www.alfayadh.com

 

أدخل العبارة التي ترديها بدقة



بسم الله الرحمن الرحيم
 


المباحث الاُصولية / ج 6

إقتضاء النّهي للفساد
فيه مسألتان:
الاُولى‏: إنّ النّهي المتعلّق بالعبادات هل يقتضي فسادها؟
الثانية: إنّ النهي المتعلق بالمعاملات هل يقتضي فسادها؟
أما الكلام في المسألة الاُولى‏ فيقع من جهات:
الجهة الاُولى‏: إن اقتضاء النّهي المولوي المتعلّق بالعبادات فسادها، يرتكزعلى أحد ركائز ثلاث:
الركيزة الاُولى‏: إن النّهي عن حصة خاصة من العبادة مانع عن انطباقها عليهافي الخارج، وتوجب تقييدها بغيرها على أساس أن الحرام لايمكن أن يكون‏مصداقاً للواجب، والمحبوب للمبغوض والمراد للمكروه، وعلى هذا فإذا أتى‏المكلف بالفرد المحرم لم ينطبق الواجب عليه، ومع عدم الإنطباق حكم بالفساد،فإن الصحة منتزعة من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج.
الركيزة الثانية: إن الحصة المنهيّ عنه من العبادة مبغوضة للمولى‏ فلايمكن‏التقرّب بها لاستحالة التقرّب بالمبغوض والمكروه، فلهذا تقع الحصة فاسدةلكونها فاقدة لما هو المقوّم للعبادة وهو قصد القربة.
الركيزة الثالثة: استقلال العقل بقبح الإتيان بالحصّة المحرّمة فعلياً وفاعلياًباعتبار أن الاتيان بها إثمٌ ومعصيةٌ ويوجب استحقاق الإدانة والعقوبة هذا.
ثم إن النتائج التي تنجم من هذه الركائز الثلاث تختلف باختلاف صيغها، بيان‏ذلك: أما النتيجة التي تنجم من الركيزة الاُولى‏ فهي لاتختص بالواجبات العباديةبل تشمل الواجبات التوصلّية أيضاً لأن الحرمة إذا تعلّقت بحصة خاصة من‏الواجب كانت مانعة عن إطلاقه وتوجب تقييده بغيرها في مرحلة الصدق‏والإنطباق، على أساس أن الحرام لايمكن أن يكون مصداقاً للواجب والمبغوض‏للمحبوب لاستحالة إجتماع المفسدة والمصلحة والإرادة والكراهة والحبّ والبغض‏في شي واحد، ولافرق في ذلك بين الواجب التعبّدي والواجب التوصلّي، فكما إن‏الأوّل لاينطبق على الحرام فكذلك الثاني، هذا من جهة.
ومن جهة اُخرى‏ أنّ النّهي المولوي التحريمي المتعلّق بالحصة لايدل على إن‏الحصة مانعة عن الصلاة وعدمها قيد لها في مرحلة الجعل، بمعنى أن الواجب هوحصة خاصة منها وهي المقيّدة بعدم هذه الحصة، بل يدل على حرمتها ومبغوضيتها واشتمالها على المفسدة بدون أن يدلّ على تقييد الواجب بعدمها في‏مرحلة الجعل والاعتبار، ولهذا يكون المانع عن انطباق الواجب عليها في مرحلةالامتثال، والتطبيق نفس الحرمة والمبغوضية دون الحصّة، وهذا بخلاف النّهي‏الغيري في أبواب العبادات والمعاملات كالنّهي عن الصلاة فيما لايؤكل لحمه، فإنه‏ظاهر في الإرشاد إلى مانعيّة لبس مالايؤكل في الصلاة، وتقييدها بعدمه في مرحلةالجعل والاعتبار، بمعنى ان الصلاة الواجبة في الشريعة المقدسة إنما هي حصةخاصة منها، وهي المقيّدة بعدم لبس مالايؤكل، وهذا التقييد ثابت مطلقاً حتى في‏حال عجز المكلف عنه إذا كان دليله مطلقاً، غاية الأمر إن وجوب المقيد به يسقطلدى العجز عنه، ولايعقل بقائه وإلاّ لزم التكليف بغير المقدور، وأمّا وجوب‏الفاقد له فهو بحاجة إلى دليل، وقد دلّ الدليل عليه في باب الصلاة.
ومن هنا يظهر الفرق بين مانعية مالايؤكل ونحوه، ومانعية الحرمة، فإن معنى‏مانعية الأول أن عدمه قيد للواجب من حين الجعل، وأن الواجب من هذا الحين‏هو حصة خاصة منه وهي المقيّدة بهذا القيد، وهذا بخلاف مانعية الحرمة، فإنهابمعنى منع الحرمة بنفسها عن انطباق الواجب على متعلّقها، وهو الحصة بدون‏الدلالة على تقييده بغيرها في مرحلة الجعل، ولهذا لاتعقل مانعية الحرمة مطلقاًحتى في حال العجز عنها، بل هي تدور مدارها وجوداً وعدماً، بينما مانعية لبس‏مالايؤكل ثابتة مطلقاً حتى في فرض عدم التمكن من تركه في الصلاة إذا كان‏دليلها مطلقاً. فالنتيجة، إن الفرق بين القسمين من المانع متمثّل في ثلاث نقاط:
الاُولى: إن المانع في النهي الإرشادي هو المنهيّ عنه بينما يكون المانع في النهي‏المولوي نفس النهي دون المنهيّ عنه.
الثانية: إن معنى المانع في الأول، هو تقييد الواجب بعدمه جعلاً وتشريعاً، بينمايكون معناه في الثاني المنع عن انطباق الواجب على الحصة المحرّمة بدون الدلالةعلى التقييد بعدمها.
الثالثة: إنّه لامحذور في ثبوت مانعية الأول مطلقاً حتى في حال العجز عنه‏وتعذّر تركه، بينما لايعقل مانعية الثاني إلاّ في حال تمكّن المكلف منه لامطلقاً.
والخلاصة، إن نتيجة الركيزة الاُولى‏ عامة تشمل بعمومها التوصليات أيضاًولاتختص بالعبادات فقط. وأمّا النتيجة التي تنجم من الركيزة الثانية فهي تختصّ‏بالعبادات ولاتشمل التوصلّيات، حيث إن قصد القربة غير معتبر في صحتها وإنمايعتبر في صحة العبادات فحسب، وأيضاً تختص بصورة العلم بالحرمة أو ما بحكمه‏ولاتعمّ صورة جهل المكلف بها إذا كان جهله مركباً بأن يكون غافلاً عن حرمتهانهائياً أو بسيطاً شريطة أن يكون معذوراً، فإنه في هاتين الحالتين يتمكّن من أن‏يقصد التقرّب بالاتيان بها على أساس أنها حصة من العبادة الواجبة، ومصداق‏لها وهي تنطبق عليها. وأما النتيجة التي تنجم من الركيزة الثالثة فهي متمثلة في‏اُمور:
الأول: أن النتيجة مختصة بالحرمة المتعلقة بحصة خاصة من العبادة.
الثاني: أن تكون الحرمة حرمة نفسية لا غيريّة.
الثالث: أن تكون منجزة على أساس أن الحرمة إذا لم تكن منجزة لم تكن‏موضوعة للادانة والعقوبة، وكذلك إذا كانت غيرية، فإن الحرمة الغيريةكالوجوب الغيري لم تكن قابلة للتنجّز حتى تكون مركزاً لحق الطاعة والمعصية،هذا كلّه في النتائج المترتبة على هذه الركائز إجمالاً، وبعد ذلك يقع الكلام في تحليل‏هذه الركائز وتفصيلها.
أما الركيزة الاُولى‏، فقد يقال أن الحرمة المتعلقة بحصة خاصة من العبادة تقيدإطلاق دليلها بغير هذه الحصة، بدعوى‏ أن مقتضى إطلاق دليلها هو ترخيص‏المكلف في تطبيقها على أي فرد من أفرادها في الخارج وحصة ومن حصصها فيه‏شاء وأراد، ومن الواضح أن هذا الترخيص لايجتمع مع حرمة الحصة أو الفرد، إذلايمكن أن يكون فرد واحد مجمعاً لهما معاً لاستحالة إجتماعهما على شي‏ء واحدوجوداً وماهية في الخارج.
ولكن سوف يأتي أنّ هذه الدعوى‏ غير صحيحة، فإن مدلول الإطلاق ليس‏هو الترخيص في التطبيق حتى لايجتمع مع الحرمة، هذا كلّه فيما إذا كانت الحرمةنفسية، وأما إذا كانت غيرية كما إذا فرض كون الواجب مقدمة لترك واجب أهم‏أو ملازماً لتركه كالصلاة في المسجد مثلاً إذا كانت مزاحمة لوجوب إزالة النجاسةعنه في الوقت المتّسع، فإن النهي المتعلق بها بناءً على القول بوجوب المقدمة نهي‏غيري، وهل هذا النهي الغيري يقتضي تقييد إطلاق دليل وجوب الصلاة بغيرهذه الحصة المزاحمة المنهي عنها أو لا؟
والجواب: إن فيه قولين فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى القول الأول على أساس‏مابنى‏ عليه من أن اشتراط التكليف بالقدرة إنما هو باقتضاء نفس الخطاب‏الشرعي، لابحكم العقل بقبح تكليف العاجز، وقد أفاد في وجه ذلك أن الغرض‏من الخطاب الشرعي هو إيجاد الداعي في نفس المكلف وبعثه وتحريكه نحوالاتيان بمتعلقه، ومن الواضح أن ذلك يتطلب كون متعلقه خصوص الحصةالمقدورة، وإلاّ فلايعقل أن يكون الخطاب داعياً ومحركاً له، بداهة أن متعلقه لولم‏يكن مقدوراً لم يعقل كونه باعثاً ومحركاً نحو امتثاله، ولم يعقل أن يكون غرض‏المولى‏ من ورائه بعث المكلف وتحريكه نحو الاتيان به، لاستحالة البعث والتحريك‏نحو الممتنع، ولافرق في ذلك بين القول بمسألة التحسين والتقبيح العقليين والقول‏بعدم هذه المسألة، لأن اقتضاء التكليف كون متعلقه خصوص الحصة المقدورةلايبتني على تلك المسألة، ولهذا لاتظهر الثمرة بين القولين في المسألة المذكورة على‏مسلكه‏قدس سره في باب إعتبار القدرة في متعلق التكليف، نعم تظهر الثمرة بينهما فيها على‏مسلك المشهور في هذا الباب، وهو أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هوبحكم العقل، بملاك قبح تكليف العاجز، فإنه مبني على تلك المسألة.
وعلى هذا، فالفرد المزاحم بما أنه غير مقدور شرعاً، فلامحالة يكون اطلاق‏الواجب مقيداً بغيره، باعتبار أن متعلق الوجوب خصوص الحصة المقدورة عقلاًوشرعاً(1) هذا.
ولنا تعليقان على ماذكره‏قدس سره:
الأول: إن الخطاب الشرعي لايدل بالدلالة الوضعيّة على ان متعلقه خصوص‏الحصة المقدورة، ضرورة أن مدلوله الوضعي التصوري الوجوب أو الحرمة دون‏غيره، بل هو يدل عليه بالدلالة التصديقية، بتقريب أن الخطاب الصادر من المولى‏يكشف كشفاً تصديقياً عن أن غرض المولى‏ من ورائه بعث المكلف وتحريكه نحوالاتيان بمتعلقه، ومن الطبيعي إن ذلك يتطلب كون الفعل مقدوراً، ومنشأ الدلالةالتصديقية بتمام أنواعها ظهور حال المتكلم، على أساس أن اللفظ إذا صدر عن‏متكلم عرفي ملتفت كان ظاهراً في إنه أراد معناه تفهيماً وجداً، ومنشأ هذا الظهوراللفظي ظهور حاله في أنه جاد في إرادة معناه وليس بها ذل ولابممتحن، ومنشأهذا الظهور الحالي الغلبة الخارجية النوعية، وفي المقام منشأ ظهور الخطاب‏الشرعي في أن غرض المولى‏ من ورائه جعله داعياً ومحركاً للمكلف، هو ظهورحاله في إنه قاصد له من ورائه طالما لم ينصب قرينة على الخلاف، إذ لايحتمل أن‏يكون صدوره منه لغواً وجزافاً، لأنه قبيح عقلاً، فكيف يعقل صدور القبح منه،وعلى هذا فلولا حكم العقل بقبح صدور اللغو والجزاف من المولى‏ الحكيم لم يكن‏مانع من صدوره منه، ومع عدم المانع منه عقلاً لاظهور للخطاب الصادر منه في‏أن غرضه من ورائه بعث المكلف وتحريكه. وإن شئت قلت: إن المولى‏ إذا لم‏ينصب قرينة على أنه في مقام الإمتحان أو غيره من الدواعي حكم بأنه في مقام‏بيان مراده الجدّي النهائي، وإلاّ لكان صدوره منه لغواً، وحيث إنه لايمكن أن‏يكون صدوره منه كذلك، فيدور أمر الخطاب الصادر منه بين أمرين لاثالث لهما،فإنه إن نصب قرينة على أنه في مقام الإمتحان وليس في مقام الجدّ، حمل كلامه‏عليه وإلاّ حمل على الجدّ ولاثالث في البين.
وبكلمة واضحة، إن كشف خطاب المولى‏ إذا كان في مقام البيان، ولم ينصب‏قرينة على الخلاف عن أن داعيه من ورائه بعث المكلف وتحريكه نحو الفعل مبني‏على حكم العقل بقبح تكليف العاجز في المرتبة السابقة، ضرورة إنه لولا حكم‏العقل بذلك لم يكن خطاب المولى‏ كاشفاً عنه. فإذن منشأ كشف الخطاب الشرعي‏وظهوره التصديقي في أن المولى‏ قد قصد من وراء خطابه دعوة المكلف وتحريكه‏نحو الاتيان بالمأمور به في الخارج ظهور حاله، ومنشأ هذا الظهور الحالي السياقي‏هو أن غرض المولى‏ من وراء خطابه لولم يكن ذلك لكان صدوره منه لغواًوجزافاً، إما من جهة أنه مجرد لقلقة اللسان أو من جهة أنه توجيه الخطاب إلى‏العاجز، وكلاهما قبيح يستحيل صدوره منه. فإذن الحاكم بأن غرض المولى‏ من‏وراء خطابه ذلك هو العقل بملاك قبح تكليف العاجز، وإلاّ لم يحكم العقل بذلك‏لأن صدور اللغو والجزاف من المولى‏ لوكان جايزاً لم يكن خطابه ظاهراً في أنه‏موجه إلى القادر دون الأعم منه ومن العاجز، باعتبار أن توجيه الخطاب إلى‏العاجز لايكون قبيحاً ولا مانع صدوره من المولى‏ بعد عدم حكم العقل بقبحه.
فالنتيجة، إن التكليف لايقتضي اعتبار القدرة في متعلقه في عرض حكم العقل‏بقبح تكليف العاجز، بل إقتضائه كما ذكرناه ينتهي إلى حكم العقل بذلك على‏أساس أن كل ما بالغير لابدّ أن ينتهي إلى ما بالذات، فإذن إقتضاء الخطاب كون‏متعلقه مقدوراً متفرع على حكم العقل به، وعليه فالدليل على ذلك إنما هو العقل‏دون الشرع، ومن هنا يظهر أنه‏قدس سره قد أخطأ نقطة في نظريته وغفل عنها، لأن‏ماذكره‏قدس سره من أن خطاب المولى‏ يكشف كشفاً تصديقياً عن أن غرضه منه بعث‏المكلف وتحريكه نحو الاتيان بمتعلقه مما لاشبهة فيه، ولكنه غقل عن منشأ هذاالكشف التصديقي، لفرض أنه ليس بذاتي بل هو بحاجة إلى علة، فإن كان الكشف‏تصورياً، فسببه الوضع، وإن كان تصديقياً، فسببه ظهور حال المتكلم، وقدعرفت أن منشأ ظهور حاله في أن غرضه من ورائه بعث المكلف وتحريكه نحوالاتيان بالمأمور به هو حكم العقل بقبح تكليف العاجز في المرتبة السابقة، ولولإ؛خ‏خ‏حكم العقل بذلك لم يكن خطابه بالآخرة كاشفاً عن أن غرضه من ورائه إيجادالداعي في نفس المكلف وجعله محركاً له، ضرورة أنه حينئذٍ لايكون قبيحاًولايحكم العقل بقبحه، هذا إضافة إلى أن المعلول كان يستند إلى أسبق علله وهوحكم العقل في المقام، على أساس أن ما هو بالغير لا محالة ينتهي إلى ماهوبالذات.
التعليق الثاني: مع الإغماض عما ذكرناه في التعليق الأول، وتسليم أن الخطاب‏الشرعي بنفسه يقتضي كون متعلقه مقدوراً إلاّ أن من الواضح أنه لايقتضي أكثرمن كونه مقدوراً، والفرض إن الجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، وعلى هذافالأمر المتعلق بالصلاة لايقتضي أكثر من كونهامقدورة، ولايتطلب أن يكون‏متعلقه خصوص الحصّة المقدورة، على أساس أن اقتضاء الخطاب ذلك إنما هوبملاك أنه لايكون لغواً، ومن الواضح أن اللغوية ترتفع بما إذا كان متعلقه مقدوراً،ولا يتوقف ارتفاعها على أن يكون خصوص الحصة المقدورة، فما ذكره‏قدس سره من أن‏الخطاب يقتضي كون متعلقه خصوص الحصة المقدورة، فلايمكن المساعدة عليه.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد ذكر وجهاً آخر لعدم اطلاق دليل الواجب للفردالمزاحم بالأهمّ، وحاصل هذا الوجه أن تقييد اطلاق الواجب بهذا الفرد غيرمحتمل بل غير معقول، فإذا كان تقييده به غير معقول كان اطلاقه أيضاً غيرمعقول، على أساس مذهب من يرى‏ أن التقابل بين الاطلاق والتقييد من تقابل‏العدم والملكة، فاستحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، وحيث إن تقييداطلاق الواجب كالصلاة مثلاً بالفرد المزاحم مستحيل، فإطلاقه أيضاًمستحيل(2).
ولكن هذا الوجه غير صحيح، لأن فيه خلطاً بين الإطلاق المقابل للتقييدبتقابل العدم والملكة الذي هو بمعنى عدم التقييد وهو معنى سلبي، وبين الاطلاق‏بمعنى الشمول أي شمول الحكم للمقيد، فإن الإطلاق بهذا المعنى إيجابي وما هومحط البحث في المسألة إنما هو في الإطلاق بالمعنى الثاني، وهو أن الواجب الموسع‏هل يشمل بإطلاقه الفرد المزاحم أو أنه مقيّد بالفرد غير المزاحم، وليس موردالبحث في تقييد اطلاقه بالفرد المزاحم لكي يقال إن تقييده به مستحيل لاستلزامه‏الجمع بين الأمر والنهي في شي‏ء واحد، واطلاقه بمعنى عدم تقييده أيضاً مستحيل‏لنتيجة طبيعية لهذا القول، بل مورد البحث في المقام إنما هو في تقييد اطلاق‏الواجب الموسّع بالفرد غير المزاحم في مقابل اطلاقه للفرد المزاحم وشموله له الذي‏هو معنى إيجابي، ومن الواضح أن التقابل بينهما من تقابل التضاد وليس من تقابل‏العدم والملكة، لأن الاطلاق بهذا المعنى أمر وجودي كالتقييد والتقابل إنما هو من‏تقابل العدم والملكة إذا كان الإطلاق عبارة عن عدم التقييد الذي هو معنى سلبيّ‏لا عبارة عن الشمول الذي هو معنى إيجابي.
فالنتيجة، إن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من أن تقييد اطلاق الواجب في المقام‏بالفرد المزاحم مستحيل، فإطلاقه أيضاً مستحيل على ضوء ما يراه المحقق‏النائيني‏قدس سره من أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة مبني على الخلط بين‏الاطلاق بمعنى عدم التقييد والاطلاق بمعنى الشمول وظن أن المراد من الاطلاق‏في المقام هو الأوّل.
قد يقال: كما قيل إن إطلاق الأمر بالواجب الموسّع يدور مدار امكان الواجب‏المعلق، فإن قلنا بإمكانه كان الأمر به مطلقاً، وإلاّ فهو مقيّد.
والجواب: إن إطلاقه لايرتبط بإمكان الواجب المعلق، فإن هذا الارتباط قدنشأ من الخطأ في نقطة، وهي أن الأمر المتعلق بالواجب الموسّع كالصلاة مثلاً ينحل‏بإنحلال حصصه وأفراده الطولية، فيكون كل حصة منه متعلق للأمر، وعلى هذافإذا فرض أن الحصة الاُولى‏ منه مزاحمة للواجب المضيّق، وحينئذٍ فإن قلنابإمكان الواجب المعلق كان الوجوب في زمن هذه الحصة فعلياً، ولكن متعلّقه كان‏متأخراً وهو الحصة الثانية المتأخرة عن الاُولى‏، فالوجوب حالي حينئذٍوالواجب استقبالي، وإن قلنا باستحالة الواجب المعلّق، فالوجوب والواجب‏كلاهما استقبالي، وأما وجه خطأ هذه النقطة هو أن المطلوب من الأمر المتعلق‏بالواجب الموسّع وهو الطبيعي الجامع صرف وجوده، ولايسري منه إلى حصصه‏وأفراده في الخارج لابما هو اعتبار ولا بماله من المبادي على تفصيل تقدّم،وخروج بعض أفراده الطولية عن كونه مقدوراً عقلاً أو شرعاً، لاينافي كون‏الواجب مقدوراً، لأن الواجب الجامع بين تلك الأفراد في فترة زمنية بين المبدأوالمنتهي، والجامع بين المقدور وغير المقدور مقدور، ولا مانع من تعلق الأمر به إذيكفي في القدرة عليه القدرة على أحد أفراده وحصصه الطولية، مثلاً الصلاة بين‏فترة الزوال وفترة الغروب واجبة بنحو صرف الوجود الجامع بين أفرادها في‏هذه الفترة الزمنية، ولايسري الوجوب من الجامع إليها وتكفي القدرة على‏الصلاة القدرة على أحد أفرادها في تلك الفترة، فإذا فرضنا أن المكلف قادر على‏الصلاة في أول الوقت كفي ذلك في وجوبها عليه في الوقت، وإن كان عاجزاً عنهافي سائر أجزائه، وكذلك إذا كان قادراً عليها في آخر الوقت فحسب دون سائرالأوقات، فإنه يكفي في وجوبها عليه ولايلزم أن يكون المكلف قادراً عليها في‏تمام الوقت.
فالنتيجة، إن الواجب هو صرف وجود الصلاة بين مبدأ الوقت ومنتهاه، فإذاكان المكلف قادراً عليه كان وجوبها فعلياً في حقّه ولاتتوقف فعليته على قدرته‏على تمام أفرادها من البداية إلى النهاية، وتخيل الواجب التعليقي في المقام مبني‏على توهّم سراية الوجوب من الجامع إلى أفراده، وحيث إن الفرد المزاحم‏للواجب المضيّق لايكون مقدوراً شرعاً فلايسري الوجوب منه إليه، وعندئذٍ فإن‏قلنا بالواجب المعلّق فالوجوب فعلي والواجب متأخر، وإن قلنا باستحالته‏فكلاهما متأخر.
ومن هنا يظهر أن معنى اطلاق وجوب الواجب الموسّع هو تعلقه بالجامع بنحوصرف الوجود، هذا كلّه في النهي التحريمي.
وأما إذا كان النهي المتعلق بحصّة من العبادة تنزيهياً، فهل هو يوجب تقييداطلاق العبادة بغيرها أولا؟ فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى التفصيل في النهي المتعلق بالحصة، فإنه إن كان‏ناشئاً عن حزازة ومنقصة في تطبيق الطبيعي المأمور به عليها في الخارج من دون‏أي حزازة ومنقصة في نفس الحصة وذاتها، كان حالها حال سائر حصصه وأفراده‏في الوفاء بالغرض، هذا كالنّهي عن الصلاة في الحمام ومواضع التهمة وما شاكلهما،وإن كان ناشئاً عن حزازة ومنقصة في نفس الحصة، بمعنى أنها بذاتها مشتملة على‏مفسدة غير ملزمة، ومتعلقة للكراهة لم يكن حالها حال سائر حصصه وأفراده في‏الوفاء بالغرض. وعلى هذا، فإن كان النهي المتعلق بحصة من العبادة من قبيل‏الأول، فهو لايوجب تقييد اطلاق العبادة بغيرها إذ لامانع من تطبيقها عليهالأنها كغيرها في الوفاء بالغرض، وإن كان من قبيل الثاني، فهو يوجب تقييداطلاقها بغيرها لامحالة، على أساس أن المبغوض لايمكن أن يكون مصداقاًللمحبوب ومتحداً معه في الخارج وجوداً وماهيةً، والمكروه مصداقاً للمرادومتحداً معه فيه كذلك، والمشتمل على المصلحة لايعقل انطباقها على مافيه‏المفسدة واتحاده معه وجوداً وماهيةً، فلذلك لابد من‏تقييد اطلاقها بغيرهذه‏الحصةالمنهي عنها هذا(3).
وللمناقشة فيه مجال، وذلك لأن الأمر المتعلق بالعبادة كالصلاة مثلاً أمر واحدشخصي متعلق بصرف طبيعة الصلاة ولايسري منها إلى أفرادها وحصصهابأنحاء من الأوامر المشروطة حتى يقال إن الأمر لايجتمع مع النهي في شي‏ء واحدوإن كان الأمر مشروطاً، ضرورة أن الحبّ لايعقل أن يجتمع مع البغض والإرادةمع الكراهة فيه وإن كان الأول مشروطاً، وذلك لأن سراية الأمر من متعلقه وهوالجامع إلى أفراده بأنحاء من الأوامر المشروطة قهراً غير معقولة، لأن الأمر مجرداعتبار من الشارع مباشرة ولا واقع موضوعي له ماعداه في عالم الذهن‏والاعتبار، ولهذا لايعقل التسبيب والتوليد فيه، بداهة أنه إنما يتصور في الاُمورالتكوينية التي لها واقع موضوعي في الخارج لا الأمور الاعتبارية التي لا واقع‏موضوعي لها فيه، أما السراية الجعلية فلادليل عليها.
ودعوى‏، إن الوجوب المتعلق بالجامع بما هو اعتبار وإن لم يسر إلى أفراده‏بأنحاء من الوجوبات المشروطة إلاّ أنه لامانع من الالتزام بالسراية في مرحلةالمبادي، مثلاً الارادة المتعلقة بالواجب تسري إلى أفراده بأنحاء من الارادات‏المشروطة وكذلك الحبّ المتعلق به، فإنه يسري إليها بأنحاء من الحب المشروطة،وهكذا، وعلى هذا فلايمكن أن تجتمع في الفرد المزاحم الارادة مع الكراهة، وإن‏كانت الارادة مشروطة وكذلك الحبّ مع البغض فيه وإن كان الحبّ مشروطاً.
مدفوعة، بأنه لادليل على ذلك، وما قيل من أن اثبات ذلك بالبرهان، وإن‏كان غير ممكن إلاّ أنه مطابق للوجدان وهذا يكفي في اثباته، لا وجه له لأن حكم‏الوجدان إنما يكون حجة إذا كان موافقاً للارتكاز الثابت في أعماق النفس بالفطرةوالجبلة وإلاّ فلا قيمة له، ومن الواضح أن سراية الارادة من الجامع إلى أفراده‏بأنحاء من الارادات المشروطة ليست كذلك، بل لعل الوجدان على العكس، فإن‏الارادة إذا تعلقت بصرف وجود الطبيعي الجامع بدون دخل أي خصوصية من‏خصوصياته الفردية أو الزمانية أو المكانية فيها لم تسر إلى أفراده بأنحاء من‏الارادات المشروطة، وكذلك الحبّ إذا تعلّق به، نعم الفرد مراد ومحبوب بلحاظوجود الجامع فيه لابحدّه الفردي، وعلى هذا فإذا وجد الجامع في ضمن فردٍ ماكان هذا الفرد محبوباً من جهة وجود الجامع فيه لامن جهة خصوصيته الفرديّة،وبه ينتهي مفعول المحبوبية فلايكون إيجاده في ضمن فرد آخر محبوباً ولا مراداً،هذا هو الموافق للوجدان، وإضافةً إلى ذلك أنا لو قلنا بالانحلال والسّراية في‏مرحلة المبادي، فلابد أن نقول به في مرحلة الجعل أيضاً مع أن الأمر في هذه‏المرحلة ليس كذلك، كما مرّ.
وبكلمة، إن النهي التنزيهي المتعلّق بفرد من العبادة كالصلاة تارةً يكون منشأه‏وجود مفسدة في الخصوصية الخارجة عن ذات الصلاة، كالخصوصية الزمانية أوالمكانية أو الوضعية أو غيرها، واُخرى‏ يكون وجود مفسدة في ذات الفرد بحدّه‏الفردي وعلى كلا التقديرين فلايوجب تقييد اطلاق العبادة بغير هذا الفرد، أماعلى الأول، فهو واضح. وأما على الثاني، فلأن النهي المتعلق بالفرد بحدّه الفردي‏بتمام مراحله لاينافي الأمر المتعلق بالطبيعي الجامع كذلك، أما في مرحلة المبادي‏فلأن المصلحة الملزمة قائمة بالطبيعي لأنه متصف بها، والإرادة والحب كلاهمامتعلق به في هذه المرحلة، وقد تقدم عدم سرايتهما من الجامع إلى أفراده بانحاء من‏الإرادات المشروطة والحب المشروط، والمفروض أن المفسدة قائمة بالفرد بحدّه‏الفردي، فإذن لايجتمع الأمر والنهي في شي‏ء واحد في مرحلة المبادي، وأما في‏مرحلة الجعل والاعتبار فالأمر متعلق بالطبيعي الجامع، والنهي متعلق بالفرد بحدّه‏الفردي فلايجتمعان في شي‏ء واحد.
وأما في مرحلة التطبيق، فلأن النهي التنزيهي بما أنه لايمنع من انطباق الطبيعي‏الواجب على الفرد المنهي عنه، باعتبار أنه بنفسه يدل على ترخيص المكلف في‏الاتيان به فلاينافي اطلاقه سواءً أكان اطلاقه بمعنى عدم لحاظ التقييد أم كان بمعنى‏لحاظ عدمه، أم بمعنى عدم التقييد في مورد قابل للتقييد، فإنه لايوجب تقييده بغيرالفرد المنهيّ عنه. ونتيجة ذلك، إنه لا مانع من تطبيق الواجب عليه، والحكم‏بالصحة، لأنها منتزعة من انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، وعلى‏هذا فإذا أتى المكلف بالفرد المنهيّ عنه بالنهي التنزيهي، انطبق عليه الواجب‏وحكم بالصحة بقي هنا إشكالان:
الأول: إن المأمور به وإن لم يتحد مع المنهيّ عنه لا في مرحلة المبادي ولافي‏مرحلة الجعل والاعتبار إلاّ أنه متحد معه في مرحلة الإمتثال والتطبيق، على‏أساس أن وجود الفرد في الخارج عين وجود الطبيعي فيه، وعندئذٍ فيلزم اجتماع‏المصلحة والمفسدة والإرادة والكراهة والحبّ والبغض في شي‏ء واحد فيه.
والجواب: إن مرحلة التطبيق والإمتثال مرحلة انتهاء مفعول الواجب بتمام‏مراحله لأن مفعوله ينتهي بانتهاء مباديه، وهي المصلحة والإرادة والحبّ وليست‏هذه المرحلة مرحلة الإجتماع، فإذا أتى المكلف بالفرد المنهي عنه تنزيهاً انطبق‏عليه الواجب ومعه انتهى مفعول الأمر بتمام مباديه. منها، الإرادة والحب، فإن‏مفعولهما ينتهي بإيجاد المراد والمحبوب في الخارج، وبعد إيجادهما فلا إرادة ولاحبّ في نفس المولى‏. ومنها، المصلحة فإنها مترتبة على وجوده في الخارج، وبعدوجوده فيه فلا مصلحة، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أن المصلحة الملزمةتجتمع مع المفسدة غير الملزمة وكذلك الإرادة والحبّ الملزمتين تجتمعتان مع‏الكراهة والبغض غير الملزمتين، إلاّ أنه لا قيمة للمفسدة المغلوبة وكذلك للكراهةالمغلوبة والبغض المغلوب، باعتبار إنها جميعاً من جهة مغلوبيتها لا أثر لها ولا تمنع‏من التقربّ به والحكم بصحّته.
الثاني: إن الفرد إذا كان مرجوحاً فلايمكن التقرّب بالاتيان به حتى يحكم‏بصحّته.
والجواب: إن الاتيان بهذا الفرد بحدّه الفردي لايمكن أن يكون بداعٍ قربي‏لعدم كونه محبوباً بحدّه ومتعلقاً للأمر، وأما الاتيان به بغرض إتيان الواجب في‏ضمنه وإيجاده به فهو محبوب وقابل للتقرّب به.
فالنتيجة، إن الفرد بلحاظ حدّه الفردي لايكون محبوباً ولايمكن التقرّب به،وبلحاظ وجود الجامع ضمنه وانطباقه عليه محبوب فلا مانع من التقرّب به هذا.
وأما ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنه لابدّ من تقييد اطلاق العبادة بغير الفردالمنهيّ عنه إذا كان منشأ النّهي عنه وجود مفسدة غير ملزمة في نفسه وذاته، فهومبني على القول بسراية الأمر بتمام مراحله من الطبيعي الجامع إلى أفراده، وفي‏مرحلة الجعل يسري إلى انحاء من الأوامر المشروطة وفي مرحلة المبادي إلى انحاءمن الإرادات المشروطة، وهكذا. فعندئذٍ لابد من التقييد بغيره لاستحالة اجتماع‏الإرادة مع الكراهة في شي‏ء واحد وإن كانت الإرادة مشروطة، ولكن هذا القول‏لا أساس له، أما سراية الوجوب من الجامع إلى أفراده بانحاء من الوجوبات‏المشروطة فهو غيرممكن، لأنه إن اُريد بها السراية القهريّة كسراية المعلول من‏العلة فهي مستحيلة، لأن الوجوب بما هو اعتبار فعل اختياري للمولى‏ صادر منه‏مباشرة، ولا يعقل تحققه بدون اعتباره كذلك، وفرض أنه متولد من وجوب آخرومعلول له كتولّد المعلول من العلة خلف، هذا إضافة إلى أن العلّية والمعلولية لاتتصوران إلاّ في الاُمور التكوينية الواقعية، وأما الاُمور الاعتبارية التي لاواقع‏موضوعي لها فلاتتصور فيها العلية، والمعلولية كيف فإن تحققها منوط باعتبارالمعتبر مباشرة، ولا يتصور تولد اعتبار عن اعتبار آخر.
وإن اُريد بها السراية الجعلية بمعنى أن المولى‏ كما جعل الوجوب للجامع كذلك‏جعل وجوبات متعددة بعدد أفراده المشروطة، فهي وإن كانت ممكنة ثبوتاً إلاّ أنه‏لايمكن اثباتها، لأن جعل الوجوب من المولى‏ لايمكن أن يكون جزافاً فلا محالةيكون مبنياً على نكتة مبررة له، وعلى هذا فجعل الوجوبات المشروطة لأفراده‏إما أن يكون بغرض إبراز الملاك فيها أو بغرض جعلها مركزاً لحق الطاعةوالإدانة، وكلا الأمرين لامعنى له في المقام.
أما الأول، فلأن الملاك في المقام قائم بالجامع، وهو مبرّر لجعل الوجوب له،وأما الوجوبات المشروطة لأفراده التي ترجع إلى وجوب واحد روحاً فلا مبررلجعلها، لفرض إنه لاملاك في‏أفراده بخصوصياتها الفردية، وإنما هوفي الجامع بينها.
وأما الثاني، فلأن الوجوبات المشروطة حيث إنها ترجع إلى وجوب واحدحقيقةً وروحاً، فيكون ذلك الوجوب الواحد هو مركز حق الطاعة والإدانة،وهذا الوجوب الواحد ليس إلاّ وجوب الجامع دون الوجوبات المشروطة، لأنهالاتصلح أن تكون مركزاً لحق الطاعة والإدانة لعدم روح لها إلاّ لواحد منها، وهولاينطبق إلاّ على وجوب الجامع باعتبار أن وجوب كل فرد منه بحدّه لايصلح‏لذلك، فإذن بطبيعة الحال يكون جعلها لغواً وبلا مبرّر، وأما السراية في مرحلةالمبادي فهي وإن كانت ممكنة إلاّ أن إثباتها بالبرهان لايمكن، وأما الوجدان فهوإنما يكون دليلاً إذا كان موافقاً للفطرة وثابتاً في أعماق النفس، والأمر في المقام‏ليس كذلك، إذ كثير ما تتعلق الإرادة بالطبيعي الجامع ويكون المراد منها صرف‏وجوده في الخارج، وأما سرايتها منه إلى أفراده خاصة بنحو الإرادات المشروطةفلايحكم بها الوجدان.
فالنتيجة، إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل بين تعلق النهي التنزيهي‏بخصوصية الفرد الخارجة عن ذاته وذاتياته وتعلقه بذات الفرد. فعلى الأول،لايوجب تقييد اطلاق العبادة بغير الفرد المنهي عنه. وعلى الثاني، يوجب تقييده‏بغيره(4) لايتم، هذا تمام الكلام في الركيزة الاُولى‏.
وأما الركيزة الثانية، وهي إن الحصة المنهيّ عنها بالنهي النفسي التحريمي‏مبغوضة للمولى‏، فلايمكن التقرّب بها فهي تامة، بداهة أن التقرّب بالمبغوض غيرممكن فمن أجل ذلك تختصّ هذه الركيزة بالعبادات وتمنع عن صحّتها ولاتشمل‏الواجبات التوصلية.
وبكلمة واضحة، إن النهي المولوي النفسي التحريمي إذا تعلّق بحصة من العبادةكان كاشفاً عن مبغوضيّتها واشتمالها على المفسدة الملزمة ويوجب تقييد اطلاق‏العبادة بغيرها لما عرفت من أنه لايمكن التقرّب بالحرام، وكذلك الحال في‏المبغوض والمكروه فإنه لايمكن التقرّب بهما، فإذن لابدّ من التقييد فإذا كان كاشفاًعن مبغوضية الحصة، فلا محالة يحكم بفسادها، لأن صحة العبادة متقوّمةبعنصرين:
الأول: أن يكون الفعل محبوباً في نفسه.
الثاني: الإتيان به بقصد القربة والداعي الإلهي، وهذان العنصران مقوّمان‏للعبادة فلايمكن الحكم بصحّتها إلاّ عند توفر كلا العنصرين معاً فيها، وعندانتفاء أحدهما تنتفي العبادة، ومن هنا يظهر أن ماذكره بعض المحققّين‏قدس سره من أن‏النهي المتعلق بفرد من العبادة إن كان متعلقه بنفسه مفسدة لا أن المفسدة مترتبةعليه، والأمر المترقب وجوده متعلق بنفس المصلحة لا بما هي مترتبة عليه فهويدل على الفساد إذ متعلق النهي إذا كان بنفسه مفسدة فلا محالة أنه ليس بنفسه‏مصلحة، لاستحالة أن يكون الشي‏ء الواحد مفسدة ومصلحة معاً، فإذا لم يكن‏مصلحة، فهو مفسدة ومبغوض لا محالة فلا يكون مجزياً، وأما إذا لم يكن متعلق‏النهي بنفسه مفسدة بل المفسدة مترتبة عليه وكذلك متعلق الأمر، فلايحكم‏بالفساد وعدم الاجزاء معلّلاً بأن ما تترتب عليه المفسدة لا يستحيل أن تترتب‏عليه المصلحة أيضاً إذ كثير من الأفعال الخارجية تترتب عليها المفسدةوالمصلحة معاً(5).
لايمكن المساعدة عليه أما أوّلاً: فلأن افتراض أن متعلق النهي بنفسه مفسدةومتعلق الأمر بنفسه مصلحة، وإن كان ممكناً إلاّ أنه خارج عما هو محل البحث في‏المسألة، ضرورة أن محل البحث فيها إنما هو في تعلق النهي بفرد من العبادات‏باعتبار أنه مشتمل على المفسدة المترتبة عليه في الخارج، لا أنه بنفسه مفسدةوكذلك الأمر، فإنه تعلق بالفعل على أساس أنه مشتمل على المصلحة ومترتبةعليه خارجاً، وفرض أن متعلق النهي بنفسه مفسدة ومتعلق الأمر بنفسه مصلحةلا واقع له في محل الكلام، نعم قد يكون متعلق النهي مفسدة بنفسه كالنهي عن‏الشرك، ومتعلق الأمر مصلحة بنفسه كالأمر بالإيمان، إلاّ أنه خارج عن محل‏الكلام في المسألة، لأنه إنما هو في تعلق النهي بالفعل الخارجي العبادي باعتبار أنه‏مشتمل على المفسدة، وتعلق الأمر به باعتبار أنه مشتمل على المصلحة، لا أنه‏بنفسه مصلحة ومفسدة. هذا إضافة إلى أنه لايتصور أن يكون شي‏ء واحد مفسدةومصلحة معاً.
وثانياً: إن ماذكره‏قدس سره من أن متعلق النهي إذا لم يكن بنفسه مفسدة بل المفسدةمترتبة عليه وكذلك متعلق الأمر، فلايحكم بالفساد وعدم الاجزاء معلّلاً بأنه لامانع من ترتب المفسدة والمصلحة معاً على فعل واحد في الخارج، حيث إنهمامترتبتان على كثير من الأفعال الخارجية.
فلايمكن المساعدة عليه، وذلك لأنا لو سلمنا بأنه لامانع من ترتب المصلحةوالمفسدة الدنيويتين معاً على الأفعال الخارجية، ولكن لايمكن ذلك في الملاكات‏الواقعية للأحكام الشرعية من الوجوب والتحريم، ضرورة أن الفعل إذا كان‏مشتملاً على مفسدة الزامية تدعوا المولى‏ إلى جعل الحرمة له، لايمكن أن يكون‏في نفس الوقت مشتملاً على مصلحة الزامية كذلك، لأن لازم ذلك كونه محبوباًومبغوضاً معاً ومتعلقاً للارادة والكراهة كذلك، فإذن كيف يعقل أن يكون‏المحبوب منطبقاً على المبغوض، والمراد على المكروه والحرام على الواجب بل‏تصور ذلك في الأفعال الخارجية غير واقعي، لوضوح أنه لايمكن ترتب المفسدةوالمصلحة معاً على فعل واحد في الخارج وبعنوان واحد، نعم قد تكون فيه‏مفسدة من جهة ومصلحة من جهة اُخرى‏، وكذلك الحال بالنسبة إلى سائرالمبادي.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن النهي المتعلق بفرد من‏العبادة إذا كان نفسياً تحريمياً كان موجباً لتقييد اطلاق العبادة بغيره على أساس‏استحالة التقرب بالمبغوض وانطباق المحبوب عليه.
بقي هنا أمران:
الأول: إن هذا التقييد عقلي لا شرعي.
الثاني: ما هو نكتة هذا التقييد العقلي، أما الأمر الأول، فلأن تقييد الواجب‏شرعاً بقيد وجودي أو عدمي إنما هو مدلول للأوامر والنواهي الإرشاديتين، لأن‏مفاد الاُولى تقييده بقيد وجودي كالأمر بالقيام في الصلاة والاستقبال ونحوهما،فإنه يدل على تقييد الصلاة بهما.
ومفاد الثانية، تقييده بقيد عدمي كالنهي عن الصلاة فيما لايؤكل لحمه أو الميتةأو نحوهما، ومرجعه إلى مانعية لبس مالايؤكل في الصلاة وهكذا، وهذا بخلاف ماإذا كان النهي عن فرد العبادة نهياً تحريمياً نفسياً، كالنهي عن الصلاة في الأرض‏المغصوبة بناءً على القول بإتحادها مع الغصب وجوداً وماهيةً، فإنه لايدل على‏تقييد الصلاة المأمور بها بغير هذا الفرد المنهي عنه، لأن مدلول الأمر بالصلاة هوطلب صرف وجودها في الخارج ومدلول النهي هو حرمة هذا الفرد ولاتنافي‏بينهما، حيث إن متعلق أحدهما غير متعلق الآخر، ومن هنا لايدل هذا النهي على‏تقييد الصلاة بعدم هذا الفرد المنهي عنه.
فالنتيجة، إن النهي عن الصلاة في شي‏ء إذا كان إرشادياً كان يدل على تقييدهابعدم ذلك الشي‏ء، وأما إذا كان نفسياً تحريمياً فلايدل على التقييد بمدلوله اللّفظي،وعلى هذا فتقييد اطلاق الواجب بغير الفرد المنهي عنه يكون عقلياً، على أساس‏أن الحرام لايمكن أن يكون مقرباً ومصداقاً للواجب والمبغوض لايعقل أن ينطبق‏عليه المحبوب ومتحداً معه وجوداً وماهية.
وأما الأمر الثاني، فقد ذكر المحقق النائيني‏قدس سره وتبعه فيه السيد الاُستاذقدس سره، إن‏نكتة كون النهي النفسي التحريمي يوجب تقييد اطلاق الواجب بغير الفرد المنهي‏عنه عقلاً، هي أن الإطلاق مؤدّاه ترخيص المكلف في تطبيق الواجب على أي‏فرد من أفراده شاء، وهذا الترخيص متعدد بعدد أفراد الواجب في الخارج،وعليه فالترخيص في تطبيقه على الفرد المنهي عنه ينافي النهي عنه عقلاً، ضرورةأن حرمته لاتجتمع مع الترخيص في تطبيقه عليه، لأن معنى ذلك كون هذا الفردمجمع لهما معاً وهو لايمكن، أو فقل إن حرمة هذا الفرد لايمكن أن تجتمع مع‏الترخيص في تطبيق الطبيعي الواجب عليه للمضادة بينهما واستحالة إجتماعهما في‏شي‏ء واحد، فلذلك يحكم العقل بتقييده بغير هذا الفرد دون الشرع إذ لاتنافي‏بالذات بين النهي عن الفرد والأمر المتعلق بالطبيعي الجامع، وإنما التنافي بين النهي‏عن الفرد والترخيص فيه الناتج عن اطلاق متعلق الأمر، ومن هنا يظهر الفرق بين‏تقييد الواجب بقيد شرعاً وبين تقييده به عقلاً، فإن معنى الأول، هو أن الواجب‏مقيد بقيد وجودي أو عدمي مباشرة من قبل الشرع في مرحلة الجعل، ومعنى‏الثاني، هو أن تقييد اطلاق العبادة بغير الفرد المحرّم والمبغوض إنما هو من جهةاستحالة انطباقها عليه في مرحلة الامتثال والانطباق واستحالة التقرب به في هذه‏المرحلة، ولهذا يدور هذا التقييد مدار حرمته ومبغوضيّته وجوداً وعدماً لا ذاته‏ووجوده بقطع النظر عن حرمته ومبغوضيّته، فلذلك لا عين ولا أثر لهذا التقييد في‏مرحلة الجعل والاعتبار(6).
ولكن للمناقشة فيه مجالاً، وذلك لأن معنى الإطلاق كما ذكرناه غير مرة،عبارة عن عدم لحاظ القيد مع الطبيعة ومعه لا مانع من انطباقها على أفرادها بلاحاجة إلى شي‏ء آخر، وهذا هو معنى الإطلاق لا أن معناه الترخيص في تطبيقهاعلى أفرادها، لأن انطباقها عليها قهري فلايتوقف على أي مؤنة زائدة طالما لم‏يكن هناك مانع، وهو لحاظ القيد، وأما جعل الأمر على الطبيعي، فهو لايستلزم‏جعل الترخيص من قبل المولى‏ في تطبيقه على أفراده بإعتبار أنه ضروري‏فلايحتاج إلى جعل الترخيص فيه.
وبكلمة، إن معنى الإطلاق على جميع المباني ليس هو الترخيص في التطبيق‏ولا ما هو لازمه، أما بناءً على ما قويناه من أن الإطلاق عبارة عن عدم لحاظالقيد مع الطبيعة، فهو واضح لأنه أمر عدمي متمثل في عدم لحاظ القيد المانع من‏الإنطباق، ولازم عدم لحاظ القيد الإنطباق وهو أمر طبيعي ذاتي فلايحتاح إلى‏مؤنة زائدة، فإذن الترخيص كما لايكون معنى الإطلاق لايكون لازمه أيضاً.
وأمّا بناءً على القول بأن الإطلاق عبارة عن لحاظ عدم القيد مع الطبيعة كما هومختار السيد الاُستاذقدس سره، فأيضاً لايكون معنى الإطلاق الترخيص في التطبيق،لأنه على هذا المبنى‏ وإن كان أمراً وجودياً إلاّ أنه عبارة عن لحاظ عدم القيد دون‏الترخيص فيه، ولازمه الإنطباق وهو أمر قهري طبيعي، وأما بناءً على القول بأن‏الإطلاق عبارة عن عدم القيد في مورد قابل له فأيضاً ليس الترخيص معناه ولالازمه، لأن معنى الإطلاق على هذا المبنى عبارة عن عدم القيد لا الترخيص في‏التطبيق ولازمه الإنطباق، وهو أمر ذاتي فلايحتاج إلى الترخيص.
فالنتيجة، إن معنى الإطلاق ليس هو الترخيص في تطبيق الطبيعي المأمور به‏على أفراده ولا لازمه على جميع المباني فيه، فإذن تفسير الإطلاق بالترخيص كماعن المحقق النائيني والسيد الاُستاذ0 في غير محله، وعلى هذا فلا تنافي بين الأمرالمتعلق بالطبيعي الجامع وبين النهي المتعلق بحصة خاصّة منه لا في مرحلة الجعل‏ولا في مرحلة المبادي، أما في الاُولى‏، فلأن متعلق الأمر الطبيعي الجامع‏والمفروض أنه لايسري منه إلى حصصه وأفراده ومتعلق النهي حصة خاصة،فلايجتمع الأمر مع النهي في شي‏ء واحد.
وأما في الثانية، فلما تقدم من أن المصلحة قائمة بالطبيعي الجامع ومترتبه عليه‏لا على الفرد بحدّه الفردي ولا تسري منه إلى أفراده وحصصه بنحو البدلية، وإلاّفلازمه سراية الوجوب إليها كذلك بالتبع، وأما متعلق الإرادة فهو أيضاًالطبيعي الجامع لا الفرد بحده الفردي ولا تسري منه إلى أفراده بانحاء من‏الإرادات المشروطة، ولا يمكن إثبات ذلك بالبرهان بل هو على عدم السرايةولا بالوجدان كما تقدم، وكذلك الحبّ، فإن متعلقه الطبيعي الجامع ولا يسري‏منه إلى أفراده بانحاء من الحبّ المشروطة كما مرّ.
فالنتيجة، إنه لا تنافي بين الأمر المتعلق بالطبيعي الجامع والنهي المتعلّق بالفردبحدّه الفردي لا في مرحلة الجعل ولا في مرحلة المبادي، وإنما التنافي بينهما في‏مرحلة الإمتثال والتطبيق على أساس أنه لايمكن التقرّب بالحرام والمبغوض،ولهذا لايمكن أن يكونا من مصاديق العبادة، وعلى هذا فالواجب سواءً أكان‏عبادياً أم كان توصلياً، فلايمكن أن يكون الحرام مصداقاً له والمبغوض مصداقاًللمحبوب، هذا ليس من جهةالتنافي بين الأمر والنهي في مرحلة المبادي والجعل،لما عرفت من أنه لا تنافي بينهما في كلتا المرحلتين، بل من جهة أن الواجب لايمكن‏أن يتحد مع‏الحرام وجوداً وماهيةً والمحبوب مع المبغوض في مرحلة الامتثال، وإذا كان الواجب عبادياً، فمضافاً إلى ذلك أنه لايمكن التقرب به أيضاً.
وعلى الجملة، فلا مانع من تعلق الأمر بالجامع بين المقدور وغير المقدور، ومايمكن التقرب به وما لايمكن، فإذن بطلان الحصة المنهي عنها ليس من جهة تقييدإطلاق المأمور به بغير هذه الحصة فقط في مرحلة الإمتثال بل مضافاً إلى ذلك أنه‏لايمكن التقرب بها أيضاً.
وأما الركيزة الثالثة، وهي قبح الإتيان بالحصة المنهي عنها، فقد اختارهاالمحقق النائيني‏قدس سره، وقال: إن صحة العبادة مشروطة بأمور:
الأول: حسنها الفعلي ومحبوبيتها الذاتية.
الثاني: قصد القربة بها.
الثالث: حسنها الفاعلي بمعنى أن يكون صدورها من المكلف حسناً ولايكون‏قبيحاً(7).
فإذا توفرت هذه العناصر الثلاثة في العبادة حكم بصحّتها وإلاّ فبالفساد كماإذا كانت العبادة فاقدة للحسن الفاعلي، وإن كانت واجدة للشرطين الآخرين‏هما الحسن الفعلي وقصد القربة، فإنه يحكم بفسادها لفقدان العنصر الثالث فيها،وحيث إن الحصة المنهي عنها في المقام مبغوضة للمولى‏، فبطبيعة الحال يكون‏صدورها من المكلف قبيحاً فلهذا لايمكن الحكم بصحّتها.
والصحيح عدم اعتبارالحسن الفاعلي في صحةالعبادة والمعتبرفيها عنصران:
الأول: الحسن الفعلي.
الثاني: قصد القربة، وأما الحسن الفاعلي فلا دليل على اعتباره، هذا إضافةإلى أن الحسن الفاعلي لاينفك عن الحسن الفعلي، لأن الفعل إذا كان حسناً ومحبوباًللمولى‏ كان صدوره من المكلف حسناً أيضاً، وأمّا إذا كان الفعل قبيحاً فيكون‏صدوره منه أيضاً قبيحاً، فإذن ليس الحسن الفاعلي شرطاً آخر في مقابل الحسن‏الفعلي.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النقطة، وهي أن بطلان العبادة على ضوء الركيزةالاُولى‏، إنما هو بملاك عدم انطباق الواجب على الحرام والمحبوب على المبغوض،وهذا الملالك لايختص بالواجبات العبادية بل يشمل الواجبات التوصلية أيضاً،وأما على ضوء الركيزة الثانية، فإنما هو بملاك عدم إمكان التقرّب بالحصة المنهي‏عنها بالنهي النفسي التحريمي، وهذا الملاك مختصّ بالواجبات التعبدية، فلايشمل‏الواجبات التوصلية.
وأما الركيزة الثالثة، فقد عرفتم أنها لاتصلح أن تكون ملاكاً لبطلان العبادةأصلاً.
الجهة الثانية: إن الصحة في باب العبادة هل هي عبارة عن التمامية، أي كونهاواجدة لتمام أجزائها وشرائطها أو أنها متمثلة في اسقاط القضاء والإعادة أو في‏انطباق المأمور به بكامل أجزائه وشرائطه على الفرد المأتي به في الخارج.
والجواب: إن هناك أقوالاً:
الأول: إن الصحة متمثلة في التمامية.
الثاني: إنها متمثلة في إسقاط القضاء والإعادة.
الثالث: في انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج.
والصحيح من هذه الأقوال، القول الأخير، أما القول الأول، فلوضوح أن‏العبادة لاتتصف بالصحة بمجرد تمامية أجزائها وشرائطها، بل لابد من كونهاواجدة لحيثية اُخرى‏ وراء تماميتها، وهي حيثية وجودها في الخارج بكامل‏أجزائها وشروطها وانطباقها عليه كذلك، وإن شئت قلت: إنه إن اُريد بتماميتهاالتمامية في مرحلة الإعتبار والجعل، وهي مرحلة تصورها في عالم الذهن.
ففيه أنه لايعقل اتصافها بالصحة في هذه المرحلة، وإن اُريد بها التمامية في‏مرحلة الوجود الخارجي، فهو صحيح لأنها إذا وجدت في الخارج بتمام أجزائهاوشرائطها حكم بالصحة من جهة انطباق الواجب كذلك عليها، وأما إسقاطالقضاء والإعادة فهو من لوازم صحتها لا عينها على تفصيل تقدم في مبحث‏الصحيح والأعمّ.
والخلاصة، إن المعيار في اتصاف الشي‏ء بالصحة كونه واجداً للحيثية التي وراءوجوده في الخارج، فإن كان واجداً لها كان متّصفاً بها وإلا فلا، ولا فرق في ذلك‏بين كونه مركباً أو بسيطاً، ومن هنا يصح أن يقال: إن هذه الفكرة صحيحة وتلك‏باطلة، فإنها إن كانت واجدة للحيثية التي وراء وجودها، وهي مطابقة الفكرةللواقع فهي صحيحة وإلاّ فباطلة، ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من‏أن الشي‏ء القابل للإتصاف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى‏ إنما هو الشي‏ء المركب‏دون البسيط لايتم، وذلك لأن ما ذكره‏قدس سره مبني على عنصرين:
الأول: إن اتصاف الشي‏ء بالصحة أو الفساد إنما هو بلحاظ أثره الذي هو في‏مرتبة متأخرة عن وجوده، ويكون ثبوته له بمفاد كان الناقصة وعليه فبطبيعةالحال يختصّ ذلك الشي‏ء بالمركب، فإنه إن وجد تاماً من حيث الأجزاءوالشرائط ترتب عليه أثره وحكم بصحّته، وإن وجد ناقصاً وغير تام لم يترتب‏عليه أثره وحكم بفساده، وهذا بخلاف ما إذا كان الشي‏ء بسيطاً، فإن أمره يدوربين الوجود والعدم، فلايعقل اتصافه بالفساد ولا بالصحة.
الثاني: إن التقابل بين الصحة والفساد من تقابل العدم والملكة وعلى ضوءهذين العنصرين، فلايعقل أن يتصف الشي‏ء البسيط تارة بالصحة واُخرى‏بالفساد، فإنه إن وجد في الخارج وترتب عليه أثره فمع ذلك لايتصف بالصحةباعتبار استحالة اتصافه بالفساد، وهي تستلزم استحالة اتصافه بها، على أساس‏أن التقابل بينهما من تقابل العدم والملكة واستحالة أحدهما تستلزم استحالةالآخر.
فالنتيجة، إن الشي‏ء البسيط لايخلو إما أنه موجود في الخارج أو معدوم فيه ولاثالث لهما، فلهذا لايكون قابلاً للاتصاف بالصحة تارة وبالفساد اُخرى‏، إلاّ بنحوالسالبة بانتفاء الموضوع، وحينئذٍ يكون التقابل بينهما من تقابل الإيجاب والسلب‏لا العدم والملكة(8).
ولكن للنظر فيما أفاده‏قدس سره مجالاً، أما ما أفاده من أن اتصاف الشي‏ء بالصحة إنماهو بلحاظ ترتب الأثر عليه، فهو وإن كان صحيحاً إلاّ أن منشأ الاتصاف‏لاينحصر بذلك، فإن الشي‏ء مرة يتصف بالصحة باعتبار وجدانه وراء وجوده‏لحيثية ترتب الأثر عليه كما هو الحال في باب المعاملات وسوف نشير إليه،واُخرى‏ باعتبار وجدانه وراء وجوده لحيثية انطباق المأمور به عليه كما هو الحال‏في باب العبادات، وثالثة باعتبار وجدانه وراء وجوده لحيثية مطابقته للواقع كماهو الحال في مطابقة وجود الفكرة له، فإنها على الرغم من كونها بسيطة تتصف‏بالصحة إذا كانت مطابقة للواقع، وبالبطلان إذا لم تكن مطابقة له، وعليه فماذكره‏قدس سره من أن التقابل بين الصحة والفساد من تقابل العدم والملكة، فهو وإن كان‏صحيحاً إلاّ أنه لايمنع عن اتصاف الشي‏ء البسيط بالصحة تارة وبالفساد اُخرى‏إذا كان له واقع موضوعي وراء وجوده، فإنه بهذا اللحاظ قابل للاتصاف‏بالصحة والفساد، وأما إذا لم‏يكن له واقع موضوعي وراء وجوده في الخارج،فلايعقل اتصافه بهما، كما أن المركب إذا لم يكن له أثر مترتب عليه خارجاً،فلايعقل اتصافه بالصحة تارة والفساد اُخرى‏، ثم إن الحاكم بالصحة في المقام إنماهو العقل دون الشرع على أساس أنه يحكم بانتزاع الصحة من انطباق المأمور به‏على الفرد المأتي به في الخارج، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الانطباق واقعياً أوتعبدياً، بمعنى أن الفرد المأتي به ليس مصداقاً له واقعاً، بل الشارع اعتبره مصداقاًله كما في موارد قاعدتي الفراغ والتجاوز، لأن مرد حكم الشارع بالصحة في‏مواردهما هو حكمه بجعل المشكوك تاماً ومصداقاً للمأمور به في الخارج، فإذاحكم الشارع بذلك انطبق عليه المأمور به قهراً وحكم بالصحة، غاية الأمر يكون‏الانطباق على الفرد التعبّدي لا على الفرد الواقعي، ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏السيد الاُستاذقدس سره من أن الشارع قد حكم في موردهما بالانطباق(9)، لايمكن‏المساعدة عليه، لأن معنى ذلك إن الشارع قد حكم بالانطباق مع الشك في‏مصداقه وعدم إحراز تحققه تعبداً مع أن الأمر ليس كذلك؛ لوضوح أن الشارع في‏مورد قاعدة الفراغ قد حكم بتمامية ما أتى به من المشكوك إذا كان الشك بعدالفراغ عنه، وفي مورد قاعدة التجاوز بالاتيان بالمشكوك بعد التجاوز عن محله،وحينئذٍ فينطبق الواجب عليه قهراً، غاية الأمر على الفرد التعبّدي التنزيلي لاالواقعي ويحكم بصحّته.
وعليه فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره، من أن انطباق المأمور به على الفرد المأتي به‏في الخارج قد يكون واقعياً وقد يكون تعبدياً، مبني على المسامحة وعدم الدقة في‏التعبير لأن الانطباق على كلا التقديرين واقعي، ولكن ماينطبق عليه قد يكون‏فرداً واقعياً وقد يكون فرداً تنزيلياً، إلى هنا قد تبيّن أن الصحة في باب العبادات‏منتزعة من حيثية انطباق المأمور به على الفرد المأتي في الخارج بكامل أجزائه‏وشرائطه، هذا تمام الكلام في الصحة في باب العبادات.
وأما الصحة في باب المعاملات فهل هي مجعولة شرعاً أو أنها منتزعة من‏انطباق المعاملة على مصداقها الخارجي، فيه وجهان:
فذهب السيد الاُستاذقدس سره إلى الوجه الأول، وقد أفاد في وجه ذلك أن نسبةالمعاملات إلى الامضاء الشرعي المتعلق بها نسبة الموضوع إلى الحكم لا نسبةالمتعلق إليه كما هو الحال في العبادات، وحيث إن موضوع الحكم في القضاياالحقيقية قد أخذ مفروض الوجود في مرحلة الجعل والتشريع، فلا محالة تدورفعلية الحكم مدار فعلية موضوعه في الخارج، والمعاملات بما أنها مأخوذة في‏لسان أدلة الإمضاء مفروضة الوجود في الخارج في مرحلة الجعل والإعتبار،فبطبيعة الحال تدور فعلية الإمضاء مدار فعلية المعاملات وإيقاعها خارجاً،وحينئذٍ فلا محالة يتعدد الإمضاء بتعدد المعاملات في الخارج على أساس انحلال‏الحكم بإنحلال موضوعه فيه، فيثبت لكل فرد من المعاملة في الخارج فرد من‏الإمضاء مستقلاً، مثلاً الحلية المجعولة للبيع في قوله تعالى‏: »أحَلَّ اللَّهُ البَيْعَ«(10)تتعدد بتعدد أفراد البيع في الخارج، ويثبت لكل فرد من البيع فيه فرد من الحلية،ولانعقل للصحة في باب المعاملات إلاّ إمضاء الشارع لها لأن كل معاملة واقعة في‏الخارج إذا كانت مشمولة لإطلاق أدلة الإمضاء ك»أوْفُوا بِالْعُقُودِ« و»أحَلَ‏اللَّهُ الْبَيْعَ« ونحوهما، فهي صحيحة وتترتب عليها آثارها وإلاّ فهي فاسدة(11)هذا، وفي مقابل هذا القول قولان آخران:
الأول: إن صحة المعاملة منتزعة من انطباقها بكامل أجزائها وشرائطها على‏المعاملة الواقعة في الخارج، مثلاً صحة البيع منتزعة من انطباق البيع الممضى‏شرعاً على البيع الواقع فيه.
الثاني: التفصيل بين المعاملات الكلية المأخوذة في لسان مطلقات الكتاب‏والسنّة، كالبيع والإجارة والصلح والنكاح ونحوها، والمعاملات الجزئية الواقعةفي الخارج، فاتصاف الاُولى بالصحة إنما هو بإمضائها شرعاً واتصاف الثانية بهاإنما هو بانطباق الاُولى‏ عليها، ومعنى ذلك أن صحة الاُولى‏ مجعولة وصحة الثانيةمنتزعة، وقد اختار القول الأول المحقق النائيني‏قدس سره(12)، والثاني المحقق‏الخراساني‏قدس سره(13)، وعلى هذا ففي المسألة أقوال ثلاثة:
القول الأول: إن الصحة في باب المعاملات مجعولة مطلقاً.
القول الثاني: إنها منتزعة كذلك.
القول الثالث: إنها مجعولة في المعاملات الكلية ومنتزعة في المعاملات‏الشخصية هذا.
وللمناقشة في جميع هذه الأقوال الثلاثة مجال.
أما القول الأول، الذي اختاره السيد الاُستاذقدس سره، وهو أن صحة المعاملات‏عبارة عن الآثار المجعولة لها في الشريعة المقدسة التي تدور فعليتها مدار فعليةالمعاملات، فإذا وقع بيع مثلاً بين زيد وعمرو في الخارج بكامل أجزائه وشروطه‏ترتب عليه أثره المجعول له بنحو القضية الحقيقية، وهو ملكية المبيع للمشتري‏والثمن للبايع، وهكذا.
وهذا هو معنى صحة البيع، وإذا وقع فاسداً لايترتب عليه هذا الأثر، وهوانتقال ملكية المبيع إلى المشتري والثمن إلى البايع، فلايمكن المساعدة عليه، وذلك‏لأن صحة المعاملة لاتكون عبارة عن ترتب نفس الآثار المجعولة عليها في الخارج‏وفعليتها فيه، لوضوح أنه ليس صفة للبيع، بل هو من آثاره ونسبته إليها نسبةالمؤثر إلى الأثر والعلة إلى المعلول، ومن الواضح أن الأثر ليس صفة المؤثروالمعلول صفة العلة، بل صحتها منتزعة عن كونها واحدة لخصوصية وراءوجودها في الخارج، وهي ترتب الأثر عليها، فيكون ترتب الأثر عليها في‏الخارج منشأ لانتزاع صحتها، ومن ذلك يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أن صحة المعاملةمتمثلة في نفس ترتب الأثر عليها في الخارج مبني على الخلط بينها وبين أن تكون‏منتزعة من ترتبه عليها في الخارج، بأن يكون ترتبه عليها منشأ لانتزاعهاواتصاف المعاملة بها، ضرورة أن الصحة صفة للمعاملة، وترتب أثرها عليهاليس صفة لها، ولهذا لايصح حمله عليها بالحمل الشايع مع أن صحتها محمولةعليها كذلك، فيصح أن يقال أن البيع صحيح والإجارة صحيحة، وهكذا.
وبكلمة، إن البيع إذا وقع في الخارج بين اثنين بكامل أجزائه وشروطه، ترتب‏عليه أثره وهو منشأ لانتزاع صفة الصحة له، أو فقل إن منشأ انتزاع هذه الصفةإنما هو وجدان البيع لحيثية ترتب الأثر عليه وراء وجوده في الخارج، لا أن‏صحتها عبارة عن نفس ترتب الأثر عليها، وبذلك تمتاز المعاملات عن العبادات،فإن منشأ اتصاف العبادة المأتي بها في الخارج إنما هو وجدانها لحيثية انطباق‏العبادة المأمور بها عليها فيه، وليست صحتها عبارة عن نفس انطباقها عليها،ومنشأ اتصاف المعاملة بالصحة وجدانها لحيثية ترتب الأثر عليها، فما ذكره السيدالاُستاذقدس سره من أن الصحة في باب المعاملات عبارة عن نفس الآثار المجعولةالمترتبة عليها في الخارج، لايرجع إلى معنى صحيح كما عرفت.
وأما القول الثاني، الذي اختاره المحقق النائيني‏قدس سره، وهو أن صحة المعاملةمنتزعة من انطباقها على الفرد المأتي به في الخارج، وقد أفاد في وجه ذلك أن‏المعاملات متمثلة في الأسباب والمسببات، أما المسببات فحيث إنها بسيطة فلاتتصف بالصحة ولا بالفساد، بل بالوجود تارة والعدم اُخرى‏، وأما الأسباب‏كالبيع والإجارة والصلح والنكاح ونحوها، فهي تتصف بالصحة والفساد بتقريب‏أن هذه الأسباب هي مصبّ إمضاء الشارع وموضوعها، فالبيع بكامل أجزائه‏وشروطه مشمول لإطلاقات أدلة الإمضاء، وعلى هذا فإذا وقع بيع في الخارج‏فإن كان واجداً لتمام أجزائه وشرائطه، انطبق عليه البيع الممضى‏ شرعاً وحكم‏بصحّته، وإلاّ فلا كما هو الحال في العبادات(14).
فلايمكن المساعدة عليه، لأن ما ذكره‏قدس سره مبني على قياس باب المعاملات على‏باب العبادات وعدم الفرق بينهما من هذه الناحية، ولكن القياس مع الفارق‏وذلك لأن نسبة العبادة إلى الحكم نسبة المتعلق إليه، وقد مرّ أن متعلق الأمر في‏باب العبادات هو الطبيعة، ولا يسري الأمر منها إلى أفرادها في الخارج لا بنحوالإطلاق ولا بنحو الاشتراط، وأما الصحة فهي منتزعة من انطباق الطبيعةالمأمور بها على الفرد المأتي به في الخارج، لا من جهة أن الفرد هو متعلق الأمربحدّه، وأما نسبة المعاملات إلى أحكامها وآثارها نسبة الموضوع إلى الحكم،وحيث إن الموضوع مأخوذ مفروض الوجود في الخارج، فبطبيعة الحال ينحلّ‏الحكم بانحلال أفراد موضوعه فيه، وكل فرد موضوع مستقل لحكم مستقل، وكل‏فرد من البيع ممضاً شرعاً بإمضاء مستقل لا أنه فرد من البيع الممضى‏ لكي يكون‏اتصافه بالصحة بلحاظ انطباق طبيعي البيع الممضى‏ عليه، كما هو الحال في باب‏العبادات، فإذن لا محالة يكون ملاك اتصاف المعاملة بالصحة غير ملاك اتصاف‏العبادة بها وهو وجدان المعاملة لحيثية ترتب الأثر عليها خارجاً كما مرّ لا حيثيةالإنطباق.
والخلاصة: إن اتصاف كل فرد من المعاملة بالصحة في الخارج ليس من جهةوجدانه لحيثية انطباق المعاملة عليه وراء وجوده فيه لفرض أن الممضى ليس هوطبيعة المعاملة دون أفرادها كما هو الحال في العبادات، بل الممضى كل فرد من‏أفرادها بحياله واستقلاله، فإذن لامحالة يكون اتصاف كل فرد منوطبخصوصية اُخرى مرتبطة بالفرد بحدّه الفردي، وهي وجدانه وراء وجوده في‏الخارج لحيثية ترتب أثره عليه، وهو منشأ لانتزاع الصحة له، وكل فرد من‏المعاملة إذا لم يكن واجداً لهذه الحيثية وراء وجوده فيه فهو فاسد، فما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره من أن منشأ انتزاع الصحة لكل فرد من المعاملة هو وجدانه لحيثيةالانطباق عليه لايرجع إلى معنى صحيح.
وأما القول الثالث، وهو التفصيل بين المعاملات الكلية والمعاملات الجزئية،وهو الذي اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره، فيظهر بطلانه مما ذكرناه في نقد القولين‏الأولين، بيان ذلك أما ماذكره‏قدس سره من أن الصحة مجعولة في المعاملات الكلية، وهي‏التي مأخوذة مفروضة الوجود في مرحلة الجعل والإعتبار.
فيرد عليه أوّلاً: إن المعاملات الكلية بهذا المعنى لاتتصف بالصحة والفساد،لأنهما من صفات الموجودات الخارجية، وأما الطبيعي الذي لا وجود له في‏الخارج إلاّ في عالم الذهن فلايعقل اتصافه بالصحة أو الفساد.
وثانياً: إن الإمضاء مجعول من قبل الشارع بنحو القضايا الحقيقية التي اُخذت‏المعاملات فيها مفروضة الوجود في الخارج، ولازم ذلك هو انحلال الإمضاءبانحلال المعاملات فيه، فيثبت لكل فرد من المعاملة فرد من الإمضاء المستقل في‏الثبوت والسقوط، وعلى هذا فلو سلمنا أن صحة المعاملة عبارة عن إمضائها،فالممضى هو المعاملات الواقعة في الخارج دون المعاملات الكلية، لأنها مأخوذةفي لسان الأدلة بنحو المعرفية والمشيرية إلى أفرادها فيه، والإمضاء في الحقيقةمجعول للأفراد الخارجية لا للكليات الذهنية بالحمل الأولي، وعلى هذا فماذكره‏قدس سره من أن الصحة مجعولة للمعاملات الكليّة دون الجزئية لايرجع إلى معنى‏محصل.
وأما ماذكره‏قدس سره من أن صحة المعاملات الجزئية منتزعة من انطباق المعاملات‏الكلية الممضاة شرعاً عليها في الخارج، كما هو الحال في العبادات، فيظهر حاله ممامرّ الآن، من أن الممضى إنما هو نفس المعاملات الواقعة في الخارج حقيقة دون‏المعاملات الكلية التي اُخذت مفروضة الوجود، فإذن لايعقل أن تكون صحتهامنتزعة من انطباق المعاملات الكلية على أفرادها فيه، بل هي منتزعة من‏وجدانها وراء وجودها في الخارج لحيثية ترتب الأثر عليها فيه وليست عبارةعن نفس ترتب الأثر عليها كما تقدم.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن صحة المعاملات كصحةالعبادات أمر انتزاعي لا أنها مجعولة، غاية الأمر أن منشأ انتزاعها في العبادات إنماهو وجدانها لحيثية انطباقها على أفرادها في الخارج بينما هو في المعاملات عبارةعن وجدانها لحيثية ترتب الأثر عليها في الخارج.
نتائج البحوث لحدّ الآن عدّة نقاط:
الاُولى‏: إن اقتضاء النهي المتعلق بالعبادات بطلانها يرتكز على أحد ركائزثلاث:
الركيزة الاُولى‏: إن حرمة حصة من العبادة تمنع عن انطباق العبادة عليها،وتوجب تقييدها بغيرها على أساس أن الحرام لايمكن أن يكون مصداقاً للواجب‏والمبغوض مصداقاً للمحبوب.
الركيزة الثانية: إن الحصة المنهي عنها حيث إنها مبغوضة، فلايمكن التقرّب‏بها.
الركيزة الثالثة: إن العقل يحكم بقبح الإتيان بالحصة المحرمة.
الثانية: إن نتائج هذه الركائز الثلاث تختلف باختلاف صيغها، فنتيجة الاُولى‏عدم اختصاصها بالواجبات العبادية وشمولها للواجبات التوصلية باعتبار أن‏الحرام لايمكن أن يكون مصداقاً للواجب، وإن كان توصلياً. ونتيجة الثانيةاختصاصها بالعبادات وعدم شمولها لغيرها، لأن قصد القربة معتبر في العبادات‏فقط. ونتيجة الثالثة أيضاً اختصاصها بالعبادات لو تمّت.
الثالثة: إن النهي التحريمي النفسي عن حصة من الواجب يوجب تقييد اطلاقه‏بغيرها على أساس استحالة أن يكون الحرام مصداقاً للواجب والمبغوض‏للمحبوب، وإما إذا كان النهي التحريمي غيرياً، كالنهي عن حصّة من الصلاة من‏أجل وجوب الإزالة، فهل يوجب تقييد الصلاة بغيرها، فيه قولان: فذهب المحقق‏النائيني‏قدس سره إلى القول الأول، بدعوى أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هوباقتضاء نفس الخطاب الشرعي لابحكم العقل بملاك قبح تكليف العاجز، لأن‏الخطاب بنفسه يقتضي أن يكون متعلقه خصوص الحصة المقدورة عقلاً وشرعاً،وحيث إن الحصة المزاحمة غير مقدورة شرعاً، فلا محالة تكون خارجة عن متعلق‏الأمر، ولكن الصحيح أن اعتبار القدرة في متعلق التكليف إنما هو بحكم العقل‏بملاك قبح تكليف العاجز، فإنه كاشف عن اعتبارها فيه، ولولاه لم يكن الخطاب‏مقتضياً له فإقتضائه إنما هو بملاك حكم العقل، هذا إضافة إلى أن الخطاب‏لايقتضي أكثر من كون متعلقه مقدوراً، والمفروض أن الجامع بين المقدور وغيرالمقدور مقدور.
الرابعة: إن تقييد اطلاق الواجب بالفرد المزاحم مستحيل، فإذا استحال‏تقييده به استحال اطلاقه أيضاً، على أساس أن التقابل بينهما من تقابل العدم‏والملكة، فاستحالة أحدهما تستلزم استحالة الآخر، ولكن فيه خلطاً بين‏الاطلاق المقابل للتقييد بتقابل العدم والملكة الذي هو بمعنى عدم التقييد، وهومعنى سلبي وبين الإطلاق بمعنى الشمول، أي شمول الحكم للمقيد وهو معنى إيجابي‏والإطلاق في المقام إنما هو بهذا المعنى الإيجابي لا بالمعنى الأول.
ومن الواضح أن التقابل بين الإطلاق بهذا المعنى، والتقييد من تقابل التضاد لاالعدم والملكة، واستحالة أحدهما حينئذٍ تستلزم ضرورة الآخر لا استحالته.
الخامسة: إن ما قيل من أن اطلاق الأمر بالواجب الموسّع للفرد المزاحم‏وعدم إطلاقه يدوران مدار إمكان الواجب المعلق وعدم امكانه، فعلى الأول‏مطلق، وعلى الثاني مقيد، وفيه أنه مبني على انحلال الأمر المتعلق بالواجب‏الموسّع بانحلال أفراده، وقد تقدم بطلان هذا المبنى.
السادسة: إن ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل في النهي التنزيهي المتعلق‏بحصة من العبادة بين ما يكون منشأه حزازة ومفسدة في الخصوصية المقترنة بهاوجوداً، وما يكون منشأه حزازة ومنقصة في نفس الحصة، فعلى الأول لايوجب‏تقييد اطلاق العبادة بغيرها، وعلى الثاني يوجب تقييد اطلاقها بغيرها، لايمكن‏المساعدة عليه فلاحظ.
السابعة: إن النهي المتعلق بالحصة إذا كان نفسياً تحريمياً دلّ على أنها مبغوضةومشتملة على المفسدة الملزمة، وحينئذٍ فلايمكن التقرّب بها.
وما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن الحصة إن كانت بنفسها مفسدة، فلايمكن‏الحكم بصحّتها لأن الشي‏ء الواحد لايمكن أن يكون مصلحة ومفسدة معاً، وإن‏كانت المفسدة مترتبة عليها وكذلك المصلحة فلا مانع من الحكم بالصحة، لايمكن‏المساعدة عليه فلاحظ.
الثامنة: إن تقييد اطلاق العبادة بغير الحصة المنهي عنها عقلي لا شرعي.
التاسعة: إن قبح الاتيان بالحصة المنهي عنها ليس من شروط صحة العبادة،فما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، من أنه يعتبر في صحة العبادة الحسن الفاعلي زائداً على‏الحسن الفعلي وقصد القربة، لايرجع إلى معنى صحيح.
العاشرة: إن ملاك اتصاف العبادة بالصحة إنما هو على أساس كونها واحدةوراء وجودها في الخارج حيثية انطباق العبادة المأمور بها عليها، ولا فرق في‏ذلك بين كون الشي‏ء بسيطاً أو مركباً، ولهذا يقال أن هذه الفكرة صحيحة وتلك‏خاطئة، وملاك اتصاف المعاملة بالصحة إنما هو على أساس وجدانها وراءوجودها في الخارج حيثية ترتب الأثر عليها، فوجدان كل من العبادة والمعاملةللحيثية وراء وجودها في الخارج هو منشأ اتصافها بالصحة وانتزاعها لها، وبذلك‏يظهر حال جميع الأقوال في المسألة.
الجهة الثالثة: إن النهي المتعلق بالعبادة تارة متعلق بذاتها واُخرى‏ بجزء أوشرط منها.
أما الفرض الأول، فهو على نحوين:
أحدهما: إن النهي تعلّق بنفس ما كان الأمر متعلقاً به.
الثاني: إنه تعلق بحصّة خاصة منه.
أمّا على النحو الأول، فهو داخل في باب التعارض للتنافي بينهما في تمام‏مراحلهما أي من مرحلة المبادي إلى مرحلة الإمتثال، لأن اجتماع الأمر والنهي في‏شي‏ء واحد وجوداً وماهية مستحيل من جهة استحالة إجتماع المفسدة مع المصلحةفيه والمحبوب مع المبغوض والإرادة مع الكراهة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون‏النهي نفسياً أو غيرياً، وعلى الأول لا فرق بين أن يكون تحريمياً أو تنزيهياً، فإن‏الشي‏ء الواحد وجوداً وماهية لايمكن أن يكون محبوباً ومبغوضاً معاً واجباًوحراماً كذلك، ومتعلقاً للارادة والكراهة وإن كانت مبغوضية أحدهما غيرية،ضرورة أنه كما لايمكن أن يكون شي‏ء واحد محبوباً ومبغوضاً لنفسه معاً، كذلك‏لايمكن أن يكون محبوباً لنفسه ومبغوضاً لغيره، وذلك لاستحالة اجتماع الحبّ‏والبغض في شي‏ء واحد بتمام أنحائهما وكذلك الإرادة والكراهة.
فالنتيجة، إن هذا النحو من النهي الذي تعلق بعين ما تعلق به الأمر خارج عن‏محل الكلام في المسألة وداخل في كبرى‏ مسألة التعارض والمرجع فيها قواعد باب‏المعارضة، وأما على النحو الثاني، وهو تعلق النهي بحصة خاصة من العبادة فهوداخل في محل النزاع في المسألة، وقد تقدم أنه يقتضي فساد العبادة بملاك أحدأمرين:
الأول: إنه حيث كان يكشف عن مبغوضية متعلقه، فلايمكن التقرب به المعتبرفي صحة العبادة.
الثاني: إن متعلقه حيث إنه كان حراماً ومبغوضاً، فلايمكن أن يكون مصداقاًللواجب والمحبوب ومراداً، ولكن هذا مختص بالنهي النفسي التحريمي، وأما إذاكان غيرياً أو تنزيهياً، فقد مرّ أنه لايمنع من هذين الأمرين.
وأما الفرض الثاني، فالنهي فيه تارة يتعلق بجزء من العبادة، واُخرى‏بشرطها.
أما الكلام في الأول، فهو أيضاً يتصور على نحوين:
الأول: إن النهي تعلق بنفس ما كان الأمر الضمني متعلقاً به.
الثاني: إنه تعلق بحصة خاصة من الجزء المأمور به.
أما الأول، فهو خارج عن محل الكلام وداخل في باب التعارض والمرجع فيه‏مرجحات ذلك الباب.
وأما الثاني، فهو داخل في محل الكلام، ويقع الكلام في اقتضائه فساد الجزءالمنهي عنه بأحد الملاكين المتقدمين.
1 - عدم إمكان قصد التقرب بالحصة المنهي عنها من جهة أنها مبغوضة.
2 - عدم انطباق الجزء الواجب عليها على أساس استحالة كون الحرام مصداقاًللواجب والمبغوض للمحبوب.
وتفصيل الكلام فيه يأتي في ضمن البحوث القادمة، وللمحقق النائيني‏قدس سره في‏المقام كلام، وهو أن النهي عن جزء العبادة أيضاً يوجب فسادها، وقد أفاد في‏وجه ذلك أن جزء العبادة لايخلو من أن يكون مقيداً بالوحدة كالسورة في‏الصلاة، بناءً على حرمة القرآن أو لايكون مقيداً بها ولا ثالث لهما، وحينئذٍ فإن‏كان الجزء المنهي عنه من قبيل الأول كان النهي عنه مستلزماً لفساد العبادة،وذلك لأن المكلف في مقام الامتثال إن اقتصر على هذا الجزء المنهي عنه بطلت من‏جهة أنها فاقدة للجزء، على أساس أن النهي عن حصة خاصة منه يوجب تقييداطلاق دليله بغير هذه الحصة المنهي عنها، ومع الاقتصار عليها تبطل العبادة من‏جهة نقصان الجزء، وإن لم يقتصر عليها بأن يأتي بعدها لفرد آخر، تبطل الصلاةمن جهة الاخلال بالوحدة.
والخلاصة، إن المصلي إن اقتصر على الجزء المنهي عنه بطلت صلاته من جهةالنقصان، وإن لم يقتصر عليه بطلت من جهة الإخلال بالوحدة، ومن هنا قال‏قدس سره‏ببطلان صلاة من قرء إحدى سور العزائم في الفريضة، فإنه إن اقتصر عليها بطلت‏صلاته من جهة ترك السورة، وإن لم يقتصر عليها بطلت من جهة القرآن، بل لوقلنا بجواز القرآن، فأيضاً تبطل صلاته، لأن دليل حرمة قراءة السورة يقيدإطلاق دليل جواز القرآن بغير الفرد المنهي عنه، وأما معه فيحرم القرآن(15).
وعلى الجملة، فيظهر من كلماته‏قدس سره في‏المسألة عدةوجوه‏لبطلان العبادة في‏المقام:
الأول: إن المصلي إن اقتصر على الجزء المنهي عنه بطلت صلاته من جهةنقصان الجزء، وإن لم يقتصر عليه وأتى بفردٍ آخر بعده بطلت من جهة الإخلال‏بالوحدة.
الثاني: إن العبادة مقيدة بعدم ذلك الجزء المنهي عنه، فيكون وجوده مانعاً عن‏صحتها بدعوى‏ أن النهي عنه يستلزم تقييد العبادة بعدمه، فإذا كان عدمه قيداً لهاكان وجوده مانعاً عنها.
الثالث: إن الاتيان بهذا الجزء المنهي عنه زيادة عمدية في الصلاة والفرض أن‏الزيادة العمدية مبطلة لها، ودعوى‏ أن المعتبر في صدق الزيادة قصد الجزئية، وإلاّفلا تصدق الزيادة.
مدفوعة، بأن قصدالجزئية إنمايعتبر في صدق‏الزيادة إذا لم‏يكن‏الجزءالمنهي عنه‏مسانخاً لأجزاءالصلاة، وأماإذا كان مسانخاًلها فلايعتبر في‏صدقها قصدالجزئية.
الرابع: إن الجزء المنهي عنه خارج عن إطلاق أدلة جواز مطلق الذكر في‏الصلاة، فإن دليل حرمته يوجب تقييد اطلاقها بغير الفرد المحرم، وأما الفرد المحرم‏من الذكر فهو مانع عن الصلاة، وداخل في اطلاق ما دلّ على بطلان الصلاةبالتكلم العمدي، لأن المستثنى فيها انما هو الذكر الجائز لامطلق الذكر، وإن كان‏محرماً، وهذا هو الوجه في بطلان الصلاة بالذكر المحرم لا أنه داخل في كلام آدمي،ضرورة أنه ليس بكلام آدمي بل هو ذكر محرم، ومن الواضح أن حرمته لاتوجب‏خروجه عن الذكر ودخوله في الكلام الآدمي، وإنما توجب خروجه عن الذكرالمستثنى في الصلاة عن التكلم العمدي المبطل لها، وبكلمة، إن ما دل على بطلان‏الصلاة بالتكلم العمدي يشمل باطلاقه الذكر أيضاً، ولكن هذا الاطلاق قد قيّد بمادل على أن التكلم بالذكر في الصلاة لايكون مانعاً عنها، وهذا الذكر المستثنى قدقيد بالذكر الجائز، وعليه فالذكر المحرم كان يبقى تحت اطلاق دليل البطلان، هذاكله في الجزء المنهي عنه المأخوذ في الصلاة بعنوان خاص كالوحدة، وأما إذا كان‏الجزء المنهي عنه من قبيل الثاني، وهو مايكون مأخوذاً فيها بنحو لا بشرط، فقداتضح الحال فيه مما تقدم، لأن جميع الوجوه المذكورة التي استدل بها على فسادالعبادة المشتملة على الجزء المنهي عنه بعنوان الوحدة جارية في هذا القسم أيضاًإلاّ الوجه الأول، فإنه يختص بالقسم الأول على أساس أن الجزء المنهي عنه إن‏كان مأخوذاً بنحو لابشرط، فبإمكان المصلي أن لا يقتصر عليه بأن يأتي بفردآخر بعده، فعندئذٍ تصح صلاته، بينما في القسم الأول إذا أتى به بعده بطلت صلاته‏من جهة الإخلال بالوحدة، وأما سائر الوجوه فهي لاتختص بالقسم الأول بل‏تشمل القسم الثاني أيضاً بيان ذلك:
أما الوجه الثاني، وهو أن النهي عن الجزء يقتضي تقييد العبادة بعدمه، فيكون‏وجوده مانعاً عنها فلا فرق فيه بين القسم الأول والثاني كما هو واضح.
وأما الوجه الثالث، وهو أن الإتيان بالجزء المنهي عنه زيادة عمدية مبطلةللصلاة، فلا فرق فيه أيضاً بين القسم الأول والثاني، كما هو ظاهر.
وأما الوجه الثالث، وهو أن الجزء المنهي عنه يكون من الذكر المحرّم، وخارجاًعن إطلاق ما دل على جواز الذكر في الصلاة، وداخلاً في إطلاق ما دلّ على بطلان‏الصلاة بالتكلم العمدي وإن كان ذكراً، إذ الخارج منه الذكر السايغ فقط، وأمإ؛/+خ‏خ‏المحرم منه، فهو يظل باقياً في إطلاق دليل البطلان، فلافرق فيه أيضاً بين القسم‏الأول والقسم الثاني كما لايخفى هذا، وغير خفي إن الوجه الأول من هذه الوجوه‏تام، ولكنه مختص بالقسم الأول، حيث إن في هذا القسم إذا اقتصر المصلي على‏الجزء المنهي عنه بطلت صلاته من جهة النقص باعتبار أنه ليس مصداقاً للجزءالمأمور به، وإن أتى بعده بفرد آخر بطلت من جهة الاخلال بالوحدة، وأما سائرالوجوه فهي غير تامة.
أما الوجه الثاني: فهو مبني على الخلط بين النهي الإرشادي والنهي المولوي،فإن النهي المتعلق بالجزء إن كان إرشادياً كان مدلوله مانعية وجوده عن الصلاةوتقييدها بعدمه، وذلك كالنهي عن سجدة التلاوة في الصلاة، فإنه إرشاد إلى‏مانعيتها عنها، واعتبار عدمها فيها، والنهي عن الصلاة فيما لايؤكل لحمه أو الذهب‏أو الميتة أو غير ذلك، فإنه إرشاد إلى مانعية هذه الاُمور عن الصلاة واعتبارعدمها فيها، ومن هنا قلنا إن الأوامر والنواهي الواردتين في أبواب المعاملات‏والعبادات ظاهرتان عرفاً في الإرشاد.
أما الاُولى‏ في الإرشاد إلى الجزئية أو الشرطية.
وأما الثانية في الإرشاد إلى المانعية، وهذا بخلاف ما إذا كان النهي المتعلق‏بالجزء نهياً مولوياً كما هو المفروض في المقام، فإن مفاده حرمة ذلك الجزءومبغوضيته للمولى لا أنه مانع عن الصلاة، أو فقل إنه يدل بالمطابقة على حرمةمتعلقه ومبغوضيته، وبالالتزام على نفي سائر الأحكام عنه، فما ذكره‏قدس سره من أن‏النهي المتعلق بالجزء كالسورة مثلاً في الصلاة يدل على تقييد الصلاة بعدمها إنما يتم‏فيما إذا كان النهي المذكور إرشادياً لا مولوياً، والمفروض إن محل الكلام في المسألةإنما هو في النهي المولوي التحريمي، وهذا النهي إذا تعلق بجزء من الصلاة وإن كان‏يستلزم فسادها، ولكن لا من جهة أن وجوده مانع عنها وعدمه قيد لها بل من‏جهة أن الجزء المنهي عنه محرم ومبغوض، فلايمكن التقرّب به ولا يعقل أن يكون‏مصداقاً للجزء الواجب لاستحالة كون الحرام مصداقاً له، والمبغوض للمحبوب،فلذلك يبطل الجزء فإذا بطل الجزء بطل الكل أيضاً من جهة بطلان جزئه، هذا إذااقتصر على الجزء المنهي عنه، وأما إذا لم يقتصر عليه وأتى بفرد آخر بعده، فعلى‏ضوء القسم الأول تبطل الصلاة من جهة الإخلال بالوحدة، وعلى ضوء القسم‏الثاني يحكم بصحتها وبذلك يفترق القسم الأول عن القسم الثاني.
وأما الوجه الثالث: فالظاهر أنه لاشبهة في أن صدق الزيادة في الصلاةيتوقف على القصد والوجه في ذلك هو أن الصلاة مركبة من المقولات المتباينةوجوداً وماهية، وحيث إن التركيب بين تلك المقولات اعتباري لاحقيقي‏فالوحدة الجامعة بينهما المسماة باسم الصلاة وحدة اعتبارية، وعليه فإذا أتى بهاباسم الصلاة المميز لها شرعاً فهي مصداقاً للصلاة المأمور بها، وإلاّ فلا تكون‏مصداقاً لها وكذلك الحال في أجزائها، مثلاً إذا أتى بفاتحة الكتاب بعنوان أنها من‏واجبات الصلاة، فهي جزء لها وإلاّ فلا، ومن هنا يكون جزء الصلاة حصةخاصة من فاتحة الكتاب لا مطلقاً، وكذلك سائر أجزاء الصلاة، وإذا ركع بعنوان‏ركوع الصلاة فهو جزئها، وإذا ركع بعنوان آخر فهو ليس جزءً لها، وهكذا الحال‏في سائر أجزاء الصلاة، وعلى ضوء هذا الأساس فإذا أتى المصلي بفاتحتين‏للكتاب في ركعة واحدة، فإن أتى بالثانية بقصد إنها من الصلاة، فهي زيادة فيها،وإلاّ فلا، وكذلك إذا أتى بتشهّدين في ركعة واحدة، فإن أتى بالتشهد الثاني بقصدأنه جزء الصلاة، فهو زيادة وإلا فلا وهكذا، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الزائدمن سنخ المزيد فيه أو لايكون من سنخه كالتكلتف في الصلاة، فإنه ليس مسانخاًمع شي‏ء من أجزاء الصلاة، وحينئذٍ فإن أتى به بقصد أنه من الصلاة فهو زيادةفيها وإلاّ فلا، وعليه فما ذكره‏قدس سره من أنه لا يعتبر في صدق عنوان الزيادة على شي‏ءفي الصلاة قصد أنه منها إذا كان ذلك الشي‏ء من سنخ أجزائها غريب جداً، وذلك‏لوضوح أن صدق الزيادة متقوّم بالقصد، فلو قرأ الحمد بغاية الثواب على الميت‏أو بداع آخر فلا يصدق أنه زاد في صلاته، وأما إذا قرأها مرة ثانية بقصد أنها من‏الصلاة أيضاً، فيصدق أنه زاد فيها، وأما اطلاق الزيادة على سجدة التلاوة رغم‏أنه لم يأت بها بعنوان أنها من الصلاة، فإنما هو بالنص والتعبد لا على القاعدة،ولهذا لا يتعدى‏ من مورده إلى سائر الموارد إلاّ الركوع على المشهور، وتمام الكلام‏من هذه الناحية في محله.
وأما الوجه الرابع: فقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأنه لا دليل على بطلان‏الصلاة بالذكر المحرم لأن الدليل إنما يدل على بطلانها بكلام آدمي، ومن المعلوم‏أن الذكر المحرم ليس بكلام آدمي فلايكون مبطلاً لها، هذا إضافة إلى أن هذاالوجه لو تمّ فإنما يتم في الصلاة فقط، ولا يعم غيرها من العبادة كالحج والصيام‏وماشاكلهما(16) هذا.
وللمناقشة فيما أفاده‏قدس سره مجال، وذلك لأن الوارد في لسان الروايات الناهية عن‏التكلم في الصلاة(17) عنوان التكلم ويتكلم وتكلمت، وأما عنوان الكلام فضلاًعن الكلام الآدمي لم يرد في لسان شي‏ء من روايات الباب، وعلى هذا فالوارد في‏الروايات أن من تكلم في صلاته متعمّداً فقد بطلت صلاته إلاّ إذا كان مع اللَّه‏تعالى‏ ومناجاة به أو دعاءً أو قرآناً، فالمستثنى من اطلاق هذه الروايات هوالمناجاة والتكلم مع اللَّه تعالى‏ وقراءة القرآن وذكر النبي‏صلى الله عليه وآله، ومن الواضح إن‏مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي أن المستثنى هو التكلم مع اللَّه تعالى،ومناجاته فيما كان فيه رضاه تعالى‏، ولايصدق عنوان التكلم والمناجاة مع اللَّه‏عزّوجلّ فيما هو مبغوض عنده، لوضوح أن عنوان التكلم مع اللَّه تعالى‏ والمناجاةمعه، إنما هو بالخضوع والخشوع له تعالى‏ والتضرع والتوسل، ومن الطبيعي أن‏ذلك لايمكن بالمبغوض عنده سبحانه.
وبكلمة، إن الروايات التي تنصّ على أن التكلم في الصلاة متعمداً مبطل لها قداستثنت التكلم فيها بذكر اللَّه تعالى وذكر رسوله‏صلى الله عليه وآله والدعاء والمناجاة وقراءةالقرآن(18)، ومن الواضح أن المتفاهم العرفي من دليل الاستثناء بمناسبة الحكم‏والموضوع الارتكازية هو أن استثناء هذه العناوين الخاصة المميزة من التكلم في‏الصلاة المبطل لها إذا كان عمدياً، إنما هو من جهة محبوبية هذه العناوين لامطلقاً،وعلى هذا فإذا كانت مبغوضة لم تكن مشمولة لدليل الاستثناء بل هي باقية تحت‏اطلاق دليل المستثنى منه، وعلى هذا فمن تكلم بذكر محرم أو دعاء مبغوض في‏صلاته متعمداً بطلت.
بقي هنا شي‏ء وهو أن السيد الاُستاذقدس سره قد ذكر أن النهي عن جزء من الصلاة،وإن لم يدل على تقييدها بعدم هذا الجزء شرعاً، باعتبار أن مفاده الحرمة لاالتقييد، إلاّ أنه يدل على تقييدها بعدم الحصة المشتملة على هذا الجزء في مرحلةالانطباق، على أساس استحالة انطباق الواجب على الحرام في الخارج والمحبوب‏على المبغوض فيه ، والفرق بين التقييد الشرعي والتقييد العقلي، هو أن تقييدالواجب بعدم شي‏ء إذا كان شرعياً فمردّه إلى أن وجوده مانع عنه كتقييد الصلاةبعدم التكلم فيها عامداً ملتفتاً وتقييدها بعدم لبس مالايؤكل وهكذا، فإن معنى‏ذلك هو أن وجود هذه الأشياء مانع عنها، وإذا كان عقلياً، فمعناه أن الطبيعي‏المأمور به لاينطبق على الفرد المشتمل على الجزء المنهي عنه لاستحالة انطباق‏الواجب على الحرام، والمحبوب على المبغوض من دون أن يكون وجوده مانعاًعنها، هذا نظير ما في باب التزاحم، فإن تقييد اطلاق كل من الواجبين المتزاحمين‏بعدم الاشتغال بالآخر عقلي بملاك عدم القدرة على الجمع بينهما في مقام‏الامتثال(19) هذا.
ولنا تعليق على ذلك، وهو ما تقدم في ضمن البحوث السالفة من أنه لاتنافي‏بين النهي عن فرد، وبين الأمر بالجامع بينه وبين سائر الأفراد، لأن الأمرلايسري من الجامع إلى أفراده بنحو الوجوبات المشروطة، وكذلك مباديه‏كالإرادة والحب على تفصيل تقدم.
ومن هنا، قلنا إن الأمر الواجب الموسّع يظل باقياً على اطلاقه على الرغم من‏تعلق النهي بفرده، على أساس أنه لامانع من تعلق الأمر بالجامع بين المقدوروغيره، ولا فرق في ذلك بين القول باشتراط التكليف بالقدرة عقلاً بملاك حكم‏العقل بقبح تكليف العاجز والقول باشتراطه بها باقتضاء نفس الخطاب الشرعي،ومع عدم التنافي بينهما فلا مقتضى لحكم العقل بالتقييد، وكذلك الحال في المقام‏وهو تعلق النهي بالجزء، فإنه لايدل على تقييد الصلاة بعدمه لفرض أنه نهي‏مولوي لا إرشادي، ولا يدل عليه بحكم العقل أيضاً لعدم التنافي بين الأمر المتعلق‏بالجامع بينه وبين غيره، والنهي عنه في تمام مراحلهما، أي من مرحلة الاعتبار إلى‏مرحلة المبادي، نعم أن التنافي بينهما يكون في مرحلة الامتثال باعتبار أن الفردالمشتمل على الجزء المنهي عنه، حيث إنه مبغوض فلايمكن التقرّب به، فمن أجل‏ذلك لايمكن انطباق الواجب عليه لأنه إنما ينطبق على الفرد إذا كان واجداً لجميع‏الأجزاء والشرائط منها قصد القربة وإلاّ فلا، لأن الفاقد للجزء أو الشرط ليس‏فرداً له حتى ينطبق عليه، فيكون عدم الانطباق حينئذٍ من باب السالبة بانتفاءالموضوع وعدم المتقضى له لا من باب السالبة بانتفاء المحمول، ووجود المانع مع‏ثبوت المقتضى كما هو الحال فيما إذا كان المنهي عنه جزء الواجب التوصلي، فإن‏عدم انطباقه على الفرد المشتمل على الجزء المنهي عنه في الخارج إنما هو من جهةوجود المانع منه وهو الحرمة والمبغوضيّة.
ودعوى‏، إنه لامانع من الانطباق، لأن المستحيل إنما هو انطباق الواجب‏بوصف وجوبه على الفرد المحرم والمحبوب بوصف محبوبيّته على المبغوض،والمفروض أن الأمر ليس كذلك لما مرّ من أن الوجوب لايسري منه إلى أفراده،وأما ذات الواجب فلا مانع من انطباقها على الفرد المحرم ولا يكون مستحيلاً.
مدفوعة، بأنه لايمكن أن يكون ذات الواجب متحدة مع الحرام وجوداً وماهيةًوإلاّ لزم أن يكون وجود واحد محبوباً ومبغوضاً معاً في الخارج، وهو كماترى،ضرورة أن الحرام لايمكن أن يكون مصداقاً للواجب والمبغوض للمحبوب، غايةالأمر إن كان الواجب عبادياً فالمحرم ليس مصداقاً له واقعاً باعتبار أنه فاقد للقيدالمقوم للعبادة، وهو قصد القربة. نعم، إن كان توصلياً، فهو مصداق له حقيقة،ولكن هناك مانعاً من الانطباق، وهو الحرمة والمبغوضية، فيكون عدم الانطباق‏حينئذٍ من باب السالبة بانتفاء المحمول بينما يكون ذلك في الواجب العبادي من‏باب السالبة بانتفاء الموضوع.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن النهي عن الجزء إذا كان‏مولوياً فمفاده الحرمة والمبغوضية فحسب لا التقييد، وعلى هذا فالصلاة المأتي بهاإذا كانت مشتملة على الجزء المحرم والمبغوض وإن كانت فاسدة، إلاّ أنه من جهةكونها فاقدة لقصد القربة إذ لايمكن الاتيان بالمبغوض بقصد التقرب، وحينئذٍ فلاتنطبق الصلاة المأمور بها عليها من جهة أنها ليست فرداً لها واقعاً لا أنها فرد لها،ولكن عدم الانطباق يكون من جهة وجود المانع لا من جهة عدم المقتضى، فإذن‏لايمكن أن يكون فساد الصلاة من جهة دلالة النهي على تقيدها بعدم الجزء المنهي‏عنه كما عن المحقق النائيني‏قدس سره، ولا من جهة التقييد العقلي كما عن السيد الاُستاذقدس سره‏بل من جهة خروج الصلاة المأتي بها عن كونها فرداً للصلاة المأمور بها، فيكون‏عدم انطباقها عليها من باب السالبة بانتفاء الموضوع وعدم المقتضي لا من باب‏السالبة بانتفاء المحمول وبملاك وجود المانع مع ثبوت المقتضي، وأما النهي عن‏الشرط كما إذا تعلق بشرط من شروط الصلاة فهل يقتضي الفساد، فقد اختارالمحقق الخراساني‏قدس سره الوجه الثاني، وقد أفاد في تقريبه أن حرمة الشرط كمالاتستلزم فساده كذلك لاتستلزم فساد العبادة المشروطة به إلاّ إذا كان الشرطعبادة، كالوضوء والغسل والتيمم، فإن هذه الشروط حيث إنها من الشروطالعبادية، فلهذا تكون حرمتها مستلزمة لفسادها، وبفسادها تفسد الصلاةال-مشروطة بها أيضاً، وأما إذا لم يكن الشرط عبادة فحرمته لاتستلزم فساده‏لكي يستلزم فساد الصلاة المشروطة به، وذلك كطهارة البدن والثوب ونحوهما،فإن حرمتها لاتوجب فسادها لكي يسري الفساد إلى الصلاة أيضاً(20) هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن ماذكره‏قدس سره من أن الشرط إذا كان توصلياًفحرمته لاتوجب الفساد لايتم مطلقاً، وذلك لأن حرمة الفرد وإن كانت لاتوجب‏تقييد الواجب بعدمه شرعاً إلاّ أنها توجب تقييده به عقلاً على أساس استحالةانطباق الواجب على الحرام، والمحبوب على المبغوض، ولا فرق في ذلك بين أن‏يكون الواجب تعبدياً أو توصلياً، إذ كما أن الواجب التعبّدي لايمكن أن ينطبق‏على الحرام والمبغوض كذلك الواجب التوصلي، وعلى هذا فكما أن حرمة الوضوءبالماء المغصوب توجب تقييد اطلاق الأمر بالصلاة المشروطة بالوضوء بغير هذاالوضوء، فكذلك حرمة الستر بالساتر المغصوب، فإنها توجب تقييد اطلاق‏الأمر بالصلاة المشروطة بالستر بغير الستر بالمغصوب، فلو صلّى معه بطلت‏صلاته لأنها فاقدة للشرط وهو الستر بالمباح، فالصلاة مع الساتر المغصوب‏لاتكون مصداقاً للصلاة المأمور بها، لأن الحرام لايمكن أن يكون مصداقاًللواجب والمبغوض للمحبوب كما أن الصلاة مع الوضوء بالماء المغصوب لاتكون‏مصداقاً للواجب والمحبوب. نعم، إذا طهر ثوبه أو بدنه بالماء المغصوب، وصلّى فيه‏صحت صلاته باعتبار أن حرمة التطهير به لاتوجب تقييد الصلاة المشروطةبطهارة الثوب أو البدن بغير الطهارة الحاصلة بالماء المغصوب.
فالنتيجة، إن الشرط إذا كان توصلياً لاتستلزم حرمته فساده مطلقاً بل لابدفيه من التفصيل كما عرفت(21) هذا.
