشرط أعم من
الطهارة الواقعية والظاهرية ، على أساس أنه ينقح الصغرى له ويثبت الطهارة ظاهراً ،
فيترتب عليها آثارها واقعاً منها الشرطية ، وعلى هذا فإذا صلى في ثوب أو بدن محكوم
بالطهارة بمقتضى أصالة الطهارة أو استصحابها ثم انكشف الخلاف وبان أنه نجس ، صحت
صلاته واقعاً لأنها واجدة للشرط
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 86 .
ـ443ـ
كذلك وهو الطهارة الظاهرية ، ولا يتصور انكشاف الخلاف فيها لعدم واقع موضوعي لها
حتى يتصور فيها انكشاف الخلاف ، لأنها مجعولة في حال الجهل بالواقع وعدم العلم به
وثابتة في هذه الحالة واقعاً وليس لها واقع موضوعي وراء هذه الحالة ، فطالما يكون
الجهل بالواقع موجوداً فهي موجودة ولا ترتفع إلا بارتفاعه ، نعم إنكشاف الخلاف إنما
يتصور بالنسبة إلى النجاسة الواقعية التي لها واقع موضوعي قد تطابقه وقد لا تطابقه
، وعلى هذا فإذا علم بالنجاسة وانكشف الخلاف بعد الصلاة انتفى الشرط بانتفاء موضوعه
من حينه ، لا أنه يكشف عن فقدانه حال الصلاة ، لأنه خلف فرض أن الشرط أعم من
الطهارة الظاهرية والواقعية ، والمفروض أن الطهارة الظاهرية أثناء الصلاة موجودة
واقعاً ، وكذلك إذا صلى في ساتر محكوم بالحلية بمقتضى أصالة الحل ، فإذا انكشف
الخلاف بعد الصلاة فهو إنما يكون بالنسبة إلى الحلية الواقعية التي لها واقع خارجي
قد تطابقه وقد لا تطابقه ، وأما بالنسبة إلى الحلية الظاهرية فلا يتصور فيها انكشاف
الخلاف ، لأنها ثابتة واقعاً في حال الجهل بالواقع ولا واقع موضوعي لها غير ثبوتها
في هذه الحالة ، وعلى هذا فالمصلي واجد للشرط حال الصلاة حقيقة وانكشاف الخلاف
بعدها لا يؤثر فيها ولا يجعل الواجد للشرط فاقداً له ، لاستحالة انقلاب الشيء عما
وقع عليه هذا .
وقد علق على مقالة صاحب الكفاية (قدس سره) المحقق النائيني والسيد الاُستاذ (قدس
سرهما)بوجوه :
الوجه الأول : أن الحكومة عند المحقق الخراساني (قدس سره) منحصرة في التفسير اللفظي
، بأن يكون الدليل الحاكم بمدلوله اللفظي ناظراً إلى مدلول الدليل المحكوم ومفسراً
له بكلمة ( يعني ) ، ومن الواضح أن لسان دليل أصالة الطهارة وأصالة
ـ444ـ
الحل واستصحابهما ليس لسان التفسير والنظر ، فإذن لا حكومة هذا(1) .
وقد وجه بعض المحققين (قدس سره) كلامه بأن من الجائز أن يكون مراده (قدس سره) من
الحكومة في المقام الورود واثبات موضوع جديد للشرطية وهو الطهارة الظاهرية حقيقة(2)
، ولكن قد يقال بأن هذا التوجيه خلاف نص كلامه (قدس سره) في المقام ، حيث قال فيه
أن دليل الأصالة حاكم على دليل الاشتراط ويوسع دائرة الشرط ويجعله أعم من الواقع
والظاهر ، ومع هذا التصريح كيف يمكن حمل كلامه على الورود هذا ، إضافة إلى أن ضابط
الورود لا ينطبق على المقام ، لأن ضابطه أن يكون الدليل الوارد رافعاً لموضوع
الدليل المورود وجداناً وحقيقة أو يوسع دائرته كذلك ، وأما إذا كان توسيع دائرته في
الظاهر كما في المقام لا في الواقع ، فهو من الحكومة وليس من الورود ، ومن هنا ذكر
المحقق الأصبهاني (قدس سره) أن الحكومة عند صاحب الكفاية (قدس سره) ليست بمعنى كون
الدليل الحاكم ناظراً بمدلوله اللفظي إلى مدلول الدليل المحكوم بمثل أعني وأشباهة ،
وما ذكره (قدس سره) في باب التعادل والترجيح إنما أورد على الشيخ الأعظم (قدس سره)
الملتزم في الحكومة بنظر أحد الدليلين إلى الآخر ، بأن النظر في مقام الاثبات لا
يكون إلا بمثل أعني وأشباهه ، بل يكفي في حكومة أحد الدليلين على الآخر عنده (قدس
سره) مجرد اثبات الموضوع أو نفيه تنزيلا(3) هذا ، ولكن لا يبعد ما ذكره بعض
المحققين (قدس سره) من التوجيه لأمرين :
الأول : أنه (قدس سره) قد اعتبر في الحكومة النظر وكون الدليل الحاكم ناظراً
بمدلوله اللفظي إلى مدلول الدليل المحكوم ، وقد صرح بذلك في موردين أحدهما في آخر
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 287 .
(2) بحوث في علم الاُصول 2 : 158 .
(3) نهاية الدراية 1 : 393 ، في تعليقة منه (قدس سره) .
ـ445ـ
مبحث الاستصحاب(1) والآخر في أوائل مبحث التعادل والترجيح(2) .
الثاني : أن ثبوت الموضوع وهو الطهارة الظاهرية أو الحلية الظاهرية بالوجدان ، لأن
مفاد دليل حجية أصالة الطهارة هو جعل الطهارة الظاهرية في ظرف الجهل بالواقع والشك
فيه وهو قطعي ، فكما أن نفي الموضوع للدليل إذا كان بالوجدان فهو من الورود بلافرق
بين أن يكون ذلك تكويناً أو تشريعاً ، وإذا كان بالتعبد فهو من الحكومة ، ومن هنا
ذهب المحقق النائيني (قدس سره) والسيد الاُستاذ (قدس سره) إلى أن دليل حجية
الامارات وارد على البراءة العقلية كقاعدة قبح العقاب بلا بيان ، باعتبار أنه رافع
لموضوعها بنفس ثبوت التعبد الذي هو وجداني ، ولا يمكن أن يكون ثبوت التعبد بالتعبد
وإلا لزم التسلسل ، وحاكم على البراءة الشرعية باعتبار أنه رافع لموضوعها ، فثبوت
المتعبد به وهو الواقع وثبوته بالتعبد لا بالوجدان ، فلذلك يكون تقديمه عليها من
باب الحكومة(3) ، وعلى هذا الأساس فبما أن ثبوت الطهارة الظاهرية في ظرف الجهل
بالواقع والشك فيه إنما هو بالوجدان شرعاً لا بالتعبد ، فيكون تقديم دليل ثبوتها
على دليل شرطية الطهارة بالورود ، لأنه يثبت موضوعها وهو الطهارة الظاهرية بالوجدان
هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ، أن ما ذكره المحقق الأصبهاني (قدس سره) من أن مراد صاحب الكفاية
من الحكومة ليس نظر الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم ، بل مجرد إثبات الموضوع أو
نفيه تنزيلا ، وما ذكره (قدس سره) في باب التعادل والتراجح إنما هو إشكال على الشيخ
الأعظم (قدس سره) في غير محله ، لأنه (قدس سره) قد فسر الحكومة في باب التعادل
ـــــــــــــــــــــ
(1) (2) كفاية الاُصول : 429 و438 .
(3) أجود التقريرات 3 : 284 ـ 285 و4 : 290 ، ومصباح الاُصول 3 : 250 ـ 251 .
ـ446ـ
والترجيح بالنظر وكذلك في أواخر الاستصحاب من دون الاشارة إلى أن هذا التفسير على
مبنى الشيخ (قدس سره) . فالنتيجة أنه لا يبعد أن يكون مراده (قدس سره) من الحكومة
في المقام الورود .
الوجه الثاني : أن حكومة دليل أصالة الطهارة والحلية واستصحابهما على الأدلة
الاجتهادية وهي أدلة شرطية الطهارة والحلية للصلاة ، حكومة ظاهرية موقتة بزمن الجهل
بالواقع والشك فيه ، وليست بحكومة واقعية لكي توجب توسعة الواقع ، ونتيجة هذه
الحكومة هي ترتيب آثار الطهارة الواقعية أو الحلية الواقعية على الطهارة الظاهرية
أو الحلية الظاهرية طالما لم ينكشف الخلاف ، فإذا انكشف الخلاف وتبين أنه لم يعمل
بالواقع وجب عليه العمل به ، لأن الحكم الظاهري في طول الحكم الواقعي ومتأخراً عنه
رتبة ، فلا يعقل أن يكون توسعة للحكم الواقعي إلا ظاهراً وفي مقام الوظيفة العملية
التي ترتفع
بانكشاف الخلاف(1) .
وقد أجاب عنه بعض المحققين بأن أصالة الطهارة في طول النجاسة الواقعية المشكوكة
ولكنها ليست في طول شرطية الطهور في الصلاة ، فلا مانع من أن تكون حكومة دليل أصالة
الطهارة على دليل شرطية الطهارة واقعية(2) .
ولكن هذا الجواب قابل للمناقشة وذلك ، لأن أصالة الطهارة كما أنها في طول النجاسة
الواقعية كذلك في طول الطهارة الواقعية ، باعتبار أنها مجعولة للشيء المشكوك طهارته
ونجاسته ، والمفروض أن مدلول دليل شرطية الطهارة للصلاة هو شرطية الطهارة الواقعية
، ومفاد دليل أصالة الطهارة ليس إثبات شرطية
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 289 ، ومحاضرات في اُصول الفقه 2 : 257 .
(2) بحوث في علم الاُصول 2 : 158 .
ـ447ـ
الطهارة الظاهرية لكي يقال أن شرطية الطهارة الظاهرية ليست في طول شرطية الطهارة
الواقعية رتبة ، لأن كون الطهارة الظاهرية في طول الطهارة الواقعية لا يستلزم كون
شرطيتها في طول شرطيتها ، بل مفاده إثبات الطهارة الظاهرية وجعلها ، وحيث إن
الطهارة الظاهرية في طول الطهارة الواقعية فلايمكن أن تكون توسعة لها ، ضرورة أن
الحكم الظاهري لايمكن أن يكون توسعة للحكم الواقعي إلا ظاهراً ، ومن الواضح أن هذه
السعة ترتفع بانكشاف الخلاف وتبين أنه لم يصل مع طهارة ثوبه أو بدنه ، فإذن تجب
عليه الاعادة إن كان في الوقت والقضاء إن كان في خارج الوقت .
