أدخل العبارة التي ترديها بدقة



بسم الله الرحمن الرحيم
 


المباحث الاُصولية / ج 5

الترتب‏
هنا جهات من البحث:
الجهة الاُولى‏: ان القول بامكان الترتب عنصر أساسي لاخراج باب‏التزاحم عن باب التعارض، لا أن الترتب متوقف على ثبوت التزاحم بين‏الخطابين المتعلقين بالضدّين في المرتبة السابقة، لما تقدم من أن ثبوت التزاحم بين‏الدليلين منوط بتوفّر عنصرين فيهما:
الأوّل: التقييد اللبي العام بينهما، بمعنى أن كل خطاب شرعي مقيّد لبّاً بعدم‏الاشتغال بضده الواجب لايقل عنه في الأهميّة.
الثاني: إمكان القول بالترتب وإلاّ فهما داخلان في باب التعارض، ولابدحينئذٍ من الرجوع إلى مرجحات بابه، وقد سبق الكلام من هذه الناحية،وسيأتي موسعاً في باب التعادل والتراجح إن شاء اللَّه تعالى‏.
الجهة الثانية: قد ذكر لمسألة الترتب ثمرتان:
الاُولى‏: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره(1) من أن نتيجة هذه المسألة صحة العبادةالمزاحمة للواجب الأهم طالما لايمكن تصحيحها لا بالأمر ولا بالملاك في المسألةالسابقة وهي مسألة الملازمة بين الأمر بشي‏ء والنهي عن ضده، إذ لو امكن‏تصحيحها في تلك المسألة بأحدهما لم تترتب على هذه المسألة ثمرة فقهيّة اصلاً،وحيث قد عرفت أنه لايمكن تصحيحها في المسألة المذكورة لا بالأمر ولابالملاك، أما الأول فلأن الأمر بشي‏ء وإن لم يقتض النهي عن ضده، إلا أنه يقتضي‏عدم الأمر به وإلا لزم الأمر بالضدين في عرض واحد وهو مستحيل.
وأما الثاني فلأنه لا طريق إليه بعد سقوط الأمر، فلابد إذن من اللجوء إلى‏هذه المسألة لا ثبات صحتها، وغير خفي أن هذه الثمرة وإن كانت ثمرة لمسألةالترتب، إلا أن لازم ذلك كون هذه المسألة اُصولية دون المسألة السابقة، لماذكرناه من أن الميزان في اُصولية المسألة هو ترتب ثمرة فقهية عليها مباشرة،وحيث إنها في المقام مترتبة عليها كذلك دون المسألة السابقة فهي اُصولية دونهامع أن السيد الاُستاذقدس سره بنى‏ على اُصولية المسألة السابقة لا هذه المسألة(2).
الثانية: ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره(3) من أن ما ينبغي جعله ثمرة لمسألة القول‏بإمكان الترتب هو عدم دخول باب التزاحم في باب التعارض، إذ لولم نقل‏بإمكان الترتب لدخل باب التزاحم في باب التعارض هذا.
وقد تسأل هل فرق بين الثمرتين؟
والجواب: أنه لا فرق بينهما إلاّ في الصّياغة، فإن صياغة الثمرة الاُولى‏ تحكي‏مباشرة عن صحة العبادة المزاحمة للواجب الأهمّ أو المزاحمة للواجب المضيّق‏وهي متفرّعة على الأمر بها بالترتب، باعتبار أن معنى‏ عدم دخول باب التزاحم‏في باب التعارض على القول بإمكان الترتب، هو ثبوت الأمر بالواجب المزاحم‏للأهم أو المزاحم للواجب المضيّق.
والخلاصة، أن الصيغة الاُولى‏ تعبر عن النتيجة التي هي مترتبة على القول‏بإمكان الترتب وهي صحة العبادة المزاحمة للأهم أو المضيّق، والصيغة الثانيةتعبر عما هو منشأ هذه النتيجة ومترتب على القول بالترتب مباشرة وهو الأمربها، ومن هنا لا فرق بين الصيغتين لباً فكلتاهما تعبران عن النتيجة الفقهيّةالمترتبة على هذه المسألة، غاية الأمر احداهما بالمطابقة والاُخرى‏ بالالتزام،فالاُولى‏ وهي صحة العبادة المزاحمة متفرعة على الثانية وهو الأمر بها ومعلولة له‏هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ قد أشرنا في مستهل بحث الاُصول أن مسألة الضدّ على‏كلا القولين فيها ليست من المسائل الاُصولية، لما ذكرناه هناك من أن الضابطالعام لاُصولية المسألة هو ترتب ثمرة فقهيّة عليها مباشرة، وحيث إنها لا تترتب‏على هذه المسألة كذلك فلا يتوفر فيها ضابط الاُصولية فلا تكون منها، لأن الثمرةالفقهيّة في المقام مترتبة على مسألة اُخرى‏ مباشرة وهي مسألة الترتب، فتكون‏هذه المسألة اُصولية دون مسألة الضدّ فإنها من المقدمات والمبادي لها.
الجهة الثالثة: إن مورد الترتب ومحله إنما هو الخطابات المتعلقان بالضدّين‏بالعرض كخطاب الصلاة وخطاب الإزالة مثلاً، فإنه لا مضادة بين الصلاةوالازالة ذاتاً، ولكن قد تتفق المضادة بينهما بسبب عامل خارجي وهو عدم‏قدرة المكلف على الجمع بينهما في مقام الامتثال إذا كانت له قدرة على إحداهمافحسب دون الاُخرى‏، فحينئذٍ إن صرفها في الصلاة عجز عن الازالة وان‏عكس فبالعكس، وأما إذا كانت بينهما مضادة ذاتاً فتقع المعارضة بين الخطابين‏المتعلقين بهما، وإن كان لهما ثالث كالسواد والبياض ولايمكن جعلهما معاً، لماذكرناه في محله من أن الخطابات الشرعية جميعاً مجعولة على المكلف القادر في‏ظرف الامتثال لباً وبحكم العقل، نعم لا يلزم أن يكون المكلف حين الجعل‏قادراً، فإن كان حين الجعل عاجزاً ثم في ظرف الامتثال قادراً كفى‏ في صحةالجعل، ولا مبرر لأن يكون حين الجعل أيضاً قادراً، وأما إذا كان في ظرف‏الامتثال عاجزاً، فلا يعقل الجعل، لأنه لغو وجزاف وإن كان حين الجعل قادراً،وعلى هذا فلا يمكن جعل الخطابين المذكورين معاً لعجز المكلف عن امتثال كليهماكذلك، فإذن لا محالة تقع المعارضة بينهما لا المزاحمة.
الجهة الرابعة: إن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم مترتب على عصيان الأمربالأهمّ وترك امتثاله، ونتيجة ذلك أن الرافع للأمر بالمهم إنما هو امتثال الأمربالأهم، فإنه حينئذٍ ينتفي بانتفاء شرطه وهو ترك امتثاله، وأما إذا كان الأمربالأهم رافعاً للأمر بالمهم بجعله أو بفعلية مجعوله أو بوصوله أو تنجزه، ففي جميع‏هذه الحالات لايعقل الترتب، لأن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم والأمربالأهم كليهما فعلي وواصل ومنجز في زمن واحد وهو زمن ترك امتثال الأمربالأهم، أمّا الأول فمن جهة تحقق شرطه وهو عدم امتثال الأمر بالأهم، واماالثاني فلأنه لايسقط بمجرد العصيان طالما يكون المكلف قادراً على امتثاله ومع‏ذلك لايلزم محذور طلب الجمع بين الضدّين، على أساس أن الأمر بالمهم في طول‏الأمر بالأهم، وأما لوقلنا باستحالة الترتب وان الأمر بالضدّين في زمن واحدمستحيل وإن كان بنحو الترتّت، فيدخل باب التزاحم في باب التعارض‏ولايمكن أن يعامل معهما معاملة المتزاحمين، بل لابد حينئذٍ من التعامل معهماتعامل المتعارضين، على أساس سراية التنافي بينهما وقتئذٍ من مرحلة الامتثال‏إلى مرحلة الجعل، فلايمكن جعل كلا الخطابين معاً.
امكان الترتب واستحالته ...
وقد تسأل هل يمكن رفع التنافي بينهما في مقام الامتثال على القول باستحالةالترتب بدون أن يرجع باب التزاحم إلى باب التعارض أو لا؟
والجواب: إنه وإن كان ممكناً ثبوتاً إلا أنه لا دليل عليه في مقام الاثبات، فان‏الثابت في هذا المقام إنما هو تقييد الأمر بالمهم بعدم الاشتغال بالأهم وامتثال أمره‏كما تقدم، ومع ذلك لو قلنا باستحالة الترتب، فلا يسعنا دفع هذه الاستحالةبتقييد الأمر بالأهم زائداً على التقييد المذكور بعدم وصول الأمر بالأهم أو عدم‏تنجّزه لعدم الدليل على هذا التقييد لا من العقل ولا من الشرع فلايمكن جزافاً،نعم قد ثبت تقييد الاحكام الظاهرية لعدم وصول الاحكام الواقعيّة أو عدم‏تنجّزها بأدلتها، وأما في المقام فعلى القول باستحالة الترتب، فلا دليل على هذاالتقييد، فإذن لا محالة يدخل باب التزاحم في باب التعارض، فلايمكن جعل كلاالحكمين معاً.
امكان الترتب واستحالته‏
وبعد ذلك يقع الكلام بين الاُصوليين في امكان الترتّب واستحالته، فذهب‏جماعة منهم إلى استحالة الترتب منهم شيخنا الأنصاري‏قدس سره(4)، والمحقق‏الخراساني‏قدس سره(5)، وفي مقابل ذلك ذهب جماعة اُخرى إلى امكانه منهم السيدالكبير الشيرازي‏قدس سره(6)، والمحقق النائيني‏قدس سره(7)، وتبعه فيه جماعة من تلامذته،فهنا قولان في المسألة:
القول الأول: أن الترتب مستحيل، والقول الثاني: ممكن.
أما القول الأول: فقد استدل عليه بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره(8) وتوضيحه هو أن الترتب مبني‏على فعلية كلا الأمرين معاً هما الأمر بالأهم والأمر بالمهم، أما الأول فمن جهة أنه‏مطلق وغير مشروط بشي‏ء، وأما الثاني فمن جهة تحقق شرطه وهو ترك الأهم‏وعصيانه، وعلى هذا فإذا ترك المكلف امتثال الأمر بالأهم، ففي هذه الحالةيكون كلا الأمرين فعلياً، أما فعلية الأمر بالمهم فلتحقق شرطها، وأما فعليةالأمر بالأهم فلانه لاموجب لسقوطه بمجرد عصيانه طالما يكون المكلف متمكناًمن امتثاله، ومن الواضح أنه لا معنى لفعلية الأمر إلا كونه محركاً للمكلف نحوالاتيان بمتعلقه، فإذن بطبيعة الحال يكون مقتضى فعلية كلا الأمرين المذكورين‏طلب الضدّين وهو مستحيل، مثلاً إذا ترك المكلف امتثال الأمر بالازالة، كان‏الأمر بالصلاة فعلياً من جهة فعلية شرطه مع فعلية الأمر بالازالة في هذه الحالةأيضاً على الفرض، فإذن الأمر بالصلاة تقتضي تحريك المكلف نحو الاتيان بها،والأمر بالازالة يقتضي تحريكه نحو الاتيان بالازالة، وهذا معنى أن مقتضى فعليةكلا الأمرين طلب الضدّين في زمن واحد، وعليه فاستحالة الترتب تكون من‏الواضحات.
والخلاصة، أن اجتماع فعلية الأمر بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم في فترةموحدة يقتضي طلبهما فيها، لأن نسبة الأمر إلى متعلقه نسبة المقتضي إلى مقتضاه‏في الخارج، وعلى هذا فكما أن الأمر بالأهم كالازالة مثلاً يقتضي إيجاد متعلقه في‏الفترة المذكورة فكذلك الأمر بالمهم كالصلاة يقتضي إيجاده فيها، لفرض أنه فعلي‏ولا معنى لفعلية الأمر في زمان إلا اقتضاؤه إيجاد متعلقه فيه خارجاً ودعوته إليه‏فعلاً، وعلى هذا فلا محالة يلزم من اجتماعهما في زمان واحد المطاردة بينهما في‏ذلك‏الزمان من جهة مضادة متعلقهما في الوجود فيه، مع ان الأمر بالمهم لولم‏يقتضي طرد الأهم فلا شبهة في أن الأمر بالأهم يقتضي طرد الأمر بالمهم، ومن‏الواضح أن هذا المقدار يكفي في استحالته هذا.
وقد علق على ذلك السيد الاُستاذقدس سره(9) بأن صدور هذا الكلام منه‏قدس سره‏غريب، والسبب فيه هو أنه لا يعقل أن يكون الأمر بالمهم طارداً للأمر بالأهم،ضرورة أن طرده له يبتني على أحد تقديرين لا ثالث لهما.
الأول: أن يكون الأمر بالمهم مطلقاً وفي عرض الأمر بالأهم، فعند ئذٍ لا محالةتقع المطاردة بينهما من ناحية مضادة متعلقيهما في الخارج وعدم قدرة المكلف‏على الجمع بينهما.
الثاني: أن يكون الأمر به على تقدير تقييده بعصيان الأمر بالأهم مقتضياًلعصيانه وتركه في الخارج، وحينئذٍ فتقع المطاردة والمزاحمة بين الأمرين، باعتبارأن الأمر بالمهم يقتضي عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه في الخارج والأمربالأهم يقتضي هدم عصيانه ورفعه فيه.
ولكن كلا التقديرين خلاف مفروض الكلام في المقام.
أما التقدير الأول: فواضح لما مرّ من أن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمربالأهم وترك امتثاله في الخارج ولايكون مطلقاً.
وأما التقدير الثاني: فأيضاً كذلك، لأن الحكم يستحيل أن يقتضي وجودموضوعه في الخارج وناظراً إليه رفعاً ووضعاً.
وعلى ذلك فالأمر بالمهم حيث إنه لايكون مطلقاً ولا متعرضاً لحال موضوعه‏وهو عصيان الأمر بالأهم وترك امتثاله لا وجوداً ولا عدماً بل هو ثابت على‏تقدير تحققه ووجوده، فيستحيل أن يكون طارداً للأمر بالأهم، فإنه لا اقتضاءبالاضافة إلى حالتي وجود موضوعه وعدمه، ومن الواضح أن مالا اقتضاء فيه‏لايصلح أن يزاحم ما فيه الاقتضاء.
وإن شئت قلت: إن الأمر بالمهم إنما يقتضي الاتيان بمتعلقه على تقدير ترك‏الأهم وعصيان أمره لا مطلقاً، ومن الواضح أن اقتضائه على هذا التقدير لاينافي‏اقتضاء الأمر بالأهم الاتيان به والمنع عن عصيانه وتركه، لفرض أنه لا يتطلب‏عصيانه وإنما يتطلب الاتيان بمتعلقه على تقدير عصيانه، واما إن هذا التقديرمتحقق أو غير متحقق فهو غير ناظر إليه لا نفياً ولا اثباتاً، فإذن لايكون الأمربالمهم مزاحماً للأمر بالأهم في الاقتضاء، غاية الأمر أن المكلف إذا عصى‏ الأمربالأهم من جهة سوء سريرته وترك امتثاله تحقق الأمر بالمهم من جهة تحقق‏شرطه لا أنه يتطلب عصيانه، فإنه مستحيل إذ لا وجود له قبل تحقق عصيانه‏حتى يقتضي تحققه. وعليه فلايعقل أن يكون الأمر بالمهم طارداً للأمر بالأهم،فإذن المطاردة من الجانبين غير متحققة، واما الطرد من جانب الأمر بالأهم‏فأيضاً لايكون، والوجه فيه أن الأمر بالأهم إنما يطارد الأمر بالمهم فيما إذا فرض‏كون الأهم ناظراً إلى متعلق المهم ومستدعياً لهدمه، فحينئذٍ لا محالة يكون‏طارداً له، باعتبار أنه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج وذاك يقتضي هدمه فيه،وبما أنه أهم منه فيطارده، ولكن الفرض أنه غير ناظر إليه، وإنما هو ناظر إلى‏موضوعه ويتطلب رفعه.
وعلى هذا فلا تنافي بينهما أصلاً ليكون الأمر بالأهم طارداً للأمر بالمهم، إذالمفروض أن الأمر بالمهم لايقتضي وجود موضوعه في الخارج وغير متعرض‏لحاله أصلاً لا وجوداً ولا عدماً، ومعه كيف يكون الأمر بالأهم طارداً له، بداهةأن الطرد لايتصور إلا في مورد المزاحمة ولا مزاحمة بين مالا اقتضاء فيه بالاضافةإلى شي‏ء وما فيه الاقتضاء بالاضافة إليه هذا.
للمناقشة في هذا التعليق مجال، لأن هذا التعليق يتضمن كون الأمر بالمهم‏لايصلح أن يكون مانعاً وطارداً للأمر بالأهم، فإن معنى كون الأمر بالمهم مانعاًوطارداً انما هو منعه عن تأثير مقتضى الأمر بالأهم، لأن هذا هو معنى المانع،وحيث إن المقتضى للأمر بالأهم يكون قدرة المكلف على الاتيان به وامتثال‏أمره، فمن الواضح أن الأمر بالمهم لايصلح أن يمنع عن تأثير قدرة المكلف‏وصرفها في امتثال الأمر بالأهم، لفرض أن صرفها فيه لايكون مشروطاً بعدم‏صرفها في امتثال الأمر بالمهم، باعتبار أنه يقتضي صرفها في امتثاله بدون تعليق‏وتقييد، بينما يقتضي الأمر بالمهم صرفها في امتثاله مشروطاً بعدم صرفها في‏الأهم، فلذلك لايصلح الأمر بالمهم أن يمنع عن تأثير مقتضى الأمر بالأهم وهوصرف القدرة فيه.
ولكن هذا المقدار لايكفي في دفع المطاردة والممانعة بين الأمرين الفعليين‏نهائياً، فإنه إنما كان يدفع المطاردة والممانعة من الجانبين فقط وأما من جانب‏الأمر بالأهم فلا.
بيان ذلك أن ما ذكره‏قدس سره من أن الأمر بالأهم كالأمر بالازالة مثلاً لايكون‏ناظراً إلى متعلق الأمر بالمهم كالصلاة، وإنما يكون ناظراً إلى موضوعه أي‏موضوع الأمر بالمهم الذي هو متعلق الأمر بالأهم، والفرض أن الأمر بالمهم‏لايقتضي إيجاد موضوعه غير تام، وذلك لأن مانعية الأمر بالأهم كالأزالة عن‏الأمر بالمهم كالصلاة ليس بمعنى انه ناظر إلى متعلق الأمر بالمهم ويقتضي تركه‏حتى يكون طارداً له، ضرورة أن كل أمر ناظراً إلى متعلقه فحسب ويقتضي‏الاتيان به كذلك ولا يكون ناظراً إلى متعلق الأمر الآخر بأن يقتضي تركه،فالأمر بالازالة يقتضي الاتيان بها ولا يقتضي ترك الاتيان بالصلاة وكذلك الأمربالصلاة، بل معنى مانعية الأمر بالأهم هو أنه مانع عن تأثير المقتضي للأمر بالمهم‏ويمنع عن إيجاده، وقد تقدم أن هذا هو معنى المانع الذي يكون عدمه من اجزاءالعلة التامة، وحيث إن عدم الاشتغال بالأهم وترك امتثاله هو مقتضى الأمربالمهم في المقام، فيكون الأمر بالأهم بلحاظ اقتضائه الاتيان بمتعلقه والاشتغال‏به يمنع عن عدم الاتيان به وترك الاشتغال.
وهذا هو معنى كون الأمر بالأهم مانعاً عن وجود مقتضى الأمر بالمهم وتحقق‏موضوعه في الخارج الذي نسبته إليه نسبة المقتضي إلى مقتضاه، وما أفاده السيدالاُستاذقدس سره من التعليق لايتضمن نفي مانعيّة الأمر بالأهم عما يقتضي الأمر بالمهم،فإذن ظل محذور المطاردة من جانب الأمر بالأهم على حاله.
وعليه فلايمكن فعلية كلا الأمرين في زمن واحد، إذ مع منع الأمر بالأهم عن‏مقتضى الأمر بالمهم فلا يعقل وجوده مع فرض وجود الأمر بالأهم، لاستحالةاجتماع المانع والممنوع في عالم الوجود في زمن واحد لاتكويناً ولاتشريعاً.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره(10) أيضاً بتقريب:
إن الأمر بالمهم وإن قلنا بأنه لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم باعتبارأنه مشروط بعدم الاتيان به، إلا أن الأمر بالأهم يكون مانعاً عن الأمر بالمهم‏ومعه لايمكن فعلية كلا الأمرين معاً لاستحالة اجتماعهما في زمن واحد، بداهة أنه‏مع المنع عن وجود مقتضى‏ الأمر بالمهمّ لايعقل وجوده مع وجود مانعه وهوالأمر بالأهم هذا.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره(11) بعين ما عرفت في تعليقه على الوجه‏الأول، من أن الأمر بالأهم أيضاً لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، باعتبار أنه‏لايكون ناظراً إلى متعلقه لكي يكون مانعاً وطارداً له.
ولكن قد مرّ الآن أن هذا الجواب لايدفع محذور مانعية الأمر بالأهم عن‏الأمر بالمهم باعتبار أنه لايتضمن نفي مانعيّته عنه.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره أيضاً وإليك نصّه(12):
»ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق في‏صورة مخالفة الأمرين لعقوبتين، ضرورة قبح العقاب على مالايقدر عليه العبد،ولذا كان سيدنا الاُستاذقدس سره لايلتزم به على ما هو ببالي وكنا نورد به على الترتب‏وكان بصدد تصحيحه«.
وأرادقدس سره بهذا الوجه اثبات استحالة القول بالترتب على أساس استحالةالالتزام بلازمه وهو تعدد العقاب على ترك كلا الواجبين معاً، وحيث إنه لايمكن‏الالتزام بهذا اللازم على أساس أنه من العقاب على أمر خارج عن الاختيار،باعتبار أن المكلف غير قادر على امتثال كلا الواجبين معاً حتى يستحق عقوبتين‏على ترك كليهما كذلك.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره(13) بأن هذا الوجه مبني على الخلط بين‏أن يكون العقاب على ترك الجمع بين الواجبين هما الواجب الأهم والواجب المهم‏وبين أن يكون العقاب على الجمع في الترك، بمعنى أنه يعاقب على ترك كل منهمافي‏حال ترك الآخر والمستحيل إنما هو العقاب على الأول، حيث إن الجمع بينهماغير ممكن وخارج عن قدرة المكلف واختياره، فالعقاب على تركه يكون عقاباًعلى أمر غير مقدور وهو محال، إلا أن القائل بالترتب لا يقول باستحقاق العقاب‏على ترك الجمع بينهما، ليقال أنه محال بل يقول باستحقاق العقاب على الجمع في‏الترك وهو الجمع بين ترك الأهم والمهمّ معاً خارجاً، والمفروض أنه مقدورللمكلف ولا يكون العقاب عليه عقاباً على غير مقدور.
والوجه في ذلك هو أن الأمر في المقام لم يتعلق بالجمع بينهما لكي يقال‏باستحالة العقاب على تركه من جهة استحالة طلب الجمع بينهما، بل الأمر تعلق‏بذات كل واحد منهما مع قطع النظر عن الآخر ولايرتبط أحدهما بالآخر في مقام‏الجعل والتعلق، غاية الأمر قد وقعت المزاحمة بينهما في مقام الامتثال والفعلية،وحيث إن المكلف لايقدر على الجمع بينهما في ظرف الامتثال فتقيد فعلية الأمربالمهم بعصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه، ونتيجة ذلك أن الأهم مطلوب على‏نحو الاطلاق والمهم مطلوب في حال ترك الأهم وعصيانه، وقد تقدم أن ذلك في‏طرف النقيض مع طلب الجمع بينهما.
وعلى هذا فكل منهما مقدور للمكلف بنحو الترتب، فإنه عند اعمال قدرته في‏فعل الأهم وامتثاله لا أمر بالمهم، والمفروض أنه في هذه الحال قادر على فعل‏الأهم تكويناً وتشريعاً، وعند ئذٍ لايكون العقاب على تركه وعصيان أمره عقاباًعلى مالا يقدر، وأما مع عدم اعمالها فيه فلا مانع من اعمالها في فعل المهم، وحينئذٍلو تركه وعصى‏ أمره فلا مانع من العقاب عليه أيضاً لفرض أنه مقدور في هذاالحال.
فالنتيجة، إنه إذا جمع بين التركين كذلك استحق عقوبتين ولا يكون ذلك من‏استحقاق العقاب على مالا يقدر، فإذن لا مانع من الالتزام بالترتب من هذه‏الناحية هذا.
وغير خفي، أن ما ذكره‏قدس سره من الجواب مبني على أن ملاك استحقاق العقوبةتمكن المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال أم برفع‏موضوعه، فإذا أتى المكلف بالواجب الأهم فقد تخلص عن مخالفة التكليف‏بالأهم بالامتثال وعن مخالفة التكليف بالمهمّ برفع موضوعه، واما بناء على أن‏يكون ملاك استحقاق العقوبة تفويت الملاك الملزم فلايتم هذا الجواب، وكذلك‏بناءً على أن يكون ملاك استحقاقها التمكن من الامتثال، وسوف نشير بالتفصيل‏الى تلك الملاكات وبيان ما هو الصحيح منها.
هذه هي أهم الوجوه التي استدل بها على استحالة الترتب، إلى هنا قد تبيّن‏أنه لايتم شي‏ء من هذه الوجوه.
وأما القول الثاني: وهو القول بإمكان الترتب، فقد حاول المحقق النائيني‏قدس سره‏لاثبات امكان هذا القول ببيان عدة مقدمات، عمدتها مقدمتان(14):
الاُولى‏: إن الأمر بالمهم بما أنه مشروط بعصيان الأمر بالأهم وترك الاتيان‏به، فلايمكن أن يقع على صفة المطلوبيّة في فرض إيجاد الأهم في الخارج، وهذإ؛خ‏اًيعني أنه يستحيل وقوع الأهم والمهم كلاهما على صفة المطلوبية على فرض‏وقوع المحال في الخارج، بداهة أن وقوع المهم على صفة المطلوبيّة مقيّد ومشروطبعدم وقوع الأهم في الخارج، ومع وقوعه فيه يستحيل وقوع المهم على تلك‏الصفة، وإلا لزم خلف فرض كونها مقيدة ومشروطة بعدم وقوع الأهم فيه.
ونتيجة ذلك أن فعلية كلا الأمرين معاً هما الأمر بالأهم والأمر بالمهم في‏ظرف عصيان الأمر بالأهم وعدم الاتيان به في الخارج لاتستلزم طلب الجمع‏بين الضدين، بل هو في طرف النقيض معه، لأن ذلك إنما يلزم إذا كان الأمر بالمهم‏كالأمر بالأهم مطلقاً، وأما إذا كان مشروطاً بعدم الاتيان به وامتثال أمره فيكون‏في طوله، فيستحيل أن يستلزم طلب الجمع بينهما في الخارج، ومن الواضح أن‏استحالة فعلية الأمر بالضدّين إنما هي من جهة استلزامها طلب الجمع بينهما،وأما إذا لم تستلزم ذلك كما هو المفروض في المقام، فلا مانع منها هذا.
والجواب: أن هذه المقدمة لا تدفع الاشكال عن الترتب، لأن الاشكال ليس‏في أن فعلية الأمر بالأهم وفعلية الأمر بالمهم معاً في زمن واحد وهو زمان‏عصيان المكلف للأمر بالأهم تستلزم طلب الجمع بين الضدّين، حتى يجيب بأن‏ذلك إنما يلزم إذا كان الأمر بالمهم كالأمر بالأهم مطلقاً وغير مشروط، وأما إذاكان مشروطاً بعدم الاتيان بالأهم فلا يلزم هذا المحذور وهو طلب الجمع بينهما،ومن هنا لو أمكن للمكلف فرضاً الاتيان بكليهما معاً في الخارج لم يقع على صفةالمطلوبية إلا احدهما دون الآخر بل الاشكال أعمق من ذلك، وهو أن الأمربالمهم في هذا الحال وإن لم يكن مانعاً عن الأمر بالأهم إلا أن الأمر بالأهم يكون‏مانعاً عنه، لما مرّ من أنه يمنع عن تأثير مقتضى الأمر بالمهم ووجوده في الخارج‏ومع منعه عنه لايعقل فعليّته، ومن المعلوم أن هذه المقدمة لاتدفع هذه المشكلة.
وإن شئت قلت: إنه قد تقدم سابقاً أن تقييد الأمر بالمهم لباً بعدم الاشتغال‏بالأهم وحده لايكفي في خروج باب التزاحم عن باب التعارض، بل يتوقف‏على ضمّ أمر آخر إليه وهو امكان القول بالترتب، لأن التقييد اللبّي إنما يدفع‏محذور طلب الجمع بين الضدّين فقط، على أساس أنه إنما يمنع مانعية الأمر بالمهم‏عن الأمر بالأهم ولايدفع مانعية الأمر بالأهم عن الأمر بالمهم.
المقدمة الثانية: أن الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن كانا فعليين في زمن واحدوهو زمن عدم الاشتغال بالأهم إلا أنهما في مرتبتين طوليين، فإن الأمر بالأهم‏يقتضي هدم موضوع الأمر بالمهم وهو تركه، باعتبار أنه يقتضي إيجاده، وأماالأمر بالمهم فهو لايقتضي وجود موضوعه في الخارج، لأنه إنما يقتضي وجودمتعلقه فيه على تقدير وجود موضوعه، فلهذا ليس في عرض الأمر بالأهم لتقع‏المزاحمة بينهما.
الجواب: أولاً: إن مجرد أن الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم ومتأخر عنه‏رتبة لايكفي في رفع التزاحم بينهما والتمانع، فإن رفعه منوط بعدم التمانع بينهماأصلاً، هو موجود من طرف الأمر بالأهم لأنه مانع عن الأمر بالمهم، وعليه‏فبطبيعة الحال يكون متقدماً عليه رتبة قضاءً لحق العلية، فالطولية بينهما إنما هي‏من جهة مانعية الأمر بالأهم عن الأمر بالمهم، فكيف يعقل أن تكون مانعة عن‏وقوع المزاحمة والممانعة بينهما. وبكلمة أن هذه المقدمة إنما تنفي مانعية الأمر بالمهم‏عن الأمر بالأهم أنه لايصلح أن يكون مانعاً عنه، ولاتنفي مانعية الأمر بالأهم‏عن الأمر بالمهم بل هي تؤكّد مانعيته عنه، على أساس أنه يقتضي هدم موضوع‏الأمر بالمهم ومقتضيه، ومع كون الأمر بالأهم مانعاً عن الأمر بالمهم لايعقل‏ثبوته، لاستحالة ثبوت المانع والممنوع معاً، فإذن كيف يمكن القول بالترتب‏وفعلية كلا الأمرين في زمن واحد، فإن معنى ذلك أنه لامطاردة ولا ممانعة بينهماأصلاً حتى من جانب الأمر بالأهم، مع أن الواقع ليس كذلك، لأن الأمر بالأهم‏تكون طارداً ومانعاً عن الأمر بالمهم.
وثانياً: أن ملاك استحالة اجتماع الضدّين إنما هو المعيّة الزمانية لا الرتبيّة، إذلا واقع لها إلا في عالم الذهن بتحليل من العقل وافتراضه، ومن الواضح أن‏المضادة والمعاندة بين الأشياء إنما تكمن في وجوداتها الزمانية الخارجية، فلايمكن‏اجتماع الضدّين في زمن واحد وإن كانا مختلفين رتبة، ضرورة أنه لا وجود لهما في‏عالم الرتب لكي ترتفع عائلة استحالة اجتماع الضدّين باختلاف الرتبة كما ترتفع‏باختلاف الزمان.
والخلاصة، أن نتيجة هاتين المقدمتين ليست امكان القول بالترتب وإنما هي‏دفع المطاردة والممانعة من جانب الأمر بالمهم فقط دون الأمر بالأهم هذا من‏ناحية.
ومن ناحية أخرى أن السيد الاُستاذقدس سره قد استدل على امكان الترتب‏بوجوه:
الوجه الأول(15): إن الوجدان أصدق شاهداً على إمكان الأمر بالضدّين بنحوالترتب، ومن الطبيعي أن الترتب لو كان محالاً كاجتماع النقيضين أو الضدّين‏استحال أن يحكم الوجدان بامكانه.
والجواب: إن مسألة الترتب من المسائل النظريّة المعقّدة العويصة وليست من‏المسائل الوجدانية حتى يكون الوجدان هو المرجع فيها ولا من المسائل‏البديهيّة، والاّ لم تقع مورد الخلاف وتضارب الآراء بين الاُصوليين نفياً واثباتاً،فإذن لامبرر لهذا الوجه.
الوجه الثاني(16): إنه لا شبهة في وقوع الترتب في الأوامر العرفيّة والشرعيةوهو أدل دليل على امكانه.
أما في الأوامر العرفيّة الشخصية، فكما إذا أمر الأب مثلاً ابنه بالذهاب إلى‏المدرسة ويقول له إن خالفت وتركت الذهاب إليها اجلس في البيت وتقرءوتكتب فيه، فإن هنا أمرين فعليين متعلقين بالضدّين بنحو الترتب، فلو كان‏الترتب مستحيلاً استحال ذلك أيضاً، ومثله ما إذا أمر المولى‏ عبده بخياطة ثوبه‏مثلاً ويقول له فإن لم تفعل فعليك الذهاب إلى البلد الفلاني للعمل فيه، فإن هناأمرين فعليين متعلقين بالضدّين بنحو الترتب وهكذا.
والجواب: أن الأخذ بظواهر هذه الأمثلة وما شاكلها منوط بامكان القول‏بالترتب في المرتبة السابقة وعدم استحالته فيها، إذ مع ثبوت استحالة الترتب في‏الواقع فلا يمكن الأخذ بظواهرها ولابد من التصرف فيها، وبكلمة إنه إذا أمكن‏القول بالترتب ثبوتاً فيمكن الاستدلال بتلك الظواهر على وقوعه في مقام‏الاثبات، فإذن لابد أولاً من اثبات امكانه في الواقع ومقام الثبوت ثم حمل هذه‏الأمثلة على الترتب والأخذ بظواهرها، ومن هنا لاتلزم هذه الأمثلة القائلين‏باستحالة الترتب ثبوتاً بالالتزام بامكانه بل هم يقومون بتأويلها والتصرف في‏ظواهرها وحملها على خلافها.
وأما الأوامر الشرعية فمنها ما إذا وجب على المسافر قصد الاقامة في بلد معيّن‏بنذر أو نحوه، وحينئذٍ فإذا وصل إلى ذلك البلد قبل الزوال وما افطر في الطريق،فحينئذٍ إن قصد الاقامة فيه، وجب عليه أن ينوي الصيام، وأما إذا خالف الأمربقصد الاقامة فيه فتكون وظيفته الافطار، ومن المعلوم أن الأمر به مترتب على‏عصيان الأمر بقصد الاقامة وعدم الاتيان بمتعلقه وهذا هو معنى الترتب، إذ لانعني به إلا أن يكون هناك خطابان فعليان متعلقان بالضدّين بنحو الترتب، بأن‏يكون احدهما مطلقاً والآخر مشروطاً بعصيانه وما نحن فيه كذلك، فإن وجوب‏الافطار وحرمة الصوم مترتب على عصيان الأمر بقصد الاقامة ولايمكن لأحدأن يلتزم في هذا الفرض بعدم جواز الافطار ووجوب الصوم عليه، فإن ذلك‏انكار ضروري من ضروريات الفقه.
ومنها، ترتب وجوب تقصير الصلاة على عصيان الأمر بقصد الاقامة وتركه‏في الخارج، ولا يفرق في ترتب وجوبه عليه بين أن يكون ترك قصد الاقامة قبل‏الزوال أوبعده، وبذلك تمتاز الصلاة عن الصوم.
ومنها، ما إذا حرمت الاقامة على المسافر في مكان خاص، فعندئذٍ كما أنه‏مكلف بترك الاقامة في هذا المكان وهدم موضوع وجوب الصوم، كذلك هومكلف بالصوم على تقدير قصد الاقامة وعصيان الخطاب التحريمي، حيث إن‏تعلّقه بقصد الاقامة مطلق وغير مشروط بشي‏ء، وأما الوجوب المتعلق بالصوم‏فهو مشروط بعصيان ذلك الخطاب، وعلى هذا فإذا عصى‏ المكلف ذلك الخطاب‏وقصد الاقامة فيه، فلا مناص من وجوب الصوم عليه، ومن الواضح أن وجوبه‏لايمكن إلا على القول بامكان الترتب، ضرورة أنه لايمكن أن لا نلتزم بوجوب‏الصوم وترتبه على عصيان الخطاب بترك الاقامة، لأن ذلك خلاف الضرورةالفقهية.
ومنها ما إذا وجب على المكلف السفر بنذر أو نحوه، ففي مثل ذلك إذا ترك‏السفر عصياناً، فلا شبهة في أن وظيفته الصلاة تماماً ولايمكن القول بسقوطالصلاة عنه في هذه الحالة أو وجوب الصلاة عليه قصراً، لأن كلا الفرضين‏خلاف الضرورة، فإذن يتعين عليه وجوب الصلاة تماماً وهو مترتب على‏عصيان الأمر بالسفر وترك امتثاله، وهذا لايمكن إلا على القول بامكان الترتب.
فالنتيجة، إن وجوب الافطار في الفرع الأول مترتب على عصيان الأمربالاقامة، ووجوب التقصير في الفرع الثاني مترتب على ترك الاقامة وعصيان‏أمرها، ووجوب الصوم في الفرع الثالث مترتب على عصيان النهي عن الاقامة،ووجوب التمام في الفرع الرابع مترتب على عصيان الأمر بالسفر.
وغير خفي أن ترتب هذه الفروعات أو ماشاكلها على عصيان المكلف ما هوواجب عليه أمر ضروري فقهياً، إلا أنها هل تدل على أن ذلك بملاك إمكان‏الترتب ثبوتاً أو لا؟
والجواب: نعم أنها تدل على ذلك بوضوح، لأن المكلف إذا امتثل الأمربالاقامة فهو رافع لموضوع وجوب الافطار ووجوب التقصير في الصلاة، كما أنه‏إذا ترك الاقامة المحرمة عليه في بلد، كان ذلك رافعاً لموضوع وجوب التمام في‏الصلاة ووجوب الصوم وهذا هو معنى الترتب، لأن معناه إن امتثال الأمر بالأهم‏رافع لموضوع الأمر بالمهم، وعلى هذا فهذه الفروعات الفقهية الضرورية برهان‏على امكان القول بالترتب، بملاك ان أدل دليل على امكان شي‏ء وقوعه في‏الخارج، ولكنها إنما تكون برهاناً للقائلين بامكانه ثبوتاً، فإن لهم اللجوء إليهاوالزام الخصم بها، وأما الخصم فعليه أن يقوم بتوجيه هذه الفروعات وحذفهاعن مسارها وتأويلها بنحو لاتتضمن فعلية الأمر بالضدّين بنحو الترتب.
وقد ذكر لها تأويلان:
الأول(17): إن هناك أمرين عرضيين: أحدهما بالاقامة خاصة والآخربالجامع بينها وبين الصلاة قصراً في السفر أو الجامع بينها وبين وجوب الافطارفيه، أو ان احدهما بالسفر خاصة والآخر بالجامع بينه وبين الصلاة تماماً وهكذا.
ونتيجة ذلك، أنه إذا ترك الاقامة والصلاة قصراً استحق عقوبتين لتركه‏واجبين كانا مقدورين له، وأما لو أتى بالاقامة، فهل يستحق ثوابين باعتبار أنه‏امتثل أمرين:
أحدهما الأمر بالفرد وهو الاقامة.
والآخر: الأمر بالجامع بينها وبين الصلاة قصراً، لأن الجامع منطبق على‏الفرد المأتي به في الخارج وهو الاقامة باعتبار إنها أحد فرديه.
والجواب: إنه لايستحق إلاّ ثواباً واحداً، وذلك لأن استحقاق الثواب إنما هوعلى امتثال روح الأمر وحقيقته وهي الغرض والملاك، والمفروض أنه لايقدر إلاعلى تحصيل غرض واحد، فالنتيجة إن هذا التأويل بهذه الصيغة التي يكون‏الأمر فيها متعدداً إنما هو للتفصّي والفرار عن محذور استحالة طلب الضدّين.
والجواب: إن هذا التأويل وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لايمكن حمل تلك‏الفروعات الفقهية على ذلك، بداهة أن افتراض الأمرين في الفروعات المذكورةبالصيغ المتقدمة مجرد افتراض لا واقع موضوعي له لأنه خلاف نصوص الكتاب‏والسنة، لأن تلك النصوص ناصّة في أن الأمر متعلق بخصوص الصلاة قصراًوالصلاة تماماً دون الجامع بين قصد الاقامة والصلاة قصراً بنحو التخيير أوالجامع بين السفر والصلاة تماماً كذلك، ضرورة أن الأمر تعلق بالصلاة قصراًمشروطاً بالسفر وعدم قصد الاقامة وبالصلاة تماماً مشروطاً بالحضر أوالاقامة.
والخلاصة: إنه لا اشعار في النصوص على أن الأمر متعلق بالجامع.
الثاني(18): أن يقال بتحريم الجمع بين التركين ترك الاقامة وترك الصلاةقصراً وترك السفر وترك الصلاة تماماً، وحينئذٍ فيكفي في صحة الاتيان بالصلاةأن يأتي بها بقصد التخلص من الحرام، لأنه قصد قربي، وعلى هذا فالأمربالصلاة قصراً لايكون مترتباً على عصيان الأمر بالاقامة، وبالصلاة تماماً على‏عصيان الأمر بالسفر بل هو من جهة التخلص من الحرام، فإذا أتى بها بقصدالتخلّص منه، فقد أتى بها بقصد القربة لأنه من العناوين القريبة.
والجواب: إن هذه الفرضية وإن كانت ممكنة ثبوتاً، إلاّ أنه لايمكن الالتزام بهافي مقام الاثبات، لأنها خلاف الضرورة من الشرع ولايمكن حمل تلك‏الفروعات الفقهية عليها، ضرورة أن الصلاة تماماً أو قصراً واجبة لا أن تركهامحرم، وكذلك الاقامة واجبة لا أن تركها محرم وهكذا.
فالنتيجة، إن هذا التأويل بهذه الصيغة مجرد فرض لا واقع له.
الوجه الثالث: ما ذكره‏قدس سره في ضمن مقدّمات(19):
المقدمة الاُولى: إنه على القول بامكان الترتب يكون كلا الأمرين المتعلقين‏بالضدّين فعلياً في زمن واحد بنحو الترتب، وعلى القول باستحالته، فلايمكن‏فعلية كلا الأمرين المتعلقين بهما معاً في زمن واحد ولو بنحو الترتب، وعلى هذاالأساس فإذا كان الأمر بالأهم آنياً وغير قابل للبقاء والدوام وذلك كانقاذالغريق أو الحريق أو ما شاكل ذلك، ففي مثله لايتوقف تعلق التكليف بالمهم على‏القول بامكان الترتب، لوضوح أن الأمر بالأهم يسقط بعصيان المكلف في الآن‏الأول الذي كان بامكانه إيجاده فيه وسقوط أمره في الآن الثاني بسقوطموضوعه، وحينئذٍ فلا مانع من تعلق الأمر بالمهم، لأن المانع منه هو فعلية الأمربالأهم وبعد سقوطه لا مانع منه.
فالنتيجة، إن هذا الفرض خارج عن محل الكلام، لأن محل الكلام إنما هو في‏تعلق الأمر بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم ووجوده.
وغير خفي، أن ما أفاده‏قدس سره من الكبرى‏ تام، ولكن قد يناقش في تطبيق هذه‏الكبرى‏ على ما ذكره‏قدس سره من المثال، وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين صلاة العصر في‏آخر الوقت بحيث لايبقى‏ من الوقت إلا بمقدار أربع ركعات وبين انقاذ الغريق أوالحريق، لأن هذا المثال ليس من مصاديق هذه الكبرى‏، حيث إنه لا مانع من‏الالتزام بالترتب فيه، لأن الأمر بالأهم لايسقط في الآن الأول بترك الانقاذوعصيان أمره فيه طالما يكون المكلف متمكناً من انقاذ حياته في الآن الثاني،لوضوح أن الأمر بانقاذ الغريق أو الحريق ليس آنياً بحيث يسقط في الآن الأول‏بسقوط موضوعه لكي لايتصور فيه الترتب، ولكن هذه من المناقشة في المثال‏ولا قيمة لها.
المقدمة الثانية: إن الترتب إذا كان بين الواجبين التدريجيين كالصلاة والازالةمثلاً، فلا محالة يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً وبقاءً،بداهة أنه لوكان مشروطاً به حدوثاً فقط لا بقاءً، بأن يكون في بقائه مطلقاًومتحرراً، فحينئذٍ لو عصى‏ الأمر بالأهم في الآن الأول تحقق الأمر بالمهم من‏جهة تحقق شرطه، وعليه فإذا ندم في الآن الثاني وعدل عن العصيان إلى امتثال‏الأمر بالأهم لزم طلب الجمع بين الضدّين في هذا الآن، لفرض أن الأمر بالمهمّ‏مطلق فيه وغير مشروط كالأمر بالأهم، فيقتضي كل منهما الاتيان بمتعلقه في‏عرض اقتضاء الآخر هذا.
ولكن قد يتوهم أن الترتب لايجري بين الواجبين التدريجيين، بدعوى‏ أن‏الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمر بالأهم وهو يتحقق في الآن الأول بالعصيان‏فيه، وبعد تحققه يبقى وإن زال العصيان في الآن الثاني وتبدّل بالطاعة، وعندئذٍيلزم طلب الجمع بين الضدّين على أساس أن كلاً من الأمرين يقتضي الاتيان‏بمتعلقه في عرض الآخر لا في طوله، ولكن لا أساس لهذا التوهم لأنه مبني على‏عدم تصور معنى تقييد الأمر بالمهم لعدم الاشتغال بالأهم، وقد تقدم أن هذاالتقييد لبّي ومبني على نكتة عامة وهي أنه لايمكن أن يكون الأمر بالضدّ مطلقاًمع الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، لأن الغرض من هذا الاطلاق إن‏كان التوصل إلى الجمع بين الضدّين فهو مستحيل، وإن كان هو صرف المكلف‏عن ذاك المزاحم فهو خلف فرض أنه لايقل عنه في الأهمية عند المولى‏، فهذه‏نكتة عامة لتقييد كل خطاب شرعي بعدم الاشتغال بضدّه الواجب لايقل عنه في‏الأهمية، فإذن كيف يعقل أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهم‏حدوثاً فقط، وأما بقاءً فهو مطلق ومتحرر، ضرورة أنه مجعول من الأول في‏الشريعة المقدسة كذلك، على أساس أن جميع الخطابات الشرعية مجعولة للقادرفي ظرف الامتثال لباً أعم من أن يكون قادراً بالقدرة التكوينية أو التشريعية،ونتيجة ذلك لا محالة تقييد كل خطاب شرعي في ظرف الامتثال والفعلية لباًبعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى ذكر السيد الاُستاذقدس سره(20) أن جريان الترتب بين الواجبين‏التدريجيين على القول بامكان الشرط المتأخر واضح، لأن الأمر بالمهم كالأمربالازالة مثلاً مشروط بعصيان الأمر بالصلاة في آخر الوقت حدوثاً وبقاءً، أماحدوثاً فيكون بنحو الشرط المقارن، وأما بقاءً فيكون بنحو الشرط المتأخر،وعلى هذا فإذا رجع المكلف عن عصيانه في الآن الثاني إلى الطاعة والشروع في‏الصلاة فيه، كشف ذلك عن عدم حدوث الأمر بالازالة من الأول، وهذا معنى‏أن حدوثه بها مشروط ببقاء العصيان إلى زمان لايتمكن المكلف من الاتيان‏بالصلاة في الوقت، وأما القول بعدم امكان الشرط المتأخر فيشكل جريانه‏بينهما، ومن هنا جعل المحقق النائيني‏قدس سره الشرط عصيان الأمر بالأهم المتعقب‏بعصيانه في الآن الثاني والثالث وهكذا إلى آخر أزمنة امكان الاتيان بالمهم،وعليه فحيث إن الشرط هو عنوان العصيان المتعقب لا العصيان الواقعي فيكون‏مقارناً لا متأخراً هذا.
والصحيح في المقام أن يقال أن الأمر بالمهم كالازالة مثلاً مشروط بعصيان‏الأمر بالأهم وعدم الاشتغال به واقعاً، وهذا يعني أن الشرط هو العصيان‏الواقعي لا المفهوم المنتزع من العصيان المتأخر، ومع ذلك لايكون من الشرطالمتأخر، والنكتة فيه ان الأمر بالمهم أمر واحد في عالم الاعتبار والجعل، وأما في‏عالم الفعلية والتحقق، فالموجود إنما هو فاعليته ومحركيته نحو الاتيان بمتعلقه‏وهي ممتدة بامتداد متعلقه ومشروطة بعصيان الأمر بالأهم في هذا العالم وهوالعصيان الممتد إلى آخر أزمنة امكان الاتيان بالمهم، وحيث إن فاعلية الأمربالمهم فاعلية واحدة نحو الاتيان به، باعتبار أن فاعليته بالنسبة إلى كل جزء منه‏إنما هي بفاعلية الكل لا مستقلاً وإلا لزم الخلف، وفاعلية الكل مشروطةبعصيان الكل وعدم الاشتغال به بنحو الشرط المقارن، غاية الأمر أن فاعليته‏ممتدة من بداية الاتيان بالمهم إلى نهايته بامتداد العصيان، باعتبار أن الفاعليةالممتدة فاعلية واحدة كما أن العصيان الممتد عصيان واحد، ومن هنا إذا عصى‏المكلف الأمر بالأهم في الآن الأول ثم عدل عنه إلى طاعته واشتغل بامتثاله في‏الآن الثاني، فإنه كما يكشف عن عدم حدوث الأمر بالمهم كذلك يكشف عن‏عدم حدوث شرطه، لأن العصيان الحادث في الآن الأول ليس شرطاً، فإن‏الشرط هو العصيان الممتد للمشروط كذلك وليس الجزء الأول من فاعلية الأمربالمهم مشروطاً بالجزء الأخير من العصيان، مثلاً فاعلية وجوب الازالة في الآن‏الأول ليست مشروطه بالجزء الأخير من عصيان وجوب الصلاة بل هي‏مشروطة بالجزء المقارن من العصيان، على أساس أن مشروطيتها به انما هي‏بمشروطية الكل بكل العصيان لا مستقلة.
ومن هنا قلنا أن اشتراط وجوب الصلاة بالقدرة على التكبيرة إلى التسليمةيكون بنحو الشرط المقارن لا المتأخر، وذلك لأن الوجوب بمعنى الاعتبارلايعقل أن يكون وجوده تدريجياً، ضرورة أنه أمر اعتباري يوجد في آن‏الاعتبار بوجود اعتباري ولا يتصور فيه التدرج في الوجود، هذا بلحاظ عالم‏الاعتبار، وأما بلحاظ عالم الفعلية وهو عالم الخارج فهو غير موجود، والموجودفيه إنما هو فاعليته وهي ممتدة بامتداد أجزاء الصلاة، وفاعليته لكل جزء منهاانما هي بفاعليته للكل وهي مشروطة بالقدرة على الكل بنحو الشرط المقارن،ففاعلية وجوب الصلاة للتكبيره إنما هي بفاعليته لكل الصلاة لا مستقلة وإلافهو خلف، والمفروض أن فاعليته لكل الصلاة مشروطة بالقدرة على الكل‏والمقام من صغريات ذلك، فإن اشتراط الأمر بالمهم بعدم الاشتغال بالأهم‏وعصيانه من باب اشتراط التكليف بالقدرة شرعاً.
إلى هنا قد تبين أمران: الأول: أن ما ذكره الاُستاذقدس سره من أن الواجبين إذا كاناتدريجيين، كان وجوب المهم مشروطاً بعصيان وجوب الأهم بنحو الشرطالمتأخر غير تام، بل هو مشروط بعصيانه بنحو الشرط المقارن كما عرفت.
الثاني: إن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الشرط هو العصيان المتعقب،وحيث إنه عنوان حاصل بالفعل فيكون من الشرط المقارن غير سديد أيضاً لماعرفت من أن الشرط هو واقع العصيان، وأما جعله العنوان الانتزاعي وهوعنوان المتعقب، فبحاجة إلى دليل ولا دليل عليه.
المقدمة الثالثة: قد يتوهم أن القول بامكان الترتب يتوقف على القول‏بامكان الشرط المتأخر، بأن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم‏بنحو الشرط المتأخر حتى يجتمع الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم في زمن واحد وهوفترة قبل عصيان الأهم، بدعوى‏ أنه لوكان مشروطاً به بنحو الشرط المقارن لم‏يجتمع الأمران في زمن واحد، لأن الأمر بالأهم قد سقط بالعصيان فيكون ثبوت‏الأمر بالمهم مقارناً مع سقوط الأمر بالأهم زماناً وهذا خارج عن محل الكلام.
ولكن لا أساس لهذا التوهم أصلاً، لأنه مبني على أن الأمر يسقط بالعصيان‏وهذا لا واقع له، لأن المسقط للأمر أحد أمرين:
الأول: امتثاله الموجب لسقوطه من جهة حصول الغرض منه الداعي للمولى‏إلى جعله.
الثاني: سقوط موضوعه، لأنه ينتفي بانتفائه ولا يعقل بقائه بعد سقوطموضوعه وانتفائه، وأما العصيان فلا موجب لكونه مسقطاً له بعد فرض عدم‏حصول الغرض منه الذي هو روح الأمر وحقيقته وكون المكلف قادراً عليه،نعم قد يكون عصيانه منشأً لعجز المكلف عن امتثاله، فعندئذٍ يسقط بسقوطموضوعه وانتفائه، ولا موضوعية للعصيان بما هو عصيان، فإذا وقعت المزاحمةبين الأمر بالازالة والأمر بالصلاة مثلاً في أول الوقت، كان الأمر بالصلاةمشروطاً بعصيان الأمر بالازالة وعدم الاشتغال بها، وحينئذٍ فإذا عصى‏ المكلف‏ولم يشتغل بالازالة في أول أزمنة امكانها لم يسقط الأمر بها بالعصيان فيه طالما لم‏يكن هناك موجب للسقوط كانتفاء الموضوع ونحوه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه قد يتوهم أن القول بالترتب يتوقف على عدم إمكان‏القول بالشرط المتأخر، واما على القول به فيلزم اجتماع الأمر بالضدّين في زمن‏واحد وهو محال، مثلاً إذا كان عصيان الأمر بالازالة شرطاً متأخراً للأمربالصلاة، فمعناه أن الأمر بالصلاة موجود قبل عصيان الأمر بالازالة، شريطة أن‏يتحقق عصيانه في ظرفه، والمفروض أن الأمر بالازالة موجود أيضاً، فإذن يلزم‏اجتماع الأمر بالضدّين في زمن واحد هذا.
ولكن لا أساس لهذا التوهم أيضاً، إذ لا مانع من اجتماع الأمر بالضدين بنحوالترتب على القول بامكانه، لأن المحال إنما هو طلب الجمع بين الضدّين لا مجردالأمر بهما بنحو الترتب، فإن مقتضاه ليس طلب الجمع بينهما بل هو في ظرف‏النقيض معه، ومن هنا لو فرض محالاً وقوعهما معاً في الخارج لم يقع على صفةالمطلوب إلا أحدهما، فإذن لا مانع من اجتماع الأمر بالضدّين بنحو الترتب في‏زمن واحد سواءً كان اجتماع الأمر بهما قبل تحقق العصيان أو بعده أو مقارناً له.
المقدمة الرابعة: ان الأمر مطلق بالاضافة إلى حالتي وجود متعلقه وعدمه،وقد أفادقدس سره في وجه ذلك إنه بناءً على ما قويناه من أن التقابل بين الاطلاق‏والتقييد من تقابل التضاد، فاطلاق الأمر بالنسبة إلى كلتا الحالتين ضروري على‏أساس أن استحالة تقييده بوجود متعلقه في الخارج أو عدمه فيه تستلزم‏ضرورة اطلاقه، لأن استحالة وجود أحد الضدّين تستلزم ضرورة وجودالآخر، وكذلك إذا كان التقابل بينهما من تقابل الايجاب والسلب، وأما بناء على‏ما اختاره المحقق النائيني‏قدس سره من أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فعندئذٍيستحيل اطلاق الأمر بالاضافة إلى كلتا الحالتين معاً، لأن تقييده بوجود متعلقه‏في الخارج مستحيل فإنه من طلب الحاصل، وتقييده بعدم وجوده فيه خلف‏الفرض، ضرورة أن الأمر لوكان مقيداً ومشروطاً بعدم متعلقه في الخارج فهو بماأنه لايقتضي هدم شرطه، فمعناه أنه لا يجب الاتيان بمتعلقه، بل الاتيان به يوجب‏انتفاء الأمر بانتفاء شرطه، باعتبار أنه مشروط بعدم وجوده فيه وهذا كماترى،فإذن كما لايمكن أن يكون الأمر بالصلاة مطلقاً بالنسبة إلى حالتي وجود متعلقه‏وعدمه ولا مقيداً بأحدهما بالاطلاق والتقييد اللحاظيين كذلك لايمكن بنتيجةالاطلاق والتقييد، ونقصد بالاطلاق والتقييد اللحاظيين الاطلاق والتقييدالثابتين بالدليل الأول، كما إذا أمر المولى‏ باكرام العلماء، وحينئذٍ فإن كان في مقام‏البيان ولم ينصب قرنية على التقييد فهو مطلق باللحاظ الأول، وإن نصب قرينةعليه فهو مقيد كذلك، ونقصد نتيجة الاطلاق والتقييد الاطلاق والتقييد الثابتين‏بالدليل الثاني بعدما لايمكن اثباتهما بالدليل الأول كتقييد الصلاة بقصد الأمر،فإنه بناء على استحالة هذا التقييد، فالصلاة باللحاظ الأول لا مطلقة ولا مقيدةعلى القول بأن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، ولكن ثبت تقييدها أواطلاقها بالدليل الثاني، ويسمى هذا بنتيجة الاطلاق أو التقييد.
وأما في المقام فكما لايمكن التقييد والاطلاق باللحاظ الأول، فكذلك لايمكن‏بنتيجة الاطلاق والتقييد، لوضوح أنه لايمكن تقييد الأمر بوجود متعلقه أوبعدمه لا بالدليل الأول ولا بالدليل الثاني، باعتبار أن المورد في نفسه غير قابل‏لذلك لا من جهة قصور الدليل الأول مع قابلية المورد في نفسه لذلك حتى يمكن‏الاطلاق أو التقييد بالدليل الثاني هذا.
وغير خفي أن هذه المقدمة لاترتبط بمسألة الترتب أصلاً، سواءً فيه القول بأن‏التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد أو الايجاب والسلب أو العدم‏والملكة، فإن الأمر بالأهم سواءً أكان له اطلاق بالنسبة إلى وجود متعلقه وعدم‏وجوده أم لا فلا صلة له بهذه المسألة وهي مسألة الترتب، فإنها تتوقف على‏اطلاق الأمر بالأهم بالنسبة إلى حالتي اشتغال المكلف بالواجب المهم وعدم‏اشتغاله به، ولا شبهة في أن الأمر بالأهم مطلق بالاضافة إلى كلتا الحالتين حتى‏على مسلك المحقق النائيني‏قدس سره.
فالنتيجة، أن هذه المقدمة لاترتبط بمسألة الترتب، فإن المرتبط بها إنما هواطلاق الأمر بالأهم بالاضافة إلى حالتي اشتغال المكلف بالمهم وعدم اشتغاله به‏لا بالاضافة إلى وجود متعلقه في الخارج وعدم وجوده فيه.
المقدمة الخامسة: إن الخطابات الشرعية حيث إنها مجعولة على نحو القضاياالحقيقية للموضوع المقدّر وجوده في الخارج فهي لاتتعرض لحال موضوعها فيه‏لا نفياً ولا اثباتاً، لأنها ترجع في الحقيقة إلى القضايا الشرطية مقدمها وجودالموضوع وتاليها ثبوت المحمول له ومفادها ثبوت الحكم على تقدير وجودموضوعه في الخارج، حيث إن التالي لايقتضي وجود الشرط وإنما يقتضي‏وجود متعلقه على تقدير وجود الشرط.
ونتيجة هذه المقدمة، أن الأمر بالمهم لايقتضي وجود موضوعه في الخارج‏وهو ترك الأهم، وإنما يقتضي وجود متعلقه فيه على تقدير وجود موضوعه،وأما أن هذا التقدير ثابت أو لا فهو ساكت عن ذلك، ومن هنا يكون الأمر بالمهم‏في طول الأمر بالأهم.
وبكلمة، حيث إن ترك الأهم وعصيان أمره قد أخذ في موضوع الأمر بالمهم،فلا يكون الأمر به متعرّضاً لحال موضوعه خارجاً لا وضعاً ولا رفعاً، لأن‏الحكم حيث إنه مجعول على نحو القضية الحقيقية، فيستحيل أن يكون ناظراً إلى‏موضوعه في الخارج لا نفياً ولا اثباتاً، وإنما هو ناظر إلى متعلقه ويستدعي‏وجوده في الخارج على تقدير وجود موضوعه فيه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أن الأمر بالأهم محفوظ في ظرف عصيانه ويقتضي هدم‏موضوع الأمر بالمهم ورفعه وهو ترك الأهم وعصيانه، والمفروض أن الأمربالمهم لايقتضي إيجاد موضوعه في الخارج لكي يكون بين الأمرين تمانعاً، فإذن‏لا تمانع بينهما أبداً، ولكن هذه المقدمة كسابقتها لاتنفي مانعية الأمر بالأهم عن‏الأمر بالمهم وإنما تنفي مانعية الأمر بالمهم فحسب.
لحدّ الآن قد تبين أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المقدمات لاتنتج نفي مانعيةالأمر بالأهم عن الأمر بالمهم، وإنما تنتج أن فعلية الأمر بالضدّين بنحو الترتب‏لاتستلزم طلب الجمع بين الضدّين، ولكن مجرد ذلك لايكفي في القول بامكان‏الترتب بل لابد من اثبات أن الأمر بالأهم أيضاً لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم،وإلاّ فلايمكن القول بالترتب، ضرورة استحالة الجمع بين المانع والممنوع معاً في‏زمن واحد وجعلهما كذلك.
وهنا وجوه اُخرى للقول بامكان الترتب:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الأصبهاني(21)قدس سره وحاصله، إن الأمر بالمهم في‏مرتبة متأخرة عن الأمر بالأهم، وعليه فبطبيعة الحال يكون اقتضائه الاتيان‏بالمهم في مرتبة متأخرة عن مرتبة اقتضاء الأمر بالأهم الأتيان بمتعلقه، وذلك‏لأن الأمر بالمهم مترتب على ترك الأهم وعدم الاشتغال به وهو في مرتبة فعل‏الأهم، على أساس أن النقيضين في رتبة واحدة، والمفروض أن فعل الأهم في‏الخارج متأخر عن الأمر بالأهم واقتضائه باعتبار أنه معلول له، فيكون الأمربالمهم واقتضائه لفعل المهم متأخراً عن الأمر بالأهم واقتضائه فإذن لا محذور.
والجواب، أولاً: إن تأخر الأمر بالمهم عن ترك الأهم وعدم الاشتغال به‏رتبة لايلازم تأخره عن فعل الأهم الذي هو في مرتبة تركه، باعتبار أن النقيضين‏في رتبة واحدة لكي يكون متأخراً عن الأمر بالأهم أيضاً، باعتبار أنه متقدم‏رتبة على فعل الأهم الذي هو معلول له، وذلك لما ذكرناه غير مرة من أن تقدم‏شي‏ء على شي‏ء آخر رتبة بعد ما كان مقارناً معه زمناً بحاجة إلى ملاك، ولايمكن‏أن يكون جزافاً، مثلاً العلة متقدمة على المعلول رتبة مع أنهما متعاصران زماناًفإنما هو بملاك العليّة وقضاء لحقها، والمعلول متأخر عنها كذلك قضاء لحق‏المعلولية، وأما عدم المعلول فهو في مرتبة وجوده ومع ذلك لايكون متأخراً عن‏العلة رتبة لعدم الملاك المبرّر لتقدّمها عليه، وعلى هذا فالأمر بالمهم متأخر عن‏ترك الأهم وعدم الاشتغال به بملاك تأخر الحكم عن موضوعه، ولكن لا مبررلتأخّره عن فعل الأهم الذي هو في رتبة تركه لعدم الملاك المبرّر لتأخره عنه،ومن هنا يظهر أنه لامبرّر لتأخر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم لعدم الملاك له‏بعدما كان مقارناً معه زماناً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الأمر بالمهمّ متأخر عن الأمربالأهم رتبة، إلاّ ان المضادة والمعاندة بين الضدّين تكمن في اجتماعهما في زمن‏واحد لا في رتبة واحدة، إذ لا وجود لهما في عالم الرتب، على أساس أنه لا واقع‏موضوعي لهذا العالم ماعدا إدراك العقل، لوضوح أن المضادة والمماثلة بين‏الأشياء انما هي من صفات وشؤون وجوداتهما في عالم الزمان وهو عالم الخارج،ولهذا لاترتفع عائلة استحالة اجتماع الضدّين باختلافهما في الرتبة إذا كان في زمن‏واحد فلايمكن‏الأمر بالضدّين في‏زمن واحد وإن أحدهما في طول‏الآخر، ضرورةأن ملاك الاستحالة المعية في‏الزمان سواءً كانت المعية بينهما في الرتبة أم لا.
وثالثاً: إن التضاد والتنافي بين الأمرين إنما هو من جهة التضاد والتنافي بين‏متعلقيهما في الخارج كالصلاة والازالة والصلاة وإنقاذ الغريق، وعلى هذا فتعددالرتبة بين نفي الأمرين إن كان يدفع مشكلة الأمر بالضدّين فرضاً فهو، وإلاّفلابد من دفع مشكلة التنافي والتضاد بين متعلقيهما، ولايمكن دفعها بتعدد الرتبةلعدم تعددها بينهما.
وبكلمة، إن التنافي والتضاد بين الأمرين عرضي ناشي‏ء من التنافي والتضادبين متعلقيهما فإنه ذاتي، وعلى هذا فلابد من علاج التنافي والتضاد بين المتعلقين،فإذا عولج التنافي والتضاد بينهما فقد عولج بين الأمرين أيضاً، باعتبار أنه‏بالعرض ويدور مداره ولايمكن علاجه بتعدد الرتبة، فإنه مبني على أن فعل المهم‏متأخر رتبة عن فعل الأهم ولايمكن اثبات ذلك إلاّ بقياس المساوات، بتقريب‏أن فعل المهم متأخر عن الأمر به وهو متأخر عن ترك الأهم الذي هو في مرتبةفعل الأهم على أثر أن النقيضين في رتبة واحدة.
فالنتيجة، أن فعل المهم متأخر عن فعل الأهم رتبة فلا يلزم اجتماع الضدّين‏في رتبة واحدة، ولكن قد تقدم أن نتيجة قياس المساوات في عالم الرتب عقيمةوانما تصحّ في عالم الأزمان، فإن ما هو مع المتقدم على شي‏ء زماناً متقدم عليه‏كذلك وما هو مع المتأخر عن شي‏ء زماناً متأخر عنه كذلك، وما هو مع المقارن‏لشي‏ء زماناً مقارن معه كذلك بينما الأمر ليس كذلك في عالم الرتب، فإن ما هو مع‏المتقدم على شي‏ء رتبة ليس متقدماً عليه كذلك، لأن عدم العلة في رتبة العلةومع ذلك لايكون متقدماً على المعلول رتبة، وما هو مع المتأخر عن شي‏ء رتبةلايكون متأخراً عنه كذلك كعدم المعلول، فإنه مع كونه في رتبته لايكون متأخراًعن العلة رتبة وهكذا، وعلى هذا فلو قلنا بأن تعدد الرتبة يكفي في رفع غائلةاستحالة اجتماع الضدّين إلاّ انه في المقام غير موجود، لأن فعل المهم لايكون‏متأخراً عن فعل الأهم رتبة فيكونا في رتبة واحدة فلايمكن اجتماعهما فيها هذا،اضافة إلى ما عرفت من أن تعدّد الرتبة لايكفي لرفع غائلة استحالة اجتماع‏الضدّين، فإن اجتماعهما محال في زمن واحد وإن لم يكن في رتبة واحدة، لأن ملاك‏استحالة اجتماع الضدّين والنقيضين إنما هو المعيّة بينهما في الزمان لا في الرتبة، لأن‏الاضداد والمتناقضات بين الأشياء الخارجية إنما هي في عالم الزمان لا في عالم‏الرتب لأنها من أوصافها وشؤونها في هذا العالم دون عالم الرتب، إذ لا وجود لهافيه حتى تعرض عليها تلك الصفات. فالنتيجة، إن اجتماع الضدّين والنقيضين في‏زمن واحد مستحيل وإن كانا طوليين رتبة.
الوجه الثاني(22): ما قيل من أن إمكان القول بالترتب مبني على أن لايكون‏الأمر بالأهم في رتبة الأمر بالمهم كي يقتضي الامتثال في مرتبته ويقع التنافي‏بينهما، بتقريب أن الأمر بالمهم معلول لعصيان الأمر بالأهم ومترتب عليه،وسقوط الأمر بالأهم معلول لعصيانه وعدم امتثاله ولو بنحو الشرط المتأخر،فإن العصيان كالامتثال سبب للسقوط، وعليه فالأمر بالمهم مع سقوط الأمربالأهم في رتبة واحدة، على أساس أنهما معلولان لعلة واحدة وهي العصيان،ونتيجة ذلك أن في مرتبة الأمر بالمهم لا أمر بالأهم لأنها بالنسبة إلى المهم مرتبةثبوته وبالنسبة إلى الأهم مرتبة سقوطه، وهذا معنى أنهما لايجتمعان في مرتبةواحدة حتى يقع التنافي بينهما.
والجواب: أولاً: ما تقدم من أن العصيان لايكون سبباً لسقوط الأمر، لأن‏سقوطه إمّا أن يكون بالامتثال وحصول الغرض أو بانتفاء موضوعه لابالعصيان، إذ لا مبرّر لسقوطه به طالما يكون المكلف قادراً على امتثاله، ونقصدبالسقوط هنا سقوط فاعلية التكليف ومحرّكيته لا سقوطه جعلاً.
وثانياً: ما عرفت من أن تعدد المرتبة لايدفع محذور غائلة اجتماع الضدّين‏طالما يكون اجتماعهما في زمان واحد فإنه مستحيل وإن اختلفا في الرتبة، فإذن‏علاج مشكلة استحالة الاجتماع منوط بتعدد الزمان وعدم المعيّة فيه، هذا،اضافة إلى أن هذا الدليل إنما يثبت تعدد الرتبة بين الأمرين هما الأمر بالمهم‏والأمر بالأهم لابين المتعلقين، والمفروض أن التضاد بين الأمرين إنما هو من جهةالتضاد بين المتعلقين في الخارج، وهذا الدليل لايعالج مشكلة التضاد بينهما فيه‏حتى يدفع غائلة التمانع والتضاد بين الأمرين.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن جميع المقدمات والأدلةالتي استدل بها للقول بامكان الترتب ليست على مستوى‏ واحد في دفع مشكلةالترتب وإن كانت جميعها مشتركة في نقطة واحدة وهي أنها لاتدفع المشكلةنهائياً.
والتحقيق في المقام أن يقال إن إمكان القول بالترتب وعدم استحالته من كل‏الجهات منوط بتوفّر اُمور:
الأول: إنه لاتنافي بين ذات الأمر بالمهم وذات الأمر بالأهم بما هما اعتباران،إذ التنافي والتضاد لايتصور بين الأمور الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لهاماعدا اعتبار المعتبر في عالم الاعتبار والذهن، والتنافي إنما هو بين اقتضاء كل‏منهما مع اقتضاء الآخر في مرحلة الفعلية.
الثاني: إن الأمر بالمهم لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم وطارداً له،باعتبار أنه مشروط بعدم الاشتغال بالأهم وترك امتثال أمره على أساس نكتةعامة، وهي أن كل خطاب شرعي مقيّد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب لايقل‏عنه في الأهمية، وعلى هذا فالأمر بالمهم إنما يقتضي الاتيان بمتعلقه على تقديروجود موضوعه في الخارج وهو ترك امتثال الأمر بالأهم وعصيانه، وأما أن هذاالتقدير ثابت أولاً فهو ساكت عنه وغير ناظر إليه، بينما الأمر بالأهم يقتضي هدم‏موضوع الأمر بالمهم وعليه فهو مانع عنه، لأن معنى كون شي‏ء مانعاً عن آخرهو منعه عن تأثير مقتضيه فيه الذي هو شرطه وموضوعه، أو فقل: إن الأمربالمهم يستحيل أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم لأنه متفرّع على ترك الأهم بعدوجوده، فكيف يعقل أن يكون مانعاً عن تأثير مقتضيه فيه وإلاّ لزم أن يكون‏عدم الأمر بالأهم مستنداً إلى الأمر بالمهم وهو كما ترى‏.
الثالث: إن الأمر بالأهم أيضاً لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالمهم‏وطارداً له، لأن الأمر بالأهم يقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج كما هو شأن كل‏أمر، ولازم ذلك أنه يقتضي المنع عن عصيانه بمفاد كان التامة وترك امتثاله الذي‏هو موضوع الأمر بالمهم والشرط له، ولكن إذا فرض تحقق الترك في الخارج‏بمفاد ليس التامة عصياناً، ترتب عليه الأمر بالمهم قهراً على أساس أنه‏موضوعه، وترتب الحكم على موضوعه أمر قهري كترتب المعلول على العلةالتامة وإلاّ لزم خلف فرض كونه موضوعاً له، ومن الواضح أن الأمر بالأهم‏لايقتضي المنع عن ذلك، فإنه إنما يقتضي المنع عن ترك متعلقه في الخارج بمفادليس التامة، وأما إذا تحقق هذا الترك في الخارج كذلك فهو لايمنع عن تأثيره في‏حكمه وترتبه عليه بمفاد كان الناقصة، كيف فإن تأثيره فيه وترتبه عليه كتأثيرالعلة في المعلول وترتبه عليها غير قابل للمنع شرعاً، وعليه فلايعقل أن يكون‏الأمر بالأهم مانعاً عنه لأنه خارج عن مدلوله ودائرة اقتضائه، فإنه إنما يقتضي‏الاتيان بمتعلقه في الخارج ولازم ذلك اقتضائه المنع عن تركه، وأما إذا ترك فيه‏فهو لايمنع عن ترتب أثره عليه وهو الأمر بالمهم من باب ترتب الأثر على المؤثروالحكم على موضوعه لأنه أمر قهري وغير قابل للمنع، وهذا معنى أن الأمربالأهم لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، فإن المعنى المانع الذي يكون عدمه جزءالعلة التامة هو منعه عن تأثير المقتضى، والمفروض أن الأمر بالأهم يمنع عن‏إيجاد مقتضى الأمر بالمهم لا عن تأثيره وترتب أثره عليه بعد تحققه ووجوده،مثلاً الأمر بالصلاة في آخر الوقت يقتضي إيجادها في الخارج، ولازم ذلك هومنعه عن تركها وعدم الاشتغال بها الذي هو موضوع الأمر بالازالة وشرطه‏بمقتضى التقييد اللبّي العام، ومعنى‏ ذلك أن الأمر بالصلاة يقتضي هدم موضوع‏الأمر بالازالة، والمفروض أن الأمر بالازالة لايقتضي إيجاده حتى يكون منافياًللأمر بالصلاة، وأما إذا ترك المكلف الصلاة عصياناً فيترتب عليه الأمر بالازالةمن باب ترتب الحكم على موضوعه، وإلاّ فما فرض أنه موضوع له ليس‏بموضوع له وهذا خلف، ومن الطبيعي أن الأمر بالصلاة لايمنع عن تأثيره فيه‏وترتبه عليه بعد تحققه، لأن مردّ هذا المنع إلى المنع عن ترتب الأمر بالمهم عليه،ومعنى هذا أنه ليس موضوعاً له وهو خلف.
وبكلمة، أن الأمر بالأهم لوكان مانعاً عن الأمر بالمهم فلايخلو من أن يكون‏مانعاً عن تأثير مقتضيه فيه في حال عدم وجود الأمر بالمهم أو في حال وجوده‏وكلا الفرضين لايمكن.
أما الفرض الأول فهو غير معقول، لأن المانع عن تأثير المقتضي لابد أن‏يفترض عند ثبوت ذلك المقتضي في ظرفه وإلاّ فلا يعقل أن يتصف المانع‏بالمانعية، فإنه إنما يتصف بها عند ثبوت المقتضي، بحيث لولا المانع لأثر أثره،وعلى هذا فالأمر بالأهم إنما يكون مانعاً عن الأمر بالمهم عند ثبوت مقتضيه وهوترك الأهم، ومن المعلوم أنه يتحقق عند ثبوته، ومعه كيف يعقل أن يكون الأمربالأهم مانعاً عنه، إذ لايتصور كونه مانعاً عنه في حال وجوده وثبوته.
وأما الفرض الثاني فهو أيضاً غير معقول، لأن فرض وجود الأمر بالمهم‏معناه تحقق ترك الأهم الذي هو الموضوع للأمر بالمهم، ومن الواضح أن معنى‏هذا الفرض هو أن الأمر بالأهم في هذا الظرف أي ظرف تركه لايؤثر في إيجادمتعلقه بل يستحيل تأثيره فيه، لأن إتصاف الأمر بالأهم في ظرف تركه بالمانعيّةمستحيل، فإن الأمر بالمهم في هذا الظرف موجود على أساس وجود موضوعه‏فيه، ومع وجوده بوجود موضوعه لايعقل أن يكون الأمر بالأهم مانعاً عن‏تأثيره فيه، ضرورة أن معنى كونه مانعاً عنه أنه لا وجود له، ومعنى وجوده‏بوجود موضوعه أنه يستحيل أن يكون مانعاً عنه.
والخلاصة، ان الأمر بالأهم وإن كان في نفسه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج‏بمفاد كان التامة والمنع عن تركه، إلا أنه لايقتضي المنع عن تأثير الترك في الأمربالمهم وترتبه عليه بمفاد كان الناقصه، لأنه خلف وفرض كونه موضوعاً له،وهكذا يتبرهن أنه لا تمانع بين الأمرين لا من الطرفين ولا من طرف واحد، هذاكله فيما إذا كان الترتب من جانب واحد، وأما إذا كان من الجانبين كما إذا كان‏الواجبان المتزاحمان متساويين في الأهمية، فقد ظهر مما تقدم أنه لا فرق في إمكان‏القول بالترتب بين أن يكون من جانب واحداً أو من جانبين، لأن ما ذكرناه من‏البرهان على عدم التمانع بين الأمرين لا من الطرفين ولا من طرف واحد في الباب‏الأول بعينه يجري في الباب الثاني، فإذا فرضنا أن الصلاة مع الازالة في مستوى‏واحد، فإذا وقعت المزاحمة بينهما، كان الأمر المتعلق بكل منهما مقيّداً لباً بعدم‏الاشتغال بالاُخرى، على أساس ما عرفت من أن كل خطاب شرعي مقيداً لباًبعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، وعلى هذا فالأمر بالصلاةمشروط بعدم الاشتغال بالازالة وترك امتثال أمرها، والأمر بالازالة مشروطبترك الصلاة وعدم الاشتغال بها، وكل من الأمرين يقتضي إيجاد متعلقه في‏الخارج بمفاد كان التامة، ولازم هذا اقتضاء كل منهما هدم موضوع الاُخرى وهوالترك، ولكن كل منهما لايصلح أن يكون مانعاً عن الاُخرى‏، فإن معنى المانع هوالمنع عن تأثير المقتضي، مثلاً الأمر بالصلاة إنما يقتضي إيجادها في الخارج والمنع‏عن تركها ولايقتضي المنع عن تأثير مقتضي الاُخرى وهو تركها وعدم الاشتغال‏بها، وإنما يقتضي المنع عن الترك بمفاد ليس التامة، وأما إذا تحقق ترك الصلاة في‏الخارج فهو مؤثر في الأمر بالازالة وترتبه عليه بملاك ترتب الحكم على‏موضوعه، ولايمكن أن يكون الأمر بالصلاة مانعاً عن ترتب الأمر بالازالة على‏تركها بمفاد كان الناقصة وبالعكس لأنه خلف فرض كونه موضوعاً له.
وإن شئت قلت: إن كلاً من الأمر بالصلاة والأمر بالازالة يقتضي إيجاد متعلقه‏في الخارج مباشرة، ولازمه اقتضاء كل منهما المنع عن تركه وعدم الاشتغال به،وأما إذا ترك المكلف الصلاة في الخارج عصياناً فيترتب عليه أثره وهو الأمربالازالة ترتب الحكم على موضوعه، ولا يكون الأمر بالصلاة في هذا الظرف‏مانعاً عن ترتب هذا الأثر وإلاّ لزم الخلف.
والخلاصة، إن الأمر بالصلاة وإن اقتضى المنع من الترك حدوثاً وبقاءً إلاّ أنه‏لايقتضي المنع عن ترتب أثره عليه عند تحققه، لأنه من ترتب المشروط على‏شرطه والحكم على موضوعه، ولا يعقل أن يكون الأمر بالصلاة في ظرف تركهامانعاً عن تأثير مقتضى الأمر بالازالة، لأن الأمر بالازالة في هذا الظرف موجودبوجود مقتضيه وموضوعه و هو تركها، ومعه يستحيل أن يكون الأمر بالصلاةمانعاً عن تأثيره فيه بمفاد كان الناقصة، وإلاّ لزم خلف فرض كونه موجوداًبوجود مقتضيه، لأن فرض المانع عنه فرض عدم وجوده وفرض وجوده فرض‏عدم المانع، فكيف يعقل الجمع بينهما، وكذلك الحال في الأمر بالازالة، فالنتيجةأنه لامانع من الالتزام بالترتب من الجانبين ولايلزم من فعلية الأمرين بنحوالترتب من الطرفين محذور طلب الجمع بين الضدّين ولا التمانع بين الأمرين في‏هذا الظرف.
إلى هنا قد تبيّن أنه لا فرق في إمكان القول بالترتب بين أن يكون من جانب‏واحد أو من جانبين، لأن الجهة الرئيسية لامكان هذا القول وعدم استحالته‏واحدة في كلا البابين بلا فرق بينهما، ولكن مع هذا قد يقال كما قيل باستحالةالتربت من الجانبين وإن قلنا بامكانه من جانب واحد، وقد قرب ذلك بأحدبيانين:
الأول: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره(23) بتقريب إن الترتب من الجانبين وجعل‏الأمر في كل من الخطابين مشروطاً بعصيان الآخر يستلزم الدور، وذلك لأن‏الأمر بالصلاة متوقف على عصيان الازالة وهو متوقف على الأمر بها فعلاً وإلاّ لم‏يتحقق عصيان، فالنتيجة أن الأمر بالصلاة يتوقف على الأمر بالازالة وكذلك‏الحال في طرف الازالة، فإن الأمر بها يتوقف على عصيان الصلاة وهو يتوقف‏على الأمر بها فعلاً وإلاّ لم يتحقق عصيان، فالنتيجة أن الأمر بالازالة يتوقف على‏الأمر بالصلاة، وهذا هو الدور.
والجواب: إن تخيل الدور في المقام مبني على الخلط بين ما هو شرط واقعاً ولباًلكل من الأمرين وما هو منتزع منه كعنوان العصيان، فإن الشرط في الحقيقةللأمر بالصلاة هو ترك الازالة وعدم الاشتغال بها كما أن الشرط للأمر بالازالةهو ترك الصلاة حقيقة وعدم الاشتغال بها وهو لايتوقف على الأمر بها حتى‏يلزم الدور.
وعلى الجملة فالأمر المتعلق بكل من الصلاة والازالة مقيّد واقعاً ولباً بعدم‏الاشتغال بالاُخرى‏، على أساس نكتة عامة وهي أن كل خطاب شرعي مقيّد لباًبعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية.
فالنتيجة، إن العصيان ليس بشرط والتعبير عنه بالشرط إنما هو بنكتة أنه‏منتزع منه، وأما ما قيل من أن الشرط هو العصيان التقديري بمعنى أن الأمربالصلاة مشروط بعصيان الأمر بالازالة اللولائي أي لوكان هناك أمر بالازالةكان المكلف عاصياً وكذلك الأمر بالعكس، والفرض أن العصيان التقديري‏لايتوقف على الأمر الفعلي فهو مجرد افتراض للتفصّي عن اشكال الدور وإلا فلاواقع له، ضرورة أنه لوكان الشرط العصيان فهو العصيان الفعلي لا التقديري.
الثاني(24): أن الترتب من الجانبين يستلزم الدور بتقريب آخر، وهو أن فعل‏الصلاة يتوقف على وجود الداعي إليه وهو يتوقف على فعلية الأمر بها وهي‏تتوقف على ترك الازالة الموقوف على عدم الداعي إلى الازالة وهو يتوقف على‏عدم فعليّة الأمر بها الموقوف على فعل الصلاة.
فالنتيجة، إن فعل الصلاة يتوقف على فعل الصلاة وكذلك الحال في طرف‏الازالة وهذا هو الدور اللازم على القول بالترتب من الجانبين.
والجواب: إن ترك الازالة لايتوقف على عدم وجود الداعي إليها بل يكفي في‏تركها وجود الداعي إلى الصلاة، على أساس أن الموجود في نفس المكلف هناداع واحد نحو الجامع بين الفعلين هما الصلاة والازالة، ولايمكن أن يكون في‏نفسه داعيان في عرض واحد. أحدهما: الداعي إلى إيجاد الصلاة والآخر:الداعي إلى إيجاد الازالة بعد مالايمكن الجمع بينهما، فإذن بطبيعة الحال يكون‏الداعي واحداً وهو الداعي إلى الجامع، فإذا تحقق في نفس المكلف الداعي إلى‏وجود الصلاة فترك الازالة لايحتاج إلى داع آخر بل يكفي في تركها وجودالداعي إلى الصلاة، وعليه فلا دور في البين.
والخلاصة، إن توهم الدور في المقام مبني على أن يكون هناك داعيان في نفس‏المكلف فعلاً، أحدهما: نحو إيجاد الصلاة. والآخر: نحو إيجاد الازالة فعندئذٍ يلزم‏الدور، لأن إيجاد الصلاة يتوقف على وجود الداعي إليها وهو يتوقف على تعلق‏الأمر بها فعلاً وهو يتوقف على ترك الازالة وهو يتوقف على عدم الداعي إليهاوهو يتوقف على إيجاد الصلاة وكذلك الحال في طرف الازالة، وأما إذا كان هناك‏داع واحد نحو الجامع بينهما كما هو كذلك في المقام فلا يلزم الدور، لأن تطبيق‏ذلك الداعي على أيّ من الفعلين بيد المكلف، على أساس أنه كان يعلم بأن له‏قدرة واحدة، فإن صرفها في أحدهما عجز عن الآخر وبالعكس، فلهذا يكون‏مخيراً في مرحلة الامتثال والتطبيق بينهما.
فالنتيجة، إن كلا الاشكالين في غير مورده، فإذن لافرق بين الترتب من‏جانب واحد والترتب من الجانبين هذا.
ولكن قد يقال(25) بإمكان القول بالترتب من الجانبين وإن قلنا باستحالته من‏جانب واحد، بتقريب أن إمكان القول بالترتب من جانب واحد متوقف على‏أمرين:
الأول: عدم مانعية الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم.
الثاني: عدم مانعية الأمر بالأهم عن الأمر بالمهم، وأما القول بإمكان الترتب‏من كلا الجانبين، فيكفي فيه ثبوت الأمر الأول فقط وهو عدم مانعية الأمر بالمهم‏عن الأمر بالأهم وإن أنكرنا الأمر الثاني.
نتائج البحث ...
وفيه، أن هذا التقريب غير صحيح، فإن الأمر بالمهم لايكون مانعاً عن الأمربالأهم جزماً، وأما أنه غير مانع عن الأمر بالمهم المساوي له أيضاً، فهو أول‏الكلام بل حاله في المانعيّة عنه حال الأمر بالأهم بالنسبة إليه.
والخلاصة، إن كلاً من الأمرين المتساويين يصلح أن يكون مانعاً عن الآخركالأمر بالأهم، فإذن لا فرق بين أن يكون الترتب من جانب واحد أو من‏جانبين، فإنه متوقف على تمامية الأمرين:
أحدهما: عدم مانعية الأمر بالصلاة مثلاً عن الأمر بالازالة.
والآخر: عدم مانعية الأمر بالازالة عن الأمر بالصلاة، بلا فرق في ذلك بين أن‏يكونا متساويين أو أحدهما أهمّ من الآخر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنه لا مانع من تعلق الأمرين‏بالضدّين كالصلاة والازالة بنحو الترتب ولا يلزم منه طلب الجمع بين الضدين‏لأنه في الطرف النقيض معه، ومن هنا لو فرض وقوع كليهما معاً في الخارج فرضاًلم يقع على صفة المطلوبيّة إلاّ احدهما، ولا التنافي والتمانع بينهما لا من جانب‏واحد ولا من الجانبين في مرحلة الاقتضاء بمعنى، كما أن الأمر بالمهم لايكون‏مانعاً عن الأمر بالأهم، كذلك الأمر بالأهم لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، ولاكل منهما مانعاً عن الآخر بمستوى‏ واحد إذا كانا متساويين، فلهذا لا مناص من‏الالتزام بإمكان القول بالترتب بلا فرق بين أن يكون من جانب واحد أو من‏الجانبين.
نتائج البحث عدة نقاط:
الاُولى‏: إن القول بإمكان الترتب عنصر أساسي لاخراج باب التزاحم عن‏باب التعارض.
الثانية: قد ذكر لمسألة الترتب ثمرتان:
1 - ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن ثمرة هذه المسألة صحّة العبادة المزاحمة،وفيه أن هذه الثمرة وإن كانت ثمرة لها إلاّ أن لازم ذلك كونها مسألة اُصولية دون‏مسألة الضدّ.
2 - ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن ما يترتب على هذه المسألة من الثمرة هوخروج باب التزاحم عن باب التعارض، وفيه أنه لا فرق بين الثمرتين، لأنّ‏مرجعهما لباً وروحاً واحد وإن كان فرق بينهما في صيغة البحث على تفصيل‏تقدم.
الثالثة: إن البحث عن الترتب إمكاناً واستحالة إنما هو بين الخطابين المتعلقين‏بالضدّين العرضيين كالصلاة والازالة المتزاحمين في مرحلة الامتثال، وأما إذاكانا متعلقين بالضدّين الدائميين فهما داخلان في باب التعارض وخارجان عن‏باب التزاحم وإن كان بينهما ثالث.
الرابعة: إن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم مترتب على ترك الأهم‏ومشروط به، وعلى هذا فالرافع للأمر بالمهم هو الاتيان بالأهم وعدم امتثال‏أمره لا جعله ولا وصوله ولا تنجّزه ولا فعليته وإلاّ فلايتصور الترتب بينهما وهوفعلية كلا الأمرين معاً في زمن واحد مترتباً.
الخامسة: إن هناك قولين في المسألة:
الأول: إن الترتب مستحيل.
الثاني: إنه ممكن وغير مستحيل.
السادسة: إن القائل بالاستحالة قد استدل عليها بوجوه:
الأول: إن معنى الترتب هو فعلية كلا الأمرين المتعلقين بالضدّين هما الأمرالمترتب والأمر المترتب عليه، ولا معنى لفعلية الأمر إلاّ كونه محركاً نحو الاتيان‏بمتعلقه، ومن الواضح أن محركية كلا الأمرين نحو الاتيان بمتعلقيهما من طلب‏الضدّين وهو محال، وقد اُجيب عن ذلك بأن المحال هو طلب الجمع بين الضدّين،وفعلية الأمرين بالضدّين بنحو الترتب لاتستلزم ذلك، لأن اقتضاء الأمر بالمهم‏الاتيان بمتعلقه إنما هو في فرض عدم الاتيان بالأهم لا مطلقاً لكي يلزم طلب‏الجمع بين الضدّين بل هو في طرف النقيض معه، وهذا الجواب وإن كان يدفع‏محذور طلب الجمع بين الضدّين إلا أنه لايدفع محذور الممانعة بين الأمرين مطلقاً.
الثاني: إن الأمر بالمهم وإن لم يكن مانعاً عن الأمر بالأهم ولكن الأمر بالأهم‏مانع عنه، وهذا يكفي في استحالة الترتب، واُجيب عن ذلك بنفس الجواب‏المتقدم.
الثالث: إن القائل بالترتب لايمكن أن يلتزم بلازمه وهو تعدد العقاب لأنه من‏العقاب على مالايقدر، وقد اُجيب عن ذلك بأن العقاب إنما هو على الترك، وكلاالتركين مقدور هما ترك الأهم ثم ترك المهمّ، وهذا الجواب مبني على أن ملاك‏استحقاق العقاب تمكن المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف، ولكن‏الصحيح أن ملاك استحقاق تفويت الملاك الذي هو حقيقة الحكم كما تقدم.
السابعة: إن المحقق النائيني‏قدس سره قد حاول لاثبات إمكان القول بالترتب بتقديم‏عدة مقدمات عمدتها مقدمتان:
الاُولى: إن الأمر بالمهم بما أنه مشروط بعدم الاتيان بالأهم، فلايمكن وقوع‏الأهم والمهم معاً على صفة المطلوبية في الخارج على فرض وقوعهما فيه بفرض‏المحال، فلهذا لايلزم من فعلية الأمرين بهما بنحو الترتب معاً في زمن واحد طلب‏الجمع بينهما.
وفيه إن هذه المقدمة وإن كانت تدفع مانعية الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم، إلاّأنها لاتتضمن دفع صلاحية مانعية الأمر بالأهم من الأمر بالمهم.
الثانية: إن الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم لا في عرضه لتقع المزاحمة بينهما.
وفيه، إن مجرد كون الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم لايكفي لدفع محذورالمزاحمة والممانعة بينهما، لأن الأمر بالمهم وإن لم يكن مانعاً عن الأمربالأهم، باعتبار أنه في طوله رتبة إلا أن الأمر بالأهم يصلح أن يكون مانعاً عنه‏وهو يكفي لاستحالة القول بالترتب، هذا اضافة إلى أن ملاك استحالة اجتماع‏الضدّين إنما هو المعيّة الزمانية لا الرتبيّة.
الثامنة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد استدل على امكان القول بالترتب بوجوه:
الأول: بالوجدان وأنه أصدق شاهد على إمكانه، وفيه إن مسألة الترتب من‏المسائل النظرية المعقّدة وليست من المسائل الوجدانيّة.
الثاني: وقوع الترتب في الأوامر العرفية والشرعية، وفيه إن تلك الأوامر وإن‏كانت واضحة الدلالة على وقوع الترتب إلا أنها إنما تكون دليلاً وبرهاناً للقائلين‏بامكانه، فإن لهم الزام الخصم بها، وأما الخصم وهو القائل بالاستحالة فلابد أن‏يقوم بتوجيه تلك الأوامر ورفع اليد عن ظواهرها، فإنها مهما كانت لاتقاوم‏برهان استحالة طلب الضدّين.
الثالث: إنه‏قدس سره قد ذكر عدة مقدمات:
الاُولى: إن الترتب إنما يمكن بين أمرين متعلقين بالضدّين إذا لم يكن أحدهماأو كلاهما آنياً وإلا فلايعقل.
الثانية: إن الترتب إذا كان بين الواجبين التدريجيين كالصلاة والازالة، كان‏وجوب المهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً وبقاءً بنحو الشرطالمتأخر، ولكن هذه المقدمة غير صحيحة، لا من جهة أن الأمر بالمهم مشروطبعصيان الأمر بالأهم حدوثاً وبقاءً، بل من جهة ان اشتراطه بعصيانه بقاء ليس‏بنحو الشرط المتأخر على تفصيل تقدم، وما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن‏الشرط إنما هو العصيان المتعقّب، بحاجة إلى دليل بل الشرط واقع العصيان أي‏ترك الأهم لامفهومه المنتزع، ومع هذا يكون بنحو الشرط المقارن.
التاسعة: إن ما يتوهم من أن الترتب مبني على القول بإمكان الشرط المتأخرلا أصل له كما تقدم.
العاشرة: إن إطلاق الأمر بالنسبة إلى حالتي وجود متعلقه وعدم وجوده‏ضروري، بناءً على أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضادّ أو الإيجاب‏والسّلب، فإن استحالة أحد الطرفين تستلزم ضرورة الطرف الآخر، وأما بناءًعلى أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، فاستحالة التقييد تستلزم استحالةالاطلاق، ولايمكن الاطلاق والتقييد على هذا القول لا بالدليل الأول ولا بنتيجةالاطلاق والتقييد باعتبار أن المحل غير قابل لذلك.
الحادية عشر: إن الأمر بالمهم حيث إنه قد أخذ في موضوعه عصيان الأمربالأهم، فلايكون ناظراً إليه لا وجوداً ولا عدماً كما هو الحال في كل قضيّةحقيقية، وعلى هذا فالأمر بالمهم يدل على وجوب الاتيان، بمتعلقه على تقديرعصيان الأمر بالأهم وتركه في الخارج ولا يقتضي تركه حتى ينافي الأمر بالأهم،وفيه ما تقدم من أن هذا الوجه كسابقه، فلا يدفع محذور صلاحية مانعية الأمربالأهم عن الأمر بالمهم.
الثانية عشر: إن الأمر بالمهم متأخر عن ترك الأهم رتبة، وحيث إنه في مرتبةفعله فهو متأخر عنه كذلك، وعليه فاقتضائه لفعل المهم متأخر عن اقتضائه لفعل‏الأهم رتبة، فإذن لا مزاحمة ولاممانعة بينهما في الاقتضاء.
وفيه، أولاً: إنه لاملاك لتأخر الأهم بالمهمّ عن فعل الأهم رتبة بعدما كان‏معاصراً له زماناً، وكذلك لاملاك لتأخر اقتضائه فعل المهم عن اقتضائه فعل‏الأهم بعدما كانا معاصرين زماناً، لأن اقتضائه لايكون معلقاً على عدم اقتضائه‏حتى يكون متأخراً عنه رتبة.
وثانياً: إنه لا أثر للطولية الرتبية، فإن ملاك استحالة اجتماع الضدّين إنما هوالمعيّة الزمانية لا الرتبية.
وثالثاً: إن التضاد والتنافي بين الأمرين بما هما اعتبار يكون بالعرض ومنشأه‏التضادّ والتنافي بين متعلقيهما وهو لايمكن علاجه بتعدد الرتبة.
الثالثة عشر: قد يقال كما قيل إن التربت مبني على أن الأمر بالأهم لايكون في‏رتبة الأمر بالمهم، باعتبار أن عصيان الأمر بالأهم كما أنه علّة لوجود الأمر بالمهم‏كذلك علة لسقوط الأمر بالأهم، فإذن يكون الأمر بالمهم في مرتبة لا أمر بالأهم‏فيها، وفيه، أولاً: إن العصيان لايوجب سقوط الأمر، وثانياً: إن تعدد المرتبةلايدفع محذور غائلة اجتماع الضدّين طالما يكونا في زمن واحد.
مسألة العقاب على القول بالترتب ...
الرابعة عشر: إن أساس إمكان القول بالترتب مبني على عدم المضادّةوالممانعة بين الأمر بالمهمّ والأمر بالأهم من كلا الجانبين، فكما إن الأمر بالمهم‏لايكون مانعاً عن الأمر بالأهم فكذلك الأمر بالأهم لايكون مانعاً عنه، أماالأول فظاهر وأما الثاني فلأنه وإن كان يقتضي المنع عن وجود موضوع الأمربالمهم وما يقتضيه على أساس اقتضاء كل أمر الاتيان بمتعلقه والمنع عن تركه إلاّأنه لايمنع عن ترتب الأمر بالمهم على تركه إذا تحقق في الخارج، لأنه من ترتب‏الحكم على موضوعه وهو كترتب المعلول على العلة التامّة فلايعقل المنع عنه‏لأنه خلف، ولهذا يستحيل إتصاف الأمر بالأهم بالمانعيّة، لأن المانع هو ما يمنع‏عن تأثير المقتضي وفعليّة فاعليته، فإذا كانت فاعليته فعليّة وأثره موجوداً،فمعناه إنه لا مانع في البين، ففرض وجود المانع فرض عدم فعلية فاعليته وعدم‏وجود أثره وهذا خلف.
الخامسة عشر: إنه لافرق في القول بإمكان الترتب بين أن يكون من جانب‏واحد أو من الجانبين كما إذا كان التزاحم بين الخطابين المتساويين، لأن ما ذكرناه‏من استحالة إتصاف كل من الأمر بالأهم والأمر بالمهمّ بالمانعية عن الآخر ينطبق‏تماماً على الأمرين المتزاحمين المتساويين هذا. وأما ما قيل من إستحالة الترتب‏من الجانبين وإن قلنا بإمكانه من جانب واحد لاستلزامه الدور، فقد مرّ انه لاأساس له كما أن ما قيل من إمكانه من الجانبين وإن قلنا باستحالته من جانب‏واحد لا أصل له.
مسألة العقاب على القول بالترتب‏
في المسألة ثلاث نظريات:
الاُولى‏: إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلّف من الامتثال والاتيان‏بالواجب، وفي هذه الحالة إذا خالف وترك الامتثال والاتيان بالواجب عامداًملتفتاً استحق العقاب، وعلى ضوء هذه النظرية لايستحق المكلف في مواردوقوع التزاحم بين الواجبين إذا خالف وترك الاتيان بكلا الواجبين معاً إلاّ عقاباًواحداً، على أساس إنه لايتمكن إلا من الاتيان بأحدهما دون الآخر، فإذن‏لايكون في هذه الموارد إلاّ تكليف واحد، ومن هنا استشكل على القول بالترتب‏بأنه يستلزم العقاب على أمر خارج عن القدرة، فإن القائل بالترتب إن التزم‏بتعدّد العقاب عند ترك الأهم والمهم معاً طولاً لزم العقاب على أمر غير اختياري‏وهو قبيح، وإن التزم بوحدة العقاب لزم عدم استحقاق العقاب على ترك واجب‏فعلي منجز متعمّداً، فهذا الاشكال على أساس هذه النظرية وارد.
الثانية: إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من التخلّص عن مخالفةالتكليف، سواءً كان بالامتثال أم كان برفع موضوعه، مثلاً إذا وقعت المزاحمةبين وجوب الصلاة في آخر الوقت ووجوب الازالة، فإن قام المكلّف بالاتيان‏بالصلاة، فقد تخلص نفسه عن مخالفة وجوبها بالامتثال وعن مخالفة وجوب‏الازالة برفع موضوعه، على أساس أن وجوبه مشروط بعدم الاتيان بالصلاة،فإذا أتى بها انتفى وجوبها بانتفاء شرطه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون أحدهماأهم من الآخر أو مساوياً له، وأما إذا لم يقم بامتثال شي‏ء منهما بان ترك كلاالواجبين معاً باختياره عامداً ملتفتاً، فقد استحق عقابين على أساس أن بامكانه‏التخلص من مخالفة كلا الواجبين كذلك بالاتيان بالأهم إن كان وإلاّ فبأحدهماولكنه لم يفعل باختياره، وقد اختار هذه النظرية السيد الاُستاذقدس سره(26).
الثالثة: إن ملاك استحقاق العقاب أن يكون التخلص من تفويت الملاك‏الملزم مقدوراً للمكلف، وعلى هذا فإذا لم يفعل وفات، استحق العقاب على‏تفويته، وهذه النظرية تختلف عن النظرية الاُولى‏ بالعموم المطلق وكذلك عن‏النظرية الثانية، وسوف نشير إلى نقاط الاختلاف.
وبعد ذلك نقول إن الظاهر من هذه النظريات، النظرية الثالثة وذلك لوجهين:
الأول: إن المكلف إذا أحرز في مورد وجود ملاك ملزم في فعل من غير طريق‏الخطاب الشرعي لم يجز له تفويته، وإذا فوت استحق العقاب عليه على أساس‏أنه حقيقة التكليف وروحه والداعي إلى جعله واعتباره وإلاّ فلا قيمة للاعتباربما هو.
الثاني: إن الحكم المجعول لشي‏ء من دون وجود ملاك ملزم فيه كالوجوب‏الغيري أو الحرمة الغيريّة فلا أثر له، ولهذا لا تكون مخالفته سبباً للعقاب ولاموافقته سبباً للثواب لأنه بلا روح، وعلى هذا فالواجبان المتزاحمان إن كانامشروطين بالقدرة العقلية التي هي غير دخيلة في الملاك، كان فوت أحد الملاكين‏من المكلف قهرياً ولا يكون باختياره، بداهة أنه لا يقدر على استيفاء كلاالملاكين معاً وإنما يقدر على استيفاء أحدهما فقط، وعليه فإذا ترك المكلف كلاالواجبين معاً لم يستحق إلاّ عقاباً واحداً، لأنه لم يفوت إلاّ ملاكاً واحداً، وأماالملاك الآخر فهو فائت عليه قهراً ولايكون مستنداً إلى اختياره.
وبكملة، إن كان هناك خطاب واحد متعلقاً بالجامع بينهما ويكون المكلف‏مخيراً في تطبيقه على هذا أو ذاك، فلا اشكال في أنه لايستحق عند تركه إلا عقاباًواحداً باعتبار أنه ليس هنا إلا ملاكاً واحداً قائماً بالجامع، ولكن هذا الفرض‏خارج عن محل الكلام، فإن محل الكلام إنما هو في الخطابين المتعلّقين بالضدّين‏كالصلاة والازالة المشروطين بالقدرة عقلاً، فلهذا يكون اطلاق خطاب كل منهمامقيّداً لباً بعدم الاشتغال بالآخر إذا كانا متساويين وإلاّ فخصوص خطاب المهم‏دون الأهم، وأما ملاكهما فهو مطلق سواءً كانا متساويين أم كان أحدهما أهم من‏الآخر.
ونتيجة ذلك، إن الاشتغال بأحدهما يكون رافعاً للخطاب بالآخر لا ملاكه‏كما إنّ الاشتغال بالأهم يكون رافعاً للخطاب بالمهم لا ملاكه، وعلى هذا فإذااشتغل المكلف بالأهم فهو بالنسبة إليه يكون امتثالاً وبالنسبة إلى المهمّ يكون‏رافعاً لوجوبه بارتفاع موضوعه دون ملاكه، لفرض إنه مطلق وغير مقيد بعدم‏الاشتغال بالأهم، نعم هو فات عنه قهراً وبغير اختياره، مثلاً إذا وقعت المزاحمةبين وجوب الصلاة في آخر الوقت ووجوب الازالة، وحيث إن وجوب الصلاةأهم من وجوب الازالة، فيكون وجوب الازالة مقيداً لباً بعدم الاشتغال‏بالصلاة دون ملاكها فإنه مطلق، وحينئذٍ فإن صلّى المكلف فقد امتثل أمرهاواستوفى‏ ملاكها، وأما ملاك الازالة فهو فائت عنه قهراً وبغير اختياره، وأماوجوبها فقد ارتفع بارتفاع موضوعه لا أنه فات عنه، وأما إذا ترك الصلاة وأتى‏بالازالة فهو وإن امتثل أمرها واستوفى‏ ملاكها إلا أنه استحق العقاب على تفويت‏ملاك الصلاة الأهمّ، باعتبار أنه كان موظفاً بالاتيان بالصلاة تعييناً لمكان أنهاالأهم، فإذا خالف وترك الاتيان بها فقد استحق العقاب على تفويت ملاكهاسواءً أكان آتياً بالازالة أم لا، غاية الأمر إن كان آتياً بها كان مستوفياً لملاكهاوممتثلاً لأمرها وإلاّ فلا.
وأما إذا ترك المكلف الاتيان بكلتيهما معاً.
فعلى ضوء النظرية الثانية يتعدد العقاب بتعدد ترك الواجب باختياره، حيث‏إن بإمكانه التخلص من مخالفة التكليف في المقام نهائياً بالإتيان بالأهم، ولكن بماأنه لم يقم بذلك وترك كلا الواجبين الطوليين معاً باختياره عامداً ملتفتاً استحق‏عقابين، واما على ضوء النظرية الثالثة، فحيث إن منشأ استحقاق العقاب تمكن‏المكلف من التخلص عن تفويت الملاك وعدم كفاية مجرد مخالفة التكليف بدون‏أن تستلزم تفويت الملاك، فلا يستحق عند تركه كلا الواجبين معاً إلاّ عقاباًواحداً، لأنه لم يفوّت باختياره إلاّ ملاكاً واحداً، وأما الملاك الآخر فقد فات عنه‏قهراً وبغير اختياره، حيث إنه ليس بإمكانه التخلص من تفويت كلا الملاكين‏معاً، بينما كان بإمكانه التخلص من مخالفة كلا الوجوبين كذلك، وهذا نتيجةاختلافهما في الاطلاق والاشتراط.
