www.alfayadh.com

 

أدخل العبارة التي ترديها بدقة



بسم الله الرحمن الرحيم
 


المباحث الاُصولية

وقوع التعبد بالإمارات الظنية

المرحلة الثالثة
وقوع التعبد بالإمارات الظنية
وقبل الشروع في البحث عن ذلك ينبغي تقديم مقدمة، وهي أن الأصل الأولي عند الشك في حجية الإمارة هل هو عدم حجيتها أو لا؟
والجواب: أنه لا شبهة في أن مقتضى الأصل الأولي عند الشك في حجية الإمارة عدم حجيتها، وإنما الكلام في وجه ذلك، وقد استدل عليه بوجوه:
الوجه الأول: ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها، وقد أفاد السيد الأستاذ? في وجه ذلك، بتقريب ان الشك في الحجية تارة يكون في مرحلة الجعل، واخرى في مرحلة المجعول، وأما في المقام فيكون في مرحلة الجعل، حيث إنا لا ندري ان المولى جعل اخبار الثقة حجة وكذا ظواهر الالفاظ أو لا، وأما ترتيب الاثار عليها، فإنما هو في مرحلة المجعول، وهي مرحلة فعليتها بفعلية موضوعها في الخارج، وهذه الاثار متمثلة في صحة استناد الفقيه إليها في مقام عملية الاستنباط، وصحة اسناد مؤداها إلى الشارع، ومن الواضح ان هذين الاثرين لا يترتبان على الإمارة إذا كانت مشكوكة الحجية، لوضوح أن الاستناد إليها في مقام العمل مع الشك في حجيتها تشريع عملي وهو محرم، واسناد موادها إلى الشارع مع هذا الشك تشريع قولي، حيث أن التشريع هو ادخال ما لم يعلم انه من الدين في الدين.
وأما تنجيز الواقع، فهل هو من اثار حجية الامارة أو لا، فيه وجهان: فذهب السيد الاستاذ? إلى الوجه الثاني، وقد افاد في وجه ذلك أن تنجيز الواقع غير مستند إليها بل هو مستند إلى العلم الاجمالي بوجود الاحكام الالزامية في الشريعة المقدسة في المرتبة السابقة، فإذا علم المجتهد اجمالاً في يوم الجمعة أن الواجب عليه في هذا اليوم أما صلاة الجمعة أو الظهر، فالتنجيز مستند إلى العلم الاجمالي لا إلى حجية الامارة.
والخلاصة ان تنجيز الواقع لا يكون من آثار حجية الامارة بل هو من آثار العلم الاجمالي( ) هذا.
والصحيح انه من آثار حجية الامارة دون العلم الاجمالي، لانه ينحل بقيام الامارة في اطرافه، فإذا قامت إمارة علي وجوب صلاة الجمعة في يومها، أنحل العلم الاجمالي حكماً، وبعد انحلاله فلا يمكن ان يكون التنجيز مستنداً إليه، فإذن لا محالة يكون تنجير وجوب صلاة الجمعة مستنداً إلى حجية الامارة، وأما بالنسبة إلى وجوب صلاة الظهر، فيرجع إلى اصالة البراءة، ومع الاغماض عن ذلك وافتراض أن العلم الاجمالي لا ينحل بقيام الامارة على بعض اطرافه، ولكن حينئذٍ يكون تنيجز الواقع في موارد الإمارات مستنداً إلى كليهما معاهما الامارة والعلم الاجمالي، ولا يمكن أن يكون تنجيزه مستنداً إلى العلم الاجمالي فحسب، لانه ترجيح من غير مرجح، حيث ان نسبته في آن قيام الامارات إلى كليهما على حد سواء، ولا إلى أحدهما لا بعينه، لانه ان اريد به المفهومي، فلا واقع موضوعي له ما عدا وجوده في عالم الذهن، وان اريد به الفرد المردد في الخارج، فهو مستحيل، فإذن لا محالة يكون مستنداً إلى كليهما معاً، وأيضاً لازم ذلك أن لا تكون الإمارة المعتبرة القائمة على وجوب شيء أو حرمة آخر منجزة إذا لم تكن في اطراف العلم الاجمالي أو كانت بعد انحلاله وهو كما ترى.
ودعوى أنه مستند إلى أسبق العلل وهو في المقام العلم الاجمالي، مدفوعة بانها مبنية على أن سرحاجة الاشياء إلى العلة إنما هو كامن في حدوثها، فإذا حدثت استغنت عن العلة بقاءً، وقد فصلنا الحديث عن هذه النظرية في مبحث الجبر والتفويض، وقلنا هناك أن هذه النظرية اسرفت في تحديد مبدأ العلة وناشئة من عدم الوعي والادراك الصحيح لمبداء العلة كنظام عام للكون، واخطأت في فهم سر حاجة الممكن إلى العلة، وتمام الكلام هناك.
فالنتيجة أن ما أفاده السيد الاستاذ? من ان تنجيز الواقع ليس من اثار حجية الامارة غير تام.
ثم أن المراد من أن الشك في حجية الامارة مساوق للقطع بعدم حجيتها، القطع بعدمها في مرحلة الفعلية، يعني عدم ترتيب اثارها عليها، وليس المراد منه ان الشك في جعل الحجية مساوق للقطع بعدم جعلها، بداهة أن القطع ضد الشك، فلا يمكن اجتماعهما في شيء واحد، ولا يعقل ان يكون الشيء مساوقاً لضده.
إلى هنا قد تبين ان ما ذكره السيد الاستاذ? في المقام يرجع إلى نقطتين:
الأولى: أن الشك في الحجية في مرحلة الجعل لا يمكن أن يكون مساوقاً للقطع بعدمها في هذه المرحلة، والالكان مردّه إلى اجتماع الضدين أو النقيضين.
الثانية: أن تنجيز الواقع ليس من آثار حجية الامارات.
وكلتا النقطتين قابلة للمناقشة.
أما النقطة الأولى، فهي مبنية على عدم امكان تخصيص الاحكام الشرعية بالعالم بها وعدم ثبوتها للجاهل منها حجية الامارات.
ولكن قد تقدم في ضمن البحوث السالفة، أنه لا مانع من هذا التخصيص ثبوتا، بأن يأخذ العلم بالحكم في مرتبة الجعل في موضوع نفسه في مرتبة المجعول، وعلى هذا فلا مانع ثبوتاً من اخذ العلم بحجية الإمارات في مرتبة الجعل في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، ونتيجة ذلك هي أن حجيتها مجعولة للعالم بها لا للأعم منه ومن الجاهل، فإذن الشك في الحجية في مرحلة الجعل مساوق للقطع بعدم جعلها للشاك بلحاظ انه جاهل، فما ذكره? من أن الشك في جعل الحجية لا يعقل أن يكون مساوقاً للقطع بعدم جعلها، مبني على عدم امكان اخذ العلم بالحجية في مرتبة الجعل في موضوع نفسها في مرتبة المجعول.
وبكلمة ان ما ذكره السيد الاستاذ? من أن الشك في الحجية في مرحلة الجعل مساوق للقطع بعدمها في مرحلة الفعلية أي القطع بعدم ترتيب اثارها عليها في هذه المرحلة، تام على ضوء نظريته? من ان اخذ العلم بالحكم في مرحلة الجعل في موضوع نفسه في مرحلة المجعول غير ممكن.
وأما على ضوء نظرية أن ذلك ممكن ثبوتاً كما هو الصحيح، فلا يعقل ان يكون الشك في جعل حجية الإمارات للعالم بها مساوقاً للقطع بعدم جعلها له وإلا لزم التناقض، نعم أنه مساوق للقطع بعدم جعلها للشاك، باعتبار انه جاهل وخارج عن موضوعها، هذا بحسب مقام الثبوت، وأما في مقام الاثبات، فهل هناك دليل على هذا التخصيص؟
والجواب انه لا دليل عليه، لأن مقتضى إطلاق الكتاب والسنة هو أن الاحكام الشرعية مجعولة لطبيعي المكلف الجامع بين العالم بها والجاهل، وتقييدها بحصة خاصة من المكلف وهي العالم بحاجة إلى قرينة ولا قرينة عليه لامن الداخل ولا من الخارج إلا في بعض الموارد.
ولكن قد يقال كما قيل انه إذا أمكن تخصيص حجية الإمارات بالعالم بها في مقام الثبوت، أمكن ذلك في مقام الإثبات أيضاً، بتقريب أن أدلة حجية الإمارات تمتاز عن سائر الأدلة في نقطه، وهي أن شمول تلك الأدلة بإطلاقها للجاهل بها لغو، فلا يمكن الأخذ بهذا الإطلاق، وذلك لأن الغرض من وراء جعل الحجية للإمارات أمران:
الأول صحة إسناد مؤداها إلى الشارع.
الثاني صحة الإستناد إليها في مقام الافتاء والعمل.
وكلا الأمرين لا يترتبان على مشكوك الحجية، فإذن جعل الحجية للجاهل بها وأن كان بسيطاً لغو، فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم، بينما لا يلزم من شمول إطلاق أدلة سائر الأحكام الشرعية للجاهل بها محذور اللغوية، وذلك لأن الغرض من وراء جعل الأحكام الشرعية هو إيجاد الداعي في نفس المكلف والمحرك، وهو أمر معقول حتى في موارد الجهل كما تقدم، إذ بإمكان الشارع جعل وجوب الاحتياط بملاك التحفظ عليها بمالها من المبادئ والملاكات، على أساس شدة اهتمام المولى بها وعدم رضاه بتفويتها حتى في حال الجهل والشك، وقد تقدم ان معنى جعل وجوب الاحتياط هو جعل المنجز والمحرك في دائرة أوسع من دائرة الواقع.
وبكلمة أوضح أن جعل الأحكام الواقعية للجاهل بها أمر معقول ولا يكون لغواً، حيث أنه يمكن الحفاظ على داعويتها ومحركيتها حتى في حال الشك والجهل بإيجاب الاحتياط الكاشف عن اهتمام المولى بمالها من الملاكات والمبادئ الواقعية التي هي حقيقة الأحكام الشرعية وروحها، ولهذا لا مانع من الاخذ باطلاقات أدلتها وشمولها للجاهل أيضاً ولا موجب لتقييدها بالعالم بها، وأما جعل الحجية التي هي حكم ظاهري، فلا يمكن للجاهل والشاك فيها، لأن ما هو الداعي إلى جعلها من الأثر، فلا يمكن الحفاظ عليه في موارد الشك والجهل بها ولو بإيجاب الاحتياط، ضرورة أن ما يدعو المولى إلى جعل الحجية للإمارات من الأثر المشار إليه أنفاً إنما هو ترتبه على الحجية الواصلة جزماً، ومن الواضح ان إيجاب الاحتياط لا ينقح موضوع هذا الأثر وهو وصول الحجية والعلم بها هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن الحجية لما كانت من الأحكام الظاهرية، فقد تقدم ان الاحكام الظاهرية اللزومية أحكام طريقية وفي طول الاحكام الواقعية والغرض منها تنجيزها في دائرة أوسع من دائرة الواقع، ومن هنا قلنا أنها لا تقتضي امتثالها في مقابل امتثال الأحكام الواقعية، لأن امتثالها إنما هو بإمتثالها، ولهذا لا عقوبة على مخالفتها ولا مثوبة على موافقتها، وإنما العقوبة والمثوبة على مخالفة الأحكام الواقعية وموافقتها، ومن هنا لا تقبل التنجز في مقابل الاحكام الواقعية، وعلى ضوء ذلك فلا معنى لجعل المنجز في مواردها، لانها في انفسها غير قابلة للتنجز حتى يمكن جعل وجوب الاحتياط لتنجيزها، وحينئذٍ فلا موضوع لجعل وجوب الاحتياط في مواردها ولا مقتضي له.
وقد اجيب عن ذلك تارة بالنقض واخرى بالحل.
أما الأول: فلان اطلاق أدلة الأحكام الواقعية في موارد الجهل المركب والقطع بعدم ثبوتها في الواقع محفوظ رغم استحالة محركية هذه الاحكام وداعويتها في هذه الموارد، وعلى هذا فإذا كان المكلف جاهلاً بتلك الاحكام وقاطعاً بعدم ثوبتها، فلا يعقل كونها محركة وداعية له، فإذن لا محالة يكون جعلها في حقه لغواً وجزافاً، وعليه فما هو الجواب عن النقض هناك هو الجواب هنا.
وأما الثاني: فلان اللغو إنما هو في تخصيص جعل الحجية بالجاهل بها والشاك فيها، وأما جعلها للجامع بينهما اي للاعم من العالم والجاهل، فلا مانع منه ولا يكون لغواً، إذ يكفي في الخروج عن اللغوية ترتب الأثر علي أحد فردي الجامع هذا.
وقد يستشكل على النقض، بتقريب أن الحكم المجعول على طبيعي الموضوع لا محالة ينحل بانحلال افراده في الخارج، فتكون هناك جعول متعددة بعدد افراد موضوعه فيه، وعلى هذا فالمكلف الذي هو موضوع الحكم ينحل إلى اصناف متعددة متباينة، الصنف الأول العالم بالحكم، الثاني الجاهل به بجهل بسيط، الثالث الجاهل به بجهل مركب، الرابع الناسي ويدخل فيه الغافل، وعلى هذا فالشارع لا يخلو من أن يجعل الحكم على جميع هذه الاصناف فرداً فرداً أوعلى بعضها دون بعضها الآخر ولا ثالث في البين، لان الاهمال في الواقع مستحيل، أما الأول فهو لا يمكن، ضرورة أن جعل الحكم للناسي والغافل لغو محض، فلا يترتب عليه أثر، لان الغرض منه امكان داعويته للمكلف وتحريكه نحو الامتثال والاطاعة الذي هو حق المولى، والمفروض استحالة كونه داعياً للناسي والغافل طالما يكون ناسياً أو غافلاً، فإذن لا يمكن جعل الحكم للناسي والغافل ثبوتاً، لانه لغو، أما الجاهل المركب فهل هو كالناسي والغافل أو لا؟
والجواب أنه كالناسي ولا فرق بينهما إلاّ في الاسم، لوضوح أن القاطع بعدم الحكم غافل عنه في الواقع، فكيف يعقل جعل الحكم له بعد استحالة كونه داعياً ومحركاً له لانه لغو، فإذن يتعين الثاني وهو أن الحكم مجعول للعالم والجاهل بجهل بسيط، وعلى هذا فلا يمكن جعل الحجية للقاطع بعدمها لانه لغو، وغير خفي أن هذا الايراد مبني على كون معنى الاطلاق في مقام الثبوت الجمع بين القيود وان الحكم المجعول للمطلق مجعول لتمام قيوده بعناوينها الخاصة واسمائها المخصوصة، وعلى هذا فبطبيعة الحال لا يمكن جعل الحكم للناسي والغافل والجاهل المركب بملاك واحد وهو اللغوية.
ولكن هذا المبنى غير صحيح، ضرورة أن معنى الاطلاق ليس الجمع بين القيود كافة بل معناه أما رفض القيود كما اختاره السيد الاستاذ? أو عدم لحاظ القيد كما قويناه، وعلى كلا التقديرين فالحكم مجعول للطبيعي الجامع بدون اخذ أي خصوصية من الخصوصيات فيه، مثلاً وجوب الحج مجعول في الشريعة المقدسة على الإنسان البالغ العاقل المستطيع بدون لحاظ أي عنوان من العناوين الخاصة الوجودية أو العدمية فيه كخصوصية العلم أو الجهل أو النسيان أو غير ذلك، وهو قد ينطبق في الخارج على العالم وقد ينطبق على الجاهل وعلى الناسي وهكذا، غاية الامر أنه إذا انطبق على الناسي أو الغافل أو الجاهل المركب، فلا يعقل أن يكون وجوب الحج داعياً ومحركاً له، وهذا لا يوجوب كون جعل وجوب الحج على الجامع لغواً، وعلى هذا فلا مانع من جعل الحجية للامارات على الطبيعي الجامع بين العالم بها والجاهل ولا يكون لغواً، نعم لا يمكن جعل الحكم لخصوص الناسي أو الغافل أو الجاهل المركب، لانه لغو وجزاف ولا يمكن داعويته ومحركيته له، لأن المكلف طالما يكون ناسياً أو غافلاً أو جاهلاً مركباً، فلا يعقل داعويته له، وإذا صار ذاكراً أو عالماً، انقلب الموضوع إلى موضوع آخر، فإذن ينتفي الحكم بانتفاء موضوعه، فالنتيجة أن الجواب الحلي تام.
إلى هنا قد تبين أنه لا موجب لاخذ العلم بالحجية في مرحلة الجعل في موضوع نفسيها في مرحلة المجعول، إذ لا مانع من جعل حجية الامارات للجامع بين العالم بها والجاهل والشاك، هذا اضافة إلى أن احتمال حجية أمارة في مورد منجز لو لم يكن هناك اصل مؤمن على خلافه، ومعذر لو لم يكن هناك اصل ملزم فيه كايجاب الاحتياط، لما تقدم من أن اثر حجية الامارة لا ينحصر بصحة اسناد مؤداها إلى الشارع وصحة الاستناد إليها في مقام الافتاء والعمل، بل من أثرها تنجيز الواقع عند الاصابة والتعذير لدى الخطا، وعلى هذا فاحتمال حجية الامارة في المسألة منجز لها، مثلاً إذا قامت الامارة على وجوب شيء أو حرمة آخر ويحتمل أنها حجة في الواقع، كان هذا الاحتمال منجزاً للواقع، غاية الامر أن هناك أصولاً مؤمنة من العقلية والشرعية وهي تجري في موارد الشك فيها بعد الفحص والبحث عن وجود القرائن على صحتها أو فسادها وعدم وجدانها في مظانها كما هو الحال في سائر الشبهات الحكمية، لأن احتمال الحجية كاحتمال الوجوب والحرمة مساوق لاحتمال العقوبة، ولهذا يكون في نفسه منجزاً، ولكن الاصول المؤمنة مانعة عن التنجيز واستحقاق العقوبة، وعلى هذا فمعنى أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها أي بعدم تنجيزها للواقع وعدم استحقاق العقوبة على مخالفته، وقد تقدم ان الحجية حكم ظاهري طريقي لاشأن لها في مقابل الحكم الواقعي ما عدا كونها منجزة له على تقدير الاصابة، ولهذا لا تقبل التنجيز ولا الامتثال في مقابل تنجيز الواقع وامتثاله، ولاعقوبة على مخالفتها في مقابل العقوبة على مخالفة الواقع، وعلى هذا فاصالة البراءة عن احتمال الحجية ترجع إلى اصالة البراءة عن احتمال الوجوب أو الحرمة في الواقع، غاية الامر أن منشأ احتمال الوجوب أو الحرمة فيه هو أحتمال حجية الامارات وجعلها لها، ولكن لاقيمة لاحتمال الحجية في نفسه الابلحاظ انه منشأ لاحتمال الوجوب أو الحرمة في الواقع، ولذا لايتصور مخالفة الحجة إلا بمخالفة الواقع ولاموافقتها إلا بموافقته.
وبكلمة أنه لافرق في جريان الاصول المؤمنة من العقلية والنقلية في الشبهات الحكمية بعد الفحص والتحقيق بين ان يكون منشأ الشبهة عدم النص في المسألة أو أو اجماله أو تعارض النصوص، ولا فرق بين أن يكون الشك في حجية الدلالة أو السند أو الشك في حجية امارة في مورد خاص، فإن المرجع في جميع هذه الموارد هو الأصول المؤمنة كاصالة البراءة أو الاستصحاب أو نحوهما.
نعم إذا كان الشك في أصل جعل الحجية للإمارات كاخبار الثقة وظواهر الالفاظ ونحوهما، فالأصل المؤمن عندئذٍ منحصر باصالة البراءة العقلية، وأما أصالة البراءة الشرعية والاستصحاب ونحوهما من الاصول المؤمنة الشرعية، فحيث أن مدركها الروايات التي يشك في حجيتها، فلا يمكن التمسك بها، نعم لو كان الدليل على هذه الاصول قطعياً، فلا مانع من التمسك بها حينئذٍ، وأما أصالة البراءة العقلية فبناء على ما هو الصحيح من أنها الاصل الأولي في الشبهات الحكمية دون قاعدة حق الطاعة و هي قاعدة الاشتغال، فلا مانع من جريانها في موارد الشك في الحجية، بإعتبار أن مرجع هذا الشك إلى الشك في ثبوت الواقع، وقد تقدم انه لا فرق في جريان هذه الاصالة بين أن يكون منشأ الشك في الشبهات الحكمية الشك في الحجية أو غيره.
والخلاصة أن أصالة البراءة كما تجري في موارد القطع بعدم الحجية كذلك تجري في موارد الشك فيها.
إلى هنا قد تبين أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدم تنجيزها للواقع واستحقاق العقوبة على مخالفته، وأما بالاضافة إلى الأثرين الآخرين هما صحة اسناد المؤدى إلى الشارع وصحة الاستناد إليها في مقام العمل والافتاء، فلا يمكن التمسك بالاصول المؤمنة لنفيهما، أما عدم ترتبهما على الحجية المشكوكة في الظاهر، فهو قطعي كانت هناك أصول مؤمنة أم لا، أما عدم ترتبهما عليها في الواقع فهو مشكوك.
وبكلمة واضحة أن الشك في حجية الامارات في مرتبة الجعل مساوق للقطع بعدم تنجيزها وتعذيرها وعدم استحقاق العقوبة على مخالفتها وعدم صحة الاسناد والاستناد إليها في الخارج، وأما ما قيل من أن عدم جواز صحة الاسناد والاستناد إليها في مقام العمل، فإنما هو من جهة التشريع وهو محرم كتاباً وسنة فسوف يأتي الكلام في ذلك.
النقطة الثانية: وهو القطع بعدم التنجيز والتعذير واستحقاق العقوبة، فإنما هو من جهة الاصول العملية المؤمنة كاصالة البراءة العقلية والنقلية واستصحاب عدم التكليف وأصالة الطهارة وغيرها، ولولا تلك الاصول لكان احتمال الحجية منجزاً للواقع، على أساس أن احتمال ثبوتها منشأ لاحتمال ثبوت الواقع، وهذا الاحتمال هو المنجز له مباشرة، وأما الحجية فهي بنفسها غير قابلة للتنجيز، لانها حكم ظاهري طريقي لاشأن لها في مقابل الحكم الواقعي، وعلى هذا فالمانع عن تنجيز احتمال الحجية إنما هو هذه الاصول المؤمنة، ومن الواضح انه يكفي في خروج جعل الحجية عن اللغوية في موارد الشك والجهل، ترتب أثر لولائي عليها في هذه الموارد، يعني لولا الاصول العملية فيها، كان الاثر مترتب عليه وهو التنجيز، ومعه لا يكون جعلها لغواً فيها هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أن موضوع أصالة البراءة العقلية عدم البيان، والحجية المشكوكة ليست بيانا، ضرورة أن المراد من البيان أن كان هو العلم الوجداني فالامر واضح، وان كان الاعم منه ومن العلم التعبدي، فأيضاً الامر كذلك، لأن احتمال الحجية لا يكون بياناً لاوجدانا ولا تعبداً وكذلك احتمال الواقع الناشيء منه، فإذن لا مانع من جريان اصألة البراءة العقلية والتمسك بها في موارد الشك في الحجية، كما أنه لا مانع من التمسك بها في موارد القطع بعدمها، وأما البراءة الشرعية فعلى تقدير تمامية أدلتها سنداً ودلالة، فمقتضى اطلاقها عدم الفرق في جريانها بين موارد القطع بعدم جعل الحجية للامارات وموارد الشك في جعلها، لما تقدم من ان المنجز للواقع مباشرة في موارد الشك في الحجية واحتمالها هو احتمال ثبوت الواقع فيها دون احتمال الحجية، غاية الامر أنه منشأ له إذا لم يكن له منشأ آخر بقطع النظر عن قيام الامارة عليه، وأما الاستصحاب فلا شبهة في اطلاق دليله لموارد الشك في الحجية، بل لا مانع من استصحاب عدم جعلها بديلاً عن استصحاب عدم ثبوت الواقع بل هو حاكم عليه إذا كان منشأ الشك في ثبوت الواقع الشك في الحجية، وأما إذا لم يكن منشأه ذلك، فلا أثر لاستصحاب عدم جعل الحجية، إذ لا يترتب عليه عدم الشك في ثبوت الواقع، لفرض ان الشك فيه من جهة اخرى لامن جهة الشك في ثبوتها، وأما نفس الحجية فلا أثر لها، لانها حكم ظاهري طريقي، فلا شأن لها بقطع النظر عن ثبوت الواقع وأما إصالة الطهارة، فأيضاً لا مانع من جريانها في موارد الشك في الحجية.
والخلاصة أن التمسك بهذه الاصول العملية الشرعية في موارد الشك في حجية الامارات كاخبار الثقة وظواهر الالفاظ ونحوهما إنما هو فيما إذا فرض أن دليل اعتبارها قطعيا، وأما إذا كان ظنياً كاخبار الثقة، فلا يمكن التمسك بها للشك في حجية الامارات الظنية، وعليه فينحصر الاصل المؤمن في موارد الشك في الحجية باصالة البراءة العقلية.
ثم أن الاثار المترتبة على الحجية متمثلة في نوعين:
الأول: الآثار المترتبة على الحجية الواصلة إلى المكلف وهي التنجيز والتعذير وصحة الاسناد والاستناد في مقام العمل، فإن هذه الآثار من آثار حجية الامارات بوجودها العلمي الواصل لا بوجودها الواقعي، لانها لا تترتب عليها في الواقع وان لم تصل.
الثاني: الآثار المترتبة على حجية الامارات الواقعية وأن لم تكن واصلة كحكومة الامارات على الاصول العملية، لأن الامارات إن كانت حجة في الواقع كانت حاكمة على الاصول العملية، سواء أكانت واصلة أم لا، وإن لم تكن حجة في الواقع لم تكن حاكمة عليها.
فالنتيجة أن الحكومة من آثار حجية الامارات واقعاً لامن آثار وصولها والعلم بها، وقد ذكرنا في باب التعادل والتراجيح أن مرد الحكومة إلى التخصيص في الواقع ومقام الثبوت، وعلى هذا فإن كانت الامارة حجة، فهي مخصصة لاطلاق أدلة الاصول العملية كأصالة البراءة والاستصحاب وأصالة الطهارة ونحوها، وان لم تكن حجة فلا مخصص لاطلاقها، وأما إذا شك في حجيتها، فحيث أن مرجعه إلى الشك في تخصيص أدلة الاصول العملية بغير موارده، فلا مانع من التمسك باطلاقها، لأن المقتضي وهو الاطلاق موجود والمانع مفقود.
نعم بناء على ما ذكره المحقق النائيني? من ان معنى حكومة الامارات على الاصول العملية، هو أنها تنفي موضوعها تعبداً وهو الشك، باعتبار أن الامارات علم شرعاً( )، فلا يمكن التمسك باطلاق أدلة الاصول العملية الشرعية في موارد الشك في الحجية، لأنه من التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية، فإن الامارات إن كانت حجية في الواقع، فلا موضوع لها شرعاً لكي يمكن التمسك باطلاقها، وأن لم تكن حجة فيه، فلا مانع من التمسك به، فإذا شك في انها حجة في الشريعة المقدسة أولاً، فبطبيعة الحال يشك في وجود موضوعها وتحققه، ومعه لا يمكن التمسك باطلاقها، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية وهو لا يمكن.
ولكن ما ذكره? غير تام، لانه مبني على مسلكه? في باب الامارات من أن المجعول فيها ا لطريقية والكاشفية واعتبارها علما تعبداً، وعليه فبطبيعة الحال تكون حاكمة عليها ورافعة لموضوعها تعبداً هذا.
ولكن قد تقدم موسعاً ان هذا المسلك غير تام ولا يمكن الالتزام به ثبوتاً ولا إثباتاً، وأما إذا قلنا بأن تقديم الامارات على الاصول العملية الشرعية من باب الورود، فأيضاً لا يكون موضوع الاصول العملية محرزاً في موارد الشك في حجية الامارات، ومع عدم احرازه، لا يمكن التمسك باطلاق ادلتها، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وتفصيل كل ذلك ياتي في مبحث التعادل والترجيح.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي ان الشك في الحجية في مرتبة الجعل لا يمكن ان يكون مساوتاً للقطع بعدمها في هذه المرتبة الابناءً على ان العلم بالحجية في هذه المرتبة مأخوذ في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، فإنه على هذا المبنى إذا شك شخص في حجية الامارة، فهو قاطع بعدم جعلها للشاك والجاهل.
وأما ما ذكره السيد الاستاذ? من ان تنجيز الواقع ليس من آثار حجية الامارات بل هو مستند إلى العلم الاجمالي الكبير أو الصغير( ).
فلا يمكن المساعدة عليه، أما أولاً فلان الامارات كاخبار الثقة وظواهر الكتاب والسنة إذا ثبتت حجيتها شرعاً كما هو كذلك، أنحل العلم الاجمالي الكبير بها، ولا علم بثبوت الاحكام الشرعية في غير مواردها، فإذا انحل العلم الاجمالي فبطبيعة الحال يستند تنجيز الاحكام الشرعية في موارد الامارات إلى حجيتها، ضرورة أنه لا منجز لها غيرها بعد انحلال العلم الاجمالي، ولا يعقل بقاء المعلول بعد ارتفاع العلة، فإذا علمنا اجمالاً في يوم الجمعة إما بوجوب صلاتها فيه أو صلاة الظهر، وحينئذٍ فإذا قامت الامارة المعتبرة كخبر الثقة على وجوب صلاة الجمعة فيه دون صلاة الظهر، إنحل العلم الاجمالي شرعاً، فإذن لامانع من الرجوع إلى أصالة البراءة عن وجوب صلاة الظهر، بل لاحاجة إلى التمسك باصالة البراءة لنفي وجوب صلاة الظهر، فإن الامارة تدل بالدلالة المطابقية على وجوب صلاة الجمعة في يومها وبالالتزام على نفي وجوب صلاة الظهر فيه، للقطع بأن الواجب في هذا اليوم صلاة واحدة، واحتمال وجوب الصلاتين فيه غير محتمل، وهذا القطع الوجداني يشكل الدلالة الالتزامية للامارة الدالة على وجوب صلاة الجمعة، ولهذا لا يمكن أن يكون تنجيز وجوب صلاة الجمعة مستنداً إلى العلم الاجمالي المنحل، فإن لازم ذلك بقاء المعلول بدون العلة وهذا كما ترى، فإذن لا محالة يكون تنجيزه مستنداً إلى الامارة.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أن العلم الاجمالي لا ينحل بقيام الامارات المعتبرة على بعض اطرافه، فمع هذا لا يكون التنجيز مستندا إلى العلم الاجمالي فحسب دون الامارة، وذلك لان التنجيز معلول للمنجز ويدور مداره وجوداً وعدما، ولا يمكن بقاء المعلول مع انتفاء العلة، لانه مرتبط بها ذاتاً وحقيقة بل هو عين الربط، وعلى هذا فالتنجيز في كل آن بحاجة إلى وجود المنجز في هذا الان ولا يكفي وجوده في الآن السابق، وحينئذٍ فإذا اجتمع على الواقع منجزان في آن واحد، فبطبيعة الحال يستند تنجيزه إلى كلا المنجزين معاً، بحيث يكون كل منهما جزء العلة لاتمامها كما هو الحال في جميع موارد اجتماع علتين مستقلتين على معلول واحد، إذ لا يمكن أن يكون مستنداً إلى احداهما المعين دون الاخرى، لانه ترجيح من غير مرجح، وأما تقدم احدى العلتين على الاخرى في الوجود، فهو لا يصلح أن يكون مرحجاً ومانعاً عن تأثير الاخرى، لأن وجود المعلول في كل آن مرتبط بوجود العلة في هذا الآن ولا أثر لوجودها في الآن السابق، لان وجودها وعدم وجودها في ذلك الآن على حد سواء، وعلى هذا فإذا قامت امارة على وجوب صلاة الجمعة في يومها، ففي آن قيامها على وجوبها قد اجتمع عليه منجزان: أحدهما العلم الاجمالي والاخر الامارة المعتبرة، وعندئذٍ فبطبيعة الحال يستند تنجز وجوبها إلى مجموع المنجزين لا إلى أحدهما المعين دون الاخر، وعلى هذا فيكون التنجيز مستنداً إلى الامارة أيضاً، غاية الامر بنحو الاشتراك، فما أفاده? من أن التنجز مستند إلى العلم الاجمالي دون الامارة غير تام.
بقي هنا شيء وهو ان للمحقق الخراساني? في المقام كلاماً وحاصل هذا الكلام، ان صحة الاستناد إلى الامارة في مقام العمل والافتاء وصحة اسناد مؤداها إلى الشارع ليست من آثار حجيتها، إذ يمكن أن لا يكون الشيء حجة، ومع هذا يصح اسناد مؤداه إلى الشارع والاستناد إليه في مقام العمل إذا قام دليل على ذلك، ويمكن ان يكون الشي حجة ومع ذلك لا يصح اسناد مؤداه إلى الشارع كالظن الأنسدادي على القول بالحكومة، ومن هنا اشكل على شيخنا الأنصاري? القائل بأن صحة الاستناد إلى الامارة في مقام العمل وصحة اسناد مؤداها إلى الشارع من آثار حجيتها( ) هذا.
وما افاده? لا يمكن المساعدة عليه.
أما ما ذكره? من انه يمكن ان لا يكون شيء حجة ومع ذلك يصح اسناد مؤداه إلى الشارع، فهو مجرد فرض لا واقع موضوعي له، ضرورة أن الدليل لودل على صحة اسناد مؤدى الامارة إلى الشارع، لدل بالالتزام على انها حجة، لوضوح ان معنى حجية شيء صحة اسناد مؤداه إلى الشارع وصحة الاستناد إليه في مقام العمل، إذ لا يمكن افتراض انه يصح اسناد مؤدى الامارة إلى الشارع ويصح الاستناد إليها في مقام العمل ومع ذلك أنها لا تكون حجة، فالنتيجة أن ما دل على صحة اسناد مؤدى الامارة من الوجوب أو الحرمة أو غيرها إلى الشارع بالمطابقة، فبطبيعة الحال يدل بالالتزام على حجيتها ولا يمكن التفكيك بينهما، ضرورة أنه كيف يمكن صحة الاسناد والاستناد إلى شيء وهو لا يكون حجة.
وأما ما ذكره ? من أنه إذا قام دليل من الخارج على صحة أسناد مؤدى الامارة إلى الشارع، فيصح اسناده إليه وان لم تكن الامارة حجة، فلا يرجع إلى معنى صحيح، لان مفاد الدليل الخارجي إن كان ثبوت مدلول هذه الامارة في الشريعة المقدسة فمعناه انها حجة، إذ كيف يعقل ثبوت مدلولها شرعاً بدون كونها حجة، غاية الأمر ان الدليل الخارجي يدل بالمطابقة على ثبوت مدلولها بما هو مدلولها وبالالتزام على حجيتها للملازمة بينهما وعدم امكان التفكيك، وان كان مفاده ثبوت هذا المدلول والمضمون في الشريعة المقدسة، سواء أكان مدلول هذه الامارة ومضمونها أم لا، فلا يدل بالالتزام على حجيتها، لانه يدل على ثبوت هذا المدلول والمضمون ولا يدل على ثبوته بعنوان انه مدلول هذه الامارة ومضمونها، وحينئذٍ فلا يصح اسناده إلى الشارع بعنوان انه مدلولها ومضمونها، ويصح بعنوان انه ثابت في الشريعة المقدسة وهذا خارج عن محل كلامه.
وأما ما ذكره? من أن الظن الانسدادي على القول بالحكومة حجة ومع ذلك لا يصح اسناد مؤداه إلى الشارع فهو غريب جداً، لان الظن الانسدادي على القول بالحكومة ليس بحجة شرعاً، وأما عقلاً فلان العقل ليس بجاعل، لان شأنه الادراك دون الجعل، وعليه فمعنى حكم العقل بحجية الظن على القول بالحكومة إنما هو حكمه بوجوب الاحتياط في خصوص المظنونات دون المشكوكات والموهومات، إذ العقل إنما يحكم بهذا التبعيض بعد ما لا يمكن الاحتياط التام، ونتيجة مقدمات الاسنداد على القول بالحكومة هي وجوب الاحتياط التام عقلاً، وبما أنه غير ممكن او حرجي، فلا مناص من التبعض فيه ويتعين التبعيض في الاحتياط بالمظنونات دون المشكوكات والموهومات، وأما العكس فهو لا يمكن لاستلزامه ترجيح المرجوح على الراجح.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بالنتائج التالية:
الأولى: أن ما ذكره السيد الاستاذ ? من أن الشك في الحجية في مرتبة الجعل لا يعقل أن يكون مساوقاً للقطع بعدمها في نفس هذه المرتبة، مبني على عدم امكان اخذ القطع بالحجية في مرتبة الجعل في موضوع نفسها في مرتبة المجعول، وأما بناء على امكان ذلك، فلا مانع على تفصيل تقدم.
الثانية: ان المراد من اصالة عدم الحجية هي الاصول العملية الشرعية والعقلية، وهذه الاصول كما هي مؤمنة في موارد القطع بعدم حجية الامارة كذلك مؤمنة في موارد الشك فيها.
الثالثة: ان مرجع الشك في حجية الامارة إلى احتمال ثبوت حكم ظاهري طريقي، وهذا الاحتمال منجز للواقع لو لا الاصول المؤمنة التي تدل على عدم تنجيزه، ولايدل دليل اصالة البراءة أو الاستصحاب على نفي الحجية وان كان دليلها قطعيا، باعتبار ان مفادها التعذير ونفي استحقاق العقوبة في ظرف الشك والاحتمال لانفي الموضوع وهو احتمال الحجية والشك فيها، فإن الاصول المؤمنة تدل على شلّ هذا الاحتمال وعدم تأثيرة وتنجيزه للواقع لا على نفيه كما هو الحال في موارد الشك في التكليف واحتمال ثبوته في الواقع مع القطع بعدم حجية الامارة في مواردها. ومن هنا يظهر انه لا فرق بين ان يكون دليل هذه الاصول المؤمنة قطعياً أو ظنياً، فإنه على كلا التقديرين لا يفيد القطع بعدم الحجية ولا يوجب نفي احتمالها.
الرابعة: ان ما ذكره السيد الاستاذ ? من ان التنجيز والتعذير ليسا من آثار حجية الامارات غير تام ولا يبتنى على اساس صحيح.
الخامسة: ان ما ذكره المحقق الخراساني ? من ان صحة اسناد مؤدى الامارة إلى الشارع وصحة الاستناد إليها في مقام العمل، ليستا من آثار حجية الامارة غير صحيح، بل لا يرجع إلى معنى محصل كما تقدم.
الوجه الثاني: ما ذكره شيخنا الأنصاري ? من أن مقتضى اطلاق الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن عدم جواز الاعتماد على الإمارات المشكوك حجيتها، لأن المتيقن هو تخصيص عموم هذه الآيات والروايات بالإمارات المعتبرة، واما تخصيص عمومها بالامارات المشكوكة فهو غير معلوم بل معلوم العدم، لانه من الشك في التخصيص الزائد والمرجع فيه عموم تلك الآيات والروايات.
والخلاصة أن الآيات والروايات الناهية عن العمل بالظن تشمل الامارات المشكوكة وتدل على عدم جواز العمل بها، وعلى هذا فلا تكون تلك الامارات منجزة للواقع عند الاصابة ومعذرة لدى الخطاء، ولا يصح اسناد مؤداها إلى الشارع كما لا يصح الاستناد إليها في مقام العمل، وهذا معنى ان الأصل الأولي عند الشك في حجية الإمارات عدم حجيتها( ) هذا.
وقد اورد عليه المحقق النائيني ? بأن تقديم الامارات المعتبرة على العمومات الناهية من الكتاب والسنة إنما هو من باب الحكومة لا من باب التخصيص، بتقريب ان معنى حجية الامارات جعل الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي، فإذا كانت الإمارات علماً تعبداً بمقتضى دليل حجيتها، فهي رافعة لموضوع هذه العمومات، وحينئذٍ فالعمل بها ليس عملاً بالظن بل عمل بالعلم، وعلى هذا فخروج الامارات المعتبرة عن تلك العمومات يكون موضوعيا لاحكمياً، ونتيجة ذلك هي انه إذا شك في حجية أمارة، فلا يكون هذا الشك شكاً في التخصيص الزائد حتى يتمسك بها لنفيه، بل شكا في تحقق موضوع هذه العمومات، فإن هذه الامارة إن كانت حجة في الواقع فهي علم تعبداً لاظن وخارجة عنها موضوعاً لاحكماً، وان لم تكن حجة فهي ظن وداخلة في موضوعها، وعلى هذا فالشك في حجيتها يرجع إلى الشك في تحقق موضوع تلك العمومات وعدم تحققه ومعه لا يمكن التمسك بها، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، باعتبار أنها لا تدل على ان الامارة ليست بعلم بل تدل على عدم جواز العمل بها على تقدير كونها ظناً، أما أن هذا التقدير ثابت أو غير ثابت، فهي ساكتة عنه وغير ناظرة إلى ثبوته ولا إلى عدم ثبوته كما هو الحال في جميع القضايا الحقيقية( ).
وان شئت قلت ان موضوع هذه العمومات الظن بالواقع وتدل على حرمة العمل به، وحيث انها قضية حقيقية، فترجع إلى قضية شرطية مقدمها وجود الموضوع وتاليها ثبوت المحمول له، وعليه فمفادها حرمة العمل بالظن على تقدير تحققه في الخارج، وأما انه متحقق فيه أو لا، فلا تدل عليه، واحراز تحققه فيه لابد أن يكون من طريق آخر، وعلى هذا فإذا شك في حجية أمارة، كان مرجعه إلى الشك في أنها علم أو ظن، فإن كانت حجة في الواقع، كانت علما رافعاً لموضوع العمومات الناهية، وان لم تكن حجة فهي ظن ومشمولة لها، وحيث أنا نشك في أنها حجة أو لا، فبطبيعة الحال نشك في تحقق موضوعها، ومع هذا الشك فلا يمكن التمسك بها، لانه من التمسك بالعالم في الشبهة المصادقية، هذا نظير ما إذا امر المولى باكرام كل عالم وشك في ان زيداً عالم أو لا، فلا يمكن التمسك بعموم أكرم كل عالم، لانه من التمسك بالعام في الشبهة الموضوعية، وقد ناقش فيه السيد الاستاذ ? بامرين:
الأول: ان النهي عن العمل بالظن في الآيات والروايات نهي ارشادي لامولوي، ويكون مفاده الارشاد إلى ما استقل به العقل وهو تحصيل المؤمن من العقاب في مقام الامتثال والطاعة، حيث ان تمام هم العبد في هذا المقام هو الخروج عن المسؤلية أمام الله تعالى والادانة والعقاب لا الوصول إلى الواقع، فالامارة إذا كانت معتبرة فالعمل بها مؤمن وان كانت مخالفة للواقع، ومن الواضح أن المؤمن من العقاب ليس ذات الامارة بل القطع بحجيتها شرعاً مباشرة كان أم بالواسطة بقانون أن كل ما بالغير لابد أن ينتهي إلى ما بالذات، وكذلك الاصول العملية فإنها إذا كانت معتبرة مؤمنة من العقوبة على مخالفة الواقع.
وأما إذا لم تكن الامارة معتبرة شرعاً، فلا تكون مؤمنة، لأن ملاك مؤمنيتها القطع بحجيتها، فطالما لم يكن المكلف قاطعاً بها فلا تكون مؤمنة، ومفاد الادلة الناهية عن العمل بالظن الارشاد إلى أن الظن بما هو ظن ليس بمؤمن، والمؤمن إنما هو القطع وهو غير موجود، وعلى هذا فخروج الامارات المعتبرة عن عموم تلك الادلة ليس بالتخصيص ولا بالحكومة وإنما هو بالورد، لان موضوع الادلة الناهية الظن بما هو غير مؤمن، باعتبار انه موضوع حكم العقل بتحصيل المؤمن، فإذا جعل الشارع الامارة حجة فهي مؤمنة وجدانا، فإذن تبدل غير المؤمن بالمؤمن بالعلم الوجداني، وعليه فينتفي النهي في تلك الادلة بانتفاء موضوعه وجدانا( ).
والخلاصة أن الامارات المعتبرة كما أنها واردة على العمومات المذكورة ورافعة لموضوعها وجداناً، كذلك أنها واردة على قاعدة قبح العقاب بلا بيان ورافعة لموضوعها وهو عدم البيان وجداناً، أو فقل: أن بيانية الامارة المظنونة ومؤمنيتها متقومتان بالقطع بحجيتها، فالامارة من جهة اتصافها بصفة البيان وجداناً رافعة لموضوع قاعدة قبح العقاب بلا بيان كذلك، ولهذا يكون تقديمها عليها من باب الورود، وكذلك على العمومات الناهية عن العمل بالظن، لان موضوعها ليس ذات الظن بل بصفة أنه غير مؤمن، وأما إذا اتصف بهذه الصفة واقعاً فيرتفع موضوعها وجداناً، ومن هنا فالامارات المعتبرة خارجة عن موضوعها واقعاً وحقيقة، حيث ان موضوعها الامارات المظنونة بقيد عدم كونها مؤمنة لا مطلقاً.
فالنتيجة أن ما ذكره كل من شيخنا الانصاري? من أن خروج الامارات المعتبرة عن العمومات المذكورة إنما هو بالتخصيص والمحقق النائيني ? من ان خروجها عنها إنما هو بالحكومة، مبني على أن يكون مفاد العمومات المذكورة النهي المولوي، ولكن الامر ليس كذلك كما عرفت.
الثاني: أنا لو سلمنا ان مفادها النهي المولوي، فحينئذٍ وان كان ما افاده المحقق النائيني ? من أن تقديم الامارات المعتبرة على العمومات الناهية عن العمل بالظن إنما هو بالحكومة صحيحاً، على اساس ان معنى حجية الامارات أنها علم في عالم التشريع، فاذن يكون خروجها عنها موضوعياً لا حكمياً، إلا أن ذلك لا يمنع من التمسك بها عند الشك في حجية الامارة، ولا يكون هذا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، وقد افاد في وجه ذلك ان الحكومة مترتبة على حجية الامارة بوجودها العلمي لا بوجودها الواقعي، فإذا وصلت حجية الامارة إلى المكلف، كانت حاكمة على العمومات المذكورة ورافعة لموضوعها تعبداً، وأما إذا لم تصل إليه وان كانت حجة في الواقع، فلا تكون حاكمة عليها، فإذن لا مانع من شمول العمومات لها ولا يمكن التمسك بها بالنسبة إليها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان الشبهة في المقام إنما تكون مصداقية إذا كانت حكومتها بملاك حجيتها في الواقع، فعندئذٍ إذا شك في انها حجة أو لا، فلا يجوز التمسك بها، لانه شك في تحقق موضوعها، وأما إذا كانت بملاك حجيتها الواصلة، فلا تكون الشبهة مصداقية للقطع بعدم وصولها.
فالنتيجة أن حكومة الامارات المعتبرة على العمومات المذكورة ان كانت بملاك حجيتها الواقعية فالشبهة مصداقية، وان كانت بملاك حجيتها الواصلة لم تكن الشبهة مصداقية هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان حكومة الامارات المعتبرة على العمومات المتقدمة لو كانت بملاك حجيتها الواقعية، فلا يمكن التمسك بعموم أدلة الاصول العملية في كل مورد يحتمل وجود الحجة فيه، ومع هذا الاحتمال تكون الشبهة مصداقية، باعتبار ان احتمال وجود الحجة في الواقع في مواردها مساوق للشك في تحقق موضوعها فيها ومعه لا يمكن التمسك بعموم أدلتها، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، ولا فرق في ذلك بين الشبهات الحكمية والموضوعية، كما انه لا فرق بين ان يكون الشك في أصل وجود الحجة أو في حجية الموجود، ولذلك لا يمكن ان تكون حكومة الامارات المعتبرة على العمومات الناهية من جهة حجيتها بوجودها الواقعي والالزم هذا المحذور، فإذن لا محالة تكون حكومتها عليها من جهة حجيتها بوجودها العلمي الواصل.
ولنا تعليق على ما ذكره المحقق النائيني ? وتعليق على ما ذكره السيد الاستاذ ?.
أما الأول: فلان ما ذكره المحقق النائيني ? من الحكومة، مبني على أن يكون المجعول في باب الامارات الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي، ولكن قد ذكرنا في غير مورد انه لا جعل ولا مجعول في باب الامارات بمقتضى دليل حجيتها لا الطريقية والكاشفية ولا المنجزية والمعذرية ولا الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالف في صورة عدم المطابقة، لما ذكرناه من أن عمدة الدليل على حجيتها بناء العقلاء على العمل بها وإمضاء الشارع لهذا البناء، وقد تقدم انه يكفي في الامضاء السكوت وعدم الردع، فلهذا ليس في هذا الباب شيء مجعول من قبل الشارع فضلاً عن كون المجعول الطريقية والعلم التعبدي، بل قد تقدم ان جعلها للإمارات ثبوتاً لا يمكن حتى يصل الدور إلى مقام الاثبات، هذا مضافاً إلى قصور الدليل في هذا المقام، لان عمدة الدليل فيه سيرة العقلاء على العمل بها، ومن الواضح انها لا تدل على الجعل فيها ولا تكشف عنه، لانها عبارة عن عملهم بها كعملهم باخبار الثقة دون اخبار غيرها، وحيث ان عملهم بها لا يمكن ان يكون جزافاً وبلانكتة، فالنكتة فيه قوة درجة الكشف النوعي لاخبار الثقة عن الواقع من اخبار غير الثقة فلا جعل في البين من قبل العقلاء، وأما من قبل الشارع فلا يكون إلا امضاء هذه السيرة وتقريرها، ويكفي في الامضاء السكوت وعدم الردع، نعم هذا الامضاء يكون منشاءً لا نتزاع الحجية لها بمعنى المنجزية والمعذرية، وهذا معنى ما ذكرناه من انه لا جعل ولا مجعول في باب الامارات، وأما الآيات والروايات على تقدير دلالتها على حجية اخبار الثقة وظواهر الالفاظ، فمفادها الارشاد إلى السيرة والتأكيد لها، لا أن مفادها التأسيس، ولذلك لا مجال للبحث عن ان المجعول في باب الامارات هل هو الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي أو المنجزية والمعذرية أو الحكم الظاهري المماثل أو المخالف وقد تقدم تفصيل كل ذلك.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان المجعول في باب الامارات هو الطريقية والكاشفية، فحينئذٍ وان كانت الامارة المعتبرة حاكمة على العمومات المذكورة، إلا أنا ذكرنا في محله ان مرجع الحكومة إلى التخصيص في الواقع ومقام الثبوت ولكن بلسان نفي الموضوع تعبداً لا واقعاً، لان التخصيص تارة يكون بلسان نفي الحكم واخرى بلسان نفي الموضوع تعبداً ولكن في الحقيقة نفي الحكم لا الموضوع.
وعلى هذا فحكومة الامارات المعتبرة على العمومات الناهية لا توجب انقلاب الواقع وجعل ما ليس بعلم علما، ضرورة ان هذه الامارات أمارات ظنية، ومجرد ان الشارع اعتبرها علماً وطريقاً إلى الواقع، لا تصبح علماً واقعاً وإنما صارت علماً في عالم الاعتبار والجعل لا في عالم الواقع، ومن الواضح ان كون الشبهة مصداقية إنما هو بلحاظ عالم الواقع والخارج، فإذا قال المولى أكرم كل عالم وشككنا في ان زيداً عالم أو لا، كانت الشبهة مصداقية، وحيث ان موضوع العمومات الناهية عدم العلم، فالرافع لموضوعها إنما هو العلم الوجداني، وأما الامارات الظنية وان كانت حجة فهي ليست بعلم واقعاً وإنما هي علم في عالم الاعتبار والجعل وهو لا يؤثر في الواقع، فاذن يكون خروجها عن تلك العمومات حكمياً لا موضوعياً، غاية الأمر ان لسان الدليل في مقام الاثبات نفي الموضوع تعبداً لا واقعاً، وعلى هذا فإذا شك في حجية امارة، كان الشك في التخصيص الزائد والمرجع فيه هو عموم الادلة الناهية، إذ لا شك في تحقق موضوعها وهو عدم العلم والظن، حيث لا شبهة في أنها من افراده، فإذن لا تكون الشبهة مصداقية.
وان شئت قلت ان الشبهة المصداقية إنما هي في مرحلة التطبيق الخارجي أي انطباق موضوع العام على أفراده في الخارج، وهذا الانطباق امر قهري، فطالما يكون الفرد فرداً له فهو منطبق عليه قهراً وذاتاً، ولا يمكن نفي هذا الانطباق الذي هو امر تكويني بالاعتبار والجعل، بداهة ان اعتبار زيد العالم غير عالم لا يمنع عن انطباق العالم عليه، إذ لا قيمة لهذا الاعتبار من هذه الناحية، لان الاعتبار لا يمكن ان يؤثر في التكوين وإنما تكون له قيمة بالنسبة إلى الآثار الشرعية التي هي بيد الشارع فحسب.
فالنتيجة أنه لا مانع من التمسك بالعمومات المذكورة بالنسبة إلى الامارات التي يشك في حجيتها، حيث أنه لا يشك في انطباق موضوع هذه العمومات
عليها، والشك إنما هو في ثبوت حكمها لها وهو حرمة العمل بها، فما ذكره المحقق النائيني ? من عدم جواز التمسك بها عند الشك في الحجية معللاً بانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لا يمكن المساعدة عليه.
وأما الثاني: وهو التعليق على ما أفاده السيد الاستاذ?:
أما ما افاده ? أولاً من أن مفاد العمومات الناهية عن العمل بالظن من الآيات ووالروايات أرشاد إلى ما استقل به العقل وهو لزوم تحصيل المؤمن في مقام الامتثال والطاعة، ومن هنا ذكر ? انه لو لم تكن تلك العمومات، كفى حاكم العقل بذلك، فيرد عليه ان مفادها وان لم يكن حكما تكليفياً مولوياً وهو حرمة العمل بالظن شرعاً كحرمة أكل مال الغير مثلاً بدون اذنه، إلا انه ليس بارشادي صرف أيضاً بحيث يكون في الحقيقة إخباراً عن حكم العقل بدون أعمال المولوية فيه، بل ارشاد إلى عدم حجية الظن شرعاً، وعلى هذا فتكون هذه العمومات الناهية في عرض أدلة حجية الامارات الظنية، لانها تدل على أن الشارع جعل هذه الامارات حجة والعمومات المذكورة تدل على أنها ليست بحجة.
وبكلمة واضحة أن مفاد العمومات الناهية ليس حرمة العمل بالظن حرمة تكليفية، كما أن مفادها ليس مجرد الارشاد إلى حكم العقل والاخبار عنه، فإن كلا الأمرين غير محتمل.
أما الأمر الأول فلا يعقل أن يكون العمل بالظن محرماً ذاتاً، وذلك لان معنى العمل بالظن هو الاتيان بمؤداه، فإن كان مطابقاً للواقع بأن يكون الواقع الوجوب، فلا معنى لحرمته بل لا يعقل، لاستلزامه اجتماع الضدين في مرحلة المبادي كالمصلحة والمفسدة والارادة والكراهة والحب والبغض، فإن اجتماعهما في شيء واحد مستحيل، وان كان الواقع الحرمة، فيحنئذٍ وان كان لا يلزم اجتماع الضدين لافي مرحلة الجعل ولا في مرحلة المبادي، وأما في الأولى فلان اجتماع حرمتين في شيء واحد بما هما امران اعتباريان فلا محذور فيه، وأما في الثانية فلان احدى المفسدتين تندك في الاخرى فتصبحان مفسدة واحدة أقوى واكد من كل منهما بحدها، ولكن لا يمكن الالتزام به في مقام الاثبات إلا أن يكون المراد من الحرمة الحرمة التشريعية كما هو غير بعيد.
وأما الأمر الثاني فلان حمل هذه العمومات الناهية على مجرد الاخبار عن حكم العقل بدون أعمال المولوية اصلا بحاجة إلى قرينة، لان كل كلام صادر من المولى ظاهر في المولوية وحمله على الاخبار بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك، وحيث انه لا قرينة على هذا، فلا يمكن حملها عليه، فإذن يتعين حملها على الارشاد إلى عدم حجية الامارات الظنية فإن فيه أعمال المولوية، لان جعل الحجية وعدم جعلها بيد المولى، وعليه فلا يكون مفادها مجرد الارشاد بل فيه أعمال المولوية أيضاً، هذا نظير أدلة الاجزاء والشرائط، فإن مفادها ليس الحكم التكليفي فحسب كوجوب الاتيان بها، بل مفادها الارشاد إلى جزئيتها وشرطيتها، ومن هنا قلنا أن الاوامر المتعلقة باجزاء العبادات والمعاملات وشرائطها، ظاهرة في الارشاد إلى الجزئية أو الشرطية.
وأما ما فاداه ? ثانياً من أن حكومة الامارات المعتبرة على العمومات المذكورة ليست بملاك حجيتها بوجودها الواقعي حتى لا يمكن التمسك بها بالنسبة إلى الامارات المشكوكة، باعتبار انه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية بل بملاك حجيتها بوجودها العلمي الواصل، وحيث ان حجية تلك الامارات غير واصلة، فلا مانع من التمسك بها لاثبات حرمة العمل بالامارات، ولا يكون هذا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
فيرد عليه أولاً ما عرفت من أن مفاد العمومات المذكورة الارشاد إلى عدم حجية الظن في الشريعة المقدسة، ولهذا يكون في عرض أدلة حجيته، ولا فرق في ذلك بين أن تكون الحجية بمعنى الطريقية والكاشفية أو المنجزية والمعذرية أو التنزيل أو الحكم الظاهري المماثل أو المخالف، لان مفاده العمومات عدم جعل الحجية لها باي معنى كانت، وعلى هذا فإذا ثبتت حجية الامارة كاخبار الثقة، فيكون دليل حجيتها مخصصاً للعمومات المذكورة، لان مفادها نفي مدلولها وهو عدم الحجية لا نفي موضوعها، ونسبته إليها نسبة الخاص إلى العام، وعلى هذا فإذا شك في حجية إمارة، فحيث انه من الشك في التخصيص الزائد، فلا مانع من التمسك بالعمومات لإثبات عدمه.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان تقديم الامارات المعتبرة عليها يكون من باب الحكومة الامن باب التخصيص، فمع ذلك لامانع من التمسك بها بالنسبة إلى الامارات التي كان يشك في حجيتها، لما تقدم من ان مرجع الحكومة إلى التخصيص في مقام الثبوت والواقع، ولا فرق بينهما في هذا المقام، وإنما الفرق بينهما في مقام الاثبات، فإن لسان الدليل الحاكم نفي الموضوع ظاهراً وتعبداً لا واقعاً، ولسان الدليل المخصص نفي الحكم مباشرة، ولكن لا أثر لهذا المقدار من الفرق بينهما ولا يمنع من التمسك بالعمومات المذكورة ولا يكون من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان التمسك بالعام فيها إنما هو في مرحلة الانطباق، فإذا كان الموجود في الخارج من أفراده، كان انطباقه عليه قهرياً، وحينئذٍ فإذا شك في ثبوت حكمه له، فلا مانع من التمسك بعمومه لاثبات انه محكوم بحكمه، وحيث أن الامارات التي يشك في حجيتها مصداق لها حقيقة وواقعاً، فبطبيعة الحال يكون انطباقها عليها قهرياً باعتبار أنها من أفراد موضوعها واقعاً، وحينئذٍ فإذا شك في ثبوت حكمها لها، فلا مانع من التمسك بها لاثبات حكمه، ولا يكون هذا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ومجرد ان لسان الدليل الحاكم نفي الموضوع تعبداً، فإنه لا يمنع عن الانطباق كيف فإن الانطباق أمر تكويني ونفي الموضوع أمر اعتباري، ولا يعقل أن يؤثر الامر الاعتباري في الامر التكويني والا لكان تكوينياً وهذا خلف.
وأما ما ذكره السيد الاستاذ ? من ان الحكومة ليست من آثار الحجية الواقعية بل من آثار الحجية الواصلة، وعلى هذا فلا يكون التمسك بالعمومات المذكورة بالنسبة إلى الامارات المشكوك حجيتها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية باعتبار أنه لا أثر لاحتمال حجيتها.
فلا يمكن المساعدة عليه، إذ لا شبهة في أن الحكومة من آثار الحجية الواقعية، فإن معنى حجية الامارات الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي، فإذا كانت الامارة حجة في الواقع بهذا المعنى، كانت حاكمة على العمومات المذكورة وان لم تصل، لان حكومتها من آثار حجيتها بمعنى الطريقية والعلمية، وأما إذا كانت حجيتها بمعنى المنجزية والمعذرية أو الحكم الظاهري فلا تكون حاكمة عليها، فالنتيجة أن حكومة الامارة منوطة بان يكون المجعول فيها الطريقية والعلم التعبدي، فإذا كان المجعول فيها ذلك، كانت حاكمة عليها وان لم يصل إلى المكلف.
وان شئت قلت ان حاكمية الامارات على العمومات الناهية منوطة بان يكون المجعول فيها الطريقية والعلم التعبدي، فإذا كان المجعول فيها ذلك كانت حاكمه عليها، سوأ أكان المكلف عالماً بها أم لا، هذا اضافه إلى أن حكومتها لوكانت منوطة بوصول طريقيتها، فلازم ذلك أن تكون الامارات واردة عليها لا أنها حاكمة، لان معنى ذلك أن موضوع دليل المحكوم مقيد بعدم وصول طريقيتها لا بعدم طريقيتها في الواقع، فالوصول قيد مقوم للدليل الحاكم.
والخلاصة ان حكومة الامارات على هذا القول ان كانت بملاك ان المجعول فيها الطريقية والعلم التعبدي من دون دخل لوصولها والعلم بها في حكومتها، فمعنى ذلك أن موضوع الدليل المحكوم مقيد بعدم طريقيتها شرعاً في الواقع، لان ملاك حكومتها اتصافها بالطريقية والعلم التعبدي، ومن الواضح أنها تتصف بذلك بمجرد جعل الشارع الطريقية لها، ولا يتوقف على وصولها والعلم بها وان كانت بملاك وصول طريقيتها والعلم بها، فمعنى ذلك ان موضوع الدليل المحكوم مقيد بعدم وصولها والعلم بها، فإذن تكون الامارات على هذا القول واردة عليها لاحاكمة، لانها رافعة بوصولها لموضوعها وجداناً وهو عدم الوصول.
تحصل ان تقديم الامارات على العمومات المذكورة إن كان بملاك حجيتها بمعنى الطريقية بوجودها الواقعي فيكون من باب الحكومة، وان كان بملاك حجيتها بوجودها العلمي الواصل فيكون من باب الورود، فما ذكره السيد الاستاذ ? من ان التقديم بملاك حجيتها الواصلة ومع ذلك يكون من باب الحكومة لاوجه له، هذا اضافة إلى ان التقديم لو كان بملاك وصول الحجة والعلم بها، فلا فرق بين أن تكون الحجية بمعنى جعل الطريقية والعلم التعبدي أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو الحكم الظاهري، ضرورة انه لا خصوصية لوصول الحجية بمعنى الطريقية والعلم التعبدي حتى يكون موضوع الدليل المحكوم مقيداً بعدمه، بل موضوعه مقيد بعدم العلم بالحجة وهو يرتفع وجداناً بالعلم بها وان كانت بمعنى المنجزية والمعذرية أو الحكم الظاهري.
لحد الآن قد تبين ان الآثار المترتبة على الحجية على قسمين: أحدهما
ما يترتب على الحجية الواصلة مطلقاً أي بلا فرق بين ان تكون الحجية
بمعنى الطريقية والعلم التبعدي أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو الحكم الظاهري، الثاني ما يترتب على قسم خاص منها وهو الحجية بمعنى الطريقية والعلم التعبدي لا مطلقاً كالحكومة، فإنها مترتبة على اتصاف الامارة بالطريقية والعلم التعبدي في الواقع، والمفروض أنها متصفة بها بمجرد جعل الشارع الطريقية لها وان لم يعلم المكلف بها.
وأما ما ذكره ? من النقض بمعمومات أدلة الاصول العملية التي قد اخذ الشك وعدم العلم في موضوعها فهو غير تام لامرين:
الأول: ان حقيقة الحكومة هي التخصيص في الواقع وارتفاع الحكم مع بقاء الموضوع، غاية الامر أن لسان الدليل الحاكم نفي الموضوع في مقام الاثبات تعبداً لا واقعاً، وقد تقدم ان هذا لا يغيّر الواقع ولا يجعل ما ليس بعلم علماً ولا يزول الشك، ضرورة أن اعتبار الشارع الامارة علماً لا يؤثر في واقعها التكويني، والمفروض أن الشبهة الموضوعية إنما هي بلحاظ الانطباق الخارجي، فإذا كان موضوع العام موجوداً في الخارج واقعاً، انطبق عليه العام قهراً وذاتاً والا فلا، وحيث ان موضوع عمومات أدلة الاصول العملية الشرعية موجود في موارد الامارات المشكوك حجيتها واقعاً وهو الشك وعدم العلم، ومجرد احتمال أنها حجة في الواقع لا يؤثر فيه ولا يصلح ان يكون منشأً للشك في تحقق موضوعها، كيف فإن موضوعها الشك وعدم العلم وهو متحقق بالوجدان، وقد عرفت استحالة تأثير الامر الاعتباري في الامر التكويني، فإذن لا مانع من التمسك بعمومات أدلة الاصول العملية في موارد الامارات المشكوك حجيتها ولا يكون هذا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية.
الثاني: على تقدير تسليم انه لا يمكن التمسك بعمومات أدلة الاصول العملية، إلا أنه لا مانع من التمسك ببدلها وهو الاستصحاب الموضوعي أي استصحاب عدم حجيتها عند الشك فيها، وبذلك يمكن سد هذا النقص في كل مورد شك في حجية أمارة، لان استصحاب عدم حجيتها يغني عن التمسك بادلة الاصول العملية.
الوجه الثالث: التسمك بأدلة حرمة التشريع كقوله تعالى: ?ءَآللهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ?( ) والروايات الدالة على أن ادخال ما لم يعلم أنه من الدين في الدين تشريع محرم( )، وهذه الادلة باطلاقها تشمل موارد الشك في الحجية، إذ الخارج منها الامارات المعتبرة، وأما الامارات المشكوك أعتبارها فلا نعلم بخروجها عنها، فأذن يكون الشك في اصل خروجها عن عموم هذه الادلة، ومعه لا مانع من التمسك بعمومها ولا يكون هذا من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، لان موضوع هذه الادلة عدم العلم بان المشكوك من الدين وهو أمر وجداني غير قابل للشك.
ثم ان الفرق بين هذا الوجه والوجه السابق هو أن مفاد هذا الوجه حرمة التشريع تكليفاً، ومفاد الوجه السابق الارشاد إلى عدم حجية الظن لاحرمة العمل به، على أساس أن متعلق النهي في هذا الوجه الافتراء على الله تعالى أو ادخال ما لم يعلم أنه من الدين في الدين وهو تشريع محرم، ومتعلق النهي في الوجه السابق الظن، ولا معنى لحرمة العمل بالظن إلا الارشاد إلى عدم حجيته هذا من ناحيه.
ومن ناحية أخرى أن الاستدلال بهذا الوجه على عدم حجية الامارات المظنونة التي لم تثبت حجيتها شرعاً، إنما هو بملاك ثبوت الملازمة بين حرمة الاسناد وعدم الحجية، إذ لو كان الظن حجة، جاز اسناد مؤداه إلى الشارع والالم يجز.
قد يقال كما قيل ان هذه الملازمة غير ثابتة، فإن الاثر المترتب على حجية الامارات التنجيز والتعذير، فإن كانت الامارة مطابقة للواقع كانت منجزة، وان كانت مخالفة له كانت معذرة، لا إثبات الواقع والاسناد إنما هو من آثار اثباته، والمفروض أن حجية الامارة لا تؤدي إلى إثبات الواقع وان كانت حجيتها بمعنى جعل الطريقية والعلم التعبدي، لانه مجرد اعتبار من المولى لا يؤثر في الواقع تكويناً ولا يجعل ما ليس بعلم علماً، فإذن يبقى الواقع عليه على ما هو عليه من عدم العلم به.
وبكلمة أن حجية الامارات الظنية سواء أكانت بمعنى جعل الطريقية والعلم التعبدي أم كانت بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى التنزيل وجعل الحكم الظاهري لا تثبت الواقع الاتنجيزاً أو تعذيراً لا واقعاً، فإذن لا ملازمة بين حجية الامارات وصحة اسناد مؤداها إلى الشارع.
والجواب ان هذه المقالة مبنية على أن صحة اسناد المؤدى متوقفة على ثبوته واقعاً، ولكن هذا المبنى غير صحيح إذ يكفي في صحة الاسناد ثبوت الواقع شرعاً، والمفروض أن الواقع في موارد الامارات المعتبرة ثابت شرعاً، فإذا ثبت كذلك صح اسناده إلى الشارع، ولا تتوقف صحة اسناده على ثبوته واقعاً، ضرورة أن ما هو ثابت من قبل الشارع يصح اسناده إليه، وعلى هذا فإذا ثبتت حجية الامارات شرعاً، ثبتت مؤداياتها كذلك ولو تنجيزاً وتعذيراً، فإذن بطبيعة الحال يصح اسنادها إلى الشارع، ومن هنا لا شبهة في صحة أسناد الاحكام الاجتهادية إلى الشارع، فإنها وان كانت وليدة افكار المجتهدين، إلا أنها لما كانت ذات طابع اسلامي صح اسنادها إلى الشارع، وكذلك الحال في المقام، فإن الامارات لو لم تكن حجة فلا تكون مؤدياتها أحكاماً شرعية، وأما إذا ثبتت حجيتها شرعاً، فتصبح مؤدياتها ذات طابع شرعي، وعلى هذا فيصح اسنادها إلى الشرع.
وبكلمة واضحة أن الكلام يقع في الأدلة المذكورة من عدة جهات:
الجهة الأولى: أنه لا فرق في صحة اسناد الحكم الثابت في الشريعة المقدسة إلى الشارع بين الحكم الواقعي والحكم الظاهري، لأن كلا الحكمين مجعول من قبل الشارع، فإذا ثبت الحكم الواقعي شرعاً صح إسناده إليه تعالى، وإذا ثبت الحكم الظاهري كذلك صح اسناده إليه تعالى أيضاً، غاية الأمر ان اسناد الأول يكون على مستوى الواقع والثاني على مستوى الظاهر، وموضوع صحة الاسناد في الأول القطع بالحكم الواقعي وفي الثاني القطع بالحكم الظاهري.
وعلى هذا فإذا ثبتت حجية الامارات شرعاً، صح اسناد مؤدياتها إلى الشارع في الظاهر، ولا يكون هذا من اسناد ما لا يعلم بل هو من أسناد ما يعلم أنه من الشرع ظاهراً، فلا يكون مشمولاً لعمومات الأدلة المذكورة.
ومن هنا يظهر أن في المقالة المذكورة خلطاً بين صحة اسناد المؤدى إلى الشارع ظاهراً وبين صحة اسناده إليه واقعاً وما لا يمكن هو الثاني دون الأول، فحجية الامارات لا تنقح موضوع صحة الاسناد واقعاً، فإن صحته منوطة بثبوت الواقع واقعاً، والمفروض أنها لا تثبت الواقع كذلك، وإنما تثبت الواقع ظاهراً وتنقح موضوع صحة الاسناد كذلك أما تنجيزاً أو تعذيراً.
الجهة الثانية: أن جواز الاسناد هل هو من آثار ولوازم الحجية بوجودها العلمي الواصل إلى المكلف أو من آثار ولوازم الحجية بوجودها الواقعي فيه وجهان:
فالصحيح هو الوجه الأول، وذلك لأن المأخوذ في موضوع دليل حرمة الاسناد عدم العلم بالدين، وعليه فبطبيعة الحال يكون المأخوذ في موضوع جواز الاسناد العلم به، وعلى هذا فإذا ثبتت حجية الامارات شرعاً، فإن وصلت إلى المكلف، جاز اسناد مؤداها إلى الشارع، لأنه من اسناد ما علم أنه من الدين، وأن لم تصل إليه وشك فيها، لم يجز اسناد مؤداها إلى الشارع، لأنه داخل في اسناد ما لم يعلم أنه من الدين وهو محرم.
الجهة الثالثة: أن تقديم الامارات المعتبرة شرعاً على الأدلة المذكورة هل هو من باب الورود أو الحكومة أو التخصيص، فيه وجوه:
الظاهر هو الوجه الأول، وذلك لان متعلق الحرمة في لسان الآية المباركة عنوان الافتراء وموضوعه عدم الاذن، وعلى هذا فاسناد مؤدى الامارة المعتبرة شرعاً إليه تعالى يكون مع الأذن والترخيص الظاهري جزماً، فإذن تنتفي الحرمة بانتفاء موضوعها وجداناً وهو عدم الاذن، لانه كما ينتفي وجدانا بالاذن الواقعي ينتفي كذلك بالاذن الظاهري، لان كليهما إذن من قبل الشارع، غاية الأمر إن كان الاذن واقعياً، فالاسناد أسناد ما علم أنه من الدين واقعاً، وان كان ظاهرياً، فالاسناد اسناد ما علم أنه من الدين ظاهراً وأن لم يعلم أنه منه واقعاً.
وبكلمة أنه إذا ثبتت حجية الامارات شرعاً، فإن وصلت إلى المكلف جاز اسناد مؤداها إلى الشارع، لأنه من اسناد ما علم أنه من الدين ظاهراً وانه مأذون فيه كذلك، وأن لم تصل إليه وشك فيها لم يجز الاسناد، لانه من اسناد ما لم يعلم أنه من الدين واقعاً ولا ظاهراً، فلا يكون مأذوناً فيه ولو ظاهراً.
فالنتيجة ان تقديم الامارات المعتبرة شرعاً على الادلة المذكورة يكون من باب الورود، سواء أكان الموضوع عدم الاذن كما هو مقتضى الآية الشريفة أو عدم العلم بانه من الدين كما هو مقتضى ظاهر الروايات، لان الامارة إذا كانت معتبرة شرعاً فهي أذن من الله تعالى في اسنادها إلى الشرع ولا يكون افتراءً.
وأما إذا شك في حجية أمارة، فهل يجوز التمسك باطلاق الادلة المذكورة؟
والجواب انه يجوز، لان الموضوع في الآية المباركة بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية عدم احراز الأذن لا عدم الاذن الواقعي، بقرينة أن موضوع جواز الاسناد هو احراز الاذن لا الاذن الواقعي، لأن جواز الاسناد لا يترتب على الاذن الواقعي وإنما هو مترتب على احراز الاذن، وأما الموضوع في الروايات فهو عدم العلم بانه من الدين، وهذا الموضوع متحقق في موارد المشكوك حجيتها. نعم لو كان الموضوع في الآية المباركة عدم الأذن الواقعي، فعندئذٍ لا يجوز التمسك باطلاقها بالنسبة إلى الامارات التي يشك في حجيتها، فإنها أن كانت حجة فهي أذن وإلا فلا، فالموضوع وهو عدم الاذن غير محرز، ومع عدم احرازه فلا يجوز التمسك باطلاقها، لانه من التمسك بالمطلق في الشبهة المصداقية، وهذا بخلاف ما إذا كان الموضوع عدم العلم بانه من الدين، فإنه محرز وجداناً، لان الامارة المشكوك حجيتها لم يعلم أنها من الدين كذلك.
ودعوى أن تقديم الامارات المعتبرة على الأدلة المذكورة لو كان من باب الورود، فلا يمكن التمسك بعمومها عند الشك في حجية الامارة، لانه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية، فإنها أن كانت حجة في الواقع، صح اسناد مؤداها إلى الشارع، لانه من اسناد ما يعلم أنه من الدين، وان لم تكن حجة لم يصح اسناده إليه، لأنه من اسناد ما لا يعلم أنه من الدين، فإذن لا يكون موضوع تلك الادلة محرزاً، فلا يجوز التمسك بعمومها.
مدفوعة بأن تقديم الامارات المعتبرة على تلك الأدلة من باب الورود كما مرّ لا يمنع من التمسك بها عند الشك في حجية الامارة، لان موضوعها عدم العلم وهو متحقق في الامارة المشكوك حجيتها.
أو فقل أن الشبهة الموضوعية لا تتصور في الامور الوجدانية وإنما تتصور في الامور الواقعية، وعلى هذا فورود الامارات المعتبرة إما من جهة أفتراض أنها علم بدليل حجيتها أو من جهة وصول حجيتها، وعلى هذا فإذا شك في حجية أمارة فلم يحرز أنها علم، لان الشك فيها عين عدم العلم بها وهو أمر وجداني، كما أن وصول حجيتها إلى المكلف وعدم وصولها أمر وجداني، فالنتيجة هي أن الامارة المعتبرة وإن كانت وأردة على الادلة المذكورة، ولكن مع هذا لامانع من التمسك بعمومها عند الشك في الحجية.
الوجه الرابع: التمسك باستصحاب عدم جعل الحجية عند الشك فيها، ويمكن تقريب ذلك باحد نحوين:
الأول: جريانه بلحاظ الشك في أصل جعل الحجية للامارات، وحيث ان جعلها أمر حادث مسبوق بالعدم، فإذا شك في جعلها فلا مانع من استصحاب عدم جعلها.
الثاني: جريانه بلحاظ الشك في اتصاف الامارة بالحجية بنحو الاستصحاب في العدم الازلي، بتقريب أن الامارة في زمان لم تكن موجودة بمفاد كان التامة ولا اتصافها بالحجية بمفاد كان الناقصة ثم وجدت وشك في اتصافها بالحجية، فلا مانع من استصحاب عدم اتصافها بها، وبه يثبت أن هذه الامارة التي وجدت بالوجدان لم تكن حجة بالاستصحاب.
والخلاصة أن استصحاب عدم الحجية تارة يكون بلحاظ مرحلة الجعل واخرى بلحاظ مرحلة المجعول وهي مرحلة فعليتها بفعلية موضوعها، فعلى الأول يجري استصحاب عدم جعل الحجية لها، وعلى الثاني يجري استصحاب عدم اتصاف الامارة بها بنحو الاستصحاب في العدم الازلي، وهذا الاستصحاب مختص بالشبهات الموضوعية ولا يعم الشبهات الحكمية هذا.
وقد أورد المحقق النائيني ? على التقريب الأول باشكالين:
الاشكال الأول: أن اركان الاستصحاب ثلاثة الأول اليقين بالحدوث الثاني الشك في البقاء الثالث ترتب أثر عملي عليه، فإذا توفر هذه الاركان الثلاثة في مورد جرى الاستصحاب فيه وإلا فلا، ثم ذكر? ان الركن الأول والثاني متوفر في المقام وأما الركن الثالث فهو غير متوفر، وقد افاد في وجه ذلك أن عدم جواز الاستناد والاسناد وإن كان مترتباً على عدم حجية الامارة واقعاً، إلا أنه مترتب على الشك وعدم العلم بها أيضاً، لانه أثر مشترك بينهما ومترتب على عنوان أحدهما وهو عدم العلم بالحجية الجامع بين العلم بعدمها وعدم العلم بها، وعلى هذا فكما أن عدم جواز الاسناد أو الاستناد مترتب على العلم بعدم الحجية واقعاً، فكذلك مترتب على عدم العلم بها، وحيث ان الفرد الثاني في المقام محرز بالوجدان فلاحاجة إلى احراز الفرد الأول بالاستصحاب، لأن الموضوع إذا كان محرزاً بالوجدان، فاحرازه في ضمن فرد آخر مرة ثانية بالتعبد تحصيل الحاصل بل هو من أردأ أنحانه، لان ما هو ثابت بالوجدان فلا معنى لاثباته ثانياً بالتعبد.
وعلى الجملة فعدم جواز الاسناد أو الاستناد وان كان اثراً لكل من الواقع والشك فيه، ولكن إذا شك في حجية أمارة في مورد كان أحد فردي الموضوع وهو الشك في الحجية محرزاً بالوجدان ومعه لا موجب لاحراز فرد آخر منه بالاستصحاب أو بغيره لانه لغو.
الاشكال الثاني: أن الأثر في المقام مترتب على نفس الشك والجهل بالواقع فحسب لاعلى نفس الواقع، لان عدم جواز الاسناد أو الاستناد من اثار الشك فيه وعدم العلم به لا من آثار الواقع، على أساس أن التشريع عبارة عن أدخال ما لا يعلم أنه من الدين في الدين، لا أنه عبارة عن أدخال ما ليس من الدين في الدين( ).
وقد ناقش السيد الاستاذ ? في كلا الاشكالين:
أما الأشكال الأول: فاورد عليه أن ما يحكم به العقل بمجرد الشك إنما هو عدم الحجية الفعلية، فإذا شك المكلف في حجية أمارة، فالعقل يحكم بأنها ليست بحجة فعلاً، بمعنى عدم ترتيب أثارها عليها من جواز الاستناد إليها في مقام العمل وجواز اسناد مؤداها إلى الشارع، وأما ما هو مورد الاستصحاب ومصبه هو عدم جعل الحجية لها في مقام الانشاء، فإذن ما هو ثابت بالوجدان غير ما هو ثابت بالتعبد الاستصحابي، فلا يلزم حينئذٍ تحصيل الحاصل.
وأما الأشكال الثاني: فقد اجاب ? عنه أولاً بالنقض بالروايات الدالة على المنع عن العمل بالقياس، وما فائدة هذا المنع مع كون العقل مستقلاً بعدم جواز الاسناد والاستناد إليه، وبما دل على البراءة الشرعية في موارد الشك في التكليف كحديث الرفع ونحوه مع استقلال العقل بقبح العقاب بلا بيان.
وثانياً بالحل وهو أن حكم العقل في جميع هذه الموارد منوط بعدم الوصول والبيان من الشارع، فإذا ثبت التعبد الشرعي، يترتب الاثر عليه وينتفي حكم العقل بانتفاء موضوعه، فلا يكون التعبد لغواً.
وبعبارة أخرى ليس حكم العقل في هذه الموارد في عرض الحكم الشرعي حتى يلزم كونه لغواً، بل هو في طوله، حيث ان للشارع أن يتصرف في موضوع حكم العقل ببيان الحجة أو عدمها ولا يكون ذلك لغواً، أذ الأثر الذي كان مترتباً عليه بما هو مشكوك الحجية مترتب بعد التعبد على ما هو مقطوع عدم حجيته واقعاً بالتعبد الشرعي فلا يكون لغواً( ).
وننظر إلى كلتا المناقشتين:
أما المناقشة الأولى: فلان مورد حكم العقل وان كان غير مورد الاستصحاب، إلا ان تعدد المورد لا يجدي إذا كان الأثر مشتركاً بينهما، فإن هذا الأثر المشترك إذا كان ثباتاً في مورد حكم العقل بالوجدان، فإثباته ثانياً بالاستصحاب تحصيل الحاصل بل من ارداء انحائه، فالنتيجة أن هذا الاشكال لا يندفع بتعدد موردي الاستصحاب وحكم العقل إذا كان الأثر المترتب عليهما مشتركاً.
وأما المناقشة الثانية: فهي تامة، لأن الامر كما ذكره? من أن حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وبقاعدة الاشتغال معلق على عدم البيان من قبل الشارع نفياً أو إثباتاً ويكون في طوله، فإذا ورد البيان من قبل الشارع، فهو رافع العقل في كلا الموردين بارتفاع موضوعه، وعلى هذا فإذا ثبتت حجية الامارة فهي بيان وجداناً، وحينئذٍ فإن كان مفادها الوجوب أو الحرمة فهي واردة على قاعدة القبح ورافعة لموضوعها وجداناً، وإن كان مفادها الترخيص فهي واردة على قاعدة الاشتغال ورافعة لموضوعها كذلك، بل قد ذكرنا أن حكم العقل بحسن الطاعة وقبح المعصية أيضاً حكم تعليقي وليس بتنجيزي، فإن حكمه في كلا الموردين معلق على عدم اذن المولى في ترك الطاعة وترخيصه في المخالفة، ومع الأذن والترخيص من قبل المولى، ينتفي حكم العقل بانتفاء موضوعه.
ثم إن هذه الكبرى تامة، وإنما الكلام في ان المقام هل هو من صغرياتها
أو لا؟
والجواب ان تفصيل ذلك يتطلب النظر إلى عدة نقاط:
النقطة الأولى: قد تقدم ان حكم العقل بقبح العقاب بلا بيان وبدفع العقاب المحتمل وكذلك حكمه بحسن الطاعة وقبح المعصية، حكم تعليقي وليس بتنجيزي وفي طول الحكم الشرعي ومعلقاً على عدمه هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى أن محل الكلام ليس من صغريات هذه الكبرى، لأن الدليل على أصالة عدم حجية الظن وحرمة الاسناد والاستناد إليه ليس هو العقل، إذ ليس العمل بالظن أمراً قبيحاً لدى العقلاء ومستنكراً ولا يحكم العقل بقبحه كحكمه بقبح الظلم، ولهذا قد استدل على أصالة عدم حجية الظن التي تتبعها حرمة الاسناد والاستناد إليه بوجوه:
الأول الاصول العملية كاصالة البراءة العقلية والنقلية وأصالة الطهارة والاستصحاب، فإنها تدل على حرمة الاسناد والاستناد، ومقتضى اطلاقها عدم الفرق في جريانها بين موارد عدم الحجية وموارد الشك فيها، فإذن الحاكم بعدم حجية الظن هو هذه الاصول العملية دون العقل، إذ ليس هنا منشأ ومبرر له، وعلى هذا فالمراد من أصالة عدم حجية الظن الاصول العملية المشار إليها.
الثاني العمومات الناهية عن العمل بالظن، وقد تقدم أن مفادها الارشاد إلى عدم حجية الظن، ولهذا تكون في عرض أدلة الحجية لا في طولها.
وأما ما ذكره السيد الاستاذ ? من أن مفاد هذه العمومات الارشاد إلى حكم العقل بتحصيل الامن من العقاب في مقام الامتثال، وحيث ان الظن بما هو ظن لا يكون مؤمناً بنظر العقل، فيحكم بعدم الاكتفاء به في مرحلة الامتثال.
فيرد عليه أولاً ما تقدم من أن مفادها الارشاد إلى عدم حجية الظن لا إلى حكم العقل بتحصيل الامن.
وثانياً أن العقل مستقل بتحصيل الامن من العقاب في مقام أداء الوظيفة، وليس للعقل تعيين الصغرى وهي أن الظن مؤمن أو ليس بمؤمن، وهذا يعني أن العقل لا يستقل بان الظن غير مؤمن حتى تكون العمومات المذكورة ارشادة إليه، لان العقل مستقل بلزوم تحصيل المؤمن في مقام الامتثال والطاعة، وأما أن الظن مؤمن او انه ليس بمؤمن فلا يستقل به، فإذن كيف يكون النهي فيها ارشاداً إلى حكم العقل بأن الظن ليس بمؤمن، ولهذا قلنا بان مفادها الارشاد إلى عدم حجية الظن.
الثالث الآية الشريفة وهي قوله تعالى: ?ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ? وجملة من الروايات، فإن الآية الشريفة وكذلك الروايات تدل على حرمة التشريع وهو أدخال ما لا يعلم انه من الدين في الدين، وعلى هذا فالدليل على حرمة الاسناد والاستناد الآية مع الروايات لا الدليل العقلي.
الوجه الرابع: الاستصحاب على تفصيل تقدم.
فالنتيجة ان ما أفاده السيد الاستاذ ? من الكبرى في المقام وان كان تاماً إلا أن ما نحن فيه ليس من صغرياتها.
النقطة الثانية: ان ظاهر كلمات جماعة من المحققين كالشيخ الأنصاري والمحقق الخراساني والاصفهاني والنائيني والسيد الاستاذ (قدس سرهم) أن حرمة الاسناد والاستناد كما تترتب على عدم حجية الامارة واقعاً، كذلك تترتب على مجرد الشك فيها وان كانت حجة في الواقع.
ولكن يمكن المناقشة فيه، لان ما ذكره هؤلاء المحققين لا يستفاد من أدلة هذه الحرمة، إذ الدليل عليها ان كان استصحاب عدم الحجية، فهي مترتبة على الواقع ظاهراً وهو عدم الحجية، وان كان الدليل عليها أصالة البراءة، كانت حرمة الاسناد والاستناد من آثارها لا من آثار الشك في الحجية بما هو شك.
وان شئت قلت ان حرمة اسناد مؤدى الظن إلى الشارع والاستناد إليه في مقام العمل لا تترتب على مجرد الشك في حجيته، لفرض ان العقل لا يحكم بحرمته بملاك لزوم تحصيل المؤمن، لما عرفت من انه ليس للعقل تعيين ذلك ولا يحكم بأنه مؤمن أو غير مؤمن، بل حكمه بذلك معلق على حكم الشرع بأنه مؤمن أو غير مؤمن، ومع الشك في حكم الشرع بذلك فلا حكم للعقل، وان كان الدليل على حرمة الاسناد والاستناد العمومات الناهية عن العمل بالظن، كانت الحرمة مترتبة على عدم الحجية الاعم من الواقعية والظاهرية، باعتبار أن مفادها الارشاد إلى عدم حجية الظن في عرض أدلة حجيته لا على الشك بما هو.
وان كان الدليل عليها الآية الشريفة وهي قوله تعالى: ?ءَآللّهُ أَذِنَ لَكُمْ أَمْ عَلَى اللّهِ تَفْتَرُونَ? كانت الحرمة مترتبة على عدم الأذن الاعم من الاذن الواقعي والظاهري لا على الشك.
فالنتيجة أن الدليل على أصالة عدم حجية الظن ليس هو الشك في حجيته بما هو شك فيها، بل الدليل عليها أحد الوجوه المتقدمة، ومقتضى تلك الوجوه حرمة الاسناد والاستناد إليه في مقام العمل، وعلى هذا فلا يمكن الاخذ بظاهر كلمات هؤلاء المحققين بل لابد من حملها على ما ذكرناه، نعم أن الشك وعدم العلم بالواقع موضوع لهذه الحرمة لا أنه دليل عليها.
النقطة الثالثة: قد ظهر مما ذكرناه ان ما ذكره السيد الاستاذ? من النقض بالروايات الناهية عن العمل بالقياس غير وارد، وذلك لان العقل لا يكون مستقلاً بحرمة العمل بالقياس حتى لا تكون لهذه الروايات فائدة مولوية غير الارشاد والتأكيد لحكم العقل، بل لو لا تلك الروايات لكان العقل حاكماً بالقياس، باعتبار انه موافق للارتكاز الذهني لدى العرف والعقلاء( ).
فما ذكره السيد الاستاذ? من ان العقل مستقل بحرمة العمل بالقياس غريب جداً.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي أنه لا شبهة في أن مقتضى الأصل الأولي عدم حجية الظن عند الشك فيها والدليل عليه أحد الوجوه المتقدمة. هذا تمام الكلام في الاصل الأولي عند الشك في حجية الظن.
وبعد ذلك يقع الكلام فيما هو خارج عن مقتضى هذا الأصل وهو أمور.

