www.alfayadh.com
المباحث الاصولية
مبحث القطع
فيه فصول و مقدّمة
اماالمقدمة: ففيها أمور:
الأمر الاوّل: انّه لاشبهة في ان مسألة القطع ليست من المسائل الأصوليّة لنكتتين:
الاولى: ان المسائل الاصوليّة مسائل نظرية ترتبط باعمال النظر والفكر، ومن هنا قلنا
ان علم الأصول قد وضع لتكوين النظريات العامة والقواعد المشتركة على وفق شروطها
العامة في الحدود المسموح بها شرعاً، والفقه قد وضع لتطبيق تلك القواعد العامة على
عناصرها الخاصّة، و لذلك تكون نسبة علم الاصول الى علم الفقه نسبة العلم النظري الى
العلم التطبيقي.
و حيث ان مسألة القطع مسألة وجدانية، فلاتكون من المسائل الأصوليّة.
الثانية: ان المسائل الاصوليّة قواعد عامة مشتركة يستعملها الفقيه في طريق اثبات
الجعل الشرعي و حيث ان مسألة القطع في نفسها قطع بالحكم الشرعي مباشرة لاانّها
واسطة لاثباته، فلاتكون من المسائل الأصوليّة.
الامرالثاني: ان مسألة القطع اذا لم تكن بنفسها من المسائل الأصوليّة، فهل تكون من
نتائجها؟ فيه و جهان:
فذهب السيد الاستاذ(ره) الى انها نتيجة للمسألة الأصولية، و قد أفاد في وجه ذلك ان
المسائل الأصوليّة على اقسام، منها مايوصل الى معرفة الحكم الشرعى بعلم وجداني و
بنحو الجزم والقطع، و منها مايوصل الى معرفة الحكم الشرعي بعلم تعبّدى، و منها ما
يعيّن الوظيفة العملية الشرعيّة، و منها ما يعيّن الوظيفة العملية العقلية(1) هذا.
و لكن الصحيح في المقام ان يقال ان مسألة القطع كما انها ليست من المسائل الاصولية،
كذلك ليست من نتائجها ايضاً، والسبب في ذلك ما تقدّم منا في مستهلّ بحث الأصول، ان
المسائل الأصولية مسائل نظرية تتكون باعمال النظر والفكر، و لهذا يكون تكوينها بيد
المجتهد، و من هنا قلنا ان علم الاصول موضوع لممارسة النظريات العامة والقواعد
المشتركة بغاية التفكير الفقهي النظري و هو تطبيقها على عناصرها الخاصة في مقام
عملية الأستنباط، و عليه فكما ان تكوين المسائل الأصولية و تحديدها كنظريات عامة و
قواعد مشتركة في الحدود المسموح بها نظري، فكذلك تطبيقها على مصاديقها في الفقه في
مقام عملية الاستنتاج والاستنباط نظري و بحاجة الى اعمال النظر والفكر في كافة
اتجاهات هذا التطبيق و حدوده، فاذن لايعقل ان تكون النتيجة الفقهيّة قطعيّة،
والمسألة الاصولية ظنيّة و غير قطعيّة.
و ان شئت قلت:
ان نسبة علم الاصول الى علم الفقه نسبة العلم النظري الى العلم التطبيقي، و نتيجة
ذلك هي ان كلما كان الباحث الأصولي أدق و اعمق في التفكير الاصولي و تكوين النظريات
العامة والقواعد المشتركة، كان ادق و أعمق في تطبيقاتها على عناصرها الخاصة في
الفقه بنفس المستوى، فاذا بلغ مستوى التفكير الأصولي درجة بالغة في الدقة والعمق،
بلغ مستوى التفكير الفقهي نفس الدرجة، لانّ الذهنية الاصولية النظريّة ترتبط
بالذهنية الفقهية التطبيقية في تمام المراتب والمراحل والدرجات، على اساس ان
الذهنية الاصولية اذا بلغت درجة اكبرعمقاً و اكثردقة و تحقيقاً، انعكست تماماً في
الذهنية الفقهية و تطلب في مجال التطبيق دقة اكثر و تحقيقاً أعمق، و على ضوء ذلك
فلايتصور ان تكون مسألة القطع نتيجة المسألة الاصولية، ضرورة ان المسألة اذا كانت
نظرية فتطبيقها على عناصرها ايضا نظري، فلايعقل ان يكون قطعيّاً، و إلاّ لزم خلف
فرض كون المسألة نظرية، و اما ماذكره(ره) من أن النتيجة في المباحث العقلية غير
المستقلة قطعيّة، فلايمكن المساعدة عليه.
اما اوّلاً فلان المباحث المذكورة مباحث نظريّة و مورد لتبادل الافكار والأنظار بين
الأصوليين نفياً و اثباتاً.
و ثانياً على تقدير تسليم ان تلك المباحث مباحث قطعيّة وجدانية، الاّ ان استنباط
الحكم الشرعي منها يتوقف على ضمّ مقدمة شرعية اليها، كوجوب مقدمة الواجب و حرمة
الضد و نحوهما وهي ظنّية، و بحكم أن النتيجة تابعة لأخسّ المقدمتين، فلامحالة تكون
ظنيّة.
وثالثا ماذكرناه في مستهلّ بحث الاصول، ان المباحث المذكورة ليست من المسائل
الاصولية، لان ضابط اصولية المسألة غير متوفر فيها و هو وقوعها في طريق عملية
الاستنباط مباشرة، والمفروض ان تلك المسائل لم تقع في طريق عملية الاستنباط كذلك،
لان الواقع في طريق العملية مسائل اخرى كمسألة الترتب و قواعد باب التزاحم، و عليه
فالمسائل المذكورة من المبادي لامن المسائل الاصولية، و من هنا لوكانت هناك رواية
قطعيّة سنداً و دلالة وجهة، فمدلولها وهوالحكم الشرعي ايضاً قطعي و ثابت بالوجدان
مباشرة بدون توسيط المسألة الاصولية، و نسبة هذالحكم القعطي الى المجتهد و غيره على
حدّ سواء، فلايرجع العامي الى المجتهد فيه، باعتبار انه وصل الى المكلّف مباشرة
بدون دخل لنظر المجتهد فيه.
و عليه فرجوع العامي الى المجتهد في مثل هذه المسائل من باب الرجوع الى ناقل
المسألة لامن باب التقليد والرجوع الى رأيه فيها.
الامر الثالث: ان الاحكام المجعولة في الشريعة المقدسة على نوعين:
النوع الاول: الاحكام الشرعية التي لاتزال تحتفظ بضرورتها اوقطعيتها رغم فصل تلك
الاحكام عن عصر التشريع بفترة زمنية طويلة و عبرالقرون المتطاولة، وهذالنوع من
الاحكام الشرعية التي تتمتع بطابع ضروري لاتتجاوز نسبته الى مجموع من الاحكام
التشرعيّة عن خمسة او ستة في المائة بنسبة تقريبيّة، و موقف جميع اصناف المكلف و
افراده امام هذا النوع من الاحكام الشرعيّة على حد سواء، ولايرجع غير المجتهد الى
المجتهد في ذلك النوع من الأحكام الشرعية، لفرض انها وصلت الى الناس من عصر التشريع
الى زماننا هذا مباشرة بدون دخل لنظرالمجتهد و رأيه في وصولها، و لهذا لاموضوع
لعملية الاجتهاد والتقليد في تلك الاحكام أصلاً.
النوع الثاني: الاحكام الشرعية النظرية، و هذا النوع من الاحكام الشرعية يتوقف
اثباته على عملية الاجتهاد والاستنباط، مثلاً الروايات الواردة من الائمة
الاطهار(ع) لابد من النظر فيها والتحقيق في جميع جهاتها من السند والدلالة والجهة،
على أساس ان غالب تلك الروايات ظنيّة من كافة الجهات، و على المجتهد اثبات سندها و
دلالتها وجهتها وفق شروطها في الحدود المسموح بها شرعاً كنظريات عامة و قواعد
مشتركة في الاصول، فاذا اثبت حجية اخبارالثقة من جميع الجهات كقاعدة عامة، و قام
خبرثقة خاصة على وجوب السورة في الصلاة، فلابدّ من التحقيق في مرحلة التطبيق كالنظر
الى ان هذا الخبر واجد لشروط حجية اخبارالثقة، فاذا كان واجداً لها، فلابد حنيئذ من
الفحص عن ان له معارضا او لا، و اذا لم يكن له معارض، فهل القرينة موجودة على خلافه
او لا، فاذا لم يكن لا هذا ولاتلك، فعندئذ ينظر الى دلالته وجهته، فاذا كان تامّاً
من هاتين الجهتين ايضا، يقوم بعملية التطبيق و يفتي حينئذ بوجوب السورة في الصلاة و
هكذا، ثم انه اذا كان له معارض، فلابد من الرجوع الى مرجحات باب التعارض، فان كان
لاحدهما مرجح قدّم على الآخر و الاّ فيسقطان معاً فيرجع الى العام الفوقي ان كان و
الاّ فالى الاصل العملي، و من الطبيعي ان تشخيص كل ذلك بحاجة الى اعمال النظر بدقة
وهو خارج عن قدرة غيرالمجتهد المطلق، لانه كما لايقدر على تكوين النظريات العامة
والقواعد المشتركة في الاصول، كذلك لايقدر على تطبيقها على عناصرها الخاصة في
الفقه، فان لكل منهما شروطا عامة و غير المجتهد لايقدر على توفيرها كماهو المطلوب
والصحيح، فلذلك يكون وجوب التقليد والرجوع الى المجتهد الجامع للشرائط منها
الأعلمية في تعيين وظائفة الدينيّة امر ضروري بعد فرض ان التكليف عنه غيرساقط.
فالنتيجة ان عملية الاجتهاد والتقليد عمليتان ضروريتان في الشريعة الاسلاميّة بحكم
ضرورة التبعية للدين، هذا اضافة الى ان التقليد امر موافق للفطرة والجبلة، و قبل
الدخول في تفاصيل قضية التقليد و تخريجها على اساس انه من صغريات كبرى الرجوع الى
اهل الخبرة نقدم عدة مقدمّات:
المقدمة الاولى: ان اجتهاد المجتهد تارة يكون ملحوظا بجانبه الذاتى واخرى بجانبه
الموضوعى، و نقصد بالأول المعلوم بالذات القائم بنفس المجتهد، و بالثاني المعلوم
بالعرض الخارج عن افق الذهن المرئي بالمعلوم بالذات و المحكي به، اما الاجتهاد على
اللحاظ الاول، فلااثر له لانه مجرد صورة الحكم في افق الذهن كصور سائرالاشياء فيه،
و اما على اللحاظ الثاني، فله اثر لانه الحكم الشرعي الاسلامي الثابت بالاجتهاد في
خارج افق الذهن و الاثر مترتب عليه، لانه و ان كان وليد اجتهاد المجتهد إلا انه ذات
طابع اسلامي، فلذلك يترتب عليه اثر في الظاهر، او فقل ان واقع التشريع الاسلامي و
ان كان واحداً ولايتعدد بتعدد اجتهادات المجتهدين و آرائهم، باعتبار انه ليس وليد
افكارهم، فان ماهو وليد افكارهم هوالاحكام الاجتهادية، وحيث انها مرآة لواقع
التشريع الاسلامي، فتكون ذات طابع اسلامى، و ماهو موضوع الآثار في الخارج و مصب
التقليد هوالاجتهاد الموضوعي لاالذاتي.
المقدمة الثانية: ان الاجتهاد الموضوعي لاينتفي بموت المجتهد بل هو باق ببقاء
الشريعة المقدسة، لان المنتفي بموته انما هوالاجتهاد الذاتي المتمثل في الصور
الذهنية القائمة بنفس المجتهد، و لعل الخلط بين الاجتهاد الذاتي والاجتهاد
الموضوعي، أدّى الى القول بان آراء المجتهد تزول بموته، و على هذا الاساس بنى صاحب
هذا القول على عدم جواز البقاء على تقليد الميت، و لكن قد عرفت ان مايزول بموت
المجتهد انما هو اجتهاده الذاتى دون اجتهاده الموضوعي، فانه ثابت في الواقع باعتبار
انّه خارج عن افق ذهنه، سواءً كان المجتهد حيّاً ام ميتاً، فاذا افتى بوجوب السورة
في الصلاة، فهذه الفتوى باقية و ان كان المجتهد قد مات كماهو الحال في سائر اخبار
اهل الخبرة والبصيرة كالطبيب والمهندس وماشاكلهما. ثم ان اجتهاد المجتهد كما انه
حجة على نفسه كذلك حجة على غيره اذا كان واجداً لشروط التقليد منها الأعلميّة.
اما انه حجة على المجتهد نفسه، فعلى ضوء انه استنبط من الادلة الاجتهادية التى تكون
حجة كظواهر الكتاب والسنة و اخبار الثقة، والمفروض ان اجتهاده يكون نتيجة تطبيق
حجية تلك الادلة كقاعدة عامة على عناصرها الخاصة، و حنيئذ يكون اجتهاده حجة على
نفسه من باب حجية الظن الخاص، و اما ذا فرضنا ان حجيتها لم تثبت بدليل خاص و انما
تثبت بدليل الانسداد، فيكون اجتهادة حجة من باب الظن المطلق.
و على الجملة فالمجتهد بحكم ان التكليف الشرعي لم يسقط عنه، فلابد ان يعمل برأيه و
اجتهاده و ان كان باب العلم والعلمي منسداً عليه.
و اما انه حجة على غيره اذا توفرت شروطها، فبحكم ان التكليف غير ساقط عنه ولاطريق
له غيرالعمل باجتهاد المجتهد و فتاويه، فيكون الرجوع اليه مضافا الى انه داخل في
كبرى الرجوع الى اهل الخبرة ضرورياً بحكم ضرورة تبعيته للدين و عدم سقوط التكليف
عنه حتى فيما اذاكان باب العلم والعلمي منسداً على المجتهد، و حينئذ فلابد للمجتهد
من الاحتياط في الشبهات الحكمية، و حيث ان العامي لايتمكن من الاحتياط فيها،
فوظيفته الرجوع الى المجتهد، و هذا معنى ان الاجتهاد والتقليد عنصران ضروريان في
الاسلام و مستمدان من الكتاب والسنة.
المقدمة الثالثة: ان عملية الاجتهاد واجبة كفائيّة على اىّ فرديكون بامكانه الوصول
الى هذه المرتبة في كل عصر و زمن، على اساس انّ الحركة الفكرية الاجتهادية لابدّ ان
تتطور و تتوسع عصراً بعد عصر بتطور الحياة العامة وتوسعها كذلك في كافة اتجاهاتها و
مجالاتها الاقتصادية والسياسية والثقافية والتعليمية و غيرها من المسائل المستحدثة
المرتبطة بالحياة العامة، و هذه الحركة الاجتهادية تؤكد في المسلمين اصالتهم
الفكرية و شخصيّتهم التشريعة المستقلهة المستمدّة من الكتاب والسنة طول التاريخ و
في كل عصر و قرن، و تحل بها مشاكل الانسان الكبرى في كافة اتجاهات حياته العامة
مهما تطوّرت وتوسّعت، هذا هو ميزة الدين الاسلامي، و بعد ذلك يقع الكلام في ان
الرجوع الى المجتهد هل يكون من باب الرجوع الى اهل الخبرة، فيه وجهان، فقديقال كمال
قيل انه ليس من باب الرجوع الى اهل الخبرة، لان الرجوع اليه مبنى على ان يكون هناك
واقع مشترك بين الخبير و غيره، و في مثله اذا علم الخبير الواقع المشترك، جاز لغيره
الرجوع اليه من باب الرجوع الى اهل الخبرة، و حيث ان المجتهد ليس عالماً بالاحكام
الواقعيّة التي هى مشتركة بينه و بين غيره حتى يكون من اهل الخبرة، و انما يكون
عالماً بالاحكام الظاهرية التى هي مختصة به لا انها مشتركة بينه و بين غيره لاختصاص
موضوعها به، فاذن ما هو مشترك بينه و بين غيره، لايكون عالماً به و مايكون عالماً
به، فلايكون مشتركاً بينه و بين غيره.
والجواب: عن ذلك تارة يكون في الاصول اللفظية و اخرى في الأصول العملية الشرعية و
ثالثة في الأصول العملية العقلية.
اما في الأولى، فلاشبهة في ان اطلاقات الكتاب والسنة تشمل المجتهد و غير المجتهد،
لانها موجهة الى المكلف الجامع بينهما بدون أخذ قيد الاجتهاد في موضوعها، فاذن
لاوجه لتقييدها بالمجتهد، لان مضامينها التي هى عبارة عن الاحكام الشرعية، لاتختص
بالمجتهد بل تعم غيره، هذا مما لا كلام فيه. و انما الكلام في حجية تلك الاطلاقات،
فهل هي مختصة بالمجتهد؟
والجواب: قد يقال بالاختصاص، عل أساس ان حجّيتها مشروطة بشروط لايتمكن غيرالمجتهد
من تحصيلها منها الفحص عن وجود المخصص والمقيد على الخلاف، و منها الفحص عن وجود
المعارض اوالدليل الحاكم اوالوارد، و من الواضح ان غير المجتهد لايتمكن من الفحص في
الشبهات الحكمية عن وجود القرائن و غيرها على الخلاف.
و لكن هذالقول غيرتام، و ذلك لان عنوان الفحص غير مأخوذ في موضوع حجية هذه الادلة،
لان موضوعها مطلق و غير مقيّد به، نعم يكون مقيداً بعدم قيام الحجّة على خلافها،
والفحص انما هو من جهة ان الحجة على الخلاف موجودة في الواقع اولا، وعليه فاذا قام
المجتهد بالفحص عنها فى مظانها، فان وجدها فالموضوع مقيّد، و ان لم يجدها على
خلافها فالموضوع مطلق.
و بكلمة ان احراز موضوع حجية اطلاقات الكتاب والسنة وظيفة المجتهد دون غيره، و اما
الحكم الظاهري وهوالحجية فهو مشترك بينة و بين غيره، فيجوز له ان يرجع اليه فيها من
باب الرجوع الى اهل الخبرة.
و بكلمة واضحة ان الاحكام الظاهرية سواء أكانت في موارد الامارات ام في في موارد
الاصول العملية جميعاً، احكام طريقية والغرض من وراء جعلها الحفاظ على الاحكام
الواقعية بمالها من الملاكات في الواقع او التسهيل النوعي، و اثرها تنجيزالواقع و
تعذيره ولاشأن لها غير ذلك، و لهذا لاتكون مخالفتها موجبة للادانة والعقوبة و
موافقتها للمثوبة بقطع النظر عن الاحكام الواقعيّة، فان اطاعتها انما هي باطاعة
الاحكام الواقعية و مخالفتها انماهي بمخالفتها، فلايقتضي لها مخالفة مستقلة و الا
لزم خلف فرض كونها احكاما طريقيّة، و عليه فيجوز لغير المجتهد ان يرجع اليه في
اثبات الاحكام الواقعية تنجيزاً أو تعذيراً وهي احكام مشتركة بين الكل على الفرض.
والخلاصة ان ما هو واقع في الخارج هو رجوع غير المجتهد إليه في اثبات الاحكام
الواقعية تنجيزاً او تعذيراً، سواءً كان ذلك بالأمارات الشرعية أم بالاصول العملية،
ولاشبهة في ان رجوعه إليه في ذلك من باب الرجوع الى اهل الخبرة.
نعم هنا بحث آخر و هو ان الطريق الى احراز موضوع حجية تلك الاطلاقات، هل هو فحص
خصوص الاعلم ولاقيمة لفحص غير الأعلم، او فحص مطلق المجتهد، و لكن محل هذا البحث
مسألة الاجتهاد والتقليد و تمام الكلام هناك. هذا اضافة الى انه يمكن القول بان فحص
المقلد انما هو برجوعه الى المجتهد، فاذا رجع إليه و لم يجد عنده مايدل على الخلاف
فقد اكمل الفحص، و حينئذ يكون صغرى الكبرى الوظيفة الظاهرية و موضوعالها.
و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الاحكام الظاهرية مختصة بالمجتهد ولاتعم
غيره، الاّ انه لاشبهة في ان المجتهد من اهل الخبرة بالنسبة الى الاحكام الواقعية
المشتركة بينه و بين غيره، ضرورة انه لايعتبر في صدق عنوان اهل الخبرة عليه ان يكون
عالماً بالاحكام الشرعية الواقعية بعلم وجداني، و الا فلازمه ان لايكون العالم
بالعلوم النظرية كالطب و نحوه من اهل الخبرة ايضاً، باعتبار انه غير عالم بمسائل
هذه العلوم بعلم وجداني بل هو عالم بها من طريق عملية الاجتهاد والنظر، مثلاً
الطبيب لايكون عالماً بمسائل الطب وجدانا بل هو عالم بها بالحدس والاجتهاد بتطبيق
القواعد العامه على عناصرها الخاصة، فاذا قام طبيب بفحص المريض بالوسائل المتاحة له
كالاشعة اوالتحليل واستنتج منه نوع مرضه فاخبره به، فمن الواضح ان هذا الاستنتاج
انما هو بتطبيق الكبرى على الصغرى وهو لايفيد غالباً الاّ الظن اوالوثوق، مع انه
لاشبهة في كون الطبيب من اهل الخبرة، والرجوع اليه على أساس رجوع الجاهل الى
العالم، و كذلك الحال بالنسبة الى كل اهل فن و نظر، فاذاكان هؤلاء من اهل الخبرة
بالنسبة الى الواقع المشترك، كان المجتهد ايضا من اهل الخبرة بالنسبة الى الاحكام
الواقعية المشتركة، والنكتة في ذلك هي ان الخبروية معنى نسبي تختلف باختلاف الافراد
والعلوم، مثلا اهل الخبرة في العلم الرياضي يختلف عن اهل الخبرة في علم الطب و
نحوه، فان خبرويته في الاول من جهة انه عالم بمسائل الرياضية بالواجدان، باعتبار ان
مسائلها وجدانية، و في الثاني من جهة انه عالم بمسائل الطب بالحدس والاجتهاد الظني
على اساس تطبيق الكبرى على الصغرى فيكون من اهل الخبرة بمسائل الطب بالظن والوثوق،
و عليه فالمجتهد ايضا من اهل الخبرة بالاحكام الواقعية من الطرق الظنية الاجتهادية
لااكثر، فلافرق بينهما من هذه الناحية، و ان شئت قلت ان المعصومين(ع) يكونوا من اهل
الخبرة بالاحكام الشرعية الواقعية بالعلم الوجداني، و اما المجتهدون فهم اهل الخبرة
بها بالعلم التعبدي، ضرورة انا لو اعتبرنا في صدق اهل الخبرة العلم الوجداني
بالوقائع المشتركة بان يكون اخباره عن تلك الوقايع مباشرة و جزماً لابواسطة اخباره
عن ارائه و نظرياته فيها التى قدتكون مطابقة لها و قدتكون مخالفة، فلايوجد اهل
الخبرة في العلوم النظرية لافي المقام ولا في غيره، لان الوصول اليها انما يكون
بالنظر والاجتهاد لابالوجدان، هذا كماترى.
والخلاصة انه لاشبهة في صدق اهل الخبرة عل المجتهد والطبيب و نحوهما من اهل الفكر
والنظر، فانهم و ان كانوا يخبرون عن آرائهم و نظرياتهم لكن لابنحو الموضوعية بل
بنحو الطريقية والمعرفية المحضة الى الواقع، و قد جرت على اعتبار اقوالهم و إخبارهم
عن آرائهم و نظريأتهم، السيرة القطعية من العقلاء الممضاة شرعا هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان صدق اهل الخبرة لايتوقف على ان تكون الواقعة مشتركة بينه و بين
غيره، بل لوكانت مختصة بغيره و هو عالم بها، صدق عليه انه من اهل الخبرة بالنسبة
اليها، فيجوز لغيره الرجوع اليه كرجوع المرأة الى المجتهد في احكام الحيض والنفاس و
الاستحاضة، فانه من باب رجوع الجاهل الى العالم.
و ثالثاً مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن دليل حجية الامارات لايجعل الفقيه من اهل
الخبرة بالنسبة الى الاحكام الشرعية الواقعية، و انما يجعله من اهل الخبرة بالنسبة
الى الاحكام الظاهرية فقط التي هي مختصة بالفقيه لاختصاص موضوعها به، و لكن مع هذا
لابد للعامي من الرجوع اليه على اساس ان التكليف غير ساقط عنه في الواقع و باب
العلم و العلمي منسد عليه، والاحتياط في جميع الاحكام الشرعيه خارج عن قدرته، فاذن
لامناص له الاّ من الرجوع الى ظن المجتهد، لانه اقرب طرق له الى الواقع، و من هنا
قلنا ان التقليد امر ضروى بحكم ضرورة التبعية للدين، و ان قلنا بان الرجوع الى
المجتهد ليس من الرجوع الى اهل الخبرة.
و اما الكلام في الثانية و هي الاصول العملية الشرعية، فلانها وظيفة ظاهرية للمجتهد
خاصة لاختصاص موضوعها به، مثلاً موضوع الاستصحاب اليقين بالحالة السابقة والشك في
البقاء، و من الواضح ان اليقين بالحالة السابقة والشك في البقاء في الشبهات الحكمية
لايمكن حصولهما الاّ للمجتهد دون غيره، و عليه فبطبعية الحال يكون الاستصحاب مختصاً
به من جهة اختصاص موضوعه به، و حينئذ فلايجوز لغيره ان يرجع اليه فيه، لانه لايكون
مشتركا بينه و بين غيره.
والخلاصة ان الاستصحاب وظيفة ظاهرية للمجتهد خاصة لاختصاص موضوعه به، و عليه
فلايجوز لغيره ان يرجع اليه و يقلده فيه، لانه ليس وظيفته ولايجوز له العمل به، كما
لايجوز للمجتهد ان يفتي به لغيره، لانه فتوى بغير ما انزل الله تعالى و اغراء للناس
بالجهل، و كذلك الحال في اصالة البراءة الشرعيّة و غيرها، لانها وظيفة ظاهرية
للمجتهد خاصة لاختصاص موضوعها به. والجواب انه يمكن حل هذه المشكلة باحد طريقين.
الطريق الاول: ان الاصول العملية الشرعية سواءً أكانت متمثلة في الاستصحاب أم في
اصالة البراءة ام نحوهما، اثرها تنجيز الواقع و تعذيره و الاّ فلا موضوعية لها في
نفسها، فالمجتهد في موارد هذه الاصول العملية الشرعية انمايقوم بتكوينها و تنقيحها
كقاعدة عامه وفق شروطها، بغرض ايجاد المنجز للحكم الواقعي و المعذرله، و عليه ففتوى
المجتهد بمؤدى الاستصحاب باعتبار انه منجز للواقع المشترك بينه و بين غيره، فيجوز
لغيره ان يرجع اليه فيه من باب رجوع الجاهل الى العالم، كما ان فتواه بمفاد اصالة
البراءة وهوالترخيص، حيث انه معذر للواقع المتشرك، فيجوز الرجوع اليه فيه من باب
الرجوع الى اهل الخبرة.
و على الجملة فالاحكام الظاهرية احكام طريقية شأنها تنجيز الواقع المشترك اذاكان
ثابتا او تعذيره، فاذن الرجوع الى المجتهد والعمل بفتواه في موارد الاصول العملية
الشرعية، انما هو بلحاظ ان فتواه فيها منجز للواقع او معذر عنه، و حيث ان الواقع
المنجز مشترك بينهما، فالرجوع اليه في تنجيزه من الرجوع الى اهل الخبرة.
فالنتيجة ان تحصيل المنجز و المعذر كقاعدة عامة في الشبهات الحكمية و ان كان من
اختصاص المجتهد، إلا ان تنجزالواقع المشترك بينه و بين غيره يوجب جواز رجوع غيره
اليه في هذا الفتوى من باب رجوع الجاهل الى العالم، باعتبار ان الواقع لايسقط عنه و
انه مكلف به واقعاً ولاطريق له الى العمل به غير الرجوع الى فتوى المجتهد بالتنجيز
أوالتعذير.
الطريق الثاني: ان التقليد كما يجوز في المسائل الفقهيّه، يجوز في المسائل الاصولية
ايضا، فاذا قلد المجتهد في المسائل الاصولية صار كالمجتهد، غاية الامر ان المجتهد
عالم بها عن اجتهاد و هو عالم بها عن تقليد، و عندئذ فان كان قادراً على عملية
التطبيق و استنباط الحكم الشرعي منها، فهو مجتهد في مرحلة التطبيق و لايرجع الى
غيره فيها، و ان لم يكن قادراً عليها ايضاً، يقلد المجتهد الاعلم فيها في طول
التقليد الاول.
و بكلمة انه يمكن علاج المشكلة بهذا الطريق في موارد الامارات والاصول العملية
الشرعية معا، اما في الاولى فان قلنا فرضاً باختصاص حجية الامارات بالمجتهد،
فلامانع من رجوع غير المجتهد اليه و يقلده فيها، غاية الامر ان حجتيها ثابتة
للمجتهد بالنظر والاجتهاد وللمقلد بالتقليد، و ان قلنا بان حجية الامارات مشتركة
بين المجتهد و غيره و لاتخص بالاول، غاية الامر ان غير المجتهد لايتمكن من توفير
شروطها كالفحص و نحوه، فلهذا يرجع اليه من باب الرجوع الى اهل الخبرة في المسائل
الاصولية ثم يرجع اليه في المسائل الفقهية ايضا في طول الاول، فهنا تقليدان طوليان
و بذلك تحل المشكلة.
و اما في موارد الاصول العملية الشرعية كالاستصحاب و نحوه، فيرجع غير المجتهد اليه
في اثبات الحالة السابقة والشك في بقائها، غاية الامر ان المجتهد عالم بالحالة
السابقة بالعلم الوجداني و غيره عالم بها بالتقليد، و ان شئت قلت ان غير المجتهد
يرجع اليه اولا في جعل نفسه بذلك موضوعاً لهذه الاحكام الظاهرية والوظائف العملية،
و بمقتضى دليل التقليد يصبح موضوعا لها شرعاً كالمجتهد، غاية الامر ان المجتهد
موضوع لها واقعاً و وجدانا، و اما غيره فموضوع لها بالتقليد، فاذن تكون الاحكام
الظاهرية كالاحكام الواقعيّة مشتركة بينه و بين المجتهد، و حيث ان المجتهد يكون من
اهل الخبرة فيها و قادر على استنباطها دونه، فله ان يرجع اليه و يقلده في اثبات نفس
هذه الاحكام الظاهرية له، و هذا التقليد يكون في طول التقليد الاول.
و الخلاصة ان هنا تقليدين:
الاول: تقليده عن مجتهد في اثبات موضوع هذه الاحكام الشرعية الظاهرية باعتبار انه
من اهل الخبرة فيه.
الثاني: في اثبات نفس هذه الاحكام الظاهرية له، فيكون التقليد الاول محققا لموضوع
التقليد الثاني نظير شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة، فانه بشموله للخبر
المباشر ينقح موضوع الخبر مع الواسطة، مثلاً موضوع الاستصحاب اليقين بحدوث شيء
والشك في بقائه، كاليقين بنجاسة الماء المتغيّر باحد اوصاف النجس والشك في بقائها
بعد زوال تغيره بنفسه، و من الواضح ان حصول هذاليقين والشك في المثال او ماشاكله من
الشبهات الحكمية منوط بالفحص عن الادلة فيها والنظر اليها بكافة جهاتها ولايقدر على
ذلك الا المجتهد، فانه اذا قام بعملية الفحص والنظر الى الادلة في المثال، حصل له
اليقين بنجاسة الماء المتغير باحد اوصاف النجس، ثم انه اذا فرض زوال تغيّره بنفسه،
حصل له الشك في البقاء من جهة ان الادلة الاولية لاتدل على نجاسته حتى بعد زوال
تغيّره، والدليل الاخر يدل على بقائها اوزوالها غير موجود، و غيرالمجتهد حيث انه
لايقدر على تحصيل اليقين بنجاسة الماء المتغير والشك في بقائها بعد زوال تغيّره في
الشبهات الحكميّة، فلامانع من الرجوع إليه و تقليده في هذه المسألة، فاذا قلده
فيها، حصل له اليقين بالنجاسة والشك في بقائها تقليداً، و بهذا التقليد يصبح غير
المجتهد موضوعا للحكم الظاهرى كالمجتهد، فيشترك معه فيه، و حنيئذ فيجوز له ان يرجع
اليه في اثبات الحكم الظاهرى من باب الرجوع الى اهل الخبرة، باعتبار انه قادر على
استنباط الحكم الظاهري من ادلة الاستصحاب و رواياته دونه، فيكون هنا تقليدان
طوليان، والتقليد الاول ينقح موضوع التقليد الثاني ولامانع من الالتزام بهما، و من
هذا القبيل ما اذاكان الشخص مجتهداً في تعيين الصغرى بحدودها المسموح بها في مرحلة
التطبيق دون تعيين الكبرى و تحديدها بشروطها العامة في الحدود المسموح بها شرعاً،
جازله ان يرجع اليه و يقلده في الكبرى بمقتضى دليل التقليد، و كذلك الحال في اصالة
البراءة الشرعية والاحتياط الشرعي، فان لغير المجتهد ان يرجع اليه فى اثبات موضوع
اصالة البراءة اوالاحتياط و يقلده فيه بمقتضى دليل التقليد، فاذا قلده فيه، كان
عالماً بانطباق موضوعها عليه تقليداً، بينما المجتهد يكون عالماً بالانطباق
وجداناً، و حيث ان هذا التقليد ينقح موضوع التقليد الثاني، فيجوز له الرجوع اليه في
الفتوى بالترخيص بمقتضى اصالة البراءة او الوجوب بمقتضى اصالة الاحتياط من باب
الرجوع الى اهل الخبرة.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهى انه لامانع من الالتزام بتقليدين
طوليين في موارد الامارات المعتبرة والاصول العملية معاً، و حيث ان التقليد الاول
ينقح موضوع التقليد الثاني فيكون فى طوله.
و غير خفي ان هذا الطريق و ان كان ممكنا ثبوتا به تنحل المشكلة والدليل يساعدة في
مقام الاثبات، الاّ انّه غير عملي في الخارج، لوضوح ان التقليد في المسائل الاصولية
امر مغفول عنه لدى عامة الناس، و كذلك التقليد في اثبات موضوعات الاحكام الظاهرية
مقدمة للتقليد الثاني وهو تقليده في نفس الاحكام الظاهرية، لانه مغفول عنه و مجرد
تصوّر ذهني ولاواقع موضوعي له، و لهذا لايكون هذا الطريق حلا عملياً، فالمتعيّن هو
الطريق الاول، و ان شئت قلت ان الطريق الثاني و ان كان صحيحاً نظرياً و لكنه ليس
بعملي خارجاً، فلهذا يكون المتعيّن هوالطريق الاول، لانه طريق عملى و معتاد بين
الناس.
الثالثة وهي الاصول العملية العقلية، كاصالة البراءة العقلية و اصالة الاشتغال
العقلية والظن الانسدادي على الحكومة، فقد يقال انه لايجوز رجوع غير المجتهد اليه
في مواردها و ان قلنا بجواز الرجوع اليه فى موارد الاصول اللفظية والاصول العملية
الشرعية، و ذلك لان المجتهد في مواردها لايكون عالماً بالاحكام الواقعية ولا
بالاحكام الظاهرية، و كذلك الحال في موارد الظن الانسدادي، و على هذا فلايمكن حل
هذه المشكلة في الموارد المذكورة بالالتزام بتقليدين طوليين، لفرض انه ليس في تلك
الموارد حكم ظاهري مجعول حتى يمكن الرجوع إليه فى اثبات موضوعه أولا ثم في اثبات
حكمه، باعتبار ان الاول ينقح موضوع الثاني، و عليه فحيث ان التكليف غير ساقط عنه و
باب العلم والعلمى مسند عليه والاحتياط لايمكن، فلامناص له من الرجوع الى المجتهد
في موارد الاصول العمليّة العقلية و باب الانسداد على الحكومة هذا.
والصحيح في الجواب ما تقدم من ان الاحكام الظاهرية، احكام طريقية صرفه و لاموضوعية
لها فى مقابل الاحكام الواقعية، حيث ان الهدف من وارء جعلها هو الحفاظ على الاحكام
الواقعية و ملاكاتها بعد ما لايمكن الوصول إليها مباشرة، بلافرق في ذلك بين ان تكون
الاحكام الظاهرية متمثلة في الأصول العملية الشرعية ولا شأن لها غير تنجيز الواقع
عند الاصابة والتعذير عند الخطأ، و لهذا لاترتب العقوبة على مخالفتها ولا المثوبة
على موافقتها بنفسها و بقطع النظر عن مطابقتها للاحكام الواقعيّة و مخالفتها لها، و
اما العقوبة على مخالفة الاحكام الواقعيّة الاعتقادية اذا لم تكن مطابقة للواقع،
فانما هي على التجري والتمرد على المولى و تفويت حقه و هو حق الطاعة كما سوف نشير
إليه، و من الواضح ان التجري والتمرد على المولى من العبد انما هو بالنسبة الى
مخالفة الاحكام الواقعيّة باعتقاده ولا شأن للاحكام الظاهرية في ذلك، فانها ليست في
الحقيقة احكاما، لان حقيقة الحكم و روحه انما هي بملاكه ولاملاك لها حقيقة في مقابل
الاحكام الواقعية، و انما جعلت بفرض الحفاظ عليها الكاشف عن اهتمام المولى به حتى
في ظرف الشك و عدم العلم، فلهذا لاقيمة لها بقطع النظر عن الاحكام الواقعية، و حيث
انها احكام طريقية، فتحرز الاحكام الواقعية تنجيزاً او تعذيراً، سواءً اكان احرازها
بالوثوق ام كان بغيره، و عليه فيجوز لغير المجتهد ان يرجع اليه فى اثباتها كذلك
ويقلده فيه، باعتبار انه من اهل الخبرة والعلم في ذلك.
و بكلمة واضحة ان الاحكام الشرعية الواقعيّة حيث انها غير واصلة الى المكلف بالعلم
الوجداني مباشرة، و انما تكون واصلة بالطرق الاعتيادية الظنّية كاخبار الثقة و
ظواهر الالفاظ و نحوهما، فلذلك يقوم المجتهد بدراسة هذه الطرق من جميع جهاتها في
الاصول بغاية تكوينها كقاعدة عامة في الحدود المسموح بها شرعاً وفق شروطها
المحدّدة، و بعد تكوينها كقاعدة عامة يقوم بتطبيقها على عناصرها الخاصة لاثبات
الاحكام الشرعية الواقعية بنحو من انحاء الاثبات:
الأول: الثبوت القطعي الوجداني كما اذا كانت الرواية قطعية من تمام الجهات، و لكن
تقدم ان هذا النحو من الثبوت لايتوقف على عملية الاجتهاد و الاستنباط.
الثاني: الثبوت التعبدى كما في موارد الامارات الشرعية، و مرجع الثبوت التعبدى بها
الى تنجيز الواقع.
الثالث: الثبوت التنجيزي كما في موارد الاصول الشرعية كاصالة الاحتياط و استصحاب
بقاء الوجوب اوالحرمة.
الرابع: الثبوت التعذيري كما في موارد اصالة البراءة و استصحاب عدم الحرمة او
الوجوب و نحوهما من الاصول المؤمنة.
و من الواضح ان المجتهد ينظر الى ثبوت الاحكام الواقعية بنحو من انحاء الثبوت
بالمعنى الاسمي عند تطبيق القواعد العامة على صغرياتها، و الى نفس تلك القواعد
كاحكام ظاهرية بالمعنى الحرفي، ضرورة ان الغرض من وراء هذا التطبيق هو اثبات الواقع
تنجيزاً او تعذيراً لا واقعا، و اما النظريات والقواعد العامة، فهي مجرد وسيلة
للوصول الى ذلك، و على هذا فطبعية الحال يكون المجتهد من اهل الخبرة بالنسبة الى
اثبات الاحكام الشرعية الواقعية بهذا النحو من الاثبات، و حيث ان الاحكام الواقعية
مشتركة بينهما، فله ان يرجع الى المجتهد و يقلده في اثباتها تنجيزاً او تعذيراً، و
يكون هذا من الرجوع الى اهل الخبرة، و كذلك الحال في رجوع غير المجتهد اليه في
موارد الاصول العملية العقلية.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان رجوع العامي الى المجتهد حيث انه
كان في اثبات الاحكام الواقعيّة بالاحكام الظاهرية تنجيزاً او تعذيراً، فبطبيعة
الحال يكون على أساس قاعدة الرجوع الى اهل الخبرة بلاحاجة الى مؤنة زائدة كالالتزام
بتقليدين طوليين، بان يكون الاول منقحاً لموضوع الثاني، كما انه لادليل على ان
المجتهد نائب عن العامي و يقوم مقامه فى الفحص و في اليقين بالحالة السابقة والشك
فى البقاء، و ايضاً لادليل على تنزيل فحصه بمنزلة فحص العامي و يقينه بها بمنزلة
يقينه و هكذا.
و مع الاغماض عن جميع ذلك و تسليم ان رجوع العامي الى المجتهد ليس من الرجوع الى
اهل الخبرة، فمع ذلك لامناص له من الرجوع اليه تحت اى عنوان كان، ولاطريق له الى
العمل بالاحكام الشرعية والخروج عن المسؤلية امام الله تعالى غير ذلك.
الاحكام المختصّة بطائفة النساء
كاحكام الحيض والنفاس والاستحاضة و ما شاكلها، و هل بامكان الفقيه ان يقوم بعملية
الاجتهاد و استنباط احكام هذه المسائل والافتاء بها؟
والجواب: ان عملية الاجتهاد في المسائل الفقهيّة كافة واجبة كفائيّة، ولابد في كل
عصر في زمن الغيبة من قيام جماعة بهذه العملية والوصول إليها و الاّ لأدّى الى
اندارسها و ضياعها، ضرورة ان كل فرد لايتمكن من الوصول اليها و تعيين وظيفته فيها،
و لهذا تكون عملية الاجتهاد والتقليد عمليتين ضروريتين بحكم ضرورة التبعية للدين
المستمدتين من الكتاب والسنة. و على ضوء هذا الاساس، فيجب على المجتهد ان يقوم
باستنباط مسائل الحيض والنفاس والاستحاضة و نحوها على طبق موازينها و شروطها
المقررة في الشريعة المقدسة في الحدود المسموح بها شرعا و الافتاء حفاظا على تلك
المسائل و عدم ضياعها.
و بكلمة ان الاحكام الشرعية المجعولة في الشريعة المقدسة ليست مجرد وظائف الهيّة
على الناس، بل مضافاً الى ذلك ان لها دوراً تربوياً كبيراً، فانها تزود الانسان
بالطاقة النفسية الكبيرة والملكات الحميدة والاخلاق الفاضلة، ولافرق في دورها
التربوي و تهذيبها سلوكيات الانسان في الخارج و تقويتها روح الايمان بالله وحده
لاشريك له بين عصرالتشريع و هو عصر الحجر و بين عصر العلم والفضاء، والنكتة في ذلك
ان علاقة الانسان بالاحكام الشرعية علاقة معنوية روحيّة، و لهذا لايتأثر بتأثر
الحياة اليومية ولاتتطوّر بتطوّرها، لان الصلاة والصيام والحج و نحوها في زماننا
هذا هي نفس الصلاة والصيام والحج في زمن التشريع، و هذا بخلاف علاقة الانسان
بالطبيعة، فانها علاقة مادّية تتطور بتطورالحياة اليومية عصراً بعد عصر و تتاثر
بتاثرها كذلك.
و الخلاصة: ان دور الشريعة المقدّسة في المجتمع دورالتربية والسلم والعدل و تهذيب
السلوك الخارجي بكافة اشكاله والمنع من الانحرافات العقائديّة والسلوكية والتزويد
بروح الايمان والاستقامة، بلافرق في ذلك بين عصر و عصر آخر هذا من ناحية.
و من ناحية أخرى ان موضوع الحكم الظاهري في المسائل المتقدّمة و ان كان المرأة دون
المجتهد، الاّ ان استنباط الاحكام الشرعية من الامارات و الاصول العملية في تلك
المسائل، لايتوقف على وجود موضوعها في الخارج، و ذلك لانّ عملية الاستنباط في
المسائل الفقهية في الشبهات الحكمية كافة انما هي فى مرحلة الجعل، فان الفقيه في
هذه المرحلة لاحظ (وجود الموضوع في الدليل بنحو التقدير والفرض و ثبوت الحكم له،
مثلاً لاحظ الماء المتغيّر باحد اوصاف النجس المأخوذ في لسان الدليل كذلك و ثبوت
النجاسة له ثم الحكم ببقائها بعد زوال تغيّره بنفسه بالاستصحاب، فلايتوقف جريانه
على تحقق موضوعه في الخارج بل يكفي فيه لحاظ موضوعه بنحو الفرض والتقدير ، و على
هذا فالفقيه لاحظ وجود الحائض فى الخارج بنحو الفرض والتقدير و ثبوت الاحكام لها
والافتاءبها).
و من هنا يكون فتوى الفقيه بنحو القضية الحقيقيّة للموضوع المفروض وجوده في الخارج،
سواءً كان موجوداً فيه حقيقة أم لا، كما انه لاحظ موضوعات الاصول العملية فيه بنحو
الفرض والتقدير ثم افتى بمؤدياتها كذلك.
فالنتيجة ان فتوى الفقيه لايتوقف على وجود الموضوع في الخارج لكي يقال ان يقين
الفقيه بحرمة دخول الحائض فى المسجد مثلاً او حرمة مسها كتابة القرآن والشك فى
بقائها بعد انقطاع الدم و قبل الاغتسال ليس موضوعا للاستصحاب، بل الموضوع له هو
يقين الحائض و شكها، فاذن وظيفتهنّ الرجوع الى الفقيه وهو من الرجوع الى اهل
الخبرة، حيث لاشبهة في ان المجتهد اهل الخبرة في احكام الحيض والنفاس و الاستحاضة و
مسائلها، و لايعتبر في صدق اهل الخبرة ان تكون الواقعة مشتركة بينه و بين العامي،
بل لوكانت مختصة بالعامي، فاذا كان المجتهد عالما بها بالعلم الطريقي، فهو من اهل
الخبرة بالنسبة اليهنّ و تكون فتاويه في تلك المسائل حجة عليهن، على اساس حجية
اخبار اهل الخبرة، و تكون منجزة لها عند تحقق موضوعها في الخارج.
و بكلمة ان عملية الاستنباط لاتتوقف الا على عنصرين اساسيين:
الاول: العنصر النظري
الثاني: العنصر التطبيقي
و علم الاصول يتكفّل العنصرالاول والفقه الثاني، على أساس ان الاصول موضوع لتكوين
النظريات العامة والقواعد المشتركة في الحدود المسموح بها شرعاً وفقاً لشروطها
المحدّدة، والفقه موضوع لتطبيق تلك النظريات والقواعد المشتركة على عناصرها الخاصة،
و هذا هو معنى عملية الاستنباط والافتاء بالنتيجة بنحو القضية الحقيقية للموضوع
المفروض وجوده في الخارج سواءً كان موجوداً فيه حقيقةً ايضا أم لا.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان وظيفة الفقيه ان يقوم بعملية
الاجتهاد و استنباط الاحكام الشرعية من ادلتها بتطبيق القواعد العامة على عناصرها
الخاصة في الفقه، بلافرق بين ان تكون العملية في الاحكام المشتركة او الاحكام
المختصة، بقى امران:
الاول: ان تقليد الأعلم، هل هو واجب أو لا، و على تقدير وجوبه، فهل يجوز لغير
الأعلم مع الالتفات الى ان الاعلم منه موجود، الافتاء؟
الجواب: انه لاشبهة في وجوب تقليد الأعلم في المسائل الخلافية بينه و بين غير
الأعلم، والنكتة فيه ان عمدة الدليل على ذلك سيرة العقلاء الموافقة للجبلة والفطرة
المركوزة في الاذهان الثابتة في أعماق النفوس، و من الواضح ان هذا الدليل لايشمل
فتوى غير الأعلم اذاكانت مخالفة لفتوى الأعلم في المسألة، و عليه فلاتكون حجّة، ثم
ان تقليد الأعلم والرجوع اليه لايختص بالمسائل الفقهيّة بل يشمل كافة المسائل
النظرية كالمسائل الطبيّة و نحوها، حيث انه لاشبهة في وجوب الرجوع الى أعلم الاطباء
في موارد الخلاف لانّه أمر فطري ووجداني، و على هذا فاذا رجع شخص الى غير الأعلم و
قلدّه، فان كان ملتفتاً الى انّه غير الأعلم، كان تقليده باطلاً فى مورد الخلاف
بينه و بين الأعلم، و عمله بفتواه فيه غير مجزي لعدم كونها حجة فيه، و على هذا فاذا
قلّد غير الاعلم، فان كان عمله مخالفاً لتقليد الأعلم، وجبت عليه الأعادة لعدم كونه
معذوراً سواءاً كان في الوقت أم في خارج الوقت، و سواءاً كان الخلاف في الأجزاء
الغير الركنيّة ام الركنيّة، و ان لم يكن ملتفتاً الى انّه غير الأعلم، بان كان
معتقداً انه الأعلم ثم بان انّ الأعلم غيره، وجب عليه العدول عنه الى الأعلم، و هل
يجب عليه قضاء ما أتى به على طبق فتواه في موارد الخلاف؟
الجواب: ان كان الأختلاف بينهما في مسألة كان الجهل فيها عذراً، كما اذا كان
الاختلاف بينهما في غير الاركان، لم تجب أعادته بمقتضى حديث لاتعاد، و ان كان في
الوقت، فاذا صلّى الظهراً والعصر بدون السورة مثلاً، على اساس ان مقلده لايرى
وجوبها ثم عدل الى مجتهد آخر اعلم منه يرى وجوبها في الصلاة، لم تجب اعادتها و ان
كان الوقت باقياً كمامرّ، نعم إذاكان الاختلاف بينهما في مسألة لايكون الجهل فيها
عذراً، كما اذاكان في الأركان، مثال ذلك اذا توضّأ المكلف بماء الورد مثلاً وفقاً
لنظر مقلّده الاول، و لكن مقلده الجديد الأعلم يرى بطلان الوضوء به، و في مثل ذلك
لابدّ من الأعادة، لانّ حديث لاتعاد لايشمل ذلك باعتبار انّه من احد الخمسة
المستثناة منه.
الى هنا قدتبيّن انه لايجوز تقليد غير الأعلم و لاتكون فتاويه حجّة في موارد الخلاف
بينه و بين الأعلم، هذا مما لاكلام فيه، و انّما الكلام في انه هل يجوز لغير الأعلم
الافتاء فى موارد الخلاف بينه و بين الاعلم، فيه تفصيل، فان غير الأعلم ان احتمل
انه ليس بوسعه الوصول الى النكات التى لها تأثير في عملية التطبيق والاستنباط، اما
في تكوين الكبرى أوفي تطبيقها على الصغرى، بينما الاعلم كان بوسعه ذلك، و هذا
الاحتمال كان بمرتبة يمنع عن حصول الوثوق له بصحة عملية التطبيق، لم يجز له الافتاء
لانه افتاء بغير علم و حجة، و ان كان واثقاً بالوصول الى ما وصل اليه الأعلم، جاز
له الافتاء ولكن لايجوز لغيره تقليده، و تمام الكلام في ذلك في مبحث الاجتهاد و
التقليد.
الثاني هل يجوز التبعيض في التقليد؟
والجواب: انه جائز بحسب الكبرى، كما اذا فرضنا ان مجتهداً يكون أعلم من الآخرين فى
باب الصلاة و مسائلها و فروعها، بينما يكون مجتهد آخر اعلم منه في باب الطهارة و
مسائلها و فروعها، فعندئذ يجب على العامي تقليد الاول في باب الصلاة والثاني في باب
الطهارة، و لكن الكلام انّما هو في تحقق الصغرى لهذه الكبرى، و انه هل يمكن ان يكون
مجتهد أعلم من آخر في باب بينما هو اعلم منه فى باب آخر؟
الجواب: انه لايمكن، و ذلك لماذكرناه في محله من ان علم الفقه مرتبط بعلم الاصول
ارتباطاً ذاتياً فى طول التاريخ و في جميع الأدوار، على اساس ان الفقه علم تطبيقي
والاصول علم نظري، والعلم التطبيقي لايمكن وجوده بدون العلم النظري، لانّه مستنبط
منه، و لهذا كلما كان الباحث الاصولي أدق و اعمق في تكوين النظريات العامة والقواعد
المشتركة، كان أدق و أعمق فى تطبيقيها على عناصرها الخاصة، لانهما علمان مترابطان
بترابط متبادل في طول التاريخ، و على ضوء هذالأساس فالأعلم في الاصول فهو الاعلم في
ابواب الفقه كافة، فكل من يكون اعلم في النظريات الاصولية و تكوين قواعدها العامة،
فهو الأعلم في ابواب الفقه و مسائلة كافّة، لان القواعد الاصولية قواعد عامة تشمل
جميع ابواب الفقه، و اما القول بان هذا أعلم في الاصول و ذاك أعلم في الفقه، قول
عامّي مبني على التسامح لاواقعي دقيق هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان المراد من الأعلم الأقدر بالقدرة الذاتية والعلميّة في تكوين
القواعد العامة و تطبيقها على مصاديقها الخاصة لاكثرة الاطلاع في المسائل الفقهيّة،
فانها ناشئة من كثرة الممارسة لها لا من القدرة الذاتية والعلمية.
و من هنا يظهرالفرق بين الأعلم و غير الأعلم في المسائل المعقدة وهي المسائل التي و
ردت فيها روايات مختلفة المتعارضة، فان الأعلم كان يقدر على علاج المعارضة بينها
بتطبيق القواعد العامة كقواعد الجمع الدلالي العرفي عليها او قواعدباب المعارضة
بشكل دقيق و بصورة فنيّة، بينما غير الأعلم لايتمكن من تطبيق تلك القواعد كذلك، و
من هنا يظهر الخلاف بينهما في الفتوى و تمام الكلام في محلّه.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاولى: ان مسألة القطع ليست من المسائل الأصولية ولا من نتائجها، لان المسائل
الأصولية مسائل نظرية فى نفسها و ذاتها، فلا يمكن ان تكون نتيجتها قطعيّة وجدانيّة،
و الالزم خلف فرض كونها نظرية.
الثانية: ان علم الأصول علم نظري و علم الفقه علم تطبيقي، ولايمكن التفكيك بينهما،
لانهما علمان مترابطان بترابط متبادل طول التاريخ على مستوى واحد، على اساس ان
الذهنيّة الاصولية تنعكس على الذهنية الفقهيّة تماما، و لهذا كلما كان الاصول ادق و
أعمق و اكثر شمولاً، كان الفقه ايضا كذلك.
الثالثة: ان الاجتهاد والتقليد عنصران اساسيان في الاسلام، لان الحركة الفكرية
الاجتهادية في كل عصر و زمن، تدل على اصالة المسلمين و استقلالهم في التشريع و حل
مشاكلهم فى الحياة العامة التي تطورت و توسعت عصراً بعد عصر والاحداث المتلاحقة
يوماً بعد يوم.
الرابعة: ان الفحص عن الأدلة والقرائن في الشبهات الحكمية مختص بالمجتهد، والعامى
لايقدر عليه.
الخامسة: ان ماقيل من ان المجتهد لايكون من اهل الخبرة بالنسبة الى الاحكام
الواقعية المشتركة بينه و بين العامى لعدم علمه بها، و عليه فلايكون رجوع العامي
اليه من الرجوع الى اهل الخبرة، و اما بالنسبة الى الاحكام الظاهرية فهو و ان كان
من اهل الخبرة لانه عالم بها، الاّ انّها لاتكون مشتركة بينهما، لاختصاصها بالمجتهد
من جهة اختصاص موضوعها به، فلايمكن المساعدة عليه، لما تقدّم من ان المجتهد و ان
كان لايعلم بالاحكام الواقعيّة بالعلم الوجداني، ولكنه يعلم بها بالعلم التعبدي أي
بتنجيزها و تعذيرها، على أساس ان الاحكام الظاهرية المتمثلة في الامارات المعتبرة
والاصول العملية شأنها اثبات الاحكام الواقعية تنجيزاً أو تعذيراً، و عليه فيكون
المجتهد من اهل الخبرة في اثبات الاحكام الواقعية كذلك، اذن يكون رجوع العامي اليه
من باب الرجوع الى اهل الخبرة والعلم.
السادسة: يجوز التقليد في المسائل الاصولية ايضا، لان عمدة الدليل عليه انما هو
سيرة العقلاء الموافقة للجبلة والفطرة و هى رجوع الجاهل الى العالم، ولافرق فيها
بين ان يكون التقليد في المسائل الاصولية اوالمسائل الفقهية، لانه في كلا البابين
بمعنى رجوع الجاهل الى العالم، كمايجوز للعامي ان يقلد المجتهد في اثبات موضوعات
الاحكام الظاهريّة و بعد التقليد فيها يصبح موضوعا لها كالمجتهد، و عندئذ تكون
الاحكام الظاهرية مشتركة بينهما، فيجوز له ان يرجع اليه ويقلده فيها، فيكون التقليد
الاول ينقح موضوع التقليد الثاني.
السابعة: ان المجتهد من اهل الخبرة في اثبات المنجزّ للاحكام الواقعية والمعذرلها،
إذ لايعتبر في صدق اهل الخبرة ان تكون خبروّيته بالعلم الوجداني، ضرورة ان اخبار
اهل الخبرة لايكون في العلوم الحسّية و انما يكون في العلوم النظرية كالطب و نحوه
وهى غالبا تكون ظنّية.
الثامنة: ان تقليدالاعلم واجب في المسائل الخلافية بينه و بين غير الأعلم ولاتكون
فتوى غير الأعلم حجة و مبرأة للذمّة.
التاسعة: ان التبعيض في التقليد تام كبروياً ولكن ليس لها صغرى في الخارج، لان
المجتهد اذاكان اعلم في الاصول فهو أعلم في الفقه ايضا، و قد عرفت ان المراد من
الأعلم الاقدر على عملية الاستنباط.
الفصل الاول: فيه جهات
الجهة الاولى: ان شيخنا الانصاري(ره) قدذكر ان المكلف اذا التفت الى حكم شرعي، فاما
ان يحصل له اليقين به او الظن اوالشك.
فيكون الاقسام ثلاثة:
و تتطلب هذه الجهة البحث عن عدة نقاط:
الاولى: ان المراد من المكلف هل هو خصوص المجتهد، اوالأعمّ منه و من غيره.
الثانية: ان المراد من الالتفات الى الحكم الشرعي، هل هو في مقابل الغفلة يعني مطلق
التوجه الى انه مكلف في الواقع بتكاليف الزاميّة من الواجبات والمحرمات، اوالنظر
الى الادلة والتفكير فيها.
الثالثة: ان المراد من الحكم، هل هوالحكم الواقعي اوالاعمّ منه و من الظاهري.
اما الكلام في النقطة الاولى، فتمثيل المكلف بالاعمّ من المجتهد و غيره، مبني على
ان المراد من الالتفات مطلق التوجّه الى انه متديّن بدين و مكلف بتكاليف في الواقع
وليس كالمجانين والبهائم في مقابل الغفلة، و تمثيله في خصوص المجتهد، مبني على ان
يكون المراد منه النظر الى الادلة و ممارستها بدقة و عمق في الحدود المسموح بها
شرعا وفقا لشروطها.
و اما الكلام في النقطة الثانية، فالظاهر بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازيه ان
المراد من الالتفات النظر الى الادلة بكل جهاتها من السند والدلالة والجهة، فان
كانت قطعية كذلك فالنتيجة هي القطع بالحكم، و ان كانت ظنيّة ولو من بعض جهاتها
فالنتيجة الظن بالحكم، و ان لم تكن لاقطعيّة ولاظنيّة فالنتيجة الشك فيه، و من هنا
يظهران المراد من الظن، الظن المعتبر بقرينة ان المجتهد اذا نظر الى الدليل، فان
كان تاماً سنداً و دلالة وجهة، كان ينتج الظن بالحكم و هوالظن النوعي المعتبر، و قد
يعبرعنه بالعلم التعبدي في مقابل العلم الوجداني، و ان لم يكن تاماً اما سندا
أودلالة اوجهة بسبب او آخر، كانت النتيجة الشك في الحكم، والخلاصة ان المراد من
الالتفات حيث انه النظر الى الادلة، فهو لامحالة مختص بالمجتهد، إذليس بمقدور
العامي النظر الى الادلة في الشبهات الحكمية والفحص عن وجود القرائن فيها على
خلافها، فاذن كون المراد من الالتفات النظر الى الادلة قرينة على ان المراد من
الظن، الظن النوعي المعتبر.
و دعوى ان هذا التقسيم انما هو بلحاظ ان الحجيّة اما أنها ضرورية او ممتنعة او
ممكنة، فالقطع حجيته ضرورية والشك حجيته ممتنعة والظن حجيته ممكنة، فاذن يكون
المراد من الظن اعم من الظن المعتبر و غيره.
مدفوعة اما اولا، فلان هذه الدعوى مبنية على ان يكون المراد من الشك، الشك المتساوي
الطرفين لانه في مقابل الظن، ولكنه ليس معنى الشك و انما هو مجرد اصطلاح من
المناطقة، و اما معناه العرفي اللغوي، فهو عبارة عن عدم العلم فيشمل الظن ايضاً.
و ثانياً مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان المراد من الشك في المقام هوالشك المتساوي
الطرفين، الا ان الممتنع هو جعل الحجية لكلا الاحتمالين المتساويين، ضرورة ان مجموع
الاحتمالين لايعقل ان يكون حجة، لان معناه حجية الامرين المتناقضين والضديّن، و اما
جعل الحجيّة بمعنى المنجزية والمعذرية لاحدهما خاصة دون الآخر، فهو بمكان من
الامكان، فاذن لايدور بين الواجب والممتنع والممكن، بل بين الواجب و الممكن، و عليه
فلايمكن ان تكون ثلاثية الاقسام بلحاظ الامكان والامتناع والوجوب.
الى هنا قدتبين ان المراد من المكلف في التقسيم هو المجتهد بقرينة كون المراد من
الالتفات فيه النظر الى الادلة، كما ان المراد من الظن، الظن النوعي المعتبر الحاصل
من الأمارات كاخبارالثقة و ظواهر الكتاب والسنة و نحوهما
و اما الكلام في النقطة الرابعة، فهل المراد من الحكم، الحكم الواقعي اوالأعم منه و
من الظاهري؟
والجواب: ان المراد منه الحكم الواقعي لا الأعمّ منه و من الحكم الظاهري هذا من
ناحية،
و من ناحية اخرى ان المحقق الخراساني(ره) جعل التقسيم في المقام ثنائياً و افادما
نصّه.
البالغ الذى وضع عليه القلم اذا التفت الى حكم فعلي واقعي اوظاهري متعلق به او
بمقلديه، فاما ان يحصل له القطع او لا، و على الثاني لابد من انتهائه الى ما استقل
به العقل من اتباع الظن لوحصل له، و قد تمت مقدمات الانسداد على تقدير الحكومة و
الا فالاصول العقلية(2) هذا، و قد ادرج(ره) عده عناصر في هذا التقسيم لم تكن موجودة
في تقسيم الشيخ(ره):
العنصر الاول: انه جعل المقسم البالغ الذي وضع عليه القلم بديلاً عن المكلف.
العنصرالثاني: انه قيد الحكم بالفعلي، بينما لم يكن الحكم في تقسيم الشيخ(ره)
مقيداً بهذا القيد.
العنصرالثالث: انه جعل الحكم اعمّ من الحكم الواقعي والظاهري.
العنصرالرابع: انه جعل التقسيم ثنائياً لا ثلاثياً كما صنعه الشيخ(ره).
اما العنصر الاول فهو مبني على نكتة، وهى ان المقسم في هذا التقسيم لوكان هو
المكلف، لكان تقييده بقوله التفت لغواً، لان المكلف فى نفسه ظاهر في المكلف الفعلي،
على اساس ظهور المشتق في المتلبّس بالمبدء بالفعل، وعليه فيكون تقييده بقيد
الالتفات بلافائدة و جزافاً.
والجواب: ان هذه النكتة مبنية على ان يكون المراد من الالتفات مطلق توجه المكلف الى
انه متدّين بدين و مكلف بتكاليف الزاميّة من وجوبات و محرمات في الشريعة المقدّسة،
و اما اذاكان المراد منه النظر الى الادلة و ممارستها بدقة و عناية فائقه بكل
جوانبها، فلايكون القيد حينئيذ لغواً، بل على ضوء هذا التفسير يكون المراد من
المكلف خصوص المجتهد، باعتبار انه قادر على النظر الى الادلة و ماله دخل في ممارسة
عمليّة استنباط الاحكام الشرعية منها دون غيره.
و اما الامرالثاني، فهو مبني على تخيل ان الاثار الشرعية مترتبة على الحكم الفعلي
دون الانشائي الموجود في مرحلة الانشاء والجعل، اذ لااثر للقطع به فضلاً عن الظن
والشك.
والجواب: ان ذلك مبني على الخلط بين الآثار الشرعية المترتبة على الحكم الفعلي
كالتنجّز والتعذّر والموافقة والمخالفة و ماشاكل ذلك، و بين الآثار المترتبة على
الحكم الانشائي كالفتوى بوجوب شىء او حرمة آخر في الشريعة المقدسة، لوضوح ان الفتوى
من الفقيه لاتتوقف على فعليّة الحكم بفعلية موضوعه في الخارج، لانها انما تكون
نتيجة عملية الاستنباط من الادلة في مرحلة الجعل، و لهذا تكون بنحو القضية
الحقيّقيّة للموضوع المقدّر وجوده في الخارج سواءاً كان موجوداً فيه حقيقة أم لا.
و بكلمة ان محل الكلام في المسألة انما هو في عملية استنباط الاحكام الشرعيّة من
الادلة بتطبيق قواعدها العامة على عناصرها الخاصة في الفقه، و من الواضح ان عملية
الاستنباط لاتتوقف الاّ على جعل الحكم في الشريعة المقدّسة بنحو القضية الحقيقيّة
للموضوع المفروض وجوده فى الخارج سواءاً كان موجوداً فيه حقيقة ام لا، مثلا يقوم
المجتهد بعملية استنباط وجوب الحج من الآية المباركة والروايات بتطبيق الكبرى على
الصغرى، فتكون النتيجة هي وجوب الحج على المستطيع المفروض وجوده في الخارج بنحو
القضيّة.
والخلاصة: ان الآثار الشرعية كما تترتّب على الاحكام الفعلية بفعلية موضوعاتها في
الخارج، كذلك تترتب على الاحكام الانشائية في مرتبة الانشاء والجعل بنحو القضايا
الحقيقية للموضوعات المقدّرة وجودها في الخارج كفتوى الفقيه، فانه يفتي بنفس
الاحكام الانشائية في مرحلة الجعل على اساس قيامه بعملمية الاستنباط والاجتهاد
فيها، فما قيل من اختصاص الآثار الشرعية بالاحكام الفعلية ولا اثر للحكم في مرتبة
الانشاء، لاوجه له اصلا.
و اماالامر الثالث، فلان مبحث القطع والظن والشك لايختص بالحكم الواقعي بل يعمّ
الحكم الظاهري ايضاً، فاذن لاوجه لتخصيص الحكم في المقسم بالحكم الواقعي هذا، و لكن
سوف نبين ان المراد من الحكم فيه الحكم الواقعي دون الا عمّ منه و من الظاهري.
و اماالامر الرابع، وهو جعل التقسيم ثنائياً، فهو مبني على ان الحكم الظاهري لايمكن
ان يكون متعلقاً للظن اوالشك، لان الامارات ان كانت حجة فالحكم الظاهري قطعي في
موردها و كذلك فى موارد الاصول العملية الشرعية و الاّ فهو غير قطعي، و على هذا
فلامحالة يكون التقسيم ثنائياً، فان المجتهد اذا نظر الى الدليل، فان كان قطعياً،
كان ينتج القطع بالحكم الواقعي، و ان كان ظنّياً معتبراً، كان ينتج القطع بالحكم
الظاهري، وان لم يكن لاهذا و لا ذاك، بان يكون باب العلم والعلمي منسداً، و حنئذ
فان حصل له الظن بالحكم على القول بالحكومة تعيّن العمل به عقلاً، والا فالمرجع
الاصول العملية العقلية، فلذلك جعل(ره) التقسيم ثنائياً لاثلاثياً.
والجواب: اولاً ان الحكم الظاهري كالحكم الواقعي، فكما ان الحكم الواقعي قد يكون
قطعياً كما اذاكان الدليل عليه كذلك، و قد يكون ظنياً كما اذاكان الدليل عليه
ظنياً، و قد يكون مشكوكاً كما اذا لم يكن عليه دليل لا الدليل القطعي ولاالظنّى
فكذلك الحكم الظاهري، فانه قد يكون متعلقاً للقطع كالقطع بحجية اخبارالثقة، كما اذا
كان الدليل على حجّيتها قطعياً كسيرة العقلاء، و قد يكون متعلقا للظن، كما اذا كان
الدليل الدال على حجيته ظنياً كخبرالثقة اذا فرض دلالته على حجية خبرالحسن
اوالممدوح، و قد يكون متعلقاً للشك، كما اذا شك في بقاء حجية خبرالثقه ولو من جهة
احتمال النسخ او بسبب آخر.
فالنتيجة انه لافرق من هذه الناحية بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري فلامبرر لجعل
التقسيم ثنائياً.
و ثانيا مع الإغماض عن ذلك و تسليم ان الحكم الظاهري لايقع متعلقاً للظن، الا ان
المراد من الحكم في التقسيم لابد ان يكون حكما واقعيا لا الا عمّ منه و من الظاهري،
بيان ذلك يتوقف على تقديم مقدمة وهي ان الحكم الظاهري المجعول في الشريعة المقدسة
حكم طريقي، لان الهدف من وراء جعله الحفاظ على الاحكام الواقعية بمالها من
الملاكات، ولا شأن لها ماعدا تنجيز الواقع عند الاصابة والتعذير لدى الخطاء،
ولايترتب عليه اثر آخر ماعداه، و من هنا لايكون الحكم الظاهري فى مقابل الحكم
الواقعي مجعولاً مستقلاً، و بعد ذلك يقع الكلام في الحكم الظاهري في موردين:
الاول: في موارد الامارات الشرعية.
الثاني: في موارد الاصول العملية الشرعية.
اما في الاولى فالحكم الظاهري المجعول فيها متمثل فى حجتيها شرعاً، و اثرها اثبات
الواقع تنجيزاً لدى الاصابة و تعذيراً لدى الخطا، فاذا قامت الامارة على وجوب
السورة مثلا في الصلاة، فان صادفت للواقع، كانت منجزة له و تترتب على تنجيزه
الادانة والعقوبة على تركه والمثوبة على موافقة، و ان لم تصادف الواقع كانت معذرّة.
ثم ان حجية الامارات قد تكون قطعيّة، كما اذاكان الدليل المباشر عليها قطعياً كحجية
اخبارالثقه و ظواهر الالفاظ من الكتاب والسنة، فانها قطعية باعتبار ان الدليل
المباشر عليها قطعي وهو سيرة العقلاء الممضاة شرعا بنحو اليقين والجزم، و قد تكون
ظنيّة، كما اذاكان الدليل المباشر عليها ظنياً، فعلى الاول يكون الحكم الظاهري
قطعياً و على الثاني ظنياً، و لكن لا أثر لكل من القطع والظن بالنسبة الى الحكم
الظاهري، باعتبار ان الحكم الظاهري غير قابل بنفسه للتنجزّ و استحقاق العقوبة على
مخالفته والمثوبة على موافقته بقطع النظر عن موافقته للحكم الواقعي و مخالفته.
و بكلمة ان الحكم الواقعي تارةً يصل الى المكلف مباشرة بدون عملية التوسيط كالاحكام
الضروريّة والقطعيّة، و اخرى يصل اليه بطريقة المتمثل في الحكم الظاهري كاخبار
الثقة و ظواهر الآيات و الروايات، فأن الشارع جعلها حجة على الواقع و منجزة على
تقدير الأصابة و معذرة على تقدير الخطاء، على أساس ان الاحكام الظاهرية احكام
طريقية ولا شأن لها الاّ اثبات الواقع تنجيزاً او تعذيراً، فاذا قام خبرالثقه على
وجوب سورة الفاتحة في الصلاة، فان كان مطابقاً للواقع كان منجزاً لوجوبة، و حينئيذ
فاذا ترك المصلي قراءة الحمد في الصلاة، استحق عقوبة واحدة على تركها لاعقوبتين:
احداهما على مخالفة الحكم الواقعي والاخرى على مخالفة الحكم الظاهري، ضرورة ان
موافقة الحكم الظاهري و مخالفته انما هي بموافقة الحكم الواقعي و مخالفته لا
بالاستقلال، و ان لم يكن مطابقاً للواقع، بان لاتكون قراءة الحمد واجبة فى الواقع،
ففي مثل ذلك اذا ترك المصلّى قراءة الحمد و ان كان قد خالف الحكم الظاهري، الاّ انه
لايترتب على مخالفته أىّ أثر فيكون وجودها كعدمها، و لهذا لايكون الحكم الظاهري
قابلاً للتنجيز فى نفسه بل هو منجز للواقع، و على هذا فبطبيعه الحال يكون المراد من
الحكم في هذا التقسيم هو الحكم الواقعي لا الأعمّ منه و من الحكم الظاهري، لان
الحكم الواقعي قابل للتنجيز، فيتنجز تارة بالقطع مباشرة و بالظن بواسطه حجيته، و
اما القطع بحجية الظن و ان كان قطعاً بالحكم الظاهري مباشرة، الاّ انه في الحقيقة
قطع بالمنجز للحكم الواقعي عند الاصابة و بالمؤمن والمعذر عندالخطاء، فلايكون القطع
بالحكم الظاهري في عرض القطع بالحكم الواقعي ولا الظن به في عرض الظن بالحكم
الواقعي، بل هو في الحقيقته قطع بالمنجز والمؤمن في طول الحكم الواقعي و من شئوونه
و تبعاته و بقطع النظر عنه، فلاقيمة للحكم الظاهري ولا للقطع به فانه لاشأن له في
مقابله بل هو من شؤونه، ضرورة ان القطع بالحكم الظاهري في عرض القطع بالحكم
الواقعي، خلف فرض انه حكم ظاهري طريقي مجعول بملاك الحفاظ على الاحكام الواقعية و
ما لها من الملاكات و لاشان لها ما عدا ذلك.
و على هذا فالبحث عن الحكم الظاهري في مباحث القطع والظنّ والشك، انما هو في
الحقيقة بحث عن الطريق لاثبات الحكم الواقعي تنجيزاً او تعذيراً و في طولة.
والخلاصة: ان الاحكام الظاهرية الالزاميّه مجعولة بغرض الحفاظ على الأحكام الواقعية
و ملاكاتها، لان اهتمام المولى بملاكاتها و عدم رضائه بتفويتها حتى في ظرف الشك
والجهل بالواقع، يتطلب منه جعل تلك الاحكام للحفاظ عليها، و من هنا لم تنشأ الاحكام
الظاهرية عن ملاكات خاصة غير ملاكات الاحكام الواقعية و الاّ لكانت احكاما واقعية
لاظاهرية، لان حقيقة الحكم و روحه ملاكه و لاقيمة للاعتبار بماهو اعتبار و بلاملاك،
و من هنا يظهر ان المراد من الحكم في المقسم لامحالة هوالحكم الواقعي دون الأعمّ
منه و من الظاهري، لان الحكم الظاهري ليس بحكم حقيقة في مقابل الحكم الواقعي، بل هو
من شؤون الحكم الواقعي، و من الواضح ان هذا التقسيم الثلاثي انما هو بلحاظ مايترتب
على القطع بالحكم والظن به والشك فيه، مع انه لايترتب على القطع بالحكم الظاهري أىّ
اثر بقطع النظر عن كونه طريقاً الى الحكم الواقعي، و كذلك لايترتب اي اثر على حجية
خبرالثقة بقطع النظر عن كونه طريقا الى اثبات الواقع تنجيزاً، او تعذيراً هذا كله
في موارد القطع بالحكم والظنّ المعتبر.
و اما الكلام في المورد الثاني وهو الاصول العملية الشرعية، فتارة يقع الكلام في
الاصول التنزيلية كالاستحصاب و اخرى في الاصول غيرالتنزيلية، و على الثاني يقع
الكلام تارة فى اصالة البراءة الشرعية و اخرى في اصالة الاحتياط الشرعية.
اما الكلام في الأولى، فالاستصحاب و ان جرى فى الاحكام الظاهرية كما في الاحكام
الواقعيّة، فاذا علم بحجية شي كاخبار الثقة ثم شك في بقائها بسبب او آخر كالنسخ، او
من جهة الشك فى سعة جعلها او ضيقة، كما اذا شك في ان حجية اخبار الثقة هل هى مقيّدة
بافادة الظن او بعدم الظن بالخلاف او غير ذلك، فلامانع من استصحاب بقاء الحجيّة على
الاول و عدم نسخها بناءً على جريان الاستصحاب في الشبهات الحكميه، و استصحاب عدم
تقييدها بافادة الظن او بعدم الظن بالخلاف على الثاني، او شك فى بقاء حجيّتها بعد
زوال الظن او بسبب حدوث الظن بالخلاف، الا ان ذلك في الحقيقة استصحاب المنجز للحكم
الواقعي على تقدير الأصابة والمؤمن على تقدير الخطأ لا انه استصحاب للحكم الظاهري
في عرض الحكم الواقعي، ضرورة انه لايجرى فيه بنحو الموضوعيّة، اذلا اثرله فى نفسه
بقطع النظر عن الحكم الواقعي حتى يمكن جريان الاستصحاب بلحاظه.
فالنتيجة ان الاستصحاب في الحكم الظاهري انما يجري على أساس انّه مثبت للحكم
الواقعي تنجيزاً او تاميناً لا على أساس نفسه.
و اما الثاني وهو اصالة البراءة الشرعيّة، فلاشبهة فى انّ المأخوذ في موضوعها الشك
في الحكم الواقعي بقرينة ان اصالة البراءة حيث انها من الاصول المؤمنة، فهي انما
تجري في موارد احتمال العقاب و المؤاخذة فيها على تقدير المخالفة حتى تكون مؤمنة، و
من الواضح ان موارد احتمال العقوبة والمؤاخذة هي موارد الشك في الحكم الواقعي، حيث
ان الشك فيه مساوق لاحتمال العقاب على مخالفته مالم يكن هناك مؤمن في البين، و
المفروض ان الحكم الظاهري حيث انه غير قابل للتنجيز والتعذير في نفسه، فلايكون الشك
فيه مساوقا لاحتمال العقاب على مخالفته، لما تقدم من انه لاعقوبة على مخالفته في
نفسه ولامثوبة على موافقته كذلك، فان مخالفته انما هي بمخالفة الحكم الواقعي لا في
نفسه و بالاستقلال، و كذلك موافقته انماهي بموافقته لامستقلة.
و دعوى ان اصالة البراءة كما تجري في الحكم الواقعي الالزامى اذاكان الشك في اصل
جعله كذلك، تجري في الحكم الظاهري، كما اذا شك في جعل وجوب الاحتياط في الشبهة
الحكمية التحريميّة او مطلقا، فانه لامانع حينئيذ من التمسك باصالة البراءة عن جعل
وجوب الاحتياط فيها.
مدفوعة بان اصالة البراءة في هذه الشبهات لاتجري الاّ بلحاظ الشك في الحكم الواقعي،
لان المرفوع باصالة البراءة فيها الحرمة الواقعيّة ظاهراً، و معنى رفعها ظاهراً هو
رفع ايجاب الأحتياط حتى يترتب على رفعه دفع الكلفة والأدانة على مخالفة الواقع، و
لا معنى لاجراء الاصالة عن وجوب الاحتياط عند الشك فيه بنحو الاستقلال و بقطع النظر
عن اجرائها فيها بلحاظ التامين على الواقع، ضرورة ان اجرائها في مواردها انماهو
لدفع الكلفة والعقوبة عن المكلف فيها، والمفروض انه لاعقوبة على مخالفة وجوب
الاحتياط بقطع النظر عن مخالفة الواقع لكي تجري بلحاظه و بقطع النظر عنه.
والخلاصة: ان الشك في الحكم الظاهري، لايمكن ان يكون موضوعا لاصالة البراءة،
باعتبار انّه في نفسه غير قابل للتنجيز، و استحقاق العقوبة على مخالفته بقطع النظر
عن مخالفة الواقع، فان مخالفته انما هي بمخالفة الواقع، و الاّ فلامخالفة له فى
نفسه، والمفروض ان اصالة البراءة انما هى لدفع الكلفة عن المكلف، و من الواضح انها
انما هي على مخالفة الواقع لا على مخالفة الحكم الظاهري بقطع النظر عنها، هذا اضافة
الى ان اصالة البراءة عن وجوب الاحتياط ليست باعتبار انه حكم ظاهري في مقابل الحكم
الواقعي، بل بملاك انه منجزله و طريق الى اثباته تنجيزاً، و رفعه بها انما هو من
جهة ان دفع الكلفة على الواقع مترتب عليه، و على كلا التقديرين فاصالة البراءة في
الحقيقة انما هى عن الحكم الواقعي المشكوك القابل للتنجيز و استحقاق الأدانة
والعقوبة على مخالفته.
و اما الثالث و هو اصالة الاحتياط، فموضوعها ايضا الشك في الحكم الواقعي الالزامي،
على اساس ان وجوب الاحتياط وجوب طريقي و شأنه تنجيز الواقع على تقدير الأصابة و لا
اثرله غير ذلك، ولايعقل ان يكون موضوعها الشك في الحكم الظاهري، لانه غير قابل
للتنجيز و استحقاق العقوبة على مخالفته بقطع النظر عن مخالفة الواقع، فلهذا لايعقل
ان يكون موضوعا لها.
و بذلك يظهر حال اصالة الاحتياط العقلية، فان موضوع حكم العقل بوجوب الاحتياط و
منشأه احتمال العقوبة على مخالفة الواقع المشكوك، على اساس ان احتمال التكليف في
الواقع مساوق لاحتمال العقوبة على مخالفته طالما لم يكن هناك مؤمن، فان احتمال
الوجوب اوالحرمة فى الشبهات الحكمية قبل الفحص مساوق لاحتمال العقوبة على مخالفته،
باعتبار ان اصالة البراءة لاتجري فيها الا بعد الفحص، و من الواضح ان احتمال
التكليف الواقعي في الشبهات المذكورة مساوق لاحتمال العقوبة على مخالفته، و اما
التكليف الظاهري فحيت انه لاعقوبة على مخالفته بما هو تكليف ظاهري في مقابل التكليف
الواقعي، فلااثر لاحتماله في مقابل احتمال الواقع، و من قبيل الشبهات قبل الفحص،
الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، لان احتمال وجود التكليف الالزامي في كل طرف من
اطرافه، مساوق لاحتمال العقوبة على مخالفته، باعتبار ان الاصول المؤمنة في اطرافه
ساقطة من جهة المعارضة اولاتجري في نفسها، فاذن لامؤمن بالنسبة الى احتمال التكليف
في كل طرف من اطرافه، و عليه فلامحالة يكون احتمال التكليف فيه منجزاً و موجبا
لاحتمال العقوبة على مخالفته.
و دعوى ان قاعدة الاشتغال قد لايمكن تطبيقها على الحكم الواقعي الالزامي ابتدءً، بل
لابد من اجرائها بلحاظ الحكم الظاهري الالزامي، مثال ذلك ما اذا اقامت الحجة على
احد تكليفين بنحو الاجمال والترديد، بلحاظ ان الشبهة بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك
تكون بدوية، فلايكون مجرى لاصالة الاشتغال بدواً.
مدفوعة بان اصالة الاشتغال بلحاظ الحكم الواقعي المشكوك تجري ابتداءً بدون أن يتوقف
على اصالة الاشتغال بلحاظ الحكم الظاهري المعلوم اجمالاً، و ذلك لانه بعد قيام
الحجة على ثبوت الحكم الواقعي الالزامي اجمالاً، لايمكن التمسك بالاصول المؤمنة في
اطرافه، لسقوطها بالمعارضة بالنسبة الى الحكم الواقعي من كل طرف، فاذا سقطت
بالمعارضة، فالمرجع فيها قاعدة الاشتغال، باعتبار ان الحكم الواقعي الالزامي
المعلوم اجمالاً بالعلم التعبّدي منجز به، على اساس ان المعلوم بالاجمال منجز
بالعلم به، و اما احتمال وجوده في كل طرف، اما منجز به او بقاعدة الاشتغال، و بكلمة
انه لافرق في المنجز بين ان يكون علما وجدانيا او تعبديا او اصلا عمليا، كما انه
لافرق بين ان يكون المعلوم بالاجمال بالعلم الوجداي او العلم التعبدي، فانه منجز به
و ان كان تعبديا، و اما احتمال وجود التكليف في كل طرف من اطرافه بحدّه، منجز بنفس
هذا الاحتمال او بالعلم الاجمالي بعد سقوط الاصول المؤمنّة فيها بالتعارض اوفى
نفسها.
لحد الآن قد تبيّن ان الحكم المشكوك في موراد الاصول العملية الشرعية و العقلية هو
الحكم الواقعي، لانه قابل للتنجيز والتعذير، فان اصالة البراءة الشرعية والعقلية
مؤمنّة من العقاب، و من الواضح انه لاعقاب الا على مخالفة الواقع، و اصالة الاحتياط
الشرعية والعقلية منجزة للحكم الواقعي، حيث انه لايقبل التنجيز غيره.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاولى: ان المراد من الالتفات في التقسيم النظر الى الادلة و التأمّل و اعمال
الرأى فيها.
الثانية: ان المراد من الظن فيه، الظن المعتبر أي الامارة المعتبرة.
الثالثة: ان المراد من الحكم فيه، الحكم الواقعي بما له من الملاك و ذلك لقرينتين:
1ـ ان الحكم الظاهري حكم طريقي لاشأن له في مقابل الحكم الواقعي، و اثره تنجيز
الواقع لدى الاصابة و التعذير لدى الخطأ، و لهذا يكون من تبعات الحكم الواقعي و شأن
من شؤونه و غير قابل للتنجيز و استحقاق العقبوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته،
و على هذا فلايمكن ان يراد من الحكم في المقسم الاعم من الحكم الواقعي والظاهري.
2ـ ان هذا التقسيم انما يكون بلحاظ المنجز للحكم الواقعي و المؤمن عنه، و هو قد
يكون العلم الوجداني، و قد يكون الظن المعتبر، و قد يكون الاصل العملى، و عليه
فلامحالة يكون المراد من الحكم فيه الحكم الواقعي دون الاعم منه و من الظاهري،
بقرينة ان الحكم الظاهري غير قابل للتنجيز والتأمين كمامرّ.
حجية القطع
الجهة الثانية في حجية القطع فيها أقوال:
القول الاول: ان حجية القطع عبارة عن الطريقية والكاشفية وهي عين القطع الموضوعي و
ذاته و ذاتياته، حيث انه عين الكشف عن الواقع لاذات لها الكاشفية و الطريقية، كما
ان القطع الذاتي عين الصورة الذهنية في افق النفس، و قد اختار هذا القول شيخنا
الانصاري(ره)(3)، و على هذا فحجية القطع ذاتية و غير قابلة للجعل لابالجعل البسيط و
لا المركب.
القول الثاني: ان حجية القطع ثابتة ببناء العقلاء و ليست بذاتيّة، و تكون من صغريات
قاعدة حسن العدل و قبح الظلم، و قد اختار هذا القول المحقق الاصفهاني(ره) و افاد في
وجه ذلك، ان حسن العدل و قبح الظلم من القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آراء
العقلاء حفظاً للنظام العام و ابقاء للنوع، فان حكم العقلاء بالتحسين والتقبيح
العقليين و استحقاق المدح على الاول والذم على الثاني نظام حياتي لهم، ضرورة انه
لايمكن حياة المجتمع بلانظام(4). ثم انه لاواقع موضوعي لمسألتي التحسين و التقبيح
العقليين ما عدا استحقاق الفاعل المدح والثواب في الاولى والذم والعقاب فى الثانية،
و حجية القطع من عناصر هاتين القضيتين، باعتبار ان موافقته حسن و موجبة لاستحقاق
المدح والثواب و مخالفته قبيح و موجبة لاستحقاق الذم والعقاب.
و الخلاصة: ان بناء العقلاء على القضايا المشهورة التي تطابقت عليها آرائهم انما هو
من جهة الحفاظ على النظام العام و ابقاء النوع، و حيث ان حجية القطع من صغريات هذه
القضايا المشهورة، فتكون ثابتة ببنائهم.
القول الثالث: أن حجية القطع لازم عقلى له، بمعنى ان العقل يدرك حسن العمل به و قبح
مخالفته و صحة العقوبة على مخالفته والمثوبة على موافقته، و قد اختار هذاالقول
السيد الاستاذ(ره) و افاد في وجه ذلك، ان ادراك العقل ذلك لايتوقف على جعل جاعل او
بناء من العقلاء حتى تكون حجيته مجعولة او تكون من القضايا المشهورة التي هى ثابتة
ببناء العقلاء، بل هو أمر أزلي كما هو الحال في جميع الملازمات العقلية
الواقعية.(5)
القول الرابع: ان حجية القطع عبارة عن حكم العقل بلزوم العمل على طبقه والتحرك نحوه
والاجتناب عن مخالفته هذا.(6) لنا تعليق على هذه الاقوال جميعا.
اما القول الاول: فلاشبهة في ان حجيّة القطع ليست بمعنى الطريقيّة و الكاشفيّة
لسببين:
الاول: انه لاريب في ان حجيّة القطع أمر زائد على ذاته و ذاتياته، لوضوح ان حمل
الحجة على القطع من الحمل الشايع الصناعي وليس من الحمل الاولي، فاذا قيل ان القطع
حجّة، ليس معناه ان القطع قطع و يكون من حمل الشيء على نفسه، بل انّه من الحمل
الشايع، فماذكره شخنا الانصاري(ره) مبني على الخلط بين طريقيّة القطع و حجّيته، فان
الطريقيّة عين القطع الموضوعي والحجيّة أمر زائد عليه.
الثاني: ان حجية القطع لوكانت بمعنى طريقيّته و كاشفيّته، فلازم ذلك انه حجة مطلقا
حتى فى الامور التكوينية التي لاترتبط بالشارع اصلاً لاموضوعاً و لاحكماً، كالقطع
بان العمارة الفلانيّة ذات عشرة طوابق و مساحة مسجد الكوفه مثلاً عشرة آلاف مترمربع
وله اربعة ابواب و هكذا، مع انه لايصح ان يقال ان هذا القطع حجة على القاطع، ضرورة
انه انما يكون حجة عليه اذا تعلق بحكم مولوي مباشرة اوبالواسطة، سواءً اكانت
مولويته ذاتية كمولوية المولى سبحانه و تعالى ام جعليّة كمولوية غيره، فهذا القطع
يتصف بالحجية باعتبار ان القاطع محاسب عليه، و اما اذا لم يكن متعلقه مربوطا
بالمولى كالامثلة المتقدمة، فلايتصف بالحجيّة، فالنتيجة ان تفسير الشيخ (ره) حجية
القطع بالطريقيّة و الكاشفيّة في غير محله.
و اما القول الثاني: فيرد عليه اولا ان قضيّتي الحسن والقبح قضيّتان واقعيّتان
يدركهما العقل، لاقضيتان مجعولتان من قبل العقلاء، ولاواقع موضوعي لهما بقطع النظر
عن بنائهم عليهما وجعلهم للحفاظ على النظام العام، ضرورة ان الحسن صفة ذاتية للعدل
والقبح صفة ذاتية للظلم و لهما واقع موضوعي فى عالم اللوح يدركهما العقل بقطع النظر
عن جعل جاعل و وجود عقلاء في العالم، فلوكان الحسن والقبح مجعولين من قبل العقلاء
على اساس حفظ النظام و ابقاء النوع، فلازم ذلك انه لاوجودلهما قبل وجود العقلاء على
وجه الكرة الارضية و ادراكهما المصالح والمفاسد العامة للمجتمع البشرى، و جعلهم
الحسن للعدل والقبح للظلم تبعاً لتلك المصالح والمفاسد، و من الواضح ن اتصاف العدل
بالحسن والظلم بالقبح لايتوقف على وجود العقلاء و بنائهم على ذلك، ضرورة ان هذا
خلاف الوجدان، فان الوجدان حاكم بان حسن العدل و قبح الظلم كامكان الممكن و وجوب
الواجب بالذات و امتناع الممتنع كذلك و زوجية الاربعة و هكذا، و من هنا لولم يوجد
على وجه الكرة الارضيّة غير عاقل واحد، فهو يدرك حسن العدل و قبح الظلم وجدانا، حيث
انه امر فطري و جبلّي.
و بكلمة كما ان امكان الممكن صفة واقعية لذات الممكن و يستحيل انفكاكها عنه، فكذلك
قبح الظلم و حسن العدل صفة واقعيّة لهما و يستحيل انفكاكهما عنهما، فحسن العدل و
قبح الظلم و ان كانا من القضايا الوجدانيّة المشهورة، الاّ انهما ليسا بمجعولين من
قبل العقلاء، بل هما امران واقعيان ثابتان في عالم اللوح يدركهما العقل كسائر
الامور الواقعيّة.
و دعوى انه على هذا فلاوجه لتقسيم العقل الى العقل العملي و الى العقل النظري، لان
الحسن والقبح اذا كانا أمرين واقعيين كسائر الامور الواقعية و يدركهما العقل، فهو
عقل نظري لاعملي، لان العقل النظري هو ماكانت مدركاته من الامور الواقعية الثابتة
في الواقع بقطع النظر عن اداركه لها، و من هنا يكون ادراك المصلحة اوالمفسدة
الواقعية من العقل النظري، و عليه فاذا كان الحسن والقبح امران واقعيان، فادراكهما
من العقل النظري، فاذن ماهوالعقل العملي الذي هو عبارة عن ادارك ما ينبغي عمله و
لاينبغي عمله، و تفسير الحسن و القبح بذلك، لايمكن الابناءً على انهما امران
مجعولان من قبل العقلاء كالاحكام الشرعية المجعولة من قبل الشرع.
مدفوعة بان هذا الفرق بين العقل العملي والعقل النظري، لاينافي كون الحسن والقبح
أمرين واقعيين يدركهما العقل، ذلك لان الامر الواقعي على نحوين:
الاول: انه لايستدعي بذاته الجري العملي المعيّن على طبقه كأدراك العقل مصلحة او
مفسدة في فعل، فانها بنفسها لاتستدعي جريا عمليا معيّنا على طبقها، بل تستدعي جعل
حكم شرعي كذلك، و الحكم الشرعي يقتضي نفسه جرياً عملياً معيّناً على طبقه، فمن أجل
ذلك يكون ذلك الادراك، اداراك العقل النظري كادراك استحالة الدور اوالتسلسل او نحو
ذلك.
الثاني: انه يستدعي بنفسه جريا عملياً خاصا على طبقه مباشرة و بدون واسطة، والحسن
والقبح و ان كانا من الامور الواقعيّة، الاّ انّهما بنفسهما يقتضيان الجري العملي
على طبقهما، فمن اجل ذلك سمي ادراكهما بالعقل العملي.
والخلاصة: ان الفرق بين العقل العملي والعقل النظري ليس في نفس المدرك، و انما
الفرق بينهما في اقتضاء المدرك، فانه فى العقل النظري لايقتضي الجري العملي على
طبقه مباشرة، بينما هو في العقل العملي يقتضي الجري العملي على طبقه مباشرة، فاذن
يكون تفسير العقل العملي بادراك ما ينبغي و مالاينبغي انما هو بلحاظ حال متعلقه لا
بلحاظ حال نفسه.
الى هنا قد تبيّن ان حسن العدل و قبح الظلم ليسا من الاحكام المجعولة ببناء العقلاء
للحافظ على نظامهم العام، بل هما من الامور الواقعيّة التي يدركها العقل البشري، و
بذلك يظهر ان حجية القطع ليست مجعولة من قبلهم هذا اولاً.