والخلاصة: إن في هذا الفرض يكون الترتب بين الوجوبين فحسب، فإن‏وجوب المهم مقيّد بعدم الاشتغال بالأهم ووجوب كل منهما مقيد بعدم الاشتغال‏بالآخر إذا كانا متساويين، وأما ملاك كل منهما فهو مطلق حتى ملاك المهم، فإنه‏لا يكون مقيداً بعدم الاشتغال بالأهم، فإذن لاترتب بين ملاك الأهم وملاك‏المهم بل هما في عرض واحد وكلاهما مطلق وفعلي، وعلى هذا فعلى‏ ضوءالنظرية الثانية يستحق على ترك كلا الواجبين معاً عقابين، عقاباً على ترك الأهم‏وعقاباً على ترك المهم باعتبار أن كلا التركين يكون باختياره، حيث إن بإمكانه‏التخلص من مخالفة كليهما معاً ولكنه لم يفعل، وعلى ضوء النظرية الثالثةلايستحق على تركهما إلاّ عقاباً واحداً، لأنه لم يفوت إلاّ ملاكاً واحداً، وأماالملاك الآخر فهو فائت عليه قهراً، حيث إنه ليس بإمكانه التخلص من تفويت‏كلا الملاكين معاً وإنما كان بإمكانه التخلص من تفويت ملاك واحد، فإذا لم يفعل‏عوقب عليه، هذا هو نقطة الفرق بين النظرية الثانية والنظرية الثالثة، وعلى هذافلا فرق بين النظرية الاُولى‏ والنظرية الثالثة في النتيجة، وأما إذا كان الواجب‏المهم مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهم حكماً وملاكاً، فنتيجة ذلك إن هناك‏وجوباً مطلقاً إعتباراً وملاكاً وهو وجوب الأهم ووجوباً مشروطاً كذلك وهووجوب المهم، وإذا كان الواجبان المتزاحمان متساويين، كان هناك وجوبان‏مشروطان اعتباراً وملاكاً.
وعلى هذا فبإمكان المكلف التخلص من تفويت كلا الملاكين المشروطين‏بالاتيان باحدهما إذا كانا متساويين وبالأهم إذا لم يكونا كذلك، لأنه إذا أتى‏باحدهما في الفرض الأول فقد استوفى‏ ملاكه بالاتيان به، وأما ملاك الآخر فقدانتفى بانتفاء موضوعه لا بالتفويت القهري، وإذا أتى‏ بالأهم في الفرض الثاني فقداستوفى‏ ملاكه بالاتيان به، وأما ملاك المهم فقد انتفى‏ بانتفاء موضوعه لابالتفويت قهراً، وعليه فإذا ترك الأهم عامداً ملتفتاً فقد فوت ملاكه باختياره،وحينئذٍ يتحقق وجوب المهم اعتباراً وملاكاً بتحقق موضوعه وبإمكانه استيفاءملاكه بالاتيان به، ومع هذا إذا تركه عامداً عالماً فقد فوت ملاكه أيضاًباختياره، فإذن يكون فوت كلا الملاكين مستنداً إلى اختياره، حيث إن بإمكانه‏التخلص من تفويت كلا الملاكين معاً وبذلك يستحق عقابين، وفي هذا الفرض لافرق في النتيجة بين النظرية الثانية والنظرية الثالثة في مسألة العقاب، نعم فرق‏بينهما وبين النظرية الاُولى‏ في المسألة، وإن شئت قلت: إن ملاك الواجب المهم إذاكان مطلقاً وغير مشروط بعدم الاشتغال بالأهم، فليس بإمكان المكلف‏التخلص من تفويت كلا الملاكين المطلقين معاً، فلهذا لايستحق عند ترك كلاالواجبين إلا عقاباً واحداً لأنه لم يفوت باختياره إلا ملاكاً واحداً، وأما الملاك‏الآخر فهو فائت عليه قهراً وبغير اختياره، بينما إذا كان مشروطاً به، يستحق‏عقابين عند تركها باعتبار أن بإمكانه التخلص من تفويت كلا الملاكين بالاتيان‏بأحدهما.
فروع ...
فروع‏
الفرع الأول: ما إذا وقع التزاحم بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر،كما إذا نذر شخص زيارة الإمام الحسين‏عليه السلام يوم عرفة ثم استطاع للحج، فهل‏يجب تقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج أو بالعكس؟ فيه قولان:
فذهب جماعة إلى القول الأول منهم السيد صاحب العروةقدس سره(27) بدعوى‏ أن‏وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية بينما وجوب الوفاء بالنذر مشروطبالقدرة العقلية وهو يتقدم في مقام المزاحمة على المشروط بالقدرة الشرعية،ولكن هذه الدعوى‏ مدفوعة، فإن وجوب الحج وإن كان مشروطاً بالقدرةالشرعية بمقتضى‏ الآية الشريفة والروايات، إلاّ أن المراد منها القدرة التكوينية في‏مقابل العجز التكويني الاضطراري، وليس المراد منها عدم المانع الأعم من‏التكويني والتشريعي، هذا إضافة إلى أن وجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرةالشرعية بمعنى‏ عدم المانع المولوي لا بمعنى‏ القدرة التكوينية، وسوف نشير إليه‏هذا. والصحيح هو القول الثاني لوجوه:
الوجه الأول: إنه لا شبهة في أن وجوب الحج أهمّ ملاكاً من وجوب الوفاءبالنذر، وتدل على ذلك ما ورد من التأكيد والاهتمام بوجوب الحج(28) وإنه من‏أحد أركان الدين(29)، ومن هنا قد وصف تاركه في الكتاب العزيز بالكفر(30) وفي‏الروايات بأنه إما أن يموت يهودياً أو نصرانياً(31)، ومن مجموع هذه الروايات‏باختلاف ألسنتها يستكشف أهمية وجوب الحج في الشريعة المقدسة، وعندئذٍفلابد من تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر لمكان أهمية ملاكه حتى‏وإن قلنا فرضاً أن وجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة العقلية التي هي غيردخيلة في الملاك، وذلك لأن وجوب الحج وإن كان مشروطاً بالاستطاعةبمقتضى‏ الآية الشريفة والروايات، إلا أن الظاهر منها عرفاً القدرة التكوينية في‏مقابل العجز التكويني الاضطراري، وعلى هذا فهي محفوظة في حال وجوب‏الوفاء بالنذر وأنه لايكون رافعاً لها، فإذن وجوب الج خطاباً وملاكاً محفوظ في‏هذه الحالة، وأما بلحاظ الروايات فقد فسرت الاستطاعة فيها بالزاد والراحلةوأمن الطريق(32)، وعلى هذا فوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق دخيل في‏وجوب الحج خطاباً وملاكاً، وعندئذٍ فإذا وقع التزاحم بينه وبين وجوب الوفاءبالنذر كان ملاك كلا الوجوبين فعلياً على هذا الفرض، والمكلف لايتمكن من‏استيفاء كلا الملاكين معاً، لأنه إن قام باستيفاء أحدهما عجز عن استيفاء الآخر،ولكن حيث إن ملاك وجوب الحج أهمّ من ملاك وجوب الوفاء بالنذر، فلابدمن تقديمه عليه تطبيقاً لقاعدة تقديم الأهمّ على المهم في باب التزاحم، هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنه على أساس نكتة عامة وهي أن كل خطاب شرعي‏مقيّد لباً بعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، فيكون كل من‏خطاب الحج وخطاب الوفاء بالنذر مقيد لباً بعدم الاشتغال بضد واجب لايقل‏عنه في الأهمية، ولكن حيث إن خطاب الحج أهم من خطاب الوفاء بالنذر ملاكاًفهو لايكون مقيداً بعدم الاشتغال به، باعتبار أنه أقل منه في الأهمية، وأماخطاب الوفاء بالنذر فهو مقيد بعدم الاشتغال بالحج ومع الاشتغال به ينتفي‏بانتفاء موضوعه، نعم لو فرضنا أن وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعيةالمساوقة لعدم المانع التكويني والتشريعي، فعندئذٍ يتقدم عليه وجوب الوفاءبالنذر بل كل واجب يكون مشروطاً بالقدرة العقلية أو الشرعية في مقابل العجزالتكويني، ولكنه مجرد فرض لا واقع له.
الوجه الثاني: إن مجموعة من أدلة الوفاء بالشرط كقوله‏عليه السلام: »شرط اللَّه‏قبل شرطكم«(33)، »المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً خالف كتاب اللَّه«ونحوهما(34)، تنص على أن وجوب الوفاء بالشروط كالنذر والعهد والشرطونحوها مقيّد بأن لايكون مخالفاً لشرط اللَّه في المرتبة السابقة، ومن الواضح أن‏المراد من شرط اللَّه هو أحكامه تعالى‏ المجعولة في الشريعة المقدّسة بالكتاب‏والسنة وهي الأحكام الأولية التي لاترتبط بشروط الناس وعهودهم، وعلى‏هذا فنفس ثبوت هذه الأحكام في الشريعة المقدسة كافية في رفع وجوب الوفاءبالشروط كالنذور ونحوها برفع موضوعها، باعتبار أن وجوب الوفاء بها مقيدبأن لايكون شرط اللَّه قبلها ولاتكون مخالفة له، وعلى ضوء ذلك فثبوت وجوب‏الحج بثبوت الاستطاعة حيث إنه من شرط اللَّه فهو رافع لوجوب الوفاء بالنذربارتفاع موضوعه، باعتبار أنه مجعول مقيداً بأن لايكون مخالفاً لحكم شرعي‏مولوي في المرتبة السابقة، والمفروض أن وجوب الحج ثابت في المرتبة السابقة،فإذن يكون شرط اللَّه قبل شرطكم، وعلى هذا فلايمكن اثبات وجوب الوفاءبالنذر بالترتب أيضاً، لفرض أنه يرتفع بصرف ثبوت وجوب الحج في الشريعةالمقدسة تطبيقاً لقوله‏عليه السلام: »شرط اللَّه قبل شرطكم«. بمعنى أنه غير مجعول في‏هذا الفرض حق يعقل ثبوته بالترتب. ومن هنا يظهر أنا لو سلمنا أن وجوب‏الحج مشروط بالقدرة الشرعية المساوقة لعدم المانع التكويني والتشريعي، فمع‏هذا لايمكن جعل وجوب الوفاء بالنذر على خلافه، باعتبار أن جعله منوط بأن‏لايكون وجوب الحج مجعولاً في الشريعة المقدسة في المرتبة السابقة، فإذا كان‏مجعولاً في الكتاب والسنة كذلك، فلايمكن جعل وجوب الوفاء بالنذر على‏خلافه، ولافرق في ذلك بين أن يكون وجوب الحج مشروطاً بالقدرة الشرعيةالمساوقة لعدم العجز التكويني الاضطراري أو مشروطاً بها بمعنى‏ عدم المانع‏المولوي، فالميزان إنما هو بثبوته في الشريعة المقدسة، فإذا كان ثابتاً فيها بقطع‏النظر عن وجوب الوفاء بالشروط فهو مانع عن جعله، على أثر ما عرفت من‏أن جعله منوط بعدم ثبوته، وعلى هذا فثبوت وجوب الحج فعلي ومطلق‏وثبوت وجوب الوفاء بالشرط لولائي ومعلق على عدم ثبوته، ومن الواضح أن‏الثبوت اللولائي المعلّق لايعقل أن يكون مزاحماً للثبوت الفعلي المطلق، وإلاّ لزم‏خلف فرض كونه لولائياً ومعلقاً، وهذا معنى أن شرط اللَّه قبل شرطكم وهوالميزان في عدم وجوب الوفاء بالشرط إذا كان مخالفاً لشرط اللَّه وكتابه تعالى‏.
والخلاصة، إن وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو الشرط الذي هو حكم‏ثانوي منوط بأن لايكون مخالفاً لحكم إلهي ثابت في المرتبة السابقة وإلاّ فلاثبوت له، وعلى‏ هذا فلايمكن جعله في مورد يكون وجوب الحج ثابتاً فيه بقطع‏النظر عنه، ولا فرق في ذلك بين أن يكون النذر مقدماً على وجوب الحج أومقارناً معه أو متأخراً فإن المناط إنما هو بزمان الوفاء، فإنه في هذا الزمان إذا كان‏مزاحماً لوجوب الحج فيستكشف إنه غير مجعول من الأول.
الوجه الثالث: إن وجوب الوفاء بالنذر في يوم عرفة لو قدم على وجوب‏الحج، كان بإمكان كل فرد التخلّص من وجوب الحج عليه بذلك، وهذا خلاف‏الضرورة الفقهية ولايمكن الالتزام به.
الفرع الثاني: إذا وقع التزاحم بين وجوب الوضوء ووجوب واجب آخرأهم منه، كما إذا كان عند المكلف ماء ودار أمره بين صرفه في انقاذ نفس محترمةوصرفه في الوضوء، على أساس أنه لايكفي إلاّ لأحدهما، ففي مثل ذلك ذكرالمحقق النائيني‏قدس سره(35) إن وظيفته التيمّم وتعين صرف الماء في إنقاذ نفس محترمةوعدم صحة الوضوء به حتى على القول بإمكان الترتب، وقد أفاد في وجه ذلك‏أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعيّة، فلايصلح أن يزاحم واجب آخرلأنه يرتفع به بارتفاع موضوعه، فلهذا لايتصور ثبوته عند عدم الاشتغال‏بالواجب الآخر، وغير خفي أن ما أفاده‏قدس سره في المقام مورد للمناقشة من جهات:
الاُولى‏: إنه يمكن تصحيح الوضوء في المقام بالترتب بلحاظ أمره النفسي‏الاستحبابي باعتبار أنه غير مشروط بالقدرة الشرعيّة، وإنما المشروط بها هوالأمر الغيري، وعلى هذا فلا مانع من إثبات الأمر الاستحبابي بالوضوء على‏القول بالترتب عند عصيان المكلّف وعدم صرف الماء في واجب آخر وهو انقاذنفس محترمة.
والحاصل، إن الأمر الاستحبابي المتعلق به مطلق وحيث إنه مشروط بالقدرةالعقليّة، فلا يرتفع عند المزاحمة مع واجب آخر الأهم بارتفاع موضوعه، غايةالأمر أنه مقيد بعدم الاشتغال به لباً، فإذا اشتغل به ارتفع بارتفاع موضوعه.
الثانية: إن كون وجوب الوضوء مشروطاً بالقدرة الشرعية بحاجة إلى دليل.
ويمكن تقريب ذلك الدليل بأحد وجهين:
الأول: إن نفس جعل التيمم بدلاً عن الوضوء دليل على أنه مشروط بالقدرةالشرعية، وذلك لأن كل واجب في الشريعة المقدسة إذا كان له بدل فقد أخذ في‏لسان دليل وجوب البدل عدم القدرة على المبدل، فإن المكلف طالما يكون قادراًعلى المبدل لايصل الدور إلى البدل، وإذا عجز عنه انتقلت وظيفته إلى البدل، لأن‏فرض بدليّة شي‏ء لآخر فرض تقييد وجوبه بعدم القدرة على الآخر )المبدل(وهو مساوق لتقييد وجوب المبدل بالقدرة، على أساس أن مقتضى البدلية بين‏شيئين هو أن وجوب البدل إذا كان مشروطاً بعدم القدرة على المبدل فلا محالةيكون وجوب المبدل مشروطاً بالقدرة عليه، إذ لو كان مطلقاً فمعناه أن وجوب‏البدل ليس مشروطاً بعدم القدرة على المبدل وهذا خلف، مثلاً وجوب التيمم‏مشروط بعدم التمكن من الوضوء، وعليه فبطبيعة الحال يكون وجوب الوضوءمشروطاً بنقيضه وهو التمكن وإلاّ لزم خلف فرض كونه بدلاً له.
وإن شئت قلت: إن قضية البدلية هي أن وجوب البدل إذا كان مشروطاًبشي‏ء تحكم بأن وجوب المبدل مشروط بنقيض ما هو وجوب البدل مشروطبه، وحيث إن وجوب البدل في المقام مشروط بعدم القدرة على المبدل فلا محالةيكون وجوب المبدل مشروطاً بالقدرة، فإذا كان مشروطاً بها، كانت القدرةظاهرة في التأسيس، ودخلها في الملاك وحملها على التأكيد لحكم العقل وأنها قيدللخطاب فقط خلاف الظاهر، فإن حالها حال سائر القيود المأخوذة في لسان‏الدليل في مرحلة الجعل، فكما أنها ظاهرة في أنها قيد للحكم والملاك معاً،فكذلك القدرة في المقام، وهذا هو معنى أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية في مقابل القدرة العقلية.
وللمناقشة في هذا التقريب مجال، وذلك لأن القدرة إذا كانت مأخوذة في‏لسان الدليل مباشرة، كانت ظاهرة في التأسيس ودخلها في الملاك، لأن حالهاحينئذٍ حال سائر القيود المأخوذة في لسان الدليل مباشرة، وأما إذا لم تكن‏مأخوذة فيه كذلك ولكن استظهرنا أخذها في موضوع الحكم بقرينة خارجية،فلاتكون ظاهرة فيه، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن عدم القدرة على المبدل‏قد اُخذ في لسان دليل وجوب البدل مباشرة، وأمّا القدرة فهي غير مأخوذة في‏لسان دليل وجوب المبدل كذلك، وإنما استظهرنا أخذها في موضوع وجوبه من‏القرينة الخارجية وهي أنه لايمكن اجتماع وجوب البدل والمبدل معاً على المكلف‏في عرض واحد، لأنه خلف فرض البدلية والطولية بينهما، وعلى هذا فحيث إن‏تقييد وجوب المبدل بالقدرة ليس بالدلالة المطابقية للدليل اللفظي، بل من جهةالقرينة الخارجية وبمثابة التقييد اللبّي، فلاظهور لأدلة البدلية في أن القدرةالمأخوذة في موضوع وجوب المبدل دخيلة في الملاك، لأن النكتة التي توجب‏هذا الظهور غير متوفرة فيها وهي كونها مأخوذة في لسان الدليل مباشرة.
وبكلمة، إن المولى‏ إذا أخذ القدرة في لسان الدليل مباشرة، فهي تدل على أن‏تصدي المولى‏ لذلك مع ضرورة حكم العقل بقبح تكليف العاجز الذي هو بمثابةالقرينة المتّصلة بالخطاب إنما هو بنكتة زائدة على ما هو المنكشف في نفسه بحكم‏العقل وهي دخلها في الملاك، وأما إذا لم‏تكن مأخوذة في لسان الدليل مباشرةوإنما استظهر اعتبارها في وجوب المبدل بقرينة خارجية فلا ظهور لها في‏التأسيس، فإذن لاتكشف أكثر مما هو منكشف بحكم العقل فتكون تأكيداً لاتأسيساً.
وعلى هذا الأساس فلا مانع من القول بأن عدم القدرة على المبدل المأخوذ في‏لسان دليل وجوب البدل مباشرة دخيل في ملاكه على أساس ظهوره فيه، وأماالقدرة المأخوذة في موضوع وجوب المبدل فلاتكون دخيلة في ملاكه وإنما هي‏دخيلة في وجوبه فقط، فيكون ملاك وجوب المبدل مطلقاً دون ملاك وجوب‏البدل، فإنه مقيد بعدم القدرة على المبدل ولا مانع من الالتزام بذلك.
الوجه الثاني: قوله تعالى: »فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً طَيِّباً«.
وتقريب الاستدلال بالآية الشريفة يتوقف على تمامية أمرين:
الأول: إن الآية الشريفة تدل على التفصيل بين الوضوء والتيمّم بتقييدوجوب التيمم بعدم وجدان الماء، ويفهم من ذلك بقرينة كون التفصيل بينهماقاطعاً للشركة أن موضوع وجوب الوضوء وجدان الماء.
الثاني: إن المراد من الوجدان ليس هو الوجود الخارجي للماء بل المراد منه‏الأعمّ منه ومن التمكن عن استعماله في الوضوء والغسل، ويؤكد ذلك ذكر المريض‏في الآية المباركة، فإن الغالب وجود الماء عنده ولكنه لايتمكن من استعماله‏خوفاً من ضرره.
والجواب: عن ذلك قد ظهر مما تقدّم بتقريب، إن المأخوذ في لسان دليل‏وجوب البدل عدم وجدان الماء مباشرة في الآية الشريفة، وأما وجدان الماء فهوغير مأخوذ في لسان دليل وجوب المبدل كذلك في الآية، وإنما استظهرنا ذلك من‏التفصيل بينهما القاطع للشركة، وعليه فيكون تقييد موضوع وجوب الوضوءبوجدان الماء إنما هو بسبب قرينة خارجية لا بدلالة مطابقية، فإذن لاظهورللآية الشريفة في أن قيد الوجدان قيد تأسيسي ودخيل في الملاك، لأن إناطةالحكم صريحاً بالقدرة في لسان الدليل مباشرة في مرحلة الجعل كما في آية الحج‏ونحوها، توجب ظهور القدرة في أنها قيد تأسيسي ودخيل في اتصاف الفعل‏بالملاك في مرحلة المبادي كما هو الحال في سائر القيود المأخوذة في لسان الدليل‏كذلك في هذه المرحلة، لا في مثل المقام الذي ورد في الآية الشريفة قيد عدم‏الوجدان في لسانها في مقام الجعل مباشرة لتأسيس حكم البدل، ولكن بقرينةأن التفصيل قاطع للشركة، فالوجدان الذي هو نقيضه مأخوذ في موضوع حكم‏المبدل، ولذلك لايكون ظاهراً في التأسيس ودخله في الملاك، ولايلزم من عدم‏دخل الوجدان في ملاك الحكم أن يكون دليل البدل تأكيداً، ضرورة أنه لاملازمة بين الأمرين، إذ لامانع ثبوتاً من كون عدم الوجدان المأخوذ في لسان‏دليل البدل مباشرة دخيلاً في ملاكه، والوجدان غير دخيل في ملاك المبدل‏وظاهر الآية الشريفة ذلك في مقام الاثبات.
وبكلمة واضحة، إنه لاشبهة في أن متعلق التكليف مقيّد بالمقدور سواءً أكان‏الكاشف عن ذلك التقييد العقل من باب قبح تكليف العاجز أم كان باقتضاءنفس الخطاب، غاية الأمر إن قيد القدرة غير مأخوذ في لسان الدليل مباشرة في‏مرحلة الجعل بمعنى عدم اناطة الحكم بها صراحة في هذه المرحلة، ومن هنايكون التقييد لبياً لا لفظياً، ومع هذا إذا أخذ المولى‏ القدرة في لسان الدليل‏مباشرة وأناط الحكم بها صراحة في مقام الجعل، فهو يدل على أن هناك عنايةزائدة على ما هو منكشف بالعقل أو بالخطاب، وإلا لكانت هذه الاناطة لغواًوجزافاً وهو لايمكن، وهذه العناية الزائدة هي دخل القدرة في الملاك في مرحلةالمبادي‏ء، بينما إذا كان التقييد لبياً لا لفظياً كما في آية الوضوء، فلا يدل على هذه‏العناية الزائدة، لأن الدلالة عليها كما عرفت منوطة بتصدي المولى‏ بنفسه لأخذالقدرة في لسان الدليل مباشرة لا مطلقاً.
ودعوى‏، إن الوجدان المأخوذ في موضوع وجوب الوضوء معنوياً بقرينةخارجية إن كان مساوقاً للقدرة العقلية فالأمر كذلك، وإن كان غير مساوق لهاكما هو كذلك، لأنه أعم منها ومن القدرة الشرعية بمعنى عدم المانع المولوي،وعلى هذا فلايمكن حمله على التأكيد لحكم العقل، لأن العقل لايحكم بتقييدالتكليف به وإنما يحكم بتقييده بالقدرة العقلية فقط لا بالأعم منها ومن القدرةالشرعية بمعنى‏ عدم‏المانع المولوي، فإذن لابد من حمله على التأسيس.
مدفوعة، أولاً: إن المراد من الوجدان ليس الأعم من القدرة العقلية والقدرةالشرعية بمعنى عدم المانع المولوي، وإلاّ فلازمه ارتفاع وجوب الوضوء بمجرّدثبوت وجوب واجب آخر بارتفاع موضوعه، باعتبار أن ثبوته على هذا مقيّدبعدم ثبوته، ولا يعقل فيه الترتب حينئذٍ، لأن معنى الترتب فعلية كلا الأمرين في‏زمن واحد مترتباً، والفرض إن وجوب الوضوء عندئذٍ معلق على عدم ثبوت‏الأمر بالخلاف ومع ثبوته ينتفي بانتفاء موضوعه، بل المراد منه القدرة التكوينيةالأعم من العقلية والعرفية، ولهذا لامانع من الالتزام بالترتب فيه في مواردمزاحمته مع واجب آخر الأهمّ أو المساوي وتمام الكلام في محلّه.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن المراد منه أعمّ من القدرة الشرعيةبمعنى عدم المانع المولوي، ولكن حينئذٍ وإن كان لايمكن حمله على التأكيدوالارشاد إلى حكم العقل، إلا أن ذلك لايلازم كونه تأسيساً، لأن كونه كذلك‏بحاجة إلى نكتة وهي غير متوفرة فيه وهو ظهور القيد في التأسيس ودخله في‏الملاك ولا موجب لهذا الظهور في المقام، لأن الموجب له عناية المولى‏ في أخذه في‏لسان الدليل مباشرة، وهذه العناية غير متوفرة فيه، فالنتيجة أن الآية الشريفةتدل على أن قيد عدم الوجدان دخيل في وجوب البدل حكماً وملاكاً، ولا تدل‏على أن الوجدان دخيل في ملاك وجوب الوضوء، ولا مانع من هذا التفصيل في‏الآية الشريفة، وقرينية التفصيل والمقابلة بينهما لاتدل على أكثر من أن الوجدان‏قيد لوجوب الوضوء، وأما أنه قيد لاتّصافه بالملاك في مرحلة المبادي بحيث‏ينتفي الاتصاف بانتفائه فلا تدل عليه.
الثالثة: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية إلا أنها على أقسام:
الأول: القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الطاري‏ء بلا اختيار.
الثاني: القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني وإن كان بالاختيار.
الثالث: القدرة المساوقة لعدم المانع الأعمّ من التكويني والتشريعي.
ومن الواضح أن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى‏الثالث كما عرفت، وإلاّ فلا يعقل فيه الأمر الترتّبي، وأما اشتراطه بالقدرةالشرعية بالمعنى‏ الأول أو الثاني لايمنع من الالتزام بالأمر الترتّبي فيه، أما على‏الأول فواضح، وأما على الثاني فلان المكلف إن اشتغل بالواجب الأهمّ انتفى‏وجوب الوضوء اعتباراً وملاكاً، وأما إذا لم يشتغل به فلا مانع من الالتزام‏بوجوبه والحكم بصحّته على القول بالترتب، إلى هنا قد تبين إن ما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره من بطلان الوضوء فيما إذا كان مزاحماً مع واجب أهمّ معللاً بأنه‏مشروط بالقدرة الشرعية لايتم.
الفرع الثالث: ما إذا توقف الوضوء على مقدمة محرمة، كما إذا كان الماء في‏الاناء المغصوب وتوقّف الوضوء على أخذ الماء منه، فعندئذٍ يقع التزاحم بين‏وجوب الوضوء وحرمة التصرّف فيه، وعليه فإن توضأ به ارتماساً فلا شبهة في‏بطلان الوضوء، ولايمكن تصحيحه بالترتب أيضاً باعتبار أن الوضوء في نفسه‏حرام ومصداق للتصرف في مال الغير، ومن الطبيعي أن الحرام لايمكن أن يقع‏مصداقاً للواجب، وأما إذا توضّأ به ترتيباً، فإن كان بعد تفريغ الماء من الاناءالمغصوب إلى إناء آخر مباح وتوضأ منه فلا شبهة في صحة الوضوء، فإنه بعدعملية التفريغ قد سقطت الحرمة بسقوط موضوعها، وحينئذٍ فيكون المكلف‏واجداً للماء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً فتكون وظيفته الوضوء، ولكن‏هذه الصورة خارجة عن محل الكلام، فإذن محل الكلام في المقام هو أن يتوضأمن الاناء المغصوب باغتراف الماء منه شيئاً فشيئاً وغرفة غرفة بأن يأخذ من‏الاناء كفاً من الماء فيغسل به وجهه ثم كفا ثانياً فيغسل به يده اليمنى ثم كفا ثالثاًفيغسل به يده اليسرى‏ ثم يمسح رأسه ورجليه هذا، وهل يمكن الحكم بصحة هذاالوضوء على القول بالترتب؟ فيه قولان:
فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى القول الثاني(36) بتقريب، إن وجوب الوضوء لماكان مشروطاً بالقدرة الشرعية، فلا يصلح أن يزاحم أي حكم آخر من وجوب‏أو حرمة، لأن ثبوته معلق على عدم ثبوت المانع المولوي ومع ثبوته ينتفي بانتفاءموضوعه فلايعقل الأمر الترتبي فيه، هذا كله في صورة انحصار الماء في الاناءالمغصوب، وأما في صورة عدم الانحصار كما إذا كانت هناك مندوحة، فلا مانع‏من الحكم بصحة الوضوء منه، باعتبار أن الأمر به فعلي في هذه الصورة فيصح‏الاتيان به بداعي أمره الفعلي وإن ارتكب محرماً في تصرفه في الاناء المغصوب‏هذا.
الصحيح هو القول الأول، أمّا أولاً: فلانه يكفي في اثبات الأمر الترتبي‏بالوضوء اطلاق الأمر الاستحبابي في مقام المزاحمة، ولا تتوقف صحّته على‏اثبات الأمر الوجوبي به ترتباً.
وثانياً: ما تقدم من أنه لا دليل على أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية، لأن أدلة البدلية بينه وبين التيمّم لاتقتضي ذلك ولا الآية الشريفة كمامرّ.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية، ولكن من الواضح أنه ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية بمعنى عدم‏المانع المولوي، وذلك لأن المأخوذ في لسان الدليل، إن كان عنوان القدرةوالاستطاعة، كان المتفاهم العرفي منه القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني‏الاضطراري، وإن كان الوارد في لسان الدليل عنوان عدم الاشتغال بواجب‏آخر، كان المتبادر منه القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الأعمّ من‏الاضطراري والاختياري، حيث إن معنى ذلك أن عدم الاشتغال بواجب آخراختياراً دخيل فيه حكماً وملاكاً ومع الاشتغال به ينتفي بانتفاء موضوعه، وإن‏كان الوارد في لسان الدليل عدم المانع المولوي على الخلاف، كان المتفاهم منه‏عرفاً ان وجوبه خطاباً وملاكاً مقيد بعدم وجود المانع المولوي ومع وجوده فلاوجوب له لا خطاباً ولا ملاكاً.
ومن الواضح أن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة بالمعنى الثالث، لماتقدّم من أنه خلاف الضرورة الفقهية، واما اشتراط وجوبه بالقدرة الشرعيةبالمعنى الأول أو الثاني فهو لايمنع من الالتزام بصحة الوضوء على القول بالترتب‏كما مرّ تفصيله، ومن هنا تبيّن أن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من الحكم ببطلان‏الوضوء في صورة الانحصار في المقام مبني على أن وجوبه مشروط بالقدرةالشرعية بالمعنى‏ الثالث وهو كماترى هذا.
وأما السيد الاُستاذقدس سره(37) فقد ذكر أن هذه النظرية وهي بطلان الوضوء في‏صورة الانحصار نظرية خاطئة ولا مجال لها، بناء على ما حققناه من إمكان‏الشرط المتأخر وأنه لا مناص من الالتزام به في الواجبات المركبة من الاجزاءالطولية من ناحية، وإمكان القول بالترتب من ناحية اُخرى، وكون القدرة التي‏هي شرط للتكليف هي القدرة في طرف العمل والامتثال من ناحية ثالثة، ومن‏الواضح أن نتيجة هذه المباني صحة الوضوء في المقام، بتقريب أن القدرة تتجددعند الاتيان بكل جزء من أجزائه بالعصيان وارتكاب المحرم وهو أخذ الماء من‏الأواني المغصوبة غرفة غرفة شيئاً فشيئاً إلى أن يفرغ من الوضوء، فوجوب‏غسل الوجه الضمني مترتب على أخذ الماء منها بمقداره عصياناً ومشروطبوجوب الجزء الأخير الضمني بنحو الشرط المتأخر، كما أن القدرة على الجزءالأول وهو غسل الوجه مشروط بالقدرة على الجزء الأخير كذلك، وحيث ان‏المكلف يعلم بعصيانه ثانياً وثالثاً إلى أن يتمّ الوضوء فيعلم بأنه قادر عليه، لأن‏قدرته تتجدد بتجدد العصيان عند كل جزء، وعندئذٍ فلا مانع من الالتزام بثبوت‏الأمر به مترتباً على عصيانه كذلك، بناءً على ما هو الصحيح من إمكان الترتب‏وأن وجود القدرة في ظرف الاتيان بالأجزاء اللاحقة شرط لوجوب الأجزاءالسابقة بنحو الشرط المتأخر.
وعلى الجملة فالوجوب المتعلق بالوضوء المركب من الأجزاء الطوليةوجوب ارتباطي، لأن تعلقه بكل جزء من أجزائه مربوط بتعلقه بسائرالأجزاء، وهذا الوجوب مشروط بالقدرة عليه من البداية إلى النهاية، فالقدرةعلى الجزء الأخير شرط لوجوب الجزء الأول وهكذا بنحو الشرط المتأخر،ولايلزم أن تكون القدرة فعلية من الأول، بل يكفي حدوثها في ظرف الاتيان‏بكل جزء، وقد ذكرقدس سره للمسألة نظيرين:
الأول: إذا كان عند المكلف ماء قليل لايكفي إلا لغسل الوجه فحسب، ولكنه‏يعلم بسبب من الأسباب أنه إذا صرفه في غسل وجهه تمكن من غسل يديه إمابنزول المطر أو بخروج الماء من الأرض شيئاً فشيئاً، ففي مثل ذلك لا شبهة في‏وجوب الوضوء عليه باعتبار أنه قادر عليه عقلاً وشرعاً، وقد مرّ كفاية تجدّدالقدرة عند كل جزء من أجزائه، ولايعتبر أن تكون القدرة فعلية من الأول على‏ضوء المباني المتقدّمة.
الثاني: إذا كان عند المكلف ثلج يذوب شيئاً فشيئاً وليس عنده إناء لكي‏يجمع ماؤه فيه، ففي مثل ذلك كان يتمكن من الوضوء بأخذ الماء منه غرفة غرفةإلى أن يتم وضوئه ولا يجوز له التيمّم، وقد تقدّم أنه لا فرق في وجوب الوضوءبين تمكنه منه بكامل أجزائه فعلاً وبين تجدّده عند كل جزء.
ولنا تعليق على ما أفاده‏قدس سره من النقاط:
الاُولى‏: ما ذكره‏قدس سره من عدم الفرق بين المقام وهو الوضوء في صورةالانحصار وبين المثالين المذكورين.
الثانية: إنه‏قدس سره قد بنى‏ صحة الوضوء في هذه الصورة على جواز الشرطالمتأخّر.
الثالثة: إشتراط وجوب الوضوء بالقدرة الشرعية.
الرابعة: كفاية حدوث القدرة في ظرف الاتيان بكل جزء من اجزاء الواجب‏الطولية كالوضوء والصلاة ونحوهما.
أما التعليق على النقطة الاُولى‏، فلأن ما ذكره من عدم الفرق بين المقام وبين‏المثالين فهو في غير محله وذلك للفرق بينهما، بيان ذلك هو أن وجوب الوضوء في‏المثالين بمعنى‏ الاعتبار فعلي، وأما فعلية فاعليته فهي منوطة بفعلية موضوعهاوهو التمكن من الوضوء بكامل أجزائه عقلاً وشرعاً، والمفروض أن المكلف‏متمكن من الوضوء بتمام أجزائه أي من البداية إلى النهاية بدون أيّ مانع عقلي‏ولا شرعي، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الماء الكافي للوضوء كاملاً موجوداًعنده وبين أن يوجد تدريجاً حسب تدريجية اجزائه، ضرورة أن هذه الجهة غيردخيلة في تمكن المكلف من الوضوء بجميع أجزائه، لأن تمكنه منه لامحالة يكون‏طولياً حسب أجزائه الطولية وليس بإمكانه الاتيان به دفعة واحدة، وقد تقدم‏أن فعلية فاعلية وجوبه من البداية إلى النهاية مشروطة بتمكن المكلف وقدرته‏عليه كذلك، فهناك فاعلية موحدة طولية مشروطة بالقدرة الموحدة الطوليةبنحو الشرط المقارن، لا أن القدرة على الجزء اللاحق شرط لوجوب الجزءالسابق، لوضوح أن وجوب الأجزاء وجوب واحد وفاعليته لكل جزء إنما هي‏بفاعليته للكل وإلاّ لزم الخلف، كما أن تأثير القدرة في كل جزء إنما هي بتأثيرالقدرة في الكل، بمعنى‏ أن شرطيتها لفاعليته لكل جزء إنما هي بشرطيتهالفاعليته للكل لا بالاستقلال وإلاّ لزم خلف فرض كونه جزءً، وإن شئت قلت:إن وجوب الوضوء بما هو إعتبار ثابت في مرحلة الجعل لايمكن أن يكون‏تدريجياً بل هو آني، فإن التدرج إنما هو في فعلية فاعليته حسب تدرّج قدرةالمكلف على الأجزاء التدريجية للوضوء، وحيث إن للوجوب الذي له روح‏فاعلية موحدة في الخارج، على أساس أن فاعليته لكل جزء إنما هي بفاعليته‏للكل وشرطية القدرة لفاعليته لكل جزء إنما هي بشرطيتها لفاعليته للكل،فمعنى‏ ذلك إن شرطية القدرة لفاعليته للكل تكون بنحو الشرط المقارن،والمفروض أن نسبة فاعليته للكل إلى جميع الأجزاء الطولية نسبة واحدة. وهذابخلاف المقام، فإن المكلف فيه لايتمكن من الوضوء بتمام أجزائه شرعاً وإن كان‏متمكناً منه كذلك عقلاً وهذا هو الفارق بينهما، ومن هنا تكون صحة الوضوء في‏المقام مشروطة بأمرين:
الأول: القول بإمكان الترتب.
الثاني: أن لا يكون وجوب الوضوء مشروطاً بعدم المنافي المولوي، وإلاّ فلايمكن الحكم بصحته كما عرفت، بينما تكون صحّته في المثالين على القاعدة.
وأما النقطة الثانية فيرد عليها ما حققناه في محلّه من استحالة الشرط المتأخربالنسبة إلى اتّصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي الذي هو روح الحكم‏وحقيقته، بإعتبار إن هذا الاتصاف أمر تكويني فيستحيل أن يؤثر المتأخر فيه‏تكويناً لاستلزامه أحد محذورين: أما تأخير المتقدم أو تأثير المعدوم وكلاهمامحال.
وأما النقطة الثالثة، فيرد عليها أن الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعيةبل هو مشروط بالقدرة الأعمّ من القدرة العقلية والعرفية، لما عرفت من أن الآيةالشريفة وروايات البدليّة لا تدلا على ذلك، ومع الاغماض عن هذا وتسليم أن‏وجوبه مشروط بالقدرة الشرعية فهو مشروط بالقدرة التكوينية في مقابل‏العجز التكويني، وعندئذٍ فلا مانع من الحكم بصحة الوضوء بالأمر الترتبي، وقدتقدم تفصيل كل ذلك، وأما لوكان مشروطاً بالقدرة الشرعية بمعنى عدم المانع‏المولوي كما يظهر ذلك من بعض كلمات السيد الاُستاذقدس سره، فقد تقدم أنه لايعقل‏إثبات الأمر الترتبي له، لأن ثبوت وجوبه منوط ومقيد بعدم المانع المولوي، ومع‏وجوده ينتفي وجوبه بانتفاء موضوعه ولا يعقل ثبوته ولو ترتباً، لأن معنى‏الترتب فعلية كلا الأمرين معاً عند عصيان الأهمّ وهي غير معقولة في المقام.
وبكملة، إن عدم المانع المولوي إذا كان مأخوذاً في لسان دليل وجوب‏الوضوء، كان ظاهراً في أن ثبوته مانع عن ثبوت وجوب الوضوء، باعتبار أنه‏معلق على عدم ثبوته ومع ثبوته ينتفي بانتفاء موضوعه.
ودعوى‏، إنه يكفي في صحة الوضوء عدم المانع في ظرف الاتيان به،والمفروض إنه لامانع في ظرف الاتيان بكل جزء من أجزائه، فإن المانع إنما هواغتراف الماء من الاناء المغصوب وبعد الاغتراف فلا مانع من غسل الوجه ولاغسل اليدين بعده وهكذا، وهذا هو مقتضى كفاية القدرة التدريجية حسب‏تدريجية أجزاء الوضوء وتجدّدها عند الاتيان بكل جزء.
مدفوعة، بأن المانع عن صحته إنما هو ثبوت المنافى حدوثاً. على أساس إن‏وجوب الوضوء معلق على عدم ثبوته ومع ثبوته فلا وجوب له حتى يمكن‏الحكم بصحته بالوجوب الترتبي، وأما عدم وجود المنافي الخاص عند الاتيان‏بكل جزء فهو لايكفي بعدما كانت أجزائه ارتباطية ومحكومة بوجوب واحد ولاوجود لوجوب كل جزء إلا بوجود وجوب الكل ولا داعويّة له إلاّ بداعويّته‏وهكذا، فإذا كان لوجوب الكل مانع مولوي فهو غير ثابت، وإلاّ لزم ثبوت‏وجوب الوضوء مع ثبوت مانعه وهذا خلف، ومع عدم الوجوب للكل كيف‏يعقل ثبوته للجزء، بداهة أنه لايتصور ثبوته للأجزاء إلاّ بثبوته للكل، حيث لاوجود له إلا بوجوده له وإلا لزم كون وجوب الجزء مستقلاً وهذا خلف.
والخلاصة، إن وجوب الوضوء في المقام منوط بعدم ثبوت حرمة التصرّف في‏الاناء المغصوب ومع ثبوتها فلا وجود له، وإلاّ لزم الجمع بين ثبوت المانع‏والممنوع معاً وهو كما ترى‏، والمفروض إن معنى الترتب هو فعلية كلا الأمرين‏معاً في زمن واحد، فإذن كيف يعقل فعلية الأمر بالوضوء مع فعلية حرمةالتصرّف، فإن معنى ذلك أن الأمر به فعلي مع فعلية مانعه، فإذا لم يكن أمربالوضوء فكيف نتصور الأوامر الضمنية لاجزائه مع أنه لا وجود لها إلابوجوده.
وأما النقطة الرابعة، فهي تامة إذا كان وجوب الوضوء أو ما شاكله مشروطاًبالقدرة العقلية أو بالقدرة الشرعية بالمعنى‏ الأول والثاني، ولكنها غير تامّة إذاكان مشروطاً بالقدرة الشرعية، بمعنى‏ عدم المنافي المولوي كما عرفت، وأماماذكره‏قدس سره من أن القدرة معتبرة في ظرف الامتثال بحكم العقل، فهو ليس بمعنى‏أن الحاكم باعتبارها العقل وإن التكليف المجعول من قبل الشارع مطلق كما يظهرمن مطاوي بعض كلماته‏قدس سره، بل بمعنى‏ أن القدرة قيد للتكليف لباً والكاشف عنه‏العقل لا أن العقل جاعل، وهذا معناه أن العقل يكشف عن أن الشارع جعل‏التكليف للمكلف القادر في ظرف الامتثال فهي من شروط فعلية فاعليةالتكليف ودخيلة فيها، لأن العقل لايكشف أكثر من ذلك ولايكشف أنها دخيلةفي اتصاف الفعل بالملاك أيضاً في مرحلة المبادي، وبذلك تفترق الشروط اللبّيةعن الشروط المأخوذة في لسان الدليل شرعاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهاتين النتيجتين:
الاُولى‏: إن عنوان القدرة والاستطاعة إن كان مأخوذاً في لسان الدليل‏مباشرة من قبل المولى‏ فهو ظاهر في التأسيس كالآية الشريفة ونحوها، على‏أساس أن تصدي المولى‏ لابرازه بنحو المباشر مع أنه مبرز ومنكشف بحكم العقل‏بملاك قبح تكليف العاجز أو باقتضاء نفس الخطاب، يدل على نكتة زائدة على‏ذلك، وتلك النكتة هي التي دعت المولى‏ إلى هذا التصدي والعناية وهي دخله في‏الملاك في مرحلة المبادي أيضاً، باعتبار أن العقل لايحكم بأكثر من تقييدالتكليف به دون الملاك وكذلك الخطاب، وأما إذا لم يكن هذا العنوان وارداً في‏لسان الدليل مباشرة من قبل المولى‏ وإنما استظهر ذلك بقرينة خارجية بدون‏تصدي المولى‏ ذلك، فلايكون ظاهراً في التأسيس ودخله في الملاك، بل هوتأكيد لحكم العقل فلايكون قيداً شرعياً، لأن الكاشف عنه في مقام الاثبات إن‏كان العقل فهو عقلي وإن كان الشرع فهو شرعي وإلا فالتقييد في مقام الثبوت‏على كل تقدير فهو مولوي، فلا يعقل أن يكون التقييد فيه عقلياً، لوضوح أن‏سعة الحكم الشرعي وضيقه بيد الشارع وليس للعقل طريق إلى دخل شي‏ء في‏الحكم الشرعي أو عدم دخله فيه، غاية الأمر إن الكاشف عنه في مقام الاثبات‏قد يكون الشرع وقد يكون العقل.
الثانية: إن التزاحم إن كان بين واجبين كالصلاة والازالة مثلاً، فإذا كان‏أحدهما أهمّ من الآخر كان وجوب المهم مشروطاً بترك الآخر، وإذا كانامتساويين كان وجوب كل منهما مشروطاً بترك الآخر، فعلى الأول إذا ترك‏الأهم كالصلاة مثلاً كان كلا الأمرين فعلياً، وعلى الثاني إذا ترك كليهما كان كلاالأمرين فعلياً، فعلى القول بالترتب لاتنافي بينهما، وأما إذا كان التزاحم بين‏واجب وحرام وكان الحرام أهم من الواجب أو المساوي له، كان وجوبه‏مشروطاً بعصيان الحرام، فطالما يكون المكلف تاركاً للحرام فلا وجوب له لعدم‏تحقق شرطه، وأما إذا بدأ في ارتكاب الحرام تحقق الوجوب، وحينئذٍ فإن كان‏الحرام آنياً بأن يرتفع بارتفاع موضوعه بصرف ارتكابه فلا ترتب، لأن‏الوجوب ثابت في زمان ارتفاع الحرمة بارتفاع موضوعها، وإن كان الحرام‏تدريجياً كما في المقام، فعندئذٍ إن كان وجوب الوضوء مشروطاً بعدم المنافي‏المولوي، فلايمكن تصحيح الوضوء بالأمر الترتّبي، لما عرفت من أنه لايمكن‏تحققه فعلاً مع وجود النهي عن التصرّف في الأواني المغصوبة، لفرض أنه مانع‏عنه، فلايعقل فعليته مع فعليّة النهي، وإن كان مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى‏الأول أو الثاني، فلا مانع من الحكم بصحة الوضوء بالأمر الترتبي، والنكتة في‏ذلك إن وجوب الوضوء في هذين الفرضين مطلق في مرحلة الجعل، وأما في‏مرحلة الامتثال ففعلية فاعليته مقيّدة بالعصيان ومشروطة به بنحو الشرطالمقارن، لا أنها في الآن الأول مشروطة بالعصيان في الآن اللاحق بنحو الشرطالمتأخر، بل هي مستمرة باستمراره ومتدرّجة بتدرجه، فالشرط هو العصيان‏الموحد الطولي والمشروط هو فعلية فاعليته كذلك، باعتبار إن فاعليته لكل‏جزء إنما هي بفاعليته للكل لا مستقلة وإلاّ لزم الخلف، وهذا هو الفارق بين كون‏وجوب الوضوء مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول أو الثاني وبين كونه‏مشروطاً بها بالمعنى الثالث وهو عدم المنافي المولوي، ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏السيد الاُستاذقدس سره من صحة الوضوء بالترتب لاينسجم مع ما هو ظاهر كلامه‏قدس سره‏في المسألة من أن الأمر بالوضوء مشروط بعدم المنافي المولوي، وأن النهي عن‏التصرف فيه مانع عن الأمر به، ومعه لايمكن الحكم بصحة الوضوء بالترتب،نعم يمكن الحكم بصحّته بالترتب حينئذٍ بلحاظ الأمر الاستحبابي فحسب.
الفرع الرابع: صحة التمام في موضع القصر مطلقاً للجاهل بالحكم وإن كان‏مقصراً وصحة القصر في موضع التمام في مورد واحد وهو المسافر الذي نوى‏إقامة عشرة أيام في بلد وصلّى فيه قصراً جاهلاً بوجوب التمام عليه، وصحةالجهر في موضع الاخفات وبالعكس للجاهل به أو الناسي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إن المعروف والمشهور بين الأصحاب هو أن الجاهل‏بالحكم في هاتين المسألتين إذا كان عن تقصير يستحق العقوبة على ترك القصرأو الجهر، على الرغم من أن ما أتى به من الصلاة تماماً أو اخفاتاً صحيح وواف‏بتمام ملاك الصلاة الفائتة في الواقع، فإذن يقع الكلام في الجمع بين هذين الأمرين‏هما الحكم بصحة التمام في موضع القصر وعدم وجوب الاعادة وإن انكشف‏الحال في الوقت، واستحقاق العقوبة على ترك القصر إذا كان جهله عن تقصير،فإنه كيف يمكن الجمع بينهما رغم أن التمام واف بتمام ملاك القصر وعدم تفويت‏شي‏ء منه، أو فقل إن معنى صحة الصلاة تماماً في موضع القصر وعدم وجوب‏إعادتها حتى في الوقت إذا انكشف الخلاف فيه وارتفع الجهل أنها وافية بتمام‏مصلحة القصر، ومعنى استحقاقه العقوبة على ترك الصلاة قصراً إذا كان جاهلاًمقصراً، إنه قد فاتت مصلحتها عنه فلهذا يستحق العقوبة على تركها، لوضوح‏أنه لايعقل العقاب من الحكيم بلا موجب وجزافاً، ولهذا حاول الأصحاب‏لعلاج هذه المشكلة بعدة محاولات:
الاُولى: ما ذكره الشيخ كاشف الغطاء الكبيرقدس سره(38) من الالتزام بالترتب،بتقريب إن الأمر بالصلاة تماماً في موضع القصر مترتب على عصيان الأمربالصلاة قصراً وعدم الاشتغال بها، كما أن الأمر بالصلاة جهراً في موضع‏الاخفات مترتب على الصلاة اخفاتاً وبالعكس، وعلى هذا فلا مانع من الجمع‏بين الأمرين، فإن صحة الصلاة تماماً أو جهراً إنما هي على أساس الأمر الترتبي‏وموضوعه عصيان الأمر بالصلاة قصراً أو اخفاتاً، ولهذا يستحق العقوبة على‏تركها كما هو الحال في تمام موارد الترتب بين الأهم والمهم، فإن الواجب المهم‏صحيح بالترتب، ولكن يستحق العقوبة على ترك الأهم وعصيان أمره هذا.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاري‏قدس سره(39) بأن الترتب في المقام غير معقول‏واكتفى بهذا القدر بدون أن يبين وجه عدم معقوليته.
وقد علق عليه المحقق النائيني‏قدس سره(40) بأن كلامه هنا مناقض لكلامه في مبحث‏التعادل والترجيح، فإنه‏قدس سره قد صرّح هناك بالترتب على القول بالسببية في‏حجيّة الامارات وتبعه في هذا التعليق السيد الاُستاذقدس سره(41) هذا.
ولكن الظاهر أنه لا مناقضة بين كلامه‏قدس سره هنا وكلامه هناك لأمرين:
الأول: إن انكاره‏قدس سره الترتب هنا إنما هو في مرحلة الجعل، وأما التزامه‏قدس سره‏بالترتب هناك فإنما هو في مرحلة الفعلية والامتثال ولا ملازمة بين الأمرين، إذيمكن القول بالترتب في مرحلة الامتثال ولايمكن القول به في مرحلة الجعل.
الثاني: إن كلامه هناك ليس ناصاً في التزامه بالترتب، لأنه‏قدس سره قد قال هناك‏إن التكليف حيث كان مشروطاً بالقدرة في ظرف الامتثال فلازمه التخيير بين‏الواجبين المتزاحمين، باعتبار إن كلاً منهما مشروط بالقدرة في ظرف الامتثال‏ولايكون مشروطاً بعدم الاشتغال بالآخر، وهذا منه‏قدس سره دليل على أن ما ذكره‏هناك ليس مبنياً على الترتب، بل من جهة أن المكلف إذا لم يكن قادراً على‏امتثال كليهما معاً وقادراً على امتثال أحدهما لا بعينه، استقل العقل بوجوب‏الاتيان به تخييراً وهذا ليس بملاك الترتب، باعتبار أنه ليس هناك إلا تكليف‏واحد موجه إليه وهو التكليف بأحدهما، بينما القول بالترتب يستلزم ثبوت‏تكليفين فعليين مترتبين موجهين إليه كذلك، ولهذا يكون مبنياً على تقييدخطاب المهم بعدم الاشتغال بالأهم لباً وتقييد خطاب كل منهما بعدم الاشتغال‏بالآخر إذا كانا متساويين، والمفروض إنه‏قدس سره قد نفى‏ هذا التقييد الشرعي وإنما أقرّبالتقييد بالقدرة عقلاً، وحيث إن للمكلف في المقام قدرة واحدة، فبطبيعة الحال‏يكون الموجه إليه تكليف واحد، ولهذا لايكون من باب الترتب، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إن المحقق النائيني‏قدس سره(42) قد أورد على ما ذكره كاشف‏الغطاءقدس سره من الترتب في المقام بوجوه:
الأول : إنه يعتبر في الترتب أن يكون التضاد بين الفعلين المتزاحمين اتفاقياًكالتضاد بين الصلاة والازالة وبين التصرف في مال الغير وانقاذ الغريق أوالحريق، وأما إذا كان التضاد بينهما دائمياً، فلا يعقل فيه الترتب وإن كان لهماثالث، والمفروض إن التضاد بين القصر والتمام والجهر والاخفات دائمي، فإذن‏لايمكن الالتزام بالترتب بينهما في المقام، ولابد حينئذٍ من أن يعامل معهما معاملةالمتعارضين.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره(43) بتقريب، إن اعتبار كون التضاد بين‏متعلقي الخطابين المتزاحمين إتفاقياً إنما هو في الترتب بينهما في مرحلة الامتثال،فإنه لايعقل في هذه المرحلة إلا أن يكون التضاد بينهما إتفاقياً، وأما إذا كان‏الترتب بينهما في مرحلة الجعل، فلا تعتبر الاتفاقية في التضاد بينهما، بل لا مانع‏منه وإن كان التضاد بينهما دائمياً شريطة أن يكون لهما ثالث، وغرض الشيخ‏الكبير كاشف الغطاءقدس سره من الترتب في هذه المسألة إنما هو الترتب بين خطابي‏القصر والتمام والجهر والاخفات في مرحلة الجعل، وعلى هذا فما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره من إعتبار كون التضاد بين الأمرين المتزاحمين إتفاقياً إنما هو في‏الترتب بينهما في مرحلة الامتثال فيكون أجنبياً عما ذكره كاشف الغطاءقدس سره،وكيف كان فلا مانع من الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل بين الضدّين الدائميين‏شريطة أن يكون لهما ثالث كما في المقام، وعلى هذا فلا مانع من جعل وجوب‏الصلاة تماماً مترتباً على ترك القصر للمسافر الجاهل بوجوبه لا مطلقاً، وكذلك‏الحال في مسألة الجهر والاخفات، ولايلزم من ذلك أي محذور كطلب الجمع بين‏الضدّين أو التمانع بين الأمرين في الاقتضاء، لأنه إنما يلزم إذا كان جعل الوجوب‏لكل منهما بنحو الاطلاق لا بنحو الترتب والتقييد بحال الجهل هذا.
ثم إنه‏قدس سره قد ذكر إن الترتب بين الخطابين في مرحلة الجعل يختلف عن الترتب‏في مرحلة الامتثال بأمرين:
الأول: إن المأخوذ في موضوع الخطاب المترتب في مرحلة الجعل ترك متعلق‏الخطاب المترتب عليه في حال الجهل المكلف به لا مطلقاً، بينما يكون موضوعه‏في مرحلة الامتثال تركه في حال العلم به.
الثاني: إن الترتب في مقام الجعل بحاجة إلى دليل دون الترتب في مرحلةالامتثال، فإن إمكانه مساوق لوقوعه في الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إنه‏قدس سره قد ذكر إن ما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس سره‏صحيح ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فقد مر إنه لا مانع من أن يكون وجوب التمام‏مجعولاً على المسافر الجاهل بوجوب القصر مترتب على تركه في هذه‏الحالة، وكذلك وجوب الجهر مجعولاً على الجاهل بوجوب الاخفات مترتباً على‏تركه كذلك وبالعكس، وأما إثباتاً فلأن النصوص الدالة على صحة التمام موضع‏القصر وصحة الجهر موضع الاخفات وبالعكس دليل عليه، فالنتيجة، إن ماأفاده الشيخ الكبير في المسألتين هو الصحيح هذا، وللنظر فيما أفاده السيدالاُستاذقدس سره مجال.
أما ما ذكره‏قدس سره من أن المعتبر في الترتب بين الخطابين في مرحلة الامتثال أن‏يكون التضاد بين متعلقيهما إتفاقياً فهو صحيح، وأما ما ذكره‏قدس سره من أن مسألتي‏وجوب التمام موضع القصر ووجوب الاخفات موضع الجهر وبالعكس، مبنيّتان‏على الترتب فهو غير تام.
توضيح ذلك يتطلّب بيان نقطتين:
الاُولى‏: إن وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشبهات‏الحكمية ليس من باب الترتب وكذلك وجوب الاخفات على المكلف الجاهل‏بوجوب الجهر وبالعكس.
الثانية: إن المعتبر في التزاحم بين الخطابين أن يكون التضاد بين متعلقيهماإتفاقياً، ولو كان دائمياً كان بينهما تعارض في مرحلة الجعل.
أما الكلام في النقطة الاُولى‏، فيقع تارة بلحاظ مقام الثبوت واُخرى بلحاظمقام الاثبات، أما الكلام في الأول فلا مانع من الالتزام بأن وجوب القصر على‏المسافر مشروط بالعلم به، وأما إذا كان جاهلاً به فوظيفته التمام بمقتضى‏ الأدلةالأولية والخارج عن اطلاقها المسافر العالم بوجوب القصر لا مطلقاً يعني حصةخاصة من المسافر وهو المسافر الذي قرأت عليه آية التقصير(44)، ولا محذور في‏الالتزام بذلك ثبوتاً، لما ذكرناه في غير مورد من أنه لامانع من أخذ العلم بالحكم‏في مرتبة في موضوع نفسه في مرتبة اُخرى‏، بأن يؤخذ العلم به في مرتبة الجعل في‏موضوع نفسه في مرتبة المجعول وهي مرتبة الفعلية بدون أن يستلزم ذلك أي‏محذور كالدور أو نحوه، فإن المحذور إنما يلزم فيما إذا اخذ العلم بالحكم في موضوع‏نفسه في مرتبة واحدة، وعلى هذا ففي المقام لامانع من أن يؤخذ العلم بوجوب‏القصر في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، بمعنى أن المسافر إذاعلم بوجوب القصر عليه في الشريعة المقدسة صار وجوبه فعلياً في حقّه أي‏فاعليته ومحركيته نحو الاتيان بالقصر، ولا مانع من الالتزام بذلك ثبوتاً ولامحذور فيه كما مرّ.
وأما في مقام الاثبات، فأدلة الباب غير قاصرة عن الدلالة على ذلك كالآيةالشريفة والروايات(45)، فإن مقتضى الآية الشريفة إن وجوب القصر على‏المسافر يدور مدار قراءة آية التقصير عليه وعدم قراءتها، ومن الواضح أن‏قراءتها عليه كناية عن العلم بوجوب القصر وعدم قراءتها كناية عن الجهل به‏ولا يمكن حملها على الترتب لأنه خلاف الظاهر، فإن الظاهر منها إن وجوب‏القصر مشروط بالعلم به ووجوب التمام مشروط بالجهل بوجوب القصر لا أنه‏مشروط بتركه، فلهذا لايمكن حملها على الترتب لأنه بحاجة إلى قرينة ولا قرينةعليه لا في نفس هذه الأدلة ولا من الخارج، ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيدالاُستاذقدس سره في المقام من أن المأخوذ في موضوع وجوب التمام على المسافر ترك‏القصر في حال جهله بوجوبه لامطلقاً وكذلك الحال في الجهر والاخفات‏فلايمكن المساعدة عليه، وذلك لما عرفت من أن أدلة الباب من الآية الشريفةوالروايات ظاهرة في أن وجوب التمام ليس من باب الترتب بل من جهة أن‏وجوب القصر ثابت لحصة خاصة من المسافر وهي المسافر العالم بوجوب‏القصر وكذلك وجوب الجهر والاخفات فإنه ثابت للمكلف العالم به لا مطلقاً ولامانع من الالتزام بذلك ثبوتاً واثباتاً، وسوف يأتي تفصيله بأكثر من ذلك.
وأما الكلام في النقطة الثانية، فإذا كان التضاد بين متعلقي الخطابين دائمياً وإن‏لم يكن بينهما ثالث، فلا شبهة في أنهما داخلان في باب التعارض، ضرورةاستحالة جعل التكليف لهما لا جمعاً لاستلزامه طلب الجمع بين الضدّين ولاأحدهما مشروطاً بعدم الآخر لأنه من تحصيل الحاصل، إذ أن وجود أحدهماعلى تقدير ترك الآخر ضروري، فيكون التكليف بأحدهما أو كليهما مشروطاًبترك الآخر لغواً وجزافاً، وإن كان بينهما ثالث كما إذا ورد في الدليل صل ركعتين‏في المسجد عند طلوع الشمس وورد في دليل آخر إقرأ سورة من القرآن فيه عندطلوعها، فهل هما داخلان في باب التزاحم أو التعارض، فيه قولان، فذهبت‏مدرسة المحقق النائيني‏قدس سره إلى الثاني(46)، وذهب بعض المحققين‏قدس سره(47) إلى التفصيل‏بين اطلاق الخطابين وبين أصلهما، فعلى الأول هما داخلان في باب التعارض‏وعلى الثاني داخلان في باب التزاحم، وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله، أماعدم التعارض على الثاني فلأنه لا مانع من ثبوت كل منهما مشروطاً بعدم‏الاشتغال بالآخر بعد البناء على القول بإمكان الترتب، وأما وقوع التعارض‏على الأول، فحيث إن المتفاهم العرفي هو ثبوت الاطلاق لكل منهما في حال‏الاشتغال بالآخر، فيكون معارضاً مع إطلاق الآخر، والنكتة في ذلك إن‏خصوصية التضاد الدائمي بنفسها قرينة عرفاً على أن المولى‏ ألغى مانعيةالاشتغال بأحدهما عن الأمر بالآخر، وعلى هذا فلا محالة يقع التعارض بينهما،ولابد حينئذٍ من تطبيق قواعد باب التعارض بين إطلاق كل من الخطابين لحال‏الاشتغال بالآخر، فإن كان هناك مرجح لأحدهما دون الآخر، فذو المرجح‏مطلق والآخر مشروط بعدم الاشتغال بالأول، وإلاّ فيسقطان معاً ويثبت بهماحكمان مشروطان بنحو الترتب، لما عرفت من عدم التعارض بين أصل‏الخطابين هذا.
الظاهر، إن ما ذهبت إليه مدرسة المحقق النائيني‏قدس سره هو الصحيح، وذلك لأنه‏إذا ورد في الدليل تجب الصلاة عند طلوع الفجر وورد في دليل آخر يجب الذهاب‏إلى البلد الفلاني عند طلوع الفجر، يرى العرف التعارض بينهما، لأن اطلاق كل‏منهما لايجتمع مع اطلاق الآخر، وحينئذٍ فلابد من الرجوع إلى مرجحات باب‏المعارضة، فإن كان للدليل الأول مرجح لابد من الأخذ به وطرح الثاني، وإن‏كان العكس فبالعكس، ودعوى‏ إن المعارضة إنما هي بين اطلاق كل من‏الخطابين مع اطلاق الخطاب الآخر لابين أصل الخطابين المشروطين كل منهمابعدم الاشتغال بالآخر، فإذن الساقط بالمعارضة إنما هو إطلاق كل من الخطابين‏لا أصلهما فإنه بلا موجب.
مدفوعة بأنها مبنية على أن تكون لكل من الخطابين دلالتان:
الاُولى‏: الدلالة على القضية المهملة وهي ثبوت كل منهما في الجملة والقدرالمتيقن منه هو الثبوت عند عدم الاشتغال بالآخر.
الثانية: الدلالة على القضية المطلقة وهي ثبوت كل منهما حتى في حال‏الاشتغال بالآخر، ولكن هذا المبنى غير صحيح، لوضوح أنه ليست لكل منهمادلالتان مستقلتان غير مندكة احداهما بالاُخرى، بل دلالة واحدة وهي الدلالةعلى القضية المطلقة والقضية المهملة مندكة فيها وفي ضمنها، وكل من الخطابين‏يدل عليها في ضمن دلالته على القضية المطلقة لا مستقلة، وعلى هذا فإذا سقطت‏دلالته على القضية المطلقة بالمعارضة، سقطت دلالته الضمنية أيضاً وهي دلالته‏على القضية المهملة، باعتبار أنها في ضمن الدلالة المطلقة وتسقط بسقوطها،ولايعقل بقائها بعد سقوطها لأنه خلف فرض كونها في ضمنها، فإذن ثبوت‏أصل الخطابين بنحو القضية المهملة بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، وعلى ضوءهذا فإن كان هناك مرجح لأحد الخطابين دون الآخر، فلابد من الأخذ به وطرح‏الآخر نهائياً وإلاّ فيسقطان معاً والمرجع في موردهما الأصل العملي، ولا مانع من‏التمسك بإصالة البراءة عن وجوب كليهما لفرض أنه لا علم بوجوب أحدهمالاحتمال عدم وجوب شي‏ء منهما.
والخلاصة، إن الصحيح هو ما ذهبت إليه مدرسة المحقق النائيني‏قدس سره من أن‏التضاد بين متعلّقي الخطابين إذا كان دائمياً فهما يدخلان في باب التعارض دون‏التزاحم وإن كان بينهما ثالث.
لحد الآن قد تبيّن أن ما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس سره في المسألة من‏الترتب لايمكن المساعدة عليه، فإنه إن اُريد به الترتب في مرحلة الامتثال فقدعرفت أنه إنما يتصور بين متعلّقي الخطابين إذا كان التضاد بينهما اتفاقياً لادائمياً،وحيث إنه في المسألة دائمي فلايمكن القول بالترتب بينهما.
وإن اُريد به الترتب في مرحلة الجعل فهو وإن كان ممكناً إلاّ أنه بحاجة إلى‏دليل في مقام الاثبات، وأدلة الباب من الآية الشريفة وغيرها لاتدل على ذلك‏كما سوف نشير إليه موسعاً.
الوجه الثاني: إنا لو سلمنا أنه لايعتبر في الترتب أن يكون التضاد بين‏الواجبين المتزاحمين إتفاقياً بل لا مانع منه وإن كان دائمياً إذا كان بينهما ثالث حتى‏يتمكن المكلف من ترك كلا الواجبين معاً، ولكن لايعقل إذا لم يكن بينهما ثالث‏كالحركة والسكون ونحوهما لاستحالة الأمر بهما ولو ترتباً، حيث إن وجودأحدهما عند عدم الآخر ضروري فلايعقل تعلق الأمر به والمقام من هذا القبيل،فإن القصر والتمام في الصلاة من الضدين الذين لا ثالث لهما، لأنها إما مقصورة أوتامة وكذلك الجهر والاخفات، فلهذا لايعقل الترتب في هاتين المسألتين.
والجواب: إن جعله‏قدس سره مركز البحث عن إمكان الترتب وعدم إمكانه في‏المسألة الاُولى‏ القصر والتمام في الصلاة وفي الثانية الجهر والاخفات فيها في غيرمحله وبمعزل عن الواقع، ضرورة أن البحث عن إمكان الترتب وعدم إمكانه في‏كلتا المسألتين إنما هو بين متعلقي الأمرين فيهما، ومن الواضح أن متعلقيهما في‏المسألة الاُولى‏ الصلاة القصرية والصلاة التمامية وفي الثانية الصلاة الجهريةوالصلاة الاخفاتية وهما من الضدّين الذين لهما ثالث، والتعبير عنهما بالقصروالتمام في الاُولى‏ وبالجهر والاخفات في الثانية إنما هو لمجرد المعرفية والمشيرية بهماإليهما لأنهما ليسا من العناوين القصدية المقومة بل هما من العناوين الانتزاعية،ولهذا لايكونا دخيلين فيما هو مصب الوجوه ومركزه، وأما ما ذكره السيدالاُستاذقدس سره(48) من أن الضدّين في المقام هما القراءة الجهرية والقراءة الاخفاتية من‏الضدّين الذين لهما ثالث، وذلك بأن المصلي قد لا يقرأ في الصلاة لا جهراً ولااخفاتاً بنحو السالبة بانتفاء الموضوع، وقد يقرء فيها ولايجهر أو لايخفت بنحوالسالبة بانتفاء المحمول، وهذا معنى إنهما من الضدّين الذين لهما ثالث، وعلى هذافلا مانع من الالتزام بالترتب بينهما في مقام الجعل فهو غير تام، وذلك لأنهما وإن‏كانتا من الضدّين الذين لهما ثالث إلاّ أنهما من الواجبين الضمنيين ولايعقل‏الترتب بينهما، فإن الترتب إنما يعقل بين الأمر بالصلاة الجهرية والأمر بالصلاةالاخفاتية لابين الأمر بالقراءة الجهرية والأمر بالقراءة الاخفاتية، وذلك لماذكرناه في ضمن البحوث السالفة من أن الوجوب الضمني لا وجود له إلاّ بوجودالوجوب المتعلّق بالكل ولا داعوية له إلاّ بداعويّة وجوب الكل، ولايعقل‏اشتراطه بشي‏ء إلاّ باشتراط وجوب الكل به، وعلى هذا الأساس فإذا فرض أن‏وجوب القراءة الجهرية مشروط بعدم الاشتغال بالقراءة الاخفاتية في حال‏الجهل بوجوبها، فمعناه أن وجوب الصلاة الجهريّة مشروط بعدم الاشتغال‏بالصلاة الاخفاتية في حال جهل المكلف بوجوبها، ضرورة أن اشتراطالوجوب الضمني بشي‏ء إنما هو باشتراط الوجوب الاستقلالي به وإلا لزم خلف‏فرض كونه ضمنيّاً، كما أن شرطية عدم الاشتغال بالواجب الضمني إنما هي‏بشرطية عدم الاشتغال بالواجب الاستقلالي وإلاّ لزم الخلف، والخلاصة، أن‏الوجوب الضمني لا واقع موضوعي له لا في عالم الاعتبار والجعل ولا في عالم‏الفعلية وإنّما هو ثابت بتحليل فرضي من العقل، نعم الذي له واقع في عالم الزمان‏هو فعلية فاعلية وجوب الكل المجعول في الشريعة المقدسة، ولا يعقل أن تكون‏فاعليته للقراءة الجهرية للمكلف الجاهل بوجوب القراءة الاخفاتية مشروطةبتركها إلاّ باشتراط فاعليته للصلاة مع القراءة الجهرية بترك الصلاة مع القراءةالاخفاتية في حال الجهل بوجوبها وإلا لزم الخلف كما عرفت، ولهذا لايعقل‏الترتب بين واجبين ضمنيين بدون أن يكون هناك ترتب بين واجبين مستقلين.
ومن هنا ذكرقدس سره في غير مورد إن التزاحم لايتصور بين الواجبات الضمنيّة(49)لأنها جميعاً واجبة بوجوب واحد، وإنما يتصوّر التزاحم بين وجوبين مستقلين‏متعلقين بعملين كذلك كالصلاة والازالة ونحوهما، فإذا لم يتصور التزاحم بينهمامن جهة إنهما محكومان بوجوب واحد فكيف يعقل الترتب بينهما، هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن الترتب إذا كان في مرحلة الجعل فلا فرق فيه بين أن‏يكون التضاد بين متعلقي الخطابين المترتبين دائمياً أو اتفاقياً أو أنه لاتضاد بينهماأصلاً، بأن يكون الترتب فيها بملاك آخر لابملاك التضاد، وأما إذا كان الترتب في‏مرحلة الامتثال، فإنه مشروط بكون التضاد بين متعلقي الخطابين المترتبين‏اتفاقياً ناشئاً من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في هذه المرحلة، وأما إذاكان التضاد بينهما دائمياً وإن كان بينهما ثالث، فيدخلان في باب التعارض ولاموضوع فيه للترتب.
ومن ناحية ثالثة إنه لامضادة في الواقع بين الصلاة الجهرية والصلاةالاخفاتية لكي تقع المزاحمة بينهما وكذلك بين الصلاة قصراً والصلاة تماماً، إذبإمكان المكلف الاتيان بهما معاً في وقتهما في الخارج، لأن المسافر الجاهل‏بوجوب الصلاة قصراً متمكن في الواقع من الاتيان بها في وقتها والصلاة تماماًوكذلك الجاهل بوجوب الصلاة الجهرية، فإنه متمكن في الواقع من الاتيان بهاوالصلاة الاخفاتية معاً في وقتهما بدون مزاحمة، وعلى هذا فلا موضوع للترتب‏في مرحلة الامتثال في المسألتين، لأن الترتب في هذه المرحلة إنما يعقل بين‏الواجبين المتزاحمين الذين لايتمكن المكلف من الجمع بينهما، فإن أتى بأحدهماعجز عن الاتيان بالآخر، وأما الترتب في مرحلة الجعل فلا مانع من الالتزام به‏في كلتا المسألتين، لأنه كما مرّ غير مشروط بالتزاحم بين الخطابين، لأنه في هذه‏المرحلة قد يكون بملاك التضاد والتزاحم بينهما، وقد يكون بملاك آخر.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره(50) أيضاً بتقريب أن الترتب‏مشروط بشروط:
الأول: أن يكون الخطاب المترتب عليه واصلاً إلى المكلف ومنجزاً عليه.
الثاني: عصيان ذلك الخطاب المنجز باعتبار أنه مأخوذ في موضوع الخطاب‏الترتّبي.
الثالث: أن يكون المكلف عالماً بعصيانه وعدم امتثاله وإلاّ لم يكن عالماًبالخطاب الترتّبي، فإذا توفّرت هذه الشروط الثلاثة بين الحكمين المتزاحمين‏فلابدّ من الالتزام بالترتب بينهما وإلا فلا، وحيث إن تلك الشروط غير متوفّرةفي المسألتين المذكورتين فلايمكن القول بالترتب فيها.
أما في مسألة القصر والتمام، فلأن المسافر الجاهل بوجوب الصلاة عليه‏قصراً لايخلو من أن يكون جهله به عن قصور أو عن تقصير، فعلى الأول‏لايتوفر شي‏ء من تلك الشروط، لأن وجوب القصر وإن كان في الواقع‏موجوداً، حيث إن الجهل به لايكون رافعاً له، إلاّ أنه غير واصل إليه وغير منجّزومعه لاعصيان في مخالفته وعدم الاتيان بمتعلقه، لأن العصيان إنما هو في مخالفةالتكليف المنجز الواصل إلى المكلف لامطلقاً، وإن لم يكن منجزاً فالشرط الثاني‏مترتب على الشرط الأول ومتفرع عليه، كما إن الشرط الثالث متفرع على‏الشرط الثاني، فبالنتيجة إذا كان الشرط الأول غير متوفر لم‏يتوفر الشرط الثاني‏والثالث أيضاً لأنهما متفرعان عليه، وعلى هذا فلايمكن إثبات وجوب التمام‏الترتبي، لأن موضوعه المسافر الجاهل بوجوب الصلاة قصراً والعاصي له،ومن الواضح إن وجوب التمام كذلك على المسافر متوقف على إحرازه ما هوشرطه وموضوعه وهو العصيان وهو لايمكن إلاّ مع علمه بوجوب القصر عليه،فطالما يكون جاهلاً به عن قصور، فلا عصيان في تركه فالسالبة بانتفاءالموضوع.
والخلاصة، إنه لايمكن جعل وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب‏القصر مشروطاً بعصيانه إذا كان معذوراً، ضرورة أن جعل الحكم على موضوع‏مقيّد بقيد لايمكن تحقق ذلك القيد في الخارج لغو وجزاف، فلايعقل صدوره من‏المولى‏.
وعلى الثاني وهو ما إذا كان جهله بوجوب القصر عن تقصير، فهو حينئذٍ وإن‏كان عاصياً ومستحقاً للعقوبة على ترك الصلاة قصراً، على أساس أن جهله به‏حيث كان عن تقصير، فلايكون مانعاً عن تنجّز ملاك وجوب القصر عليه، وقدتقدّم أن منشأ العصيان وصحة العقوبة إنما هو تفويت الملاك الملزم المنجز،باعتبار إنه حقيقة التكليف وروحه، وأما التكليف بما هو اعتبار فلا أثر له،وحيث إن المسافر في المقام غير عالم بعصيانه، باعتبار إنه متوقف على علمه‏بوجوب القصر والمفروض إنه جاهل به، فبطبيعة الحال يكون جاهلاً بالخطاب‏الترتبي أيضاً، باعتبار إن الجهل بالموضوع يستلزم الجهل بالحكم، فطالما يكون‏المسافر جاهلاً بوجوب القصر، فلا محالة يكون جاهلاً بعصيانه الذي هوموضوع وجوب التمام، فإذا كان جاهلاً بموضوع وجوب التمام، كان جاهلاًبوجوبه عليه أيضاً، وإلاّ لزم خلف فرض كونه موضوعاً له، وأما إذا علم‏بوجوب القصر، فحينئذٍ وإن كان عاصياً بتركه وعالماً به، إلا أن الموضوع حينئذٍانقلب إلى موضوع آخر وارتفع وجوب التمام بارتفاعه.
فالنتيجة، إنه لايمكن جعل وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصرمشروطاً بعصيانه، وأما مسألة الجهر والاخفات فالحال فيها هو الحال في‏المسألة المتقدّمة فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فكما إنه لايمكن الالتزام‏بالترتب في تلك المسألة فكذلك لايمكن الالتزام به في هذه المسألة حرفاً بحرف‏هذا.
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره(51) بأن الموضوع لوجوب التمام ليس هوعصيان وجوب القصر بل هو ترك الصلاة القصرية في الواقع، ومن الواضح إنه‏لايلزم من التفات المسافر الجاهل بوجوب القصر إلى أنه تارك للصلاة القصريةمحذور كانقلاب الموضوع أو نحوه، فإذن لامانع من كونه ملتفتاً إلى ترك الصلاةقصراً في حال كونه جاهلاً بوجوبها ومعتقداً بوجوب التمام عليه، فموضوع التمام‏حينئذٍ قابل للاحراز، وأما وصول الخطاب المترتب عليه إلى المكلف غير معتبرفي الترتب في مقام الجعل وإنما هو معتبر في الترتب في مقام الامتثال، هذا.
وقد ناقش فيه بعض المحققين‏قدس سره(52) بتقريب إنه لايكفي لدفع المحذور إحرازذات موضوع الأمر الترتبي وهو ترك الصلاة القصرية بما هو، بل يتوقف على‏إحراز أنه موضوع للأمر بالتمام وهو الأمر الترتبي، إذ العلم به يتوقف على العلم‏بموضوعه، ضرورة إن وصول هذا الأمر يتوقف على العلم بموضوعية الترك له‏ولايكفي العلم بذات الترك، لأن المكلف المسافر الجاهل بوجوب القصر معتقدبوجوب التمام عليه بخطاب أولي ومعه لا يعقل أن يحرز كون تركه موضوعاًلوجوب التمام بخطاب ثانوي ترتّبي، فإنه إن احرز بأن علمه بوجوب التمام قدأخذ موضوعاً لنفس ذلك الوجوب، ففيه محذور أخذ العلم بالحكم في موضوع‏ذلك الحكم وهو لايمكن، وإن احرز بأن علمه بوجوب التمام قد أخذ موضوعاًلوجوب تمام آخر كان ذلك من اجتماع المثلين بنظره وهو لايمكن، وعليه فالمكلف‏المسافر في المقام دائماً يكون إتيانه بالصلاة تماماً بتحريك أمر تخيّلي بالتمام باعتقادأنه خطاب أولي على المكلفين جميعاً في الحضر والسفر، وأما وجوب التمام‏الترتّبي المخصوص بالمسافر الجاهل بوجوب القصر، فلايعقل وصوله إليه‏ومحركيته نحو التمام هذا، ولنا في المقام تعليقان:
أحدهما: على ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من الاشكال.
والآخر: على ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره.
أما التعليق على الأول، فلان ما ذكره‏قدس سره من الاشكال مبني على أن الخطاب‏بالتمام الموجّه إلى المسافر الجاهل بوجوب القصر التارك له خطاب ثانوي‏خاص به وهو الخطاب الترتّبي في مقابل الخطاب الأولي وهو الخطاب بالتمام‏الموجّه إلى طبيعي المكلف، وعندئذٍ فلايمكن وصول هذا الخطاب، لأن وصوله‏منوط باحراز موضوعه وهو لايمكن، لأن المسافر المذكور يرى‏ نفسه موضوعاًلوجوب التمام بالخطاب الأولي، ومع هذا لايعقل أن يرى‏ نفسه موضوعاًلوجوب التمام بالخطاب الثانوي أيضاً وإلاّ انقلب الموضوع، ولكن هذا المبنى‏غير صحيح، فإن الخطاب الآمر بالصلاة تماماً في الكتاب والسنة خطاب واحدموجه إلى كافة الناس بتمام أصنافهم شريطة أن يكونوا واجدين للشروط العامةمنهم المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشريعة المقدسة، فإن التمام واجب عليه‏لا بخطاب ثانوي خاص به بل بخطاب أولي عام، فإنه يشمل جميع أصناف‏المكلفين والخارج منه حصة خاصة من المسافر وهو المسافرين الذي يكون‏عالماً بوجوب القصر ولايكون سفره معصية ولايكون السفر شغله ولا شغله في‏السفر، فإن وجوب التمام على هؤلاء الأصناف من المسافرين ليس بخطاب‏ثانوي خاص بهم بل هو بالخطاب العام الأولي، لأنهم باقون تحت عمومه‏والخارج منه حصة خاصة منهم كما عرفت وسوف نشير إلى تفصيل ذلك، وعلى‏هذا فوجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر يمكن أن يكون من باب‏الترتب، بأن يكون مجعولاً عليه مشروطاً بترك القصر، وحيث إنه بالخطاب‏العام الأولي فيمكن وصوله إليه بدون التفاته إلى أنه جاهل بوجوب القصروتارك له، لأن وصوله إليه منوط بالعلم بالكبرى‏ واحراز الصغرى، والمفروض‏إن المسافر الجاهل بوجوب القصر عالم بالكبرى‏ وهي وجوب التمام المجعول في‏الشريعة المقدسة بالخطاب العام وأنه يرى‏ نفسه مصداقاً لها، فإذا علم بالكبرى‏واحراز الصغرى‏ فقد علم بالحكم، والفرض أن هذه الرؤية مطابقة للواقع لا أنهامجرد تخيل، غاية الأمر أنه غير ملتفت إلى ترك القصر بوصف أنه موضوع‏لوجوب التمام وهو غير لازم، ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أن المحرك‏للمسافر المذكور إلى الاتيان بالتمام هو أمر تخيّلي لا أمر واقعي مبني على ماذكرقدس سره من تعدّد الخطاب، وأما بناءً على ما ذكرناه من وحدة الخطاب،فتحريكه إلى الاتيان به يكون بأمر واقعي لا خيالي، لأن القول بالترتب في‏مرحلة الجعل لايستلزم تعدد الخطاب، لما عرفت من معنى الترتب في هذه‏المرحلة، والحاصل إن المسافر الجاهل بوجوب القصر التارك له إذا كان مخاطباًبوجوب الصلاة تماماً في ضمن الخطاب الموجّه إلى الجامع بينه وبين الحاضر، فلامانع من فعليّته بفعلية موضوعه في الخارج، باعتبار أنه يرى‏ نفسه مصداقاًللكبرى‏ وهي وجوب الصلاة تماماً على طبيعي المكلف الجامع، وأما لوكان‏مخاطباً بخطاب خاص ثانوي بوجوب التمام الترتبي، فلايمكن وصوله إليه من‏جهة إنه يرى‏ نفسه موضوعاً لوجوب التمام بالخطاب الأولي‏ومعه لايعقل أن‏يرى‏ نفسه موضوعاً لوجوبه بالخطاب الثانوي الترتبي وإلاّ لزم اجتماع المثلين.
وإن شئت قلت: إن الخطاب الثانوي الترتبي إذا كان موجّهاً إلى حصة خاصّةمن المكلف وهي المسافر الجاهل بوجوب القصر التارك له فوصوله منوطباحراز موضوعه، ومن الواضح إن المسافر طالما يكون جاهلاً بوجوب القصروغافلاً عنه وجازماً بوجوب التمام عليه لايرى‏ نفسه موضوعاً له، كيف فإنه‏يرى‏ نفسه موضوعاً لوجوب التمام بالخطاب الأولي، وأما إذا التفت إلى أنه‏جاهل بوجوب القصر عليه، فينقلب الموضوع فتكون وظيفته الصلاة قصراً،بينما إذا كان الخطاب الأولي موجهاً إليه بعنوان إنه مصداق للجامع فلايلزم هذاالمحذور، باعتبار إن المسافر المذكور يرى‏ نفسه موضوعاً لهذ الخطاب،والمفروض إنه في الواقع موضوع له، غاية الأمر إنه غير ملتفت إلى ما هو معتبرفي موضوعيّته في الواقع كالجهل بوجوب القصر، ولكن هذا الالتفات غيردخيل في فعلية الخطاب عليه، إذ يكفي في فعليّته إعتقاده بأنه موضوع له،والفرض إن هذا الاعتقاد ليس مجرد خيال بل هو مطابق للواقع، لأن تمام‏خصوصيات الموضوع ومقوّماته موجودة فيه ولكنه غير ملتفت إليها تفصيلاًوهو غير لازم وغير مانع من انطباق الكبرى‏ عليه.
فالنتيجة، إن هذا الاشكال مبني على أن يكون الخطاب الموجّه إلى المسافرالمذكور خطاب ثانوي، فعندئذٍ لايمكن وصول هذ الخطاب وفعليّته، ولكن قدعرفت اجمالاً إنه ليس في المسألة خطابان:
أحدهما: خطاب أولي بالتمام.
والآخر: خطاب ثانوي به وخاص بالمسافر المذكور وسوف يأتي تفصيله،ومن هنا يظهر إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن موضوع وجوب التمام الترتبي‏ترك القصر واقعاً لاعصيان أمره والالتفات إلى تركه لايوجب انقلابه، فإذن‏لامانع من وصول وجوب التمام الترتبي إليه لايرجع إلى معنى صحيح، وذلك لأن‏وجوب التمام الترتبي عليه إن كان بالخطاب الأولي الموجّه إلى طبيعي المكلف‏الجامع كفى‏ في وصوله إليه العلم بالكبرى‏ واحراز الصغرى‏، والمفروض إنه عالم‏بالكبرى‏ وهي جعل وجوب التمام على طبيعي المكلف الجامع ومحرز للصغرى‏وهي أنه مصداق لها، ولايتوقف على احرازه ترك القصر لا بالذات ولا بوصفه‏العنواني، حيث إنه غير دخيل في تطبيق الكبرى‏ على الصغرى‏ الذي هو ملاك‏احراز الحكم ووصوله، وإن كان بالخطاب الثانوي الخاص بالمسافر الجاهل‏بوجوب القصر، لم يكف احراز ترك القصر بما هو في وصوله، لأن وصول الحكم‏يتوقف على احراز موضوعه بوصفه العنواني ولايكفي إحراز ذاته وحده هو ترك‏امتثال الخطاب المترتب عليه في الواقع لاعصيانه، هذا إضافة إلى أن الالتزام‏بالترتب في هاتين المسألتين مبني على استحالة تخصيص وجوب القصر بالعالم به‏وكذلك وجوب الجهر والاخفات، فطالما يكون المكلف جاهلاً به فتكون وظيفته‏التمام في المسألة الأولى‏ والجهر في موضع الاخفات أو بالعكس في المسألة الثانية،وعندئذٍ يمكن الالتزام به لكن لابجعل الخطاب المترتب مشروطاً بعصيان‏الخطاب المترتب عليه بل بترك الاتيان بمتعلقه في الواقع.
وأما إذا أمكن هذا التخصيص ثبوتاً كما سوف نشير إليه، فلا مانع من الالتزام‏به إثباتاً، لظهور الأدلة من الآية الشريفة والروايات في كلتا المسألتين في ذلك،فإذن لامناص من الأخذ بظهورها وعدم جواز رفع اليد عنه.
فالنتيجة، إن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أنه لايمكن الالتزام بالترتب في‏المسألتين، من جهة أنه لايعقل أن يكون الخطاب المترتب مشروطاً بعصيان‏الخطاب المترتب عليه غير تام، لأن عدم إمكان الالتزام بالترتب فيهما لوكان من‏هذه الناحية، فهو قابل للعلاج بجعل الشرط ترك امتثال الخطاب المترتب عليه‏بل من جهة إنه مخالف لظهور الأدلة في المسألتين، وأما الثاني فلما تقدم في ضمن‏البحوث السالفة من أن إمكان القول بالترتب منوط بتوفّر أمرين:
الأول: تقييد الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهمّ لباً على أساس نكتة عامةوهي إن كل خطاب شرعي مقيد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب لايقل عنه في‏الأهميّة.
الثاني: إنه لايلزم من فعلية كلا الأمرين المتعلقين بالضدّين بنحو الترتب‏محذور طلب الجمع بينهما ولا التمانع بين الأمرين في الاقتضاء، فإذا توفر هذاالأمران ترتب عليه إمكان القول بالترتب، وإذا أمكن فهو واقع فلايحتاج وقوعه‏في الخارج إلى دليل، وقد تقدم الكلام في الشرط الثاني وإنه لايلزم من فعلية كلاالأمرين المتعلقين بالضدّين بنحو الترتب في زمن واحد أيّ محذور، وأما الشرطالأول فقد مرّ إنه ثابت على أساس التقييد اللبي العام، وعلى هذا فموضوع الأمربالمهم عدم الاشتغال بالأهمّ ولاتعتبر فيه خصوصية زائدة كالعصيان ونحوه،فإن اعتبارها بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، والدليل العام لايتطلب أكثر من‏تقييد الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهم، وتقييد كل من الأمرين بعدم الاشتغال‏بالآخر إذا كانا متساويين ولا يتطلب أكثر من ذلك، نعم قد يعبر عنه بالعصيان‏من جهة إنه عنوان له غالباً هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد جاء في تقرير بحث المحقق النائيني‏قدس سره(53)، إن الترتب إنمايعقل فيما إذا كان الخطاب بالأهمّ واصلاً إلى المكلف ومتنجزاً عليه وإلا فلاموضوع له، وهذا معنى إن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ، ولكن‏ذلك بحاجة إلى دليل زائداً على ما عرفت من الدليل على التقييد اللبّي العام ولادليل عليه، وتظهر الثمرة بين القولين في موارد الجهل بالأمر بالأهم كما إذا وقع‏التزاحم بين وجوب الصلاة ووجوب إنقاذ الغريق، ففي مثل ذلك إذا كان المكلف‏جاهلاً بوجود الغريق وشرع في الصلاة، فعلى مسلك المحقق النائيني‏قدس سره تكون‏صلاته باطلة من جهة إنه لا أمر بها في هذه الحالة لامطلقاً ولا ترتباً، أما الأول‏فلان الأمر بالصلاة معارض بالأمر بانقاذ الغريق فيسقط من جهة المعارضة،وأما الثاني فلان المعتبر في الترتب وصول الأمر بالأهم وتنجّزه، والمفروض إنه‏غير واصل إليه، فإذن لايمكن اثبات الأمر الترتبي بها لانتفائه بانتفاء شرطه‏وموضوعه، وأما بناءً على ما ذكرناه فيحكم بصحة صلاته من جهة الأمرالترتبي، باعتبار إنه مشروط بترك الأهم واقعاً وهو انقاذ الغريق في المثال،والمفروض إنه تارك له واقعاً وإن كان غير ملتفت إلى ذلك، إلا أن هذا الالتفات‏غير معتبر في فعلية الأمر بالمهم كالصلاة ووصوله إليه، إذ يكفي في علمه بوجوب‏الصلاة عليه ووصوله إليه علمه بأن الخطاب المتعلق بها موجه إلى المكلف البالغ‏العاقل القادر الداخل عليه الوقت، ولا يعتبر في علمه بوجوبها ووصوله إليه‏علمه بتحقق شرطه وهو عدم الاشتغال بالأهم، لكفاية تحققه واقعاً وعلمه بأنه‏موضوع لوجوبها، نعم إذا علم المكلف بوجوب الأهم وعصى‏ وترك الاتيان به‏وأتى بالمهم كالصلاة، صح على كلا المسلكين في المسألة.
فالنتيجة، إن التزاحم في موارد الجهل بوجوب الأهمّ على مسلك المحقق‏النائيني‏قدس سره يدخل في باب التعارض، بينما لايدخل ذلك على ما ذكرناه في باب‏التعارض، ثم إنه على القول باستحالة الترتب، هل يدخل باب التزاحم في باب‏التعارض مطلقاً حتى في فرض الجهل بأحد الخطابين أو لا؟
والجواب: إنه في فرض العلم بالخطابين صغرى‏ وكبرى‏ فلا شبهة في دخولهمافي باب التعارض، وهل الأمر كذلك في فرض العلم بأحدهما والجهل بالآخرأو لا؟
ففيه قولان:
الأول: إنهما يدخلان في باب التعارض، ولافرق من هذه الناحية بين العلم‏بكلا الخطابين معاً أو العلم بأحدهما والجهل بالآخر، بتقريب إن ثبوت كليهمامعاً بنحو الاطلاق مستحيل، وحينئذٍ فلابد من سقوط أحدهما أو كليهمابالمعارضة من دون فرق في ذلك بين علم المكلف وجهله، باعتبار إن الجهل‏لايكون رافعاً للتكليف في الواقع، لأن التكليف الواقعي مشترك بين العالم‏والجاهل، ويكون المقام نظير مسألة اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع‏ووحدة المجمع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب، فإنه على هذا يحكم‏بفساد العبادة في مورد الاجتماع بلا فرق بين العلم بالحرمة والجهل بها، لأن المجمع‏محكوم بالحرمة في الواقع وإن كان المكلف جاهلاً بها هذا.
ولكن الصحيح القول الثاني وهو عدم التعارض بينهما مع الجهل بأحدهما،والنكتة في ذلك إن قياس المقام بمسألة اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع‏قياس مع الفارق، وذلك لأن الامتناع الموجب للتنافي بين الخطابين يختلف في كل‏من المسألتين سنخاً وذاتاً عنه في المسألة الأخرى‏، لأن الامتناع في مسألةالاجتماع على أساس إن المجمع فيها واحد ذاتاً ووجوداً إنما يكون في مرحلةسابقة على الحكم وهي مرحلة المبادي كالمصلحة والمفسدة والحب والبغض‏والارادة والكراهة، فإن اجتماع هذه المبادي على المجمع في مسألة الاجتماع على‏القول بالامتناع محال، ضرورة استحالة إجتماع المصلحة والمفسدة في شي‏ء واحدوكذا الحب والبغض والارادة والكراهة، وهذه الاستحالة هي المنشأ لاستحالةجعل الحرمة والوجوب فيه، باعتبار إن تلك المبادي هي حقيقة الحكم وروحه‏وإلاّ فلا قيمة للحكم بلا روح وملاك، ومن هنا تتبع مرحلة الجعل مرحلةالمبادي وتدور مدارها ولايعقل الجعل بدونها وإلا كان جزافاً، فالنتيجة، إن‏المجمع في مسألة الاجتماع على القول بالامتناع حيث إنه واحد وجوداً وماهية،فلا يعقل إجتماع مبادى‏ء الوجوب والحرمة فيه، وأما الامتناع في المقام فلايكون‏في مرحلة المبادي، على أساس إن متعلق كل من الحكمين وجوداً وماهية غيرمتعلق الحكم الآخر، فلهذا لامانع من اشتمال كل منهما على الملاك في المرحلةالسابقة وهي مرحلة المبادي ولا مضادة بين المصلحة والمفسدة ولابين الحب‏والبغض ولابين الارادة والكراهة في هذه المرحلة في المقام على أساس تعددمتعلقي الحكمين فيه كما عرفت، لأن المستحيل إنما هو اجتماعهما في شي‏ء واحد،وبذلك يختلف المقام عن مسألة اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع، فإن‏ملاك الاستحالة في تلك المسألة إنما هو في مرحلة المبادي، وأما في المقام فملاكهاإنما هو في مرحلة الجعل وما يستتبعه وهو تحريك المكلف نحو الامتثال، ومن‏الطبيعي إن تحريكه نحو امتثال الضدّين مستحيل، لأنه من تحريك العاجز وهوقبيح، وأما مع قطع النظر عن وعاء الحكم واقتضائه فلايلزم من اشتمال كل من‏متعلقي الحكمين على الملاك محذور إجتماع ضدّين أو مثلين، وتمام المحذور في هذه‏المسألة إنّما هو في مرحلة جعل الحكم وما يستتبعه من تحريك المكلف ودعوته‏نحو الامتثال والاتيان بمتعلقه، فإن وجوب المهم يقتضي تحريكه نحو الاتيان‏بمتعلقه ودعوته إليه، ووجوب الأهمّ يقتضي تحريكه نحو الاتيان بمتعلقه، ومن‏المعلوم إن هذا من التحريك نحو الضدّين وهو مستحيل، ولكن هل هذه‏الاستحالة تعمّ موارد الجهل بأحد الحكمين أو تختص بخصوص موارد العلم بهمامعاً، الظاهر هو الثاني، وذلك لأنه لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي كما إنه لاتنافي‏بينهما في مرحلة الجعل بما هما اعتبار، وإنما التنافي بينهما في مرحلة الامتثال، ومن‏الظاهر إن أحد الحكمين المتزاحمين إذا كان معلوماً والآخر مجهولاً، كان المحرك‏والداعي هو الحكم المعلوم دون الحكم المجهول، لأن الحكم إذا كان واصلاً إلى‏المكلف ومنجزاً عليه فهو محرك له نحو الاتيان بمتعلقه ويدعوه إليه، بينما إذا كان‏الحكم مجهولاً وغير واصل إليه، فلايكون محركاً له نحو الاتيان بمتعلقه، وبكلمة،إن الغرض من جعل التكليف هو إمكان إيجاد الداعوية والباعثية في نفس‏المكلف وانبعاثه الاقتضائي لا الفعلي، وإلا لزم أن يكون جعله في كثير من‏الأحيان والموارد كموارد الجهل والعصيان ونحوهما لغواً وهو كما ترى‏، وعلى‏هذا فإمكان الانبعاث عن التكليف المجهول وغير الواصل والمنجز وإن كان‏موجوداً، ولكن الانبعاث الفعلي منه منوط بالوصول والعلم به هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن العقل الحاكم باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبح‏تكليف العاجز لايحكم إلا بامتناع تنجّز كلا التكلفين المتزاحمين معاً على‏المكلف، لأن فيه إحراجاً له على العصيان وتكليفاً بغير المقدور، وأما إذا كان‏أحدهما واصلاً إليه ومنجّزاً كالتكليف بالمهم والآخر مجهولاً وغير واصل إليه‏كالتكليف بالأهم، فلايحكم العقل بامتناع ذلك، إذ لاتنافي بينهما في الاقتضاء،فإن التكليف الواصل المنجّز يقتضي تحريك المكلف نحو الامتثال والاتيان‏بمتعلقه، بينما التكليف غير الواصل والمنجز لايقتضي تحريكه نحو امتثاله والاتيان‏بمتعلقه لكي لايمكن الجمع بينهما، وعلى ضوء هذا الضابط وهو اشتراط التكليف‏بالقدرة، فالعقل إنما يحكم باستحالة تنجّز كلا التكليفين المتزاحمين معاً على‏المكلف، على أساس إن كلاً منهما يدعوه إلى امتثاله والاتيان بمتعلقه في الخارج،والمفروض إن المكلف غير قادر على الجمع بينهما في مقام الامتثال لأنه من الجمع‏بين الضدّين، وأما إذا كان أحدهما منجّزاً وواصلاً إلى المكلف كوجوب الصلاةمثلاً والآخر مجهولاً وغير واصل ومنجز كوجوب انقاذ الغريق، ففي مثل ذلك‏هل يحكم العقل بتقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم ثبوت وجوب إنقاذ الغريق أولايحكم بأكثر من تقييده بعدم وصوله وتنجّزه عليه.
والجواب: إنه لايحكم بأكثر من تقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم تنجّزوجوب الانقاذ ووصوله إليه، والنكتة في ذلك إن حكم العقل بذلك لايمكن أن‏يكون جزافاً فلا محالة يكون مبنياً على ضابط، وهو ما مرّ من استحالة تنجّز كلاالتكليفين المتزاحمين معاً، لأنه من التكليف بغير المقدور، على أساس أن كلاًمنهما في هذه الحالة يقتضي الاتيان بمتعلقه، وأما إذا كان أحدهما مجهولاً وغيرواصل ومنجّز كوجوب الانقاذ فلا يلزم هذا المحذور، فإنه طالما يكون مجهولاًوغير واصل لايكون محركاً وداعياً نحو الاتيان بمتعلقه، فإذن لا مانع من أن‏يكون التكليف الواصل المنجّز داعياً ومحركاً نحو امتثاله والاتيان بمتعلقه، ومن‏الواضح إن داعويته ومحركيته فعلاً لاتتوقف على عدم ثبوت التكليف الآخر في‏الواقع بل يكفي في اتصافه بها عدم وصول التكليف الآخر وتنجّزه، فلهذا لايحكم‏العقل بتقييد إطلاق داعويته ومحركيته بعدم ثبوت التكليف الآخر، فإنه تقييدزائد لا مبرر له ولا موجب، بل يحكم العقل بتقييد إطلاقها بعدم وصول التكليف‏الآخر وتنجّزه، بلحاظ إنه بهذا التقييد يرتفع محذور الدعوة إلى الضدّين، على‏أساس إن التكليف المجهول وغير الواصل لايدعو إلى الاتيان بمتعلقه، فإذن‏لامانع من دعوة التكليف الواصل المنجّز واقتضائه.
فالنتيجة، إن التكليفين المتزاحمين إذا كان أحدهما معلوماً للمكلف وواصلاًإليه ومنجزاً والآخر مجهولاً له وغير واصل ومنجز، فلا تنافي بينهما ولا تعارض‏لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، وهذا معنى‏ إنه لاتعارض في مواردالتزاحم بين الحكمين مع الجهل بأحدهما، ومن هنا تختلف المسألة في المقام عن‏مسألة إجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناع في نقطة واحدة، وهي إن الغائلةفي مسألة الاجتماع لاترتفع إلا بتقييد أحد الحكمين بعدم ثبوت الحكم الآخرنهائياً أي روحاً وحقيقة، باعتبار إن التضاد بينهما إنما كان في مرحلة المبادي، بينماهي ترتفع في هذه المسألة بتقييد أحد الحكمين بعدم وصول الحكم الآخر
...................( Anotates ).................
1) محاضرات في اُصول الفقه 91 :3.
2) المصدر المتقدم: 5.
3) بحوث في علم الاُصول 329 :2.
4) مطارح الأنظار: 56 و119؛ فوائد الاُصول: 309.
5) كفاية الاُصول: 134.
6) مقالات الاُصول 341 :1.
7) أجود التقريرات 55 :2.
8) كفاية الاُصول: 134.
9) محاضرات في اُصول الفقه 139 :3.
10) كفاية الاُصول: 135.
11) محاضرات في اُصول الفقه 140 :3.
12) كفاية الاُصول: 135.
13) محاضرات في اُصول الفقه 142 :3.
14) أجود التقريرات 55 :2.
1 (15) محاضرات في اُصول الفقه 102 :3.
16) محاضرات في اُصول الفقه 102 :3.
17) بحوث في علم الاُصول 337 :2.
18) المصدر السابق: 338.
19) محاضرات في اُصول الفقه 105 :3.
20) نفس المصدر: 107.
21) نهاية الدراية 218 :2.
22) بحوث في علم الاُصول 340 :2.
23) مقالات الاُصول 342 :1.
24) بحوث في علم الاُصول 365 :2.
25) المصدر المتقدم: 367.
26) محاضرات في اُصول الفقه 145 - 142 :3.
27) العروة الوثقى‏ 442 :2 مسألة 32 من مسائل الشرط الثالث في وجوب الحج: »الاستطاعة«.
28) الوسائل 7 :11 ب (8 - 1) من أبواب وجوب الحج وشرائطه.
29) الوسائل 13 :1 ب 1 من أبواب مقدمة العبادات.
30) سورة آل عمران (97 :(3.
31) الوسائل 30 :11 ب 7 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 و3 و5.
32) الوسائل 33 :11 ب 8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه.
33) الوسائل 277 :21 ب 20 من أبواب المهور ح 6 وص 297 ب 38 من هذه الأبواب ح 2، و36 :22ب 13 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 2.
34) الوسائل 16 :18 ب 6 من أبواب الخيار، و218 :19 ب 2 من كتاب السكنى والحبس ح 1، و68:21 ب 32 من أبواب المتعة ح 9 وص 276 ب 20 من أبواب المهور ح 4، و140 :23 ب 4 من أبواب‏المكاتبة، وغيرها.
35) أجود التقريرات 90 :2.
36) أجود التقريرات 90 :2 و101.
37) محاضرات في اُصول الفقه 194 - 187 :3.
38) كشف الغطاء 171 :1.
39) فرائد الاُصول: 309.
40) أجود التقريرات 57 :2.
41) محاضرات في اُصول الفقه 162 :3.
42) أجود التقريرات 91 :2.
43) محاضرات في اُصول الفقه 163 :3.
44) سورة النساء (101 :(4.
45) الوسائل 505 :8 ب 17 من أبواب صلاة المسافر.
46) أجود التقريرات 52 :2 و91.
47) بحوث في علم الاُصول 109 :7.
48) محاضرات في اُصول الفقه 167 :3.
49) محاضرات في اُصول الفقه 100 :3 و134.
50) أجود التقريرات 93 :2.
51) محاضرات في اُصول الفقه 174 :3.
52) بحوث في علم الاُصول 370 :2.
53) أجود التقريرات 93 :2.