وللمناقشة في هذا لايراد مجال، وذلك لما أشرنا إليه آنفاً من أن الحرمة المولويةالمتعلقة بجزء من الصلاة لاتوجب تقييدها بعدمه شرعاً، وأما تقييدها به عقلاً في‏مرحلة الامتثال والتطبيق، فهو إنما يكون من باب السالبة بانتفاء الموضوع لا من‏باب السالبة بانتفاء المحمول، فعدم الانطباق على الفرد المحرم والمبغوض إنما هو من‏جهة أنه ليس فرداً للواجب العبادي باعتبار فقدانه لقصد القربة المقوم لعباديّته لامن جهة وجود المانع، ولكن هذا التقييد إنما يتم فيما إذا كان المنهي عنه حصة من‏العبادة أو جزئها، وأما إذا كان المنهي عنه شرط من شروط العبادة فلايتم، وذلك‏لأن المنهي عنه حينئذٍ ذات الشرط، وهي خارجة عن الصلاة المأمور بها لأن مإ؛36خَ‏هو جزء لها، وهو تقيّدها بالشرط الذي هو أمر معنوي، وأما نفس الشرط فهي‏خارجة عنها، وعلى هذا فالحرام لايكون مصداقاً للواجب والمبغوض للمحبوب‏لانهما موجودان في الخارج، فأحدهما لاينطبق على الآخر، وإن كانا متلازمين‏فيه وجوداً، وعلى هذا فإذا كان الساتر مغصوباً كان الحرام هو التصرف فيه،والمفروض أنه خارج عن الصلاة لأن الداخل فيها هو تقيّدها بالستر به الذي هوأمر معنوي لا وجود له في الخارج، وأما الستر به فهو خارج عنها وغير داخل‏فيها، فإذن ما هو متعلق الحرمة وهو الستر بالساتر المغصوب خارج عن الصلاةوما هو داخل فيها، وهو تقيدها به ليس متعلقاً للحرمة، وعليه فلاينطبق الواجب‏على الحرام ولا المحبوب على المبغوض، فلايكونا موجودين في الخارج بوجودواحد بل بوجودين متلازمين فيه، فإذن لايكون الحرام متحداً مع الواجب في‏الخارج ولا المحبوب مع المبغوض فيه، ومن هنا قلنا إن الأقوى صحة الصلاة في‏الساتر المغصوب لمكان عدم اتحادها معه في الخارج، غاية الأمر أنه آثم من جهةحرمة التصرف فيه.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن النهي عن الشرط لايوجب فسادالصلاة إلاّ إذا كان تعبدياً، فإن النهي عنه يوجب فسادها هذا.
ثم إن للمحقق النائيني‏قدس سره في المقام كلاماً وحاصله أن حرمة الشرط لاتوجب‏فساد العبادة، وقد أفاد في وجه ذلك أن ما هو شرط للعبادة في الحقيقة وهو اسم‏المصدر ليس متعلقاً للحرمة، لأن الحرمة إنما تتعلق بفعل المكلف الصادر منه‏بإرادته واختياره لا ماهو المسبب منه المعبّر عنه باسم المصدر، وما هو متعلق‏الحرمة، وهو المصدر المتمثل في فعل المكلف ليس بشرط لها، فإذن ماهو شرطللعبادة لم تتعلق الحرمة به، وما تعلقت الحرمة به ليس شرطاً لها، وعليه فإذاافترضنا أن الشارع نهي عن لبس ثوب خاص في الصلاة، وعندئذٍ فإن كان مردّهذا النهي إلى النهي عن الصلاة فيه، فمعناه أنه إرشاد إلى مانعية لبس هذا الثوب‏فيها، فإذن لا محالة تكون الصلاة فيه باطلة، وإن لم يكن مردّه إلى ذلك كما هوالمفروض في المقام باعتبار أنه نهي مولوي لا إرشادي، فلايوجب بطلانها لأن‏متعلق النهي لبس هذا الثوب والستر به، وهو ليس بشرط وما هو شرط وهوالتستر به الذي هو معنى اسم المصدر ليس بمنهي عنه(22).
ونتيجة ذلك، إن ماهو شرط للصلاة ليس بمنهي عنه حتى يوجب تقييدهابغيره، وما هو منهي عنه ليس بشرط لها حتى يوجب التقييد، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏ ذكرقدس سره أن شروط الصلاة بأجمعها توصلية فلايصح‏تقسيمها إلى شروط توصلية كطهارة البدن واللباس والستر ونحو ذلك، وعباديةكالطهارات الثلاث وقد أفاد في وجه ذلك أن شرط الصلاة هو الطهارة بمعنى اسم‏المصدر المسببة من الأفعال الخاصة المتمثلة في الوضوء والغسل والتيمم خارجاً،فإن هذه الأفعال الخاصة بأنفسها ليست شرطاً للصلاة، وما هو المسبب منها،كالطهارة المعنوية هو شرط لها، فإذن ماهو شرط للصلاة وهو الطهارة المعنويةالمسببة من تلك الأفعال في الخارج ليس بعبادة، وما هو عبادة وهو نفس الأفعال‏المذكورة ليس بشرط لها.
فالنتيجة، إن تقسيم شروط الصلاة إلى التوصليّة والعبادية غير صحيح، ماذكره‏قدس سره يرجع إلى عدة نقاط:
الاُولى‏: إن ماهو شرط للصلاة اسم المصدر الذي هو متولّد من المصدرومسبب عنه.
الثانية: إن شرط الصلاة إنما هو الطهارة المتولدة من الوضوء أو الغسل أوالتيمم في الخارج دون نفس هذه الأفعال بعناوينها الخاصة.
الثالثة: إن شروط الصلاة بأجمعها توصلية، فلايصح تقسيمها إلى التوصليةوالتعبّدية هذا.
لنأخذ بالنقد على جميع هذه النقاط:
أما النقطة الاُولى‏: فيقع الكلام فيها في مرحلتين:
الاُولى‏: في مراده‏قدس سره من المصدر واسم المصدر.
الثانية: إنه لابد في المقام من النظر إلى أدلة الشروط في الصلاة، وهل هي‏ظاهرة عرفاً فيما ذكره‏قدس سره من أنها جميعاً من قبيل اسم المصدر، أو لا.
أما الكلام في المرحلة الاُولى‏، فالظاهر أنه‏قدس سره أراد من المصدر واسم المصدرأعمّ من السبب والمسبب بقرينة أنه جعل الطهارة الحاصلة من الوضوء أو الغسل‏أو التيمم، اسم المصدر مع أن نسبتها إليه نسبة المسبب إلى السبب والمعلول إلى‏العلة، وهما موجودان متباينان في الخارج وعلى هذا فيمكن تصنيف شروطالصلاة إلى أربعة أصناف:
الأول: أن يكون من قبيل اسم المصدر كالستر في الصلاة، فإن الشرط هو اسم‏المصدر الذي هو أثر المصدر، فإذا تعلق النهي به تعلق في الحقيقة بالمصدر الذي‏هو فعل اختياري للمصلي لا باسمه هذا، ولكن يرد عليه ما أورده السيدالاُستاذقدس سره من أن المصدر واسم المصدر موجودان بوجود واحد في الخارج واقعاًوحقيقة، والاختلاف بينهما إنما هو بالاعتبار كالإيجاد والوجود، لأن الموجودالواحد باعتبار إضافته إلى نفسه اسم المصدر، وباعتبار اضافته إلى الفاعل نفس‏المصدر، والفرض أن النهي تعلق بذلك الموجود الواحد، وهو مبغوض ومحرم‏سواءً عبر عنه بالمصدر أم باسم المصدر، فإذن لامناص من الإلتزام بتقييد اطلاق‏العبادة بغير الحصة المقارنة مع هذا الشرط المنهي عنه في الخارج على ما بنى‏عليه‏قدس سره من أن النهي عنه يوجب التقييد(23).
الثاني: أن يكون من قبيل المسبب، كالطهارة الحاصلة من الوضوء أو الغسل‏على مسلكه‏قدس سره من أن الشرط هو الطهارة المسببة من الأفعال الخارجية لا نفس‏تلك الأفعال بعناوينها الخاصة، وسوف نشير إلى أن الصحيح هو الثاني، وعلى‏ضوء مسلكه‏قدس سره، فالشرط وإن كان غير متعلق النهي لأن متعلقه الوضوء أوالغسل الذي هو فعل المكلف دون الطهارة المسببة عنه، إلاّ أن بطلان الوضوء أوالغسل يستلزم عدم تحقق الطهارة التي هي شرط للصلاة، وعلى هذا فالنهي عن‏السبب وهو الوضوء أو الغسل، حيث إنه يوجب بطلانه فلايترتب عليه أثره وهوالطهارة، لأنها مسببة عن الوضوء أو الغسل الصحيح دون الأعم منه، ومن‏الباطل فما ذكره‏قدس سره من أن النهي حيث إنه لم يتعلق بالشرط للصلاة، وإنما تعلق‏بشي‏ء آخر أجنبي عنها فلايستلزم بطلانها، لايتمّ في هذا القسم أيضاً، هذا إضافةإلى أنه لا مانع من تعلق النهي بالمسبب، فإنه مقدور على أساس أن المقدوربالواسطة مقدور.
الثالث: أن يكون من قبيل المسبب أيضاً كطهارة الثوب والبدن الحاصلة من‏الغسل بالماء، وهذا الصنف من الشرط يتحقق بتحقق الغسل بالماء، وإن كان‏الغسل محرماً ومبغوضاً كما إذا كان بالماء المغصوب، بل لو قلنا إن الشرط هو فعل‏المكلف المسمى بالمصدر كتطهير الثوب أو البدن، فأيضاً لا أثر للنهي ولايوجب‏الفساد، فعدم دلالة النهي على الفساد في هذا الصنف من الشرط ليس من جهة أن‏النهي تعلق بالسبب دون المسبب الذي هو شرط، بل لوفرضنا أن الشرط هوالسبب فمع ذلك لايوجب الفساد لأن قصد القربة غير معتبر فيه، والغرض منه‏مترتب على نفس وجوده في الخارج، وإن كان في ضمن فرد محرم.
الرابع: كإستقبال القبلة والقيام ونحوهما، فإن الشرط هو نفس الاستقبال‏بالمعنى المصدري وكذلك القيام وهكذا.
وأما الكلام في المرحلة الثانية، وهي أن أدلة الشروط هل هي ظاهرة في أنهاجميعاً من قبيل اسم المصدر أولا فيه قولان، الصحيح هو القول الثاني دون القول‏الأول الذي اختاره المحقق النائيني‏قدس سره، فلنا دعويان:
الاُولى‏: بطلان القول الأول.
الثانية: صحة القول الثاني.
أما الدعوى‏ الاُولى، فلأن القول الأول لو تمّ فإنما يتم في شروط الصلاةفحسب دون سائرالعبادات مع أن محل الكلام في شرائط مطلق العبادات كالصوم‏و الحج ونحوهما، مثلاً غسل‏المستحاضة في‏الاستحاضةالكبرى‏ شرط في‏صحةصوم‏الغد وظاهر الدليل أن الشرط هو نفس الغسل بالمعنى المصدري، وكذلك‏الحال في غسل‏الجنابة والحيض والنفاس قبل‏الفجر في شهررمضان، فإن ظاهرالدليل هوأن نفس الغسل شرط في صحة صوم الغد لاالطهارة الحاصلة منه، هذاأوّلاً.
وثانياً، إنه لايتم في شروط الصلاة أيضاً، فإنها تختلف باختلاف أدلتها،وظاهر أدلة شرطية الستر في الصلاة إنه شرط بمعنى اسم المصدر، وهو تسترالعورتين للرجال وتمام البدن للنساء، لا الستر بالمعنى المصدري، وأما أدلةالطهارات الثلاث من الآية الشريفة والروايات فهي ظاهرة في أن الشرط هونفس الأفعال الخاصّة لا شي‏ء آخر يكون مسبباً عنها، وهو الطهارة المعنوية بل لايستفاد منها أن الطهارة شي‏ء آخر غير تلك الأفعال لأنها بنفسها طهور ورافعةللحدث، وعلى الجملة فلاشبهة في ظهور الآية الشريفة، والروايات في أن الوضوءبنفسه طهور رافع للحدث وكذلك الغسل، لا أن الرافع للحدث ما هو مسبب عنهماومبايناً لهما وجوداً لأنه خلاف الظاهر، ومن هنا قد اطلق في بعض الروايات‏عنوان الطهور على الطهارات الثلاث كقوله‏عليه السلام: »التيمم طهور والوضوء طهور«،وهكذا أو فقل إن الآية الشريفة ظاهرة في أن الشرط هو نفس الوضوء والغسل‏والتيمم، وأما كون الشرط شيئاً آخر مترتب عليها فلاتدل عليه، وأما الروايات‏فهي أوضح من الآية الشريفة لأن مجموعة منها تنصّ على أنها بأنفسها طهوررافعة للحدث، ولايوجد دليل يدل على أن الشرط ما هو المسبب من الأفعال‏الخارجية، وهو الطهارة المعنوية التي لا وجود لها إلاّ في عالم الذهن، فإذن‏الطهارة ليست شيئاً آخر غير تلك الأفعال واطلاق الطهور عليها باعتبار أنهارافعة للحدث، فطالما لايكون المكلف محدثاً فهو متطهر، نعم فرق بين الطهارة من‏الحدث والطهارة من الخبث، فإن الاُولى‏ عبارة عن نفس الأفعال الخاصةباعتبار أنها رافعة للحدث بينما الثانية عبارة عن طهارة الثوب والبدن التي هي‏مسببة عن غسلهما وطهارتهما في مقابل نجاستهما، وهي صفة لهما وأما أدلة شرطيةاستقبال القبلة والقيام في الصلاة، فهي أيضاً ظاهرة في أن الشرط هو نفس فعل‏المكلف بالمعنى المصدري بل لا يتصور فيها غير ذلك. إلى هنا قد تبيّن أن ماذكره‏قدس سره من أن شروط الصلاة جميعاً بمعنى اسم المصدر لا المصدر لايمكن المساعدةعليه.
وثالثاً، مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن الشرط هو الطهارة الحاصلة من‏الأفعال الخارجية إلاّ أن شروط الصلاة لاتنحصر بما ذكر بل لها شروط اُخرى‏وهي شروط أفعالها وأقوالها، فإنها أيضاً شروط لها بلحاظ أنها عبارة عن نفس‏تلك الأفعال والأقوال، ومن هنا قد قسم شروط الصلاة على قسمين:
القسم الأول: منها، شروط للصلاة مباشرة، وواجباتها كذلك ونقصدبشروطها كذلك أنها ثابتة لها من البداية إلى النهاية، وفي تمام أقوالها وأفعالهاوهيئاتها الوضعية، منها الطهارة من الحدث والطهارة من الخبث، ومنها الستر،ومنها أن لايكون لباس المصلي مما لايؤكل، ولا من الحرير، ولا من الذهب ،ولامن الميتة، وهكذا.
القسم الثاني: منها، شروط أفعالها وأقوالها مباشرة، وليست شروطاً للصلاةمن البداية إلى النهاية كالقيام، فإنه شرط لتكبيرة الاحرام في الصلاة والقراءةولركوع القائم لا في تمام حالات الصلاة، ومنها الجهر والاخفات، فإنهما من‏شروط القراءة في الصلاة مباشرة، وهكذا.
ومن الواضح أن هذه الشروط جميعاً شروط للصلاة، غاية الأمر أن بعضهاشروط للصلاة من البداية إلى النهاية وفي تمام الحالات، وبعضها شروط لها في‏بعض حالاتها، وهذه الشروط شروط لها بالمعنى المصدري لا بمعنى اسم المصدر.
فالنتيجة، إن نفس هذه الأفعال‏الخاصة شروط لامايترتب عليها من الأثر.
لحدّ الآن قد تبيّن حال النقطة الثانية أيضاً، وهي أن الشروط للصلاة إنما هوالطهارة المسببة عن الأفعال الخارجية، ولكن قد تبيّن مما ذكرناه أن الشرط إنما هونفس تلك الأفعال لأنها طهور لا أنها مسببة عنها، ومما يدل على ذلك اطلاق‏الطهور على نفس تلك الأفعال في الروايات، وقد تقدم أن اطلاق الطهور عليهاباعتبار أنها رافعة للحدث من الأكبر والأصغر، وما دام المكلف يكون غير محدث‏فهو متطهر ولا نتصور للطهارة معنىً آخر في المقام غير رفع الحدث عن المتوضّى‏ءوالمغتسل.
وأما النقطة الثالثة: وهي أن شروط الصلاة بأجمعها توصلية، فلايمكن‏المساعدة عليها اما أولاً، فلأن ما ذكره‏قدس سره مبني على أن شرط الصلاة هو الطهارةالمسببة عن الأفعال الخاصة دون نفس تلك الأفعال، ولكن قد عرفت أن الشرطهو نفس تلك الأفعال الخاصة، والمفروض أن الأفعال المذكورة عبادية وبحاجةإلى قصد القربة. وثانياً، مع الاغماض عن ذلك، وتسليم أن الطهارة الحاصلة من‏الأفعال المذكورة هي الشرط للصلاة دون نفس تلك الأفعال، إلاّ أن هناك‏شروطاً اُخرى‏ تكون عبادية كاستقبال القبلة في الصلاة، فإنه شرط عبادي ولابدأن يكون بقصد القربة، وكذلك شروط أجزاء الصلاة كالقيام حال تكبيرةالاحرام، والقراءة، والقيام المتصل بالركوع، والأذكار، ومنها الجهر والإخفات.
والخلاصة، إن الظاهر اعتبار قصد القربة في القيام والجهر والإخفات، وأذكارالركوع والسجود، واستقبال القبلة، فإذن ما ذكره‏قدس سره من أن شروط الصلاةبأجمعها توصلية لا أصل له، هذا ويحتمل أن يكون مراده‏قدس سره من الشرط التقيّد لاذات المقيّد كالتقيد بالستر، واستقبال القبلة، والطهارة من الحدث والخبث‏وغيرها، والتقيد حيث إنه أمر معنوي لايصلح أن يتعلق به النهي، فالنهي لا محالةيكون متعلقاً بالأفعال الخاصة المذكورة التي هي محصلة للتقيد والمفروض أنه‏توصّلي لا تعبّدي، ويؤكد ذلك ما ذكره‏قدس سره من أن الشرط كالجزء متعلق للأمرالضمني النفسي، ومن المعلوم أن ما هو متعلق الأمر الضمني هو التقيّد، حيث إنه‏داخل في المأمور به والقيد خارج عنه، ولكن هذا الاحتمال ساقط اما أولاً، فلأنه‏خلاف ظواهر أدلة الشروط، لما عرفت من أنها ظاهرة في أن الشرط هو نفس‏الأفعال الخاصة دون التقيد بها. وثانياً، أن لازم ذلك عدم الفرق بين الشرطوالجزء، لأن كليهما حينئذٍ جزء ومتعلق للأمر، فإذن لاموجب لتقسيم واجبات‏الصلاة على قسمين: الأول: الاجزاء. الثاني: الشروط.
وأما السيد الاُستاذقدس سره، فقد ذكر في المقام أن النهي عن الشرط كالنهي عن‏الجزء، فكما أن النهي عن الجزء يوجب تقييد الصلاة عقلاً بغير الحصة المشتملةعلى هذا الجزء المنهي عنه، فكذلك النهي عن الشرط، فإنه يوجب تقييدها بغيرالحصة المقيّدة بهذا الشرط المنهي عنه، لأن ملاك هذا التقييد في كلا البابين واحد،وهو استحالة انطباق الواجب على الحرام والمحبوب على المبغوض(24)، هذا.
ولنأخذ بالنقد عليه، أما أولاً: فلما ذكرناه سابقاً من أن النهي عن حصة من‏العبادة أو جزئها لايوجب تقييد اطلاق العبادة بغير الحصة المنهي عنها بنفسها أوبجزئها لا شرعاً ولا عقلاً. أما الأول، فلأن النهي المتعلق بها حيث إنه نهي مولوي‏فيكون مدلوله المطابقي حرمة متعلقه لا تقييد اطلاقه بغير الفرد المنهي عنه أوالمشتمل على الجزء المنهي عنه، لأن التقييد مدلول النهي الإرشادي دون النهي‏المولوي، فإن مدلوله المطابقي حرمة متعلقه والالتزامي نفي سائر الأحكام عنه،فلا يدل على التقييد اصلاً لا مطابقة، ولا التزاماً، ولكن حيث إنه محرّم ومبغوض،فلايمكن التقرب به، فإذن الحصة المشتملة على الجزاء أو الشرط المحرم والمبغوض‏لاتكون من مصاديق الطبيعة المأمور بها من جهة أنها فاقدة للقيد المقوّم للعبادة،وهو قصد القربة فعدم الانطباق عليها من جهة أنها ليست فرداً لها لا من جهةوجود المانع عنه وهو مبغوضيتها، وأما استحالة انطباق الواجب على الحرام‏والمحبوب على المبغوض، فإنما هو من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضى له، وهوكون الحرام والمبغوض فرداً له حقيقة، ولكن المانع من الإنطباق موجود وهوحرمته ومبغوضيته، ومن هنا لابدّ من الفرق بين الواجب التعبدي والواجب‏التوصلّي، فإن المنهي عنه إذا كان فرداً من الواجب التعبدي أو جزءاً أو شرطاًمنه، فهو لاينطبق على هذا الفرد لا من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له بل‏من جهة عدم المقتضي له، وهو عدم كونه فرداً له حقيقة لأنه فاقد لقصد القربة،ومن الواضح أن الفاقد لقصد القربة ليس من أفراد الواجب التعبدي واقعاًوحقيقةً، وأما إذا كان فرداً من الواجب التوصلي فيكون عدم انطباقه عليه من‏جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له، وهو كونه فرداً له حقيقةً، ولكن حرمته‏ومبغوضيته مانعة من الانطباق عليه.
وحيث إن الكلام في الواجب العبادي، فيكون عدم انطباقه على الفردالمبغوض بنفسه أو بواسطة جزئه أو شرطه من جهة عدم المقتضي لامن جهةوجود المانع، وعلى هذا فما أفاده‏قدس سره من أن النهي عن شرط الواجب كالنهي عن‏جزئه يوجب تقييد اطلاقه بغير الحصة المشتملة على الشرط المنهي عنه إنما يتم في‏الواجب التوصلي لا في الواجب التعبدي، فإن خروج هذه الحصة من اطلاق‏الواجب التعبدي ليس من باب التقييد والتخصيص بل هو من باب التخصيص‏والخروج الموضوعي، نعم خروجها من اطلاق الواجب التوصلي يكون من باب‏التقييد والتخصيص والخروج الحكمي.
وثانياً، إن ذلك إنما يتم في النهي المتعلق بحصّة من العبادة أو بجزئها، فإنه‏يوجب تقييد اطلاقها عقلاً في مرحلة الامتثال والتطبيق بغير الحصة المنهي عنهابنفسها أو بجزئها على أساس استحالة انطباق الواجب على الحرام والمحبوب على‏المبغوض.
وأما في النهي المتعلق بشرط من شروط العبادة، فهو لايتم، والنكتة في ذلك ماتقدم من أن الشرط خارج عن حقيقة العبادة المأمور بها والتقيد به داخل فيها،والتقيد بما أنه جزء معنوي تحليلي، فلايكون له ما بإزاء في الخارج، وما له ما بإزاءفيه، وهو ذات القيد يكون خارجاً عن المأمور به، لأن ذاته وذات المقيّدموجودان في الخارج بوجودين، غاية الأمر أنهما وجودان متلازمان فيه، فإذن‏ما هو حرام ومبغوض، وهو ذات القيد لايكون متحداً مع الواجب، وما هو متحدمعه، وهو التقيد به ليس بحرام ومبغوض، وعليه فلامانع من انطباق الواجب على‏الحصة المشتملة على الشرط المنهيّ عنه، لفرض أن الشرط خارج عن الواجب،فلايكون جزء مصداقه بل هو لازم له وجوداً لأن مصداقه ذات الفرد لا الفردالمشتمل على الشرط.
وبكلمة، إن النهي المتعلق بالشرط كالستر باللباس المغصوب يدل على حرمةالستر به لا على أنه ليس بستر لفرض أن النهي عنه ليس بإرشادي ليكون مفاده‏نفي كونه ستراً، واختصاصه بالستر المباح بنحو تكون الإباحة قيداً للشرط بل هوستر، ولكنه محرم ومبغوض، وعلى هذا فما هو مبغوض ومحرم، وهو السترباللباس المغصوب خارج عن الصلاة، وما هو داخل فيها، وهو القيد به ليس‏بمحرم ومبغوض، وعليه فإذا صلى مع الستر باللباس المغصوب، فلا مانع من‏انطباق الصلاة المأمور بها على هذه الصلاة المأتي بها مع الستر المغصوب، لفرض‏أنه خارج عن الصلاة، وليس داخلاً فيها لكي يلزم انطباق الواجب على الحرام،والمحبوب على المبغوض، فإذن لا مانع من الحكم بصحة الصلاة المذكورة باعتبارأن المكلف متمكن من الاتيان بها بقصد القربة، وما هو مبغوض وحرام، حيث‏إنه خارج عنها، فلايمنع من التقرّب بها، وعليه فلاتكون الصلاة المأمور بهامتحدة مع الحرام في الخارج، وحينئذٍ فلامانع من الحكم بالصحة لأن المانع من‏الحكم بها أحد اأمرين:
الأول: عدم امكان قصد القربة.
الثاني: عدم امكان انطباق الواجب على الفرد المأتي به في الخارج، والمفروض‏أن شيئاً من المانعين في المقام غير موجود، ومن هنا يفترق النهي عن الجزء عن‏النهي عن الشرط، فإن الجزء حيث إنه داخل في الواجب، فإذا فرض أنه منهي‏عنه فهو يمنع عن التقرب بالفرد المشتمل على الجزء المنهيّ عنه، ولايمكن انطباق‏الواجب عليه لاستحالة انطباق الواجب على الحرام، والمحبوب على المبغوض بينماإذا كان المنهي عنه الشرط، فهو لايمنع عن التقرّب بالفرد المشتمل عليه، ولامن‏الانطباق بملاك أنه خارج عن الواجب وغير داخل فيه، غاية الأمر أن وجوده‏ملازم لوجود الواجب في الخارج، ولكن لا أثر لذلك لأن الحرمة لاتسري من‏أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر، وعليه فيكون مصداق الواجب محبوباً والشرطالملازم له وجوداً مبغوض، وحينئذٍ فلا مانع من الانطباق ولا من التقرّب به.
والخلاصة، إنه لا مانع من انطباق الصلاة المأمور بها على الفرد المأتي به مع‏الساتر المغصوب باعتبار أن القيد وهو الستر خارج عن الصلاة، والتقيد به داخل‏فيها فلايكون الحرام وهو القيد متحداً مع الواجب في الخارج، بل هما متلازمان‏وجوداً، والتلازم لايمنع من الانطباق ولا من قصد القربة، ومن هنا قوينا أن من‏صلّى في الساتر المغصوب، فصلاته محكومة بالصحة بملاك عدم اتحادها مع الحرام‏في الخارج، وإن كان آثماً من جهة التصرّف في المغصوب، هذا كله في النهي عن‏الجزء والشرط، وأما النهي عن الوصف الملازم، فإن كان ملازماً لذات العبادةفالنهي عنه يرجع إلى النهي عن ذات العبادة الموصوفة به، إذ ليس للوصف‏الملازم ما بإزاء في الخارج غير موصوفها، وإن كان ملازماً لجزئها، فالنهي عنه‏يرجع إلى النهي عن الجزء الموصوف به، كالنهي عن الجهر في القراءة أو الإخفات‏فيها، فإنه يرجع إلى النهي عن القراءة الجهرية باعتبار أنه لا وجود للجهر إلاّبوجود القراءة، وإن كان ملازماً للشرط، فالنهي عنه يرجع إلى النهي عن الشرطكما هو ظاهر، وأما النهي عن الوصف المفارق فهو خارج عن محل البحث في‏المسألة، وداخل في مسألة اجتماع الأمر والنهي، فإن الوصف المفارق كالغصب إن‏كان متحداً مع الصلاة في مورد الإجتماع وجوداً وماهيةً تدخل المسألة في كبرى‏مسألة التعارض، والمرجع فيها قواعد باب التعارض، وإن كان مغايراً لها وجوداًفي مورد الإجتماع، تدخل المسألة في كبرى‏ مسألة التزاحم، والمرجع فيها قواعدباب التزاحم.
الجهة الرابعة: إن محل البحث في هذه المسألة إنما هو عن ثبوت الملازمة بين‏حرمة العبادة وفسادها، وعدم ثبوتها لا في دلالة النهي المولوي على الفسادبالمطابقة أو بالالتزام، ومن هنا لاتكون هذه المسألة من المسائل الاُصولية اللفظيةبل هي من المسائل العقلية غير المستقلة، ونقصد بغير المستقلة أن حكم العقل‏بالملازمة بينهما يتوقف على ثبوت مقدمة شرعية، وهي في المقام تعلق النهي‏المولوي بالعبادة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنه لا اشكال في ثبوت هذه الملازمة عقلاً، لما تقدّم في‏ضمن البحوث السالفة من أن محل الكلام في المسألة إنما هو في النهي المولوي‏المتعلق بالعبادة أو بجزئها، والمفروض أن مدلوله حرمة متعلقه وكونه مبغوضاً،فإذا كان كذلك فلايمكن التقرب به لاستحالة التقرب بالمبغوض، ولذلك يحكم‏العقل بالفساد، وهذا معنى الملازمة بين تعلق النهي بالعبادة أو بجزئها، وبين‏فسادها عقلاً ومنشأ فسادها عدم امكان قصد القربة بها، وهذا هو سبب عدم‏انطباق الصلاة المأمور بها عليها، على أساس أن الصلاة الفاقدة لقصد القربةليست مصداقاً للصلاة المأموربها لا أنها مصداق لها، ولكن حرمتها مانعة عن‏انطباقها عليها.
وبكملة، إن عدم المعلول عند عدم المقتضى مستند إليه لا إلى عدم الشرط أووجود المانع، ومع ثبوت المقتضى له مستند إلى عدم الشرط، ومع وجود الشرطأيضاً مستند إلى وجود المانع، ومن هنا يستحيل أن يتصف المانع بالمانعية إلا مع‏ثبوت المقتضي بما له من الشرط، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن عدم انطباق‏المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج إنما يستند إلى حرمته ومبغوضيته إذا كان‏فرداً له حقيقة، فإذن يكون المقتضي للانطباق موجوداً، ولكن هناك مانعاً يمنع‏عن هذا الإنطباق، وهو حرمته، وأما إذا لم يكن ذلك الفرد فرداً له حقيقة من جهةأنه فاقد لقصد القربة المقوم لعباديته، فيكون عدم الإنطباق عليه مستنداً إلى عدم‏المقتضي لا إلى وجود المانع لاستحالة اتصافه بالمانعية في فرض عدم المقتضي له،وعلى هذا فلايمكن أن تكون حرمته مانعة عن الإنطباق، لاستحالة اتصافهابالمانعية مع عدم ثبوت المقتضي له.
فالنتيجة، إن الملازمة ثابتة بين حرمة العبادة وفسادها في الخارج، باعتبارأن المكلف لايتمكن من الاتيان بها بنية القربة، فإذا أتى بها بدونها تقع فاسدة،وإن كان منشأ ذلك هو حرمته ومبغوضيته، فإذن يكون عدم انطباق المأمور به‏عليها من باب السالبة بانتفاء الموضوع باعتبار أن الفرد المأتي به في الخارج ليس‏فرداً له حقيقة، ومن هنا يظهر أن ما في كلام السيد الاُستاذقدس سره وغيره من المحققين‏من أن الحكم بالفساد مستند إلى عدم انطباق المأمور به غير تام، لوضوح أن‏الحكم بالفساد إنما هو من جهة عدم امكان التقرب به، ولكن لاتظهر الثمرةالعملية بين القولين من هذه الناحية كما لايخفى‏، ثم إن هذه الملازمة حيث إنهاكانت ملازمة واقعيّة فهي لا محالة أزلية، وعلى هذا فإن كانت ثابتة، فهي من‏الأزل وإلاّ فلا، وعليه فإذا فرضنا أن العقل لايحكم بثبوت هذه الملازمة ولابعدمها، وشككنا في ثبوتها، فلا أصل عملي في البين يقتضي ثبوتها أو عدم‏ثبوتها ضرورة أنها لو كانت فهي من الأزل وإلاّ فكذلك، وليست لها حالة سابقةلا وجوداً ولا عدماً لكي يشك في بقائها.
فالنتيجة، إنه لا أصل في المسألة الاُصولية لكي يكون هو المرجع عند الشك‏فيها.
وأما في المسألة الفرعية، وهي الشك في صحة العبادة المنهي عنها، وفسادهاالناشي‏ء من الشك في المسألة الاُصولية، فالظاهر أنه لا مناص من الرجوع إلى‏أصالة الفساد، والسبب فيه أن العبادة إذا كانت محرمة، وشككنا في أن حرمتهاهل تستلزم فسادها أو لا، فمقتضى القاعدة الفساد لأن صحة العبادة تتوقف على‏توفر عنصرين:
الأول: وجود الأمر بها.
الثاني: وجود الملاك فيها من المحبوبية والمصلحة، ولكن مع فرض تعلق‏الحرمة بها لايمكن إحراز شي‏ء من العنصرين فيها. أما الأول، فلأنه لايمكن‏تعلق الأمر بنفس ما تعلق به النهي، أو فقل إنه مع تعلق النهي بها لايمكن احرازالأمر بها لاستحالة إجتماعهما في شي‏ء واحد روحاً وملاكاً.
وأما الثاني، فلأنه لا طريق لنا إلى ملاكات الأحكام في الواقع إلاّ من طريق‏ثبوت نفسها، وحيث إنه في المقام لا أمر بها فلاطريق إلى إحراز وجود الملاك‏فيها، فإذن لايمكن الاتيان بها بقصد القربة لا من ناحية الأمر ولا من ناحيةالملاك، فلهذا يحكم بالفساد، وهذا هو معنى أن مقتضى الأصل في المقام الفساد،وإنه لايحتاج إلى دليل ومؤنة زائدة، حيث يكفي فيه عدم إحراز شي‏ء من‏العنصرين فيها.
ثم إن للمحقق النائيني‏قدس سره في المقام كلاماً، وحاصله هو إن الشك في صحةالعبادة وفسادها إن كان في الشبهة الموضوعية فمقتضى قاعدة الاشتغال الحكم‏بفسادها وعدم سقوط أمرها، هذابحسب مقتضى القاعدة الأولية، وأما بالنظرإلى القواعد الثانوية الحاكمة على القواعد الأولية، فربما يحكم بالصحة كما في‏موارد قاعدتي الفراغ والتجاوز، فإذا شك في صحة الصلاة وفسادها بعد الفراغ‏عنها حكم بصحّتها شريطة احتمال أنه كان حين العمل ملتفتاً ولم يكن غافلاً،وكذلك إذا شك في الاتيان بجزء منها بعد التجاوز عن محله، بنى‏ على الاتيان به‏على ضوء الشرط المذكور كما إذا شك في أنه قرء الحمد بعد الدخول في الركوع،أو شك فيه بعد الدخول في السجود، وهكذا بنى‏ على الاتيان بالجزء المشكوك‏فيه، وعدم الاعتناء بالشك شريطة احتمال أنه كان اذكر منه حينما يشك، وإن كان‏في الشبهة الحكم، تدخل المسألة في كبرى‏ مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثرالارتباطيين، كما إذا شك في جزئية شي‏ء أو شرطية آخر، فإن المرجع فيه أصالةالبراءة(25).
وغير خفي أن ما أفاده‏قدس سره، وإن كان تاماً في نفسه إلاّ أنه لايرتبط بمحل الكلام‏في مسألتنا هذه، لأن محل الكلام فيه ليس في مطلق الشك في صحة العبادةوفسادها من جهة الشك في الإخلال بواجبات الصلاة من أجزائها وشروطها بل‏في خصوص الشك في صحّتها وفسادها من جهة تعلق الحرمة بها، وأنها رغم‏كونها محرمة هل يمكن وقوعها صحيحة أو لا بعد فرض عدم ثبوت الملازمة بين‏حرمتها وفسادها، وقد مرّ أن مقتضى القاعدة فيه الفساد، فالصحة بحاجة إلى‏دليل يقتضي صحتها، وإن كان ذلك الدليل قاعدة ثانوية حاكمة على القاعدةالأولية التي تقتضي الفساد.
هذا تمام الكلام في المقام الأول، وهو النهي في العبادات.
نتائج البحث متمثلة في عدة نقاط:
الاُولى‏: إن النهي إذا تعلق بنفس ما تعلق به الأمر، فهو خارج عن محل‏الكلام لوقوع التعارض بينهما حينئذٍ، والمرجع فيه هو مرجحات باب‏التعارض، وأما إذا تعلق بحصة خاصة من العبادة، فهو يوجب فسادها على‏أساس عدم امكان الإتيان بها بقصد القربة، وعندئذٍ فعدم انطباق الواجب عليهامن باب السالبة بانتفاء الموضوع لأنها باعتبار فقدانها لقصد القربة الذي هومقوّم للعبادة، فلاتكون فرداً لها حقيقة لا أنها فرد لها، ولكن عدم الانطباق من‏جهة وجود المانع كما هو الحال في الواجبات التوصلّية.
الثانية: إن النهي عن العبادة تارةً بلحاظ النهي عن جزئها، وأخرى‏ بلحاظالنهي عن شرطها.
الثالثة: ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن النهي عن جزء العبادة يوجب فسادها، وقدعلل ذلك بأن الجزء المأخوذ في العبادة لايخلو من أن يكون مقيداً بالوحدة أو لا؟وعلى الأول، فإن اقتصر على الجزء المنهي عنه بطلت العبادة من جهة النقصان،وإن لم يقتصر عليه بطلت من جهة الإخلال بالوحدة، وهذا الوجه مختصّ‏بالفرض الأول، وهنا وجوه اُخرى‏ تعمّ كلا الفرضين معاً:
الأول: إن النهي عن الجزء يوجب تقييد اطلاق العبادة بعدم ذلك الجزءفيكون وجوده مانعاً عنها.
الثاني: إن الاتيان بالجزء المنهي عنه زيادة عمدية، وهي مبطلة للصلاة.
الثالث: إن الجزء المنهي عنه خارج عن اطلاق دليل جواز الذكر في الصلاة،وداخل في عنوان التكلم الموجب لبطلانها إذا كان عمدياً.
الرابعة: صحة الوجه الأول من هذه الوجوه بناءً على أن يكون الجزء المنهي‏عنه مأخوذاً بنحو بشرط لا، وأما سائر الوجوه، فالوجه الأول والثاني منها،غير صحيح، أما الأول، فلأنه مبني على الخلط بين النهي الإرشادي والنهي‏المولوي، فإن مدلول النهي الإرشادي عن جزء هو أن عدمه مأخوذ في العبادة،ووجوده مانع عنها، وأما الثاني، فلأن صدق الزيادة يتوقف على أن يكون‏الاتيان به بعنوان أنه من الصلاة، وإلاّ فلا يصدق عليه عنوان الزيادة، وأماالوجه الثالث، فلابأس به على تفصيل تقدم.
الخامسة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن النهي عن جزء من الصلاة بالنهي‏المولوي، وإن لم يدل على تقييدها بعدم هذا الجزء شرعاً، ولكنه يدل على‏تقييدها به عقلاً في مرحلة الامتثال والتطبيق، على أساس أن الواجب لاينطبق‏على الحرام، والمحبوب على المبغوض غير تام، فإن معنى ذلك هو أن النهي عنه‏مانع من الإنطباق مع ثبوت المقتضي له، ولكن الأمر ليس كذلك، فإن الفردالمشتمل على الجزء المنهي عنه ليس فرداً للصلاة حقيقةً باعتبار أنه فاقد لقصدالقربة وهو مقوّم لها.
السادسة: إن النهي عن الشرط إذا كان توصلياً لايوجب فساده، على‏أساس أن الشرط خارج عن الصلاة والتقيد به داخل فيها، فإذن ما هو المنهي‏عنه خارج عن الصلاة، وما هو داخل فيها ليس بمنهي عنه، وعليه فالنهي عنه‏لايمنع عن قصد القربة بها ولا عن الانطباق.
السابعة: إن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن النهي عن الشرط لايوجب‏الفساد معلّلاً بأن ما هو شرط، وهو اسم المصدر لايكون متعلق النهي، وما هومتعلق النهي، وهو المصدر ليس بشرط، فلهذا لاموجب لاقتضائه الفساد غير تام‏بتمام شقوقه على تفصيل تقدّم.
الثامنة: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن النهي عن الشرط كالنهي عن‏الجزء يوجب تقييد اطلاق الصلاة عقلاً بغير الفرد المشتمل على الشرط المنهي‏عنه، لأن ملاك هذا التقييد في كلا البابين واحد، وهو استحالة انطباق الواجب‏على الحرام غير تام، وقد تقدم تفصيل ذلك موسّعاً.
التاسعة: إن محل البحث في هذه المسألة إنما هو عن ثبوت الملازمة بين حرمةالعبادة وفسادها لا عن دلالة النهي على الفساد بالمطابقة أو بالالتزام، ومن هنالاتكون هذه المسألة من المسائل الاُصولية اللفظية بل هي من المسائل العقلية غيرالمستقلة.
العاشرة: إن فساد العبادة المنهي عنها في المسألة مستند إلى عدم امكان قصدالقربة بها لا إلى عدم انطباق العبادة المأمور بها عليها، فإن عدم الانطباق إنما هومن باب السالبة بانتفاء الموضوع، وبملاك أن العبادة الفاقدة لقصد القربة ليست‏بعبادة حتى تكون مصداقاً لها.
الحادية عشر: إذا فرض الشك في المسألة الاُصولية، وهي ثبوت الملازمةوعدم ثبوتها فلأصل عملي في البين لاثبات الملازمة أو عدم اثباتها، وأما إذا شك‏في المسألة الفرعية، وهي صحة العبادة وفسادها، فيكون مقتضى القاعدة الفسادلأن الصحة تتوقف على وجود أحد العنصرين:
الأول: وجود الأمر.
الثاني: الملاك وكلاهما مما لايمكن احرازه في المقام.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو النهي عن المعاملات فهل يقتضي فسادهاأو لا؟ فيه قولان:
الصحيح هو القول الثاني، وذلك لأن ثبوت الملازمة بين حرمة العبادةوفسادها إنما هو من جهة أن العبادة إذا كانت محرمة ومبغوضة، فلايمكن الإتيان‏بها بقصد القربة وبدون ذلك لا محالة تقع فاسدة، ولاتنطبق عليها الصلاة المأموربها، أما من جهة وجود المانع مع ثبوت المقتضي له كما هو المعروف في الألسنة أومن جهة عدم المقتضي، وعلى كلا التقديرين يحكم العقل بعدم الانطباق، وفسادالحصة المأتي بها، ولكن هذا الملاك غير متوفر في المعاملات المحرمة، على أساس‏أنه لايعتبر في صحّتها قصد القربة، وإنما المعتبر في صحتها شمول اطلاق دليل‏الإمضاء لها، ومن الواضح أن شمول اطلاقه لها لايكون مشروطاً بعدم حرمتهاتكليفاً، فإذن لا مانع من الحكم بصحّتها رغم كونها محرمة، ولايمكن الحكم‏بفسادها من هذه الناحية هذا.
نعم، هنا قولان آخران بالتفصيل في المسألة في مقابل القولين الأولين:
أحدهما: التفصيل بين ما إذا كان النهي متعلقاً بالتسبيب والمسبب، وما إذاكان متعلقاً بالسبب، فعلى الأول يدل على صحة المعاملة المنهي عليها، وعلى‏الثاني لايدل على الصحة ولا على الفساد، وقد اختار هذا التفصيل المحقق‏الخراساني‏قدس سره(26).
الثاني: التفصيل بين ما إذا كان النهي متعلقاً بالمسبب، وما إذا كان متعلقاًبالسبب، فعلى الأول يدل على الفساد وعلى الثاني لايدل عليه.
أما التفصيل الأول، فقد ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره، إن مانسب إلى أبي‏حنيفةوالشيباني من دلالة النهي عن المعاملة على صحتها تام إذا كان النهي متعلقاًبالتسبيب أو المسبب، وأفاد في وجه ذلك أن معنى تعلق النهي بالتسبيب، وهوتعلقه بإيجاد الملكية من سبب خاص كالنّهي عن بيع الكلب مثلاً، فإن مرده إلى‏النهي عن إيجاد ملكية الكلب بهذا السبب الخاص، وهو البيع، ومن الطبيعي إن‏مثل هذا النهي يدل على صحة هذا السبب ونفوذه، ضرورة أنه لولم يكن صحيحاًونافذاً شرعاً ولم تحصل الملكية به، فلا معنى للنهي عن إيجادها به، أو فقل إن البيع‏لوكان باطلاً ولم يكن سبباً لإيجاد الملكية في نفسه، فلا معنى للنهي عن بيع الكلب‏لفرض أنه لا أثر له ويكون وجوده كعدمه، وحينئذٍ فبطبيعة الحال يكون النهي‏عنه لغواً وجزافاً، ومن هذا القبيل ما إذا تعلق النهي بالمسبب كالنهي عن بيع‏المصحف من كافر، فإنه يدل على صحة هذا البيع في الشريعة المقدسة، وإنه نافذوممضا فيها لوضوح أنه لولم يكن صحيحاً ونافذاً لدى الشرع وسبباً لإيجادالملكية، فلا معنى للنهي عنه ويكون لغواً وجزافاً، لفرض أنه ليس من أسباب‏الملك شرعاً، وعليه فالنهي عن إيجاده به نهي عن أمر غير مقدور إذ لايمكن‏إيجاده به بعد فرض أنه ليس سبباً له، فلهذا يدل النهي عنه على أنه من أسباب‏الملك(27). هذا، غاية مايمكن أن يقال في تبرير ما اختاره‏قدس سره من التفصيل ولكن مع‏هذا لايمكن الالتزام به بل هو غريب من مثله‏قدس سره.
بيان ذلك أن المعاملة الصحيحة تتكون من عدة عناصر:
الأول: السبب وهو على أصناف لأنه قد يكون لفظاً، وقد يكون فعلاً، وعلى‏الأول قد يكون عربياً كبعت أو اشتريت أو أنكحت أو ماشاكل ذلك، وقد يكون‏غير عربي.
الثاني: إنشاء البايع تمليك ماله للمشتري بقوله بعتك هذا، والإنشاء فعل‏البايع مباشرة، وهو عين المنشأ في عالم الاعتبار والذهن، ضرورة أنه لافرق بين‏الإنشاء والمنشأ لأنهما موجودان بوجود واحد في عالم الاعتبار والذهن‏والاختلاف بينهما انما هو بالاعتبار، فإنه باعتبار إضافته إلى البايع إنشاءوباعتبار إضافته إلى نفسه منشأً كالإيجاد والوجود في التكوينيّات.
الثالث: إمضاء الشارع للسبب بتمام أصنافه بمقتضى اطلاقات أدلة الإمضاءمن الكتاب والسنة، وعلى هذا فإذا تحقق بيع من المتبايعين، فإن كان واجداًللشروط المعتبرة فيه، فقد شملته اطلاقات أدلة الإمضاء وترتب عليه آثاره من‏انتقال المبيع إلى المشتري والثمن إلى البايع، وإن لم يكن واجداً لها لم تشمله‏الإطلاقات، وحينئذٍ فيحكم بفساده وعدم ترتب الأثر عليه من النقل‏والإنتقال، وعليه فاتصاف المعاملة بالصحة تارة وبالفساد اُخرى‏ مرتبط بمدى‏شمول اطلاقات أدلة الإمضاء لها وعدم شمولها، وعلى ضوء هذا الأساس‏فالعنصر الأول والثاني بيد المتبايعين وتحت اختيارهما مباشرة.
وأما العنصر الثالث، فهو بيد الشارع، ولايرتبط بالمتبايعين بنحو المباشر، لابالواسطة لأنه مقدور لهما بواسطة قدرتهما على إيجاد سببه، والمفروض إن المقدوربالواسطة مقدور، وعلى هذا فالنهي عن بيع الكلب إن كان إرشادياً كان مفاده أن‏عنوان الكلب مانع عن صحة البيع كالميتة ونحوها، لا أن البيع ليس سبباً، وإن‏كان مولوياً كان مفاده حرمة بيعه، وإنما الكلام في أن حرمته هل تستلزم فساده‏أو لا؟ وسوف يأتي بيانه.
ثم إنّ السيد الاُستاذقدس سره قد أجاب عن هذا التفصيل بما حاصله أنه لا سبب ولامسبب ولا تسبيب في باب المعاملات، ولا واقع موضوعي لهذه الألفاظالخاصة، وإنما هي مجرد تعبيرات جافة بدون المحتوى‏، لأنا إذا حللنا المعاملات‏وفتشناها، فلا نجد فيها إلاّ عنصرين:
الأول: الإعتبار النفساني كاعتبار الملكية والزوجية ونحوهما في عالم الذهن‏والاعتبار.
الثاني: إبرازه في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، والمعاملة اسم لمجموع المبرزبالفتح والمبرز بالكسر، فليس هنا سبب ولا مسبب ولا تسبيب لوضوح أن من‏قام ببيع داره يعتبر ملكيتها لزيد مثلاً في عالم الاعتبار والنفس ثم يبرزها في‏الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، فليس هنا شي‏ء غير ذلك، والبيع اسم لمجموع‏المبرز بالفتح والمبرز بالكسر، وأما الأثر الشرعي كالملكية أو الزوجية أو نحوها،فهو من آثار المعاملة ونسبته إليها نسبة الحكم إلى الموضوع لا المسبب إلى السبب،وعلى هذا فلا واقع موضوعي لهذا التفصيل، وحينئذٍ فالنهي عن المعاملة إما أن‏يكون مصبّه المبرز بالفتح الذي هو فعل البايع مباشرة أو المبرز بالكسر وهو أيضاًفعله كذلك أو مجموع الأمرين، وهما المبرز والمبرز معاً، وأما النهي عن الملكيةالشرعية وإيجادها، فلا معنى له لأنها فعل اختياري للمولى‏ مباشرة، وليست بيدغيره وتحت قدرته فلايعقل النهي عنها(28)، هذا.
ولنا تعليقان:
الأول: على أصل مبناه‏قدس سره في باب المعاملات.
الثاني: على تقدير تسليم المبنى، ولكن ما أفاده‏قدس سره من أنه لايعقل أن يكون‏مصب النهي في باب المعاملات الملكية الشرعية غير تام.
أما التعليق على الأول، فلأنه مبني على نقطة خاطئة، وهي أن ألفاظالمعاملات موضوعه للدلالة على قصد ابراز الأمر الاعتباري النفساني في‏الخارج، وهذه النقطة مبنية على مسلكه‏قدس سره في مسألة الوضع وتفسيره بأنه عبارةعن التعهد والالتزام النفساني، لأن لازم هذا التفسير هو أن الدلالة الوضعية دلالةتصديقية، فإن الوضع بهذا المعنى متمثل في تعهد المتكلم بأنه متى ما تلفظ بلفظمخصوص أراد منه معنى خاص، أو فقل بصيغة اُخرى‏ متى ما أراد معنى خاصاًتكلم بلفظ مخصوص، فالإرادة مأخوذة في المعنى الموضوع له أو في العلقةالوضعية، فعلى كلا التقديرين فالمدلول الوضعي مدلول تصديقي، وعلى ضوء هذه‏النظرية في باب الوضع، فلامناص من الإلتزام بأن ألفاظ المعاملات موضوعةللدلالة على قصد إبراز الأمر الاعتباري النفساني في الخارج، مثلاً صيغة بعت‏موضوعة للدلالة على قصد البايع إبراز ما اعتبره في نفسه في الخارج بمبرز ما من‏قول أو فعل، وأما مدلولها التصوري وهو تمليك عين بعوض عند اطلاقها ولو من‏لافظ بلا شعور واختيار، فهو مستند إلى الانس الذهني لا إلى الوضع، ولكن قدذكرنا هناك موسعاً أنه لايمكن الالتزام بهذه النظرية لا في نفسها ولا بلوازمها،ومن هنا قلنا إن الدلالة الوضعية دلالة تصورية، والمدلول الوضعي مدلول‏تصوري، ولايمكن أن يكون تصديقياً، بداهة أن الدلالة التصديقية لايمكن أن‏تكون مستندة إلى الوضع، بل هي مستندة إلى ظهور حال المتكلم.
فالنتيجة، إنه لايمكن الالتزام بهذه النظرية، وعلى هذا فلايكون المدلول‏الوضعي لألفاظ المعاملات كصيغة بعت، قصد البايع ابراز الأمر الاعتباري‏النفساني في الخارج بل هو إنشاء تمليك عين بعوض تصوراً، وحيث إن الإنشاءفعل تسبيبي فلايمكن إيجاده في عالم الإعتبار مباشرة إلاّ بواسطة سببه، فإنشاءالبيع لايمكن إلا بصيغة بعت التي هي فعل البايع مباشرة، وعلى هذا فمدلول صيغةبعت وأنكحت ونحوهما إنشاء التمليك والتزويج في عالم الاعتبار والذهن، ويكون‏هذا المعنى هو المتبادر منهما عند الاطلاق والتصور وإن كانتا من لافظ بلا اختيار،ولا يعقل إيجاده الإنشائي بدون الصيغة الخارجية، فلذلك تكون المعاملات‏متمثلة في الأسباب والمسبّبات لا في المبرز والمبرز.
وعلى الجملة فلاشبهة في أن معنى بعت تمليك عين بعوض، وهذا المعنى هوالمتبادر منه بمجرد سماعه، وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، وحيث إن هذاالمعنى معنى تسببي، فلايمكن إيجاده وإنشائه بدون سبب، ومن هنا يظهر أن إنكارالسيد الاُستاذقدس سره السبب والمسبب والتسبيب مبني على مسلكه‏قدس سره في باب‏المعاملات والإنشاء.
والخلاصة، إنه لاريب في أن معنى المعاملات معنى تسبيبي وليس فعلاًللمتعاملين مباشرة، وقد تقدم تفصيل ذلك في غير مورد ضمن البحوث السالفة.
وأما التعليق الثاني، فلأن الملكية الشرعية، وإن كانت فعل الشارع إلاّ أن‏ماهو فعل الشارع نفس جعل الملكية وإنشائها في عالم الإعتبار والذهن كجعل‏سائر الأحكام الشرعية، فإنه فعل الشارع مباشرة في عالم الاعتبار والذهن‏ولايرتبط بالمتعاملين أصلاً، ولايمكن فرض النهي عنه، وهذا لا كلام فيه، وإنماالكلام في فعلية الملكية المجعولة من قبل الشارع بفعلية سببها وموضوعها، فهل هي‏بيد المتعاملين أو لا؟
والجواب: نعم، لأنها بيدهما بالواسطة أي بواسطة أسبابها، والمفروض أن‏المقدور بالواسطة مقدور، وحيث إن البايع قادر على إيجاد سببها في الخارج، فهوقادر على إيجادها بإيجاده فيه، فإذن لا مانع من النّهي عنه.
وإن شئت قلت: إن جعل الملكية على موضوعها المفروض وجوده في الخارج‏كجعل سائر الأحكام الشرعية على موضوعاتها كذلك يكون بيد الشارع، وأمإ؛پ‏بخ‏خ‏فعلية الملكية بفعلية أسبابها في الخارج، فهي بيد البايع على أساس أن المسبب‏مقدور بواسطة القدرة على السبب، وعلى هذا فلا مانع من تعلق النهي بإيجادالملكية في الخارج بإيجاد موضوعها وسببها فيه، ولايكون هذا من النهي عن‏غير المقدور، ولكن حينئذٍ عاد الإشكال المتقدم، وهو أن النهي عن إيجاد الملكيةبالبيع يدل على صحة البيع، ضرورة أنه لايمكن النهي عن إيجادها وإن كان‏فاسداً، وإلاّ لزم التكليف بغير المقدور، لأن إيجاد الملكية بالبيع الفاسد غير ممكن‏هذا، ولكن الصحيح في الجواب عن هذه المغالطة أن يقال إن النهي تارةً يتعلق‏بذات السبب واُخرى‏ المسبب الذي هو فعل تسبيبي للمتعاملين، وثالثة بإيجادالملكية الشرعية في الخارج بإيجاد موضوعها وسببها فيه. أما على الأول، فإن‏كان النهي إرشادياً كان مدلولها فساد المعاملة وتقييد اطلاق دليل الإمضاء بغيرالسبب المنهي عنه، ومعنى ذلك هو أن الشارع لم يجعله سبباً، فإذا فرضنا تعلق‏النهي ببيع المعاطاة، فإن كان إرشادياً فقد دل على أنها ليست من أسباب البيع‏وغير مشمولة لإطلاق قوله تعالى: »أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«، وأما إذا كان مولوياً،فيدل على حرمة السبب فقط، ولا يدل على تقييد اطلاق دليل الإمضاء بغيرالسبب المنهي عنه لامطابقة ولا التزاماً، وحينئذٍ فلا مانع من كونه مشمولاًلاطلاق دليل الإمضاء، إذ لا منافاة بين كون السبب محرماً ومبغوضاً وبين ترتب‏الأثر عليه، لأن دلالة النهي على الفساد تبتني على أحد أمرين:
الأول: اعتبار قصد القربة.
الثاني: تقييد إطلاق دليل الإمضاء بغير السبب المنهي عنه، ولكن شيئاً من‏الأمرين غير ثابت في المقام.
أما الأول، فلأن قصد القربة غير معتبر في السبب المعاملي.
وأما الثاني، فلأن النهي عنه لايدل على تقييد إطلاقه بغيره لأن مدلوله الحرمةلا التقييد بعدمه، فإنه مدلول النهي الإرشادي، والمفروض أن النهي في المقام‏مولوي لا إرشادي، فإذن لا مانع من التمسك بإطلاق دليل الإمضاء، والحكم‏بصحة البيع المنهي عنه حيث لاتنافي بين حرمته وصحته.
وأما على الثاني، وهو النهي عن إنشاء الملكية بسبب خاص كالنهي عن‏إيجادها بالبيع الربوي أو نحوه، فإن كان النهي إرشادياً كان يدل على الفساد، لأن‏مدلوله عدم جعل الشارع البيع الربوي سبباً للملكية وموضوعاً لها، وهذا معنى‏فساده، وإن كان تكليفياً فلايدل على الفساد، لأن مفاده حرمة البيع الربوي،وهي لاتستلزم فساده، لأن فساده يرتكز على أحد أمرين:
الأول: اعتبار قصد القربة فيه.
الثاني: دلالة النهي على تقييد اطلاق دليل الإمضاء بغيره، ولكن كلا الأمرين‏غير ثابت في باب المعاملات. أما الأمر الأول، فلأن قصد القربة غير معتبر فيها.وأما الأمر الثاني، فلإن النهي حيث كان مولوياً، فلايدل على ذلك لأن مدلوله‏الحرمة دون التقييد.
ومن هنا يظهر أن النهي المولوي المتعلق بالمعاملة لايدل على تقييد اطلاق أدلةالإمضاء بالنسبة إليها وخروجها عنها لا بالدلالة المطابقية ولا بالدلالة الإلتزامية،ولا فرق في ذلك بين أن يكون النهي متعلقاً بالمعاملة من مطلق السبب أو من‏سبب خاص كما أنه لايدل على صحتها، فإذن ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن‏النهي عن إنشاء الملكية من سبب خاص يدل على صحة ذلك السبب، وإلاّ لكان‏النهي عنه لغواً وتكليفاً بغير المقدور لايرجع إلى معنى محصّل، لأن إنشاء الملكيةفعل البايع مباشرة، وهو تحت قدرته سواءً أكان السبب صحيحاً أم لا.
وأما على الثالث، وهو النهي عن إيجاد الملكية الشرعية في الخارج، وفعليّتهافيه بإيجاد سببها، فإن كان إرشادياً كان يدل على الفساد بالمطابقة، لأن مفاده‏حينئذٍ هو عدم ترتبها على سببها في الخارج، وأما إذا كان النهي عنه مولوياًفدلالته على الفساد مبنية على ثبوت الملازمة بين حرمة المعاملة وفسادها، ولكن‏هذه الملازمة غير ثابتة، لأن ثبوتها يتوقف على توفر الأمرين المذكورين، همااعتبار نية القربة فيه، ودلالة النهي على تقييد إطلاق دليل الإمضاء، وقد مر أن‏كلا الأمرين غير ثابت، فإذن لا موجب للفساد ولا مانع من الجمع بين حرمةالمعاملة تكليفاً وصحتها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن هذا النهي هل يدل على صحة السبب الذي أوجدالمتعاملان الملكية الشرعية به كالنهي عن بيع المصحف من كافر.
والجواب: إنه يدل على أن طبيعي البيع سبب شرعي، وممضى‏ من قبل الشرع‏بمقتضى‏ قوله تعالى: »أحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ«(29) الخ، ولكنه لايدل على أن هذا الفرد من‏البيع وهو بيع المصحف من كافر صحيح، وعلى هذا، فإن أراد المحقق‏الخراساني‏قدس سره بدلالة النهي المتعلق بالتسبيب أو المسبب على صحة السبب.
الفرض الأول، فيرد عليه أنه وإن كان يدل على صحة طبيعي البيع في‏الشريعة المقدسة، وأنه مشمول لاطلاق دليل الإمضاء إلا أن من الواضح أنه لاملازمة بين صحته وصحة كل فرد منه في الخارج، ضرورة أن صحة كل فرد منه‏منوطة بتوفر شروطها فيه، فإن كانت متوفرة فهو صحيح، وإلاّ فهو فاسد، وأماالنهي عنه فلايدل إلاّ على حرمته دون فساده، لأن فساده منوط بثبوت الملازمةبينهما، والنهي لايدل على ثبوتها وإن أراد بها.
الفرض الثاني: فقد عرفت أنه لايدل على صحته بل هي مبنية على عدم ثبوت‏الملازمة بين حرمة المعاملة وفسادها، والنهي لايدل على عدم ثبوتها ولا على‏ثبوتها. نعم، بناء على ثبوت الملازمة فيكون إيجاد الملكية الشرعية بهذا السبب‏الخاص غير مقدور باعتبار أنه فاسد، ولايمكن إيجادها به ولكن حيث إن عدم‏قدرته على إيجادها في الخارج بالسبب المذكور معلول للنهي عن إيجادها به فهولايمنع منه، لأن النهي تعلق بالمقدور وإنما صار غير مقدور بتعلّقه به، وهذا لايضرّبصحة النهي عنه بل هو الغاية القصوى‏ منه، لأن الغرض من النهي هو المنع‏التشريعي، فإذا كان مؤدياً إلى المنع التكويني فهو أوفى‏ بالغرض.
إلى هنا قد تبيّن أنه لا أصل لهذا التفصيل، ولايرجع إلى معنى محصل.
وأما التفصيل الثاني، وهو التفصيل بين النهي المتعلق بالسبب بالمعنى‏المصدري، والنهي المتعلق بالمسبب بمعنى الإسم المصدري، فعلى الأول لايدل على‏الفساد وعلى الثاني يدل عليه، فقد اختاره المحقق النائيني‏قدس سره، وقد أفاد في وجه‏ذلك ما ملخّصه: إن النهي إذا تعلّق بالسبب بالمعنى المصدري، فلايدل على الفسادإذ لاتنافي بين حرمة السبب تكليفاً وصحته وضعاً، لما مرّ من أن التنافي بينهما مبني‏على أحد أمرين:
الأول: اعتبار نية القربة فيه، والفرض عدم اعتبارها.
الثاني: دلالة النهي المتعلق به على تقييد اطلاق دليل الإمضاء بغير السبب‏المنهي عنه، والفرض أنه لايدل على هذا التقييد، وأما إذا تعلق بالمسبب بمعنى اسم‏المصدر، فهو يدل على الفساد لأن صحة المعاملة ترتكز على ثلاث ركائز:
الأولى‏: أن يكون كل من المتعاملين مالكاً للعين أو في حكم المالك كالوكيل أوالولي.
الثانية: أن لايكون المالك ممنوعاً من التصرف المعاملي بأحد أسباب المنع‏كالسفه، والفلس، والحجر، والصغر، والجنون بأن يكون له كامل السلطنة على‏التصرف في أمواله من التصرفات الخارجية والاعتبارية كالبيع، والصلح،والهبة، ونحوها.
الثالثة: أن يكون إيقاع المعاملة في الخارج بسبب خاص أو آلة مخصوصة،فإذا توفرت هذه الركائز الثلاث في المعاملة حكم بصحتها، وإلاّ ببطلانها، وعلى‏هذا الأساس، فإذا فرض أن المولى‏ نهى عن المسبب، وهو إيجاد الملكية الشرعيةفي الخارج بإيجاد سببها فيه كالنهي عن بيع المصحف من كافر، كان هذا النهي‏معجزاً مولوياً للمالك عن التصرف في ماله، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المالك‏ممنوعاً من التصرف في ماله بأحد الأسباب المتقدمة أو بالنهي المولوي، وعليه‏فيكون هذا البيع فاقد للركيزة الثانية المتقدمة فيكون فاسداً، ثم إنه‏قدس سره قد رتّب‏على ذلك عدة فروع:
الفرع الأول: إن الأصحاب قد تسالموا على فساد الإجارة على الأعمال‏الواجبة على المكلف مجاناً كغسل الميت والصلاة عليه ودفنه وكفنه وغيرها، على‏أساس أن تلك الأعمال مملوكة للَّه تعالى وخارجة عن سلطنة غيره، ولهذا ليس‏بإمكان أحد تمليكها من غيره بإجارة أو غيرها باعتبار أنها ليست مملوكة له،فمن أجل ذلك تكون إجارتها فاسدة.
الفرع الثاني: إنهم قد تسالموا على بطلان بيع منذور الصدقة على أساس أن‏نذره أوجب عجزه عن التصرف بكل ما ينافي الوفاء بنذره.
الفرع الثالث: إنهم تسالموا على بطلان بيع شي‏ء إذا كان عدم بيعه مشروطاًفي ضمن عقد على أساس أن وجوب الوفاء بالشرط مانع عن بيعه، مثال ذلك‏إذا باع زيد كتابه من عمرو، واشترط عليه في ضمن البيع أن لا يبيعه من شخص‏آخر، ففي مثل ذلك إذا باعه من آخر بطل باعتبار أن وجوب الوفاء بالشرطيجعل عمرو محجوراً عن التصرف فيه فيكون فاقداً للركيزة الثانية المعتبرة في‏صحة المعاملة كما عرفت(30)، هذا.
ولنا تعليقان:
الأول: على أصل هذا التفصيل.
الثاني: على ما ذكره‏قدس سره من الفروع.
أما التعليق الأول، فلا شبهة في أن صحة كل معاملة من بيع أو إجارة أو صلح‏أو غيرها منوطة بتوفر شروطها كشروط العوضين والمتعاملين، ومن شروطالمتعاملين البلوغ وعدم السفه وعدم الفلس وعدم الجنون وهكذا، فلوكان‏أحدهما أو كلاهما صبيّاً أو مجنوناً أو سفيها أو مفلساً، فالمعاملة باطلة لأنها من‏أسباب الحجر والمنع الوضعي من التصرفات الاعتبارية في أمواله كالبيع،والصلح والهبة، والإجارة، ونحوها، فإن هذه التصرفات منه غير نافذة،ولاتكون مشمولة لاطلاقات أدلة الإمضاء، لأن ما دل على اعتبار هذه الشروطفي المتعاملين يكون مقيداً لاطلاقاتها بما إذا كانا واجدين لها، وأما إذا كانت هذه‏الشروط متوفرة فيهما، ولكن الشارع نهى‏ عن المعاملة بالمعنى المسبب كالنهي عن‏بيع المصحف مثلاً من كافر، فهل هذا النهي يدل على الفساد أو لا؟
والجواب: إن النهي عنه إن كان إرشادياً، فهو يدل على الفساد لأن مفاده‏الإرشاد إلى عدم حصول الملك والنقل والإنتقال، ولكنه خارج عن محل الكلام،وأما إذا كان النهي عنه مولوياً تحريمياً، فتارة يقع الكلام في امكان هذا النهي،واُخرى‏ على تقدير امكانه، فهل يدل على الفساد.
أما الكلام في الأول، فقد يقال بأنه غير ممكن لأن المسبب الشرعي فعل‏الشارع، ولايمكن أن يوجه النهي عنه إلى المكلف، لأنه تكليف بغير المقدور بل‏لامعنى للنهي عن فعل الشارع، ضرورة أن فعله لو كان مبغوضاً لم يفعله الشارع‏بنفسه لا أنه نهى‏ عنه، ويوجه النهي إلى المكلف.
والخلاصة، إن النهي الموجه إلى المكلف لابد أن يكون متعلقاً بفعله الاختياري‏هذا، والجواب، أن هذه المقالة مبنية على الخلط بين المسبب الذي هو فعل الشارع‏في عالم الاعتبار والجعل، وبين فعليّته في الخارج بفعلية موضوعه، وما لايمكن‏النهي عنه هوفعل الشارع لذي هو متمثل في جعل المسبب واعتباره، وأما فعليّته‏بفعلية موضوعه في‏الخارج، فهي لاترتبط بالشارع، حيث إنها لاتكون فعله، وحينئذٍ فلا مانع من النهي عنه لأنها مقدورة للمكلف من جهة قدرته على إيجادسببها، وهو إنشاء المعاملة خارجاً، حيث إن الشارع جعله سبباً لحصول النقل والانتقال الشرعي، وما قيل من أن المسبب إذا كان مبغوضاً للمولى‏، فالأولى‏ له‏أن يسد بابه نهائياً بعدم جعله، باعتبار أنه يعلم بأن ترتبه على سببه في الخارج‏مبغوض.
مدفوع، بأن جعل المسبب لسبب بنحو كلي مرتبط بمصلحة عامة التي هي‏مترتبة على نفس الجعل، وإن شئت قلت إن الشارع أمضى المسببات العقلائيةالمجعولة لحفظ النظام العام إذا رأى‏ فيها مصالح عامة، ولكن قد يكون ترتبها على‏أسبابها في الخارج في مورد مبغوضاً ومنهياً عنه لسبب أو آخر، كالنهي عن بيع‏المصحف من كافر، فإن المبغوض هو نقل المصحف من ملك مسلم إلى ملك كافر،ولكن هذه المبغوضية التكليفية لاتمنع عن النقل والانتقال الوضعي، لأن الكافرقابل لأن يملك المصحف ومبغوضية ملكه لاتمنع عن إنشاء بيعه، بل لوكان في نفسه‏مبغوضاً، فأيضاً لامانع منه باعتبار أن المانع إنما هو نيّة القربة، وهي غير معتبرةفيه، وعليه فإذا أنشأ البيع ترتب عليه الملك على أساس أن ترتب المسبب على‏السبب قهري، فإذن لادليل على أن صحة المعاملة مشروطة بعدم النهي عنها لمامرّ من أن النهي المتعلق بها حيث إنه نهى‏ تكليفي مولوي، فلايدل إلاّ على‏حرمتها، ومن الواضح أنها لاتوجب بطلانها إذ لامنافاة بين صحة المعاملةوحرمتها تكليفاً، لفرض أنه لايعتبر فيها نيّة القربة حتى تمنع عن صحتها، أو فقل‏إن ترتب الملكية الشرعية على المعاملة لايكون مشروطاً بأن تكون محبوبة وقابلةللتقرب بل هي مترتبة على وجودها في الخارج وإن كان مبغوضاً، وقد تقدم أن‏التنافي بين صحة المعاملة وحرمتها التكليفية مبني على أحد أمرين:
الأول: إعتبار نيّة القربة فيها، والفرض عدم اعتبارها.
الثاني: دلالة النهي على تقييد اطلاق دليل الإمضاء بغير المعاملة المنهي عنها،والفرض أنه لايدل عليه لا بالمطابقة ولا بالالتزام، فإذن لامانع من كونهامشمولة لاطلاق دليل الإمضاء رغم أنها مبغوضة ومحرمة، ولا مانع من اجتماع‏الصحة والحرمة في المعاملة لا في عالم الجعل والاعتبار، ولا في عالم المبادي، أما في‏الأول، فلما ذكرناه غير مرّة من أنه لاتنافي بين الأحكام الشرعية بما هي‏اعتبارات صادرة من المعتبر مباشرة في عالم الاعتبار والذهن، ولا مانع من‏اجتماعها في شي‏ء واحد في هذا العالم، وأما في الثاني، فلأن حرمة المعاملة ناشئةمن مفسدة ومبغوضية في نفس إيجادها، وأما صحتها فهي تتبع المصالح العامةالعقلائية التي قرّرها الشارع وامضاها، وأما في عالم التطبيق فلأن التنافي في هذه‏المرحلة مبني على اعتبار نية القربة في المعاملة، فعندئذٍ لايمكن الإتيان بها بقصدالقربة إذا كانت محرمة ومبغوضة، والفرض عدم اعتبارها فيها.
إلى هنا قد تبيّن أن النهي المولوي لايدل على فساد المعاملة لامطابقة ولاالتزاماً، بلافرق في ذلك بين تعلّقه بالسبب أو بالمسبب أو بالتسبيب، فما ذكره‏المحقق النائيني‏قدس سره من التفصيل بين تعلق النهي بالسبب وتعلقه بالمسبّب غير تام.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره‏قدس سره من أن صحة المعاملة مشروطة بتوفّر ثلاث‏ركائز فيها تام، ولكن تفسيره الركيزة الثانية بالأعم من المنع الوضعي والمنع‏التكليفي غير صحيح، لوضوح أن المراد منها خصوص المنع الوضعي الثابت بدليل‏خاص كبطلان بيع الصبيّ والمحجور عليه والسفيه والمجنون، وأما المنع التكليفي‏فلايمكن أن يكون شرطاً في صحة المعاملة، لأنه لايوجب زوال سلطنة المالك على‏إيجاد المسبب الشرعي بإيجاد سببه في الخارج، كما لايمكن أن يراد منها السلطنةالتكوينية، إذ مضافاً إلى أنها لاتزول بالنهي عن إيجاد المسبب الشرعي انه لايمكن‏أن تكون مأخوذة في موضوع دليل الإمضاء، بأن يكون الإمضاء مشروطاً بها،ضرورة أنها في طوله ومتفرّعة عليه، فلوكانت مأخوذة في موضوعه لكان‏الإمضاء متفرّعاً عليها وفي طولها، ومعنى هذا أن الإمضاء متوقف على القدرة،والسلطنة التكوينية على المسبب الشرعي، وهو كماترى، ضرورة أنه مع عدم‏امضائه لا قدرة له على إيجاده من باب السالبة بانتفاء الموضوع بمعنى أنه لاوجودله في عالم الاعتبار والجعل، حتى يكون البايع قادراً على إيجاده بإيجاد سببه في‏الخارج، ومن هنا لايمكن أن تكون القدرة على إيجاد المسبب الشرعي في الخارج‏بإيجاد سببه مأخوذة في موضوع دليل الإمضاء، فإذن لامحالة تكون القدرة في‏طول الإمضاء، ومتفرعة عليه ومعتبرة بحكم العقل لا بحكم الشرع.
فالنتيجة، إن المراد منها سلطنة المالك على ماله في حجره من التصرف فيه‏الاعتباري والخارجي.
وأما التعليق على ماذكره‏قدس سره من الفروع، فلأن استشهاده‏قدس سره بها غير تام. أماالفرع الأول، فلأن تسالم الأصحاب على بطلان الإجارة في الأعمال الواجبة على‏المكلف مجاناً، وإن كان ثابتاً إلاّ أن بطلانها ليس من جهة ما ذكره‏قدس سره من أنهامملوكة للَّه تعالى‏، وهي تمنع عن ملكية غيره، وذلك لأنه لادليل على أنها ملك اللَّه‏تعالى بملكية اعتبارية، لوضوح أن مجرد وجوبها على المكلف مجاناً لايدل على‏أنها مملوكة له تعالى‏، لأن معنى وجوبها عليه أنه ملزم من قبل اللَّه سبحانه‏بالإتيان بها، وأما أنها مملوكة للَّه تعالى‏ في ذمة المكلف، فهو لايدل عليه، هذاإضافة إلى أنه لامعنى لملكيّته تعالى لها بالملكية الإعتبارية لأنها لغو، على أساس‏أن الأشياء بكافة أشكالها وألوانها مملوكة له تعالى‏ بالذات، ومرتبطة به سبحانه‏تكويناً ووجوداً، على أساس أنها عين الفقر والربط لا ذات له الفقر والربط.ومنها، أعمال الناس وأفعاله المتنوعة، فإنها وإن لم تكن مربوطة بذاته تعالى‏مباشرة إلاّ أنها مربوطة بواسطة ارتباط وجود الإنسان بها، فإذا كانت الملكيةالتكوينية الحقيقية موجودة، فلامبرّر لاعتبارها لأنه لغو، ولكن هذه الملكيةالحقيقية لاتمنع عن ملكية الإنسان لها اعتباراً وجعلاً.
فالنتيجة، إن بطلان‏الإجارة فيها ليس من‏جهة أنهامملوكة له‏تعالى، بل‏هومن‏جهة أخذ المجانية فيها وعدم جواز أخذ الأجرة عليها لأنها واجبة على المكلف‏مجاناً، فيكون عنوان المجانية من العناوين المقوّمة أو فقل إنه قيد للمأمور به، فإذاأتى به مع الأجرة فقد أخل بقيده وانتفى‏ بانتفائه، فلاينطبق عليه المأمور به، ولافرق في‏العمل المأخوذ فيه قيد المجانية بين أن يكون واجباً أومستحباً كالأذان.
وأما الفرع الثاني، وهو ما ذكره‏قدس سره من أن وجوب الوفاء بالنذر مانع عن‏صحة بيع المنذور، فيرد عليه:
أولاً: إن بطلان بيع منذورالصدقة ليس أمراً متسالماً عليه بين الأصحاب، وعلى تقدير التسالم بينهم، فلايمكن الإعتماد عليه إذلايمكن إحراز أن هذا التسالم قدوصل إليهم من زمن‏الأئمةعليهم السلام يداً بيد وطبقة بعد طبقة، وبدونه فلايكون حجة.
وثانياً: إن وجوب الوفاء بالنذر بما أنه وجوب تكليفي، فلايمنع عن صحة بيع‏المال المنذور، فإن مقتضى وجوب الوفاء بالنذر، وإن كان حرمة بيعه إلاّ أنه قد مرّعدم التنافي بين حرمته تكليفاً، وصحّته وضعاً لا في مرحلة الإعتبار ولا في‏مرحلة المبادي ولا في مرحلة التطبيق، وعلى هذا فلامانع من التمسك بإطلاق‏دليل الإمضاء، والحكم بصحته رغم أنه محرم وموجب لاستحقاق الأدانةوالعقوبة عليه، هذا.
قد يقال، كما قيل: إن مفاد صيغة النذر للَّه عليَّ أن اتصدق بدينار على الفقراء،إنشاء ملكية التصدّق للَّه سبحانه فيكون التصدّق به ملكاً له تعالى، وعليه فيكون‏المال متعلق ملكه تعالى وحقّه، فإذا كان الأمر كذلك لم يجز التصرف فيه من بيع‏أو إجارة أو هبة أو غير ذلك، لأنه مناف لحقّه تعالى، فلا سلطنة للناذر عليه‏فيكون محجوراً من التصرف فيه، فلهذا يكون باطلاً.
والجواب: أولاً، إن الظاهر من صيغة النذر هو جعل الناذر التصدق على‏عهدته وذمته للَّه سبحانه، ومن الواضح أن ذلك ليس تعبيراً عن إنشاء الناذرملكيته‏التصدق للَّه‏تعالى بل‏هوتعبير عن جعل‏التصدق على‏ذمته وعهدته للَّه بأمل‏أن يقبل‏اللَّه تعالى منه ذلك، وبكلمة واضحة، إن ثبوت شي‏ء على ذمة المكلف وعهدته للَّه قديكون بجعل نفس‏المكلف ذلك ابتداءً، وإلزام الشارع له بالوفاء به.
ثانياً، كما في النذر والعهد والشرط في ضمن العقد وغيرها، وقد يكون بجعل‏الشارع ابتداءً من دون أن يكون مسبوقاً بالتزام المكلف وتعهّده كما في الواجبات‏الشرعية، كالصلاة والصيام والحج ونحوها، فإنها واجبات ابتدائية من قبل‏الشارع، وكلا الجعلين لايدل على ملكه تعالى تلك الواجبات على ذمة المكلف‏وعهدته.
ومن هنا يظهر أن قوله تعالى: »للَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إلَيْهِ‏سَبِيْلاً«(31)، لايدل على أن الحج الثابت على ذمة المستطيع مملوك للَّه تعالى،وحال صيغة النذر حال الآية الشريفة من هذه الناحية، وثانياً، إن كلمة اللام‏لاتدل على الملك لأنها موضوعة للدلالة على مطلق الإختصاص أعم من‏الاختصاص الملكي أو الحقي أو التكليفي، ومستعملة فيه وإرادة خصوص الملك‏بحاجة إلى قرينة حالية أو مقالية، وأما مع عدم وجود القرينة على التعيين،فالقدر المتيقّن منه الإختصاص التكليفي، لأن إرادة الاختصاص الملكي أو الحقي‏منه بحاجة إلى عناية زائدة.
فالنتيجة، إن كلمة اللام لاتدل على الاختصاص الملكي.
وأما نذر النتيجة، فهو وإن كان يدل على أن المال المنذور ملك للمنذور له إلاّأنه باطل لأن الملك بحاجة إلى سبب، فلايمكن تحققه بدونه وبصرف الجعل إلاّ فيمايمكن تحققه بدونه.
وأما الفرع الثالث، فيظهر حاله مما مرّ، فإن الشرط لايحدث حقاً للشارط على‏المشروط عليه في المال المشروط بل مفاده إلزام المشروط عليه بالوفاء بالشرطتكليفاً، فإذن لايلزم من مخالفة هذا الشرط بالبيع أو نحوه تفويت حق شخص‏آخرحتى يكون باطلاً.
فالنتيجة، إن وجوب الوفاء بالشرط حيث إنه تكليفي، فلايكون مانعاً عن‏صحة بيع المشروط.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لاملازمة بين حرمةالمعاملة وفسادها، لأنها كما تقدم ترتكز على إحدى الركيزتين:
الاُولى‏: اعتبار قصد القربة فيها.
الثانية: دلالة الحرمة على التقييد، ولكن كلتا الركيزتين غير ثابتة، ثم إن‏المحقق النائيني‏قدس سره قد استدل على الملازمة بين حرمة المعاملة، وفسادها بعدة من‏الروايات:
منها، صحيحة زرارة عن أبي‏جعفرعليه السلام قال: سألته عن مملوك تزوج بغير إذن‏سيّده. فقال: ذاك إلى سيّده إن شاء أجازه، وإن شاء فرّق بينهما. قلت: أصلحك‏اللَّه أن الحكم بن عينيّة وإبراهيم النخعي وأصحابهما يقولون إنّ أصل النكاح‏فاسد، ولا تحل إجازة السيد له، فقال أبوجعفرعليه السلام: »إنه لم يعص اللَّه، وإنما عصى‏سيّده، فإذا أجازه فهو له جائز«(32)، ومنها غيرها.
وتقريب الإستدلال بها أن الإمام‏عليه السلام قد علّل صحة نكاح العبد بإجازة السيدبأن العبد لم يعص اللَّه، وإنما عصى‏ سيده، وهذا التعليل يدل بوضوح على أنه‏لوعصى‏ اللَّه لكان نكاحة باطلاً، وهذايكشف عن ثبوت الملازمة بين حرمة العقد،وفساده، وعلى هذا فنكاح العبد لوكان عصياناً للَّه تعالى كان فاسداً، ولا أثرلإجازة السيد حينئذٍ، وحيث إنه لم يكن عصياناً له تعالى، وإنما يكون عصياناًلسيده، فيرتفع عصيانه بإجازته، ومقتضى عموم التعليل إن كل معاملة إذا كانت‏محرمة، فهي فاسدة لأنها معصية للَّه تعالى، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الحرمةمتعلقة بالسبب أو بالمسبب(33)، هذا.
والجواب: إن دلالة التعليل في الصحيحة على الفساد مبنية على أن يكون المرادمن العصيان فيها العصيان التكليفي دون الوضعي، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن‏العصيان وإن كان في نفسه ظاهراً في العصيان التكليفي إلاّ أنه لابد من حمله على‏العصيان الوضعي لوجود قرائن:
القرينة الاُولى‏: إن قوله‏عليه السلام في الصحيحة: »إنه لم يعص اللَّه وإنّما عصى‏سيّده«، قرينة على أن المراد من العصيان هو العصيان الوضعي إذ لوكان تكليفياًلم يمكن التفكيك بين عصيان السيد وعصيانه تعالى، على أساس أن وجوب‏إطاعة السيد على العبد إنما هو بأمره تعالى‏ لا ذاتاً، لأن ماهو واجب إطاعته‏بالذات هو اللَّه تعالى، وأما إطاعة غيره فهي واجبة بأمره سبحانه لا بالذات‏كإطاعة الرسول‏صلى الله عليه وآله وإطاعة الأئمة الأطهارعليهم السلام، ومن هنا تكون إطاعةالرسول‏صلى الله عليه وآله، وكذلك الأئمة الأطهارعليهم السلام إطاعة للَّه عزّوجلّ حقيقة وذاتاً، على‏أساس أن كل ما بالغير لابدّ وإن ينتهي إلى ما بالذات.
ومن هنا لايعقل أن تكون إطاعة الرسول‏صلى الله عليه وآله في مقابل إطاعة اللَّه تعالى بل‏إطاعته إطاعة للَّه سبحانه في الحقيقة، ولهذا لايعاقب إلاّ بعقاب واحد، وما نحن‏فيه كذلك، فإن اللَّه تعالى‏ قد أمر العبد بإطاعة سيّده، وعليه فإذا أطاع سيّده فقدأطاع اللَّه سبحانه في الحقيقة، وإذا خالفه فقد خالف اللَّه تعالى‏ كذلك، ومن هنالايعقل انفكاك عصيان العبد لسيّده عن عصيانه تعالى، وعليه فالتعليل المذكورقرينة واضحة على أن المراد من العصيان في قوله‏عليه السلام في الصحيحة: »إنه لم يعص‏اللَّه وإنما عصى‏ سيّده«، هو العصيان الوضعي، ولايمكن أن يكون المراد منه‏العصيان التكليفي، ونقصد بالعصيان الوضعي أن العبد لم يستأذن سيده في إيقاع‏العقد مع أن صحته منوطة بإذنه وإجازته، وبكلمة، إن العبد قد تزوّج بإمرأةبزواج مشروع، وممضى‏ من قبل اللَّه تعالى في الكتاب والسنة لابزواج غيرمشروع كالزواج في أيام العدة أو ما شاكله، غاية الأمر أنه حيث كان عبداً لغيره‏أيضاً، فمعاملة منها نكاحه مشروطة بإذن سيده زائداً على الشروط العامة المعتبرةفي صحتها شرعاً، وعليه فإذا كان نكاحه واجداً للشروط العامة، وفاقداً لهذاالشرط الخاص حكم بفساده، ودعوى‏، إن اعتبار إذن السيد في صحة عقده إنماهو بحكم الشارع لا في نفسه، فإذن كما أن عصيان السيد تكليفاً انما هو بعصيان اللَّه‏تعالى لا بالذات كذلك عصيانه وضعاً، ضرورة أن عصيان السيد إنما هو من‏تبعات عصيانه تعالى‏ وإن كان وضعاً، إذ لامعنى لعصيانه بقطع النظر عن عصيانه‏سبحانه تعالى‏، وعليه فلايمكن التفكيك بينهما في كلا الموردين.
مدفوعة، بأن التفكيك بين عصيان السيد تكليفاً وعصيانه تعالى كذلك غيرممكن، ضرورة أنه لايتصور عصيان السيد إلاّ بعصيان اللَّه تعالى بينما هذا التفكيك‏بين عصيان السيد وضعاً وعصيانه تعالى‏ كذلك أمر ممكن، لأن معنى أنه لم يعص‏اللَّه هو أنه عقد على امرأة بنكاح مشروع، وممضى‏ في الشريعة المقدسة بالكتاب‏والسنة، ولكن حيث إنه كان عبداً لغيره أيضاً في طول كونه عبداً للَّه عزّ وجلّ،فيجعل اللَّه تعالى حقاً لهذا الغير عليه، وهذا الحق خاص له، ولايرجع إليه تعالى،وهو أن صحة معاملاته المشروعة مشروطة بإذنه وإجازته أيضاً، فإذا أتى بهابدون الإستئذان منه فقد عصاه وضعاً بدون أن يرجع إلى عصيانه تعالى‏ كذلك‏باعتبار أن هذا حق خاص له، وإن كان جاعله هو اللَّه تعالى، وعليه فإذا عقدعلى امرأة بدون أخذ الإذن من سيده فقد عصاه، ولا يكون عصيانه بعصيانه‏تعالى‏، لفرض أنه عقد عليها بنكاح مشروع شرعاً، أو فقل إن التعليل في‏الصحيحة ناظر إلى أنه بلحاظ كونه عبداً للَّه تعالى‏ لم يعص اللَّه، حيث إنه تزوّج‏بزواج مشروع في الكتاب والسنة في مقابل زواج غير مشروع فيهما، ولافرق من‏هذه الناحية بينه وبين سائر عباده تعالى‏، ولكن حيث إنه عبد لغيره أيضاً في طول‏كونه عبداً للَّه تعالى، فنكاحه بحاجة إلى إذنه أيضاً، فإذا أتى به بدون إذنه، فقدعصاه، على أساس أن إذن سيده في عقده في طول إذنه تعالى، فيكون إذنه سبحانه‏فيه مفروغاً عنه في المرتبة السابقة، فلهذا يكون عصيان للسيد دونه تعالى‏.
القرينة الثانية: إنه لادليل على أن كل تصرّف من تصرفات العبد محرم‏شرعاً إذا كان بدون إذن سيده حتى تكلمه مع غيره أو عقده على امرأة لنفسه أولغيره أو بيعه أو ما شاكل ذلك. ضرورة أنه لادليل على أن تكلمه بصيغة»أنكحت« أو »زوّجت« أو »قبلت« أو »بعت« محرم إذا كان بدون إذن سيده‏سواءً أكان بالوكالة أم بالأصالة، فإذن لامحالة يكون المراد من العصيان،العصيان الوضعي لاالتكليفي إذ لايحتمل أن يكون تلفظه بصيغ النكاح أو البيع‏محرماً شرعاً.
القرينة الثالثة: إن المراد من العصيان في الصحيحة لوكان العصيان التكليفي،فلايعقل ارتفاعه بإجازة السيد مع أن قوله‏عليه السلام في الصحيحة: »فإن أجاز فهوجائز« ناص في ارتفاعه بالإجازة، وهذا قرينة قطعية على أن المراد من‏العصيان، العصيان الوضعي لأنه قابل للرفع بالإجازة، حيث إنه عبارة عن عدم‏إذن السيد لنكاح عبده، فإذا أجازه بعد ذلك صح نكاحه وارتفع عصيانه، وأماالعصيان الناشي‏ء من الحرمة التكليفية فيستحيل أن يرتفع بالإجازة لاستحالةأن تتبدل الحرمة بالجواز بالإجازة.
القرينة الرابعة: موثقة زرارة قال: سألته عن رجل تزوج عبده امرأة بغيرإذنه، فدخل بها ثم اطلع على ذلك مولاه، قال: »ذاك لمولاه إن شاء فرّق بينهما،وإن شاء أجاز نكاحهما، فإن فرّق بينهما، فللمرأة ما أصدقها إلاّ أن يكون‏اعتدى، فاصدقها صداقاً كثيراً، وإن أجاز نكاحه فهما على نكاحهما الأول«،فقلت: لأبي‏جعفرعليه السلام، فإن أصل النكاح كان عاصياً، فقال أبوجعفرعليه السلام: »إنماأتى‏ شيئاً حلالاً، وليس بعاص للَّه إنما عصى‏ سيده، ولم يعص اللَّه إن ذلك ليس‏كإتيان ما حرم اللَّه عليه من نكاح في عدة وأشباهه«(34).
فإنها تنصّ بذيلها على أن المراد من العصيان، العصيان الوضعي، وإنه لم يعص‏اللَّه من جهة أنه أتى‏ بعقد مشروع وحلال في الشريعة المقدّسة، ولم يأت بعقد حرام‏فيها وغير مشروع، كالنكاح في العدة وما شابهه، ومعنى‏ ذلك أنه إذا أتى بعقدحرام وغير مشروع،كالنكاح في العدة، فهو عاص للَّه تعالى‏، وحيث إنه لم يأت به‏وأتى بعقد حلال ومشروع، فلهذا لم يعص اللَّه عزّ وجلّ، إلى هنا قد تبيّن أن هذه‏الروايات لاتدل على أن النهي عن المعاملات يستلزم فسادها، هذا.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره نقل عن شيخنا الأنصاري‏قدس سره، القول بالتفصيل: بين ماإذا عقد العبد على امرأة بنفسه لنفسه، وما إذا عقد على امرأة لغيره، فعلى الأول‏لايمكن تصحيحه بالإجازة المتأخرة من المولى‏ لأن العقد إذا وقع فاسداً، فلايمكن‏تصحيحه، لأن الشي‏ء لاينقلب عما وقع عليه، أو فقل إن استناد هذا العقد إلى من‏له العقد ثابت ولايتوقف على الإجازة، وأما الإنشاء الصادر منه لما كان بدون‏إذن سيده، فهو فاسد، فلايمكن تصحيحه بها لاستحالة انقلاب الشي‏ء عما وقع‏عليه، وعلى الثاني فبما إن استناده إلى من له العقد غير ثابت، فلا مانع من‏تصحيحه بالإجازة لأنها تبرّر صحة استناده إليه، فيكون العقد حينئذٍ عقداً له‏ومشمولاً لدليل الإمضاء(35)، هذا.
وقد أجاب عن ذلك السيد الاُستاذقدس سره، وحاصله: إن صحة عقد الفضولي‏بالإجازة تكون على القاعدة بلا فرق في ذلك بين موارده، إذ كما أن الإجازةالمتأخرة تصحح العقد في المورد الثاني، كذلك في المورد الأول، وما ذكره‏قدس سره من‏لزوم الإنقلاب فيه، فهو لايمنع عن تصحيحه بها، لأن الإنقلاب المستحيل إنما هوالإنقلاب في الاُمور التكوينية، حيث إن الشي‏ء إذا وقع في الخارج على صفةكالجوهر أو العرض يستحيل أن ينقلب عما وقع عليه لاستحالة انقلاب الجوهرعرضاً وبالعكس، وأما الإنقلاب في الاُمور الإعتبارية التي لا واقع موضوعي لهافي الخارج، فلا مانع منه بل هو على القاعدة في باب الفضولي، على أساس أن‏الإجازة حيث إنها من الاُمور التعلقيّة، فهي تتعلق بالعقد السابق، فإذا تعلقت به‏من حينه كان مشمولاً لاطلاق دليل الإمضاء من ذلك الحين، فيكون عقداًللمجيز من حين صدوره من الفضولي.
ونتيجة ذلك، إن المولى اعتبر ملكية المبيع من حين صدور العقد، وكذلك‏زوجيّة المرأة، غاية الأمر إن زمان الاعتبار متأخر وزمان المعتبر متقدم، ولامانع من عدم كون المرأة التي جرى‏ عليها العقد زوجة له من حين إيقاع عقدالنكاح إلى زمان الإجازة، وبعدها صارت زوجة له بحكم الشارع في نفس تلك‏الفترة، وهي مابين العقد والإجازة، ولا مانع من ذلك إذا كان زمان الاعتبارمتعدداً، وإن كان زمان المعتبرين واحداً، إذ لايلزم من ذلك اجتماع الضدّين أوالنقيضين أو المثلين، لأن استحالة اجتماع ذلك إنما هي في الاُمور التكوينيةالخارجية دون الاُمور الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لها ماعدا وجودها في‏عالم الإعتبار والذهن، ومن هنا بنى‏قدس سره أن الإنقلاب الإعتباري في باب العقدالفضولي يكون على القاعدة، ولهذا التزم‏قدس سره في مسألة الفضولي بالكشف‏الإنقلابي، وأما الكشف الحقيقي فهو مستحيل، وأما الكشف الحكمي فلعل المرادمنه هو الكشف الإنقلابي(36)، هذا.
وللمناقشة في هذا الجواب مجال، بتقريب أن ما أفاده‏قدس سره من أنه لامانع من‏الإلتزام بالإنقلاب في الاُمور الإعتبارية بالشكل الذي ذكره‏قدس سره، وإن كان ممكناًثبوتاً إلاّ أن الالتزام به في مقام الإثبات بحاجة إلى دليل، وما ذكره‏قدس سره من أن‏الإجازة لما كانت من الاُمور التعليقية، فهي برغم كونها متأخرة زمناً عن العقدتتعلق به، فإذا تعلّقت به كان مشمولاً لإطلاق دليل الإمضاء من حينه لايتمّ،وذلك لأن الإجازة وإن كانت من الاُمور التعلقيّة إلاّ أنها تعلقت بالعقد السابق‏من الآن لا من السابق، وفرق بين تعلّقها بالعقد السابق من الآن، وتعلقها به من‏السابق وبينهما بون بعيد، فإن معنى تعلقها بالعقد السابق من الآن هو أن العقدالسابق من الآن مشمول لإطلاق دليل الإمضاء.
ونتيجة هذا، أن المرأة تصبح زوجة للمجيز من وقت الإجازة لا من حين‏العقد، ومعنى تعلقها بالعقد السابق من حين صدوره هو أنه مشمول له من ذاك‏الحين لا من الآن، وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره مبني على الفرض الثاني، وهوخلاف الواقع بل الوجدان، ضرورة أن الإجازة تتعلق بالعقد السابق من حينهالا من حينه، ولايعقل تعلقها به من حين العقد، فإذا تعلقت به فبطبيعة الحال صارالعقد عقداً له من حين الإجازة، ولايعقل أن يكون العقد عقداً له من حين‏صدوره من الفضولي، بداهة أنه منتسب إليه من حين الإجازة، ومشمول لإطلاق‏دليل الإمضاء من هذا الحين، فإذن لا محالة تكون المرأة زوجة له من حين‏الإجازة لا من السابق، وفرق بين كونه مشمولاً له من السابق وكونه مشمولاً له‏من الآن، لوضوح أن اتصاف العقد بالإمضاء إنما هو من الآن لا من السابق، ومن‏هنا قد بنينا في مسألة الفضولي أن مقتضى القاعدة النقل دون الكشف، وعلى هذا،فلافرق بين الموردين لأن عقد الفضولي عقد مشروع في نفسه، غاية الأمر أن‏صحته فعلاً منوطة بإجازة من بيده الإجازة، فإذن لايكون فساده فساداً مطلقاًبل هو مراعي بعدم تحقق الإجازة، هذا إضافة إلى أن الإجازة كما أن في الموردالثاني تبرّر انتساب العقد إلى من له العقد كذلك في المورد الأول، فإن العقد فيه‏وإن صدر ممن له العقد إلاّ أنه ليس عقداً له ومشمولاً لاطلاق دليل الإمضاء إلاّبالإجازة إذ مجرد صدوره منه لنفسه لايكفي في صحة استناده إليه، وعليه‏فالإجازة في كلا الموردين تصحح انتساب العقد إلى من له العقد ومعه يكون‏مشمولاً لاطلاق دليل الإمضاء، والخلاصة إنه لاشبهة في أن روايات الباب تدل‏بإطلاقها على صحة العقد الفضولي في المورد الأول أيضاً بالإجازة، فإذن لامجال‏للإشكال والمناقشة فيه.
بقي هنا شيئان:
الأول: إن التفصيل الذي نقل السيد الاُستاذقدس سره عن الشيخ‏قدس سره لايطابق مع‏الواقع، لأن الشيخ‏قدس سره ذكر هذا التفصيل في كتاب المكاسب بنحو الإحتمال لابنحوالمختار ثم قال: الأقوى‏ صحة العقد فيه بالإجازة وعدم الفرق بين الموردين‏المذكورين، وروايات الباب تدلّ على الصحة بالإجازة في كلا هذين‏الموردين(37).
الثاني: إن هذا التفصيل في نفسه مما لامعنى له، لأن إيقاع العقد من العبد لغيره‏وكالة لايكون عصياناً لسيده لا وضعاً لأنه ليس تصرفاً في حقّه، ولا تكليفاً لعدم‏الدليل على حرمة مثل هذا التصرف من العبد بدون إذن سيده كما مرّ، وقد صرح‏به شيخنا الأنصاري‏قدس سره، وكذلك السيد الاُستاذقدس سره معللاً بأنه لادليل على حرمةمثل هذا التصرف من العبد بدون إذن سيده، فإذن لامعنى لتوقف صحة هذا العقدعلى الإجازة، ومن هنا فالصحيح في المقام تفصيل آخر، وهو الظاهر من كلام‏الشيخ‏قدس سره، وهو التفصيل بين ما إذا عقد العبد على امرأة بنفسه لنفسه، وما إذا عقدغيره على امرأة له، فإن استناد العقد إلى من هو له ثابت في الأول، وأما في الثاني،فهو غير ثابت إلاّ بالإجازة من المولى‏(38).
هذا، ولكن قد ظهر مما تقدم أنه لا وجه لهذا التفصيل أيضاً، فإن صحة العقد في‏كلا الموردين بحاجة إلى الإجازة بدون فرق بينهما من هذه الناحية، هذا إضافةإلى أن اطلاق الروايات يشمل كلا الموردين، لأن الوارد فيها مملوك تزوج بغيرإذن سيّده كما في الصحيحة، وفي الموثقة عن رجل تزوج عبده بغير إذنه وكلتاالصيغتين تشمل الفرض الأول والثاني معاً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بالنتائج التالية:
الاُولى‏: إن الملازمة ثابتة بين حرمة العبادات وفسادها بملاك أن المعتبر في‏صحّتها قصد القربة، ومع حرمتها لايمكن التقرّب بها، وأما الملازمة بين حرمةالمعاملة وفسادها فهي غير ثابتة، على أساس عدم اعتبار قصد القربة في صحتها،لأنها تدور مدار شمول اطلاق دليل الإمضاء لها وعدم شموله لها.
الثانية: إن ما اختاره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن النهي إذا تعلق بالتسبيب أوالمسبب دل على الصحة، وإذا تعلق بالسبب لم يدل على الصحة ولا على‏الفساد(39)، غير تام بل غريب لأن المعاملة تتكون من اُمور:
الأول: السبب لفظاً كان أم فعلاً.
الثاني: إنشاء المتعاملين الملكية أو الزوجية أو ماشاكلها بالسبب، وهو فعل لهمامباشرة.
الثالث: إمضاء الشارع للمعاملة المنشأة، فإذا توفّرت هذه الاُمور مع سائرالشروط المعتبرة فيها، فالمعاملة صحيحة وإلاّ ففاسدة، فإذا نهى‏ المولى‏ عن بيع‏الكلب مثلاً، فلو قلنا بالملازمة بين حرمة البيع وفساده فهو فاسد، وإلاّ فهوصحيح، نعم أن هذا النهي يدل على أن طبيعي البيع صحيح ومجعول في الشريعةالمقدسة لا الفرد المنهي عنه، وما ذكره‏قدس سره مبني على الخلط بين الأمرين:
الثالثة: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أنه لاسبب ولا مسبب ولاتسبيب في‏باب المعاملات لأنها مركبة من عنصرين:
الأول: الإعتبار النفساني كاعتبار الملكية أو الزوجية أو نحوها.
الثاني: إبرازها في الخارج بمبرز ما من قول أو فعل، وكلا العنصرين فعل‏المباشر للمتعاملين، وعلى هذا فالنهي إما أن يكون متعلقاً بالأول أو بالثاني أوبمجموع الأمرين، فعلى جميع التقادير فهو لايدل على الصحة، وأما الملكيةالشرعية، فهي فعل الشارع فلايعقل النهي عنها غير تام.
الرابعة: إن ما هو فعل الشارع هو جعل الملكية، وإنشائها في عالم الإعتبار والذهن كجعل سائر الأحكام الشرعية، وأما فعلية الملكية بفعلية موضوعها في‏الخارج، فهي ليست بيد الشارع، ومن هنا قلنا إنها ليست من مراتب الحكم بل‏هي بيد البايع، على أساس أن موضوعها وسببها في الخارج بيده والمقدوربالواسطة مقدور، فإذن لامانع من النهي عن إيجادها في الخارج بإيجاد سببها،نعم الذي لايمكن هو النهي عن جعل الملكية وإنشائها في عالم الإعتبار الذي هوفعل الشارع مباشرة.
الخامسة: ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن النهي إذا تعلق بالسبب بالمعنى المصدري،فلايدل على الفساد وإذا تعلق بالمسبب بمعنى الإسم المصدري، يدل عليه على‏أساس أن النهي عنه يوجب منع البايع عن إيجاده، فإذا نهى‏ المولى‏ عن بيع‏المصحف من كافر، فهو يدل على فساده من جهة أنه يوجب المنع عن التصرف‏فيه، فيكون فاقد الشرط الصحة، وهو عدم كون البايع ممنوعاً عن التصرف في‏المبيع، ولا فرق من هذه الناحية بين المنع الشرعي والمنع العقلي(40)، هذا.
ولكن ما ذكره‏قدس سره غير تام، فإن ماهو شرط لصحة البيع هو عدم منع البايع عن‏التصرف في ماله وضعاً لاتكليفاً، والمنع في المقام تكليفي.
السادسة: إن ماذكره المحقق النائيني‏قدس سره من الفروع الثلاثة استشهاداً على ماأفاده‏قدس سره من أن النهي عن إيجاد الملكية الشرعية بسبب خاص، يدل على الفسادغير تام على تفصيل تقدم.
السابعة: إن المحقق النائيني‏قدس سره قد استدل على الملازمة بين حرمة المعاملةوفسادها بعدة من الروايات:
منها صحيحة زرارة حيث قد علل فيها صحة نكاح العبد بإجازة سيّده بأنه لم‏يعص اللَّه، وإنما عصى‏ سيده فإذا أجازه جاز، وهذا التعليل يدل على الملازمة بين‏النهي عن المعاملة وفسادها، باعتبار أنها معصية للَّه تعالى، فإذا أتى بها فقد عصى‏اللَّه(41) هذا، وفيه أن هذا الاستدلال مبني على أن يكون المراد من العصيان،العصيان التكليفي دون الوضعي، ولكن تقدم أنه لابد من حمله على العصيان‏الوضعي من جهة وجود قرائن فيها تدل على ذلك.
الثامنة: قدنقل من‏شيخناالأنصاري‏قدس سره القول‏بالتفصيل بين‏ماإذاعقدالعبدعلى‏امرأة بنفسه‏لنفسه، وماإذا عقدغيره على‏امرأة له، فالعقدعلى‏الأول فاسدلايمكن‏تصحيحه بالإجازة المتأخرة من المولى‏، وعلى الثاني يصح بالإجازة(42)، هذا.
وقد علّق عليه السيد الاُستاذقدس سره أن صحة عقد الفضولي بالإجازة المتأخرةتكون على القاعدة بلا فرق بين موارده، لأن الإجازة أمر تعلقي تعلقت بالعقدالسابق، فإذا تعلقت به كان مشمولاً لاطلاق دليل الإمضاء من حين صدوره،فإن الإمضاء وإن كان من الآن، ولكن الممضى هو ا لعقد السابق، واعتبار الملكيةأو الزوجية وإن كان من حين الإجازة ولكن المعتبر الملكية أو الزوجية من حين‏العقد، فزمان الإعتبار متأخّر وزمان المعتبر متقدم، ولا مانع من الالتزام بذلك في‏الاُمور الإعتبارية(43).
التاسعة: إن ماذكره السيد الاُستاذقدس سره من التعليق مبني على الخلط بين كون‏العقد السابق مشمولاً لاطلاق دليل الإمضاء بالإجازة من حينه، وبين كونه‏مشمولاً له من حين الإجازة، وواضح أنه مشمول له من حين الإجازة لأنه من‏هذا الحين صار عقداً للمالك لامن السابق.