الظواهر
المقام الأول في
(الظواهر)
لا شبهة في حجية ظواهر الالفاظ لدى العرف والعقلاء، ولهذا لاخلاف بين الاصوليين في كبرى المسالة وهي حجية الظواهر بما هي ظواهر، وإنما الخلاف في بعض صغريات المسألة هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان عمدة الدليل على حجية الظواهر السيرة القطعية العقلائية الجارية على العمل بها، وعلى هذا فيقع الكلام في مقامين:
المقام الأول: أن النظر إلى السيرة يتطلب التكلم فيها من عدة جهات:
الجهة الأولى: في أنواع السيرة وأقسامها ومناشئها.
الجهة الثانية: في امضاء السيرة من قبل الشارع حتى تكون حجة وإلا فلا قيمة لها من وجهة النظر الشرعية.
الجهة الثالثة: في تعيين حدود السيرة سعة وضيقاً.
أما الكلام في الجهة الأولى فيقع في عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان منشأ سيرة العقلاء على العمل بشيء قد يكون المرتكزات الذهنية الثابتة في أعماق نفوسهم، وهذه المرتكزات تحصل عادة في النفوس بالمزاولة والاستمرار على العمل بشيء، وهي تحدّد مواقف الإنسان في الخارج وتحركه إليها كالجبلة والفطرة، ومن هذا القبيل التقاليد والعادات الموجودة بين مجتمعات العالم على اختلافها من مجتمع إلى مجتمع آخر وهي تحدد مواقف المجتمع وسلوكه الخارجي سعة وضيقاً.
وقد يكون منشأوها الخصوصية الكامنة في نفس ما تقوم به السيرة، مثلاً قد جرت السيرة العقلائية على العمل بالظواهر، ومن الواضح ان هذه السيرة من العقلاء لا يمكن ان تكون جزافاً وبلا نكتة، بداهة أنه لا يعقل بناء العقلاء على العمل بشيء جزافاً وبلا نكتة، والنكتة المبررة لعمل العقلاء بها هي اقربيتها إلى الواقع من ظواهر الافعال واقوائيتها في الكشف، وهذه النكتة هي التي تبرر عملهم بها دون غيرها، فالسيرة الجارية من العقلاء على العمل بها تدور مدار هذه النكتة وجوداً وعدماً سعة وضيقاً.
النقطة الثانية: ان السيرة المرتكزة في الاذهان الناشئة من مناسبات الحكم والموضوع الارتكازية قد يكون لها دور في تكوين ظهور اللفظ أو تحديده سعة وضيقاً، لانها بمثابة القرينة اللبية المتصلة بالكلام الموجبة لتكوين الظهور له على وفقها والمنع عن انعقاد ظهوره على خلافها.
ومن هذا القبيل سيرة العقلاء الجارية في باب المعاوضة على التساوي بين العوضين في المالية حسب مؤشرات وضع السوق وقانون العرض والطلب وعدم التفاوت الفاحش بينهما، فإن هذه السيرة المرتكزة في أذهانهم تحدد مواقف كل من البايع والمشتري في هذا الباب، وهي أن كلا منهما يرفع اليد عن خصوصية ماله من الثمن أو المثمن ويحافظ على ماليته بما تساوي مالية مال الآخر، مثلاً البايع يرفع اليد عن خصوصية المبيع ويحافظ بما تساوي مالية الثمن، والمشتري يرفع اليد عن خصوصية الثمن ويحافظ على ماليته بما تساوي مالية المبيع، ولهذه السيرة المرتكزة دور في تكوين ظهور حال كل من المتعاملين بايعاً كان أم مشترياً في عدم الالتزام بالمعاملة والرضا بها إذا كان التفاوت بينهما فاحشاً في المالية وخارجاً عن قانون وضع السوق وما هو متقضى العرض والطلب، وحيث ان هذه السيرة تحدد مواقفهما في المعاملة ايجاباً وسلباً، فبطبيعة الحال ان كان العوضان فيها متساويين في المالية، كان كل منهما راضياً بها وملتزماً، وان كانا متفاوتين بتفاوت غير مقبول لدى العقلاء، لا يكون راضياً بها ولا ملتزماً فموقفهما ايجابي في صورة التساوي وسلبي في صورة عدم التساوي، ومرد ذلك إلى أن كلاً منهما يشترط على الآخر في ضمن المعاملة شرطاً ضمنياً بأن يكون كل من العوضين مساوياً مع الآخر في المالية وإذا تخلف هذا الشرط، ثبت الخيار لمن تخلف شرطه ويسمى هذا الخيار بخيار الغبن، وكذلك الحال بالنسبة إلى سلامة العوضين، فإن السيرة جارية عليها، فإذا كان المبيع معيباً، ثبت الخيار للمشتري وبالعكس.
النقطة الثالثة: ان السيرة إذا كان على الحكم الشرعي البحث، فهي سيرة متشرعية محضة وليس منشاؤها الارتكاز العرفي العقلائي الثابت في النفس، لان منشاؤها أحد أمور: الأول وصولها من زمن المعصومين? إلى زماننا هذا ومعاصرتها لزمانهم?، الثاني حسن الظن بجماعة من الفقهاء، الثالث مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أو موافقة القاعدة المسلمة عند الكل أو غيرذلك، باعتبار أن هذه السيرة اجماع عملي من الفقهاء في مقابل الاجماع القولي.
وقد تكون سيرة المتشرعة هي سيرة العقلاء، لأنها بعد امضاء الشارع لها تصبح سيرة المتشرعة كسيرة الفقهاء وأصحاب الأئمة? على حجية الظواهر وأخبار الثقة، وهذه السيرة من المتشرعة معاصرة لزمن التشريع وموجودة في زمن المعصومين? وهي نفس سيرة العقلاء، غاية الأمر ان المتشرعة يعملون بها من جهة أنها ممضاة شرعاً لا من جهة أنها سيرة العقلاء.
ثم أن السيرة العقلائية التي تنقح موضوع الحكم الشرعي كالتي تنقح ظهور اللفظ وانعقاده وتحدده سعة وضيقاً أو التي تثبت الشرط الضمني في باب خياري الغبن والعيب تكون حجيتها على القاعدة، فلا تتوقف على وجود دليل أو امضاء من الشرع لها، لان معني حجيتها هو إثباتها موضوع الحكم الشرعي، فإذا اثبتت الموضوع، كانت حجة وإلا فلا، والظهور موضوع للحكم الشرعي الامضائي وهو الحجية، والشرط الضمني موضوع لثبوت خياري الغبن والعيب، فإن الكبرى ثابتة شرعاً. كحجية الظواهر واخبار الثقة ونحوهما، فإذا ثبتت الصغرى وهي الظهور طبقت عليها الكبرى فتثبت بذلك حجيتها، لانها تدور مدار ثبوتها باي مقدمة كان، وكذلك ثبوت الخيار عند تخلف الشرط، فإنه بمثابة الكبرى شرعاً، فإذا ثبت الشرط في معاملة ولو ضمناً، ترتب عليه الكبرى وهي ثبوت الخيار عند تخلف هذا الشرط.
وأما السيرة القائمة على الحكم الشرعي كحجية الظواهر واخبار الثقة ونحوهما سواء أكانت عقلائية أم متشرعية، فلا تكون حجة في نفسها، فحجيتها منوطة بالامضاء شرعاً قولاً أو فعلاً أو تقريراً وإلا فلا قيمة لها، ولا فرق في ذلك بين أن يكون مدلول السيرة حكماً كلياً واقعياً كالسيرة التي ادعي على وجوب الجهر بالبسملة أو وجوب الجهر بالقراءة في صلاة الظهر يوم الجمعة وهكذا، أو حكماً كلياً ظاهرياً كحجية الظواهر واخبار الثقة وما شاكلهما.
وأما الكلام في الجهة الثانية: فيقع في إثبات الامضاء الشرعي للسيرة سواء كانت عقلائية أم متشرعية.
ثم ان السيرة إن كانت قائمة على الحكم الشرعي البحت، فهي متمحضة في المتشرعية ولا صلة لها بالعقلاء وأحكامهم ومواقفهم، وان كانت على الحكم العقلائي الامضائي كحجية الظواهر واخبار الثقة ونحوهما، فهي سيرة عقلائية ومتشرعية معاً، أما عقلائية، فلان العقلاء يعملون بها بما هم العقلاء بقطع النظر عن وجود الشرع والشريعة، وأما متشرعية، فلان المتشرعة يعملون بها إستناداً إلى امضاء الشارع لها لا بما هي سيرة العقلاء.
فإذن يقع الكلام تارة في حجية سيرة العقلاء واخرى في حجية سيرة المتشرعة.
أما الكلام في الأولى: فلان حجيتها شرعاً منوطة بتوفر عنصرين: الأول أن تكون السيرة معاصرة لزمن التشريع وموجودة في زمن المعصومين?.
الثاني امضاء الشارع لها بالنص أو بالتقرير، فإذا توفر العنصر الأول فيها كفى في امضائها شرعاً سكوت الشارع وعدم صدور الردع عن العمل بها، إذ لو كانت لاسيرة مخالفة للاغراض الشرعية، فبطبيعة الحال يقوم الشارع بردعها، فعدم القيام به والسكوت عنه كاشف عن امضائه لها وتقريره إياها، وأما إذا لم تكن السيرة العقلائية معاصرة لزمن التشريع كسيرة العقلاء على حق التأليف وحق النشر ونحوهما، فلا تكون حجة، لان حجيتها منوطة بالامضاء الشرعي ولا يمكن إثبات أنها ممضاة شرعاً لعدم الطريق إليه، ومن هنا قلنا ان حق التأليف وكذلك حق النشر لم يثبت شرعاً، وأما سيرة العقلاء الجارية على هذا الحق، فحيث أنها مستحدثة وفي زمن متأخر عن زمن التشريع، فلا يمكن اثبات امضائها شرعاً لعدم الطريق إليه واحتمال الردع عنها لو كانت في زمن التشريع ولا دافع لهذا الاحتمال، ولا يمكن لنا اليقين بعدم الردع، لانه بحاجة إلى علم الغيب وهو مفقود.
وبكلمة أن حجية السيرة العقلائية منوطة بتوفر عنصرين:
الأول معاصرتها لزمن التشريع وثبوتها في زمن المعصومين?.
الثاني الجزم بعدم الردع عنها.
أما العنصر الأول فلا شبهة في اعبتاره، ومن هنا أكد الفقهاء ان الحجة هي السيرة العقلائية الموجودة في زمن المعصومين?.
وأما السيرة العقلائية المستحدثة وهي التي حدثت في ازمنة متاخرة عن زمن التشريع، فلا قيمة لها ولا طريق لنا إلى احراز امضاء الشارع لها ولا يقين بل لا اطمئنان بانها لو كانت موجودة في زمن التشريع لكانت ممضاة من قبل الشارع، فلا يمكن دعوى ذلك إلا رجماً بالغيب، ومن هنا لا يمكن إثبات ان حق التأليف وحق النشر ونحوهما من الاختصاصات المعنوية حقوقاً شرعية بالسيرة العقلائية.
ودعوى أن هذه الحقوق المعنوية كحق التأليف ونحوه أمر مرتكز في أذهان العرف والعقلاء، وحيث أن هذا الارتكاز ثابت في أعماق النفس فهو موجود في زمن التشريع، وحينئذٍ فلو كان هذا الارتكاز مخالفاً للاغراض الشرعية، فبطبيعة الحال كان يصدر من الشارع الردع عنه، فعدم صدوره والسكوت امضاء له.
مدفوعة، أولاً بأن سيرة العقلاء في العصور المتأخرة وأن جرت على أنها حقوق، إلا أن منشأها ليس ارتكازية هذه الحقوق وثبوتها في اعماق النفوس، بل الظاهر ان منشأها مراعاة حال الناشر والمؤلف بلحاظ تحملهما المتاعب والمصاعب في طريق النشر والتأليف.
وثانياً ان المرتكزات العقلائية لا تكشف عن ثبوت جذورها منذ وجود العقلاء على سطح الأرض، بل هي تتبع عللها ومناشئها، وحيث ان العلل والمناشيء تختلف باختلاف العصور، فقد تكون موجودة منذ القدم وقد تكون حادثة، فعلى الأول توجد مرتكازتهم منذ وجود العقلاء على سطح الكرة وعلى الثاني توجد مرتكزاتهم عند حدوثها ولم تكن موجودة منذ وجودهم.
والنكتة في ذلك ان المجتمع العقلائي يختلف باختلاف العصور والازمنة، فالمجتمع العقلائي البدائي غير الناضج يختلف عن المجتمع العقلائي الناضج فكرياً وثقافياً واجتماعياً، ومن الطبيعي ان المجتمع العقلائي كلما نضج وتطور يواجه الوقائع والموضوعات الجديدة المختلفة التي قد تكون ملائمة لطبع المجتمع ومرتكزاته وقد تكون منافرة له، وحق التأليف والنشر ونحوه من هذا القبيل، فإنه حادث بحدوث موضوعه، وحيث انه موافق لطبع العقلاء ومرتكزاتهم، على اساس انهم يرون ان من المناسب ان يستفيد الناشر والمؤلف من جهدهما لا غيرهما، فلهذا بنى العقلاء على انه حق، ولكن بما ان هذا الارتكاز حادث بحدوث هذا الحق، فلا يعقل ان يكون كاشفاً عن ثبوته منذ القديم.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان هذا الارتكاز ثابت في زمن التشريع، إلا أن مجرد ذلك لا يكفي، بل لابد من اثبات امضاء هذا الارتكاز حتى يكون دليلاً على إثبات الحق المذكور.
فالنتيجة في نهاية المطاف ان سيرة العقلاء إذا حدثت بعد زمن التشريع ولم تكن موجودة في زمن المعصومين?، فلا يمكن اثبات امضائها شرعاً ولا طريق لنا إلى ذلك وان كان منشائها الارتكاز الثابت في إذهانهم.
وأما الكلام في الثانية وهي السيرة المتشرعة. فيمكن تقسيمها إلى قسمين:
القسم الأول أن تكون معاصرة لزمن التشريع وموجودة في زمن
المعصومين?.
القسم الثاني ان معاصرتها لزمن التشريع غير معلومة أو معلومة العدم.
أما القسم الأول، فلا شبهة في حجيتها بل هي من الأدلة القطعية، على أساس ان منشأها الشرع وهو قد وصل إلينا طبقة بعد طبقه ويداً بيد بشكل قطعي، ولكن هذا القسم من السيرة المتشرعة لا وجود له في الفقه من البداية إلى النهاية كافة، فإذن السيرة المتشرعية المعاصرة لزمن التشريع مجرد فرض لا واقع موضوعي له.
وأما القسم الثاني فحجية السيرة المتشرعية فيه متوقفة على توفر أمرين، الأول إثبات معاصرتها لزمن المعصومين?، فإذا ثبت أنها معاصرة لزمنهم? فهي حجة بنفسها ولا تتوقف على الامضاء.
الثاني امضائها شرعاً بسبب أو آخر إذا لم يمكن اثبات معاصرتها، وكلا الأمرين غير ثابت.
أما الأمر الأول، وهو معاصرة السيرة لزمن التشريع ووصولها إلينا من ذلك الزمن يداً بيد وطبقة بعد طبقة، فإثباته بحاجة إلى دليل.
وقد استدل على إثباته بوجوه:
الوجه الأول: أنه يمكن إثبات أنها معاصرة لعصر التشريع بنقل جماعة من القدماء الذين يكون عصرهم قريباً من عصر أصحاب الأئمة? كالشيخ الطوسي ومن تقدمه من أصحاب الحديث، فإذا نقل هؤلاء السيرة المتشرعية من زمان الائمة? على وجوب شيء أو حرمة آخر، كان ذلك النقل دليلاً على أنها موجودة في زمن الأئمة ?.
والجواب أولاً أنه لا طريق لنا إلى احراز ان هؤلاء القدماء قد نقلوا هذه السيرة من أصحاب الائمة? طبقة بعد طبقة، لأن الموجود في كتبهم وكلماتهم دعوى الاجماع ونقله في المسألة، أما ان منشأ هذا النقل هل هو الحدس أو الحس فهو غير معلوم، باعتبار ان نقل الاجماع عن غير واحد منهم أما أن يكون مبنياً على الحدس والاجتهاد أو على القاعدة كقاعدة اللطف التي هي غير تامة في نفسها أو على تطبيق القاعدة العامة على المسألة، ومن هنا كان نقل الاجماع من شخص واحد في مسألة واحدة مختلف حسب اختلاف كتبه كالشيخ الطوسي?، فإذن كيف يمكن احراز انه وصل إليهم من زمن الأئمة?، ومجرد اجماع عملي من المتشرعة بين المتأخرين لا يكون دليلاً على وجوده بين المتقدمين ووصوله إليهم طبقة بعد طبقة، إذ لا طريق لنا إلى ذلك، لان سيرة المتشرعة تختلف من عصر إلى عصر آخر من جهة اختلاف فتاوى الفقهاء.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان سيرة المتشرعة ثابتة بين القدماء من الاصحاب، إلا أنه لا طريق لنا إلى احراز أنها وصلت إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، لاحتمال أن منشأ ذلك فتاوى الفقهاء أو فتاوى معظمهم أو البارز منهم.
الوجه الثاني: ان السيرة المتشرعية على شيء تكشف عن ثبوتها في زمن المعصومين?، على أساس ان جذور هذه السيرة ثابتة منذ زمن التشريع وهي مضمونها ومدلولها المتمثل في الحكم الشرعي العام الثابت منذ وجود الشرع والشريعة، فإذن بطبيعة الحال لم تكن السيرة مستحدثة بل هي واصلة من زمن التشريع، إذ احتمال تحول سيرة المتشرعة القائمة على حكم شرعي فجأة إلى حكم شرعي آخر على خلافه غير محتمل عادة، فإذن بطبيعة الحال تكون السيرة المتشرعة مستندة إلى عصر التشرع، وإلا فلازمه تحول السيرة فجاة إلى سيرة اخرى وهو لا يمكن.
والجواب أولاً، أن التحول الفجائي وان قلنا أنه غير ممكن عادة، إلا أن عدم امكانه كذلك لا يكشف عن اتصال السيرة بزمن المعصومين?، لا حتمال انها حدثت في زمن متأخر، فلا ملازمة بين الامرين.
وثانياً، انه لا مانع من تحول السيرة تدريجاً، بأن تكون سيرة المتشرعة وبنائهم في فترة زمنية على وجوب الجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة ثم جاء فقيه ناقش في مدرك الوجوب وبالتالي افتى بوجوب الاخفات في يوم الجمعة أيضاً وعدم الفرق بين صلاة الظهر في هذا اليوم وبينها في سائر الأيام، فالوظيفة هي الاخفات فيها في جميع الايام، وفرضنا موافقة سائر الفقهاء من المعاصرين والمتأخرين له في هذه المسألة إلى أن اصبح هذه الفتوى موقفاً عملياً للمتشرعة واستقر عملهم على الاخفات في صلاة الظهر بل هذا التحول واقع في المسائل الفقهية، فإن سيرة المتشرعية قولاً وعملاً قد استقرت بين القدماء على نجاسة ماء البئر بالملاقاة وتحولت هذه السيرة إلى السيرة الاخرى بين المتأخرين وهي السيرة على طهارة ماء البئر وعصمته وعدم تنجسه بالملاقاة.
والخلاصة أنه لا يمكن احراز اتصال السيرة المتشرعة بزمن المعصومين ? بهذه الطريقة.
الوجه الثالث: ان السيرة المتشرعية إذا قامت على شيء كحجية أخبار الثقة مثلاً وشك في اتصالها بزمن المعصومين?، فبامكاننا إثبات اتصالها بامرين:
الأول، ان هذه السيرة لو لم تكن ثابتة في زمن المعصومين?، فبطبيعة الحال كان يكثر السؤال عن العمل باخبار الثقة وعدم العمل بها في الروايات، مع انه لا عين له فيها ولا أثر، ومن الطبيعي ان السكوت وعدم السؤال عن ذلك، يدل على ثبوت هذه السيرة في زمن المعصومين?، نعم لا يدل ذلك على أن هذه السيرة على العمل بها أو على عدم العمل بها، باعتبار أن منشأ عدم السؤال عن ذلك نفياً أو إثباتاً إنما هو ثبوت هذه السيرة في زمن المعصومين?، ومع ثبوتها سواء أكانت على العمل بها أو عدم العمل لا يبقى مجالاً للسؤال.
الثاني، ان السيرة المتشرعية المعاصرة لزمن التشريع لو كانت على عدم العمل باخبار الثقة، لاشتهر بين المتشرعة وذاع وشاع، فعدم الاشتهار قرينة على أنها على العمل بها، هذا مضافاً إلى أن العمل بها هو الشايع والمرتكز في الاذهان.
والجواب ان تمامية هذا الوجه ترتكز على ركيزتين: الأولى، أن تكون السيرة المتشرعية على المسائل الاصولية، على اساس أنها مسائل عامة لا تختص بباب دون باب، كالسيرة على حجية الظواهر واخبار الثقة ونحوهما.
الثانية، أن يكون منشأ هذه السيرة النكتة الارتكازية الموجودة في أعماق النفوس، كالسيرة على حجية اخبار الثقة وظواهر الالفاظ وما شاكلهما، فإن منشأها الارتكاز الثابت في النفس، فإذا تمت هاتين الركيزتين، تكشف عن معاصرة السيرة لزمن التشريع، وهذا بخلاف ما إذا كانت السيرة تعبدية، بأن يكون منشائها الشرع لا الارتكاز، فلا يمكن إثبات معاصرتها لزمن التشريع وان كانت السيرة على المسائل الاصولية.
هذا اضافة إلى أن منشأ السيرة إذا كان النكتة الارتكازية، فهي سيرة عقلائية ثابتة بقطع النظر عن وجود الشرع والشريعة وليست سيرة متشرعية، لأن منشأ السيرة المتشرعية ثبوت الشرع، حيث أنها عبارة عن استقرار بناء المتشرعة وأصحاب الأئمة? على وجوب شيء أو شرطية آخر أو غير ذلك في الشريعة المقدسة، ولهذا تكون سيرة تعبدية لا ارتكازية، نعم قد تكون السيرة العقلائية سيرة متشرعية بعد امضاء الشارع لها، فإن منشأ عمل المتشرعة بها إنما هو الامضاء الشرعي لا ما هو منشأ عمل العقلاء، وأما السيرة المتشرعية الابتدائية يعني غير المسبوقة بالسيرة العقلائية، فهي سيرة تعبدية ولا منشأ لها غير ثبوت الشرع.
والخلاصة ان السيرة المتشرعية إذا كانت مستحدثة ولم تكن معاصرة لزمن المعصومين?، فلا يمكن إثبات اتصالها ومعاصرتها لزمنهم? ولا طريق لنا إلى احراز ذلك، والوجوه التي ذكرت لإثبات اتصالها ومعاصرتها، فقد مرَّ أنها غير تامة ولا قيمة لها، لأنها اما مبنية على الحدس والاجتهاد أو على الاحتمالات والفرضيات التي لا واقع موضوعي لها، ولو تمت فلا تفيد إلا الظن بالاتصال والمعاصرة ولا أثر له، ومن هنا قلنا في بحث الفقه بعدم حجية الاجماع لا القولي منه ولا العملي في شيء من المسائل الفقهية، لان الاجماع في نفسه لا يكون حجة، وحجيته منوطة بمعاصرته لزمن الائمة? ووصوله إلينامن ذلك الزمن يداً بيد وطبقة بعد طبقة وليس بإمكاننا احراز ذلك، لان احرازه منوط بتوفر امرين: الأول أن يكون هذا الاجماع ثابتاً بين القدماء من الاصحاب الذين يكون عصرهم قريباً من عصر أصحاب الائمة?، الثاني أن يكون هذا الاجماع تعبدياً، وكلا الامرين غير ثابت، أما الأول فلانه لا طريق لنا إلى ثبوته بين أصحابنا المتقدمين ووصوله إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، وذلك لأن الموجود في الكتب الفقهية دعوى الاجماع في المسألة أو نقله فيها عن جماعة، وأما ان هذا الاجماع ثابت بين القدماء ووصل إلى المتأخرين يداً بيد، فلا طريق إليه ولا شاهد عليه.
وأما المتأخرون وإن كانوا قد ينقلون الاجماع من المتقدمين، إلا أنه داخل في الاجماع المنقول بخبر الواحد المستند غالباً إلى الحدس والاجتهاد دون الحس، ولهذا لا يكون الاجماع المنقول حجة.
وأما الثاني فلو سلمنا احراز تحقق الاجماع بين المتقدمين، إلا انه لا يمكن احراز أن هذا الاجماع اجماع تعبدي وقد وصل إليهم من زمن الائمة? يداً بيد وطبقة بعد طبقة، إذ لا طريق لنا إلى ذلك ولا سيما مع اختلاف المتقدمين في دعوى الاجماع في المسألة من كتاب إلى كتاب آخر، هذا اضافة إلى أن دعوى الاجماع من بعضهم مبني على قاعدة اللطف التي هي في نفسها غير تامة أو مبني على تطبيق القاعدة العامة على المسألة ثم دعوى الاجماع فيها.
فالنتيجة أن الاجماع المدعى في كلمات الفقهاء أو المنقول منهم، سواء أكان قولياً أم عملياً فلا يمكن إثبات معاصرته لزمن الأئمة ? ووصوله إلينا من ذلك الزمان يداً بيد، ولهذا لا يمكن للفقيه أن يعتمد على الاجماع في شيء من المسائل الفقهية في مقام الاستنباط.
ودعوى ان السيرة لو لم تكن معاصرة لزمن الائمة ?، فبطبيعة الحال كان يكثر السؤال عن حكم المسألة التي قامت السيرة عليها، كما إذا فرض أنها قامت على وجوب الجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة، فإنها لو لم تكن ثابتة في زمن المعصومين، فبطبيعة الحال كان يكثر السؤال عن حكم الجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة نفياً أو إثباتاً، وحيث أنه لم يقع السؤال عنه في الروايات، فيدل عدم السؤال فيها على ثبوتها في ذلك الزمن.
مدفوعة، بإنها لو تمت فإنما تتم فيما إذا كانت المسألة مرتكزة في أذهان العرف، لأن ارتكازها منشأ للسؤال عن حكمها إذا لم يكن ثابتاً، وأما إذا كانت المسألة تعبدية، فلا يكون هنا مبرر للسؤال عن حكمها لانفياً ولا إثباتاً، هذا إضافة إلى أن عدم السؤال لا يدل على اتصالها ومعاصرتها لزمن المعصومين?.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي ان السيرة العملية المستحدثة للمتشرعة حالها حال الاجماع القولي، فلا تكون حجة ولا يمكن الاعتماد عليها في مقام عملية الاستنباط هذا من ناحيّة.
ومن ناحية اخرى أن ثبوت الامضاء للسيرة المعاصرة لزمن المعصومين? وعدم ورود الردع عنها، فإن كانت السيرة السيرة المتشرعية، فلا مجال لهذا البحث، وذلك لأن السيرة المتشرعية متمثلة في سلوك المتشرعة وعملهم على طبق الشرع ولهذا تسمى بالسيرة المتشرعية، فالسيرة على وجوب الجهر في صلاة الظهر يوم الجمعة مستندة إلى ثبوت وجوبه في الشريعة المقدسة في هذا اليوم وهو يحدد سلوك المتشرعة وموقفهم العملي في الخارج، ومن الواضح أنها لا تقبل الامضاء الشرعي، لأن سلوك المتشرعة إذا كان مستنداً إلى الشرع، فلا معنى الامضائه شرعاً ولا موضوع له.
وبكلمة أن محل الكلام في المقام إنما هو في السيرة المعاصرة لزمن التشريع، فإن كانت السيرة سيرة المتشرعة، كانت مستندة إلى الاحكام الشرعية مباشرة، لانهم يتلقون تلك الاحكام من الائمة الاطهار ? حساً، وحينئذٍ فلا معنى للردع عنها، فإن معنى الردع هو أن سلوكهم الخارجي غير مستند إلى الشرع وهذا خلف الفرض، كما انه لا معنى لإمضائها شرعاً، لأن الامضاء إنما يصحح استنادها إلى الشرع، والمفروض أنها مستندة إليه ذاتاً وفي المرتبة السابقة فلا موضوع للإمضاء.
وأما إذا كانت السيرة سيرة العقلاء وسلوكهم الخارجي ومواقفهم العملية، فهي قد تستند إلى المرتكزات الذهنية الثابتة في أعماق نفوسهم، وقد تستند إلى النكات العقلائية الارتكازية الكامنة في نفس ما كانت السيرة قائمة عليها، وعلى كلا التقديرين فهذه المرتكزات هي التي تحدد مواقف العقلاء وسلوكهم في الخارج، ولا تستند تلك المواقف والسلوك إلى الشرع، وعليه فيبحث عن أمضائها من قبل الشارع أوردعها، فإن امضاها الشارع فهي حجة شرعاً وإلا فلا تكون حجة، وحينئذٍ فإن كان هناك دليل على الامضاء شرعاً، سواء أكان ذلك الدليل دليلاً عملياً أم قولياً فهو، وأما إذا لم يكن دليل عليه، فهل يكفي في الامضاء عدم صدور الردع من الشارع، وهل هناك ملازمة بين عدم الردع عن السيرة وامضائها شرعاً؟
والجواب انه يكفي فيه عدم الردع والسكوت لثبوت الملازمة بينهما.
بيان ذلك أن الشريعة الإسلامية المقدسة التي جاء بها النبي الاكرم? من قبل الله تعالى متمثلة في عنصرين أساسيين:
العنصر الأول: العبادات ونقصد بها الأحكام الشرعية التعبدية صرفة ولا يعلم بملاكاتها ومباديها الواقعية إلا الله تعالى ومن علمه بها وهي اعم من الوجوبات والتحريمات، ولا طريق للعقل إلى تلك الاحكام ولا إلى مباديها، كما أنه ليس للعقلاء طريق للوصول إليها حتى في العصر الحديث وهو عصر العلم والاكتشاف، على اساس أن الاحكام الشرعية علاقة روحية معنوية بين العبد و ربه ولا تتأثر بتأثر الحياة العامة ولا تتطور بتطورها، لأن نفس الاحكام الشرعية الموجودة في عصر التشريع موجودة في هذا العصر بدون أي تغيير فيها لاكماً ولا كيفاً، فالصلاة هي نفس الصلاة التي جاء بها النبي الأكرم ? والصيام والحج ونحوهما في الوقت الحاضر هو نفس ذلك الصيام والحج في وقت التشريع بما لها من الاجزاء والشروط وهكذا، على أساس ما عرفت من أن علاقة الإنسان بها علاقة معنوية فهي لا تتأثر بتأثر الحياة العامة وتطورها، وهذا بخلاف علاقة الإنسان بالحياة العامة، فإنها علاقة مادية فتتأثر بتأثرها وتتطور بتطورها وقتاً بعد وقت وعصر بعد عصر.
العنصر الثاني: المعاملات ونقصد بها النظام العقلائي الممضى من قبل الشرع في الجملة، باعتبار أن الإسلام قد الغى جملة من المعاملات العقلائية روحاً وشكلاً وهي المعاملات المحذورة المعيقة للقيم الدينية كالربا، فإن الإسلام الغاه بكافة اشكالة وبيع الخمر ولحوم الميتة والخنزير وهكذا، كما أن الإسلام الغى القمار والغناء ونحوهما، حيث يرى ان في هذه المعاملات خطراً على الاغراض الشرعية، والشارع بحكم مسؤوليته من قبل الله تعالى مكلف بتصحيح اخطاء العقلاء وتعديل أوضاعهم الاجتماعية وسلوكهم الخارجي ومواقفهم العملية وسدهم عن الانحرافات السلوكية وايجاد التوازن والعدالة الاجتماعية بينهم، ولا يمكن افتراض عدم قيام الشارع بالردع عن السلوكيات المنحرفة وعدم منعهم عنها، والا فمعناه أن الشارع خالف وظيفته وهو كما ترى، مثلاً إذا كان سلوك العقلاء على العمل باخبار الثقة في أمورهم الإجتماعية والفردية والمادية والمعنوية خطاءً، فلا محالة يقوم الشارع بردعهم عن العمل بها، فإذا لم يصدر ردع عنه، كان عدم صدوره كاشفاً جزمياً عن الامضاء بإعتبار أنه في مرأى ومسمع منه، إذ لا يمكن فرض ان بناء العقلاء وسلوكهم الخارجي على شيء كان خطاءً وعلى خلاف الغرض الشرعي ومع ذلك يكون الشارع ساكتاً عنه، لأن معنى ذلك أنه خالف مسؤوليته أمام الله تعالى وهو لا يمكن.
فالنتيجة أنه لا شبهة في ثبوت الملازمة بين عدم ا لردع عن السيرة الموجودة في عصر التشريع وإمضائها، وتشكل هذه الملازمة دلالة التزامية لعدم الردع، فيدل حينئذٍ على الامضاء بالدلالة إلالتزامية.
ودعوى أن كشف عدم الردع عن الامضاء جزماً مبني على أن عدم وصول الردع إلينا كاشف عن عدم ثبوته واقعاً وجزماً، ولكن من الواضح أنه لا ملازمة بين عدم وصول الردع وبين عدم ثبوته في الواقع، ضرورة أنه يمكن ان يكون الردع صادراً من الشارع في الواقع ولكنه غير واصل إلينا لسبب أوآخر، فإذن لا يمكن الجزم بالامضاء من مجرد عدم وصول الردع.
مدفوعة بأن السيرة العقلائية إذا كانت ثابتة وموجودة في عصر التشريع، فبطبيعة الحال يكون ثبوتها بثبوت جذورها في أعماق النفوس، والمفروض أن هذه الجذور تحدد مواقف الناس وسلوكهم في الخارج، وعلى هذا فالناس في عصر التشريع سواء أكانوا من التابعين أم من غيرهم يتحركون على طبق هذه السيرة بطبعهم بدون أن يخطر ببالهم المنع أو الردع عنها.
فإذن بطبيعة الحال لا يمكن أن يتحقق المنع عن العمل بهذه السيرة والردع عنه وقلع جذورها ببيان واحد، بل يتوقف على إصدار بيانات متعددة المؤكدة وفي موارد و مناسبات مختلفة، لوضوح أنه لا يمكن أن يتحقق المنع عن عمل الناس بتقاليدهم المرتكزة في أعماق نفوسهم طوال السنين في مجلس واحد، بل لابد من تشديد المنع وتكراره في كل مناسبة حتى يمكن ردع المجتمع عن تقاليدهم الخاطئة.
وبكلمة أن تحول المجتمع عن تقاليدهم المرتكزة الخاطئة وسلوكهم المنحرفة التي تمتد جذورها في أعماق نفوسهم طوال القرون إلى التقاليد الصحيحة القيمة الإسلامية من أصعب الاشياء وبحاجة إلى تشديد في المنع والردع وتكراره في كل مجلس ومناسبة وبيان مفاسد التقاليد الجاهلية الخاطئة وأنها خطر على الاغراض الشرعية ومزايا التقاليد الإسلامية حتى يؤثر في نفوس الناس ويؤدي إلى قلع جذورها في نهاية المطاف.
ومن الواضح أن تكرار الردع عن السيرة والتأكيد عليه في كل مناسبة حيث انه ينعكس في الروايات تماماً وبشكل مكثف، فلا محالة يصل إلينا، فإذن صدور الردع عن السيرة ملازم لوصوله.
والخلاصة ان السيرة العقلائية المرتكزة في إذهان الناس الثابتة جذورها في نفوسهم طوال القرون كالسيرة على حجية إخبار الثقة وظواهر الالفاظ إذا كانت خاطئة لدى الشرع ويكون وجودها خطراً على الاغراض الشرعية اللزومية، فمن الطبيعي انه لا يمكن ان يتحقق ردع الناس عن العمل بها وقلع جذورها عن أذهانهم بالنهي عنها مرة واحدة، ضرورة أن صرف الناس عن العمل بها وتحولهم عن تقاليدهم المرتكزة الخاطئة إلى التقاليد الصحيحة القيمة يتطلب الردع عنها بمختلف الطرق والاشكال قولاً وعملاً وبيان مفاسدها والتأكيد عليها حتى يردع الناس عنها ويقلع جذورها، فإذن لا يمكن فرض صدور الردع من الشارع عن السيرة المذكورة بدون وصوله إلينا.
ومن هنا يظهر أنه إذا وصل الردع عنها بخبر واحد، فإنه لا يكفي، ضرورة أن الردع عن مثل هذه السيرة المرتكزة في أذهان الناس لا يمكن إلا بالتأكيد عليه في مختلف المناسبات والمجالس حتى يصبح الردع عنها واضحاً ومعروفاً لكل فرد، فإذا وصل الردع إلى هذا الحد، تحقق الردع وحصل الغرض، وأما إذا لم يصل إلا في ضمن خبر واحد مع خلو سائر الاخبار عنه، فإنه لا يجدي بل هو قرينة على عدم صحة هذا الخبر، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الخبر معتبراً في نفسه أو لا، لان خلو سائر الروايات عنه وعدم اشتهار الردع عنها بين الناس قرينة على عدم صدوره قطعاً.
وللمحقق الاصفهاني ? في المقام كلاماً وهو أنه يكفي في حجية السيرة عدم احراز الردع عنها لاعدم الردع عنها واقعاً، وقد افاد في وجه ذلك أن للشارع حيثيتين، الاولى حيثية كونه من العقلاء بل سيدهم وفي طليعتهم.
الثانية حيثية كونه شارعاً ومرسلاً من قبل الله تعالى لتصحيح اخطاء العقلاء وتعديل مواقفهم الاجتماعية والفردية والمادية والمعنوية، وعلى هذا فالشارع من حيث كونه رئيس العقلاء ومن افراده، فيكون موقفه موقف العقلاء، ولا يمكن فرض المخالفة بين موقفه وموقفهم والا لزم خلف فرض انه من افراد العقلاء، فمن هذه الحيثية لا يمكن فرض ان موقف الشارع مخالف لموقف العقلاء وإلا لزم أحد محذورين: إما أنه ليس من افراد العقلاء وهذا خلف، أما ان لا تكون هذه السيرة سيرة العقلاء وهذا كما ترى.
فالنتيجة أن الشارع من هذه الحيثية يكون موقفه وسلوكه في الخارج موقف العقلاء وسلوكهم فيه.
وأما من حيثية كونه شارعاً ومبعوثاً من قبل الله تعالى، فلا يعلم أنه موافق للعقلاء في المواقف والبناء العملي أو مخالف لهم فيها، فإذن ليس هنا إلا مجرد احتمال ان الشارع بلحاظ كونه شارعاً لم يمض هذه السيرة، وهذا مجرد احتمال فلا قيمة له بعد احراز موافقته للسيرة من حيث كونه من العقلاء.
وان شئت قلت: أن موافقة الشارع للسيرة العقلائية من حيثية كونه رئيس العقلاء معلومة واحتمال ردعه لها من حيثية كونه شارعاً لا يمنع عن العمل بها وحجيتها، إذ لا يعتنى بمجرد الاحتمال والشك في الامضاء( ).
وقد يناقش فيه بان السيرة العقلاء تارة تكون ناشئة من النكات الارتكازية العقلائية كسيرتهم على العمل باخبار الثقة وظواهر الالفاظ وما شاكلهما، واخرى ناشئة من العوامل غير العقلائية كالعواطف القبلية والمشاعر الطائفية التي هي من العوامل المؤثرة في قرارات المجتمعات، والشارع بما هو عاقل إنما يوافق العقلاء في قراراتهم ومواقفهم وسيرتهم في الفرض الأول دون الثاني، لان مواقفهم في الفرض الثاني ليست بعقلائية حتى يكون الشارع بما هو عاقل موافقاً لهم.
ولكن هذه المناقشة غير واردة، لان محل كلامه ? إنما هو في السيرة العقلائية بما هي سيرة العقلاء، وأما سيرتهم في الفرض الثاني فهي ليست من السيرة العقلائية، ولهذا تكون خارج عن محل الكلام، لأن محل الكلام إنما هو في السيرة العقلائية الناشئة من النكات الارتكازية الثابتة جذورها في أعماق النفس بقطع النظر عن العوامل غير العقلائية كالعواطف الطائفية والحزبية والاقليمية ونحوها هذا.
والصحيح في الجواب ان يقال ان موافقة الشارع بما هو عاقل لسيرة العقلاء وسلوكهم الخارجي لا تكون امضاءً لها وإنما تكون موافقته لها امضاءً إذا كانت من حيث كونه شارعاً لامن حيث كونه من افراد العقلاء، فإذن يكون الشك في أصل الإمضاء لا أن اصل الامضاء معلوم والشك إنما هو في الرادع، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى، ان الشارع بما انه رسول من الله تعالى ومبعوث من قبله ومأمور بتبليغ ما أوحى الله إليه من الاحكام الشرعية والوظائف الإلهية، سواء أكانت موافقةً للمواقف العقلائية أم لا، فيكون موظفاً ببيان الاحكام الشرعية التابعة للملاكات والمبادي الواقعية التي لا طريق للعقلاء إليها، ولهذا تكون الشريعة المقدسة مصححة لاخطاء العقلاء في مواقفهم وسلوكهم سعة وضيقاً، ومن هنا قد الغى الشارع بعض سلوك العقلاء روحاً وشكلاً كالربا وغيره من المعاملات المحذورة المعيقة للقيم الإنسانية، وعلى هذا فإذا استقرت سيرة العقلاء على شيء فحجيتها شرعاً منوطة بالامضاء لها ولا بد من احرازه وإلا فهي مشكوكة الحجية، وقد تقدم أن الشك في الحجية مساوق للقطع بعدم ترتيب الأثر عليها، فإذن كيف لا يكون عدم احراز الردع عنها مانعاً عن حجيتها.
وأما الكلام في الجهة الثالثة: فيقع تارة في مفاد السيرة ومدلولها ومقدار ما يثبت بها، واخرى في مفاد دليل الامضاء سعة وضيقاً.
أما الأول، فلا شبهة في أن مفاد السيرة في المسائل الفقهية مجمل، باعتبار ان السيرة دليل لبي فلا اطلاق لها، فإذا قامت السيرة على العمل بشيء، فلا تدل على وجوبه بلحاظ أنها مجملة والقدر المتيقن منها رجحان العمل به، وأما وجوبه فهو بحاجة إلى قرينة.
وعلى الجملة فالسيرة لا تدل على شيء معين ومحدود، ولكن بما انها تبتني على نكتة وتلك النكتة في السيرة المتشرعة تدعو المتشرعة إلى العمل بها وفي السيرة العقلائية تدعو العقلاء إلى العمل بها، غاية الامر ان تلك النكتة في السيرة المتشرعية تعبدية وفي العقلائية ارتكازية، وهذه النكتة هي التي تحدد مدلول السيرة سعة وضيقاً، وعلى هذا فإذا كانت السيرة على المسائل الأصولية كالسيرة القائمة على حجية أخبار الثقة أو ظواهر الالفاظ، فلا اجمال في مدلولها من ناحية تحديده باخبار الثقة في مقابل اخبار غيرها وبظواهر الالفاظ في مقابل ظواهر غيرها، وأما من ناحية أفراده سعة وضيقاً فهي مجملة، لانه ليس فيها ما يدل على أنها تشمل أخبار الثقة كافة وإن كان الثقة مبتلاً بكثرة النسيان والخطاء أو بضعف الحافظة أو غير ذلك، فإذن القدر المتيقن منها حجية اخبار الثقة الاعتيادية.
وأما الثاني، فقد تقدم ان السيرة المعاصرة لعصر المعصومين? فهي ممضاة شرعاً إذا لم يصل إلينا ردع جزمي عنها، وأما إذا كانت السيرة، السيرة المتشرعية فهي بنفسها مستندة إلى الشرع فلا موضوع للإمضاء.
وأما إذا كانت السيرة، السيرة العقلائية، فقد تقدم أنه يكفي في امضائها سكوت المولى عن الردع، فإنه يدل على امضائها وتقريرها عملاً، مثلاً إذا قامت سيرة العقلاء على أن احياء الأرض سبب لعلاقة المحيي بها على مستوى الملك أو الحق، وحيث ان منشأ هذه السيرة النكتة الارتكازية الثابتة جذورها في أعماق النفوس، فلا يمكن تخصيصها بزمن دون آخر و بقرن دون قرن آخر، فإن تلك النكتة هي منشأ لهذه السيرة وتحدد حدودها سعة وضيقاً وهي عبارة عن أن الاحياء سبب للعلاقة بين الأرض المحياة والمحيي وهي متمثلة في أن كل فرد يملك آثار عمله وجهده ونتيجته، ولا فرق في ذلك بين أن يكون الاحياء بالوسائل البدائية أو الوسائل المتطورة الحديثة، فإنه لا خصوصية لادوات الاحياء وإنما الخصوصية كلها في نفس عملية الاحياء، ومن الواضح ان هذه العملية لا تتأثر بتأثر الادوات ولا تتطور بتطورها، نعم ان ادواتها تتطور من قرن إلى قرن آخر ومن زمان إلى زمان آخر، وأما ذات العملية وهي احياء الاراضي، فهي لا تختلف باختلاف الازمان والقرون ولا تتطور في طول التاريخ، لان النكتة التي لها تأثير في الملك أو الحق متمثلة في ذات العملية ونفسها بقطع النظر عن اسبابها وأدواتها.
وبكلمة واضحة لا يعترف العقلاء بعلاقة الإنسان بالارض على مستوى الملك أو الحق إذا كانت سيطرته عليها بالقوة والاحتكار والتحكم على الآخرين، فإنها تسبب تضييع حقوقهم بمعنى عدم إتاحة الفرصة لهم للانتفاع بها، ومن الطبيعي ان ذلك يضر بالعدالة الاجتماعية التي يؤمن الإسلام بضرورة ايجادها بين طبقات الامة ولا يعترف الإسلام بها، على أساس أن الاسلام يرى أنها مظهر من مظاهر القوة والتحكم وتضييع حقوق الاخرين، وإنما يعترف الإسلام بهذه العلاقة على أحد المستويين إذا كانت سيطرته على الأرض، على أساس بذل الجهد والعمل لخلق الشروط فيها وإتاحة الفرصة لاستثمارها والانتفاع بها الذي هو ذات قيمة اقتصادية، لأن ما هو منشأ لعلاقة الإنسان بالأرض على مستوى الملك أو الحق إنما هو بذل الجهد والعمل لخلق الشروط فيها لكي تتيح استثمارها، ومن الواضح انه لا فرق بين ان يكون بذل الجهد والعمل وخلق الشروط بالوسائل البدائية أو الوسائل الحديثة المتطورة، فلاموضوعية للوسائل والادوات والاسباب.
والخلاصة أن كل عامل يملك نتيجة عمله في الأرض الميتة وهي خلق الشروط فيها التي تتيح للفرد الاستفادة منها والانتفاع بها، حيث أنها لم تكن متوفرة فيها قبل قيام العامل باحيائها، وإنما هي نتجت عن عملية الاحياء وهي بذل الجهد والعمل فيها، سواء أكان بقوة اليد أم كان بقوة الكهرباء أو الذرة، فالعامل إنما يملك تلك الشروط والفرصة فيها للاسثمار، وهذه الشروط إنما تبرر علاقة العامل برقبة الأرض على مستوى الحق، فالسيرة العقلائية جارية على أن علاقة الإنسان بالارض الميتة إنما هي بالاحياء ومنشأ هذه السيرة النكتة الارتكازية وهي أن كل عامل يملك نتيجة عمله، وهذه النكتة لا تختص بوقت دون وقت.
وأما الأرض إذا كانت حية بطبيعتها، فالعامل لا يخلق فيها صفة ذات قيمة اقتصادية، باعتبار ان شروط الاستثمار متوفرة فيها ذاتاً بدون جهد بشري، وإنما يقوم العامل بالانتفاع من زرعها وغرس أشجارها ونحو ذلك، فلذلك لا يملك العامل إلا نتيجة عمله وهو الانتفاع من الزرع أو الغرس ولا يملك صفة في الأرض طالما لم يخلق فيها شيئاً، ومن الطبيعي ان عمله الانتفاعي لا يبرر اختصاص العامل برقبة الارض، نعم ما دام هو يمارس العمل فيها ويواصل في زراعتها، كان أحق من غيره بالانتفاع بها وليس لغيره أن يزاحمه فيه.
ومن هذا القبيل سيرة العقلاء الجارية في تملك الثروات الطبيعية المنقولة بالحيازة، وهي عبارة عن بذل الفرد الجهد في السيطرة عليها وجعلها في حوزته بشكل مباشر أو غير مباشر، ومنشأ هذه السيرة النكتة الارتكازية الثابتة جذورها في أعماق النفس، وهي ان كل عامل يملك نتيجة عمله وجهده، ولهذا لا تختص حجية هذه السيرة بزمن التشريع، لان حجيتها تدور مدار هذه النكتة الارتكازية التي لا تختص بزمن دون آخر وبعصر دون عصر آخر وهكذا، ولا فرق في ذلك بين ان تكون حيازتها بالوسائل البدائية القديمة أو بالوسائل الحديثة المتطورة، إذ لا خصوصية لادوات الحيازة ووسائلها، نعم إذا قام فرد باحياء الأراضي الواسعة الشاسعة بالوسائل الحديثة بحيث يضر بالعدالة الاجتماعية والتوازن، فللحاكم الشرعي أن يمنع عن ذلك بما يتناسب مع مبدأ العدالة.
فالنتيجة في نهاية المطاف ان منشأ السيرة العقلائية في جميع هذه الموارد النكتة المرتكزة في اذهان العقلاء، وهي ان كل عامل يملك نتيجة عمله وجهده، سواء أكان في عملية الاحياء أم في الحيازة، وهذه السيرة ممضاة في كافة الموارد المذكورة، حيث ان الشارع يرى ان تحقيق العدالة الاجتماعية والتوازن وحفظ الحقوق في المجتمع إنما هو بذلك.
نتيجة ما ذكرناه عدة نقاط
النقطة الأولى: أن السيرة العقلائية ناشئة من أحد الملاكين: الأول أن ما قامت عليه السيرة العقلائية فهو أمر ارتكازي ومرتكز في أذهان العقلاء وثابت في أعماق نفوسهم كالجبلة والفطرة. الثاني النكات الارتكازية الثابتة في اذهانهم.
النقطة الثانية: ان السيرة المستحدثة في العصور المتأخرة عن عصر التشريع سواء أكانت عقلائية أم كانت متشرعية، فلا طريق لنا إلى أمضائها شرعاً.
النقطة الثالثة: ان السيرة إذا كانت معاصرة لزمن المعصومين ?، فإن كانت متشرعية، فلا معنى للبحث عن امضائها وردعها، لفرض أن مصدر السيرة المتشرعية الشرع، فإذا كان مصدرها الشرع، فكيف يمكن تصوير ردعها شرعاً أو امضائها كذلك، إذ على الأول يلزم التهافت والتناقض، وعلى الثاني يلزم كون الامضاء لغواً.
النقطة الرابعة: ان الردع عن السيرة العقلائية المعاصرة لزمن التشريع ملازم لوصولها إلينا جزماً، على اساس ان تحقق الردع عن السيرة التي تبتني على المرتكزات الذهنية وقلع جذورها عن أذهان الناس بحاجة إلى الردع عنها بكل تأكيد ومناسبة وفي كل مجلس والتأكيد عليه حتى صار معروفاً ومشهوراً عند كل فرد.
النقطة الخامسة: ان اتصاف السيرة بالحجية منوط باحراز امضائها شرعاً وإلا فلا تكون حجة، ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق الاصفهاني ? من انه يكفي في حجيتها عدم احراز الردع عنها غير تام.
النقطة السادسة: ان السيرة إذا كانت في المسائل الفقهية البحتة، فهي مجملة ولا اطلاق لها، لأنها دليل لبي، فلابد حينئذٍ من الاخذ بالمقدار المتيقن منها، وأما إذا كانت في المسائل العقلائية كما في باب المعاملات أو في المسائل الاصولية، فتكون سعة السيرة وضيقها تدور مدار منشأها كذلك على تفصيل تقدم.
النقطة السابعة: ان سعة مدلول الامضاء وضيقه إنما هي تتبع سعة منشأ السيرة وضيقه على ما تقدم.

