--( 5 )--

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

الحمد للّه ربّ العالمين
و الصلاة و السلام على أشرف
خلقه محمد و آله الطيبين الطاهرين

--( 7 )--

كتاب الحجّ

--( 9 )--

بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ

كتاب الحج


الذي هو أحد أركان الدين و من أوكد فرائض المسلمين ،قال اللّه
تعالى :وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً - 1 - ،غير خفي
على الناقد البصير ما في الآية الشريفة من فنون التأكيد و ضروب الحثّ
و التشديد ،و لا سيما ما عرض به تاركه من لزوم كفره و إعراضه عنه بقوله
عزّ شأنه :وَ مَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعالَمِينَ - 2 - ،و عن الصادق عليه السّلام في
قوله عزّ من قائل :وَ مَنْ كانَ فِي هذِهِ أَعْمى‏ فَهُوَ فِي اَلْآخِرَةِ أَعْمى‏ وَ أَضَلُّ
سَبِيلاً
- 3 - «ذاك الذي يسوّف الحج يعني حجة الإسلام حتى يأتيه الموت »
و عنه عليه السّلام :من مات و هو صحيح موسر لم يحج فهو ممن قال اللّه تعالى :
وَ نَحْشُرُهُ يَوْمَ اَلْقِيامَةِ أَعْمى‏ - 4 - ،و عنه عليه السّلام : «من مات و لم يحج حجة
الإسلام لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به أو مرض لا يطيق فيه الحج أو

---------------

( 1 ) آل عمران 3 :97 .



---------------

( 2 ) آل عمران 3 :97 .



---------------

( 3 ) الإسراء 17 :72 .



---------------

( 4 ) طه 20 :124 .


--( 10 )--

سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا »و في آخر : «من سوّف الحج حتى
يموت بعثه اللّه يوم القيامة يهوديا أو نصرانيا »و في آخر : «ما تخلف رجل
عن الحج إلا بذنب ،و ما يعفو اللّه أكثر » ،و عنهم عليهم السّلام مستفيضا : «بني الإسلام
على خمس :الصلاة و الزكاة و الحج و الصوم و الولاية » ،و الحج فرضه و نفله
عظيم فضله ،خطير أجره ،جزيل ثوابه ،جليل جزاؤه ،و كفاه ما تضمنه من
وفود العبد على سيده و نزوله في بيته و محل ضيافته و أمنه ،و على الكريم
إكرام ضيفه و إجارة الملتجئ إلى بيته ،فعن الصادق عليه السّلام : «الحاج و المعتمر
وفد اللّه إن سألوه أعطاهم و إن دعوه أجابهم و إن شفعوا شفعهم و إن سكتوا
بدأهم و يعوضون بالدرهم ألف ألف درهم » ،و عنه عليه السّلام : «الحج و العمرة
سوقان من أسواق الآخرة ،اللازم لهما في ضمان اللّه إن أبقاه أداه إلى عياله
و إن أماته أدخله الجنة »و في آخر : «إن أدرك ما يأمل غفر اللّه له ،و إن قصر به
أجله وقع أجره على اللّه عز و جل »و في آخر : «فإن مات متوجها غفر اللّه له
ذنوبه ،و إن مات محرما بعثه ملبّيا ،و إن مات بأحد الحرمين بعثه من الآمنين ،
و إن مات منصرفا غفر اللّه له جميع ذنوبه »و في الحديث : «إن من الذنوب ما
لا يكفره إلا الوقوف بعرفة »و عنه صلّى اللّه عليه و آله في مرضه الذي توفي فيه في آخر
ساعة من عمره الشريف : «يا أبا ذر اجلس بين يدي اعقد بيدك ،من ختم له
بشهادة أن لا إله إلا اللّه دخل الجنة -إلى أن قال -و من ختم له بحجة دخل
الجنة ،و من ختم له بعمرة دخل الجنة »الخبر ،و عنه صلّى اللّه عليه و آله : «وفد اللّه ثلاثة :
الحاج و المعتمر و الغازي ،دعاهم اللّه فأجابوه و سألوه فأعطاهم »و سأل
الصادق عليه السّلام رجل في المسجد الحرام :من أعظم الناس وزرا ؟فقال : «من
يقف بهذين الموقفين عرفة و المزدلفة و سعى بين هذين الجبلين ثم طاف
بهذا البيت و صلى خلف مقام إبراهيم ثم قال في نفسه و ظن أن اللّه لم يغفر

--( 11 )--

له فهو من أعظم الناس وزرا » ،و عنهم عليه السّلام : «الحاج مغفور له و موجوب له
الجنة و مستأنف به العمل و محفوظ في أهله و ماله ،و أن الحج المبرور لا
يعدله شي‏ء و لا جزاء له إلا الجنة ،و أن الحاج يكون كيوم ولدته أمّه ،و أنه
يمكث أربعة أشهر تكتب له الحسنات و لا تكتب عليه السيئات إلا أن يأتي
بموجبه ،فإذا مضت الأربعة أشهر خلط بالناس ،و أن الحاج يصدرون على
ثلاثة أصناف :صنف يعتق من النار ،و صنف يخرج من ذنوبه كهيئة يوم
ولدته أمّه ،و صنف يحفظ في أهله و ماله فذلك أدنى ما يرجع به الحاج ،
و أن الحاج إذا دخل مكة وكّل اللّه به ملكين يحفظان عليه طوافه و صلاته
و سعيه فإذا وقف بعرفة ضربا منكبه الأيمن ثم قالا :أما ما مضى فقد كفيته ،
فانظر كيف تكون فيما تستقبل »و في آخر : «و إذا قضوا مناسكهم قيل لهم
بنيتهم بنيانا فلا تنقضوه ،كفيتم فيما مضى فأحسنوا فيما تستقبلون »و في
آخر : «إذا صلى ركعتي طواف الفريضة يأتيه ملك فيقف عن يساره فإذا
انصرف ضرب بيده على كتفه فيقول :يا هذا أما ما قد مضى فقد غفر لك
و أما ما يستقبل فجدّ »و في آخر : «إذا أخذ الناس منازلهم بمنى نادى مناد :لو
تعلمون بفناء من حللتم لأيقنتم بالمغفرة بعد الخلف »و في آخر : «إن أردتم
أن أرضى فقد رضيت » ،و عن الثمالي قال :قال رجل لعلي بن الحسين عليه السّلام :
تركت الجهاد و خشونته و لزمت الحج و لينه کفكان متكئا فجلس و قال :
«و يحك أما بلغك ما قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في حجة الوداع ،إنه لما وقف بعرفة
و همت الشمس أن تغيب قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :يا بلال قل للناس فلينصتوا
فلما أنصتوا قال :إن ربكم تطوّل عليكم في هذا اليوم فغفر لمحسنكم و شفع
محسنكم في مسيئكم فأفيضوا مغفورا لكم »و قال النبي صلّى اللّه عليه و آله لرجل مميل
فاته الحج و التمس منه ما به ينال أجره : «لو أن أبا قبيس لك ذهبة حمرا

--( 12 )--

فأنفقته في سبيل اللّه تعالى ما بلغت ما يبلغ الحاج ،و قال :إن الحاج إذا أخذ
في جهازه لم يرفع شيئا و لم يضعه إلا كتب اللّه له عشر حسنات و محا عنه
عشر سيئات و رفع له عشر درجات ،و إذا ركب بعيره لم يرفع خفا و لم
يضعه إلا كتب اللّه له مثل ذلك ،فإذا طاف بالبيت خرج من ذنوبه ،فإذا سعى
بين الصفا و المروة خرج من ذنوبه ،فإذا وقف بعرفات خرج من ذنوبه ،فإذا
وقف بالمشعر خرج من ذنوبه ،فإذا رمى الجمار خرج من ذنوبه ،قال فعدّ
رسول اللّه كذا و كذا موقفا إذا وقفها الحاج خرج من ذنوبه ،ثم قال :أنى لك
أن تبلغ ما يبلغ الحاج ».و قال الصادق عليه السّلام : «إن الحج أفضل من عتق رقبة
بل سبعين رقبة »بل ورد أنه «إذا طاف بالبيت و صلى ركعتيه كتب اللّه له
سبعين ألف حسنة ،و حطّ عنه سبعين ألف سيئة ،و رفع له سبعين ألف
درجة ،و شفّعه في سبعين ألف حاجة ،و حسب له عتق سبعين ألف رقبة
قيمة كل رقبة عشرة آلاف درهم ،و أن الدرهم فيه أفضل من ألفي ألف
درهم فيما سواه من سبيل اللّه تعالى ،و أنّه أفضل من الصيام و الجهاد
و الرباط بل من كل شي‏ء ما عدا الصلاة »بل في خبر آخر «أنه أفضل من
الصلاة »أيضا و لعله لاشتماله على فنون من الطاعات لم يشتمل عليها غيره
حتى الصلاة التي هي أجمع العبادات ،أو لأن الحج فيه صلاة و الصلاة ليس
فيها حج ،أو لكونه أشق من غيره و أفضل الأعمال أحمزها و الأجر على
قدر المشقة .

و يستحب تكرار الحج و العمرة و إدمانهما بقدر القدرة ،فعن
الصادق عليه السّلام : «قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :تابعوا بين الحج و العمرة فإنهما ينفيان
الفقر و الذنوب ما ينفي الكير خبث الحديد »و قال عليه السّلام : «حج تترى و عمرة
تسعى يدفعان عيلة الفقر و ميتة السوء »و قال علي بن الحسين عليه السّلام : «حجوا

--( 13 )--

و اعتمروا تصح أبدانكم و تتسع أرزاقكم و تكفون مئونة عيالكم ».

و كما يستحب الحج بنفسه كذا يستحب الإحجاج بماله ،فعن
الصادق عليه السّلام : «إنه كان إذا لم يحج أحج بعض أهله أو بعض مواليه و يقول
لنا :يا بني إن استطعتم فلا يقف الناس بعرفات إلا و فيها من يدعو لكم فإن
الحاج ليشفع في ولده و أهله و جيرانه »و قال علي بن الحسين لإسحاق بن
عمار لما أخبره أنه موطن على لزوم الحج كل عام بنفسه أو برجل من أهله
بماله : «فأيقن بكثرة المال و البنين أو أبشر بكثرة المال »و في كل ذلك
روايات مستفيضة يضيق عن حصرها المقام ،و يظهر من جملة منها أن
تكرارها ثلاثا أو سنة و سنة لا إدمان ،و يكره تركه للموسر في كل خمس
سنين ،و في عدة من الأخبار «إن من أوسع اللّه عليه و هو موسر و لم يحج في
كل خمس -و في رواية أربع سنين -إنه لمحروم »و عن الصادق عليه السّلام : «من
حج أربع حجج لم يصبه ضغطة القبر ».

--( 14 )--

مقدمة
في آداب السفر و مستحباته لحج أو غيره


و هي أمور :

أولها و من أوكدها :الاستخارة ،بمعنى طلب الخير من ربه و مسألة
تقديره له عند التردد في أصل السفر أو في طريقه أو مطلقا ،و الأمر بها
للسفر و كل أمر خطير أو مورد خطر مستفيض ،و لا سيما عند الحيرة
و الاختلاف في المشورة ،و هي الدعاء لأن يكون خيره فيما يستقبل أمره ،
و هذا النوع من الاستخارة هو الأصل فيها ،بل أنكر بعض العلماء ما عداها
مما يشتمل على التفؤل و المشاورة بالرقاع و الحصى و السبحة و البندقة
و غيرها لضعف غالب أخبارها ،و إن كان العمل بها للتسامح في مثلها لا
بأس به أيضا ،بخلاف هذا النوع لورود أخبار كثيرة بها في كتب أصحابنا ،
بل في روايات مخالفينا أيضا عن النبي صلّى اللّه عليه و آله الأمر بها و الحث عليها ،و عن
الباقر و الصادق عليهما السّلام : «كنا نتعلم الاستخارة كما نتعلم السورة من القرآن »
و عن الباقر عليه السّلام : «أن علي بن الحسين عليه السّلام كان يعمل به إذا همّ بأمر حج أو
عمرة أو بيع أو شراء أو عتق »بل في كثير من رواياتنا النهي عن العمل بغير
استخارة و أنه «من دخل في أمر بغير استخارة ثم ابتلي لم يؤجر »و في كثير
منها : «ما استخار اللّه عبد مؤمن إلا خار له و إن وقع ما يكره »و في بعضها :
«إلا رماه اللّه بخير الأمرين ».

--( 15 )--

و في بعضها : «استخر اللّه مائة مرة و مرة ثم انظر أجزم الأمرين لك
فافعله فإن الخيرة فيه إن شاء اللّه تعالى »و في بعضها : «ثم انظر اي شي‏ء يقع
في قلبك فاعمل به »و ليكن ذلك بعنوان المشورة من ربه و طلب الخير من
عنده و بناء منه أن خيره فيما يختاره اللّه له من أمره ،و يستفاد من بعض
الروايات أن يكون قبل مشورته ليكون بدأ مشورته منه سبحانه و أن يقرنه
بطلب العافية ،فعن الصادق عليه السّلام : «و ليكن استخارتك في عافية فإنه ربما
خير للرجل في قطع يده و موت ولده و ذهاب ماله ».

و أخصر صورة فيها أن يقول : «أستخير اللّه برحمته أو أستخير اللّه
برحمته خيرة في عافية »ثلاثا أو سبعا أو عشرا أو خمسين أو سبعين أو مائة
مرة و مرة ،و الكل مروي ،و في بعضها في الأمور العظام مائة و في الأمور
اليسيرة بما دونه ،و المأثور من أدعيته كثيرة جدا ،و الأحسن تقديم تحميد
و تمجيد و ثناء و صلوات و توسل و ما يحسن من الدعاء عليها ،و أفضلها بعد
ركعتي الاستخارة أو بعد صلوات فريضة أو في ركعات الزوال أو في آخر
سجدة من صلاة الفجر أو في آخر سجدة من صلاة الليل أو في سجدة بعد
المكتوبة أو عند رأس الحسين عليه السّلام أو في مسجد النبي صلّى اللّه عليه و آله و الكل مروي ،
و مثلها كل مكان شريف قريب من الإجابة كالمشاهد المشرفة أو حال أو
زمان كذلك ،و من أراد تفصيل ذلك فليطلبه من مواضعه كمفاتيح الغيب
للمجلسي قدّس سرّه و الوسائل و مستدركه .

و بما ذكر من حقيقة هذا النوع من الاستخارة و أنها محض الدعاء
و التوسل و طلب الخير و انقلاب أمره إليه و بما عرفت من عمل السجاد في
الحج و العمرة و نحوهما يعلم أنها راجحة للعبادات أيضا خصوصا عند
إرادة الحج و لا يتعين فيما يقبل التردد و الحيرة ،و لكن في رواية أخرى

--( 16 )--

«ليس في ترك الحج خيرة »و لعل المراد بها الخيرة لأصل الحج أو للواجب
منه .

ثانيها :اختيار الأزمنة المختارة له من الأسبوع و الشهر ،فمن الأسبوع
يختار السبت و بعده الثلاثاء و الخميس و الكل مروي ،و عن الصادق عليه السّلام :
«من كان مسافرا فليسافر يوم السبت ،فلو أن حجرا زال عن جبل يوم
السبت لرده اللّه إلى مكانه »و عنهم عليه السّلام : «السبت لنا و الأحد لبني أمية »و عن
النبي صلّى اللّه عليه و آله : «اللهم بارك لأمتي في بكورها يوم سبتها و خميسها ».

و يتجنب ما أمكنه صبيحة الجمعة قبل صلاتها ،و الأحد ،فقد روي أن
له حدّا كحد السيف ،و الاثنين فهو لبني أمية ،و الأربعاء فإنه لبني العباس ،
خصوصا آخر أربعاء من الشهر فإنه يوم نحس مستمر ،و في رواية ترخيص
السفر يوم الاثنين مع قراءة سورة هل أتى في أول ركعة من غداته فإنه يقيه
اللّه به من شر يوم الاثنين ،و ورد أيضا اختيار يوم الاثنين و حملت على
التقية .

و ليتجنب السفر من الشهر و القمر في المحاق أو في برج العقرب أو
صورته فعن الصادق عليه السّلام : «من سافر أو تزوج و القمر في العقرب لم ير
الحسنى »و قد عدّ أيام من كل شهر و أيام من الشهر منحوسة يتوقى من
السفر فيها و من ابتداء كل عمل بها ،و حيث لم نظفر بدليل صالح عليه لم
يهمنا التعرض لها و إن كان التجنب منها و من كل ما يتطير بها أولى ،و لم
يعلم أيضا أن المراد بها شهور الفرس أو العربية و قد يوجه كل بوجه غير
وجيه ،و على كل حال فعلاجها لدى الحاجة بالتوكل و المضي خلافا على
أهل الطيرة ،فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله : «كفارة الطيرة التوكل »و عن أبي الحسن الثاني :
«من خرج يوم الأربعاء لا يدور خلافا على أهل الطيرة وقي من كل آفة

--( 17 )--

و عوفي من كل عاهة و قضى اللّه حاجته »و له أن يعالج نحوسة ما نحس من
الأيام بالصدقة ،فعن الصادق عليه السّلام : «تصدق و اخرج أي يوم شئت »و كذا
يفعل أيضا لو عارضه في طريقه ما يتطير به الناس و وجد في نفسه من ذلك
شيئا ،و ليقل حينئذ : «اعتصمت بك يا رب من شر ما أجد في نفسي
فاعصمني »و ليتوكل على اللّه و ليمض خلافا لأهل الطيرة .

و يستحب اختيار آخر الليل للسير و يكره أوله ،ففي الخبر : «الأرض
تطوى من آخر الليل »و في آخر : «و إيّاك و السير في أول الليل و سر في
آخره ».

ثالثها و هو أهمها :التصدق بشي‏ء عند افتتاح سفره ،و يستحب كونها
عند وضع الرجل في الركاب ،خصوصا إذا صادف المنحوسة أو المتطير
بها من الأيام و الأحوال ففي المستفيضة رفع نحوستها بها ،و ليشري السلامة
من اللّه بما يتيسر له ،و يستحب أن يقول عند التصدق : «اللهم إني اشتريت
بهذه الصدقة سلامتي و سلامة سفري ،اللهم احفظني و احفظ ما معي ،
و سلّمني و سلّم ما معي ،و بلغني و بلّغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل ».

رابعها :الوصية عند الخروج لا سيما بالحقوق الواجبة .

خامسها :توديع العيال بأن يجعلهم وديعة عند ربه و يجعله خليفة
عليهم ،و ذلك بعد ركعتين أو أربع يركعها عند إرادة الخروج ،و يقول :
«اللهم إني أستودعك نفسي و أهلي و مالي و ذريتي و دنياي و آخرتي
و أمانتي و خاتمة عملي »فعن الصادق عليه السّلام : «ما استخلف رجل على أهله
بخلافة أفضل منها ،و لم يدع بذلك الدعاء إلا أعطاه اللّه عز و جل ما سأل ».

سادسها :إعلام اخوانه بسفره ،فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله : «حق على المسلم إذا
أراد سفرا أن يعلم إخوانه ،و حق على إخوانه إذا قدم أن يأتوه ».

--( 18 )--

سابعها :العمل بالمأثورات من قراءة السور و الآيات و الأدعية عند
باب داره ،و ذكر اللّه و التسمية و التحميد و شكره عند الركوب و الاستواء على
الظهر و الإشراف و النزول و كل انتقال و تبدل حال ،فعن الصادق عليه السّلام : «كان
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في سفره إذا هبط سبّح ،و إذا صعد كبّر »و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله : «من
ركب و سمّى ردفه ملك يحفظه ،و من ركب و لم يسمّ ردفه شيطان يمنيه
حتى ينزل »و منها قراءة القدر للسلامة حين يسافر أو يخرج من منزله أو
يركب دابته ،و آية الكرسي و السخرة و المعوذتين و التوحيد و الفاتحة
و التسمية و ذكر اللّه في كل حال من الأحوال ،و منها ما عن أبي الحسن عليه السّلام
أنه يقوم على باب داره تلقاء ما يتوجه له و يقرأ الحمد و المعوذتين
و التوحيد و آية الكرسي أمامه و عن يمينه و عن شماله و يقول : «اللهم
احفظني و احفظ ما معي و بلغني و بلغ ما معي ببلاغك الحسن الجميل »
يحفظ و يبلغ و يسلم هو و ما معه .و منها ما عن الرضا عليه السّلام : «إذا خرجت من
منزلك في سفر أو حضر فقل :بسم اللّه باللّه و توكلت على اللّه ما شاء اللّه لا
حول و لا قوة إلاّ باللّه ،تضرب به الملائكة وجوه الشياطين و تقول ما سبيلكم
عليه و قد سمى اللّه و آمن به و توكل عليه »و منها ما كان الصادق عليه السّلام يقول إذا
وضع رجله في الركاب يقول :سُبْحانَ اَلَّذِي سَخَّرَ لَنا هذا وَ ما كُنَّا لَهُ
مُقْرِنِينَ
- 1 - «و يسبح اللّه سبعا و يحمده سبعا و يهلله سبعا »و عن زين
العابدين عليه السّلام : «أنه لو حج رجل ماشيا و قرأ إنا أنزلناه في ليلة القدر ما وجد
ألم المشي »و قال : «ما قرأه أحد حين يركب دابته إلا نزل منها سالما مغفورا
له ،و لقارئها أثقل على الدواب من الحديد »و عن أبي جعفر عليه السّلام : «لو كان

---------------

( 1 ) الزخرف 43 :13 .