المفاهيم ...



المفاهيم‏
نستعرض فيما يلي عدد من المقدمات التوضيحية.
المقدمة الاُولى‏: إن دلالة اللفظ على المعنى بتمام مراتبها من الدلالة التصوريةإلى الدلالة التصديقية النهاية لما لم تكن ذاتية، فبطبيعة الحال تستند إلى سبب‏ومنشأ، وهو متمثل في عنصرين:
أحدهما، الوضع.
والآخر، ظهور حال المتكلم.
أما الأول، فهو منشأ للدلالة التصورية الإخطارية، وهي لاتتوقف على أي‏مقدمة خارجية غير سماع اللفظ، وإن كان من لافظ بلاشعور واختيار على‏تفصيل تقدم.
وأما الثاني، فهو منشأ للدلالة التصديقية، وهي ذات مرتبتين:
الاُولى‏: الدلالة التصديقية بلحاظ الإرادة الإستعمالية، وهي لاتستند إلى‏الوضع لأن الوضع ثابت في تمام الحالات حتى في حال صدوره من لافظ بغيراختيار بل تستند إلى ظهور حال المتكلم، فإذا صدر منه كلام في حال الإختياروالإلتفات كان ظاهراً في أنه في مقام الإستعمال وإرادة تفهيم معناه لا في مقام‏الهزل أو الإمتحان، ومنشأ هذا الظهور هو ظهور حاله في ذلك.
الثانية: الدلالة التصديقية بلحاظ الإرادة الجدّية، وهي الدلالة النهاية للفظ،وهذه الدلالة تتوقف على مقدمة خارجية، وهي كون المتكلم في مقام بيان تمام‏مراده من كلامه وعدم نصب قرينة على الخلاف زائداً على الوضع، هذه هي‏المراتب الثلاث لدلالة اللفظ على المعنى، وهذه المراتب حيث إنها طولية، فلايمكن‏أن تبقى جميعها بحدودها، فالمرتبة الاُولى‏ مندكة في الثانية، والثانية مندكة في‏الثالثة، وهي محفوظة بحدها، وهذا يعني أن مدلول اللفظ في المرتبة الاُولى‏معروض للتصور، وفي الثانية معروض لمرتبة أولية من التصديق، وفي الثالثةمعروض لمرتبة نهاية من التصديق.
المقدمة الثانية: إن دلالة اللفظ على المعنى تصنّف إلى صنفين:
الصنف الأول، ماهو مستند إلى نفس اللفظ مباشرة بدون أي مؤنة، ومقدمةخارجية ماعدا الوضع، ويعبر عن هذا الصنف من الدلالة تارة بالدلالة المطابقية،واُخرى‏ بالدلالة المنطوقية.
الصنف الثاني، ما هو مستند إلى اللفظ بشكل غير مباشر، ويعبر عن هذاالصنف من الدلالة، بالدلالة الإلتزامية، ومنشأ هذه الدلالة ثبوت الملازمة بينهاوبين الدلالة المطابقية، وهذه الملازمة قد تكون بيّنة بالمعنى الأخص، وهي التي‏يلزم من تصور الملزوم تصور اللازم بدون حاجة إلى أيّ مؤنة ومقدمة خارجية،وقد تكون بيّنة بالمعنى الأعم، وهي التي يلزم من تصور الملزوم، وتصور اللازم‏والنسبة بينهما الإنتقال من الملزوم إلى اللازم، وقد تكون غير بيّنة، وهي التي‏يكون الإنتقال من الملزوم إلى اللازم زائداً على تصورهما وتصور النسبة بينهمابحاجة إلى مقدمة خارجية، ولكن هذا الإنتقال، انتقال تصديقي على أساس توقفه‏على مقدمة تصديقية لاتصوري، وذلك كالملازمة بين وجوب شي‏ء ووجوب‏مقدمته أو وجوب شي‏ء وحرمة ضدّه، وهكذا. لوضوح أنه لايكفي في الإنتقال‏إلى وجوب المقدمة تصور وجوب ذيها ووجوب المقدمة، والنسبة بينهما بل لابدمن التصديق بمقدمة خارجية، وهي حكم العقل بثبوت الملازمة بينهما، وكذلك‏حال الملازمة بين وجوب شي‏ء وحرمة ضدّه، ومن هنا لايكون البحث في هذه‏المسائل عن دلالة اللفظ على وجوب المقدمة أو على حرمة الضد بالدلالةالإلتزامية، على أساس أن الدلالة الإلتزامية ترتكز على نقطة، وهي أن الملازمةبين المدلول المطابقي والمدلول الإلتزامي ملازمة بيّنة بالمعنى الأخصّ أو الأعم،فلهذا يكون الإنتقال من المدلول المطابقي إلى المدلول الإلتزامي تصورياً، فإن‏تصور اللفظ ولو كان بغير اختيار يوجب تصور معناه المطابقي قهراً، ومنه إلى‏تصور معناه الإلتزامي كذلك، ومن الواضح أن هذه النقطة غير متوفرة في تلك‏المسائل، لأن الملازمة بين وجوب شي‏ء ووجوب مقدمته أو بين وجوب شي‏ءوحرمة ضده إنما هي ملازمة تصديقية لاتصورية، بداهة أن الذهن لاينتقل من‏تصور وجوب شي‏ء إلى تصور وجوب مقدمته، ومن هنا لامجال لجعل محطالبحث في تلك المسائل في الدلالة الإلتزامية بل محط البحث فيها إنما هو عن ثبوت‏الملازمة، وعدم ثبوتها في مرحلة التصديق.
والخلاصة، إن اللزوم إن كان بيّناً بالمعنى الأخص أو الأعم، فهو منشأ للدلالةالإلتزامية اللفظية، وهذه الدلالة وإن كانت مستندة إلى اللزوم مباشرة، ولكنها في‏نهاية المطاف مستندة إلى الوضع، وإن كان اللزوم غير بيّن، فهو لايصلح أن‏يكون منشأً للدلالة الإلتزامية اللفظية، وإنما هو منشأ لحكم العقل بالملازمة بينهمافي الخارج.
المقدمة الثالثة: ما مرّ من أن دلالة اللفظ على مدلوله الإلتزامي ترتكز على‏أن الملازمة بينه وبين مدلوله المطابقي بيّنة بالمعنى الأخص أو الأعم حتى تكون‏دلالته عليه مستندة إلى اللفظ في نهاية المطاف، باعتبار أن تصور المعنى المطابقي‏مستند إلى الوضع مباشرة، وأما تصورالمعنى الإلتزامي، فهو وإن لم يكن مستنداًإليه كذلك إلاّ أنه مستند إليه بالواسطة، ومن هنا تكون الدلالة الإلتزامية دلالةلفظية لا عقلية، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن المفهوم هل هو مدلول التزامي تصوري للقضيةالشرطية أو الوضعية أو مدلول تصديقي لها، فإن دلت عليه بالوضع، فهو مدلول‏تصوري وإن دلت عليه بالإطلاق ومقدمات الحكمة، فهو مدلول تصديقي،وسوف يأتي تفصيل ذلك.
ثم إنه لافرق بين أن تكون الملازمة بين المدلول المطابقي والمدلول الإلتزامي‏ملازمة واقعية كالملازمة بين طلوع الشمس ووجود النهار، والملازمة بين وجودالنار ووجود الإحراق، وهكذا. أو جعلية كقولك: »إن جاءك فقير أطعمه« أوماشاكله، وبعد التنبيه على هذه المقدمات والإشارة إليها نستعرض عدد من‏الجهات التي ترتبط بمسألة المفاهيم مباشرة.
الجهة الاُولى‏: إن في دلالة القضية الشرطية أو الوصفية على المفهوم نظريات‏ثلاث:
الاُولى‏: إن دلالتها على المفهوم إنما هي بالوضع بالدلالة الإلتزامية باللزوم‏البيّن، وعلى هذا فالمفهوم مدلول تصوري كالمنطوق، ودلالة القضية عليه دلالةتصورية كدلالتها على المنطوق.
الثانية: إن دلالتها عليه تكون بالإطلاق ومقدمات الحكمة، وعلى هذا فالمفهوم‏مدلول تصديقي لاتصوري، فيكون مستنداً إلى مقدمات الحكمة دون الوضع.
الثالثة: إن دلالتها عليه مبنية على كون الشرط علة تامة منحصرة، وعلى هذإ؛دخخ‏خ‏فأيضاً يكون المفهوم مدلولاً تصديقياً، وسوف نشير إلى الصحيح من هذه‏النظريات الثلاث، وأما ما قيل من أن مباحث المفاهيم من المباحث العقلية غيرالمستقلة كمباحث مقدمة الواجب والضد واجتماع الأمر والنهى، وهكذا. بدعوى‏،إن المفهوم بما أنه عبارة عن انتفاء سنخ الحكم بانتفاء شرطه في القضيةالشرطية وبانتفاء وصف الموضوع في القضية الوصفية، فلاتدل القضية على‏الإنتفاء عند الإنتفاء مباشرة، بل تبتني دلالتها عليه على مقدمة اُخرى‏، وهي‏إثبات أن الشرط في القضية الشرطية والوصف في القضية الوصفية، علةمنحصرة للحكم في طرف الجزاء، فإذا ثبت كونه علة منحصرة له استلزم انتفائه‏انتفاء الحكم لا محالة ولايعقل بقائه، فإذن يكون انتفاء الحكم مستنداً إلى كون‏الشرط علة منحصرة له لا إلى دلالة اللفظ عليه، ويترتب على ذلك أمران:
الأول: إن المفهوم مدلول تصديقي لاتصوري.
الثاني: إنه مستند إلى الملازمة العقلية، وهي الملازمة بين انتفاء العلة المنحصرةوانتفاء معلولها، فيرد عليه ماسيأتي موسّعاً من أن دلالة القضية على المفهوم‏لاتبتني على هذه النظرية وإن كانت مشهورة بين الاُصوليين إلاّ أنه لايمكن‏إثباتها، لأن الطريق الوحيد لإثبات أن الشرط علة منحصرة للجزاء هو اثبات‏إطلاقه بمقدمات الحكمة في مقابل العطف )باو(، وسيأتي أنه لايمكن إثبات هذاالإطلاق بإجزاء المقدمات.
الجهة الثانية: إن المفهوم قسم خاص من المدلول الإلتزامي، لأن كل مدلول‏التزامي للفظ ليس مفهوماً في اصطلاح الاُصوليين، بيان ذلك، أن المدلول‏الإلتزامي مرة يكون لازماً لخصوصية في موضوع القضية، واُخرى‏ يكون لازماًلخصوصية في محمولها، مثال الأول قولك: »هذا الماء كرّ«، فإنه يدل بالالتزام على‏أنه ليس بقليل، ومثال الثاني، قولك: »الماء الكرّ معتصم«، فإنه يدل بالإلتزام‏على أنه لاينفعل بالملاقاة، وثالثة يكون المدلول الإلتزامي لازماً لخصوصية الربطبين طرفي القضية بنحو يكون الربط بينهما محفوظاً، وإن تبدل كلا طرفيها، مثال‏ذلك قولك: »إن زارك ابن العالم فأكرمه«، فإنه يدل بالإلتزام على أمرين:
الأول: على وجوب إكرام العالم نفسه إذا زارك بالأولية العرفيّة.
الثاني: على انتفاء وجوب إكرامه عند انتفاء الزيارة، والفرق بين هذين‏المدلولين الإلتزاميين هو أن المفهوم الأول مرتبط بخصوصية قائمة بموضوع القضيةومحمولها، وبتبديل أي منهما ينتفي المفهوم الأول، فإذا قيل: »إن زارك هاشمي‏فأكرمه«، انتفى المدلول الإلتزامي الأول، وكذلك إذا بدل محمول القضية بمحمول‏آخر، كما إذا قيل: »إن زارك ابن العالم لم يكرمه«، فإنه ينتفي أيضاً، وأما المفهوم‏الثاني، فحيث إنه مرتبط بخصوصية الربط والإلتصاق بين طرفي القضية، فهولاينتفي بتبديل كل واحد من الطرفين بطرف ثالث فيظل ثابتاً، لأن الربطوالإلتصاق إنما هو بين الشرط بوجوده التقديري، والجزاء ولاخصوصية للشرطبحدّه الشخصي، ولا للجزاء كذلك، ولا لوجودهما في الخارج، ضرورة أن هذاالربط ثابت سواءً كان طرفاه صادقين أم كاذبين بل مستحيلين مثل قوله تعالى:»لَو كَانَ فِيْهِمَا آلِهَةٌ إلاَّ اللَّهَ لَفَسَدَتَا«(44)، ومن هنا لافرق بين أن يكون الشرطابن العالم أو ابن الهاشمي أو اليتيم أو العالم وهكذا، وكذلك الجزاء سواءً أكان‏وجوباً أو جوازاً أم غيرهما، وعلى الجملة، فالقضية الشرطية متقومة بالربطوالإلتصاق بين الشرط تقديراً والجزاء، سواءً أكانا في الواقع ممكنين أم‏مستحيلين، وعلى الأول سواءً أكان موجودين في الخارج أم لا.
فالنتيجة، إن المفهوم عند الاُصوليين متمثل في المدلول الإلتزامي الخاص، وهوالمرتبط بخصوصية بين طرفي القضيّة.
الجهة الثالثة: إن المفهوم لدى الاُصوليين متمثل في انتفاء سنخ الحكم، وأماانتفاء شخصه الذي هو مدلول صيغة الأمر في القضية، فهو ليس من المفهوم في‏شي‏ء لأن انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه عقلي، ولايرتبط بدلالة اللفظ.
والخلاصة، إن محل الكلام إنما هو في دلالة القضية الشرطية أو الوضعية على‏انتفاء طبيعي الحكم عند انتفاء الشرط أو الوصف، وأما انتفاء شخص الحكم‏الثابت في القضية بانتفاء قيده فيها كالشرط أو الوصف فهو عقلي، ضرورة أنه‏لايعقل بقائه بعد انتفاء موضوعه.
الجهة الرابعة: إن مدلول القضية الشرطية كقولك: »إن زارك زيد،فاحترمه«، هل هو تعليق وجوب الإحترام والتصاقه بالزيارة على تقديروقوعها أو أنه ثبوت وجوب الإحترام لزيد الزائر بنحو القضية الوصفية، الظاهربل لاشبهة في أن مدلولها هو الأول، لأنه المرتكز منها لدى‏ العرف العام دون‏الثاني، ضرورة أنه فرق بين مدلول القضية الشرطية، مدلول القضية الوصفية،والمعنى الثاني مدلول للقضية الوصفية دون الشرطية، ومن الواضح أن القضيةالشرطية لاترجع إلى القضية الوصفية، ولايمكن تفسيرها بها هذا، قد يقال كماقيل: إن مدلول القضية الشرطية هو استلزام الشرط للجزاء دون استلزام عدمه،عدمه، فلذلك لاتدل على المفهوم، أو فقل إنها تدل بالمطابقة على أن الشرطيستلزم الجزاء، ولا تدل بالالتزام على أن عدمه يستلزم عدمه حتى يكون لهامفهوم، ولكن هذا القول أيضاً لا أساس له إذ لاشبهة في أن المتفاهم العرفي‏الإرتكازي من القضية الشرطية، هو تعليق الجزاء على الشرط وارتباطه به‏دون استلزام الشرط للجزاء، فإذا قال المولى‏: »إن جاءك زيدٌ فأكرمه« كان‏المتفاهم العرفي الإرتكازي منه تعليق وجوب الإكرام على تقدير المجي‏ءوالتصاقه به دون استلزام المجي‏ء لوجوب الاكرام فإنه لايكون متفاهماً منه‏عرفاً، وعلى هذا الأساس فالقضية الشرطية تدل بالمطابقة على تعليق الجزاءعلى الشرط والتصاقه به، وبالإلتزام على انتفاء طبيعي الجزاء بانتفاء الشرط،وأما انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية المدلول عليه بالخطاب فيها بانتفاءالشرط، فهو قهري ولايرتبط بدلالة القضية الشرطية على المفهوم، وفي المثال‏تدل القضية الشرطية على انتفاء طبيعي وجوب الإكرام عند انتفاء المجي‏ء، وهوالجامع بين وجوب الإكرام المعلّق على الشرط في القضية الشرطية، وبين فردآخر منه، وهو وجوب الإكرام في حال عدم المجي‏ء، هذا هو معنى دلالة القضيةالشرطية على المفهوم، وسوف نشير إلى نكتة دلالتها على انتفاء طبيعي الحكم‏عند انتفاء الشرط، وبكلمة، إن القضية الشرطية قد فسرت بثلاث تفسيرات:
الأول: إن مدلولها تعليق الجزاء على الشرط والتصاقه به.
الثاني: إن مدلولها معنى وصفي.
الثالث: إن مدلولها استلزام الشرط للجزاء، ولكن قد عرفت أن المتفاهم‏العرفي الإرتكازي منها هو المعنى الأول دون الثاني والثالث، ونتيجة التعليق، هي‏دلالة القضية الشرطية على انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الشرط لا شخص الحكم،وإلاّ لزم كون وجود التعليق والإلتصاق به لغواً.
الجهة الخامسة: إن ملاك دلالة القضية الشرطية على المفهوم إنما هوالخصوصية القائمة بالربط بين الجزاء والشرط في القضية الشرطية ذاتاً، وهي‏خصوصية التعلق، والتفرع في مقابل خصوصية الإستلزام، وعلى هذا فالقضيةالشرطية تدل بالوضع على ارتباط خاص بين الجزاء والشرط المتمثل في تعليقه‏عليه عرفاً، ولازم ذلك هو انتفاء طبيعي الجزاء بانتفاء الشرط.
وملخص هذه الجهات ما يلي:
الأول: إن المفهوم داخل في المدلول الالتزامي اللفظي، لأن الدال عليه اللفظلا العقل.
الثاني: إن المفهوم قسم خاص من المدلول الالتزامي، إذ ليس كل مدلول‏التزامي مفهوماً عند الاُصوليين.
الثالث: إنه متمثل في انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الشرط لاشخص الحكم، فإن‏انتفائه بانتفاء الشرط أمر قهري وليس من المفهوم في شي‏ء.
الرابع: إن مدلول القضية الشرطية ترتب الجزاء على الشرط بنحو التعليق‏والتفريع لا بنحو استلزام الشرط للجزاء.
الخامس: إن ملاك دلالة القضية الشرطية على المفهوم، إنما هو الخصوصيةالمربوطة بالعلاقة بين الشرط والجزاء، وهي خصوصية التعليق والتفريع، فإذاتوفرت في القضية الشرطية هذه الجهات والخصوصيات جميعاً دلت على المفهوم،وإلاّ فلا.
وفي مقابل ذلك قولان آخران:
القول الأول: إن ملاك دلالة القضية الشرطية على المفهوم، إنما هو تقييد ثبوت‏الجزاء للموضوع بحالة خاصة منه لامطلقاً، وعندئذٍ فطبيعة الحال تدل القضية على‏انتفاء الجزاء بانتفاء تلك الحالة، وهي الشرط أو الوصف مثلاً، قولك: »إن جاءك‏زيدٌ فأكرمه« يدل على وجوب إكرام زيد لامطلقاً، بل في حالة خاصة منه، وهي‏حالة المجي‏ء، وحينئذٍ فبطبيعة الحال يدل على انتفائه بانتفاء تلك الحالة.
القول الثاني: إن ملاك دلالة القضية الشرطية أو الوضعية على المفهوم، إنما هوخصوصية قائمة بالشرط أو بالوصف، وهي كونه علة منحصرة للحكم.
مفهوم الشرط ...
أما القول الأول، فقد اختاره السيد الاُستاذقدس سره بتقريب أن الجملة الإنشائيةموضوعة للدلالة على قصد إبراز اعتبار شي‏ء على ذمة المكلف في الخارج، فإذاكانت الجملة الإنشائية شرطية، فهي تدل على قصد إبراز اعتباره على ذمةالمكلف لامطلقاً، بل في حالة خاصة، وعليه فبطبيعة الحال تدل على انتفائه بانتفاءتلك الحالة، على أساس أن اعتباره كان معلقاً على وجودها(45)، وسوف يأتي نقدهذا القول في ضمن البحث عن مفهوم الشرط.
وأما القول الثاني، فهو إن كان معروفاً ومشهوراً بين الاُصوليين، وسيأتي بيانه‏إلاّ أنه لايمكن اثباته على تفصيل نشير إليه.

مفهوم الشرط
القضية الشرطية على نوعين:
النوع الأول: متمثل في القضية الشرطية التي هي مسوقة لبيان تحقق موضوعهاكقولك: »إن رزقت ولداً فاختنه« و»إن ركب الأمير، فخذ ركابه« وهكذا، فإن‏الشرط هو الموضوع في القضية الحقيقية، لأن موضوع الختان فيها وجود الولد،والشرط محقق له وليس أجنبياً عنه، ومثل هذه القضية الشرطية لاتدل على‏المفهوم، لأن انتفاء الحكم فيها إنما هو بانتفاء موضوعه، وهو عقلي لايرتبط بدلالةاللفظ عليه، ومحل الكلام في دلالة القضية الشرطية على المفهوم، إنما هو فيما إذا كان‏الحكم فيها مرتبطاً بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع، وأما إذا لم‏يكن كذلك فهوخارج عن محل الكلام، ولهذا يكون قولك: »إن رزقت ولداً، فاختنه« في قوةقولك: »فاختن ولدك«.
فالنتيجة، إن كل قضية شرطية إذا كان انتفاء الشرط فيها يوجب انتفاءالموضوع، إما من جهة أنه نفس الموضوع أو قيده، فهي خارجة عن محل الكلام،وأما مثل قوله تعالى: »إنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا«(46)، فهو ذو وجهين‏على أساس أن المراد من النبأ في الآية الشريفة إن كان خصوص نبأ الفاسق،فالقضية الشرطية مسوقة لبيان تحقق الموضوع، فلا مفهوم لها، وإن كان طبيعي‏النبأ الجامع بين نبأ العادل والفاسق، فالقضية الشرطية غير مسوقة لبيان تحقق‏الموضوع، لأن الموضوع حينئذٍ غير الشرط، ويكون ارتباط الجزاء به وراءارتباطه بالموضوع.
النوع الثاني: متمثل في القضية الشرطية التي تتكون من ثلاثة عناصر:
1 - الموضوع.
2 - الشرط.
3 - الجزاء.
فلهذا، يكون ارتباط الجزاء بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع كقولك: »إن‏جاءك زيد، فأكرمه«، فإنه مركب من العناصر الثلاثة:الموضوع، وهو زيد.الشرط، وهو المجي‏ء. الجزاء، وهو وجوب الإكرام.
وارتباط الجزاء بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع، لأنهما أمران متغايران‏وجوداً، وهذا النوع من القضية الشرطية داخل في محل الكلام بين الاُصوليين،وبعد ذلك يقع الكلام في دلالة القضية الشرطية على المفهوم، المعروف والمشهوربين الاُصوليين أنها تدل على المفهوم، وقد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: إن القضية الشرطية موضوعة للدلالة على أن الشرط علةمنحصرة للجزاء، وعليه فبطبيعة الحال تدل على المفهوم، وهو انتفاء الجزاء بانتفاءالشرط.
والجواب، أوّلاً: إن القضية الشرطية موضوعة للدلالة على ترتب الجزاء على‏الشرط، وتعليقه عليه لأن هذا المعنى هو المتفاهم منها عرفاً عند سماعها وإن كان‏من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا دليل على أنه معناها الموضوع له دون كون‏الشرط علة منحصرة، ضرورة أنها لاتدل على كونه علة فضلاً عن كونه علةمنحصرة، مثلاً إذا قال المولى‏: »إن زارك زيدٌ، فاحترمه«، فإنه يدل على أن‏وجوب الإحترام متفرع على الزيارة ومعلق عليها، ولايدل على أن الزيارة علةفضلاً عن كونها منحصرة.
وثانياً: إنها لو دلّت على كون الشرط علة، فلاتدل على أنها علة تامة.
وثالثاً: على تقدير تسليم أنها تدل على أن الشرط في القضية علة تامة للجزاءإلا أنها لاتدل على أنها علة تامة منحصرة، والدليل على ذلك صحة استعمالها في‏موارد عدم كون الشرط علة منحصرة بدون أيّ عناية ومؤنة، فلوكانت‏موضوعة للدلالة على ذلك لكان استعمالها في غير موارد الإنحصار مجازاً وبحاجةإلى عناية زائدة مع أن الأمر ليس كذلك.
فالنتيجة، إن القول بأن القضية الشرطية موضوعة للدلالة على كون الشرطعلة منحصرة للجزاء ضعيف جداً بل غير محتمل عرفاً، ضرورة أن المتفاهم منهاعرفاً وارتكازاً هو ترتب الجزاء على الشرط والتصاقه به، وأما كون الشرط علةللجزاء أو كلاهما معلولان لعلة ثالثة أو لا علية بينهما، بل كان الترتب والتلازم‏بينهما على سبيل الإتفاق والصدفة، فالقضية لاتدل على شي‏ء من ذلك فضلاً عن‏كون الشرط علة منحصرة.
الوجه الثاني: إن القضية الشرطية موضوعة للدلالة على الملازمة بين الشرطوالجزاء ولكن اطلاقها منصرف إلى أن هذه الملازمة بينهما تكون بنحو العليّةالمنحصرة على أساس أنها أكمل أفرادها وأقواها.
فالنتيجة، إن العلية المنحصرة مستفادة من القضية الشرطية بالانصراف لابالوضع.
والجواب، أولاً: ما مرّ من أن القضية الشرطية تدل على ترتب الجزاء على‏الشرط والتصاقه به، وإن كان هذا الترتب والإلتصاق على سبيل الإتفاق‏والصدفة.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم أنها تدل على الملازمة بينهما إلا أنهالاتدل بالإنصراف على أنها تكون بنحو العلية المنحصرة، إذ أن العلية المنحصرةليست أقوى‏ من العلية غير المنحصرة، لأن العلاقة بين المعلول والعلة التامة علاقةذاتية تقوم على أساس مبدأ التناسب والسنخية، باعتبار أن المعلول من مراتب‏وجود العلة النازلة وليس شيئاً أجنبياً عنها، ومن الواضح أنه لافرق في هذه‏العلاقة بين أن تكون بين المعلول والعلة المنحصرة أو بين المعلول والعلة غيرالمنحصرة، لأنها إن كانت تامة كان تأثيرها في إيجاد معلولها ضرورياً، كانت‏منحصرة أم لا؟ لأن صفة الإنحصار صفة انتزاعية منتزعة من عدم وجود عدل‏لها، وغير دخيلة في تأثيرها، لأن الدخيل فيه واقع تماميّتها، وهو مؤلف من‏العناصر الثلاثة المقتضى الشرط وعدم المانع، وأما عدم وجود العدل فهو ليس‏من أجزائها.
وثالثاً: إن الأكملية والأقوائية لاتصلح أن تكون منشأً للإنصراف، فإن منشأانصراف اللفظ إلى معنى، إنما هو كثرة استعماله فيه الموجبة لحصول الأنس الذهني‏بينه وبين هذا المعنى، فإذا اطلق انصرف الذهن إليه، وأما غير كثيرة الإستعمال‏من الخصوصيات والمزايا لاتصلح أن تكون منشأً للإنصراف.
الوجه الثالث: إن أداة الشرط موضوعة للدلالة على الملازمة بين الشرطوالجزاء والربط بينهما، وعليه فالأداة تدل بالوضع على ترتب الجزاء على الشرطوبالإطلاق على أن هذا الترتب يكون بنحو ترتب المعلول على العلة، وحيث إنه‏كان كذلك في مقام الإثبات، فهو كاشف عن أنه كذلك في مقام الثبوت أيضاً تطبيقاًلأصالة التطابق بين المقامين، وهذا معنى أن الجزاء معلول للشرط واقعاً ومترتب‏عليه ترتب المعلول على العلة.
والخلاصة، إن القضية الشرطية تدل بأداتها على ترتب الجزاء على الشرط،وبإطلاقها على أن هذا الترتب من ترتب المعلول على العلة.
والجواب عن ذلك يتطلب البحث في مقامين:
الأول: إن أداة الشرط هل هي موضوعة للدلالة على الربط بين الجزاءوالشرط وترتبه عليه أو لا؟
الثاني: إن هيئة القضية الشرطية هل تدل على أن هذا الترتب يكون من‏ترتب المعلول على العلة أو لا؟
أما الكلام في المقام الأول، فالمعروف والمشهور بين علماء الأدب أن أداةالشرط موضوعة للدلالة على الربط والعلاقة بين الشرط والجزاء، وأن هذا الربطهو المتبادر والمرتكز منها عند الإطلاق.
ولكن المحقق الأصبهاني‏قدس سره قد خالفهم في ذلك، وذهب إلى أن أداة الشرطموضوعة للدلالة على أن مدخولها، وهو الشرط واقع موقع الفرض والتقدير،فإذا قال المولى‏: »إن جاءك زيدٌ فأكرمه«، فكلمة )إن( التي هي من أداة الشرطتدل أن مدخولها وهو مجي‏ء زيد واقع موقع الفرض والتقدير، وهذا المعنى هوالمتبادر والمنسبق منها عرفاً وارتكازاً، وهل يمكن الجمع بين ماهو المشهورمن أن‏أداة الشرط موضوعة لإيجاد الربط بين جملة الشرط وجملة الجزاء، وبين ما ذهب‏إليه المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أنها موضوعة لافادة أن مدخولها واقع موقع الفرض‏والتقدير، والموضوع بإزاء الربط والعلاقة بينهما هيئة الجملة(47).
والجواب: إنه لايمكن وسوف يظهر وجهه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن الصحيح هو ماذهب إليه المحقق الأصبهاني‏قدس سره‏لأنه‏المتفاهم من الجملة الشرطية والمرتكز منها عرفاً، وذلك لأن جملة الشرط قبل‏دخول أداة الشرط عليها جملة مستقلة ومشتملة على النسبة التامة، وهي النسبةبين الفعل والفاعل، وكذلك جملة الجزاء وإذا دخلت أداة الشرط عليها فتصبح‏الجملتان الحمليتان جملة واحدة شرطية، ولها هيئة قائمة بين الجزاء والشرط،وعلى هذا فبطبيعة الحال لاتكون هيئة الجملة الشرطية الحاصلة بدخول أداةالشرط لاغية وبدون معنى، فإنه خلاف الوجدان والضرورة، لوضوح أنها تدل‏على ربط جملة الجزاء بجملة الشرط والأداة تدل على أن الشرط واقع موقع‏الفرض والتقدير، فإذن يكون هذا الربط بين الجزاء وبين الشرط بوجوده الفرضي‏والتقديري، ومن الواضح أن الهيئة لاتدل على هذا التقدير والفرض بل على‏الربط بين الشرط بوجوده التقديري والجزاء، وعلى هذا فمدلول الأداة إيقاع‏الشرط موقع الفرض والتقدير، ولايمكن أن يكون مدلولها الربط بين وجودالشرط تقديراً وبين الجزاء، لأنه في مرتبة متأخرة عن وقوع الشرط موقع‏الفرض والتقدير ومتفرع عليه.
والخلاصة، إن الأداة تدل على أن الشرط في القضية واقع موقع الفرض‏والتقدير، وأما الدال على ارتباط الجزاء، فهو هيئة القضية الشرطية دون أداتها،وهذا المعنى هو الموافق للإرتكاز العرفي من الجملة الشرطية، فإن مجموع الأداةوالهيئة يدل على مجموع من المعنيين هما فرض وجود الشرط في الخارج والربطبينه وبين الجزاء.
ومن هنا يظهر أن الأداة إذا دخلت على الجملة الشرطية تغيّرت عمّا يصحّ‏السكوت عليها إلى مالا يصح وأصبحت جزء من الجملة الشرطية التي هي مركبةمن جملتين هما جملة الشرط وجملة الجزاء، ولهذه الهيئة مدلول وهو الربط بين مفادجملة الجزاء ومفاد جملة الشرط، وأما الجملتان فهما مندكّتان في الجملة الشرطيةولا وجود لهما في ضمنهما إلاّ بوجود تصوري، ولايعقل أن يكون لهما وجودتصديقي في ضمنها، لأن كل جملة مصب تصديق واحد، وهو التصديق بثبوت‏المحمول للموضوع أو الجزاء للشرط، ضرورة أن كل من الموضوع والمحمول‏والشرط والجزاء ليس بحدّه مصب للتصديق، وإلاّ فلايعقل التركيب بينهماوكونهما معاً جملة موحدة ذات هيئة فاردة، إذ لايعقل أن تكون جملة واحدة مصبّاًلأكثر من تصديق واحد، مثلاً فإذا قيل: »زيد قائمٌ«، فزيد بما هو موضوع في‏القضية يكون ملحوظاً بلحاظ تصوري، وكذلك القيام بما هو محمول فيها، وأمإ؛سس‏خ‏خ‏وجود زيد في الخارج، وإن كان مصباً للتصديق إلا أنه بلحاظ كونه محمولاًلموضوع آخر، وهو ماهية زيد في قضية زيد موجود التي هي بمفاد كان التامة غيرالقضية الاُولى‏ التي تكون بمفاد كان الناقصة وكيف كان، فلايمكن أن تكون الجملةالواحدة بما هي واحدة مصباً لتصديقين معاً، وفي عرض واحد، وبذلك يتبين أنه‏لايعقل بقاء النسبة على تماميتها في كل واحدة من الجملتين بحدّها الخاص بعددخول الأداة على الجملة الشرطية لأمرين:
الأول: إن معنى بقائها على التمامية أنه يصح السكوت عليها مع أن الأمر ليس‏كذلك.
الثاني: إن لازم بقائها عليها أنها نسبة تامة تصديقية وليست بنسبة ناقصةتصورية، وقد مرّ أن اجتماع التصديقين في قضية واحدة غير معقول، بداهة أن‏لازم تعدد التصديق تعدد القضية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن ماذكره المحقق‏الأصبهاني‏قدس سره في تفسير القضيّة الشرطية من أن الأداة الداخلة عليها موضوعةللدلالة على أن الشرط فيها واقع موقع الفرض والتقدير، وأما هيئتها القائمةبجملتي الشرط والجزاء، فهي موضوعة للدلالة على الربط بينهما بنحو الترتب‏والتفريغ، هو الظاهر منها والموافق للارتكاز العرفي دون ما هو المشهور من أن‏أداتها موضوعة للدلالة على الربط بين جملة الجزاء وجملة الشرط، فإنه خلاف‏المتفاهم العرفي من القضية الشرطية، ومن هنا يظهر أنها لاتدل على أن ترتب‏الجزاء على الشرط يكون بنحو ترتب المعلول على العلة، ضرورة أنها تدل‏بالوضع على ترتب الجزاء على الشرط وتفريعه عليه، وأما أن هذا الترتب‏يكون بنحو ترتب المعلول على العلة أو بنحو الإتفاق والصدفة، فهي لاتدل على‏ذلك، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏، إن منشأ دلالة القضية الشرطية على‏المفهوم عند المشهور هو دلالتها على ربط الجزاء أو بالشرط بنحو ربط المعلول‏بالعلة التامة المنحصرة، ومناط دلالة القضية الوصفية على المفهوم هو دلالتهاعلى ربط حكم الموصوف بالوصف بنحو العلية المنحصرة، وقد تمسك لاثبات‏الإنحصار بعدة طرق:
الطريق الأول: إن الشرط الذي يترتب عليه الجزاء لايخلو من أن يكون تمام‏المترتب عليه أو جزئه، فعلى الأول يترتب عليه الجزاء في كل حالاته أي سواءًأكانت معه ضميمه أم لا، وعلى الثاني، فلايترتب عليه الجزاء إلاّ في حالةخاصة، وهي حالة وجود جزء آخر وانضمامه معه، مقتضى اطلاق ترتب الجزاءعلى الشرط وعدم تقييده بحالة خاصة أنه مترتب عليه في كل الحالات، وهذاهو مقتضى اطلاقه الأحوالي وعدم تقييد الترتب في القضية بحالة خاصة،ونتيجة ذلك، أن مقتضى اطلاق الشرط الأحوالي إنه علة تامة للجزاء بنحوالإنحصار، فإذا ثبت أن الشرط علة تامة بنحو الإنحصار دلت القضية على‏المفهوم، وهو انتفاء سنخ الحكم في طرف الجزاء بانتفاء الشرط، لأن انتفاءشخص الحكم المجعول في القضية بانتفاء الشرط عقلي، فلايتوقف على كونه علةفضلاً عن كونه تامة بنحو الإنحصار.
والخلاصة، إن مقتضى الإطلاق الأحوالي للشرط هو عدم وجود علة اُخرى‏للجزاء، وإلاّ ففي حال الإقتران معه كان المجموع علة لا الشرط وحده وبشكل‏مستقل على أساس استحالة اجتماع علّتين مستقلتين على معلول واحد، وعندئذٍيكون الشرط جزء العلة، وهو خلاف الإطلاق الأحوالي فلايمكن الأخذ به.