......................................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
فروع ...

وتنجّزه، باعتبار إنه لاتضاد بينهما في مرحلة المبادي، وإنما التضاد بينهما في‏مرحلة الاقتضاء وهو يرتفع بهذا التقييد ولايتطلب أكثر من ذلك، إلى هنا قدتبيّن‏إن ماأورده المحقق النائيني‏قدس سره من‏الاشكالات على الترتب في المسألتين لايتم‏شي‏ء منها فلا اشكال فيه من هذه الناحية، نعم هنا إشكال آخر قد مرت الاشارةإليه اجمالاً وسوف نشير إليه في ضمن البحوث القادمة بعونه تعالى‏ موسّعاً.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره(1) من أن الصلاة تماماً في‏موضوع القصر مشتملة على مصلحة ملزمة في نفسها وإن كانت في مرتبة دون‏مرتبة المصلحة القائمة بالصلاة القصرية، وحيث إنها ملزمة في نفسها فلذلك‏أوجب الشارع على المسافر الجاهل بوجوب القصر الاتيان بها تماماً بغرض‏استيفاء مصلحتها القائمة بها في هذه الحالة، وبعد استيفائها لايبقى‏ مجال لاستيفاءالمصلحة الاُخرى‏ التي هي الأهمّ من المصلحة الاُولى‏، لوجود المضادة بين‏المصلحتين وعدم امكان الجمع بينهما في الخارج، نعم في صورة العلم بوجوب‏الصلاة قصراً لا مصلحة في الصلاة تماماً ولا بعد في ذلك، ضرورة إن الأشياءتختلف من حيث اشتمالها على المصلحة وعدم اشتمالها عليها باختلاف الحالات‏والأزمان، فإذن لامانع من اشتمال الصلاة تماماً على مصلحة ملزمة في نفسهاحال جهل المكلف المسافر بوجوب القصر عليه وعدم اشتمالها عليها في حال‏علمه به، ويتفرع على ذلك عدم وجوب الاعادة ولو مع بقاء الوقت وتمكن‏المكلف منها لعدم مشروعيتها بعد استيفاء المصلحة المزبورة في ضمن الصلاةتماماً، وأما استحقاق العقوبة على ترك القصر رغم عدم وجوب إعادته لا في‏الوقت ولا في خارجه إذا كان جهله عن تقصير، فهو إنما هو بملاك إن المصلحةالباقية بما أنها ملزمة، فيستحق العقوبة على تفويتها عن تقصير بتفويت الصلاةالقصرية، فإذن لاتنافي بين صحة الصلاة تماماً في موضع القصر وعدم وجوب‏الاعادة حتى في الوقت، وبين استحقاق العقوبة على ترك الصلاة قصراً وكذلك‏الحال في مسألة الجهر والاخفات حرفاً بحرف هذا.
وقد عُلق على هذه المحاولة بما يلي:
الأول: إن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره(2) من أن فرض التضاد بين المصلحتين‏مع عدم التضاد بين الفعلين هما الصلاة تماماً والصلاة قصراً أمر يشبه الخيال، لأن‏التضاد إنما هو بين الأفعال الخارجية كالحركة والسكون والقيام والقعود والسوادوالبياض والصلاة والازالة وصلاة الفريضة وصلاة الآيات وغيرهما في زمن‏واحد، فإنه لايمكن الجمع بينهما خارجاً، وأما إذا لم يكن تضاد بين الأفعال‏الخارجية فلايتصور التضاد بين ما يترتب عليها من الآثار كالمصالح ونحوها،والمفروض في المقام إنه لامضادة بين الصلاة تماماً والصلاة قصراً، فإن المسافرالجاهل بوجوب القصر إذا أتى‏ بالتمام ثم ارتفع جهله في أثناء الوقت وعلم بأن‏الواجب عليه كان هو الصلاة قصراً، فإنه متمكن من الاتيان بها في الوقت، فمع‏تمكنه من الاتيان بكلتا الصلاتين معاً في الوقت كيف يتصور التضاد بين ما يترتب‏عليهما من المصلحة.
وهذا الذي أفاده السيد الاُستاذقدس سره متين جداً، والتخريج الفنّي له هو أن نسبةالمصلحة إلى الفعل المأمور به كالصلاة ونحوها نسبة الأثر إلى المؤثر والمسبّب إلى‏السبب والمعلول إلى العلة، ومن الواضح إن القدرة لاتتعلق بالمسبّب مباشرة،لأن القدرة عليه إنما هي من جهة القدرة على السبب كذلك، فإذا كان الشخص‏قادراً على السبب كان قادراً على المسبّب أيضاً ولا يعقل التفكيك بينهما بأن‏يكون قادراً على السبب دون المسبب، لأنه خلف فرض السببيّة بينهما، وعلى‏هذا فإذا كان المكلف قادراً على الصلاة تماماً في ظرف كونه جاهلاً بوجوب‏القصر وأتى‏ بها ثم بعد ذلك ارتفع جهله عنه وعلم بوجوبه في آخر الوقت، كان‏قادراً على الصلاة قصراً أيضاً في الوقت ومع قدرته على كلتا الصلاتين مباشرة،فإنه قادر على تحصيل المصلحة المترتبة عليهما بالواسطة، ففرض عدم قدرته‏على تحصيلها خلف فرض كونها مسببة عنهما، فإذن لايعقل فرض وجودالمضادة بين المصلحتين القائمتين بهما مع عدم وجود المضادة بينهما خارجاً.فالنتيجة، إن ما ذكره‏قدس سره من المضادة بينهما في الخارج مع عدم وجود المضادة بين‏سببيهما فيه وهما الصلاة القصريّة والصلاة التمامية في نفسه غير معقول.
وقد علق على هذا الأشكال بعض المحققين‏قدس سره(3) بتقريب إن وقوع التضاد بين‏المصالح والآثار المترتبة على الأفعال الخارجية الاعتيادية في حياتنا اليومية أمرشايع مع عدم التضاد بين نفس الأفعال الخارجيّة، مثلاً إذا حصل الاشباع من‏الطعام غير اللذيذ استحال حصوله من الطعام اللذيذ وإذا حصل الارتواء من‏الشراب غير اللذيذ فات إمكان حصوله من الشراب اللذيذ وهكذا رغم عدم‏المضادة بين أسبابها، فليكن الأمر في المقام أيضاً كذلك هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق بإبداء الفرق بين المصالح والآثار المترتبة على‏الأفعال الخارجيّة الاعتيادية والمصالح والآثار المترتبة على العبادات الشرعية،وذلك لأن علاقة الانسان بالأولى علاقة مادية، فلذلك تتفق كثيراً المضادة بين‏استيفائها والاشباع منها، وأما علاقة الانسان بالثانية علاقة روحية معنوية،على أساس أن العبادات الشرعية علاقة معنوية بين العبد وربه ولا تتأثر بتأثرالحياة العامة ولا بتطورها، لانها نظام ثابت أبدي بين الانسان وخالقه والعبدوربّه ولايعقل التغيّر والتطور فيه، ضرورة أن العبادات بنفس الصيغة التي‏جاءت في الكتاب والسنة ثابتة في جميع القرون بلا فرق بين القرون الاُولى‏والقرون المتحضّرة كعصر الذرة والفضاء، فالانسان الذي يحرك الأشياء بقوةاليد كما يصلّي ويصوم ويحج كذلك الانسان الذي يحرك الأشياء بقوة الذرة يصلي‏ويصوم ويحجّ، وعلى ضوء هذا الأساس فالمصالح والآثار المترتبة عليها بما أنهامصالح وآثار معنوية تقوي علاقة الانسان بربّه وخالقه وتؤدي إلى نموّها فلايعقل التضاد بينها، ومن هنا يكون قياسها بالمصالح والآثار المادية المترتبة على‏الأفعال الخارجية الاعتيادية في حياتنا قياس مع الفارق وفي غير محله، هذااضافة إلى أنه لاطريق لنا إلى تلك المصالح والآثار ولانعرف سنخها حتى نحكم‏بوجود المضادة بين استيتفائها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن موضوع وجوب التمام على القول بالترتب ترك الصلاةالقصرية، وحينئذٍ تسأل هل إن موضوعه تركها في تمام الوقت أو يكفي تركها في‏أول الوقت؟
والجواب: إنه لايمكن الالتزام بشي‏ء من الأمرين:
أما الأمر الأول: فلان لازمه وجوب إعادة الصلاة قصراً في الوقت إذاانكشف الخلاف فيه وعلم بوجوب القصر عليه وعدم صحة ما أتى‏ به من الصلاةتماماً في أول الوقت، وهذا خلاف النص في المسألة.
وأما الأمر الثاني: فلان لازمه تعدد الواجب عليه في الوقت، فإن الواجب‏في أول الوقت الصلاة تماماً وبعد انكشاف الخلاف والعلم بوجوب القصرفالواجب الصلاة قصراً، وهذا خلاف الضرورة، لوضوح أن الواجب في كل يوم‏وليلة بمقتضى الكتاب والسنة خمس صلوات فقط لا أكثر.
وقد علق عليه بعض المحققين‏قدس سره(4) بتقريب إن وجوب التمام على المسافرالجاهل بوجوب القصر مشروط بفوات ملاك القصر بنحو الشرط المتأخر،وفوته قد يكون بتركه في تمام الوقت وقد يكون بإتيان التمام في أول الوقت، فإنه‏مع استيفاء الملاك من التمام لايمكن استيفائه من القصر لمكان المضادة بينهما هذا.
ويمكن المناقشة فيه أولاً: إنه مبني على إمكان الشرط المتأخر، وقد حققنا في‏محله إنه مستحيل في مرحلة المبادي.
وثانياً: إن كون فوت ملاك القصر شرطاً لوجوب التمام، مبني على عدم‏إمكان استيفاء ملاك القصر بعد استيفاء ملاك التمام لمكان المضادة بينهما، وقد مرّإن هذا المبنى‏ غير صحيح.
الثاني(5): أيضاً أفاده‏قدس سره من أن المصلحتين المفروضتين لاتخلوان من أن‏تكونا ارتباطيتين أو استقلاليتين ولا ثالث لهما، فعلى الأول لايمكن تحصيل‏المصلحة القائمة بالصلاة تماماً، لفرض أنها مرتبطة بالمصلحة القائمة بالصلاةقصراً، ولايمكن حصول الاُولى‏ بدون الثانية، ونتيجة ذلك إن الصلاة تماماً باطلةبدون الاتيان بالصلاة قصراً، لأن صحّتها منوطة بترتب مصلحتها عليها،والفرض إنها لاتترتب بدون الاتيان بها أيضاً لمكان ارتباطية مصلحتهابمصلحتها ثبوتاً وسقوطاً، ولازم ذلك أن الواجب مجموع الصلاتين في هذه‏الحالة وهو كما ترى‏.
وعلى الثاني يلزم تعدّد الواجب في الواقع، فإن الصلاة تماماً بلحاظ اشتمالهاعلى مصلحة ملزمة في نفسها واجبة على المسافر الجاهل بوجوب القصر،والصلاة قصراً بلحاظ اشتمالها على مصلحة ملزمة في نفسها واجبة عليه أيضاًفي هذه الحالة وهذا خلاف الضرورة، لأن الثابت بالكتاب والسنة هو أن‏الواجب على كل مكلف في كل يوم وليلة خمس صلوات من طلوع الفجر إلى‏غسق الليل، مع أن لازم ذلك هو أن الواجب على المسافر الجاهل بوجوب‏القصر في كل يوم ست صلوات وهو كما ترى‏، وبذلك يظهر حال مسألة الجهروالاخفات أيضاً، فإن جميع ما ذكرناه في مسألة القصر والتمام يجري في مسألةالجهر والاخفات بدون أدنى فرق بينهما هذا.
قد يناقش فيه، بأن الكتاب والسنة وإن كانا يدلان على ذلك، إلاّ إن دلالتهماعليه إنما تكون بعنوان أولي، ولا مانع من تعدد الحكم بعنوان ثانوي، وحيث إن‏وجوب الصلاتين التمام والقصر على المسافر في وقت واحد إنما يكون بعنوان‏ثانوي وهو كونه جاهلاً بوجوب القصر فلايكون منافياً لهما، وعلى هذا فيمكن‏دفع الاشكال بذلك.
وغير خفي، إن هذه المناقشة مبنية على أن يكون وجوب التمام على المسافرالجاهل بوجوب القصر في الشريعة المقدسة بخطاب ثانوي خاص به في مقابل‏الخطاب الأولي العام الذي يكون مفاده وجوب التمام واقعاً على الحاضر في‏مقابل المسافر، وهذا المبنى‏ وإن كان يظهر اختياره من كلمات جماعة إلاّ أنه غيرصحيح، وإن وجوب التمام عليه إنما هو بالخطاب الأولي العام لا بخطاب ثانوي‏خاص وسوف نشير إلى تفصيل ذلك.
الثالث: ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره(6) من أن هذه المحاولة لاتنسجم مع‏مابنى‏قدس سره عليه في مبحث الأجزاء من جواز تبديل الامتثال بالامتثال، معلّلاً بأن‏الامتثال ليس إلاّ مقدمة إعدادية لترتب الملاك عليه لا أنه علة تامة له وإلا لم‏يبق‏مجال للامتثال الثاني، وعلى‏ هذا فلا مانع من تطبيق هذه الكبرى‏ على المقام‏بأن يقوم بإعادة الصلاة قصراً بعد التمام من باب تبديل الامتثال بالامتثال‏الآخر، فالنتيجة إن مقتضى ما ذكره‏قدس سره هناك من صحة تبديل الامتثال بالامتثال‏جواز إعادة الصلاة قصراً بعد الاتيان بالتمام، فما أفاده‏قدس سره من عدم جواز ذلك هنامنافي لما ذكره‏قدس سره هناك.
وفيه، إن المقام يختلف عن مسألة تبديل الامتثال بالامتثال، إذ في المقام قدفرض‏قدس سره وجود مصلحتين ملزمتين إحداهما قائمة بالجامع بين القصر والتمام‏والاُخرى‏ بخصوص القصر، وأما هناك فمصلحة واحدة، وحيث إن الامتثال‏مقدمة إعدادية بالنسبة إليها، فلا مانع من تبديله امتثال آخر أفضل ليختار اللَّه‏احبّهما إليه كتبديل الصلاة فرادى‏ بالصلاة جماعة، وأما في المقام فلايمكن ذلك،لأنه إذا أتى‏ بالتمام بطل دور القصر، ويستحيل حينئذٍ أن يكون مقدمة إعداديةلترتب مصلحته ومقتضى له، لاستحالة ثبوت المقتضيين معاً للضدّين كذلك‏كاستحالة اجتماعهما على أساس أن مقتضى المحال محال.
فالنتيجة، إن ماذكره‏المحقق الخراساني‏قدس سره من‏المحاولة لايرجع‏إلى‏معنى معقول.
المحاولة الثالثة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره(7) وملخّصها: »إنه لامانع من‏الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل، بأن يكون وجوب التمام مجعولاً في الشريعةالمقدسة على المسافر الجاهل بوجوب القصر مشروطاً بعدم الاشتغال به في هذه‏الحالة وبالعكس في مورد واحد، وهو ما إذا نوى‏ المسافر إقامة عشرة أيام في بلدوكان جاهلاً بأن الواجب عليه حينئذٍ الصلاة تماماً وكذلك الحال في مسألة الجهروالاخفات، ثم قال‏قدس سره: إن الترتب في المقام يمتاز عن الترتب في مرحلة الامتثال‏بأمرين:
الأول: إن الترتب في مرحلة الجعل بحاجة إلى دليل دون الترتب في مرحلةالامتثال، فإن إمكانه يكفي لوقوعه.
الثاني: إن اشتراط الخطاب المترتب في مرحلة الجعل بعدم الاشتغال، بمتعلق‏الخطاب المترتب عليه إنما هو في حال جهل المكلف به لا مطلقاً، بينما يكون‏اشتراط الخطاب المترتب في مرحلة الامتثال بعدم الاشتغال بمتعلق الخطاب‏المترتب عليه مختص بحال علم المكلف به لا مطلقاً.
لنا تعليق على هذه المحاولة بأمرين:
الأمر الأول: إن معنى الترتب في مرحلة الجعل هو أن الشارع جعل حكماً في‏هذه المرحلة مشروطاً بعدم الاتيان بمتعلق حكم آخر في حال جهل المكلف به،ولازم ذلك هو أن الترتب في مرحلة الجعل يكون بين حكمين لاتنافي‏ولاتعارض بينهما، وذلك لما أشرنا إليه سابقاً من أن حكمين يكون أحدهمامجهولاً وغير واصل إلى المكلف والآخر معلوماً وواصلاً إليه لاتنافي بينهما، لأن‏الحكم المجهول بوجوده الواقعي لايصلح أن يكون معارضاً للحكم المعلوم‏الواصل لابنفسه ولا باقتضائه، أما الأول فلأنه مجرّد اعتبار وهو بحدّه‏الاعتباري يشمل موارد العجز التي لايحكم العقل بوجوب الطاعة فيها، وأماالثاني فلأنه حيث كان مجهولاً فلايقتضي تحريك المكلف نحو الاتيان بمتعلقه حتى‏يكون مزاحماً للحكم الآخر الواصل المحرك له نحو الاتيان بمتعلقه.
فالنتيجة، إن الترتب في مرحلة الجعل إنما هو بين حكمين لاتعارض ولا تنافي‏بينهما لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، بينما يكون الترتب في مرحلةالامتثال بين حكمين متعلقين بالضدّين الواصلين إلى المكلف المتزاحمين في هذه‏المرحلة، وبكلمة واضحة إن الترتب في مقام الجعل يمتاز عن الترتب في مقام‏الامتثال بعدة نقاط:
الاُولى‏: إن الترتب في مقام الجعل كما عرفت إنما هو بين حكمين لا تنافي ولاتعارض بينهما، بينما يكون الترتب في مقام الامتثال إنما هو بين حكمين متزاحمين‏فعلاً.
الثانية: إنه يكفي في وقوع الترتب في مقام الجعل أن يكون إشتراط أحدالحكمين بعدم الاشتغال بمتعلق الحكم الآخر المجهول وارداً في لسان الدليل‏فلايحتاج إلى مؤنة زائدة، بينما لايكفي ذلك في إمكان الترتب في مقام الامتثال،لأنه زائداً على هذا بحاجة إلى مؤنة اُخرى‏ وهي اثبات أنه لايلزم من فعلية كلاالأمرين في زمن واحد محذور طلب الضدّين ولا التمانع بين الأمرين، ومن هناقلنا إن الترتب في هذا المقام يتوقف على توفر أمرين:
الأول: التقييد اللبّي العام.
الثاني: إنه لايلزم من فعلية الأمرين المتعلقين بالضدّين في زمن واحد محذورطلبهما معاً ولا التمانع بينهما، فإذا توفر هذا الأمران فعندئذٍ لابد من الالتزام‏بالترتب.
الثالثة: إن مرد الترتب إمكاناً واستحالة في مرحلة الامتثال إلى امكان توجه‏الخطابين الفعليين المترتبين إلى المكلف في زمن واحد وعدم إمكان ذلك، فعلى‏الأول امكن توجه الخطابين المذكورين إليه، وعلى الثاني لايمكن ذلك، وعلى‏هذا فاطلاق خطاب المهم مقيّد لباً بعدم الاشتغال بالأهمّ إذا كان واصلاً ومنجزاًعلى كلا القولين في المسألة هما القول بإمكان الترتب والقول باستحالته، وأما إذالم يكن خطاب الأهم واصلاً ومنجزاً بأن يكون مجهولاً، فلا موجب لتقييداطلاق خطاب المهمّ بذلك بلا فرق فيه بين القول بإمكان الترتب والقول‏باستحالته، وعلى كلا القولين لاتنافي حينئذٍ بين الخطابين المهم والأهمّ، غايةالأمر على القول بإمكان الترتب لا مزاحمة بينهما، وعلى القول باستحالته لامعارضة بينهما والجامع إنه لا تنافي بين الحكمين، لأن التنافي بينهما إما في مرحلةالمبادي أو في مرحلة الاقتضاء والامتثال ولا تنافي بينهما في المقام في كلتاالمرحلتين، أما في الاُولى‏ فلأن الحكمين مختلفين في المتعلق ذاتاً ووجوداً، وعليه‏فلا مانع من اشتمال كل من متعلقيهما في مرحلة المبادي على مصلحة ملزمة في‏نفسها ولايلزم منه اجتماع المثلين، كما إنه لا مانع من تعلق الارادة والحب بهما في‏هذه المرحلة بل لا مانع من تعلق الارادة بأحدهما والكراهة بالآخر والحب‏بأحدهما والبغض بالآخر وهكذا، فإنه لايلزم من ذلك اجتماع الضدّين، وهذامعنى إنه لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي.
وأما في الثانية فقد مرّ أن الحكم المجعول حيث إنه غير واصل إلى المكلف‏فلايكون محركاً له نحو الاتيان بمتعلقه، فإذن لا مانع من اقتضاء الحكم الواصل‏والمنجّز للاتيان بمتعلقه، وإن شئت قلت: إن اعتبار القدرة في صحة التكليف‏سواءً أكان بحكم العقل من باب قبح تكليف العاجز أو باقتضاء نفس الخطاب،فلا يتطلب إلا تقييد إطلاق الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهمّ إذا كان كلاهماواصلين إلى المكلف، وأما إذا كان الأمر بالأهمّ غير واصل إليه، فلا يتطلب تقييداطلاق الأمر بالمهم بعدم الاشتغال به، إذ لايلزم من بقاء إطلاقه طلب الجمع بين‏الضدّين، باعتبار أن الأمر بالأهمّ لمكان عدم وصوله لايقتضي الاتيان بمتعلقه‏حتى يلزم المحذور المذكور، فلهذا لا يكون هناك مانع من اطلاق خطاب المهمّ،وهذا معنى‏ إنه لاتنافي بينهما في مرحلة الاقتضاء أيضاً.
فالنتيجة، إن كل خطاب شرعي مقيّد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب منجّزلايقل عنه في الأهمية ولايكون مقيداً لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب مطلقاً وإن‏لم يكن واصلاً ومنجزاً.
وأما الترتب في مرحلة الجعل فهو منوط بأن يكون المأخوذ في موضوع‏الحكم المترتب عدم الاشتغال بمتعلق الحكم المترتب عليه شريطة أن يكون‏المكلف جاهلاً به.
الرابعة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن وقوع الترتب في مرحلة الجعل‏بحاجة إلى دليل، وأما وقوعه في مرحلة الامتثال فلايحتاج إلى دليل إذ يكفي في‏وقوعه إمكانه.
الخامسة: إن الترتب إذا كان في مرحلة الامتثال فالمعتبر فيه أن يكون التضادبين الواجبين المتزاحمين اتفاقياً ناشئاً من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في‏هذه المرحلة، بينما لايعتبر ذلك في الترتب في مرحلة الجعل، فإنه ممكن بين‏الخطابين سواءً أكان بين متعلقيهما تضاد أم لا، وعلى الأول لا فرق بين أن يكون‏التضاد بينهما دائمياً أو اتفاقياً، وإذا كان دائمياً فلابد أن يكون بينهما ثالث وإلاّ فلايعقل الترتب بينهما، ومن هنا يكون جعل الخطابين المترتبين في الشرع قد يكون‏بملاك التضاد بين متعلقيهما وقد يكون بملاك آخر، لحد الآن قد تبين إن الفرق بين‏الترتب في مرحلة الجعل والترتب في مرحلة الامتثال يكون من عدة نقاط لا من‏نقطتين كما ذكره السيد الاُستاذقدس سره، هذا كله بحسب مقام الثبوت والتصور بلافرق في ذلك بين مسألة القصر والتمام ومسألة الجهر والاخفات.
الأمر الثاني: إن أدلة المسألتين هل تدل على أن وجوب التمام في المسألةالاُولى‏ ووجوب الجهر أو الاخفات في المسألة الثانية يكون من باب الترتب وأنه‏مشروط بترك الاتيان بالآخر لدى‏ الجهل بوجوبه.
والجواب: إنها لا تدل على ذلك، لأن الروايات الواردة في المقام ناصّة في أن‏التمام واجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشبهات الحكمية أي من لم‏تقرأ عليه آية التقصير وكذلك الجهر، فإنه واجب على الجاهل بوجوب‏الاخفات في الصلوات الاخفاتية وبالعكس، وأما كون هذا الوجوب مشروطاًبعدم الاتيان بصلاة القصر أو صلاة الاخفات فهذه الروايات لاتدل عليه، لأن‏الظاهر منها أن الجهل بوجوب القصر تمام الموضوع لوجوب التمام وكذلك الجهل‏بوجوب الاخفات وبالعكس، وعلى هذا فالتمام إما أنه واجب تعييناً أو تخييراًفكلاهما محتمل، فعلى الأول يكون الواجب التمام بحدّه وعنوانه، وعلى الثاني‏يكون الواجب الجامع بينه وبين القصر، وأما أن وجوبه وجوب ترتبي‏ومشروط فهو لايستفاد منها بل لايمكن الالتزام بالترتب في كلتا المسألتين،وذلك لأن موضوع وجوب صلاة التمام على هذا القول ترك صلاة القصر واقعاًوهو لايصلح أن يكون موضوعاً لوجوبها، وذلك لأنه إن كان تركها في تمام‏الوقت، فيلزم حينئذٍ وجوب إعادتها قصراً إذا انكشف الحال في الوقت وعلم‏المسافر بوجوبها عليه وإن كان آتياً بالصلاة تماماً في أول الوقت ، لفرض أن‏وجوبها مترتب على تركها قصراً في تمام الوقت، وأما إذا لم يستمر إلى نهايةالوقت فيكشف عن عدم وجوبها من الأول فلهذا تقع فاسدة، وإن كان تركهإ؛س‏خ‏خ‏ولو في جزء من الوقت، فيلزم حينئذٍ تعدّد الواجب في وقت واحد، فإنه طالمايكون جاهلاً بوجوب القصر فوظيفته التمام واقعاً، وإذا انكشف له الحال في‏الوقت وعلم بوجوب القصر عليه فوظيفته الصلاة قصراً، وهذا معنى تعددالواجب عليه بين المبدء والمنتهى‏ وهو القصر والتمام معاً، ومن الواضح إنه لايمكن‏الالتزام بذلك لأنه خلاف الضرورة من الشرع، لأن الواجب في الشرع كل يوم‏بين المبدء والمنتهى‏ صلاة واحدة إما التمام أو القصر، لحد الآن قد تبيّن إن روايات‏الباب لاتدل على أن وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر يكون‏من باب الترتب وكذلك الحال بالنسبة إلى وجوب الجهر والاخفات هذا.
والتحقيق في المقام أن يقال، إن الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصرالصلاة تماماً إما تعييناً أو تخييراً، على أساس إنه لا مانع من الالتزام بجعل هذه‏الروايات التي عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم(8) مخصصة لاطلاق أدلةوجوب القصر على المسافر بالمسافر العالم بوجوبها، وذلك لأنه يتوقف على‏تمامية أمرين:
الأول: إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.
الثاني: وجود الدليل على وقوع ذلك.
أما الأمر الأول فالمعروف والمشهور بين الأصحاب استحالة ذلك لاستلزامه‏الدور وتقدم الشي‏ء على نفسه، بتقريب إن العلم بالحكم يتوقف على ثبوت‏الحكم في المرتبة السابقة من باب توقف العلم على المعلوم، فلوكان ذلك العلم‏مأخوذاً في موضوعه لكان الحكم متوقفاً على ثبوته من باب توقف الحكم على‏ثبوت موضوعه، فيلزم حينئذٍ توقف الشي‏ء على نفسه.
والجواب: إن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه تارة يكون بلحاظ مرتبةواحدة واُخرى‏ يكون بلحاظ مرتبتين.
وأما إذا كان بلحاظ مرتبة واحدة، فهو لايمكن لمحذور الدور كما تقدّم، وأماإذا كان بلحاظ مرتبتين فهو بمكان من الامكان ولايلزم منه محذور الدور كما إذاأخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول وهي مرتبةالفعلية، وذلك لأن ما يتوقف على العلم غير ما هو متوقف على العلم، لأن العلم‏متوقف على الحكم في مرتبة الجعل من باب توقف العرض على معروضه،والحكم في مرتبة الفعلية متوقف على العلم من باب توقف الحكم على موضوعه‏في الخارج، وعلى هذا ففي كلتا المسألتين لا مانع ثبوتاً من أخذ العلم بالحكم في‏مرتبة في موضوع نفسه في مرتبة اُخرى‏، أما في مسألة القصر والتمام فلا مانع من‏أن يأخذ العلم بوجوب القصر في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول‏وهي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعه يعني مرتبة فعلية فاعليته، ومعنى ذلك‏إن العلم بوجوب القصر في الشريعة المقدسة موضوع لفعلية فاعليته في الخارج‏ولا مانع من ذلك ثبوتاً ولا يستلزم محذور الدور، لأن العلم بوجوب القصرمتوقف على ثبوته في مرتبة الجعل من باب توقف العرض على معروضه والحكم‏في مرتبة الفعلية الذي هو بمعنى فعلية فاعليته، متوقف على العلم من باب توقف‏الحكم على موضوعه فإذن لا دور.
ونتيجة ذلك اختصاص وجوب الصلاة القصرية بالمسافر العالم بوجوبها في‏الشريعة المقدسة لامطلق المسافر، وحينئذٍ فإذا علم بوجوبها فيها وقرأت عليه‏آية التقصير كان فعلياً في حقه أي فاعليته، وأما المسافر الجاهل بوجوب القصرفي الشريعة فهو باق تحت إطلاقات أدلة وجوب التمام.
ونظير المقام ما ورد من الاستثناء لجماعة من المسافرين عن إطلاق دليل‏وجوب القصر، منهم من يكون شغله السفر أو في السفر ومنهم من يكون سفره‏معصية أو كان للصيد لهواً، فإن هؤلاء المسافرين المميزين وظيفتهم الصلاة تماماًفي السفر هذا لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنهم باقون تحت إطلاق أدلة وجوب‏التمام وإن المستثنى منه حصة خاصة من المسافر وهي الذي لاينطبق عليه أحدهذه العناوين الخاصة المميزة أو إن التمام واجب عليهم بوجوب جديد بعنوان‏ثانوي فيه وجهان:
الظاهر هو الوجه الأول، وذلك لأن لسان الروايات في مقام الاثبات تقييداطلاق أدلة وجوب القصر بغير هؤلاء المسافرين المميّزين، وهذا التقييد في‏المقام يكشف عن التقييد في مقام الثبوت والواقع من بداية التشريع وإلا كان لغواًوجزافاً، ولازم هذا التقييد في مقام الثبوت هو خروج خصوص المسافر الذي‏لايكون معنوناً بأحد العناوين المذكورة عن اطلاق أدلة وجوب التمام، والوجه‏في ذلك إن مقتضى إطلاق أدلة وجوب التمام هو وجوبه على كل مكلف بتمام‏أنواعه وأشكاله كالمسافر والحاضر ونحوهما، ولكن أدلة وجوب القصر تدل‏على استثناء صنف خاص من المكلف عنه وهو المسافر فإن وظيفته القصر في‏السفر، وهذا المسافر أيضاً لايبقى‏ على اطلاقه بل قيد بالمسافر الذي لايكون‏مصداقاً لأحد العناوين المتقدمة المميّزة، وأما المعنون به فهو داخل في موضوع‏وجوب التمام ويكون من أفراده، باعتبار أن موضوعه طبيعي المكلف الجامع بين‏تمام أصنافه والمستثنى منه خصوص حصة خاصة من المسافر، وهذا الاستثناءلايوجب إلا تقييده بأن لايكون المكلف مسافراً بهذا السفر الخاص الذي‏لاينطبق عليه شي‏ء من المميزات المتقدمة، وأما سائر أصناف المسافر فهي‏داخلة فيه.
وبكلمة، إن هذه الروايات وإن كانت متأخرة زمناً عن أدلة وجوب القصرعلى المسافر، إلا أنها تكشف عن تقييد موضوع وجوب القصر بالمسافر الخاص‏من الأول، وتدل على أن وجوب القصر مجعول في الشريعة المقدسة من الابتداءعليه خاصة لا على الجامع بينه وبين سائر أصنافه، وتدل على أنه المستثنى من‏موضوع أدلة وجوب التمام في الواقع لامطلق المسافر، غاية الأمر إن الكاشف‏عن ذلك يكون متأخراً كما هو الحال في جميع موارد العام والخاص والمطلق‏والمقيد والحاكم والمحكوم وهكذا، مثلاً إذا ورد في الدليل أكرم العلماء ثم وردلاتكرم الفساق منهم، وفي نفس الوقت ورد على الدليل الخاص تقييدات‏واستثناءات منها أن لايكون العالم الفاسق هاشمياً وإلا وجب إكرامه، ومنها أن‏لايكون العالم الفاسق فقيهاً وهكذا.
ومن الواضح إن هذه الاستثناءات تدل على أن الخارج من موضوع وجوب‏الاكرام حصة خاصة من العالم الفاسق وهي الذي لايكون معنوناً بأحد هذه‏العناوين الخاصة المميّزة، ولا تدل على أن العالم الفاسق إذا كان هاشمياً أو فقيهاًمحكوم بوجوب الاكرام من جديد وبخطاب خاص، ضرورة أنها في مقام تحديدموضوع الخاص في الواقع وبيان إنه الخارج عن موضوع العام واقعاً، وأماالحكم فلاشك في ثبوته بعد ثبوت الموضوع فيه والمقام من هذا القبيل.
وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال مسألة القصر والتمام والجهر والاخفات، أمّاثبوتاً فقد تقدم إنه لامانع من أخذ العلم بوجوب القصر في مرتبة في موضوع‏نفسه في مرتبة اُخرى‏، وكذلك العلم بوجوب الصلاة الجهرية في مرتبة في‏موضوع نفسه في مرتبة اُخرى‏ وهكذا.
وأما اثباتاً فلأن أدلة كلتا المسألتين لاتكون قاصرة عن إثبات ذلك، امانصوص المسألة الاُولى‏ التي عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم فهي تصلح‏أن تكون مقيّدة لاطلاق أدلة وجوب القصر بالمسافر الذي لايكون جاهلاًبوجوبه في الشريعة المقدسة، ومعنى‏ ذلك أن وجوب القصر فعلي بفاعليته‏ومحركيته للمسافر الذي كان يعلم بوجوبه عليه في الشريعة المقدسة، وأماالمسافر الجاهل بوجوبه فيها فوظيفته التمام، بمعنى إنه باق تحت اطلاق أدلةوجوب التمام، لأن هذه الروايات في مقام تحديد موضوع وجوب القصر في‏الواقع ومقام الثبوت وبيان أنه خصوص المسافر العالم بوجوبه في الشرع‏والخارج من موضوع وجوب التمام دون المسافر الجاهل به، باعتبار أنها تكشف‏ثبوتاً عن أن الخارج عن إطلاق أدلة وجوب التمام من الأول كان خصوص‏المسافر العالم بوجوب القصر لامطلقاً، فالنتيجة إن تخصيص وجوب الصلاةقصراً بالمسافر الذي قرئت عليه آية التقصير وعلم بوجوبها في الشريعةالمقدسة ثبوتاً بمكان من الامكان ولا محذور فيه، وأما إثباتاً فالأدلة غير قاصرةعن الدلالة على ذلك، فإن قوله‏عليه السلام في صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم: »إن‏كان قرأت عليه آية التقصير وفسرت له فصلَّى‏ أربعاً أعاد، وإن لم يكن قرأت‏عليه ولم يعلمها، فلا إعادة عليه« يدل بمقطعه الأول بوضوح على أن وجوب‏التقصير على المسافر مشروط بأن قرأت عليه آية التقصير وفسرت له التي هي‏كناية بليغة عن علمه بوجوب القصر في الشريعة المقدسة، وبمقطعه الثاني على‏أن المسافر إذا كان جاهلاً بوجوب القصر في الشرع وكان يعتقد بوجوب التمام‏عليه فوظيفته التمام، ويدل على ذلك عدم وجوب الاعادة إذا علم بأن الواجب‏عليه القصر، لوضوح إنه لولم يكن التمام واجباً عليه واقعاً في هذه الحال وكان‏الواجب عليه في الواقع هو القصر، وجبت الاعادة عند انكشاف الخلاف،لفرض إنه لم يأت بالصلاة المأمور بها وما أتى‏ به ليس مصداقاً لها، فإذن نفي‏الاعادة دليل على أن وظيفته الصلاة تماماً واقعاً في حال الجهل بوجوب القصر،وحينئذٍ فإذا ارتفع الجهل عنه وعلم بوجوب القصر عليه انقلب الموضوع، فإذن‏يكون ذلك من باب الانقلاب لامن باب كشف الخلاف.
وأما نصوص المسألة الثانية وهي مسألة الجهر والاخفات فهي أيضاً لاتقصّرعن الدلالة على أن وجوب الصلاة الجهرية أو الاخفاتية على المكلف مشروطبالعلم بوجوبها في الشريعة المقدسة ولا مانع من الالتزام بذلك ثبوتاً وإثباتاًبنفس ما تقدّم في المسألة الاُولى‏، نعم تختلف هذه المسألة عن المسألة المتقدمة في‏الناسي، فإنه كالجاهل في هذه المسألة دون المسألة الاُولى‏، وإن شئت قلت: إن‏المتحصّل من الجميع هو أن المكلف إذا سافر فطالما يكون جاهلاً بوجوب القصرفي الشريعة المقدسة، فوظيفته التمام واقعاً بمقتضى‏ الاطلاقات الأولية، وإذا علم‏بالحال وانكشف له أن الواجب هو القصر خرج عن موضوع العام ودخل في‏موضوع الخاص وهو ما دلّ على وجوب القصر على المسافر العالم به، وعلى هذافإذا أتى المسافر بالتمام في أول الوقت ثم علم بوجوب القصر عليه، فلا يجب عليه‏الاتيان بالقصر لأنه أدّى‏ وظيفته، نعم إذا لم يأت بالصلاة تماماً في أول الوقت إلى‏أن علم بوجوب الصلاة قصراً وجب عليه الاتيان بها، هذا نظير ما إذا كان‏المكلف حاضراً في أول الوقت وصلّى تماماً ثم سافر، فلايجب عليه القصرباعتبار أنه أدّى‏ وظيفته، نعم إذا لم يصل تماماً إلى أن سافر وجب عليه القصر،وعلى هذا فلا موضوع لتعدّد العقاب في المسألة، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم‏أن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه لايمكن وإن كان بلحاظ مرتبتين، فعندئذٍهل يمكن الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل أو أنه لابد من الالتزام بأن المجعول‏في هذه الحال وجوب واحد متعلق بالجامع بين القصر والتمام والجهر والاخفات‏بنحو التخيير الشرعي.
والجواب: الظاهر هو الثاني دون الاحتمال الأول، فلنا دعويان:
الاُولى‏: إن الالتزام بالاحتمال الأول وهو الترتب لايمكن.
الثانية: إنه لابد حينئذٍ من الالتزام بالاحتمال الثاني.
أما الدعوى‏ الاُولى‏ فلأن الترتب في مرحلة الجعل وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه‏لايمكن حمل روايات الباب على ذلك، فإنها تنصّ على كفاية الاتيان بالصلاةتماماً في أول الوقت للمسافر الجاهل بوجوب القصر وإن علم في أثناء الوقت‏بوجوبه ولا تجب عليه الاعادة، وقد تقدم إن هذا لاينسجم مع القول بالترتب في‏مقام الجعل، فلذلك لايمكن حمل الروايات عليه، ومن هنا لابد من حملها على أن‏الواجب هو الجامع بين صلاة القصر وصلاة التمام ولا مانع من الالتزام بذلك في‏كلتا المسألتين، ثم إن للتخيير الشرعي تفسيرين:
أحدهما: إن حقيقة التخيير الشرعي متمثلة في جعل وجوب واحد متعلّق‏بجامع انتزاعي وهو عنوان أحدهما أو أحدها على نحو البدلية.
الثاني: إن حقيقة التخيير الشرعي متمثلة في جعل وجوبات مشروطةمتعدّدة بعدد أفراد الجامع، فعلى‏ الأول متعلق الوجوب الجامع وعلى الثاني‏متعلّقه الفرد بحده الفردي مشروطاً بعدم الاتيان بالفرد الآخر، ثم إن الظاهر من‏هذين التفسيرين هو التفسير الأول بوجهين:
الأول: إن المتفاهم العرفي من الخطاب المتعلق بأحد شيئين أو أشياء هو تعلّقه‏بالجامع لا بكل فرد بحدّه الفردي مشروطاً.
الثاني: إن الوجوب إذا كان متعدّداً، فلا محالة يكون ملاكه الذي هو روحه‏أيضاً متعدداً وإلاّ فلا يعقل تعدّده بدون تعدّده، وعليه فلازم التفسير الثاني هواشتمال كل من الخصال على الملاك، وهو حينئذٍ لايخلو من أن يكون قائماً بكل‏منها مستقلاً أو مشروطاً أو مرتبطاً والكل لايمكن أما الأول فهو خلف الفرض،وأما الثاني فلأن لازمه عدم إمكان الجمع بين الملاكات لمكان المضادّة بينها مع‏عدم المضادة بين أسبابها وهي الأفعال وإمكان الجمع بينها وهذا كما ترى‏، وأماالثالث فلازمه أن يكون مجموع الخصال واجباً واحداً وهو خلف، وسوف يأتي‏تفصيل كل ذلك في مبحث الواجب التخييري إن شاء اللَّه تعالى‏.
إلى هنا قد تبيّن ان الصحيح هو التفسير الأول للتخيير الشرعي دون التفسيرالثاني، نعم إن هذا التفسير كان معقولاً إذا كان الخطاب التخييري الشرعي‏متعلقاً بفعلين متضادين الذين لهما ثالث، شريطة أن يكون كل واحد منهما بحدّه‏الخاص مشتملة على مصلحة ملزمة، ففي مثل ذلك لا محالة يرجع التخييرالشرعي إلى جعل وجوبين مشروطين كما تقدّم.
وعلى هذا فلا مانع من أن يكون الواجب على المسافر الجاهل بوجوب‏القصر في الشريعة المقدسة الجامع بين القصر والتمام في هذه الحالة.
ونتيجة ذلك إن المكلف المسافر إذا صلّى في هذه الحالة قصراً وتمشى منه قصدالقربة صحت، لأنها إحدى فردي الواجب التخييري.
ومن هنا يظهر الحال في مسألة الجهر والاخفات أيضاً، لأن الكلام فيها نفس‏الكلام في مسألة القصر والتمام حرفاً بحرف.
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بالاُمور التالية:
الأول: إن الصحيح في كلتا المسألتين المتقدمتين ما حققناه فيهما من اختصاص‏وجوب الصلاة قصراً بالمسافر الذي كان يعلم بوجوبها في الشريعة المقدسة،وأما المسافر الجاهل بوجوبها فيها، فوظيفته الصلاة تماماً واقعاً دون الصلاةقصراً، ومن هنا لو أتى‏ بالصلاة قصراً في هذه الحالة وتمشى منه قصد القربةفرضاً لم تصح لعدم الأمر بها، لأنه منوط بالعلم به، ولهذا لو أتى‏ المسافر بالصلاةتماماً في أول الوقت ثم علم بوجوب الصلاة قصراً لم تجب الإعادة، لأن ذلك من‏انقلاب الموضوع لا من انكشاف الخلاف، وكذلك الحال في مسألة الجهروالاخفات.
الثاني: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إنه لايمكن أن يكون وجوب الصلاةقصراً مختصاً بالمسافر العالم بوجوبها، إلاّ أنه لابدّ حينئذٍ من الالتزام بأن‏الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر الجامع بين صلاتي القصر والتمام‏وهو عنوان إحداهما، إذ لايمكن حمل روايات الباب إلاّ على ذلك بعدما لايمكن‏حملها على الترتب في مرحلة الجعل كما مرّ، بدون احراز إنه موضوع له‏وموضوعه على هذا المسافر المقيّد بقيدين:
أحدهما جهله بوجوب القصر. والآخر تركه له. ومن الواضح إن الإلتفات‏إليه بهذا الوصف يوجب الانقلاب وتبدل الجهل بالعلم، فينتفي وجوب التمام‏الترتّبي حينئذٍ بانتفاء موضوعه وهو الجهل.
فالنتيجة، إن وجوب التمام الترتبي إن كان بالخطاب الأولي فلايتوقف وصوله‏إلى‏المكلف، لاعلى احرازالترك بماهو ولاعلى احرازه‏بوصفه العنواني، بل لافرق‏حينئذٍ بين أن يكون المأخوذ في موضوعه ترك القصر أو العصيان، إذ على كلاالتقديرين لايتوقف إحرازه ووصوله على ذلك، وإن كان بالخطاب الثانوي‏الخاص‏به‏فهو يتوقف‏عليه، ولكن‏ليس بإمكانه‏إحرازه‏باحراز موضوعه‏لأمرين:
الأول: لزوم الانقلاب.
الثاني: إنه معتقد بوجوب التمام عليه بالخطاب الأولي ويرى‏ نفسه موضوعاًله، ومعه لايعقل أن يرى‏ نفسه موضوعاً للخطاب الثانوي أيضاً، وعليه فيكون‏جعله لغواً.
وأما التعليق على الثاني فلأن ماذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الشرط في باب‏الترتّب هو عصيان الخطاب المترتب عليه غير تام، لا في الترتب في مقام الجعل‏ولا في مقام الامتثال، أما في الأول فلأنّا لو قلنا بالترتب فيه، فنقول أن الشرطفي وصوله إليه، إذ يكفي فيه العلم بالكبرى‏ وإحراز الصغرى‏ وتطبيقها عليها، نعم‏لو كان وجوب التمام عليه بخطاب ثانوي خاص به لكان وصوله متوقفاً على‏إحراز موضوعه وهو ترك القصر بوصفه العنواني، ولكن الأمر ليس كذلك بل‏هو بخطاب عام أولي فيكون تحريكه بوجوب التمام واقعاً لا تخيّلاً.
الثالث: إن الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل ثبوتاً وإن كان ممكناً في كلاالبابين، إلاّ أنّه لايمكن الالتزام به في مقام الاثبات لعدم الدليل عليه، هذا تمام‏الكلام في المسألة الأولى.
نتائج البحث ...
نستعرض نتائج البحث في عدّة نقاط:
الأولى‏: إن في مسألة العقاب ثلاث نظريات:
1 - إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من الامتثال والاتيان بالواجب.
2 - إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من التخلص عن مخالفةالتكليف سواءً كان بالامتثال أم برفع الموضوع.
3 - إن ملاك استحقاق العقاب التمكن من التخلص عن تفويت الملاك الملزم.
وقد اختار السيد الاُستاذقدس سره النظرية الثانية، والصحيح منها النظرية الثالثة،وقد تقدم تفصيل هذه النظريات والنتائج المترتبة عليها.
الثانية: إن وجوب الوفاء بالنذر لايصلح أن يزاحم وجوب الحج لوجوه:
الأول: إن الحج أهمّ منه روحاً وملاكاً.
الثاني: إن وجوب الوفاء بالنذر ونحوه مشروط بأن لايكون مخالفاً لشرط اللَّه‏في المرتبة السابقة، وحينئذٍ فإذا وجب الحج على المكلف من جهة توفّر شرطه‏فيه وهو الاستطاعة، انتفى وجوب الوفاء بالنذر بانتفاء موضوعه وهو عدم كونه‏مخالفاً لشرط اللَّه، والمفروض إنه مخالف له وهو وجوب الحج.
الثالث: إنه لو قلنا بتقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج في موردالمزاحمة، لكان بالإمكان التخلص من وجوب الحج بذلك وهو كما ترى‏.
الثالثة: إن التزاحم إذا وقع بين وجوب الوضوء ووجوب واجب آخر أهمّ‏منه، فقد ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن وظيفته التيمّم وعدم صحة الوضوء حتى على‏القول بالترتب، معللاً بأن وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعية فلايصلح‏أن يزاحم واجباً آخر، لأنه يرتفع به بارتفاع موضوعه وهو القدرة الشرعيةهذا، ولكنه غير تام:
أولاً: إنه يمكن تصحيح الوضوء في المقام بالترتب بلحاظ أمره الاستحبابي‏النفسي لأنه غير مشروط بالقدرة الشرعية.
وثانياً: إن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية لا من ناحيةدليل البدلية ولا من ناحية قوله تعالى‏: »فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداًطَيِّباً«(9) على تفصيل تقدم.
وثالثاً: على تقدير تسليم أنه مشروط بالقدرة الشرعية، إلاّ أنه ليس‏مشروطاً بالقدرة الشرعية بمعنى عدم المانع المولوي حتى لايمكن تصحيحه‏بالترتب أيضاً في مقام المزاحمة، لأن حمل القدرة عليه خلاف الظاهر بل مشروطبها بمعنى القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني، وعلى هذا فلا مانع من‏الحكم بصحّته على القول بالترتب.
الرابعة: إذا توقف الوضوء على مقدّمة محرمة كما إذا كان الماء في الأواني‏المغصوبة، وحينئذٍ فيقع التزاحم بين وجوب الوضوء وحرمة التصرّف في هذه‏الأواني، فإن توضأ فيها ارتماساً فلاشبهة في بطلانه، وإن توضأ منها بالاغتراف‏شيئاً فشيئاً، فقد ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إنّه باطل معللاً بأنه مشروط بالقدرةالشرعية، فلايصلح أن يزاحم أي حكم مولوي الزامي كحرمة التصرّف‏ونحوها، ولكن قد عرفت المناقشة فيه من وجوه.
الخامسة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد بنى‏ صحّة الوضوء في صورة إنحصار الماءفي الأواني المغصوبة بالاغتراف منها تدريجياً على تمامية اُمور:
الأول: إمكان الشرط المتأخر في الواجبات المركبة من الأجزاء الطوليةكالوضوء ونحوه.
الثاني: إمكان القول بالترتب.
الثالث: إنّ القدرة معتبرة في ظرف الامتثال، وذكر أن هذه الاُمور جميعاًتامّة، وفيه إن صحة الوضوء في المسألة لاتتوقف على تمامية هذه الاُمور الثلاثةجميعاً، أما أولاً فلأنا قد حققنا في محله إستحالة الشرط المتأخر بالنسبة إلى‏ملاكات الأحكام الشرعية ومباديها، وثانياً مع الاغماض عن ذلك إلاّ أن صحةالوضوء لاتتوقف على إمكان الشرط المتأخّر.
السادسة: إنّ صحة الواجبات المركّبة من الأجزاء الطوليّة كالصلاة والوضوءونحوهما مشروطه بالقدرة من البداية إلى النهاية بنحو الشرط المقارن، لأن‏الوجوب المتعلّق بالكل وجوب واحد في عالم الاعتبار وهو فاعل لكل جزء من‏أجزاء الواجب لا الوجوب الضمني المتعلق بالجزء، فإنه لا وجود له إلا بوجودوجوب الكل ولا فاعلية له إلاّ بفاعلية وجوب الكل وهكذا، وفاعليته فاعليةموحّدة طولاً وهي مشروطة بالقدرة كذلك بنحو الشرط المقارن.
السابعة: إنّ وجوب الوضوء مشروط بالقدرة العقلية لا بالقدرة الشرعية،وعلى تقدير كونه مشروطاً بالقدرة الشرعية فإنما هو مشروط بها، بمعنى‏ القدرةالتكوينية لا بمعنى عدم المانع المولوي.
الثامنة: إنّ المراد من القدرة الشرعية هي التي اُخذت في لسان الدليل قيداًللحكم في مرحلة الجعل، والمراد من القدرة العقلية هي التي اُخذت قيداً للحكم‏لباً، والكاشف عن ذلك القيد هو العقل من باب قبح تكليف العاجز لا أنه الحاكم‏باعتبارها، لوضوح أن قيود التكليف جميعاً من قبل المولى‏، غاية الأمر إن‏الكاشف عنه في مقام الاثبات قد يكون العقل وقد يكون الشرع، أما العقل فإنه‏يكشف بملاك قبح تكليف العاجز عن أن الأحكام الشرعية مجعولة من قبل‏الشارع على المكلف القادر فالقدرة قيد لها لباً، فإذا لم تؤخذ في لسان الدليل في‏مقام الاثبات كان الكاشف عنها العقل، وحيث إنه لا طريق للعقل إلى ملاكات‏الأحكام الشرعية، فلايكشف أكثر من كونها شرطاً للتكليف دون الملاك.
التاسعة: قد جمع الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس سره بين صحة الصلاة تماماًموضع القصر للمسافر الجاهل بوجوبه وصحة الصلاة جهراً موضع الاخفات وبالعكس من ناحية، واستحقاق العقوبة على ترك القصر في المسألة الاُولى‏ وترك‏الصلاةجهراً أواخفاتاً في‏المسألةالثانية إذاكان جهله عن‏تقصير من‏ناحيةاُخرى.
العاشرة: قد علّق المحقق النائيني‏قدس سره على ذلك بأن الترتب إنما يعقل بين متعلقي‏الخطابين إذا كان التضاد بينهما اتفاقياً لادائمياً، وحيث إن التضاد بين الجهروالاخفات والقصر والتمام يكون دائمياً لا إتفاقياً، فلايعقل الترتب بينهما هذا.
وأورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن ذلك تام إذا كان الترتب في مرحلةالامتثال، وأما إذا كان في مرحلة الجعل كما هو كذلك في هاتين المسألتين، فلايعتبر فيه أن يكون التضاد اتفاقياً.
الحادية عشر: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الترتب في مقام الامتثال‏لايتصور إلاّ إذا كان التضاد بين متعلقي الخطابين اتفاقياً فهو صحيح، ولكن ماذكره‏قدس سره من أن هاتين المسألتين مبنيان على الترتب في مرحلة الجعل غير تام،لأن الترتب فيهما في هذه المرحلة ثبوتاً وإن كان ممكناً إلاّ أنه لايمكن الالتزام به‏إتفاقاً، لأن أدلتهما غير قابلة للحمل عليه.
الثانية عشر: إن التضاد بين متعلقي الخطابين إن كان دائمياً، فإن لم يكن بينهماثالث فلا شبهة في دخولهما في باب التعارض، لاستحالة جعل كلا الخطابين مقالاًمطلقاً ولا مشروطاً وإن كان بينهما ثالث، فالظاهر دخولهما في باب التعارض‏أيضاً، ودعوى‏ إن التعارض إنما هو بين اطلاقي الخطابين المتعلقين بهما لا بين‏أصليهما، مدفوعة بأنها مبنية على أن تكون لكل منهما دلالتان:
الاُولى: بنحو القضية المهملة.
الثانية: بنحو القضية المطلقة، ولكن تقدّم إن الأمر ليس كذلك.
الثالثة عشر: ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن القصر والتمام والجهر والاخفات حيث‏كانا من الضدّين الذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون، فلايعقل تعلق أمرين بهمالا مطلقاً ولا مشروطاً.
وفيه، إنه مبني على لحاظ القصر والتمام والجهر والاخفات بنحو الوجودالنعتي في الموضوع المفروض وجوده في الخارج وهو الصلاة، ولكن لا وجه‏لذلك، فإن القصر والتمام عنوانان للصلاة القصرية والصلاة التمامية وهما من‏الضدّين الذين لهما ثالث وكذلك الجهر والاخفات.
الرابعة عشر: ذكر السيد الاُستاذقدس سره إن القراءة الجهرية والقراءة الاخفاتيةتكونا من الضدّين الذين لهما ثالث، إذ قد يقرء المكلف ولايجهر وقد لا يقرء لاجهراً ولا إخفاتاً من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فإذن لا مانع من الالتزام‏بالترتب بينهما في مقام الجعل.
وفيه، إن الترتب لايعقل بين الواجبات الضمنيّة لا في مرحلة الامتثال ولا في‏مرحلة الجعل.
الخامسة عشر: ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن الترتب مشروط بأمور:
الأول: أن يكون الخطاب بالأهم واصلاً إلى المكلف.
الثاني: عصيان الخطاب.
الثالث: أن يكون المكلف عالماً بعصيانه، وهذه الشروط غير متوفّرة في‏هاتين المسألتين هذا، وعلق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الشرط في المقام هو ترك‏القصر لا العصيان.
السادسة عشر: أشكل بعض المحققين‏قدس سره على السيد الاُستاذقدس سره، بأنه لايكفي‏في فعلية الحكم الالتفات إلى ذات الموضوع اجمالاً بل تتوقف على الالتفات إلى‏عنوان موضوعيته له ومعه انقلب الموضوع في المقام، إذ لايمكن الالتفات إليه إلاّبالعلم بوجوب القصر على المسافر.
السابعة عشر: إن الاشكال في نفسه وإن كان صحيحاً إلاّ أنه لايرد على‏هاتين المسألتين، وذلك لأن المكلف المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشريعةالمقدسة حيث كان يعلم بوجوب التمام عليه ويرى‏ نفسه موضوعاً له وهو كذلك‏في الواقع، فلا تتوقف فعلية فاعليّة وجوب التمام على التفاته بموضوعية ترك‏الصلاة القصرية، بل يكفي في المقام وجوده في الواقع وإن لم يكن ملتفتاً إلى عنوان‏موضوعيّته، وكذلك الحال في مسألة الجهر والاخفات، نعم ما ذكره‏قدس سره تام إذاكان الخطاب بالتمام الموجه إلى المسافر الجاهل خطاباً ثانوياً وكذلك خطاب‏الجهر في موضع الاخفات وبالعكس، ولكن الأمر ليس كذلك.
الثامنة عشر: إن باب التزاحم يدخل في باب التعارض على القول باستحالةالترتب فيما إذا كان كلا الخطابين المتزاحمين واصلاً إلى المكلف، وأما إذا كان‏الخطاب بالأهمّ غير واصل إلى المكلف والواصل إنما هو الخطاب بالمهم فلاتعارض بينهما، ولايقاس ذلك بمسألة الاجتماع على القول بالامتناع، لأن التنافي‏هناك إنما هو في مرحلة المبادي بينما في المقام لاتنافي في مرحلة المبادي بين‏المتزاحمين وإنما التنافي بينهما في مرحلة الاقتضاء فقط.
التاسعة عشر: ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره، إن الصلاة تماماً في موضوع القصرمشتملة على مصلحة ملزمة في نفسها ومع استيفائها لايمكن استيفاء مصلحةالقصر لمكان المضادة بينهما، وأما استحقاق العقوبة على ترك القصر إذا كان جهله‏عن تقصير فإنما هو على تفويت مصلحته الملزمة، باعتبار انه مستند إلى تقصيره‏هذا، وقد علق على هذه المحاولة السيد الاُستاذقدس سره بوجهين:
الأول: إنه لايمكن فرض التضاد بين مصلحتين بدون أن يكون هناك تضادبين فعلين.
الثاني: إن المصلحتين المفروضتين لاتخلوان من أن تكونا ارتباطيتين أواستقلاليتين وكلتاهما لايمكن.
العشرون: إن السيد الاُستاذقدس سره قد التزم بالترتب في مرحلة الجعل في كلتاالمسألتين، فحكم بصحة الصلاة تماماً من المسافر الجاهل بوجوب القصر في‏المسألة الاُولى‏ وبصحة الصلاة جهراً وإخفاتاً من الجاهل في المسألة الثانية،وعلى هذا فلا مانع من استحقاقه العقوبة على ترك القصر في الاُولى‏ وترك الجهرأو الاخفات في الثانية إذا كان مقصراً.
الحادي والعشرون: إن‏ترك‏القصرلوكان‏موضوعاًلوجوب‏التمام، فهل‏هوتركه‏في تمام الوقت أو في جزء منه، وكلا الأمرين لايمكن، اما الأول فلأن لازمه‏وجوب‏الاعادة إذاانكشف‏الخلاف في‏الوقت، وهوخلاف‏النص والفتوى‏الفقهية.وأما الثاني فلأن لازمه تعدد الوجوب في وقت واحد وهو خلاف الضرورة.
الثانية والعشرون: إنه لايمكن حمل روايات الباب على الترتب في كلتاالمسألتين.
الثالثة والعشرون: إن ظاهر أدلة المسألتين من الآية الشريفة والروايات هوأن وجوب القصر مختص بالمسافر العالم به في الشريعة المقدسة وكذلك وجوب‏الجهر والاخفات، وحيث إن هذا التخصيص ممكن ثبوتاً فيتعين حينئذٍ الأخذبهذا الظهور في مقام الاثبات.
الرابعة والعشرون: إن مقتضى إطلاق الأدلة الأولية وجوب التمام على كل‏مكلف بتمام أصنافه، وقد وردت على إطلاق هذه الأدلة مجموعة من الاستثناء:
منها: استثناء المسافر العالم بوجوب القصر، بأن قرأت عليه آية التقصيروفسرت له.
ومنها: أن لايكون سفره معصية ولايكون السفر شغله ولا شغله في السفر،ونتيجة ذلك إن المستثنى من إطلاق تلك الأدلة حصة خاصة من المسافر وهي‏الذي كان يعلم وجوب القصر في الشرع ولايكون سفره معصية ولا شغلاً له ولاشغله فيه، والباقي كالمسافر الجاهل بوجوب القصر فيه، والذي يكون سفره‏معصية أو شغلاً له أو شغله فيه داخل في اطلاق الأدلة المذكورة ومحكوم بحكمهاوهو وجوب التمام.
فروع ...
الخامسة والعشرون: إنه إذا فرض عدم إمكان أخذ العلم بالحكم في مرتبةفي موضوع نفسه في مرتبة اُخرى‏، فلابد حينئذٍ من الالتزام بأن الواجب في‏المسألة الجامع بين القصر والتمام والجهر والاخفات، ولابدّ عندئذٍ من حمل‏نصوص الباب على ذلك بعدما لايمكن حملها على الترتب.
المسألة الثانية: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره(10)، من أن التزاحم كما كان يقع بين‏الواجبات الاستقلالية كذلك يقع بين الواجبات الضمنية، وقد ذكر لوقوع‏التزاحم بينها مجموعة من الأمثلة:
منها: ما إذا وقع التزاحم بين تحصيل الطهور في الصلاة وبين قيد آخر من‏قيودها الداخلية أو الخارجية، بأن لايتمكن المكلف من الجمع بينهما، فإن له‏قدرة واحدة فإن صرفها في الطهور عجز عن قيد آخر وإن عكس فبالعكس،ففي مثل ذلك ذكرقدس سره إنه لابدّ من تقديم الطهور على سائر واجباتها لأنه أهمّ منهاعلى أساس إنه واجب ركني.
ومنها: ما إذا وقع التزاحم بين خصوص الطهارة المائية وبين واجب آخرللصلاة، ففي مثل ذلك ذكرقدس سره إنه لابدّ من تقديم الواجب الآخر على الطهارةمعللاً بتقديم ماليس له البدل على ما له البدل في مقام المزاحمة.
ومنها: غير ذلك، ومن هنا يظهر إنه لايتصور التزاحم بين أركان الصلاة، لأن‏المكلف إذا لم يتمكن من ركن من أركانها فهو لايتمكن من الصلاة، فإذن لاصلاةولا وجوب لها حتى يتصور التزاحم بين أجزائها، ثم إنه لاحاجة لإطالة الكلام‏في بيان صور التزاحم بين أجزاء الصلاة وشرائطها بعضها مع بعضها الآخر بل‏ولا فائدة فيها، فالمهم في المقام إنما هو بيان إن التزاحم بين الواجبات الضمنيةكأجزاء الصلاة وشرائطها هل يتصور بحيث إنه لابد من الرجوع إلى مرجحاته‏لعلاج المزاحمة بينها، أو إنه لايتصور إلا بين‏الواجبات الاستقلالية، فيه قولان:
1 - فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى القول الأول، وقال إنه لا فرق في ذلك بين‏الواجبات الضمنيّة والاستقلالية، كما إنه إذا وقعت المزاحمة بين الواجبات‏الاستقلالية فلابدّ من تطبيق قواعد باب التزاحم عليها في ترجيح بعضها على‏بعضها الآخر، وعلاج المزاحمة بينها كذلك، إذا وقعت المزاحمة بين الواجبات‏الضمنيّة، فإنه لابد من تطبيق قواعد باب التزاحم عليها في ترجيح بعضها على‏بعضها الآخر.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره(11) بأن التزاحم لايتصور بين الواجبات‏الضمنيّة، لأنها جميعاً واجبة بوجوب واحد، فإن كان المكلف قادراً عليها فلاتزاحم، وإن لم يكن قادراً عليها ولو من جهة عدم قدرته على بعضها فقط سقطوجوبها بالعجز عنها، فإذن لا وجوب حتى تتصوّر المزاحمة بينها.
وعلى هذا فإن لم يكن دليل على وجوب الباقي من جديد، فلا وجوب حينئذٍلا للكل لمكان العجز ولا للباقي لعدم الدليل حتى يكون هناك تزاحم أو تعارض،وإن كان دليل على وجوب الباقي بوجوب جديد كما هو الحال في باب الصلاة،فعندئذٍ يقع التعارض بين دليلي الجزئين المتزاحمين للعلم الإجمالي بجعل أحدهمافي ضمن جعل الباقي، وحينئذٍ فإن كان لدليل أحدهما اطلاق دون الآخر فهوالمرجع، وإن لم يكن لدليل أيّ منهما اطلاق فالمرجع الأصل العملي، وإن كان‏لدليل كليهما اطلاق، يقع التعارض بينهما والمرجع فيه قواعد باب التعارض.
والصحيح ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، ويمكن تقريب ذلك بعدة وجوه:
الأول: إن الوجوب المتعلق بالصلاة مثلاً بما هو أمر اعتباري فلايعقل وجوده‏في عالم الخارج، وإلاّ لكان أمراً خارجياً لا اعتبارياً وهذا خلف، ومن هنا يكون‏وجوده وفعليته إنما هو بالاعتبار والجعل فحسب في عالم الذهن والاعتبار، ولاتتصور له فعلية اُخرى‏ غير هذه الفعليّة وهي فعليّته الاعتبارية في عالمها، ومتعلقه في هذا العالم هو مفهوم الصلاة الذهني لا واقعها الخارجي، وإلاّ لكان‏خارجياً لا اعتبارياً وهو كما ترى‏، وعلى هذا فالصلاة بمفهومها الذهني البسيطمتعلق‏للوجوب بما هواعتبار وبوجودها الخارجي متعلق لفاعليته ومحركيته التي‏هي‏أمرتكويني، وفعليةفاعليته في‏الخارج إنماهي‏بفعلية موضوعه‏فيه، فمتى تحقق‏تحققت فاعليته للمكلف نحو الاتيان بمتعلقه فيه، لوضوح إن الوجوب المتعلق‏بالصلاة في عالم الجعل والاعتبار إنما يكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحوالاتيان بهاإذاتحقق موضوعه في‏الخارج كدخول‏الوقت وكونه بالغاً عاقلاً قادراً لامطلقاً.
وعلى هذا فما هو متعلق بالصلاة في الخارج مباشرة هو فاعلية وجوبها وهي‏تنحل بانحلال أجزائها فتكون فاعليته لكل جزء إنما هي في ضمن فاعليته للكل‏لا بالاستقلال، فإذن يكون المراد من الوجوبات الضمنية للأجزاء الفاعليات‏والمحركيات الضمنية لها، وإلاّ فالوجوب بما هو اعتبار يستحيل أن يوجد في‏الخارج، تحصل من ذلك إن انحلال الوجوب بانحلال متعلقه في عالم الاعتباروالذهن غير متصور، وأما انحلاله بانحلال متعلقه في عالم الخارج فإنما هوبانحلال فاعليته فيه حقيقة لا نفسه، إذ لا وجود له فيه حتى ينحل، والموجودفيه إنما هو فاعليته لأنّها تنحل بانحلال أجزاء الصلاة خارجاً، فيكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بكل جزء من أجزائها في ضمن فاعليته الاتيان‏بالكل، وعلى هذا الأساس فإذا سقطت فاعليته عن جزء من الصلاة كفاتحةالكتاب مثلاً من جهة عجز المكلف عنها وعدم قدرته عليها، فبطبيعة الحال‏يكشف ذلك عن سقوط فاعليته عن الصلاة، وإلاّ فلايعقل سقوطها عن الجزءبدون سقوطها عن الكل وهو الصلاة، على أساس إن سقوطها عنه إنما هوبسقوطها عن الكل لا بالاستقلال، فإذا تعذّر الكل بتعذر الجزء فبطبيعة الحال‏تسقط فاعليته عنه، وبسقوطها عنه تسقط عن الجزء بل هو نفس السقوط عن‏الجزء لا أن له سقوطاً آخر، وحينئذٍ فإذا وقعت المضادّة المزاحمة بين جزئين من‏أجزاء الصلاة، بمعنى إنّ المكلف لايكون قادراً على الجمع بينهما فبطبيعة الحال‏سقطت‏فاعلية وجوب‏الصلاةومحركيته‏للمكلف نحوالاتيان‏بها ككل‏لمكان عجزه‏عنهاكذلك، فإذا سقطت فاعليته عن الصلاة كذلك، سقطت فاعليته عن الجزئين‏المتضادّين منها أيضاً، على أساس إن فاعليته لكل جزء إنما هي بنفس‏فاعليته‏للكل لابالاستقلال، كما إنّ سقوطها عن الجزء إنما هو بنفس سقوطها عن‏الكل‏لابسقوطآخر. فإذن‏لامقتضى للتزاحم‏بينهما ولاموضوع له، فإنه‏إذاسقطت‏فاعليته عن‏الصلاة التامة لمكان‏العجز عنها، سقطت فاعليته عن‏كل جزء من‏أجزائها، فإذن‏كيف تتصوّرالمزاحمة بين‏فاعليته لجزءوفاعليته لجزءآخر إذاكانت‏بينهما مضادّة ولايمكن الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، فإن معنى ذلك إن فاعليته‏عن‏الكل وهوالصلاة التامة لم تسقط وهذا كماترى‏، لأنه من‏التكليف بالمحال.
فالنتيجة، إنه إذا تعذّر أحد جزئين من أجزاء الصلاة سقطت فاعلية وجوبهابمرتبتها التامة، وأما وجوبها بمرتبتها الناقصة بوجوب جديد فهو بحاجة إلى‏دليل ولا دليل عليه إلا في باب الصلاة فإنها لاتسقط بحال، ومقتضى‏ ذلك تعلق‏الوجوب الجديد بسائر أجزاء الصلاة مع أحد الجزئين المتزاحمين لا بعينه أوتعلقه بها مع أحدهما المعيّن، فإذن تقع المعارضة بين دليلي الجزئين إذا كان لكل‏من الدليلين اطلاق، ويرجع حينئذٍ إلى قواعد باب التعارض دون التزاحم.
الوجه الثاني: إن الجزئين المتزاحمين لايخلوان من أن يكون مجموعهما معاًمؤثراً في ملاك الواجب المطلوب للمولى‏ مطلقاً أو مخصوصاً بحال القدرة أوأحدهما المعيّن مؤثراً فيه مطلقاً دون الآخر أو الجامع بينهما ولا خامس في البين،وعلى جميع هذه التقارير لايتصور التزاحم بين واجبين ضمنيين.
أماعلى التقديرالأول، فلأن‏التكليف المتعلق بالصلاة بتمام‏أجزائها ساقط بملاك‏عجز المكلف عن تحصيل الملاك منها، على أساس عجزه من الجمع بين الجزئين‏المتزاحمين الذين يكون مجموعهما معاً مؤثراً فيه لا كل واحد منهما مستقلاً.
وأما على التقدير الثاني، فيلزم ثبوت التكليف بسائر الاجزاء فقط، باعتبارأن تأثيرهما معاً في الملاك مخصوص بحال القدرة على الجمع بينهما، وأما في حال‏عجز المكلف عنه فلا تأثير لهما فيه، فإذن يكون الملاك في سائر الأجزاء تاماًوهو يقتضي تعلق التكليف بها من جديد، وأما بالنسبة إلى هذين الجزئين‏المتزاحمين، فلاتكليف لا بكليهما معاً لعدم القدرة ولا بأحدهما المعيّن لعدم دخله‏في الملاك كذلك ولا بأحدهما غير المعيّن بنفس الملاك.
وأما على التقدير الثالث، فلأن التكليف فيه متعلّق بسائر الأجزاء مع الجزءالمؤثر في الملاك دون الآخر لكي يقع التزاحم بينهما، لفرض عدم دخله في الملاك‏في هذا الحال.
وأما على التقدير الرابع، فلأن التكليف فيه متعلق بسائر الأجزاء مع الجامع‏بين الجزئين لا بكل واحد منهما لتقع المزاحمة بينهما، فالنتيجة إنه لايتصورالتزاحم بين الجزئين المتزاحمين على جميع هذه التقادير والفروض، ولكن هذه‏التقادير والفروض جميعاً افتراضيته لا تتعدى عن مجرد الافتراض والتصور إلى‏الواقع الخارجي.
الوجه الثالث: إن فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين يتطلب أن‏يكون كل منهما مجعولاً في الشريعة المقدسة على الموضوع المفروض الوجود في‏الخارج، وهو المكلف البالغ العاقل القادر عليه في مرحلة الامتثال مشروطاًبترك الآخر على أساس التقييد اللبّي العام، ولا مانع من جعل كليهما كذلك على‏القول بإمكان الترتب كما هو الحال في الواجبين الاستقلالين هذا.
ولكن لايمكن الالتزام بأن الوجوب الضمني المتعلق بكل من الجزئين‏مشروط بترك الآخر لباً أما من الطرفين أو من الطرف الواحد، وذلك لأن‏الوجوب الضمني حيث إنه جزء تحليلي للوجوب المتعلق بالكل ولا وجود له إلإ؛ع‏%خ‏خ‏بوجوده ولا داعوية له إلاّ بداعويته، فلا يعقل أن يكون مشروطاً بشي‏ء دون‏الوجوب المتعلق بالكل، بأن يكون مطلقاً مع أنه لا وجود له إلاّ بوجوده ولاإطلاق له إلا بإطلاقه ولا إشتراط له إلا باشتراطه وإلاّ لزم خلف فرض كونه‏جزءً تحليلياً له، ضروره أنه لوكان مشروطاً بشي‏ء دون الوجوب الاستقلالي،لزم أن يكون له وجود مستقل إعتباراً وجعلاً وهو خلف فرض كونه ضمنياً،فإذن يستحيل فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين، لأن فرض وقوعه‏بينهما يستلزم فرض المحال وهو أن يكون الوجوب الضمني مشروطاً بشي‏ء دون‏الوجوب الاستقلالي.
وإن شئت قلت: إن التزاحم بين جزئين يتطلب تقييد وجوب كل منهما بعدم‏الاشتغال بالآخر إذا كانا متساويين، وتقييد وجوب أحدهما فقط إذا كان الآخرأهم منه، وحيث إنه لا وجود للوجوب الضمني إلاّ بوجود الوجوب‏الاستقلالي، فبطبيعة الحال اشتراطه بشي‏ء إنما هو باشتراط الوجوب‏الاستقلالي به لا مستقلاً وإلاّ لزم الخلف كما عرفت، وعليه فإذا فرض أن‏وجوب القيام في الصلاة من جهة مزاحمته مع وجوب الركوع مشروط بعدم‏الاشتغال بالركوع، فإنه لايعقل إلاّ باشتراط وجوب الصلاة بعدم الاشتغال به،وهذا مردّه إلى أنّ وجوب الصلاة مشروط بتركها، باعتبار إن تركها يتحقق‏بترك الركوع وهو كما ترى‏، فلذلك لايمكن فرض التزاحم بين واجبين ضمنيين.
الوجه الرابع: إن فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين يقتضي فعليةوجوب كل منهما عند ترك الاشتغال بالآخر، كما كان الأمر كذلك فيما إذا كان‏التزاحم بين واجبين استقلاليين، وحيث إن الوجوب الضمني جزء تحليلي‏للوجوب الاستقلالي، فهل يمكن أن يكون الوجوب الاستقلالي أيضاً فعلياً في‏هذه الحالة أو لا؟
والجواب: إن كلا الفرضين لايمكن، أما الأول، فلأن الوجوب الاستقلالي‏لوكان فعلياً لزم التكليف بغير المقدور وهو الاتيان بالصلاة بتمام أجزائها، وهوغير مقدور من جهة عدم القدرة على الجمع بين الجزئين المتزاحمين منها.
وأما الثاني، فلأن فعلية الوجوب الضمني إنما هي بفعلية الوجوب‏الاستقلالي، ولايعقل أن يكون فعلياً بدون فعلية الوجوب الاستقلالي وإلاّ لزم‏خلف فرض كونه ضمنياً، فإذا فرض وقوع التزاحم بين وجوب القيام في‏الصلاة ووجوب الركوع فيها بمعنى أن المصلي غير قادر على الجمع بينهما، فإذاصلى قائماً فلايقدر على ركوع القائم عن قيام وإذا صلّى جالساً كان يقدر على‏ركوع الجالس عن جلوس، فإذا دار الأمر بينهما، كان وجوب كل منهمامشروطاً بترك الاشتغال بالآخر، ومعه يكون وجوب كليهما فعلياً، ومن‏الواضح إن فعلية وجوبهما معاً لايمكن إلاّ بفعلية وجوب الكل لا بالاستقلال،والفرض إن فعلية وجوب الكل مستحيلة لاستلزامها التكليف بالمحال، ومعه‏كيف يعقل فرض وجود التزاحم بين وجوبين ضمنيين.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي إنه لايمكن تطبيق قواعدباب التزاحم على الجزئين المتزاحمين من الصلاة ونحوها، بل لابد من تطبيق‏قواعد باب التعارض على دليليهما إذا كان لكل منهما إطلاق، وإلاّ فإن كان‏لأحدهما إطلاق دون الآخر فهو المرجع، وإن لم يكن لشي‏ء منها إطلاق،فالمرجع الأصل العملي كما تقدّم.
قد يقال كما قيل: إن عدم إمكان وقوع التزاحم بين جزئين من أجزاء الصلاةمثلاً إنما هو فيما إذا كان الأمر متعلقاً بالصلاة بما لها من الأجزاء والشرائطبعناوينها الأولية، وأما إذا كان متعلقاً بها بما لها من الأجزاء والشرائط المقدورة،فلا مانع من تطبيق قواعد باب التزاحم على الجزئين المتزاحمين منها، على‏أساس إن الواجب على المكلف حينئذٍ هو الصلاة المركبة من الأجزاء المقدورةوالأمر متعلق بها بهذا العنوان، وعلى هذا فإذا وقع التزاحم بين جزئين فترك كل‏منهما محقق للقدرة على الآخر.
ونتيجة هذا، إن كلاً منهما مقدور عند ترك الآخر فيكون متعلقاً للوجوب‏الضمني، على أساس إن الوجوب الاستقلالي تعلق بالأجزاء المقدورة خاصة،وعلى ذلك فلا يرد عليه شي‏ء من الوجوه المتقدّمة.
أما الوجه الأول: فهو مبني على أن يكون الواجب كالصلاة مركباً من‏الأجزاء بعناوينها الأولية، فإنه حينئذٍ لا محالة يسقط الوجوب عن الصلاة التامةلمكان عجز المكلف عنها، وأما إذا كان الواجب هو الصلاة المركبة من الأجزاءالمقدورة، فلايسقط الأمر بالعجز عن بعض أجزائها وإنما يسقط عن ذلك البعض‏فقط بالتعذّر دون البقيّة.
وأما الوجه الثاني: فلأن المؤثر في الملاك إنما هو الجزء المقدور لا كلا الجزئين‏المتزاحمين معاً، والمفروض إن كلاً منهما عند ترك الآخر مقدور، فيكون مأموراًبه على هذا التقدير ومؤثراً فيه، وهذا هو معنى الترتب.
وأما الوجه الثالث: فلأن محذور الخلف أو كون الوجوب الاستقلالي‏مشروطاً بترك جزئه، إنما يلزم إذا كان الأمر متعلقاً بالصلاة المركبة من الأجزاءبعناوينها الأولية، وأما إذا كان متعلقاً بها بعنوان المقدور من أجزائها لا مطلقاً فلايلزم شي‏ء من المحذورين، لأن كلا من الجزئين المتزاحمين على تقدير عدم‏الاشتغال بالآخر مقدور، فيكون مأموراً به بالأمر المتعلق بالكل ضمناً، مثلاً إذإ؛ع(خ‏خ‏فرض وقوع المزاحمة بين القيام في الصلاة والركوع فيها، فبطبيعة الحال يكون‏الأمر الضمني المتعلق بكل منهما مشروطاً بترك الآخر، باعتبار إنه مقدور في هذه‏الحالة، وعليه فلا محالة يكون الأمر المتعلق بالكل أي بالأجزاء المقدورة مع‏القيام مشروطاً بترك الركوع وبالعكس في مفروض المسألة، لأن الصلاة مع‏القيام بدون الركوع وبالعكس مقدورة، ولا مانع حينئذٍ من تعلق الأمر بها مع‏القيام مشروطاً بترك الركوع وبالعكس. وهذا معنى إن ما يكون شرطاً للأمرالضمني فهو في الحقيقة شرط للأمر الاستقلالي.
وأما الوجه الرابع: فلأن محذور الخلف أو طلب الجمع بين الضدّين إنما يلزم‏فيما إذا كان الأمر متعلقاً بالصلاة المركبة من الأجزاء بعناوينها الأولية، وأما إذاكان متعلقاً بها بعنوان المقدور بمعنى إنه يدور مداره سعةً وضيقاً فلايلزم شي‏ء من‏هذين المحذورين، لأن الأمر إذا كان متعلقاً بالأجزاء المقدورة، فهي تنطبق على‏سائر الأجزاء مع أحد الجزئين المتزاحمين لا أكثر، ومن المعلوم إن طلبها حينئذٍليس من طلب الجمع بين الضدّين، ولكن مع هذا لايتم هذا القيل:
أما أولاً: فلأنه مجرد إفتراض لا واقع موضوعي له، لأن الأمر المتعلق‏بالواجبات المركبة كالصلاة والصيام والحج ونحوها جميعاً متعلق بها بعناوينهاالأولية من دون أخذ عنوان ثانوي فيها كعنوان المقدور، لوضوح إن الأمر في‏باب الصلاة تعلق بها بعنوانها الخاص وباسمها المخصوص المميّز وهي عبارة عن‏الأجزاء الخاصة المقيّدة بقيود كذلك بعناوينها الأولية المخصوصة بدون أخذعنوان المقدور فيها، وعلى هذا فلا يمكن فرض وقوع التزاحم بين جزئين أوجزء وشرط منها لما تقدم من المحاذير، وكذلك الحال في سائر الأبواب.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إن الأمر المتعلق بالواجبات المركبةتعلق بها بعنوان المقدور من الأجزاء والقيود لا مطلقاً، إلاّ أنه مع ذلك لاتنطبق‏قواعد باب التزاحم وأحكامه على‏الجزئين المتزاحمين، لأن‏مورد هذه القواعد هوما إذا كان هناك أمران مجعولان في الشريعة المقدسة ومتعلقان بفعلين يقع‏التزاحم بينهما في مرحلة الامتثال من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في‏هذه‏المرحلة، فعندئذٍيكون تطبيق‏قواعد باب‏التزاحم عليهمامنوط بتوفّرأمرين:
الأول: الالتزام بالتقييد اللبّي العام وهو تقييد كل خطاب شرعي بعدم‏الاشتغال بضدّ واجب لايقل عنه في الأهميّة.
الثاني: إمكان القول بالترتب، فإذا كان هذان الأمران متوفرين فيهما، جرى‏عليهما أحكام التزاحم وقواعده لعلاج المزاحمة بينهما، وأما إذا لم يكونا متوفرين‏فيهما معاً وإن كان أحدهما متوفراً فيدخلان في باب التعارض، وحينئذٍ لابد من‏الرجوع إلى قواعد بابه وتطبيقها عليهما لعلاجها.
وأما إذا كانت القدرة قيداً للواجب، بأن يكون الأمر متعلقاً بالمركب من‏الأجزاء المقدور فحسب، وحينئذٍ فإذا وقع التزاحم بين جزئين من أجزائه، كان‏متعلق الأمر الضمني التحليلي هو الجامع بينهما، لأنه مقدور دون كل واحد منهمافي عرض الآخر فإنه غير مقدور، ولايمكن جعل أمرين ضمنيين بهما في عرض‏واحد بجعل الأمر بالكل بل المجعول أمر ضمني واحد متعلق بالجامع بينهما وهوعنوان أحدهما باعتبار إنه مقدور، وحينئذٍ فلا موضوع للتزاحم، لأنه إنمايتصور بين أمرين مجعولين على موضوعه المقدر وجوده في الخارج، ولكن في‏ظرف الامتثال قد يقع التزاحم بينهما من جهة عدم قدرة المكلف على امتثال‏كليهما معاً فيه، والمفروض إن المجعول في المقام أمر ضمني واحد بجعل الأمربالكل وهو الأمر الضمني المتعلق بأحد الجزئين المتزاحمين على أساس إنه‏مقدور، ومن الطبيعي إن التزاحم لايتصور في أمر واحد، هذا كله بالنسبة إلى‏الأمر الاستقلالي المتعلق بالكل المنحل إلى أوامر وفواعل ضمنية.
وأما بالنسبة إلى أدلة الأجزاء والشرايط فلايكون هناك تزاحم، لأن‏التزاحم بينهما إنما يتصور فيما إذا كان مفادها حكماً مولوياً مستقلاً، وأما إذا كان‏إرشادياً كما هو كذلك فلا يجري بينها تزاحم، اذ لا مانع من أن يكون مفادهاالارشاد إلى الجزئية أو الشرطية مطلقاً حتى في حال العجز، غاية الأمر يسقطحينئذٍ التكليف الاستقلالي المتعلق بالمجموع رأساً لكي لايلزم التكليف بالمحال،وإذا علمنا من الخارج إن التكليف لم يسقط كما في الصلاة، وقع التعارض بين‏إطلاق دليلي الجزئين المتزاحمين على أساس العلم الإجمالي بانتفاء أحد الجزئين‏واستحالة جعل كليهما معاً في هذه الحال، هذا إضافة إلى أنّ مفادها لوكان حكماًتكليفياً فهو حكم ضمني لااستقلالي، وإلاّ لزم أن تكون هناك واجبات متعددةمستقلة وهو كما ترى، إلى هنا وقد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أنّ التزاحم بين‏أجزاء وشرائط واجب واحد كالصلاة مثلاً بعضها مع بعضها الآخر غير معقول،لأن مقتضى القاعدة عند تعذّر أحد الجزئين أو الشرطين سقوط الوجوب عن‏الكل ووجوب الباقي من جديد بحاجة إلى دليل على تفصيل تقدّم.
هذا تمام كلامنا في بحث الترتب وأركانه إمكاناً واستحالةً وما ترتبط به من‏المسائل المهمة، وأماالكلام في‏الفرق بين التعارض والتزاحم وبيان مرجحات كل‏من البابين بشكل موسع فيأتي في باب التعادل والترجيح، لأنه المورد المناسب له‏دون المقام، وأما الفروع الفقهية التي تدور بين أجزاء واجب واحد كالصلاةمثلاً، فقد ظهر حالها مما تقدّم فلاحاجة إلى إطالة الكلام فيها بأكثر من ذلك.