الوجه الثالث : أن أصالة الطهارة لو كانت حاكمة على دليل شرطية الطهارة للصلاة
لكانت حاكمة على دليل شرطية الطهارة للوضوء أو الغسل أو نحو ذلك أيضاً ، فما دل على
شرطية طهارة ماء الوضوء أو الغسل ظاهر في الطهارة الواقعية ، ودليل أصالة الطهارة
يوسع دائرة الشرط ويجعل موضوعه أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية ، فإذا توضأ بماء
محكوم بالطهارة بمقتضى أصالة الطهارة ثم انكشف الخلاف وتبين نجاسته ، فمقتضى ما
ذكره (قدس سره) من الحكومة صحة وضوئه ، لأنه واجد للشرط وهو طهارة الماء مع أنه لم
يلتزم به أحد من الفقهاء حتى هو (قدس سره) ، ومن هنا لو غسل ثوبه بماء طاهر بمقتضى
أصالة الطهارة ثم تبين أنه نجس فلا شبهة في بقائه على النجاسة ، مع أن مقتضى ما
ذكره (قدس سره) هو الحكم بطهارته وهكذا وهو كما ترى(1) هذا .
وذكر بعض المحققين (قدس سره) أن بإمكان المحقق الخراساني (قدس سره) أن يدفع هذا
النقض بأن أصالة الطهارة إنما هي حاكمة على دليل قد أخذ الطهارة في موضوعه ، فإنها
ـــــــــــــــــــــ
(1) أجود التقريرات 1 : 289 .
ـ448ـ
توسع موضوعه وتجعله الأعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية ولا تكون حاكمة
على دليل قد أخذ في موضوعه النجاسة ، لأن أصالة الطهارة توجد طهارة اُخرى ظاهرية في
مقابل الطهارة الواقعية ، وليس لها مدلول التزامي وهو نفي النجاسة الواقعية ، وعلى
هذا فإذا ثبت في الفقه من الدليل أن الطهارة هي الشرط في الصلاة والنجاسة هي
المانعة عن صحة الوضوء ، فلا مناص حينئذ من التفصيل بينهما وأن أصالة الطهارة حاكمة
في الأول دون الثاني ، فإذن لابد من الحكم ببطلان الوضوء إذا انكشف الخلاف وتبيّن
أن الماء نجس .
ودعوى أن أصالة الطهارة إن دلت بالالتزام عرفاً على نفي النجاسة ، فهي كما تكون
حاكمة على دليل شرطية الطهارة كذلك تكون حاكمة على دليل مانعية النجاسة ، غاية
الأمر أن حكومتها على الأول بتوسيع موضوع دليل الشرطية وعلى الثاني بنفي موضوع دليل
المانعية وهو النجاسة ، وحينئذ فإن كانت الحكومة واقعية فلا مناص من القول بالأجزاء
في كلا الموضعين وإلا فلا إجزاء في كليهما ، وإن لم تدل على ذلك لعدم الملازمة
بينهما عرفاً ، فلايمكن تصحيح الوضوء بما ثبتت طهارته بأصالة الطهارة ، مدفوعة بأن
هذه الدعوى إنما تتم إذا كان المراد من الحكومة التنزيل ، فعندئذ يجييء هذا التفصيل
، وأما إذا كان المراد من الحكومة ما ذكرناه من إيجاد فرد حقيقي للموضوع بالورود ،
فإنه حينئذ يكون الفرق بين فرض شرطية الطهارة ومانعية النجاسة واضحاً ، لأن أصالة
الطهارة تحقق مصداقاً آخر للشرط فيجزي ، بينما المانع لابد من إنتفاء تمام مصاديقه
لينتفي المانع ، وبأصالة الطهارة لايمكن نفي النجاسة الواقعية المشكوكة حقيقة
بالورود ، لأن هذا خلف الطولية بين الحكمين وانحفاظ الحكم الواقعي ،
ـ449ـ
فليس هذا إلا انتفاء النجاسة المانعة ظاهراً(1) .
ويمكن المناقشة فيه أما أولا ، فلأن الظاهر أن الوضوء كالصلاة مشروط صحته بطهارة
الماء لابعدم نجاسته ، ولهذا لا يجوز الوضوء بماء لم يحرز طهارته ولو بالأصالة ،
فإذن هذا النقض وارد على صاحب الكفاية (قدس سره) .
وثانياً ما ذكرناه آنفاً من أن تقديم دليل أصالة الطهارة على دليل شرطية الطهور
للصلاة وإن كان لا يبعد أن يكون من باب الورود لا من باب الحكومة ، إلا أنه على كلا
التقديرين يكون المجعول هو الطهارة الظاهرية ، وعلى هذا فسواءً أكان التقديم من باب
الحكومة أو الورود فهو ظاهري لا واقعي ، بمعنى أن توسعة موضوع الشرطية ظاهرية
لاواقعية ، فإذا كانت ظاهرية فمقتضى القاعدة عدم الاجزاء ، باعتبار أن المكلف طالما
يكون الحكم الظاهري ثابتاً في حقه فهو معذور في العمل به ، فإذا انكشف الخلاف وتبين
أنه لم يعمل بالواقع ، وجب عليه العمل به سواءً أكان في الوقت أو خارج الوقت ، ولا
يمكن أن يكون هذا التقديم واقعياً وإن كان بالورود ، لوضوح أن الحكم الظاهري في طول
الحكم الواقعي فلا يمكن أن يكون توسعة له ، ومن هنا يظهر أن ما ذكره (قدس سره) من
أن تقديم أصالة الطهارة على دليل شرطية الطهارة حيث إنه كان من باب الورود فيكون
حقيقياً غير تام كما عرفت ، ودعوى أن مفاد دليل أصالة الطهارة ليس إلا تنزيل مشكوك
الطهارة منزلة الطاهر الواقعي بلحاظ الاحكام المجعولة لها منها الشرطية ، فإذن تكون
الحكومة واقعية والتوسعة الحقيقية للشرطية ، مدفوعة بأن ذلك ليس مفاد دليل أصالة
الطهارة ، لأن مفادها جعل الطهارة الظاهرية ، لوضوح أن قوله (عليه السلام) : « كل
شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ، فإذا علمت فقد
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 158 .
ـ450ـ
قذر »(1) ، ظاهر في جعل الطهارة في حال الجهل بالواقع والشك فيه ابتداءً وليس مفاده
التنزيل ، وأما لبّاً فيكون تنزيل المشكوك بمنزلة الطاهر الواقعي ظاهراً لا واقعاً
، لأنه في مقام بيان الحكم الظاهري ثبوتاً واثباتاً لا الحكم الواقعي هذا ، إضافة
إلى أن مفادة لو كان تنزيل مشكوك الطهارة منزلة الطاهر الواقعي واقعاً ، فلازمه صحة
الصلاة واقعاً عند الشك في الطهارة ولا تتوقف على احراز الطهارة ، باعتبار أنه على
هذا يكون موضوع الشرطية أعم من الطاهر الواقعي والمشكوك طهارته وهو كماترى ، بل أن
هذا الاحتمال غير محتمل عرفاً ، لأن الرواية في مقام بيان الحكم الظاهري ، فلو كانت
في مقام بيان الحكم الواقعي في ترتيب آثاره منها الشرطية ، لم يكن استفادة الحكم
الظاهري منها حينئذ وهذا خلف .
الوجه الرابع : ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن مفاد موثقة عمار لا يخلو
من أن يكون جعل الطهارة الظاهرية أو توسعة دائرة شرطية الطهارة ، ولا يمكن أن تكون
الموثقة متكفلة لكلا الأمرين معاً ، فإن الثاني في طول الأول ، إذ لابد من الفراغ
عن جعل الطهارة الظاهرية أولا ثم يقال أنها شرط وفرد من أفرادها ، ولا يمكن أن يكون
مفاد الموثقة كلا الأمرين الطوليين معاً ، لأن المنشأ بها إما الطهارة الظاهرية أو
الشرطية ولايمكن أن تكون كلتاهما منشأة بانشاء واحد ، وحيث أن الظاهر منها جعل
الطهارة الظاهرية ، فلايمكن أن يستفاد منها توسعة دائرة الشرط(2) . وناقش فيه بعض
المحققين (قدس سره) بأمرين :
الأول : أن هذا الاشكال مبني على أن يكون مراد صاحب الكفاية (قدس سره) من
ـــــــــــــــــــــ
(1) الوسائل 3 : 467 ، باب 37 من أبواب النجاسات ، ح 4 .
(2) أجود التقريرات 1 : 288 .
ـ451ـ
الحكومة في المقام الحكومة المصطلحة والتنزيل ، فإنها عندئذ إن كانت ناظرة إلى جعل
الطهارة الظاهرية ونتزيلها منزلة الطهارة الواقعية فلا نظر لها إلى توسعة دائرة
الشرط ، وإن كانت ناظرة إلى توسعة دائرة الشرط فلا نظر لها إلى جعل الطهارة
الظاهرية ، وأما بناء على أن يكون مراده (قدس سره) من الحكومة الورود فلا يرد عليه
هذا الاشكال ، لأن الدليل الوارد يوجد فرداً آخر للموضوع وهو الطهارة الظاهرية ،
وحينئذ فلا مانع من التمسك باطلاق الدليل المورود وهو دليل شرطية الطهارة في المقام
لاثبات حكمه لهذا الفرد أيضاً ، فالنتيجة أن دليل الأصالة يثبت الطهارة الظاهرية
واطلاق دليل الشرطية يثبت الشرطية لها فإذن لا اشكال(1) .
وفيه أن مفاد دليل أصالة الطهارة ، الطهارة الظاهرية وموضوع دليل الاشتراط الطهارة
الواقعية ، ولا اطلاق له بالنسبة إلى الطهارة الظاهرية ، لوضوح أنه ظاهر عرفاً في
أن الشرط هو الطهارة الواقعية وإرادة الأعم بحاجة إلى قرينة ، والمفروض أن دليل
الأصالة لا يوجد فرداً من الطهارة واقعاً لكي يكون مشمولا لدليل الاشتراط ، وإنما
يوجد الطهارة الظاهرية العذرية التي لا ملاك لها بمعنى أنها غير دخيلة في الملاك ،
فطهارة الثوب مثلا إذا كانت ظاهرية عذرية غير دخيلة في ملاك الصلاة وإنما جعلت
لمصلحة عامة وهي التسهيل بالنسبة إلى نوع المكلفين ، وعليه فلا تصلح الطهارة
الظاهرية أن تكون شرط كالطهارة الواقعية ، وإنما جعلت لكي تكون عذراً للمكلف في
صورة مخالفتها للواقع هذا ، إضافة إلى أن ترتيب آثار الطهارة الواقعية عليها متوقف
على أن يكون لسان دليل أصالة الطهارة والحلية لسان التنزيل لا لسان الجعل والاعتبار
بدون النظر إلى الواقع أصلا .