و ثانياً مع الاغماض عن ذلك و تسليم انهما من الاحكام المجعولة، الاّ انّه لايمكن
الاستدلال بقاعدتي حسن العدل و قبح الظلم على حجية القطع، و ذلك لان العدل مأخوذ في
موضوع القاعدة الاولى والظلم مأخوذ في موضوع القاعدة الثانية، والعدل عبارة عن وصول
صاحب الحق بحقّة، والظلم عبارة عن سلب صاحب الحق عن حقه، و على هذا فلابدّ من
افتراض ثبوت حق للمولى على عبده و هو حق الطاعة والانقياد في المرتبة السابقة حتى
تكون مخالفته ظلماً، باعتبار انها سلب لحق المولى، و اطاعته عدلاً باعتبار انها
أداء لحقّه، فلولم يكن حق الطاعة للمولى ثابتاً في المرتبة السابقة، لم تكن مخالفته
ظلماً و لااطاعته عدلاً، و على هذا الأساس فان اريد تطبيق هاتين القاعدتين على
المقام، اثبات حق الطاعة للمولى على عبده، فهو لايمكن، بداهة ان تطبيقهما على
المقام يتوقف على ثبوت موضوعيهما هما العدل والظلم فى المرتبة السابقة و الاّ
فلايمكن انطباقهما عليه، و على هذا فلو فرضنا ان ثبوت موضوعيهما يتوقف على تطبيقهما
لدار.
و بكلمة انه لايمكن اثبات ان مخالفة القطع ظلم بنفس تطبيق قاعدة قبح الظلم، لان
تطبيق هذه القاعدة على مخالفة القطع يتوقف على ان تكون مخالفته ظلما في المرتبة
السابقة من باب توقف الحكم على موضوعه، فلوكانت مخالفته ظلماً متوقفه على تطبيق هذه
القاعدة، كان دوراً، و كذلك الحال فى تطبيق قاعدة حسن العدل على موافقة القطع، و ان
اريد بتطبيقهما بعد الفراغ عن ثبوت حق الطاعة للمولى على عبده و ان مخالفة القطع
بحكم مولوى ظلم فى حق المولى، لانها سلب لحقّه و هو الطاعة و الانقياد، فهو امر
ضروري صغرى و كبرى،
اما الاولى فلان حق الطاعة ثابت للمولى بالضرورة والوجدان في المرتبة السابقة، اما
ذاتاً كما في المولى الحقيقي او جعلا كما في المولى الجعلي، كما ان مخالفة القطع
بالحكم المولوي الالزامي ظلم كذلك، لانها تفويت لحق المولى و سلبه عن حقّه،
ولايتوقف كونها ظلما على تطبيق قاعدة قبح الظلم عليها و الاّ لزم الدور.
و اما الثانية، فلان قاعدة قبح الظلم و حسن العدل ثابتة بضرورة حكم العقل لاببناء
العقلاء، و على هذا فتطبيق هذه الكبرى على الصغرى و هي ان مخالفة القطع ظلم و تعدّ
على المولى و موافقته عدل، امر موافق للفطرة والوجدان.
و الخلاصة انه لايمكن اثبات ان مخالفة القطع ظلم بنفس قاعدة قبح الظلم و موافقته
عدل بنفس قاعدة حسن العدل، لان كل قاعدة لاتتكفل اثبات موضوعها في الخارج و صغراها
فيه، لان مفادها اثبات الحكم لموضوعها المقدّر وجودها في الخارج بلا نظر لها الى
انه موجود فيه او لا، فقاعدة حسن العدل لاتدل على ان موافقة القطع عدل و انما تدل
على انها حسن اذا كانت عدلا، اما انها عدل او لا فهي ساكتة عنه، فلابد من احراز
انها عدل من الخارج حتى تنطبق عليها القاعدة و تثبت حسنها، و كذلك قاعدة قبح الظلم،
فانها لاتدل على ان مخالفة القطع ظلم و انما تدل على انها قبيح اذا كانت ظلما، و
اما انها ظلم او لا، فهي لاتدل عليه و ساكتة عنه، و اثبات ان موافقة القطع بالحكم
المولوي عدل، يتوقف على ثبوت حق الطاعة للمولى على عبده في المرتبة السابقة، و حيث
انه ثابت اما ذاتا كما في المولى الحقيقي او جعلا كما في المولى الجعلي، فتكون
مخالفته ظلما و تعديا على حقه و سلب ذي الحق عن حقه، و موافقته عدل و اداء لحقّه،
فاذا كانت مخالفته ظلما و موافقته عدلا، حكم العقل بقبح الاولى و حسن الثانية، فان
الكبرى ضرورية و هى قبح الظلم و حسن العدل، و لايتوقف اثبات الكبرى على اىّ مقدمة
خارجية، على اساس انها موافقة للوجدان و الفطرة، و انما الكلام فى اثبات الصغرى، و
لايمكن اثباتها بنفس الكبرى و الاّ لدار كمامر. بل لابد ان تكون ثابتة فى المرتبة
السابقة بقطع النظر عن ثبوت الكبرى، هذا اضافة الى ان العمل بالقطع عدل و مخالفته
ظلم، ليس معنى حجيّة القطع، نعم ان ذلك من لوازم حجيّته.
و اما القول الثالث وهو مااختاره السيد الاستاذ (ره) من ان ججيّة القطع عبارة عن
ادراك العقل حسن العمل بالقطع و قبح مخالفته و صحة الأدانة والعقوبة عليها و ان كان
القطع غير مطابق للواقع، و من الواضح ان ادارك العقل ذلك ليس بجعل جاعل و بناء
عقلاء، و لهذا تكون حجيته من الامور الواقعية الازلية.
فيرد عليه ان ادراك العقل حسن العمل بالقطع، و قبح مخالفته من لوازم حجيّة القطع و
تبعاتها و متفرع عليها، لوضوح ان القطع لو لم يكن حجة، لم يحكم العقل بحسن العمل به
و قبح مخالفته و استحقاق المثوبة على الموافقة والعقوبة على المخالفة.
و اما القول الرابع: هو ما اختاره المحقق الخراساني(ره) من ان حجية القطع عبارة عن
الزام العقل و حكمه بوجوب العمل به و حسنه و قبح مخالفته.(7)
فيرد عليه انه (ره) ان اراد بالزام العقل البعث و التحريك التشريعي، ففيه ان البعث
والتحريك التشريعي من وظائف المولى دون العقل، فان شأنه ادراك الشيء لاجعل الحكم و
الالزام، و ان اراد (ره) به ادارك العقل حسن العمل به و قبح مخالفته. ففيه انه من
لوازم حجيّة القطع كمامرّ لا انّه حجيّته.
الى هنا قد تبيّن انه لايمكن المساعدة على شي من هذه الاقوال في المسألة، فالصحيح
في المقام ان يقال ان حجية القطع عبارة عن منجزيته للواقع اذا أصابه و مؤمّنيته عنه
اذا اخطأه، والسبب في ذلك ان الحجية صفة للقطع حقيقة و واقعاً و محمولة عليه بالحمل
الشايع الصناعي، و اما التفسيرات المتقدمة لحجية القطع فلايكون شىء منها صفة للقطع
و محمولاً عليه، بل كلها تفسيرات بلوازمها و تبعاتها هذا من ناحية.
و من ناحية أخرى ان اتصاف القطع بالحجية مرتبط بكونه متعلقا بحكم الزامي مولوى
للمولى الواجب اطاعته ذاتاً كما في المولى الحقيقي، او جعلاً كما في المولى الجعلي
و إلاّ لم يتّصف بها.
و بكلمة ان اتصاف القطع بالحجية منوط بثبوت الكبرى والصّغرى معاً في المرتبة
السابقة، اما الكبرى وهي ثبوت حق الطاعة للمولى فهي ضرورية، و اما الصغرى و هي تعلق
القطع بالحكم المولوي فهي ثابتة على الفرض، و عندئذ فيحكم العقل بانه منجز اذا اصاب
الواقع و مؤمن اذا أخطأه، و اما ان موافقته عدل و مخالفته ظلم و ان العقل يدرك حسن
العمل به و قبح مخالفته، فكل ذلك من آثار و لوازم حجّيته وهي تنجيز الواقع و
تعذيره، فانه منشأ لادراك العقل حسن العمل به و انه مصداق للعدل و قبح مخالفته و
انها مصداق للظلم، إذ لايعقل ان يكون حكم العقل بذلك جزافاً و بلامبرر.
و الخلاصة: ان اتصاف القطع بالحجية بمعنى المنجزية والمعذرية مرتبط بتطبيق الكبرى
على الصغرى، اما الكبرى وهي مولوية المولى و حق طاعته، فانها ثابتة في المرتبة
السابقة بالضرورة اما ذاتاً كمولوية الباري عزّوجل، فانها بالذات لا بالجعل، على
اساس انه تعالى خالقنا و رازقنا و مالك وجودنا وحياتنا كافة ولاحول لنا ولاقوة الاّ
بقوته و حوله، و هذا هو مراد الفلاسفة من وجوب شكر المنعم، فان مرادهم من المنعم
خالق الوجود والنّعمة بكافة انواعها و واهبها، و المراد من الشكر اداء حقه و هو
الطاعة و الانقياد، و تمام الكلام من هذه الناحية في محله، او جعلاً كمولوية غيره
تعالى.
و اما الصغرى وهي القطع بالحكم المولوي، فانها اذا تحققت و انطبقت عليها الكبرى،
اتّصف القطع بالمنجزية و المعذرية، فاذا قطع بالحكم المولوي الالزامى تنجزّ، و اذا
قطع بالحكم الترخيصي و كان في الواقع الزامياً كالوجوب و الحرمة، فانّه مؤمن من
العقوبة على الواقع و معذر، باعتبار ان حق الطاعة غير ثابت فى موارد القطع بالاحكام
الترخيصية المخالفة للواقع، على اساس أن مولويّة المولى لايمكن ان تكون محركة و
مؤثرة في هذه الموارد، و كذلك الحال في القطع المتعلق بالامور التكونيّة، فانه انما
يكون حجّة و محركاً للقاطع اذاكان منشأ حجيته موجوداً فيها في المرتبة السابقة، كما
اذا قطع بان هذا الموجود حية او اسد، فانه يكون محركاً له، و قد تحصل من ذلك ان
الحجيّة ليست لازمة لذات القطع، لابمعنى الذاتي باب المنطق و لاباب البرهان، بل هي
تتبع ثبوت منشأها في متعلق القطع، فان كان منشأها موجوداً فيه، كان حجة و إلاّ فلا،
هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان حجّية القطع بمعنى المنجزية والمعذرية، هل هي قابلة للردع أولا،
فيه خلاف بين الاصوليين والاخبار بين، فذهب الاخباريون الى عدم حجية القطع الحاصل
من غير الكتاب والسنة، و فى مقابل ذلك ذهب الاصوليون الى عدم امكان المنع شرعاً عن
حجية القطع، و استدلوا على ذلك بوجهين:
الاول: ان المنع عن حجية القطع و عدم العمل به يستلزم اجتماع الضدين واقعاً اذاكان
القطع مطابقاً للواقع، و بنظر القاطع اذاكان مخالفاً له و كلاهما محال.
اما الاول: فهو ظاهر، و اماالثاني فلانه لايمكن جعل حكمين متضادّين بنظر القاطع،
لانه لغو، فلايعقل ان يكون داعياً و محركاً له.
الثاني: ان حجية القطع بمعنى منجزّيته و معذريته عقلاً ذاتية له، و حينئذ فان اريد
بالردع عن حجيّته سلبها عنه فهو مستحيل، لاستحالة التفكيك بين ذات الشي و لوازمها
الذاتية كالتفكيك بين الاربعة و زوجيّتها و بين الممكن و امكانها و هكذا، و ان اريد
به جعل مايخالف حجية القطع رغم ثبوتها له، فهو مناقض مع حكم العقل بلزوم اتباعه،
فلذلك لايمكن الردع عنها.
لنا تعليق على كلاالوجهين:
اماالوجه الاول فهو لايتمّ بكافة صورالمسألة و فروضها، و الفرض الاوّل هو ان القطع
تعلّق بحكم مولوي الزامي كالوجوب او الحرمة، و الرادع عن حجيته الحكم الترخيصي
النفسي، الفرض الثاني، هذا الفرض بعينه و لكن الرادع عنها الحكم الترخيصي الطريقي،
الفرض الثالث، ان القطع تعلق بحكم ترخيصي، والرادع عنه يكون حكماً الزامياً نفسياً
كان ام طريقياً، هذه هي فروض المسألة.
اما الفرض الاول، فلايمكن للمولى جعل الحكم الترخيصي النفسي على خلاف الحكم
الالزامي المقطوع به بعنوان الرادع عن حجية القطع به، لاستلزام ذلك اجتماع الضدّين
في مرحلة المبادي على تقدير مطابقة القطع للواقع و مطلقا بنظر القاطع، فاذا كان
المكلف قاطعاً بوجوب شي، فلايمكن جعل الترخيص النفسي لذلك الشي بعنوان الرادع عن
حجيّة القطع به.
و الالزم اجتماع الضدّين فيه واقعاً في مرحلة المبادي اذاكان مصيباً للواقع و مطلقا
بنظر القاطع.
و اما في الفرض الثاني، فلا مانع من جعل الحكم الترخيصي الطريقي على الخلاف، و ذلك
لان حكم العقل يكون القطع منجزاً للواقع، ليس بنحو التنجيز والعليّة التامة بحيث
لايقبل الردع، بل بنحو التعليق والأقتضاء، ضرورة ان حكم العقل بذلك معلق على عدم
اذن المولى في ترك متابعة القطع و مخالفته، فاذا اذن بذلك وكان جاداً فيه، انتفى
حكم العقل بانتفاء موضوعه و هو حق الطاعة، لوضوح ان المولى اذا رخّص عبده فى مخالفة
القطع بوجوب شيء او حرمة آخر و كان جاداً فيه، فمعناه انه رفع اليد عن حقه و هو حق
الطاعة، و عليه فينتفي حكم العقل بانتفاء موضوعه، فلايحكم حينئذ بمنجزية القطع على
تقدير الاصابة، لان حكمه بها معلق على ثبوت حق الطاعة للمولى على عبده، و مع عدم
ثبوته ولو من قبل المولى فلاحكم للعقل بها، لانتفاء المعلق بانتفاء المعلق عليه،
والمفروض ان للمولى ان يأذن عبده في ترك طاعته و مخالفة قطعه اذا رأى فيه صلاحاً.
و من هنا يظهر ان ماذكره الاصوليون من ان جعل الرادع عن العمل بالقطع، يستلزم
اجتماع الضدّين في الواقع على تقدير الاصابة و مطلقا بنظر القاطع لاينطبق على هذا
الفرض، حيث لايلزم من جعل الترخيص الطريقي على خلاف القطع، اجتماع الضدّين في
الواقع في مرحلة المبادي ولابنظر القاطع، باعتبار ان الترخيص الطريقي لاينشأ من
ملاك في متعلقه، بل جعله انما هو بملاك مترتب عليه، كما اذا فرض ان المصلحة
التسهيليّة تتطلب ذلك.
و اما فى الفرض الثالث فلايمكن جعل الحكم الالزامي على خلاف الحكم الترخيصي المقطوع
به، فانه لايصلح ان يكون رادعاً عن العمل بالقطع، و ذلك لان الحكم الالزامي لايمكن
جعله بعنوان الرادع عن العمل بالقطع لانفسياً و لاطريقياً.
اما الاول فلعين مامرّ من ان جعل الحكم الالزامي النفسي على خلاف الحكم الترخيصي
المقطوع به، يستلزم اجتماع الضدّين فى الواقع فى مرحلة المبادي على تقدير الاصابة و
مطلقاً بنظر القاطع، و اما الثانى فلان حكم العقل بان القطع معذر و مؤمن، ليس حكما
تعليقيا و مشروطا بشيء كحكمه بالتنجيز، بل هو تنجيزي و غير معلق على شيء، و النكتة
في ذلك ان حق الطاعة للمولى على العبد لاتعمّ موارد القطع بالترخيص و ان كان مخالفا
للواقع، كما اذا قطع بان الشيء الفلاني مباح و كان في الواقع واجباً او حراماً، و
ذلك لان التكليف في موارد الجهل المركب لايعقل ان يكون منجزاً و مخالفته عصياناً،
باعتبار ان العقل مستقل بان القطع بالترخيص مؤمن و معذر مطلقا و بنحو التنجيز و
العلية التامّة، و معه لايمكن جعل الوجوب الطريقي اليه بعنوان الرادع عن العمل
بالقطع لاستلزامه التناقض، و الفرق بين حكم العقل بان القطع منجز و حكمه بانه معذر،
و الاول تعليقي و الثاني تنجيزي، هو ان تنجيزه متفرع على ثبوت حق الطاعة في المرتبة
السابقة، و للمولى ان يرفع اليد عن هذا الحق بالترخيص في تركها، بينما تعذيره غير
متفرع على شيء و مطلق، فلهذا لايمكن ردعه.
و الخلاصة: ان الحكم في موارد الجهل المركب لوكان ثابتاً و مجعولا في الواقع،
فلايكون منجزاً و محركاً للجاهل المركب و هو القاطع بالترخيص، و لذلك لايعقل جعل
الطريق المنجز اليه، لانه ان أدّى الى ارتفاع جهله المركب، فهو خلف و الاّ فهو لغو
و لااثرله.
و من هنا يظهر الفرق بين كون القطع منجزاً و كونه مؤمناً، فان تنجيزه مرتبط بثبوت
حق الطاعة للمولى على عبده في المرتبة السابقة، فمن اجل ذلك يمكن ردعه عن العمل
بالقطع بالغاء حقه على عبده و هو الطاعة و الانقياد و ترخيصه في ترك العمل به، و
اما تأمينه و تعذيره، فهو غير مربوط بحق الطاعة بل هو مطلق، فلايمكن رفعه الابرفع
منشائه و هو القطع.
و اما الوجه الثانى فان أريد بالذاتي، الذاتي باب المنطق، فقد مرّان حجية القطع امر
زائد عليه، لا انها عين ذاته، و من هنا قلنا ان ما يظهر من الشيخ(ره) من ان حجيّته
عين طريقيته(8)
غير صحيح على ما تقدم تفصيله، و ان اريد بالذاتي، الذاتي باب البرهان، فيرد عليه ان
حجيته ليست من لوازم ماهية القطع و ذاته كالزوجية للاربعة و الامكان للممكن و
غيرهما، لما تقدم من ان اتصاف القطع بالحجية في التنجيز و التعذير انما هو في
المورد القابل و هو مورد ثبوت حق الطاعة للمولى على العبد لامطلقا، غاية الأمران
القطع اذا تعلق بحكم مولوي الزامي، كان منجزاً له شريطة ثبوت حق الطاعة للمولى في
المرتبة السابقة، و من هنا كان تنجيزه معلقاً على ثبوت هذا الحق في مورده، و اما
اذا تعلق بحكم ترخيضي و كان فى الواقع الزامياً، فهو معذر و مؤمّن بنحو مطلق و غير
معلق على شيء، و لهذا تكون حجيّته تنجيزاً قابلة للردع باعتبار انها معلقّة، و اما
حجيّته تعذيراً و تأميناً، فهي غير قابلة للردع، باعتبار انها غير معلّقة على شيء و
تكون بنحو العلية التامّة لا الاقتضاء.
نتيجة البحث عدّة نقاط:
الاولى: ان حجية القطع ليست ذاتية، لاالذاتي باب المنطق و لا الذاتي باب البرهان، و
كما انها ليست جعلية ببناء العقلاء تبعاً لبنائهم على التحسين و التقبيح العقليين.
الثانية: الصحيح ان حجيته انما هى بمعنى المنجزية و المعذرية في المورد القابل و هو
مورد ثبوت حق الطاعة للمولى على عباده لامطلقاً، و لهذا يكون المتصف بالحجة حصة
خاصة من القطع، و هي القطع المتعلق بالحكم الشرعي المولوي، هذا من ناحيه، و من
ناحية اخرى ان مافسّر حجيّته من المعاني كما عن السيد الاستاذ(ره) و المحقق صاحب
الكفاية (ره) غير تام، لانه تفسير بلوازمها لاانه تفسير لحجيّته.
الثالثة: ان حجية القطع في طرف التنجيز قابل للردع بجعل حكم ترخيصي طريقي، و اما في
طرف التعذير، فهي غير قابلة للردع، على اساس ان تنجيزه معلق على ثبوت حق الطاعة فى
المرتبة السابقة، و اما تعذيره فلا يكون معلقا على شيء.
التجرّي
الجهة الثالثة:
يقع الكلام هنا في عدة نقاط:
الاولى: ان القطع اذا تعلق بالتكليف المولوى الالزامي، كان منجزاً له على تقدير
الاصابة، و حينئذ فمخالفته عصيان و موجبة لاستحقاق الادانة و العقوبة، و موافقته
امتثال و موجبة لاستحقاق المثوبة، هذا مما لا كلام فيه.
و الكلام انما هو فيما اذا كان القطع بالحكم الشرعي الالزامي مخالفا للواقع، كما
اذا قطع بحرمة شيء و كان في الواقع مباحاً، او قطع بوجوب شيء و كان في الواقع غير
واجب، ففي مثل ذلك اذا خالف هذا القطع، فهل يكون عاصياً و مستحقاً للادانة و
العقوبة، رغم انه لم يرتكب محرماً في الواقع و لاترك واجباً فيه او لا، فيه وجوه بل
اقوال سوف نشير اليها، ثم ان هذا البحث لايختص بموارد القطع بالتكليف، بل يعمّ
مخالفة مطلق المنجز عند عدم مطابقته للواقع، و لافرق بين ان يكون ذلك المنجز عقلياً
كالقطع و الاحتمال في اطراف العلم الأجمالي و في الشبهات قبل الفحص، او شرعياً
كالأمارات الشرعيّة من اخبار الثقة و ظواهر الآيات و الروايات و غيرهما، فجعل مورد
البحث القطع، باعتبار انه من اظهر افراد المنجز و أقواها.
الثانية: ان حكم العقل بقبح مخالفة المولى و استحقاق الادانة و العقوبة، هل هو
مختصّ بموارد مخالفة القطع المطابق للواقع، اويعمّ التجري ايضاً و هو مخالفة القطع
غير المطابق للواقع فيه اقوال:
القول الاول: ما ذكره شيخنا الانصارى (ره)، من ان التجريّ لايكون قبيحاً و انما هو
كاشف عن سوء سريرة المتجرّي و خبث باطنه(9). القول الثاني: ما ذهب اليه المحقق
النائيني(ره)، من انه بعد تسليم ان التجري قبيح، قال ان قبحه فاعلي لافعلي، فالفعل
لايكون قبيحاً، لانه بعنوانه الاولي مباح، و ليس هنا عنوان آخر ثانوي يوجب قبحه غير
القطع بحرمته، و المفروض ان القطع ليس من العناوين المقبحة(10)، و سوف يأئي تفصيله
و ما فيه.
القول الثالث: ان التجري قبيح و المتجرّي مستحق للذمّ و العقوبة كالعاصي فلا فرق
بينهما من هذه الناحية(11)، و هذا القول هو الصحيح، بيان ذلك ان ملاك حكم العقل
باستحقاق المكلف الإِدانة و العقوبة في صورة مخالفة المولى، انما هو ثبوت حق الطاعة
للمولى على العبد في المرتبة السابقة، و إلاّ فلايحكم العقل باستحقاق العقوبة اذا
لم يكن للمولى حق الطاعة عليه، و لهذا لايحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة كل احد،
و انما يحكم باستحقاق العقوبة على مخالفة من له حق الطاعة عليه لامطلقا.
فاذن ههنا تصوران:
الاول: ان موضوع حق الطاعة هو نفس التكاليف الواقعيّة المولوية، فان موافقتهما اداء
لهذا الحق و مخالفتها تفويت له.
و لكن هذا التصوّر لااساس له، ضرورة ان لازم ذلك استحقاق العقوبة على مخالفة
التكليف الواقعي و ان لم يكن منجزاً، بل حتى في موارد الجهل المركب و هذا غير
محتمل، بداهة ان الحاكم في هذا الباب العقل و هو لا يحكم باستحقاق العقوبة على
مخالفة التكليف اذا لم يكن منجزاً.
الثاني: ان موضوعه القطع بالتكليف، و احرازه منجز عقلي او شرعي، بان يكون الاحراز
تمام الموضوع لحكم العقل و ان لم يكن تكليف في الواقع، فاذا قطع المكلف بان هذا
الاناء خمر فشربه عامدا ملتفتا الى الحكم الشرعي، فقد خالف المولى و خرج بذلك عن ذي
الرقيّة و حدود العبودية، حيث ان ذلك منه طغيان على المولى و انتهاك حرمته و ظلم،
باعتبار انه سلب ذي الحق عن حقّه و هو الطاعة و الانقياد، فلذلك يحكم العقل
باستحقاق الأدانة و العقوبة، بلافرق في ذلك بين ان يكون قطعه مطابقاً للواقع أولا.
و بكلمة ان حق الطاعة ليس من الحقوق التي لها واقع موضوعي، و يكون العلم طريقاً
إليه كحقوق الناس المتعلقة بانفسهم و اعراضهم و اموالهم، فان لها واقعا موضوعياً
محفوظا في الواقع، و لادخل للعلم و الظن و الشك فيها اصلا، بل هو من الحق الذاتي
الذي ليس له واقع موضوعي محفوظ بقطع النظر عن العلم و الظن و الشك، بل يكون للعلم و
الانكشاف دخل فيه و هو حق الطاعة للمولى على العبد، و حق الطاعة عبارة عن قيام
العبد بوظائفه الدينيّة اداء لحق المولويّة، و من الواضح ان قيامه بتلك الوظائف
الدينية، انما يجب اذا تنجز تلك الوظائف الشرعية بمنجز عقلي او شرعي، فتمام الموضوع
لهذا الحق هو تنجّز التكليف الذاتي و هو صورته في الذهن، فانه محرك للعبد بالقيام
بامتثاله اداءً لهذا الحق، كما ان مخالفته مصداق للظلم و الطغيان على المولى، إذ
يصدق عليها انها سلب ذي الحق عن حقه، و لا فرق في ذلك بين ان تكون تلك الصورة
مطابقة للواقع اولا، و على الجملة فاذا قطع العبد بحرمة شيء و تنجّزت، فيكون تنجزها
تمام الموضوع لحكم العقل بحسن الاطاعة و قبح المعصية، و ان الاول حيث انه طاعة
للمولى و اداءً لحقه فيكون عدلا، و الثاني حيث انه سلب ذي الحق عن حقه فيكون ظلماً،
و لافرق بين ان يكون قطعه مطابقا للواقع او لا، لان تمام موضوع حكم العقل، القطع
بالحرمة او الوجوب سواءً كان مطابقا للواقع أم لا.
قد يقال ان لازم ذلك هو ان العاصي يستحق عقوبتين:
الاولى: على التجري.
الثانية: على ترك الواجب او فعل الحرام و هو خلاف الوجدان و الضرورة، لوضوح انه
لايستحق إلاّ عقوبة واحدة.
و قد تسأل ان هذه العقوبة ان كانت على التجري، فلازم ذلك عدم صحة العقوبة على تفويت
الملاك الملزم المنجز و هو كماترى، إذ كيف يمكن ذلك حيث ان روح الحكم و حقيقته
الملاك، و لولاه فلاقيمة للحكم بما هو اعتبار صرف.
و الجواب: ان القطع و ان كان مطابقا للواقع، فتفويت حق الطاعة للمولى انما هو
بتفويت الملاك الملزم المنجز في الواقع لابالتجرّي، حيث لاتجري في صورة مطابقة
القطع للواقع، لان التجري عنوان و اسم لمخالفة القطع بالحكم المولوي الالزامى غير
المطابق للواقع، فاذا قطع المكلف بحرمة شيء، فان كان مطابقا للواقع، فمخالفته و ان
كانت معصية حقيقة و تفويتاً للملاك الملزم، الا ان مصداق الظلم و الطغيان انما هو
مخالفته بما هي مخالفة، لان العقل يدرك ان القاطع بحرمة شيء اذا خالف و ارتكب ذلك
الشيء عالماً عامداً، فقد طغى على المولى و فوّت حقه و هو الطاعة، بلافرق في ذلك
بين ان يكون قطعه مطابقاً للواقع او مخالفا له، و بكلمة انه ليس في مورد القطع
المطابق للواقع مخالفتان:
الاولى: مصداق التجرّي
الثانية: مصداق للمعصية، بل مخالفة واحدة، و هذه المخالفة قد تكون مطابقة للواقع و
قد لاتكون مطابقة له، و على كلا التقديرين فالمخالفة بما هي مصداق للظلم و تفويت
لحق المولى و هو حق الطاعة موجبة للأدانة و العقوبة، و لافرق بين ان تكون المخالفة
واقعية موضوعيّة و بين ان تكون ذاتية.
و الخلاصة: ان منشأ استحقاق العبد العقوبة شيء واحد و هو تفويت حق المولى، فالقاطع
اذا خالف قطعه، فقد خالف المولى و فوّت حقه و ان كان قطعه مخالفا للواقع، هذا كله
فيما اذا كان القطع تمام الموضوع لحكم العقل،
و اما اذا كان جزئه و جزئه الآخر الواقع، بان يكون موضوع حق الطاعة مركباً من
الواقع و تنجزه، فلايكون حق الطاعة ثابتا في موارد التجرّي من جهة عدم ثبوت موضوعة،
و لكن مع هذا لامناص من الالتزام بقبح التجرّي و ان الفعل المتجري به قبيح و يستحق
فاعله الذّم و العقوبة، و السبب فيه ان موضوع حكم العقل بحسن الطاعة و وجوبها و قبح
المخالفة و حرمتها، هو احراز التكليف الواقعي المولوي، سواءً كان احرازه بعلم و
جداني او تعبدي او اصل عملي، فان الاحراز تمام الموضوع له، باعتبار انه لا طريق له
الى ان قطعه هذا مطابق للواقع او لا، فاذا اعتقد العبد ثبوت حق المولى في مورد و مع
هذا اقدم عى تفويته، فلاشبهة في انه قبيح عند العقلاء و ان لم يكن حق المولى ثابت
في الواقع، لان الاقدام على الظلم بنظره قبيح و ان لم يكن ظلما في الواقع، مثال ذلك
اذا إعتقد شخص بولاية ابيه عليه حتى بعد البلوغ و وجوب اطاعته عليه شرعاً و عدم
جواز مخالفته، ففي مثل ذلك اذا خالف أمره عامداً ملتفتاً الى وجوب اطاعته و قبح
معصيته، فلااشكال في إنه تجري و تعدّي على المولى الحقيقي و قبيح و ان لم يكن
اعتقاده مطابقاً للواقع، و يستحق الادانة و العقوبة و ان بان بعد ذلك انه لاولاية
له عليه، لان المعيار الكلي في ذلك هو ان كل مايراه الشخص وظيفة له شرعا و انه ملزم
بالعمل بها، فاذا خالفها عامداً عالماً بذلك، فقد علم انه طغى على المولى و فوت
حقّه و هو الطاعة و ان لم يكن له حق في الواقع، و على الجملة فاذا علم شخص ان العمل
الفلاني ظلم، فلا شبهة في ان اقدامه عليه قبيح، لانه ظلم باعتقاده و ان لم يكن ظلما
في الواقع، فاذا اعتقد المكلف بان هذا الاناء خمر، فشربه بارادته و اختياره
متعمداً، فلا شبهة في ان هذا الاقدام تعدّ منه على المولى و تفويت لحقّه و هو حق
الطاعة، فلهذا يستحق العقوبة و ان كان اعتقاده غير مطابق للواقع، بان لايكون للمولى
حق فيه، باعتبار ان موضوعه على الفرض مركب من الواقع و احرازه، و الموضوع المركب
ينتفي بانتفاء أحد جزئيه، فاذن ينتفي حق الطاعة بانتفاء موضوعه في المثال.
و من هنا يظهر ان الامر كذلك حتى فيما اذا كان موضوع حق الطاعة الواقع فحسب هذا.
و الصحيح التفصيل في المقام، فانه ان قلنا بان تمام الموضوع لحق الطاعة القطع
بالواقع المولوي و احرازه من دون دخل للواقع فيه لاجزءً و لاقيداً كما هو الصحيح،
فعندئذ لا شبهة في قبح التجرّي و استحقاق العقوبة عليه، لانه تفويت لحق المولى و
ظلم كما تقدم موسعاً.
و اما لو قلنا بان موضوعه مركب من الواقع و احرازه، فعندئذ لايكون التجرّي قبيحاً و
ظلماً و تفويتاً لحق الطاعة في الواقع و ان تخيل المتجري انه قبيح و ظلم و تفويت
للحق، لان حق الطاعة منتف بانتفاء موضوعه، و من الطبيعي انه لايستحق العقوبة على
الظلم الخيالي الذي لاواقع موضوعي له و على تفويت الحق الخيالي، إذ في الواقع لاهتك
لحرمة المولى و لاتفويت حقه، فلامقتضى للعقوبة إلاّ على الظلم الخيالي.
و من هنا يظهر ان حكم العقل بالقبح و الخروج عن ذي الرقية وحد العبودية دليل على ان
الاحراز تمام الموضوع لحق الطاعة بدون دخل للواقع فيه، نعم فيما اذا تخيّل احد
مولوية زيد مثلا، كما اذا تخيّل بكر ان زيداً مولاه و مع ذلك لم يقم بامتثال أمره
بشيء او نهيه عن آخر، و كان هذا باعتقاده هتكاً لحرمة مولاه و تعدّعليه و ظلم، و
لكن فى الواقع لاهتك و لا ظلم من جهة ان زيداً ليس مولاه، و في مثل ذلك لامقتضى
لاستحقاق الذم و العقوبة، فانه انّما يكون على تفويت حق المولى، و المفروض ان ما
تخيله مولا فليس بمولى له حتى تكون مخالفته هتكاً و ظلما في حقّه، و هذا بخلاف ما
اذا اعتقد بخمرّية مائع و قام بشر به عالماً عامداً، فلا شبهة في ان هذا الاقدام
الذي هو بارادته و اختياره مع علمه بانه مبغوض للمولى، تعدّ عليه و هتك لحرمته و
تفويت لحقّه واقعا و هو حق الطاعة، فلهذا يكون مصداقاً للظلم و ان لم يكن اعتقاده
مطابقا للواقع، و هذا معنى ان احراز الواقع و تنجزه الذاتي تمام الموضوع لحق الطاعة
لا انه جزء الموضوع، و على الجملة ففرق بين ما اذا اعتقد بمولويّة شخص ثم بان انه
ليس بمولى، ففي مثل ذلك لاهتك و لا ظلم في مخالفته، لان وجودها كعدمها بالنسبة
اليه، و هذا بخلاف ما اذا كانت مولوية المولى ثابتة بالذات او بالجعل في المرتبة
السابقة، فان مخالفته هتك لحرمته و سلب عن حقه و هو الطاعة و ان كانت مخالفة
للواقع،
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان الاقدام على الظلم و تفويت الحق
قبيح و موجب لاستحقاق الأدانة و العقوبة، و اما الاقدام على الظلم الخيالي
التصوّريو تفويت الحق كذلك، فلا يوجب استحقاق الادانة و العقوبة، اذ ليس هنا حق حتى
يكون تفويته ظلما، و كيف ما كان فلا شبهة في قبح التجري و استحقاق فاعله العقوبة.
و من هنا يظهر ان ما ذكره شيخنا الانصاري(ره) من ان التجري لايكون قبيحاً و انما
يكون كاشفاً عن سوء سريرة المتجري و خبث باطنه بدون ان يستحق الأدانة و العقوبة
عليه(12)، لا يمكن المساعدة عليه بل هو خلاف الضرورة و الوجدان.
و اما ما ذكره المحقق النائيني(ره) من ان التجري قبيح و لكن قبحه فاعلى لا فعلي،
فان اراد (ره) به ان الفعل المتجري به لايكون قبيحاً و انما يكون فاعله مذموماً(13)
، فهو عين ما ذكره الشيخ (ره) فان الشيخ(ره)، يقول ان التجري لايكون قبيحاً و انما
هو كاشف عن ان فاعله مذموم و خبيث، و ان اراد (ره) به ان الفعل المتجري به لايكون
قبيحا في نفسه، و لكن بما انه مضاف الى فاعله، فيكون قبيحا، لان مركز القبح قد يكون
ذات الفعل في نفسه، و هذا هو القبح الفعلي، و قد يكون مركزه الفعل بما هو مضاف الى
فاعله، و هذا هو القبح الفاعلي، و من ذلك قد لايكون الفعل في نفسه قبيحاً و لكن
صدوره من الفاعل قبيح، و كذلك الحال في الحسن.
فيرد عليه:
اولا: ان موضوع الحسن و القبح ليس ذات الفعل بما هو، لانهما ليسا كالمصلحة و
المفسدة، فان موضوعهما ذات الفعل بما هو لانهما قائمتان به، و هذا بخلاف الحسن و
القبح، فانهما و ان كانا امرين واقعيين يدركهما العقل و ليسا حكمان مجعولان من قبل
العقلاء حتى لايكون لهما واقع موضوعي ماعدا الجعل و الاعتبار، و لكن مع هذا فانهما
يختلفان عن المصلحة و المفسدة، لانهما رغم كونهما أمرين واقعيين يقتضيان بنفسهما
الجري العملي على طبقهما، و لهذا يكون الحسن صفة واقعية للشيء الذى ينبغي ان يقع في
الخارج، و القبح صفة واقعية للشيء الذي لاينبغي ان يقع فيه، بينما المصلحة و
المفسدة لاتقتضيان بنفسهما الجري العملي على طبقهما في الخارج، فاذن بعنوان الاضافة
الى الفاعل، دخل في اتصاف الفعل بالحسن او القبح.
و ان شئت قلت: ان الحسن عبارة عما ينبغى ان يقع في الخارج و القبح عبارة عما لا
ينبغي ان يقع فيه، و من الواضح ان الفعل في نفسه لايتصف بالحسن او القبح الابعد
اضافته الى الفاعل، و على هذا فاتصاف الفعل المتجرّى به بالقبح انما هو بلحاظ
اضافته الى المتجري و صدوره منه لا في نفسه، لان صدوره منه منشأ لاتّصافه بالقبح
بعنوان ثانوي و هو عنوان التجري، لانه بالعنوان الاولي ليس بقبيح، و المفروض ان هذا
العنوان عنوان للفعل المتجري به لا للفاعل، و عليه فيكون قبحه فعلياً لافاعليا.
و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان هذا القبح قبح فاعلي، فمع ذلك لامانع من
استحقاق العقوبة عليه، باعتبار ان معنى هذا القبح الفاعلي صدور فعل قبيح منه، و من
المعلوم انه يكفي في استحقاق الفاعل العقوبة، فانه انما لايستحق العقوبة على الصفات
النفسانية طالما لم يظهرها في الخارج، و اما اذا صدر منه فعل في الخارج و كان قبيحا
و ان كان قبحه بسبب صدوره منه، فلامانع من استحقاق العقوبة عليه.
الى هنا قد تبين انه لاشبهة في قبح الفعل المتجري به و استحقاق فاعله الذم و
العقوبة عليه، بناء على ما هو الصحيح من ان تمام الموضوع لحق الطاعة هو احراز
الواقع فحسب من دون دخل للواقع فيه اصلا.
و اما اذا كان موضوع حق الطاعة التكليف الواقعي فحسب او المركب منه و من احرازه،
فلايكون التجري حينئذ قبيحاً، و لكن هل يمكن الالتزام بذلك؟
و الجواب: انه لايمكن، اما على الاول فانه مضافا الى ان لازمه استحقاق العقوبة على
ترك الواقع حتى في موارد الجهل المركب و ان كان عن قصور، و كذلك في موارد الجهل
البسيط، فيلزم من ذلك عدم ثبوت حق الطاعة فى موارد التجري لعدم الموضوع له في هذه
الموارد، و هذا خلاف الضرورة و الوجدان، لان الضرورة تحكم بان موضوعه احراز التكليف
فحسب.
و اما على الثاني فايضا لازمه عدم ثبوت حق الطاعة في موارد التجري لانتفاء موضوعه
في هذه الموارد بانتفاء احد جزئيه، و هذا كما ترى خلاف الوجدان، فانه يحكم بثبوته
في تلك الموارد ايضاً.
لحدّ الآن قدتبيّن انه لاشبهة في قبح التجري و استحقاق فاعله العقاب، و لكن مع ذلك
ذهب جماعة الى عدم قبح التجري و قد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الاول: ما افاده المحقق الخراساني (ره) فى حاشيته على رسائل الشيخ(ره) و حاصل
ما افاده، انه يستحيل اتصاف الفعل المتجرّي به بالقبح، و ذلك لان اتصاف الفعل
بالحسن او القبح منوط بكونه صادراً من الفاعل بالاختيار و الارادة، على اساس ان ما
هو متصف بالحسن و القبح هو الفعل الاختياري، حيث انهما كالوجوب و الحرمة من هذه
الناحية، فكما ان الوجوب و الحرمة لايتعلقان الا بالفعل الاختياري فكذلك الحسن و
القبح، و على هذا الاساس فاذا اعتقد المكلف بان هذا المايع خمر فشربه ثم بان انه
ليس بخمر بل هو ماء مباح او مملوك له او مأذون في التصرف فيه، فهناك امور ثلاثة:
الاول: شرب الخمر.
الثاني: شرب الماء المباح.
الثالث: شرب مقطوع الخمرية.
اما الامر الاول فلا وجود له على الفرض.
و اما الامر الثاني فهو ليس بقبيح.
و اما الامر الثالث فهو ليس باختياري، لان ارادة المتجري تعلقت بشرب الخمر الواقعي
لاشرب مقطوع الخمرية، لان القطع ملحوظ بنحو الطريقية و المرآتية المحضة لابنحو
الموضوعية، و حيث انه ليس متعلق الارادة و مصبّ لها فلايكون باختياري، لان ملاك
اختيارية الفعل هو ان يكون مسبوقاً بالارادة و الاختيار و الاّ فليس باختياري، فاذن
يستحيل اتصاف الفعل المتجري به بالحسن او القبح لعدم كونه اختياريا.(14)
و الجواب: ان هناك مسلكين في ملاك اختياريّة الفعل:
الاول: مسلك الفلاسفة، فانهم يقولون بان الملاك في اختيارية الفعل هو ان يكون
مسبوقاً بالارادة المحركة للعضلات و معلولا لها، فانها اذا و صلت الى هذه المرتبة،
كانت علة تامة له، و اما الفعل اذا لم يكن مسبوقاً بها و متعلقا لها، فهو ليس
باختياري.
الثاني: مسلك جماعة من المحققين منهم مدرسة المحقق النائيني(ره) من ان اختيارية
الفعل منوطة بان يكون وجوده بالمشيئة، و اما المشتبه فهي توجد بنفسها(15)، فعلى
المسلك الاول، فلاشبهة في ان متعلق الارادة ذات الفعل، فاذا قطع شخص بان المايع
الفلاني خمر و اراد شربها، فمتعلق ارادته شرب الخمر الواقعي لاشرب الخمر المقطوع في
افق الذهن، ضرورة ان متعلقها الفعل الخارجي دون الفعل في افق الذهن، و على هذا فما
هو متعلق الارادة و هو شرب الخمر الواقعي لم يقع في الخارج، و ما هو واقع و هو شرب
الماء المباح لم يكن متعلق الارادة حتى يكون صدوره منه بالاختيار، و اما شرب مقطوع
الخمرية، فهو ايضا كذلك أى ليس متعلق الارادة، و حيث ان صاحب الكفاية (ره) قد اختار
هذا المسلك في باب اختيارية الافعال، فلهذا قال ان الفعل المتجري به خارج عن
الاختيار، لان ما هو متعلق الارادة ذات الفعل لا الفعل المقطوع به.
و دعوى ان ارادة المتجري و ان تعلقت بشرب الخمر اولا و بالذات، إلاّ انها تسري منه
الى شرب مقطوع الخمرية تبعاً، على اساس سراية الارادة من احد المتلازمين الى
الملازم الآخر، فمن اجل ذلك يكون شربه اختياريا.
مدفوعة اولا، ان ارادة احد المتلازمين لاتسري الى الملازم الآخر لابالارادة
التكوينيّة و لا التشريعيّة، اما عدم سراية الاولى من احد المتلازمين الى الملازم
الآخر و ان كان مما لانملك برهانا عليه، الا انا نؤمن به بشهادة الوجدان، و اما عدم
سراية الثانية من احد هما الى الآخر، فهو واضح، لما ذكرناه في مبحث مقدمة الواجب من
ان الملازمة بين ارادة شيء و ارادة مقدماته و ان كانت ممكنة في مرحلة المبادي و
مطابقة للوجدان، الاّ ان هذه الملازمة غير ثابتة في مرحلة الجعل و الاعتبار و هي
الملازمة بين وجوب شيء و وجوب مقدماته، فانه ان اريد بها ترشح وجوب المقدمة من وجوب
ذيها بصوره قهرية كترشيح المعلول عن العلة التامة فهو غير معقول، لان الجعل فعل
اختياري للمولى مباشرة من جهة و امر اعتباري لاواقع موضوعي له إلا في عالم الاعتبار
و الذهن من جهة اخرى، و لهذا لاتتصور فيه العليّة و المعلولية و التولد و الترشيح،
لان مصب كل ذلك انما هو الامور التكوينّية، و اما الامور الاعتبارية فهى بيد
المعتبر مباشرة، فلايتصور ان يكون الاعتبار معلولا لاعتبار آخر و متولداً منه، و ان
اريد بها الملازمة بين الجعلين هما جعل الوجوب لذي المقدمة و جعل الوجوب لمقدمته،
بمعنى ان الشارع متى جعل الوجوب لشيء، جعل الوجوب لمقدماته ايضاً، فهي و ان كانت
ممكنة إلاّ انها غير واقعة في الخارج، لان جعل الوجوب للمقدمة بحاجة الى نكتة تبرر
هذا الجعل، ضرورة انه لايمكن ان يكون الجعل من المولى جزافاً و لغواً، و المبرر
للجعل احد أمرين:
الاول: ان يكون الجعل بداعي ابراز الملاك فحسب، كما اذا جعل الوجوب لشي بداعي ابراز
ملاكه الملزم او جعل الحرمة لشيء بداعي ابراز مفسدته الملزمة.
الثاني: ان يكون الجعل بداعى تحديد وظيفة المكلف سعةً و ضيقاً بالنسبة الى حق
الطاعة للمولى على عبده و كونه داعيا و محركاً له، وكلا الأمرين غير متوفر في
الوجوب الغيري للمقدمة.
اما الاول، فلانه لاملاك في المقدمة حتى يكون جعل الوجوب لها بداعي ابراز الملاك
فيها، و اما الملاك في ذي المقدمة، فهو مبرز بنفس جعل الوجوب النفسي له فلاحاجة الى
مبرز آخر، و يكون جعله بهذا الداعي لغواً و جزافاً.
و اما الثاني، فلان الوجوب الغيري غير قابل للتنجيز حتى يكون محركاً، و لهذا لايكون
فى موافقته ثواب و لا في مخالفته عقاب.
فالنتيجة ان الوجوب الغيري ليس مركزاً لحق الطاعة و الأدانة، و من هنا قلنا ان
الوجوب الغيري لايصلح ان يكون ثمرة للمسالة الاصولية، لان ثمرتها متمثله في الاحكام
الفقهية المستنبطة من القواعد العامة الاصولية، فانها قابلة للتنجيز، بمعنى استحقاق
العقوبة على مخالفتها و المثوبة على موافقتها و محركة للمكلف نحو امتثالها، بينما
الوجوب الغيري لايقبل التنجيز و لايصلح ان يكون محركاً، فلهذا يكون جعله للمقدمة
مستقلا في مقابل جعل وجوب ذيها لغواً و بلافائدة.
و ثانيا مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان ارادة احد المتلازمين تسري الى الملازم
الآخر، إلاّ انّه لاملازمة في المقام بين شرب مقطوع الخمرية و شرب الخمر الواقعي بل
الاول مباين للثاني، فان الاول بلحاظ كونه تجرياً مباين للثاني بلحاظ كونه عصياناً،
و اما مع قطع النظر عن ذلك، فشرب الخمر اعم من شرب مقطوع الخمرية، إذ قد يتحقق شرب
الخمر بدون القطع بها، و من الواضح ان ارادة الأعمّ لاتستلزم ارادة الاخص، و عليه
فلاملازمة بينهما، هذا اضافة الى ان الارادة لاتصلح ان تكون ملاكا لاختيارية الفعل
بحيث تدور اختياريته مدارها وجوداً و عدماً و ذلك لامور:
الاول: ان الفعل كثير مايصدر من الانسان بالاختيار بدون ان تكون في داخل نفسه ارادة
و شوق مؤكدّ، بل ربما يصدر الفعل منه كذلك عن كره.
الثاني: ان كل فرد اذا رجع الى وجدانه، فقد صدق وجدانه بان الارادة مهما بلغت
مرتبتها الكاملة لم تؤدّ الى سلب القدرة و السلطنة عن الانسان على فعله، فانه مختار
مع وجود هذه الارادة بمرتبتها التامة الكاملة في افق نفسه، و لايخرج الفعل بها عن
حد الامكان و الاعتدال الى حدّ الوجوب و الضرّورة لكي يخرج بذلك عن تحت قدرته و
سلطنته، و لهذا يجد كل فرد في وجدانه و فطرته السليمة المرتكزه في اعماق نفسه و
صميم كيانه الفرق بين حركة يد المرتعش و حركة يد غيره، و بين حركة النبّض و حركة
اصابعه، و بين حركة الدم فى العروق و حركة اليد يمنة و يسرة و هكذا، فالفرق بين
الافعال الاختيارية الصادرة من الانسان بقدرته و سلطنته و الافعال المترتبة على
المرض و صفة الخوف كارتعاش البدن و اصفرار الوجه و حركة الامعاء و نحو ذلك محسوس
بالوجدان و الفطرة.
الثالث: ان الارادة لو كانت علة تامة لوجود الافعال في الخارج و كان ترتبها عليها
ترتب المعلول على العلة التامة، لم يكن فرق بينها و بين الافعال المترتبة على المرض
و الخوف و نحوهما قهراً و بدون اختيار اصلا، لان المفروض ان ترتبها على الارادة اذا
بلغت مرتبتها الكاملة التامة قهري و تخرج بها عن حد الامكان و الاعتدال الى حد
الضرورة و الوجوب، هذا اضافة الى ان الارادة لو كانت علة تامة، لزم بطلان ارسال
الرسل و انزال الكتب و تبليغ الاحكام، ضرورة ان العبد حينئذ عاجز و لاحول له و
لاقوة، فلا معنى لتوجه التكليف اليه، لانه لغو و بلافائدة، و تفصيل كل ذلك بشكل
موسع تقدم في مبحث الجبر و التفويض و الأمر بين الأمرين، و قد قلنا هناك ان الفعل
الاختياري خاضع للسلطنة و القدرة لا للارادة، و لايخرج بذلك عن حد الاعتدال بين
الوجود و العدم، و هو حد الامكان الى حد الوجوب و الضرورة على تفصيل هناك.
الوجه الثاني: ايضا ما ذكره المحقق صاحب الكفاية(ره) من ان اختيارية الفعل منوطة
بالالتفات الى الفعل بعنوانه الخاص و اسمه المخصوص المميّز، فاذا اعتقد بمايع انه
ماء فشرب، ثم بان انه خلّ، لم يصدر شرب الخل منه باختياره، بل هو من باب الاتفاق و
الصدفة، لان ما هو مصب التفاته و ارادته لم يقع في الخارج و ما وقع لم يكن مصبّ
التفاته و ارادته، و على هذا فاذا قطع المكلف بان الاناء الفلاني خمر فشربه ثم بان
انه ماء مباح، فهنا امور:
الاول: شرب الخمر الواقعي.
الثاني: شرب الماء المباح.
الثالث: شرب مقطوع الخمرية.
اما الامر الاول فهو غير واقع، و اما الامر الثاني فهو و ان وقع و لكن وقوعه يكون
من باب الاتفاق و الصدفة من جهة عدم الالتفات إليه، و اما الثالث فايضا الامر كذلك،
لان عنوان مقطوع الخمرية ليس مورداً للالتفات اليه، فان ما هو مورد للالتفات هو
عنوان الخمر في الواقع دون عنوان القطع، فانه عنوان آلي لااستقلالي و تمام الالتفات
و النظر الى الواقع، فلهذا لايكون شرب مقطوع الخمرية اختياريا لعدم الالتفات اليه،
و كذلك لايتّصف بالقبح.(16) و قد اورد عليه المحقق النائيني(ره) بان لازم ما
افاده(ره)، انه لايمكن اخذ القطع في موضوع حكم شرعي، فان القطع اذا كان مما لايمكن
الالتفات اليه، فلا يمكن اخذه في موضوع الحكم، لاستحالة و صول الحكم الى المكلف و
تنجزه، لان وصوله و تنجزه متفرع على الالتفات الى موضوعه و وصوله اليه، و المفروض
انه مما لايمكن الالتفات اليه.(17)
و لكن هذا الاشكال غير وارد، فان صاحب الكفاية (ره) لايدعي استحالة الالتفات الى
القطع بنفسه، اذ لا شبهة في امكان ذلك، و انما يدعي ان النظر و الالتفات الى القطع
الطريقي آلي لا استقلالي، و تمام الالتفات و النظر الى الواقع باعتبار انه موضوع
الحكم، و اما اذا كان القطع مأخوذاً في موضوع الحكم، فلامحالة يكون النظر و
الالتفات إليه بالاستقلال و الموضوعية لابالآلية و الطريقيّة، باعتبار انه موضوع
الاثر، فالنظر الى القطع الطريقي آلي و الى الموضوعي استقلالي.
فالنتيجة ان هذا الاشكال من المحقق النائيني (ره) غريب جداً.
و الصحيح فى الجواب عن هذا الوجه ان يقال، ان الملتفت في مقابل الغافل، فان الانسان
اما ان يكون ملتفتاً الى ما يصدر منه او غافلا عنه و لا ثالث لهما، فعلى الاول يكون
صدوره منه اختيارياً، و على الثاني غير اختياري، و على هذا فلالتفات الذي هو شرط
لاختيارية الفعل، فبما انه في مقابل الغفلة المطلقة، فبطبيعة الحال يكون المراد منه
اعمّ من الالتفات التفصيلي و الاجمالي و الاستقلالي و الآلي، و على هذا الاساس فيرد
على هذا الوجه.
اولا، ان القطع بالواقع عين الالتفات اليه و ان كان هو غير ملتفت الى التفاته فاذا
قطع الانسان بان هذا المائع خمر، كان القطع بخمريّته عين الالتفات إليها، لا انه
التفات الى انه خمر و غفلة عن التفاته إليه، ضرورة ان الغفلة لاتجتمع مع القطع،
غاية الامر انه التفات آلي، و عليه فهو ملتفت الى انه شرب مقطوع الخمريّة بالالتفات
الآلي في مقابل مظنونها او مشكوكها، و هذا يعنى انه ملتفت الى انه شرب مقطوع
الخمرية لامظنونها و لا مشكوكها، و على هذا فما افاده(ره) من ان عنوان شرب مقطوع
الخمرية مما لايلتفت اليه، فلايكون باختياري حتى يتّصف بالقبح، مبني على توهم ان
الشرط لاختيارية الفعل هو الالتفات التفصيلى الاستقلالي، و لكن من الواضح ان الشرط
لها الالتفات الجامع بين الالتفات التفصيلي و الالتفات الاجمالي الارتكازي و
الالتفات الاستقلالي و الالتفات الآلي، فاذا صدر الفعل من الفاعل ملتفتا اليه و ان
كان بالالتفات الاجمالي او الآلي، فهو فعل اختياري في مقابل ما اذا صدر منه الفعل
عن غفلة اونسيان، فانه غير اختيارى.
و ثانيا، ان هذا الوجه لوتمّ فانما يتم في موارد القطع دون الظن و الاحتمال المنجز،
فاذا ظن المكلف بان هذا المايع خمر و كان الظن معتبراً، فلاشبهة في انه ملتفت الى
ان شربه هذا شرب مظنون الخمرية، لانه كان يحتمل انه ليس بخمر في الواقع، و كذلك
الحال في موارد اصالة الاحتياط، كما في الشبهات قبل الفحص او في الشبهات المقرونة
بالعلم الاجمالي، فان المكلف ملتفت الى انه شاك و غير عالم بالواقع.
و ثالثا مع الاغماض عن جميع ذلك و تسليم ان المكلف لايلتفت الى عنوان مقطوع الخمرية
و لا مظنونها و لامشكوكها، و لكن قد تقدم ان انطباق عنوان التجري على شرب هذا
المايع اذا لم يكن مطابقا للواقع، لايتوقف على الالتفات الى هذا العنوان، فاذا
التفت المكلف الى ان هذا المايع خمر، فشربه عامداً ملتفتاً الى الحكم الشرعي، فان
كان مطابقاً للواقع فهو عصيان، و ان كان مخالفاً للواقع فهو تجرّي، و منشأ العصيان
و التجري هو اقدامه على شربه بارادته و اختياره، فشربه مع التفاته الى انه مبغوض
للمولى و اعتقاده به، و هذا الاقدام حيث انه تعدّ على المولى و تفويت بحقّه و هتك
حرمته، فلهذا يكون مبغوضاً سواءً أكان مطابقا للواقع أم لا، على اساس انه ظلم و سلب
ذي الحق عن حقّه و لا دخل لمطابقته للواقع وعدم مطابقته له في مبغوضيته، فان
مبغوضيته انما هي من جهة انه تعدّ على المولى و تفويت حقه و هو الطاعة و ان كان غير
مطابق للواقع، نعم مفهوم العصيان منتزع من مطابقته للواقع، و مفهوم التجرّي منتزع
من عدم مطابقته له، و لكن من الواضح انه لاقيمة لمفهوم العصيان و مفهوم التجري،
فانه لا واقع موضوعي لهما ماعدا وجودهما في عالم الذهن و التصور، و تمام القيمة
انما هي لواقعهما في الخارج و هو مبغوض من جهة انه ظلم على المولى و تفويت لحقّه.
فالنتيجة ان ملاك الفعل الاختياري سواءً أكان الأرادة بمعنى الشوق المؤكدّ ام
غيرهما، و سواء أكان الدخيل في اختياريته الالتفات الاستقلالي، أم يكفي الاعمّ منه
و من الالتفات الآلي، فان كل ذلك مما لادخل له في قبح التجري، فانه قبيح و مبغوض
مهما كان ملاك الفعل الاختياري.
الوجه الثالث: ان التجري قد يكون في الشبهة الحكمية و قد يكون في الشبهة الموضوعية،
و اما اذا كان في الاولى، فالفعل الصادر من المتجري فعل اختياري، كما اذا اعتقد
المكلف بحرمة شرب التتن فشربه ثم بان انه ليس بحرام، فان شرب التتن قد صدر منه
بالاختيار، غاية الامر ان اعتقاده بانه حرام غير مطابق للواقع.
و اما اذا كان في الثانية، فلايكون الفعل الصادر منه بالأختيار، كما اذا علم بان
هذا المايع خمر فشربه ثم بان انه ماء مباح، ففي مثل ذلك لايصدر منه فعل اختياري،
لان ما قصده و هو شرب الخمر لم يقع و ما وقع و هو شرب الماء المباح لم يقصده لكي
يكون اختياريا، و لهذا قال ان حال من شرب مايعاً بتخيل انه خمر كحال النائم الذي
يرى في حال النوم انه شرب الخمر.
و الجواب: اولا ان هذا الوجه مبني على مسلك الفلاسفة من ان ملاك اختيارية الفعل
كونه مسبوقا بالقصد و الارادة، و قد تقدم الاشارة الى بطلان هذا المسلك.
و ثانيا مامرّ من ان شرب هذا المايع الخارجي صادر منه بالاختيار، غاية الامر انه
شربه بداعي انه خمر ثم بان انه ليس بخمر، فيكون التخلف في الداعي و الاشتباه في
التطبيق لافي اصل الشرب، فانه صادر منه بالاختيار و الارادة.
و بكلمة انه ليس هنا فرد ان من الشرب: الاول شرب الخمر خاصة و الآخر شرب الماء
المباح كذلك، و الاول لم يقع في الخارج و ما وقع لم يرده، بل فرد واحد من الشرب و
هو شرب هذا المائع الخارجي، غاية الامر انه شربه بداعي انه خمر ثم بان انه ماء
مباح، فيكون التخلف في الداعي لافيما قصده و اراده و هو شرب هذا المايع الخارجي، و
من الواضح ان كل فعل اختياري صادر من الفاعل المختار لايمكن ان يكون بدون غاية
وداع، و لكن قد يقع التخلف في الداعي و الغاية لافي اصل الفعل، فانه صادر منه
بالاختيار.
فالنتيجة ان التخلف في الداعي و الاشتباه في التطبيق لايضرّ باختيارية اصل الفعل
الصادر من الفاعل.
الوجه الرابع: ما يظهر من صاحب الفصول(ره) من ان التجري لو كان قبيحاً ذاتاً، لزم
ان يكون الفعل المتجرّي به قبيحاً و ان صادف مصلحة مهمّة، كما اذا اعتقد بوجوب قتل
رجل فتجرى و لم يقتله ثم بان انه ابن المولى، او اذا اعتقد ان الغريق عدو المولى
فانقذه ثم بان انه ابن المولى، ففي مثل ذلك لاشبهة في ان عدم القتل في المثال الاول
و الانقاذ في المثال الثاني محبوب للمولى و مطلوب له، و عليه فلو كان الفعل المتجري
به مبغوضاً للمولى، لزم كونه محبوباً و مبغوضاً معاً في مثل هذه الامثلة.
و الجواب: ان في هذا الوجه خلطا بين الحسن و القبح العقليين و بين المصلحة و
المفسدة التكوينتين، فان الفعل المتجري به قبيح بلحاظ انه مصداق للظلم و الطغيان
على المولى و فاعله مستحقق للذم و العقاب، و هذا لاينافي كونه مشتملا على مصلحة في
الواقع بعنوان اولي و محبوبا بهذا العنوان، و لاتنافي بين الأمرين.
و ان شئت قلت ان اتصاف ترك القتل في المثال الاول بالقبح الصادر من الفاعل و كذلك
اتصاف انقاذ الغريق في المثال الثاني بالقبح، انما هو من جهة انه تفويت لحق المولى
و مصداق للظلم، فلا يكون مبغوضا و محبوباً بملاك واحد و بعنوان فارد، فانه قبيح
بملاك قبح الظلم و التجري على المولى، و محبوب بملاك انه انقاد لابن المولى، فيكون
محبوبا في الواقع بعنوان ابن المولى و مبغوضاً بعنوان التجري و انطباق الظلم عليه.
فبالنتيجة ان هذا الوجة لايدل على ان التجرّي لايكون قبيحاً.
الوجه الخامس: ما ذكره شيخنا الانصاري(ره) من الفرق بين العاصي و المتجري، و حاصل
هذا الفرق هو ان العاصي يستحق الادانة و العقوبة، باعتبار انه عصى المولى بارادته و
اختياره، و اما المتجري فهو لايستحق الادانة و العقوبة على الفعل المتجرّي به، و
لامانع من ان يكون عدم استحقاعة العقوبة منوطاً بامر خارج عن اختياره و هو عدم
اصابة قطعه للواقع، و بكلمة ان العاصي يستحق العقوبة على شرب هذا المايع الخارجي
باختياره و ارادته، إذ لايمكن اناطة استحقاق العقوبة بأمر خارج عن الاختيار، و اما
المتجري فلايستحق العقوبة، و لامحذور في ان يكون عدم استحقاقه العقوبة مستنداً الى
امر خارج عن اختياره و هو عدم اصابة قطعه للواقع(18)، و دعوى انه لافرق بين العاصي
و المتجري إلاّ في اصابة القطع للواقع في الاول دون الثاني، و المفروض ان الإصابة و
عدمها امران خارجان عن الاختيار، فلوكان منشأ عدم استحقاق المتجري العقوبة عدم
اصابة قطعه للواقع، لكان منشا استحقاق العاصي العقوبة، اصابة قطعه للواقع، على اساس
انه لافرق بينهما إلاّفي الاصابة و عدم الاصابة، و الفرض ان الاصابة كعدم الاصابة
غير اختيارية.
مدفوعة بان المقتضي للعقوبة في كليهما موجود و هو شرب هذا المايع الخارجي
بالاختيار، و عدم اصابة القطع للواقع في المتجري بمثابة المانع عن تاثير المقتضي في
الاستحقاق، و اصابة القطع له في العاصي بمثابة عدم المانع عن تأثيره، فاذا كان
المقتضي موجوداً و المانع مفقوداً، أثر المقتضي اثره و هو استحقاق العقوبة.
و بكلمة ان المقتضي لاستحقاق العقوبة لابد ان يكون اختيارياً، و اما المانع عنه فلا
يلزم ان يكون اختياريا و كذلك عدم المانع، و حيث ان المقتضي للاستحقاق في العاصي
متوفر و المانع عنه مفقود، فلا محالة يؤثر اثره و ان كان عدم المانع بسبب امر غير
اختياري، و اما في المتجري، فالمقتضى للاستحقاق و ان كان ثابتا، إلاّ ان المانع
يمنع عن تاثيره و ان كان المانع خارجا عن اختياره، إذ لايعتبر في المانع ان يكون
اختياريا.
و الجواب: انا قد ذكرنا سابقا أن ملاك استحقاق الادانة و العقوبة في فعل الحرام و
ترك الواجب، انما هو ترتب عنوان التعدّي و تفويت الحق و هو حق الطاعة للمولى و
الظلم عليه لافعل الحرام بما هو فعل الحرام، و ترك الواجب بما هو ترك الواجب، و حيث
ان للمولى حق الطاعة على العبد و الانقياد، فاذا فعل الحرام عامداً ملتفتاً او ترك
الواجب كذلك، فقد فوت حقّه، فلهذا يصدق عليه عنوان الظلم، و لافرق في ذلك بين
العاصي و المتجري، فكما ان العاصي قد فوت حقه و هو الطاعة و تعدّى فكذلك المتجري،
على اساس ما تقدم من ان موضوع حق الطاعة احراز التكليف و تنجزه بدون دخل لوجود
التكليف في الواقع فيه، فالاحراز تمام الموضوع، و قد مرّ انه لايمكن ان يكون موضوعه
التكليف الواقعي، كما لا يمكن ان يكون مركبا من الواقع و احرازه، بل الاحراز تمام
موضوعه، و لا فرق في الاحراز بين ان يكون بالعلم الوجداني او العلم التعبدي او
الاصل العملي، و على هذا فلا فرق بين العاصي و المتجري من هذه الناحية، فكما ان
العاصي قد فوت حق المولى و هو الطاعة و الظلم فكذلك المتجري، فانه قد فوت حق المولى
بالتعدي و الظلم.
الوجه السادس: ما ذكره المحقق النائيني(ره) من ان الفعل المتجري به لايكون قبيحاً،
و قد افاد في وجه ذلك انه بعنوانه الاولي مباح، و القطع بحرمته طريق اليها و ليس
عنوانا للفعل المتجري به حتى يكون قبيحا بهذا العنوان اي العنوان القطع بحرمته،
ضرورة ان القطع بشيء طريق اليه و معرف له، فلايكون عنوانا له، فاذن لامنشأ لاتصافه
بالقبح، و من هنا قال(ره) ان قبحه فاعلي لافعلي.(19)
و الجواب: ان الفعل المتجري به قبيح لامن جهة القطع بحرمته، بل من جهة انه مصداق
للظلم و الهتك لحرمة المولى، و من هنا يكون قبح التجري امر وجداني يدركه العقل،
باعتبار انه من اظهر مصاديق الظلم و هو تفويت حق المولى، كما ان حسن الانقياد امر
وجداني، باعتبار انه من اظهر مصاديق العدل هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى، ان الحسن و القبح لايضافان الى الافعال في انفسها بل بلحاظ
صدورهما عن الفاعل، فان موضوع الحسن الفعل بما هو مضاف الى فاعله و كذلك موضوع
القبح، فان معنى حسن الشيء، استحقاق فاعله المدح و الثواب، و معنى قبح شيء، استحقاق
فاعله الذم و العقاب، و عليه فلا مانع من استحقاق الفاعل العقوبة على التجري طالما
الفعل بما هو مضاف اليه قبيح، ولاوجه لتخصيص استحقاق العقوبة بخصوص صدور الفعل
القبيح في نفسه و بقطع النظر عن صدوره عن الفاعل.
و بكلمة ان معنى الحسن ما ينبغي ان يقع، و معنى القبح ما لاينبغي ان يقع، و هما
امران واقعيان ثابتان فى لوح الواقع بدون جاعل، غاية الامر ان الحسن او القبح قد
ينطبق على فعل الانسان نفسه، فيقال انه ينبغي في نفسه او لا ينبغي، و قد ينطبق على
فعل الاخر، فيقال ان مدحه مما ينبغي او ذمه، و الخلاصة ان الفعل في نفسه لايتصف
بالحسن او القبح، و انما يتصف به باعتبار اضافته الى الفاعل، و هذه الاضافة تارة
بلحاظ فعل نفسه و اخرى بلحاظ مواقف الاخرين تجاه فاعل الحسن او القبح، و معناه
باللحاظ الاول ماينبغي ان يقع و مالاينبغي، و باللحاظ الثاني استحقاق المدح او الذم
و هما امران واقعيان لا امر واحد، و قد اخذ في موضوع الثاني العلم، يعني ان الفاعل
انما يستحق المدح او الذم اذا علم بحسن فعله او قبحه، و اما الجاهل به فلا يستحق
المدح او الذم.
فالنتيجة فى نهاية المطاف انه لايتم شي من هذه الوجوه الستة، و الصحيح ان المتجري
يستحق العقاب على التجري كالعاصي، و لافرق بينهما من هذه الناحية.
نتيجة البحث عدة امور:
الامر اول: ان الاقوال في التجري ثلاثة:
الاول: ان التجري لا يكون قبيحاً و انما يكشف عن سوء سريرة المتجري و خبث باطنة، و
قد اختار هذا القول شيخنا الانصاري(ره).
الثاني: ان التجري قبيح و لكن قبحه فاعلي لافعلي، و قد اختار هذا القول المحقق
النائيني(ره).
الثالث: ان قبح التجري فعلي.
الامر الثاني: ان الصحيح من هذه الاقوال هو القول الأخير دون القول الاول و الثاني،
اما الاول فلاشبهة فى ان العقل يحكم بقبح التجري وجدانا و انه مصداق للظلم و
الطغيان على المولى، و اما الثاني فان اريد بالقبح الفاعلي انه كاشف عن سوء سريرته،
فهو يرجع الى القول الاول و ليس قولا آخر في المسألة في مقابل القول الاول، و ان
اريد به ان الفعل المتجري به بما هو مضاف الى المتجري قبيح لافي نفسه.
فيرد عليه انه على هذا لامانع من استحقاقه الادانة و العقوبة عليه.
الامر الثالث: ان استحقاق العقاب على الفعل المتجري به يتوقف على أمرين.
الاول: ثبوت حق الطاعة للمولى على العبد في المرتبة السابقة، و هذا الحق ثابت
بالذات للمولى الحقيقي و بالجعل للمولى الجعلي.
الثاني: ان يكون احراز التكليف تمام الموضوع لهذا الحق، وكلا الامرين ثابت، اما
الامر الاول فواضح، و اما الامر الثاني فلان العقل يحكم بان الاحراز هو تمام
الموضوع لاجزء الموضوع و جزئه الآخر الواقع على تفصيل تقدم.
الامر الرابع: الاظهر ان الاقدام على الظلم الخيالي بدون ان يكون في الواقع ظلما
لايوجب استحقاق الادانة و العقوبة، باعتبار انه غير مفوت لحق احد، و انما كان
تفويته مجرد تخيل في عالم الذهن، كما اذا تخيل ان زيداً مولاه و خالف امره ثم بان
انه ليس مولاه، فاذن لاهتك لحرمته و لاظلم في حقه حتى يستحق العقوبة عليه.
الامر الخامس: قد استدل على عدم استحقاق المتجري العقاب بوجوه ستة، و تقدم الكلام
فيها و في نقدها موسعاً.
النقطة الثالثة: في حرمة الفعل المتجري به شرعا و عدم حرمته كذلك، و قد استدل على
الحرمة بوجوه:
الوجه الاول: باطلاقات الادلة الأولية في الكتاب و السنة، بدعوى ان تلك الاطلاقات
تشمل موارد التجري ايضا و تدل على حرمته، بتقريب مؤلف من المقدمات الثلاث.
المقدمة الاولى: ان متعلق التكليف لابد و ان يكون اختياريا و مقدوراً للمكلف،
لاستحالة التكليف بما هو خارج عن اختياره، سواءً أكانت اختياريته باقتضاء نفس
الخطاب الشرعي كون متعلقه مقدوراً، كما قوى ذلك المحقق النائيني(ره)، ام كانت بحكم
العقل على اساس حكمه بقبح تكليف العاجز.
المقدمة الثانية: ان الباعث و المحرك للمكلف نحو الواجب هو احراز التكليف في الواقع
لانفس وجوده فيه، ضرورة ان الاختيار لايتعلق بالواقع إلاّ بما يراه الانسان واقعاً،
سواءً كانت رويته بالقطع الوجداني ام التعبدي ام بالاصل العملي، فوجود التكليف في
الواقع لايؤثر في شيء، فاذا كان الاناء خمراً في الواقع و كان المكلف جاهلابه فلا
اثر له، و اما اذا احرز انه خمر، فيكون باعثا و محركا له نحو الاجتناب عنه، مثلا
شارب الخمر دائما يريد شرب معلوم الخمرية لا الخمر الواقعي، لان الاحراز تمام العلة
لتحريك الانسان نحو الفعل في الخارج كما هو الحال في جميع الافعال الخارجية
الاختيارية، لاستحالة ان يكون الواقع بما هو الواقع محركا نحو الاتيان بها، فالمحرك
هو العلم بها، لانه تمام العلة لارادة الانسان الواقع و تحريكها نحوه.
و من هنا اذا قطع العطشان بوجود ماء فى مكان، تحرك نحوه و اراده و ان لم يكن ماء في
الواقع بل سراب، و لذا قد يموت الانسان من العطش او من الجوع و الماء موجود عنده او
الطعام و هولا يدري بوجوده.
المقدمة الثالثة: حيث ان الغرض من وراء جعل التكاليف الشرعية في الشريعة المقدسة
داعوّيتها للمكلف نحو امتثالها و الاتيان بمتعلقاتها، و من الواضح انها انما تكون
داعية اذا كانت متعلقاتها مقدورة للمكلف، و الا فيستحيل ان تكون داعية نحو الممتنع
و غير المقدور هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان ما هو تحت اختيار المكلف و قدرته هو الشيء بوجوده العلمي لا
الواقعي، فان الشيء بوجوده العلمي محرك للمكلف نحو الاتيان به و داعيا له لابوجوده
الواقعي، و عليه فبطبيعة الحال يكون متعلق التكليف اختيار الفعل بوجوده العلمي،
لانه مقدور له، و اما الفعل بوجوده الواقعي فلايكون اختياره بمقدوره، فلايمكن تعلق
التكليف به، ضرورة ان معناه تعلق التكليف بالاختيار المصادف للواقع، و من الواضح ان
مصادفة الواقع خارجة عن اختيار المكلف و قدرته، فاذن لايمكن ان يكون لاصابة الارادة
للواقع دخل في متعلق التكليف، و الاّ لزم التكليف بغير المقدور، و على هذا فمتعلق
التكليف الفعل الذي يكون له واقع بنظر المكلف، سواء أكان له واقع موضوعي ام لا،
فانه مكلف باختياره و ارادته، لا انه مكلف باختيار الفعل الذي له واقع موضوعي، لان
تكليف الانسان باختيار فعل مقيداً بكونه مطابقا للواقع تكليف بغير المقدور، فلايمكن
تعلقه به، و اما تكليفه باختيار فعل يكون بنظره مطابقا للواقع لامطلقا فلامانع منه،
و على ضوء ذلك فمتعلق التكليف في الخطابات الشرعية ليس ارادة المكلف و اختياره
المتعلقين بالفعل مقيداً بوجوده الواقعي لانه تكليف بالمحال، بل متعلقه فيها ارادته
و اختياره المتعلقين بمايراه مطابقا للواقع وجداناً او تعبداً، و عليه فاطلاق هذه
الخطابات يشمل العاصي و المتجري معاً، لان متعلق تلك الخطابات مشترك بينهما و
نسبتها اليهما نسبة واحدة.
فالنتيجة ان مقتضى هذه المقدمات كون المتجري كالعاصي مشمولا لهذه الخطابات المطلقة
من الكتاب و السنة.
و الجواب: اما المقدمة الاولى و الثانية، فلااشكال فيهما، و انما الكلام في المقدمة
الثالثه، و هذه المقدمة باطلة من عدة جهات:
الجهة الاولى: ان الاحكام الشرعية تابعة للملكات الواقعية التى هي حقيقة الحكم و
روحه، بداهة ان الحكم الخالي عن الملاك مجرد اعتبار لاقيمة له، و لا عقوبة على
مخالفته و لا مثوبة على موافقته، و من الواضح ان دائرة الحكم لا يمكن ان تكون اوسع
و اشمل من دائرة ملاكه، و اما الاشكال على هذه الجهة بان الملاك انما هو قائم
بالفعل بوجوده الواقعي، و الفرض ان التكليف لايمكن ان يكون متعلقا بارادته و
اختياره لانه تكليف بغير المقدور، و قد مر ان متعلقه ارادة الفعل الذي يكون له واقع
بنظر المكلف و ان لم يكن مطابقا للواقع، فلهذا لاتحل هذه الجهة المشكله، فهو مدفوع:
اما اولا فلان الفعل بوجوده الواقعي مقدور للمكلف، لان الجهل به لايمنع عن قدرته
عليه كما سوف نشير اليه.
و ثانيا ان متعلق التكليف لايمكن ان تكون الارادة و الاختيار المتعلقين بما يراه
الفاعل ان له واقعاً، فان لازم ذلك ان لايكون للتكليف ملاك في فرض عدم مطابقته
للواقع حقيقة، و من الطبيعي انه لاقيمة للتكليف بدون الملاك، اذ لايعقل وجود تكليف
بدون روح بل هو مجرد اعتبار لااثر له، و لايكون حكماً مولويا واقعاً قابلا للتنجز،
و المفروض ان مدلول الخطابات الاولية في الكتاب و السنة احكام واقعية و ذات روح و
حقيقة و قابلة للتنجز، و من الواضح انه لايمكن التبعيض في مدلولها، بمعنى انه حكم
واقعي مولوي في صورة المطابقة و مجرد اعتبار بلاروح في صورة عدم المطابقة، ضرورة ان
لها مدلولا واحداً و هو الحكم الواقعي الحقيقي الذي هو مركز حق الطاعة، بل اعتبار
حكم بلاملاك و روح لغو، فلايمكن صدوره من المولى، و ليس كالحكم الظاهري، فان اهتمام
المولى بالحفاظ على الملاكات الواقعية هو السبب لجعله، الذي اثره تنجيز الواقع لدى
الاصابة و التعذير لدى الخطأ.
فالنتيجة انه لاشبهة في ان الملاكات الواقعية قائمة بالافعال بوجوداتها الواقعية
لابوجوداتها العلمية التي قد لايكون لها واقع موضوعي.
الجهة الثانية: ان الالفاظ موضوعة بازاء المعاني الواقعية، و المفروض ان تلك
الالفاظ بما لها من المعاني الواقعية متعلقة للخطابات الشرعية.
الجهة الثالثة: ان غرض المولى و مقصوده التكويني من جعل التكليف انما هو ايجاد
الداعي و الارادة في نفس المكلف نحو ما تعلق به التكليف، فاذن ارادة المكلف و
اختياره الفعل او الترك تكون مقصودة للمولى و مرادة له تكوينا لاتشريعا، لان مراده
التشريعي هو التكليف المتعلق بالفعل، و على ذلك ففي هذه المقدمة خلط بين المراد
التشريعي و المراد التكويني، فان ايجاد الدعي و الارادة في نفس المكلف مراد للمولى
و مقصود له تكوينا، لا ان متعلق التكليف ارادته و اختياره، ضرورة ان متعلقه الفعل
بوجوده الواقعي او الترك كذلك، و هذا الخلط هو المنشأ للاشتباه و التوهم بان
التكليف تعلق بارادة المكلف و اختياره الفعل الذي يرى ان له واقعاً، و على هذا
فالخطابات الشرعية متعلقه بالافعال الاختيارية بوجوداتها الواقعية و هدف الشارع من
وراء ذلك تكوينا هو ايجاد الداعي و الارادة في نفس المكلف نحو الاتيان بها في
الخارج لا انها تعلقت بالارادة و الاختيار، او فقل ان الهدف من وراء تعلقها
بالافعال هو ايجاد الاراده و الاختيار في نفسه تكويناً لا انها متعلقة بالاراده و
الاختيار المتعلقين بالافعال، هذا اضافة الى ان تعلق التكليف بارادة المكلف و
اختياره المتعلق بالفعل بوجوده الواقعي، انما يستلزم التكليف بغير المقدور اذا كانت
اصابة الارادة للواقع قيداً للواجب، فانه حينئذ يكون مقيداً بقيد غير اختياري، و
اما اذا كانت قيداً للوجوب، فلايلزم هذا المحذور، لان نتيجة ذلك اختصاص التكليف و
اشتراطه بما اذا كانت الارادة مطابقة للواقع، و الظاهر ان التكليف لو كان متعلقا
بها، فمطابقتها للواقع شرط له لا للمكلف به، فاذن لاتشمل الخطابات الاولية المتجري،
لان ارادته غير مطابقة للواقع فتكون فاقدة للشرط.
و دعوى ان التكليف اذا كان متعلقا بالفعل بوجوده الواقعي على اساس وجود الملاك فيه،
لزم ايضا التكليف بغير المقدور، اذ لافرق في لزوم هذا المحذور بين ان يكون التكليف
متعلقا بارادة الفعل بوجوده الواقعي و بين ان يكون متعلقا بنفس الفعل كذلك، فانه
على كلا التقديرين يكون من التكليف بغير المقدور.
مدفوعة بانه لايلزم من تعلق التكليف بالفعل بوجوده الواقعي التكليف بغير المقدور، و
ذلك لان معنى تعلق التكليف به انه لم يتعلق بالجامع بين الفعل الواقعي و الفعل
الخيالي، مثلا النهي عن شرب الخمر، تعلق بشرب الخمر الواقعي لابشرب الجامع بين
الخمر الواقعي و الخمر التخيلي، على اساس ان الخمر اسم للخمر الواقعي، و على هذا
فاذا علم المكلف بان هذا المايع خمر، وجب عليه الاجتناب عنه، و اما اذا شرب عامدا
ملتفتاً الى حرمته، فيكون هذا الشرب صادراً منه بالاختيار، لان صدور الفعل من
الفاعل بالاختيار منوط بأمرين:
الاول: ان يكون الفاعل مختاراً في مقابل المضطر.
الثاني: ان يكون ملتفتا الى ما هو يفعله و يصدر منه، و اذا توفر فيه هذا الامران،
كان صدور الفعل منه بالاختيار و الارادة، و حيث ان كلا الامرين متوفر فيه في
المثال، فيكون شرب هذا المايع صادراً منه بالاختيار، غاية الامر ان الداعي على شربه
(و هو كونه خمراً) قد تخلف، و من المعلوم ان تخلفه لايضر، لانه خارج من الاختيار و
لايجعل هذا الشرب غير اختياري، و على هذا فحيث ان هذا الشرب تعدّ على المولى و هتك
لحرمته و تفويت لحقه و هو حق الطاعة، فيكون قبيحاً و معاقبا عليه.
و الخلاصة: ان المكلف اذا علم بان هذا المايع خمر، فشربه عامداً ملتفتاً الى انه
خمر، فلا شبهة فى ان هذا الشرب قد صدر منه باختياره و اعمال قدرته و سلطنته، و من
الطبيعي ان اعمال القدرة و السلطنة على شيء لايمكن ان تكون جزافا و بلاداع، كما هو
الحال في كل فعل اختياري صادر من الفاعل المختار، و الداعي لهذا الشرب في المقام هو
كون المايع خمراً، فاذا تخلف و تبيّن انه خل، فلايضر ذلك باختيارية اصل الفعل و هو
الشرب، لان تخلف الداعي و عدم تخلفه امران خارجان عن الاختيار و لايؤثران فيه
لاسلبا و لاايجاباً،
و اما السيد الاستاذ(ره) فقد اجاب عن هذه المقدمة تارة بالنقض و اخرى بالحل.
اما الاول، فلان لازم هذا الوجه ان من اعتقد بدخول وقت الصلاة و صلى ثم بان ان
الوقت غير داخل، هو ان صلاته صحيحة على اساس ان الامر قد تعلق بالارادة و الاختيار
المتعلقين بالصلاة التى تكون صلاة في الوقت واقعا بنظر المصلي و اعتقاده و ان لم
تكن مطابقة للواقع، و هذا كماترى، لانه خلاف الضرورة الفقهيه و لايمكن لاحد
الالتزام به.
و غير خفي ان ذلك ليس نقضا على القائل بهذا القول، بيان ذلك بحاجة الى تقديم مقدمة
و هي ان التجري قد يكون في المحرمات و قد يكون في الواجبات، اما في الاولى، فاذا
اعتقد المكلف بان هذا المال ملك للغير و تصرف فيه بدون اذنه ثم بان انه ماله، ففي
مثل ذلك يلتزم القائل بحرمة التجري ان هذا التصرف حرام و قبيح و ان المتصرف معاقب،
لان موضوع حرمة التجري و قبحه اعتقاد المكلف بالحرام، غاية الامر ان كان مطابقا
للواقع فهو عاصي، و ان كان مخالفاً له فهو متجري، و قد تقدم ان ملاك استحقاق
العقوبة هو تفويت حق المولى الثابت في المرتبة السابقة و هو حق الطاعة، على اساس ان
تفويته ظلم، و موضوع حق الطاعة اعتقاد المكلف بالحرمة او الوجوب بدون دخل للواقع
فيه، فاذا قطع المكلف بان المايع الفلاني خمر فشربه عالما عامداً ثم بان انه خل،
استحق الادانة و العقوبة عليه لانه تجري.
و اما في الثانية فان كان الواجب مضيقا كوجوب صوم شهر رمضان مثلا، ففي مثل ذلك اذا
اعتقد الانسان بدخول شهر رمضان بسبب من الاسباب، وجب عليه صوم الغد على مسلك القائل
بان التكليف تعلق بارادة مايراه الفاعل صوماً واقعا لا ارادة خصوص الصوم الواقعي،
على أساس ان موضوع وجوب الصوم واقعاً عند هذا القائل، هو دخول شهر رمضان بوجوده
الاعتقادي و ان لم يكن ذلك الاعتقاد مطابقاً للواقع، و حينئذ فاذا ترك صوم الغد
عامداً ملتفتاً الى الحكم الشرعي، فقد تجرى على المولى و فوّت حقه و هو الطاعة،
ولهذا يستحق العقاب، و من هذا القبيل ما اذا أوجب المولى اكرام كل هاشمي، فاذا
أعتقد المكلف بان زيداً هاشمي و مع ذلك ترك اكرامه عامداً عالماً، استحق العقوبة
على ترك اكرامه، باعتبار ان الواجب على هذا المسلك هو اكرام معلوم الهاشميّة سواءً
أكان مطابقاً للواقع أم لا، فان مطابقة الواقع و عدم مطابقته أمران خارجان عن قدرة
المكلف، فلا يمكن ان يكون الواجب شرعاً مقيداً بكونه مطابقاً للواقع.
فالنتيجة ان موضوع وجوب اكرامه الرجل الهاشمي بوجوده العلمي الاعتقادي و ان لم يكن
هاشمياً في الواقع، و اما اذا كان الواجب موسّعاً كالصّلاة مثلا، فانه الجامع بين
افراده الطولية، و متعلق التكليف الارادة المتعلقة بالصلاة بوجودها الواقعي بين
المبدء و المنتهى لابالصلاة بوجودها الاعتقادي، و ذلك لان المبرّر لتعلق التكليف
بالارادة المتعلقة بالفعل بوجوده الاعتقادي، هو ان تعلقه بالارادة المتعلقة به
بوجوده الواقعي يستلزم التكليف بغير المقدور، و هذا المحذور غير لازم فيما اذا كان
الواجب موسعاً كالصلاة و نحوها، إذ لامانع من تعلق التكليف بالأرادة المتعلقة
بالصلاة بوجودها الواقعي في وقتها الموسع و هو ما بين المبدء و المنتهي، و لايستلزم
تعلقه بها التكليف بغير المقدور.
فالنتيجة ان ما افاده السيد الاستاذ (ره) من النقض في غير مورده، و لكن هذا الاشكال
قابل للمناقشة،
اما اولا فلان القائل بهذه الدعوى يقول بان الخطابات الاولية متعلقة، بالارادة
المتعلقة بمتعلقاتها الجامعة بين وجوداتها الواقعيّة و الاعتقادية متعلقة بلافرق في
ذلك بين ان تكون تلك الخطابات من الخطابات المضيّقة او الموسعة، باعتبار انه يدعي
ان الخطابات الاوليّة تشمل المتجري ايضاً و لاتختص بالعاصي، لا انّه يقول بذلك في
الخطابات المضيقة فحسب دون الموسعة، و ذلك لان محل الكلام في المقام انما هو في
الخطابات الاولية و شمولها للمتجري و عدم شمولها له، و هذا القائل يدعي شمولها له
سواء أكانت وجوبية ام تحريمية، و على الاول سواء اكانت مضيقة ام موسّعة، لا انه
يدعي ذلك في خصوص الخطابات الوجوبية المضيقة فحسب.
و ثانياً: ان ما ذكر من الفرق بين الواجب الموسع و الواجب المضيّق غير فارق، إذ
لاشبهة في ان الوجوب في الواجب المضيق ايضاً متعلق بالواجب بوجوده الواقعي، و
لايلزم منه محذور التكليف بغير المقدور.
و ثالثاً: لوتم هذا فانما يتم في باب الواجبات و لايتمّ في باب المحرمات، مع ان هذا
القائل يقول بان الحرمة في باب المحرمات ايضاً متعلقة بالارادة المتعلقة بترك
الحرام اعمّ من الحرام الواقعي و الاعتقادي.
و اما حلا فقد ذكر(ره) ان الاحكام الشرعيّة تابعة للمبادي و الملاكات الواقعيّة
القائمة في متعلقاتها على ضوء مذهب العدلية، و هذه التبعيّة تتطلب ان يكون الواجب
نفس هذه المتعلقات بوجوداتها الواقعيّة لابوجوداتها الاعتقاديّة العلميّة، و ظواهر
الادلة ايضاً تقتضي ذلك، كما ان ما دل على ترتب الآثار عليها ظاهر في انها مترتبة
عليها بوجوداتها الواقعيّة لا الأعتقادية، مثلا قوله تعالى: ان الصلاة تنهى عن
الفحشاء و المنكر»(20) ظاهر في ان النهي عن الفحشاء و المنكر من آثار نفس الصلاة في
الخارج لامن آثار ما قطع بكونه صلاة واقعاً و ان لم يكن صلاة في الواقع، و كذلك
الحال في الأوامر العرفيّة.
و فيه ان مجرد تبعيّة الاحكام الشرعيّة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها لايكفي في
دفع الاشكال، فان المستدل يعترف بجميع ما افاده (ره) من التبعية و ظهور الادلة و
ترتب الآثار، الا انه يدعي ان التكليف لايمكن ان يتعلق بالفعل بوجوده الواقعي و
مقيداً به، لانه تكليف بغير المقدور بل هو متعلق بالارادة المتعلقة به، و حيث
لايمكن ان يكون متعلقها الفعل بوجوده الواقعي، فلامحالة يكون متعلقها الفعل بوجوده
العملي اي بما يراه المكلف واقعاً هذا.
لكن يمكن ان يكون نظر السيد الاستاذ (ره) الى انه لامانع من الأخذ بهذه الظهورات و
عدم الموجب لرفع اليد عنها، و مقتضى تلك الظهورات ان التكليف متعلق بذات الفعل
المشتملة على الملاك لا بالارادة المتعلقة بها، و هذا ليس من التكليف بغير المقدور.
و الخلاصة ان الاحكام الشرعية متعلق بالافعال الاختيارية بوجوداتها الواقعيّة
لابالارادة المتعلة بها، و لايلزم من تعلقها بها محذور التكليف بغير المقدور.
الوجه الثاني: التمسك بقاعدة الملازمة ببين حكم العقل و حكم الشرع، فهنا قاعدتان.
الاولى: الملازمة بين ادراك العقل مصلحة ملزمة غير مزاحمة في فعل او مفسدة ملزمة
كذلك في آخر، و حكم الشرع بالوجوب في الاول و الحرمة في الثاني.
الثانية: الملازمة بين حكم العقل بحسن شيء او قبحه و بين حكم الشرع بالوجوب او
الحرمة، اما القاعدة الاولى فهي و ان كانت ثابتة كبرويّة، إلاّ انه لاتوجدلها صغرى
في شيء من ابواب الفقه، و لهذا تكون هذه القاعدة عديمة الفائدة في الفقه.
و اما القاعدة الثانية: فيقع الكلام فيها في مقامين.
الاول: في اصل ثبوت الكبرى و هي الملازمة بينهما.
الثاني: في تطبيق هذه الكبرى على المسائل الفقهية.
اما الكلام في المقام الاول، فلاشبهة في ان هذه القاعدة من القواعد الاصولية، حيث
انها قاعدة نظرية عامة يستعملها الفقيه في مقام عملية الاستنباط و التطبيق، و هذا
هو الميزان في اصولية القاعدة، و قد تقدّم ان علم الاصول موضوع لتكوين النظريات
العامة و القواعد المشتركة في الحدود المسموح بها شرعا وفق شروطها العامة، هذا من
ناحية.
و من ناحية اخرى، هل يمكن اثبات هذه الملازمة كبروية اولا، فيه قولان.
اختار المحقق الاصفهاني (ره) القول الاول، و قد أفاد في وجه ذلك، انه لا اشكال في
ثبوت هذه الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع بل هي من الواضحات، ضرورة ان قضية قبح
الظلم و حسن العدل من القضايا المشهورة المجعولة من قبل العقلاء على طبق ما يدركونه
من المصالح و المفاسد العامة حفاظاً على النظام العام و ابقاء النوع، و لهذا جعل
العقلاء هاتين القضيتين ضابطاً كلياً لسائر تشريعاتهم الاجتماعية و الفردية و
المعنوية و المادية، و حيث ان الشارع سيد العقلاء و رئيسهم فكل حكم مجعول من قبلهم
بما هم العقلاء، فيكون الشارع في طليعتهم و داخل فيهم، و لايمكن افتراض خروجه عنهم،
رغم ان الحكم حكم عقلائي، فاذا حكم العقلاء بقضية قبح الظلم و حسن العدل بما هم
العقلاء، فلامحالة كان الشارع احدهم، و إلاّ فالحكم المذكور ليس بعقلائي و هذا خلف،
غاية الامر ان حكم الشارع بالقبح بما هو شارع، يكون الحرمة و حكمه بالحسن كذلك يكون
الوجوب.(21) و من هنا يظهر ان التعبير بالملازمة بين حكم العقلاء و حكم الشارع مبني
على المسامحة، و الصحيح ان يعبر عن ذلك بالتضمّن بمعنى ان حكم العقلاء بحسن شيء او
قبح آخر يتضمّن حكم الشارع به، لفرض ان الشارع غير خارج عنهم و هو رئيسهم هذا، و
لكن الصحيح هو القول الثاني، فلنا دعويان:
الاولى: بطلان القول الاول.
الثانية: صحة القول الثاني.
اما الدعوى الاولى و هي بطلان القول الاول، فلما تقدم من ان قضية حسن العدل و قبح
الظلم من القضايا الواقعية الضرورية التي يدركها العقل فطرة و بقطع النظر عن جعل اي
جاعل، و ليستا من القضايا المجعولة من قبل العقلاء التي لا واقع موضوعي لها غير جعل
العقلاء و اعتبارهم، بداهة ان العقل يدرك قبح الظلم و حسن العدل ذاتاً بدون أيّ سبب
و منبه خارجي و بدون افتراض وجود العقلاء و بنائهم عليهما، لانهما من القضايا
الاوليّة التي قياستها معها، و المعيار فى هذه القضايا هو ان ثبوت المحمول فيها
للموضوع ضروري، كقولنا الكل أعظم من الجزء (الاربعة زوج) و (الثلاثة فرد) (الانسان
ممكن) و هكذا، فانها جميعاً من القضايا الاولية التي تكون جهاتها بديهيّة و يدركها
العقل فطرة كقضيتي حسن العدل و قبح الظلم، فانهما قضيتان واقعيتان ثابتتان في لوح
الواقع الذي هو أوسع من لوح الوجود، لان العقل كثير ما يدرك الأشياء في لوح الواقع
بدون ان تكون تلك الاشياء موجودة في لوح الوجود، كزوجيّه الأربعة و امكان الممكن و
فردية الثلاثة و هكذا.