حجية الظواهر
المقام الثاني في
«حجية الظواهر»
الكلام فيها يقع في عدة جهات:
الجهة الأولى في أصل حجية الظواهر بما هي ظواهر.
وغير خفي ان عمدة الدليل على حجية الظواهر السيرة القطعية العقلائية الجارية على العمل بها، وقد تقدم ان السيرة على قسمين الأول السيرة المتشرعية، الثاني السيرة العقلائية. والأولى إنما تكون في مقابل الثانية إذا كان موردها الأحكام الشرعية التعبدية الصرفة كالوجوب أو نحوها، وهذه السيرة لا تصلح ان تكون دليلاً على المسألة، لان المسألة في المقام حجية اخبار الثقة وظواهر الالفاظ وهي احكام عقلائية امضائية وخارجة عن مورد هذه السيرة، هذا إذا كانت السيرة معاصرة لزمن الأئمة?، وأما إذا كانت متأخرة عنه ولم تكن معاصرة، فقد تقدم انه لا طريق إلى احراز معاصرتها لزمن المعصومين? واتصالها به.
وأما الثانية وهي السيرة العقلائية، فإن كانت مستحدثة ولم تكن موجودة في زمن المعصومين?، فلا تكون حجة لعدم الطريق إلى امضائها شرعاً حتى تصلح ان تكون دليلاً على المسألة، وان لم تكن مستحدثة وكانت موجودة في زمن المعصومين? فهي ممضاة شرعاً، وتصلح حينئذٍ أن تكون دليلاً على المسألة لأنها سيرة عقلائية بالذات وناشئة من المرتكزات العقلائية الذهنية أو من النكات الارتكازية، وعلى كلا التقديرين فهي سيرة عقلائية محضة، نعم بعد امضاء الشارع لها اتصف بالمتشرعية بالفرض، باعتبار ان عمل المتشرعة بها من جهة أنها ممضاة شرعاً لا من جهة عقلائيتها، فإذن تكون هذه السيرة ذات حيثيتين، لأن المتشرعة يعملون بها من حيث أنها ممضاة شرعاً، والعقلاء من حيث أنها ناشئة من المرتكزات العقلائية.
ثم أن الاستدلال بهذه السيرة على حجية الظواهر يقع في مقامين:
الأول: الاستدلال بها على حجية الظواهر في الاوضاع الاقتصادية المعاشية والاغراض الخارجية اليومية.
الثاني: الاستدلال بها على حجية الظواهر في الاحكام المولوية الشرعية أو العرفية.
أما الكلام في المقام الأول: فالظاهر أنه لا يصح الاستدلال بالسيرة العقلائية على حجية الظواهر في الاغراض التكوينية اليومية والامور المعاشية، لأن العقلاء لا يعملون في هذه الموارد إلا بالاطمئنان والوثوق الشخصي لا بالظواهر تعبداً، إذ لا يمكن افتراض أن العقلاء يعملون بشيء تعبداً وبدون نكتة تبرر عملهم به، ومن هنا فالتاجر ما لم يطمئن باوضاع السوق من حيث العرض والطلب ومؤشراته الايجابية لم يقم باستيراد السلع من الخارج، ولا يمكن فرض انه يقوم بعملية الاستيراد بدون الاطمئنان باستقراء السوق والنفع فيه، وكذلك الحال في سائر الاغراض الخارجية التكوينية والامور الاقتصادية ولا سيما إذا كانت خطرة.
وإن شئت قلت ان كل عاقل لا يمكن ان يقدم على عمل جزافاً وتعبداً بدون وجود مبرر له، لان التعبد إنما يكون في الاحكام المولوية لا في الامور الخارجية التكوينية التي لا ترتبط بالمولى.
إلى هنا قد تبين أنه لا يمكن التمسك بالسيرة العقلائية على حجية الظواهر في الاوضاع الاقتصادية والفوائد الدنيوية والاغراض الاعتيادية التكوينية، لان العقلاء لا يعملون في هذه الموارد جميعاً إلا بالاطمئنان والوثوق الشخصي لا بالظواهر مطلقاً وتعبداً وان لم تفد الاطمئنان والوثوق، وإذا أفادت فالعمل بالاطمئنان لا بالظواهر، هذا اضافة إلى انا لو سلمنا أن السيرة العقلائية جارية على العمل بالظواهر في تلك الموارد إلا أنه لا معنى لامضاء الشارع لها، باعتبار أن الموارد المذكورة جميعاً من الامور التكوينية، سواء أكانت من الامور المعاشية أم من الفوائد الدنيوية أم الاغراض العادية في الحياة اليومية فلا ترتبط بالشارع اصلاً، وعلى هذا فلا يترتب على امضائها شرعاً أي أثر كالتنجيز أو التعذير حتى تتصف بالحجية والمنجزية ولهذا يكون امضائها لغواً، فلا يمكن صدوره من الشارع.
لحد الآن قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي أن السيرة العقلائية لم تجر على العمل بالظواهر في الاغراض والفوائد الاقتصادية الدنيوية والاوضاع الخارجية، لان العقلاء لا يعملون في هذه الموارد إلا بالاطمئنان والوثوق الشخصي لا بالظواهر بما هي ظواهر، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان العقلاء يعملون بها في الموارد المذكورة إلا أنها غير ممضاة شرعاً.
ودعوى ان هذه السيرة من العقلاء ثابتة في الاغراض التكوينية أيضاً، بتقريب أن هذه السيرة بقطع النظر عن تحليل مناشئها ودوافعها باعتبارها سلوكاً يومياً عاماً في حياة كل عاقل الاعتيادية فسوف تشكل عادة وجبلة ثانوية للإنسان العرفي، بحيث يكون بابه باب العادة لا باب التعقل والتبصر والدراية، ومع تحول السلوك العقلائي من سلوك تعقل وتبصر إلى سلوك عفوي غير مدروس وهو يصبح تدريجاً سلوكاً عقلائياً ونهجاً عرفياً يعاقب الإنسان على مخالفته والخروج عنه وهو التقاليد العقلائية والعرفية، وعلى هذا فإذا كانت هذه التقاليد العقلائية التي تشكل عادة وجبلة ثانوية للإنسان مخالفة للاغراض الشرعية، فعلى الشارع ردعهم عن ذلك وعن استخدام هذه الطريقة العادية في مجال التشريعات.
مدفوعة، أما أولاً فلما مر من أن السيرة العقلائية غير جارية على العمل بالظواهر في الاغراض التكوينية، لما تقدم من أن عمل العقلاء بشيء لا يمكن ان يكون جزافاً وتعبداً، وعليه فلا يمكن أن تكون سيرتهم على العمل بالظواهر بما هي ظواهر وان لم تفد الظن فضلاً عن الإطمئنان، لان العمل بشيء تعبداً إنما يتصور في الامور التعبدية المولوية لافي الامور الخارجية الاعتيادية.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان سيرة العقلاء جارية على العمل بالظواهر في هذه الموارد، إلا أن من الواضح ان عملهم بها ليس بما هي ظواهر بل من جهة حصول الاطمئنان والوثوق منها بالواقع ولو بسبب وجود القرآئن والخصوصيات المحفوفة بها، منها أن الناقل إذا كان ثقة وكان نقله عن موضوع خارجي بلا واسطة حصل منه الاطمئنان والوثوق غالباً ولا سيما إذا كانت هناك قرائن، اخرى على صدقه من الحالية أو المقامية، لأن احتمال الخطاء في الامور الحسية غير وارد غالباً واحتمال تعمد الكذب خلف فرض انه ثقة.
وثالثاً أن التفهيم والتفهم في الامور التكوينية والاغراض الخارجية غالباً يكون بالنص أو الاظهر، لا بالاطلاق الثابت بمقدمات الحكمة.
هذا اضافة إلى ما عرفت من أن سيرة العقلاء على العمل بالظواهر لو كانت جارية في الامور التكوينية، فهي غير ممضاة شرعاً فلا تكون حجة.
وأما الكلام في المقام الثاني: فلا شبهة في ان السيرة العقلائية قد قامت على العمل بالظواهر في باب المولويات أعم من الشرعية والعرفية، كما انه لا شبهة في امضاء هذه السيرة شرعاً وحجيتها.
ويمتاز هذه المقام عن المقام الأول بعدة أمور:
الأول: أن الغرض في المقام الأول إنما هو الوصول إلى الواقع، لان الاثر مترتب عليه بينما الغرض في المقام الثاني إنما هو بتحصيل الحجة في مقام العمل، سواء أكان العمل مطابقاً للواقع أم لا.
الثاني: أن العقلاء في المقام الأول لا يعملون بالظواهر بما هي ظواهر في مجال الاغراض التكوينية ما لم تفد الاطمئنان أو الوثوق، بينما هم في المقام الثاني يعملون بالظواهر بما هي ظواهر في مجال التشريعات بين الموالي والعبيد، سواء أكانت الموالي من الموالي الحقيقية أم من الموالي العرفية، لان وظيفة العبد هي العبودية والاطاعة والانقياد للمولى تعبداً بما وصل إليه من التشريعات بدون أي حق للسؤال عن سبب ذلك ومنشأه، وهذا هو موقف العبد بالنسبة إلى مولاه، وهذا الموقف ثابت بين الموالي والعبيد مطلقاً أي بلا فرق بين المولى الحقيقي والعرفي.
الثالث: أن حجية الظواهر في المقام الأول غير معقولة ثبوتاً، لان لازم حجيتها التنجيز والتعذير وهو لا يعقل في الخطابات المتبادلة بين العقلاء في الاغراض الخارجية التكوينية والامور الاقتصادية، لان معنى التنجيز استحقاق العقوبة على المخالفة والمثوبة على الموافقة وهو غير متصور في تلك الخطابات، بينما حجيتها في المقام الثاني معقولة ثبوتاً وواقعاً، ولا مناص من الالتزام بها في ظواهر الخطابات الشرعية والعرفية المولوية، لانها منجزة على تقدير الاصابة ومعذرة على تقدير الخطاء.
الرابع: ان التفهيم والتفهم بين العقلاء في الامور المعاشية وأوضاعها والاغراض الخارجية كثيراً ما يكون بالالفاظ الصريحة المتبادلة بينهم مشافهة أو بالكتابة، على أساس أن موردهما في هذا المقام غالباً الاشياء باسمائها الخاصة، ومن الواضح أن دلالة كل اسم على مدلوله ومسماه بالنص، مثلاً إذا اراد التاجر ان يستورد البضائع من الخارج يرسل القوائم إلى الطرف الثاني ويعين فيها اسماء البضائع ونوعها وجنسها ومالها من الصفات والخصوصيات، والمصدر من الخارج إذا وافق على القائمة عين قيمة البضائع والسلع وتاريخ ارسالها ودلالة كل هذه الاسماء على مسمياتها قطعية بدون أي اجمال ولبس في البين، وكذلك الحال بالنسبة إلى أوضاع السوق ومؤشراتها وقانون العرض والطلب، فإنه مطمئن بان وضع السوق مناسب لاستيراد البضائع من النوع الفلاني أو الجنس الفلاني بما لها من المواصفات ولا يكتفي في شيء من ذلك بالظن ولا بالظهور التي لا تفيد الاطمئنان، وهذا بخلاف التفهيم والتفهم بين الموالي والعبيد، فإنه غالباً يكون بالظهور وان لم يفد الظن فضلاً عن الاطمئنان ولا سيما إذا لم يكن وصول الخطاب من المولى إلى العبد مباشرة كما هو الغالب، وعليه فإذا صدر أمر بشيء من المولى، فإنه ظاهر في الوجوب، وهذا الظهور حجة وان لم يفد الظن وكذلك سائر خطاباته.
فالنتيجة ان هذه الفروق بين المقامين تشكل قرينة على أن الظهور لا تكون حجة في الامور الاقتصادية المعاشية والاغراض الخارجية، بينما تكون حجة في الامور المولوية.
إلى هنا قد تبين أنه لا اشكال في قيام السيرة القطعية من العقلاء على العمل بالظواهر بما هي ظواهر وان لم تفد الظن في الاحكام المولوية سواء أكانت شرعية أم عرفية، وأما امضاء هذه السيرة، فقد تقدم انه يكفي فيه عدم الردع عنها وسكوت الشارع، لانه امضاء لمثل هذه السيرة على اساس أنها مشتهرة بين الناس حتى التابعين للشرع ومرتكزة في اذهانهم وهم يعملون على طبقها طالما لم يرد الردع عنها، وعلى هذا فلو كانت هذه السيرة مخالفة للاغراض الشرعية فبطبيعة الحال صدر من الشارع الردع عنها ويؤكد عليه حتى يقلع جذورها عن أذهانهم هذا.
ولكن قد يقال كما قيل ان الشارع قد قام بردع هذه السيرة تارة بالعمومات الناهية عن العمل بالظن، واخرى باطلاقات أدلة الاصول العملية، فإنها باطلاقها تشمل موارد الظن أيضاً، باعتبار أن المراد من الشك فيها الشك بمعناه العرفي لا بمعناه عند المناطقة وهو التساوي بين الطرفين.
أما الأول، فتقريبه ان حجية السيرة العقلائية تتوقف على الامضاء الشرعي وتدور مداره وجوداً وعدماً، وعلى هذا فاتصافها بالحجية منوط باحراز امضائها شرعاً بنحو الجزم، اذ مع الشك في الامضاء واحتمال عدمه نشك في حجيتها، وقد تقدم ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها أي بعدم ترتيب الأثر عليها، ومن هنا قيل انه إذا ورد ردع عنها في ضمن رواية ضعيفة، فهو مانع عن اتصافها بالحجية، باعتبار ان هذه الرواية وان كانت ضعيفة سنداً إلا أنها تصلح أن تكون منشأ لاحتمال الردع عنها، ومع هذا الاحتمال لا يقين بحجيتها، ومع عدم اليقين بها فلا يمكن ترتيب آثار الحجة عليها.
وعلى هذا فهذه الاطلاقات إن كانت حجة، فهي رادعة لها لا محالة، وان لم تكن حجة فتصلح ان تكون منشاءً لاحتمال الردع عنها، على أساس احتمال مطابقتها للواقع، ومع هذا الاحتمال فلا جزم بالامضاء، ومع عدم الجزم به فلا يقين بحجيتها، فمن اجل ذلك لا يمكن التمسك بهذه السيرة في مقابل هذه العمومات الناهية عن العمل بالظن، ومن هنا يظهر وجه تقريب الاستدلال بالثاني وهو اطلاقات أدلة الاصول العملية الشرعية، فإن هذه الاطلاقات وان قلنا بعدم حجيتها ولكن احتمال مطابقتها للواقع موجود، ومع هذا الاحتمال لا جزم بالامضاء، وبدونه فلا يقين بحجيتها، والمفروض ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.
والجواب انه لاشبهة في ان هذه السيرة موجودة منذ عصر التشريع وهو عصر النبي الأكرم? إلى عصر الأئمة الاطهار? والناس والتابعون لهم من الاصحاب يعملون بها طوال هذا التاريخ في مرأى ومسمع منهم ?، وسكوتهم وعدم الردع عن ذلك يدل على الامضاء.
وعلى الجملة فلاشبهة في ان المتشرعة يعملون بظواهر الكتاب والسنة في عصر المعصومين?، فلو كان العمل بها على خلاف الاغراض الشرعية، كان عليهم المنع عن العمل بها، إذ لا يكون هناك مانع عن الردع، ومع هذا فعدم صدور الردع عنهم وسكوتهم والحال هذه، دليل على الامضاء وقرينة على ان هذه العمومات لا تصلح ان تكون رادعة عنها وإلا لأشاروا إليها.
والخلاصة ان هذه السيرة المرتكزة في أذهان العرف والعقلاء لو كانت خاطئة ومنافية للاغراض الشرعية، فبطبيعة الحال كان يصدر من الشارع الردع عنها والتنبيه على خطائها، فعدم صدور الردع والتنبيه طوال فترة زمن المعصومين?، كاشف جزمي عن امضائها وعدم منافاتها لها، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان العمومات المتقدمة من الآيات والروايات قد صدرت في وقت كان المتشرعة يعملون بالسيرة المذكورة في زمانهم ? وفي حضورهم بدون ان يخطر ببالهم ان تلك العمومات رادعة عنها، ومن الواضح أنها لو كانت رادعة عن العمل بها في الواقع وكان العمل بها خطراً على الشرع، لكان على الشارع تنبيه الناس على رادعيتها والتأكيد عليها مع انه لاعين له ولا أثر.
وبكلمة واضحة، قد تقدم ان منشأ سيرة العقلاء لا يخلو من ان تكون المرتكزات الذهنية التي تمتد جذورها في أعماق نفوسهم أو النكات العقلائية الارتكازية التي هي كامنة في نفس ما قامت السيرة عليه.
وأما في المقام، فالسيرة العقلائية الجارية على العمل بظواهر الالفاظ، فيكون منشائها النكتة الارتكازية الكامنة في نفس ظواهر الالفاظ، وهي أنها أقرب إلى الواقع نوعاً من غيرها كظواهر الافعال واقوى كشفا، وهذه النكتة هي المنشأ لبناء العقلاء وسيرتهم على العمل بظواهر الكتاب والسنة دون غيرها، وهذه السيرة قد اصبحت في اذهانهم كالجبلة والفطرة الثانوية.
وعلى هذا فالناس منذ زمن البعثة والتشريع يعملون بهذه السيرة حسب جبلتهم وفطرتهم، غاية الأمر ان المتشرعة كانوا يستندون عملهم بها إلى الشرع أيضاً، فلو كانت هذه السيرة والطريقة المألوفة بين العقلاء في باب المولويات خاطئة وخطراً على الاغراض الشرعية، فلا يمكن ان يسكت النبي الأكرم? عن ردعها، باعتبار انه شارع ومرسل من قبل الله تعالى لارشاد الناس إلى الطريق المستقيم وتصحيح اخطائهم، بل يقوم بردعها بشتى الوسائل والطرق وفي كل مناسبة حتى تقلع جذورها عن الاذهان، هذا وحده لا يكفي، بل على الشارع اختراع طريقة أخرى للافادة والاستفادة والتفهيم والتفهم من النصوص التشريعية كالكتاب والسنة بعد المنع عن العمل بظهورها.
ومن الواضح ان الشارع لو اخترع طريقة اخرى للافادة والاستفادة والتفهيم والتفهم من النصوص التشريعية على خلاف الطريقة العقلائية المألوفة والمرتكزة لدى الناس، لكانت حادثة فريدة من نوعها وغريبة، باعتبار أنها كانت على خلاف مواقف العقلاء وتقاليدهم المرتكزة ولانعكست في الكتب والتواريخ واخبار الائمة? واشتهرت بين الناس في فترة زمنية قليلة، باعتبار ان كل امر غريب اذا حدث، اشتهر في اقل ازمنة مع انها لم تسجل لا في كتب التاريخ ولا في اخبار الائمة?.
فالنتيجة ان سكوت النبي الأكرم? عن ردع هذه السيرة من ناحية وعدم اختراع طريقة اخرى للافادة والاستفادة من الكتاب والسنة من ناحية اخرى، قرينة قطعية على موافقتة لها وامضائها. هذا اضافة إلى أن هذه السيرة لما كانت مرتكزة في الاذهان وثابتة جذورها فيها، فلا يمكن ردعها إلا بما يتناسب حجم السيرة بان يقوم الشارع بردعها بشتى الوسائل والطرق والتشديد عليه واستنكار العمل بها صراحة حتى تقلع جذورها وتتيح الفرصة لتزويد النفس بغريزة الدين.
وعلى ضوء هذا الاساس انه يمكن القول بان هذه السيرة الجارية بين المتشرعة المرتكزة في اذهانهم. بمثابة القرينة اللبية المتصلة المانعة عن انعقاد ظهور المطلقات في الاطلاق.
إلى هنا قد وصلنا إلى هاتين النتيجتين:
الأولى، ما تقدم من ان الاطلاقات المتقدمة لا تصلح ان تكون رادعة لهذه السيرة، هذا اضافة إلى انه لا يمكن ردعها بها، لما عرفت من انها حيث كانت مرتكزة في الاذهان، فلا يمكن ردعها بالاطلاق ومقدمات الحكمه، بل لابد ان يكون بالبيان الصريح وبمختلف الالسنة، لان مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي ان يكون الردع بما يتناسب المردوع في الحجم.
الثانية، ان هذه السيرة حيث أنها كالجبلة، فلا يبعد أن تكون قرينة لبية متصلة مانعة عن انعقاد ظهور المطلقات في الاطلاق، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان السيرة المذكورة لا تصلح ان تكون قرينة لبية متصلة، إلا أنها تصلح أن تكون قرينة لبية منفصلة ومانعة عن حجية اطلاق هذه المطلقات.
نعم بناء على ما ذهب إليه السيد الاستاذ ? من ان المراد من عدم القرينة الذي هو جزء من مقدمات الحكمه، اعم من عدم القرينة المتصلة والمنفصلة، فالسرة حينئذٍ مانعة عن جريان مقدمات الحكمة وبالتالي عن انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق.
ولكن ذكرنا في مبحث التعادل والترجيح ان هذا المبنى غير صحيح، وان ما هو جزء المقدمات خصوص عدم القرينة المتصلة لا الاعم منها ومن المنفصلة، فإذا كانت السيرة بمثابة القرينة المنفصلة، فهي تمنع عن حجية ظهور المطلق في الاطلاق لا عن اصل انعقاد ظهوره هذا.
وأما مدرسة المحقق النائيني ? فقد اتخذت جواباً آخر عن شبهة رادعية العمومات الناهية عن العمل بالظن، وحاصل هذا الجواب هو ان نسبة هذه السيرة إلى المطلقات المزبورة نسبة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم، بتقريب ان مفاد السيرة حجية الظواهر بمعنى الطريقية والعلم التعبدي، وعلى هذا فالسيرة تدل على ان الظواهر علم تعبداً، فإذا كانت علما كذلك كانت رافعة لموضوع العمومات المذكورة وهو الظن تعبداً، فإذن تخرج الظواهر عن موضوع هذه العمومات بالحكومة، فلهذا لا تصلح ان تكون رادعة عنها( ).
وللنظر في هذا الجواب مجال.
أما أولاً: فلما مرّ آنفاً من أن العمومات المذكورة لا تصلح أن تكون رادعة عن هذه السيرة المرتكزة في أعماق النفوس، لان الردع عنها لابد ان يكون ببيان واضح وصريح ولا يمكن بها، بل قلنا أن هذه السيرة بمثابة قرينة متصلة مانعة عن انعقاد ظهور هذه العمومات في العموم، ومع التنزيل عن ذلك إنما تصلح ان تكون بمثابة قرينة منفصلة مانعة عن حجية ظهورها فيه.
وثانياً: ان ما ذكره مدرسة المحقق النائيني ? مبني على ان يكون مدلول السيرة جعل الحجية للظواهر، ومعنى الحجية الطريقية والكاشفية، وكلا الامرين غير صحيح.
أما الامر الأول: فلان السيرة عبارة عن عمل العقلاء بالظواهر وترتيب أثارها عليها لاجعل الحجية لها، ضرورة ان مدلولها العمل بالظواهر خارجاً في باب المولويات، على اساس توفر نكتة عقلائية فيها، كما انها لا تكشف عن جعل الحجية لها في المرتبة السابقة، لوضوح ان السيرة لا تتوقف على هذا الجعل وإنما تتوقف على وجود مبرر لها والمبرر له في المقام أمران: الأول ان حفظ النظام العام في باب المولويات يتوقف على العمل بها، الثاني ان تخصيص العمل بخصوص ظواهر الالفاظ من جهة أنها أقرب إلى الواقع نوعا من غيرها واقوى كشفا.
وأما الأمر الثاني: فقد تقدم موسعاً أنه لا يمكن ان يكون المجعول في باب الامارات الطريقية والكاشفية ثبوتاً لانه لغو، حيث انه لا يؤثر في الامارات اصلاً لا تكوينا ولا تشريعاً إلا أن يكون مرده إلى تنزيل الامارات الظنية منزلة العلم والقائل بهذا القول لا يقول به.
وعلى تقدير تسليم أمكان ذلك ثبوتاً، إلا أن السيرة لا تدل على هذا الجعل في مقام الاثبات، وأما الامضاء الشرعي فهو أيضاً لا يدل عليه، لانه عبارة عن قبول الشارع عمل العقلاء بالسيرة، ولهذا يكفي فيه سكوت المولى عن عمل العقلاء بها وعدم الردع عنه.
فالنتيجة ان سيرة العقلاء الجارية على العمل بالظواهر لا تدل على الجعل لابنفسها ولا بالامضاء الشرعي.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان مقتضى السيرة الممضاة شرعاً جعل الطريقية والكاشفية للامارات منها ظواهر الالفاظ، فمع ذلك لا تكون السيرة حاكمة على العمومات المتقدمة، وذلك لما ذكرناه سابقاً من أن مفاد هذه العمومات الارشاد إلى عدم حجية الظن في مقابل ما دل على حجيته، وحينئذٍ فإن كان مفاد دليل الحجية جعل الطريقية والكشافية للإمارات الظنية، فالعمومات المذكورة تنفي حجيتها بهذا المعنى، لان مدلولها نفي الحجية عن الامارات الظنية في مقابل أدلة حجيتها التي تثبتها لها، ولا فرق في ذلك بين ان تكون الحجية بمعنى الطريقية والعلم التعبدي أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى جعل الحكم الظاهري، فإذن تكون العمومات في عرض أدلة الحجية فيقع التنافي بينهما، وحيث ان نسبة السيرة القائمة على العمل بالظواهر إلى تلك العمومات نسبة الخاص إلى العام، فلابد من تخصيصها بغير موردها، فإذن يكون التقديم من باب التخصيص لامن باب الحكومة.
وأما المحقق الخراساني? فقد اتخذ جواباً ثالثاِ عن شبهة رادعية العمومات الناهية عن العمل بالظن، وحاصل هذا الجواب هو ان رادعية العمومات المتقدمة عن السيرة مستحيلة، وقد افاد في تقريب ذلك ان رادعيتها عنها تتوقف على أن لا تكون السيرة مخصصة لها، إذ لو كانت مخصصة لم يكن عمومها حجة حتى يكون رادعاً لها، وعدم مخصصية السيرة يتوقف على رادعيتها عنها وإلا فهي مخصصة لها، فإذن يلزم توقف رادعيتها على رادعيتها وهو محال، لانه من توقف الشيء على نفسه.
ثم قال? ان هذا الدور يلزم في طرف مخصصية السيره للعمومات أيضاً، بتقريب ان مخصصية السيرة للعمومات تتوقف على أن لا تكون تلك العمومات رادعة عنها وإلا فلا تصلح أن تكون مخصصة لها، وعدم رادعية هذه العمومات يتوقف على أن تكون السيرة مخصصة لها، فإذن يلزم توقف مخصصية السيرة على مخصصيتها وهو محال، لانه من توقف الشيء على نفسه.
فالنتيجة، كما ان رادعية العمومات عن السيرة مستحيلة، كذلك مخصصية السيرة للعمومات، لأن كلتيهما دورية( ).
وقد اجيب عن ذلك بعدم لزوم الدور من ناحية تخصيص السيرة للعمومات، بدعوى ان مخصصية السيرة للعمومات لا تتوقف على عدم الردع عنها في الواقع حتى يلزم الدور، بل يكفي في تخصيصها لها عدم ثبوت الردع وهو لا يتوقف على مخصصيتها لها لكي يلزم الدور، لانه مستند إلى عدم صلاحية العمومات للردع، فإذن لا دور من هذه الناحية.
وهذا الجواب غريب جداً، لما تقدم من ان اتصاف السيرة بالحجية منوط بالقطع بامضائها شرعاً حتى يقطع بحجيتها، لأن الشك فيها مساوق للقطع بعدمها أي بعدم ترتب الأثر عليها، وعلى هذا فمخصصية السيرة منوطة باتصافها بالحجية جزماً وهو متوقف على القطع بامضائها شرعاً، ومن الواضح ان القطع بالامضاء مساوق للقطع بعدم الردع، ضرورة أنه لا يمكن القطع بالامضاء مع احتمال الردع عنها في الواقع.
وعلى هذا فلا يكفي في مخصصية السيرة عدم ثبوت الردع لانه ينسجم مع الشك فيه، ومن الطبيعي انه مع الشك فيه لا يمكن القطع بالامضاء وبالتالي القطع بحجية السيرة حتى تصلح ان تكون مخصصة للعمومات المذكورة هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى قد ذكر السيد الاستاذ? ان الامر بالعكس تماماً في المقام، لان مخصصية السيرة للعمومات المذكورة تتوقف على عدم الردع عنها في الواقع ولا يكفي فيها عدم ثبوت الردع، بينما لا تتوقف رادعية العمومات عن السيرة على عدم المخصص لها في الواقع، بل يكفي فيها عدم ثبوت مخصصية السيرة لها، وقد افاد ? في وجه ذلك ان عموم العام حجة في موارد الشك في المخصص، لان السيرة العقلائية جارية على التمسك بعموم العام واطلاق المطلق ما لم يثبت المخصص أو المقيد له، ومع الشك فيه يرجع إلى عموم العام أو اطلاق المطلق، فإذن لا دور في جانب رادعية العمومات عن السيرة، لانها لا تتوقف على عدم مخصصية السيرة في الواقع حتى يلزم الدور، بل تتوقف على عدم ثبوت مخصصيتها لها وهو مستند إلى عدم الدليل عليها لا إلى حجية العمومات ورادعيتها، فإذن لا دور في هذا الجانب( ) هذا.
وللمناقشة فيه مجال، وذلك لان ما أفاده ? تام فيما إذا كان المخصص لفظياً، باعتبار ان له مقامين ثبوتياً واثباتياً وقد ينفك أحدهما عن الآخر، كما إذا كان المخصص في الواقع موجوداً ولكنه لم يصل إلى المكلف في مقام الاثبات، وحيث ان المانع عن التمسك بعموم العام واطلاق المطلق وجود المخصص والمقيد في مقام الاثبات أي وصوله ووجوده العلمي، فلا يمنع وجوده في الواقع عن التمسك به. وأما إذا كان المخصص لبياً كما في المقام، فما ذكره ? غير تام، إذ ليس للمخصص اللبي مقامان؛ الثبوت والاثبات بل له مقام واحد، وهو ان مقام ثبوته عين مقام إثباته، فالمخصص في المقام حيث انه متمثل في السيرة العقلائية، فهو دليل لبي، لان السيرة بذاتها معلومة خارجاً وهي عمل الناس بالظواهر، فليس لها واقع ثبوتي وإثباتي بل ثبوتها عين إثباتها، وأما حجية السيرة، فهي على أساس القطع بإمضائها شرعاً وعدم الردع عنها.
وعلى هذا فإن حصل القطع بإمضاء هذه السيرة شرعاً ولو من سكوت الإمام?، فهي مخصصة لتلك العمومات، وأن لم يحصل القطع بامضائها شرعاً، فلا تصلح ان تكون مخصصة لها، فإذن يبقى الدور بحاله، لان رادعية العمومات المذكورة عن السيرة تتوقف على عدم مخصصيتها لها واقعاً لا على عدم ثبوتها في مقام الاثبات.
وان شئت قلت ان مقام الثبوت والاثبات إنما يتصور في الادلة الظنية اللفظية، وأما إذا كانت الأدلة قطعية، فلا يتصور فيها مقامان مقام الثبوت والاثبات، لان مقام ثبوتها عين مقام إثباتها، وحيث ان الادلة اللبية ادلة قطعية وجدانية فمقام ثبوتها عين مقام إثباتها، وكذلك إذا كانت الادلة اللفظية قطعية، فإنه لا يتصور فيها مقامان: الثبوت والاثبات معاً بل مقام ثبوتها عين مقام إثباتها، لأن القطع بثبوتها في الواقع عين إثباتها، فالمقامان إنما يتصوران في الأدلة الظنية، إذ قد يكون الشيء ثابتاً في الواقع ولا علم به في مقام الاثبات.
والصحيح في الجواب عن الدور ان يقال،
أما أولاً فلما ذكرناه سابقاً من ان العمومات الناهية عن العمل بالظن في الآيات والروايات لا تصلح ان تكون رادعة عن هذه السيرة التي قد استقرت جذورها في أعماق نفوس الناس كالعادة، هذا اضافة إلى أن هذه العمومات على أساس ان دلالتها إنما هي بالاطلاق ومقدمات الحكمة لا بالنص فلا تصلح ان تكون رادعة عن مثل هذه السيرة المرتكزة، وحيث ان الدليل على حجية الظواهر منها ظواهر العمومات والمطلقات الناهية عن العمل بالظن السيرة العقلائية، فلا يمكن الاستدلال بظواهر هذه العمومات والمطلقات على ردع هذه السيرة وعدم حجيتها، ضرورة أن حجية هذه الظواهر متوقفة على حجية السيرة وعدم ردعها، وعليه فالاستدلال بها على عدم حجية السيرة يرجع إلى الاستدلال بها على عدم حجية نفسها، لان السيرة إذا لم تكن حجة، فالظواهر لا تكون حجة منها هذه الظواهر.
فالنتيجة ان الاستدلال بظواهر العمومات والمطلقات المذكورة على ردع السيرة وعدم حجيتها يرجع في الحقيقة ونهاية المطاف إلى الاستدلال بها على عدم حجية نفسها وهو مستحيل، إلا أن يكون هناك دليل خاص يدل على حجية ظواهر هذه العمومات والمطلقات بقطع النظر عن السيرة، فعندئذٍ لا يلزم من الاستدلال بها على ردع السيرة وعدم حجيتها المحذور المذكور، ولكنه مجرد فرض لا واقع له.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان العمومات المذكورة في نفسها صالحة للردع عن السيرة، إلا أنه لما كانت نسبة السيرة إليها نسبة القرينة اللبية المتصلة كانت مانعة عن انعقاد ظهورها في العموم، فإذن لا موضوع لرادعيتها.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم ان نسبتها إليها نسبة القرينة اللبية المنفصلة لا المتصلة، فمع ذلك لابد من تقديمها عليها، على أساس ان نسبتها إليها نسبة الخاص إلى العام، فإذن لابد من تخصيصها بها تطبيقاً لقاعدة حمل العام على الخاص، ولكن قد يقال بلزوم الدور في هذا الفرض، بتقريب ان مخصصية السيرة للعمومات المذكورة تتوقف على عدم رادعية العمومات عن السيرة وهو يتوقف على كون السيرة مخصصة لها.
فالنتيجة ان مخصصية السيرة تتوقف على مخصصيتها وهذا مستحيل، لانه من توقف وجود الشيء على وجود نفسه.
والجواب ان استحالة الدور إنما هي من جهة أن مرده إلى علية الشيء لنفسه وهي مستحيلة، وعلى هذا فالدور المحال هو توقف المعلول على العلة وبالعكس وهو توقف العلة على المعلول، ونتيجة ذلك توقف العلة على نفسها وهذا معنى علية الشيء لنفسه.
وأما في المقام فلا يلزم هذا المحذور، لان كون السيرة مخصصة يتوقف على امضائها شرعاً لا على عدم رادعية العمومات المذكورة، فإنه لازم امضائها، والامضاء هو السبب والعلة لاتصافها بالمخصصية لا عدم رادعيتها، فإذن لادور، لأن مخصصية السيرة تتوقف على الامضاء من باب توقف المعلول على العلة، والامضاء لا يتوقف على مخصصيتها حتى يلزم الدور، وأما عدم الرادعية فبما انه أمر عدمي، فلا يصلح ان يكون علة لا تصاف السيرة بالمخصصية، فإن علته الامضاء ولازم الامضاء عدم رادعية هذه العمومات.
وان شئت قلت ان توقف عدم رادعية هذه العمومات على مخصصية السيرة فعلي، وأما توقف مخصصية السيرة على عدم رادعية العمومات لولائي، يعني لو لا السيرة لكانت العمومات حجة ورادعة عن العمل بالظواهر، والتوقف اللولائي الشأني ليس بتوقف حقيقة وواقعاً هذا بحسب مقام الثبوت.
وأما بحسب مقام الاثبات، فالعلم بكون السيرة مخصصة يتوقف على العلم بامضاء الشارع لها أما بالتنصيص أو السكوت وهو لا يتوقف على العلم بكونها مخصصة، فإذن لا دور في المسألة لا في مقام الاثبات ولا في مقام الثبوت.
نتيجة البحث إلى هنا عدة نقاط
النقطة الأولى: أن عمدة الدليل على حجية ظواهر الالفاظ سيرة العقلاء الجارية على العمل بها منذ عصر التشريع ولم يرد ردع عنها من الشارع ولهذا تكون ممضاة شرعاً.
النقطة الثانية: ان السيرة على قسمين:
1 ـ السيرة العقلائية منشائها الارتكاز الذهني.
2 ـ السيرة المتشرعية منشائها الشرع، وعلى كلا التقديرين ان كانت السيرة معاصرة لزمن التشريع فهي حجه، سواء أكانت عقلائية أم متشرعية، نعم إذا كانت عقلائية وكان هناك ردع من قبل الشارع لم تكن حجة.
النقطة الثالثة: ان السيرة إذا لم تكن معاصرة لزمن التشريع بأن تكون مستحدثة ومتاخرة عن عصر المعصومين?، فلا تكون حجة، أما إذا كانت متشرعية، فإن حجيتها منوطة بوصول هذه السيرة من زمن المعصومين? إلى الآن يداً بيد وطبقة بعد طبقه، ولكن تقدم انه ليس لنا طريقة إلى ذلك وأما إذا كانت عقلائية، فتتوقف حجيتها إلى امضاء الشارع لها، وقد مر انه لا طريق لنا إلى امضائه لها.
النقطة الرابعة: قد يقال كما قيل ان العمومات الناهية عن العمل بالظن من الآيات والروايات رادعة عن السيرة الجارية على العمل بالظواهر وعليه فلا تكون حجة.
النقطة الخامسة: ان المحقق النائيني? قد اجاب عن هذا الاشكال بأن العمومات المذكورة لا تصلح ان تكون رادعة عن السيرة، لان نسبة السيرة إليها نسبة الدليل الحاكم إلى الدليل المحكوم فتتقدم عليها بالحكومة، ولكن تقدم ان هذا الجواب غير صحيح.
النقطة السادس: أجاب المحقق الخراساني? عن ذلك، بإن رادعية العمومات عن السيرة مستحيلة لاستلزامها الدور، كما أن مخصصية السيرة لهذه العمومات أيضاً مستحيلة بعين الملاك وهو لزوم الدور و هذا تناقض غريب.
ولكن تقدم ان هذا الجواب غير صحيح ولا دور في المسألة.
النقطة السابعة: أن العمومات المذكورة لا تصلح ان تكون رادعة عن هذه السيرة، لان الردع عن مثل هذه السيرة المرتكزة في الاذهان كالعادة بحاجة إلى بيان واضح وصريح حتى يمكن قلع جذورها عن النفوس.
هذا اضافة إلى أن كون هذه العمومات رادعة عن السيرة مستحيل، لان رادعيتها عنها انما هي بحجية ظهورها، والمفروض ان الدليل على حجية ظهورها السيرة، فلو كانت العمومات المذكورة رادعة عنها، فمعناه أنها رادعة عن حجية نفسها وهو كما ترى.
النقطة الثامنة: أنه على تقدير تسليم صالحية هذه العمومات للرادعية في نفسها، إلا أنها لا تصلح ان تكون رادعة عن هذه السيرة، باعتبار أنها من جهة ارتكازيتها في النفس تكون بمثابة القرينة اللبية المتصلة المانعة عن انعقاد ظهورها في العموم، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها ليست بمثابة القرينة المتصلة، إلا أنه لا شبهة في أنها بمثابة القرينة المنفصلة لها، وحينئذٍ فلا بد من تخصيص عمومها بها تطبيقاً لقاعدة حمل العام على الخاص.
الجهة الثانية: أن لكل كلام عرفي ظهورات ودلالات ثلاث:
1 ـ الدلالة التصورية وقد يعبر عنها بالظهور التصوري وهي عبارة عن خطور المعنى في الذهن بمجرد سماع اللفظ ولو من لا فظ بغير شعور واختيار، وهذه الملازمة التي هي ثابتة بين تصور اللفظ وتصور المعنى ملازمة تكوينية قهرية، غاية الأمر أن تصور اللفظ يكون أولا وبالذات والمعنى يكون ثانياً وبالتبع، ولا تتوقف هذه الدلالة على أي مقدمة خارجية ما عدى الوضع ولا تمنع عن هذه الدلالة القرينة المتصلة أيضاً، فإذا قيل رأيت أسداً يرمي فمبجرد سماع لفظ الاسد، ينتقل الذهن إلى الحيوان المفترس قهراً، وإذا سمع لفظ يرمي انتقل إلى الرجل الشجاع الذي هو معنى مجازي، فيستقر في الذهن المعنى المجازي دون المعنى الحقيقي، فإن التصور يمر من المعنى الحقيقي إلى المعنى المجازي ويستقر فيه.
فالنتيجة أن هذه الدلالة هي الدلالة الوضعية خلافاً للسيد الاستاذ?، حيث انه يرى ان هذه الدلالة ليست بدلالة وضعية بل هي مستندة إلى الانس الذهني بين اللفظ والمعنى وان الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية، وهذا الذي افاده ? من أن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية لا تصورية، مبني على مسلكه? في باب الوضع وهو انه عبارة عن التعهد والالتزام النفسي، إذ على ضوء هذا المسلك لابد من الالتزام بأن الدلالة الوضعية دلالة تصديقية وليست بتصورية هذا.
ولكن قد تقدم بشكل موسع عدم صحة هذا المسلك في باب الوضع، وقلنا هناك ان الصحيح ما هو المشهور بين الاصوليين في هذا الباب من ان الدلالة الوضعية دلالة تصورية لا تصديقية.
2 ـ الدلالة التصديقية بلحاظ الارادة التفهيمية، فإن كل كلام صادر من متكلم عرفي يدل على انه اراد تفهيم معناه، وهذه الدلالة تتوقف زائداً على الوضع علي عنصرين.
الأول: صدوره من متكلم شاعر مختار.
الثاني: ان لا ينصب قرينة متصلة على الخلاف، وهذه الدلالة مستندة إلى ظهور حال المتكلم في انه اراد تفهيم معناه، ولهذا تكون اخص من الدلالة التصورية.
3 ـ الدلالة التصديقية بلحاظ الارادة الجدية، وهذه الدلالة تتوقف زائداً على العناصر المتقدمة على عنصرين آخرين: الأول أحراز ان المتكلم في مقام بيان المراد الجدي، الثاني ان لا ينصب قرينة على خلاف ذلك، ومجموع هذه العناصر منشأ لظهور حال المتكلم في انه اراد ظاهر كلامه عن جد، سواء أكان مفاده انشاءً أم اخباراً وانه ليس بهازل، وهذه الدلالة اخص من الدلالة الثانية، باعتبار ان الدلالة الثانية موجودة فيما إذا كان المتكلم هازلاً أيضاً مع كونه شاعراً ومختاراً، بينما الدلالة الثالثة غير موجودة في هذه الحالة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي ان للفظ الصادر من المتكلم العرفي ثلاث دلالات: الدلالة التصورية الوضعية، الدلالة التصديقية التفهيمية، الدلالة التصديقية الجدية النهائية.
الجهة الثالثة
يقع الكلام فيها في عدة نقاط:
أصالة الظهور
النقطة الأولى: أن أصالة الظهور، هل هي اصل برأسه أو انها ترجع إلى اصول اخرى، وهي الاصول العدمية كأصالة عدم القرينة.
النقطة الثانية: أن اصالة الظهور على تقدير تسليم أنها اصل مستقل، هل تتوقف على أصالة عدم القرينة في الواقع وفي المرتبة السابقة أو لا؟
النقطة الثالثة: ان موضوع حجية اصاله الظهور، هل هو الظهور التصديقي أو الظهور الوضعي؟
أما الكلام في النقطة الأولى: فقد ذهب شيخنا الأنصاري? إلى أن أصالة الظهور ليست اصلاً برأسها بل هي ترجع إلى الاصول العدمية كاصالة عدم القرينة، بتقريب أن الشك في ارادة الظهور حيث انه ناشيء من الشك في وجود القرينة في الواقع، فلابد من الرجوع إلى اصل ينفي الشك في وجودها وهو أصالة العدم، وأما أصالة الظهور فهي بنفسها لا تنفي هذا الشك، فلذلك ترجع إلى الأصل العدمي.
وبكلمة ان الاصول الوجودية كاصالة العموم وأصالة الاطلاق واصالة الحقيقة جميعاً ترجع إلى الاصول العدمية، باعتبار أن الاصول الوجودية بنفسها لاتنفي الشك، فإذن لابد من الرجوع إلى الاصول العدمية لنفيه هذا.
وذهب المحقق الخراساني? إلى أن الاصول الوجودية أصول برأسها ولا ترجع إلى الاصول العدمية، وقد أفاد في وجه ذلك أن بناء العقلاء قد جرى على الاصول الوجودية بنفسها، وأما الاصول العدمية فلا دليل عليها( ).
وذهب السيد الاستاذ? إلى التفصيل في المقام بين ما إذا كان الشك في المراد من جهة عدم انعقاد الظهور للكلام من ناحية احتمال وجود القرينة في البين، وما إذا كان الشك في المراد من جهة أحتمال أن الظهور المنعقد للكلام غير مراد، إما من جهة غفلة المتكلم عن نصب القرينة على الخلاف أو من جهة أنه ترك القرينة متعمداً لسبب أو آخر، أومن جهة احتمال أنه اتكل على القرينة الحالية، وعلى هذا ففي الصورة الثانية يكون المرجع أصالة الظهور ابتداء، ولا يتوقف على اجراء اصالة عدم القرينة في المرتبة السابقة، لان الظهور التصديقي متحقق في هذه الصورة على الفرض ولا شك فيه والشك إنما هو في انه مراد للمتكلم عن جد أو لا، والمرجع فيه أصالة الظهور لإثبات انه مراد له جداً، ولا يعتنى باحتمال الخلاف، لان موضوع بناء العقلاء الظهور، وقد تقدم ان عمدة الدليل على حجية الظواهر إنما هي بناء العقلاء الجاري على العمل بها وامضاء الشارع له، وعلى هذا فما ذكره شيخنا الانصاري? من أن اصالة الظهور ليست أصلاً برأسها بل هي ترجع إلى أصالة عدم القرينة لا وجه له أصلاً، لان الدليل على حجية الظواهر إنما هو سيرة العقلاء وهي جارية على العمل باصالة الظهور، على أساس إنها كاشفة عن الواقع لا على العمل باصالة عدم القرينة، ولهذا لا دليل على حجيتها إلا أن ترجع إلى أصالة الظهور.
وأما في الصورة الأولى، فلا يمكن التمسك باصالة الظهور من جهة أنه لا موضوع لها وهو الظهور، فإذن لابد أو لا من إثبات الظهور بالاصل في المرتبة السابقة وهو اصالة عدم القرينة، باعتبار ان منشأ عدم الظهور هو احتمال وجود القرينة، وعلى هذا فيتمسك باصالة عدم القرينة أولاً، لإثبات الموضوع وهو الظهور وبعد إثباته يتمسك بأصالة الظهور، باعتبار ان بناء العقلاء إنما هو على العمل بها لا باصالة عدم القرينة.
فالنتيجة ان التمسك باصالة عدم القرينة في المقام إنما هو لتحقيق الموضوع، وأما التمسك باصالة الظهور فإنما هو لتحقيق الحكم وترتيب الاثار الشرعية عليها( ).
ولنا تعليق على ماذ كره شيخنا الانصاري ? وتعليق على ما ذكره السيد الاستاذ?.
أما التعليق على الأول، فلا شبهة في أن اصالة الظهور من الاصول العقلائية برأسها، والسيرة العقلائية قد جرت على العمل بها بنفسها، على أساس كاشفيتها عن الواقع ولا ترجع إلى الاصول العدمية كاصالة عدم القرينة، والوجه في ذلك هو ان عمدة الدليل على حجية الظواهر إنما هي سيرة العقلاء المرتكزة في أذهانهم وهي جارية على العمل بها، وحيث أنها ممضاة من قبل الشارع، فتدل على حجية الظواهر، فيكون موضوع الحجية الظهور لا عدم القرينة، أو فقل ان مورد بناء العقلاء الظهور لا عدم القرينة، ومن الواضح ان ما هو مورد بناء العقلاء هو موضوع للحجية لا ما لا يكون مورداً لبنائهم، وعلى هذا فإذا تحقق الظهور التصديقي، كان بناء العقلاء على العمل به جزماً، سواء كان هناك احتمال القرينة أم لا، لأن الاحتمال المذكور لا يمنع من تحقق الظهور والعمل به.
وأما إذا لم يكن الظهور متحققاً، سواء أكان عدم تحققه مستنداً إلى احتمال وجود القرينة أو احتمال قرينية الموجود أو غير ذلك، فلا موضوع لبناء العقلاء، لان موضوعه الظهور التصديقي وهو غير متحقق، فإذاً كما لا تجري أصالة الظهور لعدم تحقق موضوعها، كذلك لا تجري أصالة عدم القرينة لعدم ترتب أثر شرعي عليها، ومن هنا يظهر أن الصحيح في المسألة عكس ما افاده شيخنا الانصاري? من أن الاصول العدمية إن كانت ترجع إلى الاصول الوجودية فهو، وإلا فلا قيمة لها وليست أصولاً عقلائية برأسها.
وأما التعليق الثاني وهو: ما ذكره السيد الاستاذ? من التفصيل في المسألة، فيرد عليه أن اصالة عدم القرينة لا تخلو من أن تكون حجة ببناء العقلاء أو بالتعبد الشرعي، فعلى الأول لا تجري أصالة عدم القرينة لإثبات الظهور للفظ، لأنها إنما تثبت الظهـور له إذا كانت حجيتها من باب الامارية والطـريقية، ومن الواضح أن اصالة عدم القرينة بنفسها لا تكون امارة وكاشفة عن الواقع، لان ما هو أمارة وكاشفة عنه هو الظهور، وعلى هذا فلا يعقل بناء العقلاء على هذه الاصالة، لان بناء العقلاء على شيء تعبداً وبلا مبرر لا يمكن، وحيث أنه لا مبرر لبناء العقلاء على اصالة عدم القرينة، فلا يمكن افتراض حجيتها ببنائهم.
وعلى الثاني وهو حجيتها بالتعبد الشرعي فلا دليل عليها، ولو سلمنا وجود الدليل على حجيتها كذلك، فهي حينئذٍ وان كانت حجة تعبداً، إلا أنها لا تثبت ظهور اللفظ، وبدون ذلك لا اثر لها من هذه الناحية.
إلى هنا قد تبين أن اصالة عدم القرينة إنما تكون حجة ببناء العقلاء إذا رجعت إلى أصالة الظهور لا في نفسها وبقطع النظر عنها.
وان شئت قلت، أن اصالة عدم القرينة في نفسها ليست من الاصول اللفظية التي هي تكشف عن الواقع وتحكي عنه كسائر الامارات الشرعية لعدم وجود ما يكون كاشفاً عن الواقع في موردها بقطع النظر عن أصالة الظهور، وعلى هذا فلو كانت معتبرة فلا محالة يكون اعتبارها من باب الاصل العملي دون اللفظي كاستصحاب عدم القرينة، ولكن هذا الفرض خارج عن محل الكلام، لان محل الكلام إنما هو في الاصل اللفظي والفرض أصالة عدم القرينة أصل لفظي، ولكن الكلام في انها هل هي اصل لفظي مستقل أو أنها ترجع إلى أصالة الظهور، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم أنها أصل عملي متمثل في الاستصحاب، إلا أنه لا يجري في المقام، لان جريانه منوط بترتب أثر عملي على المستصحب في ظرف الشك ولا يترتب عليه أثر عملي، والاثر إنما هو مترتب على الظهور، والمفروض أنه لا يثبت الظهور به الاعلى القول بالاصل المثبت.
فالنتيجة لحد الان قد تبينت أن اصالة الظهور لا ترجع إلى أصالة عدم القرينة، بل لا دليل على حجية أصالة عدم القرينة إلا أن ترجع إلى أصالة الظهور، وهذه الاصالة ثابتة ببناء العقلاء الممضى شرعاً وموضوعها الظهور التصديقي، فإذا تحقق الظهور في كلام المولى فهو المتبع واحتمال وجود القرينة في الواقع لا يكون مانعاً منه، فإذن لا حاجة إلى التمسك باصالة عدم القرينة لا في هذا الفرض ولا في فرض عدم تحقق الظهور.
وأما الكلام في النقطة الثانية: فقد ذهب المحقق النائيني? إلى ان المانع عن الظهور التصديقي القرينة بوجودها الواقعي وتبعه فيه السيد الاستاذ?، وقد افاد في وجه ذلك ان الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية متقوم بعدم وجود القرينة المتصلة، وأما بلحاظ الارادة الجدية فهو متقوم بعدم القرينة المنفصلة، وعلى هذا فتنقيح موضوع أصالة الظهور يتوقف على أصالة عدم القرينة المتصلة والمنفصلة، لان موضوعها الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية، وباصالة عدم القرينة المتصلة نحرز الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية وباصالة عدم القرينة المنفصلة نحرز الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية، فإذا جرت كلتا الاصالتين ثبت موضوع الاصالة، وحينئذٍ فلا مانع من التمسك بها عند الشك في المراد الجدي للمتكلم( ).
وبكلمة ان ما ذكره المحقق النائيني والسيد الاستاذ? في المقام من ان هناك اصلين طوليين احدهما ينقح موضوع الاخر، فأصالة عدم القرينة المتصلة والمنفصلة تثبت موضوع اصالة الظهور، فتكون اصالة الظهور في طول اصالة عدم القرينة، يختلف عما ذكره شيخنا الانصاري ? من أن الاصول الوجودية ترجع إلى الاصول العدمية، لان معنى ذلك ان اصالة الظهور في نفسها ليست اصلاً برأسها بل هي ترجع إلى أصالة عدم القرينة وهي اصل برأسها وحجة بعنوانها.
أو فقل حيث ان الشك في كون الظهور مراداً للمتكلم مسبب عن الشك في القرينة، فإذا جرت أصالة عدم القرينة، ثبت كون الظهور مراداً للمتكلم باعتبار أنها من الاصول اللفظية فمثبتاتها تكون حجة، فإذن لا يبقى موضوع لإصالة الظهور وهو الشك في مراد المتكلم، لانه يرتفع باصالة عدم القرينة، وعليه فليس هنا إلا أصل واحد وهو أصالة عدم القرينة، فإذن لا يرتبط البحث عن هذه الجهة وهي الجهة الثانيه بالبحث عن الجهة الأولى.
والخلاصة أن ما ذكره المحقق النائيني? في هذه الجهة لا يرجع إلى ما ذكره شيخنا الانصاري ? في الجهة الأولى، فإن ما ذكره المحقق النائيني مبني على أن أصالة عدم القرينة تنقح موضوع أصالة الظهور، وعليه فكلتا الاصالتين تجري في المقام، غاية الأمر يكون أحداهما في طول الاخرى، وما ذكره شيخنا الانصاري? مبني على ان اصالة عدم القرينة ترفع موضوع أصالة الظهور لانها ترجع إليها.
فما في بعض الكلمات من أن ما افاده المحقق النائيني? يرجع إلى ما ذكره شيخنا الانصاري ? وانه لا فرق بينهما غير صحيح، لان الفرق بينهما واضح كما عرفت، هذا.
وللنظر فيما افاده المحقق النائيني والسيد الاستاذ? مجال، بيان ذلك ان لنا دعويين: الأولى عدم صحة ما أفاداه ?.
الثانية: الصحيح أن المانع عن حجية أصالة الظهور إنما هو وصول القرينة المنفصلة لا وجودها في الواقع.
أما الدعوى الأولى: فيقع الكلام تارة في الشك في القرينة المنفصلة واخرى في القرينة المتصلة.
أما الكلام في الفرض الأول: فلا شبهة في ان القرينة المنفصلة بوجودها الواقعي لا تكون مانعة عن الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الجدية.
والنكتة في ذلك هي ان منشاء الظهور التصديقي النهائي إنما هو ظهور حال المتكلم العرفي، لانه إذا كان في مقام البيان ولم ينصب قرينة متصلة على الخلاف إلى ان فرغ من الكلام، فظهور حاله يقتضي ان المراد التصوري مطابق للمراد الاستعمالي، والمراد الاستعمالي مطابق للمراد الجدي النهائي وان لم يكن مراده الاستعمالي مطابقاً للمراد التصوري لاتى بقرينة متصلة، باعتبار انه كان في مقام البيان، أو إذا لم يكن مراده الجدي مطابقاً للمراد التصوري لاتي بقرينة منفصلة والا لزم خلف فرض انه في مقام البيان.
فالنتيجة أن منشأ الظهور التصديقي بتمام مراتبه ظهور حال المتكلم العرفي إذا كان في مقام البيان، وأما احتمال وجود القرينة المنفصلة في الواقع لا يمنع عن هذا الظهور، على أساس أن منشأ هذا الظهور هو ظهور حال المتكلم والمفروض انه فعلي، سواء أكان هناك شك في وجود القرينة المنفصلة في الواقع أم لا، لانه يتبع ظهور حال المتكلم ويدور مداره وجوداً وعدما، ولا دخل لاحتمال وجود القرينة المنفصلة في الواقع، لان وجود هذا الاحتمال كعدمه فلا أثر له.
هذا اضافة إلى أن عدم وجود القرينة المنفصلة في الواقع لا يمكن ان يكون له دخل في تكوين الظهور التصديقي النهائي للفظ، وذلك لان دلالة اللفظ على المعنى لا تخلو من أن تكون بالوضع كدلالة العام الوضعي على العموم، ودلالة الامر على الوجوب والنهي على الحرمة وهكذا أو تكون بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
أما على الاول، فلا شبهة في ان دلالة اللفظ على المعنى بالدلالة التصديقية النهائية لا تتوقف الاعلى مقدمتين: الأولى كون المتكلم في مقام البيان، الثانية عدم نصب قرينة متصلة على الخلاف، فإذا تمت هاتان المقدمتان، فقد انعقد الظهور التصديقي النهائي للكلام، واحتمال ان المتكلم ينصب قرينة على الخلاف في المستقبل، فلا أثر له ولا يمنع عن انعقاد ظهوره النهائي، فإذا صدر كلام من المولى، كما إذا قال اكرم كل عالم، دلت كلمة (كل) على العموم بالوضع، وإذا لم يأت بقرينة متصلة، دلت عليه بالدلالة التصديقية النهائية، وأما احتمال وجود القرينة المنفصلة في الواقع، فهو لا يمنع عن هذا الظهور والدلالة، ولا يمكن أن يكون مانعاً عنها، وإلا فلازمه أن يكون لعدم القرينة المنفصلة دخلاً في تكوين الظهور والدلالة التصديقية النهائية، وهذا خلف فرض انعقاد الظهور التصديقي النهائي بمجرد انتهاء المتكلم العرفي عن الكلام وعدم ايتانه بقرينة متصلة، فالنتيجة أنه لاشبهة في انه لا دخل لعدم القرينة المنفصلة في تكوين ظهور الكلام التصديقي النهائي.
وأما على الثاني، فظهور الكلام التصديقي النهائي وان كان متوقفاً على مقدمات الحكمة منها عدم القرينة، إلا أنه لا شبهة في ان المراد من عدم القرينة الذي هو جزء المقدمات، عدم القرينة المتصلة لا الاعم منه ومن عدم القرينة المنفصلة، نعم ذكر السيد الاستاذ ? ان عدم القرينة المنفصلة في وقت وصولها جزء المقدمات، ولكن تقدم بطلان هذا القول بشكل موسع في مبحث العام والخاص وسوف يأتي الكلام فيه في مبحث التعادل والتراجيح، ومن هنا قلنا ان عدم القرينة المنفصلة لو كان جزء المقدمات، لزم اجمال جل مطلقات الكتاب والسنة لولا الكل، فإن هذا الاحتمال أي احتمال القرينة المنفصلة في الواقع موجود لكل مطلق من مطلقاتها إلا ماندر، وهذا الاحتمال مانع عن انعقاد ظهورها في الاطلاق، إذ معه لا تكون مقدمات الحكمة محرزة بتمام اجزائها وهذا كما ترى.
فالنتيجة ان احتمال ان يكون عدم القرينة المنفصلة جزء المقدمات غير محتمل.
وأما الكلام في الفرض الثاني: وهو الشك في القرينة المتصلة، فيمكن تصويره بعدة صور:
الأولى أن يكون الشك في القرينة المتصلة ناجما عن احتمال غفلة المتكلم إذا لم يكن معصوماً من الخطأ، يعني ان مراده الجدي من المطلق كان هو المقيد ولكنه غفل عن نصب قرينة على ذلك.
الثانية: ان يكون الشك فيها ناجماً عن احتمال قرينية الموجود.
الثالثة: ان يكون الشك فيها ناجماً عن احتمال اسقاط الراوي القرينة عن الرواية عامداً ملتفتاً.
الرابع: أن يكون الشك فيها ناجماً عن احتمال سقوط القرينة عند تقطيع الروايات وتبويبها.
أما الصورة الأولى: فيدفع الشك باصالة عدم الغفلة، فإن هذه الاصالة من الاصول العقلائية التي تبتنى حجيتها على الامارية والكاشفية عن الواقع، لان احتمال ان المتكلم غفل عن نصب القرينة أو السامع عن سماعها ضعيف ولا يعتنى به، فإذا صدر من الإنسان شيء واحتمل انه صدر منه غفلة، فيدفع هذا الاحتمال باصالة عدم الغفلة ومنشأها ظهور حال الفاعل في انه صدر منه باختياره وارادته لا غفلة.
وعلى هذا فبأجراء أصالة عدم غفلة المتكلم عن نصب القرينة وعدم غفلة السامع عن سماعها، نحرز موضوع أصالة الظهور، وحينئذٍ فلا مانع من التمسك بها.
والخلاصة أن الكبرى مسلمة وهي اصالة الظهور، فإذا ثبتت الصغرى وهي الظهور باصالة عدم الغفلة، تحققت الصغرى والكبرى معاً، وعندئذٍ فلا مانع من التمسك بالكبرى.
ومن هنا يظهر أن ما ذكره المحقق النائيني والسيد الاستاذ ? من أن اصالة عدم القرينة منقحة لصغرى اصالة الظهور، إنما يتم في هذه الصورة بناء على ان يكون المراد من أصالة عدم القرينة اصالة عدم الغفلة.
كما أنه يظهر مما ذكرناه ان ما ذكره المحقق الخراساني? من أن اصالة عدم القرينة ترجع إلى اصالة الظهور لا يتم في هذه الصورة، لان اصالة عدم الغفلة فيها أصل مستقل في مقابل اصالة الظهور، لا أنها ترجع إليها، كيف فانها محققة لموضوعها وفي مرتبة متقدمة عليها، وأصالة الظهور في طولها لا في عرضها.
فالنتيجة أن في هذه الصورة احتمال غفلة المتكلم عن نصب القرينة المتصلة أو غفلة المخاطب عن سماعها، مدفوع باصالة عدم الغفلة.
وأما الصورة الثانية: وهي ما إذا كان الشك في القرينة المتصلة ناجماً عن احتمال قرينية الموجود، فليس فيها ما يدفع به هذا الاحتمال، فإذن لا محالة هو يوجب اجمال الكلام، فلا يجوز حينئذٍ التمسك باطلاقه، مثال ذلك الاستثناء المتعقب لجمل متعددة، كما إذا قال المولى أكرم العلماء وتصدق على الفقراء واضف الشعراء إلا الفساق منهم، فإن المستثنى يصلح ان يكون قيداً للجميع وان كانت قيديته للجملة الاخيرة متيقنة، وهذه الصلاحية تمنع عن انعقاد ظهور هذه الجملات في العموم وتوجب اجمالها ما عدا الجملة الاخيرة.
وعلى الجملة فاحتمال ان الاستثناء قيد للجميع موجود ولا دافع لهذا الاحتمال، إذ ليس هنا أصل يدفع به هذا الاحتمال عن ما عدا الجملة الاخيرة، فإذا لم يكن له دافع، فلا محالة يوجب الاجمال وعدم انعقاد الظهور في الاطلاق حتى يمكن التمسك به، فيكون المقام حينئذٍ داخلاً في كبرى مسألة احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.
وأما الصورة الثالثة: وهي ما إذا كان الشك في القرينة المتصلة ناجماً عن احتمال ان الراوي كان يسقطها عامداً وملتفتاً فهي غير محتملة، لان مثل هذا الاحتمال مدفوع بوثاقة الراوي وأمانتة، لوضوح أنه إذا كان ثقة واميناً، فاحتمال أنه اسقط القرينة المغيرة للمعنى متعمداً خلف فرض انه ثقة وامين، ومن هنا اعتبر الفقهاء في حجية الروايات وثاقة الراوي.
وأما الصورة الرابعة: فحيث ان تقطيع الروايات وتبويبها كان بايدي الثقات والامناء وأهل الخبرة بالاحاديث وخصوصياتها، فلا يحتمل سقوط القرينة عند التقطيع، لان احتمال الاسقاط عامداً ملتفتاً غير محتمل، حيث ان ذلك خلف فرض أنهم امناء على الروايات، واحتمال انه من جهة الغفلة والخطاء منهم خلاف الأصل العقلائي، واحتمال انه من جهة عدم خبرويتهم بها خلاف الفرض.
وبكلمة واضحة أن تقطيع الاحاديث وتبويبها وفصل روايات كل باب عن باب آخر بعد ما كانت مختلطة بين الابواب كفصل روايات باب الصلاة عن باب الحج والصوم وهكذا، حيث ان ذلك كان من المشايخ الثلاثة، فاحتمال السقوط غير محتمل، لانهم من أهل الفن والمعرفة بالاحاديث ويعرفون معرفة جيدة أن هذه القطعة من الحديث ترجع إلى باب الصلاة وتلك إلى باب الصيام وهكذا، فلذلك احتمال السقوط والتغيير ضعيف جداً للاطمئنان والوثوق بالعدم، وأما احتمال الاسقاط العمدي أو الخطائي، فهو خلاف الاصل فلا يعتنى به.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان احتمال وجود القرينة المتصلة إن كان ناجماً عن غفلة المتكلم أو السامع، فهو مدفوع باصالة عدم الغفلة، وان كان ناجماً عن احتمال قرينية الموجود، فلا دافع له، فإذا لم يكن له دافع، كان يوجب اجمال الكلام، وان كان ناجماً عن احتمال اسقاط الراوي القرينة عامداً ملتفتاً، فهو مدفوع بوثاقة الراوي وامانته، وان كان ناجماً عن فصل الروايات وتقطيعها، فهو مدفوع بان ذلك إنما هو بايدي أهل الخبرة والمعرفة بالروايات والاحاديث.
وأما الدعوى الثانية: وهي ان المانع عن العمل باصالة الظهور إنما هو وصول القرينة المنفصلة لا وجودها الواقعي فهي صحيحة، لان القرينة المنفصلة إذا وصلت إلى المكلف، فهي مانعة عن العمل باصالة الظهور، لانها حينئذٍ لا تكون حجة على اساس تقديم القرينة على ذيها، وأما إذا لم تصل إليه، فلا أثر لمجرد وجودها في الواقع، لانه لا يمنع عن العمل بها ولا لاصل الظهور، لوضوح أن بناء العقلاء إنما هو على العمل بالظواهر وعدم الاعتناء باحتمال الخلاف ما لم يصل.
ثم أن وصول القرينة يكون مانعاً عن حجية الظهور والكشف، وهذا يعني ان كشفه عن الارادة الجدية لا يكون حجة لا أنه مانع عن اصل ظهوره وكشفه، لان الشيء إذا وقع وتحقق لا ينقلب عما هو عليه، فإذا انعقد ظهور العام في العموم أو المطلق في الاطلاق، استحال ان ينقلب عما وقع عليه، ولكن هذا الكشف والظهور يكون حجة ظاهراً طالما لم يكن المكلف عالماً بالقرينة، فإذا وصلت القرينة إليه، كان وصولها مانعاً عن حجية ظهور العام في العموم وكشفه عنه، وهذا التقديم والمنع إنما هو بنظر العرف أما بملاك الحكومة أو الورود أو بملاك تقديم القرينة على ذيها أو الاظهر على الظاهر، ولا يصل الأمر بينهما إلى التعارض.
وأما الكلام في الجهة الثالثة: وهي ان موضوع حجية اصالة الظهور هل هو الظهور التصوري أو التصديقي، فيه قولان: فذهب المحقق الاصفهاني ? إلى ان موضوعها الظهور التصوري مع عدم العلم بالقرينة على الخلاف وفي موارد الشك في القرينة، سواء أكان الشك في القرينة المتصلة أم في المنفصلة، يرجع إلى أصالة الظهور ابتداءً بلا حاجة إلى أصالة عدم القرينة في المرتبة السابقة، على أساس ان الظهور التصوري محفوظ على كل حال اي سواء كان هناك شك في القرينة أم لا هذا( ).
ولكن ماذهب إليه? غير تام بل لا يرجع إلى معنى محصل، وذلك لان الظهور التصوري لا يصلح أن يكون موضوعاً لحجية اصالة الظهور، باعتبار ان هذا الظهور ذاتي وجداني تكويني لا واقع موضوعي له في الخارج غير وجوده في افق الذهن ولا يحكي عن شيء في الواقع، لانه عبارة عن الملازمة الذهنية بين تصور اللفظ وتصور المعنى، ومن الواضح أن ذلك لا يعقل ان يكون موضوعاً للحجية لدى العرف والعقلاء، ضرورة ان حجية الظهور عندهم على أساس كاشفيته وطريقيته إلى الواقع وحكايته عنه، والظهور الكاشف عنه إنما هو الظهور التصديقي دون التصوري، فإنه بنفسه لا يكون كاشفاً وحاكياً اصلاً والا لزم خلف فرض كونه تصورياً،
نعم ان الظهور التصوري مقدمة للظهور التصديقي ومندمج فيه ولا يمكن تحقق الظهور التصديقي بدون التصوري، فإذا صدر كلام من متكلم، انتقل ذهن السامع إلى معناه قهراً وبدون اختيار، لانه لا يتوقف على شيء غير الوضع، فلهذا يكون ذاتياً، وإذا فرغ من الكلام ولم ينصب قرينة على الخلاف وكان في مقام البيان، أصبح المعنى مورداً للظهور التصديقي الذي هو في طول الظهور التصوري، لان الذهن ينتقل منه إليه ويستحيل انتقاله إلى الظهور التصديقي بدون الظهور التصوري، غاية الامر ان الظهور التصوري لا يكون في مرتبة الظهور التصديقي، لان الموجود في هذه المرتبة ظهور واحد وهو الظهور التصديقي لا ظهوران: أحدهما تصوري والآخر تصديقي، لانه خلف فرض ان الظهور التصديقي في طول الظهور التصوري، وكذلك الحال بين مراتب الظهور التصديقي، فإن الظهور التصديقي النهائي في طول الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية، ولهذا لا يوجد في مرتبة الظهور التصديقي النهائي، فإن الموجود في هذه المرتبة هذا الظهور لا ظهوران أحدهما الظهور التصديقي بلحاظ الارادة الاستعمالية والآخر الظهور التصديقي النهائي أي بلحاظ الارادة الجدية، والا لزم خلف فرض الطولية بينهما.
وعلى هذا فان اراد ? بالظهور التصوري، الظهور التصوري البحت، فهو لا يصلح ان يكون موضوعاً لحجية أصالة الظهور عند العرف والعقلاء، ضرورة أن الظهور الذي يكون موضوعاً للحجية هو الظهور الكاشف عن الواقع لا الظهور التصوري الذي لا يتعدى عن افق الذهن إلى الخارج، ولهذا يكون ذاتياً للنفس ولا واقع موضوعي له، وان اراد ? به الظهور التصوري الذي انتقل الذهن منه إلى الظهور التصديقي إذا لم ينصب المتكلم قرينة متصلة على الخلاف رغم كونه في مقام البيان، فهو صحيح وهذا هو مراده ?، بقرينة أنه قيد الظهور التصوري بعد العلم بالقرينة، ومن الواضح ان الظهور المستند إلى عدم العلم بالقرينة إنما هو الظهور التصديقي، إذ لا يمكن ان يكون الظهور التصوري مستنداً إليه، لانه مستند إلى حاق اللفظ بقطع النظر عن أي خصوصية من الخصوصيات، ضرورة أنه يكفي فيه سماع اللفظ وتصوره، لانه بمجرد السماع يدخل في الذهن قهراً بدون التوقف على أي شيء، فإذن كيف يعقل ان يكون الظهور المستند إلى عدم العلم بالقرينة ظهوراً تصورياً.
وعلى الجملة ففي كلامه? قرينتان على ان مراده من الظهور التصوري الظهور التصديقي، وتعبيره ? عنه بالظهور التصوري، باعتبار انه اصله واساسه ومصدره وينتقل منه إليه، فإذن المسامحة إنما هي في التعبير والمراد معلوم.
القرينة الأولى: تقييد الظهور الذي هو موضوع الحجية بعدم العلم بالقرينة، ومن المعلوم ان الظهور المستند إلى عدم العلم بالقرينة ظهور تصديقي فلا يمكن ان يكون تصورياً.
القرينة الثانية: ان المتكلم إذا فرغ من كلامه ولم ينصب قرينة، كان ظهور كلامه ظهوراً تصديقياً، لان الظهور التصوري لا يتوقف على فراغه وعدم نصبه القرينة على الخلاف، بل هو يتحقق بمجرد سماع الكلام. إلى هنا قد تبين ان الصحيح هو ان موضوع حجية اصالة الظهور، الظهور التصديقي النهائي.
نتيجة ما ذكرناه أمور:
الأول: ان ما ذكره شيخنا الانصاري? من ان الاصول الوجودية ترجع إلى الاصول العدمية، لا يمكن المساعدة عليه بل لا يرجع إلى معنى صحيح، لان السيرة العقلائية قد جرت على العمل بالاصول الوجودية برأسها وعنوانها من دون النظر إلى الاصول العدمية.
الثاني: ان ما ذكره المحقق الخراساني ? من أن الاصول العدمية ترجع إلى الاصول الوجودية لا يتم مطلقاً، فإن اصالة عدم القرينة في صورة الشك فيها من جهة الشك في غفلة المتكلم أو السامع، اصل برأسها وحجة مستقلة في مقابل أصالة الظهور ومنقحة لموضوعها.
الثالث: ان ما ذكره السيد الاستاذ ? من ان عدم القرينة المنفصلة جزء مقدمات الحكمة عند وصولها غير تام، لان جزء المقدمات عدم القرينة المتصلة فحسب.
الرابع: ان المانع عن العمل باصالة الظهور إنما هو وصول القرينة لا وجودها الواقعي، ولا أثر لا حتمال وجودها في الواقع ولا يمنع عن حجية اصالة الظهور والعمل بها.
الخامس: ان موضوع حجية اصالة الظهور، الظهور التصديقي النهائي.
إلى هنا قد تبين ان مسألة حجية اصالة الظهور، مسألة مسلمة كبروية ولا خلاف فيها بين الاصحاب، وإنما الخلاف بينهم في صغريات المسألة وهو في عدة مقامات.
المقام الأول: في تشخيص موضوع أصالة الظهور وتحديده سعة وضيقاً.
المقام الثاني: التفصيل في حجية الظهور بين ما قام الظن على خلافه وما لم يقم، وعلى الثاني قد يقال بان حجيته مشروطة بافادة الظن.
المقام الثالث: التفصيل في حجية الظواهر بين المقصودين بالافهام وغير المقصودين به.
المقام الرابع: التفصيل بين ظواهر الكتاب وظواهر السنة.
أما الكلام في المقام الأول: فيمكن تصنيف الدليل إلى ثلاثة اصناف:
الصنف الأول: أن يكون مدلوله مردداً بين أمرين متكافئين أو امور متكافئة بلحاظ عالم الاثبات والتصديق، ويسمى هذا الدليل بالدليل المجمل.
الصنف الثاني: ان يكون مدلوله معيناً ومحدداً تصوراً وتصديقاً بنحو لا يحتمل خلافه، ويسمى هذا الدليل بالدليل الناص.
الصنف الثالث: أن يكون مدلوله مردداً بين أمرين أو امور غير متكافئة، بان يكون الدليل ظاهراً في احدهما أو احدهما عرفاً عند الاطلاق، ويسمى هذا الدليل بالدليل الظاهر، ثم ان هذا التقسيم إنما هو بلحاظ المدلول التصديقي، ضرورة أنه لا فرق بين الالفاظ بلحاظ المدلول التصوري، لانه ذاتي وجداني تكويني قهري عند سماع اللفظ.
أما الصنف الأول: فيقع الكلام في ان رفع اجمال الدليل هل يمكن بالقرينة المنفصلة؟
والجواب انه ممكن، وقد ذكرنا في التعاليق المبسوطة في مبحث الكركيفية معالجة رفع الاجمال عن الدليل بالقرينة المنفصلة وطريق حل هذه المشكلة بشكل موسع هناك فراجع.
وأما الكلام في المقام الثاني: فيقع في ان حجية الظواهر هل هي مقيدة بما إذا لم يقم الظن غير المعتبر على خلافها، وإذا لم تكن مقيدة بذلك، فهل يعتبر في حجيتها افادة الظن بالوفاق؟
والجواب ان شيئاً من القيدين غير معتبر في حجية الظواهر، لان عمدة الدليل على حجيتها سيرة العقلاء وهي جارية على العمل بها مطلقاً، أي سواء أكان هناك ظن غير معتبر على خلافها أم لا، وعلى الثاني سواء أفادت الظن بالواقع أم لا، وهذه السيرة ممضاة شرعاً بدون التقييد باحد القيدين.
ولكن قد يقال كما قيل ان السيرة العقلائية لم تجر على العمل بالظواهر مطلقاً بل فيما إذا لم يكن هناك ظن غير معتبر على خلافها، وإلاّ فلا سيرة على العمل بها أو أنها مضافاً إلى ذلك مقيدة بما إذا افادت الظن بالمطابقة لا مطلقاً، ومن هنا إذا وصل مكتوب من شخص إلى تأجر ويتضمن المكتوب أوضاع السوق واسعار السلع أو غيرهما من الاغراض التكوينية، ولكن لم يحصل للتاجر الظن بمطابقة ما في المكتوب للواقع أو حصل له الظن بالخلاف، لم يعمل بمضمون المكتوب، فلو كانت سيرة العقلاء على العمل بالظواهر جارية مطلقاً، لكان التاجر يعمل بظاهر ما في المكتوب.
والجواب ان هذا القول مبني على الخلط بين سيرة العقلاء على العمل بالظواهر في باب المولويات الشرعية والعرفية، وبين سيرتهم على العمل بالظواهر في باب الاغراض التكوينية، فإن سيرتهم على العمل بالظواهر ان كانت في باب المولويات سواء أكانت شرعية أم عرفية، فهي مطلقة وغير مقيدة بعدم قيام الظن غير المعتبر على خلافها، أو بافادة الظن بالمطابقة، والشارع امضى هذه السيرة كما كانت، وان كانت في باب الاغراض التكوينية، فعملهم بالظواهر ليس بما هي ظواهر، بل عملهم بها مقيد بالاطمئنان والوثوق بالواقع، فبالنتيجة أن عملهم في باب الاغراض التكوينية إنما هو بالاطمئنان والوثوق لا بالظواهر بما هي، فإذن لا سيرة للعقلاء على العمل بالظواهر في باب الاغراض التكوينية، وإنما يكون عملهم في هذا الباب بالاطمئنان والوثوق بالواقع.
والنكتة في هذا الفرق بين البابين، هي ان المطلوب في الباب الأول الخروج عن عهدة المسؤلية أمام الله تعالى وتحصيل الامن من العقاب، بينما يكون المطلوب في الباب الثاني هو الوصول إلى الواقع، وحيث ان الظواهر حجة ببناء العقلاء في باب المولويات، فهي مؤمنة من العقاب وموجبة للخروج عن عهدة المسؤلية أمام الله تعالى، وهذا هو المطلوب في ذلك الباب لا الوصول إلى الواقع، ولا تكون حجة ببنائهم عليها في باب الاغراض التكوينية، باعتبار انه لا بناء لهم على العمل بها بما هي ظواهر، وإنما يكون عملهم في هذا الباب بالاطمئنان بالواقع والوثوق به، فإن حصل من الظاهر الاطمئنان، فالعمل به لا بالظاهر، والا فلا أثر له وان افاد الظن، إذ لا قيمة للظن بها في الاغراض التكوينية والفوائد الدنيوية، والمعيار عندهم فيها إنما هو الاطمئنان والوثوق بها مباشرة.
وبكلمة ان نقطة الفرق بين البابين هي ان السيرة العقلائية قد جرت على العمل بالظواهر في الاحكام المولوية شرعية كانت أم عرفية بملاك الطريقية والكاشفية النوعية المنجزة للواقع عند الاصابة والمعذرة عند الخطاء مطلقاً حتى فيما إذا قام الظن غير المعتبر على خلافه، على اساس أن المطلوب من المكلف العمل بالوظيفة الشرعية، سواء أكان عالماً بمطابقتها للواقع أم لا، إذ ليس اهتمام المكلف بتحصيل العلم بالواقع والاتيان به بقدر ما يكون اهتمامه بتحصيل المؤمن من العقاب والقطع به وان لم يحصل القطع بالواقع بل ولا الظن به، وهو أي القطع يحصل بطاعة المولى والعمل بالوظيفة الشرعية وان لم يعلم بمطابقتها للواقع بل ولا الظن بها، وحيث ان الشارع قد امضي هذه السيرة مطلقاً وبدون التقييد لا بعدم قيام الظن غير المعتبر على خلافها ولا بافادة الظن بالمطابقة، فبذلك يكون العمل بها مؤمناً مطلقاً حتى في صورة الظن بالخلاف، والشارع بهذا الامضاء كما كان يراعي مصالح العباد العامة التسهيلية، كذلك كان يراعي الحفاظ على الاغراض التشريعية، لان غرض المولى واهتمامه بالحفاظ على الملاكات الواقعية والاغراض التشريعة وعدم رضائه بتفويتها، وفي نفس الوقت كان يهتم بمصالح العباد النوعية واخذها بعين الاعتبار، ولهذا قد يرجح مصالح العباد التسهيلية النوعية على ملاكات الاحكام الواقعية، على اساس ان المولى يعلم بان تحصيل العلم الوجداني بالاحكام الشرعية والاغراض التشريعية غير ممكن، وأما الاحتياط أما انه غير ممكن او يستلزم وقوعهم نوعاً في ضيق وحرج وهو مرفوع بالنصوص التشريعية.
وأما في باب الاغراض التكوينية الشخصية، فلا تقوم السيرة العقلائية على العمل بالظواهر فيها بما هي ظواهر، لنكتة وهي انه لا يمكن ان يتصور عمل العاقل بشيء تعبداً وجزافاً وبلا نكتة مبررة له، لان التعبد إنما يتصور في الاغراض المولوية، سواء أكانت شرعية أم عقلائية هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان المطلوب لكل فرد في الاغراض الشخصية التكوينية الوصول إلى الواقع مباشرة، إذ لا يتصور أثر آخر لها غير ذلك، ومن هنا يكون عمل العقلاء في الاغراض التكوينية مبنياً على حصول الاطمئنان والوثوق بالواقع، وعلى هذا فعملهم بظواهر الالفاظ واخبار الثقة إنما هو في فرض حصول الاطمئنان منها والوثوق بالواقع لا مطلقاً.
فالنتيجة أن هذا التفصيل في الحقيقة ليس تفصيلاً في محل الكلام في المسألة، لان محل الكلام فيها إنما هو في حجية الظواهر في الاحكام المولوية لا مطلقاً حتى في الاغراض التكوينية لكي يكون هذا القول تفصيلاً في المسألة.
وأما الكلام في المقام الثالث: وهو التفصيل في حجية الظواهر بين المقصودين بالافهام وغير المقصودين بها وأنها حجة للطائفة الاولى دون الثانية.
فقد استدل عليه بوجهين:
الوجه الأول: ان عمدة الدليل على حجية الظواهر سيرة العقلاء الممضاة شرعاً، وحيث انها دليل لبي، فلابد من الاخذ بالقدر المتيقن منها وهو حجية الظواهر للمقصودين بالافهام دون غيرهم.
الوجه الثاني: ان من يكون مقصوداً بالافهام من الخطاب الموجه إليه، فلا منشأ لارادة خلاف الظاهر بالنسبة إليه إلا اختفاء القرينة عليه بسبب غفلته عنها، وهذا الاحتمال مدفوع باصالة عدم الفغلة التي هي من الاصول العقلائية وحجة بملاك الكاشفية والطريقية، ومنشائها ظهور حال المتكلم في انه غير غافل، بينما لا ينحصر منشأ احتمال ارادة خلاف الظاهر بالنسبة إلى من لم يكن مقصوداً بالافهام باحتمال اختفاء القرينة عليه، إذ كما يحتمل ذلك، يحتمل ان تكون هناك قرينة لبية بين المتكلم والمقصودين بالافهام أو قرينة عهدية بينهما أو اصطلاح خاص بينه وبين المقصودين بالافهام وغير ذلك ولا دافع لهذه الاحتمالات.
وبكلمة واضحة أن من يكون مقصوداً بالافهام، فاحتمال ارادة خلاف الظاهر في حقه منحصر باحتمال الغفلة عن القرينة، والمفروض ان هذا الاحتمال مدفوع باصالة عدم الغفلة، وأما من لم يكن مقصوداً بالافهام، فلا ينحصر احتمال ارادة خلاف الظاهر باحتمال الغفلة عن القرينة بل هناك احتمالات اخرى.
منها: احتمال ان لا يكون المتكلم في مقام البيان بل في مقام الاهمال والاجمال، ومن هنا قد يكون المخاطب قاطعاً بعدم نصب قرينة على الخلاف، فمع ذلك يحتمل ارادة خلاف الظاهر منه، وهذا ليس الامن جهة احتمال انه ليس في مقام البيان، ولكن باب هذا الاحتمال منسد بالنسبة إلى المقصودين بالافهام، حيث انه لو لم يكن في مقام البيان بالنسبة اليهم، فلا معنى لكونهم مقصودين بالافهام، ففرض كونهم مقصودين به، فرض انه في مقام البيان.
ولكن هذا الاحتمال ضعيف جداً، ضرورة أن حال كل متكلم إذا خرج عن الصمت والسكوت إلى البيان ظاهر في انه في مقام البيان، لان كونه في مقام الاهمال والاجمال بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك، وطالما لم تكن هناك قرينة في البين، فظاهر حاله انه في مقام البيان، فإذن لا اثر لهذا الاحتمال ولا يكون مانعاً عن العمل باصالة الظهور، هذا اضافة إلى ان هذا الاحتمال لو تطرق فإنما يتطرق في الخطابات الشخصية المتبادلة بين الناس في اغراضهم الخاصة، فإنه يحتمل فيها ان يكون المخاطب في مقام البيان بالنسبة إلى المخاطبين المقصودين بالافهام بقرائن مرتكزة في اذهانهم أو معهودة بينهم.
وأما في الخطابات العامة الموجهة إلى كافة البشر بلا استثناء كخطابات القرآن الكريم والسنة النبوية، فلا يحتمل ان لا يكون الشارع المقدس في تلك الخطابات في مقام البيان بالنسبة إلى الغائبين والمعدومين ويكون في مقام البيان بالنسبة إلى المشافهين الحاضرين في مجلس الخطاب فقط، ضرورة أنه لا يمكن ان لا يكون الشارع في مقام البيان في هذه الخطابات العامة لكافة البشر إلى يوم القيامة، وقد تقدم تفصيل ذلك في مبحث العام والخاص.
ومنها احتمال ان يكون المتكلم قد اعتمد في بيان مراده الجدي للمخاطب على قرينة حالية أو عهدية بينهما، ولكن هذا الاحتمال أيضاً لا قيمة له ولا يعتنى به في مقابل اصالة الظهور، ضرورة أن مثل هذا الاحتمال لو تطرق، فإنما يتطرق في الخطابات الخاصة بين فردين أو افراد معدودين في الاغراض الشخصية، ولا يتطرق في الخطابات العامة إلى الناس كالخطابات الشرعية، فإنها خطابات موجهة إلى كافة البشر، ولا يحتمل ان الشارع كان يقصد في هذه الخطابات العامة إفهام المشافهين بقرائن خاصة الحالية أو المقامية دون غيرهم.
ومنها احتمال ان المتكلم اراد خلاف الظاهر من كلامه ونصب على ذلك قرينة منفصلة غير واصلة الينا، ولكن باب هذا الاحتمال منسد بالنسبة إلى المقصودين بالافهام، لان معنى ذلك ان المتكلم لا يعتمد في بيان مراده على القرينة المنفصلة، وإلا لزم خلف فرض انهم مقصودين بالافهام.
ولكن هذا الاحتمال أيضاً لا يكون مانعا عن العمل باصالة الظهور،
لما تقدم من ان احتمال ان المتكلم يأتي بقرينة منفصلة على الخلاف في المستقبل، لا يكون مانعاً عن انعقاد ظهور الكلام في العموم أو الاطلاق، وأما العموم فإذا كان بالوضع فهو واضح، وأما إذا كان بالاطلاق ومقدمات الحكمه، فقد تقدم ان عدم القرينة المنفصلة ليس جزء المقدمات، نعم وصول القرينة المنفصلة مانع عن حجية العام في العموم والمطلق في الاطلاق لا وجودها في الواقع.
ومنها احتمال ان المتكلم قد سلك في تفهيم مراده الجدي من كلامه طريقة خاصة في المحاورة بينه وبين المخاطب المقصود بالافهام.
ولكن هذا الاحتمال غير محتمل، أما أولا فلان محل الكلام إنما هو في المتكلم العرفي الاعتيادي، ومن الواضح انه لا يسلك في مقام التفهيم والتفهم إلا الطريقة المألوفة المتعارفة لدى العرف العام في محاوراته، وأما من خرج في مقام التفهيم والتفهم عن الطريقة المألوفة الاعتيادية في المحاورة، فهو ليس بمتكلم عرفي.
وثانياً أن ظهور حال المتكلم يقتضي انه لم يخرج في مقام التفهيم والتفهم عن الطريقة المألوفة في المحاورات والخروج بحاجة إلى قرينة.
وثالثاً انه لا منشأ لهذا الاحتمال في الخطابات العامة كخطابات الآيات والروايات، ضرورة انه لا يحتمل ان الشارع قد خرج عن الطريقة المألوفة والمتعارفة لدى العرف العام في التفهيم والتفهم بها، لان هذا الاحتمال لو تطرق فإنما يتطرق في الخطابات الشخصية لا في الخطابات العامة هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى انه لا يحتمل ان يكون للشارع طريقة خاصة في التفهيم والتفهم من خطاباته في الكتاب والسنة وإلا لنبه على هذه الطريقة وعينها مع انه لاعين لها ولا أثر.
ومنها ان احتمال ارادة خلاف الظاهر ناشيء من احتمال اسقاط القرينة الموجودة في الكلام، وهذا يعني ان المتكلم قد نصب قرينة متصلة في كلامه، ولكن الراوي اسقطها عامداً ملتفتاً أو انها غير واصلة بسبب تقطيع الروايات.
والجواب، أما احتمال اسقاط الراوي عامداً ملتفتا، فهو مدفوع بانه خلف فرض وثاقته وأمانته في الروايات كما تقدم.
وأما احتمال ضياعها بسبب تقطيع الروايات، فقد مرّ انه مدفوع بان التقطيع إنما كان من أهل الفضل والعلم والخبرة بالاحاديث وخصوصياتها ومعرفة أبوابها المناسبة لها.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي ان هذه الاحتمالات باجمعها لا تصلح ان تكون مانعة عن حجية اصالة الظهور لغير المقصودين بالافهام، فإذن لا فرق بين المقصودين به وغير المقصودين، فإن اصالة الظهور حجة للجميع بملاك واحد وهو الظهور العرفي، بلا فرق بين من قصد وغير من قصد، فلا وجه للقول بالتفصيل بينهما هذا من جانب.
ومن جانب آخر الخطابات الشرعية من الكتاب والسنة وان كانت موجهة إلى الحاضرين في مجلس الخطاب ولا يمكن توجيه الخطاب حقيقة إلى الغائب فضلاً عن المعدوم، ولكن من الواضح ان المقصود بالافهام في هذه الخطابات ليس خصوص المشافهين والحاضرين في المجلس بل كافة البشر إلى يوم القيامة، بمعنى ان كل من وصلت إليه هذه الخطابات، فهو المقصود بالافهام منها.
أو فقل انه لا شبهة في ان الخطابات المذكورة خطاب حقيقي للمشافهين الحاضرين في المجلس وخطاب انشائي للكل إلى يوم القيامة، وقد فصلنا الحديث في هذه الخطابات من هذه الناحية في بحث العام والخاص موسعاً، وقلنا هناك انه لا ملازمة بين اختصاص الخطاب بالمشافهين وبين انهم خاصة مقصودون بالافهام، لان اختصاص الخطاب بالمشافهين ليس أمراً قصدياً بل هو من جهة أن الخطاب متقوم بان يكون موجها إلى مخاطب خارجي حاضر، وإلا فهو ليس بخطاب حقيقة، فالخطابات الشرعية وان كانت موجهة إلى الحاضرين في المجلس، إلا أن مضامينها تعم الجميع والجميع مقصودون بالافهام.
هذا اضافة إلى ان جميع خطابات الكتاب والسنة لا تكون مزينة بأداة الخطاب بل المزين بها مجموعة منها، وأما مجموعة كبيرة منها فهي غير مزينة بها وتكون بنحو القضايا الحقيقة بدون اداة الخطاب كقوله تعالى: ?وَلِلّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً?( ) وما شاكله.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان حجية الظواهر مختصة بالمقصودين بالافهام، إلا أنه مع ذلك لا يترتب عليه انسداد باب العلم والعلمي كما ذهب إليه المحقق القمي?، وذلك لأن الآيات الكريمة في الكتاب العزيز قد وصلت إلينا يداً بيد وطبقه بعد طبقه بالتواتر الجزمي ولا يتطرق إليه احتمال الخلاف، وعلى هذا فكل طبقة متأخرة مقصودة بالافهام من الطبقة المتقدمة عليها مباشرة طول السلسلة إلى أن وصلت إلى النبي الأكرم?، فإذن الطبقة الأولى مقصودة بالافهام من النبي الاكرم? وكذلك الحال في الروايات، غاية الأمر انها وصلت إلينا بطريق الاحاد، فكل طبقة متأخرة مقصودة بالافهام من الطبقة المتقدمة، باعتبار أن كل طبقة تنقل الروايات من الطبقة المتقدمة إلى الطبقة المتأخرة إلى أن وصلت السلسلة إلى الإمام? مباشرة.
وحيث ان هذه الطبقات جميعاً ملحوظة بنحو المعنى الحرفي، فيكون
جميع الطبقات في طول السلسلة بمنزلة طبقة واحدة تنقل عن النبي الأكرم? أو الإمام? مباشرة ومقصودة بالافهام، إذ كل طبقة في نهاية الشوط تنقل عن النبي الأكرم? أو الإمام?، باعتبار أن الوسطاء جميعاً ملحوظة اليةً وبنحو المعنى الحرفي.
فالنتيجة ان هذا التفصيل لو تم، فلا يتم في الخطابات الشرعية.
وأما الكلام في المقام الرابع: وهو التفصيل بين ظواهر الكتاب وغيره، وقد اختار هذا التفصيل الاخباريون وقد استدلوا عليه بوجوه:
الوجه الأول: أن العلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات وقرائن لعمومات الآيات ومطلقاتها مانع عن العمل بظواهرها، إذ لا يمكن العمل بظواهر كل الآيات، لاستلزامه المخالفة القطعية العملية، والتبعيض ترجيح من غير مرجح.
والجواب أولاً بالنقض بالعلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات وقرائن لعمومات الروايات ومطلقاتها، فما هو جواب الاخباريين عن العلم الاجمالي في باب الروايات، هو جوابنا عن العلم الاجمالي في باب الآيات.
وثانياً، أن هذا العلم الاجمالي يوجب الفحص عن تلك المخصصات والمقيدات والقرائن في روايات أئمة الاطهار?، لا أنه يوجب سقوط ظواهر الآيات عن الحجية، وهذا العلم الاجمالي ينحل بالفحص عنها في الروايات في الابواب المناسبة لها والظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال.
نعم لو لم ينحل هذا العلم الاجمالي بالفحص، لكان مانعاً عن حجية الظواهر والعمل بها، ولكن عدم الانحلال مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، لوضوح ان الفقيه إذا قام بالفحص عن المخصصات والمقيدات المذكورة في مظانها، فبطبيعة الحال يعثر على مقدار منها تفصيلاً لا يقل عن مقدار المعلوم بالاجمال، وبذلك ينحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي، ومن الواضح ان المقدار المعلوم من المخصصات والمقيدات لا يكون أكثر من المقدار الذي عثر عليه تفصيلاً بالفحص والبحث، وعليه فينطبق المعلوم بالاجمال على المعلوم بالتفصيل، وهذا الانطباق هو الميزان في انحلال العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي، وحينئذٍ فيكون المرجع في موارد الشك البدوي اصالة العموم أو الاطلاق.
الوجه الثاني: وقوع التحريف في القرآن وعلى هذا فيحتمل وجود قرينة متصلة في الآيات ولكنها من جهة التحريف فيها سقطت، ومع هذا الاحتمال لا ينعقد لها الظهور في العموم أو الاطلاق، على أساس أن احتمال وجود قرينة متصلة بالكلام مانع عن انعقاد ظهوره.
والجواب أولاً أنه لم يقع تحريف في القرآن الكريم لا بالزيادة ولا بالنقيصة، بداهة انه لا يليق بمكانة القرآن وعظمته وشأنه واهتمام المسلمين به وفي حفظه، هذا اضافة إلى أن قوله تعالى: ?إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ? يدل على عدم التحريف وان الله تعالى هو الحافظ له، وعليه فالقرآن النازل هو هذا القرآن بعينه، وتفصيل الكلام في ذلك في محله.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان التحريف قد وقع في القرآن، إلا أنه لا علم اجمالي بوجوده في آيات الاحكام.
وأما العلم الاجمالي بوقوعه في القرآن الجامع بين آيات الاحكام وسائر الآيات، فهو وان كان موجوداً، إلا أنه لا أثر له، لأن العلم الاجمالي إنما يكون منجزاً إذا كان متعلقاً بالتكليف القابل للتنجيز على كل تقدير أي سواء أكان في هذا الطرف أو ذاك الطرف، وأما في المقام فإن كان التحريف في سائر الآيات غير آيات الأحكام فلا أثر له ولا يكون مانعاً عن العمل بها، وان كان في آيات الاحكام، فإنه وان كان له أثر ومانع عن العمل بها، إلا أنه لا علم به فيها، وبدونه فلا مانع من الرجوع إلى أصالة الظهور فيها والتمسك بها، واحتمال التحريف لا يكون مانعاً عنه طالما لا يكون مقترناً بالعلم الاجمالي.
فالنتيجة أن التحريف غير واقع في القرآن جزماً وان القرآن الموجود فعلاً هو القرآن النازل على النبي الأكرم? بلا زيادة ونقيصة، وعلى تقدير العلم الاجمالي بوقوعه فيه، فلا أثر له بالنسبة إلى آيات الاحكام لعدم العلم بوقوعه فيها خاصة.
هذا اضافة إلى أن هناك طوائف من الروايات تدل على حجية ظواهر الكتاب، وهذه الروايات تبلغ من الكثرة حد التواتر الاجمالي ويمكن تصنيف هذه الروايت إلى أربع طوائف:
الطائفة الأولى: ما جاءت بلسان ان ما يخالف من الروايات للكتاب والسنة، فهو زخرف وباطل وغير صادر عن المعصومين?( )، وهذه الطائفة تدل على حجية ظواهر الكتاب، بتقريب أنه لا يمكن حمل الروايات المخالفة على المخالفة لنص الكتاب، فإن مثل هذه المخالفة لو لم يكن معدوماً فإنه نادر جداً، ومن الواضح انه لا يمكن الإلتزام بهذا الحمل، لانه حمل على الفرد النادر وهو قبيح.
وبتقريب آخر أن الآيات المتكفلة للأحكام الشرعية الإلزامية لا تكون ناصة في مدلولها وقطعية في دلالتها ولو كانت فهي نادرة جداً، لأن دلالتها على الاحكام الشرعية غالباً تكون إما بالاطلاق ومقدمات الحكمة أو بالعموم الوضعي أو بالظهور اللفظي وضعاً، كما في دلالة الأمر على الوجوب والنهي على الحرمة، وأما دلالتها بالنص فلو كانت، فهي نادرة هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان المراد من المخالفة في هذه الروايات المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه، فإن مثل هذه المخالفة لا يمكن صدورها عن المعصومين?، لانهم حفظة القرآن وأحكامه التشريعية، فلا يعقل ان يصدر منهم المخالفة بنحو المباينة والمضادة، وأيضاً حيث ان لسان هذه الطائفة لسان الاستنكار والتحاشي والاستبعاد، فإنه قرينة واضحة على أن المراد من المخالفة فيها، المخالفة بنحو التباين والتضاد للعلم الاجمالي بصدور الروايات المخالفة لعموم الكتاب والسنة أو اطلاقهما من المعصومين? جزماً في أبواب الفقه.
فالنتيجة أن هذه الطائفة تدل على أن ظواهر الكتاب والسنة حجة، وأن ما يخالف ظاهرهما بنحو التباين والتضاد من الروايات فهو زخرف وباطل لا يكون حجة.
الطائفة الثانية: تدل على ان حجية الرواية منوطة بموافقها للكتاب والسنة أو يكون عليها شاهد منه، كقوله?: <إذا ورد عليكم حديث فوجدتم له شاهداً من كتاب الله أو من قول رسول الله? وفهو إلا فالذي جائكم به أولى به>( ) وغيره.
وتقريب دلالتها ان من الواضح ان المراد من الموافقة، موافقة ظاهر الكتاب أو السنة، ولا يمكن ان يراد منها موافقه نصه القطعي فحسب، ضرورة أن لازم ذلك الغاء حجية الروايات جميعاً إلا ما يكون موافقاً لنص الكتاب وهو نادر جداً لو لم يكن معدوماً، هذا اضافة إلى أن جعل الحجية للرواية الموافقة لنص الكتاب لغو ولا يترتب على حجيتها أثر بعد وجود نص من الكتاب في المسألة، وأيضاً لازم ذلك حمل هذه الطائفة على الفرد النادر وهو لا يمكن، وعلى هذا فلا محالة يكون المراد من الموافقة في هذه الطائفة موافقة ظاهر الكتاب، فإذن تدل هذه الطائفة على أن ظاهر الكتاب حجة في المرتبة السابقة وكذلك ظاهر السنة.
الطائفة الثالثة: تدل على ان حجية الرواية منوطة بعدم مخالفتها للكتاب، منها قوله?: <ان على كل حق حقيقة وعلى كل صواب نوراً، فما وافق كتاب الله فخذوه وما خالف كتاب الله فدعوه>( ) ومنها غيرها.
وتقريب الاستدلال بها ان المراد من المخالفة للكتاب مخالفة ظاهره بنحو التباين، ضرورة أنه لا يمكن حمل المخالفة فيها على المخالفة لنص الكتاب أو السنة، لانه حمل على الفرد النادر فلا يمكن، فإذن تدل هذه الطائفة على حجية ظواهر الكتاب والسنة في المرتبة السابقة، وإلا فلا معنى لاناطة حجية الروايات بعدم مخالفتها لها.
الطائفة الرابعة: تدل على نفي الشرط المخالف للكتاب أو السنة، ونقصد بالشرط مطلق الالتزامات كالعهد واليمين والنذر والنكاح وغيرها من الالتزامات المعاملية، والمراد من نفيه، نفي الامضاء يعني كل معاملة والتزام إذا كانت مخالفة للكتاب والسنة فهي غير ممضاة شرعاً، والمراد من مخالفة الكتاب، مخالفة ظاهره لا مخالفة نصه القطعي، وإلا فلا يبقى لها مورد، إذ لا يحتمل صدور التزام أو معاملة من العبد عادة على خلاف نص الكتاب أو السنة، ولا يتوهم أنه ممضى شرعاً، بل حمل المخالفة في هذه الطائفة على المخالفة لنص الكتاب أو السنة لغو، إذ لا مورد لها أو لا أقل أنه حمل على الفرد النادر والشاذ.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان هذه الطوائف من الاخبار تنص على حجية ظواهر الكتاب بالسنة مختلفة.
الوجه الثالث: قوله تعالى: ?الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ?( ) وتقريب الاستدلال به ان المتشابه يشمل الظاهر، لان المتشابه ما يكون له احتمالان، وهذا الاحتمالان قد يكونا متساويين وقد يكون أحدهما ارجح من الآخر وكلاهما من المتشابه الممنوع اتباعه، ومعنى المنع عن اتباعه هو الارشاد إلى عدم حجيته، فإذن تدل الآية الشريفة على أن ظواهر الكتاب لا تكون حجة.
وقد اجاب عن ذلك جماعة من المحققين الاصوليين، أولاً بأن الظاهر داخل في المحكم لا في المتشابه، لان المحكم لا يختص بالنص بل هو عبارة عن المتقن، والظاهر بما أن معناه واضح ومبين، فهو داخل في المتقن، فإذا كان اللفظ ظاهراً في إرادة معنى دون معنى آخر، كلفظ الاسد مثلاً الظاهر في إرادة الحيوان المفترس دون الرجل الشجاع فهو من المتقن والمحكم لدى العرف والعقلاء، وصيغة الامر ظاهرة في ارادة معناها الموضوع له وهو الوجوب، وقابلية استعمالها في الندب وارادته منها لا تجعلها من الالفاظ المتشابه، وكذلك الحال في سائر الالفاظ الظاهرة في ارادة معانيها، لانها من المتقن وارادة غيرها بحاجة إلى قرينة.
فالنتيجة أنه لا شبهة في ان الظاهر ليس مصداقاً للمتشابه، لانه بنظر العرف العام من المحكم، والواضح والمرتكز في اذهان العرف والعقلاء من كلمة المتشابه والمتبادر منها، تساوي نسبة دلالة اللفظ إلى كل من المعنيين، بحيث يكون احتمال ارادة كل منهما شبيه باحتمال ارادة الآخر، ولهذا يسمى بالمتشابه يعني لا يفهم منه شيء.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان الظاهر داخل في المتشابه، إلا انه حينئذٍ لا يمكن الاستدلال بهذه الآية على عدم حجية ظواهر الكتاب، باعتبار أن الاستدلال بها إنما هو بظهورها، والمفروض ان الكلام إنما هو في حجية ظواهر الكتاب، فكيف يمكن الاستدلال بها على عدم حجيتها، وإلا لزم من فرض حجية هذه الآية عدم حجيتها وهو محال.
وكلمة ان هذه الآية المباركة لا تخلو من أن يكون مفادها مجعولاً بنحو القضية الحقيقية أو بنحو القضية الخارجية، فعلى الأول تنحل الآية المباركة بانحلال موضوعها في الخارج وهو المتشابه الجامع بين المجمل والظاهر، وقد اخذه المولى مفروض الوجود في الخارج ويجعل له الحكم وهو عدم الحجية، وعلى هذا فالآية الشريفة تدل على عدم حجية ظواهر الكتاب المتحققة في الخارج، وحيث ان هذه الدلالة دلالة بالظهور، فالآية تدل على عدم حجيتها أيضاً، وهذه الدلالة أي الدلالة الثالثة لها الفرضية أيضاً دلالة بالظهور، فتكون مشمولة للآية المباركة وهكذا إلى ما لا نهاية له.
وحيث ان هذه الدلالات، دلالات فرضية لا واقع موضوعي لها في الخارج، فلا تكون مشمولة لادلة الحجية، فالدلالة التي لها واقع موضوعي هي دلالة الآية الشريفة على عدم حجية المتشابه الجامع بين المجمل والظاهر، فإذن تدل الآية باطلاقها على عدم حجية الظواهر منها ظواهر الكتاب وبالتالي على عدم حجية نفسها باعتبار أنها من ظواهر الكتاب، وعلى هذا فيلزم من فرض حجية ظاهر هذه الآية عدم حجيته تعبداً، وما يلزم من وجوده عدمه فوجوده مستحيل.
هذا اضافة إلى أنا لو سلمنا أن الآية لا تشمل نفسها بالاطلاق والدلالة اللفظية، إلا أنه لا شبهة في شمولها لها بالملاك، لوضوع أنه لا فرق بين ظهورها وبين سائر الظهورات، فالنتيجة عدم صحة الاستدلال بها على عدم حجية ظواهر الكتاب، هذا كله فيما إذا كان مفاد الآية بنحو القضية الحقيقية.
وأما إذا كان مفادها بنحو القضية الخارجية، بأن يكون ناظراً إلى الآيات المتشابهات الموجودة في القرآن الكريم، فلا تشمل نفسها، لاستحالة أن تشمل هذه الآية الشريفة الموجودة في الكتاب العزيز نفسها، بداهة ان الشمول يقتضي الاثنينية بين الشامل والمشمول ولا يتصور الشمول بين الشيء ونفسه، نعم تشمل ملاكاً بمعنى أنها تشترك مع سائر الآيات المتشابهات في الملاك، وعلى هذا فإذا لم تكن ظواهر سائر الآيات حجة، فظهور هذه الآية أيضاً كذلك بنفس الملاك، ولهذا لا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية ظواهر الكتاب، هذا كله بحسب مقام الثبوت.
وأما في مقام الاثبات، فهل يشمل دليل حجية الظواهر، ظاهر هذه الآية الشريفة أو يختص بغيره من ظواهر سائر الآيات أو لا هذا ولا ذاك؟
والجواب ان عمدة الدليل على حجية الظواهر سيرة العقلاء وهي قد جرت على العمل بظواهر الالفاظ مطلقاً في باب المولويات، ومن الواضح انه لا يمكن القول بتخصيص هذه السيرة بظاهر هذه الآية وعدم شمولها لظواهر سائر الآيات وذلك.
أما أولاً فلان هذا التخصيص بحاجة إلى دليل واضح يدل عليه وإلا فنسبة السيرة إلى الجميع على حد سواء، والفرض أنه لا دليل على ذلك.
وثانياً أن ظواهر سائر الآيات إذا لم تكن مشمولة لدليل الحجية، فلا تكون حجة في نفسها، وعلى هذا فلا معنى لجعل الحجية لظاهر هذه الآية، لان معنى حجيتها التعبد بثبوت مدلولها ظاهراً وهو عدم حجية ظواهر سائر الآيات، والمفروض ان عدم حجيتها ثابت في المرتبة السابقة من جهة عدم الدليل عليها، ومعه لا معنى للتعبد بعدم حجيتها ثانياً، فإنه لغو.
وأن شئت قلت: أن الآية الشريفة إذا كانت ناظرة إلى ظواهر سائر الآيات القرآنية، فنقول أن شمولها لها إنما هو بالاطلاق لا بالنص، وعلى هذا فما هو الدليل على حجية ظاهر هذه الآية، لان حجيته على الفرض ليست بذاتية بل هي جعلية وبحاجة إلى دليل، فإن كان الدليل عليها سيرة العقلاء، فهي لا يمكن ان تشمل ظاهر هذه الآية وظواهر سائر الآيات معاً، لاستحالة الجمع بين حجيته وحجية ظواهر سائر الآيات، لان معنى حجيتها التعبد بمفادها وهو عدم حجية ظواهر سائر الآيات، فإذن لا يمكن شمول السيرة لكليهما معاً، أما شمولها لظاهر هذه الآية دون ظواهر سائر الآيات فهو لا يمكن، لانه يلزم من فرض الشمول عدم الشمول، لاننا نعلم بعدم الفرق في ملاك عدم الحجية بين ظهور سائر الآيات القرآنية وظهور هذه الآية، فإذا ثبت عدم حجية سائر الظهورات القرانية، يلزم من ذلك عدم حجية ظهور هذه الآية بالدلالة الالتزامية، وأما شمولها لظهور سائر الآيات القرآنية دون ظهور هذه الآية، فلا يستلزم أي محذور.
والخلاصة أن دليل حجية الظواهر كالسيرة لا يشمل ظهور هذه الآية الشريفة وظهور سائر الآيات القرآنية معاً، لا ستلزامه التهافت والتناقض مضافاً إلى أنه يستلزم عدم حجية ظهور نفسها أيضاً وشموله لظهور هذه الآية فحسب، فإنه مضافاً إلى أن هذا ترجيح من غير مرجح، يستلزم عدم حجيـة ظهورها أيضاً، وأما شموله لظهور سائر الروايات، فهو بلا مانع ولابد من تقييد اطلاق دليل الحجية بغير ظهورها هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى أن هذه الآية الكريمة بحسب صدرها وذيلها اجنبية عن محـل الكـلام وهي قـوله عز من قائل: ?هُوَ الَّذِيَ أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ فَأَمَّا الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ ابْتِغَاء الْفِتْنَةِ وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلاَّ اللّهُ وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ?( ) لان الآية الشريفة بمجموع صدرها وذيلها تدل على ذم هؤلاء الذين في قلوبهم مرض ونفاق وبغض للإسلام، لانهم يقومون باتباع المتشابه من الآيات القرآنية بغاية أيجاد الفتنة بين المسلمين والتفرقة بينهم وتشويش اذهانهم وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين من خلال تأويل ما تشابه بارائهم العدوانية، ويكون هدفهم من وراء ذلك المشاغبة والإستهزاء وتهميش دور الإسلام في الساحة، وسوف نشير إلى توضيح ذلك وبيان المراد من المتشابه والتاويل، فاذن ليس مفاد الآية الارشاد إلى عدم حجية ظواهر الكتاب هذا من جانب.
ومن جانب اخر أن المراد من المتشابه في الآية الكريمة تارة يكون التشابه في المعنى والمدلول الاستعمالي كالالفاظ المشتركة، فإنها متشابه ومجملة في المعنى الموضوع له كلفظ (عين) ولفظ (قرء) وغيرهما من الالفاظ المشتركة، وفي مقابل ذلك ما لا يكون متشابهاً ومجملاً في معناه الموضوع له كالالفاظ غير المشتركة، واخرى يكون التشابه والاجمال في المصداق الخارجي، بمعنى انه مجمل ومتشابه في الخارج مع وضوح المفهوم المستعمل فيه اللفظ.
ثم ان المراد من المتشابه في الآية الكريمة، هل هو التشابه في المعنى والمفهوم أو في المصداق الخارجي؟ فيه وجهان:
فذهب بعض المحققين? إلى ان المراد منه التشابه المصداقي، وقد استدل على ذلك بوجوه:
الوجه الأول: أن المراد من التشابه في الآية الكريمة لو كان التشابه المفهومي، فهو لا ينسجم مع توصيف الله تعالى القرآن بأنه هدى ونور وبيان وتبيان ولسان عربي مبين وهكذا، فإن هذه التعبيرات في الكتاب تدل على انه لا اجمال ولا تشابه في المعنى الموضوع له والمفهوم( ) هذا.
ويمكن المناقشة فيه، وذلك لان النور والهدى والبيان والتبيان كل ذلك صفة للقرآن ولا شبهة في أن القرآن بما هو القرآن نور وهدى وبيان وتبيان، والمراد من النور النور المعنوي الحقيقي، باعتبار أن القرآن يزود الإنسان بنور الإيمان، وليس المراد منه مدلول القرآن اللفظي، فإذن يكون النور في مقابل الظلمة والجهل.
والمراد من الهدى الهدى المعنوي، باعتبار ان القرآن يجهز الإنسان بغريزة الدين التي تهذب سلوك الإنسان في الخارج وتمنع عن الانحرافات السلوكية، وبهذا الاعتبار يكون القرآن هدى، فإذن الهدى في مقابل الضلال، ومن الواضح ان المراد منه ليس وضوح دلالة القرآن على مدلوله اللفظي، ومناسبة الحكم والموضوع الارتكازية تقتضي ذلك أيضاً، إذ الآيات المذكورة في مقام بيان أهمية القرآن وعظمة شأنه، وهي تقتضي ان يكون المراد من النور والهدى ما ذكرناه لا دلالته اللفظية.
والمراد من البيان والتبيان الحجة، يعني ان القرآن بما هو القرآن حجة على الناس، وهذا لا يستلزم ان لا يكون شيء من آياته متشابهاً ومجملاً مفهوماً، هذا اضافة إلى أن لفظ البيان، التبيان مشترك بين الفصاحة كما في الحديث ان لمن البيان سحراً وفلان أبين من فلان أي افصح وأبلغ منه، وبين ما يتبين به الشيء من الدلالة وغيرها، فإذن تلك الآيات اجنبية عن الدلالة على ان كل آية من الآيات القرآنية بيان، يعني واضح الدلالة والمفهوم ولا اجمال ولا تشابه في المفهوم، ومعناها الموضوع له، ضرورة أنها لا تدل على ذلك.
والخلاصة أن القرآن على ضوء ما استظهرناه نور وهدى وحجة وان كان بعض آياته مجملاً ومتشابهاً مفهوماً، هذا اضافة إلى أنا لو سلمنا ان المراد من هذه الالفاظ هو أن القرآن واضح الدلالة على معانيه، ولكن هذه الآيات لا تدل على أن كل آية من آيات القرآن واضحة الدلالة على معناها ولا اجمال في شيء منها بحيث لا توجد في القرآن ولو آية واحدة متشابهة مفهوماً، لوضوح أن الآيات المتقدمة لا تنص على ان كل آية موضوعة للدلالة على معنى واضح ومبين، بل تنص على ان القرآن بما هو القرآن بيان وتبيان ونور وهدى لا أن كل آية منه كذلك.
فالنتيجة أن الآيات المذكورة لا تكون ناظرة إلى أن القرآن بكافة آياته واضحة الدلالة والمعاني ولا اجمال فيها، بل هي ناظرة إلى ما ذكرناه.
الوجه الثاني: ان التعبير بالاتباع في قوله تعالى فيتبعون ما تشابه، يدل على أن المراد من المتشابه ليس المتشابه المفهومي إذ الاتباع يتطلب وجود مدلول ظاهر يتعين فيه اللفظ لكي يصدق الاتباع، وأما المتشابه المفهومي فلا يكون له مدلول معين حتى يصدق الاتباع له.
وهذا بخلاف التشابه المصداقي، فإن هؤلاء الكفار الذين في قلوبهم نفاق وزيغ يتبعون الآيات التي لها مصاديق في الخارج متشابه مجملة لا تناسب مع المصداق الواقعي الغيبي الذي ينطبق عليه مفهوم الآية، فمثلاً كلمة الصراط في ?اهدِنَا الصِّرَاطَ المُستَقِيمَ?( ) والعرش والكرسي في الآيات الاُخرى التي مدلولها اللغوي واضح لا لبس فيه ولا تشابه، إلا أن مصاديقة الخارجية سنخ مصاديق لا تنسجم ان تكون هي المقصودة من هذه الآيات، فمن في قلبه زيغ يتبع مثل هذه الآيات ويطبقها على مصاديقها الخارجية المتشابهة المجملة بغرض المشاغبة والقاء الفتنة وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين.
والجواب ان كلمة اتباع ما تشابه لا تتطلب مدلولاً معيناً للفظ وإلا لم يكن من اتباع المتشابه بل من اتباع المحكم، وأما المتشابه كاللفظ المشترك بين معنيين متباينيين وان لم يكن ظاهراً في احدهما، فلا شبهة في ان من يحمله على احد معنييه بلا مبرر وقرينة انه اتبع المتشابه، ولا يكون صدقه منوطاً بان يكون الاشتباه في المصداق الخارجي لا في المفهوم، والاشتباه في الامثلة المذكورة وان كان في المصداق الخارجي لا في المفهوم، إلا ان اتباع المتشابه لا ينحصربها وبامثالها.
والخلاصة أنه يصدق اتباع المتشابه على حمل اللفظ المشترك كلفظة (عين) على أحد معنييها بلا قرينة ومبرر وبمجرد ميله وارادته بل يصدق عليه التاويل أيضاً، لان التاويل عبارة عن حمل اللفظ على معنى هو غير ظاهر فيه، سواء اكان ظاهراً في غيره أم لا، كما ان حمل اللفظ الظاهر في معنى على خلاف ظاهره تاويل، كذلك حمل اللفظ المجمل معنى على احد معنييه تاويل، يعني خلاف الظاهر، لان التاويل اسم لحمل اللفظ على خلاف الظاهر، غاية الأمر أن لفظ المجمل والمتشابة كالمشترك، ظاهر عند اطلاقه في ارادة أحدهما غير المعين وحمله على المعين خلاف ظاهره ولهذا هو تأويل.
الوجه الثالث: ان كلمة التاويل في قوله تعالى ?وَابْتِغَاء تَأْوِيلِهِ? تدل على ان المراد من المتشابه ليس المتشابه المفهومي بل المتشابه المصداقي مع وضوح المفهوم، لان معنى التاويل حمل اللفظ على خلاف معناه، وهذا لا ينطبق إلا على اللفظ الظاهر في معنى لا على اللفظ المتشابه المتساوي الطرفين، يعني لا ظهور له إلا في هذا المعنى ولا في ذاك، وحمله على أحدهما ليس من التأويل، بينما حمل اللفظ الظاهر في معناه على خلاف ظاهره تاويل، فإذن لفظ التأويل في الآية المباركة قرينة على أن المراد من المتشابه، المتشابه المصادقي لا المفهومي.
والخلاصه أن هذه الآيات لا تكون مجملة في معناها الموضوع له وظاهرة فيه، ولكن مصداقه في الخارج لا ينسجم مع مصداقه الواقعي الغيبـي، لان هذا في عالم الغيب وذاك في عالم الشهود والمادة، وحيث انه لا طريق للعقل إلى عالم الغيب ولا يمكن إدراكه لعجزه عنه، إذ لا يعلم الغيب إلا الله ورسوله الخ، فلذلك اخذ الاعداء والمشاغبين المصداق الخارجي بغرض القاء الفتنة والبلبلة بين الناس، بدعوى ان لله يد كيد البشر وكرسي كالكرسي الخارجي وهكذا، وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين، والآية في مقام بيان ذم هؤلاء الناس المشاغبين واجنبية عن الدلالة على عدم حجية ظواهر الكتاب.
والجواب قد تقدم ان كلمة التأويل كما تصدق على حمل اللفظ الظاهر في معنى على خلاف ظاهره، كذلك تصدق على حمل اللفظ المجمل والمتشابه كالمشترك على احد معنييه معيناً، فإن كلا الحملين خلاف الظاهر وبحاجة إلى قرينة وعناية زائدة هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى انه لا يمكن تطبيق الآية الشريفة على مصاديق الآيات المذكورة الخارجية، لان مصاديقها الخارجية معينة ومعلومة في الخارج ولا اجمال ولا اشتباه فيها اصلاً وكذلك مفاهيم تلك الآيات، وعلى هذا فتمسك الاعداء والمشاغبين بمصاديق هذه الآيات الخارجية ليس من اتباع المتشابه والمجمل ولا من التاويل، لفرض ان هذه المصاديق معينة في الخارج، ولا يمكن ان يراد من المتشابه تشابه هذه المصاديق الخارجية مع مصاديقها الغيبة، إذ لا تشابه بينهما، فإنها خارجية وعينية وتلك غيبية، فلاصلة بينهما حتى كان بينهما تشابه، بل ان المصاديق الخارجية إنما هي مصاديق للآيات المذكورة بلحاظ الإرادة التصورية، ويستحيل ان تكون من مصاديقها بلحاظ الإرادة الجدية.
فالنتيجة أن تطبيق عنوان اتباع الآيات المتشابهات وعنوان التأويل على مصاديقها الخارجية المعلومة لا يمكن، إذ لا يصدق على اتباع مصاديقها الخارجية المعلومة عنوان اتباع المتشابهات، كما انه لا يصدق عليه عنوان ابتغاء التاويل، لانها ليست من المتشابهات ولا حمل الآيات عليها من التأويل.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان هذه الآية أجنبية عن محل الكلام، لانها بصدد ذم المنافقين والمشاغبين الذين يتمسكون بظواهر هذه الآيات بغرض القاء الفتنة والبلبلة بين الناس وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين، وليست في مقام الردع والنهي عن العمل بظواهر الآيات القرآنية.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان مفادها الارشاد إلى عدم حجية ظواهر الكتاب، فلا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية ظواهر الكتاب، وإلا فلازمه دلالتها على عدم حجية ظهور نفسها أيضاً، باعتبار أنها أيضاً من ظواهر الكتاب، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، أن هذه الآية لا تشمل الظواهر، لما عرفت من أنها داخلة في المحكمات لا في المتشابهات.
الوجه الرابع: الروايات التي استدل بها على عدم حجية ظواهر الكتاب على طوائف.
الطائفة الأولى: الروايات التي تدل على عدم جواز التمسك بالكتاب بدون الرجوع إلى الأئمة الاطهار?( )، وتقريب الاستدلال بها أن مفاد هذه الروايات هو الغاء حجية الكتاب وعدم امكان الاعتماد عليه في استنباط الحكم الشرعي ولا في تكوين القواعد العامة.
والجواب انه ان اريد بذلك ان مفاد هذه الروايات عدم جواز التمسك باصالة الظهور في الآيات القرآنية كاصالة العموم والاطلاق بدون الفحص والبحث عن وجود القرائن على خلافها، غاية الأمر ان البحث والفحص في زمن الحضور إنما هو بالرجوع إلى الأئمة الاطهار? والسؤال منهم? عن وجود القرائن على خلاف إرادة الظاهر، وفي زمن الغيبة بالرجوع إلى الروايات الواصله إلينا من مظانها، فإن وجد فيها المخصص أو المقيد فهو، وإلا فالمرجع هو اصالة العموم والاطلاق، ففيه أن هذا وان كان صحيحاً وتاماً، إذ لا شبهة في انه لا يجوز التمسك بظواهر الآيات القرآنية بدون الفحص عن مخصصها ومقيدها في الروايات أو بدون الرجوع إليهم? في زمن الحضور، إلا أن هذا لا يختص بظواهر القرآن فظواهر السنة أيضاً كذلك، فإذن لاوجه للاستدلال بهذه الروايات على عدم حجية ظواهر الكتاب قبل الفحص، لما عرفت من انه لا فرق بين الكتاب والسنة من هذه الناحية، ولعل هذه الروايات ناظرة إلى أن الائمة? أحد الثقلين وهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، فلا يمكن العمل باحدهما والاستغناء عن الآخر، كيف لانهما شريعة واحدة فلا يمكن التجزئة.
وان اريد به ان مفادها عدم حجية ظواهر الكتاب مطلقاً حتى بعد الفحص، فيرد عليه أنها عندئذٍ تكون من الروايات المخالفة للسنة القطعية فلابد من طرحها، لان الروايات الواردة من الائمة الاطهار? في الاهتمام بالقرآن والرجوع إليه والعمل به وان القرآن هو مصدر التشريع ومرجع المسلمين متواترة اجمالاً، هذا اضافة إلى عمل الرسول الأكرم? والائمة الأطهار? والمسلمين قاطبة بالقرآن بحيث يكون هذا العمل مرتكزاً في أذهانهم، ومن الواضح انه لا يمكن حمل هذه الروايات على ان مصدر التشريع ومرجع المسلمين خصوص نص القرآن لا الأعم منه ومن ظاهره، لانه حمل على الفرد النادر، إذ قلما توجد آية من آيات الاحكام تكون ناصة في مدلولها، هذا اضافة إلى أن هذا الحمل لا يناسب اهتمام الائمة? في هذه الروايات بالرجوع إلى الكتاب، وكذلك لا يمكن ان تكون السيرة العملية من المسلمين قاطبة على نص الكتاب فقط، فإذن بطبيعة الحال يكون المصدر والمرجع هو ظاهر الكتاب وكذلك السيرة العملية جارية على العمل بظاهره، فالنتيجة أن هذه الروايات لا تصلح ان تكون رادعة عن السيرة، لان هذه السيرة، سيرة المسلمين كافة وهي قطعية، فلا يمكن ردعها إلا بالدليل القطعي، ضرورة أن الدليل الظني لا يصلح ان يعارض الدليل القطعي العملي.
الطائفة الثانية: الروايات الناهية عن تفسير القرآن بالرأي، وقد ورد في بعض هذه الروايات (ان من فسر القرآن برايه فقد افترى على الله الكذب، (وما آمن بي من فسر كلامي برأيه)( ) وهكذا، وتقريب الاستدلال بها ان حمل القرآن على ظاهره من التفسير بالرأي وهو ممنوع.
والجواب ان حمل اللفظ على ظاهره عرفاً ليس من التفسير فضلاً عن كونه بالرأي، لان معنى التفسير كشف القناع وازالة الستر، ولا قناع للظاهر ولا سترله، لانه ليس مستوراً بل هو مكشوف، ولو سلمنا انه تفسير ولكنه ليس من التفسير بالرأي، لوضوح ان حمل اللفظ على ظاهره العرفي ليس من التفسير بالرأي وان سلمنا انه تفسير.
وعلى هذا فحمل الكتاب على معناه الظاهر فيه عرفاً ليس مشمولاً لتلك الروايات.
ثم ان المراد بالرأي في هذه الروايات أحد المعنيين:
الأول أن المراد به تفسير القرآن حسب رغبته وميله الذاتي الشخصي لا الموضوعي، بمعنى أن موقفه الشخصي يتطلب تفسير القرآن على طبق موقفه لا موضوعياً في مقابل انه يقوم بتقسير القرآن موضوعياً وبقطع النظر عن موقفه الذاتي الذي لا واقع موضوعي له.
الثاني ان المراد من المدرسة الفقهية التي كانت قد أُسست في مقابل مدرسة أهل البيت?، فإنها غالباً كانت مبنيه على الافكار والنظريات التخمينية والظنية كالاستحسانات والقياسات ونحوهما كمدرسة أبي حنيفة وغيرها.
ومن الواضح انه لا يجوز تفسير القرآن بالرأي بكل من هذين المعنيين.
وأما الرأي بمعنى الاجتهاد والاستنباط حسب القواعد والموازين المقررة في الاصول، فهو مسموح شرعاً بل لابد منه، لان عملية الاجتهاد والاستنباط التي هي عبارة عن تطبيق القواعد العامة على عناصرها الخاصة في الحدود المسموح بها شرعاً ضرورية بضرورة متطلبات الدين هذه العملية.
الطائفة الثالثة: الروايات التي تدل على ان فهم القرآن مختص بالمعصومين? ولا يفهم القرآن إلا من خوطب به، وقد ورد ذلك في مرسلة شعيب في قصة أمام الصادق?، وفي رواية زيد الشحام منع الباقر قتادة من تفسير القرآن بقوله: <ويحك إنما يعرف القرآن من خوطب به>( ).
والجواب، أولاً ان هذه الروايات ضعيفة سنداً فلا يمكن الاعتماد عليها.
وثانياً ان هذه الروايات على خلاف الوجدان والمشاهد في الخارج، لان الناس يفهم نصوص القرآن وظواهره، ضرورة ان القرآن ليس من الالغاز بل هو نزل بلسان عربي مبين كما في الآية، هذا اضافة إلى أنه كيف يمكن تخصيص مثل قــوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ? وقــوله تعالى: ?يَا أَيُّهَا الْمُؤْمِنُونَ? ونحوهما بخصوص النبي الأكرم? أو مع أئمة الأطهار?، لانه من اظهر مصاديق التخصيص بالفرد النادر، فإذن تكون هذه الروايات بظاهرها مقطوعة البطلان، إلا ان تحمل على ان المراد من اختصاص فهم القرآن بالمعصومين?، اختصاص فهم باطنه ومتشابهاته لاظواهره، ولكن هذا الحمل لا يمكن، لان هذه الروايات تدل على اختصاص فهم القرآن بمن خوطب به، ومن الواضح ان القرآن خوطب بظاهر آياته لا بباطنها.
وثالثاً ان هذه الروايات مخالفة للسنة، فإنها تدل على ارجاع الناس بالقرآن في مختلف الموارد وبمختلف إلالسنة قولاً وفعلاً وتقريراً، وهذا معناه ان فهم القرآن لا يختص بالمعصومين?، وإلا فلا معنى لارجاع الناس إليه، فإذن تدخل هذه الروايات في الروايات المخالفة للسنة فلا تكون حجة.
فالنتيجة أن هذه الطوائف الثلاث من الروايات اجنبية عن الدلالة على حجية ظواهر الكتاب.
ثم لو سلمنا ان الطوائف المذكورة من الروايات تامة سنداً ودلالة ولكنها معارضة بروايات اخرى تبلغ من الكثرة حد التواتر الاجمالي، هذا مضافاً إلى أنها مخالفة للسيرة القطعية المتشرعية الجارية على العمل بظواهر الكتاب طول التاريخ أي من زمن النبي الأكرم? إلى زماننا هذا، وعلى هذا فتلك الطوائف من الروايات معارضة للسنة قولاً وعملاً، ولهذا لابد من طرحها والحكم ببطلانها:
ثم أن الروايات التي تدل على حجية طواهر الكتاب على عدة اصناف:
الصنف الأول: روايات الثقلين( )، فإنها تدل على حجية ظواهر الكتاب والسنة، لان معنى التمسك بهما العمل على اساس ان وظيفة الناس شرعاً التمسك والعمل بهما، ومن الواضح أن المراد من التمسك بهما في الحديث التمسك بظاهرهما، ولا يمكن حمل ذلك على التمسك بنصهما، لانه من الحمل على الفرد النادر ولا يمكن، كما لا يمكن حمل الحديث على ان المراد من التمسك بالكتاب التمسك بنصه، والمراد من التمسك بالسنة التمسك بالاعم من نصها وظاهرها، لان هذا تفرقة بين الكتاب والسنه، وقد اخبر في الحديث بانهما لن يفترقا حتى يردا عليّ الحوض، هذا اضافة إلى أن هذه التفرقة ركيكة وغير عرفيه.
فالنتيجة أن دلالة حديث الثقلين على حجية ظواهر الكتاب والسنة واضحة.
الصنف الثاني: الروايات الامرة بعرض الاخبار على الكتاب، وهذه الروايات تدل بوضوح على حجية ظواهر الكتاب في المرتبة السابقة، ولا يمكن ان يكون المراد منه العرض على نص الكتاب لانه حمل على الفرد النادر.
الصنف الثالث: الروايات الامرة بعرض الاخبار المتعارضة على الكتاب، فإن هذا يدل على أن ظاهر الكتاب حجة في المرتبة السابقة، فإن كان احد المتعارضين موافقاً لظاهر الكتاب والآخر مخالفاً له، فالموافق حجة دون المخالف، ولا يمكن ان يراد بعرض الاخبار على الكتاب، العرض على نصه لانه من الحمل على الفرد النادر وهو لا يمكن.
الصنف الرابع: الروايات الآمرة بعرض الشروط في باب المعاملات على الكتاب، فكل شرط يكون مخالفاً للكتاب فهو مردود وباطل( )، وتقريب الاستدلال به نفس ما مر من التقريب في الاصناف المتقدمة.
الصنف الخامس: الروايات الآمرة للناس بالرجوع إلى الكتاب بمختلف الالسنة، فتارة بالقول واخرى بالفعل وثالثة بالتقرير( )، وتقريب الاستدلال بها على حجية ظواهر الكتاب ما مر من التقريب في سائر الاصناف، وهذه الاصناف من الروايات حيث أنها روايات متواترة جزماً وتدل بوضوح على حجية ظواهر الكتاب، فتدخل الروايات المتقدمة بجميع طوائفها في الروايات المخالفة للكتاب، والروايات المخالفة له باطلة ولا يمكن صدورها عن المعصومين?.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان هذه الروايات لم تبلغ حد التواتر اجمالاً، فمع ذلك لابد من تقديم هذه الروايات على الروايات السابقة من جهة أمكان الجمع العرفي الدلالي بينهما، لان هذه الروايات اظهر من الروايات الأولى دلالة، فإذا كانت كذلك، فلا بد من تقديمها عليها تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على الاظهر.
قد يقال كما قيل ان المراد من الكتاب في الصنف الاول من الروايات والصنف الرابع منها، أما الاطلاق اللفظي أي لفظ الكتاب أو مدلوله المفسر بالرواية، والمراد من الكتاب في الصنف الثاني والثالث هو لفظ الكتاب فحسب، لان الروايات في هذين الصنفين ظاهرة في ان مرجعية الكتاب مرجعية مستقلة، فاذن احتمال ان يكون المراد من الكتاب اعم منه ومن مضمونه ومدلوله المفسر بالخبر غير محتمل، لان مرجعية مضمونه، ليست مرجعية مستقلة بل بواسطة الخبر المفسر له، ولهذا لا تكون مشمولة للروايات التي هي ظاهرة في ان الكتاب مرجع مستقل، باعتبار انه الاصل والروايات فرع، فلهذا يقيس الروايات به صحة وسقما هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان قرينة الحال تقتضي اختصاص الروايات في هذين الصنفين بمخالفتها لظاهر الكتاب، إذ احتمال الكذب على الائمة? على خلاف نص الكتاب غير محتمل عادة، فإذن تكون هذه الروايات اخص من الروايات المتقدمة، لانها تعم ظواهر الكتاب ومتشابهاته، وعليه فتخصص الروايات المتقدمة بهذه الروايات.
والجواب الظاهر ان المراد من الكتاب في جميع هذه الاصناف هو نفس الكتاب ولفظه في مقابل السنة لا الاعم منه ومن مضمونه المعين، فإن بحاجة إلى عناية زائدة وقرينة تدل عليه، هذا اضافة إلى أنه حينئذٍ لا مقابلة بينهما، مع ان ظاهر الروايات المتقدمة ان الكتاب في مقابل السنة وبالعكس، وعليه فلا وجه لتخصيص ذلك بخصوص الروايات في الصنف الثاني والثالث.
فالنتيجة ان الكتاب ظاهر عرفاً في المتمثل باللفظ النازل بالوحي من الله تعالى على نبيه الاكرم? وارادة الاعم منه ومن مدلوله بحاجة إلى قرينة هذا من جهة.
ومن جهة أخرى أنه لاوجه لتخصيص الروايات في الصنف الثاني والثالث بالروايات المخالفة لظاهر الكتاب فقط، فإنه بحاجة إلى عناية وقرينة تدل عليه وإلا فهي باطلاقها تشمل الروايات المخالفة لنص الكتاب أيضاً، هذا اضافة إلى ما ذكرناه من أن دلالة هذه الروايات بتمام اصنافها على حجية ظواهر الكتاب اقوى واظهر من دلالة الروايات المتقدمة على عدم حجية ظواهر الكتاب، فتتقدم عليها بملاك الاظهرية والاقوائية فلا تعارض بينهما عرفاً.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم ان هذه الروايات لا تكون أظهر من الروايات المتقدمة، ولكن مع ذلك لابد من تقديمها عليها.
والنكتة في ذلك ان القرآن العظيم ليس مجرد كتاب الغاز ومعميات ورموز، بداهة أن ذلك لا يناسب مكانة القرآن النازل من قبل الله تعالى على رسوله? لهداية البشر كافة، بل قد صرح في نفس الكتاب انه نزل بلسان عربي مبين، وكيف يعقل ذلك لانه مصدر التشريع ومرجع المسلمين، وعلى هذا فبطبيعة الحال تكون ظواهره كظواهر سائر الالفاظ، لان طريقة الافادة والاستفادة والتفهيم والتفاهم من الكتاب، نفس الطريقة المألوفة بين العقلاء في الافادة والاستفادة من الالفاظ في محاوراتهم لا طريقة اخرى، وحيث ان طريقة العقلاء في الافادة والاستفادة إنما هي العمل بالظواهر، فبطبيعة الحال تكون طريقة الشارع فيها نفس هذه الطريقة، إذ لو كانت هذه الطريقة خاطئة عند الشارع، فلابد من الردع عنها والمنع عن العمل بها واختراع طريقة اخرى للمفاهمة من الكتاب والسنة إذا لم تكن ظواهر هما حجة، والمفروض أنه لم يرد منع من الشارع عن العمل بظواهر الكتاب والسنة في مقام الافادة والاستفادة، كما ان الطريقة الاخرى للمفاهمة لم تصل إلينا من قبل الشارع، ومن الواضح انه لو كانت هناك طريقة خاصة من الشارع للتفهيم والتفهم لو صلت إلينا واصبحت معروفة ومشهورة بين المتشرعة ومسجلة في التاريخ، لان ذلك حدث مهم في الساحة مع انه لاعين لها ولا أثر.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي أن الروايات الأولى بكافة طوائفها لا تصلح ان تكون رادعة عن سيرة المتشرعة الجارية على العمل بظواهر الكتاب منذ عهد التشريع لحد الآن، فلو كان هذا العمل خطاءً ومخالفاً لغرض الشارع وهدفه الاساسي، فبطبيعة الحال صدر عنه الردع عنها جزماً وبشكل صريح والتاكيد عليه بين حين واخر في مختلف المناسبات والمقامات حتى ترتدع المتشرعة عنها، باعتبار ان هذه السيرة مركوزة في إذهانهم، فلا يمكن ردعها بظاهر هذه الروايات، ولا يخطر ببالهم أنها رادعة عنها.
بقي في المقام أمور:
الأمر الأول: ان موضوع حجية اصالة الظهور، الظهور التصديقي العرفي النهائي ويعبر عنه بالظهور الموضوعي في مقابل الظهور الذاتي الشخصي.
ونقصد بالظهور الموضوعي، الظهور الحاصل للفظ بسبب توفر العناصر الثلاثة فيه، العنصر الأول ان يكون المتكلم انساناً موضوعياً عرفياً بدل ان يكون انساناً ذاتياً.
العنصر الثاني ان تكون علاقة المتكلم باللفظ علاقة موضوعية عرفية لاذاتية شخصية.
العنصر الثالث ان يكون اسلوبه في الافادة والاستفاده عرفياً أي بالطريقة المألوفة بين العرف العام.
فإذا توفرت هذه العناصر الثلاثة، تحقق الظهور العرفي الموضوعي فيكون حجة، ونقصد بالظهور الذاتي الشخصي، الظهور الحاصل للفرد بسبب العوامل الذاتية كالعوامل النفسية التي تتأثر نفس الأنسان بها ومؤثرة في سلوكه الشخصي في الخارج وظروفه وملابساته وعلاقته الخارجية بالناس ولها دور كبير في ذلك، فإذا كان ظهور اللفظ مستنداً إلى تلك العوامل النفسية الذاتية، فهو ظهور ذاتي وشخصي، ولهذا يختلف هذا الظهور باختلاف الافراد، باعتبار انه معلول للعوامل النفسية الذاتية وهي تختلف من فرد إلى فرد أخر ومن زمن إلى زمن آخر، ولا يمكن جعل ذلك تحت ضابط عام، ومن هنا قد يفهم فرد من اللفظ معنى ولا يفهم فرد آخر منه ذاك المعنى وهكذا. وهذا الظهور لا يكون موضوعاً للحجية، ولهذا لاقيمة له هذا، من ناحية.
ومن ناحية أخرى، هل هنا طريق لإثبات ان هذا الظهور، ظهور موضوعي أو لا؟ والجواب ان لاثبات ذلك طريقين:
الطريق الأول: التبادر لدى العرف العام، فإذا كان المتبادر لدى العرف العام من اللفظ عند اطلاقة معنى، وكان هذا التبادر مستنداً إلى حاق اللفظ لا إلى جهات اخرى كالقرينه، كان هذا الظهور، ظهوراً عرفياً موضوعياً.
الطريق الثاني: ان الفرد الخاص إذا فهم من اللفظ معنى، فتارة يعلم انه مستند إلى العوامل النفسية الذاتية كالوسواس والقطاع والشكاك، فإن جميع ذلك ترجع إلى العوامل النفسية والحالات الطارئة على الإنسان التي تؤثر في حصول الشك مما لا ينبغي ان يحصل الشك منه، وفي حصول القطع مما لا ينبغي حصوله منه وهكذا.
والخلاصة ان العوامل النفسية الذاتية غير المعتادة تؤثر في سلوك الإنسان الخارجي، كما أنها تؤثر في نفوس الإنسان وطريقة تلقي المعنى من اللفظ وتبادره منه.
واخرى لا يعلم بذلك ويحتمل انه ظهور عرفي موضوعي، وحينئذٍ فبامكانه ان يرجع إلى غيره ويرى انه يفهم هذا المعنى من اللفظ الفلاني ويتلقاه منه عند اطلاقه أولاً، فإذا رأى أنه فهم هذا المعنى منه عند اطلاقه وهكذا وهكذا، فيحصل له الوثوق والاطمئنان بانه ظهور عرفي موضوعي مستند إلى حاق اللفظ لا إلى عوامل اخرى، كما ان له ان ينظر إلى حالاته النفسية وتقاليده وعاداته، فإن كان فيها كالإنسان الاعتيادي، فهو إنسان موضوعي لا ذاتي وإلا فلا.
فالنتيجة أن بإمكان الشخص احراز الظهور الموضوعي العرفي بهذه الطريقة التي يسمى بالاطراد، وهذه الطريقة أكثر عملياً من الطريقة الأولى، باعتبار ان الإنسان غالباً يكون غافلاً عن ان العوامل النفسية مؤثرة في فهم الإنسان المعنى من اللفظ أو في اعتقاده بشيء كالقطاع، لانه غير ملتفت إلى أن قطعه هذا حصل من سبب غير اعتيادي أو الوسواس، فالنتيجة أن احراز الظهور العرفي الموضوعي بالاطراد أكثر واقعياً وعملياً في الخارج من الطريقة الأخرى.
الأمر الثاني: أن الظهور العرفي للفظ الذي هو الموضوع للحجية، هل هو الظهور العرفي في زمن صدور الآيات القرآنية والسنن النبوية وروايات الأئمة? أو الاعم منه ومن الظهور العرفي في زمن وصولها إلينا.
والجواب ان المناط إنما هو بالظهور العرفي لالفاظ الكتاب والسنة في زمن صدورها، على اساس ما ذكرناه سابقاً من ان حجية أصالة الظهور ليست تعبدية محضة، بل هي بملاك ظهور حال المتكلم الكاشف عن مراده الجدي في الواقع عند توفر العناصر الثلاثة المتقدمة فيه، ومقتضى ذلك ان المناط إنما هو بظهور حال المتكلم الكاشف عن مراده الجدي من كلامه، ومن الواضح ان هذا الظهور هو الظهور في حال الصدور.
وعلى هذا الأساس، فإن علم ان الظهور الثابتة لالفاظ الكتاب والسنة عند وصولها هي نفس الظهور الثابتة لها حال صدورها، فلا كلام حينئذٍ.
وان شك في ذلك، فهل يمكن إثبات ان هذه الظهورات الموجودة في الكتاب والسنة فعلاً هي نفس الظهورات الموجودة فيهما حين صدورهما في زمن التشريع أم لا؟
والجواب ان الاصوليين قد حاولوا لإثبات ذلك بالتمسك باصالة عدم النقل ونقصد بها الاستصحاب القهقرائي الذي يكون المشكوك فيه متقدماً زمنياً على المتيقن على عكس الاستصحاب المتعارف، بتقريب ان ظهور الكتاب والسنة ثابتة فعلاً ونشك في أنها ثابتة لهما منذ تاريخ صدورهما، فلا مانع من الحكم في أنها كانت ثابتة لهما منذ ذلك التاريخ، وبذلك يثبت ان هذه الظهورات للآيات القرآنية والروايات ثابتة لهما منذ تاريخ صدورهما.
وللمناقشة فيه مجال، وذلك لان عمدة الدليل على حجية الاستصحاب الروايات، والمستفاد من هذه الروايات ان للاستصحاب اركاناً ثلاثة:
الركن الأول: اليقين بالحدوث.
الركن الثاني: الشك في البقاء وهو لا يتحقق إلا باتحاد القضية المشكوكة مع القضية المتيقنة موضوعاً ومحمولا، وإلا فلا يكون الشك شكاً في بقاء ما هو المتيقن، فإذا لم يكن الشك في البقاء، فلا يكون مشمولاً لقوله? لا تنقض اليقين بالشك.
الركن الثالث: ترتب أثر عملي على بقاء الحالة السابقة في ظرف الشك.
فإذا توفرت هذه الاركان الثلاثة جرى الاستصحاب وإلا فلا يجري، وأما في المقام فالركن الأول والثالث وان كانا متوفرين، إلا أن الركن الثاني غير متوفر فيه، لان الشك فيه ليس في بقاء الحالة السابقة، لوضوح أن الشك في المقام إنما هو في ان ما هو متيقن الآن نشك في انه كان كذلك منذ زمن التشريع، مثلاً الفاظ القرآن ظاهرة فعلاً في معان ونشك في أنها كانت كذلك من حين صدورها، وحيث ان هذا الشك ليس شكاً في بقاء المتيقن السابق بل هو شك في حدوث المتيقن الفعلي من السابق، بمعنى أنا لا ندري انه حدث من الآن او من السابق، فلا يكون مشمولاً لقـوله? (لا تنقض اليقين بالشك)( )، فإنه ظـاهر في تعلق الشك ببقاء المتيقن السابق، ولا تشمل ما إذا كان الشك في حدوث المتيقن الفعلي من السابق فإنه ليس شكاً في البقاء.
وبكلمة ان تطبيق هذه الكبرى وهي قوله? لا تنقض اليقين بالشك على الشك في بقاء الحالة السابقة التي هي كانت متعلقة لليقين، لا يخلو من ان يكون تعبدياً صرفاً أو يكون ارتكازياً ومرتكزاً في أذهان العرف والعقلاء.
أما على الأول كما قويناه، فلا يمكن التعدي عن مورد الشك في البقاء إلى مثل المقام الذي لا يكون الشك فيه في البقاء بل في حدوث المتيقن من الاول، ولا يصدق عرفاً على رفع اليد عن هذا الشك وهو الشك في حدوث المتيقن نقض اليقين بالشك، فإذن لا يمكن تطبيق قوله? لا تنقض اليقين بالشك على المقام، لانه ليس بعرفي، فإذا تيقن بعدالة زيد فعلاً وشك في انه كان عادلاً من الاول أو قبل سنة أو أكثر أو أنه اتصف بها فعلاً، فلا يمكن جرّها إلى الوراء وانه كان متصفاً بها من الأول، لان قوله? لا تنقض اليقين بالشك، لا يشمل ذلك والدليل الآخر غير موجود.
وأما على الثاني فأيضاً لا يمكن، لان هذه الكبرى وان كانت ارتكازية إلا أن تطبيقها على المقام ليس موافقاً للارتكاز ولا يرى العرف ان المقام من صغرياتها، لان ما هو مرتكز في الاذهان، هو بقاء المتيقين في ظرف الشك لا البناء على ان المتيقن قد حدث من الأول ومنذ صدور الكتاب والسنة وبقي لحد الآن، فإنه ليس بارتكازي ولا بعرفي، أو فقل ان المرتكز هو ابقاء المتيقن في ظرف الشك لاجرّه إلى الوراء.
ومن هنا يظهر أنه لا دليل على حجية الاستصحاب القهقرائي، لان الروايات كما عرفت لا تدل عل حجيته لعدم إطلاق لها من هذه الناحية، والدليل الآخر غير موجود هذا.
ويمكن ان يكون المراد من اصالة عدم النقل، إصالة الظهور الثابتة حجيتها بالسيرة العقلائية، على أساس ان نقل اللغات من معانيها الظاهرة فيها عرفاً إلى معان اخرى نادر جداً، لأن الفاظ الكتاب والسنة مستعملة في معانيها اللغوية والعرفية، وأما النقل من المعنى اللغوي إلى المعنى الشرعي فهو نادر ولا يعتنى باحتمال، فيكون هناك وثوق واطمئنان بعدم النقل، فلذلك تكون اصالة عدم النقل حجة بالسيرة العقلائية بملاك الكاشفية والامارية ومرجعها إلى اصالة الظهور وليست اصالة عدم النقل أصلاً آخر في مقابل اصالة الظهور، لان الفاظ العبادات مستعملة في معانيها اللغوية والعرفية في الروايات والآيات، والحقيقة الشرعية غير ثابتة.
والخلاصة أنه يمكن اثبات الظهور العرفي الموضوعي لالفاظ الكتاب والسنة من حين صدورها باصالة عدم النقل التي تكون حجة بملاك الامارية والكاشفية.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان اصالة عدم النقل لا تكون حجة، بدعوى انها ليست من الاصول اللفظية حتى تكون مورداً للسيرة العقلائية.
ولكن لنا طريق آخر لاثبات الظهور العرفي والموضوعي للكتاب والسنة من حين صدورها، وهذا الطريق متمثل فيما يلي:
ان هذا الظهور حيث انه مستند إلى العوامل الموضوعية كعرفية المتكلم والمخاطب وعلاقتهما باللغة علاقة عرفية لا ذاتية واسلوب التعبير، بان يكون عرفياً اعيتادياً لا خارجاً عنه، فهو لا يختلف باختلاف الازمنة، لأن العوامل العرفية الموضوعية لا تختلف باختلاف المتكلم، كما انها لا تختلف باختلاف الازمنة والامكنة والافراد.
وعلى هذا فلا شبهة في ان العوامل المؤثرة في تكوين ظهور الفاظ الكتاب والسنة في زمن وصولها عوامل عرفية موضوعية، بنكتة أنها لو لم تكن كذلك لوقع الخلاف في ظهورها بين النفي والاثبات، مع انه لا خلاف في ظهور معظم الآيات القرآنية والسننية العرفية لدى الباحثين واهل اللسان، نعم قد يقع الخلاف في ظهور بعض الالفاظ، باعتبار ان انعقاد ظهوره مبني على نكات اخرى وفيها خلاف، فإذا كانت هذه العوامل عوامل عرفية موضوعية، فبطبيعة الحال هي موجودة منذ عصر التشريع ومن حين صدورها، باعتبار أنها لا تختلف باختلاف الازمنة والقرون ولا باختلاف الامنكنة ولا باختلاف الافراد، وإنما تختلف باختلافها العوامل الذاتية.
والخلاصة أن احتمال التغيير في وضع اللغات والنقل فهو غير محتمل عادة، ولو كان فانه نادر لا يعتنى به، إذ احتمال ان صيغة الامر ظاهرة في الوجوب فعلاً لدى العرف العام ولم تكن ظاهرة فيه في عصر التشريع ومن صدورها غير محتمل، إذ لا يحتمل ان العرف في ذاك الزمان غير العرف في زماننا هذا، لان الاختلاف في العوامل العرفية الموضوعية غير متصوره وإنما يتصور ذلك في العوامل الذاتية.
ودعوى، أن احتمال النقل في الفاظ الكتاب والسنة موجودة، غاية الامر أنه لم يصل إلينا، وهذا الاحتمال يؤدي إلى اجمالها وعدم جواز العمل بها.
مدفوعة، بأن هذا الاحتمال ضعيف جداً ولا يصلح أن يكون مانعاً عن العمل بظواهر الكتاب والسنة، لوضوح انه لو وقع النقل في الفاظ العبادات والمعاملات، لاشتهر بين الاصحاب ووصل إلينا، باعتبار ان له دخلا في الحكم الشرعي.
وعلى الجملة ففي كل مورد ثبت النقل في الفاظ العبادات والمعاملات إما بالوضع الجديد أو بالعلاقة، فقد اشتهر بين الاصحاب، مثلاً لفظ (حج) فإن معناه اللغوي القصد، وأما في الشرع فقد استعمل في النسك الخاص المحدد كماً وكيفاً إما بوضعه بإزاء هذا المعنى من جديد، ولكن هذا بعيد، وإما باستعماله فيه بسبب العلاقة بينه وبين معناه اللغوي، وهذا قريب.
فالنتيجة أن النقل في الفاظ العبادات والمعاملات في الكتاب والسنة إذا وقع في مورد، فقد اشتهر بين الاصحاب والمتشرعة، وعليه فعدم اشتهاره يكشف عن عدم وقوعه، ثم ان توسعة اللغة وتطورها بحسب الكم والكيف عصراً بعد عصر بتطور المجتمع وتوسعه، باعتبار ان اللغة من أهم مظاهر المجتمع، فكلما تطور المجتمع تقنياً وأقتصادياً وهكذا، توسع وتطور اللغة فيه أيضاً.
ولكن ذلك لا يرتبط بمحل الكلام وهو احتمال نقل الفاظ الكتاب والسنة من معانيها اللغوية إلى معان اخرى الشرعية.
تحصل مما ذكرناه ان احتمال ان الفاظ الكتاب والسنة من حين صدورها كانت ظاهرة في معان غير المعاني التي هي غير ظاهرة فيها فعلاً غير محتمل عرفاً، وإذا احتمل ذلك بالنقل، فلا مانع من التمسك باصالة عدم النقل لا بالاستصحاب القهقرائي، لما عرفت من انه لا دليل عليه.
نتائج البحث عدة نقاط:
النقطة الاولى: ان الدليل إذا كان مجملاً، فهل يمكن رفع اجماله بقرينة منفصلة أو لا؟ والجواب انه ممكن.
النقطة الثانية: أن حجية الظواهر لم تكن مقيدة بعدم قيام الظن غير المعتبر على خلافها ولا مقيدة بافادة الظن بالواقع، لان عمدة الدليل على حجيتها السيرة العقلائية الممضاة شرعاً بدون تقييدها بهذا القيد أو ذاك.
النقطة الثالثة: ان حجية الظواهر بالسيرة العقلائية إنما هي في باب المولويات سواء أكانت شرعية أم عرفية لا في باب الاغراض التكوينية، فإنها لا تكون حجة فيها إلا إذا أفادت الوثوق والاطمئنان بالواقع، بنكتة أن المطلوب في الاغراض المولوية هو تحصيل الامن من العقاب لا الوصول إلى الواقع، والمطلوب في الاغراض التكوينية هو الوصول إلى الواقع.
النقطة الرابعة: أن حجية الظواهر لا تكون مختصة بمن قصد أفهامه بل هي حجية مطلقاً حتى لمن لم يكن مقصوداً بالافهام، غاية الامر أن من كان مقصدواً بالافهام إذا لم ينصب المتكلم قرينة متصلة، كان كلامه ظاهراً في ان مراده الجدي النهائي هو المطلق في الواقع لا المقيد، لعدم احتمال انه اعتمد على بيان مراده الجدي على القرينة المنفصلة، وإلا لزم خلف فرض انه مقصود بالافهام، بينما إذا كان غير مقصود به، كان هذا الاحتمال موجوداً ولكن لا أثر له، كما انه لا أثر لاحتمال ان المتكلم لم يكن في مقام البيان أو انه اعتمد في بيان مراده الجدي على القرينة الحالية أو العهدية بينه وبين المخاطب، إذ لا أثر لشيء من هذه الاحتمالات ولا يمنع عن انعقاد ظهور خطاب المتكلم في العموم أو الاطلاق.
النقطة الخامسة: أنه لا فرق بين ظواهر الكتاب وظواهر السنة، فكما أن ظواهر السنة حجة فكذلك ظواهر الكتاب، والعلم الاجمالي بوجود مخصصات ومقيدات لعمومات الكتاب ومطلقاته في الروايات لا يمنع عن حجيتهما، غاية الأمر انه يوجب الفحص والبحث عنهما في الروايات وبعد الفحص والظفر بالمقدار المعلوم بالاجمال من المخصصات والمقيدات، انحل العلم الاجمالي إلى علم تفصيلي وشك بدوي، وهذا العلم الاجمالي موجود بالنسبة إلى ظواهر السنة أيضاً، ولا فرق بين ظواهر الكتاب والسنة من هذه الناحية.
النقطة السادسة: ان التحريف لم يقع في القرآن الكريم حتى يكون مانعاً عن التمسك بعمومه أو اطلاقه، وعلى فرض انه واقع فلا يكون العلم الاجمالي بوقوعه مؤثراً.
النقطة السابعة: ان المراد من المخالفة في الروايات الدالة على أن المخالف للكتاب والسنة زخرف وباطل، المخالفة لظاهر الكتاب بنحو التباين أو العموم من وجه لا لنصه فقط، لان المخالف لنصه لو كان فهو نادر فلا يمكن حمل تلك الرويات عليه، لانه من اظهر مصاديق الحمل على الفرد النادر، إذ احتمال صدور رواية عن الأئمة الاطهار? المخالفة لنص الكتاب غير محتمل، بداهة لا يمكن ان يصدر منهم? ما يكذب القرآن بالصراحة، ولهذا لا يمكن لاي فرد ان يجعل الكذب عليهم? بما يكون مخالفاً لنص القرآن.
النقطة الثامنة: ان المراد من موافقة الكتاب، موافقة ظاهره لانصه فقط وإلا لزم حمل الطائفة التي تدل على اناطة حجية الروايات بموافقة الكتاب على الفرد النادر من جهة والغاء حجية الروايات حتى ما يكون موافقاً لنص الكتاب، فإنه مع وجود نص الكتاب في المسألة، يكون جعل الحجية للخبر الموافق له لغواً.
النقطة التاسعة: أن ظاهر الكتاب الكريم ليس من المتشابه بل هو داخل في المحكم، وعلى تقدير تسليم ان المتشابه يشمل الظاهر، فلا يمكن الاستدلال بقوله تعالى: ?الَّذِينَ في قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ? على عدم حجية ظواهر الكتاب، لان هذا من الاستدلال بظاهر الكتاب على عدم حجية ظاهره وهو لا يمكن، لانه يلزم من فرض وجود الشيء عدمه.
النقطة العاشرة: ان المراد من المتشابه في الآية المباركة أعم من المتشابه المصداقي والمتشابه المفهومي، ولا وجه لتخصيصه بخصوص الأول.
النقطة الحادية عشر: أن الآية الشريفة في مقام ذم المنافقين الذين في قلوبهم نفاق وكفر، فإنهم يتبعون المتشابه بغرض المشاغبة والنفاق وايجاد البلبلة بين الناس وتشويه سمعة الإسلام والمسلمين، وليست في مقام الردع عن العمل بظاهر الكتاب وعدم حجيته.
النقطة الثانية عشر: ان الاخباريين قد استدلوا على عدم حجية ظواهر الكتاب بعدة طوائف من الاخبار، ولكن شيء من هذه الطوائف لايدل على عدم حجيتها، هذا اضافة إلى أنها معارضة بالروايات المتواترة الدالة على حجية ظواهر الكتاب، فإذن لابد من طرحها لأنها داخلة في الروايات المخالفة للسنة.
النقطة الثالثة عشر: ان الروايات التي استدل الاخباريون على عدم حجية ظواهر الكتاب لو تمت، فلا تصلح ان تكون رادعة عن سيره المتشرعة الجارية على العمل بظواهر الكتاب منذ عصر التشريع لحد الآن، فإن هذه السيرة مستقرة في اذهان المتشرعة وثابتة في نفوسهم، فلا يمكن ردعها إلا بنص صريح، وهذه الروايات على تقدير تماميتها ظاهرة في ذلك ولا يمكن ردعها بظهورها، لان قطعية السيرة قرينة على رفع اليد عن ظهورها وحملها على معنى آخر.
النقطة الرابعة عشر: ان موضوع حجية أصالة الظهور، الظهور الموضوعي التصديقي النهائي لألفاظ الكتاب والسنة منذ صدورها في عصر التشريع، ولإثبات ذلك عدة طرق: الأول الاطراد، الثاني اصالة عدم النقل لا بملاك الاستصحاب القهقرائي، فإنه غير حجه، بل بملاك الإمارية والكاشفية، الثالث ان الظهور الموضوعي العرفي الموجود لالفاظ الكتاب والسنة فعلا هو نفس ظهورها في عصر صدورهما، وإلا لم يكن هذا الظهور، ظهوراً عرفياً موضوعياً وهذا خلف.
حجية قول أهل اللغة
حجية قول أهل اللغة
الأمر الثالث أن قول أهل اللغة هل هو حجة أو لا فيه قولان:
فنسب إلى المشهور القول بالحجية بل حكي عن السيد المرتضى دعوى الاجماع عليه، والصحيح في المقام ان يقال انه لاشبهة في حجية قول أهل اللغة في تعيين موارد استعمال الالفاظ وإثباتها إذا كان ثقة، بناء على ما هو الصحيح من حجية قول الثقة في الموضوعات أيضاً، لان حرفة اللغوي تجميع موارد الاستعمالات والمسموعات ونقلها، وحيث ان هذا النقل نقل عن الحس، فيكون مشمولاً لاطلاق دليل حجية اخبار الثقة، فحال اللغوي من هذه الجهة حال ناقل التواريخ والقضايا المسموعة والمرئية.
وعلى هذا فإذا اخبر اللغوي باستعمال كلمة (صعيد) في مطلق وجه الأرض، كـان قــوله حجة إذا كان ثقة، ويترتب على حجية قــوله اطلاق كلمة (صعيد) في الآية المباركة( ) لمطلق وجه الأرض، أو فقل ان المترتب على حجية قوله هو ان المراد من كلمة (صعيد) مطلق وجه الأرض وأنها مستعملة فيه بلحاظ الإرادة الجدية، فإذن أرادة حصة خاصة من هذه الكلمة بحاجة إلى قرينة تدل على أنها المراد منها، والافمقتضى شهادة أهل اللغة ان المراد منها مطلق وجه الأرض لاحصة خاصة منها.
وبكلمة أن استعمال كلمة (صعيد) في مطلق وجه الأرض وثبوته بقول أهل اللغة إذا كان ثقة وان كان صحيحاً، إلا أنه وحده لا يكفي في ترتب الاثر الشرعي عليه، بل لابد من إثبات ظهورها عرفاً في مطلق وجه الأرض حتى يترتب عليه الأثر الشرعي كجواز التيمم ونحوه هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، هل اللغوي من أهل الخبرة في اللغات وتعيين معانيها وحدودها سعة وضيقاً أو لا؟
والجواب أنهم ليسوا من أهل الخبرة في تمييز المعاني الحقيقية عن المعاني المجازية، فإن لذلك عوامل اخرى كالتبادر لدى العرف العام والاطراد ونحوهما، وأما أهل اللغة فهم غير عارفين بان هذه المعاني معان حقيقية للالفاظ وتلك معان مجازية لها إلا من طريق التبادر أو الاطراد.
ولكن لا يبعد ان يكونوا من أهل الخبرة بالنسبة إلى خصوصيات المعاني وحدودها سعة وضيقاً، فانهم قد يقومون باعمال الحدس والنظر في تعيين خصوصيات معاني الالفاظ وحدودها وقيودها، باعتبار ان لكثرة ممارستهم اللغات وموارد استعمالاتها دوراً مهما في خبرويتهم بخصوصيات اللغات وهي مفقودة في غيرهم، فإذا اخبر اللغوي ان اللفظ الفلاني استعمل في المعنى الفلاني الخاص أو في المعنى الفلاني العام أو نحو ذلك من الخصوصيات، فلا يبعد حجية قوله.
ومن ناحية ثالثة، هل قول أهل اللغة حجة في اثبات الوضع أو لا؟
والجواب ان اللغوي إذا اخبر عن ان اللفظ الفلاني موضوع للمعنى الفلاني، فإن كان اخباره يرجع إلى الاخبار عن سببه الكاشف عنه كالتبادر لدى العرف العام أو الاطراد وكان ثقة ثبت الوضع، واما إذا لم يرجع اخباره عن الوضع إلى اخباره عن سببه الكاشف عنه، فلا يكون قوله حجة وان كان ثقة، لان هذا الاخبار ليس اخباراً عن الحس حتى يكون حجة، ولا يكون من أهل الخبرة بالنسبة إلى الوضع حتى يكون اخباره حجة من باب حجية اخبار أهل الخبرة وإن كان بالحدس هذا.
وقد استدل على حجية قوله بوجوه:
الوجه الأول السيرة العقلائية.
الوجه الثاني الاجماع من العلماء.
الوجه الثالث دليل الانسداد.
أما الوجه الأول: فتقريبه ان السيرة العقلائية قد جرت على مراجعة كتب اللغة والعمل بقول اللغويين فيها، وهذه السيرة حيث أنها من صغريات سيرة العقلاء على حجية قول أهل الخبرة، فتكون حجة، لان اللغوي من أهل الخبرة.
وقد أجيب عن ذلك، بأن اللغوي ليس من أهل الخبرة بالنسبة إلى أوضاع الالفاظ وتعيينها و تمييز المعاني التي وضعت الالفاظ بازائها عن المعاني المجازية، لان نسبة اللغوي وغيره بالنسبة إلى هذه المسألة على حد سواء.
وهذا الجواب صحيح، ولكن قد مرّ آنفاً أنه لا يبعد كونه من أهل الخبرة بالنسبة إلى خصوصيات المعاني وحدودها سعة وضيقاً، بلا فرق بين كون تلك المعاني من المعاني الحقيقية أو المجازية، لان اللغوي من أهل الخبرة بالنسبة إلى تلك الخصوصيات باعتبار ممارسته لها.
وأما بالنسبة إلى الوضع، فلا يكون من أهل الخبرة، ضرورة أن تعيين الوضع للفظ بازاء معنى لا يتوقف على اعمال نظر واجتهاد وحدس، بل هو ثابت بالحس والوجدان، لان ثبوته إما بالتنصيص أو بالتبادر العرفي أو الاطراد، وكل ذلك أمر محسوس ووجداني، وعليه فاخباره عن الوضع ان كان يرجع إلى اخباره عن التنصيص أو التبادر أو الاطراد، فهو حجة إذا كان ثقة وإلاّ فلا.
وأما الوجه الثاني: وهو الاجماع، فإن اريد به الاجماع القولي من العلماء في المسألة، فيرد عليه أنه ليس في المسالة اجماع، لان هذه المسألة من المسائل المستحدثة وغير معنونة في كلمات القدماء حتى يكون هناك اجماع منهم عليها وهو واصل إلينا، هذا اضافة إلى إنا لو سلمنا ثبوت هذا الاجماع بين القدماء، ولكن لا طريق لنا إلى إحراز انه وصل إليهم من زمن الأئمة? يداً بيد وطبقة بعد طبقة وبدون ذلك لا أثر له.
وان اريد به الجماع العملي، وهو رجوع العلماء إلى اللغة وترتيب الأثر عليها، ففيه أن الامر وان كان كذلك، إلا أن رجوعهم إلى اللغة ليس بملاك حجية قول اللغوي تعبداً، بل بملاك حصول الوثوق والاطمئنان منه بمناسبة الحكم والموضوع أو بملاك حجية قوله إذا كان ثقة أو من أهل الخبرة لا بملاك الاجماع.
وأما الوجه الثالث: وهو دليل الاسنداد، بتقريب أن باب العلم والعلمي منسد باللغة، أما انسداد باب العلم فهو واضح، وأما انسداد باب العلمي، فلانه لا دليل على حجية قول اللغوي شرعاً، فإذن لابد من الحكم بحجية قوله بملاك الانسداد.
والجواب ان الدليل الانسداد مبني على مقدمات وهي غير تامة في هذه المسألة، فإن المقدمة الاولى للانسداد العلم الاجمالي بوجود تكاليف فعلية الزامية وهذه المقدمة في هذه المسألة غير محرزة، لان العلم الاجمالي بمطابقة بعض اقوال أهل اللغة وان كان موجوداً، إلا أنا لا نعلم بان ذلك البعض موضوع للحكم الالزامي، إذ كما يحتمل ذلك يحتمل ان يكون موضوعاً للحكم الترخيصي أو لا يكون موضوعاً لحكم اصلاً، فإذن ليس هنا علم اجمالي بالتكاليف إلالزامية يكون باب العلم والعلمي بها منسداً، والنكتة في ذلك ان حاجة الفقهاء في مقام عملية الاستنباط من نصوص الكتاب والسنة بالرجوع إلى اللغة قليلة جداً، على اساس ان الفاظ الكتاب والسنة غالباً من اللالفاظ الدارجة بين العرف العام وواضحة المعاني وظاهرة فيها عرفاً، وأما الحاجة بالرجوع إلى اللغة فإنما هي في بعض الالفاظ أو بعض الخصوصيات وهي قليلة، وعلى هذا فإن كانت نصوص الكتاب والسنة ظاهرة عرفاً في إرادة معانيها، فهذا الظهور حجة، ولا فرق بين أن يكون منشائه الوضع أو القرينة، باعتبار ان موضوع الحجية الظهور العرفي إذا كان في المعنى الحقيقي أم المعنى المجازي.
وإن كانت مجملة بسبب من الاسباب، فالمرجع في مواردها القواعد العامة من الاصول اللفظية كاصالة العموم أو الاطلاق ان كانت وإلا فالاصول العملية، فلذلك لا نعلم ان المعلوم بالاجمال في هذا العلم الاجمالي، هل هو موضوع للحكم الالزامي أولا؟
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان المعلوم بالاجمال موضوع للحكم إلالزامي، إلا أنه لا مانع من الاحتياط في اطراف هذا العلم الاجمالي ولا يلزم محذور العسر والحرج حتى نرفع اليد عن الاحتياط التام ونلتزم بالتبعيض فيه.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة، وهي ان قول اللغوي ان كان اخباراً عن مورد استعمال اللفظ في معناه، فهو حجة إذا كان ثقة، وان كان اخباراً عن خصوصيات المعنى بالحدس والاجتهاد، فلا يبعد حجيته من باب حجية اخبار أهل الخبرة وإلا فلا يكون حجة، والرجوع إليه حينئذٍ يكون من باب التأييد أو حصول الوثوق والاطمئنان منه.
وأما الاستدلال بالسيرة، فإن كان من باب جريانها على حجية اخبار الثقة أو اخبار أهل الخبرة، فلا باس به إذا كان اللغوي ثقة أو من أهل الخبرة، وإلا فلا يمكن الاستدلال بها على حجيه قول اللغوي بما هو قول اللغوي، لعدم جريان السيرة على حجية قوله كذلك، وأما الاجماع على حجية قوله، فهو غير ثابت.
الاجماع المنقول
الاجماع المنقول
الاجماع في نفسه لا يكون حجة شرعاً، لانه عبارة عن أقوال الفقهاء، ومن المعلوم ان اقوال الفقهاء في نفسها لا تكون حجة، لانها ليست من الكتاب أو السنة حتى تكون حجة، وعلى هذا فإن كان الاجماع محصلاً ووصل هذا الاجماع المحصل إلينا من زمن المعصومين? يداً بيد وطبقة بعد طبقة بالتواتر فهو حجه، إما من جهة أنه يتضمن قول الإمام? أو كاشف عنه.
وأما الاجماع المحصل عند المتقدمين الواصل إلى المتأخرين بالتواتر، فهو إنما يكون حجة إذا احرزنا أنه وصل إلى المتقدمين من زمن الائمة? يداً بيد وطبقة بعد طبقة ولو بطريق الاحاد المعتبر، هذا بحسب الافتراض.
وأما بحسب الواقع الخارجي، فلا يمكن احراز الاجماع التعبدي بين المتقدمين في المسألة، وعلى تقدير احرازه، فليس لنا طريق إلى انه وصل إليهم يداً بيد وطبقة بعد طبقة ولو بطريق معتبر.
وأما الاجماع المنقول بخبر الواحد، فلا يمكن إثبات حجيته باحراز انه وصل إلينا من زمن المعصومين? يداً بيد، ولكن مع هذا قد استدل على حجيته بوجوه:
الوجه الأول: ان أدلة حجية خبر الواحد تشمل الاجماع المنقول أيضاً، لأنه من افراده.
الوجه الثاني: ان حجيته تقوم على اساس كشفه عن الحكم الشرعي في المسألة أو الدليل الشرعي فيها.
الوجه الثالث: ان حجيته تقوم على اساس قاعدة اللطف.
الوجه الرابع: ان حجيته تقوم على اساس اخبار المعصوم? بعدم خطاء المجمعين.
أما الوجه الأول: فلان شمول دليل حجية خبر الواحد للاجماع المنقول مبني على مقدمتين:
الأولى: أن يكون نقل الفقهاء الاجماع في المسألة عن حس أو ما هو بحكم الحس.
الثانية: أن يكون المخبر به بأخباره، وهو اجماع الفقهاء في المسألة، ملازماً عادة لقول المعصوم?، بأن يدل الأخبار عن الاجماع على ثبوته بالمطابقة وعلى قول المعصوم? بالالتزام.
ولكن كلتا المقدمتين غير تامة:
أما المقدمة الأولى: فلان دليل حجية خبر الواحد لا يشمل الخبر الحدسي، وذلك لأن عمدة الدليل على حجية أخبار الاحاد هي السيرة العقلائية الجارية على العمل باخبار الثقة، ومن الواضح أن سيرة العقلاء على العمل بخصوص اخبار الثقة دون مطلق الاخبار، فلا محالة يكون مبنياً على نكتة ولا يمكن ان يكون جزافاً، وتلك النكتة هي ان اخبار الثقة اقرب إلى الواقع من غيرها، فلذلك جرت سيرة العقلاء على العمل بها في خصوص المحسوسات، باعتبار ان احتمال الخطأ في الحس نادر، ولو شك فيه فهو منفي باصالة عدم الخطأ فيه، واحتمال تعمّد الكذب فيه منفي بالوثاقة.
وهذا بخلاف ما إذا كان الاخبار عن حدس، فإن احتمال الكذب وان كان منفياً فيه بالوثاقة، إلا أنه لا يمكن نفي احتمال الخطأ في الحدس، إذ ليس هنا أصل ينفي هذا الاحتمال، لأن اصالة عدم الخطأ إنما تجري فيما إذا كان احتمال الخطأ في الحس، وأما إذا كان في الحدس، فلا يكون هنا أصل ينفيه.
وحيث ان نقل الاجماع غالباً يكون مبنياً على الحدس والاجتهاد، لانه قد يكون مستنداً إلى حسن الظن بجماعة من الفقهاء، وقد يكون مبنياً على تطبيق قاعدة مسلمة على المسألة، وقد يكون مبنياً على الاستنباط من رواية في المسألة وهكذا، فمن الواضح أنه لا يكون مشمولاً لدليل حجية اخبار الثقة.
وأما المقدمة الثانية: فعلى تقدير تسليم المقدمة الأولى، فلانها تقوم على اساس ثبوت الملازمة بين اجماع الفقهاء في مسئلة وبين كشفه عن قول المعصوم? فيها، فلو كانت هذه الملازمة ثابتة في الواقع، فمع ثبوت المقدمة الأولى، كان الاجماع المنقول حجة شريطة أن يكون الناقل ثقة، حيث لافرق في حجية اخبار الثقة بين ان يكون قول المعصوم? مدلولا مطابقياً لها أو مدلولاً التزاميا، فعلى كلا التقديرين فهي حجه، فمن اخبر عن الاجماع في المسألة بالمطابقة، فقد أخبر عن قول المعصوم? فيها بالالتزام، لان الملازمة المذكورة تشكل الدلالة إلالتزامية لها.
ولكن كلتا المقدمتين خاطئة.
أما المقدمة الأولى، فقد تقدم أن نقل الاجماع من الفقهاء في المسألة غالباً يكون مبنياً على الحدس والاجتهاد.
وأما المقدمة الثانية على تقدير تمامية المقدمة الأولى، فهي مبنية على تمامية الملازمة بين ثبوت الاجماع في المسألة وقول المعصوم? فيها.
فإذن يقع الكلام في مقامين:
الأول في نوع هذه الملازمة.
الثاني في شروط هذه الملازمة المقومة لها.
أما الكلام في المقام الأول: فقد ذكر الاصوليون منهم المحقق الخراساني? ان الملازمة على ثلاثة أقسام:
القسم الأول: الملازمة العقلية، وقد مثلوا لها بالملازمة بين ثبوت التواتر والعلم بصدقه أو الملازمة بين وجوب شيء ووجوب مقدمته.
القسم الثاني: الملازمة العادية ولها امثلة كثيرة في حياتنا اليومية، منها الملازمة بين طول عمر الإنسان بين الهرم والشيخوخة، ومنها الملازمة بين بقاء زيد حياً وبين انبات لحيته وهكذا، وهذه الملازمة اعتيادية، على اساس ان الهرم ليس من اللوازم العقلية لطول عمر الإنسان بحيث يستحيل انفكاكه عنه، ضرورة أنه لا مانع من انفكاكه عنه عقلاً.
القسم الثالث: الملازمة الاتفاقية، وهي تقع دائماً في كل الظروف والاحوال وعند حدوث كل حادث، فإن أي حادثة تقع في الخارج، فلا محالة يكون وقوعها مصادفاً لوقوع كثير من الحوادث الاخرى، ومن امثلة ذلك حصول العلم لشخص من الخبر المستفيض، فإنه اتفاقي منوط بحالته النفسية وظروفه الخاصة، ولهذا لا يحصل لغيره هذا العلم، باعتبار انه يختلف معه في الحالة النفسية وفي الظروف الحياتية أو الاجتماعية( ).
وبعد ذلك يقع الكلام في عدة نقاط:
النقطة الأولى ان هذا التقسيم هل هو صحيح أو لا؟
النقطة الثانية ما هو الفرق بين الاجماع المنقول والخبر المتواتر؟
النقطة الثالثة هل الملازمة بين الخبر المتواتر والعلم بصدقه عقلية أو لا؟
أما الكلام في النقطة الأولى: فلا شبهة في أن هذا التقسيم عنائي و مبني على التسامح، ضرورة ان الملازمة الاتفاقية حقيقة مصادفة وليست بملازمه، لان الملازمة إذا كانت بين شيئين، فهي بطبيعة الحال ناشئة من الخصوصية بينهما، فإن كانت تلك الخصوصية ذاتية، فالملازمة بينهما عقلية كالملازمة بين العلة والمعلول وبين المعلولين لعلة ثالثة وهكذا، وان كانت اعتيادية، فالملازمة بينهما عادية ولا يتصور لها منشأ آخر غير هاتين الخصوصيتين.
نعم لا باس بهذا التقسيم بنحو التسامح، فإن الخصوصية ان كانت ذاتية فالملازمة عقلية، وان كانت اعتيادية فالملازمة عادية، وان كانت اتفاقية فالملازمة اتفاقية.
وان شئت قلت ان الملزوم ان كان ذات الشيء ووجوده مهما كان وفي أي حال من الأحوال وظرف من الظروف، فالملازمة بينه وبين لازمه عقلية، باعتبار ان منشأ الملازمة الخصوصية الذاتية الكامنة في ذات الملزوم ووجوده، وهي تتطلب بنحو الوجوب، وجود اللازم كالملازمة بين النار والحرارة، فإن الخصوصية الذاتية الكامنة في نفس النار ووجودها هي تقتضي وجود الحرارة بالذات، لانها في الحقيقة تتولد منها وليس لها وجود مستقل في قبال وجودها.
وان كان الملزوم الشيء في حالة خاصة وظروف مخصوصة التي هي متواجدة فيه عادة، فالملازمة بينه وبين لازمه في هذه الحالة اعتيادية.
وان كان الملزوم الشيء في حالة قد تتواجد فيه، فالملازمة بينه وبين لازمه اتفاقية، وتسمية ذلك بالملازمة مبنية على التسامح والعناية، لانها في الحقيقة مصادفة.
فالنتيجة أن هذا التقسيم عنائي ومبني على التسامح وليس بتقسيم واقعي، ولا فرق بين ان يكون التقسيم بلحاظ الملازمة أو بلحاظ الملزوم.
وأما الكلام في النقطة الثانية: فيقع في الفرق بين الاجماع والتواتر، وهذا الفرق من وجوه:
الوجه الأول: ان الاجماع هو إخبار عن فتاوى الفقهاء وهي القضايا الحدسية الاجتهادية، والتواتر هو اخبار عن القضايا الحسية، واحتمال الخطأ في القضايا الحدسية أكثر من احتمال الخطأ في القضايا الحسية، لان احتماله في القضايا الحسية نادر ومدفوع باصالة عدم الخطأ وهي اصل عقلائي ثابت ببناء العقلاء الممضى شرعاً، بينما لا تجري هذه الاصالة في القضايا الحدسية، ولا يمكن دفع احتمال الخطاء بها لعدم بناء العقلاء عليها في تلك القضايا.
الوجه الثاني: ان المخبر به في الاخبار المتواترة قضية واحدة إما بالمطابقة أو بالالتزام، بمعنى انه إما مدلول مطابقي لها أو التزامي، فإذا أخبره مأة شخص مثلاً عن موت زيد، حصل العلم الوجداني بموته، فإن اخبار المأة سبب للعلم الجزمي بالقضية وهو أعلى مرتبة التصديق، واحتمال الخلاف في الجميع معدوم نهائياً، وهذا بخلاف ما إذا اخبر كل واحد من المأة عن موت جاره، مثلاً زيد أخبر عن موت جاره وعمرو أخبر عن موت جاره وبكر عن موت جاره وهكذا، فإن احتمال الخطأ في كل واحد منها موجود بدرجات متفاوته كخمسين بالمأة أو ثلاثين بالمأة أو أقل أو أكثر، نعم قد يحصل لنا العلم الاجمالي بمطابقة بعضها للواقع، فإذن تكون اخبار هؤلاء المأة من الاخبار المتواترة أجمالاً، وأما في الاجماع فالمخبر به فيه فتاوى الفقهاء وهي لا تصب في دائرة واحدة حتى إذا كانت في المسألة رواية تامة سنداً وجهة، فإن الفقهاء وإن كانوا قد اجمعوا على دلالتها على الحكم المجمع عليه، ولكن هذا الاجماع منهم لا يصب على محور واحد، لا حتمال ان فتوى بعضهم مستندة إلى أن دلالتها كسندها تامة عنده، وفتوى بعضهم الآخر مستندة إلى قاعدة الاشتغال في مسألة دوران الأمر بين الأقل والأكثر الارتباطيين، وفتوى ثالث مستندة إلى أنها موافقة للمشهور وهكذا، فإذن احتمال الخطأ والاشتباه في فتوى كل واحد منهم موجود ولا دافع له، لما تقدم من ان اصالة عدم الخطأ لا تجري ولا تدفع احتمال الخطأ في الأمور الحدسية الاجتهادية وهذا بخلاف الاخبار الحسية، فإن المخبر به فيها واحد إما بالدلالة المطابقية أو الالتزاميه أو بعضها بالدلالة المطابقية وبعضها الآخر بالدلالة الالتزامية، فإنها جميعاً تصب على دائرة واحدة، ولهذا يكون احتمال الخطأ والاشتباه فيها على حساب الاحتمالات يصل إلى درجة الصفر فينعدم نهائياً ويحصل اليقين بالصدق ومطابقته للواقع.
وأما إذا لم تصب على دائرة واحدة بل على دوائر متعددة، فعندئذٍ لا تفيد العلم بثبوت قضية واحدة معينة في الواقع، ولكن قد تفيد من جهة الكثرة العلم الاجمالي بمطابقة بعضها للواقع، إلا أن هذا الفرض خارج عن محل الكلام.
والخلاصة أن المخبر به في التواتر قضية واحدة حسية وهي مصب الاخبار ومحورها، بينما المخبر به في الاجماع فتاوى الفقهاء، وحيث أنها حدسية واجتهادية فلا تصب على دائرة واحدة، بل كل واحدة منها مستندة إلى مقدمة.
الوجه الثالث: ان كل مخبر في الاخبار المتواترة حيث ان اخباره كان عن حس، فلا يقع تحت تأثير الآخر، باعتبار ان الكل في اخباره استند إلى الحس والمشاهدة فلا معنى لاتباع غيره، فإذا أخبر شخص عن موت زيد استناداً إلى الصياح في بيته الكاشف عن موته والآخر أخبر عن موته استناداً إلى تجمع الناس حول بيته والثالث أخبر عن موته استناداً إلى رؤيته خروج الجنازة من بيته وهكذا، ومن الواضح ان كلا منهم لا يقع تحت تأثير الآخر في اخباره عنه، بل قد لا يطلع احد عن اخبار الآخر كما هو الغالب، بينما المخبر في الاخبار الحدسية كالمخبر عن الاجماع، قد يقع تحت تأثير الآخر، فإنه إذا رأي في المسالة آراء الفقهاء، فهو مؤثر في فتواه فيها بالموافقة مع سائر الفقهاء.
فالنتيجة ان فتوى المتقدمين في المسألة تلعب دوراً مهما في موافقة المتأخرين معهم فيها في الجملة، بينما لا يكون هذا التأثير في الأخبار المتواترة.
الوجه الرابع: ان منشأ الخطاء في الأخبار الحسية يختلف من مخبر إلى مخبر آخر، مثلاً إذا أخبر جماعة عن موت زيد، فحيث ان اخبار بعضهم عن موته مستند إلى سماع الصياح في بيته واخبار آخر عنه مستند إلى تجمع الناس حول بيته وأخبار ثالث عنه مستند إلى لبس ابنائه الأسود والاخبار رابع عنه مستند إلى رؤيته خروج الجنازة عن بيته وهكذا، واحتمال الخطأ في كل واحد من هذه الاخبار إنما هو في الحس، لاحتمال ان يكون الخلل في سمعه أو في عينه مع ان مجرد الصياح في داخل البيت لا يكون امارة قطعية على الموت، وكذلك لبس الاسود وتجمع الناس حول بيته، بينما يكون منشأ الخطأ في الاخبار الحدسية الاجتهادية إنما هو في الحدس والاجتهاد، واحتمال الخطأ فيه أما في تكوين القواعد العامة أو في تطبيقها على عناصرها الخاصة غافلاً عن بعض شروط التكوين أو التطبيق أو من جهة عدم مقدرته العملية للوصول إلى توفير هذه الشروط، ولا يمكن دفع شيء من هذه الاحتمالات بالاصل، لان أصالة عدم الخطأ لا تجري في الامور الحدسية الاجتهادية، وإنما تجري في الامور الحسية وتدفع احتمال الخطأ فيها، ومن هنا إذا وصل الاخبار عن حس من حيث الكثرة درجة التواتر، تفيد اليقين الجزمي بالصدق، بينما الاخبار عن حدس وان وصل من حيث الكثرة حد التواتر، فلا تفيد القطع بالصدق ومطابقتها للواقع، فإذا افتى الفقهاء جميعاً بوجوب السورة في الصلاة، فلا يفيد القطع بوجوب السورة فيها، لان تراكم هذه الفتاوى وضم بعضها إلى بعضها الآخر كافة لا يفيد اليقين بالصدق ومطابقه للواقع، لان فتوى بعضهم بوجوب السورة من جهة الرواية وإن كانت غير تامة سنداً، والآخر من جهة تقديم الرواية الدالة على الوجوب على الرواية الدالة على عدم الوجوب، والثالث من جهة عمل المشهور بالرواية أو من جهة أن وجوبها مشهور وهو يتأثر بفتوى المشهور، والرابع من جهة قاعدة الاشتغال في مسألة دوران الآمر بين الاقل والأكثر الارتباطيين دون اصالة البراءة، ومن الواضح ان ضم هذه الفتاوى بعضها إلى بعضها الآخر، لا ينتج تقليل احتمال الخطأ، باعتبار ان احتمال الخطأ في فتوى لا يتربط باحتمال الخطأ في فتوى آخر، مثلاً احتمال الخطأ في فتوى مستندة إلى قاعدة الاشتغال لا يرتبط باحتمال الخطأ في فتوى مستندة إلى عمل المشهور وهكذا، فخطأ الفتوى الأولى لا يستلزم صدق الفتوى الثانية، ولا يقلل من احتمال خطائها، لعدم ارتباط بينهما من هذه الناحية أصلاً، ومن هنا يحتمل الخطأ في جميع هذه الفتاوى والاجتهادات ولا يعلم اجمالاً بمطابقة بعضها للواقع.
والخلاصة أن فتاوى الفقهاء في المسألة جميعاً، لا تخلو من أن تكون مداركها معلومة أو لا، فعلى الأول يرجع إلى تلك المدارك، وننظر إليها وانها صحيحة وقابلة لان تكون مدركاً لفتاويهم في المسألة أو لا، فإذن العبرة إنما هي بتلك المدارك لا بفتاوي الفقهاء، وهذه المدارك على تقدير صحتها لا تفيد إلا الظن بالواقع دون العلم الذي هو يمثل درجة أعلى من التصديق كما هو الحال في التواتر، وعلى الثاني فالفتاوى بنفسها لا تكشف عن الحكم الشرعي، إلا إذا احرزنا ان هذا الحكم الشرعي كوجوب السورة مثلاً في الصلاة قد وصل إلينا بالاجماع من زمن المعصومين? يداً بيد وطبقه بعد طبقه، ولكن لا يمكن احراز ذلك لعدم الطريق لنا إلى احرازه.
وأما النقطة الثالثة: فهل الملازمة بين التواتر وصدق القضية المتواترة عقلية أو لا؟
والجواب أنها عقلية على المشهور بين الفلاسفة، فإنهم جعلوا التواتر من القضايا الست الأولية العقلية، لان التواتر وان كان أمراً حسياً وعبارة عن أخبار جماعة بدون التوافق القبلي بينهم عن قضية ما، ولكن إذا بلغ عدد اخبارهم من الكثرة حد التواتر، حكم العقل بصدق القضية المتواترة على اساس حكمه في المرتبة السابقة باستحالة طواطؤهم على الكذب اتفاقاً وصدفة، لأن الصدفة لا تدوم.
والخلاصة أن الملازمة بين اخبار جماعة عن مسالة ما تبلغ عدد اخبارهم من الكثرة حد التواتر وبين صدق القضية المتواترة قائمة على اساس مبدأ عقلي مسبق وهو حكم العقل باستحالة دوام الصدفة، وهذه القضية اي القضية أن الصدفة لا تدوم من القضايا الأولية على المشهور كمبدأ عدم التناقض والعلية وما شاكلهما، ولا يمكن اقامة البرهان عليها، وإلا لزم عدم كونها من القضايا الأولية وهو خلف، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، أن العلم بصدق القضية المتواترة مستند إلى نفس التواتر الذي هو عبارة عن تراكم الاخبار عليها بنحو يحصل العلم الوجداني بصدقها واقعاً ومطابقتها للواقع على حساب الاحتمالات ولا يكون العلم بصدقها مستنداً إلى قضية عقلية في المرتبة السابقة، لان التواتر من القضايا التجريبية الحسية وهي من المبادي الأولية، فإذن لا يمكن أن يكون العلم الوجداني الحاصل منها بصدق القضية المتواترة مستنداً إلى قضية عقلية في المرتبة السابقة، وإلا لم يكن التواتر من القضية التجريبية، بل هي من القضايا والمبادئ الأولية العقلية، وهذا خلف، وبكلمة ان اليقين الحاصل بشيء يمكن تصنيفه إلى ثلاثة أقسام:
الأول: اليقين الذاتي، ونقصد به اليقين الحاصل للإنسان من جهة تأثره بالعوامل النفسية الذاتية والظروف الخاصة كالقطاع والوسواس، ولا مبرر موضوعي لحصول هذا اليقين.
الثاني: اليقين الموضوعي، ونقصد به اليقين الحاصل من سبب موضوعي، بمعنى ان هذا السبب سبب لليقين لكل فرد متعارف إذا حصل عنده بقطع النظر عن وجود أي عوامل نفسية أو بيئية.
الثالث: اليقين الفلسفي، وهو اليقين المنطقي، فإنه لا يعتبر يقينا إلا بضم أحد العلمين إلى الآخر، كما إذا قال زيد عالم وزيد عالم عادل، فالقضية الثانية تتضمن القضية الأولى، فزيد إذا كان عالماً عادلاً، كان عالماً لا محالة، هذا العلم يعتبر اليقين المنطقي، وهنا يقين رياضي وهو اليقين الحاصل نتيجة الجمع بين العددين أو نتيجة ضرب أحدهما في الآخر وهكذا، وبعد ذلك نقول، أن اليقين الحاصل بصدق القضية المتواترة ومطابقتها للواقع ليس يقيناً منطقياً ولا رياضياً، وذلك لان سببية التواتر للعلم بصدق القضية المتواترة ووقوعها في الخارج ليس بمعنى استحالة عدم سببيته كما هو الحال في اليقين المنطقي واليقين الرياضي بشيء، فإنه يستحيل عدم حصوله، فإذن يكون اليقين الحاصل بوقوع القضية المتواترة من التواتر، يقين موضوعي لاذاتي ولا فلسفي ولا رياضي، وهو يمثل أعلى درجة التصديق وهو الجزم بالقضية الواقعية، مثلاً إذا علم أن جاره قد جاء من السفر فيواجه أمران:
الأول: يواجه قضية واقعية تعلق بها اليقين، وهي ان جاره قد جاء من السفر.
الثاني: يواجه ان يقينه بها يمثل أعلى درجة التصديق وهي الجزم بها الذي لا يوجد في اطاره أي احتمال خلاف.
وبعد ذلك نقول، أن العلم الحاصل بصدق القضية المتواترة من التواتر، علم يمثل أعلى درجة التصديق وهو الجزم واليقين بها، وهو علم حاصل من السبب الاعتيادي الذي هو سبب لحصوله لكل انسان اعتيادي.
ولا فرق بين ان يكون حصول هذا العلم على اساس حساب الاحتمالات أو على اساس مبدأ عقلي أولي كاستحالة الصدفة والطواطؤ على الكذب، فعلى الأول هو علم موضوعي لا يتضمن أي فكرة لاستحالة خلافه، وعلى الثاني علم فلسفي أو رياضي يتضمن فكرة استحالة خلافه هذا من جانب.
ومن جانب آخر، هل هذا العلم، علم موضوعي حاصل من تراكم الاخبار كماً وكيفاً على اساس حساب الاحتمالات، أو أنه علم فلسفي يتضمن استحالة خلافه؟
والجواب ان قضية أن الصدفة لا تدوم ان كانت قضية اولية عقلية كمبدأ عدم التناقض ومبدأ العلية ونحوهما، فهذا العلم علم فلسفي، وان لم تكن قضية أولية عقلية، فهذا العلم علم موضوعي يحصل من التواتر وهو داخل في التجريبيات التي هي من القضايا الأولية الحسية لا العقلية.
هذا والصحيح ان اليقين الحاصل من التواتر، يقين موضوعي لا فلسفي ولا رياضي، وذلك لان عدم سببية التواتر لليقين بالقضية المتواترة ليس مستحيلاً عقلاً وذاتاً كمبدأ عدم التناقض ومبدأ العليه، نعم انه مستحيل وقوعاً لا ذاتاً، ضرورة أن عدم حصول اليقين من التواتر ليس بمحال عقلاً، وان هذا اليقين لا يتضمن أي فكرة لاستحالة عدم تحققه.
ثم ان التواتر هو أخبار جماعة كثيرة عن واقعة واحدة مطابقة أو التزاماً أو بعضهم مطابقة وبعضهم الآخر التزاماً يفيد العلم الجزمي بثبوت هذه الواقعة، فإذن لا فرق بين كون وحدة المصب بالمدلول المطابقي أو الإلتزامي، وأما إذا كان المصب متعدداً ولا تكون الاخبار مشتركة في مصب واحد لا مطابقة ولا التزاماً، فيكون التواتر مفيداً للعلم الاجمالي لا العلم التفصيلي.
والخلاصة أن اخبار الجماعة إن كانت عن واقعة واحدة بالدلالة المطابقية أو الالتزامية، وكانت تبلغ حد التواتر، فهي تفيد العلم الوجداني بثبوت هذه الواقعة، وهذا التواتر تواتر تفصيلي وهو محل الكلام في المقام، وان كانت عن وقائع متعددة وبلغت من الكثرة حد التواتر، فهي تفيد العلم الاجمالي بصدق أحد هذه الوقايع، وهذا التواتر تواتر اجمالي.
ثم ان التواتر المتمثل في اخبار جماعة يختلف من مورد إلى مورد آخر كماً وكيفاً، فإن الجماعة إن كانوا كلهم ثقات وعدول، فإخبارهم مفيد للعلم بصدق الواقعة في عدد أقل من المعتاد، لان للعامل الكيفي وهو صفات الرواة دوراً كبيراً وتاثيراً هاماً في حصول العلم بصدق الواقعة، وأما إذا كانوا كلهم غير ثقات وعدول، فيكون تأثير أخبارهم في حصول العلم بطيئاً، لان المؤثر في هذا الفرض هو العامل الكمي فقط لعدم توفر العامل الكيفي وهو صفات الرواة، ولهذا يكون تأثيره في حصول العلم بالقضية بطيئاً، وهناك خصوصيات أخرى وهي تختلف باختلاف الموارد، وقد يكون تأثير بعضها في حصول العلم أسرع من تأثير بعضها الآخر وهكذا.
نتيجة ما ذكرناه امور:
الأول، أن الاجماع المنقول بخبر الواحد لا يكون مشمولاً لدليل حجية خبر الواحد، لاختصاص دليلها بالاخبار الحسية وعدم شموله للاخبار الحدسية، ونقل الاجماع حيث انه داخل في الاخبار الحدسية فلا يكون مشمولاً له.
الثاني: ان الخبر المتواتر مفيد لليقين بصدق القضية المتواتر فيها، وأما إذا كان بلا واسطة فهو واضح، وأما إذا كان مع الواسطة فأيضاً الأمر كذلك، شريطة أن يكون الخبر متواتراً في جميع الطبقات، ولا فرق بين أن يكون اليقين الحاصل منه بصدق القضية المتواترة مستنداً إلى مبدأ عقلي في المرتبة السابقة أو مبدأ حسي وهو تراكم الاخبار على حساب الاحتمالات وان كان الصحيح هو الثاني، ولكن في المقام لا تترتب على هذا الفرق أي نتيجة.
الثالث: أن الاجماع ليس مثل التواتر، لما عرفت من وجود الفوارق بينهما، ومن أجل هذه الفوارق لا يفيد الاجماع اليقين بقول المعصوم? في المسألة ولا اليقين بوجود دليل معتبر فيها، لا على اساس مبدأ حساب الاحتمالات، إذ لا يمكن تطبيق هذا المبدأ الا على الاخبار الحسية دون الاخبار المستندة إلى الحدس والاجتهاد وإعمال النظر ولا على اساس مبدأ عقلي أولي.
وأما الكلام في المقام الثاني فيقع في موردين:
الأول، أن اجماع الفقهاء في عصر الغيبة هل هو كاشف عن امضاء الشارع له، وإذا لم يكن كاشفاً عن الامضاء، فهل هو كاشف عن وجود مدرك معتبر في المسألة أو لا؟
الثاني، هل يمكن اثبات اتصال الاجماع في كلمات الفقهاء في عصر الغيبة إلى زمن المعصومين? يداً بيد وطبقة بعد طبقة أو لا؟
أما الكلام في المورد الأول: فلا طريق لنا إلى إثبات امضاء الشارع له إلا بالتمسك بذيل قاعدة اللطف، ولكن سوف نشير إلى أن هذه القاعدة غير تامه.
ودعوى، أن اتفاق العلماء في مسألة كاشف عن موافقة الإمام? وامضائه من باب ان اتفاق المرؤسين على شيء كاشف عن امضاء الرئيس له.
مدفوعة، بأن ذلك إنما هو فيما إذا كان الاتفاق في مرأى ومسمع من الرئيس، بان يكون في عصره، وأما اتفاق المرؤسين في عصر متأخر عن عصره كما في زمن الغيبة، فلا يكون كاشفاً عن الامضاء والموافقة.
فالنتيجة ان الاجماع في عصر الغيبة لا يكون كاشفاً عن الامضاء.
وهل هو كاشف عن وجود دليل معتبر في المسألة أو لا؟
فيه وجهان:
قد يقال كما قيل، انه كاشف عن وجود دليل معتبر في المسألة وهو مدرك لاجماع الفقهاء فيها، وتقريب ذلك ان مدرك المجمعين إذا كان رواية تامة سنداً، ولكنهم فهموا جميعاً من الرواية حكماً خاصاً كالوجوب أو الحرمة أو غير ذلك، وعلى هذا فاحتمال ان واحداً منهم قد اخطأ في فهم هذا الحكم من الرواية بقطع النظر عن الآخرين وان كان وارداً بنسبة خاصة كالخمسين بالمأة مثلاً، إلا أن جميعهم قد أخطاؤا في فهم هذا الحكم من الرواية على حساب الاحتمالات ضئيل جداً، وفي مقابل ذلك الاطمئنان بعدم الخطأ بل قد يذوب احتمال الخطأ نهائياً، وفي مقابل ذلك اليقين بعدم الخطأ وتمامية دلالة الرواية.
والخلاصة ان مصب الخطأ هو دلالة الرواية، حيث انه واحد فاحتمال ان كلهم قد أخطاؤا في البناء على ظهور هذه الرواية ودلالتها على الحكم المذكور غير محتمل، كيف فإنهم أهل الفن والمعرفة وبإمكانهم تشخيص ظهور الرواية المستقر بعد الفحص عن موانعه وعوائقه وعدم وجدانها في مظانها، والمفروض ان ظهورها العرفي امر واضح، فإذن احتمال انهم جميعاً قد اخطاؤا في تشخيص ظهورها ودلالتها عرفاً غير محتمل أو ضئيل جداً، وعليه فبطبيعة الحال يحصل اليقين والاطمئنان بتمامية الرواية سنداً ودلالة وبالامكان الافتاء على طبقها.
وان شئت قلت، أن اجماع الفقهاء في المسالة على حكم شرعي لا يمكن ان يكون جزافاً وبلا مبرر، لانه ينافي عدالة هؤلاء ووثاقتهم، فإذن لا محالة يكون اجماعهم في المسألة كاشفاً عن وجود مدرك معتبر فيها كرواية تامة سنداً، إذ لو كانت ضعيفة سنداً لم يتحقق الاجماع في المسألة، أذ كثير من الفقهاء لم يعملوا بالروايات الضعيفة من جهة أنها غير حجة، فإذن بطبيعة الحال يكشف اجماعهم عن وجود مدرك معتبر في المسألة.
والجواب، أن هذا الوجه لو تم فإنما يتم فيما إذا علم بان مدرك اجماع الفقهاء في المسألة الكذائية إنما هو الرواية الفلانية التامة سنداً وجهة، إذ حكم المسألة المجمع عليها اذا كان معلوماً تفصيلاً، فبطبيعة الحال يكون مدركه أيضاً معلوماً كذلك، إذ لا يحتمل ان يكون مجهولاً، ضرورة ان مدرك اجماعهم إذا كانت رواية معتبرة في المسألة، فلا محالة اشاروا إليها في مقام الاستدلال بها على حكم المسألة، فإذن كيف يعقل ان تكون الرواية التي هي مدرك الاجماع مجهولة، ولكن من الواضح ان مثل هذا الاجماع خارج عن محل الكلام، لان الاجماع إذا كان معلوم ا لمدرك في المسألة، فيرجع إلى مدركه فيها وينظر إليه وانه تام او لا، لا إلى الاجماع، فإن وجوده وعدمه حينئذٍ بالسوية، نعم قد يكون لفهم هؤلاء المجمعين من الرواية الحكم الفلاني في المسألة تاثيراً في فهم الآخرين ومانعاً عن المخالفة، ولكن هذا ليس معناه ان فهم هؤلاء حجة بل هو مؤيد وموكد بفهمهم نفس ما فهموا هؤلاء من الرواية، وأما لوحصل الاطمئنان بان فهم هؤلاء المجمعين الحكم الفلاني من الروايه صحيح ومطابق للواقع، كان ذلك الاطمئنان حجة لا فهم هؤلاء.
هذا اضافة إلى أن هذا الوجه لا يتم في نفسه، لأن فتاوى الفقهاء جميعاً وان كانت تصب على محور واحد، إلا أنه لا يمكن نفي احتمال الخطأ عن الجميع، على اساس حساب الاحتمالات ولا يقاس الاجماع بالتواتر من هذه الناحية، لما مر من الفرق بينهما، فإن هذه الفتاوى وان كانت مستندة جميعاً إلى تمامية دلالة الرواية مثلاً، إلا أن كثير من تلك الفتاوى تأثرت بالاخرى بسبب أو آخر كحسن الظن أو غيره، فمن أجل ذلك لا يمكن نفي الخطأ عن الكل بحساب الاحتمالات، نعم يمكن تقليله بها وتضليله، وأما نفيه نهائياً فهو لا يمكن، كما لا يمكن تطبيقه على الاحتمالات في المسائل النظرية الحدسية مطلقاً، ومن هنا قد ينكشف بطلان المسألة النظرية التي كانت مورد الاتفاق عند الكل، فإذن لا يقاس المسائل النظرية بالمسائل الحسية.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان الاجماع في عصر الغيبة لا يكشف عن قول المعصوم? لاعادة ولا عقلا، أما الأول فلانه مبني على ثبوت الملازمة العادية بين الاجماع وقول المعصوم? وهي غير ثابتة، وأما الثاني فهو مبني على ثبوت الملازمة بينهما عقلا بقاعدة اللطف وهي غير تامة، وأما الاجماع الدخولي فلا نقول به بل هو غير محتمل، كما انه لا يشكف عن وجود مدرك معتبر في المسألة وإلا فهو خارج عن محل الكلام، لان محل الكلام إنما هو في الاجماع التعبدي، وأما الاجماع المعلوم مدركه فيرجع إلى مدركه، فإن كان تاماً كفى ذلك مدركاً للحكم ولا أثر للاجماع، وان كان غير تام كشف ذلك عن بطلان مدرك فتاويهم بالوجوب أو الحرمة، وأما إذا شككنا في ان مدرك فتاويهم في المسألة هذه الرواية غير التامة سنداً أو دلالة أو ان لها مدركاً آخر فيها معتبراً، فأيضاً لا يكون هذا الجماع حجة، لانه لا يكون كاشفاً عن مدرك معتبر بحساب الاحتمالات، إذ لا يمكن نفي مدركية هذا المدرك الفاسد بحسابها، والنكتة في ذلك اختلاف الفقهاء في الآراء والنظريات حول تكوين القواعد الاصولية العامة سعة وضيقاً وشروطها وتطبيقها على عناصرها الخاصة، مثلاً من الفقهاء من يقول بحجية كل رواية إذا كانت مروية بطريق اصحابنا، بان يكون راويها امامياً فحسب وان كانت ضعيفة، ومنهم من يقول بحجية كل رواية عمل بها المشهور وسقوط كل رواية معتبرة باعراض المشهور عنها، ومنهم من يقول بحجية رواية الثقة وهكذا، وكذلك اختلافهم في الجمع بين الروايات المتعارضة وتشخيص ان التعارض بينها مستقر أو لا وفي علاج المعارضة، ومع هذا الاختلاف كيف يمكن نفي مدركية هذه الرواية غير المعتبرة عند الجميع بحساب الاحتمالات وان مدرك فتاويهم جميعاً في المسألة مدرك معتبر، وأما إذا لم يوجد فيما يحتمل كونه مدركاً لاجماعهم في المسألة، فهل يكشف هذا الاجماع بحساب الاحتمالات عن مدرك صحيح لم يصل إلينا وبه يثبت الحكم في المسألة أو لا؟
فيه وجهان: فذهب بعض المحققين? إلى الوجه الأول، بتقريب ان الاجماع إذا كان من المتأخرين، فلا أثر له، وأما إذا كان من المتقدمين من الاصحاب كالمفيد والمرتضى والطوسي والصدوق ?، فهو يكشف بحساب الاحتمالات عن مدرك صحيح، بتقريب انهم إذا اجمعوا على حكم في المسألة كالوجوب أو الحرمة أو غيرهما، فبطبيعة الحال لا يحتمل ان يكون فتواهم بالوجوب أو الحرمة في المسألة جزافاً وبلا مدرك ومبرر، ضرورة أنه لا ينسحم مع عدالتهم وتقواهم وأمانتهم على الشريعة وجلالة قدرهم، ولا يحتمل في حقهم انهم قد غفلوا عن مقتضى القاعدة الأولية المخالفة لتلك الفتوى كقاعدة البراءة في المسألة مثلاً، ولا يحتمل ان يكون مدرك هذه الفتوى في المسألة الرواية المعتبرة ولم تصل إلينا، إذ لو كانت هناك رواية عندهم استندوا إليها، لا شاروا إليها في كتبهم الفقهية الاستدلالية أو الروائية وذكروها فيها، كيف فإنهم نقلوا الروايات الضعاف في كتبهم التي لم يستندوا إليها فضلاً عن الرواية المعتبرة عندهم واستندوا إليها، فإذن هذه الاحتمالات غير محتملة( ).
وعلى هذا فلابد من الالتزام بان هذا الحكم قد وصل إليها من الطبقة المتقدمة عليهم لا قولاً بل عملاً وارتكازاً، وهذه الطبقة همزة الوصل بينهم وبين أصحاب الأئمة? مباشرة أو بالواسطة، وهذا الارتكاز ليس رواية لكي تنقل بل هو مستفاد من مجموع دلالات السنة من فعل المعصوم أو تقريره أو قوله على اجمالها هذا.
ويمكن المناقشة فيه، أولاً، ان هذا مجرد افتراض لا واقع موضوعي له في الخارج، إذ لا طريق لنا إلى احراز مثل هذا الاجماع بين المتقدمين من الاصحاب، لان الطريق الوحيد لنا هو كتبهم الفقهية الاستدلالية والروائية الواصلة إلينا،
ولا يوجد في هذه الكتب اجماع تعبدي منهم بحيث لا يوجد فيما يحتمل كونه مدركاً له، والاجماعات المدعاة فيها إما مبنية على قاعدة اللطف كما عن الشيخ الطوسي?، أو مبني على تطبيق قاعدة مسلمة على المسألة، أو على حسن الظن بالاخرين أو غيرذلك، هذا اضافة إلى اختلاف هؤلاء في دعوى الاجماع باختلاف كتبهم، فالشيخ ادعى الاجماع في كتابه في مسالة، وادعى الاجماع في كتابه الآخر على خلافه وهكذا، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى انه ليس لجميع أصحابنا المتقدمين كتاب الاستدلالي حتى نرجع إليه ونعلم رايه في المسألة، لان الموجود في كتب المتأخرين دعوى الاجماع مطلقاً أو من جماعة من القدماء أو بعضهم، كل ذلك لا يدل على أن الاجماع ثابت عندهم فضلاً عن كونه تعبدياً، أو ان المتأخرين ادعوا الاجماع في المسألة وفي نفس الوقت نقلوا أراء القدماء فيها، وهذا لا يدل على أن ارائهم مستند إلى الاجماع.
فالنتيجة أنه لا طريق لنا إلى إثبات الاجماع بين أصحابنا المتقدمين على حكم في المسألة تعبداً.
وثانياً، مع الاغماض عن ذلك وتسليم احراز ثبوت الاجماع التعبدي بينهم في المسألة، فإنه حينئذٍ وان كان كاشفاً عن وصول الحكم إليهم من الطبقة المتقدمة لا بالنقل وإلا لاشاروا إليه بل بالارتكاز، بمعنى ان هذا الحكم كان مرتكزاً عندهم بتقرير الإمام? أو فعله أو قوله بنحو الاجمال بدون تحديد، وسوف تاتي المناقشة فيه.
وأما الكلام في المورد الثاني: فهل بامكاننا إثبات اتصال الاجماع في كلمات الفقهاء إلى زمن الأئمة? يداً بيد وطبقة بعد طبقة أو لا؟
والجواب ان إثبات ذلك يتطلب توفر امور:
الأول: ان يكون هذا الاجماع بين القدماء من الاصحاب الذين يكون عصرهم قريباً بعصر اصحاب الائمة?، وأما الاجماع بين المتأخرين من دون ان يكون بين المتقدمين فلا قيمة له.
الثاني: ان يكون ذلك الاجماع تعبدياً محضاً، بان لا يكون له مدرك لا قطعاً ولا احتمالاً، أما على الأول فينظر المجتهد إلى مدركه، فإن كان تاماً فهو حجة دون الاجماع، وان كان غير تام فلا قيمة له ولا للاجماع، فعندئذٍ لابد من الرجوع في مورد الاجماع إلى الأصل اللفظي من العموم أو الاطلاق ان كان وإلا فالى الاصل العملي.
وأما على الثاني فلان حجية الاجماع منوطة باحراز اتصاله بزمن المعصومين?، ومع احتمال وجود المدرك له لم يحرز اتصاله به، ومع عدم احراز الاتصال لم يحرز حجيته، وقد تقدم ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.
الثالث: ان لا تكون المسألة التي ادعي الاجماع فيها من المسائل العقلية أو من المسائل المطابقة للقواعد العقلية، وإلا فلا يمكن احراز الاجماع التعبدي فيها، فإذا توفرت هذه الشروط في الاجماع، كان كاشفاً عن اتصاله بزمن المعصومين?.
أما اعتبار الشرط الأول، فلان ثبوت الاجماع بين المتأخرين بدون ثبوته بين المتقدمين، فلا قيمة له إصلاً للجزم بعدم اتصاله بزمن المعصومين?، ضرورة أنه لو كان متصلاً بزمانهم? لكان اتصاله من طريق المتقدمين من الاصحاب وبواسطتهم، وأما الطريق الآخر فهو غير موجود الاعلى القول بالاجماع الدخولي وهو غير ثابت، فإذن يكون هذا الاجماع، اجماعاً مستحدثاً بين المتأخرين ولا أثر له.
الثالث: ان لا تكون المسألة اتي ادعي الاجماع فيها من المسألة العقلية أو من المسائل المطابقة للقواعد العقلية، وإلا فلا يمكن احراز الاجماع التعبدي فيها، فإذا توفرت هذه الشروط في الاجماع، كان كاشفاً عن اتصاله بزمن المعصومين? أما اعتبار الشرط الأول فلان ثبوت الاجماع بين المتأخرين بدون ثبوته بين المتقدمين فلا قيمة له إصلاً للجزم بعدم اتصاله بزمن المعصومين?، ضرورة أنه لو كان متصلاً بزمانهم? لكان اصتاله من طريق المتقدمين من الاصحاب وبواسطتهم، وأما الطريق الآخر فهو غير موجود الاعلى القول بالاجماع الدخولي وهو غير ثابت، فإذن يكون هذا الاجماع، اجماعاً مستحدثاً بين المتأخرين ولا أثر له.
وأما الاجماع إذا كان بين المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً بعصر أصحاب الأئمة?، فاحتمال أنهم تلقوا الحكم الشرعي في المسألة منهم يداً بيد وطبقة بعد طبقة وإن كان محتملاً في نفسه، إلا أنه لا طريق لنا إلى إحرازه إلا باحدالطريقين:
الطريق الأول: ان يكون لكل من أصحابنا المتقدمين كتاب استدلالي يتضمن المسائل التي كانوا مجمعين عليها، وأن هذه الكتب الاستدلالية قد وصلت إلينا جميعاً لكي نرجع إليها للاطلاع على اجماعاتهم في المسألة.
الطريق الثاني: وصول اجماعاتهم إلينا بالتواتر في كافة الطبقات، لان وصولهم ان كان بخبر الواحد فحجيته غير معلومة، لأن اجماع المتقدمين ان كان كاشفاً عن وصوله إليهم من زمن الأئمة الأطهار?، فعندئذٍ الاخبار عنه مشمول لدليل الحجية إذا كان المخبر ثقة، وإن لم يكن كاشفاً عنه فلا يكون مشمولاً له حتى يكون حجة، وكلا الطريقين غير متوفر.
أما الطريق الأول، فلانا نعلم إما انه ليس لكل واحد من اصحابنا المتقدمين كتاب استدلالي في الفقه يتضمن المسائل الاجماعية أو كان ولكنه لم يصل إلينا، فالنتيجة أنه ليس الموجود عندنا الكتب الاستدلالية للجميع التي تحتوي على المسائل الاجماعية. وأما الكتب الواصلة الينا من جماعة من فقهائنا المتقدمين كالشيخ الطوسي والمفيد والصدوق والسيد المرتضى والكليني وغيرهم، فهي لا تحتوي على المسائل الاجماعية لدى الكل، وأما كتب الصدوق والكليني وغيرهما? فهي تحتوي على متون الروايات الواصلة إليهم من أصحاب الائمة? ولا تحتوي على المسائل الاجماعية الفقهية، وأما كتب الشيخ الطوسي والمفيد والسيد المرتضى وغيرهم ? وان كانت من الكتب الفقهية الاستدلالية، إلا أن حال الاجماعات الموجودة فيها معلومة، فإن اجماعات الشيخ ? مبنية على قاعدة اللطف أو على حسن الظن، وسوف نشير إلى أن هذه القاعدة غير تامة، وكذلك لا أثر للاجماع المبني على حسن الظن والاجتهاد، وأما اجماعات السيد المرتضى?، فلانها إما مبنية على الحدس بتطبيق قاعدة مسلمة على المسألة أو على الاجتهاد وحسن الظن وكذلك اجماعات غيرهما، ومن الواضح انه لا قيمة لهذه الاجماعات ولا تكشف عن قول المعصوم?.
هذا اضافة إلى اختلافهما في دعوى الاجماع من كتاب إلى كتاب آخر، وهذا الاختلاف يدل على ان اجماعهم على الحكم في مسألة ليس مبنياً على تلقي الحكم من أصحاب الائمة?، فالنتيجة أنه لا طريق لنا إلى احراز الاجماع بين القدماء.
وأما الطريق الثاني، فعلى تقدير تسليم الطريق الأول، وهو احراز الاجماع بين القدماء، ولكن لا طريق لنا إلى انه وصل اليهم من زمن الائمة? يداً بيد، بيان ذلك هو انا لو فرضنا ان الفقهاء المتقدمين كافة قد اجمعوا على حكم في مسألة وهي خالية عن الدليل من الآية أو الروايات، فمع ذلك لا يمكن الجزم بان اجماعهم على المسألة قد وصل إليهم من زمن المعصومين? يداً بيد وطبقة بعد طبقة، لاحتمال أن منشأ ذلك حسن ظن بعضهم ببعض آخر، وفي نهاية المطاف إما ان يرجع إلى الاجتهاد والاستنباط بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أو سمع بعضهم حكم المسألة ممن تقدم عليهم واطمئن به، ولهذا أدعي الاجماع عليه والباقي وافقه على أساس حسن الظن والوثوق والاطمئنان أو غير ذلك من الخصوصيات والمناسبات، فإن كل ذلك محتمل.
والخلاصة أن الجزم بان هذا الاجماع منهم في المسألة تعبدي صرف، بمعنى انه وصل إليهم من زمن الائمة? طبقه بعد طبقة مشكل جداً، بل لا يمكن مع أخذ حالاتهم وطريقتهم في دعوى الاجماع بعين الاعتبار.
قد يدعى ان القدماء كالمفيد والمرتضى والطوسي والصدوق وغيرهم، إذا استقر فتواهم على حكم في المسألة ولم يوجد فيها ما يقتضي هذه الفتوى بحسب الصناعة وهي مخالفة للقواعد العامة وهم كانوا ملتفتين إلى تلك القواعد، حيث أنها منقولة بواسطتهم في كتبهم الروائية.
فهناك اربعة احتمالات:
الأول، ان تكون تلك الفتاوى من هؤلاء الاجلاء المتقدمين من الاصحاب جزافاً وبلا دليل ومدرك.
الثاني، ان يكون ذلك من جهة غفلتهم وتخيلهم بأن هذه الفتاوى مطابقة للقواعد العامة، وهي تقتضيها إذا لم يكن دليل خاص على خلافها.
الثالث، احتمال ان تكون هناك رواية معتبرة عندهم وهم قد استندوا إليها ولكنها لم تصل إلينا.
الرابع، احتمال انهم تلقوا الحكم من أصحاب الائمة? بالارتكاز وهم حلقة الوصل بينهم وبين الأئمة ? مباشرة هذا.
أما الاحتمال الأول، فهو غير محتمل في حقهم، فإن جلالة قدرهم وتورعهم وعدالتهم تمنع عن هذا الاحتمال وتنفيه بشكل قاطع.
وأما الاحتمال الثاني، فهو غير مدفوع ولا مبرر لدفعه، فإن القواعد العامة كقاعدة البراءة وقاعدة الاستصحاب وقاعدة الطهارة ونحوها وان كانت روايتها منقولة منهم، إلا أن قد يقع الخطأ في تطبيقها على عناصرها الخاصة، إذ قد يتخيل أن هذه المسألة من عناصرها مع أنها ليست منها، وهذا يتفق كثيراً ولا سيما في ذلك العصر، حيث لم تكن تلك القواعد منقحة سعة وضيقاً بما يستحقها.
فالنتيجة أنه لا دافع لهذا الاحتمال إلا إذا فرض ان اجماعهم على الحكم في المسألة كان مخالفاً لمقتضى القاعدة وهم كانوا ملتفتين إلى ذلك، ومع هذا قد افتوا به فيها، ولكن هذا فرض في فرض، ومع صحة هذا الفرض، فالاجماع تعبدي محض وواصل إليهم من أصحاب الائمة?.
وأما الاحتمال الثالث فهو غير محتمل، إذ لو كانت هناك رواية قد وصلت إليهم وتكون هذه الرواية مدركاً لاجماعهم، لأشاروا إليها في كتبهم الروائية والفقهية، لان كتبهم معدة لجمع الروايات فيها المعتبرة وغير المعتبرة، فإذن عدم وجودها في كتبهم دليل جزمي على عدم وجودها.
والخلاصة أنهم كانوا في مقام جمع الاحاديث الواصلة إليهم من أصحاب الأئمة? وان كان وصولها بطريق غير صحيح، فلو كان هناك حديث هو مدرك لفتاويهم جميعاً في المسألة، فكيف يمكن فرض عدم ذكره في كتبهم واحتمال الغفلة عنه غير محتمل.
وأما الاحتمال الرابع، وهو انهم تلقوا الحكم من أصحاب الائمة? بالارتكاز الثابت عندهم بتقرير الإمام? اوفعله طبقة بعد طبقة، فهو أيضاً محل منع، إذ كما يحتمل ان يكون هذا الحكم ثابتاً عند أصحاب الأئمة? بالارتكاز بسبب التقرير أو الفعل من الإمام? لا بالرواية منه، يحتمل أن يكون منشأ هذا الاجماع حسن الظن ببعض من تقدم عليهم وحصول الاطمئنان من قوله أو مناسبة الحكم والموضوع الارتكازية أو غير ذلك من الخصوصيات، أو أن الحكم عند الطبقة المتقدمة ليس قطعياً بل هو ظني ومستند إلى اجتهاداتهم، لان فرض ان هذا الحكم قطعي بالارتكاز، بمعنى انه كاشف عنه تكويناً وقطعاً من زمن الائمة? لا يمكن اثباته ولا طريق لنا إليه، هذا اضافة إلى ان هذا الحكم لو كان ثابتاً بالارتكاز بتقرير الإمام? او فعله، لاشاروا إلى أنه ثابت بالتقرير أو الفعل، كما انه لو كان ثابتاً بالرواية لاشاروا إليها.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي إنا لو فرضنا أن اصحابنا المتقدمين قد اجمعوا على حكم في المسألة ولم يوجد فيها مدرك له كرواية أو آية، فمع ذلك لا يمكن الجزم بانهم قد تلقوا هذا الحكم من أصحاب الأئمة? بالارتكاز مباشرة وعن حس، لان المنفي في المقام إنما هو احتمال انهم استندوا في الفتوى بتلك المسألة برواية أو آية، ولكن ليس بالامكان نفي ما يلي من الاحتمالات.
الأول، احتمال أن منشاء هذا الاجماع هو حسن الظن لبعضهم ببعضهم الآخر.
الثاني، احتمال أن منشأه الاجتهاد في المسألة بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية.
الثالث، احتمال الخطأ في تطبيق القاعدة.
الرابع، ان هذا الحكم الواصل إليهم لو كان قطعياً بالارتكاز الكاشف عنه تكوينا وقطعاً، فبطبيعة الحال اشاروا إلى ان هذا الحكم قطعي وواصل منهم إلينا بالقطع والوجدان، وليس بإمكاننا نفي هذه الاحتمالات جميعاً بالقطع ولا بالاطمئنان، لعدم الطريق إلى ذلك. تحصل مما ذكرناه امور:
الأول: أنه لا طريق إلى احراز الاجماع بين أصحابنا المتقدمين كما مر تفصيله.
الثاني: انه على تقدير احراز الاجماع بينهم، ولكن لا طريق لنا إلى احراز انه اجماع تعبدي.
الثالث: انه على تقدير تسليم احراز انه اجماع تعبدي، إلا أنه لا يمكن احراز ان الحكم المجمع عليه قد وصل إليهم من أصحاب الأئمة? بالارتكاز مباشرة كما عرفت.
ومن هنا لا أثر ولا قيمة للاجماع في المسائل الفقهية نهائياً ولا يمكن الاستدلال به في شيء منها، ولهذا لا نعتمد على الاجماع في المسائل الفقهية كافة.
وأما الشرط الثالث، فلان المسألة إذا كانت من المسائل العقلية أو لم تكن منها ولكنها كانت موافقة للقواعد العامة العقلائية أو الشرعية، لم يكشف اجماع المتقدمين عليها عن انهم تلقوا حكم المسألة من الجيل السابق من الاصحاب، وذلك الاحتمال ان منشأ اجماعهم في المسألة حكم العقل أو تطبيق القاعدة العامة عليها، ومع هذا الاحتمال لا يكون اجماعهم كاشفاً عن وصول الحكم إليهم من الجيل السابق يداً بيد.
ومن هنا يظهر ان هذا الشرط ليس شرطاً مستقلاً، بل هو يرجع إلى الشرط الثاني وهو احراز ان اجماعهم في المسألة اجماع تعبدي، بمعنى انه لا يوجد فيها مدرك من رواية أو آية، وأما إذا كان الاجماع موافقاً للقاعدة، فيحتمل ان مدركه القاعدة.
ثم ينبغي الاشارة إلى عدة نقاط:
النقطة الأولى: ان ناقل الاجماع تاره يقصد نقل السبب هو فتاوي العلماء في المسألة واقوالهم وارائهم فيها، وأخرى يقصد نقل المسبب وهو قول
المعصوم?. وعلى الأول، فالمنقول والمخبر به وان كان أمراً حسياً وهو فتاوى الفقهاء وارائهم، إلا أنه لما لم يكن بنفسه حكما شرعياً ولا موضوعاً الحكم شرعي، فلا يكون مشمولاً لدليل حجية اخبار الثقة، هذا إذا كان غرضه من نقل الاجماع إثبات السبب فحسب، وأما إذا كان غرضه من نقله إثبات المسبب وهو قول المعصوم?، فإنه مبني على ثبوت الملازمة بينهما بنحو تشكل الدلالة إلا لتزامية للاجماع، ولكن قد مر أن الملازمة بين الاجماع وقول المعصوم? غير ثابتة حتى فيما إذا كان الاجماع بين المتقدمين فضلاً عن الاجماع بين المتأخرين.
ومن هنا ذكر المحقق الاصفهاني? انه ان اريد بنقل الاجماع إثبات الحجية له بلحاظ مـدلوله الالتزامي، فيرد عليه انه لا ملازمة في البين لكي يكون للاجماع مدلول التزامي، وان اريد إثبات حجيته بلحاظ مدلوله المطابقي، فيرد عليه انه ليس حكماً شرعياً ولا موضوعاً له( )، وهذا الذي افاده? متين جداً.
النقطة الثانية: قد تبين مما ذكرناه ان اجماع المتأخرين في المسألة كما لا يكشف عن قول المعصوم?، لعدم الملازمة بينهما بنحو يكون الاخبار عن الاجماع اخباراً عن قول المعصوم? التزاماً، كذلك لا يكشف عن وجود مدرك معتبر في المسألة كرواية معتبرة أو آية لدى الجميع بلا استثناء حتى تصلح ان تكون مدركاً للاجماع، وأما إذا كانت الرواية معتبرة عند بعض دون آخر، فلا تصلح ان تكون مدركاً له.
النقطة الثالثة: ان الاجماع الذي يمكن الاعتماد عليه هو اجماع الفقهاء المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً لعصر اصحاب الائمة? وانه وصل منهم إليهم يداً بيد وطبقة بعد طبقة، ولكن تقدم انه لا يمكن المساعدة عليه، أولاً أنه لا طريق لنا إلى احراز الاجماع بينهم، وثانياً على تقدير تسليم ثبوته بينهم، إلا أنه لا يكون كاشفاً عن قول المعصوم?.
تنبيه
مما ينقص عن قيمة الاجماع هو ان من ينظر إلى الكتب الفقهية الاستدلالية ويقوم بالبحث والفحص والتحقيق في المسائل التي ادعي الاجماع فيها، يظهر له ان أكثر الاجماعات بين المتقدمين والمتأخرين مبنية على التخمين والحدس والاجتهاد وحسن الظن لا على البحث والتحقيق عن أقوال الفقهاء في المسألة.
ومن هنا قد توجد دعوى الاجماع في المسائل الفقهية، ولكن إذا بحث عن أقوال الفقهاء فيها، فلا يوجد إلا أقوال جماعة من الصحاب دون الجميع، بل قد يدعى الاجماع في المسائل المستحدثة التي لم تكن معنونة في كلمات المتقدمين وهكذا، هذا من ناحية.
ومن ناحية اُخرى ان الاجماع الذي هو محل البحث في المقام، اجماع الفقهاء في تمام الطبقات من عصر الشيخ الطوسي والمفيد? إلى هذا العصر، ولكن من الواضح ان تحصيل مثل هذا الاجماع في المسائل الفقهية النظرية مجرد فرض لا واقع موضوعي له، وعلى تقدير ان له واقعاً موضوعياً، فلا طريق لنا إلى احرازه.
بيان ذلك ان المسائل الفقهية على ثلاثة اقسام:
الأول: انها مسائل ضرورية، وهي المسائل التي تحتفظ على ضرورتها من زمن التشريع لحد الآن.
الثاني: أنها مسائل قطعية، وهي المسائل التي تحتفظ على قطعيتها طوال هذه القرون والسنين.
الثالث: أنها مسائل نظرية، وهي المسائل التي تمثل الغالبية العظمى للمسائل الفقهية، بحيث ان نسبة المسائل الضرورية والقطعية الى المسائل النظرية لا تتجاوز عن نسبة ستة بالمأة بنسبة تقريبية.
وأما في المسائل الضرورية والقطعية، فلا مجال لدعوى الاجماع فيها، لانها قد وصلت إلينا بالضرورة والقطع الوجداني، ولهذا لا مجال للاجتهاد وعملية الاستنباط فيها ولا للتقليد، لان نسبة تلك المسائل إلى المجتهد والعامي على حد سواء، ولا موضوع لرجوع العامي إلى المجتهد فيها، لان العامي عالم بها وجداناً كالمجتهد.
وأما المسائل النظرية التي يتوقف إثباتها على عملية الاجتهاد والاستنباط، فهي مورد دعوى الاجماع بين الفقهاء، ومن الواضح ان تحصيل الاجماع في المسألة النظرية بين جميع طبقات الفقهاء من زمن الشيخ الطوسي? إلى زماننا هذا غير ممكن ولا طريق لنا إلى احراز مثل هذا الاجماع، وأما الاجماع بين الفقهاء في عصر واحد، فلا قيمة له، وكذلك لا أثر للاجماع بين المتقدمين مع عدم وجوده بين المتأخرين وبالعكس.
وأما الطريق الثالث، لاثبات حجية الاجماع، هو قاعدة اللطف وذهب جماعة من المتقدمين وعلى رأسهم شيخ الطائفة الشيخ الطوسي? إلى هذه القاعدة وبنى حجية الاجماع عليها، وذكر المتكلمون ان قاعدة اللطف مبنية على العدل الإلهي ونقصد بها إدراك العقل ما هو واجب على الله تعالى بحكم كونه عادلاً، وقد استدل بها في علم الكلام لإثبات النبوة، بمعنى ان بعث الرسل وإنزال الكتب وتبليغ الاحكام الشرعية للناس إنما هو من متطلبات هذه القاعدة.
وأما الشيخ الطوسي? فقد ذكر ان حجية الاجماع تقوم على اساس هذه القاعدة، بتقريب ان قاعدة اللطف تقتضي ان في كل عصر يكون الحق مع احد الفقهاء في صورة الاختلاف، وأما في صورة الاتفاق، فيكون الحق مع الجميع، بمعنى ان الحكم المجمع عليه في المسألة مطابق للواقع، إذ لو كان مخالفاً للواقع، كان العدل الإلهي يقتضي القاء الخلاف بينهم، أما بالتصرف في ذهن بعضهم وانصرافه عن الحكم المجمع عليه واستقراره على حكم مطابق للواقع المخالف للحكم المجمع عليه، أو ان الله تعالى أمر الإمام? بالقاء الخلاف بينهم، وعدم وقوع شيء من ذلك، كاشف جزماً عن أن الاجماع مطابق للواقع على ضوء هذه القاعدة، هذا ويقع الكلام هنا في مقامين.
قاعدة اللطف
الأول ان قاعدة اللطف هل هي بنفسها ثابتة أو لا؟
الثاني انه على تقدير ثبوتها، نبحث عن حدودها سعة وضيقاً.
أما الكلام في المقام الأول: فقد يقال كما قيل أنها غير ثابتة، لان معنى القاعدة تعيين التكليف لله تعالى وإدراك العقل ما يجب عليه، ومن الواضح ان عقل الانسان ليس بدرجة يقوم بتعيين ما هو تكليف لله تعالى، وعلى هذا فلا دليل على ثبوت هذه القاعدة.
والجواب ان فيه خلطاً بين تعيين العقل الوظيفة لله تعالى وبين إدراكه، بان كل ما يصدر منه تعالى ويفعله فهو مقتضى عدله ولطفه، كما انه يدرك ما هو مقتضى قدرته الذاتية وعلمه كذلك، فالنتيجة انه لاشبه في ثبوت أصل هذه القاعدة.
وأما الكلام في المقام الثاني: فلا شبهة في ان مقتضى هذه القاعدة ارسال الرسل وانزال الكتب وتبليغ الاحكام الشرعية بنحو المتعارف بغرض انقاذ البشر من المهالك الدنيوية والاخروية وهدايته وتهذيب سلوكه الخارجي وتزويده بالملكات الفاضلة والاخلاق الحميدة وتجهيزه بالايمان بالوحدانية والرسالة، والهدف الاساسي من كل ذلك تحقيق التوازن والعدالة الاجتماعية والأمن والامان في البلد، وأما قبول الناس الدين وعدم قبولهم له، فهو مرتبط باختيارهم وارادتهم ولا يرتبط بالعدل إلالهي ولطفه.
وبكلمة أن العقل الفطري يدرك بان مقتضى العدل إلالهي ولطفه على الناس بعث الرسل وإنزال الكتب وبيان الاحكام الشرعية، ولا يدرك بان مقتضى العدل الإلهي ولطفه تصحيح اخطاء الفقهاء في أحكامهم الاجتهادية، فإذا اجمع الفقهاء على مسألة، فلا يمكن اثبات ان اجماعهم مطابق للواقع بقاعدة اللطف، ضرورة أن تصحيح اخطاء الفقهاء لو كان واجباً عليه تعالى في حال اجماعهم على المسألة، كان واجباً عليه تعالى بمقتضى لطفه وعدله تصحيح خطأ فقيه واحد أيضاً في المسألة، وأيضاً لازم تمامية هذه القاعدة أنه لو انحصر الفقيه في عصر بواحد، لكان مقتضاًها مطابقة جميع فتاويه للواقع، لانه إذا كان متعدداً ومختلفاً في الفتوى، كان فتوى واحد منهم مطابقاً للواقع بمقتضى هذه القاعدة، وان كان واحداً، كان جميع فتاويه مطبقاً للواقع بمقتضاها، ولازم ذلك ان تكون فتاويه كافة من السنة القطعية، فلا تجوز مخالفتها لانه من المخالفة للسنة القطعية، وايضاً لازم ذلك انه لا يجوز الاجتهاد في مقابلها، ضرورة انه مع وجود السنة القطعية، فلا موضوع للاجتهاد في مقابلها، إذ لابد من العمل بها كسنة قطعية وهو كما ترى.
الطريق الثالث: ما روي عن النبي الأكرم? (لا تجتمعوا على ضلالة)( ) وفي رواية اخرى (لا تجتمع امتي على ضلالة)، بدعوى ان النبي الأكرم? قد اخبر عن ان الامة لا تجتمع على خطأ.
والجواب: أولاً، أن الرواية ضعيفة سنداً فلا يمكن الاعتماد عليها.
وثانياً، ان اخبار النبي الأكرم? عن عدم اجتماع الامة على ضلالة، باعتبار الإمام المعصوم?، داخل في الأمة، لوضوح ان كل اجتماع منهم إذا كان فيه الإمام المعصوم?، فإنه على صواب.
وثالثاً، أن معنى الضلالة الانحراف والعصيان وهو غير خطأ المجتهد في الفتوى، لان الخطأ لا يوجب الضلال، ولهذا لواخطأ المجتهد في فتواه، فلا يكون آثماً ولا ضالاً، هذا اضافة إلى احتمال ان كلمة (لا) ناهية لا نافية.
نتائج البحث عدة نقاط
الأولى: أن اجماع الفقهاء في عصر الغيبة لا يكون كاشفاً عن الامضاء الشرعي لا بقاعدة اللطف ولا بالملازمة الاعتيادية، كما أنه لا يكشف عن وجود مدرك معتبر في المسالة، ودعوى ان إجماع الفقهاء في المسألة على حكم لا يمكن أن يكون جزافاً وبلا مدرك، فإذن لا محالة يكشف عن وجود مدرك معتبر فيها سنداً ودلالة وجهة.
مدفوعة بان الاجماع إذا كان مدركه معلوماً، فهو خارج عن محل الكلام، لان محل الكلام إنما هو في الاجماع التعبدي.
الثانية: انه إذا لم يوجد لاجماع الفقهاء المتقدمين في المسألة مدرك، فهل يشكف هذا الاجماع بحساب الاحتمالات عن مدرك صحيح لم يصل إلينا، فذهب بعض المحققين? إلى انه كاشف عنه، إذ احتمال أن اجماعهم في المسألة على حكم كان بلا مدرك غير محتمل، لانه ينافي عدالتهم ووثوقهم وتقواهم وأمانتهم على الشريعة وجلالة قدرهم، واحتمال الغفلة في الجميع غير محتمل، هذا ولكن تقدم المناقشة فيه.
الثالثة: ان اجماع الفقهاء المتقدمين على تقدير ثبوته، لا يمكن احراز اتصاله بزمن المعصومين? يداً بيد وطبقة بعد طبقة، فإنه يتوقف على توفر امور وهي غير متوفرة فيه على تفصيل تقدم.