ولنا تعليقان على هذا الوجه:
الأول: على ما ذكره من أن الأداة موضوعة للدلالة على اللزوم وترتب‏الجزاء على الشرط بنحو ترتب المعلول على العلة.
الثاني: على ما ذكر من كون الشرط علة منحصرة للجزاء.
أما التعليق على الأول، فلما تقدم من أن أداة الشرط موضوعة للدلالة على أن‏مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير، ومعنى هذا أن الجزاء معلق على الوجودالفرضي والتقديري للشرط، وأما الدال على هذا التعليق والتفريع فهو هيئة الجملةالشرطية دون الأداة، على أساس أن التعليق والتفريع على الوجود الفرضي‏للشرط إنما هو في مرتبة متأخرة عنه، بملاك أن المعلّق على شي‏ء متأخر عنه رتبةومتوقف على الفراغ عن وجوده في موطنه، فلايعقل أن يكون مدلولاً لها أيضاً،وأما تفريع الجزاء على الشرط بكلمة )فا(، فهل يدل على أنه من تفريع المعلول‏على العلة أو لا؟
والجواب: إنه لايدل عليه لوضوح أن التفريع لاينحصر بتفريع المعلول على‏العلة في مقام الثبوت، لأنه كما يصحّ أن يكون بين العلة والمعلول كذلك يصح بين‏المتقدم والمتأخر زماناً كالحركة، فإن الجزءالثاني منها متفرع على الجزء الأول أوطبعاً كالجزء والكل، فإن الكل متفرع على الجزء بل يصح بين المتضايفين أيضاً،مثل قولك: »إن كان السماء فوق رؤوسنا، فالأرض تحت أرجلنا« و»إن كان‏المشرق في يميننا، فالمغرب في يسارنا«، وهكذا.
فالنتيجة، إن الأداة لاتدل بالوضع إلاّ على كون الشرط واقعاً موقع الفرض‏والتقدير، والهيئة تدل على ربط الجزاء بالشرط وتفريعه عليه، وأما أنه بنحوتفريع المعلول على العلة أو لا، فهي لاتدل عليه.
وأما التعليق على الثاني، فلأن اطلاق ترتب الجزاء على الشرط وعدم تقييده‏بحالة خاصة منه يدل على أن الشرط بنفسه علة تامة للجزاء، ولا نقصان في عليته‏له بمعنى أنه ليس جزء العلة، مثلاً ترتب الحرارة على النار مطلقاً، وعدم تقييده‏بحالة خاصة يدل على أنها بنفسها علة تامة لها في مقابل أنها جزء العلة التامة،وأما أن هذا الشرط علة منحصرة بمعنى أنه ليس له عدل، فلايمكن اثباته بهذاالإطلاق، لأن هذا الإطلاق، إطلاق أحوالي، فمفاده أن الشرط تمام العلة للجزاءلا جزئه، وليس مفاده نفي العدل له وعدم وجود علة تامة اُخرى‏.
وبكلمة، إن اطلاق ترتب الجزاء على الشرط، وعدم تقييده بحالة خاصة يدل‏على أنه ليس جزء العلة بل هو تمام العلة، وأما أنها علة منحصرة وليس لها عدل،فهو لايدل على انحصارها لأن الإطلاق النافي لوجود العدل للشرط غير هذاالإطلاق النافي لكون الشرط ليس جزء العلة، فإن الإطلاق الأول في مقابل‏العطف بكلمة )أو(، والإطلاق الثاني في مقابل العطف بالواو، وهو لاينافي وجودعلة اُخرى‏ للجزاء، وعلى هذا فلامانع من أن يكون هنا علة اُخرى للجزاء، غايةالأمر إذا اقترن الشرط معها كان كل منهما جزء العلة بالعرض لا بالذات‏والإطلاق الأحوالي لاينفي ذلك، وإنما ينفي كونه جزء العلة بالذات لا مطلقاً.
فالنتيجة، إنه لايمكن اثبات انحصار علية الشرط بهذا الطريق.
وقد يجاب عن ذلك إن الإطلاق الأحوالي ينفي وجود علة اُخرى‏ للجزاء إذالم‏يكن مضاداً للشرط، وذلك لأنه لولم ينفي وجودها كذلك لزم في صورة اقتران‏الشرط معها أحد محذورين:
الأول: خلف فرض كونه علة تامة. الثاني: إجتماع علتين مستقلتين على‏معلول واحد، وكلاهما محال، وأما إذا كانت علة اُخرى‏ مضادة مع وجودالشرط، فالإطلاق المذكور لاينفي وجودها على أساس أنه لايمكن اجتماع‏الشرط معها لمكان المضادة بينهما.
ولكن هذا الجواب غير تامّ في العلل التكوينيّة، وذلك لأن العلة الاُخرى‏ إذا لم‏تكن مضادة للشرط، فلا مانع من اجتماعهما على شي‏ء واحد، ولايلزم من ذلك‏شي‏ء من المحذورين، لأن المؤثر حينئذٍ هو مجموع العلتين لا كل واحدة منهما كماهو الحال في جميع موارد اجتماع علّتين مستقلتين على معلول واحد، وحينئذٍفيكون كل منهما جزء المؤثر بالعرض لا بالذات، ولهذا لايلزم الخلف أيضاً، وأماإذا كانت مضادة له فلايمكن اجتماعهما على شي‏ء واحد، وذلك لأن تأثير العلةالتكوينية في معلولها مبتني على مبدأ التناسب بين العلة والمعلول، ولايمكن أن‏يكون شي‏ء واحد في الخارج معلولاً لعلّتين متباينتين وجوداً، لأن المعلول إن كان‏من سنخ وجود إحداهما، فيستحيل أن يكون من سنخ وجود الاُخرى‏وبالعكس، مثلاً الحرارة لايعقل أن تكون معلولاً للنار، وفي نفس الوقت تكون‏معلولة للماء أيضاً لأنها من سنخ وجود النار ومن مراتب وجودها النازلة،ولايمكن أن تكون معلولة للماء ومن مراتب وجوده النازلة أيضاً، وأما في العلل‏المجعولة فلامانع من وجود علة اُخرى‏ للجزاء مضادة بوجودها للشرط، فإذاقيل: »إن زارك زيدٌ، فاحترمه«، فالزيارة شرط لوجوب الإحترام ولامانع من‏أن يكون له شرط آخر مضاداً للشرط الأول.
فالنتيجة، إن هذا الجواب، وإن كان غير تام في العلل التكوينية إلاّ أنه لا بأس‏به في العلل المجعولة.
الطريق الثاني: هو أن الجزاء مترتب على الشرط بعنوانه الخاص ترتب‏المعلول على العلة، فلوكانت هناك علة اُخرى‏ للجزاء، فلاتخلو الحال من أن‏يكون كل منهما علة بعنوانها الخاص، واسمها المخصوص بنحو الإستقلال أويكون مجموعهما معاً علة بدون دخل لخصوصية كل منهما في عليّته وكلاهما غيرصحيح، أما الأول، فلأن لازمه اجتماع علّتين مستقلتين على معلول واحد، وهومستحيل لاستحالة صدور الواحد عن الكثير بما هو كثير، وحيث إن الحكم في‏طرف الجزاء واحد في عالم الجعل والتشريع يستحيل أن تكون له علتان‏مستقلتان، وإلاّ لزم تأثير الكثير في الواحد.
وأما الثاني، فلأنه خلاف ظاهر القضية الشرطية، فإن ظاهرها هو أن الجزاءمترتب على الشرط بعنوانه الخاص واسمه المخصوص، وهذا بنفسه يقتضي أنه بهذاالعنوان الخاص علّة له لا أنه جزء العلة، وإذا ضممنا إلى ذلك استحالة صدورالواحد إلاّ عن واحد.
فالنتيجة، إنه علة منحصرة وإلا لزم أحد المحذورين المذكورين، فإذن لامناص من الإلتزام بالإنحصار والتمام معاً.
ولكن للمناقشة فيه مجالاً واسعاً لأن هذا البيان إنما يدل على أن الحكم‏الشخصي المجعول في القضية المدلول عليه بخطابها معلول للشرط فيها بعنوانه‏الخاص، ولا يعقل أن تكون له علة اُخرى‏، وإلاّ لزم اجتماع علّتين مستقلتين على‏معلول واحد شخصي أو كون المجموع المركب منهما علة له بحيث يكون كل منهماجزء العلة، والأول محال والثاني خلاف الظاهر، ولكن هذا البيان لاينفي وجودعلة اُخرى‏ لفرد آخر من الحكم المماثل للفرد المجعول في القضية، إذ لا مانع في‏مقام الثبوت من أن يكون المجعول فردان من الحكم أحدهما معلول للشرطالمذكور في القضية بعنوانه الخاص. والآخر معلول لعلة اُخرى‏، والبيان المذكورلايدل على انتفاء فرد آخر من الحكم أيضاً بانتفاء هذا الشرط لكي تدل القضيةالشرطية على المفهوم.
وبكلمة، إن الطريق المذكور لايثبت أن الشرط علة منحصرة للجزاء، وإنمايثبت أنه بعنوانه الخاص علة له، وهذا لايمنع من أن يكون هناك علة اُخرى‏ لفردآخر من الحكم، نعم لو ثبت كونه علة منحصرة لدلّت القضية على المفهوم إذبانتفائه ينتفي سنخ الحكم، وأما انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية فهولايتوقف على كونه علة منحصرة، ضرورة أن انتفائه بانتفاء شرطه وموضوعه‏قهري، هذا إضافة إلى أن هذا البيان لو نفى‏ وجود علة اُخرى‏ للجزاء، فإنما ينفي‏وجودها في عرض وجود الشرط لافي طوله، وأما وجود علة اُخرى‏ في طول‏وجود الشرط فلا مانع منه. فالنتيجة، إنه لايمكن اثبات انحصار علية الشرط في‏القضية الشرطية بهذا الطريق.
الطريق الثالث: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن القضية الشرطية حيث‏كانت ظاهرة في أن ترتب الجزاء على الشرط من ترتب المعلول على العلةبالوضع أو مع الإنصراف، فإذا كانت في مقام البيان واقتصرت في تقييد الجزاءبالشرط بدون ذكر عدل له بالعطف بكلمة أو دلت على أنه علة منحصرةللجزاء، إذ لو كانت له علة اُخرى‏ لكان على المولى‏ بيانها بالعطف بكلمة أولفرض أنه في مقام البيان، فعدم البيان منه قرينة على عدم وجود علة اُخرى‏ له،وبذلك يثبت الإطلاق للشرط المذكور في القضية في مقابل العطف بكلمة)أو((48)، وبه يفترق هذا الطريق عن الطريق الأول، فإن الطريق الأول يثبت‏الإطلاق الأحوالي للشرط في مقابل العطف بكلمة )الواو(.
ثم قال‏قدس سره إن المقام نظير اثبات الوجوب التعييني بإطلاق صيغة الأمر في‏مقابل الوجوب التخييري، لأن بيان الوجوب التخييري بحاجة إلى مؤنة زائدةثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلأنه بحاجة إلى لحاظ أفراد، ولحاظ الجامع بينها على‏البدل، وأما الوجوب التعييني فهو لايتوقف إلاّ على لحاظ الواجب بعنوانه‏الخاص واسمه المخصوص، أما اثباتاً فلأن بيان الوجوب التخييري يتوقف على‏العطف بكلمة )أو( دون الوجوب التعييني، وحينئذٍ فإذا أمر المولى‏ بشي‏ء وكان‏في مقام البيان واقتصر عليه ولم يذكر عدلاً له كان ظاهراً في الوجوب التعييني،وإن ذكر عدلاً له كان ظاهراً في الوجوب التخييري وكذلك الحال في المقام، فإنه‏إذا قال المولى‏: »إن جاءك زيد، فأكرمه«، وكان في مقام البيان ولم يذكر عدلاً له‏بالعطف بكلمة )أو(، فالقضية ظاهرة في أن الشرط علة منحصرة للجزاء، إذ لوكان له عدل لذكره لأنه كان في مقام البيان، فعدم ذكره والسكوت عنه رغم كونه‏في مقام البيان قرينة على عدم وجود علة اُخرى‏ له، وإن علته منحصرة بالمجي‏ءفيها، وقديجاب عن ذلك بأن هذا الطريق وحده لايكفي في اثبات كون الشرط في‏القضية علة تامة منحصرة للجزاء بل لابد من ضمّ الطريق الأول إليه أيضاً، وهوالإطلاق الأحوالي للشرط في مقابل العطف بالواو، لأنه يثبت أنه علة تامة لا أنه‏جزء العلة، والإطلاق في مقابل العطف )باو( يثبت أنه علة منحصرة له(49)،ولكن هذا الجواب غير صحيح، لأنه مبني على أن يكون الإطلاق الانحصاري،وهو الإطلاق في مقابل العطف )بأو( في طول الاطلاق التمامي وهو الاطلاق‏الأحوالي في مقابل العطف بالواو مع أن لأمر ليس كذلك جزماً، وأنه في عرضه‏لا في طوله كما سوف نشير إليه.
والصحيح في الجواب عن ذلك أن يقال: إن هذا الإطلاق، وهو الإطلاق‏الإنحصاري في نفسه غير ثابت في المقام حتى يكون مفاده كون الشرط علةمنحصرة كما سيأتي تفصيله عن قريب.
إلى هنا قد تبيّن أن دلالة القضية الشرطية على المفهوم عند المشهور تتوقف‏على العناصر التالية:
الأول: أن يكون مدلول القضية الشرطية ترتب الجزاء على الشرط بنحوترتب المعلول على العلة بالوضع أو مع الأنصراف.
الثاني: إثبات الإطلاق الأحوالي للشرط في مقابل العطف بالواو.
الثالث: إثبات الإطلاق السياقي للشرط في مقابل العطف بكلمة )أو(، فإذاتوفّرت هذه العناصر الثلاثة في القضية الشرطية كان لها مفهوم، وإلاّ فلا، هذاولكن قد تقدم أن العنصر الأول غير ثابت، فإن القضية الشرطية موضوعةللدلالة على ترتب الجزاء على الشرط بنحو الالتصاق، والتعليق لا بنحو اللزوم‏فضلاً عن اللزوم العلي، ضرورة صدق القضية الشرطية حقيقة في موارد يكون‏ترتب الجزاء على الشرط وتعلقه به اتفاقياً بدون وجود ملازمة بينهما واقعاً.
وأما العنصر الثاني، فهو ثابت، ولكن قد يقال كما قيل: إنه متوقف على‏العنصر الأول، إذ لابدّ أولاً من اثبات أن القضية الشرطية تدل بالوضع على أن‏ترتب الجزاء على الشرط من ترتب المعلول على العلة حتى يثبت بالإطلاق‏الأحوالي أنه علة تامة، وليس جزء العلة، وبالإطلاق السياقي أنه علة تامةمنحصرة، فيكون الإطلاق السياقي، وهو الإطلاق في مقابل العطف )بأو( في‏طول الاطلاق التمامي وهو الاطلاق في مقابل العطف هذا، وفيه أنه لا طوليةبينهما، فإن الإطلاق الأحوالي، وهو الإطلاق التمامي يثبت أن الشرط علة تامةلا أنه جزء العلة والإطلاق السياقي، وهو الإطلاق الإنحصاري يثبت أنه لاعدل‏للشرط بلا توقفه على كونه علة تامة، لأن مفاده عدم وجود العدل له سواءً أكان‏علة تامة أم لا، فإذن لاطولية بينهما ولاموجب لها بل هما في عرض واحد، ولكن‏الذي يسهل الخطب أنه لايمكن اثبات الإطلاق السياقي في مقابل العطف )باو( في‏المقام، وذلك لأن التمسك بالإطلاق إنما هو في موارد الشك في التقييد الزائدكالشك في تقييد الحكم أو متعلقه أو موضوعه، والجامع هو الشك في تقييد ماله‏دخل في مراد المولى‏ من كلامه، وأما إذا كان الشك في وجود شي‏ء غير دخيل في‏مدلول كلام المولى‏ ومراده الجدي منه سعةً وضيقاً، فلااطلاق له لنفيه كما إذا قال‏المولى: »أكرم العلماء« وكان في مقام البيان، ولم ينصب قرينة على تقييد وجوب‏إكرامهم بالعدالة وشك في اعتبارها، فمقتضى اطلاقه عدم الإعتبار وعدم التقييدبها، وهذا بخلاف ما إذا شكّ في أن المولى أوجب إكرام الهاشميين أيضاً أو لا؟ فإنه‏لايمكن التمسك باطلاق وجوب إكرام العلماء لنفي وجوب إكرامهم إذ لا اطلاق له‏بالنسبة إليه، فإن وجوب إكرام الهاشميين وعدم وجوب إكرامهم بالنسبة إلى‏وجوب إكرام العلماء على حدّ سواء.
وبكلمة، إن الضابط العام لإثبات الإطلاق للكلام الصادر من المولى‏ بمقدمات‏الحكمة هو احراز أنه كان في مقام بيان مراده منه، ومع هذا إذا سكت عما يصلح‏أن يكون قرينة على تقييده، وبيان أن مراده النهائي منه المقيّد انعقد ظهوره في‏الإطلاق، ومنشأ هذا الظهور هو ظهور حاله في أن مراده المطلق دون المقيّد،وحينئذٍ فإذا شك في تقييده بقيد كما إذا شك في أن وجوب إكرامهم هل هو مقيدبكونهم هاشمياً أو لا؟ فلا مانع من التمسك بإطلاقه لنفي اعتباره، وأما المقام فهوليس كذلك، ولايمكن تطبيق هذا الضابط العام على المقام، وذلك لأن وجود عدل‏للشرط في القضية الشرطية بالعطف بكلمة )أو( ليس قيداً له ودخيلاً في تأثيره في‏الجزاء الذي هو مدلول القضية الشرطية عند المشهور، لأن تأثيره فيه لايكون‏مقيداً بعدم وجود عدل له، بداهة أن تأثيره فيه مبني على تمامية عليته من‏المقتضى، ووجود الشرط وعدم المانع باعتبار أن العلة التامة مركبّة من هذه‏العناصر الثلاثة، ومن الواضح أن عدم وجود العدل له ليس من أجزائها ودخيلاًفي تأثيرها، وعلى هذا فإذا توفرت فيه العناصر الثلاثة كان مؤثراً في الجزاء سواءًأكان له عدل في الواقع أم لا؟ فإن وجوده وعدمه من هذه الناحية على حدّسواء، غاية الأمر إذا كان له عدل في الواقع فهو يؤثّر في الفرد الآخر من الجزاءالمماثل للفرد المجعول في القضية، وعلى هذا فحيث إن وجود العدل له بالعطف‏بكلمة )أو( لايكون قيداً له وموجباً لتضييق دائرة تأثيره بل هو علة اُخرى‏، ولهامعلول آخر لاترتبط بمدلول القضية الشرطية الذي هو معلول للشرط فيها،فلايمكن التمسك بإطلاق الشرط لنفيه، فإذا قال المولى‏: »إن جاءك عالم،فأكرمه(، وكان في مقام البيان وسكت عن ذكر عدل له، فلايكون سكوته عن‏ذكره قرينة على أنه لاعدل له، ضرورة أنه غير دخيل في تأثير الشرط في القضيةفي وجوب الإكرام، فإنه مؤثر فيه كان هناك عدل له أم لا؟ فوجوده وعدمه من‏هذه الناحية سيّان، وعلى هذا فلا معنى لدعوى‏ أن المتكلم إذا كان في مقام البيان‏وكان للشرط عدل في الواقع، فعليه بيانه وإلاّ لزم خلف فرض كونه في مقام،وذلك لأن المراد من كون المتكلم في مقام البيان هو أنه في مقام بيان مايصلح أن‏يكون دخيلاً في مدلول كلامه سعةً وضيقاً، وأما ماهو أجنبي عنه ولايرتبط به‏أصلاً، فلايكون سكوته عنه قرينة على عدمه، فإن سكوته عنه من جهة أنه‏أجنبي عن مراده من كلامه لا من جهة أنه غير دخيل فيه.
والخلاصة، إن بيان العلة المنحصرة لايحتاج إلى مؤنة زائدة على بيان العلة غيرالمنحصرة إذ لافرق بينهما في العلية والتأثير أصلاً، لأن وصف الإنحصار وصف‏انتزاعي منتزع من عدم وجود علة اُخرى‏ لفرد آخر المماثل للجزاء، ومن‏الواضح أنه لادخل لوجود علة اُخرى‏ في علية الشرط وتأثيره في الجزاء، فإنه‏مؤثر فيه كانت هناك علة اُخرى‏ أم لا؟ لأن وجودها وعدمها من هذه الناحيةعلى حد سواء ولا دخل لوجودها في تمامية علية الشرط، لأن وصف الإنحصارليس متمماً لعليته بل هو أمر خارجي قد يعرض على العلة بسبب خارجي‏لايرتبط بعليتها للجزاء، ومن الطبيعي أن سكوت المولى‏ عن وجود عدل للشرطبنحو العطف بكلمة )أو( لايكون دليلاً على عدمه، على أساس ما عرفت من أنه‏لايرتبط بعلية الشرط، وقد مرّ أن سكوت المولى‏ عن كل شي‏ء لايرتبط بمدلول‏كلامه لايكون قرينة على عدمه، لأن سكوته عما يرتبط بمدلول كلامه سعةً وضيقاًإذا كان في مقام البيان، قرينة على عدم دخله فيه لامطلقاً.
ومن هنا يظهر أن قياس المقام بالوجوب التعييني والتخييري قياس مع الفارق‏لأن الوجوب التعييني حيث إنه سنخ وجوب تعلق بالفعل بعنوانه الخاص، وبحدّه‏المخصوص والوجوب التخييري سنخ وجوب تعلق بالجامع الإنتزاعي البدلي،وهو عنوان أحدهما مشروطاً بعدم الإتيان بالآخر، فلذلك يكون الوجوب‏التخييري بحاجة إلى مؤنة زائدة ثبوتاً واثباتاً، أما ثبوتاً فلأنه بحاجة إلى لحاظفردين أو أفراد، ولحاظ الجامع بينهما على البدل، بينما يكفي في الوجوب التعييني‏لحاظ الواجب بعنوانه الخاص، وأما إثباتاً فلأن بيان الوجوب التخييري بحاجةإلى العطف بكملة )أو( دون الوجوب التعييني، وعلى هذا فإذا أمر المولى‏ بشي‏ءوكان في مقام البيان، فإن ذكر عدلاً له بالعطف بكلمة )أو(، فهو دليل على أنه‏واجب تخييري، وإن لم يذكر عدلاً له فهو دليل على أنه واجب تعييني، وهذابخلاف المقام، إذ لا فرق بين العلة المنحصرة والعلة غير المنحصرة في العليةوالتأثير في المعلول، فلايكون بيان العلة التامة المنحصرة بحاجة إلى مؤنة زائدةدون العلة غير المنحصرة، لما مرّ من أن وصف الإنحصار وصف انتزاعي عارضي‏منتزع عما لايرتبط بالعلة وتأثيرها في معلولها.
فالنتيجة في نهاية الشوط، إنه لايمكن اثبات دلالة القضية الشرطية على‏المفهوم على مسلك المشهور من أن مدلولها ترتب الجزاء على الشرط بنحو اللزوم‏العلي، فإنها تتوقف على إثبات كون الشرط علة منحصرة للجزاء، وقد مرّ أنه‏لايمكن إثباته، وأما الملاك الثاني لدلالة القضية الشرطية على المفهوم هو ما ذكره‏السيد الاُستاذقدس سره، وقد أطال الكلام في ذلك ونلخصة في ضمن اُمور:
الأول: إن تفسير المشهور الأخبار بدلالة الجملة الخبرية على ثبوت النسبة في‏الواقع أو نفيها عنه غير صحيح.
الثاني: إن تفسيرهم الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ لايرجع إلى معنىً محصل.
أما التفسير الأول، فقد ذكرقدس سره أن الجملة الخبرية لاتدل على ثبوت النسبة في‏الواقع ظنّاً بقطع النظر عن حال المخبر والقرائن الخارجية، مع أن من الطبيعي أن‏دلالة اللفظ لايمكن أن تنفك عن مدلوله الوضعي بمقتضى قانون الوضع، فإذن ماهو فائدة وضع الجملة الخبرية بإزاء ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه.
وأما التفسير الثاني، فقد ذكرقدس سره أن تفسير الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ ممالايمكن المساعدة عليه، وذلك لأنه إن اُريد بإيجاد المعنى إيجاده تكويناً، فهو غيرمعقول، لأن اللفظ لايكون واقعاً في سلسلة علل وجود الشي‏ء في الخارج، وإن‏اُريد به إيجاده اعتباراً، فهو لايتوقف على اللفظ، فإنه يوجد بنفس اعتبار المعتبرسواءً أكان هناك لفظ يتلفّظ به أم لا؟ نعم، قد يكون اللفظ مبرزاً له.
الثالث: إن حقيقة الوضع عبارة عن التعهد والإلتزام النفساني المبرز في‏الخارج بمبرز ما وهما لايتعلقان إلاّ بالفعل الإختياري، إذ لايمكن أن يتعهدشخص أمراً غير اختياري، وحيث إن ثبوت النسبة في الواقع أو عدم ثبوتها فيه‏في الجمل الخبرية أمر خارج عن الإختيار، لأنه تابع لثبوت عللها وأسبابها في‏الواقع، فلذلك لايمكن تعلق التعهد والإلتزام به، وعلى هذا فالجملة الخبريةموضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت النسبة في الواقع أو نفيها فيه،والجملة الإنشائية موضوعة للدلالة على قصد إبراز الأمر الإعتباري النفساني في‏الخارج، فمن أجل ذلك بنى‏قدس سره على أن المدلول الوضعي للفظ مدلول تصديقي‏لاتصوري، لأن الجملة إذا كانت خبرية، فإن كانت حملية تدل على قصد الحكايةعن ثبوت شي‏ء في الواقع أو عدم ثبوته فيه، وإن كانت شرطية تدل على ذلك على‏تقدير ثبوت شي‏ء آخر كقولك: »إذا طلعت الشمس، فالنهار موجود«، فإنه يدل‏على قصد الحكاية عن وجود النهار على تقدير طلوع الشمس لامطلقاً، وأما إذاكانت الجملة إنشائية، فهي إن كانت حملية تدل على قصد إبراز اعتبار شي‏ء على‏ذمة المكلف، وإن كانت شرطية تدل على قصد ابراز اعتباره على ذمته لامطلقاً بل‏في حالة خاصة، كما إذا قال المولى‏: »إن استطعت فحجّ«، فإنه يدل بالمطابقة على‏قصد إبراز اعتبار الحج على ذمة المكلف في حالة خاصة، وهي حالة وجودالإستطاعة لامطلقاً، وبالإلتزام على انتفاء هذا الإعتبار بانتفاء هذه الحالة، وهذاهو معنى دلالة القضية الشرطية على المفهوم.
والخلاصة، إن دلالة القضية الشرطية على المفهوم بناءً على مسلكه‏قدس سره‏واضحة، فإنها إن كانت خبرية فتدل بالمطابقة على قصد الحكاية عن ثبوت شي‏ءعلى تقدير ثبوت شي‏ء آخر لامطلقاً، وبالإلتزام على انتفاء قصد الحكاية عنه‏بانتفاء ذلك الشي‏ء، وإن كانت إنشائية فتدل بالمطابقة على قصد إبراز اعتبار شي‏ءعلى ذمة المكلف في حالة خاصة وبالإلتزام على انتفاء هذا القصد بانتفاء تلك‏الحالة.
فالنتيجة، إن دلالة القضية الشرطية على المفهوم بناءً على مسلك السيدالاُستاذقدس سره في تفسير الوضع ظاهرة ولا اشكال فيها(50)، هذا.
وللمناقشة في جميع هذه التفاسيرمجال، وقد فصلنا الحديث في كل ذلك في محله‏موسعاً ونشير إليها هنا إجمالاً.
أما الأول، فالصحيح فيه هو تفسير المشهور في معنى الجملة الخبريّة، وملخّص‏ما ذكرناه في وجهه هو أن الجملة الخبرية موضوعة بإزاء واقع النسبة التي هي‏معنى حرفي ومتقومة بشخص طرفيها ذهناً أو خارجاً، وهما بمثابة الجنس والفصل‏للنوع والجملة تدل عليها بالدلالة التصورية، وهذه الدلالة مستندة إلى الوضع‏بعدما لم تكن دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية، ومن هنا كان المتبادر من هذه‏الجملة عند سماعها ولو من متكلم بغير شعور واختيار هو مفهومها النسبي فانياًبالنظر التصوري في مصداق يرى‏ ثبوته مفروغاً عنه في الخارج، فإذا سمع زيدقائم من لافظ، وإن كان بغير شعور، إنتقل ذهنه إلى مفهومه النسبي قهراً، وهوثبوت القيام لزيد فانياً في مصداق يرى‏ بالنظر التصوري ثبوته أمراً مفروغاً عنه‏فيه.
وأما ما ذكره‏قدس سره من أن الجملة الخبرية لاتدل على ثبوت النسبة في الواقع ظناًبقطع النظر عن حال المخبر والقرائن الخارجية، فهو مبني على الخلط بين المدلول‏التصديقي للجملة والمدلول التصوري لها، فإن الجملة لاتدل على ذلك بالدلالةالتصديقية باعتبار أنها غير مستندة إلى الوضع، بل إلى ظهور حال المتكلم وتدورمداره وجوداً وعدماً لا مدار الوضع، وأما بالدلالة التصورية فلا شبهة في أنهاتدل على ذلك مباشرة و أن الذهن ينتقل إليه بمجرد سماعها، ولو من لافظ بغيراختيار وجداناً وقهراً، ومن الواضح أن الدلالة التصورية لاتتوقف على أي‏مقدمة خارجية غير العلم بالوضع، ومراد المشهور من أن الجملة الخبريةموضوعة للدلالة على ثبوت النسبة في الواقع أو عدم ثبوتها فيه هو الدلالةالتصورية، على أساس أن الدلالة الوضعية عندهم هي الدلالة التصورية دون‏التصديقية، فإنها غير مستندة إلى الوضع بل إلى ظهور حال المتكلم، ولهذا لوصدرت من متكلم بغير شعور دلت على معناها النسبي بالدلالة التصورية دون‏التصديقية، لأن منشأها ظهور حال المتكلم، وهو غير موجود على الفرض.
إلى هنا قد تبيّن أن الدلالة الوضعية للجملة الخبرية دلالة تصورية لاتصديقية، وعليه فالصحيح هو مسلك المشهور في تفسير الجملة الخبرية دون‏ماذكره السيد الاُستاذقدس سره.
وأما الثاني، وهو تفسير الإنشاء، فقد ذكرنا في محله أن الصحيح فيه هو تفسيرالمشهور للإنشاء، وهو إيجاد المعنى باللفظ، وكلماتهم في تفسير الإيجاد وإن كانت‏مختلفة ولكن الصحيح فيه أن يقال إن المراد منه الإيجاد بالنظر التصوري، فإن‏صيغة الأمر موضوعة للدلالة على النسبة الطلبية المولوية التي هي مساوقةللوجوب، وتدل على تلك النسبة بالمعنى الحرفي أي الفانية بالنظر التصوري في‏مصداق يرى‏ ثبوته بنفس اللفظ، وهذا هو معنى الإيجاد في مرحلة التصور، ولهذاإذا سمع المكلف صيغة الأمر، كان المتبادر منها الطلب النسبي الفاني بالنظرالتصوري في مصداق يرى‏ ثبوته بنفس الصيغة، وإن كان سماعها من لافظ بغيرشعور واختيار، ومثلها الجمل المشتركة بين الإخبار والإنشاء، فإن جملة يعيدمثلاً إذا استعملت في مقام الإنشاء، تدل على النسبة الطلبية المولوية الفانية بالنظرالتصوري في مصداق يرى‏ ثبوته بنفس الجملة، وقد تقدم موسعاً في محله أن الجمل‏المشتركة بين الإنشاء والإخبار إنما يكون اشتراكها في الصيغ فقط لا في المعنى،لأن الجمل المستعملة في مقام الإنشاء لاتشترك مع الجمل المستعملة في مقام‏الإخبار لا في المعنى التصوري، ولا في المعنى التصديقي على تفصيل هناك.
فالنتيجة، إن المراد من إيجاد المعنى باللفظ الإيجاد التصوري الذي هو المدلول‏الوضعي للجمل الإنشائية، ومن هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن‏تفسير الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظ تفسير خاطى‏ء مبني على الخلط بين الإيجادبالنظر التصديقي والإيجاد بالنظر التصوري، فإن مالايمكن أن يكون معنى الإنشاءهو الإيجاد بالنظر التصديقي لا بالنسبة إلى الواقع الخارجي ولا بالنسبة إلى الأمرالإعتباري. أما الأول، فلايمكن إيجاده باللفظ. وأما الثاني، فهو يوجد بنفس‏اعتبار المعتبر، فلايتوقف على اللفظ هذا، إضافة إلى أن ما ذكره‏قدس سره من المعنى‏للجملة الإنشائية يكون على خلاف ماهو المرتكز والمتبادر منها في الأذهان،وهذا شاهد على أنه ليس المعنى الموضوع له لها، وأما التزامه‏قدس سره بذلك فهو مبني‏على مسلكه‏قدس سره في باب الوضع، فإنه يتطلب كون المعنى الموضوع له مدلولاًتصديقياً لا تصورياً، وأما الثالث، فقد ذكرنا في مبحث الوضع موسعاً أن حقيقةالوضع ليست عبارة عن التعهد والإلتزام النفساني، ولايمكن الإلتزام بهذه‏النظرية ولابلوازمها هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، قد عرفت أن التزام السيد الاُستاذقدس سره بأن المدلول الوضعي‏في الجمل الخبرية والإنشائية مدلول تصديقي لاتصوري مبني على نظريته‏قدس سره في‏باب الوضع، لوضوح أن الوضع بمعنى التعهد والإلتزام النفساني يتطلب كون‏المعنى الموضوع له معنى تصديقياً لا تصورياً، وأما مع عدم الإلتزام بهذه النظرية،فلاموجب للإلتزام بأن المدلول الوضعي مدلول تصديقي، لأن الوضع على سائرالتفاسير لايتطلب إلا كون المدلول الوضعي مدلولاً تصورياً، ولايمكن أن يكون‏تصديقياً، ومن هنا يظهر أن تفسير السيد الاُستاذقدس سره الإنشاء والإخبار بالمعنى‏التصديقي مبني على نظريته‏قدس سره في باب الوضع.
إلى هنا قد تبيّن أن الصحيح ما هو المشهور بين الاُصوليين من أن المدلول‏الوضعي مدلول تصوري لاتصديقي، وأما الدلالة التصديقية فهي لايمكن أن‏تكون مستندة إلى الوضع بل هي مستندة إلى ظهور حال المتكلم.
وأما الملاك الثالث لدلالة القضية الشرطية على المفهوم، فهو يرتكز على ثلاث‏ركائز:
الركيزة الاُولى‏: أن يكون الشرط في القضية الشرعية غير الموضوع بأن تكون‏القضية مركبة من ثلاثة عناصر: 1 - الموضوع. 2 - الشرط. 3 - الجزاء.
الركيزة الثانية: أن يكون مدلولها الوضعي ترتب الجزاء على الشرط بنحوالتعليق والتفريغ لا بنحو ترتب المعلول على العلة.
الركيزة الثالثة: أن يكون تعليق الجزاء على الشرط مدلوياً لا ذاتياً وطبيعياً،فإذا توفرت هذه الركائز الثلاث في القضية الشرطية دلت على المفهوم، وهو انتفاءطبيعي الحكم بانتفاء الشرط، فإذن يقع الكلام في تمامية هذه الركائز الثلاث‏وتوفرها في القضية الشرطية.
أما الركيزة الاُولى‏: فقد تقدم في مستهل البحث أن محل الكلام في المسألة إنماهو في القضية الشرطية التي يكون الشرط فيها غير الموضوع، وبإنتفائه لاينتفي‏الموضوع، وأما إذا كان الشرط فيها عين الموضوع أو قيداً له بحيث ينتفي‏الموضوع بانتفائه، فهي خارجة عن محل الكلام لأنها مسوقة لبيان تحقق‏الموضوع، ولايعقل أن يكون لها مفهوم.
وأما الركيزة الثانية، فالظاهر أن القضية الشرطية موضوعة للدلالة على‏ترتب الجزاء على الشرط بنحو التفريغ والتعليق لا بنحو اللزوم العليّ، لأن هذاالمعنى هو المتبادر، والمتفاهم منها عرفاً وارتكازاً، فإذا قال المولى‏: »إن جاءك‏عالم، فأكرمه« كان المتفاهم العرفي الإرتكازي منه تعليق وجوب الإكرام على‏تقدير المجي‏ء وتفريعه عليه والتصاقه به، وهذا المعنى هو المتبادر من مثل هذه‏القضية الشرطية، وإن كانت صادرة من لافظ بدون اختيار والتفات، وأما لزوم‏الجزاء للشرط بنحو اللزوم العلي، فهو لايكون متبادراً منها أصلاً، ومن الواضح‏أن هذا التفاهم والتبادر العرفي الإرتكازي منها دليل على أنها موضوعة بإزاءترتب الجزاء على الشرط بنحو التعليق والتفريغ، سواءً أكانت هناك ملازمة بينهماأم لا، فإذن لا دليل على أنها موضوعة لترتب الجزاء على الشرط بنحو ترتب‏المعلول على العلة، لأنها لاتدل على أصل اللزوم فضلاً عن كونه بنحو اللزوم‏العليّ، وعلى تقدير تسليم أنها موضوعة بإزاء ترتب الجزاء على الشرط بنحوترتب المعلول على العلة، فهل يمكن اثبات أنها تدل على المفهوم أو لا؟
والجواب: إنه لايمكن، وذلك لأن دلالتها عليه حينئذٍ تتوقف على اثبات كون‏الشرط علة منحصرة للجزاء، وهو يتوقف على اثبات الإطلاق للشرط في مقابل‏العطف بكلمة )أو( بإجراء مقدمات الحكمة، وقد تقدم أنه لايمكن اثبات هذاالإطلاق له بإجراء المقدمات لأنها لاتجري في المقام على تفصيل قد مرّ، تحصل مماذكرناه أن الصحيح هو وضع القضية الشرطية بإزاء ترتب الجزاء على الشرطبنحو التعليق والتفريع لابنحو اللزوم فضلاً عن كونه علياً.
أما الركيزة الثالثة، فلأن التعليق والتفريع في القضية الشرطية لو كان ذاتياً،فبطبيعة الحال تكون القضية مسوقة لبيان تحقق الموضوع، فلامفهوم لها كقولك:»إذا طلعت الشمس، فالنهار موجود« و»إذا أوقد النار، فالحرارة موجودة«،وهكذا. وذلك لأن الترتب إذا كان ذاتياً، فلايخلو من أن يكون الجزاء معلولاًللشرط أو علة له أو كلاهما معلولان لعلة ثالثة، وعلى جميع هذه التقاديرفلايكون الشرط غير الموضوع، وقد مرّ أن مثل هذه القضايا خارجة عن محل‏الكلام، ولا تدل على المفهوم، لأن مفهومها السالبة بانتفاء الموضوع، ومحل الكلام‏إنما هو فيما إذا كان الترتب والتعلق مولوياً كقولك: »إن زارك عمرو، فاحترمه«.
فإن الموضوع في القضية عمرو والشرط فيها الزيارة والجزاء وجوب‏الإحترام، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏ أن للموضوع حالات:
الاُولى‏: زيارته الشخص المخاطب بهذا الخطاب.
الثانية: تركه الزيارة له وجلوسه في البيت.
الثالثة: زيارته لشخص آخر، وحيث إن المولى‏ قد علّق وجوب الإحترام‏على الحالة الاُولى‏ دون الحالة الثانية والثالثة، فمن أجل ذلك يكون المتفاهم العرفي‏من هذا التعليق هو انتفاء وجوب احترام زيد بانتفاء هذه الحالة مطلقاً وفي تمام‏حالاته، وهذا معنى أن المفهوم هو انتفاء سنخ الحكم بانتفاء شرطه، إذ كما أن‏شخص وجوب الإحترام المجعول في القضية ينتفي بانتفاء الشرط، كذلك وجوب‏احترامه في حال جلوسه في بلده وفي حال زيارته لشخص آخر.
والخلاصة، إن الجملة الشرطية التي تدل على تعليق الجزاء على الشرطوتفريقه عليه بالمطابقة تدل بالإلتزام على انتفائه بانتفاء الشرط عن الموضوع‏مطلقاً، ونكتة هذه الدلالة هي أن تعليق المولى‏ الجزاء على حالة خاصة من‏موضوع القضية دون سائر حالاته لايمكن أن يكون جزافاً وبلا مبرّر، والمبرر له‏عدم ثبوت الجزاء له في سائر حالاته، وثبوته له في هذه الحالة الخاصة فقط، وإلاّلكان التعليق عليها لغواً، وعلى هذا فانتفاء هذه الحالة يدل على انتفائه عنه مطلقاًوفي تمام حالاته، وهذا معنى أن المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم بانتفاءالشرط، ومن هنا يكون المتفاهم العرفي من قولك: »إن جاءك زيد، فأكرمه« هوانتفاء وجوب الإكرام عن زيد في تمام حالاته عند عدم مجيئه، ومنشأ هذا الفهم‏العرفي الإرتكازي هو كون هذا التعليق مولوياً، فإنه يدل على أنه لا منشألوجوب إكرامه في حالة اُخرى‏، وإلاّ لكان هذا التعليق لغواً، ومن أجل ذلك‏يكون المتبادر منه عرفاً انتفاء وجوب الإكرام مطلقاً بانتفاء المعلق عليه وهوالشرط، وإن شئت قلت: إن الحكم المجعول في القضية الشرطية كوجوب الإكرام‏في المثال وإن كان شخص الحكم، لأن المجعول لايمكن أن يكون طبيعي الحكم،ولكن حيث إن انتفائه بانتفاء الشرط عقلي، فلايحتاج إلى عناية زائدة، ومع هذاإذا علق المولى‏ وجوب الإكرام على الشرط وفرعه عليه بنحو القضية الشرطيةالذي هو عناية زائدة، فيدل على أن المعلّق طبيعي وجوب الإكرام لا شخصه،وإلاّ لكان هذا التعليق من المولى لغواً وهو لايمكن، والنكتة في ذلك هي دلالةالتعليق عرفاً على أن المعلق على الشرط هو طبيعي‏الحكم أي بحدّه الجامعي‏لاشخص الحكم أي بحدّه الشخصي، فإذا قال المولى‏ يجب عليك إكرام زيد الجائي‏كان المتفاهم العرفي منه أن زيد المعنون بهذا العنوان موضوع لوجوب الإكرام،وعليه فيكون انتفاء وجوب الإكرام بانتفاء هذا العنوان من انتفائه بانتفاءموضوعه، وهو عقلي ليس من المفهوم في شي‏ء، وأما إذا قال المولى: »إن جاءك‏زيد، فأكرمه« كان المتفاهم العرفي منه أن موضوع وجوب الإكرام زيد، ومجيئه‏ليس قيداً للموضوع، بل هو شرط الحكم وسبب له، وهذا التغيير في اسلوب‏الكلام المشتمل على عناية زائدة، وهي جعل المولى‏ المجي‏ء في المثال شرطاً للحكم‏وعلة لاقيداً للموضوع قرينة عرفية ارتكازية على أن المعلق على الشرط هوطبيعي الحكم لاشخصه المجعول في القضية.
فالنتيجة في نهاية الشوط، هي أن القضية الشرطية إذا كانت موضوعة للدلالةعلى ترتب الجزاء على الشرط بنحو التعلق والإلتصاق كانت دلالتها على المفهوم‏بالوضع لا بالإطلاق ومقدمات الحكمة، وأما لوكانت موضوعة للدلالة على‏ترتب الجزاء على الشرط بنحو اللزوم العلي كما هو المشهور، فتكون دلالتها عليه‏بالإطلاق ومقدمات الحكمة لا بالوضع، ولكن تقدم أن المقدمات لاتتمّ ولايمكن‏إثبات الإطلاق للشرط في مقابل العطف بكلمة )أو( بها، وأما على مسلك السيدالاُستاذقدس سره، فهي تدل على المفهوم بالوضع، وقد تقدم أن الظاهر من هذه الأقوال‏هو القول الأول هذا كله في ملاك دلالة القضية الشرطية على المفهوم.
البحث عن عدة حالات:
لواحق مفهوم الشرط ...
الحالة الاُولى‏: إن شيخنا العلامة الأنصاري‏قدس سره قد فصل في دلالة القضيةالشرطية على المفهوم بين ما إذا كان الحكم في طرف الجزاء مدلولاً للهيئة كما إذاقال المولى‏: »إن جاءك عالم، فأكرمه«، وما إذا كان مدلولاً للمادة كوجب ويجب‏كما إذا قال المولى‏: »إن جاءك زيد، وجب إكرامه«، فعلى الأول، لاتدل القضيةالشرطية على المفهوم معللاً بأن مدلول الهيئة معنى حرفي، والمعنى الحرفي جزئي‏حقيقي، وهو شخص الوجوب المجعول في القضية الشرطية، ومن الواضح أن‏انتفائه بانتفاء الشرط عقلي، فلايرتبط بدلالة القضية على المفهوم، وعلى الثاني،وهو كون الحكم مفاد المادة تدل القضية على المفهوم لأن مفادها معنى اسمي، وهوكليّ، وحينئذٍ فيكون المعلق على الشرط الحكم الكلي وانتفائه بانتفاء الشرط من‏المفهوم، وعلى هذا فإذا قال المولى‏: »إن جاءك زيد، فأكرمه«، فلا مفهوم له،لأن وجوب الإكرام الذي هو مفاد الهيئة جزئي حقيقي وانتفائه بانتفاء الشرطعقلي وليس من المفهوم في شي‏ء، وأما إذا قال المولى‏: »إن جاءك زيد، وجب‏إكرامه«، فيكون له مفهوم لأن مفاد المادة حكم كلي، وهو معلق على الشرطوانتفائه بانتفاء الشرط من المفهوم(51)، هذا.
وقد أورد عليه المحقق النائيني‏قدس سره بأن المعلق على الشرط في القضية الشرطيةليس مفاد الهيئة بالمطابقة، لأنه معنى حرفي، والمعنى الحرفي ملحوظاً آلياً،والملحوظ الآلي غير قابل للتعليق والتقييد، كما أنه غير قابل للإطلاق لأنهما من‏شؤون‏المعنى الملحوظ استقلالاً، ولهذا لايتصف المعنى‏الحرفي بالإطلاق والتقييدبل هوالوجوب الذي هومعنى إسمي، ويكون نتيجة المعنى الحرفي، وهو النسبةالطلبيّة المولوية باعتبار أنها تستلزم الوجوب، فإذن المعلق على الشرط ليس‏نفس النسبة الطلبية التي هي مفاد الهيئة مباشرة بل الوجوب الذي هو مفهوم‏اسمي(52).
ولنا تعليق على ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره، وحاصله، إن هذا التصرّف في‏القضية الشرطية حيث إنه خلاف الظاهر فهو بحاجة إلى قرينة، لوضوح أنهاظاهرة في أن المعلق على الشرط هو نفس مفاد الهيئة، لأن القضية الشرطيةمركبة من جملتين هما جملة الجزاء وجملة الشرط، وهاتان الجملتان مستقلتان‏قبل دخول أداة الشرط، وأما إذا دخلت الأداة على جملة الشرط، فهي تدل على‏تعليق مفاد جملة الجزاء على مفاد جملة الشرط مباشرة، وحينئذٍ تصبح الجملتان‏جزئين من جملة واحدة، وهي الجملة الشرطية ومندكتان فيها، وأما إذا فرضناأن المعلق على الشرط ليس مفاد جملة الجزاء مباشرة بل مفهوم اسمي لازم‏لمفادها أو منتزع منه، فلازم ذلك هو أن جملة الجزاء جملة مستقلة لاترتبطبجملة الشرط بنفسها، وهذا خلف فرض أنها جزء الجملة الشرطية ومندكةفيها ومرتبطة بها، هذا إضافة إلى أن ما ذكره‏قدس سره من أن المعنى الحرفي حيث إنه‏معنى آلي، فلايعقل اتصافه بالتقييد والإطلاق لأنهما من شؤون المعنى الإستقلالي‏فلايتمّ، أما أولاً فلأن المعنى الحرفي بذاته غير مستقل، وإنه مندك في المعنى‏الإسمي ذاتاً، ولا وجود له إلاّ بوجوده لا باللحاظ فحسب، وذلك لما ذكرناه في‏مبحث الحروف من أنه ليس للمعنى الحرفي تقرّر ماهوي ذاتي في المرتبة السابقةعلى وجوده في الذهن أو الخارج بل هو وجود تعلقي متقوّم بشخص وجودطرفيه في الذهن أو الخارج ولا وجود له إلاّ بوجودهما، ومن هنا تكون نسبتهماإليه كنسبة الجنس والفصل إلى النوع، ولذلك لا وجود للمعنى الحرفي إلا بوجودشخص طرفيه في الذهن أو الخارج ولايتصور جامع ذاتي بين أنحاء النسب،ولهذا إذا الغيت خصوصيات أطرافها في الذهن أو الخارج الغيت النسبة فيه‏أيضاً، لأن إلغائها إنما هو بإلغائها لا بنفسها على أساس أن تلك الخصوصيات‏هي مقوماته الذاتية، ومن هنا تكون النسب بانحائها متباينات بالذات، وهذابخلاف المعنى الإسمي، فإن له تقرراً ماهوياً ذاتياً في المرتبة السابقة على وجوده،وتلك الماهية هي المقومة الذاتية لأفرادها، فإذا الغيت خصوصياتها فهي محفوظةمثلاً أفراد الإنسان، فإنها مشتركة في المقومات الذاتية، فإذا الغيت خصوصياتهاالفردية ، فالمقومات الذاتية محفوظة بينها وهي الحيوانية والناطقية، ومن ذلك‏يظهر أن الفرق بين المعنى الحرفي والمعنى الإسمي ليس باللحاظ الآلي‏والإستقلالي، بل بالذات والحقيقة وتمام الكلام في ذلك في مبحث الحروف،وعلى هذا الأساس فحيث إن المعنى الحرفي لاوجود له إلاّ بوجود شخص طرفيه‏في الذهن أو الخارج، فلهذا يكون تقييده واطلاقه إنما هو بتقييد واطلاق طرفيه،لأنهما من المعاني الإسمية القابلة للاطلاق والتقييد، فإذن لامانع من أن يكون‏المعلق على الشرط مفاد الهيئة، فإن تعليقه عليه إنما هو بتعليق طرفيه خاصةباعتبار أنه لا وجود له إلاّ بوجودهما ولايمكن تعليقه إلاّ بتعليقهما.
ومع الإغماض عن جميع ذلك، وتسليم أن المعلق على الشرط ليس مفاد الهيئة،وهو النسبة الطلبية مباشرة بل المفهوم الإسمي الذي هو لازم مفادها، وهوالوجوب إلاّ أن فيه إشكالاً آخر، وهو أن الوجوب الذي هو لازم مفاد الهيئةجزئي وليس بكلي لأن الوجود مساوق للشخص، وعليه فالمعلق على الشرطوإن كان مفهوماً اسمياً إلاّ أنه جزئي حقيقي، فإذا كان كذلك فانتفاؤه بانتفاء الشرطيكون قهرياً ، وليس من المفهوم في شي‏ء ولكن في هذا الإشكال تأملاً، ويظهروجهه مما تقدم.
ومن ذلك يظهر حال ما ذكره شيخنا الأنصارى‏قدس سره من التفصيل بين ما إذا كان‏الوجوب مفاد الهيئة، وما إذا كان مفاد المادة، فعلى الأول لاتدل القضية الشرطيةعلى المفهوم، على أساس أن مفاد الهيئة جزئي حقيقي وانتفاؤه بانتفاء الشرطعقلي. وعلى الثاني، تدل عليه، وجه الظهور ما عرفت من أن المعنى الحرفي في‏نفسه لا وجود له، فإن وجوده بوجود شخص طرفيه وتقييده بتقييده.
وأجاب السيد الاُستاذقدس سره عن تفصيل الشيخ‏قدس سره بأنه مبنى على مسلك المشهورفي باب الإنشاء، على أساس أنهم قد فسّروا الإنشاء بإيجاد المعنى باللفظوالوجود مساوق للشخص، فإذن لا محالة تكون مفاد الهيئة جزئي حقيقي، فإذاكان كذلك فلاتدل القضية الشرطية على المفهوم، وأما بناءً على ما اخترناه من أن‏الإنشاء عبارة عن إبراز الأمر الإعتباري في الخارج بمبرز ما فلا مجال لهذاالتفصيل، لأن حقيقة الحكم المنشأ هي اعتبار شي‏ء على ذمة المكلف، وهو معلّق‏على الشرط بلا فرق في ذلك بين أن يكون ابرازه بالمادة أو بالصيغة، فإذن لافرق‏بين قولنا: »إن جاءك زيد، فأكرمه«، وقولنا: »إن جاءك عالم، وجب إكرامه«،فإن كلمة )وجب( وصيغة )اكرم( كلتاهما مبرزة لاعتبار شي‏ء على ذمة المكلف،ولهذا لاقيمة لهما غير كونهما مبرزة بدون أي دخل لهما في الحكم المعلّق المبرز بهمإ؛غ‏ع‏خ‏خ‏خارجاً(53).
وغير خفي أن ما أفاده‏قدس سره تام على ضوء مسلكه في باب الإنشاء، ولكن‏الصحيح في المقام أن يقال إنه لا مجال لما ذكره شيخنا الأنصاري‏قدس سره من التفصيل في‏المقام على ضوء مسلك السيد الاُستاذقدس سره، وكذلك لا مجال له على ضوء مسلك‏المشهور في باب الإنشاء أيضاً، توضيح ذلك يتطلب التكلم في مسألتين:
المسألة الاُولى‏: في المراد من الحكم المعلق على الشرط في القضية الشرطيةهل هو طبيعي الحكم أو شخصه؟
المسألة الثانية: إن ما ذكر من أن المعنى الإسمي كلي، والمعنى الحرفي جزئي‏حقيقي، هل يصلح أن يكون مبرراً لهذا التفصيل أو لا؟
أما الكلام في المسألة الاُولى‏، فقد يقال كما قيل إن الحكم المجعول في القضيةالشرطية المدلول عليه بخطابها شخص الحكم وفرده الخاص، ولايعقل أن يكون‏الحكم المجعول كلياً باعتبار أن الوجود مساوق للتشخص في موطنه سواءً أكان في‏موطن الخارج أم الذهن أم الإعتبار، فإذن لايمكن أن يكون الحكم المعلق على‏الشرط في القضية الشرطية طبيعي الحكم بل هو فرده الشخصي بلا فرق في ذلك‏بين أن يكون الحكم المعلق مفاد الهيئة أو المادة؟
والجواب: إن الأمر وإن كان كذلك لأن الحكم المجعول في القضية الشرطيةالمعلق على الشرط هو شخص الحكم دون الطبيعي إلا أن تعليقه على الشرطالذي هو من إحدى حالات الموضوع تعليقاً مولوياً مع أنه غير معلق عليه ذاتاً،يدل بالإرتكاز العرفي على أن تعليقه عليه لا بما هو فرد الحكم وشخصه، بل بما هوطبيعي الحكم، لأن النظر إلى الفرد تارة يكون بملاك فرديّته، واُخرى‏ يكون بملاك‏وجود الجامع فيه، مثلاً تارة ينظر إلى زيد بما هو فرد الإنسان بحدّه الفردي،واُخرى‏ ينظر إليه بما هو إنسان، ويترتب عليه أحكامه والحكم أيضاً كذلك، لأن‏الحكم المجعول في القضية وإن كان شخصياً، إلاّ أنه تارة يكون منظوراً بما هو فردالحكم، واُخرى‏ يكون منظوراً بما هو طبيعي الحكم، وفي المقام عناية التعليق من‏المولى‏ تدلى على أن المعلق على الشرط طبيعي الحكم، ولا خصوصية للفرد بما هوفرده، وإن شئت قلت إن عناية التعليق قرينة عرفية على أن الملحوظ في المعلق‏على الشرط جهة طبيعي الحكم لا جهة فرديته، فإذا قال المولى‏: »إن جاءك عالم،فأكرمه« كان المتفاهم العرفي منه انتفاء طبيعي وجوب الإكرام بانتفاء الشرط،وهو مجي‏ء العالم كما أن وجوب إكرامه المجعول في القضية ينتفي بانتفاء الشرطكذلك وجوب إكرامه في حالة عدم المجي‏ء وجلوسه في بلده أو سفره إلى بلد ثالث،هذا معنى انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط، ولا فرق في ذلك بين أن يكون‏الوجوب المعلق على الشرط في القضية الشرطية مدلولاً للمادة، كقولنا: »إن‏جاءك زيد، وجب إكرامه« أو مدلولاً للهيئة، كقولنا: »إن جاءك عالم،فاحترمه«، فإن المجعول في القضية على كلا التقديرين شخص الوجوب وفرده‏الخاص، على أساس أن الإنشاء مساوق للتشخص، وعلى هذا فلا مجال لما ذكره‏شيخنا الأنصاري‏قدس سره من التفصيل بينهما، لأن الحكم المنشأ في طرف الجزاء سواءًأكان منشأً بالمادة أم بالهيئة جزئي حقيقي، ولايعقل أن يكون كلياً، وهذا لاينافي‏أن يكون معنى المادة كلياً، لأنه كلي بلحاظ تقرّره في لوح الواقع والمرتبة السابقةعلى عالم الوجود، وأما إذا وجد معناها ومدلولها بالإنشاء، فيكون المنشأ فرده‏لأن الوجود مساوق للتشخّص سواءً أكان وجوداً خارجياً أم إنشائياً، وعليه‏فالتفصيل المذكور مبني على الخلط بين معنى المادة وبين فرده المنشأ بها، وما هوكليّ هو معناها، وهو غير معلق على الشرط، وما هو معلق عليه وهو فرده المنشأبها جزئي.
ودعوى‏، إن الوجوب إذا كان مفاد المادة، فالمادة تدل على أن الطبيعي‏الموجود في ضمن فرده معلق على الشرط دون الفرد بحدّه الفردي، وهذه الدلالةغير موجودة فيما إذا كان الوجوب مدلول الهيئة.
مدفوعة، بأن هذه الدلالة بحاجة إلى قرينة، لأن المادة تدل على أن طبيعي‏الوجوب موجود في ضمن الفرد المنشأ بها في القضية، ولاتدل على أن المعلق على‏الشرط هو طبيعي الوجوب بحدّه الطبيعي دون الفرد بحدّه الفردي، أو فقل أن‏المجعول في القضية الفرد وتعليقه على الشرط تارة يكون بما هو حكم، واُخرى‏ بماهو فرده، فعلى الأول، يكون المعلق عليه طبيعي الحكم بلاخصوصيّة للفردوعلى الثاني فرده بحده الفردي، ولكن المادة لاتدل على الأول دون الثاني.
نعم، هنا نكتة اُخرى‏ تدل على الأول وهي مولوية التعليق، فإنها تتطلب كون‏الحكم المعلق على الشرط في القضية طبيعي الحكم دون فرده، بلا فرق في ذلك بين‏كون الحكم مدلولاً للمادة أو الهيئة باعتبار أن فيه عناية زائدة من المولى‏، ومن‏الواضح أن انتفاء شخص الحكم بانتفاء الشرط لايتطلب هذه العناية الزائدة لأنه‏عقلي، وما يتطلب هذه العناية الزائدة هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه على أساس‏أنها تقتضي كون المعلق عليه الطبيعي دون الفرد كما تقدّم.
إلى هنا قد تبيّن أن الحكم المجعول في القضية الشرطية شخصي على كلّ تقديرأي بلافرق بين كونه مدلولاً للهيئة أو للمادة، كما أنه لافرق بينهما في اقتضاء مولويةالتعليق على كون المعلق على الشرط طبيعي الحكم لاشخصه، فما ذكره شيخناالأنصاري‏قدس سره من التفصيل بين كون الحكم المعلّق على الشرط مدلولاً للمادة،وكونه مدلولاً للهيئة فعلى الأول، يكون المعلق عليه طبيعي الحكم دون فرده،وعلى الثاني، الفرد. لايمكن المساعدة عليه لما عرفت من أن المادة لاتدل على‏ذلك، والحكم المنشأ في القضية الشرطية على كلا التقديرين جزئي أي سواءً أكان‏مدلولاً للمادة أو للهيئة، ولهذا لامجال لما ذكره‏قدس سره من التفصيل في المسألة، ونتيجةما ذكرناه هنا اُمور:
الأول: إنه لافرق في دلالة القضية الشرطية على المفهوم بين نظرية المشهور في‏باب الإنشاء ونظرية السيد الاُستاذقدس سره في هذا الباب، فإنها تدل على المفهوم على‏ضوء كلتا النظريتين.
الثاني: قد ظهر مما ذكرناه معنى انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط بلا فرق في‏ذلك بين كون الحكم مدلولاً للمادة أو للهيئة.
الثالث: إن كون المعلق على الشرط طبيعي الحكم مع أن المجعول في القضيةفرده وشخصه بحاجة إلى قرينة، والقرينة على ذلك هي مولوية التعليق، ولولاهالم يكن بوسعنا إثبات دلالة القضية الشرطية على المفهوم.
وأما الكلام في المسألة الثانية، فقد ظهر مما تقدم أن كلية المعنى الإسمي إنماهي بملاك أن له تقرراً ماهوياً ذاتياً في المرتبة السابقة على وجوده في الذهن أوالخارج، وهذا المعنى المتقرر ذاتاً وماهوياً في المرتبة السابقة كلي ينطبق على‏أفراده ومصاديقه في الخارج انطباق الطبيعي على أفراده، والمعنى الحرفي ليس له‏تقرر ماهوي ذاتي في المرتبة السابقة بحيث قد يوجد في عالم الذهن، وقد يوجد في‏عالم الخارج بل هو وجود تعلقي متقوم بشخص وجود طرفيه في الذهن أوالخارج، فلهذا يكون جزئياً حقيقياً، على أساس أن الوجود مساوق للتشخّص‏ذهنياً كان أم خارجياً، ومن هنا لايعقل الجامع الذاتي بين أنحاء النسب، ولكن‏هذا الفرق بينهما لايبرر الإلتزام بهذا التفصيل، لأن مدلول المادة وإن كان كلياًومدلول الهيئة وإن كان جزئياً، إلاّ أن كليته إنما هي في المرتبة السابقة على‏وجوده، والمفروض أنه في تلك المرتبة غير معلق على الشرط، والمعلّق عليه إنماهو وجوده الإنشائي وهو فرد له، فإذن ما هو مدلول المادة غير معلق على‏الشرط، وما هو معلق عليه ليس بمدلول لها بل هو فرده، فلهذا لايرجع هذاالتفصيل إلى معنى محصل.
الحالة الثانية: إن الحكم في طرف الجزاء تارة يكون متعلقاً بصرف وجودالطبيعة، ولايسري منه إلى أفرادها، مثل قولك: »إذا دخل الوقت، فصلّ« و»إن‏جاءك زيد، فأكرمه« و»إذا رأيت هلال رمضان، فصم« و»إن استطعت، فحجّ«وهكذا، فإن مفهوم هذه القضايا الشرطية انتفاء الحكم عن صرف وجود الطبيعةعند انتفاء الشرط، واُخرى‏ يكون متعلقاً بمطلق وجود الطبيعة، ويسري منه إلى‏أفرادها في الخارج فيكون كل فرد منها محكوماً بحكم مستقل مثل قوله‏عليه السلام: »إذابلغ الماء قدر كر لاينجّسه شي‏ء«(54). فإن الشي‏ء نكرة، وحيث إنه وقع في سياق‏النفي، فيدل على العموم، فإذن بطبيعة الحال ينحل الحكم بانحلال أفراده، وهذا ممالا كلام فيه، وإنما الكلام في أن مفهوم هذه القضية هل هو موجبة كلية أو جزئية،فيه وجوه:
فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى التفصيل بين ما يكون المعلق على الشرط العام‏المجموعي، وما يكون المعلق عليه العام الاستغراقي، فعلى الأول مفهومه الإيجاب‏الجزئي، وعلى الثاني الإيجاب الكلي، وقد أفاد في وجه ذلك أن المعلق على الشرطإن كان العام المجموعي كان ظاهراً في انتفاء عموم الحكم بانتفاء الشرط، وحيث‏إن انتفاء العموم لاينافي ثبوته للبعض، فيكون المفهوم موجبة جزئية، وإن كان‏المعلق على الشرط العام الإستغراقي كان ظاهراً في انتفاء آحاد الأفراد بنحوالإستغراق بانتفاء الشرط، وهو مساوق لعموم النفي، فيكون المفهوم حينئذٍالسلب الكلي، وعلى الجملة فإن كان المعلق على الشرط نفي العموم كان مفهومه‏الإيجاب الكلي بنحو العموم المجموعي، لأن نفي نفي العموم المجموعي مساوق له،وإن كان المعلق عليه نفي العموم الإستغراقي كان مفهومه نفي نفي العموم‏الإستغراقي، وهو مساوق للإيجاب الكلي بنحو العموم الإستغراقي، وإن كان المعلق‏على الشرط العموم المجموعي كان مفهومه مساوق للإيجاب الجزئي، لأن نفي‏المجموع لاينافي صدق البعض، وإن كان المعلق عليه العموم الإستغراقي كان‏مفهومه السلب الكلي، هذا كله فيما إذا كان المعلق على الشرط العام الإستغراقي أوالعام المجموعي، وأما إذا كان المعلق على الشرط صفة العموم فيكون مفهومه انتفاءتلك الصفة بانتفاء الشرط لا السلب الكلي، فإذا قال المولى‏: »إن جاءك عالم،فأكرم كل العلماء«، ففي مثل ذلك، إن المعلق على الشرط العام الإستغراقي أي‏آحاد الأفراد كان مفهومه السلب الكلي، وإن كان المعلق عليه صفة العام كان‏مفهومه نفي هذه الصفة، ومعناه انتفاء وجوب إكرام جميع العلماء عند انتفاءالشرط، وهو لاينافي وجوب إكرام البعض، هذا بحسب مقام الثبوت، وأما في‏مقام الإثبات، فإن كان العموم معنى إسمياً ومدلولاً وضعياً للفظ كلفظة )كل( أو ماشاكله، يمكن أن يكون المعلق على الشرط نفس صفة العموم، كما يمكن أن يكون‏المعلّق عليه آحاد أفراده، وكلا هذين الأمرين محتمل في المقام كما أنه كان محتملاًفي مقام الثبوت، وذلك لأن عموم الجزاء إذا كان وضعياً كالمثال المذكور،فلايكون ظاهراً في أن المعلق على الشرط صفة العموم، كما أنه لايكون ظاهراً في‏أن المعلق عليه واقع العموم المتمثل في أفراده، فإذا ورد من المولى‏: »إن جاءك‏زيدٌ، فأكرم كل الفقراء« كان كلا الأمرين محتملاً، فلايكون ظاهراً في أحدهمإ؛فغخ‏خ‏خاصة، فإرادة كل منهما بحاجة إلى قرينة، وأما إذا كان العموم معنى حرفياً كما إذاكان مدلولاً لهيئة الجمع المعرّف باللام أو نحوها أو مستفاداً من وقوع النكرة في‏سياق النفي من دون كونه مدلولاً للفظ، فلا محالة يكون المعلق على الشرط حينئذٍهو الحكم العام لا صفة العموم، وأما على الأول فالعموم حيث إنه معنى حرفي فهومرآة لآحاد الحكم بنحو الإستغراق والإستيعاب، وحينئذٍ فالمعلق على الشرط لامحالة يكون آحاد الحكم التي هي معنى اسمي، وأما على الثاني، فلايدل الجزاء على‏العموم حتى يكون هو المعلق ومورد الرواية من قبيل الثاني، فإن الشي‏ء نكرةواقعة في سياق النفي والعموم المستفاد من هذا السياق المعلق على الشرط هوالعموم الإستغراقي، وهو الحكم العام وتدل الرواية على عموم النفي، وهو عدم‏تنجس الماء البالغ حد الكرّ بشي‏ء من أفراد النجس، وعلى هذا فمنطوق الرواية أن‏الماء إذا بلغ حدّ الكرّ لاينجّسه شي‏ء من أفراد النجس بنحو السلب الكلي‏ومفهومها أنه إذا لم يبلغ حد الكرّ ينجسه كل فرد من أفراده بنحو الإيجاب الكلي،وعليه فلا معنى للقول بأن مفهومها موجبة جزئية هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره، وحاصل ما أورده أنه لافرق بين العام‏المجموعي والعام الإستغراقي من هذه الناحية، وذلك لأن العام المعلق على الشرطفي القضية الشرطية هو مصب النفي، فإذا كان المعلق عليه العام، فهو المنفي في‏جانب المفهوم بلا فرق بين أن يكون العام المعلق مجموعياً أو استغراقياً، وعلى كلاالتقديرين لا فرق بين أن يكون العام مدلولاً اسمياً أو حرفياً أو سياقياً، وكان‏بالوضع أو بالإطلاق ومقدمات الحكمة، ومن الواضح أن نفي العموم وإن كان‏استغراقياً، ظاهر في نفي استغراق الحكم لكل فرد من أفراده، وهذا لاينافي ثبوته‏لبعض أفراده، ومعنى هذا أن المفهوم حينئذٍ مساوق للايجاب الجزئي على أساس‏أن نفي العموم والمطلق لاينافي ثبوت المقيّد(55).
ولنا تعليق على نظرية المحقق النائيني‏قدس سره في المقام، وتعليق على نظرية السيدالاُستاذقدس سره، وقبل البدء بالتعليق على هاتين النظريتين ينبغي لنا بيان ضابط كلي‏لاقتناص المفهوم من اللفظ عرفاً، وهو مرتبط سعةً وضيقاً بسعة البيان وضيقه،فإذا ورد من المولى‏ يجب إكرام العالم عند الإستطاعة، فالعالم موضوع والوجوب‏حكم والإكرام متعلق والإستطاعة شرط، فإذا كان المكلف قادراً على الإكرام‏واستطاع، كان وجوب الإكرام عليه فعلياً يعني فاعليته، وحينئذٍ فإذا شك في أن‏وجوبه مشروط بشرط آخر أيضاً كالوقت مثلاً، حكم بعد اشتراطه به لأنه‏بحاجة إلى بيان زائد، ولايكون كلام المولى‏ متكفلاً له ووافياً ببيانه والدليل الآخرغير موجود، وكذلك إذا شك في أن موضوعه هل هو طبيعي العالم أو حصةخاصة منه، وهي العالم العادل، حكم بأن موضوعه طبيعي العالم لأن التقييدبحاجة إلى بيان زائد، والمفروض عدمه.
ومن هنا إذا حكم المولى‏ بشي‏ء ودار أمره بين أن يكون موضوعاً بطبيعته‏المطلقة أو بحصته الخاصّة، تعين بمقدمات الحكمة كونه موضوعاً بطبيعته المطلقة لابحصته الخاصة، لأن الإطلاق أخف مؤنة من التقييد، والتقييد بحاجة إلى مؤنةزائدة، وعلى ضوء هذا الأساس فإذا أمكن وقوع شي‏ء بنفسه موضوعاً أي‏بماهيته المهملة بدون أن يتخصص بخصوصية الإطلاق أو التقييد تعيّن ذلك، إذ كل‏من الإطلاق والتقييد بحاجة إلى مؤنة زائدة، لأن الإطلاق بحاجة إلى إجراءمقدمات الحكمة والتقييد بحاجة إلى بيان زائد، وكلام المولى‏ في نفسه لايتكفل‏مؤنة الإطلاق ولا مؤنة التقييد، لأنه إنما يتكفل مؤنة الإطلاق بسبب مقدمات‏الحكمة لابنفسه وبمدلوله اللفظي الوضعي ومؤنة التقييد بسبب بيان زائد، وعلى‏هذا فإذا علق الجزاء على الشرط في القضية الشرطية ودار أمره بين أن يكون‏المعلق على الشرط طبيعي الجزاء المهمل الجامع بين المطلق والمقيد الذي هو معنى‏اللفظ بالوضع أو المطلق أو المقيد تعيّن الأول، لأن الثاني والثالث بحاجة إلى مؤنةزائدة، أما الثاني فهو يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة، وأما الثالث فهو يتوقف‏على مؤنة التقييد والجزاء بنفسه، وبمقتضى‏ وضعه لايدل إلاّ على معناه الموضوع له‏وهو الطبيعة المهملة، وعلى ذلك فبطبيعة الحال يكون التعليق وارداً على طبيعي‏الجزاء المهمل الذي هو معناه الموضوع له مباشرة، ولايدل الجزاء على المطلق إلاّبمؤنة مقدمات الحكمة، ولا على التقييد إلاّ بسبب قرينة خارجية، وإلاّ فهو بنفسه‏لايدل إلاّ على معناه الموضوع له وما يكون زائداً عليه، فهو بحاجة إلى مؤنةودليل، وعلى هذا فمقتضى القاعدة بحسب استظهار العرفي وارتكازهم من القضيةالشرطية هو تعليق الجزاء بمدلوله الوضعي أو العرفي على الشرط مباشرة، مثلاًالشي‏ء في قوله‏عليه السلام في الرواية المتقدّمة: »لاينجسه شي‏ء« يدل بنفسه على معناه‏الموضوع له، وهو الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد، ولا يدل بالدلالةاللفظية الوضعية على أكثر من ذلك، وعلى هذا فالمعلق على الشرط في الرواية إنماهو نفي تنجيس الماء الكر بملاقاة شي‏ء بنحو الطبيعة المهملة باعتبار أنها معنى‏الشي‏ء وضعاً، فإذن يرد التعليق على الطبيعة المهملة الجامعة بين المطلق والمقيّد،وأما الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة فهو في مرتبة متأخرة عن التعليق.
وعلى الجملة فكل كلام صادر من المتكلم العرفي ظاهر في مدلوله الوضعي أوالعرفي، وأما إرادة الإطلاق الحكمي أو التقييد، فهي بحاجة إلى قرينة اُخرى‏،وعلى هذا فإذا علّق الجزاء على الشرط، فهو ظاهر في أن المعلق عليه ذات الجزاءأي الجزاء بمدلوله الوضعي أو العرفي مباشرة باعتبار أنه ظاهر فيه لا بمدلوله‏الإطلاقي، فإن ظهوره فيه بحاجة إلى تمامية مقدمات الحكمة، وهي في مرتبةمتأخرة عن التعليق، وعلى ذلك فيدل التعليق على انتفاء الجامع بين المطلق والمقيّدبانتفاء الشرط، وهو مساوق للقضية الكلية، وحيث إن التعليق في الرواية واردعلى الطبيعي المهمل الجامع بين المطلق والمقيّد، فيكون مفهومها كلي، لأن الروايةتدل بالمفهوم على أن التنجيس بكلا قسميه المطلق والمقيّد منتف بانتفاء الكرّية،وهذا معنى أن مفهومها على هذا موجبة كليّة، وأما إذا كان التعليق وارداً على العام‏كما إذا كان العام مدلولاً لفظياً أو عرفياً أو بمقدمات الحكمة، فالمفهوم حينئذٍجزئي، وعلى هذا فلوكان المعلق على الشرط في الرواية الشي‏ء المطلق والعام،كان المفهوم الذي هو نقيض المعلّق مساوقاً للإيجاب الجزئي، هذا نظير قولنا: »إذاجاء عالم، فاستمع إلى كل أحاديثه«، وحيث إن التعليق فيه وارد على العام‏المطلق، فيدل بالمنطوق على وجوب استماع كل أحاديثه إذا جاء، وبالمفهوم على‏انتفاء وجوب استماع كل أحاديثه عند انتفاء المجي‏ء، وهذا لاينافي وجوب‏الإستماع إلى حديث خاص منه، فلهذا يكون مفهومه جزئياً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن شمول شي‏ء في الرواية للنجس والمتنجّس معاً بحاجةإلى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، وأما شموله لعين النجس فحسب، فإنما هوبالظهور العرفي، ولايتوقف على إجراء المقدمات، وعليه فقوله‏عليه السلام: »لاينجسه‏شي‏ء« متجه إلى نفي تنجيس الماء البالغ حدّ الكر بملاقاة عين النجس، والقدرالمتيقن من الشي‏ء هو عين النجس في الجملة، وأما شموله لتمام الاعيان النجسة هل‏هو بالظهور العرفي الإرتكازي بمناسبة الحكم والموضوع أو بالاطلاق ومقدمات‏الحكمة، الظاهر هو الأول دون الثاني، وعليه فمفهوم الرواية موجبة جزئية، وأماشموله للأعيان المتنجسة، فإنما هو بالاطلاق ومقدمات الحكمة كما سوف يأتي‏تفصيله.
ودعوى‏، إن المعلق على الشرط هو المطلق حتى فيما إذا كان اطلاقه ثابتاًبمقدمات الحكمة، وذلك لأن الجزاء بمدلوله التصديقي النهائي معلق على الشرط لابمدلوله الوضعي التصوريّ، فإذا كان المدلول الوضعي للجزاء الطبيعة المهملة، فإنه‏إنما يكون معلقاً على الشرط بعد إثبات اطلاقه بمقدمات الحكمة، فإذا قال المولى‏:»إن جاء عالم، فاستمع إلى حديثه«، فإن وجوب الاستماع إنما يكون معلقاً على‏مجيئه بعد إجراء مقدمات الحكمة فيه، وإثبات اطلاقه في المرتبة السابقة على‏تعليقه.
مدفوعة، بأن الظاهر من تعليق الجزاء على الشرط أنه معلق عليه بمدلوله‏الوضعي أو العرفي مباشرة دون مدلوله الإطلاقي الثابت بمقدمات الحكمة، لأنه‏متأخر رتبة عن مدلوله الوضعي أو العرفي وإثباته يتوقف على إجراء المقدمات في‏المرتبة المتأخرة، وكون الجزاء بمدلوله الإطلاقي معلقاً على الشرط في القضيةالشرطية بحاجة إلى قرينة، وحيث إنه لاقرينة على ذلك، فلايمكن رفع اليد عن‏ظهور القضية في أن الجزاء بمدلوله الوضعي أو العرفي معلق على الشرط مباشرةواطلاقه بمقدمات الحكمة وارد على التعليق ومتأخر عنه، لا أن التعليق واردعليه، وإن شئت قلت إنه لا شبهة في أن القضية الشرطية ظاهرة في تعليق الجزاءعلى الشرط بظهورها التصوري بمعنى أن الذهن ينتقل إليه بمجرد سماع القضية،وإن كان سماعها من لافظ بغير شعور واختيار، ومن الواضح أن الجزاء في هذه‏المرحلة معلق على الشرط بمدلوله الوضعي التصوري أما مدلوله التصديقي،فحيث إنه يكون في المرحلة المتأخرة رتبة عن هذه المرحلة، فلايمكن أن يكون‏متعلقاً على الشرط مباشرة ومن البداية، ضرورة أنه لا وجود له في مرحلةالتعليق وهي مرحلة التصور، فإذن لامحالة يكون وارداً عليه، ولا مناص حينئذٍمن الأخذ بظاهر القضية الشرطية، وهو تعلق الجزاء بما له من المعنى الوضعي أوالعرفي الظاهر فيه بنفسه على الشرط مباشرة، والإطلاق الحكمي إنما يرد عليه بعدالتعليق وفي المرتبة المتأخرة وهي مرتبة التصديق، وتظهر الثمرة بينهما في تحديدالمفهوم مباشرة، فإن الإطلاق إذا كان وارداً عليه بعد التعليق، فالمفهوم موجبةكلية، وإذا كان التعليق وارداً على الإطلاق، فالمفهوم موجبة جزئية، إلى هنا قدتبيّن الضابط الكلي لمفهوم القضية الشرطية سعةً وضيقاً، فيما إذا كان الجزاء مطلقاًوعاماً، فإنه إن كان عمومه وضعياً أو عرفياً، فالتعليق في القضية وارد عليه،وحينئذٍ فيكون مفهومه قضية مهملة، وإن كان عمومه ثابتاً بالإطلاق، ومقدمات‏الحكمة فالعموم وارد على التعليق، وحينئذٍ يكون مفهومه قضية كليّة.
هذا على أساس نكتة أن المفهوم نقيض ماهو المعلق على الشرط، فإن كان‏المعلق عليه الطبيعي فمفهومه انتفاء الطبيعي بانتفاء الشرط، وهو مساوق للقضيةالكلية، وإن كان المعلق عليه المطلق والعام، فمفهومه نفي المطلق والعام، وهومساوق للقضية المهملة، وهذا هو الضابط العام لاقتناص المفهوم في القضيةالشرطية إذا كان الحكم في طرف الجزاء عاماً، وبذلك يظهر حال ما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره والسيد الاُستاذقدس سره في المسألة.
أما الأول، فلأن ما ذكره‏قدس سره من أن المعلق على الشرط إن كان العام المجموعي‏كان نفيه مساوقاً للإيجاب الجزئي، وإن كان العام الإستغراقي كان نفيه مساوقاًللإيجاب الكلي(56) لايتم، لما عرفت من أن المعلق على الشرط إن كان العام‏والمطلق سواءً أكان مجموعياً أم استغراقياً، كان نفيه مساوقاً للقضية المهملة بلافرق من هذه الناحية بينهما، لوضوح إن انتفاء وجوب إكرام كل الفقراء بنحوالإستغراق لاينافي وجوب إكرام البعض، وإن شئت قلت إن ما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره من التفصيل بين العامين مبني على الخلط بين نفي المطلق والعام، وبين‏مطلق النفي، فإذا كان المعلق على الشرط المطلق والعام في القضية الشرطية،فحيث إن مفهومها نقيض المعلق الذي هو عبارة عن المطلق والعام، فيكون المنفي‏هو المطلق لأنه مصب النفي، ومعنى نفيه نفي اطلاقه واستغراقه، وهو سريانه إلى‏جميع أفراده ومصاديقه وانطباقه عليها جميعاً، ومن الواضح أن نفي انطباقه عليهاجميعاً لايستلزم نفي انطباقه على البعض، وهذا معنى ما ذكرناه من أن المعلق على‏الشرط في القضية الشرطية إن كان المطلق والعام، كان مفهومها الذي هو نقيض‏المعلق نفي المطلق والعام، ومن الطبيعي أن نفي المطلق والعام لايستلزم النفي عن‏البعض باعتبار أنه ليس نفي المطلق والعام، ومعنى نفي المطلق والعام هو نفي صدقه‏على جيمع أفراده ومصاديقه، وهذا لاينافي صدقه على البعض فما ذكره المحقق‏النائيني‏قدس سره من أن المعلق على الشرط في القضية الشرطية إذا كان المطلق والعام،فمفهومها سالبة كلية مبني على تخيل أن مفهومها حينئذٍ مطلق النفي لانفي المطلق مع‏أن الأمر ليس كذلك لأن المفهوم نقيض المعلق، ونقيضه في مفروض المسألة نفي‏المطلق والعام لا مطلق النفي كما هو واضح، كما أن المعلق على الشرط إذا كان‏الطبيعي الجامع بين المطلق والمقيّد، فالمفهوم نفي الجامع بينهما، وهو مساوق للقضيةالكلية، وإذا كان الفرد، فالمفهوم نفي الفرد وهكذا، وأما الثاني، وهو ما ذكره‏السيد الاُستاذقدس سره(57)، فلأن ما ذكره وإن كان تاماً كبروياً، وهي أن المعلق على‏الشرط إن كان المطلق والعام، فالمفهوم حيث إنه نقيض المعلق وهوالمطلق فنفيه،لايستلزم نفي المقيّد، بلافرق في ذلك بين أن يكون العام مجموعياً أو استغراقياً.
وعلى الثاني، لافرق بين أن يكون مدلولاً اسمياً أو حرفياً، فإن المعيار إنما هوبكونه مدلولاً للكلام وضعاً أو عرفاً أو اطلاقاً، إلاّ أنه لايتم صغروياً، لأن المطلق‏والعام إن كان عمومه واطلاقه ثابتاً بمقدمات الحكمة، فهو وارد على التعليق، وأماالتعليق، فهو وارد على الطبيعة المهملة، ويكون المفهوم حينئذٍ نفي الطبيعة، وهومساوق للسالبة الكلية، نعم ما ذكره‏قدس سره تام صغروياً أيضاً إذا كان العام والمطلق‏ثابتاً بالوضع أو الظهور العرفي، فعندئذٍ يكون التعليق وارداً على المطلق والعام،وعليه فالمفهوم الذي هو نقيض المعلق نفي المطلق والعام، وهو مساوق للإيجاب‏الجزئي.
ولتوضيح ذلك نأخذ بمثالين:
الأول: ما إذا قال المولى‏: »إن جاء عالم في بلدك، فاكرم كل فقراء البلد«، ففي‏مثل ذلك حيث إن المعلق على الشرط مباشرة هو العام، فيكون المفهوم نفي‏وجوب إكرام كل فقراء البلد باعتبار أن المفهوم نقيض المنطوق، ومن المعلوم أن‏نفي وجوب إكرام الكل لاينافي وجوب إكرام البعض، وهذا معنى أن المفهوم حينئذٍمساوق للإيجاب الجزئي، ومثل ذلك ما إذا قال المولى‏: »إن جاءك زيد، فأكرم‏العلماء« بناء على أن هيئة الجمع المعرّف باللام موضوعة للدلالة على العموم، فإن‏المعلق على الشرط حينئذٍ هو العام والمطلق مباشرة، وعليه فالمفهوم الذي هونقيض المعلق يكون نفي المطلق والعام، وهو مساوق للإيجاب الجزئي، وأما إذا لم‏تكن الهيئة موضوعة للدلالة على العموم، وإنما تكون دلالتها عليه بالإطلاق‏ومقدمات الحكمة، فعندئذٍ يكون المعلق على الشرط هو طبيعي العلماء والإطلاق‏وارد عليه، باعتبار أنه متأخر عن المدلول الوضعي للعلماء، وعلى هذا فالمفهوم‏الذي هو نقيض المنطوق انتفاء وجوب إكرام طبيعي العلماء الجامع بين المطلق‏والمقيّد بانتفاء الشرط، وهو مساوق للقضية الكليّة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنا إذا فرضنا أن علماء البلد يكونوا أعمّ من السنةوالشيعة، فحينئذٍ يكون القدر المتيّقن منهم علماء الشيعة فحسب، وذلك لأن الأمرفي المقام يدور بين اُمور:
الأول: أن يكون المراد من العلماء أعمّ من علماء السنة والشيعة.
الثاني: أن يكون المراد منهم خصوص علماء السنة.
الثالث: أن يكون المراد منهم خصوص علماء الشيعة.
وأما الثاني، فهو غير محتمل لأن حمل الكلام عليه ليس بعرفي، أما الأول فهوبحاجة إلى ترتيب مقدمات الحكمة، وأما الثالث فهو متيقن بمقتضى الفهم العرفي‏الإرتكازي بلاحاجة إلى مؤنة زائدة، وعلى هذا فالمعلق على الشرط مباشرة هوعموم العلماء الإماميّة، وحينئذٍ فيكون المفهوم الذي هو نقيض المعلق نفي العموم،وهو مساوق للإيجاب الجزئي.
الثاني: ما إذا قال المولى‏: »إن جاءك ولدك من السفر، أكرم الفقير«، ففي مثل‏ذلك يكون المعلق على الشرط مدلول الفقير وضعاً، وهو الطبيعي الجامع بين‏المطلق والمقيّد، وعليه فيكون المفهوم نفي الطبيعي الجامع بينهما، وهو مساوق‏للقضية الكليّة. فالنتيجة، إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الكبرى‏ لاتنطبق على‏مثل المقام.
وأما ما ذكره‏قدس سره من الأمثلة الثلاثة، فالجميع من قبيل المثال الثاني، ويظهرحالها مما ذكرناه حول هذا المثال فراجع ولاحظ.
وأما الرواية الشريفة، وهي قوله‏عليه السلام : »إذا بلغ الماء قدر كرّ، لاينجسه‏شي‏ء«(58)، ففيها محتملات:
الأول: أن يكون المراد من الشي‏ء عين النجس.
الثاني: أن يكون المراد منه عين المتنجس.
الثالث: أن يكون المراد منه الأعمّ من عين النجس والمتنجّس، هذه هي‏محتملات الرواية بالنظر السطحي، وأما بالنظر ا لتحقيقي فالأمر يدور بين المحتمل‏الأول والثالث، وأما المحتمل الثاني، فهو مقطوع العدم، ضرورة أنه من غيرالمحتمل بالنظر العرفي الإرتكازي أن تكون القضيّة الشرطية متّجهة منطوقاًومفهوماً إلى حكم ملاقاة عين المتنجّس خاصة للماء الكرّ والقليل مع أن موردهاالملاقاة مع عين النجس، بل هي المسؤول عنها في أكثر روايات الباب، ومن‏الواضح أن حمل الشي‏ء في الرواية على خصوص المتنجّس غير عرفي بل هومستهجن عرفاً، فلايمكن أن تكون الرواية ناظرة إلى حكم ملاقاة الماء مع‏المتنجس خاصة، والسكوت عن حكم الملاقاة مع عين النجس، فإذن يدور الأمربين الإحتمالين: الأول والثالث، أما الإحتمال الأول، فهو المرتكز في أذهان العرف‏والمتيقّن من الرواية، وإنما الكلام في اطلاقه لجميع الأعيان النجسة، وهل هومتفاهم منها عرفاً وارتكازاً بدون حاجة إلى إجراء مقدمات الحكمة أو لا؟
فيه وجهان، ولايبعد الأول، لأن مناسبة الحكم والموضوع الإرتكازية تقتضي‏التساوي بين الأعيان النجسة من هذه الناحية، وعدم خصوصيّة لبعضها على‏بعضها الآخر، واحتمال الخصوصية ليس بدرجة يمنع عن تبادر الإطلاق من‏الشي‏ء عرفاً وارتكازاً بدون التوسّل واللجوء إلى إجراء المقدمات، واختلافها في‏الأحكام المجعولة لملاقيها لايكشف عن اختلافها في أصل تنجيس الملاقي‏وتأثيرها فيه، وعلى هذا فالمتفاهم العرفي الإرتكازي من الشي‏ء هو تمام أعيان‏النجسة يعني المطلق والعام، وعليه فيكون المعلق على الشرط هو المطلق والعام‏مباشرة، وحينئذٍ فالرواية تدل بالمنطوق على عدم تنجيس الماء البالغ حدّ الكربملاقاة الأعيان النجسة جميعاً بنحو السالبة الكليّة، وبالمفهوم على أن عدم‏التنجيس بملاقاتها كذلك منتف بانتفاء الكرّية بنحو الموجبة الجزئية، على أساس‏أن نقيض السالبة الكلية موجبة جزئية هذا بحسب القاعدة، ولكن حيث إنه‏لايمكن الحكم بتنجيس الماء القليل بملاقاة بعض الأعيان النجسة دون بعضهاالآخر، لأنه على خلاف الإرتكاز العرفي القطعي، فلابد حينئذٍ من الحكم بتنجسه‏بملاقاة جميع الأعيان النجسة بدون فرق، على أساس أن هذا الإرتكاز العرفي‏يصلح أن يكون على عموم المفهوم.
وأما على الإحتمال الثاني، وهو أن إطلاق الشي‏ء لجميع الأعيان النجسة ثابت‏بمقدمات الحكمة لابالفهم العرفي، فيكون المعلّق على الشرط حينئذٍ الطبيعي الجامع‏بين المطلق والمقيّد، وعلى هذا فالرواية تدل بمنطوقها على عدم تنجيس الماء البالغ‏حدّ الكرّ بملاقاة عين النجس بنحو القضية المهملة، وبمفهومها على أن عدم‏التنجيس بالملاقاة بكلا قسميه المطلق والمقيّد منتف بانتفاء الكرّية بنحو الموجبةالكليّة، على أساس أن نقيض السالبة الجزئية موجبة كليّة، هذا كله بناء على أن‏يكون المراد من الشي‏ء خصوص عين النجس، وأما بناء على أن يكون المراد منه‏الأعمّ منها ومن عين المتنجس كما هو الظاهر عرفاً، وذلك لأن مناسبة الحكم‏والموضوع الإرتكازية تقتضي أن يكون المراد منه مطلق الشي‏ء الصالح لأن يكون‏منجساً لملاقيه، وهويشمل المتنجّس أيضاً باعتبار أنه صالح لذلك ولو في الجملة،فلاوجه حينئذٍ لتخصيصه بخصوص عين النجس، فإذن يتعيّن الإحتمال الثالث،وعلى هذا فالشي‏ء في الرواية ظاهر بمقتضى الفهم العرفي الإرتكازي فيما يصلح أن‏يكون منجساً للماء بالملاقاة في الجملة، وهو الجامع بين المطلق الشامل للمتنجّس‏والمقيّد المختصّ بعين النجس، فإذن تدل الرواية بالمنطوق بالدلالة التصورية على‏نفي تنجيس الماء إذا بلغ كراً بالملاقاة مع مايصلح أن يكون منجساً في الجملة،وبإطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة على نفي تنجيسه بالملاقاة مطلقاً سواءً أكانت مع‏الأعيان النجسة أم المتنجّسة، وعليه فالمنطوق في الرواية على كل حال سالبة كليةبلافرق بين أن يكون الإطلاق وارداً على‏المعلّق بعد التعليق وفي المرتبة المتأخرة،أو التعليق وارداً على المعلق في المرتبة السابقة، لأن المنطوق على كلا التقديرين‏مطلق بحسب المراد الجدّي النهائي، وإنما الكلام في أن تعليق الجزاء على الشرطهل هو بلحاظ مدلوله التصوري الوضعي أو العرفي أو بلحاظ مدلوله التصديقي‏النهائي، وهو المطلق في المقام، ولكن تقدم أن الصحيح هو الأول، إلاّ أنه لاتظهرالثمرة بين الأمرين في طرف المنطوق في ذلك، فإنه مطلق على كلا التقديرين‏بلحاظ المراد الجدي، وإن لم يكن مطلقاً بلحاظ المراد التصوري، وحينئذٍ لابد من‏العمل بإطلاقه الذي هو مراد جدي نهائي للمولى‏، نعم تظهر الثمرة بينهما في طرف‏المفهوم، فإنه على الأول قضيّة كلية، وعلى الثاني قضية جزئية، هذا كله في دلالةالرواية بالمنطوق، وأما دلالتها بالمفهوم الذي هو نقيض المنطوق، فحيث أن‏المنطوق وهو طبيعي الجزاء الجامع بين المطلق والمقيّد معلّق على الشرط مباشرة،فإنما هي على أن نفي التنجيس بكلا قسمية المطلق والمقيّد منتف بانتفاء الكرّية،وهو مساوق للحكم بتنجيس الماء القليل بالملاقاة بنحو القضيّة الكلية، على‏أساس أن نقيض السالبة الجزئية وهي المنطوق بحسب مدلوله الوضعي أو العرفي‏موجبة كلية.
الحالة الثالثة: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء كما في قضيتي »إذا خفي الأذان‏فقصر« و»إذا خفي الجدران فقصر«، فتقع المعارضة بين إطلاق منطوق كل منهمإ؛گكخ‏خ‏وإطلاق مفهوم الاخرى، وقد حاول جماعة لعلاج المعارضة بينهما بعدة طرق:
الطريق الأول: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره بتقريب أنه لايمكن الأخذ بظاهركل منهما، والحكم بأن خفاء الأذان بعنوانه سبب لوجوب القصر، وخفاء الجدران‏بعنوانه سبب لوجوبه، معللاً بأنه يلزم من ذلك تأثير الكثير في الواحد، وهومستحيل لاستحالة صدور معلول واحد من علل متعددة متباينة، لأن الواحدلايمكن أن يصدر إلاّ من واحد(59)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره، أولاً: بأن هذه القاعدة إنما تتمّ في الواحدالشخصي الحقيقي، لأن وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر ويستحيل صدوره‏إلا عن واحد حقيقي ولا تتم في الواحد الإعتباري كما في المقام، فإنه لايكشف‏عن وحدة المؤثر، وحيث إن وحدة الجزاء وحدة اعتبارية لاحقيقية فلاتكشف‏عن جامع واحد ذاتي.
وثانياً: إن هذه القاعدة تختص بالعلل والمعاليل الطبيعية التكوينية التي ترتكزعلى أساس مبدأ التناسب والسنخية الذاتية، ولايمكن تطبيقها على الأحكام‏الشرعية التي هي اُمور إعتبارية لا واقع موضوعي لها ماعدا اعتبار المعتبرمباشرة، فلايعقل فيها التأثير والتأثر والسبب والمسبّب(60)، هذا.
ولكن للمناقشة فيه مجالاً، أما على الإيراد الأول، فإنه لاشبهة في أن القاعدةلاتختصّ بالواحد الشخصي الحقيقي بل تشمل الواحد بالنوع أيضاً، ضرورة أن‏وحدة المعلول إذا كانت بالنوع فهي تكشف عن أن وحدة العلة أيضاً كذلك، إذيستحيل أن تكون وحدة المعلول نوعيّة دون وحدة العلة، لوضوح أن الأشياءالمتجانسة تكشف عن تجانس عللها لاستحالة تأثير الأشياء المتخالفة في الأشياءالمتجانسة وإلاّ لزم تأثير المباين في المباين وهو مستحيل، بداهة أن التأثير والتأثربين الأشياء مبني على مبدأ التناسب والسنخيّة بينها، على أساس أن المعلول من‏مراتب وجود العلة النازلة لا أنه شي‏ء مستقل.
وبكلمة، إن الأشياء المتماثلة في الخارج تكشف عن اشتراكها في علة ذات أفرادمتماثلة ومتجانسة فيه، مثلاً اشتراك أفراد الإنسان في مجموعة من الصفات،كالنطق والضحك والتعجّب والإدراك يكشف عن اشتراكها في علة تتناسب مع‏هذه الصفات، إذ لايمكن أن يكون وجدان كل فرد تلك الصفات من‏باب الصدفة،بداهة أن الصدفة لاتدوم إلى النهاية، ومن هذا القبيل أفراد النار، فإنها تشترك في‏إيجاد الحرارة، وهذا الإشتراك يكشف عن الإشتراك في علة الحرارة، إذ لايعقل‏أن تكون الحرارة المتولّدة من فرد من النار معلولة لعلة قائمة به بحده الفردي‏والحرارة المتولدة من فرد آخر منها معلولة لعلة قائمة به بحدّه الفردي وهكذا،ونتيجة ذلك، إن الحرارة المتولدة من كل فرد لاتخلو من أن تكون معلولة لعلة قائمةبه ومباينة لعلة قائمة بفرد آخر وهكذا، أو لاتكون معلولة، وكلاهما لايمكن. أماالأول: فهو خلاف الضرورة والوجدان، كيف فإن كل فرد من الحرارة لايكون‏مبايناًلفرد آخرمنها، ومع هذا يستحيل أن تكون علة كل منهما مباينة لعلة الآخر.وأما الثاني: فلأن الصدفة يستحيل أن تدوم إلى النهاية، ومن هنا تكون علة كل‏فرد من الحرارة متناسبة مع علة فرد آخر، وهكذا.
وهذا معنى أن أفراد الحرارة المتناسبة والمتماثلة تكشف عن علة ذات أفرادكذلك، ومن هنا أن العلة بالمفهوم الفلسفي متمثلة في علاقة ذاتية بين ماهيتين‏ترتبط إحدى الماهيتين بالماهية الاُخرى‏ إرتباطاً وثيقاً ذاتياً كالعلاقة بين ماهيةالنار وماهية الحرارة، والعلاقة بين ماهية الحركة وماهية الحرارة، وهكذا.ولايمكن أن تكون العلة بالمفهوم الفلسفي قائمة بين فردين في الخارج بحدّهماالفردي، لوضوح أن كل فرد بحدّه الفردي مباين للفرد الآخر كذلك بقطع النظرعن الماهية الموجودة في ضمنه، ومعه لايمكن أن يكون مؤثراً تأثير العلة في‏المعلول، وتفصيل ذلك في محلّه.
وأما على الإيراد الثاني، فلأن مقصود صاحب الكفايةقدس سره من التمسك بقاعدةأن الواحد لايصدر إلاّ من واحد كما استشهد بها في غير مورد من كتابه، هو أن‏المعلول الواحد الشخصي كما لايمكن أن يصدر من علّتين متباينتين في الخارج‏كذلك لايمكن أن يصدر من المولى‏ حكم واحد بسببين متباينين وشرطين مختلفين،إذلايمكن أن يكون لحكم واحد إلاّ سبب واحد وموضوع فارد، لاستحالة أن‏يكون شي‏ء واحد شخصي مرتبطاً بسببين متباينين في الوجود سواءً أكان ذلك‏الشي‏ء من الاُمور الإعتبارية أم التكوينية، فالحكم وإن كان فعلاً اختيارياًللشارع مباشرة إلاّ أن فعليته في الخارج إنما هي بفعلية موضوعه فيه ولايمكن أن‏يكون لحكم واحد شخصي في الخارج سببين مختلفين فيه، وإلاّ لزم خلف فرض‏كونه واحداً شخصياً، وعلى هذا فإذا خفي على المسافر الخارج عن البلد الأذان‏والجدران، فلازم ذلك اجتماع السببين المختلفين على حكم واحد شخصي، ومعنى‏هذا أن فعلية فاعليته في الخارج مستندة إلى كل واحد منهما مستقلاً وهي غيرممكنة، هذا. ولكن سوف يأتي علاج التنافي والتعارض بينهما.
الطريق الثاني: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الشرط مجموع الأمرين لا كل‏واحد منهما بعنوانه الخاص، وقد أفاد في وجه ذلك أنه لايمكن الأخذ بإطلاق كل‏من الدليلين لا بالإطلاق المقابل للعطف بالواو ولا بالإطلاق المقابل للعطف)باو(، فإن مقتضى الإطلاق الأول أنه تمام العلة لا جزئها، ومقتضى الإطلاق‏الثاني إنه علة منحصرة، وذلك للعلم الإجمالي بعدم إرادة كلا الإطلاقين في‏المسألة، فإذن لا محالة يسقط كلاهما معاً فيرجع إلى الأصل اللفظي من عام فوقي‏إن كان، وإلاّ فإلى الأصل العملي، وحيث إن وجوب القصر في مفروض المقام‏عند خفا أحدهما دون الآخر مشكوك فيه لاحتمال أن مجموعهما معاً شرط،فيكون المرجع فيه أصالة البراءة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إنه لا مانع من الرجوع إلى استصحاب بقاء وجوب التمام‏لفرض أن المكلف في هذه الحالة شاك في أن وظيفته هل تبدل من التمام إلى القصرأو لا؟
وبكلمة، إنه لاشبهة في أن وظيفة المكلف التمام قبل خفاء الأذان والجدران معاًكما أنه لا إشكال في أن وظيفته تبدلت من التمام إلى القصر عند خفاء كليهما معاً،وإنما الإشكال والكلام فيما إذا خفي أحدهما دون الآخر، ففي مثل ذلك حيث إن‏اطلاق كل منهما قد سقط عن الإعتبار من جهة العلم الإجمالي بمخالفة احدهماللواقع، فبطبيعة الحال ينتهي الأمر إلى الأصل العملي، وهو في المقام استصحاب‏بقاء وجوب التمام للشك في أن وظيفته هل تبدّلت من التمام إلى القصر، فإذن‏تكون النتيجة هي نتيجة العطف بالواو(61)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره صغرى‏ وكبرى‏، أما الصغرى‏، فلأن المقام‏ليس من صغريات كبرى‏ الرجوع إلى الأصل العملي بل من صغريات كبرى‏الرجوع إلى الأصل اللفظي، وهو إطلاقات أدلة وجوب القصر على المسافر من‏الكتاب والسنة، وقد أفاد في وجه ذلك ما ملخّصه: إنه لا شبهة في أن وظيفةالمسافر في الشريعة المقدّسة بمقتضى الآيات والروايات القصر والإفطاروالموضوع لهما المسافر، وهذا العنوان يصدق على من نوى‏ السفر، وخرج عن‏آخر عمارة البلد، فإنه مادام يكون متواجداً في داخل البلد لايصدق عليه عنوان‏المسافر، فإذا خرج عنه وبرز صدق عليه هذا العنوان، وترتّب عليه أحكامه منهاوجوب القصر عليه.
وهنا طائفة اُخرى‏ من الروايات، وهي تنصّ على أن وجوب القصر على‏المسافر منوط بوصوله إلى حدّ الترخص، وهذه الروايات تقيد اطلاق مادلّ على‏وجوب القصر على المسافر مطلقاً أي سواء وصل إلى حد الترخص أم لا؟
وقد جعل في بعض هذه الطائفة علامة الوصول إلى حدّ الترخص خفاءالأذان، وفي بعضها الآخر خفاء الجدران، وعلى هذا فإذا خفي أحدهما دون‏الآخر، فبطبيعة الحال كان المسافر يشك في أن وظيفته في هذه الحالة التمام أوالقصر، وحيث إن مرجع هذا الشك إلى الشك في تقييد اطلاق دليل وجوب‏القصر على المسافر بغير هذه الحالة، فيكون المرجع فيها اطلاق دليل وجوبه لاالأصل العملي.
وإن شئت قلت إن هنا صوراً:
الاُولى‏: إن وظيفة المسافر وجوب القصر وجواز الإفطار جزماً، وهي ما إذاخفى الأذان والجدران معاً.
الثانية: إن وظيفته وجوب التمام وعدم جواز الإفطار كذلك، وهي ما إذا لم‏يخف الأذان ولا الجدران رغم أنه مسافر.
الثالثة: إنه شاك في أن وظيفته في هذه الصورة التمام أو القصر، وهي ما إذاخفي أحدهما دون الآخر، ففي مثل ذلك حيث إن هذا الشك يرجع إلى الشك في‏تقييد إطلاق دليل وجوب القصر بغير هذه الصورة، فلا مانع من التمسك بإطلاق‏دليل وجوبه، فإذن يكون المرجع في المقام الأصل اللفظي دون الأصل العملي كمإ؛لل‏خ‏خ‏ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، ونتيجة ذلك هي نتيجة العطف بكلمة )أو( لا )الواو(.
وأما الكبرى، فلأن ما أفاده‏قدس سره من أن رفع اليد عن إطلاق الشرط في كل من‏القضيتين الشرطيتين بتقييد اطلاقه بوجود الشرط في الاُخرى‏ بالعطف بالواو،وإن كان رافعاً للتعارض والتنافي بينهما إلاّ أنّه لايمكن الأخذ بكل ما يكون‏رافعاً للتعارض بل لابدّ من أن يكون ذلك داخلاً في أحد موارد الجمع العرفي،والمفروض أنه غير داخل فيه، فمن أجل ذلك قال الصحيح في المسألة أن يقال إنه‏لاتنافي بين منطوقي القضيتين في نفسهما، لأن وجوب القصر عند خفاء الأذان‏لاينافي وجوبه عند خفاء الجدران أيضاً لفرض أن ثبوت حكم لشي‏ء لايدل على‏نفيه عن غيره، مثلاً قضية إذا خفى الأذان فقصر، لاتدل على أن خفاء الجدران‏ليس بشرط، وعلة لوجوب القصر، لأن مفادها وجوب القصر عند خفاءالأذان، ومقتضى إطلاقها التمامي وجوبه مطلقاً أي سواء خفي الجدران أيضاً أم‏لا؟ وكذلك الأمر بالعكس، ولهذا تقع المعارضة بين إطلاق مفهومها وإطلاق‏منطوق الاُخرى‏، لأن مقتضى إطلاق مفهومها عدم وجوب القصر إذا لم يخف‏الأذان، وإن خفي الجدران وبالعكس.
فالنتيجة، إن المنافاة إنما هي بين إطلاق مفهوم إحداهما، وإطلاق منطوق‏الاُخرى‏ بقطع النظر عن دلالتها على المفهوم، ولهذا لوكان الوارد في الدليلين هكذاإذا خفي الأذان فقصر، ويجب تقصير الصلاة عند خفاء الجدران، كان بين ظهورالقضية الاُولى‏ في المفهوم وظهور القضية الثانية في المنطوق تعارض، وحيث إن‏نسبة المنطوق إلى المفهوم نسبة الخاص إلى العام والمقيد إلى المطلق، فيكون‏مقتضى القاعدة تقييد إطلاق مفهوم كل منهما بمنطوق الاُخرى‏ تطبيقاً لقاعدة حمل‏المطلق على المقيّد.
فالنتيجة، هي العطف بكلمة )أو( في مقابل العطف بكلمة الواو، على أساس أن‏رفع اليد عن إطلاق المفهوم لايمكن بدون رفع اليد عن إطلاق المنطوق لأنه مدلول‏تبعي ولازم عقلي للمنطوق، فإذن لابد من رفع اليد عن إطلاق المنطوق بما يرتفع‏به التعارض، ولايكون ذلك إلاّ بتقييد المنطوق ورفع اليد عن إطلاقه وتقييده‏بكلمة )أو(، وأما رفع اليد عن الإطلاق التمامي للشرط المقابل للعطف بالواو في‏كل من القضيتين، وإن كان موجباً لارتفاع المعارضة بين الدليلين إلاّ أنه بلاموجب، ضرورة أنه لامقتضى‏ لرفع اليد عن ظهور دليل ما مع عدم كونه طرفاًللمعارضة بظهور آخر، وفي المقام وإن ارتفع بذلك التعارض بين الدليلين إلاّ أنه‏ليس طرفاً ثالثاً للمعارضة، فلامقتضى‏ لرفع اليد عنه لعلاج المعارضة لأنه ليس‏بعرفي، هذا نظير ما إذا ورد الأمر بإكرام العلماء ثم ورد في دليل آخر لايجب إكرام‏زيد العالم، والتعارض بينهما وإن ارتفع برفع اليد عن ظهور الأمر في الدليل العام‏في الوجوب وحمله على الإستحباب إلاّ أنه ليس بعرفي، هذا ما ذكره‏قدس سره في هامش‏أجود التقريرات(62).
ولنا تعليق على ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره، وتعليق على ما أفاده السيدالاُستاذقدس سره . أما التعليق على الأول، فلأنه لاتنافي بين إطلاق كل من القضيتين في‏مقابل العطف بالواو، إذ لامانع من ظهور كل منهما في ترتّب الجزاء على الشرطبعنوانه الخاص، لأن كلاً منهما تدل على أن الشرط المذكور فيها علة تامة للجزاءسواءً أكانت هناك علة اُخرى‏ له أيضاً أم لا؟
وهذا معنى عدم التنافي بين إطلاقي القضيتين، وإنما التنافي بين إطلاق مفهوم كل‏منهما وإطلاق منطوق الاُخرى‏ كما سوف نشير إليه، وأما إطلاق كل منهما في أن‏الشرط علة منحصرة للجزاء في مقابل العطف )باو(، وإن كان منافياً لإطلاق‏الاُخرى‏ كذلك، ولكن قد ذكرنا فيما تقدم أنه لايمكن إثبات هذا الإطلاق لكل‏منهما بإجراء مقدمات الحكمة، على أساس أن المقدمات إنما هي في مقام تحليل‏حال المتكلم العرفي في مقام كشف كلامه الصادر منه عن تمام مراده الجدي‏النهائي، وهي متمثلة في كونه شاعراً ملتفتاً وكان في مقام البيان، ولم ينصب قرينةعلى تقييد الحكم أو الموضوع بحصة خاصة منه، فإذا تمت هذه المقدمات تكشف‏عن أن مراد المولى‏ من كلامه هو المطلق لا المقيد، وأما نفي العدل للشرطوانحصاره فيه فلايمكن إثباته بالإطلاق ومقدمات الحكمة، لوضوح أن المقدمات‏إنما تعين مراد المتكلم من كلامه سعة، فإن تمت دلت على سعته وإطلاقه وإن لم تتم‏من جهة نصب قرينة على التقييد تعين أن مراده المقيّد، وعلى هذا فسكوت المولى‏رغم أنه في مقام البيان إنما يصلح أن يكون قرينة على الإطلاق إذا كان سكوته عمايكون دخيلاً في مدلول كلامه، وأما سكوته عما لايكون دخيلاً فيه، فلاقيمة له،وأما وجود العدل فحيث إنه لايرتبط بمدلول الشرط، فلايمكن نفيه بإطلاقه‏باعتبار أنه غير دخيل في تأثير الشرط في الجزاء، فإن الشرط مؤثر سواءً أكان له‏عدل أم لا؟، فإذن سكوت المولى‏ عن بيان العدل للشرط لايصلح أن يكون قرينةعلى نفيه، فإنه سكوت عن شي‏ء لايرتبط بمدلول كلامه أصلاً لا سعةً ولا تأثيراً.
وبكلمة، إن المتكلم في القضية الشرطية إنما هو في مقام بيان ترتب الجزاء على‏الشرط وتأثيره فيه، ومن الواضح أن عدم وجود العدل له غير دخيل لا في‏ترتب الجزاء عليه ولا في تأثيره فيه، فإن وجوده وعدمه بالنسبة إليه على حدسواء، نعم لوكان تمامية الشرط في التأثير متوقفة على عدم وجود العدل له، فعندالشك فيه تجري مقدمات الحكمة، ولكن الأمر ليس كذلك، لأن تماميته في التأثيرإنما تثبت بالإطلاق المقابل للعطف بالواو لا بالإطلاق المقابل للعطف )باو(، ولهذإ؛ملخ‏خ‏لا مقتضى له أصلاً.
إلى هنا قد تبيّن أنه لايمكن إثبات إطلاق الشرط في مقابل العطف )باو(، وهوالإطلاق الإنحصاري، وعلى هذا الأساس فالثابت في كل من القضيتين‏الشرطيتين في المقام إنما هو إطلاق الشرط في مقابل العطف بالواو، وهو الإطلاق‏التمامي بمقتضى مقدمات الحكمة، وقد تقدم أنه لاتنافي بين هذين الإطلاقين لهما،وإنما التنافي بين إطلاق مفهوم كل منهما وإطلاق منطوق الاُخرى‏ والنسبة بينهماعموم من وجه كما سوف نشير إليه، وما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن نسبةالمنطوق إلى المفهوم نسبة المقيد إلى المطلق، فمقتضى‏ القاعدة حينئذٍ هو حمل المطلق‏على المقيّد، لايمكن المساعدة عليه، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، لو أغمضنا النظر عما ذكرناه، وسلّمنا أن مقدمات الحكمةكما تثبت الإطلاق التمامي للشرط في كل من القضيتين الشرطتين وهو الاطلاق‏المقابل للعطف )بالواو( كذلك تثبت الإطلاق الإنحصاري له في كل منهما وهوالإطلاق المقابل للعطف )باو(، وقد تقدم أنه لاتنافي بين الإطلاق التمامي‏للشرط في كل منهما مع الإطلاق التمامي له في‏الاُخرى‏، فعندئذٍ يقع التعارض والتنافي بين الإطلاق الإنحصاري للشرط في كل منهما مع الإطلاق الإنحصاري له‏في الاُخرى‏، ولايمكن الجمع بينهما، وحيث إنه لاترجيح لأحدهما على الآخر،فيسقطان معاًوعندئذٍ يكون‏المرجع في‏المسألة الإطلاق‏التمامي، ومقتضاه‏وجوب‏القصر فيها، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏، إن‏الإطلاق التمامي للشرط في‏كل منهما هل يكون معارضاً مع الإطلاق الإنحصاري له في الاُخرى‏ أو لا؟
والجواب: إن هنا وجهين:
قد يقال كما قيل إن الإطلاق الإنحصاري لايكون طرفاً للمعارضة مع الإطلاق‏التمامي، وذلك لأنه في طول الإطلاق التمامي ومتفرع عليه إذ لابد أولاً من اثبات‏أن الشرط علة تامة للجزاء في مقابل أنه جزؤها، ثم إثبات أنه علة تامة منحصرةفالإنحصار، في العلة في طول إثبات أصل العلية هذا، وقد أجاب عن ذلك المحقق‏النائيني‏قدس سره بعد تسليم أن الإطلاق الإنحصاري في طول الإطلاق التمامي بماحاصله، إن منشأ التعارض بينهما حيث إنه العلم الإجمالي بكذب أحدهما ونسبته‏إلى كليهما على حد سواء، وإن فرض وجود طولية بينهما في الرتبة فيسقطان معاً،ويرجع بعد ذلك إلى الأصل العملي، وهو أصالة البراءة عن وجوب القصر الذي‏يشك في وجوبه في هذه الحالة، وهي ما إذا خفي أحدهما دون الآخر.
وفيه، أولاً: إن المرجع بعد سقوط الإطلاقين بالتعارض العام الفوقي، وهوإطلاق دليل وجوب القصر في السفر، فإنه قد قيّد بخفاء الأذان وخفاء الجدران،فإذا خفى كلاهما معاً فلا إشكال في وجوب القصر، وأما إذا خفى أحدهما دون‏الآخر، ففي هذه الحالة حيث إن دليل التقييد المتمثل في هاتين الشرطيتين مجمل،فالمرجع هو المطلق والعام المقتضي لوجوب القصر فيها.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك وتسليم عدم العام الفوقي، إلا أن أصالة البراءةعن وجوب القصر معارضة بأصالة البراءة عن وجوب التمام للعلم الإجمالي، أمابوجوب القصر أو التمام في هذه الحالة، ومن هنا عدل‏قدس سره من التمسك بأصالةالبراءة في المقام إلى التمسك بإستصحاب بقاء وجوب التمام ولا مانع من التمسك به‏إلا العام الفوقي، هذا كله بالنسبة إلى أن المرجع في المسألة بعد سقوط كلاالإطلاقين هل هو العام الفوقي أو الأصل العملي، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، إن الإطلاق الإنحصاري لو كان في طول الإطلاق التمامي،فلا معارضة بينهما، لأن العلم الإجمالي بكذب أحدهما ينحل إلى العلم التفصيلي‏بكذب الإطلاق الإنحصاري، لأن الإطلاق التمامي إن كان كاذباً، فكذبه يستلزم‏كذب الإطلاق الإنحصاري، لفرض أن الشرط إذا لم يكن علة تامة فلاموضوع‏للإطلاق الإنحصاري، وعلى هذا فحيث إنا نعلم إجمالاً أما بكذب الإطلاق‏التمامي، وهو أن الشرط ليس بعلة تامة أو بكذب الإطلاق الإنحصاري، وهو أنه‏ليس بعلة منحصرة.
فبالنتيجة، نعلم تفصيلاً بكذب الإطلاق الإنحصاري، وعدم مطابقته للواقع‏إما من جهة أن الشرط ليس بعلة تامة، فلاموضوع له أو من جهة أنه وإن كان علةتامة إلاّ أنها ليست بمنحصرة، والحاصل أن كذب الإطلاق الإنحصاري وعدم‏وجوده معلوم تفصيلاً، وأما كذب الإطلاق التمامي فهو مشكوك فيه بالشك‏البدوي، فلا مانع من التمسك به ومقتضاه وجوب القصر في هذه الحالة، وهي ماإذا خفي الأذان دون الجدران أو بالعكس.
إلى هنا قد تبيّن أنه على تقدير تسليم أن الإطلاق الإنحصاري، وهو الإطلاق‏المقابل للعطف )باو( في طول الإطلاق التمامي، وهو الإطلاق المقابل للعطف‏بالواو، فلا معارضة بينهما كما عرفت.
ومن جانب ثالث، هل إن الإطلاق الأنحصاري في طول الإطلاق التمامي رتبةأو لا؟ فيه وجهان:
فذهب بعض المحققين‏قدس سره إلى الوجه الثاني بتقريب أنه لاطولية بين الإطلاقين لابلحاظ الدال ولا بلحاظ المدلول، فإن سكوت المولى‏ في مقام البيان عن العطف‏بالواو في كل من القضيتين الشرطيتين قرينة على كون الشرط علة تامة وسكوته‏في هذا المقام في كل منهما عن العطف )باو( قرينة على أن ما وقع شرطاً فيهما لإ؛ن‏مخ‏خ‏عدل له سواءً أكان علة تامة أم لا(63).
هذا ولكن الظاهر هو الوجه الأول، وذلك لأن الكلام في المقام إنما هو في أن‏الشرط المذكور في كل من القضيتين الشرطيتين الذي هو مؤثر في ترتب الجزاءعليه، هل هو منحصر في ذلك أي في ترتبه عليه، وليس له عدل أو ليس بمنحصروله عدل، ومن الواضح أن البحث عن انحصاره وعدم عدل له، وعدم انحصاره،ووجود عدل له إنما هو بعد الفراغ عن أصل ترتب الجزاء عليه وتأثيره فيه،ضرورة أنه لا معنى للبحث عن انحصار تأثيره في الترتب مع فرض أن أصل‏الترتب والتأثير غير معلوم، وهذا معنى أن الإطلاق الإنحصاري في طول‏الإطلاق التامي بمعنى أن ثبوته متوقف على ثبوته دون العكس، فتأمل.
وأما التعليق على ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره في الصغرى‏ من أن المرجع في‏المسألة عند الشك في وجوب القصر الأصل اللفظي، وهو إطلاق دليل وجوبه‏دون الأصل العملي، فهو لايتم في هذه المسألة، بيان ذلك أن الوارد في روايات‏المسألة عنوانان:
الأول: تواري المسافر عن آخر بيوت البلد كما في صحيحة محمد بن مسلم‏والمتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع الإرتكازية تواري المسافر عن‏عيون أهل البيوت الكائنة في منتهى البلد، ومعنى ذلك أنه إذا وقف شخص في‏آخر بيوت البلد ومنتهى عماراته ، وكان يرى‏ المسافر يبتعد عنه إلى أن حجبت‏عنه رؤيته بحيث لا هو يرى المسافر ولا المسافر يراه، فيتوارى كل منهما عن‏الآخر، فحينئذٍ يجب عليه القصر سواءً غابت عن عين المسافر عمارات البلد وبناياته‏الواقعة في‏منتهاه أولا؟ وهذامعيار ثابت‏لتعيين حدالترخّص للكل ولايزيدولاينقص، ولايختلف ذلك بإختلاف البلدان وضخامة عماراتها، هذامن ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن عنوان التواري المأخوذ في الصحيحة إنما هو صرف‏معرف وطريق إلى ما هو موضوع لوجوب القصر، وهو المسافة المعيّنة المحددة،ولايحتمل دخله في الموضوع، ومن هنا لايكون تواري المسافر عن أنظارهم‏وبالعكس إلاّ في حالة انبساط الأرض وصفاء الجو وعدم وجود حائل بينهما،فإذا غاب المسافر عن عيون الواقف في منتهى البلد لا لبعد مسافة بينهما بل لأجل‏وجود حائل كالجبل أو نحوه أو نزل وادياً أو دخل في نفق أو ما شاكل ذلك، لم‏يكف هذا في وجوب القصر، فإذن يكون حدّ الترخّص حداً واقعياً، وهو عبارةعن ابتعاد المسافر عن آخر بيوت البلد بمسافة حجبته عن عيون أهل تلك البيوت‏كما أنها حجبتهم عن عيون المسافر، وهذا يعني أنها لاتتيح لكل منهما رؤية الآخرفي حال انبساط الأرض وعدم وجود الحائل وصفاء الجو، هذا.
الثاني: عدم سماع المسافر أذان البلد كما في صحيحة عبداللَّه بن سنان،والمتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم والموضوع الإرتكازية هو أنها قد جدّدت‏موضوع وجوب القصر بابتعاد المسافر عن آخر بيوت البلد بمسافة لاتتيح له أن‏يسمع أذان المؤذن العادي الساكن في منتهى‏ بيوت البلد، فإن هذه المسافة هي حدالترخّص للكل، إذ لايحتمل أن يكون المراد من الأذان مطلق أذان البلد وإن كان‏في وسطه أو في الطرف الآخر منه، على أساس أنها في مقام تحديد ابتعاد المسافرعن البلد بامتداد شعاع الأذان، وهذا بطبعه يقتضي أن يكون المراد منه أذان آخربيوته، كما أنه لايحتمل أن يكون الحكم إضافياً يختلف باختلاف أفراد المسافر،بأن يكون وجوب القصر على كل مسافر منوطاً بعدم سماعه الأذان وذلك، أولاً:إن الأذان إنما هو في وقت خاص لافي كل وقت يخرج المسافر عن البلد، هذاإضافة إلى أن المسافر قد يكون أصمّ لايسمع.
وثانياً: إنه من غيرالمحتمل أن يختلف حد الترخص باختلاف أفراد المسافر،على أساس اختلاف سامعته من حيث القوة والضعف، فإذن لامحالة يكون المرادمن حدّ الترخّص هو المعنى الواقعي الموضوعي وتكون نسبته إلى جميع أفرادالمسافر على حد سواء، ولايختلف باختلاف أفراده، ولامعنى لإناطته في حق كل‏مسافر بعدم سماعه بنفسه الأذان ، وحيث إن الصحيحة في مقام التحديد، فلامحالةيكون المراد منه عدم سماع المسافر الاعتيادي المتعارف، كما أن المراد من الأذان‏هو أذان أدنى‏ فرد الإنسان الإعتيادي، فإنه المتبع في تمام التحديدات الشرعية،لأن إرادة غيره بحاجة إلى قرينة، ثم إن المراد من العادي والمتعارف ليس هوالجامع بين أفراده بل المراد منه أدنى فرد من أفراده الذي يصدق عليه عنوان‏الإعتباري والمتعارف، ولايصدق على ما دونه على أساس أنه لامعنى للتحديدبالجامع بينها، فإنه من التحديد بالأقل والأكثر وهو غير معقول، وكذلك الحال‏بالنسبة إلى الصحيحة الاُولى‏، فإنها في مقام بيان تحديد معنى واقعي موضوعي،وهو مقدار ابتعاد المسافر عن البلد الذي هو موضوع لوجوب القصر وشرط له،ولايختلف ذلك المعنى بإختلاف أفراد المسافر، ولايمكن أن يراد منها تحديد معنى‏نسبي، لوضوح أن حد الترخّص لايختلف بإختلاف أفراد المسافر، بداهة أن‏الصحيحة في مقام بيان تحديد حد الترخّص بمسافة معيّنة محددة في الخارج للكل‏بالمعيار المذكور فيها.
وبكلمة، إن كلا العنوانين معرف لمعنى واحد، وهو المسافة المحدّدة واقعاً بين‏موقف الإنسان المسافر وآخر بيوت البلد بالنسبة إلى جميع أفراده، فإذا وصل‏المسافر إلى هذا الحدّ المعيّن في الواقع تعيّن عليه القصر وإلاّ فلا، وعلى هذا فإذاتحقق كلا العنوانين وحصل له الوثوق بالوصول إليه فلاإشكال، وأما إذا تحقق‏أحدهما دون الآخر، فيشك في وصوله إلى الحدّ المذكور، لاحتمال أن تحققه كان‏لسبب داخلي أو خارجي لا في نفسه، أو عدم تحقق الآخر كان لذلك، بعد ما مرّمن أن المراد من التواري هو التواري عن عين المجرّدة المتعارفة المتمثلة في أدنى‏فردها في حال استواء الأرض وانبساطها وعدم وجود عائق في البين، كما أن‏المراد من عدم سماع الأذان هو عدم سماعه بالأذان المتعارفة المتمثلة في أدنى فردهابدون أي سبب ووسيلة خارجية.
وعلى ضوء هذا، فإذا قطع المسافر مسافة ونظر ولم ير من هو واقف في آخربيوت البلد، ومع ذلك سمع أذان البلد لم يكن متأكّداً وواثقاً بالوصول إلى حدّالترخّص، إذ يحتمل أن عدم رؤيته كان مستنداً إلى سبب خارجي أو داخلي أوأن سماعه لأذان كان بسبب داخلي أو خارجي، فمن أجل هذا لايكون متأكداًبالوصول إليه، فإذن لا معارضة بين الطائفة الاُولى‏ التي تدل على تحديد حدالترخّص بما إذا أبتعد المسافر عن البلد بمسافة لا تتيح له رؤية من هو واقف في‏منتهى‏ بيوت البلد وبالعكس، شريطة أن يكون في ظروف إعتيادية ككون‏الأرض منبسطة والجو صافياً والرؤية متمثلة في أدنى‏ فرد من أفرادها المتعارفة،وبين الطائفة الثانية التي يؤكد على تحديده بما إذا ابتعد عنه بمسافة لا تتيح له أن‏يسمع أذان آخر بيوت البلد، شريطة أن يكون أيضاً في ظروف إعتياديةكإنبساط الأرض وصفاء الجو وعدم وجود ريح من أحد الطرفين إلى الطرف‏الآخر، وكون أذانه من أدنى فرد من أفراد الأذان المتعارفة ونحوها، وفي ضوءذلك إذا حجب من هو واقف في آخر عمارات البلد عن عين المسافر، ولكنه كان‏يسمع الأذان منه أو بالعكس، لم يكن متأكداً وواثقاً بأنه وصل إلى حد الترخّص‏الواقعي، حيث يحتمل أن يكون حجبه عن نظره في الفرض الأول لسبب داخلي‏كضعف نظره أو خارجي، كما يحتمل أن يكون سماعه الأذان لسبب داخلي ككون‏سامعته قوية وحادة أو خارجي كوجود ريح من جانب البلد إليه أو صفاء الجووسكونه، فلايحتمل التنافي بين العنوانين المعرفين، على أساس أن المعرف ليس كل‏منهما على نحو الإطلاق لكي يقع التنافي بينهما، بل حصة خاصة من كل منهما، بل‏قد لا يحصل له تأكد ووثوق بوصوله إلى حدّ الترخّص عند تحقق كلا العنوانين‏معاً، فإذن يكون المقياس إنما هو بحصول الوثوق له بالوصول إليه، فإن حصل‏فعليه القصر وإلاّ فالتمام، وكذلك الحال لو كان العنوانان مأخوذين بنحوالموضوعية، على أساس يكون الموضوع حصة خاصة منهما، وهذه الحصة وإن‏لم تكن مجملة مفهوماً إلاّ أنها مجملة تطبيقاً، فمن أجل ذلك لاإطلاق لهما حتى تقع‏المعارضة بين إطلاقيهما.
إلى‏هنا قدتبيّن أن التعارض بين الطائفتين من‏الروايات مبني على أحد أمرين:
الأول: أن يكون كل من العنوانين معرفاً بنحو الإطلاق.
الثاني: أن يكون كل منهما دخيلاً في الحكم كذلك بنحو الموضوعية، ولكن كلاالأمرين غير ثابت.
أما الأمر الأول، فلما عرفت من أن عدم سماع الأذان بإطلاقه ليس بمعرف،وكذلك تواري المسافر عن عيون أهل آخر بيوت البلد بل حصة خاصة منهما كمامرّ.
وأما الثاني، فلما عرفت من أنه لايحتمل دخلهما في الحكم، وعلى هذا فلامعارضة بينهما، وحينئذٍ فإذا شك المسافر في تحقق ما هو المعرف واقعاً، كان يشك‏في الوصول إلى حد الترخّص ومعه يرجع إلى العام الفوقي، وهو إطلاقات أدلةوجوب التمام، فإن الخارج منها المسافر الواصل إلى حد الترخّص، وعند الشك‏في الوصول إليه يرجع إلى تلك الإطلاقات بعد إحراز موضوعها بإستصحاب‏عدم الوصول إليه.
ومن هنا يظهر أنه لو كان الوارد في روايات الباب بصيغة: »إذا خفي الأذان،فقصر« و»إذا خفي الجدران، فقصر«، فأيضاً لاتعارض بينهما، لأنه مبني على أن‏يكون كل من العنوانين المأخوذين في لسان الروايات ملحوظاً بنحو الموضوعيةمع أن الأمر ليس كذلك جزماً، لوضوح أن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم‏والموضوع الإرتكازية أن كلاً من العنوانين مأخوذ بنحو المعرفية والطريقيةالصرفة إلى معنى واحد، وهو المسافة المعيّنة المحددة في الواقع التي لاتزيدولاتنقص، وهي المسافة التي ابتعد المسافر عن منتهى بيوت البلد إلى أن لا يسمع‏أذان آخر بيوته أو يتوارى عن عيون المسافر جدرانه، شريطة أن تكون الأرض‏منبسطة والجو صافياً، وأن تكون الأذان من الأذان الإعتيادية وكذلك العيون‏والجدران، وحيث إن كلا العنوانين معرف عن شي‏ء واحد في الواقع، وهو حدالترخّص ومرآة له، فلامفهوم لهما حتى يقع التعارض بينهما، لأنهما عنوانان لمعنون‏واحد في الخارج، ومن ذلك يتبيّن أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المسافر إذاشك في وجوب القصرعليه، وعدم وجوبه عند تحقق أحد العنوانين دون الآخر،يرجع إلى إطلاق دليل وجوب القصر، مبني على أحد أمرين:
الأول: أن يكون كل من العنوانين مأخوذاً في موضوع وجوب القصر بنحوالإطلاق.
الثاني: أن يكون وجوب القصر على كل مسافر مشروطاً بعدم سماعه الأذان‏أو تواريه عن عيون أهل آخر بيوت البلد أو مجموع الأمرين(64)، ولكن قد اتضح‏مما ذكرناه أن كلا الأمرين خاطى‏ء ولا واقع موضوعي له، أما الأمر الأول، فلمامرّ من أنه لا شبهة في أن المتفاهم العرفي من الروايات بمناسبة الحكم والموضوع‏الإرتكازية أن كلا العنوانين في لسانها قد أخذ بنحو المعرفية والطريقية الصرفةإلى معنى واحد في الواقع، وهو حدّ الترخص المحدّد بهما، فلايختلف بإختلاف‏المسافرين لأنه حدّ واقعي لمسافة معيّنة محددة ولا يزيد ولاينقص، وأما أخذه‏بنحو الموضوعية، فهو بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً، ولا قرينة على ذلك‏بل هو خلاف الضرورة لدى العرف العام، وعلى هذا فإذا شك المسافر في وجوب‏القصر عليه عند تحقق أحد العنوانين دون الآخر، كان مردّه إلى الشك في وصوله‏إلى حدّ الترخص، وإنه وصل إليه أو لا؟ فحينئذٍ يرجع إلى العام الفوقي، وهوإطلاق دليل وجوب التمام بعد إحراز موضوعه باستصحاب عدم وصوله إليه دون‏إطلاقات وجوب القصر، لأنه قد قيد بالوصول إلى حد الترخّص والمسافر شاك‏في ذلك، وعليه فتكون الشبهة بالنسبة إليه موضوعيّة، فلايمكن التمسك به لأنه من‏التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
وأما الأمر الثاني، فقد تقدم بطلانه وإن وجوب القصر لايمكن أن يكون‏وجوباً نسبياً بأن يختلف بإختلاف أفراد المسافر من حيث قوة الباصرة وضعفهاوكذلك السامعة، ولازم ذلك اختلاف حدّ الترخص بإختلاف أفراد المسافرين‏بالباصرة والسامعة قوة وضعفاً، وهذا كماترى، لأن ذلك خلاف الضرورة، بداهةأن حال التحديد في المقام حال سائر التحديدات الشرعيّة، فيكون بأمر واقعي‏لانسبي. هذا كله حول ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المناقشة في الصغرى‏.
وأما ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من المناقشة حول الكبرى‏، وهي أنه لاتعارض‏بين منطوقي القضيتين، وإنما التعارض بين إطلاق مفهوم كل منهما مع منطوق‏الاُخرى‏(65)، فهو لايتم.
أما أولاً، فلما تقدم من أن التعارض بين الطائفتين من الروايات مبني على أحدالأمرين المتقدمين، وقد عرفت أن كلا الأمرين غير ثابت والثابت هو أن كلاً من‏العنوانين ملحوظ بنحو المعرفية والمرآتية الصرفة إلى معنى واقعي واحد، وهوحد الترخص للكل، فإذن لا موضوع للمعارضة بينهما.
وثانياً، إن التعارض إنما هو بين إطلاق مفهوم كل منهما واطلاق منطوق‏الاُخرى‏، ولاتعارض بين إطلاق‏المفهوم وأصل المنطوق بقطع النظر عن إطلاقه،لأن دلالة القضية الشرطية على أصل المنطوق إنما هي بالوضع، والمفروض أنهالاتدل بهذه الدلالة على أن الشرط تمام العلة لكي تكون معارضة مع إطلاق‏المفهوم، مثلاً قضية »إذا خفي الأذان، فقصر« تدل بمقتضى إطلاق مفهومها على‏انتفاء وجوب القصر بانتفاء خفاء الأذان حتى إذا خفي‏الجدران، وأما قضية »إذاخفي الجدران«، فهي لاتدل بمقتضى وضعها إلاّ على أصل المنطوق، وهو ترتب‏وجوب القصر على خفاء الجدران في الجملة، ولاتدل على أن خفاء الجدران تمام‏العلة لوجوب القصر وإنما تدل على ذلك بالإطلاق، ولهذا يكون المعارض‏لإطلاق المفهوم هو إطلاق المنطوق الثابت بمقدمات الحكمة لا أصله الثابت‏بالوضع، فإن المقدار المتيقّن منه هو أنه جزء العلة، وهو لاينافي إطلاق المفهوم.
وثالثاً، مع الإغماض عن ذلك أيضاً، وتسليم أن الإطلاق الإنحصاري ثابت‏للشرط في القضيتين أيضاً، إلا أن ما ذكره‏قدس سره سابقاً من أنه لاتعارض بين الإطلاق‏التمامي للطائفتين المقابل للعطف بالواو في نفسه(66)، وإن كان صحيحاً إلاّ أن‏الكلام ليس في ذلك بل الكلام في أنهما حينئذٍ يكونا طرفا للمعارضة مع الإطلاق‏الإنحصاري للشرط في كل من الطائفتين، لأن الإطلاق الإنحصاري في كل منهمإ؛هه‏خ‏چ‏ينفي الإطلاق التمامي في الاُخرى‏، فتكون المعارضة بينهما بالنفي والإثبات،وترتفع هذه المعارضة بينهما بحمل الشرط في‏القضيتين على أنه جزء العلة لا تمامها،غاية الأمر أن التعارض بين الإطلاق الإنحصاري للشرط في كل منهما مع‏الإطلاق الإنحصاري له في الاُخرى‏ إنما هو بين المدلول المطابقي لكل منهما مع‏المدلول الإلتزامي للآخر، فإن قضية خفاء الأذان تدل بالمطابقة على أنه علةللجزاء، وبالإلتزام على نفي علية خفاء الجدران له، وقضية خفاء الجدران بعكس‏ذلك، بينما الإطلاق التمامي للشرط في كل من القضيتين يعارض الإطلاق‏الإنحصاري له في الاُخرى‏ في نفي العدل منطوقاً ومفهوماً.
فالنتيجة، إن الإطلاق الإنحصاري في كل من القضيتين كما أنه معارض مع‏الإطلاق الإنحصاري في الاُخرى‏ كذلك معارض مع الإطلاق التمامي فيها، فإذن‏يسقط الجميع من جهة المعارضة فيرجع إلى الأصل اللفظي في المسألة إن كان وإلاّفالعملي، هذا كله بناءً على ثبوت الإطلاق الإنحصاري، وأما على هو الصحيح من‏أنه غير ثابت فيكون التعارض بين إطلاق مفهوم كل منهما اطلاق منطوق‏الأخرى‏ المقتضي لكون الشرط علة تامة لا أصل المنطوق، لوضوح أن دلالةالقضية الشرطية بالوضع على المنطوق، وهو ترتب الجزاء على الشرط في الجملةلاينافي إطلاق مفهوم القضية الاُخرى‏، لأن مقتضى إطلاق المفهوم هو انتفاءالجزاء بانتفاء أحدهما، ومقتضى إطلاق المنطوق ثبوته بثبوت أحدهما فيقع‏التعارض والتكاذب بينهما في هذا المورد، وأما إذا كان كلا الشرطين منتفياً، فهومورد افتراق المفهوم، فإنه يقتضي انتفاء الجزاء والمنطوق لايقتضي ثبوته، وأماإذا كان العكس بأن يكون كلا الشرطين موجوداً فبالعكس يعني أن المنطوق‏يقتضي ثبوت الجزاء والمفهوم لاينفيه، وهذا هو مورد افتراق المنطوق.
فالنتيجة، إن الصحيح هو ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن النسبة بينهما عموم‏من وجه فيقع التعارض بين إطلاقي المفهوم والمنطوق في مورد الإلتقاء والإجتماع،وحيث إنه لاترجيح لأحدهما على الآخر فيسقطان معاً، فيكون المرجع الأصل‏اللفظي إن كان وإلاّ فالأصل العملي على تفصيل تقدم.
هنا يظهر أن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن النسبة بينهما عموم مطلق غيرسديد، وأما لو أرادقدس سره من المنطوق أصل منطوق القضية وضعاً، وهو دلالتها على‏ترتب الجزاء على الشرط في الجملة لا إطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة، فيرد عليه‏أنه لا معارضة بينهما كما عرفت، لأن أصل المنطوق لها وضعاً لا ينافي إطلاق‏مفهوم الاُخرى‏ ولا يعارضه، لأنه عبارة عن ترتب الجزاء على الشرط، وأما أن‏الشرط جزء العلة أو تمامها، فهو لايدل على أنه تمامها حتى ينافي إطلاق المفهوم،فإذن لايكون إطلاق المفهوم في كل منهما معارضاً مع أصل المنطوق في الاُخرى‏،بل مع إطلاقه فيها، فما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الإطلاق التمامي للشرطالمقابل للعطف بالواو في كل من القضيتين ليس طرفاً للمعارضة مع إطلاق المفهوم‏في الاُخرى‏ غريب جداً، وما ذكره‏قدس سره في الهامش من أنه لامقتضى‏ لرفع اليد عن‏ظهور ثالث، يكون موجباً لارتفاع المعارضة بين الدليلين المتعارضين مع أنه ليس‏طرفاً للمعارضة معهما لاينطبق على المقام، لما عرفت من أن الإطلاق التمامي‏طرف للمعارضة مطلقاً، وإن قلنا بالإطلاق الإنحصاري، هذا إضافة إلى ذلك غيرمتصور، لأن رفع اليد عن الدليل الثالث إذا كان موجباً لارتفاع المعارضة بينهما،فمعناه أنه طرف للمعارضة لهما، لأن معنى ذلك أن صدقهما يتوقف على رفع اليدعنه وكذبه يتوقف على عدم رفع اليد عنهما وصدقه يتوقف على رفع اليد عنهما،وهذا معنى أنه طرف للمعارضة لهما، فإذن كيف لايكون طرفاً لها، وأما المثال‏الذي ذكره‏قدس سره في الهامش فليس ممّا نحن فيه، لأنه داخل في موارد الجمع العرفي‏فليس التعارض فيه مستقراً، وحيث إن حمل الأمر في طرف العام على‏الإستحباب ليس من موارد الجمع العرفي، فلايمكن الأخذ به بينما يكون حمل العام‏على الخاص من موارده فلابدّ من الأخذ به.
وقد تحصل مما ذكرناه في المسألة اُمور:
الأول: إنه لاتعارض بين الطائفتين من الروايات في المسألة، لما مرّ من أن‏العنوانين المأخوذين فيهما قد اُخذا بنحو المعرفية والطريقية الصرفة إلى معنى‏واقعي واحد، وهو حدّ الترخّص للكل المتمثل في مسافة معيّنة محددة بحدّ واقعي‏شرعاً لانسبي.
الثاني: إن التعارض في المقام مبني على أن الشرط المذكور في كل من القضيتين‏مأخوذ بنحو الموضوعية، وعلى هذا فيقع التعارض بين إطلاق مفهوم كل منهما مع‏إطلاق منطوق الاُخرى‏ بالعموم من وجه لابين إطلاق المفهوم واصل المنطوق‏بالعموم المطلق كما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
الثالث: إن الإطلاق التمامي للشرط، وهو الإطلاق المقابل للعطف بالواو في‏كل من القضيتين ثابت بمقدمات الحكمة، وأما الإطلاق الإنحصاري للشرطالمذكور في كل منهما وهو الإطلاق المقابل للعطف )باو(، فهو غير ثابت بمقدمات‏الحكمة لأنها لاتنفي وجود العدل للشرط كما تقدّم.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاُولى‏: إن دلالة اللفظ على المعنى من الدلالة التصورية إلى الدلالة التصديقيةليست بذاتية، فإن الاُولى‏ مستندة إلى الوضع.
الثانية: إلى ظهور حال المتكلم والاُولى‏ مندكة في الثانية وهي ذات مراتب،فالمرتبة الاُولى‏ مندكة في المرتبة النهائية التي هي مطلوبة من اللفظ حقيقةوموضوع للآثار.
الثانية: إن الدلالة الإلتزامية دلالة لفظية مستندة إلى اللفظ بالواسطة لابالمباشرة، بينما الدلالة المطابقية مستندة إلى اللفظ مباشرة والواسطة متمثلة في‏الملازمة بين المعنى المطابقي والمعنى الإلتزامي، وهذه الملازمة بينهما قد تكون بيّنةبالمعنى الأخصّ وقد تكون بيّنة بالمعنى الأعم، وأما إذا كانت غير بيّنة، فهي‏خارجة عن الدلالات الإلتزامية اللفظية وداخلة في الملازمات العقلية غيرالمستقلة.
الثالثة: إن المفهوم قسم خاص من المدلول الإلتزامي، فإن كان لازماً للمدلول‏المطابقي لزوماً بيّناً بالمعنى الأخصّ أو الأعمّ، فهو مدلول لفظي ومستند إلى حاق‏اللفظ بالملازمة التصورية وإن كان لازماً للمدلول المطابقي، فإن كان مستنداً إلى‏الإطلاق ومقدمات الحكمة، كان مدلولاً لفظياً تصديقياً لاتصورياً، وإن لم يكن‏لازماً للمدلول المطابقي بأن يكون مستنداً إلى كون الشرط في القضية الشرطيةعلة تامة منحصرة، فهو مدلول تصديقي عقلي، وعندئذٍ يكون مبحث المفاهيم من‏المباحث العقلية غير المستقلة.
الرابعة: إن المفهوم لازم لخصوصية الربط بين طرفي القضية الشرطية.
الخامسة: إن المفهوم متمثل في انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الشرط أو الوصف،وأما انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية فهو ليس من المفهوم في شي‏ء، لأن‏انتفائه بانتفاء شرطه عقلي كانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه.
السادسة: إن مفاد القضية الشرطية قد فسّر بوجوه:
الأول: إن مفادها تعليق الجزاء على الشرط وتفريعه عليه.
الثاني: إن مفادها معنى وصفي.
الثالث: إن مفادها استلزام الشرط للجزاء، والصحيح منها التفسير الأول.
السابعة: إن القضية الشرطية على نوعين:
الأول: إنها مسوقة لبيان تحقق الموضوع.
الثاني: إنها تتكون من ثلاثة عناصر:
الموضوع، والشرط، والجزاء، ويكون ارتباط الجزاء بالشرط وراء ارتباطه‏بالموضوع، ومحل الكلام في دلالة القضية الشرطية على المفهوم إنما هو في النوع‏الثاني دون النوع الأول.
الثامنة: إن المشهور قد استدلوا على دلالة القضية الشرطية على المفهوم‏بوجوه:
الأول: إنها موضوعة للدلالة على أن الشرط علة منحصرة للجزاء، وفيه أنهالم توضع بإزاء ذلك.
الثاني: إنها موضوعة للدلالة على الملازمة بين الشرط والجزاء، ولكن إطلاقهامنصرف إلى أن هذه الملازمة تكون بنحو العليّة المنحصرة من باب أنها أكمل‏أفرادها، وفيه مضافاً إلى أنها لاتدل على الملازمة بينهما أن الأكملية لاتصلح أن‏تكون منشأً للإنصراف.
الثالث: إن أداة الشرط موضوعة للدلالة على ترتب الجزاء على الشرط،ومقتضى‏ إطلاق القضية أن هذا الترتب يكون بنحو ترتب المعلول على العلة، وفيه‏أنها غير موضوعة بإزاء ذلك.
التاسعة: إن ماذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره من أداة الشرط موضوعة للدلالةعلى أن مدخولها واقع موقع الفرض والتقدير هو الصحيح، وموافق للإرتكازالعرفي دون ماهو المشهور بين علماء الأدب من أنها موضوعة للدلالة على الربطوالعلاقة بين الشرط والجزاء، وأما هيئة الجملة الشرطية فهي موضوعة للدلالةعلى ترتب الجزاء على الشرط وتعليقه عليه.
العاشرة: قدذكر عدة طرق لإثبات كون الشرط علة منحصرة:
الأول: إن الشرط لايخلو من أن يكون تمام العلة أو جزئها، ومقتضى‏ الإطلاق‏الأحوالي أنه تمام العلة، وفيه أن الإطلاق الأحوالي لايثبت كون الشرط علةمنحصرة.
الثاني: إن الجزاء مترتب على الشرط بعنوانه الخاص، ومقتضى‏ إطلاقه أنه علّةبهذا العنوان الخاص لا مع ضميمة غيره.
وفيه: إن غاية مايدل ذلك أن الشرط بعنوانه الخاص علة.
الثالث: إن مقتضى الإطلاق المقابل للعطف )باو( أن الشرط علة منحصرة.
وفيه: إن مثل هذا الإطلاق غير ثابت.
الحادية عشر: إن الميزان في دلالة القضية الشرطية على المفهوم هو أنها إن‏كانت إخباريّة كانت موضوعة للدلالة على قصد الحكاية عن ثبوت شي‏ء على‏تقدير ثبوت آخر وبالإلتزام على انتفاء قصد الحكاية عنه عند انتفاء ذلك، وإن‏كانت إنشائية كانت موضوعة للدلالة على قصد إبراز اعتبار شي‏ء على ذمةالمكلف في حالة خاصة وبالإلتزام على انتفاء هذا القصد بانتفاء تلك الحالة، هذاهو مختار السيد الاُستاذقدس سره، وهو مبني على مسلكه‏قدس سره في باب الإخبار والإنشاء،ولكن مسلكه غير تام كما تقدم.
الثانية عشر: إن دلالة القضية الشرطية على المفهوم منوطة بتوفر اُمور:
الأول: أن يكون ارتباط الحكم بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع.
الثاني: أن يكون مدلولها الوضعي ترتب الجزاء على الشرط بنحو التعليق‏والتفريغ لا بنحو ترتب المعلول على العلة.
الثالث: أن يكون تعليق الجزاء على الشرط مولوياً لا ذاتياً طبيعياً، فإذاتوفّرت هذه الاُمور في القضية دلت على المفهوم وإلاّ فلا.
الثالث عشر: الصحيح إن دلالة القضية الشرطية على المفهوم إنما هي بالوضع‏لا بالإطلاق ومقدمات الحكمة ولا بما ذكره السيد الاُستاذقدس سره.
الرابعة عشر: إنه لا فرق في دلالة القضية الشرطية على المفهوم بين أن يكون‏الجزاء مدلول الهيئة أو المادة، لأن المعنى الحرفي حيث إن وجوده تعلقي، فيكون‏وجوده بنفس وجود شخص طرفيه في الذهن أو الخارج، فلذلك يكون إطلاقه‏وتقييده إنما هو بإطلاق وتقييد نفس طرفيه، وكذلك اتصافه بالكلية والجزئية،وبذلك يظهر حال ماذكره شيخنا الأنصاري‏قدس سره من التفصيل بين كون الجزاءمدلول الهيئة أو المادة كما يظهر به حال ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره في رد الشيخ)ره(، وأما جواب السيد الاُستاذقدس سره عن الشيخ‏قدس سره، فهو تام على مسلكه لامطلقاً.
الخامسة عشر: إن الحكم المجعول في القضية الشرطية المعلق على الشرطشخصه، وانتفائه بانتفاء الشرط عقلي وليس من المفهوم في شي‏ء، لأنه متمثل في‏انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط، ولكن حيث إن تعليق الحكم على الشرطمولوي فيكون هذا عناية زائدة من المولى، وهي تدل على أن المعلق عليه طبيعي‏الحكم.
السادسة عشر: إن الحكم في طرف الجزاء إن كان متعلّقاً بصرف وجودالطبيعة، فمفهوم القضية انتفاء ذلك الحكم بانتفاء الشرط وإن كان متعلقاً بمطلق‏وجودها الساري إلى أفرادها في الخارج إما بنحو العموم المجموعي أوالإستغراقي، وحينئذٍ فهل مفهومها سالبة جزئية أو كلية؟
والجواب: إن فيه تفصيلاً، فإن التعليق إن كان وارداً على العام والمطلق كما إذاكان العام وضعياً أو عرفياً، كان المفهوم سلب العموم وهو مساوق للقضيةالجزئية، وإن كان العام وارداً على التعليق، فالمفهوم قضية كليّة، هذا هو الضابطالعام في اقتناص المفهوم إذا كان الحكم في طرف الجزاء عاماً ومطلقاً، وبذلك يظهرحال ما ذكره المحقق النائيني والسيد الاُستاذ0 في المقام.
السابعة عشر: إن المراد من شي‏ء في قوله‏عليه السلام: »إذا بلغ الماء قدر كرّ، لاينجّسه‏شي‏ء« عدة إحتمالات، أظهرها أنه أعم من النجس والمتنجّس، وحيث إن العموم‏وارد على التعليق في المرتبة السابقة، فيكون مفهومه: إن نفي التنجيس بكلا قسميه‏المطلق والمقيّد منتف بانتفاء الكرّية، وهو مساوق للحكم بتنجيس الماء القليل‏بالملاقاة بنحو القضية الكليّة.
الثامنة عشر: إن في قضيتي: »إذا خفى الأذان، فقصر« و»إذا خفى الجدران،فقصر« عدة محاولات لعلاج المعارضة بينهما:
الاُولى‏: ما ذكره صاحب الكفايةقدس سره من أنه لابد من رفع اليد عن ظهور كل‏منهما في أنه علة للجزاء لاستحالة صدور الواحد عن الكثير، وعلق عليه السيدالاُستاذقدس سره بأن هذه القاعدة لاتتم في الاُمور الإعتبارية كما في المقام، وقد تقدمت‏المناقشة في ذلك.
التاسعة عشر: ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن الشرط في المقام مجموع‏الأمرين: وهما خفاء الأذان والجدران معاً، وأما إذا خفى أحدهما دون الآخر،فالمرجع فيه الأصل العملي، وهو استصحاب وجوب التمام، وأورد عليه السيدالاُستاذقدس سره صغرى‏ وكبرى‏. أما الصغرى‏، فلأن المرجع في الصورة المفروضةإطلاق دليل وجوب القصر للشك في تقييده لا استصحاب وجوب التمام. وأماالكبرى‏، فلأن التعارض بينهما وإن ارتفع بتقييد إطلاق كل منهما بالآخر بالعطف‏بالواو إلاّ أنه لاموجب لذلك.
العشرون: إنه لاتنافي بين الاطلاق التمامي لكل من الشرطين مع الآخر،وعليه فلاموجب لرفع اليد عن إطلاق كل منهما بالتقييد بالواو كما عن المحقق‏النائيني‏قدس سره، وأما إطلاق كل منهما في مقابل العطف )باو(، فهو غير ثابت بمقدمات‏الحكمة.
الحادية والعشرون: الصحيح أنه لا معارضة بين الطائفتين من الروايات في‏المسألة، لأن كل من العنوانين المأخوذين فيهما ملحوظ بنحو المعرفية والطريقيةالمحضة إلى معنى واحد وهو حد الترخّص للكل، وهذا المعنى أمر واقعي لانسبي،ولايختلف باختلاف عيون المسافرين وسامعتهم قوة وضعفاً.
وعلى هذا، فإذا شك المسافر في الوصول إلى حد الترخّص، فلايمكن التمسك‏بإطلاق دليل وجوب القصر، لأن الشبهة بالنسبة إليه موضوعية، فإذن‏يستصحب عدم الوصول إليه وبه يحرز موضوع وجوب التمام، فيتمسك بإطلاق‏دليل وجوبه.
الثانية والعشرون: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن المسافر إذا شك في‏وجوب القصر عليه وعدم وجوبه عند تحقق أحد العنوانين دون الآخر يرجع إلى‏إطلاق دليل وجوب القصر مبني على أحد الأمرين:
الأول: أن يكون كل من العنوانين مأخوذاً في موضوع وجوب القصر بنحوالإطلاق.
الثاني: أن يكون وجوب القصر على كل فرد من المسافر مشروطاً بعدم سماعه‏الأذان أو تواريه عن عيون أهل آخر بيوت البلد، ولكن كلا الأمرين خاطي‏ءولاواقع موضوعي له كما تقدم.
الحالة الرابعة:
إذا تعدد الشرط واتّحد الجزاء، وعلم من الخارج أو الداخل أن كل شرطبعنوانه الخاص واسمه المخصوص تمام العلة، ففي مثل ذلك هل مقتضى‏ القاعدةتداخل الشروط والأسباب أو تداخل المسببات، ونقصد بالأول أن كل شرطين‏معاً يقتضي حكماً واحداً، فيكون المجموع سبباً مؤثراً له وكل واحد منهما جزءه،ونقصد بالثاني الإكتفاء في مقام الإمتثال بإتيان فرد واحد من الطبيعة المأمور بهامع افتراض تعدد الحكم في مرحلة الجعل.
والجواب: إن ها هنا مسائل:
الاُولى‏: في مقتضى القاعدة في الشروط والأسباب، وهل هو التداخل أو لا؟
الثانية: في مقتضى القاعدة في المسببات أي مرحلة الإمتثال، وهل هوالتداخل فيها أو لا؟
الثالثة: في المستثنيات عن مقتضى‏ القاعدة في المسألتين الأوليين.
أما الكلام في المسألة الاُولى‏، فقد ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره إن القضيةالشرطية في نفسها ظاهرة في حدوث الجزاء عند حدوث الشرط بسببه أو بكشفه‏عن سببه. وعليه، فإذا كان الشرط متعدداً كان الجزاء أيضاً متعدداً في مورد يعقل‏فيه التعدّد. نعم، إذا كان الجزاء حقيقة واحدة كالوضوء مثلاً، فلايمكن تعدد الحكم‏بتعدد الشرط، كما إذا بال مكرراً أو بال ونام معاً وهكذا، ضرورة أن الوضوءلايمكن أن يكون محكوماً بحكمين متماثلين لاستحالة ذلك كاستحالة اجتماع حكمين‏متضادّين على شي‏ء واحد، فإذن لابدّ من التصرف إما برفع اليد عن ظهورالقضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، وحمله على مجرد الثبوت عند الثبوت،أو الإلتزام بان الجزاء وإن كان حقيقة واحدة صورة إلاّ أنه في الواقع حقائق‏متعددة حسب تعدد الشروط، وعلى هذا فالذمة وإن اشتغلت بتكاليف متعددةحسب تعدد الشروط إلاّ أن الإجتزاء يكون بإمتثال واحد منها باعتبار أنه‏مطابق للجميع نظير ما إذا قال المولى‏ »أكرم هاشمياً« ثم قال: »أضف عالماً«، فإن‏المكلف إذا أكرم زيداً يكون عالماً هاشمياً، أجزء عن كلا التكليفين معاً، باعتبارأنه مجمع لكلا الإكرامين(67)، هذا. وما أفاده‏قدس سره يرجع إلى ثلاث نقاط:
الاُولى‏: ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، ولافرق في ذلك‏بين أن يكون الشرط بعنوانه سبباً أو كاشفاً عن السبب.
الثانية: إن الجزاء إذا كان واحداً، فلايمكن الأخذ بهذا الظهور، وإلاّ لزم اجتماع‏حكمين متماثلين في شي‏ء واحد، وهو مستحيل كاستحالة اجتماع المتضادّين.
الثالثة: إنه على القول بالتداخل لابدّ من الإلتزام بأحد أمرين: إما رفع اليدعن ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث، أو إن الجزاء وإن كان‏واحداً صورة إلاّ أنه متعدد واقعاً، هذا.
وقد أورد السيد الاُستاذقدس سره على النقطة الثانية والثالثة.
أما على النقطة الثالثة، فقد ذكرقدس سره إنه لاموجب للتصرف في ظهور القضيةالشرطية في الحدوث عند الحدوث ورفع اليد عنه، وذلك لأن وحدة الجزاءليست وحدة شخصية لكي لايمكن أن يكون محكوماً بحكمين متماثلين بل وحدته‏وحدة نوعية ذات أفراد متعددة لوضوح أن وحدة الوضوء وكذلك وحدةالغسل‏نوعية ولها أفراد عديدة في الخارج، وعلى هذا فلاتقتضي وحدة الجزاء النوعيةوحدة التكليف، إذ لا مانع من تعدده بتعدد أفراده، فإذن لا مبرّر لرفع اليد عن‏ظهور القضية الشرطية في الحدوث عند الحدوث ولا مانع من الأخذ به، وهذايعني أن الوجوب المتعلق بالوضوء يتعدد بتعدد سببه وشرطه، مثلاً وجوبه‏بسبب البول غير وجوبه بسبب النوم، وهكذا.
والخلاصة: إن الوضوء وإن كان حقيقة واحدة، ولكن حيث إن وحدته‏نوعية، فهو ذو أفراد متعددة في الخارج، وعلى هذا فإذا تعلق الوجوب به بسبب‏تعلق بإيجاده في ضمن فرد، وإذا تعلق به مرّة اُخرى‏ بسبب آخر تعلق بإيجاده في‏ضمن فرد آخر وهكذا، فلذلك لامانع من الإلتزام بتعدد الوجوب عند تعددالشرط. وعليه، فلاموجب لرفع اليد عن ظهور القضية الشرطية في الحدوث عندالحدوث، وبذلك يظهر حال النقطة الثانية، وهي أن الإلتزام بتعدد الحكم في طرف‏الجزاء بتعدد الشرط يستلزم اجتماع حكمين متماثلين في شي‏ء واحد وهو محال(68).
ولكن قد ظهر مما ذكرناه في النقطة الثالثة من أنه لايلزم من ذلك اجتماع حكمين‏متماثلين في شي‏ء واحد لأن متعلق الجزاء يتعدد بتعدد أفراده، فكل حكم متعلق‏بإيجاده في ضمن فرد، فإذن لامانع من الإلتزام بأن الجزاء يتعدد بتعدد الشرط،ولا يلزم منه محذور.
هذا إضافة إلى أنه لامانع من الإلتزام بإجتماع حكمين متماثلين في شي‏ء واحد،ولايكون محالاً ولايقاس ذلك بإجتماع حكمين متضادين فيه لأن استحالة اجتماع‏حكمين متضادين في شي‏ء واحد إنما هي من ناحية المبدأ والمنتهي، إما من ناحيةالمبدأ، فمن جهة أن اجتماع المصلحة والمفسدة في شي‏ء واحد محال، وكذلك اجتماع‏الحب والبغض والإرادة والكراهة فيه لمكان المضادة بينهما واستحالة اجتماع‏المتضادين‏في شي‏ءواحد، وأما بين‏الوجوب بما هواعتباروالحرمة بما هي اعتبار،فلامضادة حتى يكون‏اجتماعهما في‏شي‏ء واحدبقطع النظرعن المبدأ والمنتهي محالاً.
وأما من ناحية المنتهى‏، فمن جهة استحالة الجمع بينهما في مرحلة الإمتثال، فإن‏الوجوب يقتضي الإتيان بالفعل والحرمة تقتضي الإجتناب والإبتعاد عنه،فلايمكن الجمع بين اقتضاء كل منهما في الخارج، وأما مع قطع النظر عن ناحيةالمبدأ والمنتهي، فلا مضادة بينهما بما هما اعتباران، لأن المضادة إنما تتصوّر بين‏الأشياء التكوينية الخارجية، وأما في الاُمور الإعتبارية التي لا واقع موضوعي‏لها ماعدا اعتبار المعتبر في عالم الذهن والإعتبار، فلاتتصور المضادة بينهما، كيف‏فإنها ليست بشي‏ء حتى تكون بينها مضادة.
فالنتيجة، إن استحالة اجتماع الوجوب والحرمة في شي‏ء واحد إنما هو من جهةاستحالة اجتماع ملاكيهما فيه في مرحلة المبادي، واستحالة الجمع بينهما في مرحلةالإمتثال لا في نفسهما، وأما إذا كان الحكمان متماثلين كما في المقام، فلامانع من‏اجتماعهما في شي‏ء واحد لامن ناحية المبدأ ولا من ناحية المنتهى‏. أما من ناحيةالمبدأ فلأن نتيجة اجتماع المصلحتين في شي‏ء واحد اندكاك إحداهما في الاُخرى‏،فتصبحان مصلحة واحدة أقوى‏ وآكد من كل منهما بحده، وكذلك الحال في‏الإرادتين والحبين المتعلقين به، وعلى هذا فالوجوبان يندك أحدهما في الآخرفيتولد منهما وجوب واحد أقوى‏ واكد من كل منهما ملاكاً.
فالنتيجة، إنه لا مانع من اجتماع وجوبين متماثلين في شي‏ء واحد، غاية الأمريندك أحدهما في الآخر، فيتولد من ذلك وجوب واحد أقوى‏ وآكد هذا، ثم‏قوّى‏قدس سره في المسألة ما اختاره المحقق النائيني‏قدس سره من أن مقتضى‏ القاعدة فيها عدم‏التداخل، وقد أفاد في وجه ذلك أمرين:
الأول: إن القضية الشرطية ظاهرة في انحلال الحكم بانحلال شرطه على أساس‏أن الشرط فيها هو الموضوع في القضية الحقيقية الذي أخذ مفروض الوجود في‏الخارج، لأن كل قضية حقيقية ترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع‏وتاليها ثبوت الحكم له، ومن الواضح أن انحلال الحكم بإنحلال موضوعه أمرطبيعي قهري، وإلاّ لزم خلف فرض كونه موضوعاً له. ونتيجة ذلك هي تعددالحكم بتعدد شرطه وسببه الذي هو الموضوع له بلافرق في ذلك بين أن يكون‏التعدد بلحاظ الأفراد أو الأنواع أو الأجناس.
الثاني: إن متعلق الطلب في الجزاء هو إيجاده في الخارج لاصرف وجوده حتى‏لايكون قابلاً للتعدد، وقد أفاد في وجه ذلك أن صيغة الأمر التي يكون مفادهاالطلب والبعث المولوي، لاتدل على أن متعلق الطلب صرف الوجود لا مادةولاهيئة، لأن مفاد المادة الطبيعة المهملة، ومفاد الهيئة طلب إيجادها لاصرف‏وجودها ونقض عدمها المطلق المنطبق على أول وجودها فقط، فإذن ليس هناك‏ما يدل على أن متعلق الطلب صرف وجود الطبيعة، فما هو المعروف في الألسنةمن أن متعلق الطلب صرف وجودها لا أصل له، وعليه فبطبيعة الحال يتعددالإيجاد بتعدد الطلب، فيتعلق الطلب بإيجاد كل فرد منها بنحو الإستقلال فلايجتمع‏الطلبان أو أكثر على شي‏ء واحد، مثلاً الوضوء أوالغسل وإن كان واحداً إلاّ أن‏وحدته لما كانت نوعية فهو لا محالة يتعدد بتعدد أفراده في الخارج، فيتعلق كل فردمن الطلب بإيجاد فرد من الطبيعة، ولاموجب حينئذٍ لحمل الطلب على التأكيد،فإنه بحاجة إلى قرينة(69)، هذا.
وللمناقشة فيما أفاده‏قدس سره مجال، وهذه المناقشة ترجع إلى نقطتين من كلامه‏قدس سره:
الاُولى‏: ما أفاده‏قدس سره من أنه لامانع من اجتماع حكمين متماثلين في شي‏ء واحد،غاية الأمر يندك أحدهما في الآخر، ويتولد من ذلك حكم ثالث آكد وأقوى‏ من‏كل واحد منهما بحدّه.
الثانية: إن متعلق الطلب المولوي هو إيجاد المادة أي الطبيعة المهملة لا صرف‏وجودها.
أما في النقطة الاُولى، فلأن الأحكام الشرعية، حيث إنها من الاُمورالإعتبارية التي لا واقع موضوعي لها في الخارج، وإنما هي قائمة بالمعتبر مباشرة في‏عالم الإعتبار والذهن، فلذلك لاتتصور المماثلة والمضادة بينها في أنفسها، لأن‏المماثلة والمضادة إنما هي من صفات الأشياء التكوينية الخارجية دون الأحكام‏الشرعية التي هي اُمور اعتبارية. نعم، إن المضادة والمماثلة بينها إنما هي بتبع‏المضادة والمماثلة بين ملاكاتها في مرحلة المبادي، وهي المصلحة والمفسدةوالإرادة والكراهة والحب والبغض، لأن المصلحة والمفسدة لا تجتمعان في شي‏ءواحد وكذلك الإرادة والكراهة والحب والبغض، فمن أجل ذلك يستحيل اجتماع‏الوجوب والحرمة في شي‏ء واحد لا بما هما أمران اعتباريان، وأما اجتماع حكمين‏متماثلين في شي‏ء واحد، فهو وإن كان لايمكن ولكن لا من جهة أن اجتماعهما في‏شي‏ء واحد مستحيل، لما مرّ من أنه لامانع منه لا بلحاظ نفيهما في مرحلة الإعتبارولا بلحاظ ملاكيهما في مرحلة المبادي، بل من جهة أن المولى‏ إذا جعل الوجوب‏للوضوء بلحاظ تحقق شرطه، فبطبيعة الحال كان جعل وجوب آخر له بعينه لغواًمحضاً، فلايمكن أن يكون تأسيساً فلا محالة يكون تأكيداً للأول.
وأما ما ذكره‏قدس سره من أنه لا مانع من جعل الوجوبين له، غاية الأمر حيث إن‏متعلقهما شي‏ء واحد فيندك احدهما في‏الآخر، ويتولد من ذلك وجوب ثالث آكدوأقوى من كل منهما بحدّه، فلايرجع إلى معنى معقول، لأن الوجوب حيث إنه أمراعتباري قائم بالمعتبر مباشرة قيام الفعل بالفاعل ولا وجود له غير وجوده في‏عالم الذهن والإعتبار، فلايتصور فيه الإندكاك، بداهة أنه لايعقل اندكاك اعتبارباعتبار آخر والتفاعل بينهما بالتأثير والتأثر بحيث يتولد من ذلك اعتبار ثالث‏أقوى‏ من كل منهما، لوضوح أن التفاعل بالتأثير والتأثر إنما يتصور في الأشياءالخارجية لا في الاُمور الإعتبارية، لأنها فعل المعتبر مباشرة ولا يعقل فيهاالتسبيب والتسبب والتأثير والتأثر، وإلاّ لزم خلف فرض كونه أمراً اعتبارياًوفعلاً للمعتبر مباشرة، فالإندكاك من أوصاف الموجودات الخارجية دون‏الإعتبارية، هذا إضافة إلى أن الحكم بما هو اعتبار لايتصف بالشدة والضعف إلاّبتبع ملاكه، وبكلمة واضحة أن الكلام في الإندكاك يقع في موردين:
الأول: في اندكاك حكم مع حكم آخر تارة في مرحلة الإعتبار، واُخرى‏ في‏مرحلة التطبيق.
الثاني: في اندكاك ملاك مع ملاك آخر في مرحلة المبادي.
أما الكلام في الأول، وهو الإندكاك في مرحلة الإعتبار، فإنه غير متصورضرورة أنه لايعقل أن يندك اعتبار في اعتبار آخر في هذه المرحلة، فيصبحان‏اعتباراً ثالثاً أقوى‏ وآكد من كل واحد منهما بحده، لأنه خلف فرض كونه فعلاًللمولى‏ مباشرة، ولايوجد في عالم الذهن إلاّ باعتباره ولهذا لايعقل اتصافه‏بالشدة والضعف أيضاً، وأما الإندكاك في مرحلة الفعلية والإنطباق، فهو أيضاًكذلك، فإذا فرضنا أن المولى‏ أمر بإكرام عالم وأمر أيضاً بإكرام هاشمي، ففي مثل‏ذلك يكون متعلق الأمر في كلا المثالين طبيعي الإكرام والمطلوب منه صرف‏وجوده في الخارج. وعلى هذا، فإذا قام المكلف بإكرام فرد يكون مصداقاً لكلاالعنوانين معاً، فينطبق عليه كلا الواجبين وحصل بذلك الإمتثال بالنسبة إلى كل‏منهما، هذا مما لا شبهة فيه. وإنما الكلام في أن هذا المجمع في مورد الإجتماع هل‏يكون محكوماً بوجوب أقوى‏ وآكد من وجوب كل منهما مستقلاً على أساس‏اندكاك وجوب كل منهما فيه أو لا؟
والجواب: إنه لايعقل ذلك، لأن سراية الوجوب من كل من الواجبين إليه‏بالسراية القهرية كسراية المعلول من العلة غير معقولة في الأحكام الشرعية،وخلف فرض كونه أمراً اعتباراً ويدور مدار الإعتبار مباشرة، وأما السرايةالجعلية بمعنى أن المولى‏ جعل الوجوب للمجمع، فهي وإن كانت ممكنة إلاّ أنها غيرواقعة جزماً ومجرد فرض لاواقع‏له وبحاجة إلى‏دليل يدل‏عليه، والمفروض عدمه.
وأما الكلام في الثاني، وهو السراية في مرحلة المبادي كسراية المصلحة من‏الطبيعي الواجب إلى أفراده، فهو غير واقع، لأن المصلحة مترتبة على الطبيعي‏وقائمة به ولاتسري منه إلى فرده ومصداقه، ضرورة أن فرده لوكان مشتملاً على‏مصلحة، كان واجباً بنفسه مع أن الأمر ليس كذلك، لأنه مصداق الواجب لا أنه‏واجب، وهذا دليل على أنها لاتسري من الطبيعي الواجب إلى فرده، وكذلك‏الحال في الإرادة والحب، فإن متعلقهما نفس الطبيعي الواجب ولاتسريان منه إلى‏فرده في الخارج لأن الفرد وإن كان مراداً ومحبوباً إلاّ أنه باعتبار وجود الطبيعي‏فيه لابحده الفردي، فإذن الأجزاء إنما هو بلحاظ انطباق الواجب عليه، فإنه إذاانطبق على الفرد المأتي به في الخارج، انتهى مفعول الوجوب بما له من المبادي،ولهذا يتحقق الإمتثال به، هذا من ناحية. ومن ناحية اُخرى‏، لو سلمنا السراية في‏المبادي، فلا مانع من الإلتزام بالإندكاك فيها باعتبار أنها اُمور واقعية.
وأما النقطة الثانية: وهي أن تعدد الطلب يستلزم تعدد الإيجاد في الخارج،وهو عين الوجود فيه فلافرق بينهما إلاّ بالاعتبار، وحينئذٍ فلا موجب لحمل‏الطلب الثاني على التأكيد.
فيرد عليها أولاً: إنها مخالفة لما بنى‏ عليه‏قدس سره من أن صيغة الأمر موضوعةللدلالة على إبراز اعتبار شي‏ء على ذمة المكلف لا للدلالة على الطلب المولوي.
وعليه، فإذا بال المكلف اعتبر الشارع وجوب الوضوء على ذمّته، وعندئذٍفإذا نام بعد ذلك، فلايمكن للشارع اعتباره على ذمته أيضاً لفرض أنه ثابت فيها،فإعتباره ثانياً تحصيل الحاصل إلاّ أن يقيّد اعتباره في ضمن فرد آخر، وهوبحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلأنه يتوقف على اعتبار المولى‏فرداً آخر من الطبيعة على ذمته، وأما إثباتاً فلابد من تقييد الجزاء في الشرطيةالثانية بقيد زائد كالتقييد بمرة اُخرى‏ كما إذا قال المولى‏: »إذا بلت فتوضأ، وإذا نمت‏فتوضأ« مرة اُخرى‏، فإذن يكون المعتبر على ذمته وجوبان، وأما إذا لم يقيدبالقيد المذكور لاثبوتاً ولا إثباتاً فلا ميز بين الإعتبارين.
والخلاصة: إن مدلول صيغة الأمر إذا كان طلب إيجاد الطبيعة فتعددة يستلزم‏تعدد الإيجاد، وأما إذا كان مدلولها إبراز اعتبار الطبيعة على ذمة المكلف فيكون‏مدلولها في الشرطية الثانية نفس ذلك بلا ميز بينهما لاثبوتاً ولا إثباتاً طالما لم يقيّدمدلولها في الثانية بقيد زائد، فإذن ما ذكره‏قدس سره لايتم على مسلكه.
وثانياً: إن ما أفاده‏قدس سره في المقام مبني على أن يكون متعلق الطلب الإيجادالخارجي، إذ على هذا يستلزم تعدد الطلب تعدد الإيجاد في الخارج، وهو عين‏الوجود فيه، ولكن من الواضح أن هذا المبنى لا أساس لها ولا يرجع إلى معنى‏معقول، لأن الوجود الخارجي لايعقل أن يكون متعلق الطلب كيف فإنه مسقط له‏وينتهي مفعوله به. هذا إضافة إلى أن الطلب أمر إعتباري، فلايعقل أن يتعلق بأمرخارجي، وإلاّ لكان خارجياً وهذا خلف.
فالنتيجة، إن متعلق الطلب ليس هو الإيجاد الخارجي بل متعلقه الإيجادالمفهومي الملحوظ فانياً في الإيجاد الخارجي ومرآة له، وهذا الإيجاد المفهومي‏المضاف إلى الطبيعة الملحوظ فانياً في إيجادها في الخارج لاميز له ولالون طالما لم‏يقيّده بقيد خاص والفرض عدمه، لأن متعلق الطلب المولوي في الشرطية الثانيةهو نفس متعلقه في الشرطية الاُولى‏، وهو الإيجاد المفهومي المضاف إلى الطبيعةبدون وجود قيد مميز في البين، فإذن لافرق بين متعلق الطلب في الشرطية الاُولى‏ومتعلقه في الشرطية الثانية، لأن الفرق بينهما منوط بتقييد متعلق الطلب في الثانيةبقيد خاص كمرة اُخرى‏ والمفروض عدمه.
فالنتيجة، إن ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره في المقام غير تام.
والصحيح في المقام أن يقال إن في هذه المسألة ظهورين متعارضين:
الأول: ظهور القضية الشرطية بالوضع في ترتب الجزاء على الشرط في مقابل‏ظهورها في تأكده وشدته، وعلى هذا فيتعدد الجزاء بتعدد الشرط وهذا هو ظهورالقضية الشرطية في عدم التداخل.
الثاني: ظهور مادة الجزاء في أنها متعلقة للحكم بعنوانها الخاص كالوضوء في‏مثل قضية إذا نمت فتوضأ، فإن مادة الجزاء وهي الوضوء ظاهرة بالوضع في أنهابعنوانها المخصوص، وهو عنوان الوضوء متعلقه للوجوب في كلتا الشرطيتين،وهذا الظهور هو ظهور الجزاء في التداخل.
فالنتيجة، إن الظهور الأول، يدل على عدم التداخل في الأسباب. والظهورالثاني يدل على التداخل فيها، فإذن تقع المعارضة بين هذين الظهورين، لأن‏مقتضى الظهور الأول ترتب الجزاء على الشرط وثبوته عند ثبوته. ونتيجة ذلك‏هي تعدد الحكم بتعدد الشرط وعدم التداخل، ومقتضى الظهور الثاني التداخل‏ووحدة الحكم وعدم تعدده بتعدد الشرط، فإذن لابد من علاج هذا التعارض،وهل يمكن علاجه برفع اليد عن أحدهما والتحفظ على الآخر؟
والجواب: قد يقال بإمكان ذلك، بدعوى‏ إن ظهور مادة الجزاء في أنهابعنوانها الخاص متعلقة للحكم قرينة على رفع اليد عن الظهور الأول، وهو ظهورالقضية الشرطية في ترتب أصل الجزاء على الشرط وثبوته عند ثبوته بملاك أن‏ظهورها في الثبوت عند الثبوت منوط بأن لايكون متعلق الجزاء في الشرطيةالثانية نفس ما هو متعلق الجزاء في الشرطية الاُولى‏، وإلاّ فلا ظهور لها فيه، ولكن‏هذه الدعوى‏ غير سديدة، لأن هذا الظهور للقضية الشرطية منوط بأن يكون‏الجزاء قابلاً للتعدّد إما بتعدد متعلقه كما في وجوب الوضوء مرتين أو بتعدد الجزاءنفسه مع وحدة المتعلق كما في حق الخيار، فإنه قد يثبت أكثر من خيار في بيع‏واحد، وحيث إن المفروض في المقام أن الجزاء قابل للتعدد، فلامانع حينئذٍ من‏ظهور القضية الشرطية في ذلك، فإذن إما أن يرفع اليد عن الظهور الأول في‏التأسيس والحمل على التأكيد، أو عن الظهور الثاني وتقييد المادة بقيد كمرةاُخرى‏، وحيث إنه لاترجيح لأحدهما على الآخر، فيسقطان معاً ويرجع حينئذٍإلى‏الأصل العملي في المسألة، وهو أصالة البراءة عن الوجوب الآخر للشك فيه أوفقل أن‏الثابت هووجوب واحد، وأماالوجوب الثاني، فهو مشكوك ثبوته فيكون‏المرجع فيه أصالة البراءة، فالنتيجة هي التداخل في الأسباب، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن هناك ظهورين آخرين في المسألة الاُولى‏:
الأول: الظهور الإطلاقي لمفهوم كل من القضيتين الشرطيتين.
الثاني: الظهور الإطلاقي التمامي لكل منهما في أن الشرط تمام العلة، وقد تقدم‏أن بين هذين الظهورين معارضة بالعموم من وجه وبعد سقوطهما في موردالإجتماع، فيكون المرجع العام الفوقي. هذا مما لا كلام فيه، وإنما الكلام في أن ظهورمادة الجزاء بالوضع على أنها بعنوانها الخاص متعلقة للحكم لا بعنوان آخر، فهل‏يكون طرفاً للمعارضة مع الظهورين المذكورين أو لا؟
والجواب: إنه ليس طرفاً للمعارضة معهما، أما بالنسبة إلى إطلاق المفهوم، فلامعارضة بينه وبين ظهور مادة الجزاء في أنها متعلقة للحكم بعنوانها الخاص،ولازم ذلك أن الحكم لايتعدد بتعدد القضية الشرطية، وإطلاق المفهوم لاينفي ذلك‏ولايعارضه، لأن مدلوله انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط مطلقاً، وأما بالنسبة إلى‏الإطلاق التمامي للشرط في كل منهما وإن كان طرفاً للمعارضة إلاّ أن ظهور مادةالجزاء في أنها متعلقة للحكم بعنوانها الخاص إنما هو بالوضع، وأما دلالةالقضيةالشرطية على أن الشرط علة تامة للجزاء، فإنما هي بالإطلاق ومقدمات‏الحكمة، وعلى هذا فلاتكون المعارضة بينهما مستقرة لإمكان الجمع العرفي بينهمابحمل الظاهر على الأظهر، على أساس أن الظهور الوضعي يتقدم على الظهورالإطلاقي تطبيقاً لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر، وأما ظهور القضية الشرطيةبالوضع في ترتب الجزاء على الشرط بنحو التعليق لاينافي إطلاق الشرط التمامي،وهو إطلاقه في أنه علة تامة للجزاء، لأن ظهوره الإطلاقي في طول ظهوره‏الوضعي ومترتب عليه وهو مندك فيه، كما أنه لاتنافي بين ظهوره الوضعي وبين‏إطلاق المفهوم أيضاً، لما عرفت من أن المنافي له إنما هو اطلاقه التمامي لاظهوره‏الوضعي في ترتب الجزاء عليه في الجملة.
ودعوى‏، إن إطلاق الشرط التمامي معارض بإطلاق المادة في طرف الجزاءوعدم تقييدها بفرد آخر من الطبيعة، لأن مقتضى‏ الإطلاق الأول تعدد الجزاءبتعدد الشرط، وعدم التداخل فيه ومقتضى‏ الاطلاق الثاني التداخل ووحدةالجزاء، فإذن تقع المعارضة بينهما فيسقطان معاً، ويرجع حينئذٍ إلى الأصل العملي‏وهو أصالة عدم التداخل في الأسباب والمسببات.
مدفوعة، بأن المادة طالما تكون ظاهرة بالوضع في أنها بعنوانها الخاص متعلقةللحكم، فلا تصل النوبة إلى الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، لأن التمسك به إنماهو لنفي تقييدها بقيد عند الشك، وأما كونها متعلقة للحكم بعنوانها الخاص، فهولايحتاج إلى أي مقدمة خارجية ماعدا الوضع، والمفروض أن ظهورها في ذلك‏حيث إنه بالوضع فيتقدم على إطلاق الشرط التمامي من باب تقديم الأظهر على‏الظاهر. هذا إضافة إلى أن الإطلاق التمامي للشرط لايقتضي ترتب الجزاء عليه‏وحده في حال اجتماعه مع شرط آخر وإنما يقتضي ذلك في حال انفراده لامطلقاً،فإنه في حال الإجتماع جزء العلة لاتمامها، ومن هنا يظهر أن إطلاق الشرط التمامي‏لايصلح أن يكون منشأ لظهور القضية في ترتب الجزاء على الشرط وثبوته عندثبوته مطلقاً، فإنه إنما يثبت ذلك في حال الإنفراد فحسب.
إلى هنا قد تبيّن أن التعارض في المسألة الاُولى‏، إنما هو بين إطلاق مفهوم كل‏من القضيتين الشرطيتين وإطلاق منطوق الاُخرى‏، وهو الإطلاق التمامي للشرطالمقابل للعطف بالواو، وأما الإطلاق الإنحصاري له، فقد تقدم أنه غير ثابت، وأماالتعارض في‏المسألة الثانية، فإنما هو بين ظهور القضية الشرطية في ترتب الجزاءعلى الشرط وضعاً وبين ظهور مادة الجزاء في أنها بعنوانها الخاص متعلقة للحكم،ومقتضى‏ الظهور الأول تعدد ترتب الجزاء بتعدد الشرط، ومقتضى الظهور الثاني‏إن طبيعة واحدة بعنوان واحد لايمكن أن تكون محكومة بحكمين متماثلين، لأن‏جعل الحكم الثاني له لغو إلاّ على القول بالإندكاك وتولد حكم ثالث أقوى وآكدمن‏كل منهمابحده، ولكن‏تقدم أن‏الاندكاك في‏الأحكام الشرعية غيرمعقول، لحدالآن قد ثبت أن القضية الشرطية وإن كانت ظاهرة في عدم التداخل في الأسباب‏إلاّأنه حيث لايمكن‏الأخذ بهذاالظهور، فالنتيجة في النهاية هي‏التداخل.
وأما الكلام في المسألة الثانية، وهي التداخل في المسببات أي في مرحلةالإمتثال، فيقع بعد الفراغ عن أن مقتضى المسألة الاُولى‏ عدم التداخل في‏الأسباب وتعدد الحكم، ولكن قد تقدم أن مقتضى ظهور القضية الشرطية وإن‏كان تعدد الحكم وعدم التداخل، إلاّ أن هذا الظهور معارض بظهور مادة الجزاءفي وحدة الحكم والتداخل، فمن أجل ذلك لايمكن الأخذ بظهور القضية الشرطيةفي الثبوت عند الثبوت، وعلى هذا فلاموضوع للبحث في المسألة الثانية، لأن‏البحث فيها إنما يعقل بعدالفراغ عن تعددالحكم في المسألة الاُولى‏. ومع الإغماض‏عن ذلك وتسليم أن الحكم في المسألة الاُولى‏ متعدد، فعندئذٍ يقع الكلام في هذه‏المسألة في أن مقتضى القاعدة فيها التداخل بينهما في مرحلة الإمتثال أو عدم‏التداخل؟
والجواب: إن مقتضى القاعدة فيها عدم التداخل في هذه المرحلة، لأن تعددالحكم إما من جهة أن كل من الحكمين في كل من القضيتين الشرطيتين تعلق بعنوان‏خاص أو من جهة تقييد إطلاق المادة في الشرطية الثانية بفرد آخر من الطبيعة،وعلى كلا التقديرين فلايمكن الإكتفاء بإمتثال واحد، لأن الإمتثال إنما يحصل‏بإنطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج، أما على الأول، فلأن متعلق كل‏منهما غير متعلق الآخر فلاينطبق أحدهما على ماينطبق عليه الأول، وإلاّ لزم‏خلف فرض تعلق كل منهما بعنوان خاص.
وأما على الثاني، فلأن كل منهما تعلق بفرد من الطبيعة، فإذن إجزاء أحدهماعن الآخر في مقام الإمتثال بحاجة إلى دليل.
فالنتيجة، إن مقتضى‏القاعدة عدم التداخل في المسببات أي‏مرحلة الإمتثال.
وأما الكلام في المسألة الثالثة، فقد استثنيت عدة موارد من مقتضى القاعدةفي المسألة الاُولى‏ والثانية:
المورد الأول: باب الوضوء، فإنه إذا اجتمع أسباب متعددة لوجوب الوضوءعلى المكلف ففيه حالتان:
الحالة الاُولى‏: ما إذا كان اجتماعهما عليه في عرض واحد، وفي هذه الحالةيكون الأثر مستند إلى مجموع الأسباب، وهو اعتبار الشارع كون المكلف محدثاًبالحدث الأصغر، وإذا اعتبره محدثاً به ترتب عليه أثره، وعدم جواز الدخول في‏كل ما هو مشروط بالطهارة.
الحالة الثانية: ما إذا كان اجتماعهما عليه طولياً، وفي هذه الحالة إذا نام المكلف‏اعتبره الشارع محدثاً، وإذا نام ثانياً فلا أثر له، إذ لامعنى لاعتباره محدثاً ثانياًلأنه تحصيل الحاصل، فإن المحدث لايعقل أن يكون محدثاً مرة ثانية، وكذلك‏الحال إذا بال بعده، فإنه لاأثر له ولا معنى لاعتباره محدثاً مرة اُخرى‏، لأن اعتبارالمكلف محدثاً لايكون حيثياً ومقيداً بكونه محدثاً بحدث البول مثلاً بل يكون‏مطلقاً. وعليه، فالبول الثاني أوالنوم بعد البول أو العكس سقطعن الشرطية،وهذه النكتة هي القرينة القطعية على أنه لا أثر لتعدد الشرط في مثل إذا نمت‏فتوضأ وهكذا، واحتمال أن الوضوء الأول يرفع حدث النوم فحسب دون حدث‏البول ضعيف جداً وغير محتمل، ضرورة أنه منافي لجعل الشارع الوضوء طهوراًورافعاً للحدث بدون التقييد بقيد، وكيف كان فالإرتكاز القطعي على أن المحدث‏لايقبل الحدث مرة ثانية، قرينة على أنه لاأثر لتعدد الشرط في باب الوضوء، وإنه‏خارج عن مقتضى القاعدة في المسألة الاُولى.
فالنتيجة، إن الشرط الثاني فارغ عن معنى الشرطية بلا فرق في ذلك بين أن‏يكون فرداً من نوع واحد أم كان فرداً من نوع آخر، هذا كله في السبب.
وأما المسبب، وهو وجوب الوضوء على تقدير تعدده بتعدد الشرط، فلاشبهةفي كفاية وضوء واحد، حيث إن الفرض منه الداعي إلى وجوبه، وهو الظهوريحصل به، فإذن الإتيان بالوضوء مرة ثانية يكون لغواً وبلا أثر، فلايمكن أن‏يكون واجباً: وإن شئت قلت: إن المكلف إذا توضأ كان متطهراً إما بلحاظ أنه‏بنفسه طهوراً وإنه محصل له، وعلى كلا التقديرين، فالطهارة قد تحققت، فإذا تحقق‏صح الإتيان بكل ما هو مشروط بها، وعليه فيسقط وجوب الوضوء مرة اُخرى‏بسقوط موضوعه، وهو الحدث لفرض ارتفاعه بالوضوء الأول، والنكتة في ذلك‏أن وجوب الوضوء وجوب غيري، لأنه واجب من أجل وجوب الصلاة ونحوهاوشرط لصحّتها. وعليه، فإذا توضّأ المكلف تحقق شرط الصلاة، فإذن لامعنى‏لوجوب الوضوء مرة ثانية، فإن وجوبها إنما هو من أجل أنها شرط لصحة الصلاةونحوها، و المفروض تحقق‏شرطها بالوضوءالأول، فإذن لامقتضى لوجوبه، أوفقل إن الشارع إعتبر المكلف متطهراً بالوضوء الأول، وعليه فلا مجال للوضوءالثاني، لأن المتطهر لايقبل أن يكون متطهراً مرة ثانية، ولهذا يكون باب الوضوءخارجاً عن المسألة الثانية أيضاً، ولا مجال للبحث عن أن مقتضى القاعدة فيه‏التداخل أو لا؟
هذا كله بالنظر إلى مقتضى القاعدة في باب الوضوء موضوعاً وحكماً.
أما الأول، فلأن موضوع وجوب الوضوء اعتبار الشارع كون المكلف محدثاً.
وأما الثاني، فلأن المترتب عليه الطهارة أو أنه بنفسه طهارة، فالوضوء من‏جهةالموضوع خارج عن‏المسألةالاُولى‏، من جهةالحكم خارج عن‏المسألة الثانية.
وأما بالنظر إلى الروايات الواردة في باب الوضوء، فقد ورد كثير منها بلسان‏لاينقض الوضوء إلاّ ما خرج من طرفي الإنسان أو النوم، ومقتضى هذا اللسان‏أن الناقض هو صرف وجود ما خرج.
ونتيجة ذلك، هي أنه لاأثر لوجوده الثاني سواءً أكان من نوع واحد أم من‏نوعين، وعلى هذا فالشرط الثاني فارغ عن معنى الشرطية، بداهة أنه لايكون‏ناقضاً، لأن مانقض لايعقل أن يقبل نقضاً مرة ثانية.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن مقتضى القاعدة والنص‏خروج الوضوء عن موضوع المسألة الاُولى‏ والثانية معاً.
المورد الثاني: باب الغسل، فإنه إذا اجتمع أسباب الغسل على المكلف فتارةيكون اجتماعها عليه عرضياً، واُخرى يكون طولياً وعلى كلا التقديرين مرةيكون الإجتماع بين أفراد نوع واحد عرضياً كان أو طولياً، واُخرى‏ يكون بين‏أنواع متعددة كذلك، فعلى الأول، إذا كان الإجتماع عرضياً فالأثر مستند إلى‏المجموع فيكون كل واحد منها جزء المؤثر لاتمامه، وإن كان فرض الإجتماع‏العرضي بين أفراد نوع واحد معدوم.
وأما إذا كان طولياً، فالأثر مستند إلى الفرد الأول كما إذا أجنب نفسه مرتين،فالأثر مستند إلى الجنابة الاُولى‏، وهو صيرورة المكلف محدثاً بالحدث الأكبر.وعليه، فبطبيعة الحال لاأثر للثانية إذ المحدث بحدث الجنابة لايقبل أن يكون محدثاًبحدثها مرة اُخرى‏، وكذلك الحال في سائر أسباب الغسل.
وعلى الثاني، فإن كان السبب الأول متمثلاً في حدث الجنابة، فلا أثر لحدوث‏السبب الثاني إذا كان متمثلاً في مس الميّت ونحوه، على أساس أنه لايترتب على‏حدثه أثر زائد على ما يترتب على حدث الجنابة، فإذن لايمكن للشارع أن يعتبره‏محدثاً بحدث المس زائداً على كونه محدثاً بحدث الجنابة لأنه لغو وبلا أثر، وكذلك‏الحال إذا كان السبب الثاني متمثلاً في حدث الحيض أو النفاس باعتبار أنه‏لايتضمن أثراً زائداً على حدث الجنابة، وإن كان السبب الأول متمثلاً في مس‏الميت، والثاني في الجنابة اعتبره الشارع محدثاً بحدث الجنابة أيضاً، باعتبار أن له‏أثراً زائداً على ما يترتب على حدث المس، فلهذا لابدّ من اعتباره محدثاً بحدثهابلحاظ هذا الأثر الزائد، وفي هذه الحالة لاتداخل بين الأسباب.
والخلاصة، إن السبب الأول إن كان أثره أقلّ من أثر السبب الثاني، فلامناص‏من الإلتزام بعدم التداخل في الأسباب، وإن كان العكس أو كانا متساويين في‏الأثر، فلامناص من الإلتزام بعدم تأثير السبب الثاني.
ومن هنا يظهر أن المؤثر إذا كان السبب الأول دون الثاني والثالث، فلا مجال‏للبحث حينئذٍ عن التداخل في المسببات إذ ليس عندئذٍ إلاّ مسبب واحد مستندإلى السبب الأول، وأما إذا كان للسبب الثاني أثر زائد على السبب الأول، فيكون‏هناك مسبّبان:
الأول: الأثر الحادث بحدوث السبب الأول.
الثاني: الأثر الزائد عليه الحادث بحدوث السبب الثاني.
وعلى هذا، فيقع الكلام في التداخل في المسببات وهل مقتضى‏ القاعدةالتداخل فيها؟
والجواب: نعم، وذلك لأن من عليه غسل الجنابة ومس الميّت، فإذا اغتسل‏من الجنابة أصبح متطهراً بحكم الشارع، فيجوز له حينئذٍ الدخول في كل ما هومشروط بالطهارة كالصلاة ونحوها، وكذلك في كل مالايسوّغ للجنب الدخول فيه‏وممارسته كالدخول في المسجدين الشريفين، والمكث في سائر المساجد، ومس‏كتابة القرآن، وقراءة آيات السجدة ونحوها وهكذا، وعليه فلامعنى لبقاء حدث‏المس أو الحيض أو النفاس، ضرورة أن معنى بقاؤه عدم جواز الدخول في الصلاةونحوها مما هو مشروط بالطهارة، وإلاّ فلازمه أن يكون غسل الجنابة لغواً، وهوكماترى، فإذن يسقط وجوب سائر الأغسال بسقوط موضوعه.
فالنتيجة، إن مقتضى القاعدة هو التداخل، وأما إذا اغتسل ناوياً به غسل مس‏الميّت، فهل يسقط به سائر الأغسال عنه أو لا؟
والجواب: الظاهر هو السقوط بسقوط موضوعها، وحصول غايتها حتى‏غسل الجنابة، والنكتة في ذلك هي أن الشارع جعل الغسل طهوراً إما بنفسه أومحصلاً له، وهوينطبق على غسل مس الميت أيضاً، فإذا كان غسل المس طهوراً،جاز للمكلف بعد الإتيان به الدخول في كل ما هو مشروط بالطهارة كالصلاةونحوها، إذ احتمال أن الشارع اعتبره متطهراً بالنسبة إلى حدث المس فقط غيرمحتمل، وبحاجة إلى دليل وإلاّ فظاهر إطلاق الدليل أنه طهور مطلقاً لا طهورنسبي أي بالنسبة إلى الأثر المشترك دون الأثر المختص بالجنابة، فإن ذلك بحاجةإلى دليل يدل على أن من اغتسل بنية غسل الميت وعليه جنابة أيضاً، فإنه وإن‏جاز له الدخول في الصلاة ونحوها، إلاّ أنه لايسوغ له الدخول في المسجدين‏الحرمين، والمكث في سائر المساجد وقراءة أيات السجدة، ونحوها إلاّ بغسل‏الجنابة، ولكن المفروض عدم وجود مثل هذا الدليل في المسألة، فإذن لامناص‏من الأجزاء والتداخل، أو فقل إن من مسّ ميتاً ثم صار جنباً، فإذا اغتسل بنيةغسل الميت، فلا يخلو إما أنه لايكون رافعاً للحدث أصلاً أو يكون رافعاً لحدث‏المس فقط أو رافعاً للحدث مطلقاً، ولارابع في البين، أما الإحتمال الأول، فهو غيرمحتمل جزماً، وأما الإحتمال الثاني، فهو خلاف إطلاق الدليل، فإن مقتضاه أنه‏رافع للحدث مطلقاً، ولايمكن حمله على الرفع النسبي فإنه بحاجة إلى دليل، فإذن‏يتعين الإحتمال الثالث.
إلى هنا قد تبيّن أن الغسل مهما كان سببه فهو طهور رافع للحدث، ويكون‏المكلف حينئذٍ متطهراً، ولايكون محدثاً لأنهما عنوانان متقابلان فلايصدق‏أحدهما على من يصدق عليه الآخر، ولافرق في ذلك بين أن يكون الحدث متمثّلاًفي الجنابة أو الحيض أو النفاس أو مس الميت أو غير ذلك، هذا بحسب مقتضى‏القاعدة، وأما بحسب الروايات فأيضاً الأمر كذلك، لأن مفادها التداخل فيها.
منها، قوله‏عليه السلام في صحيحة زرارة: »إذا اغتسلت بعد طلوع الفجر، أجزأت‏غسلك ذلك للجنابة والجمعة وعرفة« إلى أن قال: »فإذا اجتمعت عليك حقوق‏أجزاءها عنك غسل واحد«(70).
ومنها، قوله‏عليه السلام في صحيحة شهاب بن عبد ربه: »يجزي غسل واحد لهما، أي‏لغسل مس الميت والجنابة«(71).
قد يقال إن مقتضى‏ قوله‏عليه السلام في صحيحة زرارة: »إذا اجتمعت عليك حقوق‏عدم التداخل في الأسباب مع أنه لا مناص من الالتزام بالتداخل فيها إلاّ في بعض‏الصور« كما مرّ.
والجواب: إن الصحيحة ناظرة إلى الأغسال الواجبة والمستحبة، ولا مانع من‏اجتماعهما على شخص واحد كغسل الجمعة والجنابة وغسل دخول مكة المكرمةومدينة المنورة، وهكذا. وكذلك لامانع من اجتماع الأغسال المستحبّة باعتبار أن‏استحبابها نفسي، ولا تداخل في أسبابها، لحد الآن قد تبين أن مقتضى القاعدة في‏باب الأغسال التداخل أما في الأسباب أو في المسببات، فلذلك يكون باب‏الأغسال خارج عن المسألة الاُولى‏ والثانية معاً، ولا مجال للبحث عن أن مقتضى‏القاعدة فيها التداخل أو لا؟
المورد الثالث: ما إذا كان الجزاء غير قابل للتعدّد كالقتل، فإنه إذا اجتمع‏أسباب القتل على شخص واحد، فإنها وإن كانت جميعاً مؤثرة في وجوب قتله إلاّأنه لاشبهة في التداخل في مرحلة الإمتثال، وهو التداخل في المسببات، فإذا قتل‏بسبب ارتداده سقط وجوب قتله بسبب آخر بسقوط موضوعه، فإذا قتل زيدمثلاً جماعة من المؤمنين كان لأولياء كل منهم حق الإقتصاص، فإذا قام أحدهم‏بالإقتصاص منه، سقط حق الباقي في الإقتصاص بسقوط موضوعه، وينتقل‏الأمر إلى الدية، لأن دم المسلم لايذهب هدراً.
المورد الرابع: ما إذا لم يكن الشرط قابلاً للتعدد كالإفطار في نهار شهررمضان، فإنه شرط لوجوب الكفارة على المفطر في نهار شهر رمضان متعمداً،ومن الواضح أن عنوان الإفطار إنما يصدق على صرف وجود الأكل أو الشرب‏فيه، ولايصدق على وجوده.
الثاني، لأنه ليس مصداقاً للإفطار، وإن كان مصداقاً للأكل أو الشرب إلاّ أنه‏ليس موضوعاً للكفارة، وعلى هذا فإذا أكل الصائم أو شرب في نهار شهر رمضان‏متعمداً، فقد أفطر وعليه الكفارة، وإذا أكل أو شرب فيه مرة اُخرى‏، فلا كفارةعليه لعدم صدق الإفطار وإن كان محرماً بإعتبار وجوب الإمساك عليه.
نعم، لوكان موضوع وجوب الكفارة عنوان الأكل أو الشرب فيه، لتعدّدت‏بتعدده كما هو الحال في الجماع والإستمناء في نهار شهر رمضان، فإن موضوع‏وجوب الكفارة هو نفس عنوان الجماع والإستمناء فيه، فلهذا تعددت الكفارةبتعددهما في الخارج، فلو جامع زوجته في نهار شهر رمضان عدة مرات، فعليه‏عدة كفارة.
وعلى هذا، فلا مجال للبحث عن التداخل في الأسباب، ولا في المسببات لا في‏الفرض الأول، ولا في الفرض الثاني، أما في الفرض الأول فلأن موضوع الكفارةفيه هو الإفطار في نهار شهر رمضان عامداً ملتفتاً، وهو حيث لايقبل التكرار،فلا موضوع للبحث عن التداخل فيه، وأما في الفرض الثاني، فلأن الموضوع فيه‏عنوان الجماع والإستمناء في نهار شهر رمضان متعمداً، وهو حيث يقبل التكرار،فلهذا لا فرق بين وجوده الأول ووجوده الثاني من هذه الناحية، ومن الطبيعي‏أن بتكراره تتكرر الكفارة، ولا مجال حينئذٍ للبحث عن التداخل فيه، ولا موجب‏له لا في الأسباب ولا في المسبّبات.
المورد الخامس: الكفارات المترتبة على محرمات الإحرام، وعلى مخالفة النذروالإيمان ونحوها، فإنها تتعدد بتعدد هذه المحرمات فلاتداخل فيها لا في الأسباب‏ولا في المسبّبات. نعم، قد ثبت في بعض هذه الكفارات ،ككفارة التظليل أنهالاتتعدد بتعدد التظليل مثلاً للتظليل في إحرام العمرة كفارة واحدة، وإن تعدد،وفي إحرام الحج كفارة واحدة كذلك، ولكن هذا من جهة النصّ لامن باب‏التداخل.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن البحث في المسألة الاُولى‏،إنما هو عن كبرى المسألة، وهي أن مقتضى القاعدة فيها هل هو تعدد الجزاء بتعددالشرط، وعدم التداخل في الأسباب أو لا؟ وكذلك البحث في المسألة الثانية، فإنه‏إنما هو عن كبرى‏ المسألة، وهي أن مقتضى القاعدة فيها هل هو تعدد الإمتثال‏بتعدد الجزاء، وعدم التداخل في المسببات أو لا؟
والموارد الخمسة المتقدمة مستثناة من هاتين الكبريين، ولاتكون من‏صغرياتهما.
ثم إن ما نسب إلى فخر المحققين‏قدس سره من أن مسألة التداخل في الأسباب تبتني‏على أن الأسباب الشرعية معرفات محضة لا أسباب، فإذا كانت كذلك فلامانع‏من اجتماع معرفين أو أكثر على شي‏ء واحد، ومسألة عدم التداخل فيها تبتني على‏أنها أسباب لا معرفات، لايرجع إلى معنى محصّل، وذلك لأنه إن اُريد بذلك‏استحالة اجتماع الأسباب المتعددة على مسبب واحد والعلل المتعددة على معلول‏واحد(72).
فيرد عليه، إنه لامانع من اجتماع الأسباب المتعددة إذا كانت من سنخ واحدعلى مسبب واحد، والعلل الكثيرة على معلول واحد، لأن المعلول حينئذٍ مستندإلى المجموع لا إلى كل واحد منها بحدّه، لأن كل منها جزء العلة لاتمامها والمؤثر إنماهو المجموع من حيث المجموع، وإن اُريد بكونها معرفات محضة أنها ليست‏كالأسباب التكوينية التي تؤثر في مسبباتها بمقتضى مبدأ التناسب.
نتائج البحوث ...
فيرد عليه، إنها مؤثرة في حقيقة الحكم وروحه، وهي الملاك كتأثير السبب‏التكويني في مسببه، وأما الحكم بما هو اعتبار فلا قيمة له، وإن اُريد بذلك أنهاغير دخيلة في الملاك ولا موضوعة للحكم، ففيه أنه لايرجع إلى معنى محصل،لوضوح أن النوم مثلاً لولم يكن دخيلاً في ملاك وجوب الوضوء، ولا موضوعاًله، كان جعل الشارع وجوب الوضوء مترتباً على النوم أو البول بلا مبرر،ويكون لغواً وجزافاً.
فالنتيجة، إن هذا التفصيل لايرجع إلى معنى محصّل، هذا تمام الكلام في مفهوم‏الشرط ولواحقه.
نتائج البحوث عدة نقاط:
النقطة الاُولى: إذا تعدد الشرط واتحد الجزاء، فيقع الكلام في ثلاث مسائل:
الاُولى: في التداخل في الأسباب وهل هو مقتضى‏ القاعدة فيها أو لا؟ونقصد بالتداخل فيها أن المؤثر هو مجموع الشرطين والسببين معاً.
الثانية: في التداخل في المسببات والتسأل في أنه مقتضى القاعدة أو لا؟ ونقصدبالتداخل فيها الإكتفاء بإمثال واحد في مرحلة التطبيق، ومورد البحث في كلتاالمسألتين هو ما يعقل فيه تعدد الحكم.
الثالثة: في المستثنيات عن مقتضى القاعدة في هاتين المسألتين.
النقطة الثانية: ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن مقتضى القاعدة عدم‏التداخل في الأسباب، على أساس ظهور القضية الشرطية في الحدوث عندالحدوث، نعم إذا كان الجزاء حقيقة واحدة، فلايمكن الأخذ بهذا الظهور(73)، وفيه‏إشكال من السيد الاُستاذقدس سره كما مرّ.
النقطة الثالثة: أفاد السيد الاُستاذقدس سره إن ما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره من أن‏مقتضى القاعدة عدم التداخل في الأسباب من جهة ظهور القضية الشرطية في‏إنحلال الحكم بإنحلال موضوعه من جهة، وكون متعلق الطلب في طرف الجزاءإيجاد الطبيعة في الخارج لاصرف وجودها، وهو يتعدد بتعدد الطلب من جهةاُخرى غير تام، لأن متعلق الطلب ليس هو االإيجاد الخارجي الذي هو عين‏
...................( Anotates ).................
1) أجود التقريرات 150 :1.
2) محاضرات في اُصول الفقه 24 - 23 :5.
3) محاضرات في اُصول الفقه 6 :5.
4) محاضرات في اُصول الفقه 6 :5.
5) بحوث في علم الاُصول 117 - 107 :3.
6) أجود التقريرات 386 :1؛ محاضرات في اُصول الفقه 6 - 5 :5.
7) أجود التقريرات 395 - 394 :1.
8) أجود التقريرات 388 :1.
9) محاضرات في اُصول الفقه 9 :5.
10) سورة البقرة (275 :(2.
11) محاضرات في اُصول الفقه 11 :5.
12) أجود التقريرات 391 :1.
13) كفاية الاُصول: 183 - 182.
14) أجود التقريرات 391 - 390 :1.
15) أجود التقريرات 399 :1.
16) محاضرات في اُصول الفقه 18 :5.
17) الوسائل 4: ب 25 من قواطع الصلاة.
18) الوسائل 4: ب 13 من قواطع الصلاة.
19) محاضرات في اُصول الفقه 19 :5.
20) كفاية الاُصول: 185.
21) محاضرات في اُصول الفقه 15 :5.
22) أجود التقريرات 399 :1.
23) محاضرات في اُصول الفقه 22 :5.
24) محاضرات في اُصول الفقه 24 - 23 :5.
25) أجود التقريرات 401 - 400 :1.
26) كفاية الاُصول: 187.
27) كفاية الاُصول: 189.
28) محاضرات في اُصول الفقه 38 :5.
29) سورة البقرة (275 :(2.
30) أجود التقريرات 404 - 403 :1.
31) سورة آل عمران (97 :(3.
32) وسائل الشيعة 523 :14 ب 24 من العبيد والأماء ح 1.
33) أجود التقريرات 407 - 406 :1.
34) وسائل الشيعة 523:14 ب 24 من نكاح العبيد والاماء ح 2.
35) محاضرات في اُصول الفقه 46 :5.
36) محاضرات في اُصول الفقه 48 - 47 :5.
37) المكاسب: 124، سطر 30.
38) المكاسب: 128 في المسألة الثالثة.
39) كفاية الاُصول: 187.
40) أجود التقريرات 404 :1.
41) أجود التقريرات 406 :1.
42) المكاسب: 128.
43) محاضرات في اُصول الفقه 46 :5.
44) سورة الأنبياء (22 :(21.
45) محاضرات في اُصول الفقه 74 :5.
46) سورة الحجرات (6 :(49.
47) نهاية الدراية 413 - 412 :2.
48) أجود التقريرات 415 :1.
49) أجود التقريرات 418 :1.
50) محاضرات في اُصول الفقه 79 - 77 :5.
51) مطارح الأنظار: 169.
52) أجود التقريرات 415 :1.
53) محاضرات في اُصول الفقه 86 :5.
54) وسائل الشيعة 117 :1 ب 9 من الماء المطلق.
55) أجود التقريرات 422 - 421 :1.
56) أجودا التقريرات 421 :1.
57) محاضرات في اُصول الفقه 86 :5.
58) وسائل الشيعة 117 :1 ب 9 من الماء المطلق ح 1.
59) كفاية الاُصول: 201.
60) محاضرات في اُصول الفقه 100 :5.
61) أجود التقريرات 425 - 423 :1.
62) أجود التقريرات 424 :1 في الهامش.
63) بحوث في علم الاُصول 163 :3.
64) محاضرات في اُصول الفقه 104 :5.
65) محاضرات في اُصول الفقه 105 :5.
66) أجود التقريرات 423 :1.
67) كفاية الاُصول: 202.
68) محاضرات في اُصول الفقه 101 - 100 :5.
69) محاضرات في اُصول الفقه 105 :5.
70) وسائل الشيعة 525 :1 ب 43 من الجنابة ح 1.
71) وسائل الشيعة 526 :1 ب 43 من الجنابة ح 3.
72) كفاية الاُصول: 205.
73) كفاية الاُصول: 202.

