--( 5 )--
بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّه ربّ العالمين
و الصلاة و السلام على أشرف
خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين --( 7 )--
كتاب الصّوم
--( 9 )--
كتاب الصّوم
و هو الإمساك عما يأتي من المفطرات بقصد القربة ،و ينقسم إلى
الواجب و المندوب و الحرام و المكروه بمعنى قلة الثواب ،و الواجب منه
ثمانية :صوم شهر رمضان ،و صوم القضاء ،و صوم الكفارة على كثرتها ،و صوم
بدل الهدي في الحج ،و صوم النذر و العهد و اليمين ،و صوم الإجارة و نحوها
كالشروط في ضمن العقد ،و صوم الثالث من أيام الاعتكاف ،و صوم الولد
الأكبر عن أحد أبويه ،و وجوبه في شهر رمضان من ضروريات الدين ،و منكره
مرتد ( 1 )
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن انكار الضروري تارة يؤدي إلى إنكار
الرسالة على أساس ان المنكر ملتفت إلى الملازمة بينها و بين ما أنكره ،و اخرى
لا يؤدي إلى انكارها ،باعتبار أنه يرى عدم هذه الملازمة ،ففي الأول لا شبهة في
كفره ،و لكن لا من جهة انكاره الضروري بل من جهة انكاره الرسالة ،و هذا لا
يختص بانكار الضروري ،فان كل حكم يعلم أو يظن أو يحتمل باشتمال
الرسالة عليه فهو حق إذا كانت الرسالة مشتملة عليه حقا و واقعا على نحو
القضية الشرطية فانكاره يرجع إلى انكار الرسالة و تكذيبها اما قطعا ،أو ظنا ،أو
احتمالا ،و هذا يعني انه يحتمل فعلا بطلان الرسالة ،و معنى ذلك انه ليس بمسلم
لأن المعتبر في الإسلام هو الايمان و الالتزام بالرسالة اجمالا ،فكل من آمن بها
كذلك فهو مسلم حقيقة ،و نقصد بالايمان الإجمالي بها هو الايمان بأن كل ما
يحتمل أو يظن أو يقطع باشتمال الرسالة عليه فهو حق إذا كانت الرسالة مشتملة
--( 10 )--
..........
عليه واقعا ،فإذا احتمل أن هذا الحكم مما جاء به الرسول صلّى اللّه عليه و آله فانكاره يؤدي إلى
عدم الايمان برسالته و احتمال بطلانها .
و أما الثاني :فهل هو موجب للكفر أو لا ؟فيه قولان :
ذهب جماعة من الفقهاء إلى الأول ،بدعوى أنه يعتبر في الإسلام زائدا
على الايمان برسالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله أن لا يكون منكرا لضروري من ضروريات
الدين ،فكفر منكر الضروري مبني على اعتبار هذا القيد في تحقق الإسلام
تعبدا ،و قد استدل على ذلك بمجموعة من الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «من ارتكب كبيرة من الكبائر
فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذب أشد العذاب ،و إن كان معترفا
أنه ذنب و مات عليها أخرجه من الإيمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه
أهون من عذاب الأول »- 1 - .بدعوى أنه يدل على ان من ارتكب كبيرة باعتقاد
أنها حلال يؤدي إلى كفره و خروجه عن الإسلام و مقتضى اطلاقه عدم الفرق
بين أن يكون ملتفتا إلى الملازمة أو لا يكون ملتفتا إليها لشبهة أو جبت غفلته
عنها مع ايمانه الإجمالي بالرسالة .
و الجواب :ان الظاهر من الصحيحة هو أن مرتكب الكبيرة ملتفت إلى أنها
مما اشتملت عليه رسالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ،و القرينة على ذلك هو استحقاقه أشد
العذاب و العقوبة على ارتكابها ،فلو كان انكاره لها لشبهة أدت إلى غفلته عن أنها
مما اشتملت عليه الرسالة مع ايمانه الإجمالي بها لم يكن ملاك لاستحقاق أصل
العقوبة و العذاب فضلا عن أشدها .
فالنتيجة :ان الصحيحة بقرينة العقاب تؤكد على ان انكار مرتكب الكبيرة
انما هو على أساس التحدي و التمرد و عدم الايمان بالرسالة ،و ان زعمه بالحلية
انما هو بهذا الملاك لا بملاك الغفلة و الاعتقاد بأنها حلال مع الايمان بالرسالة
اجمالا .و بذلك يظهر حال سائر الروايات أيضا .
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 2 من ابواب مقدمة العبادات الحديث :11 .
--( 11 )--
يجب قتله ( 1 ) ،و من أفطر فيه لا مستحلا عالما عامدا يعزّر بخمسة و عشرين
سوطا ( 2 ) ،فإن عاد عزّر ثانيا ،فإن عاد قتل على الأقوى ( 3 ) ،و إن كان الأحوط
قتله في الرابعة ،و إنما يقتل في الثالثة أو الرابعة إذا عزّر في كل من المرتين أو
الثلاث ،و إذا ادعى شبهة محتملة في حقه درئ عنه الحد .
و قد تحصل من ذلك أنه لا دليل على اعتبار هذا القيد في تحقق الإسلام ،
هذا من ناحية ،و من ناحية اخرى ان الايمان بالمعاد من أظهر ما يشتمل عليه
الايمان بالرسالة اجمالا ،و ليس عنصرا مستقلا معتبرا في تحقق الإسلام ،فانكاره
بما أنه انكار للرسالة موجب للكفر لا بعنوانه إذ لا دليل على أن الايمان به عنصر
ثالث معتبر في تحقق الإسلام زائدا على الايمان باللّه وحده و بالرسالة ،و قد ذكرنا
في بحث الفقه أن الآيات التي تنص على عطف الايمان باليوم الآخر على
الايمان باللّه لا تدل على ذلك بوجه ،فان هذا العطف انما يعبر عن أن الايمان
بالمعاد دخيل في الإسلام ،و أما أنه دخيل فيه مستقلا أو باعتبار انه من أوضح
و أبده ما اشتملت عليه الرسالة فهو ساكت ،بل هو في جملة من الآيات انما هو
بغاية التهديد بالنار و التخويف بها في مقام التأكيد على ما اشتملت عليه الآيات
من دون الدلالة على انه قيد مستقل في الإسلام كالأيمان باللّه .
( 1 ) هذا إذا كان ارتداده فطريا فانه يقتل تاب أم لم يتب ،و أما إذا كان مليا
فيستتاب ،فان تاب لم يقتل و إلاّ قتل .
( 2 ) في التحديد بها اشكال بل منع حيث انه لم يرد إلاّ في رواية
ضعيفة - 1 - غير قابلة للاعتماد عليها .
و أما أصل التعزير فهو ثابت بنص قوله عليه السّلام في صحيحة بريد العجلي :
«على الإمام أن ينهكه ضربا »- 2 - و أما من حيث القلة و الكثرة فهو بيد الامام
حسب ما يراه من المصلحة .
( 3 ) بل هو المتعين شريطة جريان الحد عليه مرتين ،و تنص على ذلك
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
--( 12 )--
..........
صحيحة يونس - 1 - و موثقة سماعة - 2 - .ثم ان المراد من الحد الوارد في الصحيحة
الأعم من التعزير بقرينة أن الحد الشرعي المعين انما هو ثابت في موارد خاصة
كالزنا و اللواط و شرب الخمر و ما شاكل ذلك ،و لم يثبت في مطلق الكبائر و انما
الثابت فيه التعزير و هو حد من قبل الشرع لكن من دون تعيينه كما ،و من هنا
يظهر انه لا وجه لما ذكره الماتن قدّس سرّه من أن الأحوط قتله في الرابعة لعدم الدليل
عليه ،بل هو نوع تعطيل في حدود اللّه تعالى ،فمن أجل ذلك يكون هذا
الاحتياط على خلاف الاحتياط .و تمام الكلام في ذلك في باب الحدود .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب مقدمات الحدود الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
--( 13 )--
فصل
في النيّة
يجب في الصوم القصد إليه مع القربة و الإخلاص ( 1 ) كسائر العبادات ،
و لا يجب الإخطار بل يكفي الداعي ،و يعتبر فيما عدا شهر رمضان حتى
الواجب المعين أيضا القصد إلى نوعه من الكفارة أو القضاء أو النذر مطلقا
كان أو مقيدا بزمان معين ،من غير فرق بين الصوم الواجب و المندوب ،ففي
المندوب أيضا يعتبر تعيين نوعه من كونه صوم أيام البيض مثلا أو غيرها من
الأيام المخصوصة ،فلا يجزئ القصد إلى الصوم مع القربة من دون تعيين
النوع ،من غير فرق بين ما إذا كان ما في ذمته متحدا أو متعددا ،ففي صورة
الاتحاد أيضا يعتبر تعيين النوع ،و يكفي التعيين الإجمالي كأن يكون ما في
ذمته واحدا فيقصد ما في ذمته و إن لم يعلم أنه من أيّ نوع و إن كان يمكنه
الاستعلام أيضا ،بل فيما إذا كان ما في ذمته متعددا أيضا يكفي التعيين
الإجمالي كأن ينوي ما اشتغلت ذمته به أوّلا أو ثانيا أو نحو ذلك ،و أما في شهر
رمضان فيكفي قصد الصوم و إن لم ينو كونه من رمضان ،بل لو نوى فيه غيره
( 1 ) تقدم في باب الصلاة ان النية تتمثل في ثلاثة عناصر :
الأول :نية القربة ،و لا تصح العبادة بدونها على أساس ان عبادية العبادة
--( 14 )--
..........
متقومة بها .
الثاني :الخلوص في النية ،بمعنى عدم الرياء فيها .
الثالث :أن ينوي الاسم الخاص للعبادة التي يريد أن يأتي بها المميّز لها
شرعا إذا كان لها اسم كذلك ،كصلاة الصبح و الظهر و العصر و المغرب و العشاء
و صلاة الآيات و العيد و الاستسقاء و الجمعة و صلاة جعفر و النوافل الخاصة
للفرائض و صلاة الليل و صلاة الاستئجار و الصلاة المنذورة و هكذا .و الجامع ان
كل صلاة لها اسم خاص و عنوان مخصوص و لو ثانيا و بالعرض يقصد المصلي
ذلك الاسم الخاص و العنوان المخصوص حينما يريد أن يصليها المميز لها
شرعا .
نعم ،إذا ثبت استحباب صلاة ركعتين استحبابا عاما بلا اسم و عنوان
خاص كفى أن يصلي ركعتين بنية القربة بلا تعيين .
و أما الصوم فما كان له اسم خاص كصوم القضاء و الكفارة و صوم
الاستئجار و النذر و اليمين و صوم أول الشهر و صوم يوم الغدير و صوم التعويض
و صوم أيام البيض و صوم شهر رجب و شعبان و هكذا .و الجامع ان كل صوم كان
له عنوان خاص و اسم مخصوص و لو ثانيا و بالعرض فإذا أراد المكلف أن
يصوم ذلك الصوم يقصد اسمه الخاص المميز له شرعا ،و على هذا فإن كان
على ذمة المكلف أنواع من الصيام كصوم النذر و اليمين و الكفارة و القضاء مثلا ،
فان صام قاصدا واحدا منها باسمه الخاص المميز له شرعا صح و الاّ لم يقع عن
شيء منها ،و أما إذا كان واحد منها على ذمته غير معين بأن يعلم المكلف بأنّ
ذمته مشغولة بصوم يوم واحد و لكن لا يدري أنه صوم كفارة أو قضاء أو نذر أو
غيره ففي مثل ذلك يكفي أن يصوم يوما واحدا بقصد ما في الذمة حيث انه لا
يتمكن من قصد الاسم الخاص المميز له شرعا ،و أما إذا كان ذلك الواحد معينا
و أراد المكلف الاتيان به فعليه أن يقصد اسمه الخاص و إن لم يكن له شريك ،
فإذا كان عليه قضاء عن شهر رمضان و أراد الاتيان به فلا يكفى أن ينوي صيام --( 15 )--
..........
هذا النهار قربة إلى اللّه تعالى ،بل لا بد له أن ينوى الصيام قضاء عن شهر رمضان
بنية القربة و الخلوص ،فنية القضاء معتبرة ،فلو صام بدون هذه النية لم يقع قضاء
عنه و لم يخرج عن عهدته ،و كذلك إذا كان عليه صوم بالنذر فإنّ على الناذر
حينما يصوم أن ينوي بذلك الوفاء بالنذر ،و إلاّ فلا يعتبر وفاء بالنذر ،بل يبقى
النذر على عهدته و هكذا ،و السبب فيه ان الصوم في كل الأيام مستحب استحبابا
عاما عدا الأيام الواجب فيها الصيام كأيام شهر رمضان ،أو المحرم كصوم يوم
عيد الفطر و عيد الأضحى و نحوهما و على هذا الأساس فإذا صام المكلف قربة
إلى اللّه تعالى بدون أن يقصد القضاء أو الوفاء بالنذر أو غيره من أقسام الصيام
الخاص لم يقع قضاء عن شهر رمضان أو وفاء بالنذر أو غيره ،بل وقع صوما
مستحبا بملاك ان المنوي هو طبيعي الصوم الجامع و هو ينطبق على الفرد الفاقد
للخصوصية دون الواجد لها ،فان انطباقه عليه بحاجة إلى التعيين ،هذا كله في
صوم غير شهر رمضان .
و أما صوم شهر رمضان فالظاهر أنه لا يعتبر فيه أن يصوم بقصد أنه من
شهر رمضان بل يكفي وقوعه فيه و ان كان غافلا أو جاهلا أو ناسيا أنه شهر
رمضان ،لأن المستفاد من الآية الشريفة و الروايات هو ان الواجب هو الصيام في
هذا الشهر و ايقاعه فيه واقعا و لا يستفاد منهما ان المكلف حينما أراد أن يصوم
صوم شهر رمضان لا بد أن يقصد اسم شهر رمضان و عنوانه المميز له شرعا ،لأن
امتيازه عن سائر أقسام الصيام انما هو بزمانه ذاتا فلا يتوقف على القصد ،فإذا
صام فيه بنية القربة و الاخلاص صح و إن كان غافلا عن كونه شهر رمضان أو
ناسيا له أو جاهلا به ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى هل يصلح شهر رمضان لصوم آخر غير صومه كصوم
الكفارة أو القضاء أو النذر أو ما شاكل ذلك ،أو لا ؟فيه قولان ..
المعروف و المشهور بين الأصحاب عدم الصحة .
بدعوى :أن شهر رمضان لا يقبل صوما آخر غيره ،و يمكن تخريج ذلك --( 16 )--
..........
بأحد الوجهين التاليين :
الأول :انه لا يقبل بنفسه صوما آخر غيره و إن لم تكن مزاحمة من قبل
صومه ،كما إذا كان المكلف مسافرا فانه لا يسوغ له أن يصوم صوم شهر رمضان ،
و لكن مع ذلك لا يجوز له أن يصوم فيه صوما آخر يكون مشروعا في السفر ،
كما لو نذر أن يكون صيامه في السفر .
الثاني :ان الأمر بالصوم فيه يقتضي النهي عن ضده العبادي و هو صوم
آخر ،و النهي عن العبادة يقتضي فسادها ،فمن أجل ذلك لا يصح ايقاعه فيه .
و الجواب عن الوجه الأول :ان كل زمان سواء أ كان شهر رمضان أم كان
غيره قابل بنفسه لايقاع الصوم فيه و هو الامساك و الاجتناب عن ممارسة
المفطرات بنية القربة فعدم صحة صوم في زمان بحاجة إلى دليل كما في يومي
العيدين ،فإن الدليل قد دل على عدم صحة ايقاع الصوم فيهما في نفسه ،و لا
يوجد دليل في المقام على أن شهر رمضان لا يقبل صوما آخر غيره و إن لم يكن
مزاحما له كما إذا أراد المسافر في شهر رمضان أن يصوم فيه اليوم المنذور
صيامه في السفر .
قد يقال :ان روايات يوم الشك التي تنص على انه إذا صام فيه ناويا
الندب أو القضاء ثم بان له بعد ذلك ان اليوم الذي صامه كان من شهر رمضان
كفاه و اجزأه ،فإن هذه الروايات تدل على أن شهر رمضان لا يصلح لصوم آخر
غيره ،و إلاّ فلا موجب للانقلاب .
و الجواب :ان عدم صحة الصوم الندبي أو القضائي في مورد الروايات
و انقلابه إلى صوم شهر رمضان انما هو من جهة أنه مزاحم له باعتبار ان الشاك
في ذلك اليوم مأمور بصومه في الواقع ،فلا دلالة لها على عدم الصحة في فرض
عدم المزاحمة أصلا .
و قد يجاب عن الوجه الثاني :بأن الأمر بشيء لا يقتضي النهي عن ضده
العبادي لكي يقتضي فساده .
--( 17 )--
..........
و دعوى :انه يكفي في فساده عدم الأمر به ،و لا يتوقف على النهي عنه ،
و المفروض انه لا شبهة في أن الأمر بالشيء يستلزم عدم الأمر بضده لاستحالة
الأمر بالضدين معا في عرض واحد ،و إن كانت صحيحة الاّ أنه بناء على القول
بامكان الترتب لا مانع من فعلية الأمر بكلا الضدين معا ترتبا ،غاية الأمر إذا كان
الضدان متساويين كان الترتب من الطرفين ،بمعنى ان الأمر بكل منهما مشروط
بعدم الاشتغال بالآخر لبا و واقعا ،و ان كان أحدهما أهم من الآخر كان الترتب من
طرف واحد ،فان الأمر بالمهم حينئذ مشروط بعدم الاشتغال بالأهم دون
العكس ،و على هذا فلا مانع من أن يكون المكلف مأمورا بصوم شهر رمضان
أولا و إذا عصى و ترك الاشتغال به يكون مأمورا بصوم آخر على نحو الترتب .
و لكن للمناقشة في تطبيق مسألة الترتب على المقام مجال ،و ذلك لأن
الأمر بصوم الكفارة مثلا لا يمكن أن يجتمع مع الأمر بصوم شهر رمضان في
زمن واحد على نحو الترتب .فإذا نوى صوم الكفارة من أول آن طلوع الفجر
كان هذا الآن هو آن عدم الاشتغال بصوم شهر رمضان ،و الفرض ان ذلك الآن هو
آن سقوط أمره لا ثبوته ،فإذن يكون ثبوت الأمر بصوم الكفارة مقارن لسقوط
الأمر بصوم رمضان ،فلا يجتمع الأمران في زمان واحد على نحو الترتب ،و على
هذا فان كان لدليل وجوب صوم الكفارة اطلاق يشمل شهر رمضان فلا مانع من
التمسك باطلاقه لإثبات أمره ،و لا يتوقف على الالتزام بالترتب ،و إن لم يكن له
اطلاق فلا يمكن الحكم بصحته لقصور المقتضي حينئذ .
و إن شئت قلت :ان صحة صوم آخر في شهر رمضان تبتني على أحد
أمرين :
الأول :استكشاف انه واجد للملاك فيه .
الثاني :الالتزام بالترتب .
و كلاهما غير تام .
أما الأول :فلأنه لا طريق للعقل إلى ملاكات الأحكام الشرعية بحدودها --( 18 )--
..........
الواقعية كما و كيفا بقطع النظر عن ثبوت نفس تلك الأحكام ،و على هذا فإذا لم
يكن الأمر بصوم آخر غيره موجودا و ثابتا فيه فلا طريق لنا إلى احراز انه مشتمل
على الملاك فيه .
و أما الثاني :فلأن الالتزام بالترتب انما هو فيما إذا لم يكن ترك الضد
الواجب و عدم الاشتغال به مساوقا لسقوط أمره ،و إلاّ فلا يجتمع أمره مع الأمر
بضده في آن واحد ترتبا .و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان الأمر بصوم شهر
رمضان يسقط في الآن الأول من ترك الاشتغال به و الاّ لزم التكليف بغير
المقدور ،و عليه فثبوت الأمر بصوم آخر غيره في زمان سقوطه لا يتوقف على
الترتب .
هذا اضافة إلى امكان المنع عن اطلاق أدلة وجوب سائر أنواع الصيام
بالنسبة إلى شهر رمضان ،أما صوم الكفارة فلأن المتفاهم العرفي من دليل
وجوبه ارتكازا هو ايقاعه في غير شهر رمضان ،و لا يفهم العرف منه الاطلاق .
و اما صوم النذر و العهد و اليمين و الشرط و نحو ذلك فلا شبهة في عدم
اطلاق أدلتها على أساس أن مقتضى ما ورد في لسانها من «أن شرط اللّه قبل
شرطكم »هو أن حكم اللّه تعالى قبل هذا الوجوب ،فوجوب الوفاء بالنذر أو
العهد أو الشرط منوط بأن لا يكون على خلافه الزام من قبل الشارع سواء اشتغل
به أم لا .و عليه فلا مزاحمة بينه و بين وجوب صوم شهر رمضان فانه بصرف
وجوده رافع له ،و مع عدم المزاحمة فلا موضوع للترتب .
فالنتيجة :ان الترتب بين واجبين في كل مورد يقوم على أساس ثلاث
ركائز مباشرة :
الاولى :عدم سقوط وجوب الواجب الأهم بصرف تركه و عدم الاشتغال
به عصيانا و انه لا يزال باقيا يقتضي الاتيان به ،و بما أن وجوب الواجب المهم
مشروط به فهو يتحقق عند تحققه ،و حينئذ فان قلنا بامكان الترتب فلا مانع من
فعلية كلا الوجوبين في زمن واحد على نحو الترتب ،و لا يلزم منه محذور طلب --( 19 )--
..........
الجمع بين الضدين و لا التمانع بينهما في الاقتضاء على تفصيل حققناه في علم
الاصول .
و أما لو أنكرنا امكان القول بالترتب على أساس ان فعلية كلا الوجوبين
في زمن واحد تستلزم طلب الجمع بين الضدين ،فلا مناص عندئذ من رفع اليد
عن أصل وجوب الواجب المهم لا عن اطلاقه و تقييده بعدم الاشتغال بالأهم
باعتبار انه لا يرفع المحذور اللازم من فعلية كلا الوجوبين في آن واحد ،و أما إذا
سقط وجوب الواجب الأهم بصرف تركه و عدم الاشتغال به في وقته عصيانا
كما في الواجب المؤقت المضيق فلا يجري فيه الترتب حيث لا يمكن اجتماع
وجوب الواجب المهم معه في زمان واحد باعتبار أن زمان ثبوت وجوب المهم
مساوق لزمان سقوط وجوب الأهم ،فثبوته مقارن لسقوطه و هذا خارج عن
مسألة الترتب امكانا و امتناعا .
الثانية :أن لا يكون الخطاب بالأهم بصرف وجوده رافعا للخطاب
بالمهم ،و الاّ فلا موضوع للترتب حيث انه متقوم باجتماع الخطابين في زمان
واحد ترتبا ،و أما إذا كان خطاب الأهم بصرف وجوده رافعا لخطاب المهم فهو
خارج عن محل الكلام في المسألة ،فان محل الكلام فيها هو ما إذا كان الخطاب
بالمهم مشروطا بعدم الاشتغال بالأهم لا بعدم ثبوت خطابه .
الثالثة :أن يكون لخطاب المهم اطلاق قد قيد لبا بعدم الاشتغال بضد
واجب لا يقل عنه في الأهمية ،و أما إذا لم يكن له اطلاق في نفسه بالنسبة إلى
حالتي الاشتغال بالأهم و عدم الاشتغال به فهو خارج عن مسألة الترتب و لا
يكون من صغرياتها و عناصرها .
و لكن لم يتوفر شيء من هذه الركائز الثلاث في المقام .
أما الاولى :فلأن وجوب صوم شهر رمضان يسقط في الآن الأول من
طلوع الفجر ،و هو الآن الذي نوى المكلف صوما آخر دونه ،و الفرض أن هذا
الآن هو آن ثبوت وجوب صوم آخر ،فيكون ثبوته مقارنا لسقوطه زمانا ،و هذا --( 20 )--
..........
خارج عن المسألة التي تبتني على اجتماع وجوبين في زمن واحد ترتبا .
و أما الثانية :فلأن صوما آخر غيره ان كان من قبيل الصوم النذري أو
العهدي أو الشرطي أو الاستئجاري فقد مر أن وجوبه مشروط بعدم ثبوت
وجوب آخر على الخلاف لا بعدم الاشتغال به ،و الفرض ان وجوب صوم شهر
رمضان بصرف ثبوته رافع له لا باشتغاله ،و هذا خارج عن محل الكلام في مسألة
الترتب .و إن كان من قبيل صوم الكفارة أو القضاء فقد مر أنه لا اطلاق لأدلته
بالنسبة إلى شهر رمضان لانصرافها عنه ارتكازا .
و أما الثالثة :فقد ظهر مما مر أنها غير متوفرة حتى في صوم الكفارة
و القضاء و نحوهما فضلا عن الصوم النذري و نحوه .
فالنتيجة :ان من نوى في شهر رمضان صوما آخر غير صوم شهر رمضان
عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي لم يصح بملاك ان المقتضي قاصر ،لا أن شهر
رمضان بنفسه لا يصلح لصوم آخر غيره ،كما انه لا يحسب من صوم شهر
رمضان لأنّه غير قاصد صوم ذلك الشهر .
نعم ،لو نذر الصوم في السفر فسافر في شهر رمضان فالظاهر انه لا مانع
من أن يصوم فيه الصوم النذري لأن المقتضي غير قاصر ،و الزمان صالح له في
نفسه و المانع غير موجود .
و أما إذا نوى صوما آخر غيره جهلا بشهر رمضان أو نسيانا له فهل يجزئ
عن صوم شهر رمضان أو لا ؟ففيه و جهان :
الظاهر هو الوجه الأول ،لأنه نوى الصوم المأمور به في هذا الشهر قاصدا
به القربة و لكن اعتقد انه صوم قضاء أو كفارة ،فيكون الخطأ في هذا الاعتقاد لا
في المأمور به ،و من المعلوم انه لا يضر بوقوعه في وقته بالكامل حيث انه من
الخطأ في التطبيق .
و إن شئت قلت :انه أتى بالصوم الواجب بنية القربة في وقته واقعا ،و لكن
بما أنه لا يدري بذلك اما جهلا أو نسيانا بنى على انه صوم قضاء أو كفارة ،و من --( 21 )--
جاهلا أو ناسيا له أجزأ عنه ،نعم إذا كان عالما به و قصد غيره لم يجزئه كما لا
يجزئ لما قصده أيضا ،بل إذا قصد غيره عالما به مع تخيل صحة الغير فيه ثم
علم بعدم الصحة و جدّد نيته قبل الزوال لم يجزئه أيضا ،بل الأحوط عدم
الإجزاء إذا كان جاهلا بعدم صحة غيره فيه ،و إن لم يقصد الغير أيضا
بل قصد الصوم في الغد مثلا فيعتبر في مثله تعيين كونه من رمضان ( 1 ) ،كما
أن الأحوط في المتوخي -أي المحبوس الذي اشتبه عليه شهر رمضان و عمل
بالظن -أيضا ذلك أي اعتبار قصد كونه من رمضان ،بل وجوب ذلك لا يخلو
عن قوة ( 2 ) .
المعلوم أن هذا البناء القلبي لا يغير الواقع و لا يمنع من انطباق المأمور به على
المأتي به في الخارج .
فالنتيجة :ان الصحة في هذا الفرض تكون على القاعدة فلا تحتاج إلى
دليل .
( 1 ) في اعتبار التعيين اشكال بل منع ،و الأظهر عدمه لما مر من أن المعتبر
في صحة صوم شهر رمضان ايقاعه فيه واقعا بنية القربة و الاخلاص ،و لا يعتبر
فيها نية كونه من شهر رمضان حيث قد عرفت أنه جهة تعليلية لا تقييدية مقومة ،
فإذا نوى صوم الغد و كان في الواقع من شهر رمضان و أتى به بداع إلهي صح و إن
لم يعلم انه من شهر رمضان ،بل و إن كان معتقدا انه من شعبان و صام و نوى به
التطوع أو القضاء ثم بان انه من شهر رمضان لما مر من انه إذا صام في هذا اليوم
بنية القربة و الاخلاص يحسب من شهر رمضان غاية الأمر انه من جهة اعتقاده
بأن هذا اليوم من شعبان قصد به التطوع أو القضاء و من المعلوم أن هذا القصد
النفسي لا يؤثر لأنه قصد أمرا خارجا عن المأمور به و هو عنوان التطوع أو
القضاء من جهة الخطأ في الاعتقاد و التطبيق .
( 2 ) في القوة اشكال بل منع ،فان المحبوس أو نحوه إذا اشتبه عليه شهر --( 22 )--
..........
رمضان بسائر الشهور و علم اجمالا بوجوب صيام شهر من هذه الشهور وجب
عليه أن يصوم تمام الشهور احتياطا و لا يضره العلم الإجمالي بحرمة الصوم في
بعض الأيام من تلك الشهور كيومي العيدين ،لأن حرمته فيهما بما أنها تشريعية
فلا تمنع من الاحتياط ،و لا فرق فيه بين أن يعلم مبدأ كل شهر و منتهاه أو لا
يعلم ،فانه إذا صام تمام أيام السنة فقد علم بأنه صام شهر رمضان .
و إن اشتبه بين ثلاثة أشهر أو أربعة أو أكثر وجب عليه الاحتياط فيها دون
الأزيد لانحصار أطراف العلم الإجمالي بها ،و أما إذا كان الاحتياط التام حرجيا
فعليه أن يصوم بمقدار كان الزائد عليه حرجيا .و حينئذ يعلم إجمالا أن ما أتى به
من الصيام أما أنه وقع قبل شهر رمضان أو بعده أو فيه ،فعلى الأول لا أثر له ،
و على الثاني يجزئ قضاء ،و على الثالث يجزئ أداء .
و أما إذا أراد أن يصوم قضاء في هذه الحالة فليس بامكانه ذلك في الشهر
الأول لاحتمال انه شهر رمضان ،و أما إذا دخل في الشهر الثاني فقد يقال كما قيل :
ان بامكانه أن يصوم قضاء لأنه حينما دخل في الشهر الثاني علم بأنه دخل في
شهر آخر غير شهر رمضان و شك في بقائه فيه ،فمقتضى الاستصحاب هو
البقاء ،و بضمه إلى الوجدان يثبت موضوع وجوب القضاء لأنه دخل في شهر
آخر غير شهر رمضان وجدانا و بحكم الاستصحاب انه باق فيه و يترتب عليه
جواز القضاء .
و فيه :انه مبني على الخلط بين واقع شهر آخر غير شهر رمضان و بين
عنوانه ،فانه ان لوحظ شهر آخر بما هو شهر آخر على نحو الموضوعية بحيث
يريد أن يثبت عنوانه الجامع بالاستصحاب فلا أثر له ،لأن موضوع الحكم هو
واقعه الخارجي لا عنوانه الانتزاعي ،و ان لوحظ على نحو المعرفية إلى واقعه
خارجا فهو مردد بين ما هو مقطوع الارتفاع على تقدير حدوثه و ما هو مشكوك
الحدوث ،فلا يكون الشك فيه شكا في بقاء المتيقن لكي يستصحب ،لأن الشهر
الآخر في الواقع إن كان الأول فهو مقطوع الارتفاع ،و إن كان الثاني فمشكوك --( 23 )--
[2360 ]مسألة 1 :لا يشترط التعرض للأداء و القضاء ،و لا الوجوب و الندب ،
و لا سائر الأوصاف الشخصية ،بل لو نوى شيئا منها في محل الآخر صح إلا إذا
كان منافيا للتعيين ،مثلا إذا تعلق به الأمر الأدائي فتخيل كونه قضائيا ،فإن
قصد الأمر الفعلي المتعلق به و اشتبه في التطبيق فقصده قضاء صح ،و أما إذا
لم يقصد الأمر الفعلي بل قصد الأمر القضائي بطل ( 1 ) لأنه مناف للتعيين
حينئذ ،و كذا يبطل إذا كان مغيرا للنوع كما إذا قصد الأمر
الحدوث ،فلا شك في بقاء الحادث المتيقن ،فيكون استصحابه حينئذ من
الاستصحاب في الفرد المردد ،و هو ممتنع ،و هذا نظير القسم الثاني من أقسام
استصحاب الكلي ،فانه لا مانع من جريانه بالنسبة إلى الجامع بين القصير
و الطويل لتمامية أركانه فيه إذا كان موضوعا لأثر شرعي ،و لا يجري بالنسبة إلى
الفرد المردد بينهما لعدم الشك في بقاء متيقن ،لأن القصير على تقدير حدوثه
يكون مقطوع الارتفاع ،و الطويل مشكوك الحدوث ،فلا يكون الشك فيه
متمحضا في بقاء المتيقن السابق لكي يجري الاستصحاب فيه .
فالنتيجة :انه لا يتمكن من القضاء الاّ بعنوان الرجاء .
( 1 ) في البطلان اشكال بل منع ،لما مر من أن عنوان الأداء و القضاء ليسا
من العناوين القصدية المقومة ،إذ لا دليل على اعتبار أن يقصد وقوعه في الوقت
أو في خارجه إلاّ في مقام التمييز ،كما إذا كانت في ذمته صلاة ظهر مثلا أدائية
و قضائية ،فإنه إذا صلى في هذه الحالة صلاة باسم الظهر بدون أن ينوي الأداء أو
القضاء لم تقع مصداقا لشيء منهما ،و على هذا الأساس فإذا صلى صلاة الظهر
أو العصر في الوقت و لكنه تخيل جهلا أو غفلة أن الوقت قد ولّى و قصد بها
القضاء لم يضر لأنه قد أتى بالصلاة المأمور بها في وقتها بنية القربة و الاخلاص ،
غاية الأمر انه بسبب جهله أو غفلته تخيل خروج الوقت و قصد خصوصية زائدة
عليها و هي وقوعها في الخارج و هو لا يضر .
و دعوى :ان ما قصد امتثاله و هو الأمر القضائي لا واقع له ،و ماله واقع و هو --( 24 )--
الفعلي لكن بقيد كونه قضائيا مثلا ( 1 ) أو بقيد كونه وجوبيا مثلا فبان كونه أدائيا
أو كونه ندبيا فإنه حينئذ مغير للنوع و يرجع إلى عدم قصد الأمر الخاص .
[2361 ]مسألة 2 :إذا قصد صوم اليوم الأول من شهر رمضان فبان أنه اليوم
الثاني مثلا أو العكس صح ،و كذا لو قصد اليوم الأول من صوم الكفارة أو
غيرها فبان الثاني مثلا أو العكس ،و كذا إذا قصد قضاء رمضان
الأمر الأدائي لم يقصد امتثاله ،و في هذه الحالة كيف يمكن الحكم بالصحة .
مدفوعة ..أما أولا :فلأن المكلف إذا كان في مقام الامتثال و أداء الوظيفة
كان ناويا لامتثال الأمر الفعلي المتوجه إليه حيث انه لا يرى خصوصية لكونه
أدائيا أو قضائيا فإذا كان الأمر الفعلي أدائيا و لكنه بسبب الجهل أو الغفلة تخيل
انه قضائي و قصد امتثاله ثم بان أنه أدائي فانه من باب الاشتباه في التطبيق
و امتثال الأمر الفعلي بعنوان آخر .
و أما ثانيا :فمع الاغماض عن ذلك و تسليم انه قصد خصوص امتثال
الأمر القضائي فحسب فمع هذا يحكم بالصحة على أساس ان صحة العبادة التي
تكون محبوبة بنفسها كالصلاة مثلا تتوقف على الاتيان بها مضافة إلى المولى
سبحانه و تعالى ،و لا فرق بين أن يكون محقق الاضافة قصد امتثال الأمر الواقعي
الفعلي أو محبوبيتها أو الأمر الخيالي و الوهمي كما في المقام ،فانه إذا أتى بها
كذلك صحت و إن كان منشأ ذلك الأمر الخيالي باعتبار أن قصد الأمر طريق إلى
الاتيان بها كذلك و لا موضوعية له .
( 1 ) مر ان التقييد بمعنى التضييق في مثل المسألة غير معقول ،لأن الأمر
الموجود فيها جزئي حقيقي و هو الأمر الأدائي ،فلا يقبل التضييق لأن ما يقبل
ذلك هو طبيعي الأمر دون فرده ،فاذن مرد هذا التقييد إلى التعليق و الاشتباه في
التطبيق لا في المأمور به ،فما في المتن من جعل ذلك مغيرا للنوع غريب و به
يظهر حال ما بعده .
--( 25 )--
السنة الحالية فبان أنه قضاء رمضان السنة السابقة و بالعكس .
[2362 ]مسألة 3 :لا يجب العلم بالمفطرات على التفصيل ،فلو نوى
الإمساك عن امور يعلم دخول جميع المفطرات فيها كفى .
[2363 ]مسألة 4 :لو نوى الإمساك عن جميع المفطرات و لكن تخيل أن
المفطر الفلاني ليس بمفطر فإن ارتكبه في ذلك اليوم بطل صومه ،و كذا إن لم
يرتكبه و لكنه لاحظ في نيته الإمساك عما عداه ،و أما إن لم يلاحظ ذلك صح
صومه على الأقوى ( 1 ) .
[2364 ]مسألة 5 :النائب عن الغير لا يكفيه قصد الصوم بدون نية النيابة و إن
كان متحدا ( 2 ) ،نعم لو علم باشتغال ذمته بصوم و لا يعلم أنه له أو نيابة
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فانه ان اريد من عدم ملاحظة ذلك انه
لا حظ في نيته الامساك عنه اجمالا في ضمن الامساك عن بقية المفطرات كذلك
صح ما ذكره قدّس سرّه .
و ان اريد منه اهماله في نيته الامساك عن المفطرات بمعنى انه لم ينوه لا
تفصيلا و لا إجمالا و لا عدمه كذلك ،فلا شبهة في البطلان حيث ان المعتبر في
صحة الصوم هو أن ينوي المكلف الامساك عن تمام المفطرات من الأكل
و الشرب و الجماع و انزال المني بالملاعبة و الكذب على اللّه و نحوها مما يأتي
تفصيلها اجمالا ،فلو لم ينو الامساك عن مفطر و ان لم ينو ارتكابه أيضا لم يصح
صومه لفقد شرطه المقوم له و هو نية الامساك عن كل ما يكون مفطرا و ناقضا
للصوم ،فلو كان مترددا في بعض لم يصح .
( 2 ) هذا هو الصحيح لأن النيابة أمر قصدي متقومة بقيام المكلف بالعمل
بنية انه عمل المنوب عنه و لو لم ينو ذلك حين قيامه بالعمل لم يقع عنه ،ضرورة
ان وقوع فعل عن غير فاعله كوقوع الصلاة عن غير المصلي و الصوم عن غير
الصائم و الحج عن غير الحاج و نحوها بحاجة إلى مئونة زائدة و هي قصد النيابة --( 26 )--
عن الغير يكفيه أن يقصد ما في الذمة .
[2365 ]مسألة 6 :لا يصلح شهر رمضان لصوم غيره واجبا كان ذلك الغير أو
ندبا ،سواء كان مكلفا بصومه أو لا كالمسافر و نحوه ،فلو نوى صوم غيره لم يقع
عن ذلك الغير سواء كان عالما بأنه رمضان أو جاهلا و سواء كان عالما بعدم
وقوع غيره فيه أو جاهلا ،و لا يجزئ عن رمضان أيضا إذا كان مكلفا به مع العلم
و العمد ،نعم يجزئ عنه مع الجهل أو النسيان كما مرّ ( 1 ) ،و لو نوى في شهر
رمضان قضاء رمضان الماضي أيضا لم يصح قضاء و لم يجزئ عن رمضان
أيضا مع العلم و العمد .
[2366 ]مسألة 7 :إذا نذر صوم يوم بعينه لا تجزئه نية الصوم بدون تعيين أنه
للنذر و لو إجمالا كما مر ( 2 ) ،و لو نوى غيره فإن كان مع الغفلة عن النذر صح ،
و إن كان مع العلم و العمد ففي صحته إشكال ( 3 ) .
[2367 ]مسألة 8 :لو كان عليه قضاء رمضان السنة التي هو فيها و قضاء
بأن يقوم بالعمل بنية النيابة عن غيره .
( 1 ) تقدم تفصيل هذه المسألة بتمام صورها و شقوقها موسعا في النية .
( 2 ) مر وجه ذلك مفصلا في أول النية .
( 3 ) بل لا إشكال في الصحة لا من جهة مسألة الترتب لأن المقام ليس من
صغريات تلك المسألة ،بل من جهة أن غيره لا يخلو من أن يكون واجبا موسعا
أو مضيقا .
فعلى الأول :لا مزاحمة بينهما لا مكان الأمر بالواجب الموسع مع الواجب
المضيق في عرض واحد و بلا حاجة إلى تقييد أحدهما بعدم الاشتغال بالآخر
على أساس ان الأمر في الواجب الموسع متعلق بالجامع بين الافراد الطولية و لا
يسري منه إليها ،و الفرض ان الاتيان بهذا الجامع مع الواجب المضيق جمعا --( 27 )--
..........
مقدور بلا أية مزاحمة ،و من هنا قلنا في علم الاصول أنه لا يلزم من الأمر بهما
معا في عرض واحد محذور طلب الجمع بين الضدين .
و على الثاني :فقد تقدم ان الترتب بين الواجبين المضيقين غير معقول ،
فإذا فرضنا وجوب صوم في يوم معين بالنذر ،و وجوب صوم في ذلك اليوم
بعينه بسبب آخر ،فلا يمكن الجمع بينهما ،فعندئذ ان كان أحدهما أهم من
الآخر وجب الاتيان به ،و إن لم يأت به لزم الاتيان بالآخر على أساس حكم
العقل بتقييده بعدم الاتيان بالواجب الأهم أو المساوي لبا ،و أما عدم امكان
الترتب فلأنه مبني على اجتماع الأمر بالأهم و المهم معا في زمن واحد ترتبا
و هو لا يمكن في المقام ،فان ثبوت الأمر بالصوم المهم مقارن لسقوط الأمر
بالصوم الأهم ،فان المكلف في الآن الأول من طلوع الفجر إذا نوى الاتيان
بالصوم المهم و ترك الاتيان بالأهم تحقق الأمر بالأول في ذلك الآن و سقط الأمر
من الثاني فيه ،فيكون زمان ثبوته مقارنا لزمان سقوطه لا ثبوته فلا يجتمع الأمران
في زمن واحد ترتبا .
فالنتيجة :ان المكلف إذا عصى و ترك الاشتغال بالصوم الأهم و أتى بالمهم
صح لا على أساس الترتب ،بل على أساس حكم العقل بتقييد اطلاق وجوب
المهم بعدم الاشتغال بالأهم لبا ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون متعلق النذر
طبيعي الصوم في يوم معين كيوم الجمعة مثلا ،أو يكون حصة خاصة منه كصوم
القضاء أو الكفارة أو نحوه .
ثم ان الفرض الثاني و هو وجوب الصومين في يوم واحد نادر التحقق في
الخارج ،و على تقدير تحققه فان كان وجوب أحدهما بالنذر و وجوب الآخر من
قبل الشارع فلا يصلح الأول أن يزاحم الثاني لما تقدم من أن وجوب الوفاء
بالنذر يرتفع بصرف ثبوت وجوب آخر من الشارع على أساس «أن شرط اللّه
قبل شرطكم »- 1 - ،و معه لا مزاحمة بينهما حتى يترتب عليهما أحكام التزاحم ،
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب المهور الحديث :6 .
--( 28 )--
رمضان السنة الماضية لا يجب عليه تعيين أنه من أي منهما ( 1 ) ،بل يكفيه نية
الصوم قضاء ،و كذا إذا كان عليه نذر ان كل واحد يوم أو أزيد ،و كذا إذا كان
عليه كفارتان غير مختلفتين في الآثار .
[2368 ]مسألة 9 :إذا نذر صوم يوم خميس معين ،و نذر صوم يوم معين من
شهر معين فاتفق في ذلك الخميس المعين يكفيه صومه و يسقط النذران ،فإن
قصدهما أثيب عليهما ( 2 ) ،و إن قصد أحدهما أثيب عليه و سقط عنه الآخر .
[2369 ]مسألة 10 :إذا نذر صوم يوم معين فاتفق ذلك اليوم في أيام البيض
مثلا ،فإن قصد وفاء النذر و صوم أيام البيض أثيب عليهما ،و إن قصد النذر
فقط أثيب عليه فقط و سقط الآخر ،و لا يجوز أن يقصد أيام البيض دون وفاء
النذر ( 3 ) .
كما ان هذا الفرض خارج عن مورد كلام الماتن قدّس سرّه .
( 1 ) هذا صحيح ،و لكن إذا لم يعين لم ينطبق إلاّ على الأول باعتبار ان
الثاني مشتمل على خصوصية زائدة خارجة عن الطبيعي الجامع بينهما ،و هي
ترتب الفدية على تركه ،و بها يمتاز عن الأول ،و حينئذ فيكون له تعين في الواقع
من هذه الناحية ،فإن قصده فهو ،و إلاّ انطبق على الفاقد لهذا التعين و هو الأول ،
و بذلك يظهر حال ما بعده .
( 2 ) هذا لا من جهة أن وجوب الوفاء بالنذر وجوب تعبدي لما مر من انه
توصلي و إن تعلق بالعبادة ،بل من جهة ان المكلف إذا قصد امتثال الوجوب
التوصلي اثيب عليه باعتبار انه انقياد و اطاعة للمولى ،و لا فرق بينه و بين
الوجوب التعبدي من هذه الناحية ،و انما الفرق بينهما من ناحية اخرى و هي ان
الوجوب إذا كان توصليا لا يتوقف سقوطه على قصد الامتثال ،و إذا كان تعبديا
توقف عليه .
( 3 ) هذا من جهة ما مر من انه يعتبر في الوفاء بالنذر أن يكون الناذر --( 29 )--
[2370 ]مسألة 11 :إذا تعدد في يوم واحد جهات من الوجوب أو جهات
من الاستحباب أو من الأمرين فقصد الجميع أثيب على الجميع ،و إن قصد
البعض دون البعض أثيب على المنويّ و سقط الأمر بالنسبة إلى البقية .
[2371 ]مسألة 12 :آخر وقت النية في الواجب المعين رمضانا كان أو غيره
عند طلوع الفجر الصادق ،و يجوز التقديم في أيّ جزء من أجزاء ليلة اليوم
الذي يريد صومه ،و مع النسيان أو الجهل بكونه رمضان أو المعين الآخر يجوز
متى تذكر إلى ما قبل الزوال إذا لم يأت بمفطر ( 1 ) ،و أجزأه عن
قاصدا الوفاء به و إلا فلا يعتبر وفاء و يبقى النذر في عهدته .
( 1 ) في الجواز اشكال بل منع ،نعم الأولى و الأجدر أن ينوي الصيام في
هذه الحال برجاء أن يقبل اللّه تعالى منه ،ثم يقضيه بعد شهر رمضان ،و السبب
في ذلك ان الصوم بما أنه عبادة فيجب أن تتوفر فيه النية الواجبة في كل عبادة
من حين الشروع فيه ،بأن ينوي الامساك عن تمام المفطرات و لو اجمالا بنية
القربة و الاخلاص من أول طلوع الفجر إلى الغروب الشرعي ،أي من المبدأ إلى
المنتهى ،و لا يجوز له تأخيرها عنه آنا ما ،و إلاّ لبطل صومه لأنه واجب ارتباطي
قد وقع جزء منه بدون نية القربة و الاخلاص ،نعم لا مانع من تقديمها عليه .و هنا
مجموعة تساؤلات :
الأول :إذا تأخرت النية عن طلوع الفجر و كان تأخرها عنه عن غفلة أو
جهل ثم تفطن بالحال قبل أن يستعمل مفطرا ،فهل يكفى أن ينوي الصيام
و يصح ،أو لا ؟فيه و جهان :..الظاهر هو الوجه الثاني ،و هو عدم الكفاية ،لأنّ كفاية
الصوم الناقص عن التام بحاجة الى دليل ،و قد استدل على الكفاية بعدة وجوه لا
يتم شيء منها ،و عمدتها و جهان :
أحدهما :ما ينص من ان المسافر إذا قدم أهله قبل الزوال و لم يستعمل
مفطرا في الطريق فعليه أن يصوم ذلك اليوم ،يعنى ينوي الصيام بعد قدومه --( 30 )--
..........
و حضوره ،فإذا كان ذلك وظيفة المسافر الذي لم يكن مكلفا بالصوم ما دام في
السفر و انما يكلف به بعد حضوره إذا كان قبل الزوال ،فكونه وظيفة من كان
مكلفا به من طلوع الفجر إلى المغرب بالأولوية فإذن لا مانع من التعدي عن
مورد النص إلى المقام .
و الجواب :ان مورد النص هو المسافر شريطة وصوله إلى بلده قبل الزوال
و عدم استعمال المفطر في الطريق ،و التعدي منه إلى الحاضر الغافل عن صوم
شهر رمضان أو الجاهل به و تفطن بالحال قبل الزوال بحاجة إلى قرينة ،و لا قرينة
لا في نفس النص و لا من الخارج .
و دعوى الأولوية هنا ممنوعة ،فان الأولوية العرفية الارتكازية من النص لا
توجد حيث ان العرف لا يفهم من النص عدم خصوصية لمورده ،و لا يرى
أولوية ثبوت حكمه للمقام لاحتمال ان للمسافر المذكور خصوصية و هي
تدعوا إلى الاكتفاء بالصوم الناقص بدل الكامل .و الأولوية القطعية العقلية منوطة
باحراز الملاك ،و الفرض انه لا طريق للعقل إلى احرازه ،و الأولوية الظنية لا أثر
لها .
و ثانيهما :التمسك بحديث الرفع ،بدعوى أن مقتضاه رفع اعتبار النية في
حال الجهل و النسيان .
و الجواب :ان مفاده الرفع الظاهري بالنسبة إلى الجاهل في المسألة ،و اما
في الواقع فهو مكلف بالصوم ،و حيث انه لم ينوه من الأول فلا يمكن الحكم
بالاجزاء لدى انكشاف الخلاف في الأثناء ،هذا اضافة إلى أن مفاد الحديث رفع
الحكم دون اثبات وجوب الباقي .
و اما بالنسبة إلى الناسي فالرفع فيه و ان كان واقعيا ،الاّ أن مفاد الحديث هو
رفع وجوب الصوم التام عنه في المسألة ،و اما وجوب الصوم عليه بقية النهار
فهو بحاجة إلى دليل و لا يدل عليه حديث الرفع .و لكن مع ذلك كان الأجدر
و الأحوط أن ينوي الصيام إذا تفطن بالحال برجاء الإجزاء ،ثم يقضيه بعد ذلك .--( 31 )--
..........
و اما إذا استعمل المفطر في الطريق ثم دخل بلدته قبل الزوال ،فهل عليه
أن يكف عن الاتيان بالمفطر طيلة النهار ؟فمقتضى موثقة سماعة و صحيحة
يونس أن عليه ذلك ،و لكن لا بد من رفع اليد عن ظهورهما بقرينة نص صحيحة
محمد بن مسلم في الجواز .
فالنتيجة :هو استحباب الامساك بقية النهار .
التساؤل الثاني :هل يجوز تقديم النية على طلوع الفجر ،بأن ينوي
الصيام من الليل ؟
الظاهر جوازه ،و تدل عليه السيرة القطعية الجارية بين المسلمين من لدن
زمان التشريع إلى زماننا هذا ،حيث أن عادة الناس جارية على النوم و الاستراحة
في ظلام الليل في شهر رمضان و غيره ،و لم يتعودوا على البقاء مستيقظين في
ليالي شهر رمضان كلا أو بعضا إلى الفجر ،فلو كانت النية معتبرة في صحة الصوم
من طلوع الفجر فلا بد من التنبيه عليه على أساس ان اعتبار التقارن مع طلوع
الفجر في النية أمر مغفول عنه عند الناس مع أنه لم يرد التنبيه على ذلك في شيء
من الروايات ،و هذا يكشف بشكل قاطع عن عدم اعتبار التقارن بينهما و جواز
تقديمها عليه ما لم يعدل عنها ،و تؤكد ذلك الروايات التي تنص بمختلف
الألسنة على جواز النوم إلى طلوع الفجر ،منها الروايات الواردة في نوم الجنب
فانها تنص بالالتزام على جواز النوم طيلة الليل ،و لكن الجنب إذا أراد أن ينام
قبل أن يغتسل فلا بد أن يكون واثقا و مطمئنا بالانتباه قبل أن يطلع الفجر ،فإذا نام
في هذه الحالة و استمر نومه إلى طلوع الفجر فلا شيء عليه .فإذا نوى من أول
الليل أن يصوم الغد و نام و استمر نومه طيلة الليل إلى أن طلع الفجر عليه و هو
نائم فاستيقظ وسط النهار صح صومه ،بل إذا دخل عليه شهر رمضان فنوى صوم
الشهر كله صح ما لم يعدل ،على أساس انه يكفي وجود الداعي الالهي في
النفس و لو ارتكازا في صحة الصوم .
نعم ،لا تصح نية الصوم قبل دخول شهر رمضان باعتبار أنه لا منشأ --( 32 )--
..........
للداعي الإلهي قبل دخوله .
التساؤل الثالث :ان نية القربة معناها ان أمر اللّه تعالى هو الداعي و الباعث
على قيام المكلف بالعمل ،و من المعلوم أنها بهذا المعنى لا تتوفر في تمام
حالات الصيام ،فان الصائم الذي ينام تمام النهار أو جله ،أو يكون غافلا عن
الطعام و الشراب أو ناسيا للصوم أو نحو ذلك من الحالات لا يكون الباعث على
الامساك من المفطرات هو أمر اللّه تعالى بل هو نومه أو غفلته أو ما شاكل ذلك ،
فإذن كيف يمكن الحكم بصحة الصوم في تمام هذه الحالات ؟
و الجواب :ان نية القربة و الخلوص المعتبرة في صحة الصوم ليست
بمعنى وجودها في تمام حالات الصائم ،بل بمعنى أن يكون في نفس المكلف
باعث و دافع إلهي يمنعه عن الاتيان بالمفطرات فيما إذا لم يكن نائما أو غافلا ،
فالنائم و الغافل إذا علم من حاله انه لو لم ينم أو لم يغفل لا يأكل و لا يشرب من
أجل اللّه تعالى كفاه ذلك في صحة الصوم ،و بذلك يفترق الصوم عن سائر
العبادات كالصلاة و نحوها ،باعتبار ان حقيقة الصوم عبارة عن الامساك و الكف
عن مجموعة من الأشياء التي جعلها الشارع مفطرا و ناقضا له ،فمن أجل ذلك لا
بتوقف على مئونة زائدة ،حيث انه يكفي فيه تركها و إن لم يكن عن اختيار
و إرادة كالصائم النائم في النهار ،أو الغافل عنها أو نحو ذلك شريطة أن يكون في
نفسه داع و دافع إلهي يمنعه عن الاتيان بالمفطرات كلا فيما إذا لم يكن نائما و لا
غافلا ،فإذا عرف من حاله و انه على نحو لو لم ينم أو لم يغفل لم يأت بها من
أجل أمر اللّه تعالى كفاه ذلك في نية الصوم ،و هذا بخلاف غيره من العبادات
كالصلاة و نحوها ،فانها مركبة من الأجزاء الوجودية و لا بد من مقارنة النية لكل
الأجزاء ،و هذا يعنى أنه لا بد من أن تصدر الصلاة بكامل أجزائها من المصلي
بالارادة و الاختيار ،و أن يكون كل جزء منها مقارنا مع النية لا بمعنى انه يجب
على المصلي أن يكون ملتفتا إلى نيته التفاتا كاملا كما كان في الآن الأول ،بل
بمعنى أنه إذا نوى و كبر ثم ذهل عن نيته و واصل صلاته على هذه الحال من --( 33 )--
ذلك اليوم ،و لا يجزئه إذا تذكر بعد الزوال ،و أما في الواجب الغير المعين
فيمتد وقتها اختيارا من أول الليل إلى الزوال دون ما بعده على الأصح ،و لا
فرق في ذلك بين سبق التردد أو العزم على العدم ،و أما في المندوب فيمتد إلى
أن يبقى من الغروب زمان يمكن تجديدها فيه على الأقوى .
[2372 ]مسألة 13 :لو نوى الصوم ليلا ثم نوى الإفطار ثم بدا له الصوم
قبل الزوال فنوى و صام قبل أن يأتي بمفطر صح على الأقوى ( 1 ) ،إلا
أن يفسد صومه برياء و نحوه فإنه لا يجزئه لو أراد التجديد قبل
الزوال على الأحوط ( 2 ) .
[2373 ]مسألة 14 :إذا نوى الصوم ليلا لا يضره الإتيان بالمفطر بعده قبل
الذهول صحت صلاته ما دامت النية كامنة في أعماق نفسه على نحو لو سأله
سائل :ما ذا تفعل ؟لتذكر فورا انه يصلي بداع إلهي قربي ،و بذلك تمتاز عبادية
الصوم عن عبادية غيره كالصلاة و نحوها ،ثم ان الواجب المعين الآخر بنذر أو
نحوه هل يلحق في ذلك بصوم شهر رمضان أو لا ؟
الظاهر هو الالحاق ،فان الإجزاء بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه ،و أما
الروايات التي تنص على جواز نية الصوم قبل الزوال أو بعده فموردها الواجب
غير المعين و الصوم المستحب و لا يعم الواجب المعين .
( 1 ) في الصحة اشكال بل منع ،و الظاهر هو البطلان إذا كان ذلك في صوم
شهر رمضان أو الواجب المعين الآخر كما مر ،و اما في غير المعين فالأمر كما
أفاده قدّس سرّه .
( 2 ) بل على الأقوى حتى في الواجب غير المعين ،لأن هذا الفرض خارج
عن مورد الروايات التي تدل على كفاية نية الصوم قبل الزوال لأن موردها من
أراد أن يصوم قبل الزوال و لا يعم من نوى الصوم من طلوع الفجر و لكن أبطل
صومه بالرياء و نحوه ثم أراد تجديد نيته .
--( 34 )--
الفجر مع بقاء العزم على الصوم .
[2374 ]مسألة 15 :يجوز في شهر رمضان أن ينوي لكل يوم نية على حدة ،
و الأولى أن ينوي صوم الشهر جملة و يجدد النية لكل يوم ،و يقوى الاجتزاء
بنية واحدة للشهر كله ،لكن لا يترك الاحتياط بتجديدها لكل يوم ،و أما في غير
شهر رمضان من الصوم المعين فلا بد من نيته لكل يوم ( 1 ) إذا كان عليه أيام
كشهر أو أقل أو أكثر .
[2375 ]مسألة 16 :يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يبني على أنه من
شعبان فلا يجب صومه ،و إن صام ينويه ندبا أو قضاء أو غيرهما ،و لو بان بعد
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الظاهر عدم الفرق بينه و بين صوم شهر رمضان
من هذه الناحية فان الملاك في كليهما واحد و هو كفاية وجود الداعي و الباعث
الإلهي في نفس المكلف على نحو يمنعه عن ممارسة المفطرات إذا لم يكن
نائما و لا غافلا عنها ،فما دام هذا الداعي و الباعث الإلهي كامنا في أعماق نفسه
لو لا النوم و الغفلة كفاه في صحة الصوم ،و لا فرق فيه بين صوم شهر رمضان
و غيره من الصوم الواجب بالنذر أو نحوه حيث ان المكلف يتهيأ و يستعد من
الليل لصوم الغد و ينوي الاتيان به في ظرفه من الآن رغم ان أمره ليس بفعلى ،
و هذا ليس إلاّ من جهة ان أمره الاستقبالي الجزمي يصلح أن يكون محركا و داعيا
له للعزم عليه ،و لا يتوقف كونه داعيا من الليل على أن يكون فعليا ،و لعل نظر
الماتن قدّس سرّه إلى الفرق بين صوم شهر رمضان و غيره إلى ذلك ،و هو أن وجوب
صوم شهر رمضان بما أنه فعلي من الليل بمقتضى الآية الشريفة و الروايات على
نحو الواجب المعلق فلا مانع من نيته من الليل دون وجوب صوم غيره فانه
ليس بفعلي لعدم الدليل حيث ان الواجب المعلق و إن كان ممكنا في نفسه الاّ ان
وقوعه بحاجة إلى دليل ،فالنتيجة ان الليل هو زمان تهيؤ المكلف لصوم الغد
الواجب عليه فلا مانع من نيته من الآن .
--( 35 )--
ذلك أنه من رمضان أجزأ عنه ،و وجب عليه تجديد النية إن بان في أثناء النهار
و لو كان بعد الزوال ،و لو صامه بنية أنه من رمضان لم يصح و إن صادف
الواقع ( 1 ) .
[2376 ]مسألة 17 :صوم يوم الشك يتصور على وجوه :
الأول :أن يصوم على أنه من شعبان ،و هذا لا إشكال فيه سواء نواه ندبا
أو بنية ما عليه من القضاء أو النذر أو نحو ذلك ،و لو انكشف بعد ذلك أنه كان
من رمضان أجزأ عنه و حسب كذلك .
الثاني :أن يصومه بنية أنه من رمضان ،و الأقوى بطلانه و إن صادف
الواقع .
الثالث :أن يصوم على أنه إن كان من شعبان كان ندبا أو قضاء مثلا و إن
( 1 ) ما ذكره الماتن قدّس سرّه في المسألة هو الصحيح لأنه مقتضى الجمع بين
الروايات المتمثلة في ثلاث مجموعات :
الاولى :الروايات التي تنص على بطلان صوم يوم الشك و إن كان في
الواقع من شهر رمضان .
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام : «في الرجل يصوم
اليوم الذي يشك فيه من رمضان ؟فقال :عليه قضاؤه و إن كان كذلك »- 1 - .
و منها :صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :في يوم الشك
من صامه قضاه و إن كان كذلك »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في موثقة عبد الكريم : «صم و لا تصم في السفر و لا
العيدين و لا أيام التشريق و لا اليوم الذي يشك فيه »- 3 - .و منها :غيرها - 4 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته الحديث :3 .
---------------
( 4 ) راجع الوسائل باب :6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته .
--( 36 )--
..........
الثانية :الروايات التي تنص على صحة صوم يوم الشك إذا كان في
الواقع من شهر رمضان و هي روايات كثيرة و قد علل فيها : «بأنه يوم وفق
له »- 1 - .
الثالثة :الروايات التي تنص على عدم جواز صوم يوم الشك بنية انه من
شهر رمضان .منها :قوله عليه السّلام في موثقة سماعة : «انما يصام يوم الشك من شعبان
و لا يصومه من شهر رمضان »- 2 - .
و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه ،قال : «سألته عمن يرى هلال
شهر رمضان وحده لا يبصر غيره ،أله أن يصوم ؟فقال :إذا لم يشك فيه فليصم
وحده ،و إلاّ يصوم مع الناس إذا صاموا »- 3 - .فانها ظاهرة في النهي عن صوم يوم
الشك وحده بعنوان شهر رمضان لا مطلقا ،و يشهد على ذلك قوله عليه السّلام في ذيل
الموثقة ،لأنه قد نهى أن ينفرد الانسان بالصيام في يوم الشك - 4 - .و منها غير هما .
ثم ان بين المجموعة الاولى و الثانية معارضة بالتباين ،فان مقتضى اطلاق
الاولى أن صوم يوم الشك باطل بدون فرق بين أن يصوم من شعبان أو يصوم
من شهر رمضان ،و مقتضى اطلاق الثانية انه صحيح كذلك ،و لكن المجموعة
الثالثة بما أنها تفصل بين الصورتين تحكم على المجموعتين و تبين المراد من
اطلاق كل منهما ،فتقيد اطلاق المجموعة الاولى بما إذا صام يوم الشك من شهر
رمضان ،و اطلاق المجموعة الثانية بما إذا صام يوم الشك من شعبان استحبابا أو
وجوبا ،و بذلك ترتفع المعارضة بينهما نهائيا .
فالنتيجة :ان من صام يوم الشك من شعبان قضاء أو ندبا ،فإن كان من
شعبان صح كذلك و إن كان من رمضان أجزأ عنه و من صام عن رمضان بطل
على كلا التقديرين .
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :5 من أبواب وجوب الصوم و نيته .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب وجوب الصوم و نيته الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :4 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :5 من أبواب وجوب الصوم و نيته الحديث :4 .
--( 37 )--
كان من رمضان كان واجبا ،و الاقوى بطلانه أيضا ( 1 ) .
الرابع :أن يصومه بنية القربة المطلقة بقصد ما في الذمة و كان في
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر الصحة ،لأن مرجع ذلك ليس إلى
الترديد في النية بل هو ينوي الصوم في هذا اليوم على أمل أنه إن كان من شعبان
كان ندبا أو قضاء ،و إن كان من شهر رمضان كان فرضا ،فالترديد انما هو في
تطبيق المنوي على ما في الخارج و منشأ هذا الترديد هو الشك في أن هذا اليوم
من شعبان أو من شهر رمضان فانه يوجب التردد في انطباق المنوي و هو طبيعي
الصوم على الندب أو على الفرض ،فان اليوم المذكور إن كان في الواقع من شهر
رمضان انطبق على الفرض و إن كان من شعبان انطبق على الندب ،و لا يمكن أن
يكون مرجع المسألة إلى الترديد في النية .
و إن شئت قلت :ان الشاك في أن هذا اليوم هل هو من شهر رمضان أو من
شعبان يصوم فيه بقصد أمره الفعلي الجامع بين الندب و الفرض على أساس أنه
إن كان من شهر رمضان يحسب منه ،و إن كان من شعبان يحسب ندبا ،فلا ترديد
في نية الصوم فيه أصلا و انما الترديد في تطبيق المنوي من جهة الترديد في
هوية ذلك اليوم و عنوانه الخاص .
ثم ان هذا الفرض خارج عن مورد الروايات التي تنص على البطلان - 1 - .
أما أولا :فلأن دعوى اختصاص هذه الروايات بصوم يوم الشك بنية أنه
من شهر رمضان تشريعا غير بعيدة ،إذ احتمال حرمته ذاتا حتى برجاء انه من
شهر رمضان ضعيف جدا .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها مطلقة و مقتضى اطلاقها انه
حرام و غير جائز حتى بعنوان الاحتياط و رجاء ادراك الواقع ،الاّ أنها مختصة بما
إذا صام في يوم الشك بعنوان انه من رمضان و لو رجاء ،و لا تعم ما إذا صام فيه
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :5 و 6 من أبواب وجوب الصوم و نيّته .
--( 38 )--
ذهنه أنه إما من رمضان أو غيره بأن يكون الترديد في المنوي لا في نيته ،
فالأقوى صحته ،و إن كان الأحوط خلافه .
[2377 ]مسألة 18 :لو أصبح يوم الشك بنية الإفطار ثم بان له أنه من الشهر ،
فإن تناول المفطر وجب عليه القضاء ،و أمسك بقية النهار وجوبا تأدبا ،و كذا لو
لم يتناوله و لكن كان بعد الزوال ،و إن كان قبل الزوال و لم يتناول المفطر جدد
النية و أجزأ عنه ( 1 ) .
[2378 ]مسألة 19 :لو صام يوم الشك بنية أنه من شعبان ندبا أو قضاء أو
نحوهما ثم تناول المفطر نسيانا و تبين بعده أنه من رمضان أجزأ عنه أيضا ،و لا
يضرّه تناول المفطر نسيانا كما لو لم يتبين و كما لو تناول المفطر نسيانا بعد
التبين .
[2379 ]مسألة 20 :لو صام بنية شعبان ثم أفسد صومه برياء و نحوه لم
يجزئه عن رمضان و إن تبين له كونه منه قبل الزوال .
[2380 ]مسألة 21 :إذا صام يوم الشك بنية شعبان ثم نوى الإفطار و تبين كونه
بنية الجامع .
إلى هنا قد ظهر انه لا فرق بين هذا الوجه و الوجه الرابع بحسب الواقع ،
و الفرق بينهما انما هو في التعبير فقط لا في المقصود ،لأن مرجع كلا الوجهين
إلى أنه ينوي الصوم في هذا اليوم بنية أمره الفعلي و لا ترديد في ذلك أصلا ،
و الترديد إنما هو في انطباق الصوم المنوي على الفرض أو على الندب كما مر .
( 1 ) في الإجزاء اشكال بل منع ،و الأقوى عدمه لما مر في المسألة ( 12 )
من اختصاص ذلك بالمسافر إذا قدم إلى بلده قبل الزوال و لم يأت بمفطر في
الطريق ،فان عليه أن ينوي الصيام من حين و وصوله إلى البلد ،و لا دليل على
كفايته لغير المسافر ،و لكن مع هذا كان الأجدر و الأولى أن يمسك تشبيها
بالصائمين ثم يقضيه بعد ذلك .
--( 39 )--
من رمضان قبل الزوال قبل أن يفطر فنوى صح صومه ( 1 ) ،و أما إن نوى الإفطار
في يوم من شهر رمضان عصيانا ثم تاب فجدد النية قبل الزوال لم ينعقد
صومه ،و كذا لو صام يوم الشك بقصد واجب معين ثم نوى الإفطار عصيانا ثم
تاب فجدد النية بعد تبين كونه من رمضان قبل الزوال .
[2381 ]مسألة 22 :لو نوى القطع أو القاطع في الصوم الواجب المعين بطل
صومه سواء نواهما من حينه أو فيما يأتي ،و كذا لو تردد ،نعم لو كان تردده من
جهة الشك في بطلان صومه و عدمه لعروض عارض لم يبطل و إن استمر ذلك
إلى أن يسأل ،و لا فرق في البطلان بنية القطع أو القاطع أو التردد بين أن يرجع
إلى نية الصوم قبل الزوال أم لا ،و أما في غير الواجب المعين فيصح لو رجع
قبل الزوال ( 2 ) .
( 1 ) ظهر مما مر أن الأقوى عدم الصحة .
( 2 ) في الصحة اشكال ،و لا يبعد عدمها لأن الروايات التي تنص على
امتداد زمان نية الصوم في الواجب غير المعين إلى الزوال موردها هو تارك نية
الصوم من حين طلوع الفجر ،فانه إذا أراد أن يصوم نذرا أو كفارة جدد النية
شريطة أن يكون قبل الزوال و اما من كان ناويا للصوم من المبدأ ثم ابطل صومه
بنية القطع أو القاطع ،و بعد ذلك أراد أن يجدد نية الصوم قبل الزوال فهو خارج
عن موردها ،و التعدي بحاجة إلى قرينة باعتبار ان الحكم يكون على خلاف
القاعدة .
و دعوى الأولوية ممنوعة ،فانه إن أراد بها الأولوية العرفية الارتكازية ،
فيرد عليها أنها تبتني على أن يكون الحكم الثابت في مورد الروايات موافقا
للارتكاز العرفي ،فعندئذ يفهم العرف منها عدم خصوصية لموردها ،و الفرض
ان الحكم الثابت في موردها غير موافق للارتكاز العرفي و يكون على خلاف
القاعدة ،فاذن لا بد من الاقتصار على موردها ،و لا يمكن التعدي منه إلى غيره
بدون دليل .
--( 40 )--
[2382 ]مسألة 23 :لا يجب معرفة كون الصوم هو ترك المفطرات مع النية أو
كفّ النفس عنها معها ( 1 ) .
[2383 ]مسألة 24 :لا يجوز العدول من صوم إلى صوم واجبين كانا أو
مستحبين أو مختلفين ،و تجديد نية رمضان إذا صام يوم الشك بنية شعبان
ليس من باب العدول بل من جهة أن وقتها موسع لغير العالم به إلى الزوال ( 2 ) .
و إن اريد بها الأولوية العقلية ،فيرد عليها أنها تبتني على احراز الملاك
و الفرض انه لا طريق للعقل إليه .و أما الأولوية الظنية فلا قيمة لها .
ثم أن المراد من نية القطع هو أن ينوي قطع التزامه بالامساك عن
المفطرات .
باعتبار ان حقيقة الصوم عبارة عن ذلك الالتزام النفسي الإلهي و إن لم
يقصد تناول المفطر ،و المراد من نية القاطع هو نية تناول المفطر و الحركة نحوه ،
و بما أن هذه النية تقطع التزامه بالامساك عنها فتكون مبطله و إن لم يتناول المفطر
في الخارج .
( 1 ) فيه ان عدم وجوب معرفة ذلك انما هو بملاك عدم ترتب أثر عملي
عليها ،لأن الواجب على الصائم هو الالتزام بالامساك عن كل المفطرات اجمالا
بداع و باعث إلهي ،و من المعلوم انه لا فرق فيه بين أن تكون حقيقة الصوم عبارة
عن ترك المفطرات ،أو عبارة عن كف النفس عنها باعتبار ان بالالتزام المذكور
كما يتحقق ترك المفطرات كذلك يتحقق كف النفس ،فاذن هذا البحث مجرد
بحث علمي و لا أثر عملي له .
( 2 ) الظاهر أن هذا سهو من قلمه الشريف قدّس سرّه حيث قد صرح في
المسألة ( 16 ) أنه جدد النية إذا انكشف الحال في أثناء النهار و لو كان بعد الزوال ،
فان يوم الشك إذا كان من شهر رمضان في الواقع يحسب صومه منه للنص
المتقدم بلا فرق فيه بين أن ينكشف الخلاف لدى الصائم أو لا ،و على تقدير
انكشاف الخلاف لا فرق بين أن يكون قبل الزوال أو بعده و متى انكشف
الخلاف يواصل في صومه ناويا به صوم شهر رمضان .
--( 41 )--
فصل
فيما يجب الإمساك عنه في الصوم من المفطرات
و هي امور ..
الأول و الثاني :الأكل و الشرب ،من غير فرق في المأكول و المشروب بين
المعتاد كالخبز و الماء و نحوهما و غيره كالتراب و الحصى و عصارة الأشجار
و نحوها ،و لا بين الكثير و القليل كعشر حبة الحنطه أو عشر قطرة من الماء أو
غيرها من المائعات ،حتى أنه لو بلّ الخياط الخيط بريقه أو غيره ثم ردّه إلى
الفم و ابتلع ما عليه من الرطوبة بطل صومه إلا إذا استهلك ما كان عليه من
الرطوبة بريقه على وجه لا يصدق عليه الرطوبة الخارجية ،و كذا لو استاك
و أخرج المسواك من فمه و كان عليه رطوبة ثم ردّه إلى الفم ،فإنه لو ابتلع ما
عليه بطل صومه ( 1 ) إلا مع الاستهلاك على الوجه المذكور ،و كذا
( 1 ) على الأحوط فان الروايات الناهية عن الاستياك بالسواك الرطب - 1 -
و ان كانت ناصة في الارشاد إلى مانعية ذلك عن الصيام ،الاّ أنها معارضة
بصحيحة الحلبي : «قال :سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :أ يستاك الصائم بالماء و بالعود
الرطب يجد طعمه ؟فقال :لا بأس »- 2 - الناصة في عدم مانعيته عنه ،فتسقطان من
جهة المعارضة ،فالمرجع هو أصالة البراءة عن المانعية .
و دعوى :انه لا معارضة بينهما على أساس أن الصحيحة بملاك نصها في
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :28 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
--( 42 )--
يبطل بابتلاع ما يخرج من بقايا الطعام من بين أسنانه .
[2384 ]مسألة 1 :لا يجب التخليل بعد الأكل لمن يريد الصوم و إن احتمل أن
تركه يؤدي إلى دخول البقايا بين الأسنان في حلقه ،و لا يبطل صومه لو دخل
بعد ذلك سهوا ،نعم لو علم أن تركه يؤدي إلى ذلك وجب عليه ،و بطل صومه
على فرض الدخول ( 1 ) .
مدلولها تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الروايات الناهية في
الحرمة و حملها على الكراهة ،و مع امكان الجمع العرفي الدلالي بينهما لا تصل
النوبة إلى المعارضة .
مدفوعة :بأنها مبنية على أن يكون مفاد كل منهما حكما تكليفيا بأن تكون
الروايات الناهية عن الاستياك بالسواك الرطب ظاهرة في الحرمة ،و الصحيحة
ناصة في الجواز ،و عندئذ فلا معارضه بينهما ،و لكن الأمر ليس كذلك ،فان
المتفاهم العرفي من الروايات الناهية هو الارشاد إلى مانعية الاستياك بالسواك
الرطب عن الصيام ،و المتفاهم العرفي من الصحيحة هو الارشاد إلى عدم
مانعيته ،فاذن تكون المعارضة بينهما مستقرة ،و بما انه لا ترجيح لإحداهما على
الاخرى فتسقطان معا ،فاذن مقتضى القاعدة عدم بطلان الصوم به و لكن مع
ذلك كان الأجدر و الأحوط وجوبا الاجتناب عنه ،و به يظهر حال ما قبله من
حكمه قدّس سرّه ببطلان الصوم إذا بل الخياط الخيط بريقه أو غيره ثم رده إلى الفم
و ابتلع ما عليه من الرطوبة ،فان مقتضى القاعدة عدم بطلان الصوم به لأن عنوان
الطعام و الشراب لا يصدق عليه ،و لا يوجد دليل آخر على أنه مفطر ،و مع هذا لا
يترك الاحتياط .