الشهرة الفتوائية
(الشهرة الفتوائية)
غير خفي ان البحث عن حجية الشهرة الفتوائية إنما يكون له مجال إذا قلنا بحجية الاجماع في المسألة السابقة، وأما إذا لم نقل بحجيته فيها، فلا مجال للبحث عن حجية الشهرة الفتوائية، لانها دون الاجماع ومتمثلة في فتاوى معظم الفقهاء، والاجماع متمثل في فتاوى جميع الفقهاء، وكيف كان فقد استدل على حجية الشهرة الفتوائية بوجوه:
الوجه الأول: ان ملاك حجية الخبر الواحد إنما هو افادته الظن بالواقع، فإن السير العقلائية إنما قامت على العمل باخبار الثقة، على أساس أنها تفيد الظن والوثوق بالواقع، والظن الحاصل من الشهرة الفتوائية قد يكون اقوى من الظن الحاصل من اخبار الثقة، فإذن تكون مشمولة لها ملاكاً.
والجواب ان مطلق خبر الواحد لا يكون حجة، ولا دليل على حجيته حتى نقول ان ملاك حجيته افادة الظن بالواقع، والحجة إنما هي خصوص الاخبار الثقة عن حس بمقتضى سيرة العقلاء وملاك حجيتها أفادتها الوثوق النوعي بالواقع لا الظن.
وهذان القيدان هما كون اخبار الثقة عن حس وافادتها الوثوق النوعي غير متوفرين في الشهرة الفتوائية، لانها اخبار عن حدس لاعن حس ولا تفيد نوعاً الوثوق بالواقع، فإذن لا تدل السيرة على حجية الشهرة الفتوائية ولا تكون مشمولة لها، كما ان اخبار كل من الفقهاء لا يكون مشمولاً لها، لان المخبر وان كان ثقة وعدلاً، إلا أن اخباره ليس عن حس بل عن حدس واجتهاد.
والخلاصة ان السيرة لا تشمل اخبار غير الثقة لعدم الدافع عن احتمال تعمد الكذب فيها، كما انها لا تشمل اخبار الثقة إذا كانت عن حدس لعدم الدافع عن احتمال الخطأ والاشتباه فيها، وحيث ان الشهرة الفتوائية اخبار عن حدس واجتهاد، فلا تكون مشمولة لها، باعتبار انه لا دافع لاحتمال الخطأ والاشتباه فيها، بينما إذا كانت عن حس، فالدافع لهذا الاحتمال موجود فيها وهو أصالة عدم الخطأ والاشتباه التي هي من الاصول العقلائية الممضاة شرعاً، على اساس ان احتمال الخطأ والاشتباه في الامور الحسية نادر، فإذا شك فيه فالاصل عدمه
الوجه الثاني: ان مقتضى عموم التعليل في آية النبأ( ) جواز العمل بالشهرة الفتوائية، بتقريب ان المراد من الجهالة في الآية المباركة السفاهة، لان الآية تدل على ان العمل بخبر الفاسق حيث انه سفهي عند العقلاء فلا يجوز، ومن الواضح أن العمل بالشهرة الفتوائية ليس سفهياً عند المتشرعة حتى يكون مشمولاً لمنطوق الآية المباركة بل هو عمل عقلائي، فإذا كان كذلك، فهو مشمول لاطلاق مفهوم الآية الكريمة.
والجواب، أو لا ما سياتي من المناقشة في دلالة الآية الكريمة على أصل حجية خبر العادل فما ظنك بالشهرة الفتوائية.
وثانياً على تقدير تسليم ان الآية تدل على حجية اخبار العدول أو الثقة، إلا أنها إنما تدل على حجية هذه الاخبار إذا كانت عن حس، وأما إذا كانت عن حدس واجتهاد، فلا تدل عليها، ضرورة أن الآية الكريمة إنما تدل على حجية اخبار الثقة إذا كانت عن حس، وأما إذا كانت عن حدس واجتهاد، فلا تدل على حجيتها، بل قد ذكرنا في محله ان مفاد الآية الكريمة التاكيد على ما هو ثابت بالسيرة العقلائية وامضاء لها لا ان مفادها التأسيس هذا.
وقد أورد عليه السيد الاستاذ? ان مجرد عدم كون العمل بالشهرة الفتوائية سفهياً لا يدل على جواز العمل بها، وقد افاد في وجه ذلك ان عموم التعليل إنما يقتضي ثبوت الحكم في كل مورد كانت العلة موجودة فيه، ولا يقتضي نفي الحكم عن كل مورد لا توجد العلة فيه، إذ لا مفهوم للتعليل، لانه فرع دلالة القضية على انحصار العلة حتى تدل على المفهوم وهو الانتفاء عند الانتفاء، مثلاً تعليل حرمة الخمر بالاسكار، يدل على توسعة دائرة الحرمة بتوسعة دائرة الاسكار، ولا يدل على نفي الحرمة عما لا يوجد فيه الاسكار، إذ يمكن ان لا يكون المايع مسكراً ومع ذلك يكون حراماً.
فالنتيجة ان الآية لا تدل على جواز العمل بكل شيء لا يكون سفهياً، إذ يمكن ان لا يكون الشيء سفهياً ومع ذلك لا يجوز العمل به( ).
ولكن للمناقشة فيه مجالاً، لان ما ذكره? من الكبرى وان كان تاماً، إلا انه لا ينطبق على المقام، لان وجوب التبين عن شيء في الآية المباركة ارشاد إلى عدم حجيته، كما ان عدم وجوب التبين ارشاد إلى الحجية، لان الشيء إذا كان حجة لم يجب التبين عنه، وإذا لم يكن حجة وجب التبين عنه، وعلى هذا فالشيء أما ان يكون حجة أو لا، ولا ثالث لهما، فعلى الأولى يجوز العمل به، لانه ليس عملاً بالسفاهة، وعلى الثاني لا يجوز، لانه عمل بالجهالة والسفاهة، وكذلك حال الشهرة الفتوائية، فإنها إن كانت حجة، جاز العمل بها، لانه ليس عملاً بالجهالة والسفاهة، وان لم تكن حجة لم يجز العمل بها، لانه عمل بالجهالة والسفاهة.
وبكلمة أن ما ذكره? تام بالنسبة إلى الحكم التكليفي ولا يتم بالنسبة إلى الحكم الوضعي وهو الحجية في المقام، لان وجوب التبين فيه ارشاد إلى عدم الحجية، مثلاً وجوب التبين عن خبر الفاسق في الآية أرشاد إلى عدم حجيته، فإذا لم يكن حجة، فلا محالة يكون العمل به عملاً بالجهالة والسفاهة، كما ان عدم وجوب التبين عن خبر العادل ارشاد إلى حجيته، وان العمل به ليس عملاً بالجهالة، وعلى هذا فإن لم يكن العمل بالشهرة الفتوائية عملاً بالجهالة والسفاهة، فهي حجة لا محالة، وإلا فلا تكون حجة ولا يتصور ان لا يكون العمل بها عملاً با لجهالة والسفاهة فمع ذلك لا تكون حجة، ضرورة أنها لو لم تكن حجه، فالعمل بها عمل بالجهالة والسفاهة، فلا يمكن الجمع بين ان لا يكون العمل بها عملاً بالجهالة والسفاهة وبين عدم حجيتها.
الوجه الثالث: مقبولة عمرو بن حنظلة ومرفوعة زرارة، وقد جاء في المقبولة (ينظر إلى ما كان من روايتهما عنا في ذلك الذي حكما به المجمع عليه بين أصحابك فيؤخذ به من حكمنا ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور عند أصحابك، فإن المجمع عليه لا ريب فيه)( )، وأما المرفوعة فقد جاء فيها (خذ بما اشتهر بين أصحابك)( ).
أما الاستدلال بالمقبولة، فيتوقف على مقدمة وهي ان المراد من المجمع عليه فيها المشهور، بقرينة اطلاقه عليه في قوله? ويترك الشاذ الذي ليس بمشهور، وبعد هذه المقدمة نقول، ان تقريب الاستدلال بالمقبولة والمرفوعة أنهما ظاهرتان في ان تمام الملاك والعلة لوجوب الاخذ بالمشهور هو الشهرة، فيدور وجوب الاخذ حينئذٍ مدارها وجوداً وعدما،سواء أكانت الشهرة صفة الرواية أم الفتوى، لان الحكم يدور مدار علته سعة وضيقاً لا مدار مورده.
وعلى هذا فلا فرق بين الشهرة الروائية والشهرة الفتوائية، فكما ان الأولى حجة فكذلك الثانية، لان الملاك في كلتيهما واحد وهو الشهرة.
والجواب، أولاً ان كلتا الروايتين ضعيفة سنداً.
أما المرفوعة، فلانه ناقش في سندها من ليس دأبه المناقشة في سند الروايات كصاحب الحدائق? الذي يرى ان جميع روايات الكتب الاربعة قطعية السند، ومع هذا ناقش في سند المرفوعة( )، وأما المقبولة فهي وان كانت مقبولة لدى الفقهاء، إلا أنها ضعيفة سنداً، فإن في سندها عمرو بن حنظلة وهو لم يثبت توثيقه فلذلك لا يمكن الاعتماد عليها.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم أنهما تامان سنداً، إلا أن المراد من المشهور فيهما الرواية المشهورة دون الاعم منها ومن الفتاوى المشهورة، وذلك لقرائن:
القرينة الأولى: ان الشهرة في هاتين الروايتين جعلت من مرجحات الروايات المتعارضة، فإذا كانت هناك روايتان متعارضتان، فإن كانت احدهما مشهورة بين الاصحاب دون الاخرى، قدم الرواية المشهورة على الرواية الشاذة، والفرض ان الشهرة الفتوائية لا تكون من مرجحات باب المعارضة.
والخلاصة ان الروايتين إنما هما في مقام بيان مرجحات باب المعارضة، وقد جعل الشهرة فيهما من احدى مرجحات هذا الباب، ومن الواضح انهما ظاهرتان في ان المرجح هو الشهرة التي تكون صفة للرواية لا مطلق الشهرة وان لم تكن صفة لها.
القرينة الثانية: انه قد فرض في هاتين الروايتين الشهرة في كلتا طرفي المسألة، وهذا قرينة قطعية على ان المراد من الشهرة فيهما الشهرة الروائية، إذ لا يمكن فرض فتوائين مشهورتين في طرفي المسألة، فإذا فرضنا أن في المسألة قولين، فلا يعقل ان يكون كلا القولين فيها مشهوراً، فإذا كان احدهما مشهوراً فالاخر شاذ لا محالة، بينما لا يكون مانع من ان تكون كلتا الروايتين المتعارضتين مشهورة بين الاصحاب بمعنى ان المشهور قد نقلوا كلتا الروايتين معاً.
القرينة الثالثة: ان الشهرة الروائية ليست في مقابل الاجماع بل ينسجم معه، وقد اطلق الاجماع على الشهرة في المقبولة بينما تكون الشهرة الفتوائية في مقابل الاجماع.
القرينة الرابعة: ان قـوله في المقبـولة (فإن المجمع عليها لا ريب فيه) قـرينة واضحة على ان المراد من الشهرة، الشهرة الروائية دون الاعم منها ومن الشهرة الفتوائية، لان الرواية المشهورة هي الرواية ألتي اشتهر نقلها بين معظم الاصحاب أو جميعهم، ومن الواضح ان الرواية إذا وصلت بهذه الدرجة من الشهرة، كانت قطعية ولهذا عبر عنها في المقبولة بالمجمع عليه الذي لا ريب فيه، وهذا بخلاف الشهرة الفتوائية، فإن فيها ريباً وشكاً على أساس أنها لا تفيد إلا الظن.
ودعوى، ان المراد من نفي الريب، نفي الريب النسبي، وعلى هذا فلا مانع من انطباقه على الشهرة الفتوائية بلحاظ انه لا ريب في افادتها الظن.
مدفوعة، بان ارادة نفي الريب النسبي من نفي الريب فيها بحاجة إلى قرينة، لان إرادة المقيد من المطلق تتوقف على وجود قرينة على التقييد وإلا فلا يمكن. قد يقال ان المراد من نفي الريب، نفي الريب عن حجية المجمع عليه شرعاً لا نفي الريب عن صدوره قطعاً ومطابقته للواقع، وعليه فيشمل المجمع عليه الشهرة الفتوائية أيضاً.
والجواب أولاً، ان الظاهر منه قطعية صدوره لا قطعية حجته، إذ لا مانع من أن يكون الخبر الشاذ أيضاً حجة.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان المراد منه نفي الريب عن حجيته، فمع ذلك لا يشمل المجمع عليه الشهرة الفتوائية، لان الرواية المشهورة مما لا ريب في حجيتها بينما لا قائل بحجية الفتوى المشهورة.
فالنتيجة أن المقبولة والمرفوعة على تقدير صحتهما سنداً، فلا تشملان الشهرة الفتوائية، إلى هنا قد تبين انه لا دليل على حجية الشهرة الفتوائية.
الوجه الرابع: ان الشهرة الفتوائية لا تقل عن الاجماع في الكشف عن قول المعصوم?، غاية الأمر ان الاجماع كاشف عنه بالعلم الوجداني، والشهرة الفتوائية كاشفة عنه بالعلم التعبدي لا الواجداني.
والجواب أولاً، ما تقدم منا موسعاً من أن الاجماع الذي يمكن احرازه والوصول إليه هو الاجماع بين المتأخرين وهو لا يكون كاشفاً عن قول
المعصوم?، لان الاجماع الذي يمكن ان يكون كاشفاً عن قول المعصوم? هو الاجماع بين المتقدمين الذين يكون عصرهم قريباً من عصر أصحاب الائمة?، ولكن لا طريق لنا إلى احرازه، وعلى تقدير احرازه، فلا يمكن احراز انه اجماع تعبدي وليس مبنياً على قاعدة عقلية أو غيرها.
وأما الشهرة الفتوائية، فإن كانت بين المتأخرين فلا قيمة لها، وان كانت بين المتقدمين فلا يمكن احراز انها تعبدية قد وصلت إليهم من زمن المعصومين? وإلا فلا قيمة لها.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان الاجماع كاشف عن قول
المعصوم?، إلا انه لا تقاس الشهرة الفتوائية بالاجماع، لان الاجماع إذا تحقق بين المتقدمين وكان تعبدياً، فلا محالة يكون كاشفاً عن وصوله إليهم من أصحاب الأئمة? يداً بيد وطبقة بعد طبقة على تفصيل تقدم.
وهذا بخلاف الشهرة الفتوائية، فإنها لو تحققت بين المتقدمين، لم تكن كاشفة عن أنها وصلت إليهم من زمن المعصومين? طبقة بعد طبقة، ضرورة أن الامر لو كان كذلك، فلا يتصور خلاف في المسأله، لان المشهور اشاروا إلى أنها وصلت من أصحاب الائمة? يداً بيد، فوجود الخلاف في المسألة قرينة على أنها لم تصل إليهم من زمان أصحاب الأئمة? بشكل جزمي، غاية الأمر ان وصولها كذلك يكون مظنوناً لا مقطوعاً والظن لا يكون حجة.
تحصل مما ذكرناه انه لا دليل على حجية الشهرة الفتوائية وان قلنا بحجية الاجماع.