--( 19 )--

شي‏ء يسبق القدر لقلت قارئ إنا أنزلناه في ليلة القدر حين يسافر أو يخرج
من منزله سيرجع »و المتكفل لبقية المأثورات منها على كثرتها الكتب
المعدة لها ،و في وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله : «يا علي إذا أردت مدينة أو قرية فقل
حين تعاينها :اللهم إني أسألك خيرها و أعوذ بك من شرها ،اللهم حببنا إلى
أهلها و حبب صالحي أهلها إلينا »و عنه صلّى اللّه عليه و آله : «يا علي إذا نزلت منزلا فقل :
اللهم أنزلني منزلا مباركا و أنت خير المنزلين کترزق خيره و يدفع عنك
شره »و ينبغي له زيادة الاعتماد و الانقطاع إلى اللّه سبحانه و قراءة ما يتعلق
بالحفظ من الآيات و الدعوات و قراءة ما يناسب ذلك كقوله تعالى :كَلاَّ إِنَّ
مَعِي رَبِّي سَيَهْدِينِ
- 1 - و قوله تعالى :إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ لا تَحْزَنْ إِنَّ اَللَّهَ
مَعَنا
- 2 - ،و دعاء التوجه و كلمات الفرج و نحو ذلك ،و عن النبي صلّى اللّه عليه و آله :
«يسبح تسبيح الزهراء و يقرأ آية الكرسي عند ما يأخذ مضجعه في السفر
يكون محفوظا من كل شي‏ء حتى يصبح ».

ثامنها :التحنك بإدارة طرف العمامة تحت حنكه ،ففي المستفيضة
عن الصادق و الكاظم عليهما السّلام : «الضمان لمن خرج من بيته معتما تحت حنكه
أن يرجع إليه سالما و أن لا يصيبه السرق و لا الغرق و لا الحرق ».

تاسعها :استصحاب عصا من اللوز المرّ فعنه عليه السّلام : «إن أراد أن تطوى
له الأرض فليتخذ النقد من العصا ،و النقد عصا لوز مر »و فيه نفي للفقر
و أمان من الوحشة و الضواري و ذوات الحمة ،و ليصحب شيئا من طين
الحسين عليه السّلام ليكون له شفاء من كل داء و أمانا من كل خوف ،و يستصحب
خاتما من عقيق أصفر مكتوب على أحد جانبيه : «ما شاء اللّه لا قوة إلاّ باللّه

---------------

( 1 ) الشعراء 26 :62 .



---------------

( 2 ) التوبة 9 :40 .


--( 20 )--

استغفر اللّه »و على الجانب الآخر «محمد و علي »و خاتما من فيروزج
مكتوب على أحد جانبيه : «اللّه الملك »و على الجانب الأخر : «الملك للّه
الواحد القهار ».

عاشرها :اتخاذ الرفقة في السفر ،ففي المستفيضة الأمر بها و النهي
الأكيد عن الوحدة ،ففي وصية النبي صلّى اللّه عليه و آله لعلي عليه السّلام : «لا تخرج في سفر
وحدك فإن الشيطان مع الواحد و هو من الاثنين أبعد ،و لعن ثلاثة :الآكل
زاده وحده و النائم في بيت وحده و الراكب في الفلاة وحده »و قال : «شر
الناس من سافر وحده و منع رفده و ضرب عبده » ، «و أحب الصحابة إلى اللّه
أربعة ،و ما زاد [قوم ]على سبعة إلاّ كثر لغطهم »أي تشاجرهم ،و من اضطر
إلى السفر وحده فليقل : «ما شاء اللّه و لا قوة إلاّ باللّه اللهم آمن وحشتي و أعني
على وحدتي و أدّ غيبتي » ،و ينبغي أن يرافق مثله في الإنفاق و يكره
مصاحبته دونه أو فوقه في ذلك ،و أن يصحب من يتزين به و لا يصحب من
يكون زينته له ،و يستحب معاونة أصحابه و خدمتهم و عدم الاختلاف معهم
و ترك التقدم على رفيقه في الطريق .

الحادي عشر :استصحاب السفرة و التنوّق فيها و تطيب الزاد
و التوسعة فيه لا سيما في سفر الحج ،و عن الصادق عليه السّلام : «إن من المروّة في
السفر كثرة الزاد و طيبه و بذله لمن كان معك »أنعم يكره التنوّق في سفر
زيارة الحسين عليه السّلام بل يقتصر فيه على الخبز و اللبن لمن قرب من مشهده
كأهل العراق لا مطلقا في الأظهر ،فعن الصادق عليه السّلام : «بلغني ان قوما إذا
زاروا الحسين عليه السّلام حملوا معهم السفرة فيها الجداء و الأخبصة و أشباهه و لو
زاروا قبور آبائهم ما حملوا معهم هذا » ،و في آخر : «تاللّه إن أحدكم ليذهب
إلى قبر أبيه كئيبا حزينا و تأتونه أنتم بالسفر كلاّ حتى تأتونه شعثا غبرا ».

--( 21 )--

الثاني عشر :حسن التخلق مع صحبه و رفقته ،فعن الباقر عليه السّلام : «ما يعبأ
بمن يؤمّ هذا البيت إذا لم يكن فيه ثلاث خصال :خلق يخالق به من صحبه
أو حلم يملك به غضبه أو ورع يحجزه عن معاصي اللّه » ،و في المستفيضة :
«المروّة في السفر ببذل الزاد و حسن الخلق و المزاح في غير المعاصي »
و في بعضها : «قلة الخلاف على من صحبك و ترك الرواية عليهم إذا أنت
فارقتهم »و عن الصادق عليه السّلام : «ليس من المروة أن يحدّث الرجل بما يتفق
في السفر من خير أو شر »و عنه عليه السّلام : «وطّن نفسك على حسن الصحابة لمن
صحبت في حسن خلقك و كفّ لسانك و أكظم غيظك و أقل لغوك و تفرش
عفوك و تسخى نفسك ».

الثالث عشر :استصحاب جميع ما يحتاج إليه من السلاح و الآلات
و الأدوية كما في ذيل ما يأتي من وصايا لقمان لابنه ،و ليعمل بجميع ما في
تلك الوصية .

الرابع عشر :إقامة رفقاء المريض لأجله ثلاثا ،فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله : «إذا
كنت في سفر و مرض أحدكم فأقيموا عليه ثلاثة أيام »و عن الصادق عليه السّلام :
«حق المسافر أن يقيم عليه أصحابه إذا مرض ثلاثا ».

الخامس عشر :رعاية حقوق دابته ،فعن الصادق عليه السّلام : «قال رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله :للدابة على صاحبها خصال :يبدأ بعلفها إذا نزل و يعرض عليها
الماء إذا مرّ به و لا يضرب وجهها فإنها تسبح بحمد ربها و لا يقف على
ظهرها إلا في سبيل اللّه و لا يحملها فوق طاقتها و لا يكلفها من المشي
إلا ما تطيق » ،و في آخر : «و لا تتوركوا على الدواب و لا تتخذوا ظهورها
مجالس »و في آخر : «و لا يضربها على النفار و يضربها على العثار
فإنها ترى ما لا ترون ».

--( 22 )--

و يكره التعرس على ظهر الطريق و النزول في بطون الأودية و الإسراع
في السير و جعل المنزلين منزلا إلا في أرض جدبة ،و أن يطرق أهله ليلا
حتى يعلمهم ،و يستحب إسراع عوده إليهم ،و أن يستصحب هدية لهم إذا
رجع إليهم ،و عن الصادق عليه السّلام : «إذا سافر أحدكم فقدم من سفره فليأت اهله
بما تيسر و لو بحجر »الخبر .

و يكره ركوب البحر في هيجانه ،و عن أبي جعفر عليه السّلام : «إذا اضطرب
بك البحر فاتّك على جانبك الأيمن و قل :بسم اللّه اسكن بسكينة اللّه و قرّ
بقرار اللّه و اهدأ بإذن اللّه و لا حول و لا قوة إلاّ باللّه ».

و ليناد إذا ضلّ في طريق البر «يا صالح يا أبا صالح ارشدونا رحمكم
اللّه »و في طريق البحر «يا حمزة »و إذا بات في أرض قفر فليقل :إِنَّ رَبَّكُمُ
اَللَّهُ اَلَّذِي خَلَقَ اَلسَّماواتِ وَ اَلْأَرْضَ فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اِسْتَوى‏
-إلى قوله
تَبارَكَ اَللَّهُ رَبُّ اَلْعالَمِينَ - 1 - .

و ينبغي للماشي أن ينسل في مشيه أي يسرع فعن الصادق عليه السّلام :
«سيروا و انسلوا فإنه أخف عنكم » «و جاءت المشاة إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فشكوا
إليه الإعياء فقال :عليكم بالنسلان .ففعلوا فذهب عنهم الإعياء »و أن يقرأ
سورة القدر لئلا يجد ألم المشي كما مر عن السجاد عليه السّلام ،و عن رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله : «زاد المسافر الحداء و الشعر ما كان منه ليس فيه خناء » ،و في
نسخة : «جفاء »و في أخرى «حنان »و ليختر وقت النزول من بقاع الأرض
أحسنها لونا و ألينها تربة و أكثرها عشبا .هذه جملة ما على المسافر .

و أما أهله و رفقته فيستحب لهم تشييع المسافر و توديعه و إعانته

---------------

( 1 ) الاعراف 7 :54 .


--( 23 )--

و الدعاء له بالسهولة و السلامة و قضاء المآرب عند وداعه ، «قال رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله :من أعان مؤمنا مسافرا فرج اللّه عنه ثلاثا و سبعين كربة و أجاره في
الدنيا و الآخرة من الغم و الهم و نفس كربه العظيم يوم يعض الناس
بأنفاسهم » ،و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إذا ودع المؤمنين قال : «زودكم اللّه التقوى
و وجهكم إلى كل خير و قضى لكم كل حاجة و سلم لكم دينكم و دنياكم
وردكم سالمين إلى سالمين »و في آخر : «كان إذا ودع مسافرا أخذ بيده ثم
قال :أحسن لك الصحابة و أكمل لك المعونة و سهل لك الحزونة و قرب
لك البعيد و كفاك المهم و حفظ لك دينك و أمانتك و خواتيم عملك
و وجهك لكل خير ،عليك بتقوى اللّه ،أستودع اللّه نفسك ،سر على بركة اللّه
عز و جل »و ينبغي أن يقرأ في أذنه إِنَّ اَلَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ اَلْقُرْآنَ لَرادُّكَ إِلى‏
مَعادٍ
- 1 - إن شاء اللّه ثم يؤذن خلفه و ليقم كما هو المشهور عملا ،و ينبغي
رعاية حقه في اهله و عياله و حسن الخلافة فيهم لا سيما مسافر الحج ،فعن
الباقر عليه السّلام : «من خلف حاجا بخير كان له كأجره كأنه يستلم الأحجار »و أن
يوقّر القادم من الحج ،فعن الباقر عليه السّلام : «و قروا الحاج و المعتمر فإن ذلك
واجب عليكم »و كان علي بن الحسين عليه السّلام يقول : «يا معشر من لم يحج
استبشروا بالحاج و صافحوهم و عظّموهم فإن ذلك يجب عليكم ،
تشاركوهم في الأجر » ،و كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يقول للقادم من مكة : «قبل اللّه
منك و أخلف عليك نفقتك و غفر ذنبك ».

و لنتبرك بختم المقام بخير خبر تكفّل مكارم أخلاق السفر بل
و الحضر :فعن الصادق عليه السّلام قال : «قال لقمان لابنه :يا بني إذا سافرت مع قوم
فأكثر استشارتهم في أمرك و أمورهم ،و أكثر التبسم في وجوههم ،وكن

---------------

( 1 ) القصص 28 :85 .


--( 24 )--

كريما على زادك ،و إذا دعوك فاجبهم ،و إذا استعانوا بك فأعنهم ،و استعمل
طول الصمت و كثرة الصلاة و سخاء النفس بما معك من دابة أو ماء أو زاد ،
و إذا استشهدوك على الحق فاشهد لهم ،و أجهد رأيك لهم إذا استشاروك ثم
لا تعزم حتى تتثبّت و تنظر و لا تجب في مشورة حتى تقوم فيها و تقعد و تنام
و تأكل و تضع و أنت مستعمل فكرتك و حكمتك في مشورتك فإن من لم
يمحض النصح لمن استشاره سلبه اللّه رأيه و نزع منه الأمانة ،و إذا رأيت
أصحابك يمشون فامش معهم و إذا رأيتهم يعملون فاعمل معهم فإذا
تصدقوا أو أعطوا قرضا فأعط معهم ،و اسمع لمن هو أكبر منك سنا ،و إذا
أمروك بأمر و سألوك شيئا فقل نعم و لا تقل لا فإنها عيّ و لؤم ،و إذا تحيرتم
في الطريق فانزلوا و إذا شككتم في القصد فقفوا أو تؤامروا ،و إذا رأيتم
شخصا واحدا فلا تسألوه عن طريقكم و لا تسترشدوه فإن الشخص الواحد
في الفلاة مريب لعله يكون عين اللصوص أو يكون هو الشيطان الذي
حيّركم ،و احذروا الشخصين أيضا إلا أن ترون ما لا أرى فإن العاقل إذا
أبصر بعينه شيئا عرف الحق منه و الشاهد يرى ما لا يرى الغائب ،يا بني إذا
جاء وقت الصلاة فلا تؤخرها لشي‏ء صلّها و استرح منها فإنها دين ،و صلّ
في جماعة و لو على رأس زج ،و لا تنامنّ على دابتك فإن ذلك سريع في
دبرها و ليس ذلك من فعل الحكماء إلا أن تكون في محمل يمكنك التمدد
لاسترخاء المفاصل ،و إذا قربت من المنزل فانزل عن دابتك و ابدأ بعلفها
فإنها نفسك ،و إذا أردتم النزول فعليكم من بقاع الأرض بأحسنها لونا
و ألينها تربة و أكثرها عشبا ،و إذا نزلت فصلّ ركعتين قبل أن تجلس ،و إذا
أردت قضاء حاجتك فابعد المذهب في الأرض ،و إذا ارتحلت فصلّ
ركعتين ثم ودّع الأرض التي حللت بها و سلم عليها و على أهلها فإن لكل
بقعة أهلا من الملائكة ،فإن استطعت أن لا تأكل طعاما حتى تبدأ و تصدق

--( 25 )--

منه فافعل ،و عليك بقراءة كتاب اللّه ما دمت راكبا ،و عليك بالتسبيح ما دمت
عاملا ،و عليك بالدعاء ما دمت خاليا ،و إياك و السير في أول الليل و سر في
آخره ،و إياك و رفع الصوت ،يا بني سافر بسيفك و خفّك و عمامتك و حبالك
و سقائك و خيوطك و مخرزك و تزود معك من الأدوية فانتفع به أنت و من
معك ،و كن لأصحابك موافقا إلا في معصية اللّه عز و جل ».

هذا ما يتعلق بكلي السفر .

و يختص سفر الحج بأمور اخر :

منها :اختيار المشي فيه على الركوب على الأرجح بل الحفاء على
الانتعال ،إلا أن يضعفه عن العبادة أو كان لمجرد تقليل النفقة ،و عليهما
يحمل ما يستظهر منها أفضلية الركوب ،و روي «ما تقرب العبد إلى اللّه
-عز و جل -بشي‏ء أحب إليه من المشي إلى بيته الحرام على القدمين ،و أن
الحجة الواحدة تعدل سبعين حجة ،و ما عبد اللّه بشي‏ء مثل الصمت
و المشي إلى بيته ».

و منها :أن تكون نفقة الحج و العمرة حلالا طيبا ،فعنهم عليه السّلام : «إنا أهل
بيت حج صرورتنا و مهور نسائنا و أكفاننا من طهور أموالنا »و عنهم عليه السّلام :
«من حج بمال حرام نودي عند التلبية لا لبيك عبدي و لا سعديك »و عن
الباقر عليه السّلام : «من أصاب مالا من أربع :لم يقبل منه في أربع من أصاب مالا
من غلول أو رباء أو خيانة أو سرقة لم يقبل منه في زكاة و لا صدقة و لا حج
و لا عمرة ».

و منها :استحباب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة و كراهة نية
عدم العود ،فعن النبي صلّى اللّه عليه و آله : «من رجع من مكة و هو ينوي الحج من قابل
زيد في عمره و من خرج من مكة و لا يريد العود إليها فقد اقترب أجله ودنا
عذابه »و عن الصادق عليه السّلام مثله مستفيضا و قال لعيسى بن أبي منصور : «يا

--( 26 )--

عيسى إني أحب أن يراك اللّه فيما بين الحج إلى الحج و أنت تتهيأ للحج ».

و منها :أن لا يخرج من الحرمين الشريفين بعد ارتفاع النهار إلا بعد
أداء الفرضين بهما .

و منها :البدأة بزيارة النبي صلّى اللّه عليه و آله لمن حج على طريق العراق .

و منها :أن لا يحج و لا يعتمر على الإبل الجلالة ،و لكن لا يبعد
اختصاص الكراهة بأداء المناسك عليها و لا يسري إلى ما يسار عليها من
البلاد البعيدة في الطريق .

و من أهم ما ينبغي رعايته في هذا السفر احتسابه من سفر آخرته
بالمحافظة على تصحيح النية و إخلاص السريرة و أداء حقيقة القربة
و التجنب عن الرياء و التجرد عن حب المدح و الثناء ،و أن لا يجعل سفره
هذا على ما عليه كثير من مترفي عصرنا من جعله وسيلة للرفعة و الافتخار
بل وصلة إلى التجارة و الانتشار و مشاهدة البلدان و تصفح الأمصار ،و أن
يراعي أسراره الخفية و دقائقه الجلية كما يفصح عن ذلك ما أشار إليه بعض
الأعلام : «إن اللّه تعالى سنّ الحج و وضعه على عباده إظهارا لجلاله و كبريائه
و علوّ شأنه و عظم سلطانه ،و إعلانا لرق الناس و عبوديتهم و ذلهم
و استكانتهم ،و قد عاملهم في ذلك معاملة السلاطين لرعاياهم و الملاك
لمماليكهم يستذلونهم بالوقوف على باب بعد باب و اللبث في حجاب بعد
حجاب ،و إن اللّه تعالى قد شرف البيت الحرام و أضافه إلى نفسه و اصطفاه
لقدسه و جعله قياما للعباد و مقصدا يؤمّ من جميع البلاد و جعل ما حوله
حرما و جعل الحرم آمنا و جعل فيه ميدانا و مجالا و جعل له في الحل شبيها
و مثالا فوضعه على مثال حضرة الملوك و السلاطين ثم أذّن في الناس
بالحج ليأتوه رجالا و ركبانا من كل فجّ و أمرهم بالإحرام و تغيير الهيئة
و اللباس شعثا غبرا متواضعين مستكينين رافعين أصواتهم بالتلبية و إجابة

--( 27 )--

الدعوة حتى إذا أتوه كذلك حجبهم عن الدخول و أوقفهم في حجبه
يدعونه و يتضرعون إليه حتى إذا طال تضرعهم و استكانتهم و رجموا
شياطينهم بجمارهم و خلعوا طاعة الشيطان من رقابهم أذن لهم بتقريب
قربانهم و قضاء تفثهم ليطهروا من الذنوب التي كانت هي الحجاب بينهم
و بينه و ليزوروا البيت على طهارة منهم ثم يعيدهم فيه بما يظهر معه كمال
الرق و كنه العبودية فجعلهم تارة يطوفون فيه و يتعلقون بأستاره و يلوذون
بأركانه و أخرى يسعون بين يديه مشيا وعدوا ليتبين لهم عزّ الربوبية و ذلّ
العبودية و ليعرفوا أنفسهم و يضع الكبر من رءوسهم و يجعل نير الخضوع
في أعناقهم و يستشعروا شعار المذلة و ينزعوا ملابس الفخر و العزة ،و هذا
من أعظم فوائد الحج ،مضافا إلى ما فيه من التذكر بالإحرام و الوقوف في
المشاعر العظام لأحوال المحشر و أهوال يوم القيامة ،إذ الحج هو الحشر
الأصغر و إحرام الناس و تلبيتهم و حشرهم إلى الموقف و وقوفهم بها والهين
متضرعين راجعين إلى الفلاح أو الخيبة و الشقاء أشبه شي‏ء بخروج الناس
من أجداثهم و توشّحهم بأكفانهم و استغاثتهم من ذنوبهم و حشرهم إلى
صعيد واحد إلى نعيم أو عذاب أليم ،بل حركات الحاج في طوافهم
و سعيهم و رجوعهم و عودهم يشبه أطوار الخائف الوجل المضطرب
المدهوش الطالب ملجأ و مفزعا نحو أهل المحشر في أحوالهم و أطوارهم ،
فبحلول هذه المشاعر و الجبال و الشعب و الطلال و لدى وقوفه بمواقفه
العظام يهون ما بأمامه من أهوال يوم القيامة من عظائم يوم الحشر و شدائد
النشر ،عصمنا اللّه و جميع المؤمنين و رزقنا فوزه يوم الدين آمين ربّ
العالمين .

