المباحث الاُصولية / ج 5
الترتب
هنا جهات من البحث:
الجهة الاُولى: ان القول بامكان الترتب عنصر أساسي لاخراج بابالتزاحم عن باب
التعارض، لا أن الترتب متوقف على ثبوت التزاحم بينالخطابين المتعلقين بالضدّين في
المرتبة السابقة، لما تقدم من أن ثبوت التزاحم بينالدليلين منوط بتوفّر عنصرين
فيهما:
الأوّل: التقييد اللبي العام بينهما، بمعنى أن كل خطاب شرعي مقيّد لبّاً
بعدمالاشتغال بضده الواجب لايقل عنه في الأهميّة.
الثاني: إمكان القول بالترتب وإلاّ فهما داخلان في باب التعارض، ولابدحينئذٍ من
الرجوع إلى مرجحات بابه، وقد سبق الكلام من هذه الناحية،وسيأتي موسعاً في باب
التعادل والتراجح إن شاء اللَّه تعالى.
الجهة الثانية: قد ذكر لمسألة الترتب ثمرتان:
الاُولى: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره(1) من أن نتيجة هذه المسألة صحة
العبادةالمزاحمة للواجب الأهم طالما لايمكن تصحيحها لا بالأمر ولا بالملاك في
المسألةالسابقة وهي مسألة الملازمة بين الأمر بشيء والنهي عن ضده، إذ لو
امكنتصحيحها في تلك المسألة بأحدهما لم تترتب على هذه المسألة ثمرة فقهيّة
اصلاً،وحيث قد عرفت أنه لايمكن تصحيحها في المسألة المذكورة لا بالأمر ولابالملاك،
أما الأول فلأن الأمر بشيء وإن لم يقتض النهي عن ضده، إلا أنه يقتضيعدم الأمر به
وإلا لزم الأمر بالضدين في عرض واحد وهو مستحيل.
وأما الثاني فلأنه لا طريق إليه بعد سقوط الأمر، فلابد إذن من اللجوء إلىهذه
المسألة لا ثبات صحتها، وغير خفي أن هذه الثمرة وإن كانت ثمرة لمسألةالترتب، إلا أن
لازم ذلك كون هذه المسألة اُصولية دون المسألة السابقة، لماذكرناه من أن الميزان في
اُصولية المسألة هو ترتب ثمرة فقهية عليها مباشرة،وحيث إنها في المقام مترتبة عليها
كذلك دون المسألة السابقة فهي اُصولية دونهامع أن السيد الاُستاذقدس سره بنى على
اُصولية المسألة السابقة لا هذه المسألة(2).
الثانية: ما ذكره بعض المحققينقدس سره(3) من أن ما ينبغي جعله ثمرة لمسألة
القولبإمكان الترتب هو عدم دخول باب التزاحم في باب التعارض، إذ لولم نقلبإمكان
الترتب لدخل باب التزاحم في باب التعارض هذا.
وقد تسأل هل فرق بين الثمرتين؟
والجواب: أنه لا فرق بينهما إلاّ في الصّياغة، فإن صياغة الثمرة الاُولى
تحكيمباشرة عن صحة العبادة المزاحمة للواجب الأهمّ أو المزاحمة للواجب المضيّقوهي
متفرّعة على الأمر بها بالترتب، باعتبار أن معنى عدم دخول باب التزاحمفي باب
التعارض على القول بإمكان الترتب، هو ثبوت الأمر بالواجب المزاحمللأهم أو المزاحم
للواجب المضيّق.
والخلاصة، أن الصيغة الاُولى تعبر عن النتيجة التي هي مترتبة على القولبإمكان
الترتب وهي صحة العبادة المزاحمة للأهم أو المضيّق، والصيغة الثانيةتعبر عما هو
منشأ هذه النتيجة ومترتب على القول بالترتب مباشرة وهو الأمربها، ومن هنا لا فرق
بين الصيغتين لباً فكلتاهما تعبران عن النتيجة الفقهيّةالمترتبة على هذه المسألة،
غاية الأمر احداهما بالمطابقة والاُخرى بالالتزام،فالاُولى وهي صحة العبادة
المزاحمة متفرعة على الثانية وهو الأمر بها ومعلولة لههذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد أشرنا في مستهل بحث الاُصول أن مسألة الضدّ علىكلا القولين
فيها ليست من المسائل الاُصولية، لما ذكرناه هناك من أن الضابطالعام لاُصولية
المسألة هو ترتب ثمرة فقهيّة عليها مباشرة، وحيث إنها لا تترتبعلى هذه المسألة
كذلك فلا يتوفر فيها ضابط الاُصولية فلا تكون منها، لأن الثمرةالفقهيّة في المقام
مترتبة على مسألة اُخرى مباشرة وهي مسألة الترتب، فتكونهذه المسألة اُصولية دون
مسألة الضدّ فإنها من المقدمات والمبادي لها.
الجهة الثالثة: إن مورد الترتب ومحله إنما هو الخطابات المتعلقان بالضدّينبالعرض
كخطاب الصلاة وخطاب الإزالة مثلاً، فإنه لا مضادة بين الصلاةوالازالة ذاتاً، ولكن
قد تتفق المضادة بينهما بسبب عامل خارجي وهو عدمقدرة المكلف على الجمع بينهما في
مقام الامتثال إذا كانت له قدرة على إحداهمافحسب دون الاُخرى، فحينئذٍ إن صرفها في
الصلاة عجز عن الازالة وانعكس فبالعكس، وأما إذا كانت بينهما مضادة ذاتاً فتقع
المعارضة بين الخطابينالمتعلقين بهما، وإن كان لهما ثالث كالسواد والبياض ولايمكن
جعلهما معاً، لماذكرناه في محله من أن الخطابات الشرعية جميعاً مجعولة على المكلف
القادر فيظرف الامتثال لباً وبحكم العقل، نعم لا يلزم أن يكون المكلف حين
الجعلقادراً، فإن كان حين الجعل عاجزاً ثم في ظرف الامتثال قادراً كفى في
صحةالجعل، ولا مبرر لأن يكون حين الجعل أيضاً قادراً، وأما إذا كان في ظرفالامتثال
عاجزاً، فلا يعقل الجعل، لأنه لغو وجزاف وإن كان حين الجعل قادراً،وعلى هذا فلا
يمكن جعل الخطابين المذكورين معاً لعجز المكلف عن امتثال كليهماكذلك، فإذن لا محالة
تقع المعارضة بينهما لا المزاحمة.
الجهة الرابعة: إن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم مترتب على عصيان الأمربالأهمّ
وترك امتثاله، ونتيجة ذلك أن الرافع للأمر بالمهم إنما هو امتثال الأمربالأهم، فإنه
حينئذٍ ينتفي بانتفاء شرطه وهو ترك امتثاله، وأما إذا كان الأمربالأهم رافعاً للأمر
بالمهم بجعله أو بفعلية مجعوله أو بوصوله أو تنجزه، ففي جميعهذه الحالات لايعقل
الترتب، لأن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم والأمربالأهم كليهما فعلي وواصل ومنجز
في زمن واحد وهو زمن ترك امتثال الأمربالأهم، أمّا الأول فمن جهة تحقق شرطه وهو عدم
امتثال الأمر بالأهم، واماالثاني فلأنه لايسقط بمجرد العصيان طالما يكون المكلف
قادراً على امتثاله ومعذلك لايلزم محذور طلب الجمع بين الضدّين، على أساس أن الأمر
بالمهم في طولالأمر بالأهم، وأما لوقلنا باستحالة الترتب وان الأمر بالضدّين في
زمن واحدمستحيل وإن كان بنحو الترتّت، فيدخل باب التزاحم في باب التعارضولايمكن أن
يعامل معهما معاملة المتزاحمين، بل لابد حينئذٍ من التعامل معهماتعامل المتعارضين،
على أساس سراية التنافي بينهما وقتئذٍ من مرحلة الامتثالإلى مرحلة الجعل، فلايمكن
جعل كلا الخطابين معاً.
امكان الترتب واستحالته ...
وقد تسأل هل يمكن رفع التنافي بينهما في مقام الامتثال على القول باستحالةالترتب
بدون أن يرجع باب التزاحم إلى باب التعارض أو لا؟
والجواب: إنه وإن كان ممكناً ثبوتاً إلا أنه لا دليل عليه في مقام الاثبات،
فانالثابت في هذا المقام إنما هو تقييد الأمر بالمهم بعدم الاشتغال بالأهم وامتثال
أمرهكما تقدم، ومع ذلك لو قلنا باستحالة الترتب، فلا يسعنا دفع هذه
الاستحالةبتقييد الأمر بالأهم زائداً على التقييد المذكور بعدم وصول الأمر بالأهم
أو عدمتنجّزه لعدم الدليل على هذا التقييد لا من العقل ولا من الشرع فلايمكن
جزافاً،نعم قد ثبت تقييد الاحكام الظاهرية لعدم وصول الاحكام الواقعيّة أو
عدمتنجّزها بأدلتها، وأما في المقام فعلى القول باستحالة الترتب، فلا دليل على
هذاالتقييد، فإذن لا محالة يدخل باب التزاحم في باب التعارض، فلايمكن جعل
كلاالحكمين معاً.
امكان الترتب واستحالته
وبعد ذلك يقع الكلام بين الاُصوليين في امكان الترتّب واستحالته، فذهبجماعة منهم
إلى استحالة الترتب منهم شيخنا الأنصاريقدس سره(4)، والمحققالخراسانيقدس سره(5)،
وفي مقابل ذلك ذهب جماعة اُخرى إلى امكانه منهم السيدالكبير الشيرازيقدس سره(6)،
والمحقق النائينيقدس سره(7)، وتبعه فيه جماعة من تلامذته،فهنا قولان في المسألة:
القول الأول: أن الترتب مستحيل، والقول الثاني: ممكن.
أما القول الأول: فقد استدل عليه بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره(8) وتوضيحه هو أن الترتب مبنيعلى
فعلية كلا الأمرين معاً هما الأمر بالأهم والأمر بالمهم، أما الأول فمن جهة
أنهمطلق وغير مشروط بشيء، وأما الثاني فمن جهة تحقق شرطه وهو ترك الأهموعصيانه،
وعلى هذا فإذا ترك المكلف امتثال الأمر بالأهم، ففي هذه الحالةيكون كلا الأمرين
فعلياً، أما فعلية الأمر بالمهم فلتحقق شرطها، وأما فعليةالأمر بالأهم فلانه لاموجب
لسقوطه بمجرد عصيانه طالما يكون المكلف متمكناًمن امتثاله، ومن الواضح أنه لا معنى
لفعلية الأمر إلا كونه محركاً للمكلف نحوالاتيان بمتعلقه، فإذن بطبيعة الحال يكون
مقتضى فعلية كلا الأمرين المذكورينطلب الضدّين وهو مستحيل، مثلاً إذا ترك المكلف
امتثال الأمر بالازالة، كانالأمر بالصلاة فعلياً من جهة فعلية شرطه مع فعلية الأمر
بالازالة في هذه الحالةأيضاً على الفرض، فإذن الأمر بالصلاة تقتضي تحريك المكلف نحو
الاتيان بها،والأمر بالازالة يقتضي تحريكه نحو الاتيان بالازالة، وهذا معنى أن
مقتضى فعليةكلا الأمرين طلب الضدّين في زمن واحد، وعليه فاستحالة الترتب تكون
منالواضحات.
والخلاصة، أن اجتماع فعلية الأمر بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم في فترةموحدة يقتضي
طلبهما فيها، لأن نسبة الأمر إلى متعلقه نسبة المقتضي إلى مقتضاهفي الخارج، وعلى
هذا فكما أن الأمر بالأهم كالازالة مثلاً يقتضي إيجاد متعلقه فيالفترة المذكورة
فكذلك الأمر بالمهم كالصلاة يقتضي إيجاده فيها، لفرض أنه فعليولا معنى لفعلية
الأمر في زمان إلا اقتضاؤه إيجاد متعلقه فيه خارجاً ودعوته إليهفعلاً، وعلى هذا
فلا محالة يلزم من اجتماعهما في زمان واحد المطاردة بينهما فيذلكالزمان من جهة
مضادة متعلقهما في الوجود فيه، مع ان الأمر بالمهم لولميقتضي طرد الأهم فلا شبهة
في أن الأمر بالأهم يقتضي طرد الأمر بالمهم، ومنالواضح أن هذا المقدار يكفي في
استحالته هذا.
وقد علق على ذلك السيد الاُستاذقدس سره(9) بأن صدور هذا الكلام منهقدس سرهغريب،
والسبب فيه هو أنه لا يعقل أن يكون الأمر بالمهم طارداً للأمر بالأهم،ضرورة أن طرده
له يبتني على أحد تقديرين لا ثالث لهما.
الأول: أن يكون الأمر بالمهم مطلقاً وفي عرض الأمر بالأهم، فعند ئذٍ لا محالةتقع
المطاردة بينهما من ناحية مضادة متعلقيهما في الخارج وعدم قدرة المكلفعلى الجمع
بينهما.
الثاني: أن يكون الأمر به على تقدير تقييده بعصيان الأمر بالأهم مقتضياًلعصيانه
وتركه في الخارج، وحينئذٍ فتقع المطاردة والمزاحمة بين الأمرين، باعتبارأن الأمر
بالمهم يقتضي عصيان الأمر بالأهم وترك متعلقه في الخارج والأمربالأهم يقتضي هدم
عصيانه ورفعه فيه.
ولكن كلا التقديرين خلاف مفروض الكلام في المقام.
أما التقدير الأول: فواضح لما مرّ من أن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمربالأهم
وترك امتثاله في الخارج ولايكون مطلقاً.
وأما التقدير الثاني: فأيضاً كذلك، لأن الحكم يستحيل أن يقتضي وجودموضوعه في الخارج
وناظراً إليه رفعاً ووضعاً.
وعلى ذلك فالأمر بالمهم حيث إنه لايكون مطلقاً ولا متعرضاً لحال موضوعهوهو عصيان
الأمر بالأهم وترك امتثاله لا وجوداً ولا عدماً بل هو ثابت علىتقدير تحققه ووجوده،
فيستحيل أن يكون طارداً للأمر بالأهم، فإنه لا اقتضاءبالاضافة إلى حالتي وجود
موضوعه وعدمه، ومن الواضح أن مالا اقتضاء فيهلايصلح أن يزاحم ما فيه الاقتضاء.
وإن شئت قلت: إن الأمر بالمهم إنما يقتضي الاتيان بمتعلقه على تقدير تركالأهم
وعصيان أمره لا مطلقاً، ومن الواضح أن اقتضائه على هذا التقدير لاينافياقتضاء
الأمر بالأهم الاتيان به والمنع عن عصيانه وتركه، لفرض أنه لا يتطلبعصيانه وإنما
يتطلب الاتيان بمتعلقه على تقدير عصيانه، واما إن هذا التقديرمتحقق أو غير متحقق
فهو غير ناظر إليه لا نفياً ولا اثباتاً، فإذن لايكون الأمربالمهم مزاحماً للأمر
بالأهم في الاقتضاء، غاية الأمر أن المكلف إذا عصى الأمربالأهم من جهة سوء سريرته
وترك امتثاله تحقق الأمر بالمهم من جهة تحققشرطه لا أنه يتطلب عصيانه، فإنه مستحيل
إذ لا وجود له قبل تحقق عصيانهحتى يقتضي تحققه. وعليه فلايعقل أن يكون الأمر
بالمهم طارداً للأمر بالأهم،فإذن المطاردة من الجانبين غير متحققة، واما الطرد من
جانب الأمر بالأهمفأيضاً لايكون، والوجه فيه أن الأمر بالأهم إنما يطارد الأمر
بالمهم فيما إذا فرضكون الأهم ناظراً إلى متعلق المهم ومستدعياً لهدمه، فحينئذٍ لا
محالة يكونطارداً له، باعتبار أنه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارج وذاك يقتضي هدمه
فيه،وبما أنه أهم منه فيطارده، ولكن الفرض أنه غير ناظر إليه، وإنما هو ناظر
إلىموضوعه ويتطلب رفعه.
وعلى هذا فلا تنافي بينهما أصلاً ليكون الأمر بالأهم طارداً للأمر بالمهم،
إذالمفروض أن الأمر بالمهم لايقتضي وجود موضوعه في الخارج وغير متعرضلحاله أصلاً
لا وجوداً ولا عدماً، ومعه كيف يكون الأمر بالأهم طارداً له، بداهةأن الطرد لايتصور
إلا في مورد المزاحمة ولا مزاحمة بين مالا اقتضاء فيه بالاضافةإلى شيء وما فيه
الاقتضاء بالاضافة إليه هذا.
للمناقشة في هذا التعليق مجال، لأن هذا التعليق يتضمن كون الأمر بالمهملايصلح أن
يكون مانعاً وطارداً للأمر بالأهم، فإن معنى كون الأمر بالمهم مانعاًوطارداً انما
هو منعه عن تأثير مقتضى الأمر بالأهم، لأن هذا هو معنى المانع،وحيث إن المقتضى
للأمر بالأهم يكون قدرة المكلف على الاتيان به وامتثالأمره، فمن الواضح أن الأمر
بالمهم لايصلح أن يمنع عن تأثير قدرة المكلفوصرفها في امتثال الأمر بالأهم، لفرض
أن صرفها فيه لايكون مشروطاً بعدمصرفها في امتثال الأمر بالمهم، باعتبار أنه يقتضي
صرفها في امتثاله بدون تعليقوتقييد، بينما يقتضي الأمر بالمهم صرفها في امتثاله
مشروطاً بعدم صرفها فيالأهم، فلذلك لايصلح الأمر بالمهم أن يمنع عن تأثير مقتضى
الأمر بالأهم وهوصرف القدرة فيه.
ولكن هذا المقدار لايكفي في دفع المطاردة والممانعة بين الأمرين الفعلييننهائياً،
فإنه إنما كان يدفع المطاردة والممانعة من الجانبين فقط وأما من جانبالأمر بالأهم
فلا.
بيان ذلك أن ما ذكرهقدس سره من أن الأمر بالأهم كالأمر بالازالة مثلاً
لايكونناظراً إلى متعلق الأمر بالمهم كالصلاة، وإنما يكون ناظراً إلى موضوعه
أيموضوع الأمر بالمهم الذي هو متعلق الأمر بالأهم، والفرض أن الأمر بالمهملايقتضي
إيجاد موضوعه غير تام، وذلك لأن مانعية الأمر بالأهم كالأزالة عنالأمر بالمهم
كالصلاة ليس بمعنى انه ناظر إلى متعلق الأمر بالمهم ويقتضي تركهحتى يكون طارداً
له، ضرورة أن كل أمر ناظراً إلى متعلقه فحسب ويقتضيالاتيان به كذلك ولا يكون
ناظراً إلى متعلق الأمر الآخر بأن يقتضي تركه،فالأمر بالازالة يقتضي الاتيان بها
ولا يقتضي ترك الاتيان بالصلاة وكذلك الأمربالصلاة، بل معنى مانعية الأمر بالأهم هو
أنه مانع عن تأثير المقتضي للأمر بالمهمويمنع عن إيجاده، وقد تقدم أن هذا هو معنى
المانع الذي يكون عدمه من اجزاءالعلة التامة، وحيث إن عدم الاشتغال بالأهم وترك
امتثاله هو مقتضى الأمربالمهم في المقام، فيكون الأمر بالأهم بلحاظ اقتضائه الاتيان
بمتعلقه والاشتغالبه يمنع عن عدم الاتيان به وترك الاشتغال.
وهذا هو معنى كون الأمر بالأهم مانعاً عن وجود مقتضى الأمر بالمهم وتحققموضوعه في
الخارج الذي نسبته إليه نسبة المقتضي إلى مقتضاه، وما أفاده السيدالاُستاذقدس سره
من التعليق لايتضمن نفي مانعيّة الأمر بالأهم عما يقتضي الأمر بالمهم،فإذن ظل محذور
المطاردة من جانب الأمر بالأهم على حاله.
وعليه فلايمكن فعلية كلا الأمرين في زمن واحد، إذ مع منع الأمر بالأهم عنمقتضى
الأمر بالمهم فلا يعقل وجوده مع فرض وجود الأمر بالأهم، لاستحالةاجتماع المانع
والممنوع في عالم الوجود في زمن واحد لاتكويناً ولاتشريعاً.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره(10) أيضاً بتقريب:
إن الأمر بالمهم وإن قلنا بأنه لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم باعتبارأنه
مشروط بعدم الاتيان به، إلا أن الأمر بالأهم يكون مانعاً عن الأمر بالمهمومعه
لايمكن فعلية كلا الأمرين معاً لاستحالة اجتماعهما في زمن واحد، بداهة أنهمع المنع
عن وجود مقتضى الأمر بالمهمّ لايعقل وجوده مع وجود مانعه وهوالأمر بالأهم هذا.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره(11) بعين ما عرفت في تعليقه على
الوجهالأول، من أن الأمر بالأهم أيضاً لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، باعتبار
أنهلايكون ناظراً إلى متعلقه لكي يكون مانعاً وطارداً له.
ولكن قد مرّ الآن أن هذا الجواب لايدفع محذور مانعية الأمر بالأهم عنالأمر بالمهم
باعتبار أنه لايتضمن نفي مانعيّته عنه.
الوجه الثالث: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره أيضاً وإليك نصّه(12):
»ثم إنه لا أظن أن يلتزم القائل بالترتب بما هو لازمه من الاستحقاق فيصورة مخالفة
الأمرين لعقوبتين، ضرورة قبح العقاب على مالايقدر عليه العبد،ولذا كان سيدنا
الاُستاذقدس سره لايلتزم به على ما هو ببالي وكنا نورد به على الترتبوكان بصدد
تصحيحه«.
وأرادقدس سره بهذا الوجه اثبات استحالة القول بالترتب على أساس استحالةالالتزام
بلازمه وهو تعدد العقاب على ترك كلا الواجبين معاً، وحيث إنه لايمكنالالتزام بهذا
اللازم على أساس أنه من العقاب على أمر خارج عن الاختيار،باعتبار أن المكلف غير
قادر على امتثال كلا الواجبين معاً حتى يستحق عقوبتينعلى ترك كليهما كذلك.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره(13) بأن هذا الوجه مبني على الخلط بينأن
يكون العقاب على ترك الجمع بين الواجبين هما الواجب الأهم والواجب المهموبين أن
يكون العقاب على الجمع في الترك، بمعنى أنه يعاقب على ترك كل منهمافيحال ترك الآخر
والمستحيل إنما هو العقاب على الأول، حيث إن الجمع بينهماغير ممكن وخارج عن قدرة
المكلف واختياره، فالعقاب على تركه يكون عقاباًعلى أمر غير مقدور وهو محال، إلا أن
القائل بالترتب لا يقول باستحقاق العقابعلى ترك الجمع بينهما، ليقال أنه محال بل
يقول باستحقاق العقاب على الجمع فيالترك وهو الجمع بين ترك الأهم والمهمّ معاً
خارجاً، والمفروض أنه مقدورللمكلف ولا يكون العقاب عليه عقاباً على غير مقدور.
والوجه في ذلك هو أن الأمر في المقام لم يتعلق بالجمع بينهما لكي يقالباستحالة
العقاب على تركه من جهة استحالة طلب الجمع بينهما، بل الأمر تعلقبذات كل واحد
منهما مع قطع النظر عن الآخر ولايرتبط أحدهما بالآخر في مقامالجعل والتعلق، غاية
الأمر قد وقعت المزاحمة بينهما في مقام الامتثال والفعلية،وحيث إن المكلف لايقدر
على الجمع بينهما في ظرف الامتثال فتقيد فعلية الأمربالمهم بعصيان الأمر بالأهم
وترك متعلقه، ونتيجة ذلك أن الأهم مطلوب علىنحو الاطلاق والمهم مطلوب في حال ترك
الأهم وعصيانه، وقد تقدم أن ذلك فيطرف النقيض مع طلب الجمع بينهما.
وعلى هذا فكل منهما مقدور للمكلف بنحو الترتب، فإنه عند اعمال قدرته فيفعل الأهم
وامتثاله لا أمر بالمهم، والمفروض أنه في هذه الحال قادر على فعلالأهم تكويناً
وتشريعاً، وعند ئذٍ لايكون العقاب على تركه وعصيان أمره عقاباًعلى مالا يقدر، وأما
مع عدم اعمالها فيه فلا مانع من اعمالها في فعل المهم، وحينئذٍلو تركه وعصى أمره
فلا مانع من العقاب عليه أيضاً لفرض أنه مقدور في هذاالحال.
فالنتيجة، إنه إذا جمع بين التركين كذلك استحق عقوبتين ولا يكون ذلك مناستحقاق
العقاب على مالا يقدر، فإذن لا مانع من الالتزام بالترتب من هذهالناحية هذا.
وغير خفي، أن ما ذكرهقدس سره من الجواب مبني على أن ملاك استحقاق العقوبةتمكن
المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال أم برفعموضوعه، فإذا أتى
المكلف بالواجب الأهم فقد تخلص عن مخالفة التكليفبالأهم بالامتثال وعن مخالفة
التكليف بالمهمّ برفع موضوعه، واما بناء على أنيكون ملاك استحقاق العقوبة تفويت
الملاك الملزم فلايتم هذا الجواب، وكذلكبناءً على أن يكون ملاك استحقاقها التمكن
من الامتثال، وسوف نشير بالتفصيلالى تلك الملاكات وبيان ما هو الصحيح منها.
هذه هي أهم الوجوه التي استدل بها على استحالة الترتب، إلى هنا قد تبيّنأنه لايتم
شيء من هذه الوجوه.
وأما القول الثاني: وهو القول بإمكان الترتب، فقد حاول المحقق النائينيقدس
سرهلاثبات امكان هذا القول ببيان عدة مقدمات، عمدتها مقدمتان(14):
الاُولى: إن الأمر بالمهم بما أنه مشروط بعصيان الأمر بالأهم وترك الاتيانبه،
فلايمكن أن يقع على صفة المطلوبيّة في فرض إيجاد الأهم في الخارج، وهذإ؛خاًيعني
أنه يستحيل وقوع الأهم والمهم كلاهما على صفة المطلوبية على فرضوقوع المحال في
الخارج، بداهة أن وقوع المهم على صفة المطلوبيّة مقيّد ومشروطبعدم وقوع الأهم في
الخارج، ومع وقوعه فيه يستحيل وقوع المهم على تلكالصفة، وإلا لزم خلف فرض كونها
مقيدة ومشروطة بعدم وقوع الأهم فيه.
ونتيجة ذلك أن فعلية كلا الأمرين معاً هما الأمر بالأهم والأمر بالمهم فيظرف عصيان
الأمر بالأهم وعدم الاتيان به في الخارج لاتستلزم طلب الجمعبين الضدين، بل هو في
طرف النقيض معه، لأن ذلك إنما يلزم إذا كان الأمر بالمهمكالأمر بالأهم مطلقاً،
وأما إذا كان مشروطاً بعدم الاتيان به وامتثال أمره فيكونفي طوله، فيستحيل أن
يستلزم طلب الجمع بينهما في الخارج، ومن الواضح أناستحالة فعلية الأمر بالضدّين
إنما هي من جهة استلزامها طلب الجمع بينهما،وأما إذا لم تستلزم ذلك كما هو المفروض
في المقام، فلا مانع منها هذا.
والجواب: أن هذه المقدمة لا تدفع الاشكال عن الترتب، لأن الاشكال ليسفي أن فعلية
الأمر بالأهم وفعلية الأمر بالمهم معاً في زمن واحد وهو زمانعصيان المكلف للأمر
بالأهم تستلزم طلب الجمع بين الضدّين، حتى يجيب بأنذلك إنما يلزم إذا كان الأمر
بالمهم كالأمر بالأهم مطلقاً وغير مشروط، وأما إذاكان مشروطاً بعدم الاتيان بالأهم
فلا يلزم هذا المحذور وهو طلب الجمع بينهما،ومن هنا لو أمكن للمكلف فرضاً الاتيان
بكليهما معاً في الخارج لم يقع على صفةالمطلوبية إلا احدهما دون الآخر بل الاشكال
أعمق من ذلك، وهو أن الأمربالمهم في هذا الحال وإن لم يكن مانعاً عن الأمر بالأهم
إلا أن الأمر بالأهم يكونمانعاً عنه، لما مرّ من أنه يمنع عن تأثير مقتضى الأمر
بالمهم ووجوده في الخارجومع منعه عنه لايعقل فعليّته، ومن المعلوم أن هذه المقدمة
لاتدفع هذه المشكلة.
وإن شئت قلت: إنه قد تقدم سابقاً أن تقييد الأمر بالمهم لباً بعدم الاشتغالبالأهم
وحده لايكفي في خروج باب التزاحم عن باب التعارض، بل يتوقفعلى ضمّ أمر آخر إليه
وهو امكان القول بالترتب، لأن التقييد اللبّي إنما يدفعمحذور طلب الجمع بين
الضدّين فقط، على أساس أنه إنما يمنع مانعية الأمر بالمهمعن الأمر بالأهم ولايدفع
مانعية الأمر بالأهم عن الأمر بالمهم.
المقدمة الثانية: أن الأمر بالأهم والأمر بالمهم وإن كانا فعليين في زمن واحدوهو
زمن عدم الاشتغال بالأهم إلا أنهما في مرتبتين طوليين، فإن الأمر بالأهميقتضي هدم
موضوع الأمر بالمهم وهو تركه، باعتبار أنه يقتضي إيجاده، وأماالأمر بالمهم فهو
لايقتضي وجود موضوعه في الخارج، لأنه إنما يقتضي وجودمتعلقه فيه على تقدير وجود
موضوعه، فلهذا ليس في عرض الأمر بالأهم لتقعالمزاحمة بينهما.
الجواب: أولاً: إن مجرد أن الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم ومتأخر عنهرتبة
لايكفي في رفع التزاحم بينهما والتمانع، فإن رفعه منوط بعدم التمانع بينهماأصلاً،
هو موجود من طرف الأمر بالأهم لأنه مانع عن الأمر بالمهم، وعليهفبطبيعة الحال يكون
متقدماً عليه رتبة قضاءً لحق العلية، فالطولية بينهما إنما هيمن جهة مانعية الأمر
بالأهم عن الأمر بالمهم، فكيف يعقل أن تكون مانعة عنوقوع المزاحمة والممانعة
بينهما. وبكلمة أن هذه المقدمة إنما تنفي مانعية الأمر بالمهمعن الأمر بالأهم أنه
لايصلح أن يكون مانعاً عنه، ولاتنفي مانعية الأمر بالأهمعن الأمر بالمهم بل هي
تؤكّد مانعيته عنه، على أساس أنه يقتضي هدم موضوعالأمر بالمهم ومقتضيه، ومع كون
الأمر بالأهم مانعاً عن الأمر بالمهم لايعقلثبوته، لاستحالة ثبوت المانع والممنوع
معاً، فإذن كيف يمكن القول بالترتبوفعلية كلا الأمرين في زمن واحد، فإن معنى ذلك
أنه لامطاردة ولا ممانعة بينهماأصلاً حتى من جانب الأمر بالأهم، مع أن الواقع ليس
كذلك، لأن الأمر بالأهمتكون طارداً ومانعاً عن الأمر بالمهم.
وثانياً: أن ملاك استحالة اجتماع الضدّين إنما هو المعيّة الزمانية لا الرتبيّة،
إذلا واقع لها إلا في عالم الذهن بتحليل من العقل وافتراضه، ومن الواضح أنالمضادة
والمعاندة بين الأشياء إنما تكمن في وجوداتها الزمانية الخارجية، فلايمكناجتماع
الضدّين في زمن واحد وإن كانا مختلفين رتبة، ضرورة أنه لا وجود لهما فيعالم الرتب
لكي ترتفع عائلة استحالة اجتماع الضدّين باختلاف الرتبة كما ترتفعباختلاف الزمان.
والخلاصة، أن نتيجة هاتين المقدمتين ليست امكان القول بالترتب وإنما هيدفع
المطاردة والممانعة من جانب الأمر بالمهم فقط دون الأمر بالأهم هذا منناحية.
ومن ناحية أخرى أن السيد الاُستاذقدس سره قد استدل على امكان الترتببوجوه:
الوجه الأول(15): إن الوجدان أصدق شاهداً على إمكان الأمر بالضدّين بنحوالترتب، ومن
الطبيعي أن الترتب لو كان محالاً كاجتماع النقيضين أو الضدّيناستحال أن يحكم
الوجدان بامكانه.
والجواب: إن مسألة الترتب من المسائل النظريّة المعقّدة العويصة وليست منالمسائل
الوجدانية حتى يكون الوجدان هو المرجع فيها ولا من المسائلالبديهيّة، والاّ لم تقع
مورد الخلاف وتضارب الآراء بين الاُصوليين نفياً واثباتاً،فإذن لامبرر لهذا الوجه.
الوجه الثاني(16): إنه لا شبهة في وقوع الترتب في الأوامر العرفيّة والشرعيةوهو أدل
دليل على امكانه.
أما في الأوامر العرفيّة الشخصية، فكما إذا أمر الأب مثلاً ابنه بالذهاب
إلىالمدرسة ويقول له إن خالفت وتركت الذهاب إليها اجلس في البيت وتقرءوتكتب فيه،
فإن هنا أمرين فعليين متعلقين بالضدّين بنحو الترتب، فلو كانالترتب مستحيلاً
استحال ذلك أيضاً، ومثله ما إذا أمر المولى عبده بخياطة ثوبهمثلاً ويقول له فإن
لم تفعل فعليك الذهاب إلى البلد الفلاني للعمل فيه، فإن هناأمرين فعليين متعلقين
بالضدّين بنحو الترتب وهكذا.
والجواب: أن الأخذ بظواهر هذه الأمثلة وما شاكلها منوط بامكان القولبالترتب في
المرتبة السابقة وعدم استحالته فيها، إذ مع ثبوت استحالة الترتب فيالواقع فلا يمكن
الأخذ بظواهرها ولابد من التصرف فيها، وبكلمة إنه إذا أمكنالقول بالترتب ثبوتاً
فيمكن الاستدلال بتلك الظواهر على وقوعه في مقامالاثبات، فإذن لابد أولاً من اثبات
امكانه في الواقع ومقام الثبوت ثم حمل هذهالأمثلة على الترتب والأخذ بظواهرها، ومن
هنا لاتلزم هذه الأمثلة القائلينباستحالة الترتب ثبوتاً بالالتزام بامكانه بل هم
يقومون بتأويلها والتصرف فيظواهرها وحملها على خلافها.
وأما الأوامر الشرعية فمنها ما إذا وجب على المسافر قصد الاقامة في بلد معيّنبنذر
أو نحوه، وحينئذٍ فإذا وصل إلى ذلك البلد قبل الزوال وما افطر في الطريق،فحينئذٍ إن
قصد الاقامة فيه، وجب عليه أن ينوي الصيام، وأما إذا خالف الأمربقصد الاقامة فيه
فتكون وظيفته الافطار، ومن المعلوم أن الأمر به مترتب علىعصيان الأمر بقصد الاقامة
وعدم الاتيان بمتعلقه وهذا هو معنى الترتب، إذ لانعني به إلا أن يكون هناك خطابان
فعليان متعلقان بالضدّين بنحو الترتب، بأنيكون احدهما مطلقاً والآخر مشروطاً
بعصيانه وما نحن فيه كذلك، فإن وجوبالافطار وحرمة الصوم مترتب على عصيان الأمر
بقصد الاقامة ولايمكن لأحدأن يلتزم في هذا الفرض بعدم جواز الافطار ووجوب الصوم
عليه، فإن ذلكانكار ضروري من ضروريات الفقه.
ومنها، ترتب وجوب تقصير الصلاة على عصيان الأمر بقصد الاقامة وتركهفي الخارج، ولا
يفرق في ترتب وجوبه عليه بين أن يكون ترك قصد الاقامة قبلالزوال أوبعده، وبذلك
تمتاز الصلاة عن الصوم.
ومنها، ما إذا حرمت الاقامة على المسافر في مكان خاص، فعندئذٍ كما أنهمكلف بترك
الاقامة في هذا المكان وهدم موضوع وجوب الصوم، كذلك هومكلف بالصوم على تقدير قصد
الاقامة وعصيان الخطاب التحريمي، حيث إنتعلّقه بقصد الاقامة مطلق وغير مشروط
بشيء، وأما الوجوب المتعلق بالصومفهو مشروط بعصيان ذلك الخطاب، وعلى هذا فإذا
عصى المكلف ذلك الخطابوقصد الاقامة فيه، فلا مناص من وجوب الصوم عليه، ومن الواضح
أن وجوبهلايمكن إلا على القول بامكان الترتب، ضرورة أنه لايمكن أن لا نلتزم
بوجوبالصوم وترتبه على عصيان الخطاب بترك الاقامة، لأن ذلك خلاف الضرورةالفقهية.
ومنها ما إذا وجب على المكلف السفر بنذر أو نحوه، ففي مثل ذلك إذا تركالسفر
عصياناً، فلا شبهة في أن وظيفته الصلاة تماماً ولايمكن القول بسقوطالصلاة عنه في
هذه الحالة أو وجوب الصلاة عليه قصراً، لأن كلا الفرضينخلاف الضرورة، فإذن يتعين
عليه وجوب الصلاة تماماً وهو مترتب علىعصيان الأمر بالسفر وترك امتثاله، وهذا
لايمكن إلا على القول بامكان الترتب.
فالنتيجة، إن وجوب الافطار في الفرع الأول مترتب على عصيان الأمربالاقامة، ووجوب
التقصير في الفرع الثاني مترتب على ترك الاقامة وعصيانأمرها، ووجوب الصوم في الفرع
الثالث مترتب على عصيان النهي عن الاقامة،ووجوب التمام في الفرع الرابع مترتب على
عصيان الأمر بالسفر.
وغير خفي أن ترتب هذه الفروعات أو ماشاكلها على عصيان المكلف ما هوواجب عليه أمر
ضروري فقهياً، إلا أنها هل تدل على أن ذلك بملاك إمكانالترتب ثبوتاً أو لا؟
والجواب: نعم أنها تدل على ذلك بوضوح، لأن المكلف إذا امتثل الأمربالاقامة فهو رافع
لموضوع وجوب الافطار ووجوب التقصير في الصلاة، كما أنهإذا ترك الاقامة المحرمة
عليه في بلد، كان ذلك رافعاً لموضوع وجوب التمام فيالصلاة ووجوب الصوم وهذا هو
معنى الترتب، لأن معناه إن امتثال الأمر بالأهمرافع لموضوع الأمر بالمهم، وعلى هذا
فهذه الفروعات الفقهية الضرورية برهانعلى امكان القول بالترتب، بملاك ان أدل دليل
على امكان شيء وقوعه فيالخارج، ولكنها إنما تكون برهاناً للقائلين بامكانه
ثبوتاً، فإن لهم اللجوء إليهاوالزام الخصم بها، وأما الخصم فعليه أن يقوم بتوجيه
هذه الفروعات وحذفهاعن مسارها وتأويلها بنحو لاتتضمن فعلية الأمر بالضدّين بنحو
الترتب.
وقد ذكر لها تأويلان:
الأول(17): إن هناك أمرين عرضيين: أحدهما بالاقامة خاصة والآخربالجامع بينها وبين
الصلاة قصراً في السفر أو الجامع بينها وبين وجوب الافطارفيه، أو ان احدهما بالسفر
خاصة والآخر بالجامع بينه وبين الصلاة تماماً وهكذا.
ونتيجة ذلك، أنه إذا ترك الاقامة والصلاة قصراً استحق عقوبتين لتركهواجبين كانا
مقدورين له، وأما لو أتى بالاقامة، فهل يستحق ثوابين باعتبار أنهامتثل أمرين:
أحدهما الأمر بالفرد وهو الاقامة.
والآخر: الأمر بالجامع بينها وبين الصلاة قصراً، لأن الجامع منطبق علىالفرد المأتي
به في الخارج وهو الاقامة باعتبار إنها أحد فرديه.
والجواب: إنه لايستحق إلاّ ثواباً واحداً، وذلك لأن استحقاق الثواب إنما هوعلى
امتثال روح الأمر وحقيقته وهي الغرض والملاك، والمفروض أنه لايقدر إلاعلى تحصيل غرض
واحد، فالنتيجة إن هذا التأويل بهذه الصيغة التي يكونالأمر فيها متعدداً إنما هو
للتفصّي والفرار عن محذور استحالة طلب الضدّين.
والجواب: إن هذا التأويل وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لايمكن حمل تلكالفروعات
الفقهية على ذلك، بداهة أن افتراض الأمرين في الفروعات المذكورةبالصيغ المتقدمة
مجرد افتراض لا واقع موضوعي له لأنه خلاف نصوص الكتابوالسنة، لأن تلك النصوص ناصّة
في أن الأمر متعلق بخصوص الصلاة قصراًوالصلاة تماماً دون الجامع بين قصد الاقامة
والصلاة قصراً بنحو التخيير أوالجامع بين السفر والصلاة تماماً كذلك، ضرورة أن
الأمر تعلق بالصلاة قصراًمشروطاً بالسفر وعدم قصد الاقامة وبالصلاة تماماً مشروطاً
بالحضر أوالاقامة.
والخلاصة: إنه لا اشعار في النصوص على أن الأمر متعلق بالجامع.
الثاني(18): أن يقال بتحريم الجمع بين التركين ترك الاقامة وترك الصلاةقصراً وترك
السفر وترك الصلاة تماماً، وحينئذٍ فيكفي في صحة الاتيان بالصلاةأن يأتي بها بقصد
التخلص من الحرام، لأنه قصد قربي، وعلى هذا فالأمربالصلاة قصراً لايكون مترتباً على
عصيان الأمر بالاقامة، وبالصلاة تماماً علىعصيان الأمر بالسفر بل هو من جهة التخلص
من الحرام، فإذا أتى بها بقصدالتخلّص منه، فقد أتى بها بقصد القربة لأنه من
العناوين القريبة.
والجواب: إن هذه الفرضية وإن كانت ممكنة ثبوتاً، إلاّ أنه لايمكن الالتزام بهافي
مقام الاثبات، لأنها خلاف الضرورة من الشرع ولايمكن حمل تلكالفروعات الفقهية
عليها، ضرورة أن الصلاة تماماً أو قصراً واجبة لا أن تركهامحرم، وكذلك الاقامة
واجبة لا أن تركها محرم وهكذا.
فالنتيجة، إن هذا التأويل بهذه الصيغة مجرد فرض لا واقع له.
الوجه الثالث: ما ذكرهقدس سره في ضمن مقدّمات(19):
المقدمة الاُولى: إنه على القول بامكان الترتب يكون كلا الأمرين المتعلقينبالضدّين
فعلياً في زمن واحد بنحو الترتب، وعلى القول باستحالته، فلايمكنفعلية كلا الأمرين
المتعلقين بهما معاً في زمن واحد ولو بنحو الترتب، وعلى هذاالأساس فإذا كان الأمر
بالأهم آنياً وغير قابل للبقاء والدوام وذلك كانقاذالغريق أو الحريق أو ما شاكل
ذلك، ففي مثله لايتوقف تعلق التكليف بالمهم علىالقول بامكان الترتب، لوضوح أن
الأمر بالأهم يسقط بعصيان المكلف في الآنالأول الذي كان بامكانه إيجاده فيه وسقوط
أمره في الآن الثاني بسقوطموضوعه، وحينئذٍ فلا مانع من تعلق الأمر بالمهم، لأن
المانع منه هو فعلية الأمربالأهم وبعد سقوطه لا مانع منه.
فالنتيجة، إن هذا الفرض خارج عن محل الكلام، لأن محل الكلام إنما هو فيتعلق الأمر
بالمهم مع فعلية الأمر بالأهم ووجوده.
وغير خفي، أن ما أفادهقدس سره من الكبرى تام، ولكن قد يناقش في تطبيق هذهالكبرى
على ما ذكرهقدس سره من المثال، وهو ما إذا وقعت المزاحمة بين صلاة العصر فيآخر
الوقت بحيث لايبقى من الوقت إلا بمقدار أربع ركعات وبين انقاذ الغريق أوالحريق،
لأن هذا المثال ليس من مصاديق هذه الكبرى، حيث إنه لا مانع منالالتزام بالترتب
فيه، لأن الأمر بالأهم لايسقط في الآن الأول بترك الانقاذوعصيان أمره فيه طالما
يكون المكلف متمكناً من انقاذ حياته في الآن الثاني،لوضوح أن الأمر بانقاذ الغريق
أو الحريق ليس آنياً بحيث يسقط في الآن الأولبسقوط موضوعه لكي لايتصور فيه الترتب،
ولكن هذه من المناقشة في المثالولا قيمة لها.
المقدمة الثانية: إن الترتب إذا كان بين الواجبين التدريجيين كالصلاة
والازالةمثلاً، فلا محالة يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً
وبقاءً،بداهة أنه لوكان مشروطاً به حدوثاً فقط لا بقاءً، بأن يكون في بقائه
مطلقاًومتحرراً، فحينئذٍ لو عصى الأمر بالأهم في الآن الأول تحقق الأمر بالمهم
منجهة تحقق شرطه، وعليه فإذا ندم في الآن الثاني وعدل عن العصيان إلى امتثالالأمر
بالأهم لزم طلب الجمع بين الضدّين في هذا الآن، لفرض أن الأمر بالمهمّمطلق فيه
وغير مشروط كالأمر بالأهم، فيقتضي كل منهما الاتيان بمتعلقه فيعرض اقتضاء الآخر
هذا.
ولكن قد يتوهم أن الترتب لايجري بين الواجبين التدريجيين، بدعوى أنالأمر بالمهم
مشروط بعصيان الأمر بالأهم وهو يتحقق في الآن الأول بالعصيانفيه، وبعد تحققه يبقى
وإن زال العصيان في الآن الثاني وتبدّل بالطاعة، وعندئذٍيلزم طلب الجمع بين الضدّين
على أساس أن كلاً من الأمرين يقتضي الاتيانبمتعلقه في عرض الآخر لا في طوله، ولكن
لا أساس لهذا التوهم لأنه مبني علىعدم تصور معنى تقييد الأمر بالمهم لعدم الاشتغال
بالأهم، وقد تقدم أن هذاالتقييد لبّي ومبني على نكتة عامة وهي أنه لايمكن أن يكون
الأمر بالضدّ مطلقاًمع الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، لأن الغرض من هذا
الاطلاق إنكان التوصل إلى الجمع بين الضدّين فهو مستحيل، وإن كان هو صرف المكلفعن
ذاك المزاحم فهو خلف فرض أنه لايقل عنه في الأهمية عند المولى، فهذهنكتة عامة
لتقييد كل خطاب شرعي بعدم الاشتغال بضدّه الواجب لايقل عنه فيالأهمية، فإذن كيف
يعقل أن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهمحدوثاً فقط، وأما بقاءً
فهو مطلق ومتحرر، ضرورة أنه مجعول من الأول فيالشريعة المقدسة كذلك، على أساس أن
جميع الخطابات الشرعية مجعولة للقادرفي ظرف الامتثال لباً أعم من أن يكون قادراً
بالقدرة التكوينية أو التشريعية،ونتيجة ذلك لا محالة تقييد كل خطاب شرعي في ظرف
الامتثال والفعلية لباًبعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى ذكر السيد الاُستاذقدس سره(20) أن جريان الترتب بين
الواجبينالتدريجيين على القول بامكان الشرط المتأخر واضح، لأن الأمر بالمهم
كالأمربالازالة مثلاً مشروط بعصيان الأمر بالصلاة في آخر الوقت حدوثاً وبقاءً،
أماحدوثاً فيكون بنحو الشرط المقارن، وأما بقاءً فيكون بنحو الشرط المتأخر،وعلى هذا
فإذا رجع المكلف عن عصيانه في الآن الثاني إلى الطاعة والشروع فيالصلاة فيه، كشف
ذلك عن عدم حدوث الأمر بالازالة من الأول، وهذا معنىأن حدوثه بها مشروط ببقاء
العصيان إلى زمان لايتمكن المكلف من الاتيانبالصلاة في الوقت، وأما القول بعدم
امكان الشرط المتأخر فيشكل جريانهبينهما، ومن هنا جعل المحقق النائينيقدس سره
الشرط عصيان الأمر بالأهم المتعقببعصيانه في الآن الثاني والثالث وهكذا إلى آخر
أزمنة امكان الاتيان بالمهم،وعليه فحيث إن الشرط هو عنوان العصيان المتعقب لا
العصيان الواقعي فيكونمقارناً لا متأخراً هذا.
والصحيح في المقام أن يقال أن الأمر بالمهم كالازالة مثلاً مشروط بعصيانالأمر
بالأهم وعدم الاشتغال به واقعاً، وهذا يعني أن الشرط هو العصيانالواقعي لا المفهوم
المنتزع من العصيان المتأخر، ومع ذلك لايكون من الشرطالمتأخر، والنكتة فيه ان الأمر
بالمهم أمر واحد في عالم الاعتبار والجعل، وأما فيعالم الفعلية والتحقق، فالموجود
إنما هو فاعليته ومحركيته نحو الاتيان بمتعلقهوهي ممتدة بامتداد متعلقه ومشروطة
بعصيان الأمر بالأهم في هذا العالم وهوالعصيان الممتد إلى آخر أزمنة امكان الاتيان
بالمهم، وحيث إن فاعلية الأمربالمهم فاعلية واحدة نحو الاتيان به، باعتبار أن
فاعليته بالنسبة إلى كل جزء منهإنما هي بفاعلية الكل لا مستقلاً وإلا لزم الخلف،
وفاعلية الكل مشروطةبعصيان الكل وعدم الاشتغال به بنحو الشرط المقارن، غاية الأمر
أن فاعليتهممتدة من بداية الاتيان بالمهم إلى نهايته بامتداد العصيان، باعتبار أن
الفاعليةالممتدة فاعلية واحدة كما أن العصيان الممتد عصيان واحد، ومن هنا إذا
عصىالمكلف الأمر بالأهم في الآن الأول ثم عدل عنه إلى طاعته واشتغل بامتثاله
فيالآن الثاني، فإنه كما يكشف عن عدم حدوث الأمر بالمهم كذلك يكشف عنعدم حدوث
شرطه، لأن العصيان الحادث في الآن الأول ليس شرطاً، فإنالشرط هو العصيان الممتد
للمشروط كذلك وليس الجزء الأول من فاعلية الأمربالمهم مشروطاً بالجزء الأخير من
العصيان، مثلاً فاعلية وجوب الازالة في الآنالأول ليست مشروطه بالجزء الأخير من
عصيان وجوب الصلاة بل هيمشروطة بالجزء المقارن من العصيان، على أساس أن مشروطيتها
به انما هيبمشروطية الكل بكل العصيان لا مستقلة.
ومن هنا قلنا أن اشتراط وجوب الصلاة بالقدرة على التكبيرة إلى التسليمةيكون بنحو
الشرط المقارن لا المتأخر، وذلك لأن الوجوب بمعنى الاعتبارلايعقل أن يكون وجوده
تدريجياً، ضرورة أنه أمر اعتباري يوجد في آنالاعتبار بوجود اعتباري ولا يتصور فيه
التدرج في الوجود، هذا بلحاظ عالمالاعتبار، وأما بلحاظ عالم الفعلية وهو عالم
الخارج فهو غير موجود، والموجودفيه إنما هو فاعليته وهي ممتدة بامتداد أجزاء
الصلاة، وفاعليته لكل جزء منهاانما هي بفاعليته للكل وهي مشروطة بالقدرة على الكل
بنحو الشرط المقارن،ففاعلية وجوب الصلاة للتكبيره إنما هي بفاعليته لكل الصلاة لا
مستقلة وإلافهو خلف، والمفروض أن فاعليته لكل الصلاة مشروطة بالقدرة على
الكلوالمقام من صغريات ذلك، فإن اشتراط الأمر بالمهم بعدم الاشتغال بالأهموعصيانه
من باب اشتراط التكليف بالقدرة شرعاً.
إلى هنا قد تبين أمران: الأول: أن ما ذكره الاُستاذقدس سره من أن الواجبين إذا
كاناتدريجيين، كان وجوب المهم مشروطاً بعصيان وجوب الأهم بنحو الشرطالمتأخر غير
تام، بل هو مشروط بعصيانه بنحو الشرط المقارن كما عرفت.
الثاني: إن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن الشرط هو العصيان المتعقب،وحيث
إنه عنوان حاصل بالفعل فيكون من الشرط المقارن غير سديد أيضاً لماعرفت من أن الشرط
هو واقع العصيان، وأما جعله العنوان الانتزاعي وهوعنوان المتعقب، فبحاجة إلى دليل
ولا دليل عليه.
المقدمة الثالثة: قد يتوهم أن القول بامكان الترتب يتوقف على القولبامكان الشرط
المتأخر، بأن يكون الأمر بالمهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهمبنحو الشرط المتأخر
حتى يجتمع الأمر بالمهم مع الأمر بالأهم في زمن واحد وهوفترة قبل عصيان الأهم،
بدعوى أنه لوكان مشروطاً به بنحو الشرط المقارن لميجتمع الأمران في زمن واحد، لأن
الأمر بالأهم قد سقط بالعصيان فيكون ثبوتالأمر بالمهم مقارناً مع سقوط الأمر
بالأهم زماناً وهذا خارج عن محل الكلام.
ولكن لا أساس لهذا التوهم أصلاً، لأنه مبني على أن الأمر يسقط بالعصيانوهذا لا
واقع له، لأن المسقط للأمر أحد أمرين:
الأول: امتثاله الموجب لسقوطه من جهة حصول الغرض منه الداعي للمولىإلى جعله.
الثاني: سقوط موضوعه، لأنه ينتفي بانتفائه ولا يعقل بقائه بعد سقوطموضوعه وانتفائه،
وأما العصيان فلا موجب لكونه مسقطاً له بعد فرض عدمحصول الغرض منه الذي هو روح
الأمر وحقيقته وكون المكلف قادراً عليه،نعم قد يكون عصيانه منشأً لعجز المكلف عن
امتثاله، فعندئذٍ يسقط بسقوطموضوعه وانتفائه، ولا موضوعية للعصيان بما هو عصيان،
فإذا وقعت المزاحمةبين الأمر بالازالة والأمر بالصلاة مثلاً في أول الوقت، كان
الأمر بالصلاةمشروطاً بعصيان الأمر بالازالة وعدم الاشتغال بها، وحينئذٍ فإذا عصى
المكلفولم يشتغل بالازالة في أول أزمنة امكانها لم يسقط الأمر بها بالعصيان فيه
طالما لميكن هناك موجب للسقوط كانتفاء الموضوع ونحوه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أنه قد يتوهم أن القول بالترتب يتوقف على عدم إمكانالقول بالشرط
المتأخر، واما على القول به فيلزم اجتماع الأمر بالضدّين في زمنواحد وهو محال،
مثلاً إذا كان عصيان الأمر بالازالة شرطاً متأخراً للأمربالصلاة، فمعناه أن الأمر
بالصلاة موجود قبل عصيان الأمر بالازالة، شريطة أنيتحقق عصيانه في ظرفه، والمفروض
أن الأمر بالازالة موجود أيضاً، فإذن يلزماجتماع الأمر بالضدّين في زمن واحد هذا.
ولكن لا أساس لهذا التوهم أيضاً، إذ لا مانع من اجتماع الأمر بالضدين بنحوالترتب
على القول بامكانه، لأن المحال إنما هو طلب الجمع بين الضدّين لا مجردالأمر بهما
بنحو الترتب، فإن مقتضاه ليس طلب الجمع بينهما بل هو في ظرفالنقيض معه، ومن هنا لو
فرض محالاً وقوعهما معاً في الخارج لم يقع على صفةالمطلوب إلا أحدهما، فإذن لا مانع
من اجتماع الأمر بالضدّين بنحو الترتب فيزمن واحد سواءً كان اجتماع الأمر بهما قبل
تحقق العصيان أو بعده أو مقارناً له.
المقدمة الرابعة: ان الأمر مطلق بالاضافة إلى حالتي وجود متعلقه وعدمه،وقد أفادقدس
سره في وجه ذلك إنه بناءً على ما قويناه من أن التقابل بين الاطلاقوالتقييد من
تقابل التضاد، فاطلاق الأمر بالنسبة إلى كلتا الحالتين ضروري علىأساس أن استحالة
تقييده بوجود متعلقه في الخارج أو عدمه فيه تستلزمضرورة اطلاقه، لأن استحالة وجود
أحد الضدّين تستلزم ضرورة وجودالآخر، وكذلك إذا كان التقابل بينهما من تقابل
الايجاب والسلب، وأما بناء علىما اختاره المحقق النائينيقدس سره من أن التقابل
بينهما من تقابل العدم والملكة، فعندئذٍيستحيل اطلاق الأمر بالاضافة إلى كلتا
الحالتين معاً، لأن تقييده بوجود متعلقهفي الخارج مستحيل فإنه من طلب الحاصل،
وتقييده بعدم وجوده فيه خلفالفرض، ضرورة أن الأمر لوكان مقيداً ومشروطاً بعدم
متعلقه في الخارج فهو بماأنه لايقتضي هدم شرطه، فمعناه أنه لا يجب الاتيان بمتعلقه،
بل الاتيان به يوجبانتفاء الأمر بانتفاء شرطه، باعتبار أنه مشروط بعدم وجوده فيه
وهذا كماترى،فإذن كما لايمكن أن يكون الأمر بالصلاة مطلقاً بالنسبة إلى حالتي وجود
متعلقهوعدمه ولا مقيداً بأحدهما بالاطلاق والتقييد اللحاظيين كذلك لايمكن
بنتيجةالاطلاق والتقييد، ونقصد بالاطلاق والتقييد اللحاظيين الاطلاق
والتقييدالثابتين بالدليل الأول، كما إذا أمر المولى باكرام العلماء، وحينئذٍ فإن
كان في مقامالبيان ولم ينصب قرنية على التقييد فهو مطلق باللحاظ الأول، وإن نصب
قرينةعليه فهو مقيد كذلك، ونقصد نتيجة الاطلاق والتقييد الاطلاق والتقييد
الثابتينبالدليل الثاني بعدما لايمكن اثباتهما بالدليل الأول كتقييد الصلاة بقصد
الأمر،فإنه بناء على استحالة هذا التقييد، فالصلاة باللحاظ الأول لا مطلقة ولا
مقيدةعلى القول بأن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة، ولكن ثبت تقييدها
أواطلاقها بالدليل الثاني، ويسمى هذا بنتيجة الاطلاق أو التقييد.
وأما في المقام فكما لايمكن التقييد والاطلاق باللحاظ الأول، فكذلك لايمكنبنتيجة
الاطلاق والتقييد، لوضوح أنه لايمكن تقييد الأمر بوجود متعلقه أوبعدمه لا بالدليل
الأول ولا بالدليل الثاني، باعتبار أن المورد في نفسه غير قابللذلك لا من جهة قصور
الدليل الأول مع قابلية المورد في نفسه لذلك حتى يمكنالاطلاق أو التقييد بالدليل
الثاني هذا.
وغير خفي أن هذه المقدمة لاترتبط بمسألة الترتب أصلاً، سواءً فيه القول بأنالتقابل
بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضاد أو الايجاب والسلب أو العدموالملكة، فإن
الأمر بالأهم سواءً أكان له اطلاق بالنسبة إلى وجود متعلقه وعدموجوده أم لا فلا
صلة له بهذه المسألة وهي مسألة الترتب، فإنها تتوقف علىاطلاق الأمر بالأهم بالنسبة
إلى حالتي اشتغال المكلف بالواجب المهم وعدماشتغاله به، ولا شبهة في أن الأمر
بالأهم مطلق بالاضافة إلى كلتا الحالتين حتىعلى مسلك المحقق النائينيقدس سره.
فالنتيجة، أن هذه المقدمة لاترتبط بمسألة الترتب، فإن المرتبط بها إنما هواطلاق
الأمر بالأهم بالاضافة إلى حالتي اشتغال المكلف بالمهم وعدم اشتغاله بهلا بالاضافة
إلى وجود متعلقه في الخارج وعدم وجوده فيه.
المقدمة الخامسة: إن الخطابات الشرعية حيث إنها مجعولة على نحو القضاياالحقيقية
للموضوع المقدّر وجوده في الخارج فهي لاتتعرض لحال موضوعها فيهلا نفياً ولا
اثباتاً، لأنها ترجع في الحقيقة إلى القضايا الشرطية مقدمها وجودالموضوع وتاليها
ثبوت المحمول له ومفادها ثبوت الحكم على تقدير وجودموضوعه في الخارج، حيث إن التالي
لايقتضي وجود الشرط وإنما يقتضيوجود متعلقه على تقدير وجود الشرط.
ونتيجة هذه المقدمة، أن الأمر بالمهم لايقتضي وجود موضوعه في الخارجوهو ترك الأهم،
وإنما يقتضي وجود متعلقه فيه على تقدير وجود موضوعه،وأما أن هذا التقدير ثابت أو لا
فهو ساكت عن ذلك، ومن هنا يكون الأمر بالمهمفي طول الأمر بالأهم.
وبكلمة، حيث إن ترك الأهم وعصيان أمره قد أخذ في موضوع الأمر بالمهم،فلا يكون الأمر
به متعرّضاً لحال موضوعه خارجاً لا وضعاً ولا رفعاً، لأنالحكم حيث إنه مجعول على
نحو القضية الحقيقية، فيستحيل أن يكون ناظراً إلىموضوعه في الخارج لا نفياً ولا
اثباتاً، وإنما هو ناظر إلى متعلقه ويستدعيوجوده في الخارج على تقدير وجود موضوعه
فيه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى أن الأمر بالأهم محفوظ في ظرف عصيانه ويقتضي هدمموضوع الأمر
بالمهم ورفعه وهو ترك الأهم وعصيانه، والمفروض أن الأمربالمهم لايقتضي إيجاد موضوعه
في الخارج لكي يكون بين الأمرين تمانعاً، فإذنلا تمانع بينهما أبداً، ولكن هذه
المقدمة كسابقتها لاتنفي مانعية الأمر بالأهم عنالأمر بالمهم وإنما تنفي مانعية
الأمر بالمهم فحسب.
لحدّ الآن قد تبين أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المقدمات لاتنتج نفي
مانعيةالأمر بالأهم عن الأمر بالمهم، وإنما تنتج أن فعلية الأمر بالضدّين بنحو
الترتبلاتستلزم طلب الجمع بين الضدّين، ولكن مجرد ذلك لايكفي في القول
بامكانالترتب بل لابد من اثبات أن الأمر بالأهم أيضاً لايكون مانعاً عن الأمر
بالمهم،وإلاّ فلايمكن القول بالترتب، ضرورة استحالة الجمع بين المانع والممنوع معاً
فيزمن واحد وجعلهما كذلك.
وهنا وجوه اُخرى للقول بامكان الترتب:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الأصبهاني(21)قدس سره وحاصله، إن الأمر بالمهم
فيمرتبة متأخرة عن الأمر بالأهم، وعليه فبطبيعة الحال يكون اقتضائه الاتيانبالمهم
في مرتبة متأخرة عن مرتبة اقتضاء الأمر بالأهم الأتيان بمتعلقه، وذلكلأن الأمر
بالمهم مترتب على ترك الأهم وعدم الاشتغال به وهو في مرتبة فعلالأهم، على أساس أن
النقيضين في رتبة واحدة، والمفروض أن فعل الأهم فيالخارج متأخر عن الأمر بالأهم
واقتضائه باعتبار أنه معلول له، فيكون الأمربالمهم واقتضائه لفعل المهم متأخراً عن
الأمر بالأهم واقتضائه فإذن لا محذور.
والجواب، أولاً: إن تأخر الأمر بالمهم عن ترك الأهم وعدم الاشتغال بهرتبة لايلازم
تأخره عن فعل الأهم الذي هو في مرتبة تركه، باعتبار أن النقيضينفي رتبة واحدة لكي
يكون متأخراً عن الأمر بالأهم أيضاً، باعتبار أنه متقدمرتبة على فعل الأهم الذي هو
معلول له، وذلك لما ذكرناه غير مرة من أن تقدمشيء على شيء آخر رتبة بعد ما كان
مقارناً معه زمناً بحاجة إلى ملاك، ولايمكنأن يكون جزافاً، مثلاً العلة متقدمة على
المعلول رتبة مع أنهما متعاصران زماناًفإنما هو بملاك العليّة وقضاء لحقها،
والمعلول متأخر عنها كذلك قضاء لحقالمعلولية، وأما عدم المعلول فهو في مرتبة وجوده
ومع ذلك لايكون متأخراً عنالعلة رتبة لعدم الملاك المبرّر لتقدّمها عليه، وعلى هذا
فالأمر بالمهم متأخر عنترك الأهم وعدم الاشتغال به بملاك تأخر الحكم عن موضوعه،
ولكن لا مبررلتأخّره عن فعل الأهم الذي هو في رتبة تركه لعدم الملاك المبرّر لتأخره
عنه،ومن هنا يظهر أنه لامبرّر لتأخر الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم لعدم الملاك
لهبعدما كان مقارناً معه زماناً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الأمر بالمهمّ متأخر عن الأمربالأهم رتبة،
إلاّ ان المضادة والمعاندة بين الضدّين تكمن في اجتماعهما في زمنواحد لا في رتبة
واحدة، إذ لا وجود لهما في عالم الرتب، على أساس أنه لا واقعموضوعي لهذا العالم
ماعدا إدراك العقل، لوضوح أن المضادة والمماثلة بينالأشياء انما هي من صفات وشؤون
وجوداتهما في عالم الزمان وهو عالم الخارج،ولهذا لاترتفع عائلة استحالة اجتماع
الضدّين باختلافهما في الرتبة إذا كان في زمنواحد فلايمكنالأمر بالضدّين فيزمن
واحد وإن أحدهما في طولالآخر، ضرورةأن ملاك الاستحالة المعية فيالزمان سواءً كانت
المعية بينهما في الرتبة أم لا.
وثالثاً: إن التضاد والتنافي بين الأمرين إنما هو من جهة التضاد والتنافي
بينمتعلقيهما في الخارج كالصلاة والازالة والصلاة وإنقاذ الغريق، وعلى هذا
فتعددالرتبة بين نفي الأمرين إن كان يدفع مشكلة الأمر بالضدّين فرضاً فهو،
وإلاّفلابد من دفع مشكلة التنافي والتضاد بين متعلقيهما، ولايمكن دفعها بتعدد
الرتبةلعدم تعددها بينهما.
وبكلمة، إن التنافي والتضاد بين الأمرين عرضي ناشيء من التنافي والتضادبين
متعلقيهما فإنه ذاتي، وعلى هذا فلابد من علاج التنافي والتضاد بين المتعلقين،فإذا
عولج التنافي والتضاد بينهما فقد عولج بين الأمرين أيضاً، باعتبار أنهبالعرض ويدور
مداره ولايمكن علاجه بتعدد الرتبة، فإنه مبني على أن فعل المهممتأخر رتبة عن فعل
الأهم ولايمكن اثبات ذلك إلاّ بقياس المساوات، بتقريبأن فعل المهم متأخر عن الأمر
به وهو متأخر عن ترك الأهم الذي هو في مرتبةفعل الأهم على أثر أن النقيضين في رتبة
واحدة.
فالنتيجة، أن فعل المهم متأخر عن فعل الأهم رتبة فلا يلزم اجتماع الضدّينفي رتبة
واحدة، ولكن قد تقدم أن نتيجة قياس المساوات في عالم الرتب عقيمةوانما تصحّ في عالم
الأزمان، فإن ما هو مع المتقدم على شيء زماناً متقدم عليهكذلك وما هو مع المتأخر
عن شيء زماناً متأخر عنه كذلك، وما هو مع المقارنلشيء زماناً مقارن معه كذلك
بينما الأمر ليس كذلك في عالم الرتب، فإن ما هو معالمتقدم على شيء رتبة ليس
متقدماً عليه كذلك، لأن عدم العلة في رتبة العلةومع ذلك لايكون متقدماً على المعلول
رتبة، وما هو مع المتأخر عن شيء رتبةلايكون متأخراً عنه كذلك كعدم المعلول، فإنه
مع كونه في رتبته لايكون متأخراًعن العلة رتبة وهكذا، وعلى هذا فلو قلنا بأن تعدد
الرتبة يكفي في رفع غائلةاستحالة اجتماع الضدّين إلاّ انه في المقام غير موجود، لأن
فعل المهم لايكونمتأخراً عن فعل الأهم رتبة فيكونا في رتبة واحدة فلايمكن
اجتماعهما فيها هذا،اضافة إلى ما عرفت من أن تعدّد الرتبة لايكفي لرفع غائلة
استحالة اجتماعالضدّين، فإن اجتماعهما محال في زمن واحد وإن لم يكن في رتبة واحدة،
لأن ملاكاستحالة اجتماع الضدّين والنقيضين إنما هو المعيّة بينهما في الزمان لا في
الرتبة، لأنالاضداد والمتناقضات بين الأشياء الخارجية إنما هي في عالم الزمان لا
في عالمالرتب لأنها من أوصافها وشؤونها في هذا العالم دون عالم الرتب، إذ لا وجود
لهافيه حتى تعرض عليها تلك الصفات. فالنتيجة، إن اجتماع الضدّين والنقيضين فيزمن
واحد مستحيل وإن كانا طوليين رتبة.
الوجه الثاني(22): ما قيل من أن إمكان القول بالترتب مبني على أن لايكونالأمر
بالأهم في رتبة الأمر بالمهم كي يقتضي الامتثال في مرتبته ويقع التنافيبينهما،
بتقريب أن الأمر بالمهم معلول لعصيان الأمر بالأهم ومترتب عليه،وسقوط الأمر بالأهم
معلول لعصيانه وعدم امتثاله ولو بنحو الشرط المتأخر،فإن العصيان كالامتثال سبب
للسقوط، وعليه فالأمر بالمهم مع سقوط الأمربالأهم في رتبة واحدة، على أساس أنهما
معلولان لعلة واحدة وهي العصيان،ونتيجة ذلك أن في مرتبة الأمر بالمهم لا أمر بالأهم
لأنها بالنسبة إلى المهم مرتبةثبوته وبالنسبة إلى الأهم مرتبة سقوطه، وهذا معنى
أنهما لايجتمعان في مرتبةواحدة حتى يقع التنافي بينهما.
والجواب: أولاً: ما تقدم من أن العصيان لايكون سبباً لسقوط الأمر، لأنسقوطه إمّا
أن يكون بالامتثال وحصول الغرض أو بانتفاء موضوعه لابالعصيان، إذ لا مبرّر لسقوطه
به طالما يكون المكلف قادراً على امتثاله، ونقصدبالسقوط هنا سقوط فاعلية التكليف
ومحرّكيته لا سقوطه جعلاً.
وثانياً: ما عرفت من أن تعدد المرتبة لايدفع محذور غائلة اجتماع الضدّينطالما يكون
اجتماعهما في زمان واحد فإنه مستحيل وإن اختلفا في الرتبة، فإذنعلاج مشكلة استحالة
الاجتماع منوط بتعدد الزمان وعدم المعيّة فيه، هذا،اضافة إلى أن هذا الدليل إنما
يثبت تعدد الرتبة بين الأمرين هما الأمر بالمهموالأمر بالأهم لابين المتعلقين،
والمفروض أن التضاد بين الأمرين إنما هو من جهةالتضاد بين المتعلقين في الخارج،
وهذا الدليل لايعالج مشكلة التضاد بينهما فيهحتى يدفع غائلة التمانع والتضاد بين
الأمرين.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن جميع المقدمات والأدلةالتي استدل
بها للقول بامكان الترتب ليست على مستوى واحد في دفع مشكلةالترتب وإن كانت جميعها
مشتركة في نقطة واحدة وهي أنها لاتدفع المشكلةنهائياً.
والتحقيق في المقام أن يقال إن إمكان القول بالترتب وعدم استحالته من كلالجهات
منوط بتوفّر اُمور:
الأول: إنه لاتنافي بين ذات الأمر بالمهم وذات الأمر بالأهم بما هما اعتباران،إذ
التنافي والتضاد لايتصور بين الأمور الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لهاماعدا
اعتبار المعتبر في عالم الاعتبار والذهن، والتنافي إنما هو بين اقتضاء كلمنهما مع
اقتضاء الآخر في مرحلة الفعلية.
الثاني: إن الأمر بالمهم لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم وطارداً له،باعتبار
أنه مشروط بعدم الاشتغال بالأهم وترك امتثال أمره على أساس نكتةعامة، وهي أن كل
خطاب شرعي مقيّد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب لايقلعنه في الأهمية، وعلى هذا
فالأمر بالمهم إنما يقتضي الاتيان بمتعلقه على تقديروجود موضوعه في الخارج وهو ترك
امتثال الأمر بالأهم وعصيانه، وأما أن هذاالتقدير ثابت أولاً فهو ساكت عنه وغير
ناظر إليه، بينما الأمر بالأهم يقتضي هدمموضوع الأمر بالمهم وعليه فهو مانع عنه،
لأن معنى كون شيء مانعاً عن آخرهو منعه عن تأثير مقتضيه فيه الذي هو شرطه وموضوعه،
أو فقل: إن الأمربالمهم يستحيل أن يكون مانعاً عن الأمر بالأهم لأنه متفرّع على ترك
الأهم بعدوجوده، فكيف يعقل أن يكون مانعاً عن تأثير مقتضيه فيه وإلاّ لزم أن
يكونعدم الأمر بالأهم مستنداً إلى الأمر بالمهم وهو كما ترى.
الثالث: إن الأمر بالأهم أيضاً لايصلح أن يكون مانعاً عن الأمر بالمهموطارداً له،
لأن الأمر بالأهم يقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج كما هو شأن كلأمر، ولازم ذلك
أنه يقتضي المنع عن عصيانه بمفاد كان التامة وترك امتثاله الذيهو موضوع الأمر
بالمهم والشرط له، ولكن إذا فرض تحقق الترك في الخارجبمفاد ليس التامة عصياناً،
ترتب عليه الأمر بالمهم قهراً على أساس أنهموضوعه، وترتب الحكم على موضوعه أمر
قهري كترتب المعلول على العلةالتامة وإلاّ لزم خلف فرض كونه موضوعاً له، ومن الواضح
أن الأمر بالأهملايقتضي المنع عن ذلك، فإنه إنما يقتضي المنع عن ترك متعلقه في
الخارج بمفادليس التامة، وأما إذا تحقق هذا الترك في الخارج كذلك فهو لايمنع عن
تأثيره فيحكمه وترتبه عليه بمفاد كان الناقصة، كيف فإن تأثيره فيه وترتبه عليه
كتأثيرالعلة في المعلول وترتبه عليها غير قابل للمنع شرعاً، وعليه فلايعقل أن
يكونالأمر بالأهم مانعاً عنه لأنه خارج عن مدلوله ودائرة اقتضائه، فإنه إنما
يقتضيالاتيان بمتعلقه في الخارج ولازم ذلك اقتضائه المنع عن تركه، وأما إذا ترك
فيهفهو لايمنع عن ترتب أثره عليه وهو الأمر بالمهم من باب ترتب الأثر على
المؤثروالحكم على موضوعه لأنه أمر قهري وغير قابل للمنع، وهذا معنى أن الأمربالأهم
لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، فإن المعنى المانع الذي يكون عدمه جزءالعلة التامة
هو منعه عن تأثير المقتضى، والمفروض أن الأمر بالأهم يمنع عنإيجاد مقتضى الأمر
بالمهم لا عن تأثيره وترتب أثره عليه بعد تحققه ووجوده،مثلاً الأمر بالصلاة في آخر
الوقت يقتضي إيجادها في الخارج، ولازم ذلك هومنعه عن تركها وعدم الاشتغال بها الذي
هو موضوع الأمر بالازالة وشرطهبمقتضى التقييد اللبّي العام، ومعنى ذلك أن الأمر
بالصلاة يقتضي هدم موضوعالأمر بالازالة، والمفروض أن الأمر بالازالة لايقتضي
إيجاده حتى يكون منافياًللأمر بالصلاة، وأما إذا ترك المكلف الصلاة عصياناً فيترتب
عليه الأمر بالازالةمن باب ترتب الحكم على موضوعه، وإلاّ فما فرض أنه موضوع له
ليسبموضوع له وهذا خلف، ومن الطبيعي أن الأمر بالصلاة لايمنع عن تأثيره فيهوترتبه
عليه بعد تحققه، لأن مردّ هذا المنع إلى المنع عن ترتب الأمر بالمهم عليه،ومعنى هذا
أنه ليس موضوعاً له وهو خلف.
وبكلمة، أن الأمر بالأهم لوكان مانعاً عن الأمر بالمهم فلايخلو من أن يكونمانعاً
عن تأثير مقتضيه فيه في حال عدم وجود الأمر بالمهم أو في حال وجودهوكلا الفرضين
لايمكن.
أما الفرض الأول فهو غير معقول، لأن المانع عن تأثير المقتضي لابد أنيفترض عند
ثبوت ذلك المقتضي في ظرفه وإلاّ فلا يعقل أن يتصف المانعبالمانعية، فإنه إنما يتصف
بها عند ثبوت المقتضي، بحيث لولا المانع لأثر أثره،وعلى هذا فالأمر بالأهم إنما
يكون مانعاً عن الأمر بالمهم عند ثبوت مقتضيه وهوترك الأهم، ومن المعلوم أنه يتحقق
عند ثبوته، ومعه كيف يعقل أن يكون الأمربالأهم مانعاً عنه، إذ لايتصور كونه مانعاً
عنه في حال وجوده وثبوته.
وأما الفرض الثاني فهو أيضاً غير معقول، لأن فرض وجود الأمر بالمهممعناه تحقق ترك
الأهم الذي هو الموضوع للأمر بالمهم، ومن الواضح أن معنىهذا الفرض هو أن الأمر
بالأهم في هذا الظرف أي ظرف تركه لايؤثر في إيجادمتعلقه بل يستحيل تأثيره فيه، لأن
إتصاف الأمر بالأهم في ظرف تركه بالمانعيّةمستحيل، فإن الأمر بالمهم في هذا الظرف
موجود على أساس وجود موضوعهفيه، ومع وجوده بوجود موضوعه لايعقل أن يكون الأمر
بالأهم مانعاً عنتأثيره فيه، ضرورة أن معنى كونه مانعاً عنه أنه لا وجود له، ومعنى
وجودهبوجود موضوعه أنه يستحيل أن يكون مانعاً عنه.
والخلاصة، ان الأمر بالأهم وإن كان في نفسه يقتضي إيجاد متعلقه في الخارجبمفاد كان
التامة والمنع عن تركه، إلا أنه لايقتضي المنع عن تأثير الترك في الأمربالمهم
وترتبه عليه بمفاد كان الناقصه، لأنه خلف وفرض كونه موضوعاً له،وهكذا يتبرهن أنه لا
تمانع بين الأمرين لا من الطرفين ولا من طرف واحد، هذاكله فيما إذا كان الترتب من
جانب واحد، وأما إذا كان من الجانبين كما إذا كانالواجبان المتزاحمان متساويين في
الأهمية، فقد ظهر مما تقدم أنه لا فرق في إمكانالقول بالترتب بين أن يكون من جانب
واحداً أو من جانبين، لأن ما ذكرناه منالبرهان على عدم التمانع بين الأمرين لا من
الطرفين ولا من طرف واحد في البابالأول بعينه يجري في الباب الثاني، فإذا فرضنا أن
الصلاة مع الازالة في مستوىواحد، فإذا وقعت المزاحمة بينهما، كان الأمر المتعلق
بكل منهما مقيّداً لباً بعدمالاشتغال بالاُخرى، على أساس ما عرفت من أن كل خطاب
شرعي مقيداً لباًبعدم الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، وعلى هذا فالأمر
بالصلاةمشروط بعدم الاشتغال بالازالة وترك امتثال أمرها، والأمر بالازالة مشروطبترك
الصلاة وعدم الاشتغال بها، وكل من الأمرين يقتضي إيجاد متعلقه فيالخارج بمفاد كان
التامة، ولازم هذا اقتضاء كل منهما هدم موضوع الاُخرى وهوالترك، ولكن كل منهما
لايصلح أن يكون مانعاً عن الاُخرى، فإن معنى المانع هوالمنع عن تأثير المقتضي،
مثلاً الأمر بالصلاة إنما يقتضي إيجادها في الخارج والمنععن تركها ولايقتضي المنع
عن تأثير مقتضي الاُخرى وهو تركها وعدم الاشتغالبها، وإنما يقتضي المنع عن الترك
بمفاد ليس التامة، وأما إذا تحقق ترك الصلاة فيالخارج فهو مؤثر في الأمر بالازالة
وترتبه عليه بملاك ترتب الحكم علىموضوعه، ولايمكن أن يكون الأمر بالصلاة مانعاً عن
ترتب الأمر بالازالة علىتركها بمفاد كان الناقصة وبالعكس لأنه خلف فرض كونه
موضوعاً له.
وإن شئت قلت: إن كلاً من الأمر بالصلاة والأمر بالازالة يقتضي إيجاد متعلقهفي
الخارج مباشرة، ولازمه اقتضاء كل منهما المنع عن تركه وعدم الاشتغال به،وأما إذا
ترك المكلف الصلاة في الخارج عصياناً فيترتب عليه أثره وهو الأمربالازالة ترتب
الحكم على موضوعه، ولا يكون الأمر بالصلاة في هذا الظرفمانعاً عن ترتب هذا الأثر
وإلاّ لزم الخلف.
والخلاصة، إن الأمر بالصلاة وإن اقتضى المنع من الترك حدوثاً وبقاءً إلاّ
أنهلايقتضي المنع عن ترتب أثره عليه عند تحققه، لأنه من ترتب المشروط علىشرطه
والحكم على موضوعه، ولا يعقل أن يكون الأمر بالصلاة في ظرف تركهامانعاً عن تأثير
مقتضى الأمر بالازالة، لأن الأمر بالازالة في هذا الظرف موجودبوجود مقتضيه وموضوعه
و هو تركها، ومعه يستحيل أن يكون الأمر بالصلاةمانعاً عن تأثيره فيه بمفاد كان
الناقصة، وإلاّ لزم خلف فرض كونه موجوداًبوجود مقتضيه، لأن فرض المانع عنه فرض عدم
وجوده وفرض وجوده فرضعدم المانع، فكيف يعقل الجمع بينهما، وكذلك الحال في الأمر
بالازالة، فالنتيجةأنه لامانع من الالتزام بالترتب من الجانبين ولايلزم من فعلية
الأمرين بنحوالترتب من الطرفين محذور طلب الجمع بين الضدّين ولا التمانع بين
الأمرين فيهذا الظرف.
إلى هنا قد تبيّن أنه لا فرق في إمكان القول بالترتب بين أن يكون من جانبواحد أو
من جانبين، لأن الجهة الرئيسية لامكان هذا القول وعدم استحالتهواحدة في كلا
البابين بلا فرق بينهما، ولكن مع هذا قد يقال كما قيل باستحالةالتربت من الجانبين
وإن قلنا بامكانه من جانب واحد، وقد قرب ذلك بأحدبيانين:
الأول: ما ذكره المحقق العراقيقدس سره(23) بتقريب إن الترتب من الجانبين
وجعلالأمر في كل من الخطابين مشروطاً بعصيان الآخر يستلزم الدور، وذلك لأنالأمر
بالصلاة متوقف على عصيان الازالة وهو متوقف على الأمر بها فعلاً وإلاّ لميتحقق
عصيان، فالنتيجة أن الأمر بالصلاة يتوقف على الأمر بالازالة وكذلكالحال في طرف
الازالة، فإن الأمر بها يتوقف على عصيان الصلاة وهو يتوقفعلى الأمر بها فعلاً
وإلاّ لم يتحقق عصيان، فالنتيجة أن الأمر بالازالة يتوقف علىالأمر بالصلاة، وهذا
هو الدور.
والجواب: إن تخيل الدور في المقام مبني على الخلط بين ما هو شرط واقعاً ولباًلكل من
الأمرين وما هو منتزع منه كعنوان العصيان، فإن الشرط في الحقيقةللأمر بالصلاة هو
ترك الازالة وعدم الاشتغال بها كما أن الشرط للأمر بالازالةهو ترك الصلاة حقيقة
وعدم الاشتغال بها وهو لايتوقف على الأمر بها حتىيلزم الدور.
وعلى الجملة فالأمر المتعلق بكل من الصلاة والازالة مقيّد واقعاً ولباً
بعدمالاشتغال بالاُخرى، على أساس نكتة عامة وهي أن كل خطاب شرعي مقيّد لباًبعدم
الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية.
فالنتيجة، إن العصيان ليس بشرط والتعبير عنه بالشرط إنما هو بنكتة أنهمنتزع منه،
وأما ما قيل من أن الشرط هو العصيان التقديري بمعنى أن الأمربالصلاة مشروط بعصيان
الأمر بالازالة اللولائي أي لوكان هناك أمر بالازالةكان المكلف عاصياً وكذلك الأمر
بالعكس، والفرض أن العصيان التقديريلايتوقف على الأمر الفعلي فهو مجرد افتراض
للتفصّي عن اشكال الدور وإلا فلاواقع له، ضرورة أنه لوكان الشرط العصيان فهو
العصيان الفعلي لا التقديري.
الثاني(24): أن الترتب من الجانبين يستلزم الدور بتقريب آخر، وهو أن فعلالصلاة
يتوقف على وجود الداعي إليه وهو يتوقف على فعلية الأمر بها وهيتتوقف على ترك
الازالة الموقوف على عدم الداعي إلى الازالة وهو يتوقف علىعدم فعليّة الأمر بها
الموقوف على فعل الصلاة.
فالنتيجة، إن فعل الصلاة يتوقف على فعل الصلاة وكذلك الحال في طرفالازالة وهذا هو
الدور اللازم على القول بالترتب من الجانبين.
والجواب: إن ترك الازالة لايتوقف على عدم وجود الداعي إليها بل يكفي فيتركها وجود
الداعي إلى الصلاة، على أساس أن الموجود في نفس المكلف هناداع واحد نحو الجامع بين
الفعلين هما الصلاة والازالة، ولايمكن أن يكون فينفسه داعيان في عرض واحد. أحدهما:
الداعي إلى إيجاد الصلاة والآخر:الداعي إلى إيجاد الازالة بعد مالايمكن الجمع
بينهما، فإذن بطبيعة الحال يكونالداعي واحداً وهو الداعي إلى الجامع، فإذا تحقق في
نفس المكلف الداعي إلىوجود الصلاة فترك الازالة لايحتاج إلى داع آخر بل يكفي في
تركها وجودالداعي إلى الصلاة، وعليه فلا دور في البين.
والخلاصة، إن توهم الدور في المقام مبني على أن يكون هناك داعيان في نفسالمكلف
فعلاً، أحدهما: نحو إيجاد الصلاة. والآخر: نحو إيجاد الازالة فعندئذٍ يلزمالدور،
لأن إيجاد الصلاة يتوقف على وجود الداعي إليها وهو يتوقف على تعلقالأمر بها فعلاً
وهو يتوقف على ترك الازالة وهو يتوقف على عدم الداعي إليهاوهو يتوقف على إيجاد
الصلاة وكذلك الحال في طرف الازالة، وأما إذا كان هناكداع واحد نحو الجامع بينهما
كما هو كذلك في المقام فلا يلزم الدور، لأن تطبيقذلك الداعي على أيّ من الفعلين
بيد المكلف، على أساس أنه كان يعلم بأن لهقدرة واحدة، فإن صرفها في أحدهما عجز عن
الآخر وبالعكس، فلهذا يكونمخيراً في مرحلة الامتثال والتطبيق بينهما.
فالنتيجة، إن كلا الاشكالين في غير مورده، فإذن لافرق بين الترتب منجانب واحد
والترتب من الجانبين هذا.
ولكن قد يقال(25) بإمكان القول بالترتب من الجانبين وإن قلنا باستحالته منجانب
واحد، بتقريب أن إمكان القول بالترتب من جانب واحد متوقف علىأمرين:
الأول: عدم مانعية الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم.
الثاني: عدم مانعية الأمر بالأهم عن الأمر بالمهم، وأما القول بإمكان الترتبمن كلا
الجانبين، فيكفي فيه ثبوت الأمر الأول فقط وهو عدم مانعية الأمر بالمهمعن الأمر
بالأهم وإن أنكرنا الأمر الثاني.
نتائج البحث ...
وفيه، أن هذا التقريب غير صحيح، فإن الأمر بالمهم لايكون مانعاً عن الأمربالأهم
جزماً، وأما أنه غير مانع عن الأمر بالمهم المساوي له أيضاً، فهو أولالكلام بل
حاله في المانعيّة عنه حال الأمر بالأهم بالنسبة إليه.
والخلاصة، إن كلاً من الأمرين المتساويين يصلح أن يكون مانعاً عن الآخركالأمر
بالأهم، فإذن لا فرق بين أن يكون الترتب من جانب واحد أو منجانبين، فإنه متوقف على
تمامية الأمرين:
أحدهما: عدم مانعية الأمر بالصلاة مثلاً عن الأمر بالازالة.
والآخر: عدم مانعية الأمر بالازالة عن الأمر بالصلاة، بلا فرق في ذلك بين أنيكونا
متساويين أو أحدهما أهمّ من الآخر.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنه لا مانع من تعلق الأمرينبالضدّين
كالصلاة والازالة بنحو الترتب ولا يلزم منه طلب الجمع بين الضدينلأنه في الطرف
النقيض معه، ومن هنا لو فرض وقوع كليهما معاً في الخارج فرضاًلم يقع على صفة
المطلوبيّة إلاّ احدهما، ولا التنافي والتمانع بينهما لا من جانبواحد ولا من
الجانبين في مرحلة الاقتضاء بمعنى، كما أن الأمر بالمهم لايكونمانعاً عن الأمر
بالأهم، كذلك الأمر بالأهم لايكون مانعاً عن الأمر بالمهم، ولاكل منهما مانعاً عن
الآخر بمستوى واحد إذا كانا متساويين، فلهذا لا مناص منالالتزام بإمكان القول
بالترتب بلا فرق بين أن يكون من جانب واحد أو منالجانبين.
نتائج البحث عدة نقاط:
الاُولى: إن القول بإمكان الترتب عنصر أساسي لاخراج باب التزاحم عنباب التعارض.
الثانية: قد ذكر لمسألة الترتب ثمرتان:
1 - ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن ثمرة هذه المسألة صحّة العبادة
المزاحمة،وفيه أن هذه الثمرة وإن كانت ثمرة لها إلاّ أن لازم ذلك كونها مسألة
اُصولية دونمسألة الضدّ.
2 - ما ذكره بعض المحققينقدس سره من أن ما يترتب على هذه المسألة من الثمرة هوخروج
باب التزاحم عن باب التعارض، وفيه أنه لا فرق بين الثمرتين، لأنّمرجعهما لباً
وروحاً واحد وإن كان فرق بينهما في صيغة البحث على تفصيلتقدم.
الثالثة: إن البحث عن الترتب إمكاناً واستحالة إنما هو بين الخطابين
المتعلقينبالضدّين العرضيين كالصلاة والازالة المتزاحمين في مرحلة الامتثال، وأما
إذاكانا متعلقين بالضدّين الدائميين فهما داخلان في باب التعارض وخارجان عنباب
التزاحم وإن كان بينهما ثالث.
الرابعة: إن معنى الترتب هو أن الأمر بالمهم مترتب على ترك الأهمومشروط به، وعلى
هذا فالرافع للأمر بالمهم هو الاتيان بالأهم وعدم امتثالأمره لا جعله ولا وصوله
ولا تنجّزه ولا فعليته وإلاّ فلايتصور الترتب بينهما وهوفعلية كلا الأمرين معاً في
زمن واحد مترتباً.
الخامسة: إن هناك قولين في المسألة:
الأول: إن الترتب مستحيل.
الثاني: إنه ممكن وغير مستحيل.
السادسة: إن القائل بالاستحالة قد استدل عليها بوجوه:
الأول: إن معنى الترتب هو فعلية كلا الأمرين المتعلقين بالضدّين هما الأمرالمترتب
والأمر المترتب عليه، ولا معنى لفعلية الأمر إلاّ كونه محركاً نحو الاتيانبمتعلقه،
ومن الواضح أن محركية كلا الأمرين نحو الاتيان بمتعلقيهما من طلبالضدّين وهو محال،
وقد اُجيب عن ذلك بأن المحال هو طلب الجمع بين الضدّين،وفعلية الأمرين بالضدّين
بنحو الترتب لاتستلزم ذلك، لأن اقتضاء الأمر بالمهمالاتيان بمتعلقه إنما هو في فرض
عدم الاتيان بالأهم لا مطلقاً لكي يلزم طلبالجمع بين الضدّين بل هو في طرف النقيض
معه، وهذا الجواب وإن كان يدفعمحذور طلب الجمع بين الضدّين إلا أنه لايدفع محذور
الممانعة بين الأمرين مطلقاً.
الثاني: إن الأمر بالمهم وإن لم يكن مانعاً عن الأمر بالأهم ولكن الأمر بالأهممانع
عنه، وهذا يكفي في استحالة الترتب، واُجيب عن ذلك بنفس الجوابالمتقدم.
الثالث: إن القائل بالترتب لايمكن أن يلتزم بلازمه وهو تعدد العقاب لأنه منالعقاب
على مالايقدر، وقد اُجيب عن ذلك بأن العقاب إنما هو على الترك، وكلاالتركين مقدور
هما ترك الأهم ثم ترك المهمّ، وهذا الجواب مبني على أن ملاكاستحقاق العقاب تمكن
المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف، ولكنالصحيح أن ملاك استحقاق تفويت الملاك
الذي هو حقيقة الحكم كما تقدم.
السابعة: إن المحقق النائينيقدس سره قد حاول لاثبات إمكان القول بالترتب
بتقديمعدة مقدمات عمدتها مقدمتان:
الاُولى: إن الأمر بالمهم بما أنه مشروط بعدم الاتيان بالأهم، فلايمكن وقوعالأهم
والمهم معاً على صفة المطلوبية في الخارج على فرض وقوعهما فيه بفرضالمحال، فلهذا
لايلزم من فعلية الأمرين بهما بنحو الترتب معاً في زمن واحد طلبالجمع بينهما.
وفيه إن هذه المقدمة وإن كانت تدفع مانعية الأمر بالمهم عن الأمر بالأهم، إلاّأنها
لاتتضمن دفع صلاحية مانعية الأمر بالأهم من الأمر بالمهم.
الثانية: إن الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم لا في عرضه لتقع المزاحمة بينهما.
وفيه، إن مجرد كون الأمر بالمهم في طول الأمر بالأهم لايكفي لدفع محذورالمزاحمة
والممانعة بينهما، لأن الأمر بالمهم وإن لم يكن مانعاً عن الأمربالأهم، باعتبار أنه
في طوله رتبة إلا أن الأمر بالأهم يصلح أن يكون مانعاً عنهوهو يكفي لاستحالة القول
بالترتب، هذا اضافة إلى أن ملاك استحالة اجتماعالضدّين إنما هو المعيّة الزمانية
لا الرتبيّة.
الثامنة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد استدل على امكان القول بالترتب بوجوه:
الأول: بالوجدان وأنه أصدق شاهد على إمكانه، وفيه إن مسألة الترتب منالمسائل
النظرية المعقّدة وليست من المسائل الوجدانيّة.
الثاني: وقوع الترتب في الأوامر العرفية والشرعية، وفيه إن تلك الأوامر وإنكانت
واضحة الدلالة على وقوع الترتب إلا أنها إنما تكون دليلاً وبرهاناً
للقائلينبامكانه، فإن لهم الزام الخصم بها، وأما الخصم وهو القائل بالاستحالة
فلابد أنيقوم بتوجيه تلك الأوامر ورفع اليد عن ظواهرها، فإنها مهما كانت
لاتقاومبرهان استحالة طلب الضدّين.
الثالث: إنهقدس سره قد ذكر عدة مقدمات:
الاُولى: إن الترتب إنما يمكن بين أمرين متعلقين بالضدّين إذا لم يكن أحدهماأو
كلاهما آنياً وإلا فلايعقل.
الثانية: إن الترتب إذا كان بين الواجبين التدريجيين كالصلاة والازالة، كانوجوب
المهم مشروطاً بعصيان الأمر بالأهم حدوثاً وبقاءً بنحو الشرطالمتأخر، ولكن هذه
المقدمة غير صحيحة، لا من جهة أن الأمر بالمهم مشروطبعصيان الأمر بالأهم حدوثاً
وبقاءً، بل من جهة ان اشتراطه بعصيانه بقاء ليسبنحو الشرط المتأخر على تفصيل تقدم،
وما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أنالشرط إنما هو العصيان المتعقّب، بحاجة إلى
دليل بل الشرط واقع العصيان أيترك الأهم لامفهومه المنتزع، ومع هذا يكون بنحو
الشرط المقارن.
التاسعة: إن ما يتوهم من أن الترتب مبني على القول بإمكان الشرط المتأخرلا أصل له
كما تقدم.
العاشرة: إن إطلاق الأمر بالنسبة إلى حالتي وجود متعلقه وعدم وجودهضروري، بناءً
على أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل التضادّ أو الإيجابوالسّلب، فإن
استحالة أحد الطرفين تستلزم ضرورة الطرف الآخر، وأما بناءًعلى أن التقابل بينهما من
تقابل العدم والملكة، فاستحالة التقييد تستلزم استحالةالاطلاق، ولايمكن الاطلاق
والتقييد على هذا القول لا بالدليل الأول ولا بنتيجةالاطلاق والتقييد باعتبار أن
المحل غير قابل لذلك.
الحادية عشر: إن الأمر بالمهم حيث إنه قد أخذ في موضوعه عصيان الأمربالأهم، فلايكون
ناظراً إليه لا وجوداً ولا عدماً كما هو الحال في كل قضيّةحقيقية، وعلى هذا فالأمر
بالمهم يدل على وجوب الاتيان، بمتعلقه على تقديرعصيان الأمر بالأهم وتركه في الخارج
ولا يقتضي تركه حتى ينافي الأمر بالأهم،وفيه ما تقدم من أن هذا الوجه كسابقه، فلا
يدفع محذور صلاحية مانعية الأمربالأهم عن الأمر بالمهم.
الثانية عشر: إن الأمر بالمهم متأخر عن ترك الأهم رتبة، وحيث إنه في مرتبةفعله فهو
متأخر عنه كذلك، وعليه فاقتضائه لفعل المهم متأخر عن اقتضائه لفعلالأهم رتبة، فإذن
لا مزاحمة ولاممانعة بينهما في الاقتضاء.
وفيه، أولاً: إنه لاملاك لتأخر الأهم بالمهمّ عن فعل الأهم رتبة بعدما كانمعاصراً
له زماناً، وكذلك لاملاك لتأخر اقتضائه فعل المهم عن اقتضائه فعلالأهم بعدما كانا
معاصرين زماناً، لأن اقتضائه لايكون معلقاً على عدم اقتضائهحتى يكون متأخراً عنه
رتبة.
وثانياً: إنه لا أثر للطولية الرتبية، فإن ملاك استحالة اجتماع الضدّين إنما
هوالمعيّة الزمانية لا الرتبية.
وثالثاً: إن التضاد والتنافي بين الأمرين بما هما اعتبار يكون بالعرض
ومنشأهالتضادّ والتنافي بين متعلقيهما وهو لايمكن علاجه بتعدد الرتبة.
الثالثة عشر: قد يقال كما قيل إن التربت مبني على أن الأمر بالأهم لايكون فيرتبة
الأمر بالمهم، باعتبار أن عصيان الأمر بالأهم كما أنه علّة لوجود الأمر بالمهمكذلك
علة لسقوط الأمر بالأهم، فإذن يكون الأمر بالمهم في مرتبة لا أمر بالأهمفيها،
وفيه، أولاً: إن العصيان لايوجب سقوط الأمر، وثانياً: إن تعدد المرتبةلايدفع محذور
غائلة اجتماع الضدّين طالما يكونا في زمن واحد.