و بكلمة واضحة ان تفسير الحسن و القبح بانهما امران مجعولان من قبل العقلاء تبعاً
لما يدركونه من المصالح و المفاسد خلاف الوجدان و البرهان، اما الوجدان، فلما مر من
ان العقل يدرك حسن العدل و قبح الظلم ذاتاً و في لوح الواقع فطرة بقطع النظر عن جعل
أيّ جاعل في البين، و اما البرهان، فلان ادراك العقل للحسن و القبح ليس تابعاً
لادراك المصالح و المفاسد، بل كثير ما يحكم العقل بقبح شي بدون وجود مفسدة فيه،
كحكم العقل بقبح الفعل المتجرّي به مع انه لامفسدة فيه، و حكم العقل بحسن الانقياد
مع انه لامصلحة فيه، و حكمه بقبح ضرب اليتيم و ان ترتّبت عليه مصلحة كتأديبه.
فالنتيجة ان ملاك حكم العقل بحسن شيء و قبح آخر انما هو انطباق عنوان العدل على
الاول و الظلم على الثاني، و العدل عبارة عن وضع حق ذي الحق في موضعه، و الظلم
عبارة عن سلب ذي الحق عن حقه سواءً أكانت هناك مصلحة او مفسدة أم لا.
و من هنا يكون باب الحسن و القبح باباً مستقلا لايرتبط بباب المصلحة و المفسدة
بالعلة، فلذلك يكون الظلم قبيحاً و ان ترتبت عليه مصلحة في الواقع، لانها لاتصلح ان
تزاحم قبح الظلم، و العدل حسن و ان ترتبت عليه مفسدة كذلك، لانها لاتصلح ان تزاحم
حسن العدل.
فالنتيجة ان هذا التفسير مخالف للوجدان و البرهان.
و دعوى ان ادراك العقل قبح الظلم و حسن العدل لعله نتيجة تأثير بناء العقلاء في
ذلك. و من هنا نسب الى ابن سينا ان الانسان لو خلق فريداً وحيداً، لم يدرك عقله قبح
الظلم و حسن العدل.
مدفوعة بان ذلك خلاف الوجدان و الضرورة، لان ادراك العقل قبح الظلم و حسن العدل من
الادراكات الاولية الفطريّة، بداهة ان الانسان يدرك ذلك ذاتاً و فطرة، و الفطرة
لايمكن ان تتأثر بالاشياء الخارجية و الاّ لم يكن فطرياً و هذا خلف، و لهذا تكون
قضية حسن العدل و قبح الظلم من القضايا الاولية الفطرية و يدركها الانسان بحسب ذاته
و فطرته بدون أيّ منبه خارجي و بقطع النظر عن وجود اي أنسان في عالم الكون فضلا عن
وجود العقلاء و بنائهم عليها.
و على هذا فكما ان العقلاء بما هم العقلاء يدركون الحسن و القبح، كذلك الشارع يدرك
ذلك و لاكلام فيه، و انما الكلام في انه هل يجعل الشارع حكماً شرعياً على وفقهما،
مثلا اذا حكم العقل بحسن شيء، هل يحكم الشارع بوجوبه، و اذا حكم بقبح شيء، هل يحكم
بحرمته، إذ ليس معنى ادراك الشارع حسن شيء او قبح آخر، ادراكه الوجوب او الحرمة،
ضرورة انه ليس معنى حكم الشارع بالحسن و حكمه بالقبح، لان الشارع بما انه رئيس
العقلاء، يدرك حسن الاشياء و قبحها لابما انه شارع، و على هذا، فهل هذه الملازمة اي
الملازمة بين حكم العقل بالحسن او القبح و بين حكم الشارع بالوجوب او الحرمة ثابتة
او لا؟
و ثانيا مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الحسن و القبح أمران مجعولان من قبل العقلاء،
الاّ انه مع ذلك لايتمّ ما أفاده(ره)، و الوجه فيه ان في الشارع جهتين:
الاولى: جهة انه سيد العقلاء و رئيسهم.
الثانية: جهة اتصاله بالوحي من الله تعالى، و هو من الجهة الثانية شارع و تابع
للوحي بمقتضى قوله تعالى (و ما ينطق عن الهوى ان هو إلاّ وحي يوحى)(22) و لهذا
لاترتبط احدى الجهتين بالجهة الأخرى، فانه من الجهة الاولى و ان كان سيد العقلاء، و
لكنه من الجهة الثانية شارع و مبين للاحكام الشرعية النازلة عليه بالوحي من الله
تعالى، سواء أكانت تلك الاحكام موافقة للأحكام العقلائية أم لا، باعتبار أنها تابعة
للمصالح و المفاسد الواقعيتين، و هما قد تطابقان مع الحسن و القبح العقليين في
الخارج و قد لا تطابقان معهما فيه، نعم انه من الجهة الاولى يحكم بما يحكم به
العقلاء، باعتبار انه رئيسهم، و اما من الجهة الثانية فهو تابع للوحي من الله تعالى
و ملزم ببيان ما أوحى اليه، سواء أكان موافقا لما جعله العقلاء أم لا؟
و على الجملة فهنا بابان:
باب جعل الاحكام الشرعية و باب جعل الاحكام العقلائية من قبل العقلاء، فالاول بيده
سبحانه و تعالى، لانه شارع و جاعل للاحكام الشرعية حقيقة، على اساس ما في متعلقاتها
من المصالح و المفاسد الواقعية و الرسول(ص) مبلغ لها للناس حرفيا، و من الطبيعى انه
لايمكن القول بان كل ما جعله تعالى من الاحكام الشرعيّة موافق لما جعله العقلاء، و
على هذا فان اريد من الملازمة استكشاف الحكم الشرعي، على اساس ما يدركه العقلاء من
المصالح او المفاسد في الواقع التي دعتهم الى جعل الحسن و القبح.
فيرد عليه اولا ان هذا استكشاف للحكم الشرعي من الحكم العقلي النظري، و محل الكلام
انما هو في استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي العملي.
و ثانيا: ما تقدم من ان الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم العقلي النظري و ان كانت
ثابتة كبروية، الاّ انه ليس لها صغرى في مرحلة التطبيق في شيء من ابواب الفقه.
و ان اريد منها استكشاف الحكم الشرعي من الحكم العقلي العملي.
فيرد عليه انه لايمكن ان يكون الشارع ملزماً يجعل ما يماثل جعل العقلاء، ضرورة انه
غير معقول بل جعله تابع للمصالح و المفاسد الواقعيتين، و اما الرسول(ص) فانه بوصف
كونه شارعاً و رسولا، ملزم بتبليغ ما وصل إليه بالوحي من قبل الله تعالى، سواءًا
كان مطابقاً لما جعله العقلاء و مماتلا له أم لا يكون مطابقاً له.
و بكلمة واضحة ان حكم العقلاء بالتحسين و التقبيح العقليين تبعاً لما يدركونه من
المصالح و المفاسد، لايخلو من ان يكون تابعاً للمصالح و المفاسد الواقعيتين في كل
مورد، او يكون تابعاً للمصالح العامة و هي الحفاظ على النظام العام للحياة الطبيعية
للانسان على سطح هذه الكرة الارضية من الحياة الاجتماعية و الفردية و العائلية و
المادية و المعنوية و هكذا.
فعلى الاول يكون حكمهم بحسن فعل تابع لما كانوا يدركون من المصلحة فيه، و بقبح فعل
تابع لما كانوا يدركون من المفسدة فيه، و على الثاني يكون حكمهم بحسن فعل و قبح فعل
آخر في كل مورد مرتبط بدخله في النظام العام هذا.
و غير خفي انه لا ملازمة بين الحكم الشرعيو الحكم العقلي العملي على كلا التفسيرين،
اما على التفسير الاول فانه ان اريد بالملازمة، الملازمة بين ادراك العقل وجود
مصلحة في فعل او مفسدة في اخر، و بين حكم الشارع بالوجوب في الاول و الحرمة في
الثاني.
فيرد عليه مامرّ من ان هذه الملازمة و ان كانت ثابتة كبروية، إلاّ انّها عديمة
الفائدة، لعدم صغرى لها في شيء من ابواب الفقه، هذا اضافة الى انها خارجة عن محل
الكلام، و ان اريد بها الملازمة بين المجعولات العقلائية من التحسين و التقبيح و
بين المجعولات الشرعية من الوجوب و الحرمة، ففيه مامرّ من انه لا دليل على ان
الشارع ملزم بجعل مايماثل جعل العقلاء، بل هو ملزم بجعل ماوصل اليه بالوحي و تبليغه
للناس، سواءًا كان مماثلا لجعل العقلاء أم لا،
و اما على التفسير الثاني، فلادليل على ان الشارع ملزم بجعل الوجوب في كل مورد جعل
العقلاء الحسن فيه و بجعل الحرمة في كل مورد جعل العقلاء القبح فيه حفظا للنظام
العام، بل الدليل قائم على انّه ملزم حرفيا بتبليغ ما وصل اليه بالوحي من قبل الله
تعالى من الاحكام الشرعية التي هي نظام عام وضعه الله تعالى للبشر كافة، و من
الطبيعي ان هذا النظام لايكون مطابقا حرفياً للنظام الذي وضعه العقلاء، ضرورة ان
النظام الالهي تابع للمبادي الواقعية التي لاطريق للعقلاء إليها، لان واضعه هو الله
تعالى العالم بمصالح العباد و مضارّهم النوعية و الفردية و الاجتماعية و المادية و
المعنوية بكافّة جهاتها، و من هنايكون النظام الاسلامي نظام انساني تربوي، يزود
الانسان بالطاقات النفسيّة و الملكات الفاضلة و الاخلاق الحميدة و يجهزه بغرائز
الدّين و يقوي جانب الانسانية في الانسان و يجعل المصالح العامة وفق ميوله
الطبيعية، و على هذا فلايعقل ان يكون الشارع بما هو الشارع الذي هو الرسول من قبل
الله عزوجلّ تابعاً للعقلاء في الجعل، بل هو تابع للوحي من قبل الله تعالى.
فالنتيجة انه لا ملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشرع،
و في مقابل هذا القول قول آخر في المسألة، و هو ان جعل الشارع الحكم في موارد حكم
العقل العملي بالحسن و القبح مستحيل، على أساس انه لغو و جزاف، لان حكم العقل
بالحسن و القبح، يكفي للتحريك و الادانة بدون حاجة الى حكم الشارع و جعل مايماثل
حكم العقل العملي، و لكن هذا القول لااساس له، اذ لامانع من جعل الشارع حكما في
موارد حكم العقل بالحسن و القبح حتى فيما اذا كانا كافيين للتحريك و الأدانة، لانه
مع ذلك لايكون لغواً و جزافاً، باعتبار انه يوجب ملاكا جديداً للحسن و القبح و هو
حق الطاعة للمولى و الأدانة و العقوبة على مخالفته، و بذلك تتأكد المسؤولية و
المحركية، مثلا رد الامانة الى اهلها حسن و الخيانة قبيحة، و مع ذلك اذا حكم الشارع
بوجوب رد الامانة الى اهلها و حرمة الخياية، فقد اوجد ملاكا جديداً فيه و هو حق
الطاعة و قبح المعصية، و لهذا تكون محركيته حينئذ أقوى و اشد مما كانت بحكم العقل
فحسب بقطع النظر عن حكم الشرع.
و الخلاصة ان الشارع اذا رأى مصلحة في جعل الحكم في موارد حكم العقل بالحسن و
القبح، كان يجعله و احدث ذلك ملاكا جديداً لحسن الطاعة و قبح المعصية، و على هذا
تتاكد المسؤولية و المحركية تجاه ذلك، و اما اذا لم ير مصلحة في جعل الحكم فيها، لم
يجعل حكما مولوياً، و اما الحكم الارشادي فلا مانع منه.
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة و هي انه لاملازمة بين الحكم العقلي العملي و بين
الحكم الشرعي لا وجوداً و لاعدماً، فالملازمة بينهما كبروية غير ثابتة و ان كانت
الصغرى ثابتة، بينما الملازمة بين الحكم العقلي النظري و الحكم الشرعي ثابتة
كبروية، و لكن الصغرى غير ثابتة كما تقدم.
و اما الكلام في المقام الثاني: فعلى تقدير تسليم ثبوت الملازمة كبروية، يقع الكلام
في تطبيقها على المقام و هو قبح التجري، و هل يمكن تطبيقها عليه او ان هناك مانعاً
عن التطبيق؟
و الجواب: ان فيه قولين: قد اختار جماعة منهم السيد الاستاذ و المحقق النائيني((قدس
سرهما)) القول الثاني، بدعوى ان المانع عن تطبيق القاعدة على المقام موجود، و قد
أبدى السيد الاستاذ(ره) وجود مانعين عن ذلك:
الاول: ان الحرمة الشرعية على تقدير ثبوتها للتجري، فلاتخلو من ان تكون مختصة
بموارده او تشمل موارد العصيان ايضاً، بمعنى ان الحرمة مجعولة للجامع بين التجري و
المعصية و هو هتك حرمة المولى و تفويت حقّه و هو حق الطاعة.(23)
و لكن كلا الفرضين غير ممكن
اما الفرض الاول فلان الحرمة المجعولة للفعل المتجري به بعنوانه غير قابلة للوصول
الى المتجرّي و التنجّز عليه، لان وصولها اليه متوقف على التفاته الى انه متجرّي، و
المفروض انه غير ملتفت اليه، لانه يرى نفسه عاصياً لامتجرياً، و من المعلوم انه لا
يعقل وصوله اليه و تنجزه بدون هذا الالتفات، فاذن يكون جعلها لغواً صرفاً، لان
الغرض من جعل التكليف هو ايجاد الداعي في نفس المكلف، فاذا استحال ايجاده، استحال
جعله ايضاً لانه لغو و بلافائدة، و اما مع الالتفات الى هذا العنوان، انقلب
الموضوع، و من هنا قلنا ان جعل التكليف للناسي و الغافل و الجاهل المركب، لايمكن من
جهة استحالة كونه داعيا و محركا له، و المفروض ان الغرض من وراء جعل التكليف، جعل
الداعويّة و المحركية، فاذا استحال داعويته، استحال جعله ايضاً.
و امّا الفرض الثاني: و هو كون الحرمة مجعولة للجامع بين التجري و المعصية لهتك
حرمة المولى، فهو يستلزم التسلسل الى ما لانهاية له، و ذلك لان عصيان التكليف الاول
قبيح، و قبحه يستلزم حرمته شرعاً بقاعدة الملازمة بين قبح شيء و حرمته، و عصيان هذه
الحرمة ايضاً قبيح و محرم شرعاً بنفس الملاك و هكذا يذهب الى مالانهاية له، و لذلك
لايمكن تطبيق هذه القاعدة على المقام.
و لكن للمناقشة في هذا القول مجالا في كلا الفرضين،
اما في الفرض الاول، فلانه انما يتمّ في موارد القطع الوجداني، حيث ان في هذه
الموارد لايمكن وصول الحرمة المجعولة للفعل المتجرّي به بعنوانه، و اما في سائر
الموارد كموارد الامارات المعتبرة و الاصول العملية، فلامانع من جعل الحرمة له، فان
وصولها ممكن في مواردها، حيث ان المكلف يحتمل الخلاف فيها و عدم مطابقتها للواقع و
انه متجرّي لاعاصي، و مع هذا الاحتمال فالحرمة قابلة للجعل و الوصول و الداعوية،
فاذن لايكون جعلها لغواً، و انما لا يمكن وصولها و داعويّتها في موارد القطع
الوجداني، حيث ان في هذه الموارد لايحتمل الخلاف و عدم المطابقة للواقع.
و على الجملة انه لامانع من جعل الحرمة للتجرّي، لانها قابلة للوصول الى المتجرّي و
لو في موارد كون المنجز غير القطع، و هذا المقدار يكفي في امكان جعلها، ثم ان جعل
الحرمة للفعل بعنوان التجري انما هو بملاك اهتمام المولى بالحكم العقلي العملي، و
هو الحسن و القبح و الحفاظ عليه باحداث ملاك جديد فيه و هو حق الطاعة للمولى و قبح
مخالفته، و بذلك تتأكد المحركية و المسؤولية، فلهذا لايكون جعلها لغواً، و اما عدم
جعلها في موارد العصيان، فمن اجل ان الحكم الشرعي المولوي موجود فيها فلاحاجة الى
جعل حكم آخر.
فالنتيجة ان ما ذكره(ره) من انه لايمكن جعل الحرمة للتجرّي، فلايمكن المساعدة عليه.
و اما في الفرض الثاني، فلان استحالة التسلسل انما هي في الموجودات الواقعية
الخارجية دون الموجودات الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لها ماعدى اعتبار المعتبر،
فانه بيده وجوداً و عدماً، و على هذا فالمعتبر اذا لم يعتبر الحرمة في المرتبة
الثانية او الثالثة و هكذا، انقطعت السلسة فلا يمكن ان تذهب الي ما لانهاية له.
و بكلمة واضحة، ان استحالة التسلسل انما هي في العلل المتصاعدة التي ينبثق بعضها عن
بعض و يتولد اللاحق من السابق، فانه يجب ان يكون لها بداية اي علة اولى لم تنبثق عن
علة سابقة و إلاّ لتذهب السلسلة الى مالانهاية لها، و اذا لم تكن لها بداية،
فاستحال وجود السلسلة في الخارج، ضرورة انها جميعاً معلولات، و المعلولات مرتبطات
بالذات و الحقيقة، لانها عين الربط و الفقر لاذات لها الربط، فلهذا لابد ان تنتهي
الى علة واجبة الوجود ذاتاً و حقيقة، لاستحالة وجود المعلول بدون علة، و اما الامور
الاعتبارية، فلا تتصور فيها العلية و المعلولية، لان امرها بيد المعتبر مباشرة، هذا
اضافة الى ان جميع هذه التحريمات المتصاعده المتسلسلة الى مالانهاية لها تسقط
بامتثال واحد و هو ترك الحرام في الخارج، و لايتوقف على امتثالات غير متناهية حتى
يستلزم التكليف بالمحال، و لهذا يكون جعل تلك التحريمات المتصاعدة لغواً و
بلافائدة.
الى هنا قد تبين انه لامانع من تطبيق قاعدة الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم
العقلي العملى على تقدير تماميتها على المقام.
الثاني: ان كبرى الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم العقلي خاصة بالحكم العقلي في
سلسلة علل الاحكام الشرعية، كادراك العقل مصلحة ملزمة في فعل بدون مزاحم لها، و
مفسدة ملزمة في فعل آخر كذلك، فانه اذا ادرك مصلحة و مفسدة كذلك في فعل، استكشف
الوجوب في الاول و الحرمة في الثاني تطبيقاً للكبرى تبعية الاحكام الشرعيّة
للملاكات و المبادي الواقعية، و اما الحكم العقلى في سلسلة معلولات الاحكام الشرعية
و آثارها، فلايكشف عن الحكم الشرعي كحكمه بحسن الطاعة و قبح المعصية، فان الاول
لايكشف عن وجوبها و الثاني عن حرمتها، لان هذا الحكم العقلي معلول للحكم الشرعي
المولوي و متفرع على ثبوته، و حكم العقل بقبح التجري و حسن الانقياد من هذا القبيل،
فان كليهما معلول للحكم الشرعي في المرتبة السابقة بنظر المكلف و اعتقاده، و لهذا
لا يمكن ان يكون كاشفا عن الحكم الشرعي، و على الجملة ففي مورد هذا القسم من الحكم
العقلي لايمكن جعل الحكم الشرعي المولوي، فاذا حكم العقل بحسن الطاعة و قبح
المعصية، فلايمكن ان يحكم الشارع بالوجوب في الاول و الحرمة في الثاني، و قد
علل(ره) ذلك بان حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية، ان كان كافياً في تحريك
العبد و دعوته الى الطاعة في الاول و زجره عن المعصية في الثاني، فلا مبرر لجعل
الحكم الشرعي المولوي في مورده، لانه لغو و بلافائدة، على اساس ان الغرض من وراء
جعله، الداعوية و المحركيّة، و المفروض ان حكم العقل بذلك يكفي في الدّاعوية و
المحركية، و معه يكون جعل الحكم الشرعي بهذا الغرض لغواً، و ان لم يكن حكم العقل
كافياً في تحريك العبد نحو الطاعة و زجره عن المعصية، فلا فائدة في جعل حكم شرعي
مولوي آخر، فانه كالحكم الشرعي الاول، لان الحكم الشرعي المولوي بنفسه لايكون
محركاً للعبد، و انما هو محرك بواسطة حكم العقل بلزوم طاعة المولى و حسنها اداءً
لحق المولوية و قضاء لوظيفة العبودية و قبح معصيته، لانها ظلم و سلب ذي الحق عن حقه
و هو الطاعة، فاذا لم يكن حكم العقل بحسن امتثال الحكم الاول و قبح مخالفته كافيا
في المحركية و الداعوية، لم يكن حكمه بحسن امتثال الثاني و قبح معصيته ايضا كافيا
بعين الملاك.
فالنتيجة في نهاية المطاف ان جعل الحكم الشرعي المولوي في مورد حكم العقل بحسن
الطاعة و قبح المعصية لغو و جزاف، سواءً أكان حكم العقل بذلك كافيا في تحريك العبد
ام لا.
و لكن للمناقشة فيه مجالاً، و ذلك لان حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية في نفسه
و ان كان كافياً في المحركية و الداعوية، إلاّ ان الشارع الحكيم قديرى مصلحة في
تأكيده لاهتمامه بالحفاظ على ملاك الحكم الاول و عدم رضائه بتفويته، فلذلك يجعل
الداعي و المحرك المولوي الجديد الى امتثاله، و بضمّه الى حكم العقل، تتأكد داعويته
و محركيّته واصبحت اقوى و آكد مما كانت عليه بقطع النظر عن هذه الضميمة.
و بكلمة ان اهتمام الشارع بالحفاظ على ملاكات الاحكام الشرعية الواقعيّة و مباديها
باكثر مما يقتضيه حكم العقل بحسن الطاعة و الانقياد و قبح المعصية و وجوب الأجتناب
عنها، يتطلب تاكيد حكم العقل و تقويته بجعل الحكم الشرعي المولوي في مورده حتى
يكونا بالانضمام محركا للمكلف نحو الطاعة اذا لم يكن حكم العقل وحده محركاً، و على
هذا فعلى القول بالملازمة بين حكم العقل بالحسن او القبح و حكم الشرع بالوجوب
اوالحرمة، لافرق بين ان يكون حكم العقل بذلك في مرتبة علل الاحكام او في مرتبة
معلولاتها، لان اهتمام المولى بالحفاظ على ملاك الحكم الاول اكثر مما يتطلبه حكم
العقل بالحسن او القبح يكون مبرراً لجعل الشارع وجوب الطاعة مولوياً و حرمة
المخالفة كذلك، و اثر هذا الجعل هو احداث الملاك الجديد و الداعي الآخر في نفس
المكلف، و بذلك تتأكد الداعوية و المحركيّة في نفسه نحو طاعة المولى و الاجتناب عن
مخالفته، و من الواضح ان جعله حينئذ لايكون لغواً.
و الخلاصة: ان حكم العقل بحسن الطاعة و قبح المخالفة، لايكون علة تامة لتحريك العبد
نحو الطاعة حتى يكون جعل الحكم الشرعي بداعي تاكيده يكون لغواً بل بنحو الاقتضاء، و
حينئذ فلامانع من ضمّ داع آخر اليه لتاكيده حتى يصير المجموع علة تامّة له.
و ان شئت قلت ان الأمر بالطاعة يرجع الى الامر بالصلاة بعنوان ثانوي و هو عنوان
الطاعة، و الامر الاول تعلق بذات الصلاة بعنوانها الاولي، و على هذا فالأمر بالطاعة
ان كان ارشادياً، فهو ارشاد الى حكم العقل فحسب و لاقيمة له اصلا، و تمام القيمة
انما هو بحكم العقل، و ان كان مولوياً، فالغرض من ورائه ايجاد الداعي الجديد في نفس
المكلف و تحريكه نحو طاعة المولى، و نتيجة ذلك هي ان المكلف كمايستحق المثوبة على
امتثال الامر الاول و العقوبة على مخالفته، كذلك يستحق المثوبة على امتثال الامر
الثاني و العقوبة على مخالفته، وكلا الامتثالين يحصل باتيان الصلاة بقصد القربة و
الخلوص و باسمها الخاص و عنوانها المخصوص، و من الواضح ان حكم العقل بلزوم الطاعة و
حسنها و حرمة المخالفة و قبحها، يتاكد بايجاد الداعي الثاني في نفس المكلف، إذ فرق
بين ان يكون منشأه امر واحد او أمرين، عقوبة واحدة او عقوبتين او عقوبة واحدة
شديدة،
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة و هي ان الامر الاول يكشف عن اصل وجود المصلحة في
الصلاة مثلا، و الامر الثاني يكشف عن اهتمام المولى بها و انها بدرجة لايرضى الشارع
بتفويتها اصلا، فكذلك لامانع من ان يكون الامر بالطاعة امراً مولويا و كذلك النهى
عن المعصية، و لافرق في ذلك بين ان يكون حكم العقل بالحسن والقبح في المرتبة
السابقة على الاحكام الشرعية او في طولها، كما ان جعل الوجوب المولوي على طبق حكم
العقل بالحسن و الحرمة على طبق حكمه بالقبح، لايكون لغواً في المرتبة الاولى كذلك
في المرتبة الثانية، فانه يكشف عن اهتمام المولى باكثر و اكبر مما يتطلبه حكم
العقل، فانه باعمال مولويته اوجد في نفس المكلف داع جديد، فلهذا لايكون لغواً.
و اما المحقق النائيني(ره)، فقد ذكر انه لايمكن استكشاف حرمة التجرّي من قاعدة
الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم العقلي العملي، و قد افاد في وجه ذلك ان حرمة
التجرّي اذا فرض انها مستكشفه من القاعدة، فلايخلو من ان تكون مدلول نفس الخطابات
الاولولية و انها تشمل التجري و تدل عل حرمته من الاول، مثلا خطاب لاتشرب الخمر
يشمل من البداية شرب الخمر، الخيالي الاعتقادي، كما يشمل شرب الخمر الواقعي و يدل
على حرمته، غاية الامر ان في شرب الخمر الخيالي تجرياً و في الواقعي معصية.(24) و
عليه فتارة نفرض ان الخطاب الثاني مخصوص بموارد التجري و اخرى نفرض شموله لموارد
التجري و العصيان معاً، فاذن التصورات في المسألة ثلاثة و كلها باطلة و لا واقع
موضوعي لها،
اما التصور الاول فلان المفروض ان حرمة الفعل المتجري به معلولا لقبح التجري و
ناشئة منه، و قبحه ناشىء من وصول حرمة شرب الخمر الواقعي فيكون متأخراً عن وصولها
رتبة، لما تقدم من ان قبح التجري و حسن الانقياد واقع في سلسلة معلولات الاحكام
الشرعية و في طولها لا في سلسلة عللها، فاذن كيف يمكن الجمع بين حرمة التجري و
الحرمة الواقعية في خطاب واحد مع ان الاولى متاخرة عن الثانية برتبتين، مثلا لاتشرب
الخمر، يكون مدلوله حرمة شربها، و حرمة التجري متاخرة عنها بواسطة تأخرها عن قبحه
الناشىء من وصول هذه الحرمة، و لايعقل اخذها في مدلوله، لاستلزام ذلك أخذ المتأخر
مع المتقدم في مدلول خطاب واحد و هولا يمكن.
و اما التصور الثاني، فلانه لايمكن جعل الحرمة للتجري، لاستحالة وصولها الى
المتجري، لانه يتوقف على التفاته الى انه متجري مع انه غير ملتفت الى ذلك، بل يرى
ان قطعه مطابق للواقع، و في مثل ذلك لايمكن الجعل، لان الفرض من وراءه ايجاد الداعي
في نفس المكلف، و اذا استحال ايجاده في نفسه، استحال جعله ايضا لانه لغو و
بلافائدة، و على هذا فجعل الحرمة للتجري مستحيل، لانها غير قابلة للوصول الى المكلف
و الداعوية.
و اما التصور الثالث فلان جعل الحرمة للجامع بين التجري والمعصية و ان كان ممكناً
في الواقع، باعتبار ان النسبة بين حرمة شرب الخمر و بين حرمة شرب مقطوع الخمرية
عموم من وجه، و لامانع من جعل حكمين متماثلين لعنوانين تكون النسبة بينهما عموماً
من وجه، كجعل وجوب اكرام عالم و وجوب اكرام هاشمي مثلا، غاية الامر ان الحكم في
مورد الاجتماع واحد على اساس وحدة الملاك فيه، و لكن هذا الحكم الواحد في مورد
الاجتماع اقوى و اشدّ، باعتبار ان ملاك احدهما فيه يندك في ملاك الآخر فيصبحان
ملاكا واحداً أقوى و اشدّ فيه مما كان كل منهما عليه في مورد الافتراق، و اما بنظر
القاطع، فالنسبة بينهما عموم مطلق، على اساس ان القاطع لايحتمل ان لا يكون قطعه
مطابقا للواقع و إلاّ لم يكن قاطعاً، و حينئذ فيلزم اجتماع المثلين فيه بنظره و هو
محال، لان تعدد الحكم انما يتصور بين المتباينين او العموم من وجه، و لايتصور بين
العام و الخاص و المطلق و المقيد، لاستلزام ذلك اجتماع الحكمين المتماثلين في مورد
الاجتماع و الالتقاء، هذا و للمناقشة في جميع هذه التصورات مجال.
اما التصور الاول، فلانه مبني على الخلط بين الاحكام الشرعيّة في مرتبة الجعل و
بينها في مرتبة المجعول و هي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعة في الخارج، اما في
مرتبة الجعل، فلان الاحكام الشرعية توجد فيها بتمام حصصها و افرادها في آن واحد و
هو آن الجعل، و لهذا لايتصور بينها في هذه المرتبة تقدم و تأخر و حدوث و بقاء، لان
الجميع موجودة في عرض واحد بوجود اعتباري في الخارج في هذه المرتبة، و امّا في
مرتبة المجعول وهي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعه فيكون هناك حدوث و بقاء و تقدم
و تأخر في الوجود الخارجي، بل في هذه المرتبة قديكون موضوع حكم معلولاً لموضوع حكم
آخر، و من هنا قلنا ان الاشكال في شمول دليل الحجيّة للأخبار مع الواسطة مبني على
الخلط بين عالم الجعل و عالم المجعول، فانّ دليل الحجية يدل على جعل الحجيّة لجميع
افراد اخبار الثقة من المحققة و المقّدرة الى يوم القيامة في آن واحد و هو آن الجعل
و الاعتبار فلاتقدم و لاتأخر فيه و لاالحدوث و البقاء، لان تمام الحصص و الافراد
الى يوم القيامه موجودة بوجود جعلي اعتباري في عرض واحد في هذا العالم، و لافرق فيه
بين الاخبار مع الواسطة و الاخبار بدون الواسطة، لان التقدم و التأخر بين الاخبار
مع الواسطة، انما هو في عالم المجعول و هو عالم فعلية الحكم بفعلية موضوعه في
الخارج، و اما في عالم الجعل، فلاتقدم و لاتأخر، لان الحجية في هذا العالم مجعولة
لاخبار الثقة كافة في آن واحد و هي تشمل في ذلك الآن، و لهذا لايتصور بينها في هذا
العالم حدوث و بقاء تمام انواع اخبار الثقه و اصنافها مع الواسطة و بلاواسطة
المحققة و المقدرة الى يوم القيامة في ذلك الآن، و لهذا لايتصور بينها في هذالعالم
حدوث و بقاء، و انما يتصور ذلك في مرتبة الفعلية و الانطباق و هي مرتبة فعليتها
بفعلية موضوعها في الخارج، و لذلك لايتصور هذا الاشكال في الاخبار مع الواسطة في
مرحلة الجعل، لان الملحوظ فيها عنوان الجامع و هو عنوان اخبار الثقة و عنوان
الواسطة غير ملحوظ فيها، و انما يتصور ذلك في مرحلة الفعلية و الانطباق، و حيث ان
جعل الحجيّة لاخبار الثقة يكون بنحو القضيّة الحقيقية، فلا أساس لهذا الاشكال و
لااصل له، و على هذا فلامانع من الجمع بين حرمة شرب الخمر الاعتقادي و حرمة شرب
الخمر الواقعي في دليل واحد في مرحلة الجعل، بان يكون المأخوذ في لسان الدليل عنوان
شرب الخمر المعلوم، و الحرمة مجعولة له في آن واحد و هو آن الجعل، و التقدم و
التأخر انما هو في مرحلة الفعلية و الانطباق الخارجي لافي مرحلة الجعل، فاذن لامانع
من شمول دليل واحد لكلتا الحرمتين معا في مرحلة الجعل.
و اما التصور الثاني: فقد تقدم جوابه و ملخصّه، هو انه لامانع من جعل الحرمة بدليل
خاص للتّجرّي و لايكون لغواً، لانّها قابلة للوصول و التنجزّ في غير موارد القطع،
كما في موارد الامارات المعتبرة او الاصول العملية المنجزة لفرض ان التجرّي غير
مختصّ بموارد القطع، فاذن لايكون جعلها لغواً غاية الامرانها غير قابلة للتنجّز في
موارد القطع بها لامطلقا.
و اما التصور الثالث: فيرد عليه اولا، ان اجتماع المثلين في موضوع واحد انما يستحيل
في الامور التكوينيّة الخارجية كالبياض و السواد و نحوهما، و اما في الامور
الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لها ماعدا وجودها في عالم الاعتبار و الذهن،
فلامانع من اجتماع المثلين في موضوع واحد كاجتماع و جوبين اوحر متين او نحوهما بما
هما اعتباران، و من هنا لامانع من جعل وجوبين او وجوب و حرمة لموضوع واحد بما هما
امران اعتباريان، و لايلزم من ذلك محذور اجتماع المثلين في الاول و الضدّين في
الثاني، هذا كله في مرحلة الاعتبار و الجعل و اما في مرحلة المبادي، فهل يلزم
اجتماع المثلين في هذه المرحلة على الاول و الضدين على الثاني؟
و الجواب انه، لايلزم على الاول اجتماع مثلين في شيء واحد، لان المبادي و ان كانت
من الامور الواقعيّة، الاّ ان ملاكين متماثلين منها اذا اجتمعا في شيء واحد،
فبطبيعة الحال يندك احدهما في الآخر فيه و لايبقى كل واحد منهما بحدّه الوجودي
الخاص، و عليه ففي مورد الاجتماع يصبح الملاكان بعد الاندكاك ملاكاً واحداً أهمّ و
أقوى من كل منهما في نفسه، هذا نظير اجتماع بياضين في شيء واحد فانه يوجب اندكاك
احدهما في الاخر فأصبحا بياضاً واحداً أقوى و أشدّ من كل منهما بحدّه الوجودي، و
عليه فاستحالة اجتماع المثلين في شيء واحد مبني على اجتماع كل منهما مع الاخر بحدّه
الوجودي الخاص.
و اما على الثانى فيلزم اجتماع ضدّين من مرحلة المبادي، لانّ الوجوب لايجتمع مع
الحرمة في شي واحد في هذه المرحلة اي مرحلة المبادي، من جهة استحالة كون شي واحد
مشتملا على مبادي الوجوب و الحرمة معاً، او فقل ان مبادي الوجوب مضادة مع مبادي
الحرمة، فيستحيل ان تجتمعا في شىء واحد كالمحبوبية مع المبغوضية و الارادة مع
الكراهة و المصلحة مع المفسدة، ضرورة ان شيئا واحداً يستحيل ان يكون محبوباً و
مبغوضا معاً و مراداً و مكروهاً كذلك و مشتملا على مصلحة و مفسدة.
و الخلاصة انه لايمكن اجتماع الوجوب مع الحرمة في شي واحد لا في مرحلة المبادي و لا
في مرحلة الامتثال، و اما اجتماع حكمين متماثلين في شيواحد كالوجوبين او التحريمين،
فلامانع منه لا في مرحلة الجعل و لا في مرحلة المبادي و لا في مرحلة الامتثال، و
على هذا فلا مانع من اجتماع حرمة شرب الخمر المقطوع مع حرمة شرب الخمر الواقعي لا
في عالم الاعتبار و الجعل و لا في عالم المبادي.
و ثانياً مع الأغماض عن ذلك و تسليم ان اجتماع المثلين محال حتى في الامور
الاعتبارية، الا ان هذا مبني على ان يكون متعلق الحرمة في مسألة التجرّي شرب مقطوع
الخمرية ،فعندئذ يلزم محذور اجتماع المثلين في مورد الاجتماع و الالتقاء بنظر
القاطع لامطلقا، و لكن قدتقدم ان ذلك المبنى غير صحيح، فان متعلق الحرمة في مسألة
التجرّي هو شرب الخمر المنجز، سواءً أكان تنجزها بالقطع الوجداني ام بالامارة
المعتبرة ام بالاصول العلمية، لمامّر من ان مسألة التجرّي لاتختص بموارد القطع
الوجداني، بالخلاف، و عليه فالنسبة بين شرب الخمر وا قعاً و بين شرب الخمر المنجز
عموم من وجه، فلامانع حينئذ من جعل الحرمة لكلا العنوانين و لايلزم محذور اجتماع
المثلين حتى بنظر المكلف.
و ثالثاً: مع الاغماض عن ذلك ايضاً و تسليم ان متعلق حرمة التجرّي شرب مقطوع
الخمريّة، فمع ذلك لايلزم اجتماع المثلين حتى بنظر القاطع، و ذلك لان القاطع ملتفت
الى ان النسبة بين الخمر الواقعي و بين مقطوع الخمريّة عموم من وجه، لان كلّ فرد
يعلم ان القطع دائماً لايكون مطابقا للواقع، بل قد يكون مطابقا له و قديكون
مخالفاً، و مع الالتفات الى ذلك لامانع من جعل حكمين متماثلين لهما، و لايلزم
اجتماع المثلين حينئيذ حتى بنظر القاطع.
و لكن هذا الاشكال غيرصحيح، لان القاطع و ان كان يعلم بان النسبة بينهما عموم من
وجه، الاّ ان ذلك انما هو بالنسبة الى غيره، و اما بالنسبة الى نفسه، فهو يرى ان
قطعه مطابق للواقع جزما، و عليه فيلزم اجتماع المثلين بنظره، لانه لايتحتمل عدم
مطابقة قطعه للواقع و لو با حتمال ضعيف كواحد في الألف،
ثم ان السيد الاستاذ(ره) قد أورد على التصور الثالث بوجهين:
الاول: انه يمكن دفع محذور اجتماع المثلين بنظر القاطع بان حرمة الخمر الواقعي لم
تصل الى القاطع، فان الواصل اليه حرمة مقطوع الخمريّة فحسب، فاذن لايكون هناك حكمان
متماثلان، ضرورة انه لاتنافي بين الحكم الواصل و الحكم غيرالواصل و لاتماثل بينهما.
الثاني: انه لامانع من جعل حكمين لشيئين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه، و مثّل
لذلك بنذر الصلاة في المسجد او في الجماعة او في الحرم الشريف، فان النسبة بين
الصلاة الواجبة و الصلاة المنذورة عموم مطلق، فمع ذلك اجتمع في الصلاة المنذورة و
جوبان، وجوب للصلاة بعنوانها الاولي و وجوب لها بعنوان ثانوي و هو عنوان المنذور، و
عليه فالصلاة في المسجد او في الجماعة محكومة بوجوبين الاول الوجوب الأولي و الثاني
الوجوب الثانوي هذا.(25) و في كلا الوجهين نظر اما الوجه الاول فهو غريب من مثل
السيد الاستاذ(ره)، بداهة انه لايمكن تصوير عدم وصول الحرمة الواقعية الى القاطع
بها، فانه مع القطع بان هذا المايع خمرو القطع بان شربه محرم شرعاً، كيف يمكن
افتراض عدم وصول حرمتها اليه، فهل هناك وصول اقوى و اظهر من القطع الوجداني؟ هذا
اضافة الى ان وصول حرمة التجرّي متوقف على وصول الحرمة الواقعية، على اساس ان حرمة
التجري ناشئة عن قبحه وهونا شي عن وصول الحرمة الواقعية، فاذن لايعقل وصول حرمة
التجرّي الى المكلف بدون وصول حرمة الخمر الواقعي فالصحيح هو ماذكرناه من الاشكال
على هذالتصوّر.
و امّا الوجه الثاني فلان ماذكره(ره) من المثال و ان كانت النسبة بينهما عموماً
مطلقاً، الاّ انّه مع ذلك لايلزم اجتماع المثلين في مورد الاجتماع، لان الوجوب
المتعلق بطبيعي الصلاة لايسري الى افرادها و حصصها في الخارج، و على هذا فالصلاة في
الجماعة او المسجد او الحرم الشريف حصة من طبيعي الصلاة الواجبة و لايسري الوجوب من
الطبيعي اليها، فاذن لايجتمع فيها وجوبان:
احدهما وجوب الصلاة و الاخر وجوب الوفاء بالنذر، بل وجوب واحد و هو وجوب الوفاء
بالنذر.
بقي هنا امران:
الاول: ان ماذكره المحقق النائيني(ره) (من ان حرمة التجري اذا كانت ثاتبة بدليل آخر
و كان ذلك الدليل يشمل المتجري و العاصي معاً، لزم اجتماع المثلين بنظر القاطع)
لايتم، اما بالنسبة الى حرمة التجري و حرمة الواقع، فالأمر و ان كان كذالك، فان
القاطع يرى اجتماع الحكمين المتماثلين الواقع باعتبار ان القاطع يرى الواقع لاقطعه،
فيلزم حينئذ اجتماع المثلين فيه، لأن معنى شمول الدليل المذكور العاصي و المتجّري
معاً، ان شرب الخمر الواقعي محكوم بحرمتين في الواقع:
الاولى: الحرمة الثاتبة له بمقتضى ادلة حرمة شرب الخمر من الكتاب و السنة.
الثانية: الحرمة الثابتة له بالدليل الآخر الشامل للمتجرّي و العاصي معا، فاذن يلزم
اجتماع المثلين في شرب الخمر في الواقع و هو محال.
هذا اضافة الى ان جعل الحرمة لشرب الخمر مرة ثانية بالدليل الآخر لغو و بلافائدة، و
على هذا فلو كان هناك دليل على حرمة التجرّي، فلامحالة يكون مختصاً به و لا يمكن
شموله للعاصي.
و دعوى انه لا مانع من ان يكون شرب الخمر محرماً بالدليل الاولي بعنوانه الواقعي و
بالدليل الثانوي بعنوانه العرضي و هو كونه مصداقاً للظلم و الهتك، كما ان الفعل
المتجرّي به محرم بهذا العنوان.
مدفوعة بان معنى عموم ذلك الدليل للمتجرّي و العاصي معاً انه يدل على حرمة شرب
الخمر بعنوان اولي و على حرمة الفعل المتجرّي به بعنوان ثانوي و هو كونه مصداقا
للظلم و الهتك فاذن بطبيعة الحال يلزم اجتماع المثلين في الواقع لا بنظر القاطع
فحسب، و عندئذ فان قلنابان اجتماع المثلين محال، استحال عموم ذلك الدليل، و ان قلنا
بانه لاموضوع لاجتماع المثلين في الامور الاعتبارية، فلامانع من عموم هذالدليل من
هذه الناحية بل لاشبهة في وقوع ذلك، كما اذا أمر المولى باكرام العلماء ثم امر
باكرام العلماء العدول، و بنينا في مثل ذلك على عدم حمل المطلق على المقيّد رغم ان
النسبة بينهما عموم مطلق، فلوكان اجتماع المثلين مستحيلاً حتى في الامور
الاعتبارية، استحال اجتماع و جوبين متماثلين في اكرام العلماء العدول، هذا من
ناحية.
و من ناحية اخرى انه يرد على هذا التصور نفس ما اورده(ره) من الاشكال على التصوّر
الاول و هو لزوم الجمع بين المتأخر و المتقدم في دليل واحد و هو لا يمكن، هذا اضافة
الى ان الحكم الشرعي اذا كان مستفاداً من قاعدة الملازمة، فالدليل عليه نفس القاعدة
و هى دليل لبّي، و لا يلزم ان يكون الحكم الشرعي المستفاد من هذه القاعدة مدلولاً
للخطاب الاولي او الثانوي.
الامر الثاني: انه قد ظهر مما تقدّم ان قاعدة الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم
العقلي بالحسن و القبح غير ثاتبة كبرويّة، و الاّ فلا مانع من تطبيقها على مسألة
التجرّي، و ماذكره المحقق النائيني و السيّد الاستاذ((قدس سرهما)) من الموانع
للتطبيق لا يصلح للمانعية.
فالنتيجة ان العمدة عدم ثبوت هذه القاعدة بحسب الكبرى، و اما قاعدة الملازمة بين
حكم الشرع و حكم العقل النظري، فهل تنطبق على مسألة التجرّي اولا؟
و قد يجاب عن ذلك بانه لا مانع من انطباقها عليها، باعتبار ان الفعل المتجرّي به
معنون بعنوان ذي مفسدة ملزمة و هو عنوان هتك المولى و تفويت حقه، لان انطباق هذا
العنوان كما يكون منشأ لاتصافه با لقبح كذلك يكون منشأ لاتصافه بالحرمة، و عليه
فحرمة الفعل المتجرّي به مستكشفة من ادراك العقل وجود مفسدة ملزمة فيه، فاذا ادرك
العقل وجودها فيه، حكم الشارع بحرمته على اساس ثبوت كبرى في المرتبة السابقة و هي
ان الاحكام الشرعية تابعة للملاكات و المبادي الواقعية التى هى حقيقتها و روحها في
الواقع و الا فالاعتبار بلا روح لاقيمة له.
ولكن هذا الجواب غير صحيح نقضاً و حلاً، اما نقضاً فلان هذا العنوان المبغوض و هو
عنوان هتك المولى و تفويت حقّه الذي هو ظلم، كما ينطبق على التجرّي كذلك ينطبق على
المعصية، فاذا كان انطباق هذا العنوان سبباً للحرمة شرعاً، فلازم ذلك حرمة المعصية
ايضا و هو كماترى، و اما حلاً فلما ذكرناه سابقا من ان موضوع حق الطاعة للمولى على
العبد هو احراز التكليف و تنجّزه بنظر المكلف لا التكليف بوجوده الواقعي، فاذا قطع
المكلف بان هذا المايع خمر، و حينئذً فاذا قام بشربه عامدً املتفتاً الى الحكم
الشرعي، ترتب عليه عنوان الظلم و الهتك و لكن مجرد اتصافه بهذا العنوان لا يصلح ان
يكون منشاءً لجعل حرمة اخرى، باعتبار ان اتصافه بهذا العنوان القبيح معلول لثبوت حق
الطاعة للمولى في المرتبة السابقة، نعم اذا كان هناك ملاك آخر قائماً به في عرض
الملاك الاول فلا مانع من الحكم بحرمته، على اساس ذلك الملاك، و على الجملة فاتصاف
فعل العاصي و المتجرّي بعنوان قبيح ذي مفسدة كالظلم و التعدّي على المولى و تفويت
حقّه و هو حق الطاعة انما هو من آثار تمرد العبد و مخالفته للمولى بارتكاب الحرام
الواصل و المنجز عليه واقعاً او اعتقاداً، وحيث ان هذا الاتصاف في طول مخالفة
المولى و مفسدة الواقع، فلهذا لا يكشف عن حرمة اخرى، لان الكشف عنها منوط بالكشف عن
ملاك آخر في عرض الملاك الاول، و دعوى ان هذا العنوان حيث انه عنوان ذو مفسدة،
فيصلح ان يكون كاشفاً عن حرمته.
مدفوعة بان هذه المفسدة حيث انها معلولة للمفسدة الواقعيّة القائمة بالفعل بعنوان
اولي، فلا تصلح ان تكون كاشفة عن حرمة الفعل بهذا با لعنوان المذكور، لانها لغو و
لايتريت عليها اثر، فلهذا لايمكن ان تكون كاشفة عن جعلها و الاّ لزم جعول غير
المتناهية و هو كماترى.
هذا اضافة الى ان ثبوت الحرمة للفعل بهذا العنوان بحاجة الى ملاك مبرّرله و فائدة
مترتبة عليه، و الملاك المبرر هو الملاك المترتب على الفعل بهذا العنوان في عرض
الملاك الاول المترتب على الفعل بعنوان اولي، بمعنى انه لايكون معلولاً له، نعم لو
كانت هناك قرائن تدل على اهتمام المولى بالملاكات الواقعيّة والحفاظ عليها، لأمكن
ان يقال ان هذا الاهتمام من المولى يصلح ان يكون مبررا لجعل الحرمة له ثانياً
للتأكيد و ايجاد داع ثان للمكلف على تفصيل تقدّم، و اما اذا لم تكن هنا قرائن،
فالقاعدة في نفسها لا تدل على ذلك.
و بكلمة ان جعل الحكم الشرعي المولوي مبني على احد مبررين:
الاول: ان يكون الغرض من جعله ابراز الملاك الواقعي الذي هو حقيقة الحكم و روحه.
الثاني: ان يكون الغرض من جعله تحديد مركز حق الطاعة سعةً و ضيقاً، و اما اذا لم
يكن شي من هذين المبررّين، فيكون جعله لغواً و بلا فائدة، و عليه فلا يمكن الجعل في
المقام باحد هذين المبررين، اما الاول فلان الملاك في المقام معلوم و محرز و هو كون
العنوان المذكور مبغوض للمولى و مشتمل على مفسدة، فاذن لا يمكن ان يكون الجعل بغرض
ابراز الملاك.
و اما الامر الثاني فلان التكليف المجعول في المرتبة السابقة يحدد مركز حق الطاعة
سعةً و ضيقاً، فلا معنى لتحديده ثانياً لانه لغو و تحصيل الحاصل.
الى هنا قدتبين انه لا يمكن اثبات حرمة التجرّي شرعاً بقاعدة الملازمة بين حكم
الشرع و حكم العقل نظرياً كان ام عملياً.
الوجه الثالث: دعوى الاجماع من الاصحاب على حرمة التجرّي، و قد ذكر شيخنا
الانصاري(ره) الاجماع في مسألتين: الاولى ما اذا ظن المكلف ضيق وقت الصلاة و أخرّها
عامداً ملتفتاً، فقد عصى و ان انكشف بقاء الوقت.
الثانية: سلوك الطريق مظنون الخطر او مقطوعه فانّه اذا سلك ذلك الطريق فقد عصى و ان
انكشف عدم الخطر في الواقع.
و الجواب: ما ذكرناه غير مرة من انه لا يمكن الاعتماد على الاجماع في شي من المسائل
الفقهيّة كدليل شرعي، نعم قد يحصل الوثوق و الاطمئنان بثبوت المسألة في الواقع، و
هذا لايرتبط بالاجماع بل هو من جهة ان الاطمئان حجة من اي سبب كان، و قد ذكرنا في
محله ان حجيّة الاجماع منوطة بتوفر أمرين:
الاول: ان يكون هذا الاجماع ثابتاً بين الفقهاء المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً
من عصر الائمة(ع).
الثاني: ان يكون هذا الاجماع و اصلاً إليهم من زمن المعصومين(ع) يداً بيد و طبقة
بعد طبقة، و لا طريق لنا الى احراز كلا الأمرين معاً ولااحدهما، فلهذا لاأثر لدعوى
الاجماع و لا قيمة له.
و من هنا يظهر حال المسألتين المذكورتين، هذا اضافة الى انّه لا اجماع في المسألة
الاولى لوجود المخالف فيها، و اما المسألة الثانية فالظاهر انها مبنيّة على كون
الظن مأخوذاً فيها بنحو الموضوعية لا الطريقية، و عليه فيكون العصيان على القاعدة،
بل يكفي احتماله اذا كان الخطر على النفس او العرض او المال.
الوجه الرابع: الروايات التي استدل بها على حرمة التجرّي، وهي الروايات التى تدل
على استحقاق العقوبة على قصد المعصية و نية السّوء، منها النّبوي (المعروف اذا
التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل و المقتول كلا هما في النار، قيل هذا القاتل فما
بال المقتول؟ قال(ص) لانه اراد قتل صاحبه)(26)، و منها تعليل خلود اهل النار فى
النار، بان نيّتهم كانت على التمرّد و العصيان ابداً في الدّنيا لو كانوا مخلّدين
فيها، و تعليل خلود اهل الجنة في الجنة بان نيّتهم كانت على الطاعة ابداً في الدنيا
لو كانوا مخلدين فيها(27)، و منها غير ذلك.(28) و تقريب الاستدلال بها على حرمة
التّجري، انها تدل على ان المتجرّي يستحق العقوبة على قصد المعصية، لانه في الواقع
لم يرتكب معصية و انّما نواها و أقدم عليها، فاذا اعتقد ان هذا المايع خمر فشربه
باختياره و ارادته، فان كان مطابقا للواقع، استحقّ للعقاب على شرب الخمر الواقعي و
هو عاص، و ان لم يكن مطابقاً للواقع لم يرتكب معصية غير انه قصدها، و عليه
فالمتجرّي لم يفعل المحرم في الواقع و انما تجرّي بفعله على المولى و قصد معصيته، و
هذه الروايات تدل على انه مستحق للعقاب على هذا القصد.
و الجواب: اولا ان هذه الروايات باجمعها ضعيفة سنداً، فلا يمكن الاعتماد على شي
منها.
و ثانياً: مع الاغماض عن ذلك و تسليم انها تامة من ناحية السند، الاّ انّها لا تدل
على حرمة الفعل المتجرّي به، و انما تدل على حرمة قصد المعصية و استحقاق العقوبة
عليه، و بين الأمرين بون بعيد.
هذا اضافة الى انها معارضة براوايات أخرى وهي الروايات التي تدل على عدم استحقاق
العقاب على قصد المعصية و نيتها مالم يتلبس بها في الخارج، و مقتضى هذه الروايات
اناطة استحقاق العقاب بالعمل الخارجي و لا قيمة للقصد المجرد في النفس، و ارادة
المعصية و ان كانت تامة وهي روايات كثيرة لا يبعد بلوغها حدّ التواتر اجمالاً، هذا
اضافة الى ان فيها روايات معتبرة تدل على ان المؤمن اذا هم بالحسنة و لم يعمل بها
كتبت له، و ان عمل بها كتبت له عشرة حسنات، و اذا همّ بالسيئة ان يعملها و لم
يعملها لم تكتب عليه.
و على هذا فالطائفة الاولى لا تصلح ان تعارض هذه الطائفة، لانّها داخلة في الروايات
المخالفة للسنة، فلا تكون حجة، و مع الإغماض عن ذلك و تسليم ان الطائفة الثانية لم
تبلغ من الكثرة حدّ التواتر الاجمالي، تقع المعارضة بينهما بالتباين، و عندئذ فهل
يمكن الجمع بينهما عرفاً او لا، فيه و جهان:
فذهب شيخنا الانصارى (ره) الى الوجه الاوّل بأحد طريقين:
الطريق الاول: حمل الطائفة الاولى على من قصد المعصية و اشتغل ببعض مقدماتها بدون
الوصول إليها، و الطائفة الثانية على مجرد قصد المعصية بدون التلبّس ببعض
المقدمات.(29)
الطريق الثاني: حمل الطائفة الاولى على من ظل ثابتاً على قصده المعصية و لكن من جهة
وجود مانع خارجي لم يتمكن من التلبس بها، و الطائفة الثانية على من ارتدع عن قصده
المعصية بنفسه او برادع الهى، و كلا الجمعين غير صحيح، اما الجمع الاول، فلانه ليس
من الجمع الدلالي العرّفي و لا ينطبق عليه شي من ضوابط الجمع العرفي، كتقديم الحاكم
على المحكوم و الخاص على العام و الأظهر على الظاهر و هكذا، فاذن يكون هذا الجمع من
الجمع التبرّعي و لا قيمة له.
و اما الثاني فقد اختاره السيد الاستاذ (ره) و استشهد عليه بالنبوي المعروف (اذا
التقى المسلمان بسيفهما، فالقاتل و المقتول كلا هما في النار، قيل هذا القاتل قبال
المقتول لانه اراد قتل صاحبه، بتقريب ان النبوي بمقتضى ذيله يقيد اطلاق الطائفة
الاولى بعدم الارتداع عن قصده و ظل ثابتا عليه، و بعد هذا التقييد تنقلب النسبة
بينهما من التباين الى عموم مطلق، لان الطائفة الاولى حينئذ تصبح اخصّ من الطائفة
الثانية، فتتقدم عليها تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد.(30)
و لكن هذا التقريب غير تام، بناء على ما هو الصحيح من عدم تمامية كبرى انقلاب
النسبة على تقصيل ذكرناه في مبحث التعادل و الترجيح، و على هذا الاساس فتخصيص
الطائفة الاولى بالنبوي لا يوجب انقلاب النسبة بينهما من التباين الى عموم و خصوص
مطلق، بل تظلّ النسبة ثابتة، فاذن تسقط كلتا الطائفتين من جهة المعارضة، فالمرجع هو
اصالة البراءة عن الحرمة او استصحاب عدمها. هذا اضافة الى ان النبوي غير تام سنداً،
الى هنا قد تبيّن ان الوجوه التي استدل بها على حرمة الفعل المتجرّي به لا يتم شىء
منها، فالصحيح انه لا دليل على حرمته شرعا.
تنبيه:
فيه عدة أمور:
الامر الاول: ان محل الكلام في مسألة التجرّي انما هو في مطلق المنجز، سواءً كان
متمثلاً في القطع أم في الامارات المعتبرة أم في الاصول العملية، إذ في كل مورد
يتنجز التكليف فيه لعدم وجود مؤمن عنه فيجري فيه التجري، فاذا اقدم المكلف في شرب
ما قامت البيّنة على انه خمر او احرز بالاستصحاب خمريّته او كان ذلك مقتضى قاعدة
الاشتغال، فلا شبهة في ان هذا الاقدام منه تجرياً و خروجاً عن ذي الرقية و تفويتاً
لحق المولى و هو الطاعة، و لا فرق في كون هذا الاقدام تجريا بين ان يكون شربه بداعي
انه خمرا و برجاء انه ليس بخمر، إذ لا أثر لهذا الرجاء بعد علمه بتنجز حرمته على
تقدير ثبوتها في الواقع و عدم جواز شربه.
الامر الثاني: انه اذا كان هناك مؤمن من العقاب، كما اذا قامت البيّنة على ان
المايع الفلاني خل فشربه، ثم بان انه خمر، فلا شبهة في عدم استحقاقه العقاب، لان
البيّنة مانعة عن تنجزها، و كذلك الحال اذا جرت اصالة البراءة عن حرمته او استصاحب
بقائه على الحلية، فانها مانعة عن تنجز حرمته على تقدير ثبوتها في الواقع هذا مما
لا كلام فيه، و انما الكلام فيما اذا أقدم المكلف على شرب هذا المايع برجاء انه خمر
في الواقع، فهل هو تجرّي او لا؟
فذكر المحقق النائيني(ره) ان هذا تجرّي فانه خروج عن ذي العبودية و الطاعة، فاذن
يترتب عليه ما يترتب على التجري.
و غير خفي ان ما ذكره المحق النائيني(ره) تام على مسلكه في باب التجرّي من ان قبحه
فاعلي لا فعلي، فلذلك لا يستحق المتجرّي العقاب، باعتبار ان الفعل المتجرّي به
لايكون قبيحاً و لاحراماً، غاية الامر انه يكشف عن سوء سريرته و خبث باطنه فقط، او
فقل انه لا شبهة في ان اقدامه على شرب المايع المذكور المشتبه الحلال ظاهراً برجاء
انه حرام في الواقع، كاشف عن عدم مبالاته بالدين و لاكلام فيه، و انما الكلام في
استحقاقه العقوبة.(31)
و الخلاصة: ان حق الطاعة غير ثابت في الفعل النفساني و هو الانقياد و قصد الطاعة و
نحوهما، و اما في الفعل الخارجي و هو شرب هذا المايع برجاء انه خمر في الواقع فهو
ايضا غير ثابت، لان شرب هذا المايع حلال له و لايكون قبيحاً و موضوعاً لحق الطاعة،
و مجرد الاتيان به برجاء انه خمر في الواقع، لايوجب تعنونه بعنوان قبيح، لان الرجاء
النفسي داع للاتيان به لا انه عنوان له، نعم انه يكشف عن خبث باطنه فقط و قد مرّعدم
استحقاق العقوبة عليه و لا على سائر الافعال النفسانية كالرجاء النفسي و البناء و
ماشاكل ذلك. هذا اضافة الى ان موضوع حق الطاعة كماتقدّم احراز التكليف، سواءً أكان
مطابقا للواقع أم لا و هو غير متحقق في المقام، لان المحرز في المقام الحلية و
الاباجة لاالحرمة اوالوجوب.
و ان شئت قلت ان الفعل الذي أقدم عليه ليس بقبيح بل هو مرخص في الأتيان به و مؤمن
من العقاب عليه، غاية الامر ان اقدامه عليه برجاء انه حرام في الواقع، كاشف عن عدم
انقياده لطاعة المولى و سوءنيته، و من الواضح ان مجرد ذلك لايوجب العقاب، و قدمرّ
ان الروايات الكثيرة تدل على ان اللّه تعالى لايعاقب العبد على قصد المعصية ما لم
تيلبس بها خارجاً.
الامر الثالث: ما ذكره صاحب الفصول (ره) من ان الحسن و القبح يختلفان بالوجوه
والاعتبارات، و على هذا فيقع الكسر و الانكسار بين قبح التجرّي و بين المصالح
الواقعيّة، و قدتكون المصلحة الواقعية الموجودة في الفعل المتجرّي به رافعة لقبحه،
و قد يكون قبحه أقوى من المصلحة فيه فيقدم عليها، و قد يشتد قبحه كما اذا كان الفعل
المتجري به مكروهاً، و قد يتعدد قبحه كما اذا صادف الحرام في الواقع، و قدلايكون له
مزاحم كما اذا صادف المباح في الواقع فاذن يختلف قبح التجرّي باختلاف موارده، فان
كانت من المباحات فقد ظلّ فبحه بحدّه و لايزيد و لاينقص، و ان كانت من المكروهات
فقد اشتد قبحه، و ان كانت من المحرمات فقد تعدد قبحه، و ان كانت من الواجبات يقع
التزاحم بين مصلحة الواقع و قبح التجرّي، فلابدّ حينئذ من تقديم الاقوى على
غيره.(32)
و الجواب: ان ما ذكرة(ره) مبني على نقطة خاطئة و هي ان الحسن و القبح امران مجعولان
من قبل العقلاء بتبع ما يدركونه من المصالح و المفاسد حفظا للنظام العام و ابقاء
للنوع، و لكن قد تقدم ان فرضية ارتباط جعل الحسن و القبح بادراك المصالح و المفاسد
في الواقع لاتنسجم مع الوجدان و البرهان.
اما الاول فمن البديهي ان العقل يدرك وجداناً و بدون أيّ منبه من الخارج قبح الظلم
و حسن العدل بقطع النظر عن جعل أيّ جاعل كامكان الممكن و وجوب الواجب و زوجيّة
الاربعة و نحوها، و من هنا فالظلم لايكون حسنا مهما ترتبت عليه مصلحة طالما هو ظلم،
و العدل لايكون قبيحاً مهما ترتبت عليه مفسدة طالما هو عدل، ضرورة انه لايعقل
انفكاك القبح عن الظلم و الحسن عن العدل الاّ باعدام موضوعهما، و لهذا يحكم العقل
بقبح التجري مع انه لامفسدة في الفعل المتجري به و بحسن الانقياد مع انه لامصلحة في
الفعل المنقاد به.
و الخلاصة: ان وجدان كل انسان فطرة حاكم بقبح الظلم و هو سلب ذي الحقّ عن حقه بقطع
النظر عن ان هناك مفسدة مترتبة عليه او لا، بل و ان ترتبت عليه مصلحة طالما هو سلب
ذي الحق عن حقّه.
و اما الثاني فلان المحسوس و المشاهد خارجاً عدم تبعية الحسن و القبح للمصلحة و
المفسدة الواقعيتين، و لهذا يحكم العقل بقبح التجري فيما لامفسدة في الفعل المتجري
به، بل و ان كانت فيه مصلحة كضرب اليتيم بسبب او آخر، فانه قبيح و ان ترتبت عليه
مصلحة كالتأديب او نحوه، و كذلك يحكم العقل بحسن الانقياد فيما لامصلحة في الفعل
المنقاد به، و من هنا لا شبهة في قبح قتل الانسان متعمداً بغرض استخراج الدواء منه
لانقاذ حياة شخصين من الموت او اكثر، مع انه لو لوخط من زاوية المصلحة و المفسدة،
كانت مصلحة قتله أقوى و اكبر من مفسدته.
و على الجملة ان مسالة الحسن و القبح غير مسألة المصلحة و المفسدة، فانهما مسألتان
مختلفتان ذاتاً و موضوعاً.
اما الاول، فلان المصلحة و المفسدة من الامور الواقعيّة الموجودة في عالم الخارج و
الوجود، بينما الحسن و القبح من الامور الواقعية الثابتة في لوح الواقع لا في عالم
الوجود، و إلاّ لكانا محتاجين الى محل و موضوع يعرضان عليه كالبياض و السواد و
نحوهما، مع ان الفعل يتصف بالحسن او القبح قبل وجوده في الخارج، فيقال الظلم قبيح و
العدل حسن و ان لم يكن ظلم في الخارج و لاعدل فيه.
و اما الثاني فلان موضوع المصلحة و المفسدة طبيعي الفعل الجامع بين الحصة
الاختيارية و غير الاختيارية، بينما يكون موضوع الحسن و القبح خصوص الحُصّة
الاختيارية، هذا اضافة الى ان اشتمال الفعل على المصلحة و المفسدة لايناط بالعلم و
الالتفات، فانهما مترتبتان على الفعل بوجوده الواقعي، سواءً أكان الفاعل ملتفتاً
اليه أم لا، و هذا بخلاف اتصاف الفعل بالحسن تارة و بالقبح أخرى فانه يتوقف على
العلم و الالتفات الى ان صدوره منه يكون بعنوان حسن كضرب اليتيم للتأديب او القيام
للتعظيم، او يكون بعنوان قبيح كضرب اليتيم للأيذاء او لامتحان العصى او غير ذلك، و
بكلمة ان الاشياء على ثلاثة انواع.
النوع الاول: ما يقتضي الحسن و القبح ذاتا، بمعنى العلة التامة كالعدل و الظلم فان
حسن الاول و قبح الثاني من القضايا الاولية الفطرية الواقعية التى هي ثابتة في لوح
الواقع و يدركها العقل فطرة، ضرورة ان العدل طالما يكون عدلا، فهو حسن و لايمكن
التفكيك بينهما و كذلك الظلم، فانه طالما يكون ظلما، فهو قبيح فيستحيل ارتفاعه عنه.
النوع الثاني: ما يقتضي الحسن و القبح ذاتاً، بمعنى الاقتضاء لاالعلّة التامّة
كالكذب و الغيبة و نحوهما.
النوع الثالث: ما لايقتضي في نفسه لاالحسن و لاالقبح كالقيام او الجلوس و السفر و
الحضرو ما شاكل ذلك، فان اتصاف هذه الافعال بالحسن تارة و القبح تارة أخرى، منوط
بقصد الفاعل، فان كان قيامه مثلا بقصد تعظيم مؤمن، اتّصف بالحسن لانطباق عنوان
العدل عليه، و ان كان بقصد الاستهزاء لمؤمن، اتّصف بالقبح لانطباق عنوان الظلم
عليه، فان هذه الافعال تتّصف بالحسن و القبح بالوجوه و الاعتبارات لابالذّات.
و الخلاصة: ان الفعل الذي لايقتضي في نفسه الحسن و لاالقبح كالقيام مثلا، فاتصافه
بالحسن منوط بان يكون صدوره من الفاعل بعنوان تعظيم عالم او مؤمن، و بالقبح منوط
بان يكون صدوره منه بعنوان هتك عالم او مؤمن، فعلى الاول ينطبق عليه عنوان العدل، و
على الثاني ينطبق عليه عنوان الظلم و هكذا.
الى هنا قداستطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هى انه لاصلة بين المسألتين لاذاتاً و
لاموضوعاً و لااثرا و لاملاكا، اما ذاتا فلان المصلحة و المفسدة من الامور الواقعية
الخارجية، بينما الحسن و القبح من الامور الواقعية الثابتة في لوح الواقع دون
الخارج، و اما موضوعا فلان موضوع المصلحة و المفسدة ذات الفعل الجامع بين الحصة
الاختيارية و غيرها، بينما موضوع الحسن و القبح خصوص الحصة الاختيارية.
و اما اثراً، فلان اثر المصلحة اقتضاءً جعل الوجوب للفعل، و اثر المفسدة اقتضاء جعل
الحرمة، بينما اثر حسن الشي ما ينبغي عمله، و اثر قبح الشي ما لاينبغى عمله، و لهذا
يكون الحسن و القبح من مدركات العقل العملي دون المصلحة و المفسدة، فانهما من
مدركات العقل النظري.
و اما ملاكا، فلان المصلحة و المفسدة بنفسهما ملاك للوجوب و الحرمة، بينما ملاك
الحسن و القبح العدل و الظلم، و الاول عبارة عن وضع الشي في موضعه. و الثاني عبارة
عن سلب ذي الحق عن حقه، و من هنا اذا أدرك العقل ان هذا العمل مصداق للظلم حكم
بقبحه، و اذا أدرك انه مصداق للعدل حكم بحسنه سواء أدرك المفسدة فيه على الاول و
المصلحة فيه على الثاني أم لا، و ان ادرك ترتب المصلحة على الاول و المفسدة على
الثاني، فانه طالما ينطبق على الاول عنوان الظلم و على الثاني عنوان العدل، يحكم
بالقبح و الحسن، فلا يمكن الانفكاك بينهما الا بالتصرّف في الموضوع.
و من ذلك يظهر ان المصلحة الواقعية المترتبة على الفعل المتجرّي به في الواقع
لاتصلح ان تزاحم قبح التجري و لايعقل ان يقع بينهما الكسر و الانكسار لعدم كونهما
من سنخ واحد، ضرورة ان قبحه يدور مداركونه ظلما على المولى و تفويتاً لحقّه، فانه
طالما يكون مصداقا للظلم فهو قبيح، كانت هناك مصلحة في الواقع او لا.
و اما التزاحم بين الحسن و القبح، فهو غير متصوّر، لان ملاك احدهما غير ملاك الآخر
تماما، فلا يمكن فرض اجتماعهما في موضوع واحد.
و اما ما ذكره(ره) من ان التجري اذا صادف الحرام في الواقع تداخل عقابهما.
فيرد عليه اولا، ان ملاك استحقاق العقوبة تفويت حق المولى و هو حق الطاعة، و
قدتقدّم ان موضوع حق الطاعة احراز التكليف بنظر المكلف، وعليه فملاك استحقاق العقاب
موجود في التجرّي فحسب لا في التكليف الواقعي لانه غيرمحرز، و التكليف بوجوده
الواقعي ليس موضوعاً لحق الطاعة بل بوجوده العلمى الاحرازي.
و ثانيا: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان موضوع حق الطاعة مركب من التكليف الواقعي،
فاذن لايستحق العقاب اصلا لاعلى مخالفة الواقع و لا على التجري، لان العقاب يدور
مدار ثبوت حق الطاعة للمولى على العبد و هو غير ثابت في المقام، هذا اضافة الى ان
الحرمة الواقعية مجهولة بل مغفول عنها، فلايكون منجزة حتى يستحق العقاب على
مخالفتها.
فالنتيجة في نهاية المطاف ان ما ذكره (ره) من ان الجهات الواقعية قدتزاحم جهات
الحسن و القبح و يقع الكسر و الانكسار بينهما، لايرجع الى معنى محصل هذا.
و قداجاب عن ذلك المحقق العراقي(ره) بتقريب:
ان قبح التجري حيث انه متاخر مرتبة عن الحكم الواقعي، باعتبار انه في مرتبة العصيان
المتاخر عن الحكم الواقعي، فلايعقل التنافي و التزاحم بينهما حتى يقع الكسر و
الانكسار.
و فيه اولا ان قبح التجرّي حيث انه معلول للقطع بالحكم الواقعي، فيكون متأخّراً عنه
لاعن نفس الحكم الواقعي، إذ لاموجب لتأخّره عنه لانّ تأخر شي عن آخر بعد تقارنهما
زمناً بحاجة الى ملاك مبررله و لايمكن ان يكون جزافاً، كتقديم العلة على المعلول
رتبةً رغم تقارنهما زمناً قضاء لحق العلية، و اما عدم العلة فهو لايتقدم على
المعلول مع انه في مرتبة العلة، لان النقيضين في مرتبة واحدة، و في المقام قبح
التجري و ان كان متأخراً عن القطع بالحكم رتبةً، باعتبار انه موضوع له، إلاّ انّه
لامبرر لتأخّره عن نفس الحكم الواقعي، لانه ليس معلولا له و لامترتباً عليه، فأذن
لاموجب لتأخّره عنه.
و ثانيا ان هذا التأخر انما هو بتحليل من العقل في عالم الذهن، و اما في عالم
الخارج الذي هو عالم المزاحمة و الكسر و الانكسار، فلاتاخر و لاتقدّم فالجميع في ز
من واحد، لان قبح التجري يجتمع مع مصلحة الواجب في شىء واحد و هو الفعل المتجرّي به
اذا كان في الواقع واجباً.
و الخلاصة ان ما ذكره المحقق العراقي(ره) في المقام لوتمّ فلايجدي في المقام و
لايمنع عن وقوع التزاحم و الكسر و الانكسار بين قبح التجرّي و المصلحة، او المفسدة
الواقعية لو قلنا بوقوعه بين الجهات الواقعية و بين الحسن و القبح.
نتيجة البحث عن حرمة التجرّي عدة نقاط:
الاولى: ان اطلاقات الادلّة الاوّلية من الكتاب و السنة لاتشمل المتجري، ودعوى
شمولها له كالعاصي، بتقريب ان متعلق التكليف ارادة المكلف و اختياره.
مدفوعة بانّها مبنيّة على الخلط بين المراد التكويني و المراد التشريعي، فان غرض
المولى من التكليف و التشريع المتعلّق بفعل المكلف، هو ايجاد الداعي و ارادة في
نفسه تكوينا، لا ان ارادته متعلق التكليف، فانّ متعلق التكليف الذي هو مراد المولى
تشريعاً فعل المكلف، و غرض المولى منه ايجاد الداعي و الارادة في نفسه تكويناً
للبعث و التحريك نحو امتثاله.
الثانية: ان السيد الاستاذ (ره) قد أجاب عن هذه الدعوى تارةً بالنقض و اخرى بالحل.
اما الاول فلان لازم هذه الدعوى ان من اعتقد بدخول وقت الصلاة و صلى ثم بان ان
الوقت غير داخل، صحّ صلاته على أساس ان الامر تعلق بالارادة المتعلقه بالصلاة في
وقتها اعتقاداً و هذا كما ترى، و لكن قديشكل في هذا النقض بان القائل بهذه الدعوى
انما يقول بها في الواجبات المضيّقة، على أساس ان التكليف فيها لو كان متعلقا
بالارادة المتعلقة بالواجب بوجوده الواقعي لزم التكليف بغير المقدور، لان ما هو
مقدور ارادته بوجوده الاعتقادى، سواءً أكان مطابقاً للواقع أم لا، بينما هذا
المحذور غير لازم في الواجبات الموسّعة، و لكن تقدم أن هذا الاشكال قابل للمناقشة.
و اما الثاني، فلان تبعيّة الاحكام للمصالح و المفاسد في متعلقاتها، تدل على انها
متعلقة بها بوجودها الواقعي لا الاعتقادي، و قديشكل بان هذا البيان وحده لايكفي في
دفع الاشكال بل لابدّ من ضمّ مقدمة اخرى، و هي ان الاحكام الشرعية متعلقة بالافعال
الاختياريّة بوجوداتها الواقعيّة لابالارادة المتعلقة بها.
و فيه ان ما ذكره السيد الاستاذ(ره) يتضمّن هذه المقدمة، لان الاحكام الشرعية اذا
كانت تابعة للمصالح و المفاسد في متعلقاتها بوجوداتها الواقعيّة، فلا محالة يكون
الاحكام الشرعية متعلقة بها كذلك.
الثالثة: انه لايمكن اثبات حرمة الفعل المتجري به بقاعدة الملازمة بين حكم العقل
العملي و حكم الشرع، اما لملازمة بين حكم العقل النظري و حكم الشرع و ان كانت ثابتة
كبرويّة، إلاّ انه لاتوجد لها صغرى في شي من المسائل الفقهيّة و ابوابها منها
المقام.
الرابعة: ان ما ذكره المحقق الاصفهاني(ره) من ان قضية حسن العدل و قبح الظلم من
القضايا المشهورة المجعولة من قبل العقلاء على طبق ما يدركونه من المصالح و المفاسد
للنظام العام، و حيث ان الشارع سيد العقلاء و رئيسهم، فاذا حكم العقلاء بحكم بما هم
عقلاء، كان الشارع في طليعتهم، غير تام، فان قضية حسن العدل و قبح الظلم من القضايا
الواقعية الضرورية الثابتة في لوح الواقع و يدركها العقل فطرة و وجداناً كان هناك
جاعل أم لا.
الخامسة: ان في الشارع حيثيتين:
الاولى: حيثيّة انه سيد العقلاء و رئيسهم.
الثانية: حيثيّة انه مبلغ للأحكام الشرعية الواصلة إليه بالوحي من اللّه عزوجل، فمن
الحيثيّة الاولى انه داخل فيهم و من الحيثيّة الثانية فهو تابع للوحي، سواءً كانَ
موافقاً لحكم العقلاء ام مخالفا له، و من الواضح ان الوحي يدور مدار المصلحة و
المفسدة الواقعيتين و لايدور مدار الحسن و القبح العقليين، بداهة ان الشارع لايكون
ملزماً بجعل ما يماثل جعل العقلاء، فاذن لاملازمة بين حكم العقل العملي و حكم
الشرع.
السادسة: ان القول بان جعل الحكم الشرعي في موارد الحكم العقلي العملي لغو و جزاف،
لكفاية حكم العقل بالحسن و القبح للتحريك و الداعويّة غيرتام، إذ لامانع من هذا
الجعل و لايكون لغواً، لانه يوجب ملاكاً جديداً للحسن و القبح و هو حق الطاعة و قبح
المعصية، و حينيئذ تتاكد الداعويّة و المسؤولية امام اللّه تعالى فلايكون جعله
لغواً.
السابعة: انا لو سلمنا ثبوت الملازمة بين الحكم الشرعي و الحكم العقلي العملي،
فلامانع من تطبيقها على المقام، حيث لامحذور في جعل الحرمة للفعل المتجرّي به،
لانها قابلة للوصول و الداعوية في غير موارد القطع الوجداني، كما انه لامانع من
جعلها للجامع بين التجري و المعصية و لايستلزم التسلسل المحال، فانه انما يكون
محالا في الامور التكوينيّة الخارجية، و اما في الامور الاعتبارية التي لاواقع
موضوعي لها، فلايكون محالا، لان امرها بيد المعتبر وجوداً و عدماً و لاتتصوّر فيها
العلية و المعلولية.
الثامنة: ان المشهور بين الاصوليين ان قاعدة الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع
خاصة بحكم العقل في سلسلة علل الاحكام الشرعية، و اما حكم العقل في سلسلة
معلولاتها، فلايكشف عن حكم الشرع، و قدعلل ذلك باللغويّة، و الصحيح انه لايلزم هذا
المحذور، لان الشارع اذا رأى مصلحة في تأكيد حكم العقل فيها، فلامانع من تأكيده
بجعل داع آخر في ضمن جعل حكم مولوي.
التاسعة: ان ما ذكره المحقق النائيني(ره) من انه لايمكن استكشاف حرمة التجرّي من
قاعدة الملازمة بين حكم الشرع و حكم العقل العملي، معللا بانها لايمكن ان تكون
مدلولا للخطابات الاولية و لاللدليل الخاص غيرتام، لماتقدم من ان كلا التعليلين غير
صحيح.
العاشرة: انه لايمكن تطبيق قاعدة الملازمة بين حكم العقل النظري و حكم الشرع على
التجرّي، لان التجرّي على المولى و هتك حرمته و تفويت حقه جميعاً، معلول لثبوت حق
الطاعة للمولى في المرتبة السابقة، و من الواضح انه لايمكن اثبات حق الطاعة للمولى
من جديد بتطبيق القاعدة، و هذا لاينافي ما ذكرناه من انه لامانع من جعل الحرمَة
المولوية للتجري اذا رأى المولى فيه ملاكالها بدليل خاص، و لكن اثباتها بالقاعدة
لايمكن.
الحادية عشر: انه لايمكن الاستدلال على حرمة التجري بالأجماع.
الثانية عشر: الروايات التى استدل بها على حرمة التجري مضافا الى انهاجميعا ضعيفة
من ناحية السند، لاتدل على حرمة الفعل المتجرّي به و انما تدل على حرمة قصد
المعصية، و لهذا تكون معارضة بروايات اخرى الكثيرة التي تدل على انه لاعقوبة على
قصد المعصية ما لم يتلبس بها خارجاً.
الثالثة عشر: ان مسألة التجري لاتختص بالقطع بالوجوب او الحرمة، بل تشمل مطلق
المنجز، سواء أكان قطعا ام امارة معتبرة ام اصلا عملياً.
الرابعة عشر: اذا كان هناك مؤمن من العقاب، كما اذا قامت البيّنة على ان المايع
الفلاني خل فشربه ثم بان انه خمر، فلاشبهة في عدم استحقاق العقاب و اما اذا أقدم
على شربه برجاء انه خمر في الواقع، فهل هو تجري و يوجب استحقاق العقاب او لا، فيه و
جهان، الظاهر هو الثاني.
الخامسة عشر: ان ما ذكره صاحب الفصول(ره) من ان الحسن و القبح يختلفان بالوجوه و
الاعتبارات، فلذلك بنى(ره) على وقوع التزاحم بينهما و بين المصالح و المفاسد
الواقعيّة، غير تام على تفصيل تقدم.
اقسام القطع
يقع الكلام فيها في مقامين:
الاول: في اقسام القطع:
قد قسم القطع الى القطع الطريقي المحض و القطع الموضوعي.
و نقصد بالاول ما كان طريقا الى الواقع بدون ان يكون له دخل فيه لاجزءً و لاشرطاً،
و لافرق في ذلك بين ان يكون القطع بصغرى الحكم الشرعي او كبراه.
و نقصد بالثاني ما كان موضوعاً للحكم كسائر موضوعات الاحكام الشرعية، ثم ان شيخنا
الانصاري(ره) قدقسم القطع الموضوعي الى قسمين:
الاول: ماكان مأخوذاً في موضوع الحكم بنحو الصفتية.
و الثاني: مأخوذاً فيه بنحو الطريقيّة و الكاشفيّة.(33) و تبعه في ذلك من تأخره من
المحققين منهم مدرسة المحقق النائيني(ره)، و قداستدل على ذلك بوجهين:
الوجه الاول: ان القطع من الصفات الحقيقية ذات الأضافة، و بذلك يمتاز عن سائر
الاعراض، فان العرض في وجوده بحاجة الى موضوع محقق في الخارج، و لهذا يكون وجود
العرض في نفسه عين وجوده لموضوعه، و اما القطع فهو مضافا الى الموضوع المحقق فيه
بحاجة الى المضاف اليه ايضاً و هو متعلقه، و هذا يعني ان وجود القطع متقوم بأمرين:
الاول: الموضوع، إذ يستحيل وجوده بدون وجوده كسائر الاعراض.
الثاني: المتعلق، فانه يستحيل وجوده بدون وجود متعلقه.
الوجه الثاني: ان العلم ذات حيثيتين متباينتين:
الاولى: حيثية كونه صفة للنفس كسائر الصفات النفسانية.
الثانية: حيثية كونه طريقا الى الواقع و كاشفاً عنه، فتارة بؤخذ في موضوع الحكم من
الحيثية الاولى و اخرى من الحيثية الثانية هذا.
و للمناقشة في هذا التقسيم مجال، و ذلك لان العلم بسيط في النفس و حقيقة واحدة فيها
و هي الكشف و الظهور، على اساس ان ظهور كل شي في النفس و حضوره فيها انما هو
بالعلم، و اما ظهور العلم و حضوره فيها بنفسه، فاذن العلم نفس الحضور و الظهور و
الكشف ذاتاً و ليست فيه حيثية اخرى و هي الحيثية الصفتية حتى يكون العلم مأخوذاً في
الموضوع من هذه الحيثية، نعم العلم بوصف كونَه حضوراً في النفس و ظهوراً و كشفاً
فيها صفة لها في مقابل سائر الصفات النفسانية، فالنتيجة انه ليس في العلم حيثيتيان
متباينتان ذاتاً، ضرورة ان له حيثية واحدة و هي الكشف و الظهور الذاتي.(34) و اما
ما استدل على هذا التقسيم من الوجهين فهو ساقط، اما الاول، فان اريد باضافته الى
المعلوم اضافته الى المعلوم بالفرض، فيرده ان هذه الاضافة ليست مقومة للعلم بل ليست
من لوازمه، فان العلم ان كان مطابقاً للواقع فالاضافة موجودة و إلاّ فلااضافة،
لانها متقوّمة بوجود طرفيها، فاذا لم يكن احد طرفيها موجوداً و هو المعلوم بالعرض
فلا اضافة في البين، و ان اريد بها اضافته الى المعلوم بالذات فهي عين العلم، إذ
لافرق بين العلم و المعلوم بالذات إلاّ بالاعتبار، فان صورة الشي الحاضرة في النفس
باعتبار انها حضور و ظهور علم و باعتبار انها قائمة بالنّفس معلوم، و لهذا تكون
اضافته اليه اضافة اشراقيّة لامقوليّة.
و من هنا يظهر بطلان الوجه الثاني، لما عرفت من انه ليس للعلم حيثيتان متباينتان
احداهما حيثيّة الصفتية و الاخرى حيثية الطريقية، بل له حيثية واحدة ذاتاً و هى
حيثية الحضور و الظهور في النفس و الكشف فيها، هذا كله في العلم الذاتي، و اما
العلم الموضوعي، فلا شبهة في انه متقوم بالاضافة الى المعلوم بالعرض، و على هذا فان
أريد من اخذ العلم في الموضوع بنحو الصفيتة، اخذ لازمه و هو استقرار النفس و سكونها
باعتبار ان اليأس احدى الراحتين، فاذا علم الانسان بشي و انقطع احتمال خلافه،
استقرت نفسه و سكنت و اطمأنّت، و من المعلوم ان استقرار النفس و سكونها من لوازم
القطع و اليقين.
فيرد عليه اولا، ان محل الكلام انما هو في اخذ العلم في موضوع الحكم في مقابل عدم
أخذه فيه لا في صفة اخرى في النفس التي هي لازمه.
و الخلاصة ان محل الكلام في المقام انما هو في العلم الموضوعي و هو العلم المأخوذ
في موضوع الحكم في مقابل العلم الطريقي الذي هو طريق الى الواقع لا في اخذ ما هو
لازم العلم.
و ثانياً: ان ذلك خلاف ما هو المفروض في كلام الشيخ (ره) و من تبعه من المحققين،
لان المفروض و المصرّح به في كلامهم ان العلم المأخوذ في الموضوع على نحوين، لا انه
على نحو واحد، ولا ان المراد من العلم الصفتى لازمه، و ان اريد بالعلم المأخوذ في
موضوع الحكم بنحو الصفتيّة العلم التصوّري، و من العلم المأخوذ في موضوعه بنحو
الطريقيّة العلم التصديقي.
فيرد عليه اولا، ان العلم التصوري خارج عن محل الكلام، فانّه انما هو في العلم
التصديقي باعتبار ان الآثار مترتبة عليه و هو على قسمين:
1ـ طريقي:
2ـ موضوعي.
و ثانياً: انه لافرق بين العلم التصوري و العلم التصديقي ذاتاً، فان صورة الشي
الحاضرة في النفس ان كانت مورداً للتصور فهي علم تصوري، و ان كانت مورداً للتصديق
فهي علم تصديقي، فاذن ليس المعلوم بالعلم التصوري غير المعلوم بالعلم التصديقي، و
ان اريد بالعلم الصفتي العلم الذاتي و بالعلم الطريقي العلم الموضوعي.
فيرد عليه، ان المراد من العلم الذاتي هو الصورة القائمة بالنفس بدون ان يكون لها
واقع موضوعي في مقابل العلم الموضوعي، و من الواضح ان المراد من العلم المأخوذ في
الموضوع بنحو الصفتية هو العلم الموضوعي الواقعي.
فالنتيجة في نهاية الشوط ان ما ذكره شيخنا الأنصاري(ره) من تقسيم العلم الموضوعي
الى قسمين و تبعه فيه جماعة من المحققين، لايرجع بالتحليل الى معنى صحيح، لما تقدم
من ان العلم بسيط و عبارة عن نفس الحضور و الظهور في النفس و صفة لها و لاتتصور فيه
حيثيّة اخرى، فاذا كان العلم مأخوذاً في موضوع الحكم، كان المأخوذ نفس الحضور و
الكشف، و لايتصور أخذه بنحو آخر و عليه فما ذكره هؤلاء الجماعة من التقسيم لاينطبق
على العلم بما هو علم هذا.
و غير خفي ان مرادهم من هذا التقسيم هو انهم ارادوا من العلم الصفتي المعلوم بالذات
و هو الحضور الذاتي في النفس، و من العلم الطريقي اضافته الى المعلوم بالعرض، و
لايبعد ان يكون ذلك منهم مبنياً على ان اضافة العلم الى المعلوم بالعرض من مقومات
العلم، و بانتفائها فلا علم بل جهل مركب كما نص عليه المحقق صاحب الكفاية(ره)، و
الخلاصة ان العلم متقوّم بمطابقته للواقع و إلاّ فهو جهل في الحقيقة و ليس بعلم
هذا.
و لكن الظاهر ان ذلك غير واقعي، لوضوح الفرق بين قولنا زيد عالم بان الشمس تدور حول
الارض مثلا، و لكنه كان قدأخطأ الواقع و لم يصل إليه، بمعنى ان علمه غير مطابق له،
و بين قولنا زيد جاهل و يؤكد ذلك ثبوت العلم للباري عزوجلّ، فانه نفس المنكشف
لاغيره، فاذن يكفي في صدق العالم حضور صورة الشي في النفس عنده سواءً أكان مطابقاً
للواقع أم لا، و ان شئت قلت ان العلم ان لوحظ بما هو انكشاف في النفس كان صفتيا،
لان انكشافه فيها ذاتي، وان لوحظ بما هو انكشاف للعالم، كان طريقياً، لان معنى
انكشافه للعالم، انكشاف المعلوم بالعرض له، و عليه فتارةً يؤخذ العلم في موضوع
الحكم بنحو الاول و هو الصفتية، و اخرى بنحو الثاني و هو الكاشفية و الطريقيّة، و
هذا هو المراد من هذا التقسيم، فاذن لااشكال فيه هذا من ناحية.
و من ناحية أخرى ان المحقق الخراساني (ره) قدجعل القطع الموضوعي على اربعة أقسام:
1ـ القطع المأخوذ في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة.
2ـ و المأخوذ في موضوع الحكم بنحو الطريقيّة و الكاشفية، و على كلا التقديرين فتارة
يكون تمام الموضوع و أخرى يكون جزء الموضوع، فتكون الاقسام اربعة.
و قداورد على هذا التقسيم مدرسة المحقق النائيني(ره) منهم السيد الاستاذ(ره) بان
أخذ القطع في موضوع الحكم بنحو الكاشفية و الطريقيّة لايعقل الاّ ان يكون بنحو جزء
الموضوع و جزئه الآخر الواقع، و اما بنحو تمام الموضوع، فهو غير معقول، لان
طريقيّته متقومة بوجود ذي الطريق في الواقع، و مع فرض عدم وجوده فلا وجود لها، فاذن
لايعقل أخذ القطع تمام الموضوع للحكم بنحو الطريقيّة سواءً اكان مطابقاً للواقع أم
لا، إذ في فرض عدم مطابقته للواقع و عدم وجوده لاوجود للطريقيّة و الاضافة، لانها
متقومة به ذاتاً و حقيقة أو فقل ان معنى كونه تمام الموضوع بنحو الطريقيّة، انه
لادخل للواقع في الحكم، و معنى كونه مأخذاً بنحو الطريقيّة، ان للواقع دخلاً فيه،
فالجمع بين الأمرين جمع بين المتناقضين.
و قد اجيب عن ذلك، بان هذا الاشكال مبني على ان يكون مراد المحقق الخراساني(ره)، من
الكاشفيّة، الكاشفية العرضيه و هى اضافة العلم الى المعلوم بالعرض، و عليه فالاشكال
وارد، إذ لايمكن ان تكون هذه الكاشفيّة تمام الموضوع للحكم، فانها متقوّمة بالواقع
المكشوف عنه، و مع عدمه فلا كاشفيّة، بل الظاهر ان مراده (ره) من الكاشفيّة،
الكاشفية الذاتّية و هي اضافته الى المعلوم بالذات، و لامانع من جعلها تمام الموضوع
و لايلزم منه محذور التهافت و التناقض، لفرض انها لاتتوقف على وجود المعلوم في
الواقع، فانها موجودة في النفس و قائمة بها سواءً أكان لها معلوم و مطابق في الخارج
أم لاهذا.
و فيه انه لايمكن ان يكون مراده (ره) بالكاشفية، الكاشفيّة الذاتيّة دون العرضية،
بقرينة انه(ره) قد جعل الكاشفية في مقابل الصفتيّة، فلو كان المراد منها الكاشفيّة،
الذاتيّة فلا معنى لان يجعلها في مقابل الصفتيّة بل هي عينها، لان القائل بان العلم
قد يؤخذ في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة و قد يؤخذ بنحو الكاشفيّة و الطريقيّة، اراد
بالاول الكاشفيّة الذاتية و هى اضافة العلم الى المعلوم بالذات، و بالثانى الكاشفية
العرضيّة و هي اضافة العلم الى المعلوم بالعرض، و هذا هو مراد صاحب الكفاية(ره) من
الكاشفية، لا الكاشفيّة بالمعنى الاول، و الاّ فلا معنى لجعلها في مقابل
الصّفتية.(35)
فالنتيجة ان اشكال مدرسة المحقق النائيني(ره) وارد على صاحب الكفاية(ره)، و من هنا
فالصحيح ان يجعل التقسيم ثلاثياً، رباعياً، ثم ان صاحب الكفاية(ره) اضاف قسماً آخر
للقطع المأخوذ في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة، و هو القطع المأخوذ في موضوع الحكم
بما هو صفة للمقطوع به، و هذا تارة يكون تمام الموضوع و أخرى جزء الموضوع.
و فيه انه(ره) ان اراد من المقطوع به المعلوم بالذات في افق النفس، فيرد عليه انه
ليس قسماً آخر في مقابل القطع المأخوذ في موضوع الحكم بنحو الصّفتية، لانه عبارة عن
القطع المضاف الى المقطوع بالذات في افق النفس باضافة اشراقيّة، إذ خصوصية المقطوع
لخصوصية القاطع دخيلة في موضوع الحكم، ضرورة ان المأخوذ في الموضوع هو القطع الخاص
من حيث الموضوع و المتعلق. و إلاّ لزم ثبوت الحكم عند القطع بأيّ شي و من أيّ شخص و
هو كما ترى.
فالنيتجة كما ان اضافة العلم الى العالم مأخوذة في موضوع الحكم كذلك اضافته الى
المعلوم بالذات، و ان اراد به المعلوم بالعرض، فيرد عليه ما تقدّم من انه لايمكن
أخذه تارةً تمام الموضوع للحكم و أخرى جزء الموضوع له، لمامرّ من انه لايعقل أخذه
تمام الموضوع.
نتيجة ما ذكرناه أمور:
الاول: ان العلم اسم للأِضافة الى المعلوم بالذات، و يعبّر عن هذه الاضافة تارةً
باليقين و الجزم و القطع و أخرى بالحضور و الظهور و الكشف، و اذا اخذ العلم في
موضوع الحكم، فالمأخوذ فيه هو هذه الأَضافة و ليست فيها حيثيتان متباينتان:
الاولى: حيثيّة كونها صفة.
و الثانية حيثية كونها طريقاً، بل لها حيثيّة واحدة و هي حيثيّة الكشف الذاتي، و
اما اضافته الى المعلوم بالعرض، فهي عرضية فلاتكون من مقومات العلم، لانّها قدتكون
و قد لاتكون.