الأمر بالشي‏ء هل يمكن مع علم الآمر بانتفاء شرطه ...


فصل‏
الأمر بالشي‏ء هل يمكن مع علم الآمر بانتفاء شرطه‏
الشروط المتصوّرة في المقام على ثلاثة أنواع:
الأول: شروط الجعل الذي هو فعل اختياري للمولى‏ كسائر أفعاله‏الاختيارية.
الثاني: شروط الحكم ونقصد بها ما هو دخيل فيه.
الثالث: شروط متعلق الحكم وهو المأمور به ونقصد بها قيوده الوجوديةوالعدمية.
أما النوع الأول، فهو متمثل في مبادي الفعل الاختياري من التصور والتصديق وغيرهما مما هو دخيل في وجوده، لأن كل فعل إختياري يكون معلولاًلعلة سابقة وهي إرادة الفاعل وسلطنته وإعمال قدرته على تفصيل تقدم في محله.
وأما النوع الثاني، فهو متمثل في قيود مأخوذة في موضوع الدليل في مرحلةالجعل بنحو القضية الحقيقية كالاستطاعة المأخوذة في موضوع دليل وجوب‏الحج والوقت والعقل والبلوغ ونحوها، فإن هذه القيود شروط للحكم في مرحلةالجعل ومأخوذة قيداً له في هذه المرحلة ولاتصاف الفعل بالملاك في مرحلةالمبادي، وتتوقف فعلية فاعلية الحكم على تحقق هذه الشروط في الخارج، كما ان‏فعلية اتصاف الفعل بالملاك متوقفة على تحققها فيه.
وأما النوع الثالث، فهو متمثل في قيود المأمور به وشروطه الدخيلة في‏ترتب الملاك عليه في الخارج، وبذلك تفترق عن شروط الحكم فإنها دخيلة في‏اتصاف الفعل المأمور به بالملاك لا في ترتبه عليه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن النوع الأول من الشرط خارج عن محل الكلام في‏المسألة، ضرورة استحالة تحقق الفعل الاختياري من الفاعل المختار بدون تحقق‏شرطه وعلته، وكذلك النوع الثالث فإنه أيضاً خارج عن محل الكلام، لأن محل‏الكلام في المسألة إنما هو في إمكان أمر الآمر بشي‏ء مع علمه بانتفاء شرطه، ومن‏الواضح إن انتفاء شرط المأمور به لايمنع عن الأمر به، ضرورة إنه لا مانع من‏الأمر بالصلاة في الشريعة المقدسة وإن علم الآمر بعدم توفر شروطها، غايةالأمر إذا لم تتوفر شروطها حين امتثالها والاتيان بها، سقطت فاعلية الأمرالمتعلق بها لمكان عجز المكلف عنها وعدم قدرته عليها في ظرف الامتثال لاأصله جعلاً، فإذن يكون محل الكلام في النوع الثاني وهو شروط الحكم.
ثم إن عدم إمكان صدور الأمر الحقيقي من المولى‏ مع علمه بانتفاء شرطه‏يكون واضحاً، على أساس إن الغرض الداعي للمولى‏ إلى الأمر بشي‏ء هو امكان‏داعويته للمكلف نحو الاتيان به وانبعاثه عنه على تقدير انقياده ووصول‏التكليف إليه، ومن الطبيعي إنّه مع انتفاء شرطه، يستحيل أن يكون الأمر داعياًفي نفس المكلف ومحركاً له لاستحالة انبعاثه عنه.
والخلاصة: إن صدور الأمر من المولى‏ مع علمه بانتفاء شرط فعلية فاعليته‏في الخارج لغو وجزاف، لأن الغرض من الأمر الصادر منه هو إيجاد الداعي في‏نفس المكلف وانبعاثه، ومع انتفاء شرط فعليته يستحيل انبعاثه عنه وإن كان‏منقاداً، لأن الأمر بوجوده الجعلي لايكون داعياً ومحركاً، وإنما يكون داعياًومحركاً بفعلية فاعليته في الخارج، فإذا استحالت فعليتها فيه من جهة انتفاءشرطها وموضوعها استحالت داعويته ومحركيته للمكلف وانبعاثه عنه وإن كان‏بكامل‏الانقياد، فإذن لامحالة يكون‏لغواً وصدوراللغومن‏المولى‏ الحكيم مستحيل.
وهنا تفصيلان في المسألة:
الأول: من المحقق الخراساني‏قدس سره.
الثاني: من السيد الاُستاذقدس سره.
أما الأول، فهو متمثل في التفصيل بين الأمر الحقيقي والأمر الامتحاني(12)،فلايجوز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه في الأول ويجوز في الثاني.
وأما الثاني، فهو متمثل في التفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط مستنداً إلى‏نفس جعل الأمر وصدوره من المولى‏ بعنوان المولوية، وما إذا كان انتفائه مستنداًإلى سبب آخر في مرتبة سابقة على الأمر، فعلى الأول يجوز دون الثاني(13).
أما التفصيل الأول فهو ليس قولاً بالتفصيل في المسألة حقيقة، بل هو بيان إن‏أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه لايعقل في الأمر الحقيقي، وأما في الأمرالامتحاني فلا مانع منه، باعتبار إن الغرض منه يحصل بمجرد جعله وصدوره من‏المولى‏ وهو الامتحان، ومن هنا فالأمر الامتحاني ليس بأمر حقيقة وروحاًولايكون مشروطاً بشي‏ء حتى يقال إنه يجوز أمر الآمر به مع علمه بانتفاءشرطه أو لايجوز.
وأما التفصيل الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره إنه لابد من الفرق بين ما إذاكان انتفاء الشرط مستنداً إلى نفس جعل الحكم وإنه السبب والموجب له، ومإ؛ف/للَّه‏هإذا كان مستنداً إلى عدم قدرة المكلف أو إلى جهة اُخرى‏ في المرتبة السابقة.
فعلى الأول لا مانع من جعله أصلاً إذا كان الغرض منه عدم تحقق شرطه‏وموضوعه في الخارج من دون فرق بين أن يكون جعله بنحو القضية الحقيقية أوالخارجية، كما إذا قال المولى‏ لعبده أو الأب لابنه إن كذبت فعليك دينار مع علمه‏بأن جعل وجوب الدينار عليه على تقدير كذبه مانع عن صدور الكذب منه،لأن هذا هو الغرض من جعله، ومن هذا القبيل جعل الكفارات على الافطارالعمدي في نهار شهر رمضان فإن الغرض منه سد باب الإفطار العمدي فيه، كماإن الغرض من جعل الحدود على السرقة والزنا واللواط ونحوها هو سدّ باب‏هذه المحرمات في الخارج، حيث إنه يكشف عن اهتمام الشارع بخلوّ المجتمع عن‏تلك المحرمات نهائياً لأنها تفسد المجتمع خلقياً، وكذلك الغرض من جعل الديات‏والقصاص على القاتل للنفس المحترمة، حيث إن في القصاص حياة كما في‏الكتاب العزيز.
والخلاصة، إن الغرض من الأمر إن كان إيجاد الداعي في نفس المكلف‏وتحريكه نحو الاتيان بالمأمور به في الخارج، فلايعقل صدوره من المولى‏ مع‏علمه بانتفاء شرطه لأنه لغو كما مرّ، وإن كان الغرض منه إيجاد الداعي على نفي‏موضوعه وشرطه في الخارج وإنه الغاية القصوى‏ منه كما هو الحال في الأوامرالثانوية التي تتضمن العقوبات الدنيوية بغاية تنفيذ الأحكام الأولية وعدم‏مخالفتها في الخارج فلا مانع منه هذا.
والصحيح في المقام أن يقال: إنه لا فرق بين الأحكام الثانوية المجعولة بغايةمنعها عن تحقق شرطها وموضوعها في الخارج كأحكام القصاص والديات‏والحدود والكفارات، وبين الأحكام الأولية المجعولة بغرض امكان إيجاد الداعي‏في نفس المكلف نحو الفعل أو الترك، فكما إن فعل هذه الأحكام مستحيل إذإ؛ف.خ‏خ‏استحالت داعويتها ومحركيتها للمكلف من جهة انتفاء شرط من شروطهاكالقدرة ونحوها، فكذلك جعل تلك الأحكام وهي الأحكام الثانوية الجزائية إذااستحالت داعويّتها للمكلف نحو إعدام شروطها وموضوعاتها في الخارج، كماإذا كان المكلف عاجزاً عن إيجادها وغير قادر عليه، وحينئذٍ فيكون جعلها عليه‏لغواً، مثلاً إذا كان الشخص لايقدر على السرقة بسبب أو آخر طول حياته،فكما إنّ جعل حرمة السرقة عليه بنحو القضية الشخصية الخارجية يكون لغواً،فكذا جعل حدّها عليه على تقدير السرقة، نعم إن فرض ذلك في القضاياالحقيقية لايمكن عادة لا في الأحكام الأولية ولا في الأحكام الثانوية، ولو فرض‏في مورد إن المولى‏ كان يعلم بانتفاء شرط فعلية تكليف فيه إلى يوم القيامة،استحال عليه أن يجعله لأنه لغو.
وأما في القضايا الشخصية الخارجية، فيتفق ذلك في كلا النوعين من‏الأحكام، فكما إنّ جعل الحكم من النوع الأول مع علم الجاعل بانتفاء شرطه في‏الخارج لايمكن، فكذلك جعل الحكم من النوع الثاني مع علم الجاعل بانتفاءشرطه فيه لايمكن بلا فرق بينهما من هذه الناحية.
وإن شئت قلت: إنّ هذه الأوامر الثانوية تكشف عن اهتمام المولى‏ بعدم وقوع‏الأعمال الإجرامية المحرّمة في المجتمع الإسلامي كقتل النفس المحترمة والسرقةوالزنا وغيرها وقلع مادتها عن المجتمع لأنها تفسد المجتمع وتؤدّي إلى انهياره‏وانحطاطه، فإذن الغاية من تلك الأوامر التشديد والضغط على الناس بعدم‏ارتكاب تلك الأعمال الإجرامية المحرمة، وأما لو فرضنا إنّ الناس كانوا منقادين‏للابتعاد عن تلك الأعمال نهائياً ولايحتمل صدورها منهم أو كانوا غير قادرين‏على ارتكابها واقتحامها وعاجزين عنه، فعندئذٍ وجود تلك الأوامر وعدمهابالنسبة إليهم على حدّ سواء فلا يؤثر في أنفسهم أصلاً، فلا محالة يكون صدورهابالنسبة إليهم لغواً وجزافاً، هذا نظير ما إذا علم المولى‏ بأن خادمه لايخالفه في‏يوم الجمعة أصلاً، ومع هذا إذا قال له إن خالفتني في يوم الجمعة فعليك كذا وكذاكان لغواً، إذ لا تأثير له بالنسبة إليه أصلاً فيكون بنظره مجرد لقلقة اللسان.
والخلاصة، إن المسألة باطلة برأسها وليس لها معنى معقول ومحصل لا في‏الخطابات الأولية ولا في الخطابات الثانوية.
وأما المحقق النائيني‏قدس سره، فقد ذكر إنّ المسألة باطلة(14) ولكن لا من جهة ماذكرناه، بل من جهة إن مرجع النزاع فيها إلى النزاع في أن علم الآمر بانتفاءالشرط هل هو دخيل في انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه أو غير دخيل فيه، ومن‏الواضح إنه لامعنى لهذا النزاع، ضرورة إنّ الأحكام الشرعية مجعولة بنحوالقضايا الحقيقية وتدور فعليتها مدار فعلية موضوعها في الخارج بدون دخل‏لعلم الآمر فيه لا وجوداً ولا عدماً، وغير خفي إن بطلان المسألة ليس من جهةما ذكره‏قدس سره، لأنه مبني‏على إن علم الآمر بانتفاء الشرط المأخوذ في عنوان المسألةقد لوحظ بنحو الموضوعيّة مع إن الأمر ليس كذلك، ضرورة إنه ملحوظ بنحوالطريقية بل بطلانها من جهة ما ذكرناه، إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي‏إن مسألة إمكان أمر الآمر بشي‏ء مع علمه بانتفاء شرطه وعدم امكانه لاترجع‏إلى معنى معقول، لما عرفت من استحالة أمر الآمر بشي‏ء مع علمه بانتفاء شرطه‏بلا فرق في ذلك بين الأحكام الأولية والأحكام الثانوية، ومن هنا يظهر أن ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل بينهما والبناء على عدم الجواز في الأحكام‏الأولية والجواز في الأحكام الثانوية، لايمكن المساعدة عليه وقد تقدم تفصيله،كما إنه لا وجه للتفصيل بين الأوامر الحقيقية والأوامر الامتحانية كما ذكره‏صاحب الكفايةقدس سره، هذا تمام كلامنا في جواز أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه.


متعلق الأمر هل هو الطبيعي أو الفرد ...
فصل‏
في متعلق الأمر هل هو الطبيعي أو الفرد
والجواب: إنه فيه مجموعة من النظريات:
الاُولى: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره(15) من أن هذه المسألة إما مبنيّة على‏مسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج أو عدم امكان وجوده فيه، فعلى الأول‏يكون الأمر في هذه المسألة متعلقاً بالطبيعة، وعلى الثاني بالفرد، أو أنها مبنيةعلى مسألة إن الأصل في الأشياء الوجود أو الماهيّة، فعلى القول بأصالة الوجوديتعلق الأمر في هذه المسألة بالفرد، وعلى القول بأصالة الماهية بالطبيعة هذا.
والصحيح إن النزاع في هذه المسألة لايرتبط بالنزاع في المسألة الفلسفية لابالمسألة الاُولى‏ ولا الثانية.
أما في المسألة الاُولى‏، فلأن النزاع فيها إنما هو في أنّ الطبيعي هل هو موجودفي الخارج بالذات والحقيقة أو أن الموجود فيه كذلك هو الفرد والطبيعي موجودبوجوده بالعرض، وأما النزاع في هذه المسألة فهو لايبتني على ذلك، بل لو قلنافي تلك المسألة بعدم وجود الطبيعي في الخارج بالذات والحقيقة فمع ذلك لا مانع‏من القول في هذه المسألة بتعلق الأمر بالطبيعة، إذ يكفي في صحة تعلقه بهاوجودها بوجود فردها في الخارج بالعرض، لوضوح إن الطبيعة وإن قلنا بعدم‏وجودها فيه بالذات إلاّ أنه لا شبهة في وجودها بوجود فردها بالعرض بشهادةصحة حملها عليه بالحمل الشايع كقولنا زيد إنسان وهذه صلاة وهكذا، وصحةالحمل بالحمل الشايع لايمكن إلاّ إذا كان المحمول متحداً مع الموضوع في الخارج،وإن شئت قلت: إنه لاشبهة في صحة حمل الطبيعي على فرده في الخارج بالحمل‏الشايع، وإن قلنا: في تلك المسألة بعدم وجوده فيه بالذات، فإنها تكشف عن أنه‏وإن لم يكن موجوداً بالذات في الخارج إلاّ أنه موجود بوجود فرده فيه وهذاالمقدار يكفي في صحة تعلق الأمر به.
فالنتيجة، إن النزاع في هذه المسألة لايرتبط بالنزاع في تلك المسألة الفلسفية،فإنه وإن قلنا بعدم وجود الطبيعي في الخارج بالذات والحقيقة، فمع ذلك لا مانع‏من القول في هذه المسألة بتعلق الأمر به لا بالفرد بل لا مناص من الالتزام بذلك،لأنه إن اُريد بتعلق الأمر بالفرد تعلقه بالفرد الخارجي مباشرة، فهو من أوضح‏انحاء طلب الجاهل، وإن اُريد به تعلقه بمفهومه المشار به إلى الفرد المفروغ عنه‏وجوده في الخارج، فأيضاً يلزم محذور طلب الحاصل، وإن اُريد به تعلقه‏بمفهومه بما هو فانه في الخارج ومرآة له أي مفهومه بالحمل الأولي لا بالحمل‏الشايع وهو الصورة الذهنية الموجودة في عالم الذهن التي هي معروضة بالذات‏والخارج معروضة بالعرض، فهو وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لا دليل عليه في‏مقام الاثبات، وسوف نشير إلى تفصيله بأكثر من ذلك.
وأما في المسألة الثانية، فلأن النزاع فيها إنما هو في أنّ الموجود في الخارج‏الماهية والوجود منتزع منها، لأن معنى جعل الماهية تكويناً إفاضة نفسهاوصدورها وفيضانها من جاعلها وينتزع منها إنها موجودة، أو الوجود فإنه‏المجعول من الجاعل والماهية منتزعة منه بحدّه، وعلى هذا فالفرد على القول‏بأصالة الماهية في المسألة متمثل بالماهية الخارجية، وعلى القول بأصالة الوجودفيما متمثل بالوجود الخارجي، وأما الطبيعة الكلية في عالم الذهن، فهي على كلاالقولين في المسألة مفهوم انتزاعي ذهني ولايعقل أن يكون مجعولاً تكويناً، وعلى‏ضوء ذلك فلايرتبط النزاع في هذه المسألة بالنزاع في تلك المسألة الفلسفية،ولايمكن أن يكون تعلق الأمر بالفرد في هذه المسألة مبنياً على القول بأصالةالوجود في تلك المسألة، وتعلّقه بالطبيعة مبنياً على القول بأصالة الماهيّة فيها،ضرورة إن الطبيعة مفهوم إنتزاعي ذهني كما مرّ، فلايعقل أن يكون مجعولاًتكويناً، كيف فإن الجعل عين المجعول في الخارج وهو نفس الفرد فيه.
إلى‏ هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ النزاع في هذه المسألة لايرتبطبالنزاع في مسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج وعدم إمكانه فيه ولا بمسألةأصالة الوجود والماهيّة.
النظرية الثانية: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره(16) من أن النزاع في هذه المسألةمبني على مسألة فلسفيّة، وهي إنّ معروض الوجود والإيجاد الخارجي هل هوالماهية الشخصية في المرتبة السابقة أو ذات الماهية والطبيعية ويكون تشخصهابالوجود نفسه، فعلى الأول يكون متعلق الأمر الفرد لا الطبيعة على أساس إن‏الإرادة التكوينيّة على هذا القول دائماً تتعلق بإيجاد الماهية والطبيعة الشخصية،وعليه فلابد أن تكون الارادة التشريعية متعلّقة به، باعتبار إنها تتعلق بنفس ماتعلّقت به الإرادة التكوينية ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
وعلى الثاني يكون متعلق الأمر الطبيعة وذات الماهيّة على أساس أن الإرادةالتكوينيّة على هذا القول تتعلّق بها، فإذن لا محالة تكون الإرادة التشريعيةمتعلقة بها.
والخلاصة، إنّ مسألتنا هذه ليست مسألة مستقلّة بل هي مربوطة بهذه‏المسألة الفلسفيّة وتدور مدارها، وعلى هذا فتظهر الثمرة في المقام بين القول بتعلّق‏الأمر بالفرد والقول بتعلقه بالطبيعة في مسألة اجتماع الأمر والنهي، فإنه على‏القول بتعلق الأمر في المسألة بالماهية الشخصيّة المتمثلة بالفرد وكذلك النهي،فلايمكن اجتماع الأمر والنهي، لأن المجمع حينئذٍ يكون واحداً وجوداً وماهية في‏مورد الاجتماع وإن كان معنوناً بعنوانين متغايرين، إلاّ أنّ تغايرهما مفهوماًلايوجب تغاير المجمع وجوداً، باعتبار إنّ مشخصات متعلق كل منهما نفس‏مشخصات متعلق الآخر، وهذا بخلاف ما إذا كان متعلق كل منهما ذات الماهيةوالطبيعة فعندئذٍ لامانع من الاجتماع، لأن متعلق الأمر حينئذٍ طبيعة ومتعلق‏النهي طبيعة اُخرى‏ وان تصادقا على واحد.
هذه النظرية تتضمّن عدة نقاط:
الاُولى‏: إنّ هذه المسألة مربوطة بالمسألة الفلسفية، وهي إن معروض‏الوجود والايجاد في تلك المسألة إن كان الماهية الشخصيّة، كان متعلق الأمر في‏هذه المسألة الفرد، وإن كان ذات الماهية، كان متعلق الأمر فيها الطبيعة، بنكتة إن‏الارادة التشريعية تتبع الارادة التكوينية، وحيث إنها على الأول تتعلق بإيجادالماهية الشخصية وعلى الثاني بإيجاد ذات الماهية، فبطبيعة الحال تكون الارادةالتشريعية كذلك.
الثانية: إن متعلق الأمر إيجاد الماهية سواءً أكانت شخصيّة أم كليّة بتبع أنه‏متعلق الارادة التكوينيّة.
الثالثة: ظهور الثمرة بين القولين في مسألة اجتماع الأمر والنّهي.
ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط:
أما النقطة الاُولى‏: فلأن مسألتنا هذه لاترتبط بتلك المسألة وهي المسألةالفلسفيّة.
أما أولاً، فلأن المسألة الفلسفيّة بهذه الصّيغة لاترجع إلى معنى معقول، إذكيف يعقل أن تكون الماهيّة مشخّصة في نفسها وفي المرتبة السابقة وقبل إيجادها،بداهة إن تشخص كل شي‏ء إنما هو بالوجود والإيجاد حتى على القول بأصالةالماهية، فإن تشخصها إنما هو بإفاضة نفسها من الجاعل لابنفسها وبقطع النظرعن الافاضة، لأنه بقطع النظر عنها فلا ماهية حتى تكون مشخصة، فالسالبةتكون بانتفاء الموضوع.
وثانياً، إن مسألتنا في المقام لاترتبط بالمسألة الفلسفية المشار إليها، لأن معنى‏تعلق الأمر بالفرد، ليس تعلقه بالماهية الشخصيّة في الخارج، لأن تعلقه بهايستلزم طلب الحاصل، بل معناه تعلقة بمفهوم الفرد بالحمل الأولي الفاني في‏الخارج والمرآة له كما هو شأن كل مفهوم وله معروضان:
أحدهما: عرضي وهو وجوده في الخارج والآخر ذاتي وهو وجوده في‏الذهن، والأمر متعلق مباشرة بمفهومه الفاني في إيجاده في مرتبة متأخرة عنه ولامانع من ذلك، نعم لايمكن تعلقه بمفهومه المشار به إلى الفرد المفروغ عنه وجوده‏في الخارج لأنه من طلب الحاصل، والفرق بين الصورتين واضح، هذا على القول‏بتعلق الأمر بالفرد في هذه المسألة، وأما على القول بتعلقه بالطبيعة فيها، فمعناه إنه‏تعلق بالمفهوم الكلي بالحمل الأولي الفاني في الخارج لا بالحمل الشايع، لأنه بهذاالحمل عبارة عن الصورة الذهنيّة القائمة بالذهن والموجود فيه، ولاينطبق بهذاالحمل على ما في الخارج ولا مانع من تعلق الأمر بالمفهوم الكلي بالحمل الأولي‏الفاني في الخارج مباشرة، ولا فرق في ذلك بين القول في المسألة الفلسفيةالمتقدّمة بأن الوجود يعرض على الماهية الشخصية أو على ذات الماهيّةوالطبيعة، لأن القول بتعلق الأمر بالطبيعة في هذه المسألة ينسجم مع كلا القولين‏في تلك المسألة وكذلك القول بتعلّقه بالفرد، وهذا معنى إنه لاصلة ولا إرتباط بين‏المسألتين أصلاً، فما ذكره‏قدس سره من أن مسألتنا هذه ليست مسألة مستقلة بل هي‏مرتبطة بتلك المسألة الفلسفية لايرجع إلى معنى صحيح.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها أولاً: إنّ ماهو متعلق للارادة التكوينية وهوإيجاد الطبيعة في الخارج لايمكن أن يكون متعلقاً للارادة التشريعية وهي أمرالمولى‏، ضرورة أن أخذ الإيجاد في متعلقها يستلزم طلب الحاصل، ودعوى‏ إن‏هذا المحذور إنما يلزم إذا كان المأخوذ الوجود دون الإيجاد.
مدفوعة، بأنه لافرق بين الإيجاد والوجود إلاّ بالاعتبار والإضافة، فإنه إذااُضيف إلى الفاعل فهو إيجاد وإذا اُضيف إلى نفسه فهو وجود، فإذن أخذ الإيجادهو أخذ الوجود، فلا فرق بينهما إلاّ في التعبير.
والخلاصة: إنه لايمكن أن يكون الأمر متعلقاً بإيجاد الطبيعة لاستلزامه طلب‏الحاصل، باعتبار أن إيجادها في الخارج سوف يكون في مرتبة متأخرة عن مرتبةهذا الإيجاد المأخوذ في متعلق الأمر، وهذا معنى إستلزام أخذه في متعلقه طلب‏الحاصل.
وثانياً: إنه لا شاهد على أنّ الإرادة التشريعية لابدّ أن تتعلق بما تعلّقت به‏الإرادة التكوينية لا وجداناً ولا برهاناً، فإذن تعلق الإرادة التكوينية بإيجادالماهيّة الشخصية لايستلزم تعلق الإرادة التشريعية به، لأن المعتبر في الإرادةالتشريعية للمولى‏ أن يكون متعلقها مقدوراً للمكلف خارجاً حتى لايلزم‏التكليف بالمحال، وعلى هذا فلا مانع من التفكيك بين الإرادة التكوينيّة والإرادةالتشريعية، بأن تتعلق الاُولى‏ بإيجاد الطبيعة الشخصيّة والثانية بالطبيعة الكليةعلى أساس إنها مقدورة. فالنتيجة، إنه لا دليل على أنّ الإرادة التشريعية تتبع‏الإرادة التكوينيّة في المتعلق، فما ذكره‏قدس سره من الملازمة بين الإرادتين لا وجه له.
وأما النقطة الثالثة: فيظهر نقدها مما تقدّم، لأنها مبنيّة على أنّ الأمر في هذه‏المسألة تعلق بالماهيّة الشخصيّة، على القول بأنّ تشخصها إنما هو بنفسها لابالوجود العارض عليها وبالماهية الكليّة، على القول بأن تشخصّها إنما هوبالوجود، وجه الظهور ما عرفت من أنّ هذه المسألة لاترتبط بتلك المسألةنهائياً، ومن هنا لايكون القول بامتناع إجتماع الأمر والنهي مبنياً على القول‏بتعلق الأمر بالفرد في هذه المسألة والقول بالجواز مبنياً على القول بتعلّقه‏بالطبيعة فيها، بل هما مبنيان على وحدة المجمع ذاتاً ووجوداً في مورد الاجتماع‏وتعدده كذلك على تفصيل يأتي في محله إنشاء اللَّه تعالى‏.
النظرية الثالثة(17): إن النزاع في هذه المسألة عن أنّ متعلق الأمر الطبايع أوالأفراد إنما هو لتعيين إنّ التخيير بين أفراد الواجبات الشرعية كالصلاة ونحوهاعقلي أو شرعي، فإن كان الأمر متعلقاً بالطبيعة فالتخيير بينها عقلي، على‏أساس إنّ الأمر المتعلق بها واحد وهو لايسري منها إلى أفرادها، فإذن يكون‏المكلف مخيّراً في مقام الامتثال في تطبيقها على أي فرد منها شاء، إن كان متعلقاًبالأفراد فالتخيير بينها شرعي، على أساس إنّ هناك أوامر متعدّدة بعدد الأفراد،ولكنها أوامر مشروطه بمعنى إن الأمر المتعلق بكل فرد منها مشروط بعدم‏الاتيان بالفرد الآخر.
وللمناقشة في هذه النظرية مجال، وهي إنه لاشبهة في أنّ التخيير بين أفرادالواجبات الشرعية عقلي على كلا القولين في المسألة، وذلك لأن الأمر المتعلق‏بتلك الواجبات الموجه إلى كل فرد أمر واحد، وإنما الكلام في أن متعلقه الطبيعي‏أو الفرد، فعلى الأول لا شبهة في أنّ التخيير بين أفراده عقلي، وأما على الثاني‏فلأن المراد من تعلق الأمر بالفرد ليس تعلقه بالفرد الموجود في الخارج، لأنه من‏أوضح أنحاء طلب الحاصل، ولا بمفهوم الفرد المشار به إلى الفرد المفروغ عنه‏وجوده فيه لنفس المحذور، بل المراد منه تعلقه بمفهومه بما هو فانٍ في الخارج في‏مرتبة متأخرة عنه لا بما هو مشير إلى واقع خارجي مفروغ عنه وجوده وفرق‏بين الصورتين، فإذا كان متعلق الأمر مفهوم الفرد فهو كلي، وإن كان معنوناًبعنوان الفرد كفرد الصلاة مثلاً، إلاّ أنّ هذا التخصيص والتضييق لا يخرجه عن‏الكلية طالما لم يتحقق وجوده في الخارج، فإذن لا محالة يكون التخيير بين أفراده‏عقلياً، فالنتيجة، إنه لاأصل لهذه النظرية أيضاً.
فالصحيح في تفسير هذين القولين في المسألة أن يقال بما يلي:
أما القول بتعلق الأمر بالفرد فلايمكن أن يراد منه تعلقه بالفرد في الخارج بتمام‏ضمائمه ومشخصاته فيه من الكم والكيف والأين والوضع ومتى وهكذا، لأن‏التشخّص الحقيقي للفرد إنما هو بوجوده دون تلك الضمائم الخارجية التي هي في‏طول تشخّصه الحقيقي، نعم إنها تعد بنظر العرف من مشخصاته ومميزاته في‏الخارج وإن كانت في الواقع ضمائم ملازمة لوجوده فيه ومصاديق لماهيات‏اُخرى‏، وذلك لأن تعلّقه به كذلك في الخارج من أوضح مصاديق طلب الحاصل‏وهو مستحيل، وكذلك لايمكن أن يراد منه تعلّقه بالفرد بحده الفردي في الخارج،وكذا تعلّقه بمفهوم الفرد المشار به إلى الفرد المفروغ عنه وجوده فيه بنفس المحذورهذا، إضافة إلى أنّ هذه الاحتمالات بنفسها غير محتملة، ضرورة إنّه من غيرالمحتمل أن يكون الأمر المتعلق بالصلاة متعلقاً بفرد خاص ومعيّن في الخارج وإلاّلزم التكليف بالفرد المجهول وهو كما ترى‏، كما لايمكن أن يراد من تعلقه بالفردتعلقه بمفهومه الذهني بالحمل الشايع وهو المفهوم الموجود في عالم الذهن، لأنه‏غير قابل للانطباق على ما في الخارج، والخلاصة إنه يستحيل إرادة شي‏ء من‏هذه الاحتمالات من تعلق الأمر بالفرد، بل المراد منه تعلقه بمفهوم الفرد بما هووبالحمل الأولي الفاني في الخارج في مرتبة متأخرة منه، ومفهوم الفرد بهذاالحمل عرض ومعروضه بالذات الصورة الذهنية القائمة بالذهن ومعروضه‏بالعرض الوجود الخارجي وهذا المفهوم كلي، لأن المفهوم مهما قيد وخصص‏بمخصصات فهو كلي، غاية الأمر إن دائرته سعةً وضيقاً تختلف من مفهوم إلى‏مفهوم آخر، وعلى هذا فالقول بتعلق الأمر بالفرد يرجع في الحقيقة إلى القول‏بتعلقه بالكلي، والاختلاف حينئذٍ بين القولين إنما يكون باللفظ وصياغة المسألةفقط لا في الواقع والمعنى‏، هذا كله بحسب مقام الثبوت والتصور، وأما في مقام‏الاثبات فلا شبهة في عدم تعلق الأمر بمفهوم الفرد فيه، لأن مادة الواجبات‏الشرعية كلها معنونة بعنوان خاص ومسماة باسم مخصوص كالصلاة والصيام‏والحج وما شاكل ذلك، فالأمر المتعلق بها تعلق بعناوينها الخاصة وأسمائهاالمخصوصة لا بأفرادها، مثلاً الأمر المتعلق بالصلاة تعلق بها بعنوانها الخاص‏واسمها المخصوص لا بفردها، والمفروض ان هذا الإسم إسم للمادة التي هي‏موضوعة للماهية بما هي لا للأعم منها ومن الفرد، فلهذا يكون المتعين في مقام‏الاثبات هو تعلق الأمر بالطبيعي باسمه الخاص.
وأما معنى القول بتعلق الأمر بالطبيعة فهو تعلقه بالمفهوم الذهني الكلي‏بالحمل الأولي لا بما هو موجود في الذهن بالحمل الشايع ولا بما هو مرآة لما هوموجود في الخارج، أما الأول فلأنه حاصل في الذهن وغير واف بغرض المولى‏لمكان عدم انطباقه على ما في الخارج.
وأما الثاني، فهو طلب الحاصل بل بما هو مفهوم أولي فانٍ في الخارج كما هوشأن كل مفهوم أولي يدخل في الذهن، وتعلق الأمر به بعنوان خاص واسم‏مخصوص إنما هو للدلالة على أن المطلوب هو تطبيقه على ما في الخارج بإيجاده‏فيه، فيكون متعلق الطلب الطبيعة بما هي كمادة الصلاة ونحوها، فإنها موضوعةللماهية بما هي، ودعوى إن الماهية بما هي هي ليست إلاّ هي لا مطلوبة ولا غيرمطلوبة، فإذن كيف يمكن أن تكون ماهية الصلاة بما هي مطلوبة.
مدفوعة، بأن الماهية في مرتبة ذاتها وذاتياتها ليست إلاّ هي، وأما اتصافهابعوارضها فهو ليس في مرتبة ذاتها وذاتياتها بل في مرتبة متأخرة عنها، وعلى‏هذا فإذا تعلق بها الطلب تتصف بالمطلوبية والمحبوبية في هذه المرتبة لا في مرتبةذاتها وذاتياتها. فالنتيجة، إن الطلب لا يتعلق بالوجود الخارجي لا بالذات ولابالواسطة، وإنما تعلق بما يكون الوجود الخارجي مصداقاً له.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره(18) بأن متعلق الطلب إيجادالطبيعة لا وجودها لكي يلزم طلب الحاصل، لايمكن المساعدة عليه، إذ لا فرق‏بين الإيجاد والوجود، فإنهما شي‏ء واحد والاختلاف بينهما إنما هو بالاعتباروالإضافة وهو لا يغير الواقع، فإذن محذور ذلك طلب الحاصل وهو لازم،ضرورة إن الطلب لو كان متعلقاً بإيجاد الطبيعة فإنه سوف يكون متأخراً عن‏مرتبة هذا الإيجاد المأخوذ في متعلقه، ولكن يمكن دفع هذا الاشكال بأن المأخوذفي متعلقه إنما هو مفهوم الإيجاد بعنوان المعرّف والمشير إلى واقعه الخارجي لاواقعه حتى يلزم محذور طلب الحاصل.
قد يقال كما قيل(19): إن المراد من تعلق الأمر بالأفراد هو سرايته من الطبيعي‏إليها إما بحسب الجعل أو بحسب التطبيق، ولكن ذلك بحسب التحليل لايرجع‏إلى معنى معقول، فإن السراية إن كانت بلحاظ مرحلة الجعل، فمعناه إنّ هناك‏أوامر متعدّدة بعدد الأفراد في الخارج في مقام الثبوت ومجعولة لها بواسطةالطبيعي المنطبق عليها، وهذا يعني إن المولى‏ أخذ عنوان الطبيعي بعنوان المعرف‏والمشير إلى أفراده بدون أن تكون له موضوعية، ثم إنّ هذه الأوامر المتعددةلايمكن أن تكون أوامر مطلقة وإلاّ لزم التكليف بغير المقدور، بل لابد أن تكون‏أوامر مشروطه، ومن الواضح إنّ كل ذلك مجرد فرض لا واقع موضوعي له.
وأما السراية في مرحلة التطبيق فلا ترجع إلى معنى محصل، لأن الحكم‏المجعول من الأول إن كان متعدداً بعدد أفراد الطبيعة، كانت السراية إليها من‏مرحلة الجعل، وإن كان واحداً فهو غير قابل للسراية أصلاً.
والخلاصة: إن القول بسراية الحكم من الطبيعة إلى نفس أفرادها بقطع النظرعن ضمائمها الخارجية ومشخصاتها العرفية، لايرجع إلى معنى معقول فضلاً عن‏سرايته إليها مع ضمائمها ومشخصاتها.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى‏: إن ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أن مسألة كون متعلق الأوامرالطبايع أو الأفراد مبنية على إحدى‏ مسألتين فلسفيّتين:
الاُولى: مسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج وعدم امكانه.
فعلى الأول متعلق الأوامر الطبايع وعلى الثاني الأفراد.
الثانية: مسألة أصالة الوجود أو الماهية، فعلى الأول متعلق الأوامر الأفرادوعلى الثاني الطبايع والماهيات لايتم، وقد تقدم إنها لاتبتني على أي من هاتين‏المسألتين بل هي مسألة مستقلة.
الثانية: إن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن هذه المسألة مربوطة بالمسألةالفلسفية وهي أن معروض الوجود والإيجاد هل هو الماهية الشخصية بقطع‏النظر عن عروض الوجود عليها أو ذات الماهية والطبيعة ويكون تشخصّهابنفس الوجود، فعلى الأول متعلق الأوامر الطبايع وعلى الثاني الأفراد، لايتم‏وإن مسألتنا هذه غير مرتبطة بها.
الثالثة: إن متعلق‏الأوامر إن كان الطبايع فالتخيير بين‏أفرادها يكون عقلياً، وإن كان الأفراد فالتخيير بينها يكون شرعياً، ولكن قدتقدم بطلان هذه النظرية.
الرابعة: إن القول بتعلق الأمر بالفرد لايرجع إلى معنى معقول، إذ لا يمكن أن‏يراد منه تعلقه بالفرد الخارجي لاستحالة طلب الحاصل، ولا بمفهومه المشار به‏إلى الفرد المفروغ عنه في الخارج لنفس المحذور، فإذن لابد من الالتزام بأن‏متعلقه مفهوم الفرد بما هو وهو كلي وليس تعلقه به من تعلق الأمر بالفرد في‏مقابل تعلقه بالكليّ.
الخامسة: إن متعلق الأمر الطبيعة بما هي لا بما هي مرآة إلى الفرد المفروغ عنه‏في الخارج وإلاّ لزم تحصيل الحاصل، فالوجود غير مأخوذ في متعلقه، وما ذكره‏صاحب الكفايةقدس سره من أن الإيجاد مأخوذ في متعلق الطلب غير تام كما تقدّم.
السادسة: الصحيح في مرحلة الاثبات هو أن متعلق الأوامرالطبايع دون‏الأفراد.


النّسخ ...
النّسخ‏
ينبغي تقديم عدة نقاط:
الاُولى‏: إن النسخ في مقام الثبوت عبارة عن انتهاء الحكم المجعول في‏الشريعة المقدسة بانتهاء عمره وأمده، فإن المولى‏ الحكيم العالم بالواقع بملاكات‏الأحكام الشرعية وحدودها سعةً وضيقاً، فبطبيعة الحال يختلف الحكم المجعول‏من قبله باختلاف تلك الملاكات التي هي روح الأحكام وحقيقتها، لأن إتصاف‏الفعل بالملاك في مرحلة المبادي إن كان في الواقع إلى يوم القيامة، كان الحكم‏المجعول له أيضاً كذلك، وإن كان في فترة زمنية معيّنة، كان الحكم المجعول له أيضاًفي تلك الفترة، وإذا انتهت الفترة انتهى الحكم بانتفاء أمده، وهذا هو معنى النسخ‏ثبوتاً وواقعاً.
الثانية: إن الحكم الشرعي مجعول في أفق الاعتبار والذهن بتمام حصصه‏وأفراده الطولية والعرضية إلى يوم القيامة في آن واحد وزمن فارد، على أساس‏إنّ الجعل آني التحقق والحصول ولا يعقل فيه التدريح والاستمرار حتى يعقل له‏الوجود الثاني والثالث وهكذا، مثلاً جعل المولى‏ وجوب الحج على المستطيع‏بقوله: »وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيْلاً«(20)، بنحو القضيةالحقيقيّة أي للموضوع المقدّر وجوده في الخارج في آن واحد بجميع حصصه‏وأفراده العرضيّة والطولية إلى يوم القيامة، ولهذا لا يتصوّر في هذه المرحلةحدوث وبقاء، لأن جميع حصص الجعل وأفراده توجد في آن واحد بلا تقدم‏وتأخّر حتى رتبة، والحدوث والبقاء إنّما يكونان في الشي‏ء الذي كان يوجدتدريجاً إمّا بنفسه أو بواسطة وجود موضوعه في الخارج كما يتّفق ذلك في مواردفعلية الحكم بفعلية موضوعه، فإن المكلف قد يشك في بقاء الحكم بعد اليقين‏بحدوثه في الخارج بحدوث موضوعه فيه، كما إذا شك في بقاء نجاسة الماء المتغيّربأحد أوصاف النجس بعد زوال تغيّره بنفسه وهكذا، وأما في مرحلة الجعل فلايتصور فيها حدوث وبقاء، لأنهما إنما يتصوران في الأشياء التي توجد تدريجاً،لأن الوجود الأول منها حدوث والوجود الثاني والثالث وهكذا بقاء، والجعل‏بتمام حصصه وأفراده إلى يوم القيامة يوجد في آن واحد وليس له وجود ثان في‏الآن الثاني حتى يكون بقاء له هذا.
وحيث قد عرفت إنّ جعل الحكم في الشريعة المقدسة قد يكون محدوداً بفترةزمنية خاصة في الواقع وقد يكون غير محدود بها كذلك وثابتاً إلى يوم القيامة،فيكون هذا منشأً للشك في سعته وضيقه في مرحلة الاثبات في بعض الموارد،وعندئذٍ فهل يمكن التمسك باستصحاب بقاء الجعل أو إنّه معارض باستصحاب‏عدم الجعل الزائد، فيه كلام يأتي في محلّه إنشاء اللَّه تعالى‏.
الثالثة: إن انتفاء الحكم المجعول في الشريعة المقدسة تارةً يكون في مرحلةالجعل واُخرى‏ في مرحلة المجعول وهي مرحلة فعلية الحكم بفعلية موضوعه،أماانتفاء الحكم في المرحلة الأولى‏ لايمكن إلا بالنسخ، باعتبار إنه لا يتصورالشك في الحكم في هذه المرحلة إلا من ناحية الشك في بقاء الجعل، حيث إنه لاوجود له إلاّ الوجود الجعلي، وهذا يعني إنّ وجوده نفس وجود الجعل، لأن‏المجعول في هذه المرحلة عين الجعل فلا فرق بينهما إلاّ بالاعتبار والإضافة، فإن‏اُضيف إلى الجاعل فهو جعل وإن اُضيف إلى نفسه فهو مجعول كالإيجاد والوجودفي الاُمور التكوينية، وأما انتفاء الحكم في المرحلة الثانية فهو إنما يكون بانتفاءموضوعه في الخارج، فطالما يكون موضوعه باقياً فيه فهو باق وإذا انتفى‏ انتفى‏بانتفائه.
الرابعة: إنّ النسخ يختلف عن التخصيص والتقييد، فإن الدليل الناسخ‏يكشف عن انتهاء الحكم المنسوخ بانتهاء أمده وعمره، باعتبار إنه محدود بفترةزمنية معيّنة ثبوتاً وبانتهائها ينتهي واقعاً، والدليل الناسخ في مقام الإثبات‏كاشف عن ذلك ويدل على رفع هذا الحكم في الشريعة المقدسة بلا نظر إلى‏وجود موضوعه في الخارج، باعتبار إنّ ظرف الرفع فيه نفس الشريعة والمرفوع‏هو الحكم المجعول فيها للموضوع المقدر وجوده في الخارج.
والخلاصة: إنّ النسخ في مقام الثبوت انتهاء الحكم المجعول بانتهاء أمده وفي‏مقام الاثبات رفع الحكم في مرحلة الجعل، ومعنى ذلك إنّ المرفوع هو الحكم‏الذي لاوجود له إلا بوجود الجعل في مقابل ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه في‏الخارج، وأما الدليل المخصص فهو يكشف عن أنّ موضوع الحكم حصة خاصةمن العام في الواقع ومقام الثبوت وإنّ الحكم من الأول مجعول لها في الشريعةالمقدسة لا للأعم منها ومن غيرها، وفي مقام الاثبات يدل على تخصيص الحكم‏بها، وبكلمة إن الدليل الناسخ يختلف عن الدليل المخصّص ثبوتاً واثباتاً، أماثبوتاً فلأن الدليل الناسخ يكشف عن انتهاء الحكم بانتهاء أمده في تمام مراحله‏أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الجعل والاعتبار، بينما الدليل المخصص يكشف‏عن أنّ الحكم المجعول في الشريعة المقدسة من الأول هو الحكم الخاص لا العام.
وأما إثباتاً، فلأن مفاد الدليل الناسخ رفع الحكم المجعول في الشريعة المقدّسةعن الموضوع المقدّر وجوده في الخارج وهو الحكم الذي لا وجود له إلا الوجودالجعلي للموضوع المذكور، بينما يكون مفاد الدليل المخصص تخصيص الحكم‏بتخصيص موضوعه فيه، نعم قد يكون لسان الدليل الناسخ تخصيص موضوع‏الدليل المنسوخ شكلاً وصورةً لا واقعاً، كما إذا فرضنا إنّ هناك مصلحة ملزمةتقتضي وجوب إكرام كل عالم وإن كان فاسقاً، ولكن هذه المصلحة محدودة بفترةزمنية معينة، بمعنى إنّ مصلحة وجوب إكرام العالم الفاسق محدودة بتلك الفترةالمعينة، وأما مصلحة وجوب اكرام العالم العادل فهي غير محدودة بها، وعلى هذاففي مقام الاثبات إذا ورد في الدليل لاتكرم العالم الفاسق، فإنه وإن كان لسانه‏لسان التخصيص شكلاً وصورة، إلا أنه في الواقع ناسخ ورافع لوجوب إكرام‏العالم الفاسق إثباتاً وكاشف عن انتهائه بانتهاء أمده وعمره.
وبعد ذلك نقول إن الكلام يقع في مقامين:
الأول: في إمكان إثبات الجواز بالمعنى الأعم بالدليل الناسخ أو المنسوخ.
الثاني: في إثبات ذلك بالأصل العملي.
أما الكلام في المقام الأول، فيقع فيما إذا ورد في دليل أمر من المولى‏ بشي‏ءبنحو القضية الحقيقية ولكنه كان في الواقع ومقام الثبوت محدوداً بفترة زمنيةمعينة، ثم ورد في دليل آخر ما يدل على ارتفاع ذلك الأمر، وحينئذٍ فإن كان‏معنى الأمر وضعاً هو الوجوب كما قويناه في محله، فالدليل الآخر الذي هومتمثل في الدليل الناسخ يدل وقتئذٍ على رفع مدلول الدليل المنسوخ وهوالوجوب، وحينئذٍ فهل يمكن اثبات الجواز بعد رفع الوجوب أو لا؟
والجواب: إنّه لايمكن، لأن الدليل الناسخ يدل على رفع الوجوب الذي هومدلول الدليل المنسوخ وساكت عن بقاء الجواز، ودعوى‏ إن الدليل المنسوخ‏يدل على ذلك، على أساس أنه يدل بالمطابقة على الوجوب وبالالتزام على نفي‏الحرمة، وأما الدليل الناسخ فهو إنما يرفع المدلول المطابقي للدليل المنسوخ وهوالوجوب، وأما مدلوله الالتزامي وهو نفي الحرمة فيبقى على حاله، فإذن الساقطعن الحجية إنما هو مدلوله المطابقي دون مدلوله الالتزامي وهو نفي الحرمة وبذلك‏يثبت الجواز بالمعنى الأخص، مدفوعة بأنه مبنية على أن لاتكون الدلالةالالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجيّة وإنما هي تابعة لها في الحدوث فقط،وعليه فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لم تسقط الدلالة الالتزامية عنها،ولكن هذا المبنى غير صحيح، لما حققناه في محله من أنّ الدلالة الالتزامية تتبع‏الدلالة المطابقية في الحجية أيضاً، بمعنى إنها تتبعها في تمام مراحلها أي من مرحلةالتصورإلى مرحلةالتصديق والحجيةهذا، إضافةإلى أنّ‏الدلالة الإلتزامية للدليل‏المنسوخ لا تنحصر بالدلالة على نفي‏الحرمة فقط، بل‏له أربع دلالات‏التزامية.
منها: نفي الحرمة كما عرفت، ومنها: نفي الكراهة، ومنها: نفي‏الاستحباب. ومنها: نفي الاباحة بالمعنى الأخص، فإن الدليل إذا دل على‏وجوب شي‏ء فبطبيعة الحال كان يدل بالالتزام على نفي حرمته وكراهته‏واستحبابه وإباحته جميعاً، وعلى هذا فإذا سقطت دلالته المطابقية من جهة ورودالدليل الناسخ عليه، تقع المعارضة بين الدلالات الالتزامية للعلم الاجمالي‏بكذب إحداها للواقع دون البقية، فإذن لايمكن صدقها جميعاً، لأنه بعد ارتفاع‏الوجوب عنه إن كان مباحاً في الواقع فدلالته الالتزامية على نفي الاباحة كاذبةدون سائر الدلالات الالتزامية، وإن كان حراماً في الواقع فدلالته الالتزامية على‏نفي الحرمة مخالفة للواقع دون غيرها وهكذا، وعليه فلايمكن شمول دليل الحجيةللجميع ولا للبعض، أما الأول فلأن العلم الاجمالي بكذب بعضها يمنع عن شموله‏للجميع، وأما الثاني فللزوم الترجيح بلا مرجح فلهذا تسقط بالمعارضة.
والخلاصة: إنا لو سلمنا أنّ الدلالة الالتزامية لاتكون تابعة للدلالة المطابقيةفي الحجيّة، إلاّ أنه مع ذلك لايمكن الأخذ بها في المقام لأنها تسقط من جهةالمعارضة، ويمكن تقريب بقاء الجواز بالمعنى الأعمّ بعد النسخ بما هو المشهور من‏أنّ الوجوب مركب من طلب الفعل والمنع من الترك، والدليل الناسخ إنما يرفع‏المنع من‏الترك وأماأصل‏الطلب فهوباقٍ‏بحاله، وحيث إنّ‏الدليل‏المنسوخ يدل على‏المجموع بالمطابقة وعلى أصل‏الطلب‏بالتضمن، فيكون‏الساقطبالدليل الناسخ هوالدلالة المطابقية دون الدلالة التضمنيّة وبها يثبت الجواز بالمعنى الأعم.
والجواب: أولاً، إنّ الوجوب أمر اعتباري بسيط فلايكون مركباً من طلب‏الفعل مع المنع من الترك، ضرورة إنّ المنع من الترك من لوازم الوجوب وخارج‏عن حقيقته، وعليه فلايكون هذا التفسير تفسيراً للوجوب بما هو اعتبار بل هوبيان لما هو لازم له عقلاً، أو فقل إنّ النهي عن الضدّ العام الذي هو لازم عقلي‏للوجوب مأخوذ في هذا التعريف، فلهذا لايكون هذا التعريف تعريفاً له هذا.
وقد علق عليه بعض المحققين‏قدس سره(21) بتقريب، إنّ المشهور لايقولون بأن‏الوجوب بالحمل الشايع مركب من جنس وهو طلب الفعل وفصل وهو المنع من‏الترك في عالم الاعتبار والذهن حتى يقال بأن الاعتبار من البسائط بل يقولون‏بأن الوجوب عبارة عن مجموع الاعتبارين من طلب الفعل والمنع من الترك‏المندكين في اعتبار واحد كالجنس والفصل المندكين في نوع واحد، وعلى هذافغاية ما يدل عليه الدليل الناسخ هو إرتفاع المنع من الترك، وحينئذٍ فيمكن‏إثبات أصل الجواز بالدليل المنسوخ هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق أولاً، بأنه لايمكن القول بأن الوجوب عبارةعن مجموع الاعتبارين المندكين في اعتبار واحد، أما أولاً فلأن لازم ذلك إن كل‏واجب يكون تركه محرماً شرعاً على أساس إن وجوبه عبارة عن الاعتبارين‏هما طلب الفعل والمنع من الترك، والأول متمثل في الوجوب المتعلق بنفس‏الفعل، والثاني متمثل في الحرمة المتعلقة بتركه، وهذا خلاف الضرورة الفقهيّة.
وثانياً: إنّ الوجوب عبارة عن إعتبار واحد من المولى‏ مباشرة في عالم الجعل‏والاعتبار ثبوتاً واثباتاً، لا إنه عبارة عن إعتبارين منه كذلك في هذا العالم لأنه‏خلاف الضرورة والوجدان.
وثالثاً: لو فرضنا إنّ الوجوب عبارة عن اعتبارين من قبل المولى‏ إلاّ أنه‏لايعقل إندكاك أحدهما في الآخر وصيرورتهما اعتباراً واحداً، بداهة إنّ الاعتبارفعل للمعتبر مباشرة فلايعقل فيه الاندكاك بالتأثير والتأثر والفعل والانفعال‏وإلاّ لزم خلف فرض كونه فعلاً له مباشرة هذا، إضافة إلى أن التأثير والتأثر والفعل والانفعال إنما يتصوّران في الاُمور الواقعية والموجودات التكوينيةالخارجية ولايتصوران في الاُمور الاعتبارية التي ليس لها واقع موضوعي ماعداوجودهاالاعتباري في‏اُفق‏الاعتباروالذهن وإلاّلزم‏خلف فرض‏كونها اعتبارية.
ورابعاً: لو سلمنا إنّ الوجوب مركب من أمرين اعتباريين طلب الفعل والمنع‏من الترك، إلاّ أنه لايمكن الالتزام بأن القدر المتيقّن من الدليل الناسخ هو رفع‏المنع من الترك لارفع كلا الأمرين معاً لاثبوتاً ولا اثباتاً، فلأن طلب الفعل حيث‏إنه مندك في ضمن المنع من الترك ومرتبط به كارتباط الجنس بالفصل واقعاً،فلايعقل بقائه بعد ارتفاع المنع من الترك، ولوكان هناك طلب فهو طلب جديدبسبب جديد، وأما الطلب في ضمن المنع من الترك فهو يرتفع بارتفاعه ولايمكن‏بقائه وإلاّ لزم خلف فرض كونه مندكاً فيه، وأما إثباتاً فلأن ذلك مبني على عدم‏سقوط الدلالة التضمنية بسقوط الدلالة المطابقية، باعتبار إنّ الدليل المنسوخ‏يدل على مجموع الأمرين بالمطابقة وعلى طلب الفعل بالتضمّن، ولكن المبنى غيرصحيح، لأن الدلالة التضمنية تتبع الدلالة المطابقية ولا يعقل بقائها بعد سقوطالدلالة المطابقية، على أساس إنّ دلالة الدليل على الجزء إنما هي بدلالته على‏الكل لا بالاستقلال، فمع سقوط دلالته على الكل لايمكن بقاء دلالته على الجزءوإلاّ لزم خلف فرض كونها تضمنية، وأما ما عن المشهور من تفريع هذه المسألةعلى مسألة الجنس والفصل فهو في غير محله، لأن الوجوب وإن قلنا بأنه مركب‏من طلب الفعل والمنع من الترك، إلاّ أن طلب الفعل ليس بمثابة الجنس حقيقة،والمنع من الترك بمثابة الفصل كذلك بل هما أمران اعتباريان، فإذا كانا كذلك فلامانع من التفكيك بينهما ثبوتاً واثباتاً، بينما يكون الجنس والفصل من الأجزاءالتحليلية العقلية الواقعيّة ولا يعقل التفكيك بينهما باعتبار أن الفصل مقوم له‏ذاتاً وحقيقة، إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنه بناء على المختار من أن‏الأمر مادة وهيئة موضوع للدلالة على الوجوب، فلايمكن إثبات الجواز لابالمعنى الأعمّ ولا بالمعنى الأخص لا بالدليل الناسخ ولا بالدليل المنسوخ.
بقي هنا قولان آخران في تفسير معنى الأمر:
القول الأول: إنّ معنى الأمر وضعاً هو الطلب والوجوب مستفاد من قرينةالحكمة.
القول الثاني: إنّ معنى الأمر الطلب، ولكن المولى‏ إذا كان في مقام البيان ولم‏ينصب قرينة على الترخيص فالعقل يحكم بالوجوب، فإذن الوجوب مدلول‏الاطلاق ومقدمات الحكمة على القول الأول ومدلول للعقل على القول الثاني،وعلى هذا فالدليل المنسوخ على القول الأول يدل بالوضع على طلب الفعل‏وبالاطلاق على الوجوب، وحينئذٍ فهل الدليل الناسخ يدل على رفع الطلب فقطالذي هو مدلول الدليل المنسوخ وضعاً أو يدل على رفع الوجوب الذي هومدلول دليله اطلاقاً، فيه وجهان: فقد يقال كما قيل بالوجه الأول وإن المرفوع‏بالدليل الناسخ هو مدلول الدليل المنسوخ، والمفروض إن مدلوله الطلب دون‏الوجوب، ولكن الصحيح الثاني، لأن مدلول الدليل المنسوخ وضعاً وإن كان هوالطلب إلاّ أنه الطلب بمفهومه التصوري دون التصديقي، ومن الواضح إنّ المرفوع‏بالدليل الناسخ إنما يكون مدلوله التصديقي الجدي دون التصوري فقط،والمدلول التصديقي له إنما يتحقق بالاطلاق وقرينة الحكمة المتمثل في الوجوب،وحيث إن مدلوله التصوري مندك فيه، فلا محالة يكون هو المرفوع بالدليل‏الناسخ، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون الوجوب مدلولاً للدليل المنسوخ‏وضعاً أو مدلولاً لدليله إطلاقاً، وعلى كلا التقديرين فالمرفوع بالدليل الناسخ‏هو الوجوب، فإذن لا فرق بين القول بأنّ الوجوب مدلول وضعي للدليل‏المنسوخ، والقول بأنه مدلول اطلاقي له من هذه الناحية.
وأما على القول الثاني، فالمرفوع بالدليل الناسخ هو طلب الفعل مباشرة،لأنه مجعول في الشريعة المقدسة دون الوجوب، فإنه منتزع بحكم العقل من طلب‏الفعل وعدم قرينة على الترخيص في الترك، نعم يرتفع الوجوب بارتفاع منشأانتزاعه، وعلى هذا فما عن المشهور من أنّ الدلالة التضمنية للدليل المنسوخ‏مبنية على إمكان بقاء الجنس ولو في ضمن نوع آخر لو تم فإنما يتم في القولين‏الأولين لا في القول الثالث، لأن المرفوع فيه مباشرة الجنس وهو طلب الفعل،وعليه فالجواز بالمعنى الأعمّ مرفوع برفع الطلب فلايعقل بقائه، وأما الجوازبالمعنى الأخص فلايمكن إثباته لأنه ليس جنساً للوجوب على فرض كونه‏مركباً من طلب الفعل والمنع من الترك.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي إنه لايمكن اثبات الجوازبالمعنى الأعمّ ولا بالمعنى الأخص بالدليل الناسخ ولا بالدليل المنسوخ على جميع‏المباني في تفسير مدلول الأمر.
وأما الكلام في المقام الثاني، فهل يمكن التمسك باستصحاب بقاء الجواز بعدارتفاع الوجوب بالدليل الناسخ، فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الثاني واستدل على ذلك بأمرين(22):
الأول: إنّ الجواز بالمعنى الأعم المتيقن ثبوته وهو الجواز في ضمن الوجوب‏قد ارتفع جزماً، والجواز المحتمل بقائه فرد جديد في ضمن نوع آخركالاستحباب أو الكراهة أو الاباحة بالمعنى الأخصّ، فإذن ما هو متيقن قدارتفع يقيناً وما هو مشكوك فعلاً لم يكن متيقناً سابقاً، فلاتكون أركان‏الاستصحاب تامة ويكون من الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام‏استصحاب الكلي.
الثاني: إنّ هذا من الاستصحاب في الشبهة الحكمية والاستصحاب فيهالايجري من جهة المعارضة، وقد ناقش بعض المحققين‏قدس سره(23) في كلا الأمرين:
أما في الأمر الأول، فبتقريب إنه لا مانع من استصحاب الجواز بالمعنى الأعم‏بمعنى عدم الحرمة بعد ارتفاع الوجوب بالدليل الناسخ، لأن شخص عدم حرمةالفعل كان معلوماً سابقاً ويشك في بقائه بعد ارتفاع الوجوب فيستصحب بقائه،وأما إنه سابقاً كان مقترناً مع الوجوب لايوجب تغييره وتبديله بفرد آخر حتى‏يمنع عن جربان الاستصحاب بل هو شخص ذلك العدم الأول، إذ الاعدام‏لاتتعدد باختلاف مقارناتها، وأثر هذا الاستصحاب التأمين من العقاب وهو إنمايترتب على الجواز بمعنى عدم الحرمة لا بمعنى عدم الكراهة أو عدم الاستحباب.
ويمكن المناقشة فيه بأن عدم الحرمة في ضمن الوجوب عدم خاص متقوم‏بالوجوب فلا يعقل بقائه بعد ارتفاع الوجوب، ومن هنا جعل المشهور الجوازبالمعنى الأعمّ بمثابة الجنس، ولايعقل بقاء الجنس المتقوم بالفصل بعد ارتفاع‏الفصل، والمشكوك حينئذٍ إنما هو وجود حصة اُخرى‏ في ضمن فصل آخر،والمقام من هذا القبيل، فإن شخص عدم الحرمة الذي كان في ضمن الوجوب‏ومتقوماً به لايعقل بقائه بعد ارتفاع الوجوب، والشك وقتئذٍ إنما هو في حدوث‏فرد آخر من طبيعي عدم الحرمة في ضمن الاستحباب أو الكراهة، فما هو متيقن‏قد ارتفع يقيناً وما هو مشكوك لم يكن متيقناً، وبكلمة إنّ المتيقن ليس طبيعي‏عدم الحرمة بل حصة خاصة منه وهي الحصة المتقوّمة بالوجوب وتلك الحصةتنتفي بانتفاء الوجوب، والشك إنما هو في وجود حصة اُخرى المتقومة بغيره من‏الأحكام، وما ذكره‏قدس سره من أنّ الاعدام لاتتعدد باختلاف مقارنتها تام في العدم‏المطلق لا في العدم الخاص الذي هو مميّز بخصوصيته الوجودية عن العدم‏الخاص الآخر لمكان تقوّمه بالوجود لا إنه مجرد مقارن له.
إلى هنا قد تبيّن إنّ الصحيح عدم جريان استصحاب بقاء الجواز بالمعنى الأعم‏بعد ارتفاع الوجوب بالدليل الناسخ، دعوى‏ إنّه لا مانع من جريان هذاالاستصحاب في نفسه، ولكنه يسقط من جهة المعارضة لأنه معارض‏باستصحاب عدم الكراهة أو الاستحباب أو الاباحة بالمعنى الأخصّ للعلم‏اجمالاً بأن أحد هذه الاعدام قد تبدل بالوجود، مدفوعة، بأن الاستصحابات‏المذكورة لاتجري في نفسها، لأنه إن اُريد بها إثبات الحرمة، ففيه إنها لا تثبت إلاعلى القول بالأصل المثبت، وإن اُريد بها اثبات الأثر المنجز مباشرة، ففيه إنه‏لايترتب على المستصحب منها أثر منجز كذلك.
فالنتيجة، إنّ هذه الدعوى‏ لا أساس لها، فالصحيح إنّ هذا الاستصحاب في‏نفسه لايجري لامن جهة المعارضة، هذا كله في استصحاب الجواز بالمعنى الأعم،وأما استصحاب أصل الطلب بعد ارتفاع الوجوب، فإن اُريد به الطلب الانشائي‏الاعتباري، فعلى‏ القول بأن مفاد الأمر الطلب الوجوبي، فحيث إن وجود أصل‏الطلب كان في ضمن وجوده تحليلاً فلايجري فيه الاستصحاب، لأن ما هو متيقن‏من الطلب في ضمن الوجوب قد ارتفع بارتفاع الوجوب وما هو مشكوك لم يكن‏متيقناً، فلهذا يكون من الاستصحاب في القسم الثالث من أقسام استصحاب‏الكلي، وأما على القول بأن الوجوب يكون بحكم العقل والمجعول من قبل المولى‏إنما هو طلب الفعل الذي هو منشأ انتزاعه عقلاً إذا لم تكن هناك قرينة على‏الترخيص في الترك فلا مجال لجريان استصحاب الطلب، لأنه مرفوع بالدليل‏الناسخ مباشرة والوجوب أمر انتزاعي بحكم العقل، وارتفاع الأمر الانتزاعي‏إنما هو بارتفاع منشأ انتزاعه وإن اُريد به الارادة والحب في مرتبة المبادي، فهل‏يجري استصحاب بقاء الارادة ولو بمرتبتها الضعيفة بعد ارتفاع مرتبتها الشديدةبارتفاع الوجوب، قد يقال بالجريان، بدعوى‏ إنّ العرف لا يرى‏ التباين بين‏الإرادة اللزومية والارادة غير اللزومية في مرحلة المبادي، وإنما يرى التباين بين‏الوجوب والاستحباب والحرمة والكراهة، فإذن لا مانع من استصحاب بقاءالارادة في الجملة بعد اليقين بها.
والجواب: أولاً، إنّ العرف كما يرى‏ التباين بين الوجوب والاستحباب يرى‏التباين بين الارادة اللزومية والارادة غير اللزومية أيضاً. فإنهما بنظره مرتبتان‏متباينتان من الارادة في مرحلة المبادي.
وثانياً، مع الاغماض عن ذلك إلاّ إنّ إرادة الوجوب لايعقل بقائها بعد ارتفاع‏نفس الوجوب وترتفع بارتفاعه هذا، إضافة إلى أن المرفوع بالدليل الناسخ هوالوجوب بتمام مراحله أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الاعتبار الذي هوحقيقة الوجوب وروحه، وأما وجود إرادة اُخرى‏ فلا علم بها من الأول، وأماالمرتبة الضعيفة منها فهي مندكة في المرتبة القوية وترتفع بارتفاعها.
فالنتيجة، إنّ هذا الاستصحاب لايجري لافي مرحلة الاعتبار ولافي مرحلةالمبادي.
وأما في الأمر الثاني فقد أورد عليه بإشكالين(24):
الأول: إنه لامانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة ولايكون‏معارضاً باستصحاب عدم جعل الزائد هذا، وتحقيق هذه المسألة يأتي في محلهاإن شاء اللَّه تعالى‏.
الواجب التخييري ...
الثاني: إنا لو بنينا على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، إلاّإنه لايمكن تطبيقه في المقام على مبناه‏قدس سره، فإنه قد بنى‏ على المعارضة بين‏الاستصحابين في الشبهات الحكمية إذا كان الحكم المشكوك بقائه الزامياً، وأماإذا كان ترخيصياً فلا معارضة بينهما ولا مانع من جريانه، وحيث إنّ الحكم‏المشكوك في المقام ترخيصياً فلا مانع من جريانه.