مسألة العقاب على القول بالترتب ...
الرابعة عشر: إن أساس إمكان القول بالترتب مبني على عدم المضادّةوالممانعة بين
الأمر بالمهمّ والأمر بالأهم من كلا الجانبين، فكما إن الأمر بالمهملايكون مانعاً
عن الأمر بالأهم فكذلك الأمر بالأهم لايكون مانعاً عنه، أماالأول فظاهر وأما الثاني
فلأنه وإن كان يقتضي المنع عن وجود موضوع الأمربالمهم وما يقتضيه على أساس اقتضاء
كل أمر الاتيان بمتعلقه والمنع عن تركه إلاّأنه لايمنع عن ترتب الأمر بالمهم على
تركه إذا تحقق في الخارج، لأنه من ترتبالحكم على موضوعه وهو كترتب المعلول على
العلة التامّة فلايعقل المنع عنهلأنه خلف، ولهذا يستحيل إتصاف الأمر بالأهم
بالمانعيّة، لأن المانع هو ما يمنععن تأثير المقتضي وفعليّة فاعليته، فإذا كانت
فاعليته فعليّة وأثره موجوداً،فمعناه إنه لا مانع في البين، ففرض وجود المانع فرض
عدم فعلية فاعليته وعدموجود أثره وهذا خلف.
الخامسة عشر: إنه لافرق في القول بإمكان الترتب بين أن يكون من جانبواحد أو من
الجانبين كما إذا كان التزاحم بين الخطابين المتساويين، لأن ما ذكرناهمن استحالة
إتصاف كل من الأمر بالأهم والأمر بالمهمّ بالمانعية عن الآخر ينطبقتماماً على
الأمرين المتزاحمين المتساويين هذا. وأما ما قيل من إستحالة الترتبمن الجانبين وإن
قلنا بإمكانه من جانب واحد لاستلزامه الدور، فقد مرّ انه لاأساس له كما أن ما قيل
من إمكانه من الجانبين وإن قلنا باستحالته من جانبواحد لا أصل له.
مسألة العقاب على القول بالترتب
في المسألة ثلاث نظريات:
الاُولى: إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلّف من الامتثال والاتيانبالواجب، وفي
هذه الحالة إذا خالف وترك الامتثال والاتيان بالواجب عامداًملتفتاً استحق العقاب،
وعلى ضوء هذه النظرية لايستحق المكلف في مواردوقوع التزاحم بين الواجبين إذا خالف
وترك الاتيان بكلا الواجبين معاً إلاّ عقاباًواحداً، على أساس إنه لايتمكن إلا من
الاتيان بأحدهما دون الآخر، فإذنلايكون في هذه الموارد إلاّ تكليف واحد، ومن هنا
استشكل على القول بالترتببأنه يستلزم العقاب على أمر خارج عن القدرة، فإن القائل
بالترتب إن التزمبتعدّد العقاب عند ترك الأهم والمهم معاً طولاً لزم العقاب على
أمر غير اختياريوهو قبيح، وإن التزم بوحدة العقاب لزم عدم استحقاق العقاب على ترك
واجبفعلي منجز متعمّداً، فهذا الاشكال على أساس هذه النظرية وارد.
الثانية: إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من التخلّص عن مخالفةالتكليف، سواءً
كان بالامتثال أم كان برفع موضوعه، مثلاً إذا وقعت المزاحمةبين وجوب الصلاة في آخر
الوقت ووجوب الازالة، فإن قام المكلّف بالاتيانبالصلاة، فقد تخلص نفسه عن مخالفة
وجوبها بالامتثال وعن مخالفة وجوبالازالة برفع موضوعه، على أساس أن وجوبه مشروط
بعدم الاتيان بالصلاة،فإذا أتى بها انتفى وجوبها بانتفاء شرطه، ولا فرق في ذلك بين
أن يكون أحدهماأهم من الآخر أو مساوياً له، وأما إذا لم يقم بامتثال شيء منهما بان
ترك كلاالواجبين معاً باختياره عامداً ملتفتاً، فقد استحق عقابين على أساس أن
بامكانهالتخلص من مخالفة كلا الواجبين كذلك بالاتيان بالأهم إن كان وإلاّ
فبأحدهماولكنه لم يفعل باختياره، وقد اختار هذه النظرية السيد الاُستاذقدس سره(26).
الثالثة: إن ملاك استحقاق العقاب أن يكون التخلص من تفويت الملاكالملزم مقدوراً
للمكلف، وعلى هذا فإذا لم يفعل وفات، استحق العقاب علىتفويته، وهذه النظرية تختلف
عن النظرية الاُولى بالعموم المطلق وكذلك عنالنظرية الثانية، وسوف نشير إلى نقاط
الاختلاف.
وبعد ذلك نقول إن الظاهر من هذه النظريات، النظرية الثالثة وذلك لوجهين:
الأول: إن المكلف إذا أحرز في مورد وجود ملاك ملزم في فعل من غير طريقالخطاب
الشرعي لم يجز له تفويته، وإذا فوت استحق العقاب عليه على أساسأنه حقيقة التكليف
وروحه والداعي إلى جعله واعتباره وإلاّ فلا قيمة للاعتباربما هو.
الثاني: إن الحكم المجعول لشيء من دون وجود ملاك ملزم فيه كالوجوبالغيري أو
الحرمة الغيريّة فلا أثر له، ولهذا لا تكون مخالفته سبباً للعقاب ولاموافقته سبباً
للثواب لأنه بلا روح، وعلى هذا فالواجبان المتزاحمان إن كانامشروطين بالقدرة
العقلية التي هي غير دخيلة في الملاك، كان فوت أحد الملاكينمن المكلف قهرياً ولا
يكون باختياره، بداهة أنه لا يقدر على استيفاء كلاالملاكين معاً وإنما يقدر على
استيفاء أحدهما فقط، وعليه فإذا ترك المكلف كلاالواجبين معاً لم يستحق إلاّ عقاباً
واحداً، لأنه لم يفوت إلاّ ملاكاً واحداً، وأماالملاك الآخر فهو فائت عليه قهراً
ولايكون مستنداً إلى اختياره.
وبكملة، إن كان هناك خطاب واحد متعلقاً بالجامع بينهما ويكون المكلفمخيراً في
تطبيقه على هذا أو ذاك، فلا اشكال في أنه لايستحق عند تركه إلا عقاباًواحداً
باعتبار أنه ليس هنا إلا ملاكاً واحداً قائماً بالجامع، ولكن هذا الفرضخارج عن محل
الكلام، فإن محل الكلام إنما هو في الخطابين المتعلّقين بالضدّينكالصلاة والازالة
المشروطين بالقدرة عقلاً، فلهذا يكون اطلاق خطاب كل منهمامقيّداً لباً بعدم
الاشتغال بالآخر إذا كانا متساويين وإلاّ فخصوص خطاب المهمدون الأهم، وأما ملاكهما
فهو مطلق سواءً كانا متساويين أم كان أحدهما أهم منالآخر.
ونتيجة ذلك، إن الاشتغال بأحدهما يكون رافعاً للخطاب بالآخر لا ملاكهكما إنّ
الاشتغال بالأهم يكون رافعاً للخطاب بالمهم لا ملاكه، وعلى هذا فإذااشتغل المكلف
بالأهم فهو بالنسبة إليه يكون امتثالاً وبالنسبة إلى المهمّ يكونرافعاً لوجوبه
بارتفاع موضوعه دون ملاكه، لفرض إنه مطلق وغير مقيد بعدمالاشتغال بالأهم، نعم هو
فات عنه قهراً وبغير اختياره، مثلاً إذا وقعت المزاحمةبين وجوب الصلاة في آخر الوقت
ووجوب الازالة، وحيث إن وجوب الصلاةأهم من وجوب الازالة، فيكون وجوب الازالة مقيداً
لباً بعدم الاشتغالبالصلاة دون ملاكها فإنه مطلق، وحينئذٍ فإن صلّى المكلف فقد
امتثل أمرهاواستوفى ملاكها، وأما ملاك الازالة فهو فائت عنه قهراً وبغير اختياره،
وأماوجوبها فقد ارتفع بارتفاع موضوعه لا أنه فات عنه، وأما إذا ترك الصلاة
وأتىبالازالة فهو وإن امتثل أمرها واستوفى ملاكها إلا أنه استحق العقاب على
تفويتملاك الصلاة الأهمّ، باعتبار أنه كان موظفاً بالاتيان بالصلاة تعييناً لمكان
أنهاالأهم، فإذا خالف وترك الاتيان بها فقد استحق العقاب على تفويت ملاكهاسواءً
أكان آتياً بالازالة أم لا، غاية الأمر إن كان آتياً بها كان مستوفياً
لملاكهاوممتثلاً لأمرها وإلاّ فلا.
وأما إذا ترك المكلف الاتيان بكلتيهما معاً.
فعلى ضوء النظرية الثانية يتعدد العقاب بتعدد ترك الواجب باختياره، حيثإن بإمكانه
التخلص من مخالفة التكليف في المقام نهائياً بالإتيان بالأهم، ولكن بماأنه لم يقم
بذلك وترك كلا الواجبين الطوليين معاً باختياره عامداً ملتفتاً استحقعقابين، واما
على ضوء النظرية الثالثة، فحيث إن منشأ استحقاق العقاب تمكنالمكلف من التخلص عن
تفويت الملاك وعدم كفاية مجرد مخالفة التكليف بدونأن تستلزم تفويت الملاك، فلا
يستحق عند تركه كلا الواجبين معاً إلاّ عقاباًواحداً، لأنه لم يفوّت باختياره إلاّ
ملاكاً واحداً، وأما الملاك الآخر فقد فات عنهقهراً وبغير اختياره، حيث إنه ليس
بإمكانه التخلص من تفويت كلا الملاكينمعاً، بينما كان بإمكانه التخلص من مخالفة
كلا الوجوبين كذلك، وهذا نتيجةاختلافهما في الاطلاق والاشتراط.
والخلاصة: إن في هذا الفرض يكون الترتب بين الوجوبين فحسب، فإنوجوب المهم مقيّد
بعدم الاشتغال بالأهم ووجوب كل منهما مقيد بعدم الاشتغالبالآخر إذا كانا متساويين،
وأما ملاك كل منهما فهو مطلق حتى ملاك المهم، فإنهلا يكون مقيداً بعدم الاشتغال
بالأهم، فإذن لاترتب بين ملاك الأهم وملاكالمهم بل هما في عرض واحد وكلاهما مطلق
وفعلي، وعلى هذا فعلى ضوءالنظرية الثانية يستحق على ترك كلا الواجبين معاً عقابين،
عقاباً على ترك الأهموعقاباً على ترك المهم باعتبار أن كلا التركين يكون باختياره،
حيث إن بإمكانهالتخلص من مخالفة كليهما معاً ولكنه لم يفعل، وعلى ضوء النظرية
الثالثةلايستحق على تركهما إلاّ عقاباً واحداً، لأنه لم يفوت إلاّ ملاكاً واحداً،
وأماالملاك الآخر فهو فائت عليه قهراً، حيث إنه ليس بإمكانه التخلص من تفويتكلا
الملاكين معاً وإنما كان بإمكانه التخلص من تفويت ملاك واحد، فإذا لم يفعلعوقب
عليه، هذا هو نقطة الفرق بين النظرية الثانية والنظرية الثالثة، وعلى هذافلا فرق
بين النظرية الاُولى والنظرية الثالثة في النتيجة، وأما إذا كان الواجبالمهم
مشروطاً بعدم الاشتغال بالأهم حكماً وملاكاً، فنتيجة ذلك إن هناكوجوباً مطلقاً
إعتباراً وملاكاً وهو وجوب الأهم ووجوباً مشروطاً كذلك وهووجوب المهم، وإذا كان
الواجبان المتزاحمان متساويين، كان هناك وجوبانمشروطان اعتباراً وملاكاً.
وعلى هذا فبإمكان المكلف التخلص من تفويت كلا الملاكين المشروطينبالاتيان باحدهما
إذا كانا متساويين وبالأهم إذا لم يكونا كذلك، لأنه إذا أتىباحدهما في الفرض الأول
فقد استوفى ملاكه بالاتيان به، وأما ملاك الآخر فقدانتفى بانتفاء موضوعه لا
بالتفويت القهري، وإذا أتى بالأهم في الفرض الثاني فقداستوفى ملاكه بالاتيان به،
وأما ملاك المهم فقد انتفى بانتفاء موضوعه لابالتفويت قهراً، وعليه فإذا ترك الأهم
عامداً ملتفتاً فقد فوت ملاكه باختياره،وحينئذٍ يتحقق وجوب المهم اعتباراً وملاكاً
بتحقق موضوعه وبإمكانه استيفاءملاكه بالاتيان به، ومع هذا إذا تركه عامداً عالماً
فقد فوت ملاكه أيضاًباختياره، فإذن يكون فوت كلا الملاكين مستنداً إلى اختياره، حيث
إن بإمكانهالتخلص من تفويت كلا الملاكين معاً وبذلك يستحق عقابين، وفي هذا الفرض
لافرق في النتيجة بين النظرية الثانية والنظرية الثالثة في مسألة العقاب، نعم
فرقبينهما وبين النظرية الاُولى في المسألة، وإن شئت قلت: إن ملاك الواجب المهم
إذاكان مطلقاً وغير مشروط بعدم الاشتغال بالأهم، فليس بإمكان المكلفالتخلص من
تفويت كلا الملاكين المطلقين معاً، فلهذا لايستحق عند ترك كلاالواجبين إلا عقاباً
واحداً لأنه لم يفوت باختياره إلا ملاكاً واحداً، وأما الملاكالآخر فهو فائت عليه
قهراً وبغير اختياره، بينما إذا كان مشروطاً به، يستحقعقابين عند تركها باعتبار أن
بإمكانه التخلص من تفويت كلا الملاكين بالاتيانبأحدهما.
فروع ...
فروع
الفرع الأول: ما إذا وقع التزاحم بين وجوب الحج ووجوب الوفاء بالنذر،كما إذا نذر
شخص زيارة الإمام الحسينعليه السلام يوم عرفة ثم استطاع للحج، فهليجب تقديم وجوب
الوفاء بالنذر على وجوب الحج أو بالعكس؟ فيه قولان:
فذهب جماعة إلى القول الأول منهم السيد صاحب العروةقدس سره(27) بدعوى أنوجوب الحج
مشروط بالقدرة الشرعية بينما وجوب الوفاء بالنذر مشروطبالقدرة العقلية وهو يتقدم في
مقام المزاحمة على المشروط بالقدرة الشرعية،ولكن هذه الدعوى مدفوعة، فإن وجوب الحج
وإن كان مشروطاً بالقدرةالشرعية بمقتضى الآية الشريفة والروايات، إلاّ أن المراد
منها القدرة التكوينية فيمقابل العجز التكويني الاضطراري، وليس المراد منها عدم
المانع الأعم منالتكويني والتشريعي، هذا إضافة إلى أن وجوب الوفاء بالنذر مشروط
بالقدرةالشرعية بمعنى عدم المانع المولوي لا بمعنى القدرة التكوينية، وسوف نشير
إليههذا. والصحيح هو القول الثاني لوجوه:
الوجه الأول: إنه لا شبهة في أن وجوب الحج أهمّ ملاكاً من وجوب الوفاءبالنذر، وتدل
على ذلك ما ورد من التأكيد والاهتمام بوجوب الحج(28) وإنه منأحد أركان الدين(29)،
ومن هنا قد وصف تاركه في الكتاب العزيز بالكفر(30) وفيالروايات بأنه إما أن يموت
يهودياً أو نصرانياً(31)، ومن مجموع هذه الرواياتباختلاف ألسنتها يستكشف أهمية
وجوب الحج في الشريعة المقدسة، وعندئذٍفلابد من تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء
بالنذر لمكان أهمية ملاكه حتىوإن قلنا فرضاً أن وجوب الوفاء بالنذر مشروط بالقدرة
العقلية التي هي غيردخيلة في الملاك، وذلك لأن وجوب الحج وإن كان مشروطاً
بالاستطاعةبمقتضى الآية الشريفة والروايات، إلا أن الظاهر منها عرفاً القدرة
التكوينية فيمقابل العجز التكويني الاضطراري، وعلى هذا فهي محفوظة في حال
وجوبالوفاء بالنذر وأنه لايكون رافعاً لها، فإذن وجوب الج خطاباً وملاكاً محفوظ
فيهذه الحالة، وأما بلحاظ الروايات فقد فسرت الاستطاعة فيها بالزاد والراحلةوأمن
الطريق(32)، وعلى هذا فوجود الزاد والراحلة وأمن الطريق دخيل فيوجوب الحج خطاباً
وملاكاً، وعندئذٍ فإذا وقع التزاحم بينه وبين وجوب الوفاءبالنذر كان ملاك كلا
الوجوبين فعلياً على هذا الفرض، والمكلف لايتمكن مناستيفاء كلا الملاكين معاً،
لأنه إن قام باستيفاء أحدهما عجز عن استيفاء الآخر،ولكن حيث إن ملاك وجوب الحج أهمّ
من ملاك وجوب الوفاء بالنذر، فلابدمن تقديمه عليه تطبيقاً لقاعدة تقديم الأهمّ على
المهم في باب التزاحم، هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى إنه على أساس نكتة عامة وهي أن كل خطاب شرعيمقيّد لباً بعدم
الاشتغال بضد واجب لايقل عنه في الأهمية، فيكون كل منخطاب الحج وخطاب الوفاء
بالنذر مقيد لباً بعدم الاشتغال بضد واجب لايقلعنه في الأهمية، ولكن حيث إن خطاب
الحج أهم من خطاب الوفاء بالنذر ملاكاًفهو لايكون مقيداً بعدم الاشتغال به، باعتبار
أنه أقل منه في الأهمية، وأماخطاب الوفاء بالنذر فهو مقيد بعدم الاشتغال بالحج ومع
الاشتغال به ينتفيبانتفاء موضوعه، نعم لو فرضنا أن وجوب الحج مشروط بالقدرة
الشرعيةالمساوقة لعدم المانع التكويني والتشريعي، فعندئذٍ يتقدم عليه وجوب
الوفاءبالنذر بل كل واجب يكون مشروطاً بالقدرة العقلية أو الشرعية في مقابل
العجزالتكويني، ولكنه مجرد فرض لا واقع له.
الوجه الثاني: إن مجموعة من أدلة الوفاء بالشرط كقولهعليه السلام: »شرط اللَّهقبل
شرطكم«(33)، »المسلمون عند شروطهم إلا شرطاً خالف كتاب اللَّه«ونحوهما(34)، تنص على
أن وجوب الوفاء بالشروط كالنذر والعهد والشرطونحوها مقيّد بأن لايكون مخالفاً لشرط
اللَّه في المرتبة السابقة، ومن الواضح أنالمراد من شرط اللَّه هو أحكامه تعالى
المجعولة في الشريعة المقدّسة بالكتابوالسنة وهي الأحكام الأولية التي لاترتبط
بشروط الناس وعهودهم، وعلىهذا فنفس ثبوت هذه الأحكام في الشريعة المقدسة كافية في
رفع وجوب الوفاءبالشروط كالنذور ونحوها برفع موضوعها، باعتبار أن وجوب الوفاء بها
مقيدبأن لايكون شرط اللَّه قبلها ولاتكون مخالفة له، وعلى ضوء ذلك فثبوت وجوبالحج
بثبوت الاستطاعة حيث إنه من شرط اللَّه فهو رافع لوجوب الوفاء بالنذربارتفاع
موضوعه، باعتبار أنه مجعول مقيداً بأن لايكون مخالفاً لحكم شرعيمولوي في المرتبة
السابقة، والمفروض أن وجوب الحج ثابت في المرتبة السابقة،فإذن يكون شرط اللَّه قبل
شرطكم، وعلى هذا فلايمكن اثبات وجوب الوفاءبالنذر بالترتب أيضاً، لفرض أنه يرتفع
بصرف ثبوت وجوب الحج في الشريعةالمقدسة تطبيقاً لقولهعليه السلام: »شرط اللَّه قبل
شرطكم«. بمعنى أنه غير مجعول فيهذا الفرض حق يعقل ثبوته بالترتب. ومن هنا يظهر أنا
لو سلمنا أن وجوبالحج مشروط بالقدرة الشرعية المساوقة لعدم المانع التكويني
والتشريعي، فمعهذا لايمكن جعل وجوب الوفاء بالنذر على خلافه، باعتبار أن جعله منوط
بأنلايكون وجوب الحج مجعولاً في الشريعة المقدسة في المرتبة السابقة، فإذا
كانمجعولاً في الكتاب والسنة كذلك، فلايمكن جعل وجوب الوفاء بالنذر علىخلافه،
ولافرق في ذلك بين أن يكون وجوب الحج مشروطاً بالقدرة الشرعيةالمساوقة لعدم العجز
التكويني الاضطراري أو مشروطاً بها بمعنى عدم المانعالمولوي، فالميزان إنما هو
بثبوته في الشريعة المقدسة، فإذا كان ثابتاً فيها بقطعالنظر عن وجوب الوفاء
بالشروط فهو مانع عن جعله، على أثر ما عرفت منأن جعله منوط بعدم ثبوته، وعلى هذا
فثبوت وجوب الحج فعلي ومطلقوثبوت وجوب الوفاء بالشرط لولائي ومعلق على عدم ثبوته،
ومن الواضح أنالثبوت اللولائي المعلّق لايعقل أن يكون مزاحماً للثبوت الفعلي
المطلق، وإلاّ لزمخلف فرض كونه لولائياً ومعلقاً، وهذا معنى أن شرط اللَّه قبل
شرطكم وهوالميزان في عدم وجوب الوفاء بالشرط إذا كان مخالفاً لشرط اللَّه وكتابه
تعالى.
والخلاصة، إن وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو الشرط الذي هو حكمثانوي منوط بأن
لايكون مخالفاً لحكم إلهي ثابت في المرتبة السابقة وإلاّ فلاثبوت له، وعلى هذا
فلايمكن جعله في مورد يكون وجوب الحج ثابتاً فيه بقطعالنظر عنه، ولا فرق في ذلك
بين أن يكون النذر مقدماً على وجوب الحج أومقارناً معه أو متأخراً فإن المناط إنما
هو بزمان الوفاء، فإنه في هذا الزمان إذا كانمزاحماً لوجوب الحج فيستكشف إنه غير
مجعول من الأول.
الوجه الثالث: إن وجوب الوفاء بالنذر في يوم عرفة لو قدم على وجوبالحج، كان بإمكان
كل فرد التخلّص من وجوب الحج عليه بذلك، وهذا خلافالضرورة الفقهية ولايمكن
الالتزام به.
الفرع الثاني: إذا وقع التزاحم بين وجوب الوضوء ووجوب واجب آخرأهم منه، كما إذا كان
عند المكلف ماء ودار أمره بين صرفه في انقاذ نفس محترمةوصرفه في الوضوء، على أساس
أنه لايكفي إلاّ لأحدهما، ففي مثل ذلك ذكرالمحقق النائينيقدس سره(35) إن وظيفته
التيمّم وتعين صرف الماء في إنقاذ نفس محترمةوعدم صحة الوضوء به حتى على القول
بإمكان الترتب، وقد أفاد في وجه ذلكأن وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعيّة،
فلايصلح أن يزاحم واجب آخرلأنه يرتفع به بارتفاع موضوعه، فلهذا لايتصور ثبوته عند
عدم الاشتغالبالواجب الآخر، وغير خفي أن ما أفادهقدس سره في المقام مورد للمناقشة
من جهات:
الاُولى: إنه يمكن تصحيح الوضوء في المقام بالترتب بلحاظ أمره النفسيالاستحبابي
باعتبار أنه غير مشروط بالقدرة الشرعيّة، وإنما المشروط بها هوالأمر الغيري، وعلى
هذا فلا مانع من إثبات الأمر الاستحبابي بالوضوء علىالقول بالترتب عند عصيان
المكلّف وعدم صرف الماء في واجب آخر وهو انقاذنفس محترمة.
والحاصل، إن الأمر الاستحبابي المتعلق به مطلق وحيث إنه مشروط بالقدرةالعقليّة، فلا
يرتفع عند المزاحمة مع واجب آخر الأهم بارتفاع موضوعه، غايةالأمر أنه مقيد بعدم
الاشتغال به لباً، فإذا اشتغل به ارتفع بارتفاع موضوعه.
الثانية: إن كون وجوب الوضوء مشروطاً بالقدرة الشرعية بحاجة إلى دليل.
ويمكن تقريب ذلك الدليل بأحد وجهين:
الأول: إن نفس جعل التيمم بدلاً عن الوضوء دليل على أنه مشروط بالقدرةالشرعية، وذلك
لأن كل واجب في الشريعة المقدسة إذا كان له بدل فقد أخذ فيلسان دليل وجوب البدل
عدم القدرة على المبدل، فإن المكلف طالما يكون قادراًعلى المبدل لايصل الدور إلى
البدل، وإذا عجز عنه انتقلت وظيفته إلى البدل، لأنفرض بدليّة شيء لآخر فرض تقييد
وجوبه بعدم القدرة على الآخر )المبدل(وهو مساوق لتقييد وجوب المبدل بالقدرة، على
أساس أن مقتضى البدلية بينشيئين هو أن وجوب البدل إذا كان مشروطاً بعدم القدرة على
المبدل فلا محالةيكون وجوب المبدل مشروطاً بالقدرة عليه، إذ لو كان مطلقاً فمعناه
أن وجوبالبدل ليس مشروطاً بعدم القدرة على المبدل وهذا خلف، مثلاً وجوب
التيمممشروط بعدم التمكن من الوضوء، وعليه فبطبيعة الحال يكون وجوب الوضوءمشروطاً
بنقيضه وهو التمكن وإلاّ لزم خلف فرض كونه بدلاً له.
وإن شئت قلت: إن قضية البدلية هي أن وجوب البدل إذا كان مشروطاًبشيء تحكم بأن وجوب
المبدل مشروط بنقيض ما هو وجوب البدل مشروطبه، وحيث إن وجوب البدل في المقام مشروط
بعدم القدرة على المبدل فلا محالةيكون وجوب المبدل مشروطاً بالقدرة، فإذا كان
مشروطاً بها، كانت القدرةظاهرة في التأسيس، ودخلها في الملاك وحملها على التأكيد
لحكم العقل وأنها قيدللخطاب فقط خلاف الظاهر، فإن حالها حال سائر القيود المأخوذة
في لسانالدليل في مرحلة الجعل، فكما أنها ظاهرة في أنها قيد للحكم والملاك
معاً،فكذلك القدرة في المقام، وهذا هو معنى أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية في
مقابل القدرة العقلية.
وللمناقشة في هذا التقريب مجال، وذلك لأن القدرة إذا كانت مأخوذة فيلسان الدليل
مباشرة، كانت ظاهرة في التأسيس ودخلها في الملاك، لأن حالهاحينئذٍ حال سائر القيود
المأخوذة في لسان الدليل مباشرة، وأما إذا لم تكنمأخوذة فيه كذلك ولكن استظهرنا
أخذها في موضوع الحكم بقرينة خارجية،فلاتكون ظاهرة فيه، وما نحن فيه من هذا القبيل،
فإن عدم القدرة على المبدلقد اُخذ في لسان دليل وجوب البدل مباشرة، وأمّا القدرة
فهي غير مأخوذة فيلسان دليل وجوب المبدل كذلك، وإنما استظهرنا أخذها في موضوع
وجوبه منالقرينة الخارجية وهي أنه لايمكن اجتماع وجوب البدل والمبدل معاً على
المكلففي عرض واحد، لأنه خلف فرض البدلية والطولية بينهما، وعلى هذا فحيث إنتقييد
وجوب المبدل بالقدرة ليس بالدلالة المطابقية للدليل اللفظي، بل من جهةالقرينة
الخارجية وبمثابة التقييد اللبّي، فلاظهور لأدلة البدلية في أن القدرةالمأخوذة في
موضوع وجوب المبدل دخيلة في الملاك، لأن النكتة التي توجبهذا الظهور غير متوفرة
فيها وهي كونها مأخوذة في لسان الدليل مباشرة.
وبكلمة، إن المولى إذا أخذ القدرة في لسان الدليل مباشرة، فهي تدل على أنتصدي
المولى لذلك مع ضرورة حكم العقل بقبح تكليف العاجز الذي هو بمثابةالقرينة المتّصلة
بالخطاب إنما هو بنكتة زائدة على ما هو المنكشف في نفسه بحكمالعقل وهي دخلها في
الملاك، وأما إذا لمتكن مأخوذة في لسان الدليل مباشرةوإنما استظهر اعتبارها في
وجوب المبدل بقرينة خارجية فلا ظهور لها فيالتأسيس، فإذن لاتكشف أكثر مما هو منكشف
بحكم العقل فتكون تأكيداً لاتأسيساً.
وعلى هذا الأساس فلا مانع من القول بأن عدم القدرة على المبدل المأخوذ فيلسان دليل
وجوب البدل مباشرة دخيل في ملاكه على أساس ظهوره فيه، وأماالقدرة المأخوذة في موضوع
وجوب المبدل فلاتكون دخيلة في ملاكه وإنما هيدخيلة في وجوبه فقط، فيكون ملاك وجوب
المبدل مطلقاً دون ملاك وجوبالبدل، فإنه مقيد بعدم القدرة على المبدل ولا مانع من
الالتزام بذلك.
الوجه الثاني: قوله تعالى: »فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداً
طَيِّباً«.
وتقريب الاستدلال بالآية الشريفة يتوقف على تمامية أمرين:
الأول: إن الآية الشريفة تدل على التفصيل بين الوضوء والتيمّم بتقييدوجوب التيمم
بعدم وجدان الماء، ويفهم من ذلك بقرينة كون التفصيل بينهماقاطعاً للشركة أن موضوع
وجوب الوضوء وجدان الماء.
الثاني: إن المراد من الوجدان ليس هو الوجود الخارجي للماء بل المراد منهالأعمّ
منه ومن التمكن عن استعماله في الوضوء والغسل، ويؤكد ذلك ذكر المريضفي الآية
المباركة، فإن الغالب وجود الماء عنده ولكنه لايتمكن من استعمالهخوفاً من ضرره.
والجواب: عن ذلك قد ظهر مما تقدّم بتقريب، إن المأخوذ في لسان دليلوجوب البدل عدم
وجدان الماء مباشرة في الآية الشريفة، وأما وجدان الماء فهوغير مأخوذ في لسان دليل
وجوب المبدل كذلك في الآية، وإنما استظهرنا ذلك منالتفصيل بينهما القاطع للشركة،
وعليه فيكون تقييد موضوع وجوب الوضوءبوجدان الماء إنما هو بسبب قرينة خارجية لا
بدلالة مطابقية، فإذن لاظهورللآية الشريفة في أن قيد الوجدان قيد تأسيسي ودخيل في
الملاك، لأن إناطةالحكم صريحاً بالقدرة في لسان الدليل مباشرة في مرحلة الجعل كما
في آية الحجونحوها، توجب ظهور القدرة في أنها قيد تأسيسي ودخيل في اتصاف
الفعلبالملاك في مرحلة المبادي كما هو الحال في سائر القيود المأخوذة في لسان
الدليلكذلك في هذه المرحلة، لا في مثل المقام الذي ورد في الآية الشريفة قيد
عدمالوجدان في لسانها في مقام الجعل مباشرة لتأسيس حكم البدل، ولكن بقرينةأن
التفصيل قاطع للشركة، فالوجدان الذي هو نقيضه مأخوذ في موضوع حكمالمبدل، ولذلك
لايكون ظاهراً في التأسيس ودخله في الملاك، ولايلزم من عدمدخل الوجدان في ملاك
الحكم أن يكون دليل البدل تأكيداً، ضرورة أنه لاملازمة بين الأمرين، إذ لامانع
ثبوتاً من كون عدم الوجدان المأخوذ في لساندليل البدل مباشرة دخيلاً في ملاكه،
والوجدان غير دخيل في ملاك المبدلوظاهر الآية الشريفة ذلك في مقام الاثبات.
وبكلمة واضحة، إنه لاشبهة في أن متعلق التكليف مقيّد بالمقدور سواءً أكانالكاشف عن
ذلك التقييد العقل من باب قبح تكليف العاجز أم كان باقتضاءنفس الخطاب، غاية الأمر
إن قيد القدرة غير مأخوذ في لسان الدليل مباشرة فيمرحلة الجعل بمعنى عدم اناطة
الحكم بها صراحة في هذه المرحلة، ومن هنايكون التقييد لبياً لا لفظياً، ومع هذا إذا
أخذ المولى القدرة في لسان الدليلمباشرة وأناط الحكم بها صراحة في مقام الجعل،
فهو يدل على أن هناك عنايةزائدة على ما هو منكشف بالعقل أو بالخطاب، وإلا لكانت هذه
الاناطة لغواًوجزافاً وهو لايمكن، وهذه العناية الزائدة هي دخل القدرة في الملاك في
مرحلةالمباديء، بينما إذا كان التقييد لبياً لا لفظياً كما في آية الوضوء، فلا يدل
على هذهالعناية الزائدة، لأن الدلالة عليها كما عرفت منوطة بتصدي المولى بنفسه
لأخذالقدرة في لسان الدليل مباشرة لا مطلقاً.
ودعوى، إن الوجدان المأخوذ في موضوع وجوب الوضوء معنوياً بقرينةخارجية إن كان
مساوقاً للقدرة العقلية فالأمر كذلك، وإن كان غير مساوق لهاكما هو كذلك، لأنه أعم
منها ومن القدرة الشرعية بمعنى عدم المانع المولوي،وعلى هذا فلايمكن حمله على
التأكيد لحكم العقل، لأن العقل لايحكم بتقييدالتكليف به وإنما يحكم بتقييده بالقدرة
العقلية فقط لا بالأعم منها ومن القدرةالشرعية بمعنى عدمالمانع المولوي، فإذن
لابد من حمله على التأسيس.
مدفوعة، أولاً: إن المراد من الوجدان ليس الأعم من القدرة العقلية والقدرةالشرعية
بمعنى عدم المانع المولوي، وإلاّ فلازمه ارتفاع وجوب الوضوء بمجرّدثبوت وجوب واجب
آخر بارتفاع موضوعه، باعتبار أن ثبوته على هذا مقيّدبعدم ثبوته، ولا يعقل فيه
الترتب حينئذٍ، لأن معنى الترتب فعلية كلا الأمرين فيزمن واحد مترتباً، والفرض إن
وجوب الوضوء عندئذٍ معلق على عدم ثبوتالأمر بالخلاف ومع ثبوته ينتفي بانتفاء
موضوعه، بل المراد منه القدرة التكوينيةالأعم من العقلية والعرفية، ولهذا لامانع من
الالتزام بالترتب فيه في مواردمزاحمته مع واجب آخر الأهمّ أو المساوي وتمام الكلام
في محلّه.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن المراد منه أعمّ من القدرة الشرعيةبمعنى عدم
المانع المولوي، ولكن حينئذٍ وإن كان لايمكن حمله على التأكيدوالارشاد إلى حكم
العقل، إلا أن ذلك لايلازم كونه تأسيساً، لأن كونه كذلكبحاجة إلى نكتة وهي غير
متوفرة فيه وهو ظهور القيد في التأسيس ودخله فيالملاك ولا موجب لهذا الظهور في
المقام، لأن الموجب له عناية المولى في أخذه فيلسان الدليل مباشرة، وهذه العناية
غير متوفرة فيه، فالنتيجة أن الآية الشريفةتدل على أن قيد عدم الوجدان دخيل في وجوب
البدل حكماً وملاكاً، ولا تدلعلى أن الوجدان دخيل في ملاك وجوب الوضوء، ولا مانع
من هذا التفصيل فيالآية الشريفة، وقرينية التفصيل والمقابلة بينهما لاتدل على أكثر
من أن الوجدانقيد لوجوب الوضوء، وأما أنه قيد لاتّصافه بالملاك في مرحلة المبادي
بحيثينتفي الاتصاف بانتفائه فلا تدل عليه.
الثالثة: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية إلا أنها
على أقسام:
الأول: القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الطاريء بلا اختيار.
الثاني: القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني وإن كان بالاختيار.
الثالث: القدرة المساوقة لعدم المانع الأعمّ من التكويني والتشريعي.
ومن الواضح أن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنىالثالث كما عرفت،
وإلاّ فلا يعقل فيه الأمر الترتّبي، وأما اشتراطه بالقدرةالشرعية بالمعنى الأول أو
الثاني لايمنع من الالتزام بالأمر الترتّبي فيه، أما علىالأول فواضح، وأما على
الثاني فلان المكلف إن اشتغل بالواجب الأهمّ انتفىوجوب الوضوء اعتباراً وملاكاً،
وأما إذا لم يشتغل به فلا مانع من الالتزامبوجوبه والحكم بصحّته على القول
بالترتب، إلى هنا قد تبين إن ما ذكره المحققالنائينيقدس سره من بطلان الوضوء فيما
إذا كان مزاحماً مع واجب أهمّ معللاً بأنهمشروط بالقدرة الشرعية لايتم.
الفرع الثالث: ما إذا توقف الوضوء على مقدمة محرمة، كما إذا كان الماء فيالاناء
المغصوب وتوقّف الوضوء على أخذ الماء منه، فعندئذٍ يقع التزاحم بينوجوب الوضوء
وحرمة التصرّف فيه، وعليه فإن توضأ به ارتماساً فلا شبهة فيبطلان الوضوء، ولايمكن
تصحيحه بالترتب أيضاً باعتبار أن الوضوء في نفسهحرام ومصداق للتصرف في مال الغير،
ومن الطبيعي أن الحرام لايمكن أن يقعمصداقاً للواجب، وأما إذا توضّأ به ترتيباً،
فإن كان بعد تفريغ الماء من الاناءالمغصوب إلى إناء آخر مباح وتوضأ منه فلا شبهة في
صحة الوضوء، فإنه بعدعملية التفريغ قد سقطت الحرمة بسقوط موضوعها، وحينئذٍ فيكون
المكلفواجداً للماء ومتمكناً من استعماله عقلاً وشرعاً فتكون وظيفته الوضوء،
ولكنهذه الصورة خارجة عن محل الكلام، فإذن محل الكلام في المقام هو أن يتوضأمن
الاناء المغصوب باغتراف الماء منه شيئاً فشيئاً وغرفة غرفة بأن يأخذ منالاناء كفاً
من الماء فيغسل به وجهه ثم كفا ثانياً فيغسل به يده اليمنى ثم كفا ثالثاًفيغسل به
يده اليسرى ثم يمسح رأسه ورجليه هذا، وهل يمكن الحكم بصحة هذاالوضوء على القول
بالترتب؟ فيه قولان:
فذهب المحقق النائينيقدس سره إلى القول الثاني(36) بتقريب، إن وجوب الوضوء لماكان
مشروطاً بالقدرة الشرعية، فلا يصلح أن يزاحم أي حكم آخر من وجوبأو حرمة، لأن ثبوته
معلق على عدم ثبوت المانع المولوي ومع ثبوته ينتفي بانتفاءموضوعه فلايعقل الأمر
الترتبي فيه، هذا كله في صورة انحصار الماء في الاناءالمغصوب، وأما في صورة عدم
الانحصار كما إذا كانت هناك مندوحة، فلا مانعمن الحكم بصحة الوضوء منه، باعتبار أن
الأمر به فعلي في هذه الصورة فيصحالاتيان به بداعي أمره الفعلي وإن ارتكب محرماً
في تصرفه في الاناء المغصوبهذا.
الصحيح هو القول الأول، أمّا أولاً: فلانه يكفي في اثبات الأمر الترتبيبالوضوء
اطلاق الأمر الاستحبابي في مقام المزاحمة، ولا تتوقف صحّته علىاثبات الأمر الوجوبي
به ترتباً.
وثانياً: ما تقدم من أنه لا دليل على أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية، لأن
أدلة البدلية بينه وبين التيمّم لاتقتضي ذلك ولا الآية الشريفة كمامرّ.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن وجوب الوضوء مشروط بالقدرةالشرعية، ولكن من
الواضح أنه ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية بمعنى عدمالمانع المولوي، وذلك لأن
المأخوذ في لسان الدليل، إن كان عنوان القدرةوالاستطاعة، كان المتفاهم العرفي منه
القدرة التكوينية في مقابل العجز التكوينيالاضطراري، وإن كان الوارد في لسان
الدليل عنوان عدم الاشتغال بواجبآخر، كان المتبادر منه القدرة التكوينية في مقابل
العجز التكويني الأعمّ منالاضطراري والاختياري، حيث إن معنى ذلك أن عدم الاشتغال
بواجب آخراختياراً دخيل فيه حكماً وملاكاً ومع الاشتغال به ينتفي بانتفاء موضوعه،
وإنكان الوارد في لسان الدليل عدم المانع المولوي على الخلاف، كان المتفاهم
منهعرفاً ان وجوبه خطاباً وملاكاً مقيد بعدم وجود المانع المولوي ومع وجوده
فلاوجوب له لا خطاباً ولا ملاكاً.
ومن الواضح أن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة بالمعنى الثالث، لماتقدّم من أنه
خلاف الضرورة الفقهية، واما اشتراط وجوبه بالقدرة الشرعيةبالمعنى الأول أو الثاني
فهو لايمنع من الالتزام بصحة الوضوء على القول بالترتبكما مرّ تفصيله، ومن هنا
تبيّن أن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من الحكم ببطلانالوضوء في صورة الانحصار
في المقام مبني على أن وجوبه مشروط بالقدرةالشرعية بالمعنى الثالث وهو كماترى هذا.
وأما السيد الاُستاذقدس سره(37) فقد ذكر أن هذه النظرية وهي بطلان الوضوء فيصورة
الانحصار نظرية خاطئة ولا مجال لها، بناء على ما حققناه من إمكانالشرط المتأخر
وأنه لا مناص من الالتزام به في الواجبات المركبة من الاجزاءالطولية من ناحية،
وإمكان القول بالترتب من ناحية اُخرى، وكون القدرة التيهي شرط للتكليف هي القدرة
في طرف العمل والامتثال من ناحية ثالثة، ومنالواضح أن نتيجة هذه المباني صحة
الوضوء في المقام، بتقريب أن القدرة تتجددعند الاتيان بكل جزء من أجزائه بالعصيان
وارتكاب المحرم وهو أخذ الماء منالأواني المغصوبة غرفة غرفة شيئاً فشيئاً إلى أن
يفرغ من الوضوء، فوجوبغسل الوجه الضمني مترتب على أخذ الماء منها بمقداره عصياناً
ومشروطبوجوب الجزء الأخير الضمني بنحو الشرط المتأخر، كما أن القدرة على الجزءالأول
وهو غسل الوجه مشروط بالقدرة على الجزء الأخير كذلك، وحيث انالمكلف يعلم بعصيانه
ثانياً وثالثاً إلى أن يتمّ الوضوء فيعلم بأنه قادر عليه، لأنقدرته تتجدد بتجدد
العصيان عند كل جزء، وعندئذٍ فلا مانع من الالتزام بثبوتالأمر به مترتباً على
عصيانه كذلك، بناءً على ما هو الصحيح من إمكان الترتبوأن وجود القدرة في ظرف
الاتيان بالأجزاء اللاحقة شرط لوجوب الأجزاءالسابقة بنحو الشرط المتأخر.
وعلى الجملة فالوجوب المتعلق بالوضوء المركب من الأجزاء الطوليةوجوب ارتباطي، لأن
تعلقه بكل جزء من أجزائه مربوط بتعلقه بسائرالأجزاء، وهذا الوجوب مشروط بالقدرة
عليه من البداية إلى النهاية، فالقدرةعلى الجزء الأخير شرط لوجوب الجزء الأول وهكذا
بنحو الشرط المتأخر،ولايلزم أن تكون القدرة فعلية من الأول، بل يكفي حدوثها في ظرف
الاتيانبكل جزء، وقد ذكرقدس سره للمسألة نظيرين:
الأول: إذا كان عند المكلف ماء قليل لايكفي إلا لغسل الوجه فحسب، ولكنهيعلم بسبب
من الأسباب أنه إذا صرفه في غسل وجهه تمكن من غسل يديه إمابنزول المطر أو بخروج
الماء من الأرض شيئاً فشيئاً، ففي مثل ذلك لا شبهة فيوجوب الوضوء عليه باعتبار أنه
قادر عليه عقلاً وشرعاً، وقد مرّ كفاية تجدّدالقدرة عند كل جزء من أجزائه، ولايعتبر
أن تكون القدرة فعلية من الأول علىضوء المباني المتقدّمة.
الثاني: إذا كان عند المكلف ثلج يذوب شيئاً فشيئاً وليس عنده إناء لكييجمع ماؤه
فيه، ففي مثل ذلك كان يتمكن من الوضوء بأخذ الماء منه غرفة غرفةإلى أن يتم وضوئه
ولا يجوز له التيمّم، وقد تقدّم أنه لا فرق في وجوب الوضوءبين تمكنه منه بكامل
أجزائه فعلاً وبين تجدّده عند كل جزء.
ولنا تعليق على ما أفادهقدس سره من النقاط:
الاُولى: ما ذكرهقدس سره من عدم الفرق بين المقام وهو الوضوء في صورةالانحصار
وبين المثالين المذكورين.
الثانية: إنهقدس سره قد بنى صحة الوضوء في هذه الصورة على جواز الشرطالمتأخّر.
الثالثة: إشتراط وجوب الوضوء بالقدرة الشرعية.
الرابعة: كفاية حدوث القدرة في ظرف الاتيان بكل جزء من اجزاء الواجبالطولية
كالوضوء والصلاة ونحوهما.
أما التعليق على النقطة الاُولى، فلأن ما ذكره من عدم الفرق بين المقام
وبينالمثالين فهو في غير محله وذلك للفرق بينهما، بيان ذلك هو أن وجوب الوضوء
فيالمثالين بمعنى الاعتبار فعلي، وأما فعلية فاعليته فهي منوطة بفعلية موضوعهاوهو
التمكن من الوضوء بكامل أجزائه عقلاً وشرعاً، والمفروض أن المكلفمتمكن من الوضوء
بتمام أجزائه أي من البداية إلى النهاية بدون أيّ مانع عقليولا شرعي، ولا فرق في
ذلك بين أن يكون الماء الكافي للوضوء كاملاً موجوداًعنده وبين أن يوجد تدريجاً حسب
تدريجية اجزائه، ضرورة أن هذه الجهة غيردخيلة في تمكن المكلف من الوضوء بجميع
أجزائه، لأن تمكنه منه لامحالة يكونطولياً حسب أجزائه الطولية وليس بإمكانه
الاتيان به دفعة واحدة، وقد تقدمأن فعلية فاعلية وجوبه من البداية إلى النهاية
مشروطة بتمكن المكلف وقدرتهعليه كذلك، فهناك فاعلية موحدة طولية مشروطة بالقدرة
الموحدة الطوليةبنحو الشرط المقارن، لا أن القدرة على الجزء اللاحق شرط لوجوب
الجزءالسابق، لوضوح أن وجوب الأجزاء وجوب واحد وفاعليته لكل جزء إنما هيبفاعليته
للكل وإلاّ لزم الخلف، كما أن تأثير القدرة في كل جزء إنما هي بتأثيرالقدرة في
الكل، بمعنى أن شرطيتها لفاعليته لكل جزء إنما هي بشرطيتهالفاعليته للكل لا
بالاستقلال وإلاّ لزم خلف فرض كونه جزءً، وإن شئت قلت:إن وجوب الوضوء بما هو إعتبار
ثابت في مرحلة الجعل لايمكن أن يكونتدريجياً بل هو آني، فإن التدرج إنما هو في
فعلية فاعليته حسب تدرّج قدرةالمكلف على الأجزاء التدريجية للوضوء، وحيث إن للوجوب
الذي له روحفاعلية موحدة في الخارج، على أساس أن فاعليته لكل جزء إنما هي
بفاعليتهللكل وشرطية القدرة لفاعليته لكل جزء إنما هي بشرطيتها لفاعليته
للكل،فمعنى ذلك إن شرطية القدرة لفاعليته للكل تكون بنحو الشرط المقارن،والمفروض
أن نسبة فاعليته للكل إلى جميع الأجزاء الطولية نسبة واحدة. وهذابخلاف المقام، فإن
المكلف فيه لايتمكن من الوضوء بتمام أجزائه شرعاً وإن كانمتمكناً منه كذلك عقلاً
وهذا هو الفارق بينهما، ومن هنا تكون صحة الوضوء فيالمقام مشروطة بأمرين:
الأول: القول بإمكان الترتب.
الثاني: أن لا يكون وجوب الوضوء مشروطاً بعدم المنافي المولوي، وإلاّ فلايمكن الحكم
بصحته كما عرفت، بينما تكون صحّته في المثالين على القاعدة.
وأما النقطة الثانية فيرد عليها ما حققناه في محلّه من استحالة الشرط
المتأخربالنسبة إلى اتّصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي الذي هو روح
الحكموحقيقته، بإعتبار إن هذا الاتصاف أمر تكويني فيستحيل أن يؤثر المتأخر
فيهتكويناً لاستلزامه أحد محذورين: أما تأخير المتقدم أو تأثير المعدوم
وكلاهمامحال.
وأما النقطة الثالثة، فيرد عليها أن الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعيةبل هو مشروط
بالقدرة الأعمّ من القدرة العقلية والعرفية، لما عرفت من أن الآيةالشريفة وروايات
البدليّة لا تدلا على ذلك، ومع الاغماض عن هذا وتسليم أنوجوبه مشروط بالقدرة
الشرعية فهو مشروط بالقدرة التكوينية في مقابلالعجز التكويني، وعندئذٍ فلا مانع من
الحكم بصحة الوضوء بالأمر الترتبي، وقدتقدم تفصيل كل ذلك، وأما لوكان مشروطاً
بالقدرة الشرعية بمعنى عدم المانعالمولوي كما يظهر ذلك من بعض كلمات السيد
الاُستاذقدس سره، فقد تقدم أنه لايعقلإثبات الأمر الترتبي له، لأن ثبوت وجوبه منوط
ومقيد بعدم المانع المولوي، ومعوجوده ينتفي وجوبه بانتفاء موضوعه ولا يعقل ثبوته
ولو ترتباً، لأن معنىالترتب فعلية كلا الأمرين معاً عند عصيان الأهمّ وهي غير
معقولة في المقام.
وبكملة، إن عدم المانع المولوي إذا كان مأخوذاً في لسان دليل وجوبالوضوء، كان
ظاهراً في أن ثبوته مانع عن ثبوت وجوب الوضوء، باعتبار أنهمعلق على عدم ثبوته ومع
ثبوته ينتفي بانتفاء موضوعه.
ودعوى، إنه يكفي في صحة الوضوء عدم المانع في ظرف الاتيان به،والمفروض إنه لامانع
في ظرف الاتيان بكل جزء من أجزائه، فإن المانع إنما هواغتراف الماء من الاناء
المغصوب وبعد الاغتراف فلا مانع من غسل الوجه ولاغسل اليدين بعده وهكذا، وهذا هو
مقتضى كفاية القدرة التدريجية حسبتدريجية أجزاء الوضوء وتجدّدها عند الاتيان بكل
جزء.
مدفوعة، بأن المانع عن صحته إنما هو ثبوت المنافى حدوثاً. على أساس إنوجوب الوضوء
معلق على عدم ثبوته ومع ثبوته فلا وجوب له حتى يمكنالحكم بصحته بالوجوب الترتبي،
وأما عدم وجود المنافي الخاص عند الاتيانبكل جزء فهو لايكفي بعدما كانت أجزائه
ارتباطية ومحكومة بوجوب واحد ولاوجود لوجوب كل جزء إلا بوجود وجوب الكل ولا داعويّة
له إلاّ بداعويّتهوهكذا، فإذا كان لوجوب الكل مانع مولوي فهو غير ثابت، وإلاّ لزم
ثبوتوجوب الوضوء مع ثبوت مانعه وهذا خلف، ومع عدم الوجوب للكل كيفيعقل ثبوته
للجزء، بداهة أنه لايتصور ثبوته للأجزاء إلاّ بثبوته للكل، حيث لاوجود له إلا
بوجوده له وإلا لزم كون وجوب الجزء مستقلاً وهذا خلف.
والخلاصة، إن وجوب الوضوء في المقام منوط بعدم ثبوت حرمة التصرّف فيالاناء المغصوب
ومع ثبوتها فلا وجود له، وإلاّ لزم الجمع بين ثبوت المانعوالممنوع معاً وهو كما
ترى، والمفروض إن معنى الترتب هو فعلية كلا الأمرينمعاً في زمن واحد، فإذن كيف
يعقل فعلية الأمر بالوضوء مع فعلية حرمةالتصرّف، فإن معنى ذلك أن الأمر به فعلي مع
فعلية مانعه، فإذا لم يكن أمربالوضوء فكيف نتصور الأوامر الضمنية لاجزائه مع أنه لا
وجود لها إلابوجوده.
وأما النقطة الرابعة، فهي تامة إذا كان وجوب الوضوء أو ما شاكله مشروطاًبالقدرة
العقلية أو بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول والثاني، ولكنها غير تامّة إذاكان
مشروطاً بالقدرة الشرعية، بمعنى عدم المنافي المولوي كما عرفت، وأماماذكرهقدس سره
من أن القدرة معتبرة في ظرف الامتثال بحكم العقل، فهو ليس بمعنىأن الحاكم
باعتبارها العقل وإن التكليف المجعول من قبل الشارع مطلق كما يظهرمن مطاوي بعض
كلماتهقدس سره، بل بمعنى أن القدرة قيد للتكليف لباً والكاشف عنهالعقل لا أن
العقل جاعل، وهذا معناه أن العقل يكشف عن أن الشارع جعلالتكليف للمكلف القادر في
ظرف الامتثال فهي من شروط فعلية فاعليةالتكليف ودخيلة فيها، لأن العقل لايكشف أكثر
من ذلك ولايكشف أنها دخيلةفي اتصاف الفعل بالملاك أيضاً في مرحلة المبادي، وبذلك
تفترق الشروط اللبّيةعن الشروط المأخوذة في لسان الدليل شرعاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهاتين النتيجتين:
الاُولى: إن عنوان القدرة والاستطاعة إن كان مأخوذاً في لسان الدليلمباشرة من قبل
المولى فهو ظاهر في التأسيس كالآية الشريفة ونحوها، علىأساس أن تصدي المولى
لابرازه بنحو المباشر مع أنه مبرز ومنكشف بحكم العقلبملاك قبح تكليف العاجز أو
باقتضاء نفس الخطاب، يدل على نكتة زائدة علىذلك، وتلك النكتة هي التي دعت المولى
إلى هذا التصدي والعناية وهي دخله فيالملاك في مرحلة المبادي أيضاً، باعتبار أن
العقل لايحكم بأكثر من تقييدالتكليف به دون الملاك وكذلك الخطاب، وأما إذا لم يكن
هذا العنوان وارداً فيلسان الدليل مباشرة من قبل المولى وإنما استظهر ذلك بقرينة
خارجية بدونتصدي المولى ذلك، فلايكون ظاهراً في التأسيس ودخله في الملاك، بل
هوتأكيد لحكم العقل فلايكون قيداً شرعياً، لأن الكاشف عنه في مقام الاثبات إنكان
العقل فهو عقلي وإن كان الشرع فهو شرعي وإلا فالتقييد في مقام الثبوتعلى كل تقدير
فهو مولوي، فلا يعقل أن يكون التقييد فيه عقلياً، لوضوح أنسعة الحكم الشرعي وضيقه
بيد الشارع وليس للعقل طريق إلى دخل شيء فيالحكم الشرعي أو عدم دخله فيه، غاية
الأمر إن الكاشف عنه في مقام الاثباتقد يكون الشرع وقد يكون العقل.
الثانية: إن التزاحم إن كان بين واجبين كالصلاة والازالة مثلاً، فإذا كانأحدهما
أهمّ من الآخر كان وجوب المهم مشروطاً بترك الآخر، وإذا كانامتساويين كان وجوب كل
منهما مشروطاً بترك الآخر، فعلى الأول إذا تركالأهم كالصلاة مثلاً كان كلا الأمرين
فعلياً، وعلى الثاني إذا ترك كليهما كان كلاالأمرين فعلياً، فعلى القول بالترتب
لاتنافي بينهما، وأما إذا كان التزاحم بينواجب وحرام وكان الحرام أهم من الواجب أو
المساوي له، كان وجوبهمشروطاً بعصيان الحرام، فطالما يكون المكلف تاركاً للحرام
فلا وجوب له لعدمتحقق شرطه، وأما إذا بدأ في ارتكاب الحرام تحقق الوجوب، وحينئذٍ
فإن كانالحرام آنياً بأن يرتفع بارتفاع موضوعه بصرف ارتكابه فلا ترتب، لأنالوجوب
ثابت في زمان ارتفاع الحرمة بارتفاع موضوعها، وإن كان الحرامتدريجياً كما في
المقام، فعندئذٍ إن كان وجوب الوضوء مشروطاً بعدم المنافيالمولوي، فلايمكن تصحيح
الوضوء بالأمر الترتّبي، لما عرفت من أنه لايمكنتحققه فعلاً مع وجود النهي عن
التصرّف في الأواني المغصوبة، لفرض أنه مانععنه، فلايعقل فعليته مع فعليّة النهي،
وإن كان مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنىالأول أو الثاني، فلا مانع من الحكم بصحة
الوضوء بالأمر الترتبي، والنكتة فيذلك إن وجوب الوضوء في هذين الفرضين مطلق في
مرحلة الجعل، وأما فيمرحلة الامتثال ففعلية فاعليته مقيّدة بالعصيان ومشروطة به
بنحو الشرطالمقارن، لا أنها في الآن الأول مشروطة بالعصيان في الآن اللاحق بنحو
الشرطالمتأخر، بل هي مستمرة باستمراره ومتدرّجة بتدرجه، فالشرط هو العصيانالموحد
الطولي والمشروط هو فعلية فاعليته كذلك، باعتبار إن فاعليته لكلجزء إنما هي
بفاعليته للكل لا مستقلة وإلاّ لزم الخلف، وهذا هو الفارق بين كونوجوب الوضوء
مشروطاً بالقدرة الشرعية بالمعنى الأول أو الثاني وبين كونهمشروطاً بها بالمعنى
الثالث وهو عدم المنافي المولوي، ومن هنا يظهر أن ما ذكرهالسيد الاُستاذقدس سره من
صحة الوضوء بالترتب لاينسجم مع ما هو ظاهر كلامهقدس سرهفي المسألة من أن الأمر
بالوضوء مشروط بعدم المنافي المولوي، وأن النهي عنالتصرف فيه مانع عن الأمر به،
ومعه لايمكن الحكم بصحة الوضوء بالترتب،نعم يمكن الحكم بصحّته بالترتب حينئذٍ بلحاظ
الأمر الاستحبابي فحسب.
الفرع الرابع: صحة التمام في موضع القصر مطلقاً للجاهل بالحكم وإن كانمقصراً وصحة
القصر في موضع التمام في مورد واحد وهو المسافر الذي نوىإقامة عشرة أيام في بلد
وصلّى فيه قصراً جاهلاً بوجوب التمام عليه، وصحةالجهر في موضع الاخفات وبالعكس
للجاهل به أو الناسي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن المعروف والمشهور بين الأصحاب هو أن الجاهلبالحكم في هاتين
المسألتين إذا كان عن تقصير يستحق العقوبة على ترك القصرأو الجهر، على الرغم من أن
ما أتى به من الصلاة تماماً أو اخفاتاً صحيح ووافبتمام ملاك الصلاة الفائتة في
الواقع، فإذن يقع الكلام في الجمع بين هذين الأمرينهما الحكم بصحة التمام في موضع
القصر وعدم وجوب الاعادة وإن انكشفالحال في الوقت، واستحقاق العقوبة على ترك القصر
إذا كان جهله عن تقصير،فإنه كيف يمكن الجمع بينهما رغم أن التمام واف بتمام ملاك
القصر وعدم تفويتشيء منه، أو فقل إن معنى صحة الصلاة تماماً في موضع القصر وعدم
وجوبإعادتها حتى في الوقت إذا انكشف الخلاف فيه وارتفع الجهل أنها وافية
بتماممصلحة القصر، ومعنى استحقاقه العقوبة على ترك الصلاة قصراً إذا كان
جاهلاًمقصراً، إنه قد فاتت مصلحتها عنه فلهذا يستحق العقوبة على تركها، لوضوحأنه
لايعقل العقاب من الحكيم بلا موجب وجزافاً، ولهذا حاول الأصحابلعلاج هذه المشكلة
بعدة محاولات:
الاُولى: ما ذكره الشيخ كاشف الغطاء الكبيرقدس سره(38) من الالتزام بالترتب،بتقريب
إن الأمر بالصلاة تماماً في موضع القصر مترتب على عصيان الأمربالصلاة قصراً وعدم
الاشتغال بها، كما أن الأمر بالصلاة جهراً في موضعالاخفات مترتب على الصلاة
اخفاتاً وبالعكس، وعلى هذا فلا مانع من الجمعبين الأمرين، فإن صحة الصلاة تماماً
أو جهراً إنما هي على أساس الأمر الترتبيوموضوعه عصيان الأمر بالصلاة قصراً أو
اخفاتاً، ولهذا يستحق العقوبة علىتركها كما هو الحال في تمام موارد الترتب بين
الأهم والمهم، فإن الواجب المهمصحيح بالترتب، ولكن يستحق العقوبة على ترك الأهم
وعصيان أمره هذا.
وقد أورد عليه شيخنا الأنصاريقدس سره(39) بأن الترتب في المقام غير معقولواكتفى
بهذا القدر بدون أن يبين وجه عدم معقوليته.
وقد علق عليه المحقق النائينيقدس سره(40) بأن كلامه هنا مناقض لكلامه في
مبحثالتعادل والترجيح، فإنهقدس سره قد صرّح هناك بالترتب على القول بالسببية
فيحجيّة الامارات وتبعه في هذا التعليق السيد الاُستاذقدس سره(41) هذا.
ولكن الظاهر أنه لا مناقضة بين كلامهقدس سره هنا وكلامه هناك لأمرين:
الأول: إن انكارهقدس سره الترتب هنا إنما هو في مرحلة الجعل، وأما التزامهقدس
سرهبالترتب هناك فإنما هو في مرحلة الفعلية والامتثال ولا ملازمة بين الأمرين،
إذيمكن القول بالترتب في مرحلة الامتثال ولايمكن القول به في مرحلة الجعل.
الثاني: إن كلامه هناك ليس ناصاً في التزامه بالترتب، لأنهقدس سره قد قال هناكإن
التكليف حيث كان مشروطاً بالقدرة في ظرف الامتثال فلازمه التخيير بينالواجبين
المتزاحمين، باعتبار إن كلاً منهما مشروط بالقدرة في ظرف الامتثالولايكون مشروطاً
بعدم الاشتغال بالآخر، وهذا منهقدس سره دليل على أن ما ذكرههناك ليس مبنياً على
الترتب، بل من جهة أن المكلف إذا لم يكن قادراً علىامتثال كليهما معاً وقادراً على
امتثال أحدهما لا بعينه، استقل العقل بوجوبالاتيان به تخييراً وهذا ليس بملاك
الترتب، باعتبار أنه ليس هناك إلا تكليفواحد موجه إليه وهو التكليف بأحدهما، بينما
القول بالترتب يستلزم ثبوتتكليفين فعليين مترتبين موجهين إليه كذلك، ولهذا يكون
مبنياً على تقييدخطاب المهم بعدم الاشتغال بالأهم لباً وتقييد خطاب كل منهما بعدم
الاشتغالبالآخر إذا كانا متساويين، والمفروض إنهقدس سره قد نفى هذا التقييد
الشرعي وإنما أقرّبالتقييد بالقدرة عقلاً، وحيث إن للمكلف في المقام قدرة واحدة،
فبطبيعة الحاليكون الموجه إليه تكليف واحد، ولهذا لايكون من باب الترتب، هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن المحقق النائينيقدس سره(42) قد أورد على ما ذكره
كاشفالغطاءقدس سره من الترتب في المقام بوجوه:
الأول : إنه يعتبر في الترتب أن يكون التضاد بين الفعلين المتزاحمين
اتفاقياًكالتضاد بين الصلاة والازالة وبين التصرف في مال الغير وانقاذ الغريق
أوالحريق، وأما إذا كان التضاد بينهما دائمياً، فلا يعقل فيه الترتب وإن كان
لهماثالث، والمفروض إن التضاد بين القصر والتمام والجهر والاخفات دائمي،
فإذنلايمكن الالتزام بالترتب بينهما في المقام، ولابد حينئذٍ من أن يعامل معهما
معاملةالمتعارضين.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره(43) بتقريب، إن اعتبار كون التضاد بينمتعلقي
الخطابين المتزاحمين إتفاقياً إنما هو في الترتب بينهما في مرحلة الامتثال،فإنه
لايعقل في هذه المرحلة إلا أن يكون التضاد بينهما إتفاقياً، وأما إذا كانالترتب
بينهما في مرحلة الجعل، فلا تعتبر الاتفاقية في التضاد بينهما، بل لا مانعمنه وإن
كان التضاد بينهما دائمياً شريطة أن يكون لهما ثالث، وغرض الشيخالكبير كاشف
الغطاءقدس سره من الترتب في هذه المسألة إنما هو الترتب بين خطابيالقصر والتمام
والجهر والاخفات في مرحلة الجعل، وعلى هذا فما ذكره المحققالنائينيقدس سره من
إعتبار كون التضاد بين الأمرين المتزاحمين إتفاقياً إنما هو فيالترتب بينهما في
مرحلة الامتثال فيكون أجنبياً عما ذكره كاشف الغطاءقدس سره،وكيف كان فلا مانع من
الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل بين الضدّين الدائميينشريطة أن يكون لهما ثالث
كما في المقام، وعلى هذا فلا مانع من جعل وجوبالصلاة تماماً مترتباً على ترك القصر
للمسافر الجاهل بوجوبه لا مطلقاً، وكذلكالحال في مسألة الجهر والاخفات، ولايلزم من
ذلك أي محذور كطلب الجمع بينالضدّين أو التمانع بين الأمرين في الاقتضاء، لأنه
إنما يلزم إذا كان جعل الوجوبلكل منهما بنحو الاطلاق لا بنحو الترتب والتقييد بحال
الجهل هذا.
ثم إنهقدس سره قد ذكر إن الترتب بين الخطابين في مرحلة الجعل يختلف عن الترتبفي
مرحلة الامتثال بأمرين:
الأول: إن المأخوذ في موضوع الخطاب المترتب في مرحلة الجعل ترك متعلقالخطاب
المترتب عليه في حال الجهل المكلف به لا مطلقاً، بينما يكون موضوعهفي مرحلة
الامتثال تركه في حال العلم به.
الثاني: إن الترتب في مقام الجعل بحاجة إلى دليل دون الترتب في مرحلةالامتثال، فإن
إمكانه مساوق لوقوعه في الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنهقدس سره قد ذكر إن ما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس
سرهصحيح ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فقد مر إنه لا مانع من أن يكون وجوب
التماممجعولاً على المسافر الجاهل بوجوب القصر مترتب على تركه في هذهالحالة،
وكذلك وجوب الجهر مجعولاً على الجاهل بوجوب الاخفات مترتباً علىتركه كذلك وبالعكس،
وأما إثباتاً فلأن النصوص الدالة على صحة التمام موضعالقصر وصحة الجهر موضع
الاخفات وبالعكس دليل عليه، فالنتيجة، إن ماأفاده الشيخ الكبير في المسألتين هو
الصحيح هذا، وللنظر فيما أفاده السيدالاُستاذقدس سره مجال.
أما ما ذكرهقدس سره من أن المعتبر في الترتب بين الخطابين في مرحلة الامتثال
أنيكون التضاد بين متعلقيهما إتفاقياً فهو صحيح، وأما ما ذكرهقدس سره من أن
مسألتيوجوب التمام موضع القصر ووجوب الاخفات موضع الجهر وبالعكس، مبنيّتانعلى
الترتب فهو غير تام.
توضيح ذلك يتطلّب بيان نقطتين:
الاُولى: إن وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشبهاتالحكمية ليس
من باب الترتب وكذلك وجوب الاخفات على المكلف الجاهلبوجوب الجهر وبالعكس.
الثانية: إن المعتبر في التزاحم بين الخطابين أن يكون التضاد بين
متعلقيهماإتفاقياً، ولو كان دائمياً كان بينهما تعارض في مرحلة الجعل.
أما الكلام في النقطة الاُولى، فيقع تارة بلحاظ مقام الثبوت واُخرى بلحاظمقام
الاثبات، أما الكلام في الأول فلا مانع من الالتزام بأن وجوب القصر علىالمسافر
مشروط بالعلم به، وأما إذا كان جاهلاً به فوظيفته التمام بمقتضى الأدلةالأولية
والخارج عن اطلاقها المسافر العالم بوجوب القصر لا مطلقاً يعني حصةخاصة من المسافر
وهو المسافر الذي قرأت عليه آية التقصير(44)، ولا محذور فيالالتزام بذلك ثبوتاً،
لما ذكرناه في غير مورد من أنه لامانع من أخذ العلم بالحكمفي مرتبة في موضوع نفسه
في مرتبة اُخرى، بأن يؤخذ العلم به في مرتبة الجعل فيموضوع نفسه في مرتبة المجعول
وهي مرتبة الفعلية بدون أن يستلزم ذلك أيمحذور كالدور أو نحوه، فإن المحذور إنما
يلزم فيما إذا اخذ العلم بالحكم في موضوعنفسه في مرتبة واحدة، وعلى هذا ففي المقام
لامانع من أن يؤخذ العلم بوجوبالقصر في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة
المجعول، بمعنى أن المسافر إذاعلم بوجوب القصر عليه في الشريعة المقدسة صار وجوبه
فعلياً في حقّه أيفاعليته ومحركيته نحو الاتيان بالقصر، ولا مانع من الالتزام بذلك
ثبوتاً ولامحذور فيه كما مرّ.
وأما في مقام الاثبات، فأدلة الباب غير قاصرة عن الدلالة على ذلك كالآيةالشريفة
والروايات(45)، فإن مقتضى الآية الشريفة إن وجوب القصر علىالمسافر يدور مدار قراءة
آية التقصير عليه وعدم قراءتها، ومن الواضح أنقراءتها عليه كناية عن العلم بوجوب
القصر وعدم قراءتها كناية عن الجهل بهولا يمكن حملها على الترتب لأنه خلاف الظاهر،
فإن الظاهر منها إن وجوبالقصر مشروط بالعلم به ووجوب التمام مشروط بالجهل بوجوب
القصر لا أنهمشروط بتركه، فلهذا لايمكن حملها على الترتب لأنه بحاجة إلى قرينة ولا
قرينةعليه لا في نفس هذه الأدلة ولا من الخارج، ومن هنا يظهر أن ما ذكره
السيدالاُستاذقدس سره في المقام من أن المأخوذ في موضوع وجوب التمام على المسافر
تركالقصر في حال جهله بوجوبه لامطلقاً وكذلك الحال في الجهر والاخفاتفلايمكن
المساعدة عليه، وذلك لما عرفت من أن أدلة الباب من الآية الشريفةوالروايات ظاهرة في
أن وجوب التمام ليس من باب الترتب بل من جهة أنوجوب القصر ثابت لحصة خاصة من
المسافر وهي المسافر العالم بوجوبالقصر وكذلك وجوب الجهر والاخفات فإنه ثابت
للمكلف العالم به لا مطلقاً ولامانع من الالتزام بذلك ثبوتاً واثباتاً، وسوف يأتي
تفصيله بأكثر من ذلك.
وأما الكلام في النقطة الثانية، فإذا كان التضاد بين متعلقي الخطابين دائمياً
وإنلم يكن بينهما ثالث، فلا شبهة في أنهما داخلان في باب التعارض، ضرورةاستحالة
جعل التكليف لهما لا جمعاً لاستلزامه طلب الجمع بين الضدّين ولاأحدهما مشروطاً بعدم
الآخر لأنه من تحصيل الحاصل، إذ أن وجود أحدهماعلى تقدير ترك الآخر ضروري، فيكون
التكليف بأحدهما أو كليهما مشروطاًبترك الآخر لغواً وجزافاً، وإن كان بينهما ثالث
كما إذا ورد في الدليل صل ركعتينفي المسجد عند طلوع الشمس وورد في دليل آخر إقرأ
سورة من القرآن فيه عندطلوعها، فهل هما داخلان في باب التزاحم أو التعارض، فيه
قولان، فذهبتمدرسة المحقق النائينيقدس سره إلى الثاني(46)، وذهب بعض المحققينقدس
سره(47) إلى التفصيلبين اطلاق الخطابين وبين أصلهما، فعلى الأول هما داخلان في باب
التعارضوعلى الثاني داخلان في باب التزاحم، وقد أفاد في وجه ذلك ما حاصله، أماعدم
التعارض على الثاني فلأنه لا مانع من ثبوت كل منهما مشروطاً بعدمالاشتغال بالآخر
بعد البناء على القول بإمكان الترتب، وأما وقوع التعارضعلى الأول، فحيث إن
المتفاهم العرفي هو ثبوت الاطلاق لكل منهما في حالالاشتغال بالآخر، فيكون معارضاً
مع إطلاق الآخر، والنكتة في ذلك إنخصوصية التضاد الدائمي بنفسها قرينة عرفاً على
أن المولى ألغى مانعيةالاشتغال بأحدهما عن الأمر بالآخر، وعلى هذا فلا محالة يقع
التعارض بينهما،ولابد حينئذٍ من تطبيق قواعد باب التعارض بين إطلاق كل من الخطابين
لحالالاشتغال بالآخر، فإن كان هناك مرجح لأحدهما دون الآخر، فذو المرجحمطلق
والآخر مشروط بعدم الاشتغال بالأول، وإلاّ فيسقطان معاً ويثبت بهماحكمان مشروطان
بنحو الترتب، لما عرفت من عدم التعارض بين أصلالخطابين هذا.
الظاهر، إن ما ذهبت إليه مدرسة المحقق النائينيقدس سره هو الصحيح، وذلك لأنهإذا
ورد في الدليل تجب الصلاة عند طلوع الفجر وورد في دليل آخر يجب الذهابإلى البلد
الفلاني عند طلوع الفجر، يرى العرف التعارض بينهما، لأن اطلاق كلمنهما لايجتمع مع
اطلاق الآخر، وحينئذٍ فلابد من الرجوع إلى مرجحات بابالمعارضة، فإن كان للدليل
الأول مرجح لابد من الأخذ به وطرح الثاني، وإنكان العكس فبالعكس، ودعوى إن
المعارضة إنما هي بين اطلاق كل منالخطابين مع اطلاق الخطاب الآخر لابين أصل
الخطابين المشروطين كل منهمابعدم الاشتغال بالآخر، فإذن الساقط بالمعارضة إنما هو
إطلاق كل من الخطابينلا أصلهما فإنه بلا موجب.
مدفوعة بأنها مبنية على أن تكون لكل من الخطابين دلالتان:
الاُولى: الدلالة على القضية المهملة وهي ثبوت كل منهما في الجملة والقدرالمتيقن
منه هو الثبوت عند عدم الاشتغال بالآخر.
الثانية: الدلالة على القضية المطلقة وهي ثبوت كل منهما حتى في حالالاشتغال
بالآخر، ولكن هذا المبنى غير صحيح، لوضوح أنه ليست لكل منهمادلالتان مستقلتان غير
مندكة احداهما بالاُخرى، بل دلالة واحدة وهي الدلالةعلى القضية المطلقة والقضية
المهملة مندكة فيها وفي ضمنها، وكل من الخطابينيدل عليها في ضمن دلالته على القضية
المطلقة لا مستقلة، وعلى هذا فإذا سقطتدلالته على القضية المطلقة بالمعارضة، سقطت
دلالته الضمنية أيضاً وهي دلالتهعلى القضية المهملة، باعتبار أنها في ضمن الدلالة
المطلقة وتسقط بسقوطها،ولايعقل بقائها بعد سقوطها لأنه خلف فرض كونها في ضمنها،
فإذن ثبوتأصل الخطابين بنحو القضية المهملة بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، وعلى
ضوءهذا فإن كان هناك مرجح لأحد الخطابين دون الآخر، فلابد من الأخذ به وطرحالآخر
نهائياً وإلاّ فيسقطان معاً والمرجع في موردهما الأصل العملي، ولا مانع منالتمسك
بإصالة البراءة عن وجوب كليهما لفرض أنه لا علم بوجوب أحدهمالاحتمال عدم وجوب شيء
منهما.
والخلاصة، إن الصحيح هو ما ذهبت إليه مدرسة المحقق النائينيقدس سره من أنالتضاد
بين متعلّقي الخطابين إذا كان دائمياً فهما يدخلان في باب التعارض دونالتزاحم وإن
كان بينهما ثالث.
لحد الآن قد تبيّن أن ما ذكره الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس سره في المسألة
منالترتب لايمكن المساعدة عليه، فإنه إن اُريد به الترتب في مرحلة الامتثال
فقدعرفت أنه إنما يتصور بين متعلّقي الخطابين إذا كان التضاد بينهما اتفاقياً
لادائمياً،وحيث إنه في المسألة دائمي فلايمكن القول بالترتب بينهما.
وإن اُريد به الترتب في مرحلة الجعل فهو وإن كان ممكناً إلاّ أنه بحاجة إلىدليل في
مقام الاثبات، وأدلة الباب من الآية الشريفة وغيرها لاتدل على ذلككما سوف نشير
إليه موسعاً.
الوجه الثاني: إنا لو سلمنا أنه لايعتبر في الترتب أن يكون التضاد بينالواجبين
المتزاحمين إتفاقياً بل لا مانع منه وإن كان دائمياً إذا كان بينهما ثالث حتىيتمكن
المكلف من ترك كلا الواجبين معاً، ولكن لايعقل إذا لم يكن بينهما ثالثكالحركة
والسكون ونحوهما لاستحالة الأمر بهما ولو ترتباً، حيث إن وجودأحدهما عند عدم الآخر
ضروري فلايعقل تعلق الأمر به والمقام من هذا القبيل،فإن القصر والتمام في الصلاة من
الضدين الذين لا ثالث لهما، لأنها إما مقصورة أوتامة وكذلك الجهر والاخفات، فلهذا
لايعقل الترتب في هاتين المسألتين.
والجواب: إن جعلهقدس سره مركز البحث عن إمكان الترتب وعدم إمكانه فيالمسألة
الاُولى القصر والتمام في الصلاة وفي الثانية الجهر والاخفات فيها في غيرمحله
وبمعزل عن الواقع، ضرورة أن البحث عن إمكان الترتب وعدم إمكانه فيكلتا المسألتين
إنما هو بين متعلقي الأمرين فيهما، ومن الواضح أن متعلقيهما فيالمسألة الاُولى
الصلاة القصرية والصلاة التمامية وفي الثانية الصلاة الجهريةوالصلاة الاخفاتية وهما
من الضدّين الذين لهما ثالث، والتعبير عنهما بالقصروالتمام في الاُولى وبالجهر
والاخفات في الثانية إنما هو لمجرد المعرفية والمشيرية بهماإليهما لأنهما ليسا من
العناوين القصدية المقومة بل هما من العناوين الانتزاعية،ولهذا لايكونا دخيلين فيما
هو مصب الوجوه ومركزه، وأما ما ذكره السيدالاُستاذقدس سره(48) من أن الضدّين في
المقام هما القراءة الجهرية والقراءة الاخفاتية منالضدّين الذين لهما ثالث، وذلك
بأن المصلي قد لا يقرأ في الصلاة لا جهراً ولااخفاتاً بنحو السالبة بانتفاء
الموضوع، وقد يقرء فيها ولايجهر أو لايخفت بنحوالسالبة بانتفاء المحمول، وهذا معنى
إنهما من الضدّين الذين لهما ثالث، وعلى هذافلا مانع من الالتزام بالترتب بينهما في
مقام الجعل فهو غير تام، وذلك لأنهما وإنكانتا من الضدّين الذين لهما ثالث إلاّ
أنهما من الواجبين الضمنيين ولايعقلالترتب بينهما، فإن الترتب إنما يعقل بين الأمر
بالصلاة الجهرية والأمر بالصلاةالاخفاتية لابين الأمر بالقراءة الجهرية والأمر
بالقراءة الاخفاتية، وذلك لماذكرناه في ضمن البحوث السالفة من أن الوجوب الضمني لا
وجود له إلاّ بوجودالوجوب المتعلّق بالكل ولا داعوية له إلاّ بداعويّة وجوب الكل،
ولايعقلاشتراطه بشيء إلاّ باشتراط وجوب الكل به، وعلى هذا الأساس فإذا فرض
أنوجوب القراءة الجهرية مشروط بعدم الاشتغال بالقراءة الاخفاتية في حالالجهل
بوجوبها، فمعناه أن وجوب الصلاة الجهريّة مشروط بعدم الاشتغالبالصلاة الاخفاتية في
حال جهل المكلف بوجوبها، ضرورة أن اشتراطالوجوب الضمني بشيء إنما هو باشتراط
الوجوب الاستقلالي به وإلا لزم خلففرض كونه ضمنيّاً، كما أن شرطية عدم الاشتغال
بالواجب الضمني إنما هيبشرطية عدم الاشتغال بالواجب الاستقلالي وإلاّ لزم الخلف،
والخلاصة، أنالوجوب الضمني لا واقع موضوعي له لا في عالم الاعتبار والجعل ولا في
عالمالفعلية وإنّما هو ثابت بتحليل فرضي من العقل، نعم الذي له واقع في عالم
الزمانهو فعلية فاعلية وجوب الكل المجعول في الشريعة المقدسة، ولا يعقل أن
تكونفاعليته للقراءة الجهرية للمكلف الجاهل بوجوب القراءة الاخفاتية مشروطةبتركها
إلاّ باشتراط فاعليته للصلاة مع القراءة الجهرية بترك الصلاة مع القراءةالاخفاتية
في حال الجهل بوجوبها وإلا لزم الخلف كما عرفت، ولهذا لايعقلالترتب بين واجبين
ضمنيين بدون أن يكون هناك ترتب بين واجبين مستقلين.
ومن هنا ذكرقدس سره في غير مورد إن التزاحم لايتصور بين الواجبات الضمنيّة(49)لأنها
جميعاً واجبة بوجوب واحد، وإنما يتصوّر التزاحم بين وجوبين مستقلينمتعلقين بعملين
كذلك كالصلاة والازالة ونحوهما، فإذا لم يتصور التزاحم بينهمامن جهة إنهما محكومان
بوجوب واحد فكيف يعقل الترتب بينهما، هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن الترتب إذا كان في مرحلة الجعل فلا فرق فيه بين أنيكون التضاد
بين متعلقي الخطابين المترتبين دائمياً أو اتفاقياً أو أنه لاتضاد بينهماأصلاً، بأن
يكون الترتب فيها بملاك آخر لابملاك التضاد، وأما إذا كان الترتب فيمرحلة
الامتثال، فإنه مشروط بكون التضاد بين متعلقي الخطابين المترتبيناتفاقياً ناشئاً
من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في هذه المرحلة، وأما إذاكان التضاد بينهما
دائمياً وإن كان بينهما ثالث، فيدخلان في باب التعارض ولاموضوع فيه للترتب.
ومن ناحية ثالثة إنه لامضادة في الواقع بين الصلاة الجهرية والصلاةالاخفاتية لكي
تقع المزاحمة بينهما وكذلك بين الصلاة قصراً والصلاة تماماً، إذبإمكان المكلف
الاتيان بهما معاً في وقتهما في الخارج، لأن المسافر الجاهلبوجوب الصلاة قصراً
متمكن في الواقع من الاتيان بها في وقتها والصلاة تماماًوكذلك الجاهل بوجوب الصلاة
الجهرية، فإنه متمكن في الواقع من الاتيان بهاوالصلاة الاخفاتية معاً في وقتهما
بدون مزاحمة، وعلى هذا فلا موضوع للترتبفي مرحلة الامتثال في المسألتين، لأن
الترتب في هذه المرحلة إنما يعقل بينالواجبين المتزاحمين الذين لايتمكن المكلف من
الجمع بينهما، فإن أتى بأحدهماعجز عن الاتيان بالآخر، وأما الترتب في مرحلة الجعل
فلا مانع من الالتزام بهفي كلتا المسألتين، لأنه كما مرّ غير مشروط بالتزاحم بين
الخطابين، لأنه في هذهالمرحلة قد يكون بملاك التضاد والتزاحم بينهما، وقد يكون
بملاك آخر.
الوجه الثالث: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره(50) أيضاً بتقريب أن الترتبمشروط
بشروط:
الأول: أن يكون الخطاب المترتب عليه واصلاً إلى المكلف ومنجزاً عليه.
الثاني: عصيان ذلك الخطاب المنجز باعتبار أنه مأخوذ في موضوع الخطابالترتّبي.
الثالث: أن يكون المكلف عالماً بعصيانه وعدم امتثاله وإلاّ لم يكن عالماًبالخطاب
الترتّبي، فإذا توفّرت هذه الشروط الثلاثة بين الحكمين المتزاحمينفلابدّ من
الالتزام بالترتب بينهما وإلا فلا، وحيث إن تلك الشروط غير متوفّرةفي المسألتين
المذكورتين فلايمكن القول بالترتب فيها.
أما في مسألة القصر والتمام، فلأن المسافر الجاهل بوجوب الصلاة عليهقصراً لايخلو
من أن يكون جهله به عن قصور أو عن تقصير، فعلى الأوللايتوفر شيء من تلك الشروط،
لأن وجوب القصر وإن كان في الواقعموجوداً، حيث إن الجهل به لايكون رافعاً له، إلاّ
أنه غير واصل إليه وغير منجّزومعه لاعصيان في مخالفته وعدم الاتيان بمتعلقه، لأن
العصيان إنما هو في مخالفةالتكليف المنجز الواصل إلى المكلف لامطلقاً، وإن لم يكن
منجزاً فالشرط الثانيمترتب على الشرط الأول ومتفرع عليه، كما إن الشرط الثالث
متفرع علىالشرط الثاني، فبالنتيجة إذا كان الشرط الأول غير متوفر لميتوفر الشرط
الثانيوالثالث أيضاً لأنهما متفرعان عليه، وعلى هذا فلايمكن إثبات وجوب
التمامالترتبي، لأن موضوعه المسافر الجاهل بوجوب الصلاة قصراً والعاصي له،ومن
الواضح إن وجوب التمام كذلك على المسافر متوقف على إحرازه ما هوشرطه وموضوعه وهو
العصيان وهو لايمكن إلاّ مع علمه بوجوب القصر عليه،فطالما يكون جاهلاً به عن قصور،
فلا عصيان في تركه فالسالبة بانتفاءالموضوع.
والخلاصة، إنه لايمكن جعل وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوبالقصر مشروطاً
بعصيانه إذا كان معذوراً، ضرورة أن جعل الحكم على موضوعمقيّد بقيد لايمكن تحقق ذلك
القيد في الخارج لغو وجزاف، فلايعقل صدوره منالمولى.
وعلى الثاني وهو ما إذا كان جهله بوجوب القصر عن تقصير، فهو حينئذٍ وإنكان عاصياً
ومستحقاً للعقوبة على ترك الصلاة قصراً، على أساس أن جهله بهحيث كان عن تقصير،
فلايكون مانعاً عن تنجّز ملاك وجوب القصر عليه، وقدتقدّم أن منشأ العصيان وصحة
العقوبة إنما هو تفويت الملاك الملزم المنجز،باعتبار إنه حقيقة التكليف وروحه، وأما
التكليف بما هو اعتبار فلا أثر له،وحيث إن المسافر في المقام غير عالم بعصيانه،
باعتبار إنه متوقف على علمهبوجوب القصر والمفروض إنه جاهل به، فبطبيعة الحال يكون
جاهلاً بالخطابالترتبي أيضاً، باعتبار إن الجهل بالموضوع يستلزم الجهل بالحكم،
فطالما يكونالمسافر جاهلاً بوجوب القصر، فلا محالة يكون جاهلاً بعصيانه الذي
هوموضوع وجوب التمام، فإذا كان جاهلاً بموضوع وجوب التمام، كان جاهلاًبوجوبه عليه
أيضاً، وإلاّ لزم خلف فرض كونه موضوعاً له، وأما إذا علمبوجوب القصر، فحينئذٍ وإن
كان عاصياً بتركه وعالماً به، إلا أن الموضوع حينئذٍانقلب إلى موضوع آخر وارتفع
وجوب التمام بارتفاعه.
فالنتيجة، إنه لايمكن جعل وجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصرمشروطاً
بعصيانه، وأما مسألة الجهر والاخفات فالحال فيها هو الحال فيالمسألة المتقدّمة فلا
فرق بينهما من هذه الناحية أصلاً، فكما إنه لايمكن الالتزامبالترتب في تلك المسألة
فكذلك لايمكن الالتزام به في هذه المسألة حرفاً بحرفهذا.
وقد علق عليه السيد الاُستاذقدس سره(51) بأن الموضوع لوجوب التمام ليس هوعصيان وجوب
القصر بل هو ترك الصلاة القصرية في الواقع، ومن الواضح إنهلايلزم من التفات
المسافر الجاهل بوجوب القصر إلى أنه تارك للصلاة القصريةمحذور كانقلاب الموضوع أو
نحوه، فإذن لامانع من كونه ملتفتاً إلى ترك الصلاةقصراً في حال كونه جاهلاً بوجوبها
ومعتقداً بوجوب التمام عليه، فموضوع التمامحينئذٍ قابل للاحراز، وأما وصول الخطاب
المترتب عليه إلى المكلف غير معتبرفي الترتب في مقام الجعل وإنما هو معتبر في
الترتب في مقام الامتثال، هذا.
وقد ناقش فيه بعض المحققينقدس سره(52) بتقريب إنه لايكفي لدفع المحذور إحرازذات
موضوع الأمر الترتبي وهو ترك الصلاة القصرية بما هو، بل يتوقف علىإحراز أنه موضوع
للأمر بالتمام وهو الأمر الترتبي، إذ العلم به يتوقف على العلمبموضوعه، ضرورة إن
وصول هذا الأمر يتوقف على العلم بموضوعية الترك لهولايكفي العلم بذات الترك، لأن
المكلف المسافر الجاهل بوجوب القصر معتقدبوجوب التمام عليه بخطاب أولي ومعه لا يعقل
أن يحرز كون تركه موضوعاًلوجوب التمام بخطاب ثانوي ترتّبي، فإنه إن احرز بأن علمه
بوجوب التمام قدأخذ موضوعاً لنفس ذلك الوجوب، ففيه محذور أخذ العلم بالحكم في
موضوعذلك الحكم وهو لايمكن، وإن احرز بأن علمه بوجوب التمام قد أخذ موضوعاًلوجوب
تمام آخر كان ذلك من اجتماع المثلين بنظره وهو لايمكن، وعليه فالمكلفالمسافر في
المقام دائماً يكون إتيانه بالصلاة تماماً بتحريك أمر تخيّلي بالتمام باعتقادأنه
خطاب أولي على المكلفين جميعاً في الحضر والسفر، وأما وجوب التمامالترتّبي المخصوص
بالمسافر الجاهل بوجوب القصر، فلايعقل وصوله إليهومحركيته نحو التمام هذا، ولنا في
المقام تعليقان:
أحدهما: على ما ذكره بعض المحققينقدس سره من الاشكال.
والآخر: على ما ذكره المحقق النائينيقدس سره.
أما التعليق على الأول، فلان ما ذكرهقدس سره من الاشكال مبني على أن
الخطاببالتمام الموجّه إلى المسافر الجاهل بوجوب القصر التارك له خطاب ثانويخاص
به وهو الخطاب الترتّبي في مقابل الخطاب الأولي وهو الخطاب بالتمامالموجّه إلى
طبيعي المكلف، وعندئذٍ فلايمكن وصول هذا الخطاب، لأن وصولهمنوط باحراز موضوعه وهو
لايمكن، لأن المسافر المذكور يرى نفسه موضوعاًلوجوب التمام بالخطاب الأولي، ومع
هذا لايعقل أن يرى نفسه موضوعاًلوجوب التمام بالخطاب الثانوي أيضاً وإلاّ انقلب
الموضوع، ولكن هذا المبنىغير صحيح، فإن الخطاب الآمر بالصلاة تماماً في الكتاب
والسنة خطاب واحدموجه إلى كافة الناس بتمام أصنافهم شريطة أن يكونوا واجدين للشروط
العامةمنهم المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشريعة المقدسة، فإن التمام واجب
عليهلا بخطاب ثانوي خاص به بل بخطاب أولي عام، فإنه يشمل جميع أصنافالمكلفين
والخارج منه حصة خاصة من المسافر وهو المسافرين الذي يكونعالماً بوجوب القصر
ولايكون سفره معصية ولايكون السفر شغله ولا شغله فيالسفر، فإن وجوب التمام على
هؤلاء الأصناف من المسافرين ليس بخطابثانوي خاص بهم بل هو بالخطاب العام الأولي،
لأنهم باقون تحت عمومهوالخارج منه حصة خاصة منهم كما عرفت وسوف نشير إلى تفصيل
ذلك، وعلىهذا فوجوب التمام على المسافر الجاهل بوجوب القصر يمكن أن يكون من
بابالترتب، بأن يكون مجعولاً عليه مشروطاً بترك القصر، وحيث إنه بالخطابالعام
الأولي فيمكن وصوله إليه بدون التفاته إلى أنه جاهل بوجوب القصروتارك له، لأن وصوله
إليه منوط بالعلم بالكبرى واحراز الصغرى، والمفروضإن المسافر الجاهل بوجوب القصر
عالم بالكبرى وهي وجوب التمام المجعول فيالشريعة المقدسة بالخطاب العام وأنه يرى
نفسه مصداقاً لها، فإذا علم بالكبرىواحراز الصغرى فقد علم بالحكم، والفرض أن هذه
الرؤية مطابقة للواقع لا أنهامجرد تخيل، غاية الأمر أنه غير ملتفت إلى ترك القصر
بوصف أنه موضوعلوجوب التمام وهو غير لازم، ومن هنا يظهر أن ما ذكرهقدس سره من أن
المحركللمسافر المذكور إلى الاتيان بالتمام هو أمر تخيّلي لا أمر واقعي مبني على
ماذكرقدس سره من تعدّد الخطاب، وأما بناءً على ما ذكرناه من وحدة الخطاب،فتحريكه
إلى الاتيان به يكون بأمر واقعي لا خيالي، لأن القول بالترتب فيمرحلة الجعل
لايستلزم تعدد الخطاب، لما عرفت من معنى الترتب في هذهالمرحلة، والحاصل إن المسافر
الجاهل بوجوب القصر التارك له إذا كان مخاطباًبوجوب الصلاة تماماً في ضمن الخطاب
الموجّه إلى الجامع بينه وبين الحاضر، فلامانع من فعليّته بفعلية موضوعه في الخارج،
باعتبار أنه يرى نفسه مصداقاًللكبرى وهي وجوب الصلاة تماماً على طبيعي المكلف
الجامع، وأما لوكانمخاطباً بخطاب خاص ثانوي بوجوب التمام الترتبي، فلايمكن وصوله
إليه منجهة إنه يرى نفسه موضوعاً لوجوب التمام بالخطاب الأوليومعه لايعقل
أنيرى نفسه موضوعاً لوجوبه بالخطاب الثانوي الترتبي وإلاّ لزم اجتماع المثلين.
وإن شئت قلت: إن الخطاب الثانوي الترتبي إذا كان موجّهاً إلى حصة خاصّةمن المكلف
وهي المسافر الجاهل بوجوب القصر التارك له فوصوله منوطباحراز موضوعه، ومن الواضح إن
المسافر طالما يكون جاهلاً بوجوب القصروغافلاً عنه وجازماً بوجوب التمام عليه
لايرى نفسه موضوعاً له، كيف فإنهيرى نفسه موضوعاً لوجوب التمام بالخطاب الأولي،
وأما إذا التفت إلى أنهجاهل بوجوب القصر عليه، فينقلب الموضوع فتكون وظيفته الصلاة
قصراً،بينما إذا كان الخطاب الأولي موجهاً إليه بعنوان إنه مصداق للجامع فلايلزم
هذاالمحذور، باعتبار إن المسافر المذكور يرى نفسه موضوعاً لهذ الخطاب،والمفروض إنه
في الواقع موضوع له، غاية الأمر إنه غير ملتفت إلى ما هو معتبرفي موضوعيّته في
الواقع كالجهل بوجوب القصر، ولكن هذا الالتفات غيردخيل في فعلية الخطاب عليه، إذ
يكفي في فعليّته إعتقاده بأنه موضوع له،والفرض إن هذا الاعتقاد ليس مجرد خيال بل هو
مطابق للواقع، لأن تمامخصوصيات الموضوع ومقوّماته موجودة فيه ولكنه غير ملتفت
إليها تفصيلاًوهو غير لازم وغير مانع من انطباق الكبرى عليه.
فالنتيجة، إن هذا الاشكال مبني على أن يكون الخطاب الموجّه إلى المسافرالمذكور خطاب
ثانوي، فعندئذٍ لايمكن وصول هذ الخطاب وفعليّته، ولكن قدعرفت اجمالاً إنه ليس في
المسألة خطابان:
أحدهما: خطاب أولي بالتمام.
والآخر: خطاب ثانوي به وخاص بالمسافر المذكور وسوف يأتي تفصيله،ومن هنا يظهر إن ما
ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن موضوع وجوب التمام الترتبيترك القصر واقعاً
لاعصيان أمره والالتفات إلى تركه لايوجب انقلابه، فإذنلامانع من وصول وجوب التمام
الترتبي إليه لايرجع إلى معنى صحيح، وذلك لأنوجوب التمام الترتبي عليه إن كان
بالخطاب الأولي الموجّه إلى طبيعي المكلفالجامع كفى في وصوله إليه العلم بالكبرى
واحراز الصغرى، والمفروض إنه عالمبالكبرى وهي جعل وجوب التمام على طبيعي المكلف
الجامع ومحرز للصغرىوهي أنه مصداق لها، ولايتوقف على احرازه ترك القصر لا بالذات
ولا بوصفهالعنواني، حيث إنه غير دخيل في تطبيق الكبرى على الصغرى الذي هو
ملاكاحراز الحكم ووصوله، وإن كان بالخطاب الثانوي الخاص بالمسافر الجاهلبوجوب
القصر، لم يكف احراز ترك القصر بما هو في وصوله، لأن وصول الحكميتوقف على احراز
موضوعه بوصفه العنواني ولايكفي إحراز ذاته وحده هو تركامتثال الخطاب المترتب عليه
في الواقع لاعصيانه، هذا إضافة إلى أن الالتزامبالترتب في هاتين المسألتين مبني
على استحالة تخصيص وجوب القصر بالعالم بهوكذلك وجوب الجهر والاخفات، فطالما يكون
المكلف جاهلاً به فتكون وظيفتهالتمام في المسألة الأولى والجهر في موضع الاخفات
أو بالعكس في المسألة الثانية،وعندئذٍ يمكن الالتزام به لكن لابجعل الخطاب المترتب
مشروطاً بعصيانالخطاب المترتب عليه بل بترك الاتيان بمتعلقه في الواقع.
وأما إذا أمكن هذا التخصيص ثبوتاً كما سوف نشير إليه، فلا مانع من الالتزامبه
إثباتاً، لظهور الأدلة من الآية الشريفة والروايات في كلتا المسألتين في ذلك،فإذن
لامناص من الأخذ بظهورها وعدم جواز رفع اليد عنه.