الثاني: ان مرادهم من أخذ العلم في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة، هو أخذ اضافته الى
المعلوم بالذات، و مراد هم من أخذه فيه بنحو الطريقيّة، هو اخذ اضافته الى المعلوم
بالعرض التي هي ليست من مقومات العلم.
الثالث: ان المراد من اخذ العلم في موضوع الحكم بنحو الصفتيّة، ليس أخذ لازمه و هو
سكون النفس و ثباتها و استقرارها و خروجها عن الاضطراب و التردّد.
الرابع: ان ما ذكره المحقق الخراساني(ره) من جعل التقسيم رباعياً غير صحيح، لمامرّ
من ان اضافة العلم الى المعلوم بالعرض التي يعبر عنها بالكاشفية و الطريقية لايمكن
أخذها تمام الموضوع للحكم، و من هنا فالصحيح هو ثلاثية الأقسام.
الخامس: ان ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (ره) من القسم الخامس للقطع الموضوعي و هو
القطع المأخوذ في موضوع الحكم بما هو صفة للمقطوع به، فقد تقدم انه ليس قسما خامساً
بل هو يرجع الى احد اقسام الثلاثة.
المقام الثاني: ان القطع المأخوذ في موضوع الحكم، فتارةً يكون متمثلاً في القطع
بالموضوع الخارحي و اخرى في القطع بالحكم الشرعي،
اما الاول كما لو أخذ القطع بالخمر في موضوع حرمة شربها و القطع بالبول في موضوع
نجاسته و القطع بسلامة مجي المسافر من السفر مثلاً في موضوع وجوب التصدّق و هكذا،
فلا اشكال في امكانه ثبوتا، و لكنه غير واقع اثباتاً بنحو الكبرى الكلية، و ان نسب
الى بعض الاخباريين ان القطع بالبول مأخوذ في موضوع نجاسته و ان الموضوع هو البول
بوجوده العلمي لا الواقعي، و لكن النسبة على تقدير صحّتها لا دليل عليها اصلاً بل
الدليل على الخلاف موجود.
و اما الثاني و هو اخذ القطع بحكم شرعي في موضوع حكم آخر، فتارة يكون الحكم الآخر
مخالفا للحكم الاول، و اخرى مضاداً له، و ثالثة مماثلاً له، و رابعة متحداً معه
وجوداً.
اما الاول و هو ان يكون الحكم الآخر مخالفا للحكم الاول، فلا اشكال في امكانه
ثبوتا، كما اذا قال المولى اذا قطعت بوجوب الصلاة فتصدق بدينار و نحو هذا، نعم وقوع
ذلك في الشريعة المقدسة بحاجة الى دليل.
و اما الثاني و هو ان يكون الحكم الآخر مضاداً للحكم الاول، كما اذا قال المولى اذا
قطعت بوجوب الصلاة حرمت عليك الصلاة، او قال اذا قطعت بحرمة شرب الخمر جازلك شربها
و هكذا، فهو مستحيل، و وجه الاستحالة ان غرض المولى من جعل هذا الحكم ان كان جعل
الرادع عن طريقيّة القطع و كاشفيته، فقد تقدم انه مستحيل، و ان كان جعل الحكم
المولوي المضاد للحكم المقطوع به فهو ايضا كذلك، على اساس استحالة جعل حكمين
متضادين لشي واحد، و هذا لامن جهة وجود المضادة بين الحرمة و الحلية في عالم الجعل
و الاعتبار، لان المضادة لاتتصور في هذا العالم، و انما تتصور في عالم الخارج، بل
من جهة وجود المضادة او المناقضة بين مباديهما، فان حرمة شربها تكشف عن وجود مفسدة
ملزمة فيه و حلية شربها تكشف عن عدم وجود مفسدة فيه كذلك، فاذن الجمع بينهما يستلزم
الجمع بين النقيضين في مرحلة المبادي و هو محال.
و بكلمة ان جعل الحرمة لشرب الخمر لايمكن ان يكون جزافاً و بلامبرر، و المبرر له
وجود مفسدة ملزمة فيه، و كذلك جعل الحلية له، فانه لا محالة يكشف عن عدم وجود مفسدة
ملزمة فيه او وجود مصلحة تتطلب اباحته، و على كلا التقديرين لايمكن الجمع بينهما في
شي واحد، اما على الاول، فيلزم اجتماع النقضين فيه في مرحلة المبادي،
و على الثاني اجتماع الضدين و كلاهما محال.
فالنتيجة ان هذا الوجه غير معقول.
و اما الثالث و هو ان يكون الحكم الآخر مماثلاً للحكم الاول، كما اذا قال المولى:
اذا قطعت بوجوب الصلاة، و جبت الصلاة عليك او قال اذا قطعت بحرمة شرب الخمر، يحرم
عليك شربها و هكذا.
فقد يقال كما قيل باستحالة ذلك، بدعوى انهما في مورد الاجتماع لايخلو من ان يكون كل
منهما باقياً بحده او تاكد احدهما بالآخر و اتحدا وجوداً و كلاهما محال، اما الاول
فيلزم من ذلك اجتماع المثلين في شي واحد، بتقريب ان الاحكام الشرعية بلحاظ
موضوعاتها كالاعراض الخارجية، فكما ان الاعراض الخارجية لا تتحقق الاّ بتحقق
موضوعاتها في الخارج و لايمكن اجتماع عرضيين متماثلين في موضوع واحد، فكذلك الاحكام
الشرعية، فانها كالاعراض لاتحقق الا بتحقق موضوعاتها فيه، فلذلك لايمكن اجتماع
حكمين متماثلين في موضوع واحد.
و اما الثاني فلان تحقق التأكد و الاتحاد بينهما في مورد الاجتماع انما يكون اذا
كان الحكمان المتماثلان في عرض واحد، كما اذا ورد اكرم كل عالم، و ورد اكرم كل ها
شمي، ففي مثل ذلك اذا انطبق كلا العنوانين المذكورين على فرد واحد في الخارج، كما
اذا كان الفرد عالماً و هاشمياً معاً، فبطبيعة الحال يتاكد الوجوبان احدهما بالآخر
و اتّحدا، فيكون الوجوب الموكد في مورد الاجتماع أقوى و آكد من كل منهما بحدّه
الخاص و هذا بخلاف المقام، فان الوجوب الثاني فيه في طول الوجوب الاول، فلا يعقل
تاكده به و اتحاده معه، و على الجملة فالحكم الثاني في المقام حيث انّه متاخر عن
الحكم الاول رتبة، باعتبار انه مأخوذ في موضوعه و الموضوع متقدم رتبة على الحكم،
فيستحيل اتحاده معه، و إلاّ لزم محذور تقدم الشي على نفسه و بالعكس هذا و لكن كلا
الأمرين غير صحيح.
الامر الاول فلان قياس الاحكام الشرعية بالاعراض الخارجية قياس مع الفارق، لان
الاعراض من الامور الواقعية الخارجية، غاية الامر ان وجودها في الخارج متقوم بوجود
موضوعها فيه، و لهذا يقال ان وجودها في نفسه عين وجودها لموضوعها، و اما الاحكام
الشرعية فهى امور اعتبارية لاواقع موضوعي لها في الخارج ما عدا وجودها في عالم
الاعتبار و الذهن، و لهذا لاتتصور المضادة و المماثلة بينها، فان المضادة و
المماثلة انما تتصوران بين الموجودات التكوينيّة الخارجية، فلا يعقل اجتماع السواد
و البياض في موضوع واحد، و اما اجتماع و جوبين او وجوب و حرمة في شي واحد بما هما
امران اعتباريان موجودان في عالم الاعتبار و الذهن فلا مانع منه، و من هنا تكون
المضادّة و المماثلة بين الاحكام الشرعية، انما هي بلحاظ مباديها التى هي من الامور
الواقعية لا بلحاظ انفسها.
و دعوى ان المضادة و المماثلة بين الاحكام الشرعية انما هي في مرحلة فعليتها بفعلية
موضوعاتها في الخارج كما هو الحال في الاعراض.
مدفوعة بان المراد من فعلية الاحكام الشرعية بفعلية موضوعاتها في الخارج فعلية
فاعليتها و محركيتها لافعلية نفسها، لاستحالة تحقق الاحكام الشرعية في الخارج بتحقق
موضوعاتها فيه و الا لكانت خارجية، و هذا خلف فرض انها اعتبارية لاوجود لها الا في
عالم الاعتبار، ومن هنا تكون فعلية الأحكام الشرعية انما هي بنفس جعلها في عالم
الاعتبار لابفعلية موضوعاتها في عالم الخارج، لان الفعلي في هذا العالم انما هو
فاعليتها و محركيتها فيه و هي امر تكويني.
و اما الامر الثاني، فلان مجرد كون احد الحكمين المتماثلين في طول الاخر رتبة مع
انهما في زمن واحد بدون ان يكون احدهما معلولا للآخر، لايمنع من التأكد و الاتحاد
بينهما، لان التقدم الرتبي الطبيعي لاحدهما على الآخر مع تقارنهما زمنا، لايمنع من
التاكد و الاتحاد بينهما خارجا، لان هذا التقدم و التأخر انما هو بالتحليل من العقل
في عالم الرتب لا في عالم الخارج، و اما فيه فهما متقارنان، فلهذا لامانع من
اتحادهما فيه من هذه الناحية، نعم لو كان التقدم و التأخر بالعلية، فلا يمكن
الاتحاد بينهما، باعتبار ان المعلول يتولد من العلة فلا يعقل ان يكون متحدا معها في
الخارج، بان يكونا موجودين بوجود واحد، و اما اذا كان التقدم و التأخر بالرتبة و
الطبع لا بالعلية، فلا مانع من ان يتحد المتقدم و المتأخر في الوجود الخارجي، و حيث
ان الحكم الثاني ليس معلولا للحكم الاول و انما هو متأخر عنه رتبة، فلا مانع من
اتحاده معه خارجا من هذه الناحية، نعم لايمكن ذلك من جهة اخرى و هي ان احدهما موضوع
للآخر، فلايمكن ان يكون الموضوع عين الحكم بل لابد من الاختلاف و الاثنينية بينهما،
و الخلاصة ان الطولية بين شيئين في الرتبة مع تعاصر هما زمنا لاتتطلب في نفسها عدم
التاكد و الاتحاد بينهما في الوجود، و لكن قد تكون هناك جهة اخرى تتطلب ذلك، كما
اذا كان احدهما علة للآخر او موضوعاً له، فالنتيجه ان كلا الامرين غير صحيح.
ثم ان للسيد الاستاذ(ره) في المقام كلاما و هو ان الحكمين المتماثلين اذا اجتمعا في
مورد واحد، يندك احدهما في الآخر فيصبحان حكماً واحداً موكداً فيه بدون فرق في ذلك
بين ان تكون النسبة بين موضوعي الدليلين عموماً من وجه، كما اذا قال المولى، اكرم
العالم ثم قال اكرم الهاشمي، او عموماً مطلقاً كما في المقام، فان موضوع الحرمة
الاولى الخمر الواقعي، و موضوع الحرمة الثانية القطع بحرمتها، و الاول اعمّ من
الثانى، إذ قد يتعلق القطع بحرمة الخمر واقعا و قد لايتعلق بها، بل ذكر (ره) ان
النسبة بينها عموم من وجه، إذ قد تكون الخمر موجودة و لاتكون حرمتها متعلقه للقطع،
و قد يتعلق القطع بحرمتها و لكنه غير مطابق للواقع، بمعنى ان الخمر غير موجودة،
فاذن يكون مورد الاجماع و الا لتقاء الخمر الواقعي التي تعلق القطع بحرمتها، فان
كلتا الحرمتين قد اجتمعتا فيها، و عليه فبطبيعة الحال تندك احدا هما في الاخرى و
تصبحان حرمة واحدة موكدة، فاذن يكون مورد الاجتماع محكوماً بحكم واحد اكد و اشد من
كل منهما بحدّه.(36)
فالنتيجة انه لامانع من جعل حكمين متماثلين لموضوعين تكون النسبة بينهما عموماً من
وجه بل عموما مطلقا، غاية الامر ان الحكمين في مورد الاجتماع و الالتقاء يندك
احدهما في الآخر و يصبحان حكما واحداً مؤكداً، و لامانع من الالتزام بتوحدهما و
تاكدهما فيه، إذ لايعقل بقاء كل منهما فيه بحدّه الخاص المميز، و عليه فلامانع من
أخذ القطع بحكم في موضوع حكم آخر مماثل له هذا.
و لكن للمنا قشة فيه مجالا، و ذلك لانه(ره) ان اراد من تاكد الحكمين المتماثلين في
مورد الاجتماع، تاكدهما في مرحلة الفعلية.
فيرد عليه انه لاحكم شرعي في هذه المرحلة و لاوجود له فيها حتى يتاكد احدهما
بالآخر، لان الحكم امر اعتباري لاواقع موضوعي له في الخارج، و لهذا لايعقل وجوده في
هذه المرحلة و الاّ لكان خارجياً، و هذا خلف، و قدمرّ ان المراد من فعلية الحكم
بفعلية موضوعه في الخارج، فعلية فاعليته لافعلية نفسه، و ان شئت قلت ان المراد من
فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج، فعلية فاعليته فيه، و مرد هذه الفعلية الى
فعلية نسبته فيه و خروج هذه النسبة من التقدير و الفرض الى التحقيق، و الخروج انما
هو بتحقق موضوعه في الخارج الذي هو أحد طرفي النسبة، مثلا الشارع جعل وجوب الحج على
المستطيع المقدّر وجوده في الخارج، و عليه فما دام لايوجد المستطيع فيه، كانت نسبة
وجوب الحج إليه تقديريا و فرضيا، و اذا وجد المستطيع فيه، كانت نسبته اليه
تحقيقياً، و حينئذ فتصبح النسبة نسبة حقيقية فتكون مؤثرة، و هذا معنى فعلية الحكم
بفعلية موضوعه في الخارج، و ليس معناها فعلية نفس الحكم و الا لكان الحكم خارجيا و
هو كماترى،
فالنتيجة انه لاموضوع للتأكدّ و الاتحاد في هذه المرحلة بين الحكمين المتماثلين في
مورد الاجتماع، إذ لاوجود لهما فيه حتى يندك احدهما في الآخر، و ان اراد(ره) من
الاندكاك و التاكد في مرحلة الجعل والاعتبار، ففيه انه لايتصور الاندكاك والتأكد
بين الجعلين في هذه المرحلة، على اساس ان الجعل فعل اختياري للمولى و صادر منه
بالارادة و الاختيار مباشرة، فكيف يعقل اتحاد جعل مع جعل آخر، فاذا صدر من المولى
جعلان مستقلان، استحال اتحادهما بالاندكاك و صيرورتهما جعلاً واحداً قهراً، ضرورة
انه خلف فرض كونه فعلاً اختياريا للمولى مباشرة من جهة و امراً اعتبارياً من جهة
اخرى، لان الاندكاك و التاكد و العلية و المعلولية لاتتصور في الامور الاعتبارية
التى لاواقع موضوعي لها في الخارج غير وجودها في عالم الاعتبار و الذهن، و انما
تتصور في الامور الواقعية الخارجية.
و الخلاصة ان الاندكاك و التأكد في مرحلة الجعل غير متصور، إلاّ ان يكون المراد منه
ان الجعل و المجعول في مورد الاجتماع واحد، بمعنى اخراج مورد الاجتماع عن اطلاق كلا
الجعلين و تقييد اطلاق كل منهما بغير هذا المورد و اختصاصه بجعل مستقل.
و هذا و ان كان ممكنا ثبوتاً، إلاّ انّه غير محتمل اثباتاً، بداهة ان هناك جعلين
كانت النسبة بينهما عموماً من وجه لاجعول ثلاثة.
و اما في المقام، فهو غير ممكن ثبوتا، وذلك لانه يتوقف على تقييد اطلاق كل من
الحكمين المجعولين بغير مورد الاجتماع و اخراجه عن اطلاقيهما و هو لايمكن، بيان ذلك
ان في المقام قضيتين مجعوليتين:
الاولى: ما دل على جعل الحرمة للخمر.
الثانية: ما دل على جعل الحرمة للخمر المقطوع حرمتها.
و الاولى تشمل باطلاقها المكلف القاطع بحرمة الخمر و غير القاطع بها، و الثانية
تشمل باطلاقها القطع بحرمة الخمر سواءً اكان مطابقاً للواقع ام لا، فاذن خروج مورد
الاجتماع عن اطلاق هاتين القضيتين يتوقف على تقييد اطلاق الاولى بالخمر التى لايكون
المكلف قاطعاً بحرمتها، و معنى ذلك ان الحرمة مجعولة لحصة خاصة من الخمر و هى
الحصّة المقيّدة بعدم القطع بحرمتها، و اما الحصة المقيّدة بالقطع بحرمتها، فهي
خارجة عن اطلاق القضية، فيختصّ اطلاقها بموجب هذا التقييد بالحصة الاولى، و تقييد
اطلاق الثانية بالقطع غير المطابق للواقع، و معنى ذلك ان الحرمة مجعولة لحصة خاصة و
هي الحصة المقطوع حرمتها بالقطع غير المطابق للواقع، و اما الحصة المقطوع حرمتها
بالقطع المطابق للواقع، فهي مورد الاجتماع، باعتبار ان اطلاق القضية الاولى مقيّد
بعدم القطع بالحرمة، و اطلاق الثانية مقيد بالقطع غير المطابق للواقع، فالقطع
بالحرمة المطابق للواقع مورد الاجتماع، و اخراجه عن اطلاق كل منهما معناه تقييد
اطلاق كل منهما بمورد افتراقه و هذا مستحيل.
اما التقييد الاول، فلانه لايمكن ان يكون موضوع الحرمة الخمر المقيّدة بعدم القطع
بحرمتها، بداهة انه لايمكن اخذ الحكم قيداً لموضوعه لاستلزامه توقف الشي على نفسه،
لان الحكم يتوقف على موضوعه بتمام قيوده، فلو كان الحكم مأخوذاً فيه، لزم توقف الشي
على نفسه و هو محال.
و اما التقييد الثاني، فلان جعل الحرمة للقطع بحرمة الخمر المقيد بعدم كونه مطابقاً
للواقع مستحيل، لانّ مثل هذا الحكم غير قابل للتنجيز و الوصول، على اساس ان وصول
الحكم و تنجيزه منوط بوصول موضوعه و احرازه في الخارج، و من الواضح انه لايمكن
احرازه، لان القاطع يرى ان قطعه مطابق للواقع و لايحتمل الخلاف، و الاّ فهو ليس
بقاطع و هذا خلف.
و الخلاصة ان القاطع يرى و جدانا ان قطعه مطابق للواقع، و مع احتمال الخلاف لاقطع
فضلاً عن القطع بالخلاف. و عليه فلا يمكن جعل الحكم لموضوع لايمكن وصوله الى المكلف
لانّه لغو.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هى ان ماذكره السيد الاستاذ(ره) من
تاكد احد الحكمين المتماثلين بالآخر في مورد الاجتماع و الالتقاء و اندكاكه به، غير
تام بل غير معقول لا في مرحلة الفعلية و لا في مرحلة الجعل.
بقي هنا شيء و هو ان السيد الاستاذ(ره) قد ذكر ان النسبة بين ما دل على حرمة شرب
الخمر و ما دل على حرمة شرب الخمر المقطوع حرمته عموم من وجه، و كذلك بين ما دل على
وجوب الصلاة و ما دل على وجوب الصلاة المقطوع وجوبها، فان مورد الافتراق في المثال
الاول للدليل الدال على حرمة شرب الخمر الواقعي، وجود الخمر في الواقع بدون القطع
بحرمة شربها، و مورد الافتراق للدليل الدال على حرمة شرب الخمر المقطوع حرمته، حرمة
شرب الخمر المقطوع حرمته بالقطع غير المطابق للواقع، و مورد الاجتماع بينهما حرمة
شرب الخمر المقطوع حرمته بالقطع المطابق للواقع، و كذلك الحال في المثال الثانى(37)
هذا.
و لكن الصحيح ان النسبة بينهما عموم مطلق، (و اما كون النسبة بينهما عموما من وجه،
فهو مبني على ان يكون القطع بالحرمة تمام الموضوع لاجزئه و جزئه الآخر الواقع) و
ذلك لان الظاهر من القطع بحرمة شرب الخمر المأخوذ في موضوع حرمة مماثلة لها، هو
القطع الطريقي أي اضافته الى المقطوع بالعرض لا اضافته الى المقطوع بالذات، لان
القطع و ان كان اسماً للأضافة الثانية دون الاولى، فانها ليست من مقوماته، و اطلاق
القطع عليها عنائي لاحقيقي و ان كان شايعاً، و لكن توجد في المقام قرينة على ان
المراد منه القطع الطريقي و هي ظهور متعلقه في المقطوع بالعرض، و حمله على المقطوع
بالذات بحاجة الى قرينة، و من هنا لاشبهة في ظهور الحرمة التى هي متعلق القطع في
الحرمة الواقعية لاالذاتية، و حملها عليها بحاجة الى قرينة، او فقل ان المقصود هو
حرمة الخمر الواقعي لاالذاتي و ان لم تكن خمراً في الواقع.
هذا اضافة الى انه(ره) قد صرح بان المراد من القطع بالحكم المأخوذ في موضوع حكم آخر
القطع الطريقي أى اضافته الى المعلوم بالعرض، لما تقدّم من ان المراد من القطع
الصفتي هو اضافته الى المقطوع بالذات، و من الطريقي هو اضافته الى المقطوع بالعرض،
و قد سبق ان القطع الطريقي لايمكن اخذه بنحو تمام الموضوع، فاذا كان مأخوذاً في
موضوع الحكم، فهو مأخوذ فيه بنحو جزء الموضوع لاتمامه و جزؤه الآخر الواقع، فلذلك
لاتكون النسبة بينهما عموماً من وجه بل عموماً مطلقاً.
و على هذا الاساس، فقد يقال كما قيل ان جعل حكم آخر مماثل للحكم المقطوع به لغو و
جزاف و لا اثرله، مثلا جعل وجوب آخر للصلاة المقطوع وجوبها المماثل له بلا فائدة، و
ذلك لان المصلحة القائمة بالصلاة تدعو المولى الى جعل وجوبها المتعلق بذاتها
بعنوانها الاولى، فاذن جعل وجوب آخر للصلاة بعنوان المقطوع وجوبها، يكون بلاملاك و
مبرر، والقطع بوجوبها حيث انه طريقى اليه، فلا يوجب تعنون الصلاة بعنوان ثانوي ذي
مصلحة حتى يكون مبرراً لجعله، نعم اذا كانت النسبة بينهما عموماً من وجه، فلا مانع
من جعل حكم آخر مماثل للحكم الاول، على اساس ان متعلق كل منهما غير متعلق الآخر، و
قد يجتمعان في مورد، و كذلك الحال اذا كانت النسبة بينهما عموما مطلقا، و لكن متعلق
الوجوب الثاني معنوناً بعنوان آخر اخصّ من متعلق الوجوب الاول، كما اذا نذر المكلف
الصلاة في المسجد او الجماعة، فان الوجوب الاول تعلق بالصلاة بعنوانها الاولي و
الثاني تعلق بها بعنوان ثانوي و هو عنوان المنذور، و ما نحن فيه ليس كذلك، فان كلا
الوجوبين فيه تعلق بالصلاة، غاية الأمر ان الوجوب الاول تعلّق بها بعنوانها الاولي
و الثاني تعلّق بها بعنوان المقطوع وجوبها، و الفرض ان القطع ليس عنواناً للمقطوع
هذا.
و لكن الصحيح انه لامانع من جعل الحكم الثاني في المقام و لايكون لغواً، لانه كاشف
عن اهتمام المولى بالحفاظ على الملاك الواقعي و التأكيد على داعويّته و انه لايرضى
بتفويته، فمن اجل ذلك يدرك العقل استحقاق العقوبة و الأدانة بدرجة اكبر على
المخالفة، حيث انه يؤكّد داعوية الامر الاول، و بضمّه اليه تصبح محركيّته اكبر و
أقوى من الاوّل، و من الواضح ان هذا المقدّار يكفي في صحة جعله و عدم كونه لغواً، و
من هنا قد ذكرنا موسّعاً ضمن البحوث السالفة انه لامانع من جعل وجوب الطاعة مولويا
و كذلك حرمة المعصيّة و لايكون لغواً، باعتبار انّه كاشف عن اهتمام المولى بالملاك
الواقعي و الحفاظ عليه و عدم تفويته على تفصيل تقدم، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى قد يقال كما قيل ان هذا البحث يرجع في الحقيقة الى البحث المتقدم
من ابحاث التجرّي، و هو انه هل يمكن جعل خطاب تحريمي او وجوبي يشمل العاصي و
المتجري معا او لا؟
و الجواب: ان هذا البحث يختلف عن البحث المتقدم في امور:
الاول: انه لافرق في هذا البحث بين متعلق الخطاب الاول و متعلق الخطاب الثاني إلاّ
في الاطلاق و التقييد، لانهما واحد ذاتاً، غاية الامر ان الخطاب الاول تعلق به
مطلقا و الثاني مشروطاً، فاذا قيل اذا قطعت بوجوب الصلاة و جبت الصلاة عليك فمتعلق
كلا الوجوبين الصلاة، غاية الأمر ان الوجوب الاول تعلق بها مطلقا و بعنوانها
الاولي، و الوجوب الثاني تعلق بها بشرط القطع بوجوبها الاول، و كذلك في مثل قولنا
اذا قطعت بحرمة شرب الخمر حرم عليك شربها، لان متعلق كلتا الحرمتين شي واحد ذاتاً،
غاية الامر ان متعلق الحرمة الاولية الشرب بعنوانه الاولي و متعلق الحرمة الثانية
الشرب مقيداً بالقطع بحرمته، بينما في البحث المتقدّم يكون متعلق الخطاب التحريمي
او الوجوبي غير متعلق الخطاب مقطوع الحرمة او الوجوب، لان متعلقه مخالفة ذلك الخطاب
اي الخطاب الاولي.
الثاني: ان القطع بالحكم المأخوذ في موضوع حكم مماثل له جزء الموضوع و جزؤه الآخر
الواقع، و اما في البحث المتقدم فالقطع بالحرمة او الوجوب المأخوذ في موضوع الخطاب
التحريمي يكون تمام الموضوع لاجزؤه، و حينئذ فان كان مطابقاً للواقع، كانت مخالفته
عصياناً، و ان لم يكن مطابقاً للواقع، كانت مخالفته تجرياً، و على كلا التقديرين
مخالفته محرمة بالخطاب التحريمي.
الثالث: ان الخطاب التحريمي في البحث المتقدّم متمثل في خطاب واحد يشمل العاصى و
المتجرّي معاً.
و اما في المقام، فيكون الخطاب متعدداً بتعدد متعلقه اطلاقاً و تقييداً لاذاتاً،
لان متعلق الخطاب الاول الشي بعنوانه الاولي و متعلق الخطاب الثاني الشي بعنوان
المقطوع حرمته او وجوبه، فيكون الخطاب الثاني في طول الخطاب الاول، و من هنا بنى
جماعة من المحققين منهم السيد الاستاذ (ره) على امكان اخذ القطع بحكم في موضوع حكم
آخر مماثل له في المقام، و على عدم امكان جعل خطاب تحريمي يشمل المتجرّي و العاصي
معاً.
فالنتيجة انه لاصلة بين البحث في المقام و البحث المتقدّم في مسألة التجرّي، و
الصحيح في المقام ان يقال انه لامانع من الالتزام بهذه الصورة و هي اخذ القطع بحكم
في موضوع حكم مماثل له، لان اندكاك احدهما في الآخر و اتحاده معه في مورد الاجتماع
في مرحلة الفعلية لاموضوع له، لمامرّ من انه لاحكم في هذه المرحلة حتى يندك احدهما
في الآخر، و اما في مرحلة الجعل و الاعتبار فهو مستحيل لسببين:
الاول: ان الاحكام الشرعية حيث انها امور اعتبارية لاواقع موضوعي لها ماعدا وجودها
في عالم الاعتبار، فلا تتصور فيها الاندكاك و التوحد لا في عالم الخارج لعدم الوجود
لها فيه، و لا في عالم الاعتبار لاستحالة ان يندك اعتبار في اعتبار آخر و يتولد
منهما اعتبار ثالث، ضرورة ان التوليد بالعلية و السببية لايتصور إلاّ في الامور
التكوينيّة الخارجية.
الثاني: انها فعل اختياري للشارع و صادر منه مباشرة، و عليه ففرض الاندكاك و التولد
خلف.
فالنتيجة ان الاندكاك انما يتصور في الامور التكوينيّة كالاندكاك بين البياض و
السواد و بين الحرارة و البرودة و هكذا، و على هذا فلابد من الالتزام بالاندكاك في
مرحلة المبادي على اساس انها من الامور التكوينيّة، لان مبدء كل من الحكمين يندك في
مبدء الآخر في مورد الاجتماع، فاذا امر المولى باكرام العالم و أمر باكرام الهاشمي،
فبطبيعة الحال يكون ملاك وجوب الاكرام في مورد الاجتماع للدليلين اكد و اقوى من
ملاك وجوبه في مورد الافتراق لهما.
و بكلمة ان حقيقة الحكم و روحه ملاكه في مرحلة المبادي، و على هذا فاذا كان هناك
شخص مجمعاً لكلا العنوانين الماخوذين في لسان الدليلين، فلا محالة يكون في اكرامه
ملاك كلا الوجوبين، و حيث انه لايمكن بقاء كل من الملاكين فيه بحدّه، فبطبيعة الحال
يندك احدهما في الآخر، فيصبحان ملاكا واحدا أقوى و اكد من ملاك كل من الدليلين في
مورد الافتراق، فاذا قام المكلف باكرام فرد ينطبق عليه عنوان العالم و الهاشمي
معاً، فلا محالة تترتب على اكرامه مصلحة اكرام العالم و مصلحة اكرام الها شمي، و
حيث ان المصلحتين متماثلتان، فلا يمكن اجتماع كل منها مع الأخرى بحدّها المميز في
شي واحد و هو اكرام المجمع، فاذن لامحالة تندك احداهما في الاخرى و تصبحان مصلحة
واحدة اقوى و اكد من كل واحدة منهما بحدها الخاص المميّز، نظير اجتماع بياضين في
موضوع واحد، و اما بالنسبة الى الحكمين بما هما اعتباران، فلا يعقل الاندكاك
بينهما، و النكتة في ذلك ان المعيار في وحدة المتعلق و تعددّه انما هو في عالم
الاعتبار، و من الواضح ان المولى في افق الاعتبار كما اعتبر وجوب اكرام العالم كذلك
اعتبر وجوب اكرام الهاشمي، فالحكم و المتعلق و الموضوع جميعاً موجود في أفق
الاعتبار والجعل بالوجود الاعتباري بنفس اعتبار المعتبر، فالمتعلق في هذا الافق
متعلق للحكم فيه بالذات و كذلك الموضوع، غاية الأمر ان المتعلق في هذا الافق مرآة
للواقع و فان فيه، و كذلك الحال في الموضوع، هذا في مرحلة الجعل، و اما في مرحلة
المجعول و هي مرحلة الفعلية و الا نطباق، فمتعلق كل منهما قد ينطبق على موجود واحد
في مورد الاجتماع، و من الواضح ان المجمع في مورد الاجتماع ليس متعلقاً للجعل بل هو
مصداق له، و المفروض ان الحكم لايسري من افق الاعتبار الى الواقع، و إلاّ لكان
امراً واقعياً لا اعتبارياً و هذا خلف، فاذن لايعقل فرض الاتحاد بين الحكمين في
مورد الاجتماع.
و الخلاصة ان الاتحاد بين الجعلين و الاندكاك بينهما في افق الجعل و الاعتبار غير
معقول، لانه خلف فرض كونهما امران اعتباريان من جهة و فعلان اختياريان للجاعل
مباشرة من جهة اخرى، و اما في مرحلة الفعلية و الانطباق، فلاوجود للحكم في هذه
المرحلة، لانه لايسري من افق الاعتبار الى افق الخارج، غاية الامر ان متعلق كل
منهما ينطبق على المجمع في مورد الاجتماع و بذلك يحصل الغرض و يسقط الامر، و على
هذا ففي المقام لامانع من جعل الحرمة لشرب الخمر الواقعي، و جعل الحرمة لشربها
شريطة القطع بحرمتها، فانه لاتنافي بينهما في افق الجعل و الاعتبار، لان متعلق كل
منهما في هذا الافق غير متعلق الآخر فيه، فلا يعقل فيه الاندكاك و الاتحاد فاذن لا
اتحاد بينهما في هذه المرحلة، و اما في مرحلة الفعلية و الانطباق، فلا حكم حتى يندك
احدهما في الآخر، نعم يندك ملاك احدهما مع ملاك آخر في مورد الاجتماع، و معنى ذلك
ان المفسدة في مورد الاجتماع اقوى منها في مورد الافتراق، و من هذا القبيل قولنا:
اذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك الصلاة، فان متعلق كل منهما في افق الجعل غير متعلق
الآخر، و يستحيل الاتحاد و الاندكاك في هذا الافق لا في الحكم و لا في المتعلق، و
اما في مرحلة الفعلية و الانطباق، فلاحكم حتى يندك احدهما في الآخر، نعم متعلق كل
منهما في هذه المرحلة ينطبق على المجمع في مورد الاجتماع، و لكن المجمع ليس متعلق
الحكم بل هو مشتمل على الملاك الاقوى و الاكد، باعتبار ان الاندكاك و الاتحاد انما
هو فيه.
نتيجة البحث عن هذه الصورة أمور:
الاول: انه لامانع من جعل حكم مماثل للحكم المقطوع به لعنوانين كانت النسبة بينهما
عموماً من وجه او عموماً مطلقاً كقولنا: اذا قطعت بوجوب الصيام وجب عليك الصيام، و
لايكون لغواً لانّه يؤكد الحكم الاول.
الثاني: ان ما افاده السيد الاستاذ(ره) من ان النسبة بينهما عموم من وجه مبني على
ان القطع في المقام تمام الموضوع للحكم، و لكن قد عرفت انه جزء الموضوع لاتمامه، و
عليه فتكون النسبة بينهما عموماً مطلقا.
الثالث: ان ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من اندكاك احد الحكمين المتماثلين مع الآخر
في مورد الاجتماع، لايتم لا في مرحلة الجعل و لا في مرحلة الفعلية و الانطباق، نعم
الاندكاك و الاتحاد فيه انما يكون في مرحلة المبادي، فان اجتماع ملاكين متماثلين في
شي و احد لايمكن، فلابد من الالتزام بالاندكاك و الاتحاد بينهما.
الرابع: ان هذا البحث لايرجع الى البحث المتقدم في التجري، و هو انه هل يمكن جعل
خطاب تحريمي يشمل المتجري و العاصي معاً اولا كمامرّ.
الصورة الرابعة: و هى اخذ القطع بحكم في موضوع نفسه، و يقع الكلام في هذه الصورة في
مقامين:
المقام الاول: في امكان اخذ القطع بحكم في موضوع نفسه بلحاظ مرتبة واحدة.
المقام الثاني: في امكان أَخذه في موضوع نفسه بلحاظ مرتبتين.
اما الكلام في المقام الاول فقد ذكر الاصحاب انه لاشبهة في استحالة ذلك، و يمكن
تقريب الاستحالة بوجهين:
الاول: انه يستلزم توقف الشي على نفسه مباشرة و تقدمه عليها كذلك و هو مستحيل، و
ذلك لان الموضوع على هذا مركب من القطع و متعلقه و هو الحكم، فاذا فرض ان الحكم جزء
الموضوع لنفسه، لزم تقدمه على نفسه مباشرة و هو مستحيل.
و لكن هذا الوجه انما يتمّ فيما اذا كان المأخوذ في الموضوع العلم الطريقيي اي
حيثيّة اضافته الى المعلوم بالعرض، إذ حبينئذ لايمكن ان يكون العلم تمام الموضوع،
فلا محالة يكون جزء الموضوع و جزؤه الآخر الحكم، و عليه فيلزم المحذور المذكور، و
اما اذا كان المأخوذ في الموضوع العلم الصفتي اى حيثيّة اضافته الى المعلوم بالذات
و كان تمام الموضوع، فلا يلزم هذا المحذور.
و الخلاصة ان هناك ثلاثة فروض:
الفرض الاول: ان يكون المأخوذ في الموضوع العلم الطريقي.
الفرض الثاني: ان يكون المأخوذ فيه العلم الصّفتي بنحو تمام الموضوع.
الفرض الثالث: ان يكون المأخوذ العلم الصّفتي و لكن بنحو جزء الموضوع.
اما الفرض الاول، فهو مستحيل، لانه يستلزم كون الحكم موضوعاً لنفسه و كذلك الفرض
الثالث، و اما الفرض الثاني فلا مانع منه و لايستلزم أىّ محذور.
الثاني انه يستلزم الدوّر، و هذا هو المعروف و المشهور بين المحقّقين من الاصوليين،
بتقريب ان الحكم يتوقّف على العلم من باب توقّف الحكم على موضوعه و العلم يتوقف
عليه من باب توقف العلم على معلومه هذا.
و لكن للمناقشة فيه مجالاً، و ذلك لان المراد من العلم المأخوذ في الموضوع ان كان
العلم الطريقي، فحيث انه لايمكن ان يكون تمام الموضوع، فلا محالة يكون جزؤه و جزؤه
الآخر المعلوم بالعرض و هو الحكم، فحينئذ و انّ كان يلزم محذور تقدّم الشي على
نفسه، إلاّ انه ليس من جهة لزوم الدور بل بالذات و مباشرةً، و ان كان المراد منه
العلم الصفتي، فان كان جزء الموضوع و جزؤه الآخر الحكم، فايضاً يلزم المحذور
المذكور و هو تقدّم الشي على نفسه، لكن لا من جهة الدور بل بنفسه و مباشرةً، فاذن
لاوجه لتقريب استحالة ذلك بالدّور، لان الدور انما يكون محالاً من جهة استلزامه
تقدّم الشي على نفسه لا في ذاته، و ان كان تمام الموضوع فلايلزم المحذور المزبور،
لان الحكم و ان كان متوقّفاً عليه، إلاّ انّه لايتوقف على الحكم، فاذن لايلزم في
هذا الفرض تقدم الشي على نفسه.
فالنتيجة ان تقريب الاستحالة بالدور غير صحيح في تمام الفروض الثلاثة، لان
الاستحالة في الفرضين الاولين انما هي من جهة لزوم محذور تقدّم الشي على نفسه
مباشرة و بالذات لابواسطة مقدمة خارجية كالدور، و اما في الفرض الثالث فلادور و
لاتقدم الشي على نفسه مباشرة. و من هنا يظهران ما اورده المحقق الاصفهاني(ره) ـ على
تقريب الدور من انه مبني على ان يكون المأخوذ في الموضوع العلم الطريقي أى حيثيّة
اضافته الى المعلوم بالعرض، فحينئذ يلزم الدور، لان الحكم يتوقف على العلم من باب
توقفه على موضوعه، و العلم يتوقف على الحكم من باب توقفه على متعلقه.
و اما اذا كان المأخوذ فيه العلم الصفتي، فلادور لايتمّ، و ذلك لما مرّ من ان العلم
بالحكم المأخوذ في موضوع نفسه ان كان بنحو الطريقيّة، فايضاً لايلزم الدور بل يلزم
ما هو نتيجة الدور و هو تقدم الشي على نفسه مباشرة و بالذات، لان الدور في نفسه ليس
بمحال و انما يؤدّي الى المحال و هو تقدّم الشي على نفسه، و ان كان بنحو الصفتية،
فان كان جزء الموضوع و جزؤه الآخر الحكم، لزم أيضا محذور تقدّم الشي على نفسه
مباشرة بدون الدوران، و ان كان تمام الموضوع، فلادور و لاتقدم الشي على نفسه
مباشرة.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي ان العلم بالحكم المأخوذ في موضوع
نفسه ان كان صفتياً و كان تمام الموضوع، فلا يمكن اثبات استحالته لا بالدوّر و
لابتوقف الشي على نفسه مباشرة هذا، و لكن بامكاننا اثابت استحالة ذلك بوجوه اخرى
التالية:
الوجه الاول: ان ذلك يستلزم محذور الدور بنظر القاطع في تمام الفروض السابقة لا في
الواقع، و النكتة في ذلك هي ان القاطع دائماً يرى ان قطعه مطابق للواقع و لا يحتمل
الخطاء و عدم مطابقة المقطوع بالذات للمقطوع بالعرض، على اساس انه يرى تبعية
المقطوع بالذات للمقطوع بالعرض، و لولاه لما كان للمقطوع بالذّات وجود، لانه بنظره
صورة في افق الذهن و متوقف على المقطوع بالعرض كتوقف الصورة على ذيها، و على هذا
فاذا فرض ان المعلوم بالذات قد اخذ في موضوع المعلوم بالعرض، لزم الدور بنظر العالم
لا في الواقع، لان المعلوم بالعرض يتوقف على المعلوم بالذات من باب توقف الحكم على
موضوعه، و المعلوم بالذات يتوقف عليه من باب توقف الصورة على ذيها، فلذلك لايمكن
للمولى ان يأخذ قطع القاطع بحكم في موضوع نفسه لانه بنظره مستحيل، و لايعقل جعل مثل
هذا الحكم الذي يستحيل فعلية فاعليته و محركيته خارجاً.
الوجه الثاني: انه يلزم من ذلك الخلف بنظر القاطع في تمام الفروض الثلاثة المتقدمة،
و السبب فيه ان القاطع بحكم كون قطعة طريقاً الى الواقع و مرآة له فحسب، يرى ان
المقطوع به ثابت في الواقع بقطع النظر عن قطعه و ان ثبوته فيه مفروغ عنه في المرتبة
السابقة و لايرتبط بثبوت قطعه، و من هنا يكون ثابتاً فيه و ان لم يقطع به، و نتيجة
ذلك هي استحالة اخذ القطع بحكم في موضوع نفسه بنظر القاطع لانه اذا قطع بحكم يرى
انه ثابت في الواقع، و قطعه طريق اليه و كاشف عنه بدون ان يكون له دخل في ثبوته،
ضرورة انّ الطريق لايعقل ان يكون علة لذيه، و إلاّ لزم ان يكون متقدما عليه رتبه لا
متاخراً عنه و هذا خلف، و على هذا فاذا أخذ المولى قطعه به في موضوع نفسه، لزم
الخلف بنظر القاطع، لانّه بموجب كون قطعه طريقا إليه، يرى انه ثابت في الواقع في
المرتبة السابقة بقطع النظر عن قطعه، و بموجب ان قطعه موضوع له انه غير ثابت في
الواقع بقطع النظر عنه بل هو متفرع على ثبوته و هذا خلف، إذ يلزم من فرض ثبوت الحكم
في الواقع في المرتبة السابقة بنظر القاطع عدم ثبوته كذلك، فلذلك لايمكن للمولى ان
يأخذ قطع القاطع بحكم في موضوع نفسه، لانه مستحيل بنظر القاطع من جهة الخلف.
و الخلاصة ان القطع بالحكم اذا أخذ في موضوع نفسه، يستلزم الخلف و التناقض بنظر
القاطع، سواءً كان المأخوذ فيه العلم الطريقي او الصفتي، و على الثاني سواءً كان
تمام الموضوع او جزئه.
الوجه الثالث: ان اخذ القطع بحكم في موضوع نفسه في مرتبة الجعل، يستلزم توقف الشي
على نفسه في مرتبة وصول الحكم، حيث ان فعليته مستحيلة حينئذ، و من الواضح ان كل حكم
يستحيل فعليّته و وصوله الى المكلف، يستحيل جعله لانه لغو و جزاف.
بيان ذلك ان العلم بفعلية الحكم، يتوقف على العلم بفعلية موضوعه في الخارج فاذا علم
المكلف بتغير الماء باحد اوصاف النجس، كان يعلم بنجاسته، و اذا علم بكريّة الماء،
علم بعدم انفعاله بالملاقاة، و اذا علم المكلف بدخول الوقت، علم بوجوب الصلاة، و
اذا علم بالاستطاعة، علم بوجوب الحج و هكذا، فالعلم بالحكم الفعلي يتوقف على العلم
بوجود موضوعه في الخارج، إذ لاطريق لنا الى فعليّة الاحكام الشرعية إلا من طريق
احراز موضوعاتها في الخارج، و على هذا فاذا كان العلم بالحكم مأخوذاً في موضوع
نفسه، ففي مرحلة الفعلية يتوقف العلم بالحكم على العلم بالعلم، على أساس ان العلم
الثاني بالحكم هو الموضوع، فوصول الحكم يتوقف على وصول موضوعه، و حيث ان العلم
بالعلم ليس علما آخر بل هو نفس العلم بالحكم لماتقدّم من ان حضور كل شي بالعلم و
حضور العلم بالذات و ليس بعلم آخر و الا لذهب الى ما لانهاية له، ضرورة ان في النفس
حضوراً واحداً و هو حضور الحكم و هو بالذات لابحضور آخر، و نتيجة ذلك هي ان العلم
بالحكم يتوقف على العلم بالحكم و هو من توقف الشي على نفسه هذا.
و للمناقشة فيه مجال، و ذلك لانه لو امكن أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه في مرتبة
الجعل و لايلزم منه محذور، فلا مانع من فعلية هذا الحكم و وصوله الى المكلف،
باعتبار ان وصوله بنفس العلم به فاذا علم به، المكلف في مرحلة الفعلية فقد وصل إليه
بنفس هذا العلم، ضرورة انه ليس هنا الا علم واحد في افق النفس وهو العلم بالحكم،
سواءَ عبر عنه بالعلم بالحكم او الموضوع، فما في هذا الوجه من ان العلم بالحكم و
وصوله يتوقف على العلم بالحكم و وصوله من باب توقف العلم بالحكم على العلم بموضوعه،
لايرجع الى معنى محصّل، بداهة ان فرض تعدد العلم بالحكم خلاف الوجدان، نعم ان هذا
انما يتصور فيما اذا كان الموضوع غير العلم بالحكم، و لنأخذ بالمثال لذلك و هو ما
اذا فرضنا انه لا مانع ثبوتاً من اخذ العلم بوجوب القصد في مرتبة الجعل في موضوع
نفسه في هذه المرتبة، فاذا أمكن ذلك ثبوتاً، فلامانع من وصوله في مرتبة الفعلية،
لان المكلف اذا علم بوجوب القصر على المسافر، فان لم يكن مسافراً فقد علم بالكبرى و
انها وصلت إليه، و لكن الصغرى غير متحققة، و ان كان مسافرا، فقد تحققت الصغرى مع
وصول الكبرى و هي العلم بوجوب القصر على المسافر العالم بالجعل و هذا العلم كما انه
فرد للموضوع المأخوذ في عالم الجعل كبروياً، كذلك انه علم بالحكم المجعول و بدون
لزوم أيّ محذور من الدور او توقف شيء على نفسه.
و الخلاصة ان وصول الحكم الى المكلف و تنجزّه منوط بتحقق الكبرى و الصغرى معاً،
فاذا علم بالكبرى كوجوب الحج على المستطيع و تحقق الصغرى و هي الاستطاعة في الخارج،
فقد وصل وجوب الحج إليه و تنجز، و عليه فاذا فرضنا امكان اخذ العلم بالحكم كوجوب
الحج مثلا في موضوع نفسه في مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل، فحينئذ اذا جعل المولى
وجوب الحج كذلك، فقد تحققت الكبرى و هي الجعل، و المكلف اذا علم بان وجوب الحج
مجعول للمستطيع العالم به فقد علم بالكبرى، و عندئذ فاذا تحقق الصغرى وهي الاستطاعة
والعلم بالحكم و هو وجوب الحج، فقد وصل الوجوب إليه صغرى و كبرى موضوعاً محمولا،
باعتبار ان الموضوع عين الوصول و العلم لاشي آخر.
و بكلمة ان فعلية الحكم انما هي بفعلية الصغرى و تطبيق الكبرى المجعولة في الشريعة
المقدسة عليها، و على هذا فاذا أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في
هذه المرتبة، و حينئذ فاذا علم المكلف بالحكم بتمام قيوده في مرتبة الفعلية فقد
تحقق الموضوع إذ المفروض انه العلم بالحكم و هو قد تحقق، لان الموضوع إذا كان العلم
بالحكم، فهو قد تحقق بنفسه لابعلم آخر، ضرورة ان حضور كل شيء انما هو بالعلم، و
حضور العلم انما هو بنفسه و إلاّ لذهب الى مالانهاية له، فاذن لادور و لاتوقف الشيء
على نفسه.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي ان أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه
في مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل لايمكن، اما من جهة لزوم محذور الدور مطلقا بنظر
القاطع أو الخلف، و هل يمكن أخذ العلم بالحكم في مرتبة الفعلية في موضوع نفسه في
هذه المرتبة؟
و الجواب: انه لايمكن في القضايا الحقيقية، فان مرتبة الفعلية ليست من مراتب الحكم
و لهذا لاترتبط بالشارع، لان فعلية الحكم بفعلية موضوعه قهريّة فلاتكون جعلية، و
اما في القضايا الخارجية، فحيث ان مرتبة الجعل فيها هي مرتبة الفعلية، فلايمكن اخذ
العلم بالحكم فيها في موضوع نفسه لاستلزامه أحد المحذورين المتقدمين.
و اما الكلام في المورد الثاني و هو أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه بلحاظ مرتبتين،
بان يؤخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول فهل يمكن ذلك
أولا؟
و الجواب: ان فيه قولين:
الصحيح القول الاول، و هو جواز أخذ العلم بالحكم في مرتبة في موضوع نفسه في مرتبة
أخرى، ولايلزم منه محذور الدور بنظر القاطع و لاتوقف الشيء على نفسه مباشرة و لا
الخلف، اما الاول فلان العلم بالحكم يتوقف عليه من باب توقفه على متعلقه في مرتبة
الجعل، و لايتوقف عليه في مرتبة المجعول و هي مرتبة الفعلية، و اما الحكم فهو في
مرتبة الفعلية و هي مرتبة المجعول، يتوقف على العلم من باب توقفه على موضوعه، فاذن
لادور حتى بنظر القاطع، لان ما يتوقف عليه العلم و هو الحكم في مرتبة الجعل غير ما
يتوقف على العلم و هو الحكم في مرتبة المجعول و لاتوقف الشيء على نفسه مباشرة، و
كذلك لاخلف بنظر القاطع، لان القاطع بحكم كون قطعه طريقاً و كاشفاً، يرى ان الحكم
المقطوع به ثابت في مرتبة الجعل بقطع النظر عن قطعه به و ما هو متوقف على قطع
القاطع هو الحكم في مرتبة المجعول، فاذن لاتهافت و لاخلف لافي الواقع و لا في نظر
القاطع، لان القاطع ملتفت الى ما ان مايتوقف على قطعه هو ثبوت الحكم في مرتبة
المجعول، و امّا ثبوته في مرتبة الجعل فهو لايتوقف عليه، لانه ثابت بجعل الشارع مع
قطع النظر عن قطع القاطع، فاذن ما هو متعلق القطع غير ما هو القطع موضوع له، و لهذا
لامحذور في ذلك اصلا لافي الواقع و لابنظر القاطع. فالنتيجة انه لامانع ثبوتاً من
أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول و هي مرتبة
الفعلية هذا.
و ذهب المحقق النائيني و السيّد الاستاذ((قدس سرهما)) الى القول الثاني، و هو
استحالة أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول(38)، و قد
افاد السيد الاستاذ(ره) في وجه الاستحالة، ان المراد من أخذ القطع بحكم في مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول ليس أخذ قطع قاطع بالحكم في هذه المرتبة في
موضوع حكم في مرتبة المجعول لشخص آخر، ضرورة إن ذلك خارج عن محل الكلام و لاشبهة في
امكانه ثبوتاً، بل المراد منه أخذ قطع القاطع بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع حكم
نفسه في مرتبة المجعول، فان ذلك لايمكن، لان الحكم في مرتبة الجعل لايكون حكماً
للقاطع طالما لم يصر فعليا بفعلية موضوعه في الخارج، فاذا صار فعلياً بفعلية موضوعه
و انطباقه عليه صار حكماً له، فاذا صار حكماً له، استحال أخذ القطع به في موضوع
نفسه للزوم الدور، لان قطعه به متوقف عليه من باب توقف القطع على متعلقه، و الفرض
ان متعلقه متوقف عليه من باب توقف الحكم على موضوعه، مثلا وجوب القصر المجعول على
المسافر بنحو القضية الحقيقيّة للموضوع المقدّر وجوده في الخارج، لايكون حكماً
للقاطع به في مرتبة الجعل ما لم يصر مسافراً، فاذا صار مسافراً، صار وجوب القصر
حكماً له فحنيئذ يكون قطعه به قطعاً بحكمه، ولا يمكن أخذ هذا القطع في موضوع نفس
هذا الحكم لمحذور الدور و الخلف، لان هذا القطع متوقف على هذا الحكم من باب توقفه
على متعلقه، و المفروض ان الحكم متوقف عليه من باب توقف الحكم على موضوعه، اما لزوم
الخلف، فلفرض ان هذا القطع طريق الى الحكم، فافتراض انه موضوع له خلف(39) هذا.
و للمناقشة فيه مجال اما اولا، فلان المقصود من عالم الجعل هو جعل الحكم بنحو
القضيّة الحقيقيّة للموضوع المقدّر وجوده في الخارج، و تكون نسبة هذا الموضوع الى
جميع افراده خارجاً على حدٍّ سواء، و يعبرّ عن هذه القضيّة بالكبرى الشرعية أيضاً،
و على هذا فاذا فرض ان المولى جعل الحكم كوجوب الحجّ مثلا للموضوع المقدّر وجوده في
الخارج كالمستطيع، فلامانع من أخذ العلم به في هذه المرتبة و هي مرتبة الجعل في
موضوع نفسه في مرتبة المجعول، و معنى هذا ان فعلية فاعلية وجوب الحج على زيد منوطة
بان يعلم بجعله على المستطيع العالم به.
و بكلمة ان الشارع فرض وجود المسافر العالم بوجوب القصر و جعل وجوب القصر عليه، و
لامحذور فيه لافي عالم الجعل و لافي عالم المجعول، اما في الاول فان الموضوع فيه قد
أخذ مفروض الوجود بتمام قيوده و شروطه، و هو لا يتوقف الا على مجرد الفرض و
التقدير، و اما في الثاني فلامانع من أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع
نفسه في مرتبة المجعول و هي مرتبة فعلية فاعليته، فان حال العلم من هذه الناحية حال
سائر قيود الموضوع كالاستطاعة و العقل و البلوغ و نحوها من الشروط العامة، فاذا كان
الشخص واجداً لهذه القيود في الخارج و عالماً بالكبرى، انطبقت الكبرى عليه و صار
الحكم في حقه فعليا، و على هذا فاذا علم المكلف بجعل وجوب الحج على المستطيع العالم
به، فان كان مستطيعاً، صار وجوب الحج عليه فعلياً، لان علمه بجعل وجوب الحج مصداق
للعلم المأخوذ قيداً للموضوع و به يتحقق احد افراد قيد الموضوع في الخارج، فاذا كان
واجداً لسائر القيود، صار الحكم في حقه فعلياً، فاذن لادور و لاخلف اما الاول فلان
ما يتوقف على العلم غير ما يتوقف العلم عليه، فان العلم يتوقف على الجعل، و اما
الجعل فلا يتوقف على العلم، و ما يتوقف على العلم هو المجعول و العلم لايتوقف عليه.
و اما الثاني فلان الخلف انما يلزم بنظر القاطع باعتبار انه يرى ان قطعه طريق الى
الواقع، فلوكان مأخوذاً في موضوعه لزم الخلف، و اما في المقام فلايلزم ذلك، لان
قطعه بالجعل طريق اليه و ليس موضوعاً له و انما هو موضوع بالنسبة الى المجعول، فاذن
لايكون القطع طريقاً و موضوعاً بالنسبة الى شي واحد.
و ان شئت قلت ان العلم بالحكم المأخوذ في لسان الدليل في مرحلة الجعل حاله حال سائر
القيود المأخوذة في لسان الدليل في هذه المرحلة، و هذه القيود جميعاً أخذت مفروضة
الوجود في الخارج، فكما ان الشارع فرض وجود البالغ العاقل القادر المستطيع في
الخارج، فكذلك فرض وجود العالم بالحكم فيه و بعد الفرض جعل وجوب الحج عليه، و هذه
القيود كافة قد اخذت في مرحلة الجعل موضوعا للحكم في مرحلة المجعول سواءً كان
موطنها الخارج ام الذهن، فاذا علم المكلف بجعل وجوب الحج على البالغ العاقل القادر
المستطيع، فان كان واجد لهذه القيود، تحقق موضوع وجوبه فيه منها العلم فان حاله حال
سائر القيود فكما ان نسبة سائر القيود، المأخوذة في مرحلة الجعل مفروضة الوجود الى
جميع المكلفين على حدّ سواء، فكذلك نسبة العلم المأخوذ في هذه المرحلة مفروض
الوجود.
و اما ما ذكره السيد الاستاذ(ره) من ان الحكم في مرحلة الجعل ليس حكما للعالم حتى
يكون علمه به مأخوذاً في موضوع نفسه في مرحلة المجعول، و محل الكلام انما هو في أخذ
علم العالم بحكمه في هذه المرحلة في موضوع نفسه في مرحلة المجعول، و هذا غير ممكن
في المقام إذ لاحكم للمكلف في مرحلة الجعل حتى يمكن أخذ علمه به في موضوع نفسه في
مرحلة المجعول،
و اما في مرحلة الفعلية، فلايمكن ذلك لاستلزامه الدور كمامرّ، فهو مبني على ان
الحكم في مرحلة الجعل و الاعتبار حكم اضافي و نسبي، بمعنى انه حكم لمن يكون متلبساً
بالموضوع فعلا في الخارج، و اما من لم يكن متلبساً به كذلك، فليس حكماً له و هذا
كما ترى، ضرورة ان الموضوع في مرحلة الجعل مأخوذ مفروض الوجود و هو لايتوقف على
وجوده في الخارج و فعليته فيه، بل يكفي فيه الفرض و التقدير، فالشارع فرض وجود
المستطيع العالم بوجوب الحج في مقام الاعتبار و جعل عليه وجوبه واقعاً، فالموضوع
حيث انه لايتوقف على شيء في مقام الجعل الاعلى الفرض و التقدير، فنسبته كنسبة الحكم
المجعول عليه الى جميع افراد المكلف على حدٍّ سواء، و حينئذ فاذا تلبّس فرد بهذا
العلم خارجاً، صار الحكم في حقّه فعلياً اذا كان متلبساً بسائر قيود الموضوع ايضا،
باعتبار انه مصداق و فرد للموضوع في الكبرى المجعولة في الشريعة المقدّسة، و هذه
الكبرى مطلقة لا انها مضافة الى من تحقق موضوعها فيه، و إلاّ لكانت القضايا
الحقيقيّة الشرعية قضايا خارجية و هو كما ترى.
و ثانيا ان ما ذكره السيد الاستاذ(ره) يرجع الى أخذ العلم بالحكم الفعلي في موضوع
نفسه، و هو خارج عن محل الكلام و لا شبهة في استحالته، فان محل الكلام انما هو في
أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول و هذا لامانع منه
و لايلزم فيه محذور الدور او الخلف كما تقدّم.
و ثالثاً: ان ما ذكره السيد الاستاذ(ره) انما ينطبق على القضايا الخارجية، حيث ان
جعل الحكم فيها انما هو للموجود في الخارج حقيقة، فلهذا يكون جعله فيها مساوقاً
لفعليته، و في هذه القضايا لايمكن اخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه
في مرتبة المجعول، إذ ليس في هذه القضايا مرتبتان: الاولى مرتبة الجعل و الثانية
مرتبة المجعول، بل مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل المساوقة لمرتبة المجعول، على أساس
ان جعل الحكم للموضوع المحقق في الخارج مساوق لفعليته.
فالنتيجة ان ما ذكره السيد الاستاذ(ره) من عدم امكان أخذ العلم بالحكم في مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول غير تامّ.
و اما المحقق النائيني(ره) فقد بنى على استحالة ذلك و لكن بدون الاشارة الى وجهها،
و لعل نظره في ذلك الى ما ذكره السيد الاستاذ (ره) او الى لزوم الدّور.
و على هذا ففي الموارد التي يكون الدليل في مقام الاثبات ظاهراً في تقييد الحكم
بالعالم به، فبناًء على ما ذكرناه من امكان اخذ العلم بحكم في مرتبة الجعل في موضوع
نفسه في مرتبة المجعول في مقام الثبوت، فلامانع من الالتزام بذلك في مقام الاثبات،
و امابناءً على ما ذكره المحقق النائيني و السيد الاستاذ((قدس سرهما)) من استحالة
ذلك في مقام الثبوّت، فلايمكن الالتزام به في مقام الاثبات و لابدّ من التصرّف في
ظاهر الدليل فيه، و تظهر الثمرة بين هذين القولين في مسألتين:
الاولى: في مسألة صحة التمام موضع القصر للمسافر الجاهل بوجوب القصر عليه في
الشريعة المقدّسة، لان مقتضى الآية الشريفة(40) و الروايات الواردة في تفسيرها ان
وظيفة المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه فيها التمام، و اختصاص وجوب القصر بالعالم
به لامطلقاً.(41)
الثانية: مسألة صحة الجهر موضع الاخفات للمكلف الجاهل بوجوبه عليه و بالعكس، فان
المستفاد من الروايات الواردة في المسألة، ان وظيفة المكلف الجاهل بوجوب الجهر في
الصلوات الجهرية الأخفات و بالعكس، و هذه الروايات تدل على اختصاص وجوب القراءة
الجهرية بالعالم بوجوبها لامطلقا، و كذلك الحال بالنسبة الى وجوب القراءة
الاخفاتية.(42)
اما على القول الاول، و هو الصحيح و المختار في المسألة فلامانع، من الأخذ بظواهر
تلك الادلة في كلتا المسألتين، و الالتزام بان وجوب القصر في المسألة الاولى مختص
بالمسافر العالم بجعله في الشريعة المقدّسة، و وجوب الجهر و الاخفات في المسألة
الثانية مختصّ بالمصلىّ العالم بجعله في الشرع دون الاعمّ منه و من الجاهل به، و
تمام الكلام في ذلك قد تقدم بشكل موسع في ضمن البحوث السالفة.
و اما على القول الثاني، فلا بدّ من رفع اليد عن ظواهر تلك الادلّة و لا يمكن الاخذ
بها، و من هنا قد حمل السيد الاستاذ(ره) هذه الادلة التي تدل على صحة التمام موضع
القصر و الجهر موضع الاخفات و بالعكس على انه احد فردي الواجب لا انه الواجب بحدّه
تعييناً، معللا بان الواجب في هذه الحالة و هي حالة جهل المكلف بوجوب القصر عليه،
هو الجامع بين القصر و التمام، فلهذا يصح التمام و كذلك الحال في مسألة الجهر و
الاخفات، و قد افاد(ره) في وجه ذلك ان التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل
التضاد، لان الاطلاق عبارة عن لحاظ عدم القيد، و في مقابله التقييد و هو عبارة عن
لحاظ القيد، و من الواضح ان بين اللحاظين مضادة، و من هنا اذا استحال التقييد في
مورد، كان الاطلاق فيه ضرورياً، على أساس ان استحالة أحد الضدّين في مورد يستلزم
ضرورة وجود الآخر فيه، و في المقام حيث استحال تقييد الحكم بالعالم به، فيكون
اطلاقه ضرورياً، بداهة ان استحالة ثبوت احد الضدّين تستلزم ضرورة ثبوت الضد الآخر،
فلذلك يكون الحكم في الواقع مشتركاً بين العالم و الجاهل، و ان الواجب في حال جهل
المسافر بوجوب القصر عليه، الجامع بين القصر و التمام و كذلك في مسألتي الجهر و
الاخفات، و نتيجة ذلك هي ان المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه اذا أتى بالصلاة قصراً
في هذه الحالة و تمشى منه قصد القربة، صحت صلاته باعتبار انها من احد فردي الواجب
لا انه الواجب بعينه، و بكلمة أوضح ان في المسألة قولين:
القول الاول: ان أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضع نفسه في مرتبة المجعول
ممكن ثبوتاً و لامانع منه في هذا المقام، و هذا القول هو الصحيح.
القول الثاني: ان ذلك لايمكن ثبوتاً، و هذا القول هو المعروف و المشهور بين الاصحاب
منهم مدرسة المحقق النائيني(ره)، و تظهر الثمرة بين القولين في موردين:
الاول: فيما اذا شك في دخل العلم في ملاك الحكم في مرحلة المبادي، فانه على القول
الاول لامانع من الّتمسك باطلاق الخطاب لنفي دخله فيه، إذ لو كان له دخل فيه لاخذه
المولى قيداً للحكم في مرحلة الجعل، على اساس ان كل قيد أخذ في لسان الدليل في
مرحلة الجعل، فهو قيد للحكم و الملاك معاً، باعتبار ان ما هو شرط لاتصاف الفعل
بالملاك في مرحلة المبادي، فهو شرط للحكم في مرحلة الجعل و عدم أخذه قيداً له في
مرحلة الجعل، يكشف عن عدم دخله في الملاك في مرحلة المبادي، و اما على القول الثاني
فلايمكن التمسك باطلاق الخطاب لاثبات عدم دخله في الملاك، لاحتمال ان له دخلا فيه
في الواقع، و لكن عدم تقييد الحكم به في مرحلة الجعل، فانما هو من جهة عدم امكان
هذا التقييد و استحالته لامن اجل اطلاق الملاك و عدم تقييده
الثاني: في مسألة صحة الصلاة تماماً موضع الصلاة قصراً و صحة القراءة الجهرية موضع
القراءة الاخفاتية و بالعكس، فانه على القول الاول لامناص من الاخذ بظواهر الادلة
في مقام الاثبات، و هي الادلة التي تكون ظاهرة في ان المسافر اذا كان جاهلا بوجوب
القصر عليه في الشريعة المقدسة و صلى تماماً، صحت صلاته واقعاً و لاتجب عليه
الاعادة لافي الوقت و لا في خارج الوقت، و هذه الادلة ظاهرة في ان وظيفة المسافر
الجاهل بالحكم التمام واقعاً و يكون حاله من هذه الناحية حال الحاضر، و عليه فتلك
الادلة بمثابة الاستثناء من عموم ادلة وجوب القصر على المسافر و تخصيص عمومها بغير
المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه، فاذن يكون موضوع العام في الواقع المسافر الذي
لايكون جاهلا بوجوب القصر أي عالماً به، فالنتيجة انه لامانع من تقييد موضوع وجوب
القصر بالمسافر العالم به ثبوتاً و اثباتاً، و اما المسافر الجاهل به فحكمه حكم
الحاظر.
و كذلك الحال في مسالتي وجوب الجهر و الاخفات، فانه لامانع من تقييد موضوع وجوب
الجهر و الاخفات بالعالم به ثبوتا و اثباتاً، و على هذا فموضوع وجوب القراءة
الجهرية مقيد بالعالم به، و كذلك موضوع وجوب القراءة الاخفاتية.
فالنتيجة في نهاية المطاف انه لامانع من الالتزام باختصاص الحكم بالعالم به في
الموارد التي قام الدليل عليه، لانه اذا كان ممكناً ثبوتاً، ففي مقام الاثبات بحاجة
الى دليل، فاذا قام دليل عليه فلامانع من الأخذبه، و اما على القول الثاني و هو عدم
امكان أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، فقد ذكر
السيد الاستاذ(ره) انه لابد من الالتزام باطلاق الحكم في المسائل المذكورة، و قد
افاد في وجه ذلك ان استحالة التقييد تتطلب ضرورة الاطلاق، على اساس ان التقابل
بينهما من تقابل التضاد، فاستحالة احد الضدين تستلزم ضرورة الآخر(43)، و على هذا
ففي المقام حيث ان تقييد وجوب القصر بالمسافر العالم به مستحيل، فاطلاقه بالنسبة
الى العالم و الجاهل ضروري، بمعنى ان وجوب القصر مجعول في الشريعة المقدسة لطبيعي
المسافر الاعم من العالم به و الجاهل، فاذن لولم تكن الروايات التي تنصّ على صحة
التمام موضع القصر للجاهل بوجوبه، لقلنا ببطلان التمام فيه و وجوب الاعادة في الوقت
و خارجه، لان وظيفة المسافر القصر و ان كان جاهلا بوجوبه، و لكن هذه الروايات تكشف
عن ان الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر الجامع بينيه و بين التمام و عليه
فالمسافر في هذه الحالة مخيّر بين القصر و التمام، في الواقع و ان كان معتقداً ان
وظيفته التمام تعيناً، فاذا أتى بالتمام فقدأتى باحد فردي الواجب في الواقع و حكم
بصحّته لانطباق الواجب عليه و هو الجامع، و اذا أتى بالقصر و لو غفلة و تمشى منه
قصد القربة فايضا كذلك، لانطباق الواجب عليه، و كذلك الحال في مسألتي الجهر و
الاخفات حرفاً بحرف هذا.
و للمناقشة فيه مجال اما اولا فلما ذكرناه في مبحث المطلق و المقيد موسعاً من ان
التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل الايجاب و السلب، حيث انه يكفي في الاطلاق
عدم لحاظ القيد مع الطبيعة، باعتبار ان انطباقها على كل ما يمكن ان يكون فرداً لها
ذاتي و لايتوقف على اي عناية زائدة غير عدم لحاظ القيد معها على تفصيل تقدم هناك، و
لكن هذا الاشكال مبنائي و لاثمرة عملية مترتبة عليه.
و ثانيا ان هذا الاطلاق الثابت من جهة استحالة التقييد حيث انّه ضروري على ضوء ان
استحالة احد الضدّين الذين لاثالث لهما تستلزم ضرورة الآخر، فلايكشف عن اطلاق ملاك
الحكم في مرحلة المبادي، لان اطلاق الحكم انما يكشف عن اطلاق المبادي اذا أمكن
تقييده في مقام الاثبات، و مع هذا لم يقيدّه المولى رغم انه في مقام البيان، فان
هذا الاطلاق يكشف عن اطلاق الملاك في مرحلة المبادي، لانه لو كان مقيّداً في هذه
المرحلة، كان يتطلب من المولى تقييد الحكم في مرحلة الاثبات باعتبار ان الملاك هو
حقيقة الحكم و روحه، حيث ان الحكم بما هو اعتبار فلا قيمة له، و اما اذا لم يكن
بامكان المولى تقييده من جهة استحالته، فلايكون عدم هذا التقييد كاشفاً عن اطلاق
الملاك في مرحلة المبادي، إذ لعلّ الملاك في هذه المرحلة مقيّد و عدم التقييد في
مرحلة الجعل حيث انّه مستند الى استحالته، فلايكون كاشفاً عن اطلاق الملاك فيها و
عدم تقييده، لان الكاشف عن ذلك انما هو عدم التقييد في مورد يكون التقييد فيه
ممكناً و مع ذلك لم يقيّده المولى و كان في مقام البيان.
و الخلاصة ان هذا الاطلاق المستند الى استحالة التقّييد، لايكشف عن الاطلاق للحكم
الحقيقي و هو الحكم النّاشىء من المبدء، فانه حكم حقيقي على أساس ان حقيقة الحكم و
روحه ملاكه، و على هذا فالحكم الحقيقي في المقام مهمل من جهة اهمال ملاكه و ترددّه
بين المطلق و المقيّد، و عليه فكان ينبغي للسيد الاستاذ (ره) ان يقول بان الرّوايات
التي تنصّ على صحة التمام موضع القصر في المسألة الاولى و صحة الجهر موضع الاخفات و
بالعكس في المسألة الثانية، تكشف عن ان وجوب الصّلاة تماماً ثابت في الشريعة
المقدّسة للأعمّ من الحاضر و المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه، و المستثنى منها
انما هو وجوب صلاة القصر على المسافر العالم بوجوبها، و النكتة في ذلك ان هذه
الروايات تكون مخصصة لاطلاقات ادلة وجوب القصر و مقيدة لها، و على هذا فبطبيعة
الحال يكون موضوع ادلة وجوب القصر مقيداً بعدم كون المسافر جاهلا بوجوبه، لان
التخصيص يوجب تقييد موضوع العام بعدم عنوانه، فاذا ورد في الدليل اكرم كل عالم ثم
ورد لاتكرم العالم الفاسق، فهو يوجب تقييد موضوع العام بالعالم الذي لايكون فاسقاً
وكذلك في المقام، فان تلك الروايات توجب تقييد موضوع دليل وجوب القصر بالمسافر الذي
لا يكون جاهلا بوجوبه.
فالنتيجة ان هذا الروايات تكشف عن ان وجوب التمام مجعول من الاول للأعمّ من الحاضر
و المسافر الجاهل بوجوب القصر عليه، و وجوب القصر مجعول كذلك لخصوص المسافر العالم
به، باعتبار ان الدليل المخصص يكشف عن ان الحكم في طرف العام من الاول يكون خاصّاً
و كذلك الحال في الجهر و الاخفات، فان ما دل على صحّة الجهر موضع الأخفات و بالعكس
للجاهل بوجوبه، يكون مقيداً لاطلاق دليل وجوب الجهر و الاخفات، و على هذا فبطبيعة
الحال يكون موضوع وجوب الجهر و الاخفات مقيّداً بالمكلف الذي لايكون جاهلا بوجوبه،
باعتبار ان التخصيص يوجب تقييد موضوع العام بعدم عنوان المخصصّ و هو في المقام
عنوان الجاهل بوجوب الجهر و الاخفات، فاذن ما أفاده السيد الاستاذ(ره) من ان الواجب
على المسافر الجاهل بوجوب القصر الجامع بين الصلاة تماماً و الصلاة قصراً غير تام و
بحاجة الى عناية زائدة ثبوتاً و اثباتاً.
و اما المحقق النائيني(ره) فحيث انه قد بنى على ان التقابل بين الاطلاق و التقييد
من تقابل العدم و الملكة و استحالة احدهما تستلزم استحالة الآخر، فبطبيعة الحال
كأنّ في المقام يبني على استحالة الاطلاق من جهة ان تقييد وجوب القصر بالعالم به
مستحيل، فاذا استحال تقييده به استحال اطلاقه ايضاً، على أساس ان التقابل بينهما من
تقابل العدم و الملكة، فاذن يكون الواقع مهملا بمعنى انه لايكون مقيّداً بالمسافر
العالم به ولا مطلقا بالنسّبة الى الاعمّ من المسافر العالم به و الجاهل، و لكن حيث
ان الاهمال في الواقع من المولى الحكيم مستحيل، لانه كان يعلم الواقع بكافة
خصوصياته النوعية و الصنفيّة و الشخصيّة و دخلها في الحكم و الملاك و عدم دخلها
فيه، فلهذا لايتصوّر ان يكون الحكم المجعول من قبل المولى مهملا بان لايدري المولى
انه مطلق او مقيّد، و على هذا فوجوب القصر المجعول من قبل المولى للمسافر لايخلو من
ان يكون مجعولا في الواقع للجامع بين المسافر العالم به و الجاهل او لخصوص المسافر
العالم به فلا يعقل الاهمال فيه، و من اجل ذلك حاول(ره) التفصّي عن هذا الاشكال
بالالتزام بالجعل، الثاني المسمّى بمتممّ الجعل فانه اما ان يثبت نتيجة اطلاق الجعل
الاول اذا كان الملاك في الواقع و علم الله مطلقا او تقييده اذا كان الملاك فيه
مقيّداً، و بذلك يرتفع الاهمال فيثبت نتيجة الاطلاق او التقييد و لامانع من
الالتزام بذلك، اذ لايلزم من اخذ العلم بالجعل الاول في موضوع نفسه في مرحلة
المجعول بالجعل الثاني اي محذور من الدّور او الخلف، لان الجعل الثاني يتوقف على
العلم بالجعل الاول و هو لايتوقف على الجعل الثاني حتى يلزم الدور، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان الرّوايات التي تدل على صحة الصلاة تماما موضع القصر، تكون
نتيجتها تقييد الجعل الاول و هو وجوب القصر بالمسافر العالم به، و كذلك الروايات
التي تنصّ على صحة القراءة الجهرية موضع القراءة الاخفاتية و بالعكس، فانها متمة
للجعل الاول و نتيجتها تقييده بالمكلف العالم بوجوب الجهر او الاخفات، فالمتحصل من
ضمّ هذه الروايات الى الادلة الاوليّة هو ان وجوب القراءة الجهرية، مختص بالمكلف
العالم بوجوبها و كذلك وجوب القراءة الاخفاتية، هذا فيما اذا كان هناك دليل على
تقييد الجعل الاول كما في المقام، و اما اذا لم يكن هناك دليل على تقييده، فلا بد
من الالتزام بنتيجة الاطلاق او التقييد بمقتضى ادلة الاشتراك في التكليف في شريعة
واحدة، لان مقتضاها ان الاحكام الواقعيّة الشرعية مشتركة بين العالم بها و الجاهل،
و نتيجة هذه الادلة اطلاق الاحكام الواقعيّة و عدم اختصاصها بالعالم، فاذن تثبت بها
نتيجة الاطلاق كما تثبت بالروايات المتقدمة نتيجة التّقييد، و لنأخذ بالنقد عليه
بوجوه:
الاول: ما ذكرناه من ان التقابل بين الاطلاق و التّقييد من تقابل الايجاب و السلب
لا من تقابل العدم و الملكة، و على هذا فاستحالة التقييد تستلزم ضرورة الاطلاق
لاستحالته.
الثاني: مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة و
استحالة التقييد يستلزم استحالة الاطلاق، و لكن تقدّم ان التقييد في المقام غير
مستحيل، و لامانع ثبوتا من ان يكون وجوب القصر في الواقع مقيّداً بالمسافر العالم
به و كذلك وجوب الجهر و الاخفات، فانه لامانع من ان يكون في الواقع مقيداً بالمكلف
العالم به، و الروايات المذكورة تكشف عن هذا التقييد و تدل على تخصيص عموم دليل
وجوب القصر على المسافر بغير المسافر الجاهل به، و عليه فيكون موضوع العام مقيداً
بخصوص المسافر الذي لايكون جاهلا بوجوب القصر لامطلقا، و كذلك الحال في وجوب
القراءة الجهرية و الاخفانية، و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان التقييد في المقام
مستحيل، و استحالته تستلزم استحالة الاطلاق ايضاً، و حينئذ فروايات المسألة و ان
كانت متمّمة للجعل الاول و تدل على تقييده، الا ان ما ذكره (ره) من ان ادلة
الاشتراك في التكليف تدل على اطلاق الجعل الاول و متمّمة له غير تام، لانه ان اراد
بتلك الادلة اطلاقات الكتاب و السنة.
فيرد عليه ان تلك الاطلاقات تدل على اطلاق الحكم من بداية تشريعه و جعله مباشرة، و
ليس مفادها اثبات اطلاقه بعد ثبوته بدليل آخر في المرتبة السابقة، و ان اراد(ره)
بها ادلة الاصول العملية كالاستصحاب و اصالة البراءة و الاحتياط باعتبار انها تدل
على ان الاحكام الواقعية ثابتة في موارد الجهل و عدم العلم بها ايضاً.
فيرد عليه ان مفاد تلك الادلة احكام ظاهرية سواءً أكانت ايجابيه أم سلبيّة، و تدل
على ثبوت تلك الاحكام عند الشك في الاحكام الواقعية و لا تدل على اطلاقها بعد
ثبوتها، و الالزم خلف فرض كون مفادها احكاماً ظاهريّة، و ان اراد بها غيرها فلا
وجودلها، إذ لم يرد لافي لسان الكتاب و لا السنة عنوان ان التكليف الواقعي مشترك
بين العالم و الجاهل.
الثالث: ان المراد من الاهمال في المقام ليس بمعنى الوجود المردّد في الواقع فانه
مستحيل، و الأهمال بهذا المعنى لايعقل من المولى الحكيم، بل بمعنى عدم لحاظ الاطلاق
و عدم لحاظ التقييد، و هذا يعني ان موضوع الحكم في القضية لاينطبق على المقيّد في
الخارج و لاعلى المطلق فيه، على أساس استحالة كل من الاطلاق و التقييد في المقام، و
على هذا فموضوع وجوب القصر المسافر و هو لا ينطبق لاعلى الحصّة المقيّدة بالعلم به
و لا على الطبيعة المطلقه الجامعة بينها و بين غيرها من الحصص و لا على الحصة
المقيّدة بالجهل به، اما استحالة الثاني فانما هي من جهة استحالة الاول، على أساس
ان استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق، و اما استحالة الثالث فهي لأمرين:
الاول: لزوم الدور، لان وجوب القصر على المسافر يتوقف على ان يكون جاهلا بوجوبه من
باب توقف الحكم على موضوعه، و كونه جاهلا به يتوقّف على وجوبه في المرتبة السابقة
من باب توقف الجهل على متعلقه.
الثاني: ان فعليّة مثل هذا الحكم مستحيلة، لان المسافر طالما يكون جاهلا بوجوب
القصر، فلا يكون وجوبه محركاً و داعياً له، و اذا ارتفع جهله و أصبح عالماً بوجوبه
انتفى وجوبه بانتفاء موضوعه، و من الواضح ان مثل هذا الحكم غير قابل للجعل لانه لغو
صرف، إذ الغرض من وراء جعل الحكم ايجاد الدّاعي و المحرّك، فاذا أستحال كونه داعياً
و محركاً، استحال جعله ايضاً، و على هذا الأساس فانطباقه على كل من المطلق و
المقيّد يتوقف على الدليل المتمّم للجعل الاول اطلاقاً أو تقييداً.
و حيث ان الدليل المتمم بالفتح و المتمّم بالكسر ناشئان من ملاك واحد في الواقع و
هو الملاك المقيّد او المطلق، فبطبيعة الحال يكون مدلولهما حكماً واحداً، لانّ
حقيقة الحكم و روحه الملاك فاذا كان واحداً، فلا يعقل ان يكون الحكم متعدداً، غاية
الأمر ان مدلول الدليل المتمم بالفتح اصل جعل الحكم المهمل من حيث الاطلاق و
التقييد، و مدلول الدليل المتمّم بالكسر تعيين مدلول الدليل الاول اطلاقاً او
تقييداً، و على هذا فان اراد المحقق النائيني(ره) بذلك أخذ العلم بالجعل في الدليل
الاول في موضوع الدليل الثاني.
فيرد عليه ان محذور الدور حينئذ و ان كان غير لازم، الاّ أخذ العلم بالحكم في مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول بهذه الطريقة تطويل للمسافة وهو بلاموجب و
مبرر، لان ذلك ممكن في دليل واحد بلالزوم اي محذور من الدور اوالخلف، فاذاكان ذلك
ممكناً في دليل واحد، فلامقتضى للالتزام بالدليل الثاني لتصحيح ذلك، فانه تطويل
للمسافة بلامبرر و تكلّف زائد بلاموجب، و ان اراد(ره) به اخذالعلم بالحكم الفعلي فى
الدليل الأول في موضوع الدليل الثاني. فيرد عليه انه مستحيل، لاستلزامه الدور و
الخلف و توقّف الشيء على نفسه مباشرة.
اما الاول و هو محذور لزوم الدور، فلان مدلول الدليل الثاني يتوقف على العلم بفعلية
الحكم فى الدليل الاول من باب توقّف الحكم على موضوعه، و العلم بفعليّته يتوقف على
العلم بفعلية موضوعه، من باب توقف فعلية الحكم على فعلية موضوعه و العلم بفعلية
موضوعه يتوقف على تعيينه و تحديده اطلاقاً او تقييداً حتى ينطبق عليه في الخارج، و
تعيينه يتوقف على مدلول الدليل الثاني، فانه يعيّنة و يحدّده.
فالنتيجة ان مدلول الدليل الثاني يتوقف على مدلول الدليل الثاني، مثلا اذا فرضننا
ان العلم بفعلية وجوب القصر في الدليل الاول مأخوذ في موضوع الدّليل الثاني، فلازم
ذلك ان الدليل الثاني يتوقّف على العلم بفعلية وجوب القصر فى الدليل الاول من باب
توقف الحكم على موضوعه، والعلم بفعليّته يتوقف على العلم بفعلية موضوعة في الخارج
من باب ان فعلية الحكم تتوقف على فعلّية موضوعه فيه ،و العلم بفعلية موضوعه فيه
يتوقف على تعيينه و تحديده اما مطلقا او مقيداً حتى ينطبق عليه و هو يتوقف على
الدليل الثاني، لانه يعيّن موضوع الدليل الاول و يحدّده، فالنتيجة ان الدليل الثاني
يتوقف على الدليل الثاني و هذا هو الدور.
و اما الثاني هو لزوم محذور الخلف، فلان موضوع الحكم في الدليل الاول كوجوب القصر
اذا كان مهملاً من حيث الاطلاق والتقييد، فيستحيل انطباقه على المقيد في الخارج و
لا على المطلق، و الاّلزم خلف فرض كونه مهملاً، فاذا استحال انطباقة على ما في
الخارج، استحال فعلية حكمه، فان فعلية انما هي بفعلية موضوعه في الخارج، و فعلية
الموضوع فيه انما هي با نطباقه عليه و مع عدم الانطباق لايكون الموضوع فعليا حتى
يكون حكمه كذلك، و على هذا ففعلية الحكم في الدليل الاول متوقفة على الدليل الثاني،
فلا يعقل أخذ العلم بها في الدليل الاول في موضوع الدليل الثاني، فاذن يلزم من فرض
أخذ العلم بفعلية الحكم في الدليل الاول في موضوع الدليل الثاني، عدم اخذه بها في
موضوعه اويلزم من فرض فعليّة الحكم فى الدليل الاول بقطع النظر عن الدليل الثاني
عدم فعليّته و هذا خلف.
و اما الثالث و هو محذور لزوم توقف الشي على نفسه مباشرة بدون واسطة الدور، و ذلك
لان الحكم في مرتبة الجعل مدلول لكلا الدليلين معاً، فاذا صار فعلياً بفعلية موضوعه
في الخارج، فلايمكن اخذ العلم بة في مرتبة الفعلية في موضوع نفسه في هذه المرتبة، و
نتيجة ذلك ان فعلية الحكم تتوقف على العلم بفعليته من باب توقف الحكم على موضوعه، و
موضوعه و هو العلم بالفعلية يتوقف على نفسه.
و ان شئت قلت ان هذا المحذور انما لايلزم اذا فرض ان العلم تمام الموضوع للحكم،
فعندئذ لايلزم هذا المحذور، و اما اذا كان العلم جزء الموضوع كما هو كذلك فحينئذ
يلزم هذا المحذور لان جزء الموضوع هو نفس الحكم، فاذن يكون توقفه عليه من باب توقف
الحكم على نفسه مباشرة، هذا اضافة الى ان أخذ العلم بالحكم في مرتبة الفعلية في
موضوع نفسه في هذه المرتبة خارج عن محل الكلام و لاشبهة في استحالة ذلك.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي ان محاولة المحقق النائيني(ره) من
ان أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول لايمكن في دليل
واحد، و لكن يمكن في دليلين بان يكون العلم بالحكم في احدهما مأخوذا في موضوع
الدليل الآخر غير تامة، لما تقدم من ان ذلك ممكن ثبوتاً في دليل واحد.
ثم ان السيد الاستاذ (ره) قد علق على ما ذكره المحقق النائيني(ره) بأمور:
الاول: ان التقابل بين الاطلاق و التقييد ليس من تقابل العدم و الملكة بل هو من
تقابل التضاد، لان الاطلاق عبارة عن لحاظ عدم القيد و التقييد عبارة عن لحاظ القيد،
على تفصيل تقدّم في ضمن البحوث السالفة.
الثاني: انه على تقدير تسليم ان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة، إلاّ ان
قابلية المحل المعتبرة بينهما قد تكون شخصية و نقصد بها وجودها بين كل فردين من
افراد العدم و الملكة في الخارج كالعمى و البصر، فان القابلية الموجودة بينهما
شخصية، حيث انها موجودة بين كل فردين من افراد هما فيه، و قد تكون نوعية و نقصد بها
ان القابلية انما هي بلحاظ نوعي العدم و الملكة لابلحاظ كل فردين من افرادهما و ذلك
كالعلم و الجهل، فان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة مع ان القابلية
الموجودة بينهما لاتكون مطردة بين كل فردين من افرادهما في الخارج، و لهذا تكون
بلحاظ نوعيهما بدون ملاحظة خصوصية افرادهما، و من هنا قد تكون بين فرديهما في مورد
خاص مضادة او مناقضة، مثلا العلم بذاته تعالى و تقدّس مستحيل، و اما الجهل بها فهو
ضروري لا انه مستحيل، مع ان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة، و المقام من
قبيل الثاني، فان كون التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة انما
هو بلحاظ نوعيهما لابلحاظ كل فردين من افرادهما في الخارج، لان الغالب ان الطبيعة
اذا كانت قابلة للتقييد فهي قابلة للاطلاق ايضاً، واما في مورد اذا لم تكن قابلة
للتقييد، فالاطلاق ضروري باعتبار ان القابلية انما هي بلحاظ نوعيهما لابلحاظ كل
فردين من افرادهما، و على هذا فضرورة الاطلاق في مورد استحالة التقييد لاتنافي كون
التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة بلحاظ نوعيهما بقطع النظر عن خصوصيات كل
فردين من افرادهما في الخارج هذا.
الثالث: ان الاهمال في الواقع مستحيل، ضرورة ان كل شيء فيه متعيّن بحدّه الوجودي و
لايعقل ان يكون الشيء في الواقع مهملا أي مردداً بين الوجود و العدم و بين المطلق و
المقيد، بداهة استحالة وجود الفرد المردد في الخارج، فما ذكره المحقق النائيني(ره)
من ان الواقع مهمل لايرجع الى معنى معقول(44) هذا.
و لنأخذ بالنقد على جميع تعليقات السيد الاستاذ (ره).
اما التعليق الاول، فهو مبنائي لا واقعي مع ان المبنى ايضا غير صحيح لان التقابل
بينهما كما انه ليس من تقابل العدم و الملكة ليس من تقابل التضاد ايضاً بل هو من
تقابل الايجاب و السلب كما تقدّم موسعاً.
و اما التعليق الثاني فلان تقسيم القابلية المعتبرة بين العدم و الملكة الى
القابلية الشخصيّة و القابلية النوعية، انما هو مأخوذ من الفلاسفة، حيث انهم قسموا
القابلية المعتبرة بين العدم و الملكة الى اقسام، و هي القابلية النوعية الصنفية
الشخصية على تفصيل هناك، و لكن لا أصل لهذا التقسيم و لايبتني على أيّ أساس و
لايساعده الوجدان و لا البرهان بل هو على خلاف الوجدان و الارتكاز العرفي، لوضوح ان
المرتكز في وجدان العرف العام و الثابت في أعماق نفوسهم، هو ان التقابل بين العدم و
الملكة انما هو متقوّم بالقابلية الشخصية فحسب، و النكتة في ذلك ان التقابل بين
شيئين في الخارج، لايخلو من ان يكون من تقابل التّناقض و هو الايجاب و السلب او
التضادّ او العدم و الملكة ولارابع في البين، و العدم في مقابل الملكة عدم خاص و هو
العدم في موضوع قابل للأتصاف بالوجود، و ليس المراد منه العدم المطلق، و بذلك يمتاز
عن العدم المقابل للوجود بتقابل التناقض، و على هذا قالتقابل بين العلم و الجهل
انما هو من تقابل العدم و الملكة اذا كانا في موضوع قابل للاتصاف بكل منهما
كالقضايا التاريخية و النظرية بكافة انواعها و اشكالها، فان الشخص يمكن ان يكون
عالماً بها و يمكن ان يكون جاهلا، فالتقابل بينهما في هذه الموارد من تقابل العدم و
الملكة، و اما التقابل بينهما في موضوع غير قابل ذاتاً الا للاتصاف باحدهما دون
الآخر، فيكون من تقابل التناقض، كالعلم بكنه ذاته تعالى، فانّه مستحيل و الجهل به
ضروري و لايعقل ان يكون الجهل به ايضا مستحيلا، و إلاّلزم ارتفاع النقيضين، فاذن
كيف يكون التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة مع انه في مقابل تقابل التناقض.
و دعوي ان ذلك انما هو بلحاظ نوع العلم و الجهل لاكل فرد من افرادهما، لاترجع الى
معني محصل، إذ مضافا الى انه لابرهان على ذلك بل هو مخالف للوجدان، ان التقابل بين
الشيئين انما لوحظ بينهما بلحاظ عالم الخارج لابلحاظ نوعيهما، و من الواضح ان
التقابل بينهما بلحاظ عالم الخارج، اما ان يكون بنحو التنّاقض او التضاد او العدم و
الملكة، و على هذا فلامانع من ان يكون التقابل بين فردين من نوعين في مورد بنحو
التناقض او التضاد و بين فردين آخرين منهما في مورد آخر بنحو العدم و الملكة، مثلا
التقابل بين العلم و الجهل بالنسبة الى كنه ذاته تعالى و تقدّس، يكون بنحو التناقض،
لان العلم به مستحيل، و عليه فالجهل الذي هو بديله و نقيضه ضروري، و الالزم ارتفاع
النقيضين و هو مستحيل كاجتماعهما، و بالنسبة الى موضوع آخر يكون من تقابل العدم و
الملكة، و من هذا القبيل الاطلاق و التقييد، فان التقابل بينهما قد يكون من تقابل
العدم و الملكة كما هو الغالب، و قد يكون من قبيل التناقض كما اذا استحال تقييد
الطبيعة بقيد، فلا محالة يكون اطلاقها الذي هو عبارة عن عدم تقييدها ضرورياً، لانه
بديل التقييد و نقيضه، فلوكان ذلك ايضا مستحيلا لزم ارتفاع النقيضين و هو محال
كاجتماعهما.
و بكلمة ان كون التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل العدم و الملكة مطلقا حتى
فيما اذا كان التقييد مستحيلا مجرد اصطلاح لايطابق مع الواقع، لما عرفت من التقابل
بين شيئين بتقابل العدم و الملكة يختلف اختلافاً جوهرياً عن التقابل بينهما بتقابل
الايجاب و السلب او التضاد، على اساس ان العدم في مقابل الملكة عدم خاص و هو العدم
في المورد القابل للاتصاف بالملكة، فلهذا يكون عدماً نعتياً كما ان الملكة وجود
نعتي، مثلا التقابل بين علم الانسان وجهله، يكون من تقابل العدم و الملكة بالنسبة
الى الموضوعات التى من شأن الانسان ان يكون عالماً بها، و اما بالنسبة الى ما لا
يكون من شأنه العلم به كذاته تعالى، فيكون التقابل بينهما من تقابل التناقض لا
العدم و الملكة، لانهما في المحل القابل للاتصاف بهما و اما اذا لم يكن المحل قابلا
لذلك، فلا اتصاف في البين و عليه فلامحالة يكون التقابل بينهما من تقابل التناقض،
باعتبار ان الجهل بديله و نقيضه، و المفروض ان العدم البديل عدم محمول لانعتي.
فالنتيجة ان التقابل بين العلم و الجهل في المورد القابل للاتصاف بكل منهما، يكون
من تقابل العدم و الملكة، و في المورد غير القابل لذلك ذاتاً و حقيقة، يكون من
تقابل التناقض، بداهة انه اذا استحال ان تكون ذاته تعالى معلومة للانسان، فبالضرورة
انهامجهولة له و الاّلزم ارتفاع النقيضين.
الى هنا قد تبين انا لو سلمنا ان التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل العدم و
الملكة، إلاّ انه في المورد القابل للاتصاف بكل منهما، و إلاّ فالتقابل بينهما من
تقابل التناقض و لايعقل ان يكون من تقابل العدم و الملكة، ضرورة ان العدم في مقابل
الملكة عدم خاص و هو العدم في المورد القابل، و لهذا يكون عدماً نعتيا لامحمولياً.
و من هنا يظهر ان ما ذكره المحقق النائيني(ره) من ان التقابل بينهما من تقابل العدم
و الملكة و استحالة احدهما تستلزم استحالة الآخر، لايرجع الى معنى صحيح، كما ان
توجيه السيد الاستاذ(ره) ذلك بان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة، انما هو
بلحاظ القابلية النوعية لا الشخصية، لا يقوم على أساس صحيح بل انه كان على خلاف
الوجدان و الارتكاز العرفي كما عرفت.