.........................................
...المباحث الاُصولية / ج 6
مفهوم الوصف ...

الوجود فيه، بداهة أن متعلق الطلب لايمكن أن يكون الوجود الخارجي، فإنه‏مسقط له فكيف يعقل تعلقه به، هذا إضافة إلى أنه أمر إعتباري فلايعقل تعلقه‏بأمر خارجي(1).
النقطة الرابعة: إن هناك ظهورين متعارضين:
أحدهما، ظهور القضية الشرطية في ترتب أصل الجزاء على الشرط في مقابل‏ظهورها في تأكده وشدته.
الثاني، ظهور مادة الجزاء في أنها متعلقة للحكم بعنوانها الخاص، وكلاالظهورين يكون بالوضع ولايمكن التحفظ بهما معاً، فإذن لابد من رفع اليد عن‏أحدهما دون الآخر إن كان هناك مرجح وإلاّ فيسقطان معاً ويرجع إلى الأصل‏العملي، وهو أصالة البراءة عن وجوب آخر للشك في حدوثه.
النقطة الخامسة: إن محل الكلام في التداخل في المسببات إنما هو بعد الفراغ‏عن تعدد الحكم بتعدد السبب في المسألة الاُولى‏، ومقتضى القاعدة في هذه‏المسألة عدم التداخل في مقام الإمتثال بل لابدّ من التعدد إلاّ إذا كان هناك دليل‏على التداخل.
النقطة السادسة: قد استثنى من مقتضى القاعدة في المسألة الاُولى‏ والثانيةعدّة موارد منها باب الوضوء، ومنها باب الغسل، ومنها ما إذا كان الجزاء غيرقابل للتعدد، ومنها ما إذا لم يكن الشرط قابلاً له، ومنها الكفارات المترتبة على‏محرمات الإحرام.


مفهوم الوصف‏
غير خفي أن محل الكلام في مفهوم الوصف إنما هو في الوصف الذي يكون‏موصوفه مذكوراً في الكلام، وأما الوصف الذي لايكون موصوفه مذكوراً فيه،فهو خارج عن محل الكلام لأن حاله حال اللقب، وسوف يأتي الكلام في أن‏اللقب لايدل على المفهوم، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن محل الكلام في المقام إنما هو في الوصف الذي يكون‏أخصّ من الموصوف، وأما إذا كان الوصف مساوياً له أو أعمّ منه، فهو خارج‏عن محل الكلام وداخل في مفهوم اللقب ولا مفهوم له.
والخلاصة: إن دلالة الوصف على المفهوم ترتكز على ركيزتين.
الاُولى‏: إنه لابدّ أن يكون موصوفه مذكوراً في الكلام.
الثانية: إن الوصف لابد أن يكون أخصّ من الموصوف بحيث لاينتفي بانتفاءالوصف، ويكون ارتباط الحكم به وراء ارتباطه بالموصوف.
وقد استدل على دلالة القضية الوصفيّة على المفهوم بوجوه:
الوجه الأول: إنه لا فرق بينها وبين القضية الشرطية في الدلالة على المفهوم،وقد تقدم أن القضية الشرطية تتكون من ثلاثة عناصر:
1 - الموضوع.
2 - الشرط.
3 - الحكم.
وارتباط الحكم بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع، ومن هنا قلنا أن القضيةالشرطية التي هي مسوقة لبيان تحقق الموضوع خارجة عن محل الكلام، ولا تدل‏على المفهوم كما تقدم، وكذلك الحال في القضية الوصفيّة، فإنها تتكون من ثلاثةعناصر: 1 - الموضوع. 2 - الوصف. 3 - الحكم.
ويكون ارتباط الحكم بالوصف وراء ارتباطه بالموضوع، ولاينتفي الموضوع‏بانتفاء الوصف، وعلى هذا فحيث إن الحكم في القضية الوصفية مرتبط بالوصف‏بنحو التعليق والتفريع مولوياً، فمن أجل ذلك يكون المتفاهم العرفي منها انتفاءطبيعي الحكم بانتفاء الوصف كما هو الحال في القضية الشرطية، وإن شئت قلت إن‏النكتة التي توجب دلالة القضية الشرطية على المفهوم، وهي ارتباط الحكم‏بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع من جهة، وكون هذا الإرتباط مولوياً من جهةاُخرى هي التي توجب دلالة القضية الوضعية على المفهوم، وعلى هذا الأساس‏فلافرق بين القضية الشرطية والقضية الوضعية في الدلالة عليه.
والجواب: إن القضية الوضعيّة تختلف عن القضية الشرطية في نقطة وتشترك‏معها في نقطة اُخرى، وأما نقطة الإشتراك فلأنها كالقضية الشرطية متكونة من‏العناصر الثلاثة المتقدمة، وأما نقطة الإختلاف فلأن الوصف في القضية الوضعيّةقيد للموضوع بينما يكون الشرط في القضية الشرطية قيداً للحكم، وعلى ضوء هذاالإختلاف فالموضوع في القضية الوضعيّة حصة خاصة، وهي العالم المقيّد بالعدالةفي قولنا: »أكرم العالم العادل«، ونتيجة ذلك أنه لايكون للحكم ارتباطان في‏القضية الوضعيّة.
أحدهما، بالموضوع. والآخر، بالوصف وراء ارتباطه بالموضوع، بينما يكون‏له ارتباطان في القضية الشرطية الأول بالموضوع، والثاني بالشرط، بل له ارتباطواحد وهو ارتباطه بالموضوع الخاص، فوجوب الإكرام في المثال مرتبط بحصّةخاصة من العالم، وهي العالم المقيّد بالعدالة.
وإن شئت قلت: إن المتفاهم العرفي الإرتكازي من القضية الوضعية كقولك:»أكرم العالم الهاشمي« هو أن الموضوع لوجوب الإكرام حصة خاصة من العالم،وهي العالم المقيّد بكونه هاشمياً، فإذن لايكون في القضية إلاّ إرتباط واحد وهوارتباط الحكم بالموضوع الخاص. وعليه، فلاتكون القضية الوصفية كالقضيةالشرطية، وإنما تكون مثلها إذا كان الوصف فيها قيداً للحكم كالشرط في القضيةالشرطية، فحينئذٍ يكون ارتباط الحكم بالوصف وراء ارتباطه بالموضوع، ولكن‏الأمر ليس كذلك لأنه قيد للموضوع، وعندئذٍ يكون الموضوع حصة خاصة لاالطبيعي المطلق، وعلى هذا فحال القضية الوصفية من هذه الناحية حال اللقب،كقولك: »أكرم زيداً«، فكما أن الحكم فيه ينتفي بانتفاء موضوعه، فكذلك في‏القضية الوصفية باعتبار أن الوصف قيداً للموضوع وبانتفائه ينتفي الموضوع،وانتفاء الحكم بانتفاء موضوعه عقلي وليس من المفهوم في شي‏ء.
فالنتيجة، إن القضية الوضعية كالقضية الشرطية المسوقة لبيان تحقق موضوعهافي الخارج.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره وحاصله: إن كافة الحمل التي يقع‏الكلام في دلالتها على المفهوم كالجمل الشرطية والوصفية ونحوهما تدل على الربطالخاص الذي لازمه الإنتفاء عند الإنتفاء، فالجملة الشرطية تدل على الربطالخاص بين الجزاء والشرط، والجملة الوصفيّة تدل على الربط الخاص بين الحكم‏والوصف، ولازم ذلك هو انتفاء الجزاء بانتفاء الشرط في الاُولى، وانتفاء الحكم‏بانتفاء الوصف في الثانية، ومن هنا اتفق الكل على انتفاء شخص الحكم بانتفاءالقيد شرطاً كان أم وضعاً، وإنما اختلفوا في انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه، ومن‏الواضح أن هذا الإتفاق يكشف عن اتفاقهم على أن الحمل المذكورة تدل على‏الربط الخاص بين الحكم والقيد المذكور فيها سواءً أكان القيد شرطاً أم وضعاً،ويشهد على ذلك تسالمهم على انتفاء الحكم ولو انتفاء شخص الحكم بانتفاء القيد،وعلى ضوء هذا الأساس فعلى القائلين بالمفهوم اثبات أن طرف الربط الخاص في‏تلك الجمل ليس شخص الحكم المجعول فيها بل طبيعي الحكم لكي تدل الجمل‏المذكورة على أساس هذا الربط الخاص على المفهوم، وهو انتفاء طبيعي الحكم‏بانتفاء القيد وإن كان وصفاً، وأما إثبات ذلك فهو مرهون بإثبات الإطلاق‏بإجراء مقدمات الحكمة في مفاد هيئة الجزاء في القضية الشرطية، ومفاد صيغةالأمر في القضية الوصفية، بتقريب أن مقتضى اطلاق مفاد الهيئة وعدم وجودالقرينة على أن المرتبط بالشرط أو الوصف شخص الحكم أنه طبيعي الحكم،وعليه فالقضية الشرطية تدل على المفهوم بالإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة لابالوضع، وكذلك القضية الوصفية، فإنها تدل على المفهوم بالإطلاق ومقدمات‏الحكمة(2)، هذا.
وللمناقشة فيه مجال، أما أولاً: فلما عرفت من أن القضية الوصفية لاتدل على‏الربط الخاص بين الحكم وبين الوصف وراء ربطه بالموضوع، بل تدل على ربطالحكم بالموضوع‏الخاص وهوالمقيد بالوصف، فلذلك تختلف عن القضيةالشرطية، لأن القضية الشرطية تدل على ربط الحكم بالشرط وراء ربطه‏بالموضوع، فإذن ليست الجملة الوصفية كالجملة الشرطية فلاوجه لجعلها من‏واد واحد.
وثانياً: إن ملاك دلالة القضية على المفهوم ليس دلالتها على الربط الخاص،لأن كل قضية تدل على الربط الخاص، وهو الربط بين محمولها وموضوعها،فالقضية الوصفية تدل على ربطالحكم بالموضوع‏المقيد بقيدخاص، وقضيةاللقب‏تدل على ربطه بموضوعه الخاص، وهذا الربط الخاص لايستدعي إلاّ انتفاءشخص الحكم المجعول في القضية بانتفاء موضوعه، ومن الواضح أن ذلك ليس من‏دلالة القضية على المفهوم لأن هذا الإنتفاء عقلي، وانتفاء الحكم في القضية الوصفيةبانتفاء الوصف إنما هو من جهة أن انتفائه يوجب انتفاء الموضوع، على أساس أن‏المقيد ينتفي بانتفاء قيده، وقد تقدم أن ملاك دلالة القضية على المفهوم يتمثل في‏اُمور:
الأول: أن يكون إرتباط الحكم بالقيد وراء ارتباطه بالموضوع.
الثاني: أن يكون هذا الإرتباط بنحو التعليق والإلتصاق لا بنحو الإستلزام.
الثالث: أن يكون هذا التعليق مولوياً لا ذاتياً وطبيعياً، فإذا توفرت هذه‏الاُمور في القضية دلت على المفهوم، وهو انتفاء سنخ الحكم بانتفاء القيد، ومن‏الواضح أن هذه الاُمور لاتتوفر في القضية الوصفية، لأن الأمر الأول غير متوفرفيها كماتقدم وكذلك الأمرالثاني، فإن ثبوت الحكم للموضوع ليس بنحو التعليق‏والإلتصاق، بل هو طبيعي على أساس أن الحكم لايمكن أن يكون بلا موضوع.
وثالثاً: إن ما ذكره‏قدس سره من أن مقتضى إطلاق الهيئة وعدم وجود قرينة على أن‏المرتبط بالشرط أو الوصف شخص الحكم أنه طبيعي الحكم، لايمكن المساعدةعليه، إذ لا شبهة إن المرتبط بالشرط في القضية الشرطية وبالوصف في القضيةالوصفية شخص الحكم المجعول فيهما، ولا إطلاق لمفاد الهيئة من هذه الناحية،بداهة أن مفادها المجعول بها شخص الحكم المربوط بالشرط أو الوصف، فكون‏المرتبط به طبيعي الحكم بحاجة إلى قرينة، وهي موجودة في القضية الشرطية دون‏الوصفية كما تقدم.
الوجه الثالث: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن القضية الوصفية تدل على‏المفهو لا كدلالة القضية الشرطية عليه، بل هي حد الوسط بينها وبين ما لايدل‏على المفهوم، بيان ذلك إنها وإن كانت لاتدل على انتفاء الحكم عن غير موردها،ولكنها تدل على انتفائه عن موردها بانتفاء الوصف، فإذا قال المولى‏: »أكرم‏العالم العادل«، فإنه وإن كان لايدل على انتفاء وجوب الإكرام عن غير مورده،وهو العالم الهاشمي مثلاً بانتفاء الوصف وهو العدالة في المثال، إلاّ أنه يدل على‏انتفائه عن مورده بانتفاءالوصف، والنكتة في ذلك هي ظهور القيد في الإحتراز ودلالته على أن الحكم المجعول في القضية لم يثبت لطبيعي الموصوف بنحو الإطلاق،وإنما هو ثابت لحصة خاصة منه، وهي المقيد بالوصف وإلاّ لكان القيد لغواً.
وإن شئت قلت: إن الوصف في المثال يدل على أن وجوب الإكرام لم يثبت‏لطبيعي العالم بنحو الإطلاق على أساس ظهور القيد عرفاً في الإحتراز، وحمله‏على التوضيح بحاجة إلى قرينة، وهذا معنى دلالة القضية الوصفية على المفهوم،ومن هنا قال‏قدس سره إن الصحيح في القضية الوصفية التفصيل، فإنه إن اُريد بدلالتهاعلى المفهوم دلالتها على انتفاء الحكم عن غير موردها بانتفاء الوصف، فهي‏لاتدل على ذلك بل لا إشعار فيها على ذلك فضلاً عن الدلالة، وإن اُريد بهادلالتها على عدم ثبوت الحكم لطبيعي الموصوف(3) بنحوالإطلاق، فهي صحيحةلأنها تدل على ذلك على أساس ظهور القيد في الإحتراز، هذا.
والجواب: إن القيد على أساس ظهوره في الإحتراز، وإن كان يدل على أن‏الموضوع في القضية حصة خاصة لا الطبيعي بنحو الإطلاق، إلاّ أن هذا ليس من‏المفهوم في شي‏ء، فإذا قال المولى‏: »أكرم العالم الهاشمي«، فالقيد فيه وإن كان‏ظاهراً في أن موضوع وجوب الإكرام حصة خاصة من العالم، وهي العالم المقيّدبكونه هاشمياً، إلاّ أن لازم ذلك هو انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه وهو الحصةالخاصة، ومن الواضح أن هذا الإنتفاء عقلي لايرتبط بدلالة القضية على المفهوم،وعلى هذا، فإن أرادقدس سره بدلالة الوصف على المفهوم، دلالته على عدم ثبوت الحكم‏لطبيعي الموصوف بنحو الإطلاق، فهي ليست من الدلالة على المفهوم عندالاُصوليين، هذا إضافة إلى أنه يدل على عدم شخص الحكم المجعول في القضية لالاسنخ الحكم وإن أرادقدس سره بها انتفاء الحكم بانتفاء الوصف.
فيرد عليه، إنه من انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه، على أساس أن‏الموضوع حصة خاصة، وبانتفاء الوصف تنتفي الحصة، وانتفاء شخص الحكم‏بانتفاء موضوعه عقلي لايرتبط بدلالة الوصف على المفهوم، ولا فرق من هذه‏الناحية بين القضية الوصفية وقضية اللقب، غاية الأمر أن في اللقب يكون‏الموضوع من الأول خاصاً، وفي الوصف يكون الموضوع فيه خاصاً بواسطةالقيد.
فالنتيجة، إن الحكم في كلا الموردين ثابت لموضوع خاص.
والخلاصة، إن الوصف بمقتضى ظهوره في الإحتراز، وإن كان يدل على أن‏موضوع الحكم في القضية حصة خاصة لا الطبيعي المطلق، إلاّ أن لازم هذه‏الدلالة هو انتفاء شخص الحكم المجعول فيها بانتفاء موضوعه، وهو عقلي لايرتبطبدلالة اللفظ على المفهوم، فإذن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من دلالة القضيةالوصفية على المفهوم لايتمّ.
الوجه الرابع: إن تقييد وجوب إكرام العالم بالعادل يدل على أنه لم يجعل‏وجوب الإكرام للعالم غير العادل ولو بجعل آخر، إذ لو كان وجوب إكرام العالم‏غير العادل أيضاً مجعولاً ولو بجعل آخر، لكان هذا التقييد وهو تقييد العالم بالعادل‏بلا فائدة ولغواً، إذ حينئذٍ كان إكرام جميع العلماء واجباً أعمّ من العدول وغيرهم،فإذن لافائدة في التقييد، وعلى هذا الأساس فتقييد المولى‏ وجوب إكرام العالم‏بالعدالة يدل على انتفاء وجوب إكرام تمام العلماء بانتفاء القيد وهو العدالة أعمّ من‏العلماء العدول وغير العدول، وهذا هو معنى دلالة القضية الوصفية على المفهوم،وهو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الوصف.
والجواب: إن تقييد وجوب إكرام العالم بخصوص حصة خاصة وهي‏العالم‏العادل لابد أن يكون مبنياً على نكتة، وهي أن ملاك وجوب الإكرام موجود في‏إكرام هذه الحصة من العالم لا في جميع حصصه، وإلاّ لكان هذا التقييد لغواً،لوضوح أن ملاك وجوب الإكرام لو كان موجوداً في إكرام العالم مطلقاً وبتمام‏أصنافه، فلايمكن للمولى‏ تقييد وجوبه بحصة خاصة منه لأنه بلا مبرّر، وأما إذاكان ملاك وجوب الإكرام في بعض الأصناف دون بعضها الآخر، كما إذا كان في‏إكرام العالم الفاسق إذا كان فقيهاً دون ما إذا كان نحوياً أو اُصولياً أو غير ذلك،فلايكون هذا التقييد لغواً وبلا فائدة، لأنه إنما يدل على نفي وجود الملاك في إكرام‏جميع أصناف العالم الفاسق أعم من النحوي والاُصولي والفقيه وغيرهم، ولايدل‏على نفي وجوده عن بعضها دون بعضها الآخر، والسرّ فيه أن منشأ هذه الدلالةهو لزوم لغوية القيد، وهي لاتقتضي أكثر من نفي وجود الملاك في جميع أصناف‏العالم الفاسق، وأما وجوده في البعض دون الآخر فهي لاتقتضي نفيه، لأنه‏لايوجب لغويته، وعليه فمفهوم القضية الوصفية مساوق للإيجاب الجزئي.
والخلاصة، إن تقييد وجوب إكرام العالم بالعدالة لايدل على نفي وجوبه عن‏العالم غير العادل مطلقاً كما هو ظاهر هذا الوجه، وإنما يدل على أن ملاك وجوب‏الإكرام غير موجود في إكرام جميع أصنافه، وإلاّ لكان هذا التقييد لغواً، ولايدل‏على أنه غير موجود في البعض أيضاً بنحو الإيجاب الجزئي، بإعتبار أنه لايوجب‏لغويته، كما أن وجوده في البعض لايضرّ في ظهور قيد العدالة في دخله في‏الحكم،هذا كله بناء على ماهو الصحيح من أن الوصف قيد للمجموع لا للحكم.
وأما بناءً على أنه قيد للحكم دون الموضوع بأن يكون ارتباط الحكم به وراءارتباطه بالموضوع فهل يدل على المفهوم أو لا؟
والجواب: إن فيه قولين، فذهب المحقق النائيني‏قدس سره إلى القول الأول، بتقريب أن‏حال القضية الوصفية على هذا حال القضية الشرطية في ملاك الدلالة على‏المفهوم، لأن ملاكها في القضية الشرطية هو تعليق الحكم على الشرط وارتباطه به‏وراء ارتباطه بالموضوع، وهذا الملاك بعينه موجود في القضية الوصفية على هذاالفرض، لأن الحكم فيها معلق على الوصف ومرتبط به وراء ارتباطه بالموضوع،فلهذا تدل على المفهوم كالقضية الشرطية، وهو الإنتفاء عند الإنتفاء(4).
والجواب: إن مجرد كون الوصف قيداً للحكم لايكفي في دلالته على‏المفهوم، لوضوح أن الوصف قيد لشخص الحكم المجعول في القضية المدلول عليه‏بالخطاب، والفرض أن انتفائه بانتفائه عقلي وليس من المفهوم في شي‏ء، لأن‏المفهوم متمثل في انتفاء سنخ الحكم عند الإنتفاء، ومن الواضح أن دلالة القضيةالوصفية على المفهوم تتوقف مضافاً إلى ذلك على اثبات كون المعلق على الوصف‏طبيعي الحكم وليس هنا ما يدل على ذلك.
والخلاصة، إن ما أفاده‏قدس سره من التفصيل بين كون الوصف قيداً للموضوع وبين‏كونه قيداً للحكم، فعلى الأول لاتدل القضية الوصفية على المفهوم. وعلى الثاني‏تدل عليه غير تام، لأن مجرد كون الوصف قيداً للحكم لايكفي في دلالته على‏المفهوم، وهو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاءالوصف التمسك بالإطلاق، لاثبات أن‏الحكم المعلق على الشرط في القضية الشرطية والمعلق على الوصف في القضيةالوصفية طبيعي الحكم، لأن ظاهر القضية الشرطية هو أن الحكم المعلق على‏الشرط نفس الحكم المجعول للموضوع في مرحلة الجعل وكذلك الحال في القضيةالوصفية، إذ إثبات أن المعلق على الشرط في القضية الشرطية وعلى الوصف في‏القضية الوصفية، طبيعي الحكم الثابت للموضوع لاشخصه بحاجة إلى قرينة لا أن‏المعلق شخص الحكم بحاجة إليها.
الطريق الثاني: إن تعليق المولى‏ الحكم على الوصف وراء تعليقه بالموضوع‏لايمكن أن يكون جزافاً، فلا محالة يكون مبنياً على نكتة تبرر ذلك، وتلك النكتةهي أن المعلق عليه طبيعي الحكم، ضرورة أنه لو كان شخص الحكم المجعول في‏القضية فلا مبرّر له، وحيث إن فيه عناية زائدة، فلهذا يدل على أن المعلق عليه‏سنخ الحكم لا شخصه كما هو الحال في القضية الشرطية.
وبكلمة، إن الوصف إذا كان قيداً للموضوع فهو شرط لترتب الملاك، وأما إذاكان قيداً للحكم فهو شرط لاتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي أيضاً، وعلى‏هذا الأساس، فإذا فرضنا أن الوصف قيد للحكم، فمعناه أنه شرط له في مرحلةالجعل ولاتصاف متعلقه بالملاك في مرحلة المبادي، فإذا علق المولى‏ وجوب إكرام‏العالم بعدالته، دل على أن عدالته شرط للوجوب في عالم الجعل وللملاك في عالم‏المبادي، وهذا التعليق كما يدل على ذلك يدل على أن اتصاف إكرامه بالملاك إنماهو في حالة كونه عادلاً لا مطلقاً، وهذا معنى دلالة هذا التعليق على أن المعلق على‏الوصف طبيعي الحكم لا شخصه.
فالنتيجة، إن الوصف في القضية الوصفية لو كان قيداً للحكم لا للموضوع،فيدل على المفهوم فيكون حالة حال الشرط في القضية الشرطية بل هو على هذايرجع إليه لباً، ولكن قد تقدم أن القضية الوصفية ظاهرة عرفاً وارتكازاً في أن‏الوصف قيد للموضوع دون الحكم، فلذلك لا مفهوم لها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، قد ذكر المحقق النائيني‏قدس سره في بعض كلماته أنه لو كانت هناك‏قرينة على أن الوصف علة للحكم ثبت المفهوم، فقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره‏أن مجرد كونه علة لايكفي في الدلالة على المفهوم، بل لابدّ من إثبات أنه علةمنحصرة للحكم.
وفيه: إنه لايمكن إثبات كونه علة منحصرة إلاّ بالإطلاق ومقدمات الحكمةالتي تنفي وجود عدل له، ولكن قد تقدم أنه لايمكن إثبات ذلك بالإطلاق‏ومقدمات الحكمة، لأنها لاتنفي وجود العدل له على تفصيل قد مرّ.
هذا إضافة إلى أنه لايكفي في دلالة الوصف على المفهوم انحصار عليّته التامة بل‏لابد من اثبات أن المعلق طبيعي‏الحكم، وهو لايمكن إثباته في القضية الوصفية،على أساس أن الحكم المرتبط بالموضوع المقيد بقيد شخص الحكم لاسنخه،والوصف علة منحصرة له، وللمحقق الأصبهاني‏قدس سره في المقام كلام وحاصله: إنه‏إذا فرض أن بإمكاننا إثبات علية الوصف في الجملة الوصفية ولو بقرينة خاصة أوعامة، كان بإمكاننا إثبات أنه علة منحصرة، وذلك لأنه لو فرض وجود علةاُخرى، لزم محذور ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلأنه لو كان كل منهما بخصوصه‏وعنوانه علة، لزم صدور الواحد بالنوع عن الكثير وهو مستحيل، ثم اُشكل‏قدس سره‏على ذلك بأن قاعدة الواحد لايصدر إلاّ من واحد لايشمل الواحد بالنوع، وأماإثباتاً فلأن العلة لو كانت الجامع بينهما، كان هذا خلاف ظهور الجملة الوصفية في‏دخل الوصف بخصوصه وعنوانه في الحكم لا لجامع بينهما وإلغاء الخصوصية، أوفقل إن مقتضى أصالة التطابق بين مقامي الإثبات والثبوت أن كل واحد منهمابخصوصه وعنوانه دخيل في الحكم وعلة له، وإلا لزم خلاف أصالة التطابق(5).
والجواب: إنه لو فرض كون الوصف علة للحكم ولو بقرينة خارجية إلاّ أنه‏ليس بالإمكان إثبات أنه علة منحصرة، إذ لا مانع من فرض وجود علة اُخرى‏للحكم، ولا يلزم من ذلك محذور لا اثباتاً ولا ثبوتاً.
أما الأول، فلأنه لا مانع من أن يكون كل واحد منهما بخصوصه وعنوانه‏الخاص علة للحكم، ولايلزم من فرض وجود علة اُخرى‏ له غير الوصف أن‏تكون العلة الجامع بينهما بل كل منهما بخصوصه علة غاية الأمر في صورة الإجتماع‏يكون كل واحد منهما جزء المؤثر بالعرض لا بالذات كما هو الحال في جميع مواردإجتماع عليتين مستقلتين على معلول واحد، فإن المؤثر في هذه الحالة، وهي حالةالإجتماع المجموع ويكون كل منهما جزء المؤثر، وأما في حال الإنفراد فيكون كل‏واحد منهما بعنوانه الخاص علة.
نتائج البحث عن مفهوم الوصف ...
وأما الثاني، فمضافاً إلى أن قاعدة الواحد لايصدر إلاّ من واحد تشمل الواحدبالنوع أيضاً ولاتختصّ بالواحد الشخصي، أن هذه القاعدة لاتنطبق على المقام‏وهوالحكم الشرعي وموضوعه، لأنه إن اُريد بالحكم، الحكم في مرحلة الجعل والإعتبار، فهوفعل اختياري‏للشارع مباشرة ومعلول له وليس معلولاً للموضوع،وإن اُريد به الحكم في مرتبة الفعلية، وهي فعلية الحكم بفعلية موضوعه.
ففيه، إنه لا وجود للحكم في الخارج، بداهة أن الحكم أمر اعتباري لا وجودله إلاّ في عالم الإعتبار والذهن، ولايعقل وجوده فيه وإلاّ لكان خارجياً، وهذإ؛خ-خلف، ومن هنا قلنا إن المواد من فعلية الحكم، لفعلية موضوعه فعلية فاعليته‏بها لا فعلية نفسه. تحصل مما ذكرناه أن ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره من التقريب‏لدلالة الوصف على المفهوم لايمكن المساعدة عليه، ثم إن حمل المطلق على المقيّدلايتوقف على دلالة القضية الوصفية على المفهوم، لأن ملاك هذا الحمل أحدأمرين:
الأول: ظهور القيد في الإحتراز.
الثاني: قرينية القيد لتفسير المراد الجدّي النهائي من المطلق، وعلى كلاالتقديرين فلا يرتبط حمل المطلق على المقيّد بدلالة القضية على المفهوم، وتمام‏الكلام في ذلك في محلّه.
نتائج البحث عن مفهوم الوصف عدة نقاط:
الاُولى‏: إن محل الكلام في مفهوم الوصف إنما هو في الوصف المعتمد على‏موصوفه من ناحية، وكونه أخصّ من الموصوف من ناحية اُخرى، وأما إذا لم‏يكن معتمداً على الموصوف أو كان أعمّ منه أو المساوي، فهو خارج عن محل‏الكلام، ويكون حاله حال اللقب فلا فرق بينهما من هذه الناحية.
الثانية: إن دلالة القضية الوصفية على المفهوم كالقضية الشرطية، تتوقف على‏أن تكون متكوّنة من ثلاثة عناصر: 1 - الموضوع. 2 - الوصف. 3 - الحكم.ويكون ارتباط الحكم بالوصف وراء ارتباطه بالموضوع، ولكن تقدم أنها متكونةمن عنصرين: الموضوع والحكم، والوصف قيد للموضوع لا أنه قيد للحكم،فلهذا لا مفهوم للوصف.
الثالثة: ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن دلالة الجملة الوصفية على المفهوم إنماهو من جهة دلالتها على الربط الخاص الذي يكون لازمة الإنتفاء عند وجوب‏الترك، ومثل لذلك السيد الاُستاذقدس سره بالصوم وبتروك الاحرام. بدعوى، إن‏الواجب في باب الصوم ترك المفطرات والمصلحة قائمة به، وكذلك الحال في تروك‏الاحرام، فإنها واجبة على أساس أن المصلحة قائمة بها ومتربة عليها لا أن فعلهامحرم، هذا.
ولكن للمناقشة في كلا المثالين مجالاً: أما المثال الأول، فلأن الظاهر من الآيةالشريفة والروايات هو أن الصوم متمثل في الإمساك عن ممارسة المفطرات.
منها، قول‏عليه السلام في صحيحة محمد بن مسلم لايضرّ الصائم ما صنع إذا اجتنب‏ثلاث خصال: الطعام، والشراب، والفساد.
فإنه ظاهر في أن حقيقة الصوم متقومة بالإمساك عن هذه الخصال الثلاث‏والإجتناب عنها. فالنتيجة، إن المأمور به في باب الصوم هو الأمر الوجودي لاالأمر العدمي.
وأما المثال الثاني، فلأن الظاهر من روايات تروك الإحرام الناهية عن‏الإرتماس والتظليل والصيد والجماع والنظر بشهوة إلى غير ذلك، هو حرمة هذه‏الأشياء على المحرم لا أن تركها واجب عليه، والوجه في ذلك هو أن هذه النواهي‏لاتخلو من أن تكون نواهي إرشادية، فمفادها الإرشاد إلى مانعية الأشياءالمذكورة عن الإحرام، وفي نهاية المطاف عن العمرة والحج، أو نواهي مولويةتكليفية، فيكون مفادها حرمة تلك الأشياء على المحرم، والأول غير محتمل لأنه‏خلاف الضرورة الفقهية، حيث لاشبهة في عدم بطلان الحج والعمرة بإرتكابها،وإن كان عامداً وملتفتاً إلى عدم جوازه إلاّ الجماع إذا كان قبل السعي في العمرةوقبل الوقوف بالمزدلفة في الحج، فإذن يتعين الإحتمال الثاني وهو كون هذه‏النواهي، نواهي مولوية تكليفية ومفادها حرمة الأشياء المذكورة على المحرم‏بدون إرتباطها بالحج والعمرة. فالنتيجة، إن هذين المثالين ليسا من أمثلة كون‏الواجب هو الترك.
الثالث: إنه إذا فرض عدم تعدد النهي بتعدد أفراد متعلقة، بأن يكون مفادلاتشرب الخمر مثلاً حرمة واحدة كما هو الحال في الأمر المتعلق بالطبيعة، لأن‏مفاده وجوب واحد، وعلى هذا فهل هناك فرق بين هذا النهي والأمر أو لا؟
والجواب: إن هناك فرقاً بينهما في كيفية الإمتثال، فإن امتثال الأمر ممكن‏بإتيان فرد واحد من أفراد الطبيعة، وأما عصيانه فلايمكن إلاّ بترك تمام أفرادالطبيعة المأمور بها، وأما النهي المتعلق بالطبيعة فلايمكن امتثاله إلاّ بترك هذه‏الطبيعة، ومن الواضح أن تركها لايتحقق إلاّ بترك تمام أفرادها بنحو العموم‏الإستغراقي ولايكفي اجتناب بعضها والإتيان ببعضها الآخر.

مفهوم الغاية ...