( 1 ) بل يبطل مطلقا و ان فرض عدم الدخول اتفاقا باعتبار أن العلم
بدخول الأجزاء الصغيرة من الطعام التي تتخلف بين الأسنان لا يجتمع مع نية
الصوم و العزم عليه فانه إذا كان متأكدا و متيقنا بدخول تلك الأجزاء كلا أو بعضا --( 43 )--
[2385 ]مسألة 2 :لا بأس ببلع البصاق و إن كان كثيرا مجتمعا ،بل و إن كان
اجتماعه بفعل ما يوجبه كتذكر الحامض مثلا ،لكن الأحوط الترك في صورة
الاجتماع خصوصا مع تعمد السبب .
[2386 ]مسألة 3 :لا بأس بابتلاع ما يخرج من الصدر من الخلط ( 1 ) و ما ينزل
من الرأس ما لم يصل إلى فضاء الفم ،بل الأقوى جواز الجرّ من الرأس إلى
الحلق ،و إن كان الأحوط تركه ،و أمّا ما وصل منهما إلى فضاء الفم فلا يترك
الاحتياط فيه بترك الابتلاع .
في حلقه فمعناه أنه غير ناو الامساك عن كل المفطرات و لا يتوقف بطلان الصوم
على دخولها في الحلق ،نعم ان الكفارة تتوقف عليه .
( 1 ) فيه اشكال ،و الأحوط وجوبا تركه ،فان عنوان الأكل أو الشرب و إن لم
يصدق عليه حيث ان المتبادر منه هو المتعارف ،الاّ ان المفطر لا يكون منحصرا
بما إذا دخل في الجوف عن طريق الفم ،بل المستفاد من مجموعة من الروايات
الواردة في أبواب متفرقة أن ما يدخل في الجوف من طريق الحلق فهو مفطر
و إن لم يكن عن طريق الفم .
منها :صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال :
«سألته عن الصائم هل يصلح له أن يصب في اذنه الدهن ؟قال :إذا لم يدخل
حلقه فلا بأس »- 1 - فانه ينص على ان المعيار في كون شيء مفطرا انما هو
بدخوله في الحلق و إن لم يكن عن طريق الفم .
و منها :موثقة سماعة في حديث قال : «سألته عن رجل عبث بالماء
يتمضمض به من عطش فدخل حلقه ؟قال :عليه قضاؤه »- 2 - فانها تنص على أن
المفطر هو الدخول في الحلق و إن لم يصدق عليه عنوان الشرب .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :4 .
--( 44 )--
..........
و منها :ما ورد في روايات الكحل - 1 - من نفي البأس عنه إذا لم يجد له
طعما في الحلق فانها تؤكد على أن المعيار في المفطر هو ما يجده الانسان في
الحلق و إن لم يكن عن طريق الفم ،و هذه الروايات بقرينة ما في بعضها و إن
كانت محمولة على حزازة الكحل و كراهته للصائم إذا كان له طعم في الحلق
باعتبار أن المستفاد منها و من غيرها أن الصائم من أجل اللّه تعالى ينبغي له
الامساك حتى من الطعم و الرائحة و نحوهما ،الاّ أنها تدل على ان المعيار في
المفطر انما هو بدخول شيء في الحلق ،و مثلها ما ورد في بعض روايات ذوق
الطعام و المرق .
فالنتيجة :ان مقتضى هذه الروايات عدم جواز ابتلاع ما يخرج من الجوف
أو الصدر و يصل إلى الحلق كالبلغم و نحوه ،و لكن مقتضى موثقة غياث بن
إبراهيم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «لا بأس أن يزدرد الصائم نخامته »- 2 - جواز
ابتلاع النخامة و إن وصلت إلى فضاء الفم على أثر ظهور الازدراد في ذلك ،
و القدر المتيقن منها و إن كان هو ما ينزل من الرأس ،و أما شمولها لما يخرج من
الصدر فهو غير معلوم ،الاّ أن احتمال أن تكون للنخامة خصوصية بعيد عن
المتفاهم العرفي ،و لكن مع هذا يشكل الجزم بالعدم ،فمن أجل ذلك فالأجدر
و الأحوط وجوبا ترك ابتلاع ما يخرج من الصدر و يصل إلى الحلق .
ثم ان مقتضى اطلاق الموثقة عدم الفرق بين أن تكون النخامة واصلة إلى
فضاء الفم أو الحلق بطبعها و بدون تدخل اختيار الصائم ،أو واصلة باختياره
و جرّها من الرأس إلى الحلق .و من هنا يظهر أن ما وصل إلى فضاء الفم فإن كان
من الرأس جاز ابتلاعه و إن كان الأولى و الأجدر تركه ،و إن كان من الصدر لم
يجز ابتلاعه على الأحوط .
ثم ان اطلاق ما دل على بطلان الصوم بما يدخل في الحلق كما قيد بغير
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :25 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :39 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 45 )--
[2387 ]مسألة 4 :المدار صدق الأكل و الشرب و إن كان بالنحو الغير
المتعارف ،فلا يضر مجرد الوصول إلى الجوف إذا لم يصدق الأكل و الشرب ،
كما إذا صب دواء في جرحه أو شيئا في أذنه أو إحليله فوصل إلى جوفه ( 1 ) .
مورد الموثقة كذلك قيد بغير القلس ،و هو ما يخرج من الطعام من جوف الرجل
من دون أن يكون تقيؤا بمقتضى مجموعة من الروايات التي تنص على أنه لا
يفطر .
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان : «عن الرجل الصائم يقلس فيخرج منه
شيء من الطعام أ يفطر ذلك ؟قال :لا ،قلت :فان ازدرده بعد أن صار على لسانه ؟
قال :لا يفطره ذلك »- 1 - .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم قال : «سئل أبو جعفر عليه السّلام عن القلس
يفطر الصائم قال :لا »- 2 - .
و منها :موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن الرجل
يخرج من جوفه القلس حتى يبلغ الحلق ثم يرجع إلى جوفه و هو صائم ،قال :
ليس بشيء »- 3 - .
( 1 ) هذا إذا لم يكن وصوله إلى الجوف من طريق الحلق ،و الاّ فهو مفطر
و إن لم يصدق عليه الأكل ،و يدل عليه قوله عليه السّلام في صحيحة علي بن جعفر
المتقدمة : «إذا لم يدخل حلقه فلا بأس »- 4 - ،و مورده و إن كان الاذن و صب الدواء
فيه ،الاّ أن العرف لا يرى فيه خصوصية بل يرى بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية ان المانع عن الصوم انما هو دخول شيء من الطعام أو الشراب في
المعدة من طريق الحلق ،فالنتيجة :ان الممنوع امور ..
---------------
( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :9 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :24 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :5 .
--( 46 )--
نعم إذا وصل من طريق أنفه فالظاهر أنه موجب للبطلان إن كان متعمدا لصدق
الأكل و الشرب حينئذ .
[2388 ]مسألة 5 :لا يبطل الصوم بإنفاذ الرمح أو السكين أو نحوهما بحيث
يصل إلى الجوف و إن كان متعمدا .
الثالث :الجماع و إن لم ينزل للذكر و الانثى ،قبلا أو دبرا صغيرا كان أو
كبيرا حيا أو ميتا ( 1 ) واطئا كان أو موطوءأ ،و كذا لو كان الموطوء بهيمة ،بل
الأول :ادخال شيء في المعدة بالابتلاع و الأكل و إن لم يكن ذلك الشيء
من الطعام أو الشراب كابتلاع أجزاء ترابية ،و أما إذا لم يكن من طريق الابتلاع
فلا يكون دخولها في المعدة مانعا عن الصوم و مفطرا كما إذا دخل الغبار الغليظ
الذي يشتمل على أجزاء ترابية ظاهرة للعيان في المعدة من طريق الأنف أو من
فتحة اخرى ،فلا دليل على أن ذلك مبطل للصوم إذ لا يصدق عليه عنوان الطعام
أو الشراب ،و لا عنوان الأكل و الابتلاع ،و لا يوجد دليل آخر يدل على أن مطلق
دخول شيء في المعدة مبطل ،و لكن مع ذلك كانت رعاية الاحتياط أولى
و أجدر .
الثاني :ادخال الطعام أو الشراب في المعدة من طريق الحلق فانه مفطر
مطلقا ،أي سواء أ كان من طريق الفم أم الأنف أو الاذن أم من طريق فتحة
مصطنعة .
الثالث :ادخال الطعام أو الشراب في المعدة من طريق فتحة طبية
مصطنعة في غير الحلق .
( 1 ) تقدم في غسل الجنابة ان وجوب الغسل بالايلاج في دبر امرأة أو ذكر
أو ميت أو بهيمة بدون انزال مبني على الاحتياط ،و على هذا فإذا أولج الصائم
في دبر امرأته أو دبر ذكر صغير أو كبير في نهار شهر رمضان بدون انزال عامدا
ملتفتا فالأحوط و الأجدر وجوبا أن يجمع بين اتمام صيام اليوم بأمل أن يقبل اللّه --( 47 )--
و كذا لو كانت هي الواطئة ،و يتحقق بإدخال الحشفة أو مقدارها من مقطوعها ،
فلا يبطل بأقل من ذلك ،بل لو دخل بجملته ملتويا و لم يكن بمقدار الحشفة لم
يبطل و إن كان لو انتشر كان بمقدارها .
[2389 ]مسألة 6 :لا فرق في البطلان بالجماع بين صورة قصد الإنزال به
و عدمه .
[2390 ]مسألة 7 :لا يبطل الصوم بالإيلاج في غير أحد الفرجين بلا إنزال ،إلا
إذا كان قاصدا له ،فإنه يبطل و إن لم ينزل من حيث إنه نوى المفطر .
[2391 ]مسألة 8 :لا يضر بإدخال الإصبع و نحوه لا بقصد الإنزال .
[2392 ]مسألة 9 :لا يبطل الصوم بالجماع إذا كان نائما ،أو كان مكرها بحيث
خرج عن اختياره ( 1 ) ،كما لا يضر إذا كان سهوا .
[2393 ]مسألة 10 :لو قصد التفخيذ مثلا فدخل في أحد الفرجين لم
يبطل ،و لو قصد الإدخال في أحدهما فلم يتحقق كان مبطلا من حيث إنه نوى
المفطر .
تعالى منه ،و القضاء بعد ذلك على أساس ان المفطر هو الجنابة ،و الاشكال في
أن الايلاج المذكور هل يوجب الجنابة أو لا قد مر أنه لا دليل على ذلك غير
دعوى الشهرة أو الاجماع في المسألة مع وجود المخالف فيها .
( 1 ) هذا في مقابل ما إذا كان مكرها على الجماع بسبب التوعيد عليه من
قبل جائر أو مكره أو من نفس المرأة ،فان الجماع حينئذ يكون صادرا منه
بالاختيار و الارادة فيبطل صومه .
فالنتيجة :ان الاكراه ان كان على نفس الجماع مباشرة على نحو لا يقدر
على تركه لم يكن مبطلا ،و إن كان عليه بسبب التوعيد على القتل أو نحوه
فالجماع حينئذ و إن كان جائزا و لا كفارة عليه الاّ انه لما كان صادرا منه باختياره --( 48 )--
[2394 ]مسألة 11 :إذا دخل الرجل بالخنثى قبلا لم يبطل صومه و لا صومها ،
و كذا لو دخل الخنثى بالانثى و لو دبرا ،أما لو وطأ الخنثى دبرا بطل
صومهما ( 1 ) ،و لو دخل الرجل بالخنثى و دخلت الخنثى بالانثى بطل صوم
الخنثى دونهما ،و لو وطأت كل من الخنثيين الاخرى لم يبطل صومهما .
[2395 ]مسألة 12 :إذا جامع نسيانا أو من غير اختيار ثم تذكر أو ارتفع الجبر
وجب الإخراج فورا ،فإن تراخى بطل صومه .
[2396 ]مسألة 13 :إذا شك في الدخول أو شك في بلوغ مقدار الحشفة لم
يبطل صومه ( 2 ) .
الرابع من المفطرات :الاستمناء أي إنزال المني متعمدا بملامسة أو قبلة
أو تفخيذ أو نظر أو تصوير صورة المواقعة أو تخيل صورة امرأة ( 3 )
و ارادته فهو مبطل لصومه .
( 1 ) على الأحوط كما مر ،هذا مع فرض عدم الانزال -كما هو المفروض
في المسألة -و أمّا مع الانزال فالباطل هو صوم الواطئ ،و أما بطلان صوم
الموطوء فهو مبني على الاحتياط بلا فرق بين صورتي الانزال و عدمه .
( 2 ) هذا إذا لم ينو الدخول من الأول ،و الاّ بطل من جهة نية المفطر .
( 3 ) في البطلان اشكال ،و الأحوط وجوبا أن يواصل صيامه بنية القربة
و الخلوص رجاء ثم يقضي بعد شهر رمضان ،و السبب فيه ان الروايات التي
تنص على حكم المسألة عمدتها روايتان ..
احداهما :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام
عن الرجل يعبث بأهله في شهر رمضان حتى يمنى ،قال :عليه من الكفارة مثل
ما على الذي يجامع »- 1 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 49 )--
..........
و الاخرى :موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل لزق بأهله فانزل ،قال :عليه
اطعام ستين مسكينا مد لكل مسكين »- 1 - .و بما أنه قد جعل سبب خروج المني
في الاولى العبث بالأهل ،و في الثانية اللزوق بها فيكون المتفاهم العرفي منهما
عدم الخصوصية لهما و امكان التعدي إلى ممارسة كل فعل يوجب انزال المني
كاللعب بالآلة أو اليد ،الاّ ان التعدي عنهما إلى مالا يكون معه انزال المني
بممارسة شيء من تلك الأسباب و الأفعال ،أي لا باليد و لا بالآلة و لا بالمداعبة
و الملاعبة بأن يكون بالنظر أو بتخيل صورة المواقعة أو صورة امرأة خيالية أو
واقعية لا يخلو عن إشكال .
و إن شئت قلت :ان كلمة الاستمناء لم ترد في شيء من الروايات لكي
نأخذ باطلاقها و إنما الوارد فيها هو كلمة العبث و اللزوق و ما شاكلهما ،و التعدي
عنها إلى ممارسة عمل ما في الخارج كاللعب باليد أو بالآلة بقصد انزال المني
بمكان من الامكان ،و أما التعدي عنها إلى قصد انزال المني بدون ممارسة أي
فعل في الخارج فهو بحاجة إلى عناية زائدة كقرينة داخلية ،أو خارجية ،أو
احراز الملاك و القطع بعدم الخصوصية ،أما القرينة فهي غير متوفرة ،و أما دعوى
احراز الملاك و القطع فهي على عهدة مدعيها ،فمن أجل ذلك كان الأجدر به
و الأحوط وجوبا أن يواصل صومه بأمل التقرب إلى اللّه تعالى رجاء ثم يقضي
بعد شهر رمضان .
و أما إذا مارس شيئا من هذه الأفعال و لم يكن قاصدا بذلك انزال المني
و لكن سبقه المني ،و حينئذ فإن لم يكن واثقا و متأكدا من نفسه عدم نزوله ،
فالظاهر وجوب الكفارة و القضاء معا لأنه مارس ذلك عامدا ملتفتا إلى حاله ،هذا
اضافة إلى أنه لا يبعد أن تكون هذه الصورة مشمولة لإطلاق الروايتين
المتقدمتين و عدم اختصاصهما بما إذا كان الصائم قاصدا لإنزال المني .و إن كان
واثقا و متأكدا من نفسه عدم النزول فعليه القضاء فقط لإطلاق صحيحة الحلبي
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :4 .
--( 50 )--
..........
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن رجل يمس من المرأة شيئا أ يفسد ذلك صومه
أو ينقضه ؟فقال :ان ذلك ليكره للرجل الشاب مخافة أن يسبقه المني »- 1 - فان
الظاهر منهما عرفا ان خروج المني منه مبطل و إن لم يكن قاصدا و لا متعودا ،بل
و إن كان واثقا من نفسه عدم سبقه و لكن سبقه اتفاقا .
و إن شئت قلت :ان تعليل الكراهة بخوف سبق المني يدل على أن سبقه
مضر في نفسه و بقطع النظر عن خوفه ،و لذلك جعل خوفه سببا للكراهة ،فان
كان واثقا من نفسه و متأكدا بعدم سبقه المني لم يكن تقبيلها و لمسها مكروها له ،
غاية الأمر يبطل صومه إذا سبقه اتفاقا ،و تؤكد ذلك صحيحة محمد بن مسلم
و زرارة جميعا عن أبي جعفر عليه السّلام : «انه سئل هل يباشر الصائم أو يقبّل في شهر
رمضان ؟فقال :إني أخاف عليه فليتنزّه من ذلك إلاّ أن يثق أن لا يسبقه منيّه »- 2 -
بتقريب أنها تدل على وجوب اجتناب الصائم عن مباشرة النساء أو تقبيلها
شريطة أن لا يثق ،و اما مع الوثوق فلا ،و لا تدل على أن خروج المني مع الوثوق
لا يكون مبطلا ،بل الظاهر منها أنه مبطل مطلقا حتى مع الوثوق ،غاية الأمر انه لا
يجب الاجتناب معه باعتبار انه حجة و يكون عذرا له .
فالنتيجة :ان المستفاد من هاتين الصحيحتين ان الصائم إذا قبّل زوجته
و داعب فسبقه المني بطل صومه و إن كان واثقا من نفسه عدم سبقه و غير قاصد
له ،غاية الأمر انه إذا لم يكن واثقا فقد مر وجوب الكفارة عليه أيضا ،لأنه إذا
داعب زوجته في هذه الحالة فسبقه المني كان متعمدا في ذلك ،فمن أجل هذا
يجب عليه أن لا يحدث منه هذا العمل كما هو ظاهر هذه الصحيحة .و من هنا
يظهران المراد من الكراهة في الصحيحة الأولى أيضا ذلك .
و مع الاغماض عن هذا فلا شبهة في أن الأحوط و الأجدر عليه وجوبا أن
يواصل صيامه بنية القربة و الخلوص ثم يقضيه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :33 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :13 .
--( 51 )--
أو نحو ذلك من الأفعال التي يقصد بها حصوله ،فإنه مبطل للصوم بجميع
أفراده ،و أما لو لم يكن قاصدا للإنزال و سبقه المني من دون إيجاد شيء مما
يقتضيه لم يكن عليه شيء .
[2397 ]مسألة 14 :إذا علم من نفسه أنه لو نام في نهار رمضان يحتلم
فالأحوط تركه ،و إن كان الظاهر جوازه خصوصا إذا كان الترك موجبا للحرج .
[2398 ]مسألة 15 :يجوز للمحتلم في النهار الاستبراء بالبول أو الخرطات
و إن علم بخروج بقايا المني في المجرى ،و لا يجب عليه التحفظ بعد الإنزال
من خروج المني إن استيقظ قبله خصوصا مع الإضرار أو الحرج .
[2399 ]مسألة 16 :إذا احتلم في النهار و أراد الاغتسال فالأحوط تقديم
الاستبراء إذا علم أنه لو تركه خرجت البقايا بعد الغسل فتحدث جنابة
جديدة ( 1 ) .
( 1 ) لا بأس بتركه .و إن كان ذلك أولى و أجدر ،لأن الدليل الدال على
مفطرية الجنابة في نهار شهر رمضان انما هو فيما إذا كانت بسبب الجماع ،أو
ممارسة شيء من الأفعال المتقدمة ،و أما إذا لم تكن لا بالسبب الأول و لا بالثاني
فلا دليل على أنها مفطرة .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة أبي سعيد القماط : «...لا شيء عليه و ذلك أن
جنابته كانت في وقت حلال »- 1 - فهو لا يدل على أن جنابته إذا كانت في وقت
حرام فعليه شيء ،لأنه ساكت عن حكم هذا الموضوع نفيا و اثباتا ،لما ذكرنا في
الاصول من أن القيد لا يدل على المفهوم و انما يدل على ان الموضوع في
القضية حصة خاصة و بانتفائه ينتفي شخص الحكم بانتفاء تلك الحصة ،و هذا
ليس من المفهوم في شيء ،و حيث أن في الصحيحة قد قيد الجنابة بوقت حلال
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 52 )--
..........
فهذا يدل على أن موضوع الحكم فيها حصة خاصة من الجنابة و بانتفائه ينتفي
شخص الحكم الثابت لهذا الموضوع الخاص ،و أما بالنسبة إلى حكم موضوع
آخر و هو ما إذا كانت جنابته في وقت حرام فهو ساكت عنه نفيا و اثباتا ،فلو دل
دليل على ثبوته لم يكن معارضا له ،و على هذا فالنتيجة أن الجنابة في نهار شهر
رمضان ان كانت بالجماع أو بالمداعبة و الملاعبة و نحوها فهي مفطرة ،و ان كانت
بالاحتلام فلا .
و أما الجنابة في مفروض المسألة فبما أنها ليست بالجماع و لا بممارسة
غيره من الأفعال فلا تكون مشمولة لأدلة مفطرية الجماع أو الاستمناء ،و عندئذ
فان قلنا بأنها مشمولة لروايات الاحتلام باعتبار أنها مستندة إليه و لو في نهاية
المطاف حيث ان الخارج بعد الغسل هو من بقايا ما خرج قبله فمنشأ الكل هو
الاحتلام فلا تكون مفطرة ،و إن قلنا بعدم شمول تلك الروايات لها بدعوى أن
الظاهر منها هو ما إذا كانت الجنابة مستندة إلى الاحتلام مباشرة ،و أما إذا كانت
مستندة إلى سبب آخر فلا تكون مشمولة لها ،و على ذلك فيشك في مفطرية
هذه الجنابة الجديدة ،و بما انه لا دليل عليها فالمرجع هو أصالة البراءة عنها .
فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة في المسألة جواز ترك الاستبراء قبل
الاغتسال و إن علم بأنه صار جنبا بخروج بقايا المني منه بعد ذلك .
فاذن وظيفته أن يواصل صيامه بنية القربة و الخلوص و لا شيء عليه و إن
كانت رعاية الاحتياط بعدم ترك الاستبراء قبل الاغتسال أولى و أجدر .
و من هنا يظهر حال المسألة المتقدمة ،فان الصائم إذا احتلم في نهار شهر
رمضان و تحرك المني من مكانه الأصلي ثم استيقظ قبل خروجه لم يجب عليه
المنع منه و إن كان متمكنا ،و حينئذ فإذا خرج و الحال هذه صار جنبا
عامدا ملتفتا ،و لكن مع ذلك لا يبطل صومه باعتبار أن هذه الجنابة مستندة إلى
الاحتلام .و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان روايات الاحتلام لا تشمل هذه
الجنابة باعتبار أنها مستندة إلى اختيار المكلف و إرادته فمع هذا لا دليل على أنها --( 53 )--
[2400 ]مسألة 17 :لو قصد الإنزال بإتيان شيء مما ذكر و لكن لم ينزل بطل
صومه من باب نية إيجاد المفطر .
[2401 ]مسألة 18 :إذا أوجد بعض هذه الأفعال لا بنية الإنزال لكن كان من
عادته الإنزال بذلك الفعل بطل صومه أيضا إذا أنزل ،و أما إذا أوجد بعض هذه
و لم يكن قاصدا للإنزال و لا كان من عادته فاتفق أنه أنزل فالأقوى عدم
البطلان ،و إن كان الأحوط القضاء ( 1 ) خصوصا في مثل الملاعبة و الملامسة
و التقبيل .
الخامس :تعمد الكذب على اللّه تعالى أو رسوله أو الأئمة عليهم السّلام ( 2 )
مفطرة كما عرفت .
( 1 ) لا يترك حتى فيما إذا كان واثقا و متأكدا بعدم نزول المني منه و لكن
سبقه اتفاقا ،فان الأجدر به و الأحوط وجوبا أن يواصل صيامه بنية التقرب إلى
اللّه تعالى رجاء ثم يقضي بعد شهر رمضان ،و تقدم وجهه في ابتداء الأمر الرابع .
( 2 ) هذا هو الصحيح دون ما هو المشهور بين المتأخرين من أنه لا يكون
مفطرا و إنما يوجب نقصا في كمال الصوم فحسب ،حيث أن عمدة ما اعتمدوا
عليه صحيحة محمد بن مسلم قال : «سمعت أبا جعفر يقول :لا يضر الصائم ما
صنع إذا اجتنب ثلاث خصال :الطعام و الشراب و النساء و الارتماس في الماء »- 1 -
بدعوى أنها في مقام بيان أن حقيقة الصوم متقومة بالاجتناب عن هذه الأشياء
و ترك ممارستها في الخارج ،فإذا اجتنب الصائم عنها فقد صام شرعا سواء
اجتنب عن غيرها أم لا ،و عليه فهذه الصحيحة تصلح أن تكون قرينة على حمل
الروايات التي تدل على مفطرية الكذب على اللّه و على
رسوله صلّى اللّه عليه و آله و الأئمة عليهم السّلام - 2 - على مفطريته بلحاظ كماله و تمامه لا أصله
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل باب :2 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
--( 54 )--
..........
و حقيقته .
و الجواب أولا :ان لازم هذا البيان هو حمل سائر المفطرات أيضا بلحاظ
مرتبة الكمال دون الأصل و الحقيقة إذ لا وجه لتخصيص ذلك بالكذب فكما أن
الصحيحة قرينة على ان الاجتناب عنه غير داخل في حقيقة الصوم فكذلك
قرينة على أن الاجتناب عن تعمد القيء و الحقنة بالمائع و الاصباح جنبا عامدا
ملتفتا غير داخل في حقيقته .
فالنتيجة :ان لازم كون الصحيحة في مقام بيان حقيقة الصوم و أنها متقومة
بالاجتناب عن الأشياء المذكورة و الامساك عنها هو حمل سائر المفطرات
جميعا على المفطرية بلحاظ كمال الصوم بلا فرق بين هذا و ذاك .
و ثانيا :انه ليس في الصحيحة ما ينص و يؤكد على أنها في مقام بيان
حقيقة الصوم و حصرها بالاجتناب عن الأربع المنصوصة فيها و لا قرينة على
ذلك من الخارج أيضا ،و اما نفسها فهي لا تدل على أن ممارسة ما عدا الأربع لا
تضر بالصوم الاّ بالاطلاق و مقدمات الحكمة .فاذن حالها حال سائر المطلقات ،
فلا مانع من تقييد اطلاقها بأدلة مفطرية الكذب على اللّه أو رسوله صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمة
الأطهار عليهم السّلام ،كما يقيده بأدلة سائر المفطرات كالتقيؤ عامدا ملتفتا و الحقنة
بالمائع و الاصباح جنبا عالما عامدا و نحو ذلك .و على الجملة فليست في
الصحيحة خصوصية تستدعي إبائها عن التخصيص و التقييد لفرض ان لسانها
لسان الاطلاق لا لسان الآباء عن ذلك ،و لا توجد قرينة تؤكد على أن الاجتناب
عن الأربع المنصوصة فيها هو أصل الصوم و حقيقته لا من الداخل و لا الخارج .
فالنتيجة :ان الكذب على اللّه تعالى أو على رسوله الأمين صلّى اللّه عليه و آله أو على
الأئمة المعصومين عليهم السّلام مفطر سواء أ كان الكذب في الحرام و الحلال ،أم كان في
القصص و المواعظ ،أم في شيء آخر لإطلاق الأدلة ،كما أنه لا فرق بين أن
يكون بالقول أو بغيره ،فان المعيار انما هو بصدق الكذب و لا موضوعية لصيغة
الكذب .
--( 55 )--
سواء كان متعلقا بامور الدين أو الدنيا ،و سواء كان بنحو الإخبار أو بنحو
الفتوى ،بالعربي أو بغيره من اللغات ،من غير فرق بين أن يكون بالقول أو
الكتابة أو الإشارة أو الكناية أو غيرها مما يصدق عليه الكذب ،مجعولا له أو
جعله غيره و هو أخبر به مسندا إليه لا على وجه نقل القول ،و أما لو كان على
وجه الحكاية و نقل القول فلا يكون مبطلا .
[2402 ]مسألة 19 :الأقوى إلحاق باقي الأنبياء و الأوصياء بنبينا صلّى اللّه عليه و آله ( 1 )
فيكون الكذب عليهم أيضا موجبا للبطلان ،بل الأحوط إلحاق فاطمة
الزهراء عليها السّلام بهم أيضا .
[2403 ]مسألة 20 :إذا تكلم بالخبر غير موجّه خطابه إلى أحد أو موجها إلى
من لا يفهم معناه فالظاهر عدم البطلان ،و إن كان الأحوط القضاء ( 2 ) .
[2404 ]مسألة 21 :إذا سأله سائل هل قال النبي صلّى اللّه عليه و آله كذا فأشار «نعم »في
( 1 ) في الالحاق مطلقا اشكال ،الاّ بناء على أن يكون المراد من الرسول
في الروايات طبيعي الرسول لا خصوص خاتم المرسلين ،و لكنه خلاف الظاهر
من كلمة الرسول فيها ،و لا سيّما بلحاظ اقترانها بالأئمة عليهم السّلام .و على هذا فلا دليل
بالنسبة إلى سائر الأنبياء و حينئذ لا بد من التفصيل بين ما إذا رجع الكذب عليهم
إلى الكذب على اللّه تعالى ،و بين ما لم يرجع ،فعلى الأول مفطر يقضي صومه
بعد ذلك ،و على الثاني فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يواصل صيامه بأمل أن
يقبل اللّه تعالى منه ،ثم يقضي بعد ذلك رجاء .
( 2 ) بل هو الأقوى ،لأن الوارد في نصوص الباب عنوان الكذب على اللّه
تعالى أو على رسوله صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمة عليهم السّلام ،لا عنوان الاخبار عن شيء و لا يتوقف
صدق الكذب على وجود سامع فضلا عن كونه ممن يفهم معنى الكلام ،فإذا
أتى بجملة خبرية مستندة إليه تعالى أو إلى خاتم المرسلين أو الأئمة عليهم السّلام بأن
يقول : «قال اللّه تعالى كذا و كذا أو قال رسوله صلّى اللّه عليه و آله أو أحد الأئمة عليهم السّلام مع أنه --( 56 )--
مقام «لا »أو «لا »في مقام «نعم »بطل صومه .
[2405 ]مسألة 22 :إذا أخبر صادقا عن اللّه أو عن النبي صلّى اللّه عليه و آله مثلا ثم قال :
كذبت کبطل صومه ،و كذا إذا أخبر بالليل كاذبا ثم قال في النهار :ما أخبرت به
البارحة صدق .
[2406 ]مسألة 23 :إذا أخبر كاذبا ثم رجع عنه بلا فصل لم يرتفع عنه الأثر
فيكون صومه باطلا ،بل و كذا إذا تاب بعد ذلك فإنه لا تنفعه توبته في رفع
البطلان .
[2407 ]مسألة 24 :لا فرق في البطلان بين أن يكون الخبر المكذوب مكتوبا
في كتاب من كتب الأخبار أولا ،فمع العلم بكذبه لا يجوز الإخبار به و إن
أسنده إلى ذلك الكتاب إلا أن يكون ذكره له على وجه الحكاية دون الإخبار ،
بل لا يجوز الإخبار به على سبيل الجزم مع الظن بكذبه ( 1 ) بل و كذا مع احتمال
تعالى او رسوله أو أحد الأئمة عليهم السّلام لم يقل بذلك ،فهو كذب عليهم و ان لم تكن
الجملة موجهة إلى أحد و لا نوى أخباره بها ،غاية الأمر لا يصدق عليها عنوان
الاخبار في هذا الفرض لا عنوان الكذب ،و أما إذا كانت موجهة إلى أحد و لكنه لا
يفهم معناها فيصدق عليها عنوان الإخبار أيضا إذ لا يعتبر في صدق الاخبار كون
المخاطب ممن يفهم المعنى .
( 1 ) هذا هو الصحيح لأن الظن حيث انه لا دليل عليه فهو ملحق بالشك
و الاحتمال فيكون الظن بالكذب كاحتماله ،فلا يجوز للظان الاخبار عن الواقع
جزما بمقتضى قوله تعالى :أَ تَقُولُونَ عَلَى اَللَّهِ ما لا تَعْلَمُونَ - 1 - و نحوه ،و انما
الكلام في بطلان الصوم به على أساس ان بطلانه مترتب على عنوان الكذب
على اللّه تعالى أو على خاتم المرسلين صلّى اللّه عليه و آله أو على الأئمة الأطهار عليهم السّلام و بما أن
---------------
( 1 ) الأعراف /28 .
--( 57 )--
..........
الكذب منوط بعدم مطابقة الأخبار للواقع فمع عدم احراز انه مطابق له أو غير
مطابق لم يحرز انه كذب ،كما لم يحرز انه صدق ،فكان يشك في أن أخباره هذا
كذب على اللّه تعالى حتى يكون مفطرا أو لا حتى لا يكون مفطرا فالشبهة حينئذ
تكون موضوعية و لا يمكن التمسك فيها باطلاقات أدلة مفطرية الكذب فيكون
المرجع فيها أصالة البراءة عن مانعية هذا الإخبار عن الصوم .
قد يقال كما قيل :انه لا مجال لأصالة البراءة للعلم الإجمالي اما بكذبه أو
كذب نقيضه و هذا العلم الإجمالي منجز ،و معه لا يجوز له الاخبار بكل منهما ،
فإذا أخبر به فقد تعمد الكذب على اللّه تعالى على تقدير كونه مخالفا للواقع .
و لكن هذا غير صحيح ،فان عدم جواز الاخبار بكل منهما جزما شيء
و كونه مفطرا للصوم شيء آخر ،لأن ملاك عدم جواز الاخبار هو أنه قول على اللّه
تعالى بغير علم و هو غير جائز بمقتضى الآيات منها الآية المتقدمة .و اما ملاك
كونه مفطرا للصوم فهو انطباق عنوان الكذب على اللّه تعالى عليه ،و من المعلوم
ان العلم الإجمالي بكذب أحدهما انما يوجب انطباق عنوان الكذب على
الجامع بينهما دون كل واحد من فرديه ،لأن انطباقه على كل واحد منهما
مشكوك فيه كما هو الشأن في جميع موارد العلم الإجمالي ،و من هنا إذا علم بأن
أحد الإناءين خمر فشرب أحدهما دون الآخر لم يترتب عليه أثر شرب الخمر
كاستحقاقه لإجراء الحد عليه و إن كان غير جائز .
فالنتيجة :ان المفطر للصوم عنوان الكذب على اللّه تعالى أو على
رسوله صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمة عليهم السّلام ،فالحكم بنقض الصوم و بطلانه به منوط باحراز ان ما
قاله الصائم كذب على اللّه أو رسوله .هذا .
فالصحيح في المسألة أن يقرب بطلان الصوم فيها بتقريب آخر و هو ان
الصائم إذا كان ملتفتا إلى أن ما قاله من اللّه تعالى أو الرسول صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمة
الأطهار عليهم السّلام إما أنه مطابق للواقع أو غير مطابق ،فعلى الأول صدق ،و على الثاني
كذب مبطل للصوم و مع هذا إذا قال ذلك من قبل اللّه تعالى بصورة الجزم فمعناه --( 58 )--
كذبه إلا على سبيل النقل و الحكاية ،فالأحوط لناقل الاخبار في شهر رمضان
مع عدم العلم بصدق الخبر أن يسنده إلى الكتاب أو إلى قول الراوي على
سبيل الحكاية .
[2408 ]مسألة 25 :الكذب على الفقهاء و المجتهدين و الرواة و إن كان حراما
لا يوجب بطلان الصوم إلا إذا رجع إلى الكذب على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله .
[2409 ]مسألة 26 :إذا اضطر إلى الكذب على اللّه و رسوله صلّى اللّه عليه و آله في مقام التقية
من ظالم لا يبطل صومه به ( 1 ) ،كما أنه لا يبطل مع السهو أو الجهل المركب .
[2410 ]مسألة 27 :إذا قصد الكذب فبان صدقا دخل في عنوان قصد المفطر
انه لم ينو الصوم ،فان معنى نية الصوم التزام الصائم بالاجتناب عن ممارسة كل
المفطرات حتى ما يحتمل كونه مفطرا في الواقع و الاّ لم يكن عازما و جازما على
الامساك عنها .
و إن شئت قلت :ان العلم الإجمالي مانع عن جريان أصالة البراءة عن
مفطرية كل منهما لأن جريانها في مفطرية أحدهما المعين دون الآخر ترجيح
من غير مرجح و في كليهما يستلزم المخالفة القطعية العملية ،و على هذا فإذا
قصد الصائم الاتيان بأحدهما بصورة الجزم فمعناه انه لم ينو الاجتناب عن كل
مفطر و إن كان محتملا .
فالنتيجة :ان بطلان الصوم ليس من أجل انه كذب على اللّه متعمدا ،بل من
أجل انه تعمد و قصد الاتيان به في الواقع و إن كان مفطرا ،و هذا يضر بنية الصوم
المعتبر فيها الجزم و اليقين بالامساك عن جميع المفطرات و لو اجمالا .
( 1 ) في عدم البطلان اشكال ،و الأجدر به و الأحوط وجوبا أن يواصل
صيامه بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه رجاء ،ثم يقضي بعد ذلك ،فان دعوى
انصراف الروايات التي تنص على مفطرية الكذب إلى الكذب المحرم
المتعارف و إن كانت محتملة الاّ ان الوثوق و التأكد بها غير ممكن .
--( 59 )--
بشرط العلم بكونه مفطرا .
[2411 ]مسألة 28 :إذا قصد الصدق فبان كذبا لم يضر كما أشير إليه .
[2412 ]مسألة 29 :إذا أخبر بالكذب هزلا بأن لم يقصد المعنى أصلا لم
يبطل صومه ( 1 ) .
السادس :إيصال الغبار الغليظ إلى حلقه ( 2 ) ،بل و غير الغليظ على
الأحوط ،سواء كان من الحلال كغبار الدقيق أو الحرام كغبار التراب و نحوه ،
و سواء كان بإثارته بنفسه بكنس أو نحوه أو بإثارة غيره بل أو بإثارة
( 1 ) هذا من جهة انه لا كذب في البين باعتبار ان الصدق و الكذب من
أوصاف الخبر المتقوم بقصد الحكاية عن المعنى في الواقع ،و بما انه لم يقصد
الحكاية عن المعنى فيه فلا موضوع للكذب .
( 2 ) هذا فيما إذا كان مشتملا على أجزاء ترابية ظاهرة للعيان و إن كانت
صغيرة فانه حينئذ يصدق على إيصاله إلى الحلق ابتلاعه و أكله ،و أما إذا لم
يصدق عنوان الابتلاع و الأكل فلا يكون مفطرا ،كما إذا كانت أجزاؤه غير ظاهرة
للعيان بأن تصاغرت إلى درجة لا يبدو لها وجود كالبخار .
قد يقال :بأن رواية سليمان بن جعفر المروزي قال : «سمعته يقول :إذا
تمضمض الصائم في شهر رمضان ،أو استنشق متعمدا ،أو شم رائحة غليظة ،أو
كنس بيتا فدخل في أنفه و حلقه غبار فعليه صوم شهرين متتابعين ،فان ذلك
مفطر مثل الأكل و الشرب و النكاح »- 1 - تنص على أن دخول الغبار في الحلق
مفطر ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين الغبار المشتمل على أجزاء ترابية ظاهرة
للعيان و ان صغرت بحيث يصدق على دخوله في الحلق الابتلاع و الأكل و الغبار
المشتمل على أجزاء ترابية دقيقة إلى درجة لا يبدو لها وجود في الخارج
كالبخار ،فاذن لا وجه للتفصيل و لا قرينة على حملها على النوع الأول ،و الغبار
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :
--( 60 )--
..........
الناشي من كنس الدار يختلف فقد يكون غليظا بدرجة يبدو لأجزائه الترابية
وجود في الخارج ،و قد يكون خفيفا بدرجة لا يبدو لأجزائه وجود فيه .
و الجواب :ان الرواية ساقطة سندا ،لأن في سندها سليمان بن جعفر
المروزي و لا توثيق له في كتب الرجال .
و دعوى :أن الراوي فيها هو سليمان ابن حفص المروزي دون سليمان
بن جعفر المروزي بقرينتين ..
الاولى :أنه لا وجود لسليمان بن جعفر المروزي نهائيا .
و الثانية :ان الراوي عنه محمد بن عيسى بن عبيد و هو يروي كثيرا عن
ابن حفص .
و لكن للمناقشة في كلتا القرينتين مجال .
أما القرينة الاولى :فلأن سليمان بن جعفر المروزي قد ورد في بعض
نسخ هذه الروايه و غيرها ،غاية الأمر لم يثبت انه سليمان بن جعفر المروزي ،لا
أنه ثبت عدمه و أنه لا وجود له ،كيف مع ان الشيخ نقل عنه في الاستبصار في
غير مورد ،و احتمال التصحيف فيه و إن كان موجودا ،الاّ ان الوثوق و الجزم به
مشكل .
فالنتيجة :أن مجرد كون سليمان بن حفص المروزي مشهورا و كثير
الرواية دون سليمان بن جعفر المروزي لا يوجب الوثوق و الاطمئنان بعدم
الوجود للثاني ،غايته أنه يوجب الظن به و لا قيمة له ،فاحتمال ان الراوي في هذه
الرواية هو سليمان بن جعفر المروزي موجود .
و أما القرينة الثانية :فلأن غاية ما توجب كثرة رواية محمد بن عيسى بن
عبيد عن ابن حفص الظن بالحاق المشكوك بالأعم الأغلب لا أثر للظن و لا
يصلح أن يكون قرينة على ان المراد منه هو ابن حفص المروزي .
و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان المراد منه هو ابن حفص المروزي الاّ
أنه لا توثيق له أيضا ،غاية الأمر أنه ورد في اسناد كامل الزيارات و قد ذكرنا في --( 61 )--
الهواء مع التمكين منه و عدم تحفظه ،و الأقوى إلحاق البخار الغليظ ( 1 )
بحث الفقه غير مرة أن مجرد وروده في اسناده لا يكفى للتوثيق .
فالنتيجة :ان الرواية ضعيفة سندا سواء أ كان الراوي لها سليمان بن جعفر
أم كان سليمان بن حفص .هذا اضافة إلى أن قوله «سمعته »لا يدل على أنه سمع
من الامام عليه السّلام ،إذ فرق بين أن يكون الاضمار بصيغة «سمعته »و بين أن يكون
بصيغة «سألته »أو «قلت له »فانه إن كان بالصيغة الثانية فيمكن أن يقال انه بلحاظ
علو مقامه لا يسأل عن غير الإمام عليه السّلام ،و أما إن كانت بالصيغة الاولى فلا تتضمن
هذه النكتة ،إذ نقل ما سمعه من غير الامام عليه السّلام لا يكون مخالفا و منافيا لشأنه
و علو مقامه ،فاذن الرواية ساقطة من هذه الناحية أيضا .
إلى هنا قد ظهر ان الصحيح هو ما ذكرناه من أن الغبار إذا كانت أجزاؤه
الترابية ظاهرة للعيان و وصلت إلى حلق الصائم و كان ذلك باختياره صدق انه
ابتلعها و أكلها عامدا ملتفتا ،و لا فرق فيه بين أن تكون اثارة تلك الأجزاء الترابية
الواصلة إلى الحلق بقيام الصائم نفسه بعملية الكنس أو نحوه أو بقيام غيره ،أو
بسبب الهواء ،و أما إذا كانت أجزاؤه الترابية على نحو لا يبدو لها وجود في
الخارج فلا يكون دخولها في الحلق مفطرا و إن كان ذلك بتمكين الصائم
و اختياره ،على أساس انه لا يصدق عليه عنوان الابتلاع و الأكل ،و يدل عليه ذيل
موثقة عمرو بن سعيد - 1 - الآتية .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر أنه لا يضر بالصوم ،فان وصول
البخار إلى الحلق ما دام بخارا كما هو المفروض في المسألة لا يصدق عليه
عنوان الشراب ،نعم إذا تبدل البخار ماء في الفم ثم دخل في الحلق فهو مفطر
لصدق ذلك العنوان عليه و لكنه خلاف الفرض فيها .
فالنتيجة :ان البخار ما دام بخارا إذا دخل في حلق الصائم بتمكينه عامدا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 62 )--
و دخان التنباك و نحوه ( 1 ) ،و لا بأس بما يدخل في الحلق غفلة أو نسيانا أو
قهرا أو مع ترك التحفظ بظن عدم الوصول و نحو ذلك .
السابع :الارتماس في الماء ( 2 ) ،و يكفي فيه رمس الرأس فيه و إن كان
ملتفتا إلى الحكم الشرعي لم يكن مفطرا حيث لا يصدق عليه عنوان الشرب .
( 1 ) على الأحوط وجوبا حيث انه بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه غير
دعوى الحاقه بالغبار ،و هي ساقطة ،لما مر من ان الغبار بعنوانه لا يكون مفطرا
و انما حكمنا بكونه مفطرا إذا كانت أجزاؤه الترابية ظاهرة للعيان ،فانه يصدق
حينئذ على دخوله في الحلق عنوان الأكل و الابتلاع ،و المفروض ان ذلك
العنوان لا يصدق على دخول الدخان في الحلق ،فمن أجل ذلك لا وجه لدعوى
الالحاق .هذا اضافة إلى أن موثقة عمرو بن سعيد عن الرضا عليه السّلام قال : «سألته عن
الصائم يتدخن بعود أو بغير ذلك فتدخل الدخنة في حلقه ؟فقال :جائز و لا
بأس به ،قال :و سألته عن الصائم يدخل الغبار في حلقه ؟قال :لا بأس »- 1 - ظاهرة
في ذلك .
( 2 ) هذا و إن كان مشهورا و لكنه لا يخلو من اشكال ،فالأحوط و الأجدر به
وجوبا أن لا يصنع الصائم ذلك ،نعم قد استدل على المشهور بمجموعة من
الروايات ..
منها :صحيحة محمد بن مسلم قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :لا يضر
الصائم ما صنع إذا اجتنب ثلاث خصال :الطعام و الشراب ،و النساء ،و الارتماس
في الماء »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحته الاخرى : «و لا يغمس رأسه في الماء »- 3 - .
و منها :صحيحة يعقوب بن شعيب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «لا يرتمس »
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 63 )--
..........
«المحرم في الماء و لا الصائم »- 1 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «الصائم يستنقع في الماء
و لا يرمس رأسه »- 2 - .
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «لا يرتمس الصائم و لا
المحرم رأسه في الماء »- 3 - .و منها غيرها .
فان مفاد هذه الروايات الارشاد إلى مفطرية الارتماس و مانعيته عن
الصوم كالطعام و الشراب و النساء ،و اقتران نهي الصائم عن الارتماس في بعضها
بنهي المحرم عنه لا يصلح أن يكون قرينة على أن المراد منه هو النهي التكليفي
بقرينة أن المراد من نهي المحرم عنه هو النهي التكليفي ،و ذلك لأن النهي في
أمثال المقام ظاهر في الارشاد إلى المانعية بنفسه و حمله على التكليفي بحاجة
إلى قرينة ،و لكن قد قامت القرينة من الخارج على أن المراد منه في المحرم
النهي التكليفي ،و لا قرينة بالنسبة إلى الصائم ،فالاقتران لو صلح للقرينية فانما
يصلح إذا كان نهي المحرم عنه في نفسه ظاهرا في النهي التكليفي و الفرض
عدمه في المقام هذا .
و لكن هذه الروايات معارضة بموثقة اسحاق بن عمار قال : «قلت لأبي
عبد اللّه عليه السّلام :رجل صائم ارتمس في الماء متعمدا عليه قضاء ذلك اليوم ؟قال :
ليس عليه قضاؤه و لا يعودن »- 4 - باعتبار ان الموثقة بلحاظ نفي القضاء عنه ناصة
في عدم كون الارتماس مفطرا ،و على هذا فان لو حظ الموثقة بالنسبة إلى سائر
الصحاح دون الاولى فلا يبعد أن تكون قرينة على حمل النهي فيها على الكراهة
و الحزازة ،فانه و إن كان ظاهرا في الارشاد إلى المانعية كما مر ،الاّ أنه قابل للحمل
عليها ،و من هنا كان نهي المحرم عنه محمولا على الحرمة التكليفية ،مع انه ورد
---------------
( 1 ) الوسائل باب :3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :7 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :3 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :8 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 64 )--
..........
في سياق نهي الصائم عنه ،و هذا دليل على أن هذا النهي الذي هو ظاهر في
النهي الارشادي قابل للحمل على النهي التكليفي بقرينة ،كما أن صدر الموثقة
قرينة على حمل قوله عليه السّلام في ذيلها على الكراهة ،و عليه فلو كنا نحن و الموثقة
مع هذه الصحاح لم يبعد تقديم الموثقة عليها دلالة ،و لا تصل النوبة إلى إعمال
قواعد باب المعارضة ،و إن لو حظ بالنسبة إلى الصحيحة الاولى فهي معارضة
لها ،فان الصحيحة ناصة في مفطرية الارتماس كالطعام و الشراب و النساء ،فاذن
لا بد من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة ،و بما أنه لا ترجيح في البين
فتسقطان معا من جهة المعارضة و يرجع حينئذ إلى الأصل العملي في المسألة
و هو أصالة البراءة عن مفطرية الارتماس للصائم .
و دعوى :ان الموثقة موافقة للعامة ،و الصحيحة مخالفة لهم فلا بد من
تقديم الصحيحة عليها تطبيقا للترجيح بمخالفة العامة .
مدفوعة :بأن تطبيق هذا الترجيح منوط بكون الموثقة موافقة لكل مذاهب
العامة على نحو لا تكون مندوحة للتخلص عن الحمل عليها ،و أما إذا كانت
موافقة لبعضها و مخالفة لبعضها الآخر فلا مقتضي لحملها على التقية تطبيقا
للترجيح بمخالفة العامة لتوفر الطريق للتخلص عنها و المقام من هذا القبيل إذ
نقل عن أحمد جواز الارتماس للصائم إلاّ إذا خاف أن يدخل الماء مسامعه ،
فحينئذ لا يجوز ،و قد صرح بعضهم بالكراهة خوفا من دخول الماء في مسامعه
في الغسل المشروع ،و أما إذا غاص في الماء أو أسرف أو كان عابثا فهو مفطر ،
و عليه فجواز الارتماس و عدم بطلان الصوم به ليس أمرا اتفاقيا لدى العامة كلا ،
فاذن لا موجب لحملها على التقية لإمكان التخلص عنها .
فالنتيجة :انه لا ترجيح في البين ،و مجرد عمل المشهور بالصحيحة لا
يصلح أن يكون مرجحا في هذا الباب ،فمقتضى القاعدة حينئذ عدم ثبوت
مفطرية الارتماس ،و لكن مع ذلك كان الأجدر به و الأحوط وجوبا أن لا يصنع
ذلك في نهار شهر رمضان عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي ،و إن صنع فعليه أن --( 65 )--
سائر البدن خارجا عنه ،من غير فرق بين أن يكون رمسه دفعة أو تدريجا على
وجه يكون تمامه تحت الماء زمانا ،و أما لو غمسه على التعاقب لا على هذا
الوجه فلا بأس به و إن استغرقه ،و المراد بالرأس ما فوق الرقبة بتمامه فلا يكفي
غمس خصوص المنافذ في البطلان و إن كان هو الأحوط ،و خروج الشعر لا
ينافي صدق الغمس .
[2413 ]مسألة 30 :لا بأس برمس الرأس أو تمام البدن في غير الماء من سائر
المائعات ،بل و لا رمسه في الماء المضاف ،و إن كان الأحوط الاجتناب
خصوصا في الماء المضاف ( 1 ) .
[2414 ]مسألة 31 :لو لطخ رأسه بما يمنع من وصول الماء إليه ثم رمسه في
الماء فالأحوط بل الأقوى بطلان صومه ،نعم لو أدخل رأسه في إناء كالشيشة
و نحوها و رمس الإناء في الماء فالظاهر عدم البطلان .
[2415 ]مسألة 32 :لو ارتمس في الماء بتمام بدنه إلى منافذ رأسه و كان ما
فوق المنافذ من رأسه خارجا عن الماء كلا أو بعضا لم يبطل صومه على
الأقوى ،و إن كان الأحوط البطلان برمس خصوص المنافذ كما مر .
[2416 ]مسألة 33 :لا بأس بإفاضة الماء على رأسه و إن اشتمل على جميعه
ما لم يصدق الرمس في الماء ،نعم لو أدخل رأسه أو تمام بدنه في النهر
المنصب من عال إلى السافل و لو على وجه التسنيم فالظاهر البطلان
لصدق الرمس ،و كذا في الميزاب إذا كان كبيرا و كان الماء كثيرا
كالنهر مثلا .
يواصل صومه بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه رجاء ،ثم يقضي بعد ذلك .
( 1 ) لا يترك ،فان الروايات الناهية عن الارتماس و إن قيدت النهي عنه في
الماء الاّ ان من المحتمل قويا أن يكون هذا التقييد من باب الغالب ،إذ الارتماس --( 66 )--
[2417 ]مسألة 34 :في ذي الرأسين إذا تميز الأصلي منهما فالمدار عليه ،
و مع عدم التميز يجب عليه الاجتناب عن رمس كل منهما ،لكن لا يحكم
ببطلان الصوم إلا برمسهما و لو متعاقبا ( 1 ) .
[2418 ]مسألة 35 :إذا كان مائعان يعلم بكون أحدهما ماء يجب الاجتناب
عنهما ،و لكن الحكم بالبطلان يتوقف على الرمس فيهما .
[2419 ]مسألة 36 :لا يبطل الصوم بالارتماس سهوا أو قهرا أو السقوط في
الماء من غير اختيار .
[2420 ]مسألة 37 :إذا ألقى نفسه من شاهق في الماء بتخيل عدم الرمس
فحصل لم يبطل صومه .
في غير الماء حتى في الماء المضاف لو صادف فهو اتفاقي نادر جدا ،فمن أجل
ذلك لا يكون الانسان واثقا و متأكدا من الخصوصية في هذا التقييد ،هذا اضافة
إلى أن مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية عدم الفرق بين الارتماس
في الماء و الارتماس في سائر المائعات .
( 1 ) في التقييد اشكال بل منع ،و الظاهر عدم الفرق في الحكم ببطلان
الصوم احتياطا أو جزما بين أن يرمس في الماء بكليهما أو بأحدهما ،فانه إذا
نوى الرمس فيه بأحدهما فمعناه انه نواه و إن كان أصليا ،و لازم ذلك هو انه غير
ناو للصوم و غير ملتزم بترك كل المفطرات في الواقع حتى ترك ما يحتمل كونه
مفطرا فيه ،إذ معنى الصيام هو التزام المكلف بالامساك و الاجتناب عن كل ما هو
مفطر في الواقع سواء كان معلوما أم مظنونا أم محتملا ،و من الواضح ان بناءه
على ارتكابه و ان كان مفطرا في الواقع لا ينسجم مع نية الصوم و التزامه بالترك
و الامساك عن الكل ،نعم لا تترتب الكفارة على رمس أحدهما لأنها مترتبة على
رمس الرأس الأصلي في الماء و هو شاك فيه .
فالنتيجة :ان كل أثر شرعي مترتب على ارتكاب المعلوم بالاجمال عامدا --( 67 )--
[2421 ]مسألة 38 :إذا كان مائع لا يعلم أنه ماء أو غيره ،أو ماء مطلق أو
مضاف لم يجب الاجتناب عنه ( 1 ) .
[2422 ]مسألة 39 :إذا ارتمس نسيانا أو قهرا ثم تذكر أو ارتفع القهر وجب
عليه المبادرة إلى الخروج و إلا بطل صومه ( 2 ) .
ملتفتا لا يترتب على ارتكاب أحد أفراده كذلك كالكفارة في المقام و وجوب
الحد المترتب على شرب الخمر ،فانه إذا علم اجمالا بأن أحد الإناين خمر
فشرب أحدهما دون الآخر لم يحد و إن كان شربه غير جائز الاّ أنه لا ملازمة بين
عدم جواز شربه و بين وجوب الحد عليه كما مر .
( 1 ) بل وجب على الأحوط ،و قد مر وجهه في المسألة ( 30 ) .
( 2 ) الأحوط وجوبا الجمع بين اتمام الصيام بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه
رجاء و القضاء بعد ذلك على أساس ان الروايات الناهية عن ارتماس الصائم
في الماء و ان كانت بالنظر البدوي ظاهرة في المنع عن احداثه دون الأعم منه
و من الابقاء ،و لكن بالنظر التحقيقي العرفي لا يكون الانسان واثقا و متأكدا بأن
العرف يفهم من تلك الروايات ان المانع من الصوم هو احداث الارتماس فقط
دون الأعم منه و من الابقاء ،كما انه لا يكون متأكدا و واثقا على أنه لا يفهم منها ان
المانع منه الأعم من الاحداث و الابقاء ،فكلا الأمرين محتمل ،و بما أنه لا يمكن
الجزم بأحدهما فمن أجل ذلك يتعين عليه الاحتياط في المسألة بأن يواصل
صيامه بنية التقرب إلى اللّه تعالى و الخلوص رجاء ثم يقضي بعد شهر رمضان .
فالنتيجة :ان الارتماس في الماء إن كان صادرا من الصائم نسيانا أو غفلة
أو خطأ أو جهلا مركبا أو قهرا لم يكن مفطرا ما دام العذر موجودا ،و أما إذا ارتفع
العذر و لم يبادر إلى الخروج من الماء فالأحوط الجمع كما عرفت ،و إن كان
صادرا منه بارادته و اختياره عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي و إن كان بسبب
الاكراه أو الوجوب عليه فهو مفطر على الأحوط كما مر ،و بذلك يظهر حال --( 68 )--
[2423 ]مسألة 40 :إذا كان مكرها في الارتماس لم يصح صومه بخلاف ما
إذا كان مقهورا .
[2424 ]مسألة 41 :إذا ارتمس لإنقاذ غريق بطل صومه و إن كان واجبا عليه .
[2425 ]مسألة 42 :إذا كان جنبا و توقف غسله على الارتماس انتقل إلى
التيمم إذا كان الصوم واجبا معينا ،و إن كان مستحبا أو كان واجبا موسعا وجب
عليه الغسل و بطل صومه ( 1 ) .
[2426 ]مسألة 43 :إذا ارتمس بقصد الاغتسال في الصوم الواجب المعين
بطل صومه و غسله ( 2 ) إذا كان متعمدا ،و إن كان ناسيا لصومه صحا معا ،
المسألتين الآتيتين .
( 1 ) في البطلان اشكال بل منع ،و الأظهر عدم بطلانه بناء على ما هو
الصحيح من امكان القول بالترتب ،إذ لا مانع من أن يكون الأمر بالصوم مترتبا
على ترك الارتماس حيث أنهما ليسا من الضدين اللذين لا ثالث لهما ،بل لهما
ثالث و هو أن يترك المكلف الارتماس و لا يصوم ،باعتبار ان الصوم مركب من
حصة خاصة من ترك الارتماس و هي تركه القربي لا مطلق تركه .
( 2 ) اما بطلان الصوم فهو مبني على الاحتياط كما مر ،و اما بطلان الغسل
الارتماسي فهو ممنوع ،نعم قد يستدل عليه بأنه لما كان مفطرا للصوم فهو منهي
عنه و معه لا يمكن الحكم بصحته ،و هذا التخريج لا يتم لوجهين ..
الأول :ان المكلف متى ما نوى الغسل الارتماسي بطل صومه على
أساس بطلان الصوم بنية القاطع ،و بعد البطلان لا يكون الارتماس منهيا عنه ،فلا
موجب حينئذ لبطلانه .
و لكن هذا الوجه انما يتم في غير شهر رمضان من الواجب المعين على
أساس أن الصائم إذا أبطله لم يجب عليه الامساك في بقية النهار تشبيها
بالصائمين ،فمن أجل ذلك لا يكون الارتماس منهيا عنه ،و هذا بخلاف صوم --( 69 )--
و أما إذا كان الصوم مستحبا أو واجبا موسّعا بطل صومه ( 1 ) و صح غسله .
شهر رمضان فانه إذا أبطله وجب عليه امساك بقية النهار تشبيها بالصائمين ،ثم
القضاء بعد الشهر المبارك ،فلذلك يكون الارتماس منهيا عنه ،هذا اضافة إلى ما
ذكرناه في علم الاصول من أن ايجاب شيء لا يقتضي النهي عن ضده و لا عن
نقيضه .
الثاني :ان النهي المتعلق بالغسل الارتماسي نهي غيري لا نفسي ،فانه
ناشئ من الأمر الضمني النفسي بتركه باعتبار انه جزء الصوم الواجب ،و بما أن
الغسل الارتماسي أحد فردي الغسل فالمأمور به هو الجامع بينه و بين الترتيبي ،
و قد ذكرنا في علم الاصول أنه لا تزاحم بين الواجب الموسع و هو الغسل في
المقام و الواجب المضيق و هو الصوم على أساس أن ما تعلق به الوجوب في
الواجب الموسع هو الجامع باعتبار ان الجامع بين المقدور و غير المقدور
مقدور ،فلا موجب لتقييده بالفرد المقدور حينئذ .
و على هذا فإذا عصى المكلف بترك الواجب المضيق و الاتيان بالفرد
المزاحم له حكم بصحته بملاك انطباق الواجب عليه ،فتكون الصحة حينئذ
على القاعدة ،و لا تتوقف على القول بالترتب .و فيما نحن فيه بما أن الصوم
واجب مضيق و الغسل واجب موسع فلا يكون مزاحما له حيث انه لا مانع من
الأمر بهما معا في عرض واحد ،و ما هو مزاحم له و هو الفرد كالغسل الارتماسي
لا يكون واجبا ،و على هذا فإذا عصى المكلف و اغتسل ارتماسا فصومه و إن
بطل إلا أنه لا موجب لبطلان غسله الارتماسي ،فان الاتيان به انما هو بداعي
امتثال الأمر المتعلق بالجامع بينه و بين غيره باعتبار أنه ينطبق عليه انطباق
الطبيعي على فرده ،و النهي الغيري بما أنه لا يكشف عن مبغوضية متعلقه فلا
يمنع من الانطباق ،و هذا الوجه يعم صوم شهر رمضان و غيره من الصوم
الواجب المعين .
( 1 ) على الأحوط كما تقدم ،و بذلك يظهر حال المسألة الآتية أيضا .
--( 70 )--
[2427 ]مسألة 44 :إذا أبطل صومه بالارتماس العمدي فإن لم يكن من شهر
رمضان و لا من الواجب المعين غير شهر رمضان ( 1 ) يصح له الغسل حال
المكث في الماء أو حال الخروج ( 2 ) ،و إن كان من شهر رمضان يشكل صحته
حال المكث لوجوب الإمساك عن المفطرات فيه بعد البطلان أيضا ( 3 ) ،بل
يشكل صحته حال الخروج أيضا لمكان النهي السابق كالخروج من الدار
الغصبية إذا دخلها عامدا ،و من هنا يشكل صحة الغسل في الصوم
الواجب المعين أيضا ( 4 ) سواء كان في حال المكث أو حال الخروج .
( 1 ) في استثناء ذلك اشكال بل منع و سيظهر وجهه في التعليق الآتي .
( 2 ) تقدم ان المأمور به هو احداث الغسل دون الأعم منه و من البقاء ،و بما
ان الغسل في حال المكث في الماء أو حال الخروج ابقاء له ،فلا يكون مصداقا
للغسل المأمور به فلا يجزئ .
( 3 ) هذا مبني على القول بصحة الغسل في حال المكث في الماء ،أو حال
الخروج ،فعندئذ يشكل صحته في هذا الحال ،و لكن في ضوء هذا القول لا
اشكال في صحته لما مر من أن الواجب هو الجامع بين الغسل الترتيبي و الغسل
الارتماسي ،فإذا أتى بالارتماسي انطبق عليه الجامع فيحكم بصحته ،و النهي
الغيري المتعلق به على تقدير القول به لا يمنع منه كما عرفت .
( 4 ) تقدم انه بناء على ما هو الصحيح من ان المأمور به هو احداث الغسل
دون الأعم منه و من الابقاء ،فلا يصح الغسل حال المكث في الماء أو حال
الخروج منه ،و أما مع الاغماض عن ذلك و البناء عل صحته في هذه الحال ،فلا
اشكال في الصحة في محل الكلام ،و هو ما إذا كان الواجب المعين غير صوم
شهر رمضان ،فانه إذا بطل لم يجب عليه الإمساك في بقية النهار فان وجوبه بعد
البطلان حتى يوجب النهي عن المفطر مختص بصوم شهر رمضان إذا بطل أثناء
النهار دون غيره ،فلا موجب حينئذ للإشكال في صحته .
--( 71 )--
[2428 ]مسألة 45 :لو ارتمس الصائم في الماء المغصوب فإن كان ناسيا
للصوم و للغصب صح صومه و غسله ( 1 ) ،و إن كان عالما بهما بطلا معا ( 2 ) ،
و كذا إن كان متذكرا للصوم ناسيا للغصب ( 3 ) ،و إن كان عالما بالغصب ناسيا
( 1 ) هذا إذا لم يكن الناسي هو الغاصب و إلاّ بطل غسله باعتبار انه في
نهاية المطاف مستند إلى سوء اختياره ،و بما انه تصرف في ماء الغير بدون اذنه
فيكون مبغوضا و لا يكون مشمولا لحديث الرفع لاختصاصه بمورد الامتنان ،
و لا امتنان في رفع المبغوضية عنه و العقوبة ،فمن أجل ذلك يقع فاسدا لاستحالة
كون المبغوض مصداقا للمحبوب .
( 2 ) على الأحوط في الصوم ،فيه و فيما بعده كما مر .
( 3 ) على الأحوط في الصوم ،و اما الغسل فهو صحيح فانه ان كان في نهار
صوم يوم معين غير شهر رمضان فلا إشكال في صحته حيث انه لا يكون منهيا
عنه بعد بطلان الصوم ،و إن كان في صوم شهر رمضان فقد قيل في وجه بطلانه
أنه منهي عنه على أساس وجوب امساك بقية النهار فيه بعد البطلان ،فإذا كان
الصائم ملتفتا إلى أن ارتماسه في هذا الماء مصداق للإفطار المحرم فلا يمكن
أن يرتمس فيه بنية التقرب إليه تعالى فيقع فاسدا .
و لكن تقدم انه لا دليل على حرمة الارتماس بعنوان أنه ناقض للصوم
و مفطر له ،حيث ان الظاهر من النهي عنه في الروايات هو الارشاد إلى مفطريته
عن الصوم لا حرمته تكليفا ،و من هنا لو ارتمس في نهار شهر رمضان لم
يستحق عقوبتين ،احداهما على بطلان الصوم و تركه ،و الاخرى على الارتماس .
و على هذا فلا يكون الارتماس مبغوضا الاّ بالغير ،و هو لا يمنع من التقرب به
بملاك انطباق الجامع عليه كما مر .
فالنتيجة :انه لا بأس بالاتيان به بداعي امتثال الأمر المتعلق بالجامع على ما
مر تفصيله في المسألة ( 43 ) شريطة أن لا يكون الناسي هو الغاصب .
--( 72 )--
للصوم صح الصوم دون الغسل .
[2429 ]مسألة 46 :لا فرق في بطلان الصوم بالارتماس ( 1 ) بين أن يكون
عالما بكونه مفطرا أو جاهلا ( 2 ) .
[2430 ]مسألة 47 :لا يبطل الصوم بالارتماس في الوحل و لا بالارتماس في
الثلج .
[2431 ]مسألة 48 :إذا شك في تحقق الارتماس بنى على عدمه ( 3 ) .
الثامن :البقاء على الجنابة عمدا إلى الفجر الصادق في صوم شهر
رمضان أو قضائه ،دون غيرهما من الصيام الواجبة و المندوبة على الأقوى ،
و إن كان الأحوط تركه في غيرهما أيضا خصوصا في الصيام الواجب موسّعا
( 1 ) على الأحوط كما مر .
( 2 ) هذا إذا لم يكن جهله مركبا ،و إلاّ كان حكمه حكم الناسي و الغافل
على أساس انه لا يمكن تكليف القاطع على خلاف قطعه .
( 3 ) هذا انما يتم بالنسبة إلى نفي الكفارة التي هي مترتبة على الارتماس
عامدا ملتفتا إلى الحال دون وجوب القضاء الذي هو مترتب على بطلان الصوم ،
و ذلك لأن الشك في تحقق الارتماس العمدي إن كان من جهة الشبهة المفهومية
فالمرجع فيه أصالة البراءة عن مانعية الأكثر و مفطريته ،بناء على ما هو الصحيح
من جريان البراءة في مسألة دوران الأمر بين الأقل و الأكثر الارتباطيين ،و إن كان
من جهة الشبهة الموضوعية فالمرجع فيه أصالة عدم تحققه عامدا ملتفتا إلى
الحكم الشرعي ،و أما عدم تمامية ذلك بالنسبة إلى وجوب القضاء فلأنه مترتب
على بطلان الصوم ،و الفرض ان بطلانه لا يترتب على تحقق الارتماس في
الخارج حيث يكفى فيه نية الارتماس و إن لم يتحقق خارجا .
فالنتيجة :ان الصائم إذا نوى الارتماس بطل صومه سواء ارتمس أم لم
يرتمس ،كما انه إذا ارتمس بدون النية قهرا أو غفلة لم يبطل .
--( 73 )--
كان أو مضيّقا ،و أما الإصباح جنبا من غير تعمد فلا يوجب البطلان إلا في
قضاء شهر رمضان على الأقوى ( 1 ) ،و إن كان الأحوط إلحاق مطلق
الواجب الغير المعين به في ذلك ،و أما الواجب المعين رمضانا كان أو غيره فلا
يبطل بذلك ،كما لا يبطل مطلق الصوم واجبا كان أو مندوبا معينا أو غيره
بالاحتلام في النهار ،و لا فرق في بطلان الصوم بالإصباح جنبا عمدا بين أن
تكون الجنابة بالجماع في الليل أو الاحتلام ،و لا بين أن يبقى كذلك متيقظا أو
( 1 ) بل في صوم شهر رمضان أيضا شريطة أن يكون في النومة الثانية ،
بيان ذلك :
ان الروايات الواردة في هذه المسألة تصنف إلى خمس مجموعات ..
المجموعة الاولى :ما يكون موردها النومة الاولى ،و تنص فيه على ان
من يجنب في أول الليل إذا نام و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فلا شيء عليه ،
و صيامه صحيح .و هي متمثلة في صحيحة معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي
عبد اللّه عليه السّلام :الرجل يجنب في أول الليل ثم ينام حتى يصبح في شهر رمضان ؟
قال :ليس عليه شيء ...الحديث »- 1 - .
و مقتضى اطلاق هذه الصحيحة أنه لا فرق فيه بين أن يكون الرجل واثقا
و متأكدا بالانتباه من النوم قبل طلوع الفجر أو لا .
المجموعة الثانية :ما يكون موردها النومة الاولى أيضا ،و تنص فيه على
أن من يصيبه الجنابة في شهر رمضان ليلا إذا نام قبل أن يغتسل و استمر به النوم
إلى أن طلع الفجر فعليه أن يمسك طيلة النهار ،ثم يقضي يوما آخر بدله بعد
ذلك و هي متمثلة في عدة روايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليهما السّلام قال : «سألته عن الرجل
تصيبه الجنابة في رمضان ،ثم ينام قبل أن يغتسل ؟قال :يتم صومه ،و يقضى ذلك »
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 74 )--
..........
اليوم ،الاّ ان يستيقظ قبل أن يطلع الفجر ،فان انتظر ماء يسخن أو يستقى فطلع
الفجر فلا يقضى صومه -يومه -- 1 - ».
و منها :موثقة سماعة بن مهران قال : «سألته عن رجل أصابته جنابة في
جوف الليل في رمضان فنام و قد علم بها ،و لم يستيقظ حتى يدركه الفجر ؟فقال :
عليه أن يتم صومه و يقضي يوما آخر »- 2 - .
و منها :غيرهما .
و مقتضى اطلاق هذه الروايات عدم الفرق بين أن يكون المجنب واثقا
و متأكدا بالاستيقاظ قبل الفجر أو لا .
المجموعة الثالثة :ما يكون موردها النومة الثانية و تنص فيه على أن
الجنب إذا نام و استيقظ من النوم ثم نام ثانيا و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر
فعليه أن يمسك ذلك اليوم و يقضي يوما آخر بدله بعد ذلك ،و هي متمثلة في
عدة نصوص :
منها :صحيحة ابن أبي يعفور قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :الرجل يجنب
في شهر رمضان ثم يستيقظ ثم ينام حتى يصبح ؟قال :يتم يومه -صومه -
و يقضي يوما آخر ،و إن لم يستيقظ حتى يصبح أتم صومه -يومه -و جاز له »- 3 - .
فانها تدل على حكم النومة الثانية ،و أنها إذا استمرت به إلى أن طلع الفجر
بطل صومه و عليه القضاء ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون متعمدا في
ذلك أو لا ،و نقصد بالثانية مقابل الاولى و إن كانت ثالثة و ما زاد .
و منها :ذيل صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة : «قلت :فانه استيقظ ثم نام
حتى أصبح ؟قال :فليقض ذلك اليوم عقوبة »- 4 - فانه يدل على بطلان صومه إذا
ظل نائما في النومة الثانية إلى أن طلع الصبح ،و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 75 )--
..........
يكون متعمدا فيه أو لا ،كما إذا نام ثانيا واثقا مطمئنا بالانتباه و لم ينتبه اتفاقا
و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فعليه القضاء دون الكفارة .
المجموعة الرابعة :ما يكون موردها النومة الاولى و تنص فيه على اناطة
بطلان الصوم و وجوب القضاء بتعمد البقاء على الجنابة إلى أن طلع الفجر ،و هي
متمثلة في صحيحة ابن أبي نصر عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن رجل
أصاب من أهله في شهر رمضان ،أو اصابته جنابة ثم ينام حتى يصبح متعمدا ؟
قال :يتم ذلك اليوم و عليه قضاؤه »- 1 - و صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انه
قال : «في رجل احتلم أول الليل ،أو أصاب من أهله ثم نام متعمدا في شهر
رمضان حتى أصبح ،قال :يتم صومه ذلك ثم يقضيه إذا أفطر من شهر رمضان
و يستغفر ربّه »- 2 - .
المجموعة الخامسة :ما يكون موردها الأعم من النومة الاولى و الثانية
و تنص فيه على ان الجنب في شهر رمضان ليلا إذا ترك الغسل متعمدا حتى طلع
الفجر فعليه الكفارة ،و هي متمثلة في صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«في رجل أجنب في شهر رمضان بالليل ثم ترك الغسل متعمدا حتى أصبح ،قال :
يعتق رقبة ،أو يصوم شهرين متتابعين ،أو يطعم ستين مسكينا »- 3 - و غيرها .
و بعد ذلك نقول :ان المجموعة الاولى معارضة للمجموعة الثانية بالتباين
فان الاولى تدل على أن الجنب في شهر رمضان ليلا إذا نام و استمر به النوم إلى
أن طلع الفجر فلا شيء عليه ،و يصح صومه و إن كان متعمدا ،و الثانية تدل على
انه إذا نام و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فعليه أن يمسك طيلة النهار و يقضي
يوما آخر و إن لم يكن متعمدا في ذلك ،هذا ،و لكن المجموعة الرابعة تصلح أن
تكون قرينة عرفا على المصالحة بينهما على أساس أنها تدل على ان بطلان
الصوم و وجوب الامساك و القضاء مختص بصورة ما إذا كان الجنب تاركا للغسل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :16 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 76 )--
..........
متعمدا ،و عليه فتكون نسبتها إلى كل من المجموعتين نسبة الخاص إلى العام ،
فتقيد اطلاق الاولى بما إذا لم يكن متعمدا في ترك الغسل ،و اطلاق الثانية بما إذا
كان متعمدا فيه ،فاذن لا معارضة بينهما لعدم اشتراكهما لا في الموضوع و لا في
الحكم .
فالنتيجة :ان الجنب في النومة الاولى إذا لم يكن معذورا فيها و كان متعمدا
وجب عليه أن يمسك ذلك اليوم تشبيها بالصائمين ،ثم يقضي بعد ذلك .
و أما المجموعة الثالثة فبما أن موردها النومة الثانية فلا تصلح المجموعة
الرابعة أن تكون قرينة على تقييد اطلاقها بما إذا كان متعمدا فيها باعتبار ان
موردها النومة الاولى ،و لا نظر لها إلى النومة الثانية لكي تدل على اعتبار قيد
التعمد فيها أيضا ،فاذن يكون اطلاقها محكم ،و مقتضاه بطلان الصوم و وجوب
الامساك طيلة النهار و القضاء بعد ذلك ،و إن كان معذورا فيها و لم يكن متعمدا
في ترك الغسل .
و أما المجموعة الخامسة فهي أيضا لا تصلح أن تكون مقيدة لإطلاقها
باعتبار أنها ناظرة إلى تقييد وجوب الكفارة بقيد التعمد دون الأعم من وجوبها
و وجوب القضاء ،و من هنا لو لم تكن هذه المجموعة لم نقل بوجوب الكفارة
زائدا على وجوب القضاء حيث لا يدل على وجوبها شيء من المجموعات
المتقدمة ،و انما تدل تلك المجموعات على وجوب القضاء فقط .
فالنتيجة المتحصلة من مختلف هذه المجموعات هي ما يلي ..