--( 28 )--

فصل
في وجوب الحج


من أركان الدين الحج ،و هو واجب على كل من استجمع الشرائط
الآتية من الرجال و النساء و الخناثى بالكتاب و السنة و الإجماع من جميع
المسلمين بل بالضرورة ،و منكره في سلك الكافرين ( 1 ) ،


( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و ذلك لما حققناه في محله من أن الإسلام
متمثل في عنصرين :

أحدهما :الايمان بالتوحيد ،و مقابله الكفر سواء أ كان متمثلا في الانكار
اليقيني أم الظني أم الاحتمالي .

و الآخر :الايمان برسالة النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله ،و مقابله الكفر و إن كان متمثلا
في إنكارها الظني أو الاحتمالي على أساس ان المعتبر في الإسلام هو الايمان
و الالتزام بالرسالة اجمالا ،و نقصد بالايمان الإجمالي بها هو الايمان بأن كل ما
يحتمل أو يظن أو يقع باشتمال الرسالة عليه فهو حق إذا كانت الرسالة مشتملة
عليه واقعا ،فاذا احتمل ان هذا الحكم مما جاء به الرسول الاكرم صلّى اللّه عليه و آله فانكاره
و جحده معناه عدم الايمان برسالته و احتمال بطلانها و هو كفر .

و اما المعاد فهو ليس عنصرا ثالثا معتبرا في الإسلام في مقابل العنصر
الثاني ،لأن المعاد من أظهر ما اشتملت عليه الرسالة ،فالايمان بها لا ينفك عن
الايمان به ،فاذن لا يكون عنصرا مستقلا في مقابلها ،و قد ذكرنا في بحث الفقه
مفصلا و أشرنا اليه اجمالا في أول بحث الصوم ،ان الآيات التي تنص على

--( 29 )--

..........
عطف الايمان باليوم الآخر على الايمان باللّه لا تدل على ذلك بوجه ،فان هذا
العطف انما يعبر عن ان الايمان باليوم الآخر دخيل في الإسلام ،و اما انه دخيل
فيه مستقلا أو باعتبار انه من أوضح و أبده ما اشتملت عليه الرسالة فهو ساكت
عنه .

و على ضوء هذا الأساس فالمنكر لوجوب الحج مرة يكون ملتفتا إلى أن
انكاره انكار للرسالة و تكذيب لها ،و أخرى لا يكون ملتفتا إلى هذه الملازمة
و غافل عنها ،فعلى الأول :لا شبهة في كفره و ارتداده ،و لكن لا من جهة انكاره
الضروري بل من جهة انكاره الرسالة و تكذيبها ،و قد مر أنه لا يختص بانكار
الضروري .و على الثاني :فلا موجب لكفره ،لأنه مؤمن بالرسالة اجمالا .

و لكن مع ذلك ذهب جماعة من الفقهاء الى كفره بدعوى ان عدم انكار
الضروري قيد معتبر في الإسلام تعبدا زائدا على الايمان بالرسالة ،و قد استدل
على ذلك بجملة من الروايات :

منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «من ارتكب كبيرة من الكبائر
فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام و عذب أشدّ العذاب و ان كان معترفا
انه ذنب و مات عليها أخرجه من الايمان و لم يخرجه من الإسلام و كان عذابه
أهون من عذاب الأول »- 1 - بتقريب انه يدل على أن من ارتكب كبيرة باعتقاد أنها
حلال فهو كفر و خروج عن الإسلام ،و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون
ملتفتا إلى تلك الملازمة أو لا لغفلته عنها لسبب أو لآخر مع ايمانه الإجمالي
بالرسالة .

و الجواب :ان الظاهر من الصحيحة هو أن مرتكب الكبيرة بزعم أنها
حلال كان ملتفتا إلى أنها مما اشتملت عليه رسالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله ،و القرينة على
ذلك هو خروجه بذلك عن الإسلام و استحقاقه أشد العذاب و العقوبة على
ارتكابها اذ لو كان اعتقاده بالحلية من جهة الجهل و الغفلة عنها لم يكن موجب

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب مقدمة العبادات الحديث :10 .


--( 30 )--

..........
لأصل استحقاق الادانة و العقوبة فضلا عن كونها أشد .و يؤكد ذلك قوله عليه السّلام في
ذيل الصحيحة : «و إن كان معترفا انه ذنب و مات عليها ..إلى أن قال :كان عذابه
أهون من عذاب الأول »فانه يدل على انه منكر للرسالة و مكذب لها في الفرض
الأول ،فلذلك كان عذابه أشد من عذابه في هذا الفرض و الاّ فلا مبرر لأصل
العذاب .

و ان شئت قلت :ان قوله عليه السّلام : «فزعم أنها حلال أخرجه ذلك من الإسلام
و عذّب أشد العذاب »ناص في أنّ زعمه بأنها حلال انما هو بملاك تكذيبه
الرسالة و انكاره لها ،لا بملاك غفلته عن أنها مما اشتملت عليه الرسالة مع ايمانه
الإجمالي بها ،بداهة انه لو كان كذلك فلا معنى لاستحقاقه أصل العقوبة فضلا
عن أشدها ،و بذلك يظهر حال موثقة مسعدة بن صدقة باعتبار أنها كالصحيحة
في المضمون و المؤدى .

و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة داود بن كثير الرقي : «فمن ترك فريضة من
الموجبات فلم يعمل بها و جحدها كان كافرا »- 1 - بدعوى أنه يدل على أن انكار
الفريضة كفر ،و مقتضى اطلاقه انه كفر و إن لم يكن ملتفتا إلى الملازمة بين
انكارها و انكار الرسالة و تكذيبها .

و الجواب :انه لا اطلاق لها ،فان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية
تقتضي أن جحده الفريضة و انكاره لها انما هو عناية زائدة على تركه الفريضة
و عدم العمل بها ،و هذه العناية الزائدة تدل على عدم ايمانه بالرسالة و انه معاند
لها و الا فالترك لا يتوقف على الجحد و الانكار ،فالنتيجة ان الصحيحة لو لم تكن
ظاهرة في ذلك فلا ظهور لها في الاطلاق ،فتكون مجملة فلا يمكن الاستدلال
بها .هذا اضافة الى أنه لا يبعد أن يكون المراد من الكفر هنا الستر ،باعتبار انه
بعمله هذا قد جعل نفسه مستورة عن رحمته تعالى ،لا في مقابل الايمان ،
و استعمال الكفر في هذا المعنى في الروايات كثير .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب مقدمة العبادات الحديث :2 .


--( 31 )--

..........
فالنتيجة انه لا يمكن الاستدلال بها على اعتبار قيد عدم انكار الضروري
تعبدا في الإسلام زائدا على اعتبار الايمان باللّه وحده و رسالة الرسول صلّى اللّه عليه و آله .

و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام في حديث قال :
«قلت :فمن لم يحج منا فقد كفر ؟قال :لا ،و لكن من قال :ليس هذا هكذا فقد
كفر »- 1 - بدعوى أنها تدل على ان انكاره يوجب الكفر دون تركه ،و مقتضى
اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون ملتفتا الى الملازمة بين انكاره و انكار الرسالة ،
أو لا يكون ملتفتا اليها ،و موردها و إن كان خاصا إلاّ انه لا يحتمل عرفا اختصاص
الحكم به .

و الجواب أولا :انه لا اطلاق لها من هذه الناحية ،فانها في مقام بيان ان
ترك الحج خارجا لا يوجب الكفر ،و اما انكاره لسانا فهو يوجب الكفر ،اما انه
يوجب الكفر مطلقا ،أو فيما إذا كان ملتفتا الى الملازمة ،فهي ليست في مقام
البيان من هذه الناحية .

و ثانيا :ان الظاهر من قوله عليه السّلام فيها : «ليس هذا هكذا »هو انه في مقام انكار
الرسالة و عدم الايمان بها بقرينة صدرها الدال على أن من آمن بالرسالة و لم
يعمل بها فهو ليس بكافر ،فالكافر من يقول هذه المقالة التي هي تعبير عرفي
عن عدم الايمان بالرسالة .

فالنتيجة انه لا دليل على اعتبار ذلك في الإسلام تعبدا زائدا على الايمان
برسالة النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله .

و قد يستدل على اعتبار هذا القيد بقوله تعالى في ذيل آية الحج :وَ مَنْ
كَفَرَ فَإِنَّ اَللَّهَ غَنِيٌّ عَنِ اَلْعالَمِينَ
- 2 - بتقريب انه يدل على كفر من انكر وجوب
الحج ،و مورده و إن كان خاصا الاّ انه لا يحتمل اختصاص الحكم به عرفا .

و الجواب أولا :ان الظاهر من الآية الشريفة ان منشأ انكاره وجوب الحج

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) آل عمران 3 :97 .


--( 32 )--

و تاركه عمدا مستخفا به بمنزلتهم ( 1 ) ،و تركه من غير استخفاف من الكبائر ،
و لا يجب في أصل الشرع إلا مرة واحدة في تمام العمر ( 2 ) ،و هو المسمى
بحجة الإسلام أي الحج الذي بني عليه الإسلام مثل الصلاة و الصوم
و الخمس و الزكاة ،و ما نقل عن الصدوق في العلل من وجوبه على أهل
الجدة كل عام على فرض ثبوته شاذ مخالف للإجماع و الأخبار ،و لا بد من
حمله على بعض المحامل كالأخبار الواردة بهذا المضمون من إرادة
الاستحباب المؤكد أو الوجوب على البدل بمعنى أنه يجب عليه في عامه
و إذا تركه ففي العام الثاني و هكذا ،و يمكن حملها على الوجوب الكفائي
فإنه لا يبعد وجوب الحج كفاية على كل أحد في كل عام إذا كان متمكنا
بحيث لا تبقى مكة خالية من الحجاج ،لجملة من الأخبار الدالة على أنه لا
يجوز تعطيل الكعبة عن الحج ،و الأخبار الدالة على أن على الإمام كما في
بعضها و على الوالي كما في آخر أن يجبر الناس على الحج و المقام في

هو كفره في المرتبة السابقة ،لا أن انكاره هو المنشأ لكفره ،فالكفر علة لذلك لا
أنه معلول له .

و ثانيا :انه قد فسر الكفر في الآية المباركة بالترك كما في صحيحة معاوية
ابن عمار :( عن قول اللّه عز و جل : «و من كفر »يعني من ترك ) - 1 - .

( 1 ) فيه اشكال بل منع ،لعدم الدليل على أن الاستخفاف بالحكم الشرعي
كفر و خروج عن الإسلام ،نعم لا شبهة في أنه مذموم و مبغوض في الشريعة
المقدسة إذا كان عن عمد و التفات .

( 2 ) للتسالم القولي و العملي بين المسلمين قاطبة ،و من المعلوم أن هذا
التسالم بينهم على أساس اهتمام الشارع بالحج في الكتاب و السنة يكشف عن

---------------

( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 33 )--

..........
وجوده في زمن الحضور و وصوله اليهم يدا بيد و طبقة بعد طبقة ،فلو كان الحج
واجبا على كل مستطيع في كل سنة لكان شايعا و مشتهرا بين المسلمين كافة
جزما على أساس أهمية الحج اجتماعيا و عباديا و سياسيا .هذا اضافة إلى أن
جعل وجوب الحج كذلك لا ينسجم مع كل الأزمنة و الأمكنة في كل بقاع
الأرض لوضوح أن اي مستطيع لا يتمكن من الحج في كل عام و في كل أزمنة
و من كل أمكنة على وجه الأرض ،رغم ان الشارع بحكم علمه بالواقعيات بكل
جهاتها و أبدية الحكم و عدم كونه موقتا قد أخذ انسجام الحكم مع كل أزمنة
و أمكنة في عين الاعتبار في مقام التشريع .

فالنتيجة :ان المسألة قطعية و لا لبس فيها ،و على هذا فالروايات الدالة
على وجوب الحج على أهل الاستطاعة و المال في كل عام لا بد من طرحها لأنها
مخالفة للكتاب و السنة ،هذا اضافة إلى أنها معارضة بالروايات الكثيرة الواردة
في مختلف الأبواب و المسائل البالغة حد التواتر اجمالا الدالة بمختلف الألسنة
على أن الحج واجب على كل مستطيع في تمام فترة عمره مرة واحدة و هي على
مجموعات :

منها :الروايات التي تنص على حرمة التسويف و الاهمال في الحج ،فانه
يظهر منها بوضوح انه واجب في تمام العمر مرة واحدة .

و منها :الروايات التي تنص على أن الحج يخرج من أصل التركة ،فانها
تدل بالالتزام على أن ذمة الميت مشغولة بحجة واحدة .

و منها :الروايات التي تنص على أن من لم يحج قط و لم يطق لكبره أو
مرضه المأيوس من الشفاء منه في المستقبل أن يجهّز رجلا يحج منه ،فانها
ناصة في أن الواجب عليه حجة واحدة في طول عمره .

و منها :غيرها .فالناتج من مجموع الروايات هو القطع بوجوب الحج على
المستطيع في طول فترة العمر مرة واحدة ،فاذن لا بد من طرح تلك الروايات
لأنها مخالفة للسنة .

و مع الاغماض عن ذلك أيضا ،فان تلك الروايات التي عمدتها صحيحة

--( 34 )--

..........
علي بن جعفر عن أخيه موسى ابن جعفر عليه السّلام قال : «ان اللّه عز و جل فرض الحج
على أهل الجدة في كل عام و ذلك قوله عز و جل :وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ
مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
،الخ »- 1 - معارضة بروايات أخرى تنص على أن الحج
واجب في تمام مدة العمر مرة واحدة ،و عمدة هذه الروايات صحيحة هشام بن
سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «ما كلف اللّه العباد إلاّ ما يطيقون ،إنما كلفهم في
اليوم و الليلة خمس صلوات ،و كلفهم من كل مأتي درهم خمسة دراهم ،و كلفهم
صيام شهر في السنة ،و كلفهم حجّة واحدة و هم يطيقون أكثر من ذلك -
الحديث »- 2 - و بما أن دلالة هذه الصحيحة على وجوب الحج في فترة العمر كلا
مرة واحدة أظهر من دلالة تلك الروايات على وجوبه على أهل الثراء و المال في
كل عام ،فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهورها و حملها على أصل
الثبوت و المشروعية .و دعوى ان كلمة الفرض ناصة في الوجوب فلا يمكن
حملها على الاستحباب ،مدفوعة بأنها ناصة في الثبوت و ظاهرة في
الوجوب ،فلا مانع من حملها على أصل الثبوت و الاستحباب إذا قامت القرينة
على ذلك .

و بذلك يظهر انه لا وجه لحمل تلك الروايات مرة على الواجب الكفائي ،
و أخرى على أن الحج واجب في كل سنة قمرية ردا على الجاهلية حيث أنهم
يتركون الحج في بعض السنين القمرية على أساس أنهم يعدون السنة
بالحساب الشمسي .اما الأول ،فلما ذكرناه في علم الأصول من أن الوجوب
الكفائي كالوجوب العيني مجعول على نحو القضية الحقيقية للموضوع المقدر
وجوده في الخارج ،و يتعدد الوجوب بتعدده فيه ،و لكنه في الكفائي محدود
بعدم قيام الآخر بامتثاله ،فاذا قام ينتفى الحكم عنه بانتفاء موضوعه كدفن الميت
و كفنه و غسله و ما شاكل ذلك ،و من المعلوم أن هذا الضابط لا ينطبق على
وجوب الحج ،فان قيام بعض من أهل الجدة بامتثاله لا يوجب سقوطه عن
الآخر بسقوط موضوعه .و أما الثاني ،فلأنه بحاجة الى قرينة و لا قرينة عليه ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب مقدمة العبادات الحديث :37 .


--( 35 )--

مكة و زيارة الرسول صلّى اللّه عليه و آله و المقام عنده و أنه إن لم يكن لهم مال أنفق عليهم
من بيت المال .

[2980 ]مسألة 1 :لا خلاف في أن وجوب الحج بعد تحقق الشرائط
فوري ( 1 ) ،بمعنى أنه يجب المبادرة إليه في العام الأول من الاستطاعة فلا
يجوز تأخيره عنه ،و إن تركه فيه ففي العام الثاني و هكذا ،و يدل عليه جملة
من الأخبار ،و لو خالف و أخّر مع وجود الشرائط بلا عذر يكون عاصيا ،بل
لا يبعد كونه كبيرة كما صرح به جماعة و يمكن استفادته من جملة من
الأخبار .


و الصحيحة لا تصلح أن تكون قرينة على ذلك فانها انما تصلح أن تكون قرينة
على الحمل على أصل الثبوت و الاستحباب ،و لو تنزلنا عن ذلك أيضا و سلمنا
ان الجمع الدلالي العرفي لا يمكن ،فحينئذ تقع المعارضة بينهما و تسقطان معا
من جهة المعارضة فيرجع الى الأصل العملي في المسألة ،و هو أصالة البراءة عن
وجوبه في كل عام .

( 1 ) هذا شريطة أن لا يكون المستطيع واثقا و مطمئنا من نفسه بالتمكن
من الاتيان به في السنين القادمة ،و الاّ فوجوبه عليه فورا في السنة الأولى لا يخلو
عن اشكال ،لعدم الدليل على الفورية مطلقا حتى في هذه الحالة ،أما حكم العقل
بعدم جواز التأخير و وجوب الاتيان به في سنة الاستطاعة مختص بغير هذه
الحالة ،لأن موضوع حكم العقل باستحقاق العقوبة إنما هو احتمال الفوت على
تقدير التأخير ،و الفرض انه واثق و مطمئن بعدم الفوت ،بل لا يبعد أن يكون
الأمر كذلك باستصحاب بقاء الاستطاعة باعتبار انه دليل شرعي رافع لموضوع
حكم العقل و هو احتمال العقاب .

و أما الروايات :فلا يظهر منها وجوب الحج فورا في عام الاستطاعة و عدم
جواز تأخيره مطلقا حتى مع الاطمينان و الوثوق بالتمكن من الاتيان به في العام

--( 36 )--

[2981 ]مسألة 2 :لو توقف إدراك الحج بعد حصول الاستطاعة على
مقدمات من السفر و تهيئة أسبابه وجب المبادرة إلى إتيانها ( 1 ) على وجه
يدرك الحج في تلك السنة ،و لو تعددت الرفقة و تمكن من المسير مع كل
منهم اختار أوثقهم سلامة و إدراكا ( 2 ) ،


القادم و عدم فوته منه ،فان الظاهر منها أمران :

أحدهما :التشديد بالعقوبة و الادانة على المستطيع التارك للحج .

و الآخر :التشديد على عدم جواز التسامح و الاهمال و المماطلة فيه ،
و على هذا فيدور عدم جواز التأخير مدار صدق المماطلة و الاهمال ،فان صدق
لم يجز ،و الاّ فلا مانع منه ،و من المعلوم انه لا يصدق ذلك على تأخير المستطيع
الحج عن عام الاستطاعة إذا كان واثقا و مطمئنا بتمكنه من الإتيان به في العام
القادم و عدم تفويته منه .نعم إذا لم يكن واثقا و متأكدا بذلك و مع هذا إذا أخر إلى
العام القادم رغم انه متمكن منه في هذا العام بدون أي مانع و عائق في البين
فالظاهر صدق عنوان الاهمال و المماطلة عليه ،و معه لا يجوز التأخير و لا يمكن
حينئذ التمسك باستصحاب بقاء التمكن لأن الروايات بالناهية عن التسويف
و الاهمال فيه تمنع عن جريانه .

فالنتيجة :ان الروايات لا تدل على وجوب الحج فورا و عدم تأخيره عن
عام الاستطاعة ،و انما تدل على عدم جواز المماطلة و التسامح و التساهل فيه ،
فيدور الحكم مدار هذا العنوان وجودا و عدما ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر
به وجوبا أن لا يؤخر عن عام الاستطاعة مطلقا حتى إذا كان واثقا و مطمئنا بعدم
تفويته منه إذا أخر إلى العام القادم و لا يصدق عليه عنوان الاهمال و المماطلة ،
و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن قدّس سرّه حول المسألة .

( 1 ) هذا إذا لم يكن واثقا و متأكدا بانه لا يفوت منه في السنة القادمة ،و الاّ
فوجوب المبادرة مبني على الاحتياط كما مر .