الواجب التخييري‏
فيه أقوال ونظريات:
النظرية الاُولى‏: إنّ الواجب في المسألة هو ما اختاره المكلف في ظرف‏الامتثال من البدائل، فإذا اختار منها الصوم كان هو الواجب عليه تعييناً دون‏غيره، وإذا اختار الاطعام فكذلك وهكذا، ونسب هذه النظرية إلى كل من‏الأشاعرة والمعتزلة.
والجواب: إنّ هذه النظرية ساقطة جداً ولاترجع إلى معنى معقول، وذلك لأن‏عنوان ما يختاره المكلف لايخلو إما أن يكون مأخوذاً بنحو الموضوعيّة بمعنى إنه‏قيد للواجب والوجوب معاً أو قيد للوجوب فقط أو مأخوذاً بنحو المعرفيةوالمشيرية إلى واقع فعل في الخارج الذي يختاره المكلف وكلاهما لايمكن.
أما الأول فيرد عليه، أولاً: إنّ تعلق الأمر بما يختاره المكلف في الخارج‏ويفعله يكون من طلب الحاصل وهو محال، ولا فرق في ذلك بين أن يكون‏عنوان ما يختاره قيداً للواجب والوجوب معاً أو قيداً للوجوب فقط، ودعوى‏إنّ متعلق الأمر ليس عنوان ما يختاره المكلف في الخارج بالفعل بل ما يؤثره‏المكلف من البدائل ويرجحه لو شاء بنحو القضية التعليقية، وحينئذٍ فلايلزم‏محذور طلب الحاصل، مدفوعة بأنّ هذه الدعوى‏ خلاف مفروض هذه النظرية،لأن المفروض فيها إنّ الواجب هو ما يختاره المكلف بالفعل في الخارج لا مإ؛ه‏ب‏خ‏خ‏يؤثره ويرجحه من البدائل لو شاء، وثانياً: إنّ احتمال كون اختيار المكلف الفعل‏في الخارج دخيلاً في الحكم في مرحلة الجعل وفي اتصافه بالملاك في مرحلةالمبادي غير محتمل بل هو خلاف الضرورة والوجدان، بداهة إنّ اتصاف الفعل‏بالملاك في الواقع تابع لعلله وشرائطه الواقعية في المرتبة السابقة سواءاً إختاره‏المكلف أم لا، ولا يعقل أن يكون اختياره يوجب انقلابه عن حالة ليست فيهامصلحة ملزمة فيه إلى حالة فيها مصلحة كذلك وهي حالة الاختيار، وتكون‏هذه الحالة علة تامة لحدوثها وهو كما ترى‏ هذا، إضافة إلى أنّ لازم هذه النظريةإنه لايترتب على ترك جميع البدائل عصيان باعتبار أن وجوبها مشروطبالاختيار ومع عدم الاختيار فلا وجوب لها حتى يكون في تركها عصيان،ضرورة إنه لايعقل وجوب بدون أن يكون له عصيان.
وأما الثاني وهو كون الواجب واقع ما يختاره المكلف في الخارج بعنوانه‏الأولي، فلأن لازمه إفتراض أنّ كل فرد من البدائل واجب بعنوانه الواقعي حتى‏يقع اختيار كل مكلف في ظرف الامتثال على ما هو الواجب في الواقع وهذا كماترى‏، فإنه في ظرف النقيض مع ما هو المرتكز في وجدان العرف والعقلاء من‏الواجب التخييري في مقابل الواجب التعييني، لأن المرتكز منه أنّ نسبة الخطاب‏التخييري إلى كل مكلف على حد سواء كما إنّ نسبته إلى المكلف به كذلك، لا أن‏الموجّه إلى فرد وجوب صوم شهرين متتابعين وإلى آخر وجوب إطعام ستين‏مسكين وهكذا كل حسب اختياره الذي هو معرف ومشير إلى ما هو الواجب‏عليه في الواقع، فإنّه خلاف الضرورة والوجدان. هذا إضافة إلى أن الواجب لوكان واحد من البدائل في الواقع بعنوانه الخاص، فما هو المبرر لسقوط الباقي عنداختيار أحدها، نعم يمكن تصحيح ذلك بأن المجعول في الواقع وجوبات متعدّدةبعدد أفراد البدائل المشروطة، بمعنى إنّ وجوب كل فرد منها مشروط بعدم‏الاتيان بفرد آخر، وعلى هذا فإذا اختار المكلف صوم شهرين من البدائل فقدوقع اختياره على الواجب في الواقع وكذلك إذا اختار الاطعام أو العتق، ولكن‏حينئذٍ ترجع هذه النظرية إلى النظرية الآتية وليست نظرية مستقلة في مقابلها،وسوف يأتي الكلام في تلك النظرية.
إلى هنا قد تبين إنّ هذه النظرية لاترجع بالتحليل إلى معنى محصل ومعقول‏حتى ننظر إليها في مقام الاثبات ونبحث عن وجود دليل عليها.
النظرية الثانية: ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره(25) وهذه النظرية متمثلة في‏فرضيتين:
الاُولى: أن يكون الغرض واحداً في الواقع وقائماً بالجامع بين الدلائل.
الثانية: أن يكون متعدداً فيه وقائماً بكل واحد منها بعنوانه الخاص.
أما الكلام في الفرضية الاُولى‏، فقد استدل عليها بقاعدة فلسفيّة وهي إن‏الواحد لايصدر إلاّ من واحد، وحيث إنّ الغرض في المقام واحد فلايعقل أن‏يؤثر فيه إلاّ واحد، وعلى هذا فكل من البدائل بحدّه الخاص لايمكن أن يكون‏مؤثراً فيه وإلاّ لزم صدور الواحد من الكثير وهو محال، فإذن لا محالة يكون‏المؤثر فيه الجامع ويكون كل من البدائل مؤثراً فيه من جهة وجود الجامع فيه‏بدون خصوصية له، وذلك الجامع هو متعلق الأمر على أساس إنه تعلق بما فيه‏الملاك، وعلى هذا فيكون الواجب الجامع بحده الجامعي تعييناً ويكون التخييربين أفراده وبدائله عقلياً، وحينئذٍ فلا فرق بين الواجب التعييني والواجب‏التخييري ثبوتاً هذا.
وقد أورد على هذه النظرية السيد الاُستاذ(26) والمحقق الأصبهاني‏27)0) بماحاصله: إن القاعدة الفلسفية وهي إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد إنما تتم في‏الواحد الشخصي من جميع الجهات ولا تتم في الواحد النوعي، فإذا كان المعلول‏واحداً بالشخص فهو كاشف عن علة واحدة كذلك، وأما إذا كان واحداً بالنوع‏فلايمكن تطبيق هذه القاعدة عليه، وقد أصرّ على ذلك المحقق الأصبهاني‏قدس سره‏واستشهد عليه بالحرارة، فإن وحدتها نوعيّة ولها أفراد متعددة في الخارج‏وأسباب وعلل مختلفة فيه كالنار والشمس والآلة الكهربائية والحركة وغيرها،ولا مانع من أن تؤثر في كل فرد منها علة مستقلة، وعلى هذا فحيث إنّ‏وحدة الغرض في المقام نوعية فلاتكشف عن وجود جامع موحد حقيقي بين‏فعلين أو أفعال إذ لامانع من أن يؤثر كل من الفعلين أو الأفعال بحدّه الخاص في‏فرد من الغرض.
وللمناقشة فيه مجال، أما أولاً: فلأن وحدة الغرض في المقام وحدة شخصيّةوهي قائمة بأحد البدائل، ولهذا فإذا أتى المكلف به حصل الغرض، فلوكانت‏وحدته نوعية وله أفراد في الخارج فلا محالة يتعدد الوجوب بتعدده، لأنه حقيقةالوجوب وروحه مع أنه واحد، ومن الواضح أن وحدته تكشف عن وحدةالغرض.
وثانياً: إن هذه القاعدة الفلسفية ترتكز على ثلاث ركائز:
الاُولى: مبدأ العلية القائل بأن لكل شي‏ء علة مباشرة حدوثاً وبقاءً.
الثانية: مبدأ الحقيّة القائل بأن كل نتيجة طبيعية تتولد من علة مباشرةبصورة قهريّة واستحالة انفكاكها عنها.
الثالثة: مبدء التناسب القائل بأن لكل مجموعة من الأشياء والمتّفقة في الحقيقةوالذات علل كذلك، بداهة إن عللها لولم تكن متّفقة في الحقيقة والذات، استحال‏أن يكون مؤثرة في تلك الأشياء المتّفقة المتجانسة لاستحالة تأثير المباين في‏المباين، لأن معنى تأثير العلة في المعلول هو أنه يتولد منه، ولهذا يكون المعلول‏من مراتب وجود العلة النازلة وليس شيئاً أجنبياً عنها، وهذا هو معنى ضرورةمبدء التناسب والسنخية بين العلة والمعلول، وعلى ضوء هذه الركائز فإذا كانت‏الأشياء متجانسة ومتفقة في الآثار والنتائج التي تتولد منها فهي بطبيعة الحال‏تكشف عن تجانسها واتفاقها في الحقيقة وإلاّ فلايمكن تولدها منها، وهذا معنى‏إن وحدة المعلول إذا كانت بالنوع تكشف عن وحدة علته كذلك لاستحالةصدور الأشياء المتجانسة والمتفقة في الحقيقة عن الأشياء المتباينة فيها، فإذن‏لاتختص القاعدة بالواحد الشخصي، وعليه فإذا كان الغرض في المقام واحداًبالنوع فهو يكشف عن أن المؤثر فيه أيضاً واحد بالنوع وهو الجامع بين البدائل،وكل واحد منها مؤثر فيه بلحاظ وجود الجامع فيه لا بلحاظ حدّه الفردي،ضرورة إنّ الواحد بالشخص لايمكن أن يكون جامعاً بين فعلين أو أفعال وإلاّلزم خلف فرض كونه واحداً بالشخص.
وقد أورد السيد الاُستاذقدس سره ثانياً(28) على هذه النظرية، بتقريب إن سنخ هذاالغرض غير معلوم لنا لعدم وجود طريق إليه، ولهذا لانعلم إنّ وحدته تكون‏بالذات والحقيقة أو بالعنوان، فإن كانت بالذات فهي تكشف عن أن مؤثره أيضاًكذلك، وإن كانت بالعنوان فتكشف عن أن مؤثره أيضاً بالعنوان، وعلى هذا فلإ؛ه‏پ‏خَ‏طريق لنا إلى كشف الجامع الذاتي بين البدائل هذا.
ويمكن المناقشة فيه، بأن الغرض الداعي للمولى‏ إلى جعل الحكم إنما هوملاكه الواقعي، ولايمكن أن يكون مجرد مفهوم لاموطن له إلا الذهن، فإن‏الواحد بالعنوان مفهوم انتزاعي لا واقع موضوعي له إلاّ في اُفق الذهن، ومن‏الواضح إن مثله لايصلح أن يكون داعياً للمولى‏ إلى جعل الحكم لتحريك‏المكلف نحو امتثاله طالما لم يكن أمراً واقعياً، ومن هنا لا شبهة في أن المصالح‏والمفاسد من الاُمور الواقعية لا أنّهما مجرد مفهوم وتصور في عالم الذهن هذا.
والتحقيق إن هذه الفرضية غير تامة ثبوتاً واثباتاً، أما ثبوتاً فلأنها مبنية على‏نقطة خاطئة وهي تخيّل إنّ الغرض حيث إنه أمر واقعي تكويني فلا يقوم إلابالأمر الواقعي الحقيقي، ولايمكن أن يقوم بالعنوان الانتزاعي الذي لا موطن له‏إلا الذهن، على أساس مبدء التناسب بين العلة والمعلول والأثر والمؤثر، وحيث‏إنّ الأمر الانتزاعي لايمكن أن يؤثر في الأمر الواقعي، فإذن لا محالة يكون المؤثرفيه الأمر الواقعي تطبيقاً لمبدء التناسب، وبما إنه واحد فلايمكن صدوره إلا من‏واحد تطبيقاً لقاعدة إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد.
أما خطأ هذه النقطة، فلانها مبنية على الخلط بين عنوان الغرض الذي لاموطن له إلاّ الذهن وبين واقعه الخارجي الذي يكون موطنه الخارج، كما أنّ فيهاخلطاً بين عنوان الفعل الذي لاموطن له إلاّ عالم الذهن وبين واقعه الخارجي،ونقصد بعالم الذهن مقابل عالم الخارج لا عالم التصور، وقد تقدم في ضمن‏البحوث السالفة أن اتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي يكون من شروطالحكم في مرحلة الجعل والاعتبار، وترتب الملاك على الفعل في الخارج يكون‏من شروط المأمور به، وعلى هذا فالمراد من إتصاف الفعل بالملاك في مرحلةالمبادي إنما هو اتصافه به في عالم الذهن لا في عالم الخارج، لوضوح إنّ المتصف‏بالملاك إنما هو مفهوم الفعل بمفهوم الملاك الفاني والمشير إلى واقعه الخارجي، لأن‏الفعل طالما لم يوجد في الخارج فهو مجرد عنوان ومفهوم وكذلك الملاك، ولا مانع‏من اتصاف الفعل بعنوانه الذهني المشير إلى واقعه الخارجي بالملاك كذلك، كما إنه‏لا مانع من قيام الملاك بعنوانه الذهني على الفعل كذلك، فإذن الملاك بوجوده‏الخارجي الواقعي مترتب على الفعل بوجوده الخارجي، وبوجوده العنواني‏الذهني قائم على الفعل بوجوده العنواني، فلا يلزم حينئذٍ قيام الأمر الواقعي‏وترتبه على الأمر الانتزاعي حتى يقال إنّ تأثير الأمر الانتزاعي في الأمرالواقعي مستحيل، لأن المؤثر في ترتب الملاك الواقعي الفعل بوجوده الخارجي‏لا بوجوده العنواني، فما ذكره‏قدس سره من أن الجامع العنواني لايصلح أن يتصف‏بالملاك في مرحلة المبادي ومؤثراً فيه، مبني على الخلط بين الملاك بوجوده‏الواقعي والملاك بوجوده العنواني المشير إلى وجوده الواقعي، فإن الذي لايمكن‏قيامه بالعنوان الأنتزاعي هو الأول دون الثاني، والمفروض إن الأول قائم بوجودأحدها في الخارج والثاني قائم بوجوده العنواني في الذهن هذا، إضافة إلى أن‏اتصاف الفعل بالملاك وقيامه به بوجوده العنواني ليس بنحو الموضوعية حتى‏يقال إنه لايمكن بل بنحو المعرفية والمشيرية إلى ما هو المؤثر فيه وهو وجوده‏الخارجي، وعلى هذا فقيام الملاك بعنوان أحد البدائل إنما هو لمجرد المعرفيةوالمشيرية إلى واقعه المؤثر كما هو الحال في سائر الموارد، وعلى هذا فلا إشكال في‏المقام ولا في سائر الموارد هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إن الجامع الحقيقي بين البدائل إنما يتصور فيما إذا كانت‏البدائل من أفراد حقيقة واحدة، وأما إذا كانت من أفراد حقائق مختلفةومقولات متعدّدة فلا يتصور جامع حقيقي بينها.
وأما إثباتاً فلأن المتفاهم العرفي من أدلة الوجوب التخييري الآمرة بكل‏واحد من البدائل بالعطف بكلمة )أو( مثل صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين‏مسكيناً أو اعتق رقبة هو أن المجعول فيها وجوب واحد متعلّق بالجامع‏الانتزاعي وهو عنوان أحدها، فالنتيجة إنه لايمكن الأخذ بهذه الفرضية من‏النظرية.
وأما الكلام في الفرضية الثانية، فلأن لازمها أن يكون المجعول وجوبات‏متعددة بعدد البدائل المشروطة، بمعنى إنّ وجوب كل واحد منها مشروط بعدم‏الاتيان بالآخر، هذا من جهة وجود المضادة بين الملاكات الالزامية القائمة بها،فإنها تقتضي الاشتراط المذكور، وعلى هذا فالتخيير بينها يكون شرعياً، هذا هوالفارق بين هذه الفرضية والفرضية المتقدمة، فإن التخيير بين البدائل على ضوءالفرضية المتقدمة عقلي بينما يكون شرعياً على ضوء هذه الفرضية.
وقد يورد على هذه الفرضية بأنها مخالفة لظواهر الأدلة التي جائت بهذااللسان: صم شهرين متتابعين أو اطعم ستين مسكيناً أو اعتق رقبة مؤمنة، فإن‏المتفاهم العرفي منها هو أنّ الوجوب المجعول في الشريعة المقدّسة وجوباً واحداًمتعلقاً بالجامع العنواني وهو عنوان أحدها لا وجوبات متعددة بعدد البدائل‏المشروطة، فالنتيجة، إنّ هذه الفرضية وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلاّ أنه لايمكن‏الأخذ بها إثباتاً هذا.
قد يقال بأن ما ذكره صاحب الكفايةقدس سره من النظرية فرضية بكلا شقيها، فإنه‏فرض إن الغرض إن كان واحداً في الواقع ومقام الثبوت فالواجب أيضاً كذلك‏وهو الجامع بين البدائل لا كل واحد منها بحدّه وإلا لزم تأثير الكثير في الواحدوهو محال، وإن كان متعدداً فالواجب متعدد بعدد أفراد البدائل، غاية الأمر إنّ‏وجوب كل واحد منها مشروط بعدم الاتيان بالآخرين من جهة التضاد بين‏ملاكاتها المقتضى لهذا الاشتراط، ولا معنى‏ لرد هذه الفرضية بأنها مخالفة لظاهرالدليل في مقام الاثبات، فإن صاحب الكفايةقدس سره لم يدع إنها موافقة للدليل في‏هذا المقام حتى يرد عليه بأنها مخالفة للدليل فيه، وعلى هذا فهذه الفرضيةمادامت في دائرة الافتراض فلا واقع للاشكال عليها إثباتاً، وأما إذا خرجت‏عن هذه الدائرة وثبت بالبرهان إن الغرض في الواقع متعدد، فلا مناص من‏الأخذ بها وإن كانت مخالفة لظاهر الأدلة في مقام الاثبات، إذ حينئذٍ لابد من‏التصرف فيها، وفيه إن غرض المستشكل ليس الاشكال على هذه الفرضيةثبوتاً بل غرضه أن اثباتها في الخارج بالدليل لايمكن، لأن الأدلة في مقام‏الاثبات لا تدل عليها بوجه ومخالفة لها، سواءً أكان صاحب الكفايةقدس سره مدعياًموافقتها للدليل أم لا، وقد يناقش في هذه الفرضية بأن لازمها تعدد العقاب إذاترك المكلف البدائل جميعاً، إذ حينئذٍ يتحقق شرط وجوب كل منها وهو الترك‏فيستحق العقاب عندئذٍ على ترك كل واحد منها إذا كان باختياره لأنه من ترك‏الواجب عامداً ملتفتاً، وهذا خلاف ما هو المسلم في الواجبات التخييرية من‏عدم استحقاق المكلف عند ترك الجميع إلاّ عقاباً واحداً.
وغير خفي أولاً: إنّ هذه الفرضية لوثبتت في الواقع فلا مانع من الأخذبلازمها وهو تعدد العقاب، وليس في ذلك خلاف الكتاب والسنة ولا العقل،وأما عدم إلتزام الأصحاب به فهو إنما يكون من جهة عدم التزامهم بتعددالواجب هذا، إضافة إلى أن عدم التزام الأصحاب بذلك لايمنع من الالتزام به لوتمت الفرضية.
وثانياً: إن تعدد العقاب على هذه الفرضية مبني على أن يكون ترك كل من‏العدلين شرطاً لاتصاف الآخر بالملاك في مرحلة المبادي، فحينئذٍ إذا ترك‏المكلف كليهما معاً باختياره، فحيث إنه تحقق به شرط اتصاف كل منهما بالملاك‏فعلاً فقد فوت على المولى‏ كلا الملاكين الفعليين، مع أن بإمكانه أن لا يفوت عليه‏شي‏ء منهما، كما إذا أتى بأحدهما ترك الآخر، فإنه استوفى‏ بذلك أحد الملاكين،وأما الملاك الآخر فقد فات منه بفوت موضوعه وشرطه لا بتفويته، وهذابخلاف ما إذا ترك كلا العدلين معاً، فإنه بذلك حيث يتصف كل منهما بالملاك فعلاًمن جهة فعلية شرطه، فيكون تفويت كل من الملاكين مستنداً إليه فيستحق‏عقابين، وأما إذا كان ترك كل من العدلين شرط لترتب الملاك على الآخر في‏مرحلة الإمتثال، فعندئذٍ إذا ترك كلا العدلين معاً كان ترك أحد الملاكين مستنداًإليه، وأما ترك الملاك الآخر فهو قهري وغير مستند إليه، فإذا أتى المكلف‏بالصوم مثلاً فقد استوفى‏ ملاكه القائم به، وأما ترك الملاك القائم بالاطعام فهو أمرقهري وخارج عن اختياره، لأنّه غير قادر على استيفائه وإن أتى‏ به بعد الصوم‏لمكان المضادة بينهما، فإذا ترك الصوم والاطعام معاً، كان ترك أحد الملاكين‏مستنداً إلى اختياره، وأما ترك الملاك الآخر فهو حاصل قهراً، فإذن ليس‏بإمكانه استيفاء كلا الملاكين معاً لوجود المضادة بينهما، وعلى هذا فإذا ترك كلاالعدلين معاً لم يستحق إلا عقاباً واحداً.
والصحيح في ردّ هذه الفرضية أن يقال أولاً: إن افتراض التضاد بين الملاكات‏المترتبة على الواجبات الشرعيّة من دون التضاد بينها فرض ملحق بأنياب‏الأغوال كما ذكره السيد الاُستاذقدس سره، وقد تقدم ذلك في ضمن البحوث السالفة،وقلنا هناك إنه لايصح قياس الآثار والنتائج المترتبة على الأفعال الاعتياديةالخارجية في حياتنا اليومية بالآثار والنتائج المترتبة على الواجبات الشرعية،وذلك للفرق بينهما، لأن علاقة الإنسان بالاولى‏ علاقة مادية بينما تكون علاقته‏بالثانية علاقة روحية معنويّة، على أساس إن الواجبات الشرعية علاقة بين‏الإنسان وربّه والآثار المترتبة عليها تقوي هذه العلاقة وتؤدي إلى نموّها، فلهذالاتعقل المضادة بينها كما تعقل بين الآثار المادية المترتبة على الأفعال الخارجيةالاعتيادية.
النظرية الثالثة: ما اختاره المحقق الأصبهاني‏قدس سره(29) وإليك نصّه: »إن القائم‏بالصوم والعتق والاطعام أغراض متباينة لا أغراض متقابلة، وحيث إن كلهالزومية فلذا أوجب الجميع، وحيث إنّ مصلحة الارفاق والتسهيل تقتضي تجويزترك كل منها إلى بدل فلذا أجاز كذلك، فإذا ترك الكل كان معاقباً على ما لايجوزتركه إلاّ إلى بدل وليس هو إلا الواحد منها لا كلها، كما إنّه إذا فعل الكل دفعةواحدة كان ممتثلاً للجميع، والشاهد على ما ذكرنا إنه ربما لايكون تمام الارفاق‏كما في كفارة الظهار والقتل الخطائي، فإنه أمر أولا بالعتق ومع عدم التمكن يجب‏الصوم، وربما لا إرفاق أصلاً كما في كفارة الافطار بالحرام، فإنه يجب الجمع بين‏الخصال فيعلم منه إن الاغراض غير متقابلة.
ويمكن فرض نظيره فيما إذا كان الغرض المترتب على الخصال واحداً نوعياً،بتقريب إنّ الغرض وإن كان واحداً سنخاً إلاّ أنّ اللزومي منه وجود واحد منه،فحيث إنّ نسبة الكل إلى ذلك الواحد اللزومي على السوية فيجب الجميع، لأن‏إيجاب أحدها المردد محال وإيجاب أحدها المعيّن تخصيص بلا مخصص، وحيث‏إنّ وجوداً واحداً منه لازم فيجوز ترك كل منها إلى بدل، وكما إنّ الايجاب‏التخييري على الفرض الأول شرعي لانبعاثه وجوباً وجوازاً عن المصلحة في‏نظر الشارع كذلك الايجاب التخييري في هذا الفرض، لأن أصل الإيجاب عن‏مصلحة وتجويز الترك عن وحدانية اللازم منها، هذا ما أفاده‏قدس سره في المقام من‏النظرية في ضمن فرضيتين:
الاُولى: إن كل واحد من البدائل مشتمل على ملاك ملزم مباين لملاك الآخرلا أنّه متقابل ومضادّ له، ونتيجة ذلك وجوب كل منها تعييناً والاتيان بالجميع،ولكن مصلحة الارفاق على الاُمة تقتضي جواز ترك كل واحد منها إلى بدل،فإذن الملاك الملزم الواجب تحصيله متمثل في واحد وبإمكان المكلف استيفائه‏بإتيان أي منها شاء على البدل، ولهذا إذا ترك الكل فلا يستحق إلا عقاباً واحداً،كما إنه إذا أتى بالكل دفعة واحدة كان متمثلاً للجميع، على أساس إن نسبةالامتثال إلى بعض منها دون آخر ترجيح من غير مرجح، وحيث إنّ وجوب‏الاتيان بأحدها وجواز ترك الباقي كليهما ناشي‏ء عن المصحلة في نظر الشارع‏فيكون التخيير بينها شرعياً.
الثانية: إنّ الملاك المترتب على البدائل واحد بالنوع، ولكن اللزومي منه‏وجود واحد ونسبة ذلك الواحد اللزومي إلى الكل نسبة واحدة، على أساس إن‏إيجاب الفرد المردّد محال لاستحالة وجوده في الخارج، وإيجاب الفرد المعيّن‏ترجيح من غير مرجّح فيكون المكلف مخيراً بين أفراد البدائل، وهذا التخييرأيضاً شرعي، لأن وجوب الاتيان بالواحد ناشي‏ء عن مصلحة لزومية واحدةوجواز ترك الباقي ناشي‏ء عن وحدانيّتها هذا، ولكن للنظر في كلتا الفرضيتين‏مجالاً.
أما الفرضية الاُولى، فإن أراد بها إن مصلحة التسهيل والارفاق تدل على‏الترخيص في ترك البدائل بعد إيجابها ماعدا واحد منها، فيرد عليه:
أولاً: إن الترخيص في ترك الواجب الفعلي بنظر العرف والعقلاء تهافت، كيف‏فإن الترخيص في ترك الواجب بما هو واجب ومشتمل على الملاك الملزم تناقض‏بنظرهم، ولايمكن ذلك.
وثانياً: إن المولى‏ الحكيم يعلم بمصلحة التسهيل والارفاق في المقام كما إنه يعلم‏بالمصالح القائمة بالبدائل وإنه بمقتضى مصلحة التسهيل قد رخص في تركها ماعداواحد منها، فإذن ما هو المبرر لجعل الإيجاب لها جميعاً، لأن مصالحها مزاحمةبمصلحة التسهيل التي هي أقوى‏ منها ماعدا مصلحة واحدة في واحد منها، ومن‏الواضح إن المصلحة المزاحمة لاتصلح أن تكون منشأ للتكليف، فإذن ترخيص‏الشارع في تركها لايمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرر، والمبرر له هو أن مصلحتهامن جهة مزاحمتها مع مصلحة التسهيل لاتصلح أن تكون منشأ لايجابها، وإن‏أراد به أن مصلحة التسهيل تمنع عن تأثير مصالحها في إيجابها ماعدا مصلحةواحد منها، فهو صحيح وإن كان خلاف ظاهر كلامه‏قدس سره، وعلى هذا فلا فرق بين‏المسلك القائل بأن الوجوب ليس مفاد الأمر مباشرة بل هو طلب الفعل، ولكن‏العقل ينتزع الوجوب من طلب الفعل مع عدم الترخيص في الترك، والمسلك‏القائل بأن الوجوب هو مدلول الأمر والمنشأ به مباشرة.
أما على الأول فواضح فإنّ المولى‏ قد يطلب شيئين مع عدم الترخيص في‏الترك وهذا معناه وجوبان تعيينيان، واُخرى يطلبهما مع الترخيص في ترك كليهمامعاً وهذا معناه استحباب كل منهما، وثالثة يطلبهما مع الترخيص في ترك أحدهماولو لمصلحة التسهيل وهذا هو الواجب التخييري.
وأما على الثاني فقد استشكل عليه بعض المحققين‏قدس سره بالتهافت العقلائي بين‏الوجوبين التعيينين المطلقين في كل من الطرفين مع الترخيص في ترك أحدهما،لأنه نظير إيجاب شي‏ء والترخيص في تركه، لوضوح إنّ الوجوب لايجتمع مع‏الترخيص.
وفيه: أن هذا الاشكال غير وارد، وذلك لأنه مبني على أن المولى‏ جعل الوجوب‏لكل واحد من البدائل بعنوانه الخاص وحدّه المخصوص تعييناً ثم رخّص في ترك‏الجميع إلاّ واحد منها على البدل فإن في ذلك تهافت، ولكن هذا المبنى غيرصحيح، لأن مصلحة التسهيل تمنع عن جعل الوجوب للكل من الأول إلاّ لواحدمنها لا على التعيين، وعلى هذا فلا تهافت في البين.
والخلاصة: إن التهافت العقلائي على هذا المسلك إنّما يلزم إذا جعل الشارع‏الوجوب لكل البدائل تعييناً ثم رخصه في تركها لمصلحة التسهيل، فإنه‏مستهجن عرفاً لأنه ترخيص في ترك الواجب الفعلي، وأما إذا قلنا بأن مصلحةالتسهيل والارفاق تمنع عن تأثير مصالح الكل في جعل الوجوب من الأول إلاّلواحد منها وتكشف عن أن المجعول في الشريعة المقدّسة وجوب واحد متعلق‏بأحد البدائل لا على التعيين فلا تهافت في البين، ولا فرق حينئذٍ بين المسلكين في‏باب الأمر.
وإن شئت قلت: إن مصلحة التسهيل والارفاق في المقام لو كانت فهي تزاحم‏المصالح الملزمة القائمة بالبدائل وتمنع عن تأثيرها وداعويتها إلى جعل الوجوب‏من الأول، لأن المصلحة المزاحمة لاتصلح أن تصبح منشأ لجعل الحكم، لا أنهاتدل على ترخيص المكلف في تركها ماعدا واحد منها بعد إيجابها لكي يلزم‏التهافت، ومن المحتمل أن يكون مراده‏قدس سره من إيجاب الجميع إيجابه روحاً وملاكاًلا اعتباراً، بمعنى إن المقتضي للجعل موجود بل لايعقل هذا الجعل من المولى‏الحكيم العالم بالواقع، فإنه مع علمه بأنّ مصالح البدائل المترتبة عليها غيرمصلحة واحدة منها مزاحمة بمصلحة التسهيل والارفاق، لايمكن له أن يجعل‏الوجوب لها جميعاً ماعدا واحد منها لأنه لغو وجزاف وبلا ملاك، فإذن لا محالةيكون الترخيص في تركها مستنداً إلى وجود المانع لا أنه ترخيص في ترك‏الواجب الفعلي، وعلى هذا فلا فرق بين المسلكين في معنى الأمر هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إن السيد الاُستاذقدس سره قد علق على هذه الفرضية بعدّةوجوه(30):
الأول: إن ظاهر الدليل في مقام الاثبات هو إيجاب أحد البدائل لا إيجاب‏الجميع، فما ذكره‏قدس سره من إيجاب الجميع فلا دليل عليه.
وغير خفي، إن هذا التعليق مبني على أن يكون مراد المحقق الأصبهاني‏قدس سره من‏إيجاب جميع الابدال إيجابها كذلك روحاً واعتباراً معاً، ومصلحة التسهيل‏والارفاق تدل على الترخيص في تركها بما هي واجبة ماعدا واحد منها على‏البدل، ولكن قد تقدّم إنه لايبعد أن يكون مراده‏قدس سره من إيجابها روحاً فقط لاروحاً واعتباراً معاً، على أساس ما أشرنا إليه آنفاً من أن مصلحة التسهيل تمنع‏عن أصل جعل الوجوب لها من الأول.
الثاني: إنه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام الواقعيّة من غير طريق‏ثبوت نفس تلك الأحكام، وحيث إن الأمر في المقام تعلق بأحد البدائل‏فلايكشف إلاّ عن وجود ملاك فيه، فإذن من أين نستكشف أن الملاك في المقام‏متعدد بعدد البدائل في الخارج.
وفيه: إن المحقق الأصبهاني‏قدس سره في مقام بيان إمكان تصوير صورة للواجب‏التخييري في مقام الثبوت، ولا يدعي أنّ هذه الصورة مطابقة لدليل الواجب في‏مقام الاثبات حتى يقال إنها غير مطابقة له، وأما ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره(31) من‏أن التخيير الشرعي قد يستفاد في المسألة من تعدد الأمر الكاشف من تعددالفرض، فهو وإن كان صحيحاً في الجملة إلاّ أنه لايمكن أن يجعل ذلك قرينة على‏تعدد الأمر في كل مورد من موارد التخيير الشرعي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إنّ تعلق الأمر بأحد البدائل في مقام الإثبات إنّما يكشف‏عن أن الغرض المؤثر متمثل في واحد ولاينفي وجود أغراض اُخرى‏ غير مؤثرةلمانع، فإذن لا مانع من افتراض وجودها واقعاً وعدم تأثيرها إنما هو من جهةالمزاحمة بما هو أقوى‏ منها.
الثالث: إنه لا طريق لنا في المقام إلى وجود مصلحة الارفاق والتسهيل حتى‏تقتضي جواز ترك البدائل بما لها من الملاكات الالزامية ماعدا واحد منها،ضرورة إنه من أين يعلم أن جواز تركها إلى بدل بمقتضى مصلحة الارفاق‏والتسهيل، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن يكون جواز تركها مستنداً إلى عدم‏الملاك فيها ماعدا في واحد منها، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم تعدد الغرض‏فالمصلحة التسهيلية تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع، ضرورة أن مصلحةماعدا واحد من البدائل مزاحمة بمصلحة التسهيل والارفاق، ومن الواضح إنّ‏المصلحة المزاحمة بمصلحة اُخرى‏ أقوى‏ منها لاتصلح أن تكون ملاكاً لجعل حكم‏شرعي، فإذن يكون إيجاب الجميع بلا مقتضى‏.
والخلاصة: إن مصلحة التسهيل والارفاق لو كانت فهي تمنع عن أصل جعل‏الوجوب لجميع الاطراف أو الطرفين من الأول لا أنها تقتضي الترخيص في ترك‏الواجب، لوضوح إنّه لا أثر للمصلحة المزاحمة بمصلحة اُخرى‏ ويكون وجودهإ؛لاًج‏خ‏ؤوعدمها سيان، هذا.
وغير خفي إن هذا الوجه في غاية المتانة، ولايرد على المقطع الأول من هذاالوجه ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره(32) من أنه على فرض استفادة تعدّد الوجوب،فلابد أن يكون هناك دليل يدل على وجود ترخيص في ترك كل واحد من‏البدائل إلى بدل، لأن أصل الدلالة على عدم لزوم الجمع بينها مفروغ عنه، وذلك‏لأنه لم يرد على هذا المقطع، لأن السيد الاُستاذقدس سره لم يعترف فيه باستفادة تعدّدالوجوب من دليل لكي يضطر إلى الالتزام بالمصلحة التسهيلية في المقام للدلالةعلى الترخيص في الترك لا مطلقاً بل إلى بدل، لأنه كما يحتمل ذلك يحتمل أن‏يكون الملاك في المقام واحداً قائماً بواحد من البدائل، ومع الاغماض عن ذلك‏وتسليم أن المجعول في الشريعة المقدسة إيجاب الجميع وعدم كون مصلحةالتسهيل والارفاق مانعة منه فلا موجب لسقوط بعضها بفعل الآخر، لفرض إن‏كلاً منها واجب تعييني، وسقوط وجوب الواجب إنما هو بأحد اُمور:
الأول: بالاتيان به وامتثال أمره خارجاً الموجب لحصول غرضه.
الثاني: العجز وعدم القدرة على امتثاله.
الثالث: النّسخ، والمفروض إن الاتيان بالواجب ليس من هذه الاُمور،ودعوى‏ إن وجوب كل منها مشروط بعدم الاتيان بالآخر، وحينئذٍ فيكون‏الاتيان به مسقطاً له، لأن المشروط ينتفي بانتفاء شرطه، مدفوعة بأن الأمر وإن‏كان كذلك على فرض ثبوت تلك الدعوى‏ إلاّ أنها غير ثابتة، فإنه مضافاً إلى‏عدم الدليل عليها أنها مخالفة لظواهر الأدلة في المقام، حيث إن الظاهر منهإ؛لاًج‏خ=وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع بنحو الاشتراط، ولكن هذاالاشكال غير وارد على المحقق الأصبهاني‏قدس سره، لما تقدم من أنه‏قدس سره في مقام تصويرصورة للواجب التخييري في مقام الثبوت ولم يدّع أنها موافقة للدليل في مقام‏الاثبات لكي يقال أنها مخالفة لظاهر الدليل.
الرابع: إن لازم هذه النظرية تعدد العقاب إذا ترك المكلف جميع البدائل، لأن‏جواز ترك كل واحد منها منوط بالاتيان بالآخر، فإن ذلك هو معنى إنه لايجوزالترك إلاّ إلى بدل، فإذا ترك الصوم لا إلى بدل وكذلك العتق والاطعام استحق‏العقاب على الكل لا على واحد منها دون الباقي، لأنه ترك الواجب فعلاً بلا بدل‏وهو غير جائز وموجب لاستحقاق العقاب.
والجواب: إن هذا الوجه مبني على نظريته‏قدس سره في مسألة العقاب وهي أن ملاك‏استحقاقه تمكن المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال أم‏كان برفع موضوعه، وعلى هذا فإذا صام المكلف فقد تخلص نفسه عن مخالفةوجوبه بالامتثال وعن مخالفة وجوب العدلين الآخرين برفع موضوعه، لفرض‏أنّ وجوب كل منهما مقيّد بعدم الاتيان بالصوم، كما إنّ وجوبه مقيّد بعدم الاتيان‏بشي‏ء منهما كما هو الحال في الواجبين المتزاحمين، فإنه‏قدس سره قد التزم هناك بأن‏المكلف إذا ترك كلا الواجبين معاً استحق عقابين، ولكن تقدم أن هذه النظريةغير صحيحة، فالصحيح هو النظرية القائلة بأن ملاك استحقاق العقاب تمكن‏المكلف من التخلص عن تفويت الملاك الملزم، ومع هذا إذا لم يقم بتخليص نفسه‏عنه وفات استحق العقاب، وعلى ضوء هذه النظرية فلايستحق المكلف في المقام‏إذا ترك الجميع إلاّ عقاباً واحداً، باعتبار أن فوت أحد ملاكات البدائل مستندإليه، وأما فوت الباقي فهو غير مستند إليه بل هو مستند إلى مصلحة التسهيل‏والارفاق في المرتبة السابقة التي تدل على الترخيص في ترك الجميع ماعدا واحدمنها، ومقتضى هذه المصلحة التسهيلية إنّ الملاك الملزم الواجب تحصيله على‏المكلف واحد وهو مترتب على أحدها لا على التعيين دون الباقي، وعلى هذافليس بإمكان المكلف إلاّ التخلص من تفويت هذا الملاك الواحد، وعليه فلايستحق العقاب إلاّ على تفويته، وأما تفويت الواجب بما هو اعتبار من قبل‏المولى‏ من دون أن يستلزم تفويت الملاك الذي هو حقيقة الوجوب وروحه فلايوجب استحقاق العقاب، إذ لا قيمة له إذا لم تكن له روح وحقيقة، وفي المقام إذاترك المكلف جميع البدائل فقد ترك واجباً روحاً وملاكاً وواجبين بلا روح، ولهذايوجب تركهما استحقاق العقاب، لأنه إنّما يستحق العقاب على تفويت الملاك‏الملزم لا على تفويت الوجوب بما هو اعتبار.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن مراد المحقق الأصبهاني‏قدس سره من هذه‏الفرضية إن كان وجوب كل من البدائل بوجوب تعييني على أساس ما فيه من‏الملاك الملزم، ولكن مصلحة التسهيل والارفاق تدل على الترخيص في ترك كل‏منها لا مطلقاً بل إلى بدل، فيرد على ما أورده السيد الاُستاذقدس سره في الاشكال‏الثالث من أن مصلحة التسهيل والارفاق لو كانت في المقام، فهي تمنع عن أصل‏جعل الوجوب لجميع البدائل ماعدا واحد منها، باعتبار أنها تزاحم مصلحةغيره من البدائل، والمصلحة المزاحمة لاتصلح أن تكون منشأ للجعل، وإن كان‏مراده‏قدس سره من إيجاب جميع البدائل إيجابها روحاً وملاكاً فقط، بمعنى‏ أنها مشتملةعلى الملاكات الالزامية، ولكن مصلحة التسهيل تمنع عن تأثيرها ماعدا واحدمنها، فلا يرد عليه شي‏ء مما أورده السيد الاُستاذقدس سره من الاشكالات، فإنهاجميعاً اشكالات اثباتية، وأما ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من الفرضية فهي‏مجرد تصوير صورة للواجب التخييري في مقام الثبوت، ولا يدعي هو أن هذه‏الصورة منه مطابقه لظواهر الأدلة في مقام الاثبات حتى يرد عليه بعدم مطابقتهالها. نعم الذي يرد عليه إنه ليس بإمكانه إثبات هذه الفرضية بدليل، لأن أدلةالواجبات التخييرية الآمرة بالبدائل بنحو العطف بكلمة )أو( لا تدل على هذه‏الفرضية، لأنها ظاهرة في أنّ الواجب واحد منها على البدل لا الجميع، وأمااستفادة تعدّد الوجوب المشروط في الواجب التخييري من الدليلين المستقلين،إما من جهة سقوط إطلاقيهما بالتعارض وبقاء أصل الوجوب بنحو القضيةالمهملة أولا اطلاق لهما من الأول، وإن دلالة كل منهما على الوجوب تكون بنحوالقضية المهملة، فعلى‏ تقدير تمامية هذه الاستفادة وصحتها إنها مستفادة من دليل‏الوجوبين على أثر اجمالهما ذاتاً أو عرضاً لا من مصلحة التسهيل والارفاق.
وأما الفرضية الثانية وهي إن الملاك القائم بالجامع بين البدائل واحد نوعي،ولكن اللزومي منه وجود واحد، وحيث إنّ نسبة الكل إلى ذلك الوجود الواحداللزومي نسبة واحدة فيجب الجميع، لأن إيجاب أحدها المردّد محال وإيجاب‏أحدها المعيّن ترجيح من غير مرجّح فإذن لا محالة يجب الكل، فيرد عليها إنّ‏الواجب حينئذٍ هو أحدها المفهوي لا أحدها المعيّن في الخارج ولا المردد فيه وهوالعنوان الانتزاعي، ولا مانع من تعلق الوجوب به، فما ذكره‏قدس سره من أنّ تعلق‏الوجوب بأحدها المعيّن لايمكن للترجيح من غير مرجح وبأحدها المردد محال،لاستحالة وجوده في الخارج، فإذن يتعيّن تعلّقه بالجميع غير تام، لأن تعلقه‏بالجميع أي بكل واحد من البدائل بعنوانه الخاص فهو بلا موجب ويكون لغواً،فإذن يتعين تعلقه بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدها ثبوتاً واثباتاً، أما الأول‏فلأنه لا مانع من تعلق الوجوب بأحدها العنواني المفهومي، فإن المحال هوأحدها لا بعينه المصداقي دون المفهومي، وأما الثاني فلأنه موافق لظواهر أدلةالواجب التخييري.
وأما اشكال السيد الاُستاذقدس سره(33) على هذه الفرضية بأن لازمها تعدّد العقاب‏إذا ترك المكلف جميع البدائل كما هو الحال في الفرضية الاُولى‏، فهو تام على ضوءنظريته في مسألة العقاب، وهي أن المعيار في استحقاق العقاب تمكن المكلف من‏التخلص عن مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال أم كان برفع موضوعه، وأمابناء على ما قويناه من أنّ المعيار في استحقاق العقاب إنما هو تمكن المكلف من‏التخلص عن تفويت الملاك الملزم فلايستحق في المقام إلاّ عقاباً واحداً، إذ ليس‏بإمكانه التخلص إلا من تفويت ملاك واحد، بينما يكون بإمكانه التخلص من‏مخالفة المولى‏ في المقام باتيان أحد البدائل، فإنه إذا أتى‏ به انتفى وجوب الباقي‏بانتفاء موضوعه، وحينئذٍ فإذا جمع بين التروك عامداً وملتفتاً، استحق عقوبةمتعدّدة بعدد أفراد الواجب على مسلكه‏قدس سره، بينما لايستحق على مسلكنا إلاّعقاباً واحداً.
النظرية الرابعة: إن الواجب التخييري عبارة عن إيجاب فرد مردّد بين‏فردين أو أفراد في مقابل الواجب التعييني الذي هو عبارة عن إيجاب شي‏ء معيّن‏كالصلاة ونحوها.
وغير خفي إنّ هذه النظرية إما مستحيلة أو ترجع إلى النظرية الخامسة، وذلك‏لأنه إن اُريد بالفرد المردّد الفرد المردّد بالحمل الأولي أي مفهومه في عالم الذهن‏الذي هو معين فيه لا مردد، ففيه إن هذه النظرية هي نفس النظرية الخامسةالآتية وليست نظرية مستقلة، وإن اُريد به الفرد المردّد بالحمل الشايع أي المرددالمصداقي فهو مستحيل، لاستحالة وجود الفرد المردد في الخارج والذهن،ضرورة إن الفرد المردّد إذا كان بين عنوانين، فإن حمل أحدهما عليه فهو معيّن لإ؛ؤچ‏خَ‏مردّد، وإنّ حمل كل من العنوانين عليه وسلبه عنه فهذا تناقض مستحيل، هذا ماأفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره(34) وملخّصه: »إنّ وجود كل شي‏ء في الخارج أوالذهن متعيّن ولايعقل أن يكون مردّداً بين وجود نفسه ووجود غيره فيه وإلاّلزم الجمع بين النقيضين هما الوجود والعدم في شي‏ء واحد«.
النظرية الخامسة(35): إنّ التخيير الشرعي بين فردين أو أفراد منوطبوحدة الملاك في مرحلة المبادي وإنه قائم بأحدهما المفهومي وهو الجامع بينها،وعليه فلا محالة يكون المجعول في مرحلة الجعل أيضاً وجوباً واحداً متعلقاً به‏بقانون التبعية، هذا بحسب مقام الثبوت والتصور.
وأما في مقام الاثبات، فإن نصوص التخيير الآمرة بالبدائل بنحو العطف‏بكلمة )أو( ظاهرة في أن المجعول في الشريعة المقدسة وجوب واحد متعلق‏بعنوان أحدها، فإذا ورد في الدليل صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكيناًأو إعتق رقبة، كان المتفاهم العرفي منه وجوباً واحداً متعلقاً بأحد هذه البدائل،ومن هنا يظهر أن تفسير التخيير الشرعي بجعل وجوبين تعيينيين مشروطين‏للبدلين، بمعنى إن الوجوب المجعول لكل منهما يكون مشروطاً بعدم الاتيان‏بالآخر خاطي‏ء جداً وغير مطابق للواقع، وذلك لأن هذا التفسير وإن كان ممكناًثبوتاً إلاّ أنه لايمكن إثباته بدليل، لما مرّ من أنّ الأدلة ظاهرة في أن المجعول في‏الشريعة المقدسة وجوب واحد متعلق بالجامع بين الابدال وهو عنوان أحدها،وإن شئت قلت: إن مرد التخيير الشرعي إلى أن المجعول في الشريعة المقدسةوجوب واحد متعلق بأحد البدائل لا وجوبات متعدّدة بعدد البدائل المشروطةوذلك لسببين:
الأول: إنه لا دليل عليه في مقام الاثبات بل الدليل على خلافها موجود فيه‏وهو الأدلة العامة للواجبات التخييرية، لأنها تدل بالمطابقة على أن المجعول‏وجوب واحد متعلق بالجامع بينها، وبالالتزام على نفي جعل الوجوبات المتعدّدةالمشروطة.
الثاني: إن‏لازم كون‏المجعول وجوبات‏متعدّدة في‏الشريعة المقدّسة إفتراض أن‏تكون هناك‏ملاكات متعدّدةالزاميّة في‏مرحلة المبادي‏ء من ناحية وفرض التضادبينها من ناحية اُخرى‏، وإلا لكانت تلك الواجبات واجبات تعيينية لا تخييريةوهذا خلف، ومن هنا يفترق التخييرالشرعي عن‏التخييرالعقلي في‏أمرين:
الأمر الأول: إنّ الأول مستند إلى النص فلهذا يكون شرعياً، بينما الثاني‏لايستند إلى النص فلهذا يكون عقلياً كما في الواجبين المتزاحمين المتساويين.
الأمر الثاني: إن الوجوب في الأول واحد متعلق بالجامع العنواني بينما يكون‏في الثاني وجوبان تعيينيان، وحيث إنّ بينهما مضادة ومزاحمة فيحكم العقل‏بالتخيير بينهما.
إلى هنا قد تبين إن هذه النظرية هي النظرية الصحيحة في المسألة دون سائرالنظريات، وهي إنّ الواجب أحد البدائل لا على التعيين لا كلها بنحو الواجبات‏المشروطة، ثم إنّ الثمرة لاتظهر بين القولين على ما هو الصحيح من جريان أصالةالبراءة في كبرى‏ مسألة دوران الأمر بين التعيين والتخيير، أما على القول‏بوجوب الجامع بين الابدال، فإنه إذا شك في أن صوم شهرين متتابعين واجب‏تعييني أو تخييري، فيدخل في كبرى‏ دوران الأمر بين التعيين والتخيير والمرجع‏فيه أصالة البراءة عن التعيين عقلاً ونقلاً، وأما على القول بالوجوبات‏المشروطة، فلأن المكلف إذا شك في أن وجوب الصوم هل هو تعييني أوتخييري، فيرجع إلى الشك في أصل وجوبه بعد الاتيان بالاطعام أو العتق بنحوالشك البدوي والمرجع فيه أصالة البراءة.
نتائج البحث ...
نتائج البحث متمثلة في نقاط:
الاُولى‏: إن في الواجب التخييري نظريات وآراء متمثلة في خمس:
الأول: إن الواجب هو ما اختاره المكلف في ظرف الامتثال، وهذه النظريةساقطة ثبوتاً ولهذا لا يصل الدور إلى البحث عن وجود الدليل عليها في مقام‏الاثبات.
الثاني: ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره وهو متمثل في فرضيتين:
الاُولى: إنّ الغرض في الواقع واحد قائم بالجامع بين الابدال.
الثانية: إنه متعدد بعدد البدائل، وقد استدل على الفرضية الاُولى‏ بقاعدةفلسفية وهي إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد.
وقد ناقش في تطبيق هذه القاعدة على المقام السيد الاُستاذقدس سره والمحقق‏الأصبهاني‏قدس سره، وعلقنا على هذه المناقشة وقد تقدم تفصيله.
الثالث: إنّ هذه الفرضية غير تامّة ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلأنها مبنيّة على‏نقطة خاطئة وهي الخلط بين واقع الغرض الموجود في الخارج وبين عنوانه الذي‏لا موطن له إلاّ الذهن على تفصيل تقدم، وأما إثباتاً فلأن الظاهر من الأدلة هوأن متعلق الوجوب الجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدها لا الحقيقي.
الرابع: إنّ مقتضى الفرضية الثانية للمحقق الخراساني‏قدس سره أن تكون هناك‏وجوبات متعدّدة بعدد البدائل المشروطة لمكان المضادّة بين ملاكاتها القائمة بها،وهذه الفرضية غير واقعية، لأن إفتراض التضاد بين الملاكات القائمة بها واقعاً مع‏عدم التضاد بينها فرض لا أصل له على ما تقدم هذا، إضافة إلى أنّ هذه الفرضيةمخالفة لظواهر الأدلة في مقام الاثبات أيضاً، وأما الاشكال على هذه الفرضيةبأن لازمها تعدد العقاب إذا ترك المكلف الكل فهو غير وارد.
أما أولاً: فلأن هذه الفرضية لو ثبتت فلا مانع من الأخذ بلازمها.
وثانياً: إنّ تعدد العقاب مبني على أن يكون عدم الاتيان بالآخر شرطاًلاتّصاف الأول بالملاك في مرحلة المبادي، وأما إذا كان شرطاً لترتب الملاك‏عليه، فلايتمكن المكلف من التخلص إلا عن تفويت ملاك واحد، لأن تفويت‏الآخر قهري سواءً أكان المكلف آتياً بأحدهما وترك الآخر، أم كان آتياً بهما معاًأو تاركاً لهما كذلك.
الخامس: ما اختاره المحقق الأصبهاني‏قدس سره وهو متمثل في فرضيتين:
الاُولى‏: إفتراض إشتمال كل واحد من البدائل على ملاك ملزم مباين لملاك‏الآخر ونتيجة ذلك وجوب الكل تعييناً، ولكن مصلحة التسهيل والارفاق تدل‏على الترخيص في ترك كل واحد منها إلى بدل لا مطلقاً.
الثانية: إنّ الملاك قائم بالجامع ومترتب عليه وهو واحد بالنوع، ولكن‏اللزومي منه وجود واحد ونسبته إلى الكل نسبة واحدة، ولهذا يجب الجميع لاالفرد المعيّن للترجيح بلا مرجح ولا الفرد المردّد لأنه محال.
الثانية: إنّ للسيد الاُستاذقدس سره عدة تعليقات على الفرضية الاُولى‏:
الأول: إنه لا طريق لنا إلى احراز ملاكات الاحكام الواقعيّة، وعليه فمن أين‏يحرز أنّ هناك ملاكات الزامية متعدّدة بعدد البدائل.
وفيه: إن نظر المحقق الأصبهاني‏قدس سره من هذه الفرضية مجرد تصوير صورةللواجب التخييري ثبوتاً، ولايدعي إحرازها لكي يقال إنه لا طريق لنا إليه.
الثاني: إنّ هذه الفرضية مخالفة لظاهر الدليل في مقام الاثبات.
وفيه‏إن‏مخالفتها لظاهرالدليل مبنيةعلى‏تفسيرها بإيجاب‏الجميع، وأما بناءً على‏تفسيرها بإيجاب‏واحد من‏البدائل وعدم‏صلاحية مصلحةالباقي لأن‏تكون‏منشأللوجوب من‏جهة مزاحمتهامع مصلحةالتسهيل، فلاتكون‏مخالفة لظاهرالدليل.
وأما التعليق الثالث من السيد الاُستاذقدس سره فهو وارد على ظاهر كلامه‏قدس سره في‏هذه الفرضية.
وأما التعليق الرابع وهو أنّ لازم هذه الفرضية تعدّد العقاب إذا ترك المكلف‏الجميع فهو تام على مسلكه‏قدس سره في مسألة العقاب وغير تام على المختار في هذه‏المسألة على ما تقدم تفصيله.
الثالثة: إنّ ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره في الفرضية الثانية من أنّ الملاك القائم‏بالجامع بين الابدال واحد بالنوع، ولكن اللزومي منه وجود واحد نسبته إلى‏الجميع على حدٍ سواء فيجب الجميع، لأن وجوب الفرد المردّد محال ووجوب‏الفرد المعين ترجيح بلا مرجّح، غير تام أما أولاً: فإنّ وجوب الجميع بلا مبرّر.
وثانياً: إن الواجب هو الفرد لا بعينه مفهوماً لا مصداقاً.
الرابعة: إن الصحيح في المسألة القول بأن مرد التخيير الشرعي إلى أن‏المجعول في‏الشريعة المقدسة وجوب واحد متعلق بالجامع الانتزاعي وهو عنوان‏أحدهما، والدليل‏في مقام‏الاثبات يدل‏على‏ذلك ويكشف عن‏أن‏الملاك واحد قائم‏بالجامع دون‏القول بأن‏المجعول فيها وجوبات متعدّدة بعددالبدائل‏المشروطة.
الخامسة: إنّه لاتظهر الثمرة بين القولين.

الواجب الكفائي ...

الواجب الكفائي‏
مقدّمة: وهي أنّ الحكم الشرعي متقوم بركنين:
الأول: متعلق الحكم.
الثاني: موضوعه، لأن الحكم كما لايمكن تحقّقه في عالم الاعتبار والجعل‏بدون المتعلق كذلك لايمكن تحقّقه في هذا العالم بدون فرض وجود الموضوع له في‏عالم الخارج، لأن جعل الحكم في الشريعة المقدسة إنما هو بنحو القضية الحقيقيةللموضوع المفروض وجوده في الخارج وهي ترجع لباً إلى قضية شرطية مقدمهاوجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له، ومن الواضح إنّ القضية تتقوم‏بالموضوع والمحمول والمتعلّق، مثلاً المستطيع في الآية الشريفة موضوع‏والوجوب محمول والحج متعلّق، وقد يعبّر عن الموضوع بمتعلق المتعلق أيضاً،وعلى هذا فمحل الكلام في المسألة المتقدمة وهي الواجب التخييري إنما هو في‏تعيين متعلق الوجوب وإنه أحد البدائل لا على التعيين أو جميعها أو جامع ذاتي‏بينهما على تفصيل تقدم، وأما محل الكلام في هذه المسألة فإنما هو في تعيين‏موضوع الوجوب وإنّه أحد المكلفين لا على التعيين أو جميعهم على تفصيل يأتي،وبهذه النقطة يمتاز الوجوب الكفائي عن الوجوب التخييري، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنّ خصائص الواجب الكفائي ومميزاته ثلاثة:
الأول: إنّ الواجب الكفائي يسقط عن الجميع بفعل البعض.
الثاني: إنّه إذا ترك من قبل جميع المكلفين استحق الجميع العقاب.
الثالث: إنّه إذا وجد خارجاً دفعة واحدة أو تدريجاً من قبل المكلفين تماماًاستحق الكل الثواب، وبعد ذلك نقول إنّ الواجب الكفائي قد فسّر في كلمات‏الأصحاب بعدة تفسيرات:
الأول: أن يكون الوجوب في الواجب الكفائي موجّهاً إلى جميع المكلفين‏بمعنى إنّ هناك وجوبات عديدة بعدد أفرادهم.
الثاني: أن يكون الوجوب فيه موجهاً إلى مجموع المكلفين بنحو العموم‏المجموعي، بمعنى إنّ هناك وجوباً واحداً مجعولاً على المجموع من حيث المجموع‏بحيث يكون كل فرد منه جزء الموضوع لاتمامه.
الثالث: أن يكون الوجوب فيه موجّهاً إلى أحد المكلفين لا بعينه بمعنى أنّ‏هناك وجوباً واحداً مجعولاً على عنوان أحدهم بنحو العموم البدلي.
أما التفسير الأول فلايمكن الأخذ بظاهره، وإلاّ فلا فرق حينئذٍ بين الواجب‏الكفائي والواجب العيني إلاّ بتوجيه ذلك بأحد نحوين تاليين:
الأول: إنّ الوجوبات المتعددة بعدد آحاد المكلفين وجوبات مشروطة بمعنى‏إنّ وجوبه على كل فرد مشروط بعدم اتيان فرد آخر به، وبه يمتاز الوجوب‏الكفائي عن الوجوب العيني.
الثاني: إنّ متعلق هذه الوجوبات المتعدّدة ليس خصوص الفعل الصادر من‏كل فرد من أفراد المكلف بل الجامع بينه وبين فعل غيره، فكل فرد مكلف بإيجادهذا الجامع، فإذا أوجده في الخارج سقط عن الجميع، وأما إذا لم يقم هو بإيجاده‏فيه ولا غيره فيكون العقاب على الكل، مثلاً الصلاة على الميت واجبة كفائيةوالأمر بها موجه إلى كل مكلف بالغ عاقل قادر ولكن متعلقه صرف وجودهإ؛خ‏خ‏خ‏بفعل أي مكلف كان لا خصوص وجودها المستند إليه، وعلى هذا فالفرق بين‏كون صلاة الميت واجبة كفائية وكونها واجبة عينية إنما هو في متعلق الأمر لا في‏المكلف، فعلى الأول يكون متعلقه الصلاة الجامعة بين فعل المكلف نفسه وفعل‏الغير، وقد تقدم في مبحث التعبدي والتوصلي إنّه لا مانع من الأمر بالجامع بينهمالأنه ليس من الأمر بغير المقدور، باعتبار إنّ الجامع بين المقدور وغير المقدورمقدور.
وعلى الثاني يكون متعلقه حصة خاصة من الصلاة وهي فعل المكلف نفسه،وأما في توجيه الأمر إلى المكلف فلا فرق بينهما، فإنه موجه إلى كل مكلف بعينه‏سواءً أكان متعلقه واجباً عينياً أم كفائياً، وأما الخصائص والمميزات للواجب‏الكفائي فهي متوفرة في صلاة الميّت، إذ لو أتى بها الجميع، استحق الجميع الثواب‏ولو تركها الكل، استحق الكل العقاب، وأما إذا أتى‏ بها بعضهم فقد سقطت عن‏الباقي.
ولنا تعليق على كلا التوجيهين:
أما الأول، فلأن جعل الوجوبات المتعددة بعدد أفراد المكلف المشروطةلايمكن أن يكون جزافاً وبلا نكتة، والنكتة المبررة لذلك هي فرض وجودملاكات متعددة بعدد أفراده، وأما أنّ هذه الوجوبات، وجوبات مشروطه لامطلقة فأيضاً لايمكن أن يكون بلا ملاك وجزافاً، ولكن قد يقال إنّ نكتة ذلك‏أحد أمرين:
الأول: افتراض وجود التضاد بين الملاكات بحيث لايمكن الجمع بين اثنين‏منها، فإذا حصل واحد منها بفعل أحدهم، فات امكان تحصيل الباقي بفعل‏الآخرين.
الثاني: ثبوت الترخيص لهم من الخارج في ترك الواجب إذا أتى به واحدمنهم كمصلحة التسهيل والارفاق مثلاً هذا.
ولكن لايمكن الأخذ بكلا الافتراضين: أما الافتراض الأول، فقد تقدم إنّه‏لايعقل التضاد بين ملاكات الأحكام الشرعية، لأنها اُمور معنوية لا مادية حتى‏يتصور التضاد والتزاحم بينها، لأنها تزيد في قرب العباد إلى اللَّه تعالى‏ وتخلق‏فيهم الصفات الكمالية والملاكات الفاضلة الانسانية وتنمو الإيمان في نفوسهم،ومن الواضح إنه لايتصور التضاد فيها، وقد سبق تفصيل ذلك.
وأما الافتراض الثاني، فعلى‏ تقدير تحققه فهو مانع عن أصل جعل وجوبات‏متعدّدة بعدد أفراد المكلف ماعدا جعل وجوب واحد لأحدهم لا بعينه، لأن‏مصلحة التسهيل والارفاق تمنع عن أصل الجعل، على أساس إنها تدل على أنّ‏كل مصلحة واقعية إلزامية بالنسبة إلى كل مكلف لاتصلح أن تكون منشأًللحكم وداعية إلى جعله إلاّ مصلحة واحدة بالنسبة إلى واحد منهم، إذ لو كانت‏صالحة لذلك أي الجعل، فلا معنى حينئذٍ للترخيص في تركها مشروطاً، لأنه‏يكشف عن أنها غير صالحة لأن تكون منشأً لجعل الوجوب مطلقاً من جهةمزاحمتها مع مصلحة التسهيل والارفاق، وإلاّ لزم الترخيص في ترك الواجب بماهو واجب وهو قبيح، وذلك لأن مصلحة الواجب إن كانت صالحة لأن تكون‏منشأ لجعل الوجوب له رغم وجود مصلحة التسهيل فلايجوز الترخيص في‏تركه، وإن لم تكن صالحة لذلك فلا وجوب من الأول، أو فقل إن مصلحةالتسهيل إن كانت مانعة عن أصل جعل الوجوب له من جهة أنها أقوى‏ من‏مصلحة الواقع، فلا وجوب حينئذٍ، وإن لم تكن مانعة عنه، فكيف تدل على‏الترخيص في تركه.

...................( Anotates ).................
1) كفاية الاُصول: 378، وحاشية الفوائد: 166.
2) محاضرات في اُصول الفقه 179 :3؛ مصباح الاُصول 507 :2.
3) بحوث في علم الاُصول 421 :5.
4) المصدر السابق: 428.
5) محاضرات في اُصول الفقه 180 :3، ومصباح الاُصول 507 :2.
6) نهاية الدراية 432 :4.
7) محاضرات في اُصول الفقه 164 :3.
8) الوسائل 506 :8 ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4.
9) سورة النساء (43 :(4، وسورة المائدة (6 :(5.
10) أجود التقريرات 49 :2.
11) محاضرات في اُصول‏الفقه 100 :3.
12) كفاية الاُصول: 137.
13) محاضرات في‏اُصول الفقه‏7 :4.
14) أجود التقريرات 303 :1.
15) نهاية الدراية 253 :2.
16) أجود التقريرات 305 :1.
17) أجود التقريرات 305 :1؛ بحوث في علم الاُصول 401 :2.
18) كفاية الاُصول: 138.
19) بحوث في علم الاُصول 404 :2.
20) سورة آل عمران (97 :(3.
21) بحوث في علم الاُصول 388 :2.
22) محاضرات في اُصول الفقه 25 :4.
23) بحوث في علم الاُصول 389 :2.
24) بحوث في علم الاُصول 390 :2.
25) كفاية الاُصول: 140.
26) محاضرات في اُصول الفقه 33 :4.
27) نهاية الدراية 266 :2.
28) محاضرات في اُصول الفقه 36 :2.
29) نهاية الدراية 270 :2 )حاشية منه‏قدس سره(.
30) محاضرات في اُصول الفقه 29 :4.
31) بحوث في علم الاُصول 413 :2.
32) المصدر المتقدم: 413.
33) محاضرات في اُصول الفقه 30 :4.
34) نهاية الدراية 271 :2.
35) محاضرات في اُصول الفقه 40 :4.

..............................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
الواجب الكفائي ...

والخلاصة: إنه لوكانت هناك مصالح الزامية متعدّدة بعدد أفراد المكلفين‏وتدعوا المولى‏ إلى جعل وجوبات عديدة كذلك على طبقها، فلا موجب لكون‏هذه الوجوبات وجوبات مشروطة ماعدا تخيل أحد الأمرين المتقدمين، وقدعرفت إن شيئاً منهما لايصلح أن يكون مبرراً لذلك، فإذن لايمكن تفسيرالواجب الكفائي بهذه الصيغة.
وأما الثاني، فلأن الغرض من الواجب الكفائي إذا كان صرف وجوده في‏الخارج وتحققه فيه بفعل أي فرد كان، فهو لايقتضي أكثر من جعل وجوب‏واحد متعلق به، فلا مبرّر لجعل وجوبات متعددة بعدد أفراد المكلف، ضرورةأنه لاملاك لهذه الجعول، لأن الملاك في المقام واحد وهو لايقتضي أكثر من جعل‏واحد هذا، إضافة إلى أنّ الالتزام بأن متعلق الوجوب الجامع بين فعل المكلف‏نفسه وفعل غيره بحاجة إلى عناية زائدة وإن قلنا بإمكانه، لأن الظاهر من الأمرالموجه إلى كل فرد، أنّه متعلّق بفعل نفسه لا الجامع بينه وبين فعل غيره.
نعم، هناك توجيه ثالث وهو أنّ الملاك في المقام واحد، وهذا الملاك الواحدقائم بطبيعي الفعل الجامع بين أفراده، وحيث إنّ نسبته إلى‏ جميع أفراد المكلف‏نسبة واحدة فهي تتطلب إيجاب الفعل على الجميع، لأن إيجابه على بعض دون‏بعض آخر ترجيح من غير مرجح، وإيجابه على فرد غير معين في الخارج محال‏لاستحالة وجوده فيه، فإذن لا مناص من إيجابه على الجميع بإيجاب مشروط،ومرد هذه الايجابات المشروطة لباً إلى إيجاب واحد روحاً وملاكاً وأثراً، أماالأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه يسقط عن الجميع بفعل واحد منهم، وعلى هذافلا يقال إنّ وحدة الملاك تتطلب وحدة الجعل، وحيث إنه في المقام واحد فهويتطلب جعلاً واحداً ولا مبرر لجعول متعددة، وذلك لأن وحدة الملاك وإن كانت‏تتطلب وحدة الجعل إلاّ أنّ الالتزام بتعدد الجعل المشروط في المقام إنما هو على‏أساس أنّ نسبة ذلك الملاك الواحد إلى الكل على حد سواء، فلهذا لايمكن إيجاب‏تحصيله على بعض دون بعض لأنه ترجيح من غير مرجح، فيجب حينئذٍ على‏الجميع لا محالة بإيجاب مشروط، ومن الواضح إنّ إيجابه مشروطاً على الجميع‏لايكون لغواً، فإنه بلحاظ أن بإمكان كل فرد إيجاده وتحصيله في الخارج، فإذاأوجده فيه يسقط عن الباقي أيضاً.
والخلاصة: إن جعل الوجوب على الكل بهذه الغاية المشروطة لايكون لغواً،فإذن لا مانع من الالتزام بهذا التوجيه ثبوتاً وإثباتاً، وأما ثبوتاً فلأنه لا محذورفي الالتزام بجعل إيجابات متعددة بعدد أفراد المكلف المشروطة رغم وحدةالملاك في المقام وقيامه بطبيعي الفعل الجامع، لما عرفت من أنّ نسبة هذا الملاك‏الواحد إلى جميع المكلفين، حيث إنها نسبة واحدة بنفسها تتطلب جعل الإيجاب‏للكل مشروطاً، وقد تقدم أنّ منشأ هذا الاشتراط لايمكن أن يكون فرض‏وجود التضاد بين الملاكات في الواقع، لما مرّ من أنه مجرد إفتراض لا واقع‏موضوعي له، كما لايمكن أن يكون فرض وجود مصلحة التسهيل والارفاق،وأما إثباتاً فلأن خطابات الواجبات الكفائية كصلاة الميت مثلاً التي هي مجعولةفي الشريعة المقدسة بنحو القضية الحقيقية موجهة إلى جميع المكلفين مشروطة لامطلقة، بمعنى إنّ الخطاب بصلاة الميت موجه إلى كل فرد مشروطاً بعدم قيام‏الآخرين بها، فالنتيجة، إنه لا مانع من حمل روايات الباب على ذلك.
وأما التفسير الثاني وهو إنّ الوجوب الكفائي موجه إلى مجموع آحادالمكلفين بنحو العموم المجموعي، بحيث يكون كل فرد منهم جزء الموضوع لاتمامه، فلايمكن الالتزام به وذلك لوجوه:
الأول: إنّ لازم ذلك عدم حصول الغرض بفعل البعض وعدم سقوطالتكليف به لا عنه ولا عن الآخرين، لفرض أنّ المطلوب هو صدور الفعل من‏مجموع آحاد المكلفين من حيث المجموع بنحو الارتباط ولا يكفي صدوره عن‏بعضهم، فإنه كالإتيان بجزء من الصلاة مثلاً، فكما إنّه لايكفي لحصول الغرض‏المترتب‏عليها باعتبارأن ترتبه عليها يكون بنحوالارتباط لاالاستقلال، فكذلك‏اتيان أحد من‏المكلفين بالواجب، وهذا كماترى‏ وخلاف‏الضرورة والوجدان.
الثاني: إنّ بعض الواجبات الكفائية غير قابل لصدوره من مجموع آحادالمكلفين من حيث المجموع كالصلاة على الميت ونحوها.
الثالث: إنّ المكلف بالواجبات الكفائية والعينيّة هو البالغ العاقل القادر واقعاًالذي له ذمة بمعنى إنّ التكليف ثابت في ذمته وعهدته، وعلى هذا فإن اُريدبمجموع المكلفين إنّ لكل واحد منهم ذمة وعهدة وإنّ التكليف ثابت فيها، فمعنى‏هذا انحلال التكليف بإنحلال أفرادهم وثبوته في عهدة كل منهم مستقلاً وهوخلف، وإن اُريد به أن كل واحد منهم جزء الموضوع ، فالموضوع مجموعهم من‏حيث المجموع، فيرد عليه إن عنوان المجموع عنوان اعتباري فلا واقع موضوعي‏له حتى تكون له ذمة وعهدة، وعلى الجملة فإن اُريد به واقع المجموع، ففيه إن‏واقعه آحاد المكلفين في الخارج، وحينئذٍ فيتعدد التكليف بتعددهم، وإن اُريد به‏عنوان المجموع، ففيه أنه لا واقع له حتى يكون التكليف موجّهاً إليه وثابتاً في‏عهدته.
فالنتيجة، إنّ هذا التفسير للوجوب الكفائي لايرجع إلى معنى محصّل.
وأما التفسير الثالث، وهو إنّ الوجوب الكفائي وجوب واحد موجه إلى أحدمن المكلفين لا إلى الجميع.
فقد اختاره السيد الاُستاذقدس سره(1)، وقد أفاد في وجه ذلك إنّ غرض المولى‏تارةً يتعلق بصرف وجود الطبيعية واُخرى‏ بمطلق وجودها، فعلى الأول يكون‏المطلوب صرف وجودها في الخارج، وعلى الثاني مطلق وجودها هذا بالنسبةإلى متعلق الوجوب، وأما بالنسبة إلى موضوعه، فتارة يتعلق الغرض بصدورالواجب عن جميع المكلفين واُخرى‏ بصدوره عن صرف وجودهم، فعلى الأول‏يكون الواجب عينياً وعلى الثاني كفائياً، بمعنى إنّه واجب على أحد المكلفين لابعينه المنطبق على كل واحد منهم على البدل ويسقط بفعل البعض عن الباقي،وهذا واضح عند العرف والشرع ولا مانع منه أصلاً، وجميع مميزات الوجوب‏الكفائي موجودة في هذا القول، لأنه إذا ترك من قبل كل المكلفين استحق الكل‏العقاب، وإذا وجد من قبل الكل استحق الكل الثواب، وإذا وجد من قبل‏البعض سقط عن الباقي أيضاً هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التفسير، فإن موضوع التكليف يختلف عن متعلقه في‏نقطة وهي إنّ متعلق التكليف غير مأخوذ مفروض الوجود في مقام الجعل‏والاعتبار وإلاّ لزم طلب الحاصل وهو محال، ومن هنا يكون متعلقه المفهوم‏الذهني الذي هو مرآة للخارج وفان فيه، والغرض من تعلقه به تحريك المكلف‏وانبعاثه نحو الاتيان به وإيجاده في الخارج، وأما إن المطلوب هو تطبيق المتعلق‏على تمام أفراده فيه أو على فرد منه على البدل، فهو بحاجة إلى عناية زائدةوقرينة خارجية، وأما الأمر المتعلق به فهو لايدل عليه لامن ناحية نفسه ومن‏ناحية متعلقه، وهذا بخلاف موضوع الحكم فإنه مأخوذ مفروض الوجود في‏الخارج في مرحلة الجعل والاعتبار كعنوان المستطيع مثلاً الذي فرض المولى‏وجوده في الخارج وجعل وجوب الحج عليه بمقتضى‏ الآية الشريفة، وحيث إن‏عنوان‏الموضوع المأخوذ كذلك عنوان عام، فينحل الحكم بانحلال أفراده فيه ويثبت لكل فردمنها حكم مستقل، فيكون الانحلال على‏القاعدة هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، قد ذكر السيد الاُستاذقدس سره إن موضوع الوجوب الكفائي‏أحد أفراد المكلف لا على التعيين والخطاب موجه إليه، ولكن لايمكن المساعدةعليه، وذلك لأنه إن اُريد بالواحد لا بعينه الواحد المصداقي وهو الفرد المردد في‏الخارج، ففيه إنه مستحيل، وإن اُريد به الواحد المفهومي يعني طبيعي أحدالمكلفين بنحو لا بشرط، فيرد عليه إنّ أخذ أحد المكلفين كذلك مفروض‏الوجود في الخارج بدون تقييده بقيد خاص ولون مخصوص ماعدا قيوده‏وشروطه العامة، فمعناه إنحلال الوجوب الكفائي بانحلال أفراد موضوعه في‏الخارج، لأن عنوان الأحد الملحوظ لا بشرط عنوان عام فيصدق على كل فردمن أفراد المكلف في الخارج، وعليه فيثبت لكل فرد منه وجوب مستقل، وهذاخلف ما أفاده‏قدس سره من أن المجعول وجوب واحد لموضوع واحد على البدل، وإن‏اُريد به الواحد المفهومي بقيد الوحدة، بأن يكون موضوع التكليف المأخوذ في‏القضية مفروض الوجود أحد المكلفين بقيد الوحدة، وحينئذٍ فإن اُريد بقيدالوحدة مفهومه الذهني، فيرد عليه أولاً: إنّ المفهوم الذهني بوصف كونه في‏الذهن لايصلح أن يكون موضوعاً للحكم، لأن موضوعه المفهوم المأخوذمفروض الوجود في الخارج.
وثانياً: إنه لامعنى لتقييد مفهوم أحد المكلفين بالوحدة في عالم الذهن، فإنه‏من‏تقييد مفهوم‏الواحد بالواحد وهو كماترى‏، فإذن لا محالة يكون المراد منه أخذأحد المكلفين مفروض الوجود بقيد الوحدة في عالم الانطباق والخارج وهو غيرمعقول، لأن الموضوع إذا كان مقيداً بقيد الوحدة في مرحلة الصدق و الانطباق‏على‏الخارج، فمعناه‏إنه مردّد في صدقه على هذا أوذاك، ولايعقل التردد في‏الصدق‏الخارجي هذا كله في مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات، فعلى تقدير تسليم‏إمكان ذلك في‏مقام الثبوت، فهل روايات‏الباب تدل على هذه‏الفرضية أو لا؟
والجواب: إنه ليس هناك ما يدلّ عليها، إذ لم يؤخذ قيد الوحدة في لسان أدلةالواجبات الكفائية مفروض الوجود في مرحلة الجعل والاعتبار، مثلاً ما دل‏على وجود غسل الميت والصلاة عليه وكفنه ودفنه(2) وما شاكل ذلك من‏الخطاب غير موجه إلى أحد المكلفين فضلاً عن تقييده بقيد الوحدة في مرحلةالصدق، بل هو موجه إلى طبيعي المكلف كالوجوب العيني، ولا فرق بينهما من‏هذه الناحية. وإنما الفرق بينهما من ناحية اُخرى‏، وهي إنّ الظاهر من أدلةالواجبات الكفائية هو أنّ المطلوب منها صرف وجودها في الخارج روحاًوملاكاً، وهذا الظهور قرينة على أن وجوبها على كل فرد مشروط بعدم قيام‏الآخرين بها، ومن هنا قلنا إن الصحيح في المسألة والموافق لظواهر الأدلة هوالتفسير الأول بالتوجيه الذي قدمناه في حقه.
والخلاصة: إنّ الخطابات الكفائية كالخطابات العينية موجهة إلى طبيعي‏المكلف الجامع وهو المكلف البالغ العاقل القادر، ولا فرق بينهما من هذه‏الناحية، وإنما الفرق بينهما من ناحية اُخرى‏ كما عرفت، ومن هنا يظهر إن أدلةالواجب الكفائي تختلف عن أدلة الواجب التخييري في نقطة، وهي أنّ الثانيةتدل على أنّ الواجب هو أحد البدائل بمقتضى العطف بكلمة )أو(، بينما الأولى‏لاتدل على أنّ موضوع الوجوب الكفائي أحد أفراد المكلف بل تدل على أنّ‏موضوعه طبيعي المكلف، وهناك تفسير رابع للوجوب الكفائي وهو إنّ‏الخطابات الكفائية موجهة إلى واحد معين عند اللَّه وغير معيّن عندنا، وهذاالتفسير لا يرجع إلى معنى معقول:
أما أولاً: فلأنه وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنّه لايمكن استفادته من أدلةالوجوبات الكفائية، لأنّها موجّهة إلى طبيعي‏المكلف لا إلى واحد معين عند اللَّه.
وثانياً: إنّ هذا التكليف غير قابل للوصول والتنجّز، لأن كل مكلف شاك في‏أنه هو الفرد المعين عنده تعالى‏ حتى يكون الخطاب الكفائي موجهاً إليه أولا،وهذا يكون من الشك في أصل ثبوت التكليف، والمرجع فيه قاعدة البراءة،والعلم الإجمالي بأنه إما موجه إليه أو إلى غيره لا أثر له، لأن المكلف إذا شك في‏أن الخطاب بالصلاة على الميت مثلاً هل هو موجه إليه أو إلى غيره، فهو يرجع‏إلى الشك في أصل وجوبها عليه بالشك البدوي والمرجع فيه الأصل المؤمن.
وثالثاً: إن سقوطه عنه بفعل غيره بحاجة إلى دليل، لوضوح أنّ سقوطالواجب عن ذمة شخص بفعل آخر بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، ودعوى‏ إنّ‏الدليل عليه في المسألة موجود وهو أدلة الواجب الكفائي، فإنها تدل على‏سقوطه عن ذمته بقيام الآخر بامتثاله، مدفوعة بأنّ مقتضى تلك الأدلة وإن كان‏ذلك إلاّ أنه من جهة أن مفادها هو أنّه واجب على كل فرد بحسب الجعل، ولكن‏بقائه في ذمته مشروط بعدم قيام الآخر بإتيانه، لا أنّ مفادها هو أنه واجب على‏فرد معين عند اللَّه تعالى ولكنه يسقط عن ذمته بفعل الآخر.
فالنتيجة، إنّ هذه الأدلة لاتدل على هذا القول من الأول حتى تدل على‏السقوط بفعل الغير، والدليل الآخر غير موجود.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى‏: إن الوجوب الكفائي يمتاز عن الوجوب التخييري في نقطة، وهي إنّ‏البحث في الوجوب التخييري إنما هو عن تعيين متعلقه بينما البحث في الوجوب‏الكفائي عن تعيين موضوعه وهو المكلف.
الثانية: إن مميزات الواجب الكفائي ثلاثة:
1 - سقوطه عن الجميع بفعل البعض.
2 - استحقاق الجميع العقاب عند تركه نهائياً.
3 - استحقاق الجميع الثواب إذا أتوابه جميعاً دفعةً أو تدريجاً.
الثالثة: إن للوجوب الكفائي أربعة تفسيرات.
1-أن‏يكون‏الخطاب‏الكفائي‏موجهاًإلى‏جميع‏المكلفين‏بنحوالعموم الاستغراقي.
2 - أن يكون موجهاً إلى مجموع المكلفين بنحو العموم المجموعي.
3 - أن يكون موجهاً إلى أحد المكلفين لا على التعيين.
4 - أن يكون موجهاً إلى واحد معين عند اللَّه وغير معيّن عندنا.
الرابعة: إن الصحيح من هذه التفسيرات هو التفسير الأول، وحيث إنّه‏لايمكن الأخذ بظاهره وهو الوجوب العيني، وأما الوجوب الكفائي وهوالوجوب المشروط، فهو بحاجة إلى نكتة ثبوتية مبررة له وتلك النكتة لايمكن‏أن تكون متمثلة في التضاد بين الملاكات، لما تقدم من أنه لاتضاد بينها ولا في‏المصلحة التسهيلية الارفاقية كما مرّ، بل هي متمثلة في وحدة الملاك من ناحية،ونسبته إلى جميع المكلفين نسبة واحدة من ناحية اُخرى.
وأما التفسير الثاني فلايمكن الأخذ به لا ثبوتاً ولا اثباتاً وكذلك التفسيرالرابع والثالث.
الواجب الموقت )الموسع والمضيق( ...


الواجب الموقّت‏
الموسع والمضيق:
لا إشكال في وقوع كلا النوعين من الواجب في الشريعة المقدسة.
والأول كالصلاة ونحوها.
والثاني كالصوم وما شاكله.
وقد يشكل في إمكان الواجب الموسع بدعوى‏ إنّ معنى كون الشي‏ء واجباً هوعدم جواز تركه، وعلى هذا الأساس فالصلاة لا تخلو من أن تكون واجبة من‏أول وقتها إلى آخره أولاً ولا ثالث لهما ولايمكن الالتزام بالأول، لأن لازمه عدم‏جواز ترك الصلاة في أول وقتها مع أن جواز تركها فيه من الواضحات الأولية في‏الشريعة المقدسة، ولا بالثاني لأنه على خلاف الكتاب والسنة فإنهما ينصّان على‏وجوبها من المبدء إلى المنتهى، فلذلك لايمكن تصوير الواجب الموسّع.
والجواب: إنّ هذا الاشكال مبني على الخلط بين جواز ترك الواجب بما هوواجب وجواز ترك ماليس بواجب، فإن الواجب هو طبيعي الصلاة بين المبدءوالمنتهى‏ الجامعة بين الأفراد الطولية والعرضية ولايسري الوجوب منه إلى‏أفراده، فإنّها مصداق للواجب لا أنها واجبة، فإذن ترك الصلاة في أول الوقت‏ليس تركاً للواجب بل هو ترك لفرده الذي ليس بواجب وما هو واجب لم‏يتركه، لأن ترك الواجب لايتحقق إلاّ بترك الصلاة في مجموع الوقت، فلو تركهافي أول الوقت وأتى‏ بها في آخر الوقت لم يكن تاركاً للواجب.
فالنتيجة، إن ما هو واجب وهو الجامع بين المبدء والمنتهى‏ لايجوز تركه، وماهو جائز تركه وهو الفرد فليس بواجب هذا.
وقد يشكل في إمكان الواجب المضيق بدعوى‏ إنّ انبعاث المكلف وتحريكه‏نحو الاتيان بالواجب لابد أن يكون متأخراً عن البعث والمحرك ولو آناً ما، وعلى‏هذا فلابد أن يكون زمان البعث أوسع من زمان الانبعاث فلايمكن أن يكون‏مساوياً له، ونتيجة ذلك هي إنّ الواجب المضيق غير متصوّر هو أن يكون زمان‏الوجوب مساوياً لزمان الواجب.
والجواب: إنّ المراد من الواجب المضيّق هو ما يكون زمانه مساوياً لوقوعه‏في الخارج، بمعنى أنّ أول جزء منه يقع في أول آن من زمانه وآخر جزء منه يقع‏في آخر آن من زمانه بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص، وأما كون زمان الوجوب‏مساوياً لزمان الواجب، فهو غير لازم إلاّ على القول باستحالة الواجب التعليقي‏والشرط المتأخر، وأما على القول بإمكان الأول أو الثاني، فلا مانع من كون‏زمان الوجوب متقدماً على زمان الواجب.
نعم، بناءً على ماقويناه في محله من استحالة الواجب المعلق والشرطالمتأخر، فلايمكن أن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، وأما تأخرالانبعاث عن البعث فهو رتبي لا زماني كتأخر المعلول عن العلة التامة، باعتبارأنه معلول لفعلية فاعلية البعث بفعلية موضوعه في الخارج لا أنه معلول لانشائه‏وجعله في مرحلة الاعتبار.
فالنتيجة، إنه لا إشكال في إمكان الواجب الموسع والمضيق ووقوعهما في‏الشريعة المقدسة بل هو من ضروريات الفقه هذا.
ثم إن الكلام في هذه المسألة يقع في نقاط:
الاُولى‏: في بيان ما هو نكتة تقديم المقيّد على المطلق والخاص على العام‏عرفاً.
الثانية: في مسألة تبعيّة القضاء للأداء.
الثالثة: في تعيين موضوع وجوب القضاء إذا كان بأمر جديد.
الرابعة: في مقتضى الأصل العملي في المسألة.
أما الكلام في النقطة الاُولى‏ فيقع في مقامين:
الأول: في نكتة تقديم المقيد على المطلق.
الثاني: في نكتة تقديم الخاص على العام.
أما الكلام في المقام الأول، فإن كان المقيّد متصلاً بالمطلق سواءً أكان‏اتصاله به بصيغة الاستثاناء كقولنا: أكرم العلماء إلاّ الفساق منهم، أم بجملةمستقلة كقولنا:
أكرم السادات ولاتكرم الفساق منهم، فلا تنافي بينهما إلاّ في المدلول‏التصوري، أما في المثال الأول فهو واضح، لأن المستثنى منه والاستثناء بمثابةدليل واحد ولهما ظهور واحد فلا موضوع للتعارض، وأما في المثال الثاني، فلأن‏ظهور المطلق في الاطلاق متوقف على تمامية مقدمات الحكمة ووجود قرينةمتصلة به مانعة عن تمامية المقدمات وبدون تماميتها لاينعقد له ظهور في الاطلاق‏حتى يكون معارضاً لدليل المقيد، لأن المعارض له اطلاق المطلق، والمفروض إنّه‏لاينعقد مع وجود الدليل المقيد المتصل على خلافه ومع عدم انعقاده لا موضوع‏للتعارض‏والتنافي‏بينهما، فإذن‏لامناص من‏الأخذبظهورالدليل‏المقيّد، هذاواضح.
وأما إذا كان الدليل المقيّد منفصلاً، كما إذا ورد في دليل أكرم الشعراء ثم ورد في‏دليل منفصل لاتكرم الفساق منهم، فقد يقال إن تقديمه على إطلاق دليل المطلق‏بنفس ملاك تقديم الدليل المقيّد المتصل عليه وهو كونه مانعاً عن تمامية مقدمات‏الحكمة، بدعوى أنّ مقدمات الحكمة التي هي منشأ للدلالة الاطلاقية للمطلق‏تتوقف على عدم الدليل على التقييد سواءً أكان متصلاً أم منفصلاً، فيكون الدليل‏المقيّد المنفصل كالمتصل مانع عن تمامية تلك المقدمات.
ولكن هذا القول غير صحيح، وذلك لأن انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق‏لوكان متوقفاً على عدم الدليل على التقييد مطلقاً وإن كان منفصلاً، لم يمكن‏اثبات الاطلاق في مورد بمقدمات الحكمة لانسداد بابها حينئذٍ نهائياً، لأن‏التقييد بالمنفصل لو كان من أجزائها، لم يكن بالامكان إحراز الاطلاق في شي‏ءمن مطلقات الكتاب والسنة، لأن في كل مطلق من هذه المطلقات نجد احتمال‏وجود دليل على تقييده في الواقع، وهذا الاحتمال مانع عن احراز مقدمات‏الحكمة، وبدون احرازها لايمكن احراز الاطلاق للمطلق فيكون مجملاً وهذاخلاف الوجدان، ضرورة أن التمسك باطلاق الكتاب والسنة من لدن عصرالتشريع إلى عصرنا هذا من الواضحات. وهذا كاشف عن أنّ عدم القرينةالمنفصلة ليس جزءً لمقدمات الحكمة، وبكلمة إنّ السيرة القطعية من العقلاءجارية على العمل بالظواهر منها ظواهر مطلقات الكتاب والسنة وعدم الاعتناءباحتمال وجود قرينة على التقييد، ومن الواضح أن هذه السيرة القطعية المرتكزةفي أذهان العرف والعقلاء الممضاة من قبل الشارع، تكشف عن أن عدم التقييدبالمنفصل ليس من أجزاء مقدمات الحكمة، وإنّ ما هو من أجزائها هو عدم‏التقييد بالمتصل، واطلاق المطلق لايتوقف إلاّ عليه لا على عدم التقييد بالمنفصل‏أيضاً، فإذا صدر من المولى‏ مطلق وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على‏التقييد انعقد ظهوره في الاطلاق ولا يتوقف على عدم التقييد بالمنفصل وعندئذٍفلا أثر لاحتماله في الواقع.
فالنتيجة، إن إنعقاد إطلاق المطلق لايتوقف على عدم وجود التقييد بالمنفصل‏وإنما يتوقف على عدم وجود التقييد بالمتصل فحسب كما هو الحال في الخطابات‏العرفية والعقلائية، لأن بنائهم على التمسك باطلاق الخطاب بمجرد انتهاء المتكلم‏منه وعدم نصب قرينة على الخلاف إذا كان في مقام البيان وعدم الاعتناء باحتمال‏نصب قرينة منفصلة على الخلاف في الواقع هذا.
وللسيد الاُستاذقدس سره في المقام كلام وهو أن ظهور المطلق في الاطلاق وانعقاده‏في كل زمان يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة فيه، فإذا ورد خطاب مطلق من‏المولى‏ ولم يرد منه قرينة على التقييد رغم كونه في مقام البيان إنعقد ظهوره في‏الاطلاق، وهذا الظهور مستمر طالما لم تكن هناك قرينة على التقييد، فإذا جائت‏قرينة، ارتفع ظهوره في الاطلاق من حين وصول القرينة لا أن وصولها كاشف‏عن أنّ ظهوره في الاطلاق لم ينعقد من الأول، ويمكن تقريب ذلك فنياً بأن ظهورالمطلق في الاطلاق معلول لتمامية مقدمات الحكمة ويدور مدارها حدوثاً وبقاءً،فإذا انعقد ظهوره في الاطلاق بمقدمات الحكمة فاستمراره مرتبط باستمرارالمقدمات وعدم عروض الاخلال بها كاستمرار المعلول باستمرار العلة، فإذااختلت المقدمات بوصول القرينة في الزمن الثاني، ارتفع ظهوره في الاطلاق فيه‏من الآن بارتفاع علته وهي المقدمات المذكورة.
ولنا تعليق على ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره وذلك، لأنه إن أراد بذلك إنّ عدم‏التقييد بالمنفصل بوجوده الواقعي جزء مقدمات الحكمة، فيرد عليه ما تقدم من‏أن لازم ذلك إجمال تمام مطلقات الكتاب والسنة وعدم إمكان التمسك بشي‏ء منهاوهو كما ترى‏، وإن أراد به إنّه بوجوده العلمي جزء المقدمات بمعنى إنّ وصوله‏والعلم به مانع عنها كما هو ظاهر كلامه‏قدس سره، فيرد عليه إنّه لايمكن أن يكون ذلك‏مانعاً عنها، إذ لا تنافي بين وصول القرينة والعلم بها وبين اطلاق المطلق الذي هومعلول للمقدمات، فإن التنافي إنما هو بينه وبين حجية اطلاق المطلق، حيث إنه‏مانع عن شمول دليل الحجّية له لا عن أصل ظهور المطلق في الاطلاق.
وإن شئت قلت: إنّ عدم وصول القرينة المنفصلة غير دخيل في تكوين ظهورالمطلق في الاطلاق، فإن تكوينه منوط بتمامية مقدمات الحكمة وهي تتم بعدم‏نصب المتكلم قرينة متصلة على الخلاف مع كونه في مقام بيان تمام مراده بشخص‏كلامه بمقتضى‏ ظهور حاله، وقد تقدم إنّ على ذلك بناء العرف والعقلاء في باب‏الألفاظ في مقام التفهيم والتفهم في كافة محاوراتهم وإنهم تعهدوا بحمل كلام كل‏متكلم عرفي على ذلك مالم يثبت خلافه بقرينة. هذا إضافة إلى أنّ عدم وصول‏القرينة لايمكن أن يكون جزء المقدمات، لا من جهة إن العدم بما هو عدم لايعقل‏أن يكون مؤثراً، بل من جهة أن وصولها والعلم بها لايمكن أن يكون مانعاً عنها،وذلك لعدم التنافي بين وصول القرينة المنفصلة والعلم بها وبين تأثير مقدمات‏الحكمة في انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق ولا مانع من الجمع بينهما أي ظهورالمطلق في الاطلاق ووصول القرينة على الخلاف، ومع عدم التنافي والتمانع بينهمافكيف يعقل أن يكون وصولها مانعاً عن ظهوره، لأن التنافي إنما هو بين وصولهاوبين حجية اطلاق المطلق، لوضوح أنّه لا يجتمع مع اطلاق دليل الحجية لا مع‏اطلاق المطلق، إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ عدم القرينة المنفصلةبوجودها الواقعي ليس جزء المقدمات حتى يكون وجودها مانعاً عنها كما هولازم ما أفاده‏قدس سره في المقام من أن اطلاق المطلق ينعقد بمجرد فراغ المتكلم عن‏كلامه وعدم نصبه قرينة متصلة على الخلاف مع كونه في مقام البيان، فإن معنى‏ذلك إنّ عدم القرينة المنفصلة ليس جزء المقدمات وغير دخيل فيها وإلاّ لم ينعقداطلاق للمطلق طالما لم يحرز عدمها في الواقع واحتمل وجودها فيه، وأمابوجودها العلمي فلايعقل أن يكون مانعاً عن مقدمات الحكمة، لما عرفت من‏أنه لا تنافي بين اطلاق المطلق الذي هو مدلول للمقدمات وبين وصول القرينةوالعلم بها على الخلاف، فلذلك ما أفاد السيد الاُستاذقدس سره في المقام لايرجع إلى‏معنى صحيح بل هوقدس سره أيضاً لايلتزم بذلك، حيث إنه قد ذكر في غير مورد أن‏وصول القرينة المنفصلة مانع عن حجية إطلاق المطلق لا عن أصل الاطلاق‏ولايكون رافعاً له، ضرورة إنّ الاطلاق إذا انعقد بمقدمات الحكمة فلايمكن رفعه‏إلاّ برفع المقدمات، والمفروض إنّ عدم وصول القرينة المنفصلة ليس جزءً لهاحتى يكون وصولها رافعاً له برفع المقدمات، ولا فرق من هذه الناحية بين‏الدلالة الاطلاقية والدلالة الوضعية، فكما إن الدلالة الوضعية الذاتية لاترتفع‏بوصول القرينة المنفصلة على خلافها وإنما يرتفع حجيّتها فحسب فكذلك‏الدلالة الإطلاقية الحكمية، فإنها لاترتفع بوصول القرينة على خلافها وإنما ترتفع‏به حجيتها فقط هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن منشأ ظهور المطلق في الاطلاق مباشرة إنما هو ظهورحال المتكلم العرفي نوعاً في أنه أراد بيان تمام مراده الجدي بشخص كلامه إذاكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة متصلة على الخلاف، وعلى هذا فالمدلول‏المباشر للمقدمات ظهور حال المتكلم العرفي في ذلك، وأما اطلاق المطلق فهومعلول مباشر لظهور حاله فيه وبالواسطة لمقدمات الحكمة، ومنشأ هذا الظهورالحالي للمتكلم الغلبة الخارجية، حيث إنّ الغالب خارجاً إذا صدر كلام من‏متكلم عرفي أنه أراد تفهيم معناه عن جد في مقابل أن يكون صدوره منه بغرض‏آخر كالامتحان أو الهزل أو غير ذلك، وهذه الغلبة هي السبب لتعهد العرف‏والعقلاء في باب الألفاظ في محاوراتهم على حمل كلام كل متكلم عرفي على أنه في‏مقام بيان مراده عن جد إلا إذا كانت هناك قرينة على الخلاف، وهذا التعهد منهم‏إنما هو بنكتة حفظ النظام المادية والمعنوية في المجتمع الإنساني والحفاظ عليه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره‏من أن ظهور المطلق في الاطلاق في كل زمان يتوقف على عدم القرينة في ذلك‏الزمان حدوثاً وبقاءً، لايرجع بالتحليل إلى معنى صحيح.
والتحقيق في المقام أن يقال إنّ تقديم المقيد المنفصل على اطلاق المطلق ليس‏بملاك تقديم المقيد المتصل عليه ولا بملاك أنّ وصول المقيّد المنفصل رافع‏لظهور المطلق في الاطلاق بل بملاك ثالث، وهو أن الدليل المقيّد المنفصل لدى‏العرف العام قرينة نوعية على المطلق وبيان ومفسر للمرتبة النهاية من دلالته‏وهي دلالته التصديقية بلحاظ الارادة الجدية، بيان ذلك أن لظهور اللفظ في‏المعنى ثلاث مراتب:
المرتبة الاُولى‏: الظهور التصوري ونقصد به حضور معناه في الذهن بمجردسماعه وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا الظهور مستند إلى الوضع‏فحسب لا غيره.
المرتبة الثانية: الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية أو التفهمية،ومنشأ هذا الظهور ليس هو الوضع، لأن المدلول الوضعي تصوري لا تصديقي‏بل منشأه ظهور حال المتكلم الشاعر في أنه أراد استعمال ما صدر منه من اللفظفي معناه زائداً على ظهوره التصوري، فإذا صدر كلام من متكلم شاعر كان‏ظاهراً في أنه أراد استعماله في معناه في مقابل ما إذا صدر من متكلم غير شاعروملتفت، فإنه لا ظهور له في ذلك ماعدا ظهوره التصوري المستند إلى الوضع.
المرتبة الثالثة: الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية النهاية، وهذإ؛ِخ‏خ‏الظهور هو الظهور النهائي للفظ ويستقر عليه وهو الموضوع للحجيّة.
وبكملة، إنّ الظهور التصديقي بلحاظ الإرادة الجديّة هو المرتبة النهاية لدلالةاللفظ، وطالما لم تصل دلالته إلى هذه المرتبة لم تستقر ولا تكون موضوعاًللحجّية، وأما إذا وصلت إلى هذه المرتبة فتكون حجة، ومن هنا لاتعارض بين‏دليلين متنافيين في المدلول التصوري ولا في المدلول التصديقي بلحاظ الارادةالاستعمالية أو التفهميّة، وإنما التعارض بينهما في المدلول التصديقي بلحاظ الاراةالجدية النهاية، باعتبار أنه موضوع للحجّية فيسري التعارض حينئذٍ إلى دليل‏الحجّية، ومن هنا لايكون اللفظ مشمولاً لدليل الحجّية بلحاظ مدلوله‏التصوري لا مدلوله التصديقي الابتدائي، ومنشأ هذا الظهور النهائي أيضاً ظهورحال المتكلم، فإنه إذا صدر منه كلام وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينه على‏الخلاف، فظاهر حاله إنه جاد في إرادة معناه، وعلى ضوء هذا الأساس فالدليل‏المقيد المنفصل وإن كان معارضاًلاطلاق الدليل‏المطلق، إلا أن‏الكلام هناإنما هو في‏أن هذاالتعارض والتنافي‏بينهما هل‏هو مستقرلكي يسري إلى دليل‏الحجية أو لا؟
والجواب: إنه غير مستقر، بيان ذلك إنّ هذه المسألة ليست مسألة عقليةلكي نحتاح في إثباتها إلى إقامة برهان عقلي عليها، بل هي مسألة عرفية عقلائيةولابد في إثباتها من الرجوع إلى العرف العام، فإنه المرجع الوحيد في تعيين‏مداليل الألفاظ سعةً وضيقاً على أساس المناسبات الارتكازية العرفية والقرائن‏الخارجية من اللفظية والحالية في تمام مراتب دلالاتها من التصورية البدائية إلى‏الدلالة التصديقية النهائية، وأما في مسألتنا هذه فترى‏ إنّ العرف العام لايعامل‏مع المطلق والمقيد المنفصل معاملة المتعارضين كما يعامل مع دليلين كانت النسبةبينهما عموماً من وجه أو التباين ويفرق بين البابين، وهذا التعامل من العرف‏قرينة على أنّ التعارض بينهما غير مستقر، بمعنى أنّه لايكون في الدلالة النهائيةبينهما، فإذن يقع‏الكلام في أن‏العرف هل يعامل مع المقيد المنفصل معاملة القرينة ومع‏المطلق معاملة ذي‏القرينة ويجعل‏المقيد بياناً وتفسيراً للمراد الجدي النهائي من‏المطلق أوأنه يجعل‏المطلق قرينة على‏التصرف في‏المقيد وحمله‏على أفضل‏الأفراد.
والجواب: إنّ الأول هو المتعين عندهم، وذلك لأن بناء العرف والعقلاء قائم‏في باب الألفاظ على جعل المقيد المنفصل قرينة نوعية على المطلق وبيان المرادالنهائي منه، فإذا صدر من متكلم عرفي مطلق ثم صدر منه مقيد في دليل‏منفصل، كان بنائهم على جعل المقيد قرينة على بيان مراده الجدي من المطلق،وإن شئت قلت: إن تقديم المقيد على المطلق بنظر العرف والعقلاء منوط بتوفرعدة عناصر.
العنصر الأول: أخصية المقيد من المطلق موضوعاً.
العنصر الثاني: صدور المطلق والمقيد من متكلم واحد حقيقة أو حكماًكالأئمة الأطهارعليهم السلام مع النبي الأكرم‏صلى الله عليه وآله، فإنهم بمثابة متكلم واحد عن الشريعةالمقدسة، ولهذا إذا صدر مطلق من إمام ومقيد من إمام آخر، عومل معهما معاملةصدورهما من متكلم واحد.
العنصر الثالث: أن يكون المتكلم ملتفتاً حين صدور المقيد منه إنّ المطلق قدصدر منه في هذا الموضوع بشكل عام أو سيصدر.
الرابع: أن يكون المتكلم جاداً في كلامه وبيان مراده.
الخامس: أن يكون المتكلم عرفياً اعتيادياً، فإذا توفرت هذه العناصر في‏المطلق والمقيد، فالمقيد بنظر العرف والعقلاء قرينة على بيان المراد النهائي من‏المطلق، ومنشأ بناء العقلاء والعرف على جعل المقيد قرينة على بيان مراد المتكلم‏النهائي من‏المطلق هوالغلبة الخارجية، حيث إنّ الغالب في المحاورات العرفية والعقلائية إنه إذا صدر من المتكلم مطلق ثم صدر منه مقيد، فظاهره إنه جعله‏قرينة على بيان مراده الجدي من المطلق على أساس إنه إما غير متمكن من بيان‏مراده الجدي في هذاالوقت بالمقيد أو أنّ المصلحة تقتضي صدور المطلق منه وابراز مراده به أو كان جاهلاً بأن المصلحة قائمة بالمقيد لا بالمطلق، كما إذا كان‏المتكلم من الموالي العرفية أو غير ذلك، ثم إنّ قرينية المقيد ليست بملاك أظهريته‏بالنسبة إلى المطلق، بل بملاك توفر العناصر المذكورة فيه، فلهذا تكون قرينيته‏نوعية لا شخصية.
إلى هنا قد تبيّن إنّ تقديم المقيد المنفصل على المطلق بملاك القرينيّة النوعية بعدفرض انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو تقديم الخاص على العام فيقع في مقامين:
الأول: في المخصص المتصل.
الثاني: في المخصص المنفصل.
أما الكلام في المقام الأول، فإن كان إتصاله بالعام بنحو اتصال الصفةبالموصوف، بأن يكون الخاص جزءً من مدلول أداة العام ووصفاً له، كما إذا كان‏من قبيل أكرم كل عالم عادل فهو خارج عن محل الكلام، إذ ليس هنا مفهومان‏حتى في مرحلة التصور، فإن المتبادر منه مفهوم واحد وهو عموم أفراد هذا العام‏الموصوف والمقيد يعني الحصة الخاصة.
وإن كان اتصاله بالعام بالاستثناء من قبيل أكرم كل العلماء إلاّ الفساق منهم،كان المتبادر التصوري منه ثلاثة مفاهيم:
الأول: عموم وجوب إكرام كل العلماء وتدل عليه أداة العموم.
الثاني: الاقتتاع والاستثناء وتدل عليه أداة الاستثناء.
الثالث: المفهوم المقيد وهو وجوب إكرام كل العلماء باستثناء حصّة خاصةمنهم وهي الفساق وتدل عليه سياق الجملتين، وهذا المفهوم الثالث الذي هومدلول الجملة المتعقبة بالاستثناء هو المقصود النهائي، وأما المفهوم الأول والثاني‏فهما مندمجان فيه ومقصودان بتبعه لا بالأصالة كما هو الحال في جميع مفردات‏الجملة، فإنها مندمجة في مفهوم الجملة ومقصودة بتبعه لا بالأصالة والاستقلال،ولهذا لايوجد تعارض حقيقي إلاّ بين دليلين في المرحلة النهاية من الدلالة،ويسري التعارض من هذه المرحلة إلى دليل حجيتهما ولايمكن شموله لكليهمامعاً، وأما إذا كان دور التنافي محصوراً في المرحلة الاُولى‏ والثانية فلا أثر له، لأن‏الدليل في هذه المرحلة من الدلالة لايكون مشمولاً لدليل الحجية على أساس أنّ‏دليليته إنما تتم بدلالته النهاية، فطالما لم تتكون هذه الدلالة فيه فلا قيمة له ولايكون مشمولاً لدليل الاعتبار، فإذا تكونت كان مشمولاً له وموضوعاًللحجية، ولا أثر للتنافي بين الدلالات في المرحلة الاُولى‏ ولا في المرحلة الثانية،لأن الدلالة في كلتا المرحلتين مندكة في الدلالة في المرحلة الثالثة التي هي‏مقصودة بالأصالة، وعلى هذا الأساس فحيث إنّ جملة المستثنى منه وجملةالاستثناء من مفردات الجملة المشتملة عليهما فلا أثر لدلالتهما، لأنها مندكة في‏دلالة الجملة والمقصود النهائي إنما هو مدلولها دون مدلول مفرداتها، فالنتيجة،إنه لايوجد أي تعارض حقيقي بين العام والخاص في التخصيص بالاستثناءبإعتبار أن لهما مفهوماً واحداً تصوراً وتصديقاً، وأما مفهوم كل منهما مستقلاًفهو مندمج ومندك فيه في مرحلة التصديق النهائي، ولهذا لا يرى‏ العرف العام أي‏تعارض بين الجملة المستثنى منه والجملة المستثنى.
وإن كان التخصيص بجملة مستقلة تعقبت بالعام، كما إذا قال المولى‏ لايجب‏إكرام أيّ عالم، ثم قال وأكرم كل فقيه، فلاشبهة في وجود التنافي بينهما على‏أساس أن كلاً منهما ظاهر في إرادة معناه، فإذن ماهو العلاج في رفع هذا التنافي؟
قد يقال كما قيل: إنّ هذا التنافي يمكن دفعه بالالتزام بدلالة ثالثة لهما، بتقريب‏إنّ الجملتين المتعاقبتين اللتين تكون نسبة موضوع أحدهما إلى موضوع الآخرنسبة الخاص إلى العام تعطيان تصوراً ثالثاً لهما وهو العام المخصص بالخاص،فيكون هذا المدلول هو المدلول التصوري النهائي لهما على أساس أنّ المدلولين‏التصوّرين المتنافيين الأولين لهما مندمجان ومندكان فيه، وهذا المدلول الثالث هوالمراد الجدي للمولى‏، وحينئذٍ فحالهما حال التخصيص بالاستثناء فلا تنافي ولاتعارض بينهما، لأن دور التنافي بين المدلولين التصورين محصور في المرحلةالاُولى‏ فحسب.
والجواب: إن الجملتين المتعاقبتين لاتدلان على مفهوم ثالث بالدلالةالسياقية، لوضوح إن الجملة الاُولى‏ تدل على معناها والثانية على معناها، ومجردالترتيب بينهما لايدل على مفهوم ثالث وهو المفهوم المقيد أي عدم وجوب إكرام‏أي عالم غير إكرام كل فقيه، لوضوح أن سياقهما لايدل على ذلك، فإن الدلالةبحاجة إلى منشأ ولايمكن أن تكون ذاتية، والمنشأ لها إما الوضع أو الانس‏الذهني، أما الوضع فلا شبهة في أن الجملتين المتعاقبتين لم توضعا لمعنى‏ثالث، بحيث يكون معنى كل منهما مندمجاً فيه ومندكاً، لوضوح إنّ الجملة الاُولى‏موضوعة لمعناها وكذلك الثانية، وتعقب الجملة الاُولى‏ بالجملة الثانية لم يوضع‏لمعنى ثالث، ولهذا لايكون المعنى الثالث متبادراً من تعاقبهما وإنما المتبادر منهماعند إطلاقهما هو معناهما دون أكثر، وهذا دليل على عدم الوضع، وأما الثاني‏وهو الانس الذهني فهو مفقود في المقام، لأن أصل المعنى الثالث المفروض لم يكن‏متبادراً منهما عند إطلاقهما متعاقباً فضلاً عن كونه مأنوساً، ولا يقاس هاتان‏الجملتان بقولنا: زيد أسد يرمي، فإن المتبادر منه الرجل الشجاع بقرينة يرمي‏دون المعنى الأول للأسد وهو الحيوان المفترس، وذلك لأنه غريب عن الذهن في‏هذه الجملة والمأنوس فيه منها الرجل الشجاع، فلهذا كان هو المتبادر منها عنداطلاقها وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا التبادر مستند إلى الانس‏الذهني الحاصل من إسناد الرمي إلى الأسد هذا.
والصحيح في المقام أن يقال: إنّ ملاك تقديمه عليه هو أنه قرينة ومفسّر نوعي‏للمراد الجدّي النهائي من العام عند العرف والعقلاء لأنهم متعهّدون بحمل كلام‏كل متكلم عرفي إذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف على الجدبمقتضى ظهور حاله في ذلك، وهذا التعهّد منهم حيث إنه لايمكن أن يكون جزافاًوبلا نكتة مبرّرة له، والنكتة فيه العناصر التالية:
الأول: أن يكون المتكلم عرفياً لا خارجاً عن العرف العام.
الثاني: أن يكون العام والخاص صادرين من متكلم واحد حقيقة أو حكماًكالأئمة الأطهارعليهم السلام مع الرسول الأكرم‏صلى الله عليه وآله، فإنهم وإن كانوا متعددين إلاّ أنّهم‏بالنسبة إلى الشريعة المقدسة بمثابة متكلم واحد.
الثالث: أن يكون ملتفتاً حينما يصدر منه الخاص إلى صدور العام منه أو أنه‏سيصدر.
الرابع: عدم إمكان إرادة كليهما معاً عن جد.
الخامس: أن يكون المتكلم جاداً في كلامه، فإذا توفرت هذه العناصرالخمسة في متكلم، نتج منها ظهور حاله في أنه جعل الخاص الصادر منه قرينةعلى بيان مراده الجدي النهائي من العام، فإذن يكون تقديمه على العام بملاك‏القرينية والحكومية، وحيث إنّ قرينيّته على ضوء هذه العناصر أمر مرتكز في‏أذهان العرف والعقلاء، فلا يبعد دعوى‏ تكوين ظهور ثالث لهما معاً وهو في‏المثال عدم وجوب إكرام العلماء وغير الفقهاء واندماج ظهور كل منهما فيه،ومنشأ هذا الظهور ارتكازية قرينية الخاص للعام.
ومن هنا يظهر أن وجه تقديم الخاص على العام ليس بملاك الأظهرية وإلاّ لم‏يطرد تقديمه عليه في تمام الموارد، بل لابد حينئذٍ من ملاحظة الخاص في كل‏مورد وأنه أظهر من العام أو لا، وهذا خلاف ما هو المرتكز في الأذهان من‏قرينيّته على العام وإن لم تكن أظهر منه في الدلالة.
ومن هنا يظهر وجه تقديم الخاص المنفصل على العام، فإنه بنفس ما مرّ من‏الملاك وهو القرينية والحكومية عند توفر العناصر الخمسة، وقد عرفت إنّ‏قرينيته أمر مرتكز في الأذهان، ولهذا لم تلحظ في تقديمه على العام خصوصيةاُخرى كالأظهرية ونحوها، وتمام الكلام في كل ذلك يأتي في مبحث العام‏والخاص إنشاء اللَّه تعالى‏.
وأما الكلام في النقطة الثانية، فيقع في أنّ القضاء هل هو تابع للأداء أو أنه‏بأمر جديد.
والجواب: إن منشأ هذا الاختلاف إنما هو الاختلاف في أن الدليل الدال على‏تقييد إطلاق المطلق بالوقت هل يدل على تقييده بلحاظ أصل المطلوب أوبلحاظ تمام المطلوب وكماله، فعلى الأول يكون القضاء بأمر جديد وعلى الثاني‏يكون تابعاً للأداء.
والجواب: إن تفصيل ذلك يتطلب بيان اُمور:
الأول: ما مرّ من أنّ تقديم المقيد على المطلق والخاص على العام إنما هوبملاك القرينيّة والحكومة.
الثاني: إنّ المطلق والمقيّد تارةً يكونا متنافيين بالإيجاب والسلب واُخرى‏يكونا مثبتين، أما الأول كقوله: أكرم العلماء ولا تكرم الفساق منهم، فهل يعامل‏معهما معاملة المتعارضين المستقرين حتى يدخلان في باب التعارض أو لا حتى‏يدخلان في باب الجمع العرفي؟
والجواب: إنهما يدخلان في باب الجمع العرفي، وأن ملاك تقديم الخاص على‏العام والمقيد على المطلق إنما هو القرينية النوعيّة بلا فرق في ذلك بين أنواعهماوأقسامهما جميعاً.
وأما الثاني فهو على قسمين:
الأول: أن يكون الحكم المجعول لكل من العام والخاص والمطلق والمقيّدإنحلالياً كما إذا قال المولى‏: أكرم العلماء وأكرم العلماء العدول.
الثاني: أن يكون الحكم المجعول لكل منهما حكماً واحداً وغير منحل، كما إذاقال المولى‏: صلّ وصلّ قائماً أو مستقبل القبلة.
أماالقسم‏الأول: فالمعروف والمشهور بين الأصحاب عدم حمل المطلق على‏المقيد بل يحمل المقيّد على أفضل الأفراد، وقد استدلوا على ذلك بأنّ الدليل المقيدحيث إنّه لايدل على نفي الحكم عن غير مورده، فلاينافي المطلق إلاّ على القول‏بمفهوم الوصف والقيد وهو ضعيف، فمن أجل ذلك يحمل على أفضل الأفرادملاكاً وحكماً.
وأما القسم الثاني: فحيث إنّ الحكم فيه واحد ودار أمره بين أن يكون مطلقاًأو مقيداً فلابد من حمله على المقيد، بدعوى‏ إنّ الحكم لوكان ثابتاً للطبيعي‏المطلق لكان القيد لغواً محضاً وهو خلاف الظاهر، ضرورة أنّ كل قيد مأخوذ في‏لسان الدليل ظاهر في الاحتراز وحمله على التأكيد والتوضيح خلاف الظاهروبحاجة إلى قرينة، فإذن لابد من حمل المطلق على المقيد. ونتيجة ذلك، هي‏ثبوت الحكم لحصة خاصة منه وهي المقيّد.
ولكن للمناقشة في هذا التفصيل مجالاً:
وذلك لما عرفت من أنّ تقديم المقيد على المطلق إنما هو على أساس ظهورحال المتكلم العرفي في أنّه جعل المقيد قرينة على بيان مراده الجدي من المطلق‏ومفسراً له، ومن هنا قلنا: إنّ تقديمه عليه يكون من باب القرينيّة والحكومية،وعلى هذا فلا فرق بين كون الحكم المجعول لهما واحداً أو متعدداً، وذلك لأن‏المتكلم إذا جاء بالقيد مع توفر العناصر المتقدّمة فيه، كان ظاهر حاله إنّه جعله‏قرينة ومفسرة لمراده الجدي النهائي من المطلق، ويدل في المثال على أنّ مراده في‏الواقع هو وجوب إكرام العلماء العدول لا مطلقاً، نعم لوكان ملاك تقديم المقيدعلى المطلق لزوم اللغوية إذا لم يقدمه عليه، لاختص ذلك بما إذا كان الحكم‏المجعول لهما واحداً، وأما إذا كان متعدداً فلا يلزم هذا المحذور، ولكن قد مرّ إنّ‏ملاكه ليس ذلك بل ما ذكرناه وهو القرينية والحكومية.
الثالث: إنّه لا فرق في تقديم المقيد على المطلق بين أن يكون القيد زماناً أوزمانياً، والأول من قبيل صل، وصلّ في الوقت الفلاني، والثاني من قبيل صل،وصلّ قائماً وهكذا، وذلك لأن خصوصيّة كون القيد زماناً أو زمانياً لا دخل لهإ؛فخ‏خ‏فيما هو ملاك قرينيته ومفسريته للمراد النهائي من المطلق بنظر العرف والعقلاء.
وبعد ذلك يقع الكلام في تبعية القضاء للأداء تارة بحسب مقام الثبوت والتصور واُخرى بحسب مقام الاثبات، أما الكلام في الأول فيمكن تصوير ذلك‏بأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يكون هناك دليلان مستقلان أحدهما ما يدل على وجوب‏الصلاة مطلقاً والآخر ما يدل على وجوبها في الوقت بوجوب جديد مستقل،وعلى هذا فإذا فاتت الصلاة في الوقت فقد سقط وجوبها المقيد بسقوط الوقت،وأما الأمر بالصلاة مطلقاً فهو باق على حاله، فلهذا يقتضي الاتيان بها خارج‏الوقت، لأن فوت الوقت إنما يقتضي فوت التكليف الثاني دون الأول.
الطريق الثاني: إنّ مفاد الدليل المقيد إنما هو تقييد تمام المطلوب وكما له للدليل‏المطلق بالوقت لا أصل المطلوب، وعلى هذا فالموقت هو تمام مطلوبية الصلاةوكمالها لا أصل مطلوبيتها فإنه مطلق وغير موقت، وعليه فإذا فاتت الصلاةبسبب أو آخر في الوقت فقد فاتت تمام مطلوبيتها، وأما أصل المطلوبية فهو باق‏على حاله وهو يقتضي وجوب الاتيان بها خارج الوقت.
وأما الكلام في الثاني، فلا دليل على شي‏ء من هذين التصوّرين:
أما التصور الأول، فهو خارج عن محل الكلام، لأن محل الكلام في المسألة إنماهو في دلالة الدليل المقيد على تقييد الدليل المطلق بالوقت، بمعنى إنّ الوقت قيدللواجب على حد سائر قيوده الثابتة بحمل المطلق على المقيد، وأما فرض دلالةالدليل الموقت على وجوب مستقل للواجب الموقت غير الوجوب الثابت‏للواجب المطلق فهو خارج عن محل الكلام.
والخلاصة: إنّه لافرق في حمل المطلق على المقيد بين أن يكون القيد وقتاً أوغيره، لأن الدليل المقيد بمقتضى قرينته عرفاً يكشف عن أنّ الواجب من الأول‏يكون مقيداً بالوقت، فما دل على وجوب الصلاة في الوقت الخاص كصلاتي‏الظهرين ونحوهما، دل على أنها مقيّدة بالوقت من الأول على أساس حمل المطلق‏على المقيد، وأما إذا فرض دلالة دليل على وجوبها في الوقت بوجوب مستقل‏غير وجوبها مطلقاً فهو خارج عن مفروض المسألة.
وأما التصور الثاني، ففيه إنّه لايمكن إثبات أنّ الدليل الموقت يقيد المطلق‏بلحاظ كمال المطلوبية وتمامها لا أصلها، ضرورة إنّه لايختلف عن أدلة سائرالقيود، وذلك لما مرّ من أنّ تقديم المقيد على المطلق إنما هو بملاك القرينيّةوالحكومية، ومن الواضح إنّه لا فرق في هذا الملاك بين كون القيد وقتاً أو غيره،فإنه يكشف عن أنّ المراد الجدي هو المقيد من الأول، ولايمكن حمل ما دلّ على‏تقييد الصلاة بوقت خاص على تقييدها بلحاظ كمال المطلوب وتمامه لا أصله، إذمضافاً إلى أن ذلك بحاجة إلى عناية زائدة، وقرينة أنّ معنى هذا هدم قرينية القيدبنظر العرف العام والعقلاء، لأن معنى قرينيته عرفاً إنّه مفسر للمراد الجدي‏النهائي من المطلق وحمله على أنّه مقيّد لكمال المطلوب من المطلق دون أصله‏بحاجة إلى قرينة وإلاّ فهو مجرد تصور لا واقع له.
هذا إضافة إلى أن التقييد بلحاظ تمام المطلوب وكماله لا أصله، كما يتصور في‏القيد المتمثل في الوقت كذلك يتصور في سائر القيود، بأن يكون تقييد الصلاةبالقيام بلحاظ تمام المطلوب وكماله لا أصله وهكذا.
والخلاصة: إنّ هذا التصور طالما هو في عالم التصور فقط لايختصّ بالوقت،وأما في عالم الوقوع والتحقق فهو بحاجة إلى دليل، ولا دليل عليه لا في الوقت‏ولا في غيره.
فالنتيجة، إنّه لا أصل لمسألة تبعيّة القضاء للأداء.
قد يقال كما قيل: إنّ منشأ هذه المسألة إنّما هو الأمر بالقضاء خارج الوقت،بدعوى‏ إنّه إرشاد إلى أن الأمر الأول باق على حاله والساقط إنما هو كمال‏مطلوبيّته لا أصله.
والجواب: إنّ ذلك مبني على حمل الأمر بالقضاء بعد خروج الوقت على‏الارشاد إلى بقاء الأمر الأول، ومن الواضح إنّ هذا الحمل خلاف الظاهر جداً،فلايمكن بدون قرينه، لوضوح إنّ الأمر بالقضاء في خارج الوقت أمر مولوي‏إلزامي، ومن هنا نلتزم بالقضاء في كل مورد دل الدليل عليه وإلاّ فلا نقول به.
ثم إنّ للمحقق الخراساني‏قدس سره(3) في المقام كلاماً وحاصله إنّ التقييد بالوقت إن‏كان متصلاً فلا شبهة في أنّه تقييد لأصل المطلوب، لفرض إنّه لا إطلاق له حينئذٍلكي نبحث عن أن تقييده هل كان بلحاظ أصل المطلوب أو بلحاظ تمامه وكماله‏وإن كان منفصلاً، فإن كان له إطلاق، كان مقتضاه تقييد اطلاق المطلق بتمام‏مراتبه فإنه مقتضى‏ اطلاق الدليل المقيّد وتقديمه على إطلاق الدليل المطلق، وإن‏كان مجملاً وكان للدليل المطلق إطلاق، اقتصر عندئذٍ على تقييده بالمقدار المتيقن‏منه وفي الزائد ترجع إلى اطلاق المطلق ومقتضاه ثبوت الأمر بعد خروج الوقت،لأن القدر المتيقن من التقييد هو تقييده بلحاط كمال المطلوب وتمامه وهو المرتبةالشديدة من الوجوب الثابت بالدليل المطلق لا أصل المطلوب، فإنه باق على‏إطلاقه باعتبار أنّ التقييد بالوقت كما يمكن أن يكون بنحو وحدة المطلوب كذلك‏يمكن أن يكون بنحو تعدد المطلوب، وهذا يعني إنّ المقيد هو المرتبة الأكيدة من‏الوجوب دون أصل المرتبة هذا.
وللمناقشة فيه مجال، بيان ذلك إنّ إجمال الدليل المقيد بالوقت تارة يكون‏بالنسبة إلى حالتي الاختيار والاضطرار فلا يشمل كلتا الحالتين معاً، ولافرق في‏ذلك بين أن يكون إجماله ذاتياً كما إذا كان الدليل لبياً أو عرضياً كما إذا كان لفظياً،ولكن إجماله إما من جهة أن المتكلم ليس في مقام البيان أو من جهة إقترانه بمايصلح للقرينية والجامع أنه مجمل، واُخرى يكون مجملاً بالنسبة إلى مبدء الوقت‏ومنتهاه، وثالثة يكون مجملاً بالإضافة إلى مراتب الأمر، لأن مقتضى إطلاق‏المطلق ثبوت الأمر به مطلقاً في الوقت وخارجه، وهذا الأمر يمكن أن يكون‏ذات مراتب متفاوتة شدّةً وضعفاً بتفاوت مراتب ملاكه في طول الزمان، بأن‏يكون ملاكه في الوقت أقوى‏ من ملاكه خارج الوقت، ودليل التوقيت كاشف‏عن ذلك ودال عليه، هذه هي الصور الثلاث لاجمال الدليل التوقيت.
أما الصورة الاُولى‏ لاجماله، فالقدر المتيقن منها تقييد إطلاق الواجب بحال‏الاختيار، وأما في حال الاضطرار فبما أنه مجمل فيكون المرجع فيه إطلاق دليل‏الواجب، ونتيجة ذلك هي أن شرطية الوقت مختصة بحال الاختيار دون‏الاضطرار، وعليه فالواجب على المكلف المختار الصلاة في الوقت وعلى المضطرخارج الوقت، ولكن لا صلة لذلك بما ذكره‏قدس سره من أنّ الدليل على التوقيت إذاكان مجملاً فالقدر المتيقن منه تقييد بعض مراتب المطلق دون تمام مراتبه وتكون‏النتيجة تعدد المطلوب لا وحدته، ثم إنّ ذلك لايختص بالتقييد بالوقت بل يشمل‏جميع القيود المأخوذة في الواجب، فإن ما دل على اعتبار تلك القيود لا يخلو من‏أن يكون له إطلاق بالإضافة إلى حالتي الاختيار والاضطرار أولا، والأول‏كالطهارة ونحوها والثاني كالطمأنينة، لأن الدليل على اعتبارها في الصلاةلبّي، فالقددر المتيقّن منه اعتبارها في حال الاختيار دون الاضطرار.
فالنتيجة، إن هذه الصورة لاترتبط بما ذكره‏قدس سره واجنبيّة عنه.
وأما الصورة الثانية، وهي ما إذا كان دليل التوقيت مجملاً بالنسبة إلى مبدءالوقت أو منتهاه، فالقدر المتيقن منها هو تقييد إطلاق دليل الواجب بالمقدارالمعلوم من الوقت، فإن إجمال الوقت قد يكون من ناحية المبدء كما إذ ورد في‏الدليل صلّ ركعتين ثم ورد في دليل آخر صلّ ركعتين في يوم الجمعة، فإذا فرضناإنّ مبدء يوم الجمعة مردّد بين طلوع الفجر وطلوع الشمس، فمعناه إنّ دليل‏التوقيت مجمل والقدر المتيقن منه تقييد اطلاق دليل الواجب من طلوع الشمس،و أما تقييده من طلوع الفجر فهو غير ثابت لاجمال الدليل، وعليه فالواجب على‏المكلف هوإيقاع ركعتين من الصلاة في يوم الجمعة من طلوع الشمس ولايجوز له‏إيقاعهما من طلوع الفجر، وقد يكون إجماله من ناحية المنتهى كما في قوله تعالى:»أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى‏ غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ الْفَجْر«(4)، فإنه‏يدل على‏تقييدإطلاق‏الأمر بالصلاة بإيقاعها في‏هذاالوقت المحدّد من‏حيث المبدءوالمنتهى‏.
ونتيجة ذلك، هي أن الواجب الصلاة فيه ولاتكون واجبة في خارجه، ولكن‏هذا الوقت مجمل من ناحية المنتهى وهو الغسق، فإنه قد فسّر بنصف الليل وهومردد بين ما كان متمثلاً في النصف بين فترة غروب الشمس وفترة طلوع‏الفجر، وما كان متمثلاً في النصف بين فترة غروبها وفترة طلوعها وهما مختلفان‏سعةً وضيقاً، ولاندري أنّ المراد من الغسق في الآية الشريفة هل هو الأول أوالثاني لأنه مجمل ولايدل على شي‏ء منهما، فإذن لابد من الأخذ بالمقدار المتيقن‏وهو الأول، وعليه فمقتضى الآية الشريفة هو إيقاع الصلوات الأربع من فترةدلوك الشمس إلى نصف الليل من طلوع الفجر.
فالنتيجة، إنّ هذه الصورة أيضاً خارجة عن مفروض كلامه‏قدس سره، لأن التقييدفيها ليس بلحاظ كمال المطلوب وتمامه بل بلحاظ أصله كما هو ظاهر.
وأما الصورة الثالثة، فهي وإن كانت ممكنة ثبوتاً، بتقريب أن التقييد بالوقت‏كما يمكن أن يكون بلحاظ كمال المطلوب وتمامه، يمكن أن يكون بلحاظ أصل‏المطلوب، لأن المصلحة المترتبة على الصلاة إن كانت واحدة فالتقييد بلحاظأصل المطلوب، وإن كانت متعددة بأن تكون هناك مصلحتان أحداهما قائمةبالصلاة الجامعة بين الوقت وخارجه والاُخرى‏ قائمة بحصة خاصة منها وهي‏الصلاة في الوقت، فالتقييد بلحاظ تمام المطلوب وكماله، وعلى هذا الفرض يكون‏المترتب على الصلاة في الوقت مصلحتين مصلحة نفس هذه الحصة من الصلاةومصلحة الصلاة الجامعة بينها وبين الحصة في خارج الوقت، فلهذا تكون‏الصلاة في الوقت تمام المطلوب وكماله، هذا بحسب مقام الثبوت، وأما في مقام‏الاثبات، فلا دليل على أن يكون التقييد بلحاظ تمام المطلوب وكماله، ضرورة أنّ‏تقديم الدليل المقيّد على الدليل المطلق إنما هو بملاك القرينية والحكومة، فإنه على‏ضوء هذا الملاك يكشف عن أن المراد الجدي النهائي للمتكلم من المطلق هوالمقيد من الأول ولا مطلوب غيره أصلاً، ولايمكن حمله على أنّ التقييد يكون‏بلحاظ تمام المطلوب وكماله، وأما أصل المطلوب فهو مطلق لا أنه مقيّد لأنه‏بحاجة إلى قرينة ولا قرينة على ذلك، فالنتيجة، إنّ ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره‏لايتم في شي‏ء من الصور الثلاث لاجمال دليل التوقيت.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن ما ذكره‏قدس سره من أنّ دليل التوقيت‏إذا كان مجملاً فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الواجب لاثبات وجوبه بعدخروج الوقت، لأن القدر المتيقن من دليل التوقيت هو تقييد اطلاقه بلحاظ تمام‏المطلوب وكماله لا أصله، فإنه باق على حاله إلى ما بعد الوقت لايرجع إلى معنى‏محصل، لما عرفت من أنّ إجمال دليل التوقيت إما أن يكون بالنسبة إلى حالتي‏الاختيار والاضطرار أو يكون بالنسبة إلى مبدء الوقت أو منتهاه ولا يتصورإجماله بالنسبة إلى أصل المطلوب وكماله، وذلك لأن مفاد دليل التوقيت وهوتقييد مفاد دليل المطلق ومفاده ليس إلاّ جعل وجوب واحد للواجب كالصلاةونحوها ولا تتصور للوجوب مرتبة شديدة وضعيفة، لأنه أمر اعتباري ولا واقع‏موضوعي له ماعدا اعتبار المعتبر في موطنه وهو عالم الذّهن والاعتبار، فلايعقل‏حينئذٍ اتصافه في هذا العالم بالشدة تارة وبالضعف اُخرى‏، نعم إنه يتصف بهذاالوصف عرضاً بلحاظ ملاكه الواقعي التكويني، فإنه يتصف تارةً بالشدةواُخرى‏ بالضعف، ولكنه لايقتضي جعل وجوب شديد ذات مرتبتين هما الشدةوالضعف مع إمكان التفكيك بينهما في مقام الاثبات، هذا لا من جهة القصور فيه‏بل من جهة إنّ الوجوب أمر اعتباري لا وجود له خارجاً حتى يتّصف بأحدهذين الوصفين، أو فقل إنّ شدة الوجوب إن كانت مجعولة فهي نفس الوجوب‏بما هو اعتبار، وإن لم تكن مجعولة استحال اتصاف الوجوب بها، ومن هنا لو قال‏المولى‏ جعلت وجوباً شديداً أو وجوباً ضعيفاً، فهو لغو إلاّ أن يكون غرضه من‏ذلك إنّ ملاكه شديد أو ضعيف، إلى هنا قد تبيّن إنّ الوجوب لايتصف بالشدةوالضعف، وعلى هذا فحيث إنّ مفاد دليل المطلق جعل وجوب واحد للواجب‏كالصلاة مثلاً وعدم تصور وجود مراتب له من المرتبة الشديدة والضعيفة،فلايعقل أن يكون إطلاقه متكفّلاً لاثبات مرتبتين له بلحاظ الوقت وخارجه‏لكي يبقى إطلاقه بالنسبة إلى المرتبة الضعيفة إذا كان تقييده بالنسبة إلى المرتبةالقويّة، ضرورة أنّ المقام من السالبة بانتفاء الموضوع حيث لاوجود لهما في عالم‏الاعتبار حتى يتصف الوجوب بهما.
والخلاصة: إنّ مفاد الدليل المطلق هو جعل وجوب واحد للصلاة مثلاً،ودليل التوقيت إنما يدل على تقييد هذا الوجوب بالوقت، فإذن لاوجوب في‏خارج الوقت لكي يقتضي الاتيان بها فيه.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم تصوير مراتب للوجوب بلحاظ المجعول‏والمعتبر لا بلحاظ الجعل والاعتبار، إلاّ أن إطلاق دليل المطلق لايكون متكفلاًلاثباتها، لوضوح إنّ مفاده إنما وجوب الصلاة في الشريعة المقدسة لا وجوبهاالشديد لأنه لا يدل عليه، والمفروض إنّ دليل التوقيت يقيد مدلوله وهو وجوب‏الصلاة بالوقت، فإذن لاوجوب في خارج الوقت، ومع الاغماض عن ذلك أيضاًوتسليم إنّه يدل على وجوب الصلاة بوجوب شديد، إلاّ أنّ دليل التوقيت يقيدهذا الوجوب الشديد بالوقت لأنه مدلول دليل المطلق، ولايمكن القول بأنه يقيّدشدته بالوقت دون أصل الوجوب، إذ لايمكن التفكيك بينهما، لأن شدته‏بمثابة الفصل المقوّم له وهو مندك فيها، فإذا ارتفعت شدته ارتفع أصل الوجوب‏أيضاً، وعلى هذا فلايمكن القول بأن دليل التوقيت بقيد شدته بالوقت دون أصل‏الوجوب فإنه باق على حاله إلى مابعد الوقت.
فالنتيجة، إن ما ذكره صاحب الكفايةقدس سره من أنّ دليل التوقيت يقيد تمام‏المطلوب وشدته بالوقت دون أصله لايرجع إلى معنى محصل.
لحدّ الآن قد تبيّن إنه لا أصل لمسألة تبعيّة القضاء للأداء، فالصحيح إنّ القضاءيكون بأمر جديد، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏ قد اتّضح مما ذكرناه إنه لافرق في ذلك بين أن يكون القيد وقتاً أو غيره، لأن التقديم إنما هو بملاك القرينةالعرفية، ولا فرق في هذا الملاك بين قيد وقيد.
وأما الكلام في النقطة الثالثة، فيقع في تعيين موضوع وجوب القضاء الذي‏هو بأمر جديد وموضوعه بحسب ما ورد في لسان الروايات هو عنوان الفوت‏هذا مما لا كلام فيه، وإنما الكلام في أنّه أمر وجودي أو عدمي فيه وجهان،الظاهر إنه أمر وجودي، لوضوح إنّ المتبادر عرفاً من كلمة الفوت ليس معنى‏مساوقاً لترك المأمور به وعدم الاتيان به في الخارج، بل المتبادر منها معنى‏مساوقاً لذهاب شي‏ء من كيس المكلف وهو فوت الملاك منه، وتمام الكلام في‏ذلك في الفقه.
نتيجة البحث ...
وأما الكلام في النقطة الرابعة، وهي ما إذا شك في تحقق موضوع وجوب‏القضاء وهوالفوت، فهل‏يمكن‏إثباته باستصحاب‏عدم‏الاتيان بالمأموربه‏في‏وقته؟
والجواب: إنّ الفوت إن كان أمراً وجودياً كما هو الظاهر، فلايمكن إثباته إلاّعلى القول بالأصل المثبت، وعليه فيكون المرجع فيه أصالة البراءة عن وجوب‏القضاء، وإن كان أمراً عدمياً وعبارة عن عدم الاتيان بالمأمور به في وقته،فيمكن احرازه بالاستصحاب، ثم إن عنوان الفوت كما يتحقق بفوت الصلاةالواجبة في الوقت واقعاً عمداً أو سهواً أو جهلاً، كذلك يتحقق بفوت الصلاةالواجبة في الوقت بقاعدة الاشتغال أو الاسصحاب، كما إذا صلّى إلى جهة معينةثم شك في أنها قبلة أو لا، ففي مثل ذلك لاتجري قاعدة الفراغ، لأن جريانهامشروط باحتمال كون المصلي في حال الصلاة أذكر وهذا الاحتمال مفقود في المقام،فإذن يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال أو استصحاب بقاء التكليف، وحينئذٍفإذا ترك الصلاة المذكورة وجب عليه قضائها في خارج الوقت لصدق الفوت‏عليه، على أساس أنّ وظيفته الفعلية قد فاتت عنه في الوقت، هذا تمام كلامنا في‏الواجب الموقت الموسع والمضيق.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى‏: إن الكلام في مسألة الواجب الموسع والمضيّق يقع في عدّة اُمور:
1 - في وجه تقديم الدليل المقيّد أو الخاص على الدليل المطلق أو العام.
2 - في تبرير مسألة تبعية القضاء للأداء.
3 - في موضوع وجوب القضاء إذا كان بأمر جديد.
4 - في مقتضى الأصل العملي.
الثانية: إن الكلام تارةً يقع في تقديم المقيّد على المطلق واُخرى في تقديم‏الخاص على العام، وعلى الأول فتارةً يقع في تقديم المقيّد المتصل على المطلق‏واُخرى‏ في المنفصل، أما على الأول فلأن المقيد المتصل إن كان اتصاله‏بالاستثناء، فمجموع المستثنى منه والمستثنى بمثابة دليل واحد ولهما ظهور واحد،وإن كان اتصاله بجملة مستقلة فهي مانعة عن تمامية مقدمات الحكمة.
وأما على الثاني، فقد يقال إنّ المقيد المنفصل كالمقيد المتصل مانع عن تماميةالمقدمات، بدعوى‏ إنّ عدم القرينة الذي هو جزء المقدمات أعمّ من عدم القرينةالمتّصلة والمنفصلة، ولكن تقدم فساد هذا القول، لأن جزء المقدمات خصوص‏عدم القرينة المتصلة لا الأعمّ منها وعدم القرينة المنفصلة.
الثالثة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد بنى‏ على أنّ ظهور المطلق في الاطلاق في كل‏زمان يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة فيه، فإذا صدر من المولى‏ مطلق وكان‏في مقام البيان ولم ينصب قرينة متصلة على التقييد، انعقد ظهوره في الاطلاق،وهذا الظهور ثابت طالما لم تصل قرينة منفصلة عليه، فإذا وصلت وعلم المكلف‏بها، ارتفع ظهوره في الاطلاق بارتفاع مقدمات الحكمة، ولكن تقدم إن هذاالمبنى غير صحيح، لأن وصول القرينة والعلم بها رافع لحجية الظهور لا أصله،فإن الظهور إذا انعقد لم يرتفع وإنما ترتفع حجيته بوصول القرينة على الخلاف،وقد تقدم تفصيل ذلك.
الرابعة: إن تقديم المقيد المنفصل على المطلق ليس بملاك إنّ عدمه جزءالمقدمات، لأن الجزء إنما هو عدم المقيد المتصل، بل بملاك القرينية والحكومةبنظر العرف والعقلاء، فإنه بهذا الملاك يكشف عن المراد الجدي النهائي للمتكلم‏من المطلق، وهذا الكشف منوط بتوفر مجموعة من العناصر:
الأول: أن يكون المقيد أخص من المطلق موضوعاً.
الثاني: أن‏يكون‏المطلق والمقيدكلاهما صادراًمن‏متكلم واحدحقيقةً أوحكماً.
الثالث: أن يكون المتكلم ملتفتاً إلى المطلق حين صدور المقيّد.
الرابع: أن يكون المتكلم جاداً في ذلك.
الخامس: أن يكون المتكلم عرفياً اعتيادياً.
الخامسة: إن ملاك تقديم المقيد على المطلق ليس بملاك الأظهرية ولا بملاك‏ظهوره في الاحتراز بل هو بملاك القرينية العرفية، فلهذا يتقدم عليه وإن لم يكن‏أظهر منه.
السادسة: إن الخاص إن كان متصلاً بالعام بنحو اتصال الصفة بالموصوف فهوخارج عن محل الكلام، باعتبار إنّ هناك مفهوماً واحداً وهو مدلول أداة العام،والخاص جزء من هذا المدلول، وأما إذا كان متصلاً بالعام بالاستثناء، فهنامفاهيم ثلاثة:
1 - مفهوم العام.
2 - مفهوم الاقتناع.
3 - مفهوم المقيد وهو المفهوم الثالث والأولان مندكان فيه، ولهذا لاتنافي بين‏الخاص والعام هنا.
السابعة: إن التخصيص إن كان بجملة مستقلة، فلا اشكال في التنافي بينهما،كما إذا ورد في دليل لايجب إكرام أيّ عالم وفي آخر أكرم كل فقيه، ودعوى‏، إن‏هنا مفهوماً ثالثاً يدل عليه سياق الجملتين المتعاقبتين وهو المفهوم المقيد النهائي‏والمفهومان الأولان مندكان فيه.
مدفوعة، فإن دلالة هذا السياق إما بالوضع أو بالأنس وشي‏ء منهما لايكون‏في المقام، فإذن لايمكن رفع التنافي بينهما بذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع.
الثامنة: إن ملاك تقدم الخاص المنفصل على العام إنما هو على أساس قرينيته‏لدى العرف والعقلاء، وهي منوطة بتوفر اُمور تقدمت الإشارة إليها آنفاً، وليس‏تقديمه عليه بملاك الأظهرية، وإلاّ فلايمكن الحكم بالتقديم فيما إذا لم يكن أظهر من‏العام مع أنه بنظر العرف قرينة على بيان المراد الجدي النهائي منه مطلقاً وإن لم‏يكن أظهر منه.
التاسعة: إنه لا فرق في تقديم الخاص على العام والمقيّد على المطلق بين أن‏يكونا متنافيين في الإيجاب والسلب أو لا يكونا متنافيين، وعلى الثاني لا فرق‏بين أن يكون الحكم المجعول لهما واحداً أو متعدداً، فإنه بناء على ماهو الصحيح‏من أن التقديم إنما هو بملاك القرينية، ولا فرق بين هذه الأقسام، نعم لو كان‏التقديم بملاك ظهور القيد في الاحتراز، فلابدّ من التفصيل حينئذٍ بين القسمين‏الأوليين والقسم الأخير، وفي القسم الأخير لايمكن الحكم بالتقديم بهذا الملاك‏على ما تقدّم.
العاشرة: إنه لا فرق في التقديم بملاك القرينيّة لدى العرف والعقلاء بين أن‏يكون القيد وقتاً أو غيره أي زماناً أو زمانياً.
الحادية عشر: إن تبعيّة القضاء للأداء منوطة بتصوّرين:
الأول: أن يكون هناك أمران مستقلان:
أحدهما: مطلق وغير مقيد بالوقت، والآخر مقيد به، فإذا فات الثاني بفوت‏الوقت بقي الأول على حاله.
الثاني: أن يكون التقييد بلحاظ كمال المطلوب لا أصله، ولكن تقدم إنّ كلاالتصوّرين وإن كان ممكناً ثبوتاً إلا أنه لا دليل عليه في المقام.
الثانية عشر: إن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أنّ دليل التوقيت إذا كان‏مجملاً ودليل الواجب مطلقاً، فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الواجب لاثبات‏وجوبه بعد خروج الوقت، لأن دليل التوقيت حيث إنه مجمل، فالقدر المتيقّن منه‏التقييد بلحاظ كمال المطلوب وتمامه لا أصله، لايرجع إلى معنى محصل على‏تفصيل قد مرّ.
الثالثة عشر: إنّ وجوب القضاء ثابت بأمر جديد وموضوعه الفوت وهوأمر وجودي.
الرابعة عشر: إن الفوت حيث إنه أمر وجودي، فلايمكن إثباته‏بالاستصحاب عند الشك فيه إلاّ على القول بالأصل المثبت، فإذن المرجع فيه‏أصالة البراءة.