و اما التعليق الثالث، فلان تفسيره(ره) الاهمال في كلام المحقق النائيني(ره) بالفرد
المردد في الواقع غير تام، لان الاهمال بهذا المعنى في الواقع و ان كان مستحيلا،
الاّ انه لاينسجم مع شي من المباني في المسألة، اما على المبنى الصحيح من ان
التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل الايجاب و السلب، فمعنى الاهمال في الواقع
حينئذ هو عدم الاطلاق و التقييد معاً، و هذا و ان كان محالا، لان ارتفاع النقيضين
كاجتماعهما مستحيل، إلاّ انه ليس بمعنى الفرد المردّد في الواقع، و اما على مبنى
السيد الاستاذ(ره) من ان التقابل بينهما من تقابل التضاد، فمعنى الاهمال على هذا هو
عدم لحاظ الاطلاق و عدم لحاظ التقييد، و هذا و ان كان محالا إلاّ انه ليس بمعنى
الوجود المردد في الواقع.
و اما على مبنى المحقق النائيني(ره) من ان التقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة،
فمعنى الاهمال في الواقع عدم قابلية المحل لاللحاظ الاطلاق و لاللحاظ التقييد
لاتردده بين الوجود و العدم.
و الخلاصة ان ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من التفسير للأهمال لاينطبق على اهمال
الطبيعة من الاطلاق و التقييد على جميع المباني و الاقوال في المسألة.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاولى: ان أخذ العلم بالحكم في موضوع نفسه في مرتبة واحدة لا يمكن اذا كان العلم
ملحوظا بنحو الطريقيّة: و اما اذا كان ملحوظا بنحو الصّفتية فان كان جزء الموضوع
فايضاً كذلك، إذ على هذين الفرضين يلزم توقف الشيء على نفسه مباشرة لابواسطة الدور،
و اما اذا كان تمام الموضوع، فلايلزم المحذور المذكور هذا بحسب الواقع، و اما بنظر
القاطع، فلا يمكن ذلك للزوم الدّور بنظره من جهة و الخلف من جهة أخرى في تمام
الفروض الثلاثة، أي سواء أكان العلم المأخوذ في الموضوع ملحوظا بنحو الطريقية ام
الصفيته، و على الثاني كان تمام الموضوع او جزئه، باعتبار ان العالم يرى ثبوت
الواقع في المرتبة السابقة، فلا يمكن ان يكون ثبوته متوقفاً على العلم به، و
إلاّلزم الدور بنظره و الخلف أي من فرض وجود الواقع في المرتبة السابقة عدم وجوده
فيها.
الثانية: انه لوأمكن أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في هذه
المرتبة، فلا يكون هناك محذور آخر، إذ لامانع من فعلية هذا الحكم و وصوله الى
المكلف، باعتبار ان وصوله إليه لا يتوقف على علم آخر بل هو يصل بنفس العلم به، إذ
ليس في افق النفس إلاّ علم واحد، فاذا علم به المكلف فقد وصل.
الثالثة: ان أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول بمكان
من الامكان ثبوتاً، و لايستلزم ذلك محذور الدور، لان العلم يتوقف على الحكم في
مرتبة الجعل، و الحكم في هذه المرتبة لايتوقف على العلم و انما يتوقف عليه الحكم في
مرتبة الفعلية فاذن لادور.
الرابعة: ان المحقق النائيني و السيد الاستاذ((قدس سرهما)) ذهبا الى استحالة ذلك، و
قد أفاد السيد الاستاذ (ره) في وجه ذلك، ان الحكم مادام في مرتبة الجعل ليس حكماً
للعالم به و انما يكون حكماً له اذا صار فعلياً بفعلية موضوعه في الخارج، و اذا صار
الحكم المجعول حكماً له، استحال اخذ علمه به في موضوع نفسه لاستلزامه الدور، و لكن
هذا البيان غير تامّ، لان المراد من عالم الجعل هو جعل الحكم بنحو القضية الحقيقيّة
للموضوع المفروض وجوده في الخارج بتمام قيوده، و تكون نسبة هذا الموضوع الى
المكلفين كافة على حدّ سواء، و على هذا فلامانع من جعل وجوب الحج على المستطيع
العالم به بنحو مفروض الوجود في الخارج، بان فرض وجود المستطيع العالم بوجوبه بوجود
فرضي و جعل و جوب الحج عليه، و حيث ان نسبة هذا الموضوع الى جميع المكلفين نسبة
واحدة، فعليه اذا استطاع المكلف في الخارج، فان علم بجعل وجوب الحج على المستطيع في
الشريعة المقدسة، صار وجوبه فعلياً في حقّه بفعلية موضوعه في الخارج بتمام قيوده
منها العلم بالجعل، و ان لم يعلم بجعل وجوبه عليه، لم يصر فعليا في حقه لعدم فعلية
موضوعه فيه بتمام قيوده، و هذا هو المراد من أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في
موضوع نفسه في مرتبة المجعول، فيكون حال العلم من هذه الجهة حال سائر قيود الموضوع
المأخوذة فيه في مرتبة الجعل.
الخامسة: تظهر الثمرة بين القولين هما القول بامكان اخذ العلم بالحكم في مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول ثبوتاً، و القول بعدم امكان ذلك في
المسألتين:
الاولى: في مسألة صحة التمام موضع القصر للمسافر الجاهل بوجوبه عليه في الشريعة
المقدّسة.
الثانية: في مسألة صحة الجهر موضع الاخفات للمكلف الجاهل بوجوبه و بالعكس، و على
هذا فعلى القول الاول لامانع من الأخذ بظواهر الادلة التي تدل على اختصاص وجوب
القصر في المسألة الاولى بالمسافر العالم بوجوبه عليه شرعاً، و اما الجاهل به كذلك
فوظيفة التمام، و اختصاص وجوب الجهر و الاخفات في المسألة الثانية بالعالم بوجوبهما
في الشريعة المقدسة، و اما وظيفة الجاهل بوجوب الجهر فهي الاخفات و بالعكس.
و على القول الثاني فلا يمكن الأخذ بظواهر تلك الادلة، و حينئذ فلابد من التصرف
فيها و رفع اليد عن ظهورها.
السادسة: ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من ان الواجب على المسافر الجاهل بوجوب القصر
الجامع بين التمام و القصر، بتقريب ان التقابل بين الاطلاق و التقييد من تقابل
التضاد، فاذا استحال تقييد وجوب القصر بالمسافر العالم به فلاطلاق ضروري، و لكن
تقدم ان ما ذكره (ره) غير تام.
اولا ان التقابل بين الاطلاق و التقييد ليس من تقابل التضاد بل من تقابل الايجاب و
السلب.
و ثانيا ان هذا الاطلاق حيث انه كان ضرورياً، فلا يكشف عن اطلاق الملاك في مرحلة
المبادي، اذ يمكن ان يكون الملاك في هذه المرحلة مقيّداً و لكن المولى لايتمكن من
التقييد، و المفروض ان حقيقة الحكم و روحه الملاك، فاذن هذا الاطلاق لايكشف عن
اطلاق الحكم الحقيقي الجامع بين وجوب القصر و وجوب التمام.
السابعة: ان روايات المقام تدل بالمطابقة على صحة التمام موضع القصر للمسافر الجاهل
بوجوبه و بالالتزام على اختصاص وجوب القصر بالمسافر الذي يكون عالماً بوجوبه في
الشرع، و على هذا فهذه الروايات تكشف عن ان الحكم في الشريعة المقدسة مجعول من
الاول كذلك، لانها مخصصة لعموم ما دل على وجوب القصر على المسافر، و توجب تقييد
موضوع العام بالمسافر العالم بوجوبه شرعاً.
الثامنة: ان المحقق النائيني(ره) حيث قد بنى على ان التقابل بين الاطلاق و التقييد
من تقابل العدم و الملكة و استحالة التقييد تستلزم استحالة الاطلاق فيكون الواقع
مهملا حينئذ، و بما ان الاهمال في الواقع من المولى الحكيم مستحيل، فيلتزم بمتمم
الجعل المتمثل في الدليل الثاني الذي يكون مدلوله تعيين مدلول الدليل الاول تقييداً
او اطلاقاً، و من هنا يجعل ما دل على صحة التمام موضع القصر و الجهر موضع الاخفات و
بالعكس متمماً للجعل، باعتبار ان مفاده تقييد مدلول الدليل الاول و تعيينه.
و فيه اولا ما عرفت من ان التقابل بينهما من تقابل الا يجاب و السلب لا العدم و
الملكة.
و ثانياً: ان الالتزام بمتممّ الجعل لايجدي في امكان أخذ العلم بالحكم في مرتبة
الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، فانه ان كان ممكناً في دليل واحد كما هو
الصحيح فهو، و الا فلا يمكن في دليلين ايضاً.
التاسعة: ان ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من ان قابلية المحل المعتبرة بين العدم و
الملكة، قد تكون شخصية و قد تكون نوعية، و على الثاني لايلزم وجودها بين كل فردين
من افرادهما، لا يمكن المساعدة عليه، فان هذا مجرد اصطلاح من الفلاسفة لايطابق مع
الواقع الموضوعي بل هو على خلاف الوجدان و الارتكاز العرفي.
العاشرة: ان تفسير السيد الاستاذ(ره) الاهمال في كلام المحقق النائيني(ره) بالوجود
المردّد في الواقع، لاينسجم مع شيء من المباني في التقابل بين الاطلاق و التقييد
كمامرّ.
بقي في المقام مسألتان:
المسألة الاولى: هل يمكن أخذ عدم العلم الخاص بالحكم في موضوع نفس هذا الحكم.
المسألة الثانية: هل يمكن أخذ الظن بالحكم في موضوع نفس هذا الحكم.
اما الكلام في المسألة الاولى، فقد تعرض شيخنا الانصاري(ره) تلك المسألة في مقام
توجيه كلام الاخباريين، حيث انه نسب اليهم المنع عن حجية القطع الحاصل من المقدمات
العقلية، و حاول الشيخ(ره) توجيه هذه النسبة بان مرادهم من المنع عن حجية القطع هو
التصرّف في الحكم المقطوع به لافي نفس القطع، بقرنية ان المنع عن حجية القطع غير
معقول، و قد افاد في تقريب ذلك ما مغزاه، ان العلم بالاحكام الشرعية الحاصل من
المقدمات العقلية قد أخذ عدمه في موضوع نفس تلك الاحكام، و نتيجة ذلك هي ان العلم
بها اذا حصل من المقدمات العقلية كان مانعاً عن فعليتها، باعتبار ان عدمها مأخوذ في
موضوعها، و ما كان عدمه معتبراً في شيء شرعاً، فلا محالة يكون وجوده مانعا عنه
كذلك، و على هذا فمرد المنع عن حجيّة القطع بالاحكام الشرعية الحاصل من المقدمات
العقلية الى أخذ عدمه في موضوع تلك الاحكام، فاذن لامحالة يكون وجوده مانعاً عنها،
هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى هل يمكن أخذ عدم العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في
مرتبة المجعول أو لا؟
و الجواب: انه بمكان من الامكان و لايلزم من ذلك محذور الدور، لان فعلية الحكم
تتوقف على عدم العلم بالجعل من باب توقف الحكم على الموضوع، و عدم العلم لايتوقف
على ثبوت الحكم في مرتبة الجعل، إذ ليس عدم العلم كالعلم، فانه يتوقف على متعلقه و
هو المعلوم بالعرض بنظر العالم، و اما عدم العلم فهولا يتوقف على أيّ شيء بل هو
ذاتي للأنسان.
و دعوى ان ذلك يستلزم محذوراً آخر و هو لزوم اللغوّية، فان الحكم اذا أخذ عدم العلم
به في موضوع نفسه، استحال وصوله الى المكلف، لان العلم به مانع عن وصولة الى العالم
به، فاذن لايمكن ان يكون هذا الحكم محركا للمكلف و داعياً له سواءً أكان المكلف
جاهلا به أم عالماً، و من الواضح ان جعل الحكم اذا لم يمكن وصوله الى المكلف و
داعويته له لغو، ضرورة ان الغرض من جعل الحكم انما هو ايجاد الداعي في نفس المكلف،
و اما اذا استحال كونه داعياً، فيكون جعله لغواً و جزافاً، فلا يمكن صدوره من
المولى الحكيم.
مدفوعة بان هذا المحذور انما يلزم اذا كان المأخوذ عدم العلم بالحكم مطلقا و من أيّ
سبب كان و في أيّ مرتبة من مراتبه من العلم الوجداني و العلم التعبدي، فان الحكم
حينئذ لايكون محركاً للمكلف و داعياً له اذا كان جاهلا به، و اما اذا كان عالماً
به، فهو غير مجعول له، لان علمه به مانع عنه، لفرض ان عدمه مأخوذ في موضوعه و اما
اذا كان المأخوذ في الموضوع عدم العلم بالحكم من سبب خاص و هو الحاصل من المقدمات
العقلية فحسب لامطلقا، فلايلزم هذا المحذور، و على هذا فلامانع من أخذ عدم العلم
الحاصل من المقدمات العقلية بالاحكام الشرعية في مرتبة الجعل في موضوع نفسها في
مرتبة المجعول لامطلق عدم العلم بها و ان كان حاصلا من الكتاب و السنة، و نتيجة ذلك
ان العلم بالاحكام الشرعية ان كان حاصلا من تلك المقدمات، فهو مانع عنها باعتبار ان
عدمه مأخوذ في موضوعها، و ان كان حاصلا من الكتاب و السنة فهو منجزلها، و اما اذا
كان المأخوذ في الموضوع خصوص عدم العلم التعبدي بالاحكام الشرعية، فحينئذ ان كان
العلم الحاصل بالاحكام الشرعية العلم التعبدي فهو مانع عنها، و ان كان العلم
الوجداني فهو منجزلها، هذا كله في أخذ عدم العلم الخاص بالاحكام الشرعية في مرتبة
الجعل في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، و قد تحصل ان ذلك بمكان من الامكان.
و هل يمكن أخذ عدم العلم الخاص بالاحكام الشرعية في مرتبة الجعل في موضوعها في نفس
هذه المرتبة؟
و الجواب: ان فيه تفصيلا، فان عدم العلم الخاص بالحكم ان كان جزء الموضوع و جزئه
الآخر الحكم فلايمكن ذلك، للزوم محذور توقف الشيء على نفسه مباشرة، لان الحكم حينئذ
يكون جزء الموضوع، و المفروض انه حكم لنفس هذا الموضوع، و هذا معنى توقف الشيء على
نفسه، و ان كان تمام الموضوع فلامانع منه و لايلزم منه محذور الدور و لاالخلف حتى
بنظر القاطع، و من هنا يفترق عدم العلم بالحكم عن العلم به، لان عدم العلم بالحكم
في مرتبة الجعل اذا أخذ في موضوع نفسه بنحو تمام الموضوع في نفس هذه المرتبة،
فلايلزم محذور الدور و لا الخلف لافي الواقع و لابنظر القاطع، اما الاول فلان عدم
العلم بالحكم بما انه عدم، فلا يتوقّف على شيء لانه بنفسه ثابت للانسان و لايتوقف
ثبوته له على اي مقدمة، و على هذا فجعل الحكم و ان كان متوقفا على عدم العلم به من
باب توقف الحكم على موضوعه، و اما عدم العلم به، فحيث انه عدم فلايتوقف عليه حتى
بنظر القاطع لكي يلزم الدّور، لان العدم ليس بشيء حتى يتوقف على شيء آخر، و لهذا
ليس كالعلم بالحكم المأخوذ في موضوع نفسه في مرتبة واحدة، فانه يستلزم الدور بنظر
القاطع و ان كان تمام الموضوع للحكم كما تقدّم.
و اما الثاني و هو الخلف، فهو انما يلزم بنظر القاطع اذا كان المأخوذ العلم بالحكم
في موضوع نفسه في مرتبة واحدة لاعدم العلم به.
و كذلك الحال اذا كان عدم العلم بالحكم في مرتبة الفعلية مأخوذاً في موضوع نفسه في
مرتبة الجعل، فانه إن كان جزء الموضوع و جزئه الآخر الحكم الفعلي، لزم محذور توقف
الحكم على نفسه مباشرة، و اما اذا كان تمام الموضوع فلا محذور فيه لان المحذور هنا
لو كان فهو الدور، و المفروض انه غير لازم حتى بنظر القاطع، لان فعلية الحكم تتوقف
على عدم العلم بها و هو لايتوقف عليها، لان العدم ليس معلولاً لعلة حتى يتوقف
عليها، و بذلك يفترق عدم العلم المأخوذ في الموضوع عن العلم المأخوذ فيه، و لكن قد
يقال كما قيل ان الدور و ان كان غير لازم، إلاّ انّ هناك محذوراً آخر و هو محذور
لزوم لغوية هذا الجعل، و ذلك لان مرجع جعل الحكم مقيداً بعدم العلم الخاصّ بالحكم
الفعلي الى جعل مانعية العلم على فعلية الحكم و لا يمكن ترتيب آثار المانعية عليها،
فاذن يكون جعلها لغواً، بيان ذلك ان المكلف ان كان جاهلاً بالحكم الفعلي فهو خارج
عن موضوع المانعية، لان موضوعها العالم بالحكم الفعلي، و ان كان عالماً بالحكم
الفعلي، استحال وصول المانعيّة إليه لاستحالة التفاته بان علمه بالحكم الفعلي مانع
عنه، ضرورة ان معنى ذلك انه غير عالم به و هو خلف.
و الخلاصة: ان وصول هذه المانعيّة الى المكلف مستحيل، لانّه في حال جهله بالحكم
الفعلي خارج عن موضوعها لان موضوعها، العالم بالحكم الفعلي، و في حال علمه به
يستحيل ان يكون ملتفتاً الى ان علمه به مانع عنه، بداهة ان العالم يرى دائماً ان
علمه مطابق للواقع و لايحتمل خطأه، و ان كان الحكم في الواقع غير مجعول له كما اذا
كان علمه بالحكم الفعلي حاصلاً من المقدّمات العقليّة، فاذن يكون جعلها لغواً و بلا
أثر، ضرورة ان الغرض من جعل الحكم وصوله الى المكلف و ترتيب الأثر عليه، و اذا
استحال وصوله إليه استحال جعله ايضاً، لانه لغو فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم.
و الجواب: ان هذا البيان مبني على المغالطة، و هي ان أثر جعل مانعية العلم الخاص
بالحكم الفعلي الحاصل من المقدمات العقلية ليس وصولها الى العالم به أى بالحكم
الفعلى لكي يقال ان وصولها إليه مستحيل، بل أثر مانعية هذا العلم الخاص هو عدم
حصوله للمكلف الملتفت الى تقييد جعل الاحكام الشرعية بعدم العلم الخاص بها و هو
العلم الحاصل من المقدّمات المذكورة، لان المكلف اذا كان ملتفتا الى ذلك كان يعلم
بانه لايمكن حصول العلم بها من تلك المقدمات، و إلاّ لزم خلف فرض كون جعلها مقيّداً
بعدم حصول العلم بها من هذه المقدمات، فان معنى هذا التقييد هو ان العلم الحاصل
منها مانع عن فعلية الاحكام الشرعيه، فاذا كان المكلف ملتفتاً الى انه مانع عنها،
فكيف يعقل حصول العلم بها منها. هذا اضافة الى ان أثر تقييد جعل الحكم بعدم العلم
الخاص بالحكم الفعلي الذي هو منشأ انتزاع مانعية هذا العلم الخاص، هو ان الملاك في
مرحلة المبادي مختص بغير موارد العلم به الحاصل من المقدمات المذكوره، و هذا
المقدار يكفي في هذا التقييد و ان لم تترتب عليه ثمرة عملية، فان المكلف اذا حصل
العلم بالحكم الفعلي من تلك المقدمات، فلا بدّ له من العمل به، لانه يرى ان التكليف
الواقعي منجز عليه و لكن في الواقع لاملاك له.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان للمسألة صوراً ثلاث الاولى: أخذ
عدم العلم الخاص بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، و قد تقدم
ان هذا بمكان من الامكان و لامحذور فيه.
الثانية: اخذ عدم العلم الخاص بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في هذه المرتبة،
و قد تقدم ان هذا بمكان من الامكان اذا كان عدم العلم الخاص تمام الموضوع، و اما
اذا كان جزئه و الجزء الآخر الحكم الواقعي، فهو لايمكن للزوم محذور توقف الشي على
نفسه مباشرة.
الثالثة: أخذ عدم العلم الخاص بالحكم الفعلي في موضوع نفسه في مرتبة الجعل، و قدمّر
انه ممكن اذا كان تمام الموضوع، و اما اذا كان جزء الموضوع و جزئه الآخر الحكم
الفعلي، لزم محذور توقف الحكم على نفسه مباشرة.
و اما الكلام في المسألة الثانية و هي أخذ الظن بالحكم في موضوع حكم، فتارة يؤخذ فى
موضوع حكم مخالف لحكم متعلقه، و أخرى في موضوع نفسه، و ثالثة في موضوع حكم مضادّ
لحكم متعلقة، و رابعة في موضوع حكم مماثل لحكم متعلقه.
اما الاول، فلا شبهة في امكانه كما اذا قال المولى اذا ظننت بوجوب الصلاة، وجب عليك
التصدق بدينار، فان الظن بوجوب الصلاة قد أخذ في موضوع وجوب التصدق و لامانع منه، و
حاله من هذه الناحية حال القطع كما تقدم.
و اما الثاني، فتارة يؤخذ الظن بالحكم في موضوع نفسه بلحاظ مرتبة واحدة، و اخرى
يؤخذ في موضوع نفسه بلحاظ مرتبتين.
اما على الاول، فايضا مرة يكون المأخوذ في الموضوع حيثيّة طريقيّة الظن و هي اضافته
الى المظنون بالعرض، و اخرى حيثية صفتية و هي اضافته الى المظنون بالذات في افق
الذهن، فانه بهذا اللحاظ صفة قائمة بالنفس، و على الثاني فقد يكون جزء الموضوع و قد
يكون تمام الموضوع، و على الاول فلا يمكن ان يكون تمام الموضوع بل لابد ان يكون جزء
الموضوع.
و على هذا، فعلى الفرض الاول و الثالث لايمكن أخذه في موضوع نفسه لاستلزامه توقف
الشي على نفسه مباشرة بدون واسطة الدور و هو محال، و ذلك لان الموضوع في هذين
الفرضين مركب من الظن و الحكم في الواقع، و هذا الحكم بشخصه حكم لموضوعه ايضا، و
الفرض ان شخصه جزء هذا الموضوع، فيلزم ان يكون موضوعاً لنفسه مباشرة و هو مستحيل،
بداهة استحالة توقف الشي على نفسه و تأخره عنها، و اما على الفرض الثاني فلايلزم
هذا المحذور وهو توقف الشي على نفسه، باعتباران الظن في هذا الفرض تمام الموضوع
للحكم لاجزئه، فلا يكون الحكم حينئذ متوقفاً على نفسه كما في الفرضين الاولين، و
انما هو متوقف على الظن فقط فاذن لامحذور من هذه الناحية، و لكن هناك محذوران آخران
ذكرناهما في باب القطع و هما يتطلبان استحالة أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه في
مرتبة واحدة و ان كان القطع مأخوذاً في الموضوع بنحو الصفتية و كان تمام الموضوع،
الاول لزوم الدوّر بنظر القاطع مطلقا حتى فيما اذا كان القطع تمام الموضوع للحكم
كمامرّ.
الثاني لزوم الخلف بنظره كذلك كما تقدّم، و لكن هل يمكن تطبيق هذين المحذورين على
الظن ايضاً؟
و الجواب: اما المحذور الاول، و هو لزوم الدوّر بنظر القاطع مطلقا فهو لاينطبق على
الظنّ، لان لزوم الدور بنظر القاطع من جهة ان القاطع يرى ان قطعه مطابق للواقع
دائماً و لايحتمل الخلاف، فلذلك يرى توقفه على وجود المقطوع في الخارج، فلو كان
المقطوع، متوقفاً عليه لدار، و هذا بخلاف الظنّ، فان الظان لايرى ظنه مطابقاً
للواقع دائماً فانّه كما يحتمل ذلك يحتمل ان لايكون مطابقاً له، و على هذا فلا
يتوقف الظن و لو بنظر الظان على وجود المظنون في الخارج، فلادور حينئذ بنظر الظان
ايضاً.
و ان شئت قلت ان الظن الصفتي بما انه صفة قائمة بالنفس و عبارة عن اضافته الى
المظنون بالذات بل هو عينه و لا اختلاف بينهما إلاّ بالاعتبار كالايجاد و الوجود،
فلا يتوقف على وجود المظنون في الخارج لا في الواقع و لابنظر الظان.
و اما المحذور الثاني، و هو لزوم الخلف فهو ينطبق على الظن ايضاً، و ذلك لان ملاك
لزوم الخلف بنظر القاطع هو انه يرى ثبوت الواقع في المرتبة السابقة بقطع النظر عن
تعلق القطع به، فلو كان ثبوت الواقع متوفقاً على القطع به لزم الخلف بنظره كما
تقدّم، و هذا الملاك متوفرّ في الظن ايضاً، فان الظان يرى ان الواقع ثابت في
المرتبة السابقة بقطع النّظر عن تعلّق الظن به، فلو كان ثبوته متوقفاً عليه، فهو
خلف فرض كونه ثابتاً في الواقع بقطع النظر عنه، ضرورة انّه لايتصور ان يكون الظن
علة او جُزء علة له.
فالنتيجة ان الجمع بين كون الظن بالواقع متفرّعاً على ثبوته في المرتبة السابقة و
انّه طريق إليه، و بين ان ثبوت الواقع متوقّف عليه لايمكن، لانه جمع بين الأمرين
المتناقضين بنظر الظان، فلذلك لايمكن أخذ الظن بالحكم في موضوع نفسه في مرتبة
واحدة.
و اما في الثاني وهو أخذ الظن بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة
المجعول، و هي مرتبة فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج، فهو بمكان من الامكان
ثبوتاً، حيث لايلزم منه أىّ محذور من المحاذير المتقدمة كالدور او الخلف او توقّف
الشي على نفسه مباشرة، و ذلك لان الظن يتوقف على الحكم في مرتبة الجعل، والحكم في
هذه المرتبة لايتوقف عليه و مايتوقف عليه هوالحكم في مرتبة الفعلية فاذن لادور لان
ما يتوقف عليه الظن غير ما يتوقف على الظن.
و اما الثالث و هو أخذ الظنّ بالحكم في موضوع ضده، فهو غير معقول فيما اذا كان الظن
معتبراً، لاستلزامه التكليف بالضدّين، كما لوقيل اذا ظننت بوجوب الصلاة، حرمت عليك
الصلاة، او لو قيل اذا ظننت بحرمة شرب الخمر، و جب عليك شربها و هكذا، لان مقتضى
الظن بوجوب الصلاة، لزوم الاتيان بها، و مقتضى حرمتها وجوب الاجتباب عنها، و كذلك
الأمر بالنسبة الى المثال الثاني، و من الواضح انه لايمكن جعل مثل هذا التكليف،
لانّه لغو على أساس ان جعل التكليف من المولى لايمكن ان يكون جزافاً، فلا محالة
يكون الهدف من وراء جعله ايجاد الدّاعي في نفس المكلف، و من الطبيعي ان ايجاد
الداعي به انّما هو فيما امكن امتثاله في مرحلة الفعلية، و في المقام يستحيل
الامتثال، ضرورة ان امتثال الوجوب والحرمة معاً في شي واحد مستحيل هذا كله في الظن
المعتبر، و اما اذا كان غير معتبر شرعاً، فهل يمكن أخذه في موضوع ضدّه؟
و الجواب: انه لامانع منه، لان الظن غير المعتبر اذا كان تمام الموضوع للحكم،
فالحكم المجعول له والمترتب عليه و ان كان و اصلاً الى المكلف بوصول موضوعه، الا ان
الحكم المتعلق به الظن، لايكون و اصلاً شرعاً لابوصول و جداني و لاتعبّدي، اما
الاول فهو ظاهر، اما الثاني فلان الظن لايكون حجّة حتى يثبت مؤدّاه تعبداً، فاذن
لايكون منجزاً و داعياً و محركاً للمكلف، وعليه فلاتنافي و لاتضاد بينهما لا في
مرحلة الامتثال، باعتبار ان وجوب الصلاة الذي هو متعلق الظن غير ثابت شرعاً حتى
يكون مزاحماً لحرمتها، و كذلك حرمة شرب الخمر فان الظن بها حيث انه لايكون حجة، فلا
يكون مثبتاً لها شرعاً حتى تكون مزاحمة لوجوب شربها، و على الجملة فكما انه لاتنافي
بينهما في مرحلة الامتثال، فكذلك لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي، لان وجوب الصلاة
في المثال حيث انه لايمكن ان يكون منجزاً، فلا يكشف الا عنّ المصلحة غير الواصلة و
المنجزة، و هي لاتصلح ان تزاحم المفسدة الواصلة المنجزة، و عليه فلا يكون المكلف
مسؤولاً امام تلك المصلحة، و اما اذا كان الظن جزء الموضوع و جزئه الآخر الحكم
الواقعي، فكلا الحكمين غير و اصل الى المكلف، اما الحكم المجعل على الظن فلان
موضوعه المركب من الظن و الواقع غير محرز بكلا جزئيه، لان الجزء الاول المتمثل في
الظن و ان كان محرزاً وجداناً، الا انّ جزئه الآخر المتمثل في الحكم الواقعى غير
محرز لاوجداناً و لاتعبداً، اما الاول فواضح، و اما الثاني فلأن الظن لايكون حجة
حتى يكون محرزاً له تعبداً، و اما الحكم المتعلق به الظن كوجوب الصلاة في المثال،
فحيث ان الظن به غير معتبر، فلا يثبت به لاوجداناً كما هو واضح و لاتعبداً فاذن
لامقتضى لاللتزاحم و التنافي في مرحلة التطبيق و الامتثال ولا في مرحلة المبادي،
لان التزاحم والتنافي بين الأحكام في مرحلة الأمتثال انما هو بوصولها و تنجزها
بمالها من المبادي، و اما مع عدم الوصول و التنجّز، فلا موضوع للتزاحم و التنافي
بينها.
و من هنا يظهر ان ما ذكره السيد الاستاذ(ره) من عدم امكان أخذ الظن غير المعتبر في
موضوع حكم مضاد لحكم متعلقه ايضاً، معللاً بان ذلك يستلزم اجتماع الضدّين اذا كان
الظن مطابقاً للواقع، إذ يجتمع حينئذ الوجوب و الحرمة في شي واحد في مرحلة التشريع
و المصلحة و المفسدة في مرحلة المبادي غير تام، لمامرّ من ان الظن غير المعتبر ان
كان تمام الموضوع، فالمنجز احد الحكمين و هو الحكم المترتّب على الظنّ من باب ترتبه
على موضوعه، و اما الحكم الآخر و هو المتعلق به الظن، فلا يكون و اصلاً الى المكلف
و منجزاً، باعتبار ان الظن لايكون حجّة حتى يكون مثبتاً له، فاذن لاتزاحم و لا
تنافي بينهما لا في مرحلة الامتثال و لا في مرحلة المبادي(45) كمامرّ، فما ذكره(ره)
من لزوم اجتماع حكمين متضادّين على شي واحد مما لايمكن المساعدة عليه، لان الوجوب
غير المنجز و الواصل الى المكلف لايكون مضاداً للحرمة المنجزة الواصلة لا في مرحلة
الامتثال و لا في مرحلة المبادي، و ان كان الظن جزء الموضوع، فلا يترتب عليه الحكم،
لان ترتبه منوط باحراز موضوعه بكلا حزئيه، و المفروض ان الجزء الثاني و هو الحكم
الواقعي غير محرز لاوجداناً كما هو ظاهر و لاتعبداً كما تقدّم، و عليه فكلا الحكمين
غير واصل الى المكلف لاالحكم المترتّب على الظن و لاالحكم المتعلق به الظن، فاذن
لامقتضى للتضاد و التنافي لا في مرحلة الامتثال و لا في مرحلة المبادي، اذ لامانع
من اجتماع الوجوب و الحرمة في شي واحد في مرحلة الجعل و الاعتبار، و لايلزم من
اجتماعهما فيه في هذه المرحلة اجتماع الضدّين، حيث لامضادة بينهما في هذه للمرحلة،
كما انه لامضادة و لامنافاة بين المصلحة و المفسدة غير واصلتين، و لابين المصلحة
غير الواصلة و المفسدة الواصلة، فالنتيجة في نهاية المطاف ان الظن بالحكم اذا أخذ
في موضوع حكم مضادله او مماثل او مخالف، فان كان تمام الموضوع للحكم، فهو مترتب
عليه بدون فرق في ذلك بين كونه معتبراً، او غير معتبر غاية الامر ان كان معتبراً
اثبت متعلقه ايضا تعبداً و إلاّ فلا، و ان كان جزء الموضوع، فان كان معتبراً، اثبت
جزئه الآخر فيترتب عليه حينئذ حكمه، و إلاّ لم يثبت لاالحكم المترتب عليه و لاالحكم
المتعلق به.
اما الاول فلعدم تحقق موضوعه، و اما الثاني فلان الظن لايكون حجّة.
امالرابع و هو ما اذا أخذ الظن بالحكم في موضوع مثله، كما اذا قيل اذا ظننت بوجوب
الصلاة وجب عليك الصلاة، فان كان الظن تمام الموضوع ترتب عليه حكمه، بلافرق في ذلك
بين كونه معتبراً أو لا، غاية الأمر اذا لم يكن معتبراً لم يثبت متعلقه، و لكن يمكن
اثباته من ناحية اخرى، و ان كان جزء الموضوع و جزؤه الآخر الواقع، فايضاً لافرق بين
كون الظن معتبراً أو غير معتبر شريطة اثبات متعلقه من طريق آخر، و حينئذ فهل يمكن
ذلك أي اخذ الظن بالحكم في موضوع مثله و لايلزم منه اجتماع المثلين.
و الجواب: انه لامانع، إذ لامحذور في اجتماع حكمين متماثلين في شي واحد بعنوانين، و
الملاك في مورد الاجتماع و ان كان واحداً ذاتاً إلاّ انّه متعدد جهة على تفصيل تقدم
هذا.
و اما السيّد الاستاذ(ره) فقد ذكر انه لامانع منه في المقام و ان قلنا بعدم امكان
ذلك في باب القطع، بمعنى انه لايمكن أخذ القطع بحكم في موضوع مثله و قد افاد في وجه
ذلك ان النسبة بين ثبوت الواقع و بين الظن به عموم من وجه حتى بنظر الظان، باعتبار
انه يحتمل خطأ ظنّه للواقع و عدم مطابقته له، بينما القاطع لايحتمل خطأ قطعه للواقع
و عدم مطابقته له، و على هذا فيمكن ان يكون الواقع ثابتا و لاظن به، و يمكن ان يكون
الظن به موجوداً و الواقع غير ثابت، كما اذ كان الظن مخالفاً له، و يمكن اجتماع كلا
الامرين معاً، كما اذا كان الظن بالحكم مطابقاً للواقع، فانه مورد الالتقاء و
الاجتماع بينهما، و في هذا المورد يتاكد الحكمان فيصبحان حكماً واحداً موكداً، و
نتيجة ما افاده (ره) ان الحكمين المتماثلين في مورد الاجتماع و الالتقاء يتأكدان
فيندك احدهما في الآخر و يصبحان حكماً واحداً أقوى و آكد من كل منهما بحده هذا.
و للمناقشة فيه مجال، فانه(ره) ان اراد بتأكّد أحد الحكمين بالآخر في مورد الالتقاء
و الاجتماع التأكّد و التوحّد في مرحلة الفعلية، فلا موضوع له في هذه المرحلة، و
ذلك لانّ الحكم لايكون موجوداً فيها حتى يندك احدهما بالآخر و انما هو موجود في
عالم الاعتبار، فيستحيل ان يوجد في الخارج و إلاّ لكان أمراً خارجياً و هو خلف، هذا
اضافة الى انه فعل اختياري للمولى مباشرة، فلا يمكن افتراض التأثير و التأثر فيه و
الاندكاك و ان راد به التأكد و التوحد في مرحلة الجعل و الاعتبار.
فيرد عليه ان معنى التأكّد والتوحّد في هذه المرحلة، ان كان بمعنى تأثير اعتبار في
اعتبار آخر تكويناً و قهراً، كتأثير العلة في المعلول، ففيه انه خلف فرض كونه فعلا
اختيارياً للمولى مباشرة من ناحية، و كونه امراً اعتبارياً لاواقع موضوعي له من
ناحية اخرى، و ان كان بمعنى ان المولى جعل في مورد الاجتماع حكما ثالثاً مؤكداً بعد
تقييد اطلاق كل منهما بمورد افتراقة، فهو و ان كان ممكناً ثبوتاً في نفسه إلاّ انه
لايمكن اثباته هذا بحسب الكبرى الكلية، و اما في المقام فلا يمكن ذلك ثبوتاً ايضاً،
بيان ذلك ان في المقام دليلين كانت النسبة بينهما عموماً من وجه الدليل الاول يدل
على وجوب الصلاة في الواقع و اطلاقه يشمل ما اذا كان المكلف ظاناً بوجوبها او لا.
و الدليل الثاني يدل على وجوب الصلاة المظنون وجوبها و اطلاقه يشمل ما اذا كان الظن
بوجوبها مطابقاً للواقع أو لا و مورد الالتقاء و الاجتماع بينهما ما اذا كان الظن
بوجوب الصلاة مطابقا للواقع فانه مشمول لاطلاق كل من الدليلين، و مورد افتراق اطلاق
الدليل الاول هو ما اذا كان وجوب الصلاة ثابتاً في الواقع و لاظن به، و مورد افتراق
اطلاق الدليل الثاني هو ما اذا كان الظن بوجوبها غير مطابق للواقع، و على هذا فان
اريد بتأكيد الحكم و توحيده في هذه المرتبة ان المولى جعل في مورد الاجتماع حكما
أقوى و اكد من كل من الحكمين في مورد الافتراق بحدّة.
فيرد عليه انه غير معقول، لان لازم ذلك تقييد اطلاق كل من الدليلين بمورد افتراقه،
و مورد افتراق الدليل الاول هو الصلاة المقيّدة بعدم الظن بوجوبها في الواقع، و
مورد افتراق الدليل الثاني هو الظن بوجوب الصلاة غير المطابق للواقع و كلا
التقييدين لايمكن.
اما التقييد الاول فهو مستحيل الا في فرض واحد و هو مااذا كان عدم الظن بوجوب
الصلاة مأخوذاً في موضوع، وجوبها بنحو تمام الموضوع وعندئذ لايلزم محذور الدور، لان
وجوب الصلاة يتوقف على عدم الظن به من باب توقف الحكم على موضوعه و عدم الظنّ به
لايتوقف عليه، و اما اذا كان عدم الظن به جزء الموضوع سواءً اكان الظنّ ملحوظاً
بنحو الطريقية او الصفتيّة، و جزئه الآخر الحكم و هو وجوب الصلاة في المثال، فيلزم
عند ئذ توقّف الشي على نفسه ابتداءً و مباشرة، باعتبار ان وجوب الصلاة قد أخذ في
موضوع نفسه مباشرة، فيلزم حينئذ توقف الشي على نفسه و هو محال.
و اما التقييد الثاني فهو لايمكن، لان جعل الوجوب للصلاة المظنون وجوبها بالظن غير
المطابق للواقع لغو و جزاف، إذ لا يمكن فعلية هذا الوجوب و وصوله الى المكلف و
تحريكه نحو الامتثال، و من الواضح ان الغرض من جعل الحكم هو تحريك المكلف نحو
امتثاله عند وصوله إليه، فاذا أستحال وصوله، استحال جعله ايضاً لانه لغو، و في
المقام الظان بوجوب الصلاة و ان احتمل عدم مطابقته للواقع، إلاّ انّه مجرد احتمال
لايبلغ درجة الظن بعدم المطابقة، كيف فانه ظان بالمطابقة و معه لايمكن ان يكون
ظاناً بعدم المطابقة، لان الجمع بين الأمرين كالجمع بين النقيضين لايمكن، و بكلمة
ان موضوع هذا الوجوب مقيّد بالظن غير المطابق للواقع، و لايمكن للظان به ان يظن بان
ظنّه بالوجوب غير مطابق للواقع، لانه خلف فرض كونه ظاناً بثبوته فيه، و حيث ان
موضوع وجوب الصلاة مقيّد بالظن غير المطابق للواقع، فلابدّ من احراز هذا الموضوع و
هو كون هذا الظن غير مطابق للواقع اما وجدانا او تعبّداً، و لايمكن شي منهما.
اما الاول فلا علم للظانّ في المقام بان هذا الظن منه غير مطابق للواقع، بداهة انه
لايمكن ان يعلم الظان به بان ظنه هذا غير مطابق له.
و اما الثاني فلان الظان بالوجوب لايمكن ان يظن بان ظنه هذا غير مطابق للواقع، و
إلاّ لزم خلف فرض كونه ظاناً بالوجوب، إذ معناه انه ظان بالمطابقة لاظان بعدم
المطابقة، فالجمع بينهما جمع بين المتناقضين.
فالنتيجة فى نهاية الشوط ان التأكّد و التوحّد بين حكمين متماثلين في شي واحد غير
معقول، لا في مرحلة الاعتبار و الجعل و لا في مرحلة الفعلية والتطبيق ولابجعل حكم
ثالث أقوى و اكد في مورد الاجتماع و تقييد اطلاق كل من الدليلين بمورد الافتراق.
نتيجة البحث عدة نقاط:
الاولى: ان أخذ عدم العلم الخاص بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبه
المجعول بمكان من الامكان ثبوتاً، و اما أخذ عدم العلم الخاص به في موضوع نفسه في
مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل، فان كان بنحو جزء الموضوع فلا يمكن، و ان كان بنحو
تمام الموضوع فلا مانع منه، و كذلك أخذه بالحكم الفعلي في موضوع نفسه في مرتبة
الجعل، و قد تقدم تفصيل كل ذلك.
الثانية: ان أخذ الظن بالحكم في موضوع نفسه في مرتبة واحدة و هي مرتبة الجعل
لايمكن، بدون فرق في ذلك بين كون الظن تمام الموضوع أو جزئه، غاية الامر ان كان
الظن جزء الموضوع، فالاستحالة انما هي من جهة توقف الشي على نفسه مباشرة، باعتبار
ان لازم ذلك هو ان شخص الحكم المجعول مأخوذ في موضوع نفسه، و ان كان تمام الموضوع
فالاستحالة انما هي من جهة لزوم الخلف بنظر الظان، و لافرق في ذلك بين كون الظن
معتبراً او غير معتبر.
الثالثة: انه لامانع من أخذ الظن بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة
المجعول، و لايلزم منه محذور الدور و لاالخلف، و على هذا فان كان الظن تمام
الموضوع، فلا فرق بين كونه معتبراً او غير معتبر، و ان كان جزء الموضوع، فان كان
معتبراً يثبت جزئه الآخر شرعاً و إلاّ فلا.
الرابعة: ان أخذ الظن بالحكم في موضوع حكم مضاد له، فان كان معتبراً استحال أخذه
فيه، لاستلزامه التكليف بالضدّين، و ان لم يمكن معتبراً فلا مانع منه، حيث لايلزم
حينئذ محذور التكليف بالضدّين، و لافرق في ذلك بين ان يكون تمام الموضوع او جزئه
على تفصيل تقدّم.
الخامسة: انه لامانع من اخذ الظن بالحكم في موضوع حكم آخر مماثل له، بلافرق بين
كونه تمام الموضوع او جزئه، كما انه لافرق بين كونه معتبرا أو غير معتبر.
السادسة: انه لامانع من اجتماع حكمين متماثلين في شي واحد في مرحلة الاعتبار و
الجعل، و اما في مرحلة المبادي فيكون المبدء في مورد الاجتماع واحداً ذاتاً و
متعدداً جهة، و ما ذكره السيّد الاستاذ (ره) من انه يندك احدهما في الآخر في مورد
الاجتماع فيصبحان حكماً واحداً آكد و أقوى من كل منهما بحدّه، غير تام كما تقدّم
مفصّلاً.
قيام الامارات مقام القطع
يقع الكلام هنا في مسألتين:
الاول: في قيام الامارات المعتبرة مقام القطع.
الثانية: في قيام الاصول العملية الشرعيّة مقام القطع.
اما الكلام في المسألة الاولى فيقع في مقامات:
الاول في قيام الامارات مقام القطع الطريقي.
الثاني في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بنحو الطريقيّة.
الثالث في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بنحو الصفتيّة.
اما الكلام في المقام الاول فلاشبهة في ان الامارات بدليل حجيّتها تقوم مقام القطع
الطريقي المحض، لان معنى حجّتها انهامنجزة للواقع على تقدير الاصابة و معذرة على
تقدير الخطا فتقوم مقامه في هذا الأثر، و الخلاصة كما ان القطع بالواقع المولوي
منجزله على تقدير الاصابة و معذرّ على تقدير الخطا و كذلك الامارات بعد حجيّتها.
و بكلمة ان المكلف إذا قطع بوجوب شي في الواقع كوجوب الصلاة مثلاً ترتب عليه أثره و
تنجز، و كذلك اذا قامت الامارة على وجوبه، و هذا معنى قيام الامارات مقام القطع
الطريقي، و لافرق في ذلك بين ان تكون حجّيتها بمعنى جعل الطريقيّة و الكاشفية و
العلم التعبّدي كما عليه مدرسة المحقق النائيني(ره)(46)، او بمعنى جعل المنجزية و
المعذّرية كما بنى عليه المحقق الخراساني(ره)(47)، او بمعنى تنزيل المؤدى منزلة
الواقع و جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي على تقدير الاصابة كما بنى عليه
شيخنا الانصاري (ره)(48) او لاتكون مجعولة اصلاً و انما هي منتزعة من امضاء الشارع
بناء العقلاء على العمل باخبار الثقة و ظواهر الالفاظ، حيث انه لايكون هناك الابناء
من العقلاء على العمل بها بنكتة اقربيتها الى الواقع و كاشفيتها عنه، على اساس ان
بنائهم على العمل بشي لايمكن ان يكون جزافاً و بلا نكتة، و النكتة في المقام هي
الاقربيّة الى الواقع و الكاشفيّة الذاتية، و اما من طرف الشارع فليس هنا الا امضاء
هذا البناء و تقريره، و يكفي في الامضاء سكوته و عدم الردع من العمل بها، و من هنا
قلنا ان كاشفيتها لايمكن ان تكون مجعولة لانها ذاتيّة لها، و تعلق الجعل بها
تشريعاً لايزيد في كاشفيتها خارجاً بل يستحيل ان يؤثر فيها، ضرورة ان الجعل
التشريعي لايؤثر في التكوين، و على الجملة فحجيّتها منتزعة من امضاء الشارع لبناء
العقلاء على العمل بها و هي بمعنى المنجزيّة و المعذرّية، و من هنا يظهران ما ذكره
المحقق الخراساني(ره) من ان المجعول في باب الامارات هو المنجزية و المعذريّة غير
تام، لانه(ره) ان اراد بجعلهما جعل واقع المنجزية و المعذرية، ففيه ان واقعهما حكم
عقلي منتزع من امضاء الشارع بناء العقلاء على العمل بالأمارات لا انّه مجعول من قبل
الشارع، و ان اراد به جعل مفهوم المنجزيّة و المعذريّة.
ففيه انه لايغير الواقع و لايجعل ما ليس بمنجزّ منجزاً و ما ليس بمعذّر معذّراً،
ضرورة انه لاوجود له إلاّ في افق الذهن حتى يكون مؤثراً، فاذن جعله ليس إلاّ مجرد
لقلقة اللسان بدون أيّ تأثير له في الواقع، و اما ما ذكره شيخنا الانصاري(ره) من ان
معنى الحجيّة تنزيل المودى منزلة الواقع.
فيرد عليه اولا انه ليس للتنزيل في ادلة حجية الامارات التى عمدتها بناءِ العقلاء
عين و لا أثر،
و ثانيا ان ترتيب أثر الواقع على المؤدى لايتوقف على التنزيل، بل يكفي في ذلك اتصاف
الامارات بالحجية ابتداءً بدون عناية التنزيل، و يكفي في اتصافها بها امضاء الشارع
بناء العقلاء على العمل بها بدون أيّ جعل و اعتبار منه، فالنتيجة ان هذه التفسيرات
لحجيّة الامارات بهذه الصيغ الخاصة لاتتعدى في الحيقيقة عن مجرد تعبيرات لفظية
لاتحكي عن الواقع الموضوعي كما انّها لاتؤثر في جوهر الواقع.
الى هنا قد تبيّن ان الامارات تقوم مقام القطع الطريقي بدليل حجيّتها على جميع
الأقوال فيها.
و لكن قد يدعي انه يستحيل قيام الامارات مقام القطع ثبوتاً، و حينئذ فلاتصل النوبة
الى مقام الاثبات و البحث عن انها تقوم مقامه او لا، و حاصل هذه الشّبهة هو ان
الامارات لاتوجب العلم الوجداني بالواقع و ان قلنا ان حجيّتها بمعنى جعلها علماً
تعبّدياً، لان الواقع في مواردها يبقى مشكوكاً و مجهولاً، فاذن تكون الامارات على
خلاف قاعدة قبح العقاب بلا بيان و لاتكون رافعة لهذه القاعدة بارتفاع موضوعها، و
عليه فالقاعدة هي الحاكمة في موارد الامارات و لامجال للعمل بها في مقابلها، لان
العقاب على مخالفتها من العقاب بلا بيان و هو قبيح تطبيقاً للقاعدة.
و قد أجيب عن هذه الشبهة بوجوه:
الاول: ان هذه الشبهة مبنية على المشهور من ان الاصل الاولي في الشبهات الحكمية
قاعدة قبح العقاب بلا بيان لاقاعدة حق الطاعة، و اما على مسلك من يقول بان الأصل
الأولي فيها قاعدة حق الطاعة لاقاعدة قبح العقاب بلا بيان فلا موضوع لهذه الشبهة،
إذ حينئذ تكون الامارات القائمة على الاحكام الشرعية مؤكدّة لهذه القاعدة.
و الجواب: أولاً ان هذا الحلّ ليس حلاً واقعياً و جذرياً، بل هو مبنائي، لان
المشكلة تبقى على مبنى من يقول بان الاصل الاولي في الشهات الحكميّة قاعدة قبح
العقاب بلا بيان كما هو المشهور بين الاصوليين قديماً و حديثاً.
و ثانياً ان الصحيح في المسألة ما هو المشهور من ان الأصل الاولي فيها قاعدة قبح
العقاب بلا بيان لاقاعدة الاشتغال و حق الطاعة.
الثاني: ان الامارات الشرعية بدليل حجيّتها تكون حاكمة على القاعدة، فان البيان
فيها و ان كان ظاهراً في البيان الوجداني، إلاّ ان الامارات بعد حجيتها بيان شرعاً،
فاذا كانت بياناً بحكم الشارع كانت حاكمة على القاعدة و رافعة لموضوعها تعبداً،
باعتبار أنها توسع دائرة البيان و تجعله اعمّ من البيان الوجداني و البيان التعبدي،
فاذن لابد من العمل بالامارات دون القاعدة.
و الجواب: اولاً ان الحكومة انّما تتصور في احكام شريعة واحدة من مشرع واحد كما هو
الحال في سائر موارد الجمع الدلالي العرفي و موارد التعارض و التزاحم، اذ حينئذ
قديقع التعارض بين حكمين من احكام شريعة واحدة، و قد يمكن الجمع الدلالي العرفي
بينهما، و قد يكون احدهما حاكماً على الآخر و هكذا.
و الخلاصة ان كل ذلك انما يتصوّر في احكام شريعة واحدة من مشرع واحد، و من هنا يكون
النبي الاكرم(ص) و الائمة الاطهار(ع) جميعاً بمثابة متكلم واحد، لان كلهم يتكلم
بلسان واحد و هو لسان الشرع و يحكي عن شريعة واحدة، و لهذا قد يقع التعارض بين
رواية صادرة عن امام و رواية صادرة عن امام آخر مع ان وقوع التعارض بينهما منوط
بصدورهما من متكلم واحد باعتبار انهما بمثابة متكلم واحد، غاية الامر ان وحدة
المتكلم تارةً تكون حقيقية و اخرى حكميّة، و على هذا فلا تتصور الحكومة بين الحكم
الشرعي و الحكم العقلي العملي، باعتبار ان العقل يحدّد موضوع حكمه سعة وصيقاً و
لادخل للشرع فيه اصلا، فاذا كان موضوع حكمه محدداً بعدم البيان الوجداني، فلا قيمة
للبيان التعبدي و لايكون رافعاً لموضوع حكمه، فان الرافع له انما هو البيان
الوجداني تكويناً، فاذن لامعنى لحكومة الامارات بدليل حجيّتها على القاعدة.
و فيه ان هذا الجواب مبني على ان يحدد العقل موضوع حكمه بالقبح بعدم البيان
الوجداني، و لكن الامر ليس كذلك، لوضوح ان موضوع حكمه حسب تحديده و ادراكه هو عدم
الحجة، فانه يحكم بقبح العقاب بلاحجة، و على هذا فالامارات بما انها حجة فهي واردة
على القاعدة و رافعة لموضوعها وجداناً.
و ثانياً مع الأغماض عن ذلك و تسليم ان الحكومة في المقام متصورة إلاّ انّ الامارات
انما تكون حاكمة عليها بناء على ما تبنّت عليه مدرسة المحقق النائيني(ره) من ان
المجعول فيها الكاشفية و العلم التعبدّي، فاذا كانت الامارات علماً تعبدياً بمقتضى
دليل حجّيتها، كانت حاكمة على القاعدة و رافعة لموضوعها تعبداً، و لكنها لا تتمّ
على ضوء سائر المذاهب في تفسير الحجية، فانه على ضوئها الحجية اما بمعنى جعل
المنجزية و المعذرية او الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي على تقدير الاصابة او
انها غير مجعولة اصلاً، و انّما هي منتزعة من امضاءِ الشارع لبناء العقلاء على
العمل بها و على جميع التقادير فلا موضوع للحكومة.
الثالث: ذكر المحقق العراقي (ره) ان الامارات لاتخلو من ان تكون مطابقة للواقع او
مخالفة له و لاثالث لهما و إلاّ لزم ارتفاع النقيضين، فعلى الاول تكون الامارت
الشرعية كاخبار الثقة و ظواهر الآيات و الروايات من الخطابات الحقيقيّة و تحكي عن
الاحكام الواقعيّة في الواقع و ما لها من الملاكات و المبادي الحقيقة في المرتبة
السابقة و تكون منجزة لها بحكم العقل، و يترتب على تنجزها استحقاق العقوبة على
مخالفتها و المثوبة على موافقتها.
و على الثاني تكون من الخطابات الظاهرية التي لاواقع موضوعي لها و لاتحكي عن شي من
الاحكام في الواقع و لا من الملاكات و المبادي، فيكون وجودها وجوداً خيالياً و
تصورياً فحسب بدون ان يكون لها واقع موضوعي.
و على هذا فحيث ان الخطابات الواردة في الكتاب و السنة المتمثلة في الامارات
الشرعية مرددة بين الخطابات الحقيقيّة المطابقة للواقع التي تكون بياناً واقعاً و
شرعاً، والخطابات الظاهريّة غير المطابقة للواقع التي لاتكون بياناً كذلك، فتكون
الشبهة حينئذ مصداقيّة، و لاندري انها بيان رافع لموضوع القاعدة او لا، و عندئذ فلا
يمكن التمسك بالقاعدة في مواردها لانه من التمسّك بالعام في الشبهة المصداقية.(49)
و الجواب: انه (ره) ان اراد بان الامارة على تقدير الاصابة للواقع بيان و على تقدير
عدم الاصابة ليست ببيان، انها حجة على الاول و ليست بحجة على الثاني.
فيرد عليه ان الامارة حجة مطلقا سواءً أصابت الواقع أم لا، ضرورة انه لايمكن تقييد
حجيّتها باصابتها للواقع و إلاّلكان جعلها لها لغواً و جزافاً، لان جعل الحجيّة لها
حينئذ متوقف على العلم بمطابقتها للواقع، فلو علم بالمطابقة فلا موضوع لجعل الحجية
لها، فان موضوع جعلها عدم العلم بالمطابقة و الجهل بها، و اما مع العلم بها فيكون
جعلها لغواً لانه لاموضوع لها حينئذ.
او فقل ان حجية الامارات لو كانت مشروطة باصابتها للواقع، فلا يمكن وصولها الى
المكلف طالما يكون جاهلاً بالاصابة و لايعلم بها، و اما اذ اعلم بها فلا موضوع لها.
و من هنا تكون الامارة حجة مطلقا، غاية الأمر في صورة المطابقة تكون منجزة للواقع و
في صورة عدم المطابقة معذرة.
و ان اراد بذلك انها بيان على تقدير المطابقة للواقع و ليست ببيان على تقدير عدم
المطابقة.
فيرد عليه ان البيان و عدم البيان من الأمور الوجدانية و لايعقل الشك فيها، لان
الشبهة المصداقية في القضايا الوجدانية غير متصوّرة، وعلى هذا فبيانية هذه الامارات
وجداناً تتوقف على العلم بمطابقتها للواقع، و فرض العلم بالمطابقة خلف فرض كونها من
الامارات الظنيّة.
فالنتيجة ان موضوع القاعدة حيث انه عدم البيان الوجداني، فلا تتصور فيها الشبهة
المصداقيّة.
و ان اراد بذلك انها منجزة للواقع على تقدير الاصابة و غير منجزة له على تقدير
الخطأ.
فيرد عليه ان الامر و ان كان كذلك، إلاّ ان مرجع هذا الى الشك في تنجّز الواقع بوصف
كونه مشكوكاً به، و من الواضح ان هذا الشك لايرجع الى الشك في تحقق مصداق موضوع
القاعدة لتكون الشبهة بالنسبة اليها مصداقية، لمامرّ من ان موضوعها عدم البيان
الوجداني و لهذا لاتتصور الشبهة المصداقية فيها.
الى هنا قد تبيّن ان ما ذكره المحقق العراقي(ره) من انه لايمكن التمسّك بقاعدة قبح
العقاب بلا بيان في موار الامارات المعتبرة شرعاً لانه من التمسّك بالعام في الشبهة
المصداقيّة، لايرجع الى معنى محصل.
الرابع: ان قاعدة قبح العقاب بلا بيان تختّص بالأحكام الالزاميّة التي يشكّ المكلف
فيها و لايعلم ان المولى راض بتفويتها في حال الجهل بها او غير راض به، ففي ذلك
تكون القاعدة هي المرجع و بها يدفع احتمال العقاب على تفويتها على تقدير ثبوتها في
الواقع. لان احتمال ثبوت التكليف في الواقع مساوق لاحتمال العقاب طالما لم يكن هناك
مؤمن، و على هذا فمورد هذه القاعدة الاحكام الالزامية المشكوك ثبوتها في الواقع،
شريطة ان لايعلم المكلف بان المولى لايرضى بتفويتها حتى في هذه الحالة و إلاّ فلا
مجال للتمسّك بها، و اما اذا لم يعلم بان المولى راض بتفويتها في تلك الحالة او غير
راض، فيرجع الى القاعدة و يدفع احتمال العقاب على تفويتها اذا كانت ثابتة في
الواقع.
و هذا بخلاف الاحكام المشكوكة التى يعلم المكلف بسبب او آخر بان المولى لايرضى
بتفويتها أصلاً حتى في حال احتمال ثبوتها في الواقع، و ذلك كحفظ النفس المحترمة و
نحوهما، فانا قد علمنا من الكتاب و السنة اهتمام الشارع بحفظ هذه الاحكام بمالها من
الملاكات الواقعية و عدم الرضا بتفويتها أصلاً حتى في صورة احتمال ثبوتها في
الواقع، فاذا شك في فرد انه مسلم او كافر، لم يجز قتله تطبيقاً لقاعدة قبح العقاب
بلا بيان، و ان كان احتمال كونه مسلماً في الواقع ضعيفاً، لان المولى لايرضى بقتله
أصلاً حتى فيما اذا كان احتمال كونه محقون الدم ضعيفاً جداً، و عليه فالعلم بالقضية
الشرطية و هي ان المولى لايرضى بقتل فرد على تقدير كونه مسلماً و ان كان موهوماً،
بيان على ان المكلّف مسؤول امام ذلك و مستحق للعقاب، فاذن تنتفي القاعدة بانتفاء
موضوعها، لان موضوعها مقيّد بعدم علم المكلف بان المولى لايرضى بتفويتها، و اما مع
العلم بذلك فلا موضوع لها هذا بحسب مقام الثبوت، و اما في مقام الاثبات، فالاحكام
الظاهرية المتمثلة في الامارات المعتبرة و الاصول العملية الشرعية ليست مجعولة في
عرض الاحكام الواقعيّة التى لها ملاكات و مبادي في الواقع، فان تلك الملاكات
والمبادي هي حقيقة الأحكام و روحها، و إلاّ فالاحكام بما هي اعتبارات فلاقيمة لها،
إذ لو كانت مجعولة في عرضها، فلابدّ ان تكون ناشئة عن الملاكات الواقعيّة و المبادي
في مقابل مبادي الاحكام الواقعيّة، و عليه فتكون احكاما شرعية حقيقية في عرض
الاحكام الواقعية.
و الخلاصة ان الاحكام الظاهريّة الالزاميّة احكام طريقيّة و لاشأن لها في مقابل
الاحكام الواقعيّة و منشأها اهتمام الشارع بالحفاظ على الملاكات و المبادي للاحكام
الواقعيّة، و لهذا تكون في طولها.
و ان شئت قلت ان الغرض من وراء جعلها الحفاظ على الاحكام الواقعيّة، بما لها من
الملاكات و المبادي، لان اهتمام الشارع بالحفاظ عليها و عدم جواز تفويتها حتى في
ظرف الجهل و الشك فيها، دعاه الى جعل هذه الاحكام الظاهرية اللزومية، و من هنا تكون
تلك الاحكام طريقية و في طول الاحكام الواقعيّة و لاشأن لها في مقابلها إلاّ الحفاظ
عليها تنجيزاً عند الاصابة و لاتتطلب موافقتها و امتثالها، في مقابل موافقة الاحكام
الواقعيّة و امتثالها لان موافقتها انما هي بموافقة الاحكام الواقعيّة و امتثالها،
بامتثالها و لهذا تكون من شؤونها و تبعاتها فلا موضوع للمضادة و المخالفة بينها و
بين الاحكام الواقعيّة، كيف فانها طريق إليها و تثبتّها تنجيزاً او تعذيراً، و بقطع
النظر عن ذلك فلا قيمة لها بل لاواقع لها، و من هنا لايستحق العقوبة على مخالفتها و
المثوبة على موافقتها بقطع النظر عن مخالفة الاحكام الواقعيّة و موافقتها، ضرورة
انه لاموافقة لها إلاّ بموافقة الاحكام الواقعية و لامخالفة لها إلا بمخالفتها،
فاذا قامت الامارات على وجوب صلاة الجمعة في يومها و خالف المكلف الامارة، فان كانت
مطابقة للواقع استحق العقوبة على مخالفته و ان لم تكن مطابقة للواقع، لم يستحق
العقوبة على مخالفة، الحكم الظاهري و هو الامارة المعتبرة، نعم يستحق العقوبة على
التجري، و من الواضح ان استحاق العقوبة عليه انما هو بملاك انه أقدم عامداً ملتفتاً
على مخالفة المولى و تفويت حقّه و هو حق الطاعة، و لايرتبط ذلك بمخالفة الحكم
الظاهري، لان مخالفته بنفسها ليست مخالفة للمولى.
و الخلاصة ان التجري انما ينطبق على اقدام المكلف عامداً عالماً على ارتكاب ما
يعتقد انه حرام و مبغوض للمولى في الواقع، إذ يترتّب عليه عنوان التعدّي على المولى
و تفويت حقّه و هو حق الطاعة، و لهذا يكون هذا الاقدام منه ظلماً في حق المولى، لان
معنى الظلم هو سلب ذا الحق عن حقّه، و على هذا فحيث ان الامارات المعتبرة احكام
ظاهرية مجعولة من قبل الشارع بملاك الحفاظ على الاحكام الواقعيّة الالزامية بمالها
من الملاكات و المبادي في الواقع، فتكشف عن اهتمام المولى بها مطلقا حتى في حال
الجهل و الشك فيها و عدم رضائه بتوفيتها كذلك، و بهذا ترتفع القاعدة في موارد
الامارات بارتفاع موضوعها، لان العلم بعدم رضاءِ الشارع بتفويتها حتى في ظرف الشك و
الجهل رافع لموضوعها، باعتبار انه بيان على استحقاق المكلف الأدانة و العقاب على
تفويتها، فاذن لاتكون العقاب عليه من العقاب بلا بيان بل هو مع البيان هذا.
و الجواب: ان علم المكلف باهتمام الشارع بالحفاظ على الأحكام الشرعية حتى في حال
الجهل و الشك فيها، انما يكون رافعاً لموضوع القاعدة اذا كانت علماً وجدانياً، و
المفروض انه ليس بعلم وجداني بل هو علم تعبّدي، لان الدال عليه انّما هو الامارات
المعتبرة و هي ظنيّة، هذا اضافةً الى انه علم تقديري، يعنى علم بالقضيّة الشرطيّة،
و المفروض ان هذا التقدير غير معلوم وجداناً.
الخامس: ما ذكره مدرسة المحقق النائيني(ره) و تقريبه، ان المراد من البيان المأخوذ
عدمه موضوعاً للقاعدة هو عدم الحجّة، بنكتة ان العقل مستقل بان العقاب بلاحجّة قبيح
و هذا من صغريات استقلاله بقبح الظلم، حيث انه لاشبهة في ان العقاب بلاحجة ظلم بل
هو من اظهر افراده و مصاديقه، و لاخصوصيّة للعلم إلاّ باعتبار انّه احد افراد
الحجّة و اظهرها، و على هذا فالامارات المعتبرة شرعاً حيث انها حجّة جزماً، فيكون
رافعة لموضوع القاعدة وجداناً، و عندئذ يكون العقاب في موارد الأِمارات المعتبرة
عقاباً مع الحجّة فلاتكون مشمولة للقاعدة، و لافرق في ذلك بين ان تكون حجيّتها
بمعنى جعل الطريقيّة و الكاشفيّة و العلم التعبّدي، أو بمعنى جعل المنجزيّة و
المعذريّة، أو بمعنى جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي على تقدير المطابقة
للواقع، أو بمعنى امضاء عمل العقلاء بها، و على جميع هذه الاقوال فالامارات حجة
قطعاً.(50)
فالنتيجة ان هذا الوجه هو الصحيح، و عليه فلامانع من قيام الامارات مقام القطع
الطريقي المحض.
و اما الاصول العمليّة الشّرعية التنزيلية و غيرها، فقد ظهر مما تقدّم انها واردة
على قاعدة قبح العقاب بلابيان و رافعة لموضوعها وجداناً، على أساس ان هذه الاصول
حجة من قبل الشارع جزماً، و قدتقدّم ان المراد من البيان المأخوذ عدمه في موضوع
القاعدة هو الحجة، و حيث ان الاصول العملية الشرعيّة حجة فتكون رافعة لموضوعها
وجداناً، فاذن تقوم الاصول العملية الشرعية مقام القطع الطريقي المحض في التنجيز و
التّعذير.
و اما الكلام في المقام الثاني، و هو قيام الامارات المعتبرة الشرعيّة مقام القطع
المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقيّة، فيقع في امكان ذلك اولا و على تقدير الأِمكان،
فهل تفي ادلة حجيّتها في مقام الاثبات للدلالة على ذلك؟
و الجواب: ان الكلام في ذلك يقع في مرحلتين:
الاولى: في امكان قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بنحو الطريقيّة ثبوتاً.
الثانية: في امكان استفادة ذلك من نفس ادلة حجية هذه الامارات اثباتاً.
اما الكلام في المرحلة الاولى، فقد ذكر المحقق الخراساني(ره) ان قيام الامارات
المعتبرة مقام القطع الموضوعي مستحيل، و قدأفاد في وجه ذلك ان معنى قيام الامارة
مقام القطع هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و حينئذ فان كان قيامها مقام القطع
الطريقي المحض، كان النظر الى كل من المؤدّى و الواقع استقلالياً و الى القطع و
الامارة آلياً، و ان كان قيامها مقام القطع الموضوعي، كان النّظر الى كل من القطع و
الامارة استقلالياً و الى المؤدّى و الواقع آلياً، و على هذا فلايمكن ان يكون دليل
حجيّة الامارة متكفّلا لكلا التنزيلين معا، ضرورة انّ لازم هذا الجمع بين اللّحاظ
اللآلي و الاستقلال في شي و هو مستحيل، إذ لايمكن ان يكون النّظر الى كل واحد من
الأِمارة و القطع و المؤدى و الواقع آلياً و استقلالياً معاً و في آن واحد و بجعل
فارد و هو جعل التنزيل، أو فقل انّه يستحيل الجمع بين تنزيل المؤدى منزلة الواقع و
بين تنزيل الامارة منزلة القطع في دليل واحد هذا.(51)
و للمناقشة فيه مجال، امّا اوّلا فلانّه مبني على ان يكون لسان ادلّة حجيّة
الامارات لسان تنزيل المؤدى منزلة الواقع، و لكن الأمر ليس كذلك، إذ لاعين و لاأثر
للتنزيل في ادلة حجيّتها من الكتاب و السنّة.
و ثانياً مع الأِغماض عن ذلك و تسليم ان ادلّة الحجيّة لوكانت من الادلّة اللفظيّة
كالكتاب و السنّة، لامكن ان يقال ان لسانها لسان التنزيل و لو بحسب مقام اللبّ و
الواقع و ان لم يكن كذلك بحسب مقام الأِثبات، و لكن الامر ليس كذلك، لان عمدة
الدليل على حجيّة الامارات في هذا المقام هي سيرة العقلاء على العمل بها، و من
الواضح انه لا لسان للسيرة حتى بحسب مقام اللّب و الواقع، لانّها دليل لبّي و عبارة
عن عمل العقلاء بها، بنكتة انها اقرب الى الواقع من غيرها و أقوى كشفاً عنه، فمن
اجل هذه النكتة قدجرى بنائهم على العمل بها دون غيرها، و لم يرد من الشارع أيّ ردع
عنها، و عدم الردع يكشف عن الامضاءِ و الأِقرار بالسيّرة، و هذا المقدار يكفي في
انتزاع الحجيّة لها شرعاً و اتّصافها بها كذلك.
و اما الآيات و الروايات التي استدل بها على حجيّة الامارات، فعلى تقدير تسليم
دلالتها عليها، فالظاهر انها ليست في مقام الجعل و التأسيس بل في مقام التأكيد، لما
بنى عليه العقلاء من العمل باخبار الثقة و الامضاء له، أو فقل ان مفادها الأِرشاد
الى ما هو المرتكز في أذهان العرف و العقلاء، و الثابت في أعماق نفوسهم و هو العمل
بها، و من الواضح ان هذه السيّرة لو كانت على خلاف غرض الشارع، فلامحالة يقوم
بردعها نصّا و في مختلف الموارد، فعدم القيام بذلك يكفي في الأِمضاء لمثل هذه
السيّرة، و مع الأِغماض عن ذلك و تسليم ان دليل حجيّة الامارات دليل لفظي و لسانه
التنزيل، فهل يمكن دفع ما ذكره (ره) من المحذور في مقام الأِمارة قيام القطع
الموضوعي و الطريقي معاً و هو لزوم الجمع بين اللّحاظ الآلي و الاستقلالي في شئ
واحد.
و الجواب: ان هناك عدة محاولات لدفع ذلك.
المحاولة الاولى: انه يمكن ان يكون مدلول دليل الحجيّة تنزيل الظنّ منزلة القطع في
تمام آثاره من الشرعية و العقليّة، و معنى ذلك انّ الظن يقوم مقام القطع في تنجيز
الواقع أو تعذيره و في الأثر المترتّب عليه.
و الخلاصة: انه لامانع ثبوتاً من ان يلاحظ المولى القطع بماله من الآثار الشّرعية
المترتّبة على نفسه، و الآثار العقليّة المترتبة على الواقع بواسطته كالتنجيز أو
التعذير، ثم نزل الظن منزلته في تمام هذه الآثار من الشرعية و العقلية، فما يترتّب
من الأثر على نفس القطع فهو مترتّب على نفس الظن، و ما يترتب على الواقع بواسطة
القطع فهو مترتب على مؤدى الظن بواسطته، فاذا كان ذلك ممكناً ثبوتاً، امكن لدليل
الحجيّة ان يدل باطلاقة على تنزيل الظن منزلة القطع مطلقا، و حينئذ فلامانع من قيام
الظنّ مقام القطع الموضوعي و الطريقي معاً.
فالنتيجة ان هذا و ان كان ممكناً ثبوتاً، و لكن وقوعه في الخارج بحاجة الى عناية
زائدة.
المحاولة الثانية: ان دليل حجية الظن يدل بالمطابقة على تنزيل الظن منزلة القطع في
اثبات الواقع، و بالالتزام على تنزيل طريقيّة الظن بمنزلة طريقيّة القطع فى الاثار
المترتبة عليها، و على هذا فكما ان الظن يقوم مقام القطع في اثبات الواقع تنجيزا أو
تعذيراً، فكذلك يقوم مقامه في الأثر المترتب على نفس طريقيّته حكومةً، فان دليل
الحجيّة حينئذ يوسع دائرة طريقيّة القطع و يجعله أعمّ من الطريقيّة الحقيقيّة و
الطريقيّة التعبديّة.
و الخلاصة انّ دليل حجيّة الظنّ من هذه النّاحية حاكم على مادلّ على ترتب الأثر على
طريقيّة القطع، فانه يجعل فرداً آخر لها و هو الفرد التنزيلي.
و دعوى ان المدلول التصديقي لدليل حجيّة الامارات في موارد قيام الظنّ مقام القطع
الطريقي مدلول اخباري و حكائي عن الواقع، بينما يكون مدلوله التصديقي في موارد قيام
الظن مقام القطع الموضوعي مدلولا انشائياً، و لايمكن الجمع بين المدلول الاخبارى
الانشائي معاً في دليل واحد، و على هذا فاذا قامت الامارة مقام القطع الموضوعي و
الطريقي معاً بدليل حجيّتها، لزم الجمع بين المدلول الأِخباري و الأِنشائي في دليل
واحد و هو دليل الحجّية، لان مدلوله بالنسبة الى الواقع اخباري، باعتبار ان
الامارات تحكي عن الواقع، و بالنّسبة الى الأثر المجعول للقطع انشائي، باعتبار انه
يدلّ على انشائه و جعله للأِمارة أيضاً.
مدفوعة بان المدلول المطابقي التصديقي لدليل الحجيّة واحد و هو تنزيل طريقيّة الظن
منزلة طريقيّة القطع، و لكن لهذا المدلول المطابقي لازمين:
الاول: ان الظن كالقطع منجز للواقع عند الأِصابة و معذّر لدى الخطا.
الثاني: ان ما يترتّب على طريقيّة القطع من الأثر الشرعي، فهو مترتب على طريقية
الظنّ بالحكومة، فاذن جعل الحكم و انشائه لازم للمدلول المطابقي، و لامانع من ان
يكون للمدلول المطابقي الواحد مداليل التزاميّة متعدّدة، و من هنا لو صرّح المولى
بقوله ان طريقيّة الظن كطريقيّة القطع، فلاشبهة في انّه يدل على كلا التنزيلين
بالدلالة الا لتزاميّة، هما تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و تنزيل الظن منزلة القطع.
المحاولة الثالثه: ان الجمع بين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع المقطوع و تنزيل الظنّ
منزلة القطع في دليل واحد، لايتوقّف على الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في شئ
واحد حتى يقال انه لايمكن الجمع بينهما في دليل واحد، و ذلك لانه لامانع من ان ينظر
المولى الى كلٍّ من الظّن و القطع بنظر استقلالي حين تنزيل المؤدّى منزلة الواقع
المقطوع، و ان ينظر الى كل من المؤدّى و الواقع ايضاً بنظر استقلالي حين تنزيل
الظنّ منزلة القطع، و نقصد بالنظر الاستقلالي ان يكون كل منهما مورداً للتوجّه و
الالتفات، و لامانع من ذلك اصلا، ضرورة ان تنزيل المؤدّي منزلة الواقع المقطوع
لايتطلّب ان يكون الظن و القطع مغفولا عنه بحيث لايكون مورداً للالتفات اصلا، لوضوح
ان هذا التنزيل لايمنع عن ذلك و هذا أمر وجداني، فالنتيجة ان الجمع بين التنزيلين
معاً في دليل واحد ممكن ثبوتاً، و لامانع منه في هذا المقام، و لكن الدليل قاصر عن
شمول كلا التنزيلين في مقام الاثبات، لان الدليل في هذا المقام لايدلّ إلاّ على
تنزيل المؤدّى منزلة الواقع.
المحاولة الرابعة: ان ما ذكره (ره) من المحذور، مبني على ان يكون المأخوذ في موضوع
دليل التنزيل أي تنزيل الظنّ منزلة القطع، القطع و الظنّ بالحمل الشايع بنظر القاطع
و الظانّ، لانّهما بهذا الحمل طريقان الى الواقع، فاذا أخذ القطع بالحمل الشّايع في
موضوع الحكم، فلامحالة يكون النّظر اليه آلياً، و اذا نزل الظن بالحمل الشايع
بمنزلته في اثبات الواقع تنجيزاً أو تعذيراً، فبطبيعة الحال يكون النظر اليه آلياً
ايضاً، و لكن هذا البناء خاطئ، و ذلك لان المأخوذ في موضوع الدليل في مقام الجَعل
مفهوم القطع و الظنّ بالحمل الأوّلي لاواقعهما الخارجي كما هو الحال في سائر القيود
المأخوذة في الموضوع في مقام الجعل، كالاستطاعة و البلوغ و الوقت و غيرهما، فان
المأخوذ في موضوع وجوب الحج في الآية المباركة(52)، مفهوم الاستطاعة بالحمل الأوّلي
لاواقعهما الخارجي، و كذلك الحال في سائر موضوعات الأدلة، و النكتة في ذلك هي ان
الأحكام الشّرعيّة مجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة للموضوعات المقدرة وجودها في
الخارج، و ان لم تكن موجودة فيه، و من الواضح ان المأخوذ في موضوعاتها في مرحلة
الجعل مفهوم الأشياء بالحمل الاولي لاواقعها الخارجي بالحمل الشايع، و إلاّ فلازمه
ان تكون القضايا الشرعيّة، قضايا خارجيّة لاحقيقية و هو كما ترى.
و ان شئت قلت ان الاشياء بمفاهيمها الاولية و عناوينها الفرضية مأخوذة في موضوعات
الخطابات الشرعيّة لابوجوداتها الواقعيّة الخارجية، و ما نحن فيه من هذا القبيل،
فان الشارع في عالم الجعل أخذ في موضوع دليل التنزيل مفهوم القطع و الظن بالحمل
الاوّلي و وجودهما الفرضي. فاذن ما ذكره (ره) من المحذور و هو لزوم لحاظ الظن آلياً
في موارد قيامه مقام القطع الطريقي و استقلالياً في موارد قيامه مقام القطع
الموضوعي، انما هو مبني على ان يكون المأخوذ في موضوع دليل التنزيل الظن بالحمل
الشّايع و هو وجوده الواقعي في نفس الظان، و اما اذا كان المأخوذ فيه مفهوم الظن
بالحمل الاولي و وجوده الفرضي، فلايلزم هذا المحذور، لان مفهوم الظنّ و القطع
بالحمل الاوليّ لايتّصف باللحاظ الآلي و الاستقلالي، بل هو ملحوظ في مقام الجعل
بلحاظ واحد و هو فرض وجوده في هذا المقام.
و الخلاصة ان مفهوم القطع و الظن و عنوانهما بالحمل الاولي ليس بشي حتى يتّصف
بالطريقي و الموضوعي في عالم الخارج، فانه مجرد مفهوم في عالم الذهن، و المفهوم فيه
بما هو مفهوم لايتّصف بشي من ذلك، حيث لاموطن له إلاّ الذهن، و بما هو ينطبق على ما
في الخارج من مصاديقه و افراده، يتّصف بذلك بلحاظ انه موجود فيه، و على هذا فما
ذكره (ره) مبني على الخلط بين القطع و الظن بالحمل الاولي و بينهما بالحمل الشايع،
لان المحذور انما يلزم اذا كان المأخوذ في موضوع دليل التّنزيل القطع و الظن بالحمل
الشايع، و اما اذا كان المأخوذ فيه القطع و الظن بالحمل الاولي، فلايلزم هذا
المحذور، و من الواضح انّه لايمكن ان يكون المأخوذ في موضوعه القطع و الظنّ بالحمل
الشايع و هو وجودهما واقعاً في نفس القاطع و الظان، و إلاّ لزم ان يكون دليل
التنزيل قضيّة خارجية لاحقيقيّة و هو كما ترى، ضرورة ان الخطابات الشرعية جميعاً
تكون مجعولة بنحو القضايا الحقيقيّة للموضوعات المفروضة وجودها في الخارج و ان لم
تكن موجودة فيه واقعاً، و من هنا ترجع القضايا الحقيقيّة الى القضايا الشرطية
مقدمها وجود الموضوع و تاليها ثبوت الحكم له.
و على هذا الأساس فلامانع من التنزيل في مرحلة الجعل، و انّما الكلام في ان هذا
التنزيل هل هو تنزيل الظن منزلة القطع الطريقي المحض او الاعمّ منه و من القطع
الموضوعي، و على الفرض الثاني فان لزم منه محذور في مرحلة التطبيق في الخارج، بان
لايمكن تطبيقه على تنزيل المؤدي منزلة الواقع، و تنزيل الظن منزلة القطع في آن
واحد، فاذن هل يكون دليل التنزيل مجملا، فلايكون ظاهراً في شي منهما، أو يكون
ظاهراً في التطبيق على الفرد الاوّل؟
الجواب: انه لايبعد ظهوره في التطبيق على الفرد الاول و هو تنزيل المؤدّى منزلة
الواقع المقطوع، فانه المتبادر و المرتكز في الذّهن.
المحاولة الخامسة: ما ذكره صاحب الكفاية (ره) في تعليقه على الرسائل و تقريبه:
ان دليل حجيّة الامارة يدلّ بالمطابقة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و في هذا
التنزيل يكون القطع و الظن ملحوظا آليا، بينما المؤدّى و الواقع ملحوظاً
استقلالياً، و حيث ان هذا التنزيل لايثبت إلاّ احد جزئي الموضوع و هو الواقع،
باعتبار انه يثبت ان المؤدى هو الواقع، و اما الجزء الآخر و هو القطع بالواقع، فهو
لايثبت بهذا التنزيل، فلذلك لابدّ من الالتزام بتنزيل آخر لاثبات الجزء الثاني
للموضوع حتى لايكون التنزيل الاول لغواً.
و تقريب ذلك ان دليل الحجيّة يدل بالمطابقة علي تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و
بالالتزام على تنزيل الظنّ منزلة القطع، و بهذين التنزيلين يثبت الموضوع المركّب
بكلا جزئيه و هو القطع بالواقع.(53)
و الخلاصة ان الالتزام بالدلالة الا لتزاميّة لدليل الحجيّة، انما هو من جهة انه
لولا الالتزام بها لكانت دلالته المطابقيّة لغواً و جزافاً، فلذلك لابدّ من
الالتزام بها للحفاظ على الدلالة المطابقيّة و عدم كونها لغواً، و على هذا فلايلزم
محذور اجتماع اللحاظ الآلي و الاستقلالي في شي واحد، لان كلا من الظن و القطع ملحوظ
باللحاظ الآلي في التنزيل الاول الذي هو مدلول مطابقي لدليل الحجيّة و ملحوظ
باللحاظ الاستقلالي في التنزيل الثاني الذي هو مدلول التزامي له، فاذن لاتستلزم
دلالة دليل الحجيّة على كلا التنزيلين معاً محذور الجمع بين اللحاظ الآلي و
الاستقلالي في شي واحد، و لكن يظهر منه(ره) في تعليقته على رسائل الشيخ
الأنصاري(ره) ان منشأ هذه الدلالة الالتزامية هو ثبوت الملازمة العرفية بين
التنزيلين لادلالة الاقتضاء، فاذا دل دليل الحُجيّة على تنزيل المؤدى منزلة الواقع
بالمطابقة في القطع الموضوعي، كان العرف ينتقل منه الى دلالته على تنزيل الظنّ
بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي بالالتزام.
ثم انه(ره) قد اشكل في الكفاية على هذه المحاولة بانها غير تامّة و لاتحلّ المشكله،
و قدأفاد في وجه ذلك ان الموضوع في المقام مركّب من الواقع و القطع به، كما في مثل
قولنا اذا قطعت بوجوب الصلاة وجب عليك ان تصدق بدينار، فان موضوع وجوب التصدّق مركب
من وجوب الصلاة في الواقع و القطع به، و عليه فاحراز وجوب التصدّق يتوقّف على احراز
موضوعه في الخارج بكلا جزئيه، اما بالوجدان أو بالتعبّد او احدهما بالوجدان و الآخر
بالتعبّد، و على هذا فاذا ظن المكلف بوجوب الصلاة في الواقع، فعندئذ و ان كان مقتضى
دليل حجيّة الظن تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و به يحرز أحد جزئي الموضوع و هو وجوب
الصلاة في الواقع تعبداً، إلاّ ان شموله لهذا الظن و دلالته على حجيّته منوط بان
يكون الجزء الآخر من الموضوع محرزاً اما بالوجدان او بالتعبّد بدليل آخر في عرض ذلك
الدليل، بدون توقّف دلالة احدهما على دلالة الآخر، و حيث ان الدليل الآخر غير موجود
هنا على الفرض، فلايمكن شمول دليل الحجيّة للمقام و هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع،
و اما الدلالة الالتزاميّة له فهي تتوقف عى شمولة للمقام، فانه لوشمل المقام فلابدّ
من الالتزام بدلالة التزاميّة له على التنزيل حتى لاتكون دلالته على التنزيل الاول
لغواً، و المفروض ان شموله للتنزّيل الاول يتوقف على دلالته الالتزاميّة على
التنزيل الثاني، و إلاّ فلا يشمل للتنزيل الاول، ضرورة ان الموضوع اذا كان مركباً
من جزئين، فشمول الدليل لاحدهما المعيّن منوط بان يكون الجزء الآخر محرزاً امّا
بالوجدان او بالتعبّد في عرض هذا الدليل، بدون ان يتوقف شمول كل منهما للجزء على
شمول الآخر للاخر و إلاّ فيستحيل الشمول.
فالنتيجة ان شمول دليل الحجيّة للتنزيل الاوّل بدون احراز التنزيل الثاني وجداناً
أو تعبّداً، فلايمكن هذا.
و لنا تعليق على ما أفاده (ره) في التعليقه، و تعليق على ما أفاده(ره) في الكفاية.
اما التعليق الاول، فلانّ ما ذكره (ره) من الدلالة الالتزاميّة لدليل الحجيّة
لايخلو من ان يكون منشأها اما العرف كما هو ظاهر عبارته (ره) في التعليقة او العقل،
و لكن كليهما لايصلح ان يكون منشأ لها.
اما الاول فلان العرف لايحكم بثبوت الملازمه بين شيئين جزافاً و بلامبرر اذا لم تكن
الملازمة بينهما ثابتة ذاتاً، كالملازمة بين العلة و المعلول او بين المعلولين لعلة
ثالثة او بين وجود ضدّ و عدم ضدٍّ آخر اذا كان من الضدّين الذين لاثالث لهما و
لاعادة، فانها تحصل من كثرة التّقارن بين شيئين خارجاً، و الفرض عدم ثبوت الملازمة
بين التنزيلين لاذاتاً و لاعادةً، اما الاول فهو واضح، و اما الثاني فلان الملازمة
العادية بين شيئين انما تتحق في الامور الحسيّة بالتقارن، على أساس قانون الاستجابة
الذهنيّة الشرطيّة هذا، اضافة الى ان تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع
بالواقع الحقيقي ليس معنىً عرفياً مرتكزاً في الذهن، فضلا عن كونه لازما للتنزيل
الاول باللزوم البيّن بالمعنى الأخصّ.
فالنتيجة ان الملازمة العرفيّة بين التنزيلين غير ثابتة، بل الثابت خلافها.
و اما الثاني و هو حكم العقل بالالتزام بدلالة الاقتضاء صوناً لكلام المولى عن
اللغويّة، فلاواقع موضوعي لحكم العقل في المقام، فان العقل انما يحكم فيما اذا كان
اصل تشريع الدليل و جعله لغواً بدون الالتزام بدلالة التزامية له، كما اذا فرضنا ان
دليل الحجيّة مختصّ بتنزيل الامارات منزلة القطع الموضوعي بنحو الطريقيّة، فانه يدل
بالمطابقة على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فلو لم يدل بالالتزام على تنزيل الظنّ
بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، لكانت دلالته علي تنزيل المؤدّى
منزلة الواقع لغواً و جزافاً، إذ لايترتب على التنزيل الاول أي أثر شرعي طالما لم
يثبت التنزيل الثاني، و لكن الامر ليس كذلك، فان دليل الحجيّة لايختصّ بالامارات في
موارد القطع الموضوعي، بل هو باطلاقه تشمل هذه الامارات و الامارات في موارد القطع
الطريقي المحض، بل هي الغالب في ابواب الفقه، لان أخذ القطع في الموضوع و ترتيب
الاثر الشرعي عليه نادر جداً و قلما يوجد ذلك في المسائل الفقهيّة، و على هذا فغاية
مايلزم في المقام هو عدم شمول اطلاق دليل حجيّة الامارات للتنزيل في موارد القطع
الموضوعي و هذا لامحذور فيه، فان عدم شمول اطلاق المطلق لبعض افراده من جهة عدم
ترتّب أثر عملي عليه أمر طبيعي و لامانع منه و ما نحن فيه كذلك.
فالنتيجة انه لاموضوع لحكم العقل بدلالة الاقتضاء في المقام.
و اما التعليق الثاني، فلان ما افاده (ره) في الكفاية من الدور بين التنزيلين، فيرد
عليه.
اولا بالنقض، و هو انه (ره) قد سلم اثبات الموضوع المركب من جزئين بدليلين مستقلين
في عرض واحد، بان يدل احدهما على ثبوت جزء منه، و يدل الثاني على ثبوت جزء آخر منه
في عرض الاول و لامحذور فيه، مع ان نفس المحذور التي كانت بين الدلالة المطابقيّة و
الدلالة الالتزاميّة موجودة هنا، لان دلالة كلّ منهما على ثبوت جزء الموضوع تتوقف
على دلالة الآخر على ثبوت جزئه الآخر، إذ كلّ منهما لايشمل جزء الموضوع إلا اذا كان
الجزء الآخر ثابتاً في المرتبة السابقة، فاذن لافرق بين ان تكون الدلالتان عرضيتين
او طوليتين.
و ثانياً بالحل، و هو انه يكفي في دفع اللغوية في المقام ثبوت الدلالة الالتزامية
عند ثبوت الدلالة المطابقيّة بنحو القضيّة الشرطيّة، بمعنى ثبوتها على تقدير ثبوت
الدلالة المطابقيّة، و هذا المقدار يكفي في دفع اللغويّة عن الدلالة المطابقيّة، و
لايتوقّف دفعها على ثبوت الدلالة الالتزاميّة في المرتبة السابقة، و النكتة في ذلك
ان منشأ الدلالة الالتزاميّة في المقام، انما هو دلالة الاقتضاء، و قد تقدّم انها
انما تكون فيما اذا كان دليل حجيّة الامارات مختصّاً بموارد القطع الموضوعي، و على
هذا فمورد دليل الحجيّة حيث انه القطع الموضوعي، فلابدّ من الالتزام بالدلالة
الالتزاميّة له و هي دلالته على تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي الذي هو في طول التنزيل الاول صوناً لكلام المولى عن اللغويّة.
و الخلاصة انه يكفي في دفع اللغوية ثبوت الدلالة الالتزامية على تقدير ثبوت الدلالة
المطابقيّة، بنحو القضيّة الشرطيّة، بمعنى انه اذا ثبتت الدلالة المطابقيّة، ثبتت
الدلالة الالتزامية حفاظا على الدلالة المطابقيّة و عدم كونها لغواً، و المفروض ان
الدلالة المطابقيّة ثابتة في المقام في نفسها، باعتبار ان دليل الحجيّة مختص
بالامارات في موارد القطع الموضوعي، لا انه يشملها باطلاقه، و من هنا لابدّ من
الالتزام بالدلالة الالتزاميّة له حفاطاً على الدلالة المطابقيّة و عدم كونها
لغواً، و ما ذكره(ره) من الدّور مبني على تخيّل ان شمول دليل الحجيّة للأمارات في
موارد القطع الموضوعي و دلالته على تنزيل مؤدّاها منزلة الواقع بالمطابقة، تتوقّف
على دلالته على تنزيل الظّن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي
بالالتزام في المرتبة السابقة، غافلاً عن ان تلك الامارات مشمولة له بنفسها،
باعتبار انّها مورده و لامورد له غيرها، فاذن اصل الشمول لايحتاج الى مؤنة زائدة، و
امّا صونه عن اللّغويّة فهو يتطلب الدلالة الالتزامية له.
و كذلك الحال في الدليلين العرضيين، إذ يكفي في دفع اللغويّة ثبوت دلالة كل منهما
على تقدير ثبوت دلالة الآخر بنحو القضيّة الشرطيّة، و المفروض ان هذا التقدير ثابت
و لاتتوقف دلالة كل منهما على جزء الموضوع على دلالة الآخر على الجزء الثاني في
المرتبة السابقة حتى يلزم الدّور.
و الحاصل انه يكفي في دفع محذور اللغويّة ان تكون دلالة كل من الدليلين على جزء
الموضوع بنحو القضيّة الشرطية، بمعنى ان دلالة كل منهما ثابتة على تقدير ثبوت دلالة
الآخر بدون التوقّف عليها فعلاً، و المفروض ان هذا التقدير ثابت.
فالنتيجة ان ما ذكره(ره) من لزوم الدّور لاأساس له، و الصحيح هو ما ذكرناه من انه
لامبرّر للالتزام بالدلالة الالتزاميّة لاعرفاً و لا لدلالة الاقتضاء كما تقدّم،
هذا من ناحية.
و من ناحية أخرى انه يحتمل ان يكون مراده(ره) من الاشكال في الكفاية على التعليقة
معنى آخر غير ما مرّ، و تقريب هذا المعنى يتوقف على مقدمات:
الاولى: ان أحد التنزيلين المذكورين في طول التّنزيل الآخر، لانّ تنزيل المؤدى
منزلة الواقع متقدّم رتبةً على تنزيل الظنّ بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي، على أساس ان التنزيل الأوّل بمثابة الموضوع للتنزيل الثاني، حيث ان موضوعه
الظنّ بالواقع التنزيلي، و المؤدّى انّما يتصّف بالواقع التنزيلي بالتنزيل الاول و
هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، فلذلك يكون التنزيل الثاني في طول التنزيل الأوّل و
متأخّر عنه تأخّر الحكم عن موضوعه.
الثانية: ان حقيقة التنزيل على مسلكه(ره)، عبارة عن اسراء حكم المنزل عليه للمنزل،
بمعنى جعل حكم للمنزل المماثل لحكم المنزل عليه و هو متقوّم باركان ثلاثة:
الاول: المنزل.
الثاني: المنزل عليه.
الثالث: الحكم المترتّب على المنزل عليه، و بانتفاءِ أيّ من هذه الاركان الثالثه،
ينتفي التنزيل حقيقة.
ثمّ ان التنزيل قد يكون حقيقياً، كما في مثل قولنا: الطواف في البيت صلاة، و الفقاع
خمر و نحوهما. فان معنى هذا التنزيل هو اسراء احكام الصلاة الى الطواف واقعاً بعد
تنزيله منزلة الصلاة و جعله فرداً عنائياً لها، و معنى الاسراء هو جعل احكام للطواف
مماثلة لأحكام الصلاة، و قديكون التنزيل ظاهريّاً، كتنزيل مؤدّى الامارة منزلة
الواقع، فان معناه جعل حكم ظاهري مماثل للحكم الواقعي، و على كلا التقديرين،
فالمعتبر في تنزيل شي منزلة جزءِ الموضوع المركّب من جزئين ان يكون هذا التنزيل في
عرض التنزيل الاول و لايمكن ان يكون في طوله كما هو الحال في المقام.