أولا :ان الجنب في شهر رمضان ليلا بجماع أو احتلام أو غيره إذا كان
واثقا و مطمئنا بأنه إذا نام قبل أن يغتسل انتبه من النوم قبل أن يطلع الفجر يسمح
له أن ينام تاركا للاغتسال معتمدا على الانتباه آخر الليل ،و في هذه الحالة إذا نام
و استمر به النوم اتفاقا إلى أن طلع الفجر فلا شيء عليه و يصح صومه .
و ثانيا :إذا لم يكن واثقا و مطمئنا بذلك لا يسمح له أن ينام قبل أن يغتسل
حيث يحتمل انه إذا نام يفوت منه الغسل قبل طلوع الفجر باعتبار انه لا يكون --( 77 )--
..........
معتادا على الانتباه و هو موجب لتفويت الملاك الملزم في الصوم في وقته على
أساس ان وجوب الصوم فعلي بعد دخول شهر رمضان بمقتضى الكتاب
و السنة ،و هو يكشف عن تمامية ملاكه في وقته و وجوب تحصيل القدرة عليه
بالاتيان بالمقدمات مطلقا حتى قبل طلوع الفجر و دخول الوقت ،و قد ذكرنا في
علم الاصول انه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر في مرحلة الجعل و الاعتبار
في كل مورد يدل عليه الدليل ،و منه مسألتا وجوب الحج و وجوب الصيام ،فان
وجوب الحج موقوت بيوم عرفة و وجوب الصوم موقوت بطلوع الفجر ،مع أن
الحج يتوقف على السفر إلى الميقات و لوازمه و متطلباته قبل يوم عرفة و الصيام
من الجنب يتوقف على الاغتسال قبل طلوع الفجر ،و لا شبهة في أن المكلف
مسئول عن طي المسافة إلى الميقات من قبل وجوب الحج و عن الاغتسال قبل
الفجر من قبل وجوب الصيام ،فمن أجل ذلك لا بد من الالتزام بالشرط المتأخر
في هاتين المسألتين .
و على هذا الأساس يجب تحصيل القدرة على الواجب في ظرفه قبل
دخول وقته من قبل مقدماته المفوتة على نحو يكون واثقا و مطمئنا بأن لا يفوت
منه الواجب بماله من الملاك الملزم التام في ظرفه ،و أما إذا احتمل أن ترك شيء
يفوّت عليه الواجب بماله من الملاك الملزم في ظرفه فلا يسمح له تركه ،و ما
نحن فيه من هذا القبيل حيث ان الجنب كان يحتمل انه إذا نام قبل أن يغتسل لم
يستيقظ من النوم قبل طلوع الفجر باعتبار انه لم يكن معتادا على الانتباه ،أو كان
و لكن دون مرتبة الوثوق و الاطمينان ،و في هذه الحالة إذا نام و لم يغتسل و استمر
به النوم إلى أن طلع الفجر فعليه القضاء و الكفارة باعتبار انه تارك للغسل متعمدا
إلى طلوع الفجر ،حيث ان وظيفته الشرعية الاتيان بالغسل قبل أن ينام ،فلا يجوز
له النوم قبل الاتيان به لاحتمال أنه يوجب تفويت الملاك الملزم منه في ظرفه ،
فإذا ترك الغسل عامدا ملتفتا إلى ذلك و نام و امتد به النوم إلى الطلوع كان تاركا له
متعمدا فعليه امساك ذلك اليوم تأدبا و القضاء و الكفارة بعد ذلك ،و لا فرق فيه --( 78 )--
..........
بين أن يكون في نيته الاغتسال إذا انتبه قبل طلوع الفجر أو لا يكون في نيته
ذلك ،فانه على كلا التقديرين إذا نام في هذه الحالة رغم انه غير مسموح له
و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فهو بمثابة من ترك الغسل و هو مستيقظ
متعمدا ،حيث ان صدق ذلك انما هو بملاك انه ترك ما هو وظيفته شرعا و هو
الاغتسال و عدم جواز النوم قبله ،و لا أثر لنية الاغتسال إذا انتبه قبل الفجر مع عدم
اعتياده على الانتباه قبله .
نعم ،إذا كان الجنب مطمئنا و متأكدا بأنه إذا نام انتبه من النوم قبل طلوع
الفجر فحينئذ إذا نام ناويا الاغتسال بعد الانتباه و قبل أن يطلع الفجر و لكن
استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فلا شيء عليه و يصح صومه ،و أما إذا نام و ليس
من نيته الاغتسال بعد الانتباه و قبل الفجر و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فهو
تارك للغسل متعمدا فيكون بمثابة المستيقظ التارك لذلك ،و عليه في هذه الحالة
وجوب القضاء و الكفارة معا .
و ثالثا :إذا نام الجنب معتمدا على وثوقه و اطمئنانه بالانتباه و انتبه في
الأثناء و حينئذ إذا أراد أن ينام ثانيا فإن كان واثقا و مطمئنا بالانتباه قبل طلوع
الفجر يسمح له أن ينام و الاّ فلا ،كما هو الحال في النوم الأول ،و في هذه الحالة
التي يسمح له بالنوم ثانيا إذا نام واثقا بالانتباه و لم ينتبه و استمر به النوم إلى أن
طلع الفجر ،فالظاهر بطلان صومه و وجوب الامساك في ذلك اليوم عليه و قضائه
بعد ذلك لما مر من اطلاق دليل المسألة و عدم المقيد له ،و بذلك تفترق النومة
الثانية عن الاولى حيث لا يجب القضاء في النومة الاولى في هذه الحالة .
فالنتيجة :ان الحكم التكليفي يفترق عن الحكم الوضعي في النومة الثانية
فيجوز له أن ينام ثانيا مع الوثوق و الاطمئنان بالانتباه ،و لكن إذا نام و لم ينتبه
اتفاقا و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر وجب أن يمسك طيلة النهار ثم يقضي
بعد ذلك .
و رابعا :أن وجوب القضاء لا ينفك عن وجوب الكفارة في النومة الاولى --( 79 )--
..........
فان الجنب إذا كان مطمئنا بالانتباه في هذه النومة و لكن لم ينتبه و استمر به النوم
إلى أن طلع الفجر فلا شيء عليه و يصح صومه ،و إن لم يكن مطمئنا بالانتباه فنام
قبل أن يغتسل و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فعليه القضاء و الكفارة معا ،
لأنه حينئذ كالمستيقظ التارك للغسل متعمدا كما مر .و ينفك عن وجوب الكفارة
في النومة الثانية إذا نام ثانيا مطمئنا بالانتباه و لكن لم ينتبه و استمر به
النوم إلى أن طلع الفجر ،فانه يجب عليه القضاء حينئذ دون الكفارة كما تقدم .
و خامسا :إذا احتلم في حالة النوم ليلا و صار جنبا ،فان استمر به النوم
الذي احتلم فيه إلى أن طلع الفجر فلا شيء عليه و يصح صومه ،كما نص عليه
في ذيل صحيحة ابن أبي يعفور المتقدمة - 1 - ،و إن أفاق من نومه الذي احتلم فيه
و نام ثانيا قبل أن يغتسل فإن لم يكن واثقا و مطمئنا بالانتباه و لم ينتبه و استمر به
النوم إلى أن طلع الفجر فعليه القضاء و الكفارة مع الامساك طيلة النهار تأديبا
و تشبيها بالصائمين ،و إن كان واثقا و مطمئنا بالانتباه و لكن لم ينتبه اتفاقا و امتد به
النوم إلى أن أصبح فالأجدر به و الأحوط وجوبا أن يصوم ذلك اليوم بأمل أن
يقبل اللّه تعالى منه رجاء ،ثم يقضى بعد ذلك على أساس احتمال أن هذه النومة
من النومة الثانية له فتكون مشمولة لإطلاق المجموعة الثالثة من الروايات .هذا
إضافة إلى ان من المحتمل قويا أن قوله عليه السّلام في صحيحة ابن أبي يعفور : «يتم
يومه و يقضي يوما آخر »- 2 - راجع إلى كلا النومين بعد النوم الذي احتلم فيه .
فالنتيجة في نهاية المطاف ان المعيار العام لجواز نوم الجنب في شهر
رمضان ليلا انما هو بالوثوق و الاطمئنان بأنه لن يفوت عليه الغسل قبل طلوع
الفجر على أساس انه معتاد بالانتباه بلا فرق فيه بين النومة الاولى و الثانية ،
و هكذا ،كما ان المعيار في وجوب الكفارة انما هو بتعمد البقاء على الجنابة إلى
الفجر و إن كان في النومة الاولى ،و أما وجوب القضاء فهو لا يدور مدار عنوان
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 80 )--
نائما بعد العلم بالجنابة مع العزم على ترك الغسل ( 1 ) ،و من البقاء
على الجنابة عمدا الإجناب قبل الفجر متعمدا في زمان لا يسع الغسل
و لا التيمم ،و أما لو وسع التيمم خاصة فتيمم صح صومه ( 2 )
التعمد بل قد يجب القضاء بدون صدق ذلك .
( 1 ) مر أن العزم على ترك الغسل غير معتبر في صدق عنوان تعمد البقاء
على الجنابة ،بل يكفى أن ينام و لا يكون واثقا و متأكدا بالانتباه قبل طلوع الفجر ،
و في هذه الحالة لا يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل ،فإذا ترك الاغتسال و نام و ظل
نائما إلى أن طلع الفجر صدق انه ترك الغسل متعمدا ،فعليه القضاء و الكفارة .
نعم ،إذا نام و كان واثقا و مطمئنا بالانتباه و لكن استمر به النوم اتفاقا إلى أن
طلع الفجر فإن كان في النومة الاولى فلا شيء عليه ،و إن كان في النومة الثانية
بطل صومه و لكن يجب عليه أن يمسك طيلة النهار ثم يقضى بعد ذلك .
و من هنا يظهر أن ما في المتن من الحكم بأن الاصباح جنبا مبطل للصوم
شريطة توفر أمرين ..
أحدهما :أن يكون ذلك عمديا .
و الآخر :أن يكون مع العزم على ترك الغسل ،غير صحيح .وجه الظهور ما
عرفت من أن صوم الجنب قد يبطل بالاصباح جنبا من دون أن يكون ذلك
عمديا ،كما أنه قد يبطل به عمدا بدون العزم على الترك و مع التردد ،بل مع العزم
على الغسل على تقدير الانتباه إذا لم يكن معتادا عليه كما مر تفصيله .
( 2 ) بملاك اطلاق أدلة مشروعية التيمم ،بتقريب أن موضوع وجوب
التيمم عدم وجدان الماء بمقتضى الآية الشريفة - 1 - و غيرها ،و هذا يعني ان
المسوغ له الجامع بين عدم تيسر الماء و عدم تيسر استعماله مع توفره عنده ،
و متى لم يتيسر للمكلف الماء أو استعماله فوظيفته التيمم ،و لا فرق فيه بين أن
---------------
( 1 ) النساء /43 و المائدة /6 .
--( 81 )--
..........
يكون عدم التيسر باختيار المكلف أو بغير اختياره ،فالتقييد بالثاني بحاجة إلى
قرينة و لا قرينة لا في نفس الأدلة و لا من الخارج .
و دعوى :ان الظاهر من الدليل عرفا كالآية الشريفة و نحوها عدم الوجدان
و التيسر بالطبع لا مطلقا .
مدفوعة :بأن منشأ ظهورها العرفي في ذلك أما الوضع أو الانصراف ،و كلا
الأمرين غير ثابت .أما الأول فلأن وضع كلمة عدم التيسر لحصة خاصة منه و هي
عدم التيسر بالطبع لا الأعم منه و من عدم التيسر بالاختيار غير محتمل ،إذ لا
شبهة في أن اطلاق كلمة عدم التيسر على عدم التيسر بالاختيار ليس اطلاقا
مجازيا ،فإذا أخذت في لسان الدليل كان المتبادر منها عرفا المعنى الجامع دون
حصة خاصة .
و أما الأمر الثاني ،فلأن الانصراف ممنوع ،لأن كلمة عدم الوجدان في الآية
الشريفة و غيرها مستعملة في الجامع لا في أحد فرديه و هو عدم الوجدان بالطبع
حتى تكون كثرة الاستعمال فيه منشأ للانصراف ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى ان الآية الشريفة و كذلك غيرها لو كانت ظاهرة في عدم
وجدان الماء بالطبع فقط دون الأعم فلا وجه للتفصيل بين الصلاة و الصوم في
حالة ما إذا كان عدم الوجدان مستندا إلى سوء اختيار المكلف و الحكم بصحة
الصلاة في هذه الحالة دون الصوم ،بدعوى انه يمكن اثبات مشروعية التيمم في
تلك الحالة في باب الصلاة على أساس ما دل على أنها لا تسقط بحال ،و بضمه
إلى ما دل على أنها مشروطة بالطهارة من ناحية ،و ما دل على أن التراب أحد
الطهورين من ناحية اخرى ينتج مشروعية التيمم لها في هذه الحالة ،و بذلك
تمتاز الصلاة عن الصوم .
و لكن لا يمكن المساعدة على هذه الدعوى ،لأنها مبنية على دلالة ذلك
الدليل على اثبات موضوعها و هو الصلاة باعتبار أنها متقومة بالطهور ،و بدونه
فلا صلاة و في تلك الحاله بما أن المكلف لا يتمكن من الطهارة المائية و الطهارة --( 82 )--
و إن كان عاصيا ( 1 ) في الإجناب ،و كما يبطل الصوم بالبقاء على الجنابة
متعمدا كذا يبطل بالبقاء على حدث الحيض و النفاس إلى طلوع الفجر ( 2 ) ،
فإذا طهرت منهما قبل الفجر وجب عليها الاغتسال أو التيمم ،و مع تركهما
الترابية غير مشروعة لها فلا صلاة حينئذ لكي تجب عليه و لا تسقط عنه ،
و الفرض ان مدلول هذا الدليل عدم سقوطها و هو متفرع على ثبوتها و الاّ فلا
معنى للسقوط ،و الفرض ان ثبوتها يتوقف على مشروعية التيمم في المرتبة
السابقة ،فمن أجل ذلك لا يمكن تطبيق الدليل المذكور على هذه الحالة .
فالنتيجة :ان شمول الحديث للصلاة في الحالة المذكورة يتوقف على
مشروعية التيمم لها في المرتبة السابقة ،فلو توقفت المشروعية على الشمول لها
لدار ،فمن أجل ذلك لا يمكن التمسك بالحديث في المقام لإثبات عدم سقوط
الصلاة عنه .
و دعوى ان الحديث يدل على عدم السقوط بالدلالة المطابقية ،و على
مشروعية التيمم بالدلالة الالتزامية على أساس انه لولاها لكانت الدلالة المطابقية
لغوا محضا ...
مدفوعة :بأنها تتوقف على شمول الحديث للصلاة في المقام فلو كان
الشمول متوقفا عليها لدار .
( 1 ) هذا باعتبار انه قد فوّت بسوء اختياره عامدا ملتفتا الملاك الملزم
المترتب على الغسل .
و إن شئت قلت :ان الواجب عليه أولا هو الصوم المشروط بالغسل من
الجنابة قبل أن يطلع الفجر ،و إذا عجز عنه انتقل الأمر إلى التيمم ،و على هذا فإذا
كان المكلف متمكنا من الغسل لم يجز له تعجيز نفسه عنه بسوء اختياره ،و إذا
صنع ذلك عصى و استحق العقوبة .
( 2 ) في الحاق النفاس بالحيض في هذا الحكم اشكال بل منع ،لعدم --( 83 )--
عمدا يبطل صومها ،و الظاهر اختصاص البطلان بصوم رمضان ،و إن كان
الأحوط إلحاق قضائه به أيضا ،بل إلحاق مطلق الواجب بل المندوب أيضا ،
و أما لو طهرت قبل الفجر في زمان لا يسع الغسل و لا التيمم أو لم تعلم بطهرها
في الليل حتى دخل النهار فصومها صحيح واجبا كان أو ندبا على الأقوى .
[2432 ]مسألة 49 :يشترط في صحة صوم المستحاضة على الأحوط
الأغسال النهارية التي للصلاة ( 1 ) دون ما لا يكون لها ،فلو استحاضت قبل
الدليل على أن النفاس حيض و يترتب عليه تمام أحكام الحيض الا ما خرج ،
و النص في المقام انما ورد في الحيض و هو قوله عليه السّلام في موثقة أبي بصير : «ان
طهرت بليل من حيضتها ثم توانت أن تغتسل في رمضان حتى أصبحت عليها
قضاء ذلك اليوم »- 1 - و التعدي إلى النفاس بحاجة إلى دليل باعتبار ان النفاس
موضوع آخر في الروايات و له أحكام خاصة ،نعم قد يشترك مع الحيض في
الحكم و أما ما ورد من أن النفاس حيض محتبس فهو ساقط من ناحية السند .
فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة عدم ترتب أحكام الحيض على النفاس الاّ ما
ثبت بالدليل و بما أنه لا دليل على الحاق النفاس بالحيض في المسألة فلا يمكن
الحكم بأن البقاء على حدث النفاس إلى أن طلع الفجر متعمدا مبطل للصوم
كالبقاء على حدث الحيض كذلك .
( 1 ) بل هو الأظهر لصحيحة علي بن مهزيار قال : «كتبت إليه عليه السّلام :امرأة
طهرت من حيضها أو من دم نفاسها في أول يوم من شهر رمضان ،ثم
استحاضت فصلت و صامت شهر رمضان كله من غير أن تعمل ما تعمل
المستحاضة من الغسل لكل صلاتين ،هل يجوز ( يصح ) صومها و صلاتها أم لا ؟
فكتب عليه السّلام :تقضي صومها و لا تقضي صلاتها ،لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كان يأمر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 84 )--
..........
( فاطمة ) و المؤمنات من نسائه بذلك »- 1 - فانها تدل على أمرين ..
أحدهما :أنها تنص على ترتب بطلان صوم المستحاضة الكبرى على
عدم قيامها بأعمالها من الاغسال للفرائض اليومية كصلاة الفجر و الظهرين
و العشاءين ،و ظاهر ذلك أن صحة صومها منوطة بقيامها بأعمالها من الأغسال
كلا .و أما اشتمالها على ما هو خلاف الضرورة الفقهية و هو عدم قضاء الصلاة
رغم بطلانها لا يضر بحجية قوله عليه السّلام : «تقضي صومها »فان سقوط بعض فقرات
الرواية عن الحجية من جهة وجود المعارض ،أو كونه على خلاف الضرورة
الفقهية لا يقدح بحجية بعضها الآخر الذي لا معارض له ،و لا يكون على خلاف
الضرورة .فإذن على المستحاضة الكبرى أن تؤدي ما عليها من الأغسال أو ما
يقوم مقامها من التيمم في حالة وجود مسوغاته لصلاة الفجر و الظهرين
و العشاءين من الليلة التي تصوم في فجرها ،فصيام يوم الخميس -مثلا -إنما
يصح منها إذا أدت ما عليها من الغسل لصلاة العشاءين من ليلة الخميس
و لصلاة الفجر و لصلاة الظهرين ،و إن اخلت بشيء من ذلك بطل صومها ،و عليها
امساك ذلك اليوم تشبيها بالصائمين ثم تقضي بعد ذلك .
و لا وجه لتخصيص الغسل في الصحيحة بالنهاري ،فانها مطلقة من هذه
الناحية على أساس ان الامام عليه السّلام في مقام الجواب قد رتب البطلان على
المفروض في السؤال و هو ترك الغسل لكلا الصلاتين الشامل للظهرين
و العشاءين معا ،و لا موجب لتخصيص ذلك بالأول ،فانه لا ينسجم مع لفظة
( كل ) بل لا يبعد شمولها الغسل لصلاة الفجر أيضا .
و إن كانت جملة ( الغسل لكل صلاتين ) فيها قاصرة عن شموله ،الاّ ان
المتفاهم العرفي منها اناطة البطلان فيها بعدم قيام المستحاضة بأعمالها
و وظائفها الشرعية .و من المعلوم ان من اعمالها الغسل لصلاة الفجر ،بل لو لم
نقل بالشمول فلا شبهة في أنه الأحوط و الأجدر وجوبا ،كما ان الظاهر منها عرفا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 85 )--
الإتيان بصلاة الصبح أو الظهرين بما يوجب الغسل كالمتوسطة ( 1 ) أو الكثيرة
فتركت الغسل بطل صومها ،و أما لو استحاضت بعد الإتيان بصلاة الفجر أو
بعد الإتيان بالظهرين فتركت الغسل إلى الغروب لم يبطل صومها ،و لا يشترط
أن صحة صومها مشروطة بالغسل على نحو الشرط المقارن أو المتقدم دون
المتأخر ،ثم انه لا يعتبر في صحة صومها أن يكون غسلها لصلاة الفجر قبل
الفجر كغسلي الجنابة و الحيض ،لأن ظاهر الصحيحة ان المستحاضة الكبيرة إذا
عملت بوظائفها الشرعية و أدت أغسالها النهارية و الليلية صح صومها و الاّ بطل ،
و لا تدل على اعتبار خصوصية زائدة في صحته لم تكن معتبرة في صحة صلاتها
فما هو المعتبر في صحة صلواتها النهارية و الليلية من الأغسال هو المعتبر في
صحة صومها بلا زيادة أو نقيصة لا كما و كيفا .
و من هنا يظهر ان المعتبر في صحة صومها هو أغسالها النهارية و الليلية
دون طهارتها من حدث الاستحاضة لأنها مستمرة باستمرار خروج الدم منها ،
فلا يمكن ان تطهرت بها مطلقا .
نعم ،يحكم الشارع بحصول الطهارة منها بمقدار أداء صلاة أو صلاتين
من دون تفريق .
فالنتيجة :ان ما هو المعتبر في صحة صلاتها كفى ذلك في صحة
صومها .
( 1 ) الظاهر ان صحة صوم المستحاضة بالاستحاضة الوسطى ليست
مشروطة بأن تعمل بأعمالها و هي غسل واحد في كل يوم و الوضوء لكل صلاة ،
لعدم الدليل على ذلك ،لأن مورد صحيحة علي بن مهزيار - 1 - المستحاضة
بالاستحاضة الكبرى بقرينة جعل وظيفتها الغسل لكل صلاتين و هو لا ينطبق
عليها .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :18 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 86 )--
فيها الإتيان بأغسال الليلة المستقبلة و إن كان أحوط ( 1 ) ،و كذا
لا يعتبر فيها الإتيان بغسل الليلة الماضية بمعنى أنها لو تركت الغسل الذي
للعشاءين لم يبطل صومها لأجل ذلك ( 2 ) ،نعم يجب عليها الغسل حينئذ
لصلاة الفجر فلو تركته بطل صومها من هذه الجهة ،و كذا لا يعتبر فيها ما عدا
الغسل من الأعمال ،و إن كان الأحوط اعتبار جميع ما يجب عليها من
الأغسال و الوضوءات و تغيير الخرقة و القطنة ،و لا يجب تقديم غسل
المتوسطة و الكثيرة على الفجر و إن كان هو الأحوط .
[2433 ]مسألة 50 :الأقوى بطلان صوم شهر رمضان بنسيان غسل الجنابة
( 1 ) هذا الاحتياط ضعيف جدا و لا منشأ له ،لأن المستفاد عرفا من اطلاق
صحيحة علي بن مهزيار هو أن غسل المستحاضة بالاستحاضة الكبرى لصلاتي
المغرب و العشاء شرط في صحة صومها غدا دون اليوم الماضي فانه غير
محتمل ،أو فقل ان غسل الليل اما أن لا يكون شرطا في صحة صومها أصلا لا
في الماضي و لا في المستقبل ،أو شرط في صحته في المستقبل كما هو الظاهر .
( 2 ) بل بطل لما مر من ظهور الصحيحة في أن غسلها لصلاتي المغرب
و العشاء شرط في صحة صومها غدا و لا يكفى غسلها لصلاة الصبح ،و لعل
اكتفاء الماتن قدّس سرّه به بتخيل ان المعتبر في صحة صومها أن تكون طاهرة من حدث
الاستحاضة حين طلوع الفجر و تحصل بغسلها لصلاة الصبح قبل الفجر .و لكن
تقدم انه لا دليل على وجوب الاتيان به قبل طلوع الفجر هذا ،مضافا إلى أن ظاهر
الصحيحة اعتبار غسلها لصلاتي العشاءين في صحة صومها في الغد .
فالنتيجة :ان المستحاضة الكبرى انما تكون على يقين من صحة صومها
إذا أدت في الليلة التي تصوم نهارها لغسل المغرب و العشاء و في النهار الذي
تصوم فيه لغسل صلاة الصبح و غسل صلاتي الظهرين ،و لا يعتبر فيها ما عدا
الأغسال من الأعمال .
--( 87 )--
ليلا قبل الفجر حتى مضى عليه يوم أو أيام ( 1 ) ،و الأحوط إلحاق غير شهر
رمضان من النذر المعين و نحوه به و إن كان الأقوى عدمه ،كما أن الأقوى عدم
إلحاق غسل الحيض و النفاس لو نسيتهما بالجنابة في ذلك و إن كان أحوط .
[2434 ]مسألة 51 :إذا كان المجنب ممن لا يتمكن من الغسل لفقد الماء أو
لغيره من أسباب التيمم وجب عليه التيمم ،فإن تركه بطل صومه ،و كذا لو كان
متمكنا من الغسل و تركه حتى ضاق الوقت .
[2435 ]مسألة 52 :لا يجب على من تيمم بدلا عن الغسل أن يبقى مستيقظا
حتى يطلع الفجر فيجوز له النوم بعد التيمم قبل الفجر على الأقوى ،و إن كان
الأحوط البقاء مستيقظا لاحتمال بطلان تيممه ( 2 ) بالنوم كما على القول بأن
التيمم بدلا عن الغسل يبطل بالحدث الأصغر .
[2436 ]مسألة 53 :لا يجب على من أجنب في النهار بالاحتلام أو نحوه من
الأعذار أن يبادر إلى الغسل فورا و إن كان هو الأحوط .
[2437 ]مسألة 54 :لو تيقظ بعد الفجر من نومه فرأى نفسه محتلما لم يبطل
صومه ،سواء علم سبقه على الفجر أو علم تأخره أو بقي على الشك ،لأنه لو
( 1 ) بل شهر تماما كما هو مورد صحيحة الحلبي الناصة في البطلان
و وجوب القضاء .
( 2 ) فيه ان الاحتمال ضعيف لما تقدم في مبحث التيمم من أنه إذا كان
بدلا عن الوضوء انتقض بكل ما ينتقض الوضوء به ،و اضافة إلى ذلك ينتقض
بتيسّر الماء للوضوء ،و إذا كان بدلا عن الغسل انتقض بكل ما ينتقض الغسل به
اضافة إلى انتقاضه بتيسّر الماء للغسل ،و لا ينتقض هذا التيمم البديل عن الغسل
بما ينتقض به الوضوء كالبول أو النوم أو الريح أو نحو ذلك ،فإذا تيمم الجنب
بدلا عن الغسل ثم بال أو نام ظل تيممه عن الجنابة نافذ المفعول ،و عليه أن --( 88 )--
كان سابقا كان من البقاء على الجنابة غير متعمد ،و لو كان بعد الفجر كان من
الاحتلام في النهار ،نعم إذا علم سبقه على الفجر لم يصح منه صوم قضاء
رمضان مع كونه موسّعا ( 1 ) ،
يتوضأ من أجل البول أو النوم إن تيسّر له الوضوء و إلاّ تيمم بدلا
عنه .
( 1 ) في الحكم بعدم الصحة اشكال و لا يبعد الصحة و ذلك لأن مورد
الروايات - 1 - التي تنص على أن البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر مانع عن
صحة صوم قضاء رمضان و إن لم يكن عن تعمد هو الرجل الملتفت إلى جنابته
بالليل و لكن لم يغتسل إلى أن طلع الفجر اما عامدا ملتفتا ،أو بغير عمد ،
كما إذا نام بعد العلم بها أو غير ذلك ،فلا يعم من احتلم في حالة النوم
و لم يستيقظ إلى أن طلع الفجر عليه باعتبار انه غير ملتفت إلى جنابته قبل
الفجر .
و دعوى :ان المعيار انما هو البقاء على الجنابة إلى طلوع الفجر و لا
خصوصية لالتفات الشخص إليها قبل الفجر و عدم التفاته .
مدفوعة :فان احتمال ان البقاء على الجنابة التي يكون الجنب ملتفتا إليها
إلى أن طلع الفجر دخيل في الحكم و هو بطلان صوم قضاء رمضان ،موجود إذ لا
مجال للإنسان أن يكون على يقين بعدم دخله فيه حيث ان هذا اليقين بعد
قصور الدليل في مقام الاثبات عن الشمول لا يمكن الاّ من طريق احراز الملاك
و عدم دخل خصوصية الالتفات فيه ،و الفرض انه لا طريق إلى احرازه ،فاذن
احتمال دخلها فيه موجود و لا دافع له ،و معه لا يمكن التعدي عن مورد هذه
الروايات إلى المسألة في المقام ،و لكن مع ذلك كان الأجدر به و الأحوط أن
يواصل فيه بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه و ببدله بعد ذلك .
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
--( 89 )--
و أما مع ضيق وقته فالأحوط الإتيان به ( 1 ) و بعوضه .
( 1 ) بل هو الأظهر في مفروض المسألة ،و هو ما إذا لم يعلم بجنابته من
الليل إلى أن طلع الفجر كالمحتلم في حال النوم و لم يستيقظ إلى الفجر كما
عرفت ،و أما إذا علم بها من الليل و لم يغتسل إلى أن طلع الفجر فيتعين عليه
الاتيان بعوضه ،و تنص على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان انه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام : «عن الرجل
يقضي شهر رمضان فيجنب من أول الليل و لا يغتسل حتى يجيء آخر الليل
و هو يرى ان الفجر قد طلع ،قال :لا يصوم ذلك اليوم و يصوم غيره »- 1 - .
و منها :موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل اصابته جنابة في جوف الليل
في رمضان فنام و قد علم بها و لم يستيقظ حتى أدركه الفجر ؟فقال عليه السّلام :عليه أن
يتم صومه و يقضي يوما آخر ،فقلت :إذا كان ذلك من الرجل و هو يقضى شهر
رمضان ؟قال :فليأكل يومه ذلك و ليقض ،فانه لا يشبه شهر رمضان شيء من
الشهور »- 2 - .
فانهما تدلان بوضوح على بطلان صوم ذلك اليوم و الاتيان ببدله في يوم
آخر بلا فرق بين أن يكون ذلك مع سعة الوقت أو ضيقه ،كما إذا كان عليه قضاء
يوم أو يومين من هذه السنة و هو في آخر شهر شعبان و لم يبق منه إلاّ يوم أو
يومين ،و لعل احتياط الماتن قدّس سرّه مع ضيق الوقت و احتمال اختصاص البطلان
بالموسع من جهة قوله عليه السّلام في صحيحة ابن سنان : «لا تصم هذا اليوم و صم
غدا »- 3 - .و لكن من المعلوم انه لا يدل على عدم البطلان في المضيق لأن مورده
الموسع حيث فرض تمكنه من صوم يوم الغد ،و لا يدل على أنه إذا لم يتمكن
من صوم الغد صح صوم اليوم هذا ،إضافة إلى أن المتفاهم العرفي من صوم الغد
هو صوم يوم آخر لا الغد الحقيقي .
فالنتيجة :انه لا فرق بين أن يكون وقته موسعا أو مضيقا .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :19 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 90 )--
[2438 ]مسألة 55 :من كان جنبا في شهر رمضان في الليل لا يجوز له أن ينام
قبل الاغتسال إذا علم أنه لا يستيقظ قبل الفجر للاغتسال ،و لو نام و استمر إلى
الفجر لحقه حكم البقاء متعمدا فيجب عليه القضاء و الكفارة ،و أما إن احتمل
الاستيقاظ جاز له النوم و إن كان من النوم الثاني أو الثالث أو الأزيد فلا يكون
نومه حراما و إن كان الأحوط ( 1 ) ترك النوم الثاني فما زاد و إن اتفق استمراره
إلى الفجر غاية الأمر وجوب القضاء أو مع الكفارة في بعض الصور كما
سيتبين .
[2439 ]مسألة 56 :نوم الجنب في شهر رمضان في الليل مع احتمال
الاستيقاظ أو العلم به إذا اتفق استمراره إلى طلوع الفجر على أقسام ،
فإنه إما أن يكون مع العزم على ترك الغسل و إما أن يكون مع التردد في الغسل
( 1 ) بل هو حرام بحكم العقل و إن كان من النوم الأول ،لما مر من ان
المكلف إذا كان واثقا و مطمئنا بالاستيقاظ من النوم قبل طلوع الفجر جاز له
النوم ،و أما إذا لم يكن واثقا و مطمئنا بذلك فلا يجوز له أن ينام قبل أن يغتسل
لاحتمال انه يفوّت عليه الملاك الملزم في وقته و هو مساوق لاحتمال العقوبة
لعدم المؤمن في البين ،و في هذه الحالة إذا نام و لم يغتسل و استمر به النوم إلى
أن طلع عليه الفجر كان تاركا للغسل متعمدا ،باعتبار ان وظيفته شرعا أن يغتسل
قبل أن ينام ،فإذا ترك الاغتسال عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي و نام فمعناه أنه
كان متعمدا فيه ،و عليه حينئذ امساك ذلك اليوم تأديبا و تشبيها بالصائمين ثم
القضاء و الكفارة بلا فرق بين أن يكون في النوم الأول أو الثاني أو الثالث ،كما انه
لا فرق بين أن يكون ناويا للغسل على تقدير الانتباه من النوم قبل أن يطلع
الفجر بزمن يسع للاغتسال ،أو لا يكون ناويا له ،فانه على كلا التقديرين يكون
تاركا لوظيفته شرعا عامدا ملتفتا ،فعليه القضاء و الكفارة على ما مر تفصيله .
--( 91 )--
و عدمه ( 1 ) و إما أن يكون مع الذهول و الغفلة عن الغسل و إما أن يكون مع البناء
على الاغتسال حين الاستيقاظ مع اتفاق الاستمرار ،فإن كان مع العزم على
ترك الغسل أو مع التردد فيه لحقه حكم تعمد البقاء جنبا ،بل الأحوط ذلك إن
كان مع الغفلة و الذهول أيضا ،و إن كان الأقوى لحوقه بالقسم الأخير ( 2 ) ،و إن
كان مع البناء على الاغتسال أو مع الذهول على ما قوينا فإن كان في النومة
الاولى بعد العلم بالجنابة فلا شيء عليه و صح صومه ( 3 ) ،و إن كان في النومة
( 1 ) فيه تفصيل ،فان المكلف في المسألة لا يخلو من أن يكون واثقا
و مطمئنا بالانتباه قبل طلوع الفجر بزمن يسع للغسل فيه ،أو لا يكون واثقا
و مطمئنا منه ،فعلى الأول يسمح له أن ينام قبل أن يغتسل معتمدا على أنه سينتبه
من النوم و يغتسل ،و لكن إذا لم ينتبه اتفاقا و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر فلا
شيء عليه و صيامه صحيح ،هذا إذا كان عازما على الغسل ،و أما إذا كان عازما
على ترك الغسل ،أو كان مترددا فيه و استمر به النوم إلى الفجر فهو تارك للغسل
متعمدا و عليه مضافا إلى الامساك طيلة النهار القضاء و الكفارة .
أما على الأول فهو ظاهر ،و أما على الثاني فلأن وظيفته شرعا أن يكون
عازما على الاغتسال قبل طلوع الفجر حتى لا يبقى على الجنابة عامدا ملتفتا إلى
أن يطلع الفجر ،و عليه فإذا بقى مترددا فيه و هو مستيقظ إلى الفجر صدق انه ترك
الغسل متعمدا ،و كذلك إذا نام مترددا فيه بعد الانتباه .
( 2 ) بل الأقوى لحوقه بالنسيان ،فان الغفلة و الذهول من افراده فيكون
مشمولا لصحيحة الحلبي الدالة على وجوب القضاء على من نسي غسل الجنابة
إلى أن طلع الفجر دون الكفارة .
( 3 ) هذا إذا كان واثقا و مطمئنا بالانتباه ،و إلا فعليه القضاء و الكفارة اضافة
إلى امساك ذلك اليوم كما مر .و أما الذهول عن الغسل فقد عرفت أنه ملحق
بالنسيان و فيه القضاء فقط اضافة إلى الامساك طيلة النهار دون الكفارة .
--( 92 )--
الثانية بأن نام بعد العلم بالجنابة ثم انتبه و نام ثانيا
مع احتمال الانتباه فاتفق الاستمرار و وجب عليه القضاء فقط دون الكفارة
على الأقوى ( 1 ) ،و إن كان في النومة الثالثة فكذلك على الأقوى ،و إن كان
الأحوط ما هو المشهور من وجوب الكفارة أيضا في هذه الصورة ،بل الأحوط
وجوبها في النومة الثانية أيضا ،بل و كذا في النومة الاولى أيضا إذا لم يكن
معتاد الانتباه ،و لا يعد النوم الذي احتلم فيه من النوم الاول بل المعتبر فيه
النوم بعد تحقق الجنابة فلو استيقظ المحتلم من نومه ثم نام كان من النوم
الأول لا الثاني .
[2440 ]مسألة 57 :الأحوط إلحاق غير شهر رمضان من الصوم المعين به في
حكم استمرار النوم الأول أو الثاني أو الثالث حتى في الكفارة في الثاني
و الثالث إذا كان الصوم مما له كفارة كالنذر و نحوه ( 2 ) .
( 1 ) بل الكفارة أيضا على الأظهر لما سبق من أن الجنب إذا كان واثقا
و مطمئنا بالانتباه قبل طلوع الفجر بزمن يسع للغسل فيه جاز له أن ينام قبل أن
يغتسل ،فإذا نام و لم ينتبه و استمر به النوم إلى أن طلع الفجر ،فان كان في النوم
الأول فلا شيء عليه و يصح صومه ،و إن كان في النوم الثاني فالأظهر وجوب
القضاء عليه دون الكفارة ،اضافة إلى امساك ذلك اليوم ،هذا هو الفارق بين النوم
الأول و الثاني كما تقدم .
و أما إذا لم يكن واثقا و مطمئنا بالانتباه فلا يسمح له أن ينام قبل أن يغتسل
سواء أ كان في النوم الأول أم الثاني ،و إذا نام و لم يغتسل و امتد به النوم إلى أن
طلع الفجر فعليه القضاء و الكفارة معا إضافة إلى الامساك طيلة النهار ،و لا فرق
فيه بين النوم الأول أو الثاني ،فما نسب إلى المشهور في هذه الحالة كما في
المتن هو الصحيح .
( 2 ) تقدم أنه لا دليل على الالحاق لأن الروايات مختصة بصوم شهر --( 93 )--
[2441 ]مسألة 58 :إذ استمر النوم الرابع أو الخامس فالظاهر أن حكمه حكم
النوم الثالث ( 1 ) .
[2442 ]مسألة 59 :الجنابة المستصحبة كالمعلومة في الأحكام المذكورة .
[2443 ]مسألة 60 :ألحق بعضهم الحائض و النفساء بالجنب في حكم
رمضان ،و لا يمكن التعدي عنه إلى سائر الصيام ،لأن التعدي بحاجة إلى قرينة
و لا قرينة عليه لا في نفس تلك الروايات و لا من الخارج ،فإذن يكون البقاء على
الجنابة متعمدا إلى الصبح مبطلا لصوم شهر رمضان و موجبا للقضاء و الكفارة
اضافة إلى امساك ذلك اليوم بلا فرق في ذلك بين النوم الأول أو الثاني أو الثالث ،
فالفرق بين النوم الأول و الثاني و ما زاد انما هو في البقاء على الجنابة من دون
تعمد ،فانه في الأول لا يوجب بطلان الصوم و له أن يواصل فيه و لا شيء عليه
و صيامه صحيح ،و في الثاني و ما زاد يوجب البطلان و عليه الامساك بقية النهار ثم
القضاء فقط دون الكفارة ،فما ذكره الماتن قدّس سرّه من الاحتياط الوجوبي هنا مخالف
لما ذكره قدّس سرّه في الأمر الثامن من أن الالحاق مبني على الاحتياط الاستحبابي في
المسألة و اختصاص ابطال البقاء على الجنابة متعمدا بصوم شهر رمضان دون
غيره .
( 1 ) سبق انه لا فرق بين النوم الثاني و الثالث و ما زاد ،فان المعيار العام
لذلك ما عرفت من أن الجنب إذا كان مطمئنا بالانتباه يسمح له أن ينام سواء أ كان
في النوم الأول أم الثاني أم الثالث و ما زاد ،و الاّ لم يسمح له ذلك و إن كان في
النوم الأول ،نعم يختلف النوم الأول عن الثاني و ما زاد في وجوب القضاء كما
تقدم .
و أما الثاني فهو لا يختلف عن الثالث و ما زاد ،و قد سبق ان الوارد في
الروايات انما هو النوم الثاني فقط دون ما فوقه .
و دعوى :ان النوم إذا زاد عن الثاني يكشف عن تساهل الجنب و تسامحه --( 94 )--
النومات ،و الأقوى عدم الإلحاق و كون المناط فيهما صدق التواني في
الاغتسال ( 1 ) فمعه يبطل و إن كان في النوم الأول و مع عدمه لا يبطل و إن كان
في النوم الثاني أو الثالث .
[2444 ]مسألة 61 :إذا شك في عدد النومات بنى على الأقل .
[2445 ]مسألة 62 :إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه أيام و شك في عددها
يجوز له الاقتصار في القضاء على القدر المتيقن ،و إن كان الأحوط تحصيل
اليقين بالفراغ .
[2446 ]مسألة 63 :يجوز قصد الوجوب في الغسل و إن أتى به في أول
الليل ( 2 ) ،لكن الأولى مع الإتيان به قبل آخر الوقت أن لا يقصد الوجوب بل
يأتي به بقصد القربة .
[2447 ]مسألة 64 :فاقد الطهورين يسقط عنه اشتراط رفع الحدث للصوم
فيصح صومه مع الجنابة أو مع حدث الحيض أو النفاس .
في أداء الوظيفة و هي الغسل قبل طلوع الفجر ،و معه يصدق انه تارك للغسل
متعمدا .
مدفوعة ..أولا :بعدم الملازمة بين الأمرين .
و ثانيا :لا يسمح له أن ينام إذا كان الأمر كذلك و إن كان من النوم الثاني بل
الأول .
و ثالثا :انه خلاف الفرض حيث ان المفروض انه مطمئن بالانتباه قبل أن
يطلع الفجر .
( 1 ) هذا في الحائض فقط لما مر في المسألة ( 48 ) في ضمن الأمر الثامن
من عدم الدليل على الحاق النفساء بالحائض .
( 2 ) في الجواز اشكال بل منع ،و الأقوى عدم الجواز ،لأنه مبني على القول --( 95 )--
[2448 ]مسألة 65 :لا يشترط في صحة الصوم الغسل لمسّ الميت كما لا
يضرّ مسه في أثناء النهار .
[2449 ]مسألة 66 :لا يجوز إجناب نفسه في شهر رمضان إذا ضاق الوقت
بوجوب المقدمة ،و قد ذكرنا في علم الاصول أن مقدمة الواجب غير واجبة ،فإن
الملازمة بين إرادة شيء و إرادة مقدمته ،و محبوبية شيء و محبوبية مقدمته في
مرحلة المبادئ و إن كانت مطابقة للوجدان ،و لكن الملازمة بين وجوبه
و وجوب مقدمته في مرحلة الجعل و الاعتبار غير معقولة ،لأنه إن اريد بها ترشح
الوجوب الغيري للمقدمة من الوجوب النفسي لذيها بصورة قهرية كترشح
المعلول عن العلة ،فهو غير معقول ،لأن الوجوب أمر اعتباري لا واقع موضوعي
له لكي يترشح و يتولد منه وجوب آخر ،هذا اضافة إلى ان جعل الحكم فعل
اختياري للمولى و قائم به مباشرة و لا يمكن ترشحه من وجوب ذي المقدمة
بصورة قهرية و الاّ فهو خلف .و إن اريد بها أن جعل الوجوب للمقدمة من قبل
المولى ملازم لجعل الوجوب لذيها تبعا ،فيرد عليه أن جعل الوجوب للمقدمة
بحاجة إلى نكتة مبررة له ،و تلك النكتة اما فرض وجود ملاك ملزم فيها ،
و الفرض عدم وجوده ،و من هنا لا يكون وجوبها على تقدير ثبوته بداعي البعث
و التحريك المولوي لكي يكون مركزا لحق الطاعة و الادانة و حكم العقل
بالمسؤولية أمامه ،و اما أن يكون متمما لإبراز الملاك الملزم القائم بذي المقدمة ،
و الفرض ان وجوب ذيها يكفى لذلك فلا يحتاج إلى متمم ،هذا اضافة إلى أن
وجوب ذي المقدمة وحده يكفى لتحريك المكلف بحكم العقل نحو الاتيان به
بتمام قيوده و شروطه المأخوذة فيه ،كما أنه يحكم بلزوم الاتيان بالمقدمات التي
يتوقف عليها امتثال الواجب بدون أخذ تلك المقدمات قيدا له من قبل الشرع
كقطع المسافة إلى الميقات و ما يتبعه من اللوازم و التبعات و نحوه ،و مع حكم
العقل بذلك لا مجال لجعل الوجوب لها شرعا لأنه لغو و جزاف .
--( 96 )--
عن الاغتسال أو التيمم ،بل إذا لم يسع للاغتسال و لكن وسع للتيمم ( 1 ) ،و لو
ظن سعة الوقت فتبين ضيقه فإن كان بعد الفحص صح صومه و إن كان مع ترك
الفحص فعليه القضاء على الأحوط ( 2 ) .
( 1 ) تقدم الكلام فيه في ( الأمر الثامن ) و قلنا هناك ان ذلك غير جائز بحكم
العقل و انه مستحق للإدانة و العقوبة و لكن مع هذا إذا فعل ذلك وجب عليه
التيمم ،فإذا تيمم صح صومه و لا شيء عليه من القضاء و الكفارة .
( 2 ) في الاحتياط اشكال بل منع ،لأنه ان اعتمد في اجناب نفسه على
استصحاب بقاء الوقت إلى زمان الغسل ثم بان ضيقه و عدم تمكنه من الغسل فيه
قبل أن يطلع الفجر فلا شيء عليه و يصح صومه لأنه ليس متعمدا في الاصباح
جنبا ،و قد مر أن المبطل للصوم هو البقاء على الجنابة متعمدا لا مطلق البقاء إلاّ
في النومة الثانية كما مر .
و إن لم يعتمد في ذلك على الاستصحاب لمكان غفلته عنه و انما اعتمد
على الظن رغم التفاته إلى أنه لا يكون حجة و احتمال أنه يؤدي إلى تفويت
الواجب في ظرفه بماله من الملاك الملزم فهو من المتعمد بالبقاء على الجنابة
على أساس ان وظيفته في هذه الحال هي ترك الإجناب .فإذا أجنب فيها عامدا
ملتفتا إلى عدم جوازه صدق البقاء على الجنابة متعمدا .
فالنتيجة :انه ان اعتمد في اجناب نفسه على الحجة في المسألة فلا شيء
عليه و صومه صحيح ،و إن لم يعتمد فيه على حجة فعلية أن يمسك ذلك اليوم
و يقضى بعد ذلك لصدق التعمد ،و من هنا يظهر أنه لا يجوز التمسك في المقام
بالتعليل الوارد في موثقة سماعة و هو قوله عليه السّلام : «لأنه بدأ بالأكل قبل النظر فعليه
الاعادة »- 1 - فان المتفاهم العرفي منه و إن كان عدم خصوصية للأكل و التعدي منه
إلى مطلق المفطر ،الاّ ان البقاء على الجنابة إلى أن يطلع الفجر لا يكون مفطرا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
--( 97 )--
..........
مطلقا الاّ في بعض الحالات كما تقدم ،و انما المفطر حصة خاصة منه و هو البقاء
على الجنابة متعمدا ،فان صدق على الإجناب في الحالة المذكورة عنوان البقاء
على الجنابة متعمدا فهو مفطر و موجب للقضاء و الكفارة و إن قام بالفحص
و النظر إذا لم يؤد إلى الوثوق و الاطمينان ببقاء الوقت بمقدار يسع للاغتسال فانه
في هذه الحالة لا يمنع عن صدق التعمد ،و إن لم يصدق عليه ذلك العنوان لم
يكن مفطرا و إن كان لم يقم بالفحص و النظر كما إذا أجنب نفسه في حالة الشك
ببقاء الوقت أو الظن اعتمادا على الاستصحاب ،فانه يمنع عن صدق عنوان
التعمد مع أن مقتضى التعليل في الموثقة بطلان الصوم .
و إن شئت قلت :ان التعليل في مورد الموثقة لا ينطبق على المسألة باعتبار
وجود الفرق بينهما و هو ان جواز الإجناب في الليل يتوقف على احراز أن يبقى
من الليل بمقدار يتمكن من الاغتسال فيه ،و من المعلوم ان احراز هذا المقدار
من الوقت غير ميسور لغالب الناس بالفحص و النظر ،و هذا بخلاف مورد
التعليل في الموثقة ،فان تشخيص كون هذا الأكل قبل الفجر أو بعده ميسور لكل
أحد غالبا و نوعا حيث انه يتوقف على النظر إلى الافق ،فإذا نظر إليه يعرف ان
الفجر طلع أو لا ،و على هذا فلا مانع من التعدي عن مورد الموثقة إلى أي مفطر
يشترك مع الأكل في هذه النكتة و لا يمكن التعدي عنه إلى المسألة في المقام
لعدم اشتراك المفطر فيها معه في تلك النكتة ،هذا اضافة إلى أن الأكل بعنوانه
مفطر دون البقاء على الجنابة فانه بعنوان التعمد مفطر لا مطلقا .
و أما رواية ابراهيم بن مهزيار قال : «كتب الخليل بن هاشم إلى أبي
الحسن عليه السّلام رجل سمع الوطء و النداء في شهر رمضان فظن أن النداء للسحور
فجامع و خرج فإذا الصبح قد أسفر ،فكتب بخطه :يقضى ذلك اليوم إن شاء اللّه
تعالى »- 1 - فهي و إن كانت لا بأس بها دلالة الاّ أنها ضعيفة سندا ،إذ لم يثبت توثيق
ابراهيم بن مهزيار ،و مجرد وروده في اسناد كامل الزيارات لا يجدي .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 98 )--
التاسع من المفطرات :الحقنة بالمائع و لو مع الاضطرار إليها لرفع
المرض ،و لا بأس بالجامد و إن كان الأحوط اجتنابه أيضا ( 1 ) .
[2450 ]مسألة 67 :إذا احتقن بالمائع لكن لم يصعد إلى الجوف بل كان
بمجرد الدخول في الدبر فلا يبعد عدم كونه مفطرا و إن كان الأحوط تركه .
[2451 ]مسألة 68 :الظاهر جواز الاحتقان بما يشك في كونه جامدا أو
مائعا ( 2 ) ،و إن كان الأحوط تركه .
العاشر :تعمد القيء و إن كان للضرورة من رفع مرض أو نحوه ،و لا بأس
بما كان سهوا أو من غير اختيار ،و المدار على الصدق العرفي فخروج مثل
( 1 ) فيه انه ضعيف و لا منشأ له بعد نص موثقة ابن فضال - 1 - في جواز
الحقنة بالجامد ،و عليه فلا بد من تقييد اطلاق صحيحة ابن أبي نصر - 2 - بما إذا
كانت الحقنة بالمائع .هذا اضافة إلى أن دعوى انصراف الاحتقان في الصحيحة
إلى الاحتقان بالمائع غير بعيدة .
( 2 ) هذا بناء على انصراف الاحتقان في الصحيحة إلى الاحتقان بالمائع
كما هو غير بعيد فانه حينئذ إذا شك في كون شيء من المائع أو الجامد لم يمكن
التمسك بالصحيحة لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ،فالمرجع
عندئذ الأصل العملي و هو أصالة البراءة عن مانعية الاحتقان به ،و أما بناء على
عدم الانصراف و اطلاق الصحيحة فيرجع في مورد الشك في الخروج إلى
اطلاقها لأن الخارج منه هو الجامد بمقتضى الموثقة ،و إذا شك فيه مفهوما لم
يمكن التمسك باطلاق الدليل المخصص لا جماله ،فاذن يكون المرجع هو
اطلاقها ،نعم إذا كانت الشبهة موضوعية لم يمكن التمسك به و يرجع حينئذ إلى
اصالة البراءة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :4 .
--( 99 )--
النواة أو الدود لا يعدّ منه .
[2452 ]مسألة 69 :لو خرج بالتجشؤ شيء ثم نزل من غير اختيار لم يكن
مبطلا ،و لو وصل إلى فضاء الفم فبلعه اختيارا بطل صومه و عليه القضاء
و الكفارة ( 1 ) ،بل تجب كفارة الجمع إذا كان حراما من جهة خباثته أو
غيرها ( 2 ) .
[2453 ]مسألة 70 :لو ابتلع في الليل ما يجب عليه قيؤه في النهار فسد
صومه ( 3 ) إن كان الإخراج منحصرا في القيء ،و إن لم يكن منحصرا فيه لم
( 1 ) على الأحوط حيث ان الروايات الواردة في القلس - 1 - تدل على أن ما
يخرج من الطعام به و إن وصل إلى فضاء الفم ثم ازدرده لا يكون مفطرا ،و بها
تقيد اطلاق ما دل على بطلان الصيام بما يدخل في الحلق على ما تقدم تفصيله
في المسألة ( 2 ) من المفطر الأول و الثاني ،و لكن مع ذلك كان الأجدر به
و الأحوط وجوبا القضاء و الكفارة .
( 2 ) في الوجوب اشكال بل منع صغرى و كبرى .
أما الاولى :فلأن كونه من الخبائث حتى بالنسبة إلى نفس الشخص فهو
ممنوع ،و على تقدير انه من الخبائث و لكن لا دليل على حرمة أكل الخبائث
مطلقا .
و أما الثانية :فلما سيأتي في ضمن البحوث القادمة من أنه لا دليل على
وجوب كفارة الجمع في الافطار بالحرام ،فان عمدته رواية عبد السلام بن صالح
الهروي - 2 - و هي ضعيفة سندا .
( 3 ) هذا شريطة أمرين ..
أحدهما :القول بعدم امكان الترتب .
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :30 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 100 )--
يبطل إلا إذا اختار القيء مع إمكان الإخراج بغيره ،و يشترط أن يكون مما
يصدق القيء على إخراجه و أما لو كان مثل درّة أو بندقة أو درهم أو نحوها مما
لا يصدق معه القيء لم يكن مبطلا .
[2454 ]مسألة 71 :إذا أكل في الليل ما يعلم أنه يوجب القيء في النهار من
غير اختيار فالأحوط القضاء ( 1 ) .
[2455 ]مسألة 72 :إذا ظهر أثر القيء و أمكنه الحبس و المنع وجب إذا لم
يكن حرج و ضرر .
[2456 ]مسألة 73 :إذا دخل الذباب في حلقه وجب إخراجه مع إمكانه ،و لا
يكون من القيء ،و لو توقف إخراجه على القيء سقط وجوبه و صح صومه .
[2457 ]مسألة 74 :يجوز للصائم التجشؤ اختيارا و إن احتمل خروج شيء
و الآخر :كون وجوب القيء أهم من وجوب الصوم ،فعندئذ لا أمر
بالصوم ،و بدونه لا يمكن الحكم بصحته ،و أما إذا كانا متساويين فيرجعان إلى
الواجبين المشروطين بحكم العقل ،و حينئذ لا يمكن الحكم بفساد الصوم إلاّ
لدى الاشتغال بالقيء خارجا ،و أما إذا كان وجوب الصوم أهم من وجوب القيء
فهو يظل على وجوبه التعييني من دون تقييد اطلاقه بعدم الاشتغال بالقيء خارجا
و حينئذ فان قام بعملية القيء في الخارج بطل صومه لمكان المفطر ،و الاّ صح .
و أما بناء على القول بامكان الترتب فيصح الصوم مطلقا لدى ترك القيء
خارجا و إن كان وجوب القيء أهم من وجوبه .
( 1 ) لا بأس بتركه و إن كانت رعايته أولى و أجدر على أساس أن روايات
الباب ناصة في أن تقيؤ الصائم إذا كان عامدا ملتفتا إلى عدم جوازه مفطر و إلاّ
فلا ،و أما إذا كان التعمد في منشأه و سببه قبل وقت الصيام و لكن في وقته كان
التقيؤ خارجا عن قدرته و اختياره و كان بغير عمد فهو لا يكون مفطرا بمقتضى
الروايات .
--( 101 )--
من الطعام معه ،و أما إذا علم بذلك فلا يجوز ( 1 ) .
[2458 ]مسألة 75 :إذا ابتلع شيئا سهوا فتذكر قبل أن يصل إلى الحلق وجب
إخراجه و صح صومه ،و أما إن تذكر بعد الوصول إليه فلا يجب ،بل لا يجوز إذا
صدق عليه القيء ،و إن شك في ذلك فالظاهر وجوب إخراجه أيضا مع إمكانه
عملا بأصالة عدم الدخول في الحلق ( 2 ) .
[2459 ]مسألة 76 :إذا كان الصائم بالواجب المعين مشتغلا بالصلاة الواجبة
فدخل في حلقه ذباب أو بقّ أو نحوهما أو شيء من بقايا الطعام الذي بين
أسنانه و توقف إخراجه على إبطال الصلاة بالتكلم ب «اخ »أو بغير ذلك ،فإن
أمكن التحفظ و الإمساك إلى الفراغ من الصلاة وجب ( 3 ) ،و إن لم يمكن ذلك
و دار الأمر بين إبطال الصوم بالبلع أو الصلاة بالإخراج ،فإن لم يصل إلى
الحدّ من الحلق كمخرج الخاء و كان مما يحرم بلعه في حد نفسه كالذباب
و نحوه ( 4 ) وجب قطع الصلاة بإخراجه و لو في ضيق وقت
( 1 ) في عدم الجواز اشكال بل منع لما مر من أن جملة من الروايات تنص
على جواز القلس و هو التجشؤ ،و الممنوع انما هو التقيؤ اختيارا ،و الفرض عدم
صدق التقيؤ على القلس ،بل قد تقدم في المسألة ( 69 ) أن مقتضى هذه
الروايات جواز ابتلاع ما يخرج من الجوف إلى فضاء الفم بالقلس .
( 2 ) فيه انه لا أثر لهذه الأصالة في المقام الا على القول بالأصل المثبت ،
حيث ان الأثر الشرعي و هو بطلان الصوم مترتب على الأكل هنا و تلك الأصالة لا
تثبت كون ابتلاعه أكلا .
( 3 ) على الأحوط لما تقدم في باب الصلاة من أنه لا دليل على حرمة
قطعها .
( 4 ) في حرمة بلعه اشكال لأن حرمته ان كانت بملاك انه غير مذكى ،ففيه --( 102 )--
الصلاة ( 1 ) ،و إن كان مما يحلّ بلعه في ذاته كبقايا الطعام ففي سعة الوقت
للصلاة و لو بإدراك ركعة منه يجب القطع و الإخراج ( 2 ) ،و في الضيق يجب
البلع و ابطال الصوم تقديما لجانب الصلاة لأهميتها ،و إن وصل إلى الحدّ فمع
كونه مما يحرم بلعه وجب إخراجه بقطع الصلاة و إبطالها على
أن هذا العنوان لا يصدق عليه لأنه في مقابل الميتة ،فان الحيوان إذا زهقت روحه
بأسباب شرعية فهو مذكى ،و إذا زهقت بغيرها فهو ميتة فلا يصدق على الحيوان
الحي عنوان غير المذكى أو الميتة حتى يكون بلعه حراما ،و كذلك الحال في
الذباب و نحوه الذي لا يكون قابلا للتذكية فانه إذا زهقت روحه كان ميتة و إلاّ فلا
يصدق عليه عنوان الميتة و لا غير المذكى .و إن كانت بملاك انه من الخبائث فلا
دليل على حرمة أكلها مطلقا .
فالنتيجة :انه لا دليل على حرمة بلعه و إن كان الأجدر به و الأحوط وجوبا
عدم جواز بلعه .
( 1 ) في وجوب القطع في هذه الحالة اشكال بل منع و لا سيما بناء على ما
ذكرناه من الاشكال في ثبوت حرمة بلع الذباب أو نحوه ،و ذلك لأن الصلاة أهم
من الصيام و حرمة بلعه -على تقدير ثبوتها - ،باعتبار أنها عماد الدين و معراج
المؤمن و أهم الفرائض الإلهية و لذا لا تسقط عن المكلف بحال .
( 2 ) تقدم في باب الصلاة ان مورد حديث ( من أدرك ) صلاة الصبح ،
و التعدي منها إلى سائر الصلوات لا يخلو عن إشكال بل منع و إن كان الاحتياط لا
يترك .
و على هذا فإذا لم يبق من الوقت إلاّ بمقدار ادراك ركعة واحدة فإن كان
ذلك في غير صلاة الصبح فوظيفته ابطال الصوم ببلعه و عدم جواز قطع الصلاة ،
و إن كان ذلك في صلاة الصبح ففي وجوب قطعها و الاكتفاء بادراك ركعة واحدة
منها في الوقت اشكال لأن ذلك وظيفة المضطر ،و أما أن هذا المصلي مضطر إلى --( 103 )--
إشكال ( 1 ) ،و إن كان مثل بقايا الطعام لم يجب و صحت صلاته ،و صح صومه
على التقديرين لعدم عدّ إخراج مثله قيئا في العرف .
[2460 ]مسألة 77 :قيل يجوز للصائم أن يدخل إصبعه في حلقه و يخرجه
عمدا ( 2 ) ،و هو مشكل مع الوصول إلى الحد فالأحوط الترك .
[2461 ]مسألة 78 :لا بأس بالتجشؤ القهري و إن وصل معه الطعام إلى فضاء
الفم و رجع ،بل لا بأس بتعمد التجشؤ ما لم يعلم أنه يخرج معه شيء من
الطعام ( 3 ) ،و إن خرج بعد ذلك وجب إلقاؤه ،و لو سبقه الرجوع إلى الحلق لم
يبطل صومه و إن كان الأحوط القضاء .
قطع صلاته حفاظا على صومه و الاكتفاء بادراك ركعة منها في وقتها فهو غير
معلوم ،بل لا يبعد عدم جواز القطع لإهتمام الشارع بايقاع الصلاة بكاملها في
الوقت ،و أما إذا بنى على قطع صلاته حفاظا على الصوم فالأجدر به و الأحوط
وجوبا أن يجمع بين ادراك ركعة منها في الوقت و القضاء في خارج الوقت .
( 1 ) لا اشكال في ذلك في سعة الوقت و تمكنه من ادراك الصلاة كلا فيه
لما مر من أنه لا دليل على حرمة قطع الصلاة و لا سيما في مثل المقام ،و أما في
ضيق الوقت فقد مر آنفا انه لا يجوز قطعها و ابطالها حفاظا على الصوم و عدم
بلع الحرام .
( 2 ) هذا هو الظاهر إذ لا يصدق على اخراجه عمدا عنوان التقيؤ عمدا و لا
على ادخال الاصبع عنوان الأكل ،فاذن لا اشكال في الجواز ،فما ذكره الماتن قدّس سرّه
من الاشكال في غير محله .
( 3 ) تقدم حكم هذه المسألة في المسألة ( 74 ) فراجع .
--( 104 )--
فصل
في ما يعتبر في مفطرية المفطرات
المفطرات المذكورة ما عدا البقاء على الجنابة الذي مرّ الكلام فيه
تفصيلا ( 1 ) إنما توجب بطلان الصوم إذا وقعت على وجه العمد
و الاختيار ،و أما مع السهو و عدم القصد فلا توجبه ( 2 ) ،من غير فرق بين
أقسام الصوم من الواجب المعين و الموسّع و المندوب ،و لا فرق في
( 1 ) مر أن البقاء على الجنابة في النومة الثانية إلى أن طلع الفجر مفطر و إن
لم يكن متعمدا فيه و عليه القضاء فقط دون الكفارة باعتبار أنها منوطة بالتعمد
على البقاء بلا فرق بين النومة الاولى و الثانية .
( 2 ) ان تناول أي واحد من المفطرات المتقدمة من الصائم يبطل الصيام
شريطة أن يكون عن قصد و التفات .
أما اعتبار القصد و العمد فيه فتدل عليه روايات في مختلف الأبواب على
أساس تقييد بطلان الصوم بتناولها متعمدا .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة أبي بصير و سماعة : «على الذي أفطر صيام
ذلك اليوم ،إن اللّه عز و جل يقول :و أتموا الصيام إلى الليل ،فمن أكل قبل أن
يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنه أكل متعمدا »- 1 - بتقريب ان هذا التعليل يدل على
أن الأكل انما يكون مفطرا إذا كان متعمدا ،و من الواضح ان العرف لا يفهم
خصوصية للأكل ،بل يفهم من ذلك التعليل ضابطا عاما و هو ان تناول أي واحد
من المفطرات انما يبطل الصوم شريطة أن يكون عن عمد و قصد .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 105 )--
..........
و منها :الروايات - 1 - التي تقيد مفطرية الكذب و التقيؤ و البقاء على الجنابة
بالتعمد .
و منها :الروايات - 2 - التي تنص على وجوب القضاء و الكفارة على من
افطر متعمدا .
و لكن هذه الروايات لا تدل على اختصاص الحكم في موردها و نفيه عن
غير موردها لما ذكرناه في الاصول من عدم دلالة القيد على المفهوم و هو نفي
الحكم عن غير مورده لدى انتفائه ،و انما يدل على أن موضوع الحكم في
القضية حصة خاصة و ينتفي شخص الحكم بانتفائها لا سنخه و هو انتفاؤه عن
غير موردها أيضا ،بل الغرض من الاستدلال بها اختصاص بطلان الصوم بما إذا
مارس الصائم شيئا من المفطرات عن عمد و قصد ،و أما إذا كان ذلك بدون
القصد و العمد ،كما إذا فتح شخص فم الصائم عنوة و صبّ ماء في جوفه فلا
مقتضي للبطلان فان تلك الروايات لا اطلاق لها بالنسبة إلى هذه الحالة ،و الدليل
الآخر غير موجود ،فمن أجل ذلك يكون اعتبار العمد و القصد في الحكم
بالبطلان أمر متسالم عليه بين الأصحاب .
و أما اعتبار الالتفات و التذكر فيه فتنص عليه عدة من الروايات :
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن رجل نسي فأكل
و شرب ثم ذكر ،قال :لا يفطر انما هو شيء رزقه اللّه فليتم صومه »- 3 - .
و منها :موثقة عمار بن موسى : «انه سأل أبا عبد اللّه عن الرجل ينسى و هو
صائم فجامع أهله ،فقال :يغتسل و لا شيء عليه »- 4 - .و منها غيرهما .
فالنتيجة :ان تناول هذه المفطرات انما يوجب القضاء و الكفارة إذا كان
---------------
( 1 ) راجع الوسائل أبواب :2 و 16 و 29 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
---------------
( 2 ) الوسائل :باب 8 و 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 106 )--
..........
من قصد و التفات ،و في ضوء ذلك لا يجب القضاء و لا الكفارة في الحالات
التالية :
الاولى :إذا وقع شيء من المفطرات المذكورة من الصائم بدون قصد
منه ،كما إذا فتح شخص فمه عنوة و زرق الماء إلى جوفه ،أو عثرت رجلاه و وقع
في الماء فانغمس رأسه كاملا فيه ،أو وقع منه كذب على اللّه أو على رسوله صلّى اللّه عليه و آله
بدون قصد و ارادة ،و في كل ذلك لا يبطل صومه باعتبار أن أيا من الشرب
و الارتماس و الكذب لم يقع منه عن قصد و التفات .
نعم ،قد استثنى من هذه الحالة موردان ..
أحدهما :ان من تمضمض بالماء فسبقه و دخل في جوفه قهرا فعليه
القضاء الاّ إذا كان في وضوء لصلاة فريضة ،و تدل عليه صحيحة حماد عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في الصائم يتوضأ للصلاة فيدخل الماء حلقه ؟فقال :إن كان
وضوؤه لصلاة فريضة فليس عليه شيء ،و إن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه
القضاء »- 1 - .
و مثلها موثقة سماعة في حديث قال : «سألته عن رجل عبث بالماء
يتمضمض به من عطش فدخل حلقه ؟قال :عليه قضاؤه ،و إن كان في وضوء فلا
بأس »- 2 - .و بهما يقيد اطلاق موثقة عمار الساباطي - 3 - .
و الآخر :ان الصائم إذا لزق بزوجته و هو واثق من عدم نزول المني منه
و لكن سبقه المني و خرج بدون قصد فعليه القضاء على الأحوط كما تقدم وجه
ذلك في المفطر الرابع .
الثانية :ان الصائم إذا ارتكب بعض تلك المفطرات ناسيا انه صائم و غافلا
عن صومه فلا شيء عليه و صيامه صحيح كما مر .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :5 .
--( 107 )--
البطلان مع العمد بين الجاهل بقسميه ( 1 ) و العالم و لا بين المكره
و غيره ،فلو اكره على الإفطار فأفطر مباشرة فرارا عن الضرر المترتب
على تركه بطل صومه على الأقوى ،نعم لو وجر في حلقه من غير مباشرة
الثالثة :إذا اعتقد الصائم أن الشيء الفلاني ليس من المفطرات و ارتكبه
معتقدا بذلك فلا شيء عليه و يصح صومه ،كما إذا احتقن بالمائع معتقدا ان ما
في الحقنة جامد و ليس بمائع ،أو كذب على اللّه تعالى أو رسوله صلّى اللّه عليه و آله معتقدا أنه
ليس بكذب و هكذا باعتبار ان الكذب عليه تعالى لم يصدر منه عن قصد و ارادة ،
لأن ما قصده لا واقع له ،و ما له واقع و هو الكذب على اللّه تعالى لم يقصده .
ثم ان ما ذكرناه من اعتبار شرطين في مفطرية تلك المفطرات لا فرق فيه
بين أقسام الصوم من الواجب و المندوب و المعين و الموسع لإطلاق الدليل .
( 1 ) بل فرق بينهما بالنسبة إلى وجوب الكفارة حيث ان الجاهل إذا كان
بسيطا و كان مقصرا إذا مارس ما يشك في كونه مفطرا مع التفاته إلى عدم جواز
ممارسته وجب عليه القضاء و الكفارة باعتبار انه مارس المفطر عامدا ملتفتا إلى
عدم جوازه ،فمن أجل ذلك لا يكون مشمولا لموثقة زرارة و أبي بصير قالا
جميعا : «سألنا أبا جعفر عليه السّلام عن رجل أتى أهله في شهر رمضان ،و أتى أهله و هو
محرم و هو لا يرى الاّ أن ذلك حلال له ؟قال :ليس عليه شيء »- 1 - حيث أنه لا
يرى ان ما ارتكبه من المفطر حلال له ،بل يرى انه غير جائز له ،فاذن مقتضى
اطلاقات الأدلة وجوب كل من القضاء و الكفارة عليه و إن كان قاصرا ،أو كان
جاهلا مركبا و ان كان مقصرا فهو مشمول لعموم الموثقة باعتبار انه يرى أن ما
ارتكبه من المفطر حلال له ،و كذلك يكون مشمولا لقوله عليه السّلام في صحيحة
عبد الصمد : «أي رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه »- 2 - فان المتفاهم العرفي
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :12 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :25 من أبواب تروك الاحرام الحديث :3 .
--( 108 )--
..........
منه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية انه يرى جواز ممارسة ذلك الأمر
اعتقادا أو ظاهرا .و من هنا لا يعم الجاهل البسيط إذا كان مقصرا باعتبار انه يرى
عدم جواز ارتكاب ذلك الأمر ،فتكون الصحيحة منصرفة عنه .هذا من ناحية .
و من ناحية ثانية ،هل تعم الموثقة و الصحيحة وجوب القضاء أيضا
و تدلان بالالتزام على صحة الصوم و اختصاص مفطرية المفطرات بالعالم
و الجاهل المقصر الملتفت ،أو لا ؟
الظاهر هو الثاني .لأن الشيء و إن كان باطلاقه يشمل القضاء أيضا ،الاّ أن
مناسبة الحكم و الموضوع تقتضى ان المراد منه الكفارة لا الأعم منها و من
القضاء ،و ذلك لأن القضاء مترتب على فوت المأمور به و بطلانه ،و عدمه مترتب
على صحة المأمور به ،و بما أن نفي الشيء في الروايتين مترتب على ممارسة
الصائم المفطر فهو يصلح أن يكون قرينة لدى العرف على ان المراد منه هو
الكفارة فحسب باعتبار أنها مترتبة على ممارسة المفطر في نهار شهر رمضان ،
و الروايتان تنصان على عدم ترتبها عليها فيه إذا كان الممارس جاهلا بكونه
مفطرا ،فالجماع في نهار شهر رمضان موجب للكفارة ،و لكن الموثقة تنص على
ان من مارس الجماع فيه جاهلا و معتقدا جوازه فلا كفارة عليه .
فالنتيجة :اختصاص وجوب الكفارة على من مارس شيئا من المفطرات
عامدا عالما أو جاهلا إذا كان ملتفتا شريطة أن لا يكون معذورا في ممارسته ،
و أما إذا كان معذورا فيها أو كان جاهلا مركبا كالغافل فلا تجب الكفارة عليه ،و أما
وجوب القضاء فهو مقتضى اطلاق الروايات التي تنص على بطلان الصيام
بتناول الصائم شيئا من المفطرات و إن كان جاهلا بذلك ،و مع الاغماض عن
ذلك و تسليم أنهما غير ظاهرتين في نفي الكفارة فحسب الاّ أنه لا شبهة في
أنهما لا تكونان ظاهرتين في نفي الأعم منها و من القضاء ،غاية الأمر أنهما
مجملتان فلا ظهور لهما في نفي الكفارة فقط ،و لا في نفي الأعم و ذلك لأن
المناسبة المشار إليها آنفا لو لم تصلح أن تكون قرينة على ظهورهما في نفي --( 109 )--
منه لم يبطل .
[2462 ]مسألة 1 :إذا أكل ناسيا فظن فساد صومه فأفطر عامدا بطل صومه ،
و كذا لو أكل بتخيل أن صومه مندوب يجوز إبطاله فذكر أنه واجب .
[2463 ]مسألة 2 :إذا أفطر تقية من ظالم بطل صومه ( 1 ) .
الكفارة فحسب فلا شبهة في أنها تسبب الاجمال فيهما ،فاذن يدخل المقام في
كبرى مسألة تعيّن الرجوع إلى العام إذا كان المخصص المنفصل مجملا .
و مع الاغماض عن ذلك أيضا و تسليم أنهما ظاهرتان في نفي الأعم فاذن
لا بد من تقييد اطلاق روايات القضاء بهما على أساس ان النسبة بينهما عموم
مطلق لاختصاص مورد الروايتين بالجاهل المركب و الجاهل البسيط المعذور ،
و عموم تلك الروايات للعالم و الجاهل بتمام أقسامه ،فاذن لا بد من تخصيص
عموم تلك الروايات بغير موردهما .
إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة و هي ان المنصرف عرفا من
الروايتين المذكورتين هو نفي الكفارة فحسب دون الأعم منها و من القضاء ،
و على تقدير المنع عن هذا الظهور و الانصراف فلا ظهور لهما في نفي الأعم
جزما ،بل انهما مجملتان من هذه الناحية ،فالمتيقن منهما هو نفي الكفارة فقط ،
و أما القضاء فالمرجع فيه هو اطلاقات الأدلة .
فالضابط العام المتحصل من هاتين الروايتين هو ان من مارس المفطر في
نهار شهر رمضان معتقدا انه حلال له و لو ظاهرا فلا كفارة عليه ،و أما بطلان
الصوم و وجوب القضاء فهو مقتضى الإطلاقات ،و بذلك يظهر حال المسألة
الآتية .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،إذ لا يوجد دليل خاص على الصحة في المقام .كما
يوجد في باب الصلاة و أما ما ورد من جواز الافطار معهم تقية و اطلاقات أدلة
التقية مثل قوله عليه السّلام : «التقية ديني و دين آبائي »- 1 - و قوله عليه السّلام : «من لا تقية له لا
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :24 من أبواب الأمر و النهي .
--( 110 )--
[2464 ]مسألة 3 :إذا كانت اللقمة في فمه و أراد بلعها لنسيان الصوم فتذكر
وجب إخراجها ،و إن بلعها مع إمكان إلقائها بطل صومه بل تجب الكفارة
أيضا ،و كذا لو كان مشغولا بالأكل فتبين طلوع الفجر .
[2465 ]مسألة 4 :إذا دخل الذباب أو البق أو الدخان الغليظ أو الغبار في
حلقه من غير اختياره لم يبطل صومه ،و إن أمكن إخراجه وجب و لو وصل
إلى مخرج الخاء .
[2466 ]مسألة 5 :إذا غلب على الصائم العطش بحيث خاف من الهلاك
يجوز له أن يشرب الماء مقتصرا على مقدار الضرورة ،و لكن يفسد صومه
بذلك و يجب عليه الإمساك بقية النهار إذا كان في شهر رمضان ،و أما في
غيره من الواجب الموسّع و المعيّن فلا يجب الإمساك ،و إن كان أحوط في
الواجب المعيّن .