فالنتيجة، إن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أنه لايمكن الالتزام بالترتب
فيالمسألتين، من جهة أنه لايعقل أن يكون الخطاب المترتب مشروطاً بعصيانالخطاب
المترتب عليه غير تام، لأن عدم إمكان الالتزام بالترتب فيهما لوكان منهذه الناحية،
فهو قابل للعلاج بجعل الشرط ترك امتثال الخطاب المترتب عليهبل من جهة إنه مخالف
لظهور الأدلة في المسألتين، وأما الثاني فلما تقدم في ضمنالبحوث السالفة من أن
إمكان القول بالترتب منوط بتوفّر أمرين:
الأول: تقييد الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهمّ لباً على أساس نكتة عامةوهي إن
كل خطاب شرعي مقيد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب لايقل عنه فيالأهميّة.
الثاني: إنه لايلزم من فعلية كلا الأمرين المتعلقين بالضدّين بنحو الترتبمحذور طلب
الجمع بينهما ولا التمانع بين الأمرين في الاقتضاء، فإذا توفر هذاالأمران ترتب عليه
إمكان القول بالترتب، وإذا أمكن فهو واقع فلايحتاج وقوعهفي الخارج إلى دليل، وقد
تقدم الكلام في الشرط الثاني وإنه لايلزم من فعلية كلاالأمرين المتعلقين بالضدّين
بنحو الترتب في زمن واحد أيّ محذور، وأما الشرطالأول فقد مرّ إنه ثابت على أساس
التقييد اللبي العام، وعلى هذا فموضوع الأمربالمهم عدم الاشتغال بالأهمّ ولاتعتبر
فيه خصوصية زائدة كالعصيان ونحوه،فإن اعتبارها بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه،
والدليل العام لايتطلب أكثر منتقييد الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهم، وتقييد
كل من الأمرين بعدم الاشتغالبالآخر إذا كانا متساويين ولا يتطلب أكثر من ذلك، نعم
قد يعبر عنه بالعصيانمن جهة إنه عنوان له غالباً هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى قد جاء في تقرير بحث المحقق النائينيقدس سره(53)، إن الترتب
إنمايعقل فيما إذا كان الخطاب بالأهمّ واصلاً إلى المكلف ومتنجزاً عليه وإلا
فلاموضوع له، وهذا معنى إن الأمر بالمهم مشروط بعصيان الأمر بالأهمّ، ولكنذلك
بحاجة إلى دليل زائداً على ما عرفت من الدليل على التقييد اللبّي العام ولادليل
عليه، وتظهر الثمرة بين القولين في موارد الجهل بالأمر بالأهم كما إذا وقعالتزاحم
بين وجوب الصلاة ووجوب إنقاذ الغريق، ففي مثل ذلك إذا كان المكلفجاهلاً بوجود
الغريق وشرع في الصلاة، فعلى مسلك المحقق النائينيقدس سره تكونصلاته باطلة من جهة
إنه لا أمر بها في هذه الحالة لامطلقاً ولا ترتباً، أما الأولفلان الأمر بالصلاة
معارض بالأمر بانقاذ الغريق فيسقط من جهة المعارضة،وأما الثاني فلان المعتبر في
الترتب وصول الأمر بالأهم وتنجّزه، والمفروض إنهغير واصل إليه، فإذن لايمكن اثبات
الأمر الترتبي بها لانتفائه بانتفاء شرطهوموضوعه، وأما بناءً على ما ذكرناه فيحكم
بصحة صلاته من جهة الأمرالترتبي، باعتبار إنه مشروط بترك الأهم واقعاً وهو انقاذ
الغريق في المثال،والمفروض إنه تارك له واقعاً وإن كان غير ملتفت إلى ذلك، إلا أن
هذا الالتفاتغير معتبر في فعلية الأمر بالمهم كالصلاة ووصوله إليه، إذ يكفي في
علمه بوجوبالصلاة عليه ووصوله إليه علمه بأن الخطاب المتعلق بها موجه إلى المكلف
البالغالعاقل القادر الداخل عليه الوقت، ولا يعتبر في علمه بوجوبها ووصوله
إليهعلمه بتحقق شرطه وهو عدم الاشتغال بالأهم، لكفاية تحققه واقعاً وعلمه
بأنهموضوع لوجوبها، نعم إذا علم المكلف بوجوب الأهم وعصى وترك الاتيان بهوأتى
بالمهم كالصلاة، صح على كلا المسلكين في المسألة.
فالنتيجة، إن التزاحم في موارد الجهل بوجوب الأهمّ على مسلك المحققالنائينيقدس
سره يدخل في باب التعارض، بينما لايدخل ذلك على ما ذكرناه في بابالتعارض، ثم إنه
على القول باستحالة الترتب، هل يدخل باب التزاحم في بابالتعارض مطلقاً حتى في فرض
الجهل بأحد الخطابين أو لا؟
والجواب: إنه في فرض العلم بالخطابين صغرى وكبرى فلا شبهة في دخولهمافي باب
التعارض، وهل الأمر كذلك في فرض العلم بأحدهما والجهل بالآخرأو لا؟
ففيه قولان:
الأول: إنهما يدخلان في باب التعارض، ولافرق من هذه الناحية بين العلمبكلا
الخطابين معاً أو العلم بأحدهما والجهل بالآخر، بتقريب إن ثبوت كليهمامعاً بنحو
الاطلاق مستحيل، وحينئذٍ فلابد من سقوط أحدهما أو كليهمابالمعارضة من دون فرق في
ذلك بين علم المكلف وجهله، باعتبار إن الجهللايكون رافعاً للتكليف في الواقع، لأن
التكليف الواقعي مشترك بين العالموالجاهل، ويكون المقام نظير مسألة اجتماع الأمر
والنهي على القول بالامتناعووحدة المجمع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب، فإنه
على هذا يحكمبفساد العبادة في مورد الاجتماع بلا فرق بين العلم بالحرمة والجهل
بها، لأن المجمعمحكوم بالحرمة في الواقع وإن كان المكلف جاهلاً بها هذا.
ولكن الصحيح القول الثاني وهو عدم التعارض بينهما مع الجهل بأحدهما،والنكتة في ذلك
إن قياس المقام بمسألة اجتماع الأمر والنهي على القول بالامتناعقياس مع الفارق،
وذلك لأن الامتناع الموجب للتنافي بين الخطابين يختلف في كلمن المسألتين سنخاً
وذاتاً عنه في المسألة الأخرى، لأن الامتناع في مسألةالاجتماع على أساس إن المجمع
فيها واحد ذاتاً ووجوداً إنما يكون في مرحلةسابقة على الحكم وهي مرحلة المبادي
كالمصلحة والمفسدة والحب والبغضوالارادة والكراهة، فإن اجتماع هذه المبادي على
المجمع في مسألة الاجتماع علىالقول بالامتناع محال، ضرورة استحالة إجتماع المصلحة
والمفسدة في شيء واحدوكذا الحب والبغض والارادة والكراهة، وهذه الاستحالة هي
المنشأ لاستحالةجعل الحرمة والوجوب فيه، باعتبار إن تلك المبادي هي حقيقة الحكم
وروحهوإلاّ فلا قيمة للحكم بلا روح وملاك، ومن هنا تتبع مرحلة الجعل مرحلةالمبادي
وتدور مدارها ولايعقل الجعل بدونها وإلا كان جزافاً، فالنتيجة، إنالمجمع في مسألة
الاجتماع على القول بالامتناع حيث إنه واحد وجوداً وماهية،فلا يعقل إجتماع مبادىء
الوجوب والحرمة فيه، وأما الامتناع في المقام فلايكونفي مرحلة المبادي، على أساس
إن متعلق كل من الحكمين وجوداً وماهية غيرمتعلق الحكم الآخر، فلهذا لامانع من
اشتمال كل منهما على الملاك في المرحلةالسابقة وهي مرحلة المبادي ولا مضادة بين
المصلحة والمفسدة ولابين الحبوالبغض ولابين الارادة والكراهة في هذه المرحلة في
المقام على أساس تعددمتعلقي الحكمين فيه كما عرفت، لأن المستحيل إنما هو اجتماعهما
في شيء واحد،وبذلك يختلف المقام عن مسألة اجتماع الأمر والنهي على القول
بالامتناع، فإنملاك الاستحالة في تلك المسألة إنما هو في مرحلة المبادي، وأما في
المقام فملاكهاإنما هو في مرحلة الجعل وما يستتبعه وهو تحريك المكلف نحو الامتثال،
ومنالطبيعي إن تحريكه نحو امتثال الضدّين مستحيل، لأنه من تحريك العاجز وهوقبيح،
وأما مع قطع النظر عن وعاء الحكم واقتضائه فلايلزم من اشتمال كل منمتعلقي الحكمين
على الملاك محذور إجتماع ضدّين أو مثلين، وتمام المحذور في هذهالمسألة إنّما هو في
مرحلة جعل الحكم وما يستتبعه من تحريك المكلف ودعوتهنحو الامتثال والاتيان
بمتعلقه، فإن وجوب المهم يقتضي تحريكه نحو الاتيانبمتعلقه ودعوته إليه، ووجوب
الأهمّ يقتضي تحريكه نحو الاتيان بمتعلقه، ومنالمعلوم إن هذا من التحريك نحو
الضدّين وهو مستحيل، ولكن هل هذهالاستحالة تعمّ موارد الجهل بأحد الحكمين أو تختص
بخصوص موارد العلم بهمامعاً، الظاهر هو الثاني، وذلك لأنه لاتنافي بينهما في مرحلة
المبادي كما إنه لاتنافيبينهما في مرحلة الجعل بما هما اعتبار، وإنما التنافي
بينهما في مرحلة الامتثال، ومنالظاهر إن أحد الحكمين المتزاحمين إذا كان معلوماً
والآخر مجهولاً، كان المحركوالداعي هو الحكم المعلوم دون الحكم المجهول، لأن الحكم
إذا كان واصلاً إلىالمكلف ومنجزاً عليه فهو محرك له نحو الاتيان بمتعلقه ويدعوه
إليه، بينما إذا كانالحكم مجهولاً وغير واصل إليه، فلايكون محركاً له نحو الاتيان
بمتعلقه، وبكلمة،إن الغرض من جعل التكليف هو إمكان إيجاد الداعوية والباعثية في
نفسالمكلف وانبعاثه الاقتضائي لا الفعلي، وإلا لزم أن يكون جعله في كثير
منالأحيان والموارد كموارد الجهل والعصيان ونحوهما لغواً وهو كما ترى، وعلىهذا
فإمكان الانبعاث عن التكليف المجهول وغير الواصل والمنجز وإن كانموجوداً، ولكن
الانبعاث الفعلي منه منوط بالوصول والعلم به هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن العقل الحاكم باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبحتكليف العاجز
لايحكم إلا بامتناع تنجّز كلا التكلفين المتزاحمين معاً علىالمكلف، لأن فيه
إحراجاً له على العصيان وتكليفاً بغير المقدور، وأما إذا كانأحدهما واصلاً إليه
ومنجّزاً كالتكليف بالمهم والآخر مجهولاً وغير واصل إليهكالتكليف بالأهم، فلايحكم
العقل بامتناع ذلك، إذ لاتنافي بينهما في الاقتضاء،فإن التكليف الواصل المنجّز
يقتضي تحريك المكلف نحو الامتثال والاتيانبمتعلقه، بينما التكليف غير الواصل
والمنجز لايقتضي تحريكه نحو امتثاله والاتيانبمتعلقه لكي لايمكن الجمع بينهما،
وعلى ضوء هذا الضابط وهو اشتراط التكليفبالقدرة، فالعقل إنما يحكم باستحالة تنجّز
كلا التكليفين المتزاحمين معاً علىالمكلف، على أساس إن كلاً منهما يدعوه إلى
امتثاله والاتيان بمتعلقه في الخارج،والمفروض إن المكلف غير قادر على الجمع بينهما
في مقام الامتثال لأنه من الجمعبين الضدّين، وأما إذا كان أحدهما منجّزاً وواصلاً
إلى المكلف كوجوب الصلاةمثلاً والآخر مجهولاً وغير واصل ومنجز كوجوب انقاذ الغريق،
ففي مثل ذلكهل يحكم العقل بتقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم ثبوت وجوب إنقاذ الغريق
أولايحكم بأكثر من تقييده بعدم وصوله وتنجّزه عليه.
والجواب: إنه لايحكم بأكثر من تقييد إطلاق وجوب الصلاة بعدم تنجّزوجوب الانقاذ
ووصوله إليه، والنكتة في ذلك إن حكم العقل بذلك لايمكن أنيكون جزافاً فلا محالة
يكون مبنياً على ضابط، وهو ما مرّ من استحالة تنجّز كلاالتكليفين المتزاحمين معاً،
لأنه من التكليف بغير المقدور، على أساس أن كلاًمنهما في هذه الحالة يقتضي الاتيان
بمتعلقه، وأما إذا كان أحدهما مجهولاً وغيرواصل ومنجّز كوجوب الانقاذ فلا يلزم هذا
المحذور، فإنه طالما يكون مجهولاًوغير واصل لايكون محركاً وداعياً نحو الاتيان
بمتعلقه، فإذن لا مانع من أنيكون التكليف الواصل المنجّز داعياً ومحركاً نحو
امتثاله والاتيان بمتعلقه، ومنالواضح إن داعويته ومحركيته فعلاً لاتتوقف على عدم
ثبوت التكليف الآخر فيالواقع بل يكفي في اتصافه بها عدم وصول التكليف الآخر
وتنجّزه، فلهذا لايحكمالعقل بتقييد إطلاق داعويته ومحركيته بعدم ثبوت التكليف
الآخر، فإنه تقييدزائد لا مبرر له ولا موجب، بل يحكم العقل بتقييد إطلاقها بعدم
وصول التكليفالآخر وتنجّزه، بلحاظ إنه بهذا التقييد يرتفع محذور الدعوة إلى
الضدّين، علىأساس إن التكليف المجهول وغير الواصل لايدعو إلى الاتيان بمتعلقه،
فإذنلامانع من دعوة التكليف الواصل المنجّز واقتضائه.
فالنتيجة، إن التكليفين المتزاحمين إذا كان أحدهما معلوماً للمكلف وواصلاًإليه
ومنجزاً والآخر مجهولاً له وغير واصل ومنجز، فلا تنافي بينهما ولا تعارضلا في
مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، وهذا معنى إنه لاتعارض في مواردالتزاحم بين
الحكمين مع الجهل بأحدهما، ومن هنا تختلف المسألة في المقام عنمسألة إجتماع الأمر
والنهي على القول بالامتناع في نقطة واحدة، وهي إن الغائلةفي مسألة الاجتماع
لاترتفع إلا بتقييد أحد الحكمين بعدم ثبوت الحكم الآخرنهائياً أي روحاً وحقيقة،
باعتبار إن التضاد بينهما إنما كان في مرحلة المبادي، بينماهي ترتفع في هذه المسألة
بتقييد أحد الحكمين بعدم وصول الحكم الآخر
...................( Anotates ).................
1) محاضرات في اُصول الفقه 91 :3.
2) المصدر المتقدم: 5.
3) بحوث في علم الاُصول 329 :2.
4) مطارح الأنظار: 56 و119؛ فوائد الاُصول: 309.
5) كفاية الاُصول: 134.
6) مقالات الاُصول 341 :1.
7) أجود التقريرات 55 :2.
8) كفاية الاُصول: 134.
9) محاضرات في اُصول الفقه 139 :3.
10) كفاية الاُصول: 135.
11) محاضرات في اُصول الفقه 140 :3.
12) كفاية الاُصول: 135.
13) محاضرات في اُصول الفقه 142 :3.
14) أجود التقريرات 55 :2.
1 (15) محاضرات في اُصول الفقه 102 :3.
16) محاضرات في اُصول الفقه 102 :3.
17) بحوث في علم الاُصول 337 :2.
18) المصدر السابق: 338.
19) محاضرات في اُصول الفقه 105 :3.
20) نفس المصدر: 107.
21) نهاية الدراية 218 :2.
22) بحوث في علم الاُصول 340 :2.
23) مقالات الاُصول 342 :1.
24) بحوث في علم الاُصول 365 :2.
25) المصدر المتقدم: 367.
26) محاضرات في اُصول الفقه 145 - 142 :3.
27) العروة الوثقى 442 :2 مسألة 32 من مسائل الشرط الثالث في وجوب الحج:
»الاستطاعة«.
28) الوسائل 7 :11 ب (8 - 1) من أبواب وجوب الحج وشرائطه.
29) الوسائل 13 :1 ب 1 من أبواب مقدمة العبادات.
30) سورة آل عمران (97 :(3.
31) الوسائل 30 :11 ب 7 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 1 و3 و5.
32) الوسائل 33 :11 ب 8 من أبواب وجوب الحج وشرائطه.
33) الوسائل 277 :21 ب 20 من أبواب المهور ح 6 وص 297 ب 38 من هذه الأبواب ح 2، و36
:22ب 13 من أبواب مقدمات الطلاق وشرائطه ح 2.
34) الوسائل 16 :18 ب 6 من أبواب الخيار، و218 :19 ب 2 من كتاب السكنى والحبس ح 1،
و68:21 ب 32 من أبواب المتعة ح 9 وص 276 ب 20 من أبواب المهور ح 4، و140 :23 ب 4 من
أبوابالمكاتبة، وغيرها.
35) أجود التقريرات 90 :2.
36) أجود التقريرات 90 :2 و101.
37) محاضرات في اُصول الفقه 194 - 187 :3.
38) كشف الغطاء 171 :1.
39) فرائد الاُصول: 309.
40) أجود التقريرات 57 :2.
41) محاضرات في اُصول الفقه 162 :3.
42) أجود التقريرات 91 :2.
43) محاضرات في اُصول الفقه 163 :3.
44) سورة النساء (101 :(4.
45) الوسائل 505 :8 ب 17 من أبواب صلاة المسافر.
46) أجود التقريرات 52 :2 و91.
47) بحوث في علم الاُصول 109 :7.
48) محاضرات في اُصول الفقه 167 :3.
49) محاضرات في اُصول الفقه 100 :3 و134.
50) أجود التقريرات 93 :2.
51) محاضرات في اُصول الفقه 174 :3.
52) بحوث في علم الاُصول 370 :2.
53) أجود التقريرات 93 :2.
......................................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
فروع ...
وتنجّزه، باعتبار إنه لاتضاد بينهما في مرحلة المبادي، وإنما التضاد بينهما
فيمرحلة الاقتضاء وهو يرتفع بهذا التقييد ولايتطلب أكثر من ذلك، إلى هنا
قدتبيّنإن ماأورده المحقق النائينيقدس سره منالاشكالات على الترتب في المسألتين
لايتمشيء منها فلا اشكال فيه من هذه الناحية، نعم هنا إشكال آخر قد مرت
الاشارةإليه اجمالاً وسوف نشير إليه في ضمن البحوث القادمة بعونه تعالى موسّعاً.
المحاولة الثانية: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره(1) من أن الصلاة تماماً
فيموضوع القصر مشتملة على مصلحة ملزمة في نفسها وإن كانت في مرتبة دونمرتبة
المصلحة القائمة بالصلاة القصرية، وحيث إنها ملزمة في نفسها فلذلكأوجب الشارع على
المسافر الجاهل بوجوب القصر الاتيان بها تماماً بغرضاستيفاء مصلحتها القائمة بها
في هذه الحالة، وبعد استيفائها لايبقى مجال لاستيفاءالمصلحة الاُخرى التي هي
الأهمّ من المصلحة الاُولى، لوجود المضادة بينالمصلحتين وعدم امكان الجمع بينهما
في الخارج، نعم في صورة العلم بوجوبالصلاة قصراً لا مصلحة في الصلاة تماماً ولا
بعد في ذلك، ضرورة إن الأشياءتختلف من حيث اشتمالها على المصلحة وعدم اشتمالها
عليها باختلاف الحالاتوالأزمان، فإذن لامانع من اشتمال الصلاة تماماً على مصلحة
ملزمة في نفسهاحال جهل المكلف المسافر بوجوب القصر عليه وعدم اشتمالها عليها في
حالعلمه به، ويتفرع على ذلك عدم وجوب الاعادة ولو مع بقاء الوقت وتمكنالمكلف منها
لعدم مشروعيتها بعد استيفاء المصلحة المزبورة في ضمن الصلاةتماماً، وأما استحقاق
العقوبة على ترك القصر رغم عدم وجوب إعادته لا فيالوقت ولا في خارجه إذا كان جهله
عن تقصير، فهو إنما هو بملاك إن المصلحةالباقية بما أنها ملزمة، فيستحق العقوبة على
تفويتها عن تقصير بتفويت الصلاةالقصرية، فإذن لاتنافي بين صحة الصلاة تماماً في
موضع القصر وعدم وجوبالاعادة حتى في الوقت، وبين استحقاق العقوبة على ترك الصلاة
قصراً وكذلكالحال في مسألة الجهر والاخفات حرفاً بحرف هذا.
وقد عُلق على هذه المحاولة بما يلي:
الأول: إن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره(2) من أن فرض التضاد بين المصلحتينمع
عدم التضاد بين الفعلين هما الصلاة تماماً والصلاة قصراً أمر يشبه الخيال،
لأنالتضاد إنما هو بين الأفعال الخارجية كالحركة والسكون والقيام والقعود
والسوادوالبياض والصلاة والازالة وصلاة الفريضة وصلاة الآيات وغيرهما في زمنواحد،
فإنه لايمكن الجمع بينهما خارجاً، وأما إذا لم يكن تضاد بين الأفعالالخارجية
فلايتصور التضاد بين ما يترتب عليها من الآثار كالمصالح ونحوها،والمفروض في المقام
إنه لامضادة بين الصلاة تماماً والصلاة قصراً، فإن المسافرالجاهل بوجوب القصر إذا
أتى بالتمام ثم ارتفع جهله في أثناء الوقت وعلم بأنالواجب عليه كان هو الصلاة
قصراً، فإنه متمكن من الاتيان بها في الوقت، فمعتمكنه من الاتيان بكلتا الصلاتين
معاً في الوقت كيف يتصور التضاد بين ما يترتبعليهما من المصلحة.
وهذا الذي أفاده السيد الاُستاذقدس سره متين جداً، والتخريج الفنّي له هو أن
نسبةالمصلحة إلى الفعل المأمور به كالصلاة ونحوها نسبة الأثر إلى المؤثر والمسبّب
إلىالسبب والمعلول إلى العلة، ومن الواضح إن القدرة لاتتعلق بالمسبّب مباشرة،لأن
القدرة عليه إنما هي من جهة القدرة على السبب كذلك، فإذا كان الشخصقادراً على
السبب كان قادراً على المسبّب أيضاً ولا يعقل التفكيك بينهما بأنيكون قادراً على
السبب دون المسبب، لأنه خلف فرض السببيّة بينهما، وعلىهذا فإذا كان المكلف قادراً
على الصلاة تماماً في ظرف كونه جاهلاً بوجوبالقصر وأتى بها ثم بعد ذلك ارتفع جهله
عنه وعلم بوجوبه في آخر الوقت، كانقادراً على الصلاة قصراً أيضاً في الوقت ومع
قدرته على كلتا الصلاتين مباشرة،فإنه قادر على تحصيل المصلحة المترتبة عليهما
بالواسطة، ففرض عدم قدرتهعلى تحصيلها خلف فرض كونها مسببة عنهما، فإذن لايعقل فرض
وجودالمضادة بين المصلحتين القائمتين بهما مع عدم وجود المضادة بينهما
خارجاً.فالنتيجة، إن ما ذكرهقدس سره من المضادة بينهما في الخارج مع عدم وجود
المضادة بينسببيهما فيه وهما الصلاة القصريّة والصلاة التمامية في نفسه غير معقول.
وقد علق على هذا الأشكال بعض المحققينقدس سره(3) بتقريب إن وقوع التضاد
بينالمصالح والآثار المترتبة على الأفعال الخارجية الاعتيادية في حياتنا اليومية
أمرشايع مع عدم التضاد بين نفس الأفعال الخارجيّة، مثلاً إذا حصل الاشباع منالطعام
غير اللذيذ استحال حصوله من الطعام اللذيذ وإذا حصل الارتواء منالشراب غير اللذيذ
فات إمكان حصوله من الشراب اللذيذ وهكذا رغم عدمالمضادة بين أسبابها، فليكن الأمر
في المقام أيضاً كذلك هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق بإبداء الفرق بين المصالح والآثار المترتبة
علىالأفعال الخارجيّة الاعتيادية والمصالح والآثار المترتبة على العبادات
الشرعية،وذلك لأن علاقة الانسان بالأولى علاقة مادية، فلذلك تتفق كثيراً المضادة
بيناستيفائها والاشباع منها، وأما علاقة الانسان بالثانية علاقة روحية معنوية،على
أساس أن العبادات الشرعية علاقة معنوية بين العبد وربه ولا تتأثر بتأثرالحياة
العامة ولا بتطورها، لانها نظام ثابت أبدي بين الانسان وخالقه والعبدوربّه ولايعقل
التغيّر والتطور فيه، ضرورة أن العبادات بنفس الصيغة التيجاءت في الكتاب والسنة
ثابتة في جميع القرون بلا فرق بين القرون الاُولىوالقرون المتحضّرة كعصر الذرة
والفضاء، فالانسان الذي يحرك الأشياء بقوةاليد كما يصلّي ويصوم ويحج كذلك الانسان
الذي يحرك الأشياء بقوة الذرة يصليويصوم ويحجّ، وعلى ضوء هذا الأساس فالمصالح
والآثار المترتبة عليها بما أنهامصالح وآثار معنوية تقوي علاقة الانسان بربّه
وخالقه وتؤدي إلى نموّها فلايعقل التضاد بينها، ومن هنا يكون قياسها بالمصالح
والآثار المادية المترتبة علىالأفعال الخارجية الاعتيادية في حياتنا قياس مع
الفارق وفي غير محله، هذااضافة إلى أنه لاطريق لنا إلى تلك المصالح والآثار ولانعرف
سنخها حتى نحكمبوجود المضادة بين استيتفائها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن موضوع وجوب التمام على القول بالترتب ترك الصلاةالقصرية،
وحينئذٍ تسأل هل إن موضوعه تركها في تمام الوقت أو يكفي تركها فيأول الوقت؟
والجواب: إنه لايمكن الالتزام بشيء من الأمرين:
أما الأمر الأول: فلان لازمه وجوب إعادة الصلاة قصراً في الوقت إذاانكشف الخلاف فيه
وعلم بوجوب القصر عليه وعدم صحة ما أتى به من الصلاةتماماً في أول الوقت، وهذا
خلاف النص في المسألة.
وأما الأمر الثاني: فلان لازمه تعدد الواجب عليه في الوقت، فإن الواجبفي أول الوقت
الصلاة تماماً وبعد انكشاف الخلاف والعلم بوجوب القصرفالواجب الصلاة قصراً، وهذا
خلاف الضرورة، لوضوح أن الواجب في كل يوموليلة بمقتضى الكتاب والسنة خمس صلوات فقط
لا أكثر.
وقد علق عليه بعض المحققينقدس سره(4) بتقريب إن وجوب التمام على المسافرالجاهل
بوجوب القصر مشروط بفوات ملاك القصر بنحو الشرط المتأخر،وفوته قد يكون بتركه في
تمام الوقت وقد يكون بإتيان التمام في أول الوقت، فإنهمع استيفاء الملاك من التمام
لايمكن استيفائه من القصر لمكان المضادة بينهما هذا.
ويمكن المناقشة فيه أولاً: إنه مبني على إمكان الشرط المتأخر، وقد حققنا فيمحله
إنه مستحيل في مرحلة المبادي.
وثانياً: إن كون فوت ملاك القصر شرطاً لوجوب التمام، مبني على عدمإمكان استيفاء
ملاك القصر بعد استيفاء ملاك التمام لمكان المضادة بينهما، وقد مرّإن هذا المبنى
غير صحيح.
الثاني(5): أيضاً أفادهقدس سره من أن المصلحتين المفروضتين لاتخلوان من أنتكونا
ارتباطيتين أو استقلاليتين ولا ثالث لهما، فعلى الأول لايمكن تحصيلالمصلحة القائمة
بالصلاة تماماً، لفرض أنها مرتبطة بالمصلحة القائمة بالصلاةقصراً، ولايمكن حصول
الاُولى بدون الثانية، ونتيجة ذلك إن الصلاة تماماً باطلةبدون الاتيان بالصلاة
قصراً، لأن صحّتها منوطة بترتب مصلحتها عليها،والفرض إنها لاتترتب بدون الاتيان بها
أيضاً لمكان ارتباطية مصلحتهابمصلحتها ثبوتاً وسقوطاً، ولازم ذلك أن الواجب مجموع
الصلاتين في هذهالحالة وهو كما ترى.
وعلى الثاني يلزم تعدّد الواجب في الواقع، فإن الصلاة تماماً بلحاظ اشتمالهاعلى
مصلحة ملزمة في نفسها واجبة على المسافر الجاهل بوجوب القصر،والصلاة قصراً بلحاظ
اشتمالها على مصلحة ملزمة في نفسها واجبة عليه أيضاًفي هذه الحالة وهذا خلاف
الضرورة، لأن الثابت بالكتاب والسنة هو أنالواجب على كل مكلف في كل يوم وليلة خمس
صلوات من طلوع الفجر إلىغسق الليل، مع أن لازم ذلك هو أن الواجب على المسافر
الجاهل بوجوبالقصر في كل يوم ست صلوات وهو كما ترى، وبذلك يظهر حال مسألة
الجهروالاخفات أيضاً، فإن جميع ما ذكرناه في مسألة القصر والتمام يجري في
مسألةالجهر والاخفات بدون أدنى فرق بينهما هذا.
قد يناقش فيه، بأن الكتاب والسنة وإن كانا يدلان على ذلك، إلاّ إن دلالتهماعليه
إنما تكون بعنوان أولي، ولا مانع من تعدد الحكم بعنوان ثانوي، وحيث إنوجوب
الصلاتين التمام والقصر على المسافر في وقت واحد إنما يكون بعنوانثانوي وهو كونه
جاهلاً بوجوب القصر فلايكون منافياً لهما، وعلى هذا فيمكندفع الاشكال بذلك.
وغير خفي، إن هذه المناقشة مبنية على أن يكون وجوب التمام على المسافرالجاهل بوجوب
القصر في الشريعة المقدسة بخطاب ثانوي خاص به في مقابلالخطاب الأولي العام الذي
يكون مفاده وجوب التمام واقعاً على الحاضر فيمقابل المسافر، وهذا المبنى وإن كان
يظهر اختياره من كلمات جماعة إلاّ أنه غيرصحيح، وإن وجوب التمام عليه إنما هو
بالخطاب الأولي العام لا بخطاب ثانويخاص وسوف نشير إلى تفصيل ذلك.
الثالث: ما أفاده المحقق الأصبهانيقدس سره(6) من أن هذه المحاولة لاتنسجم
معمابنىقدس سره عليه في مبحث الأجزاء من جواز تبديل الامتثال بالامتثال، معلّلاً
بأنالامتثال ليس إلاّ مقدمة إعدادية لترتب الملاك عليه لا أنه علة تامة له وإلا
لميبقمجال للامتثال الثاني، وعلى هذا فلا مانع من تطبيق هذه الكبرى على
المقامبأن يقوم بإعادة الصلاة قصراً بعد التمام من باب تبديل الامتثال
بالامتثالالآخر، فالنتيجة إن مقتضى ما ذكرهقدس سره هناك من صحة تبديل الامتثال
بالامتثالجواز إعادة الصلاة قصراً بعد الاتيان بالتمام، فما أفادهقدس سره من عدم
جواز ذلك هنامنافي لما ذكرهقدس سره هناك.
وفيه، إن المقام يختلف عن مسألة تبديل الامتثال بالامتثال، إذ في المقام قدفرضقدس
سره وجود مصلحتين ملزمتين إحداهما قائمة بالجامع بين القصر والتماموالاُخرى بخصوص
القصر، وأما هناك فمصلحة واحدة، وحيث إن الامتثالمقدمة إعدادية بالنسبة إليها، فلا
مانع من تبديله امتثال آخر أفضل ليختار اللَّهاحبّهما إليه كتبديل الصلاة فرادى
بالصلاة جماعة، وأما في المقام فلايمكن ذلك،لأنه إذا أتى بالتمام بطل دور القصر،
ويستحيل حينئذٍ أن يكون مقدمة إعداديةلترتب مصلحته ومقتضى له، لاستحالة ثبوت
المقتضيين معاً للضدّين كذلككاستحالة اجتماعهما على أساس أن مقتضى المحال محال.
فالنتيجة، إن ماذكرهالمحقق الخراسانيقدس سره منالمحاولة لايرجعإلىمعنى معقول.
المحاولة الثالثة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره(7) وملخّصها: »إنه لامانع
منالالتزام بالترتب في مرحلة الجعل، بأن يكون وجوب التمام مجعولاً في
الشريعةالمقدسة على المسافر الجاهل بوجوب القصر مشروطاً بعدم الاشتغال به في
هذهالحالة وبالعكس في مورد واحد، وهو ما إذا نوى المسافر إقامة عشرة أيام في
بلدوكان جاهلاً بأن الواجب عليه حينئذٍ الصلاة تماماً وكذلك الحال في مسألة
الجهروالاخفات، ثم قالقدس سره: إن الترتب في المقام يمتاز عن الترتب في مرحلة
الامتثالبأمرين:
الأول: إن الترتب في مرحلة الجعل بحاجة إلى دليل دون الترتب في مرحلةالامتثال، فإن
إمكانه يكفي لوقوعه.
الثاني: إن اشتراط الخطاب المترتب في مرحلة الجعل بعدم الاشتغال، بمتعلقالخطاب
المترتب عليه إنما هو في حال جهل المكلف به لا مطلقاً، بينما يكوناشتراط الخطاب
المترتب في مرحلة الامتثال بعدم الاشتغال بمتعلق الخطابالمترتب عليه مختص بحال علم
المكلف به لا مطلقاً.
لنا تعليق على هذه المحاولة بأمرين:
الأمر الأول: إن معنى الترتب في مرحلة الجعل هو أن الشارع جعل حكماً فيهذه المرحلة
مشروطاً بعدم الاتيان بمتعلق حكم آخر في حال جهل المكلف به،ولازم ذلك هو أن الترتب
في مرحلة الجعل يكون بين حكمين لاتنافيولاتعارض بينهما، وذلك لما أشرنا إليه
سابقاً من أن حكمين يكون أحدهمامجهولاً وغير واصل إلى المكلف والآخر معلوماً
وواصلاً إليه لاتنافي بينهما، لأنالحكم المجهول بوجوده الواقعي لايصلح أن يكون
معارضاً للحكم المعلومالواصل لابنفسه ولا باقتضائه، أما الأول فلأنه مجرّد اعتبار
وهو بحدّهالاعتباري يشمل موارد العجز التي لايحكم العقل بوجوب الطاعة فيها،
وأماالثاني فلأنه حيث كان مجهولاً فلايقتضي تحريك المكلف نحو الاتيان بمتعلقه
حتىيكون مزاحماً للحكم الآخر الواصل المحرك له نحو الاتيان بمتعلقه.
فالنتيجة، إن الترتب في مرحلة الجعل إنما هو بين حكمين لاتعارض ولا تنافيبينهما لا
في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، بينما يكون الترتب في مرحلةالامتثال بين
حكمين متعلقين بالضدّين الواصلين إلى المكلف المتزاحمين في هذهالمرحلة، وبكلمة
واضحة إن الترتب في مقام الجعل يمتاز عن الترتب في مقامالامتثال بعدة نقاط:
الاُولى: إن الترتب في مقام الجعل كما عرفت إنما هو بين حكمين لا تنافي ولاتعارض
بينهما، بينما يكون الترتب في مقام الامتثال إنما هو بين حكمين متزاحمينفعلاً.
الثانية: إنه يكفي في وقوع الترتب في مقام الجعل أن يكون إشتراط أحدالحكمين بعدم
الاشتغال بمتعلق الحكم الآخر المجهول وارداً في لسان الدليلفلايحتاج إلى مؤنة
زائدة، بينما لايكفي ذلك في إمكان الترتب في مقام الامتثال،لأنه زائداً على هذا
بحاجة إلى مؤنة اُخرى وهي اثبات أنه لايلزم من فعلية كلاالأمرين في زمن واحد محذور
طلب الضدّين ولا التمانع بين الأمرين، ومن هناقلنا إن الترتب في هذا المقام يتوقف
على توفر أمرين:
الأول: التقييد اللبّي العام.
الثاني: إنه لايلزم من فعلية الأمرين المتعلقين بالضدّين في زمن واحد محذورطلبهما
معاً ولا التمانع بينهما، فإذا توفر هذا الأمران فعندئذٍ لابد من الالتزامبالترتب.
الثالثة: إن مرد الترتب إمكاناً واستحالة في مرحلة الامتثال إلى امكان
توجهالخطابين الفعليين المترتبين إلى المكلف في زمن واحد وعدم إمكان ذلك،
فعلىالأول امكن توجه الخطابين المذكورين إليه، وعلى الثاني لايمكن ذلك، وعلىهذا
فاطلاق خطاب المهم مقيّد لباً بعدم الاشتغال بالأهمّ إذا كان واصلاً ومنجزاًعلى كلا
القولين في المسألة هما القول بإمكان الترتب والقول باستحالته، وأما إذالم يكن خطاب
الأهم واصلاً ومنجزاً بأن يكون مجهولاً، فلا موجب لتقييداطلاق خطاب المهمّ بذلك بلا
فرق فيه بين القول بإمكان الترتب والقولباستحالته، وعلى كلا القولين لاتنافي
حينئذٍ بين الخطابين المهم والأهمّ، غايةالأمر على القول بإمكان الترتب لا مزاحمة
بينهما، وعلى القول باستحالته لامعارضة بينهما والجامع إنه لا تنافي بين الحكمين،
لأن التنافي بينهما إما في مرحلةالمبادي أو في مرحلة الاقتضاء والامتثال ولا تنافي
بينهما في المقام في كلتاالمرحلتين، أما في الاُولى فلأن الحكمين مختلفين في
المتعلق ذاتاً ووجوداً، وعليهفلا مانع من اشتمال كل من متعلقيهما في مرحلة المبادي
على مصلحة ملزمة فينفسها ولايلزم منه اجتماع المثلين، كما إنه لا مانع من تعلق
الارادة والحب بهما فيهذه المرحلة بل لا مانع من تعلق الارادة بأحدهما والكراهة
بالآخر والحببأحدهما والبغض بالآخر وهكذا، فإنه لايلزم من ذلك اجتماع الضدّين،
وهذامعنى إنه لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي.
وأما في الثانية فقد مرّ أن الحكم المجعول حيث إنه غير واصل إلى المكلففلايكون
محركاً له نحو الاتيان بمتعلقه، فإذن لا مانع من اقتضاء الحكم الواصلوالمنجّز
للاتيان بمتعلقه، وإن شئت قلت: إن اعتبار القدرة في صحة التكليفسواءً أكان بحكم
العقل من باب قبح تكليف العاجز أو باقتضاء نفس الخطاب،فلا يتطلب إلا تقييد إطلاق
الأمر بالمهمّ بعدم الاشتغال بالأهمّ إذا كان كلاهماواصلين إلى المكلف، وأما إذا
كان الأمر بالأهمّ غير واصل إليه، فلا يتطلب تقييداطلاق الأمر بالمهم بعدم الاشتغال
به، إذ لايلزم من بقاء إطلاقه طلب الجمع بينالضدّين، باعتبار أن الأمر بالأهمّ
لمكان عدم وصوله لايقتضي الاتيان بمتعلقهحتى يلزم المحذور المذكور، فلهذا لا يكون
هناك مانع من اطلاق خطاب المهمّ،وهذا معنى إنه لاتنافي بينهما في مرحلة الاقتضاء
أيضاً.
فالنتيجة، إن كل خطاب شرعي مقيّد لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب منجّزلايقل عنه في
الأهمية ولايكون مقيداً لباً بعدم الاشتغال بضدّ واجب مطلقاً وإنلم يكن واصلاً
ومنجزاً.
وأما الترتب في مرحلة الجعل فهو منوط بأن يكون المأخوذ في موضوعالحكم المترتب عدم
الاشتغال بمتعلق الحكم المترتب عليه شريطة أن يكونالمكلف جاهلاً به.
الرابعة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن وقوع الترتب في مرحلة الجعلبحاجة
إلى دليل، وأما وقوعه في مرحلة الامتثال فلايحتاج إلى دليل إذ يكفي فيوقوعه
إمكانه.
الخامسة: إن الترتب إذا كان في مرحلة الامتثال فالمعتبر فيه أن يكون التضادبين
الواجبين المتزاحمين اتفاقياً ناشئاً من عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما فيهذه
المرحلة، بينما لايعتبر ذلك في الترتب في مرحلة الجعل، فإنه ممكن بينالخطابين
سواءً أكان بين متعلقيهما تضاد أم لا، وعلى الأول لا فرق بين أن يكونالتضاد بينهما
دائمياً أو اتفاقياً، وإذا كان دائمياً فلابد أن يكون بينهما ثالث وإلاّ فلايعقل
الترتب بينهما، ومن هنا يكون جعل الخطابين المترتبين في الشرع قد يكونبملاك التضاد
بين متعلقيهما وقد يكون بملاك آخر، لحد الآن قد تبين إن الفرق بينالترتب في مرحلة
الجعل والترتب في مرحلة الامتثال يكون من عدة نقاط لا مننقطتين كما ذكره السيد
الاُستاذقدس سره، هذا كله بحسب مقام الثبوت والتصور بلافرق في ذلك بين مسألة القصر
والتمام ومسألة الجهر والاخفات.
الأمر الثاني: إن أدلة المسألتين هل تدل على أن وجوب التمام في المسألةالاُولى
ووجوب الجهر أو الاخفات في المسألة الثانية يكون من باب الترتب وأنهمشروط بترك
الاتيان بالآخر لدى الجهل بوجوبه.
والجواب: إنها لا تدل على ذلك، لأن الروايات الواردة في المقام ناصّة في أنالتمام
واجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشبهات الحكمية أي من لمتقرأ عليه آية
التقصير وكذلك الجهر، فإنه واجب على الجاهل بوجوبالاخفات في الصلوات الاخفاتية
وبالعكس، وأما كون هذا الوجوب مشروطاًبعدم الاتيان بصلاة القصر أو صلاة الاخفات
فهذه الروايات لاتدل عليه، لأنالظاهر منها أن الجهل بوجوب القصر تمام الموضوع
لوجوب التمام وكذلك الجهلبوجوب الاخفات وبالعكس، وعلى هذا فالتمام إما أنه واجب
تعييناً أو تخييراًفكلاهما محتمل، فعلى الأول يكون الواجب التمام بحدّه وعنوانه،
وعلى الثانييكون الواجب الجامع بينه وبين القصر، وأما أن وجوبه وجوب ترتبيومشروط
فهو لايستفاد منها بل لايمكن الالتزام بالترتب في كلتا المسألتين،وذلك لأن موضوع
وجوب صلاة التمام على هذا القول ترك صلاة القصر واقعاًوهو لايصلح أن يكون موضوعاً
لوجوبها، وذلك لأنه إن كان تركها في تمامالوقت، فيلزم حينئذٍ وجوب إعادتها قصراً
إذا انكشف الحال في الوقت وعلمالمسافر بوجوبها عليه وإن كان آتياً بالصلاة تماماً
في أول الوقت ، لفرض أنوجوبها مترتب على تركها قصراً في تمام الوقت، وأما إذا لم
يستمر إلى نهايةالوقت فيكشف عن عدم وجوبها من الأول فلهذا تقع فاسدة، وإن كان
تركهإ؛سخخولو في جزء من الوقت، فيلزم حينئذٍ تعدّد الواجب في وقت واحد، فإنه
طالمايكون جاهلاً بوجوب القصر فوظيفته التمام واقعاً، وإذا انكشف له الحال فيالوقت
وعلم بوجوب القصر عليه فوظيفته الصلاة قصراً، وهذا معنى تعددالواجب عليه بين المبدء
والمنتهى وهو القصر والتمام معاً، ومن الواضح إنه لايمكنالالتزام بذلك لأنه خلاف
الضرورة من الشرع، لأن الواجب في الشرع كل يومبين المبدء والمنتهى صلاة واحدة إما
التمام أو القصر، لحد الآن قد تبيّن إن رواياتالباب لاتدل على أن وجوب التمام على
المسافر الجاهل بوجوب القصر يكونمن باب الترتب وكذلك الحال بالنسبة إلى وجوب الجهر
والاخفات هذا.
والتحقيق في المقام أن يقال، إن الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصرالصلاة
تماماً إما تعييناً أو تخييراً، على أساس إنه لا مانع من الالتزام بجعل
هذهالروايات التي عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم(8) مخصصة لاطلاق أدلةوجوب
القصر على المسافر بالمسافر العالم بوجوبها، وذلك لأنه يتوقف علىتمامية أمرين:
الأول: إمكان أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه.
الثاني: وجود الدليل على وقوع ذلك.
أما الأمر الأول فالمعروف والمشهور بين الأصحاب استحالة ذلك لاستلزامهالدور وتقدم
الشيء على نفسه، بتقريب إن العلم بالحكم يتوقف على ثبوتالحكم في المرتبة السابقة
من باب توقف العلم على المعلوم، فلوكان ذلك العلممأخوذاً في موضوعه لكان الحكم
متوقفاً على ثبوته من باب توقف الحكم علىثبوت موضوعه، فيلزم حينئذٍ توقف الشيء
على نفسه.
والجواب: إن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه تارة يكون بلحاظ مرتبةواحدة واُخرى
يكون بلحاظ مرتبتين.
وأما إذا كان بلحاظ مرتبة واحدة، فهو لايمكن لمحذور الدور كما تقدّم، وأماإذا كان
بلحاظ مرتبتين فهو بمكان من الامكان ولايلزم منه محذور الدور كما إذاأخذ العلم
بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول وهي مرتبةالفعلية، وذلك لأن
ما يتوقف على العلم غير ما هو متوقف على العلم، لأن العلممتوقف على الحكم في مرتبة
الجعل من باب توقف العرض على معروضه،والحكم في مرتبة الفعلية متوقف على العلم من
باب توقف الحكم على موضوعهفي الخارج، وعلى هذا ففي كلتا المسألتين لا مانع ثبوتاً
من أخذ العلم بالحكم فيمرتبة في موضوع نفسه في مرتبة اُخرى، أما في مسألة القصر
والتمام فلا مانع منأن يأخذ العلم بوجوب القصر في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في
مرتبة المجعولوهي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعه يعني مرتبة فعلية فاعليته،
ومعنى ذلكإن العلم بوجوب القصر في الشريعة المقدسة موضوع لفعلية فاعليته في
الخارجولا مانع من ذلك ثبوتاً ولا يستلزم محذور الدور، لأن العلم بوجوب القصرمتوقف
على ثبوته في مرتبة الجعل من باب توقف العرض على معروضه والحكمفي مرتبة الفعلية
الذي هو بمعنى فعلية فاعليته، متوقف على العلم من باب توقفالحكم على موضوعه فإذن
لا دور.
ونتيجة ذلك اختصاص وجوب الصلاة القصرية بالمسافر العالم بوجوبها فيالشريعة المقدسة
لامطلق المسافر، وحينئذٍ فإذا علم بوجوبها فيها وقرأت عليهآية التقصير كان فعلياً
في حقه أي فاعليته، وأما المسافر الجاهل بوجوب القصرفي الشريعة فهو باق تحت إطلاقات
أدلة وجوب التمام.
ونظير المقام ما ورد من الاستثناء لجماعة من المسافرين عن إطلاق دليلوجوب القصر،
منهم من يكون شغله السفر أو في السفر ومنهم من يكون سفرهمعصية أو كان للصيد لهواً،
فإن هؤلاء المسافرين المميزين وظيفتهم الصلاة تماماًفي السفر هذا لا كلام فيه،
وإنما الكلام في أنهم باقون تحت إطلاق أدلة وجوبالتمام وإن المستثنى منه حصة خاصة
من المسافر وهي الذي لاينطبق عليه أحدهذه العناوين الخاصة المميزة أو إن التمام
واجب عليهم بوجوب جديد بعنوانثانوي فيه وجهان:
الظاهر هو الوجه الأول، وذلك لأن لسان الروايات في مقام الاثبات تقييداطلاق أدلة
وجوب القصر بغير هؤلاء المسافرين المميّزين، وهذا التقييد فيالمقام يكشف عن
التقييد في مقام الثبوت والواقع من بداية التشريع وإلا كان لغواًوجزافاً، ولازم هذا
التقييد في مقام الثبوت هو خروج خصوص المسافر الذيلايكون معنوناً بأحد العناوين
المذكورة عن اطلاق أدلة وجوب التمام، والوجهفي ذلك إن مقتضى إطلاق أدلة وجوب
التمام هو وجوبه على كل مكلف بتمامأنواعه وأشكاله كالمسافر والحاضر ونحوهما، ولكن
أدلة وجوب القصر تدلعلى استثناء صنف خاص من المكلف عنه وهو المسافر فإن وظيفته
القصر فيالسفر، وهذا المسافر أيضاً لايبقى على اطلاقه بل قيد بالمسافر الذي
لايكونمصداقاً لأحد العناوين المتقدمة المميّزة، وأما المعنون به فهو داخل في
موضوعوجوب التمام ويكون من أفراده، باعتبار أن موضوعه طبيعي المكلف الجامع
بينتمام أصنافه والمستثنى منه خصوص حصة خاصة من المسافر، وهذا الاستثناءلايوجب إلا
تقييده بأن لايكون المكلف مسافراً بهذا السفر الخاص الذيلاينطبق عليه شيء من
المميزات المتقدمة، وأما سائر أصناف المسافر فهيداخلة فيه.
وبكلمة، إن هذه الروايات وإن كانت متأخرة زمناً عن أدلة وجوب القصرعلى المسافر، إلا
أنها تكشف عن تقييد موضوع وجوب القصر بالمسافر الخاصمن الأول، وتدل على أن وجوب
القصر مجعول في الشريعة المقدسة من الابتداءعليه خاصة لا على الجامع بينه وبين سائر
أصنافه، وتدل على أنه المستثنى منموضوع أدلة وجوب التمام في الواقع لامطلق
المسافر، غاية الأمر إن الكاشفعن ذلك يكون متأخراً كما هو الحال في جميع موارد
العام والخاص والمطلقوالمقيد والحاكم والمحكوم وهكذا، مثلاً إذا ورد في الدليل
أكرم العلماء ثم وردلاتكرم الفساق منهم، وفي نفس الوقت ورد على الدليل الخاص
تقييداتواستثناءات منها أن لايكون العالم الفاسق هاشمياً وإلا وجب إكرامه، ومنها
أنلايكون العالم الفاسق فقيهاً وهكذا.
ومن الواضح إن هذه الاستثناءات تدل على أن الخارج من موضوع وجوبالاكرام حصة خاصة
من العالم الفاسق وهي الذي لايكون معنوناً بأحد هذهالعناوين الخاصة المميّزة، ولا
تدل على أن العالم الفاسق إذا كان هاشمياً أو فقيهاًمحكوم بوجوب الاكرام من جديد
وبخطاب خاص، ضرورة أنها في مقام تحديدموضوع الخاص في الواقع وبيان إنه الخارج عن
موضوع العام واقعاً، وأماالحكم فلاشك في ثبوته بعد ثبوت الموضوع فيه والمقام من هذا
القبيل.
وعلى ضوء هذا البيان يظهر حال مسألة القصر والتمام والجهر والاخفات، أمّاثبوتاً فقد
تقدم إنه لامانع من أخذ العلم بوجوب القصر في مرتبة في موضوعنفسه في مرتبة اُخرى،
وكذلك العلم بوجوب الصلاة الجهرية في مرتبة فيموضوع نفسه في مرتبة اُخرى وهكذا.
وأما اثباتاً فلأن أدلة كلتا المسألتين لاتكون قاصرة عن إثبات ذلك، امانصوص المسألة
الاُولى التي عمدتها صحيحة زرارة ومحمد بن مسلم فهي تصلحأن تكون مقيّدة لاطلاق
أدلة وجوب القصر بالمسافر الذي لايكون جاهلاًبوجوبه في الشريعة المقدسة، ومعنى ذلك
أن وجوب القصر فعلي بفاعليتهومحركيته للمسافر الذي كان يعلم بوجوبه عليه في
الشريعة المقدسة، وأماالمسافر الجاهل بوجوبه فيها فوظيفته التمام، بمعنى إنه باق
تحت اطلاق أدلةوجوب التمام، لأن هذه الروايات في مقام تحديد موضوع وجوب القصر
فيالواقع ومقام الثبوت وبيان أنه خصوص المسافر العالم بوجوبه في الشرعوالخارج من
موضوع وجوب التمام دون المسافر الجاهل به، باعتبار أنها تكشفثبوتاً عن أن الخارج
عن إطلاق أدلة وجوب التمام من الأول كان خصوصالمسافر العالم بوجوب القصر لامطلقاً،
فالنتيجة إن تخصيص وجوب الصلاةقصراً بالمسافر الذي قرئت عليه آية التقصير وعلم
بوجوبها في الشريعةالمقدسة ثبوتاً بمكان من الامكان ولا محذور فيه، وأما إثباتاً
فالأدلة غير قاصرةعن الدلالة على ذلك، فإن قولهعليه السلام في صحيحة زرارة ومحمد
بن مسلم: »إنكان قرأت عليه آية التقصير وفسرت له فصلَّى أربعاً أعاد، وإن لم يكن
قرأتعليه ولم يعلمها، فلا إعادة عليه« يدل بمقطعه الأول بوضوح على أن وجوبالتقصير
على المسافر مشروط بأن قرأت عليه آية التقصير وفسرت له التي هيكناية بليغة عن علمه
بوجوب القصر في الشريعة المقدسة، وبمقطعه الثاني علىأن المسافر إذا كان جاهلاً
بوجوب القصر في الشرع وكان يعتقد بوجوب التمامعليه فوظيفته التمام، ويدل على ذلك
عدم وجوب الاعادة إذا علم بأن الواجبعليه القصر، لوضوح إنه لولم يكن التمام واجباً
عليه واقعاً في هذه الحال وكانالواجب عليه في الواقع هو القصر، وجبت الاعادة عند
انكشاف الخلاف،لفرض إنه لم يأت بالصلاة المأمور بها وما أتى به ليس مصداقاً لها،
فإذن نفيالاعادة دليل على أن وظيفته الصلاة تماماً واقعاً في حال الجهل بوجوب
القصر،وحينئذٍ فإذا ارتفع الجهل عنه وعلم بوجوب القصر عليه انقلب الموضوع،
فإذنيكون ذلك من باب الانقلاب لامن باب كشف الخلاف.
وأما نصوص المسألة الثانية وهي مسألة الجهر والاخفات فهي أيضاً لاتقصّرعن الدلالة
على أن وجوب الصلاة الجهرية أو الاخفاتية على المكلف مشروطبالعلم بوجوبها في
الشريعة المقدسة ولا مانع من الالتزام بذلك ثبوتاً وإثباتاًبنفس ما تقدّم في
المسألة الاُولى، نعم تختلف هذه المسألة عن المسألة المتقدمة فيالناسي، فإنه
كالجاهل في هذه المسألة دون المسألة الاُولى، وإن شئت قلت: إنالمتحصّل من الجميع
هو أن المكلف إذا سافر فطالما يكون جاهلاً بوجوب القصرفي الشريعة المقدسة، فوظيفته
التمام واقعاً بمقتضى الاطلاقات الأولية، وإذا علمبالحال وانكشف له أن الواجب هو
القصر خرج عن موضوع العام ودخل فيموضوع الخاص وهو ما دلّ على وجوب القصر على
المسافر العالم به، وعلى هذافإذا أتى المسافر بالتمام في أول الوقت ثم علم بوجوب
القصر عليه، فلا يجب عليهالاتيان بالقصر لأنه أدّى وظيفته، نعم إذا لم يأت
بالصلاة تماماً في أول الوقت إلىأن علم بوجوب الصلاة قصراً وجب عليه الاتيان بها،
هذا نظير ما إذا كانالمكلف حاضراً في أول الوقت وصلّى تماماً ثم سافر، فلايجب عليه
القصرباعتبار أنه أدّى وظيفته، نعم إذا لم يصل تماماً إلى أن سافر وجب عليه
القصر،وعلى هذا فلا موضوع لتعدّد العقاب في المسألة، ومع الاغماض عن ذلك وتسليمأن
أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه لايمكن وإن كان بلحاظ مرتبتين، فعندئذٍهل يمكن
الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل أو أنه لابد من الالتزام بأن المجعولفي هذه الحال
وجوب واحد متعلق بالجامع بين القصر والتمام والجهر والاخفاتبنحو التخيير الشرعي.
والجواب: الظاهر هو الثاني دون الاحتمال الأول، فلنا دعويان:
الاُولى: إن الالتزام بالاحتمال الأول وهو الترتب لايمكن.
الثانية: إنه لابد حينئذٍ من الالتزام بالاحتمال الثاني.
أما الدعوى الاُولى فلأن الترتب في مرحلة الجعل وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ
أنهلايمكن حمل روايات الباب على ذلك، فإنها تنصّ على كفاية الاتيان بالصلاةتماماً
في أول الوقت للمسافر الجاهل بوجوب القصر وإن علم في أثناء الوقتبوجوبه ولا تجب
عليه الاعادة، وقد تقدم إن هذا لاينسجم مع القول بالترتب فيمقام الجعل، فلذلك
لايمكن حمل الروايات عليه، ومن هنا لابد من حملها على أنالواجب هو الجامع بين صلاة
القصر وصلاة التمام ولا مانع من الالتزام بذلك فيكلتا المسألتين، ثم إن للتخيير
الشرعي تفسيرين:
أحدهما: إن حقيقة التخيير الشرعي متمثلة في جعل وجوب واحد متعلّقبجامع انتزاعي وهو
عنوان أحدهما أو أحدها على نحو البدلية.
الثاني: إن حقيقة التخيير الشرعي متمثلة في جعل وجوبات مشروطةمتعدّدة بعدد أفراد
الجامع، فعلى الأول متعلق الوجوب الجامع وعلى الثانيمتعلّقه الفرد بحده الفردي
مشروطاً بعدم الاتيان بالفرد الآخر، ثم إن الظاهر منهذين التفسيرين هو التفسير
الأول بوجهين:
الأول: إن المتفاهم العرفي من الخطاب المتعلق بأحد شيئين أو أشياء هو
تعلّقهبالجامع لا بكل فرد بحدّه الفردي مشروطاً.
الثاني: إن الوجوب إذا كان متعدّداً، فلا محالة يكون ملاكه الذي هو روحهأيضاً
متعدداً وإلاّ فلا يعقل تعدّده بدون تعدّده، وعليه فلازم التفسير الثاني هواشتمال
كل من الخصال على الملاك، وهو حينئذٍ لايخلو من أن يكون قائماً بكلمنها مستقلاً أو
مشروطاً أو مرتبطاً والكل لايمكن أما الأول فهو خلف الفرض،وأما الثاني فلأن لازمه
عدم إمكان الجمع بين الملاكات لمكان المضادّة بينها مععدم المضادة بين أسبابها وهي
الأفعال وإمكان الجمع بينها وهذا كما ترى، وأماالثالث فلازمه أن يكون مجموع الخصال
واجباً واحداً وهو خلف، وسوف يأتيتفصيل كل ذلك في مبحث الواجب التخييري إن شاء
اللَّه تعالى.
إلى هنا قد تبيّن ان الصحيح هو التفسير الأول للتخيير الشرعي دون التفسيرالثاني،
نعم إن هذا التفسير كان معقولاً إذا كان الخطاب التخييري الشرعيمتعلقاً بفعلين
متضادين الذين لهما ثالث، شريطة أن يكون كل واحد منهما بحدّهالخاص مشتملة على
مصلحة ملزمة، ففي مثل ذلك لا محالة يرجع التخييرالشرعي إلى جعل وجوبين مشروطين كما
تقدّم.
وعلى هذا فلا مانع من أن يكون الواجب على المسافر الجاهل بوجوبالقصر في الشريعة
المقدسة الجامع بين القصر والتمام في هذه الحالة.
ونتيجة ذلك إن المكلف المسافر إذا صلّى في هذه الحالة قصراً وتمشى منه قصدالقربة
صحت، لأنها إحدى فردي الواجب التخييري.
ومن هنا يظهر الحال في مسألة الجهر والاخفات أيضاً، لأن الكلام فيها نفسالكلام في
مسألة القصر والتمام حرفاً بحرف.
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بالاُمور التالية:
الأول: إن الصحيح في كلتا المسألتين المتقدمتين ما حققناه فيهما من اختصاصوجوب
الصلاة قصراً بالمسافر الذي كان يعلم بوجوبها في الشريعة المقدسة،وأما المسافر
الجاهل بوجوبها فيها، فوظيفته الصلاة تماماً واقعاً دون الصلاةقصراً، ومن هنا لو
أتى بالصلاة قصراً في هذه الحالة وتمشى منه قصد القربةفرضاً لم تصح لعدم الأمر
بها، لأنه منوط بالعلم به، ولهذا لو أتى المسافر بالصلاةتماماً في أول الوقت ثم
علم بوجوب الصلاة قصراً لم تجب الإعادة، لأن ذلك منانقلاب الموضوع لا من انكشاف
الخلاف، وكذلك الحال في مسألة الجهروالاخفات.
الثاني: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إنه لايمكن أن يكون وجوب الصلاةقصراً مختصاً
بالمسافر العالم بوجوبها، إلاّ أنه لابدّ حينئذٍ من الالتزام بأنالواجب على
المسافر الجاهل بوجوب القصر الجامع بين صلاتي القصر والتماموهو عنوان إحداهما، إذ
لايمكن حمل روايات الباب إلاّ على ذلك بعدما لايمكنحملها على الترتب في مرحلة
الجعل كما مرّ، بدون احراز إنه موضوع لهوموضوعه على هذا المسافر المقيّد بقيدين:
أحدهما جهله بوجوب القصر. والآخر تركه له. ومن الواضح إن الإلتفاتإليه بهذا الوصف
يوجب الانقلاب وتبدل الجهل بالعلم، فينتفي وجوب التمامالترتّبي حينئذٍ بانتفاء
موضوعه وهو الجهل.
فالنتيجة، إن وجوب التمام الترتبي إن كان بالخطاب الأولي فلايتوقف
وصولهإلىالمكلف، لاعلى احرازالترك بماهو ولاعلى احرازهبوصفه العنواني، بل
لافرقحينئذٍ بين أن يكون المأخوذ في موضوعه ترك القصر أو العصيان، إذ على
كلاالتقديرين لايتوقف إحرازه ووصوله على ذلك، وإن كان بالخطاب الثانويالخاصبهفهو
يتوقفعليه، ولكنليس بإمكانهإحرازهباحراز موضوعهلأمرين:
الأول: لزوم الانقلاب.
الثاني: إنه معتقد بوجوب التمام عليه بالخطاب الأولي ويرى نفسه موضوعاًله، ومعه
لايعقل أن يرى نفسه موضوعاً للخطاب الثانوي أيضاً، وعليه فيكونجعله لغواً.
وأما التعليق على الثاني فلأن ماذكره المحقق النائينيقدس سره من أن الشرط في
بابالترتّب هو عصيان الخطاب المترتب عليه غير تام، لا في الترتب في مقام الجعلولا
في مقام الامتثال، أما في الأول فلأنّا لو قلنا بالترتب فيه، فنقول أن الشرطفي
وصوله إليه، إذ يكفي فيه العلم بالكبرى وإحراز الصغرى وتطبيقها عليها، نعملو كان
وجوب التمام عليه بخطاب ثانوي خاص به لكان وصوله متوقفاً علىإحراز موضوعه وهو ترك
القصر بوصفه العنواني، ولكن الأمر ليس كذلك بلهو بخطاب عام أولي فيكون تحريكه
بوجوب التمام واقعاً لا تخيّلاً.
الثالث: إن الالتزام بالترتب في مرحلة الجعل ثبوتاً وإن كان ممكناً في كلاالبابين،
إلاّ أنّه لايمكن الالتزام به في مقام الاثبات لعدم الدليل عليه، هذا تمامالكلام
في المسألة الأولى.
نتائج البحث ...
نستعرض نتائج البحث في عدّة نقاط:
الأولى: إن في مسألة العقاب ثلاث نظريات:
1 - إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من الامتثال والاتيان بالواجب.
2 - إن ملاك استحقاق العقاب تمكن المكلف من التخلص عن مخالفةالتكليف سواءً كان
بالامتثال أم برفع الموضوع.
3 - إن ملاك استحقاق العقاب التمكن من التخلص عن تفويت الملاك الملزم.
وقد اختار السيد الاُستاذقدس سره النظرية الثانية، والصحيح منها النظرية
الثالثة،وقد تقدم تفصيل هذه النظريات والنتائج المترتبة عليها.
الثانية: إن وجوب الوفاء بالنذر لايصلح أن يزاحم وجوب الحج لوجوه:
الأول: إن الحج أهمّ منه روحاً وملاكاً.
الثاني: إن وجوب الوفاء بالنذر ونحوه مشروط بأن لايكون مخالفاً لشرط اللَّهفي
المرتبة السابقة، وحينئذٍ فإذا وجب الحج على المكلف من جهة توفّر شرطهفيه وهو
الاستطاعة، انتفى وجوب الوفاء بالنذر بانتفاء موضوعه وهو عدم كونهمخالفاً لشرط
اللَّه، والمفروض إنه مخالف له وهو وجوب الحج.
الثالث: إنه لو قلنا بتقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج في موردالمزاحمة،
لكان بالإمكان التخلص من وجوب الحج بذلك وهو كما ترى.
الثالثة: إن التزاحم إذا وقع بين وجوب الوضوء ووجوب واجب آخر أهمّمنه، فقد ذكر
المحقق النائينيقدس سره إن وظيفته التيمّم وعدم صحة الوضوء حتى علىالقول بالترتب،
معللاً بأن وجوب الوضوء مشروط بالقدرة الشرعية فلايصلحأن يزاحم واجباً آخر، لأنه
يرتفع به بارتفاع موضوعه وهو القدرة الشرعيةهذا، ولكنه غير تام:
أولاً: إنه يمكن تصحيح الوضوء في المقام بالترتب بلحاظ أمره الاستحبابيالنفسي لأنه
غير مشروط بالقدرة الشرعية.
وثانياً: إن وجوب الوضوء ليس مشروطاً بالقدرة الشرعية لا من ناحيةدليل البدلية ولا
من ناحية قوله تعالى: »فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيْداًطَيِّباً«(9)
على تفصيل تقدم.
وثالثاً: على تقدير تسليم أنه مشروط بالقدرة الشرعية، إلاّ أنه ليسمشروطاً بالقدرة
الشرعية بمعنى عدم المانع المولوي حتى لايمكن تصحيحهبالترتب أيضاً في مقام
المزاحمة، لأن حمل القدرة عليه خلاف الظاهر بل مشروطبها بمعنى القدرة التكوينية في
مقابل العجز التكويني، وعلى هذا فلا مانع منالحكم بصحّته على القول بالترتب.
الرابعة: إذا توقف الوضوء على مقدّمة محرمة كما إذا كان الماء في الأوانيالمغصوبة،
وحينئذٍ فيقع التزاحم بين وجوب الوضوء وحرمة التصرّف في هذهالأواني، فإن توضأ فيها
ارتماساً فلاشبهة في بطلانه، وإن توضأ منها بالاغترافشيئاً فشيئاً، فقد ذكر المحقق
النائينيقدس سره إنّه باطل معللاً بأنه مشروط بالقدرةالشرعية، فلايصلح أن يزاحم أي
حكم مولوي الزامي كحرمة التصرّفونحوها، ولكن قد عرفت المناقشة فيه من وجوه.
الخامسة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد بنى صحّة الوضوء في صورة إنحصار الماءفي
الأواني المغصوبة بالاغتراف منها تدريجياً على تمامية اُمور:
الأول: إمكان الشرط المتأخر في الواجبات المركبة من الأجزاء الطوليةكالوضوء ونحوه.
الثاني: إمكان القول بالترتب.
الثالث: إنّ القدرة معتبرة في ظرف الامتثال، وذكر أن هذه الاُمور جميعاًتامّة، وفيه
إن صحة الوضوء في المسألة لاتتوقف على تمامية هذه الاُمور الثلاثةجميعاً، أما أولاً
فلأنا قد حققنا في محله إستحالة الشرط المتأخر بالنسبة إلىملاكات الأحكام الشرعية
ومباديها، وثانياً مع الاغماض عن ذلك إلاّ أن صحةالوضوء لاتتوقف على إمكان الشرط
المتأخّر.
السادسة: إنّ صحة الواجبات المركّبة من الأجزاء الطوليّة كالصلاة والوضوءونحوهما
مشروطه بالقدرة من البداية إلى النهاية بنحو الشرط المقارن، لأنالوجوب المتعلّق
بالكل وجوب واحد في عالم الاعتبار وهو فاعل لكل جزء منأجزاء الواجب لا الوجوب
الضمني المتعلق بالجزء، فإنه لا وجود له إلا بوجودوجوب الكل ولا فاعلية له إلاّ
بفاعلية وجوب الكل وهكذا، وفاعليته فاعليةموحّدة طولاً وهي مشروطة بالقدرة كذلك
بنحو الشرط المقارن.
السابعة: إنّ وجوب الوضوء مشروط بالقدرة العقلية لا بالقدرة الشرعية،وعلى تقدير
كونه مشروطاً بالقدرة الشرعية فإنما هو مشروط بها، بمعنى القدرةالتكوينية لا بمعنى
عدم المانع المولوي.
الثامنة: إنّ المراد من القدرة الشرعية هي التي اُخذت في لسان الدليل قيداًللحكم في
مرحلة الجعل، والمراد من القدرة العقلية هي التي اُخذت قيداً للحكملباً، والكاشف
عن ذلك القيد هو العقل من باب قبح تكليف العاجز لا أنه الحاكمباعتبارها، لوضوح أن
قيود التكليف جميعاً من قبل المولى، غاية الأمر إنالكاشف عنه في مقام الاثبات قد
يكون العقل وقد يكون الشرع، أما العقل فإنهيكشف بملاك قبح تكليف العاجز عن أن
الأحكام الشرعية مجعولة من قبلالشارع على المكلف القادر فالقدرة قيد لها لباً،
فإذا لم تؤخذ في لسان الدليل فيمقام الاثبات كان الكاشف عنها العقل، وحيث إنه لا
طريق للعقل إلى ملاكاتالأحكام الشرعية، فلايكشف أكثر من كونها شرطاً للتكليف دون
الملاك.
التاسعة: قد جمع الشيخ الكبير كاشف الغطاءقدس سره بين صحة الصلاة تماماًموضع القصر
للمسافر الجاهل بوجوبه وصحة الصلاة جهراً موضع الاخفات وبالعكس من ناحية، واستحقاق
العقوبة على ترك القصر في المسألة الاُولى وتركالصلاةجهراً أواخفاتاً
فيالمسألةالثانية إذاكان جهله عنتقصير منناحيةاُخرى.
العاشرة: قد علّق المحقق النائينيقدس سره على ذلك بأن الترتب إنما يعقل بين
متعلقيالخطابين إذا كان التضاد بينهما اتفاقياً لادائمياً، وحيث إن التضاد بين
الجهروالاخفات والقصر والتمام يكون دائمياً لا إتفاقياً، فلايعقل الترتب بينهما
هذا.
وأورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن ذلك تام إذا كان الترتب في مرحلةالامتثال،
وأما إذا كان في مرحلة الجعل كما هو كذلك في هاتين المسألتين، فلايعتبر فيه أن يكون
التضاد اتفاقياً.
الحادية عشر: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الترتب في مقام
الامتثاللايتصور إلاّ إذا كان التضاد بين متعلقي الخطابين اتفاقياً فهو صحيح، ولكن
ماذكرهقدس سره من أن هاتين المسألتين مبنيان على الترتب في مرحلة الجعل غير
تام،لأن الترتب فيهما في هذه المرحلة ثبوتاً وإن كان ممكناً إلاّ أنه لايمكن
الالتزام بهإتفاقاً، لأن أدلتهما غير قابلة للحمل عليه.
الثانية عشر: إن التضاد بين متعلقي الخطابين إن كان دائمياً، فإن لم يكن بينهماثالث
فلا شبهة في دخولهما في باب التعارض، لاستحالة جعل كلا الخطابين مقالاًمطلقاً ولا
مشروطاً وإن كان بينهما ثالث، فالظاهر دخولهما في باب التعارضأيضاً، ودعوى إن
التعارض إنما هو بين اطلاقي الخطابين المتعلقين بهما لا بينأصليهما، مدفوعة بأنها
مبنية على أن تكون لكل منهما دلالتان:
الاُولى: بنحو القضية المهملة.
الثانية: بنحو القضية المطلقة، ولكن تقدّم إن الأمر ليس كذلك.
الثالثة عشر: ذكر المحقق النائينيقدس سره إن القصر والتمام والجهر والاخفات
حيثكانا من الضدّين الذين لا ثالث لهما كالحركة والسكون، فلايعقل تعلق أمرين
بهمالا مطلقاً ولا مشروطاً.
وفيه، إنه مبني على لحاظ القصر والتمام والجهر والاخفات بنحو الوجودالنعتي في
الموضوع المفروض وجوده في الخارج وهو الصلاة، ولكن لا وجهلذلك، فإن القصر والتمام
عنوانان للصلاة القصرية والصلاة التمامية وهما منالضدّين الذين لهما ثالث وكذلك
الجهر والاخفات.
الرابعة عشر: ذكر السيد الاُستاذقدس سره إن القراءة الجهرية والقراءة
الاخفاتيةتكونا من الضدّين الذين لهما ثالث، إذ قد يقرء المكلف ولايجهر وقد لا يقرء
لاجهراً ولا إخفاتاً من باب السالبة بانتفاء الموضوع، فإذن لا مانع من
الالتزامبالترتب بينهما في مقام الجعل.
وفيه، إن الترتب لايعقل بين الواجبات الضمنيّة لا في مرحلة الامتثال ولا فيمرحلة
الجعل.
الخامسة عشر: ذكر المحقق النائينيقدس سره إن الترتب مشروط بأمور:
الأول: أن يكون الخطاب بالأهم واصلاً إلى المكلف.
الثاني: عصيان الخطاب.
الثالث: أن يكون المكلف عالماً بعصيانه، وهذه الشروط غير متوفّرة فيهاتين
المسألتين هذا، وعلق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الشرط في المقام هو تركالقصر
لا العصيان.
السادسة عشر: أشكل بعض المحققينقدس سره على السيد الاُستاذقدس سره، بأنه لايكفيفي
فعلية الحكم الالتفات إلى ذات الموضوع اجمالاً بل تتوقف على الالتفات إلىعنوان
موضوعيته له ومعه انقلب الموضوع في المقام، إذ لايمكن الالتفات إليه إلاّبالعلم
بوجوب القصر على المسافر.
السابعة عشر: إن الاشكال في نفسه وإن كان صحيحاً إلاّ أنه لايرد علىهاتين
المسألتين، وذلك لأن المكلف المسافر الجاهل بوجوب القصر في الشريعةالمقدسة حيث كان
يعلم بوجوب التمام عليه ويرى نفسه موضوعاً له وهو كذلكفي الواقع، فلا تتوقف فعلية
فاعليّة وجوب التمام على التفاته بموضوعية تركالصلاة القصرية، بل يكفي في المقام
وجوده في الواقع وإن لم يكن ملتفتاً إلى عنوانموضوعيّته، وكذلك الحال في مسألة
الجهر والاخفات، نعم ما ذكرهقدس سره تام إذاكان الخطاب بالتمام الموجه إلى المسافر
الجاهل خطاباً ثانوياً وكذلك خطابالجهر في موضع الاخفات وبالعكس، ولكن الأمر ليس
كذلك.
الثامنة عشر: إن باب التزاحم يدخل في باب التعارض على القول باستحالةالترتب فيما
إذا كان كلا الخطابين المتزاحمين واصلاً إلى المكلف، وأما إذا كانالخطاب بالأهمّ
غير واصل إلى المكلف والواصل إنما هو الخطاب بالمهم فلاتعارض بينهما، ولايقاس ذلك
بمسألة الاجتماع على القول بالامتناع، لأن التنافيهناك إنما هو في مرحلة المبادي
بينما في المقام لاتنافي في مرحلة المبادي بينالمتزاحمين وإنما التنافي بينهما في
مرحلة الاقتضاء فقط.
التاسعة عشر: ذكر المحقق الخراسانيقدس سره، إن الصلاة تماماً في موضوع القصرمشتملة
على مصلحة ملزمة في نفسها ومع استيفائها لايمكن استيفاء مصلحةالقصر لمكان المضادة
بينهما، وأما استحقاق العقوبة على ترك القصر إذا كان جهلهعن تقصير فإنما هو على
تفويت مصلحته الملزمة، باعتبار انه مستند إلى تقصيرههذا، وقد علق على هذه المحاولة
السيد الاُستاذقدس سره بوجهين:
الأول: إنه لايمكن فرض التضاد بين مصلحتين بدون أن يكون هناك تضادبين فعلين.
الثاني: إن المصلحتين المفروضتين لاتخلوان من أن تكونا ارتباطيتين أواستقلاليتين
وكلتاهما لايمكن.
العشرون: إن السيد الاُستاذقدس سره قد التزم بالترتب في مرحلة الجعل في
كلتاالمسألتين، فحكم بصحة الصلاة تماماً من المسافر الجاهل بوجوب القصر فيالمسألة
الاُولى وبصحة الصلاة جهراً وإخفاتاً من الجاهل في المسألة الثانية،وعلى هذا فلا
مانع من استحقاقه العقوبة على ترك القصر في الاُولى وترك الجهرأو الاخفات في
الثانية إذا كان مقصراً.
الحادي والعشرون: إنتركالقصرلوكانموضوعاًلوجوبالتمام، فهلهوتركهفي تمام الوقت
أو في جزء منه، وكلا الأمرين لايمكن، اما الأول فلأن لازمهوجوبالاعادة
إذاانكشفالخلاف فيالوقت، وهوخلافالنص والفتوىالفقهية.وأما الثاني فلأن لازمه
تعدد الوجوب في وقت واحد وهو خلاف الضرورة.
الثانية والعشرون: إنه لايمكن حمل روايات الباب على الترتب في كلتاالمسألتين.
الثالثة والعشرون: إن ظاهر أدلة المسألتين من الآية الشريفة والروايات هوأن وجوب
القصر مختص بالمسافر العالم به في الشريعة المقدسة وكذلك وجوبالجهر والاخفات، وحيث
إن هذا التخصيص ممكن ثبوتاً فيتعين حينئذٍ الأخذبهذا الظهور في مقام الاثبات.
الرابعة والعشرون: إن مقتضى إطلاق الأدلة الأولية وجوب التمام على كلمكلف بتمام
أصنافه، وقد وردت على إطلاق هذه الأدلة مجموعة من الاستثناء:
منها: استثناء المسافر العالم بوجوب القصر، بأن قرأت عليه آية التقصيروفسرت له.
ومنها: أن لايكون سفره معصية ولايكون السفر شغله ولا شغله في السفر،ونتيجة ذلك إن
المستثنى من إطلاق تلك الأدلة حصة خاصة من المسافر وهيالذي كان يعلم وجوب القصر في
الشرع ولايكون سفره معصية ولا شغلاً له ولاشغله فيه، والباقي كالمسافر الجاهل بوجوب
القصر فيه، والذي يكون سفرهمعصية أو شغلاً له أو شغله فيه داخل في اطلاق الأدلة
المذكورة ومحكوم بحكمهاوهو وجوب التمام.
فروع ...
الخامسة والعشرون: إنه إذا فرض عدم إمكان أخذ العلم بالحكم في مرتبةفي موضوع نفسه
في مرتبة اُخرى، فلابد حينئذٍ من الالتزام بأن الواجب فيالمسألة الجامع بين القصر
والتمام والجهر والاخفات، ولابدّ عندئذٍ من حملنصوص الباب على ذلك بعدما لايمكن
حملها على الترتب.
المسألة الثانية: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره(10)، من أن التزاحم كما كان يقع
بينالواجبات الاستقلالية كذلك يقع بين الواجبات الضمنية، وقد ذكر لوقوعالتزاحم
بينها مجموعة من الأمثلة:
منها: ما إذا وقع التزاحم بين تحصيل الطهور في الصلاة وبين قيد آخر منقيودها
الداخلية أو الخارجية، بأن لايتمكن المكلف من الجمع بينهما، فإن لهقدرة واحدة فإن
صرفها في الطهور عجز عن قيد آخر وإن عكس فبالعكس،ففي مثل ذلك ذكرقدس سره إنه لابدّ
من تقديم الطهور على سائر واجباتها لأنه أهمّ منهاعلى أساس إنه واجب ركني.
ومنها: ما إذا وقع التزاحم بين خصوص الطهارة المائية وبين واجب آخرللصلاة، ففي مثل
ذلك ذكرقدس سره إنه لابدّ من تقديم الواجب الآخر على الطهارةمعللاً بتقديم ماليس له
البدل على ما له البدل في مقام المزاحمة.
ومنها: غير ذلك، ومن هنا يظهر إنه لايتصور التزاحم بين أركان الصلاة، لأنالمكلف
إذا لم يتمكن من ركن من أركانها فهو لايتمكن من الصلاة، فإذن لاصلاةولا وجوب لها
حتى يتصور التزاحم بين أجزائها، ثم إنه لاحاجة لإطالة الكلامفي بيان صور التزاحم
بين أجزاء الصلاة وشرائطها بعضها مع بعضها الآخر بلولا فائدة فيها، فالمهم في
المقام إنما هو بيان إن التزاحم بين الواجبات الضمنيةكأجزاء الصلاة وشرائطها هل
يتصور بحيث إنه لابد من الرجوع إلى مرجحاتهلعلاج المزاحمة بينها، أو إنه لايتصور
إلا بينالواجبات الاستقلالية، فيه قولان:
1 - فذهب المحقق النائينيقدس سره إلى القول الأول، وقال إنه لا فرق في ذلك
بينالواجبات الضمنيّة والاستقلالية، كما إنه إذا وقعت المزاحمة بين
الواجباتالاستقلالية فلابدّ من تطبيق قواعد باب التزاحم عليها في ترجيح بعضها
علىبعضها الآخر، وعلاج المزاحمة بينها كذلك، إذا وقعت المزاحمة بين
الواجباتالضمنيّة، فإنه لابد من تطبيق قواعد باب التزاحم عليها في ترجيح بعضها
علىبعضها الآخر.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره(11) بأن التزاحم لايتصور بين
الواجباتالضمنيّة، لأنها جميعاً واجبة بوجوب واحد، فإن كان المكلف قادراً عليها
فلاتزاحم، وإن لم يكن قادراً عليها ولو من جهة عدم قدرته على بعضها فقط سقطوجوبها
بالعجز عنها، فإذن لا وجوب حتى تتصوّر المزاحمة بينها.
وعلى هذا فإن لم يكن دليل على وجوب الباقي من جديد، فلا وجوب حينئذٍلا للكل لمكان
العجز ولا للباقي لعدم الدليل حتى يكون هناك تزاحم أو تعارض،وإن كان دليل على وجوب
الباقي بوجوب جديد كما هو الحال في باب الصلاة،فعندئذٍ يقع التعارض بين دليلي
الجزئين المتزاحمين للعلم الإجمالي بجعل أحدهمافي ضمن جعل الباقي، وحينئذٍ فإن كان
لدليل أحدهما اطلاق دون الآخر فهوالمرجع، وإن لم يكن لدليل أيّ منهما اطلاق فالمرجع
الأصل العملي، وإن كانلدليل كليهما اطلاق، يقع التعارض بينهما والمرجع فيه قواعد
باب التعارض.
والصحيح ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره، ويمكن تقريب ذلك بعدة وجوه:
الأول: إن الوجوب المتعلق بالصلاة مثلاً بما هو أمر اعتباري فلايعقل وجودهفي عالم
الخارج، وإلاّ لكان أمراً خارجياً لا اعتبارياً وهذا خلف، ومن هنا يكونوجوده
وفعليته إنما هو بالاعتبار والجعل فحسب في عالم الذهن والاعتبار، ولاتتصور له فعلية
اُخرى غير هذه الفعليّة وهي فعليّته الاعتبارية في عالمها، ومتعلقه في هذا العالم
هو مفهوم الصلاة الذهني لا واقعها الخارجي، وإلاّ لكانخارجياً لا اعتبارياً وهو
كما ترى، وعلى هذا فالصلاة بمفهومها الذهني البسيطمتعلقللوجوب بما هواعتبار
وبوجودها الخارجي متعلق لفاعليته ومحركيته التيهيأمرتكويني، وفعليةفاعليته
فيالخارج إنماهيبفعلية موضوعهفيه، فمتى تحققتحققت فاعليته للمكلف نحو الاتيان
بمتعلقه فيه، لوضوح إن الوجوب المتعلقبالصلاة في عالم الجعل والاعتبار إنما يكون
فاعلاً ومحركاً للمكلف نحوالاتيان بهاإذاتحقق موضوعه فيالخارج كدخولالوقت وكونه
بالغاً عاقلاً قادراً لامطلقاً.
وعلى هذا فما هو متعلق بالصلاة في الخارج مباشرة هو فاعلية وجوبها وهيتنحل بانحلال
أجزائها فتكون فاعليته لكل جزء إنما هي في ضمن فاعليته للكللا بالاستقلال، فإذن
يكون المراد من الوجوبات الضمنية للأجزاء الفاعلياتوالمحركيات الضمنية لها، وإلاّ
فالوجوب بما هو اعتبار يستحيل أن يوجد فيالخارج، تحصل من ذلك إن انحلال الوجوب
بانحلال متعلقه في عالم الاعتباروالذهن غير متصور، وأما انحلاله بانحلال متعلقه في
عالم الخارج فإنما هوبانحلال فاعليته فيه حقيقة لا نفسه، إذ لا وجود له فيه حتى
ينحل، والموجودفيه إنما هو فاعليته لأنّها تنحل بانحلال أجزاء الصلاة خارجاً، فيكون
فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بكل جزء من أجزائها في ضمن فاعليته
الاتيانبالكل، وعلى هذا الأساس فإذا سقطت فاعليته عن جزء من الصلاة كفاتحةالكتاب
مثلاً من جهة عجز المكلف عنها وعدم قدرته عليها، فبطبيعة الحاليكشف ذلك عن سقوط
فاعليته عن الصلاة، وإلاّ فلايعقل سقوطها عن الجزءبدون سقوطها عن الكل وهو الصلاة،
على أساس إن سقوطها عنه إنما هوبسقوطها عن الكل لا بالاستقلال، فإذا تعذّر الكل
بتعذر الجزء فبطبيعة الحالتسقط فاعليته عنه، وبسقوطها عنه تسقط عن الجزء بل هو نفس
السقوط عنالجزء لا أن له سقوطاً آخر، وحينئذٍ فإذا وقعت المضادّة المزاحمة بين
جزئين منأجزاء الصلاة، بمعنى إنّ المكلف لايكون قادراً على الجمع بينهما فبطبيعة
الحالسقطتفاعلية وجوبالصلاةومحركيتهللمكلف نحوالاتيانبها ككللمكان
عجزهعنهاكذلك، فإذا سقطت فاعليته عن الصلاة كذلك، سقطت فاعليته عن
الجزئينالمتضادّين منها أيضاً، على أساس إن فاعليته لكل جزء إنما هي
بنفسفاعليتهللكل لابالاستقلال، كما إنّ سقوطها عن الجزء إنما هو بنفس سقوطها
عنالكللابسقوطآخر. فإذنلامقتضى للتزاحمبينهما ولاموضوع له،
فإنهإذاسقطتفاعليته عنالصلاة التامة لمكانالعجز عنها، سقطت فاعليته عنكل جزء
منأجزائها، فإذنكيف تتصوّرالمزاحمة بينفاعليته لجزءوفاعليته لجزءآخر
إذاكانتبينهما مضادّة ولايمكن الجمع بينهما في مرحلة الامتثال، فإن معنى ذلك إن
فاعليتهعنالكل وهوالصلاة التامة لم تسقط وهذا كماترى، لأنه منالتكليف بالمحال.
فالنتيجة، إنه إذا تعذّر أحد جزئين من أجزاء الصلاة سقطت فاعلية وجوبهابمرتبتها
التامة، وأما وجوبها بمرتبتها الناقصة بوجوب جديد فهو بحاجة إلىدليل ولا دليل عليه
إلا في باب الصلاة فإنها لاتسقط بحال، ومقتضى ذلك تعلقالوجوب الجديد بسائر أجزاء
الصلاة مع أحد الجزئين المتزاحمين لا بعينه أوتعلقه بها مع أحدهما المعيّن، فإذن
تقع المعارضة بين دليلي الجزئين إذا كان لكلمن الدليلين اطلاق، ويرجع حينئذٍ إلى
قواعد باب التعارض دون التزاحم.
الوجه الثاني: إن الجزئين المتزاحمين لايخلوان من أن يكون مجموعهما معاًمؤثراً في
ملاك الواجب المطلوب للمولى مطلقاً أو مخصوصاً بحال القدرة أوأحدهما المعيّن
مؤثراً فيه مطلقاً دون الآخر أو الجامع بينهما ولا خامس في البين،وعلى جميع هذه
التقارير لايتصور التزاحم بين واجبين ضمنيين.
أماعلى التقديرالأول، فلأنالتكليف المتعلق بالصلاة بتمامأجزائها ساقط بملاكعجز
المكلف عن تحصيل الملاك منها، على أساس عجزه من الجمع بين الجزئينالمتزاحمين الذين
يكون مجموعهما معاً مؤثراً فيه لا كل واحد منهما مستقلاً.
وأما على التقدير الثاني، فيلزم ثبوت التكليف بسائر الاجزاء فقط، باعتبارأن
تأثيرهما معاً في الملاك مخصوص بحال القدرة على الجمع بينهما، وأما في حالعجز
المكلف عنه فلا تأثير لهما فيه، فإذن يكون الملاك في سائر الأجزاء تاماًوهو يقتضي
تعلق التكليف بها من جديد، وأما بالنسبة إلى هذين الجزئينالمتزاحمين، فلاتكليف لا
بكليهما معاً لعدم القدرة ولا بأحدهما المعيّن لعدم دخلهفي الملاك كذلك ولا
بأحدهما غير المعيّن بنفس الملاك.
وأما على التقدير الثالث، فلأن التكليف فيه متعلّق بسائر الأجزاء مع الجزءالمؤثر في
الملاك دون الآخر لكي يقع التزاحم بينهما، لفرض عدم دخله في الملاكفي هذا الحال.
وأما على التقدير الرابع، فلأن التكليف فيه متعلق بسائر الأجزاء مع الجامعبين
الجزئين لا بكل واحد منهما لتقع المزاحمة بينهما، فالنتيجة إنه لايتصورالتزاحم بين
الجزئين المتزاحمين على جميع هذه التقادير والفروض، ولكن هذهالتقادير والفروض
جميعاً افتراضيته لا تتعدى عن مجرد الافتراض والتصور إلىالواقع الخارجي.
الوجه الثالث: إن فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين يتطلب أنيكون كل منهما
مجعولاً في الشريعة المقدسة على الموضوع المفروض الوجود فيالخارج، وهو المكلف
البالغ العاقل القادر عليه في مرحلة الامتثال مشروطاًبترك الآخر على أساس التقييد
اللبّي العام، ولا مانع من جعل كليهما كذلك علىالقول بإمكان الترتب كما هو الحال
في الواجبين الاستقلالين هذا.
ولكن لايمكن الالتزام بأن الوجوب الضمني المتعلق بكل من الجزئينمشروط بترك الآخر
لباً أما من الطرفين أو من الطرف الواحد، وذلك لأنالوجوب الضمني حيث إنه جزء
تحليلي للوجوب المتعلق بالكل ولا وجود له إلإ؛ع%خخبوجوده ولا داعوية له إلاّ
بداعويته، فلا يعقل أن يكون مشروطاً بشيء دونالوجوب المتعلق بالكل، بأن يكون
مطلقاً مع أنه لا وجود له إلاّ بوجوده ولاإطلاق له إلا بإطلاقه ولا إشتراط له إلا
باشتراطه وإلاّ لزم خلف فرض كونهجزءً تحليلياً له، ضروره أنه لوكان مشروطاً بشيء
دون الوجوب الاستقلالي،لزم أن يكون له وجود مستقل إعتباراً وجعلاً وهو خلف فرض كونه
ضمنياً،فإذن يستحيل فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين، لأن فرض وقوعهبينهما
يستلزم فرض المحال وهو أن يكون الوجوب الضمني مشروطاً بشيء دونالوجوب الاستقلالي.
وإن شئت قلت: إن التزاحم بين جزئين يتطلب تقييد وجوب كل منهما بعدمالاشتغال بالآخر
إذا كانا متساويين، وتقييد وجوب أحدهما فقط إذا كان الآخرأهم منه، وحيث إنه لا وجود
للوجوب الضمني إلاّ بوجود الوجوبالاستقلالي، فبطبيعة الحال اشتراطه بشيء إنما هو
باشتراط الوجوبالاستقلالي به لا مستقلاً وإلاّ لزم الخلف كما عرفت، وعليه فإذا فرض
أنوجوب القيام في الصلاة من جهة مزاحمته مع وجوب الركوع مشروط بعدمالاشتغال
بالركوع، فإنه لايعقل إلاّ باشتراط وجوب الصلاة بعدم الاشتغال به،وهذا مردّه إلى
أنّ وجوب الصلاة مشروط بتركها، باعتبار إن تركها يتحققبترك الركوع وهو كما ترى،
فلذلك لايمكن فرض التزاحم بين واجبين ضمنيين.
الوجه الرابع: إن فرض وقوع التزاحم بين واجبين ضمنيين يقتضي فعليةوجوب كل منهما عند
ترك الاشتغال بالآخر، كما كان الأمر كذلك فيما إذا كانالتزاحم بين واجبين
استقلاليين، وحيث إن الوجوب الضمني جزء تحليليللوجوب الاستقلالي، فهل يمكن أن يكون
الوجوب الاستقلالي أيضاً فعلياً فيهذه الحالة أو لا؟
والجواب: إن كلا الفرضين لايمكن، أما الأول، فلأن الوجوب الاستقلاليلوكان فعلياً
لزم التكليف بغير المقدور وهو الاتيان بالصلاة بتمام أجزائها، وهوغير مقدور من جهة
عدم القدرة على الجمع بين الجزئين المتزاحمين منها.
وأما الثاني، فلأن فعلية الوجوب الضمني إنما هي بفعلية الوجوبالاستقلالي، ولايعقل
أن يكون فعلياً بدون فعلية الوجوب الاستقلالي وإلاّ لزمخلف فرض كونه ضمنياً، فإذا
فرض وقوع التزاحم بين وجوب القيام فيالصلاة ووجوب الركوع فيها بمعنى أن المصلي غير
قادر على الجمع بينهما، فإذاصلى قائماً فلايقدر على ركوع القائم عن قيام وإذا صلّى
جالساً كان يقدر علىركوع الجالس عن جلوس، فإذا دار الأمر بينهما، كان وجوب كل
منهمامشروطاً بترك الاشتغال بالآخر، ومعه يكون وجوب كليهما فعلياً، ومنالواضح إن
فعلية وجوبهما معاً لايمكن إلاّ بفعلية وجوب الكل لا بالاستقلال،والفرض إن فعلية
وجوب الكل مستحيلة لاستلزامها التكليف بالمحال، ومعهكيف يعقل فرض وجود التزاحم بين
وجوبين ضمنيين.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي إنه لايمكن تطبيق قواعدباب التزاحم
على الجزئين المتزاحمين من الصلاة ونحوها، بل لابد من تطبيققواعد باب التعارض على
دليليهما إذا كان لكل منهما إطلاق، وإلاّ فإن كانلأحدهما إطلاق دون الآخر فهو
المرجع، وإن لم يكن لشيء منها إطلاق،فالمرجع الأصل العملي كما تقدّم.
قد يقال كما قيل: إن عدم إمكان وقوع التزاحم بين جزئين من أجزاء الصلاةمثلاً إنما
هو فيما إذا كان الأمر متعلقاً بالصلاة بما لها من الأجزاء والشرائطبعناوينها
الأولية، وأما إذا كان متعلقاً بها بما لها من الأجزاء والشرائط المقدورة،فلا مانع
من تطبيق قواعد باب التزاحم على الجزئين المتزاحمين منها، علىأساس إن الواجب على
المكلف حينئذٍ هو الصلاة المركبة من الأجزاء المقدورةوالأمر متعلق بها بهذا
العنوان، وعلى هذا فإذا وقع التزاحم بين جزئين فترك كلمنهما محقق للقدرة على
الآخر.
ونتيجة هذا، إن كلاً منهما مقدور عند ترك الآخر فيكون متعلقاً للوجوبالضمني، على
أساس إن الوجوب الاستقلالي تعلق بالأجزاء المقدورة خاصة،وعلى ذلك فلا يرد عليه شيء
من الوجوه المتقدّمة.
أما الوجه الأول: فهو مبني على أن يكون الواجب كالصلاة مركباً منالأجزاء بعناوينها
الأولية، فإنه حينئذٍ لا محالة يسقط الوجوب عن الصلاة التامةلمكان عجز المكلف عنها،
وأما إذا كان الواجب هو الصلاة المركبة من الأجزاءالمقدورة، فلايسقط الأمر بالعجز
عن بعض أجزائها وإنما يسقط عن ذلك البعضفقط بالتعذّر دون البقيّة.
وأما الوجه الثاني: فلأن المؤثر في الملاك إنما هو الجزء المقدور لا كلا
الجزئينالمتزاحمين معاً، والمفروض إن كلاً منهما عند ترك الآخر مقدور، فيكون
مأموراًبه على هذا التقدير ومؤثراً فيه، وهذا هو معنى الترتب.
وأما الوجه الثالث: فلأن محذور الخلف أو كون الوجوب الاستقلاليمشروطاً بترك جزئه،
إنما يلزم إذا كان الأمر متعلقاً بالصلاة المركبة من الأجزاءبعناوينها الأولية،
وأما إذا كان متعلقاً بها بعنوان المقدور من أجزائها لا مطلقاً فلايلزم شيء من
المحذورين، لأن كلا من الجزئين المتزاحمين على تقدير عدمالاشتغال بالآخر مقدور،
فيكون مأموراً به بالأمر المتعلق بالكل ضمناً، مثلاً إذإ؛ع(خخفرض وقوع المزاحمة
بين القيام في الصلاة والركوع فيها، فبطبيعة الحال يكونالأمر الضمني المتعلق بكل
منهما مشروطاً بترك الآخر، باعتبار إنه مقدور في هذهالحالة، وعليه فلا محالة يكون
الأمر المتعلق بالكل أي بالأجزاء المقدورة معالقيام مشروطاً بترك الركوع وبالعكس
في مفروض المسألة، لأن الصلاة معالقيام بدون الركوع وبالعكس مقدورة، ولا مانع
حينئذٍ من تعلق الأمر بها معالقيام مشروطاً بترك الركوع وبالعكس. وهذا معنى إن ما
يكون شرطاً للأمرالضمني فهو في الحقيقة شرط للأمر الاستقلالي.