الأمر بالأمر بالشي‏ء هل هو أمر بذلك الشي‏ء أو لا؟ ...

فصل‏
الأمر بالأمر بالشي‏ء هل هو أمر بذلك الشي‏ء أو لا؟
بيان ذلك إنّ الكلام فيه تارة يقع في مقام الثبوت واُخرى في مقام الاثبات:
أما الكلام في المقام الأول فيمكن تصوير ذلك بوجوه:
الأول: أن يكون غرض المولى‏ قائماً بالفعل، وأما أمره للمأمور الأول فإنما هولمجرد إيصال أمره إلى المأمور الثاني وأنه واسطة فحسب من دون تعلق غرض‏بأمره، لأن المطلوب هو صدور الفعل منه والمجعول إنما هو طلبه حقيقة بالأمرالموجه إلى المأمور الأول بغرض إيصاله إلى الثاني الذي يكون المطلوب منه‏صدور الفعل في الخارج.
الثاني: أن يكون الغرض قائماً بصدور الأمر من الواسطة إلى ذيها لا على‏الفعل الصادر منه كما هو الحال في الأوامر الامتحانية، لأن الغرض مترتب على‏صدور هذه الأوامر فحسب لا على الفعل الخارجي.
الثالث: أن يكون الغرض قائماً بكليهما معاً، ولازم ذلك إنّ العبد إذا اطلع على‏أمر المولى‏ من طريق آخر لا من طريق المأمور الأول لم يجب عليه إمتثاله، لأن‏الغرض مترتب على المجموع لا على كل واحد منهما مستقلاً، وعلى هذا فأمرالمأمور الأول إن كان من شروط تحقق ذلك الغرض بفعل المأمور الثاني، فهناك‏غرض واحد، وترتبه على فعل المأمور الثاني مشروط بأن يكون مأموراً به بأمرالمأمور الأول، بمعنى أنّ فعله لولم يكن مسبوقاً بأمره لم يترتب عليه ذلك‏الغرض، وإن كان من شروط إتّصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي، فلابدّ من‏فرض تعدد الغرض حينئذٍ بأن يكون هناك غرض في أمر المأمور الأول أيضاًوإلاّ لم يكن وجه لامره ويكون لغواً، ثم إنّ الظاهر من هذه الوجوه الثلاثة الوجه‏الأخير كما سوف نشير إليه في ضمن البحث عن المسألة في مقام الاثبات.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو مقام الاثبات، فإن كان ذلك في الأوامرالشخصية الخارجيّة كالأوامر الاعتيادية اليومية الصادرة من الموالي العرفية إلى‏عبيدهم كأمر المولى‏ عبده بأن يأمر زيداً مثلاً بالفعل الفلاني، فإن المتفاهم العرفي‏من ذلك هو أنّ المأمور الأول مجرد وسيط لإيصال أمر المولى‏ إلى المأمور الثاني‏ولا موضوعية للأمر الأول الموجه إليه، وهذا إمّا من جهة أنه ليس بإمكان المولى‏أن يوجه الأمر إلى المأمور الثاني مباشرة أو من جهة اُخرى‏. وإن كان ذلك في‏الأوامر الشرعيّة، فيقع الكلام فيها في مسألتين:
الاُولى‏: في‏مسألةالأمر بالمعروف‏والنهي عن‏المنكر، حيث إنّ كل مسلم مأمورمن قبل اللَّه تعالى‏ أن يأمر الآخرين بالمعروف وينهاهم عن المنكر بشروط(5).
الثانية: في مسألة إنّ على الأولياء أن يأمروا صبيانهم بالصلاة والصيام في‏سبع أو تسع(6).
أما في المسألة الاُولى‏ فلا شبهة في أنّ غرض المولى‏ قائم بالأمر الثاني الذي هوفعل اختياري للمكلف كسائر أفعاله الاختيارية، فكما إنّ اتصاف سائر أفعاله‏الاختيارية بالملاك في مرحلة المبادي وترتّبه عليها في مرحلة الامتثال يدعوالمولى‏ إلى الأمر بها، فكذلك أمره الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر، فإن‏اتصافهما بالملاك في مرحلة المبادي وترتّبه عليها في مرحلة الامتثال يدعو المولى‏إلى الأمر بهما وإيجابهما عليه، ثم إنّ المصلحة القائمة بالأمر بالمعروف والنّهي عن‏المنكر مصلحة نوعيّة وهي الحفاظ على المصالح العامة الواقعيّة والاجتناب عن‏المفاسد كذلك، ويترتب على هذا الأمن والأمان في المجتمع الاسلامي.
وأما في المسألة الثانية، فقد ورد في مجموعة من الروايات أمر الأولياء بأن‏يأمروا صبيانهم بالصلاة والصيام في سبع في بعضها وتسع في بعضها الآخر هذامن ناحية. ومن ناحية اُخرى‏ هل إنّ أمر الأولياء صبيانهم بالصلاة والصيام‏مجرد وسيلة لإيصال أمر المولى‏ الحقيقي إليهم أو أنّ لأمرهم إياهم خصوصيةوموضوعية في المسألة؟
والجواب: الظاهر هو الثاني، وذلك لأنه وإن كان بإمكان المولى‏ أن يأمرالصبيان في سبع أو تسع بالصلاة والصيام مباشرة كما هو الحال بالنسبة إلى‏البالغين، ومع هذا فجعل المولى‏ أمر الأولياء وسيطافي ذلك لايمكن أن يكون‏جزافاً وبدون نكتة مبررة له، والنكتة في ذلك هي أنّ المولى‏ لما جعل مسؤوليةتربية الأطفال على الصلاة والصيام على عاتق أوليائهم فهم لا محالة كانوا مهتمّين‏بأمرهم أكثر بكثير مما إذا لم تكن مسؤولية تربيتهم على عاتقهم، ومن الواضح إن‏اهتمامهم بها يؤثر في تعويدهم على العبادة بحيث إذا بلغوا اهتمّوا بها حسب‏اعتيادهم المرتكز والمستأنس في أعماق أنفسهم هذا من ناحية. ومن ناحيةاُخرى إنّ هذه الروايات ظاهرة في مشروعية عبادات الصبي، على أساس إنّ‏المستفاد منها إنّ تربية الصبيان على العبادات وتعويدهم عليها أمر محبوب، فإذاكانت محبوبة تكشف عن محبوبية عباداتهم، لأن محبوبية تربيتهم عليها إنما هي‏بمحبوبية عباداتهم لا بالذات.
ودعوى‏ إنّ المستفاد من هذه الروايات وإن كان محبوبية تربية الصبيان على‏العبادات إلاّ أنها غيرية لكي لا تفوت العبادات منهم بعد البلوغ، لا أن محبوبيتهامن جهة محبوبية عباداتها قبل البلوغ، فإذن تكون عباداتهم تمرينية لا تشريعية.
مدفوعة، بأنها وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلاّ أنه لايمكن الالتزام بها في مقام‏الاثبات، لأن الأمر الوارد في الروايات المذكورة ظاهر في المولوية، وحمله على‏الارشاد بغرض تهيؤ الصبيان للإتيان بها بعد البلوغ بحاجة إلى قرينة ولا قرينةعلى ذلك لا من الداخل ولا من الخارج.
والخلاصة: إنّ الظاهر من روايات الباب هو أنّ غرض المولى‏ من ذلك إيصال‏الأمر بالعبادات إلى الصبيان من طريق أمر أوليائهم بها، وقد أشرنا إلى أن‏اختيار هذا الطريق في إيصال الأمر بالعبادات إليهم لايمكن أن يكون جزافاً، فلامحالة يكون بنكتة أنّ هذا الطريق أنجح في تربية الأطفال من توجيه الأمربالعبادات إليهم مباشرة.
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره(7) من أن الأمر بالأمر بالشي‏ءفي نفسه لايدل على أنه أمر بذلك الشي‏ء بل هو بحاجة إلى قرينة غريب جداً، إذلا شبهة في أنّه يدل على أنّ الأمر الوسط طريق لإيصال أمر المولى‏ إلى المأمورالثاني سواءً أكانت له موضوعية أيضاً أم لا، ضرورة أن حمله على أن الغرض‏منه أمر المأمور الأول للمأمور الثاني لا إيصال أمر المولى‏ إليه لايمكن عرفاًوبحاجة إلى قرينة، ومن هذا الباب أمره تعالى رسله بتبليغ الأحكام الشرعية.
إلى هنا قد تبيّن إنّ الظاهر من الروايات مشروعيّة عبادات الصبي هذا من‏ناحية. ومن ناحية اُخرى‏ ذكر بعض الأعاظم‏قدس سره إنه لا حاجة في إثبات‏مشروعية عبادات الصّبي التمسك بروايات الباب، إذ يكفي في إثباتها اطلاقات‏الكتاب والسنة، فإن مقتضى تلك الاطلاقات وجوب الصلاة والصيام والحج‏ونحوها على الأعمّ من البالغ والصبي، غاية الأمر إنّ حديث رفع القلم إنما يكون‏رافعاًلوجوب تلك‏العبادات فحسب‏باعتبار إنّ‏الامتنان إنماهو في‏رفعه فقط، وأماأصل‏مشروعيتها، فهوباق على‏حاله فلاموجب لرفعها حيث لاامتنان‏فيه هذا.
والجواب: إنّ هذا البيان غير صحيح على جميع الأقوال في مدلول الأمر، أماعلى القول بأن حقيقة الأمر عبارة عن اعتبار المولى‏ الفعل على ذمة المكلف‏وابرازه في الخارج بمبرز ما من فعل أو قول، وحينئذٍ فإن كانت هناك قرينة على‏الترخيص في الترك، انتزع منه الاستحباب وإلاّ فالوجوب، وعلى هذا فمدلول‏العمومات من الكتاب والسنّة إنما هو إبراز الأمر الاعتباري النفساني، ومدلول‏حديث الرفع عندئذٍ إنما هو رفع ذلك الاعتبار الذي يدل عليه إطلاق الكتاب‏والسنة، ونتيجة ذلك هي أنّ الشارع لم يعتبر العبادات كالصلاة والصيام ونحوهماعلى ذمة الصبي، فإذن لاتكون مشروعة.
وأما على القول بأن مدلول الأمر وضعاً هو طلب الفعل الجامع بين الوجوب‏والندب فلا يدل على الوجوب إلاّ بمقدمات الحكمة، وعلى هذا فالمرفوع بحديث‏الرفع حصة خاصة من الطلب وهي الحصة المساوقة للوجوب، وحيث إن‏الكتاب والسنة يدلان عليها بالاطلاق ومقدمات الحكمة، فمع رفعها عن الصبي‏بحديث الرفع انتفت دلالتهما بانتفاء مدلولهما عنه.
وأما بناءً على ما اخترناه من أنّ المعنى الموضوع له للأمر مادة وهيئة الطلب‏المولوي‏المساوق‏للوجوب فالأمرظاهر، لأن‏المرفوع‏حينئذٍبالحديث مدلول‏الأمروهوالوجوب، فإذا كان الوجوب مرفوعاً لم تبق دلالة للأمر، لغرض إنّ له دلالةواحدة وهي‏دلالته على‏الوجوب وبانتفائه تنتفي‏دلالته عليه وليست‏له دلالتان:
إحداهما: دلالته على أصل مشروعية العبادات والاُخرى‏ على وجوبها،فاذاً انتفت الدلالة.
الثانية: تبقى‏الدلالةالاُولى‏ لغرض‏أن‏الوجوب بسيطولايعقل أن‏يكون‏مركباً.
فالنتيجة، إنّ اطلاقات الكتاب والسنة لاتدل على مشروعية عبادة الصبي،فالعمدة في‏ذلك هي‏روايات المسألة لأنهاتدل على‏مشروعيتها، لحدّالآن قدتبيّن‏أنّه لايمكن إثبات مشروعية عبادات الصبي بإطلاق الكتاب والسنة وإنما ثبتت‏مشروعيتها بالروايات المتقدمة وبقطع النظر عنها أو المناقشة فلا دليل على‏مشروعيتها.
نتائج هذا البحث عدّة نقاط:
الأول: إن الأمر بالشي‏ء يتصور في مقام الثبوت على وجوه ثلاثة كما تقدم‏بشكل موسّع.
الثاني: إن الظاهر من هذه الوجوه في مقام الاثبات هو الوجه الثالث من‏الأوامر الشرعية في المسألة، وأما من الأوامر الاعتيادية الشخصية من الموالي‏العرفية، فالظاهر الوجه الأول إلاّ إذا كانت هناك قرينة على الخلاف.
الثالث: إن الكلام في الأوامر الشرعية يقع في مسألتين:
الاُولى‏: في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومثلها أمره تعالى‏ أنبيائه‏ورسله وأوليائه بتبليغ الأحكام للناس.
الثانية: أمر الأولياء بأن يأمروا صبيانهم بالصلاة والصيام.
الرابع: إن الروايات الآمرة للأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة والصيام تدل على‏مشروعية عباداتهم دون اطلاق الكتاب والسنة.

الأمر بالشي‏ء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس ...

الأمر بالشي‏ء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس‏
لا اشكال في أنّ الأمر في نفسه ظاهر في التأسيس وإنما الاشكال فيما إذا كان‏الأمر به مسبوقاً بأمر آخر وكانا مطلقين ولم يذكر سبب لهما أو ذكر سبب واحد،فهل هو في هذه الحالة ظاهر في التأسيس أو التأكيد أو لا هذا ولا ذاك فيه وجوه،فذهب المحقق صاحب الكفايةقدس سره(8) إلى وقوع التعارض بين ظهور الصيغة في‏التأسيس وبين إطلاق المادة المقتضي لكون متعلق الأمرين واحد، لأن المطلوب‏من المادة هو صرف وجودها وهو لايتكرر، ثم حكم‏قدس سره بالتأكيد بتقريب أن‏الهيئة باعتبار اقترانها بالتكرار الصالح للقرينية على التأكيد مجملة، فلا ظهور لهافي التأسيس وثبوت وجوب آخر، لأن المراد من ظهور صيغة الأمر في التأسيس‏في المقام هو دلالتها على إنشاء وجوب آخر غير الوجوب المنشأ بالصيغةالمسبوقة بها، ودعوى إنّ التأسيسية والتأكيدية خارجتان عن مدلول الصيغةوضعاً، فإن مدلولهما الوضعي الوجوب بمفاد كان التامة سواءً أكان مكشوفاًبكاشف أسبق أم لا، فإذن لا ظهور للصيغة في التأسيس حتى يكون معارضاًلإطلاق المادة، مدفوعة، فإنه إن اُريد بذلك أن مفهوم التأسيسية أو التأكيديةخارج عن مدلول الصيغة، فهو صحيح لأنها لا تدل عليه، وإن اُريد به أنّ واقع‏التأسيسية خارج عن مدلولها الوضعي، ففيه إن الأمر ليس كذلك، لأن مدلول‏الأمر مادة وهيئة الأمر الانشائي الاعتباري وهو إنشاء الطلب المولوي‏واعتباره، ومن الواضح إنّ إنشاء الطلب المولوي مساوق لواقع التأسيس، وأمإ؛ى.خ‏للَّه‏إذا كان الوجوب منشأ سابقاً، فدلالة الصيغة عليه مساوقة لواقع التأكيد وهي‏بحاجة إلى قرينة، لأن مدلولها إنشاء الوجوب بالحمل الشايع، وبمفاد كان التامةودلالتها على الوجوب المنشأ سابقاً ليست دلالة على إنشاء الوجوب، فلهذاتكون بحاجة إلى قرينة.
والخلاصة: إن الأمر بشي‏ء بعد الأمر به إذا كانا مطلقين ولم يذكر سبب لهما أوذكر سبب واحد، ظاهر في التأكيد إلاّ إذا كانت هناك قرينة على التأسيس، كما إذاجاء بالأمر الثاني معطوفاً على الأمر الأول بالواو، فإن العطف بالواو في نفسه‏قرينة على التأسيس، باعتبار ظهوره في أنّ المعطوف غير المعطوف عليه أو كان‏بينهما فصل زمني، إذ مع هذا الفصل لا مانع من أن يكون الأمر الثاني للتأسيس‏أيضاً، وكيف كان فالتكرار بدون ذكر السبب ظاهر في التأكيد طالما لم تكن هناك‏قرينة على التأسيس كالعطف بالواو أو الفصل الزمني بينهما أو تقييد الأمر الثاني‏بالمرة الاُخرى‏، إلى هنا قد تبيّن إنّ الظاهر هو الوجه الثاني فيما هو محل الكلام‏وهو ما إذا كان الأمران مطلقين ولم يذكر سبب لهما أو ذكر سبب واحد دون الوجه‏الأول وهو التأسيس، إذ لا وجه له أصلاً، كما إنّه لا وجه للوجه الثالث وهوإجماله وعدم ظهوره لا في التأكيد ولا التأسيس، وأما إذا لم يكونا مطلقين بأن‏ذكر سببهما معاً كقولنا: إن افطرت في نهار شهر رمضان فاعتق رقبة وإن ظاهرت‏فاعتق رقبة وهكذا، فهل الأمر الثاني ظاهر في التأسيس أو التأكيد، فيه كلام‏سوف يأتي بيانه في مبحث مفهوم الشرط.


مبحث النّواهي ...

المقصد الثاني‏
مبحث النّواهي‏
فيه جهات من البحث:
الجهة الاُولى‏ في بيان معنى النهي ومدلوله الوضعي، فيه نظريات:
النظرية الاُولى‏: إنّ النهي مادةً وهيئةً موضوع لطلب ترك الطبيعة، وهذاالقول هو المعروف والمشهور بين الاُصوليين، نعم قد يقال كما قيل: إنّ مدلول‏النهي لايمكن أن يكون طلب الترك، لأن الترك استمرار للعدم الأزلي وهوخارج عن مقدور المكلف فلايمكن تعلق النهي به، لأنه تكليف بغير المقدور،فإذن لابد أن يكون مدلوله طلب الكفّ الذي هو أمر وجودي هذا.
ويرد عليه أولاً: إن مدلول النهي لولم يكن طلب الترك فلا يلزم أن يكون‏طلب الكف إذ لا ملازمة بينهما، وسوف نشير إلى أنّ مدلوله شي‏ء آخر لا هذاولا ذاك.
وثانياً: إن مدلول النهي ليس هو طلب الترك من الأزل بل هو طلب إبقائه‏وهو مقدور له.
فالنتيجة، إنّ هذا القول لا أساس له ولا مانع من تفسير النهي بطلب الترك‏من هذه الناحية هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّه لا فرق في ضوء هذه‏النظرية بين الأمر والنهي في المعنى الموضوع له، لأن كليهما يدل على الطلب‏المولوي بالوضع في مرحلة التصور، إذ كما أن الأمر يدل بالدلالة الوضعيةالتصورية على الطلب المولوي، فكذلك النهي يدل بالدلالة الوضعية التصوريةعليه، ولهذا إعتبروا في دلالة النهي على الطلب المولوي ما كانوا اعتبروه في دلالةالأمر عليه من الشروط مثل كونه صادراً من المولى‏ بعنوان المولوية الذي هوعبارة اُخرى‏ عن اعتبار صدوره من العالي، لأنه إذا صدر من المساوي أو الداني‏لم يصدق عليه عنوان الأمر، ويفترق النهي عن الأمر على ضوء هذه النظرية في‏المتعلق، فإن متعلق النهي ترك الطبيعة ومتعلق الأمر وجود الطبيعية، فلهذا يدل‏الأول على طلب الترك والثاني على طلب الفعل، وحيث إنّ متعلق مدلول النهي‏صرف ترك الطبيعة ومتعلق مدلول الأمر صرف وجودها فيكونا مختلفين في‏مرحلة التطبيق أيضاً، لأن صرف ترك الطبيعة لايمكن إلا بترك تمام أفرادها في‏الخارج، بينما يكفي في صرف وجودها إيجاد فرد منها فيه.
إلى هنا قد ظهر إنّ النهي يشترك مع الأمر على ضوء هذه النظرية في نقطةويمتاز عنه في نقطتين، أما نقطة الاشتراك فهي متمثلة في المعنى الموضوع له لأنهمامشتركان فيه وهو الطلب المولوي، وأما النقطتان المختلفتان بينهما فالاُولى‏ منهمامتمثلة في المتعلّق والثانية منهمافي تطبيق المتعلق على الخارج.
النظرية الثانية: هي ما إختاره السيد الاُستاذقدس سره(9) من أن مدلول النهي‏وضعاً إعتبار الشارع المكلف محروماً عن الفعل المشتمل على مفسدة ملزمةوابرازه في الخارج بمبرز ما من قول كصيغة النهي أو فعل، وعلى هذا فالنهي مادةوهيئة موضوع للدلالة على إرادة إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج،ومن هنا تكون دلالته الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية، وأما تفسير النهي‏بالحرمة، فلايكون من جهة إنّ النهي موضوع لها بل من جهة دلالته على حرمان‏المكلف عن الفعل المنهي عنه في الخارج، غاية الأمر إنّ الحرمة قد تكون تكوينيةبمعنى أنّها مستعملة في الحرمة التكوينية كقوله: إنّ الجنة محرمة على الكفار وقدتكون تشريعية.
النظرية الثالثة: إن مادة النهي موضوعة بإزاء الحرمة والزّجر بالمعنى‏الإسمي، وصيغة النهي موضوعه بإزاء الحرمة والزجر بالمعنى الحرفي وهو النسبةالزجرية بين المادة والمخاطب، وهذا المعنى هو المتبادر عرفاً من النهي مادةوهيئة، ويدل عليه بالدلالة الوضعية التصورية وإن كان صادراً من لافظ بلاشعور واختيار، هذه هي النظريات الثلاث في المسألة، والصحيح من هذه‏النظريات، النظرية الثالثة، فلنا دعويان في المقام:
الاُولى‏: بطلان النظريتين الأوليين.
الثانية: صحة النظرية الثالثة.
الدعوى الاُولى‏: أما بطلان النظرية الاُولى‏ فهو واضح ثبوتاً واثباتاً.
أما ثبوتاً فلأنه لايمكن الأخذ بها لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الجعل،أما في مرحلة المبادي فلأن النهي ناشي‏ء عن قيام مفسدة ملزمة في متعلقه والأمرناشي‏ء عن قيام مصلحة ملزمة في متعلقه، وقد ذكرنا غير مرة إن روح الحكم‏وحقيقته ملاكه الواقعي، وإلاّ فالحكم بما هو اعتبار بقطع النظر عن ملاكه لا قيمةله، وحيث إنّ ملاك النهي وهو المفسدة مضاد لملاك الأمر وهو المصلحة في‏مرحلة المبادي، فلايعقل أن يكون مفاده عين مفاد الأمر في مرحلة الجعل وهوالطلب المولوي المساوق للوجوب، إذ من الواضح إنّه لايعقل أن يكون الوجوب‏في باب النهي ناشئاً عن مفسدة ملزمة وفي باب الأمر عن مصلحة ملزمة،ضرورة إنّ روح الوجوب وحقيقته حيث إنها المصلحة الواقعية فلا يعقل أن‏تكون روحه وحقيقته المفسدة الواقعية أيضاً لعدم التناسب بينهما، لأن المفسدةالملزمة إن كانت في الفعل فهي تقتضي حرمته والزجر عنه والبغض والكراهة وإن‏كانت في الترك فكذلك، وأما جعل الوجوب له في هذه الحال، فلا محالة يكون‏بلا ملاك لاستحالة اجتماع المصلحة مع المفسدة فيه والمحبوبية مع المبغوضيّة،ودعوى‏، إنّ ملاك النهي هو المصلحة المترتبة على الترك لا المفسدة في الفعل،مدفوعة، بأنها مخالفة للوجدان والضرورة.
وأما في مرحلة الجعل فلأن النهي يتبع مرحلة المبادي لأنها روحه وحقيقته،فإذا كان ملاك النهي في مرحلة المبادي مضاداً لملاك الأمر، فكيف يعقل أن‏يكون مفاد النهي عين مفاد الأمر في هذه المرحلة، فإن العينية فيها تكشف عن‏العينية في مرحلة المبادي، كما أن المضادة بين الملاكات في مرحلة المبادي تقتضي‏المضادة في مرحلة الجعل أيضاً تبعاً وإلاّ لكان الجعل بلا ملاك وهو كما ترى‏.
وأما اثباتاً فلا شبهة في أن المتفاهم العرفي من النهي ليس هو الطلب المولوي‏المساوق للوجوب بل الزجر والمنع عن الفعل، وعلى الجملة فلا ريب في أن‏المرتكز عند العرف والعقلاء من النهي هو المنع والزجر وأنه المنساق إلى الذهن‏بمجرد سماعه وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا دليل على أنه المعنى‏الموضوع له، لأن المدلول الوضعي مدلول تصوري لاتصديقي، ومن هنا إذا وردنهي من المولى‏ بشي‏ء موجهاً إلى شخص، فيقال إنه منعه عن ارتكاب ذلك‏الشي‏ء وحرّمه عليه، ولا يقال: إنّ المولى‏ طلب منه تركه وأوجبه عليه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أنّ هذه النظرية لا أساس لها لا اثباتاًولا ثبوتاً.
وأما النظرية الثانية التي اختارها السيد الاُستاذقدس سره فهي مبنية على مسلكه في‏باب الوضع من أنه عبارة عن التعهد والإلتزام النفساني، وعلى ضوء هذا المسلك‏فالدلالة الوضعية دلالة تصديقية، والمدلول الوضعي مدلول تصديقي لا تصوري‏باعتبار إنّ العلقة الوضعية مختصّة بحالة إرادة المعنى من اللفظ، وعلى ضوء هذاالمسلك التزم‏قدس سره بأن النهي مادة وهيئة موضوع للدلالة على إرادة إبراز الأمرالاعتباري النفساني في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، فلهذا تكون دلالته‏الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية.
ولكن قد تقدم في مبحث الوضع نقد هذه النظرية بشكل موسع وعدم امكان‏الالتزام بها، ومن أجل ذلك قلنا هناك إنّ الدلالة الوضعية دلالة تصورية لاتصديقية، لأن الدلالة التصديقية سواءً أكانت بلحاظ الإرادة الاستعمالية أم‏كانت بلحاظ الإرادة التفهميّة أو الجدية مستندة إلى ظهور حال المتكلم ولاتكون مستندة إلى الوضع، وعليه فلايمكن أن تكون دلالة النهي على معناه دلالةتصديقية بل لا محالة تكون تصورية، وإن شئت قلت: إنّ الوضع على مسلك‏التعهّد علاقة بين حصة خاصة من اللفظ وحصة خاصة من المعنى وهي المعنى‏المراد تفهيمه، وأما على سائر المباني فهو علاقة بين طبيعي اللفظ وطبيعي المعنى،فلهذا تكون الدلالة الوضعية على ضوئها دلالة تصوّرية، وحيث إنّ مسلك‏التعهد باطل، فلا مناص حينئذٍ من الالتزام بأن الدلالة الوضعية للنهي مادةًوهيئةً دلالة تصورية، غاية الأمر إنّ مادته تدل على الزّجر والمنع بالمعنى‏الإسمي، وهيئته تدل عليه بالمعنى الحرفي أي النسبة الزجرية والمنعية كما هوالحال في الأمر، فإن مادته تدل على الطلب المولوي بالمعنى الإسمي وهيئته تدل‏عليه بالمعنى الحرفي أي النسبة الطلبية، لحدّ الآن قد تبيّن بطلان النظريتين‏الأوليين وعدم إمكان الالتزام بشي‏ء منهما.
الدعوى‏ الثانية: أما صحة النظرية الثالثة، فلأنها تنسجم مع النّهي في مرحلةالمبادي ومرحلة الجعل معاً، أما إنسجامها مع مرحلة المبادي فلما تقدم من أن‏النهي ناشي‏ء عن مفسدة ملزمة في الفعل، ومن الطبيعي إنّ تلك المفسدة فيه‏تدعو المولى‏ إلى جعل حكم له مناسب لها وهو حرمته على المكلف وزجره عن‏ارتكابه، والجامع إنها تدعو المولى‏ إلى تحريمه عليه، وأما الطلب المتعلق بالترك‏فهو لايمكن أن يكون ناشئاً منها، لأنه لوكان مجعولاً من قبل الشارع فلامحالةيكون الداعي إلى جعله ماهو في متعلقه من المصلحة، فإنها تدعو إلى إيجابه‏وطلبه لا المفسدة في الفعل، فإنها تدعو إلى حرمته وزجر المكلف عنه لا إلى‏طلب تركه.
فالنتيجة، إنّ ملاك النهي في مرحلة المبادي ينسجم مع هذه النظرية دون‏نظرية طلب الترك، وأما إنسجامها مع مرحلة الجعل، فقد ظهر إنّ المجعول في‏باب النهي هو الحرمة والزجر باعتبار أن روحها وحقيقتها المفسدة في مرحلةالمبادي وقد مرّ إنها تقتضي ذلك.
والخلاصة: إنّ هذه النظرية وليدة ملاك النهي في مرحلة المبادي، لوضوح‏إنّ اتصاف الفعل بالمفسدة يدعو إلى جعل الحرمة له وزجر المكلف عنه، كما إنّ‏اتصاف الفعل بالمصلحة يدعو إلى جعل الوجوب له والبعث نحوه، هذا في مقام‏الثبوت.
وأما في مقام الاثبات فحيث إن المتفاهم العرفي الارتكازي من النهي فيه هوالحرمة والزجر لا غيرها فيكون مطابقاً لمقام الثبوت.
والخلاصة: إنه على ضوء هذه النظرية يكون النهي مبايناً للأمر في تمام‏مراحله أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الامتثال، أما في مرحلة المبادي فلأن‏مبادي النهي المفاسد الواقعيّة الالزاميّة والبغض والكراهة، ومبادي الأمرالمصالح الواقعية الالزامية والارادة والحب، وأما في مرحلة الجعل فلأن المجعول‏في باب النهي الحرمة والمجعول في باب الأمر الوجوب، وأما في مرحلة الامتثال‏فلأن إمتثال النهي إنما هو بالاجتناب عن الفعل المنهي عنه، وامتثال الأمر إنما هوباتيان الفعل المأمور به، نعم إنهما يشتركان في المتعلق فحسب، لأن الفعل كمايكون متعلقاً للأمر يكون متعلقاً للنهي أيضاً.
إلى‏ هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ النهي لا يشترك مع الأمر لا في‏الملاك ولا في المجعول ولا في كيفية الامتثال.
الجهة الثانية قد ذكر أصحاب النظرية الاُولى‏ إنّ متعلق الأمر حيث إنه‏صرف وجود الطبيعة فهو يتحقق بتحقق أول وجودها في الخارج، ومتعلق‏النهي حيث إنه صرف ترك الطبيعة فهو لايتحقق إلاّ بترك تمام أفرادها فيه من‏العرضية والطولية، ولهذا يكون الحكم في طرف النهي انحلالياً دون الأمر، وقدتسأل هل يبتني ذلك على أساس صحيح أو لا؟
والجواب: إنه لايبتني على أساس صحيح، بيان ذلك إنّ صرف وجودالطبيعة كما يلحظ تارة بالنسبة إلى الأفراد العرضية لها واُخرى‏ بالنسبة إلى‏الأفراد الطولية ونقصد بها قطعات الزمان وآناته التدريجية الطولية كذلك صرف‏ترك الطبيعة، فإنه تارة يلحظ بالنسبة إلى التروك العرضية واُخرى‏ بالنسبة إلى‏التروك الطولية بحسب قطعات الزمان التدريجية، أما على الأول فنسبة صرف‏وجود الطبيعة إلى الأفراد العرضية نسبة واحدة بمعنى أنّ نسبته إلى جميع الأفرادالتي توجد في آن واحد على حد سواء، فإن انطباقه على بعضها المردد في الخارج‏مستحيل، لاستحالة وجود الفرد المردد فيه وانطباقه على بعضها المعين دون‏غيره ترجيح من غير مرجح، فإذن لامحالة ينطبق على الجميع، وأما بالنسبة إلى‏الأفراد الطولية، فهو ينطبق على وجود أول فرد منها وهو وجوده في الآن الأول‏ولايصدق على وجود الفرد الثاني وهو وجودها في الآن الثاني وهكذا.
وأما على الثاني فنسبة صرف ترك الطبيعة إلى‏ التروك العرضية نسبة واحدةولايمكن تطبيقه على البعض المردد، لأنه محال ولا على البعض المعيّن لأنه ترجيح‏من غير مرجح، فإذن لا محالة ينطبق على الجميع، ولا فرق من هذه الناحية بين‏صرف وجود الطبيعة وصرف تركها، وأما بالنسبة إلى تروكها الطولية، فهويصدق على أول تركها وهو الترك في الآن الأول ولايصدق على تركها في الآن‏الثاني وهكذا، ولافرق بين صرف الوجود وصرف الترك من هذه الناحية، ومن‏هنا يظهر أن ماهو المشهور في الألسنة وقد صرح به صاحب الكفايةقدس سره(10) من‏أن صرف وجود الطبيعة يتحقق بأول وجودها وصرف تركها لايتحقق إلاّ بترك‏جميع أفرادها من العرضية والطوليّة لا أصل له، ولافرق بينهما كما عرفت هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ إنّ الوجود إذا اُضيف إلى الفرد بحده الفردي فنقيضه العدم‏البديل له، وإذا اُضيف إلى الطبيعي، فإن كان المضاف إليه الوجود الخارجي له‏فنقيضه عدمه البديل له، بلا فرق حينئذٍ بين أن يكون الوجود مضافاً إلى الفردأو إلى الطبيعي، ولايمكن أن يكون نقيضه عدم الطبيعي بنحو الاطلاق، بداهة أن‏عدمه في ضمن فرد آخر لايمكن أن يكون نقيضاً وبديلاً لفرده الأول، وإن كان‏المضاف إليه وجوده السعي، فنقيضه عدمه السعي البديل له، فما هو المشهور بين‏الأصحاب من أن الطبيعة توجد بوجود واحد ولاتنتفي إلاّ بانتفاء جميع أفرادهإ؛8خ‏للَّه‏خاطي‏ء جداً، لأن النفي والاثبات لايردان على طبيعة واحدة، فإن الطبيعة التي‏توجد بوجود واحد هي الطبيعة المهملة، والطبيعة التي لاتنتفي إلاّ بانتفاء جميع‏أفرادها هي الطبيعة المطلقة السارية إلى أفرادها، فلايكون التقابل بينهما من‏تقابل التناقض والإيجاب والسلب، لأن نقيض وجود واحد عدم واحد وهوعدمه البديل له لا اعدام متعدده، وعلى هذا فنقيض الطبيعة المهملة التي توجدبوجود واحد عدم واحد البديل لوجودها، كما إنّ نقيض الطبيعة المطلقة الساريةإلى جميع أفرادها الموجودة أعدام متعددة بعدد أفرادها في الخارج، وعلى الجملةفلا فرق بين صرف الوجود وصرف الترك، فكما إن الأول يتحقق بأول وجودالطبيعة في الخارج في الآن الأول فكذلك الثاني وهو صرف الترك، فإنه يتحقق‏بأول تركها فيه، فما هو المشهور من أنّ صرف الترك لايتحقق إلا بترك كافةأفراد الطبيعة العرضية والطولية، مبني على نقطة خاطئة وهي تخيل أنّ التقابل‏بينه وبين صرف الوجود من تقابل التناقض فلايمكن الجمع بينهما مع أن الأمرليس كذلك، لأن الطبيعة التي لاتنتفي إلا بانتفاء جميع أفرادها هي الطبيعيةالملحوظة بنحو الانحلال والسريان إلى تمام أفرادها، ومن الطبيعي إنّ عدم مثل‏هذه الطبيعة الذي هو بديلها ونقيضها لايمكن إلاّ بعدم تمام أفرادها في الخارج،ولكن أين هذا من الطبيعة التي توجد في الخارج بوجود فرد منها في آن، فإن‏المقابل لهذه الطبيعة ليس إلاّ انعدامها بعدم ذلك الفرد في هذا الآن، بداهة إن‏الوجود الواحد لايعقل أن يكون نقيضاً لعدم الطبيعة بتمام أفرادها بل له عدم‏واحد وهو نقيضه وبديله، وأما المقابل للطبيعة التي يتوقف عدمها على انعدام‏جميع أفرادها العرضية والطولية، هو الطبيعة الملحوظة بنحو الانحلال والسريان‏إلى تمام أفرادها كذلك، لا الطبيعة المهملة التي توجد في ضمن فرد واحد، نعم‏هناك شي‏ء وهو أن الطبيعة إذا وجدت في ضمن أفرادها العرضية مرة واحدة في‏آن فارد، صدق صرف الوجود على الجميع، لأن صدقه على الفرد المردد في‏الخارج غير معقول وصدقه على الفرد المعين دون الآخر ترجيح من غير مرجح،فإذن لامحالة يصدق على الجميع، وكذلك صرف الترك، فإنه يصدق على جميع‏تروك الطبيعة في هذا الآن بنفس الملاك.
فالنتيجة، إنّ نقيض الواحد واحد ولايعقل أن يكون متعدداً، كيف فإن‏نقيض كل شي‏ء عدمه البديل له، وهذا واضح ولاحاجة إلى إطالة الكلام فيه‏بأكثر من ذلك.
ومن هنا يظهر إنّ نظرية المشهور من أن النهي موضوع للطلب المولوي‏ومتعلقه صرف الترك وهو لايتحقق إلاّ بترك تمام أفراد متعلقه من العرضيةوالطولية خاطئة بتمام نقاطها:
الاُولى‏: ما مرّ من أنّ النهي لم يوضع للطلب المولوي بل موضوع للحرمةالمولوية.
الثانية: إنّ متعلقه الفعل لا الترك.
الثالثة: على تقدير تسليم إنّ متعلقه صرف الترك إلاّ انّك عرفت أن صرف‏الترك يتحقق بترك الطبيعة في أول أزمنة الامكان ولايتوقف على تركها بترك‏كافة أفرادها طولاً وعرضاً.
وقد تقدم إنّ صرف الترك كصرف الوجود فلا فرق بينهما من هذه الناحية،فإذن كون متعلق النهي صرف الترك لايتطلب انحلاله وسريانه إلى تمام أفراده‏فإنه بحاجة إلى مبرّر، هذا ولكن المحقق النائيني‏قدس سره(11) قد ذكر مبرراً آخر لانحلال‏متعلق النهي على ضوء هذه النظرية وهي نظرية المشهور، بتقريب إنّ ترك‏الطبيعة الذي هو متعلق النهي إن كان مأخوذاً فانياً في تروك أفرادها الخارجيةالعرضية فينحل إلى طلب ترك كل واحد منها في عرض واحد، وإن كان مأخوذاًفانياً في أفرادها الطولية فانحلاله منوط بأحد أمرين:
الأول: أن يكون الزمان مأخوذاً قيداً للمتعلق بأن يكون شرب الخمر في كل‏زمان محكوماً بالحرمة.
الثاني: أن يؤخذ الزمان ظرفاً للحكم، بمعنى إنّ الطلب المتعلق بترك الطبيعةمستمر في طول الأزمنة ولايكون ثابتاً في فترة خاصة فقط، وحيث إنّ أخذه‏أي‏الزمان في ناحية المتعلق بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، فإذن مقتضى‏الاطلاق ومقدمات الحكمة هو استمرار الحكم باستمرار الزمان.
والجواب: إنّ ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره مبني على نظرية المشهور القائلة بأن‏مفاد النهي هو الطلب المولوي ومتعلقه الترك، وقد تقدم إنّ هذه النظرية باطلةولايمكن الالتزام بها لاثبوتاً ولا اثباتاً هذا، إضافة إلى أنّ ما ذكره‏قدس سره توجيه‏وتبرير لنظرية المشهور القائلة بأن صرف الترك يتوقف على ترك الطبيعة بتمام‏أفرادها وإلاّ فنفس النظرية لاتقتضي ذلك.
فالنتيجة، إنّ النظرية الاُولى‏ لاتتطلب ثبوتاً وبنفسها إنّ المجعول أحكاماًمتعددة بعدد تروك أفراد الطبيعة.
وأما النظرية الثانية: وهي نظرية السيد الاُستاذقدس سره، فهي أيضاً لاتقتضي‏ثبوتاً الانحلال والسريان إلى تمام أفردا الطبيعة، لأن مفاد النهي على ضوء هذه‏النظرية عبارة عن الدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني وهو حرمان‏المكلف عن الطبيعة، ولايدل على أن اعتبار الشارع حرمان المكلف عن صرف‏وجودها أو عن تمام وجودها من العرضية والطولية مطلقاً أو في بعض الأزمنة،وإنما يدل على إبراز الأمر الاعتباري، وأما إنّ ذلك الأمر الاعتباري متعدد أوغير متعدد فهو ساكت عن ذلك.
وأما النظرية الثالثة: وهي المختار في المسألة، فإن النهي على ضوء هذه‏النظرية يختلف عن الأمر في جميع المراحل أي من مرحلة المبادي إلى مرحلةالامتثال ويشترك معه في المتعلق فحسب هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنه يدل على الحرمة بالدلالة الوضعيّة ولايدل على‏انحلالها إنحلال أفراد متعلقه في الخارج.
فالنتيجة، إنّ النهي على ضوء جميع النظريات في تفسيره لايدل على الانحلال‏بالدلالة الوضعية كما إنّ الأمر بتمام الأقوال فيه لايدل على عدم الانحلال كذلك.
الجهة الثالثة: إنّ المعروف والمشهور بين الأصحاب إنّ الحكم في طرف النّهي‏إنحلالي بانحلال أفراد متعلقه بنحو العموم الاستغرافي، فإذا نهى‏ المولى‏ عن‏شرب الخمر، فهناك تحريمات عديدة بعدد أفراد الشرب من الأفراد العرضيةوالطولية، بينما يكون الحكم في طرف الأمر واحد وغير منحل بإنحلال أفرادمتعلقه، وهذا القول هو الصحيح ولا مناص من الالتزام به، وإنما الكلام في منشأذلك، ولايمكن أن يكون منشأ ذلك اختلافهما في المبادي ولااختلافهما في المجعول‏وعلى هذا. فلنا دعويان:
الاُولى‏: إن اختلاف الأمر والنهي في المبادي لايصلح أن يكون منشأًلانحلال النهي دون الأمر وكذلك اختلافهما في المجعول.
الثانية: إن هناك منشأً آخر كذلك وسوف نشير إليه.
أما الدعوى الاُولى‏: فلأن قيام مفسدة ملزمة في الفعل يتصور في مقام الثبوت‏على صور:
الاُولى‏: إنّها قائمة بصرف وجوده ولازم ذلك إنّ المحرم هو صرف الوجود،فلو عصى‏ المكلف وأوجده في ضمن فرد ما، فقد ارتكب محرماً واستحق‏العقوبة، وأما الوجود الثاني والثالث وهكذا فلايكون محرماً.
الثانية: إنّها قائمة بمطلق وجوده بنحو العموم الاستغراقي من الوجودات‏العرضية والطولية.
الثالثة: إنها قائمة بمجموع أفراده بنحو العموم المجموعي فيكون المجموع محرماًبحرمة واحدة شخصية، ولازم ذلك هو أن المبغوض ارتكاب المجموع بما هومجموع فلا أثر لارتكاب البعض.
الرابعة: إنها قائمة بعنوان بسيط وهو مسبب من وجود تلك الأفراد في‏الخارج، وكذلك الحال في المصلحة، فإن قيامها بالفعل أيضاً يتصور في مقام‏الثبوت على صور:
الاُولى‏: أن تكون قائمة بصرف وجود الفعل في الخارج.
الثانية: أن تكون قائمة بمطلق وجوده بنحو العموم الاستغراقي.
الثالثة: أن تكون قائمة بمجموع وجوداته بنحو العموم المجموعي.
الرابعة: أن تكون قائمة بعنوان بسيط متولد من الوجودات الخارجية.
والخلاصة: إنّ اختلافهما ثبوتاً في المبادي لايتطلب ذلك وكذلك اختلافهما في‏المجعول، فإنه لايقتضي هذا الاختلاف بينهما، لأن المجعول الوجوب في باب‏الأوامر وهو لايتطلب بنفسه أنّ متعلقه صرف الوجود، والمجعول الحرمة في باب‏النواهي وهي لاتتطلب بنفسها أنّ متعلقها مطلق الوجود بنحو العموم‏الاستغراقي، فإذن لايكون منشأ هذا الاختلاف بينهما اختلافهما في المبادي ولااختلافهما في المجعول هذا بحسب مقام الثبوت.
وأما الدعوى الثانية، فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره(12) إنّ الفرق بين الأمر والنهي‏إنما هو في مقام الاثبات والدلالة، بمعنى إنّ إطلاق متعلق النهي شمولي فيكون‏المطلوب مطلق الوجود بينما اطلاق متعلق الأمر بدلي، فيكون المطلوب صرف‏الوجود، وقد أفاد في وجه ذلك إنّ مقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة في متعلق‏النهي الشمول وفي متعلق الأمر البدل، وهذا لا من جهة إنّ مدلول مقدمات‏الحكمة في مورد الاطلاق الشمولي وفي مورد آخر الاطلاق البدلي، لأن مدلول‏المقدمات واحد وهو اثبات الاطلاق، وأما كون هذا الاطلاق شمولياً أو بدلياًفهو خارج عن مدلولها وبحاجة إلى قرينة لأنها لاتدل عليه.
ومن هنا ذكرقدس سره إن خصوصية البدلية في متعلق الأمر إنما هي من جهةخصوصية المورد، فإنها تقتضي أنّ اطلاقه بدلي ولايمكن أن يكون شمولياً،وخصوصية الشمولية في متعلق النهي إنما هي من جهة مقدمة خارجية وهي‏تقتضي أن اطلاقه شمولي، بيان ذلك:
إنه إذا ورد أمر بالصلاة كما إذا قال المولى‏: )صلّ(، فلايمكن أن يكون إطلاق‏الأمر بها شمولياً ومتعلقاً بتمام أفرادها بنحو العموم الاستغراقي لأنه من التكليف‏بغير المقدور وهو محال، وأما تعلقه بحصة خاصة منها وإن كان ممكناً ثبوتاً، إلاّأنه مدفوع بالاطلاق ومقدمات الحكمة، وعليه فاستحالة كون الاطلاق شمولياًقرينة قطعية على أنّ المراد منه الاطلاق البدلي، لأن مقدمات الحكمة تعين إطلاق‏الأمر بالصلاة فقط، وأما أنه شمولي أو بدلي فالمقدمات لاتدل على شي‏ء من‏ذلك، واستحالة كون هذا الاطلاق شمولياً تعين إنه بدلي، ومن هنا يظهر أن‏وحدة الحكم في باب الأوامر فيما إذا كانت متعلّقة بالطبايع الكلية وعدم انحلاله‏مرتبط بعنصرين:
الأول: تمامية مقدمات الحكمة.
الثاني: إستحالة كون الأمر المتعلق بها شمولياً، والعنصر الأول يعين اطلاق‏الأمر بالطبيعة والثاني يعين أنه بدلي وأن متعلق الأمر صرف الوجود لامطلق‏الوجود.
وهذا بخلاف النهي، فإنه إذا ورد نهي عن شي‏ء كما إذا قال المولى‏: )لاتشرب‏الخمر( مثلاً، فلايمكن أن يكون إطلاق النهي عن شرب الخمر بدلياً بأن يكون‏النهي متعلقاً بصرف شربها، بداهة أنّ لازم ذلك تحقق الامتثال بترك شرب‏الخمر مرة واحدة وهو يتحقق طبعاً وقهراً من كل مكلف، فإذن يكون النهي عن‏شرب الخمر لغواً محضاً وجزافاً على أساس أنّ وجوده وعدمه على حدّ سواء،وأما تعلقه بحصة خاصة من شرب الخمر أو بمجموع أفراده بنحو العموم‏المجموعي وإن كان ممكناً، إلاّ أنه مدفوع بالاطلاق ومقدمات الحكمة، فإذن‏تكون استحالة الاطلاق البدلي قرينة قطعيّة على أن المراد منه الاطلاق الشمولي‏بنحو الاستغراق، وعلى هذا فالاطلاق الشمولي مدلول لاستحالة الاطلاق‏البدلي لا لمقدمات الحكمة، لما عرفت من أنها تثبت الاطلاق، وأما كونه شمولياًأو بدلياً، فالمقدمات ساكتة عن ذلك وإنما تثبت هذا بقرينة استحالة البدليةوبالعكس.
ومن هذا القبيل إطلاقات أدلة الأحكام الوضعية بالنسبة إلى متعلقاتها،كقوله تعالى‏: »أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«(13)،و»تِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ«(14)، و»أوفُوابِالْعُقُودِ«(15) وما شابه ذلك، والسبب فيه إنّ مقدمات الحكمة تثبت إطلاق البيع‏والتجارة والعقد وإنّ الحكم ثابت لها بنحو الاطلاق في مقابل ثبوته لحصة خاصةمنها، وأما إنّ هذا الاطلاق شمولي ويعمّ جميع أفرادها بنحو العموم الاستغراقي‏أوبدلي، فلايشمل إلاّ فرداً واحداً منها على البدل، فالمقدمات لاتدلّ على شي‏ءمنهما، لأن خصوصية الشمولية والبدلية خارجة عن مدلول المقدمات، وحيث‏إنّه لايمكن أن يكون إطلاقها بدليّاً بأن تكون الحلية مجعولة لفرد ما من البيع أوالتجارة أو العقد.
بداهة إنّ جعل الحلية له لغو، لأن فرد منها يتحقق في الخارج طبعاً فلا محالةيكون شمولياً، فإذن استحالة كون إطلاقها بدلياً قرينة قطعيّة على أنه شمولي‏يشمل جميع أفرادها من العرضية والطولية بعدما لم‏تكن قرينة على التقييدبخصوصية زائدة لا من الداخل ولا من الخارج، وعلى هذا فنفس الاطلاق‏مستندة إلى مقدمات الحكمة، وشموليته لتمام أفراد الطبيعة بنحو العموم‏الاستغراقي مستندة إلى قرينة اُخرى‏ وهي خصوصية المورد.
ومن هذا القبيل أيضاً قوله تعالى‏: »وَأنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً طَهُوراً«(16) وماشاكله، لأن مقدمات الحكمة الجارية فيه تثبت إطلاق الماء وأن الطهور مجعولة له‏في مقابل جعلها لحصة خاصة منه، لأن جعلها له بحاجة إلى قرينة، وحيث إنه‏لاقرينة على التخصيص بحصة خاصة، فمقتضى المقدمات الاطلاق وعدم‏التخصيص بها، وأما أنّ هذا الاطلاق الذي هو مدلول المقدمات هل هو شمولي‏فيشمل جميع أفراد الماء في الخارج أو بدلي فيعمّ فرد ما على البدل، فالمقدمات‏ساكتة عن ذلك ولا تدل على شي‏ء منهما، وحيث إنّ كون الاطلاق في المقام بدلياًلغو محض، بداهة إنّ معنى ذلك هو أنّ الظهور في الآية الشريفة مجعولة لفرد ما من‏الماء في العالم، ومن الواضح أنّه لايترتب على هذا الجعل أي أثر فلهذا يكون‏لغواً، وعليه فاستحالة كون هذا الاطلاق بدلياً في الآية الشريفة قرينة قطعيةعلى أنّه شمولي بعد ما لم تكن قرينة على التقييد بخصوصية زائدة، فبضمّ هذه‏القرينة وهي خصوصية المورد إلى المقدمات يثبت كون الاطلاق شمولياً، وهذابخلاف ما إذا قال المولى‏ لعبده جئني بماء أو ماشاكله، لأن الاطلاق الثابت‏بمقدمات الحكمة فيه وفي أمثاله لايمكن أن يكون شمولياً، لاستحالة أن يأمره‏المولى‏ بالاتيان بجميع أفراد الماء لأنه غير قادر عليه، وهذه الاستحالة قرينةقطعية على أنه بدلي بعدما لم ينصب المولى‏ قرينة على التقييد بحصة خاصة من‏الماء، مع أنّ كلمة الماء في هذا المورد وفي الآية الشريفة مستعملة في معنى‏واحد، ولكن خصوصية تعلق الحكم به في هذا المورد تختلف عن خصوصيةتعلقه به في مورد الآية الشريفة، فاختلاف النتيجة نشأ من الاختلاف في‏خصوصية المورد وهي تقتضي كون الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في موردالآية شمولياً وفي المقام بدلياً، هذا ملخص ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
وقد علق عليه بعض المحققين‏قدس سره بنقطتين(17):
الاُولى: إنّ استفادة الشمولية في كل مورد ليس بميزان لغوية البدلية فيه‏وبالعكس، بل في كثير من الموارد يكون كل من الاطلاق البدلي والشمولي‏معقولاً فيها، ومع ذلك مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفية تعيّن‏أحدهما، وذلك كما في موضوعات الأوامر لا في متعلقاتها، فإذا قال المولى‏ أكرم‏العالم، فإنه لاشبهة في أنّ مقتضى الاطلاق بالنسبة إلى الموضوع وهو العالم‏الشمولية وثبوت وجوب الاكرام لكل فرد من أفراد طبيعي العالم مهما كان لونه،مع أنه لا استحالة ولا لغوية في أن يكون الموضوع بدلياً، بأن يكون الواجب هوإكرام عالم ما فقط ولا مانع من ذلك.
والخلاصة: إنّ إرادة كل من الشمولية والبدلية معقولة بالنسبة إلى الموضوع‏في المثال وعلى حدّ سواء، وهذا دليل على أنّ وراء مسألة استحالة البدلية في‏مورد والشمولية في آخر توجد نكتة اُخرى وهي التي تقتضي البدلية أوالشمولية فيه، ثم ذكرقدس سره إنّ النكتة التي تتوفّر في موضوع الأمر وتقتضي انحلاله‏بانحلال أفراده وكون اطلاقه شمولياً هي أنه مأخوذ مفروض الوجود في الخارج‏في مقام الجعل وبذلك يمتاز عن متعلق الأمر، لأنه لايمكن أن يؤخذ مفروض‏الوجود فيه وإلاّ كان طلبه من طلب الحاصل، فإذا كان الموضوع كطبيعي العالم‏في المثال مأخوذاً مفروض الوجود في المرتبة السابقة على الحكم، فبطبيعة الحال‏يتعدد الحكم فيه بتعدد أفراده ومصاديقه، لأن الموضوع هو العالم الموجود في‏الخارج وهو متعدد وبتعدده يتعدد الحكم لا محالة، وإلاّ لزم خلف فرضي كون‏الموضوع متعدداً، وهذا بخلاف متعلق الحكم، فإنه حيث لم يؤخذ مفروض‏الوجود في الخارج فلايتعدد بتعدد وجوده فيه، وبكلمة واضحة إن الاحكام‏الشرعية مجعولة بنحو القضايا الحقيقية للموضوعات المقدّرة وجودها في‏الخارج، وهذه القضايا الحقيقية ترجع لباً إلى القضايا الشرطية مقدمها وجودالموضوع وتاليها ثبوت الحكم له، والحكم حيث إنّه مرتبط بالشرط فلا محالةيتعدد بلحاظ تعددّه، وأما المتعلق فحيث إنّه لم يؤخذ مفروض الوجود في مقام‏الجعل، فلايكون مرتبطاً به كارتباطه بالموضوع، فلهذا لايتعدد بلحاظ تعدّده،ومن هنا قال‏قدس سره إنّ الأصل في الموضوعات هو الاطلاق الشمولي والأصل في‏المتعلقات هو الاطلاق البدلي، والمستثنى من الأصل الأول ما إذا كان الموضوع‏منوناً بالتنوين من قبيل أكرم عالماً، فيكون الاطلاق حينئذٍ بدلياً من جهة أنّ‏تنوين التنكيز ظاهر في أخذ قيد الوحدة وصرف الوجود فيه وهذا لاينسجم مع‏الشمولية، والمستثنى من الأصل الثاني متعلقات النواهي، فإنه يستفاد منها إنّ‏كل فرد من المتعلق موضوع مستقل للنّهي، وهذا هو معنى الشمولية وانحلاله‏بانحلال متعلقه، والقرينة على ذلك غلبة نشوء النّهي عن المفسدة وغلبة كون‏المفسدة انحلالية هذا.
ويمكن المناقشة فيه أولاً: إنّ كلام السيد الاُستاذقدس سره ليس ناصاً في حصرسبب شمولية الاطلاق في مورد باستحالة البدلية فيه وبالعكس، فإن كلامه‏قدس سره‏ناصّ في أنّ الشمولية أو البدلية ليست مدلولاً لمقدمات الحكمة وإن مدلولهاثبوت الاطلاق فقط وعدم التقييد بحصة خاصة، وأما كون الاطلاق شمولياً أوبدلياً فهو خارج عن مدلولها وناشي‏ء عن خصوصية المورد، ومن الواضح إن‏خصوصية المورد تختلف بإختلاف الموارد، فقد تكون الخصوصية استحالةالبدلية وقد تكون استحالة الشمولية وقد تكون هناك خصوصية اُخرى‏ لا هذه‏ولا تلك، وإن كان ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الأمثلة يتضمن الخصوصيةالاُولى‏ والثانية فحسب، إلاّ أنّ ذلك من باب المثال فلا يدل على الاختصاص.
وثانياً: الظاهر إنّ محل كلام السيد الاُستاذقدس سره في كون الاطلاق الثابت‏بمقدمات الحكمة هل هو شمولي أو بدلي، إنما هو في متعلقات الأحكام التكليفيةمن الأوامر والنواهي أو الأحكام الوضعية لا في موضوعاتها، لأن حال‏الموضوع يختلف عن المتعلق في نكتة الشمولية أو البدلية، فإن المتعلق حيث إنّه لم‏يؤخذ مفروض الوجود في مقام الجعل، فلا تستند شموليته أو بدليته إلى ذلك،وأما الموضوع فحيث إنّه مأخوذ مفروض الوجود في لسان الدليل في هذا المقام،فإن كان المأخوذ فيه الطبيعي الجامع فبطبيعة الحال يتعدد الحكم بتعدد انطباقه‏على أفراده في الخارج كما في مثل قوله أكرم العالم، فإن المأخوذ في لسان الدليل‏مفروض الوجود، حيث إنه طبيعي العالم فلا محالة يتعدد وجوب الاكرام بتعددانطباقه على أفراده فيه، وهذا هو معنى شمولية إطلاق الموضوع من جهة الحكمةوأخذه مفروض الوجود في مرحلة الجعل بدون قيد الوحدة، وإن كان المأخوذمفروض الوجود في لسان الدليل في مرحلة الجعل عنوان لاينطبق إلاّ على‏وجود واحد فيه فإطلاقه بدلي، باعتبار إنّه لاينطبق إلاّ على فرد واحد على‏البدل في الخارج، فالبدلية مستفادة من أخذ ما يدل على أن الموضوع المأخوذمفروض الوجود في مرحلة الجعل فرد واحد لا على التعيين لا من مقدمات‏الحكمة، فإذن كون الاطلاق في طرف الموضوع شمولياً أو بدلياً مرتبط بكيفيةأخذه مفروض الوجود في مرحلة الجعل، فإن أخذ طبيعي الموضوع مفروض‏الوجود فيها، كان اطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة شمولياً على أساس تعددالحكم بتعدد انطباقه على أفراده في الخارج، وإن أخذ الموضوع مفروض‏الوجود فيها بقيد الوحدة كقوله اكرم عالماً، كان اطلاقه الثابت بمقدمات الحكمةبدلياً فالبداية ناشئة من قيد الوحدة المأخوذة فيه لا من مقدمات الحكمة،وبذلك يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أنّ الأصل في الموضوعات هو الاطلاق الشمولي‏لايمكن المساعدة عليه، لأن الشمولية أو البدلية فيها مرتبطة بكيفية أخذالموضوع مفروض الوجود في مرحلة الجعل، فإن كان المأخوذ مفروض الوجودطبيعي الموضوع فالاطلاق شمولي وإن كان المأخوذ مفروض الوجود مقيداً بقيدالوحدة فالاطلاق بدلي، فليس هنالك أصل يقتضي أنّه مأخوذ على النحو الأول‏دون الثاني، إلاّ أن يكون مراده من ذلك أن التقييد خلاف الأصل، وأما في‏المتعلقات فقد تقدم أنّ الأمر يدل بالدلالة الوضعية على جعل الوجوب للطبيعةمن دون دلالته على أنه بدلي، والنهي يدل كذلك على جعل الحرمة للطبيعة من‏دون دلالته على أنها شمولية، وأما مقدمات الحكمة فهي إنما تثبت اطلاق المتعلق‏وإنه غير مقيّد بحصة خاصة في مقابل تقييده بها، وأما إن هذا الاطلاق شمولي‏أوبدلي، فالمقدمات لاتدل على ذلك، وإنما تستفاد الشمولية في متعلقات النهي‏من جهة خصوصية فيه، وتلك الخصوصية تقتضي استحالة البدلية فيها لأنها لغووتعيّن الشمولية، وأما في متعلقات الأمر فالمستفاد فيها البدلية من جهةخصوصية فيه وهي تقتضي استحالة الشمولية فيها وتعيّن البدلية، فإذن ليس‏هنالك أيضاً أصل أولي يقتضي البدلية في المتعلقات إلا ما خرج بالدليل.
فالنتيجة، إن كون الاطلاق شمولياً أو بدلياً سواءً أكان في جانب الموضوعات‏أم كان في جانب المتعلقات إنما هو بدال آخر غير مقدمات الحكمة، فإنها تثبت‏الاطلاق فقط، والدال الآخر يختلف باختلاف الموارد، فليس لذلك ضابط كلي‏بل لابد في كل مورد من ملاحظة الخصوصية فيه وإنها تتطلب الاطلاق البدلي أوالشمولي.
وثالثاً: ما ذكره‏قدس سره من أن منشأ الشمولية في باب النواهي هو غلبة نشوءالنهي عن المفسدة في متعلقه وغلبة كون المفسدة إنحلالية بعدد أفراده غير تام،وذلك لأن منشأ انحلال الحرمة بانحلال أفراد متعلقها إنما هو استحالة جعل‏الحرمة لمتعلقها على البدل، لأن جعلها كذلك لغو محض، فإذن لا محالة تكون‏الحرمة مجعولة لمتعلقها بنحو العموم الاستغراقي يعنى لكل فرد من أفراد متعلقها.
وعليه فدلالة النهي المتعلق بالطبيعة كالنهي عن الكذب أو الغيبة أو شرب‏الخمر أو ماشابه ذلك على أن كل فرد من أفراد متعلقه موضوع مستقل للحرمة،إنما هي بنكته إستحالة أن يكون النهي المتعلق بها بنحو البدلية، فإذن بطبيعةالحال يكون بنحو الشمولية، فإذا كان النهي بنحو الشمول والعموم، فهو يكشف‏عن وجود مفسدة في كل فرد من أفراد متعلقه، وإلاّ فلا طريق لنا إلى ذلك.
وإن شئت قلت: إن شمولية النهي لجميع أفراد متعلقه وسرايته منه إليهامنوطة بثلاثة عناصر:
الأول: إن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية القطعيّة عند العرف والعقلاءتقتضي عدم الفرق بين أفراد الحرام كأفراد الكذب مثلاً أو الغيبة أو شرب الخمرأو قتل النفس المحترمة أو غيرها، بداهة إنه لايمكن القول بأن الفرد الأول منهامحرم ومشتمل على مفسدة ملزمة دون الفرد الثاني والثالث وهكذا.
العنصر الثاني: إنّ جعل الحرمة لصرف وجود شرب الخمر أو الكذب لغومحض، ضرورة أنّ ترك الانسان شرب الخمر مثلاً مرة واحدة في طول عمره‏وكذا سائر المحرمات أمر طبيعي ولا معنى لجعل الحرمة له.
العنصر الثالث: إطلاق دليل النهي، فإن مقتضاه بمعونة مقدمات الحكمةإثبات اطلاق متعلقه، وأما كونه شمولياً أو بدلياً فالمقدمات لاتدل على ذلك،ولكن بضمّ هذا العنصر إلى العنصرين الأولين فالمجموع ينتج الاطلاق الشمولي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنّ إطلاق متعلقات الأوامرالثابت بمقدمات الحكمة بدلي على أساس مقدمة خارجية وهي استحالة كونه‏شمولياً، بينما اطلاق متعلقات النواهي الثابت بمقدمات الحكمة شمولي على أساس‏خصوصية خارجية وهي استحالة كونه بدلياً، وليس منشأ شموليته لتمام أفرادالمتعلق غلبة نشوء النهي عن المفسدة وغلبة كون المفسدة انحلالية، وذلك لأنه لاطريق لنا إلى اشتمال كل فرد منه على المفسدة إلاّ من طريق اثبات اطلاقه‏الشمولي، وإلاّ فمن أين يعلم أنّ المفسدة الواقعية غالباً تكون انحلالية، هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنّ الاطلاق في جانب الموضوعات الثابت بمقدمات‏الحكمة شمولي إذا كان المأخوذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل طبيعي‏الموضوع القابل للانطباق على كل مايصلح أن يكون مصداقاً له بدون تقييده‏بقيد زائد، فحينئذٍ لا محالة يتعدد الحكم بتعدد الانطباق على ما في الخارج،وبدلي إذا كان المأخوذ مفروض الوجود المقيد بقيد الوحدة على تفصيل تقدّم.
النقطة الثانية: إنّ ما ذكر السيد الاُستاذقدس سره من أنّ ملاك البدلية في متعلقات‏الأوامر استحالة الشمولية فيها غير تام، إمّا بناءً على مسلك السيد الاُستاذقدس سره‏من أنّ القدرة شرط في ظرف الامتثال فحسب فالخطاب الشرعي مطلق،فيشمل كل فرد من أفراد المتعلق سواءً أكان مقدوراً أم لا، غاية الأمر إنّ‏الامتثال اللازم بحكم العقل يختص بالمقدور منها، فعندئذٍ لامانع من أن يكون‏اطلاق المتعلق شمولياً، وأما إذا قلنا بأن القدرة شرط في الخطاب، غاية الأمر إنّ‏الكاشف عنه العقل وإلاّ فلايعقل أن يكون العقل مشرعاً، غاية الأمر إنّ القدرةقد تكون مأخوذة في لسان الدليل في مرحلة الجعل وقد يكون الحاكم باعتبارهاالعقل، وعلى الثاني تكون القدرة قيداً للخطاب لباً وهو كالمقيّد المتصل مانع عن‏انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق، ولا ينعقد له ظهور إلاّ في خصوص الحصّةالمقدورة، وعلى هذا فالاطلاق شمولي في دائرة هذه الحصة ولا مانع منه ولايكون مستحيلاً، لأنه ليس من التكليف بغير المقدور بل هو من التكليف‏بالمقدور هذا.
ويمكن المناقشة فيه، أولاً: إنّ معنى اعتبار القدرة بحكم العقل إنه كاشف عن‏أنها قيد للخطاب لباً من باب قبح تكليف العاجز، ولايحكم بأنها قيد للملاك في‏مرحلة المبادي لعدم الطريق له إليه في تلك المرحلة، وعلى هذا فالخطاب مقيددون الملاك، فإذا كان الملاك مطلقاً لزم محذور التكليف بغير المقدور، باعتبار أنّ‏الخطاب بما هو اعتبار لا قيمة له، وتمام القيمة إنما هو بالملاك الذي هو حقيقةالتكليف وروحه.
ولكن هذه المناقشة غير تامة، وذلك لأن القدرة إذا كانت قيداً للخطاب لبّاًوإن لم تكن قيداً للملاك في مرحلة المبادي إلاّ أنها تمنع عن انعقاده ظهوره في‏الاطلاق، وعلى هذا فالفرد غير المقدور وإن احتمل اشتماله على الملاك باعتبارأنه غير مشروط بالقدرة إلاّ أنه لا طريق لنا إلى ذلك، فإذن حال هذه الصورةحال صورة ما إذا كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل أو كان اعتبارها باقتضاءنفس الخطاب، فإن المأمور به على جميع هذه الأقوال هو الحصة المقدورة، ولامانع من أن يكون إطلاق الخطاب بالنسبة إليها شمولياً، ولايلزم من ذلك ماذكره‏قدس سره من المحذور وهو التكليف بغير المقدور.
وثانياً: إن اطلاق الأمر بالنسبة إلى الحصة المقدورة الثابت بمقدمات الحكمةوإن كان لا مانع من أن يكون شمولياً، حيث لايلزم منه التكليف بالمحال، إلاّ أنّ‏هناك نكتة اُخرى‏ تمنع عن كون إطلاق الأمر شمولياً بالنسبة إلى الحصة المقدورةأيضاً وهي مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفيّة، فإنها تقتضي أنّ‏المطلوب من الأمر المتعلق بالطبيعة إيجادها في الخارج، ومن الطبيعي إنّها توجدبإيجاد فرد منها، وأما إيجادها مرة ثانية في ضمن فرد آخر فهو بحاجة إلى دليل‏يدلّ عليه، وإلاّ فالأمر المتعلق بها لا يقتضي أكثر من إيجادها في الخارج وهويتحقق بإيجاد فرد منها، ومن هنا يختلف المتعلق عن الموضوع، فإن الموضوع‏حيث إنّه مأخوذ مفروض الوجود، فلذلك يتعدد الحكم بتعدد وجوده في‏الخارج، وهذا بخلاف المتعلق، فإنه حيث لم يؤخذ مفروض الوجود فيه وإلاّ كان‏طلبه من طلب الحاصل، فيتعلق الأمر بمفهومه الذهني الفاني في الخارج، ويكون‏المطلوب إيجاده فيه وهو يتحقق بوجود واحد، وهذا معنى إنّ اطلاقه بدلي‏لاشمولي لا بالنسبة إلى أفراده مطلقاً ولا بالنسبة إلى أفراده المقدورة.
فالنتيجة، إنّ إطلاق المتعلق في جانب الأمر الثابت بمقدمات الحكمة بدلي، إماعلى أساس استحالة الاطلاق الشمولي أو على أساس مناسبة الحكم والموضوع‏الارتكازية.
بقي هنا اُمور:
الأول: إنه لافرق فيما ذكرناه من أن الاطلاق قد يكون بدلياً وقد يكون شمولياًبين أن يكون ذلك في الجملة الانشائية كما في بابي الأوامر والنواهي على تفصيل‏تقدم، أو الاخبارية كما في مثل قولنا: جاء رجل ولا رجل في الدار وما شاكل‏ذلك، فإن مقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة في كلتا الجملتين الأخيرتين‏توسعه مدلوهما، ولكن التوسعة في الجملة الاُولى‏ بدلية وفي الثانية شمولية، وهذالا من جهة أنّ مقدمات الحكمة تقتضي البدلية في الاُولى‏ والشمولية في الثانية،فإنها لاتقتضي إلاّ بالتوسعة في مدلول الجملة، وأما كونها بدلية أو شمولية، فهوخارج عن مدلولها بل من جهة خصوصية اُخرى‏ في المرتبة السابقة، وهي في‏الجملة الاُولى‏ متمثلة في نسبة المجي‏ء إلى رجل، وهذه النسبة لايمكن أن تكون‏إلى طبيعي الرجل بما هو فلا محالة تكون إلى فرد منه، وحيث إنّ المتكلم لم ينصب‏قرينة على إرادة فرد معين فيه، فالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة يقتضي‏توسعته إلى كل من ينطبق عليه طبيعي الرجل، ولكن خصوصيّة المورد تمنع عن‏كون هذه التوسعة شمولية فلا محالة تكون بدلية هذا، إضافة إلى أن تنوين التنكيرللرجل يدل على مجي‏ء رجل واحد على البدل في مرحلة التطبيق.
وأما في الثانية: فلأن النفي مستند إلى طبيعي الرجل، وحيث إنّ المتكلم لم‏ينصب قرينة على أن المراد منه نفي حصة خاصة منه، فمقتضى الاطلاق بمعونةمقدمات الحكمة نفي تمام حصصه في الدار بنحو العموم الاستغراقي، فالاستغراق‏والشمول إنما يستفاد من خصوصية المورد في المرتبة السابقة وهي اسناد النفي إلى‏طبيعي الرجل، وعليه فضمّ المقدمات إلى الخصوصية المذكورة في الجملة الاُولى‏ينتج العموم البدلي وفي الثانية العموم الشمولي، مع إن كلمة )الرجل( في كلتاالجملتين تدل على معنى واحد وهو طبيعي الرجل الذي هو معناه الموضوع له.
فالنتيجة، إن لسان مقدمات الحكمة توسعة مدلول الدليل في مقابل تضييقه،وأما كون هذه التوسعة شمولية أو بدليّة فهو مستند إلى سبب آخر في المرتبةالسابقة، كان ضمّه إلى المقدمات في مورد ينتج التوسعة الشمولية وفي آخر ينتج‏التوسعة البدلية.
الثاني: إنّ ملاك الأمر متمثل في المصلحة وملاك النهي في المفسدة،والمصلحة قد تكون مترتبة على الفعل كما هو الغالب، وقد تكون مترتبة على‏الترك، فعلى الأول يكون الواجب الفعل وعلى الثاني الترك وكذلك الحال في‏المفسدة، فإنها إن كانت مترتبة على الفعل فالحرام هو الفعل، وإن كانت مترتبةعلى الترك فالحرام هو الترك، وتظهر الثمرة بين قيام المصلحة بالفعل وبين قيامهابالترك فيما يلي، هو أن المصلحة إن كانت قائمة بالفعل فالغالب به أنها قائمةبصرف وجوده، باعتبار أنّه لا طريق لنا إلى ذلك إلاّ من طريق الأمر المتعلق به،والمفروض إنّ المطلوب من ذلك الأمر هو صرف وجوده إذا لم يكن هناك دليل‏على الخلاف، ومن هنا قلنا إنّ اطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه بدلي، وإن‏كانت قائمة بالترك فهي تدعو المولى‏ إلى طلب تركه، ولايمكن أن يكون متعلق‏هذا الطلب صرف الترك إلاّ لزم كون الأمر به لغواً، لأن صرف الترك يتحقق في‏الآن الأول من الترك، فإذن لا محالة يكون متعلقه مطلق الترك، وحيث إنّ المولى‏لم ينصب قرينة على تقييده بحصة خاصة منه، فيكون مقتضى الاطلاق بمقدمات‏الحكمة بضميمة خصوصية المورد وجوب كل فرد من أفراد الترك بنحو العام‏الشمولي، وبذلك يختلف وجوب الفعل عن وجوب الترك، ومثل لذلك السيدالاُستاذقدس سره بالصوم وبتروك الاحرام(18)، بدعوى‏ إنّ الواجب في باب الصوم ترك‏المفطرات والمصلحة قائمة به وكذلك الحال في تروك الاحرام، فإنها واجبة على‏أساس أن المصلحة قائمة بها ومترتبة عليها لا أنّ فعلها محرم هذا.
ولكن للمناقشة في كلا المثالين مجالاً، أما المثال الأول فلأن الظاهر من الآيةالشريفة(19) والروايات هو أن الصوم متمثل في الامساك عن ممارسة المفطرات‏منها قوله‏عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم »لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب‏ثلاث خصال: الطعام والشراب والنساء...«(20)، فإنه ظاهر في أن حقيقةالصوم متقومة بالامساك عن هذه الخصال الثلاث والاجتناب عنها.
فالنتيجة، إنّ المأمور به في باب الصوم هو الأمر الوجودي لا الأمر العدمي.
وأما المثال الثاني، فلأن الظاهر من روايات تروك الاحرام الناهية عن‏الارتماس والتظليل والصيد والجماع والنظر بشهوة إلى غير ذلك هو حرمة هذه‏الأشياء على المحرم لا أن تركها واجب عليه، والوجه في ذلك هو أنّ هذه النواهي‏لاتخلو من أن تكون نواهي إرشادية، فمفادها الارشاد إلى مانعية الأشياءالمذكورة عن الاحرام وفي نهاية المطاف عن العمرة والحج، أو نواهي مولويةتكليفية فيكون مفادها حرمة تلك الأشياء على المحرم، والأول غير محتمل لأنه‏خلاف الضرورة الفقهية، حيث لا شبهة في عدم بطلان الحج والعمرة بإرتكابهاوإن كان عامداً وملتفتاً إلى عدم جوازه إلا الجماع إذا كان قبل السعي في العمرةوقبل الوقوف بالمزدلفة في الحج، فإذن يتعين الاحتمال الثاني وهو كون هذه‏النواهي، نواهي مولوية تكليفية ومفادها حرمة الأشياء المذكورة على المحرم‏بدون إرتباطها بالحج والعمرة.
فالنتيجة، إنّ هذين المثالين ليسا من أمثلة كون الواجب هو الترك.
الثالث: إنه إذا فرض عدم تعدد النهي بتعدد أفراد متعلقه بأن يكون مفادلاتشرب الخمر مثلاً حرمة واحدة كما هو الحال في الأمر المتعلق بالطبيعة، لأن‏مفاده وجوب واحد، وعلى هذا فهل هناك فرق بين هذا النهي والأمر أو لا؟
والجواب: إن هناك فرقاً بينهما في كيفية الامتثال، فإن امتثال الأمر ممكن‏بإتيان فرد واحد من أفراد الطبيعة، وأما عصيانه فلايمكن إلاّ بترك تمام أفرادالطبيعية المأمور بها، وأما النهي المتعلق بالطبيعة فلايمكن إمتثاله إلا بترك هذه‏الطبيعة، ومن الواضح إنّ تركها لايتحقق إلاّ بترك تمام أفرادها بنحو العموم‏الاستغراقي ولايكتفي اجتناب بعضها والاتيان ببعضها الآخر، لأنه في هذه الحالةفقد عصى النهي ولم يمتثله، والنكتة في ذلك هي أنّ مفاد النهي المتعلق بها الزجروالمنع عنها يعني عن إيجادها، وامتثاله لايمكن إلاّ بعدم إيجادها في الخارج وهولايتحقق إلاّ بعدم إيجاد تمام أفرادها، وإلاّ فقد أوجدها في ضمن فرد ما، نعم لافرق بينهما من حيث السقوط بالعصيان، فكما إنّ الأمر يسقط بالعصيان الملازم‏لانتفاء موضوعه، فكذلك النهي يسقط بإيجاد الطبيعة المنهي عنها بإيجاد فردهافي الخارج.
الرابع: إنّ الأمر يشترك مع النهي في المتعلق، لأن متعلق كليهما الطبيعة ولكنه‏يختلف عنه في عدة نقاط:
الاُولى‏: إنّ نشوء الأمر إنما هو عن المصلحة في متعلقه بينما كان نشوء النهي عن‏المفسدة في متعلقه.
الثانية: إنّ إطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه بدلي إما بملاك استحالةالاطلاق الشمولي أو بملاك مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفية، بينماإطلاق النهي بالنسبة إلى أفراد متعلقه شمولي بملاك استحالة الاطلاق البدلي.
الثالثة: إنّ مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية التي تقتضي كون المطلوب‏من الأمر صرف وجود الطبيعة قرينة على أن المصلحة مترتبة عليه، بينما تكون‏هذه المناسبة الارتكازية في باب النهي قرينة على أنّ المفسدة مترتبة على مطلق‏وجود الطبيعة.
الرابعة: إن الأمر يسقط بالعصيان بإسقاط موضوعه على أساس وحدته،بينما النهي لايسقط به على أساس تعدّده، فإن المكلف إذا شرب خمراً لايسقطحرمة شربها مرة ثانية وهكذا.
الخامسة: إنه يكفي في امتثال الأمر الاتيان بفرد ما من الطبيعة المأمور بها، بينمإ؛
بخ‏خ‏لايكفي في امتثال النهي إلاّ الاجتناب عن جميع أفراد الطبيعة بنحو العموم‏الاستغراقي، هذا بناء على انحلال النهي بانحلال أفراد متعلقه واضح، وأما إذا كان‏النهي واحداً متعلقاً بالطبيعة وغير منحل كالأمر فأيضاً كذلك، لأن الاجتناب‏عن الطبيعة لايمكن إلاّ بالاجتناب عن جميع أفرادها كما مرّ وإلا لم يجتنب عنها.
بقي الكلام في النواهي الواردة في أبواب العبادات والمعاملات كالنهي عن‏الصلاة في غير المأكول والميتة النجس والحرير والذهب وغيرها، فإن مفادهاإرشاد إلى أنّ الشارع جعل هذه الاُمور مانعة عن الصلاة وظاهرة في ذلك عرفاً،منشأ هذا الظهور العرفي لها على الرغم من أنّ النهي في نفسه ظاهر في الحرمةالمولوية هو أنّ هذه النواهي لم تتعلق بذات العبادة لكي تكشف عن وجودمفسدة فيها وتكون من النواهي المولوية، بل تعلقت بإيقاعها في الميتة وغيرالمأكول والنجس وغيرها من الأشياء، وهذا يوجب انقلاب ظهورها من‏المولوية إلى ظهورها في الارشاد إلى مانعيتها وتقيد الصلاة بعدمها على أساس أنّ‏ملاك هذه النواهي إنما هو قائم بإيقاعها في الميتة وغير المأكول لا في ذاتها.
وإن شئت قلت: إنّ النهي إذا كان من قبيل لاتشرب الخمر ولاتكذب وماشاكلهما، كان ظاهراً في نشوئه عن وجود مفسدة في متعلقه ويدل على حرمته‏حرمة مولوية، وأما إذا كان من قبيل لاتصل فيما لا يؤكل لحمه أو في الميتة أوماشاكلها، فهو ظاهر في مانعية ليس ما لايؤكل في الصلاة والميتة وهكذا،ولايكون ظاهراً في حرمة الصلاة في الميتة وغير المأكول تكليفاً، ولايمكن حمل‏هذه النواهي على ذلك، لوضوح إنها ظاهرة عرفاً في أنّ تمام ملاك النهي عنها إنماهو في إيقاعها في هذه الأشياء لا في نفسها، فإذن ليس منشأه إلاّ مانعيتها، ومن‏هنا يظهر حال الأوامر الواردة في أبواب العبادات والمعاملات، فإنها ظاهرةعرفاً في الارشاد إلى الجزئية والشرطية.
ثم إنّ مانعية النجاسة عن الصلاة في مقام الثبوت تتصور على وجهين:
الأول: أن يكون المانع عن الصلاة صرف وجود النجاسة في لباس المصلي أوبدنه المتمثل في الوجود الأول.
الثاني: أن يكون المانع مطلق وجودها، فعلى الأول تكون الصلاة متقيدةبعدم وجودها في ثوب المصلي أو بدنه بنحو صرف الوجود، ولازم ذلك إن تقيدالصلاة بعدم وجودها فيه لايتعدد بتعدد وجوده، وعلى الثاني تكون الصلاةمتقيّدة بعدم وجود كل فرد منها في ثوبه أو بدنه.
ونتيجة ذلك، إنه لايجب على المصلي تقليل النجاسة عن ثوبه أو بدنه في‏الفرض الأول إذا كان بإمكانه ذلك، ويجب التقليل في الفرض الثاني إذا كان‏ممكناً هذا بحسب مقام الثبوت.
وأما في مقام الاثبات، فهل الظاهر من النهي عن الصلاة في النجس الفرض‏الأول أو الثاني؟
والجواب: إنه الثاني باعتبار أنه إرشاد إلى جعل المانعية لطبيعي النجس‏الساري إلى أفراده، وجعلها لصرف الوجود المتمثل في أول الوجود بحاجة إلى‏مؤنة زائدة، ولكن قد يقال: إنّ المرتكز في أذهان العرف العام من النهي عن‏الصلاة في ثوب أو بدن نجس، هو أن المانع صرف وجوده فيه ولا أثر للنجاسةالزائدة، فإذا كان مواضع ثوبه أو بدنه نجساً لم يجب عليه تقليل النجاسة، لأن‏المانع هو صرف الوجود، فطالما يكون صرف الوجود متحققاً فالمانع موجود،وعلى هذا فإذا تنجس مواضع متعددة من ثوب المصلي أو بدنه دفعة واحدة،فالجميع مانع بعنوان صرف الوجود، لأن صدقه على البعض المردّد لايمكن‏لاستحالة وجوده في الخارج، وعلى البعض المعيّن دون الآخر ترجيح من غيرمرجح، فإذن لامحالة يصدق على الجميع، وحينئذٍ فلايجب عليه تقليل النجاسةإذا لم يتمكن من إزالة الجميع، لأن تقليلها ليس تقليلاً في المانعيّة حتى يجب، وإذاتنجّس طرف من ثوبه ثم تنجس طرفه الآخر فلا أثر للثاني، فإذا فرضنا إنّه‏لايتمكن من إزالة النجاسة عن كلا الطرفين معاً ولكنه كان بإمكانه إزالتها عن‏أحدهما لم تجب، لأنها ليست من إزالة المانع أو تقليله، لأن المانع بهذا المعنى غيرقابل للتقليل هذا، والصحيح إنّ مانعية النجاسة كمانعيّة غيرها من الميتة ونحوهاإنحلالية، وذلك لأن النهي عن الصلاة في النجس أو غير المأكول أو الميتة أوالحرير أو ما شاكل ذلك، ظاهر بحسب الصناعة والفنّ في جعل المانعية للطبيعي‏الساري إلى أفراده في الخارج والمنطبق عليها.
ونتيجة ذلك، إنّ كل فرد من أفراد هذه الأشياء مانع مستقل عن الصلاة،وأما تقييد هذا الجعل بصرف وجودها المتثل في الوجود الأول من وجوداتهابحاجة إلى دليل، والإرتكاز العرفي المدعي في أنّ المانع عن الصلاة هو صرف‏وجود تلك الأشياء في بدن المصلي أو ثوبه، هل هو مانع عن إطلاق أدلتها على‏أساس أنه بمثابة القرنية المتصلة أو لا؟
والجواب: إنه غير مانع، لأن هذا الارتكاز ليس ارتكازاً عقلائياً ناشئاً عن‏الفطرة والجبلة، بل هو ارتكاز من المتشرعه ومنشأه جعل الشارع تلك الأشياءمانعاً عن الصلاة، وهذا ليس بدرجة يصلح أن يكون مانعاً عن اطلاقهاويوجب تقييده لباً، وعلى هذا فيجب تقليل النجاسة إذا لم يتمكن من إزالةالجميع لأنه تقليل في المانعية، فإذا كانت مواضع من ثوب المصلي متنجسة، فإن‏كان متمكّناً من تطهير الجميع فهو وإن لم يكن متمكناً من ذلك، فحينئذٍ إن كان‏متمكناً من تطهير البعض دون الجميع وجب، ومع هذا لو صلّى بدون تطهيره‏بطلت صلاته، وكذلك إذا كان في بدن المصلي ثوبان نجسان، فإن كان قادراً على‏نزع أحدهما ومع هذا لم ينزع، فصلاته باطلة.
والخلاصة: إنه يجب تقليل المانع مهما أمكن سواءً أكان المانع النجاسة أو غيرالمأكول أو الميتة أو غير ذلك، وإذا لم يفعل وصلّى بطلت صلاته، هذا مما لا كلام‏فيه، وإنما الكلام في وجوب تقليل النجاسة كيفاً وهل هو واجب أو لا؟ فيه‏وجهان:
فذهب السيد صاحب العروةقدس سره(21) إلى الوجه الأول، ومثل لذلك بما إذاتنجس ثوب المصلي بالبول، فإنه يجب غسله مرتين، فإذا لم يتمكن إلاّ من غسله‏مرة واحدة، وجب عليه ذلك تخفيفاً لنجاسته هذا.
والصحيح هو الوجه الثاني، أما أولاً: فلأن النجاسة حيث إنها حكم شرعي‏فلا واقع لها ماعدا اعتبار الشارع، ومن الواضح إن الاعتبار لا وجود له إلاّ في‏عالم الاعتبار والذهن حتى يتصف بالشدة والضعف كما هو الحال في جميع‏الأحكام الشرعية، فإنها اُمور اعتبارية لا واقع موضوعي لها ماعدا وجودهاالاعتباري في الذهن، ولهذا لايعقل أن يتصف الاعتبار بنفسه بالشدة أوالضعف، نعم إنّ هذه الاعتبارات من الشارع حيث إنه لايمكن أن تكون جزافاً،فلا محالة تكون مبنية على نكتة مبررة لجعلها واعتبارها، وتلك النكتة هي‏ملاكاتها الواقعية في مرحلة المبادي، وهذه الملاكات اُمور واقعية تتصف بالقوةوالضعف، ولهذا يكون ملاك بعض الأحكام الشرعيّة أهمّ وأقوى‏ من ملاك‏بعضها الآخر، فإذن اتصاف الأحكام الشرعية بالأقوى‏ والأضعف والأهمّ‏والمهمّ إنما هو بلحاظ حال ملاكاتها لا في نفسها، ولكن إحراز ذلك بحاجة إلى‏دليل في مقام الاثبات بعدما كان الطريق إليها منسداً، نعم يمكن إحراز أهميةملاك جملة من الأحكام الشرعية بنحو الاجمال من طرق متعددة:
الأول: الروايات التي تدل على اهتمام المولى‏ بها وهي الروايات التي تنصّ على‏أنّ الاسلام بني على خمس(22).
الثاني: ما ورد في الكتاب والسنة من التشديد والتهديد على ترك الصلاةوحجة الاسلام وقد حكم في بعض الروايات بكفر تارك الصلاة(23)، وفي آخرأنها إذا قبلت قبل ماسواها وإن ردّت ردّ ماسواها(24)، وفي ثالث انها عماد الدين‏ومعراج المؤمن(25) وهكذا، وقد ورد في حق تارك الحج إنه مات إن شاء يهودياًأو نصرانياً(26)، فإن المستفاد من مجموع ذلك اهتمام الشارع بهما.
الثالث: جعل القصاص والحدود والديات على ارتكاب جملة من المحرمات‏الشرعية، فإن جعل تلك العقوبات الصارمة يدل على إهتمام الشارع بعدم‏وقوعها في الخارج من جهة ما فيها من المفاسد الإجتماعية، وكيفما كان فالنجاسةكسائر الأحكام الشرعية لاتتصف بالشدة والضعف، وأما وجوب غسل الثوب‏المتنجس بالبول مرتين، فلايدل على أنّ ملاك نجاسة البول أشدّ من ملاك نجاسةالمني أو الدم، بل لعله كان ذلك لخصوصية اُخرى‏ فلا طريق لنا إليها، مثلاً إذإ؛ت‏مستنجس الاناء بملاقاة النجس لزم غسله ثلاث مرات، وأما إذا تنجس بها ظرف‏آخر لايصدق عليه عنوان الاناء، فلايجب غسله إلاّ مرة واحدة مع أن كليهماظرف وتنجس بنجاسة واحدة، فإذن حكم الشارع بغسل الاناء ثلاث مرات‏دونه، فلا محالة يكون مبنياً على نكتة ولايمكن أن يكون جزافاً، ولكن تلك‏النكتة مجهولة لنا.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إن نجاسة البول أشد من نجاسة غيره‏إلاّ أنه لا دليل على أن شدة نجاسته مانعة عن الصلاة زائدة على مانعية أصل‏نجاسته، بمعنى أنّ نجاسة البول في نفسها مانعة عن الصلاة وشدتها مانعة اُخرى‏عنها، وذلك لأن النهي عن الصلاة في النجس لايدل إلاّ على مانعية النجاسة،وأما أنّ شدتها مانعة، فلا اشعار فيه فضلاً عن الدلالة، لأن مفاده تقييد الصلاةبعدم النجاسة وإن كانت شديدة بقيد واحد لا بقيدين هما تقيد الصلاة بعدم أصل‏النجاسة وتقيّدها بعدم شدتها.
فالنتيجة، إن الواجب على المصلّي تقليل المانع، فإذا كان مضطراً إلى الصلاةفي بدن نجس وغير مضطر إليها في ثوب نجس لتمكنه من تطهيره، ففي مثل ذلك‏وجب عليه تطهير الثوب وإلاّ فصلاته فيه باطلة، لأنه غير مضطر إلى الاتيان بهافيه وتمكنه منها في ثوب طاهر.
هذا كله فيما إذا علم المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه أو علم أنه من أجزاءمالايؤكل أو الميتة أو ماشاكل ذلك، وأما إذا شك في أنّ ثوبه نجس أو طاهر،فيدخل المقام حينئذٍ في كبرى‏ مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وقد ذكرناهناك إنّ المرجع فيها أصالة البراءة عقلاً وشرعاً، هذا فيما إذا لم يكن في البين أصل‏موضوعي كاستصحاب الطهارة ونحوها وإلاّ فهو المرجع، وكذلك الحال فيما إذإ؛ ت‏خ‏خ‏شك في أن ثوبه هذا هل هو متخذ من أجزاء مالايؤكل أو لا، فإن المرجع فيه‏أصالة البراءة، باعتبار أن المقام من صغريات كبرى‏ مسألة الأقل والأكثرالارتباطيين، هذا فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي يحرز به أنه ليس من‏أجزاء مالايؤكل كاستصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتي وإلاّ فلا تصل النوبةإلى أصالة البراءة، لكن الكلام في وجود الأصل الموضوعي في المسألة وحدوده‏سعة وضيقاً محل آخر لا المقام.
نتائج البحث ...
نتائج البحث عدّة نقاط:
الاُولى‏: إنّ في المدلول الوضعي للنهي مادةً وهيئةً نظريات ثلاث:
1 - النهي موضوع لطلب ترك الطبيعة وهذه النظرية هي المعروف والمشهوربين الأصحاب.
2 - النهي موضوع للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وهذه‏النظرية هي مختار السيد الاُستاذقدس سره.
3 - النهي موضوع مادة وهيئة للدلالة على الحرمة والزجر بالدلالةالتصوّرية، وهذه النظرية هي النظرية الصحيحة دون الاُولى‏ والثانية.
الثانية: إنّ الأمر على ضوء النظرية الاُولى‏ يشترك مع النهي في نقطة وهي‏المدلول الوضعي، فإنه في كليهما الطلب المولوي، ويختلف عنه في نقطة اُخرى‏وهي المتعلق، فإنه الفعل في جانب الأمر والترك في جانب النهي، وعلى ضوءالنظرية الثانية يشترك الأمر مع النهي في نقطتين:
الاُولى‏: في المدلول الوضعي وهو إبراز الأمر الاعتباري النفساني.
الثانية: في المتعلق، فإنه في كليهما الفعل، ويمتاز عنه في نقطة اُخرى‏ وهي سنخ‏الاعتبار، وعلى ضوء النظرية الثالثة يمتاز الأمر عن النهي في نقطتين أساسيتين:
الاُولى‏: في الملاك في مرحلة المبادي، فإنه المصلحة في الأمر والمفسدة في‏النهي.
الثانية: في الحكم في مرحلة الجعل، فإنه الوجوب في الأمر والحرمة في النهي‏ويشترك معه في نقطة اُخرى‏ وهي المتعلق فإنه في كليهما الفعل.
الثالثة: إنّ المدلول الوضعي على ضوء النظرية الثانية تصديقي لاتصوري،لأن تصوره غير مستند إلى الوضع بل هو مستند إلى الانس الذهني، وأما على‏ضوء النظرية الاُولى‏ والثالثة، فالمدلول الوضعي تصوري لاتصديقي، لأن‏التصديق به مستند إلى ظهور حال المتكلم لا إلى الوضع.
الرابعة: إن ما هو المعروف في الألسنة من أن صرف وجود الطبيعة يتحقق‏بأول وجودها وصرف ترك الطبيعة لايتحقق إلاّ بترك جميع أفرادها، فإن أرادوبترك جميع أفرادها الأعمّ من الطولية والعرضية، فلا أصل له ولايرجع إلى معنى‏محصّل، فإن الطبيعة إن لوحظت بنحو صرف الوجود فنقيضها البديل لها ترك‏وجودها في الآن الأول الذي هو مصداق صرف الوجود، وإن لوحظت بنحومطلق الوجود فنقيضها عدم مطلق وجودها، وإن أرادوا به الأفراد العرضيةفقط بمعنى أنّ بديل صرف وجود الطبيعة في الآن الأول ونقيضه تركه، وتركه إنّمايتحقق بترك جميع أفرادها في هذا الآن فقط فهو صحيح، ومن هنا لافرق بين‏صرف وجود الطبيعة وصرف تركها، فكما إنّ صرف وجودها يتحقق بأول‏وجودها في الخارج فكذلك صرف تركها، فإنه يصدق على ترك ذلك الوجود في‏الآن الأول وإن كان متعدداً، كما إذا فرضنا إنّ الطبيعة قد وجدت بوجودات‏متعددة في عرض واحد وآن فارد، فإن صرف الوجود يصدق على الجميع، لأن‏صدقه على أحدها المردد غير معقول واحدها المعين ترجيح بغير مرجح، فلامحالة يصدق على الجميع وكذلك صرف الترك، فإنه يصدق على جميع تروك تلك‏الوجودات في هذا الآن بنفس ملاك صدق صرف الوجود عليها، وهذا معنى أنّ‏نقيض الواحد واحد ونقيض المتعدد متعدد، ولا يعقل أن يكون نقيض الواحدمتعدداً، كيف فإن نقيض الشي‏ء بديله.
الخامسة: إنّ النهي لايدل على انحلاله بانحلال متعلقه بالوضع كما هو الحال‏في الأمر، بلا فرق في ذلك بين نظرية ونظرية، فإنه لايدل على ذلك على ضوءجميع النظريات في تفسيره.
السادسة: إنّ تبعية النهي للمفسدة في متعلقه لاتتطلب إنحلاله بانحلال أفرادمتعلقه، إذ لانعلم أنّ المفسدة قائمة بكل فرد من أفراده ولا طريق لنا إليه بقطع‏النظر عن ثبوت النهي كذلك، كما إنّ تبعية الأمر للمصلحة في متعلقة لاتتطلب‏عدم الانحلال، فإنها تختلف باختلاف الموارد، نعم إنّ المفسدة إذا كانت قائمةبشي‏ء، فالغالب إنها وإن كانت تنحل بانحلال أفراده إلاّ أن ذلك ليس منشأانحلال النهي كما تقدّم.
السابعة: إنّ انحلالية الحرمة في باب النهي بنحو العموم الشمولي وعدم‏انحلالية الوجوب في باب الأمر كذلك، تتوقف على أمرين:
الأول: تمامية مقدمات الحكمة، لأنها إذا تمّت فقد ثبت الاطلاق، ولكنهالاتدل على أنه شمولي أو بدلي.
الثاني: خصوصية المورد، فإنها تقتضي في مورد أن الاطلاق الثابت بمقدمات‏الحكمة فيه شمولي وفي آخر أنه بدليّ، فالخصوصية الموجودة في جانب النهي‏تتطلب إنّ الاطلاق فيه شمولي ولايمكن أن يكون بدلياً وفي جانب الأمر إنه‏بدلي، أما من جهة أنه لايمكن أن يكون شمولياً أو من جهة مناسبة الحكم‏والموضوع الارتكازية.
الثامنة: إن اطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه بدلي، وأما بالنسبة إلى‏أفراد موضوعه شمولي، بنكتة أن الموضوع قد أخذ مفروض الوجود في مرحلةالجعل، فإذن لا محالة يتعدد الحكم بتعدد وجوده في الخارج وهذا بخلاف‏المتعلق، فإنه لم يؤخذ مفروض الوجود فيه وإلاّ كان طلبه من طلب الحاصل،هذا فيما إذا لم يقيد الموضوع بقيد الوحدة في مقام الجعل، وإلاّ فالاطلاق الثابت له‏بمقدمات الحكمة بدلي لا شمولي.
التاسعة: إنّ اطلاق الخطابات الوضعية كقوله تعالى: أحل اللَّه البيع وأوفوابالعقود وماشاكل ذلك، الثابت بمقدمات الحكمة شمولي، بنكته أنّ كونه بدلياً لغومحض.
العاشرة: إنّ مدلول مقدمات الحكمة إثبات الاطلاق، وأمّا إنه شمولي أو بدلي‏فالمقدمات لاتدل على شي‏ء منهما، فإذن إثبات أنه شمولي أو بدلي بحاجة إلى‏مقدمة اُخرى‏ وهي تختلف من مورد إلى مورد آخر.
الحادية عشر: إنّ تعليق بعض المحققين‏قدس سره على السيد الاُستاذقدس سره في المقام‏غير وارد على تفصيل تقدم.
الثانية عشر: إنّ الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة قد يكون في الجملةالإنشائية وقد يكون في الجملة الخبرية، وفي كلتا الجملتين قد يكون الاطلاق‏شمولياً وقد يكون بدلياً، ولافرق بين الجملتين من هذه الناحية.