التواتر
مبحث التواتر
والغرض من التعرض لهذا البحث امران:
الأول: ان البحث عن مسألة التواتر ومفرداته ليس بحثاً عن المسائل الاصولية، لان المسائل الاصولية مسائل نظرية تتكون من أعمال النظر والدقة في تكوينها وفق شروطها العامة، ومن هنا قلنا ان علم الاصول موضوع لتحديد النظريات والقواعد العامة وتكوينها في الحدود المسموح بها في الكتاب والسنة وفقاً لشروطها العامة، وعلم الفقه موضوع لتطبيق النظريات والقواعد العامة على عناصرها الخاصة وفق شروطه المحدودة، فالاصول والفقه كلاهما علم نظري، غاية الامران الاصول علم نظري من حيث تكوين النظريات والقواعد العامه، والفقه علم نظري من حيث تطبيق القواعد العامة على عناصرها الخاصة، ومن هنا تكون نسبة الاصول إلى الفقه نسبة العلم النظري إلى العلم التطبيقي، ويتوقف الفقه على عملية الاستنباط والاجتهاد بتطبيق النظريات العامة على عناصرها الخاصة، وهذا بخلاف مسألة التواتر، لان العلم بالواقع حاصل منه بدون التوقف على أي عملية كعملية الاستنباط والاجتهاد.
والخلاصة أن المسائل الضرورية والمسائل القطعية خارجة عن المسائل الاصولية، على أساس أن المسائل الاصولية مسائل نظرية اجتهادية.
الثاني: ان منشأ العلم الوجداني الحاصل من التواتر بالواقع مباشرة، هل هو على اساس تطبيق الكبرى العقلية في المرتبة السابقة على الصغرى المحسوسة، أو على اساس تراكم الاحتمالات وتقييمها ووصولها إلى درجة تنقلب إلى العلم تلقائياً.
والجواب ان هنا قولين:
القول الأول: من المناطقة، فإنهم عرفوا التواتر في المنطق بانه متمثل في اخبار عدد هائل وكبير عن موضوع يصل إلى حد يحكم العقل بامتناع تواطؤهم على الكذب واتفاقهم عليه، وهذا التعريف يحتوي على مقدمتين:
المقدمة الأولى: محسوسة، وهي عبارة عن جمع عدد كثير وهائل من الاخبار على قضية واحدة محددة زماناً ومكاناً، بان تكون في زمان واحد ومكان واحد، وهذه المقدمة بمثابة الصغرى.
المقدمة الثانية: ان العقل يحكم بامتناع تواطؤ هؤلاء على الكذب واتفاقهم عليه، وهذه المقدمة بمثابة الكبرى، ولكن تطبيق هذه الكبرى على الصغرى المذكورة وحده لا يجدي في حصول العلم وجداناً بثبوت القضية المتواترة، بل لابد من ضم مقدمة ثالثة إليهما وهي ان الصدفة لا تدوم نهائياً، ولكن الكلام في ان هذه المقدمة أي المقدمة الثانية، هل هي مقدمة عقلية مبدأها احدى الضروريات الست التي هي مبدأ كافة العلوم النظرية، أو أنها قضية تجريبية مبدأها التجربة وناتجة من تراكم الاحتمالات.
والجواب أن المناطقة تقول بالأول، لأن الخبر إذا وصل من الكثرة حد التواتر، بان اخبر عدد كثير وهائل عن قضية واحدة محددة، حكم العقل بامتناع تواطؤهم على الكذب، لفرض ان كل واحد منهم اخبر عن تلك القضية بدون الاطلاع على اخبار غيره بها، فإذن كيف يتصور التواطؤ والاتفاق بينهم على الكذب، وأما احتمال الصدفة فهو غير محتمل، لانه الصدفة النسبية وان لم تكن محالاً عقلاً ولكنها غير واقعة في الخارج، لان المحال هو الصدفة المطلقة أي وجود المعلول بلا علة لا الصدفة النسبية المتمثلة في التقارن بين حادثتين بدون علاقة السببية، مع ان حدوث كل من الحادثتين نتيجة توفر سببه، والصدفة والاتفاق إنما هي في اقتران احدى الحادثتين بحادثة اخرى، ولهذا تسمى بالصدفة النسبية، وهل ان الصدفة النسبية التي لا تدوم ولا تتكرر باستمرار بين ظاهرتين وحادثتين في الخارج مبدأ عقلي قبلي أو أنها نتيجة الاستقرار، فإنه يكشف عن عدم تكرر الصدفة النسبية، فيه خلاف بين نظرية المنطق القديمة وبين نظرية الاستقراء الجديدة، وهذا البحث خارج عن محل الكلام في المقام.
اقسام التواتر ثلاثة
الاجمالي والمعنوي واللفظي
أما التواتر الاجمالي:
فهو متمثل في عدد كبير من الاخبار المتباينة موضوعاً ومحمولاً، بمعنى أنها لا تشترك في المدلول المطابقي ولا التضميني ولا إلالتزامي، فإذا فرضنا أن مأة فرد أخبر بمأة قضية مستقلة موضوعاً ومحمولاً، كان احتمال الكذب في اخبار كل واحد منهم موجوداً بنسبة معينة ولا علم بصدق شيء منها معيناً، وأما احتمال كذب الجميع فهو غير موجود، إذا لا يحتمل ان يكون الدافع على الكذب عند الكل شيئاً واحداً، فإنه مع استقلال كل واحد منهم في اخباره عن قضية وعدم علمه والتفاته باخبار الاخرين عن القضايا الاخرى غير محتمل، كما ان احتمال كذب الجميع من باب الصدفة غير محتمل، ضرورة أن الصدفة لا تدوم ولا تستمر، وعلى هذا فنعلم اجمالاً بصدق بعضها للواقع ولا أقل واحد منها، وأما الباقي فلا علم بصدقه ولا بكذبه.
ثم ان تنجيز هذا العلم الاجمالي منوط بتوفر أمرين:
الامر الأول: ان يكون المعلوم بالاجمال حكماً الزامياً على كل تقدير، أي سواء أكان في هذا الخبر أو ذاك وهكذا، فعندئذٍ يكون العلم الاجمالي منجزاً، وأما إذا كان المعلوم بالاجمال جامعاً بين الاحكام الالزامية والاحكام الترخيصية، كما إذا كانت جملة من الاخبار المذكورة متكفلة للاحكام الالزامية وجملة أخرى منها متكفلة للاحكام الترخيصية، فلا يكون العلم الاجمالي منجزاً، لانه ليس علماً بالتكليف الالزامي على كل تقدير.
الأمر الثاني: ان لا تكون نسبة المعلوم بالاجمال إلى كل طرف من اطرافه نسبة ضئيلة جداً، لانه كلما تناقصت قيمة احتمال نسبته إلى كل واحد من اطرافه، كبرت قيمة احتمال نسبة مقابله وهو احتمال نسبة عدمه إلى كل واحد منها، فإن القيمة الاحتمالية في الأول إذا تناقصت إلى أن وصلت إلى درجة الوهم، فبطبيعة الحال كبرت القيمة الاحتمالية في الثاني بنفس النسبة يعني أنها وصلت إلى درجة الاطمئنان.
وعلى هذا فإذا فرضا أن المعلوم بالاجمال في المثال واحد بالمأة، وحينئذٍ فالقيمة الاحتمالية لنسبة المعلوم بالاجمال إلى كل واحد من افراده نسبة واحدة بالمأة، والقيمة الاحتمالية لنسبة عدمه إلى كل واحد منها نسبة تسعة وتسعين بالمأة، ونتيجة ذلك هي أن المكلف يطمئن بعدم انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من اطرافه بحده الخاص، وهذا الاطمئنان حجة عقلائية وهو مانع من تنجيز العلم الاجمالي.
وأما إذا كان المعلوم بالاجمال أكثر من واحد كالعشرة مثلاً، فيكون العلم الاجمالي منجزاً، والخلاصة أنه إذا توفر في هذا العلم الاجمالي الأمران المذكوران، كان منجزاً وإلا لم يكن منجزاً، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان الاحتمالات في اطراف العلم الاجمالي على نحوين:
الأول: احتمالات مستقلة غير منافية وغير مشروطة بعضها مع بعضها الآخر كما في المثال المتقدم، فإن كل خبر مستقل غير مشروط بالاخر وهكذا، فالقيمة الاحتمالية لصدقه لا تؤثر في القيمة الاحتمالية للآخر، فلا يتأثر بعضها بافتراض صدق الآخر من جهة عدم ارتباط احدهما بالاخر في الصدق والكذب.
الثاني: الاحتمالات المشروطة كما هو الغالب في اطراف العلم الاجمالي، كما إذا علمنا اجمالاً بنجاسة أحد الانائين دون الآخر، وفي مثل ذلك كلما تناقصت القيمة الاحتمالية لنجاسة أحدهما، كبرت القيمة الاحتمالية لنجاسة الآخر بنفس الدرجة، فإذا وصلت الأولى إلى حد الصفر، تحولت الثانية إلى اليقين بالنجاسة على حساب الاحتمالات، وإذا علم بوقوع قطرة دم في احد الانائين الاسود أو الابيض، فإن كان احتمال وقوعها في الاناء الاسود سبعين بالمأة، كان احتمال وقوعها في الاناء الابيض ثلاثين بالمأة وبالعكس، وإذا بلغت القيمة الاحتمالية في الأول تسعين بالمأة، تضألت القيمة الاحتمالية في الثاني عشرة بالمأة، وإذا وصلت الأولى إلى درجة الاطمئنان، انحل العلم الاجمالي، وإذا بلغت المأة بالمأة، تحولت إلى اليقين بوقوعها فيه، والثانية تحولت إلى اليقين بعدم وقوعها فيه أي في الثاني، وإذا فرض ان عدد الاناء عشرة وعلم بوقوع قطرة دم في أحد هذه الانآت، ففي مثل ذلك تكون القيمة الاحتمالية لوقوعها في كل واحد منها بنسبة واحد بالعشرة، لان الواحد يقسم على العشرة، فالنتيجة أن هنا عشرة احتمالات مشروطة، فإذا بلغت القيمة الاحتمالية لوقوعها في واحد معين منها بنسبة تسعين بالمأة، تضاءلت القيمة الاحتمالية لوقوعها في سائر الانآت ووصلت بنسبة واحد وتسع واحد بالمأة، وهل يسقط العلم الاجمالي في المقام عن الاعتبار، على اساس الاطمئنان بعدم انطباق المعلوم بالاجمال على كل واحد من الانآت الباقيات أو لا؟
والجواب انه لا يسقط عن الاعتبار، لان العلم الاجمالي في هذه الحالة ينقسم إلى فئتين من الاحتمال:
الأولى احتمال انطباق المعلوم بالاجمال على واحد معين من هذه الانآت بنسبة تسعين بالمأة، وقيمة هذا الاحتمال كبيرة وان لم تصل إلى حد الاطمئنان.
الثانية احتمال انطباقه على مجموع الباقي من الانآت بنسبة عشرة بالمأة، وقيمة هذا الاحتمال وان كانت ضئيلة ولكنها لم تصل إلى حد الوهم، والعلم الاجمالي بين هاتين الفئتين من الاحتمال منجز.
وأما إذا كان نسبة المعلوم بالاجمال إلى جميع افراده البالغ عددها المأة على حد سواء بنظر العرف، فتكون القيمة الاحتمالية لانطباقه على كل فرد بنسبة واحد بالمأة، وفي المقابل تضائلت القيمة الاحتمالية، لعدم انطباقه عليه بنسبة تسعة وتسعين بالمأة على حساب الاحتمالات المشروطة.
وعلى هذا فهل هذا العلم الاجمالي يكون منجزاً أو لا؟
والجواب الظاهر انه منجز، وذلك لان القيمة الاحتمالية لعدم انطباق المعلوم بالاجمال على كل طرف من اطرافه بحده الخاص وان كبرت ووصلت إلى نسبة تسعة وتسعين بالمأة والقيمة الاحتمالية إذا كبرت بهذه النسبة، فهل هي اطمئنان أو لا؟
والجواب الظاهر أنها لم تبلغ درجة الاطمئنان، ومن هنا إذا احتمل شخص ان السفر من هذا الطريق مثلاً خطر على نفسه واحداً بالمأة، لم يقدم على السفر منه بل اختار طريقاً آخر، وأما إذا سلمنا أنها اطمئنان فهو حجة، وما قيل من أن مثل هذا الاطمئنان في اطراف العلم الاجمالي في الشبهة المحصورة لا يكون حجه، لان حجيته إنما هي بالسيرة العقلائية ولا يمكن احرازها في المقام، لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لان الظاهر ان حجية الاطمئنان ذاتية لا أنها بالسيرة، فإذن لا فرق في حجيته بين المقام وغيره، هذا اضافة إلى أنا لو سلمنا ان حجيته إنما هي بالسيرة، ولكن من الطبيعي ان السيرة إنما هي على العمل بالاطمئنان بما هو اطمئنان، بلا فرق بين ان يكون في اطراف العلم الاجمالي أو في مقام آخر، وعلى الأول لا فرق بين الشبهة المحصورة كالمثال المتقدم وغير المحصورة، وكما إذا علم شخص ان في مكتبته التي بلغ عدد كتبها مأة الف، كتاباً مغصوباً لا يدري أنه من كتب التفسير أو الاصول أو الفقه أو التاريخ أو اللغة وهكذا، وعلى هذا فأي كتاب اخذناه من المكتبة، فقيمة احتمال انه مغصوب واحد من مأة الف، ومن الواضح ان هذا الاحتمال لا قيمة له، لان قيمة احتمال انه لا يكون مغصوباً قد كبرت ووصلت إلى درجة أعلى مراتب الاطمئنان هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان المؤثر في حصول اليقين بالقضية المتواترة في التواتر الاجمالي هو العامل الكمي والكيفي معاً، لان عدد المخبرين إذا كثر مع اختلاف ظروفهم وحالاتهم وعدم اطلاع بعضعهم عن الاخرين مؤثر في حكم العقل بامتناع تواطؤهم على الكذب، وأما الصدفة فهي لا تدوم، وكذلك الحال إذا كان المخبرون جميعاً من الثقات أو العدول، فإن مثل هذا العامل الكيفي، مؤثر في حصول اليقين بالقضية المتواترة بعدد أقل.
وقد يكون المؤثر هو العامل الكمي فحسب، كما إذا كان عدد المخبرين عدداً هائلاً مع كونهم متقاربين في ظروفهم وحالاتهم وعدم كونهم من الثقات، فمع ذلك يفيد اليقين بنفس الملاك.
وأما التواتر المعنوي: فهو عبارة عن اخبار عدد كبير عن موضوع واحد ولكن بالسنة مختلفة وعبارات متعددة فالجميع يحكي عنه، ولكن بعضها بالمطابقة والآخر بالالتزام والثالث بالتضمن وهكذا، وناخذ لذلك بمثالين:
المثال الأول شجاعة المولى أمير المؤمنين?، حيث ان الاخبار عن شجاعته? قد تواترت في كتب التاريخ وغيرها المنقولة في كتب التاريخ وغيرها بالسنة مختلفة، تارة بلسان المطابقة واخرى بلسان التضمن وثالثة بلسان الالتزام وفي وقايع متعددة الهائلة، والغرض من الكل اثبات شجاعته?.
المثال الثاني: جود الحاتم، فانه ثابت بالاخبار المتواترة الحاكية عنه بعناوين مختلفة وفي وقايع متعددة، لان الكل يحكي عنه بعبارات متعددة ولكن الغرض واحد وهو إثبات جود الحاتم.
ثم ان المؤثر في حصول اليقين بالجامع المشترك عاملان:
الأول العامل الكمي
الثاني العامل الكيفي
أما العامل الكمي، فتاثيره في حصول اليقين بالجامع واضح، لان عدد المخبرين إذا وصل إلى ألف أو أكثر، فاحتمال ان دوافع الجميع الكذب في هذه القضية الموجودة تصادفاً أو اتفاقاً فغير محتمل، اذ لو كانوا في زمن واحد ومكان واحد فمع هذا اتفاقهم على الكذب في هذه القضية الواحدة لسبب أو آخر غير محتمل، إذ لا يمكن ان يوجد لدى الجميع دافع للكذب فيها اتفاقاً وتصادفاً، ضرورة أن الصدفة لا تدوم مع انهم كانوا مختلفين في الزمان والمكان والحالات، ومن هنا يكون حصول اليقين بالقضية المتواترة في التواتر المعنوي اسرع من حصوله بالقضية المتواترة في التواتر الاجمالي، على اساس أن احتمال الكذب في التواتر الاجمالي في خبر كل مخبر لا يتوقف على الاشتراك مع الاخرين في المصالح والدوافع للكذب، بينما احتمال الكذب في التواتر المعنوي في خبر كل مخبر يتوقف على الاشتراك مع الاخرين في دوافع الكذب.
وأما العامل الكيفي، ككون المخبرين من الثقات أو العدول، فله تأثير كبير في حصول اليقين بالقضية المتواترة بعدد أقل مما إذا كانوا من غير الثقات أو العدول.
وأما التواتر اللفظي: فهو يتمثل في نقل عدد كبير من الافراد قضية واحدة بلفظ واحد بلا زيادة ونقيصة كالقرآن الكريم، فإنه بالفاظه الخاصة وجملاته المخصوصة وقد وصل من النبي الأكرم? إلى المسلمين بنحو التواتر بلا أي زيادة ونقيصة وكحديث غدير وغيرهما.
ثم ان حصول اليقين بالقضية المتواترة في التواتر اللفظي اسرع من حصول اليقين بها في التواتر المعنوي والاجمالي، لان احتمال تواطؤ المخبرين على الكذب بها بصيغة واحدة لفظية غير محتمل، لانا إذا فرضنا أن الدافع للكذب بالقضية موجود لدى الجميع، إلا ان فرض وجود الدفاع للكذب بها بلفظ واحد وبصيغة واحدة موضوعاً ومحمولاً مجرد فرض لا واقع له، ولا يتصور له مبرر عمداً فضلاً عن مجرد الصدفة، لان الصدفة لا تدوم.
والخلاصة انه لا يتصور ان تكون مصالحهم ودوافعهم إلى الكذب عن قضية بلفظ واحد وبصيغة واحدة موضوعاً ومحمولاً لفظاً ومعنى، وان كان يتصور ان تكون بالفاظ مختلفة وبصيغ عديدة.
ثم انه ليس للتواتر ضابط كلي ومحدد، لوضوح انه يختلف باختلاف الموارد والمقامات، وقد يكون للعامل الكيفي دوراً بارزاً وكبيراً في الاسراع بحصول اليقين بالقضية المتواترة، فالعبرة إنما هي ببلوغ عدد الاخبار من الكثرة بحد تفيد اليقين بوقوع القضية مع اخذ الخصوصيات المكتنفة بالقضية المتواترة ككونها من القضايا الارتكازية أو غيرها، والخصوصيات المكتنفة بالمخبرين ككونهم من الثقات أو العدول أو غيرها في عين الاعتبار، كما ان المراد من اليقين الحاصل من التواتر، هو اليقين للانسان الاعتيادي وان لم يحصل للإنسان غير الاعتيادي.