( 2 ) لا يجب إذا كان الاختلاف بينهم في الأوثقية مع الاشتراك في الوثوق ،

--( 37 )--

و لو وجدت واحدة و لم يعلم حصول أخرى أو لم يعلم التمكن من المسير
و الإدراك للحج بالتأخير فهل يجب الخروج مع الأولى أو يجوز التأخير إلى
الاخرى بمجرد احتمال الإدراك أو لا يجوز إلاّ مع الوثوق ؟أقوال أقواها
الأخير ،و على أي تقدير إذا لم يخرج مع الأولى و اتفق عدم التمكن من
المسير أو عدم إدراك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج ( 1 ) ،و إن لم
يكن آثما بالتأخير لأنه كان متمكنا من الخروج مع الأولى ،إلا إذا تبين عدم
إدراكه لو سار معهم أيضا .


فان الواجب بحكم العقل هو اختيار من يثق بوصوله و ادراكه للحج و سلامته ،
سواء أ كان غيره أوثق منه أم لا .

نعم إذا كان واثقا و متأكدا بوصول أحدهما و سلامته دون الآخر تعيّن
اختياره ،و اما إذا كان كلاهما ممن يثق بوصوله للحج و سلامته و لكن كان
أحدهما أوثق من الآخر فلا يجب اختيار الأوثق فان المعيار لدى العقل انما هو
بالوثوق و الاطمئنان بسلامة الوصول و ادراك الحج ،و لا قيمة للأوثقية و لا تصلح
أن تكون مرجحة .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان استقرار الحج على المستطيع انما هو
فيما إذا كان تركه مستندا الى تقصيره و كونه اثما ،و الاّ فلا موجب لاستقراره عليه ،
و على هذا فان كان التأخير جائزا شرعا كما إذا كان واثقا و متأكدا بسلامة الوصول
مع الثانية أيضا ،فاذا أخر و خرج معهم و لكن بسبب اتفاق وقوع حادث أرضي
أو سماوي أو غيره في الطريق لم يكن وقوعه في الحسبان و لا كان متوقعا لم
تصل القافلة في موسم الحج و وقته وفات عنه فلا موجب لاستقراره عليه ،لأن
تركه حينئذ لا يكون مستندا إلى إهماله و تسامحه فيه ،و من هنا إذا خرج مع
القافلة الأولى و لكن بنفس ذلك السبب الاتفاقي لم يتمكن من ادراك الحج
وفات عنه لم يلتزم أحد باستقراره عليه حتى الماتن قدّس سرّه مع انه لا فرق بين

--( 38 )--

..........
الصورتين .نعم إذا لم يكن التأخير جائزا شرعا كما إذا احتمل انه لو أخر الخروج
عن القافلة الأولى و خرج مع الثانية لم يصل في وقت الحج وفات عنه ،ففي مثل
ذلك إذا أخر عامدا و ملتفتا بالحال و خرج مع الثانية و لم يدرك الحج استقر عليه
تطبيقا لقاعدة التسويف و الاهمال .

و إن شئت قلت :ان موضوع استقرار الحج في الذمة ليس مجرد تمكن
الشخص المستطيع منه و إن لم يكن تركه مستندا إلى التقصير و الاهمال ،فانه
حينئذ لا موجب لاستقراره في ذمته و بقائه فيها و إن ذهبت استطاعته ،بداهة ان
هذا التكليف تكليف عقابي لا مبرر له بالنسبة إلى من لا تقصير له فان موضوعه
هو ما إذا تنجز وجوب الحج عليه و لكنه تساهل و تسامح فيه الى أن فات عنه ،
فانه قد استقر عليه عندئذ كدين و ان ذهبت استطاعته و يجب عليه وقتئذ الاتيان
به و لو متسكعا و تدل عليه روايات التسويف و الاهمال ،و مقتضى اطلاقها عدم
سقوطه عن الذمة و إن سقطت الاستطاعة .

--( 39 )--

فصل
في شرائط وجوب حجة الإسلام


و هي أمور :

أحدها :الكمال بالبلوغ و العقل ،فلا يجب على الصبي و إن كان
مراهقا ( 1 ) ،و لا على المجنون ( 2 ) و إن كان أدواريا إذا لم يف دور إفاقته

( 1 ) لإطلاق حديث عدم جري القلم عليه ،و للروايات الخاصة في المقام .

( 2 ) هذا لا بملاك حديث رفع القلم عنه ،فانه ضعيف سندا ،و لا بملاك
الاجماع على اعتبار العقل فانه على تقدير تسليم احرازه بين الفقهاء المتقدمين
الا أنه ليس باجماع تعبدي ،فان معظمهم لو لا كلهم قد اعتمدوا على اعتبار العقل
بحديث رفع القلم ،بل بملاك أن المجنون في نفسه غير قابل لتوجيه الخطاب
التكليفي اليه كالخطاب بالصلاة و الصيام و الحج بمالها من الشروط لأنه لغو
صرف ،فلا يمكن صدوره من المولى الحكيم .

و دعوى :ان الجنون انما هو مانع عن جعل الحكم في عالم الاعتبار على
أساس أنه لغو محض و جزاف و لا يمنع عن ثبوت ملاكه في مرحلة المبادي ،
و نتيجة ذلك وجوب القضاء عليه بعد الافاقة .

مدفوعة :أولا :انه لا طريق لنا الى احراز الملاك و ثبوته في مرحلة
المبادئ ،و عدم الفرق فيه بين المجنون و غيره لأن الكاشف عنه بالالتزام انما
هو ثبوت التكليف ،و مع عدم امكان ثبوته فلا كاشف له .

و ثانيا :ان هذا لو تم فانما يتم في مثل الصلاة و الصيام دون الحج ،فان

--( 40 )--

بإتيان تمام الأعمال ،و لو حج الصبي لم يجزئ عن حجة الإسلام ( 1 ) و إن
قلنا بصحة عباداته و شرعيتها كما هو الأقوى و كان واجدا لجميع الشرائط
سوى البلوغ ،ففي خبر مسمع عن الصادق عليه السّلام : «لو أن غلاما حج عشر
حجج ثم احتلم كان عليه فريضة الإسلام » ،و في خبر إسحاق بن عمار عن
أبي الحسن عليه السّلام عن ابن عشر سنين يحج قال عليه السّلام : «عليه حجة الإسلام إذا
احتلم ،و كذا الجارية عليها الحج إذا طمثت ».

[2982 ]مسألة 1 :يستحب للصبي المميز أن يحج و إن لم يكن مجزئا عن
حجة الإسلام ،و لكن هل يتوقف ذلك على إذن الولي أو لا ؟المشهور بل
قيل :لا خلاف فيه أنه مشروط بإذنه لاستتباعه المال في بعض الأحوال
للهدي و الكفارة ،و لأنه عبادة متلقاة من الشرع مخالف للأصل فيجب
الاقتصار فيه على المتيقن ،و فيه أنه ليس تصرفا ماليا و إن كان ربما يستتبع
المال ( 2 ) ،


المجنون إذا كان مستطيعا فملاك وجوبه في حقه تام ،و لكن جنونه مانع عن
جعل وجوبه ،و بما أن فوت الملاك لا يكون مستندا إلى تقصيره و إهماله لفرض
أنه معذور فيه بملاك جنونه فلا يستقر عليه الحج ،و حينئذ فإذا أفاق فان كان
مستطيعا وجب عليه الحج من حين الافاقة سواء أ كان ملاكه تاما في حقه في
زمن جنونه أم لا ،و إن لم يكن مستطيعا فلا موضوع لوجوبه ،فاذن لا أثر
لافتراض ثبوت الملاك له في مرحلة المبادئ في حال جنونه .

( 1 ) هذا من جهة أن حجة الإسلام اسم للحج الاول الواجب في الشريعة
المقدسة للمستطيع و عنوان مقوم له فلا تنطبق على الحج المستحب .

( 2 ) فيه ان صحة حجه لا تتوقف على قدرته على المال كالهدي فضلا
عن الكفارات ،و حينئذ فإن بذل وليه الهدي من قبله فهو ،و الاّ فالصبي بما انه

--( 41 )--

و أن العمومات كافية في صحته و شرعيته مطلقا ،فالأقوى عدم الاشتراط في
صحته و إن وجب الاستئذان في بعض الصور ،و أما البالغ فلا يعتبر في حجه
المندوب إذن الأبوين إن لم يكن مستلزما للسفر المشتمل على الخطر
الموجب لأذيتهما ،و أما في حجه الواجب فلا إشكال .

[2983 ]مسألة 2 :يستحب للولي أن يحرم بالصبي الغير المميز بلا خلاف
لجملة من الأخبار ،بل و كذا الصبية و إن استشكل فيها صاحب المستند ( 1 ) ،


عاجز عنه فوظيفته الصيام ،فان تمكن منه صام ،و الاّ فلا شي‏ء عليه ،و كذلك
الحال في الكفارات ،بل بمقتضى حديث رفع القلم عن الصبي عدم وجوبها
عليه ،فالنتيجة ان صحة حجه لا تتوقف على اذن الولي اصلا ،و لا على الهدي إذا
كان عاجزا عنه .

( 1 ) الظاهر ان الاشكال في غير محله ،فان مورد الروايات و إن كان الصبي ،
الاّ أن العرف لا يفهم منها خصوصية له و لا سيما انه ورد في أكثر هذه الروايات
في السؤال .فالنتيجة ان المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية ان استحباب احرام الصبي على المولى ليس بما هو صبي في مقابل
الصبية بل بما هو صغير ،على أساس أن فيه نوعا من التعظيم لشعائر اللّه و حرمه
سبحانه .و مع الاغماض عن ذلك فالاستدلال على عموم الحكم بمعتبرة يونس
ابن يعقوب عن أبيه قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :ان معى صبية صغارا و أنا أخاف
عليهم البرد ،فمن أين يحرمون ؟قال :ايت بهم العرج فليخرجوا منها ...الخ »- 1 - .
بدعوى أن الصبية و إن كانت جمعا للصبي فإن جمع الصبية صبايا ،الاّ أن
المتفاهم من هذه الروايات الاولاد الصغار الأعم من الأبناء و البنات ،في غير
محله فان الروايات المذكورة إن كانت ظاهرة عرفا في اختصاص الحكم

---------------

( 1 ) الوسائل باب :18 من أبواب أقسام الحج الحديث :7 .


--( 42 )--

و كذا المجنون و إن كان لا يخلو عن إشكال ( 1 ) لعدم نص فيه بالخصوص
فيستحق الثواب عليه ،و المراد بالإحرام به جعله محرما لا أن يحرم عنه ،
فيلبسه ثوبي الإحرام و يقول :اللهم إني أحرمت هذا الصبي ( 2 ) ( الخ )
و يأمره بالتلبية بمعنى أن يلقنه إياها ،و إن لم يكن قابلا يلبي عنه ،و يجنبه عن
كل ما يجب على المحرم الاجتناب عنه ،و يأمره بكل فعل من أفعال الحج
يتمكن منه ،و ينوب عنه في كل ما لا يتمكن ،و يطوف به و يسعى به بين
الصفا و المروة ،و يقف به في عرفات و منى ( 3 ) ،


بالصبي فلا فرق بين مفرد هذه الكلمة ( الصبي ) و جمعها ،و إن كانت ظاهرة في
عدم الاختصاص و عموم الحكم للصبية فالأمر أيضا كذلك ،فاذن لا وجه
للتفصيل و الصحيح هو ما ذكرناه .

( 1 ) بل منع لأن التعدي عن مورد النصوص الى المجنون بحاجة إلى
قرينة و لا قرينة عليه لا في نفس تلك النصوص و لا من الخارج ،و مجرد مناسبة
الحكم لا يكفي للتعدي مع الفرق بينه و بين الصبي ،نعم لا بأس به
رجاء .

( 2 ) فيه أنه لا دليل على استحباب هذا القول ،و نصوص الباب خالية عنه ،
و ما دل على استحباب التلفظ بالنية لا يشمل ذلك لاختصاصه باعمال الحاج
نفسه ،نعم لا بأس به بقصد الدعاء و التضرع الى اللّه تعالى لا بقصد التلفظ بالنية ،
أو فقل ان المستفاد من نصوص الباب هو أن الولي يأمر الصبى بالاحرام و التلبية
و نحوهما من اعمال الحج إذا كان قابلا لأن يباشر تلك الأعمال بنفسه ،و الا فعلى
الولي أن يقوم باحرامه بأن يغسله و يلبّى عنه و يطوف به و يصلي عنه و هكذا ،
و لم يرد فيها أنه حين قيامه بذلك يقول :اللهم اني احرمت هذا الصبي ...

( 3 ) الظاهر أنه من سهو القلم ،و الصحيح المشعر بدل منى باعتبار أنه لا
وقوف في منى .

--( 43 )--

و يأمره بالرمي و إن لم يقدر يرمي عنه ،و هكذا يأمره بصلاة الطواف و إن لم
يقدر يصلي عنه ،و لا بد من أن يكون طاهرا و متوضئا و لو بصورة
الوضوء ( 1 ) و إن لم يمكن فيتوضأ هو عنه ( 2 ) ،و يحلق رأسه و هكذا جميع
الأعمال .

[2984 ]مسألة 3 :لا يلزم كون الولي محرما في الإحرام بالصبي ( 3 ) ،بل
يجوز له ذلك و إن كان محلا .

[2985 ]مسألة 4 :المشهور على أن المراد بالولي في الإحرام بالصبي
( 1 ) فيه :أنه لا دليل على قيامها مقام الوضوء ،لأن أدلة الوضوء منصرفة
عنها ،و لا يوجد دليل آخر على اعتبارها في المقام و كفايتها عن الوضوء
الحقيقي .

( 2 ) فيه اشكال بل منع ،لأن روايات الباب لا تدل على أنه ينوب عنه في
الوضوء ،حيث ان مورد هذه الروايات أفعال الحج كالتلبية و الطواف و الصلاة
و السعي و الرمي و الذبح و الوقوف و نحوها ،و لا نظر لها إلى ما هو معتبر في تلك
الافعال من الشروط و القيود منها اعتبار الطهارة في الطواف ،فانها تدل على أن
الصبي إذا لم يتمكن من الاتيان بتلك الافعال مباشرة قام وليه مقامه فيها ،فيلبى
عنه و يطوف به و يصلي عنه و هكذا ،و لا تدل على أن الصبي إذا لم يقدر على
الوضوء مباشرة قام وليه مقامه فيتوضأ عنه .نعم كل عمل قام وليه بالاتيان به
من قبله إذا كان مشروطا بالطهارة فلا بد له من تحصيلها و لكن لا بعنوان النيابة
عنه .

( 3 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه و ذلك لسببين :

أحدهما :ان قيام كل شخص بالاتيان باعمال الحج نيابة عن آخر لا
يتوقف على كونه محرما .

و الآخر :اطلاق الروايات الآمرة بذلك .

--( 44 )--

الغير المميز الولي الشرعي من الأب و الجد و الوصي لأحدهما و الحاكم
و أمينه أو وكيل أحد المذكورين ،لا مثل العم و الخال و نحوهما و الأجنبي ،
نعم ألحقوا بالمذكورين الأم و إن لم تكن وليا شرعيا للنص
الخاص فيها ،قالوا :لأن الحكم على خلاف القاعدة فاللازم الاقتصار
على المذكورين فلا يترتب أحكام الإحرام إذا كان المتصدي غيره ،
و لكن لا يبعد كون المراد الأعم منهم و ممن يتولى أمر الصبي ( 1 )
و يتكفله و إن لم يكن وليا شرعيا لقوله عليه السّلام : «قدموا من كان معكم من

( 1 ) بل هو بعيد ،على أساس ان احجاج الصبي يستلزم التصرف فيه ،بأن
يجرده من ثيابه و يلبسه ثوبي الاحرام و يطوف به و يقف و يسعى و هكذا .و من
المعلوم أن كل ذلك تصرف فيه و هو غير جائز من غير وليه الشرعي ،و لا فرق
فيه بين التصرف في ماله و التصرف في بدنه ،فكما ان الأول غير جائز فكذلك
الثاني ،فان جوازه بحاجة إلى دليل لا حرمته ،فانها على القاعدة كحرمة التصرف
في ماله .

و قد يستدل على الأعم بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام
قال : «انظروا من كان معكم من الصبيان فقدموه الى الجحفة أو إلى بطن مرو
يصنع بهم ما يصنع بالمحرم -الحديث »- 1 - بدعوى ان اطلاقها يعم ما إذا كان
الصبيان مع أوليائهم أو لا .

و الجواب :أولا :انه لا اطلاق لها من هذه الناحية ،فانها ناظرة الى بيان انه
لا مانع من احجاج الصبي بما هو صبي ،و لا نظر لها الى عدم المانع من جهة
أخرى كأن يكون المتصدي لا حجاجه وليه أو مأذونا من قبله .

أو فقل :إنها ناظرة إلى نفي مانعية الصبي عن احجاجه ،و لا نظر لها إلى أنه

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .


--( 45 )--

الصبيان إلى الجحفة أو إلى بطن مر »( الخ ) ،فإنه يشمل غير الولي الشرعي
أيضا ،و أما في المميز فاللازم إذن الولي الشرعي إن اعتبرنا في صحة
إحرامه الإذن ( 1 ) .


غير مشروط بشروط أخرى ككون المتصدي له وليا أو مأذونا منه .

و ثانيا :ان قوله عليه السّلام في الصحيحة : «من كان معكم من الصبيان »ظاهر في
نفسه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية في كونهم مع أوليائهم أو المأذونين
من قبلهم ،اذ من المستبعد جدا أن يكونوا مع غير أوليائهم و لا المأذونين من
قبلهم مع كونهم من الاطفال غير المميزين .

و أما الأم فقد نسب الى المشهور أنها مأذونة من قبل الشارع في
التصدي لا حجاج طفلها فيكون حالها من هذه الناحية حال الولي
الشرعي ،و تدل على ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
«سمعته يقول :مرّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله برويثة و هو حاج فقامت اليه امرأة و معها صبي
لها ،فقالت :يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أ يحج عن مثل هذا ؟قال :نعم و لك أجره »- 1 -
بتقريب أن مقتضى اطلاقها أنها تقوم باحجاجه و ان لم تكن مأذونة من قبل
الولي .

و الجواب :انه لا اطلاق لها من هذه الناحية ،فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انما هو
في مقام بيان انه لا قصور من ناحية الصبي في احجاجه ،و أما أن شرطا آخر أيضا
غير معتبر فيه فهو ساكت عنه .

فالنتيجة :ان الأظهر اعتبار كون المتصدي لا حجاج الصبي غير المميز وليا
شرعيا له ،أو مأذونا من قبله حتى إذا كان المتصدي أمه .

( 1 ) الظاهر بل لا شبهة في عدم اعتبار اذنه في صحة احرامه كعدم اعتباره

---------------

( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 46 )--

[2986 ]مسألة 5 :النفقة الزائدة على نفقة الحضر على الولي لا من مال
الصبي ( 1 ) إلا إذا كان حفظه موقوفا على السفر به أو يكون السفر مصلحة
له .

[2987 ]مسألة 6 :الهدي على الولي ( 2 ) ،

في صحة صلاته و صيامه بناء على ما هو الصحيح من شرعية عباداته .

( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه حتى بالنسبة إلى وليه الشرعي كالأب و الجد من قبل
الأب ،فان ولايته عليه و إن كانت لا يختص بما فيه مصلحة له بل هي ثابتة حتى
فيما لا مصلحة فيه شريطة أن لا تكون فيه مفسدة و بذلك تفترق عن ولاية
الحاكم الشرعي أو الوصي عليه فانها ترتبط في كل مورد بوجود مصلحة فيه ،
و لكن مع ذلك لا يسوغ له أن يأخذ النفقة الزائدة من أمواله في حال عدم كون
السفر له ضروريا أو ذات مصلحة باعتبار أن فيه مفسدة و معها لا ولاية له .

( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع فانه انما يكون على الولي إذا كان من مال
الصبي مفسدة عليه ،و أما اذا رأى الولي ان في احجاجه مصلحة لسبب أو آخر ،
ففي مثل ذلك لا مانع من أن يأخذ ثمن الهدي من ماله .

و اما روايات الباب ،فقد يستدل بجملة منها على أن الهدي على الولي
دون الصبي .

منها :صحيحة زرارة عن أحدهما عليه السّلام : «قال :إذا حج الرجل بابنه و هو
صغير فانه يأمره أن يلبّى و يفرض الحج ،فان لم يحسن ان يلبى لبوا عنه و يطاف
به و يصلى عنه ،قلت :ليس لهم ما يذبحون ،قال :يذبح عن الصغار و يصوم
الكبار ...الخ »- 1 - ،بدعوى أنها تدل على أن الهدي على الولي ،فاذا لم يكن عنده
ما يذبح عن نفسه و عن الصبي معا يذبح عن الصبي و يصوم عن نفسه ،و مقتضى

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :5 .


--( 47 )--

..........
اطلاقها ان وظيفته ذلك و إن كان عند الصبي ما يذبح عنه .