[2467 ]مسألة 6 :لا يجوز للصائم أن يذهب إلى المكان الذي يعلم
اضطراره فيه إلى الإفطار بإكراه أو إيجار في حلقه أو نحو ذلك ،و يبطل
صومه لو ذهب و صار مضطرا و لو كان بنحو الإيجار ،بل لا يبعد بطلانه
بمجرد القصد إلى ذلك فإنه كالقصد للإفطار .
[2468 ]مسألة 7 :إذا نسي فجامع لم يبطل صومه ،و إن تذكر في الأثناء
وجب المبادرة إلى الاخراج ،و إلا وجب عليه القضاء و الكفارة .
دين له »- 1 - و نحو ذلك فهو لا يدل على الصحة ،فان الظاهر منها ان المصلحة انما
هي في نفس التقية و هي الحفاظ على النفس أو العرض أو المال لا في العمل
المتقى به الفاقد للجزء أو الشرط بعنوان ثانوي لكي يقتضي صحته ،و قد تكلمنا
حول هذه المسألة على ضوء مقتضى القاعدة مرة و على ضوء الروايات الواردة
فيها بمختلف جهاتها و جوانبها مرة اخرى بشكل موسع في بحوثنا الفقهية .
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :24 من أبواب الأمر و النهي .
--( 111 )--
فصل
في ما يجوز ارتكابه للصائم
لا بأس للصائم بمصّ الخاتم أو الحصى و لا بمضغ الطعام للصبي
و لا بزقّ الطائر و لا بذوق المرق و نحو ذلك مما لا يتعدى إلى الحلق ،و لا
يبطل صومه إذا اتفق التعدي إذا كان من غير قصد و لا علم بأنه يتعدى قهرا
أو نسيانا ،أما مع العلم بذلك من الأول فيدخل في الإفطار العمدي ،و كذا لا
بأس بمضغ العلك و لا ببلع ريقه بعده و إن وجد له طعما فيه ما لم يكن
ذلك بتفتت أجزاء منه بل كان لأجل المجاورة ،و كذا لا بأس بجلوسه في
الماء ما لم يرتمس رجلا كان أو امرأة و إن كان يكره لها ذلك ،و لا ببل
الثوب و وضعه على الجسد ،و لا بالسواك باليابس بل بالرطب أيضا لكن إذا
أخرج المسواك من فمه لا يردّه و عليه رطوبة ( 1 ) و إلا كانت كالرطوبة
الخارجية لا يجوز بلعها إلا بعد الاستهلاك في الريق ،و كذا لا بأس بمصّ
لسان الصبي أو الزوجة إذا لم يكن عليه رطوبة ( 2 ) و لا بتقبيلها أو ضمها أو
نحو ذلك .
[2469 ]مسألة 1 :إذا امتزج بريقه دم و استهلك فيه يجوز بلعه على
الأقوى ،و كذا غير الدم من المحرمات و المحللات ،و الظاهر عدم جواز
( 1 ) تقدم حكم ذلك في المفطر الأول و الثاني فراجع .
( 2 ) بل و معها أيضا ،لإطلاق النص .
--( 112 )--
تعمد المزج و الاستهلاك للبلع ( 1 ) سواء كان مثل الدم و نحوه من
المحرمات أو الماء و نحوه من المحللات ،فما ذكرنا من الجواز إنما هو إذا
كان ذلك على وجه الاتفاق .
( 1 ) في الظهور اشكال بل منع فانه إذا جاز البلع بعد الاستهلاك فلا وجه
للمنع عن الاستهلاك و المزج عامدا ملتفتا ثم البلع بعد ما لم يصدق عليه عنوان
الأكل و الشرب .
نعم ،إذا جعل ذلك وسيلة لا دخال مقدار من الماء أو الطعام أو غيرهما
إلى جوفه لم يجز لما تقدم من ان ادخال شيء في الجوف عن طريق الحلق
مفطر و إن لم يكن من طريق الفم ،بل و إن لم يصدق عليه عنوان الأكل أو
الشرب ،و أما إذا لم يصل إلى هذا الحد فلا مانع منه حيث لا يصدق انه أدخل منه
في جوفه ،و بدون الصدق لا يكون مصداقا للمفطر .
--( 113 )--
فصل
في ما يكره للصائم
يكره للصائم امور ..
أحدها :مباشرة النساء لمسا و تقبيلا و ملاعبة خصوصا لمن تتحرك
شهوته بذلك ،بشرط أن لا يقصد الإنزال و لا كان من عادته ،و إلا حرم إذا
كان في الصوم الواجب المعين .
الثاني :الاكتحال بما فيه صبر أو مسك أو نحوهما مما يصل طعمه أو
رائحته إلى الحلق ،و كذا ذرّ مثل ذلك في العين .
الثالث :دخول الحمام إذا خشي منه الضعف .
الرابع :إخراج الدم المضعف بحجامة أو غيرها ،و إذا علم بأدائه إلى
الإغماء المبطل للصوم حرم ،بل لا يبعد كراهة كل فعل يورث الضعف أو
هيجان المرّة .
الخامس :السعوط مع عدم العلم بوصوله إلى الحلق ،و إلا فلا يجوز
على الأقوى .
السادس :شمّ الرياحين خصوصا النرجس ،و المراد بها كل نبت طيّب
الريح .
السابع :بلّ الثوب على الجسد .
الثامن :جلوس المرأة في الماء ،بل الأحوط لها تركه .
التاسع :الحقنة بالجامد .
--( 114 )--
العاشر :قلع الضرس ،بل مطلق إدماء الفم .
الحادي عشر :السواك بالعود الرطب .
الثاني عشر :المضمضة عبثا ،و كذا إدخال شيء آخر في الفم لا
لغرض صحيح .
الثالث عشر :إنشاد الشعر ،و لا يبعد اختصاصه بغير المراثي أو
المشتمل على المطالب الحقة من دون إغراق أو مدح الأئمة عليهم السّلام و إن كان
يظهر من بعض الأخبار التعميم .
الرابع عشر :الجدال و المراء و أذى الخادم و المسارعة إلى الحلف
و نحو ذلك من المحرمات و المكروهات في غير حال الصوم ،فإنه تشتد
حرمتها أو كراهتها حاله .
--( 115 )--
فصل
في كفارة الصوم
المفطرات المذكورة كما أنها موجبة للقضاء كذلك توجب الكفارة
إذا كانت مع العمد و الاختيار من غير كره و لا إجبار ،من غير فرق بين
الجميع حتى الارتماس ( 1 ) و الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله بل
و الحقنة و القي على الأقوى .نعم الأقوى عدم وجوبها في النوم الثاني من
الجنب بعد الانتباه ( 2 ) بل و الثالث و إن كان الأحوط فيها أيضا
( 1 ) على الأحوط وجوبا كما مرّ .
( 2 ) تقدم ان البقاء على الجنابة متعمدا إلى أن يطلع الفجر موجب للقضاء
و الكفارة معا بلا فرق بين النوم الأول و الثاني و الثالث ،و أما البقاء عليها بغير
تعمد إلى الفجر فان كان في النوم الأول فلا شيء عليه و يصح صومه ،و إن كان
في النوم الثاني أو الثالث وجب عليه القضاء دون الكفارة ،كما انه قد مر ان
الصائم إذا مارس شيئا من المفطرات عامدا ملتفتا إلى عدم جوازه وجب عليه
الكفارة أيضا ،و أما إذا كان جاهلا به مركبا كالغافل أو بسيطا ملتفتا و لكن كان
معذورا فلا كفارة عليه بمقتضى الموثقة - 1 - و الصحيحة - 2 - المتقدمتين .
نعم ،إذا كان جاهلا ملتفتا غير معذور فقد مر ان عليه الكفارة باعتبار انه
يرى عدم جواز ارتكابه فيكون من هذه الناحية كالعالم بكونه مفطرا ،و أما إذا كان
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :12 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :25 من أبواب تروك الاحرام الحديث :3 .
--( 116 )--
ذلك خصوصا الثالث ،و لا فرق أيضا في وجوبها بين العالم و الجاهل
المقصر و القاصر على الأحوط ،و إن كان الأقوى عدم وجوبها على الجاهل
خصوصا القاصر و المقصر غير الملتفت حين الإفطار .نعم ،إذا كان جاهلا
بكون الشيء مفطرا مع علمه بحرمته كما إذا لم يعلم أن الكذب على اللّه
و رسوله صلّى اللّه عليه و آله من المفطرات فارتكبه حال الصوم فالظاهر لحوقه بالعالم في
وجوب الكفارة .
[2470 ]مسألة 1 :تجب الكفارة في أربعة أقسام من الصوم :
الأول :صوم شهر رمضان ،و كفارته مخيرة بين العتق و صيام شهرين
متتابعين و إطعام ستين مسكينا على الأقوى ( 1 ) ،و إن كان الأحوط الترتيب
جاهلا بكون شيء مفطرا و إن كان مركبا و لكن كان عالما بحرمة هذا الشيء
شرعا كالكذب على اللّه تعالى أو على خاتم المرسلين صلّى اللّه عليه و آله أو الأئمة
الأطهار عليهم السّلام فلا يكون مشمولا للروايتين المتقدمتين .أما الصحيحة فلأن الظاهر
منها عرفا هو الجهل بالحكم الوضعي و التكليفي معا ،و أما الموثقة فهي تنص
على نفي الكفارة عمن يرى أن ما صنعه و هو صائم حلال له ،و مقتضى اطلاقها
انه يرى حلية ذلك الشيء تكليفا و وضعا ،فمن أجل ذلك لا يكون العالم
بالحرمة الجاهل بالمفطر مشمولا لهما .و على هذا فإذا مارس ذلك الشيء و هو
صائم في نهار شهر رمضان وجب عليه القضاء و الكفارة ،و بذلك يظهر حال ما
ذكره قدّس سرّه في المسألة .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،لأن الروايات التي تنص على التخيير و إن كانت
معارضة بالروايات التي تنص على الترتيب ،و تسقط من جهة المعارضة ،الاّ ان
مقتضى الأصل العملي هو التخيير دون الترتيب .
بيان ذلك :ان من الروايات الاولى صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل أفطر من شهر رمضان متعمدا يوما واحدا من غير عذر ،--( 117 )--
فيختار العتق مع الإمكان و مع العجز عنه فالصيام و مع العجز عنه فالإطعام ،
و يجب الجمع بين الخصال إن كان الإفطار على محرم ( 1 ) كأكل المغصوب
و شرب الخمر و الجماع المحرم و نحو ذلك .
قال :يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا ،فان لم يقدر
تصدق بما يطيق »- 1 - فانها بمقتضى العطف بكلمة أو ظاهرة في التخيير .و من
الثانية صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال :
«سألته عن رجل نكح امرأته و هو صائم في شهر رمضان ما عليه ؟قال :عليه
القضاء و عتق رقبة ،فان لم يجد فصيام شهرين متتابعين فان لم يستطع فاطعام
ستين مسكينا ،فان لم يجد فليستغفر اللّه تعالى »- 2 - فانها بمقتضى كلمة ( الفاء )
ظاهرة في الترتيب ،و حيث ان دلالة كل من كلمة ( أو ) على التخيير و كلمة ( الفاء )
على الترتيب مستندة إلى الوضع ،فتقع المعارضة بين المجموعة الاولى
و المجموعة الثانية ،و لا ترجيح لإحداهما على الاخرى .( و ما قيل ) من ان
المجموعة الاولى مخالفة للعامة و الثانية موافقة لهم فلا بد من ترجيح الاولى
على الثانية ( مدفوع ) بأنه لا أصل لذلك ،فان العامة مختلفون في المسألة و إن
نسب القول بالترتيب إلى المشهور و لكن جماعة كثيرة منهم ذهبوا إلى التخيير
فيها ،فاذن تسقطان معا من جهة المعارضة و يرجع إلى الأصل العملي في
المسألة ،و مقتضاه عدم اعتبار الترتيب بينهما حيث ان في اعتباره كلفة زائدة
و ضيق على المكلف دون التخيير .
( 1 ) على الأحوط الأولى لضعف دليله اما سندا أو دلالة .
اما سندا ،كرواية عبد السلام بن صالح الهروي قال : «قلت للرضا عليه السّلام :
يا بن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد روى عن آبائك عليهم السّلام فيمن جامع في شهر رمضان أو »
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :9 .
--( 118 )--
..........
أفطر فيه ثلاث كفارات ،و روي عنهم عليهم السّلام أيضا كفارة واحدة ،فبأي الحديثين
نأخذ ؟قال :بهما جميعا ،متى جامع الرجل حراما أو أفطر على حرام في شهر
رمضان فعليه ثلاث كفارات ،عتق رقبة ،و صيام شهرين متتابعين ،و اطعام ستين
مسكينا ،و قضاء ذلك اليوم ،و إن كان نكح حلالا أو أفطر على حلال فعليه كفارة
واحدة ،و إن كان ناسيا فلا شيء عليه - 1 - »فانها و إن كانت تامة دلالة الاّ أنها ضعيفة
سندا فلا يمكن الاعتماد عليها .
أما دلالة :كموثقة سماعة قال : «سألته عن رجل أتى أهله في شهر رمضان
متعمدا ؟فقال :عليه عتق رقبة و اطعام ستين مسكينا و صيام شهرين متتابعين
و قضاء ذلك اليوم »- 2 - فانها و إن كان لا بأس بها من ناحية السند ،الاّ أنها ساقطة
دلالة من جهتين ..
الاولى :من جهة اختلاف النسخة ،فانها مروية في كتاب التهذيب
و الاستبصار للشيخ بكلمة ( الواو ) الظاهرة في الجمع ،و في كتاب النوادر لأحمد
بن محمد ابن عيسى بكلمة ( أو ) الظاهرة في التخيير ،و نتيجة ذلك عدم ثبوت
شيء من النسختين بحده شرعا من الامام عليه السّلام ،و انما الثابت احداهما اجمالا ،
و بما ان نسبة مدلول احداهما إلى مدلول الاخرى نسبة الأقل إلى الأكثر فلا يكون
العلم الإجمالي بثبوت احداهما مؤثرا باعتبار انه ينحل إلى العلم بوجوب الأقل
تفصيلا و الشك في وجوب الأكثر بدوا على أساس أنهما متفقتان في وجوب
احدى الخصال و مختلفتان في وجوب الجمع فيكون مشكوكا و يرجع إلى
أصالة البراءة عنه .
الثانية :انه ليس في الموثقة ما يدل على أنه أتى أهله في نهار شهر رمضان
حراما كما إذا أتاها في حال الحيض أو بعد الظهار ،و حملها على ذلك بحاجة
إلى قرينة و لا قرينة عليه لا من الخارج و لا من الداخل ،فاذن تكون معارضة
---------------
( 1 ) الوسائل باب 10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 119 )--
الثاني :صوم قضاء شهر رمضان إذا أفطر بعد الزوال ،و كفارته إطعام
عشرة مساكين ( 1 ) لكل مسكين مدّ ،فإن لم يتمكن فصوم ثلاثة أيام ،
و الأحوط إطعام ستين مسكينا .
لروايات التخيير ،و حيث ان روايات التخيير أقوى و أظهر منها دلالة فتصلح أن
تكون قرينة على رفع اليد عن ظهورها في الجمع و حملها على التخيير ،و مع
الاغماض عن ذلك فتسقطان معا و يرجع إلى الأصل العملي في المسألة و هو
أصالة البراءة عن وجوب الجمع بين الخصال حيث ان فيه كلفة زائدة ،فالنتيجة
التخيير و عدم وجوب الجمع .
( 1 ) في وجوب الكفارة اشكال و لا يبعد عدم وجوبها و إن كانت رعاية
الاحتياط أولى و أجدر ،و ذلك لأن الروايات الواردة في المسألة تتمثل في ثلاثة
أصناف ..
الأول :يتمثل في الرواية التي تنص على ان كفارته كفارة شهر رمضان ،
كموثقة زرارة قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل صام قضاء من شهر رمضان ،
فأتى النساء ،قال :عليه من الكفارة ما على الذي أصاب في شهر رمضان ،لأن
ذلك اليوم عند اللّه تعالى من أيام شهر رمضان »- 1 - .
الثاني :يتمثل في الرواية التي تنص على ان كفارته اطعام عشرة مساكين ،
و إن لم يمكن فصيام ثلاثة أيام ،كصحيحة هشام بن سالم قال : «قلت لأبي
عبد اللّه عليه السّلام :رجل وقع على أهله و هو يقضي شهر رمضان ،فقال :إن كان وقع
عليها قبل صلاة العصر فلا شيء عليه ،يصوم يوما بدل يوم ،و إن فعل بعد العصر
صام ذلك اليوم و أطعم عشرة مساكين ،فان لم يمكنه صام ثلاثة أيام كفارة
لذلك »- 2 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :29 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
--( 120 )--
..........
الثالث :يتمثل في الرواية التي تنص على انه لا كفارة فيه كموثقة
عمار الساباطي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن رجل يكون عليه أيام من شهر
رمضان ...إلى أن قال :سئل فان نوى الصوم ثم أفطر بعد ما زالت الشمس ،
قال :قد أساء و ليس عليه شيء الاّ قضاء ذلك اليوم الذي أراد أن
يقضيه »- 1 - .
و على هذا فالصنف الثاني منها يدل على ان كفارته اطعام عشرة مساكين ،
و مقتضى اطلاقه انه واجب سواء أ كان متمكنا من العتق أو صيام شهرين
متتابعين أم لا ،كما انه باطلاقه الناشي من السكوت في مقام البيان ينفي وجوب
اطعام الزائد على العشرة .
و أما الصنف الأول فبما انه يدل على التخيير ،أي وجوب الجامع على
البدل بالدلالة اللفظية الوضعية نصا ،فهو يصلح لتقييد اطلاق الصنف الثاني من
كلا الجانبين .
فالنتيجة :ان كفارته كفارة صوم شهر رمضان ،و حينئذ إذا لم يتمكن
المكلف من شيء من الخصال فتقع المعارضة بين الصنفين ،فان مقتضى
الصنف الأول ان وظيفته التصدق بما يطيق ،و مقتضى الصنف الثاني أن وظيفته
الصيام ثلاثة أيام ،و بما انه لا ترجيح في البين فيسقطان معا و يرجع إلى الأصل
العملي ،و مقتضاه عدم وجوب شيء منهما ،و إن كان الأولى و الأجدر أن يجمع
بينهما .
و أما الصنف الثالث ،فبما انه ناص في نفي الكفارة عن قضاء شهر رمضان
فيتقدم على كلا الصنفين الأولين و يكون قرينة على رفع اليد عن ظهورهما في
وجوب الكفارة و حملهما على الاستحباب تطبيقا لقاعدة تقديم الأظهر على
الظاهر و ان كانت رعاية الاحتياط أولى .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
--( 121 )--
الثالث :صوم النذر المعين ،و كفارته كفارة إفطار شهر رمضان ( 1 ) .
و دعوى :انه يدل على نفي الكفارة بالاطلاق ،على أساس احتمال أن
يكون المنفي هو القضاء الثاني ،يعني القضاء لقضائه الذي أفسده
بالافطار بعد الزوال .
مدفوعة :بأنه لا يحتمل أن يكون للصوم القضائي الذي أفسده بالافطار
بعد الزوال مضافا إلى قضاء ذلك اليوم قضاء آخر حتى يحتمل أن يكون المنفي
في الرواية ذلك القضاء ،فاذن لا محالة يكون المراد من الشيء المنفي فيها هو
الكفارة ،و على تقدير الاجمال فالكفارة هي القدر المتيقن منه ،و اما الاطلاق
بمعنى أن يكون المراد منه القضاء على القضاء دون الكفارة فهو غير محتمل
باعتبار ان القضاء بدل و عوض عن الفائت الأصلي ،فإذا أتى به برئت ذمته عن
الفائت ،و إذا أفسده في الأثناء بقيت ذمته مشغولة به ،و لا يحتمل أن يكون افساده
موجبا لاشتغال ذمته به أيضا -اضافة إلى اشتغال ذمته بالفائت الأصلي -لكي
يجب عليه أن يصوم يومين :يوما بدلا عن الفائت الأصلي و يوما بدلا عن بدله ،
و إذا أفسده أيضا فعليه أن يصوم ثلاثة أيام و هكذا ،و هذا كما ترى .فاذن مقتضى
الصناعة عدم وجوب الكفارة في قضاء صوم شهر رمضان ،و إن كانت رعاية
الاحتياط أجدر و أولى .
( 1 ) بل الظاهر ان كفارته كفارة اليمين ،و تنص عليه صحيحة الحلبي عن
أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إن قلت :للّه عليّ فكفارة يمين »- 1 - .و تؤيد ذلك رواية
حفص بن غياث عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن كفارة النذر ،فقال :كفارة
النذر كفارة اليمين »- 2 - .
و في مقابلهما روايتان ..
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب الكفارات الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :23 من أبواب الكفارة الحديث :4 .
--( 122 )--
الرابع :صوم الاعتكاف ،و كفارته مثل كفارة شهر رمضان مخيرة بين
الخصال ،و لكن الأحوط الترتيب المذكور ( 1 ) ،هذا و كفارة الاعتكاف
احداهما :رواية عبد الملك بن عمرو عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته
عمن جعل اللّه عليه أن لا يركب محرما سماه فركبه ،قال :لا و لا اعلمه الا قال :
فليعتق رقبة أو ليصم شهرين متتابعين أو ليطعم ستين مسكينا »- 1 - .و هذه الرواية
و إن كانت تامة دلالة الاّ أنها ضعيفة سندا لأن عبد الملك بن عمرو لم يثبت
توثيقه .
و الاخرى :صحيحة علي بن مهزيار قال : «و كتب إليه يسأله :يا سيدي
رجل نذر أن يصوم يوما فوقع ذلك اليوم على أهله ،ما عليه من الكفارة ؟فكتب
إليه :يصوم يوما بدل يوم و تحرير رقبة مؤمنة »- 2 - .و هذه الرواية و إن كانت
صحيحة سندا الاّ أنها لا تدل على أن كفارته كفارة شهر رمضان لأنها كما تنسجم
معها كذلك تنسجم مع كفارة اليمين ،فلا ظهور لها في الاولى .و على هذا
فصحيحة الحلبي الناصة في ان كفارة النذر كفارة اليمين ترفع الاجمال عن هذه
الصحيحة و تقيد اطلاقها المقتضي لكون العتق واجبا تعيينيا ،و توجب حمله
على أنه أحد أفراد الواجب التخييري .
( 1 ) لا يترك ،و ذلك لأن ما دل على أن كفارته كفارة الظهار كصحيحتي
زرارة و أبي ولاّد الحناط - 3 - معارض بما دل على ان كفارته كفارة شهر رمضان
كموثقتي سماعة - 4 - حيث ان الصحيحتين تدلان على ذلك بصيغة : «ان عليه ما
على المظاهر »و الموثقتين تدلان بصيغة : «ان عليه ما على الذي أفطر يوما من
شهر رمضان متعمدا »فمن أجل ذلك لا يمكن الجمع العرفي الدلالي بينهما .فما
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب الكفارات الحديث :7 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب الاعتكاف الحديث :1 و 6 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من أبواب الاعتكاف الحديث :2 و 5 .
--( 123 )--
مختصة بالجماع فلا تعم سائر المفطرات ،و الظاهر أنها لأجل الاعتكاف لا
للصوم و لذا تجب في الجماع ليلا أيضا .
و أما ما عدا ذلك من أقسام الصوم فلا كفارة في إفطاره واجبا كان
كالنذر المطلق و الكفارة أو مندوبا فإنه لا كفارة فيها و إن أفطر بعد الزوال .
[2471 ]مسألة 2 :تتكرر الكفارة بتكرر الموجب في يومين و أزيد من
صوم له كفارة ،و لا تتكرر بتكرره في يوم واحد في غير الجماع و إن تخلل
التكفير بين الموجبين أو اختلف جنس الموجب على الأقوى ،و إن كان
في بعض الكلمات من حمل الأمر بالترتيب في الصحيحتين على الأفضلية
بقرينة نص الموثقتين في التخيير غريب جدا ،فانه ليس للأمر بالترتيب في
الصحيحتين و للتخيير في الموثقتين عين و لا أثر ،و انما الوارد في لسان الاولى
هو «ان عليه ما على المظاهر » ،و في لسان الثانية هو «ان عليه ما على الذي أفطر
يوما من شهر رمضان »من دون الدلالة على ان كفارة الظهار هل هي على نحو
الترتيب أو التخيير أو الجمع ؟و كذلك كفارة الافطار عمدا في نهار شهر رمضان ،
و انما ثبت كون الاولى على نحو الترتيب و الثانية على نحو التخيير بدليل آخر
في المرتبة السابقة ،و على هذا فبما أن دلالة كل من الصحيحتين و الموثقتين
على ذلك بلسان واحد فلا تكون دلالة احداهما أظهر من دلالة الاخرى ،فلا
محالة تقع المعارضة بينهما و تسقطان من جهة المعارضة و يرجع حينئذ إلى
الأصل العملي ،و مقتضاه عدم ثبوت الكفارة عليه لا ترتيبا و لا تخييرا ،و لكن مع
ذلك كان الأجدر به و الأحوط وجوبا أن يكفر على نحو الترتيب ككفارة الظهار .
و قد تجب عليه كفارة اخرى كما إذا جامع و هو صائم في نهار شهر رمضان أو
صائم صيام قضاء شهر رمضان ،فعليه كفارة الافطار زائدا على كفارة الاعتكاف ،
و إذا كان الاعتكاف منذورا فيه و جامع أهله فعليه كفارة ثالثة و هي كفارة مخالفة
النذر .
--( 124 )--
الأحوط التكرار مع أحد الأمرين ( 1 ) ،بل الأحوط التكرار مطلقا ،و أما
الجماع فالأحوط بل الأقوى تكريرها بتكرره ( 2 ) .
[2472 ]مسألة 3 :لا فرق في الإفطار بالمحرم الموجب لكفارة الجمع ( 3 )
بين أن تكون الحرمة أصلية كالزنا و شرب الخمر أو عارضية كالوطئ حال
الحيض أو تناول ما يضرّه .
[2473 ]مسألة 4 :من الإفطار بالمحرم الكذب على اللّه و على رسوله صلّى اللّه عليه و آله ،
بل ابتلاع النخامة إذا قلنا بحرمتها من حيث دخولها في
( 1 ) الاحتياط ضعيف جدا و لا منشأ له على أساس ان الكفارة في
الروايات في غير الجماع و الامناء مترتبة على الافطار في نهار شهر رمضان
متعمدا ،و بما أن الافطار عبارة عن نقض الصوم على نحو صرف الوجود فهو لا
ينطبق الاّ على الدفعة الاولى دون الثانية فالأكل مثلا بعنوانه ليس موضوعا
لوجوب الكفارة بل بعنوان تحقق الافطار به ،و هذا العنوان لا يصدق الاّ على
الدفعة الاولى من الأكل على نحو صرف الوجود دون الثانية ،فعدم الكفارة في
الثانية انما هو من جهة عدم تحقق موضوعها ،و لا فرق في ذلك بين تخلل
التكفير بين الاولى و الثانية و عدمه ،و لا بين كونهما من جنس واحد أو من
جنسين ،فان كل ذلك لا دخل له في المسألة أصلا لا حكما و لا موضوعا ،و هذا
بخلاف الجماع و الامناء فان الكفارة في الروايات مترتبة على نفس عنوانهما
و على ذلك فبطبيعة الحال تتعدد الكفارة بتعدد الجماع و الامناء في نهار شهر
رمضان عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي ،لأن تعدد الحكم بتعدد موضوعه يكون
على القاعدة فلا يحتاج إلى دليل .
( 2 ) بل هو المتعين فيه و كذلك في الامناء كما مر .
( 3 ) على الأحوط الأولى كما تقدم في المسألة ( 1 ) من ( فصل المفطرات
المذكورة ...) و به يظهر حال المسائل الآتية .
--( 125 )--
الخبائث ( 1 ) ،لكنه مشكل .
[2474 ]مسألة 5 :إذا تعذر بعض الخصال في كفارة الجمع وجب عليه
الباقي .
[2475 ]مسألة 6 :إذا جامع في يوم واحد مرات وجب عليه كفارات
بعددها ،و إن كان على الوجه المحرم تعددت كفارة الجمع بعددها .
[2476 ]مسألة 7 :الظاهر أن الأكل في مجلس واحد يعدّ إفطارا واحدا و إن
تعددت اللقم ،فلو قلنا بالتكرار مع التكرار في يوم واحد لا تتكرر بتعددها ،
و كذا الشرب إذا كان جرعة فجرعة .
[2477 ]مسألة 8 :في الجماع الواحد إذا أدخل و أخرج مرات لا تتكرر
الكفارة و إن كان أحوط .
[2478 ]مسألة 9 :إذا أفطر بغير الجماع ثم جامع بعد ذلك يكفيه
التكفير مرة ( 2 ) ،و كذا إذا أفطر أولا بالحلال ثم أفطر بالحرام
( 1 ) تقدم الاشكال في كونها من الخبائث مطلقا في المسألة ( 69 ) من
( فصل :فيما يجب الامساك عنه ...) فراجع .
( 2 ) في الكفاية اشكال بل منع ،و الظاهر عدم الكفاية لما مر من ان الكفارة
في لسان الروايات مترتبة على عنوان الجماع في نهار شهر رمضان متعمدا ،
و مقتضى اطلاقها ان كل ما يصدق عليه هذا العنوان فهو موجب للكفارة
و موضوع لها سواء أ كان مسبوقا بمفطر آخر من جماع أو غيره أم لا ،فاذن تجب
عليه في المسألة كفارتان ..
احداهما :للإفطار العمدي .
و الاخرى :بالجماع .
--( 126 )--
تكفيه كفارة الجمع ( 1 ) .
[2479 ]مسألة 10 :لو علم أنه أتى بما يوجب فساد الصوم و تردد بين ما
يوجب القضاء فقط أو يوجب الكفارة أيضا لم تجب عليه ،و إذا علم أنه
أفطر أياما و لم يدر عددها يجوز له الاقتصار على القدر المعلوم ،و إذا شك
في أنه أفطر بالمحلل أو المحرم كفاه إحدى الخصال ( 2 ) ،و إذا شك في أن
اليوم الذي أفطره كان من شهر رمضان أو كان من قضائه و قد أفطر قبل
الزوال لم تجب عليه الكفارة ،و إن كان قد أفطر بعد الزوال كفاه إطعام ستين
مسكينا ،بل له الاكتفاء بعشرة مساكين ( 3 ) .
( 1 ) تقدم ان ثبوت كفارة الجمع على الافطار بالحرام محل اشكال بل
منع ،و على تقدير ثبوتها فلا تثبت في المسألة ،لأن الافطار فيها ليس على الحرام
و انما هو بالحلال ،و ما هو بالحرام ليس مصداقا للإفطار ،فاذن لا موضوع لكفارة
الجمع فيها .
( 2 ) تقدم الاشكال في كفارة الجمع ،بل المنع ،و عليه فلا أثر لهذا الشك
فانه مع العلم به كفى احدى الخصال فضلا عن صورة الشك .
( 3 ) في الاكتفاء بها اشكال بل منع حيث انه مبني على العلم بوجوب
اطعام العشرة إما تعيينا أو في ضمن اطعام ستين مسكينا تخييرا بينه و بين العتق
أو الصيام ،و بما أن وجوب اطعام العشرة معلوم و الشك انما هو في الزائد عليه
فيرجع فيه إلى أصالة البراءة عنه ،و لكن الأمر في المقام لا يدور بين كون
الواجب الأقل أو الأكثر ،بل يدور بين المتباينين ،لأن الوجوب في كفارة قضاء
شهر رمضان تعلق باطعام عشرة مساكين تعيينا ،و في كفارة شهر رمضان تعلق
بالجامع على البدل لا باطعام ستين مسكينا تعيينا ،و حيث ان أمر الكفارة في
المقام مردد بين كفارة القضاء و كفارة شهر رمضان فيشك في انه ملزم باطعام
العشرة أو بالجامع على نحو التخيير ،فلا يكون الأمر بالعشرة متيقنا اما تعيينا أو --( 127 )--
[2480 ]مسألة 11 :إذا أفطر متعمدا ثم سافر بعد الزوال لم تسقط عنه
الكفارة بلا إشكال ،و كذا إذا سافر قبل الزوال للفرار عنها ،بل و كذا لو بدا له
السفر لا بقصد الفرار على الأقوى ،و كذا لو سافر فأفطر قبل الوصول إلى
حد الترخص ،و أما لو أفطر متعمدا ثم عرض له عارض قهري من حيض أو
نفاس أو مرض أو جنون أو نحو ذلك من الأعذار ففي السقوط و عدمه
وجهان بل قولان أحوطهما الثاني و أقواهما الأول ( 1 ) .
في ضمن الستين لفرض ان الأمر لم يتعلق بالستين بحده الخاص لتكون العشرة
مأمورا بها في ضمنه ،بل تعلق بالجامع بينه و بين العتق و الصيام ،فاذن ليس في
البين متيقن ،و عليه فاصالة عدم تعلق الأمر بالعشرة معارضة بأصالة عدم تعلقه
بالجامع بينها ،فتسقطان من جهة المعارضة فيجب الاحتياط ،و له حينئذ الاكتفاء
باطعام الستين ،فانه إذا اختار العتق أو الصوم فلا بد من ضم اطعام العشرة إليه
أيضا .و لكن ذلك مبني على المشهور من وجوب الكفارة في قضاء شهر
رمضان ،و أما بناء على ما استظهرناه من عدم وجوبها فلا أثر لهذا الشك .
( 1 ) بل الأقوى هو الثاني ،لأن مقتضى اطلاقات الأدلة من الكتاب و السنة
هو أن على كل مكلف تتوفر فيه الشروط العامة و الخاصة أن ينوي الصوم عند
طلوع الفجر و يبقى صائما إلى الليل ،أو إلى أن يطرأ عليه ما يعفيه عنه كالسفر أو
الحيض أو النفاس أو المرض أو نحو ذلك ،و إن علم بأنه سيسافر قبل الظهر ،أو
علمت المرأة بأنها ستحيض بعد ساعة من النهار ،فانه في كل الحالات مأمور
بالصوم بمقتضى الاطلاقات و لا يجوز له تناول أي مفطر و إن كان يتيقن بطرو
المانع عن الصوم أثناء النهار .
ثم ان هذه الاطلاقات تكشف عن انه مأمور بالصوم واقعا من عند طلوع
الفجر إلى أن يطرأ عليه المانع عنه أثناء النهار لا ظاهريا و لا خياليا و لا تأديبيا
تشبيها بالصائمين ،لاختصاص الأول بالجاهل بالواقع ،و الثاني بالجاهل به مركبا --( 128 )--
[2481 ]مسألة 12 :لو أفطر يوم الشك في آخر الشهر ثم تبين أنه من
شوال فالأقوى سقوط الكفارة و إن كان الأحوط عدمه ( 1 ) ،و كذا لو اعتقد
أو الغافل و الحال أنه مأمور به مطلقا حتى في فرض العلم بطرو المانع في الأثناء
و عدم التمكن من اتمامه إلى الليل ،و اختصاص الثالث بمن بطل صومه أثناء
النهار فانه مأمور بالامساك طيلة النهار تشبيها بالصائمين .
فالنتيجة :ان أمره بالصوم في ذلك الزمن المحدود واقعي و على هذا
الأساس فإذا مارس في هذه الحالة شيئا من المفطرات متعمدا كما إذا جامع أهله
أو أكل أو شرب ثم سافر كان مشمولا للروايات التي تنص على أن من أفطر في
نهار شهر رمضان عامدا ملتفتا إلى الحكم الشرعي فعليه القضاء و الكفارة ،
و تؤكد ذلك صحيحة زرارة و محمد بن مسلم قالا : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :أيما
رجل كان له مال حال عليه الحول فانه يزكيه ،قلت له :فان وهبه قبل حلّه بشهر
أو بيوم ،قال :ليس عليه شيء أبدا ،قال :و قال زرارة عنه :انه قال :انما هذا بمنزلة
رجل أفطر في شهر رمضان يوما في اقامته ثم يخرج في آخر النهار في سفر
فأراد بسفره ذلك ابطال الكفارة التي وجبت عليه ،و قال :انه حين رأى هلال
الثاني عشر وجبت عليه الزكاة ،و لكنه لو كان وهبهما قبل ذلك لجاز و لم يكن
عليه شيء بمنزلة من خرج ثم أفطر ... »- 1 - فانها تدل على عدم جواز الافطار قبل
الخروج ،فمن أفطر قبله فعليه الكفارة ،و لا يمكن الغاء الكفارة بالسفر ،و مقتضى
اطلاقها وجوب الكفارة عليه بالافطار قبل الخروج بغاية السفر و إن كان ناويا
السفر بعد ساعة .و من هنا يظهر انه لا فرق بين المانع الاختياري و المانع
القهري ،فما في المتن من الفرق بينهما لا يستند إلى أصل .
( 1 ) الاحتياط ضعيف فيه و فيما بعده ،فان الكفارة مترتبة على الافطار في
نهار شهر رمضان أو الجماع فيه متعمدا ،و أما إذا لم يكن الافطار فيه أو الجماع
---------------
( 1 ) الوسائل باب :58 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 129 )--
أنه من رمضان ثم أفطر متعمدا فبان أنه من شوال ،أو اعتقد في يوم الشك
في أول الشهر أنه من رمضان فبان أنه من شعبان .
[2482 ]مسألة 13 :قد مر أن من أفطر في شهر رمضان عالما عامدا إن كان
مستحلا فهو مرتد ( 1 ) ،بل و كذا إن لم يفطر و لكن كان مستحلا له ،و إن لم
يكن مستحلا عزّر بخمسة و عشرين سوطا ( 2 ) ،فإن عاد بعد التعزير عزّر
ثانيا ،فإن عاد كذلك قتل في الثالثة ،و الأحوط قتله في الرابعة ( 3 ) .
[2483 ]مسألة 14 :إذا جامع زوجته في شهر رمضان و هما صائمان مكرها
لها كان عليه كفارتان و تعزيران خمسون سوطا ( 4 ) ،فيتحمل عنها الكفارة
و التعزير ،و أما إذا طاوعته في الابتداء فعلى كل منهما كفارته و تعزيره ،و إن
أكرهها في الابتداء ثم طاوعته في الأثناء فكذلك على الأقوى ،و إن كان
كذلك فلا موضوع للكفارة و لا أثر للاعتقاد الخاطئ فضلا عن الشك حيث انه لا
يغير الواقع و لا يجعل غير شهر رمضان شهر رمضان حكما فانه بحاجة إلى
دليل .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع تقدم ذلك في أول كتاب الصوم بشكل
موسع فلا حاجة إلى الاعادة .
( 2 ) مر في أول الكتاب ان التحديد لم يرد الاّ في رواية ضعيفة ،و الثابت
انما هو أصل وجوب التعزير و تحديده كما و كيفا بيد الامام .
( 3 ) لا سبيل للاحتياط حيث لا تعطيل في حدود اللّه تعالى فيكون هذا
الاحتياط خلاف الاحتياط ،فالصحيح هو قتله في الثالثة شريطة اجراء الحد عليه
مرتين كما تقدم في أول الكتاب .
( 4 ) على الأحوط ،و الأقوى عدم الوجوب فانه بحاجة إلى دليل حيث ان
ثبوت حكم شخص من كفارة أو تعزير على آخر يكون على خلاف مقتضى
القاعدة فيتوقف ثبوته على دليل يدل عليه و لا دليل في المسألة الاّ رواية --( 130 )--
الأحوط كفارة منها و كفارتين منه ،و لا فرق في الزوجة بين الدائمة
و المنقطعة .
[2484 ]مسألة 15 :لو جامع زوجته الصائمة و هو صائم في النوم لا
يتحمل عنها الكفارة و لا التعزير ،كما أنه ليس عليها شيء و لا يبطل صومها
بذلك ،و كذا لا يتحمل عنها إذا أكرهها على غير الجماع من المفطرات حتى
مقدمات الجماع و إن أوجبت انزالها .
[2485 ]مسألة 16 :إذا أكرهت الزوجة زوجها لا تتحمل عنه شيئا .
[2486 ]مسألة 17 :لا تلحق بالزوجة الأمة إذا أكرهها على الجماع و هما
صائمان فليس عليه إلا كفارته و تعزيره ،و كذا لا تلحق بها الأجنبية إذا
أكرهها عليه على الأقوى ،و إن كان الأحوط التحمل عنها خصوصا إذا تخيل
أنها زوجته فأكرهها عليه .
[2487 ]مسألة 18 :إذا كان الزوج مفطرا بسبب كونه مسافرا أو مريضا أو
المفضل بن عمرو عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل أتى امرأته و هو صائم و هي
صائمة ؟فقال :ان كان استكرهها فعليه كفارتان ،و إن كان طاوعته فعليه كفارة
و عليها كفارة ،و إن كان اكرهها فعليه ضرب خمسين سوطا نصف الحد ،و إن كان
طاوعته ضرب خمسة و عشرين سوطا و ضربت خمسة و عشرين سوطا »- 1 -
و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة الا أنها ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها .
و على هذا فالمرأة إن كانت لا تزال مكرهة سقطت الكفارة عنها و التعزير
بمقتضى حديث الرفع ،و إن طاوعته في الأثناء فعليها الكفارة و التعزير ،و قد مر
أن تحديده بحد خاص لم يثبت و أمره بيد الامام .و به يظهر حال تمام ما ذكره
الماتن قدّس سرّه في المسألة ،كما انه يظهر بذلك حال جملة من المسائل الآتية .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 131 )--
نحو ذلك و كانت زوجته صائمة لا يجوز له إكراهها على الجماع ( 1 ) ،و إن
( 1 ) هذا فيما إذا كان الاكراه مستلزما لإيذائها أو هدر كرامتها و توهينها أو
نحو ذلك مما يكون حراما بعنوانه ،أو كان المتوعد عليه شيئا لا يجوز ارتكابه
كضربها أو شتمها أو غير ذلك ،فعندئذ لا يجوز اكراهها من جهة استلزامه الوقوع
في الحرام ،و الا فلا دليل على حرمة الاكراه في نفسه و بعنوانه .و على هذا فإذا
افترض ان اكراهها على الجماع لا يستلزم شيئا من ذلك ،فهل يجوز حينئذ أو
لا ؟فيه و جهان مبنيان على ان التسبيب إلى الحرام حرام أو لا ،لا شبهة في حرمة
التسبيب إلى المحرمات التي قد اهتم الشارع بها بدرجة يعلم بعدم رضائه
بوجودها في الخارج لا مباشرة و لا تسبيبا و ذلك كقتل النفس المحترمة و الزنا
و اللواط و شرب الخمر و نحو ذلك ،و لذا يجب أن يردع الأطفال عند ارتكابها
و ممارستها بل المجانين .
و أما المحرمات التي لم يظهر أهميتها من أدلتها و لا من النكات الخارجية
و المناسبات الارتكازية و لا من الأدلة الثانوية و ذلك كشرب النجس و أكل اللحم
المشكوك تذكيته و أكل الجرّي و نحو ذلك فلا دليل على حرمة التسبيب إليها .
و إن شئت قلت :انه لا ريب في أن الخطابات الشرعية التحريمية ظاهرة
في حرمة ممارسة متعلقاتها على المخاطب بها مباشرة ،و لا تدل على حرمة
التسبيب إليها لا بالمطابقة و لا بالالتزام ،لأن التسبيب خارج عن متعلقاتها و لا
يصدق عليه عنوان المتعلق كشرب الخمر أو الزنا أو أكل مال الغير أو الافطار في
نهار شهر رمضان أو ما شاكل ذلك ،و المفروض ان تلك الخطابات تدل على
حرمة هذه الأفعال بعناوينها الخاصة و لا تدل على حرمة فعل آخر لا ينطبق عليه
شيء منها .
فالنتيجة :ان الخطابات الشرعية لا تدل على حرمة التسبيب بالوضع أي
بالدلالة اللفظية الوضعية ،فاذن يكون الحكم بحرمته مبنيا على افتراض أحد
أمرين ..
--( 132 )--
فعل لا يتحمل عنها الكفارة و لا التعزير ،و هل يجوز له مقاربتها و هي نائمة
إشكال ( 1 ) .
الأول :أن تكون في تلك الخطابات قرينة على أن الغرض منها المنع عن
ايجاد متعلقاتها في الخارج و إن كان بالتسبيب .
الثاني :ان من اهتمام الشارع بها بمختلف الطرق يستكشف ان وجودها
مبغوض و ان كان بالتسبيب .
و لكن كلا الأمرين لا يتم في المسألة .
أما الأول :فمضافا إلى عدم توفر القرينة فيها كذلك انه لا يمكن أن يراد
من النهي فيها الأعم من النهي النفسي و هو النهي عن ايجادها مباشرة و النهي
الغيري و هو النهي عن التسبيب إليه ،إذ لا يحتمل أن يكون النهي عن التسبيب
نهيا نفسيا لعدم توفر ملاك النهي النفسي فيه ،و حيث انه لا جامع بينهما فلا
يمكن أن يراد من النهي فيها الأعم من النفسي و الغيري ،فلا محالة يكون المراد
منه النفسي .
و أما الثاني :فقد استكشفنا من مختلف الطرق و النكات الداخلية
و الخارجية اهتمام الشارع ببعض المحرمات و عدم رضائه بوجوده مطلقا و لو
بالتسبيب ،بل يجب الردع عنه حتى الأطفال و المجانين .و أما ما لا يظهر من
الشارع الاهتمام به فلا يمكن الحكم بحرمة التسبيب إليه .
و المقام من هذا القبيل ،فان المكره بمقتضى حديث الرفع لم تجعل
الحرمة عليه فلا يكون صدور الفعل المكره عليه منه بحرام ،و التسبيب إليه لا
دليل على حرمته ،و على هذا فلو أكره الزوج زوجته على الجماع في نهار شهر
رمضان فلا دليل على أنه حرام بملاك التسبيب و إن كانت رعاية الاحتياط أولى
و أجدر ،بل لا ينبغي تركه .
( 1 ) بل الظاهر انه لا اشكال في الجواز حيث ان المقاربة في هذه
الحالة لا تتضمن اكراه الزوجة عليها فلا تكون محرمة من جهة التسبيب --( 133 )--
[2488 ]مسألة 19 :من عجز عن الخصال الثالث في كفارة مثل شهر
رمضان تخير بين أن يصوم ثمانية عشر يوما أو يتصدق بما يطيق ( 1 ) ،و لو
عجز أتى بالممكن منهما ،و إن لم يقدر على شيء منهما استغفر اللّه و لو مرة
بدلا عن الكفارة ،و إن تمكن بعد ذلك منها أتى بها ( 2 ) .
و لا من جهة الاكراه .
( 1 ) هذا هو المتعين بمقتضى قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان :
«...يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين أو يطعم ستين مسكينا ،فان لم يقدر
تصدق بما يطيق »- 1 - .و مثله صحيحته الاخرى - 2 - .و أما صوم ثمانية عشر يوما إذا
عجز عن الخصال ،فلا دليل على وجوبه لأن ما دل عليه و هو رواية أبي بصير
ضعيف سندا فلا يمكن الاعتماد عليه .
( 2 ) هذا هو الظاهر لأن الروايات التي تنص على وجوب الكفارة لا يظهر
من شيء منها تحديدها إلى وقت معين ،فان قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن
سنان : «يعتق نسمة أو يصوم شهرين متتابعين ،أو يطعم ستين مسكينا ،فان لم
يقدر تصدق بما يطيق »- 3 - ينص على وجوب الكفارة بهذا النحو من دون
تحديده إلى أمد خاص و زمن مخصوص ،و انما حدده بالقدرة عليها بقوله عليه السّلام :
«فان لم يقدر »و على تقدير انه لا يقدر عليها فوظيفته التصدق بما يطيق ،فاذن
مقتضى اطلاق الصحيحة و غيرها عدم توقيتها إلى وقت خاص و محدّد .
و نتيجة ذلك :انه لا ينتقل إلى البدل و هو التصدق بما يطيق ،ثم الاستغفار
الاّ في فرض استمرار عجزه عن المبدل في الواقع إلى نهاية المطاف ،و الاّ
فوظيفته المبدل .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 134 )--
[2489 ]مسألة 20 :يجوز التبرع بالكفارة عن الميت صوما كانت أو غيره ،
و في جواز التبرع بها عن الحي إشكال ،و الأحوط العدم خصوصا في
الصوم ( 1 ) .
نعم ،إذا علم باستمراره أو اطمأن به ،أو أثبت ذلك بالاستصحاب ،ثم تبين
خلافه يكشف عن عدم وجوب البدل عليه في الواقع و كان المبدل هو الواجب
عليه ،نعم إذا كان مؤقتا و ذهب وقته و انتهى انتقل إلى البدل واقعا .
( 1 ) بل هو الأقوى لأن سقوط الواجب عن المكلف بفعل غيره بحاجة
إلى دليل و لا دليل عليه ،نعم إذا و كل غيره في العتق أو الاطعام و قام الوكيل
بالعملية صح على أساس صحة الوكالة فيهما ،اما في العتق فبملاك أنه أمر
اعتباري فتكون صحة الوكالة فيه على القاعدة فلا تحتاج إلى مئونة زائدة ،و أما
الاطعام فهو و إن كان أمرا تكوينيا الاّ انه من الامور التكوينية القابلة للوكالة
كالقبض و الاحياء و ما شاكلهما باعتبار ان الاطعام إذا صدر من الوكيل صح اسناده
إلى الموكل حقيقة ،فإذا و كل من عليه الاطعام غيره بالقيام به وكالة منه فقام به
صح أن يقال :انه أدى وظيفته و قام بالعمل .
و أما الصوم فهو كالصلاة و نحوها ،فالظاهر من دليل وجوبه اعتبار
المباشرة فيه كالصلاة و نحوها ،فلو و كل غيره في الصيام عنه وكالة فصام لم
يصح استناده إليه ،فلا يقال انه صام ،كما انه لو و كل غيره في الصلاة وكالة عنه
فصلى لم يصح استناد صلاته إليه ،فلا يقال أنه صلى .فمقتضى القاعدة عدم
صحة الوكالة فيه ،فالصحة بحاجة إلى دليل .
فالنتيجة :ان المتفاهم العرفي من الأمر بالعتق و الاطعام هو الأعم من قيام
الشخص بهما بالمباشرة أو بالوكالة ،و هذا بخلاف الأمر بالصوم ،فان المتفاهم
العرفي منه اعتبار المباشرة ،و أما إذا لم يكن العتق أو الاطعام بنحو الوكالة بل كان
على نحو التبرع فلا يصح لعدم استناد فعل المتبرع إلى المتبرع عنه لكي يكون --( 135 )--
[2490 ]مسألة 21 :من عليه الكفارة إذا لم يؤدها حتى مضت عليه سنين
لم تتكرر .
[2491 ]مسألة 22 :الظاهر أن وجوب الكفارة موسّع فلا تجب المبادرة
إليها ،نعم لا يجوز التأخير إلى حد التهاون .
[2492 ]مسألة 23 :إذا أفطر الصائم بعد المغرب على حرام من زنا أو
شرب الخمر أو نحو ذلك لم يبطل صومه و إن كان في أثناء النهار قاصدا
لذلك .
[2493 ]مسألة 24 :مصرف كفارة الإطعام الفقراء إما بإشباعهم و إما
بالتسليم إليهم كل واحد مدا ،و الأحوط مدّان من حنطة أو شعير أو أرز أو
خبز أو نحو ذلك ،و لا يكفي في كفارة واحدة إشباع شخص واحد مرتين أو
أزيد أو إعطاؤه مدّين أو أزيد بل لا بد من ستين نفسا ،نعم إذا كان للفقير
عيال متعددون و لو كانوا أطفالا صغارا يجوز إعطاؤه بعدد الجميع لكل
واحد مدا .
[2494 ]مسألة 25 :يجوز السفر في شهر رمضان لا لعذر و حاجة ،بل و لو
كان للفرار من الصوم ،لكنه مكروه .
[2495 ]مسألة 26 :المدّ ربع الصاع ( 1 ) ،و هو ستمائة مثقال و أربعة عشر
مثقالا و ربع مثقال ،و على هذا فالمد مائة و خمسون مثقالا و ثلاثة مثاقيل
و نصف مثقال و ربع ربع المثقال ،و إذا أعطى ثلاثة أرباع الوقية من حقة
النجف فقد زاد أزيد من واحد و عشرين مثقالا ،إذ ثلاثة أرباع الوقية مائة
و خمسة و سبعون مثقالا .
الواجب هو الجامع بينهما .
( 1 ) هذا هو الصحيح و تنص عليه مجموعة من الروايات :
--( 136 )--
..........
منها :صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
«سألته عن رجل افطر يوما من شهر رمضان متعمدا ؟قال :عليه خمسة عشر
صاعا لكل مسكين مدّ ،بمدّ النبي صلّى اللّه عليه و آله أفضل »- 1 - فانها كما تدل على أن المد ربع
الصاع ،كذلك تدل على أن مد النبي صلّى اللّه عليه و آله أكثر منه بقرينة أنه أفضل .
و منها :صحيحة أبي بصير عن أحدهما عليهما السّلام في كفارة الظهار قال : «تصدق
على ستين مسكينا ثلاثين صاعا لكل مسكين مدين مدين »- 2 - فانها تنص على
أن المد ربع الصاع .
و منها :صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يتوضأ
بمد و يغتسل بصاع ،و المد رطل و نصف ،و الصاع ستة أرطال »- 3 - و منها
غيرها .
و في مقابلها مجموعة اخرى من الروايات تنص على أن المد خمس
الصاع :
منها :موثقة سماعة قال : «سألته عن الذي يجزي من الماء للغسل ؟فقال :
اغتسل رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله بصاع ،و توضأ بمد ،و كان الصاع على عهده خمسة أمداد
و كان المد قدر رطل و ثلاث أواق »- 4 - .
و منها :رواية سليمان بن حفص بن المروزي قال : «قال أبو الحسن موسى
بن جعفر عليهما السّلام :الغسل بصاع من ماء ،و الوضوء بمد من ماء ،و صاع النبي صلّى اللّه عليه و آله
خمسة امداد ،و المد وزن مائتين و ثمانين درهما »- 5 - .و لكنها ضعيفة سندا فلا
يمكن الاعتماد عليها ،فاذن العمدة هي الموثقة ،و هي معارضة للروايات
المتقدمة التي تحدد الصاع بأربعة امداد و تنفى الزائد ،و الموثقة تدل على أن
الصاع خمسة أمداد ،فتثبت الزائد فتكون المعارضة بينهما في الزائد فتسقطان
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :14 من أبواب الكفارات الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :50 من أبواب الوضوء الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :50 من أبواب الوضوء الحديث :4 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :50 من أبواب الوضوء الحديث :3 .
--( 137 )--
..........
من جهة المعارضة ،فلا يثبت الزائد .
و إن شئت قلت :ان المجموعة الاولى بما أنها وردت في مقام تحديد
الصاع فتدل بالدلالة المطابقية على أنه أربعة امداد و بالدلالة الالتزامية على أنه
ليس بأكثر منها و تسقط دلالتها الالتزامية من جهة المعارضة و تبقى دلالتها
المطابقية سالمة .
و أما ما ورد في عدة من الروايات من التصدق بعشرين صاعا فهو لا ينافي
الروايات المتقدمة ..
أما أولا :فلأنها ليست في مقام بيان المسألة بتمام حدودها كما و كيفا ،
و انما هي في مقام بيان ان الافطار في نهار شهر رمضان متعمدا يوجب التصدق
بعشرين صاعا من دون بيان زائد على ذلك ،فاذن لا بد في رفع اجمالها من
الرجوع إلى الروايات المفصلة .
و ثانيا :انه يظهر من نفس هذه الروايات ان الصاع يختلف باختلاف
البلدان و الأزمان ،و لعل الصاع في زمان صدور هذه الروايات غير الصاع في
زمان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله .و يدل عليه قوله في صحيحة جميل بن دراج : «فدخل
رجل من الناس بمكتل من تمر فيه عشرون صاعا يكون عشرة أصوع
بصاعنا »- 1 - فاذن يكون الصاع كالرطل يختلف باختلاف البلدان .
و على الجملة فهذه الروايات الآمرة بالتصدق بعشرين صاعا على أساس
اجمال كلمة الصاع لا تنافي الروايات المتقدمة التي تنص على التصدق لكل
مسكين بمد و هو ربع الصاع ،بل لو لم تكن كلمة الصاع مجملة فتقع المعارضة
حينئذ بين الدلالة الالتزامية لتلك الروايات النافية للزائد على خمسة عشر صاعا
و بين هذه الروايات المثبتة له فتسقطان من جهة المعارضة ،و يرجع إلى الأصل
العملي ،و مقتضاه عدم ثبوت الزائد ،هذا اضافة إلى أن الروايات المتقدمة أظهر
من هذه الروايات دلالة بقرينة تقسيم الصاع فيها بأربعة أمداد و لكل مسكين مد ،
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
--( 138 )--
..........
فانه يوجب حمل التصدق بالزائد على الاستحباب .هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى :ان المراد من الصاع في الروايات المتقدمة و غيرها مما
ورد في زكاة الفطرة هو الصاع المدني المعبر عنه في بعض الروايات بصاع
النبي صلّى اللّه عليه و آله كما في صحيحة سعد بن سعد الأشعري - 1 - و غيرها المفسر بأربعة
امداد و بستة أرطال كما ان المراد من الرطل هو الرطل المدني بقرينة أن هذا
التفسير قد ورد في الروايات الحاكية لكمية الماء الذي كان النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله قد
توضأ به و اغتسل و قد حدد فيها الأول بمد و الثاني بصاع ،و فسر الصاع فيها بستة
أرطال ،فان ذلك يدل على أن المراد من الرطل هو رطل بلده و يؤيد ذلك ما ورد
من التصريح به في مجموعة من الروايات و لكن بما أنها ضعيفة سندا لا بأس
بالتأييد بها دون الاستدلال .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب زكاة الفطرة الحديث :1 .
--( 139 )--
فصل
في موارد وجوب القضاء دون الكفارة
يجب القضاء دون الكفارة في موارد :
أحدها :ما مرّ من النوم الثاني بل الثالث ،و إن كان الأحوط فيهما
الكفارة أيضا خصوصا الثالث ( 1 ) .
الثاني :إذا أبطل صومه بالاخلال بالنية مع عدم الإتيان بشيء من
( 1 ) تقدم في الأمر الثامن ( من المفطرات ) باسهاب ان وجوب الكفارة
مترتب على ترك الغسل متعمدا إلى طلوع الفجر و إن كان في النومة الاولى ،و لا
خصوصية للثانية و الثالثة ،و أما إذا نام واثقا و متأكدا بالانتباه قبل طلوع الفجر
بفترة تسع للغسل و لكن استمر به النوم إلى أن طلع الفجر عليه ،فان كان في
النومة الاولى فلا شيء عليه و صيامه صحيح ،و إن كان في الثانية أو الثالثة فعليه
القضاء دون الكفارة .
و إن شئت قلت :ان مقتضى القاعدة ان الاخلال بالصوم مطلقا و إن كان
معذورا فيه موجب للبطلان و القضاء و يستثنى من ذلك صور :
الاولى :ان لا يصدر تلك المفطرات من الصائم ناسيا انه صائم و غافلا
عن صيامه ،و الاّ فلا شيء عليه .
الثانية :أن لا يعتقد بأن ما يصدر منه ليس شيئا من المفطرات المحددة في
الشريعة المقدسة كما و كيفا ،و لكنه كان في الواقع منها ،و الاّ فلا شيء عليه كما
مر .
الثالثة :أن لا يقع شيء منها بدون قصد و ارادة ،كما إذا فتح حلقه عنوة
--( 140 )--
..........
وصب فيه الماء و دخل جوفه قهرا بدون ارادة و قصد ،و الاّ فلا شيء عليه الاّ في
حالتين كما تقدم .
الرابعة :ان الصائم إذا أكل أو شرب في وقت يشك في طلوع الفجر فيه
معتمدا على الاستصحاب تاركا للفحص و التأكد من عدم طلوعه ،ثم تبين له أن
الفجر كان طالعا ،فعليه أن يتم صومه و يقضي يوما آخر ،و أما إذا أكل أو شرب
بعد الفحص و التأكد مباشرة و الاعتقاد بعدم الطلوع ،ثم ظهر له ان الفجر كان
طالعا فلا شيء عليه .
و تنص على ذلك موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل أكل أو شرب بعد ما
طلع الفجر في شهر رمضان ؟فقال :ان كان قام فنظر فلم ير الفجر فأكل ثم عاد
فرأى الفجر فليتم صومه و لا اعادة عليه ،و إن كان قام فأكل و شرب ثم نظر إلى
الفجر فرأى انه قد طلع الفجر فليتم صومه و يقضى يوما آخر ،لأنه بدأ بالأكل قبل
النظر فعليه الاعادة »- 1 - .
و أما إذا كان عاجزا عن الفحص و النظر كما إذا كان أعمى أو محبوسا أو
نحو ذلك ،فأكل أو شرب ثم تبين له ان الفجر كان طالعا ،فالظاهر وجوب القضاء
عليه لا من جهة الموثقة ،فانها لا تعم العاجز عن الفحص و النظر لانصرافها عرفا
إلى المتمكن منه ،بل من جهة انه مقتضى القاعدة ،و الخارج منه بالموثقة
خصوص صورة الاعتقاد ببقاء الليل على أساس النظر و الفحص بشكل مباشر ،
و لو لم يحصل له الاعتقاد ببقائه من جهة النظر و الفحص و مع ذلك أكل أو شرب
معتمدا على الاستصحاب فانه و إن لم يكن بآثم الاّ أنه إذا تبين له بعد ذلك ان
الفجر كان طالعا حين أكل أو شرب فعليه أن يقضي صيامه ،لأن هذه الصورة غير
مشمولة للموثقة ،حيث ان الظاهر من قوله عليه السّلام فيها : «إن كان قام فنظر و لم ير
الفجر ... »انه اعتقد بقاء الليل و عدم طلوع الفجر من جهة النظر و الفحص ،و بما
ان الموثقة تكون على خلاف القاعدة فلا بد من الاقتصار على موردها .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :44 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :3 .
--( 141 )--
..........
و دعوى :ان مقتضى التعليل في ذيلها و هو قوله عليه السّلام : «لأنه بدأ بالأكل قبل
النظر »ان للفحص و النظر بصورة مباشرة موضوعية ،و يؤكد ذلك قوله عليه السّلام في
ذيل صحيحة معاوية بن عمار : «أما انك لو كنت أنت الذي نظرت ما كان عليك
قضاؤه »- 1 - فان مقتضى اطلاقه كفاية النظر و إن لم يوجب الاعتقاد أو الاطمينان
بعدم الطلوع .
مدفوعة :بأن مقتضى الجمود على ظاهر اللفظ و إن كان ذلك ،الاّ ان
مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى ان اناطة الحكم بالنظر انما هي
بملاك انه إذا قام و نظر و لم ير الفجر حصل له الوثوق و الاطمئنان بعدم الطلوع ،
و لا يحتمل عرفا أن تكون للنظر بما هو موضوعية .
و هاهنا فروع ..
الأول :ان من أكل أو شرب واثقا و معتقدا بقاء الليل و عدم طلوع الفجر
بدون النظر و الفحص ثم تبين له بعد ذلك ان الفجر كان طالعا حين أكل أو
شرب ،فانه و إن كان ليس بآثم حين يفعل ذلك الا ان عليه اتمام صوم ذلك اليوم
و القضاء بعد شهر رمضان ،و لا فرق فيه بين أن يكون متمكنا من النظر و الفحص
و لم يفحص و أن لا يكون متمكنا كالأعمى و المحبوس و نحوهما .
الثاني :ان من أكل أو شرب شاكا في طلوع الفجر معتمدا على
استصحاب بقاء الليل بدون الفحص و التأكد ،ثم بعد ذلك تبين له أن الفجر
حينما أكل أو شرب كان طالعا ،فان حكمه نفس ما تقدم .
الثالث :ان من نظر إلى الفجر و تأكد و لكن لم يثق بعدم الطلوع و كان يبقى
شاكا فيه و مع ذلك أكل أو شرب معتمدا على الاستصحاب ثم تبين له بعد ذلك
ان الفجر كان طالعا حين أكل أو شرب ،فان عليه القضاء فقط .
الرابع :ان من شك في طلوع الفجر فنظر و تأكد بصورة مباشرة فاعتقد
بعدم طلوعه فأكل أو شرب ،ثم بعد ذلك تبين له ان الفجر حين أكل أو شرب
---------------
( 1 ) الوسائل باب :46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 142 )--
..........
كان طالعا ،فانه لا شيء عليه و صيامه صحيح .
الخامس :ان هذا الحكم مختص بصوم شهر رمضان ،و أما صوم غيره
فيبطل بذلك و إن كان بعد النظر إلى الفجر و الفحص عنه مباشرة و حصول
الاعتقاد بعدم طلوعه ،و ذلك لعدم الدليل على الصحة و الحاقه بصوم شهر
رمضان .
و دعوى :ان صحيحة معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :آمر
الجارية تنظر الفجر فتقول :لم يطلع بعد ،فآكل ،ثم انظر فأجد قد طلع حين
نظرت ،قال :اقضه ،اما انك لو كنت أنت الذي نظرت لم يكن عليك شيء »- 1 -
مطلقة و تعم باطلاقها صوم غير شهر رمضان .
مدفوعة :بأن الصحيحة على تقدير صحة نسخة الفقيه تعم صوم غير شهر
رمضان شريطة أن يكون له قضاء لا مطلقا ،و أما على نسخة الكافي فهي
مختصة بصوم شهر رمضان بقرينة الأمر باتمام صوم ذلك اليوم ثم القضاء ،
فالصحيحة من جهة اختلاف النسخة و عدم ثبوت نسخة الفقيه لا تدل على
العموم .
السادس :ان من أكل أو شرب في آخر النهار اعتقادا منه بأن المغرب قد
دخل ،ثم تبين له بعد ذلك ان النهار كان لا يزال باقيا حين أكل أو شرب
فان عليه القضاء بلا فرق فيه بين أن فحص و تأكد من دخول المغرب بصورة
مباشرة فاعتقد بدخوله ،ثم أكل أو شرب أو لم يفحص منه كذلك لاختصاص
النص بالصحة و عدم وجوب القضاء في صورة الفحص و النظر إلى الفجر ،
و لا نص في المقام ،و دعوى التعدي عنه إليه بحاجة إلى قرينة و لا قرينة
عليه .و أما إذا أفطر و هو شاك في دخول المغرب و انتهاء النهار من دون
حصول الوثوق و الاطمئنان بدخوله بشكل مباشر أو بأخبار ثقة أو أذانه فعليه
القضاء و الكفارة سواء تبين له بعد ذلك ان النهار كان لا يزال باقيا حين
---------------
( 1 ) الوسائل باب :46 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 143 )--
..........
افطر أم لم يتبين ،فانه أفطر في نهار شهر رمضان عامدا ملتفتا إلى عدم
جوازه .
نعم ،إذا اتضح له بعد ذلك ان الوقت كان قد دخل حين أفطر فلا شيء
عليه و صيامه صحيح .
السابع :ان من أفطر في آخر النهار ظانا أو معتقدا بأن الشمس قد غابت
من جهة وجود السحاب أو نحوه في السماء ،ثم رأى الشمس بعد ذلك و أنها
كانت لا تزال باقية حين أفطر ،فهل عليه قضاء أو لا ؟فيه خلاف ،فذهب جماعة
من الأصحاب إلى عدم وجوب القضاء عليه و صحة صيامه ،و قد استدل على
ذلك بمجموعة من الروايات :
منها :صحيحة زرارة قال : «قال أبو جعفر عليه السّلام :وقت المغرب إذا غاب
القرص ،فان رأيته بعد ذلك و قد صليت أعدت الصلاة و مضى صومك تكف
عن الطعام ان كنت قد أصبت منه شيئا »- 1 - .
و منها :صحيحته الاخرى عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث : «انه قال لرجل
ظن ان الشمس قد غابت فافطر ثم أبصر الشمس بعد ذلك ،قال :ليس عليه
قضاء »- 2 - .و منها غيرها .
و لكن هذه المجموعة معارضة بموثقة أبي بصير و سماعة عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في قوم صاموا شهر رمضان فغشيهم سحاب أسود عند غروب
الشمس فرأوا انه الليل فافطر بعضهم ،ثم ان السحاب انجلى فإذا الشمس ،فقال :
على الذي أفطر صيام ذلك اليوم ،ان اللّه عز و جل يقول :أَتِمُّوا اَلصِّيامَ إِلَى
اَللَّيْلِ ،فمن أكل قبل أن يدخل الليل فعليه قضاؤه لأنه أكل متعمدا »- 3 - فانها
تدل بوضوح على وجوب القضاء عليه في مفروض المسألة باعتبار ان مفادها
الارشاد إلى بطلان صيامه به ،فلا يمكن الجمع بينهما ،فاذن تقع المعارضة بينها
---------------
( 1 ) الوسائل باب :51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :50 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 144 )--
..........
و بين الصحيحتين ،و بما أنها موافقة للكتاب تتقدم عليهما ،و مع الاغماض عن
ذلك فتسقطان معا ،فيرجع إلى العام الفوقي ،و مقتضاه وجوب القضاء .
و دعوى :ان الموثقة بما أنها موافقة للعامة و الصحيحتين مخالفة لهم ،
فاذن لا بد من الأخذ بهما و حمل الموثقة على التقية .
مدفوعة :بأن الأمر ليس كذلك ،فان المسألة محل خلاف بينهم حيث قد
نسب القول بعدم وجوب القضاء فيها إلى أكثر أهل العلم ،و نسب القول
بالوجوب إلى جماعة منهم .
نعم ،ذكروا وجوب القضاء على من أكل شاكا في الغروب بدون ذكر
الخلاف في المسألة شريطة عدم تبين الحال .و على الجملة فالعامة قد فرقوا بين
ما إذا أكل أو شرب ظانا أو معتقدا بغروب الشمس و ما إذا أكل أو شرب شاكا فيه ،
و بما أن مورد الروايات هو الأول دون الثاني فلا ترجيح لبعضها على بعضها
الآخر فيه ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى ان الكفارة لا تجب لمجرد ترك نية الصيام و الاخلال
بها بالرياء أو بنية القطع أو القاطع ،و انما تجب بممارسة شيء من المفطرات
شريطة توفر امور ..
الأول :أن يرتكب المفطر قاصدا و عن اختيار .و أما إذا ارتكب لا عن
قصد ،كما إذا تمضمض بالماء عبثا فسبق الماء إلى جوفه فانه يوجب بطلان
صومه و القضاء ،و لكن لا كفارة عليه .
الثاني :أن لا يكون مكرها على الافطار ،كما إذا أفطر بتهديد من ظالم أو
للتقية ،فان صومه يبطل بذلك و لكن لا كفارة عليه .
الثالث :أن لا يكون معتقدا جواز ارتكابه شرعا أما باعتقاد ان الصيام غير
واجب عليه أساسا ،أو أن هذا الشيء لم يجعله الشارع مفطرا ،فانه إذا ارتكبه بناء
على ذلك فصومه و إن بطل به الاّ أنه لا كفارة عليه ،و بذلك يظهر حال ما ذكره
الماتن قدّس سرّه من الفروع .
--( 145 )--
المفطرات ،أو بالرياء أو بنية القطع أو القاطع كذلك .
الثالث :إذا نسي غسل الجنابة و مضى عليه يوم أو أيام كما مر .
الرابع :من فعل المفطر قبل مراعاة الفجر ثم ظهر سبق طلوعه و أنه
كان في النهار ،سواء كان قادرا على المراعاة أو عاجزا عنها لعمى أو حبس
أو نحو ذلك أو كان غير عارف بالفجر ،و كذا مع المراعاة و عدم اعتقاد بقاء
الليل بأن شك في الطلوع أو ظن فأكل ثم تبين سبقه ،بل الأحوط ( 1 )
القضاء حتى مع اعتقاد بقاء الليل ،و لا فرق في بطلان الصوم بذلك بين
صوم رمضان و غيره من الصوم الواجب و المندوب ،بل الأقوى فيها ذلك
حتى مع المراعاة و اعتقاد بقاء الليل .
الخامس :الأكل تعويلا على من أخبر ببقاء الليل و عدم طلوع الفجر
مع كونه طالعا .
السادس :الأكل إذا أخبره مخبر بطلوع الفجر لزعمه سخرية المخبر
أو لعدم العلم بصدقه .
السابع :الإفطار تقليدا لمن أخبر بدخول الليل و إن كان جائزا له
لعمى أو نحوه ،و كذا إذا أخبره عدل ( 2 ) بل عدلان ،بل الأقوى وجوب
الكفارة أيضا إذا لم يجز له التقليد .
الثامن :الإفطار لظلمة قطع بحصول الليل منها فبان خطأه و لم يكن
في السماء علة ،و كذا لو شك أو ظن بذلك منها ،بل المتجه في الأخيرين
الكفارة أيضا لعدم جواز الإفطار حينئذ ،و لو كان جاهلا بعدم جواز الإفطار
( 1 ) بل الأقوى ذلك مع عدم الفحص و النظر ،و أما معهما فقد مر أنه لا
شيء عليه و يصح صومه .
( 2 ) بل ثقة واحد و إن لم يكن عدلا .
--( 146 )--
فالأقوى عدم الكفارة ،و إن كان الأحوط إعطاؤها ،نعم لو كانت في السماء
علة فظن دخول الليل فأفطر ثم بان له الخطأ لم يكن عليه قضاء ( 1 ) فضلا
عن الكفارة .
و محصّل المطلب أن من فعل المفطر بتخيل عدم طلوع الفجر أو
بتخيل دخول الليل بطل صومه في جميع الصور إلا في صورة ظن دخول
الليل مع وجود علة في السماء من غيم أو غبار أو بخار أو نحو ذلك من
غير فرق بين شهر رمضان و غيره ( 2 ) من الصوم الواجب و المندوب ،و في
الصور التي ليس معذورا شرعا في الإفطار كما إذا قامت البينة على أن
الفجر قد طلع و مع ذلك أتى بالمفطر أو شك في دخول الليل أو ظن ظنا
غير معتبر و مع ذلك أفطر يجب الكفارة أيضا فيما فيه الكفارة .
[2496 ]مسألة 1 :إذا أكل أو شرب مثلا مع الشك في طلوع الفجر و لم
( 1 ) مر في الفرع السابع ان الأظهر وجوب القضاء عليه .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان ما دل على عدم وجوب القضاء على
من أفطر بظن دخول الليل من جهة وجود علة في السماء لو تم و لم يسقط
بالمعارضة لا يعم تمام أنواع الصوم من الواجب بأقسامه من المعين
و غيره و المندوب ،بل غايته انه يعم صوم شهر رمضان و غيره مما له قضاء لا
مطلقا .
و قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة الاولى : «مضى صومك ... »- 1 - و إن كان مطلقا
و لكن المنصرف منه عدم وجوب اعادته بقرينة .قوله عليه السّلام قبله «اعدت
الصلاة »- 2 - فلا اطلاق له بلحاظ أنواعه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :51 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 147 )--
يتبيّن أحد الأمرين لم يكن عليه شيء ( 1 ) .نعم لو شهد عدلان بالطلوع
( 1 ) لا تكليفا و لا وضعا .
أما الأول :فلأن مقتضى استصحاب بقاء الليل و عدم طلوع الفجر ،جواز
الأكل و الشرب .
و أما الثاني :فلأنه إن لم ينكشف الحال في الوقت فلا مقتضي لوجوب
القضاء ،و أما إذا علم بعد الأكل بطلوع الفجر ،و لكن شك في انه هل كان طالعا
حين الأكل ،أو طلع بعد الانتهاء منه ؟فلا مانع من استصحاب عدم طلوعه و بقاء
الليل إلى الانتهاء من الأكل ،و لا يعارضه استصحاب عدم الانتهاء من الأكل إلى
زمان الطلوع لأنه لا يجري في نفسه لابتلائه بمحذور الاستصحاب في الفرد
المردد ،على أساس ان المكلف على يقين بأن الأكل اما أن وقع في زمان
الطلوع ،أو لم يقع في زمانه ،بلحاظ أن واقع زمان الطلوع مردد بين زمان لم يقع
فيه الأكل جزما و زمان قد وقع الأكل فيه كذلك ،و على هذا فان لو حظ زمان
الطلوع بما هو و بنحو الموضوعية و القيد لحادث آخر ،بأن يريد اثبات عدم
الانتهاء من الأكل في زمان الطلوع بما هو زمان الطلوع الذي يكون مرده إلى تقيد
عدم الانتهاء من الأكل بزمان الطلوع ،فليس لعدم الانتهاء من الأكل المقيد بهذا
القيد حالة سابقة حتى تستصحب .و ان لو حظ بنحو المعرفية الصرفة إلى واقع
زمان الطلوع باعتبار انه لا يمكن الاشارة إليه الا بعنوان انه زمان الطلوع من دون
أخذ هذا العنوان في مورد التعبد الاستصحابي ،فبما أن واقع ذلك الزمان مردد
بين زمان نعلم بوقوع الأكل فيه ،و زمان نعلم بعدم وقوعه فيه ،فيكون هذا من
الاستصحاب في الفرد المردد و هو ممتنع .