وأما الوجه الرابع: فلأن محذور الخلف أو طلب الجمع بين الضدّين إنما يلزمفيما إذا
كان الأمر متعلقاً بالصلاة المركبة من الأجزاء بعناوينها الأولية، وأما إذاكان
متعلقاً بها بعنوان المقدور بمعنى إنه يدور مداره سعةً وضيقاً فلايلزم شيء منهذين
المحذورين، لأن الأمر إذا كان متعلقاً بالأجزاء المقدورة، فهي تنطبق علىسائر
الأجزاء مع أحد الجزئين المتزاحمين لا أكثر، ومن المعلوم إن طلبها حينئذٍليس من طلب
الجمع بين الضدّين، ولكن مع هذا لايتم هذا القيل:
أما أولاً: فلأنه مجرد إفتراض لا واقع موضوعي له، لأن الأمر المتعلقبالواجبات
المركبة كالصلاة والصيام والحج ونحوها جميعاً متعلق بها بعناوينهاالأولية من دون
أخذ عنوان ثانوي فيها كعنوان المقدور، لوضوح إن الأمر فيباب الصلاة تعلق بها
بعنوانها الخاص وباسمها المخصوص المميّز وهي عبارة عنالأجزاء الخاصة المقيّدة
بقيود كذلك بعناوينها الأولية المخصوصة بدون أخذعنوان المقدور فيها، وعلى هذا فلا
يمكن فرض وقوع التزاحم بين جزئين أوجزء وشرط منها لما تقدم من المحاذير، وكذلك
الحال في سائر الأبواب.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إن الأمر المتعلق بالواجبات المركبةتعلق بها
بعنوان المقدور من الأجزاء والقيود لا مطلقاً، إلاّ أنه مع ذلك لاتنطبققواعد باب
التزاحم وأحكامه علىالجزئين المتزاحمين، لأنمورد هذه القواعد هوما إذا كان هناك
أمران مجعولان في الشريعة المقدسة ومتعلقان بفعلين يقعالتزاحم بينهما في مرحلة
الامتثال من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما فيهذهالمرحلة، فعندئذٍيكون
تطبيققواعد بابالتزاحم عليهمامنوط بتوفّرأمرين:
الأول: الالتزام بالتقييد اللبّي العام وهو تقييد كل خطاب شرعي بعدمالاشتغال بضدّ
واجب لايقل عنه في الأهميّة.
الثاني: إمكان القول بالترتب، فإذا كان هذان الأمران متوفرين فيهما، جرىعليهما
أحكام التزاحم وقواعده لعلاج المزاحمة بينهما، وأما إذا لم يكونا متوفرينفيهما
معاً وإن كان أحدهما متوفراً فيدخلان في باب التعارض، وحينئذٍ لابد منالرجوع إلى
قواعد بابه وتطبيقها عليهما لعلاجها.
وأما إذا كانت القدرة قيداً للواجب، بأن يكون الأمر متعلقاً بالمركب منالأجزاء
المقدور فحسب، وحينئذٍ فإذا وقع التزاحم بين جزئين من أجزائه، كانمتعلق الأمر
الضمني التحليلي هو الجامع بينهما، لأنه مقدور دون كل واحد منهمافي عرض الآخر فإنه
غير مقدور، ولايمكن جعل أمرين ضمنيين بهما في عرضواحد بجعل الأمر بالكل بل المجعول
أمر ضمني واحد متعلق بالجامع بينهما وهوعنوان أحدهما باعتبار إنه مقدور، وحينئذٍ
فلا موضوع للتزاحم، لأنه إنمايتصور بين أمرين مجعولين على موضوعه المقدر وجوده في
الخارج، ولكن فيظرف الامتثال قد يقع التزاحم بينهما من جهة عدم قدرة المكلف على
امتثالكليهما معاً فيه، والمفروض إن المجعول في المقام أمر ضمني واحد بجعل
الأمربالكل وهو الأمر الضمني المتعلق بأحد الجزئين المتزاحمين على أساس إنهمقدور،
ومن الطبيعي إن التزاحم لايتصور في أمر واحد، هذا كله بالنسبة إلىالأمر الاستقلالي
المتعلق بالكل المنحل إلى أوامر وفواعل ضمنية.
وأما بالنسبة إلى أدلة الأجزاء والشرايط فلايكون هناك تزاحم، لأنالتزاحم بينهما
إنما يتصور فيما إذا كان مفادها حكماً مولوياً مستقلاً، وأما إذا كانإرشادياً كما
هو كذلك فلا يجري بينها تزاحم، اذ لا مانع من أن يكون مفادهاالارشاد إلى الجزئية أو
الشرطية مطلقاً حتى في حال العجز، غاية الأمر يسقطحينئذٍ التكليف الاستقلالي
المتعلق بالمجموع رأساً لكي لايلزم التكليف بالمحال،وإذا علمنا من الخارج إن
التكليف لم يسقط كما في الصلاة، وقع التعارض بينإطلاق دليلي الجزئين المتزاحمين
على أساس العلم الإجمالي بانتفاء أحد الجزئينواستحالة جعل كليهما معاً في هذه
الحال، هذا إضافة إلى أنّ مفادها لوكان حكماًتكليفياً فهو حكم ضمني لااستقلالي،
وإلاّ لزم أن تكون هناك واجبات متعددةمستقلة وهو كما ترى، إلى هنا وقد وصلنا إلى
هذه النتيجة وهي أنّ التزاحم بينأجزاء وشرائط واجب واحد كالصلاة مثلاً بعضها مع
بعضها الآخر غير معقول،لأن مقتضى القاعدة عند تعذّر أحد الجزئين أو الشرطين سقوط
الوجوب عنالكل ووجوب الباقي من جديد بحاجة إلى دليل على تفصيل تقدّم.
هذا تمام كلامنا في بحث الترتب وأركانه إمكاناً واستحالةً وما ترتبط به منالمسائل
المهمة، وأماالكلام فيالفرق بين التعارض والتزاحم وبيان مرجحات كلمن البابين بشكل
موسع فيأتي في باب التعادل والترجيح، لأنه المورد المناسب لهدون المقام، وأما
الفروع الفقهية التي تدور بين أجزاء واجب واحد كالصلاةمثلاً، فقد ظهر حالها مما
تقدّم فلاحاجة إلى إطالة الكلام فيها بأكثر من ذلك.
الأمر بالشيء هل يمكن مع علم الآمر بانتفاء شرطه ...
فصل
الأمر بالشيء هل يمكن مع علم الآمر بانتفاء شرطه
الشروط المتصوّرة في المقام على ثلاثة أنواع:
الأول: شروط الجعل الذي هو فعل اختياري للمولى كسائر أفعالهالاختيارية.
الثاني: شروط الحكم ونقصد بها ما هو دخيل فيه.
الثالث: شروط متعلق الحكم وهو المأمور به ونقصد بها قيوده الوجوديةوالعدمية.
أما النوع الأول، فهو متمثل في مبادي الفعل الاختياري من التصور والتصديق وغيرهما
مما هو دخيل في وجوده، لأن كل فعل إختياري يكون معلولاًلعلة سابقة وهي إرادة الفاعل
وسلطنته وإعمال قدرته على تفصيل تقدم في محله.
وأما النوع الثاني، فهو متمثل في قيود مأخوذة في موضوع الدليل في مرحلةالجعل بنحو
القضية الحقيقية كالاستطاعة المأخوذة في موضوع دليل وجوبالحج والوقت والعقل
والبلوغ ونحوها، فإن هذه القيود شروط للحكم في مرحلةالجعل ومأخوذة قيداً له في هذه
المرحلة ولاتصاف الفعل بالملاك في مرحلةالمبادي، وتتوقف فعلية فاعلية الحكم على
تحقق هذه الشروط في الخارج، كما انفعلية اتصاف الفعل بالملاك متوقفة على تحققها
فيه.
وأما النوع الثالث، فهو متمثل في قيود المأمور به وشروطه الدخيلة فيترتب الملاك
عليه في الخارج، وبذلك تفترق عن شروط الحكم فإنها دخيلة فياتصاف الفعل المأمور به
بالملاك لا في ترتبه عليه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن النوع الأول من الشرط خارج عن محل الكلام فيالمسألة، ضرورة
استحالة تحقق الفعل الاختياري من الفاعل المختار بدون تحققشرطه وعلته، وكذلك النوع
الثالث فإنه أيضاً خارج عن محل الكلام، لأن محلالكلام في المسألة إنما هو في إمكان
أمر الآمر بشيء مع علمه بانتفاء شرطه، ومنالواضح إن انتفاء شرط المأمور به لايمنع
عن الأمر به، ضرورة إنه لا مانع منالأمر بالصلاة في الشريعة المقدسة وإن علم الآمر
بعدم توفر شروطها، غايةالأمر إذا لم تتوفر شروطها حين امتثالها والاتيان بها، سقطت
فاعلية الأمرالمتعلق بها لمكان عجز المكلف عنها وعدم قدرته عليها في ظرف الامتثال
لاأصله جعلاً، فإذن يكون محل الكلام في النوع الثاني وهو شروط الحكم.
ثم إن عدم إمكان صدور الأمر الحقيقي من المولى مع علمه بانتفاء شرطهيكون واضحاً،
على أساس إن الغرض الداعي للمولى إلى الأمر بشيء هو امكانداعويته للمكلف نحو
الاتيان به وانبعاثه عنه على تقدير انقياده ووصولالتكليف إليه، ومن الطبيعي إنّه
مع انتفاء شرطه، يستحيل أن يكون الأمر داعياًفي نفس المكلف ومحركاً له لاستحالة
انبعاثه عنه.
والخلاصة: إن صدور الأمر من المولى مع علمه بانتفاء شرط فعلية فاعليتهفي الخارج
لغو وجزاف، لأن الغرض من الأمر الصادر منه هو إيجاد الداعي فينفس المكلف وانبعاثه،
ومع انتفاء شرط فعليته يستحيل انبعاثه عنه وإن كانمنقاداً، لأن الأمر بوجوده
الجعلي لايكون داعياً ومحركاً، وإنما يكون داعياًومحركاً بفعلية فاعليته في الخارج،
فإذا استحالت فعليتها فيه من جهة انتفاءشرطها وموضوعها استحالت داعويته ومحركيته
للمكلف وانبعاثه عنه وإن كانبكاملالانقياد، فإذن لامحالة يكونلغواً
وصدوراللغومنالمولى الحكيم مستحيل.
وهنا تفصيلان في المسألة:
الأول: من المحقق الخراسانيقدس سره.
الثاني: من السيد الاُستاذقدس سره.
أما الأول، فهو متمثل في التفصيل بين الأمر الحقيقي والأمر الامتحاني(12)،فلايجوز
أمر الآمر مع علمه بانتفاء شرطه في الأول ويجوز في الثاني.
وأما الثاني، فهو متمثل في التفصيل بين ما إذا كان انتفاء الشرط مستنداً إلىنفس
جعل الأمر وصدوره من المولى بعنوان المولوية، وما إذا كان انتفائه مستنداًإلى سبب
آخر في مرتبة سابقة على الأمر، فعلى الأول يجوز دون الثاني(13).
أما التفصيل الأول فهو ليس قولاً بالتفصيل في المسألة حقيقة، بل هو بيان إنأمر
الآمر مع علمه بانتفاء شرطه لايعقل في الأمر الحقيقي، وأما في الأمرالامتحاني فلا
مانع منه، باعتبار إن الغرض منه يحصل بمجرد جعله وصدوره منالمولى وهو الامتحان،
ومن هنا فالأمر الامتحاني ليس بأمر حقيقة وروحاًولايكون مشروطاً بشيء حتى يقال إنه
يجوز أمر الآمر به مع علمه بانتفاءشرطه أو لايجوز.
وأما التفصيل الثاني فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره إنه لابد من الفرق بين ما
إذاكان انتفاء الشرط مستنداً إلى نفس جعل الحكم وإنه السبب والموجب له،
ومإ؛ف/للَّههإذا كان مستنداً إلى عدم قدرة المكلف أو إلى جهة اُخرى في المرتبة
السابقة.
فعلى الأول لا مانع من جعله أصلاً إذا كان الغرض منه عدم تحقق شرطهوموضوعه في
الخارج من دون فرق بين أن يكون جعله بنحو القضية الحقيقية أوالخارجية، كما إذا قال
المولى لعبده أو الأب لابنه إن كذبت فعليك دينار مع علمهبأن جعل وجوب الدينار
عليه على تقدير كذبه مانع عن صدور الكذب منه،لأن هذا هو الغرض من جعله، ومن هذا
القبيل جعل الكفارات على الافطارالعمدي في نهار شهر رمضان فإن الغرض منه سد باب
الإفطار العمدي فيه، كماإن الغرض من جعل الحدود على السرقة والزنا واللواط ونحوها
هو سدّ بابهذه المحرمات في الخارج، حيث إنه يكشف عن اهتمام الشارع بخلوّ المجتمع
عنتلك المحرمات نهائياً لأنها تفسد المجتمع خلقياً، وكذلك الغرض من جعل
الدياتوالقصاص على القاتل للنفس المحترمة، حيث إن في القصاص حياة كما فيالكتاب
العزيز.
والخلاصة، إن الغرض من الأمر إن كان إيجاد الداعي في نفس المكلفوتحريكه نحو
الاتيان بالمأمور به في الخارج، فلايعقل صدوره من المولى مععلمه بانتفاء شرطه
لأنه لغو كما مرّ، وإن كان الغرض منه إيجاد الداعي على نفيموضوعه وشرطه في الخارج
وإنه الغاية القصوى منه كما هو الحال في الأوامرالثانوية التي تتضمن العقوبات
الدنيوية بغاية تنفيذ الأحكام الأولية وعدممخالفتها في الخارج فلا مانع منه هذا.
والصحيح في المقام أن يقال: إنه لا فرق بين الأحكام الثانوية المجعولة بغايةمنعها
عن تحقق شرطها وموضوعها في الخارج كأحكام القصاص والدياتوالحدود والكفارات، وبين
الأحكام الأولية المجعولة بغرض امكان إيجاد الداعيفي نفس المكلف نحو الفعل أو
الترك، فكما إن فعل هذه الأحكام مستحيل إذإ؛ف.خخاستحالت داعويتها ومحركيتها
للمكلف من جهة انتفاء شرط من شروطهاكالقدرة ونحوها، فكذلك جعل تلك الأحكام وهي
الأحكام الثانوية الجزائية إذااستحالت داعويّتها للمكلف نحو إعدام شروطها
وموضوعاتها في الخارج، كماإذا كان المكلف عاجزاً عن إيجادها وغير قادر عليه،
وحينئذٍ فيكون جعلها عليهلغواً، مثلاً إذا كان الشخص لايقدر على السرقة بسبب أو
آخر طول حياته،فكما إنّ جعل حرمة السرقة عليه بنحو القضية الشخصية الخارجية يكون
لغواً،فكذا جعل حدّها عليه على تقدير السرقة، نعم إن فرض ذلك في القضاياالحقيقية
لايمكن عادة لا في الأحكام الأولية ولا في الأحكام الثانوية، ولو فرضفي مورد إن
المولى كان يعلم بانتفاء شرط فعلية تكليف فيه إلى يوم القيامة،استحال عليه أن
يجعله لأنه لغو.
وأما في القضايا الشخصية الخارجية، فيتفق ذلك في كلا النوعين منالأحكام، فكما إنّ
جعل الحكم من النوع الأول مع علم الجاعل بانتفاء شرطه فيالخارج لايمكن، فكذلك جعل
الحكم من النوع الثاني مع علم الجاعل بانتفاءشرطه فيه لايمكن بلا فرق بينهما من هذه
الناحية.
وإن شئت قلت: إنّ هذه الأوامر الثانوية تكشف عن اهتمام المولى بعدم وقوعالأعمال
الإجرامية المحرّمة في المجتمع الإسلامي كقتل النفس المحترمة والسرقةوالزنا وغيرها
وقلع مادتها عن المجتمع لأنها تفسد المجتمع وتؤدّي إلى انهيارهوانحطاطه، فإذن
الغاية من تلك الأوامر التشديد والضغط على الناس بعدمارتكاب تلك الأعمال الإجرامية
المحرمة، وأما لو فرضنا إنّ الناس كانوا منقادينللابتعاد عن تلك الأعمال نهائياً
ولايحتمل صدورها منهم أو كانوا غير قادرينعلى ارتكابها واقتحامها وعاجزين عنه،
فعندئذٍ وجود تلك الأوامر وعدمهابالنسبة إليهم على حدّ سواء فلا يؤثر في أنفسهم
أصلاً، فلا محالة يكون صدورهابالنسبة إليهم لغواً وجزافاً، هذا نظير ما إذا علم
المولى بأن خادمه لايخالفه فييوم الجمعة أصلاً، ومع هذا إذا قال له إن خالفتني في
يوم الجمعة فعليك كذا وكذاكان لغواً، إذ لا تأثير له بالنسبة إليه أصلاً فيكون
بنظره مجرد لقلقة اللسان.
والخلاصة، إن المسألة باطلة برأسها وليس لها معنى معقول ومحصل لا فيالخطابات
الأولية ولا في الخطابات الثانوية.
وأما المحقق النائينيقدس سره، فقد ذكر إنّ المسألة باطلة(14) ولكن لا من جهة
ماذكرناه، بل من جهة إن مرجع النزاع فيها إلى النزاع في أن علم الآمر بانتفاءالشرط
هل هو دخيل في انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه أو غير دخيل فيه، ومنالواضح إنه لامعنى
لهذا النزاع، ضرورة إنّ الأحكام الشرعية مجعولة بنحوالقضايا الحقيقية وتدور فعليتها
مدار فعلية موضوعها في الخارج بدون دخللعلم الآمر فيه لا وجوداً ولا عدماً، وغير
خفي إن بطلان المسألة ليس من جهةما ذكرهقدس سره، لأنه مبنيعلى إن علم الآمر
بانتفاء الشرط المأخوذ في عنوان المسألةقد لوحظ بنحو الموضوعيّة مع إن الأمر ليس
كذلك، ضرورة إنه ملحوظ بنحوالطريقية بل بطلانها من جهة ما ذكرناه، إلى هنا قد وصلنا
إلى هذه النتيجة، وهيإن مسألة إمكان أمر الآمر بشيء مع علمه بانتفاء شرطه وعدم
امكانه لاترجعإلى معنى معقول، لما عرفت من استحالة أمر الآمر بشيء مع علمه
بانتفاء شرطهبلا فرق في ذلك بين الأحكام الأولية والأحكام الثانوية، ومن هنا يظهر
أن ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل بينهما والبناء على عدم الجواز في
الأحكامالأولية والجواز في الأحكام الثانوية، لايمكن المساعدة عليه وقد تقدم
تفصيله،كما إنه لا وجه للتفصيل بين الأوامر الحقيقية والأوامر الامتحانية كما
ذكرهصاحب الكفايةقدس سره، هذا تمام كلامنا في جواز أمر الآمر مع علمه بانتفاء
شرطه.
متعلق الأمر هل هو الطبيعي أو الفرد ...
فصل
في متعلق الأمر هل هو الطبيعي أو الفرد
والجواب: إنه فيه مجموعة من النظريات:
الاُولى: ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره(15) من أن هذه المسألة إما مبنيّة
علىمسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج أو عدم امكان وجوده فيه، فعلى الأوليكون
الأمر في هذه المسألة متعلقاً بالطبيعة، وعلى الثاني بالفرد، أو أنها مبنيةعلى
مسألة إن الأصل في الأشياء الوجود أو الماهيّة، فعلى القول بأصالة الوجوديتعلق
الأمر في هذه المسألة بالفرد، وعلى القول بأصالة الماهية بالطبيعة هذا.
والصحيح إن النزاع في هذه المسألة لايرتبط بالنزاع في المسألة الفلسفية لابالمسألة
الاُولى ولا الثانية.
أما في المسألة الاُولى، فلأن النزاع فيها إنما هو في أنّ الطبيعي هل هو موجودفي
الخارج بالذات والحقيقة أو أن الموجود فيه كذلك هو الفرد والطبيعي موجودبوجوده
بالعرض، وأما النزاع في هذه المسألة فهو لايبتني على ذلك، بل لو قلنافي تلك المسألة
بعدم وجود الطبيعي في الخارج بالذات والحقيقة فمع ذلك لا مانعمن القول في هذه
المسألة بتعلق الأمر بالطبيعة، إذ يكفي في صحة تعلقه بهاوجودها بوجود فردها في
الخارج بالعرض، لوضوح إن الطبيعة وإن قلنا بعدموجودها فيه بالذات إلاّ أنه لا شبهة
في وجودها بوجود فردها بالعرض بشهادةصحة حملها عليه بالحمل الشايع كقولنا زيد إنسان
وهذه صلاة وهكذا، وصحةالحمل بالحمل الشايع لايمكن إلاّ إذا كان المحمول متحداً مع
الموضوع في الخارج،وإن شئت قلت: إنه لاشبهة في صحة حمل الطبيعي على فرده في الخارج
بالحملالشايع، وإن قلنا: في تلك المسألة بعدم وجوده فيه بالذات، فإنها تكشف عن
أنهوإن لم يكن موجوداً بالذات في الخارج إلاّ أنه موجود بوجود فرده فيه
وهذاالمقدار يكفي في صحة تعلق الأمر به.
فالنتيجة، إن النزاع في هذه المسألة لايرتبط بالنزاع في تلك المسألة الفلسفية،فإنه
وإن قلنا بعدم وجود الطبيعي في الخارج بالذات والحقيقة، فمع ذلك لا مانعمن القول
في هذه المسألة بتعلق الأمر به لا بالفرد بل لا مناص من الالتزام بذلك،لأنه إن
اُريد بتعلق الأمر بالفرد تعلقه بالفرد الخارجي مباشرة، فهو من أوضحانحاء طلب
الجاهل، وإن اُريد به تعلقه بمفهومه المشار به إلى الفرد المفروغ عنهوجوده في
الخارج، فأيضاً يلزم محذور طلب الحاصل، وإن اُريد به تعلقهبمفهومه بما هو فانه في
الخارج ومرآة له أي مفهومه بالحمل الأولي لا بالحملالشايع وهو الصورة الذهنية
الموجودة في عالم الذهن التي هي معروضة بالذاتوالخارج معروضة بالعرض، فهو وإن كان
ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه لا دليل عليه فيمقام الاثبات، وسوف نشير إلى تفصيله بأكثر
من ذلك.
وأما في المسألة الثانية، فلأن النزاع فيها إنما هو في أنّ الموجود في
الخارجالماهية والوجود منتزع منها، لأن معنى جعل الماهية تكويناً إفاضة
نفسهاوصدورها وفيضانها من جاعلها وينتزع منها إنها موجودة، أو الوجود فإنهالمجعول
من الجاعل والماهية منتزعة منه بحدّه، وعلى هذا فالفرد على القولبأصالة الماهية في
المسألة متمثل بالماهية الخارجية، وعلى القول بأصالة الوجودفيما متمثل بالوجود
الخارجي، وأما الطبيعة الكلية في عالم الذهن، فهي على كلاالقولين في المسألة مفهوم
انتزاعي ذهني ولايعقل أن يكون مجعولاً تكويناً، وعلىضوء ذلك فلايرتبط النزاع في
هذه المسألة بالنزاع في تلك المسألة الفلسفية،ولايمكن أن يكون تعلق الأمر بالفرد في
هذه المسألة مبنياً على القول بأصالةالوجود في تلك المسألة، وتعلّقه بالطبيعة
مبنياً على القول بأصالة الماهيّة فيها،ضرورة إن الطبيعة مفهوم إنتزاعي ذهني كما
مرّ، فلايعقل أن يكون مجعولاًتكويناً، كيف فإن الجعل عين المجعول في الخارج وهو نفس
الفرد فيه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ النزاع في هذه المسألة لايرتبطبالنزاع
في مسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج وعدم إمكانه فيه ولا بمسألةأصالة الوجود
والماهيّة.
النظرية الثانية: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره(16) من أن النزاع في هذه
المسألةمبني على مسألة فلسفيّة، وهي إنّ معروض الوجود والإيجاد الخارجي هل
هوالماهية الشخصية في المرتبة السابقة أو ذات الماهية والطبيعية ويكون
تشخصهابالوجود نفسه، فعلى الأول يكون متعلق الأمر الفرد لا الطبيعة على أساس
إنالإرادة التكوينيّة على هذا القول دائماً تتعلق بإيجاد الماهية والطبيعة
الشخصية،وعليه فلابد أن تكون الارادة التشريعية متعلّقة به، باعتبار إنها تتعلق
بنفس ماتعلّقت به الإرادة التكوينية ولا فرق بينهما من هذه الناحية.
وعلى الثاني يكون متعلق الأمر الطبيعة وذات الماهيّة على أساس أن الإرادةالتكوينيّة
على هذا القول تتعلّق بها، فإذن لا محالة تكون الإرادة التشريعيةمتعلقة بها.
والخلاصة، إنّ مسألتنا هذه ليست مسألة مستقلّة بل هي مربوطة بهذهالمسألة الفلسفيّة
وتدور مدارها، وعلى هذا فتظهر الثمرة في المقام بين القول بتعلّقالأمر بالفرد
والقول بتعلقه بالطبيعة في مسألة اجتماع الأمر والنهي، فإنه علىالقول بتعلق الأمر
في المسألة بالماهية الشخصيّة المتمثلة بالفرد وكذلك النهي،فلايمكن اجتماع الأمر
والنهي، لأن المجمع حينئذٍ يكون واحداً وجوداً وماهية فيمورد الاجتماع وإن كان
معنوناً بعنوانين متغايرين، إلاّ أنّ تغايرهما مفهوماًلايوجب تغاير المجمع وجوداً،
باعتبار إنّ مشخصات متعلق كل منهما نفسمشخصات متعلق الآخر، وهذا بخلاف ما إذا كان
متعلق كل منهما ذات الماهيةوالطبيعة فعندئذٍ لامانع من الاجتماع، لأن متعلق الأمر
حينئذٍ طبيعة ومتعلقالنهي طبيعة اُخرى وان تصادقا على واحد.
هذه النظرية تتضمّن عدة نقاط:
الاُولى: إنّ هذه المسألة مربوطة بالمسألة الفلسفية، وهي إن معروضالوجود والايجاد
في تلك المسألة إن كان الماهية الشخصيّة، كان متعلق الأمر فيهذه المسألة الفرد،
وإن كان ذات الماهية، كان متعلق الأمر فيها الطبيعة، بنكتة إنالارادة التشريعية
تتبع الارادة التكوينية، وحيث إنها على الأول تتعلق بإيجادالماهية الشخصية وعلى
الثاني بإيجاد ذات الماهية، فبطبيعة الحال تكون الارادةالتشريعية كذلك.
الثانية: إن متعلق الأمر إيجاد الماهية سواءً أكانت شخصيّة أم كليّة بتبع أنهمتعلق
الارادة التكوينيّة.
الثالثة: ظهور الثمرة بين القولين في مسألة اجتماع الأمر والنّهي.
ولنأخذ بالنظر في هذه النقاط:
أما النقطة الاُولى: فلأن مسألتنا هذه لاترتبط بتلك المسألة وهي المسألةالفلسفيّة.
أما أولاً، فلأن المسألة الفلسفيّة بهذه الصّيغة لاترجع إلى معنى معقول، إذكيف يعقل
أن تكون الماهيّة مشخّصة في نفسها وفي المرتبة السابقة وقبل إيجادها،بداهة إن تشخص
كل شيء إنما هو بالوجود والإيجاد حتى على القول بأصالةالماهية، فإن تشخصها إنما هو
بإفاضة نفسها من الجاعل لابنفسها وبقطع النظرعن الافاضة، لأنه بقطع النظر عنها فلا
ماهية حتى تكون مشخصة، فالسالبةتكون بانتفاء الموضوع.
وثانياً، إن مسألتنا في المقام لاترتبط بالمسألة الفلسفية المشار إليها، لأن
معنىتعلق الأمر بالفرد، ليس تعلقه بالماهية الشخصيّة في الخارج، لأن تعلقه
بهايستلزم طلب الحاصل، بل معناه تعلقة بمفهوم الفرد بالحمل الأولي الفاني فيالخارج
والمرآة له كما هو شأن كل مفهوم وله معروضان:
أحدهما: عرضي وهو وجوده في الخارج والآخر ذاتي وهو وجوده فيالذهن، والأمر متعلق
مباشرة بمفهومه الفاني في إيجاده في مرتبة متأخرة عنه ولامانع من ذلك، نعم لايمكن
تعلقه بمفهومه المشار به إلى الفرد المفروغ عنه وجودهفي الخارج لأنه من طلب
الحاصل، والفرق بين الصورتين واضح، هذا على القولبتعلق الأمر بالفرد في هذه
المسألة، وأما على القول بتعلقه بالطبيعة فيها، فمعناه إنهتعلق بالمفهوم الكلي
بالحمل الأولي الفاني في الخارج لا بالحمل الشايع، لأنه بهذاالحمل عبارة عن الصورة
الذهنيّة القائمة بالذهن والموجود فيه، ولاينطبق بهذاالحمل على ما في الخارج ولا
مانع من تعلق الأمر بالمفهوم الكلي بالحمل الأوليالفاني في الخارج مباشرة، ولا فرق
في ذلك بين القول في المسألة الفلسفيةالمتقدّمة بأن الوجود يعرض على الماهية
الشخصية أو على ذات الماهيّةوالطبيعة، لأن القول بتعلق الأمر بالطبيعة في هذه
المسألة ينسجم مع كلا القولينفي تلك المسألة وكذلك القول بتعلّقه بالفرد، وهذا
معنى إنه لاصلة ولا إرتباط بينالمسألتين أصلاً، فما ذكرهقدس سره من أن مسألتنا
هذه ليست مسألة مستقلة بل هيمرتبطة بتلك المسألة الفلسفية لايرجع إلى معنى صحيح.
وأما النقطة الثانية: فيرد عليها أولاً: إنّ ماهو متعلق للارادة التكوينية وهوإيجاد
الطبيعة في الخارج لايمكن أن يكون متعلقاً للارادة التشريعية وهي أمرالمولى، ضرورة
أن أخذ الإيجاد في متعلقها يستلزم طلب الحاصل، ودعوى إنهذا المحذور إنما يلزم إذا
كان المأخوذ الوجود دون الإيجاد.
مدفوعة، بأنه لافرق بين الإيجاد والوجود إلاّ بالاعتبار والإضافة، فإنه إذااُضيف
إلى الفاعل فهو إيجاد وإذا اُضيف إلى نفسه فهو وجود، فإذن أخذ الإيجادهو أخذ
الوجود، فلا فرق بينهما إلاّ في التعبير.
والخلاصة: إنه لايمكن أن يكون الأمر متعلقاً بإيجاد الطبيعة لاستلزامه طلبالحاصل،
باعتبار أن إيجادها في الخارج سوف يكون في مرتبة متأخرة عن مرتبةهذا الإيجاد
المأخوذ في متعلق الأمر، وهذا معنى إستلزام أخذه في متعلقه طلبالحاصل.
وثانياً: إنه لا شاهد على أنّ الإرادة التشريعية لابدّ أن تتعلق بما تعلّقت
بهالإرادة التكوينية لا وجداناً ولا برهاناً، فإذن تعلق الإرادة التكوينية
بإيجادالماهيّة الشخصية لايستلزم تعلق الإرادة التشريعية به، لأن المعتبر في
الإرادةالتشريعية للمولى أن يكون متعلقها مقدوراً للمكلف خارجاً حتى
لايلزمالتكليف بالمحال، وعلى هذا فلا مانع من التفكيك بين الإرادة التكوينيّة
والإرادةالتشريعية، بأن تتعلق الاُولى بإيجاد الطبيعة الشخصيّة والثانية بالطبيعة
الكليةعلى أساس إنها مقدورة. فالنتيجة، إنه لا دليل على أنّ الإرادة التشريعية
تتبعالإرادة التكوينيّة في المتعلق، فما ذكرهقدس سره من الملازمة بين الإرادتين
لا وجه له.
وأما النقطة الثالثة: فيظهر نقدها مما تقدّم، لأنها مبنيّة على أنّ الأمر في
هذهالمسألة تعلق بالماهيّة الشخصيّة، على القول بأنّ تشخصها إنما هو بنفسها
لابالوجود العارض عليها وبالماهية الكليّة، على القول بأن تشخصّها إنما هوبالوجود،
وجه الظهور ما عرفت من أنّ هذه المسألة لاترتبط بتلك المسألةنهائياً، ومن هنا
لايكون القول بامتناع إجتماع الأمر والنهي مبنياً على القولبتعلق الأمر بالفرد في
هذه المسألة والقول بالجواز مبنياً على القول بتعلّقهبالطبيعة فيها، بل هما مبنيان
على وحدة المجمع ذاتاً ووجوداً في مورد الاجتماعوتعدده كذلك على تفصيل يأتي في
محله إنشاء اللَّه تعالى.
النظرية الثالثة(17): إن النزاع في هذه المسألة عن أنّ متعلق الأمر الطبايع
أوالأفراد إنما هو لتعيين إنّ التخيير بين أفراد الواجبات الشرعية كالصلاة
ونحوهاعقلي أو شرعي، فإن كان الأمر متعلقاً بالطبيعة فالتخيير بينها عقلي، علىأساس
إنّ الأمر المتعلق بها واحد وهو لايسري منها إلى أفرادها، فإذن يكونالمكلف مخيّراً
في مقام الامتثال في تطبيقها على أي فرد منها شاء، إن كان متعلقاًبالأفراد فالتخيير
بينها شرعي، على أساس إنّ هناك أوامر متعدّدة بعدد الأفراد،ولكنها أوامر مشروطه
بمعنى إن الأمر المتعلق بكل فرد منها مشروط بعدمالاتيان بالفرد الآخر.
وللمناقشة في هذه النظرية مجال، وهي إنه لاشبهة في أنّ التخيير بين أفرادالواجبات
الشرعية عقلي على كلا القولين في المسألة، وذلك لأن الأمر المتعلقبتلك الواجبات
الموجه إلى كل فرد أمر واحد، وإنما الكلام في أن متعلقه الطبيعيأو الفرد، فعلى
الأول لا شبهة في أنّ التخيير بين أفراده عقلي، وأما على الثانيفلأن المراد من
تعلق الأمر بالفرد ليس تعلقه بالفرد الموجود في الخارج، لأنه منأوضح أنحاء طلب
الحاصل، ولا بمفهوم الفرد المشار به إلى الفرد المفروغ عنهوجوده فيه لنفس المحذور،
بل المراد منه تعلقه بمفهومه بما هو فانٍ في الخارج فيمرتبة متأخرة عنه لا بما هو
مشير إلى واقع خارجي مفروغ عنه وجوده وفرقبين الصورتين، فإذا كان متعلق الأمر
مفهوم الفرد فهو كلي، وإن كان معنوناًبعنوان الفرد كفرد الصلاة مثلاً، إلاّ أنّ هذا
التخصيص والتضييق لا يخرجه عنالكلية طالما لم يتحقق وجوده في الخارج، فإذن لا
محالة يكون التخيير بين أفرادهعقلياً، فالنتيجة، إنه لاأصل لهذه النظرية أيضاً.
فالصحيح في تفسير هذين القولين في المسألة أن يقال بما يلي:
أما القول بتعلق الأمر بالفرد فلايمكن أن يراد منه تعلقه بالفرد في الخارج
بتمامضمائمه ومشخصاته فيه من الكم والكيف والأين والوضع ومتى وهكذا، لأنالتشخّص
الحقيقي للفرد إنما هو بوجوده دون تلك الضمائم الخارجية التي هي فيطول تشخّصه
الحقيقي، نعم إنها تعد بنظر العرف من مشخصاته ومميزاته فيالخارج وإن كانت في
الواقع ضمائم ملازمة لوجوده فيه ومصاديق لماهياتاُخرى، وذلك لأن تعلّقه به كذلك
في الخارج من أوضح مصاديق طلب الحاصلوهو مستحيل، وكذلك لايمكن أن يراد منه تعلّقه
بالفرد بحده الفردي في الخارج،وكذا تعلّقه بمفهوم الفرد المشار به إلى الفرد
المفروغ عنه وجوده فيه بنفس المحذورهذا، إضافة إلى أنّ هذه الاحتمالات بنفسها غير
محتملة، ضرورة إنّه من غيرالمحتمل أن يكون الأمر المتعلق بالصلاة متعلقاً بفرد خاص
ومعيّن في الخارج وإلاّلزم التكليف بالفرد المجهول وهو كما ترى، كما لايمكن أن
يراد من تعلقه بالفردتعلقه بمفهومه الذهني بالحمل الشايع وهو المفهوم الموجود في
عالم الذهن، لأنهغير قابل للانطباق على ما في الخارج، والخلاصة إنه يستحيل إرادة
شيء منهذه الاحتمالات من تعلق الأمر بالفرد، بل المراد منه تعلقه بمفهوم الفرد
بما هووبالحمل الأولي الفاني في الخارج في مرتبة متأخرة منه، ومفهوم الفرد
بهذاالحمل عرض ومعروضه بالذات الصورة الذهنية القائمة بالذهن ومعروضهبالعرض الوجود
الخارجي وهذا المفهوم كلي، لأن المفهوم مهما قيد وخصصبمخصصات فهو كلي، غاية الأمر
إن دائرته سعةً وضيقاً تختلف من مفهوم إلىمفهوم آخر، وعلى هذا فالقول بتعلق الأمر
بالفرد يرجع في الحقيقة إلى القولبتعلقه بالكلي، والاختلاف حينئذٍ بين القولين
إنما يكون باللفظ وصياغة المسألةفقط لا في الواقع والمعنى، هذا كله بحسب مقام
الثبوت والتصور، وأما في مقامالاثبات فلا شبهة في عدم تعلق الأمر بمفهوم الفرد
فيه، لأن مادة الواجباتالشرعية كلها معنونة بعنوان خاص ومسماة باسم مخصوص كالصلاة
والصياموالحج وما شاكل ذلك، فالأمر المتعلق بها تعلق بعناوينها الخاصة
وأسمائهاالمخصوصة لا بأفرادها، مثلاً الأمر المتعلق بالصلاة تعلق بها بعنوانها
الخاصواسمها المخصوص لا بفردها، والمفروض ان هذا الإسم إسم للمادة التي هيموضوعة
للماهية بما هي لا للأعم منها ومن الفرد، فلهذا يكون المتعين في مقامالاثبات هو
تعلق الأمر بالطبيعي باسمه الخاص.
وأما معنى القول بتعلق الأمر بالطبيعة فهو تعلقه بالمفهوم الذهني الكليبالحمل
الأولي لا بما هو موجود في الذهن بالحمل الشايع ولا بما هو مرآة لما هوموجود في
الخارج، أما الأول فلأنه حاصل في الذهن وغير واف بغرض المولىلمكان عدم انطباقه على
ما في الخارج.
وأما الثاني، فهو طلب الحاصل بل بما هو مفهوم أولي فانٍ في الخارج كما هوشأن كل
مفهوم أولي يدخل في الذهن، وتعلق الأمر به بعنوان خاص واسممخصوص إنما هو للدلالة
على أن المطلوب هو تطبيقه على ما في الخارج بإيجادهفيه، فيكون متعلق الطلب الطبيعة
بما هي كمادة الصلاة ونحوها، فإنها موضوعةللماهية بما هي، ودعوى إن الماهية بما هي
هي ليست إلاّ هي لا مطلوبة ولا غيرمطلوبة، فإذن كيف يمكن أن تكون ماهية الصلاة بما
هي مطلوبة.
مدفوعة، بأن الماهية في مرتبة ذاتها وذاتياتها ليست إلاّ هي، وأما اتصافهابعوارضها
فهو ليس في مرتبة ذاتها وذاتياتها بل في مرتبة متأخرة عنها، وعلىهذا فإذا تعلق بها
الطلب تتصف بالمطلوبية والمحبوبية في هذه المرتبة لا في مرتبةذاتها وذاتياتها.
فالنتيجة، إن الطلب لا يتعلق بالوجود الخارجي لا بالذات ولابالواسطة، وإنما تعلق
بما يكون الوجود الخارجي مصداقاً له.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره(18) بأن متعلق الطلب
إيجادالطبيعة لا وجودها لكي يلزم طلب الحاصل، لايمكن المساعدة عليه، إذ لا فرقبين
الإيجاد والوجود، فإنهما شيء واحد والاختلاف بينهما إنما هو بالاعتباروالإضافة وهو
لا يغير الواقع، فإذن محذور ذلك طلب الحاصل وهو لازم،ضرورة إن الطلب لو كان متعلقاً
بإيجاد الطبيعة فإنه سوف يكون متأخراً عنمرتبة هذا الإيجاد المأخوذ في متعلقه،
ولكن يمكن دفع هذا الاشكال بأن المأخوذفي متعلقه إنما هو مفهوم الإيجاد بعنوان
المعرّف والمشير إلى واقعه الخارجي لاواقعه حتى يلزم محذور طلب الحاصل.
قد يقال كما قيل(19): إن المراد من تعلق الأمر بالأفراد هو سرايته من الطبيعيإليها
إما بحسب الجعل أو بحسب التطبيق، ولكن ذلك بحسب التحليل لايرجعإلى معنى معقول، فإن
السراية إن كانت بلحاظ مرحلة الجعل، فمعناه إنّ هناكأوامر متعدّدة بعدد الأفراد في
الخارج في مقام الثبوت ومجعولة لها بواسطةالطبيعي المنطبق عليها، وهذا يعني إن
المولى أخذ عنوان الطبيعي بعنوان المعرفوالمشير إلى أفراده بدون أن تكون له
موضوعية، ثم إنّ هذه الأوامر المتعددةلايمكن أن تكون أوامر مطلقة وإلاّ لزم التكليف
بغير المقدور، بل لابد أن تكونأوامر مشروطه، ومن الواضح إنّ كل ذلك مجرد فرض لا
واقع موضوعي له.
وأما السراية في مرحلة التطبيق فلا ترجع إلى معنى محصل، لأن الحكمالمجعول من الأول
إن كان متعدداً بعدد أفراد الطبيعة، كانت السراية إليها منمرحلة الجعل، وإن كان
واحداً فهو غير قابل للسراية أصلاً.
والخلاصة: إن القول بسراية الحكم من الطبيعة إلى نفس أفرادها بقطع النظرعن ضمائمها
الخارجية ومشخصاتها العرفية، لايرجع إلى معنى معقول فضلاً عنسرايته إليها مع
ضمائمها ومشخصاتها.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: إن ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره من أن مسألة كون متعلق
الأوامرالطبايع أو الأفراد مبنية على إحدى مسألتين فلسفيّتين:
الاُولى: مسألة إمكان وجود الطبيعي في الخارج وعدم امكانه.
فعلى الأول متعلق الأوامر الطبايع وعلى الثاني الأفراد.
الثانية: مسألة أصالة الوجود أو الماهية، فعلى الأول متعلق الأوامر الأفرادوعلى
الثاني الطبايع والماهيات لايتم، وقد تقدم إنها لاتبتني على أي من هاتينالمسألتين
بل هي مسألة مستقلة.
الثانية: إن ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن هذه المسألة مربوطة
بالمسألةالفلسفية وهي أن معروض الوجود والإيجاد هل هو الماهية الشخصية بقطعالنظر
عن عروض الوجود عليها أو ذات الماهية والطبيعة ويكون تشخصّهابنفس الوجود، فعلى
الأول متعلق الأوامر الطبايع وعلى الثاني الأفراد، لايتموإن مسألتنا هذه غير
مرتبطة بها.
الثالثة: إن متعلقالأوامر إن كان الطبايع فالتخيير بينأفرادها يكون عقلياً، وإن
كان الأفراد فالتخيير بينها يكون شرعياً، ولكن قدتقدم بطلان هذه النظرية.
الرابعة: إن القول بتعلق الأمر بالفرد لايرجع إلى معنى معقول، إذ لا يمكن أنيراد
منه تعلقه بالفرد الخارجي لاستحالة طلب الحاصل، ولا بمفهومه المشار بهإلى الفرد
المفروغ عنه في الخارج لنفس المحذور، فإذن لابد من الالتزام بأنمتعلقه مفهوم الفرد
بما هو وهو كلي وليس تعلقه به من تعلق الأمر بالفرد فيمقابل تعلقه بالكليّ.
الخامسة: إن متعلق الأمر الطبيعة بما هي لا بما هي مرآة إلى الفرد المفروغ عنهفي
الخارج وإلاّ لزم تحصيل الحاصل، فالوجود غير مأخوذ في متعلقه، وما ذكرهصاحب
الكفايةقدس سره من أن الإيجاد مأخوذ في متعلق الطلب غير تام كما تقدّم.
السادسة: الصحيح في مرحلة الاثبات هو أن متعلق الأوامرالطبايع دونالأفراد.
النّسخ ...
النّسخ
ينبغي تقديم عدة نقاط:
الاُولى: إن النسخ في مقام الثبوت عبارة عن انتهاء الحكم المجعول فيالشريعة
المقدسة بانتهاء عمره وأمده، فإن المولى الحكيم العالم بالواقع بملاكاتالأحكام
الشرعية وحدودها سعةً وضيقاً، فبطبيعة الحال يختلف الحكم المجعولمن قبله باختلاف
تلك الملاكات التي هي روح الأحكام وحقيقتها، لأن إتصافالفعل بالملاك في مرحلة
المبادي إن كان في الواقع إلى يوم القيامة، كان الحكمالمجعول له أيضاً كذلك، وإن
كان في فترة زمنية معيّنة، كان الحكم المجعول له أيضاًفي تلك الفترة، وإذا انتهت
الفترة انتهى الحكم بانتفاء أمده، وهذا هو معنى النسخثبوتاً وواقعاً.
الثانية: إن الحكم الشرعي مجعول في أفق الاعتبار والذهن بتمام حصصهوأفراده الطولية
والعرضية إلى يوم القيامة في آن واحد وزمن فارد، على أساسإنّ الجعل آني التحقق
والحصول ولا يعقل فيه التدريح والاستمرار حتى يعقل لهالوجود الثاني والثالث وهكذا،
مثلاً جعل المولى وجوب الحج على المستطيعبقوله: »وَللَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ
الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ سَبِيْلاً«(20)، بنحو القضيةالحقيقيّة أي
للموضوع المقدّر وجوده في الخارج في آن واحد بجميع حصصهوأفراده العرضيّة والطولية
إلى يوم القيامة، ولهذا لا يتصوّر في هذه المرحلةحدوث وبقاء، لأن جميع حصص الجعل
وأفراده توجد في آن واحد بلا تقدموتأخّر حتى رتبة، والحدوث والبقاء إنّما يكونان
في الشيء الذي كان يوجدتدريجاً إمّا بنفسه أو بواسطة وجود موضوعه في الخارج كما
يتّفق ذلك في مواردفعلية الحكم بفعلية موضوعه، فإن المكلف قد يشك في بقاء الحكم بعد
اليقينبحدوثه في الخارج بحدوث موضوعه فيه، كما إذا شك في بقاء نجاسة الماء
المتغيّربأحد أوصاف النجس بعد زوال تغيّره بنفسه وهكذا، وأما في مرحلة الجعل
فلايتصور فيها حدوث وبقاء، لأنهما إنما يتصوران في الأشياء التي توجد تدريجاً،لأن
الوجود الأول منها حدوث والوجود الثاني والثالث وهكذا بقاء، والجعلبتمام حصصه
وأفراده إلى يوم القيامة يوجد في آن واحد وليس له وجود ثان فيالآن الثاني حتى يكون
بقاء له هذا.
وحيث قد عرفت إنّ جعل الحكم في الشريعة المقدسة قد يكون محدوداً بفترةزمنية خاصة في
الواقع وقد يكون غير محدود بها كذلك وثابتاً إلى يوم القيامة،فيكون هذا منشأً للشك
في سعته وضيقه في مرحلة الاثبات في بعض الموارد،وعندئذٍ فهل يمكن التمسك باستصحاب
بقاء الجعل أو إنّه معارض باستصحابعدم الجعل الزائد، فيه كلام يأتي في محلّه إنشاء
اللَّه تعالى.
الثالثة: إن انتفاء الحكم المجعول في الشريعة المقدسة تارةً يكون في مرحلةالجعل
واُخرى في مرحلة المجعول وهي مرحلة فعلية الحكم بفعلية موضوعه،أماانتفاء الحكم في
المرحلة الأولى لايمكن إلا بالنسخ، باعتبار إنه لا يتصورالشك في الحكم في هذه
المرحلة إلا من ناحية الشك في بقاء الجعل، حيث إنه لاوجود له إلاّ الوجود الجعلي،
وهذا يعني إنّ وجوده نفس وجود الجعل، لأنالمجعول في هذه المرحلة عين الجعل فلا فرق
بينهما إلاّ بالاعتبار والإضافة، فإناُضيف إلى الجاعل فهو جعل وإن اُضيف إلى نفسه
فهو مجعول كالإيجاد والوجودفي الاُمور التكوينية، وأما انتفاء الحكم في المرحلة
الثانية فهو إنما يكون بانتفاءموضوعه في الخارج، فطالما يكون موضوعه باقياً فيه فهو
باق وإذا انتفى انتفىبانتفائه.
الرابعة: إنّ النسخ يختلف عن التخصيص والتقييد، فإن الدليل الناسخيكشف عن انتهاء
الحكم المنسوخ بانتهاء أمده وعمره، باعتبار إنه محدود بفترةزمنية معيّنة ثبوتاً
وبانتهائها ينتهي واقعاً، والدليل الناسخ في مقام الإثباتكاشف عن ذلك ويدل على رفع
هذا الحكم في الشريعة المقدسة بلا نظر إلىوجود موضوعه في الخارج، باعتبار إنّ ظرف
الرفع فيه نفس الشريعة والمرفوعهو الحكم المجعول فيها للموضوع المقدر وجوده في
الخارج.
والخلاصة: إنّ النسخ في مقام الثبوت انتهاء الحكم المجعول بانتهاء أمده وفيمقام
الاثبات رفع الحكم في مرحلة الجعل، ومعنى ذلك إنّ المرفوع هو الحكمالذي لاوجود له
إلا بوجود الجعل في مقابل ارتفاع الحكم بارتفاع موضوعه فيالخارج، وأما الدليل
المخصص فهو يكشف عن أنّ موضوع الحكم حصة خاصةمن العام في الواقع ومقام الثبوت وإنّ
الحكم من الأول مجعول لها في الشريعةالمقدسة لا للأعم منها ومن غيرها، وفي مقام
الاثبات يدل على تخصيص الحكمبها، وبكلمة إن الدليل الناسخ يختلف عن الدليل المخصّص
ثبوتاً واثباتاً، أماثبوتاً فلأن الدليل الناسخ يكشف عن انتهاء الحكم بانتهاء أمده
في تمام مراحلهأي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الجعل والاعتبار، بينما الدليل
المخصص يكشفعن أنّ الحكم المجعول في الشريعة المقدسة من الأول هو الحكم الخاص لا
العام.
وأما إثباتاً، فلأن مفاد الدليل الناسخ رفع الحكم المجعول في الشريعة المقدّسةعن
الموضوع المقدّر وجوده في الخارج وهو الحكم الذي لا وجود له إلا الوجودالجعلي
للموضوع المذكور، بينما يكون مفاد الدليل المخصص تخصيص الحكمبتخصيص موضوعه فيه،
نعم قد يكون لسان الدليل الناسخ تخصيص موضوعالدليل المنسوخ شكلاً وصورةً لا
واقعاً، كما إذا فرضنا إنّ هناك مصلحة ملزمةتقتضي وجوب إكرام كل عالم وإن كان
فاسقاً، ولكن هذه المصلحة محدودة بفترةزمنية معينة، بمعنى إنّ مصلحة وجوب إكرام
العالم الفاسق محدودة بتلك الفترةالمعينة، وأما مصلحة وجوب اكرام العالم العادل فهي
غير محدودة بها، وعلى هذاففي مقام الاثبات إذا ورد في الدليل لاتكرم العالم الفاسق،
فإنه وإن كان لسانهلسان التخصيص شكلاً وصورة، إلا أنه في الواقع ناسخ ورافع لوجوب
إكرامالعالم الفاسق إثباتاً وكاشف عن انتهائه بانتهاء أمده وعمره.
وبعد ذلك نقول إن الكلام يقع في مقامين:
الأول: في إمكان إثبات الجواز بالمعنى الأعم بالدليل الناسخ أو المنسوخ.
الثاني: في إثبات ذلك بالأصل العملي.
أما الكلام في المقام الأول، فيقع فيما إذا ورد في دليل أمر من المولى بشيءبنحو
القضية الحقيقية ولكنه كان في الواقع ومقام الثبوت محدوداً بفترة زمنيةمعينة، ثم
ورد في دليل آخر ما يدل على ارتفاع ذلك الأمر، وحينئذٍ فإن كانمعنى الأمر وضعاً هو
الوجوب كما قويناه في محله، فالدليل الآخر الذي هومتمثل في الدليل الناسخ يدل
وقتئذٍ على رفع مدلول الدليل المنسوخ وهوالوجوب، وحينئذٍ فهل يمكن اثبات الجواز بعد
رفع الوجوب أو لا؟
والجواب: إنّه لايمكن، لأن الدليل الناسخ يدل على رفع الوجوب الذي هومدلول الدليل
المنسوخ وساكت عن بقاء الجواز، ودعوى إن الدليل المنسوخيدل على ذلك، على أساس أنه
يدل بالمطابقة على الوجوب وبالالتزام على نفيالحرمة، وأما الدليل الناسخ فهو إنما
يرفع المدلول المطابقي للدليل المنسوخ وهوالوجوب، وأما مدلوله الالتزامي وهو نفي
الحرمة فيبقى على حاله، فإذن الساقطعن الحجية إنما هو مدلوله المطابقي دون مدلوله
الالتزامي وهو نفي الحرمة وبذلكيثبت الجواز بالمعنى الأخص، مدفوعة بأنه مبنية على
أن لاتكون الدلالةالالتزامية تابعة للدلالة المطابقية في الحجيّة وإنما هي تابعة
لها في الحدوث فقط،وعليه فإذا سقطت الدلالة المطابقية عن الحجية لم تسقط الدلالة
الالتزامية عنها،ولكن هذا المبنى غير صحيح، لما حققناه في محله من أنّ الدلالة
الالتزامية تتبعالدلالة المطابقية في الحجية أيضاً، بمعنى إنها تتبعها في تمام
مراحلها أي من مرحلةالتصورإلى مرحلةالتصديق والحجيةهذا، إضافةإلى أنّالدلالة
الإلتزامية للدليلالمنسوخ لا تنحصر بالدلالة على نفيالحرمة فقط، بلله أربع
دلالاتالتزامية.
منها: نفي الحرمة كما عرفت، ومنها: نفي الكراهة، ومنها: نفيالاستحباب. ومنها: نفي
الاباحة بالمعنى الأخص، فإن الدليل إذا دل علىوجوب شيء فبطبيعة الحال كان يدل
بالالتزام على نفي حرمته وكراهتهواستحبابه وإباحته جميعاً، وعلى هذا فإذا سقطت
دلالته المطابقية من جهة ورودالدليل الناسخ عليه، تقع المعارضة بين الدلالات
الالتزامية للعلم الاجماليبكذب إحداها للواقع دون البقية، فإذن لايمكن صدقها
جميعاً، لأنه بعد ارتفاعالوجوب عنه إن كان مباحاً في الواقع فدلالته الالتزامية
على نفي الاباحة كاذبةدون سائر الدلالات الالتزامية، وإن كان حراماً في الواقع
فدلالته الالتزامية علىنفي الحرمة مخالفة للواقع دون غيرها وهكذا، وعليه فلايمكن
شمول دليل الحجيةللجميع ولا للبعض، أما الأول فلأن العلم الاجمالي بكذب بعضها يمنع
عن شمولهللجميع، وأما الثاني فللزوم الترجيح بلا مرجح فلهذا تسقط بالمعارضة.
والخلاصة: إنا لو سلمنا أنّ الدلالة الالتزامية لاتكون تابعة للدلالة المطابقيةفي
الحجيّة، إلاّ أنه مع ذلك لايمكن الأخذ بها في المقام لأنها تسقط من جهةالمعارضة،
ويمكن تقريب بقاء الجواز بالمعنى الأعمّ بعد النسخ بما هو المشهور منأنّ الوجوب
مركب من طلب الفعل والمنع من الترك، والدليل الناسخ إنما يرفعالمنع منالترك
وأماأصلالطلب فهوباقٍبحاله، وحيث إنّالدليلالمنسوخ يدل علىالمجموع بالمطابقة
وعلى أصلالطلببالتضمن، فيكونالساقطبالدليل الناسخ هوالدلالة المطابقية دون
الدلالة التضمنيّة وبها يثبت الجواز بالمعنى الأعم.
والجواب: أولاً، إنّ الوجوب أمر اعتباري بسيط فلايكون مركباً من طلبالفعل مع المنع
من الترك، ضرورة إنّ المنع من الترك من لوازم الوجوب وخارجعن حقيقته، وعليه
فلايكون هذا التفسير تفسيراً للوجوب بما هو اعتبار بل هوبيان لما هو لازم له عقلاً،
أو فقل إنّ النهي عن الضدّ العام الذي هو لازم عقليللوجوب مأخوذ في هذا التعريف،
فلهذا لايكون هذا التعريف تعريفاً له هذا.
وقد علق عليه بعض المحققينقدس سره(21) بتقريب، إنّ المشهور لايقولون بأنالوجوب
بالحمل الشايع مركب من جنس وهو طلب الفعل وفصل وهو المنع منالترك في عالم الاعتبار
والذهن حتى يقال بأن الاعتبار من البسائط بل يقولونبأن الوجوب عبارة عن مجموع
الاعتبارين من طلب الفعل والمنع من التركالمندكين في اعتبار واحد كالجنس والفصل
المندكين في نوع واحد، وعلى هذافغاية ما يدل عليه الدليل الناسخ هو إرتفاع المنع من
الترك، وحينئذٍ فيمكنإثبات أصل الجواز بالدليل المنسوخ هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التعليق أولاً، بأنه لايمكن القول بأن الوجوب عبارةعن مجموع
الاعتبارين المندكين في اعتبار واحد، أما أولاً فلأن لازم ذلك إن كلواجب يكون تركه
محرماً شرعاً على أساس إن وجوبه عبارة عن الاعتبارينهما طلب الفعل والمنع من
الترك، والأول متمثل في الوجوب المتعلق بنفسالفعل، والثاني متمثل في الحرمة
المتعلقة بتركه، وهذا خلاف الضرورة الفقهيّة.
وثانياً: إنّ الوجوب عبارة عن إعتبار واحد من المولى مباشرة في عالم
الجعلوالاعتبار ثبوتاً واثباتاً، لا إنه عبارة عن إعتبارين منه كذلك في هذا العالم
لأنهخلاف الضرورة والوجدان.
وثالثاً: لو فرضنا إنّ الوجوب عبارة عن اعتبارين من قبل المولى إلاّ أنهلايعقل
إندكاك أحدهما في الآخر وصيرورتهما اعتباراً واحداً، بداهة إنّ الاعتبارفعل للمعتبر
مباشرة فلايعقل فيه الاندكاك بالتأثير والتأثر والفعل والانفعالوإلاّ لزم خلف فرض
كونه فعلاً له مباشرة هذا، إضافة إلى أن التأثير والتأثر والفعل والانفعال إنما
يتصوّران في الاُمور الواقعية والموجودات التكوينيةالخارجية ولايتصوران في الاُمور
الاعتبارية التي ليس لها واقع موضوعي ماعداوجودهاالاعتباري فياُفقالاعتباروالذهن
وإلاّلزمخلف فرضكونها اعتبارية.
ورابعاً: لو سلمنا إنّ الوجوب مركب من أمرين اعتباريين طلب الفعل والمنعمن الترك،
إلاّ أنه لايمكن الالتزام بأن القدر المتيقّن من الدليل الناسخ هو رفعالمنع من
الترك لارفع كلا الأمرين معاً لاثبوتاً ولا اثباتاً، فلأن طلب الفعل حيثإنه مندك
في ضمن المنع من الترك ومرتبط به كارتباط الجنس بالفصل واقعاً،فلايعقل بقائه بعد
ارتفاع المنع من الترك، ولوكان هناك طلب فهو طلب جديدبسبب جديد، وأما الطلب في ضمن
المنع من الترك فهو يرتفع بارتفاعه ولايمكنبقائه وإلاّ لزم خلف فرض كونه مندكاً
فيه، وأما إثباتاً فلأن ذلك مبني على عدمسقوط الدلالة التضمنية بسقوط الدلالة
المطابقية، باعتبار إنّ الدليل المنسوخيدل على مجموع الأمرين بالمطابقة وعلى طلب
الفعل بالتضمّن، ولكن المبنى غيرصحيح، لأن الدلالة التضمنية تتبع الدلالة المطابقية
ولا يعقل بقائها بعد سقوطالدلالة المطابقية، على أساس إنّ دلالة الدليل على الجزء
إنما هي بدلالته علىالكل لا بالاستقلال، فمع سقوط دلالته على الكل لايمكن بقاء
دلالته على الجزءوإلاّ لزم خلف فرض كونها تضمنية، وأما ما عن المشهور من تفريع هذه
المسألةعلى مسألة الجنس والفصل فهو في غير محله، لأن الوجوب وإن قلنا بأنه مركبمن
طلب الفعل والمنع من الترك، إلاّ أن طلب الفعل ليس بمثابة الجنس حقيقة،والمنع من
الترك بمثابة الفصل كذلك بل هما أمران اعتباريان، فإذا كانا كذلك فلامانع من
التفكيك بينهما ثبوتاً واثباتاً، بينما يكون الجنس والفصل من الأجزاءالتحليلية
العقلية الواقعيّة ولا يعقل التفكيك بينهما باعتبار أن الفصل مقوم لهذاتاً وحقيقة،
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنه بناء على المختار من أنالأمر مادة وهيئة
موضوع للدلالة على الوجوب، فلايمكن إثبات الجواز لابالمعنى الأعمّ ولا بالمعنى
الأخص لا بالدليل الناسخ ولا بالدليل المنسوخ.
بقي هنا قولان آخران في تفسير معنى الأمر:
القول الأول: إنّ معنى الأمر وضعاً هو الطلب والوجوب مستفاد من قرينةالحكمة.
القول الثاني: إنّ معنى الأمر الطلب، ولكن المولى إذا كان في مقام البيان ولمينصب
قرينة على الترخيص فالعقل يحكم بالوجوب، فإذن الوجوب مدلولالاطلاق ومقدمات الحكمة
على القول الأول ومدلول للعقل على القول الثاني،وعلى هذا فالدليل المنسوخ على القول
الأول يدل بالوضع على طلب الفعلوبالاطلاق على الوجوب، وحينئذٍ فهل الدليل الناسخ
يدل على رفع الطلب فقطالذي هو مدلول الدليل المنسوخ وضعاً أو يدل على رفع الوجوب
الذي هومدلول دليله اطلاقاً، فيه وجهان: فقد يقال كما قيل بالوجه الأول وإن
المرفوعبالدليل الناسخ هو مدلول الدليل المنسوخ، والمفروض إن مدلوله الطلب
دونالوجوب، ولكن الصحيح الثاني، لأن مدلول الدليل المنسوخ وضعاً وإن كان هوالطلب
إلاّ أنه الطلب بمفهومه التصوري دون التصديقي، ومن الواضح إنّ المرفوعبالدليل
الناسخ إنما يكون مدلوله التصديقي الجدي دون التصوري فقط،والمدلول التصديقي له إنما
يتحقق بالاطلاق وقرينة الحكمة المتمثل في الوجوب،وحيث إن مدلوله التصوري مندك فيه،
فلا محالة يكون هو المرفوع بالدليلالناسخ، وعلى هذا فلا فرق بين أن يكون الوجوب
مدلولاً للدليل المنسوخوضعاً أو مدلولاً لدليله إطلاقاً، وعلى كلا التقديرين
فالمرفوع بالدليل الناسخهو الوجوب، فإذن لا فرق بين القول بأنّ الوجوب مدلول وضعي
للدليلالمنسوخ، والقول بأنه مدلول اطلاقي له من هذه الناحية.
وأما على القول الثاني، فالمرفوع بالدليل الناسخ هو طلب الفعل مباشرة،لأنه مجعول في
الشريعة المقدسة دون الوجوب، فإنه منتزع بحكم العقل من طلبالفعل وعدم قرينة على
الترخيص في الترك، نعم يرتفع الوجوب بارتفاع منشأانتزاعه، وعلى هذا فما عن المشهور
من أنّ الدلالة التضمنية للدليل المنسوخمبنية على إمكان بقاء الجنس ولو في ضمن نوع
آخر لو تم فإنما يتم في القولينالأولين لا في القول الثالث، لأن المرفوع فيه
مباشرة الجنس وهو طلب الفعل،وعليه فالجواز بالمعنى الأعمّ مرفوع برفع الطلب فلايعقل
بقائه، وأما الجوازبالمعنى الأخص فلايمكن إثباته لأنه ليس جنساً للوجوب على فرض
كونهمركباً من طلب الفعل والمنع من الترك.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي إنه لايمكن اثبات الجوازبالمعنى
الأعمّ ولا بالمعنى الأخص بالدليل الناسخ ولا بالدليل المنسوخ على جميعالمباني في
تفسير مدلول الأمر.
وأما الكلام في المقام الثاني، فهل يمكن التمسك باستصحاب بقاء الجواز بعدارتفاع
الوجوب بالدليل الناسخ، فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الثاني واستدل على ذلك بأمرين(22):
الأول: إنّ الجواز بالمعنى الأعم المتيقن ثبوته وهو الجواز في ضمن الوجوبقد ارتفع
جزماً، والجواز المحتمل بقائه فرد جديد في ضمن نوع آخركالاستحباب أو الكراهة أو
الاباحة بالمعنى الأخصّ، فإذن ما هو متيقن قدارتفع يقيناً وما هو مشكوك فعلاً لم
يكن متيقناً سابقاً، فلاتكون أركانالاستصحاب تامة ويكون من الاستصحاب في القسم
الثالث من أقساماستصحاب الكلي.
الثاني: إنّ هذا من الاستصحاب في الشبهة الحكمية والاستصحاب فيهالايجري من جهة
المعارضة، وقد ناقش بعض المحققينقدس سره(23) في كلا الأمرين:
أما في الأمر الأول، فبتقريب إنه لا مانع من استصحاب الجواز بالمعنى الأعمبمعنى
عدم الحرمة بعد ارتفاع الوجوب بالدليل الناسخ، لأن شخص عدم حرمةالفعل كان معلوماً
سابقاً ويشك في بقائه بعد ارتفاع الوجوب فيستصحب بقائه،وأما إنه سابقاً كان مقترناً
مع الوجوب لايوجب تغييره وتبديله بفرد آخر حتىيمنع عن جربان الاستصحاب بل هو شخص
ذلك العدم الأول، إذ الاعداملاتتعدد باختلاف مقارناتها، وأثر هذا الاستصحاب
التأمين من العقاب وهو إنمايترتب على الجواز بمعنى عدم الحرمة لا بمعنى عدم الكراهة
أو عدم الاستحباب.
ويمكن المناقشة فيه بأن عدم الحرمة في ضمن الوجوب عدم خاص متقومبالوجوب فلا يعقل
بقائه بعد ارتفاع الوجوب، ومن هنا جعل المشهور الجوازبالمعنى الأعمّ بمثابة الجنس،
ولايعقل بقاء الجنس المتقوم بالفصل بعد ارتفاعالفصل، والمشكوك حينئذٍ إنما هو وجود
حصة اُخرى في ضمن فصل آخر،والمقام من هذا القبيل، فإن شخص عدم الحرمة الذي كان في
ضمن الوجوبومتقوماً به لايعقل بقائه بعد ارتفاع الوجوب، والشك وقتئذٍ إنما هو في
حدوثفرد آخر من طبيعي عدم الحرمة في ضمن الاستحباب أو الكراهة، فما هو متيقنقد
ارتفع يقيناً وما هو مشكوك لم يكن متيقناً، وبكلمة إنّ المتيقن ليس طبيعيعدم
الحرمة بل حصة خاصة منه وهي الحصة المتقوّمة بالوجوب وتلك الحصةتنتفي بانتفاء
الوجوب، والشك إنما هو في وجود حصة اُخرى المتقومة بغيره منالأحكام، وما ذكرهقدس
سره من أنّ الاعدام لاتتعدد باختلاف مقارنتها تام في العدمالمطلق لا في العدم
الخاص الذي هو مميّز بخصوصيته الوجودية عن العدمالخاص الآخر لمكان تقوّمه بالوجود
لا إنه مجرد مقارن له.
إلى هنا قد تبيّن إنّ الصحيح عدم جريان استصحاب بقاء الجواز بالمعنى الأعمبعد
ارتفاع الوجوب بالدليل الناسخ، دعوى إنّه لا مانع من جريان هذاالاستصحاب في نفسه،
ولكنه يسقط من جهة المعارضة لأنه معارضباستصحاب عدم الكراهة أو الاستحباب أو
الاباحة بالمعنى الأخصّ للعلماجمالاً بأن أحد هذه الاعدام قد تبدل بالوجود،
مدفوعة، بأن الاستصحاباتالمذكورة لاتجري في نفسها، لأنه إن اُريد بها إثبات
الحرمة، ففيه إنها لا تثبت إلاعلى القول بالأصل المثبت، وإن اُريد بها اثبات الأثر
المنجز مباشرة، ففيه إنهلايترتب على المستصحب منها أثر منجز كذلك.
فالنتيجة، إنّ هذه الدعوى لا أساس لها، فالصحيح إنّ هذا الاستصحاب فينفسه لايجري
لامن جهة المعارضة، هذا كله في استصحاب الجواز بالمعنى الأعم،وأما استصحاب أصل
الطلب بعد ارتفاع الوجوب، فإن اُريد به الطلب الانشائيالاعتباري، فعلى القول بأن
مفاد الأمر الطلب الوجوبي، فحيث إن وجود أصلالطلب كان في ضمن وجوده تحليلاً
فلايجري فيه الاستصحاب، لأن ما هو متيقنمن الطلب في ضمن الوجوب قد ارتفع بارتفاع
الوجوب وما هو مشكوك لم يكنمتيقناً، فلهذا يكون من الاستصحاب في القسم الثالث من
أقسام استصحابالكلي، وأما على القول بأن الوجوب يكون بحكم العقل والمجعول من قبل
المولىإنما هو طلب الفعل الذي هو منشأ انتزاعه عقلاً إذا لم تكن هناك قرينة
علىالترخيص في الترك فلا مجال لجريان استصحاب الطلب، لأنه مرفوع بالدليلالناسخ
مباشرة والوجوب أمر انتزاعي بحكم العقل، وارتفاع الأمر الانتزاعيإنما هو بارتفاع
منشأ انتزاعه وإن اُريد به الارادة والحب في مرتبة المبادي، فهليجري استصحاب بقاء
الارادة ولو بمرتبتها الضعيفة بعد ارتفاع مرتبتها الشديدةبارتفاع الوجوب، قد يقال
بالجريان، بدعوى إنّ العرف لا يرى التباين بينالإرادة اللزومية والارادة غير
اللزومية في مرحلة المبادي، وإنما يرى التباين بينالوجوب والاستحباب والحرمة
والكراهة، فإذن لا مانع من استصحاب بقاءالارادة في الجملة بعد اليقين بها.
والجواب: أولاً، إنّ العرف كما يرى التباين بين الوجوب والاستحباب يرىالتباين بين
الارادة اللزومية والارادة غير اللزومية أيضاً. فإنهما بنظره مرتبتانمتباينتان من
الارادة في مرحلة المبادي.
وثانياً، مع الاغماض عن ذلك إلاّ إنّ إرادة الوجوب لايعقل بقائها بعد ارتفاعنفس
الوجوب وترتفع بارتفاعه هذا، إضافة إلى أن المرفوع بالدليل الناسخ هوالوجوب بتمام
مراحله أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الاعتبار الذي هوحقيقة الوجوب وروحه، وأما
وجود إرادة اُخرى فلا علم بها من الأول، وأماالمرتبة الضعيفة منها فهي مندكة في
المرتبة القوية وترتفع بارتفاعها.
فالنتيجة، إنّ هذا الاستصحاب لايجري لافي مرحلة الاعتبار ولافي مرحلةالمبادي.
وأما في الأمر الثاني فقد أورد عليه بإشكالين(24):
الأول: إنه لامانع من جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميّة ولايكونمعارضاً
باستصحاب عدم جعل الزائد هذا، وتحقيق هذه المسألة يأتي في محلهاإن شاء اللَّه
تعالى.
الواجب التخييري ...
الثاني: إنا لو بنينا على عدم جريان الاستصحاب في الشبهات الحكمية، إلاّإنه لايمكن
تطبيقه في المقام على مبناهقدس سره، فإنه قد بنى على المعارضة بينالاستصحابين في
الشبهات الحكمية إذا كان الحكم المشكوك بقائه الزامياً، وأماإذا كان ترخيصياً فلا
معارضة بينهما ولا مانع من جريانه، وحيث إنّ الحكمالمشكوك في المقام ترخيصياً فلا
مانع من جريانه.
الواجب التخييري
فيه أقوال ونظريات:
النظرية الاُولى: إنّ الواجب في المسألة هو ما اختاره المكلف في ظرفالامتثال من
البدائل، فإذا اختار منها الصوم كان هو الواجب عليه تعييناً دونغيره، وإذا اختار
الاطعام فكذلك وهكذا، ونسب هذه النظرية إلى كل منالأشاعرة والمعتزلة.
والجواب: إنّ هذه النظرية ساقطة جداً ولاترجع إلى معنى معقول، وذلك لأنعنوان ما
يختاره المكلف لايخلو إما أن يكون مأخوذاً بنحو الموضوعيّة بمعنى إنهقيد للواجب
والوجوب معاً أو قيد للوجوب فقط أو مأخوذاً بنحو المعرفيةوالمشيرية إلى واقع فعل في
الخارج الذي يختاره المكلف وكلاهما لايمكن.
أما الأول فيرد عليه، أولاً: إنّ تعلق الأمر بما يختاره المكلف في الخارجويفعله
يكون من طلب الحاصل وهو محال، ولا فرق في ذلك بين أن يكونعنوان ما يختاره قيداً
للواجب والوجوب معاً أو قيداً للوجوب فقط، ودعوىإنّ متعلق الأمر ليس عنوان ما
يختاره المكلف في الخارج بالفعل بل ما يؤثرهالمكلف من البدائل ويرجحه لو شاء بنحو
القضية التعليقية، وحينئذٍ فلايلزممحذور طلب الحاصل، مدفوعة بأنّ هذه الدعوى خلاف
مفروض هذه النظرية،لأن المفروض فيها إنّ الواجب هو ما يختاره المكلف بالفعل في
الخارج لا مإ؛هبخخيؤثره ويرجحه من البدائل لو شاء، وثانياً: إنّ احتمال كون
اختيار المكلف الفعلفي الخارج دخيلاً في الحكم في مرحلة الجعل وفي اتصافه بالملاك
في مرحلةالمبادي غير محتمل بل هو خلاف الضرورة والوجدان، بداهة إنّ اتصاف
الفعلبالملاك في الواقع تابع لعلله وشرائطه الواقعية في المرتبة السابقة سواءاً
إختارهالمكلف أم لا، ولا يعقل أن يكون اختياره يوجب انقلابه عن حالة ليست
فيهامصلحة ملزمة فيه إلى حالة فيها مصلحة كذلك وهي حالة الاختيار، وتكونهذه الحالة
علة تامة لحدوثها وهو كما ترى هذا، إضافة إلى أنّ لازم هذه النظريةإنه لايترتب على
ترك جميع البدائل عصيان باعتبار أن وجوبها مشروطبالاختيار ومع عدم الاختيار فلا
وجوب لها حتى يكون في تركها عصيان،ضرورة إنه لايعقل وجوب بدون أن يكون له عصيان.
وأما الثاني وهو كون الواجب واقع ما يختاره المكلف في الخارج بعنوانهالأولي، فلأن
لازمه إفتراض أنّ كل فرد من البدائل واجب بعنوانه الواقعي حتىيقع اختيار كل مكلف
في ظرف الامتثال على ما هو الواجب في الواقع وهذا كماترى، فإنه في ظرف النقيض مع
ما هو المرتكز في وجدان العرف والعقلاء منالواجب التخييري في مقابل الواجب
التعييني، لأن المرتكز منه أنّ نسبة الخطابالتخييري إلى كل مكلف على حد سواء كما
إنّ نسبته إلى المكلف به كذلك، لا أنالموجّه إلى فرد وجوب صوم شهرين متتابعين وإلى
آخر وجوب إطعام ستينمسكين وهكذا كل حسب اختياره الذي هو معرف ومشير إلى ما هو
الواجبعليه في الواقع، فإنّه خلاف الضرورة والوجدان. هذا إضافة إلى أن الواجب
لوكان واحد من البدائل في الواقع بعنوانه الخاص، فما هو المبرر لسقوط الباقي
عنداختيار أحدها، نعم يمكن تصحيح ذلك بأن المجعول في الواقع وجوبات متعدّدةبعدد
أفراد البدائل المشروطة، بمعنى إنّ وجوب كل فرد منها مشروط بعدمالاتيان بفرد آخر،
وعلى هذا فإذا اختار المكلف صوم شهرين من البدائل فقدوقع اختياره على الواجب في
الواقع وكذلك إذا اختار الاطعام أو العتق، ولكنحينئذٍ ترجع هذه النظرية إلى
النظرية الآتية وليست نظرية مستقلة في مقابلها،وسوف يأتي الكلام في تلك النظرية.
إلى هنا قد تبين إنّ هذه النظرية لاترجع بالتحليل إلى معنى محصل ومعقولحتى ننظر
إليها في مقام الاثبات ونبحث عن وجود دليل عليها.
النظرية الثانية: ما اختاره المحقق الخراسانيقدس سره(25) وهذه النظرية متمثلة
فيفرضيتين:
الاُولى: أن يكون الغرض واحداً في الواقع وقائماً بالجامع بين الدلائل.
الثانية: أن يكون متعدداً فيه وقائماً بكل واحد منها بعنوانه الخاص.
أما الكلام في الفرضية الاُولى، فقد استدل عليها بقاعدة فلسفيّة وهي إنالواحد
لايصدر إلاّ من واحد، وحيث إنّ الغرض في المقام واحد فلايعقل أنيؤثر فيه إلاّ
واحد، وعلى هذا فكل من البدائل بحدّه الخاص لايمكن أن يكونمؤثراً فيه وإلاّ لزم
صدور الواحد من الكثير وهو محال، فإذن لا محالة يكونالمؤثر فيه الجامع ويكون كل من
البدائل مؤثراً فيه من جهة وجود الجامع فيهبدون خصوصية له، وذلك الجامع هو متعلق
الأمر على أساس إنه تعلق بما فيهالملاك، وعلى هذا فيكون الواجب الجامع بحده
الجامعي تعييناً ويكون التخييربين أفراده وبدائله عقلياً، وحينئذٍ فلا فرق بين
الواجب التعييني والواجبالتخييري ثبوتاً هذا.
وقد أورد على هذه النظرية السيد الاُستاذ(26) والمحقق الأصبهاني27)0) بماحاصله: إن
القاعدة الفلسفية وهي إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد إنما تتم فيالواحد الشخصي من
جميع الجهات ولا تتم في الواحد النوعي، فإذا كان المعلولواحداً بالشخص فهو كاشف عن
علة واحدة كذلك، وأما إذا كان واحداً بالنوعفلايمكن تطبيق هذه القاعدة عليه، وقد
أصرّ على ذلك المحقق الأصبهانيقدس سرهواستشهد عليه بالحرارة، فإن وحدتها نوعيّة
ولها أفراد متعددة في الخارجوأسباب وعلل مختلفة فيه كالنار والشمس والآلة
الكهربائية والحركة وغيرها،ولا مانع من أن تؤثر في كل فرد منها علة مستقلة، وعلى
هذا فحيث إنّوحدة الغرض في المقام نوعية فلاتكشف عن وجود جامع موحد حقيقي
بينفعلين أو أفعال إذ لامانع من أن يؤثر كل من الفعلين أو الأفعال بحدّه الخاص
فيفرد من الغرض.
وللمناقشة فيه مجال، أما أولاً: فلأن وحدة الغرض في المقام وحدة شخصيّةوهي قائمة
بأحد البدائل، ولهذا فإذا أتى المكلف به حصل الغرض، فلوكانتوحدته نوعية وله أفراد
في الخارج فلا محالة يتعدد الوجوب بتعدده، لأنه حقيقةالوجوب وروحه مع أنه واحد، ومن
الواضح أن وحدته تكشف عن وحدةالغرض.
وثانياً: إن هذه القاعدة الفلسفية ترتكز على ثلاث ركائز:
الاُولى: مبدأ العلية القائل بأن لكل شيء علة مباشرة حدوثاً وبقاءً.
الثانية: مبدأ الحقيّة القائل بأن كل نتيجة طبيعية تتولد من علة مباشرةبصورة قهريّة
واستحالة انفكاكها عنها.
الثالثة: مبدء التناسب القائل بأن لكل مجموعة من الأشياء والمتّفقة في
الحقيقةوالذات علل كذلك، بداهة إن عللها لولم تكن متّفقة في الحقيقة والذات،
استحالأن يكون مؤثرة في تلك الأشياء المتّفقة المتجانسة لاستحالة تأثير المباين
فيالمباين، لأن معنى تأثير العلة في المعلول هو أنه يتولد منه، ولهذا يكون
المعلولمن مراتب وجود العلة النازلة وليس شيئاً أجنبياً عنها، وهذا هو معنى
ضرورةمبدء التناسب والسنخية بين العلة والمعلول، وعلى ضوء هذه الركائز فإذا
كانتالأشياء متجانسة ومتفقة في الآثار والنتائج التي تتولد منها فهي بطبيعة
الحالتكشف عن تجانسها واتفاقها في الحقيقة وإلاّ فلايمكن تولدها منها، وهذا
معنىإن وحدة المعلول إذا كانت بالنوع تكشف عن وحدة علته كذلك لاستحالةصدور الأشياء
المتجانسة والمتفقة في الحقيقة عن الأشياء المتباينة فيها، فإذنلاتختص القاعدة
بالواحد الشخصي، وعليه فإذا كان الغرض في المقام واحداًبالنوع فهو يكشف عن أن
المؤثر فيه أيضاً واحد بالنوع وهو الجامع بين البدائل،وكل واحد منها مؤثر فيه بلحاظ
وجود الجامع فيه لا بلحاظ حدّه الفردي،ضرورة إنّ الواحد بالشخص لايمكن أن يكون
جامعاً بين فعلين أو أفعال وإلاّلزم خلف فرض كونه واحداً بالشخص.
وقد أورد السيد الاُستاذقدس سره ثانياً(28) على هذه النظرية، بتقريب إن سنخ
هذاالغرض غير معلوم لنا لعدم وجود طريق إليه، ولهذا لانعلم إنّ وحدته تكونبالذات
والحقيقة أو بالعنوان، فإن كانت بالذات فهي تكشف عن أن مؤثره أيضاًكذلك، وإن كانت
بالعنوان فتكشف عن أن مؤثره أيضاً بالعنوان، وعلى هذا فلإ؛هپخَطريق لنا إلى كشف
الجامع الذاتي بين البدائل هذا.
ويمكن المناقشة فيه، بأن الغرض الداعي للمولى إلى جعل الحكم إنما هوملاكه الواقعي،
ولايمكن أن يكون مجرد مفهوم لاموطن له إلا الذهن، فإنالواحد بالعنوان مفهوم
انتزاعي لا واقع موضوعي له إلاّ في اُفق الذهن، ومنالواضح إن مثله لايصلح أن يكون
داعياً للمولى إلى جعل الحكم لتحريكالمكلف نحو امتثاله طالما لم يكن أمراً
واقعياً، ومن هنا لا شبهة في أن المصالحوالمفاسد من الاُمور الواقعية لا أنّهما
مجرد مفهوم وتصور في عالم الذهن هذا.
والتحقيق إن هذه الفرضية غير تامة ثبوتاً واثباتاً، أما ثبوتاً فلأنها مبنية
علىنقطة خاطئة وهي تخيّل إنّ الغرض حيث إنه أمر واقعي تكويني فلا يقوم إلابالأمر
الواقعي الحقيقي، ولايمكن أن يقوم بالعنوان الانتزاعي الذي لا موطن لهإلا الذهن،
على أساس مبدء التناسب بين العلة والمعلول والأثر والمؤثر، وحيثإنّ الأمر
الانتزاعي لايمكن أن يؤثر في الأمر الواقعي، فإذن لا محالة يكون المؤثرفيه الأمر
الواقعي تطبيقاً لمبدء التناسب، وبما إنه واحد فلايمكن صدوره إلا منواحد تطبيقاً
لقاعدة إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد.
أما خطأ هذه النقطة، فلانها مبنية على الخلط بين عنوان الغرض الذي لاموطن له إلاّ
الذهن وبين واقعه الخارجي الذي يكون موطنه الخارج، كما أنّ فيهاخلطاً بين عنوان
الفعل الذي لاموطن له إلاّ عالم الذهن وبين واقعه الخارجي،ونقصد بعالم الذهن مقابل
عالم الخارج لا عالم التصور، وقد تقدم في ضمنالبحوث السالفة أن اتصاف الفعل
بالملاك في مرحلة المبادي يكون من شروطالحكم في مرحلة الجعل والاعتبار، وترتب
الملاك على الفعل في الخارج يكونمن شروط المأمور به، وعلى هذا فالمراد من إتصاف
الفعل بالملاك في مرحلةالمبادي إنما هو اتصافه به في عالم الذهن لا في عالم الخارج،
لوضوح إنّ المتصفبالملاك إنما هو مفهوم الفعل بمفهوم الملاك الفاني والمشير إلى
واقعه الخارجي، لأنالفعل طالما لم يوجد في الخارج فهو مجرد عنوان ومفهوم وكذلك
الملاك، ولا مانعمن اتصاف الفعل بعنوانه الذهني المشير إلى واقعه الخارجي بالملاك
كذلك، كما إنهلا مانع من قيام الملاك بعنوانه الذهني على الفعل كذلك، فإذن الملاك
بوجودهالخارجي الواقعي مترتب على الفعل بوجوده الخارجي، وبوجوده العنوانيالذهني
قائم على الفعل بوجوده العنواني، فلا يلزم حينئذٍ قيام الأمر الواقعيوترتبه على
الأمر الانتزاعي حتى يقال إنّ تأثير الأمر الانتزاعي في الأمرالواقعي مستحيل، لأن
المؤثر في ترتب الملاك الواقعي الفعل بوجوده الخارجيلا بوجوده العنواني، فما
ذكرهقدس سره من أن الجامع العنواني لايصلح أن يتصفبالملاك في مرحلة المبادي
ومؤثراً فيه، مبني على الخلط بين الملاك بوجودهالواقعي والملاك بوجوده العنواني
المشير إلى وجوده الواقعي، فإن الذي لايمكنقيامه بالعنوان الأنتزاعي هو الأول دون
الثاني، والمفروض إن الأول قائم بوجودأحدها في الخارج والثاني قائم بوجوده العنواني
في الذهن هذا، إضافة إلى أناتصاف الفعل بالملاك وقيامه به بوجوده العنواني ليس
بنحو الموضوعية حتىيقال إنه لايمكن بل بنحو المعرفية والمشيرية إلى ما هو المؤثر
فيه وهو وجودهالخارجي، وعلى هذا فقيام الملاك بعنوان أحد البدائل إنما هو لمجرد
المعرفيةوالمشيرية إلى واقعه المؤثر كما هو الحال في سائر الموارد، وعلى هذا فلا
إشكال فيالمقام ولا في سائر الموارد هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن الجامع الحقيقي بين البدائل إنما يتصور فيما إذا كانتالبدائل
من أفراد حقيقة واحدة، وأما إذا كانت من أفراد حقائق مختلفةومقولات متعدّدة فلا
يتصور جامع حقيقي بينها.
وأما إثباتاً فلأن المتفاهم العرفي من أدلة الوجوب التخييري الآمرة بكلواحد من
البدائل بالعطف بكلمة )أو( مثل صم شهرين متتابعين أو أطعم ستينمسكيناً أو اعتق
رقبة هو أن المجعول فيها وجوب واحد متعلّق بالجامعالانتزاعي وهو عنوان أحدها،
فالنتيجة إنه لايمكن الأخذ بهذه الفرضية منالنظرية.
وأما الكلام في الفرضية الثانية، فلأن لازمها أن يكون المجعول وجوباتمتعددة بعدد
البدائل المشروطة، بمعنى إنّ وجوب كل واحد منها مشروط بعدمالاتيان بالآخر، هذا من
جهة وجود المضادة بين الملاكات الالزامية القائمة بها،فإنها تقتضي الاشتراط
المذكور، وعلى هذا فالتخيير بينها يكون شرعياً، هذا هوالفارق بين هذه الفرضية
والفرضية المتقدمة، فإن التخيير بين البدائل على ضوءالفرضية المتقدمة عقلي بينما
يكون شرعياً على ضوء هذه الفرضية.
وقد يورد على هذه الفرضية بأنها مخالفة لظواهر الأدلة التي جائت بهذااللسان: صم
شهرين متتابعين أو اطعم ستين مسكيناً أو اعتق رقبة مؤمنة، فإنالمتفاهم العرفي منها
هو أنّ الوجوب المجعول في الشريعة المقدّسة وجوباً واحداًمتعلقاً بالجامع العنواني
وهو عنوان أحدها لا وجوبات متعددة بعدد البدائلالمشروطة، فالنتيجة، إنّ هذه
الفرضية وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلاّ أنه لايمكنالأخذ بها إثباتاً هذا.
قد يقال بأن ما ذكره صاحب الكفايةقدس سره من النظرية فرضية بكلا شقيها، فإنهفرض إن
الغرض إن كان واحداً في الواقع ومقام الثبوت فالواجب أيضاً كذلكوهو الجامع بين
البدائل لا كل واحد منها بحدّه وإلا لزم تأثير الكثير في الواحدوهو محال، وإن كان
متعدداً فالواجب متعدد بعدد أفراد البدائل، غاية الأمر إنّوجوب كل واحد منها مشروط
بعدم الاتيان بالآخرين من جهة التضاد بينملاكاتها المقتضى لهذا الاشتراط، ولا
معنى لرد هذه الفرضية بأنها مخالفة لظاهرالدليل في مقام الاثبات، فإن صاحب
الكفايةقدس سره لم يدع إنها موافقة للدليل فيهذا المقام حتى يرد عليه بأنها مخالفة
للدليل فيه، وعلى هذا فهذه الفرضيةمادامت في دائرة الافتراض فلا واقع للاشكال عليها
إثباتاً، وأما إذا خرجتعن هذه الدائرة وثبت بالبرهان إن الغرض في الواقع متعدد،
فلا مناص منالأخذ بها وإن كانت مخالفة لظاهر الأدلة في مقام الاثبات، إذ حينئذٍ
لابد منالتصرف فيها، وفيه إن غرض المستشكل ليس الاشكال على هذه الفرضيةثبوتاً بل
غرضه أن اثباتها في الخارج بالدليل لايمكن، لأن الأدلة في مقامالاثبات لا تدل
عليها بوجه ومخالفة لها، سواءً أكان صاحب الكفايةقدس سره مدعياًموافقتها للدليل أم
لا، وقد يناقش في هذه الفرضية بأن لازمها تعدد العقاب إذاترك المكلف البدائل
جميعاً، إذ حينئذٍ يتحقق شرط وجوب كل منها وهو التركفيستحق العقاب عندئذٍ على ترك
كل واحد منها إذا كان باختياره لأنه من تركالواجب عامداً ملتفتاً، وهذا خلاف ما هو
المسلم في الواجبات التخييرية منعدم استحقاق المكلف عند ترك الجميع إلاّ عقاباً
واحداً.
وغير خفي أولاً: إنّ هذه الفرضية لوثبتت في الواقع فلا مانع من الأخذبلازمها وهو
تعدد العقاب، وليس في ذلك خلاف الكتاب والسنة ولا العقل،وأما عدم إلتزام الأصحاب به
فهو إنما يكون من جهة عدم التزامهم بتعددالواجب هذا، إضافة إلى أن عدم التزام
الأصحاب بذلك لايمنع من الالتزام به لوتمت الفرضية.
وثانياً: إن تعدد العقاب على هذه الفرضية مبني على أن يكون ترك كل منالعدلين شرطاً
لاتصاف الآخر بالملاك في مرحلة المبادي، فحينئذٍ إذا تركالمكلف كليهما معاً
باختياره، فحيث إنه تحقق به شرط اتصاف كل منهما بالملاكفعلاً فقد فوت على المولى
كلا الملاكين الفعليين، مع أن بإمكانه أن لا يفوت عليهشيء منهما، كما إذا أتى
بأحدهما ترك الآخر، فإنه استوفى بذلك أحد الملاكين،وأما الملاك الآخر فقد فات منه
بفوت موضوعه وشرطه لا بتفويته، وهذابخلاف ما إذا ترك كلا العدلين معاً، فإنه بذلك
حيث يتصف كل منهما بالملاك فعلاًمن جهة فعلية شرطه، فيكون تفويت كل من الملاكين
مستنداً إليه فيستحقعقابين، وأما إذا كان ترك كل من العدلين شرط لترتب الملاك على
الآخر فيمرحلة الإمتثال، فعندئذٍ إذا ترك كلا العدلين معاً كان ترك أحد الملاكين
مستنداًإليه، وأما ترك الملاك الآخر فهو قهري وغير مستند إليه، فإذا أتى
المكلفبالصوم مثلاً فقد استوفى ملاكه القائم به، وأما ترك الملاك القائم بالاطعام
فهو أمرقهري وخارج عن اختياره، لأنّه غير قادر على استيفائه وإن أتى به بعد
الصوملمكان المضادة بينهما، فإذا ترك الصوم والاطعام معاً، كان ترك أحد
الملاكينمستنداً إلى اختياره، وأما ترك الملاك الآخر فهو حاصل قهراً، فإذن
ليسبإمكانه استيفاء كلا الملاكين معاً لوجود المضادة بينهما، وعلى هذا فإذا ترك
كلاالعدلين معاً لم يستحق إلا عقاباً واحداً.
والصحيح في ردّ هذه الفرضية أن يقال أولاً: إن افتراض التضاد بين الملاكاتالمترتبة
على الواجبات الشرعيّة من دون التضاد بينها فرض ملحق بأنيابالأغوال كما ذكره السيد
الاُستاذقدس سره، وقد تقدم ذلك في ضمن البحوث السالفة،وقلنا هناك إنه لايصح قياس
الآثار والنتائج المترتبة على الأفعال الاعتياديةالخارجية في حياتنا اليومية
بالآثار والنتائج المترتبة على الواجبات الشرعية،وذلك للفرق بينهما، لأن علاقة
الإنسان بالاولى علاقة مادية بينما تكون علاقتهبالثانية علاقة روحية معنويّة، على
أساس إن الواجبات الشرعية علاقة بينالإنسان وربّه والآثار المترتبة عليها تقوي هذه
العلاقة وتؤدي إلى نموّها، فلهذالاتعقل المضادة بينها كما تعقل بين الآثار المادية
المترتبة على الأفعال الخارجيةالاعتيادية.
النظرية الثالثة: ما اختاره المحقق الأصبهانيقدس سره(29) وإليك نصّه: »إن
القائمبالصوم والعتق والاطعام أغراض متباينة لا أغراض متقابلة، وحيث إن كلهالزومية
فلذا أوجب الجميع، وحيث إنّ مصلحة الارفاق والتسهيل تقتضي تجويزترك كل منها إلى بدل
فلذا أجاز كذلك، فإذا ترك الكل كان معاقباً على ما لايجوزتركه إلاّ إلى بدل وليس هو
إلا الواحد منها لا كلها، كما إنّه إذا فعل الكل دفعةواحدة كان ممتثلاً للجميع،
والشاهد على ما ذكرنا إنه ربما لايكون تمام الارفاقكما في كفارة الظهار والقتل
الخطائي، فإنه أمر أولا بالعتق ومع عدم التمكن يجبالصوم، وربما لا إرفاق أصلاً كما
في كفارة الافطار بالحرام، فإنه يجب الجمع بينالخصال فيعلم منه إن الاغراض غير
متقابلة.
ويمكن فرض نظيره فيما إذا كان الغرض المترتب على الخصال واحداً نوعياً،بتقريب إنّ
الغرض وإن كان واحداً سنخاً إلاّ أنّ اللزومي منه وجود واحد منه،فحيث إنّ نسبة الكل
إلى ذلك الواحد اللزومي على السوية فيجب الجميع، لأنإيجاب أحدها المردد محال
وإيجاب أحدها المعيّن تخصيص بلا مخصص، وحيثإنّ وجوداً واحداً منه لازم فيجوز ترك
كل منها إلى بدل، وكما إنّ الايجابالتخييري على الفرض الأول شرعي لانبعاثه وجوباً
وجوازاً عن المصلحة فينظر الشارع كذلك الايجاب التخييري في هذا الفرض، لأن أصل
الإيجاب عنمصلحة وتجويز الترك عن وحدانية اللازم منها، هذا ما أفادهقدس سره في
المقام منالنظرية في ضمن فرضيتين:
الاُولى: إن كل واحد من البدائل مشتمل على ملاك ملزم مباين لملاك الآخرلا أنّه
متقابل ومضادّ له، ونتيجة ذلك وجوب كل منها تعييناً والاتيان بالجميع،ولكن مصلحة
الارفاق على الاُمة تقتضي جواز ترك كل واحد منها إلى بدل،فإذن الملاك الملزم الواجب
تحصيله متمثل في واحد وبإمكان المكلف استيفائهبإتيان أي منها شاء على البدل، ولهذا
إذا ترك الكل فلا يستحق إلا عقاباً واحداً،كما إنه إذا أتى بالكل دفعة واحدة كان
متمثلاً للجميع، على أساس إن نسبةالامتثال إلى بعض منها دون آخر ترجيح من غير مرجح،
وحيث إنّ وجوبالاتيان بأحدها وجواز ترك الباقي كليهما ناشيء عن المصحلة في نظر
الشارعفيكون التخيير بينها شرعياً.
الثانية: إنّ الملاك المترتب على البدائل واحد بالنوع، ولكن اللزومي منهوجود واحد
ونسبة ذلك الواحد اللزومي إلى الكل نسبة واحدة، على أساس إنإيجاب الفرد المردّد
محال لاستحالة وجوده في الخارج، وإيجاب الفرد المعيّنترجيح من غير مرجّح فيكون
المكلف مخيراً بين أفراد البدائل، وهذا التخييرأيضاً شرعي، لأن وجوب الاتيان
بالواحد ناشيء عن مصلحة لزومية واحدةوجواز ترك الباقي ناشيء عن وحدانيّتها هذا،
ولكن للنظر في كلتا الفرضيتينمجالاً.
أما الفرضية الاُولى، فإن أراد بها إن مصلحة التسهيل والارفاق تدل علىالترخيص في
ترك البدائل بعد إيجابها ماعدا واحد منها، فيرد عليه:
أولاً: إن الترخيص في ترك الواجب الفعلي بنظر العرف والعقلاء تهافت، كيففإن
الترخيص في ترك الواجب بما هو واجب ومشتمل على الملاك الملزم تناقضبنظرهم، ولايمكن
ذلك.
وثانياً: إن المولى الحكيم يعلم بمصلحة التسهيل والارفاق في المقام كما إنه
يعلمبالمصالح القائمة بالبدائل وإنه بمقتضى مصلحة التسهيل قد رخص في تركها
ماعداواحد منها، فإذن ما هو المبرر لجعل الإيجاب لها جميعاً، لأن مصالحها
مزاحمةبمصلحة التسهيل التي هي أقوى منها ماعدا مصلحة واحدة في واحد منها،
ومنالواضح إن المصلحة المزاحمة لاتصلح أن تكون منشأ للتكليف، فإذن ترخيصالشارع في
تركها لايمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرر، والمبرر له هو أن مصلحتهامن جهة مزاحمتها
مع مصلحة التسهيل لاتصلح أن تكون منشأ لايجابها، وإنأراد به أن مصلحة التسهيل تمنع
عن تأثير مصالحها في إيجابها ماعدا مصلحةواحد منها، فهو صحيح وإن كان خلاف ظاهر
كلامهقدس سره، وعلى هذا فلا فرق بينالمسلك القائل بأن الوجوب ليس مفاد الأمر
مباشرة بل هو طلب الفعل، ولكنالعقل ينتزع الوجوب من طلب الفعل مع عدم الترخيص في
الترك، والمسلكالقائل بأن الوجوب هو مدلول الأمر والمنشأ به مباشرة.