مسألة اجتماع الأمر والنّهي ...


مسألة اجتماع الأمر والنّهي‏
لا شبهة في أنه لاتضاد بين الأمر والنهي بما هما اعتبار من المولى‏، حيث إنّه لاواقع لهما بهذا اللحاظ إلا واقع الاعتبار من المعتبر في عالم الذهن، نعم يقع التضادبينهما من ناحيتين:
الاُولى‏: من ناحية الملاك في مرحلة المبادي كالمصلحة والمفسدة والارادةوالكراهة والحب والبغض، فلايمكن إجتماع الوجوب والحرمة في شي‏ء من‏ناحية المبادي، فإن معنى ذلك اجتماع المصلحة والمفسدة فيه والحب والبغض‏والارادة والكراهة وهو محال.
الثانية: من ناحية الامتثال، فإن المكلف لايكون قادراً على امتثال الوجوب‏والحرمة معاً في شي‏ء واحد، فإذن يستحيل جعلها معاً، وإن شئت قلت: إنّ‏الغرض من جعل الوجوب لشي‏ء هو إيجاد الداعي في نفس المكلف وتحريكه نحوالاتيان به، والغرض من جعل الحرمة لشي‏ء آخر هو جعل الداعوية والمحركية لهانحو الاجتناب عنه، ومن الواضح إنه لايمكن الجمع بين هذين الاقتضائين‏والغرضين لأنه من الجمع بين المتضادين.
وبكلمة، إنّ الأمر والنهي حيث إنهما من الاُمور الاعتبارية فبطبيعة الحال‏يكون معروضهما بالأصالة والذات هو عنوان الفعل في عالم الذهن كعنوان صلاةالظهر والعصر والمغرب والعشاء وعنوان الغصب ونحوه، لاستحالة تعلقهمابالفعل في عالم الخارج حقيقة وإلاّ لكانا خارجيين وهو خلف هذا، إضافة إلى أنّ‏متعلق الأمر لوكان الفعل الخارجي لكان تعلق الأمر به من طلب الحاصل، وأماتعلقهما بالعناوين الذهنية للأفعال الخارجية فليس بملاك الموضوعية، ضرورةأنّه إنما هو بملاك فنائها فيها ومرآتيتها لها، باعتبار أنّ المولى‏ يطلب تلك الأفعال‏من المكلفين أو ينهاهم عنها بواسطة تعلق الأمر بعناوينها الذهنية الفانية أو النهي‏عنها بعدما لايمكن تعلق الأمر والنهي بمعنواناتها وهي الأفعال الخارجيةمباشرة، وعلى هذا فإذا كان المعنون والمعروض بالعرض واحداً، كما إذا ورد)صلّ( و)لاتصلّ(، نشأ التنافي بينهما بالغرض من جهتين:
الاُولى‏: من جهة المبادي كالمصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحب‏والبغض.
الثانية: من جهة الامتثال والاقتضاء، وأما بينهما بالذات فلاتنافي، ضرورةأنه لامانع من اعتبار كليهما معاً بما هو اعتبار، ولكن المانع من ذلك إحدى‏الجهتين المذكورتين، فلهذا تقع المعارضة بين )صل( و)لاتصلّ( بنحو التباين،حيث لايمكن اجتماع المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحب والبغض في‏شي‏ء واحد وهو الصلاة، بداهة أن المحبوب لاينطبق على المبغوض والواجب‏على الحرام وهكذا، ولابد حينئذٍ من الرجوع إلى قواعد باب المعارضة، ولكن‏هذا الفرض خارج عن مسألة اجتماع الأمر والنهي، إذ لاشبهة في استحالةالاجتماع في هذا الفرض ولا كلام فيه، والكلام في مسألة الاجتماع إنما هو فيما إذاتعلق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر، والعنوانان متغايران بالذات في عالم‏الذهن، مثلاً تعلق الأمر بعنوان الصلاة مرآة لواقعها الخارجي والنهي بعنوان‏الغصب كذلك، وحنيئذٍ فيقع الكلام في أنّ تغاير معروضيهما في عالم الذهن‏بالذات، هل يكفي في رفع غائلة التضاد بين معروضيهما بالعرض في عالم الخارج‏وإن كانا متحدين فيه أو لا، أو فقل إنّ تعدد العنوان هل يكفي في رفع غائلةاستحالة اجتماع الضدّين وإن كان المعنون لهما واحداً في الخارج أو لايكفي، وإنه‏لابد من أن يكون المعنون فيه أيضاً متعدداً، وهناك محاولات عديدة لاثبات أن‏الأمر والنهي في المسألة غير مجتمعين في شي‏ء واحد.
المحاولة الاُولى: ما تقدم من أن متعلق الأمر صرف وجود الطبيعةولايسري منه إلى أفرادها وحصصها في الخارج، بينما يكون متعلق النهي مطلق‏وجود الطبيعة، ولهذا ينحل النهي بانحلال وجودها فيكون كل فرد منها متعلقاًللنهي، وعلى هذا، فالصلاة في الأرض المغصوبة بما أنها حصة من الصلاة المأموربها وفرد منها، فلاتكون متعلقه للأمر باعتبار أن متعلقه بالصلاة الجامعة بينهاوبين غيرها، فإذن لايلزم من تعلق النهي بها اجتماع الأمر والنهي في شي‏ء واحد،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنّ متعلق الوجوب حيث إنه صرف وجود الطبيعة فهويكشف عن أن ملاكه الملزم قائم به لابمطلق وجودها، وعليه فكما إنّ الوجوب‏لايسري إلى أفرادها فكذلك ملاكه، وحينئذٍ فلايكون فردها مشتملاً على ملاك‏كالمصلحة ولا متعلقاً للحب والإرادة لأنهما تتبعان الملاك، فإذن كما لايلزم اجتماع‏الوجوب والحرمة في الصلاة على الأرض المغصوبة باعتبار أنها فرد من الصلاةالمأمور بها كذلك لايلزم اجتماع الارادة والكراهة فيها ولا المحبوبية والمبغوضية.
والخلاصة: إنّ الوجوب حيث إنه واحد متعلق بصرف الوجود، فبطبيعةالحال يكشف عن أنّ ملاكه أيضاً واحد على أساس إنّ الملاك لوكان متعدداًلكان الوجوب متعدداً لا محالة، لأنه روح الوجوب وحقيقته، وأما الحرمةفحيث إنها متعددة، فتكشف عن أنّ ملاكها أيضاً متعدد في المرتبة السابقة وإلاّفلا يعقل تعددها. ونتيجة ذلك، هي عدم اجتماع الأمر والنهي في شي‏ء واحد لافي مرحلة المبادي ولا في مرحلة الجعل، وفي هذه المحاولة عدة مناقشات:
الاُولى‏: إنّ الملازمة بين محبوبية الجامع وأنحاء من المحبوبية المشروطة بعددحصص الجامع وأفراده ثابتة في مرحلة المبادي وكذلك بين إرادته وأنحاء من‏الارادة المشروطة، وهذه الملازمة وإن لم تكن برهانية حيث إنّه لايمكن إقامةبرهان عليها إلاّ أنها مطابقة للوجدان، فإذا كانت ثابتة في مرحلة المبادي، كانت‏تكشف عن ثبوتها في مرحلة الجعل والاعتبار أيضاً على أساس أنّ مرحلةالجعل تتبع مرحلة المبادي، بمعنى إنّ الشارع كما يجعل الوجوب للجامع يجعل‏وجوبات اُخرى‏ مشروطة لحصصه وأفراده، باعتبار إنّ الملازمة القهرية بين‏وجوب الجامع وأنحاء وجوبات اُخرى‏ مشروطة بعدد حصصه وأفراده غيرمعقولة، لأن الوجوب أمر اعتباري صادر من الشارع مباشرة، ففرض تولده‏من وجوبات آخر خلف فرض كونه فعلاً اختيارياً للمولى‏ مباشرة، وعلى ذلك‏فهذه الملازمة في مرحلة المبادي بين محبوبية الجامع وأنحاء من محبوبية اُخرى‏مشروطة وكذلك بين إرادته وأنحاء من إرادة اُخرى‏ مشروطه ثابتة قهراً.
وأما في مرحلة الجعل فهي ثابتة جعلاً، وعلى هذا الأساس فالحصة في موردالاجتماع كما أنها متعلقة للحرمة بمبادئها كذلك متعلقة للوجوب المشروطبمبادئه، ومن الواضح إنّ الوجوب المشروط كذلك لايجتمع مع الحرمة في شي‏ءواحد، ضرورة إنّه لايمكن أن يكون متعلق الحرمة محبوباً ولو مشروطاً.
والجواب: إنّ هذه الملازمة في مرحلة الجعل والاعتبار منوطة بثبوتها في‏مرحلة المبادي، وأما ثبوتها في تلك المرحلة بالبرهان فهو لايمكن، إذ ليس‏بالإمكان إقامة برهان على ثبوت هذه الملازمة فيها بل مقتضى‏ البرهان أنّه ليس‏في مرحلة المبادي إلاّ ملاك واحد، وذلك لأن الظاهر من الأمر المتعلق بالطبيعةأنه واحد ومتعلقه الجامع ولايسري منه إلى أفراده قهراً ولا جعلاً لا بنحوالأوامر الفعلية ولا المشروطة، لأن السراية القهرية غير معقولة والسرايةالجعلية بحاجة إلى دليل ولا دليل عليها، فإذا كان الأمر في مقام الاثبات واحداًمتعلقاً بالجامع، فهو يكشف عن ملاك واحد قائم به في مقام الثبوت، إذ لا طريق‏لنا إلى احراز غيره ولايوجد هناك دليل آخر يدل على أنحاء من الملاكات‏المشروطة بعدد أفراد الجامع وحصصه، وأما الوجدان فهو لايحكم بالملازمة بين‏إرادة الجامع وأنحاء من الارادة المشروطة بعدد حصصه وأفراده وبين محبوبيةالجامع وأنحاء من المحبوبية المشروطة كذلك، وإلاّ فلازمه أن تكون هناك‏وجوبات متعددة مشروطة بعدد أفراد الجامع وحصصه، بلحاظ أنّ الوجوب‏يتبع الملاك في الوحدة والكثرة على أساس أن المبدء هو حقيقة الوجوب وروحه‏مع أن الوجوب واحد في المقام ومتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود بل‏الوجدان يشهد على خلاف ذلك، لأن الارادة إذا تعلقت بالجامع بحده الجامعي‏فلاتسري إلى أفراده بنحو الارادات المشروطة، لأن الوجدان يشهد بأن الجامع‏بحده الجامعي مراد ومتعلق للارادة دون الفرد بحده الفردي، ووجود الجامع في‏الخارج وإن كان عين وجود الفرد فيه إلاّ أنهما مختلفان في الاضافة، فالارادةمتعلقه بالوجود المضاف إلى الجامع لا المضاف إلى الفرد لامطلقه ولا مشروطه،فإذا تحقق الجامع حينئذٍ في ضمن فرد، انتهت الارادة بانتهاء مفعولها وكذلك‏الحال في الحب، فإنه إذا تعلق بالجامع بحده الجامعي فلايسري منه إلى أفراده‏لامطلقاً ولا مشروطاً، فالسراية خلاف الوجدان لا أنها مطابقة للوجدان، مثلاًالصلاة الجامعة بين المبدء والمنتهى محبوبة لا كل فرد من أفرادها بحده الفردي،نعم إذا وجدت الصلاة في ضمن فرد فالفرد محبوب من جهة وجود الجامع‏لابحده، ومن هنا قلنا في مبحث الواجب التخييري إنّ مرجعه إلى جعل وجوب‏واحد متعلق بالجامع العنواني وهو عنوان أحد البدائل لا إلى جعل وجوبات‏متعددة المشروطة بعدد أفراد الجامع، فإن هذا القول مبني على أحد الأمرين:
الأول: أن يكون كل واحد من أفراده مشتملاً على ملاك ملزم.
الثاني: إنّ الملاك القائم بالجامع يسري منه إلى أفراده بنحو الملاكات‏المشروطة، وكلا الأمرين غير صحيح.
أما الأمر الأول: فلما تقدم في مبحث الواجب التخييري من أنه باطل ثبوتاًواثباتاً، أما الأول فلأن جعل الوجوب لكل من البدائل بنحو الوجوب‏المشروط منوط بغرض التضاد بين الملاكات القائمة بالبدائل وعدم امكان الجمع‏بينها في مقام الاستيفاء، ولكن تقدم أنّ فرض التضاد بينها مع عدم التضاد بين‏البدائل في نفسها فرض لاواقع له.
وأما الثاني: فلأن ظاهر الدليل هو أن المجعول وجوب واحد متعلق بالجامع‏العنواني دون وجوبات متعدّدة المشروطة.
وأما الأمر الثاني: فلما عرفت الآن من أنّ الملاك القائم بالجامع كالارادةوالحب لايسري منه إلى أفراده بنحو إرادات مشروطة بعدد أفراد الجامع، لأن‏ذلك خلاف الوجدان من جهة وبدون برهان من جهة اُخرى‏.
فالنتيجة، إن هذه الملازمة غير ثابتة في مرحلة المبادي حتى يمكن الاستدلال‏بها على ثبوتها في مرحلة الجعل باعتبار أنها تتبع مرحلة المبادي، فإذن هذه‏المناقشة غير تامة.
المناقشة الثانية: ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره بتقريب أن الوجوب وإن لم‏يجتمع مع الحرمة في مورد الاجتماع، على أساس إنه تعلق بالجامع ولايسري منه‏إلى أفراده وحصصه، إلاّ أنّ متعلقه لما كان الجامع فمقتضى إطلاقه أن المولى‏ قدرخّص المكلف في تطبيقه على أي حصة من حصصه شاء وأراد، ومنها الحصةالمنهي عنها كالصلاة في الأرض المغصوبة، ومن الواضح أن تطبيق الجامع‏المأمور به على حصته المنهي عنها في مورد الالتقاء يستلزم اجتماع الترخيص مع‏الحرمة في شي‏ء واحد وهو محال، ضرورة كما أن الوجوب لايجتمع مع الحرمة في‏شي‏ء واحد كذلك الترخيص الشرعي، نعم لوكانت الحصة منهياً عنها بالنهي‏التنزيهي، فهو لايمنع من تطبيق الجامع عليها، لأن الترخيص لاينافي الكراهة،ومن هنا لامانع من تطبيق الصلاة المأمور بها على الصلاة في الحمام باعتبار أنّ‏النهي عنها نهي تنزيهي وهو لايمنع من الاتيان بمتعلقه وتطبيق الواجب عليه،غاية الأمر أنه مرجوح، ومن هنا تفترق هذه المناقشة عن المناقشة الاُولى‏، فإن‏الاُولى‏ لو تمّت لكان مقتضاها عدم الفرق بين أن يكون النهي عن الحصة نهياًتحريمياً أو تنزيهياً على أساس أن الوجوب كما لايجتمع مع الحرمة في شي‏ءواحد، وإن كان الوجوب مشروطاً كذلك لايجتمع مع الكراهة، وهذا بخلاف‏المناقشة الثانية، فإن المانع من التطبيق إنما هو حرمة الحصة لا كراهيتها، شريطةأن لاتكون الكراهة ناشئة عن مرجوحية ذات الحصة وإلاّ فلايمكن التقرّب بهابأن تكون ناشئة عن الخصوصيات المقترفة بها كخصوصية كون الصلاة في الحمام‏أو نحوها، فعندئذٍ لا مانع من التقرب بها، ومن هنا فسّر المحقق النائيني‏قدس سره النهي‏عن الصلاة في الحمام بالكراهة المصطلحة لابمعنى أقل ثواباً، فإن الداعي على هذاالتفسير إنما هو توهم التنافي بين الكراهة والعبادة وإنهما لاتجتمعان في شي‏ءواحد، ولكن هذا التوهم في غير محله، لأن الصلاة في الحمام حصّة من حصص‏العبادة لا أنها بنفسها عبادة، لأن العبادة هي الصلاة الجامعة بينها وبين غيرهإ؛+چ‏خ‏خ‏وهي المتعلقة للوجوب، وحيث إنها مطلقة فلازم اطلاقها ترخيص الشارع في‏تطبيقها على أي حصة من حصصها شاء وأراد، وكراهة الصلاة في الحمام لاتمنع‏عن جواز تطبيق الصلاة المأمور بها عليها، ولايعتبر في جواز التطبيق أن يكون‏كل حصة من حصصها محبوبة ومشتملة على الملاك ومتعلقة للإرادة، بل المعتبرفيه أن لايكون هناك مانع منه والمانع هو حرمة الحصة، وأما كراهتها فهي لاتمنع‏عن الانطباق، باعتبار أن كراهتها ناشئة عن تخصصها بخصوصية الحصةلابلحاظ ذاتها بقطع النظر عن خصوصيتها، فإذن وجود الحصة بلحاظ إنّه‏وجود الطبيعة المأمور بها محبوب وبلحاظ أنه وجود الحصة مكروه، فالتطبيق‏إنما هو بلحاظ الأول دون الثاني.
والجواب أولاً: إن معنى الاطلاق ليس هو الترخيص من قبل الشارع في‏تطبيق المأمور به وهو الجامع على كل حصة من حصصه، لأن معنى الاطلاق كماذكرناه في محله عبارة عن عدم لحاظ القيد مع الطبيعة حين ما يراد جعل الحكم‏عليها، ومن هنا قلنا إن التقابل بينهما من تقابل السلب الإيجاب، وعلى هذافلايكون للأمر المتعلق بالطبيعة المطلقة مدلولان، أحدهما مطابقي وهو وجوب‏متعلقه، والآخر التزامي وهو الترخيص في تطبيقه، بل له مدلول واحد وهووجوب متعلقه، غاية الأمر إن كان متعلقه مطلقاً بمعنى أن المولى‏ لم يلاحظ قيداًمعه حينما جعل الحكم عليه، فهو قابل للانطباق على كل مايصلح أن يكون فرداًله، وهذه الصلاحية ذاتية له وغير قابلة للجعل، وأما فعلية الانطباق على أفراده‏وحصصه جميعاً فهي تتوقف على أن لايكون هناك مانع عنها، والمانع عن هذاالانطباق هو حرمة الحصة ومبغوضيتها، فإنها تمنع عن انطباقه عليها فعلاً رغم‏أنه قابل للانطباق عليها ذاتاً.
وبكلمة، إنّ تقييد متعلق الأمر بقيد في مقام الاثبات مانع عن قابلية انطباقه‏على الحصة الفاقدة للقيد، وقد عرفت أنّ هذه القابلية ذاتية له، بينما حرمة الحصةلاتمنع عن هذه القابلية وإنما تمنع عن فعلية الانطباق، لأنها تتوقف على عدم‏تلبس الحصة بها فعلاً، فإن التلبس بها كذلك مانع عنها رغم أنه قابل للانطباق‏عليها ذاتاً.
ومن هنا يفترق هذا المانع عن القيد المأخوذ فيه، فإنه رافع لقابلية انطباقه‏على الفاقد للقيد، وأما هذا المانع الموجود في الفرد، فإنه لايمنع عن قابليةالانطباق وإنما يمنع عن فعليته.
فالنتيجة، إن اطلاق متعلق الأمر لايدل على ترخيص الشارع المكلف في‏تطبيقه على أي فرد من أفراده وحصة من حصصه شاء، منها حصته المحرمةوهي الصلاة في الأرض المغصوبة حتى يكون منافياً للنهي، لأن اطلاقه الذاتي‏منوط بعدم القيد واطلاقه الفعلي منوط بعدم تلبس الحصة بالمانع وهو الحرمة،فإذن ليس للأمر مدلول التزامي لكي يكون منافياً لمدلول النهي.
المناقشة الثالثة: إنّ هذه المحاولة في المسألة وإن كانت تجدي لدفع محذورالتنافي بين الوجوب والحرمة في مرحلة المبادي ومرحلة الجعل ولكنها لاتجدي‏لدفعه في مرحلة الامتثال، لأن متعلق الوجوب إذا كان مطلقاً فالعقل يحكم‏بالتخيير في تطبيقه على أي فرد من أفراده وحصة من حصصه شاء وأراد منهاالحصة المحرمة، فإذن لايمكن الجمع بين اطلاق متعلق الوجوب وحرمة هذه‏الحصة في مرحلة الامتثال، ولابد حينئذٍ إما من تقييد إطلاق متعلق الوجوب‏بغير هذه الحصة أو رفع اليد عن حرمتها، ولايمكن الجمع بين اطلاق متعلقه‏وحرمة هذه الحصة، وفيه: إنّ هذه المناقشة غير تامة، لأن حرمة الحصةومبغوضيتها تمنع عن حكم العقل بالانطباق لا أنّ العقل يحكم به، بداهة أنّ العقل‏يحكم باستحالة انطباق الواجب على الحرام ومعه كيف يعقل أن يحكم‏بالانطباق، فإذن هذه المحاولة لوكانت مجدية لدفع التنافي بينهما في مرحلة المبادي‏والجعل، كانت مجدية لدفعه في مرحلة الامتثال أيضاً.
المحاولة الثانية: إن الأحكام الشرعية متعلقة بالعناوين والمفاهيم الذهنيّةمباشرة وبالذات، ولايمكن أن تكون متعلقة بالأفعال الخارجية وإلاّ لزم كونهاخارجية، وعلى هذا فالوجوب متعلق بعنوان الصلاة ومفهومها الذهني الفاني‏مباشرة وبالذات، والحرمة متعلقة بعنوان الكون في الأرض المغصوبة ومفهومه‏الذهني الفاني كذلك المنطبق على الصلاة فيها خارجاً، وهذا العنوان المتعلق به‏الأمر مباشرة وإن كان ملحوظاً فانياً في معنونه في الخارج ومأخوذاً بنحوالمشيرية والمعرفية، ولكن مع هذا لايسري الأمر منه إلى الخارج وإلاّ لزم كونه‏خارجياً وهو خلف، فإذن ما هو متعلق الوجوب بالذات مباين لما هو متعلق‏الحرمة كذلك، وأما المعروض والمعنون بالعرض لهما في الخارج، فهو وإن كان‏واحداً إلاّ أنه ليس متعلق الوجوب والحرمة مباشرة، فتحصل إنّ الوجوب‏والحرمة لايجتمعان في شي‏ء واحد لكي نبحث عن إمكان ذلك واستحالته،ولكن هذه المحاولة ساقطة، فإن الوجوب والحرمة بما هما أمران اعتباريان وإن‏كان لاتنافي ولاتضاد بينهما بالذات ولا مانع من اجتماعهما في شي‏ء واحد كذلك،إلاّ أنه لايمكن الجمع بينهما فيه بلحاظ مرحلة الاقتضاء، لأن الوجوب يقتضي‏الاتيان بمتعلقه في الخارج وإيجاده فيه، والحرمة تقتضي الاجتناب عنه وعدم‏إيجاده فيه، كما لايمكن اجتماعهما في شي‏ء واحد بلحاظ مبادئهما وهي المصلحةوالمفسدة والارادة والكراهة والحب والبغض، وفي هذه المحاولة وإن كان متعلق‏الوجوب بالذات وهو العنوان الذهني مبايناً لمتعلق الحرمة كذلك إلاّ أنّ‏المعروض والمعنون لها في الخارج لما كان واحداً، فالوجوب يقتضي إيجاده فيه،بينما الحرمة تقتضي خلافه هذا، إضافة إلى أن ملاك الوجوب والحرمة قائم‏بالمعنون لا بالعنوان الذهني الذي هو مرآة له.
فالنتيجة، إنّ عدم إمكان اجتماع الأمر والنهي في مورد الالتقاء والاجتماع، إنماهو بلحاظ عدم إمكان اجتماع المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة والحب‏والبغض في مرحلة المبادي من جهة، وفي مرحلة الاقتضاء وعالم الفعلية من جهةاُخرى‏، وهذه المحاولة ناظرة إلى حال الأمر والنهي في مرحلة الجعل فقط، ومن‏الواضح إنّه لاتنافي بينهما في هذه المرحلة بقطع النظر عن مرحلتي المبادي‏والاقتضاء، لأن مبادي الحكم هي التي تقتضي الامتثال والإطاعة بالاتيان‏بمتعلقه إذا كان أمراً والاجتناب عنه إذا كان نهياً.
المحاولة الثالثة: إنّ تعدد العنوان يكفي في جواز اجتماع الأمر والنهي سواءًأكان المعروض والمعنون لهما واحداً في الخارج أم كان متعدداً، أما على الثاني‏وهو ما إذا كان المعنون فيه متعدداً فالأمر ظاهر، لأن متعلق الأمر حينئذٍ مباين‏لمتعلق النهي ذاتاً وعرضاً، فلايلزم عندئذٍ أيّ محذور في مرحلة المبادي، حيث‏لايلزم اجتماع المصلحة والمفسدة في شي‏ء واحد ولا الإرادة والكراهة ولا الحب‏والبغض ولا في مرحلة الاقتضاء، لأن الأمر يقتضي الاتيان بشي‏ء والنهي‏يقتضي الاجتناب عن شي‏ء آخر وهذا لا كلام فيه، وإنما الكلام فيما إذا كان‏المعنون في الخارج واحداً، وحينئذٍ فهل يجدي تعدد العنوان وحده في عالم الذهن‏في رفع غائلة التضاد بين الأمر والنهي في شي‏ء واحد أو لا؟
والجواب: إنّ ذلك بحاجة إلى مزيد تفصيل وتحقيق.
بيان ذلك، إن العنوانين المنطبقين على معنون واحد فيمكن تقسيمهما إلى ثلاثةأقسام:
الأول: أن يكونا متأصلين وكل منهما يمثل حقيقة نوعيّة لشي‏ء.
الثاني: أن يكون أحدهما متأصلاً ويمثل حقيقة نوعية لشي‏ء والآخر أمراًإنتزاعياً لايمثل حقيقة نوعية.
الثالث: أن يكون كلاهما أمراً انتزاعياً.
أما القسم الأول، فلا شبهة في أنّ تعدّده يوجب تعدّد المعنون في عالم العين‏والخارج بل هو فيه على أساس أنّه يمثل حقيقة نوعية له، ومن الطبيعي إنّه‏لايمكن أن تكون لموجود واحد حقيقتان نوعيتان، فإن الإنسان يمثل حقيقةنوعية للحيوان الناطق الموجود في الخارج بوجود واحد بملاك أنّ الحقيقةالنوعية تمثل جزئين تحليلين لدى العقل هما الجنس والفصل وجزئين خارجيين‏هما المادة والصورة، والصورة هي فعلية الشي‏ء في عالم الخارج والفصل بمثابةالعلة التامة لوجود النوع فيه، فمن أجل ذلك يستحيل أن تكون حقيقتان‏نوعيتان لموجود واحد، وإلاّ لزم أن يكون موجوداً بوجودين متباينين يمثل كل‏منهما حقيقة نوعية، ضرورة أن لكل نوع وجوداً مستقلاً في الخارج ويستحيل‏إتحاده مع وجود نوع آخر، لأن كل صورة تأبى‏ عن صورة اُخرى‏ باعتبار إن‏فعلية الشي‏ء إنما هي بوجوده ولايقبل الوجود وجوداً آخر، كيف فإن كل وجودفي الخارج مباين لوجود آخر ولكل وجود فيه ماهيّة، ولايعقل أن تكون له‏ماهيتان متباينتان، بداهة أن لوجود واحد نوعي ماهية نوعية واحدة المركبةمن الجنس والفصل، ولايعقل أن تكون له ماهيتان نوعيتان متباينتان وإلاّ لزم‏أن يكون له جنسان وفصلان وهو كما ترى‏، فإذن بطبيعة الحال يستلزم تعددالعنوان المتأصل تعدد المعنون، ولايعقل أن يكون المعنون واحداً وجوداً وماهيةًوالعنوان المتأصل له متعدداً، وإلاّ لزم أن يكون لموجود واحد ماهيتان متباينتان‏وهو محال، فإذا كان المعنون متعدداً في مورد الالتقاء، فلا مانع من الاجتماع فيه‏في مرحلة الجعل ولا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، أما في الأول،فلأنه لا مانع من اجتماع الوجوب والحرمة بما هما أمران اعتباريان في شي‏ء واحدفضلاً عن شيئين، ولايلزم من اجتماعهما فيه اجتماع الضدّين حتى يكون محالاً.
وأما الثانية، فلأن المصلحة والمفسدة لاتجتمعان في شي‏ء واحد حتى يلزم‏اجتماع الضدّين، فإذن كما لاتضاد بينهما في مرحلة الاتصاف، فإن المتّصف‏بالمصلحة عنوان الصلاة في عالم الذهن والمتصف بالمفسدة عنوان الغصب فيه،كذلك لاتضاد بينهما في مرحلة الفعلية وهي مرحلة وجود الصلاة في الخارج‏ووجود الغصب فيه، فإن المصلحة مترتبة على وجود الصلاة فيه والمفسدةمترتبة على وجود الغصب وهما وجودان متباينان فيه وكذلك الإرادة والكراهةوالحب والبغض، فإنهما لاتجتمعان في شي‏ء واحد لكي يلزم اجتماع الضدّين،فإذن لا مضادة بينهما لا في مرحلة المراد بالذات ولا في مرحلة المراد بالعرض.
وأما في المرحلة الثالثة، فأيضاً لاتنافي بينهما في الاقتضاء، لأن كلاً منهمايقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج في نفسه، نعم قد تقع المزاحمة بينهما في مرحلةالامتثال، وهذا خارج عن باب الاجتماع على القول بالامتناع، فإن المسألة على‏هذا القول تدخل في باب المعارضة، وعلى القول بالجواز تدخل في باب المزاحمة.
وأما في القسم الثاني، فلابد من النظر فيه، فإن كان المعروض للعنوان‏الانتزاعي نفس المعنون بالعنوان الذاتي بأن يكون ذلك العنوان الذاتي هو منشأانتزاعه، فمعناه إنّ المعنون في الواقع وعالم الخارج واحد، فإذا كان واحداًاستحال اجتماع الأمر والنهي فيه بلحاظ عالم المبادي وعالم الاقتضاء، وأمإ؛1حخ‏خ‏بلحاظ عالم الاعتبار والجعل فلا استحالة فيه، لما تقدم من أنّه لامانع من اجتماع‏الوجوب والحرمة بماهما أمران اعتباريان في شي‏ء واحد، ولايلزم من اجتماعهمافيه بهذا اللحاظ اجتماع الضدّين على أثر أنه لا واقع لهما إلاّ في عالم الاعتباروالذهن، ولايتصور التضاد والتنافي في هذا العالم، ومن هنا يكون متعلقهما فيه‏العنوان الذهني المرآتي، وأما استحالته بلحاظ عالم المبادي، فلأن المصلحةبوجودها الذهني العنواني قائمة بالفعل بوجوده كذلك، وأما المصلحة بوجودهاالخارجي الواقعي قائمة بالفعل بوجوده الخارجي الواقعي ومترتبة عليه وكذلك‏الحال في المفسدة، وحيث إنّ ما في الذهن ملحوظاً بنحو المعرفية والمشيريةالصرفة إلى ما في الخارج، فالمعيار إنما هو بالمصلحة والمفسدة في عالم الخارج،والمفروض إنهما متضادتان فلايمكن اجتماعهما في شي‏ء واحد فيه، وأما الإرادةفهي من الصفات الحقيقية ذات الاضافة كالعلم والحب والبغض والكراهة،والاضافة مقومة لحقيقتها ولايمكن افتراض خلوها عنها لأنه مساوق لافتراض‏عدم تحققها، وتسمى هذه الاضافة بالإضافة الاشراقية في الاصطلاح في مقابل‏الإضافة المحمولية التي هي خارجة عن ذات المضاف، ولامانع من فرض خلوهاعنها لأنها ليست مقومة لها، فلذلك يكون لهذه الصفات النفسانية معروض‏بالذات في داخل النفس كالمعلوم بالذات والمراد بالذات والمحبوب بالذات‏وهكذا، وحيث إنّ الاضافة الاشراقية في مرتبة ذات تلك الصفات بل هي عينهاخارجاً، فلازم ذلك إنّ مايضاف إليه الصفات المذكورة في داخل النفس يكون‏في مرتبة ذاتها، وهذا معنى إنّ المعلوم بالذات عين العلم والمراد بالذات عين‏الارادة والمحبوب بالذات عين الحب وهكذا والإختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار،ولكن من الواضح جداً إنّه لايكفي في رفع غائلة استحالة إجتماع الأمر والنهي‏تعدد المعروض والمعنون بالذات، بأن يكون المراد بالذات غير المكروه بالذات‏
...................( Anotates ).................
1) محاضرات في اُصول الفقه 55 :4.
2) الوسائل 475 :2 ب 1 من أبواب غسل الجنابة، و 5 :3 ب 1 من أبواب التكفين، وص 99 ب 15من أبواب صلاة الجنازة ح 2 و3.
3) كفاية الاُصول: 144.
4) سورة الأسراء (78 :(17.
5) الوسائل 117 :16 ب 10 - 1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما.
6) الوسائل 18 :4 ب 3 و4 من أبواب أعداد الفرائض.
7) كفاية الاُصول: 144.
8) كفاية الاُصول: 145.
9) محاضرات في اُصول الفقه 86 :4.
10) كفاية الاُصول: 149.
11) أجود التقريرات 122 :2.
12) محاضرات في اُصول الفقه 106 :4.
13) سورة البقرة 275 :2.
14) سورة النساء 29 :4.
15) سورة المائدة 1 :5.
16) سورة الفرقان 48 :25.
17) بحوث في علم الاُصول 16 :3.
18) محاضرات في اُصول الفقه 118 :4.
19) سورة البقرة (187 :(2.
20) الوسائل 31 :10 ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك ح 1.
21) العروة الوثقى‏ 99 :1، مسألة 9.
22) الوسائل 13 :1 ب 1 من أبواب مقدمة العبادات.
23) الوسائل 31 :1 ب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 6 و7.
24) الوسائل 34 :4 ب 8 من أبواب أعداد الفرائض ح 10 وغيره.
25) الوسائل 4: الباب المتقدم ح 6 و13.
26) الوسائل 32 :11 ب 7 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 5 و3.
...............................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
مسألة اجتماع الأمر والنهي ...

والمحبوب بالذات غير المبغوض بالذات، طالما يكون المعروض والمعنون‏بالعرض واحداً في الخارج وجوداً وماهية، بداهة أنّ المقصود الأصلي والمرادالحقيقي هو وجود الفعل في الخارج والأثر المطلوب من قبل المولى‏ مترتب عليه،والارادة بما أنها من الصفات النفسانية فلايعقل تعلقها بالفعل الخارجي، فلامحالة تتعلق بصورتها في عالم الذهن بعنوان أنها مرآة لما في الخارج وفانية فيه‏ومشيرة إليه لا بعنوان الأصالة والموضوعية، لأن الغرض لايترتب على صورتهافي عالم الذهن، إذ لاقيمة لها غير كونها مرآة لما في لايترتب على صورتها في عالم‏الذهن، إذ لاقيمة لها غير كونها مرآة لما في الخارج، باعتبار إنّ الوجود الذهني‏بالنظر التصوري أي بالحمل الأولي عين الأمر الخارجي، وبالنظر التصديقي أي‏بالحمل الشايع يكون مبايناً له، فإذن تعلق الارادة بصورة الفعل في الذهن إنما هوبالحمل الأولي والنظر التصوري الذي لايرى‏ بها إلا الخارج، وكذلك تعلّق الحب‏بصورة الشي‏ء في الذهن وتعلق العلم بصورة الأشياء في عالم الذهن، كل ذلك إنماهو بالحمل الأولي والنظر التصوري باعتبار أنه لايرى‏ بها إلاّ الواقع ولا يجب إلاما في الخارج وهكذا، وبكلمة إنّ منشأ انتزاع العنوان العرضي إن كان متحداً مع‏العنوان الذاتي، فالمعنون في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهيةً، وإن كان مبايناًللعنوان الذاتي، فحينئذٍ إن كان جهة تقييدية، فالمعنون في مورد الاجتماع متعددوان كان جهة تعليلية، فعندئذٍ قد يكون معنونه متحداً مع معنون العنوان الذاتي،كما إذا أمر المولى‏ بالسفر إلى بلد معين ونهى‏ عن الغصب، والسفر عنوان ذاتي‏وعبارة عن الحركة الأينية التي هي من مقولة الأين، وحيث إن الحركة ليست‏مقولة مستقلة، لأنها في ضمن أي مقولة كانت عين هذه المقولة حتى الحركةالجوهرية، فإنها عين الجوهر والحركة الأينية عين مقولة الأين والحركة الكميّةعين مقولة الكم والحركة الكيفية عين مقولة الكيف وهكذا، والغصب عنوان‏انتزاعي منطبق على نفس الحركة الأينية، ومنشأ انتزاعه عدم رضاء المالك بهاوهو جهة تعليلية، وقد يكون مبايناً له، كما إذا أمر المولى‏ بالقيام أو التكلم ونهى‏عن الغصب، ففي مثل ذلك إذا دخل المكلف الأرض المغصوبة وتكلم فيها أوقام، فإن الواجب من مقولة الكيف المسموع أو الوضع والحرام من مقولة الأين،فيكون الواجب مبايناً للحرام ذاتاً وخارجاً، وأما عنوان الغصب فهو عنوان‏انتزاعي منطبق على مقولة الأين، ومنشأ انتزاعه جهة خارجية وهي عدم‏رضاء المالك.
فالنتيجة، في نهاية المطاف إن المعيار في جواز الاجتماع في المسألة وعدم‏جوازه فيها إنما هو بتعدد المعنون بالفرض في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً،ووحدته فيه كذلك لابتعدد العنوان ووحدته.
وأما القسم الثالث: وهو ما إذا كان العنوانان كلاهما انتزاعياً ففيه تفصيل،لأن العنوانين المذكورين إن كان كل منهما منتزعاً عن خصوصية ذاتية ثابتة في‏لوح الواقع وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعي إلى فرده ومصداقه بالذات،فتعددهما يوجب تعدد المعنون في الخارج وجوداً وماهيةً لاستحالة انتزاع‏عنوانين متباينين ذاتاً كالفوقية والتحتية ونحوهما من خصوصية ذاتية واحدة،وإن كان منتزعاً خصوصية تعليلية، بأن يكون منشأ انتزاع كل منهما غيرمعروضه ومعنونه في الخارج، فتعددهما لايؤدي إلى تعدد المعنون بنحو ضابطكلي، بل لابد حينئذٍ من النظر إلى أن المعنون لهما في مورد الالتقاء هل هو واحدذاتاً وحقيقة في الخارج، أو متعدد كذلك، فعلى الأول لامناص من القول‏بالامتناع، لما عرفتم من أنّ الميزان في الجواز وعدم لزوم محذور اجتماع الضدين‏إنما هو تعدد المعنون في الخارج وجوداً وماهيةً، كما إن الميزان في استحالةالاجتماع إنما هو بوحدة المعنون كذلك وإن كان العنوان الذهني متعدداً إذ لاقيمةلتعدده طالما يكون المعنون في مورد الاجتماع واحداً وجوداً وذاتاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي ان العنوان إذا كان ذاتياًفتعدده يوجب تعدد المعنون لا محالة لاستحالة انطباق عنوانين ذاتيين على‏معنون واحد وجوداً وماهية، وعندئذٍ فلا اشكال في جواز اجتماع الأمروالنهي، وإذا كان عرضياً فلابد من النظر إلى المعروض والمعنون في الخارج، فإنه‏إن كان واحداً وجوداً وماهية فلا مناص من القول بالامتناع بلا فرق في ذلك بين‏أن يكون العنوانان كلاهما عرضياً أو أحدهما ذاتياً والآخر عرضياً، لأن الميزان‏إنما هو بوحدة المعروض والمعنون في الخارج، وأما إذا كان متعدداً فلا مناص من‏القول بالجواز بلافرق في ذلك أيضاً بين أن يكونا عرضيين أو أحدهما عرضياًوالآخر ذاتياً هذا.
ثلاثة آراء في المسألة ...
ثلاثة آراء في المسألة:
الرأي الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من الضابط العام هو ان تعددالعنوان لايوجب تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته(1).
الرأي الثاني: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من الضابط العام وهو ان متعلق‏الوجوب والحرمة إن كان من المبادي الاشتقاقية، كان التركيب بينهما انضمامياً في‏مورد الاجتماع وإن كان من المشتقات، كان التركيب بينهما اتحادياً فيه(2).
الرأي الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل في المسألة ونقد اطلاق‏كل من الرأيين الأولين(3).
أما الرأي الأول، فقد ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره في وجه اثبات هذا الرأي‏مجموعة من المقدمات:
الاُولى‏: ان الأحكام الخمسة التكليفية متضادة في مقام فعليتها وبلوغهامرتبة البعث والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحوواحد في زمان والزجر عنه في نفس ذاك الزمان وإن لم تكن بينها مضادة مالم تبلغ‏إلى تلك المرتبة، لعدم المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائية قبل البلوغ إليهاكما لايخفى، فاستحالة اجتماع الأمر والنهي في واحد لاتكون من باب التكليف‏بالمحال بل من جهة أنه بنفسه محال، فلايجوز حتى من يجوز التكليف بغيرالمقدور. ومقصوده‏قدس سره من هذه المقدمة هو أن المضادة والمعاندة بين الأحكام‏الخمسة إنما هي في مرتبة فعليتها وبلوغ تلك الأحكام حدّ البعث والزجرالحقيقين، فلا مضادة بينها في مرتبة الانشاء فضلاً عن مرتبة الاقتضاء،واستحالة الجمع بينها في هذه المرتبة في شي‏ء واحد وزمن فارد انما هي من باب‏استحالة اجتماع الضدّين، فلهذا لاتختص بمذهب دون مذهب بل هو محال مطلقاًحتى عند الأشاعرة القائلة بجواز التكليف بالمحال.
الثانية ما ملخصه: ان الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء والألفاظ ولابالعناوين الإنتزاعية التي لامطابق لها في الخارج وإنما تتعلق بأفعال المكلفين‏الصادرة عنهم خارجاً، ضرورة ان الغرض سواءً أكان مصلحة أم مفسدة أم‏غيرهما، لا يترتب على الأسماء والألفاظ المجردة ولا على العناوين الانتزاعيةالتي لاواقع موضوعي لها ماعدا وجودها في عالم الذهن، وإنما يترتب على تلك‏الأفعال الخارجية الصادرة من المكلفين خارجاً.
الثالثة: ما مضمونه ومغزاه هو أن تعدد العنوان بشتّى أنواعه وأشكاله‏لايوجب تعدد المعنون في الخارج، ضرورة انه لا مانع من انطباق عناوين‏متعدّدة على معنون واحد فيه، ولايوجب تعدّده كانطباق عنوان الأب والابن‏والأخ والزوج والعالم والقادر وما شاكل ذلك على شخص واحد كزيد مثلاً، بل‏تنطبق على ذات واحدة بسيطة من تمام الجهات كذاته تعالى‏ وتقدس، فإن‏مفاهيم الصفات العليا الذاتية كالعالم والقادر ونحوهما والصفات الفعلية كالخالق‏والرازق والمتكلم والمريد وما شابه ذلك، تنطبق جميعاً على ذاته الأحدية مع أنهابسيطة في غاية البساطة، وذلك لأن اختلاف هذه العناوين والمفاهيم انما هوبالاعتبار والاضافة لا بالذات والحقيقة، مثلاً اللَّه تعالى‏ عالم باعتبار انكشاف‏الأشياء لديه وقادر باعتبار قدرته على التكوين والايجاد وخالق باعتبار خلقه‏الأشياء ورازق باعتبار رزقه الناس وهكذا، فلا أثر لتعدد هذه العناوين‏ولايؤثر في المعنون أصلاً(4).
ونتيجة هذه المقدمات هي ان المجمع في مورد الاجتماع حيث إنه واحد وجوداًوماهيةً، فيستحيل اجتماع الأمر والنهي فيه لأنه من اجتماع الضدّين وهو محال‏ولايجدي تعدد العنوان.
ولنأخذ بالنظر إلى هذه المقدمات ، أما المقدمة الاُولى‏ فهي مبنية على‏نظريته‏قدس سره من أن للحكم مراتب متعددة منها مرتبة فعليته بفعلية موضوعه في‏الخارج، ولكن قد ذكرنا في محله انه لا أساس لهذه النظرية، وذلك لأن للحكم بماهو اعتبار مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل باعتبار انه يوجد به في عالم الاعتباروالذهن وفعلى في هذا العالم، ولايعقل أن يوجد في الخارج بوجود موضوعه فيه‏وإلاّ لزم أن يكون أمراً خارجياً وهو خلف. نعم، فعلية فاعليته ومحركيته‏للمكلف في الخارج تتوقف على وجود موضوعه فيه وهي أمر تكويني لااعتباري.
والخلاصة: ان للحكم بما هو اعتبار مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل، فإن‏وجوده وفعليته إنما هو بنفس الجعل والاعتبار من قبل المولى‏، ولايتصور أن‏يكون له وجود آخر وهو وجوده الخارجي، بداهة انه لايعقل أن يكون للحكم‏وجود خارجي وإلاّ لكان خارجياً، فلهذا تكون فعليته بنفس وجوده في وعاءالاعتبار والذهن. نعم، فعلية فاعليته ومحركيته للمكلف لاتكون إلاّ بفعليةموضوعه في الخارج، مثلاً وجوب الحج الموجود في عالم الاعتبار والجعل‏لايكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بالحج وداعياً له نحوه إلاّ بعداستطاعته في الخارج فإذا استطاع كانت فاعلية وجوب الحج فعلية بالنسبةإليه، ووجوب الصلاة مثلاً إنما يكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بها إذادخل الوقت مع توفر سائر شروطه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ان متعلق الأمر والنهي في مرحلة الجعل والاعتبارالعنوان الذهني ولاتنافي بينهما في هذه المرحلة، لأن متعلق أحدهما فيها غيرمتعلق الآخر، ولكن تعدد متعلقيهما بالذات لايجدي في الاجتماع طالما إذا كان‏متعلقاهما بالعرض في الخارج واحداً وجوداً وماهية، ضرورة انه مادام يكون‏كذلك يستحيل اجتماع الأمر والنهي فيه.
واما المقدمة الثانية، وهي ان الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء والألفاظولا بالعناوين الانتزاعية وإنما تتعلق بالأفعال الخارجية الصادرة من المكلفين في‏الخارج، ففيه انه اريد بعدم تعلقها بالعناوين الانتزاعية عدم تعلقها بما هي اعتبارمن قبل الشارع كالوجوب والحرمة، فيرد عليه ان تعلقها بما هي اعتبار بالأفعال‏الخارجية مستحيل لأمرين:
الأول: انها ليست بخارجية حتى تتعلق بها.
الثاني: انه يلزم من تعلقها بها طلب الحاصل إذا كانت متمثلة في الوجوب‏والتكليف بالمحال إذا كانت متمثلة في الحرمة وكلاهما محال، وإن اُريد به عدم‏تعلقها بها بما لها من المبادي يعني المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحب‏والبغض، فيرد عليه ان المصلحة والمفسدة بوجودهما الذهني قائمتان بعنوان‏الفعل في عالم الذهن، واما بوجودهما الخارجي فهما مترتبتان على الفعل في عالم‏الخارج، واما الارادة والكراهة والحب والبغض فقد تقدّم انها من الصفات‏النفسانية الحقيقية ذات الاضافة كالعلم ولها معروض بالذات في عالم النفس وهوعينها، ولافرق بينهما إلاّ بالاعتبار ومعروض بالعرض وهو الفعل في الخارج‏والمطلوب الأصلي، والمحصل لغرض المولى‏ انما هو وجوده فيه، وحيث إن‏الأحكام الشرعية ليست بخارجية فلهذا يكون متعلقها العناوين والمفاهيم‏الذهنية بنحو المعرفية والمشيرية المحضة وبالحمل الأولي التصوري لا بنحوالاستقلالية والموضوعية وبالحمل الشايع الصناعي التصديقي، فإنها بهذا الحمل‏موجودة مستقل في عالم الذهن في مقابل وجودها في عالم الخارج بينما تكون‏بالحمل الأولي التصوري مرآة للخارج ولايرى غيره، ولهذا يقال انها بهذاالحمل عين الخارج باعتبار انه لايرى‏ به غيره.
والخلاصة: ان الأحكام الشرعية متعلقة بالعناوين والمفاهيم الذهنيّة بنحوالمرآتية والفنائية الصرفة لابنحو الموضوعية ولهذا لاتكون تلك المفاهيم‏والعناوين مطلوبة وانما هي قنطرة موصلة إلى المطلوب، وهذا لابمعنى انهاموصولة للحكم إلى الخارج وقنطرة لمروره وسرايته لما إليه لما عرفت من‏استحالة تعلق الحكم بالخارج بل بمعنى انه تعلق بالعنوان والمفهوم الذهني الذي‏يرى به عين الخارج لا أنه عين الخارج وبينهما بون بعيد، فما ذكره‏قدس سره من ان‏الأحكام الشرعية لم تتعلق بها وانما تتعلق بالأفعال الخارجية فلايتم، وعلى هذافلابد من النظر إلى إن المعروض والمعنون في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداًوماهية أو لا، فعلى الأول لا مناص من القول بالامتناع في المسألة، وعلى الثاني‏من القول بالجواز.
وأما القسم الثالث، وهو ما إذا كان كلا العنوانين المتعلقين للأمر والنهي‏انتزاعياً، فلابد فيه من النظر إلى ان المعروض والمعنون في مورد الاجتماع هل هوواحد وجوداً وماهيةً أو متعدد كذلك؟
والجواب: انه لاشبهة في أن لكل من العنوانين الانتزاعيين منشأ انتزاع إذلايمكن انتزاعهما من منشأ واحد، بداهة استحالة أن يكون شي‏ء واحد منشأًلانتزاع عنوانين متباينين، وعلى هذا فلابد من النظر إلى أن منشأ انتزاع كل منهماهل هو جهة تقييدية للمعروض والمعنون في الخارج أو جهة تعليلية له، فعلى‏الأول يكون المعروض والمعنون في مورد الاجتماع متعدداً وجوداً وماهية، وعلى‏الثاني يكون واحداً كذلك، ومن الواضح ان هذا يختلف باختلاف الموارد وليس‏له ضابط كلي في تمام الموارد، وعليه فلابد من النظر إلى كل مورد بخصوصه بقطع‏النظر عن مورد آخر. فالنتيجة، ان هذه المقدمة أيضاً غير تامة ولايمكن الأخذبظاهرها.
أما المقدمة الثالثة، وهي ما ذكره‏قدس سره من أن تعدد العنوان بشتى ألوانه‏وأشكاله يوجب تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته، فقد ظهر مما تقدم انها لاتتم‏مطلقاً، ضرورة ان العنوان اذا كان متأصلاً في كلا طرفي مورد الاجتماع، فقد مرّأن تعدده يوجب تعدد المعنون فيه لا محالة، واما إذا لم يكن متأصلاً في كلاطرفيهما، فعندئذٍ إن كان متأصلاً في أحدهما دون الآخر فلابد من النظر إلى منشأانتزاعه، فإن كان نفس الخصوصية الذاتية في العنوان الذاتي كان المعنون لهماواحداً في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً، وعليه فيستحيل اجتماع الأمر والنهي‏فيه لاستحالة اجتماع المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحب والبغض في‏شي‏ء واحد، كما انه لايمكن الجمع بينهما في مرحلة الاقتضاء والفعلية أيضاً، كيف‏فإن الوجوب يقتضي الاتيان به خارجاً والحرمة تقتضي الاجتناب عنه كذلك،وإن كان منشأ انتزاعه شيئاً آخر مبايناً للعنوان الذاتي، كان المعنون لهما في موردالالتقاء متعدداً إذا كان منشأ انتزاعه جهة تقييدية، واما إذا كان جهة تعليلية ففيه‏تفصيل كما تقدم، وإن كان كلاهما انتزاعياً فحينئذٍ إن كان منشأ انتزاع كل منهماجهة تقييدية فتعدده يوجب تعدد المعنون فيه، وإن كان جهة تعليلية فلايكشف‏تعددهما عن تعدد المعنون فيه كما مر تفصيله فالنتيجة، ان ما ذكره‏قدس سره بنحوضابط كلي لا أصل له.
وأما الرأي الثاني، وهو رأي المحقق النائيني‏قدس سره فقد ذكر ان العناوين‏الانتزاعية على نوعين:
النوع الأول: العناوين الاشتقاقية كالعالم والقادر والمتحرك والساكن‏ونحوها.
النوع الثاني: المبادي الاشتقاقية كالعلم والقدرة والحركة وما شاكلها.
أما النوع الأول، فلأنه من العناوين الانتزاعية والمفاهيم الاعتبارية التي‏تنتزع من الجهات التعليلية ولا واقع موضوعي لها في الخارج، ولهذا تسمى تلك‏العناوين المحمولة على الذات بلحاظ قيام المبدء بها بنحو من أنحاء القيام بخارج‏المحمول في مقابل المحمول بالضميمة، ومن الواضح ان قيام المبدء بها يكون من‏الحيثيات التعليلية، لأن الحمل انما هو على الذات لا عليها وعلى المبدء القائم بهامعاً، وعلى هذا فالمعنون في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهية، وعليه فصدق‏كل من العالم والقادر والمتحرك على زيد انما هو على ذاته الموحدة، وحيثية قيام‏العلم به حيثية تعليلية لاتقييدية وكذلك حيثية قيام القدرة به، أو فقل ان صدق‏كل واحد من هذه العناوين معلول لعلة خارجة عما ينطبق الكل عليه مثلاً صدق‏عنوان العالم على زيد معلول لقيام العلم به الذي هو جهة تعليلية وخارج عماينطبق العنوان عليه وهو زيد وكذلك صدق عنوان القادر والعادل وما شاكلهما،ولهذا لايمكن أن يوجب تعدد هذه العناوين تعدد المعنون في الخارج، وإن كانت‏النسبة بينهما عموماً من وجه كالمصلي والغاصب والأسود والأبيض وماشاكلهما، فإن المجمع بينهما واحد وجوداً وماهية.
وأما النوع الثاني من العناوين الانتزاعية كعنوان العلم والقدرة والحركةوالشجاعة ونحوها، فحيث إنها تنتزع من نفس المبادي الواقعيّة التي هي‏عناوين ذاتية وموجودة في الخارج، فلايعقل أن يكون التركيب بين العنوانين‏منها اتحادياً، بداهة ان التركيب الاتحادي انما يتصور بين جزئين يكون أحدهماقوة محضة والآخر فعلية كذلك كالمادة والصورة، واما التركيب الاتحادي بين‏أمرين فعليين فهو غير معقول، لأن كل فعلية تالى عن فعلية اُخرى‏، وعلى هذافصدق عنوان العلم على مصداقه انما هو من جهة انه علم وكذلك عنوان‏الحركة، فان صدقه على واقعها انما هو من جهة انه حركة وهكذا، وهذا هو معنى‏ان انتزاع هذه العناوين انما هو من الية التقييدية الذاتية.
وعلى الجملة فعناوين المبادي الذاتية ومفاهيمها الانتزاعية الذهنية منتزعةمن الحيثية الذاتية لها، فلذلك يتطلب تعدّدها تعدد مصاديقها ومعنوناتها في‏الخارج، مثلاً مفهوم العلم منتزع من الحيثية الذاتية للعلم وكذلك مفهوم القدرةوالحركة ونحوها، ومن هذا القبيل مفهوم الصلاة فإنه منتزع من الحيثية الصلاتيةالتي تتقوم الصلاة بها، ومن الواضح ان هذه المفاهيم الذهنية لايمكن أن تكون‏منتزعة من الحيثيات الخارجة عن ذواتها، وإلاّ فلازم ذلك أن لاتكون تلك‏المفاهيم المنتزعة مفهوم العلم والقدرة والصلاة ونحوها وهو كما ترى‏، وهذا هوالفرق بين العناوين الاشتقاقية وعناوين مباديها، وان تعدد الاُولى‏ لايوجب‏تعدد المعنون بينما تعدد الثانية يوجب تعدده، ولهذا قال‏قدس سره ان التركيب في موردالاجتماع بلحاظ العناوين الاشتقاقية اتحادي وأما التركيب فيه بلحاظ عناوين‏المبادي الذاتية فهو انضمامي.
وعلى هذا، فالتركيب بين الصلاة والغصب في مورد الاجتماع انضمامي، لأن‏حقيقة الصلاة متمثلة في مقولة وحقيقة الغصب متمثلة في مقولة اُخرى‏،والمقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات والذاتيات، فيستحيل اندراج‏مقولتين أو أكثر تحت مقولة واحدة، وعلى هذا فلايمكن أن يكون التركيب بين‏الصلاة والغصب اتحادياً فلامحالة يكون انضمامياً، لاستحالة انتزاع مفهومين‏الذين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه من موجود واحد بجهة واحدة وإلاّلزم أن يكونا متساويين مترادفين، لاستحال انتزاع مفهومين متباينين من منشأواحد، فإنه بمثابة صدور معلولين متباينين من علة واحدة، وملاك التساوي‏والترادف هو أن يكون صدق كل منهما على أفراده متحداً مع صدق الآخر عليهافي الملاك والجهة، وهذا بخلاف مفهومين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه،فإن جهة الصدق في كل منهما مغاير لجهة الصدق في الآخر.
والخلاصة: ان مبادي المشتقات متباينات بالذات والذاتيات، لأن كل مبدءمباين لمبدأ آخر وجوداً وماهية سواءً أكان في مورد الاجتماع أم الافتراق،ضرورة أن الصلاة الموجودة في مورد الاجتماع مع الغصب هي نفس الصلاةالموجودة في مورد الافتراق، لأن جهة الصدق في كلا الموردين واحدة فلافرق‏بين صدق الصلاة في مورد الاجتماع وصدقها في مورد الافتراق فإن صدقها في‏كلا الموردين على حصّتها، ويترتب على ذلك أن التركيب بين الصلاة والغصب‏لا محالة يكون انضمامياً ولايعقل أن يكون حقيقياً(5).
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن العنوان إن كان من‏العناوين الاشتقاقية فتعدده لايوجب تعدد المعنون، إذ لامانع من قيام اعراض‏متعددة به، وإن كان من المبادي الذاتية فتعدده لا محالة يكون بتعدد معنونه،وعلى هذا فالتركيب على الأول في مورد الاجتماع اتحادي وعلى الثاني انضمامي‏هذا.
أما السيد الاُستاذقدس سره فقد ذكر ان ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره بالنسبة إلى‏العناوين الاشتقاقية تام، ولكنه علق على ما أفاده‏قدس سره بالنسبة إلى المبادي‏الاشتقاقية، اما تمامية الأول فلما مرّ من أن جهة الصدق في صدق العناوين‏الاشتقاقية على ذواتها لامحالة تكون تعليلية لاتقييدية، ضرورة أنه لايمكن‏تعقل النسبة بالعموم من وجه بين عنوانين منها إلاّ إذا كانت الذات في موردالاجتماع واجدة وجوداً وماهية(6).
وقد تقدم أن العناوين الاشتقاقية محمولة على الذوات فحسب من جهة قيام‏مباديها بها وهو حيثية تعليلية لاتقييدية. فالنتيجة، ان ما ذكره‏قدس سره بالنسبة إلى‏العناوين الاشتقاقية تام ولا مناص من الالتزام به.
وأما التعليق على الثاني، فلابد فيه من التفصيل بين ما إذا كانت المبادي من‏الماهيات المتأصلة والمقولات الحقيقية، وما إذا كانت من الماهيات الانتزاعيةوالمقولات الاعتبارية، أما إذا كانت من الاُولى‏ فيستحيل اتحاد اثنين منها في‏الخارج وصدق أحدهما على الآخر، بداهة استحالة اتحاد مقولتين خارجاًوصدق احداهما على الاُخرى‏ من دون فرق في ذلك بين أن تكونا عرضين أوجوهرين أو احداهما جوهراً والاُخرى‏ عرضاً، إذ كما يستحيل صدق الجوهرعلى العرض وبالعكس كذلك يستحيل صدق العرض على العرض والجوهرعلى الجوهر الآخر، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون التركيب بين مبدئين‏متأصلين في مورد الاجتماع انضمامياً.
وإن شئت قلت: ان المبادي المتأصلة كالبياض والسواد والعلم والقدرةوالشجاعة والحلاوة والكرم وماشاكل ذلك، حيث إنها ماهيات متأصلةوحقيقة مقولية، فلا محالة يستلزم تعددها تعدد المعنون والمطابق في الخارج على‏أساس استحالة اتحاد ماهية متأصلة مع ماهية متأصلة اُخرى‏ خارجاً، فلايمكن‏اتحاد البياض مع السواد واتحاد العلم مع القدرة ومع الشجاعة وهكذا، وعليه‏فالتركيب الحقيقي بين اثنين منها غير معقول، لاستلزام ذلك الاتحاد بين ماهيتين‏متباينتين وهو محال، وعليه فما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره من أن التركيب بين متعلقي‏الأمر والنهي في مورد الاجتماع تركيب انضمامي انما يتم فيما إذا كان متعلقاهما من‏المبادي المتأصلة والماهيات المقولية، لأن تعدد العنوان انما يقتضي تعدد المعنون‏إذا كان من العناوين المتأصلة، واما إذا كانت المبادي من العناوين الانتزاعية بأن‏يكون كلا العنوانين في مورد الاجتماع انتزاعياً أو أحدهما انتزاعياً والآخرأصيلاً، فلايقتضي تعدده تعدد المعنون في الخارج كما هو الحال في العناوين‏الاشتقاقية، وحينئذٍ فلابد من النظر إلى أن العنوانين الانتزاعين هل ينطبقان على‏معنون واحد وجوداً وماهية في مورد الاجتماع أو على معنونين منضمين فيه،فعلى الأول يكون منشأ انتزاع كل منها حيثية تعليلية لاتقييدية كما هو الحال في‏العناوين الاشتقاقية، وعلى الثاني يكون تقييدية، وعليه فالمعنون لكل منها غيرالمعنون للآخر في مورد الاجتماع، بيان ذلك ان العنوانين المتصادقين على موردالاجتماع لايخلوان من أن يكونا من العناوين المتأصلة والمقولات الحقيقية أوأحدهما من العناوين الذاتية والآخر من العناوين الانتزاعية أو يكون كلاهما من‏العناوين الانتزاعية ولا رابع في البين. فالنتيجة، أن صور المسألة في المقام ثلاثة:
أما الصورة الاُولى‏، وهي ما إذا كان كلا العنوانين من العناوين الذاتية، فقدتقدم الكلام فيها موسعاً وقلنا ان تعدد العنوان الذاتي يوجب تعدد المعنون لامحالة ولايمكن وحدته مع تعدد هذا العنوان.
وأما الصورة الثانية، وهي ما إذا كان أحد العنوانين ذاتياً والآخر انتزاعياً،فقد تقدم أن تعددهما لايستدعي تعدد المعنون والمطابق في الخارج، والنكتة في‏ذلك أن العنوان الانتزاعي إن كان منتزعاً من خصوصية في مرتبة ذات العنوان‏المتأصل، فالمعنون والمطابق لهما واحد في الخارج وإن كان منتزعاً من خصوصيةخارجة عن ذات العنوان الذاتي، فإن كانت حيثية تعليلية لانطباقه على المعنون‏للعنوان الذاتي في مورد الاجتماع فهو واحد أيضاً، وإن كانت حيثية تقييديةفالمعنون فيه متعدد، مثال ذلك ما إذا توضّأ المكلف بماء غيره بدون طيب‏نفسه، فإن الوضوء عنوان ذاتي واسم للافعال الخاصة الخارجية وينطبق عليهإ؛ خ‏خ‏انطباق الطبيعي على أفراده والكليّ على مصاديقه، والغصب عنوان انتزاعي لأنه‏ليس من أحد المقولات التسع العرضية بل هو عنوان عرضي للمقولة وينطبق‏على واقع الوضوء، ومنشأ انتزاعه عدم رضاء المالك به وهو حيثية تعليليةلاتقييدية، فالمعنون حينئذٍ في المثال واحد، ومن هذا القبيل ما إذا أمر المولى‏شخصاً بشرب الماء فإنه إذا شرب الماء المغصوب عامداً ملتفتاً انطبق عليه‏عنوانان:
أحدهما: متأصل وهو عنوان شرب الماء. والآخر: عرضي انتزاعي وهوعنوان الغصب، باعتبار ان منشأ انتزاعه عدم رضاء المالك به وهو حيثية تعليليةخارجة عن معنونه ومطابقه في الخارج فيكون المعنون في مورد الاجتماع واحداًوجوداً وماهية، وأما إذا كان معنونه ومطابقه فيه غير المعنون للعنوان الذاتي‏ومطابقه فيكون التركيب بينهما عندئذٍ انضمامياً، مثاله التكلم في الدار المغصوبةإذا فرض انه مأمور به، فإنه لايكون متحداً مع الحرام باعتبار انه من مقولةالكيف المسموع والحرام وهو الكون في الدار المغصوبة من مقولة الأين‏والمقولات متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، فلايمكن الاتحاد بينها واندراجها تحت‏مقولة واحدة، فإذن لاينطبق العنوان الانتزاعي وهو الغصب على ماينطبق عليه‏العنوان الذاتي وهو التكلم، وعليه فلامحالة يكون التركيب بينهما انضمامياً ومعه لامانع من القول بالجواز في المسألة.
وأما الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان كلا العنوانين انتزاعياً، فلابد من النظرفي أن كليهما منتزع من موجود واحد في الخارج بحيثية مختلفة، بمعنى أن ذلك‏الموجود الواحد منشأ لانتزاع أحدهما بحيثية ولانتزاع الآخر بحيثية اُخرى‏ وإن‏كلاً منهما منتزع من موجود مستقل، فعلى الأول يكون التركيب بينهما اتحادياً في‏مورد الاجتماع وعلى الثاني يكون انضمامياً، مثال الأول الافطار في نهار شهررمضان بمال الغير فإنه مجمع لعنوانين )هما عنواني الغصب والافطار( ومصداق‏لهما معاً، لأنه متمثل في فعل واحد في الخارج وجوداً وماهية وهو الأكل، حيث‏إنه كما يكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب من جهة تعلقه بمال الغير بدون اذنه،يكون منشأ لانتزاع عنوان الافطار من جهة وقوعه في نهار شهر رمضان‏فانتزاع كل من هذين العنوانين منه معلول لجهة خاصة، ومن الواضح ان‏انتزاعهما من شي‏ء واحد بجهتين مختلفتين لاينافي كون المصداق الخارجي لهماواحداً وجوداً و ماهية.
والنكتة في ذلك، ان النسبة بالعموم من وجه لاتتصور إلاّ بين عنوانين‏انتزاعيين اللذين هما من قبيل خارج المحمول أو بين عنوان انتزاعي وعنوان‏مقولي، إذ لا مانع من صدق عنوانين انتزاعيين على شي‏ء واحد في الخارج إذاكانت فيه حيثيتان أو أكثر كما هو الحال في صدق العناوين الاشتقاقية على شي‏ءواحد في الخارج وجوداً وماهية بلحاظ أنحاء قيام المبادي به، وكذلك لامانع‏من صدق العنوان الانتزاعي على ما يصدق عليه العنوان الذاتي، ومن هنايستحيل تحقق النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين وعرضيين وعرض‏وجوهر، وذلك لأن المقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات والذاتيات،فلايمكن اتحاد مقولتين منها خارجاً واندراجهما تحت مقولة ثالثة، لأنه خلف‏فرض كون المقولات أجناس عاليات فلاجنس فوقها.
وعليه فلايمكن أن يكون موجود واحد مصداقاً لمقولتين من الجواهر أوالاعراض أو جوهر وعرض، بل لايمكن اتحاد نوع من مقوله مع نوع آخر منهافإنهما وإن كانا مشتركين في الجنس إلاّ انهما متميزان بالفصل المقوّم، والمفروض‏ان نوعية النوع انما هي بالفصل، فلو فرض اتحاد نوع مع نوع آخر لزم تفصل‏شي‏ء واحد بفصلين في عرض واحد وهو محال، بداهة ان فعلية الشي‏ء انما هي‏بفصله المقوم والمحصل له وفرض وجود فصلين مقومين له فرض وجودين‏فعليين له، ومن الواضح انه لايعقل أن يكون لشي‏ء واحد وجودان فعليان في‏عرض واحد في الخارج.
فالنتيجة، ان النسبة بالعموم من وجه لاتتصور بين جوهرين ولا عرضين‏ولا جوهر وعرض وانما تتصور بين عنوانين انتزاعيين أو عنوانين يكون أحدهماذاتياً والآخر انتزاعياً، ومثال عنوانين انتزاعيين غير منطبقين على شي‏ء واحدفي الخارج الافطار في نهار شهر رمضان في المكان المغصوب بمال مباح أومملوك، فإن عنوان الافطار منتزع من شي‏ء وعنوان الغصب منتزع من شي‏ءآخر مباين له، لأن الأول منتزع من الأكل والمفروض انه ليس مصداقاًللتصرف في مال الغير. والثاني، منتزع من الكون في هذا المكان لا من الأكل‏فيه، فإذن يكون المعنون والمطابق لكل منهما مبايناً للآخر فلايلزم اجتماع‏عنوانين على معنون واحد في مورد الاجتماع، لأن المأمور به فيه غير المنهي عنه‏في الوجود الخارجي وإن كان منضماً معه فيه وملازماً له في الوجود ولكن‏الحكم لايسري من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر لا قهراً فإنه غير معقول‏ولا جعلاً لعدم المبرر له وعليه فلا مانع من القول بالجواز في مثل هذا المثال، نعم‏عنوان الغاصب والمفطر منطبقان على شخص واحد في مورد الاجتماع إلاّ انهماأجنبيان عن محل الكلام، فإن محل الكلام انما هو في عناوين المبادي كعنوان‏الغصب والافطار، والمفروض انهما لاينطبقان على شي‏ء واحد فيه في المثال‏وأمثاله.
إلى‏ هنا قد تبين أنه ليس لنا ضابط كلي لكون المجمع في مورد الاجتماع واحداًوجوداً وماهيةً أو متعدداً كذلك، بل لابد من ملاحظة العنوانين المتعلقين للأمروالنهي في مورد الاجتماع، فإن كانا من المبادي المتأصلة والمقولات الحقيقية فقدمرّ ان تعددها يستلزم تعدد المعنون في مورد الاجتماع لا محالة، وإن كانا من‏المبادي‏الانتزاعية والمفاهيم الاعتبارية أو كان أحدهما من المبادي الانتزاعيةوالآخر من المبادي المتأصلة، فقد عرفتم انهما قد ينطبقان على شي‏ء واحدوجوداً وماهية في مورد الاجتماع وقد ينطبقان على شيئين متعددين فيه وليس‏لذلك معيار عام، فما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن متعلق الأمر والنهي إذا كانامن المبادي فتعدده يوجب تعدد المعنون(7) غير تام بنحو ضابط كلي.
ومن هنا يظهر رأي السيد الاُستاذقدس سره في المسألة وملخصه: »انه لاضابط كلي‏للقول بالجواز في المسألة ولا للقول بالامتناع، فإن الأول مبني على أن يكون‏المجمع في مورد الاجتماع متعدداً وجوداً وماهية، والثاني مبني على أن يكون‏المجمع فيه واحداً كذلك وليس لذلك ميزان خاص، فإن متعلقي الأمر والنهي‏بالذات وفي اُفق النفس وإن كان متعدداً إلاّ أنه لا ملازمة بين تعددهما في اُفق‏النفس وتعددهما في اُفق الخارج الذي هو ملاك القول بالجواز إلاّ إذا كان كلاهمامن المبادي المتأصلة والماهيات المقولية، وأما إذا كان كلاهما من العناوين‏الانتزاعية أو أحدهما منها والآخر من العناوين المتأصلة، فلايستلزم تعددهمافي اُفق الذهن تعددهما في اُفق الخارج بل هو يختلف باختلاف الموارد، فلابدحينئذٍ من النظر في كل مورد بخصوصه وانهما هل ينطبقان في مورد الاجتماع على‏شي‏ء واحد وجوداً وماهيةً أو على شيئين كذلك هذا(8)، وقد علّق بعض‏المحققين‏قدس سره على ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من‏أن العنوان إذا كان من المبادي دون المشتقات فتعدده يوجب تعدد المعنون في‏مورد الاجتماع لايتم بنحو ضابط كلي(9)، وحاصل هذا التعليق عليه هو ان هذاالنزاع بينهما يرجع في الحقيقة إلى النزاع في الصغرى لا الكبرى، بمعنى أن مرد هذاالنزاع روحاً إلى تشخيص أن الحمل المعقول في العناوين الانتزاعية هل هو حمل‏الاشتقاق فقط وهو حمل ذو هو فيقال السقف فوق أي ذو فوقية كما يقال‏الانسان عالم أي ذو علم أو حمل المواطاة أي حمل هو هو الذي هو عبارة عن‏حمل الطبيعي على فرده كما هو الحال في حمل المبادي الذاتية المتأصلة على‏مصاديقها في الخارج فيه قولان، فاختار المعلق‏قدس سره الثاني، بتقريب أن للعناوين‏الانتزاعية مصاديق في الخارج كالعناوين الذاتية ومحمولة عليها بحمل المواطاة،مثلاً الفوقيّة منتزعة من الحيثية الثابتة في لوح الواقع الذي هو أعمّ من لوح‏الوجود فيشار إليها ويحمل عليها عنوان الفوقية على حد حمل المبادي الذاتيةعلى مصاديقها بحمل مواطاة وكذلك الحال في التحتية ونحوها(10).
وعلى الجملة فالنزاع بينهما ينتهي إلى هذه النقطة وهي أن العناوين الانتزاعيةهل لها مصداق بالذات في الخارج كالعناوين الذاتية المتأصلة أو لا، فإن كان لهامصداق بالذات فيه كانت محمولة عليه بحمل مواطاة لا محالة كحمل العناوين‏الذاتية على مصاديقها، وما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره مبني على هذا القول، فإنه‏على هذا لا محالة تكون نسبة هذه العناوين إلى مصداقها بالذات نسبة الماهيات‏المتأصلة إلى مصداقها في الخارج، فإذن لا محالة يكون تعدد العنوان يوجب تعددالمعنون، أما إذا كان من العناوين المتأصلة فمن جهة استحالة أن يكون لعنوانين‏عرضيين متأصلين بالذات والذاتيات وجود واحد في الخارج، بداهة أن لكل‏ماهية عرضية متأصلة وجوداً واحداً، لأن كل ماهية نوعية منفصلة بفصل‏مقوم لها ولا يعقل اشتراك نوعين متأصلين في فصل واحد فإنه خلف فرض‏التعدد، وأما إذا كان من العناوين الانتزاعية فمن جهة استحالة أن يكون لجهةخارجية واحدة عنوانان ذاتيان عرضيان، بداهة أنه لايمكن انتزاع عنوانين‏متباينين عرضيين من شي‏ء واحد في الخارج بأن يكون كلا العنوانين عنواناً ذاتياًله وأنه مصداق لهما بالذات. وأما إذا لم يكن لها مصداق في الخارج كما هوالمعروف بين الفلاسفة، فالصحيح هو ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن تعددالعنوان إذا كان من العناوين الانتزاعية لايستلزم تعدد المعنون في الخارج بل‏يختلف ذلك باختلاف الموارد، ولابد في كل مورد من ملاحظة ذلك الموردبخصوصه، ثم انه‏قدس سره قد اختار ما ذهب إليه المحقق النائيني‏قدس سره في المسألة دون ماأفاده السيد الاُستاذقدس سره، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏، انه‏قدس سره قد ذكر ثلاثةملاكات لجواز اجتماع الأمر والنهي في المسألة:
الملاك الأول: ان الأمر إذا كان متعلقاً بالطبيعة كالأمر بالصلاة مثلاً، كان‏المطلوب منها صرف وجودها في الخارج وحينئذٍ، فإذا نهى المولى‏ عن فرد من‏أفرادها فلا مضادة بينهما، إذ لا مانع من أن يريد المولى صرف وجود الطبيعي‏المأمور به الجامع بين أفراده وينهي عن فرد ما منه، لفرض أن الأمر لايسري من‏الجامع إلى أفراده ولا مباديه.
الملاك الثاني: أن يكون متعلق الأمر غير متعلق النهي عنواناً وإن انطبقإ؛أخ‏خ‏على وجود واحد في مورد الاجتماع خارجاً، ولكن تعدد العنوان يؤدي إلى تعددما هو معروض الأمر والنهي والحب والبغض بالذات وفي عالم الذهن، وهذايكفي للقول بالجواز.
الملاك الثالث: أن يكون التركيب بين عنواني المأمور به والمنهي عنه انضمامياًلا اتحادياً، بمعنى أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً هذا، ثم أشكل على الملاك الأول بأنه وإن كان صحيحاً بلحاظ نفس‏الأمر والنهي باعتبار ان الأمر بما هو اعتبار لايسري من الجامع إلى أحد أفراده‏على البدل حتى ينافي النهي عن الفرد الخاص، لأن الوجوب لايجتمع مع الحرمةوإن كان تخييرياً، إلاّ أن الارادة أو الحب المتعلق بالجامع يسري إلى أحد أفراده‏على البدل وبنحو التخيير الشرعي، ولازم ذلك تعلق الحب والارادة بالفردالمنهي عنه إذا ترك سائر الأفراد، فعندئذٍ يلزم التضاد بين الأمر بالجامع والنهي‏عن الفرد في مرحلة المبادي وهي مرحلة الحب والبغض والارادة والكراهةهذا، ولكن قد تقدم الاشكال في هذه السراية وأن الحب المتعلق بالجامع‏لايسري إلى أحد أفراده على البدل بنحو التخيير الشرعي فحاله حال الوجوب‏المتعلق به، نعم إذا قام المكلف بتطبيق الطبيعي على الفرد كان الفرد محبوباً ومراداًولكن لا من جهة وجوده بحده الفردي، بل من جهة وجود الطبيعي في ضمنه‏على تفصيل قد مرّ(11).
إلى هنا قد تبيّن أن ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى‏: ان المبادي الانتزاعية كالمبادي الذاتية المتأصلة فتعددها يوجب‏تعدد المعنون في الخارج ومحمولة على مصاديقها بالذات خارجاً بحمل مواطاةكالمبادي الذاتية المتأصلة.
الثانية: ان القول بالجواز في المسألة مبني على أحد الملاكات الثلاثة المتقدمةهذا. ويمكن المناقشة في كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى‏: فإن كان العنوان من المبادي الذاتية المتأصلة كالعلم‏والقدرة والشجاعة والضحك والقيام والجلوس وهكذا، فلا شبهة في أن حملهاعلى مصاديقها في الخارج من حمل مواطاة وهو حمل الطبيعي على أفراده‏ومصاديقه بالحمل الشايع، وإن كان من المبادي الانتزاعية فهي على قسمين:
القسم الأول: ما هو منتزع من خصوصية هي من مصاديقه بالذات في‏الخارج كالفوقية والتحتية ونحوهما، فإن الفوقية منتزعة من خصوصية متصفةبها ذات الفوق في لوح الواقع والتحتية منتزعة من خصوصية متصفة بها ذات‏التحت في الواقع وهكذا، ومن الواضح أن حمل الفوقية على هذه الخصوصية التي‏هي مصداق لها بالذات من حمل مواطاة أي حمل الطبيعي على مصداقه هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، انه لايعقل انتزاع عنوانين متباينين عرضيين من‏خصوصية واحدة بأن يكون لها عنوانان ذاتيان في الخارج، بداهة أن قيام‏عنوانين عرضيين بخصوصية واحدة مستحيل، لأنه كقيام معلولين عرضيين بعلةواحدة، كما أن قيام ماهيتين نوعيتين بوجود واحد في الخارج مستحيل، لأن‏لازم ذلك أن يكون موجود واحد منفصلاً بفصلين وهو كماترى، وإذا كانت‏المبادي الانتزاعية من هذا القسم، فعلى ضوء هاتين الناحيتين فتعددها يوجب‏تعدد المعنون في مورد الاجتماع وجوداً وماهية كتعدد العناوين الذاتية المتأصلة.
القسم الثاني: ما يكون معروضه في الخارج غير منشأ انتزاعه كالغصب‏ونحوه، فإنه إذا أخذ ماء الغير بدون إذنه صدق عليه عنوان الغصب، ولكن منشأانتزاعه عدم رضا المالك وطيب نفسه بالأخذ، مثلاً إذا أمر المولى‏ بالسقي لزرع أوشجر أو حيوان أو انسان فسقى بالماء المغصوب، وفي مثل ذلك يكون العنوانان‏المتعلقان للأمر والنهي منطبقين على شي‏ء واحد في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً وهو السقي المتّصف بالغصبية المنتزعة من عدم رضاء المالك وطيب نفسه‏به وهي جهة تعليلية لا تقييدية، فإذن لايكون تعددهما موجباً لتعدد المعنون في‏الخارج لكي يكون التركيب في مورد الاجتماع بين متعلقي الأمر والنهي انضمامياً.
والخلاصة: ان الغصب وإن كان عنواناً للفعل المضاف إلى مال الغير ولكن‏منشأ انطباق هذا العنوان عليه واتصافه بالغصبية إنما هو عدم رضائه وطيب‏نفسه به وإلاّ فلايكون متصفاً بها ولا منطبقاً عليه عنوان الغصب، فإذن‏لاموضوعية للاضافة ولاتكون دخيلة في الحكم، لأن الحكم يدور مدار طيب‏نفسه وجوداً وعدماً، والمفروض إن هذا الفعل متعلق الأمر أيضاً بعنوان آخر،فإذن يجتمع العنوانان على معنون واحد في مورد الاجتماع، ولابد حينئذٍ من‏القول بالامتناع لاستحالة اجتماع الأمر والنهي في شي‏ء واحد بلحاظ عالم‏المبادي وعالم الاقتضاء.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أن النزاع بين السيد الاُستاذقدس سره والمحقق‏النائيني‏قدس سره يرجع إلى نقطة اُخرى‏ وهي أن حمل المبادي الانتزاعية على معنوناتهاهل هو من حمل مواطاة أو من حمل اشتقاق، فاختار المحقق النائيني‏قدس سره الأول،والسيد الاُستاذقدس سره الثاني لايتم، لأنه لا شاهد على هذا التفسير للنزاع بينهما لا في‏كلمات السيد الاُستاذقدس سره ولا في كلمات المحقق النائيني‏قدس سره، لأن الموجود في كلمات‏الأول ان العنوان إذا كان انتزاعياً فتعدده لايستلزم تعدد المعنون في موردالاجتماع، بل لابد من ملاحظة ذلك في كل مورد بخصوصه، ومن الواضح إن هذالايدل على أن حمل العناوين العرضية الانتزاعية على معنوناتها من حمل اشتقاق‏أي حمل ذو هو، وعلى‏ هذا فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن العنوانين إذا كان‏أحدهما انتزاعياً والآخر ذاتياً أو كلاهما انتزاعياً، فلابد من ملاحظة انهما في‏مورد الاجتماع منطبقان على شي‏ء واحد وجوداً وماهيةً أو على شيئين‏كذلك، يرجع إلى ما ذكرناه من أن العنوان الانتزاعي في الفرض الأول قد ينطبق‏على نفس ماينطبق عليه العنوان الذاتي باعتبار أن منشأ انتزاعه حيثية تعليليةلاتقييدية، ولهذا لايصلح أن يكون معنوناً له في الخارج، وقد ينطبق على جهةاُخرى‏ مباينة للعنوان الذاتي وهي مصداقه ذاتاً ومنشأ انتزاعه، وحينئذٍ فكما أن‏حمل العنوان الذاتي على مصداقه في الخارج من حمل مواطاة، فكذلك حمل‏العنوان الانتزاعي على مصداقه فيه من حمل مواطاة والسيد الاُستاذقدس سره لاينكرذلك ولكنه قال انه لايمكن جعل ذلك تحت ضابط كلي، هذا كله في الفرض‏الأول، واما في الفرض الثاني فقد ينطبق عنوانان انتزاعيان على معنون واحد في‏الخارج فيما إذا كان منشأ انتزاع كل منهما حيثية تعليلية لاتقييدية، وعلى هذافلايمكن أن يكون حملها عليه من حمل مواطاة، ضرورة انه لايمكن أن تكون‏جهة واحدة مصداقاً ذاتاً لعنوانين متباينين عرضيين بل أن حملها عليه يكون من‏حمل اشتقاق، وقد ينطبقان على معنونين موجودين في الخارج وهما وإن كانا من‏مناشي‏ء انتزاعهما إلاّ انهما جهتان تقييديتان وخصوصيتان ذاتيتان لهما، ولهذايكونا من مصاديقهما ذاتاً، وحينئذٍ فبطبيعة الحال يكون حملها عليهما من حمل‏مواطاة أي حمل الطبيعي على فرده ومصداقه الذاتي، والسيد الاُستاذقدس سره لاينكرذلك ولكنه يقول ان ذلك يختلف باختلاف الموارد ولايمكن جعل ذلك تحت‏ضابط كلي هذا. وأما الموجود في كلمات المحقق النائيني‏قدس سره ان تعدد العنوان إذإ؛ب‏
خ‏خ‏كان من المبادي يوجب تعدد المعنون في الخارج في مقابل ما إذا كان من‏المشتقات، وهذا لايدل على أن مراده من ذلك هو أن العنوان إذا كان من‏المبادي، كان حمله على معنونه في الخارج من حمل مواطاة إذ كما يحتمل ذلك‏يحتمل أن يراد من ذلك العنوان الذاتي المتأصل لامطلق المبادي وإن كانت‏انتزاعية.
إلى هنا قد ظهر الاشكال في نقطتين:
الاُولى‏: ان ما أفاده‏قدس سره من أن حمل المبادي الانتزاعية على معنوناتها في‏الخارج من حمل مواطاة كحمل المبادي الذاتية المتأصلة على مصاديقها لايتم‏بنحو الاطلاق.
الثانية: ان حمل النزاع بين السيد الاُستاذقدس سره والمحقق النائيني‏قدس سره على النزاع في‏أن حمل المبادي الانتزاعية على معنوناتها في الخارج هل هو من حمل مواطاة أومن حمل اشتقاق، مما لا شاهد عليه لا في كلمات السيد الاُستاذقدس سره ولا في كلمات‏المحقق النائيني‏قدس سره.
وأما النقطة الثانية: فيقع الكلام فيما ذكره‏قدس سره من الملاكات للقول بالجواز أماالملاك الثالث(12)، فهو تام وعليه بنى المحققون من الاُصوليين جواز الاجتماع في‏المسألة، وأما الملاك الأول فهو غير تام لأن جواز الاجتماع على ضوء هذا الملاك‏يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا اجتماع في هذا الفرض لأن الأمرتعلق بصرف وجود الطبيعة والنهي تعلق بفرد منها، والمفروض أن الأمرلايسري منه إلى أفراده على البدل لا في عالم الجعل والاعتبار ولا في عالم المبادي‏والاقتضاء، غاية الأمر أن النهي المذكور المتعلق بفرد منها يقيد اطلاقها بغيره‏على أساس أن الحرام لايمكن أن يقع مصداقاً للواجب والمبغوض مصداقاًللمحبوب والمكروه مصداقاً للمراد، ولهذا لابد من تقييد اطلاق متعلق الأمربغير هذا الفرد المنهي عنه.
وأما الملاك الثاني، فإن كان متعلق الأمر والنهي من المبادي الذاتية المتأصلةفتعدده يوجب تعدد المعنون في الخارج وجوداً وماهية، فعندئذٍ فلا اشكال في‏الجواز بمقتضى الملاك الثالث، وكذلك إذا كان متعلقاهما من المبادي الانتزاعيةالتي هي منتزعة من خصوصية ذاتية ثابتة في لوح الواقع، فإن تعددهما يوجب‏تعدد الخصوصية الذاتية لاستحالة انتزاعهما من خصوصية ذاتية واحدة كمامرّ، ولهذا يكون حملهما عليها من حمل الطبيعي على أفراده، وأما إذا كانا من‏المبادي الانتزاعية التي يكون منشأ انتزاعها غير معروضها في الخارج فلايتطلب‏تعدد العنوان تعدد المعنون في الخارج، وحينئذٍ فإذا كان المعنون في مورد الاجتماع‏واحداً وجوداً وماهيةً فيه فكيف يكفي تعدد العنوان في رفع غائلة اجتماع‏الضدين، وما ذكره في بيان هذا الملاك من أن تعدد العنوان يؤدي إلى تعدد ما هومعروض الأمر والنهي والحب والبغض حقيقة وذاتاً، فإن أراد به أنه يوجب‏تعدد المعروض بالذات للأمر والنهي والحب والبغض فهو وإن كان صحيحاً،حيث إنه نفس المعروض بالذات لا أنه غيره، باعتبار ان متعلقي الأمر والنهي‏ذاتاً وبنحو المباشر هو نفس العنوان في اُفق الذهن المرآة لما هو المعروض‏بالعرض إلاّ انه لايجدي إذا كان المعروض بالعرض في الخارج واحداً في موردالاجتماع، باعتبار أن المطلوب الأصلي للمولى‏ هو المعروض بالعرض على‏أساس أن غرضه قائم بوجوده لا بالمعروض بالذات، فإنه لاشأن له إلاّ كونه‏عنواناً ومرآةً له وإن أراد به أنه يوجب تعدد المعروض له بالعرض للأمر والنهي‏والحب والبغض في الخارج، ففيه أنه صحيح في المبادي الذاتية المتأصلة ومايلحق بها من المبادي الانتزاعية كالفوقية والتحتية ونحوهما لا مطلقاً كما عرفتم.
نتائج البحث ...
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن ملاك القول بالجواز في المسألةتعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً بأن يكون التركيب بينهما انضمامياًلا اتحادياً، وأما إذا كان واحداً كذلك، فلا مناص من القول بالامتناع وإن كان‏عنوان متعلقي الأمر والنهي متعدداً، وقد تقدم أنه لايمكن جعل ذلك تحت ضابطكلي بل هو يختلف باختلاف الموارد، لما عرفت من أن العنوان المتعلق للأمروالنهي إن كان من العناوين الذاتية المتأصلة فتعدده يؤدي إلى تعدد المعنون في‏مورد الاجتماع، وإن كان من العناوين الانتزاعية التي لها مصداق ذاتي في الخارج‏فتعدده أيضاً يوجب تعدد المعنون فيه، وإن كان من العناوين الانتزاعية التي‏يكون معروضها ومعنونها غير منشأ انتزاعها فتعدده لايتطلب تعدد المعنون‏فيه، ولهذا لابد في كل مورد من ملاحظة ذلك فيه.
نستخلص نتائج البحث في عدة نقاط:
الاُولى‏: ان التنافي والتضاد بين الأحكام الشرعية انما هو في عالم المبادي‏والاقتضاء لا في عالم الجعل والاعتبار، فإن الجمع بين المصلحة والمفسدةوالارادة والكراهة والحبّ والبغض في شي‏ء واحد لايمكن، كما أنه لايمكن الجمع‏بين الأمر والنهي في الاقتضاء، فإن الأول يقتضي الاتيان بمتعلقه والثاني يقتضي‏الاجتناب عنه، وأما في عالم الجعل فلا مضادة بينهما، لأنها بما هي اعتبارات من‏الشارع فلا واقع موضوعي لها حتى تتصور المضادة بينها.
الثانية: قد حاول بعض بأن الأمر والنهي لايجتمعان في شي‏ء واحد، لأن‏متعلق الأمر صرف وجود الطبيعة ولايسري منه إلى أفرادها ومتعلق النهي‏مطلق وجودها ولهذا يسري إلى جميع أفرادها، وعلى هذا فالصلاة في الأرض‏المغصوبة بما أنها حصة خاصة من الصلاة المأمور بها فلايسري الأمر إليها، فإذن‏لايجتمع الأمر والنهي فيها.
الثالثة: قد نوقش في هذه المحاولة بعدة مناقشات، الأولى‏ أن الأمر المتعلق‏بصرف وجود الطبيعة وإن لم يسري بما هو اعتبار إلى أحد أفرادها على البدل،إلاّ أن ملاكه في عالم المبادي يسري منه إلى أحد أفراده كذلك كالارادة المتعلقةبالجامع، فإنها تسري إلى أفراده بانحاء من الارادات المشروطة وكذلك المحبوبيةالمتعلقة بالجامع، فإنها تسري إلى أفراده بأنحاء من المحبوبية المشروطة، وعلى‏هذا فلايمكن أن يكون الفرد المنهي عنه محبوباً ومراداً ولو بنحو المشروط مع‏كونه مبغوضاً مطلقاً.
الرابعة: ان هذه المناقشة غير صحيحة، حيث إنه لايمكن اقامة البرهان‏عليها، واما الوجدان فإنه لايحكم بالملازمة بين ارادة الجامع بنحو صرف‏الوجود وانحاء من الارادات المشروطة بعدد أفراده وكذلك بين محبوبية الجامع‏وأنحاء من المحبوبية المشروطة، نعم الذي يحكم به الوجدان هو محبوبية الفردبلحاظ وجود الجامع في ضمنه لامطلقاً.
الخامسة: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من المناقشة على هذه المحاولة، بتقريب‏أن الأمر المتعلق بالطبيعة المطلقة يدل بالمطابقة على وجوب صرف وجودهاوبالإلتزام على الترخيص في تطبيقها على أي فرد من أفرادها شاء منها الفردالمنهي عنه. ومن الواضح أن الترخيص في تطبيق المأمور به على الفرد المنهي‏لايجتمع مع النهي عنه، إذ كما أن الوجوب لايجتمع مع الحرمة في شي‏ء واحدكذلك الترخيص الشرعي، وعلى هذا فلاتجدي هذه المحاولة في دفع غائلةالتضاد في مورد الاجتماع.
السادسة: ان هذه المناقشة أيضاً غير تامة، لأن معنى الاطلاق ليس هوترخيص الشارع في تطبيق المأمور به على أفراده بل معناه عدم المانع عن التطبيق‏والانطباق، لأن قابلية انطباق الطبيعة على أفرادها ذاتية والقيد مانع عن فعليةهذا الانطباق، ومع عدمه فلا مانع منه ولا يتوقف على ترخيص من الشارع.
السابعة: ان هذه المحاولة وإن كانت تدفع محذور التنافي بين الوجوب والحرمةفي مرحلة المبادي والجعل إلا أنها لاتدفع محذوره في مرحلة الامتثال، حيث‏لايمكن الجمع بين اطلاق المأمور به وحرمة الفرد في هذه المرحلة، ولابد حينئذٍمن أحد أمرين اما رفع اليد عن الاطلاق أو عن حرمة الفرد.
ولكن تقدم أن حرمة الفرد مانعة عن الانطباق، لاستحالة أن يكون الحرام‏مصداقاً للواجب والمبغوض مصداقاً للمحبوب، فإذن لامحالة يقيد اطلاق‏المأمور به بغيره تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على المقيد، فلايكون من باب‏الاجتماع.
الثامنة: قد يحاول لاثبات أن الأمر والنهي لايجتمعان على شي‏ء واحد في‏مورد الاجتماع، بتقريب أن الأحكام الشرعية متعلقة بعناوين الأفعال الذهنيةبالذات ومباشرة لا بالأفعال الخارجية، وعلى هذا فمتعلق الوجوب في موردالاجتماع غير متعلق الحرمة فيه، فان متعلق الأول عنوان الصلاة في الذهن‏ومتعلق الثانية عنوان الغصب فيه، واما الموجود الخارجي فهو ليس متعلقاً لهماوإلا لكانا خارجيين وهو كما ترى‏، فإذن لايجتمع الأمر والنهي في شي‏ء واحد.
التاسعة: ان هذه المحاولة باطلة ولا واقع موضوعي لها، لوضوح أن المطلوب‏الأصلي الواقعي للمولى‏ هو الفعل الخارجي، لأن غرض المولى‏ مترتب عليه لإ؛پ‏خ‏خ‏على متعلق الأمر في اُفق الذهن ولا على المراد والمحبوب بالذات فيه لأنه مأخوذبنحو المعرفية والمشيرية المحضة والفناء في الخارج، وهذا ليس معناه أن الأمرتعلق بالفعل الخارجي بواسطة المفهوم الذهني بل معناه أن الأمر تعلق بالمفهوم‏الذهني لا بالحمل الشايع وبنحو الموضوعية بل بالحمل الاُولى‏ وبنحو الطريقيةبأن يرى‏ بمتعلقه الفعل الخارجي، فإذا كان الفعل الخارجي واحداً في موردالاجتماع وجوداً وماهية، فيستحيل الاجتماع فيه بلحاظ المبادي والاقتضاء.
العاشرة: ان متعلق الأمر والنهي قد يكون من العناوين الذاتية المتأصلة وقديكون أحدهما من العناوين الذاتية المتأصلة والآخر من العناوين الانتزاعية وقديكون كلاهما من العناوين الانتزاعية، فعلى الأول يتطلب تعدد العنوان تعددالمعنون لا محالة، وعلى الثاني والثالث لايتطلب بل لابد من ملاحظة ذلك في كل‏مورد بخصوصه.
الحادية عشر: ان المحقق الخراساني‏قدس سره قد اختار في المسألة ان تعدد العنوان‏لايستلزم تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته، وقد حاول لاثبات ذلك بتقديم عدةمقدمات، ولكن تقدم انه لاجدوى لهذه المقدمات وإن ما ذكره‏قدس سره من أن تعددالعنوان لايوجب تعدد المعنون بنحو ضابط كلي غير تام ومخالف للوجدان‏والبرهان.
الثانية عشر: ان المحقق النائيني‏قدس سره قد فصل بين العناوين الاشتقاقيةومباديها، فإن تعدد العنوان في الاُولى‏ لايوجب تعدد المعنون بينما تعدده في الثانيةيوجب تعدّد المعنون.
الثالثة عشر: ان السيد الاُستاذقدس سره قد علق على كل من الرأيين واختار أن‏متعلق الأمر والنهي إن كان من العناوين الذاتية المتأصلة فتعدده يستلزم تعددالمعنون في الخارج وجوداً وماهيةً، وإن كان أحدهما من العناوين الذاتية والآخرمن العناوين الانتزاعية أو كان كلاهما من العناوين الانتزاعية، فلايستلزم تعددالعنوان تعدد المعنون في الخارج بل أن ذلك يختلف باختلاف الموارد.
الرابعة عشر: ذكر بعض المحققين‏قدس سره أن الخلاف بين السيد الاُستاذقدس سره والمحقق‏النائيني‏قدس سره في المبادي الاشتقاقية يرجع إلى الخلاف في نقطة اُخرى‏، وهي أنه هل‏للمبادي الانتزاعية كالفوقية والتحتية ونحوهما مصاديق بالذات في لوح الواقع‏أو لا، فعلى الأول يكون حملها على مصاديقها بالذات من حمل مواطاة، وعلى‏الثاني يكون حملها على الذات من حمل اشتقاق أي ذو هو، وحمل كلام المحقق‏النائيني‏قدس سره على الأول وكلام السيد الاُستاذقدس سره على الثاني، وأما هو فقد اختارالأول وبنى‏ على أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون وإن كان انتزاعياً.
الخامسة عشر: قد تقدم المناقشة في أصل رأيه‏قدس سره من ناحية وفي ارجاع‏الخلاف بينهما إلى نقطة اُخرى‏ من ناحية اُخرى‏ هذا من جانب، ومن جانب آخرقد تقدم أن ما ذكره‏قدس سره من الملاكات للقول بالجواز لايتم الملاك الأول والثاني‏وأما الملاك الثالث فهوتام.
هاهنا ثلاث دعاوي:
الاُولى‏: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً ومنعاً مبني على النزاع في المسألةالمتقدمة وهي أن متعلق الأمر هل هو الطبيعة أو الفرد، فعلى الأول لامانع من‏القول بالجواز في هذه المسألة باعتبار أن متعلق الأمر غير متعلق النهي، لأن‏متعلق الأمر الطبيعة الجامعة بين الحصة في مورد الاجتماع وسائر الحصص‏ومتعلق النهي خصوص الحصة في مورد الاجتماع، والفرض أن الأمر لايسري‏من الطبيعة إلى حصصها، فإذن تكون هذه الحصة متعلقة للنهي دون الأمر،وعلى الثاني لامناص من القول بالامتناع، لأن هذه الحصة متعلقة للأمر أيضاً.
والجواب: ان النزاع في هذه المسألة لايرتبط جوازاً ومنعاً بالنزاع في المسألةالمتقدمة، اما أولاً: فلما ذكرناه هناك من أن القول بتعلق الأمر بالفرد باطل‏ولايرجع إلى معنى محصل ثبوتاً واثباتاً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم القول بأن الأمر في تلك المسألة متعلق‏بالفرد فمع ذلك لايلزم من ذلك تعلق الأمر والنهي بشي‏ء واحد في هذه‏المسألة، لأن معنى تعلق الأمر بالفرد هناك ليس تعلقه بالفرد الخارجي لأنه‏مسقط للأمر، فكيف يعقل تعلّقه به مع أنه يلزم من تعلقه به طلب الحاصل وهومحال، بل معناه تعلقه بمفهوم الفرد وعنوانه الذهني وكذلك الحال في النهي‏ولايمكن تعلقهما بالفرد الخارجي، فإنه مضافاً إلى المحذور المتقدم ان لازم ذلك أن‏يكونا خارجيين وهذا، خلف وعلى هذا فمتعلق الأمر مباين لمتعلق النهي في عالم‏الذهن، لأن الحصة الموجودة في مورد الاجتماع متعلقة للأمر بعنوان الصلاةوللنهي بعنوان الغصب وهما عنوانان متباينان في اُفق الذهن، فإذن لافرق بين‏تعلق الأمر بالطبيعة وتعلّقه بالفرد، فعلى كلا التقديرين يكون متعلق الأمرمباشرة غير متعلق النهي كذلك في وعاء الذهن، والكلام في هذه المسألة انما هوفي أن المعنون في مورد الاجتماع والمطابق لمتعلّقي الأمر والنهي فيه واحد وجوداًوماهيةً أو متعدد كذلك، فعلى الأول لامناص من القول بالامتناع وعلى الثاني‏من القول بالجواز بلا فرق في ذلك بين القول بتعلق الأمر في تلك المسألة بالطبيعةأو بالفرد.
الثانية: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً أو منعاً مبتن على مسألة فلسفيّةوهي مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، فعلى القول بأصالة الوجود في تلك‏المسألة لابدّ من القول بالامتناع في هذه المسألة باعتبار أن متعلقي الأمر والنهي‏موجودان بوجود واحد في مورد الاجتماع، وعلى القول بأصالة الماهية لا مناص‏من القول بالجواز، لأن ماهية متعلق الأمر غير ماهية متعلق النهي.
والجواب: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً ومنعاً لايرتبط بتلك المسألةأصلاً، لأن المراد بأصالة الوجود هو أن ما في الكون جميعاً الوجود والماهيةمنتزعة من حدوده فلا واقع موضوعي لها، والمراد بأصالة الماهية ان كل ما في‏الكون الماهية والوجود منتزع من حدودها، وأما في هذه المسألة فالقول‏بالامتناع فيها مبني على وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداً بناء على القول‏بأصالةالوجود و ماهية بناء على القول بأصالة الماهية، والقول بالجواز فيها مبني‏على تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً على القول بأصالة الوجود وماهيةعلى القول بأصالة الماهية، فإذن لايرتبط النزاع في هذه المسألة على النزاع في‏تلك المسألة الفلسفية أصلاً.
الثالثة: ان النزاع في هذه المسألة امكاناً وامتناعاً مبني على مسألة أن الجنس‏والفصل هل هما متحدان في الخارج وموجودان بوجود واحد أو متغايران فيه‏وموجودان بوجودين، بدعوى‏ أن نسبة متعلق النهي إلى متعلق الأمر في موردالاجتماع نسبة الفصل إلى الجنس، وعلى هذا فعلى الأول لابدّ من القول بالامتناع‏وعلى الثاني على الجواز هذا.
والجواب، أولاً: أنه لاشبهة في أن الجنس والفصل موجودان بوجود واحدحقيقة وهو وجود النوع حيث إن التركيب بينهما حقيقي لا انضمامي، لأن‏الجنس‏و الفصل من الأجزاء التحليلية العقلية لا الخارجية لكي يكون التركيب بينهماانضمامياً.
وثانياً: ان متعلق الأمر والنهي ليس من قبيل الجنس والفصل، لما تقدم من‏أن متعلقهما إن كان من المبادي الذاتية المتأصلة، كان كل منهما يمثل حقيقة نوعيةمركبة من جنس وفصل ولايعقل أن يكون متعلق الأمر جنساً ومتعلق النهي‏فصلاً، وإن كان متعلق احدهما ذاتياً ومتعلق الآخر انتزاعياً أو كان متعلق كليهماانتزاعياً، فلايعقل أن يكون احدهما جنساً والآخر فصلاً، بداهة أن العنوان‏الانتزاعي لاواقع موضوعي له حتى يكون جنساً أو فصلاً، ومن هنا يظهر أن‏الغصب لايصلح أن يكون بمثابة الفصل للصلاة في الأرض المغصوبة، باعتبار انه‏عنوان انتزاعي فلايعقل أن يكون فصلاً مقوماً للصلاة، نعم إذا تعلق الأمر في‏مورد بالجنس والنهي بالفصل المقوم فلا مناص من القول بالامتناع.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن مسألة اجتماع الأمر والنهي‏لاترتكز على شي‏ء من المسائل المتقدمة لا على القول بالامتناع ولا على القول‏بالجواز، بل هي مسألة مستقلة على كلا القولين فيها، لأن كلاً منهما مبني على‏نكتة اُخرى‏ لاترتبط بالنزاع في المسائل المتقدمة.
هذا تمام كلامنا في كبرى‏ مسألة اجتماع الأمر والنهي نظرياً.