ـــــــــــــــــــــ
(1) بحوث في علم الاُصول 2 : 160 .
ـ452ـ
الثاني : أنه على تقدير تسليم أن مفاد دليل أصالة الطهارة الحكومة والتنزيل ، ولكن
بامكان صاحب الكفاية (قدس سره) أن يجيب عن هذا الاشكال ، بأن موضوع هذا التنزيل ليس
هو الطهارة الظاهرية ليقال بأنه كيف يمكن أن يتكفل جعل واحد التوسعة وموضوعها معاً
في وقت واحد بل نفس مشكوك الطهارة ، فكأنه قال أن مشكوك الطهارة محكوم بأحكام
الطاهر الواقعي بما هو طاهر ، والطهارة الظاهرية منتزعة من هذا التنزيل وفي مرتبة
متأخرة عنه لا أنها موضوع له(1) ، وفيه أن هذا التوجيه غريب ، حيث لا شبهة في أن
قوله (عليه السلام) ( كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر ) ظاهر في جعل النظافة والطهارة
ظاهراً في ظرف جهل المكلف بالواقع وعدم علمه به ، وهذا يكشف عن أن التنزيل في مقام
الثبوت واللب يكون بلحاظ الحكم الظاهري ، وأما حمله على تنزيل مشكوك الطهارة بمنزلة
الطاهر الواقعي واقعاً بلحاظ أحكامه المجعولة منها الشرطية فلايمكن ، لأنه من غير
المحتمل إرادته منه عرفاً إلا إذا كانت هناك قرينة واضحة على ذلك ، هذا إضافة إلى
أن لازم ذلك كون مدلول دليل الأصالة حكماً واقعياً فلا يدل حينئذ على الحكم الظاهري
، ودعوى أنه منتزع من هذا التنزيل ، مدفوعة بأن التنزيل إذا كان واقعياً ، فلا يصلح
أن يكون منشأً لانتزاع حكم ظاهري لأنه بلا مبرر .
فالنتيجة ، أنه لا بأس بالوجوه المذكورة لتبرير عدم الاجزاء في الجملة .
والتحقيق أن لنا في المسألة دعويين :
الاُولى : أن ما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من التفسير لأصالة الطهارة وأصالة
الحل واستصحابهما غير صحيح .
ـــــــــــــــــــــ
(1) المصدر المتقدم .
ـ453ـ
الثانية : أن نتيجة ما ذكره (قدس سره) من التفسير لهذه القواعد الثلاث ليست توسعة
دائرة أدلة شرطية الطهارة وجعلها الأعم من الطهارة الواقعية الظاهرية .
أما الدعوى الاُولى ، فلا شبهة في أن الظاهر والمتفاهم عرفاً من مثل قوله (عليه
السلام) : « كل شيء نظيف حتى تعلم أنه قذر » ، هو جعل الطهارة الظاهرية التي هي من
الاحكام الترخيصية في ظرف الجهل بالواقع وعدم العلم به ، بقرينة أن المراد من الشيء
فيه هو الشيء المشكوك طهارته ونجاسته واقعاً لا الشيء بعنوانه الأولي ، لأن الطهارة
المجعولة له طهارة واقعية وهي لايمكن أن تكون مغيّاة بالعلم بالنجاسة ، وإلا لزم
اختصاص الأحكام الواقعية بالعالم بها وهو خلاف الضرورة ، فلذلك لابد أن يكون المراد
من الشيء فيه الشيء المشكوك والطهارة المجعولة له طهارة ظاهرية لأنها مغيّاة بالعلم
بالنجاسة ، وقوله (عليه السلام) : « حتى تعلم أنه قذر » وإن كان قيداً للحكم وغاية
له ، إلا أنه قرينة على أن المراد من الشيء المأخوذ في موضوع القضية الشيء المشكوك
فيه ، وإلا استحال أن يكون قيداً وغاية لحكمه ، هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى ، أن المتفاهم العرفي من مثل هذا النص أنه في مقام بيان ثبوت
الطهارة للشيء المشكوك وحدوثها له ، لا أنه في مقام بيان بقائها وإستمرارها بعد
الفراغ عن ثبوتها وحدوثها ، لأن بقاء الحكم ببقاء موضوعه واستمراره باستمراره أمر
قهري فلا يحتاج إلى مؤونة زائدة ، ولهذا لا شبهة في ظهور الحديث في ذلك كما هو
الحال في جميع القضايا ، سواءً كانت من القضايا الواقعية أم الظاهرية ، لأنها في
نفسها ظاهرة عرفاً في ثبوت المحمول للموضوع ، ولا يمكن حملها على البقاء بعد الثبوت
فإنه بحاجة إلى قرينة ، وأما قوله (عليه السلام) في الموثقة : « حتى تعلم أنّه قذر
» ، فهو لا يصلح أن يكون قرينة على أنها في مقام
ـ454ـ
بيان بقاء الطهارة واستمرارها إلى زمان العلم بالقذارة بعد الفراغ عن أصل ثبوتها
وحدوثها ، لأن الظاهر منه أنه غاية للحكم المجعول في القضية ، ويدل على أنه حكم
ظاهري ، فلهذا يكون مغيّاً بالعلم بالقذارة ولا ظهور له في أنه غاية لاستمراره لا
لأصل ثبوته ، والخلاصة أن المحتمل في الموثقة معنيان :
الأول : أن المراد من الشيء في الموثقة الشيء المشكوك والحكم الثابت له هو الحكم
الظاهري وثبوته مغيّي بالعلم بالخلاف .
الثاني : أن المراد من الشيء فيها الشيء بعنوانه الأولي والحكم الثابت له حكم واقعي
وهو مستمر ظاهراً إلى زمان العلم بالنجاسة ، ومن الواضح أن الموثقة ظاهرة في المعنى
الأول ولايمكن حملها على المعنى الثاني ، إلا بقرينة ولا قرينة على ذلك لا في نفس
الموثقة ولا من الخارج ، فالنتيجة أن كل قضية ظاهرة في ثبوت المحمول للموضوع منها
هذه الموثقة ، ومن هنا يظهر حال دليل أصالة الحل ، فإن الكلام فيه بعينه هو الكلام
في دليل أصالة الطهارة حرفاً بحرف فلا فرق بينهما من هذه الناحية .
وأما استصحاب الطهارة أو الحلية فقد ذكرنا في محله أن دليل الاستصحاب لا يتكفل جعل
الحكم الظاهري المماثل في صورة المطابقة والمخالف في صورة المخالفة ، بل مفاده
النهي عن نقض اليقين السابق بالشك في مقام الوظيفة العملية والجري العملي ، فليس
مفاده كمفاد دليل أصالة الطهارة ، فإن مفادها جعل الطهارة الظاهرية ابتداءً
وبالمطابقة ، وأما مفاد دليل الاستصحاب فهو النهي عن نقض اليقين بالحالة السابقة
بالشك فيها ارشاداً إلى أن وظيفته العمل بالحالة السابقة وعدم جواز رفع اليد عنها
عملا ، ولا اشعار فيه فضلا عن الدلالة على جعل حكم ظاهري مماثل للحالة السابقة إن
كانت حكماً ولحكمها إن كانت
ـ455ـ
موضوعاً في صورة المطابقة أو مخالف لها أو لحكمها في صورة عدم المطابقة ، فإذن ما
ذكره صاحب الكفاية من أن استصحاب الطهارة أو الحلية كأصالتهما ، مبني على ما بنى
عليه في باب الاستصحاب من أن المجعول فيه الحكم الظاهري المماثل أو المخالف .
وعلى هذا فحال الاستصحاب حال الامارات على القول بالطريقية ، فإن كان مطابقاً
للواقع فهو وإلا فالواقع ظل ثابتاً فلا إجزاء ، ولابد من الاتيان به في الوقت أو
خارجه .
وأما أصالة الطهارة أو الحلية وإن كانت متكفلة للحكم الظاهري ، إلا أنا ذكرنا حقيقة
الحكم الظاهري في محله موسعاً وملخصه :
أن الأحكام الظاهرية على نوعين :
النوع الأول : الأحكام الظاهرية الالزامية ، وهي الأحكام الطريقية الطولية المجعولة
بغرض الحفاظ على الأحكام الواقعية وملاكاتها الالزامية من جهة اهتمام الشارع بتلك
الأحكام حتى في حال الجهل بها وعدم العلم ولا شأن لها غير ذلك ، ولهذا تسمّى
بالأحكام الظاهرية التنجيزية .
النوع الثاني : الأحكام الظاهرية الترخيصية ، والغرض من جعلها والداعي إليه هو
التسهيل على عامة المكلفين في حال الجهل بالواقع وعدم العلم به .
وقد ذكرنا في محله أن هذه الأحكام الظاهرية أحكام عذرية ولا شأن لها غير كونها
عذراً للمكلف في صورة مخالفتها للواقع ، ولا تكون ناشئة عن الملاكات في متعلقاتها
لتقع المزاحمة بينها وبين ملاكات الأحكام الواقعية ، بل هي ناشئة عن المصلحة العامة
والنوعية المترتبة على أصل جعلها وهي مصلحة التسهيل ، ولا
ـ456ـ
مزاحمة حينئذ بينها وبين الملاكات الشخصية الواقعية ، وحيث أن المصلحة العامة
النوعية أهم عند الشارع من المصالح الشخصية ، فلذلك قدم الشارع تلك المصلحة العامة
وجعل تلك الأحكام الظاهرية التعذيرية ، وعلى هذا فلا مقتضى للاجزاء ، لأن الواقع
باق على حاله بماله من الملاك ، فإذا انكشف الخلاف وبان أنه لم يأت بالواقع ولا بما
يتدارك به ملاكه ، فلابد من الاتيان به سواءً كان في الوقت أم خارجه ، وعلى الجملة
فالأحكام الظاهرية إن كانت الزامية فهي ناشئة عن إهتمام الشارع بالتحفظ على
الملاكات الواقعية حتى في حال الشك والجهل بها ، ولا ملاك لها غير الحفاظ على تلك
الملاكات في الواقع حتى في هذه الحالة ، وإن كانت ترخيصية فهي ناشئة عن المصلحة
العامة المترتبة عليها بدون أن تؤثر في الواقع وملاكاته ، وعلى هذا فإذا صلى في ثوب
طاهر بأصالة الطهارة ثم تبين أنه نجس ، فمن الواضح أن صلاته هذه لا تجزي عن الصلاة
الواجبة في الواقع وهي الصلاة مع ثوب طاهر ، لأن صلاته مع الثوب المذكور صلاة عذرية
فلا تجزي عن الصلاة المأمور بها في الواقع ، لأنه لم يأت بها ولا بما يتدارك ملاكها
، لفرض أن الصلاة العذرية لا تشتمل على الملاك ، وعليه فإذا انكشف الخلاف ، فإن كان
في الوقت وجبت إعادتها فيه ، وإن كانت في خارج الوقت وجب قضاؤها .