أما على الأول فواضح فإنّ المولى قد يطلب شيئين مع عدم الترخيص فيالترك وهذا
معناه وجوبان تعيينيان، واُخرى يطلبهما مع الترخيص في ترك كليهمامعاً وهذا معناه
استحباب كل منهما، وثالثة يطلبهما مع الترخيص في ترك أحدهماولو لمصلحة التسهيل وهذا
هو الواجب التخييري.
وأما على الثاني فقد استشكل عليه بعض المحققينقدس سره بالتهافت العقلائي
بينالوجوبين التعيينين المطلقين في كل من الطرفين مع الترخيص في ترك أحدهما،لأنه
نظير إيجاب شيء والترخيص في تركه، لوضوح إنّ الوجوب لايجتمع معالترخيص.
وفيه: أن هذا الاشكال غير وارد، وذلك لأنه مبني على أن المولى جعل الوجوبلكل واحد
من البدائل بعنوانه الخاص وحدّه المخصوص تعييناً ثم رخّص في تركالجميع إلاّ واحد
منها على البدل فإن في ذلك تهافت، ولكن هذا المبنى غيرصحيح، لأن مصلحة التسهيل تمنع
عن جعل الوجوب للكل من الأول إلاّ لواحدمنها لا على التعيين، وعلى هذا فلا تهافت في
البين.
والخلاصة: إن التهافت العقلائي على هذا المسلك إنّما يلزم إذا جعل الشارعالوجوب
لكل البدائل تعييناً ثم رخصه في تركها لمصلحة التسهيل، فإنهمستهجن عرفاً لأنه
ترخيص في ترك الواجب الفعلي، وأما إذا قلنا بأن مصلحةالتسهيل والارفاق تمنع عن
تأثير مصالح الكل في جعل الوجوب من الأول إلاّلواحد منها وتكشف عن أن المجعول في
الشريعة المقدّسة وجوب واحد متعلقبأحد البدائل لا على التعيين فلا تهافت في البين،
ولا فرق حينئذٍ بين المسلكين فيباب الأمر.
وإن شئت قلت: إن مصلحة التسهيل والارفاق في المقام لو كانت فهي تزاحمالمصالح
الملزمة القائمة بالبدائل وتمنع عن تأثيرها وداعويتها إلى جعل الوجوبمن الأول، لأن
المصلحة المزاحمة لاتصلح أن تصبح منشأ لجعل الحكم، لا أنهاتدل على ترخيص المكلف في
تركها ماعدا واحد منها بعد إيجابها لكي يلزمالتهافت، ومن المحتمل أن يكون
مرادهقدس سره من إيجاب الجميع إيجابه روحاً وملاكاًلا اعتباراً، بمعنى إن المقتضي
للجعل موجود بل لايعقل هذا الجعل من المولىالحكيم العالم بالواقع، فإنه مع علمه
بأنّ مصالح البدائل المترتبة عليها غيرمصلحة واحدة منها مزاحمة بمصلحة التسهيل
والارفاق، لايمكن له أن يجعلالوجوب لها جميعاً ماعدا واحد منها لأنه لغو وجزاف
وبلا ملاك، فإذن لا محالةيكون الترخيص في تركها مستنداً إلى وجود المانع لا أنه
ترخيص في تركالواجب الفعلي، وعلى هذا فلا فرق بين المسلكين في معنى الأمر هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى إن السيد الاُستاذقدس سره قد علق على هذه الفرضية بعدّةوجوه(30):
الأول: إن ظاهر الدليل في مقام الاثبات هو إيجاب أحد البدائل لا إيجابالجميع، فما
ذكرهقدس سره من إيجاب الجميع فلا دليل عليه.
وغير خفي، إن هذا التعليق مبني على أن يكون مراد المحقق الأصبهانيقدس سره منإيجاب
جميع الابدال إيجابها كذلك روحاً واعتباراً معاً، ومصلحة التسهيلوالارفاق تدل على
الترخيص في تركها بما هي واجبة ماعدا واحد منها علىالبدل، ولكن قد تقدّم إنه
لايبعد أن يكون مرادهقدس سره من إيجابها روحاً فقط لاروحاً واعتباراً معاً، على
أساس ما أشرنا إليه آنفاً من أن مصلحة التسهيل تمنععن أصل جعل الوجوب لها من
الأول.
الثاني: إنه لا طريق لنا إلى إحراز ملاكات الأحكام الواقعيّة من غير طريقثبوت نفس
تلك الأحكام، وحيث إن الأمر في المقام تعلق بأحد البدائلفلايكشف إلاّ عن وجود ملاك
فيه، فإذن من أين نستكشف أن الملاك في المقاممتعدد بعدد البدائل في الخارج.
وفيه: إن المحقق الأصبهانيقدس سره في مقام بيان إمكان تصوير صورة للواجبالتخييري
في مقام الثبوت، ولا يدعي أنّ هذه الصورة مطابقة لدليل الواجب فيمقام الاثبات حتى
يقال إنها غير مطابقة له، وأما ما ذكره بعض المحققينقدس سره(31) منأن التخيير
الشرعي قد يستفاد في المسألة من تعدد الأمر الكاشف من تعددالفرض، فهو وإن كان
صحيحاً في الجملة إلاّ أنه لايمكن أن يجعل ذلك قرينة علىتعدد الأمر في كل مورد من
موارد التخيير الشرعي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنّ تعلق الأمر بأحد البدائل في مقام الإثبات إنّما يكشفعن أن
الغرض المؤثر متمثل في واحد ولاينفي وجود أغراض اُخرى غير مؤثرةلمانع، فإذن لا
مانع من افتراض وجودها واقعاً وعدم تأثيرها إنما هو من جهةالمزاحمة بما هو أقوى
منها.
الثالث: إنه لا طريق لنا في المقام إلى وجود مصلحة الارفاق والتسهيل حتىتقتضي جواز
ترك البدائل بما لها من الملاكات الالزامية ماعدا واحد منها،ضرورة إنه من أين يعلم
أن جواز تركها إلى بدل بمقتضى مصلحة الارفاقوالتسهيل، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن
يكون جواز تركها مستنداً إلى عدمالملاك فيها ماعدا في واحد منها، ومع الاغماض عن
ذلك وتسليم تعدد الغرضفالمصلحة التسهيلية تمنع عن أصل جعل الوجوب للجميع، ضرورة أن
مصلحةماعدا واحد من البدائل مزاحمة بمصلحة التسهيل والارفاق، ومن الواضح
إنّالمصلحة المزاحمة بمصلحة اُخرى أقوى منها لاتصلح أن تكون ملاكاً لجعل
حكمشرعي، فإذن يكون إيجاب الجميع بلا مقتضى.
والخلاصة: إن مصلحة التسهيل والارفاق لو كانت فهي تمنع عن أصل جعلالوجوب لجميع
الاطراف أو الطرفين من الأول لا أنها تقتضي الترخيص في تركالواجب، لوضوح إنّه لا
أثر للمصلحة المزاحمة بمصلحة اُخرى ويكون وجودهإ؛لاًجخؤوعدمها سيان، هذا.
وغير خفي إن هذا الوجه في غاية المتانة، ولايرد على المقطع الأول من هذاالوجه ما
ذكره بعض المحققينقدس سره(32) من أنه على فرض استفادة تعدّد الوجوب،فلابد أن يكون
هناك دليل يدل على وجود ترخيص في ترك كل واحد منالبدائل إلى بدل، لأن أصل الدلالة
على عدم لزوم الجمع بينها مفروغ عنه، وذلكلأنه لم يرد على هذا المقطع، لأن السيد
الاُستاذقدس سره لم يعترف فيه باستفادة تعدّدالوجوب من دليل لكي يضطر إلى الالتزام
بالمصلحة التسهيلية في المقام للدلالةعلى الترخيص في الترك لا مطلقاً بل إلى بدل،
لأنه كما يحتمل ذلك يحتمل أنيكون الملاك في المقام واحداً قائماً بواحد من
البدائل، ومع الاغماض عن ذلكوتسليم أن المجعول في الشريعة المقدسة إيجاب الجميع
وعدم كون مصلحةالتسهيل والارفاق مانعة منه فلا موجب لسقوط بعضها بفعل الآخر، لفرض
إنكلاً منها واجب تعييني، وسقوط وجوب الواجب إنما هو بأحد اُمور:
الأول: بالاتيان به وامتثال أمره خارجاً الموجب لحصول غرضه.
الثاني: العجز وعدم القدرة على امتثاله.
الثالث: النّسخ، والمفروض إن الاتيان بالواجب ليس من هذه الاُمور،ودعوى إن وجوب كل
منها مشروط بعدم الاتيان بالآخر، وحينئذٍ فيكونالاتيان به مسقطاً له، لأن المشروط
ينتفي بانتفاء شرطه، مدفوعة بأن الأمر وإنكان كذلك على فرض ثبوت تلك الدعوى إلاّ
أنها غير ثابتة، فإنه مضافاً إلىعدم الدليل عليها أنها مخالفة لظواهر الأدلة في
المقام، حيث إن الظاهر منهإ؛لاًجخ=وجوب أحد الأطراف أو الطرفين لا وجوب الجميع
بنحو الاشتراط، ولكن هذاالاشكال غير وارد على المحقق الأصبهانيقدس سره، لما تقدم
من أنهقدس سره في مقام تصويرصورة للواجب التخييري في مقام الثبوت ولم يدّع أنها
موافقة للدليل في مقامالاثبات لكي يقال أنها مخالفة لظاهر الدليل.
الرابع: إن لازم هذه النظرية تعدد العقاب إذا ترك المكلف جميع البدائل، لأنجواز
ترك كل واحد منها منوط بالاتيان بالآخر، فإن ذلك هو معنى إنه لايجوزالترك إلاّ إلى
بدل، فإذا ترك الصوم لا إلى بدل وكذلك العتق والاطعام استحقالعقاب على الكل لا على
واحد منها دون الباقي، لأنه ترك الواجب فعلاً بلا بدلوهو غير جائز وموجب لاستحقاق
العقاب.
والجواب: إن هذا الوجه مبني على نظريتهقدس سره في مسألة العقاب وهي أن
ملاكاستحقاقه تمكن المكلف من التخلص عن مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال
أمكان برفع موضوعه، وعلى هذا فإذا صام المكلف فقد تخلص نفسه عن مخالفةوجوبه
بالامتثال وعن مخالفة وجوب العدلين الآخرين برفع موضوعه، لفرضأنّ وجوب كل منهما
مقيّد بعدم الاتيان بالصوم، كما إنّ وجوبه مقيّد بعدم الاتيانبشيء منهما كما هو
الحال في الواجبين المتزاحمين، فإنهقدس سره قد التزم هناك بأنالمكلف إذا ترك كلا
الواجبين معاً استحق عقابين، ولكن تقدم أن هذه النظريةغير صحيحة، فالصحيح هو
النظرية القائلة بأن ملاك استحقاق العقاب تمكنالمكلف من التخلص عن تفويت الملاك
الملزم، ومع هذا إذا لم يقم بتخليص نفسهعنه وفات استحق العقاب، وعلى ضوء هذه
النظرية فلايستحق المكلف في المقامإذا ترك الجميع إلاّ عقاباً واحداً، باعتبار أن
فوت أحد ملاكات البدائل مستندإليه، وأما فوت الباقي فهو غير مستند إليه بل هو مستند
إلى مصلحة التسهيلوالارفاق في المرتبة السابقة التي تدل على الترخيص في ترك الجميع
ماعدا واحدمنها، ومقتضى هذه المصلحة التسهيلية إنّ الملاك الملزم الواجب تحصيله
علىالمكلف واحد وهو مترتب على أحدها لا على التعيين دون الباقي، وعلى هذافليس
بإمكان المكلف إلاّ التخلص من تفويت هذا الملاك الواحد، وعليه فلايستحق العقاب إلاّ
على تفويته، وأما تفويت الواجب بما هو اعتبار من قبلالمولى من دون أن يستلزم
تفويت الملاك الذي هو حقيقة الوجوب وروحه فلايوجب استحقاق العقاب، إذ لا قيمة له
إذا لم تكن له روح وحقيقة، وفي المقام إذاترك المكلف جميع البدائل فقد ترك واجباً
روحاً وملاكاً وواجبين بلا روح، ولهذايوجب تركهما استحقاق العقاب، لأنه إنّما يستحق
العقاب على تفويت الملاكالملزم لا على تفويت الوجوب بما هو اعتبار.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن مراد المحقق الأصبهانيقدس سره من
هذهالفرضية إن كان وجوب كل من البدائل بوجوب تعييني على أساس ما فيه منالملاك
الملزم، ولكن مصلحة التسهيل والارفاق تدل على الترخيص في ترك كلمنها لا مطلقاً بل
إلى بدل، فيرد على ما أورده السيد الاُستاذقدس سره في الاشكالالثالث من أن مصلحة
التسهيل والارفاق لو كانت في المقام، فهي تمنع عن أصلجعل الوجوب لجميع البدائل
ماعدا واحد منها، باعتبار أنها تزاحم مصلحةغيره من البدائل، والمصلحة المزاحمة
لاتصلح أن تكون منشأ للجعل، وإن كانمرادهقدس سره من إيجاب جميع البدائل إيجابها
روحاً وملاكاً فقط، بمعنى أنها مشتملةعلى الملاكات الالزامية، ولكن مصلحة التسهيل
تمنع عن تأثيرها ماعدا واحدمنها، فلا يرد عليه شيء مما أورده السيد الاُستاذقدس
سره من الاشكالات، فإنهاجميعاً اشكالات اثباتية، وأما ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس
سره من الفرضية فهيمجرد تصوير صورة للواجب التخييري في مقام الثبوت، ولا يدعي هو
أن هذهالصورة منه مطابقه لظواهر الأدلة في مقام الاثبات حتى يرد عليه بعدم
مطابقتهالها. نعم الذي يرد عليه إنه ليس بإمكانه إثبات هذه الفرضية بدليل، لأن
أدلةالواجبات التخييرية الآمرة بالبدائل بنحو العطف بكلمة )أو( لا تدل على
هذهالفرضية، لأنها ظاهرة في أنّ الواجب واحد منها على البدل لا الجميع،
وأمااستفادة تعدّد الوجوب المشروط في الواجب التخييري من الدليلين المستقلين،إما من
جهة سقوط إطلاقيهما بالتعارض وبقاء أصل الوجوب بنحو القضيةالمهملة أولا اطلاق لهما
من الأول، وإن دلالة كل منهما على الوجوب تكون بنحوالقضية المهملة، فعلى تقدير
تمامية هذه الاستفادة وصحتها إنها مستفادة من دليلالوجوبين على أثر اجمالهما ذاتاً
أو عرضاً لا من مصلحة التسهيل والارفاق.
وأما الفرضية الثانية وهي إن الملاك القائم بالجامع بين البدائل واحد نوعي،ولكن
اللزومي منه وجود واحد، وحيث إنّ نسبة الكل إلى ذلك الوجود الواحداللزومي نسبة
واحدة فيجب الجميع، لأن إيجاب أحدها المردّد محال وإيجابأحدها المعيّن ترجيح من
غير مرجّح فإذن لا محالة يجب الكل، فيرد عليها إنّالواجب حينئذٍ هو أحدها المفهوي
لا أحدها المعيّن في الخارج ولا المردد فيه وهوالعنوان الانتزاعي، ولا مانع من تعلق
الوجوب به، فما ذكرهقدس سره من أنّ تعلقالوجوب بأحدها المعيّن لايمكن للترجيح من
غير مرجح وبأحدها المردد محال،لاستحالة وجوده في الخارج، فإذن يتعيّن تعلّقه
بالجميع غير تام، لأن تعلقهبالجميع أي بكل واحد من البدائل بعنوانه الخاص فهو بلا
موجب ويكون لغواً،فإذن يتعين تعلقه بالجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدها ثبوتاً
واثباتاً، أما الأولفلأنه لا مانع من تعلق الوجوب بأحدها العنواني المفهومي، فإن
المحال هوأحدها لا بعينه المصداقي دون المفهومي، وأما الثاني فلأنه موافق لظواهر
أدلةالواجب التخييري.
وأما اشكال السيد الاُستاذقدس سره(33) على هذه الفرضية بأن لازمها تعدّد العقابإذا
ترك المكلف جميع البدائل كما هو الحال في الفرضية الاُولى، فهو تام على ضوءنظريته
في مسألة العقاب، وهي أن المعيار في استحقاق العقاب تمكن المكلف منالتخلص عن
مخالفة التكليف سواءً أكان بالامتثال أم كان برفع موضوعه، وأمابناء على ما قويناه
من أنّ المعيار في استحقاق العقاب إنما هو تمكن المكلف منالتخلص عن تفويت الملاك
الملزم فلايستحق في المقام إلاّ عقاباً واحداً، إذ ليسبإمكانه التخلص إلا من تفويت
ملاك واحد، بينما يكون بإمكانه التخلص منمخالفة المولى في المقام باتيان أحد
البدائل، فإنه إذا أتى به انتفى وجوب الباقيبانتفاء موضوعه، وحينئذٍ فإذا جمع بين
التروك عامداً وملتفتاً، استحق عقوبةمتعدّدة بعدد أفراد الواجب على مسلكهقدس سره،
بينما لايستحق على مسلكنا إلاّعقاباً واحداً.
النظرية الرابعة: إن الواجب التخييري عبارة عن إيجاب فرد مردّد بينفردين أو أفراد
في مقابل الواجب التعييني الذي هو عبارة عن إيجاب شيء معيّنكالصلاة ونحوها.
وغير خفي إنّ هذه النظرية إما مستحيلة أو ترجع إلى النظرية الخامسة، وذلكلأنه إن
اُريد بالفرد المردّد الفرد المردّد بالحمل الأولي أي مفهومه في عالم الذهنالذي هو
معين فيه لا مردد، ففيه إن هذه النظرية هي نفس النظرية الخامسةالآتية وليست نظرية
مستقلة، وإن اُريد به الفرد المردّد بالحمل الشايع أي المرددالمصداقي فهو مستحيل،
لاستحالة وجود الفرد المردد في الخارج والذهن،ضرورة إن الفرد المردّد إذا كان بين
عنوانين، فإن حمل أحدهما عليه فهو معيّن لإ؛ؤچخَمردّد، وإنّ حمل كل من العنوانين
عليه وسلبه عنه فهذا تناقض مستحيل، هذا ماأفاده المحقق الأصبهانيقدس سره(34)
وملخّصه: »إنّ وجود كل شيء في الخارج أوالذهن متعيّن ولايعقل أن يكون مردّداً بين
وجود نفسه ووجود غيره فيه وإلاّلزم الجمع بين النقيضين هما الوجود والعدم في شيء
واحد«.
النظرية الخامسة(35): إنّ التخيير الشرعي بين فردين أو أفراد منوطبوحدة الملاك في
مرحلة المبادي وإنه قائم بأحدهما المفهومي وهو الجامع بينها،وعليه فلا محالة يكون
المجعول في مرحلة الجعل أيضاً وجوباً واحداً متعلقاً بهبقانون التبعية، هذا بحسب
مقام الثبوت والتصور.
وأما في مقام الاثبات، فإن نصوص التخيير الآمرة بالبدائل بنحو العطفبكلمة )أو(
ظاهرة في أن المجعول في الشريعة المقدسة وجوب واحد متعلقبعنوان أحدها، فإذا ورد في
الدليل صم شهرين متتابعين أو أطعم ستين مسكيناًأو إعتق رقبة، كان المتفاهم العرفي
منه وجوباً واحداً متعلقاً بأحد هذه البدائل،ومن هنا يظهر أن تفسير التخيير الشرعي
بجعل وجوبين تعيينيين مشروطينللبدلين، بمعنى إن الوجوب المجعول لكل منهما يكون
مشروطاً بعدم الاتيانبالآخر خاطيء جداً وغير مطابق للواقع، وذلك لأن هذا التفسير
وإن كان ممكناًثبوتاً إلاّ أنه لايمكن إثباته بدليل، لما مرّ من أنّ الأدلة ظاهرة
في أن المجعول فيالشريعة المقدسة وجوب واحد متعلق بالجامع بين الابدال وهو عنوان
أحدها،وإن شئت قلت: إن مرد التخيير الشرعي إلى أن المجعول في الشريعة المقدسةوجوب
واحد متعلق بأحد البدائل لا وجوبات متعدّدة بعدد البدائل المشروطةوذلك لسببين:
الأول: إنه لا دليل عليه في مقام الاثبات بل الدليل على خلافها موجود فيهوهو
الأدلة العامة للواجبات التخييرية، لأنها تدل بالمطابقة على أن المجعولوجوب واحد
متعلق بالجامع بينها، وبالالتزام على نفي جعل الوجوبات المتعدّدةالمشروطة.
الثاني: إنلازم كونالمجعول وجوباتمتعدّدة فيالشريعة المقدّسة إفتراض أنتكون
هناكملاكات متعدّدةالزاميّة فيمرحلة المباديء من ناحية وفرض التضادبينها من
ناحية اُخرى، وإلا لكانت تلك الواجبات واجبات تعيينية لا تخييريةوهذا خلف، ومن هنا
يفترق التخييرالشرعي عنالتخييرالعقلي فيأمرين:
الأمر الأول: إنّ الأول مستند إلى النص فلهذا يكون شرعياً، بينما الثانيلايستند
إلى النص فلهذا يكون عقلياً كما في الواجبين المتزاحمين المتساويين.
الأمر الثاني: إن الوجوب في الأول واحد متعلق بالجامع العنواني بينما يكونفي
الثاني وجوبان تعيينيان، وحيث إنّ بينهما مضادة ومزاحمة فيحكم العقلبالتخيير
بينهما.
إلى هنا قد تبين إن هذه النظرية هي النظرية الصحيحة في المسألة دون سائرالنظريات،
وهي إنّ الواجب أحد البدائل لا على التعيين لا كلها بنحو الواجباتالمشروطة، ثم إنّ
الثمرة لاتظهر بين القولين على ما هو الصحيح من جريان أصالةالبراءة في كبرى مسألة
دوران الأمر بين التعيين والتخيير، أما على القولبوجوب الجامع بين الابدال، فإنه
إذا شك في أن صوم شهرين متتابعين واجبتعييني أو تخييري، فيدخل في كبرى دوران
الأمر بين التعيين والتخيير والمرجعفيه أصالة البراءة عن التعيين عقلاً ونقلاً،
وأما على القول بالوجوباتالمشروطة، فلأن المكلف إذا شك في أن وجوب الصوم هل هو
تعييني أوتخييري، فيرجع إلى الشك في أصل وجوبه بعد الاتيان بالاطعام أو العتق
بنحوالشك البدوي والمرجع فيه أصالة البراءة.
نتائج البحث ...
نتائج البحث متمثلة في نقاط:
الاُولى: إن في الواجب التخييري نظريات وآراء متمثلة في خمس:
الأول: إن الواجب هو ما اختاره المكلف في ظرف الامتثال، وهذه النظريةساقطة ثبوتاً
ولهذا لا يصل الدور إلى البحث عن وجود الدليل عليها في مقامالاثبات.
الثاني: ما اختاره المحقق الخراسانيقدس سره وهو متمثل في فرضيتين:
الاُولى: إنّ الغرض في الواقع واحد قائم بالجامع بين الابدال.
الثانية: إنه متعدد بعدد البدائل، وقد استدل على الفرضية الاُولى بقاعدةفلسفية وهي
إن الواحد لايصدر إلاّ من واحد.
وقد ناقش في تطبيق هذه القاعدة على المقام السيد الاُستاذقدس سره
والمحققالأصبهانيقدس سره، وعلقنا على هذه المناقشة وقد تقدم تفصيله.
الثالث: إنّ هذه الفرضية غير تامّة ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلأنها مبنيّة
علىنقطة خاطئة وهي الخلط بين واقع الغرض الموجود في الخارج وبين عنوانه الذيلا
موطن له إلاّ الذهن على تفصيل تقدم، وأما إثباتاً فلأن الظاهر من الأدلة هوأن متعلق
الوجوب الجامع الانتزاعي وهو عنوان أحدها لا الحقيقي.
الرابع: إنّ مقتضى الفرضية الثانية للمحقق الخراسانيقدس سره أن تكون هناكوجوبات
متعدّدة بعدد البدائل المشروطة لمكان المضادّة بين ملاكاتها القائمة بها،وهذه
الفرضية غير واقعية، لأن إفتراض التضاد بين الملاكات القائمة بها واقعاً مععدم
التضاد بينها فرض لا أصل له على ما تقدم هذا، إضافة إلى أنّ هذه الفرضيةمخالفة
لظواهر الأدلة في مقام الاثبات أيضاً، وأما الاشكال على هذه الفرضيةبأن لازمها تعدد
العقاب إذا ترك المكلف الكل فهو غير وارد.
أما أولاً: فلأن هذه الفرضية لو ثبتت فلا مانع من الأخذ بلازمها.
وثانياً: إنّ تعدد العقاب مبني على أن يكون عدم الاتيان بالآخر شرطاًلاتّصاف الأول
بالملاك في مرحلة المبادي، وأما إذا كان شرطاً لترتب الملاكعليه، فلايتمكن المكلف
من التخلص إلا عن تفويت ملاك واحد، لأن تفويتالآخر قهري سواءً أكان المكلف آتياً
بأحدهما وترك الآخر، أم كان آتياً بهما معاًأو تاركاً لهما كذلك.
الخامس: ما اختاره المحقق الأصبهانيقدس سره وهو متمثل في فرضيتين:
الاُولى: إفتراض إشتمال كل واحد من البدائل على ملاك ملزم مباين لملاكالآخر
ونتيجة ذلك وجوب الكل تعييناً، ولكن مصلحة التسهيل والارفاق تدلعلى الترخيص في ترك
كل واحد منها إلى بدل لا مطلقاً.
الثانية: إنّ الملاك قائم بالجامع ومترتب عليه وهو واحد بالنوع، ولكناللزومي منه
وجود واحد ونسبته إلى الكل نسبة واحدة، ولهذا يجب الجميع لاالفرد المعيّن للترجيح
بلا مرجح ولا الفرد المردّد لأنه محال.
الثانية: إنّ للسيد الاُستاذقدس سره عدة تعليقات على الفرضية الاُولى:
الأول: إنه لا طريق لنا إلى احراز ملاكات الاحكام الواقعيّة، وعليه فمن أينيحرز
أنّ هناك ملاكات الزامية متعدّدة بعدد البدائل.
وفيه: إن نظر المحقق الأصبهانيقدس سره من هذه الفرضية مجرد تصوير صورةللواجب
التخييري ثبوتاً، ولايدعي إحرازها لكي يقال إنه لا طريق لنا إليه.
الثاني: إنّ هذه الفرضية مخالفة لظاهر الدليل في مقام الاثبات.
وفيهإنمخالفتها لظاهرالدليل مبنيةعلىتفسيرها بإيجابالجميع، وأما بناءً
علىتفسيرها بإيجابواحد منالبدائل وعدمصلاحية مصلحةالباقي لأنتكونمنشأللوجوب
منجهة مزاحمتهامع مصلحةالتسهيل، فلاتكونمخالفة لظاهرالدليل.
وأما التعليق الثالث من السيد الاُستاذقدس سره فهو وارد على ظاهر كلامهقدس سره
فيهذه الفرضية.
وأما التعليق الرابع وهو أنّ لازم هذه الفرضية تعدّد العقاب إذا ترك المكلفالجميع
فهو تام على مسلكهقدس سره في مسألة العقاب وغير تام على المختار في هذهالمسألة
على ما تقدم تفصيله.
الثالثة: إنّ ما ذكره المحقق الأصبهانيقدس سره في الفرضية الثانية من أنّ الملاك
القائمبالجامع بين الابدال واحد بالنوع، ولكن اللزومي منه وجود واحد نسبته
إلىالجميع على حدٍ سواء فيجب الجميع، لأن وجوب الفرد المردّد محال ووجوبالفرد
المعين ترجيح بلا مرجّح، غير تام أما أولاً: فإنّ وجوب الجميع بلا مبرّر.
وثانياً: إن الواجب هو الفرد لا بعينه مفهوماً لا مصداقاً.
الرابعة: إن الصحيح في المسألة القول بأن مرد التخيير الشرعي إلى أنالمجعول
فيالشريعة المقدسة وجوب واحد متعلق بالجامع الانتزاعي وهو عنوانأحدهما،
والدليلفي مقامالاثبات يدلعلىذلك ويكشف عنأنالملاك واحد قائمبالجامع
دونالقول بأنالمجعول فيها وجوبات متعدّدة بعددالبدائلالمشروطة.
الخامسة: إنّه لاتظهر الثمرة بين القولين.
الواجب الكفائي ...
الواجب الكفائي
مقدّمة: وهي أنّ الحكم الشرعي متقوم بركنين:
الأول: متعلق الحكم.
الثاني: موضوعه، لأن الحكم كما لايمكن تحقّقه في عالم الاعتبار والجعلبدون المتعلق
كذلك لايمكن تحقّقه في هذا العالم بدون فرض وجود الموضوع له فيعالم الخارج، لأن
جعل الحكم في الشريعة المقدسة إنما هو بنحو القضية الحقيقيةللموضوع المفروض وجوده
في الخارج وهي ترجع لباً إلى قضية شرطية مقدمهاوجود الموضوع وتاليها ثبوت الحكم له،
ومن الواضح إنّ القضية تتقومبالموضوع والمحمول والمتعلّق، مثلاً المستطيع في الآية
الشريفة موضوعوالوجوب محمول والحج متعلّق، وقد يعبّر عن الموضوع بمتعلق المتعلق
أيضاً،وعلى هذا فمحل الكلام في المسألة المتقدمة وهي الواجب التخييري إنما هو
فيتعيين متعلق الوجوب وإنه أحد البدائل لا على التعيين أو جميعها أو جامع
ذاتيبينهما على تفصيل تقدم، وأما محل الكلام في هذه المسألة فإنما هو في
تعيينموضوع الوجوب وإنّه أحد المكلفين لا على التعيين أو جميعهم على تفصيل
يأتي،وبهذه النقطة يمتاز الوجوب الكفائي عن الوجوب التخييري، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنّ خصائص الواجب الكفائي ومميزاته ثلاثة:
الأول: إنّ الواجب الكفائي يسقط عن الجميع بفعل البعض.
الثاني: إنّه إذا ترك من قبل جميع المكلفين استحق الجميع العقاب.
الثالث: إنّه إذا وجد خارجاً دفعة واحدة أو تدريجاً من قبل المكلفين تماماًاستحق
الكل الثواب، وبعد ذلك نقول إنّ الواجب الكفائي قد فسّر في كلماتالأصحاب بعدة
تفسيرات:
الأول: أن يكون الوجوب في الواجب الكفائي موجّهاً إلى جميع المكلفينبمعنى إنّ هناك
وجوبات عديدة بعدد أفرادهم.
الثاني: أن يكون الوجوب فيه موجهاً إلى مجموع المكلفين بنحو العمومالمجموعي، بمعنى
إنّ هناك وجوباً واحداً مجعولاً على المجموع من حيث المجموعبحيث يكون كل فرد منه
جزء الموضوع لاتمامه.
الثالث: أن يكون الوجوب فيه موجّهاً إلى أحد المكلفين لا بعينه بمعنى أنّهناك
وجوباً واحداً مجعولاً على عنوان أحدهم بنحو العموم البدلي.
أما التفسير الأول فلايمكن الأخذ بظاهره، وإلاّ فلا فرق حينئذٍ بين الواجبالكفائي
والواجب العيني إلاّ بتوجيه ذلك بأحد نحوين تاليين:
الأول: إنّ الوجوبات المتعددة بعدد آحاد المكلفين وجوبات مشروطة بمعنىإنّ وجوبه
على كل فرد مشروط بعدم اتيان فرد آخر به، وبه يمتاز الوجوبالكفائي عن الوجوب
العيني.
الثاني: إنّ متعلق هذه الوجوبات المتعدّدة ليس خصوص الفعل الصادر منكل فرد من
أفراد المكلف بل الجامع بينه وبين فعل غيره، فكل فرد مكلف بإيجادهذا الجامع، فإذا
أوجده في الخارج سقط عن الجميع، وأما إذا لم يقم هو بإيجادهفيه ولا غيره فيكون
العقاب على الكل، مثلاً الصلاة على الميت واجبة كفائيةوالأمر بها موجه إلى كل مكلف
بالغ عاقل قادر ولكن متعلقه صرف وجودهإ؛خخخبفعل أي مكلف كان لا خصوص وجودها
المستند إليه، وعلى هذا فالفرق بينكون صلاة الميت واجبة كفائية وكونها واجبة عينية
إنما هو في متعلق الأمر لا فيالمكلف، فعلى الأول يكون متعلقه الصلاة الجامعة بين
فعل المكلف نفسه وفعلالغير، وقد تقدم في مبحث التعبدي والتوصلي إنّه لا مانع من
الأمر بالجامع بينهمالأنه ليس من الأمر بغير المقدور، باعتبار إنّ الجامع بين
المقدور وغير المقدورمقدور.
وعلى الثاني يكون متعلقه حصة خاصة من الصلاة وهي فعل المكلف نفسه،وأما في توجيه
الأمر إلى المكلف فلا فرق بينهما، فإنه موجه إلى كل مكلف بعينهسواءً أكان متعلقه
واجباً عينياً أم كفائياً، وأما الخصائص والمميزات للواجبالكفائي فهي متوفرة في
صلاة الميّت، إذ لو أتى بها الجميع، استحق الجميع الثوابولو تركها الكل، استحق
الكل العقاب، وأما إذا أتى بها بعضهم فقد سقطت عنالباقي.
ولنا تعليق على كلا التوجيهين:
أما الأول، فلأن جعل الوجوبات المتعددة بعدد أفراد المكلف المشروطةلايمكن أن يكون
جزافاً وبلا نكتة، والنكتة المبررة لذلك هي فرض وجودملاكات متعددة بعدد أفراده،
وأما أنّ هذه الوجوبات، وجوبات مشروطه لامطلقة فأيضاً لايمكن أن يكون بلا ملاك
وجزافاً، ولكن قد يقال إنّ نكتة ذلكأحد أمرين:
الأول: افتراض وجود التضاد بين الملاكات بحيث لايمكن الجمع بين اثنينمنها، فإذا
حصل واحد منها بفعل أحدهم، فات امكان تحصيل الباقي بفعلالآخرين.
الثاني: ثبوت الترخيص لهم من الخارج في ترك الواجب إذا أتى به واحدمنهم كمصلحة
التسهيل والارفاق مثلاً هذا.
ولكن لايمكن الأخذ بكلا الافتراضين: أما الافتراض الأول، فقد تقدم إنّهلايعقل
التضاد بين ملاكات الأحكام الشرعية، لأنها اُمور معنوية لا مادية حتىيتصور التضاد
والتزاحم بينها، لأنها تزيد في قرب العباد إلى اللَّه تعالى وتخلقفيهم الصفات
الكمالية والملاكات الفاضلة الانسانية وتنمو الإيمان في نفوسهم،ومن الواضح إنه
لايتصور التضاد فيها، وقد سبق تفصيل ذلك.
وأما الافتراض الثاني، فعلى تقدير تحققه فهو مانع عن أصل جعل وجوباتمتعدّدة بعدد
أفراد المكلف ماعدا جعل وجوب واحد لأحدهم لا بعينه، لأنمصلحة التسهيل والارفاق
تمنع عن أصل الجعل، على أساس إنها تدل على أنّكل مصلحة واقعية إلزامية بالنسبة إلى
كل مكلف لاتصلح أن تكون منشأًللحكم وداعية إلى جعله إلاّ مصلحة واحدة بالنسبة إلى
واحد منهم، إذ لو كانتصالحة لذلك أي الجعل، فلا معنى حينئذٍ للترخيص في تركها
مشروطاً، لأنهيكشف عن أنها غير صالحة لأن تكون منشأً لجعل الوجوب مطلقاً من
جهةمزاحمتها مع مصلحة التسهيل والارفاق، وإلاّ لزم الترخيص في ترك الواجب بماهو
واجب وهو قبيح، وذلك لأن مصلحة الواجب إن كانت صالحة لأن تكونمنشأ لجعل الوجوب له
رغم وجود مصلحة التسهيل فلايجوز الترخيص فيتركه، وإن لم تكن صالحة لذلك فلا وجوب
من الأول، أو فقل إن مصلحةالتسهيل إن كانت مانعة عن أصل جعل الوجوب له من جهة أنها
أقوى منمصلحة الواقع، فلا وجوب حينئذٍ، وإن لم تكن مانعة عنه، فكيف تدل
علىالترخيص في تركه.
...................( Anotates ).................
1) كفاية الاُصول: 378، وحاشية الفوائد: 166.
2) محاضرات في اُصول الفقه 179 :3؛ مصباح الاُصول 507 :2.
3) بحوث في علم الاُصول 421 :5.
4) المصدر السابق: 428.
5) محاضرات في اُصول الفقه 180 :3، ومصباح الاُصول 507 :2.
6) نهاية الدراية 432 :4.
7) محاضرات في اُصول الفقه 164 :3.
8) الوسائل 506 :8 ب 17 من أبواب صلاة المسافر ح 4.
9) سورة النساء (43 :(4، وسورة المائدة (6 :(5.
10) أجود التقريرات 49 :2.
11) محاضرات في اُصولالفقه 100 :3.
12) كفاية الاُصول: 137.
13) محاضرات فياُصول الفقه7 :4.
14) أجود التقريرات 303 :1.
15) نهاية الدراية 253 :2.
16) أجود التقريرات 305 :1.
17) أجود التقريرات 305 :1؛ بحوث في علم الاُصول 401 :2.
18) كفاية الاُصول: 138.
19) بحوث في علم الاُصول 404 :2.
20) سورة آل عمران (97 :(3.
21) بحوث في علم الاُصول 388 :2.
22) محاضرات في اُصول الفقه 25 :4.
23) بحوث في علم الاُصول 389 :2.
24) بحوث في علم الاُصول 390 :2.
25) كفاية الاُصول: 140.
26) محاضرات في اُصول الفقه 33 :4.
27) نهاية الدراية 266 :2.
28) محاضرات في اُصول الفقه 36 :2.
29) نهاية الدراية 270 :2 )حاشية منهقدس سره(.
30) محاضرات في اُصول الفقه 29 :4.
31) بحوث في علم الاُصول 413 :2.
32) المصدر المتقدم: 413.
33) محاضرات في اُصول الفقه 30 :4.
34) نهاية الدراية 271 :2.
35) محاضرات في اُصول الفقه 40 :4.
..............................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
الواجب الكفائي ...
والخلاصة: إنه لوكانت هناك مصالح الزامية متعدّدة بعدد أفراد المكلفينوتدعوا
المولى إلى جعل وجوبات عديدة كذلك على طبقها، فلا موجب لكونهذه الوجوبات وجوبات
مشروطة ماعدا تخيل أحد الأمرين المتقدمين، وقدعرفت إن شيئاً منهما لايصلح أن يكون
مبرراً لذلك، فإذن لايمكن تفسيرالواجب الكفائي بهذه الصيغة.
وأما الثاني، فلأن الغرض من الواجب الكفائي إذا كان صرف وجوده فيالخارج وتحققه فيه
بفعل أي فرد كان، فهو لايقتضي أكثر من جعل وجوبواحد متعلق به، فلا مبرّر لجعل
وجوبات متعددة بعدد أفراد المكلف، ضرورةأنه لاملاك لهذه الجعول، لأن الملاك في
المقام واحد وهو لايقتضي أكثر من جعلواحد هذا، إضافة إلى أنّ الالتزام بأن متعلق
الوجوب الجامع بين فعل المكلفنفسه وفعل غيره بحاجة إلى عناية زائدة وإن قلنا
بإمكانه، لأن الظاهر من الأمرالموجه إلى كل فرد، أنّه متعلّق بفعل نفسه لا الجامع
بينه وبين فعل غيره.
نعم، هناك توجيه ثالث وهو أنّ الملاك في المقام واحد، وهذا الملاك الواحدقائم
بطبيعي الفعل الجامع بين أفراده، وحيث إنّ نسبته إلى جميع أفراد المكلفنسبة واحدة
فهي تتطلب إيجاب الفعل على الجميع، لأن إيجابه على بعض دونبعض آخر ترجيح من غير
مرجح، وإيجابه على فرد غير معين في الخارج محاللاستحالة وجوده فيه، فإذن لا مناص
من إيجابه على الجميع بإيجاب مشروط،ومرد هذه الايجابات المشروطة لباً إلى إيجاب
واحد روحاً وملاكاً وأثراً، أماالأول فظاهر، وأما الثاني فلأنه يسقط عن الجميع بفعل
واحد منهم، وعلى هذافلا يقال إنّ وحدة الملاك تتطلب وحدة الجعل، وحيث إنه في المقام
واحد فهويتطلب جعلاً واحداً ولا مبرر لجعول متعددة، وذلك لأن وحدة الملاك وإن
كانتتتطلب وحدة الجعل إلاّ أنّ الالتزام بتعدد الجعل المشروط في المقام إنما هو
علىأساس أنّ نسبة ذلك الملاك الواحد إلى الكل على حد سواء، فلهذا لايمكن
إيجابتحصيله على بعض دون بعض لأنه ترجيح من غير مرجح، فيجب حينئذٍ علىالجميع لا
محالة بإيجاب مشروط، ومن الواضح إنّ إيجابه مشروطاً على الجميعلايكون لغواً، فإنه
بلحاظ أن بإمكان كل فرد إيجاده وتحصيله في الخارج، فإذاأوجده فيه يسقط عن الباقي
أيضاً.
والخلاصة: إن جعل الوجوب على الكل بهذه الغاية المشروطة لايكون لغواً،فإذن لا مانع
من الالتزام بهذا التوجيه ثبوتاً وإثباتاً، وأما ثبوتاً فلأنه لا محذورفي الالتزام
بجعل إيجابات متعددة بعدد أفراد المكلف المشروطة رغم وحدةالملاك في المقام وقيامه
بطبيعي الفعل الجامع، لما عرفت من أنّ نسبة هذا الملاكالواحد إلى جميع المكلفين،
حيث إنها نسبة واحدة بنفسها تتطلب جعل الإيجابللكل مشروطاً، وقد تقدم أنّ منشأ هذا
الاشتراط لايمكن أن يكون فرضوجود التضاد بين الملاكات في الواقع، لما مرّ من أنه
مجرد إفتراض لا واقعموضوعي له، كما لايمكن أن يكون فرض وجود مصلحة التسهيل
والارفاق،وأما إثباتاً فلأن خطابات الواجبات الكفائية كصلاة الميت مثلاً التي هي
مجعولةفي الشريعة المقدسة بنحو القضية الحقيقية موجهة إلى جميع المكلفين مشروطة
لامطلقة، بمعنى إنّ الخطاب بصلاة الميت موجه إلى كل فرد مشروطاً بعدم قيامالآخرين
بها، فالنتيجة، إنه لا مانع من حمل روايات الباب على ذلك.
وأما التفسير الثاني وهو إنّ الوجوب الكفائي موجه إلى مجموع آحادالمكلفين بنحو
العموم المجموعي، بحيث يكون كل فرد منهم جزء الموضوع لاتمامه، فلايمكن الالتزام به
وذلك لوجوه:
الأول: إنّ لازم ذلك عدم حصول الغرض بفعل البعض وعدم سقوطالتكليف به لا عنه ولا عن
الآخرين، لفرض أنّ المطلوب هو صدور الفعل منمجموع آحاد المكلفين من حيث المجموع
بنحو الارتباط ولا يكفي صدوره عنبعضهم، فإنه كالإتيان بجزء من الصلاة مثلاً، فكما
إنّه لايكفي لحصول الغرضالمترتبعليها باعتبارأن ترتبه عليها يكون بنحوالارتباط
لاالاستقلال، فكذلكاتيان أحد منالمكلفين بالواجب، وهذا كماترى وخلافالضرورة
والوجدان.
الثاني: إنّ بعض الواجبات الكفائية غير قابل لصدوره من مجموع آحادالمكلفين من حيث
المجموع كالصلاة على الميت ونحوها.
الثالث: إنّ المكلف بالواجبات الكفائية والعينيّة هو البالغ العاقل القادر
واقعاًالذي له ذمة بمعنى إنّ التكليف ثابت في ذمته وعهدته، وعلى هذا فإن
اُريدبمجموع المكلفين إنّ لكل واحد منهم ذمة وعهدة وإنّ التكليف ثابت فيها،
فمعنىهذا انحلال التكليف بإنحلال أفرادهم وثبوته في عهدة كل منهم مستقلاً وهوخلف،
وإن اُريد به أن كل واحد منهم جزء الموضوع ، فالموضوع مجموعهم منحيث المجموع، فيرد
عليه إن عنوان المجموع عنوان اعتباري فلا واقع موضوعيله حتى تكون له ذمة وعهدة،
وعلى الجملة فإن اُريد به واقع المجموع، ففيه إنواقعه آحاد المكلفين في الخارج،
وحينئذٍ فيتعدد التكليف بتعددهم، وإن اُريد بهعنوان المجموع، ففيه أنه لا واقع له
حتى يكون التكليف موجّهاً إليه وثابتاً فيعهدته.
فالنتيجة، إنّ هذا التفسير للوجوب الكفائي لايرجع إلى معنى محصّل.
وأما التفسير الثالث، وهو إنّ الوجوب الكفائي وجوب واحد موجه إلى أحدمن المكلفين لا
إلى الجميع.
فقد اختاره السيد الاُستاذقدس سره(1)، وقد أفاد في وجه ذلك إنّ غرض المولىتارةً
يتعلق بصرف وجود الطبيعية واُخرى بمطلق وجودها، فعلى الأول يكونالمطلوب صرف
وجودها في الخارج، وعلى الثاني مطلق وجودها هذا بالنسبةإلى متعلق الوجوب، وأما
بالنسبة إلى موضوعه، فتارة يتعلق الغرض بصدورالواجب عن جميع المكلفين واُخرى
بصدوره عن صرف وجودهم، فعلى الأوليكون الواجب عينياً وعلى الثاني كفائياً، بمعنى
إنّه واجب على أحد المكلفين لابعينه المنطبق على كل واحد منهم على البدل ويسقط بفعل
البعض عن الباقي،وهذا واضح عند العرف والشرع ولا مانع منه أصلاً، وجميع مميزات
الوجوبالكفائي موجودة في هذا القول، لأنه إذا ترك من قبل كل المكلفين استحق
الكلالعقاب، وإذا وجد من قبل الكل استحق الكل الثواب، وإذا وجد من قبلالبعض سقط
عن الباقي أيضاً هذا.
ويمكن المناقشة في هذا التفسير، فإن موضوع التكليف يختلف عن متعلقه فينقطة وهي إنّ
متعلق التكليف غير مأخوذ مفروض الوجود في مقام الجعلوالاعتبار وإلاّ لزم طلب
الحاصل وهو محال، ومن هنا يكون متعلقه المفهومالذهني الذي هو مرآة للخارج وفان
فيه، والغرض من تعلقه به تحريك المكلفوانبعاثه نحو الاتيان به وإيجاده في الخارج،
وأما إن المطلوب هو تطبيق المتعلقعلى تمام أفراده فيه أو على فرد منه على البدل،
فهو بحاجة إلى عناية زائدةوقرينة خارجية، وأما الأمر المتعلق به فهو لايدل عليه
لامن ناحية نفسه ومنناحية متعلقه، وهذا بخلاف موضوع الحكم فإنه مأخوذ مفروض الوجود
فيالخارج في مرحلة الجعل والاعتبار كعنوان المستطيع مثلاً الذي فرض المولىوجوده
في الخارج وجعل وجوب الحج عليه بمقتضى الآية الشريفة، وحيث إنعنوانالموضوع
المأخوذ كذلك عنوان عام، فينحل الحكم بانحلال أفراده فيه ويثبت لكل فردمنها حكم
مستقل، فيكون الانحلال علىالقاعدة هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد ذكر السيد الاُستاذقدس سره إن موضوع الوجوب الكفائيأحد أفراد
المكلف لا على التعيين والخطاب موجه إليه، ولكن لايمكن المساعدةعليه، وذلك لأنه إن
اُريد بالواحد لا بعينه الواحد المصداقي وهو الفرد المردد فيالخارج، ففيه إنه
مستحيل، وإن اُريد به الواحد المفهومي يعني طبيعي أحدالمكلفين بنحو لا بشرط، فيرد
عليه إنّ أخذ أحد المكلفين كذلك مفروضالوجود في الخارج بدون تقييده بقيد خاص ولون
مخصوص ماعدا قيودهوشروطه العامة، فمعناه إنحلال الوجوب الكفائي بانحلال أفراد
موضوعه فيالخارج، لأن عنوان الأحد الملحوظ لا بشرط عنوان عام فيصدق على كل فردمن
أفراد المكلف في الخارج، وعليه فيثبت لكل فرد منه وجوب مستقل، وهذاخلف ما أفادهقدس
سره من أن المجعول وجوب واحد لموضوع واحد على البدل، وإناُريد به الواحد المفهومي
بقيد الوحدة، بأن يكون موضوع التكليف المأخوذ فيالقضية مفروض الوجود أحد المكلفين
بقيد الوحدة، وحينئذٍ فإن اُريد بقيدالوحدة مفهومه الذهني، فيرد عليه أولاً: إنّ
المفهوم الذهني بوصف كونه فيالذهن لايصلح أن يكون موضوعاً للحكم، لأن موضوعه
المفهوم المأخوذمفروض الوجود في الخارج.
وثانياً: إنه لامعنى لتقييد مفهوم أحد المكلفين بالوحدة في عالم الذهن،
فإنهمنتقييد مفهومالواحد بالواحد وهو كماترى، فإذن لا محالة يكون المراد منه
أخذأحد المكلفين مفروض الوجود بقيد الوحدة في عالم الانطباق والخارج وهو غيرمعقول،
لأن الموضوع إذا كان مقيداً بقيد الوحدة في مرحلة الصدق و الانطباقعلىالخارج،
فمعناهإنه مردّد في صدقه على هذا أوذاك، ولايعقل التردد فيالصدقالخارجي هذا كله
في مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات، فعلى تقدير تسليمإمكان ذلك فيمقام الثبوت،
فهل رواياتالباب تدل على هذهالفرضية أو لا؟
والجواب: إنه ليس هناك ما يدلّ عليها، إذ لم يؤخذ قيد الوحدة في لسان أدلةالواجبات
الكفائية مفروض الوجود في مرحلة الجعل والاعتبار، مثلاً ما دلعلى وجود غسل الميت
والصلاة عليه وكفنه ودفنه(2) وما شاكل ذلك منالخطاب غير موجه إلى أحد المكلفين
فضلاً عن تقييده بقيد الوحدة في مرحلةالصدق، بل هو موجه إلى طبيعي المكلف كالوجوب
العيني، ولا فرق بينهما منهذه الناحية. وإنما الفرق بينهما من ناحية اُخرى، وهي
إنّ الظاهر من أدلةالواجبات الكفائية هو أنّ المطلوب منها صرف وجودها في الخارج
روحاًوملاكاً، وهذا الظهور قرينة على أن وجوبها على كل فرد مشروط بعدم قيامالآخرين
بها، ومن هنا قلنا إن الصحيح في المسألة والموافق لظواهر الأدلة هوالتفسير الأول
بالتوجيه الذي قدمناه في حقه.
والخلاصة: إنّ الخطابات الكفائية كالخطابات العينية موجهة إلى طبيعيالمكلف الجامع
وهو المكلف البالغ العاقل القادر، ولا فرق بينهما من هذهالناحية، وإنما الفرق
بينهما من ناحية اُخرى كما عرفت، ومن هنا يظهر إن أدلةالواجب الكفائي تختلف عن
أدلة الواجب التخييري في نقطة، وهي أنّ الثانيةتدل على أنّ الواجب هو أحد البدائل
بمقتضى العطف بكلمة )أو(، بينما الأولىلاتدل على أنّ موضوع الوجوب الكفائي أحد
أفراد المكلف بل تدل على أنّموضوعه طبيعي المكلف، وهناك تفسير رابع للوجوب الكفائي
وهو إنّالخطابات الكفائية موجهة إلى واحد معين عند اللَّه وغير معيّن عندنا،
وهذاالتفسير لا يرجع إلى معنى معقول:
أما أولاً: فلأنه وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنّه لايمكن استفادته من أدلةالوجوبات
الكفائية، لأنّها موجّهة إلى طبيعيالمكلف لا إلى واحد معين عند اللَّه.
وثانياً: إنّ هذا التكليف غير قابل للوصول والتنجّز، لأن كل مكلف شاك فيأنه هو
الفرد المعين عنده تعالى حتى يكون الخطاب الكفائي موجهاً إليه أولا،وهذا يكون من
الشك في أصل ثبوت التكليف، والمرجع فيه قاعدة البراءة،والعلم الإجمالي بأنه إما
موجه إليه أو إلى غيره لا أثر له، لأن المكلف إذا شك فيأن الخطاب بالصلاة على
الميت مثلاً هل هو موجه إليه أو إلى غيره، فهو يرجعإلى الشك في أصل وجوبها عليه
بالشك البدوي والمرجع فيه الأصل المؤمن.
وثالثاً: إن سقوطه عنه بفعل غيره بحاجة إلى دليل، لوضوح أنّ سقوطالواجب عن ذمة شخص
بفعل آخر بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، ودعوى إنّالدليل عليه في المسألة موجود
وهو أدلة الواجب الكفائي، فإنها تدل علىسقوطه عن ذمته بقيام الآخر بامتثاله،
مدفوعة بأنّ مقتضى تلك الأدلة وإن كانذلك إلاّ أنه من جهة أن مفادها هو أنّه واجب
على كل فرد بحسب الجعل، ولكنبقائه في ذمته مشروط بعدم قيام الآخر بإتيانه، لا أنّ
مفادها هو أنه واجب علىفرد معين عند اللَّه تعالى ولكنه يسقط عن ذمته بفعل الآخر.
فالنتيجة، إنّ هذه الأدلة لاتدل على هذا القول من الأول حتى تدل علىالسقوط بفعل
الغير، والدليل الآخر غير موجود.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى: إن الوجوب الكفائي يمتاز عن الوجوب التخييري في نقطة، وهي إنّالبحث في
الوجوب التخييري إنما هو عن تعيين متعلقه بينما البحث في الوجوبالكفائي عن تعيين
موضوعه وهو المكلف.
الثانية: إن مميزات الواجب الكفائي ثلاثة:
1 - سقوطه عن الجميع بفعل البعض.
2 - استحقاق الجميع العقاب عند تركه نهائياً.
3 - استحقاق الجميع الثواب إذا أتوابه جميعاً دفعةً أو تدريجاً.
الثالثة: إن للوجوب الكفائي أربعة تفسيرات.
1-أنيكونالخطابالكفائيموجهاًإلىجميعالمكلفينبنحوالعموم الاستغراقي.
2 - أن يكون موجهاً إلى مجموع المكلفين بنحو العموم المجموعي.
3 - أن يكون موجهاً إلى أحد المكلفين لا على التعيين.
4 - أن يكون موجهاً إلى واحد معين عند اللَّه وغير معيّن عندنا.
الرابعة: إن الصحيح من هذه التفسيرات هو التفسير الأول، وحيث إنّهلايمكن الأخذ
بظاهره وهو الوجوب العيني، وأما الوجوب الكفائي وهوالوجوب المشروط، فهو بحاجة إلى
نكتة ثبوتية مبررة له وتلك النكتة لايمكنأن تكون متمثلة في التضاد بين الملاكات،
لما تقدم من أنه لاتضاد بينها ولا فيالمصلحة التسهيلية الارفاقية كما مرّ، بل هي
متمثلة في وحدة الملاك من ناحية،ونسبته إلى جميع المكلفين نسبة واحدة من ناحية
اُخرى.
وأما التفسير الثاني فلايمكن الأخذ به لا ثبوتاً ولا اثباتاً وكذلك التفسيرالرابع
والثالث.
الواجب الموقت )الموسع والمضيق( ...
الواجب الموقّت
الموسع والمضيق:
لا إشكال في وقوع كلا النوعين من الواجب في الشريعة المقدسة.
والأول كالصلاة ونحوها.
والثاني كالصوم وما شاكله.
وقد يشكل في إمكان الواجب الموسع بدعوى إنّ معنى كون الشيء واجباً هوعدم جواز
تركه، وعلى هذا الأساس فالصلاة لا تخلو من أن تكون واجبة منأول وقتها إلى آخره
أولاً ولا ثالث لهما ولايمكن الالتزام بالأول، لأن لازمه عدمجواز ترك الصلاة في
أول وقتها مع أن جواز تركها فيه من الواضحات الأولية فيالشريعة المقدسة، ولا
بالثاني لأنه على خلاف الكتاب والسنة فإنهما ينصّان علىوجوبها من المبدء إلى
المنتهى، فلذلك لايمكن تصوير الواجب الموسّع.
والجواب: إنّ هذا الاشكال مبني على الخلط بين جواز ترك الواجب بما هوواجب وجواز ترك
ماليس بواجب، فإن الواجب هو طبيعي الصلاة بين المبدءوالمنتهى الجامعة بين الأفراد
الطولية والعرضية ولايسري الوجوب منه إلىأفراده، فإنّها مصداق للواجب لا أنها
واجبة، فإذن ترك الصلاة في أول الوقتليس تركاً للواجب بل هو ترك لفرده الذي ليس
بواجب وما هو واجب لميتركه، لأن ترك الواجب لايتحقق إلاّ بترك الصلاة في مجموع
الوقت، فلو تركهافي أول الوقت وأتى بها في آخر الوقت لم يكن تاركاً للواجب.
فالنتيجة، إن ما هو واجب وهو الجامع بين المبدء والمنتهى لايجوز تركه، وماهو جائز
تركه وهو الفرد فليس بواجب هذا.
وقد يشكل في إمكان الواجب المضيق بدعوى إنّ انبعاث المكلف وتحريكهنحو الاتيان
بالواجب لابد أن يكون متأخراً عن البعث والمحرك ولو آناً ما، وعلىهذا فلابد أن
يكون زمان البعث أوسع من زمان الانبعاث فلايمكن أن يكونمساوياً له، ونتيجة ذلك هي
إنّ الواجب المضيق غير متصوّر هو أن يكون زمانالوجوب مساوياً لزمان الواجب.
والجواب: إنّ المراد من الواجب المضيّق هو ما يكون زمانه مساوياً لوقوعهفي الخارج،
بمعنى أنّ أول جزء منه يقع في أول آن من زمانه وآخر جزء منه يقعفي آخر آن من زمانه
بحيث لا يزيد عليه ولا ينقص، وأما كون زمان الوجوبمساوياً لزمان الواجب، فهو غير
لازم إلاّ على القول باستحالة الواجب التعليقيوالشرط المتأخر، وأما على القول
بإمكان الأول أو الثاني، فلا مانع من كونزمان الوجوب متقدماً على زمان الواجب.
نعم، بناءً على ماقويناه في محله من استحالة الواجب المعلق والشرطالمتأخر، فلايمكن
أن يكون زمان الوجوب أوسع من زمان الواجب، وأما تأخرالانبعاث عن البعث فهو رتبي لا
زماني كتأخر المعلول عن العلة التامة، باعتبارأنه معلول لفعلية فاعلية البعث بفعلية
موضوعه في الخارج لا أنه معلول لانشائهوجعله في مرحلة الاعتبار.
فالنتيجة، إنه لا إشكال في إمكان الواجب الموسع والمضيق ووقوعهما فيالشريعة
المقدسة بل هو من ضروريات الفقه هذا.
ثم إن الكلام في هذه المسألة يقع في نقاط:
الاُولى: في بيان ما هو نكتة تقديم المقيّد على المطلق والخاص على العامعرفاً.
الثانية: في مسألة تبعيّة القضاء للأداء.
الثالثة: في تعيين موضوع وجوب القضاء إذا كان بأمر جديد.
الرابعة: في مقتضى الأصل العملي في المسألة.
أما الكلام في النقطة الاُولى فيقع في مقامين:
الأول: في نكتة تقديم المقيد على المطلق.
الثاني: في نكتة تقديم الخاص على العام.
أما الكلام في المقام الأول، فإن كان المقيّد متصلاً بالمطلق سواءً أكاناتصاله به
بصيغة الاستثاناء كقولنا: أكرم العلماء إلاّ الفساق منهم، أم بجملةمستقلة كقولنا:
أكرم السادات ولاتكرم الفساق منهم، فلا تنافي بينهما إلاّ في المدلولالتصوري، أما
في المثال الأول فهو واضح، لأن المستثنى منه والاستثناء بمثابةدليل واحد ولهما ظهور
واحد فلا موضوع للتعارض، وأما في المثال الثاني، فلأنظهور المطلق في الاطلاق متوقف
على تمامية مقدمات الحكمة ووجود قرينةمتصلة به مانعة عن تمامية المقدمات وبدون
تماميتها لاينعقد له ظهور في الاطلاقحتى يكون معارضاً لدليل المقيد، لأن المعارض
له اطلاق المطلق، والمفروض إنّهلاينعقد مع وجود الدليل المقيد المتصل على خلافه
ومع عدم انعقاده لا موضوعللتعارضوالتنافيبينهما، فإذنلامناص
منالأخذبظهورالدليلالمقيّد، هذاواضح.
وأما إذا كان الدليل المقيّد منفصلاً، كما إذا ورد في دليل أكرم الشعراء ثم ورد
فيدليل منفصل لاتكرم الفساق منهم، فقد يقال إن تقديمه على إطلاق دليل المطلقبنفس
ملاك تقديم الدليل المقيّد المتصل عليه وهو كونه مانعاً عن تمامية مقدماتالحكمة،
بدعوى أنّ مقدمات الحكمة التي هي منشأ للدلالة الاطلاقية للمطلقتتوقف على عدم
الدليل على التقييد سواءً أكان متصلاً أم منفصلاً، فيكون الدليلالمقيّد المنفصل
كالمتصل مانع عن تمامية تلك المقدمات.
ولكن هذا القول غير صحيح، وذلك لأن انعقاد ظهور المطلق في الاطلاقلوكان متوقفاً
على عدم الدليل على التقييد مطلقاً وإن كان منفصلاً، لم يمكناثبات الاطلاق في مورد
بمقدمات الحكمة لانسداد بابها حينئذٍ نهائياً، لأنالتقييد بالمنفصل لو كان من
أجزائها، لم يكن بالامكان إحراز الاطلاق في شيءمن مطلقات الكتاب والسنة، لأن في كل
مطلق من هذه المطلقات نجد احتمالوجود دليل على تقييده في الواقع، وهذا الاحتمال
مانع عن احراز مقدماتالحكمة، وبدون احرازها لايمكن احراز الاطلاق للمطلق فيكون
مجملاً وهذاخلاف الوجدان، ضرورة أن التمسك باطلاق الكتاب والسنة من لدن عصرالتشريع
إلى عصرنا هذا من الواضحات. وهذا كاشف عن أنّ عدم القرينةالمنفصلة ليس جزءً لمقدمات
الحكمة، وبكلمة إنّ السيرة القطعية من العقلاءجارية على العمل بالظواهر منها ظواهر
مطلقات الكتاب والسنة وعدم الاعتناءباحتمال وجود قرينة على التقييد، ومن الواضح أن
هذه السيرة القطعية المرتكزةفي أذهان العرف والعقلاء الممضاة من قبل الشارع، تكشف
عن أن عدم التقييدبالمنفصل ليس من أجزاء مقدمات الحكمة، وإنّ ما هو من أجزائها هو
عدمالتقييد بالمتصل، واطلاق المطلق لايتوقف إلاّ عليه لا على عدم التقييد
بالمنفصلأيضاً، فإذا صدر من المولى مطلق وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة
علىالتقييد انعقد ظهوره في الاطلاق ولا يتوقف على عدم التقييد بالمنفصل وعندئذٍفلا
أثر لاحتماله في الواقع.
فالنتيجة، إن إنعقاد إطلاق المطلق لايتوقف على عدم وجود التقييد بالمنفصلوإنما
يتوقف على عدم وجود التقييد بالمتصل فحسب كما هو الحال في الخطاباتالعرفية
والعقلائية، لأن بنائهم على التمسك باطلاق الخطاب بمجرد انتهاء المتكلممنه وعدم
نصب قرينة على الخلاف إذا كان في مقام البيان وعدم الاعتناء باحتمالنصب قرينة
منفصلة على الخلاف في الواقع هذا.
وللسيد الاُستاذقدس سره في المقام كلام وهو أن ظهور المطلق في الاطلاق وانعقادهفي
كل زمان يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة فيه، فإذا ورد خطاب مطلق منالمولى ولم
يرد منه قرينة على التقييد رغم كونه في مقام البيان إنعقد ظهوره فيالاطلاق، وهذا
الظهور مستمر طالما لم تكن هناك قرينة على التقييد، فإذا جائتقرينة، ارتفع ظهوره
في الاطلاق من حين وصول القرينة لا أن وصولها كاشفعن أنّ ظهوره في الاطلاق لم
ينعقد من الأول، ويمكن تقريب ذلك فنياً بأن ظهورالمطلق في الاطلاق معلول لتمامية
مقدمات الحكمة ويدور مدارها حدوثاً وبقاءً،فإذا انعقد ظهوره في الاطلاق بمقدمات
الحكمة فاستمراره مرتبط باستمرارالمقدمات وعدم عروض الاخلال بها كاستمرار المعلول
باستمرار العلة، فإذااختلت المقدمات بوصول القرينة في الزمن الثاني، ارتفع ظهوره في
الاطلاق فيهمن الآن بارتفاع علته وهي المقدمات المذكورة.
ولنا تعليق على ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره وذلك، لأنه إن أراد بذلك إنّ
عدمالتقييد بالمنفصل بوجوده الواقعي جزء مقدمات الحكمة، فيرد عليه ما تقدم منأن
لازم ذلك إجمال تمام مطلقات الكتاب والسنة وعدم إمكان التمسك بشيء منهاوهو كما
ترى، وإن أراد به إنّه بوجوده العلمي جزء المقدمات بمعنى إنّ وصولهوالعلم به مانع
عنها كما هو ظاهر كلامهقدس سره، فيرد عليه إنّه لايمكن أن يكون ذلكمانعاً عنها،
إذ لا تنافي بين وصول القرينة والعلم بها وبين اطلاق المطلق الذي هومعلول للمقدمات،
فإن التنافي إنما هو بينه وبين حجية اطلاق المطلق، حيث إنهمانع عن شمول دليل
الحجّية له لا عن أصل ظهور المطلق في الاطلاق.
وإن شئت قلت: إنّ عدم وصول القرينة المنفصلة غير دخيل في تكوين ظهورالمطلق في
الاطلاق، فإن تكوينه منوط بتمامية مقدمات الحكمة وهي تتم بعدمنصب المتكلم قرينة
متصلة على الخلاف مع كونه في مقام بيان تمام مراده بشخصكلامه بمقتضى ظهور حاله،
وقد تقدم إنّ على ذلك بناء العرف والعقلاء في بابالألفاظ في مقام التفهيم والتفهم
في كافة محاوراتهم وإنهم تعهدوا بحمل كلام كلمتكلم عرفي على ذلك مالم يثبت خلافه
بقرينة. هذا إضافة إلى أنّ عدم وصولالقرينة لايمكن أن يكون جزء المقدمات، لا من
جهة إن العدم بما هو عدم لايعقلأن يكون مؤثراً، بل من جهة أن وصولها والعلم بها
لايمكن أن يكون مانعاً عنها،وذلك لعدم التنافي بين وصول القرينة المنفصلة والعلم
بها وبين تأثير مقدماتالحكمة في انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق ولا مانع من الجمع
بينهما أي ظهورالمطلق في الاطلاق ووصول القرينة على الخلاف، ومع عدم التنافي
والتمانع بينهمافكيف يعقل أن يكون وصولها مانعاً عن ظهوره، لأن التنافي إنما هو بين
وصولهاوبين حجية اطلاق المطلق، لوضوح أنّه لا يجتمع مع اطلاق دليل الحجية لا
معاطلاق المطلق، إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ عدم القرينة
المنفصلةبوجودها الواقعي ليس جزء المقدمات حتى يكون وجودها مانعاً عنها كما هولازم
ما أفادهقدس سره في المقام من أن اطلاق المطلق ينعقد بمجرد فراغ المتكلم عنكلامه
وعدم نصبه قرينة متصلة على الخلاف مع كونه في مقام البيان، فإن معنىذلك إنّ عدم
القرينة المنفصلة ليس جزء المقدمات وغير دخيل فيها وإلاّ لم ينعقداطلاق للمطلق
طالما لم يحرز عدمها في الواقع واحتمل وجودها فيه، وأمابوجودها العلمي فلايعقل أن
يكون مانعاً عن مقدمات الحكمة، لما عرفت منأنه لا تنافي بين اطلاق المطلق الذي هو
مدلول للمقدمات وبين وصول القرينةوالعلم بها على الخلاف، فلذلك ما أفاد السيد
الاُستاذقدس سره في المقام لايرجع إلىمعنى صحيح بل هوقدس سره أيضاً لايلتزم بذلك،
حيث إنه قد ذكر في غير مورد أنوصول القرينة المنفصلة مانع عن حجية إطلاق المطلق لا
عن أصل الاطلاقولايكون رافعاً له، ضرورة إنّ الاطلاق إذا انعقد بمقدمات الحكمة
فلايمكن رفعهإلاّ برفع المقدمات، والمفروض إنّ عدم وصول القرينة المنفصلة ليس جزءً
لهاحتى يكون وصولها رافعاً له برفع المقدمات، ولا فرق من هذه الناحية بينالدلالة
الاطلاقية والدلالة الوضعية، فكما إن الدلالة الوضعية الذاتية لاترتفعبوصول
القرينة المنفصلة على خلافها وإنما يرتفع حجيّتها فحسب فكذلكالدلالة الإطلاقية
الحكمية، فإنها لاترتفع بوصول القرينة على خلافها وإنما ترتفعبه حجيتها فقط هذا من
ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن منشأ ظهور المطلق في الاطلاق مباشرة إنما هو ظهورحال المتكلم
العرفي نوعاً في أنه أراد بيان تمام مراده الجدي بشخص كلامه إذاكان في مقام البيان
ولم ينصب قرينة متصلة على الخلاف، وعلى هذا فالمدلولالمباشر للمقدمات ظهور حال
المتكلم العرفي في ذلك، وأما اطلاق المطلق فهومعلول مباشر لظهور حاله فيه وبالواسطة
لمقدمات الحكمة، ومنشأ هذا الظهورالحالي للمتكلم الغلبة الخارجية، حيث إنّ الغالب
خارجاً إذا صدر كلام منمتكلم عرفي أنه أراد تفهيم معناه عن جد في مقابل أن يكون
صدوره منه بغرضآخر كالامتحان أو الهزل أو غير ذلك، وهذه الغلبة هي السبب لتعهد
العرفوالعقلاء في باب الألفاظ في محاوراتهم على حمل كلام كل متكلم عرفي على أنه
فيمقام بيان مراده عن جد إلا إذا كانت هناك قرينة على الخلاف، وهذا التعهد
منهمإنما هو بنكتة حفظ النظام المادية والمعنوية في المجتمع الإنساني والحفاظ
عليه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سرهمن
أن ظهور المطلق في الاطلاق في كل زمان يتوقف على عدم القرينة في ذلكالزمان حدوثاً
وبقاءً، لايرجع بالتحليل إلى معنى صحيح.
والتحقيق في المقام أن يقال إنّ تقديم المقيد المنفصل على اطلاق المطلق ليسبملاك
تقديم المقيد المتصل عليه ولا بملاك أنّ وصول المقيّد المنفصل رافعلظهور المطلق في
الاطلاق بل بملاك ثالث، وهو أن الدليل المقيّد المنفصل لدىالعرف العام قرينة نوعية
على المطلق وبيان ومفسر للمرتبة النهاية من دلالتهوهي دلالته التصديقية بلحاظ
الارادة الجدية، بيان ذلك أن لظهور اللفظ فيالمعنى ثلاث مراتب:
المرتبة الاُولى: الظهور التصوري ونقصد به حضور معناه في الذهن بمجردسماعه وإن كان
من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا الظهور مستند إلى الوضعفحسب لا غيره.
المرتبة الثانية: الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية أو التفهمية،ومنشأ هذا
الظهور ليس هو الوضع، لأن المدلول الوضعي تصوري لا تصديقيبل منشأه ظهور حال
المتكلم الشاعر في أنه أراد استعمال ما صدر منه من اللفظفي معناه زائداً على ظهوره
التصوري، فإذا صدر كلام من متكلم شاعر كانظاهراً في أنه أراد استعماله في معناه في
مقابل ما إذا صدر من متكلم غير شاعروملتفت، فإنه لا ظهور له في ذلك ماعدا ظهوره
التصوري المستند إلى الوضع.
المرتبة الثالثة: الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية النهاية، وهذإ؛ِخخالظهور
هو الظهور النهائي للفظ ويستقر عليه وهو الموضوع للحجيّة.
وبكملة، إنّ الظهور التصديقي بلحاظ الإرادة الجديّة هو المرتبة النهاية
لدلالةاللفظ، وطالما لم تصل دلالته إلى هذه المرتبة لم تستقر ولا تكون
موضوعاًللحجّية، وأما إذا وصلت إلى هذه المرتبة فتكون حجة، ومن هنا لاتعارض
بيندليلين متنافيين في المدلول التصوري ولا في المدلول التصديقي بلحاظ
الارادةالاستعمالية أو التفهميّة، وإنما التعارض بينهما في المدلول التصديقي بلحاظ
الاراةالجدية النهاية، باعتبار أنه موضوع للحجّية فيسري التعارض حينئذٍ إلى
دليلالحجّية، ومن هنا لايكون اللفظ مشمولاً لدليل الحجّية بلحاظ مدلولهالتصوري لا
مدلوله التصديقي الابتدائي، ومنشأ هذا الظهور النهائي أيضاً ظهورحال المتكلم، فإنه
إذا صدر منه كلام وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينه علىالخلاف، فظاهر حاله إنه
جاد في إرادة معناه، وعلى ضوء هذا الأساس فالدليلالمقيد المنفصل وإن كان
معارضاًلاطلاق الدليلالمطلق، إلا أنالكلام هناإنما هو فيأن هذاالتعارض
والتنافيبينهما هلهو مستقرلكي يسري إلى دليلالحجية أو لا؟
والجواب: إنه غير مستقر، بيان ذلك إنّ هذه المسألة ليست مسألة عقليةلكي نحتاح في
إثباتها إلى إقامة برهان عقلي عليها، بل هي مسألة عرفية عقلائيةولابد في إثباتها من
الرجوع إلى العرف العام، فإنه المرجع الوحيد في تعيينمداليل الألفاظ سعةً وضيقاً
على أساس المناسبات الارتكازية العرفية والقرائنالخارجية من اللفظية والحالية في
تمام مراتب دلالاتها من التصورية البدائية إلىالدلالة التصديقية النهائية، وأما في
مسألتنا هذه فترى إنّ العرف العام لايعاملمع المطلق والمقيد المنفصل معاملة
المتعارضين كما يعامل مع دليلين كانت النسبةبينهما عموماً من وجه أو التباين ويفرق
بين البابين، وهذا التعامل من العرفقرينة على أنّ التعارض بينهما غير مستقر، بمعنى
أنّه لايكون في الدلالة النهائيةبينهما، فإذن يقعالكلام في أنالعرف هل يعامل مع
المقيد المنفصل معاملة القرينة ومعالمطلق معاملة ذيالقرينة ويجعلالمقيد بياناً
وتفسيراً للمراد الجدي النهائي منالمطلق أوأنه يجعلالمطلق قرينة علىالتصرف
فيالمقيد وحملهعلى أفضلالأفراد.
والجواب: إنّ الأول هو المتعين عندهم، وذلك لأن بناء العرف والعقلاء قائمفي باب
الألفاظ على جعل المقيد المنفصل قرينة نوعية على المطلق وبيان المرادالنهائي منه،
فإذا صدر من متكلم عرفي مطلق ثم صدر منه مقيد في دليلمنفصل، كان بنائهم على جعل
المقيد قرينة على بيان مراده الجدي من المطلق،وإن شئت قلت: إن تقديم المقيد على
المطلق بنظر العرف والعقلاء منوط بتوفرعدة عناصر.
العنصر الأول: أخصية المقيد من المطلق موضوعاً.
العنصر الثاني: صدور المطلق والمقيد من متكلم واحد حقيقة أو حكماًكالأئمة
الأطهارعليهم السلام مع النبي الأكرمصلى الله عليه وآله، فإنهم بمثابة متكلم واحد
عن الشريعةالمقدسة، ولهذا إذا صدر مطلق من إمام ومقيد من إمام آخر، عومل معهما
معاملةصدورهما من متكلم واحد.
العنصر الثالث: أن يكون المتكلم ملتفتاً حين صدور المقيد منه إنّ المطلق قدصدر منه
في هذا الموضوع بشكل عام أو سيصدر.
الرابع: أن يكون المتكلم جاداً في كلامه وبيان مراده.
الخامس: أن يكون المتكلم عرفياً اعتيادياً، فإذا توفرت هذه العناصر فيالمطلق
والمقيد، فالمقيد بنظر العرف والعقلاء قرينة على بيان المراد النهائي منالمطلق،
ومنشأ بناء العقلاء والعرف على جعل المقيد قرينة على بيان مراد المتكلمالنهائي
منالمطلق هوالغلبة الخارجية، حيث إنّ الغالب في المحاورات العرفية والعقلائية إنه
إذا صدر من المتكلم مطلق ثم صدر منه مقيد، فظاهره إنه جعلهقرينة على بيان مراده
الجدي من المطلق على أساس إنه إما غير متمكن من بيانمراده الجدي في هذاالوقت
بالمقيد أو أنّ المصلحة تقتضي صدور المطلق منه وابراز مراده به أو كان جاهلاً بأن
المصلحة قائمة بالمقيد لا بالمطلق، كما إذا كانالمتكلم من الموالي العرفية أو غير
ذلك، ثم إنّ قرينية المقيد ليست بملاك أظهريتهبالنسبة إلى المطلق، بل بملاك توفر
العناصر المذكورة فيه، فلهذا تكون قرينيتهنوعية لا شخصية.
إلى هنا قد تبيّن إنّ تقديم المقيد المنفصل على المطلق بملاك القرينيّة النوعية
بعدفرض انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو تقديم الخاص على العام فيقع في مقامين:
الأول: في المخصص المتصل.
الثاني: في المخصص المنفصل.
أما الكلام في المقام الأول، فإن كان إتصاله بالعام بنحو اتصال الصفةبالموصوف، بأن
يكون الخاص جزءً من مدلول أداة العام ووصفاً له، كما إذا كانمن قبيل أكرم كل عالم
عادل فهو خارج عن محل الكلام، إذ ليس هنا مفهومانحتى في مرحلة التصور، فإن
المتبادر منه مفهوم واحد وهو عموم أفراد هذا العامالموصوف والمقيد يعني الحصة
الخاصة.
وإن كان اتصاله بالعام بالاستثناء من قبيل أكرم كل العلماء إلاّ الفساق منهم،كان
المتبادر التصوري منه ثلاثة مفاهيم:
الأول: عموم وجوب إكرام كل العلماء وتدل عليه أداة العموم.
الثاني: الاقتتاع والاستثناء وتدل عليه أداة الاستثناء.
الثالث: المفهوم المقيد وهو وجوب إكرام كل العلماء باستثناء حصّة خاصةمنهم وهي
الفساق وتدل عليه سياق الجملتين، وهذا المفهوم الثالث الذي هومدلول الجملة المتعقبة
بالاستثناء هو المقصود النهائي، وأما المفهوم الأول والثانيفهما مندمجان فيه
ومقصودان بتبعه لا بالأصالة كما هو الحال في جميع مفرداتالجملة، فإنها مندمجة في
مفهوم الجملة ومقصودة بتبعه لا بالأصالة والاستقلال،ولهذا لايوجد تعارض حقيقي إلاّ
بين دليلين في المرحلة النهاية من الدلالة،ويسري التعارض من هذه المرحلة إلى دليل
حجيتهما ولايمكن شموله لكليهمامعاً، وأما إذا كان دور التنافي محصوراً في المرحلة
الاُولى والثانية فلا أثر له، لأنالدليل في هذه المرحلة من الدلالة لايكون
مشمولاً لدليل الحجية على أساس أنّدليليته إنما تتم بدلالته النهاية، فطالما لم
تتكون هذه الدلالة فيه فلا قيمة له ولايكون مشمولاً لدليل الاعتبار، فإذا تكونت كان
مشمولاً له وموضوعاًللحجية، ولا أثر للتنافي بين الدلالات في المرحلة الاُولى ولا
في المرحلة الثانية،لأن الدلالة في كلتا المرحلتين مندكة في الدلالة في المرحلة
الثالثة التي هيمقصودة بالأصالة، وعلى هذا الأساس فحيث إنّ جملة المستثنى منه
وجملةالاستثناء من مفردات الجملة المشتملة عليهما فلا أثر لدلالتهما، لأنها مندكة
فيدلالة الجملة والمقصود النهائي إنما هو مدلولها دون مدلول مفرداتها،
فالنتيجة،إنه لايوجد أي تعارض حقيقي بين العام والخاص في التخصيص بالاستثناءبإعتبار
أن لهما مفهوماً واحداً تصوراً وتصديقاً، وأما مفهوم كل منهما مستقلاًفهو مندمج
ومندك فيه في مرحلة التصديق النهائي، ولهذا لا يرى العرف العام أيتعارض بين
الجملة المستثنى منه والجملة المستثنى.
وإن كان التخصيص بجملة مستقلة تعقبت بالعام، كما إذا قال المولى لايجبإكرام أيّ
عالم، ثم قال وأكرم كل فقيه، فلاشبهة في وجود التنافي بينهما علىأساس أن كلاً
منهما ظاهر في إرادة معناه، فإذن ماهو العلاج في رفع هذا التنافي؟
قد يقال كما قيل: إنّ هذا التنافي يمكن دفعه بالالتزام بدلالة ثالثة لهما،
بتقريبإنّ الجملتين المتعاقبتين اللتين تكون نسبة موضوع أحدهما إلى موضوع
الآخرنسبة الخاص إلى العام تعطيان تصوراً ثالثاً لهما وهو العام المخصص
بالخاص،فيكون هذا المدلول هو المدلول التصوري النهائي لهما على أساس أنّ
المدلولينالتصوّرين المتنافيين الأولين لهما مندمجان ومندكان فيه، وهذا المدلول
الثالث هوالمراد الجدي للمولى، وحينئذٍ فحالهما حال التخصيص بالاستثناء فلا تنافي
ولاتعارض بينهما، لأن دور التنافي بين المدلولين التصورين محصور في المرحلةالاُولى
فحسب.
والجواب: إن الجملتين المتعاقبتين لاتدلان على مفهوم ثالث بالدلالةالسياقية، لوضوح
إن الجملة الاُولى تدل على معناها والثانية على معناها، ومجردالترتيب بينهما لايدل
على مفهوم ثالث وهو المفهوم المقيد أي عدم وجوب إكرامأي عالم غير إكرام كل فقيه،
لوضوح أن سياقهما لايدل على ذلك، فإن الدلالةبحاجة إلى منشأ ولايمكن أن تكون ذاتية،
والمنشأ لها إما الوضع أو الانسالذهني، أما الوضع فلا شبهة في أن الجملتين
المتعاقبتين لم توضعا لمعنىثالث، بحيث يكون معنى كل منهما مندمجاً فيه ومندكاً،
لوضوح إنّ الجملة الاُولىموضوعة لمعناها وكذلك الثانية، وتعقب الجملة الاُولى
بالجملة الثانية لم يوضعلمعنى ثالث، ولهذا لايكون المعنى الثالث متبادراً من
تعاقبهما وإنما المتبادر منهماعند إطلاقهما هو معناهما دون أكثر، وهذا دليل على عدم
الوضع، وأما الثانيوهو الانس الذهني فهو مفقود في المقام، لأن أصل المعنى الثالث
المفروض لم يكنمتبادراً منهما عند إطلاقهما متعاقباً فضلاً عن كونه مأنوساً، ولا
يقاس هاتانالجملتان بقولنا: زيد أسد يرمي، فإن المتبادر منه الرجل الشجاع بقرينة
يرميدون المعنى الأول للأسد وهو الحيوان المفترس، وذلك لأنه غريب عن الذهن فيهذه
الجملة والمأنوس فيه منها الرجل الشجاع، فلهذا كان هو المتبادر منها عنداطلاقها وإن
كان من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا التبادر مستند إلى الانسالذهني الحاصل من
إسناد الرمي إلى الأسد هذا.
والصحيح في المقام أن يقال: إنّ ملاك تقديمه عليه هو أنه قرينة ومفسّر نوعيللمراد
الجدّي النهائي من العام عند العرف والعقلاء لأنهم متعهّدون بحمل كلامكل متكلم
عرفي إذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف على الجدبمقتضى ظهور حاله
في ذلك، وهذا التعهّد منهم حيث إنه لايمكن أن يكون جزافاًوبلا نكتة مبرّرة له،
والنكتة فيه العناصر التالية:
الأول: أن يكون المتكلم عرفياً لا خارجاً عن العرف العام.
الثاني: أن يكون العام والخاص صادرين من متكلم واحد حقيقة أو حكماًكالأئمة
الأطهارعليهم السلام مع الرسول الأكرمصلى الله عليه وآله، فإنهم وإن كانوا متعددين
إلاّ أنّهمبالنسبة إلى الشريعة المقدسة بمثابة متكلم واحد.
الثالث: أن يكون ملتفتاً حينما يصدر منه الخاص إلى صدور العام منه أو أنهسيصدر.
الرابع: عدم إمكان إرادة كليهما معاً عن جد.
الخامس: أن يكون المتكلم جاداً في كلامه، فإذا توفرت هذه العناصرالخمسة في متكلم،
نتج منها ظهور حاله في أنه جعل الخاص الصادر منه قرينةعلى بيان مراده الجدي النهائي
من العام، فإذن يكون تقديمه على العام بملاكالقرينية والحكومية، وحيث إنّ قرينيّته
على ضوء هذه العناصر أمر مرتكز فيأذهان العرف والعقلاء، فلا يبعد دعوى تكوين ظهور
ثالث لهما معاً وهو فيالمثال عدم وجوب إكرام العلماء وغير الفقهاء واندماج ظهور كل
منهما فيه،ومنشأ هذا الظهور ارتكازية قرينية الخاص للعام.
ومن هنا يظهر أن وجه تقديم الخاص على العام ليس بملاك الأظهرية وإلاّ لميطرد
تقديمه عليه في تمام الموارد، بل لابد حينئذٍ من ملاحظة الخاص في كلمورد وأنه أظهر
من العام أو لا، وهذا خلاف ما هو المرتكز في الأذهان منقرينيّته على العام وإن لم
تكن أظهر منه في الدلالة.
ومن هنا يظهر وجه تقديم الخاص المنفصل على العام، فإنه بنفس ما مرّ منالملاك وهو
القرينية والحكومية عند توفر العناصر الخمسة، وقد عرفت إنّقرينيته أمر مرتكز في
الأذهان، ولهذا لم تلحظ في تقديمه على العام خصوصيةاُخرى كالأظهرية ونحوها، وتمام
الكلام في كل ذلك يأتي في مبحث العاموالخاص إنشاء اللَّه تعالى.
وأما الكلام في النقطة الثانية، فيقع في أنّ القضاء هل هو تابع للأداء أو أنهبأمر
جديد.
والجواب: إن منشأ هذا الاختلاف إنما هو الاختلاف في أن الدليل الدال علىتقييد
إطلاق المطلق بالوقت هل يدل على تقييده بلحاظ أصل المطلوب أوبلحاظ تمام المطلوب
وكماله، فعلى الأول يكون القضاء بأمر جديد وعلى الثانييكون تابعاً للأداء.
والجواب: إن تفصيل ذلك يتطلب بيان اُمور:
الأول: ما مرّ من أنّ تقديم المقيد على المطلق والخاص على العام إنما هوبملاك
القرينيّة والحكومة.
الثاني: إنّ المطلق والمقيّد تارةً يكونا متنافيين بالإيجاب والسلب واُخرىيكونا
مثبتين، أما الأول كقوله: أكرم العلماء ولا تكرم الفساق منهم، فهل يعاملمعهما
معاملة المتعارضين المستقرين حتى يدخلان في باب التعارض أو لا حتىيدخلان في باب
الجمع العرفي؟
والجواب: إنهما يدخلان في باب الجمع العرفي، وأن ملاك تقديم الخاص علىالعام
والمقيد على المطلق إنما هو القرينية النوعيّة بلا فرق في ذلك بين
أنواعهماوأقسامهما جميعاً.
وأما الثاني فهو على قسمين:
الأول: أن يكون الحكم المجعول لكل من العام والخاص والمطلق والمقيّدإنحلالياً كما
إذا قال المولى: أكرم العلماء وأكرم العلماء العدول.
الثاني: أن يكون الحكم المجعول لكل منهما حكماً واحداً وغير منحل، كما إذاقال
المولى: صلّ وصلّ قائماً أو مستقبل القبلة.
أماالقسمالأول: فالمعروف والمشهور بين الأصحاب عدم حمل المطلق علىالمقيد بل يحمل
المقيّد على أفضل الأفراد، وقد استدلوا على ذلك بأنّ الدليل المقيدحيث إنّه لايدل
على نفي الحكم عن غير مورده، فلاينافي المطلق إلاّ على القولبمفهوم الوصف والقيد
وهو ضعيف، فمن أجل ذلك يحمل على أفضل الأفرادملاكاً وحكماً.
وأما القسم الثاني: فحيث إنّ الحكم فيه واحد ودار أمره بين أن يكون مطلقاًأو مقيداً
فلابد من حمله على المقيد، بدعوى إنّ الحكم لوكان ثابتاً للطبيعيالمطلق لكان
القيد لغواً محضاً وهو خلاف الظاهر، ضرورة أنّ كل قيد مأخوذ فيلسان الدليل ظاهر في
الاحتراز وحمله على التأكيد والتوضيح خلاف الظاهروبحاجة إلى قرينة، فإذن لابد من
حمل المطلق على المقيد. ونتيجة ذلك، هيثبوت الحكم لحصة خاصة منه وهي المقيّد.
ولكن للمناقشة في هذا التفصيل مجالاً:
وذلك لما عرفت من أنّ تقديم المقيد على المطلق إنما هو على أساس ظهورحال المتكلم
العرفي في أنّه جعل المقيد قرينة على بيان مراده الجدي من المطلقومفسراً له، ومن
هنا قلنا: إنّ تقديمه عليه يكون من باب القرينيّة والحكومية،وعلى هذا فلا فرق بين
كون الحكم المجعول لهما واحداً أو متعدداً، وذلك لأنالمتكلم إذا جاء بالقيد مع
توفر العناصر المتقدّمة فيه، كان ظاهر حاله إنّه جعلهقرينة ومفسرة لمراده الجدي
النهائي من المطلق، ويدل في المثال على أنّ مراده فيالواقع هو وجوب إكرام العلماء
العدول لا مطلقاً، نعم لوكان ملاك تقديم المقيدعلى المطلق لزوم اللغوية إذا لم
يقدمه عليه، لاختص ذلك بما إذا كان الحكمالمجعول لهما واحداً، وأما إذا كان
متعدداً فلا يلزم هذا المحذور، ولكن قد مرّ إنّملاكه ليس ذلك بل ما ذكرناه وهو
القرينية والحكومية.
الثالث: إنّه لا فرق في تقديم المقيد على المطلق بين أن يكون القيد زماناً
أوزمانياً، والأول من قبيل صل، وصلّ في الوقت الفلاني، والثاني من قبيل صل،وصلّ
قائماً وهكذا، وذلك لأن خصوصيّة كون القيد زماناً أو زمانياً لا دخل لهإ؛فخخفيما
هو ملاك قرينيته ومفسريته للمراد النهائي من المطلق بنظر العرف والعقلاء.
وبعد ذلك يقع الكلام في تبعية القضاء للأداء تارة بحسب مقام الثبوت والتصور واُخرى
بحسب مقام الاثبات، أما الكلام في الأول فيمكن تصوير ذلكبأحد طريقين:
الطريق الأول: أن يكون هناك دليلان مستقلان أحدهما ما يدل على وجوبالصلاة مطلقاً
والآخر ما يدل على وجوبها في الوقت بوجوب جديد مستقل،وعلى هذا فإذا فاتت الصلاة في
الوقت فقد سقط وجوبها المقيد بسقوط الوقت،وأما الأمر بالصلاة مطلقاً فهو باق على
حاله، فلهذا يقتضي الاتيان بها خارجالوقت، لأن فوت الوقت إنما يقتضي فوت التكليف
الثاني دون الأول.
الطريق الثاني: إنّ مفاد الدليل المقيد إنما هو تقييد تمام المطلوب وكما له
للدليلالمطلق بالوقت لا أصل المطلوب، وعلى هذا فالموقت هو تمام مطلوبية
الصلاةوكمالها لا أصل مطلوبيتها فإنه مطلق وغير موقت، وعليه فإذا فاتت الصلاةبسبب
أو آخر في الوقت فقد فاتت تمام مطلوبيتها، وأما أصل المطلوبية فهو باقعلى حاله وهو
يقتضي وجوب الاتيان بها خارج الوقت.
وأما الكلام في الثاني، فلا دليل على شيء من هذين التصوّرين:
أما التصور الأول، فهو خارج عن محل الكلام، لأن محل الكلام في المسألة إنماهو في
دلالة الدليل المقيد على تقييد الدليل المطلق بالوقت، بمعنى إنّ الوقت قيدللواجب
على حد سائر قيوده الثابتة بحمل المطلق على المقيد، وأما فرض دلالةالدليل الموقت
على وجوب مستقل للواجب الموقت غير الوجوب الثابتللواجب المطلق فهو خارج عن محل
الكلام.
والخلاصة: إنّه لافرق في حمل المطلق على المقيد بين أن يكون القيد وقتاً أوغيره،
لأن الدليل المقيد بمقتضى قرينته عرفاً يكشف عن أنّ الواجب من الأوليكون مقيداً
بالوقت، فما دل على وجوب الصلاة في الوقت الخاص كصلاتيالظهرين ونحوهما، دل على
أنها مقيّدة بالوقت من الأول على أساس حمل المطلقعلى المقيد، وأما إذا فرض دلالة
دليل على وجوبها في الوقت بوجوب مستقلغير وجوبها مطلقاً فهو خارج عن مفروض
المسألة.
وأما التصور الثاني، ففيه إنّه لايمكن إثبات أنّ الدليل الموقت يقيد المطلقبلحاظ
كمال المطلوبية وتمامها لا أصلها، ضرورة إنّه لايختلف عن أدلة سائرالقيود، وذلك لما
مرّ من أنّ تقديم المقيد على المطلق إنما هو بملاك القرينيّةوالحكومية، ومن الواضح
إنّه لا فرق في هذا الملاك بين كون القيد وقتاً أو غيره،فإنه يكشف عن أنّ المراد
الجدي هو المقيد من الأول، ولايمكن حمل ما دلّ علىتقييد الصلاة بوقت خاص على
تقييدها بلحاظ كمال المطلوب وتمامه لا أصله، إذمضافاً إلى أن ذلك بحاجة إلى عناية
زائدة، وقرينة أنّ معنى هذا هدم قرينية القيدبنظر العرف العام والعقلاء، لأن معنى
قرينيته عرفاً إنّه مفسر للمراد الجديالنهائي من المطلق وحمله على أنّه مقيّد
لكمال المطلوب من المطلق دون أصلهبحاجة إلى قرينة وإلاّ فهو مجرد تصور لا واقع له.
هذا إضافة إلى أن التقييد بلحاظ تمام المطلوب وكماله لا أصله، كما يتصور فيالقيد
المتمثل في الوقت كذلك يتصور في سائر القيود، بأن يكون تقييد الصلاةبالقيام بلحاظ
تمام المطلوب وكماله لا أصله وهكذا.
والخلاصة: إنّ هذا التصور طالما هو في عالم التصور فقط لايختصّ بالوقت،وأما في عالم
الوقوع والتحقق فهو بحاجة إلى دليل، ولا دليل عليه لا في الوقتولا في غيره.
فالنتيجة، إنّه لا أصل لمسألة تبعيّة القضاء للأداء.
قد يقال كما قيل: إنّ منشأ هذه المسألة إنّما هو الأمر بالقضاء خارج الوقت،بدعوى
إنّه إرشاد إلى أن الأمر الأول باق على حاله والساقط إنما هو كمالمطلوبيّته لا
أصله.
والجواب: إنّ ذلك مبني على حمل الأمر بالقضاء بعد خروج الوقت علىالارشاد إلى بقاء
الأمر الأول، ومن الواضح إنّ هذا الحمل خلاف الظاهر جداً،فلايمكن بدون قرينه، لوضوح
إنّ الأمر بالقضاء في خارج الوقت أمر مولويإلزامي، ومن هنا نلتزم بالقضاء في كل
مورد دل الدليل عليه وإلاّ فلا نقول به.
ثم إنّ للمحقق الخراسانيقدس سره(3) في المقام كلاماً وحاصله إنّ التقييد بالوقت
إنكان متصلاً فلا شبهة في أنّه تقييد لأصل المطلوب، لفرض إنّه لا إطلاق له
حينئذٍلكي نبحث عن أن تقييده هل كان بلحاظ أصل المطلوب أو بلحاظ تمامه وكمالهوإن
كان منفصلاً، فإن كان له إطلاق، كان مقتضاه تقييد اطلاق المطلق بتماممراتبه فإنه
مقتضى اطلاق الدليل المقيّد وتقديمه على إطلاق الدليل المطلق، وإنكان مجملاً وكان
للدليل المطلق إطلاق، اقتصر عندئذٍ على تقييده بالمقدار المتيقنمنه وفي الزائد
ترجع إلى اطلاق المطلق ومقتضاه ثبوت الأمر بعد خروج الوقت،لأن القدر المتيقن من
التقييد هو تقييده بلحاط كمال المطلوب وتمامه وهو المرتبةالشديدة من الوجوب الثابت
بالدليل المطلق لا أصل المطلوب، فإنه باق علىإطلاقه باعتبار أنّ التقييد بالوقت
كما يمكن أن يكون بنحو وحدة المطلوب كذلكيمكن أن يكون بنحو تعدد المطلوب، وهذا
يعني إنّ المقيد هو المرتبة الأكيدة منالوجوب دون أصل المرتبة هذا.
وللمناقشة فيه مجال، بيان ذلك إنّ إجمال الدليل المقيد بالوقت تارة يكونبالنسبة
إلى حالتي الاختيار والاضطرار فلا يشمل كلتا الحالتين معاً، ولافرق فيذلك بين أن
يكون إجماله ذاتياً كما إذا كان الدليل لبياً أو عرضياً كما إذا كان لفظياً،ولكن
إجماله إما من جهة أن المتكلم ليس في مقام البيان أو من جهة إقترانه بمايصلح
للقرينية والجامع أنه مجمل، واُخرى يكون مجملاً بالنسبة إلى مبدء الوقتومنتهاه،
وثالثة يكون مجملاً بالإضافة إلى مراتب الأمر، لأن مقتضى إطلاقالمطلق ثبوت الأمر
به مطلقاً في الوقت وخارجه، وهذا الأمر يمكن أن يكونذات مراتب متفاوتة شدّةً
وضعفاً بتفاوت مراتب ملاكه في طول الزمان، بأنيكون ملاكه في الوقت أقوى من ملاكه
خارج الوقت، ودليل التوقيت كاشفعن ذلك ودال عليه، هذه هي الصور الثلاث لاجمال
الدليل التوقيت.