حجية خبر الواحد
حجية خبر الواحد
غير خفي ان مسألة حجية خبر الواحد من أهم المسائل الاصولية وأكثرها سعة وشمولاً، بل أنها مسألة وحيدة تقع في طريق عملية الاستنباط في تمام أبواب الفقه.
وبكلمة واضحة أن غالب الاحكام الشرعية الفقهية أحكام نظرية والوصول إليها لا يمكن الا من طريق عملية الاستنباط التي هي عبارة عن تطبيق القواعد والنظريات العامة الاصولية على عناصرها الخاصة، وأما الاحكام الشرعية الضرورية أو القطعية فهي قليلة جداً ولا تتجاوز نسبتها إلى تمام الاحكام الشرعية عن ستة بالمأة بنسبة تقريبية، ولهذا لا تعالج مشاكل الإنسان في كافة ميادين حياته من الاجتماعية والفردية في تمام العصور، ومن هنا لو لا مسألة حجية اخبار الاحاد لكان باب العلم والعلمي معاً منسداً بالاحكام الشرعية، وحينئذٍ فلا مناص من الاحتياط في جميع موارد الاختلاط والاشتباه، ومن الواضح ان الاحتياط في جميع هذه الموارد يستلزم العسر والحرج، ولا يكفي في دفع العسر والحرج التمسك بسائر الادلة غير مسألة حجية خبر الواحد، لان تلك الادلة إما انها غير ثابتة أو لا تكفي إلا في قليل من المسائل الفقهية.
أما الاجماع، فإن كان بين المتأخرين فلا قيمة له، لان الاجماع في نفسه لا يكون حجة، وحجيته منوطة بثبوته في زمن المعصومين? ووصوله إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، ولا طريق لنا إلى احراز ذلك بل لا طريق لنا إلى احراز أنه وصل إلينا من أصحابنا المتقدمين ولهذا لا يكون حجة.
وأما الاجماع بين القدماء، فعلى تقدير ثبوته، فلا يكون كاشفاً عن أنه وصل إليهم من زمن المعصومين? يداً بيد على تفصيل تقدم في مسألة حجية الاجماع.
وأما الدليل العقلي النظري، فلا وجود له صغروياً، حيث أنه لا طريق للعقل إلى إدراك المبادي والملاكات الواقعية للاحكام الشرعية، نعم لو ادرك ملاك الحكم في مورد وأدرك انه تام ولا مزاحم له، لكان دليلاً على ثبوت الحكم تطبيقاً لمبدأ تبيعة الاحكام الشرعية للملاكات والمبادي الواقعية، فالنتيجة أن الكبرى وان كانت ثابتة، ولكن الصغرى غير ثابتة في شيء من المسائل الفقهية وقد تقدم تفصيل ذلك.
وأما الدليل العقلي العملي كحكم العقل بالحسن والقبح، فهو وان كان ثابتاً إلا أن الاحكام الشرعية ليست تابعة للحسن والقبح العقليين، لانها تابعة للمصلحة والمفسدة الواقعيتين، والمصلحة ليست مساوقة للحسن والمفسدة مساوقة للقبح، وقد تقدم تفصيل ذلك ضمن البحوث السابقة.
وأما الكتاب، فلان الآيات المتكفلة للاحكام الشرعية قليلة بالنسبة إلى سائر الآيات، هذا اضافة إلى أنها متكفلة لها بشكل عام من دون التعرض لتفاصيلها وخصوصياتها من الشروط والموانع وغيرهما، فالايات وحدها لا تحل مشاكل الإنسان، ولهذا تكون مسألة حجية خبر الواحد من أهم واوسع المسائل الاصولية، حيث أنها تتكفل عملية استنباط الاحكام الشرعية في كافة أبواب الفقه.
وبعد هذه المقدمة نقول ان عملية الاستنباط والاجتهاد في المسائل الفقهية من اخبار الاحاد تتوقف على توفر أمور:
الأمر الأول: حجية الاخبار من ناحية السند كقاعدة عامة.
الأمر الثاني: حجيتها من ناحية الدلالة كقاعدة عامة.
الأمر الثالث: حجيتها من ناحية الجهة كقاعدة عامة.
فإذا توفرت هذه الأمور الثلاثة فيها، يستطيع الفقيه حينئذٍ ان يقوم بعملية استنباط الاحكام الشرعية منها.
أما الأمر الثاني، فقد تقدم الكلام فيه موسعاً، وقلنا هناك انه لا شبهة في حجية الظواهر كقاعدة عامه، بلا فرق في ذلك بين ظواهر الكتاب وظواهر السنة.
وأما الأمر الثالث، فايضاً لا أشكال في حجية الجهة كنظرية عامة، بنكتة ان كل كلام صادر من متكلم مختار، ظاهر في انه لبيان مراده الواقعي عن جد، وحمله على انه صدر منه تقية بحاجة إلى قرينة.
وأما الأمر الأول: فهو محط البحث والكلام في المقام، ويقع في ثلاث مراحل:
المرحلة الأولى في أدلة المفكرين لحجية اخبار الاحاد مطلقاً.
المرحلة الثانية في أدلة القائلين بحجيتها في الجملة.
المرحلة الثالثة في تحديد دائرة حجيتها سعة وضيقاً حسب شروطها العامة.
أما الكلام في المرحلة الأولى: فقد نسب إلى جماعة من القدماء منهم السيد المرتضى? القول بعدم حجية خبر الواحد في الشريعة المقدسة.
وقد استدل على ذلك بعدة وجوه:
الوجه الأول: دعوى اجماع الطائفة على عدم حجية اخبار الاحاد، وقد جاء في اجوبته عن مسائل الموصليات ان عدم حجية خبر الواحد من الواضحات بل من ضروريات المذهب كعدم حجية القياس.
والجواب: أولاً ما حققناه من أن الاجماع لا يكون حجة إلا إذا احرز انه وصل من زمن المعصومين? يداً بيد وطبقة بعد طبقة، ولكن تقدم انه لا طريق لنا إلى احراز ذلك، هذا اضافة إلى أن الاجماع لو كان حجة لكان الدليل على حجيته دليل حجية خبر الواحد، فإذن كيف يمكن الاستدلال به على عدم حجية خبر الواحد.
وثانياً ان اجماعه معارض باجماع الشيخ الطوسي، فانه? قد ادعى اجماع الطائفة على حجية خبر الواحد في المسائل الفقهية خلافاً للسيد? رغم انه معاصر له، لان كليهما من تلامذة الشيخ المفيد? وبعد وفاة الشيخ المفيد تلمذ الشيخ عند السيد ? ( )، فالنتيجة أن شيئاً من الاجماعين غير ثابت.
وثالثاً ان ما ذكره? من الاجماع مقطوع البطلان، لما سياتي في ضمن البحوث القادمة من ان سيرة المتشرعة القطعية جارية على العمل باخبار الاحاد الثقة، على اساس ان هذه السيرة هي سيرة العقلاء المرتكزة في الاذهان، ولكن بعد امضاء الشارع لها، اصبحت سيرة المتشرعة، وعلى هذا فحيث ان هذه السيرة دليل قطعي، فهي تكذب ما ادعاه السيد? من الاجماع على عدم العمل بها جزماً، ومن هنا يمكن ان تكون دعوى السيد? الاجماع في المسألة مبنية على احد أمور:
الأول: ان يكون مراده? من خبر الواحد صنف خاص منه وهو الخبر الضعيف في مقابل خبر الثقة.
وفيه ان خبر الضعيف وان لم يكن حجة، إلا أنه من جهة عدم الدليل على حجيته لا أن الاجماع من الفقهاء قام على عدم حجيته اوضرورة المذهب.
الثاني: أن تكون دعواه الاجماع مبنية على الاجتهاد والحدس أو تطبيق قاعدة عامة على المسألة، كقاعدة ان مقتضى الاصل الاولي عدم حجية الظن.
وفيه ان الكلام في المقام ليس في هذه القاعدة، بل الكلام إنما هو في خروج مسألة حجية خبر الواحد عن هذه القاعدة.
الثالث يحتمل ان تكون دعواه الاجماع على عدم حجية خبر الواحد مطلقاً مبنية على اعتقاده بقطعية سند الروايات الموجودة في الكتب الاربعه، وهذا الاعتقاد منه? يكون سبباً لانكار حجية خبر الواحد وظن ان غيره أيضاً يقول بذلك.
وفيه انه لا منشأ لهذا الاحتمال.
فالنتيجة أن ما ذكره السيد المرتضى? من دعوى الاجماع على عدم حجية خبر الواحد لا أساس له ولا يرجع إلى معنى محصل.
الوجه الثاني: الروايات الواردة في المسألة وهي على طوائف:
الطائفة الأولى: تدل على عدم حجية خبر الواحد إذا كان مخالفاً للكتاب أو السنة.
الطائفة الثانية: تدل على عدم حجية خبر الواحد إذا لم يكن موافقاً للكتاب أو السنة.
الطائفة الثالثة: تدل على عدم حجيته إذا لم يكن عليه شاهد من الكتاب أو السنة.
ومقتضى الطائفة الأولى، ان حجية خبر الواحد منوطة بان لا يكون مخالفاً للكتاب أو السنة.
ومقتضى الطائفة الثانية، ان حجيته منوطة بان يكون موافقاً للكتاب أو السنة.
ومقتضى الطائفة الثالثة، ان حجيته منوطة بان يكون عليه شاهد من الكتاب أو السنة.
ونتيجة مجموع هذه الطوائف هي ان خبر الواحد بما هو خبر الواحد لا يكون حجة، لان مقتضاها أن حجيته منوطة بان يكون معنوناً باحد هذه العناوين:
1 ـ عدم المخالف للكتاب أو السنة.
2 ـ الموافق للكتاب أو السنة.
3 ـ عليه شاهد من الكتاب أو السنة، وإلا فلا يكون حجة، أو فقل ان مقتضى هذه الروايات بطوائفها الثلاث، ان خبر الواحد بعنوانه الأولي لا يكون حجه، وأما إذا كان معنوناً بعنوان ثانوي وهو عنوان الموافق للكتاب أو السنة أو الشاهد عليه من الكتاب أو السنة، فيكون الحجة في الحقيقة هي الكتاب أو السنة دون خبر الواحد هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان الاستدلال بهذه الطوائف الثلاث منوط بكونها قطعية الصدور تفصيلاً أو اجمالاً، وإلا فلا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية خبر الواحد، وإلا لزم من فرض الحجية لها عدم حجيتها وهو محال.
ثم انه لاشبهة في أنها ليست قطعية الصدور تفصيلاً، وأما أجمالاً فقد يقال بأنها غير بعيدة، لان مجموع هذه الطوائف الثلاث يبلغ من الكثرة بمقدار يعلم اجمالاً بصدور بعضها عن المعصومين?، وفي مثل ذلك يؤخذ بالقدر الجامع بين هذه الطوائف الثلاث وهو المتيقن صدوره، وفي المقام يكون الجامع اخص هذه الطوائف واخصها الطائفة الأولى، لان الرواية المخالفة للكتاب أو السنة تتضمن العنوانين للطائفتين الآخريين أيضاً، لان الرواية المخالفة للكتاب أو السنة لا تكون موافقة لهما ولا يكون عليها شاهد منهما.
والخلاصة ان هذه الطوائف لو فرض أنها متواترة اجمالاً، فالمتعين هو الاخذ بالطائفة الأولى، على اساس أنها واجدة لخصوصيات الجميع، فتكون قدراً مشتركاً بين الكل، وحينئذٍ فهذه الطوائف لا تدل على عدم حجية خبر الواحد إلا إذا كان مخالفاً للكتاب أو السنة، وعليه فتكون النتيجة أخص من المدعى، لان مدعى المنكرين عدم حجية خبر الواحد مطلقاً، هذا بناء على القول بأنها متواترة اجمالاً، ولكن الظاهر أنها لم تبلغ حد التواتر، بإعتبار أنها لا تتجاوز عن ست أو سبع روايات، فإذا لم تبلغ تلك الطوائف إلى حد التواتر، فلا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية خبر الواحد، لان الاستدلال بها يتوقف على حجيتها، فإذا فرض انها حجه، لزم من فرض حجيتها عدم حجية اخبار الاحاد، والمفروض أنها من اخبار الاحاد، فإذن يلزم من فرض حجيتها عدم حجية نفسها وهو مستحيل.
نعم لو كان هناك دليل خاص يدل على حجية هذه الطوائف خاصة، فحينئذٍ لا مانع من الاستدلال بها على عدم حجية اخبار الاحاد إذا لم تكن موافقة للكتاب أو السنة أو لم يكن عليها شاهد منهما أو كان مخالفالهما، ولكن هذا مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، حيث لا يوجد دليل خاص كذلك، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان هذه الروايات بتمام طوائفها اجنبية عن الدلالة على عدم حجية اخبار الاحاد وذلك لامور:
الأول: ان الطائفة التي تدل على عدم حجية ما لايوافق الكتاب أو السنة، هل هي عبارة أخرى عن الطائفة الأولى أو الاعم منها؟
والجواب، الظاهر ان ما لا يوافق الكتاب أو السنة عبارة اخرى عن المخالف لاحدهما، على اساس ظهور القضية السالبة في سلب المحمول لا في الاعم منه ومن سلب الموضوع، فالنتيجة أن المراد من الطائفة الأولى والثانية واحد، وهو ان الخبر المخالف للكتاب أو السنة لا يكون حجة.
الثاني: ان مخالفة خبر الواحد للكتاب أو السنة على انحاء:
1 ـ ان تكون المخالفة بنحو التباين.
2 ـ ان تكون بنحو العموم من وجه.
3 ـ ان تكون بنحو العموم المطلق.
ثم انه لا شبهة في ان المراد من المخالفة في هذه الروايات المخالفة على النحو الأول والثاني دون الثالث، وذلك لوجود قرائن تنص على ذلك:
القرينة الأولى، أنه لا شبهة في ان الروايات المخالفة لاطلاق الكتاب أو السنة أو عمومهما قد صدرت من النبي الاكرم? والائمة الطهار? جزماً وفي كل أبواب الفقه، فإذن بطبيعة الحال يكون المراد من المخالفة في تلك الروايات المخالفة على النحو الأول أو الثاني، فإن مثل هذه المخالفة لا يمكن صدوره من النبي الأكرم? والأئمة الاطهار?.
القرينة الثانية، ان التحاشي والاستنكار في هذه الروايات عن صدور المخالف للكتاب أو السنة، يدل بوضوح على ان المراد من المخالفة، المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه، حيث قد ورد فيها تارة بلسان ان كل حديث مردود إلى كتاب الله، فما لم يوافقه فهو زخرف وباطل، واخرى بلسان ان ما خالف كتاب الله لم اقله وهكذا، ومن الواضح ان هذا اللسان لا ينطبق الاعلى المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه، ضرورة أنه لا شبهة في صدور المخالف للكتاب أو السنة منهم? بنحو العموم المطلق في أبواب الفقه كافة، ولا معنى للاستنكار والتحاشي عنه لانه معلوم الصدور في الخارج.
القرينة الثالثة، ان المخالف لا طلاق الكتاب أو عمومه لا يعد في العرف العام مخالفاً له، ومن هنا لا يرى العرف التنافي بين القرينة وذيها لامكان الجمع الدلالي العرفي بينهما، لان القرينة بنظر العرف مفسرة للمراد من ذيها، والمفروض أن الخاص والمقيد والاظهر والنص والحاكم كل ذلك يكون بنظر العرف قرينة لبيان المراد من العام والمطلق والظاهر والمحكوم.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان المراد من المخالفة في تلك الروايات، المخالفة بنحو التباين أو العموم من وجه ولا تشمل المخالفة بنحو العموم المطلق، فإذن يكون مفاد هذه الروايات، أن الروايات المخالفة للكتاب
أو السنة بنحو التباين أو العموم من وجه زخرف وباطل ولم تصدر من النبي الأكرم? والأئمة? ولهذا لا ترتبط بمحل الكلام في المسألة وهي حجية خبر الواحد.
الثالث: ان مدلول الطائفة الثالثة عدم حجية الخبر الذي لا شاهد عليه من الكتاب أو السنة.
والجواب، أن هذه الطائفة نفسها لا تخلو من ان عليها شاهداً من الكتاب أو السنة أو لا، وعلى الثاني لا يمكن الاستدلال بها على عدم حجية اخبار الاحاد التي لا شاهد عليها من الكتاب أو السنة، لفرض أنها من تلك الاخبار، فإذن يلزم من فرض حجيتها عدم حجيتها، لان مدلولها عدم حجية الاخبار التي لا شاهد عليها من الكتاب أو السنة، والمفروض أنها من هذه الاخبار.
وبكلمة ان مفاد هذه الطائفة كغيرها قضية حقيقية، والحكم فيها مجعول للموضوع المقدر وجوده في الخارج، وهو الخبر الواحد الذي لا شاهد عليه من الكتاب أو السنة، وعدم الحجية مجعول له وهو يعم هذه الطائفة أيضاً، لانها خبر الواحد لا شاهد عليه من الكتاب أو السنة، فإذن عدم الحجية مجعول لها أيضاً، وهذا معنى انه يلزم من فرض حجيتها عدم حجيتها، وكل ما يلزم من فرض وجوده عدمه فوجوده محال.
وعلى الثاني وان كانت لها مزية، وهي ان عليها شاهد من الكتاب أو السنة، إلا أنه ليس هنا دليل خاص يدل على حجية اخبار الاحاد التي عليها شاهد من الكتاب أو السنة، لان عمدة الدليل على حجية اخبار الاحاد السيرة العقلائية وهي جارية على حجية اخبار الثقة مطلقاً، أي سواء أكان عليها شاهد من الكتاب أو السنة أم لا.
هذا اضافة إلى انه اريد بالشاهد نص الكتاب والسنة، فيرد عليه أن لازم ذلك عدم حجية جميع الروايات التي ليس عليها شاهد من نص الكتاب أو السنة وهو كما ترى، لوضوح ان اخبار الثقة حجة وان لم يكن عليها شاهد من الكتاب أو السنة فضلاً عن كون الشاهد نص الكتاب أو السنة.
وان اريد به اعم منه ومن عموم الكتاب واطلاقه، فيرد عليه ان لازم ذلك عدم حجية الاخبار التي لا يكون عليها شاهد من الكتاب أو السنة اصلاً، والاخبار التي تكون مخالفة لعموم الكتاب أو السنة أو اطلاقهما وهو كما ترى، ضرورة أن اخبار الثقة حجة بالسيرة القطعية من العقلاء الممضاة شرعاً، سواء اكانت موافقة لعموم الكتاب أو السنة أو مخالفة له على تفصيل يأتي في ضمن البحوث القادمة، وهذه الطائفة باطلاقها لا تصلح ان تعارض السيرة التي هي دليل قطعي على حجية اخبار الثقة، فإذن لابد من حملها على صورة التعارض بين الاخبار وتقديم ما عليه شاهد من الكتاب أو السنة على ما لا شاهد عليه منهما، وهذا معنى تقديم الخبر الموافقة للكتاب أو السنة على الخبر المخالف له في مقام التعارض، لان موافقه الكتاب من احدى مرجحات باب المعارضة.
بقي هنا شيء وهو انه قد جاء في تقرير بحث السيد الاستاذ? ما حاصله:
من انا لو سلمنا دلالة هذه الطائفة على عدم حجية كل خبر واحد لا شاهد عليه من الكتاب أو السنة، ولكنها عندئذ تكون معارضة للدليل الدال على حجية اخبار الثقة، وحيث ان نسبة ذلك الدليل إلى هذه الطائفة نسبة الخاص إلى العام، فيخصصها بغير اخبار الثقة( ).
وغير خفي ان هذا لعله من سهو القلم، لان النسبة بينهما عموم من وجه لا عموم مطلق، حيث ان كلا منهما خاص من جهة وعام من جهة أخرى، أما الدليل الدال على حجية اخبار الثقة، فهو خاص من جهة اختصاصه باخبار الثقة وعام من جهة ان عليها شاهداً من الكتاب أو السنة أو لا، وأما هذه الطائفة فهي خاصة من جهة اختصاصها بالاخبار التي عليها شاهد من الكتاب أو السنة وعامة من جهة أنها اخبار الثقة أو لا، فإذن يكون مورد الاجتماع الاخبار الثقة التي ليس عليها شاهد من الكتاب أو السنة، فإن مقتضى الدليل المذكور حجيتها ومقتضى هذه الطائفة عدم حجيتها.
فالنتيجة أنا لو سلمنا دلالة هذه الطائفة على عدم حجية اخبار الاحاد إذا لم يكن عليها شاهد من الكتاب أو السنة، لكانت بينها وبين دليل حجية اخبار الثقة معارضة، لان النسبة بينهما عموم من وجه لا عموم مطلق، ولكن مع ذلك لابد من تقديم دليل الحجية على إطلاق هذه الطائفة، لانه ناص في حجية اخبار الثقة في مورد الاجتماع وهو يتقدم على اطلاقها فيه، ومن هنا فالصحيح ما ذكرناه من انه لابد من حمل هذه الطائفة على صورة التعارض وانها في مقام بيان المرجح لاحد الخبرين المتعارضين على الخبر الآخر.
الوجه الثالث: الآيات الناهية عن العمل بالظن وبغير العلم والعمدة آيتان:
الأولى، قــوله تعــالى: ?وَإِنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئاً?( )، وتقــريب الاستدلال بهذه الآية الكريمة أن المراد من الظن مطلق الامارات التي لا تفيد إلا الظن بالواقع منها اخبار الاحاد، فإذن تشمل الآية المباركة باطلاقها خبر الواحد وان كان ثقة ومفادها الإرشاد إلى عدم حجية الظن.
وقد اجيب، بإن الآية وردت في ذم الكفار الذين يتبعون الظن ويعتمدون على الاجتهادات والتخمينات الظنية لا على العلم بالواقع، فالآية في مقام استنكار هذه الطريقة وبيان أنها لا تجدي ولا تغني عن الواقع، وليس مفادها قاعدة شرعية تأسيسية وهي عدم حجية الظن في أصول الدين التي يكون المطلوب فيها الوصول إلى الواقع، فإذن الآية اجنبية عن الدلالة على عدم حجية الظن في الفروع.
ولكن هذا الجواب غير صحيح، لان الآية المباركة وان كان موردها ذم طريقة الكفار الذين يعولون في المسائل على الظنون بالتخمينات والاجتهادات إلاّ ان المورد لا يكون مخصصاً، لوضوح ان مفاد الآية الكريمة الارشاد إلى عدم جواز التعويل على الظن بما هو ظن لا في الاصول ولا في الفروع ولا سيما الظن الحاصل من الاجتهادات والتخمينات.
ودعوى ان المراد من الحق الواقع، ومن الواضح ان الظن لا يكون موصولاً إليه وان كان حجة، مدفوعة بان المراد من الحق ما ينبغي العمل على طبقه، لان الحق في كل مورد بحسبه، فالحق في الاحكام الاعتقادية هو الوصول إلى الواقع، ولهذا لا يكفي الظن فيها وان كان حجة، والحق في الاحكام العملية هو العمل بها المؤمن من العقوبة، ومن الطبيعي ان الظن بعد حجيته منجز للواقع إذا اصاب ومؤمن إذا اخطأ.
وبكلمة ان المطلوب في الاحكام الاعتقادية الوصول إلى لب الواقع، وفي الاحكام العملية الامن من العقاب والادانة لا الوصول إلى الواقع، والظن بما هو ظن كما لا يكون موصلاً إلى الواقع كذلك لا يكون مؤمناً أيضاً، ومفاد الآية الكريمة ان الظن بما هو لا يجدي ولا يغني لا في الاصول ولا في الفروع، لا انه لا يغني ولا يجدي حتى فيما إذا كان حجة، إذ لا اطلاق للآية من هذه الناحية، وعلى هذا فإن كان الظن حجة فهو، وان كان لا يغني في أصول الدين باعتبار ان المطلوب فيها الايصال إلى الواقع جزماً إلا انه يغني في الفروع، والآية لا اطلاق لها بالنسبة إلى الظن إذا كان حجة شرعاً، لان ظاهر الآية ان الظن بما هو ظن لا يغني لا بما هو حجة.
فالنتيجة أن مفاد الآية الكريمة ليس نفي الحجية عن الظن حتى تصلح ان تعارض ما دل على حجيته، بل مفادها ان الظن بنفسه لا يكون حجة كالقطع، وعلى هذا فإذا كان هناك دليل يدل على حجيته، فالآية لا تنافيه لانها ساكتة وغير ناظرة إلى حجيته لا نفياً ولا إثباتاً.
الثانية قوله تعالى: ?وَلا تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ?( )، فإنه يدل على عدم جواز اتباع غير العلم، وحيث ان خبر الواحد غير العلم فلا يجوز اتباعه، وعلى هذا فمفاد الآية الكريمة ارشاد إلى عدم حجية ما لا يفيد العلم كخبر الواحد ونحوه.
وقد اجيب عن ذلك بأن القفو في الآية المباركة قد فسر في اللغة بالبهتان والقذف، ويؤكد ذلك التعليل بقوله تعالى: ?إِنَّ السَّمْعَ وَالْبَصَرَ وَالْفُؤَادَ كُلُّ أُولئِكَ كَانَ عَنْهُ مَسْؤُولاً?( )، وعليه فتكون الآية اجنبية عن محل الكلام.
ولكن هذا الجواب لا يتم، لان المنهي عنه في الآية الكريمة الاقتفاء وهو بمعنى الاتباع، فإذن تدل الآية على عدم جواز اتباع غير العلم الشامل لخبر الواحد هذا.
والصحيح في المقام ان يقال، ان مفاد الآية المباركة النهي عن اتباع غير العلم، بمعنى انه لا يجوز جعل غير العلم كخبر الواحد دليلاً وسنداً في المسألة بما هو، وعلى هذا فالآية لا تنافي ما دل على حجية خبر الواحد، لان اتباع خبر الواحد حينئذٍ من جهة العلم بحجيته لامن جهة أنه غير العلم، وعلى هذا فدليل حجية اخبار الاحاد لا ينافي الآية الكريمه، لان الآية تدل على عدم جواز اتباع خبر الواحد بملاك انه غير العلم، ودليل الحجية يدل على ان وجوب اتباعه بملاك العلم بحجيته.
وبكلمة ان اتباع خبر الواحد يتصور على نحوين:
الأول: اتباعه وجعله سنداً ودليلاً على اساس انه ظن.
الثاني: اتباعه وجعله سنداً ودليلاً على اساس انه حجة.
والآية الشريفة تنهي عن اتباعه بما انه ظن لا بما انه حجة، ولهذا لا تنافي بين دليل الحجية والآية المباركة، فإن الآية تدل على عدم جواز اتباع خبر الواحد بما أنه ظن، ودليل الحجية يدل على وجوب اتباعه بما انه حجة، والمفروض ان الآية لا تنفي وجوب العمل به إذا كان حجة، لانها ساكتة من هذه الجهة نفياً وإثباتاً.
والخلاصة ان المراد من الموصول في الآية الشريفة الشيء المجهول وغير المعلوم وهو يشمل خبر الواحد أيضاً، وعليه فتدل الآية على عدم جواز اتباعه وجعله سنداً ودليلاً طالما يكون المكلف غير عالم به، ولا تنفي جواز اتباعه إذا كان عالماً بحجيته.
ودعوى ان النهي في الآية الكريمة أرشاد إلى عدم حجية ما لا يكون بعلم كخبر الواحد، فإذن تنافي الآية دليل حجية خبر الواحد.
مدفوعه بأن ظاهر الآية المباركة ان النهي فيها نهي تشريعي لا ارشادي ومفاده انه لا يجوز جعل ما ليس بعلم سنداً ودليلاً لانه تشريع ومحرم.
فالنتيجة في نهاية الشوط ان ما استدل به على عدم حجية خبر الواحد من الوجوه لا يتم شيء منها.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان مفاد الآية المباركة إرشاد إلى عدم حجية ما ليس بعلم كخبر الواحد، فعندئذٍ هل تصلح الآية ان تعارض أدلة الحجية؟
والجواب، أنها لا تصلح لذلك، إذ لابد من تقديم أدلة الحجية عليها، وإنما الكلام في ان هذا التقديم هل هو من باب الحكومة أو التخصيص، فيه قولان، والصحيح هو القول الثاني.
وقد اختار القول الأول المحقق النائيني? وتبعه فيه السيد الاستاذ?، وقد افاد في وجه ذلك ان المجعول في باب الامارات الطريقية والكاشفية والعلم التعبدي، وعلى هذا فاخبار الثقة بمقتضى ادلة حجيتها علم تعبداً، فإذا كانت علماً، فهي رافعة لموضوع الآية المباركة تعبداً فتكون حاكمة عليها( ).
ولكن قد ذكرنا في ضمن البحوث السالفة وسنذكره ان عمدة الدليل على حجية اخبار الثقة هي السيرة القطعية العقلائية الجارية على العمل بها الممضاة شرعاً، وحيث ان سيرة العقلاء جارية على العمل باخبار الثقة دون اخبار غيرها، فبطبيعة الحال لا يمكن ان تكون جزافاً وبلا نكتة، للفرق بين اخبار الثقة واخبار غيرها وتلك النكتة هي، ان اخبار الثقة اقوى كشفاً عن الواقع واقرب طرقاً إليه من اخبار غيرها، ولا يكون من قبل الشارع إلا امضاء هذه السيرة، ويكفي في الامضاء السكوت وعدم ورود الردع عنها، فإذن لا يكون هناك جعل من قبل الشارع حتى يكون المجعول الطريقية والكاشفية، هذا اضافة إلى ما ذكرناه سابقاً من ان جعل الطريقية والكاشفية شرعاً لاخبار الثقة غير معقول ثبوتاً على تفصيل تقدم، ومن هنا يظهر وجه صحة القول الثاني في المسألة، هذا تمام الكلام في المرحلة الأولى.
وأما الكلام في المرحله الثانية: فيقع في ادلة القائلين بحجية خبر الواحد، وهي أربعة: الكتاب والسنة والاجماع والعقل.
أما الكتاب فبآيات:
منها قـوله تعـالى: ?إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُـوا أَن تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَـالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ?( ).
يقع الكلام في الآية في جهات ثلاث:
الجهة الأولى: في دلالة الآية الشريفة على حجية خبر العادل بمفهوم الشرط.
الجهة الثانية: في دلالتها على حجيته بمفهوم الوصف
الجهة الثالثة: على تقدير دلالة الآية على حجية خبر العادل، فهل هناك مانع عن الاخذ بها أو لا؟
وأما الكلام في الجهة الأولى: فبتقريب ان الآية الكريمة مشتملة على القضية الشرطية وهي قوله تعالى: ?إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا?.
والقضية الشرطية تتضمن عنصران اساسيان:
العنصر الأول، أرتباط الحكم المجعول في القضية بموضوعها وهو ارتباط شخصي ولهذا يكون عقلياً، على اساس ان الحكم لا يتصور بدون موضوع. العنصر الثاني، ارتباط الحكم المجعول فيها بالشرط، وهذا الارتباط يكون وراء ارتباطه بالموضوع في القضية، ولهذا يكون مولوياً لا عقلياً، ويترتب على هذا ان المرتبط بالشرط يكون طبيعي الحكم لاشخص الحكم المجعول في القضية.
وبكلمة ان دلالة القضية الشرطية على المفهوم في مقام الاثبات تتوقف على ان يكون ارتباط الحكم الذي هو مفاد الجزاء بالشرط مولوياً وراء ارتباطه بموضوعه، بمعنى ان الحكم لا يتوقف ذاتاً على الشرط كما يتوقف على موضوعه كذلك، ولكن المولى قد علق الحكم في القضية على الشرط، ولهذا يكون ارتباطه به مولوياً لا عقلياً، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان الحكم المعلق على الشرط طبيعي الحكم وسخنه لا شخص الحكم المجعول في القضية، لانه مرتبط بالموضوع ذاتاً ولا يعقل ارتباطه ثانياً بشيء آخر أيضاً، والالزم تعدده وهو خلف، فإذن بطبيعة الحال يكون المعلق على الشرط طبيعي الحكم الجامع بين شخص الحكم المجعول في القضية وبين فرد آخر المماثل له.
والخلاصة أن ارتباط الجزاء بالشرط حيث انه مولوى وراء ارتباطه بالموضوع، فبطبيعة الحال تدل القضية الشرطية على المفهوم وهو انتفاء الجزاء عند انتفاء الشرط. فإذا قال المولى ان جاءك زيد فاكرمه، فإنه يدل على المفهوم وهو انتفاء وجوب الاكرام بانتفاء الشرط وهو المجيء.
لحد الآن قد تبين ان الميزان في دلالة القضية الشرطية على المفهوم ان يكون تعليق الجزاء على الشرط مولوياً وراء تعليقه على الموضوع الذي هو عقلي.
وبعد ذلك نقول ان دلالة القضية الشرطية في الآية الكريمة على المفهوم منوطة بالأمور التالية:
الأول: ان الموضوع في القضية الشرطية النبأ والشرط فيها مجيء الفاسق والجزاء وجوب التبين.
الثاني: ان ارتباط الجزاء بالموضوع حيث انه شخص الجزء المجعول في القضية فيكون عقلياً.
الثالث: ان ارتباط الجزءا بالشرط حيث انه وراء ارتباطه بالموضوع فيكون مولوياً، فإذن لا محالة يكون المرتبط بالشرط طبيعي الحكم لا شخصه فإنه مرتبط بالموضوع، فلا يعقل ارتباطه ثانياً بالشرط وإلا لزم تعدده وهذا خلف، فإذن بطبيعة الحال يكون المعلق على الشرط طبيعي وجوب التبين، فإذا كان الطبيعي، فلا محالة تدل القضية الشرطية على المفهوم وهو انتفاء سنخ الحكم بانتفاء الشرط وإلا لكان التعليق لغوا.
والخلاصة ان تعليق الحكم في القضية على الشرط إذا كان مولوياً، فلا محالة يكون مبنياً على نكتة وتلك النكتة متمثلة في أمرين:
الأول، ان يكون المعلق طبيعي الحكم لافرده، لانه مرتبط بموضوعه وينتفي بانتفائه، ومعه لا يمكن ارتباطه بالشرط أيضاً، فإذن بطبيعة الحال يكون المرتبط بالشرط طبيعي الحكم.
الثاني، انه ينتفي بانتفاء الشرط وإلا لكان التعليق لغواً، وهذا معنى ان المفهوم هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى ان وجوب التبين هل هو وجوب نفسي أو غيري أو شرطي أو ارشادي؟
والجواب ان الاحتمال الاول وهو الوجوب النفسي غير محتمل، بداهة ان التبين عن خبر الفاسق ليس من احد الواجبات في الشريعة المقدسة.
وأما الاحتمال الثاني وهو الوجوب الغيري، فقد اختاره المحقق العراقي?، بدعوى ان وجوب التبين عن خبر الفاسق وجوب غيري مقدمي، لانه مقدمة للعمل به، والمراد بالتبين تحصيل الظن لا العلم ولا الاطمئنان، وإلا فحينئذٍ يكون العمل بالعلم أو الاطمئنان لا بخبر الفاسق( ).
ويرد عليه أولاً: أن ارداة الظن من التبين خلاف الظاهر، لان معنى التبين الوضوح والعلم، وحمله على الظن بحاجة إلى عناية زائدة.
ثانياً: أن الظن لا يكون حجة حتى يكون تحصيله واجباً، بل قد يفيد خبر الفاسق الظن بنفسه بلا حاجة إلى التبين، فلو كان التبين من أجل تحصيل الظن، فلا بد من تقييد وجوب التبين عن خبر الفاسق بما إذا لم يفد الظن وإلا لم يجب.
وثالثاً: ان العمل بخبر الفاسق لا يكون واجباً لا شرعاً ولا عقلاً حتى تجب مقدمته، نعم إذا كان خبر الفاسق متكفلاً للحكم إلالزامي في الشبهة الحكمية، فعندئذٍ يجب الفحص على اساس ان الشبهة حكمية، ولا يجوز الرجوع فيها إلى الاصل المؤمن إلا بعد الفحص عن الدليل فيها، وليس الفحص عن خبر الفاسق وانه صادق أو كاذب، إذ لا طريق لنا إلى ذلك بل الفحص إنما هو عن وجود الدليل على صحة مدلوله، فإذا لم يوجد فالمرجع أصالة البراءة عنه، فإذن يكون خبر الفاسق منشأ للشبهة، ومن هنا إذا كان خبر الفاسق منشأ للشبهة المضوعية، فلا يجب الفحص عنها، وان كان مدلوله حكماً الزامياً أو كان منشأً للشبهة الحكمية ولكن مدلوله لم يكن حكماً الزامياً، فإنه لا يجب الفحص عنه.
فالنتيجة أن وجوب الفحص إنما هو بملاك كون الشبهة حكمية لا بملاك كون منشأ الخبر، خبر فاسق.
وأما الوجوب الشرطي، فقد اختاره شيخنا الأنصاري? بتقريب، ان حجية خبر الفاسق مشروطة بالتبين والفحص، بينما حجية خبر العادل لا تكون مشروطة به، وإن شئت قلت ان العمل بخبر الفاسق بدون التبين غير جائز.
وأما العمل بخبر العادل بدون التبين، فهل هو جائز مطلقاً أو غير جائز كذلك.
والجواب انه لا يمكن الالتزام بالثاني، والا لزم كون خبر العادل أسوأ حالاً من خبر الفاسق وهو كما ترى، فإذن يتعين الأول، وهذا معنى ان حجية خبر العادل غير مشروطة بالتبين، وعلى هذا فالآية تدل بضميمة هذه المقدمة على جواز العمل بخبر العادل مطلقاً( ).
والجواب ان التبين لا يمكن ان يكون شرطاً لحجية خبر الفاسق بل التبين إنما هو لتحصيل العلم أو الاطمئنان بالمسألة وعدم الاعتداد بخبر الفاسق والغائه، فإنه ان حصل العلم أو الاطمئنان بالمسألة فالعمل به، وإلا فالمرجع فيها الاصول العملية.
فالنتيجة انه لا يمكن ان تكون حجية خبر الفاسق مشروطة بالعلم بمطابقته للواقع أو الاطمئنان، ضرورة ان جعل الحجية له في هذه الحالة يكون لغواً، لان العمل حينئذٍ إنما هو بالعلم أو الاطمئنان لا بالخبر هذا.
فالصحيح ان وجوب التبين وجوب ارشادي فيكون ارشاداً إلى عدم حجية خبر الفاسق، كما ان عدم وجوب التبين عن خبر العادل ارشاد إلى حجيته.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي ان الآية الكريمة تدل على عدم حجية خبر الفاسق بالمنطوق مباشرة وعلى حجية خبر العادل بالمفهوم كذلك هذا.
وقد اورد على دلالة الآية المباركة على حجية خبر العادل بوجوه عمدتها وجهان:
الوجه الأول: ان القضية الشرطية في الآية الكريمة مسوقة لبيان تحقق الموضوع، ومن الواضح ان الشرط في القضية الشرطية إذا كان نفس الموضوع فيها أو قيده المقوم فلا يدل على المفهوم، لان حال الشرط عندئذٍ حال اللقب.
بيان ذلك ان القضية الشرطية متقومة بعناصر ثلاثة:
العنصر الأول موضوع القضية.
العنصر الثاني الشرط في القضية.
العنصر الثالث الجزاء في القضية.
ثم ان الشرط في القضية قد يكون مغايراً للموضوع فيها ذاتاً ووجوداً، مثل قولنا <ان جاءك عالم فاكرمه>، فإن الموضوع لوجوب الأكرام في القضية العالم والشرط فيها المجيء وهما متغايران في الخارج، فلا يكون الشرط عين الموضوع فيه ولا قيده المقوم له ولا محققاً له في ضمن فرد بل هما متباينان ذاتاً ووجوداً، وقد يكون الشرط محققاً للموضوع في الخارج، كما في مثل قولنا <ان رزقت ولداً فاختنه>، فإن الموضوع في القضية الولد والشرط فيها رزق الولد وهو عين الموضوع في الخارج، ولا فرق بينهما إلا بالاعتبار كالفرق بين الايجاد والوجود.
وبكلمة ان الشرط في القضية الشرطية يتصور على انحاء:
الأول ان يكون الشرط عين الموضوع في الخارج كالمثال المذكور وكقولنا إذا طلعت الشمس فالنهار موجود، وما شاكله.
الثاني ان يكون الشرط محققاً للموضوع بنحو العلية أو ملازماً له في الوجود الخارجي بحيث ينتفي الموضوع بانتفائه.
الثالث ان يكون الشرط من أحد اسباب وجوده في الخارج، بمعنى ان وجوده لا يتوقف على وجود الشرط في الخارج، فإنه كما يوجد بوجوده كذلك يوجد بوجود غيره.
الرابع ان يكون الشرط مغايراً للموضوع وجوداً وذاتاً ويكون من الحالات الطارئة على الموضوع كقولنا ان جاءك زيد فاكرمه أو ما شاكله.
وعلى هذا فإن كانت القضية الشرطية على النحو الأول فهي مساوقة للقب، كقولنا أكرم زيداً ولا تدل على المفهوم أصلاً، لما تقدم من أن دلالة القضية الشرطية على المفهوم منوطة بأن يكون تعليق مفاد الجزاء على الشرط مولوياً وراء تعليقه على الموضوع الذي هو عقلي، فإذا كان الشرط عين الموضوع في الخارج كقولنا إن رزقت ولداً فاختنه أو ما شاكله، فالمعلق على الشرط حينئذٍ شخص الحكم المجعول في القضية وهو عقلي لا مولوي، ومن الطبيعي ان انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه أمر عقلي ولا يرتبط بالمفهوم، لان المفهوم عبارة عن انتفاء سنخ الحكم المجعول في القضية.
ومن هنا لا تكون القضايا الشرطية المسوقة لبيان تحقق موضوعها في الخارج من القضايا الشرطية الواقعية بل هي من القضايا الشرطية صورة لاروحاً، وان كانت القضية الشرطية على النحو الثاني فأيضاً لا تدل على المفهوم، لان دلالتها عليه منوطة ببقاء الموضوع في كلتا الحالتين هما حالة وجود الشرط وحالة انتفائه حتى يقع البحث عن دلالة القضية على ان الحكم ينتفي عن الموضوع بانتفاء شرطه أو لا، وأما إذا كان الموضوع ينتفي بانتفاء الشرط، فلا مجال لهذا البحث، لان انتفاء الحكم بانتفاء الموضوع عقلي وقهري لا يرتبط بدلالة القضية على المفهوم.
وان كانت القضية الشرطية على النحو الثالث، فلا مانع من دلالتها على المفهوم، على اساس ان الموضوع في القضية لا ينتفي بانتفاء الشرط، باعتبار انه من أحد اسباب وجوده في الخارج وله اسباب اخرى فيه أيضاً، وعلى هذا فلا مانع من تعليق سنخ الحكم المجعول في القضية على الشرط وراء تعليقه بموضوعه فيها.
وإن كانت القضية الشرطية على النحو الرابع، فلا اشكال في دخولها في محل الكلام في المسألة.
وبعد ذلك نقول أما القسم الأول والثاني من القضية الشرطية فهو خارج عن محل الكلام، وأما القسم الثالث والرابع فهو داخل في محل الكلام.
وعلى هذا فننظر إلى القضية الشرطية في الآية الكريمة، وهل هي من قبيل القسم الثالث من القضية الشرطية أو من القسم الرابع؟
والجواب انها من قبيل القسم الثالث، بمعنى انه يمكن تطبيق هذا القسم عليها دون القسم الرابع، بتقريب ان الموضوع في الآية الكريمة طبيعي النبا، والشرط فيها إنما اوجد حصة منه وهي النبأ الذي جاء به الفاسق، وله فرد آخر يوجد بسبب آخر وهو الذي جاء به العادل، وعلى ذلك فمعنى الآية الشريفة ان كان الجائي بالنبأ فاسقاً وجب التبين، وإن كان عادلاً لم يجب، وقد تقدم ان وجوب التبين عند مجيء الفاسق بالنبأ، ارشاد إلى عدم حجيته، وعدم وجوب التبين عند مجيء العادل به، إرشاد إلى حجيته.
وبكلمة ان الشرط في الآية المباركة سبب لايجاد فرد من الموضوع، وهنا اسباب اخرى لايجاد سائر افراده في الخارج، ولهذا لا ينتفي الموضوع بانتفاء الشرط، لان المنتفي بانتفاء الشرط، فرد من الموضوع لانفس الموضوع.
وقد اورد على ذلك المحقق الاصفهاني?، بأنه لو كان المراد من النبأ في الآية الكريمة طبيعي النبأ لانبأ الفاسق، فبطبيعة الحال حينئذٍ ينحل وجوب التبين المتعلق به بانحلال افراده ويسري منه إلى تمام افراده في الخارج، ولازم ذلك ان الفاسق إذا اخبر عن نبأ وجب التبين مطلقاً حتى من نبأ العادل، باعتبار انه من افراد طبيعي النبأ، وهذا خلاف الوجدان والضرورة، ولهذا لا يمكن ان يكون موضوع وجوب التبين طبيعي النبأ بل حصة خاصة منه وهي نبأ الفاسق، فإذن ينتفي الموضوع حينئذٍ بانتفاء الشرط، باعتبار ان الشرط محقق لموضوع الحكم فلا مفهوم له.
والخلاصة ان موضوع وجوب التبين في الآية لو كان طبيعي النبأ، فحيث انه مشروط بمجيء الفاسق به، فبطبيعة الحال إذا جاء الفاسق به، وجب التبين عن كل فرد من افراده، وان كان نبأ العادل، باعتبار ان شرط وجوب التبين عن طبيعي النبأ قد تحقق وهو مجيء الفاسق به.
ثم اجاب? عن ذلك، بان المراد من الطبيعي ليس الطبيعة المطلقة بنحو الجمع بين تمام القيود، بحيث يكون المراد منه الطبيعة المتحققة في ضمن نبأ الفاسق والعادل معاً، بل المراد منه الطبيعة اللابشرط القسمي، بمعنى عدم لحاظ قيد معها أي طبيعي النبأ الغير الملحوظ معه نسبة إلى الفاسق ولا عدمها، وان هذا الطبيعي يتخصص من قبل المعلق عليه وهو الشرط وجوداً وعدما، لانه يتخصص بحصة بمجيء الفاسق به وهي موضوع وجوب التبين ويتخصص بحصة اخرى بعدم مجيئه به وهي موضوع لعدم وجوب التبين.
وملخص هذا الجواب ان موضوع وجوب التبين ليس طبيعي النبأ بل حصة خاصة، وهي نبأ الفاسق، وموضوع عدم وجوب التبين حصة اخرى منه وهي متمثلة في نبأ العادل وموضوع الشرط في القضية طبيعي النبأ، بمعنى انه وارد على الطبيعي وهو يتخصص بهاتين الحصتين بمجيء الفاسق به وعدم مجيئه به( ).
وفيه، ان هذا الجواب غير تام، لان مرده إلى ان موضوع وجوب التبين حصة خاصة من النبأ وهي نبأ الفاسق، وأما عدم وجوب التبين فهو لا يحتاج إلى الموضوع، إذ يكفي فيه عدم تحقق موضوع الوجوب، وبكلمة ان الحصة مباينة لحصة اخرى، فإذا كان موضوع وجوب التبين حصة من النبأ وهي نبأ الفاسق، فإذن يكون موضوع وجوب التبين في الآية نبأ الفاسق لا طبيعي النبأ، ولا معنى للقول بأن موضوع وجوب التبين في الآية طبيعي النبأ وحصة منه موضوع له في المنطوق وحصة منه موضوع لعدمه في المفهوم، فإن معنى هذا ان موضوع المنطوق غير موضوع المفهوم وهذا مما لا يمكن إلا لتزام به، لان الموضوع لابد ان يكون واحداً في المنطوق والمفهوم، والاختلاف إنما هو في تعليق الجزاء على احدى حالات الموضوع، وأما إذا كان الموضوع متعدداً، فيكون الجزاء معلقاً على موضوع في جانب المنطوق غير الموضوع في جانب المفهوم، فمثل هذه القضية الشرطية لا مفهوم لها، لان مفهومها السالبة بانتفاء الموضوع، نعم إذا كان الموضوع في القضية الشرطية جزئياً لاكلياً، كقولنا ان جاءك زيد فاكرمه، فإن الموضوع في طرفي المنطوق والمفهوم زيد ولا يتصور ان يكون متعدداً، غاية الأمر ان الجزاء معلق على احدى حالاته وهي مجيئه، فإنه من حالاته ولا ينتفي الموضوع بانتفائها ولا من مقوماته، بينما إذا كان الموضوع كلياً، فقيده الموجب لتخصصه بحصة خاصة مقوم للحصة، لا انه من حالاتها غير المقومة.
ويمكن ان يجاب عن ذلك، بان موضوع وجوب التبين في الآية المباركة طبيعي النبأ وهو ينحل بانحلاله، فيثبت وجوب التبين لكل نبأ مشروطاً بمجيء الفاسق به لا مطلقاً، لا أن مجيء الفاسق بالنبأ شرط لوجوب التبين لكل نبأ وان كان نبأ العادل.
والخلاصة ان وجوب التبين لاينحل بانحلال النبأ مطلقاً بل بما هو مشروط بمجيء الفاسق به، فإذن وجوب التبين المنحل بانحلال النبأ مشروط ثبوته بمجيء الفاسق به، فإذا جاء به وجب التبين عنه وإلا فلا.
وفيه ان هذا الجواب مبني على ان كل قيد في مقام الاثبات لا يرجع لبا إلى الموضوع، وفي المقام مجيء الفاسق قيد للوجوب لا للموضوع في الآية، فإن الموضوع فيها طبيعي النبأ لا حصة خاصه منه وهي نبأ الفاسق.
ولكن هذا المبنى صحيح إذا كان الشرط من حالات الموضوع في القضية، وأما إذا كان الشرط مقوماً ومخصصاً له بحصة خاصة فلا يتم، والمقام كذلك، لان الموضوع في الآية إذا فرض انه طبيعي النبأ، فبطبيعة الحال يكون مجيء الفاسق به موجباً لتخصصه بحصة خاصة وهي نبأ الفاسق في الواقع، فإذن لا يمكن ان يكون وجوب التبين ثابتاً لطبيعي النبأ وإلا لزم وجوب التبين عن كل نبأ وان كان نبأ العادل، فلا محالة يكون ثابتاً الحصة خاصة منه وهي نبأ الفاسق، فإذن لا مفهوم للاية المباركة، لان مفهومها السالبة بانتفاء الموضوع.
فالنتيجة، ان هذا الجواب تام إذا كان موضوع القضية الشرطية جزئياً، وأما إذا كان كليا كما هو المفروض في المقام، فهو لا يتم مطلقاً.
تحصل مما ذكرناه انه لا يمكن ان يكون للآية المباركة مفهوم، لان دلالتها عليه تتوقف على ان يكون موضوع وجوب التبين طبيعي النبأ وهو لا يمكن كما عرفت.
وقد أورد السيد الاستاذ? على دلالة الآية على المفهوم بأنها ظاهرة عرفاً في بيان تحقق الموضوع لا في تعليق الجزاء على الشرط بعد الفراغ عن تحقق الموضوع، وقد أفاد في وجه ذلك ان الموضوع في الآية الكريمة نبأ الفاسق والشرط هو مجيء الفاسق به، وعلى هذا فوجود الشرط سبب لوجود الموضوع وعلة له، وعندئذٍ فبطبيعة الحال ينتفي الموضوع بانتفائه، فلا يكون تعليق الجزاء على الشرط حينئذٍ مولوياً وراء تعليقه على الموضوع وزائداً عليه، لان وجوب التبين عن نبأ الفاسق، يتوقف عقلاً على وجوده في الخارج وهو يتوقف على مجيئه به، هذا نظير قولك <ان اعطاك زيد درهماً تصدق به>، فإن موضوع وجوب التصدق لا يتحقق إلا بالاعطاء، والمفروض ان وجوب التصدق يتوقف على وجود الدرهم عنده عقلاً.
فالنتيجة ان الموضوع في القضية إذا انتفى بانتفاء الشرط، فلا موضوع للنزاع فيها، فإن محل النزاع إنما هو فيما إذا كان الموضوع في القضية باقياً في كلتا الحالتين، هما حالة وجود الشرط وحالة انتفائه، وأما إذا انتفى الموضوع فيها بانتفاء الشرط، فهي كالقضية المسوقة لبيان تحقق الموضوع ولا مفهوم لها.
ثم انه? قد عدل عن ذلك واختار ان الآية الكريمة تدل على المفهوم، وقد افاد في وجه ذلك ان الشرط في الآية المباركة مركب من أمرين:
أحدهما النبأ والآخر كون الفاسق جائياً به، والأول موضوع للحكم المذكور في طرف الجزاء وهو وجوب التبين، باعتبار انه متوقف عليه عقلاً.
والثاني وهو كون الجائي به فاسقاً شرط، وحيث ان الجزاء لا يتوف عليه، فبطبيعة الحال يكون تعليقه عليه مولوياً وراء تعليقه على موضوعه، وعلى هذا فالآية تدل على المفهوم وهو انتفاء وجوب التبين عند انتفاء كون الجائي به فاسقاً، نظير ما إذا قال المولى <ان جاءك زيد وكان عالماً فاستقبله>، فإن الشرط في هذه القضية الشرطية مركب من أمرين، أحدهما مجيء زيد والآخر كونه عالماً، والأول موضوع لوجوب الاستقبال، باعتبار انه متوقف عليه عقلاً، والثاني شرط ولا يتوقف عليه الجزاء عقلاً ويكون تعليقه عليه مولوياً، فدلالة القضية في المثال على المفهوم إنما هي باعتبار الجزء الثاني وهو كونه عالماً لا باعتبار الجزء الأول( ) هذا.
ويمكن المناقشة فيه ثبوتاً وإثباتاً.
وأما إثباتاً، فلان ما ذكره? خلاف ظاهر الآية الكريمة عرفاً، لان ظاهرها ان الموضوع نبأ الفاسق خاصة لا طبيعي النبأ، وعلى هذا فارادة الطبيعي بحاجة إلى قرينة داخلية أو خارجية ولا توجد القرينة على ذلك.
أما عدم وجود القرينة الخارجية فهو واضح.
وأما الداخلية فهي تبتني على توفر أحد الأمرين:
الأول ان يكون النبأ معرفاً بالام لكي يدل التعريف على افتراض وجود النبأ في مرتبة سابقه وبقطع النظر عن تعليق الجزاء على الشرط، بان يكون تعليق الجزاء على الشرط في طول النسبة بين الموضوع والمحمول في القضية وفي مرتبة متأخرة عنها.
ولكنه غير معرف باللام في الآية المباركة، فلا يدل على ذلك.
الثاني: ان يكون الموضوع مقدماً على الشرط، بأن تكون الآية هكذا مثلاً النباء إذا جاءكم فاسق به فتبينوا، فإن تقديم الموضوع في مثل الآية الكريمة يدل على انه فرض وجود الموضوع في المرتبة السابقة على تعليق الجزاء على الشرط، وحيث ان النبأ في الآية متاخر عن الشرط لا مقدم، فلا تدل الآية على فرض وجوده في المرتبة السابقة بل الظاهر منها انه وجد بوجود الشرط.
والخلاصة أن الآية الكريمة ظاهرة في ان موضوع وجوب التبين حصة خاصة من النبأ وهي نبأ الفاسق ولا قرينة فيها على ان المراد منه طبيعي النباء.
أما ثبوتاً، فلان دلالة القضية الشرطية على المفهوم ترتبط ثبوتاً بامور:
الأول، أن يكون الشرط قيداً لمفاد الهيئة في طرف الجزاء أي قيداً للحكم لا للموضوع وإلا لكان حاله حال اللقب فلا تدل القضية على المفهوم.
الثاني، ان يكون تعليق الجزاء على الشرط متفرعاً على فرض وجود الموضوع وارتباط الجزاء به في المرتبة السابقة، فإذا قال المولى ان جاءك عالماً فاكرمه، فإنه ظاهر في ان المولى لاحظ وجود العالم وارتباط وجوب الاكرام به في المرتبة السابقة ثم علق وجوبه على مجيئه الذي هو شرط، وعلى هذا فلو كان الشرط مسوقاً لبيان تحقق موضوع القضية، فليس هنا إلا ارتباط واحد وهو ارتباط الجزاء بالموضوع، لان الشرط هو الموضوع.
والخلاصة أن الجمع في القضية الشرطية بين الموضوع والشرط في لحاظ واحد غير ممكن، لان لحاظ الشرط في طول لحاظ الموضوع ومتفرع عليه، وإلا كان الشرط هو الموضوع لا شيء آخر متفرع عليه.
الثالث ان يكون تعليق الجزاء على الشرط مولوياً وبعناية من المولى لاذاتياً.
ثم ان هذه العناصر الثلاثة وان كانت مختلفة في الصورة ولكنها متحدة في الجوهر، لان الشرط إذا كان قيداً للحكم، فمعناه انه غير الموضوع في القضية، فإذا كان غيره فلا محالة يكون ملحوظاً في طول لحاظ الموضوع ومتفرعاً عليه، فإذا كان الأمر كذلك، فبطبيعة الحال يكون تعليق الجزاء على الشرط مولوياً لا عقلياً.
وبعد ذلك ننظر إلى الآية الكريمة وهل تتوفر العناصر الثلاثة المعتبرة في دلالة القضية الشرطية على المفهوم فيها.
والجواب أنها غير متوفرة فيها، لان ظاهر الآية المباركة ان الشرط قيد للموضوع ومسوق لتحققه وملحوظ بلحاظه فليس شيئاً آخر غيره، فإذن لا يكون تعليق الجزاء عليه مولوياً وراء تعليقه على الموضوع، بل تعليقه عليه تعليق على الموضوع، فيكون عقلياً لا مولوياً، وعلى هذا فالآية الكريمة فاقدة لشروط دلالة القضية الشرطية على المفهوم.
ثم ان ما ذكره السيد الاستاذ? من أن الشرط في الآية المباركة مركب من جزئين:
أحدهما موضوع في القضية، والثاني شرط قد علق الجزاء عليه، فلا يمكن المساعدة عليه، لان الشرط لا يعقل ان يكون مركباً من جزئين، لوضوح ان الشرط ان كان مسوقاً لبيان تحقق الموضوع فهو عين الموضوع في الخارج، والفرق بينهما بالاعتبار كالفرق بين الايجاد والوجود، وعليه فلا يكون الشرط مركباً، وحينئذٍ فبطبيعة الحال يكون تعليق الجزاء عليه من تعليقه على الموضوع لا على الشرط وراء تعليقه على الموضوع وان لم يكن مسوقاً لبيان تحقق الموضوع بأن يكون غيره، وحينئذٍ فبطبيعة الحال يكون تعليق الجزاء عليه وراء تعليقه على موضوعه ويكون مولوياً لا عقلياً لعدم توقفه عليه ذاتاً وعقلاً.
أو فقل ان الشرط إذا كان اجنبياً عن الموضوع، فبطبيعة الحال يكون لحاظه في طول لحاظ الموضوع وبعد الفراغ عنه، ولهذا لا يمكن الجمع بينهما في لحاظ واحد، ومن هنا يظهر انه لا يمكن ان يكون الشرط مركباً، إلا ان يكون مراده? من المركب، المركب الصوري بمعنى ان في القضية الشرطية أمرين:
أحدهما الموضوع فيها والآخر الشرط، والتعبير بالمركب مبني على التسامح، ولهذا كان ينبغي للسيد الاستاذ? ان يقول ان الموضوع في الآية الكريمة ذات النبأ والشرط هو كون الجائي به فاسقاً لا ان الشرط مركب من جزئين.
لحد الآن قد تبين ان الآية المباركة ظاهرة في ان الشرط فيها مسوق لبيان تحقق الموضوع ولا مفهوم لها وان حالها حال القضية الحملية المركبة من الموضوع والمحمول هذا.
ومن هنا يظهر ان العجب ما ذكره المحقق الخراساني? من ان الشرط في القضية مسوق لبيان تحقق الموضوع، ومع ذلك التزم بدلالة الآية الكريمة على حجية خبر العادل، بدعوى ان مفهومها حينئذٍ وان كان السالبة بانتفاء الموضوع، ولكن مع هذا تدل الآية على حجية خبر العادل بنكتة هي:
دلالة الآية حينئذٍ على حصر وجوب التبين بخبر الفاسق، فإن لازم ذلك انتفاؤه عن خبر العادل.
وجه الظهور ان الآية الكريمة إذا كانت ظاهرة في ان الشرط فيها مسوق لبيان تحقق الموضوع، كان مفادها القضية الحملية ويكون مفادها وجوب التبين عن خبر الفاسق بدون النظر إلى خبر العادل لا نفياً ولا إثباتاً، باعتبار انه موضوع آخر، فإذن كيف تدل الآية على نفي وجوب التبين عن خبر العادل، لان هذه الدلالة منوطة بتوفر أحد أمرين:
الأول، دلالة الآية على المفهوم، بان يكون الشرط قيداً للحكم لا للموضوع. الثاني ان تكون الآية مشتملة على اداة الحصر، والمفروض عدم توفر شيء من الامرين في الآية، فإذن لا دلالة لها على نفي وجوب التبين عن خبر العادل أصلاً( )، فالنتيجة أن ما افاده المحقق الخراساني? غير تام.
وقد يشكل في دلالة الآية الشريفة على المفهوم، بأن مفادها الأرشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق، ومرد الارشاد إلى الاخبار عن انه ليس بحجة، والقضية الشرطية إذا كانت خبرية فلا تدل على المفهوم، وعلى هذا فحيث ان مفاد الآية الكريمة الاخبار ولا تكون متكفلة لحكم شرعي مولوي، فلا تدل على المفهوم هذا.
والجواب ان المعيار في دلالة القضية الشرطية على المفهوم إنما هو بتوفر امور: الأول ان يكون الشرط غير الموضوع في القضية.
الثاني ان يكون ارتباط الجزاء بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع، وهذا معنى أن الشرط يكون قيداً للحكم.
الثالث ان يكون هذا الارتباط مولوياً، فإذا توفرت هذه الامور في القضية الشرطية، دلت القضية على المفهوم سواء كان مفادها حكماً مولوياً أم كان ارشادياً.
وعلى هذا فالموضوع في الآية الشريفة إن كان طبيعي النبأ المفروض وجوده في المرتبة السابقة وكان الشرط فيها مجيء الفاسق به، لكانت الآية الشريفة دالة على المفهوم، وحينئذٍ فإذا فرض أن الآية نزلت هكذا ان كان الجائي بالنبأ فاسقاً لم يكن نباؤه حجة، وان كان عادلاً كان حجة فتدل على المفهوم، باعتبار ان الآية لو كانت بهذه الصيغة لكانت ظاهرة في ان الموضوع هو طبيعي النبأ، ولكن تقدم ان هذا البيان غير تام من ناحية اخرى، وهي ان الموضوع في الآية لا يمكن ان يكون طبيعي النبأ، لان الشرط فيها مقوم للموضوع ومخصص للطبيعي بحصة خاصة وهي نبأ الفاسق، وهذه الحصة هي الموضوع للجزاء في الآية، ولهذا لا تدل القضية على المفهوم، لان مفهومها السالبة بانتفاء الموضوع، ثم ان الآية وان كان مفادها الارشاد، ولكن فيه اعمال المولوية وليس ارشاداً صرفاً حتى يكون مفادها اخباراً نظير الأوامر الواردة في ابواب العبادات والمعاملات، فإن مفادها وان كان الارشاد إلى الجزئية والشرطية والمانعية، إلا أن فيه اعمال المولوية وهي جعل الجزء والشرط والمانع فيها.
وأما إذا كانت القضية الشرطية خبرية صرفة، فأيضاً تدل على المفهوم إذا توفرت فيها العناصر الثلاثة، فما في هذا الاشكال من الفرق بين ان يكون مفاد القضية الشرطية اخباراً وبين ان يكون مفادها انشاءً، فعلى الأول تدل على المفهوم دون الثاني لا وجه له، لان المناط في دلالة القضية الشرطية على المفهوم توفر العناصر الثلاثة المذكورة سواء أكانت انشائية أم اخبارية، غاية الامر إذا كانت اخبارية فتعليق الاخبار على الشرط يكون مولوياً وراء تعليقه على الموضوع في القضية، وإذا كانت انشائية فتعليق الانشاء على الشرط كذلك.
فالنتيجة انه لا فرق في دلالة القضية الشرطية على المفهوم بين كونها انشائية أو اخبارية، كما أنه لا فرق في عدم دلالتها على المفهوم إذا كانت مسوقة لبيان تحقق الموضوع بين كونها انشائية أو اخبارية، كما انه لا فرق بين أن تكون القضية الشرطية سالبة أو موجبة.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتائج:
الأولى: ان دلالة القضية الشرطية على المفهوم منوطة بان يكون ارتباط الجزاء بالشرط وراء ارتباطه بالموضوع، وان يكون هذا الارتباط مولوياً وان يكون المرتبط بالشرط طبيعي الحكم لا شخص الحكم المجعول في القضية، فإنه مرتبط بالموضوع فلا يعقل ارتباطه بالشرط أيضاً، ولازم ذلك انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط.
الثانية: الصحيح ان وجوب التبين وجوب ارشادي لا نفسي ولا غيري ولا شرطي، لان الآية ظاهرة في الارشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق منطوقاً وإلى حجية خبر العادل مفهوماً لو كان لها مفهوم.
الثالثة: ان القضية الشرطية في الآية الكريمة مسوقة لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم لها، لان الموضوع فيها نبأ الفاسق ومجيء الفاسق به محقق له، ودلالة القضية الشرطية على المفهوم متقومة بان يكون الشرط غير الموضوع فيها، وبانتفائه لا ينتفي الموضوع.
الرابعة: ان الشرط في القضية الشرطية يتصور على انحاء.
الأول: أن يكون عين الموضوع فيها.
الثاني: ان يكون محققاً له، كما إذا كان الشرط علة أو ملازماً له في الوجود.
الثالث: أن يكون الشرط من أحد اسباب وجود الموضوع في الخارج.
الرابع: أن يكون الشرط مغايراً للموضوع واجنبياً عنه.
فإذا كان الشرط من قبيل الأول والثاني، فهو خارج عن محل البحث في المسألة ولا تدل القضية الشرطية على المفهوم. وأما إذا كان من قبيل الثالث والرابع، فهو داخل في محل النزاع.
الخامسة: أن ما ذكره السيد الاستاذ? من أن الشرط في الآية المباركة مركب من أمرين:
الأول: النبأ.
الثاني: مجيء الفاسق به، وتعليق وجوب التبين على الجزء الأول عقلي وعلى الثاني مولولي، فلهذا تدل الآية على المفهوم غير تام ثبوتاً وإثباتاً كما تقدم.
السادسة: أن الآية الكريمة إذا كان مفادها الارشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق فلا تدل على المفهوم، لان مرد الارشاد إلى الاخبار والقضية الشرطية إذا كانت خبرية فلا مفهوم لها، ولكن تقدم أنه لا اساس لذلك، لان ملاك دلالة القضية الشرطية على المفهوم توفر شروطها بلا فرق بين كونها خبرية أو انشائية، هذا اضافة إلى ان مفاد الآية ليس هو الارشاد المحض بل فيه أعمال المولوية.
الوجه الثاني: التمسك بالآية الكريمة بمفهوم الوصف.
ويمكن تقريب ذلك باحد الوجهين:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الاستاذ? من ان الوصف يدل على المفهوم ولكنه ليس كمفهوم الشرط، لان مفهوم الشرط انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط كما تقدم.
وأما مفهوم الوصف، فلا يكون انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الوصف، بل هو تخصيص الحكم بحصة خاصة من الموضوع وهي الحصة المقيدة بالوصف، فإذا قال المولى أكرم العالم العادل، دل تقييد العالم بالعدالة على ان وجوب الأكرام لم يثبت لطبيعي العالم وان كان فاسقاً وإلا كان قيد العدالة لغواً وبلا فائدة، فإذن لا محالة يكون وجوبه ثابتاً لحصة خاصة من العالم وهي العالم العادل، وهذا هو معنى دلالة القضية الوصفية على المفهوم، وعلى هذا فبمقتضى مفهوم الوصف ان وجوب التبين في الآية الكريمة مختص بحصة خاصة من النبأ وهي نبأ الفاسق لا طبيعي النبأ وإلا كان القيد في الآية لغواً، وهذا نتيجة ظهور القيد في الاحتراز.
ثم اورد? على هذا التقريب بان الوصف إنما يدل على المفهوم إذا احرز انه علة منحصره للحكم في القضية لكي يدل على انحصار الحكم به، وعلى هذا فالاستدلال بالاية على مفهوم الوصف منوط باحراز ان وصف الفسق علة منحصرة لوجوب التبين ولا قرينة على ذلك لا في نفس الآية ولا من الخارج، فإذن لا تدل الآية على انحصار وجوب التبين بخبر الفاسق لكي تدل على عدم وجوبه عن خبر غير الفاسق( ).
وفيه أو لا، أن الوصف إذا كان علة منحصرة لسنخ الحكم المجعول في القضية، دل على المفهوم بمقتضى دلالته على الحصر، فيكون هذا من مفهوم الحصر لا مفهوم الوصف.
وثانياً، أن ما ذكره? من المفهوم للوصف، ليس مفهوماً مصطلحاً عند الاصوليين، لان المفهوم المصطلح عندهم للقضية الشرطية أو غيرها نفي سنخ الحكم المجعول في القضية عن موضوعها عند انتفاء احدى حالاته المتمثلة في الشرط أو الوصف، وعليه فما ذكره السيد الاستاذ? من المفهوم للوصف مجرد اصطلاح.
بيان ذلك ان المولى إذا قيد موضوع القضية بقيد، كما إذا قال أكرم عالماً عادلاً، كان القيد ظاهراً في الاحتراز، بمعنى انه يدل على ان موضوع الحكم المجعول في القضية حصة خاصة من العالم وهي العالم العادل، لا الطبيعي المطلق الجامع وإلا كان القيد لغواً.
ومن الواضح ان انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية بانتفاء موضوعه عقلي وليس من المفهوم في شيء، لان المفهوم مستند إلى الدلالة اللفظية كالمنطوق، وعلى هذا فالمجعول في الآية الكريمة شخص وجوب التبين لحصة خاصة من الخبر وهي خبر الفاسق، وانتفاؤه بانتفائه عقلي لاصلة له بدلالة اللفظ على المفهوم، لان المفهوم عبارة عن انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط ونحوه.
فالنتيجة: ان الوصف في الآية لا يدل على المفهوم.
الوجه الثاني: ان وجوب التبين في الآية المباركة قد علق على خبر الفاسق، فلو كان ثابتاً حتى لخبر العادل وان كان بجعل فرد آخر من وجوب التبين له، لكان التقييد بالفسق لغواً، فإذن هذا التقييد يدل على انتفاء جعل فرد آخر من وجوب التبين لموضوع آخر كخبر العادل بانتفائه، لان الفرد الثابت لخبر الفاسق لا يمكن ثبوته لخبر العادل، فلو كان ثابتاً له فلا محالة يكون فرد آخر مماثل للفرد المجعول لخبر الفاسق.
والجواب، ان هذا الوجه وان كان صحيحاً كبروياً، لما ذكرناه في مبحث المفاهيم من أن الوصف يدل على المفهوم بنحو القضية المهملة المساوقة للجزئية، ولكن هذه الكبرى لا ينطبق على الآية الكريمة، لان وجوب التبين فيها وجوب ارشادي، فيكون ارشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق بدون النظر إلى أن خبر العادل حجة أو لا، نعم لو كان وجوب التبين وجوباً تكليفياً، فعندئذٍ تقييده بمجيء الفاسق بنبأ وتعليقه عليه يدل على أنه غير ثابت عند مجيء العادل به في الجملة وإلا كان تقييده بمجيء الفاسق به لغواً.
وان شئت قلت ان وجوب التبين ان كان وجوباً تكليفياً، فعندئذٍ تدل الآية على عدم وجوب التبين عن خبر غير الفاسق في الجملة، وإلا كان التقييد بخبر الفاسق لغواً. وأما إذا كان وجوب التبين وجوباً أرشادياً، فلا مفهوم لها أصلاً، لان مفادها الارشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق، وأما خبر غير الفاسق، فهل هو حجة أو لا، فالآية ساكته عنه نفياً وإثباتاً.
الوجه الثالث: ما ذكره شيخنا الانصاري?، من انه إذا اجتمع في الخبر وصفان.
أحدهما: الوصف الذاتي وهو الخبرية.
الثاني: الوصف العرضي وهو كونه خبر الفاسق، فإذا كان الوصف الذاتي علة لوجوب التبين، فلا يصح تعليله بالوصف العرضي، فإنه بمثابة تعليل نجاسة البول مثلاً بملاقاته للدم وهو كما ترى، وفي المقام إذا كان الوصف الذاتي سبباً لوجوب التبين، فلا مجال للتعليل بالوصف العرضي، مع ان ظاهر الآية الكريمة ان سبب وجوب التبين الوصف العرضي دون الذاتي، وبكلمة آخرى ان علة وجوب التبين ان كان الوصف الذاتي، فلا فرق في وجوبه بين خبر الفاسق وخبر العادل لانهما مشتركان في هذا الوصف، مع ان ظاهر الآية الكريمة ان علة وجوب التبين فسق المخبر لاخبرية الخبر، لوضوح ان الآية تدل على إناطة وجوب التبين بكون المخبر فاسقاً، فإذن علة وجوب التبين الوصف العرضي لا الذاتي، هذا اضافة إلى أن الوصف الذاتي لو كان يصلح للعلية، فلا يصل الدور إلى التعليل بالوصف العرضي.
ودعوى ان مجموع الوصفين علة لوجوب التبين.
مدفوعة بان ذلك خلاف ظاهر الآية الكريمة، لان ظاهرها ان الوصف العرضي تمام العلة، فإن اناطة وجوب التبين بالوصف العرضي، تدل على انه العلة له ولا دخل للوصف الذاتي به( ) هذا.
وقد نوقش فيه بمناقشتين:
الاولى: ان كلا الوصفين عرضي لا ان احدهما عرضي والآخر ذاتي، فكما ان فسق المخبر وصف عرضي له فكذالك خبرية الخبر، وعلى هذا فكل منهما يصلح في نفسه ان يكون علة لوجوب التبين، ولا يلزم من علية أحدهما لوجوب التبين عدم صلاحية الآخر للعلية.
والجواب أولاً، أن هذه المناقشة غريبة جداً، لانها مبنية على الخلط بين الذاتي باب المنطق وهو الجنس والفصل والذاتي باب البرهان بمعنى لوازم الشيء، ومن الواضح ان مراد الشيخ ? من الذاتي ليس الذاتي باب المنطق، بل مراده من الذاتي باب البرهان أي لوازم الشيء الذي لا ينفك عنه في مقابل الوصف العرضي الذي قد ينفك عن معروضه، مثلاً نجاسة الدم ذاتية بمعنى أنها ليست جنسه أو فصله بل هي وصف اعتباري ثابت له ولا ينفك عنه خارجاً.
ومن الطبيعي ان الوصف الذاتي إذا كان علة، لكان المعلول مستنداً إليه لا إلى الوصف العرضي، فلا تصل النوبة إلى الاستناد إليه.
وثانياً لو سلمنا إنه لا مانع من أن يكون كل منهما علة في عرض الآخر، إلا أن ظاهر الآية الكريمة إناطة وجوب التبين عن الخبر بوصف الفسق لا بوصف الخبرية، فإذن المناط إنما هو بظهور الآية، باعتبار انه حجة ولا يمكن رفع اليد عنه إلا بقرينة ولا قرينة في المقام.
فالنتيجة ان الآية المباركة تدل على أن وجوب التبين معلق على الوصف العرضي دون الذاتي.
الثانية: ان جعل وجوب التبين في الآية المباركة ثبوتاً لا يخلو من أن يكون مجعولاً للخبر مقيداً بكون المخبر فاسقاً أو مجعولاً له مطلقاً، أي بلا فرق بين كون المخبر فاسقاً أو عادلاً ولا ثالث لهما، لاستحالة الاهمال في الواقع ومقام الثبوت.
وعلى هذا فتقييد وجوب التبين عن الخبر في مقام الاثبات بكونه خبر فاسق في الآية الكريمة، لا يدل على انه علة له، لاحتمال ان هذا التقييد للتنبيه على فسق الوليد، وهذا الاحتمال يوجب اجمال الآية وعدم دلالتها على ان علة وجوب التبين فسق المخبر.
وهذه المناقشة أيضاً غريبة، لان التقابل بين الاطلاق والتقييد في مقام الثبوت لا يخلو من أن يكون من تقابل العدم والملكة أو التضاد أو الايجاب والسلب، وعلى الأول فمعنى الاطلاق عدم خاص وهو العدم في مقابل الملكة، وعلى الثاني فمعناه أمر وجودي وهو لحاظ عدم القيد، وعلى الثالث أمر عدمي وهو عدم لحاظ القيد، هذا ابحسب مقام الثبوت.
وأما في مقام الاثبات، فإذا قيد الجائي بالخبر في الآية المباركة بكونه فاسقاً، فلا يمكن ان يكون هذا التقييد جزافاً وبلا فائدة، فإذن بطبيعة الحال يدل على نكتة وهو كون الفسق علة لوجوب التبين، وأما كونه علة منحصرة له فلا، لان دلالة التقييد على ذلك منوطة بتوفر امرين:
الأول: ان يكون للقيد مفهوم.
الثاني: أن يكون القيد علة منحصرة، وكلا الأمرين غير متوفر.
أما الأول، فقد تقدم ان القيد لا يدل على المفهوم، وأما الثاني فلان القيد في نفسه لا يدل على الحصر، لان الحصر بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً، أما ثبوتاً فلانه بحاجة إلى لحاظ زائد على لحاظ ذات القيد، وأما إثباتا فلانه بحاجة إلى أداة الحصر لكي تدل عليه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان احتمال ان هذا التقييد لمجرد التنبيه على فسق الوليد بدون ان يكون له موضوعية غير محتمل، إذا لا تنافي بين ان يكون هذا التقييد تقييداً واقعياً موضوعياً وان يكون منبها على فسق الجائي أيضاً، لوضوح ان وجوب التبين مرتبط بفسقه وهو القيد لوجوب التبين في الآية ولاخصوصية لشخص الوليد، ضرورة أن عدم قبول قوله إنما هو من جهة أنه فاسق.
ومن هنا ذكر المحقق النائيني? ان مقصود الشيخ? هو ان المتفاهم العرفي من الآية الكريمة بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية ان علة وجوب التبين الوصف العرضي العرفي دون الذاتي، لان الوصف الذاتي لو كان علة مستقلة أو جزء العلة، لم يصح اناطة الحكم في الآية بالوصف العرضي، فإذن الآية تدل على ان علة وجوب التبين الوصف العرضي دون الذاتي، ومن الواضح ان مجرد اناطة وجوب التبين بالوصف العرضي لا تدل على المفهوم، لان الدلالة عليه كما مر تتوقف على توفر أمرين:
الأول: دلالة القيد على المفهوم، والمفروض انه لا يدل عليه.
الثاني: دلالة الآية على انه علة منحصرة لوجوب التبين.
ومن الواضح ان الآية لا تدل على ذلك، لان هذه الدلالة منوطة بوجود أداة الحصر فيها والمفروض أنها غير موجودة.
فإذن ما أفاده شيخنا الأنصاري? من التقريب لدلالة الوصف في الآية على المفهوم غير تام( ).
الوجه الرابع: ان المحقق الأصفهاني? قد ذكر ان دلالة الآية على حجية خبر العادل بمقتضى مفهوم الوصف تتوقف على مقدمتين:
المقدمة الأولى: ما ذكره? في حاشيته على الكفاية من أن في الآية الكريمة عدة احتمالات.
الأول: أن يكون كل من الوصف الذاتي، والوصف العرضي علة لوجوب التبين.
الثاني: أن يكون مجموع الوصفين علة له، بحيث يكون كل منهما جزء العلة لاتمامها.
الثالث: أن يكون أحدهما علة بعنوانه الاجمالي لا بعنوانه التفصيلي.
الرابع: ان يكون الوصف الذاتي علة دون الوصف العرضي.
الخامس: عكس ذلك، بان يكون الوصف العرضي علة دون الوصف الذاتي.
أما الاحتمال الأول، فهو خلاف الظاهر من الآية المباركة، إذ لو كان الوصف الذاتي علة لوجوب التبين، لكان ذكر الوصف العرضي في الآية لغواً، لان الوصف الذاتي حيث انه كان في المرتبة السابقة على الوصف العرضي، فبطبيعة الحال يستند وجوب التبين إليه في تلك المرتبة، فإذن لا محالة يكون ذكر الوصف العرضي في الآية لغواً.
وان شئت قلت: أن وصف الخبرية لو كان علة لوجوب التبين، فلا يعقل دخل الوصف العرضي فيه والالزم خلف فرض كون الوصف الذاتي دخيلاً فيه وعلة له، إذ معنى كونه علة له هو ان موضوع وجوب التبين طبيعي الخبر، سواء أكان الجائي به عادلاً أم كان فاسقاً، وحيث ان ظاهر الآية المباركة دخل الوصف العرضي في وجوب التبين دون الذاتي، فلا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور.
وأما الاحتمال الثاني، فهو أيضاً خلاف ظاهر الآية الكريمة، لان ظاهرها ان الوصف العرضي تمام العلة لا أنه جزء العلة، هذا إضافة إلى أنه لو كان جزء العلة، فأيضاً يكون وافياً بالمطلوب في المقام من الآية الشريفة وهو انتفاء وجوب التبين بانتفاء الفسق سواء أكان تمام العلة أم جزؤها، باعتبار ان العلة تنتفي بانتفاء أحد اجزائها.
وأما الاحتمال الثالث، فهو أيضاً خلاف ظاهر الآية المباركه، حيث ان ظاهرها كون الوصف العرضي بعنوانه علة لوجوب التبين لا أن العلة هي الجامع بينه وبين الوصف الذاتي بدون خصوصية له.
وأما الاحتمال الرابع، فقد ظهر حاله مما مر من ان الآية لا تدل على ان الوصف الذاتي علة لوجوب التبين اصلاً، وإنما تدل على ان الوصف العرضي علة له.
وأما الاحتمال الآخير، هو دلالة الآية على ان الوصف العرضي علة لوجوب التبين دون الذاتي، فهو المتعين في هذه الاحتمالات.
فالنتيجة: ان هذه المقدمة تنفي احتمال كون العلة لوجوب التبين في الآية الشريفة الوصف الذاتي، ولكنها لا تنفي احتمال وجود علة عرفية أخرى له.
المقدمة الثانية: فإذا فرض احتمال وجود علة عرفية أخرى لوجوب التبين في الآية، فهل حينئذٍ يكون كل واحد منهما بعنوانه الخاص علة مستقلة أو أن العلة هي الجامع بينهما.
والجواب انه لا يمكن الالتزام بشيء منهما.
أما الأول: فلانه يستلزم صدور الواحد عن الكثير وهو مستحيل، لان وجوب التبين وجوب واحد ولا يمكن ان يكون المؤثر فيه متعدداً، والا لزم صدور معلول واحد من علل متعددة وهو محال.
وأما الثاني: فلان ظاهر الآية الشريفة أن الوصف العرضي بعنوانه الخاص واسمه المخصوص علة لوجوب التبين لا أن العلة الجامع بينه وبين غيره، فإن لازمه الغاء خصوصية الوصف العرضي وهو خلاف الظاهر، فإذا بطل كلا الأمرين المفروضين، ثبت ان علة وجوب التبين منحصرة في الوصف العرضي، وبهذه المقدمة تثبت نفي احتمال وجود علة عرفية أخرى لوجوب التبين، وبضمها إلى المقدمة الأولى، يثبت انحصار علة وجوب التبين بالوصف العرضي، فإذا ثبت انحصار العلة به، دل على المفهوم وهو انتفاء وجوب التبين عن الخبر بانتفاء الفسق عن المخبر، ونتيجة ذلك حجية خبر العادل( )، هذا.
وللمناقشة فيه مجال وذلك، لان ما افاده? من تطبيق كبرى استحالة صدور الواحد عن الكثير على المقام غير صحيح، لان المقام ليس من صغريات هذه الكبرى، لان الكبرى المذكورة وان كانت مسلمة في واقع العلل والمعاليل التكوينية الخارجية، لاستحالة وجود الشيء في الخارج بدون وجود علة فيه، لان مبدأ العلية مبدأ عام أولي للاشياء التكوينية الواقعية كافة، واستحالة وجود شيء بلا علة، كما ان مبدأ السنخية والعلاقة الذاتية بين العلل والمعاليل مبدأ عام أولي، فلا يتصور تأثير شيء في شيء بدون هذه العلاقة وإلا لزم تأثير كل شيء في كل شيء.
ونتيجة ذلك انهيار التام لنظام العالم بأسره وهو كما ترى، ولهذا لا يكون المعلول اجنبياً عن العلة بل هو من مراتب وجودها النازلة، ومن هنا يستحيل صدور الواحد بالنوع من العلل المتعددة المتباينة، وإلا لزم تأثير كل شيء في كل شيء وهو خلاف الضرورة والوجدان، لان الواحد بالشخص لابد ان يصدر من الواحد بالشخص سنخاً، والواحد بالنوع لابد ان يصدر من الواحد بالنوع كذلك، بداهة أن وحدة الأثر تكشف عن وحدة المؤثر، ولكن المقام ليس من صغريات هذه الكبرى ولا صلة له بها نهائياً، لان نسبة شرط الحكم إليه ليست نسبة العلة إلى المعلول بل نسبة الموضوع إليه، والموضوع ما أخذ من قبل الشارع مفروض الوجود في مرحلة الجعل، وعلى هذا فإن اريد من الحكم الجعل، فهو فعل اختياري للمولى ويجعله على موضوع مفروض الوجود لا أنه معلول للموضوع ومتأثر منه، لان التأثير والتأثر لا يتصور في الامور الاعتبارية التي لا واقع موضوعي لها ما عداً وجودها في عالم الاعتبار والذهن باعتبار المعتبر.
وان اريد به الحكم الفعلي بمعنى ان فعليته في الخارج معلولة لفعلية موضوعه فيه.
فيرد عليه أولاً: ان الحكم بما هو اعتبار بالحمل الشايع، يستحيل ان يصير فعلياً في الخارج وموجوداً فيه وإلا لكان خارجياً، وهذا خلف فرض كونه أمراً اعتبارياً.
وثانياً: ان المراد من فعلية الحكم بفعلية موضوعه في الخارج، فعلية فاعليته ومحركيته للمكلف وداعويته له وهي امر تكويني لا اعتباري.
فالنتيجة أن ما افاده? في المقام غريب من مثله? هذا، ولكن يظهر منه في بحث مفهوم الوصف التردد في تطبيق هذه القاعدة على المقام.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجه، وهي ان الآية المباركة لا تدل على المفهوم أي على حجية خبر العادل لا بمفهوم الشرط ولا بمفهوم الوصف.
وأما الكلام في الجهة الثالثة: وهي أنا لو سلمنا دلالة الآية الكريمة بالمفهوم على حجية خبر العادل، فهل هناك مانع عن الآخذ بدلالتها على حجيته، فيه وجهان: فذهب جماعة إلى الوجه الأول بقرينة أن تعليل وجوب التبين بعدم اصابة القوم بجهالة، يدل على ان علة المنع عن العمل بخبر الفاسق الجهل وعدم العلم بالواقع لافسقه، وهذه العلة مشتركة بين خبر الفاسق والعادل، فكما ان خبر الفاسق ليس بعلم فكذلك خبر العادل، والعبرة إنما هي بعموم العلة وهو مانع عن ظهور الآية في المفهوم.
وقد اجيب عن ذلك بوجوه:
الوجه الأول: أن عموم التعليل وان كان ينافي دلالة الآية على المفهوم، إلا أنه لابد من تقديم المفهوم على عموم التعليل، باعتبار ان نسبة المفهوم إليه نسبة الخاص إلى العام، لان التعليل باطلاقه يشمل خبر الفاسق والعادل معاً، فإذن لابد من تقييد اطلاقه بغير خبر العادل تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على المقيد والعام على الخاص.
وللمناقشة فيه مجال، لان الخاص إنما يتقدم على العام إذا كان بنظر العرف قرينة لبيان المراد النهائي الجدي منه كما هو الغالب، وأما إذا كان لسان العام أو المطلق في مورد لسان الحكومة والتفسير للمراد الجدي من الخاص أو المقيد، فلابد من تقديمه عليه من باب تقديم الدليل الحاكم على الدليل المحكوم، وإن كان الدليل المحكوم اخص من الدليل الحاكم على أساس ان النسبة لا تلحظ بين دليلي الحاكم والمحكوم.
وأما في المقام فلو كان التعليل في آية مستقلة منفصلة عن آية النبأ، لامكن القول بتقديم المفهوم على عموم العلة، إذ على هذا لا يكون قوله تعالى ان لا تصيبوا قوماً بجهالة علة لوجوب التبين في الآية الاخرى، لانهما اتيان مستقلتان منفصلتان أحداهما عن الآخرى، غاية الأمر تدل الآية الأولى على عدم جواز العمل بغير العلم والآية الثانية على جواز العمل بخبر العادل رغم انه لا يكون علماً. فإذن لابد من تخصيص عموم الآية الأولى بغير خبر العادل تطبيقاً لقاعدة حمل العام على الخاص هذا.
ولكن حيث ان التعليل في الآية الكريمة متصل بها، فمن أجل ذلك يشكل تقديم المفهوم على عموم التعليل، على أساس ان لسان دلالة الآية على المفهوم كحجية خبر العادل إنما هو نفي وجوب التبين عنه بدون النظر إلى موضوع التعليل وملاكه وهو الجهل بالواقع وعدم العلم به، بينما لسان التعليل لسان النظر إلى ملاك وجوب التبين وهو الجهل وعدم العلم وانه علة لوجوبه.
ومن الواضح ان الحكم يتبع علته في السعة والضيق، فإذا كان لسان التعليل لسان النظر والبيان لملاك الحكم المعلل، فبطبيعة الحال يدل على الغاء المفهوم، باعتبار ان الحكم تابع لملاكه سعة وضيقاً، ولا يمكن القول بان الجهل وعدم العلم لا يكون ملاكاً لوجوب التبين في خبر العادل ويكون ملاكاً له في خبر الفاسق، لان التعليل ناص في انه تمام الملاك لوجوب التبين، وعليه فلا يمكن الفرق بينهما.
وان شئت قلت ان التعليل في الآية الكريمة، حيث انه يدل بوضوح على ان ملاك وجوب التبين الجهل بالواقع وعدم العلم به لا شيء آخر، فإذن لا يبقى شك في عموم الملاك، وحيث ان حقيقة الحكم وروحه ملاكه، فيكون ذلك قرينة على الغاء دلالة الآية على المفهوم، لان الآية بمفهومها لا تدل على أن الجهل بالواقع ليس ملاكاً لوجوب التبين لكي تصلح ان تعارض عموم التعليل، وإنما تدل على حجية خبر العادل ونفي وجوب التبين عنه بدون النظر إلى ملاك وجوبه لا نفياً ولا إثباتاً، والمفروض ان عموم التعليل ناظر إلى ملاكه وهو الجهل بالواقع، ولا فرق بين الجهل في مورد خبر الفاسق والجهل في مورد خبر العادل، لان كليهما جهل، وحيث ان الحكم يدور مدار ملاكه سعة وضيقاً، فعندئذٍ لابد من تقديم عموم التعليل في الآية على مفهومها على اساس الحكومة، بمعنى ان وجود الملاك في خبر العادل مانع عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان التعليل لا يصلح ان يكون قرينة عرفية مانعة عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم، إلا انه يصلح ان يكون سبباً لاجمال الآية وعدم دلالتها على المفهوم ولا على عموم التعليل، أما الأول فلان الآية لما كانت مذيلة بهذا التعليل، فيكون التعليل بمثابة القرينة المتصلة المانعة عن انعقاد ظهورها في المفهوم.
وأما الثاني: فلان عموم التعليل لو كان بالوضع، فلا شبهة في أنه مانع عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم، ولكن حيث انه لم يكن بالوضع بل بالاطلاق ومقدمات الحكمة، فلابد من احراز المقدمات جميعاً منها عدم القرينة على التقييد، وليس بامكاننا احراز عدمها في المقام، لاحتمال دلالة الآية على المفهوم، ومع هذا الاحتمال لا يمكن احراز مقدمات الحكمة كافة، ومع عدم احرازها كذلك، فلا يكون الاطلاق محرزاً، وهذا معنى اجمال الآية من كلتا الجهتين، أي من جهة دلالتها على المفهوم ومن جهة عموم التعليل.
فالنتيجة: ان الآية المباركة مجملة صدراً وذيلاً فلا تدل على المفهوم، هذا وقد أورد على هذا الوجه باشكال آخر وهو أن النسبة بين مفهوم الآية والتعليل عموم من وجه، لان لمفهوم الآية فردين:
أحدهما مجيء العادل بالنبأ والآخر عدم مجيء أي احد به لا العادل ولا الفاسق بان تكون القضية سالبة بانتفاء الموضوع.
وعلى هذا فمورد الالتقاء والاجتماع بين المفهوم وعموم التعليل خبر العادل، فإن مقتضى اطلاق المفهوم عدم وجوب التبين عنه، ومقتضى عموم التعليل وجوب التبين عنه، فإذن لا موضوع لتخصيص عموم التعليل بمفهوم الآية الكريمة، ونتيجة هذا التعارض عدم ثبوت حجية خبر العادل.
والجواب: انه لا واسطة بين مجيء العادل بالنبأ ومجيء الفاسق به على القول بدلالة الآية الكريمة على المفهوم، إذ الموضوع حينئذٍ طبيعي النبأ، غاية الامر ان كان الجائي به فاسقاً وجب التبين عنه، وان كان عادلاً لم يجب التبين عنه ولا واسطة بينهما.
وإن شئت قلت ان دلالة الآية الشريفة على المفهوم مبنية على تصور طبيعي النبأ في المرتبة السابقة، وحينئذٍ قد يفرض كون الجائي به فاسقاً وقد يفرض كون الجائي به عادلاً، فعلى الأول يجب التبين دون الثاني، نعم ان كان مفاد الآية مجيء كل من الفاسق والعادل بنبأه، كانت بينهما واسطة وهي ان عدم المجيء أي منهما به، وعلى هذا فلا تدل الآية على المفهوم، لان القضية الشرطية حينئذٍ مسوقة لبيان تحقق موضوعها، فلا تدل على المفهوم.
الوجه الثاني: ان الاشكال في دلالة الآية الكريمة على المفهوم مبني على ان يكون المراد من الجهالة عدم العلم بالواقع، فإنه عندئذٍ تكون علة وجوب التبين مشتركة بين خبر العادل وخبر الفاسق.
وأما إذا كان المراد منها السفاهة كما مال إليه المحقق الخراساني? واحتمله شيخنا الأنصاري? وقواه السيد الاستاذ?، فلا اشكال في دلالة الآية على المفهوم، إذ على هذا فيختص التعليل بخبر الفاسق، لان العمل به من دون فحص وتدقيق يعد بنظر العرف والعقلاء عملاً سفهياً، بينما العمل بخبر العادل لا يعد عملاً سفهياً بدون الفحص والتدقيق بل هو عمل عقلائي هذا.
وللنظر فيه مجال، أما أولاً فلان اطلاق الجهالة وإرادة السفاهة منها وان كان أمراً شايعاً في العرف العام في العصر الحاضر بل لعله كان كذلك في العصور السابقة أيضاً، إلا أنه لا شبهة في أنه اطلاق عنائي، على اساس ان العمل الصادر من السفيه لا يصدر عادة إلا من الجاهل، وهذه المناسبة هي المبررة لصحة مثل هذا الاطلاق لدى العرف والعقلاء وإلا فلا ريب في أن الجهل موضوع للدلالة على عدم العلم بالواقع، واستعماله في السفاهة بحاجة إلى قرينة حالية أو مقالية.
وعلى هذا فارادة السفاهة من الجهالة في الآية المباركة بحاجة إلى قرينة وإلا فهي ظاهرة في عدم العلم ولا قرينة في المقام، ولا يعد العمل بخبر الفاسق عملاً سفهياً لدى العرف والعقلاء.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان لفظ الجهل مشترك بين معنيين:
احدهما: عدم العلم بالواقع نظرياً والآخر السفاهة عملياً، إلا أنه لا يمكن ان يراد من الجهالة في الآية الكريمة السفاهة، لانه ان اريد بها السفاهة فهي لا تنطبق على مورد الآية، لان موردها عمل الصحابة بخبر الوليد من جهة أنهم لا يعلمون بفسقه، ولا يمكن أن يكون عملهم به في أمر خطير وهو رمي طائفة بني المصطلق بالكفر عملاً سفهياً، فإذن لا يمكن ان يراد من الجهالة في الآية السفاهة، لانها بهذا المعنى لا تنطبق على موردها.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك أيضاً ولكن في الآية قرينة على ان المراد من الجهالة عدم العلم لا السفاهة وهي جعل الجهالة فيها في مقابل التبين الظاهر في تحصيل العلم بالواقع، وهذا التقابل قرينة على ان المراد من الجهالة فيها عدم العلم بالواقع، ويكون مفاد الآية حينئذٍ وجوب تحصيل العلم بالواقع حذراً من العمل بالجهل الذي قد يؤدي إلى خلاف الواقع، هذا اضافه إلى أن الظاهر من الندامة في الآية الكريمة الندامة في عدم مطابقة العمل للواقع لا في العمل السفهي، لان فيه وان كانت ندامة إلا ان الندامة فيه في نفس العمل لا في عدم اصابة الواقع.
وللمحقق الاصفهاني? في المقام كلام وهو انه لو اريد من الجهالة السفاهة فهي تشمل العمل بمطلق ما لا يكون حجة شرعاً، لان العمل بالاحكام الشرعية بدون قيام حجة من قبل الشرع عمل سفهي، وعلى هذا فلا فرق بين خبر الفاسق وخبر العادل، فكما ان العمل بخبر الفاسق عمل سفهي فكذلك العمل بخبر العادل إلا إذا اثبتت حجيته، وعليه فاخراج العمل به عن السفاهة يتوقف على إثبات حجيته، فإن ثبتت حجيته قبل الآية فهو، وإلا فالعمل به داخل في السفاهة، وأما حجيته بالآية فهي خلف فرض ان الكلام في أصل دلالة الآية على حجيته، فإذن عموم التعليل يشمل خبر العادل أيضاً( ).
والجواب ان ما افاده? وان كان صحيحاً كبروياً وهي ان العمل بالاحكام الشرعية بدون قيام حجة عليها عمل سفهي وغير عقلائي، إلا ان هذه الكبرى لا تنطبق على خبر العادل، وذلك لانه حجة لدى العقلاء.
وقد جرى بنائهم على العمل به بل بكل خبر ثقة وان لم يكن عدلاً، والشارع امضى هذا النبأ منهم منذ بداية الشريعة وقبل نزول هذه الآية المباركة، وعليه فلا يكون العمل بخبر العادل من العمل السفهي، نعم لو لم يكن خبر العادل إلا بهذه الآية المباركة فالأمر كما افاده?.
وقد اجاب بعض المحققين? عن ذلك، بأن العمل بخبر العادل ليس عملاً سفيهاً عند العقلاء وان فرض انه ليس بحجة عند الشارع، باعتبار انه حجة عندهم ويعملون به، ومجرد عدم حجيته شرعاً لا يجعل العمل به غير عقلائي طالما جرى بناء العقلاء على العمل به، وهذا بخلاف خبر الفاسق، فإنه لا بناء للعقلاء على العمل به، فلهذا يكون العمل به سفهياً وغير عقلائي( ).
ويمكن المناقشة فيه، بتقريب ان خبر العادل إذا لم يكن حجة شرعاً، فلا يجوز العمل به وترتيب الآثار الشرعية عليه.
ومن الواضح ان العمل الذي غير مشروع لدى الشارع، فالاتيان به بعنوان المشروع عمل سفهي وغير عقلائي من منظور الشرع وان كان عقلائياً من منظور العقلاء، وعلى هذا فالعمل بخبر العادل وترتيب آثار الحجية عليه شرعاً مع انه ليس بحجة عند الشارع عمل غير عقلائي ولا ينبغي صدوره من المكلف، نعم العمل به بما هو لا بوصف كونه حجة شرعاً عمل عقلائي ولعل نظر المحقق الاصفهاني ? إلى ذلك وهو غير بعيد، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان الكلام في المقام إنما هو في وجود المانع عن دلالة الآية على حجية خبر العادل بالمفهوم، بمعنى ان دلالتها على حجيته تامة في نفسها، وإنما الكلام في ان التعليل الوارد في ذيلها هل هو مانع عن الأخذ بها أو لا، وعلى هذا فإذا كان المراد من الجهالة السفاهة العملية المساوقة للعمل بشيء لا يكون حجة، فلا يصلح التعليل حينئذٍ ان يكون مانعاً عن دلالة الآية على المفهوم بل دلالتها عليه تكون رافعة لموضوع التعليل وجداناً، لان موضوع التعليل العمل بغير الحجة ولا نظر له إلى أن خبر العادل حجة أو لا، ولهذا لا يعارض مفهوم الآية، وحيث ان مقتضى مفهوم الآية حجية خبر العادل، فلا يكون العمل به حينئذٍ عملاً سفهياً موضوعاً، لان موضوع السفه هو العمل بغير الحجة، وهذا عمل بالحجة ولهذا يكون مفهوم الآية وارداً على التعليل ورافعاً لموضوعه وجداناً.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي انه لا يمكن ان يراد من الجهالة في الآية الكريمة السفاهة، بل المراد منها الجهل وعدم العلم بالواقع.
الوجه الثالث: ما ذكره مدرسة المحقق النائيني? منهم السيد الاستاذ?، من ان مفهوم الآية حاكم على عموم التعليل ورافع لموضوعه تعبداً، بتقريب ان المجعول في باب الامارات الطريقية والعلم التعبدي، بمعنى ان الشارع جعل الامارات علماً تعبداً، ولهذا تقوم مقام العلم الموضوعي، وعلى هذا فالآية تدل بمقتضى مفهومها ان خبر العادل علم تعبداً ويترتب عليه آثار العلم، فإذا كان علماً كذلك، كان خارجاً عن موضوع عموم التعليل، لان موضوعه عدم العلم، وحيث ان خبر العادل علم بحكم الشارع، فلا يكون العمل به عملاً بغير العلم بل هو عمل بالعلم، فيكون خارجاً عن موضوع عموم التعليل تعبداً، وهذا معنى حكومة مفهوم الآية على عموم التعليل.
وبكلمة ان التعليل في الآية بعمومه يدل على عدم جواز العمل بالجهل وما ليس بعلم، ولا نظر له إلى وجود موضوعه في الخارج وعدم وجوده فيه، لان مفاده عدم جواز العمل بما ليس بعلم بدون النظر إلى تحقق العلم في الخارج وعدم تحققه، وعلى هذا فإذا كان هناك دليل يدل على ان خبر العادل علم فلا تنافي بينه وبين عموم التعليل، لان التعليل بعمومه لا يدل على انه ليس بعلم حتى ينافي ما دل على انه علم.
وعلى هذا فمفهوم الآية حاكم على عموم التعليل ورافع لموضوعه تعبداً، والمفروض ان التعليل غير ناظر إلى إثبات موضوعه، لان مفاده إثبات الحكم على تقدير ثبوت موضوعه( ).
والجواب، أولاً ما ذكرناه غير مرة من انه لا جعل ولا مجعول في باب الامارت أصلاً، لان عمدة الدليل على حجية الامارات كاخبار الثقة سيرة العقلاء الجارية على العمل بها، ومن الواضح انه ليس من قبل العقلاء إلا عملهم خارجاً باخبار الثقة دون اخبار غير الثقة، وهذا العمل منهم لا يمكن ان يكون جزافاً وبلا نكتة، ضرورة ان الفرق بين اخبار الثقة واخبار غير الثقة وعملهم بالاولى دون الثانية لا يعقل ان يكون لغواً، فلا محالة يكون مبنياً على نكتة مبررة لذلك، وهي ان طريقية اخبار الثقة وكاشفيتها عن الواقع اقوى واقرب من طريقية اخبار غير الثقة نوعاً، فلهذا بنى العقلاء على العمل بالاولى دون الثانية.
وأما من قبل الشارع فليس إلا امضاء هذه السيرة ويكفي في الامضاء السكوت وعدم صدور الردع عنها، ولهذا لا جعل ولا مجعول في باب الامارات الشرعية لامن قبل العقلاء ولا من قبل الشرع.
ودعوى ان الآيات والروايات التي استدل بها على حجية اخبار الثقة، تدل على أنها مجعولة لها شرعاً لظهورها في التأسيس وحملها عى التأكيد بحاجة إلى قرينه.
مدفوعة بأنا لو سلمنا دلالتها على حجية اخبار الثقة، فهي ظاهرة في التأكيد لا في التأسيس، لان مفادها الإرشاد إلى ان حجيتها ثابتة عند العقلاء في المرتبة السابقة فيكون تأكيداً لها وامضاء للسيرة.
ومن هنا يسأل الإمام? عن وثاقة الراوي بقوله: <افيونس بن عبدالرحمن ثقة أخذ منه معالم ديني>( )، فإن هذا السؤال يدل على ان حجية خبر الثقة امر مفروغ عنه، والسؤال إنما هو عن الصغرى وهي وثاقة الراوي، فإذا كان الراوي ثقة كان قوله حجة.
والخلاصة أن حجية اخبار الثقة حيث أنها أمر مرتكز في الاذهان، فتصلح ان تكون قرينة على ان مفاد الآيأت والروايات التأكيد والتقرير لا التأسيس والجعل بل عرفت ان بعض الروايات ظاهر في التأكيد.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان دليل الحجية يكون مفاده الجعل والتأسيس، إلا أن المجعول لا يمكن ان يكون طريقية اخبار الثقة وكاشفيته وكونه علماً تعبداً، لان الطريقية الذاتية التكوينية سواء أكانت قطعية كطريقية القطع الوجداني أم ظنية كطريقية اخبار الثقة غير قابلة للجعل، لان الجعل الشرعي لا يمكن ان يتعلق إلا بالامر الاعتباري دون الامر التكويني، على اساس ان الجعل عين المجعول فلا فرق بينهما إلا بالاعتبار كالايجاد والوجود في عالم التكوين، وعليه فلا يعقل ان يكون الجعل أمراً اعتبارياً والمجعول أمراً تكوينياً.
وأما جعل الطريقية لها اعتباراً، فهو مجرد لقلقة اللسان، ضرورة انه غير مؤثر فيها، أما تكوينياً فهو واضح، وأما تشريعياً فيكون وجوده كالعدم.
ومن هنا قلنا ان جعل الطريقية والعلمية لاخبار الثقة مستحيل ثبوتاً، لان جعل التكويني خلف الفرض والجعل التشريعي لغو وبلا فائدة، إلا أن يكون مرد جعل الطريقية إلى تنزيل اخبار الثقة بمنزلة العلم أو جعل آثار العلم لها ظاهراً، ولكن حينئذٍ لا يكون المجعول الطريقية والكاشفية وهذا خلف الفرض.
وبكلمة اخرى انه ان اريد بجعل الطريقية والعلمية لاخبار الثقة، ترتيب آثار الطريقية الحقيقية عليها ظاهراً.
فيرد عليه ان ترتيبها عليها لا يتوقف على جعل الطريقية لها، بل يكفي في ذلك تنزيل اخبار الثقة منزلة العلم، نظير قولنا الطواف في البيت صلاة، لان معنى التنزيل ترتيب آثار المنزل عليه على المنزل واقعاً إن كان التنزيل واقعياً وظاهراً ان كان التنزيل ظاهرياً كتنزيل اخبار الثقة منزله القطع.
وان اريد بجعلها، جعل آثارها لها ظاهراً، ففيه انه ليس بجعل الطريقية والكاشفية لها، مع ان مدرسة المحقق النائيني? تقول بان المجعول في باب الامارات الطريقية والعلم التعبدي لا آثارها فحسب( ).
فالنتيجة في نهاية المطاف انه لا يمكن ان يكون المجعول في باب الامارات الطريقية والكاشفية لا تكويناً ولا تشريعاً.
وثالثاً مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم انه لا مانع من ان يكون المجعول في باب الامارات الطريقية والعلم التعبدي ثبوتاً، إلا انه لا دليل عليه في مقام الاثبات، لان عمده الدليل على ذلك السيرة العقلائية الممضاة شرعاً، وقد تقدم ان لسان السيرة ليس لسان الجعل حتى يكون المجعول الطريقية والكاشفية، فإذن لا دليل في مقام الاثبات على ان المجعول في باب الامارات الطريقية والعلمية.
ورابعاً إنا لو سلمنا ان مفاد دليل الحجية جعل الطريقية والكاشفية لاخبار الثقة، ولكن مع ذلك لا يكون حاكماً على عموم التعليل، وذلك لان الآية بمقتضى مفهومها تدل على حجية اخبار العدول بمعنى الطريقية والعلم التعبدي، وبمقتضى التعليل تدل على نفي الحجية عنها، باعتبار ان مفاد المفهوم ارشاد إلى حجية اخبار العدول ومفاد التعليل ارشاد إلى عدم حجيتها، بلا فرق في ذلك بين ان يكون معنى الحجية الطريقية والكاشفية أو المنجزية والمعذرية، وجعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالف له في صورة عدم المطابقة.
وان شئت قلت، ان مفاد التعليل في عرض مفاد المفهوم، غاية الأمر ان مفاد المفهوم ارشاد إلى إثبات الحجية لاخبار العدول وان كانت بمعنى الطريقية والعلمية ومفاد التعليل ارشاد إلى نفي هذه الحجية عنها وكلاهما في عرض واحد، ولهذا فلا موضوع للحكومة، لان الحكومة تتطلب الطولية، بل بينهما حينئذ تناف بنحو العام والخاص والمطلق والمقيد، وحينئذٍ فلابد من تقديم الخاص على العام والمقيد على المطلق.
فما ذكره مدرسة المحقق النائيني? من ان مفهوم الآية حاكم على عموم التعليل ورافع لموضوعه تعبداً، مبني على نقطة خاطئة وهي ان مفاد التعليل حكم تكليفي مجعول للموضوع المقدر وجوده خارجاً، وهو عدم جواز العمل بشيء على تقدير عدم كونه علماً، ومن المعلوم ان التعليل حينئذٍ لا تكون ناظراً إلى انه علم أو لا كما هو الحال في جميع القضايا الحقيقية، فإنها تدل على ثبوت الحكم للموضوع المقدر وجوده في الخارج، وأما انه موجود فيه أولاً، فهي غير ناظرة إليه لا نفياً ولا إثباتاً. وعلى هذا فالتعليل يدل على عدم جواز العمل باخبار الثقة على تقدير عدم كونها علماً.
وأما مفهوم الآية، فحيث انه يدل على انها علم، فيكون حاكماً على التعليل ورافعاً لموضوعه تعبداً.
وأما خطأ هذه النقطة، فلما عرفت من ان مفاد التعليل ارشاد إلى نفي ما يثبت بالمفهوم، فإن كان الثابت به الطريقية والعلمية لاخبار الثقة، كان المنفي بالتعليل نفس الطريقية والعلمية عنها، وان كان الثابت به المنجزية والمعذرية لها، كان المنفي نفس المنجزية والمعذرية عنها وهكذا.
ثم ان المحقق الاصفهاني? قد اورد على حكومة المفهوم على عموم التعليل بانها دورية، بتقريب ان ظهور الآية الكريمة في المفهوم يتوقف على عدم صلاحية التعليل للقرينية وإلا لم ينعقد الظهور لها فيه، باعتبار ان التعليل متصل بها، فلو كان صالحاً للقرينية، كان مانعاً عن انعقاد ظهورها في المفهوم، فلو كان عدم صالحية التعليل للقرينية متوقفاً على ظهور الآية في المفهوم، لزم الدور وتوقف الشيء على نفسه، فلا موضوع حينئذٍ للحكومة( ).
والجواب، ان هذا الايراد في غير محله بل هو غريب من مثله?، لانا لو سلمنا الحكومة، فلا تنافي بين ظهور الآية في المفهوم وبين عموم التعليل، لان الآية بمقتضى مفهومها، تدل على حجية اخبار العدول بمعنى الطريقية والعلمية، والتعليل يدل على عدم جواز العمل بها على تقدير عدم كونها علماً، ولا نظر له إلى ان هذا التقدير ثابت أو لا، فإذن التعليل لا يصلح ان يكون قرينة.
ومن الواضح انه لا تناف بين دليلين يكون احدهما ناظراً إلى موضوع الآخر دون العكس، فإن الأول حاكم على الثاني ورافع لموضوعه، ويكون الثاني في طول الأول وما نحن فيه من هذا القبيل.
نعم ما ذكره? من الدور إنما يتم لو قلنا بان نسبة مفهوم الآية إلى عموم التعليل نسبة الخاص إلى العام، فعندئذٍ تتوقف مخصصية المفهوم لعموم التعليل على عدم صلاحية التعليل للقرينية، وإلا لكان مانعاً عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم، وعدم صلاحيته يتوقف على أن يكون المفهوم مخصصاً له فإذن يلزم الدور.
والصحيح في المقام ما ذكرناه من انه لا أصل لحكومة مفهوم الآية على عموم التعليل بل هما في عرض واحد، وحيث ان التعليل متصل بالآية فيصلح ان يكون قرينة مانعة عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم أو لا اقل من الاجمال.
وهنا اشكالات اخرى على حكومة مفهوم الآية على عموم التعليل.
الأول: أن المفهوم إنما يصلح ان يكون حاكماً على عموم التعليل إذا فرض ان التعليل كان مقتصراً بقوله تعالى: ?أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ?، فعندئذٍ نقول بالحكومة بالتقريب المتقدم، ولكن التعليل مذيل بذيل وهو قوله تعالى: ?فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ?، وهذا الذيل يكون مانعاً عن الآخذ بالمفهوم، على أساس ان الندم لا يكون إلا لأجل الوقوع في مفسدة خلاف الواقع أو فوت المصلحة.
ومن الواضح كما ان العمل بخبر الفاسق لا يكون مؤمناً عن الوقوع في مفسدة الواقع او تفويت المصلحة كذلك العمل بخبر العادل، فإنه لا يؤمن عن الوقوع في المفسدة أو تفويت المصلحة فإذن التعليل بمقتضى الذيل مشترك بين خبر الفاسق وخبر العادل، وعليه فلا يمكن الاخذ بالمفهوم والتفصيل بينهما، فإن لازم التفصيل الغاء التعليل رأساً وهو لا يمكن.
والجواب ان الظاهر من الندم في الآية الكريمة بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية وهو الندم المستند إلى العمل على خلاف الوظيفة الشرعية، فإنه يوجب الندامة باعتبار ما يترتب عليه من الإدانة والعقوبة، وليس المراد منه مجرد الوقوع في مفسدة الواقع وان كان معذوراً، بمعنى انه عمل بوظيفته الشرعية ولكن كان عمله غير مطابق للواقع فأدى إلى الواقوع في المفسدة أو تفويت المصلحة ولا أثر لذلك، باعتبار ان الواقع غير منجز بما له من الملاك، فأذن لا يكون هذا الذيل مانعاً عن الاخذ بالمفهوم، لان المكلف إذا عمل بخبر العادل، فلا ندامة فيه وان كان مخالفاً للواقع، لانه عمل بوظيفته الشرعية الظاهرية وهو مؤمن من العقاب على مخالفة الواقع لو كان عمله مخالفاً له.
فالنتيجة أن لا أساس لهذا الاشكال.
الثاني: ان معنى الحكومة هو ان يكون الدليل الحاكم نافياً للحكم الثابت بالدليل المحكوم بلسان نفي موضوعه او مثبتاً له بلسان اثبات موضوعه، والأول مثل لارباً بين الولد والوالد أو الزوج والزوجة وما شاكل ذلك، والثاني كقوله? (الفقاع خمر استصغره الناس)( )، و(الطواف في البيت الصلاة)( ) ونحوهما.
والخلاصة: ان الميزان في الحكومة ان يكون لسان الدليل الحاكم نفي موضوع الدليل المحكوم أو إثبات موضوعه، وهذا المعنى من الحكومة لا ينطبق على المقام، لان الآية تدل بمقتضى مفهومها على عدم وجوب التبين عن خبر العادل بالمطابقة وعلى انه علم تعبداً بالالتزام، فإذن ليس لسان مفهوم الآية لسان نفي موضوع التعليل ابتداءً، وإنما يستكشف ذلك تبعاً والتزاماً، لان مفاد المفهوم أولاً وبالذات هو عدم وجوب التبين عن خبر العادل، ولكن ذلك يستكشف عن ان الشارع جعل خبر العادل علماً تعبدياً، فأذن لا تكون الآية بمقتضى مفهومها حاكمة على عموم التعليل، لان لسانها ليس لسان نفي الموضوع بالمطابقة، مثل لارباً بين الوالد والولد، فإن لسانه نفي الموضوع ابتداء وان كان في الواقع نفي الحكم.
وأما إذا كان لسان الدليل نفي الحكم ابتداءً، فلا حكومة في البين بل هو تخصيص، وإن كان يكشف عن نفي الموضوع تعبداً، مثلاً إذا ورد في الدليل لا يحرم الربا بين الوالد والولد، فهو مخصص لأدلة حرمة الربا لا أنه حاكم عليها، وما نحن فيه من هذا القبيل، فإن لسان مفهوم الآية المباركة نفي وجوب التبين عن خبر العادل ابتداءً ويستكشف منه حجيته بمعنى الطريقية والعلمية.
والجواب ان هذا الاشكال مبني على ان يكون وجوب التبين وجوباً تكليفياً ولكن الأمر ليس كذلك، وقد تقدم انه ارشادي، فالآية بمقتضى مفهومها ارشاد إلى حجية خبر العادل، وبمقتضى منطوقها ارشاداً إلى عدم حجية خبر الفاسق، فإذن ينفي المفهوم بمدلـوله المطابقي موضوع عموم التعليل تعبداً، وهذا معنى حكومته عليه.
وقد اجيب عن هذا الاشكال، بان مفهوم الآية وان لم يكن حاكماً على عموم التعليل بمدلوله المطابقي، إلا انه حاكم عليه بمدلوله الالتزامي، لان مدلوله الالتزامي حجية خبر العادل بمعنى الطريقية والعلمية، فإذا كان خبر العادل علماً تعبداً بحكم الشارع واعتباره، فبطبيعة الحال يكون حاكماً على عموم التعليل ورافعاً لموضوعه وهو الجهل تعبداً.
ولكن هذا الجواب غير صحيح، لما ذكرناه غير مرة من أن المدلول الالتزامي تابع للمدلول المطابقي حدوثا وبقاء، والمفروض في المقام ان المدلول المطابقي للمفهوم معارض لعموم التعليل، وحينئذٍ فلابد من علاج المعارضة بينهما، فإن قدم المفهوم على عموم التعليل بالتخصيص، باعتبار انه اخص منه فلا حكومة في البين، لان المدلول الالتزامي يتبع المدلول المطابقي وليس هو طرف المعارضة مستقلاً، وإلا لزم خلف فرض كونه تابعاً له وليس له شأن واستقلال في مقابل المدلول المطابقي من هذه الناحية، وان قدم عموم التعليل على المفهوم، فقد سقط المدلول الالتزامي للمفهوم بسقوط مدلوله المطابقي، إذ لا يعقل بقاء المدلول الالتزامي مع سقوط المدلول المطابقي.
ولنا تعليق على ذلك، هو ان مفهوم الآية الكريمة إذا دل على ان خبر العادل علم تعبداً بالدلالة الالتزامية، كانت النتيجة خروج خبر العادل عن موضوع وجوب التبين تعبداً لا عن حكمه فحسب، ولازم ذلك ان المدلول المطابقي له في الحقيقة انتفاء وجوب التبين بانتفاء موضوعه، أو فقل: ان الآية بمقتضى مفهومها وان كانت تدل على عدم وجوب التبين عن خبر العادل، ولكن هذه الدلالة تكشف عن ان الشارع اعتبر خبر العادل علماً تعبدياً في المرتبة السابقة، فعدم وجوب التبين عنه إنما هو من جهة أنه في الواقع خارج عن موضوعه بحكم الشارع لاعن حكمه فقط، والدلالة المطابقية وان كانت متقدمة على الدلالة الالتزامية في مقام الاثبات، ولكن لا مانع من ان يكون المدلول الالتزامي متقدماً رتبة على المدلول المطابقي في مقام الثبوت، وعلى هذا فلا مانع من ان يكون مفهوم الآية حاكماً على عموم التعليل، إذ لا يعتبر في الحكومة ان يكون الدليل الحاكم نافياً لموضوع الدليل المحكوم بلسانه في مقام الإثبات، بل يكفي وان كان نفيه بمدلوله الالتزامي.
والخلاصة: ان الآية وان كانت تدل على عدم وجوب التبين عن خبر العادل بالمطابقة، إلا أنها تكشف بالالتزام عن ان الشارع جعل خبر العادل علماً تعبدياً، وعليه فنفي وجوب التبين عنه من جهة أنه علم لا انه تخصيص فيه، فأذن دلالة الآية على نفي وجوب التبين عن خبر العادل ليس بملاك التخصيص بل بملاك الحكومة وهي نفي الحكم بنفي موضوعه، وهذا المقدار يكفي في الحكومة ولا يعتبر فيها ان تكون دلالة الدليل على نفي الموضوع بالمطابقة، ولا فرق في ذلك بين ان يكون التعليل في جملة متصلة بجملة المنطوق او منفصلة عنها، نعم على الفرض الأول يمكن ان يكون التعليل مانعاً عن انعقاد ظهور الآية في المفهوم إذا كان صالحاً للقرينية، وحينئذٍ فيدخل المقام في كبرى مسألة احتفاف الكلام بما يصلح للقرينية.
الثالث: ان ضابط الحكومة هو ان يكون الدليل الحاكم ناظراً إلى مدلول الدليل المحكوم و شارحاً له سعة أو ضيقاً، بحيث لو لا الدليل المحكوم لكان الدليل الحاكم لغواً، كما هو الحال في مثل لارباً بين الوالد والولد وما شاكل ذلك.
وهذا الضابط لا ينطبق على المقام، لان مفهوم الآية لا يكون ناظراً إلى مدلول التعليل وشارحاً له، بحيث لولاه لكان مفهومهاً لغواً، ضرورة انه لا مانع من دلالة الآية على المفهوم سواء اكان هناك تعليل في ذيلها أم لا، لان دلالتها على المفهوم لا تتوقف على التعليل المذكور في ذيلها، فإذن لا يمكن ان يكون تقديم المفهوم على التعليل من باب الحكومة لعدم توفر ضابطها فيه.
والجواب ان الحكومة لا تنحصر بذلك، فإن هذا قسم من الحكومة، وهنا أقسام اخرى كحكومة الامارات على الاصول العملية، لان حكومتها عليها ليست مبنية على النظر إلى مداليل الاصول العملية، بحيث لولاها لكان جعل الامارات لغواً وما نحن فيه من هذا القبيل، لان الآية بمقتضى مفهومها تدل على ان الشارع اعتبر خبر العادل علماً تعبدياً بدون ان تكون الآية ناظرة إلى عموم التعليل، وعلى هذا فيكون مفهوم الآية حاكماً على كل دليل يكون الجهل وعدم العلم مأخذواً في موضوعه، ومن هذا الدليل عموم التعليل، وقد مر انه لا فرق في الحكومة بين ان يكون الدليل الحاكم رافعاً لموضوع الدليل المحكوم بالمطابقة أو بالالتزام.
الرابع: ان موضوع التعليل لا يخلو من ان يكون عدم العلم الوجداني بالواقع أو الاعم منه ومن عدم العلم التعبدي.
أما على الأول، فلا يصلح مفهوم الآية للحكومة، لان خبر العادل بمقتضى المفهوم وان كان علماً تعبدياً إلا انه ليس بعلم وجداني، فإذن لا يكون رافعاً لموضوع التعليل، لفرض ان موضوعه عدم العلم الوجداني، والمفروض انه ليس بعلم وجداني، وعليه فلا يكون المفهوم حاكماً على عموم التعليل.
وأما على الثاني، فإن كان مفاد التعليل حرمة العمل بغير العلم الوجداني والتعبدي، فالمفهوم حينئذٍ يكون وارداً على عموم التعليل، لان خبر العادل بمقتضى المفهوم علم تبعدي، فإذا كان علماً تبعدياً كان رافعاً لموضوع عموم التعليل وجداناً، فإذن يكون تقديم المفهوم على عموم التعليل من باب الورود لا من باب الحكومة.
فالنتيجة ان مفهوم الآية الكريمة لا يكون حاكماً على عموم التعليل على كلا التقديرين، أي سواء أكان المراد من الجهالة عدم العلم الوجداني بالواقع كما هو الظاهر، أم المراد منها أعم من العلم الوجداني والعلم التبعدي به، وان كان مفاد التعليل توسعة مفاد المنطوق فلا حكومة أصلاً، لان المفهوم والتعليل حينئذٍ كانا في مرتبة واحدة فلا موضوع للحكومة.
بيان ذلك ان مفاد مفهوم الآية اعتبار خبر العادل علماً تعبدياً، ومفاد المنطوق نفي هذا الاعتبار عن خبر الفاسق.
وأما التعليل في الآية، فهو يوجب توسعة دائرة مفاد المنطوق وتعميمه إلى كل ما لا يكون علماً وجداناً، لان المفهوم يدل على ان الشارع اعتبر خبر العادل علماً تعبداً، والتعليل يدل على عدم اعتباره علماً كذلك، فإذن لا موضوع لحكومة المفهوم على عموم التعليل، لانهما في عرض واحد فتكون بينهما معارضة.
والخلاصة: ان مفاد التعليل هو نفي الحجية عن كل ما ليس بعلم وجداني، فإذا كان معنى حجية الامارة اعتبارها علماً تعبداً، كان مفاد التعليل نفي هذا الاعتبار، وقد تقدم ان الامر بالتبين ارشاد إلى عدم حجية خبر الفاسق، والتعليل يوسع دائرة عدم الحجية إلى تمام ما ليس بعلم وجداني وان كان خبر العادل أو الثقة، فإذن لاطولية بين المفهوم وبين التعليل بل هما في عرض واحد، فلا مجال لحكومة المفهوم عليه حينئذٍ، وعلى هذا فإن كان التعليل منفصلاً عن المفهوم وانعقد ظهوره في العموم والاطلاق، كان المفهوم مخصصاً له، باعتبار ان نسبته إليه نسبة الخاص إلى العام، وان كان متصلاً به، فحيث ان التعليل يصلح ان يكون قرينة على المفهوم، فلا ينعقد ظهور الآية فيه بل يوجب اجمالها من هذه الناحية.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي ان حكومة مفهوم الآية على التعليل على القول بان معنى الحجية الطريقية والعلمية، مبنية على ان يكون مفاد التعليل حرمة العمل بغير العلم.
وأما بناء على ما هو الصحيح، من ان مفاده الارشاد إلى نفي الحجية بأي معنى كانت، فلا مجال للحكومة، لانهما حينئذٍ في عرض واحد ولا طولية بينهما، والحكومة منوطة بان يكون الدليل الحاكم متقدماً على الدليل المحكوم رتبة، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى، قد تقدم منا ان معنى حجية الامارات ليس الطريقية والعلمية، بل لا يمكن ان يكون المجعول في باب الامارات ذلك ثبوتاً، ومع الاغماض عن ذلك وتسليم انه ممكن ثبوتاً، إلا ان الدليل في مقام الاثبات قاصر عن الدلالة على ذلك، لان عمدة الدليل على حجية اخبار الثقة، سيرة العقلاء القطعية.
ومن الواضح أنها قائمة على اساس نكتة واقعية ذاتية وهي ان طريقيتها الناقصة الذاتية أقوى من طريقية اخبار غير الثقة، لا على اساس النكات التعبدية وتمام الكلام في ذلك قد تقدم.
ثم ان هناك مناقشات اخرى على دلالة الآية على المفهوم الأولي من المحقق الاصفهاني?، بتقريب ان الآية لا تدل على المفهوم، لان المراد من النبأ فيها ان كان خصوص نبأ الفاسق، كانت القضية مسوقة لبيان تحقيق الموضوع فلا مفهوم لها، وان كان المراد منه طبيعي النبأ الجامع بين نبأ الفاسق ونبأ العادل، كان لازم ذلك وجوب التبين عن طبيعي النبأ، وان كان في ضمن نبأ العادل عند مجيء الفاسق به، لان وجوب التبين الثابت لطبيعي النبأ المنحل بانحلال افراده في الخارج مشروط بميجئ الفاسق به، فإذا جاء الفاسق به، ثبت وجوب التبين عنه وان كان في ضمن نبأ العادل وهو كما ترى، ولهذا لا تدل الآية على المفهوم، لان دلالتها عليه منوطة بكون المراد من النبأ فيها طبيعي النبأ، وقد مرّ انه لا يمكن ان يراد من النبأ فيها الطبيعي وإلا لزم المحذور المذكور( ).
وقد اجاب عن ذلك السيد الاستاذ?، بان القيود في مقام الاثبات تختلف باختلاف الموارد والمقامات، فمنها ما يرجع إلى الموضوع كالوصف، مثل قوله أكرم العالم العادل، والشرط إذا كان الجزاء متوقفاً عليه عقلاً، كما في القضية الشرطية الموسوقة لبيان تحقق الموضوع وغير ذلك، ومنها ما يرجع إلى الحكم كالشرط في القضية الشرطية الذي لا يتوقف الجزاء عليه عقلاً، فإنه قيد للحكم دون الموضوع، والقضية الشرطية إنما تدل على المفهوم فيما إذا كان الشرط قيداً للحكم دون الموضوع لكي تدل القضية على انتفاء الحكم عند انتفاء الشرط، ومن هنا يكون مفاداة الشرط عرفاً ولغة تعليق الجزاء على الشرط.
والخلاصة: ان القيد في مقام الاثبات تارة يكون قيداً للموضوع واخرى يكون قيداً للحكم دون الموضوع.
وأما في مقام الثبوت فالقيود باجمعها ترجع إلى الموضوع، لاستحالة ثبوت الحكم المقيد للموضوع المطلق.
وعليه فالحكم بوجوب التبين عن النبأ معلقاً على مجيء الفاسق به، لا يقتضي وجوب التبين عن كل نبأ حتى نبأ العادل، فإن مجيء الفاسق بنبأ وان كان قيداً للحكم في مقام الاثبات، إلا انه يرجع إلى الموضوع بحسب اللب ومقام الثبوت، وهذا لا يمنع عن دلالة القضية على المفهوم في مقام الاثبات، باعتبار انه قيد للحكم في هذا المقام دون الموضوع، ونظير ذلك قوله?: <الماء إذا بلغ قدر كر لم ينجسه شيء>، فإن ظاهر القضية أن الموضوع لها طبيعي الماء الجامع بين القليل والكثير، وبلوغه قدر كر شرط لعدم انفعال الماء، ولكنه لا يقتضي الحكم بعدم انفعال كل ماء بالملاقاة إذا اتصف فرد منه بالكرية، بل مقتضاه عدم انفعال خصوص الماء البالغ حد الكر لا مطلق الماء وان كان قليلاً( ).
وللنظر فيما افادة? مجال، أما ما افاده? من ان القيود في مقام الإثبات تارة ترجع إلى الموضوع واخرى إلى الحكم فهو صحيح.
وأما ما افاده? من ان جميع القيود في مقام الاثبات ترجع إلى قيود الموضوع في مقام الثبوت والواقع، فهو غير تام في الجملة، بيان ذلك ان هناك ثلاثة فروض:
المفرض الأول: ان يكون موضوع القضية كلياً والقيود المأخوذة فيها في لسان الدليل مفروضة الوجود في الخارج في مقام الاثبات ترجع إلى الموضوع في مقام الثبوت والواقع وتكون من قيوده لباً وحقيقة.
الفرض الثاني: هذا الفرض ولكن القيود والشروط المأخوذة في القضية في لسان الدليل مفروضة الوجود في مقام الإثبات، اجنبية عن الموضوع في القضية ولا يمكن ان ترجع إليه لباً وفي مقام الثبوت.
الفرض الثالث: ان يكون الشرط من حالات الموضوع في القضية لامن قيوده المقومة له، كقولنا <ان جاءك عالم فأكرمه>، فإن الموضوع في القضية العالم والشرط فيها المجيء، وهذا الشرط لا يمكن ان يرجع إلى الموضوع لباً وفي مقام الثبوت.
وبعد ذلك نقول ان ما ذكره السيد الاستاذ? إنما يتم في الفرض الأول لا في الفرض الثاني ولا في الثالث.
أما تماميته في الفرض الأول، فلان جميع الشروط والقيود المأخوذة في لسان الدليل في مرحلة الجعل مفروضة الوجود قيوداً للموضوع لباً وثبوتاً، وهذا هو المراد من قوله ان الحيثيات التعليلية في مقام الاثبات ترجع إلى الحيثيات التقييدية في مقام الثبوت، كالبلوغ والعقل والاستطاعة والسفر ودخول الوقت وهكذا، فإنها شرط للحكم في مقام الاثبات كما أنها شرط للموضوع في مقام الثبوت، ولا يعقل ان تكون الاستطاعة قيداً لوجوب الحج وشرطاً له من دون ان تكون قيداً لموضوعه بأن تكون موضوعه مطلقاً، لان هذا غير معقول، وكذلك الحال في أمثالها من الشروط.
والخلاصة: ان القيود المأخوذة في لسان الادلة مفروضة الوجود إذا كانت من حالات الموضوع في القضايا الكلية الحقيقية، فلا محالة ترجع إليه لباً وثبوتاً، وتقيده بها كالقيود والشروط المتقدمة وما شاكلها، وفي هذا الفرض يصح ان يقال ان الحيثيات التعليلية في مقام الاثبات ترجع إلى الحيثيات التقييدية في مقام الثبوت.
وأما عدم تماميته في الفرض الثاني، فلان الشرط في هذا الفرض المأخوذ في لسان الدليل قيداً للحكم في طرف الجزاء في مقام الاثبات، لا يرجع إلى الموضوع في مقام الثبوت، لانه اجنبي عن الموضوع، كما إذا قال المولى انجاء ولدك من السفر سالماً فاكرم العلماء، أو قال <ان رزقت ولداً فليتصدق على الفقراء>، فإن موضوع وجوب الاكرام في المثال الأول طبيعي العلماء وموضوع وجوب التصدق في المثال الثاني طبيعي الفقراء، ووجوب الاكرام في الأول معلق على مجيء الولد من السفر سالماً، ووجوب التصدق في المثال الثاني معلق على رزق الولد ووجوده، فالشرط في كلا المثالين شرط للحكم وقيد له فحسب ولا يرجع لباً وثبوتاً إلى الموضوع في القضية ضرورة أنه اجنبي عن الموضوع في المثالين وما شاكلهما جميعاً ولا يمكن ان يرجع إليه لباً وثبوتاً وإنما هو شرط لحكمه فحسب ثبوتاً وإثباتاً.
ومثل هذه القضية الشرطية محل الكلام في أنها تدل على المفهوم أولاً على أساس أن الموضوع فيها باقياً ولا ينتفي بإنتفاء الشرط لان الشرط اجنبي عن الموضوع ولا يكون له دخل فيه لا وجود أو لا عدماً.
فما ذكره ? من أن قيود الحكم في مقام الإثبات ترجع إلى قيود الموضوع في مقام الثبوت لايتم في هذا الفرض لان قيود الحكم فيه وشروطه لا ترجع إلى الموضوع لباً وثبوتاً أصلاً.
وأما عدم تمامية ما ذكره ? في الفرض الثالث فلأن الشرط في هذا الفرض من حالات الموضوع ولا يكون من القيود المقومة له فإذا قال المولى أن جاءك عالم فأكرمه>، فإن الموضوع هو العالم والحكم له وجوب الأكرام والشرط مجيئه ومن الواضح ان هذا الشرط إنما هو شرط لوجوب الأكرام لانه معلق عليه ولا يرجع إلى موضوعه لأن الموضوع هو طبيعي العالم في المثال ثبوتاً وإثباتاً وهو منحل بانحلال افراده ووجوب إكرام كل فرد منه مشروط بمجيئه فإذا انتفى هذا الشرط فهل ينتفي وجوب الإكرام عن الموضوع وهو طبيعي العالم.
والجواب: أنه مبني على دلالة القضية الشرطية على المفهوم.
ومن هذا القبيل ماذا كان الموضوع جزئياً حقيقياً كما إذا قال المولى ان جاءك زيد العالم فاكرمه> لأن الشرط وهو المجيء قيد لوجوب الإكرام لانه معلق عليه وليس قيد الزيد العالم بل لا يعقل ان يكون قيداً له ثبوتاً.
والخلاصة: ان شروط الحكم في القضية أن كانت من القيود المقومة للموضوع فيها ثبوتاً كما في الفرض الأول فما ذكره ? من ان الحيثيات التعليلية في مقام الإثبات ترجع إلى الحيثيات التقييدية في مقام الثبوت تام كما في القضايا الحقيقية التي اخذ الموضوع فيها مفروض الوجود لا مطلقاً وأما إذا كانت الشروط اجنبية عن الموضوع في القضية أو كانت القضية خارجية وكانت الشروط من حالاته فلا يتم ما أفاده ?.
ثم ان الآية الشريفة لو كانت داخلة في الفرض الأول فتدل على المفهوم وقد ذكر السيد الاستاذ ? في وجه ذلك ان موضوع وجوب التبين طبيعي النبأ في الآية وهو مشروط بمجيء الفاسق به وهذا الشرط شرط للحكم في مقام الإثبات بأعتبار انه لا يتوقف عليه عقلاً فإذن بطبيعة الحال يكون تعليق وجوب التبين على مجيء الفاسق بالنبأ مولوي.
ثم ان هذا الشرط في مقام الإثبات وان كان يرجع إلى الحكم دون الموضوع ولكنه في مقام الثبوت يرجع إلى الموضوع، لان قيود الحكم في مقام الاثبات باجمعها ترجع إليه في مقام الثبوت، لاستحالة ثبوت الحكم المقيد للموضوع المطلق.
وعلى هذا فالآية تدل على المفهوم وهو انتفاء وجوب التبين عن طبيعي النبأ عند انتفاء الشرط وهو مجيء الفاسق به.
ولكن تقدم ان ما افاده? غير تام، أما أولاً، فلأن ظاهر الآية الكريمة ان الموضوع حصة خاصة من النبأ وهي نبأ الفاسق لا طبيعي النبأ، كما انه لا ظهور للآية في أن الموضوع طبيعي الجائي أو الفاسق أو المخبر به، فإن كل ذلك مجرد احتمال لا أصل له، وظاهر الآية بحسب المتفاهم العرفي هو ان الموضوع خصوص نبأ الفاسق، فإذن الآية مسوقة لبيان تحقق الموضوع فلا مفهوم لها.
وثانياً: أنه لا يمكن ان يكون الموضوع طبيعي النبأ في الواقع، لان مجيء الفاسق به مقيد ومخصص له بحصة خاصة وهي نبأ الفاسق، فإذن بطبيعة الحال تكون هذه الحصة هي موضوع لوجوب التبين لا طبيعي النبأ، والالزم وجوب التبين عن الطعبيي الموجود في ضمن نبأ العادل أيضاً وهذا كما ترى، فإذن يكون الشرط في المقام محققاً للموضوع واقعاً وحقيقة، ولا يكفي مجرد رجوع القيد إلى الحكم في مقام الإثبات دون الموضوع في الدلالة على المفهوم بعد ما كان القيد قيداً للموضوع أيضاً في مقام الثبوت، وعليه فلا تدل الآية على المفهوم هذا.
ويمكن المناقشة فيه بان الموضوع طبيعي النبأ ثبوتاً وإثباتاً وهو منحل بانحلال افراده في الخارج، ووجوب التبين عن كل فرد من افراده مشروط بمجيئ الفاسق به، وعند انتفاء هذا الشرط فهل ينتفي وجوب التبين عن طبيعي النبأ في ضمن فرد آخر وهو نبأ العادل أم لا؟
والجواب: نعم بناء على دلالة القضية الشرطية على المفهوم، ومن جميع ما ذكرناه ظهر ان محل الكلام في دلالة القضية الشرطية على المفهوم، منوطة بان لا يكون الشرط من القيود المقومة للموضوع كما في الفرض الثاني والثالث.
وأما إذا كان الشرط مقوماً للموضوع واقعاً وحقيقة، فلا تدل على المفهوم، لان القضيه حينئذٍ مسوقة لبيان تحقق الموضوع ومفهومها السالبة بانتفاء الموضوع وهو ليس من المفهوم في شيء.
المناقشة الثانية: من شيخنا الأنصاري ? وحاصل هذه المناقشة أن مورد الآية الكريمة الشبهة الموضوعية وخبر العدل الواحد لا يكون حجة فيها ولابد من التعدد، وعلى هذا فلا يمكن الاخذ بمفهوم الآية وهو حجية خبر العادل مطلقاً، وان كان واحداً، فلا بد حينئذٍ اما من تقييد اطلاق المفهوم بما إذا انضم إليه خبر العدل الآخر وهو لا يمكن، لان تقييد المفهوم بدون تقييد المنطوق والتصرف فيه غير ممكن، لان المفهوم لازم للمنطوق إطلاقاً وتقييداً، ورفع اليد عن اطلاق المفهوم من جهة أنه معارض بمادل على عدم حجية خبر عدل واحد في الشبهات الموضوعية دون اطلاق المنطوق لا يمكن.
ثم اجاب? عن ذلك، بإن المراد بنبأ العادل ان كان جنس النبأ الصادق على الواحد وما زاد، فمقتضى إطلاق المفهوم حجية خبر العادل مطلقاً وان كان واحداً، وعندئذٍ يتعين رفع اليد عن إطلاق المفهوم وتقييده بما إذا كان خبر العادل متعدداً، والقرينة على هذا التقييد ما يدل على اعتبار التعدد في الموضوعات.
وان كان المراد منه خبر العدل الواحد كما هو مقتضى تنوين النبأ في قوله تعالى: ?إِن جَاءكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ?، فإنه يدل على ان الحجة هو نبأ عدل واحد، فلا بد من رفع اليد عن المفهوم نهائياً والغاؤه بمقتضى ما دل على عدم حجية خبر العدل الواحد في الموضوعات هذا.
والصحيح في المقام ان يقال ان عمدة الدليل على عدم حجية خبر العدل الواحد أو الثقة الواحدة، موثقة مسعدة بن صدقة وقد جاء فيها <كل شيء فيه حلال وحرام، فهو حلال حتى يستبين لك أو تقوم به البينة>( ) وتقريب الاستدلال بها ان فيها دلالتين:
الأولى: دلالة ايجابية، وهي دلالتها على إثبات الموضوع الخارجي بالعلم الوجداني أو البينة.
الثانية: دلالة سلبية، وهي دلالتها على عدم حجية خبر العدل الواحد في الموضوعات بالاطلاق، وحيث ان هذا الاطلاق ناشيء من السكوت في مقام البيان، فلا يصلح ان يعارض سائر الدلالات، وان كانت ناشئة من الاطلاق ومقدمات الحكمه، باعتبار ان الاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان من اضعف مراتب الدلالات، فلا يصلح ان يقاوم أي دلالة أخرى.
وعلى هذا فلا يمكن ان يعارض الاطلاق السكوتي للموثقة دلالة الآية المباركة على المفهوم وان كانت دلالتها عليه بالاطلاق ومقدمات الحكمة فضلاً عما إذا كانت بالوضع، فإذن لابد من رفع اليد عن إطلاق الموثقة والحكم بان خبر العادل حجة وان كان واحداً، تطبيقاً لقاعدة حمل الظاهر على النص أو الأظهر.
والخلاصة: حيث ان الموثقة كانت تدل على عدم حجية خبر عدل واحد في الموضوعات بالدلالة السكوتية، فلا تصلح ان تقاوم دلالة الآية المباركة على المفهوم وان كانت دلالتها عليه بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
ومع الاغماض عن ذلك وتسليم ان اطلاق الموثقة اطلاق لفظي ناشئ من مقدمات الحكمة لامن السكوت في مقام البيان، فمع ذلك لابد من تقديم اطلاق مفهوم الآية على إطلاق الموثقة في مورد إلالتقاء والاجتماع بينهما، وذلك لان الموثقة باطلاقها تشمل الشبهات الحكمية والموضوعية معاً والآية موردها وان كانت الشبهات الموضوعية، إلا أنها باطلاقها تشمل الشبهات الحكمية أيضاً، وعلى هذا فلا يمكن تقديم الموثقة على إطلاق مفهوم الآية في مورد الاجتماع، والالزم إخراج موردها عن إطلاقها وهو أمر مستهجن وغير عرفي، بإعتبار ان القدر المتيقين من كل دليل إرادة مورده فلا يمكن تخصيصه بغيره.
وان شئت قلت، أن مورد الآية الشبهة الموضوعية، ولكن باطلاقها تشمل الشبهات الحكمية أيضاً، وعلى هذا فالقدر المتيقن من الآية بحسب المنطوق والمفهوم هو الشبهة الموضوعية.
وعلى هذا فالتعارض بين إطلاق مفهوم الآية وإطلاق الموثقة بالعموم من وجه، ومورد إلالتقاء بينهما الشبهة الموضوعية، ولكن لابد من تقديم إطلاق المفهوم في مورد الاجتماع على إطلاق الموثقة فيه، وأما العكس وهو تقديم إطلاق الموثقة في مورد الاجتماع على إطلاق المفهوم، فهو لا يمكن لأمرين:
الأول: ان مورد الآية منطوقاً ومفهوماً هو الشبهة الموضوعية، وعلى هذا فالآية بمفهومها ناصة في موردها وهو حجية خبر عدل واحد في الشبهة الموضوعية، والموثقة باطلاقها ظاهرة في عدم حجيته فيها، فإذن لابد من تقديم مفهوم الآية على الموثقة في مورد إلالتقاء تطبيقاً لقاعدة حمل الظاهر على النص.
الثاني: انه لو قدم إطلاق الموثقة على إطلاق المفهوم في مورد الاجتماع، لزم تقييد إطلاق المفهوم بغير مورده وهو قبيح، فإذن لابد من العكس وهو تقديم إطلاق المفهوم على إطلاق الموثقة في مورد الاجتماع، هذا كله بناء على ما قويناه من ان دلالة القضيه الشرطية على المفهوم إنما هي بالوضع.
وأما بناء على ان دلالتها على المفهوم بالاطلاق و مقدمات الحكمه، بتقريب ان اثبات كون المعلق على الشرط طبيعي الحكم، إنما هو بالاطلاق لا بالوضع، فلا مانع من تقييد اطلاق المفهوم إذا كانت هناك قرينة على هذا التقييد، كما انه يمكن المنع عن اصل هذا الاطلاق إذا كانت هناك قرينة مانعة عن انعقاد اصل ظهورها فيه، لان الآية بمنطوقها تدل على تعليق الجزاء على الشرط، ومقتضى الاطلاق ومقدمات الحكمة هو ان المعلق على الشرط طبيعي الحكم لا شخص الحكم المجعول في القضية، فإذا كان المعلق على الشرط طبيعي الحكم، فلا محالة تدل القضية على انتفاء طبيعي الحكم بانتفاء الشرط وهذا هو المفهوم، وعلى هذا فمورد الآية الكريمة منطوقاً الشبهة الموضوعية لا منطوقاً ومفهوماً، لان مفهومها نتيجة اطلاق منطوقها الثابت بمقدمات الحكمة وليس مدلولاً وضعيّاً لها، وإطلاق التعليق يشمل الشبهة الموضوعية والحكمية معاً، لان مورد أصل التعليق هو الشبهة الموضوعية، وأما كون المعلق طبيعي الحكم الثابت بالاطلاق ومقدمات الحكمه، فنسبته إلى كلتا الشبهتين على حد سواء، فإذن لا مانع من رفع اليد عن اطلاق المفهوم في الشبهة الموضوعية وعدم حجيته فيها بواسطة دليل خارجي كالموثقة المتقدمة، وهذا ليس من تخصيص الدليل بغير مورده حتى يكون مستهجناً عرفاً، لان الشبهة الموضوعية مورد المنطوق لا المفهوم، فإن المفهوم مدلول إطلاق التعليق لا أصله، ولا يستلزم هذا التقييد تقييد المنطوق بغير موردها وهو الشبهة الموضوعية بل هو يستلزم تقييد اطلاق المنطوق هذا.
ولكن هذا التقريب غير صحيح، لانه مبني على دلالة الموثقة على عدم حجية خبر عدل واحد في الشبهات الموضوعية بالاطلاق اللفظي الثابت بمقدمات الحكمه، ولكن الأمر ليس كذلك، لان الموثقة مختصة بالشبهة الموضوعية ولا تعم الشبهة الحكمية، وهذا لا من جهة كلمة البينة فيها، لان الظاهر منها البينة العرفية لا المصطلحة، لان لفظ البينة الوارد في الكتاب والسنة، ظاهر في معناها العرفي وهو ما يتبين به الشيء لا خصوص شهادة العدلين لانها من أحد مصاديقها، فارادة البينة المصطلحة منها بحاجة إلى قرينة، ولا قرينة في الموثقة على ان المراد منها البينة المصطلحة ولا من الخارج، بل من جهة تقسيم الشيء في صدرها إلى الحلال والحرام، فإنه ظاهر في التقسيم الفعلي وهو لا ينطبق إلا على الشبهة الموضوعية.
وعلى هذا فدلالة الموثقة على عدم حجية خبر عدل واحد ليست بالاطلاق اللفظي الثابت بمقدمات الحكمه، لعدم توفر مثل هذا الاطلاق لها، بل دلالتها على ذلك إنما هي بالاطلاق السكوتي الناشئ من سكوت المولى في مقام البيان، ولذلك قلنا ان الموثقة لا تصلح ان تعارض دلالة الآية على المفهوم ولو بالاطلاق ومقدمات الحكمة، لان الاطلاق اللفظي يتقدم على الاطلاق السكوتي.
فالنتيجة في نهاية المطاف ان الآية الكريمة لو دلت على حجية خبر العادل بالمفهوم، فالموثقة لا تصلح ان تعارض الآية في مورد الاجتماع، ولا بد من تقديم الآية عليها فيه وان كانت دلالتها على المفهوم بالاطلاق ومقدمات الحكمة.
ومن هنا يظهر ان ما ذكره شيخنا الأنصاري? من ان ما دل على اعتبار تعدد خبر العدل في الشبهات الموضوعية كموثقة مسعدة وغيرها، يتقدم على مفهوم الآية المباركة، اما بتخصيص إطلاق المفهوم بغير الشبهات الموضوعية، أو بالغائه نهائياً غير تام، لما عرفت من ان الموثقة لا تصلح ان تعارض مفهوم الآية وان كان بالاطلاق ومقدمات الحكمة فضلاً عما إذا كان بالوضع( ).
بقي هنا امران:
الأول: ان أدلة حجية اخبار الاحاد تشمل باطلاقها اخبار السيد عن الاجماع على عدم حجيتها باعتبار انه عادل، وحينئذٍ فيلزم من حجية اخباره عدم حجيته، باعتبار انه من افراد خبر الواحد.
والجواب أولاً: ان ادلة حجية اخبار الاحاد مختصة بالاخبار الحسية فلا تشمل الاخبار الحدسية، وحيث ان خبر السيد عن عدم حجية اخبار الاحاد خبر حدسي فلا يكون مشمولاً لها، ومن هنا قلنا ان الاجماع المنقول بخبر الواحد لا يكون مشمولاً لادلة حجية اخبار الاحاد.
وثانياً: انه معارض بنقل الشيخ الطوسي? الاجماع على حجية اخبار الاحاد، فيسقط من جهة المعارضة.
وثالثاً: ان مدلول خبر السيد عدم حجية مطلق اخبار الاحاد اعم من ان تكون اخبار العدول أو الثقة أو الضعاف، ومدلول أدلة حجية اخبار الاحاد التي عمدتها سيرة العقلاء الممضاة شرعاً اخبار الثقة، وحيث ان السيد ثقة فيكون خبره حجة، فاذن تقع المعارضة بين خبر السيد وادلة حجية اخبار الثقة، وحيث ان نسبة خبر السيد إلى أدلة حجية اخبار الثقة، نسبة العام إلى الخاص والمطلق إلى المقيد، فلابد من تقييد إطلاقه بغير اخبار الثقة تطبيقاً لقاعدة حمل المطلق على المقيد.
ونتيجة ذلك هي اختصاص عدم حجية اخبار الاحاد الذي هو مدلول خبر السيد بغير اخبار الثقة.
ورابعاً: ان أدلة الحجية لا يمكن ان تشمل خبر السيد، لانها لو تشمل خبره، لكان حجة، فإذا كان حجه، فمعناه ان اخبار الاحاد لا تكون حجة منها خبره لانه خبر الواحد، فإذن يلزم من فرض حجية خبر السيد عدم حجيته، وما يلزم من فرض حجيته عدم حجيته، فحجيته مستحيلة.
وان شئت قلت ان خبر السيد لا يمكن ان يكون مشمولاً لاطلاق أدلة حجية خبر الواحد، لانها لوشملت خبر السيد، فلا يمكن شمولها لسائر اخبار الاحاد إذ لا يمكن الجمع بينهما، وحنيئذٍ لابد من تخصيص إطلاق ادلة الحجية بخبر السيد فقط وخروج سائر اخبار الاحاد عنه كافة، وهذا كما ترى، بداهة أنه لا يعقل تخصيص أدلة حجية اخبار الاحاد منها سيرة العقلاء بخبر السيد فقط.
هذا اضافة إلى ان الاجماع الذي نقله السيد على عدم حجية اخبار الاحاد، يشمل شخص خبره أيضاً بعنوانه، باعتبار ان مفاده قضية حقيقية وهو يشمل الافراد المحققة والمقدرة معاً أو بالملاك، فإذن يلزم التهافت والتناقض في داخل خبر السيد.
وان قلت ان المحكي بخبر السيد هو الاجماع على عدم حجية اخبار الاحاد السابقة على خبره، فلا يكون خبره مشمولاً للاجماع.
قلت أولاً: ان مفاد الاجماع قضية حقيقية لا يختص بالاخبار المتقدمة.
وثانياً: ان لازم ذلك اختصاص أدلة حجية اخبار الاحاد بخبر السيد وهو كما ترى.
حجية الاخبار مع الواسطة
الأمر الثاني: أن أدلة حجية اخبار الاحاد، هل تشمل الاخبار مع الواسطة أو تختص بالاخبار بلا واسطة؟
والجواب: أن الصحيح هو الوجه الأول، وأنها تشمل اخبار الاحاد كافة مع الواسطة وبدونها، شريطة توفر الشروط كوثاقة الراوي في تمام الطبقات والوسائط وكونها اخبار حسية كذلك وهكذا.
وبكلمة واضحة، أن شمول أدلة الحجية لاخبار الأحاد منوط بشروط:
الشرط الأول: تحقق الموضوع وهو خبر الثقة.
الشرط الثاني: ان يكون الخبر عن حس، فالاخبار الحدسية لا تكون مشموله لأدلة الحجية.
الشرط الثالث: ان يكون للمخبر به أثر شرعي مترتب عليه، فإذا توفرت هذه الشروط في الخبر كان مشمولاً لأدلة الحجية، وعلى هذا فإذا كان خبر الثقة بلا واسطة كالاخبار عن قول المعصوم? مباشرة، فهو حجة لتوفر شروطها فيه، منها ان يكون المخبر به بنفسه قابلاً للتعبد الشرعي أو موضوعاً له.
وأما إذا كان الخبر مع الواسطة، كما إذا أخبر الكليني عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الإمام?، فهنا اشكالان:
الاشكال الأول: إن خبر الكليني خبر ثقة وهو حسي لا حدسي، فالشرطان الأولان متوفران فيه، وأما الشرط الثالث وهو كون المخبر به حكماً شرعياً بنفسه أو موضوعاً فلا يكون متوفراً فيه، لان المخبر به بخبر الكليني خبر علي بن إبراهيم وهو ليس بحكم شرعي بنفسه وإنما هو موضوع لأثر شرعي، ولكن هذا الأثر الشرعي نفس حجية الخبر، فعندئذٍ يلزم اتحاد الحكم مع الموضوع، لان موضوع الحجية مركب من أمرين الاخبار بشيء وترتب الأثر على ذلك الشيء، فترتب الأثر على المخبر به مأخوذ في موضوع الحجية، فإذا فرض ان ذلك الأثر هو نفس الحجية، لزم اتحاد الحكم مع الموضوع ومعه لا يمكن شمول أدلة الحجية للاخبار مع الواسطة.
وبكلمة واضحة: ان دليل الحجية لو شمل الاخبار مع الواسطة، لزم اتحاد الحكم مع الموضوع أو الشرط مع المشروط.
بيان ذلك، ان الكليني إذا أخبر عن علي بن إبراهيم عن أبيه عن الإمام?، كان شمول دليل الحجية لخبر الكليني منوطاً بكون المخبر به بخبره أثراً شرعياً بنفسه كالوجوب أو الحرمة أو الجزئية أو الشرطية وهكذا، أو موضوعاً لأثر شرعي، وإلا لم يكن مشمولاً له.
وفي المقام حيث ان المخبر به لخبر الكليني خبر علي بن إبراهيم وهو ليس بنفسه حكماً شرعياً ولا موضوعاً لحكم شرعي ما عدا حجيته المرتبة عليه، فلا يكون مشمولاً لدليل الحجية، لان موضوعه مركب من امرين:
أحدهما الاخبار عن شيء والآخر ترتيب الأثر الشرعي على ذلك الشيء إذا لم يكن بنفسه أثراً شرعياً، فإذا توفر الأمران، تحقق الموضوع فيكون مشمولاً له.
وأما في المقام فالموضوع غير متحقق، لأن الجزء الأول وهو خبر الكليني وان كان متحققاً، إلا أن الجزء الثاني منه وهو ترتب الأثر الشرعي على المخبر به في المرتبة السابقة غير متحقق، لان المخبر به له خبر علي بن إبراهيم وهو ليس بنفسه اثراً شرعياً ولا موضوعاً له، وأثره الشرعي الوحيد إنما هو حجيته والمفروض أنها حكم له، ولهذا لا يمكن شمول دليل الحجية لخبر الكليني في المقام، وإلا لزم اتحاد الحكم مع الموضوع وهو مستحيل.
فالنتيجة: أنه لا يمكن ان تكون الاخبار مع الواسطة مشمولة لدليل الحجية.
الاشكال الثاني: انه لا يمكن ان يكون دليل الحجية شاملاً للاخبار مع الواسطة وإلا لزم تأخر الموضوع عن حكمه، وذلك لان خبر الكليني في المثال ثابت بالوجد ان، وأما خبر علي بن إبراهيم فهو غير ثابت لنا بالوجدان وإنما ثبت بالتعبد وهو متوقف على حجية خبر الكليني، فإذن كيف يعقل ان تكون هذه الحجية حكماً لخبر علي بن إبراهيم أيضاً وإلا لزم تقدم الحكم على موضوعه.
ونتيجة ذلك ان خبر الواسطة في طول الحكم وهو الحجية الثابتة لخبر الكليني، باعتبار ان ثبوت خبر الواسطة يتوقف على حجية خبر المباشر له، وعليه فلا محالة يكون ثبوت الواسطة في طول حجية خبر المباشر مع ان الواسطة موضوع لها، فمن اجل ذلك شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة يستلزم محذور تقدم الحكم على الموضوع.
ثم ان هذين الاشكالين مختلفان في الملاك والمورد، أما في الملاك فلان ملاك الاستحالة في الاشكال الأول، هو انه يلزم من شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة اتحاد الحكم مع الموضوع وهو مستحيل.
وفي الاشكال الثاني، هو انه يلزم من شموله لها تأخر الموضوع عن الحكم وهو خلف.
وأما في المورد، فلان الاشكال الأول يجري في الخبر المباشر أيضاً
كخبر الكليني، ولا يجري في الخبر الاخير الذي يكون مفاده الاخبار عن قول الإمام? مباشرة، بينما الاشكال الثاني لا يجري في الخبر المباشر ويجري في الخبر الأخير الذي هو مباشر لقول المعصوم?.
والخلاصة: ان الاشكالين مختلفان ملاكاً ومورداً.
فالنتيجة: هي استحالة شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة.
ويمكن الجواب عن هذه الشبهة في ثلاث مراحل طولية:
المرحلة الأولى: ان هذه الشبهة مبنية على نقطة خاطئة لا واقع موضوعي لها، وهي ان مفاد دليل حجية خبر الواحد ثبوت حجية واحدة، ومن الواضح انه لا يمكن ثبوت هذه الحجية الواحدة بدليل واحد للخبر المباشر وخبر الواسطة معاً، لإستلزام ذلك احد المحذورين المتقدمين.
ولكن هذه النقطه خائطة جداً ولا واقع موضوعي لها، ضرورة أن مفاد دليل حجية خبر الواحد إنحلالها بإنحلال أفراد الخبر في الخارج، بلا فرق في ذلك بين أن يكون دليل الحجية دليلاً لفظياً أو سيرة العقلاء.
أما الأول، فلأن مفاد دليل حجية اخبار الأحاد كمفهوم الآية الكريمة ونحوه قضية حقيقية، والحكم فيها مجعول للموضوع المقدر وجوده في الخارج، ومن الطبيعي ان هذا الحكم ينحل بإنحلال افراد موضوعه فيه، بمعنى ثبوت الحكم لكل فرد من أفراده، فهنا أحكام متعددة وموضوعات كذلك، وعلى هذا فدليل الحجية يدل على ثبوت الحجية لكل فرد من خبر الواحد، فهنا حجج متعددة بعدد أفراده وجعول كثيرة بكثرة افراده.
وعلى هذا فالحجية المجعولة لخبر الكليني غير الحجية المجعولة لخبر الواسطة وتعدد الحجية بتعدد الواسطة، فإذن لا يلزم من شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة شيء من المحذورين المتقدمين لا اتحاد الحكم مع الموضوع، لان الحكم فرد من الحجية والمأخوذ في الموضوع فرد آخر منها، ولا تقدم الحكم على الموضوع، لان الحكم الثابت للخبر المباشر كخبر الكليني فرد من الحجية، وثبوت الموضوع تعبداً وهو خبر علي بن إبراهيم وان كان متوقفاً عليه، ولكنه ليس أثراً له حتى يلزم تأخر الموضوع عن الحكم بل اثره فرد آخر من الحجية، فإذن لا يلزم تأخر الموضوع عن الحكم، ولا مانع حينئذٍ من شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة.
وأما الثاني وهو سيرة العقلاء، فإنها قائمة على العمل باخبار الثقة، بلا فرق بين أن تكون بلا واسطة أو مع الواسطة، ضرورة أنها قد جرت على العمل بكل خبر ثقة في الخارج، لان كل خبر ثقة عندهم موضوع للحجية من دون فرق بين أن يكون اخبار الثقة عن شيء بلا واسطة أو مع الواسطة، ولهذا لا موضوع لكلا الاشكالين، لان كليهما مبني على فرض ان المجعول وهو الحجية في باب الإمارات واحد، وأما إذا كان المجعول متعدداً بتعدد افرادها، فلا موضوع لهما بل لا يعقل ان يكون المجعول واحداً شخصياً، ضرورة انه لغو صرف لا يمكن صدوره من المولى الحكيم، إلا أن يكون المراد من الواحد، الواحد بالنوع لا بالشخص، ولكن هذا يرجع إلى تعدد المجعول.
والخلاصة: انه لا شبهة في ان مفاد أدلة حجية الإمارات كاخبار الثقة ونحوها قضايا حقيقية والحكم فيها مجعول للموضوعات المقدرة وجودها في الخارج، وعليه فبطبيعة الحال ينحل هذا الحكم بإنحلال أفراد موضوعه فيثبت لكل فرد حكم مستقل، بلا فرق بين أن يكون ذلك الحكم حكماً تكليفياً كالوجوب أو الحرمة أو نحوهما أو حكماً وضعياً كالحجية ونحوها.
وعلى هذا فلا أساس للاشكال في شمول أدلة الحجية للاخبار مع الواسطة بكلا تقريبية، هذا اضافة إلى أن التقريب الثاني مبني على الخلط بين مقام الأثبات ومقام الثبوت، وما هو متأخر عن الحجية الوجود الإثباتي والاحرازي للموضوع، وهو خبر الواسطة، وما هو موضوع لها هو خبر الواسطة بوجوده الواقعي وهو ليس بمتأخر عن الحجية بل الحجية في طوله ومتأخرة عنه رتبة.
المرحلة الثانية: مع الاغماض عن الجواب في المرحلة الأولى، يمكن ان يجاب عن الشبهة بان دليل الحجية لا يشمل الاخبار مع الواسطة إذا كانت الواسطة ملحوظة بنحو الموضوعية والاستقلال، بأن يكون كل واسطة خبراً مستقلاً موضوعاً ومحمولاً.
وأما إذا كانت الواسطة ملغية، بأن يلحظ مجموع السلسلة الطولية خبراً واحداً ويكون كل واسطة جزء الموضوع لاتمامه والموضوع هو تمام السلسلة، وقول الإمام? حكم لهذا الموضوع وأثر شرعي له، وعليه فمجموع السلسلة بمثابة خبر واحد يحكي عن قول الإمام مباشرة وبلا واسطة، ويمكن تقريب ذلك باحد الوجهين:
الوجه الأول: التقريب الذي ذكره السيد الاستاذ? وملخصه: هو انه لا فرق في حجية اخبار الثقة بين ان يكون المخبر به تمام الموضوع للحكم الشرعي أو جزؤه، شريطة أن يكون الجزء الآخر للموضوع محرزاً اما بالوجدان في عرض الجزء الأول أو بالتعبد، فإذا أخبر الكليني عن علي ابن إبراهيم عن أبيه
عن الإمام?، كان مجموع هذه السلسلة موضوعاً لحكم شرعي وهو قول المعصوم?، ويكون كل واحد من قطعة هذه السلسلة جزء الموضوع لاتمامه حتى يقال انه لا أثر له شرعاً( ).
وبكلمة ان دليل الحجية يشمل مجموع السلسلة في عرض واحد، بمعنى ان المجموع بمثابة خبر واحد يترتب على مدلوله أثر شرعي إذا لم يكن المدلول بنفسه أثراً شرعياً، ولا يمكن شمول دليل الحجية لها طولاً، ضرورة انه لا يشمل خبر الشيخ إلا في عرض شموله لخبر المفيد وهكذا، لان المجموع خبر واحد وموضوع للاثر لا كل واحد منها، لان كل واحد منها جزء الموضوع لاتمامه.
وعلى هذا فلا فرق بين الاخبار مع الواسطة والاخبار بلا واسطة فكلتاهما مشمولة لادلة الحجية، غاية الأمر ان الصنف الأول مشمول لها بملاك ان كل خبر الواسطة جزء الموضوع والموضوع مركب من جزئين أو أكثر، والصنف الثاني مشمول لها بملاك انه وحده تمام الموضوع، ونتيجة ذلك الغاء الواسطة.
ومن هنا يظهر ان الشبهة في المسألة مبنية على ان دليل الحجية لا يشمل الخبر إلا إذا كان المخبر به فيه تمام الموضوع للحكم الشرعي، وأما إذا كان جزء الموضوع، فلا يكون مشمولاً له، وحيث ان كل واحد من خبر الواسطة جزء الموضوع لاتمامه غير الخبر الأخيرالحاكي لقول الإمام مباشرة، فلا يكون مشمولاً لدليل الحجية، ولكن عرفت أن هذا البناء غير صحيح.
الوجه الثاني: ما ذكره بعض المحققين?، من أن الشيخ الكليني? إذا أخبر عن الصفار عن الإمام?، فقد أخبر بالالتزام عن صدور الخبر عن الإمام? على تقدير عدم كذب الصفار، فالمدلول الإلتزامي قضية شرطية وهي انه لو لم يكذب الصفار، فقد صدر الخبر عن المعصوم?، وحينئذٍ يمكن تطبيق دليل الحجية على خبر الكليني بلحاظ هذا الأثر الشرعي لا بلحاظ حجية خبر الصفار والالزم أحد المحذورين المتقدمين، فنثبت بتطبيق دليل الحجية على خبر الكليني المحرز لنا وجداناً القضية الشرطية المزبورة، ثم نثبت شرطها وهو عدم كذب الصفار في اخباره عن الإمام?، باعتبار انه ثقة فلا يكذب بمقتضى دليل حجية خبر الثقة، وبذلك يثبت الجزاء وهو قول المعصوم?.
وبكلمة أخرى ان الملازمة بين عدم كذب الكليني وعدم كذب الصفار وبين صدور الخبر عن المعصوم? ثابتة بنحو القضية الشرطية، وصدق القضية الشرطية إنما هو بصدق الملازمة لا بصدق طرفيها، فإن طرفيها وان كانا مستحيلين، فهي صادقة إذا كانت الملازمة في الواقع ثابتة، نعم مجرد ثبوت الملازمة في الواقع لا يكفي في إثبات حجية الخبر وصدوره عن المعصوم?، بل يتوقف على تحقق الشرط في الخارج وهو وثاقة الكليني والصفار وهي ثابتة اما وجدانا أو تعبداً، وتطبيق دليل حجية اخبار الثقة على خبر الكليني إنما هو بلحاظ مدلوله الإلتزامي وهو القضية الشرطية على تقدير صدق الصفار في اخباره، وحيث انه ثقة، فبتطبيق دليل حجية خبر الثقة يثبت صدق خبره( ).
ويمكن المناقشة فيه بتقريب.
ان الدلالة الإلتزامية تتبع الدلالة المطابقية ثبوتاً وحجية وسقوطاً.
وعلى هذا فثبوت المدلول الإلتزامي في المقام منوط بثبوت المدلول المطابقي وتابع له، والمفروض في المقام عدم ثبوت المدلول المطابقي وهو خبر الصفار الذي هو مدلول مطابقي لخبر الكليني في المثال، فإذا لم يدل خبر الكليني على ثبوت مدلوله المطابقي، فبطبيعة الحال لا يدل على ثبوت مدلوله الإلتزامي، لانه إنما يدل على المدلول الإلتزامي بتبع دلالته على المدلول المطابقي، فإذا توقف ثبوت مدلوله الإلتزامي على ثبوت مدلوله المطابقي عاد المحذور.
ومن هنا يظهر ان ماذ كره? من ان حجية الاخبار عن المدلول الإلتزامي، لا تتوقف على ثبوت المدلول المطابقي وجداناً أو تعبداً لكي يلزم احد المحذورين المذكورين غير تام.
وجه الظهور هو ان الكليني في المثال المزبور قد أخبر عن المدلول الإلتزامي على تقدير ثبوت المدلول المطابقي، لانه أخبر عن ان الصفار لو لم يكذب في اخباره لصدر الخبر من المعصوم?، وهذا الاخبار عن القضية الشرطية يعني الملازمة لا يكفي في حجية اخباره، لانها تتوقف على إحراز صدقه في اخباره لانه الشرط في القضية.
ومن الواضح انه لا يمكن احراز صدقه فيه إلا بتطبيق دليل الحجية على خبر الكليني وخبر الصفار معاً، فإذن يعود المحذور.
لان هذه الملازمة وهي انه لو أخبر الصفار ولم يكذب، لكان الخبر صادراً من المعصوم? ثابتة من الأزل لا أنها توجد باخبار الصفار، ضرورة أن الملازمات أمور واقعية ثابتة إزلاً وغير مسبوقة بالعدم، وعلى هذا فالكليني قد أخبر عن الملازمة وهي ان الصفار لو لم يكذب في اخباره لثبت قول المعصوم?، وهذه الملازمة ثابتة من الأزل، والاخبار عن هذه الملازمة بنحو القضية الشرطية لا يكفي في حجية اخباره، لانها تتوقف على احراز عدم كذب الصفار في اخباره من جهة أنه ثقة، ولا يمكن احراز ذلك إلا بتطبيق دليل حجية خبر الثقة عليه، فإذن يعود محذور اتحاد الحكم مع الموضوع أو تقدم الحكم على الموضوع، باعتبار ان هذا الجواب مبني على فرض وحدة الجعل والمجعول، وأما بناء على تعدد الجعل وان هناك جعول متعددة بعدد افراد خبر الثقة، فلا موضوع للاشكال في شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة حتى دعت الحاجة إلى مثل هذا الجواب.
وان شئت قلت: ان المدلول الإلتزامي حصة خاصة من اللازم المقيد بالملزوم، لوضوح ان من أخبر عن سقوط زيد من شاهق، فقد أخبر عن موته بالالتزام، ولكنه أخبر عن حصة خاصة من الموت وهي الموت المستند إلى سقوطه من الشاهق، أو إذا أخبر عن ان السيارة الفلانية قد سحقت زيداً، فقد أخبر عن موته لا مطلقاً بل مستنداً إلى سحق السيارة، أو إذا أخبر عن شرب خالد السم، فقد أخبر عن موته لا مطلقاً بل مستنداً إلى السم وهكذا.
وفي المقام أخبر الكليني عن قول الإمام? بنحو القضية الشرطية على تقدير صدق الشرط وهو صدق الصفار في اخباره لا مطلقاً، بل مقيداً لصدور الاخبار منه الذي هو مدلول مطابقي لخبر الكليني، ومعنى هذا ان الشرط في القضية الشرطية صدق الصفار في اخباره لا مطلق صدقه، بل صدقه الخاص وهو صدقه في اخباره عن الإمام?، ومن الطبيعي انه لا يمكن إثبات صدقه الخاص إلا بتطبيق دليل الحجية على خبر الكليني بلحاظ مدلوله المطابقي فإذن يعود المحذور.
والخلاصة: ان المدلول الالتزامي لخبر الكليني هو نفس الشرطية والملازمة بين الشرط والجزاء، والشرط هو عدم كذب الصفار في اخباره لاعدم كذبه مطلقاً، والجزاء هو قول المعصوم?، لان الكليني اخبر بالمطابقة عن خبر الصفار
عن الإمام?، وبالالتزام عن الملازمة بين عدم كذبه في اخباره هذا وقول المعصوم?، وهذا لا بكفى، بل لابد من احراز. الشرط في المقام وهو اخبار الصفار عن الإمام? وعدم كذبه فيه، وحيث ان الصفار ثقة، فإثبات عدم كذبه فيه إنما هو بتطبيق دليل الحجية، وحينئذٍ يعود المحذور.
وذكر ? وجها آخر وحاصله، أن موضوع الحجية وثاقة المخبر لا اخباره.
وعلى هذا فإذا اخبر الكليني عن الصفار عن الإمام?، فقد اخبر بالالتزام عن القضية الشرطية، وهي انه إذا لم يكذب الكليني ولم يكذب الصفار، فقد صدر الخبر عن المعصوم?، والشرط في هذه القضية الشرطية مجموع الأمرين هما عدم كذب الكليني وعدم كذب الصفار، وكلا هذين الشرطين يثبتان عن طريق تطبيق دليل الحجية على وثاقة الرجلين المحرزة وجدانا أو تعبداً من الخارج، لان مقتضى وثاقة الكليني انه لا يكذب ومقتضى وثاقة الصفار انه لا يكذب أيضاً، وبذلك يحرز كلا الشرطين فيحرز الجزاء.
والخلاصة: ان موضوع الحجية وثاقة المخبر لا اخباره، ووثاقة كل من الكليني والصفار محرزة لنا بالوجدان، وبتطبيق دليل الحجية عليهما أنهما لا يكذبان، وبذلك يثبت الجزاء وهو قول المعصوم?، فإذن لا اشكال ولا يلزم أحد المحذورين المتقدمين، لان وثاقة كل منهما محرزة بالوجدان من الخارج ومقتضاها إنهما لا يكذبان، وبتطبيق دليل الحجية عليهما معاً يثبت الجزاء، فالشرط هو مجموع الأمرين العرضيين، والجزاء هو قول المعصوم? مترتب على المجموع.
وعلى هذا فترجع الاخبار مع الواسطة إلى الاخبار بلا واسطة، باعتبار ان وثاقة كل من الكليني والصفار ليست موضوعاً للحجية بالاستقلال بل المجموع موضوع لها، هذا نظير ما ذكره السيد الاستاذ? من ان مجموع الاخبار مع الواسطة موضوع للحجية بلحاظ ما يترتب عليه من الأثر الشرعي وهو قول المعصوم?، ويكون كل خبر جزء الموضوع لها( )، هذا.
ولكن الاقرب هو ما ذكره السيد الاستاذ ? من التقريب، وذلك لان الظاهر من أدلة الحجية ولا سيما السيرة العقلائية هو ان موضوع الحجية اخبار الثقة لا وثاقة المخبر، لانها جهة تعليلية للموضوع، والسيرة إنما هي على العمل باخبار الثقة الحاكية عن الواقع.
المرحلة الثالثة: مع الاغماض عما ذكر من الجواب في المرحلة الثانية وتسليم ان دليل الحجية لا يشمل إلا الخبر الذي يكون مدلوله بنفسه حكماً شرعياً أو تمام الموضوع للحكم الشرعي، وأما إذا كان جزء الموضوع، فلا يكون مشمولاً له، فما هو العلاج والدافع عن الشبهة والاشكال عن شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة حينئذٍ، وقد أجيب عن ذلك بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره المحقق الخراساني? من أن دليل الحجية إذا كان لفظياً، فإنه وان قلنا بأنه لا يشمل الاخبار مع الواسطة من جهة أحد المحذورين المتقدمين هما لزوم اتحاد الحكم مع الموضوع وتأخر الموضوع عن الحكم، إلا أنه مع ذلك لا مناص من الحكم بحجيتها من جهة وجود ملاكها فيها، إذ لا فرق بين خبر الثقة بلا واسطة وخبر الثقة مع الواسطة في الملاك المقتضي للحجية، لان ملاك جعل الحجية لاخبار الثقة إنما هو أقوائية كشفها عن الواقع نوعاً من اخبار غيرها، وهذه النكتة مشتركة بين اخبار الثقة بلا واسطة واخبارها مع الواسطة، إذ لا يحتمل أن يكون خبر الصفار عن الإمام? إذا كان بلا واسطة كان حجه، وإذا كان معها لم يكن حجة.
وعلى هذا فلا بد من التعدي عن مورد دليل الحجية وهو اخبار الثقة بلا واسطة إلى اخبار الثقة مع الواسطة لعموم الملاك، والحكم يدور مدار الملاك سعة وضيقاً لانه حقيقة الحكم وروحه( ).
والجواب: ان حجية اخبار الثقة وان كانت بملاك أنها أقرب إلى الواقع نوعاً من اخبار غير الثقة، بإعتبار ان احتمال تعمد الكذب فيها غير محتمل، لانه خلف فرض وثاقة المخبر، واحتمال الخطأ والاشتباه خلاف الأصل العقلائي، إلا أنه مع ذلك فرق بين اخبار الثقة بلا واسطة واخبارها مع الواسطة في الملاك، لأن ملاك الأول اقوى من الثاني، حيث ان احتمال الخطأ في الأول إذا كان بنسبة عشرة في الماءة وفي الثاني أكثر بحساب الاحتمالات، إذ كلما زادت الواسطة، زاد احتمال الخطأ بنفس النسبة.
وعلى ضوء هذا الأساس، فإذا فرض ان دليل الحجية مختصاً بخبر الثقة بلا واسطة، فلا يمكن التعدي عن مورده إلى خبر الثقة مع الواسطة، لان التعدي عن مورد الدليل إلى سائر الموارد بتنقيح المناط إنما هو في أحد موردين:
الأول: ان يكون ملاك الحكم في سائر الموارد أقوى منه في مورده.
الثاني: أن يكون مساوياً له، بحيث لا يحتمل مزية له في مورد الحكم، وأما إذا كان الملاك في سائر الموارد اقل مرتبة من الملاك في مورد الحكم، فلا يمكن التعدي، والمقام من هذا القبيل.
الوجه الثاني: ما ذكره? أيضاً من ان الحجية مجعولة لطبيعي الخبر بلحاظ طبيعي الأثر، وعندئذٍ فلا يلزم اتحاد الحكم مع الموضوع، لان الحكم هو الحجية في المقام والمأخوذ في الموضوع في مقام الجعل طبيعي الأثر لاخصوص الحجية، وأما انطباق هذا الطبيعي على الحجية في مرحلة الفعلية باعتبار أنها من أحد افراده ومصاديقه، فإذن لا يلزم اتحاد الحكم مع الموضوع، لان الحكم الحجية والمأخوذ في الموضوع طبيعي الأثر.
وبكلمة ان محذور اتحاد الحكم والموضوع في مقام الجعل إنما يلزم إذا كان المأخوذ في الموضوع خصوص الحجية، والمفروض انها حكم لهذا الموضوع، وأما إذا كان المأخوذ فيه طبيعي الأثر، فلا يلزم هذا المحذور، نعم ينطبق طبيعي الأثر على الحجية في مرحلة الفعلية، فيتحد الحكم مع فرد من الموضوع في هذه المرحلة لامع الموضوع نفسه في مرحلة الجعل، ولا مانع من اتحاد الحكم مع ما ليس بموضوع كفرده، لان المحذور إنما هو في اتحاد الحكم مع الموضوع في مقام الجعل، ضرورة أنه لا يعقل ان يكون الحكم والموضوع شيئاً واحداً، لانهما يتطلبان التعدد والاثنينية، وكون الموضوع في المرتبة المتقدمة على الحكم، وأما ما ليس بموضوع، فلا مبرر لان يكون في المرتبة المتقدمة عليه حتى لا يمكن اتحاده معه.
والخلاصة: ان الكليني إذا أخبر عن الصفار عن الإمام?، فالمأخوذ في موضوع حجية خبر الكليني وهو طبيعي خبر الصفار، طبيعي الأثر لاكل أثر أثر، لان معنى الاطلاق عدم لحاظ القيد لا لحاظ كل قيد وطبيعي الأثر، وان كان ينطبق على حجية خبر الكليني وعلى غيرها في الخارج، إلا أنه لا محذور فيه، لانه من اتحاد الحكم مع ماليس بموضوع له، وان كان فرده في الخارج والمحذور إنما هو في اتحاد الحكم مع موضوعه في مرتبة الجعل.
والجواب: ان هذا التقريب إنما يدفع الاشكال بكلا النحوين في مرحلة الجعل، فإن الموضوع في هذه المرحلة، مفهوم خبر الصفار في المثال وهو ليس في طول الحجية التي هي حكم لهذا الموضوع، فإن ما هو في طوله ثبوته الخارجي، وهذا جزء الموضوع وجزؤه الآخر طبيعي الأثر، فإذن لا يلزم في هذه المرحلة لا اتحاد الحكم مع موضوعه ولا تقدم الحكم على موضوعه، إلا أن محل الكلام في المسألة ليس في مرحلة الجعل، إذ لا يلزم شيء من المحذورين في هذه المرحلة، ضرورة أن الموضوع مفهوم الخبر والمأخوذ في طبيعي الآثر، ولا يلزم حينئذٍ لا الاتحاد ولا تاخر الموضوع عن الحكم، بل محل الكلام إنما هو في مرحلة الفعلية والانطباق، فإن الحكم وهو حجية خبر الكليني متقدمة على خبر الصفار مع ان خبر الصفار موضوع لها ومتحدة مع حجية خبر الصفار في هذه المرحلة، ولهذا لا يمكن تطبيق دليل الحجية على خبر الكليني في المثال، لان حجيته متوقفة على أن يكون للمخبر به لخبره أثر شرعي ولا أثر له على الفرض غير الحجية، فإذن يلزم اتحاد الحكم مع الموضوع، لان موضوع الحجية الاخبار بشيء وترتيب الأثر الشرعي على ذلك الشيء، وحيث انه لا أثر له غير حجيته، فيكون الحكم متحداً مع جزء موضوعه، وايضاً يلزم تقدم الحكم على نفسه، لان ثبوت خبر الصفار حيث انه يتوقف على حجية خبر الكليني، فيكون في طولها ومتأخر عنها وكذلك حجيته مع انها عين حجية خبر الكليني وهذا معنى تقدم الحكم على نفسه.
وبكلمة انه لو كان المجعول في الواقع ومقام الثبوت حجية واحدة ودليل الحجية يدل عليها في مقام الإثبات، فلا يمكن تطبيقها على الاخبار مع الواسطة لاستلزامه أحد المحذورين المزبورين.
وان كانت هناك جعول متعددة بعدد افراد خبر الثقة في الخارج ثبوتاً، فعندئذٍ لا إشكال في شمول دليل الحجية لها ولا يلزم شيء من المحذورين، وقد تقدم ان الأمر كذلك، لان ادلة حجية خبر الثقة مسوقة بنحو القضية الحقيقية، والحكم فيها وهو الحجية مجعول للموضوع المقدر وجوده في الخارج وهو خبر الثقة، فإذن بطبيعة الحال ينحل الحجية بانحلال افراد موضوعها في الخارج ويثبت لكل فرد من افراده فرد من الحجية مستقلاً، وعليه فلا إشكال في شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة.
الوجه الثالث: ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني? منهم السيد الاستاذ?، من ان المجعول في باب الامارات الطريقيةوالعلمية، ودليل الحجية يدل على ان خبر الثقة علم تعبداً، فإذا كان علماً فهو يثبت متعلقه مطلقاً وان لم يكن حكماً شرعياً بنفسه ولا موضوعاً له.
وعلى هذا فشمول دليل الحجية لخبر الكليني لا يتوقف على ان يكون لمخبر به لخبره أثر شرعي، بل هو يشمل وان لم يكن أثراً شرعياً بنفسه ولا موضوعاً له، باعتبار انه علم بخبر الصفار، فإذن يثبت خبر الصفار بالعلم التعبدي وان لم يكن له أثر شرعي، وكذلك خبر الصفار علم بقول الإمام?، فإذا أخبر الشيخ عن المفيد عن الصفار عن الإمام?، كان خبر الشيخ من جهة أنه ثقة علم بخبر المفيد تعبداً، فيثبت خبر المفيد بالعلم التعبدي وان لم يكن له أثر شرعي، وخبر المفيد من جهة أنه ثقة علم تعبدي بخبر الصفار، فيثبت خبر الصفار بالعلم التعبدي، سواء أكان له أثر شرعي أم لا، وخبر الصفار علم بقول الإمام? تعبداً، فإذن لا مانع من تطبيق دليل الحجية على الاخبار مع الواسطة، لانه بتطبيقه على خبر الشيخ، يثبت انه علم تعبدي بخبر المفيد، والمفيد بما انه ثقة فبتطبيقه على خبره، يثبت انه علم تعبدي بخبر الصفار، والصفار حيث انه ثقة، فبتطبيقه على خبره يثبت انه علم تبعدي بقول المعصوم?، ولهذا لا إشكال في شمول دليل الحجية للاخبار مع الواسطة، نعم لو كان المجعول في باب الإمارات تنزيل المؤدي منزلة الواقع أو جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي على تقدير المطابقة والمخالف على تقدير عدم المطابقة، فلا يمكن تطبيق دليل الحجية على الاخبار مع الواسطة، لان شموله لخبر الشيخ ? في المثال يتوقف على أن يكون للمخبر به لخبره أثر شرعي، والمفروض انه لا أثر له في المقام ما عدا الحجية، ومن الطبيعي انه لا يمكن تطبيق دليل الحجية على خبر الشيخ بلحاظ نفسها( ).
وللمناقشة فيه مجال، بتقريب انا لو سلمنا ان المجعول في باب الإمارات الطريقية والعلم التعبدي، إلا أن ذلك لا يجدي في تطبيق دليل الحجية على الاخبار مع الواسطة، لان ما ذكرته مدرسة المحقق النائيني? مبني على قياس العلم التعبدي بالعلم الوجداني، فإن العلم بالعلم بشيء، علم بذلك الشيء في العلم الوجداني، وأما في العلم التعبدي، فلا يصح هذا القياس، لان العلم التعبدي في الواقع ليس بعلم بل هو في الحقيقة شك وظن، نعم الشك بالشك في شيء، شك في ذلك الشيء تكويناً بقياس المساواة، والظن بالظن بشيء ظن بذلك الشيء كذلك.
وأما إذا اعتبر الشارع الظن بالظن بشيء علماً اعتباراً، فهو علم تبعدي اعتباري بالظن به وليس بعلم تبعدي اعتباري بنفس ذلك الشيء بقياس المساواة، لان المعتبر بمقدار الاعتبار، والمفروض ان الشارع اعتبره علماً بالظن به لا علماً بنفس ذلك الشيء مباشرة، لوضوح ان العلم الوجداني بالملزوم، علم كذلك بلوازمه وملازماته.
وأما العلم الاعتباري به ليس علما اعتبارياً بلوازمه وملازماته، وعلى هذا فإذا اخبرا لشيخ عن المفيد والمفيد عن الصفار عن الإمام?، فخبر الشيخ بما أنه ثقة، فالشارع اعتبره علماً بخبر المفيد تعبداً واعتباراً، وهو ليس علماً كذلك بخبر الصفار وبقول الإمام?، لان ذلك بحاجة إلى اعتبار آخر، ضرورة أن اعتباره علماً بخبر المفيد لا يستلزم اعتباره علماً بخبر الصفار وبقول الإمام?، اما قهراً كترتب المعلول على العلة فهو غير معقول في الاعتبارات، لأنها فعل اختياري للمعتبر مباشرة، فلا يتصور فيها العلية والمعلولية والتلازم والملازمات، أما اختياراً بمعنى أن الشارع كما اعتبره علماً بخبر المفيد، اعتبره علماً بخبر الصفار وبقول الإمام?، فلا دليل عليه في مقام الإثبات، وان كان ممكناً ثبوتاً، بينما إذا كان خبر الشيخ علماً وجدانياً بخبر المفيد عن الصفار عن الإمام?، فهو علم وجداني بقول الإمام?، لان العلم بالعلم بشيء علم بذلك الشيء وجداناً.
وعلى هذا فبتطبيق دليل الحجية على خبر الشيخ، يثبت انه علم تعبدي اعتباري بخبر المفيد الذي هو مدلوله، وهذا العلم الاعتباري لا يكون منجزاً، لان خبر المفيد ليس بحكم شرعي أو موضوعاً لحكم شرعي حتى يكون قابلاً للتنجيز، بل لو كان العلم الوجداني بخبر المفيد بما هو خبر المفيد لا يكون منجزاً، لانه ليس علماً بحكم شرعي أو بموضوع لحكم شرعي، ولهذا فلا يمكن تطبيق دليل الحجية على خبر الشيخ بلحاظ ما يترتب على مدلوله وهو خبر المفيد من الأثر الشرعي المتمثل في الحجية، ضرورة أنه لا يمكن شمول دليل الحجية لخبر الشيخ بلحاظ ما يترتب من الحجية على ملدوله وهو خبر المفيد لاستلزامه أحد المحذورين المتقدمين.
وعلى هذا فلا فرق بين ان يكون المجعول في باب الامارات الطريقية والعلمية أو المجعول تنزيل المؤدي منزلة الواقع أو جعل الحكم الظاهري، وعلى جميع التقادير فلا يمكن شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة في جعل واحد.
والخلاصة: أن مدرسة المحقق النائيني? ان ارادت ان خبر الشيخ في المثال علم بقول المعصوم? كما هو الظاهر من مدرسته من باب ان العلم بالعلم بشيء علم بذلك الشيء.
فيرد عليه ان هذا القياس غير صحيح في العلم الاعتباري التعبدي، وإنما يصح في العلم الوجداني، وقياس العلم التعبدي الاعتباري بالعلم الوجداني التكويني قياس مع الفارق، وان ارادت ان خبر الشيخ علم بمدلوله وهو خبر المفيد تعبداً واعتباراً، فإن اريد بذلك انه علم بخبر المفيد بما هو خبره، فلا أثر له ولا يكون مشمولاً لدليل الحجية، وان اريد به انه علم بما له من الاثر الشرعي وهو حجيته، فيعود المحذور، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى قد اورد المحقق النائيني ? اشكالاً آخر في المقام هو انه يلزم من شمول دليل الحجية لاخبار مع الواسطة اتحاد الحاكم والمحكوم، بتقريب ان حجية خبر الشيخ منقحة لموضوع حجية خبر الواسطة، وحيث ان دليل الحجيتين واحد، فيلزم اتحاد الحاكم والمحكوم أي الحجية الحاكمة والحجية المحكومة وهذا مستحيل، لان الحكومة لابد ان تكون بين دليلين في مقام الإثبات والكشف، على اساس ان الحكومة من شأن الأدلة في مقام الإثبات لا في مقام الثبوت، ولهذا تكون من أحد موارد الجمع الدلالي العرفي( ).
والجواب عنه ان هذا ليس إشكالاً جديداً غير إشكال اتحاد الحكم مع الموضوع، غاية الأمر قد قرر? هذا الاشكال بصيغة أخرى.
وأما البحث في ان هذه الحكومة حكومة واقعية أو ظاهرية وأقسام الحكومه، فسياتي في أواخر باب الاستصحاب وأوائل باب التعادل والترجيح بعونه تعالى.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي إنا لو فرضنا أن الجعل واحد في أدلة حجية خبر الواحد، فلا يمكن تطبيقها على الاخبار مع الواسطة على جميع الأقوال في المسألة، ولكن هذا مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، إذ لا شبهة في ان هنا جعول متعددة في الواقع ومقام الثبوت، والادلة في مقام الإثبات كاشفة عن ذلك، فإذن لا إشكال في تطبيقها على الاخبار مع الواسطة ولا موضوع للإشكال حينئذٍ، لان الاشكال مبني على نقطة فرضية لا واقع موضوعي لها.
نتائج البحث حول آية النبأ عدة نقاط:
الأولى: ان الآية المباركة لا تدل على حجية خبر العادل بمقتضى مفهوم الشرط، لأنها ظاهرة عرفاً في أن الشرط محقق للموضوع لا أنه قيد للحكم وراء تقييده بموضوعه، والقضية الشرطية إذا كانت مسوقة لبيان تحقق الموضوع، فمفهومها السالبة بانتفاء الموضوع.
الثانية: أنها لا تدل على حجية خبر العادل بمقتضى مفهوم الوصف أيضاً، وما ذكر من الوجوه لدلالة الوصف على المفهوم لا يتم شيء منها.
الثالثة: على تقدير تسليم دلالة الآية الشريفة بمفهومها على حجية خبر العادل، فهل التعليل في ذيلها مانع عن هذه الدلالة؟
والجواب: ان الاصوليين قد اختلفوا في ذلك، فذهب بعضهم إلى أن العلة بعمومها مانعة عن دلالة الآية على المفهوم، والآخر إلى عكس ذلك، بدعوى ان المفهوم أخص من العلة، وثالث إلى أن المفهوم حاكم عليها، وقد تقدم الكلام في كل ذلك.
الرابعة: الظاهر ان المراد من الجهالة في الآية المباركة هو عدم العلم بالواقع، وإرادة السفاهة منها بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً، وقد تقدم الكلام موسعاً حول هذه المسألة نفياً وإثباتاً.
الخامسة: الصحيح انه لا يمكن الجمع الدلالي العرفي بين المفهوم والتعليل بل بينهما معارضة، لان المفهوم ارشاد إلى حجية خبر العادل والتعليل ارشاد إلى نفي حجيته فهما في عرض واحد.
ومن هنا فالتعليل مانع عن العمل بالمفهوم، فإن كان منفصلاً، كان مانعاً عن حجية ظهور الآية في المفهوم، وان كان متصلاً، كان مانعاً عن انعقاد أصل ظهورها في المفهوم.
السادسة: أن دليل الحجية باطلاقه يشمل الاخبار مع الواسطة، ولا فرق بينها وبين الاخبار بلا واسطة، وأما شبهة استحالة شموله لها، فهي مبنية على نقطة افتراضية لا واقع موضوعي لها، وهي ان مفاد دليل الحجية جعل واحد ثبوتاً وإثباتاً لاجعول متعددة مع ان الأمر ليس كذلك جزماً بل لا يعقل ذلك.
السابعة: انه لا مانع من شمول دليل الحجية بجعل واحد مجموع السلسلة من الوسائط، باعتبار ان المجموع من حيث المجموع موضوع للحجية وكل واحد منها جزء الموضوع، والمجموع بما هو مشمول لدليل الحجية في عرض واحد ومحكوم بحكم واحد.
الثامنة: انه لا فرق في عدم شمول دليل الحجية بجعل واحد للاخبار مع الواسطة في فرض كون كل خبر الواسطة تمام الموضوع بين القول، بأن المجعول في باب الامارات الطريقية والعلمية أو المجعول فيه تنزيل المؤدي منزلة الواقع أو جعل الحكم الظاهري.