وأما الدعوى الثانوية ، وهي أن هذه القواعد الثلاث حاكمة على الأدلة الاجتهادية
التي تدل على شرطية الطهارة للصلاة وتجعل الشرط أعم من الطهارة الواقعية والظاهرية
.
فيرد عليها أولا ، أن هذه الدعوى لو تمت فإنما تتم في قاعدتي الطهارة والحلية ولا
تتم في استصحابهما ، لما عرفت من أنه ليس في مورده حكم ظاهري مجعول
ـ457ـ
مماثل للحالة السابقة أو لحكمها ، فإذن لا موضوع للحكومة بالنسبة إليه .
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الحكم الظاهري مجعول في مورده كما في مورد
قاعدتي الطهارة والحلية ، ولكن هذا الحكم الظاهري وهو الطهارة أو الحلية الظاهرية
في مورد هذه القواعد الثلاث حكم ترخيصي تعذيري وغير ناشيء عن ملاك في متعلقه الذي
يمكن أن يتدارك به ملاك الواقع ويفي به ، بل هو ناشيء عن المصلحة العامة النوعية
المترتبة عليه ، فإنها الغاية التي تدعو المولى إلى جعله بدون أن يؤثر في الواقع ،
وحينئذ فإذا انكشف الخلاف وتبين أنه لم يأت بالواقع ولا بما يتدارك به ملاكه ، فلا
إجزاء لا إعادةً ولا قضاءً ، فإذن لاتكون تلك القواعد حاكمة على أدلة شرطية الطهارة
، ولاتدل على أن الشرط أعم من الطهارة الواقعية والطهارة الظاهرية لعدم توفر ملاك
الشرطية فيها ، بل تدل على جعل الطهارة والحلية الظاهرية ، على أساس أنها حكم
تعذيري ، فيكون معذراً للمكلف على تفويت ملاك الواقع إذا استمر ولم ينكشف خلافه ،
ومع التنزل عن ذلك وتسليم الحكومة في المقام فمع هذا لا اجزاء فيه ، وذلك لأن
الحكومة على قسمين :
الاُولى : الحكومة الواقعية .
الثانية : الحكومة الظاهرية .
ونقصد بالحكومة الواقعية توسعة دائرة موضوع الدليل المحكوم واقعاً أو تضييقها كذلك
، مثل : « الطواف في البيت صلاة » « الفقاع خمر » وهكذا ، ولهذا لا موضوع لانكشاف
الخلاف فيها ، ونقصد بالحكومة الظاهرية توسعة دائرة موضوع الدليل المحكوم في الظاهر
لا في الواقع ، كحكومة الامارات المعتبرة على الواقع في إثباته ظاهراً وترتيب آثاره
عليه بما أنه مؤداها ، وليس معنى حكومتها
ـ458ـ
عليه توسعة دائرة الواقع واقعاً ، لأنها بهذا المعنى مبنية على القول بالسببية
والموضوعية على تفصيل تقدم(1) ، وأما على القول بالطريقية والكاشفية ، فيستحيل أن
تكون الامارات موجبة لتوسعة دائرة الواقع واقعاً وانقلابه ، بل هو ظل ثابت بدون
تأثير الامارات فيه ، فإذا قامت أمارة على عدم وجوب السورة في الصلاة مثلا وكانت في
الواقع واجبة ثم انكشف الخلاف وتبين أن المأمور به في الواقع هو الصلاة مع السورة
ولم يأت بها ، وما أتى به فهو غير واجب ولا مشتمل على ملاك يمكن أن يتدارك به ملاك
الواجب ، فتجب عليه الاعادة ، وأما قاعدة الطهارة ، فهي وإن لم تكن ناظرة إلى
الواقع ، ولكن مدلولها جعل الطهارة الظاهرية للشيء المشكوك طهارته ونجاسته
الواقعيتين ، وقد مر أن الطهارة الظاهرية حيث أنها حكم ترخيصي تعذيري ، فلا محالة
يكون تنزيل الشيء المشكوك بمنزلة الطاهر في قوله (عليه السلام) : « كل شيء نظيف » ،
إنما هو بلحاظ حال الوظيفة العملية والجري على طبقها حتى تكون عذراً للمكلف في هذه
الحالة إذا أدى عمله فيها إلى تفويت ملاك الواقع ، وعلى هذا فلا محالة تكون حكومة
القاعدة على أدلة شرطية الطهارة حكومة ظاهرية عذرية في مقام العمل ، بمعنى أنها شرط
عذري طالما يكون الواقع مجهولا ، فإذا ارتفع الجهل عن الواقع وانكشف الخلاف ، فلا
عذر في ترك الواقع حينئذ ، وهذا معنى عدم إجزاء العمل بالقاعدة عن الواقع . نعم ،
لوكان مدلول دليل القاعدة تنزيل الشي المشكوك منزلة الطاهر الواقعي واقعاً أي بلحاظ
آثاره وأحكامه المجعولة في الواقع منها الشرطية ، كان العمل بالقاعدة مجزياً عن
الواقع ، باعتبار أن حكومتها على أدلة الشرطية حنيئذ تكون واقعية وتوسع دائرة الشرط
واقعاً ، إلا أن مدلوله ليس
ـــــــــــــــــــــ
(1) في المقام الأول من المرحلة الثالثة ( اجزاء الأمر الظاهري عن الواقع ) .
ـ459ـ
كذلك ، لأنه لا يدل على هذا التنزيل وإنما يدل على التنزيل الظاهري ، باعتبار أنه
في مقام بيان الحكم الظاهري ، فلوكان مفاده التنزيل الواقعي ، فلايمكن أن يستفاد
منه الحكم الظاهري .
فالنتيجة ، أن حكومة القاعدة بما أنها ظاهرية فلا توجب انقلاب الواقع وهو محفوظ بما
له من الملاك ، فإذا انكشف الخلاف وجب الاتيان به سواءً أكان في الوقت أم في خارجه
، فإذن لا موضوع للأجزاء ، وبذلك يظهر أنه لا وجه لما ذهب إليه صاحب الكفاية (قدس
سره) من الاجزاء في مورد هذه القواعد الثلاث ولعله مبني على الخلط بين حكومة تلك
القواعد على أدلة الشرطية ظاهراً وحكومتها عليها واقعاً وتخيل أن حكومتها عليها
واقعية ، ومن هنا يظهر أنه لا فرق بين موارد الامارات المعتبرة والاُصول العملية ،
فعدم الاجزاء في كلا الموردين يكون على القاعدة .
وأما الكلام في المقام الثالث ، فيقع في بيان الأقوال في المسألة وهي كثيرة :
1 ـ الاجزاء مطلقاً .
2 ـ عدم الاجزاء كذلك .
3 ـ التفصيل بين الامارات والاُصول العملية .
فعلى الأول لا يجزي الاتيان بالمأمور به بالأمر الظاهري عن الواقع وعلى الثاني يجزي
.
4 ـ التفصيل بين ما إذا كانت حجية الامارات بنحو السببية والموضوعية ، وما إذا كانت
بنحو الطريقية والكاشفية . فعلى الأول يجزي وعلى الثاني لا يجزي .
5 ـ التفصيل بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني وما إذا كان
ـ460ـ
بالعلم التعبدي . فعلى الأول لا يجزي وعلى الثاني يجزي .
6 ـ التفصيل بين ما إذا قامت الامارة على الحكم وما إذا قامت على الموضوع ، فيجزي
على الثاني دون الأول .
هذه هي الأقوال في المسألة .
أما القول الأول والثاني فلا أصل لهما كما يظهر وجه ذلك من بيان
الأقوال الآتية .
وأما القول الثالث ، فقد ظهر عما مرّ أنه لا أصل له .
وأما القول الرابع ، فقد تقدم سابقاً أن القول بالسببية والموضوعية لا يلازم القول
بالاجزاء مطلقاً .
وأما القول السادس وهو التفصيل بين الامارات في الشبهات الحكمية والامارات في
الشبهات الموضوعية ، فهو مبني على القول بكون حجية الامارات من باب السببية
والموضوعية ، فإنها على هذا القول إن كانت في الشبهات الحكمية فتوجب انقلاب الواقع
فيها ، وإن كانت في الشبهات الموضوعية فلا تأثير لها فيها ، ولكن قد تقدم بطلان هذا
القول بتمام اشكاله وصيغه ، فإذن لا وجه لهذا التفصيل .
وأما القول الخامس ، وهو التفصيل بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني وما
إذا كان بالعلم التعبدي ، فيقع الكلام في الثاني في مقامين :
الأول : أن يكون انكشاف الخلاف بالامارة المعتبرة .
الثاني : أن يكون بالأصل العملي .
أما الكلام في المقام الأول ، فقد استدل على الاجزاء بتقريب ، أن انكشاف الخلاف إذا
كان بقيام حجة معتبرة على الخلاف لا بالعلم الوجداني لم يعلم المكلف ببطلان الحجة
الاُولى ومخالفتها للواقع ، حيث إنه لا مزية للحجة اللاحقة على الحجة السابقة من
هذه الناحية ، فكما يحتمل أن تكون الحجة اللاحقة مطابقة للواقع دون الاُولى فكذلك
يحتمل العكس ، غاية الأمر أن وظيفة المكلف فعلا هي العمل على طبق الحجة اللاحقة دون
الحجة الاُولى بدون العلم بمطابقتها للواقع ، وأما الاُولى فهي وإن لم تكن حجة فعلا
ولكنها كانت حجة في ظرفها وقبل وصول الثانية صغرى وكبرى ، وإنما لا تكون حجة بعد
وصولها كذلك ، ومن الواضح أنها بعد اتصافها بالحجية بالوصول لا توجب انقلاب الواقع
وجعل الحجة غير حجة في ظرفها ، لأن اتصاف الامارة بالحجية متقوم بالعلم به والوصول
في اُفق الذهن ولا يتصور فيه كشف الخلاف ، إذ لا واقع موضوعي له غير تقومه بالعلم
والوصول في اُفق النفس ، فطالما العلم والوصول موجوداً فيه فالحجية موجودة ، وإذا
زال ، زالت الحجية من حين زواله ، وعلى هذا فحجية الامارة السابقة إن زالت بالعلم
الوجداني بخلافها فلا مقتضى للاجزاء ، لأن الأعمال السابقة المستندة إليها حينئذ
تكون مخالفة للواقع جزماً ، وإن زالت بالعلم التعبدي كالامارة المعتبرة فلا علم
بعدم مطابقتها للواقع ، فإن سقوط الامارة السابقة عن الحجية إنما هو في ظرف وصول
الامارة اللاحقة صغرى وكبرى ، وأما في ظرفها فهي كانت حجة والأعمال السابقة مستند
إليها والعلم الوجداني بمخالفتها للواقع غير موجود ، ونتيجة ذلك هي أن كشف الخلاف
إن كان في الوقت وجب الاعادة فيه لمكان قاعدة الاشتغال ، وإن كانت في خارج الوقت لم
يجب القضاء لعدم احراز صدق فوت الواجب في الوقت وإنما هو
احتمال الفوت .