و إن شئت قلت :ان ملاحظة زمان الطلوع بالنسبة إلى الحادث الآخر و هو
عدم انتهاء الأكل لا تخلو من أن تكون بنحو الموضوعية و القيد له ،أو بنحو
المعرفية و الطريقية الصرفة إلى واقع زمانه ،و لا ثالث لهما ،فعلى الأول ليس
للحادث المقيد به حالة سابقة لكي تستصحب ،بل الشك في أصل حدوث هذا --( 148 )--
و مع ذلك تناول المفطر وجب عليه القضاء بل الكفارة أيضا و إن لم
يتبين له ذلك بعد ذلك ،و لو شهد عدل واحد بذلك فكذلك على
الأحوط ( 1 ) .
[2497 ]مسألة 2 :يجوز له فعل المفطر و لو قبل الفحص ما لم يعلم طلوع
الفجر و لم يشهد به البينة ،و لا يجوز له ذلك إذا شك في الغروب ،عملا
بالاستصحاب في الطرفين ،و لو شهد عدل واحد بالطلوع أو الغروب
فالأحوط ترك المفطر عملا بالاحتياط للإشكال في حجية خبر العدل
المقيد ،و على الثاني فهو مردد بين زمانين نعلم بعدم انتهاء الأكل في أحدهما
و انتهائه في الآخر ،فليس هنا شك في بقاء الحادث في زمان حتى يجري
الاستصحاب ،بل المستصحب مردد بين مقطوع البقاء و مقطوع الانتهاء ،فلا
يمكن اجراء الاستصحاب فيه من جهة محذور الاستصحاب في الفرد المردد .
نعم ،إذا أكل أو شرب من دون الفحص مباشرة ثم تبين ان الفجر كان
طالعا حين أكل أو شرب فعليه القضاء كما تقدم .
( 1 ) بل على الأقوى حتى فيما إذا كان ثقة واحد ،إذ لا فرق في حجية
أخبار الثقة بين الشبهات الحكمية و الموضوعية ،لأن عمدة الدليل على حجيتها
سيرة العقلاء ،و لا فرق فيها بين أن تكون في الموضوعات أو الأحكام ،و لم
يثبت ردع عن العمل بها في الموضوعات ،و تؤكد السيرة في المقام صحيحتا
العيص - 1 - و الحلبي - 2 - ،أما الاولى فلأنها تنص على حجية قول من أخبر بطلوع
الفجر باعتبار ان الامام عليه السّلام قد حكم فيها على من لم يعمل بقوله و أكل باتمام
صوم اليوم و وجوب القضاء ،فانه يدل على أن الأخبار بطلوع الفجر حجة
شريطة أن يكون المخبر ثقة .و أما الثانية فلأنها تنص على حجية أذان بلال في
---------------
( 1 ) الوسائل باب :47 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :42 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 149 )--
الواحد و عدم حجيته ( 1 ) ،إلا أن الاحتياط في الغروب إلزامي و في الطلوع
استحبابي نظرا للاستصحاب .
التاسع :إدخال الماء في الفم للتبرد بمضمضة أو غيرها فسبقه و دخل
الجوف فإنه يقضي و لا كفارة عليه ،و كذا لو أدخله عبثا فسبقه ،و أما لو نسي
فابتلعه فلا قضاء عليه أيضا و إن كان أحوط ،و لا يلحق بالماء غيره على
الأقوى و إن كان عبثا ،كما لا يلحق بالإدخال في الفم الإدخال في الأنف
للاستنشاق أو غيره ،و إن كان أحوط في الأمرين .
[2498 ]مسألة 3 :لو تمضمض لوضوء الصلاة فسبقه الماء لم يجب عليه
القضاء سواء كانت الصلاة فريضة أو نافلة على الأقوى ( 2 ) ،بل لمطلق
الطهارة و إن كانت لغيرها من الغايات من غير فرق بين الوضوء و الغسل ،
ثبوت الطلوع .
( 1 ) بل لا إشكال في حجيته ،بل حجية قول الثقة الواحد كما مر .و عليه
فإذا أخبر ثقة بطلوع الفجر أو الغروب ثبت ،و لا مجال حينئذ للاستصحاب ،
نعم ،لو لم يكن أخبار الثقة بالطلوع أو الغروب حجة لكان مقتضى الاستصحاب
في الأول جواز الأكل و الشرب ،و في الثاني عدم جوازهما .
( 2 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر وجوب القضاء إذا تمضمض و أدار
الماء في فمه عند الوضوء لصلاة نافلة فسبق الماء و دخل في جوفه قسرا و بدون
قصد منه ،نعم إذا كان ذلك قد حدث في الوضوء لصلاة فريضة لم يجب
القضاء .و تنص على ذلك صحيحة حماد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في الصائم
يتوضأ للصلاة فيدخل الماء حلقه ؟فقال :ان كان وضوؤه لصلاة فريضة فليس
عليه شيء ،و إن كان وضوؤه لصلاة نافلة فعليه القضاء »- 1 - .و تقيد هذه الصحيحة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :1 .
--( 150 )--
و إن كان الأحوط القضاء فيما عدا ما كان لصلاة الفريضة خصوصا فيما كان
لغير الصلاة من الغايات .
[2499 ]مسألة 4 :يكره المبالغة في المضمضة مطلقا ،و ينبغي له أن لا يبلع
ريقه حتى يبزق ثلاث مرات .
[2500 ]مسألة 5 :لا يجوز التمضمض مطلقا مع العلم بأنه يسبقه الماء إلى
الحلق أو ينسى فيبلعه .
العاشر :سبق المني بالملاعبة أو الملامسة إذا لم يكن ذلك من قصده
و لا عادته على الأحوط ،و إن كان الأقوى ( 1 ) عدم وجوب القضاء أيضا .
اطلاق قوله عليه السّلام في موثقة سماعة : «و إن كان في وضوء فلا بأس به »- 1 - أي
بالوضوء لصلاة فريضة .كما انه لا بد من رفع اليد بها عن اطلاق موثقة عمار
و حمله على ما إذا كان دخول الماء في الجوف قسرا بسبب المضمضة في
وضوء الفريضة .
فالنتيجة :ان من أدار الماء في فمه و تمضمض به فان كان في حالة
الوضوء لصلاة نافلة أو للكون على الطهارة أو للاستحباب أو كان عابثا أو لسبب
آخر فسبق الماء و دخل في حلقه قهرا ،وجب القضاء .و ان كان قد حدث ذلك
في حالة الوضوء لصلاة فريضة ،فلا شيء عليه ،و صيامه صحيح .
( 1 ) بل الأقوى الوجوب كما تقدم تفصيل ذلك في المفطر الرابع
( الاستمناء ) .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب ما يمسك عنه الصائم و وقت الامساك الحديث :4 .
--( 151 )--
فصل
في الزمان الذي يصح فيه الصوم
و هو النهار من غير العيدين ،و مبدأه طلوع الفجر الثاني و وقت
الإفطار ذهاب الحمرة من المشرق ( 1 ) ،و يجب الإمساك من باب المقدمة
في جزء من الليل في كل من الطرفين ليحصل العلم بإمساك تمام النهار ،
و يستحب تأخير الإفطار حتى يصلى العشاءين لتكتب صلاته صلاة
الصائم ،إلا أن يكون هناك من ينتظره للإفطار أو تنازعه نفسه على وجه
يسلبه الخضوع و الإقبال و لو كان لأجل القهوة و التتن و الترياك فإن الأفضل
حينئذ الإفطار ثم الصلاة مع المحافظة على وقت الفضيلة بقدر الإمكان .
[2501 ]مسألة 1 :لا يشرع الصوم في الليل ،و لا صوم مجموع الليل
و النهار ،بل و لا إدخال جزء من الليل فيه إلا بقصد المقدمية .
( 1 ) تقدم في بحث الأوقات ان الأظهر انتهاء الوقت باستتار القرص ،
و تنص عليه الروايات الكثيرة التامة من ناحية السند و الدلالة ،و قد اختاره جماعة
من الأصحاب منهم المحقق في الشرائع ،بل نسب هذا القول إلى المشهور ،و أما
تحديد الوقت بذهاب الحمرة من المشرق ان اريد به ذهابها من دائرة الافق ،فهو
ملازم لاستتار القرص ،لأن مقتضى كروية الأرض ثبوت الملازمة بين استتاره
في طرف المغرب و ارتفاع الحمرة من دائرة الافق في طرف المشرق فاذن ليس
هذا قولا آخر في مقابل القول باستتار القرص .
و ان اريد به ذهابها من قمة الرأس ،فلا دليل عليه و لا هو مشهور بين
الأصحاب ،و مع ذلك لا ينبغي ترك الاحتياط .
--( 152 )--
فصل
في شرائط صحة الصوم
و هي امور :
الأول :الإسلام و الإيمان ( 1 ) ،فلا يصح من غير المؤمن و لو في جزء
من النهار ،فلو أسلم الكافر في أثناء النهار و لو قبل الزوال لم يصح صومه ،
و كذا لو ارتد ثم عاد إلى الإسلام بالتوبة و إن كان الصوم معينا و جدّد النية
قبل الزوال على الأقوى .
الثاني :العقل ،فلا يصح من المجنون و لو أدوارا و إن كان جنونه في
جزء من النهار و لا من السكران و لا من المغمى عليه و لو في بعض النهار
( 1 ) في شرطية الإسلام اشكال و لا يبعد العدم بناء على القول بتكليف
الكفار بالفروع كما هو الأظهر صناعة .
و الوجه فيه :ان ما استدل به من الوجوه على اعتبار الإسلام في صحة
العبادة لا يتم شيء منها و هي ما يلي :
الأول :دعوى الاجماع على عدم صحة الصوم من الكافر .
و الجواب :ان الاجماع الكاشف عن ثبوت هذا الشرط في الشريعة
المقدسة و وصوله إلينا يدا بيد ممنوع ،فان ثبوت اجماع كذلك منوط بتوفر
أمرين ..
أحدهما :تحقق هذا الاجماع بين القدماء من الأصحاب الذين يكون
عصرهم في نهاية المطاف متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام .
و الآخر :أن لا يكون في المسألة ما يصلح كونه مدركا لها .
و لكن كلا الأمرين غير متوفر :
--( 153 )--
..........
أما الأمر الأول :فلا طريق لنا إلى احراز هذا الاجماع بينهم فان الطريق
المباشر خلاف الفرض ،و غير المباشر منحصر بأن يكون لكل واحد منهم كتاب
استدلالي حول المسألة و اصل إلينا ،و الفرض عدم الوصول ،اما من جهة انه لا
كتاب لكل منهم كذلك .أو كان و لكن لم يصل إلينا ،و اما مجرد نقل الفتاوى منهم
في المسألة فهو لا يكشف عن أن مدركها الاجماع .
و أما الأمر الثاني :فلأن من المحتمل قويا أن يكون مدرك المسألة أحد
الوجهين الآتيين ،فاذن ليس الاجماع فيها اجماعا تعبديا صرفا .
الثاني :الآيات التي تنص على حبط أعمال المشركين و الكافرين و عدم
القبول منهم :
منها قوله تعالى :لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ - 1 - .
و منها قوله تعالى :إِنَّ اَلَّذِينَ كَفَرُوا وَ ماتُوا وَ هُمْ كُفَّارٌ فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْ
أَحَدِهِمْ مِلْءُ اَلْأَرْضِ ذَهَباً - 2 - .
و منها :قوله تعالى :وَ ما مَنَعَهُمْ أَنْ تُقْبَلَ مِنْهُمْ نَفَقاتُهُمْ إِلاَّ أَنَّهُمْ كَفَرُوا
بِاللَّهِ وَ بِرَسُولِهِ - 3 - .
و الجواب :اما عن الآية الاولى ،فلأنها و إن دلت على ان الشرك يوجب
حبط الأعمال و محوها و أنها ذهبت سدى ،الا أنها لا تدل على ان المشرك إذا
أتى بعبادة بتمام قيودها و شروطها منها نية القربة و الخلوص لم تقع صحيحة ،إذ
لا تدل على انه لا يتمكن من قصد القربة على أساس انه مشرك .
و إن شئت قلت :ان محل الكلام انما هو في اعتبار الإسلام في صحة
العبادة و مانعية الكفر عنها ،و على هذا فان أريد بمانعية الكفر ان الكافر لا يتمكن
من نية القربة باعتبار ان كفره مانع منها ،فيرد عليه أن ذلك بحاجة إلى دليل يدل
---------------
( 1 ) الزمر /65 .
---------------
( 2 ) آل عمران /91 .
---------------
( 3 ) التوبة /54 .
--( 154 )--
..........
على أن نية القربة منه لا تكون مقربة .و الآية الشريفة بمناسبة الحكم و الموضوع
لا تدل على ذلك و انما تدل على ان بطلان عمل المشرك و حبطه انما هو من
جهة انه أشرك في عمله .
و إن اريد بذلك ان الكفر بما هو كفر مانع عن صحة العبادة و ان كان
الكافر آتيا بها بتمام أجزائها و شروطها منها قصد القربة ...فيرده :انه لا دليل
عليه .
و أما عن الآية الثانية :فلأنه لا ملازمة بين عدم قبول نفقاتهم و عدم صحة
عباداتهم ،مع ان قوله تعالى في ذيل الآية :وَ لا يَأْتُونَ اَلصَّلاةَ إِلاَّ وَ هُمْ
كُسالى - 1 - يدل على ان الكفر لا يكون مانعا عنها و الاّ علل بالكفر لا بالكسل ،
بل يدل على أنهم مكلفون بها .
الثالث :ان الولاية شرط في صحة العبادات ،و تدل عليه صحيحة محمد
بن مسلم قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :كل من دان اللّه عز و جل بعبادة يجهد
فيها نفسه و لا امام له من اللّه فسعيه غير مقبول و هو ضال متحير و اللّه شانئ
لأعماله »- 2 - .
بدعوى :ان من يكون اللّه تعالى شانئا لأعماله و مبغضا لأفعاله كيف يصح
التقرب منه و هو ضال متحير ؟
و الجواب :ان الصحيحة لا تدل على ان الولاية شرط للصحة و ان عبادات
منكر الولاية فاسدة ،بل الظاهر منها أنها شرط للقبول ،أي لترتيب الآثار عليها
كاستحقاق المثوبة و نحوها ،و أما قوله عليه السّلام في الصحيحة : «و اللّه شانئ لأعماله »
فالظاهر منه انه شانئ لأعماله من جهة الفاعل لا من جهة الفعل ،و من هنا يظهر
ان شرطية الايمان أيضا محل اشكال .
فالنتيجة :ان شرطية الإسلام و الايمان مبنية على الاحتياط .
---------------
( 1 ) آل عمران /91 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :29 من أبواب مقدمة العبادة الحديث :1 .
--( 155 )--
و إن سبقت منه النية على الأصح ( 1 ) .
الثالث :عدم الإصباح جنبا أو على حدث الحيض و النفاس بعد النقاء
من الدم على التفصيل المتقدم ( 2 ) .
الرابع :الخلو من الحيض و النفاس في مجموع النهار ،فلا يصح من
الحائض و النفساء إذا فاجأهما الدم و لو قبل الغروب بلحظة أو انقطع عنهما
( 1 ) فيه ان الأظهر صحة صوم المغمى عليه و كذلك السكران إذا نوى
الصوم في اليوم المقبل ثم اغمي عليه بعد النية و استمر به إلى أن أفاق في أثناء
اليوم .فعليه أن يواصل صيامه إلى الليل و يحسب من الصوم الواجب ،و كذلك
الحال إذا نوى الصوم من طلوع الفجر ثم اغمي عليه بعد ساعة أو أكثر و بعد ذلك
أفاق يبقى على صيامه و يحسب من صيام شهر رمضان ،بل الأمر كذلك إذا
استمر به الاغماء إلى الليل .
نعم ،إذا اغمي قبل أن ينوي صيام اليوم المقبل ،كما اذا اغمي عليه قبل
دخول شهر رمضان او بعده قبل أن ينوي الصيام للنهار الآتي كما إذا فاجأه
الاغماء و ظل باقيا إلى أن طلع الفجر عليه ثم أفاق فلا يجب عليه أن يواصل
صيام ذلك اليوم ،أو فقل ان الاغماء ليس كالجنون ،فان عدم التكليف في
المجنون انما هو بملاك انه فاقد للعقل الذي هو من الشروط العامة للتكليف ،بل
هو كالنوم و بعد انتهاء مفعوله يفيق ،فكما ان النوم لا يضر الصوم إذا كان مسبوقا
بالنية فكذلك الاغماء ،فلا فرق بينهما من هذه الناحية ،و لا يلحق الاغماء
بالجنون لأن الجنون مستند إلى الاختلال في دماغ المجنون فيكون فاقدا للعقل ،
و أما الاغماء فبما انه مستند إلى سبب آخر كالنوم فلا يكون فاقدا له ،فمن أجل
ذلك إذا كان مسبوقا بنية الصوم صح و إن بقي اغماؤه إلى الليل كما هو الحال في
النوم .
( 2 ) تقدم انه لا دليل على الحاق النفاس بالحيض في ( الثامن من
المفطرات ) .
--( 156 )--
بعد الفجر بلحظة ،و يصح من المستحاضة إذا أتت بما عليها من الأغسال
النهارية ( 1 ) .
الخامس :أن لا يكون مسافرا سفرا يوجب قصر الصلاة مع العلم
بالحكم في الصوم الواجب إلا في ثلاثة مواضع :
أحدها :صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع .
الثاني :صوم بدل البدنة ممن أفاض من عرفات قبل الغروب عامدا ،
و هو ثمانية عشر يوما .
الثالث :صوم النذر المشترط فيه سفرا خاصة أو سفرا و حضرا دون
النذر المطلق ،بل الأقوى عدم جواز الصوم المندوب في السفر أيضا إلا
ثلاثة أيام للحاجة في المدينة ،و الأفضل إتيانها في الأربعاء و الخميس
و الجمعة ( 2 ) ،و أما المسافر الجاهل بالحكم لو صام فيصح صومه و يجزئه
حسبما عرفته في جاهل حكم الصلاة إذ الإفطار كالقصر و الصيام كالتمام
في الصلاة ،لكن يشترط أن يبقى على جهله إلى آخر النهار ،و أما لو علم
بالحكم في الأثناء فلا يصح صومه ،و أما الناسي فلا يلحق بالجاهل في
الصحة ،و كذا يصح الصوم من المسافر إذا سافر بعد الزوال ،كما أنه يصح
( 1 ) سبق ذلك في المسألة ( 49 ) من ( فصل ما يجب الامساك عنه في
الصوم ) و قلنا هناك أن صحة صوم المستحاضة بالاستحاضة الكبرى مشروطة
بالاغسال الليلية و النهارية على الأظهر .
( 2 ) بل على الأقوى ،لظهور رواياتها في تعين مشروعية الصوم المندوب
في السفر في هذه الأيام الثلاثة فقط .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إن كان لك مقام
بالمدينة ثلاثة أيام صمت أول يوم الأربعاء و تصلّي ليلة الأربعاء عند اسطوانة --( 157 )--
صومه إذا لم يقصر في صلاته كناوي الإقامة عشرة أيام و المتردد ثلاثين
يوما و كثير السفر و العاصي بسفره و غيرهم ممن تقدم تفصيلا في كتاب
الصلاة .
السادس :عدم المرض أو الرمد الذي يضره الصوم ( 1 ) لإيجابه
أبي لبابة و هي اسطوانة التوبة التي كان ربط نفسه إليها حتى نزل عذره من
السماء ،و تقعد عندها يوم الأربعاء ،ثم تأتي ليلة الخميس التي تليها مما يلى مقام
النبي صلّى اللّه عليه و آله ليلتك و يومك و تصوم يوم الخميس ثم تأتي الاسطوانة التي تلي مقام
النبي صلّى اللّه عليه و آله و مصلاه ليلة الجمعة فتصلي عندها ليلتك و يومك و تصوم يوم
الجمعة ...الخ »- 1 - .
و منها :صحيحته الاخرى قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :صم الأربعاء
و الخميس و الجمعة وصل ليلة الأربعاء و يوم الاربعاء عند الاسطوانة التي تلي
رأس النبي صلّى اللّه عليه و آله ،و ليلة الخميس و يوم الخميس عند اسطوانة أبي لبابة ،و ليلة
الجمعة و يوم الجمعة عند الاسطوانة التي تلي مقام النبي صلّى اللّه عليه و آله ...الخ »- 2 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا دخلت المسجد فان
استطعت أن تقيم ثلاثة أيام الأربعاء و الخميس و الجمعة فتصل بين القبر
و المنبر ،يوم الأربعاء عند الاسطوانة -إلى أن قال :و تصوم تلك الثلاثة الأيام »- 3 - .
فان هذه الصحاح ظاهرة في مشروعية الصوم في هذه الأيام الثلاثة في
السفر ،و لا يمكن التعدي عنها إلى سائر الأيام .
( 1 ) لا يخفى أن هذا الشرط و ما قبله كعدم السفر و الخلو من الحيض
و النفاس كما أنها تكون من شروط الصحة كذلك تكون من شروط الوجوب ،
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :11 من أبواب المزار الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :11 من أبواب المزار الحديث :3 .
--( 158 )--
شدته أو طول برئه أو شدة ألمه أو نحو ذلك ،سواء حصل اليقين بذلك أو
الظن بل أو الاحتمال الموجب للخوف ،بل لو خاف الصحيح من حدوث
المرض لم يصح منه ( 1 ) ،و كذا إذا خاف من الضرر في نفسه أو غيره أو
فمن أجل ذلك ذكرها الماتن قدّس سرّه في كلا المقامين .
و الوجه فيه :ان ظاهر أدلتها أنها كما تكون من شروط الترتب و دخيلة في
الصحة كذلك تكون من شروط الاتصاف و دخيلة في الوجوب ،و قد ذكرنا في
مباحث علم الاصول أن كل شرط من شروط الترتب إذا كان غير اختياري يتعين
أخذه شرطا و قيدا للوجوب أيضا ،و لا يمكن الاقتصار على تقييد الواجب به ،إذ
مع الاقتصار يكون الوجوب مطلقا و فعليا ،فإذا كان الوجوب كذلك كان محركا
و باعثا نحو الاتيان بالواجب المقيد به و هو غير معقول لعدم كونه مع هذا القيد
اختياريا .
( 1 ) هذا إذا أدى الصوم إلى حدوث مرض أو طول برئه أو شدته أو
صداعا لا يتحمل عادة ،أو رمدا شديدا ،أو حمى عالية شريطة أن يكون ذلك
بمرتبة يهتم العقلاء بالتحفظ منها عادة ،حيث ان الشدة و طول المرض و الضرر
و الخوف جميعا ذات مراتب و درجات متفاوتة ،و من المعلوم ان المراد منها في
الروايات ليس تمام مراتبها ،بل المراد منها خصوص مرتبة خاصة و هي المرتبة
المتعارفة التي يهتم العقلاء بالحفاظ عليه ،و أما إذا أدى إلى مرتبة بسيطة من
الشدة أو طول المرض ،أو حدوث مرض ضئيل كحمى يوم -مثلا -إذا صام
تمام شهر رمضان مما لا يراه العقلاء من المرض الذي يكون مانعا عن ممارسة
مهامه فلا يوجب الافطار .
و من هنا يظهر ان ما ورد في بعض الروايات من ان الصائم إذا وجد ضعفا
فله الافطار ليس المقصود منه مطلق درجات الضعف ،إذ لا شبهة في أن صيام
شهر رمضان و لا سيما إذا كان في البلاد الحارة و في فصل الصيف يوجب مرتبة --( 159 )--
عرضه أو عرض غيره أو في مال يجب حفظه و كان وجوبه أهم في نظر
الشارع من وجوب الصوم ( 1 ) ،و كذا إذا زاحمه واجب آخر أهم منه ،و لا
يكفي الضعف و إن كان مفرطا ما دام يتحمل عادة ،نعم لو كان مما لا يتحمل
من الضعف غالبا ،بل لا يبعد أن يكون المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم
و الموضوع ان المراد من وجدان الصائم الضعف هو الذي يراه الناس عادة مانعا
عن مواصلة صيامه و سائر مهامه .
ثم ان المرض أمر نسبي في الأشخاص ،فالانسان السالم صحيا كالشاب
صحيح البدن تكون حمى اليوم أو اليومين أو الأكثر بسيطة بالنسبة إليه و لا تمنعه
عن القيام بمهامه الدينية و الدنيوية ،و لكنها بالنسبة إلى الانسان المتداعي صحيا
شديدة و تمنعه عن ممارسة وظائفه ،و على هذا الأساس فكل شخص مكلف
بحسب حاله من القوة و الطاقة .هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى :انه لا فرق بين أن يكون المكلف واثقا و متأكدا بالضرر
الصحي أو ظانا به ،أو مجرد احتمال شريطة أن يكون ذلك الاحتمال يبعث
الخوف و الخشية في النفس كما إذا خاف على عينه من الرمد أو العمى أو نحو
ذلك ،نعم إذا كان احتمال الضرر الصحي بمرتبة ضئيلة لا تبعث على القلق
و الخوف فلا يسوغ الافطار إلا إذا قال الطبيب الماهر الثقة بعد فحصه و التأكيد
عليه أنه مريض و يضره الصوم فان عليه أن يعمل بقوله و ان لم يوجب القلق
و الخوف في نفسه على أساس حجية قوله بملاك انه من أهل الخبرة و الثقة .
( 1 ) فيه :ان الابتلاء بالواجب الأهم ليس من شرائط صحة الصوم حيث ان
المكلف إذا بنى و ترك الاشتغال بالأهم و صام صح من باب الترتب .
نعم ،بناء على القول بعدم امكان الترتب من ناحية ،و عدم امكان
استكشاف الملاك فيه في هذه الحالة من ناحية اخرى كان ذلك من شرائط
الصحة ،و به يظهر حال ما بعده ،و لا فرق بينهما الاّ في نقطة واحدة و هي :ان --( 160 )--
عادة جاز الإفطار ،و لو صام بزعم عدم الضرر فبان الخلاف بعد الفراغ
من الصوم ففي الصحة إشكال فلا يترك الاحتياط بالقضاء ( 1 ) ،
الواجب في الأول معنون بعنوان ثانوي كحفظ النفس المحترمة و حفظ المال
و العرض ،و في الثاني معنون بعنوان واقعي أولى كالإنفاق على العائلة أو نحوه ،
و تظهر الثمرة بينهما في ان المكلف إذا احتمل ان صومه يؤدي إلى تلف النفس
المحترمة أو المال أو العرض وجب عليه ترك الصوم و المحافظة عليها ،فلو
صام في هذه الحالة لم يصدق انه كان يحافظ على تلك الواجبات ،و لو تلفت
لكان مسئولا أمامها ،و هذا بخلاف ما إذا كان الشيء واجبا بعنوان أولى ،فان
مجرد احتماله لا يصلح أن يزاحم الواجب الآخر في مقام الامتثال ما لم يحرزه
بالعلم الوجداني أو التعبدي باعتبار أن الواجبين إذا كانا واصلين إلى المكلف
كان كل منهما يقتضي تحريكه نحو الاتيان بمتعلقه فمن أجل ذلك تقع
المزاحمة بينهما ،و أما إذا كان أحدهما وصل إليه دون الآخر فلا يقتضي غير
الواصل تحريك المكلف نحو الاتيان به لكي يزاحم الواصل .
و أما إذا وقعت المزاحمة بينهما كما إذا كان الصوم حرجيا عليه إذا مارس
عمله الذي يرتزق منه و لا يتمكن من الجمع بينهما فانه يجوز له حينئذ ترك
الصيام شريطة أن لا يكون بامكانه تبديل عمله بعمل آخر يتمكن من الجمع بينه
و بين الصوم ،أو تأجيله إلى ما بعد شهر رمضان بصورة غير محرجة ،كما إذا كان
عنده مال موفر أو دين يرتزق منه ،و الاّ سقط عنه وجوب الصوم ،و عندئذ فهل
يسمح له أن يأكل أو يشرب و يمارس ما يمارس المفطر كيفما شاء و أراد ؟أو
لا بد من أن يقتصر على الحد الأدنى من ذلك و هو الذي يدفع به الحرج و المشقة
عن نفسه .
مقتضى القاعدة و إن كان هو الأول الاّ أنه مع ذلك فالأحوط وجوبا هو
الثاني .
( 1 ) بل هو الأقوى ،فإذا صام باعتقاد عدم الضرر الصحي و اطمئنانا --( 161 )--
و إذا حكم الطبيب بأن الصوم مضر و علم المكلف من نفسه عدم الضرر
يصح صومه ،و إذا حكم بعدم ضرره و علم المكلف أو ظن كونه مضرا
وجب عليه تركه و لا يصح منه .
[2502 ]مسألة 1 :يصح الصوم من النائم و لو في تمام النهار إذا سبقت منه
بالسلامة ثم بان بعد اتمام الصوم انه كان على خطأ و كان الصوم قد أضرّ به
صحيا ،ففي مثل ذلك بطل صومه لعدم الأمر به ،فان مقتضى الآية الشريفة
و الروايات هو ان المريض لا يكون مكلفا بالصوم في الواقع سواء أ كان عالما
بمرضه أم كان جاهلا به ،فمن أجل ذلك لا يمكن الحكم بصحة صومه الاّ
دعوى انه مشتمل على الملاك حتى في هذه الحالة .و لكن لا أساس لهذه
الدعوى حيث انه لا طريق إلى اشتماله على الملاك فيها مع فرض عدم الأمر به .
نعم ،قد يقال :ان نفي وجوب الصوم الضرري إذا كان من جهة حكومة
قاعدة لا ضرر فلا يمنع من الحكم بالصحة كما هو الحال في الوضوء و الغسل
الضرريين ،لأن نفي الوجوب انما هو للامتنان و لا امتنان في الحكم بفساد
الصوم الصادر من الصائم باعتقاد عدم الضرر فيه ،بل هو على خلاف الامتنان ،
فلا يكون مشمولا للقاعدة ،معللا بأن الضرر الواقعي ما لم يصل إلى المكلف لا
يكون رافعا للتكليف لعدم الامتنان في رفعه ،و على هذا فوجوب الصوم في
مفروض المسألة قد ظل بحاله ،و الفرض ان المكلف قد أتى به بنية القربة ،فلا
مناص حينئذ من الحكم بالصحة ،و بذلك يفترق ما إذا كان عدم وجوب الصوم
الضرري من جهة القاعدة عما إذا كان من جهة المرض .
و الجواب :انه لا فرق بينهما في مقام الثبوت بين أن يكون الدليل على
تقييد اطلاق أدلة وجوب الصيام قاعدة لا ضرر أو الآية الشريفة و الروايات ،فان
القاعدة توجب تقييد موضوع وجوب الصيام بمن لا يكون الصوم ضرريا عليه ،
و الآية الشريفة تقيده بمن لا يكون مريضا ،و مرد كليهما واحد ،فالاختلاف --( 162 )--
..........
بينهما في مقام الاثبات في لسان الدليل لأن لسان القاعدة لسان الحكومة و هو
نفي وجوب الصوم الضرري في الشريعة المقدسة و ان المجعول فيها هو الصوم
غير الضرري ،و لسان الآية و الروايات لسان التقييد و التخصيص ،و من المعلوم
ان حكومة القاعدة على اطلاقات الأدلة الأولية حكومة واقعية لا علمية و توجب
تقييد اطلاقاتها واقعا ،و لا يمكن أن يقال ان المكلف إذا علم ان الصيام ضرري
عليه كان وجوبه مرفوعا بقاعدة لا ضرر ،و إن لم يعلم انه ضرري كان ثابتا في
الواقع و إن كان ضرريا إذ لا يحتمل أن يكون المنفي في القاعدة هو الضرر
الواصل المعلوم لعدم قرينة في القاعدة على ذلك و لا من الخارج .
و إن شئت قلت :ان وجوب الصوم إذا كان ضرريا فهو منفي عن الامة في
الشريعة المقدسة امتنانا ،و من المعلوم ان هذا النفي لا يختص بصورة العلم
بالضرر لإطلاق دليله حيث ان جهل المكلف بالضرر لا يوجب أن لا يكون في
نفيه امتنان ،بل هو للامتنان غاية الأمر ان المكلف جاهل به معتقدا عدم الضرر
في الواقع ،و على ذلك فإذا أتى بالصوم باعتقاد انه لا ضرر فيه ثم بان انه ضرري ،
فالحكم بفساده يكون على القاعدة و لا يكون على خلاف الامتنان ،لأن ما هو
على خلاف الامتنان الحكم بوجوب الصوم عليه في هذه الحال ،لا الحكم بعدم
وجوبه و أنه فاسد إذا أتى به ،لأن الحكم بالفساد مستند إلى شمول القاعدة
للضرر الواقعي و عدم اختصاصها بالضرر المعلوم ،فانه يوجب تضييق دائرة
المأمور به و عدم انطباقه على الفرد المأتي به في الخارج و هو الصوم الضرري
في الواقع ،فما في هذا القول من أن الضرر الواقعي ما لم يصل إلى المكلف لا
يكون رافعا للتكليف لعدم الامتنان فيه فهو غريب جدا ،إذ لا شبهة ان في رفع
التكليف الضرري في الواقع امتنان على الامة غاية الأمر ان من كان من الامة
جاهلا به فهو جاهل في الحكم الامتناني لا أنه لا امتنان بالنسبة إليه ،و عليه
فتخصيص دليل لا ضرر بالضرر الواصل المعلوم بحاجة إلى قرينة و لا قرينة
عليه لا في نفس هذا الدليل و لا من الخارج .
--( 163 )--
..........
و من ذلك يظهر ان قياس الصوم الضرري بالوضوء و الغسل الضرريين
قياس مع الفارق فان المكلف إذا كان معتقدا بعدم ضرر في استعمال الماء
و توضأ به كالمكلف السليم ،ثم تبين وجود الضرر فيه ،حكم بصحة الوضوء إذا
كان الضرر المنكشف يسيرا ،لا من جهة أمره الوجوبي ،بل من جهة أمره
الاستحبابي النفسي ،فانه غير مرفوع بقاعدة لا ضرر .
نعم ،إذا كان الضرر المنكشف خطيرا يحرم شرعا تحمله و ارتكابه بطل
من جهة ان الحرام لا يمكن أن يقع مصداقا للواجب ،و كذلك الحال في الغسل ،
و هذا بخلاف الصوم في شهر رمضان ،فانه إذا سقط وجوبه من جهة الضرر أو
نحوه لا دليل على استحبابه فيه ،فان الصوم و إن كان مستحبا في كل الأيام ،و لكن
فيما عدا الأيام التي تجب فيها الصيام كأيام شهر رمضان و الأيام التي يحرم فيها
الصيام ،و عليه فإذا سقط وجوبه فيها من جهة قاعدة لا ضرر فلا دليل على
استحبابه فيها نفسيا لكي يحكم بصحته من أجله .
فاذن يكون الحكم بصحة الوضوء أو الغسل الضرري انما هو على
أساس استحبابه النفسي لا من جهة اختصاص قاعدة لا ضرر بالضرر الواصل ،
بل لا مانع من الحكم بصحة الوضوء أو الغسل الضرري مع العلم به إذا كان
الضرر يسيرا لا خطيرا ،فان وظيفته حينئذ و ان كان التيمم ،الاّ أنه إذا أصر على
الوضوء و توضأ على الرغم من الضرر صح منه الوضوء بملاك الأمر الاستحبابي
النفسي و محبوبيته في ذاته .
و أما إذا صام باعتقاد الضرر و أكمل صيامه ثم تبين عدم الضرر
فيه في الواقع و انه كان مخطئا في اعتقاده حكم بصحته شريطة توفر
أمرين ..
أحدهما :أن يكون صيامه بنية القربة ،كما إذا كان جاهلا بأن المريض لا
يكون مكلفا بالصوم أو عالما به و لكن كان معتقدا بمحبوبية الصوم ذاتا و امكان
التقرب به من هذه الناحية و إن لم يكن واجبا عليه .
--( 164 )--
النية في الليل ،و أما إذا لم تسبق منه النية فإن استمر نومه إلى الزوال بطل
صومه و وجب عليه القضاء إذا كان واجبا ،و إن استيقظ قبله نوى و صح ( 1 ) ،
كما أنه لو كان مندوبا و استيقظ قبل الغروب يصح إذا نوى .
[2503 ]مسألة 2 :يصح الصوم و سائر العبادات من الصبي المميز على
الأقوى من شرعية عباداته ،و يستحب تمرينه عليها ،بل التشديد عليه لسبع ،
من غير فرق بين الذكر و الانثى في ذلك كله .
[2504 ]مسألة 3 :يشترط في صحة الصوم المندوب مضافا إلى ما ذكر أن
لا يكون عليه صوم واجب من قضاء أو نذر ( 2 ) أو كفارة أو نحوها مع
و الآخر :أن لا يكون الضرر الخيالي بنظره من الضرر الخطير و المهلك ،
و الاّ كان الصوم بنظره مبغوضا عند اللّه تعالى فلا يتمكن من التقرب به .
( 1 ) مرّ في المسألة ( 12 ) في ( فصل في النية ) ان الأظهر فيه هو البطلان ،إذ
لا دليل على الصحة هنا فانه مختص بالمسافر إذا ورد في بلده قبل الزوال و لم
يأت بشيء من المفطرات في الطريق .
( 2 ) في منعه عن صحة الصوم المندوب اشكال ،و الأظهر عدم المنع ،لأن
الدليل في المسألة قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي و الكناني : «انه لا يجوز أن يتطوع
الرجل بالصيام و عليه شيء من الفرض »- 1 - ،فانه لا يبعد القول بأن المتفاهم
العرفي من الفرض هو المفروض في الشريعة المقدسة ذاتا في مقابل النفل
كذلك ،كصيام قضاء شهر رمضان و صيام التكفير و التعويض ،و أما الصوم
الواجب بالنذر و العهد و الشرط و نحوها فهو ليس بفرض في ذاته بل هو نفل ،
و انما طرأ عليه الوجوب بسبب الالتزام النذري أو العهدي أو الشرطي أو نحو
ذلك ،و على الجملة فالصوم الواجب بالنذر لا يعد من الفرائض ،و من هنا إذا نذر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :28 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
--( 165 )--
التمكن من أدائه ،و أما مع عدم التمكن منه كما إذا كان مسافرا و قلنا بجواز
الصوم المندوب في السفر أو كان في المدينة و أراد صيام ثلاثة أيام
للحاجة فالأقوى صحته ( 1 ) ،و كذا إذا نسي الواجب و أتى بالمندوب فإن
الأقوى صحته إذا تذكر بعد الفراغ ،و أما إذا تذكر في الأثناء قطع و يجوز
تجديد النية حينئذ للواجب مع بقاء محلها كما إذا كان قبل الزوال ،و لو نذر
التطوع على الإطلاق صح و إن كان عليه واجب ،فيجوز أن يأتي بالمنذور
صلاة النافلة فلا تعد أنها فريضة ،بل هي نافلة و إن كانت واجبة بالعرض بسبب
النذر -مثلا -حيث ان النوافل في مقابل الفرائض في الشريعة المقدسة و إن
عرض عليها الوجوب بعنوان ثانوي ،و على هذا فلا تشمل الصحيحة النفل و إن
صار واجبا بالعرض و لذلك بنوا على ان الجماعة لا تشرع في النوافل و إن
صارت واجبة بالعرض .
و في ضوء ذلك إذا كان عليه صوم واجب بالنذر أو العهد فلا يمنع عن
الصوم المستحب و من هذا القبيل ما إذا استأجر نفسه للصيام عن غيره ،فانه و ان
وجب عليه بالاستئجار الاّ أنه لا يمنع عن الصيام المندوب ،ثم انه لا فرق في منع
الفرض عن التطوع بين أن يصوم صياما مستحبا عن نفسه أو عن غيره تبرعا .
نعم ،له أن يؤجر نفسه للصيام عن الغير رغم ان عليه فرض من قضاء
صيام شهر رمضان أو نحوه ،و في هذه الحالة إذا صام عنه اجارة صح ذلك منه
لأنه لا يصدق عليه عنوان التطوع المنهي عنه في الصحيحة فلا يكون مشمولا
لها .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر عدم الصحة حيث ان مقتضى
اطلاق الصحيحة - 1 - عدم مشروعية التطوع لمن عليه فرض في كل حالاته من
السفر و الحضر و نحوهما ،إذ لا يبدو منها ان عدم مشروعية التطوع انما هو
---------------
( 1 ) أي صحيحة الحلبي و الكناني الآنفة الذكر .
--( 166 )--
قبله بعد ما صار واجبا ( 1 ) ،و كذا لو نذر أياما معينة يمكن إتيان الواجب
قبلها ،و أما لو نذر أياما معينة لا يمكن إتيان الواجب قبلها ففي صحته
بملاك ان المكلف بدل أن يصوم صياما مستحبا يصوم ما عليه من الفرض ،و أما
إذا لم يتمكن من الفرض كما في السفر ،أو بنى على عدم الاتيان به في الوقت
المحدد ،أو إلى الأبد ،فلا مانع من أن يصوم تطوعا في السفر كصيام ثلاثة أيام
في المدينة المنورة لقضاء الحاجة في أيام الأربعاء و الخميس و الجمعة ،أو في
ذلك الوقت أو إلى الأبد ،و ذلك لأن الظاهر منها عدم المشروعية مطلقا حتى في
هذه الحالات على أساس أنها تدل على أن عدم مشروعية التطوع على الشخص
منوط بثبوت الفرض في ذمته ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين حالاته من
السفر و الحضر و البناء على الاتيان به ،أو عدم الاتيان به مطلقا ،أو في الوقت
المحدّد ،لأنّ المناط بثبوت الفرض على عهدته ،فما دام ثابتا كان مانعا عن
التطوع .
و إن شئت قلت :ان ظاهر الصحيحة هو ان من كانت ذمته مشغولة بالصوم
الواجب كصيام قضاء شهر رمضان أو الكفارة أو نحوها لا يشرع التطوع به في
حقه و تقييد ذلك بما إذا كان الرجل متمكنا من الاتيان بالفرض بحاجة إلى قرينة
و لا قرينة عليه .
و دعوى :ان مناسبة الحكم و الموضوع تقتضى هذا التقييد .
مدفوعة :باعتبار ان المكلف متمكن من الجمع بين التطوع و الفرض معا
لسعة الوقت ،و مع هذا لا يمكن أن يكون نهي المولى عن التطوع بملاك
المزاحمة ،فلا محالة يكون بملاك آخر و هو اشتغال ذمته بالفرض كما هو
مقتضى اطلاق الصحيحة ،و به يظهر حال ما بعده تطبيقا لعين ما مر .
( 1 ) في الجواز اشكال بل منع ،فانه إن نذر التطوع مقيدا بالاتيان به قبل
الفرض بطل لأنه غير مشروع و لا رجحان فيه ،و ان نذره مطلقا و غير مقيد بأن
يكون قبل الاتيان بالفرض كصيام القضاء أو نحوه فهو و إن كان صحيحا باعتبار --( 167 )--
إشكال ( 1 ) من أنه بعد النذر يصير واجبا و من أن التطوع قبل الفريضة غير
جائز فلا يصح نذره ،و لا يبعد أن يقال إنه لا يجوز بوصف التطوع و بالنذر
يخرج عن الوصف و يكفي في رجحان متعلق النذر رجحانه و لو
بالنذر ( 2 ) ،و بعبارة اخرى المانع هو وصف الندب و بالنذر يرتفع المانع .
[2505 ]مسألة 4 :الظاهر جواز التطوع بالصوم إذا كان ما عليه من الصوم
الواجب استئجاريا ،و إن كان الأحوط تقديم الواجب .
ان متعلق النذر الجامع و هو راجح ،الاّ ان رجحانه انما هو بلحاظ تطبيقه على
التطوع و الاتيان بالصوم المستحب بعد الاتيان بالفرض ،و لا يجوز تطبيقه على
التطوع و الاتيان به قبل الاتيان بالفرض لأنه غير مشروع فلا يمكن أن يكون
مصداقا للوفاء بالنذر .
و من هنا يظهر حال ما إذا نذر أياما معينة فانه ان كان مقيدا بطل ،و إن كان
مطلقا صح ،و لكن في مقام الامتثال و التطبيق لا بد من تطبيق الصيام في تلك
الأيام على التطوع بصيام الأيام بعد الاتيان بالفرض باعتبار ان تطبيق الجامع على
هذا الفرد راجح ،و أما تطبيقه على الفرد الآخر و هو صيام تلك الأيام تطوعا قبل
الاتيان بالفرض مرجوح فلا يكون مصداقا للوفاء بالنذر .
( 1 ) بل الظاهر انه لا اشكال في فساده باعتبار ان متعلق النذر في مفروض
المسألة بما انه صيام الأيام قبل الاتيان بالصيام الواجب كصيام القضاء فلا يكون
مشروعا ،فمن أجل ذلك لا اشكال في فساد النذر المتعلق به كما مر .
( 2 ) فيه انه لا شبهة في عدم كفاية الرجحان الجائي من قبل النذر ،إذ لا بد
أن يكون متعلقه راجحا في المرتبة السابقة بقطع النظر عن تعلق النذر به ،و الاّ
لأمكن تصحيح النذر بتعلقه بكل ما هو غير مشروع ،و هذا باطل جزما ،ضرورة
ان النذر لا يكون مشرعا .
و من هنا لا يمكن أن يكون ذلك مراده قدّس سرّه بل مراده ما أشار إليه بعده من --( 168 )--
..........
ان المانع من صحة النذر انما هو وصف الندب و التطوع و لا يمكن تعلق النذر
بالصوم موصوفا بهذا الوصف ،لأنه بهذا الوصف غير مشروع ،و أما تعلقه بذات
الصوم فلا مانع منه لأن ذاته محبوبة و راجحة ،و به يرتفع المانع باعتبار انه صار
واجبا ،و لكن ذلك أيضا غير صحيح لأن النهي عن التطوع في وقت الفريضة
تعلق بذات الصيام المستحب ،و عنوان التطوع و الندب عنوان انتزاعي قد أخذ
في لسان الدليل مشيرا إلى ما هو متعلق النهي ،و هو ذات الصيام المندوب ،فإذا
كانت منهيا عنها و غير مشروعة لمن تكون ذمته مشغولة بقضاء شهر رمضان أو
نحوه فلا يمكن الحكم بصحة النذر المتعلق بها .
--( 169 )--
فصل
في شرائط وجوب الصوم
و هي امور ..
الأول و الثاني :البلوغ و العقل ،فلا يجب على الصبي و المجنون إلا
أن يكملا قبل طلوع الفجر ،دون ما إذا كملا بعده فإنه لا يجب عليهما
و إن لم يأتيا بالمفطر بل و إن نوى الصبي الصوم ندبا ،لكن الأحوط ( 1 )
مع عدم إتيان المفطر الإتمام و القضاء إذا كان الصوم واجبا معينا ،و لا
فرق في الجنون بين الإطباقي و الأدواري إذا كان يحصل في النهار و لو في
جزء منه ،و أما لو كان دور جنونه في الليل بحيث يفيق قبل الفجر فيجب
عليه .
الثالث :عدم الإغماء ،فلا يجب معه الصوم و لو حصل في جزء من
( 1 ) فيه ان الاحتياط و إن كان استحبابيا الاّ أنه لا منشأ له باعتبار ان الصوم
من البداية إلى النهاية واجب واحد مركب من الأجزاء الطولية الارتباطية و غير
قابل للتبعيض الا بالدليل ،و عليه فإذا طلع الفجر و هو غير بالغ ثم بلغ أثناء النهار
لم يكن مكلفا بالصوم من الأول لكونه فاقدا لأحد الشروط العامة للتكليف و هو
البلوغ ،و أما تكليفه ببقية أجزاء الصوم فهو بحاجة إلى دليل و لا يوجد دليل عليه ،
و لا فرق فيه بين أن يكون ناويا للصوم ندبا أو لا ،إذ على التقدير الأول لا يجب
عليه اتمامه بنية الفرض فانه يتوقف على وجود دليل ،نعم إذا و أصل صيامه إلى
الليل فلا قضاء عليه ،فما في المتن من الاحتياط بالجمع بين الاتمام و القضاء لا
--( 170 )--
النهار ،نعم لو كان نوى الصوم قبل الإغماء فالأحوط إتمامه ( 1 ) .
الرابع :عدم المرض الذي يتضرر معه الصائم ،و لو برئ بعد الزوال
و لم يفطر لم يجب عليه النية و الإتمام ،و أما لو برئ قبله و لم يتناول مفطرا
فالأحوط أن ينوي و يصوم ،و إن كان الأقوى عدم وجوبه ( 2 ) .
الخامس :الخلو من الحيض و النفاس ،فلا يجب معهما و إن كان
حصولهما في جزء من النهار .
السادس :الحضر ،فلا يجب على المسافر الذي يجب عليه قصر
وجه له أصلا ،إذ لا مقتضى للقضاء حينئذ نهائيا ،و على التقدير الثاني لا يجب
عليه ترك الأكل و الشرب و نحوهما ،لأن مورد الروايات التي تنص على وجوب
الامساك طيلة النهار تشبيها بالصائمين غير المقام و هو من كان مكلفا بالصيام
من طلوع الفجر فصام و في أثناء النهار بطل صيامه ،فانه مأمور بالامساك بقية
النهار .
( 1 ) بل الأقوى ذلك كما مر في شروط الصحة .
( 2 ) في القوة اشكال ،فان هنا حالتين للمكلف ..
الاولى :أن يكون مرضه بعد الفجر و في الساعات الاولى من النهار
يتطلب منه أن يفطر في تلك الساعات بتناول دواء أو نحوه و هو ملتفت إلى
ذلك و يراه وظيفة شرعية له باعتبار أن عافيته تتوقف عليه ،و في هذه الحالة إذا
تسامح و تماهل و لم يتناول شيئا من المفطر و شفي في أثناء النهار و استعاد
صحته و قوته لم يجب عليه أن يواصل امساكه تأدبا و تشبيها باعتبار أنه كان ناويا
الافطار من الساعة الاولى من الفجر ،فان شمول ما دل على وجوب الامساك
كذلك للمقام لا يخلو عن اشكال بل منع ،لأن مورده من نوى الصوم من الفجر ،
و إن كانت رعاية الاحتياط أولى و أجدر .
الثانية :ان مرضه لا يتطلب منه أن يمارس مفطرا في الساعات الاولى من --( 171 )--
..........
النهار فلا يكون ناويا الافطار و لم يتناول مفطرا أيضا اما بسبب نومه أو بآخر
و عفي من المرض أثناء النهار ،و في هذه الحالة فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن
يواصل امساكه تأدبا و تشبيها بالصائمين ،ثم يقضيه بعد ذلك ،إذ احتمال ان هذه
الصورة مشمولة لما دل على وجوب هذا الامساك بقية النهار محتمل ،و هذا
المقدار يصلح أن يكون مبررا لهذا الاحتياط ،و لا فرق فيه بين أن استعاد عافيته
قبل الزوال أو بعده ،و أما وجوب القضاء فهو على أساس انه لا دليل على
وجوب الصوم في بقية النهار في المسألة و تجديد النية فيها و أجزائه عن الصوم
في تمام النهار إذا استعاد صحته قبل الزوال باعتبار ان الدليل مختص بالمسافر
إذا رجع إلى وطنه و وصل قبل الزوال فيه و لم يفطر في الطريق .
فالنتيجة :ان الحالة الثانية تمتاز عن الحالة الاولى في ان الامساك
التأدبي واجب فيها على الأحوط دون الاولى ،و أما في وجوب القضاء فلا فرق
بينهما ،كما انه لا فرق بينهما في عدم وجوب الصوم في بقية النهار بعنوان
فريضة اليوم .
و هنا حالة ثالثة :و هي ما إذا اعتقد المكلف بأنه مريض و لم يستعد صحته
بعد و في أثناء النهار تبين انه استعاد صحته قبل طلوع الفجر و انه كان مأمورا
بالصوم في ذلك اليوم ،غاية الأمر انه جاهل بحاله ،ففي هذه الحالة إذا كان تبين
الحال بعد الزوال فلا اشكال في وجوب قضاء ذلك اليوم عليه ،و إذا كان قبل
الزوال فهل يجب عليه أن يصوم بقية النهار ؟الظاهر عدم الوجوب لأن الدليل
على كفاية صوم نصف اليوم عن تمام اليوم تختص بالمسافر كما مر ،و بما أن
الحكم يكون على خلاف القاعدة فالتعدي عن مورده إلى سائر الموارد بحاجة
إلى قرينة و لا توجد قرينة لا في نفس الدليل و لا في الخارج ،و أما وجوب
الامساك عليه تأدبا و تشبيها بالصائمين فهو ثابت بلا فرق بين أن يكون انكشاف
الخلاف قبل الزوال أو بعده باعتبار انه مأمور بالصوم في الواقع من الأول ،غاية
الأمر انه أخطأ في اعتقاده و لم ينو الصوم من الأول ،بل هو ثابت حتى فيما إذا --( 172 )--
الصلاة بخلاف من كان وظيفته التمام كالمقيم عشرا و المتردد ثلاثين يوما
و المكاري و نحوه و العاصي بسفره ،فإنه يجب عليه التمام إذ المدار في
تقصير الصوم على تقصير الصلاة ،فكل سفر يوجب قصر الصلاة يوجب
قصر الصوم و بالعكس ( 1 ) .
[2506 ]مسألة 1 :إذا كان حاضرا فخرج إلى السفر فإن كان قبل الزوال
وجب عليه الإفطار ،و إن كان بعده وجب عليه البقاء على صومه ( 2 ) ،و إذا
كان مسافرا و حضر بلده أو بلدا يعزم على الإقامة فيه عشرة أيام فإن كان
قبل الزوال و لم يتناول المفطر وجب عليه الصوم ،و إن كان بعده أو تناول
أتى بالمفطر على أساس انه من موارد وجوب هذا الامساك .
( 1 ) هذا هو مقتضى صريح النص في المسألة ،و قد أشار الماتن قدّس سرّه إلى
خروج مجموعة من الموارد عن هذا العموم .
( 2 ) في وجوب البقاء اشكال ،و لا يترك الاحتياط بالجمع بين البقاء على
الصوم و القضاء و السبب في ذلك ان الروايات الواردة في المسألة متمثلة في
مجموعتين :
الاولى :الروايات التي تنص على التفصيل بين قبل الزوال و بعده ،بمعنى
ان السفر إن كان قبل الزوال وجب الافطار ،و إن كان بعده وجب البقاء على
الصوم .
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن الرجل يخرج
من بيته و هو يريد السفر و هو صائم قال :فقال :إن خرج من قبل أن ينتصف
النهار فليفطر و ليقض ذلك اليوم ،و إن خرج بعد الزوال فليتم يومه »- 1 - .
و منها قوله عليه السّلام في صحيحة عبيد بن زرارة : «إن خرج قبل الزوال فليفطر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :2 .
--( 173 )--
..........
و إن خرج بعد الزوال فليصم »- 1 - .
و منها :غيرهما - 2 - .فان مقتضى اطلاقها ان من خرج قبل الزوال فحكمه
الافطار و إن لم يبيت النية ليلا ،و من خرج بعد الزوال فحكمه البقاء على الصيام
و إن بيّت النية ليلا .
الثانية :الروايات التي تنص على التفصيل بين تبييت النية ليلا و عدم
تبييتها كذلك ،بمعنى انه إذا بيت النية ليلا و سافر وجب الافطار ،و الاّ وجب البقاء
على الصيام .
منها :موثقة علي بن يقطين عن أبي الحسن موسى عليه السّلام : «في الرجل
يسافر في شهر رمضان أ يفطر في منزله ؟قال :إذا حدّث نفسه في الليل بالسفر
أفطر إذا خرج من منزله ،و إن لم يحدّث نفسه من الليلة ثم بدا له في السفر من
يومه أتم صومه »- 3 - .
فان مقتضى اطلاق هذه الموثقة انه إذا اتخذ قرارا بالسفر من الليل و سافر
في النهار فوظيفته الافطار و ان كان سفره بعد الزوال ،و ان لم يتخذ قرارا به من
الليل و بدا له أن يسافر في النهار فسافر فوظيفته الصيام و إن كان سفره قبل
الزوال ،فاذن كل من المجموعتين من الروايات تتضمن قضيتين شرطيتين ،
و هما في المجموعة الاولى على ما يلي :
1 -إذا سافر الشخص في نهار شهر رمضان قبل الزوال وجب عليه
الافطار و إن لم ينو السفر من الليل .
2 -و إذا سافر بعده وجب البقاء على الصيام و إن نوى السفر من الليل
و اتخذ قراره .
و في المجموعة الثانية على النحو التالي :
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :3 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :10 .
--( 174 )--
..........
1 -إذا نوى السفر من الليل و سافر في النهار وجب عليه الافطار و إن كان
سفره بعد الزوال .
2 -و إذا لم ينو السفر من الليل و بدا له أن يسافر في النهار فسافر وجب
البقاء على الصيام و إن كان سفره قبل الزوال .
و عليه فتقع المعارضة بين اطلاق الشرطية الثانية في المجموعة الاولى
من الروايات و اطلاق الشرطية الاولى في المجموعة الثانية منها بالعموم من
وجه ،و كذلك تقع المعارضة بين اطلاق الشرطية الاولى في المجموعة الاولى
و اطلاق الشرطية الثانية في المجموعة الثانية ،فان مورد الالتقاء بين الاطلاقين
في الفرض الأول هو ما إذا نوى السفر من الليل و سافر في النهار بعد الزوال ،لأن
مقتضى اطلاق الأولى وجوب بقائه على الصيام ،و مقتضى اطلاق الثانية وجوب
الافطار عليه ،و مورد الالتقاء بين الاطلاقين في الفرض الثاني هو السفر قبل
الزوال بدون اتخاذ أيّ قرار به من الليل ،فان مقتضى اطلاق الاولى وجوب
الافطار فيه ،و مقتضى اطلاق الثانية وجوب البقاء على الصيام ،و بما انه لا ترجيح
لأحد الاطلاقين على الاطلاق الآخر في كلا الموردين فيسقطان معا ،و يرجع إلى
العام الفوقي كالآية الشريفة و الروايات .
منها قوله عليه السّلام : «إذا قصرت افطرت »- 1 - و مقتضاه وجوب الافطار في كلا
الموردين .
أما صحيحة رفاعة قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يعرض له السفر
في شهر رمضان حين يصبح ،قال :يتم صومه »- 2 - فقد يقال :ان هذه الصحيحة
بما أنها أخص من المجموعة الاولى فتقيد اطلاقها بما إذا نوى السفر من الليل .
و الجواب :ان تقييدها بها يتوقف على اثبات ان الرواية مشتملة على
نسخة «حين يصبح »لا «حتى يصبح »و هو غير ثابت ،فان الرواية منقولة بكل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :5 .
--( 175 )--
..........
منهما و لا ترجيح في البين .
و دعوى :ان اشتمالها على نسخة «حتى يصبح »غلط معللا بأن من خرج
قبل الفجر حتى أصبح و هو مسافر فلا خلاف و لا اشكال في وجوب الافطار
عليه .
مدفوعة :بأن ذلك لا يصلح أن يكون قرينة على ان النسخة غلط ،غاية
الأمر ان الرواية في ضوء هذه النسخة معارضة للروايات الدالة على وجوب
الافطار فيه ،هذا اضافة إلى أن من المحتمل أن يكون السؤال عن السفر في شهر
رمضان بالليل و ينتهى إلى الصبح إما بالوصول إلى بلده أو مكان اقامته ،و من
المعلوم ان هذا السفر لا يوجب الافطار .
و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الثابت هو نسخة «حين يصبح »لا
«حتى يصبح »الاّ أنه لا يبعد أن يكون المراد من عروض السفر له العزم عليه
و نيته و أنها تعرض له حين الصبح ،و أما تلبسه بالسفر الخارجي فيمكن أن
يكون في الساعات الاولى من النهار ،و يمكن أن يتحقق بعد الزوال ،أو لا أقل
من اجمال الصحيحة من هذه الناحية .
فالنتيجة :انه لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار نية السفر من الليل في
وجوب الافطار .
و أما موثقة سماعة قال : «سألته عن الرجل كيف يصنع إذا أراد السفر ؟قال :
إذا طلع الفجر و لم يشخص فعليه صيام ذلك اليوم ،و إن خرج من أهله قبل
طلوع الفجر فليفطر و لا صيام عليه -الحديث - »- 1 - فهي تدل بمقتضى شرطيتها
الاولى بقرينة مقابلتها للشرطية الثانية ان من أراد السفر بعد طلوع الفجر و سافر
فعليه الصيام ذلك اليوم ،سواء أ كان سفره قبل الزوال أم كان بعده ،فاذن تكون
الموثقة في ضوء شرطيتها الاولى معارضة للمجموعة الاولى على ضوء
شرطيتها الاولى بالعموم من وجه ،فان الموثقة عام من ناحية كون السفر قبل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :8 .
--( 176 )--
فلا و إن استحب له الإمساك بقية النهار ( 1 ) ،و الظاهر أن المناط كون الشروع
في السفر قبل الزوال أو بعده لا الخروج عن حد الترخص ،و كذا في
الرجوع المناط دخول البلد ،لكن لا يترك الاحتياط بالجمع إذا كان الشروع
قبل الزوال و الخروج عن حد الترخص بعده ،و كذا في العود إذا كان
الزوال أو بعده ،و خاص من ناحية انه لم يتخذ قرارا بالسفر من الليل ،و أما
المجموعة الاولى فهي عام من ناحية تبييت النية ليلا و عدم تبييتها كذلك ،
و خاص من ناحية اختصاصها بالسفر قبل الزوال ،فيكون مورد الالتقاء بينهما هو
ما إذا سافر قبل الزوال بدون أن ينوي السفر من الليل ،فان مقتضى اطلاق
الموثقة وجوب الصوم ،و مقتضى اطلاق المجموعة الاولى وجوب الافطار ،
و بما انه لا ترجيح لإطلاق احداهما على اطلاق الاخرى فيسقطان معا ،فالمرجع
هو العام الفوقي ،و مقتضاه وجوب القصر عليه .
فالنتيجة :ان هذه الموثقة تكون من جملة الروايات المعارضة للمجموعة
الاولى .
و أما صحيحة رفاعة بن موسى قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :عن الرجل
يريد السفر في شهر رمضان ؟قال :إذا أصبح في بلده ثم خرج فان شاء صام و إن
شاء أفطر »- 1 - فهي مخالفة للآية الشريفة و الروايات فلا بد من طرحها .
لحد الآن قد تبين ان من سافر في نهار شهر رمضان قبل الزوال يفطر
سواء نوى السفر من الليل أم لا ،و أما من سافر بعده فمقتضى القاعدة و إن كان
وجوب الافطار أيضا ،و لكن مع ذلك فالأحوط وجوبا أن يجمع بين البقاء على
الصوم و اتمامه و القضاء بعد ذلك ،فلا يعتبر تبييت النية و اتخاذ قرار السفر من
الليل في وجوب الافطار .
( 1 ) هذا إذا تناول المفطر في الطريق و وصل إلى بلدته أو بلدة اقامته قبل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :7 .
--( 177 )--
الوصول إلى حد الترخص قبل الزوال و الدخول في المنزل بعده .
[2507 ]مسألة 2 :قد عرفت التلازم بين إتمام الصلاة و الصوم ،و قصرها
و الإفطار لكن يستثنى من ذلك موارد ..
أحدها :الأماكن الأربعة ،فإن المسافر يتخير فيها بين القصر و التمام
في الصلاة و في الصوم يتعين الإفطار .
الثاني :ما مر من الخارج إلى السفر بعد الزوال ،فإنه يتعين عليه البقاء
على الصوم مع أنّه يقصّر في الصلاة .
الثالث :ما مر من الراجع من سفره ،فإنه إن رجع بعد الزوال يجب
عليه الإتمام مع أنه يتعين عليه الإفطار .
[2508 ]مسألة 3 :إذا خرج إلى السفر في شهر رمضان لا يجوز له الإفطار
إلا بعد الوصول إلى حد الترخص ،و قد مر سابقا وجوب الكفارة عليه إن
أفطر قبله .
[2509 ]مسألة 4 :يجوز السفر اختيارا في شهر رمضان ،بل و لو كان للفرار
من الصوم كما مر ،و أما غيره من الواجب المعين فالأقوى ( 1 ) عدم جوازه
الزوال ،و أما إذا وصل بعد الزوال فلا دليل على استحباب الامساك بقية النهار .
( 1 ) بل الأقوى جوازه ،و تدل عليه صحيحة علي بن مهزيار في حديث
قل : «كتبت إليه -يعني إلى أبي الحسن عليه السّلام - :يا سيدي :رجل نذر أن يصوم يوما
من الجمعة دائما ما بقي فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر أو أضحى أو أيام
التشريق أو سفر أو مرض ،هل عليه صوم ذلك اليوم أو قضاؤه ؟و كيف يصنع يا
سيدي ؟فكتب إليه :قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه الأيام كلها و يصوم يوما بدل
يوم إن شاء اللّه »- 1 - ،بتقريب ان مقتضى اطلاقها جواز السفر و إن لم تكن ضرورة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :10 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :2 .
--( 178 )--
إلا مع الضرورة ،كما أنه لو كان مسافرا وجب عليه الإقامة لإتيانه مع
الإمكان .
[2510 ]مسألة 5 :الظاهر كراهة السفر في شهر رمضان قبل أن يمضي
ثلاثة و عشرون يوما إلا في حج أو عمرة أو مال يخاف تلفه أو أخ يخاف
هلاكه .
[2511 ]مسألة 6 :يكره للمسافر في شهر رمضان ،بل كل من يجوز له
الإفطار التملي من الطعام و الشراب ،و كذا يكره له الجماع في النهار ،بل
الأحوط تركه و إن كان الأقوى جوازه .
في البين ،و لا يمنع وجوب الصوم في يوم معين بنذر أو نحوه من السفر فيه
فحاله حال صوم شهر رمضان من هذه الناحية .
و مثلها صحيحة زرارة قال : «ان أمي كانت جعلت عليها نذرا نذرت للّه في
بعض ولدها في شيء كانت تخافه عليه أن تصوم ذلك اليوم الذي يقدم فيه
عليها ،فخرجت معنا إلى مكة فاشكل علينا صيامها في السفر ،فلم ندر تصوم أو
تفطر ،فسألت أبا جعفر عليه السّلام عن ذلك ،فقال :لا تصوم في السفر ،ان اللّه قد وضع
عنها حقه في السفر ،و تصوم هي ما جعلت على نفسها ،فقلت له :فما ذا ان
قدمت ان تركت ذلك ،فقال :لا إني أخاف أن ترى في ولدها الذي نذرت فيه
بعض ما تكره »- 1 - فانها تدل بوضوح على انه لا يمنع عن السفر كصوم شهر
رمضان ،غاية الأمر على المسافر أن يقضيه بعد ذلك ،فاذن لا وجه للماتن قدّس سرّه من
الحكم بعدم جواز السفر الاّ مع الضرورة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب النذر و العهد الحديث :2 .
--( 179 )--
فصل
في موارد جواز الإفطار
وردت الرخصة في إفطار شهر رمضان لأشخاص ،بل قد يجب :
الأول و الثاني :الشيخ و الشيخة إذا تعذر عليهما الصوم ،أو كان حرجا
و مشقة ( 1 ) ،فيجوز لهما الإفطار لكن يجب عليهما في صورة المشقة بل
( 1 ) الظاهر انه لا يعتبر في عدم وجوب الصيام على من أصيب بشيخوخة
أن يكون الصيام حرجا عليه و كلفة و مشقة لا تتحمل عادة ،بل الضابط فيه ان
شيخوخة المكلف إذا بلغت درجة أضعفته عن الصيام فهو غير واجب عليه ،و لا
يلزم بلوغها درجة تجعل الصيام حرجيا حيث ان الظاهر من الاطاقة في الآية
الشريفة - 1 - و الضعف في الروايات كما في صحيحة عبد اللّه ابن سنان - 2 -
و صحيحة الحلبي - 3 - هو صعوبة الصوم عليه لا بلوغه بدرجة العسر و الحرج ،
لأن الاطاقة عبارة عن تحمل التعب و الصعوبة في العمل بدرجة يتحمل عادة لا
بدرجة لا يتحمل كذلك .
و من هنا يكون المتبادر من قوله تعالى :وَ لا تُحَمِّلْنا ما لا طاقَةَ لَنا
بِهِ - 4 - هو ما يصعب علينا مزاولته و ممارسته ،لا ما يخرج عن قدرتنا .
ثم ان الظاهر من الآية الشريفة و هي قوله تعالى :وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ
---------------
( 1 ) البقرة /184 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :9 .
---------------
( 4 ) البقرة /286 .
--( 180 )--
في صورة التعذر أيضا التكفير ( 1 ) بدل كل يوم بمد من طعام ،و الأحوط
فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ - 1 - بضميمة ذيلها و هي قوله عز و جل :وَ أَنْ تَصُومُوا
خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ - 2 - هو ان هؤلاء مخيرون بين الصيام إذا شاءوا
و الافطار و اعطاء الفدية بدلا عنه ،و هذا المعنى هو الظاهر من سياق هذه الآية .
و دعوى :ان قوله تعالى :وَ أَنْ تَصُومُوا خَيْرٌ لَكُمْ - 3 - من متممات
الخطاب السابق في صدر الآية و بيان ان الفائدة من الصوم ترجع إلى الصائمين ،
لا من متممات قوله تعالى :وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ - 4 - و الا لكان مقتضى
السياق الاتيان بصيغة الغيبة لا بصيغة الخطاب .
مدفوعة :بأن حمله على بيان ان فائدة الصيام تعود إلى المكلفين
الصائمين لا إليه سبحانه و تعالى من البعد بمكان ،لأن كل من آمن باللّه وحده
و برسوله يعلم ان فائدة التكاليف ترجع إليه سواء أ كانت فائدة دينية أم كانت
دنيوية ،فاذن صيغة هذا الخطاب لا تنسجم مع صيغة الخطاب السابق في صدر
الآية ،فان هذه تتكفل حكما ترخيصيا و تلك تتكفل حكما الزاميا ،و من هنا
تناسب هذه الصيغة قوله تعالى :وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ - 5 - و أما العدول من
الغيبة إلى الخطاب فلعل نكتته بيان أن الصوم أهم من الفدية .
( 1 ) في وجوب التكفير اشكال بل منع ،فان الآية الشريفة لا تدل على
وجوب التعويض عن ترك الصيام بالفدية في هذه الصورة باعتبار أنها غير
مشمولة للآية .
و أما الروايات فلا تشمل تلك الصورة .
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألته عن رجل كبير ضعف عن
صوم شهر رمضان ،قال :يتصدق كل يوم بما يجزئ من طعام مسكين »- 6 - فانها
---------------
( 1 ) البقرة /184 .
---------------
( 2 ) البقرة /184 .
---------------
( 3 ) البقرة /184 .
---------------
( 4 ) البقرة /184 .
---------------
( 5 ) البقرة /184 .
---------------
( 6 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :5 .
--( 181 )--
..........
مختصة بمن أضعفته شيخوخته عن الصيام ،و لا تعم من أعجزته عنه نهائيا ،
و مثلها صحيحة الحلبي .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام في قول اللّه عز و جل :
«و على الذين يطيقونه فدية طعام مسكين ،قال :الشيخ الكبير و الذي يأخذه
العطاش »- 1 - فانها حيث قد وردت في تفسير الآية الكريمة فلا تدل على أكثر
مما دلت عليه الآية الشريفة ،و قد مر ان الآية الشريفة لا تشمل المكلف العاجز
عن الصيام .
و منها :صحيحته الاخرى قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :للشيخ الكبير
و الذي به العطاش لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر رمضان و يتصدق كل واحد
منهما في كل يوم بمد من طعام و لا قضاء عليهما ،و إن لم يقدرا فلا شيء
عليهما »- 2 - فانها ظاهرة عرفا في تمكن كل منهما على الصيام ،فلا تعم صورة
العجز عنه .
و دعوى :أنها باطلاقها تشمل العاجز أيضا .
مدفوعة :بأن قوله عليه السّلام في الصحيحة : «لا حرج عليهما أن يفطرا في شهر
رمضان »بحكم النص في تمكنهما من الصيام بدون كونه حرجيا عليهما ،و الا
لم يكن فرق بينهما و بين غيرهما في جواز الافطار على أساس كونه حرجيا مع
ان صريح الصحيحة في مقام بيان العناية بهما و اختصاص هذا الحكم لهما
و انه لا حرج و لا إثم عليهما في الافطار فيه ،فيكون ذلك امتنانا عليهما
باعتبار انه ترخيص لهما في الافطار مراعاة لابتلائهما بمرض الشيخوخة
و العطاش على الرغم من ان صعوبة الصوم عليهما ليست بدرجة كونه حرجيا
كما مر .
فالنتيجة :ان وجوب الفدية مختص بمقتضى الآية الشريفة و الروايات
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
--( 182 )--
مدان ،و الأفضل كونهما من حنطة ،و الأقوى ( 1 ) وجوب القضاء عليهما لو
تمكنا بعد ذلك .
الثالث :من به داء العطش ،فإنه يفطر سواء كان بحيث لا يقدر على
الصبر أو كان في مشقة ،و يجب ( 2 ) عليه التصدق بمد ،و الأحوط مدان ،من
غير فرق بين ما إذا كان مرجو الزوال أم لا ،و الأحوط بل الأقوى ( 3 )
بغير العاجز عن الصيام ،و أما العاجز فلا دليل على وجوب الفدية عليه .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،أما على القول بوجوب الفدية عليهما تعيينا
و عدم مشروعية الصوم لهما فلا مقتضى للقضاء ،لفرض ان الصوم غير مشروع
لهما لكي يصدق على تركه عنوان الفوت ،هذا اضافة إلى أن قوله عليه السّلام في
صحيحة محمد بن مسلم : «و يتصدق كل واحد منهما في كل يوم بمد من طعام
و لا قضاء عليهما »- 1 - نص في نفي القضاء .
و أما على القول بالتخيير بين الصوم و الفدية ،فبما ان الواجب هو الجامع
بينهما و هو عنوان أحدهما ،و الفرض أنهما قد أتيا بالجامع في ضمن أحد فرديه
و هو الفدية فلا مقتضي للقضاء أيضا .
( 2 ) في الوجوب اشكال بل منع ،لعدم الدليل عليه ،بل مقتضى صحيحة
محمد بن مسلم - 2 - المتقدمة الواردة في تفسير الآية الشريفة و بيان المراد منها
وجوبه على المتمكن ممن أصيب بمرض الشيخوخة أو العطاش دون العاجز .
( 3 ) في القوة اشكال بل منع ،حيث انه لا مقتضي لوجوب القضاء ،فان
ذا العطاش اما مأمور بالفدية خاصة دون الصوم أو بالجامع بينهما ،
فيكون حاله حال من أصيب بمرض الشيخوخة فيدخل في قوله تعالى :
وَ عَلَى اَلَّذِينَ يُطِيقُونَهُ فِدْيَةٌ طَعامُ مِسْكِينٍ - 3 - كما هو مقتضى صحيحة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :3 .
---------------
( 3 ) البقرة /184 .
--( 183 )--
وجوب القضاء عليه إذا تمكن بعد ذلك ،كما أن الأحوط ( 1 ) أن يقتصر
على مقدار الضرورة .
محمد بن مسلم المتقدمة .
و دعوى :ان ذا العطاش داخل في المريض ،و لا شبهة في وجوب القضاء
عليه .
مدفوعة :بأنه و إن كان ممن أصيب بهذا المرض الاّ ان حكمه يختلف عن
حكم المريض لأنه مكلف بالفدية خاصة ،أو بالجامع بينهما و بين الصيام
بمقتضى صحيحة محمد بن مسلم الناصّة في أنه كالشيخ و الشيخة ،و قد مر أنه لا
مقتضى للقضاء على كلا التقديرين .
( 1 ) لا وجه لهذا الاحتياط و إن كان أولى و أجدر لما مر من أن ذا العطاش
كالشيخ أو الشيخة بنص صحيحة محمد بن مسلم ،و مقتضى اطلاقها عدم
وجوب الاقتصار على مقدار الضرورة .
قد يقال :ان مقتضى الصحيحة و ان كان ذلك ،الاّ ان موثقة عمار عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في الرجل يصيبه العطاش حتى يخاف على نفسه ؟قال :يشرب
بقدر ما يمسك رمقه و لا يشرب حتى يروى »- 1 - تدل على وجوب الاقتصار
على مقدار الضرورة .
و الجواب :ان الظاهر عرفا من ذي العطاش في مورد الموثقة هو من
يصيبه العطاش بسبب عارض كشدة حرارة الجو أو نحوها بدرجة يخاف على
نفسه دون ذي العطاش الذي أصيب بداء العطش و يعاني صعوبة و مشقة في
الصيام من أجله كالشيخ و الشيخة ،و حينئذ فله أن يصوم و يتحمل الصعوبة ،و له
أن يفطر و يعوض عنه بالفدية .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
--( 184 )--
الرابع :الحامل المقرب التي يضرها الصوم أو يضر حملها ،فتفطر
و تتصدق ( 1 ) من مالها ( 2 ) بالمد أو المدين و تقضي بعد ذلك .
نعم ،إذا وصلت حالته المرضية إلى درجة يتعذر عليه الصيام نهائيا فلا
يجب عليه التعويض عنه بالفدية .