و لكن ذلك قابل للمناقشة ،فان الصحيحة ليست في مقام البيان من هذه
الناحية ،بل هي في مقام بيان أن الصبي إذا كان غير متمكن من مباشرة اعمال
الحج بنفسه قام وليه مقامه .و أما قول السائل «قلت :ليس لهم ما يذبحون »فلا
ظهور له في انه ليس عندهم من مال أنفسهم ،بل لا يبعد أن يكون المراد منه أعم
من مال الصبي باعتبار أن ماله بيد وليه و عنده .و بكلمة ان ذبح الولي عن الصبي
بما أنه من باب الولاية فلا يلزم بأن يكون من مال نفسه ،بل له أن يذبح عنه من
ماله إذا لم تكن فيه مفسدة عليه .

و منها :موثقة اسحاق بن عمار ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن غلمان لنا
دخلوا معنا مكة بعمرة ،و خرجوا معنا الى عرفات بغير احرام ،قال :قل لهم
يغتسلون ثم يحرمون ،و اذبحوا عنهم كما تذبحون عن أنفسكم »- 1 - بتقريب أنها
ظاهرة في أن الكبار هم مأمورون بالذبح عن الصغار و الهدي منهم .

و الجواب :إنها و ان كانت ظاهرة في ان الكبار مأمورون بالذبح عنهم كما
أنهم مأمورون بالوقوف بهم و الصلاة عنهم و الطواف بهم و هكذا من باب
الولاية ،الاّ أنها لا تدل على أن ثمن الذبيحة لا بد أن يكون من مالهم دون مال
الصغار إذا كان عندهم مال .

و إن شئت قلت :ان روايات الباب تنص على ان الولي إذا حج بالصبي
يتكفل اعماله شريطة عدم تمكنه من القيام بها مباشرة ،بأن يلبّي عنه إذا لم
يحسن ،و يطوف به و يصلي عنه و يقف به و يرمي عنه و يذبح عنه و هكذا على
أساس ولايته عليه ،و لا يدل شي‏ء منها على أن هذه الاعمال إذا توقفت على بذل
مال كالذبح وجب عليه أن يبذل من مال نفسه دون مال الصبي ،و على هذا
فمقتضى القاعدة بما أن مال الصبي بيده فله أن يتصرف فيه في شراء الهدي أو
نحوه حسب ولايته شريطة أن لا تكون فيه مفسدة .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .


--( 48 )--

و كذا كفارة الصيد إذا صاد الصبي ( 1 ) ،و أما الكفارات الاخر المختصة
بالعمد فهل هي أيضا على الولي أو في مال الصبي أو لا يجب الكفارة في
غير الصيد لأن عمد الصبي خطأ و المفروض أن تلك الكفارات لا تثبت في
صورة الخطأ ؟وجوه ،لا يبعد قوة الأخير إما لذلك و إما لانصراف أدلتها عن
الصبي ،لكن الأحوط تكفل الولي بل لا يترك هذا الاحتياط ،بل هو
الأقوى ( 2 ) لأن قوله عليه السّلام : «عمد الصبي خطأ »مختص بالديات ،و الانصراف

فالنتيجة :ان الروايات ليست في مقام البيان من هذه الجهة ،و انما
هي في مقام بيان ان الولي متكفل لأعمال حجه إذا لم يحسن تلك الأعمال ،
و تؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :انظروا من كان
معكم من الصبيان فقدموه الى الجحفة أو الى بطن مرو يصنع بهم ما يصنع
بالمحرم ،و يطاف بهم و يرمى عنهم و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه
وليه »- 1 - بتقريب أنها تدل على أن الانتقال الى الصوم مترتب على عدم وجدان
الصبي الهدي ،و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون من مال نفسه أو مال
وليه .

( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لنص قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة : «و إن قتل صيدا
فعلى أبيه »- 2 - .

( 2 ) في القوة اشكال بل منع ،لأنه بحاجة الى دليل و لا دليل عليه في
المسألة و التزامه باحجاجه لا يستلزم تحمله كل كفاراته ،اذ مضافا إلى أن ترك
ارتكاب ما يوجب الكفارة ليس من أجزاء الحج و واجباته ان كون كفارته عليه
فهو بلا مبرّر ،و ما دل على أن كفارة صيده على أبيه لا يدل على العموم ،فلا بد
من الاقتصار على مورده ،كما أنها ليست على الصبي لا من جهة ما دل من أن

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :5 .


--( 49 )--

ممنوع و إلا فيلزم الالتزام به في الصيد أيضا ( 1 ) .

[2988 ]مسألة 7 :قد عرفت أنه لو حج الصبي عشر مرات لم يجزئه عن
حجة الإسلام ،بل يجب عليه بعد البلوغ و الاستطاعة ،لكن استثنى المشهور
من ذلك ما لو بلغ و أدرك المشعر فإنه حينئذ يجزئ عن حجة الإسلام ،بل
ادّعى بعضهم الإجماع عليه ،و كذا إذا حج المجنون ندبا ثم كمل قبل
المشعر ،و استدلوا على ذلك بوجوه :

أحدها :النصوص الواردة في العبد على ما سيأتي بدعوى عدم
خصوصية للعبد في ذلك ،بل المناط الشروع حال عدم الوجوب لعدم
الكمال ثم حصوله قبل المشعر ،و فيه أنه قياس ( 2 ) مع أن لازمه

عمده خطأ يحمل على العاقلة لأنه مختص بباب الديات بقرينة أن في
ذلك الباب قد ثبت حكم للعمد و حكم للخطأ ،فاذا قتل الصبي مؤمنا
عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي ترتب عليه حكم القتل الخطئي
فتكون ديته على العاقلة و لا يعم الكفارات في المقام فانها مترتبة على ارتكاب
موجباتها المنهي عنه متعمدا و لا حكم لارتكابها في حال الخطأ .و لا من جهة
الانصراف إذ لا موجب له بعد اطلاق الخطاب ،بل من جهة حديث عدم جري
القلم على الصبي ،و مقتضى اطلاقه عدم جعل وجوب الكفارات عليه في
الشرع .

( 1 ) فيه ان الالتزام بأن كفارة الصيد على الولي ليس من جهة اطلاق أدلتها
و عدم انصرافه بل من جهة النص الخاص كما مر ،و عليه فلا فرق بين القول
بالانصراف و عدمه .

( 2 ) الأمر كما أفاده لأن مورد الروايات العبد ،و هي التي تنص
على أنه إذا اعتق قبل الوقوف بالمشعر أجزأ عنه حجة الإسلام منها

--( 50 )--

..........
صحيحة شهاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل اعتق عشية عرفة عبدا له قال :
يجزي عن العبد حجة الإسلام و يكتب للسيد أجران ثواب العتق و ثواب
الحج »- 1 - .و منها صحيحة معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :
مملوك اعتق يوم عرفة ،قال :إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج »- 2 -
و منها غيرهما ،و محل الكلام في المسألة الصبي الذي بلغ قبل الوقوف
بالمشعر ،و عليه فالتعدي عن مورد هذه الروايات الى محل الكلام بحاجة
الى قرينة تدل عليه ،و بما أنه لا قرينة في البين لا في نفس تلك الروايات
اذ لا اشعار فيها بعدم الخصوصية فضلا عن الظهور و لا من الخارج فلا يمكن
التعدي ،و يحتمل ان يكون المراد منها معنى آخر غير المعنى الذي أراده
الماتن قدّس سرّه و هو أن العبد إذا لم يكن حاجا و اعتق قبل الوقوف بالمشعر فاحرم
بعد أن اعتق و أدرك الوقوف به اجزاء عن حجة الإسلام و هذا الاحتمال غير بعيد
لأن الروايات قابلة للحمل عليه ،و كيف كان فلا يمكن التعدي عن موردها الى
سائر الموارد .

و دعوى :الاجماع على أن الصبي إذا حج و أدرك أحد الموقفين بالغا اجزأ
عن حجة الإسلام .

مدفوعة أولا :انه لا اجماع في المسألة حتى بين المتأخرين حيث نسب
التردد فيها الى جماعة .

و ثانيا :على تقدير ثبوت الاجماع الاّ أنه لا قيمة له ما لم يكن كاشفا عن
ثبوته بين المتقدمين .

و ثالثا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم انه ثابت بين المتقدمين الاّ أنه من
المحتمل قويا ان يكون الاجماع مدركيا لا تعبديا و مستندا إلى أحد وجوه
المسألة .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 51 )--

الالتزام به فيمن حج متسكعا ثم حصل له الاستطاعة قبل المشعر ،و لا
يقولون به .

الثاني :ما رود من الأخبار من أن من لم يحرم من مكة أحرم من حيث
أمكنه ،فإنه يستفاد منها أن الوقت صالح لإنشاء الإحرام فيلزم أن يكون
صالحا للانقلاب أو القلب بالأولى ،و فيه ما لا يخفى ( 1 ) .

الثالث :الأخبار الدالة على أن من أدرك المشعر فقد أدرك الحج ،
و فيه أن موردها من لم يحرم ( 2 ) فلا يشمل من أحرم سابقا لغير حجة
الإسلام ،فالقول بالإجزاء مشكل ،و الأحوط الإعادة بعد ذلك إن كان
مستطيعا بل لا يخلو عن قوة ،و على القول بالإجزاء يجري فيه الفروع الآتية
في مسألة العبد من أنه هل يجب تجديد النية لحجة الإسلام أو لا ؟و أنه هل
يشترط في الإجزاء استطاعته بعد البلوغ من البلد أو من الميقات أو لا ؟
و أنه هل يجري في حج التمتع مع كون العمرة بتمامها قبل البلوغ أو لا ؟إلى
غير ذلك .


( 1 ) بل هو غريب لأن محل الكلام في الصبي الذي أحرم للحج ثم بلغ
قبل الوقوف بالمشعر .و مورد النص و هو صحيحة علي بن جعفر عن أخيه
موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن رجل نسي الإحرام بالحج فذكر و هو
بعرفات ما حاله ؟قال :يقول :اللهم على كتابك و سنة نبيك صلّى اللّه عليه و آله فقد تم احرامه
-الحديث - »- 1 - هو البالغ المأمور بالحج ،و لكن نسي الاحرام من مكة ،فذكر
و هو بعرفات ،فالنص يدل على أنه يحرم من مكانه ،فاذن كيف يمكن قياس
المقام به .

( 2 ) الظاهر أن موردها أعم من ذلك على أساس ان الروايات غير ناظرة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب المواقيت الحديث :8 .


--( 52 )--

..........
الى هذه الناحية و انما هي ناظرة إلى أن من أدرك المشعر الحرام فقد أدرك الحج
سواء أ كان محرما بنية الحج و لكنه لم يدرك الاّ الوقوف بالمشعر فحسب أم لا .

و إن شئت قلت :أن هذه الروايات انما هي في مقام بيان أن من لم يدرك
من مناسك الحج الاّ الوقوف بالمشعر صح حجه سواء أ كان ذلك من جهة تأخر
القافلة و عدم وصولها في اليوم التاسع في عرفات لإدراك الوقوف فيها أم كان
من جهة المرض أو حبس ظالم أو نحو ذلك ،و لا نظر لها أصلا إلى أنه أحرم
للحج أولا ،بل بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى أنه أحرم للحج ،
فانه إن كان حج افراد أو قران فالأمر ظاهر باعتبار أن ميقاته أحد المواقيت
المعهودة ،و إن كان حج الإسلام فبما أنه كان في مكة فلا محالة احرم منها للحج
و لكن لم يدرك عرفات لمانع من مرض أو نحوه ،فاذن بطبيعة الحال يكون
موردها المحرم ،و على كلا التقديرين فلا يمكن التعدي عن موردها الى المقام
لا من جهة ما قيل من أن الحج في المقام صحيح و تام و الكلام انما هو في
أجزائه عن حجة الإسلام ،و هذا خارج عن مورد تلك الروايات و غير مشمول
لها فانها تنص على تنزيل الحج الناقص منزلة الحج التام ،و الحكم بصحته في
حال الاضطرار و عدم التمكن من ادراك التام ،بل من جهة أخرى ،فلنا دعويان :

الأولى :ان عدم التعدي ليس من الجهة الأولى .

الثانية :انه من الجهة الثانية .

اما الدعوى الأولى :فلأن الروايات التي تنص على صحة حج الصبي
و مشروعيته و عمدتها موثقة اسحاق بن عمار لا تشمل المقام لاختصاصها بما
إذا حج الصبي في حال صغره ثم بلغ ،و أما في المقام فالمفروض أنه قد بلغ قبل
الوقوف بالمشعر الحرام ،فيكون حجه مركبا من العمل الصادر منه حال صغره
و العمل الصادر منه بعد بلوغه .و هذا لا يكون مشمولا لها على أساس أن وقوفه
بالمشعر الحرام خارج عنها موضوعا حيث انه وقف فيه و هو بالغ ،و اما وقوفه
بعرفات فهو و إن كان في حال صغره الاّ أنه وحده لا يكون مشمولا لها باعتبار أن
اجزاء الحج و واجباته واجبات ارتباطية فشمولها لجزء منها مرتبط بشمولها
لجزء آخر منه ،فعدم شمولها لجزء منها لمانع أو لعدم المقتضى قرينة على عدم

--( 53 )--

..........
شمولها لكل واجباته .

فالنتيجة :ان تلك الروايات لا تدل على صحة حج الصبي و مشروعيته في
مفروض المقام ،و هو ما إذا بلغ قبل الوقوف بالمشعر لكي ننظر ان الاخبار الدالة
على أن من أدرك المشعر الحرام فقد أدرك الحج هل تشمل حج الصبي في
المقام و تدل على أجزائه عن حجة الإسلام أو لا ؟فان السالبة بانتفاء الموضوع .

و اما الدعوى الثانية :فهل يمكن التعدي عن مورد هذه الروايات الى
المقام ،باعتبار أنه ادرك المشعر الحرام و هو بالغ ،و ما أتى به قبل ذلك من النسك
و الاعمال فهو في حكم العدم أو لا ؟الظاهر عدم امكانه ،و الوجه في ذلك :أن
مورد تلك الروايات هو البالغ المكلف بالحج و لكنه لا يتمكن من ادراكه لسبب
من الأسباب الاّ الوقوف بالمشعر ،و بما أن الحكم فيه يكون على خلاف القاعدة
فلا يمكن التعدي منه الى المقام و هو ما إذا بلغ قبل المشعر الاّ بقرينة تدل عليه
و لا قرينة لا في نفس هذه الروايات و لا من الخارج ،و لكن مع ذلك إذا بلغ
الصبي قبل المشعر فالأحوط و الأجدر به أن يجدد الاحرام و يقف به و يواصل
في اعماله الى أن يتم رجاء ثم يعيد في العام القادم إذا كان مستطيعا ،و بذلك
يظهر حال ما ذكره الماتن قدّس سرّه في المسألة .

ثم ان الروايات التي تنص على أن حج الصبي لا يجزى عن حجة الإسلام
تكشف عن أن حج الصبي مستحب استحبابا عاما لا بهذا الاسم الخاص ،فاذا
حج تمتعا أو افرادا أو قرانا بنية القربة كفى ،و لكن لا تنطبق حجة الإسلام عليه
فانها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع البالغ و عنوان خاص و اسم مخصوص
لها و لا تنطبق الاّ عليها .

و إن شئت قلت :ان كل عبادة لها اسم خاص المميز لها شرعا كحج التمتع
و حج الافراد أو القران و عمرة التمتع و العمرة المفردة و مثل ذلك الفرائض
اليومية و نوافلها و صلاة الليل و صلاة الآيات و صلاة الجمعة و هكذا ،و على هذا
فمن أراد أن يصلى احدى الفرائض أو احدى الصلوات التي لها اسم خاص
المميز لها شرعا ،فعليه أن ينوي ذلك الاسم الخاص ،و لا فرق في ذلك بين أن
تكون تلك الصلاة فريدة و لم تكن لها شريكة في العدد كصلاة المغرب أو

--( 54 )--

[2989 ]مسألة 8 :إذا مشى الصبي إلى الحج فبلغ قبل أن يحرم من
الميقات و كان مستطيعا لا إشكال في أن حجه حجة الإسلام ( 1 ) .


تكون هناك صلاة أخرى مماثلة لها فيه كصلاة الظهر التي تماثلها تماما صلاة
العصر و العشاء و صلاة الصبح التي تماثلها نافلة الصبح ،فان هذا القصد واجب
بنفسه على أساس ان الاسم المقصود عنوان مقوم لها سواء حصل الاشتباه بدون
هذا القصد أو لا ،و كذلك الحال من أراد أن يحج بأحد الحجج الذي له اسم
خاص المميز له شرعا ،فعليه أن يقصد اسمه الخاص و إن كان فريدا في نفسه
و لم يكن له شريك في الكم أو الكيف كحج التمتع فانه فريد في نوعه و يمتاز
عن حج الافراد و القران في الكم و الكيف ،و الافراد يمتاز عن القران في الكيف ،
فان هذا القصد واجب بنفسه و إن لم يحصل الاشتباه كما مر ،و أما حجة الإسلام
فهي مباينة لحج الصبي من جهة أن قصد حجة الإسلام معتبر في صحتها اجمالا
و انها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع البالغ الحر العاقل و من هنا يظهر الفرق
بين حج الصبي و صلاته فان حجه مستحب عام و لا ينطبق على حجة الإسلام ،
و أما صلاته فهي مستحبة بأسمائها الخاصة كصلاة الصبح و الظهر و العصر
و المغرب و العشاء حيث ان ذلك هو الظاهر من قوله عليه السّلام : «مرو صبيانكم
بالصلاة و الصيام ... »فلو صلى الصبي ركعتين بنية القربة بدون أن يقصد الاسم
الخاص لها كصلاة الصبح أو نافلته لم تقع لشي‏ء منهما ،و يترتب على هذا انه لو
صلى صلاة الظهر في أول الوقت و بعد ذلك بلغ و الوقت باق لم تجب الاعادة
لأن الصلاة الواجبة تنطبق على الصلاة المأتي بها من باب انطباق الطبيعي على
فرده ،و لا اختلاف بينهما الاّ في الوجوب و الاستحباب و المفروض أن قصده
غير معتبر .

( 1 ) هذا ظاهر ،و انما الكلام فيما إذا بلغ بعد أن يحرم من الميقات
و حينئذ ،فهل عليه أن يتم ندبا أو ينقلب الى حجة الإسلام ،أو يكشف عن

--( 55 )--

[2990 ]مسألة 9 :إذا حج باعتقاد أنه غير بالغ ندبا فبان بعد الحج أنه كان
بالغا فهل يجزئ عن حجة الإسلام أو لا ؟و جهان ،أوجههما الأول ( 1 ) ،
و كذا إذا حج الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة بنية الندب ثم ظهر كونه
مستطيعا حين الحج .


بطلان احرامه و يحرم ثانيا من الميقات بقصد حجة الإسلام وجوه لا مبرر
للوجه الأول ،لأن الروايات التي تنص على استحباب حج الصبي لا تشمل هذه
الصورة باعتبار أنه صار بالغا بعد الاحرام و خرج بذلك عن موضوع هذه
الروايات و اما الانقلاب فهو بحاجة الى دليل و لا دليل عليه ،فاذن يتعين
الوجه الثالث ،و عليه فان أمكن الرجوع الى الميقات و الاحرام منه وجب و الاّ
احرم من مكانه ،و كذلك الحال إذا بلغ بعد الوصول إلى مكة أو بعد اتمام
العمرة شريطة أن يتمكن من تجديد الإحرام و لو من أدنى الحل و اعادة العمرة ،
و اما إذا بلغ بعد الانتهاء من العمرة و لم يسع الوقت لإعادتها مرة ثانية فعندئذ بما
أن هذه الصورة غير مشمولة للروايات المذكورة التي تدل على استحباب حج
الصبي فلا محالة تبطل عمرته لا أنها تنقلب مفردة لأن المقام ليس من موارد
الانقلاب .نعم يجوز له أن يأتي بحج الافراد و لكنه لا يكفى عن حج التمتع لأنه
ليس من المعذور الذي ينقلب حجه من التمتع الى الإفراد و عليه فوظيفته الاتيان
بحج التمتع في العام القادم إذا توفرت شروطه .

( 1 ) بل الثاني ،فانه لما كان معتقدا بعدم بلوغه ،فاذا أراد أن يحج
فبطبيعة الحال يحج بقصد انه مستحب له استحبابا عاما لا بقصد حجة الإسلام ،
و عندئذ فلا يقع شي‏ء منهما ،أما الأول فلانتفاء قصد الاسم الخاص المقوم
و المميز له شرعا و هو حجة الإسلام ،و أما الثاني فلانتفاء الموضوع باعتبار
انه مستحب على الصبي دون البالغ ،و المفروض انه بالغ و مستطيع في الواقع
و وظيفته حجة الإسلام ،و بما انه جاهل بالحال فلا دليل على استحباب الحج

--( 56 )--

..........
عليه في هذه الحالة .نعم إذا قصد حجة الإسلام لا تشريعا بل جهلا بالحال و لو
باعتقاد أن حج الصبي هو حجة الإسلام ،فالظاهر الصحة لأنه بالغ في الواقع
و مستطيع و وظيفته حجة الإسلام و قد أتى بها كذلك ،و حينئذ فينطبق عليها أول
حجة للمستطيع التي مارسها باسم حجة الإسلام ،و مجرد اعتقاده الخاطئ بأنه
صبي و غير بالغ لا يضر و لا يغير الواقع .