أما الصورة الاُولى لاجماله، فالقدر المتيقن منها تقييد إطلاق الواجب
بحالالاختيار، وأما في حال الاضطرار فبما أنه مجمل فيكون المرجع فيه إطلاق
دليلالواجب، ونتيجة ذلك هي أن شرطية الوقت مختصة بحال الاختيار دونالاضطرار،
وعليه فالواجب على المكلف المختار الصلاة في الوقت وعلى المضطرخارج الوقت، ولكن لا
صلة لذلك بما ذكرهقدس سره من أنّ الدليل على التوقيت إذاكان مجملاً فالقدر المتيقن
منه تقييد بعض مراتب المطلق دون تمام مراتبه وتكونالنتيجة تعدد المطلوب لا وحدته،
ثم إنّ ذلك لايختص بالتقييد بالوقت بل يشملجميع القيود المأخوذة في الواجب، فإن ما
دل على اعتبار تلك القيود لا يخلو منأن يكون له إطلاق بالإضافة إلى حالتي الاختيار
والاضطرار أولا، والأولكالطهارة ونحوها والثاني كالطمأنينة، لأن الدليل على
اعتبارها في الصلاةلبّي، فالقددر المتيقّن منه اعتبارها في حال الاختيار دون
الاضطرار.
فالنتيجة، إن هذه الصورة لاترتبط بما ذكرهقدس سره واجنبيّة عنه.
وأما الصورة الثانية، وهي ما إذا كان دليل التوقيت مجملاً بالنسبة إلى مبدءالوقت أو
منتهاه، فالقدر المتيقن منها هو تقييد إطلاق دليل الواجب بالمقدارالمعلوم من الوقت،
فإن إجمال الوقت قد يكون من ناحية المبدء كما إذ ورد فيالدليل صلّ ركعتين ثم ورد
في دليل آخر صلّ ركعتين في يوم الجمعة، فإذا فرضناإنّ مبدء يوم الجمعة مردّد بين
طلوع الفجر وطلوع الشمس، فمعناه إنّ دليلالتوقيت مجمل والقدر المتيقن منه تقييد
اطلاق دليل الواجب من طلوع الشمس،و أما تقييده من طلوع الفجر فهو غير ثابت لاجمال
الدليل، وعليه فالواجب علىالمكلف هوإيقاع ركعتين من الصلاة في يوم الجمعة من طلوع
الشمس ولايجوز لهإيقاعهما من طلوع الفجر، وقد يكون إجماله من ناحية المنتهى كما في
قوله تعالى:»أقِمِ الصَّلاةَ لِدُلُوكِ الشَّمْسِ إلى غَسَقِ اللَّيْلِ وَقُرْآنَ
الْفَجْر«(4)، فإنهيدل علىتقييدإطلاقالأمر بالصلاة بإيقاعها فيهذاالوقت المحدّد
منحيث المبدءوالمنتهى.
ونتيجة ذلك، هي أن الواجب الصلاة فيه ولاتكون واجبة في خارجه، ولكنهذا الوقت مجمل
من ناحية المنتهى وهو الغسق، فإنه قد فسّر بنصف الليل وهومردد بين ما كان متمثلاً
في النصف بين فترة غروب الشمس وفترة طلوعالفجر، وما كان متمثلاً في النصف بين فترة
غروبها وفترة طلوعها وهما مختلفانسعةً وضيقاً، ولاندري أنّ المراد من الغسق في
الآية الشريفة هل هو الأول أوالثاني لأنه مجمل ولايدل على شيء منهما، فإذن لابد من
الأخذ بالمقدار المتيقنوهو الأول، وعليه فمقتضى الآية الشريفة هو إيقاع الصلوات
الأربع من فترةدلوك الشمس إلى نصف الليل من طلوع الفجر.
فالنتيجة، إنّ هذه الصورة أيضاً خارجة عن مفروض كلامهقدس سره، لأن التقييدفيها ليس
بلحاظ كمال المطلوب وتمامه بل بلحاظ أصله كما هو ظاهر.
وأما الصورة الثالثة، فهي وإن كانت ممكنة ثبوتاً، بتقريب أن التقييد بالوقتكما
يمكن أن يكون بلحاظ كمال المطلوب وتمامه، يمكن أن يكون بلحاظ أصلالمطلوب، لأن
المصلحة المترتبة على الصلاة إن كانت واحدة فالتقييد بلحاظأصل المطلوب، وإن كانت
متعددة بأن تكون هناك مصلحتان أحداهما قائمةبالصلاة الجامعة بين الوقت وخارجه
والاُخرى قائمة بحصة خاصة منها وهيالصلاة في الوقت، فالتقييد بلحاظ تمام المطلوب
وكماله، وعلى هذا الفرض يكونالمترتب على الصلاة في الوقت مصلحتين مصلحة نفس هذه
الحصة من الصلاةومصلحة الصلاة الجامعة بينها وبين الحصة في خارج الوقت، فلهذا
تكونالصلاة في الوقت تمام المطلوب وكماله، هذا بحسب مقام الثبوت، وأما في
مقامالاثبات، فلا دليل على أن يكون التقييد بلحاظ تمام المطلوب وكماله، ضرورة
أنّتقديم الدليل المقيّد على الدليل المطلق إنما هو بملاك القرينية والحكومة، فإنه
علىضوء هذا الملاك يكشف عن أن المراد الجدي النهائي للمتكلم من المطلق هوالمقيد من
الأول ولا مطلوب غيره أصلاً، ولايمكن حمله على أنّ التقييد يكونبلحاظ تمام المطلوب
وكماله، وأما أصل المطلوب فهو مطلق لا أنه مقيّد لأنهبحاجة إلى قرينة ولا قرينة
على ذلك، فالنتيجة، إنّ ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سرهلايتم في شيء من الصور
الثلاث لاجمال دليل التوقيت.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن ما ذكرهقدس سره من أنّ دليل التوقيتإذا
كان مجملاً فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الواجب لاثبات وجوبه بعدخروج الوقت، لأن
القدر المتيقن من دليل التوقيت هو تقييد اطلاقه بلحاظ تمامالمطلوب وكماله لا أصله،
فإنه باق على حاله إلى ما بعد الوقت لايرجع إلى معنىمحصل، لما عرفت من أنّ إجمال
دليل التوقيت إما أن يكون بالنسبة إلى حالتيالاختيار والاضطرار أو يكون بالنسبة
إلى مبدء الوقت أو منتهاه ولا يتصورإجماله بالنسبة إلى أصل المطلوب وكماله، وذلك
لأن مفاد دليل التوقيت وهوتقييد مفاد دليل المطلق ومفاده ليس إلاّ جعل وجوب واحد
للواجب كالصلاةونحوها ولا تتصور للوجوب مرتبة شديدة وضعيفة، لأنه أمر اعتباري ولا
واقعموضوعي له ماعدا اعتبار المعتبر في موطنه وهو عالم الذّهن والاعتبار،
فلايعقلحينئذٍ اتصافه في هذا العالم بالشدة تارة وبالضعف اُخرى، نعم إنه يتصف
بهذاالوصف عرضاً بلحاظ ملاكه الواقعي التكويني، فإنه يتصف تارةً بالشدةواُخرى
بالضعف، ولكنه لايقتضي جعل وجوب شديد ذات مرتبتين هما الشدةوالضعف مع إمكان التفكيك
بينهما في مقام الاثبات، هذا لا من جهة القصور فيهبل من جهة إنّ الوجوب أمر
اعتباري لا وجود له خارجاً حتى يتّصف بأحدهذين الوصفين، أو فقل إنّ شدة الوجوب إن
كانت مجعولة فهي نفس الوجوببما هو اعتبار، وإن لم تكن مجعولة استحال اتصاف الوجوب
بها، ومن هنا لو قالالمولى جعلت وجوباً شديداً أو وجوباً ضعيفاً، فهو لغو إلاّ أن
يكون غرضه منذلك إنّ ملاكه شديد أو ضعيف، إلى هنا قد تبيّن إنّ الوجوب لايتصف
بالشدةوالضعف، وعلى هذا فحيث إنّ مفاد دليل المطلق جعل وجوب واحد للواجبكالصلاة
مثلاً وعدم تصور وجود مراتب له من المرتبة الشديدة والضعيفة،فلايعقل أن يكون إطلاقه
متكفّلاً لاثبات مرتبتين له بلحاظ الوقت وخارجهلكي يبقى إطلاقه بالنسبة إلى
المرتبة الضعيفة إذا كان تقييده بالنسبة إلى المرتبةالقويّة، ضرورة أنّ المقام من
السالبة بانتفاء الموضوع حيث لاوجود لهما في عالمالاعتبار حتى يتصف الوجوب بهما.
والخلاصة: إنّ مفاد الدليل المطلق هو جعل وجوب واحد للصلاة مثلاً،ودليل التوقيت
إنما يدل على تقييد هذا الوجوب بالوقت، فإذن لاوجوب فيخارج الوقت لكي يقتضي
الاتيان بها فيه.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم تصوير مراتب للوجوب بلحاظ المجعولوالمعتبر لا بلحاظ
الجعل والاعتبار، إلاّ أن إطلاق دليل المطلق لايكون متكفلاًلاثباتها، لوضوح إنّ
مفاده إنما وجوب الصلاة في الشريعة المقدسة لا وجوبهاالشديد لأنه لا يدل عليه،
والمفروض إنّ دليل التوقيت يقيد مدلوله وهو وجوبالصلاة بالوقت، فإذن لاوجوب في
خارج الوقت، ومع الاغماض عن ذلك أيضاًوتسليم إنّه يدل على وجوب الصلاة بوجوب شديد،
إلاّ أنّ دليل التوقيت يقيدهذا الوجوب الشديد بالوقت لأنه مدلول دليل المطلق،
ولايمكن القول بأنه يقيّدشدته بالوقت دون أصل الوجوب، إذ لايمكن التفكيك بينهما،
لأن شدتهبمثابة الفصل المقوّم له وهو مندك فيها، فإذا ارتفعت شدته ارتفع أصل
الوجوبأيضاً، وعلى هذا فلايمكن القول بأن دليل التوقيت بقيد شدته بالوقت دون
أصلالوجوب فإنه باق على حاله إلى مابعد الوقت.
فالنتيجة، إن ما ذكره صاحب الكفايةقدس سره من أنّ دليل التوقيت يقيد تمامالمطلوب
وشدته بالوقت دون أصله لايرجع إلى معنى محصل.
لحدّ الآن قد تبيّن إنه لا أصل لمسألة تبعيّة القضاء للأداء، فالصحيح إنّ
القضاءيكون بأمر جديد، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى قد اتّضح مما ذكرناه إنه
لافرق في ذلك بين أن يكون القيد وقتاً أو غيره، لأن التقديم إنما هو بملاك
القرينةالعرفية، ولا فرق في هذا الملاك بين قيد وقيد.
وأما الكلام في النقطة الثالثة، فيقع في تعيين موضوع وجوب القضاء الذيهو بأمر جديد
وموضوعه بحسب ما ورد في لسان الروايات هو عنوان الفوتهذا مما لا كلام فيه، وإنما
الكلام في أنّه أمر وجودي أو عدمي فيه وجهان،الظاهر إنه أمر وجودي، لوضوح إنّ
المتبادر عرفاً من كلمة الفوت ليس معنىمساوقاً لترك المأمور به وعدم الاتيان به في
الخارج، بل المتبادر منها معنىمساوقاً لذهاب شيء من كيس المكلف وهو فوت الملاك
منه، وتمام الكلام فيذلك في الفقه.
نتيجة البحث ...
وأما الكلام في النقطة الرابعة، وهي ما إذا شك في تحقق موضوع وجوبالقضاء وهوالفوت،
فهليمكنإثباته باستصحابعدمالاتيان بالمأموربهفيوقته؟
والجواب: إنّ الفوت إن كان أمراً وجودياً كما هو الظاهر، فلايمكن إثباته إلاّعلى
القول بالأصل المثبت، وعليه فيكون المرجع فيه أصالة البراءة عن وجوبالقضاء، وإن
كان أمراً عدمياً وعبارة عن عدم الاتيان بالمأمور به في وقته،فيمكن احرازه
بالاستصحاب، ثم إن عنوان الفوت كما يتحقق بفوت الصلاةالواجبة في الوقت واقعاً عمداً
أو سهواً أو جهلاً، كذلك يتحقق بفوت الصلاةالواجبة في الوقت بقاعدة الاشتغال أو
الاسصحاب، كما إذا صلّى إلى جهة معينةثم شك في أنها قبلة أو لا، ففي مثل ذلك لاتجري
قاعدة الفراغ، لأن جريانهامشروط باحتمال كون المصلي في حال الصلاة أذكر وهذا
الاحتمال مفقود في المقام،فإذن يكون المرجع فيه قاعدة الاشتغال أو استصحاب بقاء
التكليف، وحينئذٍفإذا ترك الصلاة المذكورة وجب عليه قضائها في خارج الوقت لصدق
الفوتعليه، على أساس أنّ وظيفته الفعلية قد فاتت عنه في الوقت، هذا تمام كلامنا
فيالواجب الموقت الموسع والمضيق.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاُولى: إن الكلام في مسألة الواجب الموسع والمضيّق يقع في عدّة اُمور:
1 - في وجه تقديم الدليل المقيّد أو الخاص على الدليل المطلق أو العام.
2 - في تبرير مسألة تبعية القضاء للأداء.
3 - في موضوع وجوب القضاء إذا كان بأمر جديد.
4 - في مقتضى الأصل العملي.
الثانية: إن الكلام تارةً يقع في تقديم المقيّد على المطلق واُخرى في تقديمالخاص
على العام، وعلى الأول فتارةً يقع في تقديم المقيّد المتصل على المطلقواُخرى في
المنفصل، أما على الأول فلأن المقيد المتصل إن كان اتصالهبالاستثناء، فمجموع
المستثنى منه والمستثنى بمثابة دليل واحد ولهما ظهور واحد،وإن كان اتصاله بجملة
مستقلة فهي مانعة عن تمامية مقدمات الحكمة.
وأما على الثاني، فقد يقال إنّ المقيد المنفصل كالمقيد المتصل مانع عن
تماميةالمقدمات، بدعوى إنّ عدم القرينة الذي هو جزء المقدمات أعمّ من عدم
القرينةالمتّصلة والمنفصلة، ولكن تقدم فساد هذا القول، لأن جزء المقدمات خصوصعدم
القرينة المتصلة لا الأعمّ منها وعدم القرينة المنفصلة.
الثالثة: إن السيد الاُستاذقدس سره قد بنى على أنّ ظهور المطلق في الاطلاق في
كلزمان يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة فيه، فإذا صدر من المولى مطلق وكانفي
مقام البيان ولم ينصب قرينة متصلة على التقييد، انعقد ظهوره في الاطلاق،وهذا الظهور
ثابت طالما لم تصل قرينة منفصلة عليه، فإذا وصلت وعلم المكلفبها، ارتفع ظهوره في
الاطلاق بارتفاع مقدمات الحكمة، ولكن تقدم إن هذاالمبنى غير صحيح، لأن وصول القرينة
والعلم بها رافع لحجية الظهور لا أصله،فإن الظهور إذا انعقد لم يرتفع وإنما ترتفع
حجيته بوصول القرينة على الخلاف،وقد تقدم تفصيل ذلك.
الرابعة: إن تقديم المقيد المنفصل على المطلق ليس بملاك إنّ عدمه جزءالمقدمات، لأن
الجزء إنما هو عدم المقيد المتصل، بل بملاك القرينية والحكومةبنظر العرف والعقلاء،
فإنه بهذا الملاك يكشف عن المراد الجدي النهائي للمتكلممن المطلق، وهذا الكشف منوط
بتوفر مجموعة من العناصر:
الأول: أن يكون المقيد أخص من المطلق موضوعاً.
الثاني: أنيكونالمطلق والمقيدكلاهما صادراًمنمتكلم واحدحقيقةً أوحكماً.
الثالث: أن يكون المتكلم ملتفتاً إلى المطلق حين صدور المقيّد.
الرابع: أن يكون المتكلم جاداً في ذلك.
الخامس: أن يكون المتكلم عرفياً اعتيادياً.
الخامسة: إن ملاك تقديم المقيد على المطلق ليس بملاك الأظهرية ولا بملاكظهوره في
الاحتراز بل هو بملاك القرينية العرفية، فلهذا يتقدم عليه وإن لم يكنأظهر منه.
السادسة: إن الخاص إن كان متصلاً بالعام بنحو اتصال الصفة بالموصوف فهوخارج عن محل
الكلام، باعتبار إنّ هناك مفهوماً واحداً وهو مدلول أداة العام،والخاص جزء من هذا
المدلول، وأما إذا كان متصلاً بالعام بالاستثناء، فهنامفاهيم ثلاثة:
1 - مفهوم العام.
2 - مفهوم الاقتناع.
3 - مفهوم المقيد وهو المفهوم الثالث والأولان مندكان فيه، ولهذا لاتنافي بينالخاص
والعام هنا.
السابعة: إن التخصيص إن كان بجملة مستقلة، فلا اشكال في التنافي بينهما،كما إذا ورد
في دليل لايجب إكرام أيّ عالم وفي آخر أكرم كل فقيه، ودعوى، إنهنا مفهوماً ثالثاً
يدل عليه سياق الجملتين المتعاقبتين وهو المفهوم المقيد النهائيوالمفهومان الأولان
مندكان فيه.
مدفوعة، فإن دلالة هذا السياق إما بالوضع أو بالأنس وشيء منهما لايكونفي المقام،
فإذن لايمكن رفع التنافي بينهما بذلك من باب السالبة بانتفاء الموضوع.
الثامنة: إن ملاك تقدم الخاص المنفصل على العام إنما هو على أساس قرينيتهلدى العرف
والعقلاء، وهي منوطة بتوفر اُمور تقدمت الإشارة إليها آنفاً، وليستقديمه عليه
بملاك الأظهرية، وإلاّ فلايمكن الحكم بالتقديم فيما إذا لم يكن أظهر منالعام مع
أنه بنظر العرف قرينة على بيان المراد الجدي النهائي منه مطلقاً وإن لميكن أظهر
منه.
التاسعة: إنه لا فرق في تقديم الخاص على العام والمقيّد على المطلق بين أنيكونا
متنافيين في الإيجاب والسلب أو لا يكونا متنافيين، وعلى الثاني لا فرقبين أن يكون
الحكم المجعول لهما واحداً أو متعدداً، فإنه بناء على ماهو الصحيحمن أن التقديم
إنما هو بملاك القرينية، ولا فرق بين هذه الأقسام، نعم لو كانالتقديم بملاك ظهور
القيد في الاحتراز، فلابدّ من التفصيل حينئذٍ بين القسمينالأوليين والقسم الأخير،
وفي القسم الأخير لايمكن الحكم بالتقديم بهذا الملاكعلى ما تقدّم.
العاشرة: إنه لا فرق في التقديم بملاك القرينيّة لدى العرف والعقلاء بين أنيكون
القيد وقتاً أو غيره أي زماناً أو زمانياً.
الحادية عشر: إن تبعيّة القضاء للأداء منوطة بتصوّرين:
الأول: أن يكون هناك أمران مستقلان:
أحدهما: مطلق وغير مقيد بالوقت، والآخر مقيد به، فإذا فات الثاني بفوتالوقت بقي
الأول على حاله.
الثاني: أن يكون التقييد بلحاظ كمال المطلوب لا أصله، ولكن تقدم إنّ كلاالتصوّرين
وإن كان ممكناً ثبوتاً إلا أنه لا دليل عليه في المقام.
الثانية عشر: إن ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من أنّ دليل التوقيت إذا
كانمجملاً ودليل الواجب مطلقاً، فلا مانع من التمسك بإطلاق دليل الواجب
لاثباتوجوبه بعد خروج الوقت، لأن دليل التوقيت حيث إنه مجمل، فالقدر المتيقّن
منهالتقييد بلحاظ كمال المطلوب وتمامه لا أصله، لايرجع إلى معنى محصل علىتفصيل قد
مرّ.
الثالثة عشر: إنّ وجوب القضاء ثابت بأمر جديد وموضوعه الفوت وهوأمر وجودي.
الرابعة عشر: إن الفوت حيث إنه أمر وجودي، فلايمكن إثباتهبالاستصحاب عند الشك فيه
إلاّ على القول بالأصل المثبت، فإذن المرجع فيهأصالة البراءة.
الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أو لا؟ ...
فصل
الأمر بالأمر بالشيء هل هو أمر بذلك الشيء أو لا؟
بيان ذلك إنّ الكلام فيه تارة يقع في مقام الثبوت واُخرى في مقام الاثبات:
أما الكلام في المقام الأول فيمكن تصوير ذلك بوجوه:
الأول: أن يكون غرض المولى قائماً بالفعل، وأما أمره للمأمور الأول فإنما هولمجرد
إيصال أمره إلى المأمور الثاني وأنه واسطة فحسب من دون تعلق غرضبأمره، لأن المطلوب
هو صدور الفعل منه والمجعول إنما هو طلبه حقيقة بالأمرالموجه إلى المأمور الأول
بغرض إيصاله إلى الثاني الذي يكون المطلوب منهصدور الفعل في الخارج.
الثاني: أن يكون الغرض قائماً بصدور الأمر من الواسطة إلى ذيها لا علىالفعل الصادر
منه كما هو الحال في الأوامر الامتحانية، لأن الغرض مترتب علىصدور هذه الأوامر
فحسب لا على الفعل الخارجي.
الثالث: أن يكون الغرض قائماً بكليهما معاً، ولازم ذلك إنّ العبد إذا اطلع علىأمر
المولى من طريق آخر لا من طريق المأمور الأول لم يجب عليه إمتثاله، لأنالغرض
مترتب على المجموع لا على كل واحد منهما مستقلاً، وعلى هذا فأمرالمأمور الأول إن
كان من شروط تحقق ذلك الغرض بفعل المأمور الثاني، فهناكغرض واحد، وترتبه على فعل
المأمور الثاني مشروط بأن يكون مأموراً به بأمرالمأمور الأول، بمعنى أنّ فعله لولم
يكن مسبوقاً بأمره لم يترتب عليه ذلكالغرض، وإن كان من شروط إتّصاف الفعل بالملاك
في مرحلة المبادي، فلابدّ منفرض تعدد الغرض حينئذٍ بأن يكون هناك غرض في أمر
المأمور الأول أيضاًوإلاّ لم يكن وجه لامره ويكون لغواً، ثم إنّ الظاهر من هذه
الوجوه الثلاثة الوجهالأخير كما سوف نشير إليه في ضمن البحث عن المسألة في مقام
الاثبات.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو مقام الاثبات، فإن كان ذلك في الأوامرالشخصية
الخارجيّة كالأوامر الاعتيادية اليومية الصادرة من الموالي العرفية إلىعبيدهم كأمر
المولى عبده بأن يأمر زيداً مثلاً بالفعل الفلاني، فإن المتفاهم العرفيمن ذلك هو
أنّ المأمور الأول مجرد وسيط لإيصال أمر المولى إلى المأمور الثانيولا موضوعية
للأمر الأول الموجه إليه، وهذا إمّا من جهة أنه ليس بإمكان المولىأن يوجه الأمر
إلى المأمور الثاني مباشرة أو من جهة اُخرى. وإن كان ذلك فيالأوامر الشرعيّة،
فيقع الكلام فيها في مسألتين:
الاُولى: فيمسألةالأمر بالمعروفوالنهي عنالمنكر، حيث إنّ كل مسلم مأمورمن قبل
اللَّه تعالى أن يأمر الآخرين بالمعروف وينهاهم عن المنكر بشروط(5).
الثانية: في مسألة إنّ على الأولياء أن يأمروا صبيانهم بالصلاة والصيام فيسبع أو
تسع(6).
أما في المسألة الاُولى فلا شبهة في أنّ غرض المولى قائم بالأمر الثاني الذي
هوفعل اختياري للمكلف كسائر أفعاله الاختيارية، فكما إنّ اتصاف سائر
أفعالهالاختيارية بالملاك في مرحلة المبادي وترتّبه عليها في مرحلة الامتثال
يدعوالمولى إلى الأمر بها، فكذلك أمره الناس بالمعروف ونهيهم عن المنكر،
فإناتصافهما بالملاك في مرحلة المبادي وترتّبه عليها في مرحلة الامتثال يدعو
المولىإلى الأمر بهما وإيجابهما عليه، ثم إنّ المصلحة القائمة بالأمر بالمعروف
والنّهي عنالمنكر مصلحة نوعيّة وهي الحفاظ على المصالح العامة الواقعيّة والاجتناب
عنالمفاسد كذلك، ويترتب على هذا الأمن والأمان في المجتمع الاسلامي.
وأما في المسألة الثانية، فقد ورد في مجموعة من الروايات أمر الأولياء بأنيأمروا
صبيانهم بالصلاة والصيام في سبع في بعضها وتسع في بعضها الآخر هذامن ناحية. ومن
ناحية اُخرى هل إنّ أمر الأولياء صبيانهم بالصلاة والصياممجرد وسيلة لإيصال أمر
المولى الحقيقي إليهم أو أنّ لأمرهم إياهم خصوصيةوموضوعية في المسألة؟
والجواب: الظاهر هو الثاني، وذلك لأنه وإن كان بإمكان المولى أن يأمرالصبيان في
سبع أو تسع بالصلاة والصيام مباشرة كما هو الحال بالنسبة إلىالبالغين، ومع هذا
فجعل المولى أمر الأولياء وسيطافي ذلك لايمكن أن يكونجزافاً وبدون نكتة مبررة له،
والنكتة في ذلك هي أنّ المولى لما جعل مسؤوليةتربية الأطفال على الصلاة والصيام
على عاتق أوليائهم فهم لا محالة كانوا مهتمّينبأمرهم أكثر بكثير مما إذا لم تكن
مسؤولية تربيتهم على عاتقهم، ومن الواضح إناهتمامهم بها يؤثر في تعويدهم على
العبادة بحيث إذا بلغوا اهتمّوا بها حسباعتيادهم المرتكز والمستأنس في أعماق
أنفسهم هذا من ناحية. ومن ناحيةاُخرى إنّ هذه الروايات ظاهرة في مشروعية عبادات
الصبي، على أساس إنّالمستفاد منها إنّ تربية الصبيان على العبادات وتعويدهم عليها
أمر محبوب، فإذاكانت محبوبة تكشف عن محبوبية عباداتهم، لأن محبوبية تربيتهم عليها
إنما هيبمحبوبية عباداتهم لا بالذات.
ودعوى إنّ المستفاد من هذه الروايات وإن كان محبوبية تربية الصبيان علىالعبادات
إلاّ أنها غيرية لكي لا تفوت العبادات منهم بعد البلوغ، لا أن محبوبيتهامن جهة
محبوبية عباداتها قبل البلوغ، فإذن تكون عباداتهم تمرينية لا تشريعية.
مدفوعة، بأنها وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلاّ أنه لايمكن الالتزام بها في
مقامالاثبات، لأن الأمر الوارد في الروايات المذكورة ظاهر في المولوية، وحمله
علىالارشاد بغرض تهيؤ الصبيان للإتيان بها بعد البلوغ بحاجة إلى قرينة ولا
قرينةعلى ذلك لا من الداخل ولا من الخارج.
والخلاصة: إنّ الظاهر من روايات الباب هو أنّ غرض المولى من ذلك إيصالالأمر
بالعبادات إلى الصبيان من طريق أمر أوليائهم بها، وقد أشرنا إلى أناختيار هذا
الطريق في إيصال الأمر بالعبادات إليهم لايمكن أن يكون جزافاً، فلامحالة يكون بنكتة
أنّ هذا الطريق أنجح في تربية الأطفال من توجيه الأمربالعبادات إليهم مباشرة.
ومن هنا يظهر أنّ ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره(7) من أن الأمر بالأمر
بالشيءفي نفسه لايدل على أنه أمر بذلك الشيء بل هو بحاجة إلى قرينة غريب جداً،
إذلا شبهة في أنّه يدل على أنّ الأمر الوسط طريق لإيصال أمر المولى إلى
المأمورالثاني سواءً أكانت له موضوعية أيضاً أم لا، ضرورة أن حمله على أن الغرضمنه
أمر المأمور الأول للمأمور الثاني لا إيصال أمر المولى إليه لايمكن عرفاًوبحاجة
إلى قرينة، ومن هذا الباب أمره تعالى رسله بتبليغ الأحكام الشرعية.
إلى هنا قد تبيّن إنّ الظاهر من الروايات مشروعيّة عبادات الصبي هذا منناحية. ومن
ناحية اُخرى ذكر بعض الأعاظمقدس سره إنه لا حاجة في إثباتمشروعية عبادات الصّبي
التمسك بروايات الباب، إذ يكفي في إثباتها اطلاقاتالكتاب والسنة، فإن مقتضى تلك
الاطلاقات وجوب الصلاة والصيام والحجونحوها على الأعمّ من البالغ والصبي، غاية
الأمر إنّ حديث رفع القلم إنما يكونرافعاًلوجوب تلكالعبادات فحسبباعتبار
إنّالامتنان إنماهو فيرفعه فقط، وأماأصلمشروعيتها، فهوباق علىحاله فلاموجب
لرفعها حيث لاامتنانفيه هذا.
والجواب: إنّ هذا البيان غير صحيح على جميع الأقوال في مدلول الأمر، أماعلى القول
بأن حقيقة الأمر عبارة عن اعتبار المولى الفعل على ذمة المكلفوابرازه في الخارج
بمبرز ما من فعل أو قول، وحينئذٍ فإن كانت هناك قرينة علىالترخيص في الترك، انتزع
منه الاستحباب وإلاّ فالوجوب، وعلى هذا فمدلولالعمومات من الكتاب والسنّة إنما هو
إبراز الأمر الاعتباري النفساني، ومدلولحديث الرفع عندئذٍ إنما هو رفع ذلك
الاعتبار الذي يدل عليه إطلاق الكتابوالسنة، ونتيجة ذلك هي أنّ الشارع لم يعتبر
العبادات كالصلاة والصيام ونحوهماعلى ذمة الصبي، فإذن لاتكون مشروعة.
وأما على القول بأن مدلول الأمر وضعاً هو طلب الفعل الجامع بين الوجوبوالندب فلا
يدل على الوجوب إلاّ بمقدمات الحكمة، وعلى هذا فالمرفوع بحديثالرفع حصة خاصة من
الطلب وهي الحصة المساوقة للوجوب، وحيث إنالكتاب والسنة يدلان عليها بالاطلاق
ومقدمات الحكمة، فمع رفعها عن الصبيبحديث الرفع انتفت دلالتهما بانتفاء مدلولهما
عنه.
وأما بناءً على ما اخترناه من أنّ المعنى الموضوع له للأمر مادة وهيئة
الطلبالمولويالمساوقللوجوب فالأمرظاهر، لأنالمرفوعحينئذٍبالحديث
مدلولالأمروهوالوجوب، فإذا كان الوجوب مرفوعاً لم تبق دلالة للأمر، لغرض إنّ له
دلالةواحدة وهيدلالته علىالوجوب وبانتفائه تنتفيدلالته عليه وليستله دلالتان:
إحداهما: دلالته على أصل مشروعية العبادات والاُخرى على وجوبها،فاذاً انتفت
الدلالة.
الثانية: تبقىالدلالةالاُولى لغرضأنالوجوب بسيطولايعقل أنيكونمركباً.
فالنتيجة، إنّ اطلاقات الكتاب والسنة لاتدل على مشروعية عبادة الصبي،فالعمدة فيذلك
هيروايات المسألة لأنهاتدل علىمشروعيتها، لحدّالآن قدتبيّنأنّه لايمكن إثبات
مشروعية عبادات الصبي بإطلاق الكتاب والسنة وإنما ثبتتمشروعيتها بالروايات
المتقدمة وبقطع النظر عنها أو المناقشة فلا دليل علىمشروعيتها.
نتائج هذا البحث عدّة نقاط:
الأول: إن الأمر بالشيء يتصور في مقام الثبوت على وجوه ثلاثة كما تقدمبشكل موسّع.
الثاني: إن الظاهر من هذه الوجوه في مقام الاثبات هو الوجه الثالث منالأوامر
الشرعية في المسألة، وأما من الأوامر الاعتيادية الشخصية من المواليالعرفية،
فالظاهر الوجه الأول إلاّ إذا كانت هناك قرينة على الخلاف.
الثالث: إن الكلام في الأوامر الشرعية يقع في مسألتين:
الاُولى: في مسألة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر ومثلها أمره تعالى
أنبيائهورسله وأوليائه بتبليغ الأحكام للناس.
الثانية: أمر الأولياء بأن يأمروا صبيانهم بالصلاة والصيام.
الرابع: إن الروايات الآمرة للأولياء بأمر صبيانهم بالصلاة والصيام تدل علىمشروعية
عباداتهم دون اطلاق الكتاب والسنة.
الأمر بالشيء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس ...
الأمر بالشيء بعد الأمر به ظاهر في التأكيد أو التأسيس
لا اشكال في أنّ الأمر في نفسه ظاهر في التأسيس وإنما الاشكال فيما إذا كانالأمر
به مسبوقاً بأمر آخر وكانا مطلقين ولم يذكر سبب لهما أو ذكر سبب واحد،فهل هو في هذه
الحالة ظاهر في التأسيس أو التأكيد أو لا هذا ولا ذاك فيه وجوه،فذهب المحقق صاحب
الكفايةقدس سره(8) إلى وقوع التعارض بين ظهور الصيغة فيالتأسيس وبين إطلاق المادة
المقتضي لكون متعلق الأمرين واحد، لأن المطلوبمن المادة هو صرف وجودها وهو
لايتكرر، ثم حكمقدس سره بالتأكيد بتقريب أنالهيئة باعتبار اقترانها بالتكرار
الصالح للقرينية على التأكيد مجملة، فلا ظهور لهافي التأسيس وثبوت وجوب آخر، لأن
المراد من ظهور صيغة الأمر في التأسيسفي المقام هو دلالتها على إنشاء وجوب آخر غير
الوجوب المنشأ بالصيغةالمسبوقة بها، ودعوى إنّ التأسيسية والتأكيدية خارجتان عن
مدلول الصيغةوضعاً، فإن مدلولهما الوضعي الوجوب بمفاد كان التامة سواءً أكان
مكشوفاًبكاشف أسبق أم لا، فإذن لا ظهور للصيغة في التأسيس حتى يكون معارضاًلإطلاق
المادة، مدفوعة، فإنه إن اُريد بذلك أن مفهوم التأسيسية أو التأكيديةخارج عن مدلول
الصيغة، فهو صحيح لأنها لا تدل عليه، وإن اُريد به أنّ واقعالتأسيسية خارج عن
مدلولها الوضعي، ففيه إن الأمر ليس كذلك، لأن مدلولالأمر مادة وهيئة الأمر
الانشائي الاعتباري وهو إنشاء الطلب المولويواعتباره، ومن الواضح إنّ إنشاء الطلب
المولوي مساوق لواقع التأسيس، وأمإ؛ى.خللَّهإذا كان الوجوب منشأ سابقاً، فدلالة
الصيغة عليه مساوقة لواقع التأكيد وهيبحاجة إلى قرينة، لأن مدلولها إنشاء الوجوب
بالحمل الشايع، وبمفاد كان التامةودلالتها على الوجوب المنشأ سابقاً ليست دلالة على
إنشاء الوجوب، فلهذاتكون بحاجة إلى قرينة.
والخلاصة: إن الأمر بشيء بعد الأمر به إذا كانا مطلقين ولم يذكر سبب لهما أوذكر
سبب واحد، ظاهر في التأكيد إلاّ إذا كانت هناك قرينة على التأسيس، كما إذاجاء
بالأمر الثاني معطوفاً على الأمر الأول بالواو، فإن العطف بالواو في نفسهقرينة على
التأسيس، باعتبار ظهوره في أنّ المعطوف غير المعطوف عليه أو كانبينهما فصل زمني،
إذ مع هذا الفصل لا مانع من أن يكون الأمر الثاني للتأسيسأيضاً، وكيف كان فالتكرار
بدون ذكر السبب ظاهر في التأكيد طالما لم تكن هناكقرينة على التأسيس كالعطف بالواو
أو الفصل الزمني بينهما أو تقييد الأمر الثانيبالمرة الاُخرى، إلى هنا قد تبيّن
إنّ الظاهر هو الوجه الثاني فيما هو محل الكلاموهو ما إذا كان الأمران مطلقين ولم
يذكر سبب لهما أو ذكر سبب واحد دون الوجهالأول وهو التأسيس، إذ لا وجه له أصلاً،
كما إنّه لا وجه للوجه الثالث وهوإجماله وعدم ظهوره لا في التأكيد ولا التأسيس،
وأما إذا لم يكونا مطلقين بأنذكر سببهما معاً كقولنا: إن افطرت في نهار شهر رمضان
فاعتق رقبة وإن ظاهرتفاعتق رقبة وهكذا، فهل الأمر الثاني ظاهر في التأسيس أو
التأكيد، فيه كلامسوف يأتي بيانه في مبحث مفهوم الشرط.
مبحث النّواهي ...
المقصد الثاني
مبحث النّواهي
فيه جهات من البحث:
الجهة الاُولى في بيان معنى النهي ومدلوله الوضعي، فيه نظريات:
النظرية الاُولى: إنّ النهي مادةً وهيئةً موضوع لطلب ترك الطبيعة، وهذاالقول هو
المعروف والمشهور بين الاُصوليين، نعم قد يقال كما قيل: إنّ مدلولالنهي لايمكن أن
يكون طلب الترك، لأن الترك استمرار للعدم الأزلي وهوخارج عن مقدور المكلف فلايمكن
تعلق النهي به، لأنه تكليف بغير المقدور،فإذن لابد أن يكون مدلوله طلب الكفّ الذي
هو أمر وجودي هذا.
ويرد عليه أولاً: إن مدلول النهي لولم يكن طلب الترك فلا يلزم أن يكونطلب الكف إذ
لا ملازمة بينهما، وسوف نشير إلى أنّ مدلوله شيء آخر لا هذاولا ذاك.
وثانياً: إن مدلول النهي ليس هو طلب الترك من الأزل بل هو طلب إبقائهوهو مقدور له.
فالنتيجة، إنّ هذا القول لا أساس له ولا مانع من تفسير النهي بطلب التركمن هذه
الناحية هذا من جانب، ومن جانب آخر إنّه لا فرق في ضوء هذهالنظرية بين الأمر
والنهي في المعنى الموضوع له، لأن كليهما يدل على الطلبالمولوي بالوضع في مرحلة
التصور، إذ كما أن الأمر يدل بالدلالة الوضعيةالتصورية على الطلب المولوي، فكذلك
النهي يدل بالدلالة الوضعية التصوريةعليه، ولهذا إعتبروا في دلالة النهي على الطلب
المولوي ما كانوا اعتبروه في دلالةالأمر عليه من الشروط مثل كونه صادراً من المولى
بعنوان المولوية الذي هوعبارة اُخرى عن اعتبار صدوره من العالي، لأنه إذا صدر من
المساوي أو الدانيلم يصدق عليه عنوان الأمر، ويفترق النهي عن الأمر على ضوء هذه
النظرية فيالمتعلق، فإن متعلق النهي ترك الطبيعة ومتعلق الأمر وجود الطبيعية،
فلهذا يدلالأول على طلب الترك والثاني على طلب الفعل، وحيث إنّ متعلق مدلول
النهيصرف ترك الطبيعة ومتعلق مدلول الأمر صرف وجودها فيكونا مختلفين فيمرحلة
التطبيق أيضاً، لأن صرف ترك الطبيعة لايمكن إلا بترك تمام أفرادها فيالخارج، بينما
يكفي في صرف وجودها إيجاد فرد منها فيه.
إلى هنا قد ظهر إنّ النهي يشترك مع الأمر على ضوء هذه النظرية في نقطةويمتاز عنه في
نقطتين، أما نقطة الاشتراك فهي متمثلة في المعنى الموضوع له لأنهمامشتركان فيه وهو
الطلب المولوي، وأما النقطتان المختلفتان بينهما فالاُولى منهمامتمثلة في المتعلّق
والثانية منهمافي تطبيق المتعلق على الخارج.
النظرية الثانية: هي ما إختاره السيد الاُستاذقدس سره(9) من أن مدلول النهيوضعاً
إعتبار الشارع المكلف محروماً عن الفعل المشتمل على مفسدة ملزمةوابرازه في الخارج
بمبرز ما من قول كصيغة النهي أو فعل، وعلى هذا فالنهي مادةوهيئة موضوع للدلالة على
إرادة إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج،ومن هنا تكون دلالته الوضعية دلالة
تصديقية لا تصورية، وأما تفسير النهيبالحرمة، فلايكون من جهة إنّ النهي موضوع لها
بل من جهة دلالته على حرمانالمكلف عن الفعل المنهي عنه في الخارج، غاية الأمر إنّ
الحرمة قد تكون تكوينيةبمعنى أنّها مستعملة في الحرمة التكوينية كقوله: إنّ الجنة
محرمة على الكفار وقدتكون تشريعية.
النظرية الثالثة: إن مادة النهي موضوعة بإزاء الحرمة والزّجر بالمعنىالإسمي، وصيغة
النهي موضوعه بإزاء الحرمة والزجر بالمعنى الحرفي وهو النسبةالزجرية بين المادة
والمخاطب، وهذا المعنى هو المتبادر عرفاً من النهي مادةوهيئة، ويدل عليه بالدلالة
الوضعية التصورية وإن كان صادراً من لافظ بلاشعور واختيار، هذه هي النظريات الثلاث
في المسألة، والصحيح من هذهالنظريات، النظرية الثالثة، فلنا دعويان في المقام:
الاُولى: بطلان النظريتين الأوليين.
الثانية: صحة النظرية الثالثة.
الدعوى الاُولى: أما بطلان النظرية الاُولى فهو واضح ثبوتاً واثباتاً.
أما ثبوتاً فلأنه لايمكن الأخذ بها لا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الجعل،أما في
مرحلة المبادي فلأن النهي ناشيء عن قيام مفسدة ملزمة في متعلقه والأمرناشيء عن
قيام مصلحة ملزمة في متعلقه، وقد ذكرنا غير مرة إن روح الحكموحقيقته ملاكه
الواقعي، وإلاّ فالحكم بما هو اعتبار بقطع النظر عن ملاكه لا قيمةله، وحيث إنّ ملاك
النهي وهو المفسدة مضاد لملاك الأمر وهو المصلحة فيمرحلة المبادي، فلايعقل أن يكون
مفاده عين مفاد الأمر في مرحلة الجعل وهوالطلب المولوي المساوق للوجوب، إذ من
الواضح إنّه لايعقل أن يكون الوجوبفي باب النهي ناشئاً عن مفسدة ملزمة وفي باب
الأمر عن مصلحة ملزمة،ضرورة إنّ روح الوجوب وحقيقته حيث إنها المصلحة الواقعية فلا
يعقل أنتكون روحه وحقيقته المفسدة الواقعية أيضاً لعدم التناسب بينهما، لأن
المفسدةالملزمة إن كانت في الفعل فهي تقتضي حرمته والزجر عنه والبغض والكراهة
وإنكانت في الترك فكذلك، وأما جعل الوجوب له في هذه الحال، فلا محالة يكونبلا
ملاك لاستحالة اجتماع المصلحة مع المفسدة فيه والمحبوبية مع المبغوضيّة،ودعوى، إنّ
ملاك النهي هو المصلحة المترتبة على الترك لا المفسدة في الفعل،مدفوعة، بأنها
مخالفة للوجدان والضرورة.
وأما في مرحلة الجعل فلأن النهي يتبع مرحلة المبادي لأنها روحه وحقيقته،فإذا كان
ملاك النهي في مرحلة المبادي مضاداً لملاك الأمر، فكيف يعقل أنيكون مفاد النهي عين
مفاد الأمر في هذه المرحلة، فإن العينية فيها تكشف عنالعينية في مرحلة المبادي،
كما أن المضادة بين الملاكات في مرحلة المبادي تقتضيالمضادة في مرحلة الجعل أيضاً
تبعاً وإلاّ لكان الجعل بلا ملاك وهو كما ترى.
وأما اثباتاً فلا شبهة في أن المتفاهم العرفي من النهي ليس هو الطلب
المولويالمساوق للوجوب بل الزجر والمنع عن الفعل، وعلى الجملة فلا ريب في
أنالمرتكز عند العرف والعقلاء من النهي هو المنع والزجر وأنه المنساق إلى
الذهنبمجرد سماعه وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا دليل على أنه
المعنىالموضوع له، لأن المدلول الوضعي مدلول تصوري لاتصديقي، ومن هنا إذا وردنهي
من المولى بشيء موجهاً إلى شخص، فيقال إنه منعه عن ارتكاب ذلكالشيء وحرّمه
عليه، ولا يقال: إنّ المولى طلب منه تركه وأوجبه عليه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أنّ هذه النظرية لا أساس لها لا اثباتاًولا
ثبوتاً.
وأما النظرية الثانية التي اختارها السيد الاُستاذقدس سره فهي مبنية على مسلكه
فيباب الوضع من أنه عبارة عن التعهد والإلتزام النفساني، وعلى ضوء هذا
المسلكفالدلالة الوضعية دلالة تصديقية، والمدلول الوضعي مدلول تصديقي لا
تصوريباعتبار إنّ العلقة الوضعية مختصّة بحالة إرادة المعنى من اللفظ، وعلى ضوء
هذاالمسلك التزمقدس سره بأن النهي مادة وهيئة موضوع للدلالة على إرادة إبراز
الأمرالاعتباري النفساني في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، فلهذا تكون
دلالتهالوضعية دلالة تصديقية لا تصورية.
ولكن قد تقدم في مبحث الوضع نقد هذه النظرية بشكل موسع وعدم امكانالالتزام بها،
ومن أجل ذلك قلنا هناك إنّ الدلالة الوضعية دلالة تصورية لاتصديقية، لأن الدلالة
التصديقية سواءً أكانت بلحاظ الإرادة الاستعمالية أمكانت بلحاظ الإرادة التفهميّة
أو الجدية مستندة إلى ظهور حال المتكلم ولاتكون مستندة إلى الوضع، وعليه فلايمكن أن
تكون دلالة النهي على معناه دلالةتصديقية بل لا محالة تكون تصورية، وإن شئت قلت:
إنّ الوضع على مسلكالتعهّد علاقة بين حصة خاصة من اللفظ وحصة خاصة من المعنى وهي
المعنىالمراد تفهيمه، وأما على سائر المباني فهو علاقة بين طبيعي اللفظ وطبيعي
المعنى،فلهذا تكون الدلالة الوضعية على ضوئها دلالة تصوّرية، وحيث إنّ مسلكالتعهد
باطل، فلا مناص حينئذٍ من الالتزام بأن الدلالة الوضعية للنهي مادةًوهيئةً دلالة
تصورية، غاية الأمر إنّ مادته تدل على الزّجر والمنع بالمعنىالإسمي، وهيئته تدل
عليه بالمعنى الحرفي أي النسبة الزجرية والمنعية كما هوالحال في الأمر، فإن مادته
تدل على الطلب المولوي بالمعنى الإسمي وهيئته تدلعليه بالمعنى الحرفي أي النسبة
الطلبية، لحدّ الآن قد تبيّن بطلان النظريتينالأوليين وعدم إمكان الالتزام بشيء
منهما.
الدعوى الثانية: أما صحة النظرية الثالثة، فلأنها تنسجم مع النّهي في مرحلةالمبادي
ومرحلة الجعل معاً، أما إنسجامها مع مرحلة المبادي فلما تقدم من أنالنهي ناشيء عن
مفسدة ملزمة في الفعل، ومن الطبيعي إنّ تلك المفسدة فيهتدعو المولى إلى جعل حكم
له مناسب لها وهو حرمته على المكلف وزجره عنارتكابه، والجامع إنها تدعو المولى
إلى تحريمه عليه، وأما الطلب المتعلق بالتركفهو لايمكن أن يكون ناشئاً منها، لأنه
لوكان مجعولاً من قبل الشارع فلامحالةيكون الداعي إلى جعله ماهو في متعلقه من
المصلحة، فإنها تدعو إلى إيجابهوطلبه لا المفسدة في الفعل، فإنها تدعو إلى حرمته
وزجر المكلف عنه لا إلىطلب تركه.
فالنتيجة، إنّ ملاك النهي في مرحلة المبادي ينسجم مع هذه النظرية دوننظرية طلب
الترك، وأما إنسجامها مع مرحلة الجعل، فقد ظهر إنّ المجعول فيباب النهي هو الحرمة
والزجر باعتبار أن روحها وحقيقتها المفسدة في مرحلةالمبادي وقد مرّ إنها تقتضي ذلك.
والخلاصة: إنّ هذه النظرية وليدة ملاك النهي في مرحلة المبادي، لوضوحإنّ اتصاف
الفعل بالمفسدة يدعو إلى جعل الحرمة له وزجر المكلف عنه، كما إنّاتصاف الفعل
بالمصلحة يدعو إلى جعل الوجوب له والبعث نحوه، هذا في مقامالثبوت.
وأما في مقام الاثبات فحيث إن المتفاهم العرفي الارتكازي من النهي فيه هوالحرمة
والزجر لا غيرها فيكون مطابقاً لمقام الثبوت.
والخلاصة: إنه على ضوء هذه النظرية يكون النهي مبايناً للأمر في تماممراحله أي من
مرحلة المبادي إلى مرحلة الامتثال، أما في مرحلة المبادي فلأنمبادي النهي المفاسد
الواقعيّة الالزاميّة والبغض والكراهة، ومبادي الأمرالمصالح الواقعية الالزامية
والارادة والحب، وأما في مرحلة الجعل فلأن المجعولفي باب النهي الحرمة والمجعول في
باب الأمر الوجوب، وأما في مرحلة الامتثالفلأن إمتثال النهي إنما هو بالاجتناب عن
الفعل المنهي عنه، وامتثال الأمر إنما هوباتيان الفعل المأمور به، نعم إنهما
يشتركان في المتعلق فحسب، لأن الفعل كمايكون متعلقاً للأمر يكون متعلقاً للنهي
أيضاً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي إنّ النهي لا يشترك مع الأمر لا فيالملاك
ولا في المجعول ولا في كيفية الامتثال.
الجهة الثانية قد ذكر أصحاب النظرية الاُولى إنّ متعلق الأمر حيث إنهصرف وجود
الطبيعة فهو يتحقق بتحقق أول وجودها في الخارج، ومتعلقالنهي حيث إنه صرف ترك
الطبيعة فهو لايتحقق إلاّ بترك تمام أفرادها فيه منالعرضية والطولية، ولهذا يكون
الحكم في طرف النهي انحلالياً دون الأمر، وقدتسأل هل يبتني ذلك على أساس صحيح أو
لا؟
والجواب: إنه لايبتني على أساس صحيح، بيان ذلك إنّ صرف وجودالطبيعة كما يلحظ تارة
بالنسبة إلى الأفراد العرضية لها واُخرى بالنسبة إلىالأفراد الطولية ونقصد بها
قطعات الزمان وآناته التدريجية الطولية كذلك صرفترك الطبيعة، فإنه تارة يلحظ
بالنسبة إلى التروك العرضية واُخرى بالنسبة إلىالتروك الطولية بحسب قطعات الزمان
التدريجية، أما على الأول فنسبة صرفوجود الطبيعة إلى الأفراد العرضية نسبة واحدة
بمعنى أنّ نسبته إلى جميع الأفرادالتي توجد في آن واحد على حد سواء، فإن انطباقه
على بعضها المردد في الخارجمستحيل، لاستحالة وجود الفرد المردد فيه وانطباقه على
بعضها المعين دونغيره ترجيح من غير مرجح، فإذن لامحالة ينطبق على الجميع، وأما
بالنسبة إلىالأفراد الطولية، فهو ينطبق على وجود أول فرد منها وهو وجوده في الآن
الأولولايصدق على وجود الفرد الثاني وهو وجودها في الآن الثاني وهكذا.
وأما على الثاني فنسبة صرف ترك الطبيعة إلى التروك العرضية نسبة واحدةولايمكن
تطبيقه على البعض المردد، لأنه محال ولا على البعض المعيّن لأنه ترجيحمن غير مرجح،
فإذن لا محالة ينطبق على الجميع، ولا فرق من هذه الناحية بينصرف وجود الطبيعة وصرف
تركها، وأما بالنسبة إلى تروكها الطولية، فهويصدق على أول تركها وهو الترك في الآن
الأول ولايصدق على تركها في الآنالثاني وهكذا، ولافرق بين صرف الوجود وصرف الترك
من هذه الناحية، ومنهنا يظهر أن ماهو المشهور في الألسنة وقد صرح به صاحب
الكفايةقدس سره(10) منأن صرف وجود الطبيعة يتحقق بأول وجودها وصرف تركها لايتحقق
إلاّ بتركجميع أفرادها من العرضية والطوليّة لا أصل له، ولافرق بينهما كما عرفت
هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى إنّ الوجود إذا اُضيف إلى الفرد بحده الفردي فنقيضه العدمالبديل
له، وإذا اُضيف إلى الطبيعي، فإن كان المضاف إليه الوجود الخارجي لهفنقيضه عدمه
البديل له، بلا فرق حينئذٍ بين أن يكون الوجود مضافاً إلى الفردأو إلى الطبيعي،
ولايمكن أن يكون نقيضه عدم الطبيعي بنحو الاطلاق، بداهة أنعدمه في ضمن فرد آخر
لايمكن أن يكون نقيضاً وبديلاً لفرده الأول، وإن كانالمضاف إليه وجوده السعي،
فنقيضه عدمه السعي البديل له، فما هو المشهور بينالأصحاب من أن الطبيعة توجد بوجود
واحد ولاتنتفي إلاّ بانتفاء جميع أفرادهإ؛8خللَّهخاطيء جداً، لأن النفي والاثبات
لايردان على طبيعة واحدة، فإن الطبيعة التيتوجد بوجود واحد هي الطبيعة المهملة،
والطبيعة التي لاتنتفي إلاّ بانتفاء جميعأفرادها هي الطبيعة المطلقة السارية إلى
أفرادها، فلايكون التقابل بينهما منتقابل التناقض والإيجاب والسلب، لأن نقيض وجود
واحد عدم واحد وهوعدمه البديل له لا اعدام متعدده، وعلى هذا فنقيض الطبيعة المهملة
التي توجدبوجود واحد عدم واحد البديل لوجودها، كما إنّ نقيض الطبيعة المطلقة
الساريةإلى جميع أفرادها الموجودة أعدام متعددة بعدد أفرادها في الخارج، وعلى
الجملةفلا فرق بين صرف الوجود وصرف الترك، فكما إن الأول يتحقق بأول وجودالطبيعة في
الخارج في الآن الأول فكذلك الثاني وهو صرف الترك، فإنه يتحققبأول تركها فيه، فما
هو المشهور من أنّ صرف الترك لايتحقق إلا بترك كافةأفراد الطبيعة العرضية والطولية،
مبني على نقطة خاطئة وهي تخيل أنّ التقابلبينه وبين صرف الوجود من تقابل التناقض
فلايمكن الجمع بينهما مع أن الأمرليس كذلك، لأن الطبيعة التي لاتنتفي إلا بانتفاء
جميع أفرادها هي الطبيعيةالملحوظة بنحو الانحلال والسريان إلى تمام أفرادها، ومن
الطبيعي إنّ عدم مثلهذه الطبيعة الذي هو بديلها ونقيضها لايمكن إلاّ بعدم تمام
أفرادها في الخارج،ولكن أين هذا من الطبيعة التي توجد في الخارج بوجود فرد منها في
آن، فإنالمقابل لهذه الطبيعة ليس إلاّ انعدامها بعدم ذلك الفرد في هذا الآن، بداهة
إنالوجود الواحد لايعقل أن يكون نقيضاً لعدم الطبيعة بتمام أفرادها بل له عدمواحد
وهو نقيضه وبديله، وأما المقابل للطبيعة التي يتوقف عدمها على انعدامجميع أفرادها
العرضية والطولية، هو الطبيعة الملحوظة بنحو الانحلال والسريانإلى تمام أفرادها
كذلك، لا الطبيعة المهملة التي توجد في ضمن فرد واحد، نعمهناك شيء وهو أن الطبيعة
إذا وجدت في ضمن أفرادها العرضية مرة واحدة فيآن فارد، صدق صرف الوجود على الجميع،
لأن صدقه على الفرد المردد فيالخارج غير معقول وصدقه على الفرد المعين دون الآخر
ترجيح من غير مرجح،فإذن لامحالة يصدق على الجميع، وكذلك صرف الترك، فإنه يصدق على
جميعتروك الطبيعة في هذا الآن بنفس الملاك.
فالنتيجة، إنّ نقيض الواحد واحد ولايعقل أن يكون متعدداً، كيف فإننقيض كل شيء
عدمه البديل له، وهذا واضح ولاحاجة إلى إطالة الكلام فيهبأكثر من ذلك.
ومن هنا يظهر إنّ نظرية المشهور من أن النهي موضوع للطلب المولويومتعلقه صرف الترك
وهو لايتحقق إلاّ بترك تمام أفراد متعلقه من العرضيةوالطولية خاطئة بتمام نقاطها:
الاُولى: ما مرّ من أنّ النهي لم يوضع للطلب المولوي بل موضوع للحرمةالمولوية.
الثانية: إنّ متعلقه الفعل لا الترك.
الثالثة: على تقدير تسليم إنّ متعلقه صرف الترك إلاّ انّك عرفت أن صرفالترك يتحقق
بترك الطبيعة في أول أزمنة الامكان ولايتوقف على تركها بترككافة أفرادها طولاً
وعرضاً.
وقد تقدم إنّ صرف الترك كصرف الوجود فلا فرق بينهما من هذه الناحية،فإذن كون متعلق
النهي صرف الترك لايتطلب انحلاله وسريانه إلى تمام أفرادهفإنه بحاجة إلى مبرّر،
هذا ولكن المحقق النائينيقدس سره(11) قد ذكر مبرراً آخر لانحلالمتعلق النهي على
ضوء هذه النظرية وهي نظرية المشهور، بتقريب إنّ تركالطبيعة الذي هو متعلق النهي إن
كان مأخوذاً فانياً في تروك أفرادها الخارجيةالعرضية فينحل إلى طلب ترك كل واحد
منها في عرض واحد، وإن كان مأخوذاًفانياً في أفرادها الطولية فانحلاله منوط بأحد
أمرين:
الأول: أن يكون الزمان مأخوذاً قيداً للمتعلق بأن يكون شرب الخمر في كلزمان
محكوماً بالحرمة.
الثاني: أن يؤخذ الزمان ظرفاً للحكم، بمعنى إنّ الطلب المتعلق بترك الطبيعةمستمر في
طول الأزمنة ولايكون ثابتاً في فترة خاصة فقط، وحيث إنّ أخذهأيالزمان في ناحية
المتعلق بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، فإذن مقتضىالاطلاق ومقدمات الحكمة هو
استمرار الحكم باستمرار الزمان.
والجواب: إنّ ما أفاده المحقق النائينيقدس سره مبني على نظرية المشهور القائلة
بأنمفاد النهي هو الطلب المولوي ومتعلقه الترك، وقد تقدم إنّ هذه النظرية
باطلةولايمكن الالتزام بها لاثبوتاً ولا اثباتاً هذا، إضافة إلى أنّ ما ذكرهقدس
سره توجيهوتبرير لنظرية المشهور القائلة بأن صرف الترك يتوقف على ترك الطبيعة
بتمامأفرادها وإلاّ فنفس النظرية لاتقتضي ذلك.
فالنتيجة، إنّ النظرية الاُولى لاتتطلب ثبوتاً وبنفسها إنّ المجعول أحكاماًمتعددة
بعدد تروك أفراد الطبيعة.
وأما النظرية الثانية: وهي نظرية السيد الاُستاذقدس سره، فهي أيضاً لاتقتضيثبوتاً
الانحلال والسريان إلى تمام أفردا الطبيعة، لأن مفاد النهي على ضوء هذهالنظرية
عبارة عن الدلالة على إبراز الأمر الاعتباري النفساني وهو حرمانالمكلف عن الطبيعة،
ولايدل على أن اعتبار الشارع حرمان المكلف عن صرفوجودها أو عن تمام وجودها من
العرضية والطولية مطلقاً أو في بعض الأزمنة،وإنما يدل على إبراز الأمر الاعتباري،
وأما إنّ ذلك الأمر الاعتباري متعدد أوغير متعدد فهو ساكت عن ذلك.
وأما النظرية الثالثة: وهي المختار في المسألة، فإن النهي على ضوء هذهالنظرية
يختلف عن الأمر في جميع المراحل أي من مرحلة المبادي إلى مرحلةالامتثال ويشترك معه
في المتعلق فحسب هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنه يدل على الحرمة بالدلالة الوضعيّة ولايدل علىانحلالها
إنحلال أفراد متعلقه في الخارج.
فالنتيجة، إنّ النهي على ضوء جميع النظريات في تفسيره لايدل على الانحلالبالدلالة
الوضعية كما إنّ الأمر بتمام الأقوال فيه لايدل على عدم الانحلال كذلك.
الجهة الثالثة: إنّ المعروف والمشهور بين الأصحاب إنّ الحكم في طرف النّهيإنحلالي
بانحلال أفراد متعلقه بنحو العموم الاستغرافي، فإذا نهى المولى عنشرب الخمر،
فهناك تحريمات عديدة بعدد أفراد الشرب من الأفراد العرضيةوالطولية، بينما يكون
الحكم في طرف الأمر واحد وغير منحل بإنحلال أفرادمتعلقه، وهذا القول هو الصحيح ولا
مناص من الالتزام به، وإنما الكلام في منشأذلك، ولايمكن أن يكون منشأ ذلك اختلافهما
في المبادي ولااختلافهما في المجعولوعلى هذا. فلنا دعويان:
الاُولى: إن اختلاف الأمر والنهي في المبادي لايصلح أن يكون منشأًلانحلال النهي
دون الأمر وكذلك اختلافهما في المجعول.
الثانية: إن هناك منشأً آخر كذلك وسوف نشير إليه.
أما الدعوى الاُولى: فلأن قيام مفسدة ملزمة في الفعل يتصور في مقام الثبوتعلى
صور:
الاُولى: إنّها قائمة بصرف وجوده ولازم ذلك إنّ المحرم هو صرف الوجود،فلو عصى
المكلف وأوجده في ضمن فرد ما، فقد ارتكب محرماً واستحقالعقوبة، وأما الوجود الثاني
والثالث وهكذا فلايكون محرماً.
الثانية: إنّها قائمة بمطلق وجوده بنحو العموم الاستغراقي من الوجوداتالعرضية
والطولية.
الثالثة: إنها قائمة بمجموع أفراده بنحو العموم المجموعي فيكون المجموع محرماًبحرمة
واحدة شخصية، ولازم ذلك هو أن المبغوض ارتكاب المجموع بما هومجموع فلا أثر لارتكاب
البعض.
الرابعة: إنها قائمة بعنوان بسيط وهو مسبب من وجود تلك الأفراد فيالخارج، وكذلك
الحال في المصلحة، فإن قيامها بالفعل أيضاً يتصور في مقامالثبوت على صور:
الاُولى: أن تكون قائمة بصرف وجود الفعل في الخارج.
الثانية: أن تكون قائمة بمطلق وجوده بنحو العموم الاستغراقي.
الثالثة: أن تكون قائمة بمجموع وجوداته بنحو العموم المجموعي.
الرابعة: أن تكون قائمة بعنوان بسيط متولد من الوجودات الخارجية.
والخلاصة: إنّ اختلافهما ثبوتاً في المبادي لايتطلب ذلك وكذلك اختلافهما
فيالمجعول، فإنه لايقتضي هذا الاختلاف بينهما، لأن المجعول الوجوب في بابالأوامر
وهو لايتطلب بنفسه أنّ متعلقه صرف الوجود، والمجعول الحرمة في بابالنواهي وهي
لاتتطلب بنفسها أنّ متعلقها مطلق الوجود بنحو العمومالاستغراقي، فإذن لايكون منشأ
هذا الاختلاف بينهما اختلافهما في المبادي ولااختلافهما في المجعول هذا بحسب مقام
الثبوت.
وأما الدعوى الثانية، فقد ذكر السيد الاُستاذقدس سره(12) إنّ الفرق بين الأمر
والنهيإنما هو في مقام الاثبات والدلالة، بمعنى إنّ إطلاق متعلق النهي شمولي
فيكونالمطلوب مطلق الوجود بينما اطلاق متعلق الأمر بدلي، فيكون المطلوب
صرفالوجود، وقد أفاد في وجه ذلك إنّ مقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة في متعلقالنهي
الشمول وفي متعلق الأمر البدل، وهذا لا من جهة إنّ مدلول مقدماتالحكمة في مورد
الاطلاق الشمولي وفي مورد آخر الاطلاق البدلي، لأن مدلولالمقدمات واحد وهو اثبات
الاطلاق، وأما كون هذا الاطلاق شمولياً أو بدلياًفهو خارج عن مدلولها وبحاجة إلى
قرينة لأنها لاتدل عليه.
ومن هنا ذكرقدس سره إن خصوصية البدلية في متعلق الأمر إنما هي من جهةخصوصية المورد،
فإنها تقتضي أنّ اطلاقه بدلي ولايمكن أن يكون شمولياً،وخصوصية الشمولية في متعلق
النهي إنما هي من جهة مقدمة خارجية وهيتقتضي أن اطلاقه شمولي، بيان ذلك:
إنه إذا ورد أمر بالصلاة كما إذا قال المولى: )صلّ(، فلايمكن أن يكون إطلاقالأمر
بها شمولياً ومتعلقاً بتمام أفرادها بنحو العموم الاستغراقي لأنه من التكليفبغير
المقدور وهو محال، وأما تعلقه بحصة خاصة منها وإن كان ممكناً ثبوتاً، إلاّأنه مدفوع
بالاطلاق ومقدمات الحكمة، وعليه فاستحالة كون الاطلاق شمولياًقرينة قطعية على أنّ
المراد منه الاطلاق البدلي، لأن مقدمات الحكمة تعين إطلاقالأمر بالصلاة فقط، وأما
أنه شمولي أو بدلي فالمقدمات لاتدل على شيء منذلك، واستحالة كون هذا الاطلاق
شمولياً تعين إنه بدلي، ومن هنا يظهر أنوحدة الحكم في باب الأوامر فيما إذا كانت
متعلّقة بالطبايع الكلية وعدم انحلالهمرتبط بعنصرين:
الأول: تمامية مقدمات الحكمة.
الثاني: إستحالة كون الأمر المتعلق بها شمولياً، والعنصر الأول يعين اطلاقالأمر
بالطبيعة والثاني يعين أنه بدلي وأن متعلق الأمر صرف الوجود لامطلقالوجود.
وهذا بخلاف النهي، فإنه إذا ورد نهي عن شيء كما إذا قال المولى: )لاتشربالخمر(
مثلاً، فلايمكن أن يكون إطلاق النهي عن شرب الخمر بدلياً بأن يكونالنهي متعلقاً
بصرف شربها، بداهة أنّ لازم ذلك تحقق الامتثال بترك شربالخمر مرة واحدة وهو يتحقق
طبعاً وقهراً من كل مكلف، فإذن يكون النهي عنشرب الخمر لغواً محضاً وجزافاً على
أساس أنّ وجوده وعدمه على حدّ سواء،وأما تعلقه بحصة خاصة من شرب الخمر أو بمجموع
أفراده بنحو العمومالمجموعي وإن كان ممكناً، إلاّ أنه مدفوع بالاطلاق ومقدمات
الحكمة، فإذنتكون استحالة الاطلاق البدلي قرينة قطعيّة على أن المراد منه الاطلاق
الشموليبنحو الاستغراق، وعلى هذا فالاطلاق الشمولي مدلول لاستحالة الاطلاقالبدلي
لا لمقدمات الحكمة، لما عرفت من أنها تثبت الاطلاق، وأما كونه شمولياًأو بدلياً،
فالمقدمات ساكتة عن ذلك وإنما تثبت هذا بقرينة استحالة البدليةوبالعكس.
ومن هذا القبيل إطلاقات أدلة الأحكام الوضعية بالنسبة إلى متعلقاتها،كقوله تعالى:
»أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«(13)،و»تِجَارَةٍ عَنْ تَرَاضٍ«(14)،
و»أوفُوابِالْعُقُودِ«(15) وما شابه ذلك، والسبب فيه إنّ مقدمات الحكمة تثبت إطلاق
البيعوالتجارة والعقد وإنّ الحكم ثابت لها بنحو الاطلاق في مقابل ثبوته لحصة
خاصةمنها، وأما إنّ هذا الاطلاق شمولي ويعمّ جميع أفرادها بنحو العموم
الاستغراقيأوبدلي، فلايشمل إلاّ فرداً واحداً منها على البدل، فالمقدمات لاتدلّ
على شيءمنهما، لأن خصوصية الشمولية والبدلية خارجة عن مدلول المقدمات، وحيثإنّه
لايمكن أن يكون إطلاقها بدليّاً بأن تكون الحلية مجعولة لفرد ما من البيع أوالتجارة
أو العقد.
بداهة إنّ جعل الحلية له لغو، لأن فرد منها يتحقق في الخارج طبعاً فلا محالةيكون
شمولياً، فإذن استحالة كون إطلاقها بدلياً قرينة قطعيّة على أنه شمولييشمل جميع
أفرادها من العرضية والطولية بعدما لمتكن قرينة على التقييدبخصوصية زائدة لا من
الداخل ولا من الخارج، وعلى هذا فنفس الاطلاقمستندة إلى مقدمات الحكمة، وشموليته
لتمام أفراد الطبيعة بنحو العمومالاستغراقي مستندة إلى قرينة اُخرى وهي خصوصية
المورد.
ومن هذا القبيل أيضاً قوله تعالى: »وَأنْزَلْنَا مِنَ السَّمَاءِ مَاءً
طَهُوراً«(16) وماشاكله، لأن مقدمات الحكمة الجارية فيه تثبت إطلاق الماء وأن
الطهور مجعولة لهفي مقابل جعلها لحصة خاصة منه، لأن جعلها له بحاجة إلى قرينة،
وحيث إنهلاقرينة على التخصيص بحصة خاصة، فمقتضى المقدمات الاطلاق وعدمالتخصيص
بها، وأما أنّ هذا الاطلاق الذي هو مدلول المقدمات هل هو شموليفيشمل جميع أفراد
الماء في الخارج أو بدلي فيعمّ فرد ما على البدل، فالمقدماتساكتة عن ذلك ولا تدل
على شيء منهما، وحيث إنّ كون الاطلاق في المقام بدلياًلغو محض، بداهة إنّ معنى ذلك
هو أنّ الظهور في الآية الشريفة مجعولة لفرد ما منالماء في العالم، ومن الواضح
أنّه لايترتب على هذا الجعل أي أثر فلهذا يكونلغواً، وعليه فاستحالة كون هذا
الاطلاق بدلياً في الآية الشريفة قرينة قطعيةعلى أنّه شمولي بعد ما لم تكن قرينة
على التقييد بخصوصية زائدة، فبضمّ هذهالقرينة وهي خصوصية المورد إلى المقدمات يثبت
كون الاطلاق شمولياً، وهذابخلاف ما إذا قال المولى لعبده جئني بماء أو ماشاكله،
لأن الاطلاق الثابتبمقدمات الحكمة فيه وفي أمثاله لايمكن أن يكون شمولياً،
لاستحالة أن يأمرهالمولى بالاتيان بجميع أفراد الماء لأنه غير قادر عليه، وهذه
الاستحالة قرينةقطعية على أنه بدلي بعدما لم ينصب المولى قرينة على التقييد بحصة
خاصة منالماء، مع أنّ كلمة الماء في هذا المورد وفي الآية الشريفة مستعملة في
معنىواحد، ولكن خصوصية تعلق الحكم به في هذا المورد تختلف عن خصوصيةتعلقه به في
مورد الآية الشريفة، فاختلاف النتيجة نشأ من الاختلاف فيخصوصية المورد وهي تقتضي
كون الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة في موردالآية شمولياً وفي المقام بدلياً، هذا
ملخص ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
وقد علق عليه بعض المحققينقدس سره بنقطتين(17):
الاُولى: إنّ استفادة الشمولية في كل مورد ليس بميزان لغوية البدلية فيهوبالعكس،
بل في كثير من الموارد يكون كل من الاطلاق البدلي والشموليمعقولاً فيها، ومع ذلك
مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفية تعيّنأحدهما، وذلك كما في موضوعات
الأوامر لا في متعلقاتها، فإذا قال المولى أكرمالعالم، فإنه لاشبهة في أنّ مقتضى
الاطلاق بالنسبة إلى الموضوع وهو العالمالشمولية وثبوت وجوب الاكرام لكل فرد من
أفراد طبيعي العالم مهما كان لونه،مع أنه لا استحالة ولا لغوية في أن يكون الموضوع
بدلياً، بأن يكون الواجب هوإكرام عالم ما فقط ولا مانع من ذلك.
والخلاصة: إنّ إرادة كل من الشمولية والبدلية معقولة بالنسبة إلى الموضوعفي المثال
وعلى حدّ سواء، وهذا دليل على أنّ وراء مسألة استحالة البدلية فيمورد والشمولية في
آخر توجد نكتة اُخرى وهي التي تقتضي البدلية أوالشمولية فيه، ثم ذكرقدس سره إنّ
النكتة التي تتوفّر في موضوع الأمر وتقتضي انحلالهبانحلال أفراده وكون اطلاقه
شمولياً هي أنه مأخوذ مفروض الوجود في الخارجفي مقام الجعل وبذلك يمتاز عن متعلق
الأمر، لأنه لايمكن أن يؤخذ مفروضالوجود فيه وإلاّ كان طلبه من طلب الحاصل، فإذا
كان الموضوع كطبيعي العالمفي المثال مأخوذاً مفروض الوجود في المرتبة السابقة على
الحكم، فبطبيعة الحاليتعدد الحكم فيه بتعدد أفراده ومصاديقه، لأن الموضوع هو
العالم الموجود فيالخارج وهو متعدد وبتعدده يتعدد الحكم لا محالة، وإلاّ لزم خلف
فرضي كونالموضوع متعدداً، وهذا بخلاف متعلق الحكم، فإنه حيث لم يؤخذ مفروضالوجود
في الخارج فلايتعدد بتعدد وجوده فيه، وبكلمة واضحة إن الاحكامالشرعية مجعولة بنحو
القضايا الحقيقية للموضوعات المقدّرة وجودها فيالخارج، وهذه القضايا الحقيقية ترجع
لباً إلى القضايا الشرطية مقدمها وجودالموضوع وتاليها ثبوت الحكم له، والحكم حيث
إنّه مرتبط بالشرط فلا محالةيتعدد بلحاظ تعددّه، وأما المتعلق فحيث إنّه لم يؤخذ
مفروض الوجود في مقامالجعل، فلايكون مرتبطاً به كارتباطه بالموضوع، فلهذا لايتعدد
بلحاظ تعدّده،ومن هنا قالقدس سره إنّ الأصل في الموضوعات هو الاطلاق الشمولي
والأصل فيالمتعلقات هو الاطلاق البدلي، والمستثنى من الأصل الأول ما إذا كان
الموضوعمنوناً بالتنوين من قبيل أكرم عالماً، فيكون الاطلاق حينئذٍ بدلياً من جهة
أنّتنوين التنكيز ظاهر في أخذ قيد الوحدة وصرف الوجود فيه وهذا لاينسجم
معالشمولية، والمستثنى من الأصل الثاني متعلقات النواهي، فإنه يستفاد منها إنّكل
فرد من المتعلق موضوع مستقل للنّهي، وهذا هو معنى الشمولية وانحلالهبانحلال
متعلقه، والقرينة على ذلك غلبة نشوء النّهي عن المفسدة وغلبة كونالمفسدة انحلالية
هذا.
ويمكن المناقشة فيه أولاً: إنّ كلام السيد الاُستاذقدس سره ليس ناصاً في حصرسبب
شمولية الاطلاق في مورد باستحالة البدلية فيه وبالعكس، فإن كلامهقدس سرهناصّ في
أنّ الشمولية أو البدلية ليست مدلولاً لمقدمات الحكمة وإن مدلولهاثبوت الاطلاق فقط
وعدم التقييد بحصة خاصة، وأما كون الاطلاق شمولياً أوبدلياً فهو خارج عن مدلولها
وناشيء عن خصوصية المورد، ومن الواضح إنخصوصية المورد تختلف بإختلاف الموارد، فقد
تكون الخصوصية استحالةالبدلية وقد تكون استحالة الشمولية وقد تكون هناك خصوصية
اُخرى لا هذهولا تلك، وإن كان ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الأمثلة يتضمن
الخصوصيةالاُولى والثانية فحسب، إلاّ أنّ ذلك من باب المثال فلا يدل على الاختصاص.
وثانياً: الظاهر إنّ محل كلام السيد الاُستاذقدس سره في كون الاطلاق الثابتبمقدمات
الحكمة هل هو شمولي أو بدلي، إنما هو في متعلقات الأحكام التكليفيةمن الأوامر
والنواهي أو الأحكام الوضعية لا في موضوعاتها، لأن حالالموضوع يختلف عن المتعلق في
نكتة الشمولية أو البدلية، فإن المتعلق حيث إنّه لميؤخذ مفروض الوجود في مقام
الجعل، فلا تستند شموليته أو بدليته إلى ذلك،وأما الموضوع فحيث إنّه مأخوذ مفروض
الوجود في لسان الدليل في هذا المقام،فإن كان المأخوذ فيه الطبيعي الجامع فبطبيعة
الحال يتعدد الحكم بتعدد انطباقهعلى أفراده في الخارج كما في مثل قوله أكرم
العالم، فإن المأخوذ في لسان الدليلمفروض الوجود، حيث إنه طبيعي العالم فلا محالة
يتعدد وجوب الاكرام بتعددانطباقه على أفراده فيه، وهذا هو معنى شمولية إطلاق
الموضوع من جهة الحكمةوأخذه مفروض الوجود في مرحلة الجعل بدون قيد الوحدة، وإن كان
المأخوذمفروض الوجود في لسان الدليل في مرحلة الجعل عنوان لاينطبق إلاّ علىوجود
واحد فيه فإطلاقه بدلي، باعتبار إنّه لاينطبق إلاّ على فرد واحد علىالبدل في
الخارج، فالبدلية مستفادة من أخذ ما يدل على أن الموضوع المأخوذمفروض الوجود في
مرحلة الجعل فرد واحد لا على التعيين لا من مقدماتالحكمة، فإذن كون الاطلاق في طرف
الموضوع شمولياً أو بدلياً مرتبط بكيفيةأخذه مفروض الوجود في مرحلة الجعل، فإن أخذ
طبيعي الموضوع مفروضالوجود فيها، كان اطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة شمولياً على
أساس تعددالحكم بتعدد انطباقه على أفراده في الخارج، وإن أخذ الموضوع مفروضالوجود
فيها بقيد الوحدة كقوله اكرم عالماً، كان اطلاقه الثابت بمقدمات الحكمةبدلياً
فالبداية ناشئة من قيد الوحدة المأخوذة فيه لا من مقدمات الحكمة،وبذلك يظهر أن ما
ذكرهقدس سره من أنّ الأصل في الموضوعات هو الاطلاق الشموليلايمكن المساعدة عليه،
لأن الشمولية أو البدلية فيها مرتبطة بكيفية أخذالموضوع مفروض الوجود في مرحلة
الجعل، فإن كان المأخوذ مفروض الوجودطبيعي الموضوع فالاطلاق شمولي وإن كان المأخوذ
مفروض الوجود مقيداً بقيدالوحدة فالاطلاق بدلي، فليس هنالك أصل يقتضي أنّه مأخوذ
على النحو الأولدون الثاني، إلاّ أن يكون مراده من ذلك أن التقييد خلاف الأصل،
وأما فيالمتعلقات فقد تقدم أنّ الأمر يدل بالدلالة الوضعية على جعل الوجوب
للطبيعةمن دون دلالته على أنه بدلي، والنهي يدل كذلك على جعل الحرمة للطبيعة مندون
دلالته على أنها شمولية، وأما مقدمات الحكمة فهي إنما تثبت اطلاق المتعلقوإنه غير
مقيّد بحصة خاصة في مقابل تقييده بها، وأما إن هذا الاطلاق شموليأوبدلي، فالمقدمات
لاتدل على ذلك، وإنما تستفاد الشمولية في متعلقات النهيمن جهة خصوصية فيه، وتلك
الخصوصية تقتضي استحالة البدلية فيها لأنها لغووتعيّن الشمولية، وأما في متعلقات
الأمر فالمستفاد فيها البدلية من جهةخصوصية فيه وهي تقتضي استحالة الشمولية فيها
وتعيّن البدلية، فإذن ليسهنالك أيضاً أصل أولي يقتضي البدلية في المتعلقات إلا ما
خرج بالدليل.
فالنتيجة، إن كون الاطلاق شمولياً أو بدلياً سواءً أكان في جانب الموضوعاتأم كان
في جانب المتعلقات إنما هو بدال آخر غير مقدمات الحكمة، فإنها تثبتالاطلاق فقط،
والدال الآخر يختلف باختلاف الموارد، فليس لذلك ضابط كليبل لابد في كل مورد من
ملاحظة الخصوصية فيه وإنها تتطلب الاطلاق البدلي أوالشمولي.
وثالثاً: ما ذكرهقدس سره من أن منشأ الشمولية في باب النواهي هو غلبة نشوءالنهي عن
المفسدة في متعلقه وغلبة كون المفسدة إنحلالية بعدد أفراده غير تام،وذلك لأن منشأ
انحلال الحرمة بانحلال أفراد متعلقها إنما هو استحالة جعلالحرمة لمتعلقها على
البدل، لأن جعلها كذلك لغو محض، فإذن لا محالة تكونالحرمة مجعولة لمتعلقها بنحو
العموم الاستغراقي يعنى لكل فرد من أفراد متعلقها.
وعليه فدلالة النهي المتعلق بالطبيعة كالنهي عن الكذب أو الغيبة أو شربالخمر أو
ماشابه ذلك على أن كل فرد من أفراد متعلقه موضوع مستقل للحرمة،إنما هي بنكته
إستحالة أن يكون النهي المتعلق بها بنحو البدلية، فإذن بطبيعةالحال يكون بنحو
الشمولية، فإذا كان النهي بنحو الشمول والعموم، فهو يكشفعن وجود مفسدة في كل فرد
من أفراد متعلقه، وإلاّ فلا طريق لنا إلى ذلك.
وإن شئت قلت: إن شمولية النهي لجميع أفراد متعلقه وسرايته منه إليهامنوطة بثلاثة
عناصر:
الأول: إن مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية القطعيّة عند العرف والعقلاءتقتضي عدم
الفرق بين أفراد الحرام كأفراد الكذب مثلاً أو الغيبة أو شرب الخمرأو قتل النفس
المحترمة أو غيرها، بداهة إنه لايمكن القول بأن الفرد الأول منهامحرم ومشتمل على
مفسدة ملزمة دون الفرد الثاني والثالث وهكذا.
العنصر الثاني: إنّ جعل الحرمة لصرف وجود شرب الخمر أو الكذب لغومحض، ضرورة أنّ ترك
الانسان شرب الخمر مثلاً مرة واحدة في طول عمرهوكذا سائر المحرمات أمر طبيعي ولا
معنى لجعل الحرمة له.
العنصر الثالث: إطلاق دليل النهي، فإن مقتضاه بمعونة مقدمات الحكمةإثبات اطلاق
متعلقه، وأما كونه شمولياً أو بدلياً فالمقدمات لاتدل على ذلك،ولكن بضمّ هذا العنصر
إلى العنصرين الأولين فالمجموع ينتج الاطلاق الشمولي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أنّ إطلاق متعلقات الأوامرالثابت
بمقدمات الحكمة بدلي على أساس مقدمة خارجية وهي استحالة كونهشمولياً، بينما اطلاق
متعلقات النواهي الثابت بمقدمات الحكمة شمولي على أساسخصوصية خارجية وهي استحالة
كونه بدلياً، وليس منشأ شموليته لتمام أفرادالمتعلق غلبة نشوء النهي عن المفسدة
وغلبة كون المفسدة انحلالية، وذلك لأنه لاطريق لنا إلى اشتمال كل فرد منه على
المفسدة إلاّ من طريق اثبات اطلاقهالشمولي، وإلاّ فمن أين يعلم أنّ المفسدة
الواقعية غالباً تكون انحلالية، هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنّ الاطلاق في جانب الموضوعات الثابت بمقدماتالحكمة شمولي إذا
كان المأخوذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل طبيعيالموضوع القابل للانطباق على كل
مايصلح أن يكون مصداقاً له بدون تقييدهبقيد زائد، فحينئذٍ لا محالة يتعدد الحكم
بتعدد الانطباق على ما في الخارج،وبدلي إذا كان المأخوذ مفروض الوجود المقيد بقيد
الوحدة على تفصيل تقدّم.
النقطة الثانية: إنّ ما ذكر السيد الاُستاذقدس سره من أنّ ملاك البدلية في
متعلقاتالأوامر استحالة الشمولية فيها غير تام، إمّا بناءً على مسلك السيد
الاُستاذقدس سرهمن أنّ القدرة شرط في ظرف الامتثال فحسب فالخطاب الشرعي مطلق،فيشمل
كل فرد من أفراد المتعلق سواءً أكان مقدوراً أم لا، غاية الأمر إنّالامتثال اللازم
بحكم العقل يختص بالمقدور منها، فعندئذٍ لامانع من أن يكوناطلاق المتعلق شمولياً،
وأما إذا قلنا بأن القدرة شرط في الخطاب، غاية الأمر إنّالكاشف عنه العقل وإلاّ
فلايعقل أن يكون العقل مشرعاً، غاية الأمر إنّ القدرةقد تكون مأخوذة في لسان الدليل
في مرحلة الجعل وقد يكون الحاكم باعتبارهاالعقل، وعلى الثاني تكون القدرة قيداً
للخطاب لباً وهو كالمقيّد المتصل مانع عنانعقاد ظهور المطلق في الاطلاق، ولا ينعقد
له ظهور إلاّ في خصوص الحصّةالمقدورة، وعلى هذا فالاطلاق شمولي في دائرة هذه الحصة
ولا مانع منه ولايكون مستحيلاً، لأنه ليس من التكليف بغير المقدور بل هو من
التكليفبالمقدور هذا.
ويمكن المناقشة فيه، أولاً: إنّ معنى اعتبار القدرة بحكم العقل إنه كاشف عنأنها
قيد للخطاب لباً من باب قبح تكليف العاجز، ولايحكم بأنها قيد للملاك فيمرحلة
المبادي لعدم الطريق له إليه في تلك المرحلة، وعلى هذا فالخطاب مقيددون الملاك،
فإذا كان الملاك مطلقاً لزم محذور التكليف بغير المقدور، باعتبار أنّالخطاب بما هو
اعتبار لا قيمة له، وتمام القيمة إنما هو بالملاك الذي هو حقيقةالتكليف وروحه.
ولكن هذه المناقشة غير تامة، وذلك لأن القدرة إذا كانت قيداً للخطاب لبّاًوإن لم
تكن قيداً للملاك في مرحلة المبادي إلاّ أنها تمنع عن انعقاده ظهوره فيالاطلاق،
وعلى هذا فالفرد غير المقدور وإن احتمل اشتماله على الملاك باعتبارأنه غير مشروط
بالقدرة إلاّ أنه لا طريق لنا إلى ذلك، فإذن حال هذه الصورةحال صورة ما إذا كانت
القدرة مأخوذة في لسان الدليل أو كان اعتبارها باقتضاءنفس الخطاب، فإن المأمور به
على جميع هذه الأقوال هو الحصة المقدورة، ولامانع من أن يكون إطلاق الخطاب بالنسبة
إليها شمولياً، ولايلزم من ذلك ماذكرهقدس سره من المحذور وهو التكليف بغير
المقدور.
وثانياً: إن اطلاق الأمر بالنسبة إلى الحصة المقدورة الثابت بمقدمات الحكمةوإن كان
لا مانع من أن يكون شمولياً، حيث لايلزم منه التكليف بالمحال، إلاّ أنّهناك نكتة
اُخرى تمنع عن كون إطلاق الأمر شمولياً بالنسبة إلى الحصة المقدورةأيضاً وهي
مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفيّة، فإنها تقتضي أنّالمطلوب من الأمر
المتعلق بالطبيعة إيجادها في الخارج، ومن الطبيعي إنّها توجدبإيجاد فرد منها، وأما
إيجادها مرة ثانية في ضمن فرد آخر فهو بحاجة إلى دليليدلّ عليه، وإلاّ فالأمر
المتعلق بها لا يقتضي أكثر من إيجادها في الخارج وهويتحقق بإيجاد فرد منها، ومن هنا
يختلف المتعلق عن الموضوع، فإن الموضوعحيث إنّه مأخوذ مفروض الوجود، فلذلك يتعدد
الحكم بتعدد وجوده فيالخارج، وهذا بخلاف المتعلق، فإنه حيث لم يؤخذ مفروض الوجود
فيه وإلاّ كانطلبه من طلب الحاصل، فيتعلق الأمر بمفهومه الذهني الفاني في الخارج،
ويكونالمطلوب إيجاده فيه وهو يتحقق بوجود واحد، وهذا معنى إنّ اطلاقه بدليلاشمولي
لا بالنسبة إلى أفراده مطلقاً ولا بالنسبة إلى أفراده المقدورة.
فالنتيجة، إنّ إطلاق المتعلق في جانب الأمر الثابت بمقدمات الحكمة بدلي، إماعلى
أساس استحالة الاطلاق الشمولي أو على أساس مناسبة الحكم والموضوعالارتكازية.
بقي هنا اُمور:
الأول: إنه لافرق فيما ذكرناه من أن الاطلاق قد يكون بدلياً وقد يكون شمولياًبين أن
يكون ذلك في الجملة الانشائية كما في بابي الأوامر والنواهي على تفصيلتقدم، أو
الاخبارية كما في مثل قولنا: جاء رجل ولا رجل في الدار وما شاكلذلك، فإن مقتضى
الاطلاق ومقدمات الحكمة في كلتا الجملتين الأخيرتينتوسعه مدلوهما، ولكن التوسعة في
الجملة الاُولى بدلية وفي الثانية شمولية، وهذالا من جهة أنّ مقدمات الحكمة تقتضي
البدلية في الاُولى والشمولية في الثانية،فإنها لاتقتضي إلاّ بالتوسعة في مدلول
الجملة، وأما كونها بدلية أو شمولية، فهوخارج عن مدلولها بل من جهة خصوصية اُخرى
في المرتبة السابقة، وهي فيالجملة الاُولى متمثلة في نسبة المجيء إلى رجل، وهذه
النسبة لايمكن أن تكونإلى طبيعي الرجل بما هو فلا محالة تكون إلى فرد منه، وحيث
إنّ المتكلم لم ينصبقرينة على إرادة فرد معين فيه، فالاطلاق بمعونة مقدمات الحكمة
يقتضيتوسعته إلى كل من ينطبق عليه طبيعي الرجل، ولكن خصوصيّة المورد تمنع عنكون
هذه التوسعة شمولية فلا محالة تكون بدلية هذا، إضافة إلى أن تنوين التنكيرللرجل يدل
على مجيء رجل واحد على البدل في مرحلة التطبيق.
وأما في الثانية: فلأن النفي مستند إلى طبيعي الرجل، وحيث إنّ المتكلم لمينصب
قرينة على أن المراد منه نفي حصة خاصة منه، فمقتضى الاطلاق بمعونةمقدمات الحكمة نفي
تمام حصصه في الدار بنحو العموم الاستغراقي، فالاستغراقوالشمول إنما يستفاد من
خصوصية المورد في المرتبة السابقة وهي اسناد النفي إلىطبيعي الرجل، وعليه فضمّ
المقدمات إلى الخصوصية المذكورة في الجملة الاُولىينتج العموم البدلي وفي الثانية
العموم الشمولي، مع إن كلمة )الرجل( في كلتاالجملتين تدل على معنى واحد وهو طبيعي
الرجل الذي هو معناه الموضوع له.
فالنتيجة، إن لسان مقدمات الحكمة توسعة مدلول الدليل في مقابل تضييقه،وأما كون هذه
التوسعة شمولية أو بدليّة فهو مستند إلى سبب آخر في المرتبةالسابقة، كان ضمّه إلى
المقدمات في مورد ينتج التوسعة الشمولية وفي آخر ينتجالتوسعة البدلية.
الثاني: إنّ ملاك الأمر متمثل في المصلحة وملاك النهي في المفسدة،والمصلحة قد تكون
مترتبة على الفعل كما هو الغالب، وقد تكون مترتبة علىالترك، فعلى الأول يكون
الواجب الفعل وعلى الثاني الترك وكذلك الحال فيالمفسدة، فإنها إن كانت مترتبة على
الفعل فالحرام هو الفعل، وإن كانت مترتبةعلى الترك فالحرام هو الترك، وتظهر الثمرة
بين قيام المصلحة بالفعل وبين قيامهابالترك فيما يلي، هو أن المصلحة إن كانت قائمة
بالفعل فالغالب به أنها قائمةبصرف وجوده، باعتبار أنّه لا طريق لنا إلى ذلك إلاّ من
طريق الأمر المتعلق به،والمفروض إنّ المطلوب من ذلك الأمر هو صرف وجوده إذا لم يكن
هناك دليلعلى الخلاف، ومن هنا قلنا إنّ اطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه
بدلي، وإنكانت قائمة بالترك فهي تدعو المولى إلى طلب تركه، ولايمكن أن يكون
متعلقهذا الطلب صرف الترك إلاّ لزم كون الأمر به لغواً، لأن صرف الترك يتحقق
فيالآن الأول من الترك، فإذن لا محالة يكون متعلقه مطلق الترك، وحيث إنّ المولىلم
ينصب قرينة على تقييده بحصة خاصة منه، فيكون مقتضى الاطلاق بمقدماتالحكمة بضميمة
خصوصية المورد وجوب كل فرد من أفراد الترك بنحو العامالشمولي، وبذلك يختلف وجوب
الفعل عن وجوب الترك، ومثل لذلك السيدالاُستاذقدس سره بالصوم وبتروك الاحرام(18)،
بدعوى إنّ الواجب في باب الصوم تركالمفطرات والمصلحة قائمة به وكذلك الحال في
تروك الاحرام، فإنها واجبة علىأساس أن المصلحة قائمة بها ومترتبة عليها لا أنّ
فعلها محرم هذا.
ولكن للمناقشة في كلا المثالين مجالاً، أما المثال الأول فلأن الظاهر من
الآيةالشريفة(19) والروايات هو أن الصوم متمثل في الامساك عن ممارسة المفطراتمنها
قولهعليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم »لا يضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنبثلاث
خصال: الطعام والشراب والنساء...«(20)، فإنه ظاهر في أن حقيقةالصوم متقومة بالامساك
عن هذه الخصال الثلاث والاجتناب عنها.
فالنتيجة، إنّ المأمور به في باب الصوم هو الأمر الوجودي لا الأمر العدمي.
وأما المثال الثاني، فلأن الظاهر من روايات تروك الاحرام الناهية عنالارتماس
والتظليل والصيد والجماع والنظر بشهوة إلى غير ذلك هو حرمة هذهالأشياء على المحرم
لا أن تركها واجب عليه، والوجه في ذلك هو أنّ هذه النواهيلاتخلو من أن تكون نواهي
إرشادية، فمفادها الارشاد إلى مانعية الأشياءالمذكورة عن الاحرام وفي نهاية المطاف
عن العمرة والحج، أو نواهي مولويةتكليفية فيكون مفادها حرمة تلك الأشياء على
المحرم، والأول غير محتمل لأنهخلاف الضرورة الفقهية، حيث لا شبهة في عدم بطلان
الحج والعمرة بإرتكابهاوإن كان عامداً وملتفتاً إلى عدم جوازه إلا الجماع إذا كان
قبل السعي في العمرةوقبل الوقوف بالمزدلفة في الحج، فإذن يتعين الاحتمال الثاني وهو
كون هذهالنواهي، نواهي مولوية تكليفية ومفادها حرمة الأشياء المذكورة على
المحرمبدون إرتباطها بالحج والعمرة.
فالنتيجة، إنّ هذين المثالين ليسا من أمثلة كون الواجب هو الترك.
الثالث: إنه إذا فرض عدم تعدد النهي بتعدد أفراد متعلقه بأن يكون مفادلاتشرب الخمر
مثلاً حرمة واحدة كما هو الحال في الأمر المتعلق بالطبيعة، لأنمفاده وجوب واحد،
وعلى هذا فهل هناك فرق بين هذا النهي والأمر أو لا؟
والجواب: إن هناك فرقاً بينهما في كيفية الامتثال، فإن امتثال الأمر ممكنبإتيان
فرد واحد من أفراد الطبيعة، وأما عصيانه فلايمكن إلاّ بترك تمام أفرادالطبيعية
المأمور بها، وأما النهي المتعلق بالطبيعة فلايمكن إمتثاله إلا بترك هذهالطبيعة،
ومن الواضح إنّ تركها لايتحقق إلاّ بترك تمام أفرادها بنحو العمومالاستغراقي
ولايكتفي اجتناب بعضها والاتيان ببعضها الآخر، لأنه في هذه الحالةفقد عصى النهي ولم
يمتثله، والنكتة في ذلك هي أنّ مفاد النهي المتعلق بها الزجروالمنع عنها يعني عن
إيجادها، وامتثاله لايمكن إلاّ بعدم إيجادها في الخارج وهولايتحقق إلاّ بعدم إيجاد
تمام أفرادها، وإلاّ فقد أوجدها في ضمن فرد ما، نعم لافرق بينهما من حيث السقوط
بالعصيان، فكما إنّ الأمر يسقط بالعصيان الملازملانتفاء موضوعه، فكذلك النهي يسقط
بإيجاد الطبيعة المنهي عنها بإيجاد فردهافي الخارج.
الرابع: إنّ الأمر يشترك مع النهي في المتعلق، لأن متعلق كليهما الطبيعة
ولكنهيختلف عنه في عدة نقاط:
الاُولى: إنّ نشوء الأمر إنما هو عن المصلحة في متعلقه بينما كان نشوء النهي
عنالمفسدة في متعلقه.
الثانية: إنّ إطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه بدلي إما بملاك استحالةالاطلاق
الشمولي أو بملاك مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفية، بينماإطلاق النهي
بالنسبة إلى أفراد متعلقه شمولي بملاك استحالة الاطلاق البدلي.
الثالثة: إنّ مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية التي تقتضي كون المطلوبمن الأمر
صرف وجود الطبيعة قرينة على أن المصلحة مترتبة عليه، بينما تكونهذه المناسبة
الارتكازية في باب النهي قرينة على أنّ المفسدة مترتبة على مطلقوجود الطبيعة.
الرابعة: إن الأمر يسقط بالعصيان بإسقاط موضوعه على أساس وحدته،بينما النهي لايسقط
به على أساس تعدّده، فإن المكلف إذا شرب خمراً لايسقطحرمة شربها مرة ثانية وهكذا.
الخامسة: إنه يكفي في امتثال الأمر الاتيان بفرد ما من الطبيعة المأمور بها، بينمإ؛
بخخلايكفي في امتثال النهي إلاّ الاجتناب عن جميع أفراد الطبيعة بنحو
العمومالاستغراقي، هذا بناء على انحلال النهي بانحلال أفراد متعلقه واضح، وأما إذا
كانالنهي واحداً متعلقاً بالطبيعة وغير منحل كالأمر فأيضاً كذلك، لأن الاجتنابعن
الطبيعة لايمكن إلاّ بالاجتناب عن جميع أفرادها كما مرّ وإلا لم يجتنب عنها.