الاستدلال على حجية خبر الواحد بآية النفر
منها آية النفر وهو قوله تعالى: ?فَلَوْلاَ نَفَرَ مِن كُلِّ فِرْقَةٍ مِّنْهُمْ طَآئِفَةٌ لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?( ).
وتمامية الاستدلال بهذه الآية المباركة تتوقف على مجموعة من النقاط التالية:
النقطة الأولى: دلالة الآية الشريفة على وجوب الحذر، وهذه الدلالة تتوقف على تمامية أحد امور:
الأول: أن كلمة لعل في الآية المباركة لم تستعمل في الترجي الحقيقي الذي هو صفة نفسانية، لاستحالة وجوده في ذاته تعالى، بل استعملت في الدلالة على محبوبية مدخولها، وعليه فكلمة لعل تدل على ان الحذر محبوب، فإذا كان محبوباً كان واجباً، وإلا فلا يكون محبوباً.
الثاني: ان الحذر غاية للواجب وهو النفر، وغاية الواجب واجبة.
الثالث: ان الحذر لو لم يكن واجباً، كان وجوب الإنذار لغواً.
النقطة الثانية: ان وجوب الحذر مترتب على الأنذار بعنوانه الأولي، وتدل على ذلك أمور:
الأول: ان مقتضى إطلاق الآية الكريمة أنه مترتب على إنذار المنذر بعنوانه وان لم يفد العلم لا على العلم الحاصل منه، لان تقييد ترتب وجوب الحذر على انذاره بما إذا افاد العلم بالواقع أو الاطمئنان، خلاف ظاهر إطلاق الآية المباركة وبحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً، ولا عناية في المقام لا في نفس الآية الكريمة ولا من الخارج.
ونتيجة ذلك هي وجوب الحذر عند الانذار مطلقاً وان لم يفد العلم أو الاطمئنان.
الثاني: ان مقابلة الجمع بالجمع تدل على التوزيع، يعني ان كل منذر ونافر يرجع إلى بلده وقومه، لان ذلك هو مقتضى إطلاق المقابلة.
الثالث: ان الطريقة المتعارفة المرتكزة في الاذهان من زمن النبي الأكرم? إلى زمننا هذا، وهي أن كل نافر بعد التفقه في الدين يرجع إلى بلده وينذر قومه، لا أن الكل يرجع إلى بلد واحد، قرينة على التوزيع.
وعلى هذا فالآية تدل على أن انذار كل منذر حجة مطلقاً وان لم يفد العلم أو الاطمئنان، إذ التقييد بما إذا افاد العلم أو الاطمئنان بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك ولا قرينة في المقام، أو فقل ان انذاره لو لم يكن حجة مطلقاً، لمنع عن العمل به مع انه لا عين له ولا أثر.
النقطة الثالثة: ان المراد من الحذر، الحذر من الوقوع في الادانة والعقوبة لا الحذر من القوع في المفسدة غير المنجزة أو تفويت المصلحة كذلك، وتدل على هذا عدة قرائن:
الأولى: أن ظاهر الآية الشريفة بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية ان المراد من الحذر في الآية هو الحذر من العقوبة، باعتبار ان إنذار المنذر إنما هو بالاحكام الشرعية وبيان الواجبات والمحرمات للناس وما يترتب على مخالفتها من الادانة والعقوبة.
الثانية: قد تقدم ان الحذر واجب باعتبار انه غاية للواجب، ووجوبه قرينة على ان المراد منه الحذر من العقوبة، وإلا فلا يكون الحذر واجباً وهذا خلف.
الثالثة: ان كلمة الحذر في الآية الكريمة، هل هي ظاهرة في الخوف النفساني أو لا؟
والجواب: الظاهر منها التحذر العملي لا مجرد الخوف النفساني.
النقطة الرابعة: ان وجوب الحذر وجوب ارشادي ومفاد الآية الكريمة ارشاد إلى حجية انذار المنذر، لوضوح انه لو لم يكن انذاره حجة، فلا يجب العمل به إلا فيما إذا افاد العلم أو الاطمئنان بالواقع، وقد تقدم ان مقتضى إطلاق الآية الشريفة أنه حجة مطلقاً لا فيما إذا أفاد العلم أو الاطمئنان، وإلا فالعلم أو الاطمئنان حجة دون الانذار، وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن ظاهرها هو ان الانذار بعنوانه حجه.
فإذا تمت هذه النقاط الأربع، فلا مانع من الاستدلال بالآية الشريفة على حجية انذار المنذرين واخبارهم.
وعلى هذا فننظر إلى تمامية هذه النقاط ومدى صحتها.
أما النقطة الأولى: فللمناقشة في جميع وجوهها مجال.
أما الوجه الأول: فلان كلمة لعل لا تدل على ان مدخولها واجب، وإنما تدل على انه مطلوب إما انه بنحو اللزوم فهو بحاجة إلى قرينة، لان كلمة لعل لا تدل على ذلك، بل ذكر المحقق الاصفهاني? أنها موضوعة للدلالة على ترقب وقوع مدخلوها لا على وقوعه، سواء أكان مدخولها محبوباً أم مكروها أم مبغوضاً، وعلى هذا فكلمة لعل في الآية تدل على ترقب الحذر لا على وقوعه ووجوده في النفس وهو الخوف من العقاب.
والخلاصة: ان كلمة لعل في الآية الشريفة تدل على ترقب الحذر من المنذرين بالفتح عند انذار المنذرين بالكسر، ولا تدل على انه حصل لهم الحذر بالفعل، لان مفادها عرفاً كما ذكره المحقق الاصفهاني? هو الترقب، وعليه فكلمة لعل في الآية تدل على ترقب الحذر وهو الخوف من العقاب لا على فعليته، فإذن لا تدل الآية على ان انذار المنذر حجة، إذ لو كان حجة حصل لهم الحذر والخوف فعلاً، والمفروض ان الآية لا تدل الاعلى ترقبه لا على حصوله فعلاً في النفس، لان حصوله فيها فعلاً منوط بالعلم و الاطمئنان بالواقع، فإذا حصل ذلك من انذار المنذر، ترتب عليه الحذر وإلا فهو لا يترتب على انذاره بما هو، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى انا لوسلمنا ان كلمة لعل تدل على وجوب التحذر، فهل يكشف هذا الوجوب عن حجية انذار المنذر أولاً، فيه وجهان:
فذهب بعض المحققين? على ما في تقرير بحثه إلى التفصيل في المسالة، فإن الشبهة إذا كانت مورداً لاصالة البراءة، فوجوب التحذر فيها كاشف عن حجية انذار المنذر واخباره، وان كانت مورداً لاصالة الاشتغال كالشبهة قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الاجمالي، فوجوب التحذر فيها لا يشكف عن حجية انذار المنذر واخباره، لانه ثابت فيها بنفسه وبقطع النظر عن انذار المنذر.
ثم استظهر? ان هناك قرينة على ان مورد الآية القسم الثاني من الشبهات لا القسم الأول منها، وهي ان تعليل وجوب التحذر في قوله تعالى: ?وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ? ظاهر في ان تحقق الانذار من المنذرين إلى قومهم ليس شرطاً لمطلوبية الحذر ومن مقدمات وجوبه، بل هو شرط لوجوده في الخارج ومن مقدمات وجوده فيه، وأما مطلوبية التحذر، فهي ثابتة مطلقاً كان هناك أنذار أم لا، مثلاً إذا <قيل توضأ لكي تصلي> فيكون الوضوء من مقدمات وجود الصلاة لا من مقدمات وجوبها، وإذا قيل <أنذر لكي تفي بنذرك> فيكون النذر من مقدمات وجوبه، ولا معنى للأمر بإيجاد شرط وجوب شيء ثم تعليله به، وظاهر التعليل في الآية الكريمة، هو ان تحذرهم مطلوب في نفسه وبقطع النظر عن الانذار، بمعنى ان الانذار ليس هو سبب التنجيز ووجوب التحذر، بل التنجيز ووجوب التحذر ثابت مطلقاً والانذار مما يساعد على وقوعه في الخارج، حيث انه يكون منبها ومؤكداً لتحريهم إلى العمل وتخوفهم مما يترتب على مخالفة الواقع من العقوبة( ) هذا.
ويمكن المناقشة فيه، إذ لا شبهة في ان الآية المباركة ظاهرة في ان منشأ التحذر والخوف النفسي هو انذار المنذر واخباره بالواقع، لا انه حاصل في النفس، والآية المباركة موكدة له، لوضوح ان قوله تعالى: ?وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ? ظاهر عرفاً في ان الانذار هو السبب والمنشأ للتحذر، لا انه ثابت في نفسه ومطلقاً سواء أكان هناك انذار أم لا، ولا يقاس الآية الكريمة بالمثال الذي ذكره?، هو قولك <أنذر لكي تفي بنذرك>، فإن هذا التعليل فيه غير صحيح، إذ لا معنى للأمر بايجاد شرط لوجوب شيء ثم تعليله به، كما في المثال، فإنه لا يصح الأمر بالنذر بغاية وجوب الوفاء به، ضرورة أن وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح ان يكون علة للأمر به بل هو متفرع عليه، باعتبار ان النذر من مقدمات وجوب الوفاء به لا من مقدمات وجوده، بينما يصح ان يكون انذار المنذر في الآية الكريمة سبباً لوجوب الحذر ظاهراً، لوضوح ان الآية ظاهرة عرفاً في ان الانذار هو السبب لوجوب تحذر القوم وتخوفهم الظاهري، لا أنه ثابت في نفسه وبقطع النظر عن انذار المنذرين، ويكون انذارهم من مقدمات وجوده لا وجوبه، لان حمل الآية على ذلك خلاف الظاهر.
والخلاصة: ان الآية الشريفة في نفسها ظاهرة في ان انذار المنذرين هو السبب لوجوب تحذر القوم وتخوفهم، لا انه ثابت في نفسه والانذار منبه ومؤكد، ولا مانع من تعليل وجوب التحذر والتخوف على القوم بانذار المنذرين، فإذن لا وجه لما ذكره? من تخصيص الآية المباركة بالشبهات التي يكون الحكم الواقعي فيها منجزاً، أما من جهة أن الشبهة قبل الفحص أو من جهة أنها مقرونة بالعلم الاجمالي، ضرورة أنه لا وجه لهذا التخصيص، بل تعم الآية جميع الشبهات الحكمية، لوضوح ان كثير من الناس يكون غافلاً ولا يكون الحكم الواقعي في حقه منجزاً، وإنما يثبت تنجيزه بانذار المنذرين، ولا يكون الأمر بالانذار بغاية وجوب التحذر على القوم كالأمر بالنذر وبغاية وجوب الوفاء على الناذر، لان وجوب الوفاء لا يمكن ان يكون غاية للأمر بالنذر ويتطلب ايجابه، بينما وجوب التحذر على القوم يصلح ان يكون غاية للأمر بالانذار وايجابه، لوضوح الفرق بين الأمرين.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة، وهي انا لوسلمنا ان كلمة لعل في الآية تدل على وجوب التحذر عند إنذار المنذرين، فلا شبهة في عدم اختصاص الآية بالشبهات التي يكون الحكم الواقعي فيها منجزاً في المرتبة السابقة، بل تشمل الشبهات التي لا يكون الحكم الواقعي فيها منجزاً، غاية الأمر ان كان الانذار في الاولى، كان مؤكداً ومنبهاً لا منجزاً، وان كان في الثانية، كان منجزاً له، فالتخصيص بالاولى بلا مبرر، إذ لا ريب في ان الآية تشمل الثانية ايضاً، والطريقة المتعارفة في الخارج وهي ان انذار من يرجع إلى قومه بعد التفقه لا يختص بالقسم الأول من الشبهات، بل يعم القسم الثاني منها أيضاً قرينة على العموم وعدم التخصيص، وسوف نشير إلى ذلك بصيغة أكثر دقة.
وأما الوجه الثاني: وهو ان الحذر حيث انه غاية للواجب وهو إنذار المنذرين، فيكون أولى بالوجوب.
فيرد عليه ان ذلك تام إذا كانت الغاية مقدورة للمكلف ولو بالواسطة وان لم تكن قابلة لان يتعلق التكليف بها مباشرة كالمصلحة الملزمة المترتبة على الصلاة مثلاً، فإنها غاية لايجاب الصلاة، والغرض من الأمر بالصلاة هو استيفاء تلك المصلحة وايجادها في الخارج، وحيث ان الأمر لا يتعلق بها مباشرة، فلهذا يتعلق بما هو محصل لها.
ومن هنا قلنا أنها هي حقيقة الوجوب وروحه ومطلوبة بالذات، وقد تكون الغاية قابلة لان يتعلق بها التكليف مباشرة ، كما إذا أمر المولى بالدخول في المسجد للصلاة فيه، فإن الغاية وهي الصلاة متعلقة للتكليف مباشرة.
وأما إذا كانت الغاية فعل شخص آخر الخارجة عن اختيار الشخص المأمور بذيها، فلا يمكن القول بان غاية الواجب أولى بالوجوب، ولا يمكن تطبيق هذه القاعدة على المقام، فإنها إنما تنطبق فيما إذا كانت الغاية مقدورة له ولو بالواسطة، وأما الغاية في مورد الآية المباركة وهي الحذر، حيث أنها فعل المنذرين بالفتح، فهي خارجة عن إختيار المنذرين بالكسر، فإذن لا يمكن تطبيق قاعدة ان غاية الواجب أولى بالوجوب على الغاية في مورد الآية، باعتبار أنها فعل المنذرين بالفتح وخارجة عن قدرة المنذرين بالكسر واختيارهم، فإذن لا تدل الآية على وجوب التحذر عند انذار المنذرين.
ودعوى ان الأمر بالانذار ظاهر في الارشاد إلى حجية انذار المنذر واخباره ومقتضى إطلاقه انه حجة وان لم يفد العلم، وهذا معنى دلالة الآية على حجية خبر الواحد.
مدفوعة بأنه كما يحتمل ذلك، يحتمل ان يكون الأمر بالإنذار في الآية بغاية ترقب حصول العلم منه لا مطلقاً بل الآية ظاهرة في الثاني، لما تقدم من ان كلمة لعل موضوعة للدلالة على ترقب الحذر، ولا تدل على ترتبه على الانذار فعلاً لكي يقال ان مقتضى إطلاقه انه مترتب عليه وان لم يفد العلم.
قد يقال كما قيل ان الآية الشريفة ظاهرة في ان الأمر بالانذار أمر طريقي، والغرض منه ايجاب التحذر لدفع الادانة والعقوبة على مخالفة الواقع.
والجواب: ما تقدم من ان الأمر بالانذار إنما هو بغاية ترقب الحذر، والقرينة على ذلك كلمة لعل، لانها موضوعة للدلالة على الترقب.
وعلى هذا ففي مورد الآية تدل على ان الغرض من الأمر بالانذار الترقب من الحذر، وأما ان الحذر تحقق عند الانذار، فالآية لا تدل عليه.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة وهي ان قاعدة:
ان غاية الواجب أولى بالوجوب لا تنطبق على مورد الآية الشريفة، باعتبار ان الغاية في موردها ترتبط بصنف آخر غير الصنف المأمور بإيجاد ذيها، هذا اضافة إلى أن كلمة لعل في الآية المباركة تدل على ان الغاية من الانذار ترقب الحذر لانفس الحذر.
وأما الوجه الثالث: هو ان التحذر لو لم يكن واجباً، لكان وجوب الانذار لغواً.
فيرد عليه، أن الغاية من الأمر بانذار القوم ترقب التحذر منهم لا حصوله لهم فعلاً، لما تقدم من ان كلمة لعل تدل على ترقب الحذر من المنذرين بالفتح ولا تدل على وجوب التحذر عليهم.
وما ذكره السيد الاستاذ? من ان كلمة لعل تدل على ان ما بعدها غاية لما قبلها وان كان صحيحاً، إلا ان الغايه هي الترقب، مثلاً وقولك اشتريت داراً لعلّي اسكنها، فكلمة لعل تدل على ان الغاية ترقبٍ السكنى الذي هو جزء من الترجي لا لسكنى الفعلي، نعم لو قال اشتريت داراً لاسكنها، فالغاية هي السكنى( ).
فالنتيجة: ان كلمة لعل تدل على ان الغاية هي ترقب وقوع مدخولها، سواء أكان مكروهاً أم مبغوضاً أو محبوباً ومطلوباً، وأما تعيين ذلك في كل مورد، فإنما هو بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية العرفية.
وأما مدخول الترقب في الآية الشريفة، فإنه مطلوب ومحبوب من جهة أن ترقب الحذر غاية الانذار والانذار غاية للتفقه.
ومن الواضح ان محبوبية التفقه من جهة محبوبية إنذار القوم بما تفقه، ومبحبوبية الانذار من جهة محبوبية ترقب التحذر من العقاب، فإذن الآية تدل على ان مدخول الترقب فيها التحذر هو محبوب ومطلوب، أما انه مطلوب عند انذار المنذرين أو عند حصول العلم منه بالواقع، فالآية لا تدل على انه مطلوب عند إنذارهم وان لم يفد العلم أو الاطمئنان.
إلى هنا قد تبين أن النقطة الأولى بتمام وجوهها غير تامة.
وأما النقطة الثانية: فقد ظهر حالها مما تقدم، فإنها مبنية على ان المترتب على الانذار وجوب التحذر، ولكن تقدم ان المترتب عليه ترقب التحذر ورجاؤه لا التحذر الفعلي، وعليه فالانذار لا يكون سبباً للتحذر الفعلي بل هو منوط بحصول العلم من الانذار أو سبب آخر.
فالنتيجة: ان وجوب التحذر لا يترتب على إنذار المنذر بما هو انذار، لان المترتب عليه ترقب الحذر لا وجوبه فعلاً بقرينة كلمة لعل التي تدل على ذلك، وهذه الكلمة في الآية المباركة تمنع عن دلالتها على حجية انذار المنذر وترتب وجوب الحذر عليه.
ومن هنا يظهر ان ما ذكره السيد الاستاذ? في المقام من ان ظاهر الآية ترتب وجوب الحذر على انذار المنذر بما هو وتقييد وجوب الحذر بما إذا حصل منه العلم بالواقع موجب لالغاء عنوان الانذار، إذ العمل حينئذٍ إنما هو بالعلم ولا خصوصية للإنذار، غاية الامر انه من احد اسباب حصوله، غير تام، لان ظاهر الآية المباركة إنما هو ترتب ترقب الحذر على الانذار بقرينة كلمة لعل، لا ترتب وجوب الحذر عليه، نعم لو لم تكن هذه الكلمة في الآية المباركة، لدلت الآية على وجوب التحذر وترتبه على إنذار المنذر وبالتالي على حجية انذاره.
وأما النقطة الثالثة: فلا شبهة في ان ظاهر الآية الكريمة هو ان المراد من الحذر فيها، الحذر من الادانة والعقوبة الاخروية لا الحذر من الوقوع في المفاسد أو تفويت المصالح الواقعية غير المنجزة، وذلك لان الآية في مقام بيان ان النافرين بعد التفقه بالاحكام الشرعية، كانوا يرجعون إلى أوطانهم ويقومون بانذار قومهم بها ومايترتب على مخالفتها من الأدانة والعقوبة، ومن هنا يحصل لهم الحذر منها، بينما لا يحصل الحذر من الوقوع في المفسدة الواقعية غير المنجزة، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، ان ما ذكره السيد الاستاذ? على ما في تقرير بحثه من ان المراد من الحذر، التحفظ والتجنب العملي الخارجي لا مجرد الخوف النفساني( )، لا يمكن المساعدة عليه، وذلك لأن الظاهر من الحذر في الآية الكريمة هو الخوف النفساني من الإدانة والعقوبة، وهذا الخوف هو السبب والمنشأ للتحفظ والتجنب العملي الخارجي والمحرك له، وانه يدعوا لمكلف إلى الاجتناب عما يوجب الإدانة والعقوبة، فالآية في مقام بيان الداعي والمحرك للعمل الخارجي وهو الخوف النفساني.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة، وهي ان الآية الشريفة ظاهرة بمقتضى المتفاهم العرفي في أن المترتب على إنذار المنذر ترقب التحذر لا وجوبه، فإن وجوبه منوط باحراز الواقع والعلم به، ونتيجة ذلك هي ان الآية الكريمة لا تدل على حجية انذار المنذرين واخبارهم، هذا من جانب.
ومن جانب آخر، لو تنزلنا عن ذلك وسلمنا ان الآية الشريفة تدل على ان المترتب على انذار المنذرين هو وجوب التحذر مباشرة، فحينئذٍ هل تدل الآية على حجية خبر الواحد أو لا؟
والجواب: ان هاهنا مجموعة من الاشكالات:
الاشكال الأول: ان الآية الشريفة مختصة بالشبهات الحكمية التي يكون التكليف فيها منجزاً في المرتبة السابقة كالشبهات قبل الفحص والشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي.
وتقريب هذا الاشكال، ان تعليل الأمر بشيء بعلة، ظاهر في ان وجود ذلك الشيء المأمور به شرط لوجود تلك العلة لا لوجوبها ومطلوبيتها، وهذا يعني انه من مقدمات وجوده لا وجوبه، كما إذا قيل توضأ لكي تصلي او تغتسل من الجنابة قبل الفجر لكي تصوم غداً وهكذا، فإنه ظاهر في ان وجود الوضوء في المثال الأول شرط لوجود الصلاة لا وجوبها، فإن وجوبها ثابت، ووجود الغسل قبل الفجر شرط لوجود الصيام وصحته لا لوجوبه، فإنه ثابت سواء اغتسل قبل الفجر من الجنابة أم لا، ولا يصح التعليل فيما إذا كان وجود الشيء المأمور به شرط لوجوب العلة لا لوجودها، كقولك اشترط حتى تفي بشرطك أو انذر لكي تفي بنذرك، فإن الشرط والنذر مقدمة وشرط لوجوب الوفاء لاوجوده، ومن الواضح انه لا معنى للأمر بايجاد شرط وجوب شيء، ثم تعليل الأمر به بوجوبه، فلا يعقل تعليل الأمر بالنذر الذي هو شرط لوجوب الوفاء به بنفس هذا الوجوب، وبعد ذلك نعود إلى تطبيق هذه الكبرى على الآية الشريفة ونقول، قد علل في الآية الامر بالنفر بعلة وهي التفقه وتعلّم الاحكام الشرعية، وعلل الأمر بالتفقه فيها بعلة وهي الانذار، وعلل الأمر بالانذار بعلة وهي التحذر، وعلى ضوء ما ذكرناه من الكبرى، فالتعليل في الجملة الاولى ظاهر في ان النفر شرط لوجود التفقه لا لوجوبه ومطلوبيته ويكون من مقدمات وجوده، وفي الجملة الثانية ظاهر في ان التفقه شرط لوجود الانذار لا لوجوبه، وفي الجملة الثالثة ظاهر في ان الانذار شرط لوجود التحذر لا لوجوبه.
ونتيجة ذلك ان وجوب التحذر ثابت في الواقع، سواء أكان هناك انذار أم لا، وهذا قرينة على اختصاص الآية الشريفة بالشبهات الحكمية التي يكون المرجع فيها قاعدة الاشتغال، ولا تنطبق على الشبهات الحكمية التي يكون المرجع فيها قاعدة البراءة، والا لزم تعليل الأمر بالانذار بوجوب التحذر وهو غير صحيح، ولا معنى له، لان معناه ان الأمر بالانذار الذي يكون وجوده شرطاً لوجوب التحذر معلولاً لوجوبه، وهذا كما ترى.
والجواب: ان تعليل الأمر بشيء بعلة وان كان ظاهراً في ان وجود ذلك الشيء المأمور به شرط لوجود تلك العلة لا لوجوبها، إلا ان ذلك لا ينافي ان يكون وجود هذا الشيء شرطاً لوصول وجوب العلة إلى المكلف وتنجزه عليه لا لأصل ايجاد وجوبها، لان المستحيل إنما هو تعليل الأمر بشيء بعلة إذا كان وجود ذلك الشيء المأمور به شرطاً وسبباً لأصل مطلوبية العلة ووجوبها في الواقع، فإن ذلك لا يمكن، لان مطلوبية العلة تتوقف على وجود ذلك الشيء المأمور به، ووجوده يتوقف على الأمر به وهو متوقف على مطلوبية العلة ووجوبها في الواقع، فلذلك لا يمكن تعليل الأمر بشيء بعلة يكون وجود ذلك الشيء المأمور به سبباً وعلة لوجوب العلة، كقولك انذر حتى تفي بنذرك.
وبكلمة أخرى، ان تعليل الأمر بالنفر في الآية الكريمة للتفقه، ظاهر في وجوب التفقه في الواقع واهتمام المولى به وعدم رضائه بتفويته، فإن ذلك هو الدافع للمولى إلى الأمر بالنفر بغاية التفقه، فيكون الأمر بالنفر من مقدمات وجوده لا وجوبه فإنه ثابت في الواقع، سواء أكان هناك أمر بالنفر أم لا، وكذلك الحال في الأمر بالتفقه في الآية بغاية الانذار، فإنه ظاهر في أن التفقه من مقدمات وجود الإنذار لا وجوبه، فإنه واجب في الواقع سواء أكان هناك أمر بالتفقه أم لا.
وأما تعليل الأمر بالانذار في الآية بالتحذر، ظاهر في ان الانذار شرط لوجوب التحذر بوجوب ظاهري طريقي، بمعنى انه طريق إلى الاحكام الواقعية الإلزامية وشأنه ايصالها تنجيزاً للحفاظ عليها بما لها من الملاكات الواقعية، لا أنه شرط للأحكام الواقعية التي يكون انذار المنذرين بها، ضرورة انها ثابتة في الواقع كان هناك إنذار بها أم لا، ومن الواضح انه لا مانع من كون الانذار شرطاً لوجوب التحذر الظاهري الذي لا شأن له إلا تنجيز الواقع.
وبكلمة ان علة الأمر بالانذار وسببه اهتمام المولى بالحفاظ على الاحكام الواقعية بما لها من الملاكات والمبادي اللزومية وعدم الرضا بتفويتها حتى في موارد الاشتباه والالتباس، وعليه فيكون الأمر بالانذار من المقدمات الوجودية بالنسبة إلى اهتمام المولى، هذا من ناحية.
ومن ناحية اخرى، ان وجوب التحذر الواقعي العملي المتقوم بالخوف النفساني مترتب على العلم الوجداني بالواقع، ولا يمكن ان يكون مترتباً على إنذار المنذرين إلا إذا افاد العلم، فحينئذٍ يكون مترتباً على العلم لا على الانذار، والمترتب على الانذار إذا كان حجة شرعاً، وجوب التحذر الظاهري الطريقي والغرض منه،إثبات الاحكام الواقعية، تنجيزاً لا حقيقة عند الاصابة وتعذيراً عند الخطأ.
وعلى هذا، فيكون وجوب التحذر الظاهري أثراً لحجية الإنذار، فإذن لا يمكن ان يكون الانذار بوصف كونه حجة مقدمة وجودية بالنسبة إلى وجوب التحذر الظاهري بل هو مقدمة وجوبية بالنسبة إليه، وعلى هذا فتختلف الفقرة الأخيرة من الآية المباركة عن الفقرتين الأوليتين، فإن الفقرة الأولى والثانية ظاهرتان في انهما من مقدمات وجود التفقه والإنذار لا وجوبهما. بينما الفقرة الاخيرة لا يمكن ان تكون من مقدمات وجود التحذر بل هي من مقدمات وجوب التحذر الظاهري، لان المترتب على حجية الانذار شرعاً وجوب التحذر الظاهري لا وجوده.
ودعوى كما ان علة الأمر بالانذار بما تفقه من الاحكام الشرعية وسببه اهتمام المولى بالحفاظ على الاحكام الشرعية الواقعية بما لها من المبادئ والملاكات اللزومية، كذلك علة وجوب النفر والتفقه وسببه أيضاً اهتمام المولى بالحفاظ عليها كذلك، فلا فرق من هذه الناحية بين وجوب الانذار ووجوب النفر والتفقه، وهذه الدعوى وان كانت صحيحة، ولكن الفرق بينهما من ناحية أخرى، وهي ان غاية وجوب النفر المباشرة التفقه الواقعي، وغاية وجوب التفقه المباشرة الانذار الواقعي، بينما لا تكون غاية وجوب الانذار التحذر الواقعي، لانه لا يترتب إلا على العلم بالواقع دون الانذار بما هو إنذار، والمترتب عليه بوصف كونه حجة هو التحذر الظاهري وهو أثر شرعي مترتب على حجيته لا أنه غاية لها، وحينئذٍ فإن كان إنذار المنذر في الشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي أو قبل الفحص، فهو وارد على قاعدة الاحتياط فيها ورافع لموضوعها وجدانا وهو احتمال العقاب، وان كان في الشبهات التي تكون من موارد اصالة البراءة فهو ايضاً وارد عليها.
وان شئت قلت، ان الغاية الواقعية التي تدعوا المولى إلى ايجاب النفر والتفقه والإنذار هي الحفاظ على الاحكام الشرعية بما لها من المبادئ والملاكات الواقعية، فإن الجميع مشترك في هذه النقطة، والاختلاف إنما هو في نقطة أخرى وهي ان الغاية المباشرة لوجوب النفر التفقه، والغاية المباشرة لوجوب التفقه الإنذار بما تقفه، ويكون كل منهما من مقدمات وجود هذه الغاية لا وجوبها، بينما لا يكون التحذر الواقعي غاية لوجوب الانذار مباشرة، لانه لا يترتب عليه، وأما التحذرالظاهري فهو من الأثر المترتب على حجية الانذار، فلا يصلح ان يكون غاية لها، ولهذا يكون الانذار من مقدمات وجوبه.
الاشكال الثاني: ان مدلول الآية الكريمة وجوب التحذر عند إنذار المنذر وترتبه عليه، وهذا اللسان مختص بالاخبار المتكفلة للأحكام الإلزامية التي يترتب عليها التحذير، وأما الاخبار المتكفلة للأحكام الترخيصية، فلا يتصور فيها التخوف والتحذر لا في فعلها ولا في تركها.
وبكلمة ان لسان الآية الشريفة ليس تنزيل المؤدي منزلة الواقع ولا جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي عند المطابقة والمخالف عند الخطأ، ولا جعل الطريقية والكاشفية حتى لا تكون مختصة بالاحكام الالزامية وتشمل الاحكام الترخيصية أيضاً، بل لسانها لسان التحذير والتخويف عن الوقوع في مخالفة الواقع، وهذا اللسان لسان وجوب الاحتياط في الشبهات التي تقوم فيها الاخبار المتكفلة للأحكام الإلزامية لا جعل الحجية لها، فإذن لا تدل الآية على أكثر من ايجاب الاحتياط عند إنذار المنذر لا على حجيته.
والجواب: ان لسان الآية الشريفة وان كان ترتب وجوب التحذر على إنذار المنذر، إلا ان وجوب التحذر وجوب ظاهري طريقي وشأنه إثبات الاحكام الواقعية تنجيزاً على المنذرين بالفتح، فإذن الآية تدل على وصول الاحكام الواقعية إلى المنذرين بالفتح تنجيزاً أو تعذيراً بانذار المنذرين بالكسر، وظاهر الآية أن تنجز الاحكام الواقعية مستند إلى حجية انذار المنذرين لا إلى ايجاب الاحتياط في المرتبة السابقة، فإذا كانت إنذارهم وإخبارهم حجة من جهة توفر شروطها، فلا فرق بين الاخبار عن الاحكام الإلزامية والاخبار عن الاحكام الترخيصية.
وبكلمة أن وجوب التحذر في نفسه كما ينسجم مع ايجاب الاحتياط في الشبهات المتضمنة للإحكام الإلزامية، كذلك ينسجم مع كون إنذار المنذر حجة، ولكن في المقام قرينة على ان وجوب التحذر مستنداً إلى حجية إنذار المنذرين لا إلى وجوب الاحتياط، وذلك لان ترتب وجوب التحذر على إنذار المنذر قرينة على إنه مستند إلى حجيته لا إلى إحتمال اصابته للواقع، فإنه بحاجة إلى قرينة تدل على ذلك، ولا قرينة في المقام حتى نرفع اليد عن ظهور الآية الكريمة في إسناد وجوب التحذر إلى إنذار المنذر بما هو، ومن الطبيعي ان اسناده إليه باعتبار انه حجة لا بإعتبار إنه منشأ لاحتمال إصابته للواقع، إذ على هذا فلا موضوعية للإنذار، لان العبرة إنما هي بإحتمال ثبوت الواقع، سواء أكان من ناحية الإنذار أم من ناحية أخرى.
فالنتيجة: ان اسناد وجوب التحذر إلى ايجاب الاحتياط في الشبهات المذكورة، معناه الغاء عنوان الإنذار وعدم خصوصية له، والمناط إنما هو باحتمال ثبوت الواقع وعدم وجود المؤمن في البين وهذا خلاف ظاهر الآية الكريمة، لأنها ظاهرة في إسناد وجوب التحذر إلى إنذار المنذر وترتبه عليه.
ومن هنا لا يمكن حمل الآية الشريفة على انها في مقام بيان إيجاب الاحتياط في موارد إنذار المنذرين المتضمنة للأحكام الإلزامية لا في مقام بيان حجية إنذارهم، لان الظاهر من الآية عرفاً الثاني، وإرادة الأول بحاجة إلى عناية زائدة ثبوتاً وإثباتاً.
الاشكال الثالث: ان التحذر في الآية الكريمة مترتب على إنذار المنذرين لا على إخبارهم، والإنذار هو الاخبار المتضمنة للخوف أي الاخبار عن أمر مخوف، فإذا لم يكن هناك ما يوجب الخوف في المرتبة السابقة على الاخبار، فلا يصدق عليها عنوان الإنذار، فإذا أخبر شخص عن وجوب شيء منجز وجوبه في المرتبة السابقة، صدق عليه عنوان الإنذار.
وأما إذا أخبر عن وجوب شيء غير منجز في المرتبة السابقة، فلا يصدق عليه عنوان الإنذار وإنما هو مجرد اخبار عنه بدون ان يتضمن التخويف.
وعلى هذا فمورد الآية الكريمة ما يكون التكليف الواقعي منجزاً في المرتبة السابقة حتى يصدق على الاخبار عنه عنوان الإنذار، فإذن تختص الآية المباركة بالشبهات الحكمية التي يكون التكليف فيها منجزاً كالشبهات قبل الفحص والشبهات المقرونة بالعلم الاجمالي، فلا تدل الآية حينئذٍ على حجية الاخبار والإنذار، ولا يمكن استفادة حجيتها من ترتب التحذر على الإنذار في الآية الشريفة، باعتبار انه مستند إلى تنجز التكليف في المرتبة السابقة لا إلى حجية الاخبار.
وبكلمة: أن الآية الكريمة اجنبية عن الدلالة على حجية اخبار الاحاد، على أساس ان موردها إنذار المنذر وهو عبارة عن الاخبار عن شيء مخوف في المرتبة السابقة، ووجوب التحذر مستند إليه لا إلى إنذار المنذر، لان الواقع منجز بمنجز سابق كقاعدة الاشتغال أو العلم الاجمالي، ولهذا يجب على المكلف التحذر عنه سواء أكان هناك إنذار أم لا، هذا.
والجواب: ان هذا الاشكال مبني على ان صدق الإنذار على الخبر منوط بكون مدلوله منجزاً في المرتبة السابقة بمنجز آخر كقاعدة الاشتغال أو نحوها، وإلا فلا يصدق عليه عنوان الإنذار.
ولكن هذه الاناطة غير صحيحة، لان عنوان الإنذار كما يصدق على الخبر الذي يكون مدلوله منجزاً بمنجز في المرتبة السابقة، كذلك يصدق على الخبر الذي يكون مـدلوله حكماً الزامياً إذا كان حجة، فإنه حينئذٍ يكون منجزاً المدلوله، فإذا تنجز، وجب التحذر عنه باعتبار انه حينئذٍ يكون مخوفاً على أساس ترتب العقوبة على مخالفته.
وعلى هذا فكما يصدق عنوان الإنذار على الخبر الذي يكون مدلوله منجزاً في المرتبة السابقة بقطع النظر عن الإنذار به، كذلك يصدق على الخبر الذي يكون حجة لإثبات مدلوله الإلزامي.
وبكلمة: ان الآية المباركة تدل على ترتب التحذر على إنذار المنذر، وهذا الترتب تارة من جهة حجية الإنذار ومنجزيته لمدلوله إذا كان حكماً الزامياً، واخرى من جهة تنجز الواقع في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن الإنذار، والآية بإطلاقها تشمل كلا الفرضين ولا وجه لتخصيصها بالفرض الثاني، لانه بحاجة إلى قرينة.
هذا إضافة إلى ما مر من ان ظاهر الآية الشريفة هو ان التخوف والتحذر مترتب على الإنذار بما هو ومستند إليه لا إلى تنجيز الواقع من دون دخل الإنذار فيه.
فالنتيجة: ان هذا الاشكال أيضاً غير وارد.
الإشكال الرابع: ما ذكره شيخنا الأنصاري? من ان وجوب التحذر في الآية الكريمة مترتب على الإنذار الواجب من جهة انه غاية للتفقه الواجب، وغاية الواجب واجبة، والمراد من الإنذار فيها الإنذار بالدين، بقرينة قوله تعالى:
?لِّيَتَفَقَّهُواْ فِي الدِّينِ وَلِيُنذِرُواْ قَوْمَهُمْ إِذَا رَجَعُواْ إِلَيْهِمْ لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?.
وعلى هذا فوجوب التحذر على المنذرين بالفتح في الآية الشريفة، يتوقف على إحرازهم بأن الإنذار يكون بالدين وإلا فلا يجب عليهم التحذر، ومع إحراز كون الإنذار بالدين ومطابقاً للواقع، فلا معنى لجعل الحجية للإنذار، فإنه لغو وجزاف( ).
والخلاصة: ان وجوب التحذر على القوم في الآية المباركة منوط بإحراز كون الإنذار بالدين ومطابقاً للواقع، فإذا احرزوا مطابقة الإنذار للواقع وانه من الدين، وجب عليهم التحذر وإلا فلا، لاستحالة ثبوت الحكم بدون إحراز موضوعه، نعم لو كان لسان الآية الشريفة لسان وجوب العمل بالإنذار بدون تقييده بالدين، لأمكن ان يقال ان مفادها جعل الحجيه للإنذار ولكن الأمر ليس كذلك، بل لسانها ان الإنذار إذا كان بالدين، وجب التحذر وإلا فلا.
وعلى هذا ترتب وجوب التحذر على الإنذار منوط باحراز انه من الدين ومعه لا موضوع لجعل الحجية للإنذار، فإنه لغو صرف هذا.
وقد اجاب عن ذلك السيد الاستاذ? على ما في تقرير بحثه بتقريب، ان الاخبار بوجوب شيء أو حرمة آخر لا ينفك عن الاخبار بما تفقه من الدين، لوضوح ان الاخبار بالوجوب اخبار بالعقاب على تركه بالإلتزام، والاخبار بالحرمة اخبار بالعقوبة على ارتكابها كذلك، لان الاخبار عن وجوب شيء أو حرمة آخر، يدل بالدلالة المطابقية على وجوبه أو حرمته، وبالدلالة الإلتزامية على الإدانة والعقوبة لدى مخالفته، وأما كون المخبر به مطابقاً للواقع أو غير مطابق له، فهو خارج عن مدلول الخبر، لان الخبر لا يدل على مطابقة مدلوله، فهو خارج عن مدلول الخبر، لان الخبر لا يدل على مطابقة مدلوله للواقع وعدم مطابقته له، لان مدلوله قصد الحكاية عن ثبوت شيء في الواقع أو نفيه عنه، أما أنه مطابق للواقع أو لا، فلا يدل الخبر عليه، وبذلك تمتاز الجملة الخبرية عن الجملة الإنشائية، فإن الجملة الإنشائية موضوعه للدلالة على قصد الإنشاء والابراز أي إبراز الأمر الاعتباري النفساني هذا( ).
وغير خفي ان السيد الاستاذ? كانه فهم من كلام الشيخ? ان إشكاله في الآية المباركة مبني على ان صدق الإنذار بالدين على إخبار المخبر يتوقف على كون مدلوله مطابقاً للواقع، وإلا فلا يصدق عليه عنوان الإنذار بالدين، ولهذا اجاب? عن ذلك، بإن الاخبار عن وجوب شيء بالمطابقة إنذار بالعقاب على تركه بالالتزام، والاخبار عن حرمة شيء بالمطابقة إنذار بالعقاب على فعله بالالتزام، ولا يتوقف صدق الإنذار بالدين على ان يكون مدلوله مطابقاً للواقع.
فإذن ما ذكره الشيخ ? عن ان صدق عنوان الإنذار بالدين، يتوقف على كون مدلـوله مطابقاً للواقع غير تام، لصدق عنوان الإنـذار بالدين على الاخبـار بالوجوب أو الحرمة إذا كان حجة، ولا يتوقف على كون مدلوله مطابقاً للواقع، وفيه ان مراد الشيخ ? من الاشكال ليس ان صدق عنوان الإنذار على الاخبار يتوقف على كون مدلوله مطباقاً للواقع حتى يرد عليه أن الأمر ليس كذلك، حيث لا شبهة في صدق عنوان الإنذار على الخبر الذي يكون مدلوله حكماً الزامياً إذا كان حجة وان لم يعلم بمطابقته للواقع، بل مراده? ان مفاد الآية المباركة تقييد موضوع وجوب التحذر بأن يكون المنذر به من الدين ومطابقاً للواقع، فإذن لابد في الحكم بوجوب التحذر من إحراز موضوعه وهو كون الإنذار بالدين، ومع إحراز ذلك فلا معنى لجعل الحجية للإنذار، لانه لغو محض.
فالنتيجة: ان جوابه? لا يرتبط بهذا الاشكال.
واجاب? عنه بجواب ثان غير موجود في تقرير بحثه، وتقريبه ان موضوع وجوب التحذر وان كان إنذار المنذر بالدين وكونه مطابقاً للواقع، إلا ان احراز هذا الموضوع المقيد، تارة يكون بالعلم الوجداني واخرى يكون بالعلم التعبدي.
وعلى هذا فيمكن احراز كون الإنذار بالدين بجعله حجة، فإنه إذا صار حجة، كان علماً تعبدياً بان مدلوله من الدين.
وان شئت قلت ان لثبوت الحكم الواقعي مرتبتين:
الأولى: ثبوته مباشرة وهو ثبوته بالعلم الوجداني.
الثانية: ثبوته بثبوت الحكم الظاهري، على أساس ان الحكم الظاهري ليس حكماً في مقابل الحكم الواقعي وفي عرضه، بل هو في طوله وطريق إلى إثباته تنجيزاً، وعلى هذا فإذا كان الخبر حجة، كان مثبتاً للواقع تنجيزاً على تقدير ثبوته واقعاً، وهذا يكفي في وجوب التحذر وترتبه عليه، باعتبار ان إنذار المنذر إذا كان حجة، فهو يثبت كون إنذاره بالدين شرعاً، فإذا ثبت ذلك، ترتب عليه وجوب التحذر.
وفيه ان هذا الجواب مبني على ان يكون وجوب التحذر الظاهري وجوباً مولوياً مستقلاً لموضوع كذلك وهو الإنذار بالدين، وهذا الموضوع كما يثبت بالعلم الوجداني كذلك يثبت بالعلم التبعدي، باعتبار انه يقوم مقام العلم الوجداني.
ولكن من الواضح ان هذا الوجوب ليس وجوباً مولوياً ولا يحتمل ذلك، بل يدور امره بين ان يكون طريقياً أو ارشادياً، وعلى كلا التقديرين فهو ليس بحكم شرعي مستقل في موضوع كذلك وهو الإنذار بالدين، أما على الأول فلان الحكم الطريقي الذي هو في طول الواقع فليس بحكم شرعي في مقابل الحكم الواقعي وفي عرضه، ولهذا لا شأن له غير تنجيز الواقع.
وعلى هذا فوجوب التحذر وجوب طريقي عبارة عن الحكم بمنجزية الواقع عند إنذار المنذر به، ولا واقع موضوعي له غير تنجيز الواقع، ومنشاؤه احتمال ثبوت الواقع، وهذا اللسان وهو الحكم بمنجزية الواقع من السنة جعل الحجية للإمارات وايجاب الاحتياط، فإذن وجوب التحذر في الآية الكريمة وجوب طريقي، والهدف من وراء جعله الحفاظ على الملاكات الواقعية الإلزامية، وحيث ان الحكم الظاهري الطريقي ليس حكماً مستقلاً في عرض الحكم الواقعي، ولا له موضوع مستقل في عرض موضوعه، بل هو في طول الحكم الواقعي ومن شؤنه وموضوعه وملاكه، هو موضوع وملاك الحكم الواقعي، ومنشاؤه احتمال ثبوت الواقع والشك فيه، فهو اما ان يكون عبارة عن ايجاب الاحتياط، أو يكشف عن حجية الإمارة في المرتبة السابقة، وفي المقام حيث ان وجوب التحذر الذي هو مفاد الآية الكريمة وجوب ظاهري طريقي، فهو إما متمثل في ايجاب الاحتياط في الشبهات الحكمية أو يكشف عن حجية إنذار المنذر في المرتبة المتقدمة، ولكن الآية ظاهرة في الثاني، وان وجوب التحذر من آثار حجية الإنذار ومترتب عليها.
وعلى هذا فموضوع الحجية الإنذار المقيد بالدين، ولا يمكن ان تكون هذه الحجية مثبتة لموضوعها والإلزم الدور هذا.
ويمكن المناقشة فيه أولا: ان المراد من الدين المأخوذ قيداً لموضوع الحجية أعم من الدين الواقعي والظاهري.
وعلى هذا فإذا أخبر النافر قومه بوجوب شيء، فدليل حجيته يثبت ان المخبر به والمنذر به من الدين، وعليه فاخباره وإنذاره به إنذار بالدين، ولا مانع من شمول دليل الحجية لانذاره بالوجوب أو الحرمة، بتقريب ان المولى فرض الإنذار بالدين وجعل الحجية له، وحينئذٍ فإذا انذر المنذر بوجوب شيء أو حرمة آخر، فهو بنفس شمول دليل الحجية له صار من الإنذار بالدين، غاية الأمر ان كون هذا الإنذار إنذاراً بالدين، تارة يكون بنفس دليل الحجية واخرى في المرتبة السابقة له ولا مانع من ذلك، ولا يلزم منه اي محذور لا الدور، لان شمول دليل الحجية لا يتوقف على ثبوت الدين في المرتبة السابقة وبدليل آخر، بل يكفي ثبوته بنفس شمول دليل الحجية ومقارناً له زماناً، لان الموضوع مقارن للحكم من حيث الزمان وتقدمه عليه رتبي ولا أثر له في الخارج، فإذا كان الموضوع ثابتاً مقارناً لثبوت الحكم، كفى ذلك سواء أكان ثبوته بنفس دليل الحكم أو بدليل آخر، هذا اضافة إلى انه لا يمكن حمل الآية الكريمة على أن يكون الدين الذي هو قيد الموضوع ثابتاً قبل إنذار المنذر وإلا لكان إنذاره به لغواً.
ومن هنا لا شبهة في ظهور الآية في ان الدين ثابت بنفس دليل حجية الإنذار، أو ان هذا الظهور من الآية قرينة على ان الدين ليس قيداً لموضوع الحجية.
وثانياً: ان الآية الكريمة لا تدل على ذلك، فإنها لو دلت فإنما تدل على تقييد الإنذار بما تفقه في الدين، وحينئذٍ فإن كان إنذار المنذر حجة، ثبت كون ما تفقه من الدين وإلا فلا، هذا اضافة إلى أن الآية لا تدل عليه، فإن المستفاد منها ان مورد إخبار المنذر وإنذاره ما تفقه، وأما كونه قيداً فلا يستفاد ذلك من الآية كما هو الحال في سائر الموارد، فإن موضوع الحجية الإمارة والخبر، وأما المخبر به فلا يكون قيداً للموضوع.
إلى هنا قد تبين إنه لا وجه للإشكال المتقدم، فالصحيح هو ما ذكرناه، وأما على الثاني فهو إرشاد إلى حجية الإنذار بما تفقه في الدين، فالإنذار به موضوع للحجية لا انه موضوع لوجوب التحذر، إذ لا شأن له غير ارشاده إليها.
ومن الطبيعي ان الإنذار الموضوع للحجية هو الإنذار المشكوك مطابقته للواقع، إذ لو كان معلوماً، فلا موضوع لجعل الحجية له.
فالنتيجة ان ما ذكره السيد الاستاذ? من ان موضوع وجوب التحذر الإنذار بالدين، غير تام إلا بناء على ان يكون المراد منه الحكم المولوي، وأما بناء على ما هو الصحيح من انه أما طريقي أو ارشادي، فلا يتم، لان موضوعه على كلا التقديرين إحتمال ثبوت الواقع، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى هل وجوب التحذر في الآية وجوب طريقي أو ارشادي؟
والجواب: انه ارشادي لنكتتين:
الأولى: ان ظاهر سياق الآية الشريفة أنها في مقام التقرير والامضاء لما هو المرتكز والمتعارف لدى العقلاء من التفقه والتعلم ثم الإنذار والإخبار بما تفقه وتعلم، والآية الكريمة في مقام التأكيد على ذلك وتثبيته وإمضائه، وليست الآية في مقام بيان الحكم الابتدائي في الشريعة المقدسة.
وان شئت قلت ان قوله تعالى: ?يَحْذَرُونَ? ظاهر في أن وجوب التحذر على المنذرين بالفتح عند إنذار المنذرين بالكسر ليس حكماً إبتدائياً مجعولاً في الشريعة المقدسة، بل هو حكم ثابت بين العقلاء وموافق للإرتكاز، فلذلك يكون مفاد الآية إرشاداً إلى ما بنى عليه العقلاء وتقرير له لا أن ذلك حكم تأسيسي، لان الاحكام المذكورة في الآية المباركة جميعاً أحكام عقلائية ثابتة عند العقلاء والآية تأكيد وإمضاء لها.
الثانية: ان تعبير الآيه الشريفة عن المخبرين بالمنذرين يدل على أن اخبارهم حجة في المرتبة السابقة، ولذلك اطلق عليهم في الآية عنوان المنذرين، إذ لو لم تكن اخبارهم حجه، فلا يصح إطلاق المنذرين عليهم، لان الإنذار والتخويف حينئذٍ لا يكون مستنداً إلى اخبارهم بل هو مستند إلى تنجيز الواقع بمنجز آخر في المرتبة السابقة، وهذا خلاف ظاهر الآية، فإن ظاهرها ان التحذر مترتب على الإنذار ومستند إليه لا إلى إيجاب الاحتياط ولا قرينة في المقام على رفع اليد عن هذا الظهور.
إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهاتين النتيجتين:
الاولى: ان وجوب التحذر ليس وجوباً طريقياً، لان مفاد الآيه الشريفة ليس جعل الوجوب الطريقي المتمثل في جعل إيجاب الاحتياط أو جعل الحجية للأمارات.
الثاني: ان وجوبه وجوب ارشادي، وعلىهذا فإما ان يكون إرشاداً إلى ايجاب الاحتياط في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن إنذار المنذرين كما في الشبهات قبل الفحص أو المقرونة بالعلم الاجمالي، أو يكون ارشاداً إلى حجية إنذار المنذرين واخبارهم، والآية الكريمة ظاهرة في الاحتمال الثاني، بقرينة ان ترتب التحذر على إنذار المنذرين، ظاهر في إنه مستند إليه لا إلى تنجيز الواقع في المرتبة السابقة وبقطع النظر عن إنذارهم فإنه خلاف الظاهر، حيث ان ذلك يوجب الغاء عنوان الإنذار وعدم دخله في وجوب التحذر اصلاً، وهذا بحاجة إلى قرينة ولا قرينة على ذلك.
ومن هنا يظهر ان هذا الاشكال من الشيخ ? مبني على ان يكون المراد من وجوب الحذر وجوب مولولي وموضوعه الإنذار بالدين، ولكن عرفتم ان وجوبه اما طريقي أو ارشادي ولا يعقل ان يكون مولوياً، وعلى هذا فلا موضوع لهذا الإشكال.
تحصل من جميع ما ذكرناه ان وجوب التحذر وجوب ارشادي، فيكون ارشاداً إلى حجية إنذار المنذرين، هذا على تقدير تسليم ان مفاد الآية ترتب وجوب التحذر على الإنذار مباشرة، وأما بناء على ما هو الصحيح من ان الآية بمقتضى كلمة لعل تدل على ان المترتب على الإنذار ترقب التحذر لا التحذر الفعلي، فلا تدل الآيه على حجية الانذار.
الاشكال الخامس: ما ذكره المحقق الخراساني? وغيره من ان الآية الشريفة تدل على حجية صنف خاص من الخبر وهو الخبر المتضمن للانذار والتخويف، ومن الواضح ان هذا مختص بما إذا كان الاخبار من الفقيه لكي يصدق عليها عنوان الإنذار، ولا يصدق ذلك على اخبار كل راوً، لان المعتبر في صدق الإنذار على الخبر، فهم المخبر معنى الرواية من الوجوب أو الحرمة حتى يكون منذراً به الناس من تبعاته، وحيث انه لا يعتبر في الرواي ان يكون عالماً بمعنى الرواية، وإنما المعتبر فيه ان يكون حافظاً للرواية بمالها من الإلفاظ الصادرة من الإمام?، سواء أكان يفهم معناها أم لا ، فلا يصدق عليها عنوان الإنذار، بل ربما يكون الراوي عامياً أو من غير أهل اللسان( ).
والخلاصة: ان الإنذار حصة خاصة من الخبر وهي الخبر الذي يكون المخبر عالماً بمدلوله الإلزامي وقصد باخباره به التخويف والإنذار، وأما إذا لم يكن المخبر عالماً بمدلول الخبر الإلزامي أو كان عالماً به ولكنه غير قاصد الإنذار به والتخويف، فلا يصدق عليه عنوان الإنذار، فإذن تختص الآية الشريفة بفتوى الفقيه، فإنه كان يقصد بفتواه بالوجوب أو الحرمة إنذار العامي به وتخويفه من تبعاته.
ودعوى ان القول بعدم الفصل بين حجية الفتوى وحجية الرواية، يكفي للتعدي عن مورد الآية الكريمة إلى سائر الموارد.
مدفوعة أولاً أنه غير ثابت بل الثابت خلافه، إذ كثير ما يكون الاخبار عن حس حجة دون الاخبار عن حدس.
وثانياً: على تقدير تسليم ان القول بعدم الفصل بينهما ثابت، إلا أنه لا يكون حجة، حيث إنه لا يزيد على الاجماع المنقول الذي لم يثبت حجيته.
وعلى هذا فلا تثبت الملازمة بين حجية الفتوى وحجية الروايه حتى تشكل الدلالة الالتزامية للآية المباركة بان تدل على حجية الفتوى بالمطابقة وعلى حجية الرواية بالالتزام.
والجواب: أنه لا أصل لهذا الاشكال، لان الآيه الكريمة تدل على ان فرقة من كل طائفة تتحمل مسؤولية النفر للتفقه في الدين ثم يرجعون إلى قومهم بغاية الإنذار لهم بما تفقهوا من الدين.
ويمكن تصنيف هذه الفرقة إلى ثلاثة اصناف:
الصنف الأول: ينقل آرائه ونظرياته لأهل بلده سواء أكانت مطابقة لظاهر الآيات والروايات أم لا.
الصنف الثاني: ينقل أقوال المعصومين? حرفياً للناس وأهل بلده بدون اظهار نظر وراي في المسألة، نعم قد يوضح معنى الرواية للناس أو يبيّن مضمونها لهم كما هو الحال في سائر موارد نقل الاخبار والقضايا، فإن الناقل قد ينقل القضايا بالفاظها وخصوصياتها حرفياً، وقد ينقل مضامينها التي هي ظاهرة فيها عرفاً بنحو لا يخرج عن حدود الترجمه، ونقله على كلا التقديرين يكون حجة.
ومن هنا فرق بين نقل التاريخ ونقل ارائه واجتهاداته، فإن الأول حجة إذا كان الناقل ثقة دون الثاني، باعتبار ان خبر الثقة إنما يكون حجة إذا كان عن حس لا ما إذا كان عن حدس واجتهاد، ونقل القضايا التاريخية بالفاظها أو بمضامينها داخل في الأول دون الثاني.
وعلى هذا فنقل الروايات من المعصومين? بمضامينها التي هي ظاهرة فيها عرفاً، داخل في الاخبار عن حس لا عن حدس، لان ذلك لا يعد بنظر العرف اجتهاداً بل هو ترجمة لها بالمعنى الظاهر المكشوف لدى العرف العام، فإذن إنذار المنذرين واخبارهم للناس بأقوال المعصومين? تارة يكون بنفس الأقوال الصادرة منهم?حرفياً واخرى بما كانوا يفهمون من ظواهرها المكشوفة عند أهل اللسان، وعلى كلا التقديرين فإنه حجة ومشمول لأدلة حجيه اخبار الثقة، لان نقل الرواية بالمعنى الظاهر منها عرفاً داخل في نقلها عن حس لاعن حدس واجتهاد، لانه بحاجة إلى مؤنة زائدة، وكذلك الحال في زمن الغيبة، فإن ناقل الفتوى تارة ينقلها بعين الفاظها حرفياً واخرى بمضمونها الظاهر والمكشوف منها، بحيث لا يخرج عن حد الترجمة، وعلى كلا التقديرين يكون نقله حجة وداخلاً في الاخبار عن حس أو قريب منه لا في الاخبار عن حدس.
الصنف الثالث: ينقل أقوال المعصومين? تارة بدون إظهار رأي ونظر فيها واخرى مع إظهار الرأي والنظر.
وعلى هذا فالرواة الذين يتحملون علوم آل محمد? ومشقة التفقه بالدين ثم يرجعون إلى بلدانهم بغاية نشر ما تحملو من العلوم وتفقهوا من الدين بين الناس، لا يخلو من أحد هذه الاصناف الثلاثة.
وبعد ذلك فنقول أما الصنف الأول من الفرقة فهو غير محتمل عادة، لوضوح ان من تحمل مشقة النفر والتفقه بالدين بغاية أنه إذا رجع إلى بلده يقوم بانذار أهل بلده بما تفقه في الدين ونشره، لا يحتمل انه يقوم بإنذارهم بآرائه واجتهاداته، فإذن هذا الصنف مجرد افتراض لا واقع موضوعي له، ولو فرض وجوده فهو نادر وشاذ لا يعتنى به، وبذلك يظهر حال الشق الثاني من الصنف الثالث أيضاً، وأما الصنف الثاني والشق الأول من الصنف الثالث من هذه الفرقة، فهو المتعارف نوعاً بين النافرين إذا رجعوا إلى بلدانهم بعد التفقه في الدين، هذا في زمن الحضور.
وأما في زمن الغيبة، فالأمر أوضح من ذلك، لان الاجتهاد فيه أصعب بكثير من زمن الحضور هذا من جهة.
ومن جهة اخرى ان من يرجع إلى بلده، كان ينقل فتاوى الفقهاء والمجتهدين بدون ان يظهر رأيه، ولو كان فهو نادر لا يعتنى به.
وقد اجاب السيد الاستاذ? عن هذا الاشكال، بتقريب ان الرواة في زمن الأئمة الاطهار? كانوا من الفقهاء، باعتبار ان التفقه في زمن المعصومين? لم يكن بالصعوبة الموجودة في زماننا هذا، على أساس ان الفراغ بين عصر التشريع وعصر الاجتهاد مهما زاد وطال، تواجه النصوص التشريعية الشكوك والأوهام أكثر فأكثر من مختلف الجوانب والجهات.
ومن هنا كانت عملية الاجتهاد في الزمن المعاصر عملية صعبة ومعقدة ومحفوفة بالشكوك والأوهام والمخاطر، بينما الاجتهاد في عصر التشريع عملية سهلة لا تواجهه هذه الشكوك والأوهام من مختلف الجهات، ولم يكن بحاجة إلى تكوين القواعد والنظريات العامة في الاصول بل يكفي فيه فهم معنى الرواية الواصلة إليه من المعصومين? مباشرة أو بالواسطة، فإنه إذا فهم معناها فهو فقيه، وحينئذٍ فإذا ثبتت حجية خبر الراوي الفقيه بمقتضى الآية الكريمة، ثبتت حجية خبر الراوي غير الفقيه أيضاً بعدم القول بالفصل( ).
ولكن هذا الجواب غير تام، لوضوح ان كل من فهم معنى الرواية لم يكن رأيه حجة وان كان فقيها لغة، وإنما الحجة هي روايته قول المعصوم?، ومن الواضح ان الرواة الذين كانوا يفهمون معاني الروايات كامثال زرارة ومحمد بن مسلم والحلبي وما شاكلهم، إنما كانوا ينقلون الروايات التي يتلقونها من المعصومين للناس لا آرائهم واجتهاداتهم، والآية الشريفة تدل على حجية اخبارهم ورواياتهم من جهة أنهم رواة لامن جهة أنهم فقهاء، فإذن لا حاجة إلى التمسك بعدم القول بالفصل، مع انه لا يكون حجة ولا يمكن الاستدلال به على التعدي من مورد الآيه إلى سائر الموارد، هذا اضافة إلى عدم الحاجة إلى التمسك بعدم القول بالفصل، إذ لا يحتمل ان تكون لفقاهة الراوي دخل في حجية روايته، ضرورة أن الراوي إذا كان ثقة، فروايته حجة سواء أكان فقيهاً أم كان غيره عالماً أم كان جاهلاً.
فالنتيجة: أنه لا أساس لهذا الاشكال.
بقي هنا شيء هو ان بالامكان استفادة حجية إنذار المنذرين واخبارهم من نفس الأمر المتعلق بالانذار، لا من جهة ترتب وجوب التحذر عليه لكي يقال انه لا يترتب على الإنذار، والمترتب عليه إنما هو ترقب التحذر لا وقوعه فعلا، بل من جهة ان الأمر بالإنذار لا يخلو من أن يكون أمراً مولوياً نفسياً أو غيرياً أو طريقياً أو ارشادياً ولا خامس في البين.
أما الأول فهو غير محتمل، لوضوح ان الإنذار والاخبار ليس من أحد الواجبات في الشريعة المقدسة كالصلاة والصيام ونحوهما.
وأما الثاني فهو أيضاً غير محتمل، ضرورة أن إنذار المنذرين ليس من المقدمات الوجودية للواجبات الواقعية في الوقاع ونفس الأمر، لأن الاتيان بتلك الواجبات لا يتوقف على إنذارهم، هذا اضافة إلى ما ذكرناه في بحث مقدمة الواجب من أنها ليست بواجبة شرعاً.
وعلى هذا فيدور الأمر بين كون ايجاب الإنذار طريقياً أو إرشادياً، وعلى كلا التقديرين يدل على حجيته.
وأما على الأول، فالآية تدل على حجيته تأسيساً.
وأما على الثاني، فتدل على حجيته امضاء، وقد تقدم ان الأظهر هو الثاني دون الأول هذا من جانب.
ومن جانب آخر ان المراد من الحذر هو التحذر العملي، فيكون معنى قوله تعالى: ?لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?، أي لعلهم يعملون، فعندئذٍ لا مانع من الالتزام بدلالة الآية على حجية إنذار المنذرين واخبارهم، إذ لا ملازمة بين حجية إنذارهم وبين عمل المنذرين بالفتح في الخارج، لانهم قد يعملون على طبق إنذارهم وقد لا يعملون، وليس المراد من الحذر مجرد الخوف النفساني، فإنه خلاف ظاهر قوله تعالى: ?لَعَلَّهُمْ يَحْذَرُونَ?، لانه ظاهر في ان تحذرهم وتحركهم كان باختيارهم، وهذا لا ينطبق الاعلى العمل الخارجي دون الخوف النفساني، فإنه خارج عن اختيارهم، نعم انه منشأ للعمل الخارجي.
وعلى هذا الأساس فالاقرب دلالة الآية الشريفة على حجية اخبار الأحاد، غاية الأمر ان كانت دلالتها على حجيتها تأسيسية، فلا بد من تقييد إطلاقها بما دل على اعتبار الوثاقة في الراوي.
وان كانت دلالتها عليها ارشادية، فلا تدل على أكثر من حجية اخبار الثقة، باعتبار ان الارشاد يتبع المرشد إليه في السعة والضيق، وحيث ان المرشد إليه حجية اخبار الثقة دون غيرها، فبطبيعة الحال يكون الارشاد إليها لا إلى أكثر منها.
نتائج البحث حول آية النفر أمور:
الأمر الأول: ان الاستدلال بآية النفر على حجية خبر الواحد، يتوقف على تمامية عدة نقاط تقدم تفصيلها.
الأمر الثاني: ان كلمة لعل موضوعة للدلالة على ترقب وقوع مدخولها في الخارج كما ذكره المحقق الاصفهاني?، وعلى هذا فالآية تدل على ترقب وقوع الحذر لا على وقوعه، وعليه فالغاية للانذار الترقب للحذر لا الحذر الفعلي.
الأمر الثالث: قاعدة أن غاية الواجب أولى بالوجوب لا ينطبق على مورد الآية الكريمة، لان مورد هذه القاعدة ما إذا كانت الغاية مقدورة للمكلف ولو بالواسطة، والغاية في مورد الآية المباركة فعل المنذرين بالفتح وتكون خارجة عن اختيار المنذرين بالكسر.
الأمر الرابع: ان المراد من الحذر هو التحذر العملي عن الأدانة والعقوبة الاخروية لا الحذر من الوقوع في المفاسد غير المنجزة.
الأمر الخامس: أن الآية الشريفة تشمل الشبهات الحكمية كافة، أي سواء أكانت من الشبهات التي يكون التكليف الواقعي فيها منجزاً على تقدير ثبوته بمنجز في المرتبة السابقة كالشبهات قبل الفحص والمقرونة بالعلم الاجمالي، أم من الشبهات التي لا يكون التكليف الواقعي فيها منجزاً.
الأمر السادس: ان تعليل الأمر بشيء بعلة ظاهر في ان ذلك الشيء المأمور به شرط لوجود تلك العلة لا لوجوبها، فإذا قيل <توضأ لكي تصلي> ظاهر في ان الوضوء شرط لوجود الصلاة لا لوجوبها، ولا يصح تعليل الأمر بشيء بعلة يكون ذلك الشيء المأمور به شرطاً لوجوب العلة لا لوجودها، كما إذا قيل تعهد لكي تفي بعهدك.
وأما في الآية الكريمة، فالنفر شرط لوجود التفقه لا لوجوبه، والتفقه شرط لوجود الإنذار لا لوجوبه، وأما الإنذار فهل هو شرط لوجود التحذر أو لوجوبه؟
والجواب: أنه شرط لوجوب التحذر الظاهري الطريقي، فإنه مترتب عليه ومعلول له، وأما التحذر بوجوده الواقعي، فهو لا يترتب على الإنذار بما هو إنذار، وإنا يترتب على العلم بالواقع، فلا معنى لان يكون الإنذار بما هو شرط وعلة لوجوده على تفصيل تقدم.
الأمر السابع: قيل ان مفاد الآية الشريفة يختص بحجية الاخبار المتكفلة للأحكام الإلزامية، بقرينة أن وجوب التحذر إنما يترتب عليها لا على الاخبار المتكفلة للأحكام الترخيصية، ولكن هذا القول غير صحيح، لان وجوب التحذر مستند إلى حجية إنذار المنذرين في المرتبة السابقة ولا يوجب تخصيص حجيتها بالاخبار المذكورة، لوضوح ان إنذارهم واخبارهم إذا كانت واجدة لشروط الحجية فهي حجه، سواء أكانت في الاخبار الإلزامية أم الاخبار الترخيصية.
الأمر الثامن: ان ظاهر الآية الشريفة أن وجوب التحذر مستند إلى حجية إنذار المنذرين واخبارهم لا إلى ايجاب الاحتياط في المرتبة السابقة، ومن هنا لا يختص مورد الآية بالشبهات الحكمية التي يكون التكليف المشكوك فيها منجزاً في المرتبة السابقة، بل تشمل الشبهات الحكمية التي لا يكون التكليف فيها منجزاً.
الأمر التاسع: ان ظاهر الآية الشريفة أن وجوب التحذر مترتب على إنذار المنذرين ومستند إليه بما هو حجة لا بما هو كاشف عن وجوب الاحتياط في المرتبة السابقة، فإن لازم ذلك الغاء عنوان الإنذار والعبرة إنما هي باحتمال ثبوت التكليف في الواقع، وهذا خلاف الظاهر وبحاجة إلى قرينة.
ومن هنا يظهر ان ما قيل من أن الآية الشريفة في مقام بيان ايجاب الاحتياط في موراد إنذار المنذرين المتكفلة للأحكام الإلزامية لا يمكن الإلتزام به، لان ظاهر الآية ان وجوب التحذر مستند إلى حجية إنذار المنذرين لا إلى ايجاب الاحتياط.
الأمر العاشر: ان وجوب التحذر ليس وجوباً مولوياً ويكون موضوعه الإنذار المقيد بالدين، بل وجوبه لا يلخو من ان يكون طريقياً أو ارشادياً وان كان الأظهر الثاني، وعلى كلا التقديرين فهو يدل على حجية إنذار المنذرين، لان وجوب التحذر في موارد الإنذار بالدين، معناه جعل المنجزية والاهتمام بالواقع، وهذا بنفسه لسان من السنة جعل الحجية أو ايجاب الاحتياط، والمفروض ان الحكم الظاهري الطريقي ليس حكماً مستقلاً عن الحكم الواقعي لكي يكون له موضوع مستقل واقعي، بل هو طريق محض وشأنه تنجيز الواقع والحفاظ عليه، فإذا كان مفاد الآية الشريفة وجوب التحذر الظاهري الطريقي، فهو ليس حكماً موضوعه الإنذار المقيد بالدين بل هو حكم بتنجيز الواقع المنذر به وموضوعه وملاكه هو موضوع الحكم الواقعي وملاكه ومنشاؤه احتمال ثبوته في الواقع.
وما ذكره السيد الاستاذ? من ان موضوع وجوب التحذر الإنذار بالدين، وهو كما يثبت بالعلم الوجداني كذلك يثبت بالعلم التعبدي، لا يمكن المساعدة عليه، لانه مبني على ان يكون وجوب التحذر وجوباً مولوياً مستقلاً مع ان الأمر ليس كذلك.
الحادي عشر: لو سلمنا ان موضوع وجوب التحذر أو الحجية الإنذار المقيد بالدين، ولكن المراد من الدين أعم من الواقعي والظاهري، وحينئذٍ فدليل الحجية كما يثبت الحجية، يثبت موضوعها أيضاً وهو الدين ظاهراً ولا دور في البين، هذا اضافة إلى ان الآية الكريمة لودلت على هذا التقييد، لدلت على تقييد بما تفقه في الدين، وحينئذٍ فإن كان إنذار المنذر حجة، ثبت كون ما تفقه من الدين وإلافلا، مع ان في دلالة الآية الكريمة على هذا التقييد إشكال بل منع، فإن المستفاد من الآية المباركة هو ان مورد اخبار المنذر إنذاره ماتفقه لا انه قيد له كما هو الحال في سائر موارد الاخبار.
الثاني عشر: ان مفاد الآية الشريفة ليس حجية فتاوى الفقهاء بالمطابقة، وبعدم القول بالفصل يثبت حجية اخبارهم، بل مفادها حجية إنذار المنذرين واخبارهم، سواء أكانوا قاصدين بها لتخويف أيضاً أم لا.
وما ذكره السيد الاستاذ ? من ان الرواة في زمن المعصومين ? كانوا من الفقهاء، باعتبار ان التفقه في ذاك الزمان كان سهلاً وبسيطاً لا يتوقف على مقدمات معقدة كما في زماننا هذا وان كان صحيحاً في الجملة، إلا ان حجية رواياتهم ليست من جهة أنهم من الفقهاء بل من جهة أنهم من الرواة، هذا اضافة إلى ان الرواة في عصر الأئمة ? تصنف إلى ثلاثة اصناف كما تقدم.