ولكن لا يمكن المساعدة عليه ، وذلك لأن اتصاف الامارة بالحجة في ظرف العمل وإن كان
ثابتاً ولا يزول هذا الاتصاف إلا بوصول الحجة اللاحقة ، إلا أن الامارة اللاحقة
تكشف عن ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة من أول الأمر وتكون حجة عليه بالمطابقة
وعلى نفي مدلول الحجة السابقة بالالتزام ، وأما الحجة السابقة فهي ساقطة عن
الاعتبار ولا تكون حجة في إثبات مدلولها فعلا ، وأما في ظرفها فهي وإن كانت حجة
وتحكي عن ثبوت مدلولها في الشريعة المقدسة ، إلا أنها معارضة من هذه الناحية مع
الحجة اللاحقة ، وحيث إن اللاحقة أقوى من السابقة ، إما من ناحية إمكان الجمع
العرفي بينهما أو الترجيح ، فلابد من تقديمها عليها ، وعليه فإذا فرضنا قيام إمارة
معتبرة على عدم وجوب السورة في الصلاة ، وإن الواجب هو الصلاة بدونها ثم ظهر له حجة
اُخرى تدل على وجوب السورة فيها أقوى من الاُولى ، فلا تكون حجة في مقابل الاُخرى ،
وحينئذ فإن كان ذلك في الوقت وجبت الاعادة وإن كان في خارج الوقت وجب القضاء ،
باعتبار أن اتيان المكلف بالصلاة بدون السورة في وقتها وإن كانت مستنداً إلى الحجة
حين الاتيان بها ، إلا أنه بعد خروج الوقت انكشف أنها ليست فرداً للصلاة المأمور
بها في الشريعة المقدسة ، فإذا لم تكن فرداً لها ولم تنطبق الصلاة المأمور بها
عليها فقد فاتت عنه ظاهراً ، فلذلك يجب قضاؤها خارج الوقت كذلك ، ومن هذا القبيل ما
إذا قلد مجتهداً يرى عدم وجوب الجلسة الاستراحة في الصلاة ثم عدل عنه إلى مجتهد آخر
صار أعلم منه وهو يرى وجوبها في الصلاة ، ففتوى الأول حجة طالما المكلف لم يعدل عنه
، فإذا عدل إلى الثاني سقطت عن الحجية وتصبح فتوى الثاني حجة ، وتدل على أن الواجب
في الشريعة المقدسة هو الصلاة مع الجلسة الاستراحة بالمطابقة وعلى نفي وجوبها
بدونها بالالتزام ، وفتوى الأول وإن كانت حجة في ظرفها إلا أنها لاتصلح أن تعارض
فتوى الثاني بقاءً فتسقط عن الحجة ، وعلى هذا فإن كان العدول في الوقت فعليه
الاعادة ، وإن كان في خارج الوقت فعليه القضاء ، لأن الصلاة المأتي بها في وقتها
وهي الصلاة بدون جلسة الاستراحة وإن كانت مع الحجة إلا أنه في خارج الوقت ، انكشف
أنها ليست فرداً للصلاة المأمور بها في الشريعة المقدسة ظاهراً ، فإذا فاتت عنه
الصلاة في الوقت ، فيجب عليه قضاؤها خارج الوقت وهكذا ، وللمسألة أمثلة وفروع كثيرة
في الشبهات الحكمية والموضوعية ، لأنها مسألة سيالة لا تختص بباب دون باب .
وأما على الثاني ، وهو انكشاف الخلاف بالأصل العملي ، ففيه صور في الشبهة الموضوعية
والشبهة الحكمية .
الصورة الاُولى : ما إذا كان انكشاف الخلاف بالاستصحاب في الشبهة الموضوعية ، وذلك
كمن صلى فشك في أثناء صلاته في الاتيان بجزء منها بعد التجاوز عن محله ، وبنى على
الاتيان به تطبيقاً لقاعدة التجاوز ، ثم ظهر أن المورد ليس من موارد التمسك
بالقاعدة لعدم توفر شروطها فيه ، وحينئذ فلا مانع من استصحاب عدم الاتيان بالجزء
المشكوك فيه ، ويترتب عليه وجوب الاعادة إن كان ذلك في الوقت ، بل وجوب الاعادة في
الوقت لا يتوقف على الاستصحاب ، فإنه تكفي فيه قاعدة الاشتغال ، وأما إن كان ذلك في
خارج الوقت ، فهل يترتب على هذا الاستصحاب وجوب القضاء ؟ فيه قولان : فإن قلنا بأن
موضوع وجوب القضاء عدم الاتيان بالصلاة في الوقت ، فهو يثبت بالاستصحاب فيجب القضاء
، وإن قلنا بأن موضوعه الفوت كما هو الظاهر من الدليل ، فلا يمكن إثباته بالاستصحاب
إلا على القول بالأصل المثبت .
ودعوى ، أن لازم ذلك عدم وجوب القضاء حتى فيما إذا انكشف الخلاف في الوقت والمكلف
ترك الاعادة فيه عامداً عالماً ، لأنه شاك في تحقق موضوعه وهو فوت الفريضة حينئذ
أيضاً ، لفرض أنه لم يثبت بالاستصحاب ، وعليه فيشك في توجه الأمر بالقضاء إليه
فتجري البراءة عنه .
مدفوعة بأن وجوب القضاء في هذه الصورة لا يتوقف على اثبات فوت الواجب الواقعي لكي
يقال أنه غير ثابت ، بل يكفي في وجوب القضاء فيها فوت الواجب الظاهري الذي ثبت
وجوبه بالاستصحاب أو قاعدة الاشتغال ، والمفروض أنه فات عن المكلف في الوقت فيجب
عليه قضاؤه خارج الوقت ، غاية الأمر أن وجوب قضائه عندئذ أيضاً ظاهري لأن ملاكه
التدارك ، فإن كان المتدارك فريضة واقعية ، فوجوب قضائها أيضاً واقعية ، وإن كان
فريضة ظاهرية فوجوب قضائها أيضاً كذلك ، ومن هنا يظهر الفرق بين انكشاف الخلاف في
الوقت وانكشاف الخلاف في خارج الوقت ، فإنه على الثاني لم تفت عنه الفريضة الظاهرية
في الوقت لعدم وجوبها عليه ، وأما فوت الفريضة الواقعية فهو مشكوك وغير محرز ، ومن
هذا القبيل ما إذا شك في صحة جزء في الصلاة بعد الفراغ منه وبنى على صحته تطبيقاً
لقاعدة الفراغ ثم انكشف الخلاف وظهر أن شروط القاعدة غير متوفرة فيه ، وعندئذ فلا
مانع من استصحاب عدم صحته بنحو الاستصحاب في العدم الأزلي ، ويترتب عليه وجوب
الاعادة إن كان ذلك في الوقت ، بل يكفي فيه قاعدة الاشتغال أيضاً ، ولكن لايترتب
عليه وجوب القضاء إن كان في خارج الوقت بناءً على ما هو الصحيح من أن موضوع وجوب
القضاء فوت الفريضة ، ولا يمكن احرازه بالاستصحاب إلا على القول بالأصل المثبت ،
نعم لو كان القضاء بالأمر الأول أو كان موضوعه عدم الاتيان بالفريضة في الوقت ثبت
وجوبه .
الصورة الثانية : ما إذا انكشف الخلاف في شبهة حكمية ، كما إذا بنى فيما إذا سافر
شخص أربعة فراسخ ولم يرجع في نفس اليوم وبقي إلى ما دون العشرة على وجوب القصر عليه
، ثم حصل له الشك في وجوبه من جهة الشك في صحة مدركه ، وحينئذ فيشك في أن الواجب
عليه في المسألة هل هو القصر أو التمام ، فلا مانع من التمسك باستصحاب بقاء وجوب
التمام عليه ، وحينئذ فإن كان ذلك في الوقت وجب عليه الاتيان بالظهر تماماً فيه ،
وإن كان في خارج الوقت ، فإن كان موضوع وجوب القضاء عدم الاتيان بالواجب أو أنه
بالأمر الأول وجب القضاء ، وإن كان موضوعه الفوت ، فلايمكن إثباته بالاستصحاب الاّ
على
النحو المثبت .
الصورة الثالثة : ما إذا كان انكشاف الخلاف بأصالة الاشتغال ، والأصالة تارة تكون
على أساس العلم الاجمالي واُخرى على أساس أن المرجع في مسألة دوران الأمر بين الأقل
والأكثر الارتباطيين قاعدة الاشتغال دون البرائة .
أما الأول ، فكما إذا تعلق رأي المكلف اجتهاداً أو تقليداً بوجوب الصلاة تماماً على
كثير السفر وإن لم يكن السفر مقدمة لشغله ثم تردد فيه ، فحصل له العلم الاجمالي إما
بوجوب التمام عليه أو القصر أو بنى على وجوب التمام على كل من يكون شغله السفر في
السفرة الاُولى أيضاً بعد اقامة عشرة أيام في بلد المكاري ثم تردد فيه ، فحصل له
العلم الاجمالي إما بوجوب التمام أو القصر أو على وجوب التمام على من يكون سفره بين
وطنه ومقر شغله لا يقل عن عشرة أيام في كل شهر ثم تردد في ذلك ، فحصل له العلم
الاجمالي إما بوجوب القصر أو التمام وهكذا ، ففي كل هذه الموارد فإن كان انكشاف
الخلاف في الوقت وقبل الاتيان بوظيفته وهي الصلاة تماماً ، فلا اشكال في وجوب
الاحتياط بالجمع بين القصر والتمام ولا كلام فيه ، وإنما الكلام فيما إذا كان
انكشاف الخلاف في الوقت بعد الاتيان بالصلاة تماماً ، وحينئذ فهل يكون العلم
الاجمالي مؤثراً وأن المرجع في الطرف الباقي أصالة الاشتغال أو أنه لايكون مؤثراً
والمرجع فيه أصالة البراءة ، الظاهر أنه غير مؤثر ، لأنه إنما حصل في وقت كان أحد
طرفيه خارجاً عن محل الابتلاء ، وعليه فالركن الأول من أركان منجزية العلم الاجمالي
وهو تعلقه بالتكليف الفعلي المولوي على كل تقدير مفقود فيه ، فلذلك لا يكون منجزاً
، ومن هنا يظهر حال ما إذا كان انكشاف الخلاف بعد خروج الوقت ، فإنه إن كان بعد
الاتيان بما هو وظيفته في داخل الوقت ، فالمرجع في خارج الوقت أصالة البراءة عن
وجوب القضاء ، وإن كان قبل الاتيان به في الوقت وجب عليه القضاء في خارج الوقت ،
وهل يجب عليه الاحتياط فيه بالجمع بين التمام والقصر ؟
والجواب نعم ، باعتبار أنه يعلم من الآن أن الفائت في الوقت إما الصلاة قصراً أو
الصلاة تماماً ، فلهذا يجب عليه الاحتياط في خارج الوقت أيضاً .