البحث التطبيقي الصغروي ...

البحث التطبيقي الصغروي‏
الصغرى‏ المعروفة لهذه المسألة والمبحوث عنها في كلمات الاُصوليين في‏مرحلة التطبيق هي الصلاة في الأرض المغصوبة. وهل انها متحدة مع الغصب في‏مورد الاجتماع أو لا؟
فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى أن الصلاة لايمكن أن تتحد مع الغصب، بتقريب‏أن الصلاة من مقولة والغصب من مقولة اُخرى‏ والمقولات متباينات بتمام ذاتهاوذاتياتها، فلايمكن اندراج مقولتين تحت مقولة واحدة لأنه خلف فرض كونهامن الأجناس العاليات(13).
وقد علّق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الغصب ليس مقولة مستقلة في مقابل‏الصلاة، وقد أفاد في وجه ذلك أن الغصب عنوان انتزاعي ومعرف ومشير إلى‏واقع التصرفات الخارجية كالدخول في أرض الغير بدون إذنه والكون فيهاوالقاء الثقل عليها وأكل ماله ولبسه وغير ذلك من أنحاء التصرف، فإذن ليس‏الغصب مقولة بنفسه بل هو عنوان انتزاعي منطبق على عدّة مقولات ومشيرإليها كمقولة الأين والجدة وغيرهما(14).
فما ذكره‏قدس سره من أن الغصب مقولة لايرجع إلى معنى صحيح، فإنه في نفسه‏ليس مقولة ولا عنواناً خاصاً لمقولة واحدة.
وأما الصلاة فهي مركبة من مقولات عديدة:
منها، مقولة الكيف النفساني كالنيّة بتمام عناصرها الثلاثة. ومنها، مقولةالكيف المسموع كتكبيرة الاحرام والقراءة والتسبيح والتهليل والأذكار. ومنها،الوضع كهيئة الراكع والساجد والقائم والقاعد وغير ذلك، وحيث إن المقولات‏ماهيات متباينات بذاتها وذاتياتها، فلايعقل أن يكون التركيب بينها حقيقياً فلامحالة يكون انضمامياً، وعلى هذا فالتركيب بين أجزاء الصلاة لا محالة انضمامي‏ولايمكن أن يكون واقعياً.
وبكلمة، أن الغصب لايمكن أن يكون من الماهيات المقولية لاستحالة اتحادمقولتين واندراجهما تحت مقولة واحدة، فإذن لامحالة يكون من المفاهيم‏الانتزاعية وعنوان منطبق على المقولات المتعددة في مختلف الموارد ومعرف‏ومشير إليها، فإذن كما لايكون بنفسه من الماهية المقولية كذلك لايكون عنواناًلمقولة واحدة.
وأما الصلاة فهي ليست حقيقة مستقلة وماهية مقولة برأسها في قبال سائرالمقولات بل هي مركبة من مقولات عديدة وهذه المقولات هي أجزاء الصلاة،ولهذا يكون التركيب بينها انضمامياً لاحقيقياً، ضرورة استحالة أن يكون حقيقياًوإلاّ لزم اندراج مقولات متعددة تحت مقولة واحدة وهو محال.
فالنتيجة، ان ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الصلاة مقولة والغصب مقولةاُخرى‏، فلايمكن المساعدة عليه هذا.
والصحيح في المقام أن يقال انه لا شبهة في أن الغصب عنوان انتزاعي ولا واقع‏موضوعي له في الخارج، ولهذا لايكون متعلقاً للنهي في لسان الأدلة، لأن متعلقه‏في لسانها عنوان المال كقوله‏عليه السلام: »لايحل مال امري‏ء مسلم إلاّ بطيب‏نفسه«(15)، وحيث إنه لايمكن تعلق النهي بالعين الخارجية وهي المال، فإذن لابدمن التقدير في كل مورد مايناسب ذلك المورد وهو يختلف باختلاف الموارد، فإذاكان مال الغير متمثلاً في المكان كالأرض والدار ونحوهما فالمقدر حينئذٍ هوالكون فيها وهو متعلق النهي، وإذا كان متمثلاً في اللباس فالمقدر فيه لبسه،فالكون من مقولة الأين واللبس من مقولة الجد ويشتركان في الجامع الانتزاعي‏وهو عنوان الغصب وهو ليس متعلقاً للنهي، فإن متعلقه اما الكون في الأرض‏المغصوبة أو اللبس أو الأكل والشرب، وعلى هذا فإن أراد المحقق النائيني‏قدس سره من‏أن الغصب بنفسه مقولة لا أنه عنوان لها فقد تقدم انه غير معقول، لوضوح أنه‏مفهوم انتزاعي ولا واقع موضوعي له في الخارج وعنوان مشير إلى عدة مقولات‏في مختلف الموارد.
وإن أراد منه واقعه الموضوعي وهو الكون في الأرض المغصوبة في محل‏الكلام فهو صحيح، ولايبعد أن يكون مراده من أن الغصب مقولة واقعه‏الموضوعي وهو الكون في الأرض المغصوبة الذي هو من مقولة الأين وهومتعلق الحرمة ومبغوض للمولى‏ دون الغصب بما هو أمر انتزاعي، وعلى هذا فماأورده السيد الاُستاذقدس سره على المحقق النائيني‏قدس سره إنما يرد إذا كان مراده من أن‏الغصب من المقولات نفس مفهوم الغصب، ولكن الظاهر أن مراده‏قدس سره بذلك واقع‏الغصب الذي هو من مقولة الأين في مورد ومن الجدة في مورد آخر وهكذا،وأما مفهوم الغصب فهو مفهوم انتزاعي ولا واقع موضوعي له في الخارج حتى‏يكون من المقولة ومتعلقاً للنهي، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الحرمة في‏لسان الدليل متعلقة بالغصب إلاّ أنه لا شبهة في أنه مأخوذ بنحو المعرفيةوالمشيرية إلى واقعه الخارجي وهو الكون في الأرض المغصوبة الذي هومبغوض ومكروه للمولى‏، وفيه مفسدة ملزمة في المرتبة السابقة وهي تسبب‏تعلق البعض به في عالم المبادي والنهي عنه في عالم الجعل والاعتبار. وهذابخلاف الوجوب، فإنه متعلق بالصلاة المركبة من عدة مقولات باعتبار أن تلك‏المقولات بعنوان الصلاة محبوبة ومشتملة على مصلحة ملزمة، ومن هنا تختلف‏الصلاة عن الغصب، فإن الأمر في لسان الأدلة من الكتاب والسنة تعلق بتلك‏المقولات بعنوان الصلاة بينما النهي لم يتعلق بالماهية المقولية بعنوان الغصب هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ هل تتحد الصلاة بكامل أجزائها ومقولاتها مع المعنون‏بالغصب في الأرض المغصوبة وهو الكون فيها الذي هو من مقولة الأين أو لا؟
والجواب: ان ذلك بحاجة إلى النظر في أجزاء الصلاة ومقولاتها وتفصيل تلك‏الأجزاء وملاحظة كل جزء من أجزائها بنفسه لنرى‏ أنه متحد مع الكون فيهابنحو من أنحاء الاتحاد أو لا؟
بيان ذلك أن الجزء الأول للصلاة النية وهي متمثلة في عناصر ثلاثة:
الأول: قصد القربة.
الثاني: قصد الخلوص.
الثالث: قصد العنوان كصلاة الظهر والعصر ونحوهما، وهي بتمام عناصرهامن مقولة الكيف النفساني ولايكون متحداً مع الكون فيها الذي هو فعل‏خارجي باعتبار أنه من مقولة الأين والمقولات متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها،فلايمكن اندراج مقولتين تحت مقولة واحدة وإلاّ لزم خلف فرض كون المقولات‏أجناس عاليات.
الجزء الثاني: التكبيرة وهي من مقولة الكيف المسموع، فيستحيل إتحادهامع مقولة الأين ومثلها القراءة والتسبيح والتهليل والأذكار فانها جميعاً من مقولةالكيف المسموع، قد يقال كما قيل أن التكبيرة والقراءة ونحوهما تستوجب تموج‏الهواء وتحريكه وهو نحو تصرف في الفضاء المغصوب، فإذن يلزم اجتماع الأمروالنهي في شي‏ء واحد في تلك الأجزاء. ونتيجة ذلك، عدم اماكن اجتماع الأمربالصلاة في الأرض المغصوبة مع النهي عن الكون فيها هذا.
والجواب: أولاً: أن تموج الهواء وتحريكه من لوازم القراءة والتكبيرةونحوهما لا انه متحد معها في الخارج.
وثانياً: انه ليس تصرفاً في مال الغير بنظر العرف والعقلاء حتى يكون‏مشمولاً لدليل الحرمة.
وثالثاً: انه ليس تصرفاً في الفضاء أيضاً حتى بنظر العقل بل هو تصرف في‏الهواء، ولا دليل على حرمة التصرف في هواء ملك الغير، فإن الانسان يملك‏الأرض والفضاء لا الهواء.
الجزء الثالث: الركوع والسجود والقيام والقعود فإنها من مقولة الوضع،فيستحيل أن تتحد مع الكون في الأرض المغصوبة الذي هو من مقولة الأين،وقد عرفت استحالة اندارج مقولتين تحت مقولة واحدة.
وبكلمة، ان أجزاء الصلاة انما هو نفس هيئة الركوع والسجود والقيام‏والقعود دون مقدماتها كالهوي والنهوض.
ودعوى‏، ان هذه الهيئات من مقولة الفعل وعليه فتكون مصداقاً للغصب‏والتصرّف في مال الغير، فيكون الواجب حينئذٍ متحداً مع الحرام، مدفوعة بأنهامبنية على الخلط بين ما يكون من قبيل الفعل الصادر بالارادة والاختيارومايكون من مقولة الفعل التي هي من احدى المقولات التسع العرضية والهيئات‏المذكورة وإن كانت من الأفعال الاختيارية الصادرة بالارادة والاختيار، إلاّ أنهامع ذلك ليست من مقولة الفعل ضرورة، أنه لا منافاة بين ما يكون الشي‏ء من‏قبيل الفعل الصادر بالاختيار وفي نفس الوقت ليس من مقولته للفرق بين‏الأمرين وهو ان الملاك في كون الفعل اختيارياً هو صدوره من الانسان بالارادةوالاختيار، والملاك في كون الشي‏ء من مقولته هو أن يكون حصوله بالتأثيربنحو التدريج كتسخين الماء مادام يسخن وماشاكل ذلك واحد الملاكين أجنبي‏عن الملاك الآخر، ولهذا لايعتبر في كون الشي‏ء من مقولة الفعل أن يكون من‏الأفعال الاختيارية، لأن النسبة بينهما عموم من وجه، فإن الشي‏ء قد يكون من‏مقولة الفعل ولايكون اختيارياً كالتأثير والتأثر الحاصل بين الأشياء الخارجيةتكويناً، وقد يكون اختيارياً ليس من مقولته بل من مقولة اُخرى‏ كمقولةالوضع أو الكيف، وقد يجمع بينهما كما إذا كان التأثير والتأثر حاصلين بالفعل‏الاختياري.
فالنتيجة، ان شيئاً من أجزاء الصلاة ليس من مقولة الأين حتى تتحد مع‏الغصب. بقي هنا اُمور:
الأول: ان الهوى إلى الركوع والسجود والنهوض إلى القيام والجلوس‏تصرف في مال الغير فيكون مصداقاً للغصب، ضرورة أن الحركة في الدارالمغصوبة من أنحاء التصرف فيها، وعلى هذا فيكون الهوي والنهوض متحدين‏مع الغصب خارجاً فلايجوز الاجتماع من هذه الناحية.
والجواب: انهما لوكانا من واجبات الصلاة كانت الصلاة متحدة بها مع‏الغصب في مورد الاجتماع، فإذن لامناص من القول بالامتناع، ولكن الظاهرانهما ليسا من واجبات الصلاة ولامن واجبات أجزائها كالركوع والسجود بل‏من المقدمات لها، فإذ ن لايجتمع الوجوب مع الحرمة في شي‏ء واحد، فإن الحرمةتعلقت بالمقدمات والوجوب تعلق بذيها، وعليه فلا مناص من القول بالجوازغاية الأمر قد تقع المزاحمة بينهما.
الثاني: ان الاستقرار من أفعال الصلاة وواجباتها وهو الكون في المكان‏المغصوب، فعندئذٍ تتحد الصلاة مع الغصب في مورد الاجتماع والانطباق في هذاالجزء فلذلك لامناص من القول بالامتناع في المسألة.
والجواب: ان الاستقرار والطمأنينة المعتبرة في الصلاة بمعنى عدم الاضطراريمنة ويسرة، ومن الواضح ان هذا غير الكون في المكان المغصوب، ومن هنابإمكان المصلي الانتقال من مكان إلى مكان آخر من دون الاخلال بالاستقراروالطمأنينة في الصلاة.
الثالث: هل يعتبر في مفهوم السجدة الاعتماد على الأرض أو لا؟
والجواب: الظاهر انه معتبر في مفهومها ولايصدق عرفاً إسم السجدة على‏مجرد مماسة الجبهة للأرض بدون أدنى‏ اعتماد عليها، بيان ذلك ان المعتبر في‏الصلاة وضع الأعضاء السبعة على الأرض وفيه عنصران:
نتيجة البحث ...
الأول: الهيئة القائمة بالساجد الحاصلة من نسبة بعض أعضائه إلى بعضهاالآخر ونسبة المجموع إلى الخارج، وهذه الهيئة معتبرة في الصلاة ومن أجزائهاوتكون من مقولة الوضع.
الثاني: الاعتماد على الأرض، فالسجدة التي هي من الواجبات الرئيسيةللصلاة متقومة بهذين العنصرين، فكما لاتصدق السجدة بدون وضع الجبهةعلى الأرض فكذلك لاتصدق على مجرد مماستها لها بدون الاعتماد عليها. وحيث‏إن الاعتماد على الأرض بنفسه تصرف فيها، فيكون الواجب متحداً مع الحرام‏لأن الاعتماد عليها مصداق للواجب والغصب معاً، وعلى هذا فالصلاة متحدة مع‏الغصب في مورد الاجتماع في جزء منها وهو السجدة لا في سائر أجزائها، ومن‏هنا لوكانت وظيفة المصلي الايماء بدلاً عن السجدة لم تبطل صلاته فيها، فإذن‏لامناص من القول بالامتناع في مورد الاجتماع لأن المجمع فيه واحد وجوداًوماهيةً، فلايمكن اجتماع الأمر والنهي فيه لا في عالم المبادي ولا في عالم‏الاقتضاء.
والخلاصة: ان السجدة ليست عبارة عن مجرد التماس بين الجبهةوالأرض، لأن معنى السجدة عرفاً وضع الجبهة على الأرض ومعنى الوضع‏الاعتماد عليها والقاء الثقل لا مجرد التماس بينهما بدون الاعتماد.
نتيجة البحث عدة اُمور:
الأول: ان المحقق النائيني‏قدس سره ذكر ان الصلاة لايمكن ان تتحد مع الغصب، لأن‏الصلاة من مقولة والغصب من مقولة اُخرى‏ والمقولات متباينات ولايمكن‏اندراج مقولتين تحت مقولة واحدة. وقد علّق عليه بأن الغصب ليس بنفسه‏مقولة ولا عنواناً لمقولة بل هو أمر انتزاعي لا واقع موضوعي له في الخارج‏ومنطبق على مقولات متعددة هذا، ولكن يمكن أن يكون مراده‏قدس سره من الغصب‏واقعه الموضوعي الذي هو من المقولات لا عنوانه الأنتزاعي الذي لا موطن له‏إلاّ الذهن.
الثاني: ان الصلاة ليست حقيقة مستقلة وماهية مقولية برأسها بل هي مركبةمن مقولات متعددة كمقولة الكيف والوضع ونحوهما.
الثالث: ان الصلاة لاتتحد مع مقولة الغصب في مورد الاجتماع إلاّ في السجدةباعتبار انها متقومة بعنصرين:
الأول: وضع الجبهة على الأرض.
الثاني: الاعتماد عليها، فلايصدق عنوان السجدة على مجرد المماسة بدون‏الاعتماد والقاء الثقل عليها.


ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الأول( ...

ملحقات مسألة الاجتماع‏
الملحق الأول:
هل هذه المسألة اُصولية أو فقهيّة أو انها من المبادي التصديقية؟
والجواب: انها من المبادي التصديقية للمسألة الاُصولية وليست باُصوليةبنفسها ولا بفقهية.
ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الثاني( ...
أما الثانية: فواضح، وأما الاُولى‏ فلما تقدم في مستهل بحث الاُصول أن ملاك‏اُصولية المسألة ترتب أثر فقهي عليها مباشرة وهذا الملاك غير متوفر فيها، لأن‏هذه المسألة على القول بالامتناع تدخل في كبرى‏ مسألة التعارض والمرجع فيهامرجحات بابها، وعلى القول بالجواز تدخل في كبرى مسألة التزاحم والمرجع‏فيها قواعد بابها، فإذن لاتترتب النتيجة الفقهية على هذه المسألة مباشرة على‏القول بالامتناع بدون ضمّ مسألة اُخرى‏ الاُصولية وهي مرجحات باب‏المعارضة، فإنها تثبت الوجوب أو الحرمة في مورد الاجتماع وعلى القول بالجوازبدون ضمّ قواعد باب المزاحمة أو مسألة الترتب، وقد تقدم تفصيل ذلك في‏أوائل بحث الاُصول.

الملحق الثاني:
ما هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة اقتضاء النهي فساد العبادة، قد يقال‏بأنه لا فرق بينهما في الجهة المبحوث عنها، فإن مرد البحث في هذه المسألة عن أن‏النهي عن المجمع في مورد الاجتماع هل يوجب زوال الأمر عنه وعدم كونه‏مصداقاً للمأمور به وفي المسألة الآتية عن أن النهي المتعلق بالعبادة هل يوجب‏بطلانها وعدم كونها مصداقاً لها، وعلى هذا فلا فرق بينهما في الجهة المبحوث‏عنها هذا.
وهنا عدة محاولات للفرق بين المسألتين:
المحاولة الاُولى‏: عن مدرسة المحقق النائيني‏قدس سره منهم السيد الاُستاذقدس سره‏وحاصل هذه المحاولة ان هذه المسألة تفترق عن المسألة الآتية في المرتبة، لأن‏المبحوث عنه في هذه المسألة انما هو عن سراية النهي إلى ما تعلق به الأمركالصلاة ونحوها، فإذا ثبتت السراية تحقق موضوع تلك المسألة فعندئذٍ يبحث‏عن اقتضاء النهي الفساد وعدم اقتضائه، وأما إذا لم يثبت فلا موضوع لها(16).
وبكلمة، ان البحث في مسألة الاقتضاء كبروي، لأن المبحوث عنه فيها انماهو عن ثبوت الملازمة بين النهي عن عبادة وفسادها وعدم ثبوت هذه الملازمةبعد الفراغ عن ثبوت الصغرى‏ وهو تعلق النهي بالعبادة.
وأما البحث في هذه المسألة فإنه صغروي، لأن المبحوث عنه فيها انما هو عن‏سراية النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر وعدم سرايته، وعلى ضوء ذلك‏فالبحث في هذه المسألة بحث عن اثبات الصغرى‏ للمسألة الآتية، فإنه على القول‏بالامتناع وسراية النهي من متعلقه إلى ماينطبق عليه المأمور به تكون من‏احدى صغرياتها، فإذن جهة البحث في هذه المسألة صغروية وفي تلك المسألةكبروية.
والجواب: ان هذه التفرقة غير صحيحة، لأن المبحوث عنه في هذه المسألة في‏الحقيقة عن ان المجمع في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداً وماهيةً أو متعددكذلك، فعلى الأول لابدّ من القول بالامتناع وعلى الثاني بالجواز، لما تقدم من أن‏البحث في هذه المسألة ليس عن الكبرى‏ وهي أن تعدد متعلّقي الأمر والنهي هل‏يستلزم تعدد المعنون في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً أو لا، لما عرفتم من أنه‏ليس لذلك ضابط كلي بل هو يختلف باختلاف الموارد والعناوين على تفصيل قدمرّ ولهذا يكون المبحوث عنه في المسألة حقيقة عن وحدة المجمع في موردالاجتماع وجوداً وماهيةً وتعدده كذلك في كل مورد بخصوصه، وقد تقدم انه‏لايمكن جعل البحث في المسألة تحت ضابط كلي، وعلى هذا فإن كان المجمع في‏مورد الاجتماع واحداً وجوداً وماهيةً تدخل المسألة في كبرى‏ مسألة باب‏المعارضة والمرجع فيها مرجحات بابها، فإن كان ترجيح لدليل الوجوب على‏دليل الحرمة فالمجمع واجب وليس بحرام وإن كان العكس فبالعكس وإلاّفيسقطان معاً والمرجع فيها حينئذٍ الأصل العملي، فإذن ليس هنا سراية الحرمةإلى متعلق الوجوب حتى بناءً على تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب في‏مورد الاجتماع، إذ حينئذٍ يكون المجمع متعلقاً للحرمة فحسب دون الوجوب فإنه‏غير مجعول من الأول.
فالنتيجة، ان البحث في هذه المسألة ليس عن تحقيق الموضوع للمسألة الآتيةبل هو في عرض البحث عن تلك المسألة ولا صلة لاحداهما بالأخرى‏، فما ذكره‏مدرسة المحقق النائيني‏قدس سره منهم السيد الاُستاذقدس سره من أن البحث في هذه المسألةانما هو عن تنقيح الصغرى‏ للمسألة الآتية لايمكن المساعدة عليه.
المحاولة الثانية: ما عن المحقق الخراساني‏قدس سره وحاصل هذه المحاولة ان‏الميزان في تغاير المسائل بعضها عن بعضها الآخر انما هو في جهة البحث في كل‏مسألة، وحيث إن جهة البحث في هذه المسألة انما هي عن سراية الحرمة في‏مورد الاجتماع إلى متعلق الوجوب وعدم سرايتها، وجهة البحث في المسألةالآتية انما هي عن اقتضاء النهي للبطلان وعدمه، فلذلك تمتاز هذه المسألة عن‏تلك المسألة(17).
ولكن قد ظهر مما تقدّم عدم تمامية هذه المحاولة أيضاً، لأن جهة البحث في هذه‏المسألة ليست عن السراية وعدمها وانما هي عن وحدة المجمع في مورد الاجتماع‏وجوداً وماهيةً وتعدده كذلك باعتبار انه ليس هناك ضابط كلي لذلك، فالقول‏باستحالة اجتماع الأمر والنهي مبني على الفرض الأول والقول بالجواز مبني على‏الفرض الثاني، وعلى الأول تدخل المسألة في كبرى‏ مسألة التعارض وعلى‏الثاني تدخل في كبرى‏ مسألة التزاحم كما عرفت، غاية الأمر في الفرض الأول‏قد يتعيّن تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب في مورد الاجتماع، وحينئذٍحيث إن المجمع يكون متعلقاً للنهي فيدخل في المسألة الآتية، ولكن من الواضح‏ان هذا ليس جهة البحث في هذه المسألة بل هو قد يترتّب على البحث فيها.
المحاولة الثالثة: ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره وحاصل ما ذكره ان تعدد المسألةمنوط بتوفر أمرين:
الأول: التغاير في الموضوع أو المحمول.
الثاني: ان لاتكون جهة ثبوت المسألتين واحدة، فإذا كانت واحدة بحيث إذاثبتت في احداهما ثبتت في الاُخرى‏ أيضاً فلا وجه لعقدهما مسألتين، مثلاًاستلزام وجوب الصلاة لوجوب مقدمتها مسألة مغايرة لاستلزام وجوب‏الصوم لوجوب مقدمته، إلاّ ان نكتة ثبوت هذا الاستلزام واحدة في كلتاالمسألتين معاً، وحينئذٍ فلا مبرر لعقدهما مسألتين مستقلتين احداهما مسألةوجوب مقدمة الصوم والاُخرى‏ مسألة وجوب مقدمة الصلاة، وفي المقام كلاالأمرين متوفر:
أما الأول: فلأن المسألتين متغايرتان في المحمول، فإن المحمول في هذه المسألةعبارة عن أن النهي هل ينافي الأمر كحكم تكليفي أم لا، والمحمول في المسألةالقادمة أن الحرمة هل تنافي الصحة كحكم وضعي أم لا واحدهما غير الآخر.
وأما الثاني: فلأن نكتة المنافاة في المسألة الاُولى‏ يمكن أن تكون غير نكتةالمنافاة في المسألة الثانية، كما إذا قيل بامتناع الاجتماع مع القول بالصحة وضعاًمن جهة وجود الملاك في المجمع وكفاية قصده في التقرب، أو قيل بالجواز على‏أساس الملاك الأول للقول بالجواز مع القول بالفساد على أساس عدم امكان‏التقرب بناء على السراية، وأما جهة البحث فيهما اثباتاً فهي أيضاً متعددة كما هوظاهر(18) هذا.
وغير خفي، إن ما ذكره‏قدس سره من أن تعدد المسألة منوط بتوفر الأمرين‏المذكورين فهو صحيح كبروياً، إلا أن الاشكال انما هو في تطبيق تلك الكبرى‏على المقام، حيث قال‏قدس سره في مقام التطبيق أن المسألتين مختلفتين في المحمول وهوأن النهي هل ينافي الأمر كحكم تكليفي أو لا في هذه المسألة، وان الحرمة هل‏تنافي الصحة كحكم وضعي أو لا في المسألة القادمة، ولكن في هذا التطبيق‏اشكالاً لوضوح أن المحمول والمبحوث عنه في هذه المسألة ليس ذلك، إذ لا معنى‏للبحث عن أن النهي هل ينافي الأمر في مورد الاجتماع أو لا، ضرورة أن المجمع‏في مورد الاجتماع إن كان واحداً وجوداً وماهيةً فلاشبهة في التنافي بينهما فيه في‏تمام المراحل أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الاقتضاء وإن كان متعدداً كذلك‏فلا شبهة في الجواز، فإذن لا محالة يكون مركز البحث في المسألة موجهاً إلى أن‏المجمع في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداً وماهيةً أو متعدد كذلك، وأماالمحمول في المسألة القادمة والمبحوث عنه فيها فإنما هو عن اقتضاء النهي فسادالعبادة الذي يكون مردّه إلى أن الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها هل هي‏ثابتة أو لا، وليس المبحوث عنه فيها عن أن النهي هل ينافي الصحة أو لا، ومن‏هنا قلنا أن المبحوث عنه في هذه المسألة انما هو عن الصغرى‏ وهي ان المجمع في‏مورد الاجتماع إن كان واحداً وجوداً وماهيةً ترتب عليه القول بالامتناع‏والتنافي بين الأمر والنهي، وإن كان متعدداً كذلك ترتب عليه القول بالجوازوعدم التنافي بينهما، وأما نكتة المنافاة في المسألة الاُولى‏ فهي متمثلة في وحدةالمجمع في مورد الاجتماع وهي توجب دخول المسألة في كبرى‏ مسألة التعارض لافي كبرى‏ المسألة القادمة، وأما نكتة المنافاة في المسألة الثانية فإنما هي تنافي النهي‏مع قصد القربة المعتبر في صحة العبادة هذا.
فالصحيح في المقام أن يقال أن البحث في هذه المسألة وإن كان لايختص بما إذاكانت النسبة بين العنوانين المتعلقين للأمر والنهي عموماً من وجه، كما أن البحث‏عن الاقتضاء في المسألة القادمة لايختص بما إذا كان النهي متعلقاً بالعبادة من‏خلال عنوان أخص بل يشمل ما إذا تعلق بها من خلال عنوان أعم، شريطة أن‏يكون تعلقه بها من خلاله مفروغاً عنه بأن لاتكون هناك معارضة بين الدليلين،ولكن مع ذلك تختلف هذه المسألة عن المسألة القادمة في المحمول وهو الجهةالمبحوث عنها، فإنها في مسألتنا هذه وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً وتعدده فيه كذلك، وفي المسألة القادمة ثبوت الملازمة بين حرمة العبادةوفسادها وعدم ثبوتها هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، ان جهة البحث في هذه المسألة لايمكن أن تكون كبرويةبأن تكون منصبة على أن تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أو لا، أو ان‏اجتماع الأمر والنهي هل يجوز في شي‏ء واحد أو لا؟
ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الثالث( ...
أما الأول: فلما تقدم من أن العنوان إذا كان ذاتياً ومتأصلاً فتعدده يوجب‏تعدد المعنون لا محالة، وإن كان انتزاعياً أو كان عنوان متعلق أحدهما ذاتياًوالآخر انتزاعياً فتعدده لايتطلب تعدد المعنون في الخارج بل لابد حينئذٍ من‏ملاحظة كل مورد بخصوصه وإن المجمع فيه واحد وجوداً وماهيةً أو متعددكذلك، فلهذا يكون النزاع فيها في الصغرى‏ وهي أن المعنون إن كان واحداً في‏مورد الاجتماع تعيّن القول بالامتناع، وحينئذٍ تدخل المسألة في كبرى‏ مسألةالتعارض لا في كبرى‏ المسألة القادمة، وإن كان متعدداً فيه تعيّن القول‏بالجواز، وحينئذٍ تدخل المسألة في كبرى‏ مسألة التزاحم لا في المسألةالقادمة، وأما ملاك ثبوت هذه المسألة فإنه التنافي بين الأمر والنهي وعدم امكان‏اجتماعهما في شي‏ء واحد وجوداً وماهية لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلةالاقتضاء، وأما ملاك ثبوت المسألة القادمة، فإنه منافاة النهي مع العبادة وأما في‏الأثر فيهما أيضاً مختلفتان، فإن أثر هذه المسألة قد يكون صحة العبادة، على‏القول بالامتناع في مورد الاجتماع حسب الصناعة إذا كان لدليل الأمر ترجيح‏على دليل النهي، وقد يكون فسادها إذا كان الأمر بالعكس، وقد يكون صحتهاأيضاً إذا تساقط الدليلان في مورد الاجتماع وامكن احراز الملاك فيه، وقد يكون‏أثرها فسادها على القول بالجواز أيضاً بناء على القول باستحالة الترتب، وأمإ؛ح4خ‏خ‏أثر المسألة القادمة فهو فساد العبادة.
والخلاصة: ان هذه المسألة تمتاز عن المسألة الآتية في ملاك الثبوت وفي جهةالبحث وفي الأثر والنتيجة.
الملحق الثالث:
المشهور أن ثمرة القولين في المسألة صحة الصلاة في الأرض المغصوبة على‏القول بالجواز مطلقاً حتى فيما إذا كان عالماً بحرمة ما هو ملازم لها خارجاً وهوالكون فيها فضلاً عن كونه ناسياً أو جاهلاً بها، فان الصلاة طالما لم تكن متحدةمع الحرام فمجرد استلزامها ارتكاب الحرام لايوجب البطلان، وبطلانها على‏القول بالامتناع مطلقاً حتى إذا كان المصلي جاهلاً بالحرمة، على أساس أن‏الحرام في الواقع لايمكن أن يكون مصداقاً للواجب هذا.
وخالف في ذلك المحقق النائيني‏قدس سره فإنه حكم ببطلان الصلاة في مورد الاجتماع‏مطلقاً حتى على القول بالجواز شريطة أن يكون المكلف ملتفتاً إلى الحرمة، وأماإذا كان جاهلاً بها أو ناسياً لها فلايحكم ببطلانها، وقد أفاد في وجه ذلك وجوهاً:
الأول: ان اشتراط التكليف بالقدرة انما هو باقتضاء نفس الخطاب الشرعي‏لابحكم العقل، على أساس أن الغرض من جعل التكليف انما هو إيجاد الداعي في‏نفس المكلف وانبعاثه به وتحريكه نحو الاتيان بمتعلقه، ومن الواضح ان هذاالغرض من التكليف بنفسه يقتضي أن يكون متعلقه خصوص الحصةالمقدورة، لأنه إذا تعلق بها كان داعياً ومحركاً للمكلف وموجباً لانبعاثه به وإلاّفلايعقل أن يكون داعياً ومحركاً له، وعلى هذا فالصلاة في الأرض المغصوبة وإن‏كانت مباينة للكون فيها وجوداً، إلاّ أنها لما كانت ملازمة له فلايمكن تعلق‏الوجوب بها أو بما ينطبق عليها، لغرض أن متعلقه خصوص الحصة المقدورةوهي لاتنطبق على الصلاة فيها، لأنها غير مقدورة شرعاً من جهة ملازمتهالإيجاد الحرام والممنوع الشرعي كالممتنع العقلي.
الثاني: انه لايمكن تصحيح الصلاة في مورد الاجتماع بالترتب، لأن معنى‏الترتّب هو أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بعصيان النهي، وعصيانه لايخلو إمّاأن يتحقق بالاشتغال بفعل مضاد للصلاة كالأكل والشرب وما شاكل ذلك، أويتحقق بفعل نفس الصلاة، وعلى كلا التقديرين لايمكن الأمر بالصلاة ترتباً، أمّاعلى التقدير الأول فيلزم أن يكون الأمر بها مشروطاً بوجود ضدها في الخارج‏وهذا مستحيل، لأنه من طلب الجمع بين الضدّين في آن واحد نظيران يأمربالحركة مشروطاً بالسكون أو بالعكس، وأما على التقدير الثاني فيلزم أن‏يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بوجودها وهو مستحيل لأنه من طلب الحاصل.
الثالث: انه لايمكن تصحيح الصلاة في مورد الاجتماع بالملاك وإن أمكن ذلك‏في الفرد المزاحم، على أساس أن المعتبر في صحة العبادة اُمور:
1 - نية القربة والاخلاص وقصد الاسم إذا كان لها اسم خاص مميّز.
2 - محبوبية الفعل وحسنه في نفسه.
3 - الحسن الفاعلي بأن لايكون صدور العبادة من المكلف قبيحاً وإلاّلبطلت، وفي مورد الاجتماع وإن كان الأمران الأولان متوفرين هما نية القربة بتمام‏عناصرها والحسن الفعلي، إلاّ أن الأمر الثالث غير متوفر فيه وهو الحسن‏الفاعلي، باعتبار أن الصلاة من المصلي في مورد الاجتماع بما أنها تستلزم الاقتحام‏في الحرام، فيكون صدورها منه قبيحاً وهو مانع عن صحة الصلاة(19) هذا.
وللمناقشة في جميع هذه الوجوه مجال واسع.
أما الوجه الأول: فلما تقدم في مبحث الضدّ من أن اعتبار القدرة في متعلق‏التكليف إنما هو بحكم العقل من باب قبح تكليف العاجز في المرتبة السابقة على‏التكليف، ولولا حكم العقل بقبح ذلك وادراكه الاستحالة لم يكن التكليف بنفسه‏مقتضياً لكون متعلقه مقدوراً، لوضوح أن تكليف العاجز لولم يكن قبيحاً بحكم‏العقل في المرتبة السابقة ولغواً، لم يكن أي مانع من تعلقه بغير المقدور وتوجيهه‏إليه.
وإن شئت قلت، ان ملاك الحكم في عالم المبادي ان كان مشروطاً بالقدرة فهوخاص للقادر دون الأعمّ منه ومن العاجز، وعليه فالواجب هو حصة خاصةمن الفعل لأنها متعلقة للارادة والحب ومشتملة على الملاك وهي الحصةالمقدورة، وإن لم يكن مشروطاً بها وكان مطلقاً، فمعناه أن الفعل متعلق للارادةوالحب ومشتمل على الملاك مطلقاً حتى بالنسبة إلى العاجز، وعلى هذافالواجب هو الجامع بين الحصة المقدورة وغيرها هذا بحسب مقام الثبوت، وأمابحسب مقام الاثبات فإن كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل في مرحلةالجعل، كانت ظاهرة في أنّها شرط للحكم والملاك معاً، وهذا معنى أن القدرةالمعتبرة شرعية وإن لم تكن مأخوذة في لسان الدليل في هذه المرحلة وكان الحاكم‏باعتبارها العقل كانت شرطاً للحكم فحسب دون الملاك لعدم الطريق للعقل إليه‏حتى يحكم بأنها معتبرة فيه أيضاً من قبل الشرع هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، ان الغرض من جعل الحكم قد يكون مجرد ابراز المبادي‏في الواقع وانها ثابتة فيه مطلقاً حتى بالنسبة إلى العاجز، ولكن هذا في الحقيقةاخبار من المولى‏ عن ثبوت المبادي مطلقاً وحيث إنها حقيقة الحكم وروحه‏فبطبيعة الحال تكشف عن ثبوت الأحكام في مواردها لباً تطبيقاً لقاعدة الملازمةبين ثبوتها وثبوت الأحكام على طبقها، ولكن ذلك قليل جداً في الأحكام‏الشرعية، وقد يكون بداعي البعث والتحريك المولوي كما هو الغالب بمعنى أن‏الغرض من جعل الحكم انما هو إيجاد الداعي في نفس المكلف، ومن الواضح أن‏هذا بنفسه لايكون محركاً للمكلف وإنما يكون داعياً ومحركاً بسبب حكم العقل‏في المرتبة السابقة بالادانة والمسؤولية على مخالفة المولى‏ على أساس استقلاله‏بلزوم اطاعته، ولولا حكم العقل هذا فلايعقل كون التكليف الصادر منه محركاًوداعياً، لأن قضية حق الطاعة للمولى‏ الذاتي من القضايا الأولية، ومن الواضح‏أن حكم العقل بهذه القضية يكون محركاً للمكلف بتحريك المولى‏ وإلاّ فلا،وحيث إنه لا إدانة ولا مسؤولية للعاجز فلايعقل جعل الحكم عليه بداعي‏البعث، وإن شئت قلت: ان جعل التكليف من المولى‏ انما يكون بغرض إمكان‏إيجاد الداعي في نفس المكلف إذا كان المكلف معتقداً بمولويته ووجوب اطاعته‏وحرمة مخالفته في المرتبة السابقة وإلاّ فلا موضوع لايجاد الداعي المولوي في‏نفسه، فإذن لا محالة يكون اعتبار القدرة بحكم العقل من باب قبح تكليف‏العاجز على أساس أن الادانة والمسؤولية انما هي على القادر، فالتكليف بنفسه‏لايقتضي ذلك بقطع النظر عن حكم العقل بالإدانة والمسؤولية ولزوم الاطاعة.ثم انه لافرق في ذلك بين أن يكون الانشاء بمعنى إيجاد المعنى باللفظ بأن يكون‏المنشأ بصيغة الأمر وهو الطلب والبعث المولوي أو انه عبارة عن ابراز الأمرالاعتباري النفساني في الخارج كما اختاره السيد الاُستاذقدس سره(20)، فإن المنشأ في‏عالم الانشاء لايقتضي كون متعلقه مقدوراً سواءً أكان الانشاء بمعنى إيجاد المعنى‏باللفظ أم كان بمعنى ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وإنما الكلام في التكليف‏الحقيقي الذي له روح وملاك وموجه إلى الشخص حقيقة بمعنى أن فاعليته‏ومحركيته له فعلية وانه في هذه المرحلة هل يقتضي كون متعلقه خصوص الحصةالمقدورة أو أن الحاكم باعتبار القدرة العقل على أساس قضية عقلية ضرورية في‏المرتبة السابقة وهي قبح توجيه التكليف إلى العاجز وإدانته على المخالفة وتحميله‏المسؤولية، فإن هذه القضايا الأولية هي المنشأ لحكم العقل باعتبار القدرة في‏متعلق التكليف ولولاها لم يكن التكليف بنفسه يقتضي ذلك، فإن اقتضائه انما هوعلى أساس أن الغرض منه إيجاد الداعي في نفس المكلف، ومن المعلوم أنه‏إنمّا يوجد الداعي في نفسه مولوياً على ضوء حكم العقل بقبح مخالفة المولى‏ووجوب اطاعته ومسؤوليته أمامه وإلاّ فلايعقل أن يكون داعياً ومحركاً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف انماهو باقتضاء نفس التكليف، إلاّ أن من الواضح أنه لايقتضي أكثر من كون متعلقه‏مقدوراً لئلاً يكون طلبه طلباً للمحال ولايكون البعث نحوه بعثاً نحو الممتنع،والمفروض أن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور ولايكون التكليف به‏تكليفاً بالمحال وقد تقدم تفصيل ذلك.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أن التكليف يقتضي كون متعلقه‏خصوص الحصة المقدورة دون الأعم، فمع ذلك لايتم ما أفاده‏قدس سره من عدم انطباق‏الطبيعة المأمور بها على الفرد في مورد الاجتماع لأنه لا مانع من انطباقهاعليه، لفرض أنه لايكون متحداً مع الحرام فيه ومعه لا مانع مع انطباق الطبيعي‏المأمور به عليه، مثلاً الصلاة في الأرض المغصوبة حيث إنها لاتتحد مع الحرام‏فيها، فلا مانع من انطباق الصلاة المأمور بها عليها، لأن المانع من الانطباق انمإ؛خ9خ‏خ‏هو حرمة الفرد والمفروض أنه ليس بحرام، ومجرّد ملازمته للحرام وجوداً لايمنع‏من الأنطباق، فإذن لايكون الانطباق ممنوعاً شرعاً لكي يقال أن الممنوع‏الشرعي كالممتنع العقلي.
وأما الوجه الثاني: فلا مانع من الالتزام بالترتب في مورد الاجتماع على‏أساس أن الكون في الأرض المغصوبة محرم وهو ملازم لوجود الصلاة فيها لا أنه‏متحد معها، وعليه فلا مانع من أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بالكون فيهاولايلزم منه أي محذور، فما ذكره‏قدس سره من أن الكون فيها اما أن يتحقق في ضمن‏فعل مضاد للصلاة كالنوم أو الأكل أو غير ذلك أو يتحقق في ضمن الصلاة، فعلى‏الأول يلزم أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بوجود ضدّها، وعلى الثاني يلزم‏طلب الحاصل وكلاهما مستحيل لايرجع إلى معنى محصل، اما أولاً فبالنقض،لأن هذا المحذور الذي ذكره‏قدس سره موجود في تمام موارد الترتب، مثلاً إذا دخل‏المكلف في المسجد للصلاة ورأى فيه نجاسة كان الأمر بالصلاة مشروطاً بترك‏الازالة، وهو اما أن يتحقق في ضمن فعل مضاد للصلاة أو في ضمن فعل الصلاةوكلاهما لايمكن.
أما الأول: فلأنه يلزم أن يكون الأمر بأحد الضدين مشروطاً بوجود الضدالآخر وهو محال.
وأما الثاني: فلأن الأمر بالصلاة مشروطاً بوجودها من طلب الحاصل،وعليه فلازم ما أفاده‏قدس سره هنا انكار الترتب نهائياً مع أنه‏قدس سره من القائلين به بل من‏المؤسسين له، وثانياً بالحل وهو أن الشرط في المقام الكون في الأرض المغصوبةلا ماهو ملازم له وجوداً في الخارج المباين له حقيقة كالجلوس أو القيام أو النوم‏أو ما شاكل ذلك، فإن كل ذلك فعل مضاد للصلاة في مورد الاجتماع ولا يجتمع‏معها ولكنه ليس مصداقاً للكون فيها وفرداً له بل هو مباين له وجوداً وماهيةًوملازم له في مورد الاجتماع وجوداً، لأن الكون من مقولة الأين والجلوس‏والقيام والنوم من مقولة الوضع، فالشرط وهو الكون فيها يكون من مقولة،الأين فما ذكره‏قدس سره مبني على الخلط بين كون فعل آخر الذي هو مضاد للصلاة في‏مورد الاجتماع مصداقاً للكون فيه وكونه ملازماً له وجوداً وتخيل انه مصداق له‏وفرده وبه يتحقق الكون مع أن الأمر ليس كذلك، ومن هنا يظهر أن الصلاة في‏الأرض المغصوبة مباينة للكون فيها وجوداً وماهيةً وملازمة له وجوداً،والمفروض أن الحرام انما هو الكون لا ماهو لازمه من الأفعال الخاصة، فإنّه‏ليس بحرام والشرط في المقام انما هو الاقتحام في الحرام وارتكابه وعصيانه لاارتكاب ماليس بحرام، وكذلك الحال في سائر الموارد فإن الشرط انما هو ترك‏الازالة في المثال المتقدّم لا ما هو لازمه من الأفعال الخاصة، فإنه ليس مصداقاًلترك الواجب بل هو لازمه.
أما الوجه الثالث: فلان المعتبر في صحة العبادة أمران:
الأول: النية بتمام عناصرها الثلاثة من قصد القربة والخلوص وقصد الاسم‏المميز لها.
الثاني: محبوبية الفعل وحسنه في نفسه، وأما الحسن الفاعلي زائداً على‏اعتبارهما فلا دليل عليه بل لايرجع إلى معنى محصل، لأن الفعل إذا كان محبوباً في‏نفسه كان صدوره من فاعله حسناً لامحالة، وإن كان مبغوضاً كان صدوره منه‏قبيحاً، فالحسن الفاعلي لاينفك عن الحسن الفعلي فلا مبرر لاعتباره مع اعتبارالحسن الفعلي، وأما في مورد الاجتماع فكما أن الحسن الفعلي موجود فكذلك‏الحسن الفاعلي بالنسبة إلى الواجب، باعتبار أن وجود الواجب فيه غير وجودالحرام، والمفروض عدم سراية المبغوضية منه إليه، وعليه فكما أن الواجب في‏نفسه محبوب وحسن فكذلك صدوره منه بما هو واجب حسن، فالقبيح انما هوصدور الحرام منه الملازم لوجود الواجب فيه، والنكتة في ذلك أن تعدد الوجوديستلزم تعدد الإيجاد باعتبار أن الوجود عين الإيجاد فلا فرق بينهما إلاّ بالاعتباروالإضافة، فإذا كان الوجود متعدداً فلا محالة يكون الإيجاد أيضاً كذلك، وحيث‏إن المأمور به مغاير للمنهي عنه وجوداً فبطبيعة الحال يكون مغايراً له إيجاداً،وعليه فيكون إيجاد المأمور به بما هو محبوباً للمولى‏ وليس فيه أي قبح والقبيح انماهو إيجاد المنهي عنه فحسب والمفروض أن قبحه لايسري إليه، فإذن لا مانع من‏انطباق المأمور به عليه والتقرب به اما من جهة اشتماله على الملاك أو من جهةالأمر الترتّبي.
وإن شئت قلت: ان ما ذكره‏قدس سره من اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادةإضافة إلى الحسن الفعلي لايرجع إلى معنى معقول، ضرورة أن الحسن الفعلي إذاكان ثابتاً فالحسن الفاعلي أيضاً ثابت لأنه لاينفك عنه، فإذن لايعقل أن يكون‏الحسن الفاعلي شرطاً آخر في صحة العبادة في قبال الحسن الفعلي، لوضوح أنه‏لايتصور أن يكون الفعل حسناً في نفسه ومع هذا يكون صدوره من الفاعل‏قبيحاً تحصل مما ذكرناه أن ما ذهب إليه المحقق النائيني‏قدس سره من بطلان العبادة في‏مورد الاجتماع مطلقاً حتى على القول بالجواز غير تام لعدم تمامية شي‏ء من‏الوجوه التي استدل بها على البطلان، هذا كله فيما إذا كان المصلي في الأرض‏المغصوبة عالماً بالحرمة، وأما إذاكان جاهلاًبالحرمة فهل‏تصح صلاته فيها أو لا؟
فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى الوجه الأول وهو صحة صلاته في موردالاجتماع بدعوى‏، أن المانع منها عدم تمكن المكلف من الاتيان بها عقلاً وشرعاًكما إذا كان عالماً بالحرمة، فإنه حينئذٍ لايتمكن من الاتيان بها شرعاً والممنوع‏الشرعي كالممتنع العقلي، وأما إذا كان جاهلاً بالحرمة فلا مانع من فعلية الأمربالصلاة لتمكنه منها عقلاً وشرعاً ومعه لامحالة يكون الاتيان بها صحيحاً وكذلك‏الحال في فرض النسيان بل الحكم بالصحة في هذا الفرض أوضح حيث إنه رافع‏للحرمة واقعاً، وعلى الجملة فلاتنافي بين الوجوب والحرمة في مورد الاجتماع‏على القول بالجواز وتعدد المجمع وجوداً وماهيةً في مرحلة الجعل، وانما التنافي‏بينهما في مرحلة الفعلية والامتثال، فإن للمكلف قدرة واحدة فإن صرفها في‏امتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر والمقام كذلك، فإنه لايتمكن من امتثال‏الوجوب والحرمة معاً في مورد الاجتماع، وفي مثل ذلك إذا فرض جهل المكلف‏بالحرمة، فلا مانع من فعلية الوجوب بفعلية موضوعه وهو القدرة هذا.
ومن هنا يظهر أن الصلاة في الأرض المغصوبة على القول بالجواز وتعددالمجمع في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً محكومة بالصحة بالأمر الترتبي وإن كان‏عالماً بالحرمة طالما لايكون الحرام متحداً مع الواجب اما من جهة الأمر الترتبي‏أو من جهة تطبيق قواعد باب التزاحم في المسألة وترجيح جانب الوجوب على‏جانب الحرمة(21).
فالنتيجة، ان صحة العبادة كالصلاة مثلاً على القول بالجواز وتعدد المجمع في‏مورد الاجتماع واضحة حتى في صورة العلم بالحرمة فضلاً عن الجهل بها.
وأما على القول بالامتناع ووحدة المجمع وجوداً وماهيةً فتقع المعارضة بين‏اطلاق دليلي الأمر والنهي حيث لايمكن جعل كلا الاطلاقين معاً في موردالاجتماع على أساس التنافي والتضاد بينهما في عالم المبادي، إذ يستحيل أن يكون‏شي‏ء واحد وجوداً متعلقاً للمصلحة والمفسدة معاً ومحبوباً ومبغوضاً في آن‏واحد ومتعلقاً للارادة والكراهة كذلك، وحينئذٍ فلا محالة تقع المعارضة بين‏اطلاق دليل كل منهما في مورد الاجتماع والالتقاء ولابد عندئذٍ من الرجوع إلى‏مرجحات باب المعارضة فإن كان فهو وإلاّ فالمرجع الأصل في المسألة من أصل‏لفظي أو عملي حسب اختلاف الموارد، وأما في المقام فالتعارض بين اطلاق دليل‏وجوب الصلاة وبين اطلاق دليل النهي عن الغصب وبعد سقوط اطلاق كل منهمامن جهة المعارضة في مورد الاجتماع، فيكون المرجع العام الفوتي وهو أن الصلاةلاتدع بحال وسوف يأتي تفصيله.
ثم إن للمحقق الخراساني‏قدس سره في المسألة كلاماً في ضمن المقدمة العاشرة وإليك‏نصه: »إنه لا اشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع بداعي‏الأمر على الجواز مطلقاً ولو في العبادات وإن كان معصية للنهي أيضاً، وكذاالحال على الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلاّ أنه لامعصية عليه، واما عليه‏وترجيح جانب النهي فيسقط به الأمر مطلقاً في غير العبادات لحصول الغرض‏الموجب له واما فيها فلا مع الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيراً، فإنه وإن كان‏متمكناً مع عدم الالتفات من قصد القربة وقد قصدها إلاّ أنه مع التقصير لاتصلح‏أن يتقرب به أصلاً فلا يقع مقرباً وبدونه لايكاد يحصل به الغرض الموجب للأمربه عبادة كما لايخفى‏، واما إذا لم يلتفت إليها قصوراً وقد قصد القربة بإتيانه فالأمريسقط لقصد التقرّب بما يصلح أن يتقرب به لاشتماله على المصلحة مع صدوره‏حسناً لأجل الجهل بحرمته قصوراً فيحصل به الغرض من الأمر فيسقط قطعاًوإن لم يكن امتثالاً له بناءً على تبعية الأحكام لما هو الأقوى‏ من جهات المصالح‏والمفاسد واقعاً لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح لكونهما تابعين لما علم‏منهما كما حقق في محله. مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك، فإن‏العقل لايرى‏ تفاوتاً بينه وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور بهاوإن لم تعمّه بما هي مأمور بها لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
ومن هنا انقدح انه يجزي ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادةوعدم كفاية الاتيان بمجرد المحبوبية كما يكون كذلك في ضدّ الواجب حيث‏لايكون هناك أمر يقصد أصلاً. وبالجملة مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعاً أوحكماً يكون الاتيان بالمجمع امتثالاً وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة، غاية الأمرأنه لايكون مما يسعه بما هي مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرهاللأحكام الواقعية، وأما لو قيل بعدم التزاحم إلاّ في مقام فعلية الأحكام لكان ممايسعه وامتثالاً لأمرها بلا كلام.
وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليل الحرمة والوجوب متعارضين‏وقدم دليل الحرمة تخييراً أو ترجيحاً حيث لايكون معه مجال للصحة أصلاً،وبين ما إذا كانا من باب الاجتماع. وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة حيث‏يقع صحيحاً في غير مورد من موارد الجهل والنسيان لموافقته للغرض بل للأمر،ومن هنا علم أن الثواب عليه من قبيل الثواب على الطاعة لا الانقياد ومجرداعتقاد الموافقة. وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم الأصحاب بصحة الصلاة في الدارالمغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع بل الحكم إذا كان عن قصور مع أن‏الجل لولا الكل قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة ويحكمون بالبطلان في غيرموارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر(22).
تتضمن هذه المقدمة عدة نقاط:
الاُولى‏: أنه لاشبهة في تحقق الامتثال وحصول الغرض بإتيان المجمع في موردالاجتماع بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة على القول بالجواز مطلقاً في العبادات‏والتوصليات، اما في التوصليات فهو واضح، وأما في العبادات كالصلاة في الدارالمغصوبة فالأمر فيها أيضاً كذلك، لأن الصلاة المأمور بها تنطبق على الفرد المأتي‏به في مورد الاجتماع وهو المجمع، غاية الأمر أن إتيانه يستلزم التصرف في مال‏الغير وهو محرم، ولكن حيث إنه لايكون متحداً معه على الفرض فلايكون‏ارتكابه موجباً للفساد فيكون كالنظر إلى الأجنبية بشهوة حال الصلاة.
الثانية: ان مسألة الاجتماع على القول بالامتناع ووحدة المجمع في موردالاجتماع وجوداً وماهيةً لاتدخل في كبرى‏ مسألة التعارض للفرق بين المسألتين‏وهو ان هذه المسألة منوطه بكون المجمع رغم كونه واحداً وجوداً وماهيةًمشتملاً على ملاك كلا الحكمين معاً، بينما تلك المسألة منوطة بكون موردالمعارضة مشتملاً على ملاك أحد الحكمين المتعارضين.
الثالثة: إن الاتيان بالمجمع على القول بالامتناع ووحدته وجوداً كالصلاة في‏الدار المغصوبة، فبناء على تقديم جانب الوجوب على جانب الحرمة صحيح‏ومصداق للمأمور به بدون أن تكون هناك معصية، وأما بناء على تقديم جانب‏الحرمة على جانب الوجوب، فقد حكم‏قدس سره بصحة الاتيان بالمجمع إذا كان المكلف‏جاهلاً بحرمته وكان جهله عن قصور.
الرابعة: اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادة إضافة إلى الحسن الفعلي‏وقصد القربة والاخلاص.
الخامسة: عدم انطباق الطبيعة المأمور بها بوصف كونها مأموراً بها على‏الفرد في مورد الاجتماع وانطباقها على سائر الأفراد كذلك مع أنه لافرق بينه‏وبينها في الوفاء بالملاك والغرض.
السادسة: ما احتمله‏قدس سره من أن المؤثر في الأحكام الشرعية إذا كان الجهات‏الواصلة دون الأعمّ منها ومن الواقعيّة لكانت الطبيعة المأمور بها مما تسعه موردالاجتماع، والاتيان به عندئذٍ كان امتثالاً لأمرها.
ولنأخذ بالنقد على هذه النقاط:
أما النقطة الاُولى‏، فليس بإمكانه‏قدس سره الحكم بصحّة الصلاة في الأرض‏المغصوبة على القول بالجواز مطلقاً في فرض علم المكلف بالحرمة وذلك لأن‏المسألة على هذاتدخل في كبرى‏ مسألة التزاحم باعتبار وقوع المزاحمة عندئذٍبين وجوب الصلاة وحرمة الغصب، وحينئذٍ فإن كان وجوب الصلاة أهم من‏حرمة الغصب، فلا اشكال في صحتها من جهة سقوط دليل الحرمة في موردالاجتماع رأساً على القول باستحالة الترتب كما هو مختاره‏قدس سره وسقوطه اطلاقاًعلى القول بإمكانه، واما إن كان مساوياً للحرمة أو الحرمة أهم منه فليس‏بإمكانه الحكم بالصحة على ما يراه‏قدس سره من استحالة الترتب، اما في فرض‏التساوي فيسقط كلا الاطلاقين معاً هما اطلاق دليل وجوب الصلاة واطلاق‏دليل الحرمة من جهة المعارضة وبعد السقوط يكون المرجع الأصل العملي في‏المسألة ومقتضاه عدم المشروعيّة إلاّ ما ثبت بالدليل كما في باب الصلاة، فإنه بعدسقوط كلا الاطلاقين في مورد الاجتماع يرجع إلى عموم ما دل على أن الصلاةلاتسقط بحال، وأما في فرض كون الحرمة أهم من الوجوب فلايمكن تصحيح‏الواجب في مورد الاجتماع إلا بأحد أمرين:
الأول: بالترتب.
الثاني: بإحراز وجود الملاك فيه وكلا الأمرين لايمكن، اما الأول فلأنه‏قدس سره قدبنى‏ على استحالته فإذن ليس بإمكانه الحكم بصحة العبادة بالترتب، وأما الثاني‏فلاطريق إليه فما ذكره‏قدس سره من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على القول‏بالجواز مطلقاً غير تام، هذا فيما إذا لم تكن هناك مندوحة في البين، وأما إذا كانت‏فلا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع بداعي أمرها، إذ حينئذٍلامزاحمة بين الواجب والحرام لتمكن المكلف من امتثال كليهما معاً والمزاحم له‏انما هو فرد الواجب ولا مانع من الاتيان بهذا الفرد بداعي الأمر المتعلق بالواجب‏ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام.
وأما النقطة الثانية، فقد تقدم إن مسألة الاجتماع على القول بالجواز وتعددالمجمع وجوداً وماهيةً تدخل في كبرى‏ مسألة التزاحم وحينئذٍ فلابد من الرجوع‏إلى قواعد باب المزاحمة، وعلى القول بالامتناع ووحدة المجمع في مورد الاجتماع‏كذلك تدخل في كبرى‏ مسألة التعارض فتقع المعارضة بين اطلاق دليلي‏الوجوب والحرمة فيه، لأن جعل كليهما لشي‏ء واحد غير معقول على أساس‏استحالة اجتماعهما في شي‏ء واحد في عالم المبادي والاقتضاء، أما في عالم المبادي‏فلاستحالة أن يكون شي‏ء واحد محبوباً ومبغوضاً معاً للمولى‏ ومتعلقاً للارادةوالكراهة كذلك ومشتملاً على مصلحة ومفسدة ملزمتين، وأما في عالم الاقتضاءفلأن الوجوب يقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج ويدعو المكلف إليه، والحرمةتقتضي الاجتناب منه وتدعو المكلف إلى الابتعاد عنه، فلايعقل الجمع بينهما في‏شي‏ء واحد، فلهذا تقع المعارضة بين دليليهما اما بالذات أو بالاطلاق كما في‏المقام، لأن المعارضة بينهما فيه انما هي بالاطلاق، فإن مقتضى اطلاق دليل‏الوجوب ثبوته حتى في مورد الاجتماع وكذلك مقتضى اطلاق دليل الحرمة، هذامن‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، قد ذكرنا في محله أن روايات الترجيح لاتختصّ بما إذا كان‏التعارض بين الدليلين في المدلول الوضعي فحسب، فإنها كما تشمل ذلك تشمل‏ما إذا كان التعارض بينهما في المدلول الاطلاقي الثابت بمقدمات الحكمة خلافاًللسيد الاُستاذقدس سره، حيث إنه قد خصّها بالأول وتمام الكلام من هذه الناحية يأتي‏في محله، وعلى ضوء ما قويناه من العموم فإن كان لأحدهما مرجح دون الآخرنأخذ به ونطرح الآخر ويكون كاشفاً عن ثبوت الملاك فيه، وإن لم يكن مرجح‏في البين سقط كلا الاطلاقين معاً وحينئذٍ فلاطريق لنا إلى ثبوت الملاك لأحدهمافي مورد المعارضة، إذ كما يحتمل أن يكون سقوطهما معاً من جهة وجود المانع مع‏ثبوت المقتضي لأحدهما فيه يحتمل أن يكون سقوطهما كذلك من جهة عدم‏ثبوت المقتضي فيه أصلاً في هذه الحالة، فما ذكره‏قدس سره من أن مسألة التعارض‏منوطة بوجود الملاك لأحد الحكمين المتعارضين في مورد المعارضة لا أساس له.
وأما النقطة الثالثة، وهي صحة العبادة في مورد الاجتماع على القول‏بالامتناع ووحدة المجمع، فبناء على تقديم جانب الوجوب على جانب الحرمةفلا اشكال في صحة العبادة فيه بلا فرق في ذلك بين العالم والجاهل، لأن المجمع‏على هذا يكون مصداقاً للمأمور به فحسب ولايكون بمنهى‏ عنه في شي‏ء، وانماالاشكال والكلام في عكس ذلك وهو تقديم جانب الحرمة على جانب‏الوجوب، وهل يمكن في هذا الفرض الحكم بصحة فيما إذا كان المكلف جاهلاًبالحرمة فيه وجهان:
فذهب المحقق الخراساني‏قدس سره إلى الوجه الأول شريطة أن يكون جهله بها عن‏قصور لا عن تقصير(23) وغير خفي أن ما أفاده‏قدس سره في هذه النقطة لايمكن المساعدةعليه، وذلك لأن صحة العبادة ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: كون الفعل محبوباً في نفسه للمولى‏.
الثانية: النيّة بتمام عناصرها الثلاثة، نية القربة، نية الخلوص، نية الأسم، فإذاتوفّرت هاتان الركيزتان صحت العبادة ومع انتفائهما معاً أو احداهما بطلت،وعلى ضوء هذا الأساس فعلى القول بالامتناع في المسألة ووحدة المجمع في موردالاجتماع وجوداً وماهيةً تقع المعارضة بين اطلاق دليل الوجوب واطلاق دليل‏الحرمة في مورد الاجتماع، وحينئذٍ فإذا فرض تقديم اطلاق دليل الحرمة على‏اطلاق دليل الوجوب فيه، فمعناه أن المجمع محرم ومبغوض ومتعلق للكراهةفحسب وخارج عن اطلاق دليل الوجوب وليست فيه شائبة المحبوبيةلاستحالة اجتماعهما مع المبغوضيّة التامّة في شي‏ء واحد، وعلى هذا فكيف يعقل‏الحكم بصحة العبادة كالصلاة مثلاً بالاتيان بالمجمع لاستحالة انطباقها عليه،بداهة أن المبغوض لايمكن أن يكون مصداقاً للمحبوب والحرام مصداقاًللواجب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكلف عالماً بحرمة المجمع أو جاهلاً بهاكان جهله عن تقصير أو قصور، ضرورة أن الجهل بها لايكون رافعاً لها لأنه‏محرم ومبغوض في الواقع سواءً أكان المكلف عالماً أم جاهلاً بها، وعليه فماأفاده‏قدس سره من الحكم بصحة العبادة في هذا الفرض غريب جداً، وتقييده‏قدس سره الحكم‏بصحة العبادة في المسألة للجاهل يكون جهله عن قصور يدل على أنّه اعتبر في‏صحة العبادة أموراً:
الأول: أن يكون الفعل حسناً في نفسه.
الثاني: قصد القربة.
الثالث: أن يكون صدوره من الفاعل حسناً.
ولهذا اعتبر أن يكون جهله بالحرمة عن قصور إذ لو كان عن تقصير لم يكن‏صدوره من الفاعل حسناً كما إذا كان عالماً بها، وهذا يدل على أن الشرطين‏الأولين مفروغ عنه عنده‏قدس سره وإنما كان كلامه منصباً على الشرط الأخير وانّه‏متوفر إذا كان جهله بالحرمة في المسألة عن قصور، ولكن كيف يعقل توفرالشرطين الأولين، بداهة أنه لايعقل أن يكون الفعل الواحد وجوداً وماهيةًمحبوباً ومبغوضاً معاً.
فالنتيجة، إن ما أفاده‏قدس سره من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على‏القول بالامتناع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب للجاهل بها إذا كان‏عن قصور لايرجع الى معنى معقول، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم امكان‏كون المجمع رغم كونه واحداً مشتملاً على ملاكي كلا الحكمين معاً فمع هذا لايمكن‏الحكم بصحة العبادة بالاتيان بالمجمع في مورد الاجتماع، وذلك لأن المصلحةالمزاحمة بالمفسدة فيه لاتصلح أن تكون مقربة على أساس أنها مغلوبة للمفسدةبقرينة تقديم الحرمة على الوجوب بل لاتصلح إذا كانت مساوية لها فضلاً عن‏كونها مغلوبة، فإذا كانت العبادة مشتملة على المصلحة والمفسدة المتساويتين لم‏تكن محبوبة ولا مبغوضة، ومع هذا لايمكن الحكم بصحتها لعدم صلاحيتهاللتقرّب بها.
والخلاصة: إن المصلحة المساوية للمفسدة لاتصلح أن تكون منشأً للقربة فماظنك بالمصلحة المغلوبة بها كما هو مقتضى تقديم جانب الحرمة على جانب‏الوجوب، ومن الواضح انه لا فرق في ذلك بين العالم بالحرمة والجاهل بها كان‏جهله عن تقصير أو قصور، لأن الجهل بالحرمة لايكون رافعاً لها ولايجعل‏المبغوض محبوباً هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، ان ما ذكره‏قدس سره من أن الواجب إذا كان توصلياً يحصل‏الغرض منه بمطلق وجوده ولو في ضمن فرد محرم لايمكن تصديقه مطلقاً، فإن‏الواجب التوصّلي قد لايترتب الغرض على مطلق وجوده بل على وجوده‏الخاص وهو ما إذا لم يكن في ضمن فرد محرم أو صادراً من مجنون أو صبي‏وهكذا على تفصيل ذكرناه في بحث الواجب التعبدي والتوصلي.
وأما النقطة الرابعة: وهي اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادة، فقد تقدم‏أنه لادليل على اعتباره زائداً على الحسن الفعلي بل ذكرنا أنه ليس شرطاً آخرفي مقابل الحسن الفعلي فإن اعتباره يغني عن اعتبار الحسن الفاعلي لأنه يلازمه‏ولايمكن انفكاكه عنه.
وأما النقطة الخامسة: وهي ما ذكره‏قدس سره من أن الطبيعة المأمور بها بوصف‏كونها مأموراً بها لاتنطبق على الفرد في مورد الاجتماع وتنطبق على سائر الأفرادمع أنه لا فرق بينه وبينها في الوفاء بالفرض، فهي مبنية على نقطة خاطئة وهي‏أن الأمر المتعلق بالطبيعي الجامع يسري منه إلى أحد أفراده على البدل، وحيث‏إنه لايمكن أن يكون الفرد في مورد الاجتماع متعلقاً للأمر لا تعييناً ولا تخييراًفلهذا لاتنطبق عليه الطبيعة المأمور بها بوصف كونها مأموراً بها مع أنه كسائرالأفراد في اشتماله على الملاك والوفاء بالغرض نظير ما ذكر بالنسبة إلى الفردالمزاحم للواجب الأهمّ من أن المأمور به بوصف كونه مأموراً به لاينطبق عليه‏مع أنه كسائر أفراده في الوفاء بالغرض هذا.
ويمكن أن ما ذكره‏قدس سره في هذه النقطة مبني على ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره(24)من ان اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هو باقتضاء نفس التكليف وهويقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة، وحيث إن الفرد في مورد الاجتماع‏غير مقدور شرعاً من جهة حرمته فلايكون فرداً للواجب، وأما وجه خطأ هذه‏النقطة فلأن الأمر المتعلق بالطبيعي الجامع لايسري منه إلى أفراده لاتعييناً ولاتخييراً بنكتة أن المطلوب منه صرف وجود الطبيعي دون الوجودات الخاصةعلى البدل، وعليه فتعلق الأمر بالفرد على البدل بحاجة إلى قرينة، ومن هنا قلناأنه لا مانع من تعلق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور، وعلى هذا فلا مانع‏من انطباق المأمور به بوصف كونه مأموراً به على الفرد في مورد الاجتماع إذافرض كونه مشتملاً على الملاك ووافياً بالغرض كسائر أفراده، وكذلك لا مانع‏من انطباقه كذلك على الفرد المزاحم باعتبار ان هذا الوصف وصف للمأمور به‏وهو الطبيعي الجامع ولايسري منه إلى أفراده رغم انه منطبق عليه، هذا نظيرالنوع فإنه وصف لطبيعي الانسان ولايسري منه إلى أفراده مع أنه منطبق عليهافي الخارج وعينها فيه، وأما احتمال ان ما ذكره‏قدس سره مبني على مسلك المحقق‏النائيني‏قدس سره فهو غير محتمل.
أولاً: انه خلاف مسلكه‏قدس سره.
وثانياً: ان المبني غير صحيح كما تقدم.
وثالثاً: على تقدير تسليم المبنى فمن الواضح ان التكليف لايقتضي أكثر من‏كون متعلقه مقدوراً والمفروض أن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور.
وأما النقطة السادسة: وهي ما احتمله‏قدس سره من انه يمكن أن يكون المؤثر في‏الأحكام الواقعية الفعلية الملاكات الواصلة المعلومة دون الملاكات الواقعيةبوجوداتها في الواقع فهي غير محتملة جزماً، لأنه إن اُريد بذلك أن الملاكات‏الواصلة هي المؤثرة في جعل الأحكام الشرعية وأنها غير مجعولة في الواقع قبل‏وصولها، فيرد عليه أن ذلك يستلزم التصويب، لأن معناه ان الأحكام الشرعيةتابعة لعلم المكلف بالملاكات، لفرض أنه لاأثر للملاكات الواقعية والمؤثر انما هوالملاكات‏الواصلة فوصولها بمثابة الجزءالأخير من‏العلة التامة، فيرد عليه أن‏لازم ذلك بطلان الشرع ولغوية إرسال الرسل وإنزال الكتب باعتبار أن‏الأحكام الشرعية تابعة للعلم بالملاكات الواقعية وهو تمام المؤثر فيها هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، أن لازم ذلك عدم الوصول إلى الأحكام الشرعية من‏جهة عدم الوصول إلى ملاكاتها وسد الطريق إليها، هذا إضافة إلى لزوم الدورلأن العلم بالملاكات يتوقف على العلم بالأحكام الشرعية، حيث إنه لاطريق‏إليها إلاّ من طريق العلم بها، فلوكان العلم بها متوقفاً على العلم بالملاكات لدار.
فالنتيجة، ان هذا الاحتمال غير محتمل بل هو خلاف الضرورة، وإن اُريدبذلك ان الملاكات الواصلة مؤثرة في فعلية الأحكام الشرعية المجعولة في الواقع‏بمعنى أن الشارع جعل الأحكام الشرعية على أساس ملاكاتها الواقعي