الثالثة: ان موضوع الحكم اذا كان مركّباً من جزئين، فلايمكن تنزيل شي منزلة جزئه
مستقلا، على اساس انه باستقلاله ليس موضوعاً للحكم و معه لايمكن التنزيل، لما مرّ
من انّه متقوم بثلاثة اركان، منها ان يكون المنزل عليه موضوعاً لاثر شرعي عملي و
إلاّ فلاموضوع للتنزيل و لامجال له، و من هنا لابدّ ان يكون تنزيل شي منزلة جزء
الموضوع فيما اذا كان جزئه الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد في عرض الاول، و عليه
فالتنزيلان بمثابة تنزيل واحد بلحاظ تماميّة الموضوع.
و بعد ذلك نقول ان الموضوع في المقام مركّب من الواقع و القطع به و الحكم مترتّب
عليه، باعتبار انه الموضوع للحكم دون الواقع، و على هذا فلايمكن احراز الموضوع بكلا
جزئيه بالتنزيلين المذكورين الطوليين، على أساس ان تنزيل شي منزلة جزءِ الموضوع
غيرصحيح إلاّ اذا كان الجزء الآخر محرزاً، لان الجزء لايكون موضوعاً للأثر الشرعي
حتى يمكن تنزيل شي منزلته في الأثر المترتّب عليه و بدونه لايمكن التنزيل، لما عرفت
من أنه متقوّم بالاركان الثلاثه منها ترتب أثر عملى على المنزل عليه، و إلاّ
فلاموضوع للتنزيل، فاذن لايمكن تنزيل المؤدى منزلة الواقع لكى يكون هذا التنزيل
محققاً لموضوع التنزيل الثاني.
و الخلاصة ان التنزيلين في المقام بما انهما طوليان رتبةً، فلايمكن التنزيل الأوّل،
إلا اذا فرض كون الجزء تمام الموضوع للأثر الشرعي، و هذا خلف فرض وحدة الحكم و
الموضوع في المقام.
و بكلمة ان التنزيلين اذا كانا عرضيين، كانا بمثابة تنزيل واحد بالنّسبة الى احراز
الموضوع بكلا جزئيه، و كان كل منهما تنزيلا ضمنياً بالنسبة الى الموضوع، باعتبار ان
كلا منهما متكفّل لتنزيل جزء منه، و اما اذا كانا طوليين، بان يكون أحدهما محققاً
لموضوع الآخر، فلايمكن التنزيل الاول للجزء الا اذا فرض كون ذلك الجزء موضوعاً لحكم
مستقلا، و هذا خلف فرض وحدة الحكم و الموضوع في المقام، فاذا لم يمكن التنزيل
الاوّل فلاموضوع للتنزيل الثاني، باعتبار ان الاول محقق لموضعه، و نتيجة ذلك هي ان
الثاني يتوقّف على الاول من باب توقّف موضوعه عليه، و الاول لايجري إلاّ إذا كان
الجزء الآخر محرزاً بالوجدان أو بالتعبّد في عرض الاول، و مع عدم احرازه لايجري
إلاّ اذا فرض كون الجزء تمام الموضوع للحكم و هذا خلف، و لهذا لايمكن احراز الموضوع
المركب بكلا جزئيه بالتنزيلين المذكورين الطوليين، بان يكون احدهما مدلولا لدليل
الحجيّة مطابقة و الآخر مدلولا له التزاماً و في طوله، فالاوّل متوقّف على الثاني
من باب عدم توفّر اركان التنزيل فيه بدونه، اما بالنّسبة الى الجزء فلفرض انّه ليس
موضوعاً للأثر شرعاً، و اما بالنّسبة الى تمام الموضوع، فلفرض انه لايثبت تمام
الموضوع إلاّ بضمّ الثاني إليه في عرضه بدون توقفه عليه، و المفروض انه متوقف عليه
من باب توقف موضوعه عليه هذا.
و للمناقشة في المقدمة الاولى و الثانية مجال.
و اما المقدّمة الثالثه فهي نتيجة المقدمتين الاوليين.
اما المقدمة الاولى فقد ذكر(ره) فيها ان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع متقدّم رتبةً
على تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.
فيرد عليه ان الأمر بالعكس تماماً، فان تنزيل المؤدّى منزلة الواقع تنزيل ظاهرى،
لانّ دليل الحجيّة يدل على ثبوت الحكم الظاهري لمؤدّى الظن الذي قد اخذ في موضوعه
الشك في الحكم الواقعي، بينما تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي تنزيل واقعي، حيث ان الشك غير مأخوذ في موضوعه، لان المنزل عليه القطع
الموضوعي و هو مقطوع العدم فلايشك في حكمه، لانه يرتفع بارتفاعه، و عليه فالثابت
للمنزل و هو الظنّ حكم واقعي لا ان الثابت له حكم المنزل عليه ظاهراً، لفرض انه
يرتفع بارتفاع موضوعه لا انه يشك فيه، و على هذا فالتنزيل الواقعي متقدّم رتبةً على
التنزيلي الظاهري.
و على الجملة فتنزيل المؤدّى منزلة الواقع، حيث انّه قد أخذ الشك في موضوعه و هو
الشك في مطابقة المؤدّى للواقع و عدم مطابقته له، فيكون ظاهرياً متأخراً عن الحكم
الواقعي، و اما تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فحيث ان
الشك غير مأخوذ في موضوعه، فيكون واقعياً، و اما عدم أخذ الشك في موضوعه، باعتبار
ان موضوعه المنزل عليه و هو القطع الموضوعي مقطوع العدم لا أنّه مشكوك حتى يكون حكم
الثابت للظن في حال الشكّ فيه ظاهرياً، و حينئذ يكون المجعول للظن حكماً واقعياً،
حيث لاشك في بقاء المنزل عليه و هو القطع الموضوعي، و من الواضح ان التنزيل الواقعي
متقدّم على التنزيل الظاهري رتبة، باعتبار انّه في مرتبة الحكم الواقعي، بينما
الظاهري في مرتبة الحكم الظاهري، و المفروض انّه في طول الحكم الواقعي لافي عرضه.
و دعوى ان الظنّ بالواقع التنزيلي فرع ثبوت الواقع التنزيلي حتى يتعلّق به، لان كل
ظن فى طول متعلقه، و لهذا لابدّ اولا من اثبات الواقع التنزيلي بتنزيل المؤدّى
منزلة الواقع ثم تعلّق الظن به، لكي يتحقّق به موضوع التنزيل الثاني و هو تنزيل
الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي.
مدفوعة اولا بانها مبنيّة على الخلط بين ان يكون التنزيل بنحو القضيّة الخارجية و
ان يكون بنحو القضيّة الحقيقية، و هذه الدعوى مبنيّة على الاول، و مفاد دليل
الحجيّة التنزيل بنحو الثاني، و هو القضيّة الحقيقيّة التي يكون الموضوع فيها مفروض
الوجود في الخارج، و على هذا فتنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي لايتوقّف على وجود الظنّ به في الخارج، بل يتوقّف على مجرد افتراضه، فان
المولى في مقام الجعل فرض وجود الظن بالواقع التنزيلي و نزله منزلة القطع بالواقع
الحقيقي و ان لم يكن الظن به موجوداً في الخارج.
و الخلاصة ان التنزيل قضيّة حقيقيّة لاخارجية و لايتوقّف على وجود المنزل في
الخارج، بل يكفي فرض وجوده فيه و ان لم يكن موجوداً، و عليه فلايكون تنزيل الظن
بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي متوقفاً على تنزيل المؤدّى منزلة
الواقع و متفرعاً عليه، بل هو متوقّف على فرض وجود الظن به و ان لم يكن موجوداً في
الخارج، فاذن ما ذكره(ره) من الطولية بين التنزيلين و ان التنزيل الاول محقق لموضوع
التنزيل الثاني، مبني على ان يكون التنزيل بنحو القضية الخارجية، مع ان الامر ليس
كذلك جزماً.
و ثانياً مع الأغماض عن ذلك و تسليم ان ما بنى عليه(ره) من الطولية هو الصحيح، إلاّ
ان هذه الطولية بين التنزيلين المذكورين انما هي بالرتبة لا في الزمان، لانهما
متقارنان معاصران زماناً، و الطولية بالرتبة لااثر لها في الاحكام الشرعية، لان
الاحكام الشرعية مجعولة للأشياء الزّمانية و غير مجعولة للرتب العقلية، إذ لاواقع
موضوعي لها ما عدا ثبوتها في التحليلات العقلية و ملكاتها، فاذا كان هنا شيئان في
الخارج متقارنين زماناً في الوجود، فلامانع من ان يكون الحكم المجعول لهما واحداً،
و ان كان أحدهما متقدماً على الآخر رتبةً، فانّه لاأثر له بعد تقارنهما بالزمان، و
على هذا فيكون تنزيلِ المؤدّى منزلة الواقع في عرض تنزيل الظن بالواقع التنزلي
منزلة القطع بالواقع الحقيقي، و ان كان الاول متقدّماً عى الثاني بلحاظ المرتبة، و
لكن عرفت انه لاقيمة لهذا التقدّم بعد ما كانا معاصرين زماناً، لان الحكم مجعول
للموضوع المركب من جزئين معاصرين و ان كان احدهما متقدّماً على الآخر رتبةً، و حيث
ان التنزيلين في عرض و احد زماناً و لاأثر لتقدّم احدهما على الآخر رتبةً، باعتبار
ان تنزيل شي منزلة شي آخر انما هو بلحاظ الزمان لا الرتب العقلية، فيكونا بمثابة
تنزيل واحد بالنسبة الى تمام الموضوع، و من هنا يظهر انّه لافرق بين ما بنى عليه
المحقق صاحب الكفاية(ره) من ان تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي في طول تنزيل المؤدّى منزلة الواقع و بين العكس و هو ان الثاني في طول
الاول، فانّه على كلا التقديرين لااثر لهذه الطولية بعد ما كانا معاصرين زماناً،
فان التنزيلين حينئذ بحكم تنزيل واحد في المقام، لانّ اثرهما اثبات حكم واحد لموضوع
واحد، و كل واحد من التنزيلين ضمني لااستقلالي، و يثبت بكل منهما جزء الموضوع و
المجموع تمام الموضوع.
و ثالثا: انه لامانع من الالتزام بتعدد التنزيل، سواءً أكان أحدهما في عرض الآخر أم
في طوله، على أساس ان الحكم متعدّد في المقام، لان المترتب على تنزيل المؤدّى منزلة
الواقع حكم ظاهري، و المترتب على تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي حكم واقعي، و على هذا فيكون تنزيل مؤدّى الامارة منزلة الواقع انما هو
بلحاظ الحكم الظاهري الذي جعل للمؤدى بهذا التنزيل، و اما في تنزيل الظن بالمؤدّى
التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي، فالمجعول الحكم الواقعي، باعتبار ان الشك
فيه غير مأخوذ في موضوعه، بينما هو مأخوذ في موضوع الاول كما تقدّم، فاذن يكون كل
من التنزيلين تنزيلاً مستقلاً، غاية الأمر يكون احدهما بلحاظ الحكم الظاهري و الآخر
بلحاظ الحكم الواقعي، و لامانع من الالتزام بذلك أي بتعدد التنزيل، فما ذكره(ره) من
الاشكال على التنزيلين لاينطبق على المقام، لان مورده ما اذا كان كلا التنزيلين
واقعياً و كان كلاهما بلحاظ اثبات حكم واحد لموضوع واحد.
و اما المقدمة الثانية، و هي استحالة الطولية في المقام بين التنزيلين مع وحدة
الموضوع المركب و الحكم.
فيرد عليه ان هذه الاستحالة مبنية على مسلكه (ره)، من ان حقيقة التنزيل عبارة عن
جعل حكم للمنزل المماثل لحكم المنزل عليه، و لكن هذا المسلك غير صحيح، فان التنزيل
كاشف عن سعة الحكم بسعة موضوعة بلحاظ الارادة الجديّة كسائر الكواشف كالقرائن
المنفصلة، فانها تكشف عن تخصيص العام و تقييده بلحاظ الارادة الجديّة، و لافرق في
ذلك بين التنزيل الذي يكون لسانه لسان الحكومة و بين سائر القرائن المنفصلة إلاّ في
صيغة التعبير في مقام الاثبات، فان التنزيل قرينة بلسان الحكومة و كاشف عن سعة
الحكم المجعول في الشريعة المقدسة بهذا اللسان من الاول، بمعنى ان الحكم في الشريعة
المقدسة مجعول من الاول موسعاً للموضوع الموسع، و اما المخصص فهو قرينة على تخصيص
الحكم بتخصيص موضوع العام في الواقع و من الاول بلحاظ الارادة الجديّة، بمعنى ان
الحكم المجعول في الشريعة المقدسة يكون خاصاً في الواقع، و تكشف القرينة عن ذلك
بلسان التخصيص او التقييد او الأظهر او النصّ، فيكون التنزيل لون من القرينة
المنفصلة، و الاختلاف انّما هو في اللسان في مقام الاثبات، فاذا فرض انه ورد في
الدليل الطواف في البيت صلاة، كان ذلك كاشفاً عن سعة احكام الصلاة بسعة موضوعها من
الاول و انّه اعمّ من الصلاة الحقيقية و الصلاة التنزيلية، غاية الامر أن الكاشف عن
ذلك يكون متأخراً.
و الخلاصة: ان شأن دليل التنزيل الكشف عن سعة الحكم بسعة موضوعه بلسان الحكومة كما
هو الحال في ساير الادلة و القرائن، لاجعل الحكم للمنزل المماثل لحكم المنزل عليه،
و من هذا القبيل ما اذا ورد في الدليل الفقاع خمر، فانه بهذه الصيغة الخاصة كاشف عن
سعة حكم الخمر في الشريعة المقدسة من الاول أي من حين التشريع بسعة موضوعه و هو
الخمر، بمعنى ان الشارع جعل الحرمة منذ التشريع للأعمّ من شرب الخمر الواقعي و
الخمر التنزيلي و هو الفقاع، و هذا الدليل كاشف عن ذلك، لا ان مفادة جعل حكم للفقاع
المماثل لحكم الخمر، فاذا ورد في الدليل اكرم العلماء، ثم ورد في دليل آخر لاتكرم
الفساق منهم.
فانه يكشف عن ان المراد الجدي من الاول هو وجوب اكرام العلماء العدول و انه مجعول
في الشريعة المقدّسة، غاية الأمر ان الكاشف عن ذلك متأخر، فلافرق بين دليل التنزيل
و سائر القرائن المنفصلة بمختلف انواعها، و الفرق بينهما كالفرق بين سائر القرائن،
انما هو في اللسان و التعبير اللفظي في مقام الاثبات لافي مقام الثّبوت و اللب.(54)
نعم ما ذكره(ره) انما يتم في التنزيل الظاهري، كما اذا فرض ان مدلول دليل الحجية
تنزيل مؤدّى الامارة منزلة الواقع ظاهراً، فان مفاد هذا التنزيل هو اسراءِ الحكم
الواقعي من الواقع الى المؤدّى ظاهراً، او فقل ان مفاده جعل الحكم الظاهري له
المماثل للحكم الواقعي للمنزل عليه لدى المطابقة، و اما التنزيل الواقعي، فليس
مفاده الاسراء و الجعل، بل الكشف عن الواقع كسائر القرائن و الامارات.
فما ذكره(ره) من ان مفاد التنزيل الاسراء و الجعل مطلقا غير تام، بل لابدّ من
التفصيل بين التنزيل الظاهري و التنزيل الواقعي، فعلى الاول يكون مفاده الاسراء و
الجعل، و على الثاني يكون مفاده الكشف.
و على هذا فلامانع من تعدد التنزيل، فانه كتعدد القرينة كاشف عن ثبوت الحكم للموضوع
المركب في الواقع، و لامانع من ان يكون أحد التنزيلين كاشفاً عن ثبوت جزء من
الموضوع المركب، و التنزيل الآخر كاشفاً عن ثبوت جزئه الآخر، فكلاهما كاشف عن ثبوت
الموضوع المركب بكلاجزئيه في الواقع، كما انه لامحذور في ان يكون احدهما متقدماً
رتبة على الآخر، فانه من تقدّم احد الكاشفين على الكاشف الآخر كذلك، هذا نظير ما
إذا دلّ دليل على استطاعة شخص، و دليل آخر على بلوغه، و دليل ثالث على عدم المانع
من السفر الى الحج، و دليل رابع على قدرته و تمكنه من العمل، فكل واحد من هذه
الأدلة كاشف عن جزء الموضوع لوجوب الحج المركّب منها او المقيّد بها، و هكذا الحال
في سائر الموارد.
فالنتيجة في نهاية المطاف انّه لامانع من تعدد الكاشف و القرائن في مقام الاثبات و
لامن تقدّم احدها على الآخر زماناً في هذا المقام فضلاً عن تقدمه رتبةً.
ثم ان المحقق العراقي(ره) قد مال الى ان ما افاده صاحب الكفاية(ره) في التعليقة هو
الصحيح، و قد دافع عن ذلك بان ما ذكره من المحذور للتنزيلين إذا كانا طوليين غير
لازم.
بتقريب ان المحذور انما يلزم، إذا كان مفادّ التنزيلين اسراء حكم واحد لموضوع واحد،
و اما اذا كانا بلحاظ حكمين لموضوعين فلامحذور في الطولية بينهما، و ما نحن فيه من
هذا القبيل، لان التنزيل لايقتضي اكثر من اسراء الحكم من المنزل عليه على المنزل و
ان كان ذلك الحكم تعليقياً، و المفروض ان تمام موضوع الحكم التعليقي في المقام هو
نفس الجزء، لان لكل من الجزئين حكماً معلقاً على انضمام الجزء إليه.
و بكلمة ان الحكم المتعلق بالموضوع المركب متعلق بكل جزء منه معلقاً على انضمام
الجزء الآخر إليه، فالتنزيل يتطلب اسراء حكم المنزل عليه للمنزل، فان كان الحكم
مطلقا، فهو يتطلب اسراء ذلك الحكم المطلق، كما في التنزيل المستقل كقولنا الطواف في
البيت صلاة، و الفقاع خمر و هكذا.
و ان كان معلقاً، فهو يتطلب اسراءِ ذلك الحكم المعلق كما في التنزيل الضمني، فان
تنزيل شي منزلة جزءِ الموضوع انما هو بلحاظ الحكم المترتّب على الجزء مشروطا
بانضمام الجزء الآخر إليه، و على هذا فيصح تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بلحاظ ما
يترتّب على الجزء من الاثر التعليقي، و لايتوقف هذا التنزيل على احراز الجزء الآخر
بالوجدان او بالتعبد في عرض التنزيل الاول، كما ان تنزيل الظن بالواقع التنزيلي
منزلة القطع بالواقع الحقيقي انما هو بلحاظ ما يترتب على هذا الجزء من الأثر
التعليقي، فاذن يصحّ كلا التنزيلين معاً بدون ان تتوقف صحة احدهما على الآخر.
و دعوى ان لازم ذلك هو أخذ الحكم التعليقي الثابت للمنزل بالتنزيل الاول في موضوع
التنزيل الثاني، فاذا نزل المولى المؤدى منزلة الواقع بلحاظ حكمه التعليقي و اسرائه
الى المؤدّى و جعله له، كان المؤدّى التنزيلي محكوماً بهذا الحكم التعليقي، لانه
صار واقعاً تنزيلياً بهذا التنزيل، و المفروض ان الظن بالواقع التنزيلي المحكوم
بالحكم التعليقي موضوع لنفس هذا الحكم في التنزيل الثاني، فاذن يلزم اخذ الظن
بالحكم في موضوع نفسه و هو مستحيل.
مدفوعة بما ذكرناه غير مرّة من انه لامانع من اخذ الظن بالحكم في مرتبة الجعل في
موضوع نفسه في مرتبة المجعول.
و ان شئت قلت ان التنزيلين اذا كانا مستقلين و لايكون احدهما مرتبطاً بالآخر،
فلااشكال، و اما اذا كانا بمثابة تنزيل واحد بلحاظ وحدة الحكم و الموضوع، فيلزم
حينئذ أخذ القطع بالحكم في موضوع نفسه، لان القطع بالواقع التنزيلي المحكوم بحكم
الواقع الحقيقي قد أخذ في موضوع نفس هذا الحكم، لفرض ان موضوعه مركب من الواقع و
القطع به، و اما اذا كان كل من التنزيلين في كل جزء، انما هو بلحاظ ما يترتب على
الجزءِ، كتمام الموضوع له و هو الحكم التعليقي، فايضاً يلزم اخذ القطع بالحكم في
نفسه، لان التنزيل الاول يثبت الحكم المذكور للمنزل و هو المؤدى التنزيلي، و الظن
به في التنزيل الثاني قد أخذ في موضوع نفسه، باعتبار انه جزء الموضوع له تنزيلاً، و
لكن تقدم انه لامانع من أخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة
المجعول هذا.
و للمناقشة في هذه المحاولة مجال واسع، اما اولاً فقد تقدّم ان حقيقة التنزيل ليست
عبارة عن اسراء حكم المنزل عليه للمنزل و جعله له، بل هي كشف مراد المولى في مقام
الاثبات سعةً وضيقاً بلحاظ الارادة الجديّة، و حينئذ فلاموضوع لاشكال صاحب الكفاية
(ره) و لالهذه المحاولة، فان كليهما مبني على ان حقيقة التنزيل هي الاسراء و الجعل
لاالكشف عن الواقع كسائر القرائن المنفصلة، و قد تقدم انه لامانع من تعدد القرينة
لشي واحد.
فالنتيجة ان هذه المحاولة مبنية على نقطة خاطئة، و هي ان التنزيل عبارة عن جعل حكم
مماثل لحكم المنزل عليه للمنزل، و كذلك ما ذكره صاحب الكفاية(ره) من الاشكال في
المقام كما مرّ.
و ثانياً مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان مفاد التنزيل هو جعل الحكم للمنزل المماثل
لحكم المنزل عليه، فعندئذ ان اراد (ره) بالحكم التعليقي للجزء الحكم الانحلالي،
بدعوى ان الحكم المتعلق بالموضوع المركب من جزئين او اكثر ينحلّ الى حكمين او اكثر.
فيرد عليه ان هذا خلف فرض كون الحكم متعلقاً بالموضوع المركب من جزئين، لان معنى
ذلك ان الموضوع واحد، غاية الأمرانه مركب لابسيط، و هذا في ظرف النقيض مع الانحلال،
لان معنى الانحلال هو ان المركب مجرد عنوان معرف لما هو موضوع الحكم، فيكون الموضوع
كل جزء مستقلا،
و ان اراد (ره) به حصة من الحكم، بتقريب ان الحكم المتعلق بالموضوع المركب من جزئين
ذو حصّتين و كل حصة منهما تعلقت بجزء منه، على اساس ان متعلق الحكم واقع المركب و
هو المركب بالحمل الشايع لامفهومه و عنوانه في عالم الذهن، و عليه فبطبيعة الحال
ينحل الحكم المتعلق بالموضوع المركب الى حصتين مرتبطتين احدا هما بالأخرى ارتباطا
ذاتياً.
فيرد عليه ان الحصة ليست بحكم شرعي مجعول في الشريعة المقدسة، بل هي بتحليل من
العقل و لاوجود لها الا في عالم الذهن، باعتبار انها امر انتزاعي منتزع عقلاً من
جعل حكم واحد متعلق بالموضوع المركب، لان الشارع اذا جعل حكماً كذلك، فالعقل يقوم
بتحليله، فيحكم بان كل جزء منه متعلق بحصة من هذا الحكم، و لكن هذا التحليل غير
واقعي، لان الحكم الشرعي امر اعتباري صادر من الشارع مباشرة و بسيط، و لايعقل ان
يكون الاعتبار الصادر من المعتبر مركبا و ذات اجزاء و حصص، فان ذلك انما يتصور في
الامور الخارجية.
و من هنا لايتصور ان يكون الأمر الاعتباري منحلاً الى اجزاءِ واقعيّة كانحلال
الانسان الى الحيوان و الناطق، و إلاّلزم خلف فرض كونه امراً اعتبارياً، فاذا لم
تكن الحصة حكماً شرعياً واقعياً، فالتنزيل بلحاظها غير ممكن، و من ذلك يظهر ان
المراد من الحكم الضمني المتعلق بالجزء هو الحكم العقلي التحليلي و ليس بحكم شرعي،
لان الحكم الشرعي اعتبار من الشارع و هو غير قابل للتحليل.
و ان ارد(ره) بالحكم المعلق هو ان تعلق الحكم بكل جزء مشروط بتعلقه بالجزء الآخر.
فيرد عليه ان مرجع ذلك الى تعلق الحكم بالمجموع المركب منهما، لان تعلقه به يرجع
الى تعلقه بكل من الجزئين مشروطا بتعلقه بالآخر، فان هذا هو الحكم المتعلق بالمركب.
فالنتيجة ان ما ذكره (ره) من ان جزء المركب متعلق للحكم معلقاً على انضمام الجزء
الآخر إليه، فيكون الجزء تمام الموضوع لهذا الحكم، لايرجع الى معنى محصّل، و عليه
فلايعقل تنزيل شي منزلة الجزء إلاّ ان يكون في ضمن تنزيل شي منزلة الكل، بلحاظ حكمه
و اسرائه الى المنزل، و مع الأِغماض عن جميع ذلك و تسليم ان الجزء متعلق للحكم
المعلق، فمع هذا لايصّح تنزيل شي منزلة الجزء، بلحاظ الحكم المعلّق و اسرائه الى
المنزل، و ذلك لان ثبوت الحكم المعلق للمنزل يتوقف على ثبوت الجزء الآخر، على اساس
انه معلق على انضمامه إليه، و على هذا فان كان الجزء الآخر ثابتاً بالوجدان، فمعناه
ان أحد الجزئين الاصليين ثابت وجداناً، فاذا كان أحدهما كذلك، فلامانع من ثبوت
الآخر بالتنزيل تعبّداً و لااشكال فيه و هذا خارج عن محل الكلام، لان محل الكلام في
المقام انما هو في اسراء حكم الموضوع المركب من جزئين حقيقيّين هما القطع الوجداني
و متعلقه الى الموضوع المركب من جزئين تنزيليين هما الظن و مؤداه، هذا اضافة الى ان
ذلك في محل الكلام غير معقول، لان الجزء الآخر اذا كان متمثلاً فى القطع الوجداني
الذي هو أحد الجزئين الاصليين للمنزل عليه، فلايبقى موضوع لهذا التنزيل، لان موضوعه
الشك في الواقع، و مع القطع الوجداني به ينتفي هذا التنزيل بانتفاء موضوعه، إذ
لامعنى حينئذ لتنزيل الظن بالمؤدى منزلة القطع بالواقع، فانه طالما يكون القطع
بالواقع موجوداً فلاظنّ به و لاموضوع حينئذ للتنزيل، لان موضوعه انما يتحقق اذا لم
يكن القطع بالواقع موجودا بان يكون الموجود الظن بالمؤدى، فعندئذ يكون دليل الحجيّة
دالاً على تنزيل الظن بالمؤدى منزلة القطع بالواقع، لاثبات ماللقطع بالواقع من
الأثر الشرعي للظن به و هو المنزل.
و دعوى ان الدور انما يلزم اذا كان التنزيل بلحاظ اسراء حكم المنزل عليه الى المنزل
بنحو القضية الفعلية، فعندئذ تنزيل المؤدى منزلة الواقع بلحاظ اسراء حكمه الى
المؤدى بالفعل، يتوقف على ثبوت الجزءِ الآخر كذلك بالتنزيل الثاني و هو يتوقف على
ثبوت الجزءِ الاول كذلك بتنزيله و هذا هو الدور.
و اما اذا كان التنزيل بلحاظ اسراء الحكم المعلق من المنزل عليه الى المنزل بنحو
القضية الشرطية اي بشرط الانضمام، فلايلزم الدور، كما اذا كان التنزيل بلحاظ الحكم
المترتب على الجزء معلقا بانضمام الجزء الثاني إليه، لان صدق القضية الشرطية
لايتوقف على صدق طرفيها، و على هذا فيصّح التنزيل بلحاظ اسراء الحكم المعلق و جعله
للمنزل، و لايعتبر في صحتّه اسراء الحكم الفعلي إليه و جعله له، فاذن يكون التنزيل
بلحاظ اسراء الحكم المعلّق الى المنزل لابلحاظ اسراء الحكم الفعلي اليه حتى يلزم
الدور. مدفوعة بما تقدّم من انه لايمكن ان يكون التنزيل بلحاظ أثر الجزء المعلّق،
فانه اثر الكل أي المركب، لانه اذا وجد جزء من الموضوع المركب، كان ترتّب أثره عليه
معلقا على انضمام الجزء الآخر اليه حتى يتمّ الموضوع بكلا جزئيه، و اماالجزء بما
هو، فلايكون موضوعاً للأثر لاالفعلي و لاالمعلّق، و في هذه الدعوى وقع الخلط بين
كون الحكم المعلق اثر الجزء و كونه اثر الكل و تخيل انه اثر الجزء مع انه اثر الكل.
نعم اذا تعلق الحكم بالموضوع المركب، كان العقل يحكم بتحليله الى حصّتين احداهما
تعلقت بجزء و الأخرى تعلقت بجزءِ آخر، و لكن تقدّم ان هذا التحليل من العقل ليس
بواقعي، لان الحصة المذكورة التحليلة ليست بحكم شرعي مجعول في الشريعة المقدّسة حتى
يكون التنزيل بلحاظها.
فالنتيجة ان ما ذكره المحقق العراقي (ره) من المحاولة لتصحيح التنزيلين في المقام
لايرجع الى معنى محصّل.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي انّه لايمكن ان تقوم الامارات
المعتبرة مقام القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقيّة و الكاشفيّة لاعلى ضوء
نظرية المحقق الخراساني (ره) في التّعليقة و لاعلى ضوء نظرية المحقّق العراقي (ره).
و هنا نظرية ثالثة و هي النظرية التي تبّنت عليها مدرسة المحقق النائيني (ره) و
تقريب هذه النظرية، هو ان المجعول في باب الامارات الطريقية و الكاشفية و العلم
التعبدّي، بمعنى ان الشارع جعلها علماً تعبّدياً و طريقاً الى الواقع، و تفصيل هذه
النظرية كماً و كيفاً سيأتي في مبحث الظن انشاءالله تعالى.
و اما الكلام في المقام فعلاً، فانما هو في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي
الطريقي على ضوء هذه النظرية، و قد أفادت مدرسة المحقق النائيني (ره) في وجه ذلك
انه لايلزم من قيامها مقامه، على أساس تلك النظرية ما ذكره صاحب الكفاية (ره) من
المحذور و هو الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في شي واحد، و ذلك لان الشارع
اذا جعل الامارات طريقاً الى الواقع و علما تعبداً، فقد أوجد فرداً آخر من
الطريقيّة و العلمية و هو الفرد التعبّدي، و على هذا فالامارات بمقتضى دليل حجيّتها
تقوم مقام القطع الطريقي المحض في التنجيز عند الاصابة و التعذير عند الخطأ
بالورود، و في نفس الوقت تقوم مقام القطع الموضوعي المأخوذ في الموضوع بنحو
الطريقيّة بمقتضى دليل حجيّتها بالحكومة، لان دليل الحجيّة يوسع دائرة موضوع ما دلّ
على ترتب الاثر الشرعي على طريقية القطع الوجداني و يجعل الموضوع اعمّ من الطريقيّة
الحقيقيّة و الطريقيّة التعبّدية، فاذن مايترتب على الطريقيّة الحقيقيّة من الأثر
الشرعي تترتّب على الطريقيّة التعبّديّة بلامؤنة زائدة، إذ بعد توسّعه الموضوع
بمقتضى دليل الحجيّة، فشمول اطلاق دليل القطع الموضوعي الطريقي للأِمارات يكون على
القاعدة.
و للمناقشة فيه مجال ثبوتاً و اثباتاً.
امّا ثبوتاً فلان ما ذكره (ره) من ان المجعول في باب الامارات اذا كان الطريقيّة و
الكاشفيّة و العلم التعبّدي، كفى ذلك في قيامها مقام القطع الموضوعي كما تقوم مقام
القطع الطريقي، مبني على تماميّة أحد أمور:
الاول: ان يكون مفاد دليل القطع الموضوعي هو أخذه في موضوع الحكم لابما هو قطع و
طريق وجداني الى الواقع، بل بما هو منجز و معذر، و على هذا فحيث ان الامارة بمقتضى
دليل حجيّتها منجزة وجداناً، فيكون دليل حجّيتها وارد على دليل القطع الموضوعي و
يوسع دائرة موضوعه و هو المنجزيّة الوجدانية و يجعلها اعمّ منها و من المنجزيّة
التعبديّة، فاذن تقوم الامارات مقام القطع الموضوعي بالورود و كذلك مقام القطع
الطريقي المحض، و لافرق في ذلك بين ان يكون المجعول في باب الامارات الطريقيّة و
الكاشفيّة كما هو مبنى مدرسة المحقق النائيني (ره)، أو يكون المجعول فيه المنجزيّة
و المعذّرية كما هو مبنى المحقق الخراساني(ره).
الثاني: ان يكون المأخوذ في الموضوع طريقيّة القطع بما هي طريقيّة بقطع النظر عن
اتّصافها بصفة التماميّة او الحقيقيّة و الوجدانية، بان يكون الموضوع طبيعي الطريق
بقطع النظر عن اضافته الى القطع الوجداني الحقيقي، لانه من أحد مصاديقه و اظهرها، و
إلاّ فهو كما ينطبق عليه حقيقة، ينطبق على الطريق التعبّدي ايضاً كذلك، ضرورة انّه
من أحد مصاديقه واقعاً و حقيقةً، و على هذا فاذا جعل الشارع الامارة طريقاً و
اعتبرها علماً تعبداً، فقد تحقق مصداق من مصاديق الموضوع و هو طبيعي الطريق حقيقةً،
و عليه فيكون دليل حجيّة الامارات وارداً على دليل القطع الموضوعي و يوسّع دائرة
انطباقه في الخارج واقعاً.
الثالث: ان عنوان القطع المأخوذ في موضوع الحكم، ظاهر في القطع الحقيقي و لاينطبق
في الخارج إلاّ على افراده الحقيقيّة دون الجعلية التعبّدته، كما هو الحال في أيّ
عنوان آخر المأخوذ في موضوع الحكم في لسان الدليل، فانه لاينطبق إلاّ على افراده
الحقيقيّة، و على هذا فلايكفي مجرد جعل الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارات و اعتبارها
علماً تعبدّياً في قيامها مقام القطع الموضوعي، باعتبار انها ليست مصداقاً له، و هو
لاينطبق عليها، و انّما ينطبق على افراده و مصاديقه، فاذن لايكون دليل الحجيّة
وارداً على دليل القطع الموضوعي، و اما الحكومة فهي بحاجة الى عناية زائدة، و هي ان
يكون مفاد دليل الحجيّة تنزيل الامارة منزلة القطع الوجداني في الأثر المترتب عليه،
فاذن على مدرسة المحقق النائيني (ره) القائلة بقيام الامارات مقام القطع الموضوعي
بالحكومة الالتزام بان مفاد دليل الحجيّة تنزيل الامارات منزلة القطع الوجداني و
اسراء حكمه اليها، فحينئذ تقوم مقامه، و لكن لايتم شي من هذه الأمور:
اما الأمر الاول، فلان الظاهر من القطع الطريقي المأخوذ في موضوع الدليل و هو القطع
الطريقي بعنوانه دون مطلق المنجز، ضرورة ان ارادة مطلق المنجز من القطع المأخوذ في
الموضوع بحاجة الى عناية زائدة ثبوتاً و اثباتاً، امّا ثبوتاً فهو بحاجة الى الغاء
عنوان القطع و ارادة عنوان آخر منه و هو عنوان المنجز، و اما اثباتاً فهو بحاجة الى
قرينة تدل على ذلك، و الفرض انه لاقرينة عليه لامن الخارج و لامن الداخل.
و اما الامر الثاني، فلان الظاهر عرفاً من عنوان القطع المأخوذ موضوعاً في لسان
الدليل هو القطع الحقيقي كما هو الحال في سائر العناوين المأخوذة في لسان الدليل، و
كون المأخوذ في الموضوع، ذات طريقيّة القطع بما هي طريقيّة بقطع النظر عن اضافته
الى القطع، بمعنى ان المأخوذ فيه طبيعي الطريقيّة الجامعة بين الطريقية الحقيقيّة و
التعبّدية، بحاجة الى قرينة تدل على ذلك و لاقرينة على ذلك أصلاً، فاذن بطبيعة
الحال يكون الظاهر منه بحسب المتفاهم العرفي، هو ان المأخوذ في الموضوع حصة خاصة من
الطريقيّة و هي طريقيّة القطع لاالجامع بينها و بين طريقيّة الأمارة.
و اما الامر الثالث: فلان الموضوع في دليل القطع الموضوعي اذا كان القطع، فلايكفي
في اسراءِ الحكم منه الى الأمارة مجرد جعل الطّريقيّة لها، لفرض ان القطع لاينطبق
إلاّ على افراده في الخارج، و من الواضح ان الأِمارة ليست من افراده حتى ينطبق
عليها كما هو الحال في سائِر العناوين و المفاهيم، و على هذا فلايمكن اسراء حكم
مجعول الطريقيّة القطع التي هي طريقيّة حقيقيّة تامة الى طريقيّة الامارات التي هي
طريقيّة تعبدية لاحقيقيّة بالانطباق، ضرورة ان طريقيّة القطع لاتنطبق على طريقيّة
الامارات، لانها ليست مصداقاً لها، و كل مفهوم انما ينطبق على افراده في الخارج
لاغيرها، فاذن لايكفي جعل الطريقيّة للأِمارات في قيامها مقام القطع المأخوذ في
الموضوع بنحو الطريقيّة، و حينئذ فعلى مدرسة المحقق النائيني (ره) اذا أرادت قيام
الامارات مقام القطع الموضوعي و أصرت على ذلك، ان تلتزم بالتنزيل و هو تنزيل
طريقيّة الامارة منزلة طريقيّة القطع في اسراء حكمها اليها بالحكومة بعد ما لايمكن
ذلك بالانطباق.
و الخلاصة: ان جعل الطريقية و الكاشفيّة للأمارات بدليل حجيّتها لايحقق وروده على
دليل القطع الموضوعي الطريقي و لاحكومته عليه.
اما الاول فهو واضح، و اما الثاني فلعدم نظره الى انه في مقام توسعة طريقيّة القطع
بالتعبّد إلا بالتنزّيل هذا، و لكن قدتقدّم و سوف يأتي ان مدرسة المحقق النائيني
(ره) لاتقول بالتنزيل، لانّها قدلجأت الى لالتزام بجعل الطريقيّة و الكاشفيّة
للأمارات بديلا عن مسألة التنزيل تخلصاً عن الاشكال الوارد على هذه المسألة، كما
لايمكن الجمع بين جعل الطريقيّة و التنزيل معاً في دليل واحد، لان التنزيل انما هو
في طول جعل الطريقيّة للامارات، و لابد اولا من افتراض ان المجعول في باب الامارات
هو الطريقيّة و الكاشفيّة، ثم تنزيل طريقيّتها منزلة طريقية القطع في اسراء حكمها
إليها، و لايمكن ان يكون دليل الحجيّة متكفّلا لكلا الأمرين معاً و في عرض واحد هما
طريقيّة الأِمارة و تنزيل طريقيّتها منزلة طريقيّة القطع، لان الدليل ان دل على
التنزيل فلابدّ ان تؤخذ الطريقيّة مفروغ عنها في المرتبة السابقة، باعتبار انها
موضوع للتنزيل، و ان دل على الطّريقيّة ايضاً في عرض دلالته على التنزيل، فمعناه ان
الطريقيّة لم تؤخذ مفروغ عنها في المرتبة السابقة و هذا كماترى، ضرورة انه لايمكن
الجمع بين هذين الأمرين الطوليين يكون احدهما متفرعاً على فرض وجود الآخر في
المرتبة السابقة في دليل واحد، نعم يمكن ان يكون مدلول دليل الحجية تنزيل طريقية
الامارات الذاتية بمنزلة طريقية القطع فى اسراء حكمها اليها، و اما الجمع بين جعل
الطريقية لها و تنزيلها منزلة طريقية القطع، فهو لايمكن في دليل واحد، و اما الاول
فهو خلاف مفروض الكلام في المقام.
و دعوى انه يمكن ان يكون مفاد دليل الحجيّة جعل الطريقيّة للأِمارات المنزلة منزلة
طريقية القطع بجعل واحد، فيكون المجعول حصّة خاصة من الطريقيّة و هي الطّريقيّة
المنزلة.
مدفوعة: اولا ان مدرسة المحقق النائيني(ره) لاتقول بجعل الطريقيّة الخاصّة
للامارات، و انما تقول بجعل الطريقيّة المطلقة لها بدون تقييدها بقيد خاص غير
شروطها العامة.
و ثانيا ان المجعول في باب الامارات انما هو الطريقيّة و الكاشفيّة لاثبات الواقع
تنجيزاً أو تعذيراً لا الطريقيّة المطلقه حتى بالنسبة الى الاثر المترتب على طريقية
القطع و لاالطريقية الخاصة، لان دليل الحجيّة لايفي بشي من ذلك كما سوف نشير اليه،
و الحاصل انه لايمكن قيام الامارات مقام القطع الموضوعي بنفس دليل حجيّتها.
الى هنا قد وصلنا الي هذه النتيجة، و هي ان مفاد دليل الحجيّة لوكان تنزيل مؤدي
الامارات منزلة الواقع، فلايعقل شموله لموارد القطع الموضوعي ثبوتا كماتقدّم.
و اما اذا كان مفاده جعل الطريقيّة و العلميّة تعبداً، فعندئذ و ان امكن ثبوتاً
قيام الامارات مقام القطع الموضوعي، إلاَّ انّه لايمكن الالتزام به في مقام
الاثبات، و اما لو كان مفاد دليل الحجيّة جعل المنجزيّة و المعذرية، فعدم امكان
شموله للأمارات في موارد القطع الموضوعي ظاهر، لان مفاده جعل المنجزيّة للأمارة
بالنسبة الى الواقع على تقدير الاصابة و المعذرية على تقدير الخطا، و لانظر له الى
ان ما هو مترتب على القطع الموضوعي الطريقي من الأثر الشّرعي فهو مترتب على الامارة
ايضا، نعم لو كان مفاد دليل حجية الامارات تنزيل الامارة منزله القطع، كان مقتضى
اطلاقه انها تقوم مقامه في كلا الأثرين هما أثر الواقع و اثر نفس القطع، و لكن
مفاده ليس كذلك جزماً، لوضوح ان دليل الحجيّة لايدل على ان الامارة موضوع للحكم
كالقطع و لو بالاطلاق.
و الخلاصة انه على ضوء هذا المسلك، فلاتقوم الأِمارة مقام القطع الموضوعي بدليل
اعتبارها، لان مفاده جعل المنجزية للأمارات و المعذرية، و على ضوء ذلك فالامارة
انما تقوم مقام القطع الطريقي المحض في التنجيز و التعذير و لانظر له الى قيامها
مقام القطع الموضوعي في ترتيب اثره عليها، و اما بناء على ما هو الصحيح من ان
الحجيّة امر انتزاعي منتزع من امضاء الشارع سيرة العقلاء الجارية على العمل بها
كاخبار الثقة و غيرها، فلايستحيل شمول دليل الحجية ثبوتاً للأمارات في كلا الموردين
معاً أي موارد القطع الطريقي المحض و موارد القطع الموضوعي، و لكن سوف يظهر من خلال
البحوث الآتية ان الدليل في مقام الاثبات قاصر عن الدلالة على قيام الامارات مقام
القطع المأخوذ في الموضوع بنحو الطريقيّة، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
و اما في مقام الاثبات، فحيث ان عمدة الدليل على حجيّة الامارات السيرة العقلائية
الجارية على العمل بها، فهي قاصرة عن الدلالة علي قيام الامارات مقام القطع
الموضوعي، و القدر المتيقّن منها العمل بها لاثبات الواقع تنجيزاً أو تعذيراً، لان
النكتة المبررّة لعمل العقلاء بها هي اقوائيتها في الكشف عن الواقع و اقر بيّتها
اليه، و ليس عملهم بها من جهة انها كالقطع في الأثر المترتب على طريقيته، ضرورة انه
لالسان للسيرة لكي يكون لسانها تنزيل الامارات منزلة القطع حتى في المترتب على
طريقيّته، و اما الادلة اللفظيّة من الآيات و الروايات، فهي لاتدل على اكثر من
امضاء السيّرة و تأكيدها، و ان شئت قلت ان السيرة حيث انها دليل لبّي، فلاتدلّ على
التنزيل و لاعلى جعل الطريقيّة و الكاشفيّة للأمارات كاخبار الثقة و ظواهر الالفاظ
و نحوهما، فتكون فاقدة لكلا اللسانين و لاتدل على شي منهما، و حيث ان عمل العقلاء
باخبار الثقة و ظواهر الالفاظ و نحوهما لايمكن ان يكون جزافاً و تعبداً، فلامحالة
يكون مبنياً على نكتة مبررة له و تلك النكة هي الاقربيّة و الاقوائيّة النوعية
الموجودة فيهما دون غيرهما، و على هذا فمعنى حجيّتها عندهم انها مثبتة للواقع
تنجيزاً أو تعذيراً و قاطعة للعذر، و اما حجيتهما شرعاً فهي منوطة بامضاء الشارع
السيّرة و تقريرها، و يكفي في امضاء هذه السيرة التي هي مرتكزة في أذهان العقلاء و
ثابتة في اعماق نفوسهم السكوت و عدم الردع عنها.
و من هنا قدجرى بناء العقلاء على العمل باخبار ذي اليد دون غيره و بظواهر الالفاظ
لابظواهر الافعال و هكذا، لان النكتة المبررّة لعملهم باخبار ذي اليددون غيرها
انّما هي خبرويّته، و هذه النكتة غير موجودة في اخبار غيره، كما ان النكتة الموجودة
لعملهم باخبار الثّقة دون غيرها و بظواهر الالفاظ لابظواهر الافعال، هي اقربيّتها
الى الواقع و الاقوائيّة التي توجب الوثوق و الاطمئنان النوعي بها، و السيّرة دليل
لبي فلا اطلاق لها لكي يتمسّك باطلاقها، و القدر المتّيقن منها قيام الامارات مقام
القطع الطريقي المحض، و اما قيامها مقام القطع الموضوعي، فلاسيرة منهم عليه، كيف إذ
ليس لدى العقلاء احكام و التزامات مترتبة على طريقيّة القطع، بان تكون طريقيّته
موضوعاً لها لكي يدعي ان سيرتهم قدجرت على العمل بالامارات في موارد القطع الموضوعي
ايضا و ترتيب احكامه عليها، بل لوكانت عندهم احكام و التزامات مترتّبة على نفس
طريقيّة القطع، فمع ذلك لم نحرز جريان سيرتهم على العمل بالامارات في موارده و
ترتيب تلك الاحكام و الالتزامات عليها، فما هو المعلوم هو جريان سيرتهم على العمل
بالامارات في موارد القطع الطريقي المحض و ترتيب آثار الواقع عليها من التنجيز و
التعذير و يعاملون معها معاملة القطع الطريقي.
و من هنا يظهر انه لاجعل و لامجعول في باب الامارات، إذ ليس في هذا الباب إلاّ
السيرة العقلائيّة على العمل بها، بملاك اقوائيتها في الكشف عن الواقع و اقربيتها
إليه ذاتاً لابالجعل، ضرورة انه لاجعل في سيرة العقلاء، و اما من قبل الشارع، فليس
فيه إلاّ امضاء السيرة، و يكفي في امضائها سكوت المولى و عدم الردع، فليس هنا جعل
من قبل الشارع حتى يقال ان المجعول فيه الطريقيّة و الكاشفيّة و العلم التعبّدي، بل
قد ذكرنا في غير مورد و سوف تأتي الاشارة إليه ان هذا الجعل غير ممكن ثبوتاً، لانه
لغو و جزاف و مجرد لقلقة لسان بدون ان يؤثر تكوينا في الواقع، و اما الآيات و
الروايات على تقدير تماميّة دلالتها على حجيّة الامارات، فهي ادلة امضائية و مؤكّدة
للسيرة لاتأسيسية، و على هذا الأساس أي على اساس ان الدليل على حجيّة الامارات هو
السيرة العقلائية لاغيرها، فليس بامكان أحد ان يقول بالجعل في باب الامارات، لان
السيرة لاتدلٍّ على الجعل، بل انها تدل على ان عمل العقلاء بها ارتكازاً يكون
مبنياً عل نكتة ذاتية و هي اقربيّتها الى الواقع من غيرها، و اما من قبل الشارع
فليس إلاّ امضاء هذه السيرة و تقريرها، و قدمرّ انه يكفي في امضائها السكوت و عدم
صدور الردع عنها، فاذن لايمكن تفسير الحجيّة بجعل المنجزيّة و المعذريّة و لابجعل
الطريقيّة و الكاشفيّة و لابجعل الحكم المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة و
المخالف في صورة المخالفة.
اما الاول فهو لايمكن ثبوتاً و اثباتاً، اما ثبوتاً فلان المنجزيّة و المعذريّة من
آثار الحجيّة و الحاكم بهما العقل، لان الامارة بعد اتصافها بالحجيّة شرعا، يحكم
العقل بانها منجزة للواقع اذا أصابته، بمعنى انها توجب استحقاق الادانة و العقوبة
على مخالفته، و عليه فمعنى انها منجزة للواقع أي انها موجبة لاستحقاق الأدانة و
العقوبة على مخالفته، و من الواضح ان ذلك غيرقابل للجعل.
و الخلاصة: ان الامارة بذاتها لاتكون موجبة لاستحقاق العقوبة على مخالفة الواقع، و
انما تكون موجبة لذلك بعد اتصافها بالحجيّة شرعاً، فاذا كانت حجة، كانت موجبة له و
كونها موجبة له متفرع على حجيّتها في المرتبة السابقة، فلهذا لايعقل ان يكون معنى
الحجيّة المنجزية و المعذرية، اما اثباتاً فحيث ان الدليل على الحجيّة السيرة، فهو
لايدل على الجعل اصلا، و اما امضاء الشارع لها، فليس معناه الجعل، لما عرفت من انه
يكفي في امضائها سكوت الشارع و عدم الردع عنها، و من الواضح ان العدم لايدل على
الجعل.
و اما الثاني فهو ايضا لايمكن ثبوتاً و اثباتاً، اما ثبوتاً فلما ذكرناه غير مرّة
من انه لايمكن جعل الطريقيّة و الكاشفيّة شرعاً للامارات كاخبار الثقة و نحوها، لان
جعلها لها بالحمل الشايع لايمكن، باعتبار انه لايؤثر تكوينا في طريقيّة اخبار الثقة
الذاتيّة و لايجعلها أقوى و اقرب الى الواقع مما كانت عليه تكويناً و ذاتاً، بداهة
ان الجعل الشّرعي لايؤثر في التكوين، و الاّ لزم كونه تكوينياً و هذا خلف انه
لاوجود للجعل الشرعي إلاّ في عالم الاعتبار و الذهن، فلو كان مؤثّراً في الأمر
التكويني الخارجي، لكان خارجياً و هو كما ترى، و لهذا لايمكن صدور مثل هذا الجعل من
المولى الحكيم لانّه لغو و جزاف، و اما اثباتاً فلان امضاء الشارع السيرة العقلائية
الجارية على العمل باخبار الثقة و نحوها لايدل على الجعل فضلا عن جعل الطريقيّة و
الكاشفيّة لها، لان معنى الامضاء تقرير هذه السيرة و قبول عمل اصحابه و تابعيه بها
و ان كان الدال على ذلك سكوته عن ردعه عن العمل بها، و اما سيرة العقلاء فهي لاتكشف
عن الجعل، و انما تكشف عن ان عملهم بها على اساس ان طريقيّتها و كاشفيتها الذاتية
أقوى و اقرب الى الواقع من غيرها، و على هذا فمن الغريب ان مدرسة المحقق النائيني
(ره) قدتبنّت على ان الدليل على حجيّة اخبار الثقة و ظواهر الالفاظ و نحوهما السيرة
العقلانيّة الجارية على العمل بها، و مع ذلك قدالتزمت بان المجعول في باب الامارات
هو الطريقيّة و الكاشفيّة، مع ان السيرة ساكتة عن الجعل نهائيا و كذلك الامضاء، نعم
ان الامضاء منشأ لانتزاع الحجية لها بمعنى المنجزية و المعذريّة، لان السيرة
الجارية على العمل باخبار الثقة اذا كانت ممضاة شرعاً، كانت الاخبار منجزة عند
الاصابة و معذرة عند الخطأ.
و اما الثالث و هو ان معنى الحجيّة جعل الحكم الظاهري في مؤدّيات الامارات المماثل
للحكم الواقعي في صورة المطابقة و المخالف له في صورة عدم المطابقة، فهو و ان كان
ممكنا ثبوتاً، إلاّ انه لايمكن اثباتاً، لان الدليل على الحجيّة السيرة و هي لاتدل
على جعل المؤدّى ظاهراً، كما ان امضاء الشارع السيرة لايدل على الجعل اصلا، نعم ان
الامضاء منشأ لانتزاع الحجيّة لها.
فالنتيجة ان حجية اخبار الثقة و نحوها من الامارات لاتكون مجعولة في الشريعة
المقدسة باحد انحاء الجعل المشار اليها، و انما هي منتزعة لها و منشأ انتزاعها
الامضاء الشرعي للسيرة، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى انا لو سلمنا ان المجعول في باب الامارات الطريقيّة و الكاشفيّة،
فمع ذلك لاتقوم الامارات مقام القطع الموضوعى، لان السيرة لاتدل على اكثر من قيام
الامارات مقام القطع الطريقي المحض لعدم الاطلاق لها، و القدر المتّقين منها ذلك،
فاذن لادليل على قيام الامارات مقام القطع الموضوعي.
لحدّ الآن قدتبيّن ان الامارات الشرعيّة لاتقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي بدليل
حجيّتها على جميع الأقوال في حجيّة الامارات حتى على القول بان المجعول في باب
الامارات الطريقيّة و الكاشفيّة، لما تقدّم من انه على تقدير تسليم هذا القول،
فلايدل دليل الحجيّة إلاّ على طريقيّة الامارات و لايدل على انها كطريقيّة القطع في
الأثر، و لهذا لاتقوم إلاّ مقام القطع الطريقي المحض دون الأعمّ منه من القطع
الموضوعي الطريقي.
و اما على القول بان المجعول في باب الامارات الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي
في صورة المطابقة و المخالف له في صورة المخالفة، فعلى تقدير تسليم هذا القول،
فلايدل دليل الحجيّة الاعلى ان الحكم الواقعي ثابت لمؤدّى الامارة ظاهراً و لانظر
له الى الحكم الثابت لطريقيّة القطع، و لهذا لاتقوم الا مقام القطع الطريقي المحض
دون الا عمّ منه و من القطع الموضوعي الطريقي.
و اما على القول بان مفاد دليل الحجيّة جعل المنجزية و المعذرية للامارات، فعلى
تقدير تسليم امكان هذا القول ثبوتاً و اثباتاً كما اختاره المحقق الخراساني(ره)،
انه لايمكن قيام الامارات مقام القطع الموضوعي على هذا القول، لوضوح ان الاثر
الشرعي مترتب على طريقيّة القطع الموضوعي لاعلى منجزيّتة، و انما تقوم مقام القطع
الطريقي المحض.
و اما على القول بان حجيّة الامارات كاخبار الثقة منتزعة من امضاء الشارع بناء
العقلاء على العمل بها، فقد تقدم انه على هذا القول فلامانع ثبوتا من ان تقوم
السيرة من العقلاء على قيام الامارات مقام القطع الموضوعي، كما انها تقوم مقام
القطع الطريقي المحض، إلاّ انها في مقام الاثبات لم تقم على ذلك و انما قامت على
قيامها مقام القطع الطريقي المحض و قد تقدّمت الاشارة الى ذلك.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان الامارات لاتقوم مقام القطع
الموضوعي الطريقي بدليل حجيّتها على جميع الاقوال فيها.
نتائج البحث عدة نقاط:
الاولى: ان ما ذكره المحقق صاحب الكفاية (ره) من أن قيام الامارات مقام القطع
الموضوعي مستحيل، لاستلزامه الجمع بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في مدلول دليل
واحد و هو دليل الحجيّة، غير تام من وجوه:
الاول: انه مبني على ان يكون مفاد دليل الحجيّة التنزيل، و الأمر ليس كذلك.
الثاني: انه لامانع من الجمع بين القطع الطريقي و القطع الموضوعي في تنزيل واحد و
هو تنزيل طريقيّة الامارة منزلة طريقيّة القطع في جميع آثارها من الشرعية و
العقلية.
الثالث: ان ما ذكره (ره) مبني على ان المأخوذ في دليل الحجيّة واقع الظن و القطع، و
هو الظن و القطع بالحمل الشايع لدى الظان و القاطع مع ان المأخوذ في لسان دليل
التنزيل في مقام الجعل هو مفهوم الظن و القطع، أي الظن و القطع بالحمل الاولي.
الثانية: ان صاحب الكفاية (ره) قد حاول في تعليقته على الرسائل لدفع محذور الجمع
بين اللحاظ الآلي و الاستقلالي في مدلول دليل الحجيّة بالالتزام بالدلالة
الالتزاميّة فيه، بمعنى ان دليل الحجيّة يدل بالمطابقة على تنزيل المؤدّى منزلة
الواقع، و بالالتزام على تنزيل الظن بالواقع التنزيلي منزلة القطع بالواقع الحقيقي،
و عليه فالقطع و الظن ملحوظان باللّحاظ الآلي في التنزيل الاول و باللحاظ
الاستقلالي في التنزيل الثاني، فاذن لايلزم محذور الجمع بين اللحاظ الآلي و
الاستقلالي في مدلول واحد لدليل الحجيّة، فان اللحاظ الآلي في مدلول و اللحاظ
الاستقلالي في مدلول آخر و هو المدلول الالتزامي هذا. و لكن تقدّم ان هذه المحاولة
غير صحيحة، إذلا منشأ للألتزام بالدلالة الالتزاميّة.
الثالثة: انه (ره) قد اورد في الكفاية على هذه المحاولة، ان دليل اعتبار الامارة
لايمكن ان يدل على كلا التنزيلين معاً أحدهما بالمطابقة و الآخر بالالتزام،
لاستلزامه الدور، فان تنزيل الظّن بالمؤدى التنزيلي منزلة القطع بالقواع الحقيقي،
يتوقف على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع من باب توقف الدلالة الالتزامية على الدلالة
المطابقيّة من جهة، و من باب ان التنزيل الاول منقّح لموضوع التنزيل الثاني من جهة
أخرى، و التنزيل الاول يتوقّف على التنزيل الثاني من باب ان تنزيل شي منزلة جزء
الموضوع، يتوقف على ان يكون الجزء الآخر محرزاً بالوجدان او بالتعبّد، و التنزيل و
الاول غير محرز، فاذن يتوقف على الثاني.
الرابعة: ان محاولته(ره) في تعليقته على الرسائل لاترجع الى معنى محصّل، لانها
مبنية على ان تكون لدليل الحجيّة دلالة التزاميّة، و لكن تقدّم انه لامنشأ لها
لاعرفاً بالارتكاز و لاعقلا بدلالة الاقتضاء، كما ان ما ذكره (ره) في الكفاية من
الاشكال على المحاولة بلزوم الدّور غير تام.
الخامسة: ذكر المحقق العراقي (ره) انه لامانع من تنزيل شي منزلة جزء الموضوع، بلحاظ
ما يترتّب على الجزء من الأثر المعلق على انضمام الجزء الآخر إليه، و عندئذ فكلا
التنزيلين صحيح بنحو القضية الشرطيّة، و لايرد عليه ما اورده المحقق الخراساني (ره)
من لزوم الدّور و توقف كل من التنزيلين على الآخر على ما تقدّم تفصيله، و لكن ما
ذكره المحقق العراقي (ره) لايرجع الى معنى محصّل، لان الأثر المعلق على انضمام
الجزءِ الآخر ليس اثر الجزء بل هو أثر الكل على تفصيل تقدّم.
السادسة: ذكرت مدرسة المحقق النائيني (ره) ان الامارات تقوم مقام القطع المأخوذ في
الموضوع بنحو الطريقيّة بنفس دليل اعتبارها، بتقريب ان المجعول في باب الامارات
كاخبار الثقة و نحوها الطريقيّة و الكاشفيّة، و لكن تقدّم ان جعل الطريقيّة و
الكاشفيّة لاخبار الثقة و نحوها غيرمعقول ثبوتاً، اذ يستحيل ان يؤثّر الجعل تكوينا
في طريقيّة اخبار الثقة التي هي أمر تكويني ذاتي، و إلاّ لزم كون الجعل تكوينياً و
هو كما ترى، و مع الأغماض عن ذلك، فلايمكن الالتزام به اثباتاً، لان الدليل على
حجيّتها السيرة العقلائيّة الجارية على العمل بها، و من الواضح ان السيرة لاتكشف عن
الجعل عند العقلاء، كما ان امضاء الشارع السيرة لايدل على الجعل، و مع الاغماض عن
ذلك ايضاً و تسليم ان المجعول في باب الامارات هو الطريقيّة و الكاشفيّة، و لكن مع
هذا لاتقوم الامارة مقام القطع الموضوعي لعدم احراز السيرة منهم على قيامها مقامه،
و انما هي محرزة على قيامها مقام القطع الطريقي المحض.
السابعة: ان الامارات لاتقوم مقام القطع الموضوعي على القول بان المجعول فيها
المنجزية و المعذريّة، ضرورة ان مايترب على طريقيّة القطع لايمكن ان يترتب على
منجزيتها أو معذّريتها بدليل اعتبارها، إلاّ اذا كان لسانه تنزيل الامارة منزلة
القطع الموضوعي ولو بالاطلاق و هو غير ثابت، هذا اضافة الى ان هذا القول ثبوتاً غير
ممكن.
الثامنة: ان حجيّة الامارات منتزعة من امضاء الشارع سيرة العقلاء و بنائهم على
العمل بها، و على هذا و ان امكن قيام الامارات مقام القطع الموضوعي ثبوتاً، إلاّ ان
الدليل في مقام الاثبات قاصر عن ذلك، لان الدليل في هذا المقام السيرة العقلائيّة و
لم نحرز جريانها على العمل بالامارات في موارد القطع الموضوعي و ترتيب آثاره عليها.
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة و هي ان الامارات الشرعية لاتقوم مقام القطع
الموضوعي الطريقي بدليل حجيّتها مطلقا، و على جميع الاقوال في المسألة.
قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الصّفتي
أما الكلام في المرحلة الثالثة، فيقع في قيام الامارات مقام القطع الموضوعي الصّفتي
بدليل حجيّتها، و لكن قد ظهر مما تقدّم انها لاتقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي
فضلا عن قيامها مقام القطع الموضوعي الصّفتي.
و اما على القول بان الامارات تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي، فعندئذ هل تقوم
مقام القطع الموضوعي الصفتي أولا، و قبل الدخول في هذا البحث ينبغي الاشارة الى ان
للقطع الصفتي تفسيرين:
الاول: انه قدفسّر القطع الصّفتي بلوازمه و آثاره كاستقرار النفس و سكونها و ثباتها
و خروجها عن حالة التردّد و القلق الى حالة الثّبات و الطمأنينه، و هذا التّفسير
مبني على ان القطع اسم للأِضافة الى المقطوع بالذات باضافة اشراقيّة، فاذن لايمكن
تقسيم القطع الى قسمين:
أحدهما طريقي و الآخر صفتي، بل القطع شي واحد و هو الاضافة المقوّمة للمقطوع
بالذات، و اما اضافة المقطوع بالذات الى المقطوع بالعرض، فهي خارجة عن حقيقة القطع،
و لهذا لايكون المراد من القطع الصّفتي في مقابل القطع الطريقي، لان القطع واحد
ذاتا و حقيقة و لايكون له فردان احدهما الصّفتي و الآخر الطريقي، بل له فرد واحد و
هو اضافته الى المقطوع بالذات، و لذلك لابدّ ان يراد من القطع الصّفتي في المقام
لوازمه كاستقرار النفس و سكونها.
الثاني: انه قدفسر القطع الصّفتي باضافته الى المقطوع بالذات، و القطع الطريقي
باضافته الى المقطوع بالعرض، و على هذا فاذا اريد من القطع الصّفتي التفسير الاول،
فلاشبهة في عدم قيام الامارات مقام القطع الصفتي بهذا المعنى بدليل اعتبارها، فانه
لوقلنا بان دليل الاعتبار دليل لفظي و له اطلاق ومفاده التنزيل أى تنزيل المؤدّى
منزلة الواقع بالمطابقة، و تنزيل الظن بالمؤدّي التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي بالالتزام، فمع ذلك لايدلّ على قيامها مقام القطع الصفتي بهذا التفسير، و
انما يدل على قيامها مقام القطع الموضوعي الطريقي، لوضوح ان المراد من القطع
بالواقع هو القطع الطريقي أي أضافته الى المقطوع بالعرض، و لايحتمل ان يكون المراد
منه استقرار النفس و ثباتها، كما انه لااشعار في دليل الاعتبار الى ان المراد منه
استقرار النفس فضلا عن الدلالة، ضرورة ان غاية مايمكن ان يدل عليه دليل الاعتبار هو
تنزيل المؤدى منزلة الواقع بالمطابقة، و تنزيل الظن بالمؤدى التنزيلي منزلة القطع
بالواقع الحقيقي بالالتزام، و لايدل على اكثر من ذلك، و من الطبيعي ان هذا لايكفي
في قيامها مقام القطع الصّفتي بمعنى ثبات النفس و استقرارها، نعم لو كان هناك دليل
يدل على تنزيل الامارة منزلة القطع الصفتي بمعنى استقرار النفس و ثباتها، فلامانع
من الالتزام بذلك، إلاّ ان مثل هذا الدليل غير موجود، هذا، مضافا الى انه خارج عن
محل الكلام، فان محل الكلام انما هو في قيام الامارات مقام القطع بدليل اعتبارها، و
انه هل يدل على ذلك أو لا؟
هذا اضافة الى ان دليل الاعتبار ليس دليلا لفظيا في المسألة لكي يكون له اطلاق
يتمسّك به، بل هو دليل لبّي كسيرة العقلاء الجارية على العمل باخبار الثّقة و ظواهر
الالفاظ و نحوها، و القدر المتيقّن منها هو أن الامارة تقوم مقام القطع الطريقي
المحض و لاتدل على قيامها مقام القطع الموضوعي الطريقي فضلا عن الصّفتي، و ان اريد
بالقطع الصّفتي اضافتة الى المقطوع بالذات كما هو المشهور بين الاصحاب، فهل تقوم
الامارة مقامه بهذا المعنى بدليل اعتبارها أو لا؟
و الجواب: انا لو سلمنا ان دليل الاعتبار دليل لفظي و له اطلاق و مفاده التنزيل،
فلابدّ من التفصيل في المسألة، فان كان القطع الصفتي جزء الموضوع و جزئه الآخر
الواقع، فعندئذ يمكن قيام الامارة مقامه بعين ملاك قيامها مقام القطع الموضوعي
الطريقي و هو دفع اللغوية عن كلام المولى، فانه يتطلب الالتزام بالدلالة الالتزامية
لدليل الاعتبار، و لكن قدظهر مما تقدّم ان هذا فرض في فرض لاواقع موضوعي له.
و اما اذا كان تمام الموضوع، فعندئذ و ان قلنا بان دليل الاعتبار دليل لفظي و مفاده
تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، و لكن مع هذا لاتدل على التنزيل في هذا الفرض، لان من
اركانه وجود الاثر الشرعي للمنزل عليه، و المفروض انه لااثرله في ذلك الفرض، و
الاثرفيه انما هو مترتب على القطع الصّفتي فقط و لا على الواقع حتى يصحّ تنزيل
المؤدّى منزلته، و اما بالنسبة الى تنزيل صفة الظن بمنزلة صفة القطع، فهو لايدل
عليه و لانظر له الى ذلك، لمامرّ من انه ناظر الى تنزيل المؤدى منزلة الواقع، هذا
لوكان دليل الاعتبار دليلا لفظياً، و اما اذا كان سيرة العقلاء فالأمر واضح، لانّها
لاتدل على قيام الامارات مقام القطع الموضوعي مطلقا، و انما تدل على قيامها مقام
القطع الطريقي المحض، و قد تقدّم ان الدليل على حجيّة الامارات انما هو سيرة
العقلاء فحسب لاغيرها، و اما الادلة اللفظيّة فبأجمعها تكون مفادها التأكيد
والامضاء لاالتأسيس.
فالنتيجة ان الامارات لاتقوم مقام القطع الموضوعي مطلقا، بل لو سلّمنا قيامها مقام
القطع الموضوعي الطريقي، فلاتقوم مقام القطع الموضوعي الصفتي بنفس دليل اعتبارها، و
اما قيامها مقام القطع الصفتي بدليل آخر، فلامانع منه ولكنه خارج عن محل الكلام.
الى هنا قداستطعنا ان نخرج بالنتائج التالية.
الاولى: ان الامارات لاتقوم مقام القطع الموضوعي بدليل اعتبارها لاالموضوعي الطريقي
و لاالموضوعي الصّفتي.
الثانية: انه على تقدير تسليم ان الامارة تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي، فهل
قيامها مقامه في طول قيامها مقام القطع الطريقي المحض او في عرضه؟
و الجواب: ان ذلك يختلف باختلاف لسان دليل الاعتبار، فان كان لسانه تنزيل المؤدى
منزلة الواقع بالمطابقة، و تنزيل الظن بالمؤدى التنزيلي منزلة القطع بالواقع
الحقيقي بالالتزام، فيكون قيام الامارات مقام القطع الموضوعي في طول قيامه مقام
القطع الطريقي المحض، و ان كان لسانه تنزيل الامارة منزلة القطع، كان مقتضى اطلاقه
انها بمنزلته في مطلق الآثار، سواءً اكانت مترتبة على نفس القطع أم كانت مترتّبه
على متعلقه، و عندئذ فلايكون قيام الامارات مقام القطع الموضوعي في طول قيامها مقام
القطع الطريقي بل في عرضه، و ان كان لسانه جعل الطريقيّة و الكاشفيّة، فايضاً كذلك،
و تظهر الثمرة بين الفرضين.
فعلى الفرض الاول اذا سقطت الدلالة المطابقيّة، سقطت الدلالة الالتزامية ايضا، و
على هذا فاذا لم يكن للواقع اثر، فلايمكن تنزيل المؤدى منزلة الواقع، لان التنزيل
على المشهور متقوّم باركان ثلاثة، المنزل و المنزل عليه و الأثر الشرعي المترتب على
المنزل عليه، فاذا لم يكن للمنزل عليه اثر شرعي فلاتنزيل، لانتفائه بانتفاء أحد
اركانه، فاذا أنتفى المدلول المطابقي و هو تنزيل المؤدّى منزلة الواقع، انتفى
المدلول الالتزامي ايضاً.
و على الفرض الثاني، فلايسقط التنزيل الثاني بسقوط التنزيل الاول، لانه في عرضه لا
في طوله لكى يدور مداره وجوداً و عدماً.
الثالثة: ان دليل الاعتبار لو كان مفاده تنزيل مؤدى الامارات منزلة الواقع، فلابد
من افتراض ان للواقع اثراً شرعياً حتى يصّح التنزيل، باعتبار ان ترتب الاثر الشرعي
على المنزل عليه من احد أركانه، و نتيجة ذلك انه لايشتمل الامارات التي لايترتّب
اثر شرعي على مؤدياتها في الواقع، و عليه فلا تكون الامارات في هذه الموارد حجة، و
على ضوء ذلك فلاتشمل ادلة الحجية الامارات و الاصول العملية الشرعية في ابواب الحيض
والنفاس و الاستحاضه، فان احكام هذه الابواب مختصة بالنساء و لااثر لها بالنسبة الى
المجتهد، فاذن لاتكون الامارات القائمة على تلك الاحكام حجة عند الفقيه، لانّ ادلة
الاعتبار لاتشملها، باعتبار انه لاأثر لمؤدّياتها في الواقع بالأِضافة الى المجتهد،
و يترتب على ذلك انه لايجوز له الافتاء باحكام الحيض و النفاس و الاستحاضه، لانّه
غير عالم بها لا بالوجدان و لابالتعبّد، و موضوع جواز الأِفتاء هو العلم بالأحكام
الشرعيّة الأعمّ من الوجداني و التعبّدي، و المفروض ان المجتهد لايكون عالماً
بالأحكام المذكورة لاوجداناً و لاتعبّداً، اما الاول فهو واضح، و اما الثاني فانّه
منوط بحجيّة الامارات القائمة عليها او الاصول العملية الشرعيّة، و قدمرّ انها
لاتكون حجّة بالنّسبة إليه، فلهذا لايكون عالماً بها اصلا، و عندئذ فلايجوز له
الأِفتاء بها لانّه داخل في الفتوى بغير علم.
و اما التنزيل الثاني و هو تنزيل الظن بالمؤدى منزلة القطع بالواقع، فان كان في طول
التنزيل الاول فهو يسقط بسقوط الاول، لان المدلول الالتزامى يتبع المدلول المطابقي
حدوثاً و بقاءً و يدورمداره وجوداً و عدماً، و على هذا فلايمكن للفقيه الافتاء
باحكام الحيض و النفاس و الاستحاضة لعدم علمه بها أصلا ولو تعبّداً.
نعم لو قلنا بان التنزيل الثاني في عرض التنزيل الاول و لايتوقف عليه، فعندئذ يكون
الساقط هو التنزيل الاول دون الثاني، و على هذا فيجوز للفقيه ان يفتي بالاحكام
المذكورة، هذا كلّه بناءً على ان يكون مفاد دليل الاعتبار التنزيل، ولكن قدتقدّم ان
هذا مجرد فرض لاواقع موضوعي له، فان عُمدة الدليل على حجيّة الامارات كاخبار الثقة،
سيرة العقلاء، فانها جارية على العمل بها بملاك الطريقيّة و الكاشفيّة الذاتية، و
حيث ان الشارع أمضى هذه السّيرة، فيكون امضائه منشأ لانتزاع الحجيّة لها شرعاً، و
على هذا فلايعتبر في حجيّة الامارات ان يكون لمؤديّاتها أثر شرعي في الواقع، بل
انّها حجّة و ان لم يكن لها أثر شرعي في المرتبة السابقة، إذ يكفي في حجيّتها ترتب
اثر شرعي على اثباتها بها في الواقع كجواز الاخبار بثبوتها او جواز الافتاء به،
فاذا قال ثقة ان ماء الدجلة احلى من ماء الفرات، كان قوله حجّة و تثبت به حلاوة ماء
الدجلة، فعندئذ يجوز الاخبار بها، و كذلك الحال في الامارات القائمة على احكام
النساء، فانها تكون مشمولة للسيّرة و تدل على حجيّتها شرعا، و حينئذ تكون مثبتة
لتلك الاحكام، فاذا ثبتت عند الفقيه، جازله الأِفتاء بها، فانّها تحقق موضوع جواز
الافتاء و ان لم يكن لها اثر شرعي في المرتبة السابقة بالنّسبة الى الفقيه، و لكن
يكفي في حجيّتها و عدم كونها لغواً، ترتب الاثر الشرعي على اثبات الواقع لاعلى
وجوده الواقعي، هذا تمام كلامنا في قيام الامارات مقام القطع باقسامه الثلاثة:
1ـ القطع الطريقي المحض.
2ـ القطع الموضوعي الطريقي.
3ـ القطع الموضوعي الصّفتي.
و اما الكلام في الاصول العملية الشّرعية، فيقع تارةً في الاصول العملية غير
المحرزة كاصالة البراءة و اصالة الاحتياط و نحوهما، و أخرى في الاصول المحرزة
كالاستصحاب و اصالة الفراغ و اصالة التجاوز.
اما الاصول غير المحرزة فقد ذكر السيد الاستاذ (ره) انها لاتقوم مقام القطع
الطريقي، و قدافاد في وجه ذلك انّ قيام شي مقام آخر متقوّم بثلاثة عناصر:
الاول: المقيم.
الثاني: المقام.
الثالث: الأثر المترتب على المقام، و حيث ان مفاد اصالة البراءة الشرعية التعذير، و
مفاد اصالة الاحتياط الشرعية التنجيز، فلايكون هناك شي يقوم مقام القطع الطريقي في
التنجيز و التغدير هذا.
و لكنه قابل للمناقشة، و ذلك لأن مفاد اصالة البراءة الشرعية نفي الحكم الواقعي
ظاهراً في موارد الشك فيه مع ثبوت المقتضى له فيها، و حيث ان مصلحة الترخيص مصلحة
نوعية فهي أهمّ من مصلحة الواقع التي هي مصلحة شخصية، فمن أجل ذلك جعل الترخيص
الظاهري او ما يلازمه كنفي الحكم الواقعي في الظاهر او عدم ايجاب الاحتياط، فان
لازمه الترخيص و يترتب على ذلك التعذير، لا ان مفاد اصالة البراءة التعذير، لان
مفادها اما نفي الحكم الواقعي المشكوك في مرحلة الظاهر او التّرخيص الظاهري، و على
كلا التقديرين فالتعذير مترتب عليه لا انّه مفادها، فاذن لامانع من قيام اصالة
البراءة الشرعيّة مقام القطع في التعذير، و مفاد اصالة الاحتياط الشرعية عبارة عن
جعل حكم طريقي بغرض الحفاظ على الاحكام الواقعيّة و مالها من المبادي و الملاكات و
لاشأن له في مقابل تلك الاحكام غير تنجيزها عند الاصابة، و ليس الاحتياط الشرعي
عبارة عن نفس تنجيز الواقع حتى يقال انه ليس هنا شي آخر غيره لكي يقوم مقام القطع
الطريقي فيه، و على هذا فلامانع من قيام اصالة الاحتياط مقام القطع الطريقي في
التنجيز.
و ان شئت قلت ان اصالة البراءة الشرعية مجعولة في الشريعة المقدسة و أثرها التعذير
لاانها عبارة عن التّعذير، كيف فان التعذير حكم عقلي غير قابل للجعل، و كذلك اصالة
الاحتياط، فانها مجعولة شرعاً و أثرها تنجيز الواقع لا انها عبارة عن التنجيز، كيف
فان التنجيز حكم عقلي و غير قابل للجعل الشرعي و عبارة عن ادراك العقل استحقاق
الادانة و العقوبة، نعم البراءة العقلية عبارة عن حكم العقل بالتعذير، كما ان
الاحتياط العقلي عبارة عن حكم العقل بالتنجيز، و ما ذكره السيد الاستاذ(ره) انما
يتمّ في البراءة و الاحتياط العقليين لافي البراءة و الاحتياط الشرعيين.
و اما الاصول العملية المحرزة كالاستصحاب أو نحوه، فقد ذكر السيد الاستاذ(ره) انها
تقوم مقام القطع الطريقي و الموضوعي بنحو الطريقيّة بنفس دليل اعتبارها، و قد أفاد
في وجه ذلك ان هذه الاصول من حيث كونها ناظرة الى الواقع، فيكون المجعول فيها
الطريقيّة و العلم التعبّدي، و لهذا بنى (ره) على انها من الامارات وان كانت دون
سائر الامارات، فاذن تقوم مقام القطع الطريقي المحض في تنجيز الواقع و التعذير، و
تقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي بالحكومة أي بتوسعة الموضوع، فان دليل اعتبارها
يوسع دائرة الموضوع و هو طريقية القطع و يجعله أعمّ من الطريقيّة الحقيقيّة و
الطريقيّة التعبّدية، و بكلمة ان دليل اعتبار هذه الاصول قد أوجد فيها صفتان:
الاولى: صفة المنجزيّة و المعذريّة.
الثانية: صفة الاحراز و الطريقيّة، و بلحاظ اتّصافها بالأولى تقوم مقام القطع
الطريقي المحض في التنجيز و التعذير، و بلحاظ اتصافها بالثانية تقوم مقام القطع
الموضوعي الطريقي هذا.
و لنأخذ بالنّقد عليه، اما اولاً، فلما تقدم من ان الامارة كاخبار الثقة و نحوها
التي هي أقوى منها لاتقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي بنفس دليل اعتبارها فضلاً عن
هذه الاصول العملية، نعم بناءً على ان يكون مفاد دليل الاعتبار التنزيل، بتقريب انه
يدل على تنزيل المؤدّى منزلة الواقع بالمطابقة و على تنزيل الاستصحاب منزلة القطع
بالدلالة الالتزاميّة يقوم مقام القطع الموضوعي الطريقي، و لكن تقدم ان مفاد دليل
الاعتبار ليس هو التنزيل، و على تقدير تسليم انه التنزيل، إلاّ انه لامنشأ للدلالة
الالتزاميّة لاعرفاً و لاعقلاً على تفصيل تقدّم، هذا من ناحية.
و من ناحية أخري انه لايمكن ان يكون المجعول في باب الاستصحاب الطريقيّة و
الكاشفيّة ثبوتاً و اثباتاً، اما ثبوتا فلان اليقين بالحالة السابقة لايتطلب بقائها
في ظرف الشك، باعتبار ان شأن اليقين الكشف عن الواقع على ما هو عليه من دون ان يكون
له دخلاً في حدوثه او بقائه، لان حدوثه و بقائه تابعان لعلته كذلك، و اما نفس
الحالة السابقة التي هي عبارة عن اول وجود الشي لاتتطلب بقائها في ظرف الشك فيه،
لان الوجود الاول للشي ليس علة لوجوده الثاني الذي يعبّر عنه بالبقاءِ، إذ كما ان
وجوده الاول الذي يعبّر عنه بالحدوث بحاجة الى علة، كذلك وجوده الثاني بعين الملاك
هو ان الممكن عين الفقر و الربط بالعلة، لاانّه شي له الربط و الفقر، و لافرق في
ذلك بين وجوده الاول و وجوده الثاني و الثالث و هكذا، فانه يدور مدار علته حدوثاً و
بقاءً، و يستحيل ان يستقل الممكن في وجوده و يستغني عن العلة بقاء، و إلاّ فهو واجب
و ليس بممكن، و هذا خلف، و على هذا الاساس فبقاء الحالة السابقة في ظرف الشك بحاجة
الى بقاء علّتها و لايكون حدوثها علة لبقائها.
و الخلاصة ان حدوث الحالة السابقة لايقتضي بقاؤها و لاعدم بقائها، فهو لااقتضاء
بالنسبة الى كلتا الحالتين معاً، و نتيجة دلك ان الحالة السابقة المتيقّنة بما هي
حالة سابقة متيقّنة، لاتصّح ان تكون امارة على البقاء، و على هذا فجعل الطريقيّة و
الكاشفيّة لها مجرد لقلقة لسان، فلايعقل ان يكون مؤثراً، لاستحالة ان يكون الجعل
الشرعي مؤثراً في التكوين، لان الجعل الشرعي لاوجود له في عالم الخارج حتى يكون
مؤثراً فيه، و الا لكان خارجياً لااعتبارياً و هذا خلف.
و اما اثباتاً فعلى تقدير تسليم امكان جعل الطريقيّة و العلم التعبّدي للحالة
السابقة، فلايمكن الالتزام به في مقام الاثبات، و ذلك لان لسان روايات الاستصحاب
ليس نفي الشك تعبداً، و انما هو النهي عن نقض اليقين بالشك، و حيث ان اليقين في ظرف
الشك غير موجود، فلايكون النقض حقيقياً، فاذن لامحالة يكون النهي عن نقض آثار
اليقين في ظرف الشك، و معنى ذلك العمل على طبق الحالة السابقة في ظرف الشك في
بقائها تعبّداً.
و الخلاصة ان مفاد روايات الاستصحاب ليس جعل الاستصحاب طريقاً و علماً تعبداً، بل
مفادها النّهي عن نقض اليقين بالشك عملاً، لان النهي عن النقض ارشاد الى وجوب الجرى
العملي على طبق الحالة السابقة في ظرف الشك تعبداً بدون اي اشارة فيه الى جعل
الطريقيّة للحالة السابقة، و من هنا قلنا ان الاستصحاب ليس من الاصول المحرزة، و
تفصيل ذلك يأتى في مبحث الاستصحاب.
و اما قاعدة الفراغ و التجاوز، فحجيتها مبنية على الطريقيّة و الكاشفيّة النوعية في
ظرف العمل، حيث انهما من الاصول العقلائية التي قد بنى العقلاء عليها، على أساس
اصالة عدم الغفلة، و الروايات الواردة في هاتين القاعدتين يكون مفادها امضاء بناء
العقلاء على العمل بهما لاتأسيساً لهما، و من الواضح ان مقتضى بناء العقلاء عليهما
قيامها مقام القطع الطريقي فحسب و لابناء منهم على قيامهما مقام القطع الموضوعي، و
تفصيل الكلام في هاتين القاعدتين يأتي في اواخر بحث الاستصحاب.
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة، و هي ان الاصول العملية الشرعية من الاصول
المحرزه و غيرها لاتقوم مقام القطع الموضوعي مطلقا حتى القطع الموضوعي الطريقي
فضلاً عن الصّفتي، و انما تقوم مقام القطع الطريقي المحض فحسب هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى ان الامارات لاتقوم مقام القطع الموضوعي الصفتي و ان قلنا بقيامها
مقام القطع الموضوعي الطريقي.
حجية الدليل العقلي
بعد الفراغ عن حجيّة القطع في نفسه و انّها غير قابلة للمنع و الرّدع، ضرورة انه
لايمكن ردع القاطع عن العمل بقطعه و ان كان قطعه حاصلاً من الاسباب غير العادية، و
لكن مع هذا ذهب جماعة من الاخباريين الى تخصيص حجيّة القطع بالقطع الحاصل من الكتاب
و السنة، و اما الحاصل من الدليل العقلي فهو لايكون حجة، و لتعيين مقصود الاخباريين
من الدليل العقلي الذي لايكون حجّة لابد من تقديم مقدّمة، و هي ان الدليل العقلي
ينقسم الى اربعة أقسام:
الاول: الدليل العقلي النظري كادراك العقل المصالح و المفاسد الواقعيتين.
الثاني: الدليل العقلي العملي كحكم العقل بحسن الصدق و قبح الكذب و حسن العدل و قبح
الظلم.
الثالث: الملازمات العقليّة غير المستقلة كالملازمة بين وجوب شي و وجوب مقدمته.
الرابع: الدليل العقلي الظنّي كالقياس و الاستحسان و نحوهما.
و محل النزاع بين الاصوليين و الاخباريين انما هو في القسم الاول و الثاني دون
الثالث و الرابع، اما الثالث و هو الملازمات العقليّة غير المستقلة، فان الاخباريين
لاينكرون تلك الملازمات، و اما الرابع و هو الدليل العقلي الظنّي، فهو لايكون حجّة
عند الاماميّة بلافرق في ذلك بين الاصوليين و الاخباريين.
فاذن يقع الكلام في مقامين:
الاول: في الدليل العقلي النظري.
الثانى : في الدليل العقلي العملي.
اما الكلام في المقام الاوّل، فان اراد الاخباريّون بذلك ان القطع الحاصل بالحكم
الشرعي المولوي من ادراك العقل مصلحة ملزمة في فعل غير مزاحمة او مفسدة ملزمة في
آخر كذلك لايكون حجّة.
فيرد عليه اولاً: انه غير معقول، ضرورة انّه لايمكن تخصيص حجيّة القطع بحصة خاصة
منه و هي القطع بالحكم الشّرعي الحاصل من الكتاب والسنة، لما تقدّم في مستهل بحث
القطع ان حجيّته ذاتية بالذاتي باب البرهان، و لايعقل التفكيك بينهما إلاّ بالتصرّف
في موضوعه او متعلقه، على اساس ان حجيّة القطع منوطة بكونه متعلقاً بحكم الزامي
مولوي و إلاّ فلايكون حجة، و على هذا فللمولى ان يرفع اليد عن مولويته، فاذا رفع
المولى يده عن مولويّة حكم المقطوع، سقط القطع عن الاعتبار و الحجيّة بسقوط مولويّة
متعلقه، و اما مع افتراض عدم ذلك، فلايعقل رفع اليد عن حجيّة القطع و انتفائها إلاّ
بانتفائه، و على هذا فاذا حصل القطع بالحكم الشرعي المولوي من الدليل العقلي،
فلايمكن القول بانّه غير حجّة، و ان ارادوا بذلك ان الاحكام الشرعيّة المجعولة في
الشريعة المقدسة مختصّة للعالم بها من خصوص الكتاب و السنة و لاتكون ثابتة للعالم
بها من الدليل العقلي، و معنى هذا هو ان العلم بالاحكام الشرعيّة من الكتاب و السنة
خاصة مأخوذ في موضوع نفسها، و بانتفاء هذا العمل تنتفي الاحكام الشرعية بانتفاء
موضوعها، و اما العلم الحاصل من الدليل العقلي بها، فهو غير مأخوذ في موضوعها.
فيرد عليه ان ذلك و ان كان ممكناً ثبوتاً، لما تقدّم من انه لامانع من أخذ العلم
بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، و لايلزم من ذلك أيّ محذور
في مقام الثبوت، إلاّ انه لايمكن الالتزام به في مقام الاثبات، لان الالتزام به في
هذاالمقام بحاجة الى دليل و لادليل عليه، بل الدليل على الخلاف موجود و هو اطلاقات
الكتاب و السنّة، فان مقتضى هذه الاطلاقات و عدم الدليل على تقييدها بالعالم بها،
ثبوت الاحكام الشرعيّة مطلقا للعالم و الجاهل.
و دعوى ان الدليل على التقييد موجود و هو الروايات التي كان الإخباريون متمسكين بها
على عدم حجية الدليل العقلي و اشار إليها شيخنا الانصاري(ره) كالروايات الدالة على
ان دين الله لايصاب بالعقول(55) و نحوها، فان هذه الروايات تصلح ان تكون مقيّدة
لتلك الاطلاقات.
مدفوعة بان هذه الروايات لاتصلح للتّقييد، فان محتملاتها أحد أمور:
الاول: انها في مقام التوبيخ على التساهل و التّسامح في الفحص عن الأدلة الشرعية و
التوغّل في الادلة العقليّة بدون التحقيق و النظر الى جهات المسألة، و ان دين الله
لايصاب بالعقول كما يظهر ذلك بوضوح من صحيحة أبان بن تغلب عن الصادق(ع) (قال قلت
له، رجل قطع أصبع من اصابع المرأة، كم فيها من الدية؟ قال عشر من الابل، قال قلت
اصبعين، قال عشرون، قلت قد قطع ثلاثاً، قال ثلاثون، قلت قطع اربعاً، قال عشرون، قلت
سبحان الله يقطع ثلاثاً فيكون عليه ثلاثون و يقطع اربعاً فيكون عليه عشرون الى ان
قال، ان الذي جاء به شيطان، قال مهلاً يا أبان، هذا حكم رسول الله(ص) ان المرأة
تعاقل الرجل الى ثلث الدية، فاذا بلغ الثلث رجع الى النصف، يا ابان انك أخذتني
بالقياس، السنة اذا قيست محق الدين.)(56) فانها تدل على توبيخ ابان من جهة تسرعه في
الحكم معتمداً على الدليل العقلي الظنّي و ترك التحقيق و الفحص عن الادلة الشرعية و
التأمل فيها، و لاتدل على تقييد اطلاقات الكتاب و السنة بالعالم بالاحكام الشرعية
الحاصل منهما لا لأعم منهما و من الدليل العقلي، و من هنا لااشعار فيها على هذا
التقييد فضلاً عن الدلالة.
و الخلاصة ان هذه الصحيحة و ما شاكلها انما هي في مقام بيان مسألة أخرى، و هي انه
لايمكن الاعتماد على الدليل العقلي الظني في المسألة و ترك الفحص و التحقيق في
الادلة الشرعية فيها.
الثاني انها في مقام بيان بطلان العبادة بدون معرفة الامام(ع)، و هذا يعني ان مفاد
هذه الروايات شرطية الايمان بالولاية في صحة العبادات كشرطية الاسلام.
و الخلاصة ان هذه الروايات تدل على ان الايمان بولاية ائمة الاطهار(ع) شرط في صحة
العبادات كسائر شروط صحّتها، و لانظرلها الى تقييد اطلاقات الادلة بالعالم بالاحكام
الشرعيّة من الكتاب و السنة فقط.
الثالث: انها تدل على المنع من استنباط الاحكام الشرعية من الادلة العقليّة الظنيّة
كالقياس و الاستحسان و نحوهما، و لهذا أجمع فقهاء الاماميّة تبعاً للأئمّة(ع) على
عدم الاعتماد عليها و العمل بها خلافاً لجمهور من فقهاء العامّة، فانهم بنوا على
العمل بها، هذه هي محتملات هذه الروايات، ثم ان الظاهر منها عرفاً هو الاحتمال
الأخير، كيف كان فهذه الروايات اجنبيّة عن محل الكلام و لاتدل على التقييد.
و ثانياً: ان مراد الاخباري من عدم حجية العقل النظري ليس تقييد الاحكام الشرعيّة
بالعالم بها من الكتاب و السنة فقط، بل هم كالاصولي يرون ان الاحكام الشرعيّة
مشتركة بين العالم و الجاهل، غاية الأمر ان العلم الحاصل بها من الادلة العقليّة
لايكون حجة في مقام الاثبات، بينما العلم الحاصل بها من الكتاب و السنته حجة.
و الخلاصة انهم لايقولون بان دائرة الجعل مضيّقة و مقيّدة بجعل حصّة خاصّة من
الاحكام الشرعيّة و هي المقيّدة بالعالم بها من خصوص الآيات و الروايات، بقرينة
انهم قد صرّحوا بان القطع بالحكم الحاصل من الدليل العقلي لايكون حجة من باب
السالبة بانتفاء المحمول، لا انه ليس قطعاً بالحكم من باب السالبة بانتفاء الموضوع.
و ان ارادوا و بذلك انه لايحصل اليقين بالحكم الشرعي من الادلة العقلية، معللاً
كثرة وقوع الاشتباه و الخطا فيها و هي يمنع عن حصول اليقين بالحكم الشرعي منها، و
هذا هو الظاهر من كلمات الأخباريين في المسألة و لاسيّما من المحدث الاسترابادي حيث
قال، ان العلوم التي تكون مباديها و موادها حسيّة او قريبة من الحس كالعلوم
الرياضيّة مثل علم الحساب و الهندسة و نحوهما، لايقع فيها الخطأ و الاشتباه إلا
نادراً، لان الخطأ لايقع إلاّ في المادة اي مادة القضيّة دون صورتها، لان المنطق
عاصم عن الخطأ في الصورة، و اما العلوم النظرية التي لاتكون مادّتها محسوسة و
لاقريبة من الحس كالفلسفة و نحوها، فوقوع الخطأ و الإشتباه فيها شايع، حيث انه ليس
في المنطق قاعدة تمنع عن الخطأ في المادّة، فان الشكل الاول انما يمنع عن الخطأ في
الصورة لافي المادة، و كثرة وقوع الخطأ و الاشتباه في الادلة العقلية، تمنع عن حصول
اليقين بالحكم الشرعي منها، فان ارادوا ذلك.
فيرد عليه اولا النقض بسائر العلوم النظرية كعلم الاصول و الفقه و ماشاكلهما، فان
الخطأ و الاشتباه في هذه العلوم أيضاً كثير نظرياً و تطبيقياً، و من هنا يكون
الاختلاف بين الفقهاء و الاصوليين في المسائل النظرية المعقدّة موجود غالباً،
فلوكانت كثرة الخطأ و الاشتباه في الادلة العقليّة النظريّة مانعة عن حصول اليقين
بالحكم الشرعي منها، لكانت مانعة عن حصول اليقين به من القواعد الاصولية و الفقهيّة
ايضاً بنفس الملاك مع ان الأمر ليس كذلك، و النكتة فيه ان مادة هذه العلوم جميعاً
مادة نظرية لاتكون محسوسة و لاقريبة من الحس، و لافرق من هذه الناحية بين كافة
العلوم النظرية العقلية و غيرها، فان الجميع على مستوى واحد من جهة وقوع الخطأ و
الاشتباه فيها نظرياً و تطبيقياً، مع ان الاخباريين يقولون بحصول اليقين من القواعد
الاصوليّة و الفقهيّة، فاذن ما هو جوابهم عن هذا النقض.