وأما على الثاني ، فكما إذا تعلق رأيه بعدم وجوب السورة في الصلاة ثم حصل له الشك
وتردد في وجوبها في الوقت ، ففي مثل ذلك يجب الاتيان بالصلاة مع السورة بمقتضى
قاعدة الاشتغال ، سواء أتى بالصلاة بدون السورة أم لا ، وإن كان انكشاف الخلاف في
خارج الوقت ، فإن كان بعد الاتيان بما هو وظيفته في الوقت لم يجب القضاء وإلا وجب ،
هذا بناء على أن المرجع في المسألة أصالة الاشتغال دون البراءة ، وأما إذا قلنا بأن
المرجع فيها أصالة البراءة كما هو الصحيح ، فالمسألة خارجة عن محل الكلام .
تنبيهات :
الأول : أن المحقق الخراساني (قدس سره) قد ذكر أن محل النزاع في المسألة إنما هو في
الامارات التي قائمة على متعلقات الأحكام الشرعية دون الامارت التي قائمة على نفس
الأحكام الشرعية(1) .
أما الاُولى كما إذا قامت أمارة على عدم جزئية شيء للصلاة أو شرطية آخر لها وكان في
الواقع جزءاً أو شرطاً ، مثال ذلك ما إذا كان مقتضى اطلاق الدليل عدم وجوب السورة
في الصلاة أو بنى على عدم وجوبها بدليل خاص أو أصل عملي وكان في الواقع جزءاً لها ،
ففي مثل ذلك إن قلنا بأن حجية الامارات والاُصول العملية من باب السببية والموضوعية
، فلا مناص من الالتزام بالاجزاء ، وإن قلنا بأنها من باب الطريقية فمقتضى القاعدة
عدم الاجزاء لا في الوقت ولا في خارج الوقت .
وأما الثانية كما إذا قامت أمارة على وجوب صلاة الجمعة في يومها وكان الواجب في
الواقع هو صلاة الظهر ، فإنها خارجة عن محل الكلام ولا تدل على الاجزاء حتى على
القول بالسببية والموضوعية ، بدعوى أن قيامها على وجوب صلاة الجمعة وإن أحدث مصلحة
في مؤداها على القول بالسببية إلا أن تلك المصلحة أجنبية عن مصلحة الواجب الواقعي
وهو صلاة الظهر في المثال ، ولا تكون من سنخها حتى يمكن استيفائها بها ، لأن وجوب
صلاة الجمعة مباين لوجوب صلاة الظهر ملاكاً ومتعلقاً ، وعلى هذا فبطبيعة الحال لا
يكون الاتيان بصلاة الجمعة في يومها مجزياً عن صلاة الظهر ، لأنها مجزية عن نفسها
لا
عن غيرها .
والخلاصة : أن وجوب كل من الصلاتين وجوب واقعي ناشىء عن ملاك خاص لا صلة لملاك
إحداهما بملاك الاُخرى ، غاية الأمر أن وجوب صلاة الظهر وجوب واقعي أولي ووجوب صلاة
الجمعة وجوب واقعي ثانوي وهو مؤدى الامارة ، نعم لا يمكن الالتزام بتعدد الواجب في
خصوص باب الصلاة من جهة دليل خارجي على أن الواجب في كل يوم خمسة صلوات لا أكثر ،
فإذن لابد في باب الصلاة من الالتزام بالانقلاب والاجزاء على القول بالسببية من جهة
قرينة خارجية ، وأما في غير باب الصلاة فلا مانع من الالتزام بتعدد الواجب وعدم
الاجزاء ، هذا .
وقد أورد على هذا التفصيل السيد الاُستاذ (قدس سره) بما حاصله ، أنه لا فرق بين
القسمين من الامارات على كلا القولين في المسألة هما القول بالسببية والقول
بالطريقية(2) ، وقد أفاد في وجه ذلك أن لسان الامارات لسان الحكاية عن الواقع
وحصرها في مؤداها ، فإنها تدل على ثبوت الواقع بالمطابقة وعلى نفيه عن غير مؤداها
بالالتزام ، فالامارة القائمة على وجوب صلاة الجمعة في يومها تدل على وجوبها
بالمطابقة وعلى نفي وجوب صلاة الظهر بالالتزام ، وعلى الجملة فالواقع واحد ، فإذا
قامت امارة عليه دلت على ثبوته مطابقة وعلى نفي غيره التزاماً .
تحصل أنه لا وجه لما ذكره صاحب الكفاية (قدس سره) من التفصيل في المقام .
الثاني : أن محل النزاع في المسألة إنما هو في إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر
الواقعي والأمر الظاهري عنه على تفصيل تقدم .
وأما إذا لم يكن في المسألة أمر اضطراري ولا أمر ظاهري وإنما هو مجرد الاعتقاد
بثبوت الواقع والقطع به فهو خارج عن محل النزاع ، ضرورة أن القطع لا يغير الواقع
ولا يوجب انقلابه ولا يجعل ماليس بواقع واقعاً ، لأنه طريق
إليه وكاشف عنه على ما هو عليه في الواقع ، والكاشف يستحيل أن يؤثر
في المكشوف .
الثالث : أن مقتضى القاعدة بناء على ما هو الصحيح من أن حجية الامارات من باب
الطريقية والكاشفية وإن كان هو عدم الاجزاء في صورة المخالفة ، ولكن مع هذا يقع
الكلام في مقامين :
المقام الأول في المجتهد .
المقام الثاني في المقلد .
أما الكلام في المقام الأول ، فإذا ظهر عند المجتهد أنه أخطأ في مدرك فتواه مثلا
بعدم وجوب السورة في الصلاة ، كما إذا كان بانياً على عدم وجوبها فيها من جهة أصل
لفظي كالاطلاق أو العموم أو أصل عملي كأصالة البراءة أو استحصاب عدم وجوبها ثم
تبيّن خطأه في ذلك وبنى على وجوبها ، فهل مقتضى القاعدة وجوب إعادة الصلوات التي
صلاها بدون السورة ؟
والجواب : نعم ، أما في الوقت فلا اشكال في وجوبها ، وأما في خارج الوقت فمقتضى
القاعدة وجوبها أيضاً ، لأنه وإن كان شاكاً في فوتها واقعاً إلا أنه غير شاك في
فوتها ظاهراً وهو موضوع لوجوب قضائها في خارج الوقت ، غاية الأمر ظاهراً لا واقعاً
، لأن وجوب الفائت إن كان ظاهرياً فوجوب قضائه أيضاً ظاهري ، وإن كان واقعياً فوجوب
قضائه أيضاً واقعي ، وكذلك الحال بالنسبة إلى مقلديه .
وأما الكلام في المقام الثاني ، فإن كان ظهور الخطأ من جهة عدول المكلف من مجتهد
إلى مجتهد آخر ، إما على أساس أن المجتهد الثاني أصبح أعلم من الأول أو أنه كان
أعلم منه من الابتداء ولكنه لايدري بالحال ، أو ظهر عنده أن الأول غير واجد لشروط
التقليد بسبب أو آخر أو غير ذلك ، فهنا صور :
الاُولى : ما إذا كان عدوله من مجتهد إلى مجتهد آخر من جهة أنه أصبح أعلم منه بقاءً
.
الثانية : ما إذا كان ذلك من جهة أنه كان أعلم منه من الأول ولكنه
لايعلم بالحال .
الثالثة : ما إذا كان ذلك من جهة أن الأول كان يفقد بعض شروط التقليد بقاء .
الرابعة : ما إذا كان ذلك من جهة أنه كان فاقداً لشروط التقليد من الأول وهو لا
يعلم بالحال .
الخامسة : ما إذا كان ذلك من جهة موت المجتهد الأول .
أما الصورة الاُولى ، فإن كان ذلك في الوقت وجبت الاعادة بمقتضى قاعدة الاشتغال ،
وأما إن كان في خارج الوقت فيجب عليه القضاء ، فإن علمه بفتوى المجتهد الأول وإن
كان عملا بالحجة في ظرفه ، ضرورة أن الشيء لا ينقلب عما كان عليه ، إلا أنها سقطت
عن الحجية والكشف بوصول فتوى الثاني صغرى وكبرى ، وهي حجة من الآن على اثبات
مدلولها في تمام قطاعاته الزمنية الطولية إلى زمن الشرع ، وحينئذ ففوت الواقع
واقعاً في الوقت وإن كان غير محرز ، إلا أن فوته ظاهراً فيه محرز بنفس وصول حجية
هذه الفتوى ، وحيث أنها أقوى من الاُولى فعلا وتتقدم عليها ، فلا تكون الاُولى حجة
في مقابلها وكاشفة عن ثبوت مدلولها كذلك .
وأما الصورة الثانية : فتجب عليه الاعادة والقضاء ، على أساس أن أعماله السابقة
كانت على خلاف الحجة في الواقع حتى في ظرفها وهي فتوى الأعلم .
وأما الصورة الثالثة : وهي ما إذا كان الرجوع إلى الثاني من جهة فقد الأول بعض شروط
التقليد بقاءً ، فهل في مثل ذلك إذا كانت فتوى المجتهد الثاني مخالفة لفتوى المجتهد
الأول وجوب الاعادة في خارج الوقت ؟
والجواب : الظاهر عدم وجوبها ، وذلك لأن فتوى الثاني لم تكشف عن بطلان الأعمال
السابقة لا وافعاً ولا ظاهراً .
أما الأول ، فهو واضح .
وأما الثاني ، فلأنه منوط بأن تكون فتوى المجتهد الثاني أقوى من فتوى المجتهد الأول
وتتقدم عليها في مقام الكشف والمعارضة ، والمفروض أنها ليست كذلك لولم يكن الأمر
بالعكس ، نعم أنها فعلا قد سقطت عن الحجية ولا تكون مؤمنة ، وأما في ظرف العمل بها
فهي كانت حجة ومؤمنة وكاشفة ، وليس كشف فتوى الثاني أقوى من كشفها .