مفهوم الغاية
الجملة المغياة بالغاية فهل تدل على المفهوم أو لا؟ فيه تفصيل، وذلك لأن‏دلالتها على المفهوم ترتكز على العناصر التالية:
الأول: أن تكون الغاية قيداً للحكم لا للموضوع بأن يكون ارتباط الحكم بهاوراء ارتباطه بالموضوع.
الثاني: أن يكون هذا الإرتباط بنحو التعليق والتفريغ لا بنحو الإستلزام.
الثالث: أن يكون هذا التعليق مولوياً لا ذاتياً، فإذا توفّرت هذه العناصرالثلاثة فيها، دلّت على المفهوم كالجملة الشرطية وإلاّ فلا، وأما إذا كانت الغايةقيداً للموضوع كما في قوله تعالى: »إذَا قُمْتُمْ إلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ‏وَأيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤسِكُمْ وَأرْجُلَكُمْ إلَى الْكَعْبَيْنِ«(6).فلاتدل على المفهوم ويكون حالها، حال الوصف من هذه الناحية، وكذلك الحال‏إذا كانت قيداً للمتعلق كما في قوله تعالى: »ثُمَّ أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ«(7)،فإنه الغاية قيد للصيام، وعليه فالواجب حصّة خاصّة منه وانتفاء الحكم بانتفاءتلك الحصة عقلي ولا يرتبط بالمفهوم. نعم، بناء على ما ذكرناه من أن الوصف كان‏يدل على المفهوم في الجملة، فالغاية كالوصف من هذه الناحية، بل المراد من‏الوصف مطلق القيد، فيشمل الغاية أيضاً، وعليه فتقييد الموضوع أو المتعلق‏بالغاية، يدل على انتفاء الحكم عن جميع حالاته بانتفائها، وهو لاينافي ثبوته‏لبعضها، لأن نفي العموم مساوق للإيجاب الجزئي، هذا فيما إذا كانت الغاية قيداًللموضوع أو المتعلق.
وأما إذا كانت قيداً للحكم كقولك: »صم إلى الليل«، فتدل على أن ارتباطالحكم بها وراء ارتباطه بالموضوع، وعلى هذا، فلا مانع من الإلتزام بدلالة الغايةعلى المفهوم كالقضية الشرطية والوصفية إذا كان الوصف قيداً للحكم، لما تقدم من‏أن دلالة القضية على المفهوم تتوقف على توفّر اُمور:
الأول: أن يكون القيد قيداً للحكم دون الموضوع، بأن يكون ارتباط الحكم‏بالقيد وراء ارتباطه بالموضوع.
الثاني: أن يكون هذا الإرتباط بنحو التعليق والإلتصاق لا بنحو الإستلزام.
الثالث: أن يكون هذا التعليق مولوياً لا ذاتياً، وهذه الاُمور الثلاثة متوفرة في‏القضية المغياة بالغاية إذا كانت الغاية قيداً للحكم، على أساس أن ارتباط الحكم‏بها وراء ارتباطه بالموضوع، وإنّ هذا الإرتباط يكون بنحو التعليق لا بنحوالإستلزام، ويكون مولوياً لا ذاتياً، وقد تقدم أن مولوية التعليق تصلح أن تكون‏قرينة على أن المعلق على الغاية طبيعي الحكم لا شخصه هذا.
وأما المحقق العراقي‏قدس سره في المقام فقد بنى‏ دلالة الغاية على المفهوم على ما ذكره‏قدس سره‏من المعيار العام في باب المفاهيم، وهو دلالة القضية على الربط الخاص الذي هويقتضي الإنتفاء عند الإنتفاء، وحيث إن هذا الإنتفاء شخصي، فعلى القائل‏بالمفهوم إثبات أن طرف الربط الخاص طبيعي الحكم لا شخصه، ويمكن إثبات‏ذلك بالإطلاق ومقدمات الحكمة فيه(8)، ولكن قد تقدم الإشكال فيه موسّعاً في‏مفهوم الوصف، فلا حاجة إلى الإعادة، ثم إن هناك طريقين لأثبات مفهوم‏الغاية.
الطريق الأول: متمثل في اُمور:
الأول: أن تكون الغاية قيداً للحكم لا للموضوع أو المتعلق بأن يكون ارتباطالحكم المغيى‏ بالغاية وراء ارتباطه بالموضوع كما هو الحال في القضية الشرطية.
الثاني: أن يكون هذا الإرتباط بنحو التعليق والتفريغ لا بنحو الإستلزام.
الثالث: أن يكون هذا التعليق مولوياً لا ذاتياً، فإذا توفّرت هذه الاُمور في‏جملة الغاية دلت على المفهوم، وهو انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الغاية، وقد تقدم أن‏مولوية التعليق تدل على نكتة زائدة، وهي أن المعلق على الغاية طبيعي الحكم‏لاشخص الحكم المجعول في القضية المدلول عليه بالخطاب.
فالنتيجة، إن الغاية إذا كانت قيداً للحكم، فلا مانع من الإلتزام بدلالتها على‏المفهوم شريطة توفر الأمرين الآخرين فيها أيضاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، هل تكون هذه الدلالة للغاية على المفهوم بالوضع أوبالظهور السياقي الناشي‏ء من ظهور حال المتكلم فيه وجهان:
لايبعد الوجه الأول، وذلك لأن المتبادر عرفاً من جملة الغاية هو ترتّب ثبوت‏الحكم على ثبوت الغاية وانتفائه بانتفائها، وهذا التبادر في الذهن حاصل بمجردسماع الجملة وتصورها وإن كانت من لافظ بغير شعور واختيار، وهذا دليل على‏أنها موضوعة للدلالة على المنطوق والمفهوم.
وأما على الثاني، فدلالتها على المفهوم إنما هي بالظهور التصديقي، وهو الظهورالسياقي للجملة الناشي‏ء من ظهور حال المتكلم، ولهذا تتوقف على أن يكون‏صدورها من متكلم عرفي ملتفت جاد في بيان مراده النهائي، فحينئذٍ تدل على‏المفهوم، فإذن حال جملة الغاية حال الجملة الشرطية على المفهوم، فكما أن دلالةالاُولى‏ على المفهوم بالوضع، فكذلك دلالة الثانية.
الطريق الثاني: إثبات مفهوم الغاية بالإطلاق ومقدمات الحكمة بدعوى، إن‏مقتضى المقدمات هو أن المعلق عليها طبيعي الحكم لا شخصه، ولكن الظاهر أنه‏لايمكن إثباته بذلك، لأن الغاية إن كانت قيداً للحكم، فيمكن إثبات ذلك بما تقدم‏آنفاً من النكتة، وأما إثباته بالإطلاق ومقدمات الحكمة بقطع النظر عنها، فهولايمكن، لأن المعلق على الغاية نفس الحكم المنشأ والمجعول فرده لأن الوجودمساوق للتشخّص وإن كان وجوداً إنشائياً، فإذن إثبات أن المعلق على الغايةطبيعي الحكم بحاجة إلى قرينة لا أن كون المعلق شخص الحكم بحاجة إليها، وإن‏كانت قيداً للموضوع أو المتعلق، فالحكم حينئذٍ ثابت لحصّة خاصة من الموضوع‏أو المتعلق وهي المقيّدة بالغاية كقوله تعالى: »أَتِمُّوا الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ«(9)، فإن‏الغاية قيد للصوم، ومعنى ذلك وجوب الصوم المغيّى‏ بالليل ثابت، وعلى هذافالوجوب طرف للنسبة الناقصة، لأن النسبة بين الوجوب والصوم بالمغيّى‏ بالليل‏نسبة ناقصة، فلايمكن إجراء الإطلاق ومقدمات الحكمة فيها، لأنها إنما تجري‏لإثبات إطلاق مفهوم يكون مورداً للتصديق بأن يكون طرفاً للنسبة التامة، وأماالمفهوم الذي يكون طرفاً للنسبة الناقصة، فهو ليس مورداً للتصديق، لأن طرفيهابمثابة مفهوم واحد تصوري بإعتبار أن النسبة الناقصة نسبة تصورية لاتصديقيةوالإطلاق من المفاهيم التصديقية.
فالنتيجة، إنه لايمكن التمسك بالإطلاق ومقدمات الحكمة لاثبات أن المعلق‏على الغاية طبيعي الحكم دون شخصه.
نعم، إذا كانت قيداً للحكم كانت تدلّ على المفهوم بالوضع لا بالإطلاق‏ومقدمات الحكمة كما مرّ.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن الحكم مرة يكون مجعولاًللموضوع‏ومرتبطاً به‏سواءً أكان‏الموضوع عاماً أم‏خاصاً، واُخرى‏يكون مجعولاً له‏ولكنّه مرتبط بشي‏ء آخروراء ارتباطه به كارتباطه بالغاية أوالوصف أو الشرط،فعلى الأول يكون الحكم المجعول ثابتاً لموضوع خاص، وينتفي بإنتفائه عقلاً.
نعم، إذا كان الموضوع في القضية مقيّداً بالوصف أو الغاية، فالقضية تدل على‏المفهوم بنحو إيجاب جزئي، وعلى الثاني فالحكم الثابت للموضوع، حيث إنه‏معلق على الشرط أو الوصف أو الغاية ومرتبط به وراء ارتباطه بالموضوع، فيدل‏على المفهوم إذا كان التعليق مولوياً وكان بنحو التفريغ والإلتصاق.
ومن هنا لايبعد دعوى، إن المتفاهم العرفي من جملة صم إلى الليل، وجملة كل‏شي‏ء نظيف حتى تعلم أنه قذر ونحوهما هو أن الشارع جعل الليل في الجملةالاُولى‏ غاية لطبيعي وجوب الصوم بقرينة أن في ذلك عناية زائدة من المولى‏،وهي تكشف عن شي‏ء زائد ثبوتاً وإثباتاً. أما الأول، فلأنها تكشف عن أن‏الغاية شرط لاتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي وللحكم في مرحلةالجعل، وأما الثاني، فإنها تدل على أن المعلق على الغاية طبيعي الحكم لا شخصه‏وفرده، فإن ثبوت الشخص والفرد ليس بحاجة إلى التعليق، أو فقل أن الوجوب‏المجعول في القضية المعلق على الغاية زائداً على تعليقه بالموضوع، وإن كان فرداًمن الطبيعي المدلول عليه بالخطاب إلاّ أن له نسبتين.
الاُولى‏: نسبته إلى الفرد بحدّه الفردي.
الثانية: نسبته إلى الطبيعي إذ لكل فرد إضافتين، إضافة إلى الفرد بحدّه الفردي‏إضافة إلى الطبيعي بلا فرق بين أن يكون الفرد فرداً حقيقياً أو إعبتارياً، وحيث‏إن تعليق الوجوب على الغاية يكون مولوياً، فهو يصلح أن يكون قرينة على أن‏المعلق عليها الوجوب بما هو لا بما هو فرده.
ودعوى‏، إن ظهور حال المولى‏ في مقام الجعل يقتضي أن الوجوب المجعول في‏القضية ملحوظ بما هو لا بما هو شخصه وفرده، فمن أجل ذلك يكون مقتضى‏الإطلاق ومقدمات الحكمة هو أن المغيّى‏ طبيعي الوجوب دون فرده.
مدفوعة، بأن ظهور حال المولى‏ في ذلك بحاجة إلى نكتة ثبوتية، وإلاّ فلا ظهورلها، بل الظاهر هو أن المعلق شخص الحكم المجعول في القضية لا الطبيعي، فإنه‏بحاجة إلى عناية زائدة، وبذلك يظهر حال المثال الثاني وما شاكله، ثم أن السيدالاُستاذقدس سره قد ذكر أمرين:
الأول: إن الغاية إذا كانت قيداً للحكم فتارة يقع الكلام فيه في مقام الثبوت،واُخرى‏ في مقام الإثبات.
أما الكلام في المقام الأول، فلا شبهة في دلالة الغاية على المفهوم، وهي انتفاءالحكم عند تحقق الغاية، بل لايبعد أن يقال إن دلالتها على المفهوم أقوى‏ من دلالةالقضية الشرطية عليه، لوضوح أنها لولم تدل على المفهوم لزم من فرض وجودالغاية عدم وجودها، وهذا خلف، فإذن لاريب في دلالة الغاية على المفهوم.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو مقام الإثبات فقد ذكرقدس سره ضابطاً عاماً في‏هذا المقام، وهو أن الحكم في القضية إن كان مفاد الهيئة، فالغاية غاية للمتعلق كمافي قوله تعالى: »أَتِمُّو الصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ«(10)، وهذا لا من جهة ما أفاده المحقق‏النائيني‏قدس سره من أن مفاد الهيئة معنىً حرفياً، وهو غير قابل للتقييد، لما عرفت من‏أن المعنى الحرفي كالمعنى الإسمي قابل للتقييد، بل من جهة ظهور القضية المغياة في‏رجوع الغاية إلى المتعلق دون الحكم الذي هو مفاد الهيئة، وإن كان مفاد المادة فإن‏كان المتعلق مذكوراً، فلاظهور في القضية في أن الغاية غاية للحكم أو المتعلق‏كقولنا: »يحرم شرب الخمر إلى أن يضطر«، فإن الإضطرار كما يحتمل أن يكون‏غاية للمتعلق يحتمل أن يكون غاية للحكم، وإن لم يكن المتعلق مذكوراً، فالغايةغاية للحكم كما في مثل قولنا: »يحرم الخمر إلى أن يضطر«.
وعلى الجملة، فالحكم إن كان مفاد الهيئة كما هو الغالب، فالظاهر أن الغاية قيدللمتعلق حيث إن حالها حال سائر القيود، وإن كان مفاد المادة، فالغاية قد تكون‏مجملة من حيث كونها غاية للحكم أو المتعلق وقد تكون مبنية كما مرّ، وأما كون‏الغاية قيداً للموضوع، فهو بحاجة إلى قرينة كما في الآية الشريفة: »إذَا قُمْتُمْ إلَى‏الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأيْدِيَكُمْ إلَى الْمَرَافِقِ«(11). فإن المرافق غايةللموضوع، وهو اليد دون الحكم والمتعلق، بقرينة أن الآية الشريفة في مقام بيان‏حدّ المغسول ومقداره لافي مقام بيان ترتيب الغسل(12) هذا، وللمناقشة في كلاالمقامين مجال.
أما في المقام الأول، فلأن ما ذكره‏قدس سره من دلالة الغاية على المفهوم لايتضمن‏ما هو نكتة هذه الدلالة وملاكها غير ما ذكره‏قدس سره من أن الغاية لولم تدل على المفهوم‏لزم كونها لغواً، ولكن هذا المقدار لايكفي في دلالتها على المفهوم، إذ يكفي في رفع‏محذور اللغوية انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية بتحقق الغاية، ولا يتوقف‏دفعه على انتفاء طبيعي الحكم بتحققها، بينما تتوقف دلالتها على المفهوم على أن‏يكون المعلق على الغاية طبيعي الحكم حتى يكون هو المنتفي عند تحققها، فإنه معنى‏المفهوم إما انتفاء شخص الحكم بتحقق الغاية، فهو عقلي وليس من المفهوم في‏شي‏ء، فالنتيجة، إن الصحيح في المسألة ما ذكرناه.
وأما في المقام الثاني، فلأن ما ذكره‏قدس سره من أن الحكم إذا كان مفاد الهيئة،فالقضية ظاهرة في أن الغاية غاية للمتعلق، لايتمّ بنحو ضابط كلي بل هو يختلف‏باختلاف الموارد، وفي كل مورد لابدّ من ملاحظة الغاية فيه، فإن مناسبة الحكم‏والموضوع الإرتكازية قد تتطلب كونها غاية للمتعلق كما في قوله تعالى: »أتُمُّواالصِّيَامَ إلَى اللَّيْلِ«، فإنه ظاهر في أن الليل غاية للصوم لا للوجوب، وأما في‏مثل قولك صمّ إلى الليل، فلاظهور في كون الليل غاية للصوم دون الوجوب، إذكما يحتمل ذلك يحتمل كونه غاية للوجوب، وأما إذا قيل: »لاتشرب الخمر إلى أن‏تضطر«، فالقضية ظاهرة في أن الإضطرار غاية للحرمة لا للمتعلق.
والخلاصة، إنه ليس لما ذكره‏قدس سره ضابط كلي، بل لابد في كل مورد من ملاحظةالغاية فيه، فقد تقتضي خصوصية المورد أن تكون الغاية قيداً للحكم، وقد تقتضي‏أن تكون قيداً للمتعلق، وقد لاتقتضي شيئاً منهما والتعيين بحاجة إلى قرينة.
وأما ما ذكره‏قدس سره من أن الحكم إذا كان مفاداً للمادة، فإن كان المتعلق مذكوراً،فالغاية قيد للمتعلق، فهو أيضاً لايتمّ بنحو ضابط كلي بل هو يختلف بإختلاف‏الموارد، ففي مثل قولك: »يجب إطعام الفقير إلى أن يشبع« كان المتفاهم منه أن‏الغاية قيد للمتعلق، بينما كان المتفاهم من قولك: »يحرم شرب الخمر إلى أن‏يضطر إليه«، أن الغاية قيد الحكم وهو الحرمة، وقد يكون ظاهراً في أن الغاية قيدللموضوع كما في آية الوضوء.
فالنتيجة، إنه ليس هناك ضابط كلي لرجوع الغاية إلى الحكم في القضية أوالمتعلق أو الموضوع، فإن ذلك يختلف باختلاف الموارد على أساس مناسبات‏الحكم والموضوع الإرتكازية.
مفهوم الاستثناء ...
نتائج البحث عن مفهوم الغاية عدة نقاط:
الأولى‏: إن دلالة الغاية على المفهوم منوطة بكونها قيداً للحكم بأن يكون‏ارتباط الحكم بها وراء ارتباطه بالموضوع، ويكون هذا الإرتباط والتعليق‏مولوياً لا ذاتياً وبنحو الإلتصاق والتفريع لا بنحو الاستلزام، وأما إذا كانت قيداًللموضوع أو المتعلق فحالها حال الوصف.
الثانية: إن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من المعيار العام للمفهوم، وهو دلالةالقضايا منها الغاية على الربط الخاص بين الحكم المجعول فيها وبين القيد فيهاكالشرط أو الوصف أو الغاية، وهذا الربط الخاص يقتضي الإنتفاء عند الإنتفاء،وحيث إن هذا الإنتفاء، انتفاء شخص الحكم، فإثبات أن المنتفي طبيعي‏الحكم‏يتوقف على الإطلاق ومقدمات الحكمة، غير تام على تفصيل تقدم.
الثالثة: إن هناك طريقين لإثبات مفهوم الغاية.
الأول: أن تكون الغاية قيداً للحكم، وعلى هذا فتدل على المفهوم إذا كان‏تعليق الحكم عليها مولوياً وكان بنحو التفريع، وهذا الطريق هو الصحيح كماتقدّم.
الثاني: الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، ولكن هذا الطريق غير صحيح كمامرّ.
الرابعة: ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن الغاية إذا كانت قيداً للحكم، فلاشبهة في دلالتها على المفهوم بل لعلّ دلالتها عليه أقوى‏ من دلالة القضية الشرطيةعليه، بتقريب أن الحكم لولم ينتفي بتحقق الغاية، لكان وجودها كعدمها بمعنى أنهاليست بغاية وهذا خلف، وفيه أنه يكفي في دفع محذور اللغوية انتفاء شخص الحكم‏المجعول في القضية بتحقق الغاية، وهو لايقتضي أن يكون المنتفي عند تحققها طبيعي‏الحكم.
الخامسة: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من الضابط، وهو أن الحكم إذا كان‏مفاد الهيئة، فالقضية ظاهرة في أن الغاية قيد للمتعلق، وإن كان مفاد المادة، فإن‏كان المتعلق مذكوراً في القضية، فلاظهور لها في رجوع الغاية إلى المتعلق، ولا إلى‏الحكم وإن لم يكن مذكوراً فيها، فالغاية ترجع إلى الحكم، غير تام على تفصيل‏تقدّم.
مفهوم الإستثناء
غير خفي أن الإستثناء تارة يكون قيداً للموضوع كما إذا كان الإستثناء بكلمة)غير( أو ما شاكلها مثل قولنا: »يجب إكرام العالم غير العادل«، فإن الإستثناءقيد للموضوع ويوجب تخصيصه بحصة خاصّة، وهي العالم العادل، واُخرى‏يكون قيداً للحكم كما هو الغالب في موارد استعمال كلمة )إلاّ( مثل قولنا: »أكرم‏العلماء إلاّ الفسّاق منهم«، فإن الظاهر منه رجوع الإستثناء إلى الحكم، وهوالوجوب الذي هو مفاد الهيئة.
أما النحو الأول من الإستثناء، فيكون حاله حال الوصف بل هو هو، لأن‏المراد من الوصف مطلق القيد الموجب لتخصيص الموضوع بحصة خاصة سواءًأكان ذلك القيد متمثلاً في الوصف أم في الإستثناء، فإذن يكون مفهومه مساوقاًللإيجاب الجزئي كما تقدم.
وأما النحو الثاني من الإستثاء، فهو يدل على المفهوم شريطة توفّر جميع‏العناصر التالية فيه:
الأول: أن يكون الإستثناء قيداً للحكم بأن يكون ارتباط الحكم بالإستثناءوراء ارتباطه بالموضوع.
الثاني: أن يكون ارتباط الحكم بالإستثناء بنحو التعليق والتفريغ لا بنحواللزوم.
الثالث: أن يكون التعليق مولوياً لا ذاتياً، فإذا توفرت هذه العناصر الثلاثةفي الإستثناء، دل على المفهوم وهو انتفاء طبيعي الحكم عن المستثنى‏، فإن‏الاستثناء على ثبوت طبيعي الحكم للمستثنى منه ونفيه عن المستثنى.
والخلاصة، إن الإستثناء إذا كان قيداً للحكم، كان حاله حال الشرط في‏القضية الشرطية والوصف في‏القضية الوصفية إذا كان الوصف قيداً للحكم، هذامن ناحية. ومن ناحية اُخرى‏، إن دلالة الإستثناء على المفهوم هل هي بالوضع أوبالدلالة العرفية السياقية الناشئة عن ظهور حال المتكلم، فيه وجهان:
الظاهر هو الوجه الأول، وذلك لأن المتبادر والمنسبق إلى الذهن من الإستثناءفي مثل قولنا: »أكرم العلماء إالاّ الفسّاق منهم« هو حصر الحكم في المستثنى منه،وانتفاء الحكم المحصور عن المستثنى، وإن كان الإستثناء صادراً من لافظ بغيرشعور واختيار، ومن الطبيعي أن الحصر في نفسه قرينة على أن المحصور طبيعي‏الحكم لا الحكم الشخصي المجعول في القضية، وإلاّ فلا مانع من ثبوت فرد آخرللمستثنى المماثل للفرد المجعول وهو كماترى، ضرورة أنه لامعنى للإسثناء حينئذٍالذي معناه الإقتطاع والإخراج، وعليه فالإستثناء بنفسه يدل على إخراج‏المستثنى عن طبيعي حكم المستثنى منه واقتطاعه منه، ولا فرق في ذلك بين أن‏تكون الجملة الإستثائية موجبة أو نافية، والأول كقولنا: »أكرم الفقراء إلاّالفسّاق«، والثاني كقولنا: »لايجب إكرام العلماء إلاّ العدول«، ودعوى‏ أن الجملةالإستثنائية إذا كانت موجبة، فدلالة الإستثناء على المفهوم تتوقف على الإطلاق‏ومقدمات الحكمة، لإثبات أن الثابت للمستثنى منه طبيعي الحكم لا حصة خاصةمنه، بإعتبار أن إثبات الطبيعي لايتوقف على إثبات تمام حصصه، بل يكفي فيه‏إثبات حصة منه، بينما إذا كانت نافية، فدلالة الإستثناء على المفهوم لاتتوقف على‏الإطلاق ومقدمات الحكمة، على أساس أن نفي الحكم عن المستثنى منه لايمكن إلاّبنفي تمام أفراده وحصصه.
مدفوعة، أما أولاً: فلأن مولوية تعليق الحكم على الإستثناء نفياً أو إثباتاًبنفسها قرينة على أن الإستثناء إنما يكون من الطبيعة النافية أو المثبتة.
وثانياً: مع الإغماض عن ذلك أن إطلاق الحكم في طرف المستثنى منه نفياًوإثباتاً يتوقف على تمامية مقدمات الحكمة، فإذا قال المولى‏: »لايجب إكرام العلماءإلاّ العدول«، فالإستثناء يدل على وجوب إكرام العلماء العدول، لأن الإستثناءمن النفي إثبات، وأما قوله في طرف المستثنى منه وهو لايجب، فلايدل بالوضع إلاّعلى نفي الوجوب بنحو القضية المهملة، فإطلاقه بحاجة إلى إجراء مقدمات‏الحكمة، فإذن لافرق بين أن تكون الجملة الاستثنائية نافية أو مثبتة.
ومع الإغماض عن ذلك، وتسليم أن الإستثناء لايدل على المفهوم بالوضع،وإنما يدل عليه بالدلالة السياقية العرفية الناشئة من ظهور حال المتكلم، وعليه‏فالإستثناء يدل على أن الحكم المجعول في القضية الإستثنائية المحصور في المستثنى‏منه منفي عن المستثنى، وعلى هذا، فدلالته على المفهوم دلالة تصديقية مستندة إلى‏ظهور حال المتكلم.
والخلاصة، إن المتفاهم العرفي الإرتكازي من قولك: »أكرم العلماء إلاّالفساق«، إن وجوب الإكرام المحصور في المستثنى منه هو طبيعي الوجوب، أي‏الوجوب بما هو لا بما هو فرده المجعول في القضية المدلول عليه بالخطاب، فإذن‏يكون الإستثناء من الطبيعي، إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أن‏الإستثناء إذا كان قيداً للموضوع كان حاله حال الوصف الذي هو قيد له، وإذاكان قيداً للحكم كان حاله حال الشرط في القضية الشرطية، وحال الغاية في‏القضية الغائية والوصف في القضية الوصفية إذا كانت من قيود الحكم، غاية الأمرأن أسلوب الدلالة على المفهوم يختلف بإختلاف الموارد، فإن دلالة الإستثناء على‏المفهوم متمثلة في اقتطاع المستثنى عن حكم المستثنى منه وإخراجه منه، وقد تقدم‏أن هذا الإقتطاع والإخراج عن طبيعي الحكم الثابت للمستثنى منه ودلالة الغايةعلى المفهوم، متمثلة في انتفاء طبيعي الحكم عند تحقق الغاية، بينما دلالة القضيةالشرطية والوصفية على المفهوم بالإيجاب والسلب، على أساس أن المفهوم فيهمانقيض المنطوق، هذا تمام الكلام في مفهوم الإستثناء.
مفهوم الحصر ...

مفهوم الحصر
يقع الكلام هنا في مقامين:
الأول: في كبرى‏ المسألة.
الثاني: في صغراها.
أما الكلام في المقام الأول، فلأن نكتة دلالة القضية على المفهوم سواءً أكانت‏شرطية أم وصفية أم غائية أم إستثنائية، هي إرتباط الحكم بالشرط في الاُولى‏،وبالوصف في الثانية، وبالغاية في الثالثة، وبالإستثناء في الرابعة، كل ذلك وراءإرتباطه بالموضوع، وحيث إن هذا الإرتباط مولوي ويكون بنحو التعليق، فيدل‏على أن الحكم الثابت للموضوع محصور في حالة خاصة منه سواءً أكانت تلك‏الحالة متمثلة في الشرط أم الوصف أم الغاية أم الإستثناء، وعلى هذا فانتفاء هذه‏الحالة في الصورتين الأوليين يدل على انتفاء الحكم عن تمام حالات الموضوع،وتحقق الغاية في الصورة الثالثة يدل على انتفاء طبيعي الحكم عن المغيّى‏،والإستثناء في الصورة الرابعة يدل على إخراج المستثنى عن طبيعي حكم المستثنى‏منه والمقام كذلك، فإن أداة الحصر في القضية تدل على حصر الحكم بالموضوع،ونتيجة ذلك أن المحصور طبيعي الحكم، على أساس أن الحصر يدل على انتفائه‏عن غير المحصور به، لأنه معنى دلالة أداة الحصر على المفهوم، وهو انتفاء الحكم‏المحصور عن غير المحصور به.
وعلى الجملة، فالحصر في نفسه يستبطن كون المحصور طبيعي الحكم، لوضوح‏أنه لامعنى لحصر شخص الحكم الثابت للموضوع به، بداهة أن حكم كل موضوع‏خاص به، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون المحصور طبيعي الحكم، وإلاّ فلا معنى‏للحصر، ومن هنا فرق بين قولنا: »وجوب إكرام العلماء« إنما هو ثابت للعلماءالعدول، وبين قولنا: »وجوب إكرام العلماء العدول« ثابت، فإن الأول يدل على‏نفي وجوب الإكرام عن غير علماء العدول. بينما الثاني لايدل على النفي، ولذلك‏يدل الأول على قضيتين:
إحداهما إيجابية، وهي وجوب إكرام العلماء العدول. والاُخرى‏ سلبيّة، وهي‏نفي وجوب إكرام علماء غير العدول، بينما الثاني لايدل إلاّ على قضية إيجابية فقط،فالقضية إذا كانت خالية عن أداة الحصر، فلاتدل إلاّ على اختصاص الحكم‏المجعول فيها بموضوعه، وهو لايحتاج إلى أي عناية زائدة لا ثبوتاً ولا إثباتاً كما أن‏انتفائه بانتفائه عقلي، وأما إذا كانت القضية محفوفة بأداة الحصر، فهي تدل على أن‏الحكم المجعول فيها محصور بموضوعها ومنفي عن غيره، وهي تكشف عن أنه‏كذلك ثبوتاً، على أساس أصالة التطابق بين مقام الثبوت ومقام الإثبات.
فالنتيجة، إن الكبرى تامة، وهي دلالة أداة الحصر على المفهوم، وهذه الدلالةمستندة إلى الوضع لا إلى الإطلاق، ومقدمات الحكمة ولا إلى الدلالة العرفيةالسياقية.
وأما الكلام في المقام الثاني، فيقع في أداة الحصر، منها أداة الإستثناء ككلمة)إلاّ«، بتقريب أنها تدل وضعاً على حصر الحكم بالمستثنى منه، وإخراج المستثنى‏من حكمه واقتطاعه منه، وقد مرّ أن الإستثناء إذا كان قيداً للحكم، فبعنايةمولوية يكون ظاهراً في أن إخراج المستثنى واقتطاعه من طبيعي حكم المستثنى‏منه.
وقد يناقش في ذلك بدعوى‏، أن أداة الإستثناء لم توضع للدلالة على الحصر،وإنما توضع للدلالة على خروج المستثنى عن حكم المستثنى منه بدون الدلالة على‏الحصر، فإذا قيل أكرم العلماء إلاّ الفساق، كان المتبادر منه إاخراج الفساق من‏العلماء عن حكم المستثنى منه، وهو وجوب الإكرام، وحيث إن الحكم الثابت‏للمستثنى منه حكم خاص به، فالمستثنى منه إنما هو عن ذلك الحكم الخاص،وعلى هذا فلا مفهوم لها، وهو انتفاء سنخ الحكم الثابت للمستثنى منه عن‏المستثنى، ولنأخذ بالنقد على هذه المناقشة، وذلك لأن مفاد أداة الإستثناء لو كان‏خروج المستثنى عن الحكم الشخصي للمستثنى منه واقتطاعه منه، فلازم ذلك أن‏ارتباط هذا الحكم بتلك الأداة يكون لغواً فلا حاجة إليه، لأن قولك: »أكرم‏العلماء إلاّ الفساق« يرجع على هذا إلى قولك: »يجب إكرام العلماء العدول« أوغير الفساق، فلا حاجة إلى الإستثناء بها، ومن هنا ذكر السيد الاُستاذقدس سره إنه لاشبهة عند علماء الأدب في أن أداة الإستثناء من أداة الحصر، وتدل عليه بالوضع،ولكن نسب إلى أبي‏حنيفة أنها ليست من أداة الحصر، وقد استدل على ذلك‏بقوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بطهور«(13) بتقريب أنه لو دلّ على الحصر لكان معناه‏صلاتية الطهور، وهو كما ترى‏، فلذلك لايمكن أن تكون كلمة )إلاّ( موضوعةللدلالة على الحصر.
وقد أجاب عن ذلك المحقق الخراساني‏قدس سره بوجوه:
الوجه الأول: إن المراد من الصلاة في هذا التركيب هو الواجدة لكل الأجزاءوالشرائط ماعدا الطهور، وعلى هذا فمعنى التركيب المذكور على القول بالصحيح‏نفي الصلاة حقيقة بدون الطهور، على أساس أنه على هذا القول مقوّم لها وبانتفائه‏تنتفي حقيقة الصلاة، وعلى القول بالأعمّ، فمعناه نفي الصلاة التامة بدون الطهور،وعلى هذا فالتركيب المذكور على القول الأول يدل على أن الصلاة لاتتحقق إلاّبضم الطهور إلى سائر أجزائها وشرائطها، وعلى القول الثاني يدل على أن الصلاةلاتتحقق بتمام أجزائها وشرائط بدون ضمّ الطهور إليها(14)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بما حاصله إن لازم ما أفاده‏قدس سره تعدد معنى‏الصلاة بتعدد هذا التركيب، وإن الصلاة في قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إالاّ بفاتحةالكتاب«(15) مستعملة في معنى آخر غير ما استعملت الصلاة فيه في التركيب‏الأول مع‏أنه لاشبهةفي أن‏المتفاهم‏العرفي من‏الصلاة في‏كلاالتركيبين معنى‏واحد(16).
لنا تعليقان:
الأول: على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره من الإيراد الثاني على ما أفاده المحقق‏الخراساني‏قدس سره من الجواب.
أما الأول، فلأن ما أفاده‏قدس سره إنما يرد على المحقق الخراساني‏قدس سره إذا كان مراده‏استعمال الصلاة في التركيب الأول في جميع الأجزاء والشرائط ماعدا الطهور، وفي‏التركيب الثاني في جميع الأجزاء والشرائط ماعدا فاتحة الكتاب، ولكن ذلك غيرظاهر من كلامه، فإن الظاهر منه أن المراد من الصلاة في التركيب الأول جميع‏الأجزاء والشرائط ماعدا الطهور، وفي التركيب الثاني كذلك ماعدا فاتحةالكتاب، وأما أنها مستعملة فيهما كذلك في كلا التركيبين أو أنها مستعملة في‏معناها الموضوع له في كليهما معاً، والخصوصيات الزائدة مستفادة من دال آخربنحو تعدد الدال والمدلول، فلاظهور لكلامه في شي‏ء من ذلك.
وعلى الجملة، فما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره لا يدل على أن الصلاة في كل‏تركيب من تلك التركيبات مستعملة في معنى حقيقة، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن‏يكون استعمالها في بعضها حقيقياً، وفي الآخر مجازياً أو في الجميع مجازياً أو في‏الجميع حقيقياً بنحو تعدد الدال والمدلول، بل لايمكن أن يكون في بعضها حقيقياًكما في قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بطهور«، على أساس أن الطهور مقوم للصلاةوبدونه لا صلاة حقيقة، فإذن لامحالة يكون إطلاق الصلاة على سائر الأجزاءوالشرائط بدون‏الطهارة مجازاً، هذه هي محتملات المسألة. أما المحتمل الأول، فهوضعيف جداً بل هو غير محتمل، وكذلك المحتمل الثالث والرابع، فالمتعيّن هوالمحتمل الثاني.
وأما التعليق على ما أجاب به المحقق الخراساني‏قدس سره، فلأن محتملات الصلاة في‏قوله: »لا صلاة إلاّ بطهور« ثلاثة:
الأول: أن يكون المراد منها الواجدة لجميع الأجزاء والشرائط ماعدا الطهور.
الثاني: أن يكون المراد منها معظم الأجزاء والشرائط غير الطهور.
الثالث: أن يكون المراد منها خصوص الأركان ماعدا الطهور، وإرادة كل‏منها بحاجة إلى قرينة معيّنة ولا قرينة في المقام على أن المراد منها الإحتمال الأول.
الوجه الثاني: إن عدم دلالة كلمة )إلاّ( على الحصر في هذا التركيب إنما هوبسبب القرينة الخارجية من الحالية والمقامية لا في نفسها.
وفيه، إنه لا قرينة هناك كما سوف نشير إليه، ولهذا لا فرق بين استعمالها في هذاالتركيب واستعمالها في سائر الموارد.
الوجه الثالث: إن مفاد هذا التركيب نفي الإمكان، وعلى هذا فمفاد قوله‏عليه السلام:»لا صلاة إلاّ بطهور« عدم إمكان تحقق الصلاة بدون الطهارة، فخبر لا فيه ممكن‏أي لا صلاة ممكنة إلاّ بطهور، فإذن تدل كلمة )إلاّ( على الحصر أي حصر إمكان‏تحقق الصلاة بتحقق الطهارة، وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن موارداستعمالها تشهد بأنها تستعمل للنفي الفعلي، فإذا قيل: »لا أقرأ القرآن إلاّ مع‏الطهارة«، كان المتبادر منه نفي وجود القراءة لا إمكانها وخبر )لا( المقدرموجود لاممكن، وكذلك إذا قيل: »لا أزور الحسين‏عليه السلام إلاّ حافياً«، فإن خبر)لا( المقدر فيه موجود وما نحن فيه كذلك، فإن معنى لا صلاة إلاّ بطهور، لا صلاةموجودة إلاّ بها.
فالنتيجة، إن ما ذكره‏قدس سره من أن مصبّ النفي في هذه التركيبات الإمكان لاالوجود لايمكن المساعدة عليه، فإن الظاهر منها عرفاً أن مصبّه الوجود دون‏الإمكان، وأما ما قيل من أن كلمة )لا( في قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بطهور« لاتدل‏على الحصر، فلا يتمّ، وذلك لأن محتملات هذه الجملة ثلاثة:
الأول: أن يكون المراد منها إثبات صلاتية الطهارة فيكون قوله‏عليه السلام: »لإ؛هخ‏خ‏صلاة إلاّ بطهور« في قوة قولنا: »لا صلاة إلاّ الطهور«.
الثاني: أن يكون المراد منها أن كل ماهو مقترن بالطهارة، فهو صلاة وإن كان‏المقترن جزء الصلاة.
الثالث: أن يكون المراد منها أن الصلاة لاتتحقق إلاّ بضم الطهارة إليها، أماالإحتمال الأول والثاني، فهو غير محتمل فالمتعيّن هو الإحتمال الثالث، وعلى هذافسواءً أكان المراد من الصلاة جميع الأجزاء والشرائط ماعدا الطهور أم كان معظم‏أجزائها وشرائطها أم خصوص الأركان، فكلمة )إلاّ( تدل على أن تحقق الصلاةسواءً أكانت بالمعنى الأول أم الثاني أم الثالث محصور بتحقق الطهور ولاتتحقق‏بدون تحققها، ومن هنا يكون مردّ قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بطهور« إلى قولنا لاتتحقق الصلاة بدون الطهارة، وإذا تحققت فلا محالة تكون مع الطهارة، وليس‏معناه أن الطهارة إذا تحققت، تحققت الصلاة بل معناه أن الصلاة إذا تحققت لابد أن‏تكون مع الطهارة، ولايعقل تحققها بدونها، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن خبر )لا( المقدّر في مثل هذه التركيبات يختلف‏بإختلافها، فالمقدّر في مثل قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بطهور« كما يمكن أن يكون‏الوجود يمكن أن يكون الإمكان ولا ظهور له في شي‏ء منهما.
وأما في مثل قوله‏عليه السلام: »لا صلاة إلاّ بفاتحة الكتاب«، فخبره المقدّر الصحةلا الوجود ولا الإمكان، وقد يكون الوجود كما في مثل قولنا: »لا أزورالحسين‏عليه السلام إلاّ حافياً« أو ماشاكله.
ومن هنا يظهر حال كلمة التوحيد، إذ لا شبهة في دلالة هذه الكلمة بحسب‏المتفاهم العرفي الإرتكازي على الحصر بلا فرق في ذلك بين أن يكون خبر )لا(المقدر فيها موجود أو ممكن، لأن إمكان واجب الوجود مساوق لوجوده ولإ؛و%خ‏خ‏فصل بينهما.
إلى هنا قد تبيّن أنه لاشبهة في أن أداة الإستثناء من أدوات الحصر وتدل عليه‏بالدلالة الوضعيّة.
ومنها، كلمة )إنما( وقد صرّح علماء الأدب بأنها من أداة الحصر، وتدل عليه‏بالدلالة الوصفية، ويشهد على ذلك أنه المتبادر منها عند الإطلاق، وإن كان من‏لافظ بغير شعور واختيار.
والخلاصة: إنه لا شبهة في دلالتها على الحصر، فإذا دلّت عليه دلت على‏المفهوم أيضاً، وذلك لأن الحصر في نفسه قرينة على أن المحصور طبيعي الحكم لاشخصه وفرده، إذ لا معنى لحصر شخص الحكم لأنه محصور بموضوعه ذاتاًوطبعاً بقطع النظر عن أداة الحصر، ولايتوقف حصره على عناية زائدة لا ثبوتاًولا إثباتاً، وعليه فبطبيعة الحال تدل أداة الحصر على عناية زائدة، وهي أن‏المحصور طبيعي الحكم، وإلاّ لكان إتيان المولى‏ بها لغواً، فإذا كان المحصور طبيعي‏الحكم، فكلمة إنما تدل على المفهوم، وهو انتفاء سنخ الحكم عن غير الموضوع‏المحصور به.
ثم إن هذه الكلمة أي كلمة إنما قد تستعمل في قصر الصفة على الموصوف، وقدتستعمل في قصر الموصوف على الصفة، فعلى الأول تدل على الحصر بنحوالإدعاء والمبالغة كقولك إنما زيد مصلح أو عالم أو عادل أو ما شاكل ذلك رغم أن‏صفاته لاتنحصر به، فالحصر به لا محالة يكون من باب المبالغة والتجوّز لا من‏باب الحقيقة، وكأنه لا صفة له غير صفة الصلح أو العلم، وهكذا.
وعلى الثاني، تدل على الحصر كقولك: »إنَّما القدرة للَّه تعالى‏« و»إنَّما الفقيه‏زيد«، وهكذا. فإن كلمة إنما في هذه الموارد تدل على الحصر إلاّ إذا كانت هناك‏قرينة على العدم، ففي المثال الأول تدل على حصر القدرة باللَّه تعالى على أساس‏أن قدرة غيره معنى حرفي في مقابل قدرته تعالى، ومرتبطة بها ذاتاً وحقيقة بل‏عين الربط بها، فإذن لاقدرة لغيره إلاّ بقدرته ولا حول له إلاّ بحوله.
فالنتيجة، إن قدرة غيره من شؤون قدرته لا أنها قدرة مستقلة، فإذن يكون‏الحصر حقيقياً، وكذلك في المثال الثاني إذا لم يكن هناك فقيه آخر مثله، ومن هذاالقبيل قوله تعالى: »إنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولَهُ وَالَّذِيْنَ آمَنُوا الَّذِيْنَ يُقِيْمُونَ‏الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَهُمْ رَاكِعُونَ«(17)
فإن كلمة إنما تدل على حصر الولاية باللَّه ورسوله والمؤمنين، والمراد من‏المؤمنين هو علي بن أبي‏طالب‏عليه السلام، وإطلاق الجمع وإرادة فرد واحد في القرآن‏كثير ولامانع منه هذا.
ولكن أنكر فخر الرازي دلالة كلمة إنّما على الحصر، واستشهد على ذلك‏بمجموعة من الآيات:
منها، قوله تعالى: »إنَّمَا مَثَلُ الدُّنْيَا كَمَاءٍ أنْزَلْنَاهُ مِنَ السَّمَاءِ«(18) مع أن‏مثل الدنيا لاينحصر به.
ومنها، قوله تعالى: »إنَّمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا لَعِبٌ وَلَهْوٌ«(19) مع أن الحياة الدنيالاتنحصر بهما بل هناك حياة كريمة(20)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره تارة بالنقض واُخرى‏ بالحلّ.
أما النقض فبقوله تعالى: »وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ«(21).
وقوله سبحانه: »وَمَا هَذِهِ الْحَيَاةِ إلاَّ لَهْوٌ وَلَعِبٌ«(22). إذ لا شبهة في دلالةكلمة )إلاّ( على الحصر ولا خلاف فيها عند علماء الأدب، فإذن ماهو جواب‏فخر الرازي عن هاتين الآيتين، فإن أجاب بأن عدم دلالة كلمة )إلاّ( على‏الحصر فيهما إنما هو من ناحية قيام قرينة خارجية على ذلك، وهي العلم الخارجي‏بعدم انحصار حياة الدينا بهما، نجيب بعين هذا الجواب عن الآيتين المتقدمتين، وإن‏عدم دلالة كلمة إنما على الحصر فيهما إنما هو من جهة العلم الخارجي بعدم انحصارحياة الدنيا بهما.
وأما الحل، فلأن الحياة تارة تضاف إلى الدنيا واُخرى‏ تكون صفة لها، أماعلى الأول، فالمراد منها حياة هذه الدنيا في مقابل حياة الآخرة، كما هو المراد في‏قوله تعالى: »إنْ هِىَ إلاَّ حَيَاتُنَا الدِّنْيَا نَمُوتُ وَنَحْيَا وَمَا نَحْنُ‏بِمَبْعُوثِيْنَ«(23).
فإن المراد من الحياة فيهما هو حياة الدنيا في مقابل حياة الآخرة.
وأما على الثاني، وهو أن الدنيا صفة للحياة، فالمراد منها الحياة الدنيئة في‏مقابل الحياة الكريمة الشريفة، وعلى هذا فالمراد من الحياة في الآيتين المذكورتين‏الحياة الدنيئة الرذيلة في مقابل الحياة الكريمة، لأنه على نوعين:
الأول: الحياة الدنيئة كاللهو واللعب والكذب والغيبة ونحوها.
الثاني: الحياة الكريمة والشريفة(24).
والخلاصة، إنه لا وجه لانكار فخر الرازي دلالة كلمة إنما على الحصر، وأمااستشهاده بالآيتين المتقدمتين، فقد تقدم أنه مبني على الخلط بين الحياة الدنيئة في‏هذه الدنيا في مقابل الحياة الكريمة فيها، وبين حياة الدنيا في مقابل حياةالآخرة، تحصل مما ذكرناه أنه لاشبهة في دلالة كلمة )إنَّما( على الحصر بالدلالةالوضعية التصورية.
نتيجة البحث عن مفهوم الحصر ...
نتيجة البحث عن مفهوم الحصر عدة نقاط:
الاُولى‏: إن أداة الحصر تدل على المفهوم، على أساس دلالتها على الحصر،لأن الحصر بنفسه يدل على أن الحكم المحصور طبيعي الحكم لا شخصه.
الثانية: إن كلمة )إلاّ( تدل على الحصر إذا كانت قيداً للحكم بأن تكون بمعنى‏الإستثناء، وأما إذا كانت بمعنى الصفة فلا تدل عليه، وهذه الدلالة مستندة إلى‏الوضع كما تقدّم.
الثالثة: إن كلمة إنما تدل على الحصر بالوضع، ولهذا تدل على المفهوم.
الرابعة: إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من أن كلمة التوحيد ونحوها ظاهرة في‏أن خبر )لا( المقدّر فيها موجود لا ممكن، لايتمّ بنحو الإطلاق.
الخامسة: إن إنكار فخر الرازي دلالة كلمة إنما على الحصر مستشهداً ببعض‏الآيات مبني على الخلط بين الحياة الدنيئة والحياة الدنيوية في مقابل الحياةالاُخروية.

العام والخاص ...



العام والخاص‏
فيهما مباحث:
المبحث الأول، فيه عدة جهات:
الجهة الاُولى‏: في معنى العام، وهو لغةً وعرفاً عبارة عن الإستيعاب‏والشمول، وعلى هذا فإن كان الإستيعاب والشمول مدلولاً للفظ بالوضع، فهوعام، وبه يفترق العام عن المطلق الشمولي باعتبار أن الشمول والإستيعاب في‏المطلق ليس مدلولاً له بالوضع، وإنما يكون مدلولاً له بالإطلاق ومقدمات‏الحكمة، ولهذا ذكر السيد الاُستاذقدس سره إن الفرق بين العام الوضعي والمطلق‏الشمولي هو أن العام الوضعي يدل على الشمول والإستيعاب مباشرة بينما المطلق‏لايدل عليه إلاّ بالإطلاق ومقدمات الحكمة(25)، وفيه أن هذا الفرق وإن كان‏مشهوراً بين الاُصوليين إلاّ أنه غير سديد، وذلك لأن الشمول والإستيعاب ليس‏مدلولاً للمطلق لا مباشرة ولا بالإطلاق ومقدمات الحكمة، لأن المطلق يدل‏بالوضع على جعل الحكم على الطبيعة المهملة الملحوظة، ومقدمات الحكمةتثبت إطلاقها في مقابل تقييدها بحصة خاصة، لأن معنى الإطلاق هو عدم‏التقييد، وأما الإستيعاب والشمول، فهو إنما يكون بلحاظ عالم الخارج‏والإنطباق في مرحلة المجعول، وهي مرحلة فعلية الحكم بفعلية موضوعه فيه،على أساس أن الحكم المجعول على الطبيعة المطلقة ينحل بإنحلال أفرادها فيه،فإذن لايكون الإستيعاب والشمول مدلولاً للمطلق لا بالوضع كما هو ظاهر ولابالإطلاق ومقدمات الحكمة، وإنما يكون في انطباق المطلق على أفراده في‏الخارج، ومن الواضح أن الشمول في هذه المرحلة أمر قهري لايرتبط بمدلول‏المطلق، لأن مدلوله الوضعي ثبوت الحكم للطبيعة المهملة بجعل واحد، ومدلوله‏الإطلاقي ثبوته للطبيعة المطلقة في مقابل ثبوته للحصة الخاصة، كل ذلك إنما هوفي مرحلة الجعل، وأما في مرحلة التطبيق فهي خارجة عن مدلول اللفظولايرتبط به، فإذن يكون الفرق بين العام الوضعي والمطلق الشمولي إنما هو في‏مرحلة الجعل، فإن مفاد العام الوضعي الشمول والإستيعاب في هذه المرحلة،بينما يكون مفاد المطلق الشمولي جعل الحكم على الطبيعة المهملة بجعل واحدلابجعول متعددة كما في العام الوضعي، وهذا هو الفارق بينهما، وأما الإستيعاب‏والشمول في المطلق، فإنما هو بلحاظ عالم الخارج ومرحلة الإنطباق وخارج عن‏مدلوله.
والخلاصة: إن المطلق لايدل على الإستيعاب والشمول بالوضع ولا بالإطلاق‏ومقدمات الحكمة، لأنه من شؤون الحكم المجعول في مرحلة الفعلية ولايرتبطبدلالة المطلق.
الجهة الثانية: إن الإستيعاب والشمول قد يكون معنىً إسمياً كما إذا كان الدال‏عليه لفظ )كل(، وما يرادفه من الألفاظ كلفظ جميع أو كافة أو عموم أو غيرذلك، على أساس أن هذه الألفاظ التي تعامل معها معاملة الأسماء موضوعةللدلالة على الشمول والإستيعاب، وقد يكون معنىً حرفياً، كما إذا كان الدال عليه‏الجمع المحليّ باللام بناءً على دلالتها على العموم، فإنها كغيرها من الهيئات‏موضوعة لمعان حرفية وغير مستقلة، وعلى هذا فالإستيعاب معنىً نسبي متمثل‏في نسبة وجوب الإكرام إلى كل عالم. فالنتيجة ، إنه لافرق بين كون الإستيعاب‏معنىً إسمياً أو حرفياً ولا تظهر الثمرة بينهما في المسألة.
الجهة الثالثة: إن الإستيعاب والشمول مفهوم أداة العموم وضعاً كلفظة )كل(أو جميع أو كافة، وليس المراد من استيعاب المفهوم لأفراده أن يلحظ المفهوم‏الواحد في الذهن مرآة لتمام أفراده، كان يلحظ مفهوم الإنسان فانياً في تمام أفراده‏أو مفهوم العالم كذلك، بل المراد منه أن الأداة تدل بالوضع على مفهوم مستوعب‏لتمام أفراد مفهوم آخر، وهو مفهوم مدخولها، فإذا ورد في الدليل )أكرم كل عالم(فلفظة )كل( تدل على استيعاب تمام أفراد العالم، لأن معناها ذات طبيعة التعددوالتكثر فيصلح أن يستوعب تمام أفراد مدخولها في الخارج، وأما المفهوم الواحدفلايمكن أن يستوعب تمام أفرادنفسه وذلك لأمرين:
الأول: ما ذكرناه في مبحث الوضع من أن كل مفهوم في عالم الذهن مرآةلنفسه، ولا يعقل أن يكون مرآة لغيره، بداهة أن تصور كل عنوان تصور نفسه،فتصور الإنسان مثلاً تصور له لاتصور لأفراده ولايعقل أن يجعل مفهوم الإنسان‏فانياً في أفراده ومرآة لها لأنه مرآة لنفسه، وهي ما به الإشتراك بين أفراده.
وعلى الجملة، فكل مفهوم في عالم الذهن مباين لمفهوم آخر فيه، فمفهوم‏الإنسان مباين لمفهوم زيد فلايمكن أن يكون أحدهما مرآة للآخر، لأن‏الموجودات الذهنية كالموجودات الخارجية متباينات، فكل وجود يأبى عن‏وجود آخر، فلايعقل أن ينطبق عليه وفانياً فيه، ولا فرق في ذلك بين الوجودالذهني والوجود الخارجي، ولهذا لايعقل أن يكون تصور مفهوم واحد في الذهن‏مرآة لتصور أفراده، لأن التصور الأول في الذهن مباين للتصور الثاني فيه،ولايعقل أن يكون فانياً فيه ومرآة له، ومن هنا قلنا هناك أن الوضع الخاص‏والموضوع له العام غير متصور، وأما الوضع العام والموضوع الخاص فكذلك، إلاّفي المفاهيم والعناوين المنتزعة من نفس الأفراد الخارجية، بإعتبار أن تصورهابنفسها تصور لها بوجهها وعنوانها على تفصيل تقدم هناك.
الثاني:مع الإغماض عن الأول وتسليم أنه لا مانع من أن يكون مفهوم واحدفي الذهن ملحوظاً فانياً في تمام أفراده، إلاّ أن مدلول أداة العموم ليس لحاظمدخولها فانياً في تمام أفراده في المرتبة السابقة، لوضوح أن الإستيعاب والشمول‏مدلول الأداة كلفظة الكل، فإن هذه اللفظة موضوعة للدلالة على استيعاب مفهوم‏لأفراد مفهوم آخر كمفهوم العالم في مثل قولك: »أكرم كل عالم«، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن أداة العموم تختلف بعضها عن بعضها الآخر في نقطةوتشترك في نقطة اُخرى‏.
أما نقطة الإختلاف، فإن لفظة جميع أو كافة أو عموم لاتدخل إلاّ على الجمع‏حقيقة أو حكماً كاسم الجمع مثل )قوم وناس(، ولهذا لايصحّ أن يقال كافة عالم‏أو عموم عالم أو جميع إنسان، ولكن يصحّ أن يقال كافة علماء أو عموم فقراء أوكافة الناس أو عموم القوم وهكذا، بينما لفظة )كل( تدخل على المفرد والجمع معاً،مثل كل إنسان كل عالم كل العلماء وهكذا.
وأما نقطة الإشتراك فالجميع تدل على مفهوم واحد، وهو الإستيعاب لأفرادمفهوم مدخولها.
الجهة الرابعة: إن‏الإستيعاب يكون بنحوالعموم الشمولي لجميع أفرادمدخول‏الأداة في عرض واحد، وهذا هو العام الإستغراقي، وقد يكون بنحو العموم البدلي‏لجميع أفراده كذلك أي في عرض واحد، وهذا هو العام البدلي، وقد يكون بنحوالعموم المجموعي لجميع أفراده كموضوع واحد، وهذا هو العام المجموعي، ثم إن‏هذا التقسيم كما يمكن أن يكون بلحاظ كيفية تعلق الحكم بالموضوع، يمكن أن‏يكون بلحاظ الموضوع نفسه بقطع النظر عن كيفية تعلق الحكم به.
أما الأول، فلأن الشارع تارةً بجعل الحكم لكل فرد من أفراد المدخول مستقلاًفي عرض واحد، فيكون هنا جعول متعددة حسب تعدد أفراده، واُخرى بجعل‏الحكم لكل فرد من أفراده بنحو البدل في عرض واحد، فيكون هنا جعل واحدلفرد واحد على البدل، وثالثة بجعل الحكم لمجموع أفراده بنحو المجموع كموضوع‏واحد، فيكون الجعل هنا أيضاً واحد، فعلى الأول يكون العام استغراقياً، وعلى‏الثاني بدلياً، وعلى الثالث مجموعياً.
وأما الثاني، فلأن الملحوظ فيه تارة يكون جميع أفراد العالم بنحو الإستيعاب،واُخرى يكون جميع أفراده بنحو البدل وثالثة يكون جميع أفراده بنحو المجموع‏كموضوع واحد، والأول عام استغراقي، والثاني بدلي، والثالث مجموعي.
فالنتيجة، إنه يمكن أن يكون هذا التقسيم على أساس كيفية لحاظ أفراد العام‏بقطع النظر عن تعلق الحكم به، ولكنه مجرد افتراض لاواقع موضوعي له، فإن‏ماله واقع موضوعي هو أن هذا التقسيم يكون على أساس كيفية تعلق الحكم‏بالموضوع لا بقطع النظر عنها.
الجهة الخامسة: ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره أن هذه الأقسام الثلاثة من العام‏المتمثلة في الإستغراقي والبدلي والمجموعي، إنما هي على أساس إختلاف كيفيةتعلق الحكم بها، وإلاّ فالعموم في الجميع بمعنى واحد، وهو شمول المفهوم لجميع مايصلح أن ينطبق عليه المدخول، غاية الأمر أن تعلق الحكم به تارةً بنحو يكون‏كل فرد موضوعاً مستقلاً له، واُخرى‏ بنحو يكون الجميع موضوعاً واحداً بحيث‏لو أخلّ بإكرام فقيه واحد في أكرم كل فقيه مثلاً، لم يمتثل أصلاً.
وثالثة، بنحو يكون كل فرد موضوعاً على البدل بحيث لو أكرم واحداً منهم،فقد حصل الإمتثال(26)، هذا ماذكره‏قدس سره يرجع إلى نقطتين:
الاُولى‏: تفسير العموم في جميع الأقسام الثلاثة بشمول المفهوم، كمفهوم العام‏مثلاً لجميع مايصلح أن ينطبق عليه.
الثانية: إن الإختلاف بينها إنما هو في كيفية تعلق الحكم به، فإن تعلقه به إن‏كان بكل فرد فرد في عرض واحد بنحو الإستغراق، فهو عام استغراقي، وإن كان‏بكل فرد كذلك بنحو البدل فهو عام بدلي، وإن كان بمجموع الأفراد كموضوع‏واحد، فهو عام مجموعي، ولنأخذ بالنظر إلى هاتين النقطتين.
أما النقطة الاُولى، فيرد عليها أن العموم في جميع الأقسام المذكورة ليس بمعنى‏واحد، لوضوح أن العموم الإستغراقي يختلف عن العموم البدلي والمجموعي ثبوتاًوإثباتاً، أما ثبوتاً فلأن العموم الإستغراقي متمثل في استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم‏آخر بنحو الإستغراقي، بينما العموم البدلي متمثل في استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم‏آخر على البدل، والعموم المجموعي متمثل في استيعاب مفهوم لأفراد مفهوم آخركموضوع واحد بحيث يكون كل فرد من أفراده ملحوظاً بنحو الجزئية لا بنحوالإستقلال كما في العام الإستغراقي، ولا بنحو البدلية كما في العام البدلي، هذا إضافةإلى أن ما ذكره‏قدس سره من التفسير للعموم ليس تفسيراً له، لما عرفت من أن تصورمفهوم فانياً أفراده ومرآة لها غير معقول فضلاً عن كونه معنى العام، لأن كل‏مفهوم مرآة لنفسه لا لغيره كما تقدم، وأما إثباتاً فلأن الفرق بين قولنا كل إنسان،وقولنا أي إنسان واضح، فإن الأول يدل على العموم الإستغراقي، والثاني على‏العموم البدلي بقطع النظر عن تعلق الحكم به، لأن هذا الفرق بينهما يكون في‏المدلول التصوري، حيث إن المتبادر من الأول العموم الإستغراقي، وإن كان‏صدوره من متكلم بغير شعور كما أن المتبادر من الثاني كذلك، وأما الفرق بين‏العموم الإستغراقي والعموم المجموعي، فإنما هو في كيفية تعلق الحكم به في مرحلةالجعل.
وأما النقطة الثانية، فيرد عليه أن الإختلاف بين العام الإستغراقي والعام‏البدلي إنما هو في المدلول التصوري، وبقطع النظر عن كيفية تعلق الحكم به. نعم،يختلف العام المجموعي عن الأوليين في كيفية تعلق الحكم به.
وللمحقق العراقي‏قدس سره في المقام كلام، وتقريبه هو أن الفارق بين العام الإستغراقي‏والعام البدلي إنما هو في مدخول الأداة، فإن كان مدخولها إسم الجنس دلّت على‏العموم الإستغراقي كقولنا: »أكرم كل العالم أو كل الإنسان« وهكذا، وإن كان‏مدخولها النكرة، فلاتدل على العموم الإستغراقي بل تدل على العموم البدلي، على‏أساس أن التنكير ناشي‏ء من أخذ قيد الوحدة فيه، فإذن لا محالة يكون العموم‏بدلياً، لأن قيد الوحدة في طرف النقيض مع الإستغراق، وعلى هذا فالإستغراقيةوالبدلية خارجتان عن العموم الذي هو مدلول الأداة، فإنها تدل على عموم‏أفراد مدخولها، غاية الأمر إن كان المدخول اسم الجنس، فالعموم استغراقي، وإن‏كان النكرة فالعموم بدلي، فالبدلية والإستغراقية ناشئتان عن خصوصية المدخول‏بقطع النظر عن كيفية تعلق الحكم بهما، وأما العام المجموعي فهو من شؤون كيفيّةتعلق الحكم به(27).
والجواب: أما ما أفاده‏قدس سره من أن الفرق بين العام الإستغراقي والعام البدلي‏ثابت بقطع النظر عن كيفية تعلق الحكم به، وناشي‏ء عن خصوصية مدخول‏الأداة، فلايمكن المساعدة عليه وذلك، لأنه لافرق بين أن يكون مدخول الأداةكلفظة )كل( اسم الجنس أو النكرة، لوضوح أنه لا فرق بين قولنا: »كل العالم أوكل الإنسان« وقولنا: »كل عالم أو كل إنسان«، فإن لفظة )كل( في كلا المثالين‏تدل على العموم الإستغراقي بلا فرق بينهما بل الغالب يكون مدخول لفظة )كل(اسم النكرة في موارد استعمالها، وأما لفظة )أي( فهي تدل على العموم البدلي سواءًأكان مدخولها اسم النكرة أم اسم الجنس، فلا فرق بين قولنا: أي عالم، وقولنا:أي العالم، فإنها في كلا المثالين تدل على العموم البدلي بلا فرق بينهما.
فالنتيجة، إن ما ذكره‏قدس سره لايرجع إلى معنى محصّل، نعم ما ذكره‏قدس سره تام لو قلنابأن أداة العموم لاتدل إلاّ على عموم مدخوله بالنسبة إلى أفراده مثلاً، ففي مثل‏قولنا: »أكرم كل عالم« تدل لفظة )كل( على عموم مفهوم العالم لأفراد نفسه،فعندئذٍ إن كان مدخول الأداة اسم الجنس، فلا محالة يكون عمومه لأفراد نفسه‏استغراقياً، وإن كان اسم النكرة المأخوذ فيها قيد الوحدة، كان عمومه لأفرادنفسه بدلياً، ولكن من الواضح أن هذا مجرّد اقتراض لاواقع موضوعي له،ضرورة أن الأداة تدل على معنى غير عموم مدخوله لأفراد نفسه، وهو استيعابه‏لأفراده، وعلى هذا فلافرق بين أن يكون مدخول الأداة اسم الجنس أو اسم‏النكرة، لأن الأداة كلفظة )كل( تدل على استيعاب تمام أفراد مدخوله وإن كان‏منكراً كقولنا: »أكرم كل عالم«.
وأما ما أفاده‏قدس سره من أن العموم المجموعي إنما هو من شؤون كيفية تعلق الحكم‏به، فهو صحيح، وهي الفارق بين العموم المجموعي والعموم الإستغراقي والبدلي في‏مقام الإثبات، على أساس أنه ليس للعموم المجموعي صيغة خاصة وأداةمخصوصة كما كانت للعموم الإستغراقي والبدلي، ولهذا يكون تعيينه بحاجة إلى‏قرينة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، الصحيح هو أن أداة العموم موضوعة للدلالة على الشمول‏والإستيعاب لتمام أفراد مدخولها، وهذ المعنى هو المتبادر من لفظة )كل( عندإطلاقها وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار.
الجهة السادسة: قد يقال كما قيل أن كل مرتبة من مراتب العدد كالعشرةونحوها من أدوات العموم على أساس استيعابها لما تحتها من الوحدات.
والجواب: إن هذا القيل لا أساس له لا من جهة ما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره‏من أن العموم هو استيعاب الأفراد لا الأجزاء والوحدات والتي تشتمل عليهاكلمة عشرة وتستوعبها أجزاؤها لا أفرادها(28)، لأن ما ذكره‏قدس سره غير صحيح لماتقدّم من أن معنى العموم هو الشمول والإستيعاب، ولا فرق بين أن يكون‏الإستيعاب بلحاظ الأفراد أو الأجزاء، ولهذا يصحّ أن يقال، اُكتب كل هذاالكتاب أو أقرء كل هذا المصحف، ولا فرق بينه وبين قولنا: »أكرم كل عالم«.
فالنتيجة، إن مفاد أداة العموم الشمول والإستيعاب، ولا فرق بين أن يكون‏الاستيعاب والشمول بلحاظ الأفراد أو الأجزاء، بل من جهة أن العشرة اسم‏للوحدات التي هي مركبة منها، فتكون العشرة عنواناً لنفس هذه الوحدات واسم‏لها، فلايعقل أن تكون العشرة أداة لها، لوضوح أن أداة العموم مغايرة لمدخولهاومباينة لها مفهوماً، حيث إن مفهومها استيعاب تمام أفراد مفهوم مدخولها، فإذاقيل: »أكرم كل عالم«، فمفهوم )كل( الإستيعاب والشمول لتمام أفراد مفهوم‏العالم، وهو مدخولها، وهذا المعنى لاينطبق على العشرة وما شاكلها، فإذن لايمكن‏أن تكون من أدوات العموم، وإن شئت قلت إن اسماء مراتب الأعداد لاتدل على‏الإستيعاب، وإنما تدل على مفهوم مركب من آحاد العدد، فيكون حالها من هذه‏الناحية حال سائر المركبات، فكما أن سائر المركبات عنوان واسم لأجزائها لاأداة عموم لها، فكذلك مراتب الأعداد، لوضوح أن الإستيعاب والشمول ليس‏مفهوم العشرة مثلاً، فإن مفهومها منتزع من هذه المرتبة من آحاد العدد واسم لها،ولهذا تدخل عليها أداة العموم كقولنا: »أكرم كل عشرة من الفقراء«، وهذا دليل‏قطعي على أنها ليست من أداة العموم.
الجهة السابعة: أن لفظة )كل( كما تقدّم موضوعة للدلالة على الإستيعاب‏والشمول، وهو كما يمكن أن يكون بلحاظ الأفراد يمكن أن يكون بلحاظالأجزاء، والإستيعاب والشمول في كلا الموردين بمعنى واحد، وهو واقع‏الإستيعاب والشمول، ولفظة )كل( تدل عليه، وأما كونه تارة بلحاظ الأفراد،واُخرى‏ بلحاظ الأجزاء، فهو ناشي‏ء من خصوصية المدخول، فإذا قيل: »أكرم‏كل هاشمي« كان الإستيعاب والشمول بلحاظ الأفراد، وإذا قيل: »إقرء كل هذاالكتاب« كان الإستيعاب والشمول بلحاظ الأجزء.
وهل هناك فرق بين دخول لفظة )كل( على المفرد، ودخولها على الجمع؟
والجواب: إنه لافرق بينهما، فإنها تدخل عليها بمعنى واحد، وهو استيعاب تمام‏أفراد الطبيعة التي هي مادة الجمع، فيكون دخولها على الجمع كدخولها على‏المفرد، فلا فرق بينهما، وأما مراتب الجمع فهي غير ملحوظة كأجزاء له، ولايكون‏الإستيعاب بلحاظ مراتب الجمع بل بلحاظ أفراد مدخوله، لوضوح أن ا لمتفاهم‏العرفي من قولنا: »أكرم كل العلماء«، هو الإستيعاب بلحاظ أفراد مدخول الجمع،وهو العالم لا الإستيعاب بلحاظ مراتبه، وأما إذا دخلت لفظة )كل( على مراتب‏الأعداد كالعشرة، فإن كانت منكرة كقولنا: »أطعم كل عشرة من الفقراء«، دلت‏على استيعاب أفراد العشرة بمعنى أن كل عشرة فرد من المدخول وكل آحادالعشرة جزء الفرد، وإن كانت معرفة كقولنا: »أقرء كل العشرة من الكتب«، دلت‏على استيعاب تمام آحاد العشرة وأجزائها.
ودعوى‏، إن عموم العشرة بالنسبة إلى آحادها استغراقي بلحاظ الواحد لامجموعي، لأن كل مرتبة من مراتب العدد مؤلّفة من الآحاد، والواحد ينطبق على‏كل واحد منها، فالعشرة توجب استغراق الواحد إلى هذا الحد، وعدم انطباق‏العشرة بما هي على الواحد غير ضائر، فإن كل عالم لاينطبق على كل فرد من‏أفراده في الخارج، فالإنطباق بلحاظ ذات ماله الإستغراق والشمول لا بما هومستغرق وإلاّ فليس له إلاّ مطابق واحد في الخارج.
مدفوعة، بأن مراتب الأعداد، وإن كانت مؤلّفة من الآحاد إلاّ أن الواحدليس مادة لفظ العشرة حتى يكون له الإستيعاب والشمول، بل مفهوم العشرةمباين لمفهوم سائر مراتب الأعداد وحتى مفهوم الواحد، فإذن لايمكن أن يكون‏الواحد مادة العشرة، لأنه مباين لها لفظاً ومعنىً، وهذا بخلاف الرجل الداخل‏عليه لفظة )كل(، فإنه ينطبق على كل فرد من أفراده في الخارج، على أساس أن‏عنوان الرجل يصدق على كل فرد منها، وهو متحد مع الكل في المعنى. فالنتيجة،إنه لايقاس مراتب العدد بالجمع، وأما إذا دخلت على التثنية كما إذا قال المولى‏:»أكرم كل العالمين« أو قال: »أكرم كل عالمين«، فالظاهر أن الإستيعاب بلحاظمراتب التثنية، وأما إذا قال المولى‏: »إقرء كل هذين الكتابين«، فالظاهر أن‏الإستيعاب بلحاظ الأجزاء، إذ لاتعدد بلحاظ المراتب أي مراتب التثنية.
والخلاصة: إن لفظة )كل( الداخلة على التثنية تختلف بإختلاف الموارد، فقديكون الإستيعاب بلحاظ مراتبها، وقد يكون بلحاظ الأجزاء
الجهة الثامنة: قد ظهر مما تقدم أنه لاشبهة في أن أدوات العموم كلفظة )كل(أو جميع أو عموم تدل على الإستيعاب والشمول، وهذا مما لاكلام فيه، وإنماالكلام في نقطة اُخرى‏، وهي أن دلالة لفظة )كل( على استيعاب تمام أفرادمدخولها، هل تتوقف على مقدمة خارجية أو لا؟ فهنا قولان:
القول الأول: إن دلالة الأداة على استيعاب تمام أفراد مدخولها تتوقف على‏قرينة الحكمة ولا تتولى‏ الأداة بنفسها دور القرينة.
القول الثاني: إن دلالة الأداة على ذلك لاتتوقف على قرينة الحكمة بل هي‏بنفسهاتتولى دورها، وقداختارالمحقق الخراساني‏قدس سره القول‏الأول، وقد أفاد في‏وجه ذلك، إن أداة العموم كلفظة )كل( موضوعة للدلالة على استيعاب مايرادمن المدخول، فإذن لابد أولاً وفي المرتبة السابقة من تعيين المراد من المدخول‏وإنه المطلق أو المقيّد، فإذا تعين المراد منه سواءً أكان المطلق بقرينة الحكمة أم‏المقيد بقرينة خاصة دلّت الأداة على عمومه، ولهذا لاينافي دلالتها على العموم‏تقييد مدخولها بقيد خاص(29)، وقد اختار هذا القول المحقق النائيني‏قدس سره أيضاً(30).
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن دلالة أداة العموم على استيعاب تمام‏أفراد مدخولها لو كانت متوقفة على الإطلاق، ومقدمات الحكمة في المرتبة السابقةلم تكن بحاجة إلى تلك الأداة، وكانت لغواً، إذ لا فائدة فيها حتى التأكيد، فإن‏التأكيد إنما هو بين دالين عرضيين لاطوليين، بحيث لو ارتفع ملاك الأول يرتفع‏ملاك الثاني أيضاً، أو فقل: إن اطلاق المدخول إذا ثبت بمقدمات الحكمة، كفى ذلك‏في انطباقه على أفراده وسراية الحكم إليها، فإذن لاحاجة إلى أداة العموم،ويكون وجودها كعدمها، وإن شئت قلت: إن دلالة الأداة على الإستيعاب لوكانت متوقفة على اثبات إطلاق مدخولها بقرينة الحكمة في المرتبة السابقة، لزم‏لغويّتها، ضرورة أنه بعد إثبات إطلاق المدخول في المرتبة السابقة على دخولهاعليه كان الإطلاق هو الذي يقوم بدورها، وهو سراية الحكم منه إلى جميع أفراده‏والفرض أن الأداة لا تفيد أكثر من ذلك(31)، هذا.
ولنا تعليق على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره:
أما أولاً: فلأن المحقق الخراساني‏قدس سره قد ذكر قولين في المسألة واحتمل كلاالقولين فيها نظرياً. أحدهما، إن أدوات العموم موضوعة للدلالة على استيعاب‏مايراد من مدخولها.
وثانيهما، إنهما موضوعة للدلالة على استيعاب تمام ماينطبق عليه مدخولها، ثم‏قال الصحيح هو القول الثاني، على أساس أن المدخول في نفسه صالح للإنطباق‏على تمام أفراده، وهذه الصلاحية ذاتيّة وأداة العموم تدل على استيعاب تطبيقه‏الفعلي على تمام أفراده، بإعتبار أن المدخول في نفسه صالح للإنطباق على ذلك ذاتاًطالما لم يكن هناك مانع من هذه الصالحية، وعليه فإذا دخلت عليه الأداة كلفظة)كل( دلت على استيعاب هذا الإنطباق فعلاً.
وأما القول الثاني، فقد علل‏قدس سره بأنه يستلزم لغوية وضع الأداة للعموم.
فالنتيجة، إن هذ الإشكال غير وارد على المحقق الخراساني‏قدس سره، نعم، هو واردعلى المحقق النائيني‏قدس سره.
وثانياً: إن ماذكره‏قدس سره من لزوم لغوية الأداة قابل للمناقشة، وذلك لأن‏المدخول الوضعي للأداة كلفظة )كل( مدلول تصوري لاتصديقي، وعلى هذإ؛6خ‏ق‏فلايمكن أن تكون الأداة موضوعة للدلالة على استيعاب مايراد من مدخولها،لأن لازم ذلك هو أخذ الإرادة في مدلولها، ومن الواضح أن مدلولها الوضعي‏مدلول تصوري كما هو الحال في سائر الألفاظ، فلايمكن أن تكون الإرادةمأخوذة فيه وإلاّ لزم أن يكون تصديقياً، وهو كما ترى‏، وعلى هذا فحيث إن‏المدلول الوضعي للأداة تصوري فبالإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة لمدخولهاتصديقي فلايعقل أن تكون دلالة الأداة على الاستيعاب والشمول لمدخولهامتوقفة على اثبات اطلاقها بمقدمات الحكمة، ضرورة أن الدلالة التصوريةلاتعقل أن تتوقف على مقدمة خارجية، وإلاّ لزم خلف فرض كونها تصوريّة،لأنها تدخل في الذهن قهراً بمجرد سماع اللفظ وإن كان من لافظ بغير شعورواختيار بدون توقف على شي‏ء، وعليه فإذا قال المولى‏: »أكرم كل عالم«، فلفظة)كل( تدلّ على استيعاب تمام أفراد مدخولها ذاتاً بالدلالة الوضعية التصورية،وحينئذٍ فلاتصل النوبة إلى إجراء مقدمات الحكمة لاثبات إطلاق المدخول، لأن‏الدلالة الوضعيّة حيث إنها تصورية فلاتتوقف على مقدمات الحكمة، وإلاّ لزم‏الخلف. نعم، كون هذا المدلول التصوري مراداً للمولى‏ يتوقف على تلك‏المقدمات.
فالنتيجة، إن المدلول التصوري للأداة لايتوقف على قرينة الحكمة، وإنماالمتوقف عليها المدلول التصديقي لها.
وثالثاً: ماتقدم في محله من أن مقدمات الحكمة تثبت الإطلاق بمعنى عدم‏التقييد بقيد خاص، واما أن الاطلاق شمولي أو بدلي، فالمقدمات لاتقتضي ذلك‏فإذن الشمولية والبدلية إنما هي بدال آخر من العقل أو العرف أو خصوصيةالمورد، ومن الواضح أن الاستيعاب الذي هو مفاد الأداة ليس في طول الدال على‏هذه الخصوصية، وهي الشمولية أو البدلية بل في عرضه، لأنه إنما يكون في طول‏الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فإذا ثبت‏اطلاق المدخول بها فالدال آخريدل‏على استيعابه وشموله لتمام أفراده في عرض واحد استغراقياً أو بدلياً، والأداةتدل على ذلك أيضاً في عرض هذا الدليل فتكون مؤكدّة وبذلك ترتفع اللغوية.
ورابعاً: إن اطلاق المدخول الثابت بمقدمات الحكمة ليس شمولياً دائماً حتى‏يكون دخول الأداة عليه لغواً بل قد يكون كذلك، وقد يكون بدلياً كما إذا كان‏مدخولهااستغراقاً نكرة، فإذا كان بدلياً لم يكن دخول الأداة عليه لغواً لأنها تدل‏على‏الشمولية الاستغراقية، فإذا قيل: »أكرم كل عالم«، فالمدخول منكرمن جهةتنوين التنكير، وعليه فالاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة يكون بدلياً، وأما لفظة)كل(، فحيث إنها تدل على الاستيعاب الإستغراقي فلايكون دخولها عليه لغواً،إلى هنا قدتبيّن أن أداة العموم كلفظة )كل( تختلف عن قرينة الحكمة في نقاط:
الاُولى‏: إن الأداة تدل بالدلالة الوضعية التصورية على الاستيعاب والشمول‏لجميع مايصلح المدخول للإنطباق عليه ذاتاً، وقرينة الحكمة لاتدل على‏الاستيعاب والشمول لا بالدلالة التصورية ولا بالدلالة التصديقية، وإنما هي‏تساهم في تكوين الدلالة التصديقية للمطلق على ذلك، أو فقل إن الأداة تدل‏على الاستيعاب والشمول بالدلالة الوضعية في مرحلة التصور، بينما الإطلاق‏الثابتة بقرينة الحكمة يدل على الشمول والإستيعاب بالدلالة التصديقية في‏مرحلة التطبيق وبين الأمرين بون بعيد.
الثانية: إن الأداة تدل على استيعاب الحكم وشموله لكل فرد من أفرادمدخولها بالدلالة المطابقية، بينما تدل قرينة الحكمة على نفي القيد عنه كذلك.
الثالثة: إن الأداة تدل على استيعاب الحكم لتمام أفراد مدخولها مباشرة في‏مرحلة الجعل، بينما الإطلاق الثابت بمقدمات الحكمة يدل على سراية الحكم من‏الطبيعي إلى‏ أفراده في مرحلة التطبيق.
الرابعة: إن الأداة تدل على الاستيعاب الاستغراقي، بينما الإطلاق الثابت‏بمقدمات قد يكون مفاده الإستيعاب البدلي بسبب أو آخر، ونتيجة هذه النقاطأن الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة لمدخول الأداة لايغني عن وضع الأداةللاستيعاب والشمول، بل إنها إذا دخلت على مدخولها أدّت إلى الغاء قرينةالحكمة فيه.
ومن هنا يظهر دفع الإشكال بأن إطلاق المدخول الثابت بمقدمات مانع عن‏دخول الأداة عليه، لأن ذلك من دخول الإستيعاب على المستوعب، وهومستحيل على أساس استحالة قبول الاطلاق للاطلاق والاستيعاب‏للاستيعاب، لأنه من قبول المماثل للمماثل، وهو غير معقول، وجه الظهور:
أولاً: إن دخول الأداة على شي‏ء كالعالم مثلاً أدّى إلى إلغاء إطلاقه بإلغاءمقدمات الحكمة، فلاموضوع حينئذٍ لدخول الاستيعاب على المستوعب.
وثانياً: إنه لا مماثلة بين الاستيعابين، لأن الاستيعاب الذي هو مفاد الأداة إنماهو مدلول تصوري متعلق بالأفراد مباشرة في مرحلة الجعل، بينما الاستيعاب‏الذي هو مفاد الإطلاق مدلول تصديقي متعلق بالأفراد بالتطبيق لا بالمباشرة،فإذن لا مماثلة بينهما لأنهما سنخان من الاستيعاب، وأيضاً لايجتمعان في شي‏ءواحد، فإن مصبّ الإستيعاب الذي هو مفاد الأداة الأفراد مباشرة في مرحلةالجعل ومصبّ الاستيعاب الذي هو مفاد الاطلاق الأفراد بواسطة التطبيق لابالمباشرة.
هذا إضافة إلى أن الاستيعابين لو كانا من سنخ واحد، كان استيعاب واحد لااستيعابين، غاية الأمر أن الدال عليه متعدّد، وهذا لا مانع منه، فإن المانع إنما هولزوم اجتماع المثلين ولا موضوع له حينئذٍ.
وهنا وجوه اُخرى‏ لعدم منع اطلاق المدخول الثابت بمقدمات الحكمة عن‏دخول أداة العموم عليه.
الوجه الأول: إن دلالة الأداة على الاستيعاب والشمول حيث إنها بالوضع،فهي أقوى‏ من دلالة المطلق على الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، فلذلك‏لايكون دخولها عليه لغواً.
الوجه الثاني:إن نفس دخول أداة العموم على مدخولها قرينة على عدم‏تقييده بقيد، باعتبار أنها تدل على استيعاب تمام مايصلح أن ينطبق عليه‏المدخول ذاتاً، فإذا قيل: »أكرم كل عالم«، فلفظة )كل( تدل على وجوب إكرام‏جميع مايصلح انطباق طبيعة العالم عليه بالذات من أفرادها ومصاديقها، وهي‏تلعب دور قرينة الحكمة بل بنحو الأقوى‏.
وإن شئت قلت: إن المدخول وإن كان متمثلاً في الطبيعة المهملة، وهي الطبيعةالملحوظة بذاتها وذاتياتها بدون ملاحظة خصوصيات اُخرى‏ معها، إلاّ أنه إذادخلت عليها الأداة دلّت على استيعاب تمام مايصلح انطباقها عليه، والمفروض‏أن صلاحية انطباق الطبيعة على أفرادها ذاتية طالما لم يكن هناك مانع عن ذلك،والمانع إنما هو تقييدها بقيد فإنه يكوّن لها مفهوماً آخر، وهو مفهوم الحصة التي‏تكون دائرة انطباقها أضيق من دائرة انطباق الطبيعة المهملة.
فالنتيجة، إن الأداة تدل على استيعاب تمام مايصلح انطباق مدخولها عليه‏تصوراً وتصديقاً، ولا تتوقف هذه الدلالة على أيّ مقدمة خارجية لاتصوراًولاتصديقاً، أما الأول فواضح. وأما الثاني، فلأن المانع منها تقييده بقيدوالفرض عدمه.
الوجه الثالث: إن دلالة أداة العموم على الاستيعاب والشمول لو كانت متوقفةعلى إطلاق مدخولها الثابت بمقدمات الحكمة لزم أحد محذورين:
الأول: الالتزام بأن مدلول الأداة وضعاً مدلول تصديقي لاتصوري باعتبارأن مدلولها عموم مايراد من مدخولها، فالإرادة مأخوذة فيه، وهذا مما لايمكن‏الالتزام به.
الثاني: إن لازم ذلك كون مدلولها الوضعي التصوري مرتبطاً بالمدلول‏التصديقي، وهو الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة وكلاهما لايمكن.
أما الأول: فلما ذكرناه موسعاً في باب الوضع أن المدلول الوضعي مدلول‏تصوري لاتصديقي.
وأما الثاني: فلايعقل أن يكون المدلول التصوري مرتبطاً بالمدلول‏التصديقي، لأنه إن اُريد به أن المدلول التصوري رغم أنه تصوري لايتحقق إلاّبتحقق المدلول التصديقي، فهو خلاف الوجدان والضرورة، لأن المدلول‏التصوري يتحقق بمجرد تصور الأداة وسماعها وإن كان من لافظ بغير شعورواختيار مع عدم تحقق المدلول التصديقي، وإن اُريد به أنه مرتبط به واقعاً، ففيه،إنه مدلول تصديقي لاتصوري، بداهة أن المدلول التصوري لايتوقف على مقدمةخارجية، وإلاّ لكان تصديقياً وهو خلف.
وقد يقال في تقريب القول الأول الذي اختاره المحقق النائيني‏قدس سره ما حاصله:إن مدخول الأداة إسم الجنس، وهو موضوع للطبيعة المهملة الجامعة بين الطبيعةالمطلقة والطبيعة المقيّدة والطبيعة المجردة، وهي الطبيعة لابشرط التي لاموطن لهاإلاّ الذهن، باعتبار إنها مجردة عن جميع الخصوصيات الخارجية، ولهذا تكون‏من المعقولات الثانوية مثل الانسان نوع، الحيوان جنس، وهكذا، والطبيعةالمهملة الجامعة يستحيل أن تنطبق على الأفراد الخارجية جميعاً، لأنها جامعةبين مايقبل الانطباق على جميع الأفراد، وهو الماهية المطلقة وما لايقبل الانطباق‏على الجميع، وهو الماهية المقيّدة وما لايقبل الانطباق أصلاً، وهو الماهيةالمجرّدة، والجامع بين ما يقبل الانطباق على الجميع وما لايقبل الانطباق كذلك‏لايقبل الانطباق.
ومن الواضح، إن أداة العموم لايمكن أن تدخل عليها، ضرورة أنها لاتدل‏على الاستيعاب والشمول إلاّ إذا كان مدخولها مما يقبل الانطباق والصدق على‏جميع الأفراد في الخارج، وعلى هذا، فإن قيل: إن الأداة تدل على استيعاب أفرادمدخولها بعد دلالتها على أنه مطلق، فهو باطل لأن لازم ذلك دلالة الأداة على‏معنيين طوليين:
الأول: إطلاق مدخولها.
الثاني:إستيعاب أفراده مع أنه ليس لها إلاّ معنى واحد، وهو واقع الاستيعاب‏والشمول، فإذن يتعين أن يكون إثبات إطلاق المدخول القابل للإنطباق على‏جميع أفراده بقرينة الحكمة(32).
والجواب: إن الماهية المهملة وإن كانت جامعة بين الماهية المطلقة، والماهيةالمقيّدة ونقصد بالماهية المطلقة عدم لحاظ القيد معها، وبالماهية المقيّدة لحاظ القيدمعها، ولكن شيئاً من الخصوصيتين هما خصوصية الاطلاق والتقييد غير مأخوذفيها حتى تكون خصوصية التقييد مانعة عن انطباقها على جميع الأفرادالخارجية، ومعنى هذا أن الملحوظ والمرئي هو الماهية بذاتها وذاتياتها بدون‏لحاظ أي خصوصية معها حتى خصوصية الجامعيّة، فالاطلاق والتقييد من‏شؤون نفس اللحاظ الذهني دون ذات الملحوظ، وهو الماهية المهملة، وهي‏قابلة للانطباق على جميع أفرادها الذاتية، وإذا دخلت عليها أداة العموم دلّت‏على استيعاب تمام أفرادها، هذا إضافة إلى أن كون الماهيّة المهملة جامعة بين‏الماهية المطلقة والماهية المقيّدة لايمنع عن انطباقها على جميع الأفراد الخارجيةعلى أساس أن الماهية المطلقة ينطبق على الجميع، والفرض أن الماهيّة المهملةالتي هي جامعة بينهما موجودة فيها، فإذا كانت موجودة فيها كانت منطبقة على‏تمام الأفراد الخارجيّة.
وبكلمة، إن الاطلاق والتقييد تارةً يكون في مرحلة التصديق كالاطلاق‏الثابت بمقدمات الحكمة في مقابل التقييد الثابت بدليل، ودلالة الأداة على العموم‏والشمول لاتتوقف على ثبوت هذا الاطلاق مدخولها، واُخرى‏ يكون في مرحلةالتصور، وذلك لأن الماهيّة إما أن تكون ملحوظة بدون القيد أو تكون ملحوظةمع القيد أو تكون ملحوظة مجردة عن لحاظ التقييد، ولحاظ الاطلاق.
فعلى الأول، مطلقة في مرحلة التصور واللحاظ، إذ معنى الاطلاق هو عدم‏التقييد بقيد ما. وعلى الثاني، مقيّدة في هذه المرحلة. وعلى الثالث، مجردة عن‏خصوصية الاطلاق والتقييد اللحاظيين، وهي الماهية المهملة التي هي عين‏الطبيعة المطلقة والمقيدة، لوضوح أن الماهية إما أن تلحظ بدون القيد أو مع القيدولاثالث لهما لاستحالة ارتفاع النقيضين. فعلى الأول، مطلقة بالحمل الشايع.وعلى الثاني، مقيّدة كذلك، وأما الماهية التي غير ملحوظة لا مع القيد لا بدونهافلايعقل أن يحكم عليها بشي‏ء، ضرورة أن موضوع الحكم لابدّ أن يكون‏ملحوظاً، إذ لايعقل الحكم على شي‏ء بدون تصوره ولحاظه وإن كان ذلك الحكم‏الاستيعاب أو الوضع أو غير ذلك.
نعم، تمتاز الماهية المهملة عن الماهية المطلقة أنها خالية عن النظرة الاطلاقيةبمعنى أن النظر مقصور على ذاتها وذاتياتها فحسب من دون أن يتجاوز عنها،وهذه الماهية وإن كانت مطلقة بالحمل الشايع باعتبار أنه لم يلحظ قيداً معها حتى‏قيد الاطلاق بينما يلحظ في الماهية المطلقة زائداً على لحاظ ذاتها وذاتياتها عدم‏لحاظ تقييدها بقيد ما، ولهذا تكون دائرة تطبيقها على أفرادها أوسع من دائرةتطبيق الماهية المهملة عليها، لأن دائرة التطبيق فيها بنحو الموجبة الجزئية، بينمايكون في الماهية المطلقة بنحو الموجبة الكليّة، ثم إن حيثية الاطلاق حيثيّةتعليلية وتكون من شؤون اللحاظ لامن شؤون الملحوظ، فإنه ذات الماهيةالملحوظة وهي تصلح أن تقع موضوعاً للحكم، وعلى هذا فمدخول الأداةالطبيعة الملحوظة بدون قيد، وهي الطبيعة المطلقة بالحمل الشايع فلايحتاج‏حينئذٍ إلى الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، لأن موضوع الاستيعاب الذي هومفاد الأداة الطبيعة المطلقة في مرحلة التصور واللحاظ، فإذا دخلت الأداة على‏اسم الجنس بدون قيد دلت على استيعاب تمام أفراده، واحتمال أن مراد المتكلم في‏الواقع هو المقيّد، مدفوع بظهور الكلام في عدم التقييد في مقام الاثبات.
إلى هنا قد تبيّن أن ما أفاده المحقق النائيني‏قدس سره تبعاً للمحقق الخراساني‏قدس سره: من‏أن دلالة الأداة على الاستيعاب والشمول تتوقف على اثبات اطلاق مدخولهابمقدمات الحكمة في المرتبة السابقة غير تام، ولايرجع إلى معنى صحيح، نعم هي‏تتوقف على لحاظ الماهية بالذات ولا تتوقف على لحاظ اطلاقها فضلاً عن‏الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة، ومن هنا يظهر أن الصحيح في المسألة هوالقول الثاني، ثم إن لفظة )كل( قد يرد على النكرة كقولنا: »إقرأ كل كتاب تحت‏يدك«، وقد يرد على المعرفة: »إقرأ كل الكتاب«.
فعلى الأول: تدل على الاستيعاب والشمول لتمام مايصلح انطباق المدخول‏عليه من أفراده.
وعلى الثاني: تدل على الاستيعاب والشمول لأجزاء المدخول، وإنما الكلام في‏أنها تدل على ذلك بالوضع أو بالقرينة فيه قولان:
فذهب المحقق العراقي‏قدس سره إلى القول الثاني، وقد أفاد في وجه ذلك: إن كلمة)كل( أو ماشاكلها موضوعة للدلالة على استيعاب تمام أفراد مدخولها، ولكنهاإذا دخلت على المعرفة اتجّه الاستيعاب نحوأجزاء المدخول المعرّف باللام، على‏أساس أن الأصل في اللام العهد والاشارة إلى أن مدخوله فرد معيّن في الخارج،فإذا قيل: »إقرأ كل الكتاب«، فالكل يدل على استيعاب أجزاء مدخوله بقرينةأن لام العهد حيث إنه مشير إلى كتاب معين في الخارج، فلايمكن أن يكون‏الاستيعاب بلحاظ الأفراد إذ لا أفراد له فيه، فإذن لامحالة يكون بلحاظالأجزاء، ومعناه وجوب قراءة كل جزء من أجزاء الكتاب وكل صفحة من‏صفحاته.
فالنتيجة، إن لفظة )كل( تدل بالدلالة الوضعيّة على استيعاب أفراد مدخولها،وأما استعمالها في استيعاب أجزائه، فهو بحاجة إلى قرينة كما في المثال المذكور،وقد يقال كما قيل أن لفظة )كل( إذا دخلت على المعرفة أدّت إلى جعل كل جزءمن أجزاء المدخول موضوعاً مستقلاً للحكم، فيكون قولنا: »إقرأ كل الكتاب«في قوة قولنا: إقرأ كل صفحة من صفحات هذا الكتاب من البداية إلى النهاية،بحيث يكون قراءة كل صفحة من صفحاته واجبة مستقلة، بقرينة أنها تدل على‏تكثر الجعل وتعدّده وهو لامحالة يكون بتعدّد موضوعه(33).
والجواب: إنه لاأساس لهذا القول، لوضوح أن لفظة )كل( في مثل قولنا:»إقرأ كل الكتاب«، لاتدل على تعدّد الجعل وتكثّره بلحاظ أجزائه، بل الظاهرأنها تدل على جعل واحد، وهو جعل وجوب قراءة كل الكتاب كموضوع‏واحد، أو فقل: إن أداة العموم تدل على الاستيعاب، غاية الأمر إن كان مصبّه‏أجزاء المدخول، فالعموم مجموعي، وإن كان أفراده فالعموم استغراقي،فخصوصيّة الاستغراقية والمجموعية خارجة عن مدلول الأداة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، الصحيح في المقام القول الأول، وهو أن أداة العموم كلفظة)كل( موضوعة للدلالة على الاستيعاب والشمول، غاية الأمر إن كان مدخولهامتمثلاً في فرد معين في الخارج وذي أجزاء، فاستيعابه إنما هو بلحاظ أجزائه،وإن كان متمثلاً في طبيعة ذات أفراد، فاستيعابها إنما هو بلحاظ أفرادها، وإن‏شئت قلت: إن الموضوع له لأداة العموم هو الاستيعاب والشمول لا استيعاب‏الأفراد وشمولها حتى يكون استعمالها في استيعاب الأجزاء مجاز أو بحاجة إلى‏قرينة ، فقيد الأفراد غير مأخوذ في المعنى الموضوع له لها، وإن كان موارداستعمالها في استيعاب الأفراد أكثر من موارد استعمالها في استيعاب الأجزاء،ولكن هذه الكثرة لاتوجب اختصاص وضعها بالأول.
فالنتيجة، إن الأداة موضوعة لمعنى واحد، وهو واقع الاستيعاب والشمول‏ولكنه يختلف باختلاف مدخولها، هذا فيما إذا كان المدخول المعرف المعيّن ذاأجزاء، وأما إذا لم يكن ذا أجزاء، فإن كان فرداً معيناً في الخارج، فلايصح‏دخول أداة العموم عليه مثل قولنا: »أكرم كل زيد« في الخارج فإنه غلط، وأماإذا لم يكن فرداً معيناً في الخارج، فلافرق بين أن يكون مدخول للأداة منكراًكقولنا: »أكرم كل عالم«، أو معرفاً كقولنا: »أكرم كل العالم«.
وبكلمة واضحة، إن أدوات العموم كلفظة )كل( ونحوها موضوعة لمعنى‏واحد، وهو الاستيعاب والشمول الواقعي، غاية الأمر أن مصبّ الاستيعاب قديكون أفراد المدخول وقد يكون أجزائه، كما إذا كان المدخول متمثلاً في مصداق‏معين في الخارج ومركب من أجزاء، ومن هنا لافرق بين قولنا: »أقرأ كل‏كتاب«، وقولنا: »أقرأ كل الكتاب«، فإن لفظة )كل( في كلا المثالين مستعملةفي معنى واحد، وهو واقع الاستيعاب والشمول، وأما أن متعلقه أفراد المدخول‏أو أجزائه، فهو ناشي‏ء من خصوصية مدخولها وخارجة عن معناها الموضوع له‏لأن مدخولها سواءً أكان نكرة أم معرفة إذا كان طبيعة ذات أفراد في الخارج،دلّت على استيعاب تمام أفراده، والأول، كقولنا: »أكرم كل عالم«، والثاني،كقولنا: »أكرم كل العالم«، فإن لفظة )كل( مستعملة في كلا المثالين في معنى‏واحد، وهو واقع الاستيعاب والشمول بنحو الاستغراق، وأما إذا كان مدخول‏الأداة ذات أجزاء وأفراد معاً، فإن كان منكراً كان العموم استغراقياً كما إذا قال‏المولى‏: »إشتر كل دورة من الوسائل«، فإن الاستيعاب الذي هو مدلول لفظة)كل( في المثال ظاهرة في الاستيعاب الاستغراقي، وإن كان المدخول معرفاً، كان‏العموم مجموعياً كما إذا قال المولى‏: »إشتر كل الدورة«. فإن الاستيعاب الذي‏دلّت عليه لفظة )كل( ظاهر في الاستيعاب المجموعي، فالاستغراقية والمجموعيةخارجتان عن مدلول الأداة وناشئتان عن خصوصية المورد، لأن لفظة )كل( في‏كلا المثالين مستعملة في معنى واحد وهو الاستيعاب والشمول وتدل عليه‏بالدلالة الوضعية التصورية، غاية الأمر إن كان مصبّه أفراد المدخول‏فالاستيعاب استغراقي، وإن كان أجزائه فمجموعي.
الجمع المحلى‏ باللام ...