و ثانياً بالحل فان كثرة وقوع الخطأ و الاشتباه في الادلة العقليّة النظريّة لاتمنع
عن حصول اليقين منها بالحكم الشرعي للممارس لها في طريق عملية الاستنباط، والسر في
ذلك هو ان المستدل بكل دليل عقلي نظري يقوم على اساس وجدانه العقلي بالتتبع و الفحص
و التفكير في تنقيح الصغرى و مقدّماتها و شروطها و طرق اثباتها، فاذا علم بتحققّها
بما لها المقدمات و الشروط، كان تطبيق الكبرى عليها قطعياً، فاذا كان قطعياً كانت
النتيجة ايضاً كذلك، و من الواضح ان وجدانه في هذا الدليل العقلي الذي أفاد القطع
بالحكم الشرعي لايتأثر بالخطأ و الاشتباه في دليل عقلي آخر، ضرورة ان الخطأ فيه
لايؤثر في قطعه بصحة هذا الدليل، لان منشأ الخطأ في الدليل النظري احد أمور:
الاول: عدم القدرة الفكرية الذاتية.
الثاني: عدم المقدرة العمليّة.
الثالث: الغفلة عما هو دخيل في تكوين المسألة وفق شروطها العامة.
الرابع: عدم استيعاب كافة ما له دخل في تكوينها.
و اما المستدل في هذا الدليل العقلي يرى ان جميع مؤهّلات عملية الاستنباط موجودة
فيه و لايحتمل الخطأ فيها، لانه اذا رأى في نفسه مقدرة فكرية و علميّة و انه غير
غافل عما له دخل في هذه العملية، حصل له اليقين بالحكم الشرعي، فاذن يكون منشاء
الخطأ شي و منشأ الاصابة شي آخر و لايرتبط احدهما بالآخر.
و بكلمة ان عقله في عملية الاستنباط لايتأثّر بالخطأ و اشتباه شخص آخر في مورد آخر
في تلك العملية، باعتبار ان خطأه من جهة عدم توفر جميع الشروط و المؤهلات المتقدمة
فيه، بينما تلك الشروط و المؤهلات متوفرة فيه، بل ان عقله لايتأثر بخطأ الآخر في
نفس المسألة فضلاً عن سائر المسائل، باعتبار ان خطأ الآخر فيها مستند الى عدم توفر
المؤهلات المذكورة فيه كافة، بينما هو يرى توفرها فيه، و لذلك امثلة كثيرة في
الفقه، منها مسألة اعتبار اذن الأب في صحة نكاح بنته الباكر و عدم اعتباره، و هذه
المسألة مسألة، معّقدة في الفقه من جهة ان الروايات في هذه المسألة على اصناف
مختلفة، فلذلك اختلف الفقهاء في الجمع بين هذه الروايات بتمام اصنافها و علاج
المعارضة بينها، فذهب بعضهم الى امكان الجمع العرفي بينها لوجود شواهد فيها على هذا
الجمع، و ذهب بعض آخر الى المعارضة بينها و لابدّ من الرّجوع الى مرجّحات بابها، و
من هنا أفتى بعضهم بعدم اعتبار اذن الأب أوالجد من قبل الأب، و الآخر ذهب الى
الاحتياط، و الثالث الى اعتبار اذنه، مثلا من ذهب الى اعتبار اذنه كاذن البنت في
صحة عقد النكاح، و ان هذا هو مقتضى الجمع العرفي الدلالي بينها، لايتأثر عقله و
وجدانه بخطاء الآخر في الجمع بينها، و لهذا يكون معتقداً بصحة ما أفتى به و خطأ
الآخر هذا من ناحية.
و من ناحية أخرى ان عقله و وجدانه بصحة الدليل و حصول اليقين منه لايتأثر بعلمه
الاجمالي بانه قد أخطأ في بعض الاستدلالات المتقدمة من الاصولية و الفقهيّة او
غيرها، لوضوح ان هذا العلم الاجمالي لايمنعه من حصول اليقين بصحة هذا الدليل صغرى و
كبرى بعد الفحص و التحقيق، باعتبار انه يعلم ان خطائه في بعض الاستدلالات المتقدمة،
فانما هو من أثر الغفلة عماله دخل في عملية الاستنباط و هي تطبيق القواعد العامة
على عناصرها الخاصة، او الغفلة عمّا له دخل في تكوين القواعد العامة في الحدود
المسموح بها شرعاً، بل لايتمّ ما أفاده(ره) مطلقا حتى في المسألتين كانت بينهما
ملازمة واقعيّة ناشئة عن العلاقة العلية و المعلولية بينهما، فان الخطأ في احداهما
و ان كان يستلزم الخطأ في الأخرى، الاّ ان ذلك بالنسبة الى شخص واحد، و اما بالنسبة
الى شخصين، فلايكون خطأ احدهما مؤثراً في الآخر، فان خطأه ناشىء من عدم توفر جميع
مؤهلات عملية الاستنباط فيه، و لهذا لايؤثر في الآخر الذي يرى في نفسه توفّر جميع
المؤهلات، و ان ارادوا بعدم حجيّة الدليل العقلي عدم حجيته في مرتبة الوصول، بتقريب
ان كل حكم مجعول في الشريعة المقدّسة اذا وصل الى المكلف من طريق الكتاب و السنة
تنجز عليه، و الاّ فلاقيمة له و لايجب امتثاله و لايحرم مخالفته، بمعنى انه ليس
مطلوباً للّه تعالى و لايكون مورداً لحق الطاعة، و على الجملة فوصول الحكم الى
المكلف اذا كان بواسطة الحجّة كالكتاب و السنة، فهو منجز و موضوع لحق الطاعة، و اذا
لم يكن بواسطة الحجّة، كما اذا كان من طريق الدليل العقلي، فلايكون منجزاً و
موضوعاً لحق الطاعة، لان المولى لايريد الحكم الوصل من غير طريق الحجّة.
فيرد عليه انه غير معقول، لان تقييد الحكم انما يمكن في مرحلة الجعل، باعتبار انه
بيد المولى سعةً وضيقاً، و اما وصول الحكم الى المكلف بوصول موضوعه، فهو امر وجداني
تكويني بمعنى وصول فاعليته و غير قابل للتقييد، لان فعلية الحكم بفعلية موضوعه امر
قهري و ليست بيد المولى، و لهذا لاتقبل التقييد شرعاً، و عليه فاذا وصل الحكم الى
المكلف من طريق الدليل العقلي، فلايمكن للشارع ان يمنع عن العمل به طالما لايكون
مقيداً في مرحلة الجعل، إذ يستحيل التقييد شرعاً في مرحلة الوصول و الفعلية، لان
هذه المرحلة ليست من مراحل الحكم، و لهذا لايكون أمرها بيد الشارع، فاذن كيف يمكن
التقييد في هذه المرحلة اذا كان مطلقا في مرحلة الجعل كما هو المفروض.
و دعوى ان هناك روايات تدل على ان وصول الاحكام الشرعية لابدّ ان يكون من طريق
الحجّة، مثل ما دل على انه (حرام عليكم ان تقول بشي مالم تسمعوا منا، و من دان الله
بغير سماع من الصادقين(ع) فهو كذا) و كذا(57)، (و من قام ليلة وصام نهاره و حج دهره
و تصدق بجميع ماله، ما لم يعرف ولاية ولى الله، فيكون اعماله بدلالته ما كان على
الله ثواب)(58) و غيرها.
فانها تدل على ان التقرب الى الله تعالى لابد ان يكون من طريق الأئمّة الاطهار(ع) و
إلاّ فلايكون موضوعاً لحق الطاعة، و هذا معنى عدم حجيّة الدليل العقلي في مرتبة
الوصول.
مدفوعة بان هذه الروايات على تقدير ثبوتها، فلاتدل على ان القطع الحالصل بالحكم
الشرعي من الدليل العقلي لايكون حجة، ضرورة انه لايمكن منع القاطع عن العمل بقطعه
إلاّ بتصرّف المولى في متعلقه و رفع اليد عن حقّه و هو الطاعة، بل ان هذه الروايات
ناظرة الى شجب عمل الجمهور بالادلة الظنيّة كالقياس و الاستحسان و نحوهما في مقابل
الأئمّة الاطهار(ع)، و استنكار عملهم بها و بطلانه و عدم استحقاق الاجر و الثواب
عليه، حيث انه يوجب محق السنة، فاذن هذه الروايات اجنبيّة عن محل الكلام هذا.
و قد أجاب عن ذلك شيخنا الانصاري(ره)، بان المكلف اذا حصل له القطع بالحكم الشرعي
من الدليل العقلي، كان يقطع بان هذا الحكم قدبيّن من قبل الشارع و بلغ بواسطة
الحجّة، و عليه فلا ينافي تقييد وصول الحكم و بلوغه من قبل الائمة الاطهار(ع) وصول
الحكم بالدليل العقلي، لانه ايضا حكم قد بلغ بواسطة الحجة، غاية الأمر ان الحكم
الذي قد بلغ بواسطة الحجة قديصل الى المكلف مباشرة و قد يصل إليه بواسطة مقدّمة
أخرى، و على كلا التقديرين فهو حكم قد بيّن و بلغ من قبل الله تعالى(59)، و يمكن
المناقشة في هذا الجواب من جهتين:
الاولى: ان هذا الجواب مبني على ان يكون القيد العلم بتبليغ الحج و ان لم يصل الى
المكلف، لاالوصول من قبلهم، مع ان القيد هو الثاني في محل الكلام دون الاول.
الثانية: انه لاملازمة بين القطع بالحكم الشرعي من الدليل العقلي و بين القطع
بتبليغه من قبل الحج، إذ يمكن ان يقطع بوجوب شي او حرمة آخر من جهة ادراك العقل
مصلحة ملزمة في الاول أو مفسدة ملزمة في الثاني غير المزاحمة بدون ان يعلم انه بلغ
من قبل الحج فلاملازمة في البين.
و اما المحقق النائيني(ره) فقد أجاب عن هذه الروايات بشكل آخر، و تقريبه ان الوصول
و التبليغ من الحج متحقق في موارد العلم بالحكم من الدليل العقلي، على أساس ماورد
في الروايات من ان العقل رسول الباطن و حجة على العباد، و الشرع رسول الظاهر.
و لكن هذا الجواب غير صحيح، لان مراد الاخباري من الحجة الامام المعصوم(ع) لامطلق
الحجة بمدلولها العقلي و اللغوي هذا، اضافة الى ان الروايات تدل على ان العقل
الفطري رسول الباطن لامطلق العقل النظري، و الكلام في المقام انما هو في الثاني لا
في الاول و هو العقل الفطري، فانّه من القضايا الاوليّة التي قياساتها معها و
لااشكال في حجيّته، كيف فان اثبات الصانع انما هو به.(60) و من هنا يظهر حال ما
أجاب به بعض المحققين(ره) من ان الكتاب و السنة امرنا باتباع العقل الفطري الخالي
عن الشوائب و الاوهام، و على هذا فيكون الرجوع الى العقل رجوعاً الى ما يرضى الشارع
باتباعه، على أساس أمره به في الكتاب و السنة، هذا نظير أمر الشارع باتباع القرعة
في الامر المشتبه، فانه ارشاد الى ان القرعة حجة بحكم الشارع، فاذن بطبيعة الحال
يرضى الشارع باتباعها، وجه الظهور هو ان الشارع أمر باتباع العقل الفطري الخالي عن
الشوائب و الاوهام، و لاشبهة في حجيّة هذا العقل و لاكلام فيها حتى عند الاخباريين
و خارج عن محل الكلام، فان محل الكلام انما هو في العقل النظري المتمثل في ادراك
المصلحة الملزمة او المفسدة الملزمة الواقعية في فعل، و من الواضح انه ليس من العقل
الفطري الوجداني البديهي، غاية الأمر ان حصل اليقين منه بالحكم الشرعي، فهو حجة و
إلاّ فلايكون حجة.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان ما ذكره الاخباريّون من عدم حجية
الدليل العقلي النظري لايرجع الى معنى محصّل.
نعم ما ذكره المحدّث الاسترابادي(ره) يمكن تطبيقه على المسائل التجريبيّة التى تقوم
على اساس حساب الاستقراء و الاحتمالات التي تنتهي في نهاية المطاف الى اليقين بتلك
المسائل، مثال ذلك اذا اخبرك شخص عن وقوع قضية في الخارج، حصل لك اليقين بوقوعها
فيه من جهة انك لم تسمع منه طول فترة حياته الماضية لحدّ الآن كذباً واحداً رغم انك
سمعت منه اخباراً كثيرة في مختلف الموارد، فتراكم احتمال الصدق في نهاية المطاف
يؤدّي الى اليقين به، و لكن لوكنت تعلم انه قد كذب عليك في السابق و لو مرّة واحدة،
لم يحصل لك اليقين بصدقه في اخباره بوقوع القضية فعلاً، و ان كانت قيمة احتمال
الكذب فيه ضعيفه جداً، باعتبار ان كذبه في العهد السابق و لو دفعة واحدة يمنع عن
حصول اليقين بالصدق في هذه القضية، لان القيمة الاحتمالية لصدقه و ان كبرت على حساب
الاحتمالات بمرور الزمان، الا انها ليست بدرجة تدفع احتمال الكذب فيها و ان كان
احتماله موهوماً جداً، إلا اذا كانت هناك جهات أخرى تمنع عن هذا الاحتمال، و من هذا
القبيل ما اذا وعدك بشي، فانه يحصل لك اليقين بالوفاء به، و حصول هذا اليقين منوط
بانه لم يتخلف عن وعده طول فترة حياته السابقة لحد الآن، و تراكم هذه الاحتمالات
يؤدّي في نهاية المطاف الى اليقين، لان احتمال الوفاء في وعده الاول مثلاً كان
خمسين في المائة، و لكن كبرت القيمة الاحتمالية للوفاء في الثاني و الثالث و هكذا
على حساب الاحتمالات، و في المقابل ضالت القيمة الاحتمالية لعدم الوفاء بنفس النسبة
الى ان وصلت درجة الصفر، فاذا وصلت الى هذه الدرجة، انتهى الاحتمال و حصل اليقين
بالوفاء، و اما لو كنت تعلم بتخلفه و لو مرة واحدة في الفترة السابقة، لم يحصل لك
اليقين بالوفاء في الوعود اللاحقّة و ان كبرت القيمة الاحتمالية للوفاء و هكذا، و
لكن من الواضح ان محل الكلام الاخباريين انما هو في الادلة العقلية النظرية في
مقابل الادلة العقلية البديهيّة لاالمسائل التجريبية الحسية.
لحد الان قد تبين انه لامانع من إِستنباط الحكم الشرعي من الدليل العقلي النظري،
فاذا فرضنا ان العقل ادرك مصلحة ملزمة في فعل و غير مزاحمة، ففي مثل ذلك لامحالة
يستكشف وجوبه شرعاً بتطبيق الكبرى عليه، و هي ان الاحكام الشرعية تابعة للملاكات
الواقعية، إلاّ ان الكلام انما هو في ادراك العقل و وصوله الى ملاكات الاحكام
الشرعية و احرازها من تمام الجهات، ولكن من الواضح انه لاطريق للعقل إليها اصلاً،
ضرورة ان العلم بملاكات الاحكام الواقعية و مباديها في الواقع بحاجة الى علم الغيب،
و لايمكن للعقل ان يدرك ان الصلاة مثلا مشتملة على مصلحة ملزمة غير مزاحمة بقطع
النظر عن تشريع الشارع وجوبها بمالها من الاجزاء و الشروط.
و من هنا فالطريق الى احراز انها مشتملة عليها هو وجوبها شرعاً، نعم قد تكون
المصلحة القائمة بالفعل او المفسدة القائمة به ظاهرة يدركها العقل و لكن ليس
بامكانه ادارك انها وحدها ملاك الحكم، كما انه ليس بامكانه ادراك انه لامزاحم لها،
فلذلك لاطريق له الى استكشاف وجوبه او حرمته في الواقع من قبل الشرع، و قد تقدّم ان
حقيقة الاحكام الشرعية و روحها ملاكاتها و مباديها، و اما الاحكام الشرعية بما هي
اعتبارات فلاقيمة لها.
و الخلاصة ان الكبرى و ان كانت تامة و هي ثبوت الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع،
إلاّ انه ليس لها صغرى و هي ادراك العقل المصلحة و المفسدة في الواقع بكافة جهاتها
التي لها دخل في الحكم، و من هنا لايوجد في الفقه مورد يستكشف الحكم الشرعي من
الدليل العقلي.
بقي هنا شي و هو ما ذكره المحقق العراقي(ره) من ان المحتمل قويا ان يكون مراد
الاخباريين من عدم حجية الدليل العقلي، انه أخذ العلم بالحكم الحاصل من الكتاب و
السنة قيداً لمتعلق التكليف لالموضوعه، مثلا وجوب الصلاة متعلق
بها مقيّدة بقصد امرها الذي وصل اليه من طريق الكتاب و السنة، و عليه فالوجوب متعلق
بحصة خاصة من الصلاة و هي المقيّدة بقصد أمرها الواصل من الكتاب و السنة فقط
لامطلقا، و على هذا فاذا علم المكلف بأمرها من الدليل العقلي فحسب، فهو ليس قيداً
لها، و بذلك يمتاز هذا الوجه عن الوجه السابق و هو أخذ العلم بالحكم من الكتاب و
السنة قيداً للموضوع، فانه على هذا اذا علم المكلف بالحكم من الدليل العقلي مع
تمكنه من العلم به من الدليل النقلي، لم يكن الحكم فعليا، على أساس ان فعلية الحكم
انما هي بفعلية موضوعه في الخارج، و المفروض عدم تحقق موضوعه فيه بتمام قيوده منها
فعلية العلم بالحكم من الكتاب و السنة، باعتبار انه قيد للموضوع، بينما اذا كان
قيداً للمتعلق، كفى في فعلية الحكم تمكن المكلف من تحصيل قيد الواجب و ايجاده في
الخارج، و هو في المقام العلم بالحكم من الكتاب و السنة(61) هذا.
و لكن لاتتم هذه المحاولة، اما اولا فلانها مختصة بالعبادات التي يعتبر فيها قصد
القربة و لاتعمّ مطلق الواجبات فضلاً عن المحرمات، مع ان مذهب الاخباريين عدم حجية
الدليل العقلي مطلقا حتى في الاحكام الترخيصية فضلاً عن الاحكام الالزامية.
و ثانيا ان قصد القربة لايتوقف على قصد الأمر، فانه كما يتحقق به يتحقق بقصد
المحبوبيّة او ما شاكلها على تفصيل تقدّم.
و ثالثاً ان قصد الأمر لايتوقف على العلم به بل يكفي احتمال وجوده.
فالنتيجة ان ما افاده المحقق العراقي(ره) غير تام.
تحصل مما ذكرنا ان ما نقل من الاخباريين من ان الدليل العقلي لايكون حجة مطلقا و ان
حصل العلم بالحكم الشرعي منه غير تام، إذ لافرق من هذه الجهة بين الدليل العقلي و
الدليل النقلي، فاذا حصل العلم بالحكم فهو حجّة، سواءً أكان من الدليل العقلي أم
النقلي، غاية الأمر انه ليس للدليل العقلي صغرى في المسائل الفقهيّة كافة، او فقل
ان الملازمة بين حكم العقل و حكم الشرع و ان كانت ثابتة كبروياً في الواقع، إلاّ
انه لاتوجد لها صغرى في الفقه، و لهذا يكون البحث عن ثبوت هذه الملازمة و عدم
ثبوتها عديم الفائدة.
تنبيه: هو ان من المستبعد جداً ان يكون مراد الاخباريين من عدم حجيّة الدليل العقلي
عدم حجيته مطلقاً و ان كان قطعياً و مفيداً للقطع بالحكم الشرعي، بل مراده انه
لايفيد القطع، اما انه ظنّي في نفسه او من جهة كثرة وقوع الخطأ فيه.
هذا تمام الكلام في المقام الاول و هو البحث عن حجيّة الدليل العقلي النظري. و اما
الكلام في المقام الثاني و هو البحث عن حجيّة الدليل العقلي العملي و نقصد به الحسن
و القبح العقليين، و قد تقدم في ضمن البحوث السالفة ان الحسن و القبح العقليين
امران واقعيان ثابتان في لوح الواقع، لان الظلم عبارة عن سلب ذي الحق عن حقه و
العدل عبارة عن وصول ذي الحق حقه، و القبح صفة للاول و العدل صفة للثاني، و من
الواضح ان ما هو صفة للأمر الواقعي، واقعي، و إلاّ فلايعقل ان يكون صفة له، و على
هذا فالحسن و القبح صفتان واقعيتان ثابتتان في لوح الواقع الذي هو اعمّ من لوح
الوجود، و اما ما هو المشهور بين الاصحاب من انهما حكمان مجعولان من قبل العقلاء
تبعاً لما يدركونه من المصالح و المفاسد كسائر تشريعاتهم، فهو غير صحيح و ذلك
لأمرين:
الاول: ان الوجدان حاكم بان قبح الظلم و حسن العدل ثابت في لوح الواقع بقطع النظر
عن جعل أي جاعل، و من هنا يستقل العقل حسب فطرته الذاتية بقبح الظلم و حسن العدل
بقطع النظر عن وجود عقلاء في العالم و تشريعاتهم فيه.
الثاني: ان المحسوس في الخارج عدم تبعية الحسن و القبح للمصالح و المفاسد، مثلاً
ضرب اليتيم للأيذاء او لامتحان العصا قبيح و ان ترتبت عليه مصلحة اكبر من مفسدته
ايضا، و قد تكون المصلحة في فعل اكبر و أقوى من المفسدة فيه و مع ذلك يكون الفعل
قبيحاً عند العقلاء، مثال ذلك ما اذا كان هناك مريض يموت بعد ساعة بقانون الطب بقطع
النظر عن المعجزة، و هناك مريض آخر تتوقف حياته على ترقيع قلب جديد فيه، ففي مثل
ذلك اذا اخرج قلب المريض قبل ساعة موته و ترقيعه في مريض آخر لانقاذه من الموت
الحتمي، كانت في اخراجه منه مصلحة اكبر من مفسدته و هي انقاذ حياة شخص آخر من
الموت، و مع ذلك لاشبهة في قبح ذلك عند العقلاء، و مثل ذلك ما اذا قتل انسانا
لاستخراج دواءِ خاص من اعضائه كالقلب و نحوه لانقاذ حياة اكثر من انسان واحد، مع
انه لاشبهة في حكم العقلاء بقبح ذلك و هكذا.
و الخلاصة ان هذه الامثلة و امثالها من الشواهد المحسوسة قرينة على ان الحسن و
القبح لايرتبطان بالمصالح و المفاسد النوعية، فاذن ما هو المشهور بين الاصحاب من ان
الحسن و القبح حكمان عقلائيان مجعولان تبعاً لما يدركونه من المصالح و المفاسد
النوعية كسائر احكامهم العقلائية التشريعية، لايرجع الى معنى صحيح لاوجدانا في عالم
الذهن و لاحساً في عالم الخارج ،و على هذا فالحسن و القبح ليستا تابعين للمصالح و
المفاسد بصورة بحتة، بل لهما واقعيّة تلتقي مع المصالح و المفاسد في كثير من
الاحيان و تفترق عنهما احياناً.
قد يقال كما قيل ان الحسن و القبح اذا كانا أمرين واقعيين ثابتين في لوح الواقع و
يدركهما العقل كادراكه سائر الاشياء، فما هو الفرق حينئذ بين العقل النظري و العقل
العملي، فاذا كان الحسن و القبح أمرين واقعيين يدركهما العقل فهو عقل نظري لاعملي،
لان العقل النظري هو ما يدرك الاشياء التي لها واقع موضوعي، اما في عالم الخارج او
في لوح الواقع الذي هو اعم من لوح الوجود كادراكه استحالة الدور او التسلسل، او ان
الشي الفلاني علة او معلول، او الملازمة بين شيئين و هكذا، بينما العقل العملي
لايدرك إلا الامر العملي الذي لاواقع موضوعي له كادراكه الوجوب او الحرمة، فانه
ادراك لأمر يتطلب بنفسه العمل المعين على طبقه بدون ان يكون له واقع موضوعي، و على
هذا فان كان الحسن و القبح حكمين عقلائيين مجعولين من قبل العقلاء تبعاً للمصالح و
المفاسد، كان ادراكهما من العقل العملي، و اما اذا كانا صفتين واقعيتين يدركهما
العقل كسائر الصفات الواقعية، فلايكون ادراكهما من العقل العملي بل هو من العقل
النظري.
و الجواب: ان الحسن و القبح و ان كانا صفتين واقعيتين يدركهما العقل كادراكه سائر
الصفات الواقعيّة، إلاّ انه مع ذلك يكون ادراكهما من العقل العملي لاالنظري، بنكتة
انهما يمتازان عن سائر الامور الواقعيّة في نقطة و تتفقان معها في نقطة اخرى، اما
نقطة الامتياز فلانهما رغم كونهما من الصفات الواقعيّة يتطلبان بنفسهما جرياً
عملياً معيّناً في الخارج، بينما سائر الامور الواقعيّة لاتتطلب الجري العملي كذلك
بنفسها، و على هذا فكلّ شي يتطلب بنفسه و ذاته الجري العملي المعيّن على طبقه في
الخارج، فادراكه من العقل العملي سواءً أكان له واقع كالحسن و القبح أم لاكالوجوب
والحرمة و نحوهما، فكما انهما يتطلبان بانفسهما الجري العملي المعيّن في الخارج،
فكذلك الحسن و القبح، فمن اجل ذلك يكون ادراكهما من العقل العملي، و كل شي لايتطلب
بنفسه و ذاته الجري العملي المعيّن في الخارج، فادراكه من العقل النّظري.
و اما نقطة الاتفاق، فلان المدرك في كليهما أمر واقعي و لافرق بينهما من هذه
الناحية، و على هذا فالمعتبر في العقل النظري أمران:
الاول: ان يكون مدركه امراً واقعياً، سواءً أكان في لوح الواقع ام في لوح الوجود.
الثاني: انه بنفسه لايتطلب الجري العملي المعيّن في الخارج كادراك العقل وجود مصلحة
في فعل او مفسدة فيه، فان المصلحة او المفسدة بنفسها لاتتطلب الجري العملي المعيّن
في الخارج، فان ما يتطلب ذلك هو الوجوب او الحرمة، و اما في العقل العملي، فيكون
المعتبر فيه ان يتطلب مدركه بنفسه و ذاته الجري العملي المعيّن في الخارج، سواءً
اكان له واقع أم لا.
و بعد ذلك يقع الكلام في ان الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشارع، هل هي
ثابتة اولا، فيه و جهان، فالمشهور بين الفقهاء انها ثابتة، بتقريب ان الشارع سيد
العقلاء و رئيسهم، فاذا حكم العقلاء بشي او بنوا على شي، فالشارع داخل فيهم، لانه
في طليعتهم و اول الحاكمين به، و من هنا يكون التعبير بالتلازم بين حكم العقل و حكم
الشرع مبني على التسامح، فالاصح في ذلك هو التعبير بالتضمّن، باعتبار ان الشارع
داخل فيهم لا انه خارج عنهم هذا.
و للمناقشة في هذا التقريب مجال، اما بناء على ما هو الصحيح من ان الحسن و القبح
امران واقعيان ثابتان في لوح الواقع الذي هو اوسع من لوح الوجود، فهو خارج عن محل
الكلام، إذ على هذا فمعنى حكم العقلاء بهما ادراكهم حسن العدل و قبح الظلم منهم
الشارع المقدس، باعتبار انه من أحدهم بل في طليعتهم و ليس خارجا عنهم، و محل الكلام
انما هو في ان الشارع هل كان يجعل ما يماثل جعل العقلاء الحسن و القبح و هو الوجوب
و الحرمة او لا، و الفرض انه لاجعل على ضوء هذا المبنى.
و اما بناء على المشهور من ان الحسن و القبح حكمان مجعولان من قبل العقلاء للعدل و
الظلم بنحو الكبرى الكلية تبعاً لما يدركونه فيهما من المصالح و المفاسد النوعيّة
فهو ايضا غير تام، و ذلك لان المصلحة و المفسدة ان كانت تامة، فهي كاشفة عن جعل
الحكم الشرعي في موردها، و لكن هذا استكشاف للحكم الشرعي من العقل النظري و هو
ادراك المصلحة او المفسدة لامن العقل العملي و هو الحسن و القبح، و هذا يعني كما ان
وجود المصلحة او المفسدة الواقعية منشأ لحكم العقل بالحسن او القبح كذلك، منشأ لحكم
الشارع بالوجوب او الحرمة، فيكون الوجوب و الحرمة حينئذ في عرض الحسن و القبح لافي
طولهما، و ان لم تكن تامة، فلاتصلح ان تكون منشأ للوجوب او الحرمة، و ان كانت منشأ
للحسن او القبح عند العقلاء، فلاملازمة بينهما من هذه الناحية ايضاً.
و دعوى ان الشارع يجعل الحكم تبعاً لجعل العقلاء، باعتبار انه سيدهم و داخل فيهم.
مدفوعة، فانه ان اريد بها ان الشارع من حيثيّة كونه سيد العقلاء و بقطع النظر عن
حيثية كونه مرسلاً من قبل الله تعالى، يحكم بما يحكم به العقلاء، فهذا واضح و
لانقاش فيه، إلاّ ان ذلك ليس مراد القائلين بالملازمة، فان مرادهم بها الملازمة بين
حكم العقل بحسن شي و قبح آخر و حكم الشارع بوجوب الاول
و حرمة الثاني، و من الواضح ان حكم الشارع بالوجوب او الحرمة من حيثية كونه مرسلاً
من قبل الله تعالى لتبليغ الاحكام الشرعية الواصلة إليه، سواءً اكان موافقا لحكم
العقلاء بالحسن او القبح او لا، و ان اريد بها ان الشارع من حيثية كونه مرسلاً من
قبل الله عز و جل و مبلغا يتبع العقلاء في الجعل، فاذا جعل العقلاء الحسن لشي و
القبح لآخر، جعل الشارع الوجوب للاول و الحرمة للثاني.
فيرد عليه انه خلاف الضرورة، لان النبي الاكرم(ص) من حيث كونه مرسلاً من قبل الله
تعالى، فلامحالة يكون تابعاً لما يصل اليه من قبله تعالى بالوحي، سواءً كان موافقا
لحكم العقلاء في الواقع أم لا، ضرورة انه(ص) يتبع الوحي و لاينطق الا به بنص قوله
تعالى: «و ما ينطق عن الهوى ان هو إلاّ وحى يوحى».(62) و من هنا لايمكن القول
بالملازمة حينئذ، بداهة ان الوحى من الله تعالى تابع للمصالح و المفاسد الواقعيتين،
و المفروض انه لاطريق للعقلاء الى تلك المصالح و المفاسد نوعاً.
الى هنا قد وصلنا الى هذه النتيجة، و هي ان دعوى الملازمة بين حكم العقل العملي و
بين حكم الشرع، لاترجع الى معنى محصل، لان الاحكام الشرعية تابعة للملاكات
الواقعيّة، و من الطبيعي ان الشارع غير ملزم بجعل ما يماثل جعل العقلاء و لامبرر
لذلك، و من هنا يمتاز العقل العملي عن العقل النظري، فان الملازمة بين العقل النظري
و حكم الشارع و ان كانت ثابتة كبروية كما تقدّم، و لكن لاتوجد لها صغرى في المسائل
الفقهيّة، و اما الملازمة بين العقل العملي و بين حكم الشارع غير ثابتة كذلك جزماً
و ان كانت الصغرى ثابتة و هي حكم العقل بالحسن و القبح.
و بعد هذه المقدمة فنقول ان اراد الاخباري بعدم حجية العقل العملي التشكيك في اصل
وجوده، بدعوى ان الحسن و القبح يختلفان باختلاف الازمان و الاعراف و التقاليد
للمجتمعات المدنية و غيرها، فكم من فعل يكون حسناً عند مجتمع بحسب تقاليده و اعرافه
و لايكون حسناً عند مجتمع آخر كذلك، و كم من شيء يكون قبيحاً عند مجتمع بحسب اعرافه
و تقاليده و لايكون قبيحاً عند مجتمع آخر كذلك و هكذا، و من الطبيعي ان هذا
الاختلاف كاشف عن انهما ليسا بذاتيين، و لهذا انكر جماعة ذاتية الحسن و القبح و
انهما ليسا من القضايا الضرورية.
و الجواب: ان هذه الدعوى مبنية على الخلط بين الاختلاف في الصغرى و الاختلاف في
الكبرى، و الاختلاف الموجود في المجتمعات في تقاليدهم و اعرافهم انما هو في الصغرى،
فان فعلاً في مجتمع يكون حسناً بحسب تقاليده المألوفة فيه و لايكون حسناً عند مجتمع
آخر كذلك، و معنى هذا ان المجتمع الاول يرى انه مصداق للعدل فيكون حسناً، و المجتمع
الثاني يرى انه ليس مصداقا له فلايكون حسناً، و كذلك اختلافهم في قبح فعل، فانه في
الصغرى و في تطبيق الكبرى عليها، فان مجتمعا يرى بحسب اعرافه و تقاليده انه مصداق
للظلم فيكون قبيحاً، و مجتمعاً آخر يرى بحسب اعرافه انه ليس مصداقاً له فلايكون
قبيحاً، و اما في الكبرى و هي قضيتا حسن العدل و قبح الظلم، فهي من القضايا
الضرورية الفطرية، فلايمكن القول بان العدل بما هو عدل حسن عند مجتمع و لايكون حسنا
عند مجتمع آخر رغم انه عدل، و الظلم بما هو ظلم قبيح عند مجتمع و لايكون قبيحاً عند
مجتمع آخر رغم انه ظلم، فالاختلاف بين المجتمعات انما هو في المصداق و في مرحلة
التطبيق لافي اصل الكبرى، بداهة ان قضيتي حسن العدل و قبح الظلم من القضايا الاولية
الوجدانية، لان الانسان يدرك بفطرته الاولية قبح الظلم و حسن العدل بقطع النظر عن
وجود العقلاء في العالم و وجود اي مجتمع فيه، و ان اراد به عدم ثبوت الملازمة بين
حكم العقل العملي و بين حكم الشارع، فهو صحيح، لما مرّمن ان الملازمة بينهما غير
قابلة للتصديق.
و قد يدعي استحالة الملازمة بين حكم العقل العملي و حكم الشرع في مقابل القول
بوجوبها، بتقريب ان الغرض من جعل الحكم الشرعي ايجاد الداعي في نفس المكلف وتحريكه
نحو الامتثال، على أساس حكم العقل بقبح المعصية و استحقاق العقوبة عليها و حسن
الطاعة و استحقاق المثوبة، و على هذا فحكم العقل بالحسن و القبح حيث انه ثابت فطرة
و ذاتاً و بدون التوقف على ايّة مقدمة خارجية، فيكفي ذلك في تحريك المكلف و دعوته
نحو الامتثال، فاذن لاحاجة الى جعل حكم شرعي، فان الغرض منه ايجاد الداعي في نفس
المكلف و هو موجود و معه يكون جعله لغواً، و اما اذا لم يكن حكم العقل بالحسن و
القبح داعياً و محركاً، فلافائدة في جعله، على اساس انه وحده لايكون محركاً بدون ان
يحكم العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية، لان هذا الحكم العقلي هو المحرك و الداعي
للمكلف نحو الامتثال، و لكن هذه الدعوى لا اساس لها حتى في موارد حكم العقل بحسن
الطاعة و قبح المعصية في سلسلة معلولات الاحكام الشرعية، و ذلك لما حققناه سابقاً
من ان ما هو المعروف بين الاصحاب من انه لايمكن جعل الأمر المولوي في موارد حكم
العقل بحسن الطاعة و النهي المولوي في موارد حكم العقل بقبح المعصية، بدعوى ان حكم
العقل بحسن الطاعة و قبح المعصية ان كان محركاً للعبد نحو الطاعة و ترك المعصية،
كفى ذلك و لاحاجة الى الأمر بالطاعة و النهي عن المعصية شرعاً، و ان لم يكن محركا
فلافائدة في جعله، لانه ليس اولى من الأمر او النهي السابق لايتم ذلك، لأن الأمر
بالطاعة و النهي عن المعصية و ان كان ظاهراً في الارشاد، إلاّ انه لامانع من حمله
على المولويّة ثبوتاً، بان يكون اهتمام المولى بالملاك الواقعي و عدم رضائه بتفويته
اصلاً، يتطلب من المولى الأمر بالطاعة من جديد، باعتبار ان الامر الاولي لايكشف عن
هذا الاهتمام و لامانع من ان يكون الأمر الجديد بها امراً مولوياً ناشئاً من ملاك
جديد و هو اهتمام المولى بالحفاظ على الملاك الواقعي، حيث انه ملاك جديد زائد على
الملاك الاول و لايكشف عنه الامر الاولي، فاذن يكون امر المولى بالطاعة تأكيداً
لحكم العقل و محركا زائداً على محركيته، و يترتب على مخالفته حينئذ عقوبة اشدّ و
على موافقته مثوبة كذلك، و من هنا قد لايكون حكم العقل بحسن الطاعة او قبح العصية
وحده محركاً، و لكن اذا ضمّ إليه أمر المولى بالطاعة، فالمجموع يكون محركاً و
داعياً، فاذن تعلق الأمر المولوي بالطاعة يكون مؤكداً لحكم العقل، و حينئذ فلايكون
الأمر بها لغواً، و اما في موارد حكم العقل بحسن فعل و قبح آخر أي في موارد علل
الاحكام، فلامانع من جعل الحكم الشرعي المولوى فيها، اذ مصافاً الى ان حكم العقل في
تلك الموارد كثير ما لايكون محركاً للعبد، فان المحرك له اما الخوف من دخول النار
او الطمع في الجنة، و شيئاً منهما لايترتب على حكم العقل اذا لم يكن هناك حكم من
قبل الشرع، فلهذا لايكون جعل الحكم الشرعي في موارد حكم العقل العملي لغواً، لانه
محرك آخر زائداً على حكم العقل، مثلاً حكم العقل بقبح الكذب لايكون مانعاً عن حكم
الشارع بحرمته و هكذا، لانه محرك آخر أقوى من محركية حكم العقل بالقبح.
و الخلاصة: ان المحركات الشرعية غالباً اعمال قبيحة في نفسها لدى العقلاء و دنيئة
ليست من الاعمال العقلائية، و مع هذا فالشارع المقدس حرمها و اكد على دنائتها و
قبحها و لايرضى بارتكابها.
نتائج البحث عدة نقاط:
الاولى: ان ذهاب الاخباريين الى عدم حجية الدليل العقلي ان كان بملاك ان القطع
الحاصل منه لايكون حجة، فيرد عليه ما تقدّم من انه لايمكن منع القاطع عن العمل
بقطعه و ان كان بملاك ان العلم الخاص بالاحكام الشرعية و هوا العلم الحاصل من
الكتاب و السنة مأخوذ في موضوع نفسها.
فيرد عليه ان ذلك و ان كان ممكناً ثبوتاً، حيث انه لامانع من أخذ العلم بالحكم في
مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، انه لايمكن الالتزام به في مقام
الاثبات، لان مقتضى اطلاق الكتاب و السنة ان الاحكام الشرعية المجعولة في الشريعة
المقدسة مطلقه تشمل باطلاقها العالم و الجاهل معاً.
الثانية: ان الروايات الناهية عن العمل بغير الكتاب و السنة، فقد تقدم انها على
جميع محتملاتها اجنبيّة عن محل الكلام.
الثالثة: انه لايحصل من الدليل العقلي العلم بالأحكام الشرعية من جهة كثرة وقوع
الخطأ و الاشتباه فيه، و لكن تقدم انه لافرق من هذه الناحية بين الدليل العقلي
النظري و بين سائر الادلة النظرية كالقواعد الاصولية و الفقهيّة و نحوهما، و تقدم
ايضا ان كثرة وقوع الخطأ في نفسه في الادلة النظرية عقليّة كانت أم غيرها، لاتمنع
عن حصول العلم بالحكم الشرعي.
الرابعة: ان ما ذكره المحقق العراقي(ره) من تقييد متعلق الحكم بالعلم الحاصل من
الكتاب و السنة دون موضوعه، مثلاً وجوب الصلاة متعلق بها مقيّدة بقصد أمرها الواصل
من الكتاب و السنة، غير تام.
الخامسة: ان الصحيح هو حجيّة الدليل العقلي النظري كبروياً، بمعنى ان الملازمة بين
ادراك العقل مصلحة ملزمة غير مزاحمة في فعل و بين حكم الشارع بوجوبه تطبيقاً لقاعدة
عامة، و هي ان الاحكام الشرعية تابعة للمصالح و المفاسد الواقعيتين و لكن لاتوجدلها
صغري في المسائل الفقهيّة.
السادسة: الصحيح ان الحسن و القبح صفتان واقعيتان ثابتّان في لوح الواقع و يدركهما
العقل فيه، لاانهما حكمان مجعولان من قبل العقلاء تبعا لما يدركونه من المصالح و
المفاسد النوعية، و الفرق حينئذ بين العقل العملي و العقل النظري ليس في المدرك،
فانه في كليهما أمر واقعي، بل في نقطة أخرى و هي ان المدرك في العقل العملي رغم انه
أمر واقعي يتطلب بنفسه الجري العملي المعيّن في الخارج، بينما المدرك في العقل
النظري لايتطلب بنفسه ذلك.
السابعة: ان الملازمة بين حكم العقل العملي و الحكم الشرعي و ان كانت مشهورة، و لكن
تقدم انه لااصل لها أصلا بل غير قابلة للتصديق.
الثامنة: ان الاخباري ان اراد من عدم حجية العقل العملي التشكيك في اصل وجوده، فقد
مرّ انه خلاف الوجدان و الضرورة، و ان اراد منه عدم ثبوت الملازمة بين العقل العملي
و الحكم الشرعي، فهو صحيح.
التاسعة: ان ما قيل من استحالة جعل الحكم الشرعي في موارد العقل العملي معللاً بانه
لغو، لايرجع الى معنى محصل.
الموافقة الالتزاميّة
يقع الكلام فيها من جهات:
الجهة الاولى: في المراد منها.
الجهة الثانيه: في انها واجبة أو لا.
الجهة الثالثة: انها اذا كانت واجبة، فهل تمنع عن جريان الاصول المؤمنة في اطراف
العلم الاجمالى أو لا؟
اما الكلام في الجهة الاولى، فليس المراد منها الايمان برسالة الرسول (ص) و
الالتزام بها اجمالاً، اذ يجب بالضرورة على كل فرد من المسلم ان يلتزم و يؤمن بان
كل حكم يقطع او يظن او يحتمل باشتمال الرسالة عليه فهو حق على تقدير اشتمالها عليه،
و انكاره يرجع الى انكار الرسالة و تكذيبها، اما قطعا اذا كان الحكم قطعياً، او
ظناً اذا كان ظنياً، او احتمالاً اذا كان احتمالياً، و هذا يعنى انه يحتمل بطلان
الرسالة، و من الواضح ان من يحتمل بطلان الرسالة، فهو ليس بمسلم و مؤمن بالرسالة،
لان المعتبر في الاسلام هو الايمان بالرسالة بنحو الجزم و الالتزام بها كذلك
اجمالاً، بمعنى ان كل ما اشتملت عليه الرسالة قطعاً او ظناً او احتمالاً فهو حق.
فالنتيجة ان المراد من الموافقة الالتزامية ليس هو الالتزام بالرسالة اجمالاً، لانه
من الاصول و ليس من الفروع، بل المراد منها فعل النفس كالتوجه و الخضوع و الانقياد
و الالتزام النفسي، فانها غير العلم و اليقين و الاعتقاد، حيث ان الاولى فعل النفس
بينما الثانية صفاتها و كيفياتها التي تطرأ عليها.
و اما الكلام في الجهة الثانية، فهل تجب الموافقة الالتزامية قلباً كما تجب
الموافقة العملية خارجاً؟
و الجواب: انها غير واجبة، لان وجوبها بحاجة الى دليل و لادليل عليه لا من النقل و
لا من العقل.
اما الاول فلان الكتاب و السنة يدلان على وجوب الموافقة العملية في الخارج، و لا
يدلان على وجوب الالتزام القلبي بالحكم الشرعي، بل لايمكن ان يكون الكتاب و السنة
ناظرين الى ذلك، لان مدلولهما جعل الحكم المتعلق بالفعل الخارجي لابالفعل النفساني،
و لايمكن ان يكون متكفلاً لجعل حكمين طوليين يكون احدهما موضوعاً للآخر، فان الحكم
المتعلق بالفعل الخارجي موضوع لوجوب الالتزام به في افق النفس، لان الالتزام النفسي
متعلق له، و الحكم المتعلق بالفعل الخارجي موضوع له، لانه متعلق المتعلق.
و اما الثاني و هو العقل، فلانه لايحكم بوجوب الالتزام قلباً بالأحكام الشرعية
الواصلة الى المكلف، و ذلك لان حكم العقل بشي لايمكن ان يكون جزافاً و بلامبرر، و
لامبرر لحكمه بوجوب الالتزام، لانه ان اريد به الوجوب الشرعي، فالعقل لايكون مشرعا،
و ان اريد به انه من صغريات حكم العقل بحسن العدل.
فيرد عليه ان ما هو عدل هو الموافقة العملية، و اما الموافقة الالتزاميّة فلا، لان
كونها عدلاً متوقف على وجوبها شرعاً حتى تكون موافقتها مصداقاً للعدل و إلاّ فلا،
فاذن اثبات كونها عدلاً بوجوبها شرعاً يستلزم الدور هذا، اضافة الى انه لاملازمة
بين حكم العقل بالحسن و حكم الشارع بالوجوب كما تقدّم، و اما نفس الحكم الشرعي
المتعلق بالفعل كوجوب الصلاة مثلا او الحج أو غير ذلك، فهي لاتقتضي وجوب الالتزام
به قلباً، لان اقتضائه ان كان بنحو العليّة فهو غير معقول، لان الحكم امر اعتباري
صادر من المولى مباشرة، و لايعقل ان يكون معلولاً لحكم آخر و مترشحاً منه قهراً
كترشح المعلول عن العلة، ضرورة ان العلية و المعلوليّة لاتتصوران في الامور
الاعتبارية التي لاواقع موضوعي لها ماعدا وجودها في عالم الاعتبار و الذهن و ان كان
بنحو الاقتضاء و الداعويّة.
فيرد عليه انه يدعو الى الأتيان بمتعلقه في الخارج لا الى الالتزام بنفسه زائداً
على دعوتة الى الأتيان بمتعلقة.
فالنتيجة انه لادليل على وجوب الموافقة الالتزامية زائداً على وجوب الموافقة
العملية.
و اما الكلام في الجهة الثالثة، فعلى تقدير تسليم ان الفعل النفساني و الالتزام
القلبي واجب شرعاً، فهل يكون وجوبه مانعاً عن جريان الاصول المؤمنة في اطراف العلم
الاجمالي فيه و جهان:
قيل بالوجه الاول، و يمكن تقريبه باحد وجوه:
الاول: ان جريان الاصول المؤمنة في اطراف العلم الأِجمالي يؤدي الى الالتزام
بالمتنافيين و هو محال، لان وجوب الالتزام بالحكم المعلوم بالأِجمال لايجتمع مع
الالتزام بالحكم الظاهري في جميع الاطراف المخالف للحكم الواقعي المعلوم بالاجمال،
كما اذا علم اجمالاً باباحة الماء في احد الانائين كانا مسبوقين بالحرمة، ففي مثل
ذلك اذا جرى استصحاب بقاء الحرمة في كلا الأنائين معاً، فحينئذ و ان كان لايلزم
الترخيص في المخالفة القطعية العملية و لكن كان يلزم الالتزام بالمتنافيين، لان
مقتضى الاستصحاب في المثال الالتزام بحرمة كلا الانائين معاً، و مقتضى العلم
الاجمالي فيه الالتزام باباحة احدهما، و من الواضح انه لايمكن الجمع بينهما لانه من
الجمع بين امرين متناقضين.
و الجواب: انه لاتنافي بين الالتزامين اصلاً، لان متعلق احدهما الحكم الواقعي و
متعلق الآخر الحكم الظاهري و لاتنافي بين الالتزام باباحة أحدهما واقعاً و الالتزام
بحرمة كليهما ظاهراً، و لامانع من الجمع بينهما، و لايكون من الجمع بين أمرين
متناقضين، و على هذا فلامانع من استصحاب بقاء الحرمة في كلا الأنائين ظاهراً مع
الالتزام باباحة أحدهما واقعاً.
الثاني: ان موضوع وجوب الالتزام في اطراف العلم الاجمالي، هو الحكم الواقعي المعلوم
بالاجمال، و على هذا فاجراء الاصول المؤمنة في جميع اطرافه، ينفي موضوع وجوب
الالتزام ظاهراً و هو الحكم الواقعي مع ثبوته واقعاً، و حينئذ فيكون اجراءِ الاصول
فيها ترخيصاً في المخالفة القطعية الالتزامية و هو في حد الترحيض في المخالفة
القطعية العملية.
و الجواب: ان موضوع وجوب الالتزام الحكم الواقعي المتعلق بالجامع و هو غير منفي
بالاصل، لان المنفي هو الحكم الواقعي المشكوك في كل واحد من اطرافه بحده ظاهراً، و
على هذا فلا تنافي اصلاً بين وجوب الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم بالاجمال
المتعلق بالجامع و بين جريان الاصل في كل واحد من اطرافه بحدّه، لان ما هو مصب
الاصل و هو الحكم الواقعي المشكوك وجوده في كل طرف من اطرافه ليس موضوعاً لوجوب
الالتزام، و ما هو موضوع لوجوب الالتزام و هو الحكم الواقعي المتعلق بالجامع ليس
مصباً للأصل، مثلا اذا علم المكلف بطهارة احد الاناءين الذين كانا مسبوقين
بالنجاسة، ففي مثل ذلك يكون موضوع وجوب الالتزام الطهارة الواقعيّة المعلومة
بالاجمال المتعلقة بالجامع، و موضوع الاستصحاب الشك في طهارة كل واحد منهما بحده
الخاص، و حينئذ فاجراء استصحاب بقاء نجاسة كل واحد منهما بحده لاينفي موضوع وجوب
الالتزام و هو الطهارة الواقعيّة المتعلقة بالجامع بينهما المعلومة اجمالاً،
باعتبار ان الاستصحاب ينفي الطهارة المشكوكة المتعلقة بكل واحد من الانائين ظاهراً،
و لاينفي الطهارة المتعلقة بالجامع لاواقعاً و لاظاهراً، اما الاول فهو واضح، و اما
الثاني فلان الطهارة المتعلقة بالجامع معلومة وجداناً و لاموضوع للأستصحاب فيها،
فاذن ما هو مصب الاستصحاب ليس موضوعاً لوجوب الالتزام، و ما هو موضوع له ليس مصباً
للاستصحاب، فما قيل من ان الاصل الجاري في تمام الاطراف ينفي موضوع وجوب الالتزام
ظاهراً، لايرجع الى معنى محصل.
الثالث: ان جريان الاصول المؤمنة في جميع اطراف العلم الأِجمالي و ان كان لاينافي
الالتزام بالحكم الواقعي المعلوم بالاجمال المتعلق بالجامع، ضرورة انه لاتنافي بين
الالتزام به و الالتزام بالحكم الظاهري في تمام الاطراف، إلاّ ان هذا الالتزام
بالحكم الواقعي المعلوم بالاجمال المتعلق بالجامع مناف مع العمل بالخلاف في تمام
الاطراف، لان مقتضى استصحاب بقاء النجاسة في جميع الاطراف، وجوب الاجتناب العملي عن
الكل في الخارج، و هذا لايجتمع مع الالتزام باباحة احدهما.
و قد اجاب السيد الاستاذ(ره) عن ذلك، بانه انما يتم في الالتزام التفصيلي بكل من
الطرفين، فانه لايجتمع مع وجوب الاجتناب عن كل منهما عملاً في الخارج، و اما
الالتزام الاجمالي بطهارة أحد الانائين، فلا ينافي الحكم بنجاستهما ظاهراً و
الاجتناب عنهما عملاً هذا.
و لكن الصحيح في الجواب ان يقال انه لامنافاة بين الالتزام القلبي باباحة شي و
البناء النفسي عليها، و بين العمل الخارجي على خلاف هذا البناء و الالتزام القلبي
حتى فيما اذا كان الالتزام تفصيليا، ضرورة انه لامنافاة بين إلتزام شخص قلباً
باباحة شي تفصيلاً و البناء عليها كذلك، و بين الاجتناب عنه عملاً في الخارج، لان
الالتزام و البناء القلبي لايقتضي من الملتزم العمل الخارجي على طبق التزامه دائماً
حتى يكون العمل على خلافه منافياً له، و بكلمة ان الواجب على المكلف الالتزام و
البناء القلبي على الحكم الواصل اليه، فاذا التزم به قلبا و بنى عليه كذلك، فقد أتى
بالواجب، لفرض ان الواجب على المكلف الفعل القلبي، و من الواضح انه لايقتضي من
الملتزم العمل الخارجي على طبقه، لان وجوب الالتزام لايقتضي الا الالتزام قلبا لانه
متعلقه، و اما الاتيان بالعمل الخارجي، فالمقتضي و الداعي له هو وجوبه المتعلق به
لا التزام القلبي هذا، بلا فرق بين الالتزام التفصيلي بالوجوب او الحرمة او غيرها و
الالتزام الاجمالي به، و اما لوقلنا بان الألتزام التفصيلي ينافي كون العمل الخارجي
على خلافه، لقلنا بذلك في الالتزام الاجمالي ايضاً بنفس الملاك، لان التنافي بين
الالتزام التفصيلي و العمل الخارجي على خلافه، ليس الامن جهة ان الالتزام التفصيلي
بحكم قلبا
يقتضي من الملتزم العمل الخارجي على و فقه، و هذا الملاك بعينه موجود في الالتزام
الاجمالي به، ضرورة ان الالتزام التفصيلي اذا كان مقتضياً من الملتزم العمل الخارجي
على و فقه، لكان الالتزام الاجمالي ايضاً مقتضياً منه ذلك، غاية الأمر ان الالتزام
التفصيلي يقتضي من الملتزم العمل التفصيلي في الخارج، بينما الالتزام الاجمالي
يقتضي من الملتزم العمل الاجمالي منه، فاذن لافرق بينهما.(63)
فالنتيجة ان ما افاده السيد الاستاذ (ره) من الفرق بين الالتزام التفصيلي و
الالتزام الاجمالي لايمكن المساعدة عليه، هذا اضافة الى ان الالتزام التفصيلي
بالحكم في كل من الطرفين لايجتمع مع جريان الاصل في كليهما معاً، لان الالتزام
التفصيلي بالحكم في كل من الانائين يتوقف على العلم به تفصيلاً و معه لاموضوع
للأصل، و اما مع الشك فيه، فلا يمكن الالتزام به تفصيلاً إلاّ بنحو التشريع هذا من
ناحية.
و من ناحية اخرى انا لوسلمنا ان جريان الاصل في اطراف العلم الاجمالي يؤدّي الى نفي
الحكم الواقعي ظاهرا و بالتالي الى نفي موضوع وجوب الالتزام كذلك، فانه حينئذ يكون
حاكماً على دليل وجوب الالتزام القلبي، باعتبار انه غير ناظر الى ثبوت موضوعه و هو
الحكم الواقعي، إذ مفاده وجوب الالتزام و البناء القلبي على الحكم الواقعي على
تقدير ثبوته، اما ان هذا التقدير ثابت او لا، فهو لا يدل عليه، و الأصل يدل على ان
هذا التقدير غير ثابت ظاهراً، فلهذا يكون حاكماً عليه.
و الخلاصة: ان الاصل الجاري في اطراف العلم الأِجمالي يكون مفاده نفي وجوب الالتزام
بنفي موضوعه ظاهراً و هو الحكم الواقعي فيكون حاكماً عليه، لا ان مفاده الترخيص في
المخالفة القطعية الالتزامية لكي يكون ذلك مانعاً عن جريانه.
و من ناحية ثالثة ان موضوع وجوب الالتزام القلبي اذا كان عقلياً التكليف المتعلق
بالجامع في عالم الذهن الواصل الى المكلف، و من هنا تمتاز الموافقة الالتزامية عن
الموافقة العملية، فان التكليف على الاولى متعلق بالجامع بوجوده الذهني، و على
الثانية متعلق بالجامع بوجوده الواقعي، و الجامع على الاولى لاينطبق على الخارج،
بينما على الثانية ينطبق عليه و هو لا يخلو من احد الطرفين فيه، و حينئذ فجريان
الاصول فيهما يؤدّي الى الترخيص في ترك كلا الطرفين معاً في الخارج، و حيث ان
الجامع بوجوده الخارجي ينطبق على أحدهما قهراً و متحداً معه خارجاً، فيكون الترخيص
في تركهما ترخيصا في ترك الجامع و هو ترخيص في المخالفة القطعية العملية، و اما على
الاولى فحيث ان موضوع وجوب الالتزام هو الجامع بوجوده الذهني، فلا مانع من الالتزام
به مع الترخيص في ترك الالتزام بكل من طرفيه بحده الخاص باعتبار انه مباين لوجود كل
منهما في الذهن، فلهذا ترك الالتزام بهما لايستلزم تركه، هذا اضافة الى انا لوسلمنا
ان جريان الاصول المؤمنة في اطراف العلم الاجمالي ينفي موضوع وجوب الالتزام ظاهراً،
فحينئذ تكون الاصول حاكمة عليه و رافعة لموضوعه بحكم الشارع، فلا تكون منافية له
لكي تكون مانعة عن جريانها، و من الواضح ان انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ليس من
المخالفة في شي و ان كان الانتفاء تعبدياً، هذا كله فيما اذا فرض ان وجوب الالتزام
و البناء القلبي بالاحكام الشرعية عقلياً، و اما اذا كان شرعياً، فهل يكون موضوعه
التكليف الواصل بمعنى ان المولى في مقام الجعل فرض وجود التكليف الواصل، و جعل وجوب
الالتزام به قلباً على المكلف، او ان موضوعه التكليف الواقعي اعمّ من ان يكون و
اصلاً او لا.
و الجواب: ان موضوعه التكليف الواصل، سواءًا كان بالتفصيل أم بالاجمال، و لايمكن ان
يكون موضوعه التكليف الواقعي و ان لم يكن واصلاً، ضرورة انه لايمكن الالتزام به
إلاّ تشريعاً، لان الالتزام عمل قلبي في افق النفس، فلا يعقل تحققه فيه بدون وجود
الملتزم به في هذا الافق، فاذا علم المكلف بان الحكم الواقعي في الواقع اما وجوب او
حرمة او اباحة، فحينئذ ان التزم باحدهما المعين كان تشريعاً، فاذن لابدّ من
الالتزام بالجامع لو كان الالتزام واجباً حتى في هذا الفرض.
ثم ان وجوب الالتزام بالتكليف الواصل اجمالاً المتعلق بالجامع، هل يمنع عن جريان
الاصول المؤمنة في اطرافه أو لا؟
و الجواب: انه لايمنع، لان موضوع وجوب الالتزام التكليف الواصل المتعلق بالجامع
بوجوده الذهني و هو مباين لوجود كل من الطرفين في الخارج، لاستحالة انطباقه على ما
في الخارج، و الالزم خلف فرض كونه موضوعاً بوجوده الذهني، فاذن ما هو موضوع لوجوب
الالتزام القلبي ليس مصباً للأصل، و ما هو مصب له و هو كل من الطرفين بحده الخاص
ليس موضوعاً له، و عليه فلا تنافي بين وجوب الالتزام بالتكليف الواصل المتعلق
بالجامع الذهني و بين جريان الاصول في كل من الطرفين في الخارج او الذهن.
و هذا بخلاف الجامع بوجوده الخارجي، فان وجوب موافقته في الخارج لايجتمع مع جريان
الاصول المؤمنة في اطرافه جميعاً، لان الترخيص في ترك اطرافه ترخيص في ترك الجامع،
باعتبار انه لايخلو من احدهما، و الترخيص في تركه ترخيص في المخالفة القطعية
العملية، هذا اضافة الى ان جريان الاصول في اطرافه لو كان نافياً لموضوع وجوب
الالتزام، لايلزم حينئذ من جريانها مخالفة قطعية التزامية، بل يلزم منه انتفاء
الحكم بانتفاء موضوعه و هو ليس من المخالفة في شي، و بكلمة ان الالتزام القلبي لو
كان واجباً، فانما يجب بالاحكام الشرعية الواصلة اليه المنجزة في المرتبة السابقة
المتعلق بالجامع، و عليه فيكون وجوب الالتزام في طول تنجّزه، و هذا بخلاف ما اذا
كان موضوع وجوب الالتزام التكليف الواصل بدون أخذ التّنجز قيداً له، فانه حينئذ
يكون التنجز في عرض وجوب الالتزام، و تظهر الثمرة حينئذ بين الفرضين.
اما على الفرض الاول فيختص وجوب الالتزام و البناء القلبي بالاحكام الالزاميّة،
بقرينة أخذ التنجزّ في موضوعه و لايشمل الاحكام الترخيصيّه، لانها غير قابلة للتنجز
ذاتاً، و كذلك لايشمل الاحكام الالزاميّة غير الواصلة او الواصلة بالعلم الاجمالي
الدائرة بين المحذورين لعدم قبولها التنجز، و على ضوء ذلك فالاصول العملية الجارية
في اطراف العلم الاجمالي تكون رافعة لموضوع وجوب الالتزام بارتفاع قيده و هو
التنجزّ حقيقة، و عندئذ فتكون واردة على دليل وجوب الالتزام و رافعة لموضوعه
بارتفاع قيده وجداناً، فاذن لاموضوع للمخالفة الالتزامية حتى تكون مانعة عن
جريانها، نعم هناك مانع آخر عن جريان هذه الاصول في تمام اطرافه و هو لزوم المخالفة
القطعية العملية، مثلا اذا علمنا اجمالاً بنجاسة احد الانائين، و فرضنا ان موضوع
وجوب الالتزام القلبي النجاسة المنجزة في المرتبة السابقة، فحينئذ و ان كانت
المخالفة الالتزامية غير مانعة عن جريان الاصول المؤمنة في اطرافه، باعتبار انها
رافعة لموضوعها وجداناً، الاّ ان لزوم المخالفة القطعية في مثل المثال، مانعة عن
جريانها.
و على الجملة فاذا افترضنا ان موضوع وجوب الالتزام القلبي التكليف الواصل المنجز،
فلابد من فرض ان العلم الاجمالي يكون منجزاً، فاذا كان منجزاً، لم تجر الاصول
المؤمنة في اطرافه و تسقط عن الجميع للمعارضة و عن البعض للترجيح من غير مرجح.
و اما على الفرض الثاني، فالاصول العملية و ان لم تكن واردة على دليل وجوب الالتزام
و رافعة لموضوعه، لفرض ان موضوعه على هذا الفرض التكليف الواصل بدون أخذ تنجزه
قيداً له، و لكن مع ذلك لامانع من جريانها بقطع النظر عن لزوم المخالفة القطعية
العملية، لان جريانها في اطراف العلم الاجمالي لاينافي وجوب الالتزام بالتكليف
الواصل، باعتبار ان التكليف الواصل بالعلم الاجمالي متعلق بالجامع الذهني، و
المفروض انه ليس مصّباً للاصول العمليّة، و ما هو مصب لها هو التكليف المشكوك
المتعلق بكل طرف من اطرافه بحده الخاص، و لهذا لايكون جريان الاصول المؤمنة اطرافه
منافيا لوجوب الالتزام بالتكليف الواصل المتعلق بالجامع، لفرض ان تلك الاصول لاتنفي
ذلك التكليف المتعلق بالجامع، و النكتة في ذلك ان موضوع وجوب الالتزام القلبي،
التكليف الواصل المتعلق بالجامع بوجوده الذهني لابوجوده الواقعي، و جريان الاصول في
اطرافه لايؤدي الى ترك الالتزام في النفس بالتكليف الواصل المتعلق بالجامع بوجوده
الذهني، لانه بوجوده الذهني مباين لوجوده الخارجي بوجود طرفيه و لاينطبق عليه،
لاستحالة انطباق الموجود الذهني على الموجود الخارجي، و جريان الاصول فيهما يؤدي
الى الترخيص في تركها في الخارج، و حيث ان الجامع بوجوده الذهني لاينطبق على احدهما
فيه، فلايكون الترخيص في تركهما ترخيصاً في ترك الجامع، فاذن لايلزم من جريان
الاصول فيهما معاً مخالفة قطعية التزامية، إذ لاتنافي بين جريانها فيهما و وجوب
الالتزام بالتكليف الواصل المتعلق بالجامع بوجوده الذهني.
ثم ان الاصول المؤمنة الجارية في اطراف العلم الاجمالي التي لاتنا في وجوب الالتزام
بالتكليف الواصل المتعلق بالجامع الانتزاعي بوجوده الذهني، لاتختص بالاصول
التعبديّة غير المحرزة، بل لافرق بينها و بين الاصول المحرزة التنزيلية، فاذا علمنا
اجمالاً بنجاسة احد الانائين كانا مسبوقين بالطهارة، فاستصحاب طهارة هذا الاناء و
ذاك الاناء معاً، لاينافي وجوب الالتزام بنجاسة الجامع و هو عنوان أحدهما، لان
الاستصحاب و ان قلنا بانه اصل محرز، انما ينفي نجاسة الفرد بحدّه الفردي دون الجامع
بحدّه الجامعي، و لااطلاق له بالنسبة الى غير مؤدّاه و مصبّه و هو الفرد دون
الجامع.
نتائج البحث عدة نقاط:
النقطة الاولى: ان المراد من الالتزام الذي هو فعل النفس و أمره بيدها وجوداً و
عدماً في المقام، هو الالتزام بالاحكام الشرعية بعناوينها الخاصة و اسمائها
المخصوصة فحسب، و ليس المراد منه التصديق برسالة النبي الاكرم(ص) و التسليم و
الانقياد لها بنحو الاجمال، لانها من شؤون الايمان بها و داخل في اصول الدين.
النقطة الثانية: انه لادليل على وجوب الالتزام القلبي بالوجوب المولوي المستقل
القابل للتنجّز، و استحقاق العقوبة على مخالفته في مقابل استحقاق العقوبة على
مُخالفة الحكم الشرعي الاولي لا من العقل و لا من الشرع، ثم ان وجوب الالتزام يختلف
عن الحكم الشرعي الاولي كوجوب الصلاة مثلا في نقطتين.
الاولى: ان متعلق الاول فعل القلب و متعلق الثاني فعل الجواريح.
الثانية: ان الحكم الاولي كوجوب الصلاة و الصيام و نحوهما موضوع للاول دون العكس.
النقطة الثالثة: انه على تقدير تسليم ان الالتزام القلبي بكل واحد من الاحكام
الشرعيّة الاولية واجب في طول تلك الاحكام، فمع ذلك لايكون مانعاً عن جريان الاصول
المؤمنة في اطراف العلم الاجمالي اذا لم يكن هناك مانع آخر، و لافرق في ذلك بين ان
يكون وجوبه عقلياً او شرعياً، و على الاول لافرق بين ان يكون التنجّز قيداً لموضوعه
أو لا.
النقطة الرابعة: ان ما ذكر من المانع عن جريان الاصول المؤمنة من قبل وجوب
الالتزام، لاأساس له كمامرّ.
مبحث العلم الاجمالي
قدتقدم في مستهل بحث القطع ان حجية العلم التفصيلي ذاتية و لايمكن نفيها عنه إلاّ
بالتّصرف في متعلق العلم او موضوعه، فعندئذ تنتفّي حجيّته بانتفأء متعلقه او
موضوعه، و اما تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعيّة العملية و كذلك وجوب
الموافقة القطعيّة العملية، فهل هو بنحو العلة التامة او بنحو الأِقتضاء، فيه اقوال
و سيأتي الاشارة اليها، و على هذا فيقع الكلام في ان العلم الاجمالي كالعلم
التفصيلى في التنجيز لحرمة المخالفة القطعيّة العملية، و كذا لوجوب الموافقة
القطعيّة العمليّة او لا؟
و الجواب: ان الكلام هنا يقع في عدة جهات:
الاولى: في تفسير حقيقة العلم الاجمالي و ما هو الفارق بينه و بين العلم التفصيلي.
الثانية: في منجزية العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية العملية.
الثالثة: في منجزيته لوجوب الموافقة القطعية العملية،
اما الكلام في الجهة الاولى، ففيها اتجاهات و تفسيرات متعدّدة.
الاتجاه الاول: مايظهر من المحقق الخراساني (ره) في بحث الواجب التخييري من ان
الوجوب في الواجب التخييري متعلق بالفرد المردد و لامانع من ذلك، معللا بان الوجوب
امر اعتباري فلامانع من تعلقه بالفرد المردد، بل لامانع من تعلق الصنفة الحقيقيّة
به كالعلم، فانه قد يتعلق بالفرد المردد، بل لامانع من تعلق الصفة الحقيقيّة به
كالعلم، فانه يتعلق بالفرد المردد كما في موارد العلم الاجمالي هذا.
و للمناقشة فيه مجال واسع، اما اولا فلان الفرد المردّد في كل وعاء مستحيل، لان
الفرد مساوق للتشخص و التعيّن، سواء كان في الذهن ام في الخارج، و من الواضح ان
التشخص و التعيّن الوجودي في الذهن كان ام في الخارج في طرف النقيض مع التردد فيه،
بداهة انه لايعقل ان يكون الفرد في الخارج مردداً بين نفسه و غيره، لان كل وجود في
الذهن او الخارج مساوق للتعيّن فيه، و يستحيل ان يكون وجود زيد فيه مردداً بين وجود
نفسه و وجود غيره.(64)
و الخلاصة: ان الوجود ان كانَ في الخارج فهو متعين فيه و متشخص، و لايعقل ان يكون
مردداً، و إلاّ لزم خلف فرض كونه موجوداً فيه، لان المردد لاوجود له، و ان كان في
الذهن فهو متعيّن فيه كالمعلوم بالذات و هو الصورة الذهنيّة القائمة بالنفس التي هي
عين العلم فيه، و الاختلاف بينهما بالاعتبار و هي وجود ذهني و الوجود مساوق للتعيّن
و التشخص، فاذا كان الوجود متعيّناً، كانت ماهيته ايضاً متعيّنه، لانّها حدالوجود،
و يستحيل ان تكون مرددة، و إلاّ لزم ان يكون وجودها ايضاً كذلك و هو كما ترى.
الى هنا قدتبيّن انه يستحيل وجود الفرد المردد في الخارج حتى يتعلق به العلم
الاجمالي، و من ذلك يظهر انه لايمكن تعلق الوجوب في الواجب التخييري بالفرد المردّد
ايضاً، لانه لاواقع للفرد المردد لا في الخارج و لا في الذهن و لا في لوح الواقع
حتى يتعلق به الوجوب، و تعليله بان الوجوب امر اعتباري لايجدي في المقام، لان
الوجوب و ان كان امراً اعتبارياً، إلاّ انه لابد ان يتعلق بشي، و المفروض ان الفرد
المرددّ ليس بشي حتى يتعلق به الوجوب، نعم لو كان مراده من الفرد المردد، الفرد
المردد المفهومي، لم يرد عليه هذا الاشكال و لكنه خلاف ظاهر كلامه(ره).
و ثانياً: انه على تقدير تعقل تعلق العلم بالفرد المردد، فلازمه تعلّقه بكل من
الفردين او الافراد بجدّه الفردي مردداً، و هذا خلاف الوجدان و الضرورة، لان كل شخص
اذا راجع وجدانه، يرى ان العلم الاجمالي تعلق بالجامع الانتزاعي و هو عنوان احدهما
او احدهما لاكل فرد بحدّه الفردي فانه متعلق الشك، و كيف كان فلابد من حمل كلامه
هنا و في الواجب التخييري على ان مراده من الفرد المردد، الفرد المردد المفهومي و
هو عنوان احدهما او احدها و ان كان خلاف الظاهر.
الاتجاه الثاني: ما تبنت عليه مدرسة المحقق النائيني(ره) منهم السيد الاستاذ (ره)،
من ان متعلق العلم الاجمالي الجامع بحدّه الجامعي بين فردين او افراد، و لهذا يكون
العلم الاجمالي بالنسبة اليه تفصيلياً، و الجهل انّما هو بالنسبة الى افراده، و اما
تسميته بالعلم الاجمالي فانما هو باعتبار ان متعلقه الجامع الانتزاعي و هو عنوان
احدهما واحدهما المردد انطباقه في الخارج على هذا او ذاك، فالاجمال انما هو في
مرحلة التطبيق لا في مرحلة التعلّق، فاذن ما هو متعلق العلم غير ما هو متعلق الشك،
لان متعلق الاول الجامع و متعلق الثاني الفرد، فاذا علم اجمالا بنجاسة احد
الاناءين، كان متعلق العلم بنجاسة الجامع و هو عنوان احدهما الذي لاواقع موضوعي له
إلاّ في الذهن و هو صورة الجامع المعلومة بالذات، و هذه الصورة معلومة تفصيلا، و
لافرق من هذه الناحية بين العلم الاجمالي و العلم التفصيلي، لان العلم الاجمالي علم
تفصيلي بالنسبة الى المعلوم بالذات، و انما الفرق بينهما من ناحية أخرى، و هي انّ
المعلوم بالذات في العلم التفصيلي ينطبق على الواقع الخارجي، و هو المعلوم بالعرض
بتمام خصوصياته التفصيلية، و اما المعلوم بالذات في العلم الاجمالي، فلا واقع
موضوعي له في الخارج، مثلا المعلوم بالاجمال في المثال المتقدّم نجاسة احد
الاناءين، و من الواضح انه لاينطبق على نجاسَة هذا الاناء بحدّه الفردي على تقدير
كونه نجساً في الواقع و إلاّ انحل العلم الاجمالي الى علم تفصيلي، و هذا خلف، و لا
على نجاسة ذاك الاناء كذلك على فرض انه نجس في الواقع بنفس الملاك، و هذا معنى انه
ليس للمعلوم بالذات في العلم الاجمالي واقع موضوعي و لاموطن له إلاّ الذهن و
لاينطبق على ما في الخارج، بينما المعلوم بالذات في العلم التفصيلي واقع موضوعي
ينطبق عليه في الخارج، و قد برهن ذلك بطريقين.
الطريق الاول: ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من ان العلم الاجمالي لو كان متعلقاً
بالواقع، فما هو ذلك الواقع في الموارد التي لاتعيّن له ثبوتاً، كما اذا علمنا
اجمالا بنجاسة أحد الاناءين بالدم و كان في الواقع كلاهما نجسا به، و على هذا فنسبة
النجاسة المعلومة بالاجمال في المثال الى كل واحد منهما على حدٍّ سواء، فلايمكنّ
تطبيقها على نجاسة هذا الاناء بعينه او ذاك الاناء كذلك لأمرين:
الاول: ان لازم ذلك انقلاب العلم الأجمالي تفصيلياً، لان العلم الاجمالي متقوّم
بتعلقه بالجامع الانتزاعي و هو عنوان احدهما، فاذا انطبق هذا الجامع على الفرد
المعين في الخارج، كان لازم ذلك ان حد هذا الفرد ماخوذ في متعلق العلم في افق
النفس، و عليه فيكون العلم تفصيلياً لااجمالياً و هذا خلف.
الثاني: ان انطباق الجامع على احدهما المعين في الخارج خلاف الضرورة و الوجدان،
لفرض ان نجاسته غيرمعلومة و الا لم يكن هنا علم اجمالي، و كذلك لايمكن انطباقه على
نجاسة الاناء الاخر بنفس الملاك، و اما انطباقه على نجاسة كلا الانائين، فهو خلف
فرض كون المعلوم بالاجمال نجاسة احدهما لانجاسة كليهما و الالكان علما تفصيلياً لا
اجمالياً، فاذن لامناص من تعلق العلم بالجامع في افق الذهن و هو عنوان احدهما او
احدها الذي لاواقع موضوعي له في الخارج حتى في علم الله تعالى، و لهذا لاينطبق في
الخارج لاعلى هذا و لاعلى ذاك، و اما الفرد المردد فيه، فلا وجود له حتى ينطبق
عليه، فاذا علمنا بنجاسة احد الانائين و كان احدهما شرقياً و الآخر غربياً او
احدهما ابيض و الاخر اسود، ثم علمنا بسبب او آخر ان النجس هو الاناء الشرقي او
الابيض، فلايمكن القول بان نجاسة الاناء الشرقي او الابيض هي المعلومة بالاجمال،
ضرورة ان نجاسته بحده الشخصي لم تكن معلومة لنا، و المعلوم لنا هو نجاسة الجامع و
هو عنوان احدهما، فالنتيجة ان المعلوم بالاجمال انما هو موجود في افق الذهن، و هو
عبارة عن المعلوم بالذات و ليس له واقع موضوعي في الخارج حتى ينطبق عليه.(65)
الطريق الثاني: ما ذكرة المحقق الاصفهاني (ره) من ان متعلق العلم الاجمالي لايخلو
من احد فروض:
1ـ ان العلم الاجمالي لايكون متعلقاً بشي اصلا.
2ـ ان يكون متعلقاً بالفرد بعنوانه التفصيلي.
3ـ ان يكون متعلقاً بالفرد المردد.
4ـ ان يكون متعلقاً بالجامع الانتزاعى و هو عنوان احدهما او احدها.
اما الاول، فلا نه خلف فرض ان العلم من الصفات الحقيقية ذات الاضافة و يستحيل تحققه
بدون الاضافة و المتعلق.
و اما الثاني فلان متعلقه لو كان الفرد بحده التفصيلي، فهو علم تفصيلي لااجمالي، و
هذا خلف.
و اما الثالث فقد تقدم ان الفرد المردد في الخارج مستحيل، ضرورة ان كل ما في الخارج
فهو متعين، و لايعقل ان يكون مردداً بين وجود نفسه و وجود غيره، فاذن يتعين الفرض
الرابع و هو تعلقه بالجامع.(66) و غير خفي ان ما تبنّت عليه مدرسة المحقق النائيني
(ره) تام من زاوية و غير تام من زاوية اخرى، اما من زاوية تماميته، فلانه لاشبهة في
ان العلم الاجمالي متعلق بالجامع الانتزاعي و هو عنوان احدهما او احدها وجداناً و
برهاناً، اما الاول فواضح، و اما الثاني فلان متعلقه لو كان الفرد، فلا محالة يكون
الفرد المعين في الخارج، لان الفرد المردد غيرمعقول، و عليه فيلزم كونه علماً
تفصيلياً لااجمالياً و هذا خلف.
و اما من زاوية عدم تماميته، فلان للمعلوم بالاجمال واقعاً موضوعياً، على اساس ان
تعلق العلم بالجامع المفهومي انما هو بلحاظ انه مستخدم للاشارة الى ما فى الخارج
لابلحاظ انه موجود في عالم الذهن، فاذا علمنا بنجاسة احد الانائين، فالعلم الاجمالي
و ان تعلق بنجاسة الجامع الانتزاعي المفهومي، لكن لابلحاظ انه موجود في افق الذهن
بل بلحاظ انه مرآة الى ما في الخارج و اشارة اليه و هو النجاسة المتعلقة بالفرد
المردد في الخارج بين فردين فيه، و النكتة في ذلك ان العلم بما انه لايمكن تعلقه
بالفرد الخارجي مباشرة، باعتبار انه من الصفات القائمة بالنفس، فلامحالة يتعلق
بالمفهوم الذهني لابما هو موجود فيه، بل بلحاظ انه اشارة الى الفرد الواقعي، على
اساس ان الاثر مترتب عليه في الخارج لاعلى المفهوم الموجود في الذهن، فانه لااثر
له.
و بكلمة انه لاشبهة في ان من كان يعلم بحرمة شرب احد الانائين، ينظر الى الواقع لكن
لامباشرة بل بواسطة استخدام مفهوم ذهني مشير اليه، و هذا هو المطابق للوجدان و
الارتكاز، و لايكون نظره الى المفهوم الذهني موضوعياً، بل هو وسيلة للعبور الى
الخارج و ترتيب الاثر عليه، فاذن كون النظر اليه بما هو موجود في الذهن و بنحو
الموضوعية بحاجة الى عناية زائدة و قرينة تدل على ذلك، و الا فالنظر اليه آلي او
بنحو الطريقية كما هو الحال في سائر المفاهيم، و على هذا فكما ان للمعلوم بالذات في
العلم التفصيلي مطابقاً في الخارج و هو المعلوم بالعرض، فكذلك للمعلوم بالذات في
العلم الاجمالي، فان له مطابقاً فيه ايضاً، غاية الامر ان المعلوم بالعرض في العلم
التفصيلي معين في الخارج و في العلم الاجمالي غير معين فيه و مردد بين هذا الفرد او
ذاك الفرد فاحدهما في الواقع مصداق له، و من هنا يظهر ان العلم الاجمالي يشترك مع
العلم التفصيلي في نقطة، و هي ان المعلوم بالذات في كليهما واحد و هو الصورة
العلمية في النفس، و يختلف عنه في نقطة اخرى و هي ان المعلوم بالعرض في العلم
التفصيلي متعين في الخارج، بينما هو في العلم الاجمالي مردد بين فردين او افراد
فيه.
و على ضوء ذلك فقد ظهر ان ما تبنّت عليه مدرسة المحقق النائيني (ره) من انه لاواقع
موضوعي للمعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي، مبني على الخلط بين المعلوم بالاجمال
بوصف كونه معلوماً كذلك و بين ذات المعلوم، لان الذي لاواقع له هو الاول، اذ لاموطن
له الا الذهن و لاينطبق على ما في الخارج، ضرورة انه بهذا الوصف لايمكن ان يوجد في
الخارج، بل الامر كذلك حتى في المعلوم بالذات في العلم التفصيلي، فانه بوصف كونه
معلوماً، يستحيل ان ينطبق على ما في الخارج لاستحالة وجوده فيه بهذا الوصف، و اما
ذات المعلوم بالذات، فلها واقع في الخارج و هو المعلوم بالعرض و تنطبق عليه، بلافرق
في ذلك بين المعلوم بالذات في العلم التفصيلي و المعلوم بالذات في العلم الاجمالي.
فالنتيجة ان ذات المعلوم بالذات في كلا العلمين تنطبق على الخارج و هو المعلوم
بالعرض، غاية الامر انه متعين في فرد خاص في العلم التفصيلي و غير معين كذلك في
العلم الاجمالي، بمعنى انه مردد بين فردين او افراد، و اما المعلوم بالذات بوصف
كونه معلوماً، فلا ينطبق على الخارج فى كلا العلمين بلافرق بينهما.
و دعوى انه ليس لذات المعلوم بالذات في العلم الاجمالي واقع خارجي تنطبق عليه، فاذا
علمنا بنجاسة احد الانائين، فذات النجاسة المتعلقة بالجامع لاتنطبق على نجاسة هذا
الاناء و لاعلى نجاسة ذاك الاناء، و الالزم كون العلم الاجمالي تفصيلياً و هو كما
ترى، و النجاسة المرددة ليست فرداً ثالثاً حتى تنطبق عليه.
مدفوعة: بان مصداق المعلوم بالذات في العلم الاجمالي هو احد الفردين في الواقع و هو
متعين في علم الله و مردد بين هذا و ذاك عندنا، فاذن يكون المعلوم بالعرض في العلم
الاجمالي متعيناً في الواقع و عندالله و مردداً بين فردين او افراد عندنا، مثلا
النجاسة عندنا في المثال متعلقة بالجامع الانتزاعي و هو عنوان احدهما من جهة جهلنا
بانها متعلقة بهذا الفرد او ذاك الفرد، و اما في الواقع و علم الله فهي متعلقه
بالفرد بحده الفردي، و اما التردد فانما هو عندنا من جهة جهلنا بالواقع، و على
الجملة فاذا علم الانسان بوقوع قطرة من الدم في احد هذين الانائين، فبطبيعة الحال
كان وقوعها في احدهما المعين في الواقع و علم الله ولكنه مجهول عنده، و لايدري انها
وقعت في هذا الاناء او ذاك، لا انه مجهول في الواقع و عندالله.
و من هنا يظهر ان ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من البرهان على انه لاواقع موضوعي
للمعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي، بتقريب انه لو كان له واقع موضوعي في الخارج،
فما هو في الموارد التي لاتعين فيها للواقع ثبوتاً، كما اذا علم بنجاسة احد
الانائين بملاقاة الدم و كان في الواقع كلاهما نجساً بالدم، فعندئذ ما هو واقع
المعلوم بالاجمال في مثل هذا المثال، لان نسبة المعلوم بالاجمال الى نجاسة كل منهما
نسبة واحدة، فلا يمكن القول بان ما هو مصداق المعلوم بالاجمال نجاسة هذا الاناء دون
ذاك الاناء او بالعلكس، لانه ترجيح من غير مرجح، حيث ان نسبته الى كل منهما على حد
سواء، و هذا دليل على انه لاواقع موضوعي للمعلوم بالاجمال في العلم الاجمالي.
و وجه الظهور هو ان واقع النجاسة المعلومة بالاجمال متعين في الواقع و علم الله و
مردد عندنا بين نجاسة هذا الاناء او ذاك الاناء.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان استخدام المفاهيم انما
هو من جهة ان العلم سواء أكان حقيقياً ام تعبدياً لايتعلق بالواقع الخارجي مباشرة،
و انما تعلق بالمفاهيم في افق الذهن، باعتبار ان العلم صفة للنفس فلايتصور تعلقه
الا بالمفاهيم فيها، و حيث ان الاثر مترتب على الواقع دون المفاهيم الذهنية،
فلامحالة يكون استخدامها للاشارة اليه، و لافرق في ذلك بين ان يكون العلم اجمالياً
او تفصيلياً، اذ كما ان تعلق العلم التفصيلي بالمفهوم الذهني انما هو بملاك انه
ملحوظ مرآة الى الخارج و اشارة اليه، باعتبار ان الاثر مترتب عليه لاعلى المفهوم،
كذلك تعلق العلم الاجمالي بالجامع الانتزاعي انما هو بملاك انه اشارة الى الخارج و
مرآة له لابملاك انه ملحوظ بنحو الموضوعية.
الاتجاه الثالث: ما ذهب اليه المحقق العراقي (ره) من ان متعلق العلم الاجمالي الفرد
المعين في الواقع، و لافرق بينه و بين العلم التفصيلي في المعلوم بالعرض، فانه في
كليهما معاً الفرد المعين، و انما الفرق بينهما من ناحية نفس العلم، فان العلم
التفصيلي علم غير مشوب بالاجمال، و العلم الاجمالي علم مشوب بالاجمال، فالعلم
التفصيلي كالمرآة الصافية و العلم الاجمالي كالمرآة غير الصافية، و قد برهن ذلك بان
متعلق العلم الاجمالي لو كان الجامع الانتزاعي، فلايمكن انطباقه على الفرد بحده
الفردي، و انما ينطبق على الحيثية الجامعة بين فردين او افراد و هي الحيثية
المنتزعة من الفرد بالغاء الخصوصية الفردية، فتكون هذه الحيثية جزء تحليلي للفرد،
باعتبارانه ينحل الى الحيثية الجامعة المشتركة و الخصوصية الفردية، و من الواضح ان
متعلق العلم الاجمالي لو كان الجامع، فهو انما ينطبق على الحيثية الجامعة لاعلى
الفرد بحده الفردي هذا.(67) و قد اورد عليه المحقق الاصفهاني (ره) بتقريب ان العلم
الاجمالي بالجامع ينحل الى علمين.
الاول: العلم بالجامع بما هو جامع:
الثاني: العلم بانه في ضمن احد الفردين، و هذا العلم هو العلم الاجمالي المتعلق
بالجامع المقيد بكونه في ضمن احدى الخصوصيّتين او الخصوصيات، فلذلك ينطبق على الفرد
بحدّه الفردي.(68) و يمكن المناقشة فيه، لان العلم الاجمالي لو كان العلم بالجامع
المقيد بكونه في ضمن احد الفردين، فننقل الكلام الى خصوصية التقييد هل هي تقييد
بالفرد او الجامع؟ فان كان الاول، فلازمه تعلق العلم الاجمالي بالفرد من الاول و
مباشرة، لا انه تعلق بالجامع المقيد لكى ينحل الى علمين، علم بالجامع و علم بتقييده
في ضمن احد الفردين في الواقع، و ان كان الثاني، فهو عين العلم بالجامع لا انه في
مقابله هذا.
ثم ان ما ذكره المحقق العراقي (ره) يرجع الى ثلاث نقاط:
الاولى: ان متعلق العلم الاجمالي الفرد بحده الفردي، و لافرق بينه و بين العلم
التفصيلي من هذه الناحية.
الثانية: ان العلم التفصيلي يختلف عن العلم الاجمالي في نفس العلم، فان الاول غير
مشوب بالاجمال بينما الثاني مشوب به.
الثالثة: ان متعلق العلم الاجمالي لايمكن ان يكون الجامع بحده الجامعي هذا. و
للمناقشة في جميع هذه النقاط الثلاث مجال.
اما النقطة الاولى، فلانه ان اريد من تعلق العلم الاجمالي بالفرد بحده الفردي تعلقه
به مباشرة، فيرد عليه ان مستحيل، لان العلم صفة قائمة بالنفس، فلا يعقل ان يتعلق
بالواقع الخارجي كذلك.
و بكلمة اخرى انه (ره) ان اراد بتعلق العلم بالفرد المعين تعلقه به في الخارج
مباشرة فهو غير معقول، ضرورة ان الواقع الخارجي لايمكن ان يكون هو المعلوم بالذات
في العلم التفصيلي فضلا عن العلم الاجمالي لسببين:
الاول ان لازم ذلك عدم وقوع الخطأ في العلم اصلا و انه دائماً مصيب للواقع، باعتبار
ان الواقع هو المعلوم بالذات، و المفروض ان المعلوم بالذات مقوم للعلم ذاتاً و
بدونه فلا علم، حيث ان العلم عين المعلوم بالذات و الاختلاف بينهما انما هو
بالاعتبار كالايجاد و الوجود، فلو كان الواقع الخارجي هو المعلوم بالذات، لكان
العلم دائماً مصيباً للواقع و هو كما ترى.
الثاني ان العلم صفة نفسانية فيستحيل تعلقه بالموجود الخارجي، و الالكان خارجيا و
هذا خلف.
و ان اريد به تعلقه بصورة الفرد المعين في الذهن و هي المعلومة بالذات و الفرد
الخارجي معلوم بالعرض.
فيرد عليه اولا انه خلاف الوجدان، لوضوح ان العلم الاجمالي لم يتعلق بصورة الفرد
المعين في افق الذهن، و انما تعلق بصورة الجامع الانتزاعي، و هو عنوان احدهما او
احدها، و اما صورة الفرد المعين، فلايكون موجودة في الذهن.
و ثانياً ان متعلق العلم الاجمالي لو كان صورة الفرد المعين، لكان العلم الاجمالي
علماً تفصيلياً و هو خلف.
و ان اريد به تعلقه بصورة الفرد المبهم، فيرد عليه ان هذا هو معنى تعلق العلم
الاجمالي بالجامع المفهومي و هو صورة احد الفردين او الافراد في الخارج المبهمة،
فاذن لايرجع هذا القول الى القول الاخر في مقابل القول بتعلقه بالجامع الانتزاعي،
بل هو هو في الحقيقة و الاختلاف انما هو في التعبير.
و اما النقطة الثانية: فلان ما ذكره (ره) من ان العلم الاجمالي بنفسه يمتاز عن
العلم التفصيلي، حيث انه مشوب بالابهام دونه، لايرجع الى معنى محصل، بداهة انه
لايعقل دخول الابهام و الاجمال في حقيقة العلم، كيف فان حقيقة العلم الكشف و الوضوح
و هي في طرف النقيض مع الاجمال و الابهام، فلايتصور الابهام في حقيقته و انما يتصور
في متعلقه بالعرض، و اما في متعلقه بالذات الذي هو عين العلم فلا، و الا فهو ليس
بعلم و هذا خلف، فما ذكره (ره) من انه لااجمال و لاابهام في المتعلق و انما الابهام
و الاجمال في نفس العلم غريب جداً.
و اما النقطة الثالثة: فلان ما ذكره (ره) من ان متعلق العلم الاجمالي لو كان الجامع
الانتزاعي، فلا ينطبق على الفرد بحده الفردي، على اساس ان حد الفرد غير داخل في
متعلق العلم الاجمالي، و انما ينطبق على الحيثية الجامعة بين فردين او افراد،
انمايتم في الجامع الذاتي و نقصد به المفهوم المنتزع من الجهة الذاتية المشتركة بين
الافراد كمفهوم الانسان و نحوه، فانه لاينطبق في الخارج الا على تلك الحيثية
الذاتية المشتركة بين افراده دون الفرد بحده الفردي، و لايتم ذلك في الجامع العرضي
كمفهوم الفرد و مفهوم الشخص و مفهوم الجزئي و نحوها، فان هذه المفاهيم، مفاهيم
عرضية اخترعها العقل و اصطنعها لاستخدامها كاشارة الى الخارج و ليست منتزعة من
الجهة الذاتية المشتركة، و من هنا تكون نسبة الافراد اليها عرضية لاذاتية، و هذا
بخلاف الجامع الذاتي، فان نسبة افراده اليه ذاتية.
و اما الجامع الانتزاعي فيما نحن فيه و هو مفهوم احد فردين او افراد، فهو مفهوم
اختراعي بغرض استخدامه للاشارة الى الواقع الخارجي و هو ينطبق على الفرد في الخارج
بحده الفردي، غاية الامر ان مطابقه فيه مردد بين هذا الفرد او ذاك عندنا لا في
الواقع و علم الله، و النكتة في ان الجامع الذاتي لاينطبق على الفرد بحده الفردي، و
انما ينطبق على الجهة الذاتية المشتركة، و الجامع العرضي ينطبق عليه هي ان الجامع
الذاتي منتزع من الجهة الذاتية المشتركة، و لهذا لاينطبق الا عليها، بينما الجامع
العرضي منتزع و مخترع من قبل العقل من الفرد بحده الفردي او الشخص كذلك، فلهذا
ينطبق عليه لا على الجهة الجامعة.
و ان شئت قلت: ان العقل حيث انتزع المفاهيم العرضية و اخترعها من الفرد او الشخص او
الجزئي او غير ذلك، فبطبيعة الحال لاتنطبق الا على منشا انتزاعها و اختراعها، و هذا
بخلاف المفاهيم الذاتية، فانها منتزعة من الجهة الذاتية المشتركة كالحيوانية و
الناطقية التي جهة مشتركة بين افراد الانسان، فلهذا لاتنطبق الا عليها، هذا هو
الفارق بين المفاهيم الذاتية و المفاهيم العرضية، و على هذا فحيث ان المعلوم
بالاجمال صورة احد الفردين بحده الفردي، فهو لاينطبق الا على احد الفردين في الخارج
بحده الفردي، و ما ذكره (ره) من ان المعلوم بالاجمال لو كان الجامع المفهومي، فهو
لاينطبق الا على الجهة الجامعة بين الفردين او الافراد، مبني على الخلط بين الجامع
الذاتي و الجامع العرضي، و ماذكره (ره) تام بالاضافة الى الجامع الذاتي دون الجامع
العرضي، و حيث ان الجامع في المقام عرضي و هو عنوان احدهما او احدها، اصطنعه العقل
و اخترعه من الفرد المردد عندنا لاواقعاً فلاينطبق الا عليه، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى انه لايمكن ان يكون مراد المحقق العراقي (ره) من تعلق العلم
الاجمالي بالفرد بحده الفردي الفرد المعين في الخارج، فان تعلقه به كذلك غير معقول،
و الا لكان العلم الاجمالي تفصيلياً، فاذن لامحالة يكون مراده منه تعلقه بصورة
الفرد بحده الفردي المبهم، و هذا هو معنى تعلقه بالجامع الانتزاعي، و عليه فما ذكره
(ره) يرجع فى الحقيقة الى القول بتعلق العلم الاجمالي بالجامع المفهومي و هو صورة
احد الفردين او الافراد، الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان جميع
الاتجاهات في المسألة ترجع الى اتجاه واحد و هو تعلق العلم الاجمالي بالجامع
العنواني الانتزاعي.