وأما الصورة الرابعة : وهي ما إذا كان المجتهد غير واجد لشروط التقليد من الابتداء
بسبب أو آخر ، فالظاهر بطلان الأعمال السابقة التي تكون مخالفة لفتوى المجتهد
الثاني ، باعتبار أنها مخالفة للحجّة من الأول ولم تكن مستندة إليها واقعاً في
ظرفها ، ومقتضى القاعدة حينئذ وجوب إعادتها ظاهراً .
وأما الصورة الخامسة : وهي ما إذا مات المجتهد الأول ورجع إلى المجتهد الحي ، فهل
تجب إعادة الأعمال الماضية التي كانت مطابقة لفتوى الميت ومخافة لفتوى الحي ،
الظاهر عدم وجوب الاعادة ، لأن فتوى الميت وإن سقطت من الحجية فعلا إلا أنها كانت
حجّة في ظرف العمل بها ، وفتوى الحي وإن كانت حجة فعلا إلا أن دلالتها على ثبوت
مدلولها في تمام فتراته الزمنية الطولية إلى زمن الشرع تصادم مع فتوى الميت في ظرف
حجيتها ودلالتها على ثبوت مدلولها كذلك ، ولا ترجيح في البين ، وعلى هذا فلا تدل
فتوى الحي على بطلان الأعمال السابقة لا واقعاً ولا ظاهراً ، أما الأول فهو واضح ،
وأما الثاني فلأنه منوط بتقديم فتوى المجتهد الحي على فتوى المجتهد الميت في ظرف
حجيتها ولا مبرر لذلك ، حيث لا يكون كشف فتوى الحي عن الواقع أقوى من كشف فتوى
الميت عنه في ظرف اعتبارها ، وحينئذ فلا تجب إعادة الأعمال السابقة في خارج الوقت
لا واقعاً ولا ظاهراً .
هذا كله بحسب مقتضى القاعدة الأولية في المسألة .
وأما بحسب مقتضى القاعدة الثانوية في باب الصلاة فحسب ، فلا تجب الاعادة لا في
الوقت ولا في خارجه إذا كان الاخلال بغير الأركان من الاجزاء والشروط بمقتضى حديث
لا تعاد(3) ، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاخلال بالنسيان أو الجهل .
وعلى الثاني لا فرق بين أن يكون الجهل مركباً أو بسيطاً ، نعم إذا كان بسيطاً وكان
مقصراً فلا تكون مشمولا لاطلاق الحديث .
وبكلمة إننا قد ذكرنا موسعاً في بحث الفقه أن حديث لا تعاد لا يختص بالناسي ويعمّ
الجاهل بقسمية المركب والبسيط ، غاية الأمر أنه إذا كان بسيطاً فشمول اطلاق الحديث
له منوط بأن لا يكون مقصراً وإلا فلا يكون مشمولا له كالعالم العامد ، وأما الجاهل
المركب فهو مشمول لاطلاقه وإن كان مقصراً ، وتمام الكلام في ذلك في محله .
فالنتيجة ، أن الاخلال في باب الصلاة بالأجزاء أو الشروط غير الركنية إذا كان
بالنسيان أو الجهل المركب وإن كان مقصراً أو البسيط ، شريطة أن لا يكون مقصراً لا
يوجب الاعادة ، وأما إذا كان الاخلال بالأجزاء أو الشروط الركنية فهو يوجب الاعادة
، وكذلك إذا كان الاخلال بالتكبيرة ، فإنها وإن لم تكن مذكورة في حديث لا تعاد إلا
أنها ركن بمقتضى النصوص الخاصة .
ومن هنا يظهر أن وجوب الاعادة أو القضاء لم يثبت إلا فيما إذا كان الاختلاف بين
المجتهدين في الاجزاء أو الشرائط الركنية ، هذا كله في باب العبادات .
وأما في باب المعاملات فحيث أن الاختلاف بين الفقهاء والمجتهدين في ذلك الباب قليل
فلا تظهر الثمرة إلا نادراً ، باعتبار أنه لا تعتبر في صحة المعاملات المالية
ونفوذها صيغة خاصة ولغة مخصوصة ، بل لا يعتبر فيها اللفظ فضلا عن كونه بصيغة خاصة
وتكفي فيها المعاطاة ، وأما في باب النكاح فاعتبار لفظ خاص كالعربية أو صيغة مخصوصة
فهو المعروف والمشهور عند الفقهاء ، وعلى هذا فإذا أفتى فقيه بصحة النكاح بالمعاطاة
أو بالفارسية وعقد على امرأة بالفارسية ، وحينئذ فإذا ظهر له أنه أخطأ في ذلك وبنى
على اعتبار العربية في الصيغة وعدم كفاية الفارسية ، فعليه أن يجدد العقد عليها
بالصيغة العربية ، وكذلك إذا عدل مقلده منه إلى غيره بسبب أو آخر وكان فتوى غيره
باعتبار العربية في صيغة عقد النكاح وعدم كفاية المعاطاة ولا الفارسية ، فإن عليه
أن يجدد العقد على امرأته بالعربية ، هذا إذا كان الموضوع باقياً وإلا فلا شيء عليه
هذا من ناحية .
ومن ناحية اُخرى إذا أفتى فقيه بجواز الذبح بالاستيل ، فإذا ذبح أحد شاة به
اعتماداً على فتواه ثم عدل عنه إلى مجتهد آخر يرى عدم جواز الذبح به واعتبر أن يكون
بالحديد ، فإن كانت الذبيحة باقية وجب عليه الاجتناب عنها ، وإن لم تكن باقية بأن
أكلها أو أكلها غيره فلا شيء عليه لا تكليفاً ولا وضعاً ، هذه نبذة مختصرة حول
الأحكام المترتبة على اختلاف المجتهدين في الفتوى في بابي العبادات والمعاملات ،
وتفصيل الكلام في ذلك في باب الاجتهاد والتقليد .
نتائج هذا البحث … نتائج البحث عدة نقاط :
الاُولى : أن الأقوال في تفسير حجية الامارات من باب الطريقية والكاشفية أربعة وقد
تقدم نقطة الاشتراك بين هذه الأقوال ونقطة الامتياز بينها وما يترتب عليها من
الآثار .
الثانية : أن الأقوال الرئيسية في تفسير حجية الامارات من باب السببية والموضوعية
ثلاثة ، وتقدم ما هو الفرق بين هذه الأقوال وما هو الممكن منها وما هو المستحيل وما
يترتب عليها من الآثار فلاحظ .
الثالثة : أن هناك فروضاً اُخرى للقول بالتسبيب :
الفرض الأول : الالتزام بوجود مصلحة في المؤدي ، وهذه المصلحة إن كانت مسانخة
لمصلحة الواقع ، فحينئذ إن كانت أقوى منها إنقلب الواقع من الواقع الأولي إلى
الواقع الثانوي وهو مؤدى الامارة ، ولازم هذا القول التصويب والاجزاء ، وإن كانت
مساوية لها انقلب الواجب إلى الجامع بين الواقع والمؤدى ، فيكون الواجب أحدهما ،
ولازم هذا أيضاً التصويب والاجزاء ، وأما إذا لم تكن مصلحة المؤدى مسانخة لمصلحة
الواقع ومباينة لها ، فعندئذ لاتصويب ولا إجزاء ، ولكن هذا الفرض لايمكن في باب
الصلاة لاستلزام ذلك كون الواجب أكثر من خمس صلوات في اليوم وهو لايمكن ، وأما في
سائر الأبواب فلامانع من هذا الفرض .
الفرض الثاني : الالتزام بوجود مصلحة في نفس جعل الحكم الظاهري وينتهي مفعولها
بانتهاء الجعل ، وهذا الفرض لايستلزم التصويب ولا الاجزاء .
الفرض الثالث : الالتزام بوجود مصلحة في مؤدى الامارة المخالفة للواقع بما هو مؤدى
الامارة المخالفة ، وذكر هذا الفرض المحقق الأصبهاني (قدس سره) وفيه نظر وقد تقدم
تفصيله .
الرابعة : أن المحقق الخراساني (قدس سره) قد فصل في الاُصول العملية بين ما إذا كان
مفادها جعل الحكم الظاهري بلسان احراز الواقع والنظر إليه ، وما إذا كان مفادها جعل
الحكم الظاهري بلسان جعل الحكم المماثل للواقع ابتداءً من دون نظر إلى الواقع ،
فعلى الأول لا يجزى عن الواقع وعلى الثاني يجزى عنه كأصالة الطهارة وأصالة الحلية
واستصحابهما ، فإنها توسع دائرة الشرط وتجعله الأعم من الطهارة الواقعية والظاهرية
والحلية الواقعية والظاهرية ، فدليل الأصالة حاكم على دليل الشرط وينقح صغرى له
ويجعله الأعم من الشرط الواقعي والشرط الظاهري ، غاية الأمر أن الحكومة إن كانت
واقعية فتوسع دائرة الواقع واقعاً ، وإن كانت ظاهرية فتوسع دائرة الشرط ظاهراً .
الخامسة : قد علق المحقق النائيني والسيد الاُستاذ (قدس سرهما) على ماذكره صاحب
الكفاية (قدس سره) بوجوه :
الأول : أن الحكومة عنده (قدس سره) منحصرة في التفسير اللفظي وبكلمة يعني ، ومن
الواضح أن لسان دليل أصالة الطهارة وأصالة الحلية واستصحابهما ليس لسان التفسير
والنظر فإذن لا حكومة ، وقد وجه بعض المحققين (قدس سره) بأن مراده من الحكومة في
المقام الورود واثبات موضوع جديد للشرطية وهو الطهارة الظاهرية أو الحلية الظاهرية
، وهذا التوجيه غير بعيد كما تقدم .
الثاني : أن هذه الحكومة ، حكومة ظاهرية لا واقعية ومنوطة بجهل المكلف بالواقع وعدم
علمه ، فإذا ارتفع الجهل وأصبح عالماً بالواقع انكشف أنه لم يعمل به ، فإذن يجب
عليه العمل به ، وهذا معنى عدم إجزاء الأمر الظاهري عن الأمر الواقعي ، وهذا الوجه
لا بأس به ، ولا يرد عليه ما أورده بعض المحققين (قدس سره) على تفصيل تقدم .
الثالث : أن أصالة الطهارة لوكانت حاكمة على دليل شرطية الطهارة للصلاة لكانت حاكمة
على دليل شرطية طهارة الماء للوضوء والغسل مع أن الأمر ليس كذلك ، بداهة أنه لو
توضأبماء محكوم بالطهارة بمقتضى أصالة الطهارة ثم انكشف أنه كان نجساً في الواقع ،
لم يمكن الحكم بصحة هذا الوضوء ، وقد تقدم أن المحاولة لدفع هذا النقض غير سديدة .