الجمع المحلّى‏ باللام‏
هل هو من أداة العموم؟
والجواب: إن الكلام في ذلك يقع في مقامين:
الأول: في مقام الثبوت.
الثاني: في مقام الاثبات.
أما الكلام في المقام الأول، فلا اشكال في أن الجمع المحلى‏ باللام يشتمل‏على ثلاث دول:
الأول: مادة الجمع، وهي موضوعة للدلالة على الماهية المهملة المرئية بالرؤيةالذهنية الخالية عن كل قيد وخصوصية حتى الرؤية الذهنية، فإنها حيثية تعليليةخارجة عن ذات الطبيعة المرئية، فالموضوع له ذات الطبيعة المهملة المرئية.
الثاني: هيئة الجمع، فإنها موضوعة للدلالة على معنى أدناه متمثل في ثلاثةأفراد المادة وأقصاه متمثل في كل أفرادها ومستوعب لجميعها.
الثالث: كلمة اللام، وقد أدّعى‏ دلالتها على استيعاب أدنى مرتبة الجمع لتمام‏أفراد المادة، فإذا قيل: »أكرم العلماء«، دلت كلمة اللام على استيعاب أول مرتبةالجمع، وهي )الثلاثة( لجميع أفراد العالم، وتدل على وجوب إكرام تمام أفراده‏ثلاثة ثلاثة، وكلمة اللام حيث إنها حرف فيكون مدلولها نسبة استيعابية بين‏المستوعب )بالكسر(، وهو مدلول هيئة الجمع والمستوعب )بالفتح(، وهومدلول المادة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن دلالة الجمع المحلى‏ باللام على العموم يمكن تفسيرهإ؛اخ‏خ‏بوجهين:
الأول: إنه يدل على استيعاب تمام أفراد نفسه، وهو متمثل في ثلاثة وما زاد.
الثاني: إنه يدل على استيعاب تمام أفراد مادّته، وهي العالم في قولنا: »أكرم‏العلماء«، أما على التفسير الأول، فالعموم والاستيعاب الذي هو مدلول الجمع‏المحلى‏ باللام لايشمل الفرد لأنه ليس مصداقاً للجمع والعموم هواستيعاب‏المفهوم لأفراده، والفرد ليس من أفراد الجمع لأن فرده لايقل عن ثلاثة، ثم إن‏استيعاب الجمع وشموله لجميع أفراده هل هو بمعنى استيعابه بكل ثلاثة ثلاثةوهكذا إلى النهاية. أو أنه بمعنى استيعابه لأقصى مرتبة الجمع وهي المرتبة العليا،والاستيعاب بهذا المعنى إنما هو بلحاظ أن جميع مراتب الجمع داخلة تحت المرتبةالعليا أو بمعنى استيعابه من‏المرتبة الأدنى إلى المرتبةالأقصى‏، وشموله لجميع‏المراتب مباشرة هذا.
ولكن الفرض الأول غير صحيح، وذلك، لأن مراتب الجمع ليست محددةبثلاثة وثلاثة بل مراتبه مختلفة من ثلاثة ثلاثة وأربعة أربعة وخمسة خمسةوهكذا إلى أقصى‏ مرتبته، وأما الفرض الثاني والثالث، فكلاهما محتمل ثبوتاً.
ولكن هذا التفسير غير صحيح، وذلك لأن الدال على الاستيعاب والشمول‏لايخلو من أن يكون هيئة الجمع أو يكون كلمة اللام، وعلى كلا التقديرين‏فالصحيح هو تفسير الثاني، لأن هيئة الجمع لاتدل على استيعاب تمام أفرادنفسه، وإنما تدل على استيعاب تمام أفراد مادّته، لأن ذلك هو الظاهر منها في مقام‏الاثبات الكاشف عنه في مقام الثبوت بمقتضى أصالة التطابق بين مقامي الاثبات‏والثبوت، وأما إذا كان الدال على الاستيعاب والعموم كلمة اللام، فهي تدل على‏استيعاب تمام أفراد المادة.
ومن ناحية ثالثة، إن الدال على العموم لايخلو من أن يكون كل من هيئةالجمع، وكلمة اللام بنحو الاستقلال أو يكون بنحو المجموع من حيث المجموع.
أما الفرض الأول، فلايمكن الالتزام به، لأن لازم ذلك لغوية وضع‏إحداهما، لأن كلمة اللام إن كانت موضوعة للدلالة على الاستيعاب والشمول‏مطلقاً حتى إذا كان مدخولها المفرد، كان وضع هيئة الجمع المحلى‏ للدلالة على‏الاستيعاب لغواً، لفرض أنه لم يوضع للدلالة على الاستيعاب إذا لم يكن المحلى‏بها.
هذا إضافة إلى أن المتفاهم العرفي من الجمع المذكور ليس استيعاب أفراد مادّته‏مرتين في عرض واحد. وأما الثاني، فلامانع من الالتزام به، لأن الظاهر أن هيئةالجمع المتكوّنة بدخول اللام عليه موضوعة للدلالة على الاستيعاب لامجرد هيئةالجمع بدون دخول اللام.
ودعوى‏، إن لازم ذلك تعدد الوضع لهيئة الجمع، لأنها مع دخول اللام عليه‏موضوعة بوضع، وبدون دخوله عليه موضوعة بوضع آخر، وهذا مما لايمكن‏الالتزام به.
مدفوعة، إذ لا مانع من الالتزام بتعدد الوضع من جهة تعدّد المعنى، فإن هيئةالجمع المحلى‏باللام موضوعة للدلالة على النسبة الاستيعابية لتمام أفراد مادّته،وأما هيئته بدون اللام فهي موضوعة للدلالة على النسبة غير الاستيعابية، ولامانع من الالتزام بذلك، وإن شئت قلت الصحيح في المقام أن يقال: إن كلمة اللام‏لم توضع للدلالة على العموم والاستيعاب، وإنما وضعت للدلالة على التعيين،ولهذا لافرق بين أن يكون مدخولها المفرد أو الجمع، فإذن الدال على العموم‏والاستيعاب إنما هو هيئة الجمع المحلى‏ باللام.
إلى هنا قد تبيّن أنه لامانع ثبوتاً من الالتزام بدلالة الجمع المحلى‏ باللام على‏الاستيعاب والعموم، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
وأما الكلام في مقام الاثبات، فقد استدل على دلالة الجمع المحلى‏ باللام على‏الاستيعاب والعموم بوجوه:
الوجه الأول: إن كلمة اللام موضوعة للدلالة على الاستيعاب والعموم لتمام‏أفراد المرتبة الاُولى‏ من الجمع.
والجواب، أولاً: إن كلمة اللام لاتدل على الاستيعاب والعموم بل لا إشعارفيها فضلاً عن الدلالة، هذا إضافة إلى‏ أن لازم ذلك تعدد الوضع فيها، فإذن‏مدخولها إن كان الجمع فهي موضوعة للدلالة على العموم، وإن كان مدخولهاالمفرد، فهي موضوعة للدلالة على التعيين، ومن الواضح أن معناها لايختلف‏باختلاف مدخولها، فإن لها معنىً واحداً سواءً أكان مدخولها الجمع أو المفرد.
وثانياً: إن لازم ذلك، أما الالتزام بتعدد الوضع فيها بملاك تعدد مدخولها أوالالتزام بالحقيقة والمجاز، بأن يكون استعمالها في العهد مثلاً مجازاً، ومن المعلوم‏أنه لايمكن الالتزام بذلك، ضرورة أنها مستعملة في معناها الموضوع له سواءًأكان مدخولها الجمع أو المفرد.
وثالثاً: إنه لامعنى لوضعها لاستيعاب تمام أفراد المرتبة الاُولى‏ من الجمع، لأن‏أفراد الجمع ليست كل ثلاثة ثلاثة وهكذا، ضرورة أن الجمع موضوع للثلاثةوما زاد كأربعة أربعة، وخمسة خمسة، وستة ستة، وسبعة سبعة، وهكذا، بمعنى‏أنه إذا زاد العدد عن الثلاثة فهو داخل في الموضوع له، وإلاّ فلا يضرّ به.
الوجه الثاني: إن هيئة الجمع المتكوّنة من دخول اللام عليه موضوعة للدلالةعلى الاستيعاب والعموم لتمام أفراد المادّة، وأما كلمة اللام فهي موضوعة للدلالةعلى العهد.
والجواب، أولاً: إن هيئة الجمع لاتدل على الاستيعاب والعموم بالدلالةالوضعيّة التصوريّة، ولهذا لايكون المتبادر منها في الذهن الاستيعاب مطلقاً حتى‏إذا كان سماعها من متكلم بغير شعور واختيار، نعم يمكن إثبات الاستيعاب‏بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
وثانياً: إنها موضوعة للدلالة على تلبّس مرتبة خاصة من العدد التي لاتقل‏عن الثلاثة بالمبدأ، فإذا قيل: »أكرم العلماء« كان المتبادر منه وجوب إكرام أفرادمتلبّسين بالعلم في الجملة، وأما جميع الأفراد المتلبّسين به بنحو الاستيعاب، فهولايدل عليه إلاّ بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
الوجه الثالث: إن كلمة اللام موضوعة للدلالة على العهد، وتدل عليه بالدلالةالوضعية، وحينئذٍ فإن كان مدخولها المفرد دلت على تعيينه في الذهن، وإن كان‏الجمع، فتعيين الجمع لايمكن إلاّ بتحديد أفراد المادة في مرتبة معيّنة من مراتبه،وهي متمثلة في المرتبة العليا منها، وهذه المرتبة وإن كانت من إحدى مصاديق‏الجمع لاتمام مصاديقه، إلاّ أنه لما كانت سائر مراتب الجمع كلاً داخلة فيها،فلذلك تكون المرتبة العليا من مراتبه مساوقة للاستيعاب والعموم، ولايمكن‏التعيين في سائر المراتب، لأن كل مرتبة من مراتبه متمثلة في عدد خاص من‏آحاد المادة، مثلاً المرتبة الأدنى‏ منها متمثلة في عدد لايقل عن ثلاثة، ولكن‏لاتمييز بين ثلاثة وثلاثة في أفراد المادة، وكذلك سائر مراتب الجمع كأربعة أربعةوخمسة خمسة وهكذا إلى أن تنتهي إلى المرتبة الأخيرة، فإنها معيّنة، هذا من‏ناحية.
ومن ناحية اُخرى، ذكر المحقق الخراساني‏قدس سره إن تعيين الجمع كما يمكن بإرادةالمرتبة النهاية منه، وهي المرتبة العليا المساوقة لاستيعاب تمام أفراد المادة كذلك‏يمكن بإرادة مرتبة اُخرى منه، وهي أدنى مرتبته المسماة بالمرتبة الاُولى التي‏لاتقل عن ثلاثة أفراد المادة، فإنها متعيّنة بالنسبة إلى مادونها لأنها محددة من‏ناحية القلة، والمرتبة العليا محددة من ناحية الكثرة، فإذا كانت كلتا المرتبتين‏متعيّنة، فكلمة اللام لاتدل على تعيين المرتبة العليا، فإن مفادها التعيين، وهو كمايمكن أن يكون في المرتبة العليا يمكن أن يكون في المرتبة الاُولى‏، فإذن إرادة كل‏منهما بحاجة إلى قرينة، فما ذكر من أنها تدل على التعيين المنطبق على المرتبةالأقصى فحسب، وهي المساوقة للعموم والاستيعاب في غير محله(34)، هذا.
ولكن ماذكره‏قدس سره غير تام، وذلك لأن المرتبة الاُولى‏، وإن كانت محددة من‏ناحية القلة مفهوماً، ولكنها غير متعينة من ناحية المصداق الخارجي، حيث إن‏الثلاثة مرددة بين ثلاثة وثلاثة في أفراد المادة بلا تمييز في البين، وهذا بخلاف‏المرتبة العليا، فإنها متعيّنة مفهوماً ومصداقاً، لأن مصداقها متمثل في مرتبةمعيّنة في الخارج، وإن شئت قلت: إن كل مرتبة من مراتب الجمع وإن كانت‏متعيّنة مفهوماً وماهيةً باعتبار أن كلاً منها متعينة في مرتبة خاصة من العددكأربعة أربعة وخمسة خمسة وهكذا، إلاّ أنها غير متعيّنة مصداقاً، ولافرق من‏هذه الناحية بين المرتبة الاُولى وسائر المراتب غير المرتبة العليا، فإنها متعيّنةمفهوماً ومصداقاً، فإذن لايمكن تطبيق التعيين في مدخول اللام إذا كان جمعاً على‏المرتبة الأدنى‏ بل ينطبق قهراً على المرتبة الأقصى، فما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره‏غير تام.
فالنتيجة، إن كل مرتبة من مراتب الجمع فلا تعين فيها في الخارج غير المرتبةالعليا، فلهذا كلمة اللام تدل على تعيين الجمع، وهو لايمكن إلاّ بإرادة المرتبة العليامنه المساوقة للعموم والاستيعاب هذا.
والتحقيق في المقام أن يقال: إن هيئة الجمع المحلى‏ باللام موضوعة للدلالة على‏معنى نسبي، وهو المعنى الحرفي أي تلبّس مرتبة من العدد التي لاتقل عن ثلاثةبالمبدأ كالعلم أو نحوه. وهذا المعنى ينطبق على كل مرتبة من مراتب الجمع من‏المرتبة الأدنى‏ إلى المرتبة الأقصى، وكل مرتبة من مراتبه مصداقاً لمفهوم الجمع لاأنها معناه ومفهومه بالوضع، وإلاّ لزم كونه مشتركاً لفظياً بين مراتبه، وعلى هذافكلمة اللام تدل على تعيين مدخولها، وهذا التعيين قديكون بحسب الصدق‏الخارجي لا التعيين الماهوي كعدد الثلاثة مثلاً، فإنه وإن كان متعيّناً بحسب‏المفهوم والماهية، ولكنه ليس بمتعيّن بحسب الصدق الخارجي لامكان انطباقه‏على هذه الثلاثة أو تلك، وهكذا سائر المراتب، وقد يكون ذهنياً في مقابل أن‏يكون خارجياً، وقد يكون ماهوياً أي تعييناً للجنس والطبيعة في وعائها النفس‏الأمري كما هو الحال في موارد دخول اللام على الجنس، فإن كان مفرداً، فاللام‏مشير إلى الجنس في وعائه، وإن كان جمعاً فتدل كلمة اللام على تعيينه ماهوياًأي جنس الجمع،وطبيعته في وعائها القابلة للانطباق على جميع مراتبه من‏المرتبة الأدنى إلى المرتبة الأقصى، وعليه فالتعيين الذي هو مفاد كلمة اللام‏يختلف باختلاف الموارد، فقد يكون خارجياً كما إذا كانت للعهد الخارجي، وقديكون ذهنياً كما إذا كانت للعهد الذهني، وقد يكون ماهوياً، وعلى هذا فكلمةاللام هنا لاتدل على تعيين الجمع في إحدى مراتبه في مرحلة التطبيق والصدق‏الخارجي، لأنها تدل على تعيين مدلول الجمع ماهوياً في نفس الأمر لاتعيين‏مصداقه لكي يقال إن مصداقه غير معين في الخارج إلاّ المرتبة العليا، وعلى هذافلافرق بين أن يكون مدخولها اسم الجنس أو الجمع، فإنها لاتدل على تعيين‏مدخولها في مرحلة الانطباق والصدق الخارجي بل تدل على تعيينه ماهوياًومشيراً إلى أنه جنس قابل للانطباق على كثيرين بلا فرق بين أن يكون مفرداًأو جمعاً.
هذا إضافة إلى أن المرتبة العليا من الجمع كسائر مراتبه مرتبة خاصة محددةومميّزة عن سائر المراتب بحدودها، وهي المرتبة المركبّة من جميع أفراد المادةومراتبها والمندمجة فيها، ولهذا تكون موضوعاً واحداً ومحكومة بحكم واحد، ولهامصداق واحد في الخارج، وهو مجموع أفراد المادة، ونتيجة ذلك هي إن عموم‏الجمع المحلى‏ باللام مجموعياً لا استغراقياً مع أن المشهور عند الاُصوليين أن‏عمومه استغراقي، وهذا شاهد على أن دلالة الجمع المحلى‏ باللام على العموم‏ليست من هذه الناحية.
ومن هنا يظهر أن ما ذهب إليه السيد الاُستاذقدس سره من أن الجمع المحلى‏ باللام‏يدل على العموم، على أساس أن كلمة اللام تدل على التعيين والتعريف‏الخارجي، ولايمكن إلاّ بإرادة المرتبة العليا من الجمع، وهي المرتبة التي‏تستوعب تمام أفراد المادة(35).
فلايمكن المساعدة عليه، إما أولاً: فلأن كلمة اللام موضوعة للدلالة على‏التعيين، وهذا التعيين إنما هو خارجي أو ذهني في مورد ما إذا كان هناك عهدكذلك، وأما إذا لم يكن هناك عهد فهي لاتدل إلاّ على تعيين الماهوي في وعائه،فإذا كان مدخولها فرداً معيناً في الخارج دلّت على تعيينه فيه، وإن كان اسماًجنساً دلت على تعيينه ماهوياً في نفس الأمر، وكذلك إذا كان جمعاً كالعلماء،فإنها تدل على تعيينه ماهوياً أي جنس الجمع في وعائه النفس الأمري، وقد مرّأنها لاتدل على التعيين في مرحلة الانطباق والصدق الخارجي، لأنها موضوعةلطبيعي التعيين لا للتعيين الخارجي أو الذهني، فإنه بحاجة إلى قرينة.
ودعوى، إن التعيين الجنسي وإن كان صحيحاً عرفاً ولامانع من الالتزام به‏كمافي مثل قولنا: »الرجل خير من المرأة« إلاّ أنه لايمكن الالتزام به في الجمع‏والتثنية، لأن النظر فيهما إلى التعدد في الوجود الخارجي لا إلى الجنس.
مدفوعة، بأن النظر فيهما إلى التعدد في الوجود الخارجي إذا كان الجمع أوالتثنية موضوعاً للحكم مثل قولك: »أكرم العلماء«، فإن العلماء حيث إنها قداُخذت موضوعاً لوجوب الاكرام فلا محالة يكون النظر إلى وجودها الخارجي،وهذا بخلاف ما إذا لم تؤخذ موضوعاً للحكم كقولنا: »العلماء«، فإن محط النظرفيها ليس إلى وجودها الخارجي بل إلى وجودها الجنسي.
وثانياً: إن لازم ما أفاده‏قدس سره هو أن يكون عموم الجمع المحلى‏ باللام عموماًمجموعياً لا استغراقياً، باعتبار أن للمرتبة الأخيرة من الجمع مطابقاً واحداً في‏الخارج كما قد صرح‏قدس سره بذلك وهو مجموع أفراد المادة ومراتبها، ولازم ذلك أنه‏لايعقل أن يكون عمومه استغراقياً، لأنها لاتنطبق إلاّ على المجموع لا على كل‏واحد منها كما هو الحال في العام الاستغراقي.
إلى هنا قد تبيّن أن الجمع المحلى‏ باللام لايدل على العموم والاستيعاب بالوضع‏لا من جهة الهيئة، لأنها لاتدل وضعاً إلاّ على تلبس الذات التي هي متمثلة في‏مرتبة من العدد التي لاتقل عن ثلاثة بالمبدأ، ولا تدل على الشمول والاستيعاب‏لتمام مراتب أفراد المادة، ولا من جهة كلمة اللام، فإنها تدل بالوضع على طبيعي‏التعيين، ولا تدل على العموم والاستيعاب لا بالمطابقة ولا بالالتزام، نعم يمكن‏إثبات الاستيعاب له بالاطلاق ومقدمات الحكمة، وعليه فلايكون الجمع المحلى‏باللام من أداة العموم بل هو من أداة الاطلاق.
وقد يستدل على دلالة الجمع المحلى‏ باللام على العموم بصحة الاستثناء منه كمافي مثل قولنا: »أكرم العلماء إلاّ زيداً«، فإن هذا الاستثناء يدل على أن الجمع‏المحلى‏ باللام يدل على العموم بالوضع، لأن الظاهر هو أن الاستثناء إنما هو بلحاظالمدلول الوضعي التصوري لا بلحاظ المدلول الاطلاقي الحكمي، لأنه مدلول‏تصديقي، وصحة الاستثناء لاتتوقف على ذلك.
والجواب: إن معنى الاستثناء هو اقتطاع شي‏ء وإخراجه عما كان داخلاً فيه،وهو لايتوقف على أن يكون من المدلول الوضعي التصوري، بل يصحّ أن يكون‏بلحاظ المدلول الجدي، وفي المقام وإن كان هذا الاستثناء غير صحيح بلحاظالمدلول الوضعي التصوري، لأن دخوله فيه غير معلوم، إلاّ أنه صحيح بلحاظمدلوله الاطلاقي الحكمي الثابت بمقدمات الحكمة، لأن عدم صحة الاستثناءبلحاظ المدلول الوضعي في المقام قرينة على أنه كان بلحاظ المدلول التصديقي‏الجدي، وهو إطلاقه الثابت بمقدمات الحكمة.
ودعوى‏، إن الاستثناء في المقام إنما هو عن المدلول الاستعمالي للجمع لا عن‏المدلول الوضعي ولا عن المدلول الجدي الاطلاقي، على أساس أنه يصح استعماله‏في كل مرتبة من مراتبه من الأدنى‏ إلى الأقصى، فكما أن الثلاثة مصداق له‏فكذلك الأربعة والخمسة وهكذا، لا أن الخمسة مصداق له باعتبار وجودالثلاثة فيها، بل كل مرتبة من مراتبه فرد مستقل للجمع، ولها مصداق كذلك،وصدق الجمع على كل مرتبة من مراتبه على نسق واحد، وعلى هذا فالجمع إذااستعمل في أي مراتبة من مراتبه صح الاستثناء منها.
مدفوعة، بأن الجمع غير مستعمل إلاّ في معناه الموضوع له الجامع، وهوتلبس الذات التي لاتقل عن ثلاثة بالمبدأ، وكل مرتبة من مراتبه مصداق له لاأنه استعمل فيها، فإذن لايكون الجمع مستعملاً في بعض مراتبه ولا في الجميع،وإنما يكون مستعملاً في الجامع بينها. وعليه فلا محالة يكون الاستثناء بلحاظمدلوله التصديقي الجدي، وهو الاطلاق الحكمي الثابت بمقدمات الحكمة. هذاإضافة إلى أنه يكفي في صحة الاستثناء انطباق مادة الجمع على الفرد المستثني.

النكرة في سياق النهي أو النفي ...



النكرة
في سياق النهي أو النفي‏
قد يعد من أداة العموم وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي بتقريب أن النكرةإذا وقعت في سياق أحدهما فهناك دالان:
الأول: طبيعة النكرة فإنها موضوعة للدلالة على فرد واحد لا بعينه في الجملة،وأما اطلاقها الثابت بمقدمات الحكمة، فهو بدلي لاشمولي.
الثاني: كلمة )لا( فإنها تدل على نفي الطبيعة المقيّدة بالوحدة ونفيها لايمكن‏إلاّ بنفي جميع أفرادها، إذ لو وجد فرد منها أوجدت الطبيعة، وهذا بخلاف ما إذاوقعت الطبيعة في سياق الاثبات، فإنه يكفي في إيجادها فرد منها، فالنتيجة ان‏وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي تدل على العموم بقرينة عقلية، وهي إن‏انتفاء الطبيعة لايمكن إلاّ بانتفاء جميع أفرادها هذا.
والصحيح في المقام أن يقال أن وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي لايدل على‏العموم، لأن كلمة )لا( موضوعة للدلالة على نفي الطبيعة سواءً أكانت نكرة أم‏كانت محلاة باللام كإسم الجنس، ولاتدل على الاستيعاب والشمول لتمام أفرادهاأصلاً بل لا إشعار فيها فضلاً عن الدلالة، نعم يحكم العقل بأن انتفاء الطبيعةلايمكن إلاّ بانتفاء جميع أفرادها، وهذا الحكم العقلي لازم للمدلول المطابقي‏لكلمة )لا(.
والخلاصة، إن وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي لايدل على العموم، فإنه‏مستفاد من دال آخر، وهو حكم العقل ولا فرق في ذلك بين وقوع النكرة في‏سياق النفي أو النهي أو المعرفة، كقولنا: »لاتكرم الفقير«، فإنه كقولنا: »لاتكرم‏فقيراً«، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن العقل لايحكم بتعدد الجعل بعدد أفراد النكرة في الخارج‏بنحو العموم والشمول إذ لاحكم للعقل في هذه المرحلة بل هو يحكم بأن النهي إذاتعلق بطبيعة فلايمكن امتثاله إلاّ بترك الطبيعة المنهي عنها، وتركها لايمكن إلاّ بترك‏جميع أفرادها لأن الطبيعة توجد بإيجاد فرد منها في الخارج، وهذا بخلاف الأمرالمتعلق بالطبيعة، فإنه يدل على أن المطلوب هو إيجادها، وهو يتحقق بإيجاد فردمنها، وإن شئت قلت: إن النهي المتعلق بالطبيعة نهي واحد، وحيث إنه يقتضي‏الانزجار والاجتناب عنها، ومن الواضح أن الاجتناب عنها لايمكن إلاّبالاجتناب عن جميع أفرادها، لوضوح أنه لو ارتكب فرد منها لم يجتنب عنها،بينما إذا كان الأمر متعلقاً بالطبيعة فإنه يكفي في الاتيان بها الاتيان بفرد منها لأنهاتتحقق بتحققه.
هذا إضافة إلى أن المراد من العموم في المقام هو دلالة الأداة على استيعاب تمام‏أفراد مدخولها، وهو الطبيعة في الخارج وضعاً، وأما كون الطبيعة ملحوظة بنحوالشمولية أو البدلية كما في موارد وقوعها متعلقة للأمر أو للنهي، فليس من العموم‏في محل الكلام، وأيضاً تتوقف هذه الشمولية على الاطلاق ومقدمات الحكمة،لأن العقل إنما يحكم بأن انتفاء الطبيعة لايمكن إلا بانتفاء تمام أفرادها، وأما أن‏هذه الطبيعة مطلقة أو مقيّدة، فالعقل لايحكم لا بالاُولى ولا بالثانية، فإذن‏لامحالة يتوقف اطلاقها على تمامية مقدمات الحكمة
فالنتيجة، إن العموم الثابت بحكم العقل يتوقف على الاطلاق، ومقدمات‏الحكمة في المرتبة السابقة، إلى هنا قد تبيّن أن وقوع النكرة في سياق النفي أوالنهي ليس من أداة العموم.
نتائج البحث عدة نقاط:
نتائج البحث ...
الاُولى‏: إن الفرق بين العام والمطلق هو أن الأول يدل على الاستيعاب‏والشمول بالوضع مباشرة. والثاني لايدل عليه لامباشرة ولا بالاطلاق ومقدمات الحكمة، فإنه بالوضع يدل على الطبيعة المهملة الملحوظة بلاقيد، وبالاطلاق الثابت بقرينة الحكمة يدل على عدم تقييدها بقيد ما في مقام الاثبات.
الثانية: إن الاستيعاب والشمول قد يكون معنىً إسمياً كما إذا كان الدال عليه‏لفظة )كل( أو جميع أو عموم أو ما شاكل ذلك، وقد يكون معنىً حرفياً كما إذفرض أن مفاد الجمع المحلى‏ باللام العموم، لأن الدال عليه إما هيئة الجمع أو كلمةاللام أو مجموع الأمرين، وعلى جميع التقادير فهو معنىً حرفي.
الثالثة: إن معنى العموم والاستيعاب ليس لحاظ مفهوم فانياً في تمام أفراد نفسه‏في الخارج كلحاظ مفهوم الانسان أو العام فانياً في أفراده فيه، ودلالة أداة العموم‏عليه بل معناه استيعاب مفهوم لتمام أفراد مفهوم آخر، فإذاقيل: »أكرم كل‏إنسان«، فلفظة )كل( تدل على استيعاب تمام أفراد مدخولها وهو الانسان.
الرابعة: إن العموم قد يكون استغراقياً وقد يكون بدلياً وقد يكون مجموعياً،وما ذكره المحقق الخراساني‏قدس سره من أن العموم في جميع هذه الأقسام الثلاثة بمعنى‏واحد، وهو شمول المفهوم لجميع مايصلح أن ينطبق عليه في الخارج،والاختلاف إنما هو في كيفية تعلق الحكم به، ممّا لايمكن المساعدة عليه لا بلحاظتفسير العموم ولا بلحاظ الفرق بينها.
الخامسة: إن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن الفرق بين العام الاستغراقي،والعام البدلي إنما هو في مدخول الأداة، فإن كان مدخولها الجنس دلت على‏العموم الاستغراقي، وإن كان النكرة دلت على العموم البدلي، فالاستغراقيةوالبدلية ناشئتان من الاختلاف في المدخول وخارجتان عن مدلول الأداة ممالايمكن المساعدة عليه.
السادسة: إن كل مرتبة من مراتب الاعداد ليست من أداة العموم لأنها عنوان‏لها ومركبة منها.
السابعة: إن دلالة أداة العموم كلفظة )كل( على استيعاب تمام أفراد مدخولهالاتتوقف على الاطلاق ومقدمات الحكمة، بل لايمكن أن تكون أداة العموم‏موضوعة للدلالة على استيعاب مايراد من مدخولها كما ذكره المحقق النائيني‏قدس سره‏إما أولاً، فلأن دلالة الأداة على العموم إنما هي بالوضع ودلالة المطلق على‏الاطلاق انما هي بالاطلاق ومقدمات الحكمة، ولايعقل أن تتوقف الدلالةالوضعية التصورية على الدلالة الاطلاقية التصديقية، وإلاّ لزم الخلف، وهناك‏وجوه اُخرى لاثبات أن دلالة الأداة على العموم لاتتوقف على الاطلاق‏ومقدمات الحكمة.
الثامنة: إن الماهية المهملة متمثلة في ماهية ملحوظة بلا قيد حتى قيد الجامعيةوالمقسمية في مقابل الماهية الملحوظة مع قيد ما وإلاّ لزم ارتفاع النقيضين.
التاسعة: إن أداة العموم كلفظة )كل( موضوعة للدلالة على الاستيعاب‏والشمول، وحينئذٍ فإن كان مدخولها ذات أفراد ، فالأداة تدل على استيعاب تمام‏أفراده، وإن كان ذات أجزاء دون أفراد تدل على استيعاب تمام أجزائه، فيكون‏العموم مجموعياً والمعنى في كلا الموردين واحد، وهو واقع الاستيعاب والشمول.
العاشرة: إن في الجمع المحلى‏ باللام ثلاث دوال.
الأول: مادة الجمع، وهي موضوعة بإزاء الماهية المهملة.
الثاني: هيئة الجمع، وهي موضوعة للدلالة على تلبّس الذات بالمبدأ التي‏لاتقل عن ثلاثة بالمبدأ.
الثالث: كلمة اللام، وقد ادعى دلالتها على الاستيعاب والشمول، وهناك‏تفسيران آخران لدلالة الجمع المحلى‏ باللام على العموم.
الأول: أنه يدل على استيعاب تمام أفراد نفسه من المرتبة الأدنى إلى المرتبةالأقصى.
الثاني: إنه يدل على استيعاب تمام أفراد مادته.
والأول باطل، والثاني ممكن، فلاحظ.
الحادية عشر: قد استدل على دلالة الجمع المحلى‏ باللام على العموم بوجوه:
الأول: إن كلمة اللام موضوعة للدلالة على الاستيعاب والشمول لتمام أفرادالمرتبة الأدنى من الجمع، وفيه أنها غير موضوعة لذلك إذ مضافاً إلى أن لازم‏هذا تعدد الوضع بتعدد مدخولها جمعاً ومفرداً أن كل ثلاثة ثلاثة بحدها الخاص‏ليس من أفراد الجمع بل أفراده الثلاثة وما زاد من المراتب.
الثاني: إن هيئة الجمع تدل على الاستيعاب والشمول لتمام أفراد المادة، وفيه‏أنها لاتدل عليه بالدلالة الوضعية التصورية، نعم تدل عليه بالاطلاق ومقدمات‏الحكمة.
الثالث: إن كلمة اللام موضوعة للتعهد والتعيين، فإن كان مدخولها الجمع‏فتعيينه لايمكن إلا بإرادة المرتبة العليا المساوقة للاستيعاب والشمول، وفيه أنه‏غير تام كما تقدم تفصيلاً.
الثانية عشر: إن هيئة الجمع المحلى‏ باللام موضوعة لتلبّس الذات التي لاتقل‏عن ثلاثة بالمبدأ، وهذا المعنى جامع بين تمام مراتب الجمع لأنه يصدق على كل‏مرتبة من مراتبه، وكلمة اللام إذا دخلت على الجنس تدل على التعيين الجنسي،ولا فرق في ذلك بين جنس المفرد وجنس الجمع.
الثالثة عشر: إن صحة الاستثناء من الجمع المحلى‏ باللام لاتدل على أنه‏موضوع للعموم، لأن هذا الاستثناء إنما هو عن مدلوله الاطلاقي الثابت بمقدمات‏الحكمة لاعن مدلوله الوضعي على تفصيل تقدم.
الرابعة عشر: إن وقوع النكرة في سياق النفي أو النهي لايدل على العموم‏بالوضع، وإنما يدل على نفي الطبيعة، ولكن العقل يحكم بأن انتفاء الطبيعة لايمكن‏إلاّ بانتفاء تمام أفرادها، وهذا الحكم العقلي إنما هو في مرحلة الامتثال والتطبيق لافي مرحلة الجعل.



العام والخاص‏
يقع البحث في ضمن فصول:
الفصل الأول‏
مقدمة
إن دلالة اللفظ على المعنى الموضوع له تتمثل في ثلاث مراتب طولية:
الاُولى‏: مرتبة ظهوره التصوري، وهي مستندة إلى الوضع فحسب‏ولاتتوقف على مقدمة اُخرى، ولهذايكفي في تحققها في اُفق الذهن سماع اللفظ،وإن كان من لافظ بلاشعور واختيار، وعلى ذلك فأدوات العموم بمقتضى الوضع‏تدل على الاستيعاب والشمول بالدلالة التصورية، ولا تتوقف هذه الدلالة على‏أي مقدمة خارجية.
الثانية: مرتبة ظهوره التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية، وهذا الظهوريتوقف زائداً على الوضع على مقدمة خارجية، وهي التفات المتكلم واختياره،فإذا كان المتكلم كذلك، كان ظاهر حاله أنه في مقام إرادة استعمال اللفظ في معناه‏وتفهيمه.
العام والخاص ...
الثالثة: ظهوره التصديقي بلحاظ الإرادة الجدية النهائية، وهذا الظهور يتوقف‏على عدم نصب قرينة على الخلاف زائداً على ما مرّ، فإذا صدر من المتكلم العرفي‏كلام، وكان في مقام البيان ولم ينصب قرينة على الخلاف، فلا شبهة في ظهوره في‏أن مدلوله مراد له جداً، وهذا الظهور ناشي‏ء من ظهور حاله في أنه جاد في‏إرادته وليس بهازل ولا ممتحن، ولذلك تكون هذه المرتبة من الدلالة مرتبةنهائية لها، وعلى هذا فلفظة )كل( في مثل قولنا: »أكرم كل عالم« تدل بالدلالةالوضعية التصورية على الاستيعاب والشمول، وإن كانت صادرة من لافظ بغيراختيار، وأما إذا صدرت من لافظ ملتفت مختار، فهي تدل على أنه كان يقصداستعمالها في معناها ويريد تفهيمه، وحينئذٍ فإذا لم ينصب قرينة على الخلاف دلت‏على أنه كان يريد معناها عن جد، ومنشأ هاتين الدلالتين التصديقتين هو ظهورحال المتكلم كما أن منشأ ظهور حاله الغلبة الخارجية.