3 ـ آية الكتمان
من الآيات التي استدل بها على حجية خبر الواحد آية الكتمان وهي قوله تعالى: ?إِنَّ الَّذِينَ يَكْتُمُونَ مَا أَنزَلْنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالْهُدَى مِن بَعْدِ مَا بَيَّنَّاهُ لِلنَّاسِ فِي الْكِتَابِ أُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ?( ).
وتقريب الاستدلال بها ان الآية الشريفة تدل على حرمة الكتمان ووجوب الاظهار، وهي تستلزم وجوب القبول والإ لكان وجوب الاظهار لغواً، وإطلاق الآية يقتضي وجوب القبول حتى في صورة عدم حصول العلم من الاظهار، وهذا معنى حجية خبر الواحد، نظير قوله تعالى: ?وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ?( ) فإنه قد استدل بهذه الآية على وجوب قبول قول المرأة وإلا لكانت حرمة الكتمان عليها لغواً.
وقد أورد على الاستدلال بهذه الآية بوجوه:
الوجه الأول: ما ذكره السيد الاستاذ? من أن الآية الكريمة وان دلت على حرمة الكتمان ووجوب الاظهار، إلا ان من المحتمل قوياً ان يكون وجوب الاظهار بدافع حصول العلم منه في نهاية المطاف لا بدافع قبوله تعبداً، إذ يكفي في الخروج عن اللغوية ان يكون اظهار كل فرد جزء السبب للقبول لاتمام السبب له، لان مفاد الآية عام استغراقي لا انه موجه إلى فرد واحد، لكي يقال انه لو لم يجب قبول قوله، لكان وجوب الاظهار عليه لغواً وبلا فائدة، وأما إذا كان الخطاب عاماً، فيكفي في الخروج عن اللغوية أن يكون اظهار كل فرد جزء السبب لاتمامه( ).
هذا إضافة إلى إمكان المناقشة في أصل الملازمة حتى بين وجوب الإظهار على فرد، ووجوب قبول قوله تعبداً وان لم يحصل العلم منه، لاحتمال ان الغرض من وراء ايجاب الإظهار عليه، رجاء حصول العلم منه ولو بضميمة خصوصيات المقام وقرائن الحال.
ومن هنا يظهر ان قوله تعالى: ?وَلاَ يَحِلُّ لَهُنَّ أَن يَكْتُمْنَ مَا خَلَقَ اللّهُ فِي أَرْحَامِهِنَّ?( ) لا يدل على وجوب قبول قول المرأة مطلقاً، نعم قد ثبتت حجية قولها في امثال الموارد من الخارج حتى إذا لم يحصل العلم أو الاطمئنان منه.
وبكلمة: ان هذه الآية تختلف عن آية النفر في نقطة، وهي ان آية النفر تدل على أن التحذر غاية لانذار المنذرين ومترتب علية، وحيث ان الآية ظاهرة في ان وجوب التحذر مستند إلى إنذارهم، فيكون كاشفاً عن حجيته، بينما في هذه الآية لا يكون القبول غاية لوجوب الإظهار، فلذلك يمكن ان يكون وجوب القبول منوطاً بحصول العلم.
فالنتيجة: ان هذا الاشكال وارد على الاستدلال بهذه الآية الكريمة، لانها ليست في مقام البيان من هذه الجهة أي جهة القبول وإنما هي في مقام البيان من جهة حرمة الكتمان ووجوب الاظهار، ولهذا لا إطلاق لها حتى يتمسك به لاثبات وجوب القبول مطلقاً وان لم يحصل العلم، فإذن لا تدل الآية على وجوب القبول مطلقاً وإنما تدل على وجوبه في الجملة، والقدر المتيقن منه هو ما إذا حصل العلم بالواقع.
الوجه الثاني: ان من المحتمل قوياً ان تكون حرمة الكتمان حرمة نفسية لا طريقية ولا إرشادية، على اساس ان الكتمان عبارة عن إخفاء الحقيقة متعمداً عناداً للدين الإسلامي.
ومن الواضح ان العناد للدين واخفاء رسالة الرسول الأكرم? من اعظم المحرمات الإلهية، ولهذا جعل في الآية الكريمة مورداً للعن من الله تعالى ومن اللاعنين.
والجواب: انه لا يحتمل ان تكون حرمة الكتمان حرمة نفسية، إذ لو كانت حرمته نفسية، فبطبيعة الحال كانت ناشئة من وجود مفسدة ملزمة في نفس الكتمان بقطع النظر عن أي عنوان آخر، ولكن من الواضح أنها غير ناشئة عن وجود مفسدة ملزمة فيه، لان الكتمان عبارة عن إخفاء الحقيقة التي يجب اظهارها ويحرم كتمانها، واهتمام الشارع إنما هو باظهار تلك الحقيقة وإبرازها وتمام الملاك فيها، وعلى هذا فلا يمكن ان تكون حرمة الكتمان حرمة نفسية، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى هل حرمة الكتمان حرمة طريقية أو ارشادية؟
والجواب أنها ارشادية ولا موضوع لكونها طريقية، لان الحكم الطريقي ظاهري وفي طول الحكم الواقعي، بينما حرمة الكتمان ليست حرمة ظاهرية، أما كونها ارشادية، فمن جهة ان العقل مستقل بوجوب إظهار رسالة الرسول? وحرمة كتمانها كوجوب الإطاعة وحرمة المعصية.
ولسان الآية المباركة وهي قوله تعالى: ?فأُولَئِكَ يَلعَنُهُمُ اللّهُ وَيَلْعَنُهُمُ اللاَّعِنُونَ? لسان الإرشاد إلى ما استقل به العقل ولسان اللعن والتهديد والإدانة، وهذا اللسان لا يناسب ان تكون حرمة الكتمان حرمة نفسية بل هو مناسب لكونها ارشادية.
وبكلمة: ان مورد الآيه الشريفة علماء اليهود والنصارى، حيث انهم قاموا باخفاء ما بين الله تعالى في التوراة والإنجيل من صفات النبي الأكرم? وعلائم نبوته وبشائرها كاسمه واوصافه وتوقيت بعثته، فإن كل ذلك كان موجوداً فيهما والآية المباركة في مقام التوبيخ ولعن هؤلاء على كتمان ما بيّنه تعالى من البينات والهدى، ومن المعلوم ان لسان الآية لسان الإرشاد والتهديد والتوبيخ لا لسان الجعل.
ومن ذلك يظهر ان الآية الشريفة اجنبية عن الدلالة على حجية خبر الواحد، ضرورة ان خبر الواحد لا يكون حجية في إثبات الرسالة للرسول
الأكرم?.
الوجه الثالث: ان الآية تدل على حرمة كتمان شيء واخفائه فيما إذا كان المقتضي لاظهاره موجوداً، بحيث لولا الكتمان لظهر وحصل العلم، لوضوحه وجلائه كصفات النبي الأكرم? وبشائره التي بينها الله تعالى في التوراة والإنجيل، بحيث لولا الاخفاء والكتمان من قبل هؤلاء المعاندين للاسلام، لظهرت الحقيقة وحصل العلم بها لتمامية المقتضي لجلائها ووضوحها.
وأما إذا لم يكن كذلك، كما في موارد عدم حصول العلم من الاخبار، فلا يصدق الكتمان لتدل الآية على حرمته وبالتالي على حجية الاخبار.
والجواب: أولاً ان الأمر ليس كذلك، لان الكتمان يصدق على اخفاء شيء سواء أكان المقتضي لاظهاره موجوداً أم لا، لان اخفاء كل شيء بحسبه، فمن لا يفيد قوله العلم والاطمئنان والوثوق لعدم وثاقته أيضاً، يصدق الكتمان على اخفائه.
وثانياً: ان الآيه إذا دلت على حجية الاخبار في الفرض الأول، دلت على حجيتها في الفرض الثاني ايضاً، إذ لا يحتمل دخل خصوصية ووجود المقتضي للإظهار في حجيته.
إلى هنا قد تبين ان هذه الوجوه غير تامة، فلو كانت الآية الشريفة دالة على حجية خبر الواحد، لم تمنع تلك الوجوه عن دلالتها عليها، ولكنها في نفسها اجنبية عن الدلالة على حجية خبر الواحد.
أما أولاً: فلان موردها كتمان صفات النبي الأكرم? وبشائره المسطورة في كتب العهدين وهي من اصول الدين، فلا تثبت بخبر الواحد.
وثانياً: ان الله تعالى قد بين بشائر نبوته واسمه وصفاته في كتب العهدين، بحيث لولا كتمان علماء اليهود والنصارى وإخفائهم عن الناس، لظهرت وتجلت تلك العلائم وحصل العلم بها، فإذن لا تدل الآية على وجوب القبول مطلقاً عند الإظهار وان لم يحصل العلم.
4 ـ آية الذكر
من الآيات التي استدل بها على حجية خبر الواحد آية الذكر وهي قوله تعالى: ?فَاسْأَلُواْ أَهْلَ الذِّكْرِ إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ?( ).
وتقريب الاستدلال بها ان الآية الكريمة تدل على وجوب السؤال عن أهل الذكر والإطلاع بالمطابقة وعلى وجوب القبول بالالتزام، على اساس استفادة الملازمة بينهما وإلا لكان وجوب السؤال لغواً، ومقتضى الإطلاق وجوب القبول مطلقاً وان لم يحصل العلم من الجواب.
وأما أهل الذكر، فهو لا يختص بائمة الأطهار?وان كان الأئمة ?من أظهر مصاديقه، بل المراد منه مطلق أهل العلم والإطلاع، وهو بهذا المعنى يشمل كافة أهل الذكر والإطلاع، فالرواة أهل الإطلاع بالروايات بالنسبة إلى غيرهم، كما ان المجتهدين أهل العلم والإطلاع بالنسبة إلى العوام، وأما المعصومون? فهم أهل العلم والإطلاع بالنسبة إلى كافة البشر، فإذن لا إشكال في الآية من هذه الناحية.
وقد اورد عليه السيد الاستاذ? بايرادين:
الأول: انه لا ملازمة بين وجوب السؤال ووجوب القبول تعبداً كما هو الحال في آية الكتمان، لإحتمال ان يكون الدافع من وراء وجوب السؤال حصول العلم من الجواب لا قبوله تعبداً، وهذا المقدار يكفي في عدم كونه لغواً، ويؤكد ذلك تعليق وجوب السؤال على عدم العلم، فإنه يدل على أن الغرض من السؤال حصول العلم من الجواب لا قبوله مطلقاً وان لم يحصل العلم، فإذن لا إطلاق للآية( ).
فما ذكره? من الإيراد متين، إذ لا منشأ للملازمة بين وجوب السؤال ووجوب القبول مطلقاً إلا دعوى كون وجوب السؤال لغواً، ولكن يكفي في الخروج عن اللغوية ان يكون الغرض من السؤال تحصيل العلم لا القبول مطلقاً وان لم يحصل العلم.
الثاني: ان مورد الآية الشريفة أصول الدين، حيث ان المشركين كانوا منكرين نبوة النبي الأكرم?، بدعوى ان البشر لا يمكن ان يكون سفيراً وممثلاً من قبل الله تعالى، بل لابد ان يكون ملكاً من الملائكة والآية في مقام رد هؤلاء وان الأنبياء والرسل كافة من البشر، ولهذا تحدى لهم بالسؤال عن أهل الذكر كعلماء اليهود والنصارى ?إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ?، حيث انهم كانوا من أهل الذكر والعلم بالنسبة إلى علائم نبوة نبيناً محمد? وبشائر نبوته التي بينها الله تعالى في التوراة والإنجيل، وعلى هذا فمن الواضح ان الغرض من السؤال تحصيل العلم لا قبول الجواب تعبداً، إذ لا قيمة للتعبد في باب العقائد وأصول الدين( ).
وعلى هذا فالمراد من الذكر الكتاب والدين بمعنى فاسئلوا أهل الكتاب وأهل الديانتين.
فالنتيجة: ان كلا الإيرادين وارد على الآية الكريمة، فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد.
قد يقال كما قيل ان المراد من قوله تعالى: ?إِن كُنتُمْ لاَ تَعْلَمُونَ? أعم من العلم الوجداني والعلم التعبدي، بقرينة ان مفاد الآية الشريفة قضية ارتكازية فطرية وهي رجوع الجاهل إلى العالم، والعالم يختلف بإختلاف الموارد، وقد يكون عالماً بالعلم الوجداني وقد يكون عالماً بالعلم التعبدي كرجوع العامي إلى المجتهد والمريض إلى الطبيب وهكذا، فإن الجاهل في هذه الموارد يرجع إلى العالم بالعلم التعبدي.
والحاصل ان الآية تدل على حجية قول أهل الخبرة والنظر تعبداً، والرواة من أهل الخبرة بالنسبة إلى الروايات.
والجواب: أولاً أن الآية الشريفة كما عرفت واردة في مقام رد المشركين المنكرين لرسالة رسول الأكرم? وموردها اصول العقائد، فلا يكون خبر الواحد حجة فيها.
وثانياً مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان مدلول الآية الشريفة القضية الارتكازية ا لفطرية وهي رجوع الجاهل إلى العالم، إلا ان هذه القضية الفطرية لا تنطبق على الراوي، فإنه إنما ينقل ما سمعه من الإمام? مباشرة أو بالواسطة حرفياً، بل قد كان لا يفهم معناه، فلا يصدق عليه عنوان أهل الخبرة لاختصاصه بأهل الرأي والنظر كالطبيب والمهندس ونحوهما. فإذا سمع زيد قضية عن بكر ونقلها إلى عمرو، فلا يصدق عليه عنوان أهل الخبرة، باعتبار انه إنما أخبر عن مسموعاته لا عن رأيه ونظره، فلا يكون مشمولاً للآية الشريفة لانها تدل على حجية اخبار أهل الخبرة.
والخلاصة: ان الآية الكريمة لو كان مدلولها القضية الارتكازية الموافقة للفطرة وهي الرجوع إلى أهل الخبرة والنظر في كل فن، لم تشمل الروايات التي وصلت إلى الفقهاء حرفياً بدون اعمال أي رأي ونظر فيها، إذ لا يصدق عنوان أهل الخبرة والنظر على رواتها سواء أكانوا يفهمون معانيها أم لا.
ولكن الظاهر عدم اختصاص مدلولها بها، بإعتبار ان المذكورة فيها أهل الذكر لا أهل العلم وهو يشمل مطلق أهل الإطلاع، ومن الواضح ان الرواة من أهل الإطلاع بالروايات بالنسبة إلى غيرهم فتكون مشمولة لإطلاق الآية الشريفة.
فالنتيجة: أن الآية لا تدل على حجية خبر الواحد، لان الظاهر منها أن الغرض من السؤال إنما هو تحصيل العلم لا القبول تعبداً.
هذا تمام الكلام في الاستدلال بالآيات على حجية خبر الواحد، وقد تحصل مما ذكرناه ان شيئاً منها لا يدل على حجية خبر الواحد.


الاستدلال بالسنة على حجية خبر الواحد
غير خفي انه لا يصح الاستدلال بالسنة على حجية خبر الواحد إلا إذا كانت متواترة بأن تكون قطعية الصدور، وإلا فلا يعقل الاستدلال بها، لانها ليست بحجة على الفرض، ومعه كيف يمكن الاستدلال بها على حجية نفسها، لأنه من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد.
نعم ذكر المحقق الخراساني? ان بإمكاننا إثبات حجية خبر الواحد بالأخبار المتواترة إجمالاً ولا يلزم أن تكون متواترة تفصيلاً( ).
بيان ذلك، إذا فرضنا وجود مجموعة من الروايات المختلفة التي لا يمكن الإستدلال بكل واحد منها على حجية خبر الواحد، لانه من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهو لا يمكن، ولكنا نعلم إجمالاً بصدور بعضها عن المعصومين?، ويمكن تصنيف هذه الروايات إلى اصناف:
الصنف الأول: ما يدل على حجية خبر الواحد مطلقاً بدون إعتبار أي عنوان خاص فيه.
الصنف الثاني: ما يدل على حجية خبر الواحد إذا كان راويه إمامياً.
الصنف الثالث: ما يدل على حجية خبر الواحد إذا كان راويه ثقة.
النصف الرابع: ما يدل على حجية خبر الواحد إذا كان راويه عدلاً إمامياً.
ثم ان كل احد من هذه الاصناف الأربعة مشكوك الصدور من الإمام? ولا نعلم به، ولكنا نعلم بأن الجامع بينها وهو الواجد لتمام خصوصيات الأصناف الأربعة قد صدر عن المعصوم? جزماً، وحيث ان أخص من هذه الأصناف هو الصنف الرابع، بإعتبار انه يتضمن خصوصيات سائر الأصناف كافة، فلهذا نعلم بأن مضمونه قد صدر عن المعصوم? على أساس العلم الاجمالي بصدور واحد من تلك الأصناف، فإن كان الصادر هو الصنف الأول، فالصنف الرابع واجد لخصوصيته، وان كان الصنف الثاني والثالث فكذلك، فإذن نعلم إجمالاً ان الصنف الرابع قد صدر عن المعصوم? أما بلفظه الخاص أو بمضمونه.
وعلى هذا فلا مانع من الاستدلال بهذا الصنف على حجية خبر الواحد إذا كان راويه عدلاً إمامياً، ولكن تمامية الاستدلال على حجية خبر الواحد بهذه الطريقة ووقوعها في الخارج تتوقف على تمامية مقدمات:
المقدمة الاولى: أن الروايات التي استدل بها على حجية خبر الواحد تبلغ من الكثرة حد التواتر الإجمالي.
المقدمة الثانية: أن تكون دلالتها على حجية خبر الواحد تامة.
المقدمة الثالثة: أن تكون النسبة بين أصناف هذه الروايات عموماً وخصوصاً مطلقاً، بمعنى أن يكون بينها جامع مشترك واجداً لتمام خصوصيات الأصناف، وهذا الجامع هو القدر المتيقن صدوره من الإمام?، ولكن لا نعلم ان صدوره بهذه اللفظ الخاص أو ذاك.
وان شئت قلت ان الصنف الأخص واجد لتمام الصفات والخصوصيات المأخوذة في سائر الأصناف، وحينئذٍ فلا مانع من الاستدلال بهذا الصنف على حجية خبر الواحد، باعتبار ان مضمونه وهو خبر العدل الإمامي قد صدر عن الإمام? جزماً وان لم يعلم صدوره بلفظ هذا الصنف، فإذا كان مفاده حجية خبر العدل الإمامي، ثبتت حجيته.
وعلى هذا فإذا فرضنا أن في هذا الصنف خبراً يدل على حجية خبر الثقة، فلا مانع من الاستدلال به على حجيته، وبهذه الطريقه يمكن إثبات حجية خبر الثقة وان لم يكن إمامياً ولا عدلاً، فإذن يقع الكلام في هذه المقدمات:
أما المقدمة الأولى: فقد صنف التواتر إلى ثلاث أصناف:
الصنف الأول: التواتر اللفظي، وهو وصول الخبر بتمام خصوصياته الشخصية اللفظية وغيرها من الإمام? بطريق قطعي في جميع طبقاته، وهذا الصنف من التواتر قليل في الروايات جداً.
الصنف الثاني: التواتر المعنوي، وهو اشتراك جميع الأخبار التي يعلم بصدور بعضها عن المعصومين? إجمالاً في معنى واحد، سواء أكان ذلك المعنى مدلولاً مطابقياً أم تضمنياً أم التزامياً وقد مرت الاشارة إليه.
الصنف الثالث: التواتر الإجمالي، وهو ما إذا علم بصدور بعض الروايات عن المعصومين? بدون الاشتراك في معنى واحد لا مطابقة ولا تضمناً ولا التزاماً، كما إذا علمنا إجمالاً بصدور بعض الروايات التي يكون بين بعضها وبعضها الآخر التباين في المدلول.
وعلى هذا فيجوز الاستدلال على حجية خبر الواحد بالصنف الأول من التواتر إذا كان فيه ما يدل على حجيته وكذلك بالصنف الثاني كما مر، وأما بالصنف الثالث، فلا يجوز الاستدلال به على حجية خبر الواحد، أما عدم جواز الاستدلال بكل واحد من رواياته، فمن جهة عدم العلم بصدوره وأنه من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد، وأما بمجموع رواياته فمن جهة عدم اشتراكها في معنى واحد.
وأما المقدمة الثانية: فالظاهر ان دلالة كثير من الروايات التي استدل بها على حجية خبر الواحد غير تامة.
ويمكن تصنيف هذه الروايات إلى عدة مجموعات:
المجموعة الأولى: الأخبار العلاجية، وهي الاخبار التي تدل على ترجيح أحد الخبرين المتعارضين على الآخر بموافقة الكتاب ومخالفة العامة( )، وهذه الاخبار تدل على حجية خبر الواحد بالالتزام، وإلا فلا يتصور التعارض بينهما.
ويمكن المناقشة فيها، بإن هذه الأخبار وهي الأخبار العلاجية أخبار أحاد لم تبلغ من الكثرة حد التواتر المعنوي، وعليه فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد بقطع النظر عن ثبوت حجيته من الخارج، وقد يناقش فيها بأن موضوع الاخبار العلاجية، الخبران المتعارضان ومدلولها الاخذ بالخبر الموافق للكتاب وطرح الخبر المخالف له.
وعلى هذا فكما يمكن ان تكون هذه الروايات في مقام ترجيح الموافق على المخالف بعد افتراض ان كل واحد منهما حجة في نفسه، يمكن ان تكون هذه الروايات في مقام تمييز الحجة عن اللاحجة والصادق عن الكاذب فيما إذا افترض ان كل واحد منهما قطعي السند في نفسه، ولكن إذا وقع التعارض بينهما، نعلم بان أحدهما كاذب والآخر صادق، إذ لا يمكن صدور كليهما معاً.
وعلى هذا فنعرضهما على كتاب الله وسنة رسوله? لتمييز الخبر الصادق عن الكاذب، فما وافق كتاب الله فهو صادق وما خالفه فهو كاذب، فإذن كما يمكن أن يكون عرض الخبرين المتعارضين على الكتاب من جهة ترجيح الموافق على المخالف، يمكن أن يكون من جهة تمييز الصادق عن الكاذب أو الحجة عن اللاحجة، وكذلك الحال بالنسبة إلى عرضهما على العامه، فإنه كما يمكن ان يكون للترجيح يمكن ان يكون لتمييز ما صدر لبيان الحكم الواقعي وما لم يصدر.
وعلى هذا فلا تدل هذه الروايات على حجية خبر الواحد، فإن دلالتها عليها مبنية على ظهورها في كون الخبرين المتعارضين غير قطعيين ولا ظهور لها في ذلك ولا في كونهما قطعيين، فلهذا تكون مجملة من هذه الناحية هذا.
وللنظر في هذه المناقشة مجال، إذ لا شبهة في ظهور هذه المجموعة من الروايات في أنها في مقام الترجيح لا في مقام التمييز، والقرينة على ذلك ان هناك طائفتين من الروايات:
الطائفة الأولى: الروايات التي جاءت بهذا النص، (ما جاء من الخبر مخالف للكتاب أو السنة فهو زخرف أو باطل أو لم أقله)( ) وهكذا، وهذه الالسنة السنة التحاشي والاستنكار لصدور ما خالف الكتاب أو السنة، وهذه الطائفة بهذه الالسنة في مفام التمييز وبيان ان المخالف كاذب وغير صادر ولا إجمال فيها.
الطائفة الثانية: الروايات التي تدل على ان الخبرين المتعارضين إذا كان أحدهما موافقاً للكتاب أو السنة والآخر مخالفاً له خذ بالأول واترك الثاني( )، وهذا اللسان لسان الترجيح، حيث انه قد فرض في مورد التعارض بين الخبرين، ولا يمكن فرض التعارض بينهما إلا إذا كان كل منهما في نفسه حجة.
فالنتيجة ان العمدة هي الاشكال الأول على هذه المجموعة.
المجموعة الثانية: الروايات الواردة في أفراد خاصة من رواة الأحاديث وحملتها المتضمنة لبيان حالاتها وهي على صيغ مختلفة:
الصيغة الأولى: قد جاءت بهذا النص: لو لا هؤلاء يعني زرارة ومحمد بن مسلم وأبو بصير وبريد والحلبي وغيرهم من الرواة المعدودين لاندرست آثار النبوة( ).
الصيغة الثانية: قد جاءت بهذا النص: (أن هؤلاء أمناء الله على حلاله وحرامه) مشيراً إلى جماعة خاصة من الرواة( ).
الصيغة الثالثة: قد جاءت بهذا النص: (أنهم حفظة الدين) مشيراً إلى فئة مخصوصة من الرواة وحملة الأحاديث( ).
الصيغة الرابعة: قد جاءت بهذا النص: (إذا أردت حديثاً فعليك بهذا الجالس) مشيراً إلى زرارة( ).
الصيغة الخامسة: قد جاءت بهذا النص: (ما يمنعك من محمد بن مسلم الثقفي فإنه قد سمع من أبي أحاديث وكان عنده وجيهاً)( ).
الصيغة السادسة: قد جاءت بهذا النص: (ممن أخذ معا لم ديني من زكريا بن أدم القمي المأمون على الدين والدينا)( ).
الصيغة السابعة: قد جاءت بهذا النص: في حق أبان بن تغلب، (فإنه قد سمع مني حديثاً كثيراً فما رواه لك فاروه عني)( )، وغير ذلك من الموارد.
وتقريب الاستدلال بها ان هذه المجموعة من الروايات التي جاءت بصيغ مختلفة وان كانت تتضمن الاحالة على أفراد خاصة من رواة الأحاديث وحملتها من أصحاب الأئمة?، إلا أنه من غير المحتمل ان يكون ملاك حجية أخبار هؤلاء موضوعية أشخاصهم خاصة وبقطع النظر عن الاوصاف الطارئة عليهم، كما انه من غير المحتمل ان يكون ملاك حجيتها كون هؤلاء من أصحاب الأئمة?، بل ملاك حجية أخبارهم بمناسبة الحكم والموضوع الارتكازية صفة أمانتهم ووثاقتهم وأنهم من حفظة الدين.
وعلى هذا فحجية الأخبار تدور مدار ملاكها سعة وضيقاً، فإذا كان الراوي ثقة واميناً فروايته حجة وان لم يكن من أصحاب الأئمة?، بل وان لم يكن أمامياً، لان المعيار إنما هو بكون الراوي ثقة وامينا وحافظاً للدين، هذا.
وللمناقشة في هذا التقريب مجال، وذلك لان توصيف الإمام? هؤلاء الرواة المعدودين مباشرة باوصاف تليق تلك الأوصاف بالأئمة الأطهار?. بل هي من أوصافهم، لأنهم حفظة الدين وأمناء الله على حلاله وحرامه واقعاً، يدل على أنهم في أرقى وأعلى مرتبة الأمانة والوثاقة، فإنهم في هذه الأوصاف يكونوا التالي تلو الإمام?.
وعلى هذا فحجية اخبار هؤلاء لا تستلزم حجية اخبار مطلق الثقة، لان ملاك الحجية أقصى وأعلى مرتبة الوثاقة والأمانة لا مطلق مراتبها.
والخلاصة: ان هذه المجموعة من الروايات تدل على حجية اخبار هؤلاء الأفراد المعينة في الخارج، على اساس أنهم في أعلى مرتبة الوثاقة والأمانة، ولا تدل على حجية اخبار الثقة مطلقاً وبنحو القضية الحقيقية، والتعدي من مواردها إلى سائر الموارد، لا يمكن لعدم احراز الملاك فيها.
وأما بلوغ هذه المجموعة حد التواتر المعنوي فهو غير بعيد، والقدر المتيقن منها حجية قول من يكون في أعلى مرتبة الوثاقة والأمانة، لان المستفاد من هذه المجموعة أن الإمام? اعتبر قول من يكون اميناً واقعاً وحافظاً للدين وثقة كذلك، ولا يستفاد منها أكثر من ذلك، إذ فرق بين توصيف الإمام? الشخص بانه أمين وثقة ومن حفظة الدين وبين توصيف غيره، فإنه على الأول متصف بهذا الوصف واقعاً وعلى الثاني ظاهراً.
ومن الواضح انه لاملازمة بين حجية قول الثقة والأمين الواقعي وحجية قول الثقة والأمين الظاهري.
المجموعة الثالثة: وهي الروايات التي تنص على اهتمام الإمام بنقل الأحاديث والروايات وترغيب الناس إليه بشكل عام أو خاص.
والأول كقوله? (أعرفوا منازل الرجال بقدر رواياتهم عنا)( ).
والثاني كقوله? (يا جميل ارو هذا الحديث لاخوانك)( ) وغير ذلك. وتقريب الاستدلال بها ان الطائفة الاولى منها تدل على حجية خبر الواحد، بقرينة أنه لو لم يكن نقله حجة ومثبتاً لقول المعصوم?، لم يكن موجباً لسمو منزلة الناقل ورفع مقامه وشأنه، حيث ان وجوده وعدمه حينئذٍ على حد سواء، غاية الأمر نقيد إطلاقها باعتبار الوثاقة فيه.
والطائفة الثانية منها، تدل على ان حجية قول الجميل إنما هي من جهة أنه ثقة، ضرورة أنه لا يحتمل ان تكون لشخص الجميل خصوصية ولها دخل في حجية خبره، فإذن تدل هذه المجموعة على حجية اخبار الثقة.
والجواب: أولاً أن هذه المجموعة بنفسها لا تبلغ من الكثرة حد التواتر الاجمالي، وعليه فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد هذا من جانب، ومن جانب آخر ان هذه المجموعة ليست أخص من جميع المجموعات مضموناً حتى تكون حجة من باب القدر المتيقن.
وثانياً: أنها لا تدل على حجية خبر الواحد.
أما الطائفة الأولى، فلان اهتمام الأمام? بنقل الاحاديث والروايات وترغيب الناس به لا يدل على انه حجة مطلقاً وان لم يحصل العلم منه، إذ من المحتمل قوياً ان يكون الدافع من وراء ذلك نشر الروايات والأحاديث بين الناس لكي يحصل لهم الوثوق والإطمئنان أو العلم بها، ومع هذا الاحتمال فلا ظهور لها في حجية خبر الواحد مطلقاً وتعبداً.
وأما الطائفة الثانية، فلان أمر الإمام الشخص المعين بنقل الاحاديث والروايات، يدل على انه? يعلم بأنه لا يكذب أصلاً وانه في أعلى مرتبة الوثاقة والإمانة والتقوى ولا أقل من احتمال ذلك، فإذن لا يمكن التعدي عن مورده إلى سائر الموارد والحكم بحجية خبر الثقة مطلقاً، لاحتمال ان الخصوصية المذكورة دخيلة في حجية خبره وهي غير متوفرة في غيره، ومع هذا الاحتمال لا يمكن التعدي.
المجوعة الرابعة: وهي الروايات التي تدل على اهتمام الأئمة الاطهار? بكتابة الأحاديث والروايات وحفظها وتدوينها وترغيب الناس بها، وقد ورد في بعضها (اكتب وبث علمك في إخوانك فإن مت فاورث كتبك بنيك، فإنه يأتي على الناس زمان هرج لا يأنسون فيه إلا بكتبهم)( ).
وقد جاء في بعضها الآخر <اكتبوا فإنكم لا تحفظون حتى تكتبوا> وفي ثالث احتفظوا بكتبكم فإنكم سوف تحتاجون إليها( ) وغيرها.
وتقريب الاستدلال بها أن أمر الإمام? بكتابة الأحاديث والروايات وحفظها والاهتام بذلك، يكشف عن أنها حجة وإلا فلا مبرر للإهتمام بكتابتها وحفظها.
والجواب: أولاً أنها أخبار احاد، فلا يمكن الإستدلال بها على حجية خير الواحد هذا من جانب.
ومن جانب آخر ان هذه المجموعة ليست أخص مضموناً من سائر المجموعات حتى تكون حجة من باب القدر المتيقن.
وثانياً: أنها لا تدل على حجية أخبار الاحاد تعبداً، إذ لا إطلاق لها من هذه الناحية، والقدر المتيقين منها هو كتابة الأحاديث والروايات الواصلة من الأئمة الأطهار? لا مطلق الأحاديث، ومع الإغماض عن ذلك وتسليم أنها مطلقة ولكن من المحتمل قوياً ان يكون الهدف من وراء الأمر بالكتابة والاهتمام بها المحافظة عليها وعدم إندراسها، لا أن كل فرد من هذه الأحاديث حجة تعبداً، فلا ملازمة بين كتابة الأحاديث ووجوب حفظها وبين وجوب قبولها تعبداً، لانها بحاجة إلى دليل والروايات المتقدمة لا تدل عليه.
هذا اضافة إلى ان حفظ الأحاديث والروايات وآثار الأئمة الأطهار? وكتابتها أمر حسن في نفسه ومحبوب وليس بواجب قطعاً على كل فرد.
ومن هنا لا شبهة في حسن حفظ الأدعية والزيارات سواء أكان لها سند معتبر أم لا، لان حفظها برجاء أنها صادرة في الواقع من الإمام? حسن ومحبوب، وما نحن فيه كذلك هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى أنا لو سلمنا أن حفظ الروايات وكتابتها واجب، إلا أن هذا الوجوب لا يكون وجوباً نفسياً ولا غيرياً ولا طريقياً، أما الأول فواضح، وأما الثالث فلان الوجوب الطريقي اما أن يكون متمثلاً في وجوب الإحتياط في الشبهات الحكمية أو يكون كاشفاً عن حجية الروايات، وهذا لا ينسجم مع لسان هذه الروايات الامرة بكتابة الأحاديث وحفظها، لان هذا اللسان ظاهر في ان المطلوب كتابة أحاديث الأئمة الأطهار? وحفظها بغاية عدم إندراسها، ولا يكون ظاهراً في إيجاب الاحتياط في مواردها ولا في حجيتها تعبداً بل لا أشعار فيها على ذلك فضلاً عن الدلالة، فإذن لا محالة يكون هذا الأمر أمراً ارشادياً، فاما أن يكون ارشاداً إلى التحفظ بها بمقتضى العلم الإجمالي بصدور جملة كثيرة منها عن المعصومين? أو إلى حجيتها عند العقلاء ولا ظهور لها في الثاني.
فالنتيجة: أنه لا يمكن الاستدلال بهذه المجموعة على حجية خبر الواحد لامن جهة السند، لانه ليس بقطعي ولا من جهة الدلالة.
المجموعة الخامسة: هي الروايات التي تدل على حجية اخبار الثقة، وعمدة هذه المجموعة صحيحة الحميري، (قال اجتمعت أنا والشيخ أبو عمر وعثمان بن سعيد? عند أحمد بن إسحاق، فغمزني أحمد بن إسحاق أن أسأله عن الخلف أي الحجة(عج)، فقلت يا أبا عمرو اني اريد ان اسئلك عن شيء وما أنا بشاك فيما اريد ان اسئلك عنه، فإن اعتقادي وديني ان الأرض لا تخلو عن حجة إلا إذا كان، إلى ان قال: ولكني احببت ان ازداد يقيناً، وأن إبراهيم سئل ربه عزّ وجلّ ان يريه كيف يحيي الموتي، قال أو لم تؤمن قال بلى ولكن ليطمئن قلبي).
وقد أخبرني أبو على أحمد بن إسحاق عن أبي الحسن? (قال سألته قلت من اعامل أو عمن اخذ وقول من أقبل، فقال له العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي وما قال لك عني فعني يقول فاسمع له واطع فإنه الثقة المأمون) وأخبرني أبو علي انه سئل أبا محمد عن مثل ذلك (فقال له العمري وابنه ثقتان فما اديا إليك عني فعني يؤديان وما قالا لك فعني يقولان فاسمع لهما واطعهما فهما ثقتان المأمومان فهذا قول إمامين قد مضيا فيك) الخ( ).
يقع الكلام في هذه الرواية تارة في سندها واخرى في دلالتها.
أما الكلام في الأول فهي صحيحة اعلائية من جهتين:
الجهة الأولى: أن كل واحد من رواتها يكون مذكّاً بأكثر من عدلين، فالرواي الأول الكليني? ولا إشكال في عدالته ووثاقته ودقته في الاحاديث وجلالة قدره وانه في أعلى مرتبة العدالة، كما إنه لا اشكال في كتابه الكافي فإنه قد وصل إلينا بالتواتر.
والراوي الثاني الذي يروي الكليني عنه شخصان: أحدهما: محمد بن عبدالله الحميري وهو جليل القدر، وقد اتفق الأصحاب على عدالته ووثاقته وأمانته ومكانته وله مراسلات مع الإمام?، والآخر محمد بن يحيى العطار، وهو شيخ القميين ووجههم وهو ثقة جليل القدر والمنزلة عند الأصحاب، والراوي الثالث، عبدالله بن جعفر الحميري الذي هو من أجلاء الطائفة وجليل القدر والمنزلة، وكان شديد الضبط والحساسية في الروايات بدرجة لا يروي عمن يروي عن الضعفاء.
الجهة الثانية: قلة الواسطة بين الكليني? والإمام?، وقد وصلت إلى الكليني من الإمام? بواسطتين فقط، فمن أجل توفرهاتين الجهتين فيها يحصل الإطمئنان بصدورها عن المعصوم?، وعليه فتكون الرواية بحكم الرواية المتواترة، فلا مانع من الاستدلال بها على حجية خبر الواحد الثقة هذا.
ولكن توفر الجهتين المكذورتين في الرواية لا يجعلها قطعية بل ولا اطمئنانية عادة، نعم قد يحصل لشخص الاطمئنان بصدورها لاسباب ذاتية، ولكن لا يمكن ان يجعل ذلك ضابطاً كلياً.
فالنتيجة: أنه لا يمكن الاستدلال بها على حجية اخبار الثقة.
وأما الكلام في الثاني، فالصحيحة تدل على حجية خبر الثقة بفقرتين:
الأولى: قوله? العمري ثقتي فما أدى إليك عني فعني يؤدي وما قال لك فعني يقول فاسمع له واطع فإنه الثقة المأمون.
الثانية: قوله? العمري وابنه ثقتان فما أديا إليك عني فعني يؤديان وما قالا لك عني فعني يقولان فاسمع لهما واطع فإنهما ثقتان المأمومان.
وهاتان الفقرتان مشتركتان في المعنى والمضمون وهو حجية خبر الثقة المأمون.
ثم أن الأمر بالسماع والاطاعة فيهما، هل هو أمر طريقي أو ارشادي، وأما احتمال انه نفسي أو غيري، فهو غير محتمل.
وعلى هذا فعلى الأول يكون مفاده جعل الحجية تأسيساً لخبر العمري وابنه ومن كان بدرجتهما من الوثاقة والأمانة لا مطلقاً.
وعلى الثاني يكون مفادها الارشاد إلى ما هو عليه بناء العقلاء والمرتكز لديهم وهو حجية اخبار الثقة مطلقاً وان لم تكن وثاقته وأمانته بدرجة وثاقة العمري وأمانته، على أساس ان بناء العقلاء على حجية اخبار الثقة مطلقاً وان كانت وثاقته ظاهرية وبمرتبة دون مرتبة وثاقة العمري وابنه، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى، هل هذا الأمر ظاهر في الأرشاد أو في الطريقية، فيه وجهان، الظاهر هو الأول، بقرينة تعليل الأمر بالإطاعة والسماع بالوثاقة والإمانة، وهذا التعليل يدل على ان الإمام? في مقام تطبيق الكبرى على الصغرى، بمعنى ان سماع قول الثقة وإطاعته فيه أمر مفروغ عنه لدى العقلاء، والعمري حيث انه ثقة، يكون قوله حجة ومطاعاً ومسموعاً، ولا يقاس هذه المجموعة بالمجموعة الثانية، فإنها تدل على حجية قول هؤلاء الرواة المعينين في الخارج بنحو القضية الخارجية بدون تعليل حجية قولهم بالوثاقة والإمانة، وأما في هذه المجموعة فقد جعل حجية قول العمري وابنه متفرعة على وثاقتهما وأمانتهما، وهذا التفريع يدل على أن المقام من تطبيق الكبرى وهي حجية خبر الثقة على الصغرى وهي قول العمري وابنه، باعتبار إنهما ثقتان مأمونان، فإذن تدل هذه المجموعة على ان الكبرى مسلمة وهي حجية خبر الثقة، والإمام? كان بصدد تطبيق هذه الكبرى على الصغرى في المقام.
ونظيرها صحيحة محمد بن عيسى عن الرضا?: <قال قلت لأبي الحسن? جعلت فداك إني لا أكاد أصل إليك اسئلك عن كل ما احتاج إليه من معالم ديني افيونس بن عبدالرحمن ثقة اخذ عنه ما أحتاج إليه من معالم ديني، فقال?نعم>( ) حيث ان السؤال فيها عن وثاقة يونس لاعن حجية خبره، فيدل هذا السؤال على ان الكبرى مسلمة وهي حجية خبر الثقة، فإذا ثبتت الصغرى وهي وثاقة يونس، انطبقت الكبرى عليها. فالنتيجة: حجية خبر يونس هذا.
ولكن لا يخفى ان الأمر المذكور في هذه المجموعة إذا كان ارشادياً، فلا يصح الاستدلال بها على حجية اخبار الثقة، لأن مفادها حينئذٍ ارشاد إلى أن حجية اخبار الثقة ثابتة بالسيرة العقلائية الممضاة شرعاً في المرتبة السابقة، وهذه المجموعة من الروايات في مقام تحقيق الصغرى لهذه الكبرى وليست في مقام تأسيس الكبرى وهي حجية اخبار الثقة. هذا اضافة على أنها اخبار الاحاد فلا يمكن الاستدلال بها على حجية خبر الواحد، لانه من الاستدلال على حجية خبر الواحد بخبر الواحد وهو مصادرة.
وأما المقدمة الثالثة: فقد ظهر مما تقدم أن اخص هذه المجموعات من الروايات مضموناً المجموعة الثانية، فإنها متضمنة لتمام خصوصيات سائر المجموعات، ولكن قد مر انه لا يمكن التعدي عن موردها إلى سائر الموارد.
إلى هنا قد وصلنا إلى هذه النتيجة وهي انه لا يمكن الاستدلال على حجية خبر الواحد بالسنة بمختلف مجموعاتها، لان تواترها لفظاً غير ثابت، وأما اجمالاً بأن يكون بينها قدر متيقن يكون واجداً لجميع القيود المأخودة في الكل وان كان موجوداً كالخبر الصحيح الاعلائي، إلا أنه لا يدل إلا على حجية الخبر الصحيح الأعلائي، ولا يوجد في هذا الصنف خبر يدل على حجية خبر الثقة مطلقاً، ولهذا لا يمكن إثبات حجية خبر الثقة بالسنة كما انه لا يمكن إثبات حجيته بالآيات.


الاستدلال بالإجماع
قد يستدل على حجية خبر الواحد بالإجماع، ونقصد بالاجماع الأعم من الاجماع القولي والإجماع العملي.
أما الأول، فلا يمكن الاستدلال على حجية خبر الواحد بالإجماع المنقول، إذ لا دليل على حجيته إلا أدلة حجية خبر الواحد، فإذن كيف يمكن الإستدلال به على حجيته لانه مصادرة.
وأما الاجماع المحصل القطعي، فلا طريق لنا إلى إحرازه في شيء من المسائل الفقهية فضلاً عن هذه المسألة، إذ معنى الإجماع المحصل هو إحرازه من زمن الأئمة? إلى زماننا هذا في جميع الطبقات بشكل قاطع، ولا طريق لنا إلى ذلك لا في هذه المسألة ولا في سائر المسائل على تفصيل ذكرناه في الفقه، ومن هنا قلنا إنه لا يمكن الاعتماد على الإجماع في شيء من المسائل الفقهية.
وأما الثاني وهو الاجماع العملي، فإن أريد به عمل الفقهاء بالمسألة فلا أثر له، إلا إذا كان كاشفاً عن امضاء الشارع، ومن الواضح إنه لا يمكن ان يكون كاشفاً إلا إذا احرزنا اتصاله بزمن المعصوم? وانه وصل إليهم يداً بيد وطبقة بعد طبقة ولا طريق لنا إلى إحراز ذلك، وان اريد به سيرة المتشرعة المتمثلة في سيرة أصحاب الأئمة? والتابعين لهم، فيتوقف الاستدلال بها على حجيه خبر الواحد إحراز هذه السيرة من زمن الأئمة? ووصولها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة بشكل قطعي وإلا فلا اثر لها.
وقد استدل على إثباتها بعدة طرق:
الطريق الأول: الروايات المتقدمة التي جاءت بعناوين مختلفة وبالسنة متعددة، فإنها تدل على اهتمام أصحاب الأئمة? وعلماء الطائفة بها في مقام العمل.
ومن الطبيعي انه من غير المحتمل عادة أنهم لا يعملون بها إلا إذا كانت قطعية بالتواتر أو بالقرائن الخارجية، فإذن لا محالة كانوا يعملون بأخبار الاحاد لا مطلقاً بل فيما إذا كانت رواتها من الثقات، لوضوح أنهم لا يعملون بأخبار الوضاعين ولا باخبار المجهولين أحوالهم، فالقدر المتيقن أنهم كانوا يعملون بأخبار الثقات مطلقاً، وسيرتهم جارية على العمل بها في المسائل الفقهية كافة.
فالنتيجة: ان اهتمام أصحاب الأئمة? بالروايات والعمل بها وكذلك علماء الطائفة من المتقدمين والمتأخرين، يكشف عن وجود هذه السيرة بين أصحاب الأئمة? ووصولها إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة.
وغير خفي ان مجموع هذه الروايات من حيث المجموع وان دلت على وجود هذه السيرة بين اصحاب الأئمة? والتابعين لهم، إلا أنها لا تدل على أن هذه السيرة هي سيرة المتشرعة الحادثة بعد زمن التشريع، بل أنها تدل على أن هذه السيرة هي سيرة العقلاء الممضاة شرعاً.
الطريق الثاني: أن الفقهاء الإمامية كافة كانوا قد عملوا باخبار الثقة في جميع أبواب الفقه ولا يحتمل أن يكون عملهم بها جزافاً وبلا مبرر، وإحتمال أن يكون المدرك لعملهم بها السنة القطعية الواصلة اليهم غير محتمل، إذ لو كان الأمر كذلك لاشاروا إليها في كتبهم مع إنه لا عين لها ولا أثر، فإذن بطبيعة الحال يكون المدرك لهم وصول سيرة أصحاب الأئمة? إليهم طبقة بعد طبقة هذا.
وللمناقشة في هذا الطريق مجال، لأنه إنما يتم في فرض توفر أمرين:
الأول: أن لا يكون بين الفقهاء المتقدمين خلاف في وجه العمل باخبار الاحاد، بان يكون سبب عملهم بها كونها أخبار ثقة لا غير.
الثاني: أن لا يحتمل ان يكون مدرك عملهم بها أحد الأدلة المتقدمة من الكتاب أو السنة أو الاجماع، ولكن كلا الأمرين غير متوفر في المقام.
أما الأمر الأول فلان جماعة من القدماء كانوا يعملون بالأخبار بملاك أنها قطعية سنداً لا بملاك أنها أخبار احاد كالسيد المرتضى وغيره، ومنهم من يعمل بمطلق الأخبار الإمامية وهكذا.
وأما الأمر الثاني: فمن المطمئن به أن مدرك عملهم بالاخبار، اما الأدلة المتقدمة أو السيرة العقلائية، فليس وجه عملهم بها كونها اخبار الثقة فحسب.
فالنتيجة: ان هذا الطريق أيضاً غير تام.
الطريق الثالث: إنا نعلم من الخارج ان سيره أصحاب الأئمة? قد جرت على العمل بأخبار الثقة، على أساس أن كل فرد من المكلف لا يتمكن من الوصول إلى الرسول الأكرم? أو أحد الأئمة الأطهار? وأخذ معالم دينه منه مباشرة، فإن ذلك غير ميسور لكل فرد من أفراد أهل المدينة المنورة فضلاً عما إذا كان في سائر البلدان الإسلامية.
وغير خفي ان هذا الطريق وان كان صحيحاً ولا شبهة فيه، إلا أنه لا يكشف عن وجود سيرة متشرعة على العمل بها بين الأصحاب والتابعين، بل هو يكشف عن وجود سيرة للعقلاء على العمل بها المرتكزة في الأذهان الممضاة شرعاً منذ زمن التشريع.
والخلاصة: أن الفرق بين السيرة المتشرعية والسيرة العقلائية هو ان الاولى مستندة إلى الشرع، بينما السيرة العقلائية مستندة إلى ما هو المرتكز والثابت في أعماق النفوس أو على النكتة العقلائية، وعمل الأصحاب والتابعين بالاخبار الثقة منذ عهد التشريع إنما هو من جهة سيرة العقلاء الممضاة شرعاً.
فالنتيجه: أنه لا يمكن إثبات حجية خبر الثقة بسيرة المتشرعة.

الاستدلال بسيرة العقلاء على حجية أخبار الاحاد
لا شبهة في أن سيرة العقلاء قد جرت على العمل باخبار الثقة في الأحكام المولوية التشريعية بين الموالى والعبيد أعم من الموالي الحقيقية والعرفية، وهذه السيرة ثابتة بينهم قبل التشريع ومستمرة بعد التشريع أيضاً.
وحيث ان سيرتهم على العمل باخبار الثقة دون غيرها لا يمكن ان يكون جزافاً وبلا ملاك مبرر، فبطبيعة الحال يكون هناك مبرر له، هذا من ناحية.
ومن ناحية أخرى ان الإنسان بحكم علاقته مع الآخرين سواء كانت العلاقة على مستوى العلاقة بين المولى والعبيد أم كانت على مستوى العلاقة مع المجتمع، لا يمكن ان يعمل في كافة ميادين هذه العلاقة بالعلم الوجداني، ضرورة أنه لا يفي لاشباع حاجة الإنسان في تمام تلك الميادين.
ونتيجة هاتين الناحيتين تتطلب العمل بالامارات المفيدة للظن، وحيث ان العمل بقسم منها يكفي لاشباع الحاجه، فلهذا قد بنى العقلاء على العمل باخبار الثقة في كافة الميادين، إلا فيما إذا كان المطلوب فيها إثبات الواقع بالعلم الوجداني دون أخبار غيرها، والنكتة المبررة لهذه التفرقة في بناء العقلاء هي أن أخبار الثقة أقرب إلى الواقع من أخبار غيرها نوعاً، ولذلك جرت سيرتهم على العمل بها دون الثانية.
وان شئت قلت ان كل خبر محفوف بامرين مضعفين:
الأول: إحتمال تعمد الكذب.
الثاني: إحتمال الخطأ والاشتباه.
وعلى هذا الأساس، فإذا كان الراوي ثقة، كان فاقداً للمضعف الأولى وهو احتمال تعمد الكذب، لانه منتفي في خبر الثقة بملاك وثاقة المخبر.
وأما الثاني، وهو احتمال الخطأ والاشتباه، فهو مدفوع بالاصل العقلائي وهو أصالة عدم الغفلة والخطأ، فلذلك بنى العقلاء على العمل باخبار الثقة دون أخبار غيرها.
وهذه السيرة مستمرة إلى ما بعد عهد التشريع، لان الناس يعملون باخبار الثقة بعد التشريع بما هم عقلاء لا بما هم متشرعة، فلو كانت هذه السيرة مخالفة للأغراض الشرعية، فبطبيعة الحال كان يصدر من النبي الأكرم? الردع عنها بشكل صريح ويؤكد عليه في كل مناسبة ومجلس حتى يردع الناس عن العمل بهذه السيرة المرتكزة في أذهانهم كالتقاليد الثابتة فيها، إذ منع الناس عن العمل بها لا يمكن إلا بقلع هذا الارتكاز عن أنفسهم.
ومن الواضح ان ذلك بحاجة إلى إصدار نصوص واضحة وصريحة في كل مناسبة في فترة من الزمن ولا يمكن المنع عنها بإصدار نص واحد، وحيث إنه لم يرد من النبي الأكرم? الردع عنها كذلك، فإنه يكشف عن أنها موافقة لاغراضه الشرعية وممضاة من قبل الشارع، إذ يكفي في الإمضاء عدم ورود الردع عنها.

تنبيهات على السيرة
التنبيه على عدة نقاط
النقطة الاولى: أن السيرة العقلائية تفترق عن السيرة المتشرعية في نقطة وهي ان السيرة العقلائية ناشئة عن أحد الملاكين.
الملاك الاول: المرتكزات العقلائية الثابتة في أعماق نفوس الناس وموافقة للفطرة والجبلة.
الملاك الثاني: المصالح العامة العقلائية النوعية، بينما السيرة المتشرعية ناشئة من الشرع ومعلولة له ولا منشأ لها غيره.
النقطة الثانية: ان السيرة الحادثة بين الناس بعد عهد التشريع على شيء سواء أكانت عقلائية أم متشرعية، فلا طريق لنا على أنها ثابتة في عهد التشريع، وقد وصلت من هذا العهد إلينا يداً بيد وطبقة بعد طبقة، كما أنه ليس بامكاننا إثبات امضائها شرعاً إلا إذا كانت هناك قرائن وعوامل اخرى تكشف عن الامضاء.
ومن هذا القبيل حق التأليف والنشر، فإن بناء العقلاء وان كان على هذا الحق، إلا أن هذا البناء لما كان مستحدثاً بينهم وفي زمن متأخر عن عهد التشريع، فلا يمكن إثبات امضائه شرعاً حتى يثبت شرعية هذا الحق، نعم لو كان منشأ هذه السيرة المستحدثة الارتكاز العقلائي الثابت في أعماق النفوس الموافق للفطرة والجبلة ولم تكن هناك عوامل سلبية مانعة عن الامضاء، كان بالإمكان كشف إمضائها شرعاً، على أساس أن الشارع لم يردع عن الارتكاز المذكور، وعدم الردع عنها امضاء لها.
وان شئت قلت ان بناء العقلاء على شيء الناشيء من العوامل الارتكازية، تارة يكون منذ عهد التشريع واخرى يكون متاخراً عنه، باعتبار ان الشيء الذي بنى عليه العقلاء لم يكن موجوداً في عهده التشريع وإنما وجد بعده وفي زمن متأخر، وعلى كلا التقديرين فهذا البناء التقديري ممضاة، شرعاً سواء أكان موجوداً في عهد التشريع أم لا، لان المعيار في الإمضاء الشرعي إنما هو بوجود العوامل الإرتكازية في النفس، فإنها تتطلب البناء على شيء سواء أكان ذلك الشيء في عصر التشريع أم كان متأخراً عنه، والنكتة في ذلك هي أن العوامل الارتكازية الثابتة في أعماق نفوس الناس لو كانت خطراً على الأغراض الشرعية، على أساس أنها تؤثر في سلوكهم ومواقفهم العملي ضد الإسلام، لكان على الشارع الردع عنها وعدم ترتيب الأثر على طبقها ولو في المستقبل، وسكوت الشارع وعدم المنع عن العمل والتحرك على طبق هذه العوامل، يكفي في رضاء الشارع بالعمل على وفقها والتحرك نحوها، وهذا امضاء من الشارع لتلك العوامل الارتكازية والتحرك على وفقها.
وأما بناء العقلاء على حق التأليف والنشر وما شاكلهما، فهو غير ناشيء من العوامل الارتكازية الثابتة في أعماق نفوس الإنسان، بل هو ناشيء عن المصالح الخاصة والحقوق المالية لدى العقلاء، ولا طريق لنا إلى أن الشارع قد اعترف بهذا الحق، لان الثابت في الشريعة المقدسة إنما هو اعتراف الشارع بحقية كل فرد نتيجة عمله وجهده في الخارج أو ملكيته لها.
ومن الواضح ان نتيجة عمل المؤلف وجهده واثره التأليف وهو انتساب معنوي غير قابل للتصرف والنقل والانتقال.
وأما نشر الكتاب أو المجلة أو غير ذلك، فهو ليس متعلقاً لحق المؤلف شرعاً، فيجوز لكل من ملك الكتاب أو المجلة أو غير ذلك بالشراء أو الهدية أن يقوم بنشره، لانه ملكه وله ان يتصرف فيه ما شاء وأراد.
وأما كونه ملكاً للمؤلف، فهو بحاجة إلى دليل ولا دليل عليه لا الخاص ولا العام، لان مقتضى القاعدة عدم كونه ملكاً له، باعتبار أنه ليس نتيجة عمله وجهده.
وبكلمة أن الإسلام إنما اعترف بملكية كل فرد نتيجة عمله وجهده، لان العمل هو المصدر الاساسي للحق أو الملك، فإذا قام شخص باحياء الأرض، ملك نتيجة عمله وجهده وهو أحياء الأرض، وإذا قام بحيازة الثروات الطبيعية، ملك منها نتيجة جهده وعمله وهو المقدار الذي حازه وجعله في حوزته، ولا يملك بالاستيلاء والسيطرة على الأراضي الواسعة والثروات الطبيعية بالقوة بدون بذل أي جهد وعمل في سبيل ذلك ولا يعترف الإسلام بهذا.
فالنتيجة: ان النشر حيث انه ليس نتيجة عمل المؤلف وجهده، فلا يكون حقاً له شرعاً، لان الإسلام لا يعترف بذلك إلا بما إذا كان نتيجة عمله مباشرة، وتمام الكلام في محله فراجع.
النقطة الثالثة: ان السيرة إذا كانت معاصرة لعهد الأئمة?، فإن كانت متشرعية، فلا معنى للبحث عن أنها ممضاة أو مردوعة، لان السيرة المتشرعية بنفسها مستندة إلى الشرع ومعلولة له، ومعها لا موضوع للبحث عن امضائها الشرعي لاستلزامه الخلف والتهافت، وان كانت عقلائية كان للبحث عن أنها ممضاة أو لا مجال، بإعتبار أنها لا تخلو من ان تكون مستندة إلى العوامل الارتكازية الثابتة في أعماق النفوس أو إلى المصالح والجهات الاخرى.
وعلى كلا التقديرين، فإتصافها بالحجية شرعاً يتوقف على امضاء الشارع لها، فإذا امضاها الشارع، تحولت من السيرة العقلائية البحتة إلى السيرة المتشرعية.
النقطة الرابعة: ان السيرة العقلائية المعاصرة لعهد التشريع إذا كانت على خلاف المصالح الشرعية بحيث يكون بقاؤها خطراً على الأغراض الشرعية، فلا محالة يقوم الشارع بردعها، ولكن حيث ان هذه السيرة مرتكزة في الاذهان ومستقرة فيها، فلا يتحقق غرض الشارع بالردع عنها مرة واحدة وفي مجلس واحد، لان إزالة هذا الإرتكاز عن أذهان الناس بحاجة إلى التاكيد على الردع عنها وبيان مفاسدها وتكراره من مجلس إلى مجلس آخر ومن مناسبة إلى مناسبة اخرى حتى يتمكن من قلع جذورها عن أذهان الناس وتزويدها بالعوامل الاخرى التي تتطلب الحفاظ على المصالح الشرعية وأغراضها.
ومن هنا يكون الردع عنها ملازماً لوصوله إلينا، فإن الردع عنها لا يمكن إلا بشيوعه بين الناس واشتهاره.
ومن الطبيعي ان شيوعه بين الناس واشتهاره ملازم لوصوله إلينا يداً بيد. وعلى هذا فإذا لم يصل الردع عنها إلينا، نجزم بعدمه في الواقع.
النقطة الخامسة: أن السيرة لا تكون منجزة ومعذرة إلا باحراز امضائها شرعاً بنحو الجزم لكي يعلم بحجيتها، ومن المعلوم ان العلم بها لا يمكن إلا باحراز عدم الردع عنها جزماً.
ومن هنا يظهر ان ما ذكره المحقق الاصفهاني? من انه يكفي في حجيتها عدم إحراز الردع عنها لا تتوقف على احراز عدم الردع( )، لا يمكن المساعدة عليه، لان مرد ما ذكره? إلى أن الشك في حجية السيرة من جهة الشك في ردعها، لا يمنع من ترتيب آثار الحجية عليها وهو كما ترى، لانه ينافي ما بنى عليه? وكذلك غيره من ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.
شبهة رادعية الآيات الناهية عن السيرة
شبهة رادعية الآيات الناهية عن السيرة
هل ان الآية الناهية عن العمل بالظن، كقوله تعالى: ?إَنَّ الظَّنَّ لاَ يُغْنِي مِنَ الْحَقِّ شَيْئًا?( )، وقوله تعالى: ?وَلاَ تَقْفُ مَا لَيْسَ لَكَ بِهِ عِلْمٌ?( ) وغيرها رادعة عن السيرة أو لا؟
والجواب: قد يقال كما قيل إنها رادعة عنها، بتقريب ان هذه الآيات بإطلاقها تشمل اخبار الاحاد وان كانت اخبار ثقة، ومقتضى إطلاق مدلولها عدم جواز العمل بأخبار الاحاد وان كانت من الثقات، ولذلك تكون رادعة عن السيرة التي يكون مدلولها جواز العمل بأخبار الثقة وحجيتها.
ومن الواضح أن السيرة إنما تكون حجة إذا كانت كاشفة عن إمضائها شرعاً، ومع وجود تلك الآيات لا يمكن أن تكون كاشفة عنه.
وان شئت قلت، ان الآيات الناهية تدل على عدم جواز العمل بأخبار الأحاد مطلقاً وان كانت من الثقات بالمطابقة وعلى ردع السيرة بالالتزام.
وقد اجيب عن هذه الشبهة بعدة وجوه:
الوجه الأول: أجاب مدرسة المحقق النائيني? عن تلك الشبهة، بأن السيرة حاكمة على الآيات الناهية ورافعة لموضوعها تعبداً، بتقريب ان مفاد السيرة حجية خبر الثقة، ومعنى الحجية عندهم الطريقية والعلم التعبدي، فإذا جعل الشارع خبر الثقة علماً تعبدياً، كان رافعاً لموضوع الآيات الناهية، لان موضوعها الظن والمفروض ان خبر الثقة علم، فإذا كان علماً تعبداً، كان خارجاً عن موضوع الآيات، وهذا معنى حكومة السيرة عليها، فإذن لا تصلح الآيات ان تكون رادعة عن السيرة باعتبار أنها تنتفي عن مورد السيرة بانتفاء موضوعها( ).
وللمناقشة فيه مجال، أما أولاً فلانه مبني على أن يكون المجعول في باب الإمارات الطريقية والعلم التعبدي، ولكن هذه المبنى غير صحيح ثبوتاً واثباتاً.
أما ثبوتاً، فلان الطريقية التكوينية سواء أكانت ظنية أم كانت قطعية، غير قابلة للجعل تشريعاً وإلا لكانت تشريعية لا تكوينية وهذا خلف.
وأما الطريقية الاعتبارية، فهي وان كانت قابلة للجعل والاعتبار، إلا ان معنى جعل خبر الثقة طريقاً تشريعاً وهو جعل آثارها لا جعل نفسها، ضرورة أن جعل نفس الطريقة لاخبار الثقة مجرد لقلقة اللسان، إذ لا تأثير له في طريقية اخبار الثقة لا تكويناً كما هو واضح ولا تشريعاً إلا أن يرجع إلى جعل آثارها وهذا خلف، ولذلك لا يمكن جعل الطريقية والعلمية لأخبار الثقة ثبوتاً، لانه لغو ومجرد لقلقة اللسان.
وأما اثباتاً، فعلى تقدير تسليم امكانه ثبوتاً، فلان السيرة لا تدل على ان المجعول في باب الامارات الطريقية والعلمية، لوضوح ان هذه السيرة سيرة عملية لا لسان لها، وعبارة عن عمل العقلاء بأخبار الثقة دون أخبار غيرها، وهذا العمل حيث انه لا يمكن ان يكون جزافاً وبدون نكتة مبررة له، فالنكتة المبررة له هي ان اخبار الثقة أقوى في الكشف عن الواقع واقرب إليه من غيرها.
ومن الواضح ان هذه الأقوائية والأقربية لها ذاتية لا أنها مجعولة، لما مرمن استحالة تعلق الجعل بها لا تكويناً كما هو واضح ولا تشريعاً.
فالنتيجة: إنه لا يمكن ان يكون المجعول في باب الإمارات الطريقية والعلم التعبدي لا ثبوتاً ولا إثباتاً، فإذن لا موضوع لحكومة السيرة على الآيات الناهية.
وثانياً: مع الاغماض عن ذلك وتسليم ان المجعول في باب الإمارات الطريقية والعلمية، إلا ان حكومة السيرة على الآيات الناهية مبنية على ان يكون مفاد الآيات الناهية حرمة العمل بالظن تكليفاً، وعندئذٍ فتكون السيرة حاكمة عليها ورافعة لموضوعها تعبداً، لأنها تدل على حرمة العمل بشيء على تقدير كونه ظناً، ودليل حجية اخبار الثقة يدل على ان هذا التقدير غير ثابت وان خبر الثقة علم تعبداً وليس بظن، فإذن يكون دليل الحجية كالسيرة رافعاً لموضوع الآيات الناهية تعبداً.
والخلاصة: أن الآيات الناهية تدل على حرمة العمل بالظن على تقدير وجوده، وأما أنه موجود أو غير موجود في الخارج، فالآيات غير ناظرة إليه، وحينئذٍ فإذا كان هناك دليل على ان خبر الثقه ليس بظن فهو لاينافي الآيات، لانه رافع لموضوعها وهي غير ناظرة إلى ثبوته، فلهذا تكون السيرة حاكمة عليها ورافعة لموضوعها تعبداً.
ولكن الأمر ليس كذلك، لان مفاد الآيات الناهية عن العمل بالظن إرشاد إلى حجيته لا أن العمل به محرم تكليفاً.
وعلى هذا فيكون مفاد الآيات في عرض السيرة لا في طولها، لان السيرة تدل على حجية خبر الثقة والآيات تدل على عدم حجيته، فالنفي والاثبات وارد على موضوع واحد بلا تقدم وتأخر بينهما، فإذن لا موضوع لحكومة السيرة على الآيات بل بينهما تعارض، لان السيرة تثبت حجية خبر الثقة والآيات تنفي حجيته، ولا فرق في ذلك بين ان تكون الحجية بمعنى الطريقية والعلم التعبدي أو بمعنى المنجزية والمعذرية أو بمعنى جعل الحكم الظاهري المماثل للحكم الواقعي في صورة المطابقة والمخالف في صورة المخالفة أو بمعنى التنزيل، لان السيرة تدل على حجية خبر الثقة بأي معنى من هذه المعاني كان والآيات تنفيها كذلك.
ودعوى ان سيرة العقلاء لا تصلح ان تكون حاكمة على الآيات ورافعة لموضوعها تعبداً، لان الدليل الحاكم هو الدليل المتصرف في موضوع الدليل المحكوم شرعاً وتعبداً، ولهذا لابد ان يكون الحاكم دليلاً شرعياً، وأما سيرة العقلاء فحيث أنها ليست من قبل الشارع، فلا يكون للعقلاء التصرف في موضوع الدليل الشرعي نفياً أو إثباتاً.
مدفوعة بأن حكومة السيرة على الآيات إنما هي بلحاظ امضائها شرعاً، فالسيرة بعد الإمضاء من قبل الشرع واتصافها بالحجية شرعاً، تكون حاكمة عليها لا بلحاظ نفسها وبما هي سيرة العقلاء.
وثالثاً: مع الاغماض عن ذلك أيضاً وتسليم ان مدلول الآيات الناهية حرمة العمل بالظن تكليفاً، فمع ذلك لا تكون السيرة حاكمة عليها، وذلك لأن المراد من هذه الحرمة الحرمة التشرعية ونقصد بها حرمة استناد العمل على الظن واسناد مؤداه إلى الشارع.
ومن الواضح ان هذه الحرمة معلولة لعدم حجية الظن في المرتبة السابقة، وعلى هذا فالآيات التي تدل على هذه الحرمة بالمطابقة، تدل على عدم حجية الظن بالالتزام، فإذن تكون الآيات بمدلولها الالتزامي تعارض السيرة، لان السيرة تدل على حجية خبر الثقة والآيات بمدلولها الإلتزامي تنفي حجيته وان كانت بمعنى جعل الطريقية والعلمية، فإذن لا موضوع للحكومة، لان موضوع الحكومة إنما هو فيما إذا كان مدلول الآيات في طول مدلول السيرة، والمفروض أنه في عرضه لانهما يردان على موضوع واحد.
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة وهي، ان السيرة لا تصلح ان تكون حاكمة على الآيات الناهية، فإذن لا محاله تقع المعارضة بينهما، فتسقط السيرة عن الاعتبار فلا يمكن احراز إمضائها.
وهنا إشكال أخر على هذه الحكومة، وهو أن حكومة سيرة العقلاء على الآيات الناهية غير متصورة، لأن معنى الحكومة، هي تصرف الدليل الحاكم في موضوع الدليل المحكوم تعبداً، لان التعارض بين الدليلين سواء أكان مستقراً أم لا كما في موارد الجمع الدلالي العرفي، لا يتصور إلا إذا كان كلا الدليلين من مشرع واحد أو بحكم مشرع واحد كالأئمة الأطهار?، وأما إذا كان أحدهما من مشرع والآخر من مشرع آخر، فلا يتصور التعارض والتنافي بينهما، لان كلا منهما صدر من مشرع لا يرتبط أحدهما بالآخر ولا الحكومة بينهما، فالحكومة بين الدليلين تتطلب ان يكون الدليلان من متكلم واحد حقيقة أو حكماً، وإلا فلا يعقل الحكومة كقوله?: <الفقاع خمر استصغره الناس>( )، فإنه حاكم على دليل حرمة شرب الخمر بإعتبار ان كلا الدليلين من متكلم واحد.
وعلى هذا فلا يعقل الحكومة بين سيرة العقلاء والآيات الناهية، لان سيرة العقلاء لا ترتبط بالأدلة الشرعية، ضرورة إنه ليس للعقلاء التصرف في موضوع الأحكام الشرعية سعة أو ضيقاً، لوضوح ان التصرف في الأحكام الشرعية وموضوعاتها سعة أو ضيقاً بيد الشارع وليس للآخر كالعقلاء أي ربط بالأحكام الشرعية أو موضوعاتها.
وبكلمة: أن عمل العقلاء بخبر الثقة لا يعقل ان يكون موجباً لتضييق دائرة موضوع حرمة العمل بالظن وتقييده بغير خبر الثقة، ضرورة أنه ليس بدليل شرعي حتى يقيده، وعندئذٍ فإن اريد بها أن السيرة العقلائية بما هي وبقطع النظر عن امضائها شرعاً حاكمة على الآيات الناهية، فهي غير معقولة، وان اريد بها أنها بإمضاء الشارع لها حاكمة ومتصرفة في موضوع الآيات الناهية، فهو وان كان صحيحاً، إلا أن الكلام بعد في امضاء الشارع لها وأنها ممضاة شرعاً أو لا، ومع وجود هذه الآيات الناهية لا يمكن احراز امضائها شرعاً، ومع عدم احراز الإمضاء لها، يشك في حجيتها، والشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.
والخلاصة: أنا لو سلمنا أن السيرة العقلائية إذا كانت ممضاة شرعاً، كانت حاكمة على الآيات الناهية، إلا أن الكلام في إحراز امضائها، ومع وجود هذه الآيات الناهية لا يمكن استكشاف إمضائها شرعاً بنحو الجزم، لان الشك في إمضائها مساوق للشك في حجيتها، ومع الشك فيها يقطع بعدم حكومتها عليها، لان حكومتها في مرتبة متاخرة عن الإمضاء الشرعي لها، إذ لابد أولاً من إحراز امضائها في المرتبة السابقة ثم الحكم بحكومتها على الآيات الناهية، ولا يمكن إثبات امضائها في المرتبة السابقة مع احتمال ان هذه الآيات رادعة عنها، لان امضائها مسبقاً يتوقف على عدم صلاحية الآيات الناهية للرادعية، وهو يتوقف على حكومة السيرة وهي تتوقف على إثبات امضائها فيلزم الدور، ولهذا لا يمكن إثبات امضائها مع وجود هذه الآيات الناهية وغيرها.
فما ذكره مدرسة المحقق النائيني? من الحكومة غير تامة حتى فيما إذا قلنا ان السيرة إذا كانت ممضاة شرعاً كانت حاكمة عليها ورافعة لموضوعها تعبداً( ) هذا، ولكن تقدم ان هذه السيرة حيث كانت مستقرة في الأذهان وثابتة فيها كالفطرة، فلا يمكن ردعها ورفع اليد عنها وقلع جذورها عن النفس إلا بالنص الصريح والتأكيد عليه في مختلف المناسبات وبيان مفاسدها عملاً وقولاً، ولا يكفي في ردعها إطلاق هذه الآيات وغيرها، مع أن الكلام في أصل دلالتها على ذلك، لوضوح ان الناس يعملون على طبق هذه السيرة المرتكزة في أذهانهم ويتحركون على وفقها كتحركهم على طبق سائر تقاليدهم وعاداتهم المرتكزة بدون التفاتهم إلى أن مثل هذا الإطلاق رادع عنها، وقد تقدم تفصيل ذلك.
الوجه الثاني: ما ذكره المحقق الخراساني? من عدم صلاحية الآيات الناهية للرادعية عن السيرة، وقد افاد? في وجه ذلك أمور:
الأمر الأول: ان رادعية المطلقات كالآيات الناهية مستحيلة لأنها دورية، بتقريب ان رادعية المطلقات من الكتاب والسنة للسيرة تتوقف على عدم كون السيرة مخصصة لها، وإلا فلا تكون رادعة، وعدم كون السيرة مخصصة لها يتوقف على رادعيتها.
فالنتيجة حينئذٍ توقف رادعيتها على رادعيتها وهو مستحيل هذا. ثم أورد على نفسه بأن إثبات حجية خبر الثقة بالسيرة أيضاً دوري، لأن حجية خبر الثقة بالسيرة متوقفة على كونها مخصصة للمطلقات، وتخصيصها لها متوقف على عدم كون المطلقات رادعة عنها، وإلا فلا تكون مخصصة، وعدم رادعية المطلقات عنها، يتوقف على كون السيرة مخصصة لها، فيلزم حينئذٍ توقف الشيء على نفسه وهو توقف مخصصية السيرة على مخصصيتها وهو مستحيل.
ونتيجة هذا كما ان رادعية المطلقات عن السيرة مستحيلة من جهة الدور، كذلك مخصصية السيرة لها وهذا غريب، ضرورة أن رادعية المطلقات لو كانت مستحيلة، لكانت مخصصية السيرة ضرورية وبالعكس، لاستحالة مخصصية السيرة وعدم مخصصيتها معاً أولاً لزم أرتفاع النقيضين.
وأجاب? عن ذلك، بأن مخصصية السيرة للمطلقات لا تتوقف على عدم الردع عنها في الواقع، بل يكفي فيها عدم العلم بالردع، بينما رادعية المطلقات للسيرة تتوقف على عدم مخصصية السيرة لها في الواقع، فإذن لا دور، لان ما يتوقف عليه رادعية المطلقات عدم مخصصية السيرة لها في الواقع، وما يتوقف عليه مخصصية السيرة هو عدم العلم برادعية المطلقات لا عدم رادعيتها في الواقع، فإذن لا يلزم الدور وتكون السيرة حجة وممضاة شرعاً لعدم العلم بردعها، وهو يكفي في حجيتها وعدم العلم لا يتوقف على شيء.
وعلى هذا فاطلاق المطلقات لا يكون حجه، فإن احتمال ان السيرة في الواقع مخصصة له مانع عن حجيته، وأما السيرة فهي حجة، لان احتمال رادعية الآيات الناهية في الواقع لا يمنع عن حجيتها ما لم يعلم برادعيتها لها( ).
وهذا الجواب منه? غريب، وذلك لان حجية السيرة وكونها مخصصة لعمومات الآيات الناهية، تتوقف على احراز امضائها شرعاً والعلم به، ومع احتمال وجود الرادع لها في الواقع فلا علم بحجيتها، بل هي مشكوكة من جهة الشك في أنها مردوعة في الواقع أو لا، والمفروض ان الشك في الحجية مساوق للقطع بعدمها.
فما ذكره? من انه يكفي في حجية السيرة ومخصصيتها لعمومات الآيات الناهية، عدم العلم بكونها رادعة عنها وان احتمل رادعيتها في الواقع، غريب جداً.
وبكلمة: أن مخصصية السيرة لعمومات الآيات تتوقف على حجيتها، ولا يمكن إحراز حجيتها والعلم بها إلا باحراز امضائها والعلم به وعدم احتمال كون العمومات رادعة عنها في الواقع، وأما مع احتمال أنها رادعة عنها في الواقع، فلا يمكن إحراز حجيتها، ومع عدم احرازها، لا يمكن ان تكون السيرة مخصصة لها.
فالنتيجة: ان مخصصية السيرة تتوقف على ثبوت عدم الردع في الواقع وإحراز الامضاء لها ولا يكفي عدم ثبوت الردع، هذا.
وقد اورد عليه السيد الاستاذ? أولاً: أن عدم ثبوت الردع لو كان كافياً في صحة تخصيص الآيات الناهية بالسيرة، لكان عدم ثبوت التخصيص كافياً في الردع أيضاً ولا يظهر وجه لمنع التوقف في أحدهما دون الآخر.
وثانياً: ان التحقيق عكس ما ذكره?، لان تخصيص العمومات بالسيرة متوقف على حجيتها المتوقفة على الأمضاء ولا يكفي عدم ثبوت الردع على ما افاده?، بل لابد من ثبوت عدم الردع فيكون التخصيص دورياً، وهذا بخلاف الردع، فإنه غير متوقف على ثبوت عدم التخصيص، بل يكفيه عدم ثبوت التخصيص، إذ العمومات حجة ببناء العقلاء ما لم يثبت خلافها.
وعلى هذا فيكفي في رادعية العمومات للسيرة عدم ثبوت تخصيصها بها، والمفروض انه غير ثابت، لاحتمال ان السيرة مردوعة، فإذن لا دور في رادعية العمومات للسيرة، وإنما الدور في تخصيص السيرة للعمومات.
فالنتيجة: أن العمومات رادعة للسيرة والسيرة لا تكون مخصصة لها، لان ظهور العام في العموم حجة ما لم يعلم بوجود المخصص له، واحتمال وجوده في الواقع لا أثر له ما لم يصل إلى المكلف، فإذن لا دور في المقام.
هذا وغير خفي ان الجواب الأول جدلي لا واقعي ولا أثر له( ).
وأما الجواب الثاني: فلا يكفي ثبوت هذه العمومات للردع عن هذه السيرة، لما تقدم من أن هذه السيرة المرتكزة في الأذهان حيث أنها قد اصبحت كالعادة والجبلة، فلا يمكن ان يكون مثل هذه العمومات رادعة عنها، لان الناس يتحركون حسب جبلتهم وفطرتهم نحو العمل باخبار الثقة في العلاقات العائلية والاجتماعية المادية والمعنوية غافلين عن كون هذه العمومات رادعة.
ومن هنا قلنا ان الردع عن مثل هذه السيرة بحاجة إلى النص الخاص الصريح والتأكيد عليه في مختلف المناسبات.
هذا اضافة إلى أن صدور هذه العمومات للناس كان متأخراً عن هذه السيرة، لانها موجودة بين الناس قبل التشريع ومنذ بدايته، فلو كانت هذه السيرة خطراً على الأغراض التشريعية، فبطبيعة الحال كان رسول الله? يمنع الناس عن العمل بهذه السيرة وأكد عليه وبين مفاسدها للناس مع أنه لم يصدر منه? منع ولا ردع، وعدم صدوره كاشف عن الامضاء وأنها لا تكون خطراً على الأغراض الشرعية.
الأمر الثاني: ما ذكره صاحب الكفاية? في الهامش من أن نسبة السيرة العقلائية إلى الآيات الناهية حيث أنها نسبة الخاص المتقدم إلى العام المتأخر، فيدخل المقام في كبرى دوران الأمر بين التخصيص أو النسخ، وهذا يعني ان الخاص المتقدم هل هو مخصص للعام المتأخر أو العام المتأخر ناسخ للخاص المتقدم.
وأما في المقام فبما ان السيرة متقدمة على نزول العمومات من الآيات والروايات، فبطبيعة الحال تكون ممضاة شرعاً منذ عصر التشريع وقبل نزولها، وحينئذٍ فلا محالة يدور الأمر بين كونها مخصصة لعموم الآيات أو الآيات ناسخة لها ورادعة عنها، وحيث ان الصحيح في تلك المسألة تقديم الخاص على العام، ففي المقام لابد من تقديم السيرة على العمومات.
ودعوى ان الآيات الناهية ظاهرة في الردع عن السيرة منذ أوائل التشريع، باعتبار ان مضامينها ثابتة منذ ذلك العصر، فلا يكون المقام حينئذٍ داخلاً في تلك الكبرى ومن صغرياتها.
مدفوعة بأنه لا ظهور لها في ذلك، لان التشريعات الصادرة من النبي الأكرم? ليس لها ظهور في ثبوتها من الأول، لأن تشريع الأحكام الشرعية من الله تعالى إنما كان بالوحي على النب