و من هنا يظهر انه كالمصيب بمرض الشيخوخة فلا يكون مأمورا
بالاقتصار على مقدار الضرورة .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و الأظهر اختصاص وجوب التصدق بما
يكون الصوم مضرا بحمل الحامل لا بصحتها ،و تدل عليه صحيحة محمد بن
مسلم قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :الحامل المقرب و المرضع القليلة اللبن
لا حرج عليهما أن تفطرا في شهر رمضان لأنهما لا تطيقان الصوم ،و عليهما أن
تتصدق كل واحد منهما في كل يوم تفطر فيه بمد من طعام ،و عليهما قضاء كل
يوم أفطرتا فيه تقضيانه بعد »- 1 - بتقريب ان تقييد الموضوع بهذا الوصف يدل
على ان الصوم يضر بالحمل و الولد و ان التعويض بالتصدق بدلا عن الصيام من
أجل أنه يضر بهما .
و أما إذا كان مضرا بصحة المرأة الحامل أو المرضعة القليلة اللبن دون
الحمل أو الولد فمعناه ان شروط وجوب الصيام التي مر الكلام في تلك
الشروط التي منها أن لا يكون الصوم مضرا بصحة الصائم ،غير متوفرة فيها ،و من
الواضح ان الصحيحة منصرفة عن ذلك و ظاهرة عرفا في ان الصوم يضر بالحمل
أو الولد .
( 2 ) هذا التقييد ليس من جهة ان الصدقة مشروطة بأن تكون من مال
المتصدق ،فان هذا الاشتراط غير ثابت جزما حتى في مثل الزكاة الواجبة المالية
و البدنية ،بل من جهة ان الخطاب بالتصدق متوجه إليها مباشرة الظاهر في
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
--( 185 )--
الخامس :المرضعة القليلة اللبن إذا أضربها الصوم أو أضر بالولد ،
و لا فرق بين أن يكون الولد لها أو متبرعة برضاعه أو مستأجرة ،و يجب
عليها التصدق بالمد أو المدين أيضا من مالها و القضاء بعد ذلك ،و الأحوط
بل الأقوى الاقتصار على صورة عدم وجود من يقوم مقامها في الرضاع
تبرعا أو باجرة من أبيه أو منها أو من متبرع ( 1 ) .
التصدق بمالها في مقابل مال زوجها .
( 1 ) هذا هو المتعين لأن صحيحة محمد بن مسلم - 1 - المتقدمة قد قيدت
جواز الافطار لهما بعدم الاطاقة الظاهر في عدم القدرة عرفا على الصيام ،و على
هذا فان كانت هناك امرأة تقوم مقام المرضعة القليلة اللبن في ارضاع الولد
فمعناه أنها متمكنة من الصيام و قادرة عليه عرفا ،فلا تكون مشمولة للصحيحة
لكي يجوز لها الافطار .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب من يصح منه الصوم الحديث :1 .
--( 186 )--
فصل
في طرق ثبوت هلال رمضان و شوال للصوم و الإفطار
و هي امور ..
الأول :رؤية المكلف نفسه .
الثاني :التواتر .
الثالث :الشياع المفيد للعلم ( 1 ) ،و في حكمه كل ما يفيد العلم و لو
بمعاونة القرائن ،فمن حصل له العلم بأحد الوجوه المذكورة وجب عليه
العمل به و إن لم يوافقه أحد ،بل و إن شهد و ردّ الحاكم شهادته .
الرابع :مضي ثلاثين يوما من هلال شعبان أو ثلاثين يوما من هلال
رمضان ،فإنه يجب الصوم معه في الأول و الإفطار في الثاني .
الخامس :البينة الشرعية ،و هي خبر عدلين سواء شهدا عند الحاكم
و قبل شهادتهما أو لم يشهدا عنده أو شهدا و ردّ شهادتهما ،فكل من شهد
( 1 ) بل الاطمئنان ،فانه إذا كثر عدد الشهود فمرة يستند العلم إلى نفس
الكثرة بما هي كثرة ،إذ لا يحتمل على ضوء مبدأ الاستقراء خطأ الجميع ،على
أساس ان التصادف لا يمكن أن يكون دائميا ،فمن أجل ذلك يمتنع اجتماع
عدد كبير من الناس على الكذب في موضوع واحد ،فانه كلما زاد عدد الشهود
ينمو احتمال المطابقة و بالمقابل يضعف احتمال الخطأ بنفس هذه الدرجة ،فاذا
وصل تجمّع القيم الاحتمالية الكبيرة حول محور واحد الى درجة اليقين أدّى
الى افناء قيمة احتمال المضاد للمطلوب .
--( 187 )--
عنده عدلان يجوز بل يجب عليه ترتيب الأثر من الصوم أو الإفطار ( 1 ) ،
و لا فرق بين أن تكون البينة من البلد او من خارجه ،و بين وجود العلة في
و اخرى يستند العلم أو الاطمئنان إلى الشياع الناشي من الكثرة لا بما هي
كثرة ،فان الكثرة العددية و إن كانت عاملا أساسيا على حصول العلم أو
الاطمئنان الاّ أنها ليست كل العامل ،بل لا بد من أن يؤخذ في الحساب عوامل
اخرى كأوصاف الشهور و حالاتهم بالنظر إلى أنفسهم تارة كمدى صدقهم أو
كذبهم أو خطأهم أو مبالاتهم في الشهادة و بالنظر إلى الأشخاص الذين عجزوا
عن الرؤية مع أن ظروفهم كظروف الشهود من حيث صفاء الجو الصالح للرؤية
و نحوه ،أو غير ذلك من العوامل التي لها دخل في حصول اليقين أو الاطمئنان ،
فلا بد من أخذ كل العوامل في الحساب من العوامل الداخلية و الخارجية التي لها
دخل بشكل أو بآخر في حصول اليقين أو الاطمئنان للمكلف بالرؤية ،منها
الوسائل العلمية الحديثة أو الحسابات الفلكية ،فانها و إن لم تكن كافية لإثبات
رؤية الهلال شرعا الاّ أنها إذا كانت موافقة لأقوال الشهود فهي من العوامل
الايجابية التي تؤكد الوثوق و الاطمئنان الحاصل منها في نفس المكلف و تزيل
الشكوك منها و تبعث على اليقين أو الاطمئنان بها ،و إذا كانت مخالفة لها فهي من
العوامل السلبية التي قد تزيل من نفس الانسان الوثوق و الاطمئنان بها و تخلق
الشكوك فيها .
( 1 ) هذا شريطة أن لا تكون هناك عوامل سلبية تؤدي إلى الوثوق بكذب
البينة و وقوعها في خطأ ،كما إذا ادعى اثنان بالشهادة بالرؤية من بين جمع كبير
من الناس الذين استهلوا و لم يستطيعوا أن يروه رغم انهم جميعا استهلوا في
نفس الجهة التي استهل إليها الشاهدان و عدم امتيازهما عنهم في القدرة البصرية
و نحوها من العوامل التي لها دخل في الرؤية و الاّ فلا تقبل لأن هذه العوامل
تسبب الوثوق بكذبها و خطأها في الواقع ،و هذا معنى ما ورد في مجموعة من --( 188 )--
السماء و عدمها ،نعم يشترط توافقهما في الأوصاف فلو اختلفا فيها لا
اعتبار بها ،نعم لو أطلقا أو وصف أحدهما و أطلق الاخر كفى ،و لا يعتبر
اتحادهما في زمان الرؤية مع توافقهما على الرؤية في الليل ،و لا يثبت
بشهادة النساء ،و لا بعدل واحد و لو مع ضم اليمين .
السادس :حكم الحاكم الذي لم يعلم خطأه و لا خطأ مستنده ( 1 ) كما
الروايات : «إذا رآه واحد رآه مأئة »- 1 - فان جماعة كبيرة من الناس إذا كانوا
مستهلين في جهة واحدة مع تقاربهم في القدرة البصرية و صفاء الجو و نحوهما ،
ففي هذه الحالة إذا ادعى اثنان منهم رؤية الهلال دون الباقين فهو غير قابل
للتصديق عادة ،فلا محالة يكون محمولا على الخطأ و الاشتباه .
( 1 ) هذا هو المشهور بين الأصحاب و هو غير بعيد ،و ذلك لصحيحة
محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «إذا شهد عند الامام شاهدان أنهما رأيا
الهلال منذ ثلاثين يوما أمر الامام بافطار ذلك اليوم إذا كانا شهدا قبل زوال
الشمس ،و إن شهدا بعد زوال الشمس أمر الامام بافطار ذلك اليوم و أخر الصلاة
إلى الغد فصلى بهم »- 2 - بتقريب ان المراد من الامام مطلق من بيده الأمر لا الإمام
المعصوم عليه السّلام كما هو مقتضى سياق الصحيحة ،و عليه فتشمل الصحيحة الحاكم
الشرعي باعتبار انه أحد مصاديقه .
و قد أورد عليها بأن المراد من الامام هو الامام المعصوم عليه السّلام المفترض
الطاعة لا مطلق من بيده الأمر حتى يشمل الحاكم الشرعي أيضا .
و الجواب :ان حمل الامام في الصحيحة على الامام المعصوم عليه السّلام بحاجة
إلى قرينة حيث ان سياق الصحيحة من صدرها إلى ذيلها ظاهر عرفا في ان
المراد من الامام المكرر فيها مطلق من بيده الأمر لا خصوص الامام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
--( 189 )--
..........
المعصوم عليه السّلام ،فان التعبير بقوله عليه السّلام : «إذا شهد عند الامام -و -أمر الامام »ظاهر
في أنه عليه السّلام في مقام بيان الحكم الكلي في الشريعة المقدسة ،لا في مقام بيان أمر
الامام المعصوم بذلك ،و الا لكان مساقها مساق سائر الروايات كقوله عليه السّلام في
صحيحة منصور بن حازم : «إذا شهد عندكم شاهدان مرضيان بأنهما رأياه
فاقضه »- 1 - و قوله عليه السّلام : «إذا رأيتم الهلال فافطروا ...أو شهد عليه بينة عدل من
المسلمين »- 2 - و غير ذلك ،فتغيير السياق في هذه الصحيحة قرينة على ما ذكرناه ،
و ان أمر الامام بافطار ذلك اليوم بعنوان الوظيفة لا بعنوان أنه أمر شخصي من
الامام المفترض الطاعة ،فان حمله عليه بعيد عن المتفاهم العرفي .
فالنتيجة :ان المتفاهم العرفي من الرواية ان أمر الامام بافطار ذلك اليوم
بعنوان الوظيفة على أساس الولاية كناية عن ان هذا اليوم عيد ،و بما ان من
بيده الأمر في زمن الغيبة هو المجتهد الجامع للشرائط فله أن يتصدى ذلك الأمر .
و من ذلك كله يظهر ان نفوذ حكم الحاكم لو لم يكن أقوى فلا شبهة انه
أحوط ،و تؤكد ذلك ان الحكومة الشرعية الاسلامية تمتد بامتداد الرسالة حيث
أنها تعبير آخر عنها ،و من المعلوم أنها ليست محدودة بأمد معين كعصر العصمة
بل تمتد إلى يوم القيمة .و على هذا فلا بد في كل عصر من وجود شخص يقوم
بتطبيق الرسالة ان أمكن ،و هو منحصر في عصر الغيبة بالمجتهد الجامع
للشرائط ،فإذا اتيحت له فرصة التطبيق كلا أو بعضا وجب أن يقوم به ،و من
الواضح ان القيام به لا يمكن بدون الولاية ،فاذن ثبوت ولاية التطبيق اجتماعيا
و فرديا و سياسيا و اقتصاديا و هكذا لا يحتاج إلى دليل خاص ،بل هي امتداد
للولاية العامة بامتداد الرسالة السماوية ،و لكن في حدود ضيقة .
و أما قوله عليه السّلام في التوقيع الصادر : «و أما الحوادث الواقعة فارجعوا فيها إلى
رواة حديثنا فانهم حجتي عليكم و أنا حجة اللّه »- 3 - فهو لا يدل على نفوذ حكم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :9 .
--( 190 )--
إذا استند إلى الشياع الظني ( 1 ) .
و لا يثبت بقول المنجمين و لا بغيبوبة الشفق في الليلة الاخرى ،و لا
برؤيته يوم الثلاثين قبل الزوال ( 2 ) فلا يحكم بكون ذلك اليوم أول الشهر ،
الحاكم باعتبار ان مسألة الهلال ليست من الحوادث التي لا بد من الرجوع فيها
إلى المجتهد الجامع للشرائط في عصر الغيبة حيث ان لإثباتها طرقا اخرى
فللناس أن يلجئوا في اثباتها إلى تلك الطرق بلا حاجة إلى مراجعة المجتهد فيه ،
هذا اضافة إلى أن التوقيع غير ثابت سندا .
و أما مقبولة عمر بن حنظلة - 1 - ،فمضافا إلى ضعفها سندا فهي ساقطة دلالة
أيضا لأنها تنص على نفوذ حكم الحاكم و القاضي في موارد الترافع و التنازع لا
مطلقا ،فالتعدي بحاجة إلى دليل .
فالنتيجة :ان العمدة في المسألة صحيحة محمد بن قيس المتقدمة .
( 1 ) هذا فيما إذا لم ير الحاكم حجية الشياع الظني فانه إذا اعتمد عليه في
حكمه خطأ لم يكن نافذا حتى عنده إذا نبه على خطأ مستنده .
نعم ،إذا رأى الحاكم ان الشياع الظنّي حجة كان حكمه نافذا و إن لم
ير غيره أنه حجة ،اما في باب القضاء فلا شبهة في ذلك ،و أما في المقام فأيضا
يكون الأمر كذلك لأن المعيار في نفوذ حكمه انما هو نظره الاجتهادى .
فالنتيجة :ان خطأه ان كان في التطبيق لا يكون حكمه نافذا ،و إن كان في
الاجتهاد و النظر كان حجة .
( 2 ) في عدم ثبوت الهلال بذلك اشكال بل منع ،و الأقوى الثبوت ،و تنص
عليه روايتان ..
الاولى :موثقة عبد اللّه بن بكير و عبيد بن زرارة قالا : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :
إذا رؤي الهلال قبل الزوال فذلك اليوم من شوال ،و إذا رؤي بعد الزوال فذلك
---------------
( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب صفات القاضي الحديث :1 .
--( 191 )--
..........
اليوم من شهر رمضان »- 1 - .
الثانية :صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا رأوا
الهلال قبل الزوال فهو لليلة الماضية ،و إذا رأوه بعد الزوال فهو لليلة
المستقبلة »- 2 - .و مثلها صحيحة محمد بن عيسى - 3 - ،فانها واضحة الدلالة على ان
رؤية الهلال قبل الزوال امارة على انه لليلة الماضية ،و ان هذا اليوم هو الأول من
الشهر .
و في مقابل هذه الروايات روايتان أخريان تدلان على انه لا عبرة برؤية
الهلال في النهار :
احداهما :صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «قال أمير
المؤمنين عليه السّلام :إذا رأيتم الهلال فافطروا ،أو شهد عليه عدل ( و أشهدوا عليه
عدولا ) من المسلمين ،و إن لم تروا الهلال الا من وسط النهار أو آخره
فاتموا الصيام إلى الليل »- 4 - فانها تنص على انه لا أثر لرؤية الهلال وسط
النهار .
و الاخرى :موثقة اسحاق بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن هلال
شهر رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان ؟فقال :لا تصمه الاّ أن تراه ،
فان شهد أهل بلد آخر انهم رأوه فاقضه ،و إذا رأيته من وسط النهار فاتم صومه
إلى الليل »- 5 - .
و غير خفي ان دلالة هاتين الروايتين على ذلك تبتني على أن يحسب مبدأ
النهار من طلوع الفجر ،و حينئذ فيقع وسط النهار قبل الزوال .و لكن الصحيح انه
يحسب من طلوع الشمس لأن النهار اسم لفترة خاصة من الزمن و هي فترة
بياض اليوم الواقعة بين طلوع الشمس و غروبها ،فلا يكون ما بين الطلوعين
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :3 .
--( 192 )--
..........
جزء من النهار ،و من هنا قد ورد في مجموعة من الروايات في باب الزوال ان
الزوال هو منتصف النهار و وسطه ،أو لا أقل من الاجمال ،فاذن لا معارض
للروايات المتقدمة التي تنص على التفصيل بين رؤية الهلال قبل الزوال و بعده
و لا مناص من الأخذ بها .
و دعوى :ان اعراض المشهور عنها يوجب سقوطها عن الحجية .
مدفوعة :بما حققناه في علم الاصول من ان اعراض المشهور انما يوجب
ذلك شريطة توفر أمرين ..
أحدهما :أن يكون ذلك الاعراض من قدماء الأصحاب الذين يكون
عصرهم امتدادا لعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام .
و الآخر :أن لا يكون اعراضهم عنها في المسألة لسبب أو لآخر .
و في المقام كلا الأمرين غير متوفر .
أما الأول :فلأنه لا طريق لنا إلى اثبات اعراضهم عنها في المسألة ،أما
الطريق المباشر فهو مفروض العدم ،و أما غير المباشر فهو منحصر بوصول
آرائهم إلينا إما من طريق النقل ،أو من طريق وصول كتبهم الاستدلالية حول
المسألة ،و كلاهما مفقود ،فان الواصل إلينا في المسألة انما هو فتاويهم من طريق
النقل على خلاف هذه الروايات ،و من المعلوم أن مجرد ذلك لا يكشف عن
اعراضهم عنها ،إذ كما يحتمل ذلك يحتمل أن تكون مستندة إلى سبب آخر كان
أرجح أو مساويا لتلك الروايات بنظرهم ،كاحتمال انهم استندوا إلى الروايتين
المتقدمتين في المسألة باحتساب وسط النهار فيهما من مبدأ طلوع الفجر
و ترجيحهما على تلك الروايات ،أو لا أقل من معارضتهما لها و السقوط بسبب
المعارضة فلا دليل حينئذ على كفاية رؤية الهلال قبل الزوال .
و أما الثاني :فقد ظهر انه لا يمكن احراز ان اعراضهم عنها يكون تعبديا
صرفا لاحتمال أنه مستند إلى ما مرّ الآن .
--( 193 )--
و لا بغير ذلك مما يفيد الظن و لو كان قويا ( 1 ) إلا للأسير و المحبوس .
[2512 ]مسألة 1 :لا يثبت بشهادة العدلين إذا لم يشهدا بالرؤية ،بل شهدا
شهادة علمية .
( 1 ) كمدة بقاء الهلال في الافق قرابة ساعة أو أكثر ،و عدم غيابه الاّ بعد
الشفق ،أو سعة حجمه ،أو يكون الهلال على شكل دائرة و هو ما يسمى بتطوق
الهلال ،فانه قد يحصل الظن عند ما يرى الهلال لأول مرة بهذه الكيفية أو بتلك
المدة انه ابن ليلة سابقة و لم يكن جديدة الولادة .
و لكن لا يمكن اتخاذ هذه الحالات الطارئة على الهلال أمارة شرعية على
اثبات بداية الشهر القمري في الليلة الماضية ،على أساس ان خروج القمر من
المحاق قد يكون قبل فترة قصيرة كما إذا خرج من المحاق قبل ست ساعات
من الغروب مثلا و رؤي بعد الغروب فانه لا يبدو واضحا ،و لا يبقى مدة في
الافق ،و هذا بخلاف ما إذا خرج من المحاق من الليلة الماضية ،فانه سوف يبدو
واضحا في الافق في الليلة الآتية و يبقى فيه مدة أطول .
فاذن منشأ طرو الحالات المذكورة على الهلال انما هو من جهة اختلاف
فترة خروجه من المحاق قبل رؤيته ،فان كانت تلك الفترة قصيرة يبدو الهلال
في الافق ضعيفا و لا يبقى الاّ في زمن قصير ،و إن كانت طويلة يبدو واضحا
في الافق و نيرا و قد يكون على شكل دائرة و يبقى مدة أطول ،فمن أجل ذلك لا
قيمة لتلك الحالات ،و إذا حصل الظن منها ان الهلال ابن الليلة الماضية و لم
يكن حديث الولادة فلا اعتبار به و إن كان قويا ما لم يصل إلى درجة
الاطمئنان .
نعم ،في صحيحة ابن مرازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إذا تطوق الهلال
فهو لليلتين ،و إذا رأيت ظل رأسك فيه فهو لثلاث »- 1 - ان تطوق الهلال امارة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
--( 194 )--
[2513 ]مسألة 2 :إذا لم يثبت الهلال و ترك الصوم ثم شهد عدلان برؤيته
يجب قضاء ذلك اليوم ،و كذا إذا قامت البينة على هلال شوال ليلة التاسع
و العشرين من هلال رمضان أو رآه في تلك الليلة بنفسه .
[2514 ]مسألة 3 :لا يختص اعتبار حكم الحاكم بمقلديه ،بل هو نافذ
بالنسبة إلى الحاكم الآخر أيضا ( 1 ) إذا لم يثبت عنده خلافه .
[2515 ]مسألة 4 :إذا ثبت رؤيته في بلد آخر و لم يثبت في بلده فإن كانا
على انه ابن الليلة السابقة .
و لكن الظاهر انه لا يمكن الأخذ بهذه الصحيحة ،فان تطوق الهلال لو كان
من احدى الطرق الشرعية كالرؤية و البينة و الشياع المفيد للعلم أو الاطمئنان
لاشتهر بين الأصحاب في عصر الأئمة الأطهار عليهم السّلام و لكثر السؤال عنه في امتداد
ذلك العصر لسبب أو لآخر ،كما كثر السؤال عن سائر الطرق ،مع انه لم يرد في
شيء من الروايات ما عدا الرواية المتقدمة رغم طول الزمان و كثرة الابتلاء
بالواقعة لا سؤالا و لا جوابا و لا ابتداء ،بل كان على الامام عليه السّلام أن ينبه عليه بطريق
أو بآخر باعتبار انه مغفول عنه عن الأذهان العامة .
و إن شئت قلت :ان تطوق الهلال لو كان امارة على اثبات بداية الشهر
القمري الشرعي من الليلة الماضية لكان على الامام عليه السّلام بيان ذلك و التأكيد عليه
باعتبار انه ليس من الطرق العادية المتعارفة المرتكزة في الأذهان من ناحية ،
و لكثير ما يترتب عليه من الآثار من ناحية اخرى ،فلو كان امارة شرعا فبطبيعة
الحال ينبه عليها في الروايات في مورد أو آخر ،مع انه ليس منه فيها عين و لا أثر
في طول فترة العصمة غير رواية واحدة ،و بذلك يطمئن الانسان بأنه ليس طريقا
شرعيا لإثبات بداية الشهر القمري ،و على هذا فلا بد من رد علم الصحيحة إلى
أهله للاطمئنان بعدم مطابقتها للواقع .
( 1 ) لإطلاق صحيحة محمد بن قيس المتقدمة .
--( 195 )--
متقاربين كفى ،و إلا فلا ( 1 ) إلا إذا علم توافق أفقهما و إن كانا متباعدين .
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر ثبوت الهلال في كل البلدان إذا رؤي في
بلد واحد سواء كانت البلدان مختلفة في خطوط الطول و العرض و متغايرة فيها
بمعنى أن يكون الغروب في أحد البلدين قبل الغروب في الآخر بمدة طويلة أم
لا .
بيان ذلك :ان الشهر القمري تبدأ دورته الشهرية بخروج القمر من
المحاق ،و قد تطول هذه الدورة تسعة و عشرين يوما ،و قد تطول ثلاثين يوما ،
و هي دورة القمر حول الأرض ،و بما ان نصفه يواجه الشمس فيكون مضيئا
و نصفه الآخر لا يواجه الشمس فيكون مظلما كالأرض غاية الأمر ان الأرض
تدور حول الشمس و تطول دورتها سنة كاملة ،و أما القمر فيدور حول الأرض
و تطول دورته شهرا كاملا و تنتهي بدخول المحاق و هو ما يقع على الخط الوهمي
بين مركزي الأرض و الشمس ،هذا من ناحية ،و من ناحية اخرى ان خروج القمر
من المحاق طبيعيا لا يكفى شرعا في بداية الشهر القمري ،فان الشهر القمري
لدى الشرع مرتبط بتوفر أمرين ..
أحدهما :خروج القمر من المحاق و شروعه في التحرك و الابتعاد عن
الخط الوهمي الموصل بين مركزي الشمس و الأرض ،فيقابل عندئذ جزء من
نصفه المضيء الأرض .
و الآخر :أن يكون ذلك الجزء المقابل للأرض قابلا للرؤية بالعين
المجردة .
و من ناحية ثالثة :ان خروج القمر من المحاق طبيعيا و هو ابتعاده في
تحركه عن الخط الموصل بين مركزي الأرض و الشمس أمر تكويني لا يختلف
باختلاف بقاع الأرض ،فانه ما دام يسبح في ذلك الخط الوهمي بين المركزين
فهو في المحاق و غائب عن أهل كل بقاع الأرض على أساس ان حجم الشمس
الكبير عدة مرات عن حجم الأرض يمنع عن مواجهة جزء من القمر لأية بقعة --( 196 )--
..........
من بقاع الأرض من أقصاها إلى أدناها ،فإذا تحرك و ابتعد عن ذلك الخط يسيرا
خرج عن المحاق .
و من المعلوم ان ذلك أمر كوني محدد لا يتأثر باختلاف بقاع الأرض ،
فمن أجل ذلك لا معنى لافتراض كون خروج القمر من المحاق أمرا نسبيا .
أو فقل :ان الدورة الطبيعية للقمر تنتهي بدخوله في المحاق و هو انطباق
مركز القمر على الخط الوهمي بين مركزي الشمس و الأرض ،و تبدأ دورته
الجديدة بخروجه عن الانطباق ،و أما تفسير المحاق بأنه عبارة عن مواجهة
الوجه المظلم للقمر بكامله لبقعة ما على وجه الأرض فهو بهذا التفسير و إن كان
نسبيا فيكون القمر داخلا في المحاق في بلد و غير داخل فيه في بلد آخر الاّ انه
تفسير خاطئ و لا واقع موضوعي له ،فان الدورة الطبيعية للقمر لا تتأثر ببقاع
الأرض من بقعة لأخرى ،بل هي محددة بداية و نهاية ،فنهايتها بانطباق مركز
القمر على الخط الوهمي بين مركزي الشمس و الأرض ،و بدايتها بالخروج من
هذا الانطباق ،و لا معنى لافتراض النسبية فيه .
فالنتيجة :ان دورته الطبيعية التكوينية ظاهرة كونية محددة لا تتأثر بأي
عامل و سبب آخر .
ثم ان الشهر القمري الشرعي مرتبط -مضافا إلى ذلك -برؤية الهلال
بالعين المجردة على ما نطقت به الآية الشريفة و الروايات .كقوله تعالى :فَمَنْ
شَهِدَ مِنْكُمُ اَلشَّهْرَ فَلْيَصُمْهُ - 1 - و قوله عليه السّلام : «صم للرؤية و أفطر للرؤية »- 2 -
و نحوه ،و على هذا الأساس فبما ان بقاع الأرض تختلف في خطوط الطول فان
البلدان الواقعة في النصف الشرقي من الكرة الارضية كما تختلف عن البلدان
الواقعة في النصف الغربي منها في الشروق و الغروب بنسب متفاوتة حيث ان
الشمس قد تغرب في بلد بعد غروبها عن بلد آخر بدقائق قليلة ،أو بساعة أو
ساعات ،كذلك تختلف في رؤية الهلال على أساس ان الهلال إذا خرج عن
---------------
( 1 ) البقرة /185 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب احكام شهر رمضان الحديث :13 و 19 .
--( 197 )--
..........
المحاق فكلما ابتعد عنه زاد الجزء المضيء من القمر المواجه للأرض كما و كيفا
إلى أن يصبح بعد ساعات ممكن الرؤية ،كما إذا خرج القمر عن المحاق قبيل
الغروب بزمن قليل في بلد كباكستان -مثلا -فان الجزء الخارج منه لضئالته لا
يمكن رؤيته ،و لكنه بعد ساعات قابل للرؤية لازدياد ذلك نورا و حجما كلما
ابتعد عن المحاق ،فيمكن أن لا يرى الهلال في بلد و يرى في بلد آخر يتأخر
غروب الشمس فيه عن غروبها في البلد الأول بساعتين أو أكثر .
فالنتيجة :ان رؤية الهلال تختلف باختلاف البلدان الواقعة في خطوط
الطول ،بل ربما في العرض فيمكن رؤية الهلال في بعضها و لا يمكن في
بعضها الآخر ،فلا شبهة في ان امكان رؤية الهلال أمر نسبي ،و في ضوء
ذلك هل يكون حلول الشهر القمري الشرعي أيضا أمر نسبي و يختلف فيه
بلد عن بلد و أفق عن أفق ؟بمعنى أن يكون لكل بلد و أفق شهره القمري
الخاص كطلوع الشمس الذي يختلف باختلاف البلدان و الآفاق ،أو انه ظاهرة
كونية مطلقة لا تختلف باختلاف بقاع الأرض و بلدانها و آفاقها و لا يتأثر بذلك
نهائيا ؟
فيه نظريتان :قد أجيب عن النظرية الاولى :بأن من الخطأ قياس ذلك
بطلوع الشمس ،فانه يتولد من مواجهة الشمس للأرض على أساس ان الأرض
بحكم كرويتها و حركتها حول نفسها مواجهة لها بتمام بقاعها و أجزائها
بالتدريج ،فتطلع على بقعة قبل طلوعها على بقعة اخرى و هكذا دو إليك ،فيكون
أمرا نسبيا كغروبها ،و هذا بخلاف خروج القمر عن المحاق و تولده منه ،فانه
ظاهرة كونية محددة تعبر عن ابتعاد القمر عن الخط الوهمي بين مركزي
الشمس و الأرض و لا تتأثر باختلاف بقاع الأرض حيث لا صلة لهذه الظاهرة
بها ،فاذن لا معنى لافتراض النسبية فيه .
و هذا الجواب لا يتم ،لأنه إن أريد به ان الشهر القمري يبدأ بخروج القمر
من المحاق فقط ،و هو ظاهرة كونية محددة لا تتأثر بهذا الجزء من الأرض أو
بذاك .
--( 198 )--
..........
فيرده ،ان هذا بداية الدورة التكوينية الطبيعية للقمر حول الأرض لا بداية
الشهر القمري الشرعي ،و من المعلوم أنّه لا معنى لافتراض النسبية فيها ،لأن
انتهاء تلك الدورة بدخول القمر في المحاق أي بين مركزي الشمس و الأرض ،
و بدايتها بخروجه منه ،و كلتاهما ظاهرة كونية لا تتأثر بأي عامل آخر ،و أما بداية
الشهر القمري فهي ترتبط اضافة إلى وجود هذا العامل الكوني و هو خروج
القمر من المحاق إلى عامل آخر و هو ان الجزء المضيء منه المواجه للأرض
ممكن الرؤية بالعين الاعتيادية .
و ان اريد به ان الشهر القمري الشرعي يبدأ اضافة إلى ذلك -أي خروج
القمر من المحاق -بامكان رؤية ذلك الجزء الخارج منه المواجه للأرض .
فيرد عليه ،انه لا مانع من افتراض كونه أمرا نسبيا يتأثر باختلاف بقاع
الأرض ،بأن رؤي الهلال في هذه البقعة من الأرض دون تلك ،و يترتب على
ذلك ان الشهر القمري الشرعي يبدأ في كل بقعة من الأرض إذا كانت رؤية
هلاله ممكنة في تلك البقعة .
فالنتيجة :ان خروج القمر من المحاق و إن كان حادثا كونيا محددا مطلقا
و لا يتأثر بأي عامل آخر ،الاّ أنه ليس مبدءا للشهر القمري الشرعي ،بل هو مبدأ
للشهر القمري الطبيعي لأن مبدأ الأول مضافا إلى ذلك مرتبط شرعا برؤية ذلك
الجزء الخارج من المحاق بالعين المجردة ،و الرؤية كما يمكن أن تأخذها كأمر
نسبي تختلف باختلاف بقاع الأرض و بلدانها ،يمكن أن تأخذها كأمر مطلق لا
تختلف باختلافها ،فعلى الأول يرتبط مبدأ الشهر في كل بلد بامكان الرؤية في
ذلك البلد بالذات فيكون لكل بلد شهره القمري الخاص ،فيبدأ في البلاد الواقعة
في الافق الغربي في ليلة سابقة و في البلاد الواقعة في الافق الشرقي في ليلة
متأخرة ،فيختلف شهر تلك البلاد عن شهر هذه البلاد بيوم واحد .و على الثاني
يكون مبدأ الشهر القمري واحدا بالنسبة إلى كل أهل بقاع الأرض ،فإذا رأى
الهلال في بقعة من الأرض كفى للآخرين ،و على ذلك فلمعرفة ان للشهر --( 199 )--
..........
القمري الشرعي بداية واحدة بالنسبة إلى الجميع ،أو ليس له بداية واحدة كذلك
فلا بد من الرجوع إلى الشرع و تحقيق حال نصوص باب الرؤية لنرى هل أنها
ربطت بداية الشهر في كل منطقة بامكان الرؤية في تلك المنطقة بالذات ،أو
ربطت بداية الشهر في كل المناطق بامكان الرؤية في أية منطقة كانت ؟و الظاهر
هو الثاني ،و ذلك لأمور ..
الأول :ان السكوت العام الحاكم على روايات الرؤية البالغة من الكثرة
حد التواتر الإجمالي الواردة في مختلف الموارد و الحالات بمختلف الألسنة
عن الاشارة إلى اختلاف البلدان في الافق أو تقاربها فيه ،يؤكد ان بداية الشهر
القمري الشرعي واحدة لجميع بقاع الأرض ،و الاّ لكان اللازم الاشارة فيها إلى
حدود اختلاف البلدان في الافق و عدم ثبوت الهلال في بلد إذا كان مختلفا مع
بلد الرؤية فيه ،مع انه ليست في شيء منها الاشارة إلى ذلك لا تصريحا و لا
تلويحا ،و هذا قرينة تؤكد على أن الشهر القمري الشرعي شهر واحد لكل
البلدان على وجه الأرض .
الثاني :ان المراد من تقارب البلدين في الافق وقوعهما في منطقة من
الأرض يجعل عدم انفكاك امكان الرؤية في أحدهما بالذات عن امكان الرؤية
في الآخر كذلك .
و المراد من اختلاف البلدين في الافق وقوع كل منهما في منطقة من
الأرض على نحو يجعل الرؤية في أحدهما ممكنة و في الآخر غير ممكنة
بذاتها .هذا كله نظريا و أما عمليا ،فلا يمكن تطبيق هذه النظرية تطبيقا كاملا على
البلاد الاسلامية ككل فضلا عن تمام بقاع الأرض لاختلافها في الافق على نحو
يجعل الرؤية في بعضها ممكنة و في الآخر غير ممكنة بل على بلد واحد كإيران
-مثلا -من شرقه إلى غربه .
الثالث :ان جملة من النصوص تدل على أن رؤية الهلال في بقعة ما على
وجه الأرض بداية للشهر القمري في كل البقاع .
--( 200 )--
[2516 ]مسألة 5 :لا يجوز الاعتماد على البريد البرقي -المسمى
بالتلگراف -في الإخبار عن الرؤية إلا إذا حصل منه العلم ( 1 ) بأن كان
البلدان متقاربين ( 2 ) و تحقق حكم الحاكم أو شهادة العدلين برؤيته هناك .
[2517 ]مسألة 6 :في يوم الشك في أنه من رمضان أو شوال يجب أن
يصوم ،و في يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان يجوز الإفطار و يجوز
أن يصوم لكن لا بقصد أنه من رمضان كما مر سابقا تفصيل الكلام فيه ،و لو
منها :موثقة اسحاق بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن هلال شهر
رمضان يغم علينا في تسع و عشرين من شعبان ،فقال :لا تصمه الاّ أن تراه ،فان
شهد أهل بلد آخر أنهم رأوه فاقضه »- 1 - فانها تدل باطلاقها على عدم الفرق بين
أن يكون البلد الآخر و هو بلد الرؤية مشتركا مع بلده في الافق أو مختلفا معه فيه
على نحو تجعل الرؤية فيه ممكنة دونه ،كما أنّها مطلقة من ناحية ان شهادتهم
بالرؤية بعد شهر رمضان بمدة أو في أثنائه .
و منها :صحيحة أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن اليوم الذي
يقضى من شهر رمضان ،فقال :لا يقضه الاّ أن يثبت شاهدان عدلان من جميع
أهل الصلاة متى كان رأس الشهر -الحديث - »- 2 - فانها تدل على ان بداية الشهر
القمري في كل بلد لا ترتبط بامكان الرؤية في ذلك البلد ،بل مقتضى اطلاقها
أنها ربطت بداية الشهر القمري في كل البلدان بامكان الرؤية في بعضها .
و منها غيرهما - 3 - .
( 1 ) بل يكفى الاطمئنان أيضا .
( 2 ) مر ان التقارب غير معتبر .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :11 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
---------------
( 3 ) راجع الوسائل باب :8 و 11 من أبواب أحكام شهر رمضان .
--( 201 )--
تبين في الصورة الاولى كونه من شوال وجب الإفطار سواء كان قبل الزوال
أو بعده ،و لو تبين في الصورة الثانية كونه من رمضان وجب الإمساك و كان
صحيحا إذا لم يفطر و نوى قبل الزوال ( 1 ) ،و يجب قضاؤه إذا كان بعد
الزوال .
[2518 ]مسألة 7 :لو غمت الشهور و لم ير الهلال في جملة منها أو في
تمامها حسب كل شهر ثلاثين ما لم يعلم النقصان عادة .
[2519 ]مسألة 8 :الأسير و المحبوس إذا لم يتمكنا من تحصيل العلم
بالشهر عملا بالظن ،و مع عدمه تخيرا في كل سنة بين الشهور فيعينان شهرا
له ( 2 ) ،و يجب مراعاة المطابقة بين الشهرين في سنتين بأن يكون بينهما
أحد عشر شهرا ،و لو بان بعد ذلك أن ما ظنه أو اختاره لم يكن رمضان فإن
( 1 ) في كفاية النية قبل الزوال لغير المسافر محل اشكال بل منع ،حيث ان
مورد النص المسافر الذي وصل إلى وطنه قبل الزوال و لم يفطر في الطريق ،
و التعدي عن مورده إلى سائر الموارد بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه كما تقدم .
( 2 ) في التخيير اشكال بل منع ،لأن مقتضى العلم الإجمالي بوجوب صيام
في أحد هذه الشهور هو الاحتياط و صيام كل الشهور بأمل أن يدرك الواقع بنية
ما في الذمة أعم من الأداء و القضاء ،و أما إذا لم يمكن هذا الاحتياط و اضطر إلى
تركه في بعض الشهور و لو من جهة ان الاحتياط التام يوجب العسر و الحرج
فيجب عليه حينئذ الاقتصار في تركه بمقدار الضرورة و هو ما يدفع به العسر
و الحرج دون الأكثر باعتبار ان الاضطرار في أطراف العلم الإجمالي إذا كان إلى
بعض غير المعين لا يوجب سقوطه عن التنجيز ،فمن أجل ذلك لا بد من
الاحتياط في الباقي .
و قد يدعى ان مقتضى استصحاب عدم دخول شهر رمضان إلى اليوم
الذي يعلم فيه أن شهر رمضان قد دخل جزما اما من ابتداء ذلك اليوم فيكون هو --( 202 )--
..........
اليوم الأول ،أو من السابق و قد انقضى فعلا هو انحلال العلم الإجمالي حكما
و سقوطه عن التنجيز .
و قد اجيب عن ذلك ،بأن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب بقاء
عدم شهر رمضان إلى هذا الشهر ،بتقريب ان المكلف حيث يعلم بدخول شهر
رمضان اما من الآن و أن هذا اليوم هو اليوم الأول منه ،أو من السابق فانه بطبيعة
الحال كما يشك في بقاء شهر رمضان كذلك يشك في بقاء عدمه الجامع بين
العدم الأزلي و العدم الحادث إلى ذلك الشهر ،فان شهر رمضان إن دخل سابقا
و انقضى فالباقي فعلا هو عدمه الحادث ،و إن دخل بنفس اليوم فالباقي فعلا هو
شهر رمضان لانتقاض عدمه الأزلي ،و بما انه لا يدري بالحال فانه كما يكون
شاكا في بقاء الأول يكون شاكا في بقاء الثاني ،و حينئذ فالاستصحاب في الأول
معارض بالاستصحاب في الثاني و يسقطان معا من جهة المعارضة ،فالمرجع
هو أصالة البراءة عن وجوب صوم هذا الشهر للشك فيه .
و لكن لا يمكن المساعدة على هذا الجواب و ذلك ،لأن الاستصحابين لا
يجريان في نفسيهما لا أنهما يجريان و يسقطان من جهة المعارضة .أما
استصحاب بقاء شهر رمضان ،فان اريد به بقاء الجامع و هو عنوان أحدهما
باعتبار ان المكلف بما انه يعلم بدخول شهر رمضان أما سابقا ،أو من الآن ،
فيعلم بالجامع و يشك في بقائه فعلا .
فيرد عليه ،ان الجامع ليس موضوعا للحكم فان الموضوع هو شهر
رمضان الذي هو اسم للفرد الخارجي بحده ،و من المعلوم ان استصحاب
الجامع لا يثبت الفرد .
و ان اريد به استصحاب بقاء الفرد ...فهو غير معقول .لأن الفرد الأول
مقطوع الارتفاع و الفرد الثاني مشكوك الحدوث فلا شك في بقاء المتيقن لكي
يجري الاستصحاب فيه ،فاذن يبتلى هذا الاستصحاب بمحذور الاستصحاب
في الفرد المردد .
--( 203 )--
..........
و أما استصحاب بقاء العدم ،فان اريد به بقاء العدم الجامع بين الأزلي
و الحادث ...
فيرد عليه انه ليس موضوعا للأثر ،لأن ما هو موضوع الأثر هو بقاء عدم
شهر رمضان هذا الشهر ،فانه نقيض رمضانه لا بقاء العدم الجامع ،و المفروض
ان استصحابه لا يثبت بقاء هذا العدم الخاص و هو العدم الحادث .
و إن اريد به استصحاب بقاء العدم الخاص ...فهو لا يمكن لأن العدم
الأزلي قد ارتفع جزما ،و العدم الحادث مشكوك من الأول فلا شك في بقاء
المتيقن حتى يجري الاستصحاب فيه فيكون هذا من الاستصحاب في الفرد
المردد و هو غير جار .
و أما استصحاب عدم دخول شهر رمضان إلى زمان اليقين بدخوله أما
سابقا ،أو من الآن فهو لا يجري من جهة العلم الإجمالي بأن أحد الشهور شهر
رمضان ،و الفرض ان كل شهر مشكوك في انه شهر رمضان أولا ،فاذن
استصحاب عدم دخول شهر رمضان في كل واحد منها معارض باستصحاب
عدم دخوله في الآخر .
نعم ،انه يجري بناء على جريان استصحاب بقاء شهر رمضان بعد اليقين
بدخوله ،إما من الآن ،أو من السابق على أساس ان ضمه إليه يوجب انحلال
العلم الإجمالي ،و أما إذا لم يجر ذلك الاستصحاب كما هو المفروض فلا يجري
هذا الاستصحاب أيضا لأنه لا يثبت ان الشهر الآتي رمضان الاّ على القول
بالأصل المثبت لكي يوجب انحلال العلم الإجمالي ،و بدونه يسقط من جهة
المعارضة ،فاذن ليس سقوطه من جهة معارضته بأصالة البراءة عن وجوب
صوم هذا الشهر ،هذا اضافة إلى أنه لو جرى و أثبت ان هذا الشهر رمضان يقدم
على أصالة البراءة .
فالنتيجة :في نهاية المطاف ان وظيفته الاحتياط ما لم يوجب العسر
و الحرج .
--( 204 )--
تبين سبقه كفاه لأنه حينئذ يكون ما أتى به قضاء ،و إن تبين لحوقه و قد
مضى قضاه ،و إن لم يمض أتى به ،و يجوز له في صورة عدم حصول الظن
أن لا يصوم ( 1 ) حتى يتيقّن أنه كان سابقا فيأتي به قضاء ،و الأحوط ( 2 )
إجراء أحكام شهر رمضان على ما ظنه من الكفارة و المتابعة و الفطرة
و صلاة العيد و حرمة صومه ما دام الاشتباه باقيا ،و إن بان الخلاف عمل
بمقتضاه .
( 1 ) مر انه في فرض عدم حصول الظن يجب عليه أن يصوم في كل
الشهور بأمل ادراك شهر رمضان الا إذا كان ذلك مؤديا إلى العسر و الحرج ،فاذن
لا بد من الاقتصار على المقدار الواجب دون الأكثر .
( 2 ) بل هو الأقوى بالنسبة إلى الكفارة و نحوها من أحكام شهر رمضان
مباشرة باعتبار أن وظيفة الظان بكون هذا الشهر شهر رمضان وجوب الصوم
عليه بعنوان صوم شهر رمضان و يترتب على ذلك عدم جواز الافطار له في نهار
ذلك ،فلو أفطر فيه متعمدا لزمته الكفارة و القضاء .و أما بالنسبة إلى الأحكام
المترتبة على لازم كون هذا الشهر شهر رمضان كوجوب الفطرة و استحباب
صلاة العيد و حرمة الصوم فيه باعتبار أنها مترتبة على اليوم الأول من شهر شوال
الذي هو لازم كون الشهر المنتهي بدخول ليلة اليوم الأخير من شهر رمضان
و الفرض انه غير ثابت الاّ من باب التعبد بأقرب الاحتمالات لا واقعا حيث ان
الدليل على حجية الظن قوله عليه السّلام في صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه عن
أبي عبد اللّه عليه السّلام : «يصوم شهرا يتوخى -يتوخاه -و يحسب ،فان كان الشهر الذي
صامه قبل شهر رمضان لم يجزه و إن كان بعد شهر رمضان أجزأه »- 1 - و من
المعلوم أنها لا تدل الاّ على وجوب صوم هذا الشهر بأمل أن يكون من شهر
رمضان شريطة أن يكون هذا الأمل فيه أقرب منه في غيره من الشهور بقرينة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
--( 205 )--
[2520 ]مسألة 9 :إذا اشتبه شهر رمضان بين شهرين أو ثلاثة أشهر مثلا
فالأحوط صوم الجميع ( 1 ) ،و إن كان لا يبعد إجراء حكم الأسير
و المحبوس ،و أما إن اشتبه الشهر المنذور صومه بين شهرين أو ثلاثة
فالظاهر وجوب الاحتياط ما لم يستلزم الحرج ،و معه يعمل بالظن ،و مع
عدمه يتخير ( 2 ) .
كلمة ( يتوخى ) الظاهرة في العمل بما هو أقرب إلى الواقع .
و ان شئت قلت :ان الصحة لا تدل على أكثر من تنزيل هذا الشهر بمنزلة
شهر رمضان في وجوب الصيام ،و لا نظر لها إلى الأحكام المترتبة على لوازم
كونه شهر رمضان ،نعم لا بأس بالاحتياط في تلك الأحكام ،بل لا يترك .
( 1 ) هذا هو المتعين في صورة تساوي احتمالات شهر رمضان بين
الشهور و عدم ترجيح بعضها على بعضها الآخر ،و أما في صورة الترجيح فهل
يجب الأخذ بالراجح و الأقرب كما هو الحال في الأسير أو لا ؟فيه و جهان :و لا
يبعد الوجه الأول ،فان قوله عليه السّلام في الصحيحة : «يصوم شهرا يتوخى »- 1 - مطلق ،
و إن كان مورد السؤال فيها الأسير ،و المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم
و الموضوع ان المعيار انما هو اشتباه شهر رمضان بسائر الشهور كلا أو بعضا و لا
خصوصية للأسير .
( 2 ) هذا مبني على سقوط العلم الإجمالي عن التنجيز بالاضطرار إلى ترك
الاحتياط في بعض أطرافه بسبب العسر و الحرج ،و لكن قد تقدم ان الاضطرار
إذا كان إلى غير المعين منها لا يوجب سقوطه عن التنجيز ،و في المقام بما انه إلى
غير المعين فلا أثر له ،فاذن وظيفته التبعيض في الاحتياط بلا فرق بين المظنون
و غيره ،و الاقتصار على تركه بمقدار يدفع به العسر و الحرج فقط دون الأكثر .
فالنتيجة :ان صوم شهر المنذور إذا اشتبه بين شهور وجب الاحتياط و إن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
--( 206 )--
[2521 ]مسألة 10 :إذا فرض كون المكلف في المكان الذي نهاره ستة
أشهر و ليله ستة أشهر أو نهاره ثلاثة و ليله ستة أو نحو ذلك فلا يبعد كون
المدار في صومه و صلاته على البلدان المتعارفة ( 1 ) المتوسطة مخيرا بين
أفراد المتوسط ،و أما احتمال سقوط تكليفهما عنه فبعيد ،كاحتمال سقوط
الصوم و كون الواجب صلاة يوم واحد و ليلة واحدة ،و يحتمل كون المدار
بلده الذي كان متوطنا فيه سابقا إن كان له بلد سابق .
كان الشهر المنذور مظنونا ،فانه لا أثر للظن به حيث ان الدليل على حجيته
مختص باشتباه شهر رمضان بسائر الشهور ،و لا يمكن التعدي عن مورده إلى
سائر الموارد ،فانه بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه .
و أما ما قيل من أن مقتضى استصحاب عدم دخول الشهر المنذور إلى
زمان اليقين بدخوله و هو زمان رؤية هلال الشهر الأخير ،فانه في هذا الزمان
يتيقن بدخول الشهر المنذور إما من هذه الليلة أو من السابق ،و بما انه لا يدري
بالحال فيشك في بقائه فيستصحب ،و هو معارض باستصحاب بقاء عدمه
الجامع بين العدم الأزلي و الحادث ،فيسقط من جهة المعارضة و يرجع إلى
أصالة البراءة عن وجوب صوم هذا الشهر ،و حيث أنها معارضة بأصالة البراءة
عن وجوب صوم الشهرين السابقين ،أو باستصحاب عدم كون شيء منهما من
الشهر المنذور فتسقط فيكون المرجع أصالة الاشتغال و لزوم الاتيان بصوم هذا
الشهر ناويا الأعم من الأداء و القضاء ،( فقد ظهر جوابه ) مما مر آنفا في
المسألة ( 8 ) موسعا .
( 1 ) بل هو بعيد ،و لا مقتضي له ،فان الصلاة و الصيام من الواجبات الموقتة
في أوقات خاصة بمقتضى أدلتها ،و من المعلوم أنها لا تعم الساكنين في تلك
البلدان لعدم توفر موضوع تلك الأدلة و شروطها في هؤلاء ،و من هنا لا يحتمل
أن يكون المدار في تكليفهم فعلا أوقات بلدانهم السابقة ،بداهة ان الأدلة تتبع --( 207 )--
..........
موضوعاتها و شروطها ،و بما أنها لا تتوفر في هؤلاء الساكنين في تلك البلدان
فلا يكونوا مشمولين لها ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى ،ان سقوط الصلاة و الصيام عنهم نهائيا بعيد أيضا على
أساس اهتمام الشارع بهما بمختلف الطرق و الألسنة الكاشف عن أن ملاكهما
تام بالنسبة إلى كل بالغ عاقل قادر .
و نتيجة ذلك :انه لا يجوز السكنى في البلدان المذكورة ،و وجوب الهجرة
على كل من يكون ساكنا فيها باعتبار أنه قادر على الاتيان بهما في أوقاتهما
الخاصة من جهة قدرته على عدم السكنى فيها أو الهجرة عنها ،فوجوب الهجرة
عن البلدان المذكورة لو لم يكن أقوى فلا اشكال في أنه أحوط .
--( 208 )--
فصل
في أحكام القضاء
يجب قضاء الصوم ممن فاته بشروط و هي :البلوغ ،و العقل ،
و الإسلام ،فلا يجب على البالغ ما فاته أيام صباه .نعم ،يجب قضاء اليوم
الذي بلغ فيه قبل طلوع فجره أو بلغ مقارنا لطلوعه إذا فاته صومه ،
و أما لو بلغ بعد الطلوع في أثناء النهار فلا يجب قضاؤه و إن كان
أحوط ( 1 ) ،و لو شك في كون البلوغ قبل الفجر أو بعده فمع الجهل
بتاريخهما لم يجب القضاء ،و كذا مع الجهل بتاريخ البلوغ ،و أما مع
الجهل بتاريخ الطلوع بأن علم أنه بلغ قبل ساعة مثلا و لم يعلم أنه كان
قد طلع الفجر أم لا فالأحوط القضاء ،و لكن في وجوبه إشكال ( 2 ) ،و كذا لا
يجب على المجنون ما فات منه أيام جنونه من غير فرق بين ما كان من اللّه
أو من فعله على وجه الحرمة أو على وجه الجواز ،و كذا لا يجب على
( 1 ) لا منشأ للاحتياط إذا صام اليوم الذي بلغ فيه ،كما انه لا يجب عليه
صوم ذلك اليوم و لا قضاؤه ،فإذا بلغ بعد طلوع الفجر لم تجب عليه نية الصوم
و إن لم يمارس شيئا من المفطرات ،لأن الوجوب بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه
في المقام ،كما انه لا يجب عليه الامساك طيلة النهار فيجوز له الافطار متى شاء .
( 2 ) و الأظهر عدم الوجوب في تمام صور المسألة ،اما في صورة الجهل
بتاريخ كليهما معا فلأن استصحاب عدم حدوث كل من البلوغ و الطلوع في
زمان حدوث الآخر لا يجري في نفسه لأن واقع زمان كل منهما مردد بين
--( 209 )--
..........
زمانين ،و لا يمكن الاشارة إليه الاّ بعنوان زمان البلوغ و زمان الطلوع ،و حينئذ فان
اريد باستصحاب عدم طلوع الفجر إلى زمان البلوغ ملاحظة زمان البلوغ على
نحو الموضوعية و القيدية ،بأن يكون المستصحب هو عدم طلوع الفجر المقيد
بزمان البلوغ فلا حالة سابقة لهذا المقيد لكي تستصحب ،و أما ذات المقيد فهي
و إن كانت لها حالة سابقة الاّ ان استصحابها لا يثبت التقيّد به الاّ على القول
بالأصل المثبت .و إن اريد به ملاحظة زمان البلوغ على نحو المعرفية الصرفة إلى
واقع زمانه بأن يكون المستصحب هو التعبد ببقاء عدم الطلوع إلى واقع زمان لا
يمكن الاشارة إليه الا بعنوان انه زمان البلوغ ،فهو لا يمكن ،لأن واقع ذلك الزمان
مردد بين زمان يعلم بعدم الطلوع فيه ،و زمان يعلم بتحققه فيه ،فلا يكون هناك
شك في بقاء المتيقن حتى يستصحب ،و بنفس هذا البيان يظهر حال الشك في
تحقق البلوغ في زمان الطلوع .
فالنتيجة :ان المقتضى للاستصحاب قاصر في نفسه ،اما انه لا حالة سابقة
له ،أو انه مبتلى بمحذور الاستصحاب في الفرد المردد ،و عندئذ كان يشك في
وجوب الصوم عليه فيرجع إلى أصالة البراءة .
و أما في صورة الجهل بتاريخ البلوغ و العلم بتاريخ الطلوع فلا مانع من
استصحاب عدم البلوغ إلى زمان الطلوع ،و أما استصحاب عدم الطلوع إلى زمان
البلوغ فهو لا يجري بنفسه تطبيقا لما تقدم في الصورة الاولى حرفا بحرف .
و أما في صورة الجهل بتاريخ الطلوع و العلم بتاريخ البلوغ فلا يجري
الاستصحاب في شيء منهما ،أما استصحاب عدم تحقق المجهول تاريخه و هو
الطلوع إلى زمان المعلوم تاريخه و هو البلوغ فلأنه لا أثر له الاّ على القول
بالأصل المثبت ،و أما العكس فلعين ما مر من المحذور في الصورة الاولى
و الثانية .
فالنتيجة :ان الأظهر عدم وجوب الصوم عليه في تمام تلك الصور لا أداء
و لا قضاء .
--( 210 )--
المغمى عليه سواء نوى الصوم قبل الإغماء أم لا ( 1 ) ،و كذا لا يجب على
من أسلم عن كفر إلا إذا أسلم قبل الفجر و لم يصم ذلك اليوم فإنه يجب
عليه قضاؤه ،و لو أسلم في أثناء النهار لم يجب عليه صومه و إن لم يأت
بالمفطر ( 2 ) ،و لا عليه قضاؤه من غير فرق بين ما لو أسلم قبل الزوال أو
( 1 ) تقدم في شرائط صحة الصوم ان المغمى عليه إذا نوى الصوم من
الليل قبل الاغماء ثم اغمي عليه صح و إن استمر به الاغماء إلى الليل الآتي ،
و ليس حاله من هذه الناحية كالمجنون بل هو كالنائم .
نعم ،لو فاجأه الإغماء قبل النية لم يصح ،و على كلا التقديرين فالقضاء
غير واجب عليه للنص الخاص .
( 2 ) هذا مما لا اشكال فيه ،و تنص عليه صحيحة العيص قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام :عن قوم أسلموا في شهر رمضان و قد مضى منه أيام هل عليهم أن
يصوموا ما مضى منه أو يومهم الذي أسلموا فيه ؟فقال :ليس عليهم قضاء و لا
يومهم الذي أسلموا فيه ،الاّ أن يكونوا أسلموا قبل طلوع الفجر »- 1 - و نحوها من
الروايات - 2 - ،فانها تدل باطلاقها على عدم وجوب صوم اليوم الذي أسلموا فيه
و إن كان قبل الزوال ،هذا اضافة إلى أنه لا دليل على تجديد النية الاّ في المسافر
القادم إلى أهله و وصل قبل أن تزول الشمس .
نعم ،لا يبعد وجوب الامساك عليه بقية النهار تشبيها بالصائمين بناء على
القول بتكليف الكفار بالفروع و عدم اشتراطه بالاسلام كما هو الأظهر و قد تقدم
ذلك في ( فصل شروط الصيام ) و على هذا فلا فرق بين أن أسلم في أثناء النهار
أو لا ،فانه على كلا التقديرين بما انه بطل صومه فيكون مشمولا للروايات الآمرة
بالامساك طيلة النهار ،حيث ان المستفاد من هذه الروايات انه لا يسمح
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل باب :22 من أبواب أحكام شهر رمضان .
--( 211 )--
بعده و إن كان الأحوط ( 1 ) القضاء إذا كان قبل الزوال .
[2522 ]مسألة 1 :يجب على المرتد قضاء ما فاته أيام ردّته سواء كان عن
ملة أو فطرة .
[2523 ]مسألة 2 :يجب القضاء على من فاته لسكر ( 2 ) من غير فرق بين
ما كان للتداوي أو على وجه الحرام .
[2524 ]مسألة 3 :يجب على الحائض و النفساء قضاء ما فاتهما حال
الحيض و النفاس ،و أما المستحاضة فيجب عليها الأداء ،و إذا فات منها
فالقضاء .
[2525 ]مسألة 4 :المخالف إذا استبصر يجب عليه قضاء ما
للشخص الذي كان صيام شهر رمضان واجبا عليه أن يتناول أي مفطر إذا بطل
صيامه أثناء النهار من شهر رمضان ،بل يجب عليه الامساك تمام النهار ثم القضاء
بعد ذلك ،و لا فرق فيه بين أن يكون بطلانه من جهة الاخلال بالنية أو الاخلال
بالغسل من الجنابة قبل الفجر ،أو بالاتيان بالمفطر ،فإذا كان الكافر مكلفا بالفروع
فلا يسمح له أن يتناول المفطر في نهار شهر رمضان إذا بطل صيامه فيه و لو من
جهة الاخلال بالنية سواء أسلم بعد الفجر أم لا .
( 1 ) لا وجه لهذا الاحتياط خصوصا إذا صام ذلك اليوم الذي أسلم فيه .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع لما تقدم في ( فصل شروط صحة الصوم )
من ان السكر كالنوم فلا يوجب بطلان الصوم ،فإذا كان ناويا له ثم عرض عليه
السكر صح و إن لم يفق أثناء النهار و استمر به إلى الليل ،و عندئذ لا مقتضي
للقضاء .
نعم ،إذا عرض عليه السكر فجأة أو اختيارا قبل أن ينوي الصوم بطل ،
و حينئذ لا بد من القضاء .
--( 212 )--
فاته ( 1 ) ،و أما ما أتى به على وفق مذهبه فلا قضاء عليه .
[2526 ]مسألة 5 :يجب القضاء على من فاته الصوم للنوم بأن كان نائما
قبل الفجر إلى الغروب من غير سبق نية ( 2 ) ،و كذا من فاته للغفلة كذلك .
[2527 ]مسألة 6 :إذا علم أنه فاته أيام من شهر رمضان و دار بين الأقل
و الأكثر يجوز له الاكتفاء بالأقل ،و لكن الأحوط قضاء الأكثر خصوصا إذا
كان الفوت لمانع من مرض أو سفر أو نحو ذلك ( 3 ) و كان شكه في زمان
زواله ،كأن يشك في أنه حضر من سفره بعد أربعة أيام أو بعد خمسة أيام
مثلا من شهر رمضان .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان وجوب القضاء منوط بكون ما أتاه من
العمل فاسدا على مذهبه و مذهب الخاصة معا ،و أما إذا كان فاسدا عنده فحسب
و صحيحا عند الخاصة فلا يجب عليه القضاء ،و قد تقدم تفصيل ذلك في
المسألة ( 5 ) من ( فصل صلاة القضاء ) .
( 2 ) بل إلى ما بعد الفجر على أساس ان الصوم مركب من الأجزاء الطولية
الارتباطية ،فإذا بطل جزء منها بطل الجميع لمكان ارتباطية أجزائه ثبوتا
و سقوطا ،و حيث ان الصوم عبادة فيجب أن تتوفر فيه النية الواجبة في كل عبادة ،
بأن ينوي الامساك عن كل المفطرات اجمالا قربة إلى اللّه تعالى ،و هذه النية لا بد
أن تكون مقارنة لتمام أجزائه من المبدأ إلى المنتهى ،فلو صدر جزء منه بدون
هذه النية بطل هذا الجزء و ببطلانه يبطل الكل ،و لا دليل في المقام على كفاية
تجديد النية ،فان مورده ما إذا قدم المسافر إلى بلده قبل الزوال ،و التعدي بحاجة
إلى قرينة ،و مع ذلك كان الأولى و الأجدر به أن يجمع بين اكمال صوم اليوم
و القضاء بعد ذلك إذا تنبه من النوم قبل الزوال و به يظهر حال ما بعده .
( 3 ) فيه انه لا وجه لهذا التخصيص الاّ توهم ان مقتضى استصحاب بقاء
المرض أو السفر هو اثبات موضوع وجوب القضاء في الآية الشريفة ،و هي قوله --( 213 )--
[2528 ]مسألة 7 :لا يجب الفور في القضاء و لا التتابع ،نعم يستحب
التتابع فيه ( 1 ) و ان كان أكثر من ستة ،لا التفريق فيه مطلقا أو في الزائد
على الستة .
[2529 ]مسألة 8 :لا يجب تعيين الأيام ،فلو كان عليه أيام فصام بعددها
كفى و إن لم يعين الأول و الثاني و هكذا ،بل لا يجب الترتيب أيضا فلو نوى
الوسط أو الأخير تعين و يترتب عليه أثره .
[2530 ]مسألة 9 :لو كان عليه قضاء من رمضانين فصاعدا يجوز قضاء
اللاحق قبل السابق ،بل إذا تضيق اللاحق بأن صار قريبا من رمضان آخر
كان الأحوط تقديم اللاحق ( 2 ) ،
تعالى :فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ ...- 1 -
و بتطبيقها عليه يثبت الوجوب ،و لكن لا اصل لذلك التوهم ،فان المرض أو
السفر بعنوانه ليس من موجبات وجوب القضاء و موضوعاته مباشرة ،لأن
الموضوع له كذلك هو ترك الصوم و فوته ،و من المعلوم انه لا يمكن اثباته
بالاستصحاب الاّ على القول بالأصل المثبت .
( 1 ) في استحبابه بالخصوص اشكال بل منع ،لأن مقتضى قوله عليه السّلام في
ذيل صحيحة الحلبي : «فان فرق فحسن ،فان تابع فحسن »- 2 - هو ان كلا من
التفريق و التتابع حسن على مستوى واحد بلا فرق بينهما ،و هذا شاهد جمع بين
الروايات المتنافية في المقام .
( 2 ) لا بأس بتركه و إن كان الأولى و الأجدر ،باعتبار انه مبني على القول
بأن وقت القضاء محدد إلى شهر رمضان القادم ،فإذا ضاق وجبت المبادرة إليه .
---------------
( 1 ) البقرة /184 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :26 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
--( 214 )--
و لو أطلق في نيته انصرف إلى السابق ( 1 ) ،و كذا في الأيام .
[2531 ]مسألة 10 :لا ترتيب بين صوم القضاء و غيره من أقسام الصوم
الواجب كالكفارة و النذر و نحوهما .نعم ،لا يجوز التطوع بشيء لمن عليه
صوم واجب كما مر ( 2 ) .
[2532 ]مسألة 11 :إذا اعتقد أن عليه قضاء فنواه ثم تبين بعد الفراغ فراغ ذمته
و لكن لا يمكن اتمام هذا القول لأن مقتضى اطلاق الكتاب و السنة ان وقته
موسع و لا يكون محددا بذلك ،فاذن لا وجه للاحتياط أيضا .
( 1 ) في الانصراف اشكال بل منع ،لأن الصائم إذا نوى الصوم قضاء من
دون تعيين السابق أو اللاحق فلا معنى لانصراف نيته إلى خصوص نية الفرد
السابق و تعلقها به كانصراف اللفظ إلى بعض أفراد معناه عند اطلاقه لوضوح ان
النية أمر قلبي و وجداني في نفس الانسان ،فإذا تعلقت بالصوم الجامع بين
السابق و اللاحق في افق النفس فلا يعقل انصرافها إلى السابق و تعلقها به فقط
لأنه خلف ،فمن أجل ذلك يحتمل قويا أن يكون مراده قدّس سرّه من الانصراف هو ان
الجامع المنوي لا ينطبق الاّ على الفرد السابق دون اللاحق بنكتة ان انطباقه على
الفرد اللاحق بحاجة إلى قصده بماله من جهة الامتياز لأن ذمّة المكلف إذا كانت
مشغولة بواجبين كان أحدهما ممتازا عن الآخر في الأثر الزائد فسقوطه عن ذمته
يتوقف على قصده خاصة ،و لا يكفي قصد الجامع بينهما ،فان قصده ليس قصدا
له على الفرض .نعم يكفى للآخر الفاقد له .
فالنتيجة :ان انطباق الجامع المنوي في المقام على الفرد السابق لا يتوقف
على مؤنة زائدة ،و أما انطباقه على الفرد اللاحق فهو يتوقف على قصد
خصوصية زائدة ،و قد تقدم ذلك أيضا في المسألة ( 8 ) من ( فصل النية ) ،و بذلك
يظهر حال الأيام .
( 2 ) مر تفصيل ذلك في المسألة ( 3 ) من ( فصل شرائط صحة الصوم ) .
--( 215 )--
ذمته لم يقع لغيره ،و أما لو ظهر له في الأثناء فإن كان بعد الزوال لا يجوز
العدول إلى غيره ( 1 ) ،و إن كان قبله فالأقوى جواز تجديد النية لغيره ،و إن
كان الأحوط عدمه .
[2533 ]مسألة 12 :إذا فاته شهر رمضان أو بعضه بمرض أو حيض أو
نفاس و مات فيه لم يجب القضاء عنه ( 2 ) ،
( 1 ) بل يجوز في الصوم المستحب لا من باب العدول من الصوم الواجب
إليه ،بل من باب انه يجوز تأخير النية فيه عن الزوال ،و بما ان ما نواه من الصوم
في المسألة لا واقع له فهو بمثابة رجل لم يأت بالمفطر إلى ما بعد الظهر ،و يجوز
لمثله أن ينوي الصيام المستحب ،و من هنا يظهر حال ما إذا تنبه بذلك قبل
الزوال فانه يجوز له أن ينوي الصيام الواجب على أساس ان تأخير النية عن
طلوع الفجر انما لا يجوز في صوم شهر رمضان و كذلك في الصوم المنذور ،
و أما في سائر أقسام الصيام الواجب فلا مانع من التأخير .نعم ،لا يجوز تأخيرها
عن الزوال .
( 2 ) بل الأمر كذلك و إن مات بعد شهر رمضان شريطة استمرار العذر
إلى حين الموت و عدم التمكن من القضاء ،و يدل عليه مضافا إلى اطلاق
صحيحتي محمد بن مسلم و منصور بن حازم ،موثقة سماعة و صحيحة أبي
بصير نصا - 1 - .
أما نص الموثقة : «قال :سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل دخل عليه شهر
رمضان و هو مريض لا يقدر على الصيام فمات في شهر رمضان أو في شهر
شوال ؟قال :لا صيام عليه و لا يقضى عنه ،قلت :فامرأة نفساء دخل عليها شهر
رمضان و لم تقدر على الصوم فماتت في شهر رمضان أو في شوال ،فقال :لا
---------------
( 1 ) راجع الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 و 9 و 10 و 12 .
--( 216 )--
..........
يقضى عنها ».
و أما الصحيحة فإليك نصها : «عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :سألته عن امرأة
مرضت في شهر رمضان و ماتت في شوال فأوصتني أن اقضى عنها ،قال :هل
برئت من مرضها ؟قلت :لا ،ماتت فيه ،قال :لا يقضى عنها فان اللّه لم يجعله
عليها ،قلت :فإني اشتهي أن اقضي عنها و قد أوصتني بذلك ،قال :كيف تقضي
شيئا لم يجعله اللّه عليها ،فان اشتهيت أن تصوم لنفسك فصم »- 1 - .فان مورد هذه
الروايات و إن كان المريض الاّ أن العرف لا يفهم منها بمناسبة الحكم
و الموضوع الارتكازية خصوصية له ،بل يفهم فيها في ضوء هذا الارتكاز ان
ملاك عدم وجوب القضاء عنه عدم ثبوته في ذمته ،و أنه لا مقتضي له ،هذا اضافة
إلى أن جملة من الروايات تنص على أن المرأة إذا حاضت في شهر رمضان
فماتت لم يقض عنها .
منها :صحيحة محمد بن مسلم قال : «سألته عن الحائض تفطر في
شهر رمضان أيام حيضها فإذا افطرت ماتت ،قال :ليس عليها
شيء »- 2 -
و منها :صحيحته الاخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في امرأة مرضت في شهر
رمضان أو طمثت أو سافرت فماتت قبل أن يخرج شهر رمضان هل يقضى
عنها ؟فقال :اما الطمث و المرض فلا و أما السفر فنعم »- 3 - ،و مثلها صحيحة أبي
حمزة - 4 -
و لكن مقتضى الصحيحتين الأخيرتين عدم وجوب القضاء إذا كان العذر
المرض أو الطمث ،و وجوبه إذا كان السفر ،و قد تقدم تفصيل ذلك في أول
( فصل قضاء الولي ) من كتاب الصلاة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :12 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :14 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :16 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
--( 217 )--
و لكن يستحب ( 1 ) النيابة عنه في أدائه ،و الأولى أن يكون بقصد إهداء
الثواب .
[2534 ]مسألة 13 :إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لعذر و استمر إلى
رمضان آخر فإن كان العذر هو المرض سقط قضاؤه على الأصح ( 2 ) و كفّر
عن كل يوم بمدّ و الأحوط مدان ،و لا يجزئ القضاء عن التكفير .نعم ،
الأحوط الجمع بينهما ( 3 ) ،و ان كان العذر غير المرض كالسفر و نحوه
فالأقوى وجوب القضاء ،و إن كان الأحوط الجمع بينه و بين المد ،و كذا إن
كان سبب الفوت هو المرض و كان العذر في التأخير غيره مستمرا من
( 1 ) في الاستحباب اشكال بل منع لأنه مبني على ان المرفوع في نصوص
الباب وجوب القضاء عنه دون أصل مشروعيته ،و لكن لا يمكن حمل نصوص
الباب على ذلك لأن مفادها نفي الوجوب ،و لا تدل على بقاء المشروعية باعتبار
ان الوجوب أمر بسيط ،فإذا دل الدليل على رفعه فلا مقتضي لبقائها ،و لا يوجد
دليل آخر على المشروعية ،هذا اضافة إلى أن صحيحة أبي بصير - 1 - المتقدمة
تنص على عدمها .
( 2 ) هذا القول هو المعروف و المشهور بين الأصحاب و هو الصحيح
للروايات الكثيرة - 2 - التي تنص على ذلك ،و أما القول بوجوب القضاء فقط ،أو
مع الكفارة فلا دليل عليه .
( 3 ) بل الجمع مستحب لأن صحيحة عبد اللّه بن سنان - 3 - ناصة في ذلك
و موثقة سماعة - 4 - محمولة عليه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :12 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان أحاديث :1 و 2 و 3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
--( 218 )--
حين برئه إلى رمضان آخر أو العكس ( 1 ) ،فإنه يجب القضاء أيضا في
هاتين الصورتين على الأقوى ،و الأحوط الجمع خصوصا في الثانية .
[2535 ]مسألة 14 :إذا فاته شهر رمضان أو بعضه لا لعذر بل كان متعمدا
في الترك و لم يأت بالقضاء إلى رمضان آخر وجب عليه الجمع بين الكفارة
و القضاء بعد الشهر ،و كذا إن فاته لعذر و لم يستمر ذلك العذر بل ارتفع في
أثناء السنة و لم يأت به إلى رمضان آخر متعمدا و عازما على الترك أو
متسامحا و اتفق العذر عند الضيق ،فإنه يجب حينئذ أيضا الجمع ،و أما إن
كان عازما على القضاء بعد ارتفاع العذر فاتفق العذر عند الضيق فلا يبعد
كفاية القضاء ( 2 ) لكن لا يترك الاحتياط بالجمع أيضا ،و لا فرق فيما ذكر
بين كون العذر هو المرض أو غيره .
( 1 ) لا يترك الاحتياط فيه بالجمع بين القضاء و الفدية و ذلك لأن صحيحة
عبد اللّه ابن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من أفطر شيئا من رمضان في عذر
ثم أدرك رمضان آخر و هو مريض فليتصدق بمد لكل يوم ،فأما انا فاني صمت
و تصدقت »- 1 - ،لا تقصر عن الدلالة على عدم وجوب القضاء في هذه الصورة
و هي ما إذا كان سبب الافطار عذرا آخر كالسفر -مثلا -في شهر رمضان و سبب
التأخير إلى رمضان آخر استمرار المرض ،كما إذا مرض بعد شهر رمضان قبل
أن تتاح الفرصة له للقضاء ،و استمر مرضه إلى رمضان القادم ،و دعوى انصراف
العذر فيها إلى المرض غير مقبولة .
( 2 ) بل هو بعيد ،و الأظهر الجمع بين الكفارة و القضاء لإطلاق قوله عليه السّلام
في صحيحة زرارة : «فان كان صح فيما بينهما و لم يصم حتى أدركه شهر رمضان
---------------
( 1 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :4 .
--( 219 )--
..........
آخر صامهما جميعا و يتصدق عن الأول »- 1 - فان قوله عليه السّلام : «و لم يصم »كما
يشمل صورة ترك الصوم عصيانا أو متسامحا يشمل صورة العزم عليه و لكن
فاجأه العذر عند الضيق ،كما إذا كان يقصد أن يصوم في شهر رجب أو شعبان
مثلا و بنى على ذلك و عند مجيء هذا الوقت مرض أو فاجأه عذر آخر و لم
يتمكن من الصوم .
و مثلها موثقة سماعة قال : «سألته عن رجل أدركه شهر رمضان و عليه
رمضان قبل ذلك لم يصمه ،فقال :يتصدق بدل كل يوم من الرمضان الذي كان
عليه بمد من طعام و ليصم هذا الذي أدركه ،فإذا أفطر فليصم رمضان
الذي كان عليه »- 2 - فان اطلاق جواب الامام عليه السّلام من دون التفصيل يعم صورة ما
إذا كان عازما على الصوم و لكن داهمه العذر و منعه منه في آخر
الوقت .
و دعوى :ان صحيحة محمد بن مسلم - 3 - تدل على تعليق وجوب الفدية
على التواني و التسامح في القضاء بعد البرء من المرض ،و معنى ذلك عدم
وجوبها عند عدم التواني ،و عليه فتصلح الصحيحة أن تكون مقيدة لإطلاق
الروايتين المتقدمتين .
مدفوعة :بأن المذكور في الصحيحة كلمة ( التواني ) و هي ليست مساوقة
عرفا لكلمة التسامح و التهاون ،بل معناها التأخير و عدم المبادرة إليه في أول
أزمنة الامكان كما يشهد له مقابلته في نفس الصحيحة - 4 - بقوله عليه السّلام : «و إن كان لم
يزل مريضا »و عليه فالانسان إذا كان عازما على القضاء في الأشهر الأخيرة من
السنة دون الاولى مع تمكنه من القضاء فيها و لم يصنع و أخّره إلى الأشهر
الأخيرة و فيها فاجأه مانع من الصيام كالمرض أو نحوه و استمر به إلى رمضان
---------------
( 1 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :1 .
---------------
( 4 ) أي صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة .
--( 220 )--
فتحصّل مما ذكر في هذه المسألة و سابقتها أنّ تأخير القضاء إلى
رمضان آخر إمّا يوجب الكفارة فقط و هي الصورة الاولى المذكورة في
المسألة السابقة ،و إمّا يوجب القضاء فقط و هي بقية الصور المذكورة فيها ،
و إمّا يوجب الجمع بينهما و هي الصورة المذكورة في هذه المسألة ،نعم
الأحوط الجمع في الصور المذكورة في السابقة أيضا كما عرفت .
[2536 ]مسألة 15 :إذا استمر المرض إلى ثلاث سنين يعني الرمضان
الثالث وجبت كفارة للأولى و كفارة اخرى للثانية ،و يجب عليه القضاء
للثالثة إذا استمر إلى آخرها ثم برئ ،و إذا استمر إلى أربع سنين وجبت
للثالثة أيضا و يقضي للرابعة إذ استمر إلى آخرها أي الرمضان الرابع ،و أما
إذا أخّر قضاء السنة الاولى إلى سنين عديدة فلا تتكرر الكفارة بتكررها بل
تكفيه كفارة واحدة .
[2537 ]مسألة 16 :يجوز إعطاء كفارة أيام عديدة من رمضان واحد أو
أزيد لفقير واحد ،فلا يجب إعطاء كل فقير مدا واحدا ليوم واحد .
[2538 ]مسألة 17 :لا تجب كفارة العبد على سيده من غير فرق بين كفارة
التأخير و كفارة الإفطار ،ففي الاولى إن كان له مال و أذن له السيد أعطى من
ماله و إلا استغفر بدلا عنها ،و في كفارة الإفطار يجب عليه اختيار صوم
شهرين مع عدم المال و الإذن من السيد ،و إن عجز فصوم ثمانية عشر
القادم صدق انه تواني في القضاء ،و لكن لا يصدق أنه قصر فيه ،و مع الاغماض
عن هذا و تسليم ان هذه الكلمة غير ظاهرة في ذلك ،الاّ أنه لا ظهور لها في
التسامح و التهاون أيضا المساوق للتقصير ،فاذن تصبح الصحيحة مجملة ،فلا
تصلح أن تكون مقيدة لإطلاقهما .
--( 221 )--
يوما ( 1 ) ،و إن عجز فالاستغفار .
[2539 ]مسألة 18 :الأحوط عدم تأخير القضاء إلى رمضان آخر مع
التمكن عمدا و إن كان لا دليل على حرمته ( 2 ) .
[2540 ]مسألة 19 :يجب على ولي الميت قضاء ما فاته من الصوم
لعذر من مرض أو سفر أو نحوهما ،لا ما تركه عمدا أو أتى به و كان باطلا
من جهة التقصير في أخذ المسائل ،و إن كان الأحوط ( 3 ) قضاء جميع
ما عليه و إن كان من جهة الترك عمدا ،نعم يشترط في وجوب قضاء
ما فات بالمرض أن يكون قد تمكن في حال حياته من القضاء و أهمل
و إلا فلا يجب لسقوط القضاء حينئذ كما عرفت سابقا ،و لا فرق في
الميت بين الأب و الام على الأقوى ،و كذا لا فرق بين ما إذا ترك
الميت ما يمكن التصدق به عنه و عدمه ،و إن كان الأحوط في الأول
الصدقة عنه برضاء الوارث مع القضاء ،و المراد بالولي هو الولد
نعم ،وردت كلمة ( التهاون ) في رواية أبي بصير - 1 - ،و لكنها ضعيفة سندا ،
فان في سندها علي بن حمزة .
( 1 ) تقدم في المسألة ( 19 ) من ( فصل المفطرات المذكورة ) ان الواجب
في صورة العجز عن الخصال الثلاث هو التصدق بما يطيق لا صوم ثمانية عشر
يوما .
( 2 ) هذا هو الصحيح لما مر من أنه لا يدل شيء من الروايات المتقدمة
و غيرها على عدم جواز التأخير ،و قد عرفت انه ليس فيها ما يدل على ذلك الاّ
كلمة ( التواني ) و قد مر أنها لا تدل عليه .
( 3 ) بل هو الأقوى ،و قد مر تفصيل ذلك في أول ( فصل في قضاء الولي )
من كتاب الصلاة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :25 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :6 .
--( 222 )--
الأكبر و إن كان طفلا أو مجنونا حين الموت ،بل و إن كان حملا .
[2541 ]مسألة 20 :لو لم يكن للميت ولد لم يجب القضاء على أحد من
الورثة ،و إن كان الأحوط قضاء أكبر الذكور من الأقارب عنه .
[2542 ]مسألة 21 :لو تعدد الولي اشتركا ( 1 ) ،و إن تحمل أحدهما كفى
عن الآخر ،كما أنه لو تبرع أجنبي سقط عن الولي .
[2543 ]مسألة 22 :يجوز للولي أن يستأجر من يصوم عن الميت و أن
يأتي به مباشرة ،و إذا استأجر و لم يأت به المؤجر أو أتى به باطلا لم يسقط
عن الولي .
[2544 ]مسألة 23 :إذا شك الولي في اشتغال ذمة الميت و عدمه لم يجب
عليه شيء ،و لو علم به إجمالا و تردد بين الأقل و الأكثر جاز له الاقتصار
على الأقل .
[2545 ]مسألة 24 :إذا أوصى الميت باستئجار ما عليه من الصوم أو
الصلاة سقط عن الولي بشرط أداء الأجير صحيحا و إلا وجب عليه .
[2546 ]مسألة 25 :إنما يجب على الولي قضاء ما علم اشتغال ذمة الميت
به أو شهدت به البينة أو أقرّ به عند موته ( 2 ) ،و أما لو علم أنه كان عليه
القضاء و شك في إتيانه حال حياته أو بقاء شغل ذمته فالظاهر عدم الوجوب
( 1 ) في الاشتراك اشكال بل منع ،و قد مر ان وجوب القضاء في صورة
تعدد الولي كفائي كما تقدم تفصيله في المسألة ( 9 ) من ( فصل قضاء الولي ) في
كتاب الصلاة .
( 2 ) في ثبوته بالاقرار اشكال بل منع لأن ما أخبره باشتغال ذمته لا يكون
حجة بعنوان الاقرار ،لأن الاقرار انما يكون حجة على المقر بالنسبة إلى مال أو
حق على ذمته لآخر لكي يحق للآخر أن يطالب به ،و أما إذا أقر باشتغال ذمته --( 223 )--
عليه باستصحاب بقائه ( 1 ) ،نعم لو شك هو في حال حياته و أجرى
الاستصحاب أو قاعدة الشغل و لم يأت به حتى مات فالظاهر وجوبه على
الولي .
[2547 ]مسألة 26 :في اختصاص ما وجب على الولي بقضاء شهر
رمضان أو عمومه لكل صوم واجب قولان ،مقتضى إطلاق بعض الأخبار
الثاني و هو الأحوط ( 2 ) .
بالصلاة أو الصيام فلا يكون ذلك من الاقرار حتى يكون مشمولا لدليل حجيته
باعتبار انه ليس اقرارا بمال أو حق على نفسه لآخر ،و لا أثر له الاّ وجوب
قضائهما على الولي ،و من المعلوم ان هذا الأثر لا يثبت الا إذا كان ثقة و عندئذ
يكون اقراره حجة من باب حجية أخبار الثقة لا بملاك الاقرار .
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الظاهر هو الوجوب بمقتضى الاستصحاب
المذكور ،لأن موضوعه ثبوت اشتغال ذمة الميت بالصلاة و الصيام ،و بما ان الولي
شاك في بقائه بعد اليقين بثبوته فلا مانع من التمسك به ،بل لو قلنا بأن
الاستصحاب لا يجري في مسألة دعوى الدين على الميت الاّ ان مسألتنا هذه
ليست من صغريات تلك المسألة ،فلا مانع من جريانه فيها .
( 2 ) بل هو الأقوى لإطلاق قوله عليه السّلام في صحيحة حفص بن البختري :
«و عليه صلاة و صيام »- 1 - فانه يعم مطلق الصلاة و الصيام الثابتين في ذمته سواء
أ كانا من الصلوات اليومية و صيام شهر رمضان أم كانا من غيرهما كصلاة الآيات
و صيام الكفارة و النذر المعين .
نعم ،ان المتفاهم العرفي منه ما كان واجبا على الميت ابتداء أي من دون
سبق وجوبه على شخص آخر كما إذا كان عليه الصلاة و الصيام من أبويه أو
بالاجارة و لم يأت بها إلى أن مات فانه لا يجب على الولي أن يقضي عنه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :23 من أبواب أحكام شهر رمضان الحديث :5 .
--( 224 )--
[2548 ]مسألة 27 :لا يجوز للصائم قضاء شهر رمضان إذا كان عن نفسه
الإفطار بعد الزوال ،بل تجب عليه الكفارة به و هي كما مر إطعام عشرة
مساكين لكل مسكين مدّ ،و مع العجز عنه صيام ثلاثة أيام ،و أما إذا كان عن
غيره بإجارة أو تبرع فالأقوى جوازه و إن كان الأحوط الترك ،كما أن الأقوى
الجواز في سائر أقسام الصوم الواجب الموسّع و إن كان الأحوط الترك فيها
أيضا ،و أما الإفطار قبل الزوال فلا مانع منه حتى في قضاء شهر رمضان عن
نفسه إلا مع التعين بالنذر أو الإجارة أو نحوهما ،أو التضيّق بمجيء رمضان
آخر إن قلنا بعدم جواز التأخير إليه كما هو المشهور .
--( 225 )--
فصل
في صوم الكفارة
و هو أقسام :
منها :ما يجب فيه الصوم مع غيره ،و هي كفارة قتل العمد ( 1 ) ،و كفارة
( 1 ) الظاهر ان ثبوت الكفارة في القتل العمدي انما هي فيما إذا ثبتت فيه
الدية ،و هو في موردين ..
أحدهما :إذا عفا ولي المقتول عن القصاص فعندئذ ينتقل إلى الدية .
و الآخر :إذا لم يتمكن من القصاص ،و أما إذا تمكن منه و قام بالاقتصاص
من القاتل و اقتص فالظاهر انه لا شيء عليه ،و تدل على ذلك صحيحة عبد اللّه
بن سنان و ابن بكير جميعا عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سئل عن المؤمن يقتل
المؤمن متعمدا هل له توبة ؟فقال :ان كان قتله لإيمانه فلا توبة له ،و إن
كان قتله لغضب أو لسبب من أمر الدنيا ،فان توبته أن يقاد منه ،و إن يكن علم
به انطلق إلى أولياء المقتول فأقر عندهم بقتل صاحبهم ،فان عفوا عنه فلم
يقتلوه اعطاهم الدية و اعتق نسمة و صام شهرين متتابعين و أطعم ستين مسكينا
توبة إلى اللّه عز و جل »- 1 - فانها ظاهرة في ان وجوب اعطاء الدية و الكفارة
مترتب على العفو و عدم القتل ،و على هذا فما ورد في بعض الروايات من ترتب
الكافرة على القتل العمدي و إن كان مطلقا الاّ أنه لا بد من تقييد اطلاقها بتلك
الروايات .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب القصاص في النفس الحديث :1 .
--( 226 )--
من أفطر على محرّم في شهر رمضان ،فإنه تجب فيها الخصال الثلاث ( 1 ) .
و منها :ما يجب فيه الصوم بعد العجز عن غيره ،و هي كفارة الظهار ،
و كفارة قتل الخطأ ،فإن وجوب الصوم فيهما بعد العجز عن العتق ،و كفارة
الافطار في قضاء رمضان ،فإن الصوم فيها بعد العجز عن الإطعام كما
عرفت ،و كفارة اليمين و هي عتق رقبة أو إطعام عشرة مساكين أو كسوتهم
و بعد العجز عنها فصيام ثلاثة أيام ،و كفارة صيد النعامة ،و كفارة صيد البقر
الوحشي ،و كفارة صيد الغزال ،فإن الأول تجب فيه بدنة و مع العجز عنها
صيام ثمانية عشر يوما ( 2 ) ،و الثاني يجب فيه ذبح بقرة و مع العجز عنها
صوم تسعة أيام ،و الثالث يجب فيه شاة و مع العجز عنها صوم ثلاثة أيام ،
و كفارة الإفاضة من عرفات قبل الغروب عامدا ،و هي بدنة و بعد العجز عنها
صيام ثمانية عشر يوما ،و كفارة خدش المرأة وجهها في المصاب حتى
( 1 ) في الوجوب اشكال بل منع ،و الأظهر عدم الوجوب و قد مر تفصيل
ذلك في المسألة ( 1 ) من ( فصل المفطرات المذكورة ...) .
( 2 ) بل اطعام ستين مسكينا ،فان لم يتمكن فصيام ثمانية عشر يوما ،
و تنص عليه صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليهما السّلام قال : «سألته
عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه ؟قال :عليه بدنة ،فان لم يجد فليتصدق
على ستين مسكينا ،فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما ،قال :و سألته عن محرم
أصاب بقرة ما عليه ؟قال :عليه بقرة ،فان لم يجد فليتصدق على ثلاثين مسكينا ،
فان لم يجد فليصم تسعة أيام ،قال :و سألته عن محرم أصاب ظبيا ما عليه ؟قال :
عليه شاة ،فان لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين ،فان لم يجد فليصم ثلاثة
أيام »- 1 - و بذلك يظهر حال ما بعده .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب كفارات الصيد الحديث :6 .
--( 227 )--
أدمته ( 1 ) و نتفها رأسها فيه ،و كفارة شق الرجل ثوبه على زوجته أو ولده
فإنهما ككفارة اليمين .
و منها :ما يجب فيه الصوم مخيرا بينه و بين غيره ،و هي كفارة الإفطار
في شهر رمضان ،و كفارة الاعتكاف ( 2 ) ،و كفارة النذر ( 3 ) و العهد ،و كفارة
ثم ان الانتقال من كفارة الصيد إلى الصوم بعد العجز عن الاطعام لا
ينحصر في الموارد الثلاثة المذكورة في المتن ،بل هو ثابت في صيد الأرنب
و ما شاكله أيضا على تفصيل يأتي في باب الحج إن شاء اللّه تعالى .
( 1 ) في ثبوت الكفارة فيه و فيما بعده اشكال بل منع ،و الأظهر عدم ثبوتها
في خدش المرأة وجهها و لا في نتفها رأسها ،كما انه لا كفارة في شق الرجل ثوبه
على زوجته أو ولده ،فانها و إن كانت مشهورة الاّ أنه لا دليل عليها غير رواية
حنان بن سدير قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل شق ثوبه على أبيه أو على
امه أو على أخيه أو على قريب له فقال :لا بأس بشق الجيوب ،قد شق موسى بن
عمران على أخيه هارون ،و لا يشق الوالد على ولده و لا زوج على امرأته و تشق
المرأة على زوجها ،و إذا شق زوج على امرأته أو والد على ولده فكفارته حنث
يمين و لا صلاة لهما حتى يكفرا أو يتوبا من ذلك فإذا خدشت المرأة وجهها أو
جزّت شعرها أو نتفته ففي جزّ الشعر عتق رقبة أو صيام شهرين متتابعين أو
اطعام ستين مسكينا ،و في الخدش إذا دميت ،و في النتف كفارة حنث يمين ،و لا
شيء في اللطم على الخدود سوى الاستغفار و التوبة »- 1 - .و هذه الرواية و إن
كانت تامة دلالة الا أنها ضعيفة سندا بخالد بن سدير ،و لكن مع هذا فرعاية
الاحتياط أولى و أجدر .
( 2 ) تقدم في الأمر الرابع من ( فصل المفطرات المذكورة ) ان الأحوط
وجوبا الترتيب فيها .
( 3 ) تقدم في الأمر الثالث من ذلك الفصل ان كفارته كفارة اليمين .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :31 من أبواب الكفارات الحديث :1 .
--( 228 )--
جز المرأة شعرها ( 1 ) في المصاب ،فإن كل هذه مخيرة بين الخصال الثلاث
على الأقوى ،و كفارة حلق الرأس في الإحرام ،و هي دم شاة أو صيام ثلاثة
أيام أو التصدق على ستة مساكين لكل واحد مدّان .
و منها :ما يجب فيه الصوم مرتبا على غيره مخيرا بينه و بين غيره ،
و هي كفارة الواطئ أمته المحرمة بإذنه ،فإنها بدنة أو بقرة ( 2 ) و مع العجز
فشاة أو صيام ثلاثة أيام .
[2549 ]مسألة 1 :يجب التتابع في صوم شهرين من كفارة الجمع أو كفارة
التخيير ،و يكفي في حصول التتابع فيهما صوم الشهر الأول و يوم من الشهر
الثاني ،و كذا يجب التتابع في الثمانية عشر بدل الشهرين ( 3 ) ،بل هو
( 1 ) على الأحوط الأولى كما مر آنفا .
( 2 ) أو شاة إذا كان موسرا و عالما بالحال و كان هو الذي أمرها بالإحرام ،
و إذا كان معسرا كذلك فشاة أو صيام ،و تنص عليه موثقة اسحاق بن عمار قال :
«قلت لأبي الحسن موسى عليه السّلام :أخبرني عن رجل محلّ وقع على أمة له محرمة ،
قال :موسرا أم معسرا ،قلت :أجبني فيهما ،قال :هو أمرها بالاحرام أو لم يأمرها ،
أو أحرمت من قبل نفسها ؟قلت :أجبني فيهما ،فقال :ان كان موسرا و كان عالما
انه لا ينبغي له و كان هو الذي أمرها بالاحرام فعليه بدنة ،و إن شاء بقرة ،و إن شاء
شاة ،و إن لم يكن أمرها بالاحرام فلا شيء عليه موسرا كان أو معسرا ،و إن كان
أمرها و هو معسر فعليه دم شاة أو صيام »- 1 - .
( 3 ) في الوجوب اشكال بل منع ،إذ لا دليل على اعتبار التتابع في البدل ،
لأن الدليل انما يدل على اعتباره في المبدل و هو صيام الشهرين و لا دليل على
ان البدل مثل المبدل في تمام الآثار ،هذا اضافة إلى أنه ليس بدلا عن صيام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث :2 .
--( 229 )--
الأحوط ( 1 ) في صيام سائر الكفارات ،و إن كان في وجوبه فيها تأمل
و إشكال .
الشهرين المتتابعين ،أما في كفارة شهر رمضان فقد تقدم في المسألة ( 19 ) من
( فصل المفطرات المذكورة ...) انه لا دليل على وجوبه عند العجز عن الخصال
الثلاث ،بل الوظيفة في هذه الحالة التصدق بما يطيق لا الصيام المذكور و هو
صيام ثمانية عشر يوما ،و على تقدير وجوبه فهو بدل عن الجامع لدى العجز عن
الجميع لا عن خصوص صيام الشهرين المتتابعين ،بل مقتضى صحيحة عبد اللّه
بن سنان الآتية هو انه بدل عن الاطعام دون الصيام .
و أما في كفارة الصيد فهو و إن كان ثابتا ،الاّ أنه بدل عن الاطعام لا عن
الصيام ،و قد نص على ذلك في صحيح عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
«سألته عن رجل كان عليه صيام شهرين متتابعين فلم يقدر على الصيام و لم
يقدر على العتق و لم يقدر على الصدقة ،قال :فليصم ثمانية عشر يوما عن كل
عشرة مساكين ثلاثة أيام »- 1 - .
( 1 ) لا بأس بتركه و إن كانت رعايته أولى و أجدر ،فان اعتبار التتابع بحاجة
إلى قرينة و إن كانت تلك القرينة مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ،و الاّ
فنفس كلمة ثلاثة أيام ،أو سبعة أيام ،أو عشرة أيام ،أو ثمانية عشر يوما ،و هكذا
لا تدل على التوالي و التتابع ما لم تكن هناك قرينة من الداخل أو الخارج ،و على
هذا فان كان هناك نص على اعتباره كما في كفارة صوم شهر رمضان فهو ،و الاّ
فمقتضى القاعدة عدم اعتباره الاّ إذا كانت هناك خصوصية خارجية أو داخلية
تؤكد على اعتباره ،كما في أدنى الحيض و أكثره و عشرة أيام الاقامة و نحو ذلك ،
و بما انه ليس في روايات سائر الكفارات ما يصلح أن يكون قرينة على اعتباره
في صيامها فمقتضى اطلاقها عدم اعتباره .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
--( 230 )--
[2550 ]مسألة 2 :إذا نذر صوم شهر أو أقل أو أزيد لم يجب التتابع إلا مع
الانصراف أو اشتراط التتابع فيه ( 1 ) .
[2551 ]مسألة 3 :إذا فاته النذر المعين أو المشروط فيه التتابع
( 1 ) فيه انه لا أثر لانصراف اللفظ إلى التتابع ،لأن النذر تابع لقصد الناذر ،
فانه ان كان قاصدا التتابع وجب و الاّ فلا ،سواء أ كان اللفظ منصرفا إليه أم لا .
نعم ،ورد في رواية الفضيل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل جعل عليه
صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ثم عرض له أمر ،فقال :إن كان صام
خمسة عشر يوما فله أن يقضي ما بقي ،و إن كان أقل من خمسة عشر يوما لم
يجزه حتى يصوم شهرا تاما »- 1 - .
و هذه الرواية و إن دلت على اعتبار التتابع في الصيام المنذور الاّ انه لا بد
من حملها على ما إذا كان الناذر قاصدا له ،و الاّ فلا يحتمل وجوبه ،لأن الناذر إذا
نذر صوم شهر -مثلا -فلا يخلو من أن يكون قاصدا التتابع فيه ،أو لا ،و على
الثاني فمرة يكون غافلا عن هذه الخصوصية و انما قصد طبيعي صوم شهر
كامل ،و اخرى يكون قاصدا الاطلاق و عدم اشتراط التتابع ،فعلى الأول يجب
التتابع ،و على الثاني لا يجب بكلا شقيه بلحاظ انه غير مقصود و لو بسبب الغفلة
عنه .
نعم ،لو قصد الناذر معنى اللفظ على ما هو المتفاهم لدى العرف و لو
انصرافا على نحو الاجمال فهو المتبع باعتبار انه المقصود و لا ينافي ذلك تبعية
النذر لقصد الناذر كما و كيفا .ثم ان الحكم في مورد الرواية بما انه على خلاف
القاعدة فلا بد من الاقتصار على موردها فيما إذا كان المانع عن استمرار الصيام
عارضا عليه بغير اختياره لأنه القدر المتيقن منها ،هذا كله على تقدير صحة
الرواية ،و الظاهر أن الرواية ضعيفة سندا بموسى بن بكر .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
--( 231 )--
فالأحوط ( 1 ) في قضائه التتابع أيضا .
[2552 ]مسألة 4 :من وجب عليه الصوم اللازم فيه التتابع لا يجوز أن
يشرع فيه في زمان يعلم أنه لا يسلم له بتخلل العيد ( 2 ) أو تخلل يوم يجب
فيه صوم آخر من نذر أو إجارة أو شهر رمضان ،فمن وجب عليه شهران
متتابعان لا يجوز له أن يبتدئ بشعبان بل يجب أن يصوم قبله يوما أو أزيد
( 1 ) لا بأس بتركه و إن كانت رعايته أولى و أجدر ،و النكتة فيه ان الأمر
بالقضاء إن كان بصيغة ما ورد في النبوي من قوله : «من فاتته فريضة فليقضها كما
فاتته »فأمكن أن يقال :ان الفائت من الفريضة بأية كيفية كانت يجب أن يقضيه
كذلك ،فان كان متتابعا لزم قضاؤه كذلك ،و الاّ فلا ،و بما ان الصوم الفائت في
المسألة متتابع فيجب أن يقضيه كذلك ،الاّ انه بهذه الصيغة بما انه نبوي فلا
يثبت .
و أما ما ورد في صحيحة زرارة من قوله عليه السّلام : «يقضى ما فاته كما فاته »- 1 -
فبما أن مورده الصلاة فيكون ناظرا إلى اعتبار المماثلة بين الفائت و ما يقضيه في
الكم يعني في القصر و التمام و إن كان بصيغة «يصوم يوما بدل يوم »- 2 - فانه أيضا
لا يدل على ذلك ،لأن الظاهر منه عرفا اعتبار المماثلة بينهما في العدد فحسب
دون غيره ،و حيث ان الأمر بالقضاء في المقام قد ورد بهذه الصيغة فلا تدل على
ان المقتضي لا بد أن يكون مثل الفائت حتى في اعتبار التتابع و التوالي .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان القتل إذا كان في الأشهر الحرم وجب
على القاتل أن يصوم شهرين متتابعين من الأشهر الحرم حتى يوم العيد ،و تنص
عليه صحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر عليه السّلام :رجل قتل رجلا في الحرم ،قال :
عليه دية و ثلث ،و يصوم شهرين متتابعين من أشهر الحرم و يعتق رقبة و يطعم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب قضاء الصلوات الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
--( 232 )--
من رجب ،و كذا لا يجوز أن يقتصر على شوال مع يوم من ذي القعدة ،أو
على ذي الحجة مع يوم من المحرم لنقصان الشهرين بالعيدين ،نعم لو
لم يعلم من حين الشروع عدم السلامة فاتفق فلا بأس على الأصح ،و إن
كان الأحوط عدم الإجزاء ( 1 ) ،و يستثنى ( 2 ) مما ذكرنا من عدم الجواز
مورد واحد و هو صوم ثلاثة أيام بدل هدي التمتع إذا شرع فيه يوم
التروية ،فإنه يصح و إن تخلل بينها العيد فيأتي بالثالث بعد العيد
بلا فصل أو بعد أيام التشريق بلا فصل لمن كان بمنى ،و أما لو شرع فيه
يوم عرفة أو صام يوم السابع و التروية و تركه في عرفة لم يصح و وجب
ستّين مسكينا قال :قلت :هذا يدخل فيه العيد و أيام التشريق ،فقال :يصومه فانه
حق لزمه »- 1 - .
و مثلها صحيحته الاخرى .
( 1 ) بل الإجزاء هو الأقوى إذا كان غافلا عن عدم سلامته أو ناسيا له ،
حيث انه مشمول لقوله عليه السّلام : «هذا مما غلب اللّه تعالى عليه »- 2 - و أما إذا كان شاكا
فيه فعدم الاجزاء هو الأقوى باعتبار انه غير مشمول له .
( 2 ) في استثنائه اشكال بل منع ،لأن مقتضى صحيحة يحيى الأزرق عن
أبي الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن رجل قدم يوم التروية متمتعا و ليس له
هدي فصام يوم التروية و يوم عرفة ،قال :يصوم يوما آخر بعد أيام التشريق »- 3 -
و إن كان جواز ترك التتابع و عدم وجوبه ،الاّ ان موردها خاص ،و تدل على عدم
اشتراط التتابع في صحة صيام الأيام الثلاثة في ذلك المورد الخاص لا مطلقا ،
و في هذا المورد معارضة بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :12 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :52 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث :2 .
--( 233 )--
الاستئناف كسائر موارد وجوب التتابع .
[2553 ]مسألة 5 :كل صوم يشترط فيه التتابع إذا أفطر في أثنائه لا لعذر
اختيارا يجب استئنافه ،و كذا إذا شرع فيه في زمان يتخلل فيه صوم واجب
آخر من نذر و نحوه ،و أما ما لم يشترط فيه التتابع و إن وجب فيه بنذر أو
نحوه فلا يجب استئنافه و إن أثم بالإفطار ،كما إذا نذر التتابع في قضاء
رمضان فإنه لو خالف و أتى به متفرقا صح و إن عصى من جهة خلف النذر .
[2554 ]مسألة 6 :إذا أفطر في أثناء ما يشترط فيه التتابع لعذر من الأعذار
كالمرض و الحيض و النفاس و السفر الاضطراري دون الاختياري لم يجب
استئنافه بل يبني على ما مضى ،و من العذر ما إذا نسي النية حتى فات وقتها
بأن تذكر بعد الزوال ،و منه أيضا ما إذا نسي فنوى صوما آخر و لم يتذكر إلا
بعد الزوال ،و منه أيضا ما إذا نذر قبل تعلق الكفارة صوم كل
الحسن عليه السّلام قال : «سأله عباد البصري عن متمتع لم يكن معه هدي ،قال :يصوم
ثلاثة أيام قبل يوم التروية ،قال :فان فاته صوم هذه الأيام ،فقال :لا يصوم التروية
و لا يوم عرفة ،و لكن يصوم ثلاثة أيام متتابعات بعد أيام التشريق »- 1 - .
و صحيحة عيص بن القاسم باعتبار ان مفاد الاولى ارشاد إلى عدم اعتبار
التتابع فيه ،و مفاد الأخيرتين ارشاد إلى اعتباره فيه ،فتسقط حينئذ من جهة
المعارضة و يرجع في موردها إلى العام الفوقي و هو قوله عليه السّلام في موثقة اسحاق
بن عمار : «لا تصوم الثلاثة الأيام متفرقة »- 2 - .و أما حمل النهي عن صوم يوم
التروية و صوم يوم عرفة في الروايتين الأخيرتين على النهي عنه على سبيل
الانفراد بعيد جدا لوضوح ان المتفاهم العرفي منهما النهي عن صيام اليومين
---------------
( 1 ) الوسائل باب :52 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :53 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث :1 .
--( 234 )--
خميس ( 1 ) فإن تخلله في أثناء التتابع لا يضر به ،و لا يجب عليه
الانتقال إلى غير الصوم من الخصال في صوم الشهرين لأجل هذا التعذر ،
نعم لو كان قد نذر صوم الدهر قبل تعلق الكفارة اتجه الانتقال إلى سائر
الخصال ( 2 ) .
[2555 ]مسألة 7 :كل من وجب عليه شهران متتابعان من كفارة معينة أو
مخيرة إذا صام شهرا و يوما متتابعا يجوز له التفريق في البقية و لو اختيارا لا
جمعا بعنوان بدل الهدي و تدلان على انه لا قيمة له بعد عدم امكان ضم اليوم
الثالث إليهما مباشرة .
( 1 ) هذا فيما إذا كان متعلق النذر حصة خاصة من الصوم و هي خصوص
صوم يوم الخميس و لا ينطبق على صوم آخر ،فان وجوب الوفاء به مانع من
التتابع ،و هو مما غلب اللّه تعالى عليه فيكون مشمولا لإطلاق التعليل الوارد في
ذيل صحيحة سليمان بن خالد و هو قوله عليه السّلام : «هذا مما غلب اللّه عليه و ليس
على ما غلب اللّه عز و جل شيء ... »- 1 - و في ذيل صحيحة رفاعة و هو قوله عليه السّلام :
«يبني عليه اللّه حبسه »- 2 - ،و أما إذا كان متعلقه طبيعي الصوم مطلقا
بلا تقيده بقيد خاص كأن نذر أن يصوم في هذا اليوم أيّ صوم كان من قضاء أو
اجارة أو كفارة فعندئذ يحسب من الكفارة لأنه ينطبق عليه فلا ينافي
التتابع .
( 2 ) في الانتقال اشكال بل منع ،فان نذر صوم الدهر بما انه لا يكون
معنونا بعنوان خاص حيث ان مرده إلى أنه يظل صائما طيلة عمره بأي صوم كان ،
فينطبق حينئذ على صوم الكفارة أيضا و يحسب منه ،و معه لا مقتضى للانتقال
إلى سائر الخصال .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :3 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :12 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :10 .
--( 235 )--
لعذر ،و كذا لو كان من نذر أو عهد ( 1 ) لم يشترط فيه تتابع الأيام
جميعها ( 2 ) و لم يكن المنساق منه ذلك ( 3 ) ،و ألحق المشهور بالشهرين
الشهر المنذور فيه التتابع فقالوا إذا تابع في خمسة عشر يوما منه يجوز له
التفريق في البقية اختيارا و هو مشكل ،فلا يترك الاحتياط فيه
بالاستئناف ( 4 ) مع تخلل الإفطار عمدا و إن بقي منه يوم ،كما لا إشكال في
عدم جواز التفريق اختيارا مع تجاوز النصف في سائر أقسام الصوم
( 1 ) نقصد به انه نوى في نذره أو عهده التتابع بين الشهرين على النحو
المراد منه في الشرع ،فإذا كانت نيته كذلك وجب عليه التتابع بين صوم شهر
و يوم من الشهر الثاني دون الأكثر كما هو الحال في صيام شهرين متتابعين .
( 2 ) نقصد به انه لا ينوي التتابع بين شهرين كلا ،و هذا لا ينافي أن يكون
ناويا التتابع بينهما على النحو المقصود منه في الشرع .
و إن شئت قلت :ان الناذر مرة أراد بنذره صوم شهرين متتابعين التتابع
بينهما على النحو المعهود لدى الشرع ،و اخرى أراد بنذره ذلك التتابع الواقعي
و هو التتابع بين جميع أيامهما ،فعلى الأول يجب عليه التتابع بين صيام شهر
و يوم من الشهر الثاني ،و أما في الباقي فيجوز التفريق ،و على الثاني يجب عليه
التتابع و التوالي بين كل أيام الشهرين من البداية إلى النهاية .
( 3 ) تقدم في المسألة ( 2 ) ان النذر تابع لقصد الناذر و لا أثر لانصراف
اللفظ ،و المنساق منه إذا لم يكن مقصودا للناذر .
( 4 ) بل هو الأقوى حيث انه لا دليل على الالحاق ،و أما رواية الفضيل عن
أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل جعل عليه صوم شهر فصام منه خمسة عشر يوما ،ثم
عرض له أمر ،فقال :ان كان صام خمسة عشر يوما فله أن يقضى ما بقى ،و إن كان
أقل من خمسة عشر يوما لم يجزه حتى يصوم شهرا تاما »- 1 - فهي و إن كانت
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
--( 236 )--
المتتابع ( 1 ) .
[2556 ]مسألة 8 :إذا بطل التتابع في الأثناء لا يكشف عن بطلان الأيام
تنص على التفصيل بين عروض المانع عن التتابع عليه بعد اكمال خمسة عشر
يوما و عروضه عليه قبله ،فعلى الأول تسقط شرطية التتابع و له الاكتفاء بالاتيان
بالباقي ،و على الثاني يجب الاستيناف من الأول و الغاء ما أتى من الصيام ،الاّ أنها
ضعيفة سندا بموسى بن بكر حيث لم يرد فيه توثيق عدا وروده في اسناد تفسير
علي بن ابراهيم ،و هو لا يكفى ،في كونه ثقة .
( 1 ) كصوم شهر في كفارة قتل الخطأ و الظهار على العبد و صوم ثمانية
عشر يوما بدل الشهرين و إن كان في وجوب التتابع في الأخير اشكال بل منع
على تقدير تسليم أصل وجوبه كما تقدم .
و قد يقال بالتفصيل في صوم شهر بين الظهار و غيره ،فان كان في الظهار
فهو ملحق بصيام شهرين متتابعين ،و إن كان في غيره فلا دليل على الالحاق .
و قد استدل على ذلك بصحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«انه قال في رجل صام في ظهار شعبان ثم أدركه شهر رمضان ،قال :يصوم شهر
رمضان و يستأنف الصوم ،فان هو صام في الظهار فزاد في النصف يوما قضى
بقيته »- 1 - بتقريب ان قوله عليه السّلام في ذيلها : «فان هو صام في الظهار فزاد في النصف
يوما قضى بقيته »مطلق ،و باطلاقه يعم النصف من الشهرين المتتابعين كما في
الحر و من الشهر الواحد المتتابع كما في العبد ،و لكن من الواضح انه لا
اطلاق له باعتبار انه متفرع على صيام رجل في الظهار شهرا كاملا و هو شهر
شعبان ثم أدركه رمضان فأمر الامام عليه السّلام بصيامه و استئناف صوم الظهار معللا بأنه
لم يزد على النصف يوما ،و من المعلوم ان ذلك التعليل اشارة إلى النصف من
الشهرين المتتابعين فلا اطلاق له .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب بقية الصوم الواجب الحديث :1 .
--( 237 )--
السابقة فهي صحيحة و إن لم تكن امتثالا للأمر الوجوبي و لا الندبي ( 1 )
لكونها محبوبة في حد نفسها من حيث إنها صوم ،و كذلك الحال في
الصلاة إذا بطلت في الأثناء فإن الأذكار و القراءة صحيحة في حد نفسها من
حيث محبوبيتها لذاتها .
نعم ،لو كان هذا التعليل في كلام الامام عليه السّلام ابتداء لأمكن أن يقال
بالاطلاق لا في مثل المقام .
( 1 ) الظاهر انه امتثال للأمر الندبي لأن الصائم إذا صام الأيام المذكورة
بأمل التقرب بها إلى اللّه تعالى ،غاية الأمر انه كان قاصدا بها امتثال أمرها
الوجوبي ثم بان عدمه فقد أتى بها اضافة إلى اللّه تعالى ،و بذلك يحصل امتثال
الأمر الندبي و الخطأ في الاعتقاد و انكشاف الخلاف لا يضر في الاضافة
و الامتثال .
و إن شئت قلت :ان منشأ صحة الاضافة و التقرب انما هو محبوبية الصيام
في نفسه التي هي المنشأ لأمره الاستحبابي ،و عليه فالاتيان بالصوم بداعي امتثال
أمره الوجوبي التوصلي لا ينفك عن الاتيان به اضافة إليه تعالى باعتبار ان قصد
أمره داع إلى الاتيان به كذلك ،و من المعلوم ان الاتيان به كذلك بملاك انه
محبوب في نفسه و قابل للتقرب ،و الاّ لم يمكن التقرب به ،فاذن كيف لا يكون
امتثالا لأمره الاستحبابي .
--( 238 )--
فصل
في أقسام الصوم
أقسام الصوم أربعة :واجب ،و ندب ،و مكروه كراهة عبادة ،و محظور .
و الواجب أقسام ..
صوم شهر رمضان ،و صوم الكفارة ،و صوم القضاء ،و صوم بدل
الهدي في حج التمتع ،و صوم النذر و العهد و اليمين ،و الملتزم بشرط أو
إجارة ،و صوم اليوم الثالث من أيام الاعتكاف ،أما الواجب فقد مر جملة
منه .
و أما المندوب منه فأقسام ..
منها :مالا يختص بسبب مخصوص و لا زمان معين كصوم ايام السنة
عدا ما استثني من العيدين و أيام التشريق لمن كان بمنى ،فقد وردت
الأخبار الكثيرة في فضله من حيث هو و محبوبيته و فوائده ،و يكفي فيه
ما ورد في الحديث القدسي «الصوم لي و أنا أجازي به »و ما ورد من «أن
الصوم جنة من النار »و «أن نوم الصائم عبادة ،و صمته تسبيح ،و عمله متقبل ،
و دعاءه مستجاب » ،و نعم ما قال بعض العلماء من أنه لو لم يكن في الصوم
إلا الارتقاء عن حضيض حظوظ النفس البهيمية إلى ذروة التشبه بالملائكة
الروحانية لكفى به فضلا و منقبة و شرفا .
و منها :ما يختص بسبب مخصوص ،و هي كثيرة مذكورة في كتب
الأدعية .
--( 239 )--
و منها :ما يختص بوقت معين ،و هو في مواضع ..
منها و هو آكدها :صوم ثلاثة أيام من كل شهر ،فقد ورد أنه يعادل
صوم الدهر ،و يذهب بوحر الصدر ،و أفضل كيفياته ما عن المشهور و يدل
عليه جملة من الأخبار و هو أن يصوم أول خميس من الشهر و آخر خميس
منه و أول أربعاء في العشر الثاني ،و من تركه يستحب له قضاؤه ،و مع العجز
عن صومه لكبر و نحوه يستحب أن يتصدق عن كل يوم بمد من طعام أو
بدرهم .
و منها :صوم أيام البيض من كل شهر ،و هي الثالث عشر و الرابع عشر
و الخامس عشر على الأصح المشهور ،و عن العماني أنها الثلاثة المتقدمة .
و منها :صوم يوم مولد النبي صلّى اللّه عليه و آله و هو السابع عشر من ربيع الأول
على الأصح ،و عن الكليني رحمه اللّه أنه الثاني عشر منه .
و منها :صوم يوم الغدير ،و هو الثامن عشر من ذي الحجة .
و منها :صوم يوم مبعث النبي صلّى اللّه عليه و آله ،و هو السابع و العشرون من رجب .
و منها :يوم دحو الأرض من تحت الكعبة ،و هو اليوم الخامس
و العشرون من ذي القعدة .
و منها :يوم عرفة لمن لا يضعفه الصوم عن الدعاء .
و منها :يوم المباهلة ،و هو الرابع و العشرون من ذي الحجة .
و منها :كل خميس و جمعة معا ،أو الجمعة فقط .
و منها :أول ذي الحجة ،بل كل يوم من التسع فيه .
و منها :يوم النيروز .
و منها :صوم رجب و شعبان كلا أو بعضا ،و لو يوما من كل منهما .
و منها :أول يوم من المحرم و ثالثه و سابعه .
و منها :التاسع و العشرون من ذي القعدة .
--( 240 )--
و منها :صوم ستة أيام بعد عيد الفطر بثلاثة أيام أحدها العيد .
و منها :يوم النصف من جمادي الاولى .
[2557 ]مسألة 1 :لا يجب إتمام صوم التطوع بالشروع فيه بل يجوز له
الإفطار إلى الغروب ،و إن كان يكره بعد الزوال .
[2558 ]مسألة 2 :يستحب للصائم تطوعا قطع الصوم إذا دعاه أخوه
المؤمن إلى الطعام ،بل قيل بكراهته حينئذ .
و أما المكروه منه بمعنى قلة الثواب ففي مواضع أيضا ..
منها :صوم عاشوراء .
و منها :صوم عرفة لمن خاف أن يضعفه عن الدعاء الذي هو أفضل
من الصوم ،و كذا مع الشك في هلال ذي الحجة خوفا من أن يكون يوم
العيد .
و منها :صوم الضعيف بدون إذن مضيفه ،و الأحوط تركه مع نهيه ،بل
الأحوط تركه مع عدم إذنه أيضا .
و منها :صوم الولد بدون إذن والده ،بل الأحوط تركه خصوصا مع
النهي ،بل يحرم إذا كان إيذاء له من حيث شفقته عليه ،و الظاهر جريان
الحكم في ولد الولد بالنسبة إلى الجد ،و الأولى مراعاة إذن الوالدة ،و مع
كونه إيذاء لها يحرم كما في الوالد .
و أما المحظور منه ففي مواضع أيضا ..
أحدها :صوم العيدين الفطر و الأضحى ،و إن كان عن كفارة القتل في
أشهر الحرم ،و القول بجوازه للقاتل شاذ و الرواية الدالة عليه ضعيفة سندا
و دلالة ( 1 ) .
( 1 ) تقدم في المسألة ( 4 ) من ( فصل في صوم الكفارة ) ان الرواية
صحيحة سندا و تامة دلالة على عكس ما أفاده الماتن قدّس سرّه تماما .
--( 241 )--
الثاني :صوم أيام التشريق ،و هي الحادي عشر و الثاني عشر و الثالث
عشر من ذي الحجة لمن كان بمنى ،و لا فرق على الأقوى بين الناسك
و غيره .
الثالث :صوم يوم الشك في أنه من شعبان أو رمضان بنية أنه من
رمضان ،و أما بنية أنه من شعبان فلا مانع منه كما مر .
الرابع :صوم وفاء نذر المعصية ،بأن ينذر الصوم إذا تمكن من الحرام
الفلاني أو إذا ترك الواجب الفلاني يقصد بذلك الشكر على تيسره ،و أما إذا
كان بقصد الزجر عنه فلا بأس به ،نعم يلحق بالأول في الحرمة ما إذا نذر
الصوم زجرا عن طاعة صدرت منه أو عن معصية تركها .
الخامس :صوم الصمت ،بأن ينوي في صومه السكوت عن الكلام
في تمام النهار أو بعضه بجعله في نيته من قيود صومه ،و أما إذا لم يجعله
قيدا و إن صمت فلا بأس به ،بل و إن كان في حال النية بانيا على ذلك إذا لم
يجعل الكلام جزءا من المفطرات و تركه قيدا في صومه .
السادس :صوم الوصال ،و هو صوم يوم و ليلة إلى السحر ،أو صوم
يومين بلا إفطار في البين ،و أما لو أخر الإفطار إلى السحر أو إلى الليلة
الثانية مع عدم قصد جعل تركه جزءا من الصوم فلا بأس ،و إن كان الأحوط
عدم التأخير إلى السحر مطلقا .
السابع :صوم الزوجة مع المزاحمة لحق الزوج ،مع المزاحمة لحق الزوج ،و الأحوط تركه بلا
إذن منه ،بل لا يترك الاحتياط مع نهيه عنه و إن لم يكن مزاحما لحقه .
الثامن :صوم المملوك مع المزاحمة لحق المولى ،و الأحوط تركه من
دون إذنه ،بل لا يترك الاحتياط مع نهيه .
--( 242 )--
التاسع :صوم الولد مع كونه موجبا لتألم الوالدين و أذيتهما .
العاشر :صوم المريض و من كان يضره الصوم .
الحادي عشر :صوم المسافر إلا في الصور المستثناة على ما مر .
الثاني عشر :صوم الدهر حتى العيدين على ما في الخبر ،و إن كان
يمكن أن يكون من حيث اشتماله عليهما لا لكونه صوم الدهر من حيث
هو .
[2559 ]مسألة 3 :يستحب الإمساك تأدبا في شهر رمضان و إن لم يكن
صوما في مواضع ..
أحدها :المسافر إذا ورد أهله أو محل الإقامة بعد الزوال مطلقا أو
قبله و قد أفطر ،و أما إذا ورد قبله و لم يفطر فقد مر أنه يجب عليه الصوم .
الثاني :المريض إذا برأ في أثناء النهار و قد أفطر ،و كذا لو لم يفطر إذا
كان بعد الزوال ،بل قبله أيضا على ما مر من عدم صحة صومه ،و إن كان
الأحوط تجديد النية و الإتمام ثم القضاء .
الثالث :الحائض و النفساء إذا طهرتا في اثناء النهار .
الرابع :الكافر إذا أسلم في أثناء النهار أتى بالمفطر أم لا .
الخامس :الصبي إذا بلغ في أثناء النهار .
السادس :المجنون و المغمى عليه إذا أفاقا في أثنائه .
تمّ كتاب الصوم
--( 243 )--
فوائد
الفائدة الاولى :الصيام المشروع في السفر أربعة أنواع ..
الأول :صيام ثمانية عشر يوما عوضا عن كفارة التعجيل بالخروج من
عرفات قبل الغروب ،فان من استعجل و خرج منها قبل الغروب فعليه أن يكفر
بدنة ينحرها يوم النحر ،فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما بمكة أو في الطريق
أو في أهله .
الثاني :صيام عشرة أيام عوضا عن الهدي يؤدى الحاج ثلاثة منها في
السفر ،ثم سبعة إذا رجع إلى أهله .
الثالث :صيام الواجب بالنذر في السفر شريطة أن ينص بقوله : «للّه عليّ
أن أصوم اليوم الفلاني في السفر ،أو الاسبوع الفلاني فيه »أو ينص بقوله : «للّه
عليّ أن أصوم شهر رجب أو شعبان المقبل سواء كنت حاضرا أم مسافرا »ففي
ذلك يصح منه الصيام في السفر .
الرابع :صيام المستحب ثلاثة أيام للمسافر في المدينة المنورة لقضاء
الحاجة و هي أيام الأربعاء و الخميس و الجمعة على نحو التتابع و التوالي كما
تقدم في النص .
الفائدة الثانية :نقاط الفرق بين أنواع الصيام ..
1 -يمتاز صوم شهر رمضان و الصوم المنذور في يوم معين عن سائر
أنواع الصوم الواجب في نقطة و هي :انه لا يجوز تأخير النية في الأولين عن
طلوع الفجر ،و يجوز تأخيرها في سائر الأنواع عنه إلى ما قبل الزوال ،و لا يجوز
تأخيرها فيها عن الزوال ،و أما في الصوم المستحب فيجوز تأخيرها عن الزوال
أيضا إلى ما قبل الغروب .
2 -يمتاز صوم شهر رمضان عن قضائه في أن الاصباح جنبا بلا تعمد
مبطل لقضاء شهر رمضان دون صومه الاّ في حالة واحدة و هي الاصباح جنبا في
النومة الثانية ،فانه مبطل لصوم شهر رمضان و إن لم يكن عن عمد على تفصيل
--( 244 )--
تقدم في محله ،و لكن يشتركان في ان البقاء على الجنابة متعمدا إلى أن يطلع
الفجر مبطل لكليهما معا ،و بذلك يمتازان عن سائر أنواع الصيام من الواجبة
و المستحبة ،فان البقاء على الجنابة ليلا إلى أن يطلع الفجر و لو متعمدا لا يكون
مبطلا لها حتى ما كان واجبا بالذات كصوم الكفارة و صوم التعويض و إن كانت
رعاية الاحتياط فيه أولى و أجدر .
3 -يمتاز صوم شهر رمضان و صوم قضائه و الصوم المنذور المعين عن
سائر أنواع الصيام من الواجبة و المستحبة في الكفارة ،فانها تجب بالافطار
و الجماع و الاستمناء شريطة أن تكون متعمدا و ملتفتا إلى عدم جوازها في الثلاثة
الاولى .و لا تجب بشيء منها و إن كان متعمدا و ملتفتا في الأنواع الباقية حتى
الواجبة بالذات كصوم الكفارة و التعويض .
الفائدة الثالثة :نقاط الاشتراك بين أنواع الصيام :
1 -تشترك جميع أنواع الصيام من الواجبة و المستحبة في المفطرات
الثمانية .
2 -تشترك جميع أنواعها كذلك في أنها لا تبطل بالافطار نسيانا و سهوا .
3 -تشترك الجميع كذلك في نية القربة .
هذا تمام الكلام في كتاب الصوم
و قد تم بعونه تعالى و فضله و الحمد للّه ربّ العالمين
--( 245 )--
كتاب الاعتكاف
--( 246 )--
--( 247 )--
كتاب الاعتكاف
و هو اللبث في المسجد بقصد العبادة ،بل لا يبعد كفاية قصد التعبد
بنفس اللبث و إن لم يضم إليه قصد عبادة اخرى خارجة عنه ،لكن الأحوط
الأول ( 1 ) ،و يصح في كل وقت يصح فيه الصوم ،و أفضل أوقاته شهر رمضان ،
و أفضله العشر الأواخر منه ،و ينقسم إلى واجب و مندوب ،و الواجب منه ما
وجب بنذر أو عهد أو يمين أو شرط في ضمن عقد أو إجارة أو نحو ذلك ،و إلا
ففي أصل الشرع مستحب ،و يجوز الإتيان به عن نفسه و عن غيره الميت ،و في
جوازه نيابة عن الحي قولان لا يبعد ذلك ،بل
( 1 ) بل الأظهر هو الثاني ،فان الاعتكاف في الشريعة المقدسة هو المكث
في المسجد بنية التقرب إلى اللّه وحده ،و يكون عبادة بذاته ،فان انضم إليه مزيد
من الدعاء و الصلاة و قراءة القرآن كان نورا على نور ،و تدل على مشروعيته و انه
عبادة ذاتا الآية الشريفة و الروايات ،أما الآية فهي قوله تعالى :وَ عَهِدْنا إِلى
إِبْراهِيمَ وَ إِسْماعِيلَ أَنْ طَهِّرا بَيْتِيَ لِلطَّائِفِينَ وَ اَلْعاكِفِينَ وَ اَلرُّكَّعِ اَلسُّجُودِ - 1 - ،
و أما الروايات :
فمنها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا كان العشر
الأواخر اعتكف في المسجد و ضربت له قبة من شعر ،و شمر الميزر و طوى
فراشه »- 2 - .
---------------
( 1 ) البقرة /125 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :1 .
--( 248 )--
..........
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة أبي العباس : «اعتكف رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في
شهر رمضان في العشر الأول ،ثم اعتكف في الثانية في العشر الوسطى ،
ثم اعتكف في الثالثة في العشر الأواخر ،ثم لم يزل يعتكف في العشر
الأواخر »- 1 - .
و منها :صحيحة داود بن سرحان قال : «كنت بالمدينة في شهر رمضان
فقلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :إني أريد ان اعتكف فما ذا أقول ،و ما ذا أفرض على
نفسي ؟فقال :لا تخرج من المسجد الاّ لحاجة لا بد منها ،و لا تقعد تحت ظلال
حتى تعود إلى مجلسك »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من
المسجد الاّ لحاجة لا بد منها ،ثم لا يجلس حتى يرجع و لا يخرج في شيء الاّ
لجنازة أو يعود مريضا ،و لا يجلس حتى يرجع ،قال :و اعتكاف المرأة مثل
ذلك »- 3 - .و منها غيرها .
فانها تدل على محبوبية الاعتكاف في ذاته و عدم اعتبار شيء في
محبوبيته كذلك .
نعم ،انها متقومة بالصوم ،و هذا يعني ان الاعتكاف من الصائم محبوب لا
مطلقا ،كما تنص على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «لا اعتكاف الاّ بصوم »- 4 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «لا اعتكاف الاّ بصوم »- 5 - .
و منها :غيرهما .
فالنتيجة :ان المستفاد من مجموع روايات الباب ان الاعتكاف و هو اللبث
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :3 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :1 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :6 .
--( 249 )--
هو الأقوى ( 1 ) ،و لا يضر اشتراط الصوم فيه فإنه تبعي ،فهو كالصلاة في
الطواف الذي يجوز فيه النيابة عن الحي .
و يشترط في صحته امور ..
الأول :الإيمان ،فلا يصح من غيره ( 2 ) .
الثاني :العقل ،فلا يصح من المجنون و لو أدوارا في دوره ،و لا من
في المسجد محبوب شريطة أن يكون مع الصوم ،فالمحبوب حصة خاصة من
اللبث فيه و هي الحصة المقارنة مع الصوم ،و أما انضمام غيره إليه كقراءة القرآن
و الدعاء و الصلاة فلا يعتبر شيء منها في حقيقته و انما يعتبر في كماله .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع لأن النيابة عن الغير بمعنى سقوط العمل عن
ذمته بفعل النائب بما أنه يكون على خلاف القاعدة فيحتاج إلى دليل ،و قد دل
الدليل على ذلك في الميت .
و أما في الحي فلا دليل عليه الاّ في باب الحج شريطة استطاعة الحي ماليا
و عجزه بدنيا للشيخوخة ،أو للمرض المأيوس من استعادة صحته و تمكنه من
الاتيان به مباشرة ،و أما رواية محمد بن مروان ،فهي و إن دلت على ذلك الاّ أنها
ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها ،و بذلك يظهر انه لا وجه لتعليل
الماتن قدّس سرّه الصوم بالتبعية ،فانه ان كان هناك دليل عام على جواز النيابة عن الحي ،
فلا فرق بينه و بين الاعتكاف ،و الاّ لم تجز لا فيه و لا في الاعتكاف ،و أما في الحج
عموما و في الطواف خصوصا فقد ثبت جواز النيابة فيهما عن الحي بالنصوص
الخاصة فلا يقاس الاعتكاف بالطواف و لا الصوم فيه بالصلاة هناك مع وجود
الفارق بينهما حيث ان الصوم هنا شرط مقوم للاعتكاف دون الصلاة هناك ،فانها
ليست من شروط الطواف ،و لذا لا يبطل الطواف بتركها ،بل هي من واجبات
الحج و العمرة .
( 2 ) تقدم الكلام فيه في ( فصل شرائط صحة الصوم ) .
--( 250 )--
السكران و غيره من فاقدي العقل .
الثالث :نية القربة كما في غيره من العبادات ،و التعيين إذا تعدد و لو
إجمالا ( 1 ) ،و لا يعتبر فيه قصد الوجه كما في غيره من العبادات ،و إن أراد أن
ينوي الوجه ففي الواجب منه ينوي الوجوب و في المندوب الندب ،و لا يقدح
في ذلك كون اليوم الثالث الذي هو جزء منه واجبا لأنه من أحكامه ،فهو نظير
النافلة إذا قلنا بوجوبها بعد الشروع فيها ،و لكن الأولى ملاحظة ذلك حين
الشروع فيه بل تجديد نية الوجوب في اليوم الثالث ،و وقت النية
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان قصد التعيين انما يعتبر فيما إذا توقف
عليه انطباق المأمور به على الفرد المأتي به في الخارج ،كما إذا صلى ركعتين
بعد الفجر ،فانه ان قصد اسمها الخاص المميز لها شرعا كصلاة الصبح انطبقت
الصلاة المأمور بها عليها و صحت و إن لم يقصد اسمها الخاص لم تنطبق عليها
و لا نافلتها و فسدت ،و أما إذا لم يتوقف الانطباق على قصد التعيين و لو اجمالا
كما إذا كان في ذمته قضاء يومين من صلاة الصبح -مثلا -أو قضاء يومين من
صوم شهر رمضان فلا حاجة إلى قصد التعيين ،بل يكفي الاتيان بصلاتين باسم
صلاة الفجر بنية القضاء ،و لا يلزم التعيين بعنوان الأول فالأول ،و كذلك يكفي
صوم يومين بنية القضاء من شهر رمضان بلا حاجة إلى قصد عنوان آخر ،باعتبار
ان الواجب انما هو قصد صلاة الصبح قضاء ،و أما أنها قضاء عن اليوم الفلاني ،
فهو غير واجب ،كما ان الواجب هو أن يقصد قضاء صوم شهر رمضان ،و أما انه
عوض و بدل عن صوم اليوم الفلاني فهو غير معتبر .
و أما في المقام ،فإذا كان اعتكافان على ذمة شخص ،فان كان كلاهما
بسبب النذر ،فلا يجب التمييز ،إذ يكفي الاتيان بهما بنية القربة بعنوان الوفاء
بالنذر و لا يعتبر قصد عنوان المنذور الأول في اليوم الأول و الثاني في اليوم
الثاني .و إن كان كلاهما بسبب الاستنابة ،فان كانت من شخص واحد فلا يجب --( 251 )--
قبل الفجر ،و في كفاية النية في أول الليل كما في صوم شهر رمضان
إشكال ( 1 ) ،نعم لو كان الشروع فيه في أول الليل أو في أثنائه نوى في ذلك
الوقت و لو نوى الوجوب في المندوب أو الندب في الواجب اشتباها لم يضر
التعيين ،إذ يكفى الاتيان بهما بنية الاستنابة عنه بداعي القربة و الخلوص من دون
التعيين بعنوان الأول فالأول ،و إن كانت من شخصين وجب التعيين و قصد
الاستنابة حينئذ عن كل واحد منهما معينا ،و الاّ لم يقع لواحد منهما ،و كذلك إذا
كان أحدهما بالاستنابة و الآخر بالنذر و النكتة في ذلك ان الاعتكاف مستحب في
نفسه فإذا اعتكف المكلف قربة إلى اللّه تعالى بدون أن يقصد الاستنابة أو الوفاء
بالنذر لم يقع الأول و لا الثاني ،بل وقع اعتكافا مستحبا بملاك ان المنوي هو
طبيعي الاعتكاف الجامع و هو لا ينطبق الاّ على الفرد الفاقد للخصوصية دون
الواجد لها ،فان انطباقه عليه بحاجة إلى التعيين .
( 1 ) بل الظاهر عدم الكفاية لأن الاعتكاف الذي هو عبارة عن المكث في
المسجد عبادة بذاته ،و من شروط صحته نية القربة ابتداء و استمرارا كسائر
العبادات ،و على هذا فلا بد أن تكون النية مقارنة له زمانا ،فلو نوى من الليل أن
يبدأ الاعتكاف من بداية نهار غد و ينام و يصبح معتكفا نهار ذلك الغد ،فالظاهر
عدم الكفاية ،و لا يقاس ذلك بالصوم في شهر رمضان ،فان كفاية الباعث و الدافع
الالهي في نفس المكلف على نحو يمنعه من ممارسة المفطرات إذا لم يكن
نائما أو غافلا أو نحو ذلك في صوم شهر رمضان انما هي من جهة وجود الدليل
و السيرة القطعية العملية الجارية بين المسلمين قاطبة من تاريخ تشريع هذا
الحكم إلى زماننا هذا ،و من هنا لا يكفى ذلك في سائر العبادات التي منها
الاعتكاف ،و في هذه الحالة إذا أراد الانسان أن يكون معتكفا من بداية صباح
الغد و مع ذلك أراد أن ينام من الليل فله أن يتخذ احدى طريقتين ..
الاولى :أن ينوي الابتداء بالاعتكاف من الليل فعلا ،ثم ينام لكي تقترن --( 252 )--
إلا إذا كان على وجه التقييد لا الاشتباه في التطبيق ( 1 ) .
الرابع :الصوم فلا يصح بدونه ،و على هذا فلا يصح وقوعه من المسافر
في غير المواضع التي يجوز له الصوم فيها ،و لا من الحائض و النفساء
و لا في العيدين ،بل لو دخل فيه قبل العيد بيومين لم يصح و إن كان
غافلا حين الدخول ،نعم لو نوى اعتكاف زمان يكون اليوم الرابع أو
الخامس منه العيد فإن كان على وجه التقييد بالتتابع لم يصح ،و إن
كان على وجه الإطلاق لا يبعد صحته فيكون العيد فاصلا بين
النية مع بداية الاعتكاف .
الثانية :انه إذا كان واثقا و متأكدا بالانتباه عند طلوع الفجر إذا نام ،فينوي
عند الانتباه لدى الفجر لكي تقترن النية مع بداية اليوم .
( 1 ) تقدم انه لا يعقل التقييد بمعنى التضييق في المقام ،فان الاتيان
بالمندوب بقصد وجوبه اشتباها و خطأ لا يوجب تقييده بحصة اخرى خارجة
عن حصة المندوب لكي لا يصح ،ضرورة أن ما أتى به فرد خارجي غير قابل
للتقييد ،غاية الأمر ان المكلف تخيل وجوب ذلك الفرد و أتى به بداعي وجوبه
ثم بان أنه ليس بواجب ،فاذن لا يتصور هنا الاّ التخلف في الداعي و الاشتباه في
التطبيق لفرض أنه أتى به للّه تعالى و بأمل التقرب به ،و هو قد تحقق باعتبار انه
بنفسه قابل للإضافة و التقرب ،و المحقق لذلك هنا هو قصد امتثال أمره ،و لكنه
تخيل أن أمره وجوبي و في الواقع استحبابي ،و هذا التخيل لا يضر حيث انه
قصد امتثال أمره بل يصح و إن لم يكن لهذا القصد واقع موضوعي ،لأن المعيار
في الصحة انما هو بتحقق الاضافة و هي تتحقق بقصد امتثال الأمر الخيالي الذي
لا واقع له شريطة أن يكون العمل قابلا للإضافة ،و من هنا لو بنى مؤكدا و جزما
انه لو لا وجوبه لم يأت به و إنما أتى به من أجل وجوبه ليس الاّ فأيضا لا يضر
بصحته باعتبار انه أتاه بنية القربة .
--( 253 )--
أيام الاعتكاف ( 1 ) .
الخامس :أن لا يكون أقل من ثلاثة أيام ،فلو نواه كذلك بطل ،و أما الأزيد
فلا بأس به و إن كان الزائد يوما أو بعضه أو ليلة أو بعضها ،و لا حدّ لأكثره .
نعم لو اعتكف خمسة أيام وجب السادس بل ذكر بعضهم أنه كلما زاد يومين
وجب الثالث فلو اعتكف ثمانية أيام وجب اليوم التاسع و هكذا ،و فيه
تأمل ( 2 ) ،و اليوم من طلوع الفجر إلى غروب الحمرة المشرقية ( 3 ) فلا يشترط
إدخال الليلة الاولى و لا الرابعة و إن جاز ذلك كما عرفت ،و يدخل فيه الليلتان
( 1 ) في صحة الاعتكاف مع الفاصل بين أيامه كيوم العيد اشكال بل منع ،
لأن الظاهر من روايات الباب هو اعتبار الموالاة بين أيام الاعتكاف ،و على
هذا فالاعتكاف في المسألة صحيح في ثلاثة أيام دون الأربعة لعدم الدليل
على الحاق اليوم الخامس بها ،فان الفصل بينه و بينها بيوم العيد مانع عن
الالحاق .
( 2 ) بل الظاهر عدم الوجوب لعدم الدليل ،و التعدي من مورد معتبرة أبي
عبيدة عن أبي جعفر عليه السّلام في حديث قال : «من اعتكف ثلاثة أيام فهو في اليوم
الرابع بالخيار إن شاء زاد ثلاثة أيام أخر ،و إن شاء خرج من المسجد ،فان أقام
يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى يتم ثلاثة أيام اخر »- 1 - إلى سائر
الموارد بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه لا في نفس المعتبرة و لا من الخارج مع
ان الحكم يكون على خلاف القاعدة ،و احتمال اختصاص ملاكه في مورده
و عدم الطريق إلى احراز عمومه في غيره من الموارد ،فإذا نوى الاعتكاف من
بداية نهار الخميس إلى نهاية نهار الاثنين لا دليل على ضم اليوم السادس و إن
كان أحوط .
( 3 ) لعله أراد من غروبها ذهابها عن قمة الرأس ،و كيف كان فالمراد من
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :3 .
--( 254 )--
المتوسطتان ،و في كفاية الثلاثة التلفيقية إشكال ( 1 ) .
السادس :أن يكون في المسجد الجامع ،فلا يكفي في غير
المسجد و لا في مسجد القبيلة و السوق ( 2 ) ،و لو تعدد الجامع تخير
بينها ،و لكن الأحوط مع الإمكان كونه في أحد المساجد الأربعة :مسجد
الحرام و مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و مسجد الكوفة و مسجد البصرة .
اليوم هو يوم الصوم من طلوع الفجر إلى المغرب الشرعيّ .
( 1 ) الأظهر عدم الكفاية لظهور الروايات التي تحدد الاعتكاف بثلاثة أيام
في ثلاثة نهارات تامة تتوسطها ليلتان ،لأن اليوم ظاهر في النهار التام ،و ارادة
التلفيق بحاجة إلى قرينة و لا قرينة فيها على ارادة الأعم ،و لا من الخارج ،و إليكم
نص بعض تلك الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة أبي بصير : «لا يكون الاعتكاف أقل من ثلاثة
أيام »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «إذا اعتكف يوما و لم يكن
اشترط فله أن يخرج و يفسخ الاعتكاف ،و إن أقام يومين و لم يكن اشترط فليس
له أن يفسخ حتى تمضى ثلاثة أيام »- 2 - .
و منها :غيرهما ،فان المتفاهم العرفي من هذه النصوص هو أن أدنى
الاعتكاف ثلاثة نهارات تامة دون الأعم منها و من الملفقة .
فالنتيجة :ان أقله ثلاثة نهارات و تتوسطها ليلتان ،و يجوز أن يكون أكثر
من ذلك كما مر .
( 2 ) في عدم الكفاية اشكال ،و لا يبعد الكفاية شريطة أن يكون
مما تنعقد فيه الجماعة الصحيحة فعلا ،و تدل على ذلك مجموعة من
الروايات :
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :4 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :1 .
--( 255 )--
..........
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة يحيى بن العلاء الرازي : «لا يكون اعتكاف الاّ
في مسجد جماعة »- 1 - فانه باطلاقه يشمل مسجد المحلة و السوق الذي تنعقد
فيه الجماعة .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «لا يصلح العكوف في
غيرها يعني في غير مكة الاّ أن يكون في مسجد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أو في مسجد
من مساجد الجماعة »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد : «لا اعتكاف الاّ في مسجد
جماعة قد صلى فيه امام عدل صلاة جماعة ،و لا بأس أن يعتكف في
مسجد الكوفة و البصرة و مسجد المدينة و مسجد مكة »- 3 - فانه يدل على
اعتبار أمرين في صحة الاعتكاف في غير المساجد الأربعة
المذكورة ..
أحدهما :أن يكون المسجد مما تنعقد به الجماعة .
و الآخر :أن يكون امامها عادلا ،فاذن تكون هذه الصحيحة مقيدة لإطلاق
الصحيحتين الأوليين .
فالنتيجة :انه يسوغ الاعتكاف في كل مسجد و إن كان للقبيلة أو السوق
شريطة توفر أمرين فيه ..
أحدهما :انعقاد الجماعة فيه .
و الآخر :أن يكون امامها عادلا ،و المستثنى من ذلك الحكم هو المساجد
الأربعة الآنفة الذكر فحسب .
و أما دعوى ان الجماعة في هذه النصوص صفة لنفس المسجد لا للصلاة
المنعقدة فيه جماعة فيكون مفادها حينئذ انحصار مشروعية الاعتكاف في
المسجد الجامع دون غيره ،فهي و إن كانت محتملة ،الاّ أنها خلاف الظاهر منها
---------------
( 1 ) الوسائل باب :3 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :3 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :8 .
--( 256 )--
السابع :إذن السيد بالنسبة إلى مملوكه سواء كان قنّا أو مدبّرا أو أم ولد أو
مكاتبا لم يتحرر منه شيء و لم يكن اعتكافه اكتسابا ،و أما إذا كان اكتسابا فلا
مانع منه ،كما أنه إذا كان مبعضا فيجوز منه في نوبته إذا هاياه مولاه من دون إذن
بل مع المنع منه أيضا ،و كذا يعتبر إذن المستأجر بالنسبة إلى أجيره الخاص ،
و إذن الزوج بالنسبة إلى الزوجة إذا كان منافيا لحقه ،و إذن الوالد أو الوالدة
بالنسبة إلى ولدهما إذا كان مستلزما لإيذائهما ( 1 ) ،و أما مع عدم المنافاة
و عدم الايذاء فلا يعتبر إذنهم ،و إن كان أحوط خصوصا بالنسبة إلى الزوج
و الوالد .
عرفا و بحاجة إلى قرينة .و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر مع الامكان أن يكون
في أحد المساجد الأربعة أو المسجد الجامع .
( 1 ) في البطلان اشكال بل منع ،بيان ذلك :انه لا شبهة في حرمة ايذائهما ،
بل ايذاء كل مؤمن لأن كل فعل صادر من شخص بغاية الايذاء لغيره فهو محرم ،
و أما إذا كان بغاية اخرى و لكن قد يترتب عليه ايذاء غيره ،كما إذا فتح محلا في
السوق بغاية الكسب و التجارة ،و لكن قد يترتب عليه ايذاء غيره من جهة انه
يرى فيه المزاحمة لمهنته و شغله ،الاّ أن هذا الايذاء لا يستند إليه لدى العرف
و العقلاء باعتبار ان قيامه بالعمل المذكور انما هو حق مشروع له ،و ليس لأحد أن
يزاحمه فيه و يمنعه منه .
و إن شئت قلت :ان كل من قام بحرفة و شغل للرزق و الكسب الحلال ،أو
قام بمهنة كالتدريس أو نحوه ،أو ما شاكل ذلك فقد قام بحقه المشروع شرعا
و عرفا و ليس لأحد أن يمنعه عن القيام بذلك ،و أما انه قد يتأذى غيره به فهو لا
يرتبط بذلك الشخص بقدر ما يرتبط بنفسه .و من هنا يظهر حال الولد بالنسبة
إلى الأب و الام ،فان ما هو واجب عليه المعاشرة بالمعروف و حسن السلوك
معهما ،و لا تجب عليه تلك المعاشرة بالنسبة إلى غيرهما ،و على هذا فمن حق --( 257 )--
الثامن :استدامة اللبث في المسجد ،فلو خرج عمدا اختيارا لغير
الأسباب المبيحة بطل من غير فرق بين العالم بالحكم و الجاهل به ،و أما لو
خرج ناسيا أو مكرها فلا يبطل ( 1 ) ،و كذا لو خرج لضرورة عقلا أو شرعا
الولد أن يقوم بكل عمل أو مهنة مشروعة و لا يحق للأب أو الام أن يمنعه عن
القيام بذلك ،فله أن يقوم بحرفة التجارة أو السياقة أو نحو هما أو يقوم بدراسة
دينية و ممارستها بغاية الخدمة للدين أو بدراسة جامعية و مزاولتها بغاية الخدمة
للمجتمع الاسلامي و هكذا ،فان قيامه بكل ذلك حق مشروع له و لا يحق لأي
منهما منعه عن القيام به ،و أما إذا ترتب على ذلك إيذاؤهما فهل انه مانع عنه
شرعا ؟الظاهر انه ليس بمانع ،لأن العمل إذا كان سائغا في نفسه و كان قيامه به
حقا مشروعا له و بغاية مشروعة لا بغاية ايذائهما فلا يوجب المنع عنه لأن
الايذاء غير مستند إليه بقدر ما يستند إلى نفسيهما ،و ما نحن فيه من هذا القبيل ،
فانه قام بالاعتكاف بغاية مشروعة لا بغرض ايذائهما و لكن الايذاء مترتب عليه
اتفاقا ،و مثله لا يمنع عنه باعتبار انه غير مستند إليه لكي يكون اعتكافه مصداقا
للإيذاء .
( 1 ) بل الظاهر هو البطلان في الخروج نسيانا ،لأن مفاد حديث الرفع نفي
مانعية الخروج من المسجد نسيانا ،و من المعلوم ان رفع المانعية انما هو برفع
منشأ انتزاعها ،و هو الأمر المتعلق بالمكث فيه في تمام فترات الزمان المرتبطة
بعضها مع بعضها الآخر التي لا تكون أقل من ثلاثة أيام تامة ،و المستثنى منها هو
الخروج لحاجة شرعية أو عرفية ،و الفرض انه لا يصدق على الخروج منه نسيانا
عنوان الخروج لحاجة كذلك لكي يدخل في المستثنى ،و على هذا فالأمر
بالاعتكاف التام قد سقط بسقوط جزئه ،و اثبات الأمر بالباقي بحاجة إلى دليل ،
و الحديث لا يدل لأن مفاده النفي دون الاثبات ،و لا يوجد دليل آخر عليه .
و دعوى :ان النهي عن الخروج منصرف عن الناسي .
--( 258 )--
أو عادة كقضاء الحاجة من بول أو غائط أو للاغتسال من الجنابة أو
الاستحاضة و نحو ذلك ،و لا يجب الاغتسال في المسجد و إن أمكن من دون
تلويث ( 1 ) و إن كان أحوط ،و المدار على صدق اللبث فلا ينافيه خروج بعض
أجزاء بدنه من يده أو رأسه أو نحوهما .
مدفوعة بأن النهي عنه ليس نهيا تكليفيا محضا ،بل هو ارشاد إلى مانعية
الخروج عن الاعتكاف و تقيده بعدمه ،و قد مر أنه لا يمكن رفعها الا برفع
التكليف عنه تماما بملاك ارتباطية أجزائه .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان وجوب الغسل على المعتكف ان كان
من جهة جنابته فان أمكنه الاغتسال فيه بزمن أقل من زمن خروجه منه و الغسل
في الخارج وجب عليه ذلك على أساس انه أخف المحذورين ،حيث انه إذا
ترك الغسل فيه و اختار الخروج منه كان مكثه فيه جنبا أكثر و هو بلا ضرورة
فيكون محرما ،و معه لا يكون مصداقا للاعتكاف فيبطل حينئذ ببطلان جزئه ،
و أما إذا كان زمان الخروج مساويا لزمان الغسل فيجوز له أن يخرج من المسجد
للغسل في خارجه لصدق انه خرج لحاجة و ضرورة شرعية ،كما يجوز له أن
يغتسل فيه ،و أما إن كان وجوبه عليه بسبب آخر كمس الميت أو الاستحاضة أو
نحوهما فبما ان مكثه في المسجد حينئذ لا يكون حراما فلا ينطبق عليه ما
ذكرناه من التفصيل في الجنب ،فيجوز له أن يخرج منه من أجل عملية الغسل
و إن كان متمكنا من هذه العملية فيه بزمن أقل من زمن الخروج .
و من الضرورة الشرعية أن يخرج منه لحضور صلاة الجمعة إذا أقيمت ،
و من الضرورة العرفية أن يخرج لقضاء الحاجة أو لعلاج مرض داهمه .و أما إذا
لم تكن هناك ضرورة شرعية أو عرفية للخروج و خرج على الرغم من ذلك فلا
يكون مشمولا للروايات التي تنص على عدم جواز الخروج الاّ لحاجة لا بد منها
و حوائج خاصة .
--( 259 )--
..........
و حوائج خاصة .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «لا ينبغي للمعتكف أن يخرج من
المسجد الاّ لحاجة لا بد منها ،ثم لا يجلس حتى يرجع ،و لا يخرج في شيء الاّ
لجنازة أو يعود مريضا ،و لا يجلس حتى يرجع ،قال :و اعتكاف المرأة مثل
ذلك »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «ليس للمعتكف أن يخرج
من المسجد الاّ أتى الجمعة أو جنازة أو غائط »- 2 - .
ثم ان المتفاهم العرفي من تلك النصوص جواز خروج المعتكف من
المسجد لحاجة شرعية أو عرفية سواء أ كانت واجبة أم لا ،و لا يفهم العرف في
ضوء مناسبة الحكم و الموضوع خصوصية للأمثلة المنصوصة فيها ،فيجوز
الخروج لكل حاجة عرفية أو شرعية و إن لم تكن منصوصة ،كالخروج لمعالجة
مريض أو تجهيز ميت أو دفنه أو كفنه أو غير ذلك .هذا إضافة إلى أنه يكفي في
جواز الخروج لمطلق الحاجة اطلاق قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «و لا
يخرج المعتكف من المسجد الاّ في حاجة »- 3 - فانه باطلاقه يعم كل حاجة
واجبة أو مستحبة عرفا أو شرعا ،و لا ينافيه قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي
المتقدمة : «الاّ لحاجة لا بد منها »فان المتفاهم العرفي منه اللابدّية
العرفية الأعم من الواجبة و المستحبة ،و لا سيّما بقرينة تصريح الإمام عليه السّلام في
نفس الصحيحة بجواز الخروج لتشييع جنازة و عيادة مريض ،مع أنهما من
الامور المستحبة .