بقي الكلام في النواهي الواردة في أبواب العبادات والمعاملات كالنهي عنالصلاة في
غير المأكول والميتة النجس والحرير والذهب وغيرها، فإن مفادهاإرشاد إلى أنّ الشارع
جعل هذه الاُمور مانعة عن الصلاة وظاهرة في ذلك عرفاً،منشأ هذا الظهور العرفي لها
على الرغم من أنّ النهي في نفسه ظاهر في الحرمةالمولوية هو أنّ هذه النواهي لم
تتعلق بذات العبادة لكي تكشف عن وجودمفسدة فيها وتكون من النواهي المولوية، بل
تعلقت بإيقاعها في الميتة وغيرالمأكول والنجس وغيرها من الأشياء، وهذا يوجب انقلاب
ظهورها منالمولوية إلى ظهورها في الارشاد إلى مانعيتها وتقيد الصلاة بعدمها على
أساس أنّملاك هذه النواهي إنما هو قائم بإيقاعها في الميتة وغير المأكول لا في
ذاتها.
وإن شئت قلت: إنّ النهي إذا كان من قبيل لاتشرب الخمر ولاتكذب وماشاكلهما، كان
ظاهراً في نشوئه عن وجود مفسدة في متعلقه ويدل على حرمتهحرمة مولوية، وأما إذا كان
من قبيل لاتصل فيما لا يؤكل لحمه أو في الميتة أوماشاكلها، فهو ظاهر في مانعية ليس
ما لايؤكل في الصلاة والميتة وهكذا،ولايكون ظاهراً في حرمة الصلاة في الميتة وغير
المأكول تكليفاً، ولايمكن حملهذه النواهي على ذلك، لوضوح إنها ظاهرة عرفاً في أنّ
تمام ملاك النهي عنها إنماهو في إيقاعها في هذه الأشياء لا في نفسها، فإذن ليس
منشأه إلاّ مانعيتها، ومنهنا يظهر حال الأوامر الواردة في أبواب العبادات
والمعاملات، فإنها ظاهرةعرفاً في الارشاد إلى الجزئية والشرطية.
ثم إنّ مانعية النجاسة عن الصلاة في مقام الثبوت تتصور على وجهين:
الأول: أن يكون المانع عن الصلاة صرف وجود النجاسة في لباس المصلي أوبدنه المتمثل
في الوجود الأول.
الثاني: أن يكون المانع مطلق وجودها، فعلى الأول تكون الصلاة متقيدةبعدم وجودها في
ثوب المصلي أو بدنه بنحو صرف الوجود، ولازم ذلك إن تقيدالصلاة بعدم وجودها فيه
لايتعدد بتعدد وجوده، وعلى الثاني تكون الصلاةمتقيّدة بعدم وجود كل فرد منها في
ثوبه أو بدنه.
ونتيجة ذلك، إنه لايجب على المصلي تقليل النجاسة عن ثوبه أو بدنه فيالفرض الأول
إذا كان بإمكانه ذلك، ويجب التقليل في الفرض الثاني إذا كانممكناً هذا بحسب مقام
الثبوت.
وأما في مقام الاثبات، فهل الظاهر من النهي عن الصلاة في النجس الفرضالأول أو
الثاني؟
والجواب: إنه الثاني باعتبار أنه إرشاد إلى جعل المانعية لطبيعي النجسالساري إلى
أفراده، وجعلها لصرف الوجود المتمثل في أول الوجود بحاجة إلىمؤنة زائدة، ولكن قد
يقال: إنّ المرتكز في أذهان العرف العام من النهي عنالصلاة في ثوب أو بدن نجس، هو
أن المانع صرف وجوده فيه ولا أثر للنجاسةالزائدة، فإذا كان مواضع ثوبه أو بدنه
نجساً لم يجب عليه تقليل النجاسة، لأنالمانع هو صرف الوجود، فطالما يكون صرف
الوجود متحققاً فالمانع موجود،وعلى هذا فإذا تنجس مواضع متعددة من ثوب المصلي أو
بدنه دفعة واحدة،فالجميع مانع بعنوان صرف الوجود، لأن صدقه على البعض المردّد
لايمكنلاستحالة وجوده في الخارج، وعلى البعض المعيّن دون الآخر ترجيح من غيرمرجح،
فإذن لامحالة يصدق على الجميع، وحينئذٍ فلايجب عليه تقليل النجاسةإذا لم يتمكن من
إزالة الجميع، لأن تقليلها ليس تقليلاً في المانعيّة حتى يجب، وإذاتنجّس طرف من
ثوبه ثم تنجس طرفه الآخر فلا أثر للثاني، فإذا فرضنا إنّهلايتمكن من إزالة النجاسة
عن كلا الطرفين معاً ولكنه كان بإمكانه إزالتها عنأحدهما لم تجب، لأنها ليست من
إزالة المانع أو تقليله، لأن المانع بهذا المعنى غيرقابل للتقليل هذا، والصحيح إنّ
مانعية النجاسة كمانعيّة غيرها من الميتة ونحوهاإنحلالية، وذلك لأن النهي عن الصلاة
في النجس أو غير المأكول أو الميتة أوالحرير أو ما شاكل ذلك، ظاهر بحسب الصناعة
والفنّ في جعل المانعية للطبيعيالساري إلى أفراده في الخارج والمنطبق عليها.
ونتيجة ذلك، إنّ كل فرد من أفراد هذه الأشياء مانع مستقل عن الصلاة،وأما تقييد هذا
الجعل بصرف وجودها المتثل في الوجود الأول من وجوداتهابحاجة إلى دليل، والإرتكاز
العرفي المدعي في أنّ المانع عن الصلاة هو صرفوجود تلك الأشياء في بدن المصلي أو
ثوبه، هل هو مانع عن إطلاق أدلتها علىأساس أنه بمثابة القرنية المتصلة أو لا؟
والجواب: إنه غير مانع، لأن هذا الارتكاز ليس ارتكازاً عقلائياً ناشئاً عنالفطرة
والجبلة، بل هو ارتكاز من المتشرعه ومنشأه جعل الشارع تلك الأشياءمانعاً عن الصلاة،
وهذا ليس بدرجة يصلح أن يكون مانعاً عن اطلاقهاويوجب تقييده لباً، وعلى هذا فيجب
تقليل النجاسة إذا لم يتمكن من إزالةالجميع لأنه تقليل في المانعية، فإذا كانت
مواضع من ثوب المصلي متنجسة، فإنكان متمكّناً من تطهير الجميع فهو وإن لم يكن
متمكناً من ذلك، فحينئذٍ إن كانمتمكناً من تطهير البعض دون الجميع وجب، ومع هذا لو
صلّى بدون تطهيرهبطلت صلاته، وكذلك إذا كان في بدن المصلي ثوبان نجسان، فإن كان
قادراً علىنزع أحدهما ومع هذا لم ينزع، فصلاته باطلة.
والخلاصة: إنه يجب تقليل المانع مهما أمكن سواءً أكان المانع النجاسة أو غيرالمأكول
أو الميتة أو غير ذلك، وإذا لم يفعل وصلّى بطلت صلاته، هذا مما لا كلامفيه، وإنما
الكلام في وجوب تقليل النجاسة كيفاً وهل هو واجب أو لا؟ فيهوجهان:
فذهب السيد صاحب العروةقدس سره(21) إلى الوجه الأول، ومثل لذلك بما إذاتنجس ثوب
المصلي بالبول، فإنه يجب غسله مرتين، فإذا لم يتمكن إلاّ من غسلهمرة واحدة، وجب
عليه ذلك تخفيفاً لنجاسته هذا.
والصحيح هو الوجه الثاني، أما أولاً: فلأن النجاسة حيث إنها حكم شرعيفلا واقع لها
ماعدا اعتبار الشارع، ومن الواضح إن الاعتبار لا وجود له إلاّ فيعالم الاعتبار
والذهن حتى يتصف بالشدة والضعف كما هو الحال في جميعالأحكام الشرعية، فإنها اُمور
اعتبارية لا واقع موضوعي لها ماعدا وجودهاالاعتباري في الذهن، ولهذا لايعقل أن يتصف
الاعتبار بنفسه بالشدة أوالضعف، نعم إنّ هذه الاعتبارات من الشارع حيث إنه لايمكن
أن تكون جزافاً،فلا محالة تكون مبنية على نكتة مبررة لجعلها واعتبارها، وتلك النكتة
هيملاكاتها الواقعية في مرحلة المبادي، وهذه الملاكات اُمور واقعية تتصف
بالقوةوالضعف، ولهذا يكون ملاك بعض الأحكام الشرعيّة أهمّ وأقوى من ملاكبعضها
الآخر، فإذن اتصاف الأحكام الشرعية بالأقوى والأضعف والأهمّوالمهمّ إنما هو بلحاظ
حال ملاكاتها لا في نفسها، ولكن إحراز ذلك بحاجة إلىدليل في مقام الاثبات بعدما
كان الطريق إليها منسداً، نعم يمكن إحراز أهميةملاك جملة من الأحكام الشرعية بنحو
الاجمال من طرق متعددة:
الأول: الروايات التي تدل على اهتمام المولى بها وهي الروايات التي تنصّ علىأنّ
الاسلام بني على خمس(22).
الثاني: ما ورد في الكتاب والسنة من التشديد والتهديد على ترك الصلاةوحجة الاسلام
وقد حكم في بعض الروايات بكفر تارك الصلاة(23)، وفي آخرأنها إذا قبلت قبل ماسواها
وإن ردّت ردّ ماسواها(24)، وفي ثالث انها عماد الدينومعراج المؤمن(25) وهكذا، وقد
ورد في حق تارك الحج إنه مات إن شاء يهودياًأو نصرانياً(26)، فإن المستفاد من مجموع
ذلك اهتمام الشارع بهما.
الثالث: جعل القصاص والحدود والديات على ارتكاب جملة من المحرماتالشرعية، فإن جعل
تلك العقوبات الصارمة يدل على إهتمام الشارع بعدموقوعها في الخارج من جهة ما فيها
من المفاسد الإجتماعية، وكيفما كان فالنجاسةكسائر الأحكام الشرعية لاتتصف بالشدة
والضعف، وأما وجوب غسل الثوبالمتنجس بالبول مرتين، فلايدل على أنّ ملاك نجاسة
البول أشدّ من ملاك نجاسةالمني أو الدم، بل لعله كان ذلك لخصوصية اُخرى فلا طريق
لنا إليها، مثلاً إذإ؛تمستنجس الاناء بملاقاة النجس لزم غسله ثلاث مرات، وأما إذا
تنجس بها ظرفآخر لايصدق عليه عنوان الاناء، فلايجب غسله إلاّ مرة واحدة مع أن
كليهماظرف وتنجس بنجاسة واحدة، فإذن حكم الشارع بغسل الاناء ثلاث مراتدونه، فلا
محالة يكون مبنياً على نكتة ولايمكن أن يكون جزافاً، ولكن تلكالنكتة مجهولة لنا.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم إن نجاسة البول أشد من نجاسة غيرهإلاّ أنه لا
دليل على أن شدة نجاسته مانعة عن الصلاة زائدة على مانعية أصلنجاسته، بمعنى أنّ
نجاسة البول في نفسها مانعة عن الصلاة وشدتها مانعة اُخرىعنها، وذلك لأن النهي عن
الصلاة في النجس لايدل إلاّ على مانعية النجاسة،وأما أنّ شدتها مانعة، فلا اشعار
فيه فضلاً عن الدلالة، لأن مفاده تقييد الصلاةبعدم النجاسة وإن كانت شديدة بقيد
واحد لا بقيدين هما تقيد الصلاة بعدم أصلالنجاسة وتقيّدها بعدم شدتها.
فالنتيجة، إن الواجب على المصلّي تقليل المانع، فإذا كان مضطراً إلى الصلاةفي بدن
نجس وغير مضطر إليها في ثوب نجس لتمكنه من تطهيره، ففي مثل ذلكوجب عليه تطهير
الثوب وإلاّ فصلاته فيه باطلة، لأنه غير مضطر إلى الاتيان بهافيه وتمكنه منها في
ثوب طاهر.
هذا كله فيما إذا علم المصلي بنجاسة ثوبه أو بدنه أو علم أنه من أجزاءمالايؤكل أو
الميتة أو ماشاكل ذلك، وأما إذا شك في أنّ ثوبه نجس أو طاهر،فيدخل المقام حينئذٍ في
كبرى مسألة الأقل والأكثر الارتباطيين، وقد ذكرناهناك إنّ المرجع فيها أصالة
البراءة عقلاً وشرعاً، هذا فيما إذا لم يكن في البين أصلموضوعي كاستصحاب الطهارة
ونحوها وإلاّ فهو المرجع، وكذلك الحال فيما إذإ؛ تخخشك في أن ثوبه هذا هل هو
متخذ من أجزاء مالايؤكل أو لا، فإن المرجع فيهأصالة البراءة، باعتبار أن المقام من
صغريات كبرى مسألة الأقل والأكثرالارتباطيين، هذا فيما إذا لم يكن هناك أصل موضوعي
يحرز به أنه ليس منأجزاء مالايؤكل كاستصحاب العدم الأزلي أو العدم النعتي وإلاّ
فلا تصل النوبةإلى أصالة البراءة، لكن الكلام في وجود الأصل الموضوعي في المسألة
وحدودهسعة وضيقاً محل آخر لا المقام.
نتائج البحث ...
نتائج البحث عدّة نقاط:
الاُولى: إنّ في المدلول الوضعي للنهي مادةً وهيئةً نظريات ثلاث:
1 - النهي موضوع لطلب ترك الطبيعة وهذه النظرية هي المعروف والمشهوربين الأصحاب.
2 - النهي موضوع للدلالة على ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وهذهالنظرية هي
مختار السيد الاُستاذقدس سره.
3 - النهي موضوع مادة وهيئة للدلالة على الحرمة والزجر بالدلالةالتصوّرية، وهذه
النظرية هي النظرية الصحيحة دون الاُولى والثانية.
الثانية: إنّ الأمر على ضوء النظرية الاُولى يشترك مع النهي في نقطة وهيالمدلول
الوضعي، فإنه في كليهما الطلب المولوي، ويختلف عنه في نقطة اُخرىوهي المتعلق، فإنه
الفعل في جانب الأمر والترك في جانب النهي، وعلى ضوءالنظرية الثانية يشترك الأمر مع
النهي في نقطتين:
الاُولى: في المدلول الوضعي وهو إبراز الأمر الاعتباري النفساني.
الثانية: في المتعلق، فإنه في كليهما الفعل، ويمتاز عنه في نقطة اُخرى وهي
سنخالاعتبار، وعلى ضوء النظرية الثالثة يمتاز الأمر عن النهي في نقطتين أساسيتين:
الاُولى: في الملاك في مرحلة المبادي، فإنه المصلحة في الأمر والمفسدة فيالنهي.
الثانية: في الحكم في مرحلة الجعل، فإنه الوجوب في الأمر والحرمة في النهيويشترك
معه في نقطة اُخرى وهي المتعلق فإنه في كليهما الفعل.
الثالثة: إنّ المدلول الوضعي على ضوء النظرية الثانية تصديقي لاتصوري،لأن تصوره غير
مستند إلى الوضع بل هو مستند إلى الانس الذهني، وأما علىضوء النظرية الاُولى
والثالثة، فالمدلول الوضعي تصوري لاتصديقي، لأنالتصديق به مستند إلى ظهور حال
المتكلم لا إلى الوضع.
الرابعة: إن ما هو المعروف في الألسنة من أن صرف وجود الطبيعة يتحققبأول وجودها
وصرف ترك الطبيعة لايتحقق إلاّ بترك جميع أفرادها، فإن أرادوبترك جميع أفرادها
الأعمّ من الطولية والعرضية، فلا أصل له ولايرجع إلى معنىمحصّل، فإن الطبيعة إن
لوحظت بنحو صرف الوجود فنقيضها البديل لها تركوجودها في الآن الأول الذي هو مصداق
صرف الوجود، وإن لوحظت بنحومطلق الوجود فنقيضها عدم مطلق وجودها، وإن أرادوا به
الأفراد العرضيةفقط بمعنى أنّ بديل صرف وجود الطبيعة في الآن الأول ونقيضه تركه،
وتركه إنّمايتحقق بترك جميع أفرادها في هذا الآن فقط فهو صحيح، ومن هنا لافرق
بينصرف وجود الطبيعة وصرف تركها، فكما إنّ صرف وجودها يتحقق بأولوجودها في الخارج
فكذلك صرف تركها، فإنه يصدق على ترك ذلك الوجود فيالآن الأول وإن كان متعدداً، كما
إذا فرضنا إنّ الطبيعة قد وجدت بوجوداتمتعددة في عرض واحد وآن فارد، فإن صرف
الوجود يصدق على الجميع، لأنصدقه على أحدها المردد غير معقول واحدها المعين ترجيح
بغير مرجح، فلامحالة يصدق على الجميع وكذلك صرف الترك، فإنه يصدق على جميع تروك
تلكالوجودات في هذا الآن بنفس ملاك صدق صرف الوجود عليها، وهذا معنى أنّنقيض
الواحد واحد ونقيض المتعدد متعدد، ولا يعقل أن يكون نقيض الواحدمتعدداً، كيف فإن
نقيض الشيء بديله.
الخامسة: إنّ النهي لايدل على انحلاله بانحلال متعلقه بالوضع كما هو الحالفي
الأمر، بلا فرق في ذلك بين نظرية ونظرية، فإنه لايدل على ذلك على ضوءجميع النظريات
في تفسيره.
السادسة: إنّ تبعية النهي للمفسدة في متعلقه لاتتطلب إنحلاله بانحلال أفرادمتعلقه،
إذ لانعلم أنّ المفسدة قائمة بكل فرد من أفراده ولا طريق لنا إليه بقطعالنظر عن
ثبوت النهي كذلك، كما إنّ تبعية الأمر للمصلحة في متعلقة لاتتطلبعدم الانحلال،
فإنها تختلف باختلاف الموارد، نعم إنّ المفسدة إذا كانت قائمةبشيء، فالغالب إنها
وإن كانت تنحل بانحلال أفراده إلاّ أن ذلك ليس منشأانحلال النهي كما تقدّم.
السابعة: إنّ انحلالية الحرمة في باب النهي بنحو العموم الشمولي وعدمانحلالية
الوجوب في باب الأمر كذلك، تتوقف على أمرين:
الأول: تمامية مقدمات الحكمة، لأنها إذا تمّت فقد ثبت الاطلاق، ولكنهالاتدل على أنه
شمولي أو بدلي.
الثاني: خصوصية المورد، فإنها تقتضي في مورد أن الاطلاق الثابت بمقدماتالحكمة فيه
شمولي وفي آخر أنه بدليّ، فالخصوصية الموجودة في جانب النهيتتطلب إنّ الاطلاق فيه
شمولي ولايمكن أن يكون بدلياً وفي جانب الأمر إنهبدلي، أما من جهة أنه لايمكن أن
يكون شمولياً أو من جهة مناسبة الحكموالموضوع الارتكازية.
الثامنة: إن اطلاق الأمر بالنسبة إلى أفراد متعلقه بدلي، وأما بالنسبة إلىأفراد
موضوعه شمولي، بنكتة أن الموضوع قد أخذ مفروض الوجود في مرحلةالجعل، فإذن لا محالة
يتعدد الحكم بتعدد وجوده في الخارج وهذا بخلافالمتعلق، فإنه لم يؤخذ مفروض الوجود
فيه وإلاّ كان طلبه من طلب الحاصل،هذا فيما إذا لم يقيد الموضوع بقيد الوحدة في
مقام الجعل، وإلاّ فالاطلاق الثابت لهبمقدمات الحكمة بدلي لا شمولي.
التاسعة: إنّ اطلاق الخطابات الوضعية كقوله تعالى: أحل اللَّه البيع وأوفوابالعقود
وماشاكل ذلك، الثابت بمقدمات الحكمة شمولي، بنكته أنّ كونه بدلياً لغومحض.
العاشرة: إنّ مدلول مقدمات الحكمة إثبات الاطلاق، وأمّا إنه شمولي أو
بدليفالمقدمات لاتدل على شيء منهما، فإذن إثبات أنه شمولي أو بدلي بحاجة
إلىمقدمة اُخرى وهي تختلف من مورد إلى مورد آخر.
الحادية عشر: إنّ تعليق بعض المحققينقدس سره على السيد الاُستاذقدس سره في
المقامغير وارد على تفصيل تقدم.
الثانية عشر: إنّ الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة قد يكون في الجملةالإنشائية وقد
يكون في الجملة الخبرية، وفي كلتا الجملتين قد يكون الاطلاقشمولياً وقد يكون
بدلياً، ولافرق بين الجملتين من هذه الناحية.
مسألة اجتماع الأمر والنّهي ...
مسألة اجتماع الأمر والنّهي
لا شبهة في أنه لاتضاد بين الأمر والنهي بما هما اعتبار من المولى، حيث إنّه
لاواقع لهما بهذا اللحاظ إلا واقع الاعتبار من المعتبر في عالم الذهن، نعم يقع
التضادبينهما من ناحيتين:
الاُولى: من ناحية الملاك في مرحلة المبادي كالمصلحة والمفسدة والارادةوالكراهة
والحب والبغض، فلايمكن إجتماع الوجوب والحرمة في شيء منناحية المبادي، فإن معنى
ذلك اجتماع المصلحة والمفسدة فيه والحب والبغضوالارادة والكراهة وهو محال.
الثانية: من ناحية الامتثال، فإن المكلف لايكون قادراً على امتثال الوجوبوالحرمة
معاً في شيء واحد، فإذن يستحيل جعلها معاً، وإن شئت قلت: إنّالغرض من جعل الوجوب
لشيء هو إيجاد الداعي في نفس المكلف وتحريكه نحوالاتيان به، والغرض من جعل الحرمة
لشيء آخر هو جعل الداعوية والمحركية لهانحو الاجتناب عنه، ومن الواضح إنه لايمكن
الجمع بين هذين الاقتضائينوالغرضين لأنه من الجمع بين المتضادين.
وبكلمة، إنّ الأمر والنهي حيث إنهما من الاُمور الاعتبارية فبطبيعة الحاليكون
معروضهما بالأصالة والذات هو عنوان الفعل في عالم الذهن كعنوان صلاةالظهر والعصر
والمغرب والعشاء وعنوان الغصب ونحوه، لاستحالة تعلقهمابالفعل في عالم الخارج حقيقة
وإلاّ لكانا خارجيين وهو خلف هذا، إضافة إلى أنّمتعلق الأمر لوكان الفعل الخارجي
لكان تعلق الأمر به من طلب الحاصل، وأماتعلقهما بالعناوين الذهنية للأفعال الخارجية
فليس بملاك الموضوعية، ضرورةأنّه إنما هو بملاك فنائها فيها ومرآتيتها لها، باعتبار
أنّ المولى يطلب تلك الأفعالمن المكلفين أو ينهاهم عنها بواسطة تعلق الأمر
بعناوينها الذهنية الفانية أو النهيعنها بعدما لايمكن تعلق الأمر والنهي
بمعنواناتها وهي الأفعال الخارجيةمباشرة، وعلى هذا فإذا كان المعنون والمعروض
بالعرض واحداً، كما إذا ورد)صلّ( و)لاتصلّ(، نشأ التنافي بينهما بالغرض من جهتين:
الاُولى: من جهة المبادي كالمصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحبوالبغض.
الثانية: من جهة الامتثال والاقتضاء، وأما بينهما بالذات فلاتنافي، ضرورةأنه لامانع
من اعتبار كليهما معاً بما هو اعتبار، ولكن المانع من ذلك إحدىالجهتين المذكورتين،
فلهذا تقع المعارضة بين )صل( و)لاتصلّ( بنحو التباين،حيث لايمكن اجتماع المصلحة
والمفسدة والارادة والكراهة والحب والبغض فيشيء واحد وهو الصلاة، بداهة أن
المحبوب لاينطبق على المبغوض والواجبعلى الحرام وهكذا، ولابد حينئذٍ من الرجوع إلى
قواعد باب المعارضة، ولكنهذا الفرض خارج عن مسألة اجتماع الأمر والنهي، إذ لاشبهة
في استحالةالاجتماع في هذا الفرض ولا كلام فيه، والكلام في مسألة الاجتماع إنما هو
فيما إذاتعلق الأمر بعنوان والنهي بعنوان آخر، والعنوانان متغايران بالذات في
عالمالذهن، مثلاً تعلق الأمر بعنوان الصلاة مرآة لواقعها الخارجي والنهي
بعنوانالغصب كذلك، وحنيئذٍ فيقع الكلام في أنّ تغاير معروضيهما في عالم
الذهنبالذات، هل يكفي في رفع غائلة التضاد بين معروضيهما بالعرض في عالم
الخارجوإن كانا متحدين فيه أو لا، أو فقل إنّ تعدد العنوان هل يكفي في رفع
غائلةاستحالة اجتماع الضدّين وإن كان المعنون لهما واحداً في الخارج أو لايكفي،
وإنهلابد من أن يكون المعنون فيه أيضاً متعدداً، وهناك محاولات عديدة لاثبات
أنالأمر والنهي في المسألة غير مجتمعين في شيء واحد.
المحاولة الاُولى: ما تقدم من أن متعلق الأمر صرف وجود الطبيعةولايسري منه إلى
أفرادها وحصصها في الخارج، بينما يكون متعلق النهي مطلقوجود الطبيعة، ولهذا ينحل
النهي بانحلال وجودها فيكون كل فرد منها متعلقاًللنهي، وعلى هذا، فالصلاة في الأرض
المغصوبة بما أنها حصة من الصلاة المأموربها وفرد منها، فلاتكون متعلقه للأمر
باعتبار أن متعلقه بالصلاة الجامعة بينهاوبين غيرها، فإذن لايلزم من تعلق النهي بها
اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنّ متعلق الوجوب حيث إنه صرف وجود الطبيعة فهويكشف عن أن ملاكه
الملزم قائم به لابمطلق وجودها، وعليه فكما إنّ الوجوبلايسري إلى أفرادها فكذلك
ملاكه، وحينئذٍ فلايكون فردها مشتملاً على ملاككالمصلحة ولا متعلقاً للحب والإرادة
لأنهما تتبعان الملاك، فإذن كما لايلزم اجتماعالوجوب والحرمة في الصلاة على الأرض
المغصوبة باعتبار أنها فرد من الصلاةالمأمور بها كذلك لايلزم اجتماع الارادة
والكراهة فيها ولا المحبوبية والمبغوضية.
والخلاصة: إنّ الوجوب حيث إنه واحد متعلق بصرف الوجود، فبطبيعةالحال يكشف عن أنّ
ملاكه أيضاً واحد على أساس إنّ الملاك لوكان متعدداًلكان الوجوب متعدداً لا محالة،
لأنه روح الوجوب وحقيقته، وأما الحرمةفحيث إنها متعددة، فتكشف عن أنّ ملاكها أيضاً
متعدد في المرتبة السابقة وإلاّفلا يعقل تعددها. ونتيجة ذلك، هي عدم اجتماع الأمر
والنهي في شيء واحد لافي مرحلة المبادي ولا في مرحلة الجعل، وفي هذه المحاولة عدة
مناقشات:
الاُولى: إنّ الملازمة بين محبوبية الجامع وأنحاء من المحبوبية المشروطة بعددحصص
الجامع وأفراده ثابتة في مرحلة المبادي وكذلك بين إرادته وأنحاء منالارادة
المشروطة، وهذه الملازمة وإن لم تكن برهانية حيث إنّه لايمكن إقامةبرهان عليها إلاّ
أنها مطابقة للوجدان، فإذا كانت ثابتة في مرحلة المبادي، كانتتكشف عن ثبوتها في
مرحلة الجعل والاعتبار أيضاً على أساس أنّ مرحلةالجعل تتبع مرحلة المبادي، بمعنى
إنّ الشارع كما يجعل الوجوب للجامع يجعلوجوبات اُخرى مشروطة لحصصه وأفراده،
باعتبار إنّ الملازمة القهرية بينوجوب الجامع وأنحاء وجوبات اُخرى مشروطة بعدد
حصصه وأفراده غيرمعقولة، لأن الوجوب أمر اعتباري صادر من الشارع مباشرة، ففرض
تولدهمن وجوبات آخر خلف فرض كونه فعلاً اختيارياً للمولى مباشرة، وعلى ذلكفهذه
الملازمة في مرحلة المبادي بين محبوبية الجامع وأنحاء من محبوبية اُخرىمشروطة
وكذلك بين إرادته وأنحاء من إرادة اُخرى مشروطه ثابتة قهراً.
وأما في مرحلة الجعل فهي ثابتة جعلاً، وعلى هذا الأساس فالحصة في موردالاجتماع كما
أنها متعلقة للحرمة بمبادئها كذلك متعلقة للوجوب المشروطبمبادئه، ومن الواضح إنّ
الوجوب المشروط كذلك لايجتمع مع الحرمة في شيءواحد، ضرورة إنّه لايمكن أن يكون
متعلق الحرمة محبوباً ولو مشروطاً.
والجواب: إنّ هذه الملازمة في مرحلة الجعل والاعتبار منوطة بثبوتها فيمرحلة
المبادي، وأما ثبوتها في تلك المرحلة بالبرهان فهو لايمكن، إذ ليسبالإمكان إقامة
برهان على ثبوت هذه الملازمة فيها بل مقتضى البرهان أنّه ليسفي مرحلة المبادي
إلاّ ملاك واحد، وذلك لأن الظاهر من الأمر المتعلق بالطبيعةأنه واحد ومتعلقه الجامع
ولايسري منه إلى أفراده قهراً ولا جعلاً لا بنحوالأوامر الفعلية ولا المشروطة، لأن
السراية القهرية غير معقولة والسرايةالجعلية بحاجة إلى دليل ولا دليل عليها، فإذا
كان الأمر في مقام الاثبات واحداًمتعلقاً بالجامع، فهو يكشف عن ملاك واحد قائم به
في مقام الثبوت، إذ لا طريقلنا إلى احراز غيره ولايوجد هناك دليل آخر يدل على
أنحاء من الملاكاتالمشروطة بعدد أفراد الجامع وحصصه، وأما الوجدان فهو لايحكم
بالملازمة بينإرادة الجامع وأنحاء من الارادة المشروطة بعدد حصصه وأفراده وبين
محبوبيةالجامع وأنحاء من المحبوبية المشروطة كذلك، وإلاّ فلازمه أن تكون
هناكوجوبات متعددة مشروطة بعدد أفراد الجامع وحصصه، بلحاظ أنّ الوجوبيتبع الملاك
في الوحدة والكثرة على أساس أن المبدء هو حقيقة الوجوب وروحهمع أن الوجوب واحد في
المقام ومتعلق بالجامع بنحو صرف الوجود بلالوجدان يشهد على خلاف ذلك، لأن الارادة
إذا تعلقت بالجامع بحده الجامعيفلاتسري إلى أفراده بنحو الارادات المشروطة، لأن
الوجدان يشهد بأن الجامعبحده الجامعي مراد ومتعلق للارادة دون الفرد بحده الفردي،
ووجود الجامع فيالخارج وإن كان عين وجود الفرد فيه إلاّ أنهما مختلفان في الاضافة،
فالارادةمتعلقه بالوجود المضاف إلى الجامع لا المضاف إلى الفرد لامطلقه ولا
مشروطه،فإذا تحقق الجامع حينئذٍ في ضمن فرد، انتهت الارادة بانتهاء مفعولها
وكذلكالحال في الحب، فإنه إذا تعلق بالجامع بحده الجامعي فلايسري منه إلى
أفرادهلامطلقاً ولا مشروطاً، فالسراية خلاف الوجدان لا أنها مطابقة للوجدان،
مثلاًالصلاة الجامعة بين المبدء والمنتهى محبوبة لا كل فرد من أفرادها بحده
الفردي،نعم إذا وجدت الصلاة في ضمن فرد فالفرد محبوب من جهة وجود الجامعلابحده،
ومن هنا قلنا في مبحث الواجب التخييري إنّ مرجعه إلى جعل وجوبواحد متعلق بالجامع
العنواني وهو عنوان أحد البدائل لا إلى جعل وجوباتمتعددة المشروطة بعدد أفراد
الجامع، فإن هذا القول مبني على أحد الأمرين:
الأول: أن يكون كل واحد من أفراده مشتملاً على ملاك ملزم.
الثاني: إنّ الملاك القائم بالجامع يسري منه إلى أفراده بنحو الملاكاتالمشروطة،
وكلا الأمرين غير صحيح.
أما الأمر الأول: فلما تقدم في مبحث الواجب التخييري من أنه باطل ثبوتاًواثباتاً،
أما الأول فلأن جعل الوجوب لكل من البدائل بنحو الوجوبالمشروط منوط بغرض التضاد
بين الملاكات القائمة بالبدائل وعدم امكان الجمعبينها في مقام الاستيفاء، ولكن
تقدم أنّ فرض التضاد بينها مع عدم التضاد بينالبدائل في نفسها فرض لاواقع له.
وأما الثاني: فلأن ظاهر الدليل هو أن المجعول وجوب واحد متعلق بالجامعالعنواني دون
وجوبات متعدّدة المشروطة.
وأما الأمر الثاني: فلما عرفت الآن من أنّ الملاك القائم بالجامع كالارادةوالحب
لايسري منه إلى أفراده بنحو إرادات مشروطة بعدد أفراد الجامع، لأنذلك خلاف الوجدان
من جهة وبدون برهان من جهة اُخرى.
فالنتيجة، إن هذه الملازمة غير ثابتة في مرحلة المبادي حتى يمكن الاستدلالبها على
ثبوتها في مرحلة الجعل باعتبار أنها تتبع مرحلة المبادي، فإذن هذهالمناقشة غير
تامة.
المناقشة الثانية: ما أفاده المحقق النائينيقدس سره بتقريب أن الوجوب وإن لميجتمع
مع الحرمة في مورد الاجتماع، على أساس إنه تعلق بالجامع ولايسري منهإلى أفراده
وحصصه، إلاّ أنّ متعلقه لما كان الجامع فمقتضى إطلاقه أن المولى قدرخّص المكلف في
تطبيقه على أي حصة من حصصه شاء وأراد، ومنها الحصةالمنهي عنها كالصلاة في الأرض
المغصوبة، ومن الواضح أن تطبيق الجامعالمأمور به على حصته المنهي عنها في مورد
الالتقاء يستلزم اجتماع الترخيص معالحرمة في شيء واحد وهو محال، ضرورة كما أن
الوجوب لايجتمع مع الحرمة فيشيء واحد كذلك الترخيص الشرعي، نعم لوكانت الحصة
منهياً عنها بالنهيالتنزيهي، فهو لايمنع من تطبيق الجامع عليها، لأن الترخيص
لاينافي الكراهة،ومن هنا لامانع من تطبيق الصلاة المأمور بها على الصلاة في الحمام
باعتبار أنّالنهي عنها نهي تنزيهي وهو لايمنع من الاتيان بمتعلقه وتطبيق الواجب
عليه،غاية الأمر أنه مرجوح، ومن هنا تفترق هذه المناقشة عن المناقشة الاُولى،
فإنالاُولى لو تمّت لكان مقتضاها عدم الفرق بين أن يكون النهي عن الحصة
نهياًتحريمياً أو تنزيهياً على أساس أن الوجوب كما لايجتمع مع الحرمة في شيءواحد،
وإن كان الوجوب مشروطاً كذلك لايجتمع مع الكراهة، وهذا بخلافالمناقشة الثانية، فإن
المانع من التطبيق إنما هو حرمة الحصة لا كراهيتها، شريطةأن لاتكون الكراهة ناشئة
عن مرجوحية ذات الحصة وإلاّ فلايمكن التقرّب بهابأن تكون ناشئة عن الخصوصيات
المقترفة بها كخصوصية كون الصلاة في الحمامأو نحوها، فعندئذٍ لا مانع من التقرب
بها، ومن هنا فسّر المحقق النائينيقدس سره النهيعن الصلاة في الحمام بالكراهة
المصطلحة لابمعنى أقل ثواباً، فإن الداعي على هذاالتفسير إنما هو توهم التنافي بين
الكراهة والعبادة وإنهما لاتجتمعان في شيءواحد، ولكن هذا التوهم في غير محله، لأن
الصلاة في الحمام حصّة من حصصالعبادة لا أنها بنفسها عبادة، لأن العبادة هي الصلاة
الجامعة بينها وبين غيرهإ؛+چخخوهي المتعلقة للوجوب، وحيث إنها مطلقة فلازم
اطلاقها ترخيص الشارع فيتطبيقها على أي حصة من حصصها شاء وأراد، وكراهة الصلاة في
الحمام لاتمنععن جواز تطبيق الصلاة المأمور بها عليها، ولايعتبر في جواز التطبيق
أن يكونكل حصة من حصصها محبوبة ومشتملة على الملاك ومتعلقة للإرادة، بل المعتبرفيه
أن لايكون هناك مانع منه والمانع هو حرمة الحصة، وأما كراهتها فهي لاتمنععن
الانطباق، باعتبار أن كراهتها ناشئة عن تخصصها بخصوصية الحصةلابلحاظ ذاتها بقطع
النظر عن خصوصيتها، فإذن وجود الحصة بلحاظ إنّهوجود الطبيعة المأمور بها محبوب
وبلحاظ أنه وجود الحصة مكروه، فالتطبيقإنما هو بلحاظ الأول دون الثاني.
والجواب أولاً: إن معنى الاطلاق ليس هو الترخيص من قبل الشارع فيتطبيق المأمور به
وهو الجامع على كل حصة من حصصه، لأن معنى الاطلاق كماذكرناه في محله عبارة عن عدم
لحاظ القيد مع الطبيعة حين ما يراد جعل الحكمعليها، ومن هنا قلنا إن التقابل
بينهما من تقابل السلب الإيجاب، وعلى هذافلايكون للأمر المتعلق بالطبيعة المطلقة
مدلولان، أحدهما مطابقي وهو وجوبمتعلقه، والآخر التزامي وهو الترخيص في تطبيقه، بل
له مدلول واحد وهووجوب متعلقه، غاية الأمر إن كان متعلقه مطلقاً بمعنى أن المولى
لم يلاحظ قيداًمعه حينما جعل الحكم عليه، فهو قابل للانطباق على كل مايصلح أن يكون
فرداًله، وهذه الصلاحية ذاتية له وغير قابلة للجعل، وأما فعلية الانطباق على
أفرادهوحصصه جميعاً فهي تتوقف على أن لايكون هناك مانع عنها، والمانع عن
هذاالانطباق هو حرمة الحصة ومبغوضيتها، فإنها تمنع عن انطباقه عليها فعلاً رغمأنه
قابل للانطباق عليها ذاتاً.
وبكلمة، إنّ تقييد متعلق الأمر بقيد في مقام الاثبات مانع عن قابلية انطباقهعلى
الحصة الفاقدة للقيد، وقد عرفت أنّ هذه القابلية ذاتية له، بينما حرمة الحصةلاتمنع
عن هذه القابلية وإنما تمنع عن فعلية الانطباق، لأنها تتوقف على عدمتلبس الحصة بها
فعلاً، فإن التلبس بها كذلك مانع عنها رغم أنه قابل للانطباقعليها ذاتاً.
ومن هنا يفترق هذا المانع عن القيد المأخوذ فيه، فإنه رافع لقابلية انطباقهعلى
الفاقد للقيد، وأما هذا المانع الموجود في الفرد، فإنه لايمنع عن قابليةالانطباق
وإنما يمنع عن فعليته.
فالنتيجة، إن اطلاق متعلق الأمر لايدل على ترخيص الشارع المكلف فيتطبيقه على أي
فرد من أفراده وحصة من حصصه شاء، منها حصته المحرمةوهي الصلاة في الأرض المغصوبة
حتى يكون منافياً للنهي، لأن اطلاقه الذاتيمنوط بعدم القيد واطلاقه الفعلي منوط
بعدم تلبس الحصة بالمانع وهو الحرمة،فإذن ليس للأمر مدلول التزامي لكي يكون منافياً
لمدلول النهي.
المناقشة الثالثة: إنّ هذه المحاولة في المسألة وإن كانت تجدي لدفع محذورالتنافي
بين الوجوب والحرمة في مرحلة المبادي ومرحلة الجعل ولكنها لاتجديلدفعه في مرحلة
الامتثال، لأن متعلق الوجوب إذا كان مطلقاً فالعقل يحكمبالتخيير في تطبيقه على أي
فرد من أفراده وحصة من حصصه شاء وأراد منهاالحصة المحرمة، فإذن لايمكن الجمع بين
اطلاق متعلق الوجوب وحرمة هذهالحصة في مرحلة الامتثال، ولابد حينئذٍ إما من تقييد
إطلاق متعلق الوجوببغير هذه الحصة أو رفع اليد عن حرمتها، ولايمكن الجمع بين اطلاق
متعلقهوحرمة هذه الحصة، وفيه: إنّ هذه المناقشة غير تامة، لأن حرمة
الحصةومبغوضيتها تمنع عن حكم العقل بالانطباق لا أنّ العقل يحكم به، بداهة أنّ
العقليحكم باستحالة انطباق الواجب على الحرام ومعه كيف يعقل أن يحكمبالانطباق،
فإذن هذه المحاولة لوكانت مجدية لدفع التنافي بينهما في مرحلة المباديوالجعل، كانت
مجدية لدفعه في مرحلة الامتثال أيضاً.
المحاولة الثانية: إن الأحكام الشرعية متعلقة بالعناوين والمفاهيم الذهنيّةمباشرة
وبالذات، ولايمكن أن تكون متعلقة بالأفعال الخارجية وإلاّ لزم كونهاخارجية، وعلى
هذا فالوجوب متعلق بعنوان الصلاة ومفهومها الذهني الفانيمباشرة وبالذات، والحرمة
متعلقة بعنوان الكون في الأرض المغصوبة ومفهومهالذهني الفاني كذلك المنطبق على
الصلاة فيها خارجاً، وهذا العنوان المتعلق بهالأمر مباشرة وإن كان ملحوظاً فانياً
في معنونه في الخارج ومأخوذاً بنحوالمشيرية والمعرفية، ولكن مع هذا لايسري الأمر
منه إلى الخارج وإلاّ لزم كونهخارجياً وهو خلف، فإذن ما هو متعلق الوجوب بالذات
مباين لما هو متعلقالحرمة كذلك، وأما المعروض والمعنون بالعرض لهما في الخارج، فهو
وإن كانواحداً إلاّ أنه ليس متعلق الوجوب والحرمة مباشرة، فتحصل إنّ
الوجوبوالحرمة لايجتمعان في شيء واحد لكي نبحث عن إمكان ذلك واستحالته،ولكن هذه
المحاولة ساقطة، فإن الوجوب والحرمة بما هما أمران اعتباريان وإنكان لاتنافي
ولاتضاد بينهما بالذات ولا مانع من اجتماعهما في شيء واحد كذلك،إلاّ أنه لايمكن
الجمع بينهما فيه بلحاظ مرحلة الاقتضاء، لأن الوجوب يقتضيالاتيان بمتعلقه في
الخارج وإيجاده فيه، والحرمة تقتضي الاجتناب عنه وعدمإيجاده فيه، كما لايمكن
اجتماعهما في شيء واحد بلحاظ مبادئهما وهي المصلحةوالمفسدة والارادة والكراهة
والحب والبغض، وفي هذه المحاولة وإن كان متعلقالوجوب بالذات وهو العنوان الذهني
مبايناً لمتعلق الحرمة كذلك إلاّ أنّالمعروض والمعنون لها في الخارج لما كان
واحداً، فالوجوب يقتضي إيجاده فيه،بينما الحرمة تقتضي خلافه هذا، إضافة إلى أن ملاك
الوجوب والحرمة قائمبالمعنون لا بالعنوان الذهني الذي هو مرآة له.
فالنتيجة، إنّ عدم إمكان اجتماع الأمر والنهي في مورد الالتقاء والاجتماع، إنماهو
بلحاظ عدم إمكان اجتماع المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة والحبوالبغض في مرحلة
المبادي من جهة، وفي مرحلة الاقتضاء وعالم الفعلية من جهةاُخرى، وهذه المحاولة
ناظرة إلى حال الأمر والنهي في مرحلة الجعل فقط، ومنالواضح إنّه لاتنافي بينهما في
هذه المرحلة بقطع النظر عن مرحلتي المباديوالاقتضاء، لأن مبادي الحكم هي التي
تقتضي الامتثال والإطاعة بالاتيانبمتعلقه إذا كان أمراً والاجتناب عنه إذا كان
نهياً.
المحاولة الثالثة: إنّ تعدد العنوان يكفي في جواز اجتماع الأمر والنهي سواءًأكان
المعروض والمعنون لهما واحداً في الخارج أم كان متعدداً، أما على الثانيوهو ما إذا
كان المعنون فيه متعدداً فالأمر ظاهر، لأن متعلق الأمر حينئذٍ مباينلمتعلق النهي
ذاتاً وعرضاً، فلايلزم عندئذٍ أيّ محذور في مرحلة المبادي، حيثلايلزم اجتماع
المصلحة والمفسدة في شيء واحد ولا الإرادة والكراهة ولا الحبوالبغض ولا في مرحلة
الاقتضاء، لأن الأمر يقتضي الاتيان بشيء والنهييقتضي الاجتناب عن شيء آخر وهذا
لا كلام فيه، وإنما الكلام فيما إذا كانالمعنون في الخارج واحداً، وحينئذٍ فهل
يجدي تعدد العنوان وحده في عالم الذهنفي رفع غائلة التضاد بين الأمر والنهي في
شيء واحد أو لا؟
والجواب: إنّ ذلك بحاجة إلى مزيد تفصيل وتحقيق.
بيان ذلك، إن العنوانين المنطبقين على معنون واحد فيمكن تقسيمهما إلى ثلاثةأقسام:
الأول: أن يكونا متأصلين وكل منهما يمثل حقيقة نوعيّة لشيء.
الثاني: أن يكون أحدهما متأصلاً ويمثل حقيقة نوعية لشيء والآخر أمراًإنتزاعياً
لايمثل حقيقة نوعية.
الثالث: أن يكون كلاهما أمراً انتزاعياً.
أما القسم الأول، فلا شبهة في أنّ تعدّده يوجب تعدّد المعنون في عالم العينوالخارج
بل هو فيه على أساس أنّه يمثل حقيقة نوعية له، ومن الطبيعي إنّهلايمكن أن تكون
لموجود واحد حقيقتان نوعيتان، فإن الإنسان يمثل حقيقةنوعية للحيوان الناطق الموجود
في الخارج بوجود واحد بملاك أنّ الحقيقةالنوعية تمثل جزئين تحليلين لدى العقل هما
الجنس والفصل وجزئين خارجيينهما المادة والصورة، والصورة هي فعلية الشيء في عالم
الخارج والفصل بمثابةالعلة التامة لوجود النوع فيه، فمن أجل ذلك يستحيل أن تكون
حقيقتاننوعيتان لموجود واحد، وإلاّ لزم أن يكون موجوداً بوجودين متباينين يمثل
كلمنهما حقيقة نوعية، ضرورة أن لكل نوع وجوداً مستقلاً في الخارج ويستحيلإتحاده
مع وجود نوع آخر، لأن كل صورة تأبى عن صورة اُخرى باعتبار إنفعلية الشيء إنما
هي بوجوده ولايقبل الوجود وجوداً آخر، كيف فإن كل وجودفي الخارج مباين لوجود آخر
ولكل وجود فيه ماهيّة، ولايعقل أن تكون لهماهيتان متباينتان، بداهة أن لوجود واحد
نوعي ماهية نوعية واحدة المركبةمن الجنس والفصل، ولايعقل أن تكون له ماهيتان
نوعيتان متباينتان وإلاّ لزمأن يكون له جنسان وفصلان وهو كما ترى، فإذن بطبيعة
الحال يستلزم تعددالعنوان المتأصل تعدد المعنون، ولايعقل أن يكون المعنون واحداً
وجوداً وماهيةًوالعنوان المتأصل له متعدداً، وإلاّ لزم أن يكون لموجود واحد ماهيتان
متباينتانوهو محال، فإذا كان المعنون متعدداً في مورد الالتقاء، فلا مانع من
الاجتماع فيهفي مرحلة الجعل ولا في مرحلة المبادي ولا في مرحلة الاقتضاء، أما في
الأول،فلأنه لا مانع من اجتماع الوجوب والحرمة بما هما أمران اعتباريان في شيء
واحدفضلاً عن شيئين، ولايلزم من اجتماعهما فيه اجتماع الضدّين حتى يكون محالاً.
وأما الثانية، فلأن المصلحة والمفسدة لاتجتمعان في شيء واحد حتى يلزماجتماع
الضدّين، فإذن كما لاتضاد بينهما في مرحلة الاتصاف، فإن المتّصفبالمصلحة عنوان
الصلاة في عالم الذهن والمتصف بالمفسدة عنوان الغصب فيه،كذلك لاتضاد بينهما في
مرحلة الفعلية وهي مرحلة وجود الصلاة في الخارجووجود الغصب فيه، فإن المصلحة
مترتبة على وجود الصلاة فيه والمفسدةمترتبة على وجود الغصب وهما وجودان متباينان
فيه وكذلك الإرادة والكراهةوالحب والبغض، فإنهما لاتجتمعان في شيء واحد لكي يلزم
اجتماع الضدّين،فإذن لا مضادة بينهما لا في مرحلة المراد بالذات ولا في مرحلة
المراد بالعرض.
وأما في المرحلة الثالثة، فأيضاً لاتنافي بينهما في الاقتضاء، لأن كلاً منهمايقتضي
الاتيان بمتعلقه في الخارج في نفسه، نعم قد تقع المزاحمة بينهما في مرحلةالامتثال،
وهذا خارج عن باب الاجتماع على القول بالامتناع، فإن المسألة علىهذا القول تدخل في
باب المعارضة، وعلى القول بالجواز تدخل في باب المزاحمة.
وأما في القسم الثاني، فلابد من النظر فيه، فإن كان المعروض للعنوانالانتزاعي نفس
المعنون بالعنوان الذاتي بأن يكون ذلك العنوان الذاتي هو منشأانتزاعه، فمعناه إنّ
المعنون في الواقع وعالم الخارج واحد، فإذا كان واحداًاستحال اجتماع الأمر والنهي
فيه بلحاظ عالم المبادي وعالم الاقتضاء، وأمإ؛1حخخبلحاظ عالم الاعتبار والجعل فلا
استحالة فيه، لما تقدم من أنّه لامانع من اجتماعالوجوب والحرمة بماهما أمران
اعتباريان في شيء واحد، ولايلزم من اجتماعهمافيه بهذا اللحاظ اجتماع الضدّين على
أثر أنه لا واقع لهما إلاّ في عالم الاعتباروالذهن، ولايتصور التضاد والتنافي في
هذا العالم، ومن هنا يكون متعلقهما فيهالعنوان الذهني المرآتي، وأما استحالته
بلحاظ عالم المبادي، فلأن المصلحةبوجودها الذهني العنواني قائمة بالفعل بوجوده
كذلك، وأما المصلحة بوجودهاالخارجي الواقعي قائمة بالفعل بوجوده الخارجي الواقعي
ومترتبة عليه وكذلكالحال في المفسدة، وحيث إنّ ما في الذهن ملحوظاً بنحو المعرفية
والمشيريةالصرفة إلى ما في الخارج، فالمعيار إنما هو بالمصلحة والمفسدة في عالم
الخارج،والمفروض إنهما متضادتان فلايمكن اجتماعهما في شيء واحد فيه، وأما
الإرادةفهي من الصفات الحقيقية ذات الاضافة كالعلم والحب والبغض والكراهة،والاضافة
مقومة لحقيقتها ولايمكن افتراض خلوها عنها لأنه مساوق لافتراضعدم تحققها، وتسمى
هذه الاضافة بالإضافة الاشراقية في الاصطلاح في مقابلالإضافة المحمولية التي هي
خارجة عن ذات المضاف، ولامانع من فرض خلوهاعنها لأنها ليست مقومة لها، فلذلك يكون
لهذه الصفات النفسانية معروضبالذات في داخل النفس كالمعلوم بالذات والمراد بالذات
والمحبوب بالذاتوهكذا، وحيث إنّ الاضافة الاشراقية في مرتبة ذات تلك الصفات بل هي
عينهاخارجاً، فلازم ذلك إنّ مايضاف إليه الصفات المذكورة في داخل النفس يكونفي
مرتبة ذاتها، وهذا معنى إنّ المعلوم بالذات عين العلم والمراد بالذات عينالارادة
والمحبوب بالذات عين الحب وهكذا والإختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار،ولكن من الواضح
جداً إنّه لايكفي في رفع غائلة استحالة إجتماع الأمر والنهيتعدد المعروض والمعنون
بالذات، بأن يكون المراد بالذات غير المكروه بالذات
...................( Anotates ).................
1) محاضرات في اُصول الفقه 55 :4.
2) الوسائل 475 :2 ب 1 من أبواب غسل الجنابة، و 5 :3 ب 1 من أبواب التكفين، وص 99 ب
15من أبواب صلاة الجنازة ح 2 و3.
3) كفاية الاُصول: 144.
4) سورة الأسراء (78 :(17.
5) الوسائل 117 :16 ب 10 - 1 من أبواب الأمر والنهي وما يناسبهما.
6) الوسائل 18 :4 ب 3 و4 من أبواب أعداد الفرائض.
7) كفاية الاُصول: 144.
8) كفاية الاُصول: 145.
9) محاضرات في اُصول الفقه 86 :4.
10) كفاية الاُصول: 149.
11) أجود التقريرات 122 :2.
12) محاضرات في اُصول الفقه 106 :4.
13) سورة البقرة 275 :2.
14) سورة النساء 29 :4.
15) سورة المائدة 1 :5.
16) سورة الفرقان 48 :25.
17) بحوث في علم الاُصول 16 :3.
18) محاضرات في اُصول الفقه 118 :4.
19) سورة البقرة (187 :(2.
20) الوسائل 31 :10 ب 1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم ووقت الامساك ح 1.
21) العروة الوثقى 99 :1، مسألة 9.
22) الوسائل 13 :1 ب 1 من أبواب مقدمة العبادات.
23) الوسائل 31 :1 ب 2 من أبواب مقدمة العبادات ح 6 و7.
24) الوسائل 34 :4 ب 8 من أبواب أعداد الفرائض ح 10 وغيره.
25) الوسائل 4: الباب المتقدم ح 6 و13.
26) الوسائل 32 :11 ب 7 من أبواب وجوب الحج وشرائطه ح 5 و3.
...............................................
...المباحث الاُصولية / ج 5
مسألة اجتماع الأمر والنهي ...
والمحبوب بالذات غير المبغوض بالذات، طالما يكون المعروض والمعنونبالعرض واحداً في
الخارج وجوداً وماهية، بداهة أنّ المقصود الأصلي والمرادالحقيقي هو وجود الفعل في
الخارج والأثر المطلوب من قبل المولى مترتب عليه،والارادة بما أنها من الصفات
النفسانية فلايعقل تعلقها بالفعل الخارجي، فلامحالة تتعلق بصورتها في عالم الذهن
بعنوان أنها مرآة لما في الخارج وفانية فيهومشيرة إليه لا بعنوان الأصالة
والموضوعية، لأن الغرض لايترتب على صورتهافي عالم الذهن، إذ لاقيمة لها غير كونها
مرآة لما في لايترتب على صورتها في عالمالذهن، إذ لاقيمة لها غير كونها مرآة لما
في الخارج، باعتبار إنّ الوجود الذهنيبالنظر التصوري أي بالحمل الأولي عين الأمر
الخارجي، وبالنظر التصديقي أيبالحمل الشايع يكون مبايناً له، فإذن تعلق الارادة
بصورة الفعل في الذهن إنما هوبالحمل الأولي والنظر التصوري الذي لايرى بها إلا
الخارج، وكذلك تعلّق الحببصورة الشيء في الذهن وتعلق العلم بصورة الأشياء في عالم
الذهن، كل ذلك إنماهو بالحمل الأولي والنظر التصوري باعتبار أنه لايرى بها إلاّ
الواقع ولا يجب إلاما في الخارج وهكذا، وبكلمة إنّ منشأ انتزاع العنوان العرضي إن
كان متحداً معالعنوان الذاتي، فالمعنون في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهيةً، وإن
كان مبايناًللعنوان الذاتي، فحينئذٍ إن كان جهة تقييدية، فالمعنون في مورد الاجتماع
متعددوان كان جهة تعليلية، فعندئذٍ قد يكون معنونه متحداً مع معنون العنوان
الذاتي،كما إذا أمر المولى بالسفر إلى بلد معين ونهى عن الغصب، والسفر عنوان
ذاتيوعبارة عن الحركة الأينية التي هي من مقولة الأين، وحيث إن الحركة ليستمقولة
مستقلة، لأنها في ضمن أي مقولة كانت عين هذه المقولة حتى الحركةالجوهرية، فإنها عين
الجوهر والحركة الأينية عين مقولة الأين والحركة الكميّةعين مقولة الكم والحركة
الكيفية عين مقولة الكيف وهكذا، والغصب عنوانانتزاعي منطبق على نفس الحركة
الأينية، ومنشأ انتزاعه عدم رضاء المالك بهاوهو جهة تعليلية، وقد يكون مبايناً له،
كما إذا أمر المولى بالقيام أو التكلم ونهىعن الغصب، ففي مثل ذلك إذا دخل المكلف
الأرض المغصوبة وتكلم فيها أوقام، فإن الواجب من مقولة الكيف المسموع أو الوضع
والحرام من مقولة الأين،فيكون الواجب مبايناً للحرام ذاتاً وخارجاً، وأما عنوان
الغصب فهو عنوانانتزاعي منطبق على مقولة الأين، ومنشأ انتزاعه جهة خارجية وهي
عدمرضاء المالك.
فالنتيجة، في نهاية المطاف إن المعيار في جواز الاجتماع في المسألة وعدمجوازه فيها
إنما هو بتعدد المعنون بالفرض في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً،ووحدته فيه كذلك
لابتعدد العنوان ووحدته.
وأما القسم الثالث: وهو ما إذا كان العنوانان كلاهما انتزاعياً ففيه تفصيل،لأن
العنوانين المذكورين إن كان كل منهما منتزعاً عن خصوصية ذاتية ثابتة فيلوح الواقع
وتكون نسبته إليها نسبة الطبيعي إلى فرده ومصداقه بالذات،فتعددهما يوجب تعدد
المعنون في الخارج وجوداً وماهيةً لاستحالة انتزاععنوانين متباينين ذاتاً كالفوقية
والتحتية ونحوهما من خصوصية ذاتية واحدة،وإن كان منتزعاً خصوصية تعليلية، بأن يكون
منشأ انتزاع كل منهما غيرمعروضه ومعنونه في الخارج، فتعددهما لايؤدي إلى تعدد
المعنون بنحو ضابطكلي، بل لابد حينئذٍ من النظر إلى أن المعنون لهما في مورد
الالتقاء هل هو واحدذاتاً وحقيقة في الخارج، أو متعدد كذلك، فعلى الأول لامناص من
القولبالامتناع، لما عرفتم من أنّ الميزان في الجواز وعدم لزوم محذور اجتماع
الضدينإنما هو تعدد المعنون في الخارج وجوداً وماهيةً، كما إن الميزان في
استحالةالاجتماع إنما هو بوحدة المعنون كذلك وإن كان العنوان الذهني متعدداً إذ
لاقيمةلتعدده طالما يكون المعنون في مورد الاجتماع واحداً وجوداً وذاتاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي ان العنوان إذا كان ذاتياًفتعدده يوجب
تعدد المعنون لا محالة لاستحالة انطباق عنوانين ذاتيين علىمعنون واحد وجوداً
وماهية، وعندئذٍ فلا اشكال في جواز اجتماع الأمروالنهي، وإذا كان عرضياً فلابد من
النظر إلى المعروض والمعنون في الخارج، فإنهإن كان واحداً وجوداً وماهية فلا مناص
من القول بالامتناع بلا فرق في ذلك بينأن يكون العنوانان كلاهما عرضياً أو أحدهما
ذاتياً والآخر عرضياً، لأن الميزانإنما هو بوحدة المعروض والمعنون في الخارج، وأما
إذا كان متعدداً فلا مناص منالقول بالجواز بلافرق في ذلك أيضاً بين أن يكونا
عرضيين أو أحدهما عرضياًوالآخر ذاتياً هذا.
ثلاثة آراء في المسألة ...
ثلاثة آراء في المسألة:
الرأي الأول: ما ذكره المحقق الخراسانيقدس سره من الضابط العام هو ان تعددالعنوان
لايوجب تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته(1).
الرأي الثاني: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من الضابط العام وهو ان
متعلقالوجوب والحرمة إن كان من المبادي الاشتقاقية، كان التركيب بينهما انضمامياً
فيمورد الاجتماع وإن كان من المشتقات، كان التركيب بينهما اتحادياً فيه(2).
الرأي الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل في المسألة ونقد اطلاقكل
من الرأيين الأولين(3).
أما الرأي الأول، فقد ذكر المحقق الخراسانيقدس سره في وجه اثبات هذا الرأيمجموعة
من المقدمات:
الاُولى: ان الأحكام الخمسة التكليفية متضادة في مقام فعليتها وبلوغهامرتبة البعث
والزجر، ضرورة ثبوت المنافاة والمعاندة التامة بين البعث نحوواحد في زمان والزجر
عنه في نفس ذاك الزمان وإن لم تكن بينها مضادة مالم تبلغإلى تلك المرتبة، لعدم
المنافاة والمعاندة بين وجوداتها الإنشائية قبل البلوغ إليهاكما لايخفى، فاستحالة
اجتماع الأمر والنهي في واحد لاتكون من باب التكليفبالمحال بل من جهة أنه بنفسه
محال، فلايجوز حتى من يجوز التكليف بغيرالمقدور. ومقصودهقدس سره من هذه المقدمة هو
أن المضادة والمعاندة بين الأحكامالخمسة إنما هي في مرتبة فعليتها وبلوغ تلك
الأحكام حدّ البعث والزجرالحقيقين، فلا مضادة بينها في مرتبة الانشاء فضلاً عن
مرتبة الاقتضاء،واستحالة الجمع بينها في هذه المرتبة في شيء واحد وزمن فارد انما
هي من باباستحالة اجتماع الضدّين، فلهذا لاتختص بمذهب دون مذهب بل هو محال
مطلقاًحتى عند الأشاعرة القائلة بجواز التكليف بالمحال.
الثانية ما ملخصه: ان الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء والألفاظ ولابالعناوين
الإنتزاعية التي لامطابق لها في الخارج وإنما تتعلق بأفعال المكلفينالصادرة عنهم
خارجاً، ضرورة ان الغرض سواءً أكان مصلحة أم مفسدة أمغيرهما، لا يترتب على الأسماء
والألفاظ المجردة ولا على العناوين الانتزاعيةالتي لاواقع موضوعي لها ماعدا وجودها
في عالم الذهن، وإنما يترتب على تلكالأفعال الخارجية الصادرة من المكلفين خارجاً.
الثالثة: ما مضمونه ومغزاه هو أن تعدد العنوان بشتّى أنواعه وأشكالهلايوجب تعدد
المعنون في الخارج، ضرورة انه لا مانع من انطباق عناوينمتعدّدة على معنون واحد
فيه، ولايوجب تعدّده كانطباق عنوان الأب والابنوالأخ والزوج والعالم والقادر وما
شاكل ذلك على شخص واحد كزيد مثلاً، بلتنطبق على ذات واحدة بسيطة من تمام الجهات
كذاته تعالى وتقدس، فإنمفاهيم الصفات العليا الذاتية كالعالم والقادر ونحوهما
والصفات الفعلية كالخالقوالرازق والمتكلم والمريد وما شابه ذلك، تنطبق جميعاً على
ذاته الأحدية مع أنهابسيطة في غاية البساطة، وذلك لأن اختلاف هذه العناوين
والمفاهيم انما هوبالاعتبار والاضافة لا بالذات والحقيقة، مثلاً اللَّه تعالى عالم
باعتبار انكشافالأشياء لديه وقادر باعتبار قدرته على التكوين والايجاد وخالق
باعتبار خلقهالأشياء ورازق باعتبار رزقه الناس وهكذا، فلا أثر لتعدد هذه
العناوينولايؤثر في المعنون أصلاً(4).
ونتيجة هذه المقدمات هي ان المجمع في مورد الاجتماع حيث إنه واحد وجوداًوماهيةً،
فيستحيل اجتماع الأمر والنهي فيه لأنه من اجتماع الضدّين وهو محالولايجدي تعدد
العنوان.
ولنأخذ بالنظر إلى هذه المقدمات ، أما المقدمة الاُولى فهي مبنية علىنظريتهقدس
سره من أن للحكم مراتب متعددة منها مرتبة فعليته بفعلية موضوعه فيالخارج، ولكن قد
ذكرنا في محله انه لا أساس لهذه النظرية، وذلك لأن للحكم بماهو اعتبار مرتبة واحدة
وهي مرتبة الجعل باعتبار انه يوجد به في عالم الاعتباروالذهن وفعلى في هذا العالم،
ولايعقل أن يوجد في الخارج بوجود موضوعه فيهوإلاّ لزم أن يكون أمراً خارجياً وهو
خلف. نعم، فعلية فاعليته ومحركيتهللمكلف في الخارج تتوقف على وجود موضوعه فيه وهي
أمر تكويني لااعتباري.
والخلاصة: ان للحكم بما هو اعتبار مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل، فإنوجوده وفعليته
إنما هو بنفس الجعل والاعتبار من قبل المولى، ولايتصور أنيكون له وجود آخر وهو
وجوده الخارجي، بداهة انه لايعقل أن يكون للحكموجود خارجي وإلاّ لكان خارجياً،
فلهذا تكون فعليته بنفس وجوده في وعاءالاعتبار والذهن. نعم، فعلية فاعليته ومحركيته
للمكلف لاتكون إلاّ بفعليةموضوعه في الخارج، مثلاً وجوب الحج الموجود في عالم
الاعتبار والجعللايكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بالحج وداعياً له نحوه
إلاّ بعداستطاعته في الخارج فإذا استطاع كانت فاعلية وجوب الحج فعلية بالنسبةإليه،
ووجوب الصلاة مثلاً إنما يكون فاعلاً ومحركاً للمكلف نحو الاتيان بها إذادخل الوقت
مع توفر سائر شروطه هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ان متعلق الأمر والنهي في مرحلة الجعل والاعتبارالعنوان الذهني
ولاتنافي بينهما في هذه المرحلة، لأن متعلق أحدهما فيها غيرمتعلق الآخر، ولكن تعدد
متعلقيهما بالذات لايجدي في الاجتماع طالما إذا كانمتعلقاهما بالعرض في الخارج
واحداً وجوداً وماهية، ضرورة انه مادام يكونكذلك يستحيل اجتماع الأمر والنهي فيه.
واما المقدمة الثانية، وهي ان الأحكام الشرعية لم تتعلق بالأسماء والألفاظولا
بالعناوين الانتزاعية وإنما تتعلق بالأفعال الخارجية الصادرة من المكلفين
فيالخارج، ففيه انه اريد بعدم تعلقها بالعناوين الانتزاعية عدم تعلقها بما هي
اعتبارمن قبل الشارع كالوجوب والحرمة، فيرد عليه ان تعلقها بما هي اعتبار
بالأفعالالخارجية مستحيل لأمرين:
الأول: انها ليست بخارجية حتى تتعلق بها.
الثاني: انه يلزم من تعلقها بها طلب الحاصل إذا كانت متمثلة في الوجوبوالتكليف
بالمحال إذا كانت متمثلة في الحرمة وكلاهما محال، وإن اُريد به عدمتعلقها بها بما
لها من المبادي يعني المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحبوالبغض، فيرد عليه
ان المصلحة والمفسدة بوجودهما الذهني قائمتان بعنوانالفعل في عالم الذهن، واما
بوجودهما الخارجي فهما مترتبتان على الفعل في عالمالخارج، واما الارادة والكراهة
والحب والبغض فقد تقدّم انها من الصفاتالنفسانية الحقيقية ذات الاضافة كالعلم ولها
معروض بالذات في عالم النفس وهوعينها، ولافرق بينهما إلاّ بالاعتبار ومعروض بالعرض
وهو الفعل في الخارجوالمطلوب الأصلي، والمحصل لغرض المولى انما هو وجوده فيه،
وحيث إنالأحكام الشرعية ليست بخارجية فلهذا يكون متعلقها العناوين
والمفاهيمالذهنية بنحو المعرفية والمشيرية المحضة وبالحمل الأولي التصوري لا
بنحوالاستقلالية والموضوعية وبالحمل الشايع الصناعي التصديقي، فإنها بهذا
الحملموجودة مستقل في عالم الذهن في مقابل وجودها في عالم الخارج بينما
تكونبالحمل الأولي التصوري مرآة للخارج ولايرى غيره، ولهذا يقال انها بهذاالحمل
عين الخارج باعتبار انه لايرى به غيره.
والخلاصة: ان الأحكام الشرعية متعلقة بالعناوين والمفاهيم الذهنيّة بنحوالمرآتية
والفنائية الصرفة لابنحو الموضوعية ولهذا لاتكون تلك المفاهيموالعناوين مطلوبة
وانما هي قنطرة موصلة إلى المطلوب، وهذا لابمعنى انهاموصولة للحكم إلى الخارج
وقنطرة لمروره وسرايته لما إليه لما عرفت مناستحالة تعلق الحكم بالخارج بل بمعنى
انه تعلق بالعنوان والمفهوم الذهني الذييرى به عين الخارج لا أنه عين الخارج
وبينهما بون بعيد، فما ذكرهقدس سره من انالأحكام الشرعية لم تتعلق بها وانما
تتعلق بالأفعال الخارجية فلايتم، وعلى هذافلابد من النظر إلى إن المعروض والمعنون
في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداًوماهية أو لا، فعلى الأول لا مناص من القول
بالامتناع في المسألة، وعلى الثانيمن القول بالجواز.
وأما القسم الثالث، وهو ما إذا كان كلا العنوانين المتعلقين للأمر
والنهيانتزاعياً، فلابد فيه من النظر إلى ان المعروض والمعنون في مورد الاجتماع هل
هوواحد وجوداً وماهيةً أو متعدد كذلك؟
والجواب: انه لاشبهة في أن لكل من العنوانين الانتزاعيين منشأ انتزاع إذلايمكن
انتزاعهما من منشأ واحد، بداهة استحالة أن يكون شيء واحد منشأًلانتزاع عنوانين
متباينين، وعلى هذا فلابد من النظر إلى أن منشأ انتزاع كل منهماهل هو جهة تقييدية
للمعروض والمعنون في الخارج أو جهة تعليلية له، فعلىالأول يكون المعروض والمعنون
في مورد الاجتماع متعدداً وجوداً وماهية، وعلىالثاني يكون واحداً كذلك، ومن الواضح
ان هذا يختلف باختلاف الموارد وليسله ضابط كلي في تمام الموارد، وعليه فلابد من
النظر إلى كل مورد بخصوصه بقطعالنظر عن مورد آخر. فالنتيجة، ان هذه المقدمة أيضاً
غير تامة ولايمكن الأخذبظاهرها.
أما المقدمة الثالثة، وهي ما ذكرهقدس سره من أن تعدد العنوان بشتى ألوانهوأشكاله
يوجب تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته، فقد ظهر مما تقدم انها لاتتممطلقاً، ضرورة
ان العنوان اذا كان متأصلاً في كلا طرفي مورد الاجتماع، فقد مرّأن تعدده يوجب تعدد
المعنون فيه لا محالة، واما إذا لم يكن متأصلاً في كلاطرفيهما، فعندئذٍ إن كان
متأصلاً في أحدهما دون الآخر فلابد من النظر إلى منشأانتزاعه، فإن كان نفس الخصوصية
الذاتية في العنوان الذاتي كان المعنون لهماواحداً في مورد الاجتماع وجوداً
وماهيةً، وعليه فيستحيل اجتماع الأمر والنهيفيه لاستحالة اجتماع المصلحة والمفسدة
والارادة والكراهة والحب والبغض فيشيء واحد، كما انه لايمكن الجمع بينهما في
مرحلة الاقتضاء والفعلية أيضاً، كيففإن الوجوب يقتضي الاتيان به خارجاً والحرمة
تقتضي الاجتناب عنه كذلك،وإن كان منشأ انتزاعه شيئاً آخر مبايناً للعنوان الذاتي،
كان المعنون لهما في موردالالتقاء متعدداً إذا كان منشأ انتزاعه جهة تقييدية، واما
إذا كان جهة تعليلية ففيهتفصيل كما تقدم، وإن كان كلاهما انتزاعياً فحينئذٍ إن كان
منشأ انتزاع كل منهماجهة تقييدية فتعدده يوجب تعدد المعنون فيه، وإن كان جهة
تعليلية فلايكشفتعددهما عن تعدد المعنون فيه كما مر تفصيله فالنتيجة، ان ما
ذكرهقدس سره بنحوضابط كلي لا أصل له.
وأما الرأي الثاني، وهو رأي المحقق النائينيقدس سره فقد ذكر ان
العناوينالانتزاعية على نوعين:
النوع الأول: العناوين الاشتقاقية كالعالم والقادر والمتحرك والساكنونحوها.
النوع الثاني: المبادي الاشتقاقية كالعلم والقدرة والحركة وما شاكلها.
أما النوع الأول، فلأنه من العناوين الانتزاعية والمفاهيم الاعتبارية التيتنتزع من
الجهات التعليلية ولا واقع موضوعي لها في الخارج، ولهذا تسمى تلكالعناوين المحمولة
على الذات بلحاظ قيام المبدء بها بنحو من أنحاء القيام بخارجالمحمول في مقابل
المحمول بالضميمة، ومن الواضح ان قيام المبدء بها يكون منالحيثيات التعليلية، لأن
الحمل انما هو على الذات لا عليها وعلى المبدء القائم بهامعاً، وعلى هذا فالمعنون
في مورد الاجتماع واحد وجوداً وماهية، وعليه فصدقكل من العالم والقادر والمتحرك
على زيد انما هو على ذاته الموحدة، وحيثية قيامالعلم به حيثية تعليلية لاتقييدية
وكذلك حيثية قيام القدرة به، أو فقل ان صدقكل واحد من هذه العناوين معلول لعلة
خارجة عما ينطبق الكل عليه مثلاً صدقعنوان العالم على زيد معلول لقيام العلم به
الذي هو جهة تعليلية وخارج عماينطبق العنوان عليه وهو زيد وكذلك صدق عنوان القادر
والعادل وما شاكلهما،ولهذا لايمكن أن يوجب تعدد هذه العناوين تعدد المعنون في
الخارج، وإن كانتالنسبة بينهما عموماً من وجه كالمصلي والغاصب والأسود والأبيض
وماشاكلهما، فإن المجمع بينهما واحد وجوداً وماهية.
وأما النوع الثاني من العناوين الانتزاعية كعنوان العلم والقدرة والحركةوالشجاعة
ونحوها، فحيث إنها تنتزع من نفس المبادي الواقعيّة التي هيعناوين ذاتية وموجودة في
الخارج، فلايعقل أن يكون التركيب بين العنوانينمنها اتحادياً، بداهة ان التركيب
الاتحادي انما يتصور بين جزئين يكون أحدهماقوة محضة والآخر فعلية كذلك كالمادة
والصورة، واما التركيب الاتحادي بينأمرين فعليين فهو غير معقول، لأن كل فعلية تالى
عن فعلية اُخرى، وعلى هذافصدق عنوان العلم على مصداقه انما هو من جهة انه علم
وكذلك عنوانالحركة، فان صدقه على واقعها انما هو من جهة انه حركة وهكذا، وهذا هو
معنىان انتزاع هذه العناوين انما هو من الية التقييدية الذاتية.
وعلى الجملة فعناوين المبادي الذاتية ومفاهيمها الانتزاعية الذهنية منتزعةمن
الحيثية الذاتية لها، فلذلك يتطلب تعدّدها تعدد مصاديقها ومعنوناتها فيالخارج،
مثلاً مفهوم العلم منتزع من الحيثية الذاتية للعلم وكذلك مفهوم القدرةوالحركة
ونحوها، ومن هذا القبيل مفهوم الصلاة فإنه منتزع من الحيثية الصلاتيةالتي تتقوم
الصلاة بها، ومن الواضح ان هذه المفاهيم الذهنية لايمكن أن تكونمنتزعة من الحيثيات
الخارجة عن ذواتها، وإلاّ فلازم ذلك أن لاتكون تلكالمفاهيم المنتزعة مفهوم العلم
والقدرة والصلاة ونحوها وهو كما ترى، وهذا هوالفرق بين العناوين الاشتقاقية
وعناوين مباديها، وان تعدد الاُولى لايوجبتعدد المعنون بينما تعدد الثانية يوجب
تعدده، ولهذا قالقدس سره ان التركيب في موردالاجتماع بلحاظ العناوين الاشتقاقية
اتحادي وأما التركيب فيه بلحاظ عناوينالمبادي الذاتية فهو انضمامي.
وعلى هذا، فالتركيب بين الصلاة والغصب في مورد الاجتماع انضمامي، لأنحقيقة الصلاة
متمثلة في مقولة وحقيقة الغصب متمثلة في مقولة اُخرى،والمقولات أجناس عاليات
ومتباينات بالذات والذاتيات، فيستحيل اندراجمقولتين أو أكثر تحت مقولة واحدة، وعلى
هذا فلايمكن أن يكون التركيب بينالصلاة والغصب اتحادياً فلامحالة يكون انضمامياً،
لاستحالة انتزاع مفهومينالذين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه من موجود واحد
بجهة واحدة وإلاّلزم أن يكونا متساويين مترادفين، لاستحال انتزاع مفهومين متباينين
من منشأواحد، فإنه بمثابة صدور معلولين متباينين من علة واحدة، وملاك
التساويوالترادف هو أن يكون صدق كل منهما على أفراده متحداً مع صدق الآخر عليهافي
الملاك والجهة، وهذا بخلاف مفهومين تكون النسبة بينهما عموماً من وجه،فإن جهة الصدق
في كل منهما مغاير لجهة الصدق في الآخر.
والخلاصة: ان مبادي المشتقات متباينات بالذات والذاتيات، لأن كل مبدءمباين لمبدأ
آخر وجوداً وماهية سواءً أكان في مورد الاجتماع أم الافتراق،ضرورة أن الصلاة
الموجودة في مورد الاجتماع مع الغصب هي نفس الصلاةالموجودة في مورد الافتراق، لأن
جهة الصدق في كلا الموردين واحدة فلافرقبين صدق الصلاة في مورد الاجتماع وصدقها في
مورد الافتراق فإن صدقها فيكلا الموردين على حصّتها، ويترتب على ذلك أن التركيب
بين الصلاة والغصبلا محالة يكون انضمامياً ولايعقل أن يكون حقيقياً(5).
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن العنوان إن كان منالعناوين
الاشتقاقية فتعدده لايوجب تعدد المعنون، إذ لامانع من قيام اعراضمتعددة به، وإن
كان من المبادي الذاتية فتعدده لا محالة يكون بتعدد معنونه،وعلى هذا فالتركيب على
الأول في مورد الاجتماع اتحادي وعلى الثاني انضماميهذا.
أما السيد الاُستاذقدس سره فقد ذكر ان ما أفاده المحقق النائينيقدس سره بالنسبة
إلىالعناوين الاشتقاقية تام، ولكنه علق على ما أفادهقدس سره بالنسبة إلى
المباديالاشتقاقية، اما تمامية الأول فلما مرّ من أن جهة الصدق في صدق
العناوينالاشتقاقية على ذواتها لامحالة تكون تعليلية لاتقييدية، ضرورة أنه
لايمكنتعقل النسبة بالعموم من وجه بين عنوانين منها إلاّ إذا كانت الذات في
موردالاجتماع واجدة وجوداً وماهية(6).
وقد تقدم أن العناوين الاشتقاقية محمولة على الذوات فحسب من جهة قياممباديها بها
وهو حيثية تعليلية لاتقييدية. فالنتيجة، ان ما ذكرهقدس سره بالنسبة إلىالعناوين
الاشتقاقية تام ولا مناص من الالتزام به.
وأما التعليق على الثاني، فلابد فيه من التفصيل بين ما إذا كانت المبادي
منالماهيات المتأصلة والمقولات الحقيقية، وما إذا كانت من الماهيات
الانتزاعيةوالمقولات الاعتبارية، أما إذا كانت من الاُولى فيستحيل اتحاد اثنين
منها فيالخارج وصدق أحدهما على الآخر، بداهة استحالة اتحاد مقولتين خارجاًوصدق
احداهما على الاُخرى من دون فرق في ذلك بين أن تكونا عرضين أوجوهرين أو احداهما
جوهراً والاُخرى عرضاً، إذ كما يستحيل صدق الجوهرعلى العرض وبالعكس كذلك يستحيل
صدق العرض على العرض والجوهرعلى الجوهر الآخر، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون التركيب
بين مبدئينمتأصلين في مورد الاجتماع انضمامياً.
وإن شئت قلت: ان المبادي المتأصلة كالبياض والسواد والعلم والقدرةوالشجاعة والحلاوة
والكرم وماشاكل ذلك، حيث إنها ماهيات متأصلةوحقيقة مقولية، فلا محالة يستلزم تعددها
تعدد المعنون والمطابق في الخارج علىأساس استحالة اتحاد ماهية متأصلة مع ماهية
متأصلة اُخرى خارجاً، فلايمكناتحاد البياض مع السواد واتحاد العلم مع القدرة ومع
الشجاعة وهكذا، وعليهفالتركيب الحقيقي بين اثنين منها غير معقول، لاستلزام ذلك
الاتحاد بين ماهيتينمتباينتين وهو محال، وعليه فما أفاده المحقق النائينيقدس سره
من أن التركيب بين متعلقيالأمر والنهي في مورد الاجتماع تركيب انضمامي انما يتم
فيما إذا كان متعلقاهما منالمبادي المتأصلة والماهيات المقولية، لأن تعدد العنوان
انما يقتضي تعدد المعنونإذا كان من العناوين المتأصلة، واما إذا كانت المبادي من
العناوين الانتزاعية بأنيكون كلا العنوانين في مورد الاجتماع انتزاعياً أو أحدهما
انتزاعياً والآخرأصيلاً، فلايقتضي تعدده تعدد المعنون في الخارج كما هو الحال في
العناوينالاشتقاقية، وحينئذٍ فلابد من النظر إلى أن العنوانين الانتزاعين هل
ينطبقان علىمعنون واحد وجوداً وماهية في مورد الاجتماع أو على معنونين منضمين
فيه،فعلى الأول يكون منشأ انتزاع كل منها حيثية تعليلية لاتقييدية كما هو الحال
فيالعناوين الاشتقاقية، وعلى الثاني يكون تقييدية، وعليه فالمعنون لكل منها
غيرالمعنون للآخر في مورد الاجتماع، بيان ذلك ان العنوانين المتصادقين على
موردالاجتماع لايخلوان من أن يكونا من العناوين المتأصلة والمقولات الحقيقية
أوأحدهما من العناوين الذاتية والآخر من العناوين الانتزاعية أو يكون كلاهما
منالعناوين الانتزاعية ولا رابع في البين. فالنتيجة، أن صور المسألة في المقام
ثلاثة:
أما الصورة الاُولى، وهي ما إذا كان كلا العنوانين من العناوين الذاتية، فقدتقدم
الكلام فيها موسعاً وقلنا ان تعدد العنوان الذاتي يوجب تعدد المعنون لامحالة
ولايمكن وحدته مع تعدد هذا العنوان.
وأما الصورة الثانية، وهي ما إذا كان أحد العنوانين ذاتياً والآخر انتزاعياً،فقد
تقدم أن تعددهما لايستدعي تعدد المعنون والمطابق في الخارج، والنكتة فيذلك أن
العنوان الانتزاعي إن كان منتزعاً من خصوصية في مرتبة ذات العنوانالمتأصل،
فالمعنون والمطابق لهما واحد في الخارج وإن كان منتزعاً من خصوصيةخارجة عن ذات
العنوان الذاتي، فإن كانت حيثية تعليلية لانطباقه على المعنونللعنوان الذاتي في
مورد الاجتماع فهو واحد أيضاً، وإن كانت حيثية تقييديةفالمعنون فيه متعدد، مثال ذلك
ما إذا توضّأ المكلف بماء غيره بدون طيبنفسه، فإن الوضوء عنوان ذاتي واسم للافعال
الخاصة الخارجية وينطبق عليهإ؛ خخانطباق الطبيعي على أفراده والكليّ على مصاديقه،
والغصب عنوان انتزاعي لأنهليس من أحد المقولات التسع العرضية بل هو عنوان عرضي
للمقولة وينطبقعلى واقع الوضوء، ومنشأ انتزاعه عدم رضاء المالك به وهو حيثية
تعليليةلاتقييدية، فالمعنون حينئذٍ في المثال واحد، ومن هذا القبيل ما إذا أمر
المولىشخصاً بشرب الماء فإنه إذا شرب الماء المغصوب عامداً ملتفتاً انطبق
عليهعنوانان:
أحدهما: متأصل وهو عنوان شرب الماء. والآخر: عرضي انتزاعي وهوعنوان الغصب، باعتبار
ان منشأ انتزاعه عدم رضاء المالك به وهو حيثية تعليليةخارجة عن معنونه ومطابقه في
الخارج فيكون المعنون في مورد الاجتماع واحداًوجوداً وماهية، وأما إذا كان معنونه
ومطابقه فيه غير المعنون للعنوان الذاتيومطابقه فيكون التركيب بينهما عندئذٍ
انضمامياً، مثاله التكلم في الدار المغصوبةإذا فرض انه مأمور به، فإنه لايكون
متحداً مع الحرام باعتبار انه من مقولةالكيف المسموع والحرام وهو الكون في الدار
المغصوبة من مقولة الأينوالمقولات متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها، فلايمكن
الاتحاد بينها واندراجها تحتمقولة واحدة، فإذن لاينطبق العنوان الانتزاعي وهو
الغصب على ماينطبق عليهالعنوان الذاتي وهو التكلم، وعليه فلامحالة يكون التركيب
بينهما انضمامياً ومعه لامانع من القول بالجواز في المسألة.
وأما الصورة الثالثة، وهي ما إذا كان كلا العنوانين انتزاعياً، فلابد من النظرفي أن
كليهما منتزع من موجود واحد في الخارج بحيثية مختلفة، بمعنى أن ذلكالموجود الواحد
منشأ لانتزاع أحدهما بحيثية ولانتزاع الآخر بحيثية اُخرى وإنكلاً منهما منتزع من
موجود مستقل، فعلى الأول يكون التركيب بينهما اتحادياً فيمورد الاجتماع وعلى
الثاني يكون انضمامياً، مثال الأول الافطار في نهار شهررمضان بمال الغير فإنه مجمع
لعنوانين )هما عنواني الغصب والافطار( ومصداقلهما معاً، لأنه متمثل في فعل واحد في
الخارج وجوداً وماهية وهو الأكل، حيثإنه كما يكون منشأ لانتزاع عنوان الغصب من جهة
تعلقه بمال الغير بدون اذنه،يكون منشأ لانتزاع عنوان الافطار من جهة وقوعه في نهار
شهر رمضانفانتزاع كل من هذين العنوانين منه معلول لجهة خاصة، ومن الواضح
انانتزاعهما من شيء واحد بجهتين مختلفتين لاينافي كون المصداق الخارجي لهماواحداً
وجوداً و ماهية.
والنكتة في ذلك، ان النسبة بالعموم من وجه لاتتصور إلاّ بين عنوانينانتزاعيين
اللذين هما من قبيل خارج المحمول أو بين عنوان انتزاعي وعنوانمقولي، إذ لا مانع من
صدق عنوانين انتزاعيين على شيء واحد في الخارج إذاكانت فيه حيثيتان أو أكثر كما هو
الحال في صدق العناوين الاشتقاقية على شيءواحد في الخارج وجوداً وماهية بلحاظ
أنحاء قيام المبادي به، وكذلك لامانعمن صدق العنوان الانتزاعي على ما يصدق عليه
العنوان الذاتي، ومن هنايستحيل تحقق النسبة بالعموم من وجه بين جوهرين وعرضيين
وعرضوجوهر، وذلك لأن المقولات أجناس عاليات ومتباينات بالذات والذاتيات،فلايمكن
اتحاد مقولتين منها خارجاً واندراجهما تحت مقولة ثالثة، لأنه خلففرض كون المقولات
أجناس عاليات فلاجنس فوقها.
وعليه فلايمكن أن يكون موجود واحد مصداقاً لمقولتين من الجواهر أوالاعراض أو جوهر
وعرض، بل لايمكن اتحاد نوع من مقوله مع نوع آخر منهافإنهما وإن كانا مشتركين في
الجنس إلاّ انهما متميزان بالفصل المقوّم، والمفروضان نوعية النوع انما هي بالفصل،
فلو فرض اتحاد نوع مع نوع آخر لزم تفصلشيء واحد بفصلين في عرض واحد وهو محال،
بداهة ان فعلية الشيء انما هيبفصله المقوم والمحصل له وفرض وجود فصلين مقومين له
فرض وجودينفعليين له، ومن الواضح انه لايعقل أن يكون لشيء واحد وجودان فعليان
فيعرض واحد في الخارج.
فالنتيجة، ان النسبة بالعموم من وجه لاتتصور بين جوهرين ولا عرضينولا جوهر وعرض
وانما تتصور بين عنوانين انتزاعيين أو عنوانين يكون أحدهماذاتياً والآخر انتزاعياً،
ومثال عنوانين انتزاعيين غير منطبقين على شيء واحدفي الخارج الافطار في نهار شهر
رمضان في المكان المغصوب بمال مباح أومملوك، فإن عنوان الافطار منتزع من شيء
وعنوان الغصب منتزع من شيءآخر مباين له، لأن الأول منتزع من الأكل والمفروض انه
ليس مصداقاًللتصرف في مال الغير. والثاني، منتزع من الكون في هذا المكان لا من
الأكلفيه، فإذن يكون المعنون والمطابق لكل منهما مبايناً للآخر فلايلزم
اجتماععنوانين على معنون واحد في مورد الاجتماع، لأن المأمور به فيه غير المنهي
عنهفي الوجود الخارجي وإن كان منضماً معه فيه وملازماً له في الوجود ولكنالحكم
لايسري من أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر لا قهراً فإنه غير معقولولا جعلاً
لعدم المبرر له وعليه فلا مانع من القول بالجواز في مثل هذا المثال، نعمعنوان
الغاصب والمفطر منطبقان على شخص واحد في مورد الاجتماع إلاّ انهماأجنبيان عن محل
الكلام، فإن محل الكلام انما هو في عناوين المبادي كعنوانالغصب والافطار، والمفروض
انهما لاينطبقان على شيء واحد فيه في المثالوأمثاله.
إلى هنا قد تبين أنه ليس لنا ضابط كلي لكون المجمع في مورد الاجتماع واحداًوجوداً
وماهيةً أو متعدداً كذلك، بل لابد من ملاحظة العنوانين المتعلقين للأمروالنهي في
مورد الاجتماع، فإن كانا من المبادي المتأصلة والمقولات الحقيقية فقدمرّ ان تعددها
يستلزم تعدد المعنون في مورد الاجتماع لا محالة، وإن كانا منالمباديالانتزاعية
والمفاهيم الاعتبارية أو كان أحدهما من المبادي الانتزاعيةوالآخر من المبادي
المتأصلة، فقد عرفتم انهما قد ينطبقان على شيء واحدوجوداً وماهية في مورد الاجتماع
وقد ينطبقان على شيئين متعددين فيه وليسلذلك معيار عام، فما ذكره المحقق
النائينيقدس سره من أن متعلق الأمر والنهي إذا كانامن المبادي فتعدده يوجب تعدد
المعنون(7) غير تام بنحو ضابط كلي.
ومن هنا يظهر رأي السيد الاُستاذقدس سره في المسألة وملخصه: »انه لاضابط كليللقول
بالجواز في المسألة ولا للقول بالامتناع، فإن الأول مبني على أن يكونالمجمع في
مورد الاجتماع متعدداً وجوداً وماهية، والثاني مبني على أن يكونالمجمع فيه واحداً
كذلك وليس لذلك ميزان خاص، فإن متعلقي الأمر والنهيبالذات وفي اُفق النفس وإن كان
متعدداً إلاّ أنه لا ملازمة بين تعددهما في اُفقالنفس وتعددهما في اُفق الخارج
الذي هو ملاك القول بالجواز إلاّ إذا كان كلاهمامن المبادي المتأصلة والماهيات
المقولية، وأما إذا كان كلاهما من العناوينالانتزاعية أو أحدهما منها والآخر من
العناوين المتأصلة، فلايستلزم تعددهمافي اُفق الذهن تعددهما في اُفق الخارج بل هو
يختلف باختلاف الموارد، فلابدحينئذٍ من النظر في كل مورد بخصوصه وانهما هل ينطبقان
في مورد الاجتماع علىشيء واحد وجوداً وماهيةً أو على شيئين كذلك هذا(8)، وقد علّق
بعضالمحققينقدس سره على ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن ما ذكره المحقق
النائينيقدس سره منأن العنوان إذا كان من المبادي دون المشتقات فتعدده يوجب تعدد
المعنون فيمورد الاجتماع لايتم بنحو ضابط كلي(9)، وحاصل هذا التعليق عليه هو ان
هذاالنزاع بينهما يرجع في الحقيقة إلى النزاع في الصغرى لا الكبرى، بمعنى أن مرد
هذاالنزاع روحاً إلى تشخيص أن الحمل المعقول في العناوين الانتزاعية هل هو
حملالاشتقاق فقط وهو حمل ذو هو فيقال السقف فوق أي ذو فوقية كما يقالالانسان عالم
أي ذو علم أو حمل المواطاة أي حمل هو هو الذي هو عبارة عنحمل الطبيعي على فرده كما
هو الحال في حمل المبادي الذاتية المتأصلة علىمصاديقها في الخارج فيه قولان،
فاختار المعلققدس سره الثاني، بتقريب أن للعناوينالانتزاعية مصاديق في الخارج
كالعناوين الذاتية ومحمولة عليها بحمل المواطاة،مثلاً الفوقيّة منتزعة من الحيثية
الثابتة في لوح الواقع الذي هو أعمّ من لوحالوجود فيشار إليها ويحمل عليها عنوان
الفوقية على حد حمل المبادي الذاتيةعلى مصاديقها بحمل مواطاة وكذلك الحال في
التحتية ونحوها(10).
وعلى الجملة فالنزاع بينهما ينتهي إلى هذه النقطة وهي أن العناوين الانتزاعيةهل لها
مصداق بالذات في الخارج كالعناوين الذاتية المتأصلة أو لا، فإن كان لهامصداق بالذات
فيه كانت محمولة عليه بحمل مواطاة لا محالة كحمل العناوينالذاتية على مصاديقها،
وما ذكره المحقق النائينيقدس سره مبني على هذا القول، فإنهعلى هذا لا محالة تكون
نسبة هذه العناوين إلى مصداقها بالذات نسبة الماهياتالمتأصلة إلى مصداقها في
الخارج، فإذن لا محالة يكون تعدد العنوان يوجب تعددالمعنون، أما إذا كان من
العناوين المتأصلة فمن جهة استحالة أن يكون لعنوانينعرضيين متأصلين بالذات
والذاتيات وجود واحد في الخارج، بداهة أن لكلماهية عرضية متأصلة وجوداً واحداً،
لأن كل ماهية نوعية منفصلة بفصلمقوم لها ولا يعقل اشتراك نوعين متأصلين في فصل
واحد فإنه خلف فرضالتعدد، وأما إذا كان من العناوين الانتزاعية فمن جهة استحالة أن
يكون لجهةخارجية واحدة عنوانان ذاتيان عرضيان، بداهة أنه لايمكن انتزاع
عنوانينمتباينين عرضيين من شيء واحد في الخارج بأن يكون كلا العنوانين عنواناً
ذاتياًله وأنه مصداق لهما بالذات. وأما إذا لم يكن لها مصداق في الخارج كما
هوالمعروف بين الفلاسفة، فالصحيح هو ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن
تعددالعنوان إذا كان من العناوين الانتزاعية لايستلزم تعدد المعنون في الخارج
بليختلف ذلك باختلاف الموارد، ولابد في كل مورد من ملاحظة ذلك الموردبخصوصه، ثم
انهقدس سره قد اختار ما ذهب إليه المحقق النائينيقدس سره في المسألة دون ماأفاده
السيد الاُستاذقدس سره، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى، انهقدس سره قد ذكر
ثلاثةملاكات لجواز اجتماع الأمر والنهي في المسألة:
الملاك الأول: ان الأمر إذا كان متعلقاً بالطبيعة كالأمر بالصلاة مثلاً،
كانالمطلوب منها صرف وجودها في الخارج وحينئذٍ، فإذا نهى المولى عن فرد
منأفرادها فلا مضادة بينهما، إذ لا مانع من أن يريد المولى صرف وجود
الطبيعيالمأمور به الجامع بين أفراده وينهي عن فرد ما منه، لفرض أن الأمر لايسري
منالجامع إلى أفراده ولا مباديه.
الملاك الثاني: أن يكون متعلق الأمر غير متعلق النهي عنواناً وإن انطبقإ؛أخخعلى
وجود واحد في مورد الاجتماع خارجاً، ولكن تعدد العنوان يؤدي إلى تعددما هو معروض
الأمر والنهي والحب والبغض بالذات وفي عالم الذهن، وهذايكفي للقول بالجواز.
الملاك الثالث: أن يكون التركيب بين عنواني المأمور به والمنهي عنه انضمامياًلا
اتحادياً، بمعنى أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً
هذا، ثم أشكل على الملاك الأول بأنه وإن كان صحيحاً بلحاظ نفسالأمر والنهي باعتبار
ان الأمر بما هو اعتبار لايسري من الجامع إلى أحد أفرادهعلى البدل حتى ينافي النهي
عن الفرد الخاص، لأن الوجوب لايجتمع مع الحرمةوإن كان تخييرياً، إلاّ أن الارادة أو
الحب المتعلق بالجامع يسري إلى أحد أفرادهعلى البدل وبنحو التخيير الشرعي، ولازم
ذلك تعلق الحب والارادة بالفردالمنهي عنه إذا ترك سائر الأفراد، فعندئذٍ يلزم
التضاد بين الأمر بالجامع والنهيعن الفرد في مرحلة المبادي وهي مرحلة الحب والبغض
والارادة والكراهةهذا، ولكن قد تقدم الاشكال في هذه السراية وأن الحب المتعلق
بالجامعلايسري إلى أحد أفراده على البدل بنحو التخيير الشرعي فحاله حال
الوجوبالمتعلق به، نعم إذا قام المكلف بتطبيق الطبيعي على الفرد كان الفرد محبوباً
ومراداًولكن لا من جهة وجوده بحده الفردي، بل من جهة وجود الطبيعي في ضمنهعلى
تفصيل قد مرّ(11).
إلى هنا قد تبيّن أن ما ذكره بعض المحققينقدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى: ان المبادي الانتزاعية كالمبادي الذاتية المتأصلة فتعددها يوجبتعدد
المعنون في الخارج ومحمولة على مصاديقها بالذات خارجاً بحمل مواطاةكالمبادي الذاتية
المتأصلة.
الثانية: ان القول بالجواز في المسألة مبني على أحد الملاكات الثلاثة المتقدمةهذا.