اما الكلام في الجهة الثانية و هي تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية
العملية للعلم الاجمالي، فلا شبهة في ان العلم الاجمالي بيان و يكون رافعاً لموضوع
قاعدة قبح العقاب بلا بيان حقيقة و وجداناً، فلا يمكن التمسك بها بالنسبة الى
الجامع، لان تعلق التكليف به معلوم بالوجدان و لاموضوع لها بالنسبة اليه، فيكون
العلم الاجمالي المتعلق بالجامع وارداً عليها و هذا لاكلام فيه، و انما الكلام في
تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة الى كل واحد من اطرافه، باعتبار ان كل واحد منها ليس
متعلقاً للعلم الاجمالي و انما هو متعلق للشك، غاية الامر ان منشأه العلم بالجامع
الانتزاعي، و حينئذ فهل يمكن التمسك بالقاعدة في كل طرف من اطرافه، باعتبار ان
موضوعها و هو عدم البيان متحقق يه او لا؟
الجواب: اما على القول بان العلم الاجمالي تامة امة للتنجيز، فلايتصور ان تكون
القاعدة مانعة عنه، و الاّ لزم خلف فرض كونه علة تامة للتنجيز، و كذلك الحال في
الاصول المؤمنة، فانها لايعقل ان تكون مانعة عن تنجيزه، و الالزم خلف فرض كونه علة
تامة له، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى، ان الاصل المؤمن اذا سقط عن بعض اطراف العلم الاجمالي بسبب او آخر
مع بقاء العلم الاجمالي و عدم انحلاله، فهو منجز للطرف الاخر و مانع عن جريان الاصل
المؤمن فيه على هذا القول و هو القول بالعلة التامة، ضرورة انه لايتصور على هذا
القول مانع و الالزم الخلف.
و لكن قد تقدم انه لااساس لهذا القول، لان العلم التفصيلي لايكون علة تامة للتنجيز
فضلاً عن العلم الاجمالي، فان تنجيزه معلق على عدم ترخيص الشارع في ترك الطاعة و
ليس مطلقاً لكي لايقبل الترخيص و سوف نشير اليه.
و اما على القول بان العلم الاجمالي مقتضي للتنجيز لا انه علة تامة له، فهل هو بنحو
الاقتضاء مطلقاً حتى بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية، او انه بنحو
الاقتضاء بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية العملية فحسب.
و الجواب: ان فيه قولين، المعروف و المشهور بين المحققين من الاصوليين القول الثاني
و هو ان العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية دون وجوب الموافقة
القطعية العملية، و خالف في ذلك المحقق الخراساني (ره) و اختار القول الاول، مدعياً
بان تنجيزه لها يكون بنحو الاقتضاء ايضاً.
اما القول الاول فقد استدل عليه بوجوه:
الوجه الاول ما ذكره مدرسة المحقق النائيني(ره)، بتقريب انه لايمكن جعل الترخيص في
تمام اطراف العلم الاجمالي ثبوتاً، لانه ترخيص في المخالفة القطعية العملية و هو
قبيح عقلاً، على اساس ان الترخيص فيها ترخيص في التعدي على المولى و هتك حرمته و
الظلم عليه و هو سلب ذي الحق عن حقه، و من الواضح ان حكم العقل بقبح ذلك من القضايا
الاولية الفطرية، و هذا معنى ان العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية
العملية، أو فقل ان العلم الاجمالي علة تامة لتنجيز التكليف المتعلق بالجامع
العرضي، و الترخيص في اطرافه حيث انه يؤدي الى الترخيص في الجامع، فلذلك يكون
قبيحاً عقلاً، فالنتيجة ان جعل الترخيص في تمام اطراف العلم الاجمالي لجعل الترخيص
في مخالفة العلم التفصيلي.
و الجواب: ان العقل و ان كان يحكم بقبح المخالفة القطعية العملية، الا ان ذلك ليس
بالذات بل من جهة ثبوت حق الطاعة للمولى على العبد في المرتبة السابقة، و حيث ان
هذه المخالفة تؤدي الى تفويت هذا الحق فيكون قبيحاً و مصداقاً للظلم، و نتيجة ذلك
هي ان حكم العقل بقبح المخالفة القطعية العملية ليس حكماً تنجيزياً و مطلقاً، بل هو
معلق على عدم ورود الترخيص فيها من المولى نفسه، و اما اذا رخص المولى في المخالفة
المذكورة و اذن فيها، فلا تكون هذه المخالفة حينئذ مخالفة للمولى و معصية له، بل هي
موافقة لاذنه و قراره.
و بكلمة انه لاشبهة في ان العلم الاجمالي ليس علة تامة للتنجيز بالنسبة الى حرمة
المخالفة القطعية العملية، لوضوح ان حكم العقل بحرمة مخالفة المولى و قبحها و انها
ظلم، ليس تنجيزياً و مطلقاً، بل هو منوط و معلق على ثبوت حق الطاعة للمولى في
المرتبة السابقة، و على هذا فللمولى ان يجعل الترخيص في تمام اطراف العلم الاجمالي
اذا كانت مصلحة الترخيص فيه اقوى و اهم من مصلحة المعلوم بالاجمال في الواقع، و هذا
الترخيص الظاهري حيث انه من المولى يكشف عن انه رخص في مخالفته و لم يرد طاعته، و
عندئذ فمخالفته ليست مخالفة بل موافقة لجعله و قراره، و عليه فينتفي حكم العقل
بالقبح بانتفاء موضوعه و هو حق الطاعة، لان ترخيصه يكشف عن عدم ارادته هذا الحق و
الا لم يرخص في تركه، و بذلك يختلف العلم الاجمالي عن العلم التفصيلي، فان موضوع
الحكم الظاهري في اطراف العلم الاجمالي محفوظ، فلا مانع من جعله اذا كانت فيه مصلحة
اهم و اقوى من مصلحة الواقع، بينما لايكون موضوعه محفوظاً في موارد العلم التفصيلي
هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى هل العلم التفصيلي علة تامة لتنجيز حرمة المخالفة القطعية العملية
او لا؟
و الجواب انه لايكون علة تامة له ايضاً، لوضوح ان حكم العقل بقبح مخالفة المولى
لايمكن ان يكون حكماً تنجيزياً و مطلقاً بل لامحالة يكون معلقاً، لان حكم العقل بشي
لايمكن ان يكون جزافاً و لغواً و بلانكتة تبرره، و النكتة التي تبرره في المقام
انما هو ثبوت الحق للمولى في المرتبة السابقة و هو حق الطاعة، فاذن حكم العقل بقبح
المخالفة و كونها معصية و ظلماً انما هو بملاك انها تفويت لحق المولى و هو حق
الطاعة، و على هذا فكما ان للمولى جعل الترخيص الظاهري في اطراف العلم الاجمالي اذا
كانت هناك مصلحة اقوى و اهم من مصلحة الواقع، فكذلك له جعل الترخيص الواقعي في
مخالفته اذا كانت هناك مصلحة اقوى و اهم من مصلحة الواقع، و الخلاصة ان امكان جعل
الترخيص من المولى في موارد العلم الاجمالي و العلم التفصيلي ثبوتاً، دليل قطعي على
ان العلم لايكون علة تامة للتنجيز و ان كان علماً تفصيلياً، و الا فلا يمكن جعله،
لاستحالة فرض وجود المانع عن تأثير العلة التامة، و الالزم الخلف.
و من هنا يظهر ان مدرسة المحقق النائيني (ره) قد ظنت ان جعل الترخيص الشرعي في
اطراف العلم الاجمالي ترخيص في مخالفة المولى و عصيانه و هتك حرمته و تفويت حقه،
فلهذا يحكم العقل بقبحه على اساس حكمه بقبح الظلم، و لكن هذا الظن مبني على الغفلة
عن ان الترخيص في اطراف العلم الاجمالي كافة اذا كان من نفس المولى خاصة، كان
كاشفاً عن ان المولى قد رخص في مخالفته، و معنى هذا ان مخالفته هذه في الواقع ليست
مخالفة له بل هي موافقة لاذنه و ترخيصه فيها، و هذا يكشف عن ان المولى رفع اليدعن
حقه و هو حق الطاعة لمصلحة اهم، فاذن ترك الطاعة انما هو باذن المولى و ترخيصه، و
حيث ان الطاعة حقه، فله ان يرفع اليد عن حقه و يرخص في تركه.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي ان العلم الاجمالي لايكون عله تامة
لتنجيز حرمة المخالفة القطعية العملية، بل و كذلك العلم التفصيلي، فانه لايكون علة
تامة له، لان حكم العقل بالتنجيز و قبح المخالفة، لايمكن ان يكون حكماً تنجيزياً بل
هو تعليقي كمامر، هذا بحسب مقام الثبوت، و اما في مقام الاثبات، فلا يمكن اثباته
باطلاق ادلة الاصول العملية الشرعية، بل هو بحاجة الى نص خاص، و تمام الكلام في ذلك
في محله.
قد يقال كما قيل ان جعل الترخيص في اطراف العلم الاجمالي و ان كان لامانع منه من
ناحية حكم العقل بحرمة المخالفة القطعية العملية و قبحها، الا ان هناك مانع اخر عن
هذا الجعل، و هو وجود المضادة بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي، فلا يمكن
اجتماعهما في شي واحد و لو احتمالاً، فاذا علمنا اجمالا بنجاسة احد الانائين، فحيث
ان المعلوم بالاجمال هو عنوان احدهما، فموضوع الحكم الظاهري غير محفوظ فيه، و اما
موضوعه في كل واحد من الانائين بحده، فهو و ان كان محفوظاً للشك في نجاسة كل واحد
منهما بحده الشخصي، الا انه لايمكن جعل الحكم الترخيصي الظاهري فيه كالطهارة
الظاهرية من جهة وجود المضادة بينه و بين الحكم الواقعي المحتمل وجوده في كل منهما،
فاذن احتمال اجتماع الضدين في كل من الانائين موجود و هو مستحيل كالقطع به، لان
اجتماع الضدين حيث انه محال، فاحتماله كالقطع به محال، فلذلك لايمكن جعل الترخيص
الظاهري في اطراف العلم الاجمالي، لمكان المضادة بينه و بين الحكم الواقعي المعلوم
بالاجمال هذا.
و للمناقشة فيه مجال، و ذلك لما ذكرناه موسعاً في مستهل بحث الظن في الجمع بين
الحكم الظاهري و الحكم الواقعي، و سوف يأتي الكلام فيه انشاءالله تعالى من ان الحكم
الظاهري على نوعين:
النوع الاول الحكم الظاهري الطريقي
النوع الثاني الحكم الظاهري الترخيصي
اما النوع الاول، فهو مجعول بغرض الحفاظ على الاحكام الواقعية بمالها من المبادي و
الملاكات، و لاشأن له في مقابل الاحكام الواقعية الالزامية غير تنجيزها عند الاصابة
و التعذير عنها عند الخطاء، لان اهتمام المولى بها و عدم الرضا بتفويتها حتى في ظرف
الشك و الجهل، يتطلب منه جعل الحكم الظاهري الطريقي في طولها، و الهدف من وراء هذا
الجعل الحفاظ على تلك الاحكام و مباديها تنجيزاً و ليس له شأن آخر غير ذلك، و
لامبدأ مستقل له وراء مبادي الاحكام الواقعية الالزامية، و لهذا لايترتب على
مخالفته عقاب و لاعلى موافقته ثواب، باعتبار انه ليس حكماً شرعياً في مقابل الحكم
الواقعي، و ليس له مبادي في مقابل مباديه، و الخلاصة ان منشأ جعل هذا الحكم الظاهري
الطريقي، هو اهتمام المولى بالحفاظ على مبادي الاحكام الواقعية الالزامية، و هذا
الاهتمام يدعوه الى جعله في طولها بغرض الحفاظ عليها كوجوب الاحتياط و الاستصحاب
المثبت للاحكام الالزامية و كذلك الامارات المثبتة لها، و من الواضح انه لاتنافي
بين هذا الحكم الظاهري و الحكم الواقعي لا في مرحلة المبادي و لا في مرحلة الامتثال
و لا في مرحلة الجعل.
اما في الاولى، فلما عرفت من انه لامبدأ له في مقابل مبادي الاحكام الواقعية
الالزامية، بل مبدأه هو اهتمام المولى بالحفاظ على مبادي تلك الاحكام و يكون في طول
مباديها.
و اما في الثانية، فلما مر من انه لايقتضي الامتثال في مقابل اقتضاء الاحكام
الواقعية الالزامية، بل بامتثالها انما هو بامتثالها، كما ان مخالفته انما هي
بمخالفتها، فلا استقلال له في مقابلها، و الالزم خلف فرض كونه طريقياً.
و اما في الثالثة، فمضافاً الى انه لاتنافي و لاتضاد بين الاحكام الشرعية بما هي
اعتبارات بقطع النظر عن مباديها و ملاكاتها في الواقع، و مرحلة امتثالها ان هذا
الحكم الظاهري حكم طريقي في طول الحكم الواقعي، فلا يجتمع معه في شي واحد حتى يلزم
اجتماع الضدين.
و اما النوع الثاني، و هو الحكم الظاهري الترخيصي كاصالة البراءة الشرعية و استصحاب
عدم الوجوب او الحرمة و الامارات المتكفلة للاحكام الترخيصية، فهو مجعول بملاك
التسهيل النوعي على المكلف، و حيث ان المصحلة التسهيلية مصحلة نوعية، فهي تتقدم على
المصالح و الملاكات الشخصية، فلذلك لاتنافي بين الاحكام الظاهرية الترخيصية و
الاحكام الواقعية الالزامية، لا في مرحلة المبادي و لا في مرحلة الامتثال.
اما في الاولى فلان المصلحة التسهيلية النوعية مترتبة على الاحكام الظاهرية
الترخيصية لا على متعلقاتها، فبينما المصالح و المفاسد الشخصية المحتملة، مترتبة
على متعلقات الاحكام الواقعية الالزامية، فاذن لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي و
الملاكات لعدم اجتماعهما في شي واحد، ثم ان هذا التقديم ليس من باب التزاحم الحفظي،
بان تكون هناك مزاحمة في الحفظ بين ملاكات الاحكام الترخيصية الواقعية و ملاكات
الاحكام الواقعية الالزامية في مرحلة الالتباس و الاشتباه، فان الاولى تتطلب حفظها
حتى في هذه المرحلة بجعل حكم ظاهري ترخيصي على طبقها، بينما الثانية تتطلب حفظها في
مقابل الاولى في هذه المرحلة بجعل حكم ظاهري الزامي على طبقها.
و بكلمة واضحة ان القول بوقوع التزاحم الحفظي بين ملاكات الاحكام الترخيصية
الواقعية و ملاكات الاحكام الالزامية الواقعية، انما هو في خصوص الاحكام الترخيصية
الناشئة من الملاكات و المبادي الواقعية، و اما الاحكام الترخيصية التي هي ناشئة عن
عدم المقتضي للاحكام اللالزامية فهي خارجة عن محل الكلام، اذ لاملاك لها حتى يقع
التزاحم الحفظي في مقام الاشتباه و الالتباس بينه و بين ملاك الحكم الواقعي.
و يمكن نقد هذا القول اولا بانه لاطريق لنا الى ملاكات الاحكام الواقعية بقطع النظر
عن ثبوتها و جعلها من قبل الشارع، و على هذا فاذا كانت الاحكام احكاماً الزامية،
فهي تكشف عن وجود مصالح او مفاسد ملزمة في متعلقاتها، و اما اذا كانت احكاماً
ترخيصية، فهي لاتكشف عن وجود مصالح في متعلقاتها، اذ كما يحتمل ذلك، يحتمل ان تكون
ناشئة عن عدم ثبوت المقتضي للاحكام الالزامية، هذا اضافة الى ان المصلحة اذا كانت
بدرجة الالزام، كانت منشاءً للوجوب، و اذا كانت دون هذه الدرجة، فان كانت محبوبة،
تكون منشاءً للاستحباب و الا فهي منشأ للاباحة، و عليه فمنشأ الاباحة في الحقيقة
عدم ثبوت المقتضي للوجوب لاالمصلحة الواقعية في نفسها، لان عدم كونها درجة الالزام
بمثابة الجزء الاخير من العلة التامة للاباحة، هذا من ناحية.
و من ناحية اخرى، ان اباحة الاشياء اصلية و ذاتية اي غير مجعولة في الشريعة
المقدسة، لان المجعول فيها انما هو الاحكام الشرعية الالزامية التامة كالوجوب و
الحرمة و نحوهما، و الناقصة كالاستحباب و الكراهة و ما شاكلهما دون الاباحة، فان
ثبوتها للاشياء لاتتوقف على الجعل،
الى هنا قد تبين انه ليس في الشريعة المقدسة احكام ترخيصية واقعية مجعولة ناشئة من
الملاكات و المبادي الواقعية لكي يقع التزاحم الحفظي بينها و بين ملاكات الاحكام
الواقعية الالزامية في موارد الاشتباه و الالتباس.
و ثانياً مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان في الشريعة المقدسة احكاماً ترخيصية واقعية
ناشئة عن المبادي و الملاكات الواقعية، الا ان تلك المبادي حيث انها غير لزومية،
فلا تصلح ان تكون مبررة لتوسعة دائرة محركيتها حتى في موارد الاشتباه و الالتباس و
تقديمها على المبادي و الملاكات الملزمة في هذه الموارد، لوضوح ان الملاكات غير
اللزومية لاتكون محركة الى الفعل او الترك في فرض العلم بها، فضلاً عن كونها محركة
في موارد الاشتباه و الالتباس، و اما ادلة الاحكام الظاهرية الترخيصية، فلا تدل على
وجود ملاكات ترخيصية اقتضائية في الواقع تقتضي جعل الاحكام الظاهرية الترخيصية في
موارد الاشتباه و الالتباس على طبقها حفاظاً عليها و اهتماما بها حتى في هذه
الموارد، و انما تدل على ان جعل هذه الاحكام الظاهرية الترخيصية لايمكن ان يكون
جزافاً و لغوا، بل لامحالة يكون مبنياً على نكتة تبرر هذا الجعل، و من الظاهر ان
تلك النكتة هي المصلحة النوعية المترتبة على هذه الاحكام الظاهرية الترخيصية، و هي
المصلحة التسهيلية لاترجيح الملاكات الترخيصية الواقعية على الملاكات الالزامية
الواقعية في موارد الاشتباه و الالتباس، و الخلاصة ان الدليل الترخيصي الظاهري،
لايدل على ترجيح الملاك الترخيصي الواقعي على الملاك الالزامي في مقام الالتباس و
الاشتباه حتى تكون المسالة من باب التزاحم الحفظي، بل الظاهر منه ان المبرر لجعل
الترخيص الظاهري هو ترتب المصلحة النوعية عليه و هي مصلحة التسهيل بالنسبة الى نوع
المكلفين، فانها تدعو المولى الى جعل الاحكام الظاهرية الترخيصية في الشبهات
الحكمية و الموضوعية.
و اما في الثانية و هي مرحلة الامتثال، فلا موضوع للمزاحمة و المضادة بينهما اصلاً،
فان الواصل في هذه المرحلة احدهما، اما الحكم الظاهري الذي هو عذر للمكلف اذا صادف
ترك الواقع، و لهذا يكون مفاد الترخيص الظاهري التعذير، سواء اكان في موارد الاصول
العملية الشرعية المرخصة، ام كان في موارد الامارات الشرعية المؤمنة، او الحكم
الواقعي تنجيزاً في مرحلة الظاهر، فانه مفاد اصالة الاحتياط الشرعية المؤمنة، او
الحكم الواقعي تنجيزاً في مرحلة الظاهر، فانه مفاد اصالة الاحتياط الشرعية، و
استصحاب المثبت للتكليف الالزامي، و الامارات الشرعية المثبتة للوجوب او الحرمة او
نحوهما، فان المجعول في هذه الموارد الحكم الظاهري الالزامي الطريقي لاثبات الاحكام
الواقعية تنجيزاً، نعم المزاحمة بينهما انما هي في مرحلة المبادي، لان المصلحة
التسهيلية النوعية تتطلب من المولى جعل الحكم الظاهري الترخيصي في موارد الاشتباه و
الالتباس، و المصلحة او المفسدة الشخصية تتطلب من المولى جعل الحكم الظاهري
الالزامي الطريقي في هذه الموارد، فالتزاحم بينهما انما هو في مرحلة الجعل، و عليه
فاي منهما كانت اهم، كان جعل الشارع الحكم الظاهري على طبقها، فالنتيجة ان عدم
التزاحم و التضاد بينهما في مرحلة الامتثال، انما هو من جهة ان الواصل احدهما فقط و
لايعقل وصول كليهما معا اي المنجز و المعذر بالنسبة الى موضوع واحد، و على هذا فلا
مانع من جعل الحكم الظاهري الترخيصي في اطراف العلم الاجمالي، لفرض عدم التنافي
بينه و بين ا لحكم الواقعي المعلوم اجمالاً لا في مرحلة المبادي و لا الامتثال،
اما في الاولى فلما عرفت من ان الشارع جعل الحكم الظاهري على طبق الاهم من
الملاكات،
و اما في الثانية فلان المولى اذا جعل الحكم الظاهري الترخيصي في اطراف العلم
الاجمالي، ادّى ذلك الى سقوط العلم الاجمالي عن التنجيز بسقوط موضوعه، لان العلم
الاجمالي انما يقتضي امتثال التكليف المعلوم بالاجمال اذا اراد المولى امتثاله و
لايرضى بتركه، و اما اذا جعل المولى الترخيص في اطراف العلم الاجمالي جميعاً، فهو
يكشف عن انه رفع اليد عن حقه و هو الطاعة و رخص في تركه، و عندئذ يجوز للمكلف ان
يعمل على طبق ترخيصه و يترك طاعته و لايحكم العقل حينئذ بالقبح، لان حكمه بالقبح
مبني على ثبوت حق الطاعة له في المرتبة السابقة، و اما مع اذنه في ترك طاعته و
ترخيصه فيه، فينتفي حكم العقل بانتفاء موضوعه.
و دعوى ان ملاك الحكم الواقعي المعلوم اجمالاً من المصلحة الملزمة او المفسدة كذلك
قد تنجز بالعلم الاجمالي، و من الواضح ان تنجزه مانع عن جعل الترخيص الظاهري في
تمام اطرافه، لاستلزامه تفويت المصلحة الملزمة او الوقوع في المفسدة كذلك، و كلاهما
قبيح بحكم العقل، فكذلك لايمكن جعل الحكم الظاهري الترخيصي في اطرافه، و نتيجة ذلك
هي ان العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية.
مدفوعة بما تقدم من ان حكم العقل بقبح مخالفة المولى انما هو من جهة انها معصية و
تفويت لحقه و هو الطاعة، و اما اذا اذن المولى نفسه في مخالفته و رخص فيها، فلا
تكون مخالفته حينئذ معصية و تفويتاً لحقه، و ينتفي حكم العقل حينئذ بانتفاء موضوعه
و هو ثبوت حق الطاعة للمولى في المرتبة السابقة، و حكم العقل بقبح مخالفة التكليف
المنجز انما هو بلحاظ تنجز ملاكه، و الا فالحكم بما هو اعتبار لا قيمة له، و تمام
القيمة للملاك، لانه روح الحكم و حقيقته، و قد تقدم ان حكم العقل بالقبح و تنجيز
العمل الاجمالي ليس حكماً منجزاً و مطلقاً، بل هو حكم معلق على ثبوت موضوعه و هو
ثبوت حق الطاعة للمولى.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق العراقي (ره) من انه لافرق بين العلم الاجمالي و
العلم التفصيلي في التنجيز، فكما ان العلم التفصيلي ينجز التكليف المعلوم تفصيلاً و
علة تامة لتنجيزه، فكذلك العلم الاجمالي، فانه ينجز التكليف المعلوم به و هو
المتعلق بالجامع، لانه معلوم للمكلف تفصيلاً و واصلاً اليه كذلك، و اما خصوصية كونه
متعلقاً بهذا الفرد او ذاك الفرد فهي مجهولة و غير واصلة اليه و لاتكون منجزة
بالعلم، لان المنجز به انما هو التكليف المتعلق بالجامع دون المتعلق بالفرد بحده
الفردي لانه مشكوك، و على هذا فلا يحكم العقل بقبح مخالفة التكليف المتعلق بالفرد،
باعتبارانه غير و اصل الى المكلف، و موضوع حكم العقل بقبح المخالفة و المعصية و
بحسن الطاعة و الانقياد انما هو التكليف الواصل المنجز، و اما التكليف المشكوك غير
الواصل فلا يكون موضوعاً لحكم العقل، و على هذا الاساس فحيث ان العلم الاجمالي
كالعلم التفصيلى بالنسبة الى التكليف المتعلق بالجامع، فيكون علة تامة لتنجيزه
كالعلم التفصيلي(69) هذا.
و الجواب عنه قد ظهر مما تقدم من ان حكم العقل بتنجيز العلم الاجمالي و قبح مخالفته
ليس حكماً تنجيزياً و مطلقاً، بل هو حكم تعليقي معلق على عدم اذن المولى في
المخالفة و الا فيتنفي حكم العقل بانتفاء موضوعه، لان موضوع حكمه بالقبح ثبوت حق
الطاعة للمولى مسبقاً، و على هذا فاذا جعل المولى الترخيص الظاهري في اطراف العلم
الاجمالي، فمعناه انه رخص في مخالفته و اذن فيها و هي مع الاذن ليست بمعصية و
لاتفويتاً لحقه و هو حق الطاعة بل هي موافقة لقراره، و لافرق من هذه الناحية بين
العلم الاجمالي و العلم التفصيلي، غاية الامر انه لايمكن جعل الترخيص الظاهري في
موارد العلم التفصيلي من ناحية اخرى و هي انه لاموضوع له، و الاّ فتنجيزه يكون بنحو
الاقتضاء لا العلة التامة كالعلم الاجمالي.
الى هنا قد تبين انه لامانع ثبوتاً من جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطراف
العلم الاجمالي، و معنى هذا ان تنجيز العلم الاجمالي لحرمة المخالفة القطعية
العملية يكون بنحو الاقتضاء لابنحو العلة التامة، كما ان تنجيز العلم التفصيلي يكون
كذلك، فان للمولى ان ياذن في مخالفة العلم التفصيلي و يرخص فيها بسبب او آخر و
لامانع من ذلك ثبوتاً، و به يرتفع حكم العقل بارتفاع موضوعه، هذا كله بحسب مقام
الثبوت.
و اما في مقام الاثبات، فهل يمكن شمول ادلة الاحكام الظاهرية الترخيصية لاطراف
العلم الاجمالي جميعاً او لا؟
و الجواب ان الكلام يقع في مقامين:
الاول في شمول ادلة حجية الامارات المتكفلة للأحكام الترخيصية الظاهرية لتمام اطراف
العلم الاجمالي.
الثاني في شمول ادلة حجية الاصول العملية المؤمنة لتمام اطرافه.
اما الكلام في المقام الاول، فلا شبهة في انها لاتشمل اطراف العلم الاجمالي لاكلاً
و لابعضاً، اما كلاً، فلان دليل الحجية لايشمل الامارتين المتعارضتين، فاذا علم
المكلف اجمالاً بنجاسة احد الانائين الاسود او الابيض، ففي مثل ذلك اذا قامت البينة
على طهارة الاناء الاسود، فانها تدل على طهارته بالمطابقة و على نجاسة الاناء
الابيض بالالتزام، و حينئذ فاذا قامت البينة على طهارة الاناء الابيض ايضاً، فانها
تدل على طهارته بالمطابقة و على نجاسة الاناء الاسود بالالتزام، فاذن تقع المعارضة
بين البينتين فلا يمكن شمول دليل الحجية لكلتيهما معاً، فلا محالة يسقط اطلاقه
بالنسبة الى الامارات القائمة على اطراف العلم الاجمالي.
و اما بعضاً، فلان شمول دليل الحجية لاحدهما المعين دون الآخر ترجيح من غير مرحج،
لان نسبته الى الكل على حد سواء، و اما الفرد المردد، فلا وجود له في الخارج حتى
يكون مشمولاً لاطلاق دليل الحجية. و اما شموله لاحدهما بشرط عدم حجية الآخر او
شموله لكل منهما بشرط عدم مطابقة الآخر للواقع او بشرط عدم الالتزام بالآخر، فسوف
ياتي الكلام في تحقيق هذه الفرضيات في مبحث التعادل و الترجيح.
و اما الكلام في المقام الثاني، فالمعروف و المشهور بين الاصوليين منهم مدرسة
المحقق النائني(ره) هو ان المانع عن شمول اطلاق ادلة حجية الاصول المؤمنة ثبوتي،
حيث انه لايمكن جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطراف العلم الاجمالي، فاذن
لامجال للبحث عن انها باطلاقها تشمل جميع اطراف العلم الاجمالي او لا، فان هذا
البحث فرع امكان جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطرافه ثبوتاً، و اما مع عدم
امكانه فلا موضوع لهذا البحث، و اما بناء على ما حققناه من انه لامانع من جعل
الترخيص الظاهري في تمام اطراف العلم الاجمالي ثبوتاً، فهل هناك مانع عن شمول اطلاق
ادلة حجية الاصول المؤمنة لجميع اطراف العلم الاجمالي في مقام الاثبات، فيه قولان:
فذهب السيد الاستاذ(ره) الى القول الثاني، و انه لامانع من الشمول في هذا المقام،
بتقريب ان ادلة حجية الاصول العملية الشرعية مطلقة و باطلاقها تشمل اطراف العلم
الاجمالي و لاقصور في اطلاقها من هذه الناحية، فالمانع عن الشمول ثبوتي لااثباتي
هذا.
و ذهب بعض المحققين الى القول الثاني، بتقريب ان اطلاق المطق انما يثبت ببركة
مقدمات الحكمة اذا كان عرفياً، بمعنى ان العرف العام يفهم الاطلاق من المطلق اذا لم
ينصب قرينة على الخلاف، و اما اذا لم يكن عرفياً و عقلائياً، فلا ينعقد الاطلاق
ببركة المقدمات و المقام من هذا القبيل، فان اطلاق ادلة الاصول العملية بالنسبة الى
اطراف العلم الاجمالي جميعاً ليس بعرفي، و ذلك لان المرتكز في اذهان العرف و
العقلاء هو عدم رفع اليد عن الاغراض الالزامية لمجرد ترددها بين اطراف محصورة، و
هذا الارتكاز العرفي و العقلائي بمثابة قرينة لبية متصلة مانعة عن انعقاد ظهور ادلة
حجية الاصول العملية الشرعية في الاطلاق، و عليه فلاتجري مقدمات الحكمة.
و بكلمة ان جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطراف العلم الاجمالي و ان كان
ممكناً عقلا، حيث لايلزم منه محذور عقلي، الا ان الارتكاز العرفي و العقلائي في
اذهان العامة على عدم رفع اليد عن الاحكام الالزامية المعلومة بالاجمال بمجرد
ترددها بين اطراف محصورة، يمنع عن ظهور ادلة الاصول العملية في الاطلاق للشبهات
المقرونة بالعلم الاجمالي فيختص بالشبهات البدوية، فالنتيجة ان القصور في مقام
الاثبات لا في مقام الثبوت على عكس ما افاده السيد الاستاذ(ره).
و لنا تعليق على ذلك، فان ما ذكره(ره) من الارتكاز العرفي و العقلائي على عدم رفع
اليد عن الاغراض الالزامية بمجرد ترددها بين اطراف محصورة، لايمكن المساعدة عليه.
اما اولا، فلان اصل ثبوت هذا الارتكاز لدى العرف و العقلاء محل كلام، إذ يختلف ذلك
باختلاف الموارد حتى عند العقلاء، فان مصلحة الترخيص قد تكون اهم عندهم من مصلحة
الالزام و قديكون الامر بالعكس، و اما عند الشارع فقد تقدم انه لامانع ثبوتاً من
جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطراف العلم الاجمالي، لان هذا الجعل يكشف عن
ان مصلحة الترخيص اهم من مصلحة الواقع، و على هذا فلا منشأ لهذا الارتكاز العرفي و
العقلائي، اذ رفع اليد عن الغرض اللزومي اذا كان من جهة اهمية مصلحة الترخيص
فلامانع منه، و اما اذا لم تكن هناك مصلحة او كانت و لكن مصلحة الحكم اللزومي اهم
منها، فلايجوز رفع اليد عنه، فاذن عدم رفع اليد عن الغرض اللزومي المردد بين اطراف
محصورة لمصلحة الترخيص فيها ليس امراً مرتكزاً في اذهان العرف و العقلاء، بل ان ذلك
يختلف باختلاف الموارد، و عليه فلامانع في المقام من جريان مقدمات الحكمة لاثبات
ظهور ادلة الاصول العملية الشرعية في الاطلاق.
و ثانياً، مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان هذا الارتكاز موجود عند العرف و العقلاء،
الا ان من الواضح انه ليس بدرجة يكون ثابتاً في اعماق نفوس الانسان بحيث يصلح ان
يكون قرينة لبية متصلة مانعة عن جريان مقدمات الحكمة، بان لاينعقد لها الظهور الا
في الخاص و هو الشبهات البدوية، ضرورة ان هذا الارتكاز ليس بهذه الدرجة و الا فكيف
يمكن غفلة المحققين من الاصوليين عن ذلك، فاذن لااثر لمثل هذا الارتكاز و لايمنع عن
انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق ببركة مقدمات الحكمة.
و لكن مع هذا فالاظهر عدم الاطلاق لها لأطراف العلم الاجمالي، و ذلك لان شمولها لها
انما هو بالاطلاق و مقدمات الحكمة، و الاطلاق لايكشف عن ان مصلحة الترخيص الظاهري
اهم من مصلحة الواقع الالزامية حتى يكشف عن ان المولى قد اذن في مخالفته و هي
مخالفة الواقع و رخص فيها، و الخلاصة ان اطلاق ادلة الاصول العملية حيث انه لايدل
على ان المولى قد اذن في مخالفته حتى لاتكون معصية و تفويتاً لحقه و هو حق الطاعة،
فلذلك لايكون لها اطلاق، باعتبار ان اطلاقها اذا لم يدل على ترخيص المولى في تفويت
حقه و هو حق الطاعة، فلا محالة يكون مفاده الترخيص في معصية المولى و هو قبيح بحكم
العقل و مصداق للظلم، و هذا يصلح ان يكون مانعاً عن اطلاقها بمقدمات الحكمة و
موجباً لاختصاصها بغير الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، و الخلاصة ان اطلاق ادلة
الاصول العملية لو كان كاشفاً عن ان المولى قد رفع اليد عن حقه و هو حق الطاعة و
رخص في تركه بسبب او آخر، فلابد حينئذ من الاخذ به، و لكن حيث انه لايكون كاشفا عن
ذلك فلا اطلاق لها، و من هنا لو كان دليل حجية الاصل العملي مختصاً بموارد العلم
الاجمالي، فلا مناص من الالتزام بانه كاشف عن ان المولى قد اذن في مخالفته و رخص
فيها، فلاتكون حينئذ مخالفته مخالفة و معصية، بل هي موافقة لقراره و ترخيصه و
الالزم كونه لغواً و بلا مورد، و هذه النكتة حيث انه لاتتوفر في جانب الاطلاق، فلا
يكون كاشفاً عن ذلك فبالنتيجة لااطلاق، الى هنا قدتبين امور:
الاول: ان العلم الاجمالي بالحكم الالزامي لايكون علة تامة لتنجيز حكم العقل بقبح
المخالفة القطعية العملية، لما تقدم من ان حكم العقل بقبح المعصية ليس حكماً
تنجيزياً و مطلقاً، بل هو معلق على عدم ترخيص المولى في مخالفته، و الا فلا يحكم
العقل بانها معصية و تفويت لحقه و هو حق الطاعة، و ينتفي حينئذ بانتفاء موضوعه و
المعلق عليه.
الثاني: ان المشهور بين المحققين من الاصوليين ان العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز
بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية، و عليه فلا يمكن جعل الحكم الظاهري
الترخيصي في جميع اطرافه، و لكن قدتقدم ان ذلك منهم مبني على ان جعل الحكم الظاهري
الترخيصي مناف لحكم العقل مباشرة، و قدعرفت ان هذا المبنى منهم غير صحيح، فان حكم
العقل بقبح المعصية و حسن الطاعة معلق على ثبوت حق الطاعة للمولى في المرتبة
السابقة و عدم جعل الترخيص منه في تركها و الافهو ينتفي بانتفاء موضوعه.
الثالث: ان ادلة الاصول العملية لاتدل باطلاقها على ترخيص المولى في مخالفته و اذنه
فيها، فلذلك لااطلاق لها من هذه الناحية كمامر.
الرابع: ان ما ذكره السيد الاستاذ (ره) من ان ادلة الاصول العملية الشرعية مطلقة و
باطلاقها تشمل اطراف العلم الاجمالي جميعاً لولا المانع الثبوتي و هو لزوم المخالفة
القطعية العملية(70)، لايمكن المساعدة عليه لما تقدم من عدم المانع الثبوتي عن
شمولها و المانع اثباني.
بقي الكلام فيما ذكره المحقق الخراساني (ره) من ان العلم الاجمالي لايكون علة تامة
للتنجيز حتى بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية بل هو مقتضي له، و قد افاد
في وجه ذلك امرين:
الاول ان موضوع الحكم الظاهري محفوظ في جميع اطراف العلم الاجمالي، فلذلك لامانع من
جعله فيها،
الثاني ان التكليف المعلوم بالاجمال حيث انه غير منكشف تمام الانكشاف، فلايكون
فعلياً من جميع الجهات، فاذالم يكن فعلياً كذلك لم تكن بينه و بين الحكم الظاهري
مضادة، لان المضادة انما تكون بين شيئين متسانخين في القوة و الفعل، و اما اذا كان
احدهما فعلياً من تمام الجهات و الآخر غير فعلي كذلك فلامضادة بينهما، و على هذا
فحيث ان كلا الامرين متوفر في موارد العلم الاجمالي، فلامانع من جعل الحكم الظاهري
الترخيصي فيها، بل هو واقع في الخارج، لامجرد انه ممكن كما في الشبهات غير
المحصورة، فان الحكم الظاهري الترخيصي مجعول فيها، فلو كانت مضادة بينه و بين الحكم
الواقعي، لم يمكن جعله لاستحالة اجتماع الضدين فضلا عن وقوعه في الخارج، بل لايمكن
جعله في الشبهات البدوية ايضاً، لان احتمال اجتماع الضدين كالقطع به مستحيل، للقطع
باستحالة اجتماعهما، و القطع بالاستحالة لايمكن احتمال اجتماعهما في شئ واحد، فاذن
جعل الحكم الظاهري في الشبهات غير المحصورة و في الشبهات البدوية، دليل قطعي على
انه لامضادة بينهما، بملاك ان الحكم الظاهري الترخيصي فعلي من جميع الجهات و الحكم
الواقعي ليس بفعلي كذلك، و المضادة انما هي بين الحكمين الفعليين من جميع الجهات
هذا.(71) و ذكر(ره) في مورد آخر ما حاصله ان التكليف الواقعي سواء اكان مشكوكاً ام
معلوماً بالاجمال، فان كان فعلياً من جميع الجهات، يستحيل جعل الحكم الظاهري
الترخيصي على خلافه للتضاد بينهما، و لافرق في محذوره بين القطع باجتماع الضدين او
احتمال اجتماعهما، لانه كالقطع به محال، و ان لم يكن فعلياً من تمام الجهات،
فلامانع من جعله على خلافه و لايلزم محذور اجتماع الضدين(72)، و لكن للمناقشة فيه
مجالا واسعاً من وجوه:
الاول: ان ما ذكره(ره) من ان التكليف المعلوم بالاجمال حيث انه غير منكشف تمام
الانكشاف، فلايكون بفعلي من جميع الجهات، فان اراد به ان العلم التفصيلي بالحكم في
مرحلة الجعل مأخوذ في موضوع نفسه في مرحلة المجعول و هي مرحلة فعلية الحكم بفعلية
موضوعه في الخارج، فقد تقدم ان ذلك و ان كان ممكناً ثبوتاً، الا انه في مقام
الاثبات بحاجة الى دليل، و لا دليل على ان العلم التفصيلي بالاحكام الشرعية في
مرحلة الجعل مأخوذ في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، هذا اضافة الى انه لو كان
مأخوذاً في مرتبة الجعل في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، كان لازمه ان لايكون
بفعلي اصلا لا انه فعلي من بعض الجهات لامن تمام الجهات، و ايضاً ان ذلك ينافي ما
ذكره (ره) في مورد آخر من ان الحكم الواقعي قديكون فعلياً في موارد الشك و العلم
الاجمالي و العلم التفصيلي، فاذا كان فعلياً فيها، فلا يمكن جعل الحكم الظاهري
الترخيصي على خلافه للتضاد بينهما، معللا بان احتمال اجتماع الضدين كالقطع به
مستحيل، و قد لايكون بفعلي في تمام هذه الموارد حتى في موارد العلم التفصيلي، و
عندئذ فلامانع من جعل الحكم الظاهري الترخيصي فيها لعدم المضادة بين الحكم الظاهري
الفعلي من تمام الجهات و الحكم الواقعي الذي لايكون فعلياً.
و ان اراد به ان عدم فعلية الحكم الواقعي من تمام الجهات في موارد العلم الاجمالي
ليس من جهة ان العلم التفصيلي به مأخوذ في موضوعه بل من جهة اخرى.
فيرد عليه ان العلم التفصيلي لولم يكن ماخوذاً في الموضوع في مقام الجعل، كانت
فعليته منوطة بفعلية موضوعه في الخارج، فاذا تحقق موضوعه فيه، صار حكمه فعلياً من
تمام الجهات سواء اكان المكلف عالماً به تفصيلا او اجمالا ام جاهلا به، و على هذا
فان كان موضوع الحكم الواقعي متحققاً في موارد العلم الجمالي، كان الحكم فعلياً من
جميع الجهات لامن بعض الجهات.
و اما الجهة الاخرى، فان كانت دخلية في الموضوع بان تكون قيداً له، فمعناه ان
الموضوع لم يوجد بتمام قيوده، و حينئذ فلايكون الحكم فعلياً اصلا، فاذا وجد الموضوع
بتمام قيوده، صار الحكم فعلياً من كل الجهات، و اما اذا وجد ببعض قيوده دون بعضها
الاخر فلا اثر له،
و دعوى ان الموضوع اذا وجد ببعض قيوده دون الجميع، فالحكم فعلي بالنسبة الى ذلك
القيد دون جميع القيود، مدفوعة بان فعلية الحكم من كل الجهات منوطة بفعلية موضوعه
بكل قيوده، و اما وجوده ببعض قيوده دون الجميع، فلا اثر له و لايوجب فعلية الحكم من
بعض الجهات، ضرورة ان الحكم اما فعلي او غير فعلي و لاثالث لهما، و القيد الاخير
للموضوع بمثابة العلة التامة لفعلية الحكم.
و ان شئت قلت ان فعلية الحكم معلولة لفعلية موضوعه في الخارج، و لامعنى للقول بان
المعلول فعلي من بعض الجهات دون تمام الجهات، ضرورة ان المعلول يوجد بوجود علته في
الخارج، و المفروض ان علته موجودة بوجود واحد في الخارج و لامعنى لوجودها من بعض
الجهات دون جميع الجهات، لان المعلول مترتب على وجودها لا على وجود جزئها اوقيدها،
و الا لزم خلف فرض كونه جزء العلة لاتمامها، فما ذكره (ره) من ان التكليف المعلوم
بالاجمال حيث انه مشوب بالجهل، فلايكون فعلياً من جميع الجهات، لايرجع الى معنى
محصل.
الثاني: ان ما ذكره (ره) من ان الحكم الواقعي اذا كان فعلياً من تمام الجهات، فهو
مضاد للحكم الظاهري، و ان لم يكن فعلياً كذلك فلا مضادة بينهما، فلايمكن المساعدة
عليه، اما الشق الاول فقد ذكرنا انه لاتضاد و لاتنافي بين الحكم الواقعي و الحكم
الظاهري بكلانوعيه، هما الحكم الظاهري الطريقي و الحكم الظاهري الترخيصي.
اما الأول فقد تقدم انه مجعول بنحو الطريقية الى الاحكام الواقعية بما لها من
الملاكات و المبادي في الواقع و يكون في طولها، و لاملاك له غير ملاكات الاحكام
الشرعية الواقعية، و لا شأن له ما عدا تنجيز الواقع عند الاصابة و التعذير لدى
الخطاء، و لهذا لاتتصور المضادة بينه و بين الاحكام الواقعية، لانه ليس حكماً
مجعولا في مقابلها و عرضها و ناشئاً عن ملاك غير ملاكاتها، بل هو طريق الى الحفاظ
عليها بما لها من ملاكاتها الواقعية و مباديها، فلايعقل ان يكون في عرضها و منافياً
و مضاداً لها، و لهذا لايتصور التنافي بينهما.
و اما الثاني: و هو الحكم الظاهري الترخيصي ـ فهو و ان كان ناشئاً من ملاك غير ملاك
الحكم الواقعي، الا انه مع ذلك لاتنافي و لاتضاد بينهما، لان الاحكام الظاهرية
الترخيصية ناشئة عن المبادي و الملاكات المترتبة عليها و هي المصلحة التسهيلية
النوعية لا انها قائمة في متعلقاتها، بينما المبادي و الملاكات للاحكام الواقعية
قائمة بمتعلقاتها ، و لهذا لاتنافي بينهما في مرحلة المبادي و الملاكات.
و اما في مرحلة الامتثال، فلان الاحكام الظاهرية الترخيصية الناشئة من الملاكات و
المبادي النوعية المترتبة عليها، تتقدم على الاحكام الواقعية بمالها من الملاكات
الشخصية و مانعة عن وصولها و تنجيزها، فلهذا لاتتطلب الامتثال حتى تنافي الاحكام
الظاهرية الترخيصية، باعتبار انها تتطلب عدم وجوب امتثالها، و اما في مرحلة الجعل و
الاعتبار، فلاتنافي بين جعل الترخيص الظاهري بما هو اعتبار و بين جعل الحكم الواقعي
كذلك، مثلا لاتنافي و لامضادة بين الترخيص الظاهري المجعول لشرب التتن مثلا بما هو
اعتبار و بين حرمته في الواقع بما هي اعتبار، لان المضادة انما هي بين الموجودات
التكوينية الواقعية في الخارج، و اما الامور الاعتبارية التي لاواقع موضوعي لها في
الخارج، فلا تتصور المضادة بينها.
و اما الشق الثاني من كلامه (ره) و هو ان الحكم الواقعي المعلوم بالاجمال ليس بفعلي
من جميع الجهات، مثلا وجوب الصلاة فعلي على المكلف من جهة بلوغه و عقله و قدرته، و
ليس بفعلي من جهة عدم دخول وقتها.
فيرد عليه ان فعلية الحكم بمعنى فعلية فاعليته و محركيته مرتبطة بفعلية موضوعه في
الخارج بكافة قيوده الماخوذة فيه في مقام الجعل، و لاقيمة لفعلية بعض قيوده دون
تمامها، و فعلية كل جزء الموضوع اوقيده انما يكون لها دخل في فعلية الحكم في ضمن
فعلية سائر اجزائه و قيوده لامطلقاً، و الالزم خلف فرض انه قيد الموضوع او جزؤه، اذ
معنى انه قيد الموضوع او جزؤه ان تأثيره انما هو في ضمن تأثير الموضوع بتمام قيوده
و اجزائه، فيكون تأثيره ضمنياً لامستقلا، ففرض الاستقلال خلف. و على هذا فتأثير كل
من البلوغ او العقل او القدرة او دخول الوقت في فعلية وجوب الصلاة، انما هو في ضمن
تأثير المجموع فيها لامستقلا، و الالزم خلف فرض كونه جزء الموضوع، و الخلاصة ان
تأثير كل منها انما هو مرتبط بتأثير الاخر، فلا يمكن ان يكون مستقلا.
و ان اراد به الحكم الاقتضائي اي الحكم في مرتبة الاقتضاء و هي مرتبة المبادي و
الملاكات، بدعوى ان الحكم موجود في هذه المرتبة بالوجود الاقتضائي.
فيرد عليه اولا، انه لاحكم في هذه المرتبة، فان الموجود فيها المصلحة و المفسدة و
الارادة و الكراهة و الحب و البغض، و مبادي الاحكام و ان كانت حقيقة الحكم و روحه،
الا انها ليست حكما بالمعنى المجعول في الشريعة المقدسة.
و دعوى انه موجود بالوجود الاقتضائي في مرتبة المبادي و الملاكات كالمعلول
التكويني، فانه موجود بالوجود الاقتضائي في مرتبة وجود المقتضي.
مدفوعة بان الحكم امر اعتباري صادر من المولى مباشرة و لاوجود له الا الوجود
الاعتباري، فلايكون معلولا للمبادي و الملاكات في عالم الاعتبار و الجعل، و لايعقل
ان يكون معلولا لها، و الالزم خلف فرض كونه فعلا اختيارياً للمولى مباشرة من جهة و
كونه امراً اعتبارياً من جهة اخرى، باعتبار ان المبادي من الامور التكوينية، و
مقتضى قانون مبدأ السنخية بين العلة و المعلول، ان العلة اذا كانت تكوينية،
فالمعلول ايضاً تكويني و هو كما ترى، نعم ان المبادي و الملاكات مبررة للجعل وداعية
اليه، على اساس ان الجعل من المولى لايمكن ان يكون جزافاً و بلامبرر، فالنتيجة ان
قياس الحكم الشرعي بالنسبة الى المبادي و ملاكاته بالمعلول التكويني بالنسبة الى
علته التكوينية، قياس مع الفارق.
و ثانياً انه (ره) قد جعل الحكم الفعلي من بعض الجهات في مقابل الحكم الاقتضائي في
غير مورد، تحصل مما ذكرناه ان الحكم الفعلي من بعض الجهات دون الجميع لايرجع الى
معنى محصل.
الثالث: ان الحكم الواقعي في موارد العلم الاجمالي اذا لم يكن فعلياً من جميع
الجهات، فلامحالة اما ان يكون المراد منه الحكم الانشائي او الحكم الاقتضائي، و على
كلا التقديرين فهو غير قابل للتنجيز حتى اذا كان متعلقاً للعلم التفصيلي، لوضوح انه
لاأثر للعلم التفصيلي بالحكم الانشائي، كما اذا علم بوجوب الحج في الشريعة المقدسة
على المستطيع و هو غير مستطيع، فانه لااثر لهذا العلم بالنسبة اليه.
و بكلمة ان تنجيز العلم للحكم منوط باتصاف الحكم بوصفين: الاول ان يكون مولوياً، و
الثاني ان يكون فعلياً بفعلية موضوعه في الخارج، فاذا كان الحكم متصفاً بهذين
الوصفين تنجز بالعلم، و اما اذا لم يكن متصفاً بهما، سواء اكان متصفاً باحدهما ام
لا، فلايكون قابلا للتنجيز، و ان قلنا بان العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز، بل هو
غير قابل للتنجيز بالعلم التفصيلي فضلا عن الاجمالي، و على هذا فما ذكره المحقق
الخراساني من ان تنجيز العلم الاجمالي للتكليف المعلوم بالاجمال انما يكون بنحو
الاقتضاء لاالعلة التامة لايرجع الى معنى معقول، لان التكليف المعلوم بالاجمال اذا
لم يكن فعلياً من جميع الجهات، فلا يقبل التنجز، و عليه فلا يكون العلم الاجمالي
منجزاً له اصلا حتى يقال ان تنجيزه هل يكون بنحو الاقتضاء او العلة التامة، اذ لابد
اولا من افتراض ان التكليف قابل للتنجيز، و بعد ذلك نبحث عن ان تنجيز العلم
الاجمالي هل يكون بنحو الاقتضاء او العلة التامة، و اما اذا لم يكن التكليف قابلا
للتنجيز، فلا موضوع لهذا البحث.
الرابع: ان المستفاد من مجموع كلماته (ره) ان التكليف المعلوم بالاجمال اذا كان
فعلياً من جميع الجهات، كان العلم الاجمالي منجزاً له بنحو العلة التامة، على اساس
استحالة جعل الحكم الظاهري الترخيصي في اطرافه، للزوم التضاد بينه و بين الحكم
الواقعي.
و ان شئت قلت ان التكليف المعلوم بالاجمال ان لم يكن فعلياً من جميع الجهات،
فلايقبل التنجز و ان كان متعلقاً للعلم التفصيلي فضلا عن العلم الاجمالي، و ان كان
فعلياً من جميع الجهات، كان العلم الاجمالي منجزاً له، فان كان بنحو العلة التامة،
استحال جعل الحكم الظاهري الترخيصي في اطرافه مطلقاً اي كلا و بعضاً، و ان كان بنحو
الاقتضاء، امكن جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطرافه، و حيث انه يرى استحالة
الجمع بين الحكم الظاهري و الحكم الواقعي في شي واحد لمكان المضادة بينهما، فلابد
له من القول بان العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز، فاذن لايكون(ره) من القائلين
بتنجيز العلم الاجمالي بنحو الاقتضاء، بل هو من القائلين بتنجيز بنحو العلة التامة
كما هو المشهور بين الاصوليين.
الى هنا قدتبين ان المستفاد من مجموع كلمات المحقق الخراساني (ره) انه من القائلين
بان العلم الاجمالي اذا تعلق بتكليف فعلي من جميع الجهات يكون علة تامة للتنجيز،
هذا تمام الكلام في تنجيز العلم الاجمالي بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية
العملية.
الجهة الثالثة: في وجوب الموافقه القطعية العملية و نتكلم فيه في مقامين:
الاول في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية العملية للتكليف المعلوم
بالاجمال،
الثاني في ان تنجيزه له هل يكون بنحو الاقتضاء او العلة التامة؟
اما الكلام في المقام الاول، فيوجد هنا مسلكان: المسلك الاول ان العلم الاجمالي اذا
كان في الشبهات الحكمية، فلايقتضي وجوب الموافقة القطعية العملية، و اما اذا كان في
الشبهات الموضوعية، فيقتضي وجوبها.
المسلك الثاني ان العلم الاجمالي لايقتضي وجوب الموافقة القطعية العملية مباشرة، بل
يتوقف تنجيزه على تعارض الاصول المؤمنة في اطرافه و سقوطها من جهة المعارضة.
اما المسلك الاول، فلان العلم الجمالي اذا كان في الشبهات الحكمية، لاينجز الا
التكليف المتعلق بالجامع بحده الجامعي، باعتبار انه معلوم للمكلف و واصل اليه و
خارج عن موضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان، باعتبار ان البيان تام بالنسبة اليه، و
اما انطباقه على كل من الفردين او الافراد، حيث انه مشكوك فيه و غير معلوم، فيكون
مورداً للقاعدة لعدم تمامية البيان بالنسبة اليه، مثلا اذا علم المكلف اجمالا في
يوم الجمعة بوجوب احدى الصلاتين عليه اما صلاة الظهر او الجمعة، ففى مثل ذلك يكون
المعلوم للمكلف وجوب الجامع الانتزاعي و هو عنوان احدى الصلاتين و انه خارج عن
موضوع القاعدة وجداناً، و اما وجوب كل من صلاة الجمعة باسمها الخاص و عنوانها
المخصوص و صلاة الظهر كذلك، فهو مشكوك فيكون مورداً للقاعدة.
فالنتيجة ان اضافة الوجوب الى الجامع معلومة للمكلف، فلا تكون مشمولة لقاعدة
التامين، و اما اضافته الى كل من الصلاتين بحدها الخاص و اسمها المخصوص، فهي مجهولة
و تكون مورداً للقاعدة، و من الواضح ان وجوب الجامع لايقتضي الا الاتيان به عقلا و
ايجاده في الخارج، و المفروض انه يوجد فيه بايجاد احد فرديه او افراده و لايتوقف
وجوده على ايجاد الجميع، و عليه فلايقتضي العلم الاجمالي في الشبهات الحكمية وجوب
الموافقة القطعية العملية و انما يقتضي وجوب الموافقة الاحتمالية فحسب، و اما اذا
كان العلم الاجمالي في الشبهات الموضوعية، كما اذا علم المكلف بوجوب اكرام العالم و
تردد العالم بين زيد و عمرو، ففي مثل ذلك فقد علم بوجوب اكرام فرد يكون عالماً و ان
ذمته قد اشتغلت بوجوب اكرامه المقيد و المتصف بالعلم، و حينئذ فيجب عليه تحصيل
اليقين بفراغ الذمة، و من الطبيعي انه لايحصل الا باكرام كلا الفردين معا، اذ لو
اكرم احدهما دون الاخر، لم يحصل له اليقين بالفراغ، و من الواضح ان العقل يحكم بان
الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني، هذا هو الفرق بين الشبهات الحكمية و
الشبهات الموضوعية هذا.
و للمناقشة في هذا المسلك مجال واسع،
اما اولا فلان ذلك انمايتم في الشبهات الحكمية اذا كان الواجب فيها الجامع بحده
الجامعي بدون تقييده بقيد خاص كالصلاة مثلا، فان الواجب هو طبيعي الصلاة الجامع بين
افرادة و لايسري الامر منه اليها، و في مثل ذلك يكتفى بالاتيان بفرد منه في الخارج
لانه يوجد بايجاده فيه، و اما اذا كان الواجب الجامع المقيّد بقيد خاص و هو قيد
احدهما المردد بين قيدين متباينين في الخارج، فلايتم، كما اذا علم المسافر بوجوب
الصلاة المرددة بين القصر و التمام، بمعنى انه لايدرى ان الواجب عليه في هذه الحالة
القصر او التمام، كما اذا سافر اربعة فراسخ و لم يرجع في نفس اليوم الى بلده و اراد
البقاء الى مادون العشرة، فان في هذه الحالة خلاف بين الفقهاء، فذهب بعضهم الى ان
وظيفته القصر، و ذهب بعض آخر الى ان وظيفته التمام، فاذا لم يحصل له القناعة
لابالقول الاول و لابالقول الثاني، فبطبعية الحال يعلم اجمالا بوجوب احدى الصلاتين
عليه اما القصر او التمام، و في مثل ذلك لايحصل له اليقين بفراغ الذمة من الصلاة
الواجبة المقيدة بقيد مردد بين قيدين متباينين الاّ بالاتيان بكلتا الصلاتين معاً،
و اما اذا اتى بالصلاة قصراً، فلايحصل له اليقين بالفراغ، لاحتمال ان الواجب عليه
هو الصلاة المقيدة بالتمام مع ان هذه الشبهة شبهة حكمية، و كذلك الحال اذا علم
اجمالا بوجوب احد الصلاتين فى يوم الجمعة.
فالنتيجة انه لافرق من هذه الناحية بين ان يكون العلم الاجمالي في الشبهات الحكمية
او الموضوعية، لان الفراغ اليقيني لايحصل الا بالاحتياط و الاتيان بجميع اطرافه في
كلتا الشبهتين او ترك الجميع كذلك.
و ثانياً ان هذا التفصيل مبني على ان متعلق التكليف المعلوم بالاجمال في الشبهات
الحكمية الجامع الذاتي بحده الجامعي، فاذا كان كذلك فذمة المكلف مشغولة بالجامع و
هي لاتتطلب الا الاتيان به و ايجاده في الخارج في ضمن ايجاد فرده، و المفروض ان
الجامع يوجد بايجاد فرد منه.
و لكن تقدم ان الجامع المتعلق للتكليف في موارد العلم الاجمالي هو الجامع الانتزاعي
الاختراعي المشاربه باشارة مرددة الى الواقع المردد بين فردين او افراد، فخصوصية
الفرد داخلة في الجامع المتعلق للتكليف في المقام بشكل المبهم و المجمل، و على هذا
فتعلق التكليف في باب العلم الاجمالي الجامع المقيد بخصوصية احد الفردين او الافراد
بدون التعيين، و الا لكان العلم الاجمالي علماً تفصيلياً، أو فقل ان المعلوم
بالاجمال هو صورة الفرد بحده الفردي بنحو الابهام و الاجمال، و هي صورة احدهما
بماله من الخصوصية المبهمة و المرددة عندنا في الخارج، و بذلك يختلف عن العلم
التفصيلي، فان متعلقه صورة الفرد بحده الفردي المعين بدون الابهام و الاجمال لا في
الذهن و لا في الخارج، و اما صورة المعلوم بالاجمال في الذهن و ان كانت في نفسها
متعينة و لاابهام و لااجمال فيها، الا ان اجمالها و ابهامها انما هو من جهة
انطابقها على المعلوم بالعرض المردد في الخارج بين فردين او افراد.
و دعوى ان التنجز من شؤون الوجود العلمي للحكم لاالخارجي، باعتبار ان التنجز انما
هو بحكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على الموافقة، و تمام
الموضوع لحكم العقل بذلك هو الوجود العلمي للحكم الالزامي، و على هذا فكما ان العلم
لايسري من الصورة الذهنية الى الواقع، فكذلك التنجز، فانه لايسري من الحكم بوجوده
العلمي الى الواقع، و عليه فالمنجز هو الحكم المتعلق بالجامع دون الفرد بحده الفردي
و ان كان الجامع مقيداً بخصوصية الذهنية بالحمل الاولي لابا لحمل الشايع، و المفروض
ان المنجز هو التكليف المتعلق بالجامع المقيد بها في عالم الذهن و هي جامعة بين
الخصوصيتين الخارجيتين، فاذا كان متعلق العلم جامع الخصوصية و هو عنوان احدهما،
فانطباقه على كل طرف من اطرافه قهري.
مدفوعة بان متعلق العلم و ان كان الخصوصية الجامعة بين الخصوصيّتين في الخارج، الا
ان الذهن انتزعها و اخترعها في عالم النفس للاشارة بها الى الخصوصية بالحمل الشايع
التي هي متعلق التكليف في الواقع المرددة بين هذه و تلك.
و الخلاصة ان العلم حيث لايسري من الصورة الذهنية اليها في الخارج و كذلك التنجز،
فيقوم الذهن باختراع مفهوم و هو صورة هذه الخصوصية بالحمل الاولي للاشارة بها الى
واقع الخصوصية بالحمل الشايع تصديقياً المرددة في الخارج بين فردين او افراد، و
انطباق الخصوصية الجامعة على كل من الخصوصيتين و ان كان قهرياً، الا انه لايجدي في
اليقين بالفراغ، لانه انما يجدي اذا كان التكليف متعلقاً بالجامع بما هو و لكن
الامر ليس كذلك، لان التكليف تعلق بالخصوصية بالحمل الشايع روحا لابالحمل الاولي و
الذمة مشغولة بها و هي مرددة في الخارج بين الخصوصيتين المحددتين المعينتين، و لهذا
لايحصل اليقين بالفراغ بايجاد احداهما في الخارج، فيتوقف على ايجاد كلتيهما معاً،
لان المكلف اذا اتى باحداهما لم يعلم انه اتى بالواجب، لاحتمال ان يكون الواجب حصة
اخرى، و من هنا قد ذكرنا في ضمن البحوث السالفة في تفسير العلم الاجمالي، ان مرد
جميع الاقوال في تفسيره الى القول بان العلم الاجمالي تعلق بالتكليف المتعلق
بالجامع الاختراعي المشاربه الى الواقع الخارجي المردد بين فردين او افراد، و
النكتة في ذلك هي ان المكلف يعلم وجداناً ان التكليف متعلق باحد الفردين بحده
الفردي و هو المعلوم اجمالا لابالجامع بحده الجامعي الانتزاعي، و اما اخذه فمن اجل
ان العلم لايتعلق بالواقع مباشرة و انما يتعلق بالمفهوم المشيربه الى الواقع، و
الافمن الواضح ان روح التكليف متعلق بالفرد المردد عندنابين فردين او افراد، فاذا
علم المكلف اجمالا بوجوب صلاة الظهر في يوم الجمعة او صلاة الجمعة فيه، فلاشبهة في
ان متعلق الوجوب كل واحدة من الصلاتين بخوصيتها الخاصة و اسمها المخصوص دون الجامع
بينهما، نعم متعلق العلم الاجمالي الجامع الانتزاعي بينهما و هو عنوان احداهما.
و الخلاصة ان الوجوب في الواقع في يوم الجمعة اما تعلق بخصوص صلاة الظهر او الجمعة
لابالجامع بينهما، و حيث ان العلم لايتعلق بالواقع مباشرة و لايتجاوز عن افق الذهن
الى الخارج، فلامحالة يتعلق بصورة الفرد و هي المفهوم الذي انتزعه العقل للاشارة به
باشارة مرددة الى صورته في الواقع المرددة و هي المعلوم بالعرض، و على هذا فاذا علم
المكلف بوجوب صلاة الظهر او الجمعة في يوم الجمعة، فقد علم باشتغال ذمته باحدى
الصلاتين بحدها الخاص و اسمها المخصوص، و في مثل ذلك لايمكن حصول اليقين بفراغ ذمته
الا بالاتيان بكلتا الصلاتين معاً، و اما اذا اتى باحداهما دون الاخرى، فلايحصل له
اليقين بالفراغ، لاحتمال ان الواجب عليه في الواقع هو الصلاة الاخرى.
فالنتيجة في نهاية المطاف انه لافرق بين العلم الاجمالي في الشبهات الموضوعية و
العلم الاجمالي في الشبهات الحكمية، فكما انه في الشبهات الموضوعية يقتضي وجوب
الموافقة القطعية العملية، بملاك ان الاشتغال اليقيني يقضتضي الفراغ اليقيني، فكذلك
في الشبهات الحكمية بنفس الملاكك.
و اما المسلك الثاني، و هو ان العلم الاجمالي لايقتضي تنجيز وجوب الموافقة القطعية
العملية مباشرة، بل يتوقف تنجيزه على تعارض الاصول المؤمنة في اطرافه و تساقطها
بالمعارضة، فقد اختاره السيد الاستاذ (ره) و افاد في وجه ذلك، ان العلم الاجمالي
انما ينجز التكليف المتعلق بالجامع، فانه معلوم للمكلف و خارج عن موضوع قاعدة
التأمين دون التكليف المتعلق بالفرد، فانه مجهول و غير معلوم، و من الواضح ان العلم
الاجمالي لايقتضي الاتنجيز التكليف بالمقدار المعلوم دون الاكثر، و المقدار المعلوم
هو التكليف المتعلق بالجامع و هو لايقتضي الا الاتيان به، و يكفي فيه الاتيان باحد
فرديه او افراده في الخارج.
و الخلاصة ان التكليف المتعلق بالجامع قدتنجز بالعلم الاجمالي و خرج عن موضوع
القاعدة، و اما خصوصية كونه متعلقاً بهذا الفرد بعينه او ذاك الفرد كذلك، فهي
مجهولة و تكون مورداً للقاعدة، و المفروض ان التكليف المتعلق بالجامع المنجز
لايقتضي الا ايجاده في الخارج، و من المعلوم انه يوجد بايجاد فردمنه، فلذلك لايقتضي
العلم الاجمالي وجوب الموافقة القطعية العملية مباشرة، و انما يقتضي وجوب الموافقة
الاحتمالية كذلك، و اما وجوب الموافقة القطعية العملية، فهو يتوقف على تعارض الاصول
المؤمنة في اطرافه و تساقطها بالمعارضه، و اما سقوط بعضها عن بعض اطرافه، فهو
للترجيح بغير مرجح.
ثم ان منشأ هذا التعارض امران:
الاول ان العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية، و لهذا لاتجري
الاصول المؤمنة في جميع اطرافه لاستلزام ذلك مخالفة قطعية عملية.
الثاني عدم جريان الاصل المؤمن في بعض اطرافه دون بعضها الاخر للزوم الترجيح بغير
مرجح، فلهذا تقع المعارضة بين الاصول المؤمنة في اطرافه جميعاً فتسقط من جهة
المعارضة، و بعد سقوطها بها، فيكون احتمال التكليف في كل طرف من اطرافه مورداً
لقاعدة الاشتغال و منجزاً، لان احتمال التكليف مساوق للتنجيز اذا لم يكن مورداً
للاصل المؤمن، و حيث ان سقوط الاصول المؤمنة في اطراف العلم الاجمالي كلا و بعضاً
مستند في نهاية المطاف الى العلم الاجمالي، فيكون العلم الاجمالي منجزاً لوجوب
الموافقة القطعية العملية بالواسطة لابالمباشرة.
فالنتيجة ان ما افاده(ره) ينحل الى دعويين:
الاولى العلم الاجمالي لايتقضي وجوب الموافقة القطعية العملية مباشرة، و انما يقتضي
وجوب الموافقة الاحتمالية كذلك.
الثانية: ان تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية العملية يتوقف على تساقط
الاصول المؤمنة في اطرافه بالمعارضة و في بعضها دون بعضها الاخر للترجيح من غير
مرجح، و لنأخذ بالنظر الى كلتا الدعويين:
اما الدعوى الاولى، فلا يمكن المساعدة عليها، لانها مبنية على ان يكون متعلق
التكليف المعلوم بالاجمال الجامع بحده الجامعي، و عندئذ فلايتنجز بالعلم الاجمالي
الا التكليف المتعلق به، حيث ان العلم لاينجز الا متعلقه بالمقدار المعلوم، و اما
خصوصية كونه متعلقاً بهذا الفرد بعينه او ذاك الفرد كذلك، فهي مجهولة و خارجة عن
حدود متعلقه، فلا يعقل ان يكون منجزاً لها، و لكن تقدم انفاً ان متعلق التكليف
المعلوم بالاجمال الجامع الانتزاعي في الذهن المشاربه باشارة ترددية الى الواقع
الخارجي المردد بين فردين او افراد، على اساس ان التكليف في مورد العلم الاجمالي
بالفرد بحده الفردي، غاية الامر ان المكلف لايعلم انه تعلق بهذا الفرد بالخصوص
اوذاك الفرد كذلك، و لكن في الواقع و علم الله معلوم، و في مثل ذلك يقوم العقل
باختراع مفهوم في عالم الذهن للاشارة به الى ما هو متعلق التكليف واقعاً باشارة
ترددية، اذ من الواضح ان متعلق التكليف ليس هو الجامع الانتزاعي الاختراعي، كيف فان
انتزاع هذا الجامع و اختراعه انما هو بعد العلم بتعلق التكليف بالواقع، غاية الامر
ان كان المكلف جاهلا بحده الخاص في الخارج فالعلم اجمالي، و ان كان عالماً به
فالعلم تفصيلي، و حيث ان العلم لايسري الى الواقع الخارجي مباشرة، فلابد من اختراع
مفهوم في الذهن و هو متعلق العلم للاشارة به الى الواقع الخارجى المردد اذا كان
العلم اجمالياً و المعين اذا كان العلم تفصيلياً، و ان شئت قلت ان الحكم بالحمل
الشايع تعلق بالفرد بحده الفردي، سواء اكان معيناً عند المكلف ام غير معين، و اما
العلم فهو متعلق بصورة الحكم بالحمل الاولي اي مفهومه في الذهن للاشارة به الى
واقعه، و من المعلوم انه لاقيمة لمفهوم الحكم في الذهن و لااثرله، و عليه فما
افاده(ره) من ان العلم الاجمالي انما ينجز التكليف المتعلق بالجامع بحده الجامعي
بدون اي خصوصية لايرجع الى معنى صحيح، لان التكليف المتعلق بالجامع صورة التكليف و
مفهومه في الذهن لاواقعه و لاقيمة لصورته، لانها انما هي للاشارة بها الى واقعه
الذي هو موضوع الاثر، و المفروض ان واقعه روحا تعلق بالفرد، و المكلف يعلم باشتغال
ذمته به ولايحصل له اليقين بالفراغ الا بالاتيان بكلا الفردين او الافراد، لانه ان
اتى باحدهما دون الاخر لايحصل له اليقين بالفراغ، لاحتمال ان الواجب هو الفرد
الاخر.
و دعوى ان التنجز كالعلم لايسري الى الواقع فانه من شؤون الوجود العلمي للحكم لا
الخارجي، لانه عبارة عن حكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة و المثوبة على
الموافقة، و تمام الموضوع له الوجود العلمي للحكم و ان لم يكن في الواقع حكم، و
لهذا يحكم العقل بقبح التجري و استحقاق فاعله الادانة و العقوبة و حسن الانقياد و
استحقاق فاعله المثوبة، و المفروض ان الحكم المنجز متعلق بالجامع و هو الخصوصية في
المقام بالحمل الاولي اي مفهومها في الذهن، فاذن لايكون التكليف المتعلق بالفرد في
الواقع منجزاً.
مدفوعة بان المؤثر في كافة حركات الانسان في الخارج من دفع الضرر عن نفسه، سواء
أكان دينياً ام دنيوياً او جلب المنفعة لنفسه كذلك او نحوهما، هو الوجود العملي
للاشياء، و لكن لابما هي موجودة في النفس، بل بما هي اشارة الى الواقع الخارجي و
مرآة له، باعتبار انه يرى ان ما هو مشتمل على الضرر او النفع هو واقع هذه الاشياء
في الخارج لاوجودها العلمي، و على هذا فالحكم بوجوده العلمي و ان كان مؤثراً و
محركاً، لكن لابما هو موجود في النفس، بل بما هو اشارة الى واقع الحكم و هو الحكم
بالحمل الشايع، فانه المؤثر في الحقيقة و المحرك نحو امتثاله لاوجوده العلمي، ضرورة
ان ترتب العقاب و الثواب انما هو على مخالفة واقع الحكم و موافقته، و اما العقوبة
على التجري فهي ليست من جهة مخالفة الحكم بوجوده العلمي، بل من جهة ان الفعل
المتجري به مصداق للتعدي على المولى و تفويت حقه و هو الطاعة، و مصداق للظلم و هو
سلب ذي الحق عن حقه، و كذلك الثواب على الانقياد ليس من جهة موافقة الحكم بوجوده
العلمي، بل من جهة ان الفعل المنقاد به مصداق لطاعة المولى و اداء لحقه و هو حق
الطاعة.
الى هنا قد تبين ان التكليف المعلوم بالذات منجز بالذات، و التكليف المعلوم بالعرض
منجز بالعرض، و الاثر غير مترتب على المنجز بالذات و انما هو مترتب على منجز
بالعرض.
و على هذا فالعلم الاجمالي بيان على الواقع المردد، باعتبار ان العلم تعلق بمفهوم
اختراعي مشاربه باشارة مرددة الى خصوصية خاصة في الواقع، فاذا تمّ البيان على تلك
الخصوصية و اشتغلت الذمة به، فلابد حينئذ من تحصيل اليقين بالفراغ و هو لايحصل الا
بالاتيان بكلتا الخصوصيتين او الخصوصيات معاً، اذ لو اتى باحداهما دون الاخرى لم
يحصل اليقين بالفراغ، لاحتمال ان الواجب في الواقع هو الخصوصية الاخرى.
و اما الدعوى الثانية، و هي ان تنجيز العلم الاجمالي يتوقف على تعارض الاصول
المؤمنة و تساقطها بالمعارضة، فان اراد (ره) بذلك تساقط جميع الاصول المؤمنة
بالمعارضة اعم من العقلية و الشرعية،
فيرد عليه ان التعارض بين الاصول العقلية غير معقول، لان حكم العقل بقاعدة التأمين
حكم ثبوتي واقعي تابع لثبوت موضوعه و ملاكه في الواقع، و موضوعه و ملاكه في المقام
عدم البيان، و حينئذ فان لم يتم البيان على كل واحد من طرفي العلم الاجمالي بحده
الخاص، كان العقل حاكماً بالتأمين في كل من الطرفين بعنوانه الخاص بدون اي تزاحم و
تعارض في البين، و ان تم البيان على كل من الفردين بحده الفردي، انتفى حكمه بانتفاء
موضوعه و ملاكه.
و الخلاصة ان التعارض لايتصور بين الاحكام العقلية القطعية التي هي احكام ثبوتية
واقعية تتبع ملاكاتها و موضوعاتها في مقام الثبوت و الواقع و كذلك في الاحكام
الشرعية القطعية، فانها احكام ثبوتيه في الواقع تتبع ملاكاتها و موضوعاتها في مقام
الثبوت، فالتعارض لايتصور في الاحكام القطعية و انما يتصور بين الادلة الظنية في
مقام الاثبات.
و على هذا فالتعارض بين الاصول العقلية المؤمنة غير متصور، و عندئذ فبناء على ما
ذكره السيد الاستاذ (ره) من ان العلم الاجمالي بيان على الجامع فقط، و اما خصوصية
كل من الفردين بحده الفردي مجهولة، فاذا كانت مجهولة فهي مورد لقاعدة التأمين، او
فقل ان الجامع ليس مورداً للقاعدة، لان العلم الاجمالي به بيان و وارد على القاعدة
و رافع لموضوعها وجداناً، و اما خصوصية كل من الفردين بعينه، حيث انها مجهولة و
العلم الاجمالي ليس بياناً عليها، فهي مورد للقاعدة، و نتيجة ذلك ان المكلف لايعاقب
على ترك كل من الفردين في الخارج بما هو ترك فرد بحده الفردي فيه، و هذا لاينافي ان
يعاقب عليه بما هو ترك جامع فيه.
و اما بناء على ما ذكرناه من ان خصوصية الفرد في الخارج داخلة في متعلق العلم
الاجمالي بنحو الابهام و التردد في مرحلة التطبيق، فالعلم الاجمالي يكون بياناً
عليها، بتقريب ان متعلقه الجامع الانتزاعي المشار به باشارة ترددية الى خصوصية
الفرد في الواقع المرددة بين خصوصية هذا او ذاك، فاذا علم المكلف باشتغال ذمته
باحدى الخصوصيتين المتباينتين، فليس بامكانه تحصيل اليقين بالفراغ الا بالاتيان
بكلتا الخصوصيتين معاً، اذ لواتى باحداهما دون الاخرى، فلايحصل له اليقين بالفراغ،
لاحتمال ان الواجب عليه هو خصوصية اخرى دون ما اتى به.
و تظهر الثمرة بين القولين، فعلى قول السيد الاستاذ (ره) ان المكلف اذا اتى باحد
فردين في الخارج، فقد اتى بالواجب و هو الجامع، ضرورة ان التكليف المتعلق به
لايقتضي اكثر من الاتيان في الخارج و ايجاده فيه، و المفروض ان الجامع يوجد بايجاد
احد فرديه او افراده، و لهذا لامانع من الرجوع في الفرد الاخر الى قاعدة التامين.
و اما بناء على ما اخترناه من ان خصوصية الفرد داخلة في متعلق العلم الاجمالي، فيجب
على المكلف الاتيان بكلا الفردين معاً حتى يحصل له اليقين بالفراغ، او ترك كليهما
معاً اذا كانت الشبهة تحريمية.
الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، و هي ان قاعدة قبح العقاب بلابيان لاتجري
في شي من اطراف العلم الاجمالي، لانه وارد عليها و رافع لموضوعها.
و ان اراد(ره) به تساقط الاصول العملية الشرعية المؤمنة في جميع اطراف العلم
الاجمالي بالمعارضة، فيرد عليه.
اولا انه يكفي في المقام الاصول العقلية، لما تقدم من ان موضوع تلك الاصول على
مسلكه(ره) متحقق في كل طرف من اطراف العلم الاجمالي بحده الخاص، لانه لايكون بياناً
عليه و انما يكون بياناً على الجامع بحده الجامعي، و الفرض ان التعارض بين الاصول
العملية العقلية غير متصور، و عليه فسقوط الاصول العملية الشرعية في اطراف العلم
الاجمالي لايضر بعد فرض ان قاعدة القبح تجري في كل طرف من اطراف العلم الاجمالي
بحده الخاص بدون اى تعارض فى البين.
و ثانياً ان ذلك يتوقف على تمامية مقدمتين:
الاولى ان التكليف المتعلق بالجامع بحده الجامعي هو متعلق العلم الاجمالي، و اما
تعلقه بهذا الفرد بعينه او ذاك الفرد كذلك،
فهو مجهول و مورد للقاعدة،
الثانية ان يكون لادلة الاصول العملية الشرعية اطلاق تشمل باطلاقها اطراف العلم
الاجمالي.
اما المقدمة الاولى، فلما مرآنفا من ان العلم الاجمالي تعلق بالجامع الاختراعي
المشاربه الى الواقع المردد عند المكلف بين هذا الفرد بخصوصه او ذاك الفرد كذلك، و
عليه فلا موضوعية للجامع بل هو مرآة لما هو متعلق التكليف واقعاً كمامر.
و اما المقدمة الثانية، فلما تقدم من ان ادلة الاصول العملية الشرعية في نفسها
قاصرة عن شمول اطراف العلم الاجمالي، لان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي
انصرافها عرفاً عن الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي او لااقل من الاجمال، او فقل
ان المرتكز في اذهان العرف و العقلاء هو عدم جواز رفع اليد عن الاعراض اللزومية
المعلومة ولو بالاجمال بالاعراض الترخيصية، و دعوى ان هذا الارتكاز بمثابة القرينة
اللبية المتصلة المانعة عن انعقاد ظهورها في الاطلاق، غير بعيدة او اقل انه يصلح ان
يكون سبباً للانصراف العرفي.
لحد الآن قدتبين ان ادلة الاصول العملية الشرعية لاتشمل اطراف العلم الاجمالي حتى
تقع المعارضة بين افرادها، كما انه قدتبين ان العلم الاجمالي منجز لوجوب الموافقة
القطعية العملية مباشرة بملاك ان الاشتغال اليقيني يقتضي الفراغ اليقيني.
و اما الكلام في المقام الثاني، و هو ان تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة
القطعية العملية، هل يكون بنحو الاقتضاء او العلة التامة حتى يستحيل جعل الترخيص في
اطرافه؟
ثم ان لهذا البحث انما يكون مجالا في المقام بناءً على المشهور بين الاصوليين من ان
العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية، فحينئذ يقع الكلام في انه
علة تامة بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية العملية ايضاً او يكون بنحو الاقتضاء،
و لامجال لهذا البحث على المسلكين الاخرين في المسألة:
الاول ان العلم الاجمالي لايكون علة تامة للتنجيز بالنسبة الى حرمة المخالفة
القطعية العملية، فانه على هذا لامعنى للبحث عن انه علة تامة لوجوب الموافقة
القطعية العملية، ضرورة انه اذا لم يكن علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية،
بان يكون تنجيزه لها معلقاً على عدم ترخيص الشارع فيها، فلا يعقل ان يكون علة تامة
لوجوب الموافقة القطعية العملية، بان يكون تنجيزه له مطلقاً غير معلق، بداهة انه
لايحتمل ان يكون حكمه في الاول منجزاً و غير معلق و في الثانى معلقاً و غير منجز،
لان هذا غير معقول، كيف فان العلم الاجمالي لوكان علة تامة لوجوب الموافقه القطعية
العملية، لكان علة تامة لحرمة المخالفة الاحتمالية فضلاً عن القطعية، لان وجوب
الموافقة القطعية العملية لوكان منجزاً و مطلقاً بحيث لايمكن فرض وجود المانع عنه،
لكانت حرمة المخالفة الاحتمالية ايضاً كذلك، و الا لم يكن وجوب الموافقة منجزاً و
مطلقاً و هذا خلف، نعم في صورة العكس ليس الامر كذلك، اذ يمكن ان يكون العلم
الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية دون وجوب الموافقة القطعية
العملية، و من هنا يكون الترخيص في المخالفة القطعية العملية يستلزم الترخيص في ترك
الموافقة القطعية العملية دون العكس.
الثاني انه بناء على مسلك السيد الاستاذ (ره) من ان العلم الاجمالي لايقتضي تنجيز
وجوب الموافقة القطعية العملية مباشرة، بل يتوقف على جريان الاصول المؤمنة في
اطرافه و تساقطها بالمعارضة الداخلية لامجال لهذا البحث، لان العلم الاجمالي
لايقتضي تنجيز وجوب الموافقة القطعية العملية مباشرة حتى نبحث عن ان تنجيزه له يكون
بنحو الاقتضاء او العلة التامة، ضرورة ان تنجيزه لوجوب الموافقة بنحو العلة التامة
غير متصور على ضوء هذا المسلك، اذ انه لو كان علة تامة لتنجيزه، استحال جعل الترخيص
في اطرافه ثبوتاً، و الالزم خلف فرض كونه عله تامة له، و حينئذ فلاتصل النوبة الى
البحث في مقام الاثبات عن جريان الاصول المؤمنة في اطرافه و سقوطها بالمعارضة، و ان
شئت قلت ان هناك لازمان لهذا المسلك، الاول ان العلم الاجمالي لايكون مانعاً عن
جريان الاصول المؤمنة في بعض اطرافه، و انما يمنع عن جريانها في جميع اطرافه من جهة
المعارضة لابالمباشرة، و من هنا يكون تنجيزه لوجوب الموافقة القطعية العملية يتوقف
على تعارض الاصول المؤمنة في اطرافه و تساقطها بالمعارضة، فيستحيل ان يكون مانعاً
عن جريانها في بعض اطرافه اذا لم يكن لها معارض، الثاني ان يكون المنجز للتكليف
المحتمل في كل طرف من اطرافه مباشرة هو احتماله لاالعلم الاجمالي، و من الواضح ان
كلا هذين اللازمين في طرف النقيض مع افتراض كون العلم الاجمالي علة تامة لوجوب
الموافقة القطعية العملية، اذ مع هذا الافتراض لايمكن جريان الاصول المؤمنة في
اطرافه لافي الجميع و لا في البعض، لاستحالة جعل الترخيص الظاهري و لو في بعض
اطرافه ثبوتاً و الالزم خلف فرض كونه علة تامة له.(73) الى هنا قد تبين ان النزاع
في تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية العملية، و انه هل يكون بنحو
الاقتضاء او العلة التامة، انما يتصور على ما هو المعروف بين الاصوليين من انه علة
تامة للتنجيز بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية.
ثم ان في المسألة قولين: القول الاول ان العلم الاجمالي مقتضي للتنجيز بالنسبة الى
وجوب الموافقة القطعية العملية، الثاني انه علة تامة له.
اما القول الاول فقد اختاره المحقق النائيني(ره)، و لهذا فرق بين وجوب الموافقُة
القطعية العملية و بين حرمة المخالفة القطعية العملية، و بنى على ان العلم الاجمالي
مقتضي للتنجيز بالنسبة الى الاول، و علة تامة له بالنسبة الى الثاني، و على هذا
فللمحقق النائيني (ره) دعويان: الاولى ان العلم الاجمالي علة تامة بالنسبة الى حرمة
المخالفة القطعية العملية، الثانية انه مقتضي بالنسبة الى وجوب الموافقة القطعية
العملية.(74) و اما الدعوى الاولى، فقد استدل عليها بان المخالفة القطعية العملية
قبيحة بحكم العقل، على اساس انها معصية للمولى و تفويت لحقه و هو حق الطاعة، و من
الواضح انه لايمكن جعل الترخيص الظاهري في تمام اطراف العلم الاجمالي، لانه ترخيص
في المعصية و تفويت حق المولى و هو قبيح، و هذا معنى ان العلم الاجمالي علة تامة
للتنجيز بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية.
و اما الدعوى الثانية، فقد ذكر (ره) ان تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة
القطعية العملية انما هو بنحو الاقتضاء دون العلة التامة، و قد افاد في وجه ذلك انه
لامانع من جعل الترخيص في بعض اطرافه، لانه ليس ترخيصاً في المخالفة القطعية
العملية حتى يكون قبيحاً، بل في المخالفة الاحتمالية، و لامانع من الترخيص فيها كما
في الشبهات البدوية، فلذلك يكون تنجيزه له بالاقتضاء لابالعلة التامة، و الا فلا
يمكن جعل الترخيص فيها مطلقاً هذا.
و للمناقشة فيه مجال، و ذلك لان امكان جعل الترخيص في بعض اطراف العلم الاجمالي
متفرع على كون تنجيزه بنحو الاقتضاء دون العلة التامة، و على هذا فان اراد(ره) بذلك
اثبات كون تنجيز العلم الاجمالي بنحو الاقتضاء بامكان جعل الترخيص الظاهري في بعض
اطرافه، فيرد عليه انه دوري، لان امكان جعل الحكم الظاهري الترخيصي في بعض اطراف
العلم الاجمالي، يتوقف على ان يكون تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية
العملية بنحو الاقتضاء في المرتبة السابقة، اذ لو كان بنحو العلة التامة، فلا يمكن
جعل الحكم الظاهري الترخيصي في بعض اطرافه ايضاً، فلو كان تنجيزه بنحو الاقتضاء
متوقفاً على امكان جعل الترخيص الظاهري في بعض اطرافه لدار، فالنتيجة انه لايمكن ان
يكون تنجيزه بنحو الاقتضاء متوقفاً على امكان جعل الحكم الظاهري الترخيصي في بعض
اطرافه، لانه من اثار كون تنجيزه له بنحو الاقتضاء و متوقف عليه.
و ان اراد (ره) بذلك ان هذا الدليل كاشف عن ان تنجيز العلم الاجمالي يكون بنحو
الاقتضاء في المرتبة السابقة، فيرد عليه ان هذا الدليل لايكون كاشفاً عن ذلك، بل
امكان جعل الترخيص في بعض اطرافه يتوقف على اثبات كون تنجيزه له بنحو الاقتضاء في
المرتبة السابقة بدليل آخر لابهذا الدليل، فانه متوقف عليه لا انه كاشف عنه، و ان
اراد بذلك ان كون تنجيز العلم الاجمالي لوجوب الموافقة القطعية العملية بنحو
الاقتضاء امر وجداني و ارتكازى، فلا يتوقف اثباته على اقامة برهان، و يتفرع على ذلك
امكان جعل الترخيص الظاهري في بعض اطرافه، فيرد عليه انه ليس بامر وجداني ارتكازي
ثابت في اعماق النفوس، و الا لم يقع خلاف فيه بين الاصوليين، بل هو امر نظري و
اثباته بحاجة الى اقامة برهان.
و الخلاصة ان هذا البرهان غريب من مثل المحقق النائيني (ره)، لانه من اقامة البرهان
على وجود شي، بدعوى ثبوت لازمه مع ان ثبوت لازمه متفرع على وجود ذلك الشي، و ايضاً
ما ذكره (ره) من ان العلم الاجمالي علة تامة لحرمة المخالفة القطعية العملية،
معللاً بانه لايمكن جعل الترخيص في تمام اطرافه، لانه ترخيص في المعصية و هو قبيح،
بينما عدم امكان جعل الترخيص في تمام اطرافه فرع كون العلم الاجمالي علة تامة له،
فكيف يمكن الاستدلال به على كون العلم الاجمالي علة تامة، فاذن ان اراد (ره) بذلك
اثبات كون العلم الاجمالي علة تامة بهذه الصياغة، فيرد عليه انه لايمكن الا بنحو
دائر، لان عدم امكان جعل الترخيص في جميع اطراف العلم الاجمالي المستلزم للمخالفة
القطعية العملية، يتوقف على كون العلم الاجمالي علة تامة للتنجيز في المرتبة
السابقة، فلو توقف كونه كذلك على عدم امكان جعل الترخيص في جميع اطرافه لزم الدور.
و ان راد(ره) به ان تمامية علية علم الاجمالي امر وجداني، فلا يتوقف اثباتها على
شي، فيرد عليه ان ما هو امر وجداني هو اصل منجزية العمل الوجداني في الجملة، اما
انه بنحو الاقتضاء او العلة التامة فهو بحاجة الى دليل، و من هنا قلنا ان العلم
الاجمالي مقتضي للتنجيز بالنسبة الى حرمة المخالفة القطعية العملية ايضاً، و لامانع
من جعل الترخيص في جميع اطرافه اذا كان ملاك الترخيص اقوى من ملاك الحكم الالزامي،
و بجعل هذا الترخيص يرتفع حكم العقل بارتفاع موضوعه.
و تخيل عدم امكان جعل الترخيص في جميع اطرافه ناشي من الاشتباه، بان هذا الترخيص
منافي لحكم العقل بقبح المعصية مباشرة بينما، هو رافع لحكم العقل بارتفاع موضوعه
فلاتنافي بينهما، و قد تقدم ان حكم العقل بقبح المعصية ليس حكماً منجزاً و مطلقاً،
بل هو معلق على عدم الاذن و الترخيص من المولى في المخالفة، و معه ينتفي حكم العقل
بانتفاء موضوعه و هو ثبوت حق الطاعة للمولى في المرتبة السابقة، لان المولى اذا
اجاز في المخالفة و ترك الطاعة، جاز تركها بمقتضى اذنه و ترخيصه فيه و ليس فيه
مخالفة و تفويت لحقه كما تقدم.
و الصحيح في المقام ان يقال، ان معنى تنجيز الحكم المولوي بالعلم التفصيلي او
الاجمالي هو حكم العقل باستحقاق العقوبة على مخالفة الحكم المنجز من باب انها معصية
و تفويت لحق المولى و هو حق الطاعة، و حيث ان هذا الحكم العقلي حكم تعليقي
لاتنجيزي، لانه معلق على عدم الترخيص من المولى نفسه في مخالفته و الا انتفى حكم
العقل بانتفاء موضوعه، لوضوح ان المولى اذا رخص في مخالفته لم تكن مخالفته حينئذ
مخالفة و لامعصية و لاتفويتاً لحقه و هو الطاعة، اذ معنى هذا الترخيص هو ان المولى
قد رفع اليد عن حقه و لايكون العبد مطالباً به، لان هذا الترخيص يكشف عن ان مصلحته
اقوى من مصلحة الحكم الالزامي،
و من هنا يظهر ان تنجيز العلم الاجمالي لايمكن ان يكون بنحو العلة التامة، اذ معنى
تنجيزه بنحو العلة التامة هو ان حكم العقل باستحقاق العقوبة على المخالفة حكم
تنجيزي و معلق، و لكن قد عرفت انه لايمكن ان يكون حكماً تنجيزياً و مطلقاً، بل هو
حكم تعليقي لاغيره، و من الواضح انه لافرق في ذلك بين حرمة المخالفة القطعية
العملية و بين وجوب الموافقة القطعية العملية، فان حكمه كما يكون تعليقياً في
المسألة الثانية كذلك يكون تعليقياً في المسألة الاولى، بلا فرق بين المسألتين من
هذه الناحية، بل لايمكن ان يكون تنجيز العلم التفصيلي بنحو العلة التامة فضلاً عن
العلم الاجمالي.
ثم ان للمحقق العراقي(ره) في المقام كلاما و حاصله، ان الجميع متفقون على ان العلم
الاجمالي منجز لمتعلقه، فان كان متعلقه الجامع بحده الجامعي، فهو منجز له و لايمكن
جعل الترخيص في مخالفته، و ان كان متعلقه الواقع المردد بين فردين او افراد، فلا
يمكن جعل الترخيص في شي من اطرافه، و حيث ان متعلقه على مسلكه (ره) الفرد الواقعي
بحده الفردي المردد بين هذا الفرد او ذاك، فيكون العلم الاجمالي منجزاً للتكيف
المتعلق بالفرد، سواء اكان متعلقاً بهذا الفرد او ذاك، و عندئذ فلا يجوز جعل الحكم
الظاهري الترخيصي في اطرافه لاكلاً و لابعضاً، اما الاول فهو واضح، و اما الثاني
فلان التكليف المحتمل في كل من الفردين او الافراد حيث انه منجز، فلا يجوز الترخيص
فيه.(75)
و الخلاصة ان العلم الاجمالي علة تامة لتنجيز متعلقه، غاية الامر ان كان متعلقه
الجامع بحده الجامعي، ينجز التكليف المتعلق به، و لايجوز الترخيص فيه بالترخيص في
تمام افراده، و ان كان التكليف متعلقاً بالفرد الواقعي بحده الفردي المردد في
الخارج بين فردين او افراد، ينجز ذلك التكليف و لايمكن الترخيص في شي من اطرافه
لاكلاً و لابعضاً.
و قد استدل على ذلك بامرين:
الامر الاول بالشك في الامتثال في موارد العلم التفصيلي، بتقريب ان الترخيص في
المخالفة الاحتمالية لو كان ممكناً، لامكن التمسك باصالة البراءة في موارد الشك في
الامتثال للتكليف المعلوم تفصيلاً مع انه غير جائز، و من الواضح ان هذا ليس الامن
جهة ان اصالة البراءة لاتجري في موارد الشك في التكليف المقرون بالعلم في عرض واحد
كما في موارد العلم الاجمالي، او طولاً كما في الشك في الامتثال في موارد العلم
التفصيلي هذا.
و يرد عليه اولاً انه لامانع ثبوتاً من جعل الحكم الظاهري الترخيصي في تمام اطراف
العلم الاجمالي اذا راى الشارع ان مصلحة الترخيص اقوى و اهم من مصلحة الحكم
الالزامي، فعندئذ لامانع من الترخيص في المخالفة القطعية العملية، لما تقدم من ان
حكم العقل بحرمتها و قبحها معلق على عدم الترخيص فيها من المولى و الا انتفى حكم
العقل بانتفاء موضوعه، فاذا جاز الترخيص في المخالفة القطعية العملية، جاز في
المخالفة الاحتمالية العملية بطريق اولى، و ثايناً مع الاغماض عن ذلك و تسليم انه
لايمكن جعل الترخيص في المخالفة القطعية العملية، الا انه لاشبهة في امكان جعله في
المخالفة الاحتمالية، لانه لايك