و بعبارة أخرى :ان من اعتقد بعدم بلوغه إذا حج بنية استحبابه استحبابا
عاما لم يصح ،لا بعنوان الحج المستحب و لا بعنوان حجة الإسلام .

أما الأول :فلا موضوع له باعتبار أنه مستحب على الصبي دون البالغ ،
و الفرض أنه بالغ ،فاذن ما قصده لا واقع له .

و اما الثاني :فلأنه لم ينو الحج بعنوان أنه وظيفته الاسلامية حتى تنطبق
عليه حجة الإسلام .

و بكلمة :ان حجة الإسلام متمثلة في ثلاثة أنواع باسمائها الخاصة
المميزة ..

1 -حجة التمتع .2 -حجة الافراد .3 -حجة القران .و هذه الانواع الثلاثة
مختلفة ذاتا و عنوانا ،و على هذا فاذا حج بدون أن ينوي التمتع أو الإفراد أو
القران لم يقع شي‏ء منها ،لأن كل عبادة إذا كان لها اسم خاص مميز لها شرعا
فعلى المكلف حين الاتيان بها أن يقصد ذلك الاسم ،سواء أ كان فريدا و لم يكن
له شريك في العدد و الكم ،أم لا ،و في المقام بما أن لحجة الإسلام التي
هي عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع اسما خاصا ،فعلى الحاج أن يأتي
بها باسمها الخاص المميز لها شرعا ،فاذا أتى بحجة التمتع الواجبة عليه
بالاستطاعة ،فعليه الاتيان بها باسم حجة الإسلام متعة ،و إذا أتى بحجة الافراد
كذلك فعليه الاتيان بها باسم حجة الإسلام افرادا أو قرانا ،و لا بد ان تكون
هذه النية كنية القربة مقارنة لكل اجزاء الحج من الإحرام إلى آخر الأجزاء ،
و لا نقصد بالمقارنة أن لا تتقدم النية على الحج ،بل أن لا تتأخر عن أول

--( 57 )--

الثاني من الشروط :الحرية ،فلا يجب على المملوك و إن أذن له مولاه
و كان مستطيعا من حيث المال بناء على ما هو الأقوى من القول بملكه أو
بذل له مولاه الزاد و الراحلة ،نعم لو حج بإذن مولاه صح بلا إشكال و لكن
لا يجزئه عن حجة الإسلام ( 1 ) فلو اعتق بعد ذلك أعاد ،للنصوص منها خبر

جزء من أجزائه ،كما أن المراد من المقارنة لكل الاجزاء لا يعني أن الحاج يجب
أن يكون متنبها الى نيته انتباها كاملا كما كان في اللحظة الأولى ،فلو نوى و أحرم
لعمرة التمتع من حجة الإسلام ،ثم ذهل عن نيته ،و واصل اعمال حجّه ،و مارسها
على هذه الحال من الذهول ،صح حجه ما دامت النية كامنة في اعماق نفسه على
نحو يتنبه اليها بأدنى منبه ،و اما إذا حج بنية حجة الإسلام لا تشريعا بل جهلا
بالحال ،و باعتقاد أن حج الصبي هو حجة الإسلام ،كما ان صلاته هي الصلاة
الفريضة حقيقة و اسما ،فالظاهر الصحة ،لأنه بالغ في الواقع و مستطيع ،و وظيفته
حجة الإسلام في الواقع ،و الفرض أنه أتى بها باسمها الخاص المميز لها شرعا ،
و معه تنطبق عليها حجة الإسلام التي هي الحجة الأولى للمستطيع .

و بذلك يظهر حال ما إذا حج الرجل باعتقاد عدم الاستطاعة ،فانه إذا نوى
أنه مستحب عليه استحبابا عاما لم يصح ،لا بعنوان المستحب لعدم الموضوع
له ،لأن الحجة الأولى للمستطيع واجبة عليه ،لا أنها مستحبة ،و لا بعنوان حجة
الإسلام لانتفاء القصد .و أما إذا نوى أنه وظيفته في الإسلام و لكن ظن أنه
مستحب باعتبار أنه غير مستطيع ،فلا يبعد الإجزاء ،لأنه نوى حجة الإسلام في
الواقع ،غاية الأمر من جهة جهله بالحال ظن أنها مستحبة عليه ،و من المعلوم أن
هذا الظن الخاطئ لا قيمة له ،و لا يغير الواقع ،فإذا أتى المستطيع واقعا بالحجة
بعنوان أنها وظيفته الاسلامية كفى ،و تنطبق عليها حجة الإسلام و إن اخطأ في
التطبيق .

( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه و ذلك للنصوص الكثيرة التي تتمثل في
مجموعتين :

--( 58 )--

..........
الأولى :تنص على أنه لا حج و لا عمرة حتى يعتق .

منها :صحيحة الفضل بن يونس عن أبي الحسن موسى عليه السّلام : «قال :ليس
على المملوك حج و لا عمرة حتى يعتق »- 1 - و مثلها صحيحة يونس بن يعقوب
الثانية تنص على أن حجه لا يجزى عن حجة الإسلام .

و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام : «قال :
المملوك إذا حج ثم اعتق فان عليه اعادة الحج »- 2 - .

و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المملوك إذا
حج و هو مملوك ثم مات قبل ان يعتق اجزاه ذلك الحج فان اعتق أعاد
الحج »- 3 - .

و منها :موثقة اسحاق بن عمار ،قال : «سألت أبا ابراهيم عليه السّلام عن أم الولد
تكون للرجل و يكون قد أحجها أ يجزئ ذلك عنها من حجة الإسلام ؟قال :لا ،
قلت :لها أجر في حجها ؟قال :نعم »- 4 - .

و في مقابلهما صحيحة حكم بن حكيم الصيرفي قال : «سمعت أبا
عبد اللّه عليه السّلام يقول :أيّما عبد حج به مواليه فقد قضى حجة الإسلام »- 5 - فانها تدل
على أن حج العبد هو حجة الإسلام ،فاذن تكون هذه الصحيحة معارضة
للمجموعتين الأوليين .

و قد يقال كما قيل :بلزوم طرحها بملاك أنها رواية شاذة و مخالفة
للروايات المشهورة الكثيرة .و لكن لا أصل لذلك ،فان الروايات المشهورة انما
تصلح أن تكون مرجحة إذا ادت شهرتها الى الاطمئنان و الوثوق بصدورها ،فان
الرواية الشاذة حينئذ لا تكون حجة في مقابلها لأنها داخلة في الروايات
المخالفة للسنة ،و ما نحن فيه ليس من هذا القبيل ،فان الشهرة الموجبة
لسقوط الرواية الشاذة عن الاعتبار انما هي الشهرة الروايتية لا العملية ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :4 .



---------------

( 4 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :6 .



---------------

( 5 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :7 .


--( 59 )--

مسمع : «لو أن عبدا حج عشر حجج ثم اعتق كانت عليه حجة الإسلام إذا
استطاع إلى ذلك سبيلا »و منها : «المملوك إذا حج و هو مملوك أجزأه إذا
مات قبل أن يعتق ،فإن اعتق أعاد الحج »و ما في خبر حكم بن حكيم :


اذ لا قيمة لها ،و أما الشهرة في المقام فبما أنها عملية فلا أثر لها ،
و على هذا فالصحيح في المسألة أن يقال :انه لا معارضة بين صحيحة الصيرفي
و بين المجموعتين الأوليين لا مكان الجمع الدلالي العرفي بينهما ،بيان
ذلك :

اما المجموعة الأولى فلأنها و إن كانت ظاهرة في نفي مشروعية الحج
و العمرة للمملوك ،الاّ أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورها في ذلك و حملها على
نفي الوجوب بقرينة نص المجموعة الثانية و الصحيحة في المشروعية .و اما
المجموعة الثانية فان بعض رواياتها و إن كان ظاهرا في وجوب الاعادة و عدم
الاجزاء عن حجة الإسلام الاّ أن بعضها الآخر ناص في عدم الاجزاء بمقتضى
اطلاقها ،و هذا الاطلاق قابل للحمل على حجة الإسلام للعبد فقط ،فإن ما أتى به
من الحج هو حجة اسلامه ما دام عبدا ،و ليس مما بنى عليه السّلام ،و عليه
فالموثقة تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الصحيحة و حملها على
ذلك .و تؤكد هذا الحمل صحيحة أبان بن الحكم قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام
يقول :الصبي إذا حج به فقد قضى حجّة الإسلام حتى يكبر ،و العبد إذا حج به
فقد قضى حجة الإسلام حتى يعتق »- 1 - فانها ناصة في أن حجّه حجة الإسلام
ما دام مملوكا لا مطلقا ،و يؤيد ذلك ما ورد في جملة من الروايات من ان
المملوك إذا حج ثم مات اجزأه ،فانه يشعر بانه حجة اسلامه في حال كونه
عبدا .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 60 )--

«أيما عبد حج به مواليه فقد أدرك حجة الإسلام »محمول على إدراك ثواب
الحج أو على أنه يجزئه عنها ما دام مملوكا لخبر أبان : «العبد إذا حج فقد
قضى حجة الإسلام حتى يعتق »فلا إشكال في المسألة ،نعم لو حج بإذن
مولاه ثم انعتق قبل إدراك المشعر أجزأه عن حجة الإسلام بالإجماع
و النصوص .

و يبقى الكلام في أمور :

أحدها :هل يشترط في الإجزاء تجديد النية للإحرام بحجة الإسلام
بعد الانعتاق فهو من باب القلب ،أو لا بل هو انقلاب شرعي ؟قولان ،
مقتضى إطلاق النصوص الثاني و هو الأقوى ( 1 ) ،فلو فرض أنه لم يعلم
بانعتاقه حتى فرغ أو علم و لم يعلم الإجزاء حتى يجدد النية كفاه و أجزأه .


( 1 ) الأمر كذلك بمقتضى اطلاق صحيحة شهاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«في رجل اعتق عشية عرفة عبدا له ،قال :يجزي عن العبد حجة الإسلام »- 1 - فان
مقتضى اطلاقها عدم وجوب تجديد النية للإحرام بحجة الإسلام بعد العتق
و انقلاب حجه اليها قهرا و بحكم الشرع .نعم هنا مسألة أخرى و هي ما إذا فرض
ان المولى أخذ عبده معه في عرفات بدون احرامه للحج ثم اعتقه قبل الوقوف
بالمشعر ،فانه إذا احرم من مكانه و وقف بالمشعر الحرام مع الناس و يواصل في
اعماله الى أن اكمل حجه ،فهل يجزئ ذلك أو لا ؟مقتضى القاعدة عدم الاجزاء ،
لأن قيام الناقص مقام الكامل بحاجة الى دليل ،أما روايات «من أدرك المشعر
فقد أدرك الحج »- 2 - فهي لا تشمل ذلك لأن موردها من لم يدرك الاّ الوقوف
بالمشعر لمانع من الموانع كمرض أو حبس أو نحو ذلك ،و التعدي منه الى
المقام بحاجة الى قرينة و لا قرينة عليه ،هذا و لكن صحيحة معاوية بن عمار قال :

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) راجع الوسائل باب :23 من ابواب الوقوف بالمشعر .


--( 61 )--

الثاني :هل يشترط في الإجزاء كونه مستطيعا حين الدخول في
الاحرام أو يكفي استطاعته من حين الانعتاق أو لا يشترط ذلك أصلا ؟
أقوال أقواها الأخير ( 1 ) ،لإطلاق النصوص و انصراف ما دل على اعتبار
الاستطاعة عن المقام .


«قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :مملوك اعتق يوم عرفة ،قال :إذا أدرك أحد الموقفين فقد
أدرك الحج »- 1 - لا يبعد دلالتها على ذلك ،بتقريب أنها تشمل باطلاقها ما إذا
استصحب المولى مملوكه معه بدون احرامه للحج ثم اعتق في يوم عرفة أو في
عشية ذلك اليوم بحيث لا يدرك الاّ الوقوف بالمشعر فقط ،فانه إذا احرم من
مكانه و وقف فيه و يواصل اعمال الحج الى أن اكمل فالحكم بصحة حجه غير
بعيد بمقتضى اطلاقها و هو قوله عليه السّلام : «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج ».

( 1 ) بل الأوسط هو الأقوى ،لأن روايات الباب لا نظر لها الى بقية الشروط
العامة للحج ،كالاستطاعة و البلوغ و العقل لا نفيا و لا اثباتا ،و انما هي ناظرة
الى أنه إذا صار حرا قبل المشعر و أدرك الوقوف فيه صح حجه ،و لا مانع من
صحته من هذه الناحية ،و أما بالنسبة إلى سائر الشروط ،فالمرجع فيها اطلاقات
أدلتها .

و إن شئت قلت :ان الغاء شرطية الاستطاعة في المقام بحاجة الى دليل ،
و الفرض أن هذه الروايات لا تدل على الغائها في المسألة لأنها غير ناظرة اليها
و ليست في مقام البيان من هذه الناحية ،فاذن يكون المرجع في اعتبارها في
المقام انما هو إطلاق أدلتها ،فلا نحتاج إلى دليل آخر .

فالنتيجة :ان تلك الروايات انما هي في مقام بيان أن العبد إذا اعتق و أدرك
الوقوف بالمشعر الحرام حرا كفى و لا يلزم أن يكون حرا في كل اعمال الحج من
البداية الى النهاية .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 62 )--

الثالث :هل الشرط في الإجزاء إدراك خصوص المشعر سواء أدرك
الوقوف بعرفات أيضا أو لا ،أو يكفي إدراك أحد الموقفين فلو
لم يدرك المشعر لكن أدرك الوقوف بعرفات معتقا كفى ؟قولان ،الأحوط
الأول ( 1 ) ،كما أن الأحوط اعتبار إدراك الاختياري من المشعر ( 2 ) ،


( 1 ) و لكن الأظهر هو الثاني في المقام و ذلك لنص قوله عليه السّلام في صحيحة
معاوية بن عمار : «إذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج »- 1 - و لا دليل على تقييد
ادراك أحد الموقفين بادراك خصوص المشعر ،و بكلمة ان ادراك أحد الموقفين
في العبد المعتق يكفي لصحة حجه بمقتضى نص هذه الصحيحة ،و أما من لم
يدرك الا الوقوف بعرفة فقط دون الوقوف بالمشعر بسبب مرض أو حبس أو
نحو ذلك فهل يكفي في صحة حجه أو لا ؟فيه بحث يأتي في محله بعونه
تعالى .

فالنتيجة :انه لا ملازمة بين كفاية ادراك الوقوف بعرفة فقط من العبد
المعتق و كفاية ذلك من غيره .

( 2 ) بل هو الأظهر في المقام لأن مورد روايات المسألة هو عتق العبد
عشية عرفة أو يومها و على كلا التقديرين فهو ادرك بعد العتق اختياري أحدهما
و لا بد من الاقتصار على ذلك و لا يمكن التعدي الى كفاية ادراك الاضطراري من
المشعر أو عرفة ،لأن الحكم بما أنه يكون على خلاف القاعدة ،فالتعدي بحاجة
الى دليل ،و من هنا يظهر الفرق بين هذه المسألة و المسألة الآتية و هي ان من لم
يدرك الموقفين معا لضيق الوقت بسبب مانع من الموانع فانه و إن قلنا هناك
بعدم كفاية ادراكه الوقوف بعرفة فحسب حتى الاختياري منه و كفاية ادراكه
الوقوف بالمشعر فقط حتى الاضطراري فلا نقول بذلك في هذه المسألة على

---------------

( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 63 )--

فلا يكفي إدراك الاضطراري منه ،بل الأحوط اعتبار إدراك كلا الموقفين
و إن كان يكفي الانعتاق قبل المشعر لكن إذا كان مسبوقا بإدراك عرفات
أيضا و لو مملوكا ( 1 ) .

الرابع :هل الحكم مختص بحج الإفراد و القران أو يجري في حج
التمتع أيضا و إن كانت عمرته بتمامها حال المملوكية ؟الظاهر
الثاني لإطلاق النصوص ،خلافا لبعضهم فقال بالأول لأن إدراك
المشعر معتقا إنما ينفع للحج لا للعمرة الواقعة حال المملوكية ،و فيه
ما مر من الإطلاق ،و لا يقدح ما ذكره ذلك البعض لأنهما عمل واحد ،هذا
إذا لم ينعتق إلا في الحج و أما إذا انعتق في عمرة التمتع و أدرك
بعضها معتقا فلا يرد الإشكال ( 2 ) .

[2991 ]مسألة 1 :إذا أذن المولى لمملوكه في الإحرام فتلبس به ليس
أساس أن مقتضى دليل هذه المسألة هو كفاية ادراك أحد الموقفين الاختياري
فقط دون الأعم منه و من الاضطراري فاذن يكون منشأ الاختلاف بين المسألتين
هو اختلاف النص فيهما .

( 1 ) مرّ آنفا في الأمر الأول ان عدم اعتبار هذا الشرط في صحة حجّه
و كفاية ادراك المشعر فقط بعد العتق غير بعيد بمقتضى اطلاق صحيحة معاوية
بن عمار المتقدمة .

( 2 ) الظاهر انه لا دليل على صحة العمرة من العبد المعتق في أثنائها ،فاذا
أحرم العبد للعمرة ثم اعتق فلا دليل على صحة احرامه و انقلابه احراما لعمرة
التمتع ،و حينئذ فان كان مستطيعا وجب عليه أن يرجع إلى الميقات و يحرم منها ،
و الاّ يحرم من مكانه و يواصل في عمرته ،و إذا اعتق بعد طواف العمرة فالظاهر
بطلانه و بطلان احرامه ،اذ لا دليل على اجزائهما عنه بعد العتق و الروايات

--( 64 )--

..........
المذكورة لا تشمل هذه الصورة ،و عندئذ فإن كان متمكنا من اعادة العمرة أعادها
ثم يحرم للحج ،و الاّ فعليه الاتيان به في العام القادم شريطة توفر شروطه فيه ،
و اما الانقلاب وظيفته من التمتع الى الافراد ،فلا دليل عليه في المقام ،لأنه ليس
من المعذور الذي تنص الروايات على ذلك ،لأن مورده من كانت وظيفته في
البداية الاتيان بحج التمتع ،و بما أنه لا يتمكن من الاتيان بعمرته لسبب أو آخر
تنقلب الى الافراد ،و اما العبد في المقام فانه قبل ان يعتق لم يكن مكلفا بحج
التمتع ،و بعد العتق لا يقدر عليه ،فمن أجل ذلك حيث انه لا يكون المقتضى
لوجوبه عليه موجودا فيه فلا يكون مشمولا لتلك الروايات ،و أما إذا اعتق بعد
العمرة و قبل احرام الحج فهل يمكن الحكم بصحة حجه و اجزائه عن حجة
الإسلام أو لا ؟فيه و جهان :الأظهر هو الثاني ،لأن الروايات التي تدل على
الاجزاء لا تشمل هذه الصورة لاختصاصها بما إذا اعتق بعد احرام الحج في يوم
عرفة أو عشية ذلك اليوم ،و دعوى أنها إذا دلت على الاجزاء و صحة حجه في
هذه الصورة ففي تلك بالاولوية القطعية ،مدفوعة بأنه لا يمكن القطع بالأولوية
لأنه منوط بالعلم بوجود ملاك الحكم فيها و عدم الفرق بين الصورتين ،و من
المعلوم انه لا طريق لنا الى احرازه الجزمي ،و اما الظني فلا قيمة له ،و حينئذ فان
أمكن اعادة العمرة فعليه اعادتها ثم احرم للحج ،و الا فوظيفته الاتيان
بالحج في العام القادم إن توفرت شروطه منها الاستطاعة ،و اما الانقلاب الى
الافراد فلا دليل عليه لأنه ليس من المعذور الذي تنقلب وظيفته من التمتع الى
الافراد باعتبار انه ليس مكلفا بحج التمتع لا قبل العتق و لا بعده ،فلا مقتضى
لوجوبه في حقه فلذلك لا يكون مشمولا للروايات التي تدل على الانقلاب ،
و سوف يأتي الكلام في تحديد مدلول تلك الروايات سعة و ضيقا في ضمن
المسائل القادمة ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر به أن يحرم لحج الافراد
رجاء و يتم ثم يأتي بعمرة مفردة إن أمكن و يعيد الحج في السنة القادمة إذا
استطاع .