ويمكن المناقشة في كلتا النقطتين:
أما النقطة الاُولى: فإن كان العنوان من المبادي الذاتية المتأصلة كالعلموالقدرة
والشجاعة والضحك والقيام والجلوس وهكذا، فلا شبهة في أن حملهاعلى مصاديقها في
الخارج من حمل مواطاة وهو حمل الطبيعي على أفرادهومصاديقه بالحمل الشايع، وإن كان
من المبادي الانتزاعية فهي على قسمين:
القسم الأول: ما هو منتزع من خصوصية هي من مصاديقه بالذات فيالخارج كالفوقية
والتحتية ونحوهما، فإن الفوقية منتزعة من خصوصية متصفةبها ذات الفوق في لوح الواقع
والتحتية منتزعة من خصوصية متصفة بها ذاتالتحت في الواقع وهكذا، ومن الواضح أن حمل
الفوقية على هذه الخصوصية التيهي مصداق لها بالذات من حمل مواطاة أي حمل الطبيعي
على مصداقه هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى، انه لايعقل انتزاع عنوانين متباينين عرضيين منخصوصية واحدة بأن
يكون لها عنوانان ذاتيان في الخارج، بداهة أن قيامعنوانين عرضيين بخصوصية واحدة
مستحيل، لأنه كقيام معلولين عرضيين بعلةواحدة، كما أن قيام ماهيتين نوعيتين بوجود
واحد في الخارج مستحيل، لأنلازم ذلك أن يكون موجود واحد منفصلاً بفصلين وهو
كماترى، وإذا كانتالمبادي الانتزاعية من هذا القسم، فعلى ضوء هاتين الناحيتين
فتعددها يوجبتعدد المعنون في مورد الاجتماع وجوداً وماهية كتعدد العناوين الذاتية
المتأصلة.
القسم الثاني: ما يكون معروضه في الخارج غير منشأ انتزاعه كالغصبونحوه، فإنه إذا
أخذ ماء الغير بدون إذنه صدق عليه عنوان الغصب، ولكن منشأانتزاعه عدم رضا المالك
وطيب نفسه بالأخذ، مثلاً إذا أمر المولى بالسقي لزرع أوشجر أو حيوان أو انسان فسقى
بالماء المغصوب، وفي مثل ذلك يكون العنوانانالمتعلقان للأمر والنهي منطبقين على
شيء واحد في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً وهو السقي المتّصف بالغصبية المنتزعة من
عدم رضاء المالك وطيب نفسهبه وهي جهة تعليلية لا تقييدية، فإذن لايكون تعددهما
موجباً لتعدد المعنون فيالخارج لكي يكون التركيب في مورد الاجتماع بين متعلقي
الأمر والنهي انضمامياً.
والخلاصة: ان الغصب وإن كان عنواناً للفعل المضاف إلى مال الغير ولكنمنشأ انطباق
هذا العنوان عليه واتصافه بالغصبية إنما هو عدم رضائه وطيبنفسه به وإلاّ فلايكون
متصفاً بها ولا منطبقاً عليه عنوان الغصب، فإذنلاموضوعية للاضافة ولاتكون دخيلة في
الحكم، لأن الحكم يدور مدار طيبنفسه وجوداً وعدماً، والمفروض إن هذا الفعل متعلق
الأمر أيضاً بعنوان آخر،فإذن يجتمع العنوانان على معنون واحد في مورد الاجتماع،
ولابد حينئذٍ منالقول بالامتناع لاستحالة اجتماع الأمر والنهي في شيء واحد بلحاظ
عالمالمبادي وعالم الاقتضاء.
ومن هنا يظهر أن ما ذكرهقدس سره من أن النزاع بين السيد الاُستاذقدس سره
والمحققالنائينيقدس سره يرجع إلى نقطة اُخرى وهي أن حمل المبادي الانتزاعية على
معنوناتهاهل هو من حمل مواطاة أو من حمل اشتقاق، فاختار المحقق النائينيقدس سره
الأول،والسيد الاُستاذقدس سره الثاني لايتم، لأنه لا شاهد على هذا التفسير للنزاع
بينهما لا فيكلمات السيد الاُستاذقدس سره ولا في كلمات المحقق النائينيقدس سره،
لأن الموجود في كلماتالأول ان العنوان إذا كان انتزاعياً فتعدده لايستلزم تعدد
المعنون في موردالاجتماع، بل لابد من ملاحظة ذلك في كل مورد بخصوصه، ومن الواضح إن
هذالايدل على أن حمل العناوين العرضية الانتزاعية على معنوناتها من حمل اشتقاقأي
حمل ذو هو، وعلى هذا فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن العنوانين إذا
كانأحدهما انتزاعياً والآخر ذاتياً أو كلاهما انتزاعياً، فلابد من ملاحظة انهما
فيمورد الاجتماع منطبقان على شيء واحد وجوداً وماهيةً أو على شيئينكذلك، يرجع
إلى ما ذكرناه من أن العنوان الانتزاعي في الفرض الأول قد ينطبقعلى نفس ماينطبق
عليه العنوان الذاتي باعتبار أن منشأ انتزاعه حيثية تعليليةلاتقييدية، ولهذا لايصلح
أن يكون معنوناً له في الخارج، وقد ينطبق على جهةاُخرى مباينة للعنوان الذاتي وهي
مصداقه ذاتاً ومنشأ انتزاعه، وحينئذٍ فكما أنحمل العنوان الذاتي على مصداقه في
الخارج من حمل مواطاة، فكذلك حملالعنوان الانتزاعي على مصداقه فيه من حمل مواطاة
والسيد الاُستاذقدس سره لاينكرذلك ولكنه قال انه لايمكن جعل ذلك تحت ضابط كلي، هذا
كله في الفرضالأول، واما في الفرض الثاني فقد ينطبق عنوانان انتزاعيان على معنون
واحد فيالخارج فيما إذا كان منشأ انتزاع كل منهما حيثية تعليلية لاتقييدية، وعلى
هذافلايمكن أن يكون حملها عليه من حمل مواطاة، ضرورة انه لايمكن أن تكونجهة واحدة
مصداقاً ذاتاً لعنوانين متباينين عرضيين بل أن حملها عليه يكون منحمل اشتقاق، وقد
ينطبقان على معنونين موجودين في الخارج وهما وإن كانا منمناشيء انتزاعهما إلاّ
انهما جهتان تقييديتان وخصوصيتان ذاتيتان لهما، ولهذايكونا من مصاديقهما ذاتاً،
وحينئذٍ فبطبيعة الحال يكون حملها عليهما من حملمواطاة أي حمل الطبيعي على فرده
ومصداقه الذاتي، والسيد الاُستاذقدس سره لاينكرذلك ولكنه يقول ان ذلك يختلف باختلاف
الموارد ولايمكن جعل ذلك تحتضابط كلي هذا. وأما الموجود في كلمات المحقق
النائينيقدس سره ان تعدد العنوان إذإ؛ب
خخكان من المبادي يوجب تعدد المعنون في الخارج في مقابل ما إذا كان منالمشتقات،
وهذا لايدل على أن مراده من ذلك هو أن العنوان إذا كان منالمبادي، كان حمله على
معنونه في الخارج من حمل مواطاة إذ كما يحتمل ذلكيحتمل أن يراد من ذلك العنوان
الذاتي المتأصل لامطلق المبادي وإن كانتانتزاعية.
إلى هنا قد ظهر الاشكال في نقطتين:
الاُولى: ان ما أفادهقدس سره من أن حمل المبادي الانتزاعية على معنوناتها
فيالخارج من حمل مواطاة كحمل المبادي الذاتية المتأصلة على مصاديقها لايتمبنحو
الاطلاق.
الثانية: ان حمل النزاع بين السيد الاُستاذقدس سره والمحقق النائينيقدس سره على
النزاع فيأن حمل المبادي الانتزاعية على معنوناتها في الخارج هل هو من حمل مواطاة
أومن حمل اشتقاق، مما لا شاهد عليه لا في كلمات السيد الاُستاذقدس سره ولا في
كلماتالمحقق النائينيقدس سره.
وأما النقطة الثانية: فيقع الكلام فيما ذكرهقدس سره من الملاكات للقول بالجواز
أماالملاك الثالث(12)، فهو تام وعليه بنى المحققون من الاُصوليين جواز الاجتماع
فيالمسألة، وأما الملاك الأول فهو غير تام لأن جواز الاجتماع على ضوء هذا
الملاكيكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع، إذ لا اجتماع في هذا الفرض لأن
الأمرتعلق بصرف وجود الطبيعة والنهي تعلق بفرد منها، والمفروض أن الأمرلايسري منه
إلى أفراده على البدل لا في عالم الجعل والاعتبار ولا في عالم المباديوالاقتضاء،
غاية الأمر أن النهي المذكور المتعلق بفرد منها يقيد اطلاقها بغيرهعلى أساس أن
الحرام لايمكن أن يقع مصداقاً للواجب والمبغوض مصداقاًللمحبوب والمكروه مصداقاً
للمراد، ولهذا لابد من تقييد اطلاق متعلق الأمربغير هذا الفرد المنهي عنه.
وأما الملاك الثاني، فإن كان متعلق الأمر والنهي من المبادي الذاتية المتأصلةفتعدده
يوجب تعدد المعنون في الخارج وجوداً وماهية، فعندئذٍ فلا اشكال فيالجواز بمقتضى
الملاك الثالث، وكذلك إذا كان متعلقاهما من المبادي الانتزاعيةالتي هي منتزعة من
خصوصية ذاتية ثابتة في لوح الواقع، فإن تعددهما يوجبتعدد الخصوصية الذاتية
لاستحالة انتزاعهما من خصوصية ذاتية واحدة كمامرّ، ولهذا يكون حملهما عليها من حمل
الطبيعي على أفراده، وأما إذا كانا منالمبادي الانتزاعية التي يكون منشأ انتزاعها
غير معروضها في الخارج فلايتطلبتعدد العنوان تعدد المعنون في الخارج، وحينئذٍ فإذا
كان المعنون في مورد الاجتماعواحداً وجوداً وماهيةً فيه فكيف يكفي تعدد العنوان في
رفع غائلة اجتماعالضدين، وما ذكره في بيان هذا الملاك من أن تعدد العنوان يؤدي إلى
تعدد ما هومعروض الأمر والنهي والحب والبغض حقيقة وذاتاً، فإن أراد به أنه
يوجبتعدد المعروض بالذات للأمر والنهي والحب والبغض فهو وإن كان صحيحاً،حيث إنه
نفس المعروض بالذات لا أنه غيره، باعتبار ان متعلقي الأمر والنهيذاتاً وبنحو
المباشر هو نفس العنوان في اُفق الذهن المرآة لما هو المعروضبالعرض إلاّ انه
لايجدي إذا كان المعروض بالعرض في الخارج واحداً في موردالاجتماع، باعتبار أن
المطلوب الأصلي للمولى هو المعروض بالعرض علىأساس أن غرضه قائم بوجوده لا
بالمعروض بالذات، فإنه لاشأن له إلاّ كونهعنواناً ومرآةً له وإن أراد به أنه يوجب
تعدد المعروض له بالعرض للأمر والنهيوالحب والبغض في الخارج، ففيه أنه صحيح في
المبادي الذاتية المتأصلة ومايلحق بها من المبادي الانتزاعية كالفوقية والتحتية
ونحوهما لا مطلقاً كما عرفتم.
نتائج البحث ...
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن ملاك القول بالجواز في المسألةتعدد المجمع
في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً بأن يكون التركيب بينهما انضمامياًلا اتحادياً،
وأما إذا كان واحداً كذلك، فلا مناص من القول بالامتناع وإن كانعنوان متعلقي الأمر
والنهي متعدداً، وقد تقدم أنه لايمكن جعل ذلك تحت ضابطكلي بل هو يختلف باختلاف
الموارد، لما عرفت من أن العنوان المتعلق للأمروالنهي إن كان من العناوين الذاتية
المتأصلة فتعدده يؤدي إلى تعدد المعنون فيمورد الاجتماع، وإن كان من العناوين
الانتزاعية التي لها مصداق ذاتي في الخارجفتعدده أيضاً يوجب تعدد المعنون فيه، وإن
كان من العناوين الانتزاعية التييكون معروضها ومعنونها غير منشأ انتزاعها فتعدده
لايتطلب تعدد المعنونفيه، ولهذا لابد في كل مورد من ملاحظة ذلك فيه.
نستخلص نتائج البحث في عدة نقاط:
الاُولى: ان التنافي والتضاد بين الأحكام الشرعية انما هو في عالم
المباديوالاقتضاء لا في عالم الجعل والاعتبار، فإن الجمع بين المصلحة
والمفسدةوالارادة والكراهة والحبّ والبغض في شيء واحد لايمكن، كما أنه لايمكن
الجمعبين الأمر والنهي في الاقتضاء، فإن الأول يقتضي الاتيان بمتعلقه والثاني
يقتضيالاجتناب عنه، وأما في عالم الجعل فلا مضادة بينهما، لأنها بما هي اعتبارات
منالشارع فلا واقع موضوعي لها حتى تتصور المضادة بينها.
الثانية: قد حاول بعض بأن الأمر والنهي لايجتمعان في شيء واحد، لأنمتعلق الأمر
صرف وجود الطبيعة ولايسري منه إلى أفرادها ومتعلق النهيمطلق وجودها ولهذا يسري إلى
جميع أفرادها، وعلى هذا فالصلاة في الأرضالمغصوبة بما أنها حصة خاصة من الصلاة
المأمور بها فلايسري الأمر إليها، فإذنلايجتمع الأمر والنهي فيها.
الثالثة: قد نوقش في هذه المحاولة بعدة مناقشات، الأولى أن الأمر المتعلقبصرف
وجود الطبيعة وإن لم يسري بما هو اعتبار إلى أحد أفرادها على البدل،إلاّ أن ملاكه
في عالم المبادي يسري منه إلى أحد أفراده كذلك كالارادة المتعلقةبالجامع، فإنها
تسري إلى أفراده بانحاء من الارادات المشروطة وكذلك المحبوبيةالمتعلقة بالجامع،
فإنها تسري إلى أفراده بأنحاء من المحبوبية المشروطة، وعلىهذا فلايمكن أن يكون
الفرد المنهي عنه محبوباً ومراداً ولو بنحو المشروط معكونه مبغوضاً مطلقاً.
الرابعة: ان هذه المناقشة غير صحيحة، حيث إنه لايمكن اقامة البرهانعليها، واما
الوجدان فإنه لايحكم بالملازمة بين ارادة الجامع بنحو صرفالوجود وانحاء من
الارادات المشروطة بعدد أفراده وكذلك بين محبوبية الجامعوأنحاء من المحبوبية
المشروطة، نعم الذي يحكم به الوجدان هو محبوبية الفردبلحاظ وجود الجامع في ضمنه
لامطلقاً.
الخامسة: ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من المناقشة على هذه المحاولة، بتقريبأن
الأمر المتعلق بالطبيعة المطلقة يدل بالمطابقة على وجوب صرف وجودهاوبالإلتزام على
الترخيص في تطبيقها على أي فرد من أفرادها شاء منها الفردالمنهي عنه. ومن الواضح أن
الترخيص في تطبيق المأمور به على الفرد المنهيلايجتمع مع النهي عنه، إذ كما أن
الوجوب لايجتمع مع الحرمة في شيء واحدكذلك الترخيص الشرعي، وعلى هذا فلاتجدي هذه
المحاولة في دفع غائلةالتضاد في مورد الاجتماع.
السادسة: ان هذه المناقشة أيضاً غير تامة، لأن معنى الاطلاق ليس هوترخيص الشارع في
تطبيق المأمور به على أفراده بل معناه عدم المانع عن التطبيقوالانطباق، لأن قابلية
انطباق الطبيعة على أفرادها ذاتية والقيد مانع عن فعليةهذا الانطباق، ومع عدمه فلا
مانع منه ولا يتوقف على ترخيص من الشارع.
السابعة: ان هذه المحاولة وإن كانت تدفع محذور التنافي بين الوجوب والحرمةفي مرحلة
المبادي والجعل إلا أنها لاتدفع محذوره في مرحلة الامتثال، حيثلايمكن الجمع بين
اطلاق المأمور به وحرمة الفرد في هذه المرحلة، ولابد حينئذٍمن أحد أمرين اما رفع
اليد عن الاطلاق أو عن حرمة الفرد.
ولكن تقدم أن حرمة الفرد مانعة عن الانطباق، لاستحالة أن يكون الحراممصداقاً
للواجب والمبغوض مصداقاً للمحبوب، فإذن لامحالة يقيد اطلاقالمأمور به بغيره
تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على المقيد، فلايكون من بابالاجتماع.
الثامنة: قد يحاول لاثبات أن الأمر والنهي لايجتمعان على شيء واحد فيمورد
الاجتماع، بتقريب أن الأحكام الشرعية متعلقة بعناوين الأفعال الذهنيةبالذات ومباشرة
لا بالأفعال الخارجية، وعلى هذا فمتعلق الوجوب في موردالاجتماع غير متعلق الحرمة
فيه، فان متعلق الأول عنوان الصلاة في الذهنومتعلق الثانية عنوان الغصب فيه، واما
الموجود الخارجي فهو ليس متعلقاً لهماوإلا لكانا خارجيين وهو كما ترى، فإذن
لايجتمع الأمر والنهي في شيء واحد.
التاسعة: ان هذه المحاولة باطلة ولا واقع موضوعي لها، لوضوح أن المطلوبالأصلي
الواقعي للمولى هو الفعل الخارجي، لأن غرض المولى مترتب عليه لإ؛پخخعلى متعلق
الأمر في اُفق الذهن ولا على المراد والمحبوب بالذات فيه لأنه مأخوذبنحو المعرفية
والمشيرية المحضة والفناء في الخارج، وهذا ليس معناه أن الأمرتعلق بالفعل الخارجي
بواسطة المفهوم الذهني بل معناه أن الأمر تعلق بالمفهومالذهني لا بالحمل الشايع
وبنحو الموضوعية بل بالحمل الاُولى وبنحو الطريقيةبأن يرى بمتعلقه الفعل الخارجي،
فإذا كان الفعل الخارجي واحداً في موردالاجتماع وجوداً وماهية، فيستحيل الاجتماع
فيه بلحاظ المبادي والاقتضاء.
العاشرة: ان متعلق الأمر والنهي قد يكون من العناوين الذاتية المتأصلة وقديكون
أحدهما من العناوين الذاتية المتأصلة والآخر من العناوين الانتزاعية وقديكون كلاهما
من العناوين الانتزاعية، فعلى الأول يتطلب تعدد العنوان تعددالمعنون لا محالة، وعلى
الثاني والثالث لايتطلب بل لابد من ملاحظة ذلك في كلمورد بخصوصه.
الحادية عشر: ان المحقق الخراسانيقدس سره قد اختار في المسألة ان تعدد
العنوانلايستلزم تعدد المعنون ولاينثلم به وحدته، وقد حاول لاثبات ذلك بتقديم
عدةمقدمات، ولكن تقدم انه لاجدوى لهذه المقدمات وإن ما ذكرهقدس سره من أن
تعددالعنوان لايوجب تعدد المعنون بنحو ضابط كلي غير تام ومخالف للوجدانوالبرهان.
الثانية عشر: ان المحقق النائينيقدس سره قد فصل بين العناوين الاشتقاقيةومباديها،
فإن تعدد العنوان في الاُولى لايوجب تعدد المعنون بينما تعدده في الثانيةيوجب
تعدّد المعنون.
الثالثة عشر: ان السيد الاُستاذقدس سره قد علق على كل من الرأيين واختار أنمتعلق
الأمر والنهي إن كان من العناوين الذاتية المتأصلة فتعدده يستلزم تعددالمعنون في
الخارج وجوداً وماهيةً، وإن كان أحدهما من العناوين الذاتية والآخرمن العناوين
الانتزاعية أو كان كلاهما من العناوين الانتزاعية، فلايستلزم تعددالعنوان تعدد
المعنون في الخارج بل أن ذلك يختلف باختلاف الموارد.
الرابعة عشر: ذكر بعض المحققينقدس سره أن الخلاف بين السيد الاُستاذقدس سره
والمحققالنائينيقدس سره في المبادي الاشتقاقية يرجع إلى الخلاف في نقطة اُخرى،
وهي أنه هلللمبادي الانتزاعية كالفوقية والتحتية ونحوهما مصاديق بالذات في لوح
الواقعأو لا، فعلى الأول يكون حملها على مصاديقها بالذات من حمل مواطاة،
وعلىالثاني يكون حملها على الذات من حمل اشتقاق أي ذو هو، وحمل كلام
المحققالنائينيقدس سره على الأول وكلام السيد الاُستاذقدس سره على الثاني، وأما
هو فقد اختارالأول وبنى على أن تعدد العنوان يوجب تعدد المعنون وإن كان انتزاعياً.
الخامسة عشر: قد تقدم المناقشة في أصل رأيهقدس سره من ناحية وفي ارجاعالخلاف
بينهما إلى نقطة اُخرى من ناحية اُخرى هذا من جانب، ومن جانب آخرقد تقدم أن ما
ذكرهقدس سره من الملاكات للقول بالجواز لايتم الملاك الأول والثانيوأما الملاك
الثالث فهوتام.
هاهنا ثلاث دعاوي:
الاُولى: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً ومنعاً مبني على النزاع في
المسألةالمتقدمة وهي أن متعلق الأمر هل هو الطبيعة أو الفرد، فعلى الأول لامانع
منالقول بالجواز في هذه المسألة باعتبار أن متعلق الأمر غير متعلق النهي،
لأنمتعلق الأمر الطبيعة الجامعة بين الحصة في مورد الاجتماع وسائر الحصصومتعلق
النهي خصوص الحصة في مورد الاجتماع، والفرض أن الأمر لايسريمن الطبيعة إلى حصصها،
فإذن تكون هذه الحصة متعلقة للنهي دون الأمر،وعلى الثاني لامناص من القول
بالامتناع، لأن هذه الحصة متعلقة للأمر أيضاً.
والجواب: ان النزاع في هذه المسألة لايرتبط جوازاً ومنعاً بالنزاع في
المسألةالمتقدمة، اما أولاً: فلما ذكرناه هناك من أن القول بتعلق الأمر بالفرد
باطلولايرجع إلى معنى محصل ثبوتاً واثباتاً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم القول بأن الأمر في تلك المسألة متعلقبالفرد
فمع ذلك لايلزم من ذلك تعلق الأمر والنهي بشيء واحد في هذهالمسألة، لأن معنى تعلق
الأمر بالفرد هناك ليس تعلقه بالفرد الخارجي لأنهمسقط للأمر، فكيف يعقل تعلّقه به
مع أنه يلزم من تعلقه به طلب الحاصل وهومحال، بل معناه تعلقه بمفهوم الفرد وعنوانه
الذهني وكذلك الحال في النهيولايمكن تعلقهما بالفرد الخارجي، فإنه مضافاً إلى
المحذور المتقدم ان لازم ذلك أنيكونا خارجيين وهذا، خلف وعلى هذا فمتعلق الأمر
مباين لمتعلق النهي في عالمالذهن، لأن الحصة الموجودة في مورد الاجتماع متعلقة
للأمر بعنوان الصلاةوللنهي بعنوان الغصب وهما عنوانان متباينان في اُفق الذهن، فإذن
لافرق بينتعلق الأمر بالطبيعة وتعلّقه بالفرد، فعلى كلا التقديرين يكون متعلق
الأمرمباشرة غير متعلق النهي كذلك في وعاء الذهن، والكلام في هذه المسألة انما هوفي
أن المعنون في مورد الاجتماع والمطابق لمتعلّقي الأمر والنهي فيه واحد
وجوداًوماهيةً أو متعدد كذلك، فعلى الأول لامناص من القول بالامتناع وعلى الثانيمن
القول بالجواز بلا فرق في ذلك بين القول بتعلق الأمر في تلك المسألة بالطبيعةأو
بالفرد.
الثانية: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً أو منعاً مبتن على مسألة فلسفيّةوهي
مسألة أصالة الوجود وأصالة الماهية، فعلى القول بأصالة الوجود في تلكالمسألة لابدّ
من القول بالامتناع في هذه المسألة باعتبار أن متعلقي الأمر والنهيموجودان بوجود
واحد في مورد الاجتماع، وعلى القول بأصالة الماهية لا مناصمن القول بالجواز، لأن
ماهية متعلق الأمر غير ماهية متعلق النهي.
والجواب: ان النزاع في هذه المسألة جوازاً ومنعاً لايرتبط بتلك المسألةأصلاً، لأن
المراد بأصالة الوجود هو أن ما في الكون جميعاً الوجود والماهيةمنتزعة من حدوده فلا
واقع موضوعي لها، والمراد بأصالة الماهية ان كل ما فيالكون الماهية والوجود منتزع
من حدودها، وأما في هذه المسألة فالقولبالامتناع فيها مبني على وحدة المجمع في
مورد الاجتماع وجوداً بناء على القولبأصالةالوجود و ماهية بناء على القول بأصالة
الماهية، والقول بالجواز فيها مبنيعلى تعدد المجمع في مورد الاجتماع وجوداً على
القول بأصالة الوجود وماهيةعلى القول بأصالة الماهية، فإذن لايرتبط النزاع في هذه
المسألة على النزاع فيتلك المسألة الفلسفية أصلاً.
الثالثة: ان النزاع في هذه المسألة امكاناً وامتناعاً مبني على مسألة أن
الجنسوالفصل هل هما متحدان في الخارج وموجودان بوجود واحد أو متغايران
فيهوموجودان بوجودين، بدعوى أن نسبة متعلق النهي إلى متعلق الأمر في موردالاجتماع
نسبة الفصل إلى الجنس، وعلى هذا فعلى الأول لابدّ من القول بالامتناعوعلى الثاني
على الجواز هذا.
والجواب، أولاً: أنه لاشبهة في أن الجنس والفصل موجودان بوجود واحدحقيقة وهو وجود
النوع حيث إن التركيب بينهما حقيقي لا انضمامي، لأنالجنسو الفصل من الأجزاء
التحليلية العقلية لا الخارجية لكي يكون التركيب بينهماانضمامياً.
وثانياً: ان متعلق الأمر والنهي ليس من قبيل الجنس والفصل، لما تقدم منأن متعلقهما
إن كان من المبادي الذاتية المتأصلة، كان كل منهما يمثل حقيقة نوعيةمركبة من جنس
وفصل ولايعقل أن يكون متعلق الأمر جنساً ومتعلق النهيفصلاً، وإن كان متعلق احدهما
ذاتياً ومتعلق الآخر انتزاعياً أو كان متعلق كليهماانتزاعياً، فلايعقل أن يكون
احدهما جنساً والآخر فصلاً، بداهة أن العنوانالانتزاعي لاواقع موضوعي له حتى يكون
جنساً أو فصلاً، ومن هنا يظهر أنالغصب لايصلح أن يكون بمثابة الفصل للصلاة في
الأرض المغصوبة، باعتبار انهعنوان انتزاعي فلايعقل أن يكون فصلاً مقوماً للصلاة،
نعم إذا تعلق الأمر فيمورد بالجنس والنهي بالفصل المقوم فلا مناص من القول
بالامتناع.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن مسألة اجتماع الأمر والنهيلاترتكز على
شيء من المسائل المتقدمة لا على القول بالامتناع ولا على القولبالجواز، بل هي
مسألة مستقلة على كلا القولين فيها، لأن كلاً منهما مبني علىنكتة اُخرى لاترتبط
بالنزاع في المسائل المتقدمة.
هذا تمام كلامنا في كبرى مسألة اجتماع الأمر والنهي نظرياً.
البحث التطبيقي الصغروي ...
البحث التطبيقي الصغروي
الصغرى المعروفة لهذه المسألة والمبحوث عنها في كلمات الاُصوليين فيمرحلة التطبيق
هي الصلاة في الأرض المغصوبة. وهل انها متحدة مع الغصب فيمورد الاجتماع أو لا؟
فذهب المحقق النائينيقدس سره إلى أن الصلاة لايمكن أن تتحد مع الغصب، بتقريبأن
الصلاة من مقولة والغصب من مقولة اُخرى والمقولات متباينات بتمام ذاتهاوذاتياتها،
فلايمكن اندراج مقولتين تحت مقولة واحدة لأنه خلف فرض كونهامن الأجناس
العاليات(13).
وقد علّق عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن الغصب ليس مقولة مستقلة في مقابلالصلاة،
وقد أفاد في وجه ذلك أن الغصب عنوان انتزاعي ومعرف ومشير إلىواقع التصرفات
الخارجية كالدخول في أرض الغير بدون إذنه والكون فيهاوالقاء الثقل عليها وأكل ماله
ولبسه وغير ذلك من أنحاء التصرف، فإذن ليسالغصب مقولة بنفسه بل هو عنوان انتزاعي
منطبق على عدّة مقولات ومشيرإليها كمقولة الأين والجدة وغيرهما(14).
فما ذكرهقدس سره من أن الغصب مقولة لايرجع إلى معنى صحيح، فإنه في نفسهليس مقولة
ولا عنواناً خاصاً لمقولة واحدة.
وأما الصلاة فهي مركبة من مقولات عديدة:
منها، مقولة الكيف النفساني كالنيّة بتمام عناصرها الثلاثة. ومنها، مقولةالكيف
المسموع كتكبيرة الاحرام والقراءة والتسبيح والتهليل والأذكار. ومنها،الوضع كهيئة
الراكع والساجد والقائم والقاعد وغير ذلك، وحيث إن المقولاتماهيات متباينات بذاتها
وذاتياتها، فلايعقل أن يكون التركيب بينها حقيقياً فلامحالة يكون انضمامياً، وعلى
هذا فالتركيب بين أجزاء الصلاة لا محالة انضماميولايمكن أن يكون واقعياً.
وبكلمة، أن الغصب لايمكن أن يكون من الماهيات المقولية لاستحالة اتحادمقولتين
واندراجهما تحت مقولة واحدة، فإذن لامحالة يكون من المفاهيمالانتزاعية وعنوان
منطبق على المقولات المتعددة في مختلف الموارد ومعرفومشير إليها، فإذن كما لايكون
بنفسه من الماهية المقولية كذلك لايكون عنواناًلمقولة واحدة.
وأما الصلاة فهي ليست حقيقة مستقلة وماهية مقولة برأسها في قبال سائرالمقولات بل هي
مركبة من مقولات عديدة وهذه المقولات هي أجزاء الصلاة،ولهذا يكون التركيب بينها
انضمامياً لاحقيقياً، ضرورة استحالة أن يكون حقيقياًوإلاّ لزم اندراج مقولات متعددة
تحت مقولة واحدة وهو محال.
فالنتيجة، ان ما ذكره المحقق النائينيقدس سره من أن الصلاة مقولة والغصب
مقولةاُخرى، فلايمكن المساعدة عليه هذا.
والصحيح في المقام أن يقال انه لا شبهة في أن الغصب عنوان انتزاعي ولا واقعموضوعي
له في الخارج، ولهذا لايكون متعلقاً للنهي في لسان الأدلة، لأن متعلقهفي لسانها
عنوان المال كقولهعليه السلام: »لايحل مال امريء مسلم إلاّ بطيبنفسه«(15)، وحيث
إنه لايمكن تعلق النهي بالعين الخارجية وهي المال، فإذن لابدمن التقدير في كل مورد
مايناسب ذلك المورد وهو يختلف باختلاف الموارد، فإذاكان مال الغير متمثلاً في
المكان كالأرض والدار ونحوهما فالمقدر حينئذٍ هوالكون فيها وهو متعلق النهي، وإذا
كان متمثلاً في اللباس فالمقدر فيه لبسه،فالكون من مقولة الأين واللبس من مقولة
الجد ويشتركان في الجامع الانتزاعيوهو عنوان الغصب وهو ليس متعلقاً للنهي، فإن
متعلقه اما الكون في الأرضالمغصوبة أو اللبس أو الأكل والشرب، وعلى هذا فإن أراد
المحقق النائينيقدس سره منأن الغصب بنفسه مقولة لا أنه عنوان لها فقد تقدم انه
غير معقول، لوضوح أنهمفهوم انتزاعي ولا واقع موضوعي له في الخارج وعنوان مشير إلى
عدة مقولاتفي مختلف الموارد.
وإن أراد منه واقعه الموضوعي وهو الكون في الأرض المغصوبة في محلالكلام فهو صحيح،
ولايبعد أن يكون مراده من أن الغصب مقولة واقعهالموضوعي وهو الكون في الأرض
المغصوبة الذي هو من مقولة الأين وهومتعلق الحرمة ومبغوض للمولى دون الغصب بما هو
أمر انتزاعي، وعلى هذا فماأورده السيد الاُستاذقدس سره على المحقق النائينيقدس سره
إنما يرد إذا كان مراده من أنالغصب من المقولات نفس مفهوم الغصب، ولكن الظاهر أن
مرادهقدس سره بذلك واقعالغصب الذي هو من مقولة الأين في مورد ومن الجدة في مورد
آخر وهكذا،وأما مفهوم الغصب فهو مفهوم انتزاعي ولا واقع موضوعي له في الخارج
حتىيكون من المقولة ومتعلقاً للنهي، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الحرمة فيلسان
الدليل متعلقة بالغصب إلاّ أنه لا شبهة في أنه مأخوذ بنحو المعرفيةوالمشيرية إلى
واقعه الخارجي وهو الكون في الأرض المغصوبة الذي هومبغوض ومكروه للمولى، وفيه
مفسدة ملزمة في المرتبة السابقة وهي تسببتعلق البعض به في عالم المبادي والنهي عنه
في عالم الجعل والاعتبار. وهذابخلاف الوجوب، فإنه متعلق بالصلاة المركبة من عدة
مقولات باعتبار أن تلكالمقولات بعنوان الصلاة محبوبة ومشتملة على مصلحة ملزمة، ومن
هنا تختلفالصلاة عن الغصب، فإن الأمر في لسان الأدلة من الكتاب والسنة تعلق
بتلكالمقولات بعنوان الصلاة بينما النهي لم يتعلق بالماهية المقولية بعنوان الغصب
هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى هل تتحد الصلاة بكامل أجزائها ومقولاتها مع المعنونبالغصب في
الأرض المغصوبة وهو الكون فيها الذي هو من مقولة الأين أو لا؟
والجواب: ان ذلك بحاجة إلى النظر في أجزاء الصلاة ومقولاتها وتفصيل تلكالأجزاء
وملاحظة كل جزء من أجزائها بنفسه لنرى أنه متحد مع الكون فيهابنحو من أنحاء
الاتحاد أو لا؟
بيان ذلك أن الجزء الأول للصلاة النية وهي متمثلة في عناصر ثلاثة:
الأول: قصد القربة.
الثاني: قصد الخلوص.
الثالث: قصد العنوان كصلاة الظهر والعصر ونحوهما، وهي بتمام عناصرهامن مقولة الكيف
النفساني ولايكون متحداً مع الكون فيها الذي هو فعلخارجي باعتبار أنه من مقولة
الأين والمقولات متباينات بتمام ذاتها وذاتياتها،فلايمكن اندراج مقولتين تحت مقولة
واحدة وإلاّ لزم خلف فرض كون المقولاتأجناس عاليات.
الجزء الثاني: التكبيرة وهي من مقولة الكيف المسموع، فيستحيل إتحادهامع مقولة الأين
ومثلها القراءة والتسبيح والتهليل والأذكار فانها جميعاً من مقولةالكيف المسموع، قد
يقال كما قيل أن التكبيرة والقراءة ونحوهما تستوجب تموجالهواء وتحريكه وهو نحو
تصرف في الفضاء المغصوب، فإذن يلزم اجتماع الأمروالنهي في شيء واحد في تلك
الأجزاء. ونتيجة ذلك، عدم اماكن اجتماع الأمربالصلاة في الأرض المغصوبة مع النهي عن
الكون فيها هذا.
والجواب: أولاً: أن تموج الهواء وتحريكه من لوازم القراءة والتكبيرةونحوهما لا انه
متحد معها في الخارج.
وثانياً: انه ليس تصرفاً في مال الغير بنظر العرف والعقلاء حتى يكونمشمولاً لدليل
الحرمة.
وثالثاً: انه ليس تصرفاً في الفضاء أيضاً حتى بنظر العقل بل هو تصرف فيالهواء، ولا
دليل على حرمة التصرف في هواء ملك الغير، فإن الانسان يملكالأرض والفضاء لا
الهواء.
الجزء الثالث: الركوع والسجود والقيام والقعود فإنها من مقولة الوضع،فيستحيل أن
تتحد مع الكون في الأرض المغصوبة الذي هو من مقولة الأين،وقد عرفت استحالة اندارج
مقولتين تحت مقولة واحدة.
وبكلمة، ان أجزاء الصلاة انما هو نفس هيئة الركوع والسجود والقياموالقعود دون
مقدماتها كالهوي والنهوض.
ودعوى، ان هذه الهيئات من مقولة الفعل وعليه فتكون مصداقاً للغصبوالتصرّف في مال
الغير، فيكون الواجب حينئذٍ متحداً مع الحرام، مدفوعة بأنهامبنية على الخلط بين ما
يكون من قبيل الفعل الصادر بالارادة والاختيارومايكون من مقولة الفعل التي هي من
احدى المقولات التسع العرضية والهيئاتالمذكورة وإن كانت من الأفعال الاختيارية
الصادرة بالارادة والاختيار، إلاّ أنهامع ذلك ليست من مقولة الفعل ضرورة، أنه لا
منافاة بين ما يكون الشيء منقبيل الفعل الصادر بالاختيار وفي نفس الوقت ليس من
مقولته للفرق بينالأمرين وهو ان الملاك في كون الفعل اختيارياً هو صدوره من
الانسان بالارادةوالاختيار، والملاك في كون الشيء من مقولته هو أن يكون حصوله
بالتأثيربنحو التدريج كتسخين الماء مادام يسخن وماشاكل ذلك واحد الملاكين أجنبيعن
الملاك الآخر، ولهذا لايعتبر في كون الشيء من مقولة الفعل أن يكون منالأفعال
الاختيارية، لأن النسبة بينهما عموم من وجه، فإن الشيء قد يكون منمقولة الفعل
ولايكون اختيارياً كالتأثير والتأثر الحاصل بين الأشياء الخارجيةتكويناً، وقد يكون
اختيارياً ليس من مقولته بل من مقولة اُخرى كمقولةالوضع أو الكيف، وقد يجمع بينهما
كما إذا كان التأثير والتأثر حاصلين بالفعلالاختياري.
فالنتيجة، ان شيئاً من أجزاء الصلاة ليس من مقولة الأين حتى تتحد معالغصب. بقي هنا
اُمور:
الأول: ان الهوى إلى الركوع والسجود والنهوض إلى القيام والجلوستصرف في مال الغير
فيكون مصداقاً للغصب، ضرورة أن الحركة في الدارالمغصوبة من أنحاء التصرف فيها، وعلى
هذا فيكون الهوي والنهوض متحدينمع الغصب خارجاً فلايجوز الاجتماع من هذه الناحية.
والجواب: انهما لوكانا من واجبات الصلاة كانت الصلاة متحدة بها معالغصب في مورد
الاجتماع، فإذن لامناص من القول بالامتناع، ولكن الظاهرانهما ليسا من واجبات الصلاة
ولامن واجبات أجزائها كالركوع والسجود بلمن المقدمات لها، فإذ ن لايجتمع الوجوب مع
الحرمة في شيء واحد، فإن الحرمةتعلقت بالمقدمات والوجوب تعلق بذيها، وعليه فلا
مناص من القول بالجوازغاية الأمر قد تقع المزاحمة بينهما.
الثاني: ان الاستقرار من أفعال الصلاة وواجباتها وهو الكون في المكانالمغصوب،
فعندئذٍ تتحد الصلاة مع الغصب في مورد الاجتماع والانطباق في هذاالجزء فلذلك لامناص
من القول بالامتناع في المسألة.
والجواب: ان الاستقرار والطمأنينة المعتبرة في الصلاة بمعنى عدم الاضطراريمنة
ويسرة، ومن الواضح ان هذا غير الكون في المكان المغصوب، ومن هنابإمكان المصلي
الانتقال من مكان إلى مكان آخر من دون الاخلال بالاستقراروالطمأنينة في الصلاة.
الثالث: هل يعتبر في مفهوم السجدة الاعتماد على الأرض أو لا؟
والجواب: الظاهر انه معتبر في مفهومها ولايصدق عرفاً إسم السجدة علىمجرد مماسة
الجبهة للأرض بدون أدنى اعتماد عليها، بيان ذلك ان المعتبر فيالصلاة وضع الأعضاء
السبعة على الأرض وفيه عنصران:
نتيجة البحث ...
الأول: الهيئة القائمة بالساجد الحاصلة من نسبة بعض أعضائه إلى بعضهاالآخر ونسبة
المجموع إلى الخارج، وهذه الهيئة معتبرة في الصلاة ومن أجزائهاوتكون من مقولة
الوضع.
الثاني: الاعتماد على الأرض، فالسجدة التي هي من الواجبات الرئيسيةللصلاة متقومة
بهذين العنصرين، فكما لاتصدق السجدة بدون وضع الجبهةعلى الأرض فكذلك لاتصدق على
مجرد مماستها لها بدون الاعتماد عليها. وحيثإن الاعتماد على الأرض بنفسه تصرف
فيها، فيكون الواجب متحداً مع الحراملأن الاعتماد عليها مصداق للواجب والغصب معاً،
وعلى هذا فالصلاة متحدة معالغصب في مورد الاجتماع في جزء منها وهو السجدة لا في
سائر أجزائها، ومنهنا لوكانت وظيفة المصلي الايماء بدلاً عن السجدة لم تبطل صلاته
فيها، فإذنلامناص من القول بالامتناع في مورد الاجتماع لأن المجمع فيه واحد
وجوداًوماهيةً، فلايمكن اجتماع الأمر والنهي فيه لا في عالم المبادي ولا في
عالمالاقتضاء.
والخلاصة: ان السجدة ليست عبارة عن مجرد التماس بين الجبهةوالأرض، لأن معنى السجدة
عرفاً وضع الجبهة على الأرض ومعنى الوضعالاعتماد عليها والقاء الثقل لا مجرد
التماس بينهما بدون الاعتماد.
نتيجة البحث عدة اُمور:
الأول: ان المحقق النائينيقدس سره ذكر ان الصلاة لايمكن ان تتحد مع الغصب،
لأنالصلاة من مقولة والغصب من مقولة اُخرى والمقولات متباينات ولايمكناندراج
مقولتين تحت مقولة واحدة. وقد علّق عليه بأن الغصب ليس بنفسهمقولة ولا عنواناً
لمقولة بل هو أمر انتزاعي لا واقع موضوعي له في الخارجومنطبق على مقولات متعددة
هذا، ولكن يمكن أن يكون مرادهقدس سره من الغصبواقعه الموضوعي الذي هو من المقولات
لا عنوانه الأنتزاعي الذي لا موطن لهإلاّ الذهن.
الثاني: ان الصلاة ليست حقيقة مستقلة وماهية مقولية برأسها بل هي مركبةمن مقولات
متعددة كمقولة الكيف والوضع ونحوهما.
الثالث: ان الصلاة لاتتحد مع مقولة الغصب في مورد الاجتماع إلاّ في السجدةباعتبار
انها متقومة بعنصرين:
الأول: وضع الجبهة على الأرض.
الثاني: الاعتماد عليها، فلايصدق عنوان السجدة على مجرد المماسة بدونالاعتماد
والقاء الثقل عليها.
ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الأول( ...
ملحقات مسألة الاجتماع
الملحق الأول:
هل هذه المسألة اُصولية أو فقهيّة أو انها من المبادي التصديقية؟
والجواب: انها من المبادي التصديقية للمسألة الاُصولية وليست باُصوليةبنفسها ولا
بفقهية.
ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الثاني( ...
أما الثانية: فواضح، وأما الاُولى فلما تقدم في مستهل بحث الاُصول أن ملاكاُصولية
المسألة ترتب أثر فقهي عليها مباشرة وهذا الملاك غير متوفر فيها، لأنهذه المسألة
على القول بالامتناع تدخل في كبرى مسألة التعارض والمرجع فيهامرجحات بابها، وعلى
القول بالجواز تدخل في كبرى مسألة التزاحم والمرجعفيها قواعد بابها، فإذن لاتترتب
النتيجة الفقهية على هذه المسألة مباشرة علىالقول بالامتناع بدون ضمّ مسألة اُخرى
الاُصولية وهي مرجحات بابالمعارضة، فإنها تثبت الوجوب أو الحرمة في مورد الاجتماع
وعلى القول بالجوازبدون ضمّ قواعد باب المزاحمة أو مسألة الترتب، وقد تقدم تفصيل
ذلك فيأوائل بحث الاُصول.
الملحق الثاني:
ما هو الفرق بين هذه المسألة ومسألة اقتضاء النهي فساد العبادة، قد يقالبأنه لا
فرق بينهما في الجهة المبحوث عنها، فإن مرد البحث في هذه المسألة عن أنالنهي عن
المجمع في مورد الاجتماع هل يوجب زوال الأمر عنه وعدم كونهمصداقاً للمأمور به وفي
المسألة الآتية عن أن النهي المتعلق بالعبادة هل يوجببطلانها وعدم كونها مصداقاً
لها، وعلى هذا فلا فرق بينهما في الجهة المبحوثعنها هذا.
وهنا عدة محاولات للفرق بين المسألتين:
المحاولة الاُولى: عن مدرسة المحقق النائينيقدس سره منهم السيد الاُستاذقدس
سرهوحاصل هذه المحاولة ان هذه المسألة تفترق عن المسألة الآتية في المرتبة،
لأنالمبحوث عنه في هذه المسألة انما هو عن سراية النهي إلى ما تعلق به
الأمركالصلاة ونحوها، فإذا ثبتت السراية تحقق موضوع تلك المسألة فعندئذٍ يبحثعن
اقتضاء النهي الفساد وعدم اقتضائه، وأما إذا لم يثبت فلا موضوع لها(16).
وبكلمة، ان البحث في مسألة الاقتضاء كبروي، لأن المبحوث عنه فيها انماهو عن ثبوت
الملازمة بين النهي عن عبادة وفسادها وعدم ثبوت هذه الملازمةبعد الفراغ عن ثبوت
الصغرى وهو تعلق النهي بالعبادة.
وأما البحث في هذه المسألة فإنه صغروي، لأن المبحوث عنه فيها انما هو عنسراية
النهي من متعلقه إلى متعلق الأمر وعدم سرايته، وعلى ضوء ذلكفالبحث في هذه المسألة
بحث عن اثبات الصغرى للمسألة الآتية، فإنه على القولبالامتناع وسراية النهي من
متعلقه إلى ماينطبق عليه المأمور به تكون مناحدى صغرياتها، فإذن جهة البحث في هذه
المسألة صغروية وفي تلك المسألةكبروية.
والجواب: ان هذه التفرقة غير صحيحة، لأن المبحوث عنه في هذه المسألة فيالحقيقة عن
ان المجمع في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداً وماهيةً أو متعددكذلك، فعلى الأول
لابدّ من القول بالامتناع وعلى الثاني بالجواز، لما تقدم من أنالبحث في هذه
المسألة ليس عن الكبرى وهي أن تعدد متعلّقي الأمر والنهي هليستلزم تعدد المعنون
في مورد الاجتماع وجوداً وماهيةً أو لا، لما عرفتم من أنهليس لذلك ضابط كلي بل هو
يختلف باختلاف الموارد والعناوين على تفصيل قدمرّ ولهذا يكون المبحوث عنه في
المسألة حقيقة عن وحدة المجمع في موردالاجتماع وجوداً وماهيةً وتعدده كذلك في كل
مورد بخصوصه، وقد تقدم انهلايمكن جعل البحث في المسألة تحت ضابط كلي، وعلى هذا فإن
كان المجمع فيمورد الاجتماع واحداً وجوداً وماهيةً تدخل المسألة في كبرى مسألة
بابالمعارضة والمرجع فيها مرجحات بابها، فإن كان ترجيح لدليل الوجوب علىدليل
الحرمة فالمجمع واجب وليس بحرام وإن كان العكس فبالعكس وإلاّفيسقطان معاً والمرجع
فيها حينئذٍ الأصل العملي، فإذن ليس هنا سراية الحرمةإلى متعلق الوجوب حتى بناءً
على تقديم دليل الحرمة على دليل الوجوب فيمورد الاجتماع، إذ حينئذٍ يكون المجمع
متعلقاً للحرمة فحسب دون الوجوب فإنهغير مجعول من الأول.
فالنتيجة، ان البحث في هذه المسألة ليس عن تحقيق الموضوع للمسألة الآتيةبل هو في
عرض البحث عن تلك المسألة ولا صلة لاحداهما بالأخرى، فما ذكرهمدرسة المحقق
النائينيقدس سره منهم السيد الاُستاذقدس سره من أن البحث في هذه المسألةانما هو عن
تنقيح الصغرى للمسألة الآتية لايمكن المساعدة عليه.
المحاولة الثانية: ما عن المحقق الخراسانيقدس سره وحاصل هذه المحاولة انالميزان
في تغاير المسائل بعضها عن بعضها الآخر انما هو في جهة البحث في كلمسألة، وحيث إن
جهة البحث في هذه المسألة انما هي عن سراية الحرمة فيمورد الاجتماع إلى متعلق
الوجوب وعدم سرايتها، وجهة البحث في المسألةالآتية انما هي عن اقتضاء النهي للبطلان
وعدمه، فلذلك تمتاز هذه المسألة عنتلك المسألة(17).
ولكن قد ظهر مما تقدّم عدم تمامية هذه المحاولة أيضاً، لأن جهة البحث في
هذهالمسألة ليست عن السراية وعدمها وانما هي عن وحدة المجمع في مورد
الاجتماعوجوداً وماهيةً وتعدده كذلك باعتبار انه ليس هناك ضابط كلي لذلك،
فالقولباستحالة اجتماع الأمر والنهي مبني على الفرض الأول والقول بالجواز مبني
علىالفرض الثاني، وعلى الأول تدخل المسألة في كبرى مسألة التعارض وعلىالثاني
تدخل في كبرى مسألة التزاحم كما عرفت، غاية الأمر في الفرض الأولقد يتعيّن تقديم
دليل الحرمة على دليل الوجوب في مورد الاجتماع، وحينئذٍحيث إن المجمع يكون متعلقاً
للنهي فيدخل في المسألة الآتية، ولكن من الواضحان هذا ليس جهة البحث في هذه
المسألة بل هو قد يترتّب على البحث فيها.
المحاولة الثالثة: ما ذكره بعض المحققينقدس سره وحاصل ما ذكره ان تعدد المسألةمنوط
بتوفر أمرين:
الأول: التغاير في الموضوع أو المحمول.
الثاني: ان لاتكون جهة ثبوت المسألتين واحدة، فإذا كانت واحدة بحيث إذاثبتت في
احداهما ثبتت في الاُخرى أيضاً فلا وجه لعقدهما مسألتين، مثلاًاستلزام وجوب الصلاة
لوجوب مقدمتها مسألة مغايرة لاستلزام وجوبالصوم لوجوب مقدمته، إلاّ ان نكتة ثبوت
هذا الاستلزام واحدة في كلتاالمسألتين معاً، وحينئذٍ فلا مبرر لعقدهما مسألتين
مستقلتين احداهما مسألةوجوب مقدمة الصوم والاُخرى مسألة وجوب مقدمة الصلاة، وفي
المقام كلاالأمرين متوفر:
أما الأول: فلأن المسألتين متغايرتان في المحمول، فإن المحمول في هذه المسألةعبارة
عن أن النهي هل ينافي الأمر كحكم تكليفي أم لا، والمحمول في المسألةالقادمة أن
الحرمة هل تنافي الصحة كحكم وضعي أم لا واحدهما غير الآخر.
وأما الثاني: فلأن نكتة المنافاة في المسألة الاُولى يمكن أن تكون غير
نكتةالمنافاة في المسألة الثانية، كما إذا قيل بامتناع الاجتماع مع القول بالصحة
وضعاًمن جهة وجود الملاك في المجمع وكفاية قصده في التقرب، أو قيل بالجواز علىأساس
الملاك الأول للقول بالجواز مع القول بالفساد على أساس عدم امكانالتقرب بناء على
السراية، وأما جهة البحث فيهما اثباتاً فهي أيضاً متعددة كما هوظاهر(18) هذا.
وغير خفي، إن ما ذكرهقدس سره من أن تعدد المسألة منوط بتوفر الأمرينالمذكورين فهو
صحيح كبروياً، إلا أن الاشكال انما هو في تطبيق تلك الكبرىعلى المقام، حيث قالقدس
سره في مقام التطبيق أن المسألتين مختلفتين في المحمول وهوأن النهي هل ينافي الأمر
كحكم تكليفي أو لا في هذه المسألة، وان الحرمة هلتنافي الصحة كحكم وضعي أو لا في
المسألة القادمة، ولكن في هذا التطبيقاشكالاً لوضوح أن المحمول والمبحوث عنه في
هذه المسألة ليس ذلك، إذ لا معنىللبحث عن أن النهي هل ينافي الأمر في مورد
الاجتماع أو لا، ضرورة أن المجمعفي مورد الاجتماع إن كان واحداً وجوداً وماهيةً
فلاشبهة في التنافي بينهما فيه فيتمام المراحل أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة
الاقتضاء وإن كان متعدداً كذلكفلا شبهة في الجواز، فإذن لا محالة يكون مركز البحث
في المسألة موجهاً إلى أنالمجمع في مورد الاجتماع هل هو واحد وجوداً وماهيةً أو
متعدد كذلك، وأماالمحمول في المسألة القادمة والمبحوث عنه فيها فإنما هو عن اقتضاء
النهي فسادالعبادة الذي يكون مردّه إلى أن الملازمة بين النهي عن العبادة وفسادها
هل هيثابتة أو لا، وليس المبحوث عنه فيها عن أن النهي هل ينافي الصحة أو لا،
ومنهنا قلنا أن المبحوث عنه في هذه المسألة انما هو عن الصغرى وهي ان المجمع
فيمورد الاجتماع إن كان واحداً وجوداً وماهيةً ترتب عليه القول بالامتناعوالتنافي
بين الأمر والنهي، وإن كان متعدداً كذلك ترتب عليه القول بالجوازوعدم التنافي
بينهما، وأما نكتة المنافاة في المسألة الاُولى فهي متمثلة في وحدةالمجمع في مورد
الاجتماع وهي توجب دخول المسألة في كبرى مسألة التعارض لافي كبرى المسألة
القادمة، وأما نكتة المنافاة في المسألة الثانية فإنما هي تنافي النهيمع قصد
القربة المعتبر في صحة العبادة هذا.
فالصحيح في المقام أن يقال أن البحث في هذه المسألة وإن كان لايختص بما إذاكانت
النسبة بين العنوانين المتعلقين للأمر والنهي عموماً من وجه، كما أن البحثعن
الاقتضاء في المسألة القادمة لايختص بما إذا كان النهي متعلقاً بالعبادة منخلال
عنوان أخص بل يشمل ما إذا تعلق بها من خلال عنوان أعم، شريطة أنيكون تعلقه بها من
خلاله مفروغاً عنه بأن لاتكون هناك معارضة بين الدليلين،ولكن مع ذلك تختلف هذه
المسألة عن المسألة القادمة في المحمول وهو الجهةالمبحوث عنها، فإنها في مسألتنا
هذه وحدة المجمع في مورد الاجتماع وجوداًوماهيةً وتعدده فيه كذلك، وفي المسألة
القادمة ثبوت الملازمة بين حرمة العبادةوفسادها وعدم ثبوتها هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ان جهة البحث في هذه المسألة لايمكن أن تكون كبرويةبأن تكون
منصبة على أن تعدد العنوان هل يوجب تعدد المعنون أو لا، أو اناجتماع الأمر والنهي
هل يجوز في شيء واحد أو لا؟
ملحقات مسألة الاجتماع )الملحق الثالث( ...
أما الأول: فلما تقدم من أن العنوان إذا كان ذاتياً ومتأصلاً فتعدده يوجبتعدد
المعنون لا محالة، وإن كان انتزاعياً أو كان عنوان متعلق أحدهما ذاتياًوالآخر
انتزاعياً فتعدده لايتطلب تعدد المعنون في الخارج بل لابد حينئذٍ منملاحظة كل مورد
بخصوصه وإن المجمع فيه واحد وجوداً وماهيةً أو متعددكذلك، فلهذا يكون النزاع فيها
في الصغرى وهي أن المعنون إن كان واحداً فيمورد الاجتماع تعيّن القول بالامتناع،
وحينئذٍ تدخل المسألة في كبرى مسألةالتعارض لا في كبرى المسألة القادمة، وإن كان
متعدداً فيه تعيّن القولبالجواز، وحينئذٍ تدخل المسألة في كبرى مسألة التزاحم لا
في المسألةالقادمة، وأما ملاك ثبوت هذه المسألة فإنه التنافي بين الأمر والنهي وعدم
امكاناجتماعهما في شيء واحد وجوداً وماهية لا في مرحلة المبادي ولا في
مرحلةالاقتضاء، وأما ملاك ثبوت المسألة القادمة، فإنه منافاة النهي مع العبادة وأما
فيالأثر فيهما أيضاً مختلفتان، فإن أثر هذه المسألة قد يكون صحة العبادة،
علىالقول بالامتناع في مورد الاجتماع حسب الصناعة إذا كان لدليل الأمر ترجيحعلى
دليل النهي، وقد يكون فسادها إذا كان الأمر بالعكس، وقد يكون صحتهاأيضاً إذا تساقط
الدليلان في مورد الاجتماع وامكن احراز الملاك فيه، وقد يكونأثرها فسادها على
القول بالجواز أيضاً بناء على القول باستحالة الترتب، وأمإ؛ح4خخأثر المسألة
القادمة فهو فساد العبادة.
والخلاصة: ان هذه المسألة تمتاز عن المسألة الآتية في ملاك الثبوت وفي جهةالبحث وفي
الأثر والنتيجة.
الملحق الثالث:
المشهور أن ثمرة القولين في المسألة صحة الصلاة في الأرض المغصوبة علىالقول
بالجواز مطلقاً حتى فيما إذا كان عالماً بحرمة ما هو ملازم لها خارجاً وهوالكون
فيها فضلاً عن كونه ناسياً أو جاهلاً بها، فان الصلاة طالما لم تكن متحدةمع الحرام
فمجرد استلزامها ارتكاب الحرام لايوجب البطلان، وبطلانها علىالقول بالامتناع
مطلقاً حتى إذا كان المصلي جاهلاً بالحرمة، على أساس أنالحرام في الواقع لايمكن أن
يكون مصداقاً للواجب هذا.
وخالف في ذلك المحقق النائينيقدس سره فإنه حكم ببطلان الصلاة في مورد
الاجتماعمطلقاً حتى على القول بالجواز شريطة أن يكون المكلف ملتفتاً إلى الحرمة،
وأماإذا كان جاهلاً بها أو ناسياً لها فلايحكم ببطلانها، وقد أفاد في وجه ذلك
وجوهاً:
الأول: ان اشتراط التكليف بالقدرة انما هو باقتضاء نفس الخطاب الشرعيلابحكم العقل،
على أساس أن الغرض من جعل التكليف انما هو إيجاد الداعي فينفس المكلف وانبعاثه به
وتحريكه نحو الاتيان بمتعلقه، ومن الواضح ان هذاالغرض من التكليف بنفسه يقتضي أن
يكون متعلقه خصوص الحصةالمقدورة، لأنه إذا تعلق بها كان داعياً ومحركاً للمكلف
وموجباً لانبعاثه به وإلاّفلايعقل أن يكون داعياً ومحركاً له، وعلى هذا فالصلاة في
الأرض المغصوبة وإنكانت مباينة للكون فيها وجوداً، إلاّ أنها لما كانت ملازمة له
فلايمكن تعلقالوجوب بها أو بما ينطبق عليها، لغرض أن متعلقه خصوص الحصة
المقدورةوهي لاتنطبق على الصلاة فيها، لأنها غير مقدورة شرعاً من جهة
ملازمتهالإيجاد الحرام والممنوع الشرعي كالممتنع العقلي.
الثاني: انه لايمكن تصحيح الصلاة في مورد الاجتماع بالترتب، لأن معنىالترتّب هو أن
يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بعصيان النهي، وعصيانه لايخلو إمّاأن يتحقق بالاشتغال
بفعل مضاد للصلاة كالأكل والشرب وما شاكل ذلك، أويتحقق بفعل نفس الصلاة، وعلى كلا
التقديرين لايمكن الأمر بالصلاة ترتباً، أمّاعلى التقدير الأول فيلزم أن يكون الأمر
بها مشروطاً بوجود ضدها في الخارجوهذا مستحيل، لأنه من طلب الجمع بين الضدّين في
آن واحد نظيران يأمربالحركة مشروطاً بالسكون أو بالعكس، وأما على التقدير الثاني
فيلزم أنيكون الأمر بالصلاة مشروطاً بوجودها وهو مستحيل لأنه من طلب الحاصل.
الثالث: انه لايمكن تصحيح الصلاة في مورد الاجتماع بالملاك وإن أمكن ذلكفي الفرد
المزاحم، على أساس أن المعتبر في صحة العبادة اُمور:
1 - نية القربة والاخلاص وقصد الاسم إذا كان لها اسم خاص مميّز.
2 - محبوبية الفعل وحسنه في نفسه.
3 - الحسن الفاعلي بأن لايكون صدور العبادة من المكلف قبيحاً وإلاّلبطلت، وفي مورد
الاجتماع وإن كان الأمران الأولان متوفرين هما نية القربة بتمامعناصرها والحسن
الفعلي، إلاّ أن الأمر الثالث غير متوفر فيه وهو الحسنالفاعلي، باعتبار أن الصلاة
من المصلي في مورد الاجتماع بما أنها تستلزم الاقتحامفي الحرام، فيكون صدورها منه
قبيحاً وهو مانع عن صحة الصلاة(19) هذا.
وللمناقشة في جميع هذه الوجوه مجال واسع.
أما الوجه الأول: فلما تقدم في مبحث الضدّ من أن اعتبار القدرة في متعلقالتكليف
إنما هو بحكم العقل من باب قبح تكليف العاجز في المرتبة السابقة علىالتكليف، ولولا
حكم العقل بقبح ذلك وادراكه الاستحالة لم يكن التكليف بنفسهمقتضياً لكون متعلقه
مقدوراً، لوضوح أن تكليف العاجز لولم يكن قبيحاً بحكمالعقل في المرتبة السابقة
ولغواً، لم يكن أي مانع من تعلقه بغير المقدور وتوجيههإليه.
وإن شئت قلت، ان ملاك الحكم في عالم المبادي ان كان مشروطاً بالقدرة فهوخاص للقادر
دون الأعمّ منه ومن العاجز، وعليه فالواجب هو حصة خاصةمن الفعل لأنها متعلقة
للارادة والحب ومشتملة على الملاك وهي الحصةالمقدورة، وإن لم يكن مشروطاً بها وكان
مطلقاً، فمعناه أن الفعل متعلق للارادةوالحب ومشتمل على الملاك مطلقاً حتى بالنسبة
إلى العاجز، وعلى هذافالواجب هو الجامع بين الحصة المقدورة وغيرها هذا بحسب مقام
الثبوت، وأمابحسب مقام الاثبات فإن كانت القدرة مأخوذة في لسان الدليل في
مرحلةالجعل، كانت ظاهرة في أنّها شرط للحكم والملاك معاً، وهذا معنى أن
القدرةالمعتبرة شرعية وإن لم تكن مأخوذة في لسان الدليل في هذه المرحلة وكان
الحاكمباعتبارها العقل كانت شرطاً للحكم فحسب دون الملاك لعدم الطريق للعقل
إليهحتى يحكم بأنها معتبرة فيه أيضاً من قبل الشرع هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ان الغرض من جعل الحكم قد يكون مجرد ابراز المباديفي الواقع
وانها ثابتة فيه مطلقاً حتى بالنسبة إلى العاجز، ولكن هذا في الحقيقةاخبار من
المولى عن ثبوت المبادي مطلقاً وحيث إنها حقيقة الحكم وروحهفبطبيعة الحال تكشف عن
ثبوت الأحكام في مواردها لباً تطبيقاً لقاعدة الملازمةبين ثبوتها وثبوت الأحكام على
طبقها، ولكن ذلك قليل جداً في الأحكامالشرعية، وقد يكون بداعي البعث والتحريك
المولوي كما هو الغالب بمعنى أنالغرض من جعل الحكم انما هو إيجاد الداعي في نفس
المكلف، ومن الواضح أنهذا بنفسه لايكون محركاً للمكلف وإنما يكون داعياً ومحركاً
بسبب حكم العقلفي المرتبة السابقة بالادانة والمسؤولية على مخالفة المولى على
أساس استقلالهبلزوم اطاعته، ولولا حكم العقل هذا فلايعقل كون التكليف الصادر منه
محركاًوداعياً، لأن قضية حق الطاعة للمولى الذاتي من القضايا الأولية، ومن
الواضحأن حكم العقل بهذه القضية يكون محركاً للمكلف بتحريك المولى وإلاّ فلا،وحيث
إنه لا إدانة ولا مسؤولية للعاجز فلايعقل جعل الحكم عليه بداعيالبعث، وإن شئت قلت:
ان جعل التكليف من المولى انما يكون بغرض إمكانإيجاد الداعي في نفس المكلف إذا
كان المكلف معتقداً بمولويته ووجوب اطاعتهوحرمة مخالفته في المرتبة السابقة وإلاّ
فلا موضوع لايجاد الداعي المولوي فينفسه، فإذن لا محالة يكون اعتبار القدرة بحكم
العقل من باب قبح تكليفالعاجز على أساس أن الادانة والمسؤولية انما هي على القادر،
فالتكليف بنفسهلايقتضي ذلك بقطع النظر عن حكم العقل بالإدانة والمسؤولية ولزوم
الاطاعة.ثم انه لافرق في ذلك بين أن يكون الانشاء بمعنى إيجاد المعنى باللفظ بأن
يكونالمنشأ بصيغة الأمر وهو الطلب والبعث المولوي أو انه عبارة عن ابراز
الأمرالاعتباري النفساني في الخارج كما اختاره السيد الاُستاذقدس سره(20)، فإن
المنشأ فيعالم الانشاء لايقتضي كون متعلقه مقدوراً سواءً أكان الانشاء بمعنى إيجاد
المعنىباللفظ أم كان بمعنى ابراز الأمر الاعتباري النفساني، وإنما الكلام في
التكليفالحقيقي الذي له روح وملاك وموجه إلى الشخص حقيقة بمعنى أن
فاعليتهومحركيته له فعلية وانه في هذه المرحلة هل يقتضي كون متعلقه خصوص
الحصةالمقدورة أو أن الحاكم باعتبار القدرة العقل على أساس قضية عقلية ضرورية
فيالمرتبة السابقة وهي قبح توجيه التكليف إلى العاجز وإدانته على المخالفة
وتحميلهالمسؤولية، فإن هذه القضايا الأولية هي المنشأ لحكم العقل باعتبار القدرة
فيمتعلق التكليف ولولاها لم يكن التكليف بنفسه يقتضي ذلك، فإن اقتضائه انما هوعلى
أساس أن الغرض منه إيجاد الداعي في نفس المكلف، ومن المعلوم أنهإنمّا يوجد الداعي
في نفسه مولوياً على ضوء حكم العقل بقبح مخالفة المولىووجوب اطاعته ومسؤوليته
أمامه وإلاّ فلايعقل أن يكون داعياً ومحركاً.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف انماهو
باقتضاء نفس التكليف، إلاّ أن من الواضح أنه لايقتضي أكثر من كون متعلقهمقدوراً
لئلاً يكون طلبه طلباً للمحال ولايكون البعث نحوه بعثاً نحو الممتنع،والمفروض أن
الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور ولايكون التكليف بهتكليفاً بالمحال وقد
تقدم تفصيل ذلك.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم أن التكليف يقتضي كون متعلقهخصوص الحصة
المقدورة دون الأعم، فمع ذلك لايتم ما أفادهقدس سره من عدم انطباقالطبيعة المأمور
بها على الفرد في مورد الاجتماع لأنه لا مانع من انطباقهاعليه، لفرض أنه لايكون
متحداً مع الحرام فيه ومعه لا مانع مع انطباق الطبيعيالمأمور به عليه، مثلاً
الصلاة في الأرض المغصوبة حيث إنها لاتتحد مع الحرامفيها، فلا مانع من انطباق
الصلاة المأمور بها عليها، لأن المانع من الانطباق انمإ؛خ9خخهو حرمة الفرد
والمفروض أنه ليس بحرام، ومجرّد ملازمته للحرام وجوداً لايمنعمن الأنطباق، فإذن
لايكون الانطباق ممنوعاً شرعاً لكي يقال أن الممنوعالشرعي كالممتنع العقلي.
وأما الوجه الثاني: فلا مانع من الالتزام بالترتب في مورد الاجتماع علىأساس أن
الكون في الأرض المغصوبة محرم وهو ملازم لوجود الصلاة فيها لا أنهمتحد معها، وعليه
فلا مانع من أن يكون الأمر بالصلاة مشروطاً بالكون فيهاولايلزم منه أي محذور، فما
ذكرهقدس سره من أن الكون فيها اما أن يتحقق في ضمنفعل مضاد للصلاة كالنوم أو
الأكل أو غير ذلك أو يتحقق في ضمن الصلاة، فعلىالأول يلزم أن يكون الأمر بالصلاة
مشروطاً بوجود ضدّها، وعلى الثاني يلزمطلب الحاصل وكلاهما مستحيل لايرجع إلى معنى
محصل، اما أولاً فبالنقض،لأن هذا المحذور الذي ذكرهقدس سره موجود في تمام موارد
الترتب، مثلاً إذا دخلالمكلف في المسجد للصلاة ورأى فيه نجاسة كان الأمر بالصلاة
مشروطاً بتركالازالة، وهو اما أن يتحقق في ضمن فعل مضاد للصلاة أو في ضمن فعل
الصلاةوكلاهما لايمكن.
أما الأول: فلأنه يلزم أن يكون الأمر بأحد الضدين مشروطاً بوجود الضدالآخر وهو
محال.
وأما الثاني: فلأن الأمر بالصلاة مشروطاً بوجودها من طلب الحاصل،وعليه فلازم ما
أفادهقدس سره هنا انكار الترتب نهائياً مع أنهقدس سره من القائلين به بل
منالمؤسسين له، وثانياً بالحل وهو أن الشرط في المقام الكون في الأرض المغصوبةلا
ماهو ملازم له وجوداً في الخارج المباين له حقيقة كالجلوس أو القيام أو النومأو ما
شاكل ذلك، فإن كل ذلك فعل مضاد للصلاة في مورد الاجتماع ولا يجتمعمعها ولكنه ليس
مصداقاً للكون فيها وفرداً له بل هو مباين له وجوداً وماهيةًوملازم له في مورد
الاجتماع وجوداً، لأن الكون من مقولة الأين والجلوسوالقيام والنوم من مقولة الوضع،
فالشرط وهو الكون فيها يكون من مقولة،الأين فما ذكرهقدس سره مبني على الخلط بين
كون فعل آخر الذي هو مضاد للصلاة فيمورد الاجتماع مصداقاً للكون فيه وكونه ملازماً
له وجوداً وتخيل انه مصداق لهوفرده وبه يتحقق الكون مع أن الأمر ليس كذلك، ومن هنا
يظهر أن الصلاة فيالأرض المغصوبة مباينة للكون فيها وجوداً وماهيةً وملازمة له
وجوداً،والمفروض أن الحرام انما هو الكون لا ماهو لازمه من الأفعال الخاصة،
فإنّهليس بحرام والشرط في المقام انما هو الاقتحام في الحرام وارتكابه وعصيانه
لاارتكاب ماليس بحرام، وكذلك الحال في سائر الموارد فإن الشرط انما هو تركالازالة
في المثال المتقدّم لا ما هو لازمه من الأفعال الخاصة، فإنه ليس مصداقاًلترك الواجب
بل هو لازمه.
أما الوجه الثالث: فلان المعتبر في صحة العبادة أمران:
الأول: النية بتمام عناصرها الثلاثة من قصد القربة والخلوص وقصد الاسمالمميز لها.
الثاني: محبوبية الفعل وحسنه في نفسه، وأما الحسن الفاعلي زائداً علىاعتبارهما فلا
دليل عليه بل لايرجع إلى معنى محصل، لأن الفعل إذا كان محبوباً فينفسه كان صدوره
من فاعله حسناً لامحالة، وإن كان مبغوضاً كان صدوره منهقبيحاً، فالحسن الفاعلي
لاينفك عن الحسن الفعلي فلا مبرر لاعتباره مع اعتبارالحسن الفعلي، وأما في مورد
الاجتماع فكما أن الحسن الفعلي موجود فكذلكالحسن الفاعلي بالنسبة إلى الواجب،
باعتبار أن وجود الواجب فيه غير وجودالحرام، والمفروض عدم سراية المبغوضية منه
إليه، وعليه فكما أن الواجب فينفسه محبوب وحسن فكذلك صدوره منه بما هو واجب حسن،
فالقبيح انما هوصدور الحرام منه الملازم لوجود الواجب فيه، والنكتة في ذلك أن تعدد
الوجوديستلزم تعدد الإيجاد باعتبار أن الوجود عين الإيجاد فلا فرق بينهما إلاّ
بالاعتباروالإضافة، فإذا كان الوجود متعدداً فلا محالة يكون الإيجاد أيضاً كذلك،
وحيثإن المأمور به مغاير للمنهي عنه وجوداً فبطبيعة الحال يكون مغايراً له
إيجاداً،وعليه فيكون إيجاد المأمور به بما هو محبوباً للمولى وليس فيه أي قبح
والقبيح انماهو إيجاد المنهي عنه فحسب والمفروض أن قبحه لايسري إليه، فإذن لا مانع
منانطباق المأمور به عليه والتقرب به اما من جهة اشتماله على الملاك أو من
جهةالأمر الترتّبي.
وإن شئت قلت: ان ما ذكرهقدس سره من اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادةإضافة إلى
الحسن الفعلي لايرجع إلى معنى معقول، ضرورة أن الحسن الفعلي إذاكان ثابتاً فالحسن
الفاعلي أيضاً ثابت لأنه لاينفك عنه، فإذن لايعقل أن يكونالحسن الفاعلي شرطاً آخر
في صحة العبادة في قبال الحسن الفعلي، لوضوح أنهلايتصور أن يكون الفعل حسناً في
نفسه ومع هذا يكون صدوره من الفاعلقبيحاً تحصل مما ذكرناه أن ما ذهب إليه المحقق
النائينيقدس سره من بطلان العبادة فيمورد الاجتماع مطلقاً حتى على القول بالجواز
غير تام لعدم تمامية شيء منالوجوه التي استدل بها على البطلان، هذا كله فيما إذا
كان المصلي في الأرضالمغصوبة عالماً بالحرمة، وأما إذاكان جاهلاًبالحرمة فهلتصح
صلاته فيها أو لا؟
فذهب المحقق النائينيقدس سره إلى الوجه الأول وهو صحة صلاته في موردالاجتماع
بدعوى، أن المانع منها عدم تمكن المكلف من الاتيان بها عقلاً وشرعاًكما إذا كان
عالماً بالحرمة، فإنه حينئذٍ لايتمكن من الاتيان بها شرعاً والممنوعالشرعي
كالممتنع العقلي، وأما إذا كان جاهلاً بالحرمة فلا مانع من فعلية الأمربالصلاة
لتمكنه منها عقلاً وشرعاً ومعه لامحالة يكون الاتيان بها صحيحاً وكذلكالحال في فرض
النسيان بل الحكم بالصحة في هذا الفرض أوضح حيث إنه رافعللحرمة واقعاً، وعلى
الجملة فلاتنافي بين الوجوب والحرمة في مورد الاجتماععلى القول بالجواز وتعدد
المجمع وجوداً وماهيةً في مرحلة الجعل، وانما التنافيبينهما في مرحلة الفعلية
والامتثال، فإن للمكلف قدرة واحدة فإن صرفها فيامتثال أحدهما عجز عن امتثال الآخر
والمقام كذلك، فإنه لايتمكن من امتثالالوجوب والحرمة معاً في مورد الاجتماع، وفي
مثل ذلك إذا فرض جهل المكلفبالحرمة، فلا مانع من فعلية الوجوب بفعلية موضوعه وهو
القدرة هذا.
ومن هنا يظهر أن الصلاة في الأرض المغصوبة على القول بالجواز وتعددالمجمع في مورد
الاجتماع وجوداً وماهيةً محكومة بالصحة بالأمر الترتبي وإن كانعالماً بالحرمة
طالما لايكون الحرام متحداً مع الواجب اما من جهة الأمر الترتبيأو من جهة تطبيق
قواعد باب التزاحم في المسألة وترجيح جانب الوجوب علىجانب الحرمة(21).
فالنتيجة، ان صحة العبادة كالصلاة مثلاً على القول بالجواز وتعدد المجمع فيمورد
الاجتماع واضحة حتى في صورة العلم بالحرمة فضلاً عن الجهل بها.
وأما على القول بالامتناع ووحدة المجمع وجوداً وماهيةً فتقع المعارضة بيناطلاق
دليلي الأمر والنهي حيث لايمكن جعل كلا الاطلاقين معاً في موردالاجتماع على أساس
التنافي والتضاد بينهما في عالم المبادي، إذ يستحيل أن يكونشيء واحد وجوداً
متعلقاً للمصلحة والمفسدة معاً ومحبوباً ومبغوضاً في آنواحد ومتعلقاً للارادة
والكراهة كذلك، وحينئذٍ فلا محالة تقع المعارضة بيناطلاق دليل كل منهما في مورد
الاجتماع والالتقاء ولابد عندئذٍ من الرجوع إلىمرجحات باب المعارضة فإن كان فهو
وإلاّ فالمرجع الأصل في المسألة من أصللفظي أو عملي حسب اختلاف الموارد، وأما في
المقام فالتعارض بين اطلاق دليلوجوب الصلاة وبين اطلاق دليل النهي عن الغصب وبعد
سقوط اطلاق كل منهمامن جهة المعارضة في مورد الاجتماع، فيكون المرجع العام الفوتي
وهو أن الصلاةلاتدع بحال وسوف يأتي تفصيله.
ثم إن للمحقق الخراسانيقدس سره في المسألة كلاماً في ضمن المقدمة العاشرة
وإليكنصه: »إنه لا اشكال في سقوط الأمر وحصول الامتثال بإتيان المجمع بداعيالأمر
على الجواز مطلقاً ولو في العبادات وإن كان معصية للنهي أيضاً، وكذاالحال على
الامتناع مع ترجيح جانب الأمر إلاّ أنه لامعصية عليه، واما عليهوترجيح جانب النهي
فيسقط به الأمر مطلقاً في غير العبادات لحصول الغرضالموجب له واما فيها فلا مع
الالتفات إلى الحرمة أو بدونه تقصيراً، فإنه وإن كانمتمكناً مع عدم الالتفات من
قصد القربة وقد قصدها إلاّ أنه مع التقصير لاتصلحأن يتقرب به أصلاً فلا يقع مقرباً
وبدونه لايكاد يحصل به الغرض الموجب للأمربه عبادة كما لايخفى، واما إذا لم يلتفت
إليها قصوراً وقد قصد القربة بإتيانه فالأمريسقط لقصد التقرّب بما يصلح أن يتقرب به
لاشتماله على المصلحة مع صدورهحسناً لأجل الجهل بحرمته قصوراً فيحصل به الغرض من
الأمر فيسقط قطعاًوإن لم يكن امتثالاً له بناءً على تبعية الأحكام لما هو الأقوى
من جهات المصالحوالمفاسد واقعاً لما هو المؤثر منها فعلاً للحسن أو القبح لكونهما
تابعين لما علممنهما كما حقق في محله. مع أنه يمكن أن يقال بحصول الامتثال مع ذلك،
فإنالعقل لايرى تفاوتاً بينه وبين سائر الأفراد في الوفاء بغرض الطبيعة المأمور
بهاوإن لم تعمّه بما هي مأمور بها لكنه لوجود المانع لا لعدم المقتضي.
ومن هنا انقدح انه يجزي ولو قيل باعتبار قصد الامتثال في صحة العبادةوعدم كفاية
الاتيان بمجرد المحبوبية كما يكون كذلك في ضدّ الواجب حيثلايكون هناك أمر يقصد
أصلاً. وبالجملة مع الجهل قصوراً بالحرمة موضوعاً أوحكماً يكون الاتيان بالمجمع
امتثالاً وبداعي الأمر بالطبيعة لا محالة، غاية الأمرأنه لايكون مما يسعه بما هي
مأمور بها لو قيل بتزاحم الجهات في مقام تأثيرهاللأحكام الواقعية، وأما لو قيل بعدم
التزاحم إلاّ في مقام فعلية الأحكام لكان ممايسعه وامتثالاً لأمرها بلا كلام.
وقد انقدح بذلك الفرق بين ما إذا كان دليل الحرمة والوجوب متعارضينوقدم دليل
الحرمة تخييراً أو ترجيحاً حيث لايكون معه مجال للصحة أصلاً،وبين ما إذا كانا من
باب الاجتماع. وقيل بالامتناع وتقديم جانب الحرمة حيثيقع صحيحاً في غير مورد من
موارد الجهل والنسيان لموافقته للغرض بل للأمر،ومن هنا علم أن الثواب عليه من قبيل
الثواب على الطاعة لا الانقياد ومجرداعتقاد الموافقة. وقد ظهر بما ذكرناه وجه حكم
الأصحاب بصحة الصلاة في الدارالمغصوبة مع النسيان أو الجهل بالموضوع بل الحكم إذا
كان عن قصور مع أنالجل لولا الكل قائلون بالامتناع وتقديم الحرمة ويحكمون بالبطلان
في غيرموارد العذر فلتكن من ذلك على ذكر(22).
تتضمن هذه المقدمة عدة نقاط:
الاُولى: أنه لاشبهة في تحقق الامتثال وحصول الغرض بإتيان المجمع في موردالاجتماع
بداعي الأمر المتعلق بالطبيعة على القول بالجواز مطلقاً في العباداتوالتوصليات،
اما في التوصليات فهو واضح، وأما في العبادات كالصلاة في الدارالمغصوبة فالأمر فيها
أيضاً كذلك، لأن الصلاة المأمور بها تنطبق على الفرد المأتيبه في مورد الاجتماع
وهو المجمع، غاية الأمر أن إتيانه يستلزم التصرف في مالالغير وهو محرم، ولكن حيث
إنه لايكون متحداً معه على الفرض فلايكونارتكابه موجباً للفساد فيكون كالنظر إلى
الأجنبية بشهوة حال الصلاة.
الثانية: ان مسألة الاجتماع على القول بالامتناع ووحدة المجمع في موردالاجتماع
وجوداً وماهيةً لاتدخل في كبرى مسألة التعارض للفرق بين المسألتينوهو ان هذه
المسألة منوطه بكون المجمع رغم كونه واحداً وجوداً وماهيةًمشتملاً على ملاك كلا
الحكمين معاً، بينما تلك المسألة منوطة بكون موردالمعارضة مشتملاً على ملاك أحد
الحكمين المتعارضين.
الثالثة: إن الاتيان بالمجمع على القول بالامتناع ووحدته وجوداً كالصلاة فيالدار
المغصوبة، فبناء على تقديم جانب الوجوب على جانب الحرمة صحيحومصداق للمأمور به
بدون أن تكون هناك معصية، وأما بناء على تقديم جانبالحرمة على جانب الوجوب، فقد
حكمقدس سره بصحة الاتيان بالمجمع إذا كان المكلفجاهلاً بحرمته وكان جهله عن قصور.
الرابعة: اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادة إضافة إلى الحسن الفعليوقصد القربة
والاخلاص.
الخامسة: عدم انطباق الطبيعة المأمور بها بوصف كونها مأموراً بها علىالفرد في مورد
الاجتماع وانطباقها على سائر الأفراد كذلك مع أنه لافرق بينهوبينها في الوفاء
بالملاك والغرض.
السادسة: ما احتملهقدس سره من أن المؤثر في الأحكام الشرعية إذا كان
الجهاتالواصلة دون الأعمّ منها ومن الواقعيّة لكانت الطبيعة المأمور بها مما تسعه
موردالاجتماع، والاتيان به عندئذٍ كان امتثالاً لأمرها.
ولنأخذ بالنقد على هذه النقاط:
أما النقطة الاُولى، فليس بإمكانهقدس سره الحكم بصحّة الصلاة في الأرضالمغصوبة
على القول بالجواز مطلقاً في فرض علم المكلف بالحرمة وذلك لأنالمسألة على هذاتدخل
في كبرى مسألة التزاحم باعتبار وقوع المزاحمة عندئذٍبين وجوب الصلاة وحرمة الغصب،
وحينئذٍ فإن كان وجوب الصلاة أهم منحرمة الغصب، فلا اشكال في صحتها من جهة سقوط
دليل الحرمة في موردالاجتماع رأساً على القول باستحالة الترتب كما هو مختارهقدس
سره وسقوطه اطلاقاًعلى القول بإمكانه، واما إن كان مساوياً للحرمة أو الحرمة أهم
منه فليسبإمكانه الحكم بالصحة على ما يراهقدس سره من استحالة الترتب، اما في
فرضالتساوي فيسقط كلا الاطلاقين معاً هما اطلاق دليل وجوب الصلاة واطلاقدليل
الحرمة من جهة المعارضة وبعد السقوط يكون المرجع الأصل العملي فيالمسألة ومقتضاه
عدم المشروعيّة إلاّ ما ثبت بالدليل كما في باب الصلاة، فإنه بعدسقوط كلا الاطلاقين
في مورد الاجتماع يرجع إلى عموم ما دل على أن الصلاةلاتسقط بحال، وأما في فرض كون
الحرمة أهم من الوجوب فلايمكن تصحيحالواجب في مورد الاجتماع إلا بأحد أمرين:
الأول: بالترتب.
الثاني: بإحراز وجود الملاك فيه وكلا الأمرين لايمكن، اما الأول فلأنهقدس سره
قدبنى على استحالته فإذن ليس بإمكانه الحكم بصحة العبادة بالترتب، وأما
الثانيفلاطريق إليه فما ذكرهقدس سره من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع على
القولبالجواز مطلقاً غير تام، هذا فيما إذا لم تكن هناك مندوحة في البين، وأما إذا
كانتفلا مانع من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع بداعي أمرها، إذ
حينئذٍلامزاحمة بين الواجب والحرام لتمكن المكلف من امتثال كليهما معاً والمزاحم
لهانما هو فرد الواجب ولا مانع من الاتيان بهذا الفرد بداعي الأمر المتعلق
بالواجبولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام.
وأما النقطة الثانية، فقد تقدم إن مسألة الاجتماع على القول بالجواز وتعددالمجمع
وجوداً وماهيةً تدخل في كبرى مسألة التزاحم وحينئذٍ فلابد من الرجوعإلى قواعد باب
المزاحمة، وعلى القول بالامتناع ووحدة المجمع في مورد الاجتماعكذلك تدخل في كبرى
مسألة التعارض فتقع المعارضة بين اطلاق دليليالوجوب والحرمة فيه، لأن جعل كليهما
لشيء واحد غير معقول على أساساستحالة اجتماعهما في شيء واحد في عالم المبادي
والاقتضاء، أما في عالم المباديفلاستحالة أن يكون شيء واحد محبوباً ومبغوضاً معاً
للمولى ومتعلقاً للارادةوالكراهة كذلك ومشتملاً على مصلحة ومفسدة ملزمتين، وأما في
عالم الاقتضاءفلأن الوجوب يقتضي الاتيان بمتعلقه في الخارج ويدعو المكلف إليه،
والحرمةتقتضي الاجتناب منه وتدعو المكلف إلى الابتعاد عنه، فلايعقل الجمع بينهما
فيشيء واحد، فلهذا تقع المعارضة بين دليليهما اما بالذات أو بالاطلاق كما
فيالمقام، لأن المعارضة بينهما فيه انما هي بالاطلاق، فإن مقتضى اطلاق دليلالوجوب
ثبوته حتى في مورد الاجتماع وكذلك مقتضى اطلاق دليل الحرمة، هذامنناحية.
ومن ناحية اُخرى، قد ذكرنا في محله أن روايات الترجيح لاتختصّ بما إذا كانالتعارض
بين الدليلين في المدلول الوضعي فحسب، فإنها كما تشمل ذلك تشملما إذا كان التعارض
بينهما في المدلول الاطلاقي الثابت بمقدمات الحكمة خلافاًللسيد الاُستاذقدس سره،
حيث إنه قد خصّها بالأول وتمام الكلام من هذه الناحية يأتيفي محله، وعلى ضوء ما
قويناه من العموم فإن كان لأحدهما مرجح دون الآخرنأخذ به ونطرح الآخر ويكون كاشفاً
عن ثبوت الملاك فيه، وإن لم يكن مرجحفي البين سقط كلا الاطلاقين معاً وحينئذٍ
فلاطريق لنا إلى ثبوت الملاك لأحدهمافي مورد المعارضة، إذ كما يحتمل أن يكون
سقوطهما معاً من جهة وجود المانع معثبوت المقتضي لأحدهما فيه يحتمل أن يكون
سقوطهما كذلك من جهة عدمثبوت المقتضي فيه أصلاً في هذه الحالة، فما ذكرهقدس سره
من أن مسألة التعارضمنوطة بوجود الملاك لأحد الحكمين المتعارضين في مورد المعارضة
لا أساس له.
وأما النقطة الثالثة، وهي صحة العبادة في مورد الاجتماع على القولبالامتناع ووحدة
المجمع، فبناء على تقديم جانب الوجوب على جانب الحرمةفلا اشكال في صحة العبادة فيه
بلا فرق في ذلك بين العالم والجاهل، لأن المجمععلى هذا يكون مصداقاً للمأمور به
فحسب ولايكون بمنهى عنه في شيء، وانماالاشكال والكلام في عكس ذلك وهو تقديم جانب
الحرمة على جانبالوجوب، وهل يمكن في هذا الفرض الحكم بصحة فيما إذا كان المكلف
جاهلاًبالحرمة فيه وجهان:
فذهب المحقق الخراسانيقدس سره إلى الوجه الأول شريطة أن يكون جهله بها عنقصور لا
عن تقصير(23) وغير خفي أن ما أفادهقدس سره في هذه النقطة لايمكن المساعدةعليه،
وذلك لأن صحة العبادة ترتكز على ركيزتين:
الاُولى: كون الفعل محبوباً في نفسه للمولى.
الثانية: النيّة بتمام عناصرها الثلاثة، نية القربة، نية الخلوص، نية الأسم،
فإذاتوفّرت هاتان الركيزتان صحت العبادة ومع انتفائهما معاً أو احداهما بطلت،وعلى
ضوء هذا الأساس فعلى القول بالامتناع في المسألة ووحدة المجمع في موردالاجتماع
وجوداً وماهيةً تقع المعارضة بين اطلاق دليل الوجوب واطلاق دليلالحرمة في مورد
الاجتماع، وحينئذٍ فإذا فرض تقديم اطلاق دليل الحرمة علىاطلاق دليل الوجوب فيه،
فمعناه أن المجمع محرم ومبغوض ومتعلق للكراهةفحسب وخارج عن اطلاق دليل الوجوب وليست
فيه شائبة المحبوبيةلاستحالة اجتماعهما مع المبغوضيّة التامّة في شيء واحد، وعلى
هذا فكيف يعقلالحكم بصحة العبادة كالصلاة مثلاً بالاتيان بالمجمع لاستحالة
انطباقها عليه،بداهة أن المبغوض لايمكن أن يكون مصداقاً للمحبوب والحرام
مصداقاًللواجب، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المكلف عالماً بحرمة المجمع أو جاهلاً
بهاكان جهله عن تقصير أو قصور، ضرورة أن الجهل بها لايكون رافعاً لها لأنهمحرم
ومبغوض في الواقع سواءً أكان المكلف عالماً أم جاهلاً بها، وعليه فماأفادهقدس سره
من الحكم بصحة العبادة في هذا الفرض غريب جداً، وتقييدهقدس سره الحكمبصحة العبادة
في المسألة للجاهل يكون جهله عن قصور يدل على أنّه اعتبر فيصحة العبادة أموراً:
الأول: أن يكون الفعل حسناً في نفسه.
الثاني: قصد القربة.
الثالث: أن يكون صدوره من الفاعل حسناً.
ولهذا اعتبر أن يكون جهله بالحرمة عن قصور إذ لو كان عن تقصير لم يكنصدوره من
الفاعل حسناً كما إذا كان عالماً بها، وهذا يدل على أن الشرطينالأولين مفروغ عنه
عندهقدس سره وإنما كان كلامه منصباً على الشرط الأخير وانّهمتوفر إذا كان جهله
بالحرمة في المسألة عن قصور، ولكن كيف يعقل توفرالشرطين الأولين، بداهة أنه لايعقل
أن يكون الفعل الواحد وجوداً وماهيةًمحبوباً ومبغوضاً معاً.
فالنتيجة، إن ما أفادهقدس سره من الحكم بصحة العبادة في مورد الاجتماع علىالقول
بالامتناع وتقديم جانب الحرمة على جانب الوجوب للجاهل بها إذا كانعن قصور لايرجع
الى معنى معقول، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم امكانكون المجمع رغم كونه واحداً
مشتملاً على ملاكي كلا الحكمين معاً فمع هذا لايمكنالحكم بصحة العبادة بالاتيان
بالمجمع في مورد الاجتماع، وذلك لأن المصلحةالمزاحمة بالمفسدة فيه لاتصلح أن تكون
مقربة على أساس أنها مغلوبة للمفسدةبقرينة تقديم الحرمة على الوجوب بل لاتصلح إذا
كانت مساوية لها فضلاً عنكونها مغلوبة، فإذا كانت العبادة مشتملة على المصلحة
والمفسدة المتساويتين لمتكن محبوبة ولا مبغوضة، ومع هذا لايمكن الحكم بصحتها لعدم
صلاحيتهاللتقرّب بها.
والخلاصة: إن المصلحة المساوية للمفسدة لاتصلح أن تكون منشأً للقربة فماظنك
بالمصلحة المغلوبة بها كما هو مقتضى تقديم جانب الحرمة على جانبالوجوب، ومن الواضح
انه لا فرق في ذلك بين العالم بالحرمة والجاهل بها كانجهله عن تقصير أو قصور، لأن
الجهل بالحرمة لايكون رافعاً لها ولايجعلالمبغوض محبوباً هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ان ما ذكرهقدس سره من أن الواجب إذا كان توصلياً يحصلالغرض منه
بمطلق وجوده ولو في ضمن فرد محرم لايمكن تصديقه مطلقاً، فإنالواجب التوصّلي قد
لايترتب الغرض على مطلق وجوده بل على وجودهالخاص وهو ما إذا لم يكن في ضمن فرد
محرم أو صادراً من مجنون أو صبيوهكذا على تفصيل ذكرناه في بحث الواجب التعبدي
والتوصلي.
وأما النقطة الرابعة: وهي اعتبار الحسن الفاعلي في صحة العبادة، فقد تقدمأنه
لادليل على اعتباره زائداً على الحسن الفعلي بل ذكرنا أنه ليس شرطاً آخرفي مقابل
الحسن الفعلي فإن اعتباره يغني عن اعتبار الحسن الفاعلي لأنه يلازمهولايمكن
انفكاكه عنه.
وأما النقطة الخامسة: وهي ما ذكرهقدس سره من أن الطبيعة المأمور بها بوصفكونها
مأموراً بها لاتنطبق على الفرد في مورد الاجتماع وتنطبق على سائر الأفرادمع أنه لا
فرق بينه وبينها في الوفاء بالفرض، فهي مبنية على نقطة خاطئة وهيأن الأمر المتعلق
بالطبيعي الجامع يسري منه إلى أحد أفراده على البدل، وحيثإنه لايمكن أن يكون الفرد
في مورد الاجتماع متعلقاً للأمر لا تعييناً ولا تخييراًفلهذا لاتنطبق عليه الطبيعة
المأمور بها بوصف كونها مأموراً بها مع أنه كسائرالأفراد في اشتماله على الملاك
والوفاء بالغرض نظير ما ذكر بالنسبة إلى الفردالمزاحم للواجب الأهمّ من أن المأمور
به بوصف كونه مأموراً به لاينطبق عليهمع أنه كسائر أفراده في الوفاء بالغرض هذا.
ويمكن أن ما ذكرهقدس سره في هذه النقطة مبني على ما أفاده المحقق النائينيقدس
سره(24)من ان اعتبار القدرة في متعلق التكليف انما هو باقتضاء نفس التكليف وهويقتضي
كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة، وحيث إن الفرد في مورد الاجتماعغير مقدور شرعاً
من جهة حرمته فلايكون فرداً للواجب، وأما وجه خطأ هذهالنقطة فلأن الأمر المتعلق
بالطبيعي الجامع لايسري منه إلى أفراده لاتعييناً ولاتخييراً بنكتة أن المطلوب منه
صرف وجود الطبيعي دون الوجودات الخاصةعلى البدل، وعليه فتعلق الأمر بالفرد على
البدل بحاجة إلى قرينة، ومن هنا قلناأنه لا مانع من تعلق الأمر بالجامع بين المقدور
وغير المقدور، وعلى هذا فلا مانعمن انطباق المأمور به بوصف كونه مأموراً به على
الفرد في مورد الاجتماع إذافرض كونه مشتملاً على الملاك ووافياً بالغرض كسائر
أفراده، وكذلك لا مانعمن انطباقه كذلك على الفرد المزاحم باعتبار ان هذا الوصف وصف
للمأمور بهوهو الطبيعي الجامع ولايسري منه إلى أفراده رغم انه منطبق عليه، هذا
نظيرالنوع فإنه وصف لطبيعي الانسان ولايسري منه إلى أفراده مع أنه منطبق عليهافي
الخارج وعينها فيه، وأما احتمال ان ما ذكرهقدس سره مبني على مسلك
المحققالنائينيقدس سره فهو غير محتمل.
أولاً: انه خلاف مسلكهقدس سره.
وثانياً: ان المبني غير صحيح كما تقدم.
وثالثاً: على تقدير تسليم المبنى فمن الواضح ان التكليف لايقتضي أكثر منكون متعلقه
مقدوراً والمفروض أن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور.
وأما النقطة السادسة: وهي ما احتملهقدس سره من انه يمكن أن يكون المؤثر فيالأحكام
الواقعية الفعلية الملاكات الواصلة المعلومة دون الملاكات الواقعيةبوجوداتها في
الواقع فهي غير محتملة جزماً، لأنه إن اُريد بذلك أن الملاكاتالواصلة هي المؤثرة
في جعل الأحكام الشرعية وأنها غير مجعولة في الواقع قبلوصولها، فيرد عليه أن ذلك
يستلزم التصويب، لأن معناه ان الأحكام الشرعيةتابعة لعلم المكلف بالملاكات، لفرض
أنه لاأثر للملاكات الواقعية والمؤثر انما هوالملاكاتالواصلة فوصولها بمثابة
الجزءالأخير منالعلة التامة، فيرد عليه أنلازم ذلك بطلان الشرع ولغوية إرسال
الرسل وإنزال الكتب باعتبار أنالأحكام الشرعية تابعة للعلم بالملاكات الواقعية وهو
تمام المؤثر فيها هذا منناحية.
ومن ناحية اُخرى، أن لازم ذلك عدم الوصول إلى الأحكام الشرعية منجهة عدم الوصول
إلى ملاكاتها وسد الطريق إليها، هذا إضافة إلى لزوم الدورلأن العلم بالملاكات يتوقف
على العلم بالأحكام الشرعية، حيث إنه لاطريقإليها إلاّ من طريق العلم بها، فلوكان
العلم بها متوقفاً على العلم بالملاكات لدار.
فالنتيجة، ان هذا الاحتمال غير محتمل بل هو خلاف الضرورة، وإن اُريدبذلك ان
الملاكات الواصلة مؤثرة في فعلية الأحكام الشرعية المجعولة في الواقعبمعنى أن
الشارع جعل الأحكام الشرعية على أساس ملاكاتها الواقعي