الرابع : ما ذكره المحقق النائيني (قدس سره) من أن مفاد موثقة عمار لايخلو من أن
يكون جعل الطهارة الظاهرية أو توسعة دائرة شرطية الطهارة ، ولا يمكن أن تكون
الموثقة متكفلة لكلا الأمرين معاً ، وحيث أن الظاهر منها الأمر الأول ، فلايمكن
إرادة الأمر الثاني منها ، وما أورده بعض المحققين (قدس سره) من الاشكال على هذا
الوجه لا يخلو عن تأمل على تفصيل تقدم .
السادسة : أن مفاد الموثقة جعل الطهارة الظاهرية التي هي من الاحكام الظاهرية
الترخيصية ، وهي أحكام عذرية مجعولة بغرض التسهيل على نوع المكلفين ولا تؤثر في
الواقع ، ولهذا لا موضوع للاجزاء ، لأن الواقع بماله من الملاك قد ظل بحاله
والاجزاء منوط بتدارك ملاكه والمفروض عدم التدارك ، وكذلك مفاد دليل أصالة الحل ،
وأما دليل الاستصحاب فلا يكون متكفلا لجعل حكم ظاهري مماثل أو مخالف ، فإن كان
مطابقاً للواقع فالثابت هو الحكم الواقعي وإلا فلا شيء في مورده ، ومن هنا قلنا أنه
لا حكومة لقاعدة الطهارة على أدلة شرطيتها ، فإن حكومتها عليها منوطة بتوفر أمرين :
الأول : أن تكون الطهارة الظاهرية العذرية دخيلة في الملاك كالطهارة الواقعية .
الثاني : أن يكون ذلك بلسان التنزيل ، وكلا الأمرين مفقود في المقام ، ومع الاغماض
عن ذلك فالحكومة ظاهرية وعذرية ، فلذلك لا يتصور فيها الاجزاء ، فإن المكلف طالما
يكون جاهلا بطهارة الثوب ونجاسته يعامل معه معاملة الطاهر فيصلّي فيه ، وحينئذ فإذا
انكشف الخلاف وظهر أنه لم يأت بالصلاة في الثوب الطاهر ولا استوفى ملاكها ، وجب
عليه الاتيان بها فيه ، سواءً كان في الوقت أم خارج الوقت على تفصيل تقدم .
السابعة : أن القول بالتفصيل بين ما إذا كان انكشاف الخلاف بالعلم الوجداني وما إذا
كان بالعلم التعبدي ، فعلى الأول لا مقتضى للأجزاء لأنه لم يأت لا بالمأمور به
بالأمر الواقعي ولا بالمأمور به بالأمر الظاهري ، وعلى الثاني يجزي ولايبتني على
أساس مقبول ، فالصحيح عدم الاجزاء مطلقاً بلا فرق بين ما إذا كان انكشاف الخلاف
بالعلم الوجداني وما إذا كان بالعلم التعبدي ، وقد تقدم ذلك موسعاً .
هذا آخر ما أوردناه في هذا الجزء
والحمد لله أولا وآخراً .
ـــــــــــــــــــــ
(1) كفاية الاُصول : 87 .
(2) محاضرات في اُصول الفقه 2 : 281 .
(3) الوسائل 6 : 91 ، باب 29 من أبواب القراءة في الصلاة ، ح 5 .
.......................................................
ـ1ـ
… المباحث الاُصولية / ج 3
الفهرس …
ـ2ـ
بسـم الله الرّحمن الرّحيـم
الحمد لله ربّ العالمين والصّلاة والسّلام على محمّد
وآله الطيّبين الطّاهرين المعصومين واللّعنة الأبدية
على أعدائهم أعداء الدّين أجمعين .
الفهرس
الأوامر
معنى مادة الأمر … 5
اشتراك مادة الأمر لفظاً بين الطلب والشيء … 6
اشتراك مادة الأمر معنىً بين الطلب وغيره … 9
دلالة مادة الأمر على الوجوب …12
معنى صيغة الأمر …12
دلالة صيغة الأمر على الوجوب … 12
نتائج البحث … 17
كيفية دلالة الأمر مادة و هيئة على الوجوب … 18
رأي المحقق العراقي … 19
رأي المحقق النائيني والسيد الاُستاذ … 28
مناقشات صاحب البحوث … 31
نتائج البحث … 35
اتحاد الطلب والارادة … 37
رأي المحقق الخراساني … 37
رأي الأشاعرة في الكلام النفسي … 40
الفرق بين اسم الفاعل المتعدي واللازم … 53
نتائج البحث … 55
حقيقة إرادة الله تعالى … 57
رأي الفلاسفة والمحقق الخراساني … 57
رأي المحقق الأصبهاني … 58
معنى حديث « خلق الله المشيئة بنفسها . . . » … 68
تفسير المحقق الأصبهاني … 68
نتائج البحث … 70
الجبر والاختيار … 72
رأي الأشاعرة … 72
رأي الفلاسفة والمحقق الخراساني والأصبهاني … 80
الدليل الأول للجبر … 80
رأي مدرسة المحقق النائيني في حقيقة الاختيار والارادة … 88
قول السيد الاُستاذ بوجود أفعال للنفس كالبناء والاعتقاد … 89
نتائج البحث … 95
الدليل الثاني للجبر … 101
الدليل الثالث للجبر … 103
نتائج البحث … 107
الدليل الرابع للجبر … 111
رأي المعتزلة : التفويض … 136
قانون التعاصر بين العلة والمعلول … 139
نتائج البحث … 143
رأي الامامية : الأمر بين الأمرين … 147
حسن العقاب على أعمال العباد … 160
رأي الأشاعرة والفلاسفة … 160
توجيه صدر المتألهين … 160
توجيه الحسن البصري … 162
توجيه الباقلاني … 164
التوجيه الرابع … 164
توجيه الأشاعرة … 170
توجيه المحقق الخراساني … 172
توجيه المحقق الأصبهاني … 180
نتائج البحث … 184
الجملة الخبرية المستعملة لانشاء الطلب … 188
كيفية دلالتها على الطلب … 188
رأي السيد الاُستاذ … 188
رأي المحقق الخراساني … 189
الرأي الثاني … 190
الرأي الثالث والرابع …192
الرأي الخامس … 193
الرأي المختار … 194
دلالة الجملة الخبرية على الوجوب … 196
نتائج البحث … 202
التعبدي والتوصلي
معاني التعبدي والتوصلي … 205
سقوط الواجب بفعل الغير … 206
الأصل اللفظي في المسألة … 206
الرأي المعروف … 206
رأي المحقق النائيني والسيد الاُستاذ … 206
الأصل العملي في المسألة … 212
رأي السيد الاُستاذ … 212
سقوط الواجب بالفرد غير الاختياري … 216
الأصل اللفظي في المسألة … 216
رأي المحقق النائيني … 217
الدليل الأول … 217
الدليل الثاني … 221
الأصل العملي في المسألة … 223
رأي السيد الاُستاذ … 223
سقوط الواجب بالفرد المحرم … 224
الأصل اللفظي في المسألة … 224
الأصل العملي في المسألة … 226
نتائج البحث … 228
سقوط الواجب بغير قصد القربة … 232
الفرق بين الواجب التعبدي والتوصلي … 232
إمكان أخذ قصد امتثال الأمر في متعلق الأمر … 233
رأي المحقق النائيني … 233
رأي المحقق الخراساني … 247
رأي المحقق الأصبهاني … 255
تصوير العراقي بطريق الحصة التوأم … 260
التصوير بأخذ عنوان ملازم … 262
أخذ سائر الدواعي القريبة في متعلق الأمر … 264
تصوير أخذ قصد الامتثال بتعدد الأمر … 270
رأي المحقق الخراساني … 270
مناقشة المحقق الأصبهاني … 271
رأي المحقق النائيني … 280
مناقشة السيد الاُستاذ … 280
مناقشة صاحب البحوث … 282
رأي المحقق الخراساني في الفرق بين الواجب التعبدي والتوصلي … 283
نتائج البحث … 287
الشك في اعتبار قصد الامتثال … 294
نوعية التقابل بين الاطلاق والتقييد … 294
رأي المحقق النائيني … 294
رأي السيد الاُستاذ … 296
الرأي المختار … 297
التمسك بالاطلاق اللفظي لاثبات التوصلية … 308
التمسك بالاطلاق المقامي لاثبات التوصلية … 311
القول بأصالة التعبدية … 312
الأصل العملي عند الشك في التعبدية والتوصلية … 315
الرأي المختار … 315
رأي المحقق الخراساني … 316
مناقشة السيد الاُستاذ … 316
نتائج البحث … 322
الشك في النفسية والغيرية … 326
الأصل اللفظي في المسألة … 326
الشك في التعيينية والتخييرية … 329
الأصل اللفظي في المسألة … 330
الأصل العملي في المسألة … 330
الشك في العينية والكفائية … 332
الأصل اللفظي في المسألة … 332
الأصل العملي في المسألة … 333
معنى الأمر الوارد بعد الحظر أو توهمه … 335
دلالة الأمر على المرة والتكرار … 339
الفرق بين الأمر والنهي … 340
نتائج البحث … 347
تكرار الامتثال أو تبديله … 349
دلالة الأمر على الفور والتراخي … 352
الإجزاء
إجزاء المأمور به الواقعي عن نفسه … 359
تكرار الامتثال … 360
إجزاء المأمور به الاضطراري عن الاختياري … 370
الاضطرار المستوعب لتمام الوقت … 372
كلام المحقق النائيني … 374
الاضطرار غير المستوعب … 378
الأصل العملي في المسألة … 396
الاضطرار لأجل التقية … 404
الاضطرار بسوء الاختيار … 410
الأصل العملي عند الشك في إجزاء المأمور به الاضطراري … 415
رأي المحقق الخراساني … 415
رأي المحقق العراقي … 418
نتائج البحث … 421
إجزاء المأمور به الظاهري عن الواقعي … 427
الاجزاء على القول بطريقية الامارات … 427
الاجزاء على القول بسببية الامارات … 428
الاجزاء على القول بالمصلحة السلوكية … 430
نتائج البحث … 439
الاجزاء في موارد الاُصول العملية … 441
الأقوال في الاجزاء … 459
تنبيهات
الأول : كلام المحقق الخراساني … 467
الثاني : إجزاء الأمر الاضطراري عن الأمر الواقعي والأمر الاضطراري عنه … 468
الثالث : الاجزاء بالنسبة إلى المجتهد والمقلد … 469
نتائج البحث … 474