--( 65 )--

له أن يرجع في إذنه ( 1 ) لوجوب الإتمام على المملوك و لا طاعة لمخلوق
في معصية الخالق ،نعم لو أذن له ثم رجع قبل تلبسه به لم يجز له أن يحرم
إذا علم برجوعه ،و إذا لم يعلم برجوعه فتلبس به هل يصح إحرامه و يجب
إتمامه أو يصح و يكون للمولى حله أو يبطل ؟وجوه أوجهها الأخير لأن
الصحة مشروطة بالإذن المفروض سقوطه بالرجوع ،و دعوى أنه دخل
دخولا مشروعا فوجب إتمامه فيكون رجوع المولى كرجوع الموكل قبل
التصرف و لم يعلم الوكيل ،مدفوعة بأنه لا تكفي المشروعية الظاهرية ،و قد
ثبت الحكم في الوكيل بالدليل و لا يجوز القياس عليه .


( 1 ) الظاهر جواز رجوعه عن اذنه على أساس انه يوجب تبدل الموضوع
و انقلابه باعتبار أن حج العبد مشروط باذن مولاه و اجازته حدوثا و بقاء كسائر
شروطه من الاستطاعة و العقل و البلوغ و الحرية ،فاذا احرم باذنه وجب عليه
اتمامه شريطة بقاء اذنه كما هو الحال بالنسبة إلى بقية الشروط ،فاذا رجع عن
اذنه بقاء انتفى وجوب الإتمام بانتفاء شرطه و موضوعه ،كما انه إذا انتفت
الاستطاعة عنه في أثناء العمل انتفى وجوب الإتمام بانتفاء شرطه ،و من هنا
يظهر انه لا وجه للاستدلال على عدم جواز الرجوع عن إذنه بما ورد من انه : «لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق »- 1 - فانه مبني على ان يكون اذن المولى شرطا
في الشروع في الحج فقط لا فيه و في الابقاء عليه و اتمامه ،فاذا شرع فيه باذنه
وجب عليه اتمامه بقاء و إن رجع المولى عن اذنه اذ «لا طاعة لمخلوق في
معصية الخالق ».

و إن شئت قلت :ان عناصر هذه الكبرى هي ما إذا نهى المولى عبده أو
الأب ابنه عن اتيان واجب الهي كصلاة أو نحوها ،أو أمره بممارسة حرام فانه لا

---------------

( 1 ) الوسائل باب :59 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :7 .


--( 66 )--

[2992 ]مسألة 2 :يجوز للمولى أن يبيع مملوكه المحرم بإذنه و ليس
للمشتري حل إحرامه ( 1 ) .نعم مع جهله بأنه محرم يجوز له الفسخ مع طول
الزمان الموجب لفوات بعض منافعه .

[2993 ]مسألة 3 :إذا انعتق العبد قبل المشعر فهديه عليه ،و إن لم يتمكن
فعليه أن يصوم ،و إن لم ينعتق كان مولاه بالخيار بين أن يذبح عنه أو يأمره
بالصوم للنصوص و الإجماعات ( 2 ) .


يجوز اطاعته لأن فيها معصية للخالق ،و اما إذا كانت مشروعية شي‏ء للعبد
مشروطة باذن المولى حدوثا و بقاء كالحج للعبد فلا يكون من عناصر هذه
الكبرى على أساس انه انما يكون مشروعا و جائزا إذا اذن به المولى ،و كذلك
اتمامه و مواصلته فيه ،و عليه فاذا شرع فيه باذنه ثم رجع عنه في اتمامه لم يكن
الإتمام مشروعا ،فلو أصر عليه في هذه الحالة كان معصية للخالق أيضا .و من هنا
يظهر انه لو لم يعلم بالرجوع و أحرم كان احرامه باطلا كما في المتن ،لأنه فاقد
للشرط في الواقع و هو الاذن من المولى .

( 1 ) بل له ذلك بمعنى عدم اذنه في اتمامه ،لما مر من أن اذنه معتبر في
صحة حجه حدوثا و بقاء ،فاذا لم يأذن فيه ،أو أذن المولى الأول و بعد انتقاله الى
الثاني فالثاني لم يأذن فليس له الإتمام .

( 2 ) لا قيمة لها في المسألة ،فانها على تقدير ثبوتها يكون مدركها
النصوص الواردة فيها ،و حينئذ فلا بد من الرجوع اليها و النظر في مداليلها سعة
و ضيقا ،و إليكم نص بعضها كقوله عليه السّلام في صحيحة جميل : «فمره فليصم ،و إن
شئت فاذبح عنه »- 1 - و قوله عليه السّلام في صحيحة سعد بن أبي خلف : «إن شئت فاذبح
عنه ،و إن شئت فمره فليصم »- 2 - و اما قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم :

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب الذبح الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب الذبح الحديث :2 .


--( 67 )--

[2994 ]مسألة 4 :إذا أتى المملوك المأذون في إحرامه بما يوجب
الكفارة فهل هي على مولاه ،أو عليه و يتبع بها بعد العتق ،أو تنتقل إلى
الصوم فيما فيه الصوم مع العجز ،أو في الصيد عليه و في غيره على مولاه ؟
وجوه أظهرها كونها على مولاه ( 1 ) ،لصحيحة حريز خصوصا إذا كان

«عليه مثل ما على الحرّ إما أضحية و اما صوم »- 1 - فهو لا ينافي التخيير لأن الظاهر
من التشبيه انه في مقام بيان أن العبد كالحر مكلف إما بالتضحية أو الصوم ،و اما
أن ثمن الأضحية من ماله أو مال مولاه فهو ليس في مقام البيان من هذه الناحية ،
كما انه ليس في مقام بيان ان الصوم في طول الهدي أو في عرضه .

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم ظهوره في انه في مال العبد كالحر فلا بد
من رفع اليد عنه و حمله على ما ذكرناه بقرينة نص الصحيحتين الأوليين في
التخيير .نعم لو قلنا بالمعارضة بينها و بين الصحيحتين لكان المرجع بعد
سقوطهما بالمعارضة العام الفوقي ،و مقتضاه ان الهدي على الحاج نفسه .

( 1 ) بل الأظهر هو التفصيل فيها بين كفارة الصيد فانها على العبد و كفارة
غيره فانها على المولى ،و ذلك لأنه مقتضى الجمع بين مجموع اصناف الروايات
في المسألة ،حيث أن مقتضى اطلاقات أدلة كفارات الاحرام أنها على المباشر
سواء أ كان حرا أم مملوكا ،و مقتضى صحيحة حريز : «كلما أصاب العبد و هو
محرم في احرامه فهو على السيّد إذا أذن له في الاحرام »- 2 - أنها على المولى ،
و مقتضى صحيحة عبد الرحمن بن أبي نجران قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن
عبد أصاب صيدا و هو محرم هل على مولاه شي‏ء من الفداء ؟فقال :لا شي‏ء على
مولاه »- 3 - ان كفارة صيده ليست على مولاه ،و بما أن الصحيحة الثانية أخص من
الصحيحة الأولى موردا فتوجب تقييد اطلاقها بغير موردها .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب الذبح الحديث :5 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :56 من أبواب كفارات الصيد الحديث :1 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :56 من أبواب كفارات الصيد الحديث :3 .


--( 68 )--

الإتيان بالموجب بأمره أو بإذنه .نعم لو لم يكن مأذونا في الإحرام
بالخصوص بل كان مأذونا مطلقا إحراما كان أو غيره لم يبعد كونها عليه ،
حملا لخبر عبد الرحمن بن أبي نجران النافي لكون الكفارة في الصيد على
مولاه على هذه الصورة ( 1 ) .

[2995 ]مسألة 5 :إذا أفسد المملوك المأذون حجه بالجماع قبل المشعر
فكالحر في وجوب الإتمام و القضاء ،و أما البدنة ففي كونها عليه أو على
مولاه فالظاهر أن حالها حال سائر الكفارات على ما مر و قد مر أن الأقوى

فالنتيجة ان العبد المحرم إذا ارتكب محرما فان كان غير الصيد فكفارته
على المولى ،و إن كان الصيد فكفارته على نفسه بمقتضى العمومات دون مولاه ،
و بذلك يظهر حال سائر الأقوال في المسألة .

( 1 ) لا وجه لهذا الحمل ،فانه مبني على الجمع بين الروايتين بحمل
صحيحة حريز على الاذن الخاص و هو الإذن في الإحرام للحج خاصة ،و حمل
صحيحة عبد الرحمن على الإذن العام و هو الإذن في الأعم من الإحرام و غيره ،
فعلى الأول تكون الكفارة على العبد بلا فرق بين كفارة الصيد و غيره ،و على
الثاني على المولى كذلك ،و لكن من المعلوم انه لا قيمة لهذا الجمع فانه جمع
تبرعي و لا شاهد عليه من العرف ،فاذن لا فرق بين أن يكون العبد مأذونا في
الحج باذن خاص أو عام ضرورة انه على كلا التقديرين مأذون فيه ،و ليس للإذن
الخاص أثر زائد ،و قوله عليه السّلام في صحيحة حريز : «إذا أذن له في الإحرام »- 1 - اشارة
الى أن صحة احرامه للحج مشروطة بالإذن ،و لا يصح بدونه و ان ما على العبد
من الكفارة انما هي على سيده شريطة أن يكون احرامه صحيحا ،و الاّ فلا
موضوع له ،و ليس ناظرا الى أن اذنه الخاص دخيل في ذلك .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :56 من أبواب كفارات الصيد الحديث :1 .


--( 69 )--

كونها على المولى الآذن له في الإحرام ( 1 ) ،و هل يجب على المولى
تمكينه من القضاء لأن الإذن في الشي‏ء إذن في لوازمه ( 2 ) ،أو لا لأنه من
سوء اختياره ؟قولان أقواهما الأول ( 3 ) سواء قلنا إن القضاء هو حجه أو أنّه
عقوبة و أنّ حجه هو الأول ،


( 1 ) تقدم ان كفارة العبد في غير الصيد على المولى سواء أ كان مأذونا في
الإحرام خاصة أم في الأعم منه و من غيره ،لعدم الفرق بين الأمرين في النتيجة ،
و هي الحكم بصحة الاحرام التي هي الموضوع للكفارات بممارسة موجباتها .

( 2 ) هذا التعليل غريب جدا ،لأن وجوب الاتيان بالحج في العام القادم
انما هو من لوازم الجماع قبل المشعر ،و المفروض ان المولى لم يأذن فيه ،و انما
أذن في الحج و هو ليس من لوازمه .

( 3 ) هذا هو الصحيح ،اما على القول بأن الحجة الثانية عقوبة لما فعله في
الحجة الأولى مع كونها محكومة بالصحة فالأمر واضح ،و ذلك لأنها حينئذ
بمثابة الكفارة لما أحدث في الأولى ،فحالها حال سائر الكفارات من هذه
الناحية ،و عليه فكما أنه إذا صاد و هو محرم فعليه الكفارة و لا بد له من الخروج
عن عهدتها و لا يحق لمولاه أن يمنعه عن أدائها و لو نهى عنه لم تجب عليه
طاعته على أساس أنه لا طاعة لمخلوق في معصيته الخالق ،فكذلك إذا جامع
أهله قبل المشعر الحرام ،فان عليه الاتيان بالحجة في السنة القادمة
عقوبة ،و حينئذ لا بد له من الخروج عن عهدتها و إن نهى مولاه عنه ،إذ لا قيمة له
على أثر انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق فيكون المقام من عناصر هذه
الكبرى .

و ان شئت قلت :كما أن ثبوت سائر الكفارات في النصوص معلق على
ممارسته محرمات الاحرام فاذا مارسها وجبت الكفارة عليه سواء أ كان حرا أم
كان عبدا غاية الأمر إن كان الممارس عبدا و كان ذلك الشي‏ء غير الصيد فكفارته

--( 70 )--

..........
على المولى ،و إن كان صيدا فعلى العبد ،و من المعلوم أن خروجه عن عهدة هذه
الكفارة لا يتوقف على إذن المولى ،و لا فرق بين أن تكون تلك الكفارة بدنة أو
بقرة أو شاة أو طعاما أو صيام أيام ،كذلك ثبوت هذه العقوبة و هي الحج في العام
القادم معلق في النصوص على ممارسة الجماع قبل الوقوف بالمشعر الحرام ،
فاذا مارسه فيه وجب عليه الحج في العام القادم عقوبة ،سواء أ كان الممارس
حرا أم كان عبدا ،و من المعلوم انه يكفي في ثبوته على العبد أن يكون مأذونا في
الحج الذي جامع أهله فيه قبل الوقوف بالمشعر .

ثم ان القول بأن الحجة الأولى صحيحة و الثانية عقوبة هو الأظهر ،و تدل
عليه صحيحة زرارة قال : «سألته عن محرم غشى امرأته و هي محرمة ،قال :
جاهلين أو عالمين ،قلت :اجبني عن الوجهين جميعا ،قال :إن كانا جاهلين
استغفرا ربهما و مضيا على حجهما و ليس عليهما شي‏ء ،و ان كان عالمين فرق
بينهما من المكان الذي أحدثا فيه ،و عليهما بدنة ،و عليهما الحج من قابل ،فاذا
بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما و يرجعا الى المكان
الذي أصابا فيه ما أصابا .قلت :فأيّ الحجتين لهما ؟قال :الأولى التي أحدثا فيها ما
أحدثا ،و الاخرى عليهما عقوبة »- 1 - فانها واضحة الدلالة على أن حجته الأولى
صحيحة و الثانية عقوبة .

و أما على القول بأن الحجة الثانية قضاء للأولى على أساس أنها فسدت
بما أحدث فيها فظاهر النصوص أنها واجبة عليه و إن كان عبدا .و دعوى أن
الحجة الأولى إذا لم تكن واجبة على العبد فكيف يكون قضاؤها واجبا عليه مع
أنه بدلها ،مدفوعة بأن القضاء ليس تابعا للأداء ،بل هو تابع لدليله ،و بما أن دليله
في المقام و هو النصوص الآمرة بالحج في العام القادم ظاهر في الوجوب ،فلا
مناص من الأخذ به .

فالنتيجة ان النصوص باطلاقها تشمل الحر و العبد ،و تدل على وجوب

---------------

( 1 ) الوسائل باب :3 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث :9 .


--( 71 )--

هذا إذا أفسد حجه و لم ينعتق ،و أما إن أفسده بما ذكر ثم انعتق فإن انعتق
قبل المشعر كان حاله حال الحر في وجوب الإتمام و القضاء و البدنة ( 1 )
و كونه مجزئا عن حجة الإسلام إذا أتى بالقضاء على القولين من كون
الإتمام عقوبة و أن حجه هو القضاء أو كون القضاء عقوبة ،بل على هذا إن
لم يأت بالقضاء أيضا أتى بحجة الإسلام و إن كان عاصيا في ترك القضاء ،
و إن انعتق بعد المشعر فكما ذكر إلا أنه لا يجزئه عن حجة الإسلام فيجب
عليه بعد ذلك إن استطاع ،و إن كان مستطيعا فعلا ففي وجوب تقديم حجة
الإسلام أو القضاء و جهان مبنيان على أن القضاء فوري أو لا ،فعلى الأول
يقدم لسبق سببه ( 2 ) ،و على الثاني تقدم حجة الإسلام لفوريتها دون
القضاء .


الحج في العام القادم عليهما ،و حينئذ فلا يحق للمولى أن يمنع العبد عن الاتيان
بالحج في العام الآتي على كلا القولين في المسألة باعتبار انه واجب عليه شرعا
كسائر الواجبات الإلهية ،فلا تجوز مخالفته تطبيقا للكبرى المتقدمة و هي أنه لا
طاعة لمخلوق في معصية الخالق .

( 1 ) الظاهر أنها على المولى دون العبد المنعتق ،لأن المستفاد من
الروايات التي تنص على ان كفارة العبد في غير الصيد على مولاه أن المعيار انما
هو بارتكاب موجبها في حال انه عبد و إن انعتق بعد ذلك لإطلاق قوله عليه السّلام في
صحيحة حريز : «كلما أصاب العبد و هو محرم في احرامه فهو على السيّد »- 1 -
فانه يشمل ما إذا انعتق بعد ذلك .

( 2 ) فيه ان سبق السبب بعنوانه ليس من أحد مرجحات باب التزاحم ،كما
ذكرناه في علم الأصول ،و حينئذ فان كان هناك مرجح لأحدهما كالأهمية أو

---------------

( 1 ) الوسائل باب :56 من أبواب كفارات الصيد الحديث :1 .


--( 72 )--

[2996 ]مسألة 6 :لا فرق فيما ذكر من عدم وجوب الحج على المملوك
و عدم صحته إلا بإذن مولاه و عدم إجزائه عن حجة الإسلام إلا إذا انعتق قبل
المشعر بين القنّ و المدبر و المكاتب و أم الولد و المبعض إلا إذا هاياه مولاه
و كانت نوبته كافية مع عدم كون السفر خطريا فإنه يصح منه بلا إذن ،لكن لا
يجب و لا يجزئه حينئذ عن حجة الإسلام و إن كان مستطيعا لأنه لم يخرج
عن كونه مملوكا ،و إن كان يمكن دعوى الانصراف عن هذه الصورة ( 1 ) ،


نحوها قدم على الآخر ،و الاّ فيسقط اطلاق كليهما معا ،فالنتيجة هي التخيير ،
و بما أنه لا شبهة في أن وجوب حجة الإسلام أهم من وجوب القضاء في المقام ،
فلا بد من تقديمه عليه ،و تكشف عن أهميته السنة بمختلف الألسنة ،فبعضها
بلسان أنها من احد أركان الإسلام ،و بعضها الآخر بلسان التأكيد و الاهتمام بها
بدرجة يحكم بأن تاركها إذا مات مات يهوديا أو نصرانيا ،و الثالث بلسان أن
تاركها تارك لشريعة من شرائع الإسلام و يحشر يوم القيامة أعمى و نحوها ،فان
كل ذلك يكشف عن أهمية حجة الإسلام ملاكا و حكما .

( 1 ) هذه الدعوى هي الصحيحة ،و الوجه في ذلك ،أن هنا طائفتين من
الأدلة :

الأولى :الأدلة العامة من الآية الشريفة و الروايات التي تدل على وجوب
الحج على المستطيع و مقتضى عمومها و اطلاقها عدم الفرق بين كون المستطيع
حرا أو مملوكا .

الثانية :الروايات الخاصة التي تدل على عدم وجوبه على المملوك ،و هذه
الروايات تقيد اطلاق الطائفة الأولى بالمستطيع الذي لا يكون مملوكا ،و بما أن
عنوان المملوك لا يصدق على المبعّض فهو يظل باقيا تحت اطلاق الطائفة
الأولى ،و مقتضاه وجوب الحج عليه .

و دعوى :أن عدم وجوب الحج على المملوك بما أنه قد قيد بعدم العتق

--( 73 )--

فمن الغريب ما في الجواهر من قوله : «و من الغريب ما ظنه بعض الناس من
وجوب حجة الإسلام عليه في هذا الحال ضرورة منافاته للإجماع المحكي
عن المسلمين الذي يشهد له التتبع على اشتراط الحرية المعلوم عدمها في
المبعض »انتهى ،إذ لا غرابة فيه بعد إمكان دعوى الانصراف ،مع أن في
أوقات نوبته يجري عليه جميع آثار الحرية ( 1 ) .


فيدور عدم وجوبه مدار أن لا يصدق عليه عنوان العبد المعتق ،و حيث انه لا
يصدق على المبعض فلا يجب عليه الحج ...

مدفوعة :بان موضوع دليل الخاص و هو الروايات مقيد بهذا القيد لا
موضوع دليل العام فان موضوعه الانسان المستطيع المقيد بقيد آخر و هو عدم
كونه مملوكا ،و بما انه لا يصدق على المبعض عنوان المملوك فهو من افراد
موضوع العام لا الخاص ،فمن أجل ذلك يجب عليه الحج ،هذا اضافة الى أن
عدم العتق لا يمكن أن يكون قيدا للموضوع و يوجب تحصصه بحصة خاصة ،
فان الموضوع و هو المملوك لما كان في مقابل المعتق بتقابل التضاد فلا يعقل أن
يتحصص به بل هو باعتبار أن العتق رافع له نهائيا و يوجب تبديله بضده ،و من
هنا لا يحتمل أن يكون العتق ملحوظا على نحو الموضوعية بأن يكون موضوع
وجوب الحج هو الانسان المعتق ،بل هو ملحوظ على نحو الطريقية الصرفة
و الاشارة به الى ما هو موضوع لوجوب الحج و هو الانسان المستطيع الذي لا
يكون مملوكا ،و بكلمة أن قوله عليه السّلام في الروايات : «إن اعتق فعليه الحج »- 1 - اشارة
الى أن موضوع وجوب الحج و هو المستطيع المذكور يتحقق بالعتق لا أن العتق
موضوع له فيكون جهة تعليلية له .

( 1 ) فيه أن عنوان الحر لا يصدق على المبعض لكي تترب عليه آثاره .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 74 )--

[2997 ]مسألة 7 :إذا أمر المولى مملوكه بالحج وجب عليه طاعته و إن لم
يكن مجزئا عن حجة الإسلام ،كما إذا آجره للنيابة عن غيره ،فإنه لا فرق
بين إجارته للخياطة أو الكتابة و بين إجارته للحج أو الصلاة أو الصوم .