فالنتيجة :ان موارد جواز خروج المعتكف من المسجد تتمثل في
الحالات التالية :
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :7 من أبواب كتاب الاعتكاف الحديث :5 .
--( 260 )--
[2560 ]مسألة 1 :لو ارتد المعتكف في أثناء اعتكافه بطل ( 1 ) و إن تاب بعد
ذلك إذا كان ذلك في أثناء النهار بل مطلقا على الأحوط ( 2 ) .
[2561 ]مسألة 2 :لا يجوز العدول بالنية من اعتكاف إلى غيره و إن اتحدا في
الوجوب و الندب ،و لا عن نيابة ميت إلى آخر أو إلى حي ،أو عن نيابة غيره إلى
نفسه أو العكس .
1 -أن يخرج لغسل الجنابة شريطة أن لا يتمكن من الغسل فيه بزمن أقل
من زمن الخروج و الاّ لم يجز ،حيث انه يستلزم مكثه فيه جنبا أكثر من المقدار
المضطر إليه ،و هو بلا مبرر شرعي .
2 -أن يخرج لغير غسل الجنابة من الأغسال الواجبة كغسل
الاستحاضة و مس الميت ،أو المستحبة كغسل الجمعة أو نحوها .
3 -أن يخرج لحضور صلاة الجمعة إذا اقيمت في غير المسجد مع
شروطها .
4 -أن يخرج لقضاء حاجته أو حاجة مؤمن أو لعلاج مرض داهمه .
5 -أن يخرج لتشييع جنازة و ما يرجع إليه كتجهيزه و دفنه و كفنه .
6 -أن يخرج لعيادة مريض أو معالجته .
7 -أن يخرج مكرها عليه .
و أما إذا خرج بدون شيء من ذلك عالما أو جاهلا بأن ذلك يبطل اعتكافه
أو ناسيا لاعتكافه فعليه أن يعتبر اعتكافه ملغيا و باطلا .
( 1 ) هذا مبني على اعتبار الإسلام و الايمان في صحة العبادة ،و قد مر
الكلام فيه في ( شرائط صحة الصوم ) .
( 2 ) بل على الأقوى لما تقدم من أنه لا فرق في الاعتكاف بين الليل
و النهار ،فكما أنه عبادة في النهار فكذلك عبادة في الليل ،و قد مر ان الليلتين
المتوسطتين بين النهارات الثلاثة داخلتان في الاعتكاف ،كما ان له أن ينوي --( 261 )--
[2562 ]مسألة 3 :الظاهر عدم جواز النيابة عن أكثر من واحد في اعتكاف
واحد ،نعم يجوز ذلك بعنوان إهداء الثواب فيصح إهداؤه إلى متعددين أحياء
أو أمواتا أو مختلفين .
[2563 ]مسألة 4 :لا يعتبر في صوم الاعتكاف أن يكون لأجله ،بل يعتبر فيه
أن يكون صائما أيّ صوم كان ،فيجوز الاعتكاف مع كون الصوم استئجاريا أو
واجبا من جهة النذر و نحوه ،بل لو نذر الاعتكاف يجوز له بعد ذلك أن يؤجر
نفسه للصوم و يعتكف في ذلك الصوم و لا يضره وجوب الصوم عليه بعد نذر
الاعتكاف فإن الذي يجب لأجله هو الصوم الأعم من كونه له أو بعنوان آخر ،
بل لا بأس بالاعتكاف المنذور مطلقا في الصوم المندوب الذي يجوز له
قطعه ،فإن لم يقطعه تم اعتكافه ،و إن قطعه انقطع و وجب عليه الاستئناف .
[2564 ]مسألة 5 :يجوز قطع الاعتكاف المندوب في اليومين الأولين ،و مع
تمامهما يجب الثالث ،و أما المنذور فإن كان معينا فلا يجوز قطعه مطلقا ،و إلا
فكالمندوب .
[2565 ]مسألة 6 :لو نذر الاعتكاف في أيام معينة و كان عليه صوم منذور أو
واجب لأجل الإجارة يجوز له أن يصوم في تلك الأيام وفاء عن النذر أو
الإجارة ،نعم لو نذر الاعتكاف في أيام مع قصد كون الصوم له و لأجله لم
يجزئ عن النذر أو الإجارة .
[2566 ]مسألة 7 :لو نذر اعتكاف يوم أو يومين فإن قيد بعدم الزيادة بطل
نذره ( 1 ) ،و إن لم يقيده صح و وجب ضم يوم أو يومين .
الاعتكاف من بداية الليلة الاولى إلى صباح الليلة الرابعة ،فيكون اعتكافه مكونا
حينئذ من ثلاثة نهارات و أربع ليال .
( 1 ) هذا إذا قصد الاعتكاف المعهود لدى الشرع الذي لا يقل عن ثلاثة --( 262 )--
[2567 ]مسألة 8 :لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام معينة أو أزيد فاتفق كون الثالث
عيدا بطل من أصله ،و لا يجب عليه قضاؤه لعدم انعقاد نذره ( 1 ) لكنه أحوط .
[2568 ]مسألة 9 :لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد بطل ( 2 ) إلا أن يعلم يوم
قدومه قبل الفجر ،و لو نذر اعتكاف ثاني يوم قدومه صح ،و وجب عليه ضم
يومين آخرين .
أيام تامة ،و أما إذا قصد مطلق الاعتكاف في المسجد و لو بمقدار يوم أو يومين ،
فالظاهر صحته على أساس انه محبوب إذا كان بقصد التقرب للّه وحده ،و لا
سيما إذا انضم إلى ذلك ممارسة مزيد من الدعاء و الصلاة .
( 1 ) فيه انه لا ملازمة بين عدم انعقاد النذر و بين عدم وجوب القضاء ،
و من هنا كان ينبغي له أن يعلل عدم وجوب القضاء بعدم الدليل هنا ،حيث ان
القضاء قد ثبت فيما لا ينعقد النذر فيه في نفسه في غير المقام ،كما في مورد
صحيحة علي بن مهزيار قال : «كتبت إليه -أي إلى أبي الحسن عليه السّلام -يا سيدي
رجل نذر أن يصوم يوما من الجمعة دائما ما بقى ،فوافق ذلك اليوم يوم عيد فطر
أو أضحى أو أيام التشريق أو سفر أو مرض ،هل عليه صوم ذلك اليوم أو
قضاؤه ؟و كيف يصنع يا سيدي ؟فكتب إليه :و قد وضع اللّه عنه الصيام في هذه
الأيام كلها ،و يصوم يوما بدل يوم إن شاء اللّه »- 1 - فانها تدل على وجوب القضاء
فيما لا ينعقد فيه النذر بنفسه ،كما إذا صادف اليوم المنذور يوم عيد فطر أو
أضحى أو غيرهما من الأيام التي لا ينعقد فيها النذر ،و حيث ان الحكم في مورد
الصحيحة كان على خلاف القاعدة فلا يمكن التعدي عنه إلى سائر الموارد التي
منها الاعتكاف المنذور في المقام إذا صادف يومه الثالث يوم عيد الفطر .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لما مر من أن مبدأ الاعتكاف لا يلزم أن
يكون من حين طلوع الفجر ،بل هو يتبع قصد المعتكف ،فان قصد الاعتكاف
---------------
( 1 ) الوسائل باب :10 من أبواب كتاب النذر و العهد الحديث :1 .
--( 263 )--
[2569 ]مسألة 10 :لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام من دون الليلتين المتوسطتين
لم ينعقد .
[2570 ]مسألة 11 :لو نذر اعتكاف ثلاثة أيام او أزيد لم يجب إدخال الليلة
الاولى فيه بخلاف ما إذا نذر اعتكاف شهر ( 1 ) فإن الليلة الاولى جزء من
الشهر .
[2571 ]مسألة 12 :لو نذر اعتكاف شهر يجزئه ما بين الهلالين و إن كان
ناقصا ،و لو كان مراده مقدار شهر وجب ثلاثون يوما .
من بداية الليل ،أو من أثناء النهار كان مبدؤه من ذلك الحين شريطة أن يستمر
بعد ذلك ثلاثة نهارات تامة ،و على هذا فإن علم بقدوم زيد و لو في أثناء النهار
فله أن ينذر الاعتكاف من طلوع فجر ذلك النهار ،كما ان له أن ينذره من ساعة
القدوم ،و إن لم يعلم قبل الفجر بيوم قدومه فحينئذ و إن لم يكن بامكانه أن ينذر
الاعتكاف في ذلك اليوم بعنوان يوم قدومه ،الاّ أنّ له أن ينذره من ساعة قدومه
و إن كانت في أثناء النهار ،فما ذكره الماتن قدّس سرّه من الحكم بالبطلان مبني على ان
الاعتكاف لا ينعقد الا من طلوع الفجر ،و لا يمكن أن يكون مبدأه من منتصف
النهار ،و لكن قد مر أنّه لا أساس له ،فإنّ المعتبر في الاعتكاف أن لا يقل عن
ثلاثة أيام تامة ،و أما بالنسبة إلى الزائد عليها من ناحية المبدأ أو المنتهى فهو لا
بشرط ،فدخوله فيه منوط بقصد المعتكف .
( 1 ) فيه ان النذر سعة و ضيقا يتبع قصد الناذر ،فان قصد الاعتكاف من
حين رؤية الهلال فالليلة الاولى داخلة فيه ،و إن قصد من طلوع الفجر فهي غير
داخلة فيه .
و إن شئت قلت :إن الناذر ان قصد من الشهر ثلاثين نهارات فقط فالليلة
الاولى غير داخلة في أمد الاعتكاف ،و إن قصد منه ذلك مع لياليها فهي داخلة
فيه ،و إن نوى من الشهر الشهر القمري الشرعي بماله من المعنى كما هو الظاهر --( 264 )--
[2572 ]مسألة 13 :لو نذر اعتكاف شهر وجب التتابع ،و أما لو نذر مقدار
الشهر جاز له التفريق ثلاثة ثلاثة ( 1 ) إلى أن يكمل ثلاثون ،بل لا يبعد
جواز التفريق يوما فيوما ( 2 ) و يضم إلى كل واحد يومين آخرين ،بل الأمر
كذلك في كل مورد لم يكن المنساق منه هو التتابع .
من كلمة الشهر فكذلك ،لأنه يبدأ من خروج القمر من المحاق بدرجة يمكن
رؤيته بالعين المجردة في حالة عدم وجود المانع ،و من هنا يظهر الفرق بين
كلمة الشهر و كلمة ثلاثة أيام تامة ،فان الاولى اسم لفترة ممتدة من الزمن و تكون
بدايتها من بداية الليل و هو ليلة الرؤية ،و الثانية اسم لثلاثة نهارات تامة و تكون
بدايتها من بداية النهار ،و الليلة الاولى خارجة عنها .
( 1 ) هذا إذا لم يقصد التتابع ،و الاّ لم يجز التفريق ،و قد تقدم انه لا أثر
لانصراف اللفظ عرفا ،فان وظيفته أن يعمل على طبق ما قصده سواء أ كان مطابقا
لانصراف اللفظ أم لا ،الاّ إذا كان يقصد ما ينصرف إليه اللفظ .
( 2 ) بل هو بعيد ،بل لا يمكن ،إذ مضافا إلى أن ذلك خارج عن مقصود
الناذر ،حيث ان الظاهر انه قصد الاعتكاف ،بمقدار شهر أعم من التتابع أو
التفريق ثلاثة ثلاثة إن التفريق على هذه الكيفية البالغ مجموع أيام الاعتكاف
تسعون يوما غير معقول على أساس أن الاعتكاف في الأيام الثلاثة واجب واحد
مركب من الأجزاء الارتباطية ،فالاعتكاف في كل يوم جزء الواجب لإتمامه ،
و الفرض ان وجوب هذا الواجب الواحد انما جاء من قبل النذر ،و عليه فلا
يمكن الاعتكاف في اليوم الأول بقصد الوفاء بالنذر الاّ بضمه إلى الاعتكاف في
اليومين الآخرين ،باعتبار ان الأمر النذري المتعلق بالاعتكاف في اليوم الأول أمر
ضمني للأمر الاستقلالي المتعلق بالاعتكاف في مجموع الأيام الثلاثة المتوالية ،
و على هذا الأساس فلا يمكن هذا التفريق ،إذ معناه ان الأمر النذري تعلق
بالاعتكاف في اليوم الأول دون اليومين الأخيرين ،و هذا غير معقول لأنه أمر --( 265 )--
[2573 ]مسألة 14 :لو نذر الاعتكاف شهرا أو زمانا على وجه التتابع
سواء شرطه لفظا أو كان المنساق منه ذلك ( 1 ) فأخل بيوم أو أزيد
بطل و إن كان ما مضى ثلاثة فصاعدا و استأنف آخر مع مراعاة التتابع
فيه ،و إن كان معينا و قد أخلّ بيوم أو أزيد وجب قضاؤه ( 2 ) ،
استقلالي و هو لا يمكن أن يتعلق بالاعتكاف في اليوم الأول فقط ،لأن الأمر
المتعلق به ضمني لا استقلالي .
فالنتيجة :ان تفريق الشهر المنذور اعتكافه بالكيفية المذكورة غير معقول
لاستلزامه الخلف حيث ان الأمر المتعلق بالاعتكاف في كل يوم من الأيام الثلاثة
ضمني و لازم هذا التفريق ان الأمر المتعلق به استقلالي ،و هذا خلف .
( 1 ) مر أن نذر الناذر يتبع قصده و التزامه النفسي كما و كيفا ،و لا أثر
للانسباق اللفظي ،مثال ذلك :إذا نذر شخص أن يذبح شاة عند قدوم مسافره أو
شفاء مريضه بدون أن يقصد الكبير أو الصغير أو السمين أو الهزيل أو غير ذلك
من الخصوصيات ،فمعناه انه قصد طبيعي الشاة الجامع لا ما هو المنساق
و المنصرف منها حين النذر ،و على هذا ففي المقام إذا نذر الاعتكاف
في المسجد خمسة عشر يوما ،فان قصد التتابع وجب ،و إن أخل فقد أخل بنذره ،
و إن لم يقصد التتابع لم يجب و إن كان المنساق منه عرفا إلا إذا قصد ما هو
المنساق و المنصرف منه لدى العرف .
( 2 ) على الأحوط ،لأن وجوب القضاء لما كان بأمر جديد فهو بحاجة إلى
دليل ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدم الوجوب ،و لا دليل في المقام لا خصوصا و لا
عموما ،أما الأول فظاهر .
و أما الثاني :فقد استدل بامور ..
الأول :النبوي المرسل : «اقض ما فات كما فات ».
و الجواب :انه غير ثابت سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليه ،هذا اضافة إلى --( 266 )--
..........
عدم التزام الأصحاب بمضمونه و هو وجوب القضاء لكل فائت لكي يقال
بانجباره .
الثاني :ما روي عنهم عليهم السّلام : «من فاتته فريضة فليقضها ... »- 1 - .
و فيه :أنها كالأول ساقطة سندا من جهه الارسال ،فلا يمكن الاعتماد
عليها ،هذا اضافة إلى امكان المناقشة فيها دلالة بتقريب ان كلمة الفريضة
منصرفة إلى المفروض في أصل الشرع بالعنوان الأوّلى فلا تعم المفروض
بالعنوان الثانوي ،و لعل لذلك لم يعملوا بها الأصحاب مطلقا .
الثالث :صحيحة زرارة قال : «قلت له :رجل فاتته صلاة من صلاة السفر
فذكرها في الحضر ،قال :يقضي ما فاته كما فاته ان كانت صلاة المسافر أداه
في الحضر مثلها »- 2 - .
و فيه :ان موردها الصلاة و تدل على وجوب قضائها إذا فاتت شريطة أن
يكون المقضي خارج الوقت مماثلا للفائت في حال الأداء كما و كيفا ،و لا تدل
على وجوب القضاء مطلقا حتى في موردها فضلا عن سائر الموارد ،و التعدي
بحاجة إلى دليل ،و لا يوجد دليل عليه لا في نفس الصحيحة و لا من الخارج .
و أما الاستدلال بصحيحة علي بن مهزيار الدالة على وجوب قضاء الصوم
المنذور في موردها على وجوب قضاء الاعتكاف المنذور في المقام ...ساقطة
جدا ،فانه لا ملازمة بين الأمرين على أساس ان الحكم يكون على خلاف
القاعدة ،فثبوته في كل مورد بحاجة إلى دليل .
الرابع :دعوى الاجماع على وجوب القضاء في المسألة .
و فيه :انه لا يمكن الاستدلال بالإجماع على ثبوت حكم في المسألة لما
ذكرناه في غير مورد من أن حجية الاجماع و كشفه عن ثبوت الحكم في زمن
الأئمة عليهم السّلام و وصوله إلينا يدا بيد و طبقة بعد طبقة منوطة بتوفر أمرين فيه ..
---------------
( 1 ) بحار الأنوار ج :89 ص :92 حديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب قضاء الصلوات حديث :1 .
--( 267 )--
و الأحوط التتابع فيه أيضا ،و إن بقي شيء من ذلك الزمان المعين بعد الإبطال
بالإخلال فالأحوط ( 1 ) ابتداء القضاء منه .
أحدهما :ثبوته بين الفقهاء المتقدمين الذين يكون عصرهم متصلا
بعصر أصحاب الائمة عليهم السّلام .
و الآخر :عدم وجود ما يصلح أن يكون مدركا للحكم في المسألة .
و كلا الأمرين غير متوفر في المقام .أما الأمر الأول ،فقد ذكرنا غير مرة انه
لا طريق لنا إلى ثبوته بينهم ،و أما الأمر الثاني ،فلأن من المحتمل أن يكون مدرك
الحكم في المسألة أحد الوجوه المتقدمة .
( 1 ) في الاحتياط اشكال بل منع ،و لا منشأ له ،فان الانسان إذا نذر
الاعتكاف أربعة و عشرين يوما مثلا معينا على نحو التتابع كما اذا نذر الاعتكاف
من بداية اليوم الأول من شهر إلى أربعة و عشرين يوما منه ،فإذا أخل باعتكاف
اليوم الأول و لم يعتكف فيه فقد أخل بالواجب تماما و هو الاعتكاف الممتد من
بداية اليوم الأول من ذلك الشهر إلى أربعة و عشرين يوما منه فلا يقدر على
الوفاء بالنذر بالاتيان بالمنذور أداء ،و حينئذ لو قلنا بوجوب القضاء و بدأ به من
اليوم الثاني من ذلك الشهر فليس هذا ابتداء بالباقي من ذلك الزمن المعين الذي
نذر الاعتكاف فيه لأنه ينتفي بانتفاء جزئه ،و هو اليوم الأول ،باعتبار ان المجموع
بما هو المجموع المحدد بين المبدأ و المنتهى قد أخذ موضوعا لوجوب
الاعتكاف فيه على نحو يكون كل يوم منه جزء الموضوع لإتمامه ،أو فقل إن ما
هو جزء من ذلك الزمن المعين إنما هو حصة خاصة من اليوم الثاني و الثالث
و هكذا من الشهر المذكور ،و هي الحصة المسبوقة بالاعتكاف في اليوم الثاني
مسبوقا به في اليوم الأول ،و أما اذا لم يكن الاعتكاف في اليوم الثاني
مسبوقا به في اليوم الأول فهو و إن كان اعتكافا في اليوم الثاني من
ذلك الشهر ،إلاّ أنه ليس جزءا من الاعتكاف به في ذلك الزمن المعين بداية
و نهاية جزما لأنه مسبوق بالاعتكاف في اليوم الأول منه و هذا غير مسبوق به ،--( 268 )--
[2574 ]مسألة 15 :لو نذر اعتكاف أربعة أيام فأخل بالرابع و لم يشترط
التتابع ( 1 ) و لا كان منساقا من نذره ( 2 ) وجب قضاء ذلك اليوم و ضم يومين
فمن أجل ذلك لا منشأ لهذا الاحتياط .
( 1 ) في صحة نذر اليوم الرابع في صورة عدم اشتراط التتابع و الالتزام به
اشكال بل منع ،فان نذره حينئذ بطبيعة الحال ينحل إلى نذر الاعتكاف ثلاثة أيام
و نذره يوما واحدا ،فالأول صحيح ،و أما الثاني فان قصد به الاعتكاف المعهود
في الشرع فيكون باطلا ،لأن الاعتكاف المعهود لدى الشرع لا يقل عن ثلاثة
أيام .
و دعوى :ان دليل وجوب الوفاء بالنذر يدل بالمطابقة على صحة هذا
النذر ،و بالالتزام على وجوب ضم يومين آخرين إليه لتكميل ثلاثة أيام على
أساس ان الاعتكاف لا يقل عنها ...
مدفوعة :بأن هذه الدلالة الالتزامية تتوقف على شمول اطلاق دليل
وجوب الوفاء بالنذر الاعتكاف في يوم واحد على أساس ان اطلاقه لو شمل
ذلك لدل بالدلالة الالتزامية على وجوب الضم بملاك ما دل على ان الاعتكاف لا
يقل عن ثلاثة أيام ،و الا لكان شموله له لغوا .
أو فقل ان مقتضى اطلاقات أدلة مشروعية الاعتكاف و ان كان مشروعيته
حتى في يوم واحد ،الا ان تلك الاطلاقات قد قيدت بالروايات التي تنص على
انه لا يقل عن ثلاثة أيام تامة ،فاذن لا يصح نذر الاعتكاف المعهود في الشرع الاّ
ثلاثة نهارات تامة و لا يصح في أقل منها الاّ إذا كان مقصوده مطلق الاعتكاف كما
مرّ ،و كلّه خارج عن مفروض الكلام في المقام .
و إن قصد به مطلق المكث في المسجد و لو يوما واحدا صح شريطة أن
يكون مطلق المكث فيه من أجل اللّه تعالى محبوب كما هو غير بعيد ،و لكنه لا
يرتبط بالاعتكاف المعهود و خارج عن مفروض الكلام .
( 2 ) مر انه لا قيمة للمنساق من اللفظ ،فان المعيار انما هو بقصد الناذر --( 269 )--
آخرين ( 1 ) ،و الأولى جعل المقضي أول الثلاثة و إن كان مختارا في جعله أيا
منها شاء .
[2575 ]مسألة 16 :لو نذر اعتكاف خمسة أيام وجب أن يضم إليها
سادسا ( 2 ) سواء تابع أو فرق بين الثلاثتين .
و التزامه النفسي سواء أ كان مطابقا للمنساق من اللفظ أم لا .
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،فان دليل وجوب الوفاء بالنذر لا يشمل نذر
اعتكاف ذلك اليوم مستقلا لكي يدل بالالتزام على وجوب ضم يومين
آخرين إليه على أساس ان الاعتكاف لا يقل عن ثلاثه أيام تامة .
( 2 ) في وجوب الضم اشكال بل منع ،لأن الناذر إن قصد التتابع بين
الخمسة وجب عليه الاعتكاف فيها فحسب ،و لا يجب ضم اليوم السادس إليها ،
لأن الدليل على وجوب الضم يتمثل في قوله عليه السّلام في صحيحة أبي عبيدة : «من
اعتكف ثلاثة أيام فهو في اليوم الرابع بالخيار ،إن شاء زاد ثلاثة أيام اخر ،و إن
شاء خرج من المسجد ،فان أقام يومين بعد الثلاثة فلا يخرج من المسجد حتى
يتم ثلاثة أيام اخر »- 1 - و هو لا يعم هذه الصورة ،لأنه بعد اكمال الثلاثة لا يكون
بالخيار بين الاعتكاف ثلاثة أيام اخر و بين الخروج عن المسجد ،بل يجب عليه
أن يواصل اعتكافه إلى أن يكمل الخمسة ،و لا يوجد دليل آخر يدل على ذلك ،
و إن لم ينو التتابع بينها فحال هذه المسألة حال المسألة السابقة ،فان نذره ينحل
إلى نذرين ..
أحدهما :اعتكاف ثلاثة أيام .
و الآخر :اعتكاف يومين ،و الأول صحيح دون الثاني تطبيقا لما مر في
المسألة السابقة إلا إذا كان مقصوده مطلق المكث في المسجد يومين لا بعنوان
الاعتكاف المعهود .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :3 .
--( 270 )--
[2576 ]مسألة 17 :لو نذر زمانا معينا شهرا أو غيره و تركه نسيانا أو عصيانا أو
اضطرارا وجب قضاؤه ( 1 ) ،و لو غمت الشهور فلم يتعين عنده ذلك المعين
عمل بالظن ( 2 ) ،و مع عدمه يتخير بين موارد الاحتمال .
[2577 ]مسألة 18 :يعتبر في الاعتكاف الواحد وحدة المسجد ،فلا يجوز أن
يجعله في مسجدين سواء كانا متصلين أو منفصلين ،نعم لو كانا متصلين على
وجه يعد مسجدا واحدا فلا مانع .
[2578 ]مسألة 19 :لو اعتكف في مسجد ثم اتفق مانع من إتمامه فيه من
خوف أو هدم أو نحو ذلك بطل ،و وجب استئنافه أو قضاؤه ( 3 ) إن كان واجبا
في مسجد آخر أو ذلك المسجد إذا ارتفع عنه المانع ،و ليس له البناء سواء كان
في مسجد آخر أو في ذلك المسجد بعد رفع المانع .
[2579 ]مسألة 20 :سطح المسجد و سردابه و محرابه منه ما لم يعلم
خروجها ،و كذا مضافاته إذا جعلت جزءا منه كما لو وسع فيه .
[2580 ]مسألة 21 :إذا عين موضعا خاصا من المسجد محلا لاعتكافه لم
يتعين و كان قصده لغوا .
[2581 ]مسألة 22 :قبر مسلم و هاني ليس جزءا من مسجد الكوفة على
الظاهر .
( 1 ) على الأحوط ،و قد مر وجهه في المسألة ( 14 ) .
( 2 ) في العمل بالظن اشكال بل منع ،و لا قيمة له ،بل وظيفته في المسألة
وجوب الاحتياط ،للعلم الإجمالي بأنه أحد هذه الشهور أو الأزمنة ،و مقتضى
هذا العلم الإجمالي الاحتياط شريطة أن لا يلزم منه العسر و الحرج .
( 3 ) على الأحوط ،فان الاعتكاف الباطل إن كان محددا بتلك الأيام المعينة
فقط وجب قضاؤه على الأحوط ،و إن كان غير محدد بها وجب الأداء و لا --( 271 )--
[2582 ]مسألة 23 :إذا شك في موضع من المسجد أنه جزء منه أو من
مرافقه لم يجر عليه حكم المسجد .
[2583 ]مسألة 24 :لا بد من ثبوت كونه مسجدا أو جامعا بالعلم
الوجداني أو الشياع المفيد للعلم أو البينة الشرعية ،و في كفاية خبر العدل
الواحد إشكال ( 1 ) ،و الظاهر كفاية حكم الحاكم الشرعي ( 2 ) .
[2584 ]مسألة 25 :لو اعتكف في مكان باعتقاد المسجدية أو الجامعية فبان
الخلاف تبين البطلان .
[2585 ]مسألة 26 :لا فرق في وجوب كون الاعتكاف في المسجد الجامع
بين الرجل و المرأة ،فليس لها الاعتكاف في المكان الذي أعدته للصلاة في
بيتها بل و لا في مسجد القبيلة و نحوها ( 3 ) .
[2586 ]مسألة 27 :الأقوى صحة اعتكاف الصبي المميز فلا يشترط فيه
البلوغ ( 4 ) .
[2587 ]مسألة 28 :لو اعتكف العبد بدون إذن المولى بطل ،و لو اعتق في
موضوع للقضاء .
( 1 ) تقدم ان الأقوى كفاية خبر العدل الواحد ،بل الثقة الواحدة .
( 2 ) في كفايته تأمل على أساس الاشكال في كون المورد هل هو من
موارد حكم الحاكم أم لا ؟نعم ،إذا كان النزاع في الملكية أو المسجدية كان محلا
لحكم الحاكم .
( 3 ) مر في الشرط السادس من شروط الاعتكاف انه لا يبعد صحة
الاعتكاف في مسجد القبيلة أو السوق شريطة أن يكون المسجد مما تنعقد فيه
الجماعة الصحيحة .
( 4 ) لأمرين ..أحدهما :الروايات الخاصة كقوله عليه السّلام : «مروا صبيانكم --( 272 )--
أثنائه لم يجب عليه إتمامه ،و لو شرع فيه بإذن المولى ثم اعتق في الأثناء فإن
كان في اليوم الأول أو الثاني لم يجب عليه الإتمام إلا أن يكون من الاعتكاف
الواجب ،و إن كان بعد تمام اليومين وجب عليه الثالث ،و إن كان بعد تمام
الخمسة وجب السادس ( 1 ) .
[2588 ]مسألة 29 :إذا أذن المولى لعبده في الاعتكاف جاز له الرجوع عن
إذنه ما لم يمض يومان ،و ليس له الرجوع بعدهما لوجوب إتمامه حينئذ ،و كذا
لا يجوز له الرجوع إذا كان الاعتكاف واجبا بعد الشروع فيه من العبد ( 2 ) .
بالصلاة و الصيام »- 1 - .
و الآخر :اطلاقات أدلة المستحبات فان حديث رفع القلم عن الصبي بما
ان مساقه الامتنان فيختص بالخطابات الالزامية حيث لا امتنان في رفع
غيرها .
( 1 ) هذا في غير الاعتكاف الواجب بالنذر أو نحوه ،و أما فيه فقد مر في
المسألة ( 15 ) عدم وجوب الضم .
( 2 ) هذا إذا لم يكن وجوب اكمال الاعتكاف ثلاثة أيام بملاك وجوب
الوفاء بالنذر ،و الاّ فينحل النذر بمنع المالك عن اتمام الاعتكاف و اكماله ،لأن
منعه يجعله غير مشروع ،و بذلك يخرج عن موضوع وجوب الوفاء به حيث
يعتبر فيه أن يكون متعلقه مشروعا في ظرف العمل ،و أما إذا كان وجوب الاتمام
من ناحية وجوب الوفاء بالشرط في ضمن عقد الاجارة ،كما إذا اشترط
المستأجر عليه الاتمام و الإكمال متى شرع فيه و كان كل ذلك باذن من المولى ،
فلا يحق للمولى الرجوع عن اذنه و المنع عن الاتمام على أساس ان المستأجر
قد ملك العمل المحدد في ذمة العبد بإذن مالكه ،و هو الاعتكاف ثلاثة أيام ،فمن
أجل ذلك يجب عليه تسليم هذا العمل ،و لا يحق لمالكه أن يمنعه عنه على
---------------
( 1 ) بحار الأنوار ج :88 ص :132 رواية :4 .
--( 273 )--
[2589 ]مسألة 30 :يجوز للمعتكف الخروج من المسجد لإقامة
الشهادة ( 1 ) أو لحضور الجماعة ( 2 ) أو لتشييع الجنازة و إن لم يتعين عليه هذه
الامور ،و كذا في سائر الضرورات العرفية أو الشرعية الواجبة أو الراجحة ( 3 )
سواء كانت متعلقة بامور الدنيا أو الآخرة مما يرجع مصلحته إلى نفسه أو
غيره ،و لا يجوز الخروج اختيارا بدون أمثال هذه المذكورات .
[2590 ]مسألة 31 :لو أجنب في المسجد و لم يمكن الاغتسال فيه وجب
عليه الخروج ،و لو لم يخرج بطل اعتكافه ( 4 ) لحرمة لبثه فيه .
أساس ان تمليكه العمل في ذمته ينتهى في نهاية المطاف إلى تمليك المالك
باعتبار انه مالك لنفسه مباشرة و لأعماله بالواسطة ،فإذا اشترط المستأجر عليه
اتمام العمل متى بدأ فيه و قبل باذن المالك وجب عليه الاتمام و التكميل إذا بدأ ،
و بما انه كان باجازته فهو في الحقيقة طرف لهذا الشرط ،إذ لو لا اجازته لم تكن
قيمة لقبول العبد ،فمن أجل ذلك ليس بامكانه المنع عن الاتمام و الاكمال لأنه
ملزم بتنفيذ هذا الشرط و إنهائه ،و لا يقاس ذلك بالنذر ،فانه و إن كان باذن المالك
الاّ أنه لا يوجب حقا عليه أن لا يمنعه من الوفاء به .
( 1 ) هذا إذا طلب الحاكم الشرعي الشهادة منه ،فعندئذ يدخل خروجه
لإقامة الشهادة في الخروج للضرورة الشرعية .
( 2 ) شريطة أن يصدق على ذلك الخروج لحاجة شرعية ،و لكن الصدق
لا يخلو عن اشكال ،فمن أجل ذلك فالأحوط و الأجدر به أن لا يخرج لحضور
الجماعة .
( 3 ) فيه ان مجرد رجحان الخروج لا يكفي في جوازه ما لم يصدق عليه
عنوان الحاجة بدرجة تكون بنظر العرف مما لا بد منه ،و بذلك يظهر حال ما ذكره
الماتن قدّس سرّه في المسألة .
( 4 ) هذا هو الصحيح ،و لكن قد يقال :ان مقدار زمان الخروج عن
المسجد للاغتسال بماله من المقدمات مستثنى سواء أ كان الجنب بنفسه خارجا --( 274 )--
..........
للقيام بتحصيل هذه المقدمات ،أم ظل باقيا فيه و لكنه أرسل شخصا آخر
لتحصيلها .
مثال ذلك :شخص اعتكف في مسجد الكوفة -مثلا -و احتاج إلى الغسل
و هو يتوقف على تحصيل الماء من الشط ،و حينئذ فإما أن يخرج هو من
المسجد بنفسه و يذهب إلى الشط و يغتسل فيه و يرجع إلى المسجد ،أو يرسل
آخر للإتيان بالماء منه و يغتسل فيه ،و فرضنا ان كلتا الطريقتين لا تأخذ من
الوقت الاّ بمقدار نصف ساعة -مثلا -على حد سواء ،و حينئذ فان اتخذ الجنب
الطريقة الثانية و ظل ماكثا في المسجد طوال نصف الساعة فهو و إن ارتكب
محرما من جهة مكثه فيه جنبا عامدا ملتفتا ،الا أنه ليس جزءا من الاعتكاف
المأمور به لكي يوجب بطلانه .
و الجواب :ان المستثنى بحسب ظاهر النصوص انما هو خروج المعتكف
عن المسجد لضرورة شرعية أو عرفية أو حاجة لا بد منها كتشييع جنازة أو عيادة
مريض أو نحو ذلك ،لا مقدار زمان الخروج للحاجة و إن لم يخرج .
و بكلمة اخرى :ان نصوص الباب لا تدل على ان المكث في ذلك المقدار
من الزمن ليس جزء المكث المأمور به في المسجد و إن كان المعتكف ظل ماكثا
فيه و لم يخرج ،بل تدل على انه إذا خرج لضرورة لم يضر .
و التخريج الفني لذلك :ان الأمر بالمكث في الزمن المساوي لزمن
الخروج لضرورة شرعية أو عرفية مشروط بعدم الخروج من المسجد من أجلها
و صرف جواز الخروج أو وجوبه في ذلك الزمن لا يوجب سقوط الأمر به ما دام
ظل ماكثا فيه للترتب ،إذ لا مانع من فعليه الأمر بالمكث فيه مترتبة على عدم
الاشتغال بالخروج ،و أما إذا حرم مكثه فيه في ذلك الآن كالجنب فلا محالة
يسقط الأمر بالاعتكاف في الكل بملاك سقوط الأمر به في الجزء من جهة ان
الحرام لا يمكن أن يكون مصداقا للواجب ،و اثبات الأمر بالباقي بحاجة إلى
دليل و لا دليل عليه الا في فرض خروجه عن المسجد في الآن المذكور
للاغتسال .
و إن شئت قلت :ان روايات الباب تنص على ان المعتكف إذا خرج عن --( 275 )--
[2591 ]مسألة 32 :إذا غصب مكانا من المسجد سبق إليه غيره بأن
أزاله و جلس فيه فالأقوى ( 1 ) بطلان اعتكافه ،و كذا إذا جلس على
المسجد فعليه أن يعتبر اعتكافه لاغيا و باطلا ،الاّ إذا كان خروجه لحاجة شرعية
أو عرفية ،فانه لا يكون مانعا عنه لكي يكون عدمه قيدا له ،و على هذا فالأمر
بالمكث في زمن مساو لزمن جواز الخروج أو وجوبه لحاجة و إن لم يمكن أن
يظل باقيا على اطلاقه ،الاّ انه لا مانع من أن يبقى مشروطا بعدم الخروج على
القول بالترتب .
و نتيجة ذلك :ان جزئية المكث فيه منوطة في الواقع بعدم الاشتغال
بالخروج ،فإذا حرم المكث و لم يخرج بطل اعتكافه ببطلان جزئه .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و السبب فيه انه لا اشكال في أن من سبق إلى
مكان من المسجد فهو أحق به ما دام كائنا فيه ،و لا تجوز لغيره مزاحمته في ذلك
المكان ،و انما الكلام فيما إذا أزاله عن المكان ظلما و عدوانا ،فهل يبقى حقه فيه
لكي يكون تصرفه فيه غصبا أو لا ؟فيه قولان :و الأقوى هو الثاني ،لأن المرتكز
في أذهان العرف و العقلاء من الأحقية عدم جواز مزاحمته فيه ما دام كائنا
و جالسا فيه لأنها ظلم و عدوان ،و أما إذا ارتكب ذلك الظلم و العدوان و أزاله عنه
ظلما فجلس فيه فلا يكون جلوسه غصبا لأن نسبة المكان إلى كل أحد على حد
سواء ،و سبق السابق إليه لا يحدث له فيه حقا لا يرتفع الا بانتهاء حاجته ،و انما
يوجب حقا له ما دام باقيا فيه ،و من هنا لو منعه مانع أو ظالم عن بقائه فيه قبل
انتهاء حاجته فلا شبهة في جواز جلوس آخر مكانه ،فيكون هذا الحق لدى
العرف و العقلاء حقا موقتا للسابق و مرتبطا ببقائه فيه ،و لا يستفاد أكثر من ذلك
من معتبرة طلحة بن زيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قال أمير المؤمنين عليه السّلام :سوق
المسلمين كمسجدهم ،فمن سبق إلى مكان فهو أحق به إلى الليل »- 1 - ،بتقريب ان
المتفاهم العرفي من أحقية السابق إلى مكان عدم جواز مزاحمته ما دام هو فيه ،
و أما بعد رفعه عنه و لو ظلما و عدوانا فلا يستفاد منها ان حقه ثابت فيه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب 56 من أبواب أحكام المسجد الحديث :2 .
--( 276 )--
مغصوب ( 1 ) ،بل الأحوط الاجتناب عن الجلوس على أرض المسجد
المفروش بتراب مغصوب أو آجر مغصوب على وجه لا يمكن إزالته ( 2 ) ،و إن
توقف على الخروج خرج على الأحوط ،و أما إذا كان لا بسا لثوب مغصوب أو
حاملا له فالظاهر عدم البطلان .
[2592 ]مسألة 33 :إذا جلس على المغصوب ناسيا أو جاهلا أو مكرها أو
مضطرا لم يبطل اعتكافه .
أو فقل :ان معنى الحديث ،ان من حاز مكانا و جلس فيه فالجالس أحق به
من غيره شريطة بقائه فيه لا مطلقا ،و أما تقييد أحقية السابق إلى الليل في المعتبرة
فانما هو باعتبار موردها و هو سوق المسلمين حيث ان المتعارف الخارجي هو
ان الناس يشتغلون في السوق بالبيع و الشراء إلى الليل .
( 1 ) في بطلان الاعتكاف بالجلوس فيه اشكال بل منع ،فان المحرم
و المبغوض هو الكون على الفراش المغصوب و هو من مقولة الأين ،
و الاعتكاف في المسجد من مقولة الوضع ،لأن مكث المعتكف فيه سواء أ كان
على هيئة القائم أو الجالس أو النائم أو الساجد فلا يكون متحدا مع الكون على
الفراش المغصوب ،فلا موجب حينئذ للبطلان الاّ على القول بسراية الحرمة من
أحد المتلازمين إلى الملازم الآخر و هو باطل ،فاذن يكون حال الاعتكاف على
الفراش المغصوب كحال الاعتكاف في اللباس المغصوب ،فكما ان الاعتكاف
في اللباس المغصوب لا يكون لاغيا و باطلا فكذلك الاعتكاف على الفراش
المغصوب ،و بذلك يظهر حال ما إذا كان المعتكف جاهلا بالغصب .
( 2 ) و لكن الأظهر الجواز حيث ان موضوع حرمة التصرف في النصوص
هو مال الغير دون ملكه و بما ان التراب أو الآجر المغصوب المفروش على
أرض المسجد على نحو لا يمكن قلعه و ازالته الا باتلافه فهو بمثابة التالف فلا
مالية له ،فإذا لم تكن له مالية فلا مانع من التصرف فيه و إن كانت رعاية --( 277 )--
[2593 ]مسألة 34 :إذا وجب عليه الخروج لأداء دين واجب الأداء
عليه أو لإتيان واجب آخر متوقف على الخروج و لم يخرج أثم ،و لكن
لا يبطل اعتكافه على الأقوى .
[2594 ]مسألة 35 :إذا خرج عن المسجد لضرورة فالأحوط مراعاة أقرب
الطرق ( 1 ) ،و يجب عدم المكث إلا بمقدار الحاجة و الضرورة ،و يجب أيضا
أن لا يجلس تحت الظلال مع الإمكان ،بل الأحوط ( 2 ) أن لا يمشي تحته
أيضا ،بل الأحوط عدم الجلوس مطلقا إلا مع الضرورة .
[2595 ]مسألة 36 :لو خرج لضرورة و طال خروجه بحيث انمحت صورة
الاعتكاف بطل .
الاحتياط أولى و أجدر .
( 1 ) بل الأظهر ذلك ،فان المستفاد من الروايات التي تنص على جواز
الخروج لضرورة شرعية أو عرفية و المنع عن الجلوس حتى يرجع هو ان جواز
كونه في خارج المسجد لا بد أن يكون بقدر الضرورة و الحاجة دون الأكثر
منه ،و على هذا فإذا كان هناك طريقان :أحدهما ،أبعد من الآخر بمسافة
معتد بها ،فانه إذا اختار الطريق الأبعد للوصول إلى حاجته كان وجوده خارج
المسجد أكثر من المقدار اللازم عامدا ملتفتا ،و معه يعتبر اعتكافه باطلا
و لاغيا باعتبار ان خروجه عنه بالنسبة إلى المقدار الزائد كان بلا ضرورة و هو
مانع .
( 2 ) لا بأس بتركه فيه و فيما بعده ،أما فيه فلعدم الدليل ،و أما فيما بعده
فلأن المستفاد من الروايات هو المنع عن الجلوس بعد انهاء الحاجة ،و حينما
أراد الرجوع إلى المسجد لكيلا يكون وجوده في خارج المسجد أكثر مما
تقتضيه الضرورة ،و أما الجلوس في أثناء الحاجة كتشييع جنازة أو عيادة مريض
أو نحو ذلك ،فالظاهر انه لا مانع منه شريطة أن لا يكون أكثر من المعتاد .
--( 278 )--
[2596 ]مسألة 37 :لا فرق في اللبث في المسجد بين أنواع الكون من القيام
و الجلوس و النوم و المشي و نحو ذلك ،فاللازم الكون فيه بأي نحو ما كان .
[2597 ]مسألة 38 :إذا طلّقت المرأة المعتكفة في أثناء اعتكافها طلاقا
رجعيا وجب عليها الخروج إلى منزلها للاعتداد و بطل اعتكافها ( 1 ) ،و يجب
استئنافه إن كان واجبا موسعا بعد الخروج من العدة ،و أما إذا كان واجبا معينا
فلا يبعد التخيير بين إتمامه ثم الخروج و إبطاله و الخروج فورا لتزاحم
الواجبين ( 2 ) و لا أهمية معلومة في البين ،و أما إذا طلّقت بائنا فلا
إشكال لعدم وجوب كونها في منزلها في أيام العدة .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و ذلك لأن روايات المطلقة الرجعية تنص
على أنها زوجة في طول مدة العدة ،و يترتب عليها تمام آثارها و لا تنتهى الاّ
بانتهاء العدة ،و على هذا فإن كانت المعتدة الرجعية في اليوم الأول أو الثاني من
الاعتكاف و حينئذ فان كان زوجها المطلق يأذن لها بمواصلة الاعتكاف فلا
اشكال ،و إن لم يأذن لها بمواصلته وجب عليها أن ترجع إلى بيتها .
نعم ،إذا كان الاعتكاف واجبا عليها باجارة أو نحوها ،أو كانت في اليوم
الثالث فليس لزوجها المنع عن مواصلة الاعتكاف حيث لا اطاعة للمخلوق في
معصية الخالق .
فالنتيجة :ان بطلان اعتكافها انما هو فيما إذا منع زوجها المطلق عن
مواصلته إذا كانت في اليوم الأول أو الثاني ،و أما إذا كانت في اليوم الثالث ،أو كان
واجبا عليها بالاستنابة أو نحوها فلا يحق له المنع عن مواصلته ،بل عليها أن
تواصل فيه إلى أن تكمل .
( 2 ) ظهر ان الخروج غير واجب عليها الاّ في صورة منع زوجها عن
مواصلة اعتكافها شريطة أن تكون في اليوم الأول أو الثاني ،و أن لا يكون
الاعتكاف واجبا عليها باجارة أو نحوها كما مر ،نعم إذا كان واجبا عليها بالنذر --( 279 )--
[2598 ]مسألة 39 :قد عرفت أن الاعتكاف إما واجب معين أو
واجب موسّع و إما مندوب ،فالأول يجب بمجرد الشروع بل قبله و لا
يجوز الرجوع عنه ،و أما الأخيران فالأقوى فيهما جواز الرجوع قبل
إكمال اليومين ،و أما بعده فيجب اليوم الثالث ،لكن الأحوط فيهما أيضا
وجوب الإتمام بالشروع خصوصا الأول منهما .
[2599 ]مسألة 40 :يجوز له أن يشترط حين النية الرجوع متى شاء حتى في
اليوم الثالث سواء علّق الرجوع على عروض عارض أو لا ،بل يشترط
الرجوع متى شاء حتى بلا سبب عارض ،و لا يجوز له اشتراط جواز المنافيات
كالجماع و نحوه مع بقاء الاعتكاف على حاله ،و يعتبر أن يكون الشرط
المذكور حال النية فلا اعتبار بالشرط قبلها أو بعد الشروع فيه و إن كان قبل
فينحل بعدم اذنه و منعه .
و دعوى :ان المشهور بين الأصحاب حرمة خروج المرأة المعتدة الرجعيه
من بيت زوجها حيث أنها من أحكام العدة ،و بما ان مكثها في المسجد خروج
منه فلا يجوز ،و عليه فان كانت في اليوم الأول أو الثاني وجب عليها الخروج من
المسجد و اعتبار اعتكافها لاغيا و الذهاب إلى البيت للعدة ،و ان كانت في اليوم
الثالث أو كان الاعتكاف واجبا عليها يقع التزاحم بين وجوب اتمام اعتكافها
و وجوب الخروج .
مدفوعة :بأن عدم الخروج من البيت من حقوق الزوج لا من أحكام
العدة ،و تشهد له مجموعة من النصوص التي تتضمن أنها لا تخرج الاّ باذن
زوجها ،و على الجملة فيظهر من مجموعة من روايات الباب ان العلقة الزوجية
بين المعتدة الرجعية و زوجها قد ظلت باقية ما دامت في العدة ،و عليها ترتيب
جميع أحكام الزوجية حتى الزينة لزوجها ،فان كل ذلك يشهد أنها بمثابة
الزوجة حقيقة ،و بذلك تمتاز المعتدة الرجعية عن غيرها .
--( 280 )--
الدخول في اليوم الثالث ،و لو شرط حين النية ثم بعد ذلك أسقط حكم شرطه
فالظاهر عدم سقوطه ،و إن كان الأحوط ترتيب آثار السقوط من الإتمام بعد
إكمال اليومين .
[2600 ]مسألة 41 :كما يجوز اشتراط الرجوع في الاعتكاف حين عقد نيته
كذلك يجوز اشتراطه في نذره ،كأن يقول : «للّه عليّ أن أعتكف بشرط أن يكون
لي الرجوع عند عروض كذا أو مطلقا »و حينئذ فيجوز له الرجوع و إن لم
يشترط حين الشروع في الاعتكاف فيكفي الاشتراط حال النذر في جواز
الرجوع ،لكن الأحوط ذكر الشرط حال الشروع أيضا ،و لا فرق في كون النذر
اعتكاف أيام معينة أو غير معينة متتابعة أو غير متتابعة ،فيجوز الرجوع في
الجميع مع الشرط المذكور في النذر ،و لا يجب القضاء بعد الرجوع مع التعين
و لا الاستئناف مع الإطلاق .
[2601 ]مسألة 42 :لا يصح أن يشترط في اعتكاف أن يكون له الرجوع في
اعتكاف آخر له غير الذي ذكر الشرط فيه ،و كذا لا يصح أن يشترط في اعتكافه
جواز فسخ اعتكاف شخص آخر من ولده أو عبده أو أجنبي .
[2602 ]مسألة 43 :لا يجور التعليق في الاعتكاف ،فلو علقه بطل ( 1 ) إلا إذا
علّقه على شرط معلوم الحصول حين النية فإنه في الحقيقة لا يكون من
التعليق .
( 1 ) في البطلان اشكال و لا يبعد عدمه .
بيان ذلك :ان الشروط في باب المعاملات تصنف إلى ثلاثة أصناف ..
الأول :أن يكون مرده إلى جعل الخيار ،كما إذا اشترط المشتري على
البائع في ضمن البيع أن يكون المبيع واجدا لصفة كذا كالكتابة أو العدالة أو
الوثاقة أو نحوها من الصفات التي هي خارجة عن اختيار البائع ،و لا يمكن أن --( 281 )--
..........
يكون مرده إلى تعليق الالتزام بالتزام البائع بها عملا لاستحالة التزامه بها باعتبار
أنها خارجة عن قدرته ،كما أنه لا يمكن أن يكون مرده إلى تعليق الملكية على
اتصاف المبيع بهذه الصفة ،إذ معنى ذلك انه أنشأ ملكيته معلقة على كونه واجدا
لها لا مطلقا ،و هذا باطل جزما لا من جهة قيام الاجماع على بطلان التعليق في
باب العقود و الايقاعات ،بل من جهة ان مثل هذا العقد ليس من العقود العقلائية
المتداولة بينهم لكي يمكن الحكم بصحته شرعا بمقتضى خطابات الامضاء
التي هي ناظرة إلى إمضائها أساسا .
الثاني :أن يكون مرده إلى تعليق الالتزام بالوفاء بالعقد على التزام الآخر
بعمل في الخارج كالخياطة أو الكتابة أو نحو ذلك ،بأن يكون المشروط فعلا
اختياريا ،كما إذا باع داره من زيد -مثلا -و اشترط عليه خياطة ثوبه أو زيارة
الحسين عليه السّلام ليلة الجمعة أو نحو ذلك ،فان مرجع هذا الشرط إلى أن البائع قد
علق التزامه بالوفاء بهذا البيع على التزام المشتري بالخياطة عملا ،و لا يرجع هذا
الشرط إلى تعليق المنشأ ،بل يرجع إلى جعل الخيار و عدم الالتزام بانهاء البيع
على تقدير تخلف المشتري ،و عدم العمل بالشرط .
الثالث :الالتزام في ضمن الالتزام العقدي ،كالشرط في ضمن عقد النكاح
و الطلاق و نحوهما ،فانه لا يمكن أن يكون من قبيل الأول باعتبار ان هذه العقود
لا تقبل الخيار ،و لا الثاني لأن الزوج و الزوجة ملزمان بالوفاء بعقد النكاح كان
هناك شرط أم لا ،فلو اشترط الزوج مثلا على الزوجة في ضمن العقد أن تقوم
بأعمال البيت كغسل الأواني و الفرش و اللباس و الطبخ و ما شاكل ذلك فلا يكون
مرده إلى تعليق التزامه بالوفاء بعقد الزواج على قيامها بتلك الأعمال ،و الاّ فلا ،
لأن الزوجة سواء وفت بالشرط أم لم تف فالزوج ملزم بالوفاء به و لا يحق له أن
يهدم العقد ،فاذن لا يكون مرجع هذا الشرط إلى تعليق الالتزام بالالتزام الآخر ،
و لا إلى جعل الخيار ،و لا إلى تعليق الزوجية ،فلا محالة يكون مرجعه إلى
وجوب الوفاء بالشرط تكليفا في ضمن عقد النكاح أو الطلاق .
--( 282 )--
..........
و أما الشرط في المقام فهو لا يكون من أحد هذه الأقسام الثلاثة ،لأنه
شرط على اللّه تعالى و مرجعه إلى أنه حين نوى الاعتكاف شرط بينه و بين ربه
أن يرجع في اعتكافه و يهدمه متى شاء ،أو في حالات معينة ،و في هذه الحالة
يجوز له أن يهدم اعتكافه وفقا لشرطه حتى في اليوم الثالث .
و أما تعليق الاعتكاف ،فان أريد به تعليق نفس الاعتكاف الذي هو فعل
خارجي ،فهو غير معقول ،و إن اريد به تعليق الالتزام به ،فلا مانع منه لأن حاله
حال سائر الالتزامات ،و قد يتعلق بالاعتكاف مطلقا ،و قد يتعلق بالاعتكاف معلقا
على أمر مشكوك الحصول و لا مانع منه ،فان اطلاقات أدلته تشمل ذلك .
و دعوى :انصرافها إلى صدوره من المعتكف ملتزما به على سبيل التنجيز .
مدفوعة :بأنه لا فرق بين أن يكون صدوره منه مع التزامه به مأئة في المائة ،
أو التزامه به خمسين في المائة ،و على هذا فالمعتكف مرة :ينوي الاعتكاف و يبدأ
به ملتزما به مطلقا في أفق نفسه ،و اخرى :يبدأ به معلقا على وجود شيء
مشكوك الحصول في الخارج كشفاء المريض عنده أو قدوم مسافره ،و بملاك
أهمية هذا المحتمل لديه يبدأ بالاعتكاف برجاء حصوله على نحو لو كان قاطعا
بعدم الحصول لم يقدم عليه ،و هذا معنى ان التزامه به معلق على تحقق ذلك
الشيء في الواقع .
--( 283 )--
فصل
في أحكام الاعتكاف
يحرم على المعتكف امور ..
أحدها :مباشرة النساء بالجماع في القبل أو الدبر و باللمس و التقبيل
بشهوة ( 1 ) ،و لا فرق في ذلك بين الرجل و المرأة ،فيحرم على المعتكفة أيضا
الجماع و اللمس و التقبيل بشهوة ( 2 ) ،و الأقوى عدم حرمة النظر
( 1 ) على الأحوط الأولى ،لعدم الدليل ،فان نصوص الباب انما تدل على
منع المعتكف عن مباشرة النساء بالجماع لا بما دونه من اللمس و التقبيل و إن
كان بشهوة ،و عليه فلا دليل على الحاقهما بالجماع ،نعم ان الالحاق مشهور ،بل
في المدارك انه مما قطع به الأصحاب ،و لعل ذلك من جهة قياس أن المعتكف
كالمحرم ،و لكن هذا بحاجة إلى دليل ينص على أن كل ما لا يجوز للمحرم لا
يجوز للمعتكف أيضا ،و الفرض عدم وجود دليل كذلك .
و أما الآية الشريفة و هي قوله تعالى :وَ لا تُبَاشِرُوهُنَّ وَ أَنْتُمْ عاكِفُونَ
فِي اَلْمَساجِدِ - 1 - فهي أيضا ظاهرة عرفا في مباشرة النساء بالجماع لا
بالأعم منه و من التقبيل و اللمس ،و لكن مع ذلك كان الأحوط و الأجدر
الاجتناب عنهما .
( 2 ) على الأحوط الأولى فيهما ،و أما الجماع فهو محرم عليها أيضا ،و لا
فرق فيه بين الرجل و المرأة بمقتضى نص قوله عليه السّلام في ذيل صحيحة الحلبي :
---------------
( 1 ) البقرة /آية 187 .
--( 284 )--
بشهوة إلى من يجوز النظر إليه و إن كان الأحوط اجتنابه أيضا .
الثاني :الاستمناء على الأحوط و إن كان على الوجه الحلال كالنظر إلى
حليلته الموجب له .
الثالث :شمّ الطيب مع التلذذ و كذا الريحان ،و أما مع عدم التلذذ كما إذا
كان فاقدا لحاسة الشمّ ( 1 ) مثلا فلا بأس به .
«و اعتكاف المرأة مثل ذلك »هذا اضافة إلى أن الظاهر من الأدلة ان حرمة الجماع
على المعتكف من التزامات الاعتكاف و آثاره كحرمة غيره من الأشياء و لا
خصوصية للرجل في ذلك .
و تؤكد ذلك أيضا صحيحة أبي ولاد الحناط قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام
عن امرأة كان زوجها غائبا فقدم و هي معتكفة باذن زوجها ،فخرجت حين بلغها
قدومه من المسجد إلى بيتها فتهيأت لزوجها حتى واقعها ،فقال :ان كانت
خرجت من المسجد قبل أن تقضي ثلاثة أيام و لم تكن اشترطت في اعتكافها
فان عليها ما على المظاهر ... »- 1 - .
بتقريب أنها ظاهرة بمناسبة الحكم للموضوع ان الكفارة من جهة الجماع
في حال اعتكافها لا بسبب آخر .
( 1 ) هذا خارج عن محل الكلام لأنه من انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه ،
و محل الكلام انما هو فيما إذا كان للمعتكف حاسة الشم فشم الطيب بدون قصد
التلذذ و بغاية اخرى ،فهل انه جائز أو لا ؟و لا يبعد جوازه حيث ان المنصرف من
قوله عليه السّلام في صحيحة أبي عبيدة : «المعتكف لا يشم الطيب »- 2 - هو النهي عنه
بقصد التلذذ لا مطلقا باعتبار ان المتعارف الخارجي استعمال الطيب للشم ،
و النهي عنه ظاهر في النهي عن استعماله المتعارف خارجا ،و أما إذا كان الشم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :1 .
--( 285 )--
الرابع :البيع و الشراء ،بل مطلق التجارة مع عدم الضرورة على الأحوط ،
و لا بأس بالاشتغال بالامور الدنيوية من المباحات حتى الخياطة و النساجة
و نحوهما ،و إن كان الأحوط الترك إلا مع الاضطرار إليها ،بل لا بأس بالبيع
و الشراء إذا مست الحاجة إليهما ( 1 ) للأكل و الشرب مع تعذر التوكيل أو النقل
بغير البيع .
الخامس :المماراة أي المجادلة على أمر دنيوي أو ديني بقصد الغلبة
و إظهار الفضيلة ،و أما بقصد إظهار الحق و ردّ الخصم من الخطأ فلا بأس به بل
هو من أفضل الطاعات ،فالمدار على القصد و النية فلكل امرئ ما نوى من
خير أو شرّ ،و الأقوى عدم وجوب اجتناب ما يحرم على المحرم من الصيد
و إزالة الشعر و لبس المخيط و نحو ذلك و إن كان أحوط ( 2 ) .
للاختبار و معرفة انه من أي نوع من أنواعه فيكون النهي منصرفا عنه .
( 1 ) في عدم البأس اشكال بل منع ،فان مقتضى اطلاق قوله عليه السّلام في
صحيحة أبي عبيدة : «و لا يشتري و لا يبيع »- 1 - ان الاتجار بهما مانع عن الاعتكاف
على أساس ظهور النهي في الارشاد إلى ذلك ،و مقتضى اطلاقه انه مانع حتى في
حال الاضطرار و الحاجة .و على هذا فإذا تاجر و هو معتكف فباع و اشترى ،فان
كان في اليوم الأول أو الثاني جاز ذلك ،و لكن عليه أن يعتبر اعتكافه
باطلا .
نعم ،إذا كان الاعتكاف واجبا عليه بنذر أو نحوه معينا ،أو كان في اليوم
الثالث لم يجز له الاتجار بهما ،فإذا تاجر بطل اعتكافه ،و أما البيع و الشراء فهو
صحيح و لا موجب لبطلانه .
( 2 ) الاحتياط ضعيف جدا ،حيث لا شبهة في جواز لبس المخيط و نحوه
للمعتكف ،و لا دليل على أن كل ما يجب على المحرم أن يجتنب عنه يجب
---------------
( 1 ) الوسائل باب :10 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :1 .
--( 286 )--
[2603 ]مسألة 1 :لا فرق في حرمة المذكورات على المعتكف بين الليل
و النهار ،نعم المحرمات من حيث الصوم كالأكل و الشرب و الارتماس
و نحوها مختصة بالنهار .
[2604 ]مسألة 2 :يجوز للمعتكف الخوض في المباح ،و النظر في معاشه مع
الحاجة و عدمها .
[2605 ]مسألة 3 :كل ما يفسد الصوم يفسد الاعتكاف إذا وقع في النهار من
حيث اشتراط الصوم فيه ،فبطلانه يوجب بطلانه ،و كذا يفسده الجماع سواء
كان في الليل أو النهار ،و كذا اللمس و التقبيل بشهوة ( 1 ) ،بل الأحوط بطلانه
بسائر ما ذكر من المحرمات من البيع و الشراء و شمّ الطيب و غيرها مما ذكر ،بل
لا يخلو عن قوة و إن كان لا يخلو عن إشكال ( 2 ) أيضا ،و على
على المعتكف أيضا الاجتناب عنه ،هذا اضافة إلى الفرق بين ما يحرم على
المحرم و ما يحرم على المعتكف ،فان حرمته على الأول تكليفية ،و على الثاني
وضعية ،و قد تكون تكليفية أيضا كما في الجماع و الاستمناء .
( 1 ) مر الاشكال بل المنع عنهما في الأمر الأول و إن كانت رعاية الاحتياط
أولى و أجدر .
( 2 ) بل الأظهر هو البطلان لظهور النهي عنها في الارشاد إلى المانعية ،
و على هذا فممارستها و إن لم تكن محرمة و لكنها مبطلة للاعتكاف ما عدا
الجماع ،فانه كما يكون مبطلا له كذلك يكون محرما على المعتكف ،و وجه
حرمته عليه أمران ..
أحدهما :ترتب الكفارة عليه في الليل و النهار ،غاية الأمر إذا كان في نهار
شهر رمضان و قارب زوجته و هو صائم فيه فعليه كفارتان ،الاولى كفارة
الاعتكاف ،و الثانية كفارة افطار صيام شهر رمضان ،و كذلك إذا كان صائما صيام --( 287 )--
هذا فلو أتمه و استأنفه أو قضاه بعد ذلك إذا صدر منه أحد المذكورات في
الاعتكاف الواجب كان أحسن و أولى ( 1 ) .
[2606 ]مسألة 4 :إذا صدر منه أحد المحرّمات المذكورة سهوا فالظاهر ( 2 )
عدم بطلان اعتكافه إلا الجماع ،فإنه لو جامع سهوا أيضا فالأحوط في
قضاء شهر رمضان .
و الآخر :موثقة سماعة قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن معتكف واقع أهله
فقال :هو بمنزلة من أفطر يوما من شهر رمضان »- 1 - فان هذا التنزيل باطلاقه
يقتضى ثبوت كلا الحكمين معا هما الحرمة و البطلان .
( 1 ) بل هو الأظهر كما مر .
( 2 ) في الظهور اشكال بل منع ،لما مر من ان النهي عن تلك الأشياء ظاهر
عرفا في الارشاد إلى المانعية و الفساد و اعتبار عدمها في الاعتكاف ،و مقتضى
اطلاق صحيحة أبي عبيدة المتقدمة أن عدمها معتبر فيه و إن كان المعتكف ناسيا
أو جاهلا ،و عليه فكما ان المعتكف إذا مارس عامدا و ملتفتا شيئا من تلك
الأشياء بطل اعتكافه ،فكذلك إذا مارس شيئا منها ناسيا أو جاهلا ،و بذلك يظهر
انه لا فرق بين ممارسة تلك الأشياء و ممارسة الجماع في بطلان الاعتكاف بها
مطلقا و إن كانت نسيانا أو جهلا ،و يدل على الأول اطلاق صحيحة أبي عبيدة كما
عرفت ،و على الثاني قوله عليه السّلام في معتبرة الحسن بن الجهم : «لا يأتي امرأته ليلا
و لا نهارا و هو معتكف »- 2 - فان مقتضى اطلاقه ان ذلك يوجب بطلان اعتكافه
و إن كان ناسيا أو جاهلا تطبيقا لما تقدم من ظهور النهي في المقام في الارشاد
إلى المانعية و اعتبار عدمه في الاعتكاف ،فما في المتن من تخصيص بطلان
الاعتكاف بممارسة غير الجماع من محرمات الاعتكاف بغير الناسي مما لا مبرّر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب كتاب الاعتكاف حديث :1 .
--( 288 )--
الواجب الاستئناف أو القضاء ( 1 ) مع إتمام ما هو مشتغل به و في المستحب
الإتمام .
[2607 ]مسألة 5 :إذا فسد الاعتكاف بأحد المفسدات فإن كان واجبا معينا
وجب قضاؤه ( 2 ) ،و إن كان واجبا غير معين وجب استئنافه إلا إذا كان
مشروطا فيه أو في نذره الرجوع فإنه لا يجب قضاؤه أو استئنافه ،و كذا يجب
قضاؤه إذا كان مندوبا و كان الإفساد بعد اليومين ،و أما إذا كان قبلهما فلا شيء
عليه ،بل في مشروعية قضائه حينئذ إشكال .
[2608 ]مسألة 6 :لا يجب الفور في القضاء و إن كان أحوط .
[2609 ]مسألة 7 :إذا مات في أثناء الاعتكاف الواجب بنذر أو نحوه لم
يجب على وليه القضاء و إن كان أحوط ،نعم لو كان المنذور الصوم معتكفا
له ،فان مقتضى اطلاق النصوص كما مر عدم الفرق بين الموردين ،و لا يوجد
دليل على التقييد في كلا الموردين بصورة العمد .
نعم ،ان الكفارة التي هي مترتبة على الجماع مختصة بما إذا مارسه عن
عمد و علم ،و لا كفارة إذا كان عن جهل و نسيان بمقتضى صحيح عبد الصمد
و حديث رفع النسيان الدالين على نفي الكفارة في صورتي الجهل و النسيان
المقيدين لإطلاق نصوص الكفارة .
فالنتيجة :ان المعتكف إذا مارس شيئا من محرمات الاعتكاف و التزاماته
فعليه أن يعتبر اعتكافه لاغيا و باطلا و إن كان ناسيا أو جاهلا ،و لا فرق في ذلك
بين الجماع و سائر المحرمات ،و إنما يفترق الجماع عنها في الكفارة و هي
مختصة بصورة العلم و العمد .
( 1 ) بل هو الأظهر كما مر .
( 2 ) على الأحوط فيه و فيما بعده و هو ما إذا كان الافساد بعد اليومين ،و قد
تقدم وجه ذلك في المسألة ( 14 ) من الاعتكاف .
--( 289 )--
وجب على الولي قضاؤه ( 1 ) لأن الواجب حينئذ عليه هو الصوم و يكون
الاعتكاف واجبا من باب المقدمة بخلاف ما لو نذر الاعتكاف ،فإن الصوم
ليس واجبا فيه و إنما هو شرط في صحته ،و المفروض أن الواجب على الولي
قضاء الصلاة و الصوم عن الميت لا جميع ما فاته من العبادات .
[2610 ]مسألة 8 :إذا باع أو اشترى في حال الاعتكاف لم يبطل بيعه و شراؤه
و إن قلنا ببطلان اعتكافه .
[2611 ]مسألة 9 :إذا أفسد الاعتكاف الواجب بالجماع و لو ليلا وجبت
الكفارة ،و في وجوبها في سائر المحرمات إشكال ،و الأقوى عدمه و إن كان
الأحوط ثبوتها ،بل الأحوط ذلك حتى في المندوب منه قبل تمام اليومين ،
و كفارته ككفارة شهر رمضان على الأقوى و إن كان الأحوط ( 2 ) كونها مرتبة
ككفارة الظهار .
[2612 ]مسألة 10 :إذا كان الاعتكاف واجبا و كان في شهر رمضان و أفسده
بالجماع في النهار فعليه كفارتان :إحداهما للاعتكاف و الثانية للإفطار في
نهار رمضان ،و كذا إذا كان في صوم قضاء شهر رمضان و أفطر بالجماع يعد
الزوال ،فإنه يجب عليه كفارة الاعتكاف و كفارة قضاء شهر رمضان ،و إذا نذر
( 1 ) أي قضاء الصوم فقط شريطة أن يكون في يوم معين حيث ان
الواجب عليه بالنذر حينئذ انما هو الصوم في ذلك اليوم المعين مشروطا بأن
يعتكف فيه فيكون الاعتكاف شرطا و مقدمة له ،و أما إذا كان الواجب عليه بالنذر
الاعتكاف دون الصوم و كان الصوم شرطا له فقد مر أنه لا دليل على وجوب
قضائه .
( 2 ) لا يترك و قد تقدم وجهه في المسألة ( 1 ) من المفطرات الموجبة
للقضاء و الكفارة .
--( 290 )--
الاعتكاف في شهر رمضان و أفسده بالجماع في النهار وجب عليه ثلاث
كفارات :إحداها للاعتكاف و الثانية لخلف النذر ( 1 ) و الثالثة للإفطار في شهر
رمضان ،و إذا جامع امرأته المعتكفة و هو معتكف في نهار رمضان فالأحوط
أربع كفارات ،و إن كان لا يبعد كفاية الثلاث احداها لاعتكافه و اثنتان للإفطار
في شهر رمضان إحداهما عن نفسه و الاخرى تحملا عن امرأته ،و لا دليل على
تحمل كفارة الاعتكاف عنها ،و لذا لو أكرهها على الجماع في الليل لم تجب
عليه إلا كفارته و لا يتحمل عنها ،هذا و لو كانت مطاوعة فعلى كل منهما
كفارتان إن كان في النهار و كفارة واحدة إن كان في الليل .
تم كتاب الاعتكاف و يليه كتاب الزكاة
( 1 ) هذا إذا كان نذره متعلقا بالأيام المحددة المعينة فعندئذ إذا ترك
الاعتكاف في تلك الأيام فقد تحقق خلف النذر و عليه الكفارة ،و أما إذا لم يكن
نذره محددا بأمد معين فلا يتحقق الخلف ،بل تجب عليه الاعادة حينئذ عملا
بالوفاء بالنذر .
نتيجة ما تقدم امور ..
الأول :ان الاعتكاف عبادة بنفسه شريطة أن يكون مع الصيام .
الثاني :ان الاعتكاف بما أنه عبادة متقوم بنية التعبد للّه وحده ،فلا بد أن
تكون النية مقارنة لمبدئه سواء أ كان من الليل ،أو من طلوع الفجر .
الثالث :أقله ثلاثة أيام ،أي ثلاثة نهارات تامة تتوسطها ليلتان ،و لا حد
لأقصاه .
الرابع :أن يكون في المسجد شريطة أن تنعقد فيه الجماعة الصحيحة
فعلا ،و لا يلزم أن يكون في المسجد الجامع .
الخامس :ان خروج المعتكف من المسجد بلا حاجة شرعية أو عرفية
يوجب بطلان اعتكافه و يجعله لغوا ،و قد تقدم تفسير الحاجة الشرعية و العرفية --( 291 )--
..........
و تحديدهما في ضمن المسائل السابقة .
السادس :ان على المعتكف أن يتجنب عن ممارسة مجموعة من الأشياء
كمباشرة النساء بالجماع ،و شم كل مادة لها رائحة طيبة تتخذ للشم و التطيب
كالعطر ،و التجارة بالبيع و الشراء و نحوهما .
نعم ،لا يدخل فيها ما يمارسه الانسان من الأعمال النافعة له في حياته
كالكتابة و الخياطة و نحوهما ،و المماراة و نقصد بها المجادلة و المنازعة في اثبات
قضية على وجهة نظره بداعي الظهور و الظفر و الفوز على الأقران و إن كانت
وجهة نظره صحيحة في الواقع ،بل و إن كانت دينية أيضا ،و أما إذا لم تكن بداعي
الظهور و الفوز بل بداعي الحرص على اثبات الحق أو تصحيح خطأ الآخرين
فلا مانع منها .
( قد تم بعونه تعالى و فضله كتاب الاعتكاف )
و الحمد للّه رب العالمين
--( 293 )--
كتاب الصوم
وجوب الصوم 9
فصل في نية الصوم 13
الظاهر عدم اعتبار تعيين الصوم في شهر رمضان 15
المناقشة في تطبيق مسألة الترتب على المقام 17
في حكم المتوخى ( المحبوس ) 21
عدم اعتبار قصد الوجه 23
هل يعتبر قصد الوفاء في الصوم المنذور 26
آخر وقت نية الصوم 29
فروع في النية 33
نية الصوم في يوم الشك و الجمع بين النصوص 35
صور صوم يوم الشك 37
لو نوى القطع او القاطع 39
فصل :في ما يجب الامساك عنه 41
حكم ابتلاع النخامة 43
فروع في مفطرية الاكل و الشرب 45
في مفطرية الاستمناء 48
--( 294 )--
استبراء المحتلم في النهار 51
مفطرية تعمد الكذب 53
فروع في مفطرية الكذب 55
مفطرية الغبار الغليظ 59
مفطرية الارتماس في الماء 62
فروع في مفطرية الارتماس 65
حكم الارتماس بقصد الاغتسال في الواجب المعين 68
مفطرية البقاء على الجنابة و النصوص الواردة في المسألة 73
فروع في تعمد البقاء على الجنابة 80
حكم صوم المستحاضة 83
فروع في تعمد البقاء على الجنابة 88
أقسام نوم الجنب في ليل رمضان 91
تصوير وجوب المقدمة قبل الوقت 95
في مفطرية الاحتقان 98
فروع في مفطرية القيء 99
فصل :فيما يعتبر في مفطرية المفطرات و اعتبار العمد و الاختيار في البطلان 104
في حكم الافطار جهلا بقسميه 107
فصل :فيما يجوز ارتكابه للصائم 111
فصل :في كفارة الصوم 115
في كفارة الافطار في شهر رمضان 117
في كفارة صوم قضاء شهر رمضان و الجمع بين النصوص 119
في كفارة صوم النذر المعين 121
في كفارة صوم الاعتكاف 122
القول في من افطر متعمدا ثم عرض له عارض قهري 127
--( 295 )--
اكراه الزوج غير الصائم زوجته الصائمة على الجماع 131
في مقدار المد 135
فصل :في موارد وجوب القضاء دون الكفارة و استثناء بعض الصور 139
حكم تناول المفطر مع الشك في طلوع الفجر 147
فصل :في الزمان الذي يصح فيه الصوم 151
في شرطية الإسلام و الايمان في صحة الصوم 152
في شرطية العقل في صحة الصوم 155
شرطية عدم المرض أو الرمد في صحة الصوم 157
شرط صحة الصوم المندوب أن لا يكون عليه صوم 164
فصل :في شرائط وجوب الصوم من شرائط وجوب الصوم عدم المرض 169
اشتراط عدم السفر و الجمع بين النصوص 172
فصل :في موارد جواز الافطار و في حكم الشيخ و الشيخة 179
فصل :في طريق ثبوت هلال رمضان و شوال للصوم و الافطار 186
الثالث :الشياع المفيد للعلم 186
حكم الحاكم في الهلال 188
هل يثبت الهلال برؤيته قبل الزوال 190
حكم اختلاف الآفاق 195
حكم الاسير و المحبوس اذا عجزا عن معرفة الهلال 201
لو اشتبه الشهر المنذور بين شهور 205
فصل :في أحكام القضاء لما فات قبل البلوغ 208
حكم القضاء في الكافر الذي أسلم 210
اذا فاته شهر رمضان لعذر و مات فيه 215
موارد الجمع بين القضاء و كفارة التأخير 218
فصل :في صوم الكفارة 225
--( 296 )--
موارد وجوب التتابع 228
لا يجب التتابع في الصوم المنذور 230
أحكام التتابع في الصوم 232
أحكام صوم التتابع 236
فصل :في أقسام الصوم 238
فوائد 241
كتاب الاعتكاف 247
اعتبار قصد التعيين في الاعتكاف 250
كفاية الاعتكاف في مسجد السوق و القبيلة 254
اشتراط اذن الوالدين 256
الخروج من المسجد للاغتسال 258
موارد جواز خروج المعتكف من المسجد 259
لو نذر اعتكاف يوم قدوم زيد 262
لو اخل بالتتابع المعتبر في المنذور 265
لو اجنب المعتكف في المسجد و لم يمكن الاغتسال فيه 273
في المعتكفة المطلقة رجعيا 278
التعليق في الاعتكاف 280
فصل :في أحكام الاعتكاف 283
صدور المحرمات من المعتكف سهوا 287
نتيجة ما تقدم أمور 290