التخصيص‏
يقع الكلام فيه في مرحلتين:
الاُولى‏: في وجه تقديم ظهور الخاص على العام، وهل هو بملاك القرينية أوالأظهرية.
الثانية: فيما إذا شك بعد التخصيص في فرد أنه من أفراد العام أو الخاص،وهل يمكن فيه التمسك بالعام لاثبات أنه من أفراده أو لا؟
أما الكلام في المرحلة الاُولى‏، فتارة يقع في المخصّص المتصل واُخرى‏ في‏المنفصل. أما الكلام في الأول، فإن كان التخصيص بالمتصل بنحو التقييد كقولنا:»أكرم كل عالم عادل«، فهو خارج عن محل الكلام، إذ ليس هنا تخصيص حتى‏بلحاظ المدلول التصوري، لأن أدوات العموم موضوعة للدلالة على استيعاب‏تمام أفراد مدخولها سواءً أكان مطلقاً أم كان مقيداً.
فالنتيجة، إنه لاتخصيص في هذا الفرض، وإن كان التخصيص بالاستثناء كما في‏مثل قولنا: »أكرم كل العلماء إلاّ الفساق« انعقد ظهور العام في العموم بدواً، لأن‏الاستثناء بنظر العرف ليس جزء مدخول الأداة، وهو يكتمل قبل الاستثناءوالاقتطاع نظير قولنا: »أكرم هؤلاء العشرة إلاّ زيداً«، فإن الدلالة على العشرةفي نفسها قد انعقدت ثم اقتطع منها المستثنى، وهو زيد في المثال، وعلى هذافالتنافي بين ظهور العام وظهور الخاص في هذا القسم موجود ولكنه غير مستقر،وذلك لأن فيه توجد ثلاث دلالات:
الاُولى‏: دلالة الأداة على العموم.
الثانية: دلالة الإستثناء على الاخراج والاقتطاع وعدم شمول حكم المستثنى‏منه للمستثنى.
الثالثة: دلالة الهيئة المتحصّلة من جملة المستثنى منه المحلاة بأداة )كل(المتعقّبة بجملة الاستثناء على العموم بإخراج المستثنى منه، وعلى هذا فجملةأكرم كل الشعراء إلاّ الفساق، تدل على وجوب إكرام جميع الشعراء باستثناءالفساق، وهذه الدلالة مستندة إلى مجموع الجملتين المربوطتين، وأما الدلالتان‏الأوليان فهما مندكتان فيها من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق النهائي،لوضوح أن المتبادر من الجملة المذكورة وجوب إكرام جميع الشعراء باستثناءالفساق، وإن كانت صادرة من لافظ بغير شعور واختيار، كما أنها إذا صدرت‏من لافظ مع الاختيار والالتفات دلت على أنه أراد ذلك، وإذا لم ينصب قرينةعلى الخلاف دلت على أنه جاد في إرادة ذلك، ولهذا تستقر هذه الدلالة في الذهن‏في نهاية المطاف، وهي الدلالة النهاية للجملتين المربوطتين، وأما دلالة كل من‏الجملتين بحدودها فهي مندكة فيها، وليست دلالة مستقلة في قبالها، ولهذالايوجد التنافي والتعارض الحقيقي بين العام والخاص في هذ القسم، لأن‏التعارض الحقيقي إنما يكون بين الدليلين في الدلالة النهاية المستقرة، والمفروض‏أن الدلالتين المذكورتين ليستا كذلك لأنهما مندمجتان في الدلالة الثالثة، وهي‏دلالة المجموع النهاية المستقرة التي هي حجّة، فإذن ليس في هذا القسم من‏التخصيص دلالتان مستقرتان متنافيتان لكي يبحث عن وجه تقديم دلالةالخاص على دلالة العام، وإنما فيه دلالة واحدة مستقرة، وهي دلالة العام‏المستثنى منه الخاص، وهي تكون حجّة، وإن كان التخصيص بجملة مستقلةمتصلة بجملة العام كما إذا قال المولى‏: »أكرم كل عالم«، »لاتكرم العالم‏الفاسق«، فالجملة الثانية تدل على خلاف الجملة الاُولى‏، فيكون بينهما تعارض‏لأن الجملة الاُولى‏ ظاهرة في العموم والثانية في الخصوص، ولايمكن الأخذ بكلاالظهورين معاً، وهل هنا ظهور ثالث يكون هذان الظهوران مندمجين فيه أو لا؟
والجواب: إنه غير بعيد، وهذا الظهور الثالث هو الظهور السياقي الناشي‏ء من‏تعاقب الجملتين المذكورتين تكون نسبة موضوع إحداهما إلى موضوع الاُخرى‏نسبة الخاص إلى العام، والتعاقب بهذا الشكل يصلح أن يكون منشأ للظهورالثالث وهو الظهور النهائي للجملتين المذكورتين، وأما الظهوران الأولان لكل‏من الجملتين بحدّهما فهما مندكان في الظهور الثالث من مرحلة التصور إلى‏مرحلة التصديق، والسبب فيه أن الخاص حيث إنه بنظر العرف قرينة لبيان‏المراد النهائي من العام ومفسر له، فلذلك كان المتبادر من الجملتين المذكورتين‏اللتين إحداهما عام والاُخرى خاص معنىً ثالثاً، وهو العام المخصص بالخاص،وهذا المعنى متبادر منهما وإن كانتا صادرتين من لافظ بغير شعور واختيار، وأماظهور كل من الجملتين بحدّها فهو مندمج في الظهور الثالث، وحيث إنه هو الظهورالنهائي للكلام والمستقر دون الظهورين الأولين، فلهذا لاتعارض بينهما، لأن‏التعارض إنما يكون بين الظهورين المستقرين لا الظهورين المندمجين في ظهورثالث، فإذن حال هذا القسم حال القسم الثاني، ثم إنه لايبعد أن تكون منشأالظهور الثالث الأنس الذهني الناشي‏ء في المقام من ارتكازية القرينية الخاص لاالوضع وإن كان محتملاً.
وأما الكلام في الثاني، وهو ما إذا كان‏الدال على‏التخصيص دليلاً منفصلاً عن‏دليل العام، فلاينطبق عليه ما ذكرناه من الوجه في تقديم المخصص المتصل على‏العام.
ومن هنا قد ذكر الأصحاب في وجه تقديم الخاص المنفصل على العام‏وجوهاً، والصحيح أن الوجه في التقديم هو قرينية الخاص لدى العرف العام‏وكونه مفسراً للمراد النهائي منه لا أظهريته، وإلاّ لزم أن يدور التقديم مدارها،وهو غير مطرد على تفصيل تقدم، ولافرق في ذلك بين اتصاله وانفصاله، وقدتقدم‏الكلام في ضمن البحوث السالفة شروط هذا التقديم وسيأتي تفصيل ذلك‏في مبحث التعادل والتراجيح.
وأما الكلام في المرحلة الثانية، وهي ما إذا ورد عام كقولك: »أكرم كل‏العلماء«، وورد خاص لاتكرم الفساق منهم، وشك في فرد أنه من أفراد العام أوالخاص، وهذا الشك تارة يكون من جهة الشك في مفهوم الخاص سعة وضيقاًبأن لاندري أنه موضوع لمعنى متسع أو متضيق، فإن كان موضوعاً بإزاء الأول‏كان الفرد المشكوك مشمولاً له، وإن كان موضوعاً بإزاء الثاني لم يكن مشمولاًله، واُخرى يكون من جهة الشبهة في الحكم الكلي، ومنشأ هذه الشبهة أحداُمور:
الأول: عدم النص في المسألة.
الثاني: تعارض النصوص.
الثالث: إجمال النص، وعلى كلا التقديرين فالشبهة حكميّة ولكن منشأها في‏الفرض الأول إجمال المفهوم، وفي الثاني أحد الأمور المذكورة، وثالثة يكون من‏جهة الشك في الموضوع الخارجي ولاندري أنه من أفراد العام أو الخاص،فالشبهة حينئذٍ موضوعية، وأما الكلام في هذه المرحلة فيقع في مقامات:
الأول: في الشك في الحكم من جهة الشبهة المفهومية.
الثاني: في الشك فيه من جهة الشبهة الحكمية.
الثالث: في الشك فيه من جهة الشبهة الموضوعية.
أما الكلام في المقام الأول، فيقع في موردين:
الأول: أن يكون إجمال المخصص من جهة دوران مفهومه بين الأقل والأكثر.
الثاني: أن يكون إجماله من جهة دورانه بين المتباينين.
أما الكلام في المورد الأول، فتارة يكون المخصص المجمل متصلاً بالعام،واُخرى‏ يكون منفصلاً عنه، فعلى الأول يسري إجماله إلى العام حقيقة كما إذا وردفي الدليل : »أكرم كل العلماء إلاّ الفساق منهم«. فإن الاستثناء وإن كان لايمنع‏عن الظهور التصوري لأداة العموم ولا للظهور التصديقي بلحاظ الارادةالاستعمالية، إلاّ أنه يمنع عن الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية، وعلى هذاالأساس فالمخصص المتصل إذا لم يكن مجملاً، كان مانعاً عن الظهور التصديقي‏للعام بلحاظ الارادة الجدية، ويوجب تكوين ظهور ثالث لهما، وهو الظهورالسياق النهائي المستقر الذي هو موضوع للحجية، وأما الظهوران الأولان فهمامندمجان فيه وليسا بموضوع لها كما مرّ تفصيل ذلك، وعلى هذا فالعام المتصل‏بالخاص كالاستثناء بمقتضى الظهور الثالث يكون كاشفاً نوعياً عن المراد الجدي‏النهائي وهو الخاص، وأما إذا كان مجملاً فبطبيعة الحال يسري إجماله إلى العام‏حقيقة، ويمنع عن تكوين الظهور الثالث له، فإذا فرضنا أن لفظ الفاسق مجمل‏ولاندري أنه موضوع لمعنى جامع بين فاعل الكبيرة والصغيرة معاً أو موضوع‏لخصوص فاعل الكبيرة ولاطريق لنا إلى إثبات أنه موضوع للمعنى الأول أوالثاني، ولايمكن إثبات ذلك بالأصل، لأن أصالة عدم وضعه للجامع لاتثبت أنه‏موضوع للخاص وبالعكس وإلاّ لوقع التعارض بينهما.
وعلى هذا فإذا ورد في الدليل: »أكرم كل العلماء إلاّ الفساق منهم«، فالعام‏ظاهر في العموم في مرحلة التصور والتصديق بلحاظ الارادة الاستعمالية، وأماالخاص فهو مجمل تصوراً وتصديقاً مطلقاً حتى بلحاظ الارادة الجدية النهائية.
وأما الظهور الثالث، وهو ظهور العام المتعقّب بالخاص، فهو لاينعقد لإجمال‏الخاص، لأن الخاص إذا لم‏يكن مجملاً كان المتبادر من قولك: »أكرم كل العلماءإلاّ الفساق منهم«، العام المتقطع منه مقدار الخاص تصوراً وتصديقاً، وأما إذاكان مجملاً لم يكن المتبادر منه العام المنقطع بلحاظ إجمال الخاص وتردّده بين‏الأقل والأكثر.
والخلاصة، إن إجمال المخصص المتصل لايسري إلى العام بحدّه ولا يمنع عن‏انعقاد ظهوره في العموم لا تصوراً ولا تصديقاً بلحاظ الارادة الاستعمالية، وإنمايسري إلى الدلالة الثالثة، وهي دلالة العام المتعقّب بالاستثناء أو بجملة مستقلةعلى أنه متقطع ومتخصص بالخاص، فإن هذه الدلالة مجملة بإجمال الخاص‏حقيقة، وأما الدلالتان الأوليان وهما دلالة العام بحدّه ودلالة الخاص كذلك، فهمامندمجتان فيها من مرحلة التصور إلى مرحلة التصديق فلا استقلال لهما في قبالها،وعلى هذا فإذا شك في أن فاعل الصغيرة هل هو داخل في العام أو الخاص،فلايمكن التمسك بالعام للاجمال وعدم ظهوره في العموم، ولا فرق في ذلك بين أن‏يكون المخصّص المتصل متمثلاً بالاستثناء أو بالجملة المستقلة، فإذن يكون‏المرجع فيه الأصل العملي، وعليه فإن كان العام متكفّلاً للحكم الإلزامي دون‏الخاص فالمرجع فيه إصالة البراءة للشك في ثبوته له، وأما إذا كان كل منهمامتكفلاً للحكم الالزامي من الوجوب والحرمة، فيدخل المقام حينئذٍ في كبرى‏مسألة دوران الأمر بين المحذورين، لأن إكرام فاعل الصغيرة عندئذٍ مردّد بين‏كونه حراماً أو واجباً، ولا ثالث في البين، وعلى هذا فالاحتياط حيث أنه‏لايمكن في المقام فلايكون العلم الاجمالي منجزاً فيه، وعندئذٍ هل يكون المرجع‏فيه أصالة التخيير أو أصالة البراءة أو لا هذه ولا تلك؟
والجواب: إن المرجع فيها أصالة البراءة لابداعي إثبات الترخيص الظاهري‏للفعل أو الترك، لأنه ثابت تكويناً، فإثباته تعبداً تحصيل الحاصل ومن أردءانحائه، بل من جهة دفع احتمال الزام الشارع المكلف بالفعل أو الترك، فإن هذه‏محتمل ولا دافع لهذا الاحتمال إلاّ أصالة البراءة في المقام.
وعلى الثاني، وهو ما إذا كان المخصص المجمل منفصلاً، فلايسري إجماله إلى‏العام لما تقدم من أن دلالة العام على العموم تنجيزية فلا تتوقف على أيّ مقدمةخارجية، فإذا فرغ المتكلم منه ولم ينصب قرينة على الخلاف، انعقد ظهوره في‏العموم والمخصص المنفصل لايهدم ظهوره ضرورة، أن العام إذا انعقدت دلالته‏على العموم وتمت، فيستحيل أن ينقلب عما وقع عليه، لفرض أن دلالته دلالةتنجيزية وغير معلقة على عدم التخصيص بالمنفصل، ولهذا لا أثر لاحتمال وجودمخصص منفصل في الواقع، ولايوجب هذا الاحتمال إجماله، فلو كانت دلالته على‏العموم معلّقة على عدم التخصيص بالمنفصل في الواقع، لكان الاحتمال المذكورموجباً لاجماله وهو خلاف الوجدان والضرورة، وعلى هذا فالمخصص المنفصل‏لايهدم ظهوره النوعي، وإنما يهدم حجيّته، فإذا قال المولى‏: »أكرم كل فقير«، ثم‏قال في دليل منفصل في وقت آخر: »لايجب إكرام الفقير الفاسق«، فالعام قدانعقد ظهوره في العموم ويستحيل أن ينقلب عما وقع عليه، لما عرفت من أنه غيرمعلق على عدم وجود المخصص المنفصل له في الواقع، وعليه فلايكون المخصص‏المنفصل مانعاً عن ظهوره، وإنما يكون مانعاً عن حجيّته، فإذا كان مجملاً مفهوماًبأن لاندري أن لفظ الفاسق موضوع للجامع بين مرتكب الكبيرة والصغيرة أوموضوع بإزاء الأول فقط، فحينئذٍ يكون خروج مرتكب الكبيرة عن العام‏معلوماً، وإنما الشك يكون في خروج مرتكب الصغيرة ومعه لامانع من التمسك‏بالعام لاثبات وجوب إكرامه، أوفقل إن المقدار المعلوم في المقام خروجه عن‏العام هو فاعل الكبيرة، لأن العام لايكون حجة فيه، وأما فاعل الصغيرةفخروجه عنه بالتخصيص غير معلوم، فإذن يبقى العام على حجيّته بالنسبةإليه، على أساس أن ظهور العام في العموم يكون حجة في نفي التخصيص‏المحتمل، وأما الخاص فمن جهة إجماله لايكون حجة إلاّ في المقدار المتيّقن، وهوفي المثال متمثل في الفقير المتلبّس بالمعصية الكبيرة، فإنه قد خرج عن العام‏جزماً من باب أنه متيّقن، وأما الفقير المتلبّس بالمعصية الصغيرة، فلايكون‏خروجه من العام معلوماً لإجمال الخاص، ومعه لا مانع من التمسك بعموم العام‏بعد عدم كون الخاص حجة فيه، هذا بناء على ماهو الصحيح من أن أداة العموم‏موضوعة للدلالة على استيعاب تمام أفراد مدخولها بدون التوقف على أي مقدّمةخارجية ماعدا الوضع.
إلى هنا قد تبيّن أن المخصص إذا كان مجملاً مفهوماً، فإن كان متصلاً بالعام‏يسري إجماله إليه حقيقة سواءً أكان اتصاله بالاستثناء أم كان بغيره، وإن كان‏منفصلاً لم يسر إجماله إليه بل ظهور العام في العموم يكون حجة ورافعاً لإجماله‏حكماً لا حقيقة.
وأما الكلام في المورد الثاني، وهو ما إذا كان أمر المخصّص المجمل مردداً بين‏المتباينين، فإن كان متصلاً كان يسري إجماله إلى العام حقيقة، مثال ذلك: »أكرم‏كل الشعراء إلاّ زيداً«، وفرضنا أن زيداً مردد بين زيد بن عمرو، وزيد بن‏خالد، وعلى هذا فمفهوم العام لايكون مجملاً، ومفهوم الخاص مجمل، وهنامفهوم ثالث وهو المفهوم المنقطع منه بمقدار الخاص، وإجمال الخاص يسري إلى‏هذا المفهوم حقيقة، باعتبار أن المتقطع والخارج منه مجهول ومردد بين زيد بن‏خالد، وزيد بن عمرو، إذ لاينعقد للعام ظهور لا بالنسبة إلى زيد بن خالد ولابالنسبة إلى زيد بن عمرو، فإذن تنتهي النوبة إلى الأصل العملي، وحينئذٍ فإن‏كان كل من العام والخاص متكفلاً للحكم الالزامي، فالمرجع هو أصالة التخييرباعتبار أن المكلف يعلم إجمالاً بوجوب إكرام أحدهما وحرمة إكرام الآخر،ولايتمكن من الاحتياط والموافقة القطعية العملية، ولايجوز له المخالفة القطعيةالعملية، فإذن وظيفته الموافقة الاحتمالية، على أساس أنه لايتمكن من الموافقةالقطعية العملية من جهة، وعدم جواز المخالفة القطعية العملية من جهة اُخرى‏،وإن كان أحدهما متكفلاً للحكم الالزامي دون الآخر كما في المثال المذكور،فالمرجع فيه أصالة الاحتياط للعلم الإجمالي بأن أحدهما خارج عن العام‏فلايجب إكرامه والآخر داخل فيه فيجب إكرامه، وحيث إن من يجب إكرامه‏مردد بين زيد بن خالد وزيد بن عمرو، فلذلك يجب الاحتياط بإكرام كليهما معاً،ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخصّص المتصل المجمل بالاستثناء أو بجملةمستقلة، وإن كان المخصص المجمل منفصلاً كما إذا قال المولى‏: »أكرم كل فقير« ثم‏في وقت آخر قال: »لاتكرم زيداً«، وكان زيد مردداً بين زيد بن بكر، وزيد بن‏عمرو، فلايسري إجماله إلى العام حقيقة، لما تقدم من أن دلالة الأداة على العموم‏والشمول تنجيزية بمعنى أنها لاتكون معلقة على عدم المخصص المنفصل في‏الواقع، ولكن يسري إجماله إليه حكماً، فلذلك لايمكن التمسك به بالنسبة إلى كل‏من زيد بن عمرو وزيد بن بكر.
أما عدم صحة التمسك به في كلا الفردين معاً، فهو واضح، لأن العام في نفسه،وإن كان يشمل كليهما معاً إلاّ أنه لايكون حجّة في أحدهما، ومعه لايجوز التمسك‏به في كليهما معاً للقطع بعدم حجيّته فيهما كذلك، وأما في أحدهما المعيّن دون‏الآخر، فلأنه ترجيح من غير مرجّح، لأن نسبة العام إلى كل منهما نسبة واحدة،فلايمكن الحكم بأنه حجة في هذا دون ذاك لأنه تحكّم، وأما أحدهما لا بعينه،فإن اُريد به أحدهما المفهومي فلاواقع له ماعدا وجوده في عالم الذهن، وإن اُريدبه أحدهما المصداقي، فهو غير معقول، فإذن تنتهي النوبة إلى الأصل العملي، وقدمرّ أنه يختلف باختلاف ما إذا كان كل من العام والخاص متكفلاً للحكم الالزامي‏كما في المثال المتقدم، وما إذا كان أحدهما متكفلاً للحكم الالزامي دون الآخر،فعلى الأول يكون المرجع أصالة التخيير بين إكرام أحدهما وترك إكرام الآخرللعلم الاجمالي بوجوب إكرام أحدهما وحرمة إكرام الآخر، ومعه لايتمكن‏المكلف من الموافقة القطعية العملية، وعليه فوظيفته الموافقة الاحتمالية، وعلى‏الثاني أصالة الاحتياط، لأن العلم الاجمالي بوجوب إكرام أحدهما يقتضي‏الاحتياط، هذا تمام الكلام في المقام الأول.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو ما إذا كان منشأ الشك في ثبوت الحكم‏الشرعي عدم الدليل أو تعارض الأدلة أو إجمالها، فالصحيح فيه جواز التمسك‏بالعام بلافرق بين أن يكون الخاص متصلاً أو منفصلاً.
أما الأول، وهو ما إذا كان الخاص متصلاً، فتارةً يكون من قبيل الوصف‏لمدخول الأداة، واُخرى يكون من قبيل الاستثناء، وثالثة يكون جملة مستقلةمتصلة بالعام. أما الأول كقولنا: »أكرم كل عالم عادل«، فلأنه لايوجد فيه أي‏تنافي بين العام والخاص حتى في المدلول التصوري، بل أن هذا ليس من العام‏والخاص عرفاً، وإنما هو تقييد لمدخول الأداة بقيد في المرتبة السابقة على دخول‏الأداة بحيث أن الأداة دخلت على المقيد، ومن الطبيعي أن مدخول الأداة يختلف‏باختلاف الموارد اطلاقاً وتقييداً سعةً وضيقاً، والفرض أن الأداة موضوعةللدلالة على استيعاب وشمول تمام أفراد مدخولها سواءً أكان مطلقاً أم مقيداً،فالعموم طارى‏ء على المقيّد لا أن القيد طارى‏ء على العموم.
فالنتيجة، إن تقييد مدخول أداة العموم بقيد في المرتبة السابقة لايعدّ بنظرالعرف تخصيصاً، إذ ليس هنا عام وخاص بل عام فقط، غاية الأمر أن دائرته‏مضيّقة نسبياً.
وأما الثاني، وهو التخصيص بالاستثناء من قبيل قولنا: »أكرم كل الشعراءإلاّ الفسّاق منهم«، فإنه لايمنع عن انعقاد ظهور العام في العموم لاتصوراً ولاتصديقاً بلحاظ الارادة الاستعمالية، باعتبار أن مدخول الأداة تام ومكتمل لأن‏الاستثناء ليس قيداً له، وبذلك يفترق هذا القسم عن القسم الأول، وفي هذاالقسم توجد ثلاث دلالات:
الاُولى‏: دلالة الأداة على العموم في جملة المستثنى منه.
الثانية: دلالتها على اقتطاع المستثنى عن عموم المستثنى منه، وإخراجه منه.
الثالثة: دلالة العام المتعقّب بالاستثناء على العموم المنقطع منه بمقدار الخاص،وهذه الدلالة هي الدلالة النهائية للعام، وأما الدلالتان الأوليان فهما مندمجتان‏فيها فلا استقلال لهما، والشاهد على ذلك هو انسباقها في الذهن، ودخولها فيه‏بمجرد سماع العام المذكور وإن كان من لافظ بغير اختيار وشعور، وهي تستقر في‏الذهن ومتعلقة للارادة الجدية، وموضوعة للحجّية، وعلى هذا فلا تنافي بين‏العام والخاص إلاّ في الدلالة التصورية والدلالة التصديقية بلحاظ الارادةالاستعمالية، وأما الدلالة التصديقية بلحاظ الارادة الجديّة النهائية، فهما لايدلان‏عليها لأن الدال عليها هو سياق مجموعهما، ومن هنا يكون موضوع الحجّيةوالآثار هو دلالة المجموع سياقاً، فإنها دلالة نهائية مستقرة في الذهن، وهذابخلاف الدلالتين الأوليين، فإنه لايترتب عليهما الآثار كالحجّية ونحوها باعتبارأنها مندمجتان في الدلالة الثالثة، فلا استقلال لهما كما مرّت الاشارة إلى ذلك.
فالنتيجة، إن في هذا القسم من التخصيص بالمتصل لانواجه دلالتين متنافيتين‏حتى يتسائل عن وجه تقديم الخاص على العام.
وأما الثالث، وهو التخصيص بجملة مستقلة تعقبها العام، فإنه يمتاز عن الأولين‏باعتبار أنه ليس قيداً لمدخول الأداة ولا استثناء عنه، وذلك كقولنا: »أكرم كل‏الفقراء، لاتكرم الفسّاق منهم«.
ولكن قد تقدم أن الأظهر حاله حال القسم الثاني، فكما أن في القسم الثاني‏توجد الدلالة الثالثة هي الدلالة السياقية للعام المتعقّب بالاستثناء، وهي الدلالةالنهائية المستقرة في الذهن، وأما الدلالتان الأوليان فهما مندمجتان فيها،فلاوجود لهما مستقلة، فكذلك الحال في القسم الثالث، فإنه توجد فيه الدلالةالثالثة للعام المتعقّب بالخاص، وهي الدلالة النهائية المستقرة التي هي موضوع‏للحجّية دون الدلالتين الأوليين، فإنهما مندمجتان فيها فلا استقلال لهما، ولهذالانواجه فيه دلالتين متنافيتين لكي نسأل عن وجه تقديم الخاص على العام،ومنشأ هذه الدلالة ارتكازية قرينية الخاص لا الوضع ولا الأنس الذهني، وإن‏كان الأول محتملاً كما مرّ، وأما إذا أنكر الدلالة الثالثة فيه، وقلنا بأنه لا منشأ لهافي هذا القسم، فإذن نواجه التساؤل عن ملاك تقديم الخاص على العام.
وقد استدل على التقديم بوجوه:
الوجه الأول: إن الخاص حيث إنه أظهر وأقوى‏ من العام فيتقدم عليه تطبيقاًلقاعدة حمل الظاهر على الأظهر.
والجواب: إن الأظهر وإن كان يتقدم على الظاهر تطبيقاً للقاعدة المذكورةويكون من أحد موارد الجمع الدلالي العرفي إلاّ أن ذلك لايصلح أن يكون ملاكاًلتقديم الخاص على العام مطلقاً بل يدور مدار توفر ملاكه، وهو الأظهرية وجوداًوعدماً، وعلى هذا فإذا فرض أن الخاص لايكون أظهر من العام أو يكون العام‏أظهر منه كما إذا كانت دلالة الخاص على الخصوص بالاطلاق ومقدمات الحكمة،ودلالة العام على العموم بالوضع، فإن من الواضح أن الدلالة الوضعيّة أظهروأقوى‏ من الدلالة الاطلاقية، وإن كانت دائرة الاُولى‏ أوسع من الثانية، فلا ملاك‏حينئذٍ لتقديمه عليه بل في الفرض الثاني لابدّ من تقديم العام على الخاص على‏أساس أنه أظهر منه وهو كماترى. فالنتيجة، إن هذا الوجه لايصلح أن يكون‏ملاكاً لتقديم الخاص على العام مطلقاً.
الوجه الثاني: إن أداة العموم موضوعة للدلالة على الشمول واستيعاب مايراد من مدخولها لاما وضع له المدخول كما بنى‏ عليه المحقق النائيني‏قدس سره(36)،واحتمله المحقق الخراساني‏قدس سره(37)، وعلى ضوء هذا المبنى تكون دلالة الأداة على‏العموم في طول الاطلاق ومقدمات الحكمة، لأنها تحدّد ما يراد من مدخولها في‏المرتبة السابقة، وعليه فكل ماهو مانع عن جريان مقدمات الحكمة في مدخول‏الأداة لاثبات اطلاقه، يكون رافعاً لموضوع دلالة الأداة على العموم، لأن‏موضوعها اطلاق المدخول، والمفروض أن الخاص المتصل بالعام يكون مانعاًعنه، ومعه لاموضوع للعموم والاستيعاب، وحينئذٍ فلا ينعقد للعام ظهور في‏العموم من الأول، وإنما ينعقد له ظهور في الخاص كذلك، وعلى هذا فلاتنافي بين‏العام والخاص، لأن التنافي بينهما إنما يكون فيما إذا كانت لهما دلالتان متنافيتان‏مستقرتان في الذهن وموضوعان للحجّية، وأما إذا كانت هناك دلالة واحدة لهماوهي الدلالة المستقرة كما هو المفروض، فلاموضوع للتعارض والتنافي بينهمالكي نتساءل عن وجه تقديم الخاص على العام هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره بأن دلالة الأداة على العموم والاستيعاب لوكانت في طول الاطلاق وإجراء مقدمات الحكمة في مدخولها لزم كونها لغواًوبلافائدة، لأن الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة لمدخولها يقوم مقام الأداة في‏الدلالة على العموم والاستيعاب ويلعب دورها.
وفيه، إن ذلك لايوجب كون وضع الأداة للعموم لغواً، فإنه إنما يكون لغواً إذاكان مفادها هو مفاد الاطلاق، وأما إذا كان مفادها معنىً جديداً غير معنى‏الاطلاق فلايكون لغواً.
والمفروض أنها تدل بالوضع على معنىً جديد، وهو جعل الحكم وثبوته لكل‏فرد من أفراد مدخولها مباشرة في مرحلة الجعل، بينما الاطلاق يدل على ثبوت‏الحكم للمطلق وانحلاله بانحلال أفراده في مرحلة الامتثال والتطبيق وتمام الكلام‏في ذلك تقدم(38).
والصحيح في الجواب عن ذلك ما أشرنا إليه سابقاً من أن مدلول الأداة وضعاًمدلول تصوري، لما ذكرناه في مبحث الوضع من أن الدلالة الوضعية دلالةتصورية لاتصديقية بينما يكون الاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة مدلولاًتصديقياً للمطلق، على أساس أن الارادة مأخوذة فيه، وعلى هذا فإن اُريدبوضع الأداة لعموم مايراد من مدخولها، أخذ الارادة في معناها الموضوع له‏جزاءً أو قيداً.
فيرد عليه أن لازم ذلك أن يكون المدلول الوضعي للأداة مدلولاً تصديقياً،وهو خلف فرض أن مدلولها الوضعي مدلول تصوري لاتصديقي، فإذن لايعقل‏أن يكون مدلولها الوضعي مقيداً بالارادة، وإن اُريد به أخذ مفهوم الارادة في‏معناها الموضوع له.
ففيه أنه غير محتمل لأنه غير متبادر منها في الذهن أصلاً.
والخلاصة، إنه لايعقل أن يكون مدلول الأداة مركباً من الجزء التصوري‏والجزء التصديقي أو مقيداً به، لاستحالة ذلك، لأن الجزء التصوري إن انتقل إلى‏الذهن بمجرد سماع الأداة وإن كان من لافظ بغير شعور واختيار، فهو خلف‏فرض أنه مربوط بالجزء التصديقي إما جزءً أو قيداً، وإن لم ينتقل إلى الذهن‏بمجرد سماعها كذلك، فهو خلاف الضرورة والوجدان.
الوجه الثالث: إن الخاص بنظر العرف العام معدّ للقرينية على العام، غايةالأمر إن كان الخاص متصلاً، فهو قرينة لتفسير المراد منه في مرحلة التصور بمعنى‏أن ضمّه إلى العام يعطي لمجموع الكلام مدلولاً تصورياً ثالثاً يختلف عن المدلول‏التصوري لمفرداته بحدّها، وإن كان منفصلاً فهو قرينة لتفسير المراد الجدي‏النهائي منه، بمعنى أن ضمّه إليه يدل على أن المراد الجدي النهائي من العام هوالخاص، فإذن تقديم الخاص على العام من جهة أنه متلبّس بلباس القرينة عرفاً،فإذا صدرمن المتكلم العرفي الذي صدر منه العام، كان بنظر العرف قرينةومفسّراً للمراد النهائي منه، وحيث إن تقديمه عليه من باب أنه قرينة، فيقدم‏عليه وإن كان أضعف منه دلالة، وهذا الوجه هو الصحيح والمطابق للارتكازالعرفي ولذلك لايرى‏ العرف بينهما تعارض وتنافي، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، أن الخاص المنفصل حيث إنه لايهدم ظهور العام في العموم‏لاستحالة انقلاب الشي‏ء عمّا وقع عليه وإنما يهدم حجّيته في مقدار الخاص، وعلى‏هذا فيبقى العام على حجّيته في تمام الباقي لأن المقتضى وهو ظهور العام في العموم‏موجود والمانع عن حجّيته فيه مفقود، وأما الخاص المتصل الذي لايعطي اتصاله‏بالعام مدلولاً تصورياً ثالثاً للمجموع، فيكون تقديمه على العام بملاك القرينية،فإن له جانباً سلبياً وجانباً إيجابياً.
أما الأول، فلأنه مانع عن ظهور العام في أن المراد الاستعمالي فيه مطابق للمرادالجدي.
أما الثاني، فلأنه يحدّد أن الباقي بتمامه داخل فيه، على أساس أنه لامانع من‏ظهوره في أن المراد الاستعمالي مطابق للمراد الجدي في تمام الباقي، لأن الخاص‏إنما يمنع عنه في مقداره لا أكثر، فإذن لا إجمال في العام، ولا مانع من التمسك به فيماإذا شك في التخصص الزائد، لأن المقتضى موجود والمانع مفقود، وأما الثاني وهوما إذا كان الخاص منفصلاً فيقع الكلام فيه في مرحلتين:
الاُولى‏: في وجه تقديم الخاص المنفصل على العام.
الثانية: في حجية العام بعد التخصيص في تمام الباقي.
أما الكلام في المرحلة الاُولى‏، فهناك عدة محاولات:
المحاولة الاُولى‏، إنا إذا ضممنا إلى نظرية المحقق النائيني‏قدس سره من أن أداة العموم‏موضوعة للدلالة على استيعاب تمام ما يراد من مدخولها، نظرية القائل بأن‏الاطلاق يتوقف على عدم القرينة الأعمّ من القرينة المتصلة والمنفصلة، فلاينعقدللعام ظهور من الأول إلاّ في الخاص. وعليه، فلا موضوع للتنافي بين العام‏والخاص لأن التنافي إنما يوجد بينهما إذا كانت لكل منهما دلالة مستقرة في الذهن‏منافية لدلالة الآخر كذلك، والفرض أنه على ضوء هذين المسلكين لا دلالةللعام على العموم، ولاينعقد له الظهور فيه إلاّ في المقدار الخاص، باعتبار أن‏المخصص المنفصل مانع عن إطلاق المدخول، والفرض أن عموم العام يتوقف‏على إطلاقه، وعلى هذا فلايبقى‏ مجال للتساءل عن وجه تقديم الخاص على العام.
وغير خفي، إن هذه المحاولة مبنية على تمامية مقدمتين:
الاُولى‏: تمامية نظرية المحقق النائيني‏قدس سره من أن الأداة موضوعة للدلالة على‏استيعاب مايراد من مدخولها في المرتبة السابقة.
الثانية: نظرية القائل بأن الاطلاق ومقدمات الحكمة يتوقف على عدم البيان‏الأعم من المتصل والمنفصل، ولكن كلتا المقدمتين غير تامة.
أما المقدمة الاُولى‏، فلما مرّ من أن أداة العموم لايمكن أن تكون موضوعةللدلالة على استيعاب مايراد من مدخولها، وإلاّ فلازم ذلك أن تكون الارادةمأخوذة في معناها الموضوع له جزءً أو قيداً، وهو غير ممكن، لأن معنى ذلك أن‏يكون مدلول الأداة مدلولاً تصديقياً لاتصورياً، وهذا خلف فرض أن مدلولهاالوضعي تصوري لاتصديقي.
وقد تقدم تفصيل ذلك، هذا إضافة إلى أن ذلك لايتم حتى على مسلك القائل‏بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية، فإنه يقول بأخذ الارادة الاستعمالية في‏المعنى الموضوع له دون الارادة الجدّية، والمفروض أن الاطلاق الثابت بمقدمات‏الحكمة مدلول تصديقي بالارادة الجدّية.
وأما المقدمة الثانية، فيرد عليها أن المرتكز في أذهان العرف والعقلاء هو أن‏المتكلم العرفي إذا انتهى‏ من كلامه وكان في مقام البيان، ولم ينصب قرينة على‏التقييد انعقد ظهوره في الاطلاق ولايتوقف على عدم القرينة المنفصلة، ووصولهالايرفع الدلالة الاطلاقية وإنما يوجب سقوطها عن الحجية، وقد جرت على ذلك‏سيرة العقلاء في محاوراتهم، لأنهم كانوا يبنون على تمامية الدلالة الاطلاقيةوانعقادها وصحة التمسك بها في مواردها بمجرد انتهاء المتكلم عن الكلام، وعدم‏نصب قرينة على التقييد، ومن الواضح أنهم لايتوقفون في ذلك باحتمال أنه‏ينصب قرينة عليه في المستقبل، وإلاّ لأصبح أكثر المطلقات مجملة وغير قابلةللتمسك بها على أثر احتمال وجود قرينة على تقييدها في الواقع، وهذا خلاف‏الضرورة من بناء العقلاء، وأيضاً لازم هذا المسلك عدم امكان التمسك‏بإطلاقات الكتاب والسنة، على أساس احتمال وجود قرينة على التقييد في الواقع‏ولا دافع لهذا الاحتمال، وأما أصالة عدم القرينة فلادليل على حجيتها إلا من باب‏الظهور، والمفروض أنه لاظهور لها لأنها مجملة على أثر الاحتمال المذكور، وأماحجيّتها من باب التعبد والأصل العملي فلايمكن إلاّ على القول بالأصل المثبت،والمفروض أنها لاتثبت الظهور إلاّ على هذا القول، وللسيد الاُستاذقدس سره في المقام‏كلام وحاصله أن المتكلم إذا انتهى من كلامه ولم ينصب قرينة على التقييد انعقدظهوره في الاطلاق، ولايتوقف على عدم القرينة المنفصلة، غاية الأمر أن هذاالظهور يبقى‏ مستمراً طالما لم تصل القرينة، فإذا وصلت ارتفع هذا الظهور بلحاظأنها تكشف عن أن المراد الجدي النهائي من أول الأمر كان هو المقيّد.
والجواب: أولاً: إن ظهور المطلق في الاطلاق إذا انعقد فلايعقل أن ينقلب عمإ؛9حخ‏خ‏وقع عليه بالقرينة المنفصلة، لأنها تكشف عن أن المراد الجدي من ظهور العام في‏العموم كان من الأول هو المقيّد والخاص وأنه لايكون حجّة، لا أنها ترفع ظهوره‏فيه.
وثانياً: إن وصول القرينة لايمكن أن يكون رافعاً لظهور العام في العموم،ضرورة أن حيثية الوصول غير دخيلة في تكوين الظهورات، وإنما هي دخيلة في‏الحجّية والتنجيز والتعذير.
فالنتيجة، إن وجود القرينة في الواقع لايمكن أن يكون رافعاً للظهور وإلاّ لزم‏إجمال العام في موارد احتمال وجوده في الواقع، وهو خلاف الوجدان والضرورة،وكذلك وصولها كما عرفت.
المحاولة الثانية: إن الخاص إنما يتقدم على العام على أساس أن دلالته أظهروأقوى من دلالة العام، فإذن ينطبق عليه قانون تقديم الأظهر على الظاهروالأقوى على الأضعف، باعتبار أن ذلك من أحد موارد الجمع الدلالي العرفي،أو فقل إن تقديم الخاص على العام من صغريات كبرى موارد الجمع العرفي هذا.
ولكن هذه المحاولة غير تامة، لأن تقديم الخاص على العام ليس بملاك‏الأظهريّة، فإنه يتقدم عليه وإن كان أضعف منه دلالة، كما إذا قال المولى‏: »أكرم‏كل عالم«، ثم قال: »لاتكرم العالم الفاسق«، فإن دلالة العام على العموم حيث‏إنها بالوضع ودلالة الخاص على الخصوص بالاطلاق ومقدمات الحكمة،فبطبيعة الحال تكون دلالة العام أقوى وأظهر من الدلالة الاطلاقية، ومع ذلك‏يحكم بتقديم الخاص على العام حتى في مثل هذين المثالين، وهذا يدل على أن‏ملاك التقديم شي‏ء آخر لا الأظهرية كما مرّ.
المحاولة الثالثة: ما تقدم من أن ملاك تقديم الخاص على العام هو قرينيّةالخاص عرفاً، على أساس أن العرف لايرى‏ التعارض بين القرينة وذيها، ويرى‏أن القرينة معدة لتفسير المراد الجدي النهائي من ذيها، ومن هنا لاتلحظالأظهرية والأقوائية في تقديم القرينة على ذيها، فإنه من تقديم المفسر بالكسرعلى المفسر بالفتح، وحيث إن تقديم الخاص على العام يكون بملاك قرينيّته‏ومفسريّته للمراد النهائي من العام لدى العرف العام، فلهذا لاتلحظ في تقديمه‏عليه الأظهرية والأقوائية في الدلالة بل هو يتقدم عليه، وإن كان أضعف منه‏دلالة، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص متصلاً أو منفصلاً.
ودعوى‏، إن الثابت عرفاً هو أن الخاص قرينة لبيان المراد الجدي من العام في‏حال اتصاله به لا مطلقاً حتى في حال انفصاله عنه، لأن في هذه الحالة كما يحتمل‏أن يكون الخاص قرينة على العام ومفسراً للمراد النهائي منه كذلك يحتمل أن‏تكون العام قرينة على الخاص.
مدفوعة، إما أولاً: فلأن كون العام قرينة على الخاص ومفسراً للمرادالنهائي منه على خلاف الارتكاز العرفي والعقلائي وأمر مغفول عنه من الأذهان،فلذلك لايمكن التصرف في الخاص بقرينيّة العام وليس من موارد الجمع الدلالي‏العرفي.
والخلاصة، إن الخاص بنظر العرف والعقلاء معدّ للقرينية دون العكس، ومن‏المعلوم أن الطريق المتّبع عند الشارع في باب الألفاظ هو الطريق والاسلوب المتّبع‏لدى العرف والعقلاء في هذا الباب، وليس للشارع طريق واسلوب جديد فيه‏يختلف عن طريقتهم.
وثانياً: إن العام في بعض الموارد لايمكن أن يكون قرينة على الخاص ومفسراًورافعاً للتنافي بينهما كما في مثل قولك: »أكرم كل العلماء، لاتكرم الفساق منهم«.
فإن العام في مثل ذلك لوكان قرينة على الخاص، فمعناه أنه قرينة على رفع اليدعن ظهور النهي في الحرمة وحمله على الكراهة، لفرض أن الكلام إنما هو في‏الجمع الدلالي العرفي بينهما لا في الرجوع إلى المرجحات السندية كما في باب‏التعارض المستقر، ومن الواضح أن حمل النهي على الكراهة لايرفع التنافي‏بينهما، إذ كما أن الحرمة لاتجتمع مع الوجوب في شي‏ء واحد كذلك الكراهة، فإنهالاتجتمع مع الوجوب فيه، والفرض أن العام لايوجب طرح الخاص سنداً لعدم‏التنافي بينهما فيه وإنما التنافي بينهما في الدلالة، ولهذا يكون غير مستقر لامكان‏رفعه بتطبيق إحدى قواعد الجمع الدلالي العرفي على المقام، وهي تقتضي تقديم‏الخاص على العام بملاك القرينيّة.
فالنتيجة، إن تقديم الخاص على العام إنما هو بملاك القرينيّة، ولهذا يتقدم على‏العام وإن كان أضعف منه دلالة، بلا فرق في ذلك بين أن يكون الخاص متصلاً أومنفصلاً كما تقدم.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الخاص إذا كان متصلاً بالعام‏بالاستثناء فلاتنافي بينهما، لأن هذا الاستثناء يعطي مفهوماً ثالثاً لهما معاً يختلف‏عن مفهوم مفرداتهما، لأن مفهوم المفردات مندمج فيه على أساس أنه مفهوم نهائي‏مستقر في الذهن، ولهذا لاموضوع للتنافي بينهما، وإذا كان اتصاله به بجملةمستقلة تعقبت العام، فقد تقدم أن الأظهر حاله حال القسم الأول فكما أن‏اتصاله بالاستثناء يعطي له مفهوماً ثالثاً، فكذلك اتصاله بها، وإلاّ فالتقديم في‏هذا القسم بملاك قرينيّة الخاص، وأما إذا كان منفصلاً فهو حيث إنه لايكون‏مانعاً عن انعقاد ظهور العام في العموم، وإنما يكون مانعاً عن حجيّته في الخاص،فقد تقدم أن تقديمه على العام إنما هو بملاك أنه معدّ للتفسير والقرينيّة.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو أن العام بعد التخصيص هل هو حجة في‏تمام الباقي فيه قولان:
فذهب جماعة إلى القول الثاني، وقد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: إن الخاص إذا خرج من العام كان الباقي ذات مراتب متعدّدة،ولكن لاندري أن الباقي تحت العام بعد التخصيص هل هو تمام تلك المراتب أوبعضها، فمن أجل ذلك يصبح العام مجملاً فلايمكن التمسك به إذا شك في تخصيص‏زائد، إذ اثبات أن الباقي تحت العام تمام المراتب بحاجة إلى قرينة.
وقد أجاب المحقق النائيني‏قدس سره عن ذلك بتقريب أن أداة العام مستعملة في‏معناها الموضوع له، وهو عموم مايراد من مدخولها ببركة مقدمات الحكمةلاعموم كل ماينطبق عليه المدخول وضعاً، والمخصص المنفصل كما لايوجب‏استعمال الأداة في غير معناها الموضوع له كذلك لايوجب استعمال مدخولها في‏غير معناه الموضوع له.
أما الأول، فلأن الأداة مستعملة في العموم والاستيعاب لتمام أفراد مايراد من‏مدخولها سواءً أكانت بالارادة التصورية أم بالارادة الاستعمالية، والمخصص‏المنفصل إنما يوجب تقييد مدلول العام بلحاظ الارادة الجدية النهائية، فيكون‏الخاص هو المراد الجدي، وأما المراد الاستعمالي فهو عام، والأداة مستعملة فيه‏بلا فرق بين أن يكون مطابقاً للمراد الجدي أو لا.
وأما الثاني، فلأن المدخول كالرجل أو العالم أو نحوه مستعمال في معناه‏الموضوع له، وهو الطبيعي المهمل ولايكون التخصيص بالمنفصل موجباً لإجمال‏العام، هذا بناءً على أن الأداة موضوعة للدلالة على استيعاب تمام أفراد ما يرادمن مدخولها أعمّ من أن يكون بالارادة الاستعمالية أو الجدية، وأما لو ادّعى أنهإ؛=خخ‏خ‏موضوعة لاستيعاب تمام مايراد منه بالارادة الجديّة فحسب فلاتخصيص‏حينئذٍ، لأن المخصص المنفصل يكشف عن أن المراد الجدي مقيد لامطلق،والمفروض إن الأداة موضوعة للدلالة على استيعاب مايراد من المدخول‏جداً، فكل ما يكون محدداً للمراد الجدي، فهو محدد لمدلول المدخول لامدلول‏أداة العام، لأنه تابع لمدلول المدخول في السعة والضيق، فلا استقلال له في‏مقابله، فإذن لاتخصيص في البين لمدلولها حتى نواجه السؤال عن حجية العام في‏الباقي بل هو تخصص وخروج موضوعي(39).
فالنتيجة، إن أداة العموم لم ترد من الأول إلاّ على حصّة خاصة من المدخول،وهي الحصة المتعلقة للارادة الجدّية، لأن المخصص المنفصل يكشف عن أن المرادالجدي مقيّد وليس بمطلق، والفرض أن الأداة موضوعة لاستيعاب مايراد من‏المدخول عن جدّ وما يراد منه كذلك هو المقيد دون المطلق، وعلى هذا فالمخصص‏المنفصل كالمتصل يقيد مدخول الأداة في المرتبة السابقة على العموم، فيكون‏العموم وارداً على المقيد من الأول لا أنه وارد على المطلق، والتقييد إنما هوبلحاظ الارادة الجدّية، ولافرق من هذه الناحية بين المخصص المتصل والمنفصل.
والخلاصة، إنه على ضوء المسلك الأول، فالعموم والاستيعاب الذي هو مفادالأداة يرد على إطلاق مدخولها الثابت بمقدمات الحكمة في المرتبة السابقة،والتقييد إنما هو بلحاظ الارادة الجدّية، وأما على ضوء الاحتمال الثاني، فالعموم‏والاستيعاب يرد على الباقي من مدخولها من الأول فلاتخصيص في هذا الفرض‏بل تخصص.
وهذا الجواب بكلا شقّيه غير تام أما الشق الأول، فلما تقدّم موسعاً من أن‏أداة العموم لم توضع لاستيعاب أفراد ما يراد من مدخولها، وأما الشق الثاني‏فعلى تقدير تسليم أن الارادة مأخوذة في المعنى الموضوع له للأداة، إلاّ أن‏المأخوذ هو الارادة الاستعمالية التفهيمية لا الارادة الجدية فقط.
الوجه الثاني: إن المخصص المنفصل يدل على خروج الخاص من العام بلحاظالارادة الجدّية، وعلى هذا فالمراد الجدي من العام في الواقع غير الخاص،وحينئذٍ فجواز التمسك بعد خروج الخاص منه واقعاً يتوقف على اثبات ظهوره‏في تمام الباقي بلحاظ الارادة الجدّية، لأنه الظهور النهائي المستقر في الذهن‏الموضوع للحجّية، والمخصص المنفصل لايدل على أن تمام الباقي كان يضل تحت‏العام لأنه إنما يدل على خروج الخاص منه، فإذن إثبات هذا الظهور بحاجة إلى‏قرينة، ولا قرينة على ذلك، وعليه فيصبح العام بعد التخصيص مجملاً فلايمكن‏التمسك به إذا شك في التخصيص الزائد.
وقد أجاب عن ذلك جماعة من المحققين بأنه لامجال لهذا الاشكال، بتقريب‏أن المخصص إذا كان منفصلاً كان يهدم حجية ظهور العام في العموم والاستيعاب،وأما أصل ظهوره فيه فهو ثابت، ولايمكن أن يكون المخصص المنفصل هادماًله، بداهة أن الشي‏ء إذا وقع في الخارج فلايعقل انقلابه عما وقع عليه، غاية الأمرأن هذا الظهور لايكون حجة في أفراد الخاص، ولابد من رفع اليد عن حجّيته‏فيها، وأما في الزائد عليها فهو حجة ولايمكن رفع اليد عنه بدون دليل، أو فقل إن‏رفع اليد عن مقتضى أصالة التطابق بين المراد الاستعمالي والمراد الجدي إنما هوبالدليل الدال على عدم التطابق فيه، وأما إذا لم يكن دليل على عدمه فمقتضى‏القاعدة التطابق وهو المرجع عند الشك، وعلى هذا فإذا شك في تخصيص زائدفالمرجع هو عموم العام، فما ذكر في هذا الوجه من أن حجّية العام في تمام الباقي‏بحاجة إلى ظهوره فيه من جديد، فهو مبني على أن يكون المخصص المنفصل‏رافعاً لظهور العام في العموم، فإذن بطبيعة الحال تكون حجيته في تمام الباقي‏بحاجة إلى ظهور جديد بعد التخصيص، ولكن من الواضح أن هذا المبنى‏لاأساس له، لما مرّ من أن المخصص المنفصل لايرفع ظهور العام في العموم، وإنمايرفع حجيّته في مورده، فإذن لابدّ من رفع اليد عن حجيّة ظهوره في العموم‏بمقدار الخاص ولاموجب لرفع اليد عن حجيّته في أكثر من ذلك، لأن المقتضى‏موجود، وهو ظهوره في العموم، والمانع عن حجّيته فيما عدى مورد المخصص‏مفقود، فإذن لامانع من التمسك بالعام إذا شك في التخصيص الزائد.
الوجه الثالث: إن العام يحتوي على ثلاث ظهورات طولية:
الأول: ظهوره في المدلول الوضعي التصوري، وهو الاستيعاب والشمول.
الثاني:ظهوره في المدلول التصديقي في مرتبة الارادة الاستعمالية.
الثالث: ظهوره في المدلول التصديقي في مرتبة الارادة الجدية، والظهوران‏الأولان مندكان في الظهور الثالث الذي هو الظهور النهائي ومندمجان فيه، وعلى‏هذا فالمخصص المنفصل لايمكن أن يكون هادماً للظهور الأول والثاني، وإنما يكون‏هادماً للظهور الثالث، فإذا ارتفع هذا الظهور فمعناه أن ظهور العام في العموم قدارتفع، وارتفاعه عن العموم وإن كان لاينافي ثبوته للبعض بنحو القضية الجزئيةإلا أن ذلك لايكون قرينة على ثبوته لتمام الباقي.
ولكن قد ظهر جواب هذا الوجه مما تقدم، فإنه مبني على أن يكون المخصص‏المنفصل رافعاً لظهور العام في العموم مع أن الأمر ليس كذلك، لأن الظهور إذاانعقد فلايرتفع بوجود المانع لاستحالة انقلاب الشي‏ء عما وقع عليه، والمخصص‏المنفصل إنما يمنع عن حجيته وترتيب الأثر عليه لا عن انعقاد ظهوره، وحيث إن‏هذا الظهور حجة بالسيرة العقلائية فلايمكن رفع اليد عن حجيّته إلاّ إذا كان‏هناك دليل يدل على عدمها، وعلى هذا فالمخصص المنفصل حيث إنه لايكون‏مانعاً عن انعقاد ظهور العام في العموم، وإنما هو مانع عن حجيّته، فلابد من‏الاقتصار على مورده لا أكثر، لأن المقتضى وهو ظهوره في العموم موجود والمانع‏عن حجيّته مفقود، فإذن لامحذور في التمسك به إذا شك في التخصيص الزائد، قديقال كما قيل إن هذا الجواب تام بالنسية إلى العام الاستغراقي، وأما بالنسبة إلى‏العام المجموعي فهو غير تام، بيان ذلك: إن العام إذا كان استغراقياً كانت هناك‏دلالات وظهورات تصديقية جدية متعدّدة بعدد أفراده، وظهوره في ثبوت‏حكم لكل فرد موضوع للحجّية ولاترتبط حجّيته فيه بحجية ظهوره في سائرالأفراد، وحينئذٍ فإذا قام دليل على سقوط هذه الدلالات عن بعض أفراد العام‏فلاموجب لسقوطها عن سائر الأفراد، وأما إذا كان مجموعياً فتكون هناك دلالةتصديقية واحدة وهي دلالته على ثبوت الحكم للمجموع بالمطابقة، وعلى ثبوته‏لكل جزء من أجزائه بالتضمن، ومن الواضح أنه إذا سقطت دلالته على بعض‏أجزائه بدليل سقطت عن الكل أيضاً، لأن الدلالة التضمنّية تتبع الدلالةالمطابقية ثبوتاً وسقوطاً، فإذا كانت هناك دلالة واحدة تصديقية، كانت لهاحجيّة واحدة، وحجية ظهوره بالنسبة إلى كل جزء من أجزائه ارتباطية ثبوتاًوسقوطاً، فلايعقل سقوط حجيّته عن جزء بدون سقوطها عن الباقي وإلاّ لزم‏خلف فرض أنها ارتباطية كذلك.
وإن شئت قلت: إن ظهور العام الاستغراقي في العموم والاستيعاب بلحاظالارادة الجدّية تام والمخصص المنفصل لايمنع عن هذا الظهور، وأما ظهوره في‏المراد الاستعمالي فهو مندك فيه وليس في عرضه، كما أن ظهوره في المدلول‏التصوري مندك فيهما، وليس معنى أصالة التطابق بين ظهوره في المرادالاستعمالي وظهوره في المراد الجدي أن هناك ظهورين بل معناه أن هناك ظهوراًواحداً، وهو الظهور في المراد الجدي النهائي، والظهور في المراد الاستعمالي مندك‏فيه ومطابق له في مقابل ما إذا كان ظهوره في المراد الاستعمالي غير مطابق لظهوره‏في المراد الجدي بأن يكون الأول عاماً والثاني خاصاً، وإلاّ فمن الواضح أنه ليس‏في الخارج إلاّ ظهور واحد، وهو الظهور في المراد الجدي، وأما الظهور في المرادالاستعمالي فهو عين الظهور في المراد الجدي خارجاً، والاختلاف بينهما إنما هو في‏الاعتبار والحيثية، وعلى هذا فإذا انقطع ظهوره في أفراد الخاص بدليل مخصص،فلاموجب لانقطاعه عن سائر أفراد العام لفرض عدم الارتباط بينها في ذلك،ولكن لايمكن تطبيق ذلك على العام المجموعي، فإن فيه ظهوراً واحداً، وهوموضوع لحجيّة واحدة، وظهوره كحجيّته بالنسبة إلى كل جزء من أجزائه‏ارتباطية، فلهذا لايعقل سقوط ظهوره عن جزء وبقائه لسائر الأجزاء، لأنه‏خلف فرض الارتباطية ثبوتاً وسقوطاً هذا.
والجواب: عن ذلك أن سقوط الحكم عن جزء من العام المجموعي مع فرض‏كونه جزءً لايمكن إلاّ بسقوطه عن الجميع، ولكن المقام ليس كذلك، لأن الدليل‏المخصص بصفة كونه قرينة يعين موضوع الحكم في العام المجموعي ويحدده في‏الباقي، ويدل على أن الخاص ليس جزء الموضوع، فعندئذٍ لاتنافي بين العام‏والخاص، فإنه خارج عن موضوع العام بلحاظ الارادة الجدية وليس جزءً،ومن هنا إذا قام دليل على أن الاستعاذة ليست جزء الصلاة فلاتنافي بينه وبين مادلّ على وجوب الصلاة، لأنه يحدد متعلق الوجوب بغيره من الأجزاء.
وهنا وجه آخر لحجية العام في تمام الباقي، وهو أن المخصص سواءً أكان متصلاًأم منفصلاً بوصف كونه قرينة عرفاً ومفسراً للمراد النهائي من العام فله دلالتان:
إحداهما: الدلالة السلبيّة. والاُخرى‏: الدلالة الايجابية.
أما الاُولى‏: فلأن المخصص يدل على نفي الحكم الثابت للعام عن الخاص‏وخروجه عنه حكماً.
وأما الثانية: فلأنه بوصف قرينيّته عرفاً يكون مفسراً للمراد الجدي النهائي‏من العام ومحدداً لدائرته في تمام الباقي، وهذا معنى أن المراد منه تمام الباقي بعدالتخصيص.
والخلاصة: إن القيد إذا كان قرينة عرفاً، فمعناه أنه مفسّر للمراد النهائي من‏العام ومحدد له في الباقي، ولا فرق في ذلك بين أن يكون العام اسغراقياً أومجموعياً.
أما على الأول فهو واضح. وأما على الثاني فلأن الخاص بمقتضى كونه قرينةكما يعين المراد الجدي النهائي في العام الاستغراقي ويحدّده، كذلك بعينه في العام‏المجموعي ويحدّده في الباقي، ولهذا يجوز التمسك به بلافرق في ذلك بين العامين،هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنا إذا سلّمنا أن التخصيص يوجب التجوز في العام، فهل‏تجوّزه يوجب إجماله وعدم جواز التمسك به فيما إذا شك في التخصيص الزائدأو لا؟ فيه وجهان:
فذهب شيخنا الأنصاري‏قدس سره إلى الثاني وتبعه فيه المحقق النائيني‏قدس سره، وقد أفادفي وجه ذلك ما ملخّصه أن المجاز في المقام يختلف عن المجاز في سائر الموارد، فإن‏المجاز اللازم في المقام إنما هو من ناحية خروج بعض ما كان داخلاً في عموم‏العام، لأنه يستلزم كونه مجازاً في الباقي، وأما دخول الباقي فيه فهو غير مستندإلى كونه مجازاً فيه، لأنه كان داخلاً فيه من الأول وقبل التخصيص وعليه فالمجازمستند إلى خروج ما كان داخلاً فيه لا إلى دخول الباقي، ونتيجة ذلك هي أن‏المعنى المجازي في المقام لايكون مبايناً للمعنى الحقيقي، لأن الباقي قبل التخصيص‏داخل في المعنى الحقيقي وجزء له وبعد التخصيص صار معنىً مجازياً، وهذابخلاف المعنى المجازي في سائر الموارد كقولنا: »رأيت أسداً يرمي«، فإنه مباين‏للمعنى الحقيقي، وعلى هذا فالمعنى المجازي وإن كان ذات مراتب متعدّدة إلاّ أن المتعيّن بعد ورود التخصيص عليه هو إرادة تمام مراتب الباقي منه لا أنه مجمل،على أساس تعدد مراتب المجاز، لما مرّ من أن خروج ما يكون العام شاملاً له‏بعمومه عن حكمه بحاجة إلى دليل لإبقائه فيه، فإن المقتضى له وهو عموم العام‏موجود والمانع مفقود، فإذن لايحتاج إرادة تمام الباقي من بين سائر المراتب إلى‏قرينة معيّنة، وهذا بخلاف ما إذا كان المعنى المجازي متعدّداً كما في المثال المذكور،فإنه إذا قامت قرينة صارفة على أن المراد من الأسد ليس معناه الحقيقي وهوالحيوان المفترس، ودار أمر المعنى المجازي بين الرجل الشجاع وبين صورته في‏الجدار أو غير ذلك، فعندئذٍ تعيين إرادة كل منهما بحاجة إلى قرينة معيّنة وبدونهافاللفظ مجمل فلايدل على إرادة شي‏ء منهما.
والخلاصة، إن دلالة العام على العموم في مقام الاثبات تنحلّ إلى دلالات‏متعدّدة بعدد افراد مدخوله في عرض واحد، وهذا الدلالات، دلالات مستقلةلايتوقف بعضها على بعضها الآخر، فإذا سقط بعضها بدليل مخصّص،فلاموجب لسقوط الباقي وإن كان استعمال العام فيه مجازاً(40)، هذا.
وقد أورد عليه السيد الاُستاذقدس سره تبعاً للمحقق الخراساني‏قدس سره بتقريب إن دلالةالألفاظ على معانيها ليست ذاتية بل لابدّ لها من سبب، والسبب لها إما الوضع أوالقرينة، ولا ثالث لهما.
أما الأول، فهو مفقود في المقام على الفرض، لأن العام قد وضع للدلالة على‏استيعاب تمام أفراد مدخولها لاتمام الباقي فيه، وأما القرينة فكذلك، لأن القرينةإنما قامت على أن العام لم يستعمل في معناه الموضوع له ولا قرينة اُخرى تدل على‏أنه استعمل في تمام الباقي، فإن دلالة العام على العموم إذا سقطت بالتخصيص‏فلامقتضى لدلالته على إرادة تمام الباقي، لفرض أن دلالته عليها إنما هي من جهةدلالته على العموم لامطلقاً، فالمقتضي وهو دلالته على العموم قد سقط على‏الفرض ولاظهور له بعد ذلك في إرادة تمام الباقي، لأن هذا الظهور بحاجة إلى‏سبب، والسبب فيه إما الوضع أو القرينة، وشي‏ء منهما غير موجود كما عرفت،نعم لوكانت دلالة الألفاظ على معانيها ذاتية أو عقلية لتمّ ما أفاده‏قدس سره، ولكن‏الأمر ليس كذلك(41).
ولنا تعليق على ما أفاده السيد الاُستاذقدس سره تبعاً للمحقق الخراساني‏قدس سره، وتعليق‏على ماذكره شيخنا الأنصاري‏قدس سره.
أما التعليق على الأول، فلأن ما ذكره‏قدس سره من أن دلالة الألفاظ على معانيهاليست بذاتية بل هي جعليّة، وإن كان صحيحاً في الجملة إلاّ أن ظهور العام في تمام‏الباقي بعد ورود التخصيص عليه لايحتاج إلى الوضع أو القرينة بل يكفي فيه‏ظهور العام في العموم من ناحية، وقرينيّة الخاص من ناحية اُخرى، لما مرّ أن‏معنى قرينيّة الخاص أنه يعيّن حدود العام سعةً وضيقاً في تمام الباقي بعد إخراج‏مقدار الخاص منه، وقد تقدم أنه لافرق في ذلك بين العام الاستغراقي والعام‏المجموعي.
أما في الأول، فلأنه يدل على ثبوت حكم لكل فرد من أفراد مدخوله بدلالةمستقلة وغير مربوطة بدلالته على ثبوت حكم آخر لفرد آخر وهكذا، وإذاسقط بعص هذه الدلالات فلاموجب لسقوط الباقي، هذا إضافة إلى أن مقتضى‏قرينيّة الخاص أن موضوع حكم العام تمام الباقي، وأما في الثاني، فلأن الدليل‏المخصّص بصفة كونه قرينة يعيّن موضوع العام في الأجزاء الباقية وأن الخاص‏ليس جزءاً له كما مرّ.
وأما التعليق على ما أفاده شيخنا الأنصاري‏قدس سره وتبعه فيه المحقق النائيني‏قدس سره‏فلأنه لافرق في المجاز بين المجاز في المقام والمجاز في سائر الموارد، لأن المجاز ثبوتاًيتوقف على وجود علاقة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، وإثباتاً يتوقف على‏وجود قرينة صارفة، فإذا توفّر الأمران صحّ استعمال اللفظ في المعنى المجازي،ومنشأ المجاز في المقام ليس هو المخصص المنفصل لأنه قرينة صارفة، وشأنه‏صرف اللفظ عن المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي، بل منشأوه في المقام هوالعلاقة بين الباقي وبين العموم والشمول الذي هو المعنى الحقيقي، وما في كلام‏المحقق النائيني‏قدس سره من أن منشأ المجاز في المقام هو خروج الخاص من العام لادخول الباقي فيه لايرجع إلى معنى محصل، لأن منشأ المجاز إنما هو العلاقة بين‏المعنى الحقيقي والمعنى المجازي بنحو من أنحاء العلائق كالعلاقة بين الكل والجزءوبين العام والخاص لا وجود المخصص المنفصل الدال على خروج الخاص من‏العام، كما أن القائل بالاجمال بعد التخصيص لايدعى أن منشأ المجاز هو بقاءالأفراد الباقية تحت العام، بل يدعى‏ أن المخصص إذا دل على خروج الخاص من‏العام، كشف من أن العام مستعمل في الباقي، وحيث إنه ذات مراتب متفاوته‏فلايعلم أنه مستعمل في تمام الباقي أو في سائر المراتب، فمن أجل ذلك يكون‏مجملاً، غاية الأمر قد يكون المجاز من قبيل استعمال اللفظ الموضوع للكل في‏الجزء أو للعام في الخاص، وقد يكون من قبيل استعمال اللفظ الموضوع لمعنى في‏معنى آخر مباين له، فعلى الأول يكون المعنى المجازي داخلاً في المعنى الحقيقي.
وعلى الثاني يكون مبايناً له كقولنا: »رأيت أسداً يرمي«، ومن الواضح أنه لاأثر لهذا الاختلاف، لوضوح أن صحة استعمال اللفظ في المعنى المجازي ترتبطبوجود العلاقة والمناسبة بين المعنى الحقيقي والمعنى المجازي، ولا أثر لاختلاف‏ألوان العلاقة.
فالنتيجة، إنه لافرق بين المجاز في المقام والمجاز في سائر الموارد إلاّ في لون‏العلاقة، فكما أن في سائر الموارد إذا تعدّد المعنى المجازي وتعذّر استعمال اللفظ في‏المعنى الحقيقي، فاستعماله في واحد معيّن من المعاني المجازيّة بحاجة إلى قرينةمعيّنة، فكذلك في المقام لأن المخصص المنفصل يكشف عن أن العام قد استعمل‏في الباقي مجازاً، وحيث إنه ذات مراتب متعددة، والمفروض أن استعماله في كل‏مرتبة من مراتبه مجاز ولافرق بين المراتب من هذه الناحية، فإذن يكون المقام‏من صغريات كبرى موارد تعدّد المعنى المجازي وتعذّر استعمال اللفظ في المعنى‏الحقيقي، وعليه فبطبيعة الحال يكون استعمال العام في أيّ مرتبة من مراتب الباقي‏بحاجة إلى قرينة معيّنة، فلذلك يكون العام بعد التخصيص مجملاً على هذا القول‏إذا لم تكن هناك قرينة معيّنة في البين، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إنا لو سلمنا أن التخصيص بالمنفصل يوجب كون العام‏مجازاً في الباقي فمع ذلك لايوجب إجماله، وذلك لما ذكرناه أنفاً من أن المخصص‏المنفصل بوصف كونه قرينة يحدّد المعنى المجازي في تمام الباقي ويعيّنه في ذلك،فإذن لا إجمال في البين.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي إن تقدم الخاص على العام إنماهو بوصف كون الخاص قرينة على العام عرفاً ومفسراً للمراد الجدّي النهائي‏منه، هذا من جانب ومن جانب آخر، أن الخاص بصفة قرينيّته يعيّن المرادالجدي النهائي منه في تمام الباقي، وإن قلنا فرضاً أن العام بعد التخصيص مجاز.
وأما الكلام في المسألة الثالثة، وهي ما إذا كان الشك في التخصيص ناشئاًمن الشبهة الموضوعية.
فيقع الكلام في جواز التمسك بالعام فيها وعدم جوازه، المعروف والمشهور بين‏الاُصوليين عدم جواز التمسك به فيها، وهذا هو الصحيح، فهنا مقامان:
الأول: في المخصّص المتصل.
الثاني: في المخصص المنفصل.
أما الكلام في المقام الأول، فتارة يكون المخصص المتصل من قبيل الوصف‏كقولنا: »أكرم كل عالم عادل«، واُخرى يكون من قبيل الاستثناء كقولنا:»أكرم كل الشعراء، إلاّ الفساق منهم«. وثالثة يكون جملة مستقلة متصلة بالعام‏مباشرة كقولنا: »أكرم الفقراء لاتكرم الفسّاق منهم«.
أما الأول، فقد تقدم أنه لاتخصيص فيه حتى يفرض الشك في فرد أنه مصداق‏للعام أو الخاص، ومن هنا إذا شكّ في عالم أنه عادل أو فاسق كان الشك في‏مصداق العام حقيقة لافي مصداقه ومصداق الخاص، وعلى كل تقدير فلا يجوزالتمسّك به لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة وسوف نشير إلى وجه عدم‏جوازه.
وأما الثاني، فقد تقدم أن هناك ظهورات ثلاثة:
الأول: ظهور العام في العموم بنفسه.
الثاني: ظهور الاستثناء في الاقتطاع والاخراج.
الثالث: ظهور المجموع في العام الخارج منه مقدار المستثنى، وهذا الظهور هوالظهور النهائي للكلام الكاشف عن المراد الجدّي وموضوع للحجيّة، وأماالظهوران الأولان فهما مندمجان فيه ومندكان، على أساس أن ظهور مفردات كل‏كلام مندك في ظهوره فلا استقلال له وما نحن فيه كذلك، لأن الظهورين الأولين‏لايكشفان عن المراد الجدّي حتى يكونا موضوعين للحجّية بل هما مندكان في‏الظهور الثالث للعام الكاشف عنه، وهو ظهوره في وجوب إكرام الشعراءالعدول، وعلى هذا فإذا شك في شاعر أنه عادل أو فاسق فلايمكن التمسك بالعام‏لاثبات وجوب إكرامه، لأن مفاد العام إثبات الحكم للشعراء على تقدير أن‏لايكونوا بفساق، وأما أن هذا التقدير ثابت أو لا؟ فالعام لايدل على ذلك‏ولانظر له إليه لا نفياً ولا إثباتاً. أو فقل: إن مفاد القضية الحقيقية جعل الحكم‏للموضوع المفروض وجوده في الخارج، وإما أنه موجود فيه بتمام قيوده أو لا؟
فالقضية لاتدل عليه، ومن هنا ترجع القضية الحقيقية إلى قضية شرطية مقدمهاوجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول.
وأما الثالث، فقد تقدم أن الأظهر أنه ملحق بالثاني من هذه الناحية، بمعنى أن‏لهيئة المجموع من العام والخاص المتعاقبين ظهوراً ثالثاً، والظهوران الأولان‏لمفرداته مندكان فيه، لأنه الظهور النهائي الكاشف عن المراد الجدي وموضوع‏للأثر والحجيّة، وهو ظهوره في وجوب إكرام الفقراء العدول في المثال، وحينئذٍفالعموم في المثال متمثل في وجوب إكرام كل فقير لايكون فاسقاً، وعلى هذا فإذاشك في فقير أنه عادل أو فاسق فلايمكن التمسك به لاثبات وجوب إكرامه، لأن‏مفاده وجوب إكرام الفقير إذا كان عادلاً، وأما أنه عادل أو ليس بعادل فلايدل‏على أنه عادل أو ليس بعادل، فالنتيجة أن الشك في مصداق المخصّص المتصل‏بتمام أقسامه بعينه هو الشك في مصداق العام نفسه، باعتبار أن المخصص المتصل‏يوجب تضييق دائرة ظهور العام ذاتاً لاحجية فحسب، فينعقد ظهور العام من‏الأول في العموم المنقطع منه مقدار الخاص، فإذا شك في فرد أنه واجد للقيدالمأخوذ في موضوعه المنقطع فيكون الشك في مصداق العام نفسه، فلايمكن‏التمسك به.
وأما الكلام في المقام الثاني، وهو ما إذا كان المخصّص للعام منفصلاً، فهل‏يجوز التمسك به في الشبهة المصداقية أو لا؟
والجواب، إن فيه أقوالاً:
الأول: الجواز مطلقاً.
الثاني: عدم الجواز كذلك.
الثالث: التفصيل بين ما إذا كان المخصص المنفصل لبّياً، وما إذا كان لفظياً، فعلى‏الأول يجوز دون الثاني.
أما القول الأول، فقد نسب إلى جماعة منهم صاحب العروةقدس سره، ويمكن تقريب‏هذا القول بما يلي: إن ظهور العام في الاستيعاب والعموم قد انعقد والمخصّص‏المنفصل لايكون مانعاً عن انعقاده، وإنما يمنع عن حجيّته بمقدار سعة مدلوله،بمعنى أنه لايكون حجّة في أفراد مدلوله، فإذا قال المولى: »أكرم كل عالم«،فالمقتضى وهو ظهور العام في العموم والاستيعاب لتمام أفراد مدخوله‏موجود، باعتبار أن المخصص المنفصل لاينثلم ظهوره فيه، وإنما ينثلم حجيّته‏بمقدار أفراده، فإذا قال: »لاتكرم العالم الفاسق«، فإنه إنما يمنع عن وجوب إكرام‏عالم أحرز أنه فاسق، وأما إذا لم يحرز ذلك، فلامانع من التمسك بعموم العام،لفرض أنه يشمل كل عالم سواءً كان فاسقاً أم عادلاً، غاية الأمر قد خرج عنه‏العالم الذي أحرز أنه فاسق، فالمشكوك فسقه مشمول لعموم العام، ولايكون‏الخاص مانعاً عن شموله، إذ لايمكن التمسك بالخاص في العالم المشكوك فسقه‏لعدم إحراز انطباقه عليه ومعه لايعقل التمسك به، فإذا لم يكن الخاص حجة في‏مورد الاجمال، فالعام حجة فيه هذا غاية ما يمكن أن يقال في تقريب هذا القول.
ولكنه غير تام، وذلك لأنه مبني على أن يكون موضوع العام يبقى على‏اطلاقه، والمخصص المنفصل لايوجب تقييده بغير عنوانه الواقعي، وهذا لايرجع‏إلى معنى محصّل، وذلك لأن موضوع العام، وهو العام في المثال لايمكن أن يبقى‏على اطلاقه بعد ورود المخصص عليه، وإلاّ لوقع التعارض بين العام والخاص في‏العالم الفاسق لأن مقتضى عموم العام وجوب إكرامه، ومقتضى الخاص حرمةإكرامه، وهذا خلف فرض كون الخاص قرينة على العام مبيّناً للمراد النهائي منه،وهو غير الخاص، وحينئذٍ فلابد من تقييد موضوعه بالعالم الذي لايكون فاسقاًلأنه بصفة كونه قرينة يحدّد موضوعه بذلك، ولايمكن أن يكون موضوع الخاص‏مقيداً بالعلم بالفسق، لأن أخذ العلم في موضوع الحكم وإن كان ممكناً إلاّ أنه‏بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه، لأن ظاهر لاتكرم العالم الفاسق هو أن المأخوذفي الموضوع الفسق الواقعي لأنه اسم له كما هو الحال في تمام الألفاظ، وعلى هذا،فإذا شك في عالم أنه فاسق أو عادل، فكما أن موضوع الخاص غير محرز فكذلك‏موضوع العام، فلهذا لايمكن التمسك بالعام لاثبات وجوب إكرامه ولا بالخاص‏لإثبات حرمة إكرامه، لما مرّ من أن الحكم في كل دليل سواءً أكان عاماً أو خاصاًمجعول بنحو القضية الحقيقية للموضوع المفروض وجوده في الخارج، وإما أنه‏موجود فيه حقيقة، فالدليل لايدل عليه.
وبكملة، إن موضوع العام في مقام الثبوت بعد ورود التخصيص عليه لايخلوإما أن يكون مطلقاً أو مقيداً بعدم عنوان الخاص لاستحالة الاهمال في مقام‏الثبوت.
أما الأول: فهو خلف فرض ورود التخصيص عليه، بداهة أنه لو بقى مطلقاًبعد التخصيص لزم أحد محذورين، إما كون التخصيص لغواً وجزافاً أو إجتماع‏الضدين أو النقيضين بلحاظ مرحلة المبادي، فإذن لامناص من الالتزام بالتقييدثبوتاً وإثباتاً، وأما نكتة عدم جواز التمسك بالعام، فهي أن مفاد الدليل سواءًأكان عاماً أو خاصاً هو ثبوت الحكم، وجعله للموضوع المقدّر وجوده في‏الخارج، فكل دليل يدل على ثبوت الحكم وجعله لموضوع المقدر وجوده في‏الخارج ولا نظر له في هذه المرحلة إلاّ إلى ثبوت الحكم فيها، وأما مرحلة فعليةهذا الحكم في الخارج أي فعلية فاعليته فإنما هي بفعلية موضوعه فيه، وهذه‏المرحلة لاترتبط بالحكم وليست من مراتبه، ضرورة أن الحكم أمر اعتباري‏فلايعقل وجوده في الخارج وإلاّ لكان خارجياً، ومن هنا لايدل الدليل على‏فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج ولا نظر له إلى أن موضوعه موجود في‏الخارج أو لا؟ لانفياً ولا إثباتاً، فلذلك لايمكن التمسك بالعام في الشبهةالمصداقية، باعتبار أنه يدل على وجوب إكرام العالم على تقدير عدم فسقه، وأماأن هذا التقدير ثابت أو لا؟ فالعام ساكت عنه.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن موارد التخصيص كمواردالموت، فكما أن موت الخاص لايوجب تعنون موضوع العام بعدمه فكذلك‏تخصيصه، فإنه لايوجب تعنون موضوع العام بعدمه لايرجع إلى معنى محصل،لأن الموت لايوجب تعنون موضوع العام بعدم مورده، على أساس أنه إعدام‏للموضوع وانتفاء الحكم بإنتفائه، بينما التخصيص لايوجب إلاّ تقييد الموضوع‏بقيد، لا انتفائه، وإلاّ فلا معنى للتخصيص ضرورة أنه لايؤدي إلى انتفاءالموضوع نهائياً بل إلى تخصّصه بحصة خاصة، فالموت يشبه صيرورة العالم‏جاهلاً، ولامعنى لتقييد موضوع العام كالعالم مثلاً بعدم موته أو بعدم صيرورته‏جاهلاً(42).
وبكلمة، إن انحصار الحكم الفعلي بحصة خاصة من الأفراد تارة من جهةانحصار موضوع الحكم في مرحلة الجعل بها كما إذا قال المولى‏: »أكرم كل الشعراءفي البلد«، وفرضنا أن الشعراء الفساق فيه قد ماتوا جميعاً ولم يبق في البلد إلاّالشعراء العدول، واُخرى يكون من تحديد موضوع الحكم في مرحلة الجعل‏تخصيصاً أو تقييداً بقيد جعلي، كما إذا قال المولى‏: »أكرم كل الشعراء«، ثم قال:»لاتكرم الفساق منهم«، فإنه يوجب تخصيص موضوع العام بالشاعر الذي‏لايكون فاسقاً، بينما موت الشعراء الفساق لايوجب تخصيص موضوع العام‏بحصة خاصة كالشعراء العدول وتعنونه بهذا العنوان في مرحلة الجعل، ضرورةأنه لايعقل أن تكون موت الشعراء الفساق في الخارج موجباً لتخصيص‏موضوع العام في مرحلة الجعل، لأن الموضوع في هذه المرحلة قد أخذ مفروض‏الوجود سواءً أكان موجوداً في الخارج أم لا؟ وانتفاء جميع أفراد الموضوع في‏الخارج لايؤثر في الجعل، فإنه ثابت طالما لم ينسخ، وعلى هذا فوجوب الاكرام‏في المثال مجعول للموضوع المقدّر وجوده في الخارج، وهو الشاعر بدون تقييده‏بقيد، وموت بعض أصنافه في الخارج كالشاعر الفاسق يستحيل أن يؤثر في‏موضوع الجعل ويجعله مقيداً بعدم هذا الصنف بعدما لم يكن كذلك في مرحلةالجعل، بداهة أن وجود أفراد الموضوع في الخارج أو انتفائها لايرتبط بمرحلةالجعل، لأن الحكم في هذه المرحلة مجعول للموضوع المقدّر وجوده ولايتوقف‏على وجوده في الخارج حتى يكون انتفائه فيه مؤثراً، وهذا بخلاف الدليل‏المخصص، فإنه يوجب تخصيص موضوع العام بعدم مورده في مرحلةالجعل، ويكشف عن أن موضوعه حصة خاصة من الأفراد في هذه المرحلة، إذلايعقل أن يبقى موضوع العام مطلقاً بعد ورود التخصيص عليه وإلاّ لزم أحدمحذورين اما اجتماع الضدين أو النقيضين أو كون التخصيص لغواً وجزافاًوكلاهما لايمكن، أو فقل أن التخصيص تضيق لدائرة الموضوع في مرحلةالجعل، والموت تضييق لدائرته في مرحلة الانطباق والفعلية، وبين الأمرين بون‏بعيد، فإذن كيف يمكن قياس الموت بالتخصيص.
فالنتيجة، إن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من أن موارد التخصيص كموارد موت‏الخاص من الغرائب جداً، بقي هنا شي‏ء وهو ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره، وحاصله:إن عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية مبني على تمامية أمرين:
الأول: إن ورود التخصيص على العام يوجب تعنون موضوع العام ثبوتاً بغيرعنوان الخاص.
الثاني: دلالة العام في مقام الاثبات على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده‏شريطة أن يكون معنوناً بعنوان موضوع العام، فإذا شك في فقيرانه عادل أوفاسق، لم يحرز انطباق عنوان موضوع العام عليه، لأنه مقيد بأن لايكون‏فاسقاً، وانطباقه على الفرد المشكوك غير محرز حتى يكون مشمولاً للعام هذا،ولكنه‏قدس سره قال إن الأمر الأول تامّ، وأما الأمر الثاني، فهو غير تام، لأن العام إنمايدل على ثبوت حكمه الفعلي لكل فرد من أفراد عنوان العام مهملاً من حيث‏كونه بذلك العنوان فقط أو من جهة دخل عنوان آخر فيه أيضاً، نعم عمومه‏للفرد الفاقد للقيد ينفي دخل ذلك‏القيد في موضوع الحكم، إلاّ أن هذا ليس بمعنى‏أن عمومه لكل فرد و شموله له إنما هومن جهة كونه مصداقاً للعنوان‏المأخوذ فيه‏لاغير، فعمومه لكل فرد لايقتضي إلاّ إثبات الحكم الفعلي فيه مهملاً من ناحيةماهو مناط ثبوت الحكم.
أو فقل إن العموم والاستيعاب الذي هو مفاد الأداة ينحل إلى ظهورات‏عديدة بعدد أفراده، فالظهور الجزئي في كل فرد مقتضى، وهو محرز في الفردالمشكوك وإنما يشك في وجود المانع عنه، وهو شمول المخصص له، والمفروض أنه‏لايشمل الفرد المشكوك، فإذن لامانع من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
ويمكن المناقشة فيه بأن ظهور العام في العموم والاستيعاب لتمام أفراد مدخوله‏وإن كان منعقداً، لأن‏المخصص المنفصل لايمنع عن انعقاد ظهور العام في العموم، وإنما يمنع عن حجيّته على‏أساس أنه يوجب تعنون موضوع‏العام بغيرموردالخاص، فإذ ورد في الدليل إكرام كل الفقراء، ثم ورد في دليل آخر لاتكرم‏الفساق منهم، فإن الخاص يوجب تقييد موضوع العام بالعالم الذي لايكون‏فاسقاً.
ونتيجة ذلك، هي أن الواجب إكرام ذلك العالم، وأما العالم الذي يكون فاسقاًفإكرامه محرم، وعليه فظهور العام في العموم وإن انحلّ إلى ظهورات عديدة بعددأفراد موضوعه وهو العالم، ولكن الظهور الجزئي لوجوب إكرام كل فرد من‏أفراده إنما يكون حجّة إذا انطبق عليه عنوان الموضوع، وأما إذا شك في هذاالانطباق من جهة الشك في أن هذا الفقير عادل أو فاسق، فلايحرز أنه حجةوعليه فلايمكن التمسك بعموم العام بالنسبة إليه بعدم إحراز انطباق موضوعه‏عليه، ومن الواضح أنه لايمكن ثبوت حكم العام له مع عدم إحراز الانطباق.
وإن شئت قلت: إن العام بعمومه وإن كان يشمل هذا الفقير المشكوك‏عدالته، إلاّ أنه لايكون حجة فيه لأن الحجة حصة خاصة من ظهوره، وهوظهوره في المراد الجدي النهائي، وعلى هذا فشمول العام بوصف كونه حجة للفردالمشكوك غير معلوم، لأنه إن كان عادلاً فهو حجة فيه، وإن كان فاسقاً فلا،والمقتضى حجية ظهوره لا أصله، وهو غير محرز في المقام، نعم ظهور العام في‏العموم وإن كان موجوداً، إلاّ أن الشك إنما هو في حجيته من جهة الشك في أن‏الفرد المشكوك داخل في موضوع العام أو لا؟ فلذلك لايمكن التمسك بالعام‏لإثبات وجوب إكرامه بالمطابقة، وإنه عادل بالالتزام، وعلى هذا فمردّ قولنا:»أكرم كل الفقراء« بعد ورود التخصيص عليه وإخراج الفساق منهم إلى قولنا:»أكرم كل الفقراء الذين لايكونوا بفساق«، فإذن بطبيعة الحال يدل العام على‏ثبوت حكمه لكل فرد من الفقراء إذا كان معنوناً بهذا العنوان، ولايدل على‏ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده مهملاً من حيث كونه منوطاً بهذا العنوان أوبدخل عنوان آخر فيه، فإن هذا الإحتمال وإن كان ممكناً ثبوتاً إلاّ أنه منفي في مقام‏الاثبات، لظهور الدليل في أن العنوان المأخوذ في لسانه هو الدخيل فيه، وما قيل‏من أن شمول عموم العام بنفسه للفرد المشكوك يدل على استيعاب الحكم له‏بالمطابقة، وعلى نفي انطباق العنوان المأخوذ في موضوع الخاص عليه بالالتزام،فإذا شك في فرد أنه عادل أو فاسق، فبما أنه شمول لعموم العام بنفسه، فيدل العام‏على وجوب إكرامه بالمطابقة، وعلى عدم خروجه عنه بالقيد المعلوم بالالتزام،مدفوع بأن شمول العام بوصف كونه حجة للفرد المشكوك غير معلوم، وأماعموم العام بلحاظ الارادة الاستعمالية فهو وإن كان شاملاً له، إلاّ أنه لاأثر له‏لأنه ليس موضوعاً للحجّية، وأما ماقيل من أن شمول العام بعمومه للفردالمشكوك يدل على عدم خروجه بأيّ عنوان مخرج وبالملازمة على عدم خروجه‏بالعنوان المعلوم، فهو مدفوع بأن شمول العام بعمومه كحجّة للفرد المشكوك غيرمعلوم.
والخلاصة، إنه لايمكن الأخذ بوجوب إكرام كل الفقراء وبنحو العموم، للقطع‏بالخلاف من جهة ورود التخصيص عليه، وأما وجوب إكرام الفقراء العدول فهوثابت، وإنما الكلام في وجوب إكرام الفرد المشكوك من جهة الشك في أنه داخل‏في موضوع العام أو لا؟ ولهذا لايمكن التمسك بالعام لإثبات وجوب إكرامه، وأماالتمسك به لإثبات أنه عادل، فهو أيضاً لايمكن، لأن العام غير ناظر إلى إثبات‏موضوعه في الخارج.
إلى هنا قد تبيّن أنه لايمكن التمسك بالعام لإثبات الوجوب الفعلي للفردالمشكوك في الخارج من باب أنه عادل واقعاً، لأن إثبات الموضوع ليس وظيفةالشارع بما هو شارع، بل وظيفته بيان الحكم الشرعي على الموضوع المقدّروجوده في الخارج، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى، إن التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة يكون بالمطابقةلإثبات الحكم الفعلي للفرد المشكوك وجوده في الخارج في مرتبة المجعول، وهي‏مرتبة فعليّة الحكم بفعلية موضوعه، وبالالتزام لإثباته في مرتبة الجعل، ومن‏الواضح أن الدليل العام غير ناظر إلى ذلك.
وهنا تقريب آخر لعدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وهو أن‏مدلول العام إنشاء الحكم وجعله بنحو القضية الحقيقية للموضوع المقدّر وجوده‏في الخارج، وأما المجعول وهو الحكم الفعلي، فلايكون مدلولاً للعام، لأن فعليّةالحكم أي فعلية فاعليّته إنما هي بفعلية موضوعه في الخارج، ولاترتبط بمدلول‏العام، لأن مدلوله جعل الحكم للموضوع المقدر وجوده فيه، فإذا وجد فرد في‏الخارج، انطبق عليه عنوان الموضوع صار الحكم فعلياً، ومن الواضح أن العام‏لايدل على أنه فعلي بوجود موضوعه في الخارج، لأنه غير ناظر إليه كما هوالحال في جميع الأحكام الشرعية المجعولة بنحو القضايا الحقيقية للموضوعات‏المقدرة وجوداتها في الخارج من دون نظر إلى أنها موجودة فيه أو لا؟
ومن هنا قلنا: إن للأحكام الشرعية مرتبة واحدة، وهي مرتبة الجعل، وأمامرتبة المجعول فهي ليست من مراتب الحكم، لأنها عبارة عن فعلية فاعليةالحكم بفعليّة موضوعه في الخارج، وهي ليست بيد المولى‏ بما هو مولى، وأماالحكم نفسه فله مرتبة واحدة وهي مرتبة الجعل، فإنه يوجد بالجعل والاعتبارفي هذه المرتبة، ولا يعقل وجوده في الخارج بوجود موضوعه فيه، وإلاّ لكان‏خارجياً، وهذا خلف فرض أنه أمر اعتباري لا وجود له إلاّ في عالم الاعتباروالذهن، وعلى الجملة فتمام القضايا الشرعية دورها دور الكشف عن جعل‏الحكم بنحو القضية الحقيقية للموضوع المقدّر وجوده في الخارج وحدوده سعةًوضيقاً، ولا مساس لها بعالم المجعول، وهو عالم فعلية الحكم بفعلية موضوعه في‏الخارج، وعلى هذا فلايمكن التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لأن معناه دلالةالعام على ثبوت الحكم الفعلي أي المجعول للفرد الموجود في الخارج، والمفروض‏أن العام لايدلّ على ذلك، لأن الحكم الفعلي خارج عن مدلوله ولايرتبط به،وإنما هو بفعلية موضوعه فيه كما مرّ، وهل يمكن التمسك بالعام لإثبات سعة الجعل‏بحيث يشمل الفقير المشكوك عدالته.
والجواب: إنه لايمكن، لأن جعل الحكم يكون بنحو القضيّة الحقيقيةللموضوع المقدّر وجوده في الخارج المقيّد بقيد، وحينئذٍ فإن وجد فرد في الخارج‏واجداً للقيد كالفقير العادل انطبق عليه الموضوع، وتحقق حكمه، وأما إذا وجدفرد في الخارج وشك في أنه واجد للقيد أو لا؟ كالفقير إذا شك في أنه عادل أوفاسق، فلايحرز انطباق الموضوع عليه، وهو الفقير العادل في المثال ومعه يشك‏في وجوب إكرامه، ولايمكن التمسك بالعام لإثباته، لأنه إن اُريد به نفي اعتبار هذاالقيد في وجوب إكرامه، ففيه أنه خلف الفرض، وإن اُريد به أن العام يدل على‏وجوب إكرامه بالمطابقة وعلى وجود هذا القيد فيه بالالتزام، ففيه أن دلالة العام‏على أصل وجوب إكرامه التي هي الدلالة المطابقيّة غير معلومة فضلاً عن‏الدلالة الالتزامية التي هي لازمة لها هذا.
وهنا كلام من المحقق العراقي‏قدس سره، وحاصله: إن المخصص المنفصل لايوجب‏تعنون موضوع العام بعدم عنوان المخصّص، وقد أفاد في وجه ذلك:
أولاً: إن حال المخصّص المنفصل كحال الموت فكما أن موت بعض أصناف‏أفراد العام لايوجب تعنون موضوع العام بغير مورده، فكذلك تخصيصه ببعض‏أصناف أفراده، فإنه لايوجب تعنون موضوع العام بغير مورده(43).
ولكن قد تقدّم أن هذا القياس مع الفارق بل من غرائب ما صدر منه‏قدس سره،لوضوح أن موت بعض مصاديق العام في مرحلة الانطباق والخارج لايؤثّر على‏الجعل الذي يكون موضوعه مقدّر الوجود فيه، ضرورة أن مرحلة الانطباق‏لاتؤثر على الحكم في مرحلة الجعل، كيف فإنها تتبع مرحلة الجعل في السعة والضّيق، ومن هنا لاتؤثر إعدام جميع أفراد العام في مرحلة التطبيق على الحكم في‏مرحلةالجعل، لأنه لايتوقف على وجودموضوعه في‏الخارج كماتقدّم ذلك‏مفصلاً.
وثانياً: إن المخصّص يوجب تخصيص الحكم وتضييق دائرته، فإذا قال‏المولى: »أكرم كل الفقراء«، ثم قال: »لاتكرم الفساق منهم«، فإنه يوجب‏تخصيص وجوب الاكرام وتضييقه، وتضييق الحكم لايوجب تضييق‏الموضوع، لأن الحكم متأخر رتبةً عن الموضوع، فلايعقل أن يؤثر في تحديده أوفقل: إن الحكم حيث إنه متأخّر عن موضوعه، فتقييده لايمكن أن يوجب تقييدموضوعه وإلاّ لزم تأثير المتأخّر في المتقدّم، وإن قيل أن الموضوع من الأول كان‏مقيّداً، وفي المرتبة السابقة بقطع النظر عن المخصّص، قلنا إنه بلا مبرر وسبب كماهو ظاهر.
ولكن هذا الاشكال أيضاً لايرجع إلى معنى محصّل، وذلك لأن ورودالتخصيص على العام، وإن كان يوجب تضييق حكمه مباشرة إلاّ أنه يكشف عن‏تعنون موضوع العام بعدم إفراد المخصص أيضاً، لأن الأمر يدور بين الاطلاق‏والتقييد لاستحالة الاهمال ثبوتاً في الواقع، والأول غير معقول، لأنه خلف‏فرض ثبوت التخصيص، ضرورة أن تخصيص وجوب الاكرام بالفقير العادل‏يكشف عن أن وجود الملاك في إكرامه فحسب، إذ لوكان الملاك في إكرام الفقيرمطلقاً، فلاموجب لتخصيص الوجوب بإكرام حصة خاصة، وهي الفقيرالعادل، وعليه فبطبيعة الحال يكشف التخصيص عن تحصّص موضوع العام‏وتعنونه بغير موارد الخاص، إذ لايعقل الاطلاق، ضرورة أن معناه أن ملاك‏الوجوب ثابت في إكرام الفقير مطلقاً ومعه لامعنى لتخصيص الوجوب‏وتضييقه.
فالنتيجة، إن المخصص كما يوجب تضييق الحكم كذلك يكشف عن تضييق‏الموضوع أيضاً، إذ لايعقل أن يكون الحكم مضيقاً وموضوعه مطلقاً أو مهملاً،لأن الثاني غير معقول ثبوتاً، والأول خلف فرض تضييق الحكم، فإنه يكشف‏عن أن ملاكه إنما هو في إكرام الفقراء العدول لامطلقاً، أو فقل: إن الدليل‏المخصّص بنفسه يدل على تقييد موضوع العام بعدم عنوان المخصص، إذ لايعقل‏أن يكون الحكم مقيّداً وموضوعه مطلقاً بعد استحالة الاهمال ثبوتاً، بداهة أن‏تقييد الحكم لايمكن إلاّ بتقييد موضوعه.
فالنتيجة، إن الدليل المخصص يدل على تخصيص الحكم بالمطابقة، وعلى‏تخصيص الموضوع بالالتزام، ولايمكن التفكيك بينهما، فما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره‏من أن الدليل المخصص يوجب تخصيص الحكم دون الموضوع من الغرائب جداً.
ثم إن السيد الاُستاذقدس سره قد ذكر أن نسبة القول بجواز التمسك بالعام في الشبهةالمصداقية إلى السيد صاحب العروةقدس سره مبنيّة على الحدس والاجتهاد من بعض‏الفروع التي ذكرهاقدس سره في العروة، منها قوله: إذا علم كون الدم أقلّ من الدرهم،وشك في أنه من المستثنيات أم لا، يبنى على العفو، وأما إذا شك في أنه بقدرالدرهم أو أقل، فالأحوط عدم العفو، وقد توهّم من ذلك أن بنائه‏قدس سره على العفوفي الصورة الاُولى‏ ليس إلاّ من ناحية التمسك بأصالة العموم في الشبهات‏المصداقية، وكذلك بنائه على عدم العفو في الصورة الثانية، فإنه ليس إلاّ من هذه‏الناحية(44).
بيان ذلك: إن هنا طائفتين من الروايات:
الاُولى‏: الروايات التي تنصّ على أن الدم في ثوب المصلي أو بدنه مانع عن‏الصلاة، وقد استثنى من ذلك ما إذا كان الدم أقلّ من الدرهم، فإنه لايكون مانعاًعنها(45).
الثانية: مادل على أن عدم مانعيّة الدم إذا كان أقلّ من الدرهم إنما هو فيما إذا لم‏يكن من الدماء الثلاثة، وإلاّ فهو مانع(46)، وعلى هذا فتارة يشك في دم أنه أقلّ‏من الدرهم أو أكثر، واُخرى‏ يشك في أن هذا الدم الذي هو أقلّ من الدرهم هل‏هو من الدماء الثلاثة أو لا؟ والشبهة في كلا الموردين شبهة موضوعية، وعلى هذافحكمه‏قدس سره بالعفو في الفرع الأول مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة،وكذلك حكمه‏قدس سره بعدم العفو في الفرع الثاني، فإنه أيضاً مبني على ذلك هذا، وفيه‏أنه لاقرينة في كلامه على أن حكمه بعدم العفو في الفرع الأول، والعفو في الفرع‏الثاني مبني على التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، وذلك لاحتمال أن يكون‏الحكم بعدم العفو في الفرع الأول مبنياً على جريان الاستصحاب في الاعدام‏الأزليّة.
بتقريب، إنه في زمان لم يكن الدم موجوداً ولااتصافه بالأقل ثم وجد الدم،ويشك في اتّصافه بالأقل، ولا مانع من استصحاب عدم اتّصافه به، وبه يحرزموضوع عدم العفو والمانعيّة لأنه مركب من أمرين:
أحدهما: الدم، والآخر أن لايكون أقلّ من الدرهم، والأول محرز بالوجدان،والثاني بالاستصحاب، هذا إضافة إلى أنه‏قدس سره احتاط في هذا الفرع، ولعله مبني‏على قاعدة الاشتغال في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين.
وأما في الفرع الثاني، فيحتمل أيضاً أن يكون حكمه بالعفو مبنياً على جريان‏الاستصحاب في الاعدام الأزليّة.
بتقريب، إنه في زمان لم يكن دم أقل من الدرهم ولا اتصافه بأحد الدماءالثلاثة ثم وجد دم أقل من الدرهم في الخارج، وشك في أنه من أحد الدماء الثلاثةأو لا؟ فلا مانع من استصحاب عدم كونه من أحدها، وبه يثبت أن هذا دم أقل‏من الدرهم، ولم يكن من أحد الدماء الثلاثة، والأول محرز بالوجدان، والثاني‏بالاستصحاب، وبضمّ الاستصحاب إلى الوجدان يتحقق موضوع العام المركّب‏منهما، ويترتب عليه العفو وعدم المانعيّة، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم عدم‏جريان الاستصحاب في الاعدام الأزليّة، أو أنه‏قدس سره لايرى‏ جريان الاستصحاب‏فيها، فمن المحتمل أن يكون العفو مبنياً على الأصل الحكمي، وهو أصالة البراءةعن مانعيّة هذا الدم، وكيف كان فلايكون في كلامه شاهد على أنه من القائلين‏بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة.
ومن جميع ما قدمناه في تفنيد القول بجواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيةيظهر أن الصحيح في المسألة القول الثاني، وهو القول بعدم جواز التمسك فيها.
وأما القول الثالث، وهو القول بالتفصيل بين ما إذا كان المخصص لبّياً، وما إذاكان لفظياً، فعلى الأول يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، وعلى الثاني‏لايجوز، وقد اختار هذا التفصيل شيخنا الأنصاري(47)، والمحقق‏الأصبهاني(0(48.
وقد استدل على هذا التفصيل بوجهين:
الأول: إن مردّ المخصص اللبّي إلى القطع بالخروج عن العام سواءً أكان منشأالقطع الاجماع أم العقل أم القرائن الحالية، فإذا قال المولى‏ لعبده: »أكرم كل‏جيراني«، فإنه يدل على وجوب إكرام جميع جيرانه سواءً أكان عالماً أم جاهلاًعادلاً أم فاسقاً عدواً له أم لا؟، ولكن علم عبده من الخارج أنه لايريد إكرام من‏كان عدوّاً له، وحصل له القطع بذلك، وعلى هذا فإنه إذا قطع بأن زيداً الذي هومن جيرانه عدوه كان معذوراً في ترك إكرامه، لأن حجيّة القطع ذاتية، وأما إذاشك في فرد أنه عدوّه أو لا؟ فلايكون معذوراً في ترك إكرامه، لأن ماهوالمخصص له القطع واليقين، ومن المعلوم أنه مختص بالفرد المتيّقن والمقطوع‏خروجه عن العام، وأما الفرد المشكوك فحيث إنه فاقد لليقين والقطع، فيعلم‏بعدم خروجه من العام وعدم شمول المخصص له، ولهذا فإذا شك فيه فلا مانع من‏التمسك بالعام فيه رغم أن الشبهة مصداقيّة.
وبكلمة اُخرى‏، إن المخصّص إذا كان لفظياً كان الملقى‏ إلى المخاطب من قبل‏المولى حجّتين:
الاُولى‏: متمثلة في العام كما إذا ورد من المولى‏: »أكرم كل فقير«.
الثانية: متمثلة في الخاص كما إذا قال: »لاتكرم الفقير الفاسق«.
والخاص بصفة كونه قرينة ومفسراً للمراد الجدي النهائي من العام، فلا محالةيكشف عن تقييد موضوع العام وتعنونه بعدم عنوان الخاص، وعلى هذا فموضوع‏العام في الواقع الفقير الذي لايكون فاسقاً، وموضوع الخاص الفقير الفاسق،وعليه فإذا شككنا في فقير أنه فاسق أو عادل، فكما الخاص لايكون حجّةبإعتبار أن كونه من أفراده غير معلوم، فكذلك العام لايكون حجة بنفس الملاك،فإذن كما لايمكن التمسّك بالخاص لإثبات حكمه له، لتوقّفه على إثبات أنه من‏أفراده، والخاص لايدل عليه كذلك، لايمكن التمسّك بالعام أيضاً بنفس الملاك‏على تفصيل تقدّم.
وأما إذا كان المخصص لبّياً، فيكون الملقي إلى المخاطب من قبل المولى‏ حجّةواحدة، وهي عموم العام، فإنه حجة طالما لم يقطع بالخلاف، لما عرفت من أن‏المخصص اللبّي متمثل في القطع واليقين، ولاقطع ولايقين في موارد الشك، فإذن‏لامانع من التمسك بالعام في هذه الموارد.
وغير خفي، إن هذا الوجه وإن كانت له صورة ظاهرة إلاّ أنه لاواقع موضوعي‏له عند التحليل، لأن موضوع العام لايعقل أن يبقى على عمومه بعد ورودالتخصيص عليه وإن كان المخصص لبياً، وإلاّ فمعناه أنه لم يرد عليه تخصيص،ضرورة أن العام لو ظل باقياً كما كان فمعناه أن المخصص وجوده كالعدم، وعلى‏هذا فموضوع العام في المثال عند ورود المخصص اللبّي عليه لايخلو من أن يكون‏مقيّداً بعدم العلم بالعداوة، وأن الخارج عن موضوعه المعلوم عداوته للمولى‏ أويكون مقيداً بعدم العداوة في الواقع، وإن الخارج عنه العدو الواقعي ولا ثالث في‏البين، وحينئذٍ فإن أراد القائل بهذا القول الفرض الأول. فيرد عليه أولاً: إن‏العلم بالموضوع طريق إليه لا أنه جزؤه، لأن الموضوع العدو الواقعي لاالعدوالمعلوم، فأخذه جزء الموضوع بحاجة إلى قرينة، ولا قرينة على ذلك. وثانياً: مع‏الاغماض عن ذلك وتسليم أن العلم مأخوذ بنحو الموضوعيّة لا الطريقيّة، ولكن‏على هذا فالتمسّك بالعام في موارد الشك في كون زيد مثلاً عدواً له، ليس من‏التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بل هو من التمسك به في الشبهة الحكمية، لأن‏الخارج من العام هو العدو المعلوم والمتيقن، وأما العدو المشكوك فهو من أفرادالعام، باعتبار أن أفراد العام حينئذٍ تصنّف إلى ثلاثة أصناف:
الأول: الأفراد المعلومة عدم عداوتهم للمولى‏.
الثاني: الأفراد المشكوكة عداوتهم له.
الثالث: الأفراد المعلومة عداوتهم له، والخارج من عموم العام الصنف‏الثالث. وأما الصنفان الأولان فهما باقيان تحت العام.
وإن أراد القائل به الصنف الثاني، فيرد عليه إنه لافرق حينئذٍ بين المخصص‏اللبّي والمخصص اللفظي، لأن موضوع العام في المثال إذا كان مقيّداً بعدم العدوالواقعي، فإذا شك في فردٍ أنه عدو للمولى واقعاً أو لا؟ فلايمكن التمسك بالعام‏لإثبات وجوب إكرامه، لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّة، أو فقل: إن‏موضوعه الجار الذي لايكون عدواً له واقعاً، فإذا شك في جار أنه عدو له أو لا؟فلايجوز التمسك بالعام، والحكم بوجوب إكرامه، لأنه من التمسك به في الشبهةالموضوعية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبيّاً، فإنه على كلاالتقديرين يوجب تعنون العام بعدم عنوان المخصص، ولايعقل أن يبقى موضوعه‏مطلقاً كقبل التخصيص وإن كان المخصص لبيّاً.
الثاني: ما ذكره المحقق الأصبهاني‏قدس سره وتقريبه: إن المخصص إذا كان لفظياً، فإنه‏كما يدل على منافاة عنوان الخاص لحكم العام، كذلك يدل على وجود المنافي بين‏أفراد العام، وأما إذا كان لبّياً كالقطع واليقين، فهو يدل على منافات عنوان‏الخاص لحكم العام ولايدل على وجود المنافي بين أفراد العام، مثلاً إذا ورد عام‏كقولنا: »أكرم كل الشعراء«، فإنه يدل على وجوب إكرام كل فرد من أفرادالشعراء بأي عنوان ووصف كان كوصف العدالة أو الفسق أو العلم أو الجهل أوغير ذلك، فإن وجوب الاكرام كما أنه ثابت للشاعر العادل والعالم كذلك، ثابت‏للشاعر الفاسق والجاهل، وهذا معنى دلالة العام على عدم المنافاة لحكم العام،ويكشف ذلك عن عدم وجود المنافي في أفراده بمعنى عدم تعنون موضوع العام‏بعدم عنوان الخاص، ثم إذا ورد خاص كقولنا: »لاتكرم الفساق منهم«، فإنه‏يدل على منافاة عنوان الخاص لحكم العام، ويكشف لا محالة عن وجود المنافي‏بين أفراد العام بمعنى أن أفراد الخاص منافية لأفراد العام، على أساس أن أفرادالعام بعد التخصيص تعنونت بغير عنوان الخاص، فلايمكن اجتماعهما في موردوصدقهما على فرد واحد، وأما المخصص اللبّي، فليس له هذا الشأن، فإنه يدل‏على منافاة عنوان الخاص كالقطع واليقين لحكم العام، ولايدل على وجود المنافي‏بين أفراده، لأنه لاواقع له ماعدا وجوده في عالم الذهن، ولهذا لايوجب تعنون‏العام بعدم عنوان الخاص، لأنه مزاحم لحكم العام بدون أن يوجب تقييدموضوعه بقيد في الواقع.
وعلى ضوء ذلك، فإن كان المخصص لفظياً كالمخصص المذكور، فإنه كمايكشف عن منافاة عنوان الخاص لحكم العام كذلك يكشف عن وجود المنافي‏بين أفراده، باعتبار أن الخاص إذا كان لفظياً، فإنه بحكم قرينيّته على العام‏ومفسريّته للمراد الجدي النهائي منه مقيّد لموضوعه بعدم عنوانه الخاص، وعليه‏فيكون موضوع العام في المثال المتقدم الشاعر الذي لايكون فاسقاً، وحينئذٍ فإذاشك في شاعر أنه فاسق أو عادل، فبطبيعة الحال كان يشك في انطباق موضوع‏العام عليه، وعدم انطباقه كما هو الحال بالاضافة إلى الخاص، فإن نسبة هذاالفرد المشكوك إلى كل من العام والخاص بما هو حجة نسبة واحدة، فلافرق‏بينهما من هذه الناحية، لأن الصغرى في كليهما غير محرزة وبدون إحرازهافلايمكن التمسك بالكبرى‏، فإذن يكون المرجع في المسألة الأصل اللفظي إن كان‏وإلاّ فالأصل العملي.
وأما إذا كان المخصص لبّياً، فحيث إنه لايكشف عن وجود المنافي بين أفرادالعام فلايوجب سقوط دلالة العام إلاّ بمقدار المزاحمة، وهو ما إذا قطع بفسق‏الشاعر، فإنه حينئذٍ يكون قاطعاً بأن المولى‏ لايريد وجوب إكرامه، وأما إذا شك‏في فسقه، فلايكون مزاحماً لدلالة العام، لفرض عدم وجود المخصص اللبّي له‏حينئذٍ حتى يكون مزاحماً له، فلذلك لامانع من التمسك بالعام لإثبات وجوب‏إكرام الشاعر المشكوك فسقه لوشك في وجوب إكرامه بسبب أو آخر.
وإن شئت قلت: إن المخصص إذا كان لفظياً، فإنه كما يدل على منافاة عنوان‏الخاص لحكم العام، كذلك يدل على وجود المنافي بين أفراده وهو وجود الفاسق‏أو العدوّ، والعام كما يدل على عدم المنافاة كذلك يدل على عدم وجود المنافي بين‏أفراده، وبمقتضى تحكيم الخاص على العام بملاك قرينيّته ومفسّريته للمرادالجدي النهائي منه تسقط دلالته على عدم المنافاة كما تسقط دلالته على عدم‏وجود المنافي بين أفراده، ويوجب تقييد موضوعه بعدم عنوان الخاص في‏الواقع، وعليه فإذا شك في فرد أنه واجد لهذا القيد أو لا؟ فالموضوع غير محرزفلايمكن تطبيق العام عليه، لأن تطبيق الكبرى‏ على الصغرى‏ منوط بإحرازالصغرى‏، وإلاّ فلايعقل هذا التطبيق، ولهذا لايمكن التمسك بالعام في الشبهةالمصداقية، وأما إذا كان المخصّص لبيّاً ومتمثلاً في القطع واليقين بأن المولى‏ لايريدإكرام الشاعر الفاسق أو الجار العدو، فهو يدل على منافاة عنوان الخاص لحكم‏العام، وهو القطع بفسقه أو عداوته، ولايدل على أن وجود الفاسق أو العدوّ في‏أفراد العام في الواقع مانع عن فعليّة حكمه، لأن مفاده أن القطع بالفسق أوالعداوة مانع لاوجوده الواقعي، وعليه فتسقط دلالة العام على عدم المنافاة، على‏أساس أن دلالة المخصص اللبّي على منافاة القطع بالفسق أو العداوة لحكم العام‏تتقدّم عليها تطبيقاً لتقديم القرينة على ذيّها، ولاتسقط دلالة العام على عدم‏وجود المنافي بين أفراده واقعاً، حيث إنه لايزاحم العام في هذه الدلالة، فلهذايجوز التمسك به في موارد الشك في فسق الشاعر أو عداوة الجار، هذا غايةمايمكن أن يقال في وجه هذا التفصيل(49).
والجواب: إنه غير تام لأنه مبني على نقطة خاطئة، وهي منافاة القطع واليقين‏بفسق الشاعر أو عداوة الجار لحكم العام بدون الدلالة على أن الفسق أو العداوةبوجوده الواقعي مانع.
ونتيجة ذلك، إن المخصص هو القطع واليقين دون متعلّقه، فلذلك يدل على‏المنافاة لحكم العام، ولايدل على وجود المنافي بين أفراده، وأما خطأ هذه النقطةفهو من جهتين:
الجهة الاُولى‏: إن القطع بما هو لايكون تمام المخصص ولا جزؤه بل هو طريق‏إلى ما هو مخصص ومناف للعام في الواقع وهو اتصاف الشاعر بالفسق أو الجاربالعدو، غاية الأمر أن الكاشف عنه قد يكون دليلاً لفظياً كقولنا: »لاتكرم‏الفساق من الشعراء«، وقد يكون دليلاً لبّياً كالاجماع أو حكم العقل أو القرائن‏الحالية، وعلى هذا فلاتنفكّ الدلالة على منافاة عنوان الخاص لحكم العام عن‏الدلالة على وجود المنافي في‏أفرادالعام، فإذا علم من‏الاجماع أودليل العقل‏أوالقرائن الحاليّة أن فسق الشاعر مناف لحكم العام ومانع عنه، كان يعلم بأن‏موضوع العام قد قيّد بعدم فسقه في الواقع، لوضوح أن دلالة المخصص اللبّي على‏منافاة عنوان الفسق لحكم العام لاتنفكّ عن دلالته على أن وجوده في الواقع مانع‏وعدمه قيد لموضوع العام.
والخلاصة، إن القطع واليقين طريق إلى ماهو المخصص في الواقع وكاشف‏عنه، لا أنه جزء المخصص، باعتبار أن الدليل اللبّي في الواقع كالاجماع أو نحوه‏سبب للقطع بالمخصص واليقين، به وعليه فمقتضى الدليل اللبّي أيّاً كان هو أن‏المانع والمنافي الفسق بوجوده الواقعي لا العلمي.
الجهة الثانية: مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن المخصص اللبّي متمثل في نفس‏القطع واليقين الذي لا واقع موضوعي له إلاّ في اُفق الذهن، ولكن لازم ذلك تقييدموضوع العام بالقطع واليقين بالفسق أو العدو لابعدم وجود الفسق أو العدو في‏الواقع، وعندئذٍ فالمزاحم لحكم العام إنما هو اليقين والقطع به في اُفق الذهن‏لاوجود الفسق أو العدو في الواقع، وعلى هذا ففي صورة الشك في فسق الشاعرفي المثال لامزاحم لحكم العام، فإذا شك في تخصيص العام في هذه الصورة بسبب‏أو آخر، كان التمسك به لإثبات حكم العام فيها من التمسك بالعام في الشبهةالحكميّة لاالموضوعية، باعتبار أن الفرد المشكوك فيه على هذا يكون من أفرادالعام حقيقة، فإذا شك في خروجه من العام حكماً لسبب من الأسباب، فيتمسك‏بعمومه لإثبات أنه غير خارج عنه.
وإن شئت قلت: إن المخصص إذا كان متمثلاً في القطع واليقين، فلايتصور فيه‏الشك، لأن الشك لايتصور في القضايا الوجدانية، وعلى هذا فإن حصل اليقين‏والقطع بخروج فرد أو صنف من العام فهو، وإلاّ فإنه داخل فيه، فإذن لايكون‏الشك في خروجه عن العام إلاّ بسبب آخر، إذ لايتصور الشك في موضوع العام‏لأنه مقيّد بعدم اليقين بفسق الشاعر، وحينئذٍ فإن حصل اليقين به فهو خارج عن‏موضوع العام، وإن لم يحصل اليقين به فهو داخل في موضوعه، وهذا معنى عدم‏تصور الشك في موضوع العام، بإعتبار أنه مقيّد بأمر وجداني، ولو حصل الشك‏في خروجه فلا محالة يكون بسبب آخر.
فالنتيجة، إن ما أفاده المحقق الأصبهاني‏قدس سره من التفصيل بين ما إذا كان‏المخصص لفظياً وما إذا كان لبّياً، فعلى الأول لايجوز التمسك بالعام في الشبهةالمصداقية، وعلى الثاني يجوز، لايمكن المساعدة عليه لما تقدم من أن التمسك‏بالعام في الشبهة المصداقية غير جائز مطلقاً أي بلافرق بين كون المخصص لفظياًأو لبّياً.
وهنا تفصيل آخر قد اختاره المحقق النائيني‏قدس سره وقد أفاد في وجه ذلك مايلي:
إن المخصص في مقام الاثبات على أنواع:
الأول: مايوجب تقييد موضوع العام وتضييق دائرته به كتقييد الرجل في‏قوله‏عليه السلام: »فانظروا إلى رجل قد روى‏ حديثنا، ونظر في حلالنا وحرامنا«(50)بالعدالة من جهة الاجماع، وعليه فموضوع العام الرجل العادل، ومن الواضح أن‏حال هذا القسم من المخصص اللبي حال المخصص اللفظي، فإذا شك في عدالةالرجل المذكور، كان الشك في تحقق موضوع العام ومعه لايمكن التمسك به، لأنه‏من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ولا فرق في ذلك بين أن يكون المخصص‏اللبّي من قبيل القرينة المتصلة كما إذا كان متمثلاً في الحكم العقلي الضروري، فإنه‏يكون مانعاً عن انعقاد ظهور الكلام إلاّ في الخاص، أو من قبيل القرينة المنفصلةكالاجماع أو الحكم العقلي النظري، فإنه على كلا التقديرين لايجوز التمسك‏بالعام.
أما في الفرض الأول، فلاينعقد ظهور للعام في العموم حتى يتمسك به،فالسالبة تكون بانتفاء الموضوع، حيث إن الظهور من الأول كان ينعقد في‏الخاص.
وأما في الفرض الثاني، فظهوره في العموم وإن انعقد، إلاّ أن موضوعه مقيّدبقيد وجودي أو عدمي، فإذا شك فيه، كان الشك في الموضوع ومعه لايمكن‏التمسك بالعام لإثبات حكمه له كما تقدّم.
الثاني: مايكون كاشفاً عن ملاك الحكم وعلتّه بدون أن يوجب ذلك تقييدموضوع الحكم به، على أساس أنه لايمكن تقييد موضوع الحكم بما هو ملاكه،فإنه في المرتبة السابقة على الموضوع فلايمكن أن يكون قيداً له، وعلى هذا فإن‏كان المخصص اللبّي من هذا القبيل، فلا إشكال في جواز التمسك بالعام في مواردالشك في تحققه، على أساس أن الكاشف عن ثبوت الملاك إنما هو ثبوت الحكم،فإذا شك في وجود ملاك في فرد، فلامانع من التمسك بالعام لإثبات الملاك فيه‏بإثبات حكمه، بإعتبار أنه بمقتضى عموم العام محكوم بحكمه، فإذا كان محكوماًبحكمه، كان ذلك كاشفاً عن ثبوت الملاك فيه ورافعاً للشك من هذه الناحية كماأنه إذا علم بعدم الملاك في فرد، كان ذلك الفرد خارجاً عن العام من باب‏التخصص وسكوت المولى عنه إما من جهة وجود مصلحة فيه أو مفسدة في بيانه‏أو من جهة الجهل بعدم الملاك فيه كما ربّما يتفق ذلك من الموالي العرفية.
والخلاصة، إن المخصص اللبّي الكاشف عن ملاك الحكم وعلّته سواءً أكان‏حكماً عقلياً ضرورياً أو نظرياً أو إجماعاً لايوجب تقييد الموضوع في طرف‏العام، فإن ملاك الحكم لايمكن أن يكون قيداً لموضوعه باعتبار أنه في المرتبةالسابقة من جهة، وإن احراز اشتمال الأفراد على الملاك إنما هو وظيفة المولى‏،من جهة اُخرى‏، حيث إنه لاطريق لنا إليه إلاّ من طريق إثبات الحكم، وعلى هذافإذا صدر عام من المولى‏، كان عمومه كاشفاً عن اشتمال تمام أفراد مدخوله على‏الملاك، وحينئذٍ فإذا شك في فرد أنه واجد للملاك أو لا؟ فلا مانع من التمسك‏بالعام لإثبات حكمه له وبه يكشف إناً عن اشتماله على الملاك.
الثالث: متمثل فيما لايكشف عن شي‏ء من الأمرين المذكورين، بمعنى أنه غيرظاهر لا في كشفه عن تقييد موضوع الحكم العام ولا عن ملاكه فيدور أمره‏بينهما، فإذا كان حال المخصص اللبّي كذلك، فهل يمكن التمسك بالعام حينئذٍ في‏موارد الشك في الموضوع أو لا؟
والجواب: إنه لابد فيه من التفصيل بين ما إذا كان المخصص اللبّي حكماً عقلياًضرورياً، بحيث يمكن للمولى‏ الاتكال عليه في مقام البيان، وما إذا كان حكماًعقلياً نظرياً أو إجماعاً. فعلى الأول، لايجوز التمسك بالعموم في موارد الشبهةالمصداقية، باعتبار أن المقام يكون من قبيل احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّةومعه لاينعقد له الظهور في العموم حتى يتمسك به، فالسالبة تكون بانتفاءالموضوع، لأن هذا المخصص اللبّي إن كان كاشفاً عن الملاك لم‏يكن مانعاً عن‏انعقاد ظهوره في العموم، وإن كان كاشفاً عن تقييد موضوع العام كان مانعاً عنه،وحيث إنه مردد بين الأمرين فلامحالة يكون مانعاً عن انعقاد الظهور، باعتبار أن‏المقام داخل في كبرى احتفاف الكلام بما يصلح للقرينيّة.
وعلى الثاني، فحيث إن المقام غير داخل في هذه الكبرى، فينعقد له الظهور في‏العموم، وعليه فلامانع من التمسك به في الشبهة المصداقية، على أساس أن أمرالمخصص اللبّي بما أنه يدور بين الأمرين، فبطبيعة الحال كان يشك في التقييدولامانع حينئذٍ من التمسك بالعام لدفع هذا الشك، لأن ظهور كلام المولى‏ في‏العموم الكاشف عن عدم التقييد حجّة، ولايمكن رفع اليد عنه بمجرد الاحتمال(51)، هذا.
ولنأخذ بالنظر إلى هذه الوجوه الثلاثة:
أما الوجه الأول، وهو أن حال المخصص اللبّي حال المخصص اللفظي، فهو في‏غاية الجودة والمتانة، وأما النوع الثاني، وهو ما إذا كان المخصص اللبّي كاشفاً عن‏تقييد ملاك الحكم دون موضوعه، وعليه فلامانع من التمسك بالعام في الشبهةالمصداقيّة فهو غير تام، وذلك لأن المخصص إذا كان مقيداً لملاك الحكم، فلا محالةيكون مقيداً لموضوعه أيضاً، لأن الملاك إذا كان خاصاً، فبطبيعة الحال يكون‏الحكم أيضاً خاصاً، لأن الملاك هو حقيقة الحكم وروحه، فإذا كان الحكم‏خاصاً فلا محالة يكون موضوعه أيضاً خاصاً، بداهة أنه لايعقل أن يكون الحكم‏خاصاً وموضوعه عاماً، بيان ذلك إن ملاكات الأحكام الشرعية ومباديهاعبارة عن المصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحبّ والبغض في متعلقاتها،وقد تقدم في ضمن البحوث السالفة أن كل ما هو دخيل في اتصاف الفعل‏بالملاك، فهو قيد للحكم في عالم الجعل والاعتبار، وكل ما هو دخيل في ترتبه‏عليه خارجاً، فهو قيد للواجب، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، إن الملاك الذي هو روح الحكم لايمكن أن يكون قيداًللموضوع الذي هو متعلق المتعلق، لوضوح أن الموضوع دخيل في اتصاف الفعل‏بالملاك وشرط له، ومعه كيف يعقل أن يكون الملاك قيداً له، مثال ذلك إذا وردعام كقولنا: »يجب إكرام كل عالم«، فهنا اُمور أربعة:
الأول: ملاك الوجوب، وهو المصلحة القائمة بالاكرام والارادة والحب المتعلق‏به.
الثاني: الحكم، وهو الوجوب.
الثالث: متعلق الحكم، وهو الاكرام.
الرابع: موضوع الحكم، وهو العالم. وعلى هذا فإذا أدرك أن ملاك الوجوب‏قائم بإكرام العالم العادل أو الاجماع قام على ذلك، فمعناه أن موضوع الوجوب‏حصّة خاصة وهي العالم العادل، ولايعقل أن يكون مطلقاً وعاماً، بداهة أن‏الحكم والمتعلق والموضوع جميعاً يتبع الملاك في العموم والخصوص، فإذا علم من‏الاجماع أو دليل العقل بأن ملاك وجوب الاكرام غير متحقق في إكرام زيد،وحيث إن ذلك لايمكن أن يكون جزافاً، فلا محالة يكون من جهة اتصافه‏بالفسق أو بوصف آخر، ومعنى ذلك أن الفسق مانع عن وجوب إكرامه، فإذاكان مانعاً فبطبيعة الحال كان عدمه قيداً لموضوع العام، وعليه فإذا شك في فردأنه فاسق أو لا؟ فلايمكن التمسك بالعام لإثبات وجوب إكرامه، لأن التمسك به‏منوط بإحراز الصغرى‏، ومع عدم إحرازها فلايمكن لأنه من التمسك بالعام في‏الشبهة المصداقية، وقد تقدم عدم جوازه، فإذن فرض أن المخصص اللبّي مقيّدلملاك الحكم دون موضوعه فرض لا واقع له، ضرورة أنه يرجع إلى تقييدالموضوع أيضاً، إذ معنى أن كون الفسق دخيلاً في وجوب إكرام العالم هو أن‏الواجب إكرام العالم الذي لايكون فاسقاً، وهذا معنى تقييد الموضوع، فإذا كان‏مقيّداً فإحرازه مع قيده في الخارج وظيفة المكلف، لأن الكبرى‏ التي هي بيدالمولى‏ لاتتكفل بيان صغراها في الخارج، إذ مفادها ثبوت الحكم على تقديرتحقق صغراها في الخارج، وأما أن هذا التقدير تحقق أو لا؟ فهي ساكتة عنه.
والخلاصة: إن فرض كون المخصص اللبّي كالاجماع أو دليل العقل مقيداً لملاك‏الحكم في مرحلة المبادي دون موضوعه في مرحلة الجعل فرض لاواقع له، لأن‏العقل إذا أدرك بسبب من الأسباب أن ملاك وجوب الاكرام غير متحقق في‏إكرام العالم الفاسق، فبطبيعة الحال يكون لهذا الادراك مبرّر، ومبرّره هو أن‏فسق العالم مانع عن وجوبه بماله روح، فإذن لامحالة يكون عدمه قيداًللموضوع، ويكشف هذا المخصص اللبّي عن تقييد الموضوع، لأن قيود الموضوع‏هي شروط الحكم بماله روح وحقيقة، فإذن ماهو قيد الملاك بماهو حقيقة الحكم‏وروحه فهو قيد الموضوع، فلايعقل أن يكون الشي‏ء قيداً للحكم بماله روح ولم‏يكن قيداً للموضوع، غاية الأمر أن الكاشف عن ذلك تارة يكون العقل من‏طريق إدراك الملاك في مرحلة المبادي واُخرى‏ يكون الدليل اللفظي أو غيره،فإنه يدل على أخذ القيد في موضوع الحكم في مرحلة الجعل، ويكشف عن‏دخله في اتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي، على أساس أن قيد الحكم‏وشرطه في مرحلة الجعل هو قيد الملاك وشرطه في مرحلة المبادي، فإذن كيف‏يتصور أن يكون الشي‏ء قيداً للملاك دون الموضوع، وعلى هذا فإذا شك في‏تحقق الموضوع من جهة تحقق قيده، فلايمكن التمسك بالعام لإثبات حكمه للفردالمشكوك، لأن العام لايدل على تحققه وغير ناظر إليه، ثم إن القيد الدخيل في‏الملاك في مرحلة المبادي قد يكون مردداً بين أمرين، فلاندري أن الدخيل في‏ملاك وجوب إكرام العالم هل هو عدم فسقه أو عدم كونه نحوياً مثلاً، فإذا علم‏بعدم اتصاف إكرام زيد العالم بالملاك المقتضى لوجوبه، ولكن لاندري أن عدم‏اتصافه بالملاك من جهة أنه فاسق أو من جهة أنه نحوي، إذ لايمكن أن يكون‏عدم اتصاف إكرامه بالملاك بلامبرّر ومانع موجود فيه دون غيره من الأفراد،فلامحالة يكون من جهة وجود المانع فيه، وهو كونه فاسقاً أو نحوياً، وقد تقدم‏أن ماهو دخيل في الملاك في مرحلة المبادي وشرط لاتصاف الفعل به في هذه‏المرحلة قيد للموضوع في مرحلة الجعل، وشرط للحكم في هذه المرحلة، على‏أساس أن كل قيد مأخوذ في لسان الدليل مفروض الوجود سواءً أكان ذلك القيدتمام الموضوع للحكم أو قيد، فإنه كما يكون شرطاً للحكم في مرحلة الجعل‏كذلك يكون شرطاً للملاك في مرحلة المبادي، فلايتصور أن يكون الشي‏ء قيداًللملاك ولم يكن قيداً للموضوع، بداهة أن ما هو دخيل في الملاك في مرحلةالمبادي وفي الحكم في مرحلة الجعل، هو قيد الموضوع المأخوذ في لسان الدليل،وعلى هذا فإن كان القيد واحداً، فإذا شك في تحققه، فلايمكن التمسك بالعام‏لإثبات حكمه للفرد المشكوك فيه، لأنه لايكشف عن تحققه في الخارج، وإن‏كان مردداً بين أمرين متباينين، فحيث إنّا نعلم بتقييد الموضوع بأحدهما إجمالاً،فلايمكن التمسك بالعام، لأن التمسك به إن كان لنفي التقييد بأحدهما المعيّن دون‏الآخر، فهو ترجيح من غير مرجّح، وإن كان لنفي التقييد بكليهما معاً، ففيه مخالفةقطعيّة عمليّة، وأما أحدهما لابعينه، فهو ليس فرداً ثالثاً في الخارج.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الكاشف عن تقييد الموضوع إن‏كان الدليل اللفظي، فهو يكشف عن تقييد الملاك في مرحلة المبادي بطريق الإن،وإن كان الدليل العقلي أو الاجماع، فإن كان مدلوله تقييد الموضوع مباشرة، فهويكشف عن تقييد الملاك إنّاً، وإن كان مدلوله تقييد الملاك كذلك، فهو يكشف‏عن تقييد الموضوع لمّاً، وعلى جميع التقادير لايمكن فرض كون الشي‏ء قيداًللملاك لا للموضوع.
وأما النوع الثالث، فيظهر حاله ممّا ذكرناه في النوع الثاني، وجه الظهور ماعرفت من أنه لايمكن فرض كون الشي‏ء قيداً للملاك ودخيلاً فيه، ولايكون‏قيداً للموضوع ودخيلاً فيه وبالعكس ، لأن قيد الملاك هو قيد الموضوع، لأنه‏قيد للحكم في مرتبة الجعل، وللملاك في مرتبة المبادي، فإذن لايتصور في مقام‏الثبوت أن يدور الأمر بين كون شي‏ء قيداً للملاك أو قيداً للحكم، وأما في مقام‏الاثبات، فإن كان الدليل على ذلك الدليل اللفظي، فهو يدل على تقييد الموضوع‏مطابقة وعلى تقييد الملاك التزاماً، وإن كان الدليل العقلي أو الاجماع، فالأمرأيضاً كذلك غالباً ونوعاً، وقد يكون الدليل العقلي كاشفاً عن وجود الملاك‏وتقييده بحالة خاصة بالمطابقة، وعن تقييد الموضوع بالالتزام.
وهنا قول ثالث بالتفصيل بين أن يكون العام من قبيل القضايا الحقيقة وبين‏أن يكون من قبيل القضايا الخارجية، فعلى الأول لايجوز التمسك بالعام في‏الشبهة المصداقية بلافرق بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبيّاً.
وعلى الثاني، يجوز التمسك به فيها، وقد اختار هذا القول السيد الاُستاذقدس سره‏وأفاد في وجه ذلك، أن العام إذا كان من قبيل القضية الحقيقية، فالمخصص سواءًأكان لفظياً أم كان لبيّاً، فهو يوجب تقييد موضوعه بعدم عنوان المخصص، كما إذإ؛حغ‏خ‏خ‏ورد عام كقولنا: »أعطِ كلّ فقيرٍ ديناراً«، وعلمنا من الخارج أن المولى أرادالفقير المعيل لا الأعمّ منه ومن المجرد، وعلى هذا فبطبيعة الحال يكون موضوع‏العام الفقير المعيل، وحينئذٍ فإذا شك في فقير أنه معيل أو مجرّد، فلايمكن التمسك‏بالعام لإثبات أنه معيل، لأنه لايدل على ذلك بل لابدّ من إحرازه في الخارج،وأما إذا كان من قبيل القضية الخارجية، فالظاهر أن إحراز الموضوع غير موكول‏إلى نظر المكلف كما هو الحال في مثل قوله‏عليه السلام: »لعن اللَّه بني أميّة قاطبةً«(52).
فإن هذه القضية بما أنها قضية خارجية صادرة من الامام‏عليه السلام بدون قرينة،تدل على إيكال إحراز موضوع القضية في الخارج إلى نظر المكلف، فبطبيعةالحال تدل على أن المتكلم لاحظ الموضوع بتمام أفراده وإحرز أنه لامؤمن بينهم،وعلى هذا فلا مانع من التمسك بعمومه لإثبات جواز لعن الفرد المشكوك في‏إيمانه(53).
والخلاصة: إنا إذا علمنا من الخارج أن فيهم مؤمناً، فهو خارج عن عمومه‏فلايجوز لعنه جزافاً، وأما إذا شك في فرد أنه مؤمن أو لا؟ فلامانع من التمسك به‏لإثبات أنه ليس بمؤمن إناً فيجوز لعنه.
وعلى الجملة، فالقضية إن كانت خارجية، فإن علم من الخارج أو قامت‏قرينة على أن المولى أحرز ملاك الحكم في تمام أفراد العام الموجودة في الخارج ثم‏جعل الحكم عليها، كما إذا قال: أكرم جميع الشعراء الموجودين في البلد، وعلم‏من القرائن الحالية أو الخارجية أن المولى‏ بنفسه أحرز ملاك وجوب الاكرام في‏الجميع، ففي مثل ذلك إذا شك في وجوب إكرام الشاعر الفاسق، فلامانع من‏التمسك بالعام لإثبات وجوب إكرامه، لأن الشبهة حينئذٍ وإن كانت مصداقيّة إلاّأن ظهور العام في العموم كاشف عن وجود الملاك في إكرام الجميع بلافرق بين‏العادل والفاسق. نعم، إذا علم من الخارج أنه لاملاك في إكرام زيد الشاعربسبب أو آخر، فهو خارج عن موضوع العام، وأما عدم استثناء المولى، فإما أن‏يكون لمصلحة أو مفسدة فيه أو للغفلة كما يتّفق ذلك في المولى العرفي، ومن هذاالقبيل ما إذا قال المولى‏ لعبده: »بع جميع ماعندي من الكتب«، فإنه بمقتضى الفهم‏العرفي أو القرائن الحالية أن المولى‏ بنفسه أحرز وجود ملاك البيع في تمام كتبه،وهذا الظهور حجّة ولايجوز رفع اليد عنه إلاّ إذا علم بالخلاف، وإنه لم يرد بيع‏الكتاب الفلاني، فعندئذٍ يعمل على طبق قطعه لأنه حجة ذاتاً، وأما في مواردالشك، فالظهور حجة فيها، ولو خالف ولم يعمل به استحق العقوبة والادانة.
وللمناقشة فيه مجال، وذلك لأن المكلف إذا علم بعدم تحقق ملاك وجوب‏الاكرام في إكرام زيد الشاعر، باعتبار أنه عدو المولى‏، فقد علم أن موضوع العام‏مقيّد بعدم كون الشاعر عدواً له، على أساس أن العداوة مانعة عن تحقق الملاك،وعليه فلامحالة يكون عدمها دخيلاً في تحققه، وقد تقدم أن ماهو دخيل في الملاك‏في مرحلة المبادي يكون قيداً للموضوع في مرحلة الجعل، ونتيجة ذلك أن‏موضوع العام مقيد ثبوتاً بأن لايكون الشاعر عدواً للمولى، وحينئذٍ فإذا شك‏في شاعر أنه عدوّ له أو لا؟ كانت الشبهة مصداقية، لأن المخصص اللبّي بحكم‏كونه قرينة يكون مانعاً عن حجيّة ظهور العام في الكشف عن أن المولى‏ بنفسه‏أحرز وجود الملاك في كل فرد من أفراده في الخارج، ويقيّد حجيّيته بغير مورده،وكذلك الحال فيما إذا كانت هناك قرينة من الخارج على أن المولى‏ أحرز بنفسه‏وجود الملاك في كل فرد من أفراده، فإن الدليل المخصص بحكم قرينيّته يمنع عن‏حجيّة اطلاق القرينة ويقيّده بغير مورده كما هو حال المخصص بالنسبة إلى‏المدلول المطابقي للعام، وعلى هذا فالمخصص سواءً أكان لفظياً أم كان لبياً، فهويوجب تقييد موضوع العام بغير مورده وإن كان العام بنحو القضية الخارجية،وحينئذٍ فإذا شك في فرد أنه من أفراد العام أو الخاص، فلايمكن التمسك بالعام‏لإثبات حكمه له، لأن ظهوره في أن المولى بنفسه أحرز وجود الملاك فيه، قدسقط عن الحجيّة بالدليل المخصّص، فإذن لادلالة للعام على أنه من أفراده.
فالنتيجة، إن ما ذكره السيد الاُستاذقدس سره من التفصيل لايمكن إتمامه.
وهنا تفصيل رابع، وهو أن الشبهة المصداقية إذا كانت ذات اعتبار واحد، بأن‏تكون متمحضّة في المصداقية بمعنى أن نسبتها إلى المولى‏ كنسبتها إلينا، لم يجزالتمسك بالعام فيها بدون فرق بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبياً، وأما إذا كانت‏الشبهة المصداقية ذات اعتبارين، فبالنظر إلى المخصص تكون الشبهة مصداقية،وبالنظر إلى نفس الشبهة تكون حكميّة، مثال ذلك إذا فرضنا أنه قد ورد في‏الدليل: »كل ماء مطهّر«(54). وقد خصّص هذا العام بما إذا كان الماء طاهراً، وعلى‏هذا فإذا شكّ في ماء أنه ظاهر أو نجس، فإن كان الشك متمحّضاً في الشبهةالمصداقية، كما إذا كان الشك في طهارته ونجاسته من جهة أنه لاقى‏ النجس في‏الخارج أو لا؟ ففي مثل ذلك لايمكن التمسك بالعام لما تقدم من أن التمسك به في‏الشبهة المصداقية إن كان من جهة أن العام يدل على ثبوت الحكم للفرد المشكوك‏بالمطابقة، وعلى كونه واجداً للقيد بالالتزام.
فيرد عليه ما مرّ من أن العام يدل على ثبوت الحكم للموضوع المقدّر وجوده‏في الخارج بقيده، ولايدل على أن موضوعه موجود في الخارج لامطابقة ولاالتزاماً، ولا نظر له إلى وجوده فيه أصلاً وإن كان من جهة أن العام يدل على‏ثبوت الحكم له، وإن كان فاقداً للقيد.
فيرد عليه أنه خلف فرض كون الموضوع مقيداً بالقيد لا لأعمّ منه ومن‏الفاقد، وإما إذا شك في طهارة ماء البئر ونجاسته شرعاً، فإن هذه الشبهة بلحاظالمخصص للعام شبهة مصداقية، وبلحاظ نفسها شبهة حكمية لأن بيان حكمهامن وظيفة المولى‏، وليست نسبة هذه الشبهة من هذه الناحية إلى المولى‏ كنسبتهاإلينا كما هو الحال في الشبهة المصداقيّة المحضة، وحيث إن العام المذكور ظاهر في‏نفسه في مطهريّة كل فرد من الماء الشامل لهذا الفرد المشكوك، والشك في‏خروجه عنه حينئذٍ شك في تخصيص زائد، فلامانع من التمسك بالعام لإثبات أنه‏مطهر بالمطابقة وماء طاهر بالالتزام، على أساس أن أمر طهارته رفعاً ووضعاًبيد المولى‏. فالنتيجة، إن العام يدل على ثبوت الحكم بالمطابقة، وعلى تحقق‏موضوعه وهو الماء الطاهر بالالتزام.
ويمكن المناقشة فيه بتقريب، إن الشبهة الحكميّة وإن كان أمرها بيد المولى‏، فإنه‏عالم بحدودها سعةً وضيقاً، إلاّ أن الكلام في دلالة العام على حكم هذه الشبهةبالالتزام بعد ورود المخصص عليه وتقييد موضوعه بقيد وهو الطهارة، وعلى هذافالعام في المثال يدل على مطهريّة الماء الطاهر، وإذا شك في ماء أنه نجس أو طاهركماء البئر مثلاً، فإن هذه الشبهة وإن كانت في نفسها حكميّة وأمرها بيد المولى‏،إلاّ أنها بالنسبة إلى العام المذكور من الشبهة المصداقية، وهل يمكن التمسك به‏لإثبات أنه مطهر بالمطابقة وطاهر بالالتزام أو لا؟
والجواب: إنه لايمكن، لأن الدلالة الالتزامية تتوقف على الدلالة المطابقيّةثبوتاً وإثباتاً، فدلالة العام في المثال على مطهريّة ماء البئر تتوقف على أنه طاهرفي المرتبة السابقة، لأن المطهر هو الماء الطاهر لا كل ماء، والمفروض أن دلالته‏على أنه طاهر لما كانت بالالتزام تتوقف على دلالته المطابقية، وهي دلالته على‏أنه مطهّر، فإذن يلزم الدور وهو توقف الشي‏ء على نفسه، ومن الواضح أن‏مدلول العام بعد ورود التخصيص عليه مطهريّة الماء الطاهر، وأما ماء البئرفحيث إنه مشكوك الطهارة والنجاسة، فلايكون مشمولاً لعموم موضوع العام‏للشك في أنه من مصاديقه أو لا؟ وإن شئت قلت: إن ظهور العام بعد التخصيص‏إنما يكون حجّة في مطهّرية الماء الطاهر.
وعليه، فحيث إن ماء البئر مشكوك الطهارة والنجاسة، فلايكون ظهور العام‏في الاستيعاب والشمول له حجّة، لفرض أن العام لايكون ناظراً إلى ثبوت‏موضوعه في الخارج في مرحلة الانطباق، وعلى هذا فإثبات طهارة ماء البئربحاجة إلى دليل آخر، والعام في المثال لايدل على طهارته لا بالمطابقة كما هوالمفروض ولا بالالتزام، لما عرفت من أن الدلالة الالتزامية تتوقف على الدلالةالمطابقيّة، وهي شمول العام لماء البئر وهو يتوقف على طهارته، والمفروض أن‏العام لايدل عليها.
والخلاصة، إن الشبهة الحكميّة وإن كان بيان حكمها بيد الشارع نفياً وإثباتاًسعةً وضيقاً، إلاّ أن العام المذكور في المقام لايصلح أن يكون بياناً لها، فبيان‏حكمها بحاجة إلى دليل آخر.
بقي هنا شي‏ء، وهو أن ماورد في لسان الروايات: »اغسله بالماء«(55)، فإنه‏يدل على مطهريّة الماء بالمطابقة وعلى طهارته بالالتزام، على أساس الارتكازالقطعي العرفي على أن الماء النجس لايكون مطهراً، وفي ضوء هذا الارتكازيكون الموضوع في قوله‏عليه السلام: »اغسله بالماء«، الماء طاهر، وعلى هذا فإذ شك في‏ماءٍ أنه طاهر أو نجس بالملاقات، فلايجوز التمسك بإطلاق قوله‏عليه السلام: »إغسله‏بالماء«، لأن الشبهة مصداقية محضة، ولايدل العام على ثبوت حكمه فيها ولاعلى ثبوت موضوعه، لوضوح أنه في مقام جعل المطهرية للماء الطاهر في مرحلةالاعتبار والجعل ولا نظر له إلى مرحلة التطبيق في الخارج، وأما إذا شكّ في‏نجاسة ماء البئر أو طهارته ذاتاً بنحو الشبهة الحكميّة، فهل يجوز التمسك بإطلاقه‏أو لا؟
والجواب: الظاهر أنه لايجوز أيضاً، لأن مفاده بمقتضى الارتكاز العرفي‏الغسل بالماء الطاهر بنحو القضية الحقيقية، بمعنى جعل مطهرية الغسل بالماءالمفروض طهارته، وأما أن هذا الماء في الخارج كماء البئر مثلاً طاهر أو لا؟فلايكون ناظراً إليه ولا يدل على طهارته، وإن شئت قلت: إن ارتكازية عدم‏مطهرية الماء النجس بمثابة القرينة المتصلة ومانعة عن انعقاد ظهور قوله‏عليه السلام:»اغسله بالماء« في الاطلاق بل انعقد ظهوره من الأول في المقيّد، وهو الغسل‏بالماء الطاهر، ولهذا لايجوز التمسك في موارد الشك في نجاسة ماء في الخارج أوطهارته، بلافرق في ذلك بين أن يكون هذا الشك شكّاً في الشبهة الموضوعية أوالشبهة الحكميّة كالشك في أن ماء البئر نجس أو طاهر، فإنه لايدل على أنه‏طاهر، لأن مفاده مطهرية الغسل بالماء على تقدير كونه طاهراً، وأما أن هذاالتقدير ثابت في الخارج أو لا؟ فهو غير ناظر إليه أصلاً.
نتائج البحث ...
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي أن التمسك بالعام في الشبهة المصداقيّةغير جائز مطلقاً بلافرق بين أن يكون المخصص لفظياً أو لبّياً وأيضاً بلافرق بين‏أن يكون العام من قبيل القضايا الحقيقية أو الخارجية وأن تكون الشبهةمتمحّضة في المصداقية أو كونها شبهة حكميّة في نفسها، فإنه على جميع هذه‏التقادير لايجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
نتائج البحث عدة نقاط:
الاُولى‏: إن دلالة اللفظ على المعنى تتمثل في ثلاث مراتب طوليّة:
1 - الظهور التصوري.
2 - الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية.
3 - الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدّية النهائية.
الثانية: إن التخصيص بالمتصل قد يكون بالتقييد والوصف كقولنا: »أكرم كل‏عالم عادل«، وقد يكون بالاستثناء كقولنا: »أكرم كل الشعراء، إلاّ الفساق‏منهم«، وقد يكون بجملة مستقلة متعقّبة للعام مباشرة كقولنا: »أكرم كل‏الفقراء، ولاتكرم الفساق منهم«. أما الأول، فهو في الحقيقة ليس تخصيصاً بل‏هو تخصّص. وأما الثاني، فلكلّ منهما وإن كان ظهوراً في نفسه إلاّ أن للمجموع‏ظهوراً. ثالثاً، وهو الظهور النهائي المستقر، والظهوران الأولان مندمجان فيه،وكذلك الحال في الثالث.
الثالثة: إن المخصص المجمل قد يكون متصلاً وقد يكون منفصلاً، فعلى الأول‏يسري إجماله إلى العام حقيقةً، فلاينعقد له الظهور في العموم، بلافرق بين أن‏يكون الخاص المجمل مفهومه مردداً بين الأقل والأكثر أو المتباينين. وعلى‏الثاني، فلايسري إجماله إلى العام حقيقة، غاية الأمر إن كان مردداً بين الأقل‏والأكثر، فظهور العام في العموم يكون رافعاً لإجماله حكماً لاحقيقة، وإن كان‏مردداً بين المتباينين، فإجماله يسري إلى العام حكماً لاحقيقةً.
الرابعة: يجوز التمسك بالعام في الشبهة الحكمية التي يكون منشأوها إما عدم‏النصّ أو إجماله أو تعارض النصوص، بلافرق بين أن يكون الخاص متصلاً أومنفصلاً. أما على الأول، فلأن الظهور النهائي والمستقر الذي هو موضوع‏الحجية، هو الظهور في المعنى الخاصّ حتى في النوع الثالث، وهذا الظهور هوالمرجع في موارد الشك، وأما إذا أنكرنا ذلك في النوع الثالث من التخصيص‏بالمتصل، فيكون تقديم‏الخاص المتصل على‏العام فيه إنما هوبملاك القرينيّةلابملاكات اُخرى.
الخامسة: إن هناك عدة محاولات لتقديم الخاص المنفصل على العام:
الاُولى‏: إن أداة العموم موضوعة للدلالة على استيعاب مايراد من مدخولها،وإذا ضمّ ذلك إلى نظرية القائل بأن الاطلاق يتوقف على عدم القرينة أعمّ من‏المتصلة والمنفصلة، فإذن لاينعقد للعام ظهور من الأول إلاّ في الخاص، وعليه‏فلاموضوع للتنافي بينهما، ولكن كلتا النظريتين غير صحيحة كما تقدم.
السادسة: إن تقديم الخاص على العام إنما هو بملاك أنه أظهر وأقوى من العام،فيكون تقديمه عليه من باب تقديم الأظهر على الظاهر، وفيه أن تقديمه عليه ليس‏بملاك الأظهرية لأنه مقدم عليه، وإن كان أضعف من العام دلالة بل هو بملاك‏القرينيّة، والقرينية تتقدم على ذيّها، وإن كان ذيها أقوى منها دلالة.
السابعة: ذكر المحقق النائيني‏قدس سره إن حجّية العام بعد ورود التخصيص عليه في‏تمام الباقي من جهة أن أداة العموم موضوعة للدلالة على استيعاب تمام مايراد من‏مدخولها، والمخصص المنفصل إنما يوجب تقييد مدلول العام بلحاظ الارادةالجديّة، وأما بلحاظ الارادة الاستعمالية، فهو ظل على عمومه الشامل لتمام‏الباقي، هذا إذا كان المراد من الارادة المأخوذة في مدلول أداة العام الارادةالاستعمالية، وأما إذا كان المراد منها الارادة الجدّية، فلاتخصيص حينئذٍ، لأن‏المخصص المنفصل يكشف عن أن المراد الجدّي منه هو الخاص من الأول،والفرض أن الأداة تدل على عموم تمام مايراد من مدخولها، ولكن تقدم أن الأداةلم توضع لذلك.
الثامنة: إن المخصص المنفصل كان يهدم حجّية ظهور العام في العموم‏والاستيعاب دون أصل ظهوره، غاية الأمر أن هذا الظهور لايكون حجّة في‏أفراد الخاص من جهة وجود المانع ولا مانع من حجّية ظهوره في سائر أفراده.
التاسعة: إن المخصص بصفة كونه قرينة له دلالة إيجابية ودلالة سلبيّة،والاُولى‏، عبارة عن دلالته على تحديد المراد الجدّي النهائي من العام في الباقي.والثانية، عبارة عن دلالته على نفي حكم العام عن الخاص، فإذن المخصص بصفةقرينيّته يدل على تحديد المراد الجدّي النهائي من العام في تمام الباقي، وأن الخارج‏منه الخاص فحسب، ولافرق في ذلك بين العام الاستغراقي والعام المجموعي.
العاشرة: إنّا لو سلمنا أن التخصيص يوجب تجوز العام في الباقي، فهل يؤدي‏ذلك إلى إجماله، فيه وجهان:
فذهب شيخنا الأنصاري‏قدس سره إلى الثاني، وكذلك المحقق النائيني‏قدس سره بدعوى‏، إن‏المجاز في المقام يختلف عن المجاز في سائر المقامات، فإن المعنى المجازي فيه لا يباين‏المعنى‏الحقيقي بينما المعنى المجازي في سائرالمقامات يباين المعنى الحقيقي، هذا.
وقد أشكل على ذلك بأن دلالة اللفظ على المعنى حيث إنها لم تكن ذاتية، فلابدأن يكون لها سبب وهو إما الوضع أو القرينة، وشي‏ء منهما غير موجود في المقام،أما الأول فواضح، لأن أداة العموم لم توضع للدلالة على تمام الباقي. وأما الثاني،فكذلك، فإذن لامناص من الالتزام على هذا القول بإجمال العام بعد التخصيص.
الحادية عشر: إن ما ذكره شيخنا الأنصاري‏قدس سره، وما أورده عليه غير سديد.
أما الأول، فلأن المجاز منوط بتوفّر أمرين:
الأول: وجود العلاقة بين المعنى الحقيقي، والمعنى المجازي ثبوتاً.
الثاني: قيام القرينة الصارفة إثباتاً، فالمخصّص في المقام قرينة صارفة،والعلاقة بين المعنى المجازي وهو تمام الباقي والمعنى الحقيقي وهو العموم‏والاستيعاب هي المصحّحة للاستعمال في المعنى المجازي. وأما الثاني، فلأنه يكفي‏في تحديد الباقي في التمام قرينية الخاص.
الثانية عشر: الصحيح عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية كما هوالمعروف والمشهور بين الاُصوليين، بلا فرق في ذلك بين أن يكون المخصص‏متصلاً أو منفصلاً، وما قيل من أن تخصيص العام كموت بعض أفراده، فكما أن‏الموت لايوجب تعنون العام بعدم الموت، فكذلك التخصيص لايوجب تعنون‏العام بغير عنوان الخاص لا أصل له أصلاً، ضرورة لأنه قياس مع الفارق، لأن‏الموت إعدام لبعض مصاديق العام في مرحلة الانطباق لاتخصيص لمدلول العام‏في مرحلة الجعل، بينما التخصيص تقييد لمدلول العام في مرحلة الجعل لا إخراج‏لبعض مصاديقه في مرحلة الانطباق فقط.
الثالثة عشر: ما ذكره بعض المحققين‏قدس سره من أن عدم جواز التمسك بالعام في‏الشبهة المصداقية مبني على تمامية أمرين:
الأول: إن التخصيص يوجب تعنون موضوع العام ثبوتاً بغير عنوان الخاص.
الثاني: دلالة العام في مقام الاثبات على ثبوت حكمه لكل فرد من أفراده‏مشروطاً بانطباق الموضوع عليه بعنوانه، ثم ناقش‏قدس سره في الأمر الثاني، ولكن‏تقدم أن هذه المناقشة قابلة للمنع.
الرابعة عشر: إن مدلول العام جعل الحكم بنحو القضيّة الحقيقية للموضوع‏المفروض وجوده في الخارج، وأما فعليّة الحكم بفعلية موضوعه في الخارج،فهي ليست مدلولاً له، والتمسك بالعام في الشبهة المصداقية معناه دلالة العام على‏ثبوت الحكم الفعلي للفرد الخارجي، والمفروض أن العام لايدل على ذلك.
الخامسة عشر: إن ما أفاده المحقق العراقي‏قدس سره من أن المخصّص يوجب‏تخصيص الحكم وتضييق دائرته، وتضييق الحكم لايوجب تضييق الموضوع،على أساس أن الحكم متأخر رتبة عن الموضوع لايرجع إلى معنى محصل، لأن‏المخصص بصفة كونه قرينة عرفاً يقيد الحكم بتقييد موضوع العام بغير عنوان‏المخصص.
السادسة عشر: إن هناك أقوالاً بالتفصيل في المسألة:
القول الأول: التفصيل بين ما إذا كان المخصص لفظياً وما إذا كان لبّياً، فعلى‏الأول لايجوز وعلى الثاني يجوز. وقد اختار هذا التفصيل شيخنا الأنصاري‏والمحقق الأصبهاني‏0.
القول الثاني: التفصيل بين ما إذا كان المخصص اللبّي كاشفاً عن ملاك الحكم‏وعلّته وما إذا كان كاشفاً عن تقييد موضوع الحكم، فعلى الأول يجوز دون‏الثاني، وقد اختار هذا التفصيل المحقق النائيني‏قدس سره.
القول الثالث: التفصيل بين ما إذا كان العام من قبيل القضية الحقيقية وما إذاكان من قبيل القضيّة الخارجية، فعلى الأول لايجوز وعلى الثاني يجوز. وقداختار هذا التفصيل السيد الاُستاذقدس سره.
القول الرابع: التفصيل بين ما إذا كانت الشبهة المصداقية ذات اعتبار واحد،وما إذا كانت ذات اعتبارين باعتبار أنها من مصاديق العام شبهة مصداقيّةوباعتبار نفسها شبهة حكميّة، فعلى الأول لايجوز وعلى الثاني يجوز، هذا.
والتحقيق عدم صحة جميع هذه الأقوال في المسألة كما تقدم تفصيلاً.
الاستصحاب في العدم الأزلي ...



الاستصحاب في العدم الأزلي‏
غير خفي، إن محل الكلام في هذه المسألة إنما هو في العنوان الذي ليست له حالةسابقة، بل وجوده ملازم مع وجود موضوع العنوان كالقرشية ونحوها، وأماالعنوان الذي تكون له حالة سابقة كعنوان الفسق ونحوه المسبوق بالعدم فهوخارج عن محل الكلام، لأن الاحراز عدمه لايحتاج إلى الاسصحاب في العدم‏الأزلي، وبعد ذلك يقع الكلام في مقامين:
الأول: إن‏الدليل المخصص هل‏يوجب تعنون‏العام بعدم عنوان‏المخصص أو لا؟
الثاني: إنه إذا كان موجباً لذلك، فهل يوجب تعنونه بالعدم النعتي أو العدم‏المحمولي.
أما الكلام في المقام الأول، فقد اختار المحقق العراقي‏قدس سره إن تخصيص العام‏لايوجب تعنونه بأي عنوان، وإنه قد ظل على عمومه، فكأنّه لم يرد عليه‏تخصيص، بدعوى أن خروج فرد أو صنف منه بالتختصيص ليس إلاّ كموت‏ذلك الفرد أو الصنف في الخارج، غاية الأمر أن التخصيص موت تشريعي وهوكالموت التكويني، فكما أن الموت التكويني لفرد من أفراده أو صنف من أصنافه‏لايوجب تعنون العام بأي عنوان فكذلك الموت التشريعي، وعلى أساس هذاالمسلك لامجال للبحث حيئنذٍ عن جواز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، إذليست هناك شبهة مصداقية، حيث إنه لايتصور على ضوء هذا المسلك الشك في‏مصداق موضوع العام في الخارج، فإذا ورد عام كقولنا: »أكرم الشعراء«، ثم‏ورد خاص لاتكرم الفسّاق منهم، فحيث أن المخصص لايوجب تعنون موضوع‏العام بعدم عنوان الخاص، فبطبيعة الحال يبقى موضوع العام على حاله كأنه لم‏يرد عليه تخصيص، وعلى هذا فإذا شك في شاعر أنه فاسق أو لا؟ فحيث إن‏انطباق موضوع العام عليه محرز، فلايكون الشك في الموضوع والمصداق، وإنمايكون في ثبوت الحكم له، فلهذا تكون الشبهة حكميّة لامصداقيّة، وإنما تكون‏مصداقيّة على ذلك إذا شك في فرد أنه شاعر أو لا(56)؟
والجواب: إن قياس التخصيص بالموت غريب منه‏قدس سره، وذلك لأن الموت‏يفترق عن التخصيص في نقطتين:
الاُولى‏: إن تخصيص العام إنما هو في مرحلة الجعل، لأن المخصص يكشف عن‏أن الحكم المجعول في الشريعة المقدّسة إنما هو الحكم الخاص والمقيّد لا العام، فإذاورد عام كقولنا: »أكرم كل الفقراء«، ثم ورد خاص في دليل منفصل كقولنا:»لاتكرم الفساق منهم«، فإنه بحكم قرينيّة الخاص وتحكيمه على العام، يكشف‏عن أن المراد الجدّي النهائي للمولى‏ هو وجوب إكرام الفقراء العدول، ولايعقل‏أن يبقى موضوع العام على اطلاقه بعد ورود التخصيص عليه وإلاّ فمعناه إلغاءالخاص أو تقديم العام عليه وهو خلف الفرض، فإذن لابدّ من تقييده وتخصيصه‏بغير عنوان الخاص.
فالنتيجة، إن تقديم الخاص على العام بملاك قرينيّته لامحالة يستلزم تقييدموضوع العام بعدم عنوان الخاص، وهذا بخلاف موت بعض أفراد العام‏تكويناً، فإنه إنما يوجب تضييق دائرة انطباق موضوع العام في مرحلة التطبيق‏والفعليّة في الخارج، ولايوجب تضييق موضوعه وتقييده في مرحلة الجعل، لأنه‏لايؤثر عليه في هذا المرحلة، ضرورة أن الحكم فيها مجعول للموضوع المقدّروجوده في الخارج سواءً أوجد فيه أم لا؟ ومن هنا إعدام جميع مصاديقه وأفراده‏في الخارج لايؤثر على جعله كذلك فضلاً عن إعدام بعضها.
فالنتيجة، إن موت بعض أفراد العام يوجب تضييق موضوع العام في مرحلةالانطباق لافي مرحلة الجعل، بينما التخصيص يوجب تضييق موضوع العام في‏مرحلة الجعل.
الثانية: إن التخصيص إنما يوجب خروج الخاص عن العام حكماً لاموضوعاً،وعلى هذا فالمخصص بحكم كونه قرينة يحدّد موضوع العام ويقيّده بغير موردالخاص، ضرورة أنه لايعقل بقاء الموضوع على عمومه وإطلاقه، وإلاّ فلازمه‏أن يكون الحكم أيضاً كذلك، وهذا خلف فرض كون الحكم خاصاً، فإذن‏لامحالة يكون موضوعه أيضاً خاصاً، لأن الكلام إنما هو في موضوع الحكم‏عموماً أو خصوصاً، ولايعقل أن يبقى‏ على عمومه بعد ورود التخصيص عليه‏وإخراج أفراد الخاص منه حكماً، فإذن بطبيعة الحال يقيد موضوعه بعدم عنوان‏الخاص، باعتبار أن المخصّص يكشف عن ثبوت الحكم للمقيّد والمخصص لاللمطلق والعام، وهذا بخلاف الموت التكويني، فإن انتفاء الحكم به إنما هو بانتفاءالموضوع حقيقة وتكويناً في الخارج، فمن أجل ذلك لايوجب تعنون موضوع‏العام في مرحلة الجعل بعنوان.
فالنتيجة، إن ما ذكره المحقق العراقي‏قدس سره من قياس الموت بالتخصيص قياس مع‏الفارق بل هو من غرائب ما صدر منه‏قدس سره.
وأما الكلام في المقام الثاني، فيقع في موردين:
الأول: إن التخصيص يوجب تعنون موضوع العام بعنوان وجودي، كما إذاورد عام كقولنا: »أكرم كل العلماء« ثم ورد خاص، كقولنا: »أكرم العلماءالعدول«، فإنه يوجب تقييد موضوع العام بعنوان وجودي، فيكون موضوع‏وجوب الاكرام حصة خاصة من العلماء وهي العلماء العدول.
الثاني: إن التخصيص يوجب تعنون موضوع العام بعنوان عدمي، كما إذا وردفي الدليل أكرم الشعراء ثم ورد في دليل آخر: »لاتكرم الفساق منهم«، فإنه‏يوجب تعنون موضوع العام بعنوان عدمي وهو عدم الفساق، فموضوع العام‏حينئذٍ الشاعر الذي لايكون فاسقاً.
أما المورد الأول، فهو خارج عن محل الكلام في المقام وهو قليل في باب‏التخصيصات، لأن الغالب في هذا الباب التقييد بعنوان عدمي.
وأما المورد الثاني، فهو محل الكلام في المقام بتقريب، إنه هل يمكن إحراز القيدالعدمي بالاستصحاب في العدم الأزلي أو لا؟
والجواب: إن في المسألة أقوالاً:
الأول: عدم جريان الاستصحاب في العدم الأزلي مطلقاً.
الثاني: جريانه فيه مطلقاً إلاّ في اللوازم التي تنتزع من ذات الشي‏ء كالامكان‏للممكن والزوجية للأربعة وما شاكلهما.
الثالث: التفصيل بين لوازم الماهيّة ولوازم الوجود، فلايجري في الاُولى‏ دون‏الثانية.
أما القول الأول: فقد اختار المحقق النائيني‏قدس سره، وقد أفاد في وجه ذلك أن‏التخصيص يوجب تعنون موضوع العام بعدم عنوان المخصص بنحو العدم‏النّعتي، وقد بنى‏ ذلك على عدة مقدمات:
الاُولى‏: إن الموضوع في مقام جعل الحكم عليه لايخلو إما أن يلحظ مطلقاً أومقيداً ولا ثالث لهما لاستحالة الاهمال في الواقع، فإذا جعل المولى‏ وجوب‏الاكرام للعالم، فهو لايخلو إما أن يؤخذ مطلقاً أو مقيداً بخصوصية من‏خصوصياته كالعدل أو عدم الفسق أو ماشاكل ذلك، فإن أخذ مطلقاً بالنسبة إلى‏خصوصياته و قيوداته، فهو من الماهية لابشرط، وإن اُخذ مقيّداً بالعدم فهو من‏الماهيّة بشرط لا، وإن اُخذ مقيّداً بالوجود فهو من الماهية بشرط شي‏ء، فالشي‏ءالذي اُخذ موضوعاً للحكم في مرحلةالجعل لايخلو من أحد هذه الاُمور ولافرق في ذلك بين أنواع‏الخصوصيات وأصنافها، وعلى‏هذا فإذا خرج صنف‏من‏الأصناف عن حكم العام، فلامحالة يوجب تقييد موضوع العام بنقيض ذلك‏الصنف، إذ لايبقى‏ موضوع العام على إطلاقه بعد التخصيص، وإلاّ لزم التهافت‏بين مدلولي العام والخاص.
الثانية: إن الماهية سواءً أكانت من الماهيات المتأصّلة كالجواهر والأعراض‏أم كانت من غيرها، فلاتخلو من أن تكون موجودة أو معدومة ولاثالث لهما،لوضوح أنه لايعقل خلوّ الماهية عن أحدهما وإلاّ لزم ارتفاع النقيضين، فكمايقال إن الانسان إما موجود أو معدوم ولا ثالث لهما، فكذلك يقال إن البياض إماموجود أو معدوم، ولافرق بينهما من هذه الناحية، ويسمى هذا الوجود والعدم‏بالوجود والعدم المحموليين نظراً إلى أنهما محمولان على الماهية، وبمفاد كان وليس‏التامّتين، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى‏، قد يلاحظ وجود العرض بالاضافة إلى معروضه لاماهيّته ويلاحظ عدمه بالاضافة إليه، ويعبّر عن هذا الوجود والعدم بالوجودوالعدم النعتيين تارةً، وبمفاد كان الناقصة وليس الناقصة تارة اُخرى‏، وهذاالوجود والعدم بحاجة في تحققهما إلى وجود موضوع محقق في الخارج ويستحيل‏تحققهما بدونه، فهما من هذه الناحية كالعدم والملكة بمعنى أن التقابل بينها بحاجةإلى وجود موضوع في الخارج ويستحيل بدون ذلك.
والخلاصة، إن اتصاف شي‏ء بالوجود أو العدم النعتي يحتاج إلى وجوده وتحققه‏في الخارج في المرتبة السابقة، ضرورة استحالة وجود الصفة بدون وجودموصوفها، لأن ثبوت شي‏ء لشي‏ء فرع ثبوت المثبت له وما نحن فيه كذلك، فإن‏الوجود والعدم النعتيين يستحيل ثبوتهما بدون وجود منعوت وموصوف في‏الخارج، ومن هنا يمكن ارتفاعهما بارتفاع موضوعهما من دون لزوم ارتفاع‏النقيضين، فإن الفرد الخارجي من العالم إما أن يكون فاسقاً أو عادلاً، وأماالمعدوم فيه فلايعقل اتّصافه بشي‏ء منهما، وهذا بخلاف الوجود والعدم‏المحمولتين، فإنه لايمكن ارتفاعهما معاً لأنه من ارتفاع النقيضين.
الثالثة: إن الموضوع المركب من شيئين لايخلو من أن يكون مركباً من‏جوهرين أو عرضين أو جوهر وعرض ولارابع لها، أما إذا كان من قبيل الأول‏كان يكون مركباً من وجودي زيد وعمرو، فتارةً يكون كلاهما محرزاً بالوجدان،واُخرى يكون كلاهما محرزاً بالأصل. وثالثة، يكون أحدهما محرزاً بالوجدان.والآخر، بالأصل،