الثالث :الاستطاعة من حيث المال و صحة البدن و قوته و تخلية
السرب و سلامته وسعة الوقت و كفايته ،بالإجماع و الكتاب و السنة ( 1 ) .

[2998 ]مسألة 1 :لا خلاف و لا إشكال في عدم كفاية القدرة العقلية في
وجوب الحج بل يشترط فيه الاستطاعة الشرعية ( 2 ) ،


( 1 ) فيه انه لا وجه للاستدلال بالإجماع في المسألة في مقابل الكتاب
و السنة ،إذ مع وجودهما لا يمكن الوثوق و الاطمئنان بأن الاجماع المدعى فيها
اجماعا تعبديا كاشفا عن ثبوت حكم المسألة في زمن المعصومين عليهم السّلام
و وصوله إلينا يدا بيد و طبقة بعد طبقة ،بل لا محالة يكون مدرك المجمعين فيها
الكتاب و السنة ،و معه لا قيمة له .

( 2 ) فيه أن هذا التفسير لا ينسجم مع ما يظهر منه قدّس سرّه في ضمن المسائل
القادمه من أن المراد منها عدم المانع الأعم من التكويني و التشريعي على أساس
ان المانع الشرعي كالمانع العقلي رافع لوجوب الحج بارتفاع موضوعه و وارد
عليه ،و نتيجة تفسيرها في المقام هي أنها عبارة عن القدرة التكوينية في مقابل
العجز التكويني الاضطراري ،و على هذا فلا يكون وجوب شي‏ء آخر مضاد
للحج مانعا عن وجوبه ،و إن كان قبل حصول الاستطاعة .

بيان ذلك :ان الاستطاعة المأخوذة في لسان الآية الشريفة ظاهرة في
نفسها بقطع النظر عن تفسيرها في الروايات في الاستطاعة التكوينية في مقابل
العجز التكويني الاضطراري ،و أما حملها على الاستطاعة التكوينية في مقابل
العجز التكويني الأعم من الاضطراري و الاختياري فهو بحاجة إلى قرينة ،و الا
فالمتبادر منها هو المعنى الأول ،و كذلك حملها على الاستطاعة المساوقة لعدم

--( 75 )--

..........
المانع الأعم من التكويني و التشريعي .

و أما بلحاظ الروايات ،فلأنها قد فسرت فيها مرة بالزاد و الراحلة و صحة
البدن و تخلية السرب ،و أخرى بما يحج به ،و ثالثة بالسعة في المال ،بمعنى يحج
ببعض و يبقى بعضا لقوت عياله ،و رابعة بالقوة في المال و اليسار ،و لا تنافي بين
هذه التفسيرات ،غاية الأمر أن بعض تلك التفسيرات مشتمل على خصوصية
زائدة و بعضها الآخر ساكت عنها ،فالنتيجة ان المستفاد من مجموع الروايات
بضم بعضها الى الآخر أن الاستطاعة عبارة عن تمكن المكلف و قدرته مالا
و بدنا و سربا على الحج ،و اما وجود الراحلة فالظاهر أنه لا خصوصية له ،بل هو
يدور مدار الحاجة اليه كالركوب عليها ،أو حمل الزاد و النفقة ،و اما إذا كان
الشخص متمكنا من المشي راجلا بدون عسر و حرج فهو مستطيع و إن لم تكن
عنده راحلة ،اذ المعيار انما هو بتمكنه من السفر الى الحج بدون وقوعه في عسر
و حرج سواء أ كان راكبا أم ماشيا .و تؤكد ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال :
«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل عليه دين ،أ عليه أن يحج ؟قال :نعم ،ان حجة
الإسلام واجبة على من أطاق المشي من المسلمين و لقد كان أكثر من حج مع
النبي صلّى اللّه عليه و آله مشاة -الحديث - »- 1 - فانها واضحة الدلالة على أن حجة الإسلام
واجبة على من أطاق المشي و المراد من الاطاقة الاطاقة العرفية يعني انه متمكن
من المشي الى الحج بدون أن يقع في حرج .

و بكلمة أخرى ان هذا التفسير لا ينافي معنى الاستطاعة لغة و عرفا على
أساس انه ليس تفسيرا لها مباشرة ،بل هو بيان لعناصرها الثلاثة :

الأول :الامكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا ،أو ذهابا فقط لمن
لا يريد الرجوع الى بلدته .

الثاني :الأمن و السلامة على نفسه و عرضه و ماله في الطريق ولدى
ممارسة مناسك الحج .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 76 )--

..........
الثالث :التمكن بعد الانفاق على سفر الحج و العود الى بلده من استيناف
وضعه المعاشى الطبيعي و بدون الوقوع في حرج بسبب نفقات الحج .

و الاستطاعة تتكون من هذه العناصر الثلاثة ،فاذا توفرت تلك العناصر في
شخص وجب عليه الحج ،سواء أ كان هناك واجب آخر مضاد له أم لا ،فان
وجوب واجب آخر لا يمنع عن وجوب الحج لفرض ان وجوبه غير مرتبط
بعدم وجوب واجب آخر ،بل هو مرتبط بتوفر تلك العناصر ،و المفروض أنها
متوفرة عنده ،و هذا هو معنى ما ذكرناه من أن المتفاهم العرفي من الاستطاعة
القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري لا الأعم منه و من
الاختياري ،لأن العجز الاختياري عين التمكن و القدرة ،فلا ينافيها فإنّه معلول
للقدرة و التمكن ،هذا كله شريطه أن لا يقع في العسر و الحرج بسبب الحج ،و الاّ
فلا وجوب .

إلى هنا قد تبين ان الاستطاعة بمعناها اللغوي و العرفي و هي القدرة
التكوينية معتبرة شرعا في وجوب الحج ،فإن أخذها في لسان الآية الشريفة
و الروايات من قبل المولى يدل على أنها دخيلة في الحكم و الملاك معا ،و هذا
يعني أنها كما تكون من شروط الوجوب في مرحلة الاعتبار تكون من شروط
الاتصاف في مرحلة المبادئ ،و النكتة في ذلك أن تصدي المولى لأخذها في
لسان الدليل رغم ان العقل مستقل باشتراط التكليف بالقدرة بملاك قبح تكليف
العاجز يدل على انه لا يمكن ان يكون تأكيدا لحكم العقل فقط و ابرازا لما هو
مبرز في نفسه و الاّ لكان لغوا و جزافا ،حيث لا حاجة الى هذا التأكيد ،فاذن لا
محالة يكون تصديه قرينة على أنه بصدد افادة معنى زائد على ما هو ثابت
بحكم العقل ،و هو ليس الا دخلها في الملاك و أنه بدونها فلا ملاك للحكم ،
و بذلك تمتاز القدرة الشرعية عن القدرة العقلية ،فان الأولى دخيلة في الحكم
و الملاك معا ،و الثانية دخيلة في الحكم فقط باعتبار أن الحاكم باشتراطها انما هو
العقل على أساس قبح تكليف العاجز و الفرض انه لا طريق له الى ملاكات
الأحكام في مرحلة المبادي .

--( 77 )--

و هي كما في جملة من الأخبار الزاد و الراحلة ،فمع عدمهما لا يجب و إن
كان قادرا عليه عقلا بالاكتساب و نحوه ،و هل يكون اشتراط وجود الراحلة
مختصا بصورة الحاجة إليها لعدم قدرته على المشي أو كونه مشقة عليه أو
منافيا لشرفه أو يشترط مطلقا و لو مع عدم الحاجة إليه ؟مقتضى إطلاق
الأخبار و الإجماعات المنقولة الثاني ،و ذهب جماعة من المتأخرين إلى
الأول لجملة من الأخبار المصرحة بالوجوب إن أطاق المشي بعضا أو كلا ،
بدعوى أن مقتضى الجمع بينها و بين الأخبار الاول حملها على صورة
الحاجة مع أنها منزلة على الغالب بل انصرافها إليها ،و الأقوى هو القول
الثاني ( 1 ) لإعراض المشهور ( 2 ) عن هذه الأخبار مع كونها بمرأى منهم
و مسمع ،فاللازم طرحها أو حملها على بعض المحامل كالحمل على الحج
المندوب و إن كان بعيدا عن سياقها ،مع أنها مفسرة للاستطاعة في الآية
الشريفة و حمل الآية على القدر المشترك بين الوجوب و الندب بعيد ،أو

( 1 ) بل الأول ،لما مر من ان المتفاهم العرفي من الروايات المشتملة على
الراحلة عدم الموضوعية لها و أخذها في الروايات في مقابل الزاد انما هو
للحاجة اليها اما لحمل ما يحتاج اليه في السفر أو للركوب عليها و الاّ فلا
موضوعية لها و لا تكون دخيلة في مفهوم الاستطاعة .

( 2 ) فيه انه لا أثر لاعراضهم و لا قيمة له الا لدى توفر أمرين فيه :

أحدهما :أن يكون الاعراض من قدماء الاصحاب الذين يكون عصرهم
متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام .

الثاني :أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن يكون مستندا له في مقابل
هذه الأخبار .

و كلا الأمرين غير متوفر في المقام .

--( 78 )--

حملها على من استقر عليه حجة الإسلام سابقا و هو أيضا بعيد ،أو نحو
ذلك ،و كيف كان فالأقوى ما ذكرنا ،و إن كان لا ينبغي ترك الاحتياط بالعمل
بالأخبار المزبورة خصوصا بالنسبة إلى من لا فرق عنده بين المشي
و الركوب أو يكون المشي أسهل ،لانصراف الأخبار الاول عن هذه
الصورة ،بل لو لا الإجماعات المنقولة و الشهرة ( 1 ) لكان هذا القول في
غاية القوة .


أما الأمر الأول :فلأنه لا طريق لنا الى احراز أنهم قد اعرضوا عنها لأن
الطريق الى ذلك متمثل في أحد سبيلين :

الأول :أن يكون لكل واحد منهم كتاب استدلالي مشتمل على المسألة
و كان بأيدينا .

الثاني :أن يكون اعراضهم و اصلا إلينا يدا بيد .

و لكن كلا السبيلين لا وجود له :

اما الأول :فلأنه لم يصل كتاب استدلالي إلينا من كل منهم في المسألة
لنعرف مدى اعراضهم عنها .

و اما الثاني :فلأن غاية ما يكون هو نقل اعراضهم إلينا اجمالا و مرسلا ،و لا
قيمة لهذا النقل ما دام لم يصل كلا يدا بيد و طبقة بعد طبقة مباشرة و بدون
الاستناد الى شي‏ء في المسألة .

و اما الأمر الثاني :فلأن من المحتمل ان يكون اعراضهم عنها من جهة
تقديم الروايات التي تفسّر الاستطاعة بالزاد و الراحلة عليها .

( 1 ) تقدم انه لا أثر للإجماعات المنقولة المدعاة في المسألة ،و لا للشهرة
الفتوائية ،فالعبرة انما هي بالروايات و النصوص فيها ،و قد مر مدى سعة دلالة
تلك الروايات و المستفاد منها .

--( 79 )--

[2999 ]مسألة 2 :لا فرق في اشتراط وجود الراحلة ( 1 ) بين القريب
و البعيد حتى بالنسبة إلى أهل مكة لإطلاق الأدلة ،فما عن جماعة من عدم
اشتراطه بالنسبة إليهم لا وجه له .

[3000 ]مسألة 3 :لا يشترط وجودهما عينا عنده ،بل يكفي وجود ما
يمكن صرفه في تحصيلهما من المال من غير فرق بين النقود و الأملاك من
البساتين و الدكاكين و الخانات و نحوها ،و لا يشترط إمكان حمل الزاد معه ،
بل يكفي إمكان تحصيله في المنازل بقدر الحاجة ،و مع عدمه فيها يجب
حمله مع الإمكان من غير فرق بين علف الدابة و غيره ،و مع عدمه يسقط
الوجوب .

[3001 ]مسألة 4 :المراد بالزاد هنا المأكول و المشروب و سائر ما يحتاج
إليه المسافر من الأوعية التي يتوقف عليها حمل المحتاج إليه و جميع
ضروريات ذلك السفر بحسب حاله قوة و ضعفا و زمانه حرا و بردا و شأنه
شرفا و ضعة ،و المراد بالراحلة مطلق ما يركب و لو مثل سفينة في طريق
البحر ،و اللازم وجود ما يناسب حاله بحسب القوة و الضعف ،بل الظاهر
اعتباره من حيث الضعة و الشرف كما و كيفا ،فإذا كان من شأنه ركوب
المحمل أو الكنيسة بحيث يعد ما دونهما نقصا عليه يشترط في الوجوب
القدرة عليه و لا يكفي ما دونه و إن كانت الآية و الأخبار مطلقة ،و ذلك
لحكومة قاعدة نفي العسر و الحرج على الإطلاقات ،نعم إذا لم يكن بحد

( 1 ) مرّ أنه لا موضوعية لوجودها لا في البعيد و لا في القريب الاّ لدى
الحاجة و الضرورة ،اما من جهة انه لا يتمكن من المشي راجلا ،أو من جهة
حمل الزاد و نحوه مما يتطلبه سفر الحج كما هو الغالب .

--( 80 )--

الحرج وجب معه الحج ،و عليه يحمل ما في بعض الأخبار من وجوبه و لو
على حمار أجدع مقطوع الذنب .

[3002 ]مسألة 5 :إذا لم يكن عنده الزاد و لكن كان كسوبا يمكنه تحصيله
بالكسب في الطريق لأكله و شربه و غيرهما من بعض حوائجه هل يجب
عليه أو لا ؟الأقوى عدمه و إن كان أحوط .

[3003 ]مسألة 6 :إنما يعتبر الاستطاعة من مكانه لا من بلده ،فالعراقي إذا
استطاع و هو في الشام وجب عليه و إن لم يكن عنده بقدر الاستطاعة من
العراق ،بل لو مشى إلى ما قبل الميقات متسكعا أو لحاجة أخرى من تجارة
أو غيرها و كان له هناك ما يمكن أن يحج به وجب عليه ،بل لو أحرم
متسكعا فاستطاع و كان أمامه ميقات آخر أمكن أن يقال بالوجوب عليه ،و إن
كان لا يخلو عن إشكال ( 1 ) .


( 1 ) الظاهر انه لا اشكال في الوجوب ،أما إذا كان أمامه ميقات آخر فالأمر
واضح على أساس انه إذا استطاع في الميقات الأمامي كشف عن وجوب حجة
الإسلام عليه لفرض تمكنه منها مالا و بدنا و سربا بكل واجباتها ،و معه لا تكون
لها حالة منتظرة ،و اما إذا لم يكن أمامه ميقات اخر فايضا الأمر كذلك ،لأنه إذا
استطاع بعد التجاوز عن الميقات ،فان تمكن من الرجوع اليه و الاحرام منه
وجب لأنه مستطيع فتكون وظيفته حجة الإسلام على أساس أن استطاعته تلك
تكشف عن بطلان احرامه ،و ان الحج الندبي لم يكن مشروعا في حقه و إن لم
يتمكن من الرجوع اليه ،اما لضيق الوقت ،أو لسبب آخر فالأمر أيضا كذلك ،لأنه
متمكن مالا و بدنا من الاتيان بكل واجبات حجة الإسلام من البداية الى النهاية ،
غاية الأمر انه يكون معذورا من أن يحرم من الميقات فوظيفته أن يحرم من
مكانه ،نظير من كان غافلا عن استطاعته في الواقع و بعد تجاوزه عن الميقات

--( 81 )--

..........
و الإحرام منه للحج الندبي تبين انه كان مستطيعا فانه يكشف عن بطلان احرامه
للحج الندبي باعتبار أن وظيفته حجة الإسلام و هو متمكن من الاتيان بها ،و عليه
فعندئذ أن يحرم من مكانه إذا لم يتمكن من الرجوع الى الميقات و الإحرام منه ،
و اما إذا استطاع بعد الاتيان بالعمرة فان كان متمكنا من الرجوع الى أحد
المواقيت و الاحرام منه لعمرة التمتع لحجة الإسلام وجب عليه ذلك باعتبار انه
استطاع في وقت يتمكن فيه من الاتيان بكل واجبات حجة التمتع ،و من المعلوم
أن وظيفته في هذه الحالة هي حجة الإسلام ،و كذلك الحال إذا لم يتمكن من
الرجوع الاّ الى أدنى الحل كالجعرانة و نحوها ،فانه يرجع اليه و يحرم منه
و يواصل في أعمال العمرة الى أن فرغ منها ،ثم يحرم للحج على أساس كفاية
الاحرام منه إذا لم يمكن من أحد المواقيت ،و اما العمرة التي أتى بها ندبا فهي
تصبح لاغية ،و اما انقلابها الى العمرة المفردة فهو بحاجة الى دليل و إن كان
الأولى و الأجدر به أن يأتى بطواف النساء بعدها ،و أما إذا لم يتمكن من اعادة
العمرة لضيق الوقت أو لسبب آخر فوظيفته اتمام ما نواه من الأول و هو الحج
الندبي .نعم من كان مستطيعا بكل عناصر الاستطاعة و لكنه كان جاهلا بها
و أحرم لعمرة التمتع ندبا و أتى بها كذلك ،و بعد الانتهاء منها علم بالحال ،
فالظاهر اجزائها عن العمرة الواجبة و هي عمرة التمتع شريطة أن ينوي بها عمرة
التمتع من حجة الإسلام ،غاية الأمر ظنا منه عدم وجوبها ،فانه حينئذ قد أتى بها
في الواقع ،و مجرد اعتقاده بعدم وجوبها لا يغير الواقع و لا يجعل الواجب
مستحبا ،و لا يعتبر في صحتها قصد الوجوب ،و لا يضرها قصد الاستحباب ،
و حينئذ فلا تجب عليه اعادتها و إن كان متمكنا منها لسعة الوقت ،بل وظيفته أن
يحرم للحج و يتم ،و يكون حجه حجة الإسلام ،و مصداقا للحجة الأولى
للمستطيع .نعم إذا نوى عمرة التمتع من الحج الندبي بطلت ،و لم تقع لا عمرة
من الحج الندبي ،و لا من حجة الإسلام ،اما الأول فلعدم الموضوع لها باعتبار أن
العمرة من الحج الندبي لا تكون مشروعة للمستطيع .و أما الثاني فلانتفاء القصد ،

--( 82 )--

[3004 ]مسألة 7 :إذا كان من شأنه ركوب المحمل أو الكنيسة و لم يوجد
سقط الوجوب ،و لو وجد و لم يوجد شريك للشق الآخر فإن لم يتمكن من
أجرة الشقين سقط أيضا ،و إن تمكن فالظاهر الوجوب ( 1 ) لصدق
الاستطاعة ،فلا وجه لما عن العلاّمة من التوقف فيه لأن بذل المال له
خسران لا مقابل له ،نعم لو كان بذله مجحفا و مضرا بحاله لم يجب كما هو
الحال في شراء ماء الوضوء .


أي قصد اسمها الخاص .

فالنتيجة :انه إن أتى بالحج الواجب عليه في الواقع بكل واجباته من
الأجزاء و الشروط منها قصد القربة و الاخلاص و الاسم ،غير انه نوى استحبابه
جهلا بالحال ،و كان في الواقع واجبا ،فهذا لا يضر ،و إن أخل بقصد اسمه
الخاص المميز له شرعا ،فقد أخل بالواجب و لم يكن مصداقا لحجة الإسلام و لا
للمستحب و هذا بخلاف ما إذا استطاع مالا أو بدنا أو سربا بعد الانتهاء من
العمرة و كان متمكنا من اعادتها مرة أخرى لسعة الوقت ،فانه يكشف عن بطلان
العمرة الأولى مطلقا و عدم كونها مأمورا بها لا بالأمر الاستحبابي لفرض انه في
هذه السنة مأمور بالحج في الواقع ،و لا بالأمر الوجوبي لعدم كونه مستطيعا في
حال الاتيان بها .

الى هنا قد تبين أن المستفاد من الآية الشريفة بضميمة الروايات ان
المكلف إذا استطاع في وقت يتمكن فيه من الاتيان بكل اعمال حج التمتع
وجب سواء أ كان ذلك في بلده أو بلد آخر و سواء أ كان من الميقات أم كان بعده
أو بعد العمرة شريطة أن يتمكن من الاتيان بكل واجباته في وقته .

( 1 ) هذا هو الصحيح ،و السبب فيه أن عملية الحج الواجبة على المستطيع
بطبعها تتطلب بذل المال و انفاقه في سبيلها ،فمن هذه الجهة يكون وجوب
الحج وجوبا بطبعه يتطلب الضرر المالي فلا يكون مشمولا لحديث لا ضرر

--( 83 )--

..........
باعتبار أنه ناظر الى الأحكام الأولية المجعولة في الشريعة المقدسة التي لا تكون
بطبعها ضررية ،فان من تلك الأحكام إذا اتفق في مورد أنه ضرري فهو مرفوع
تطبيقا للحديث .

و دعوى :أن نفقات سفر الحج و متطلباته محدودة بحدود لا تتجاوز عن
الحد المتعارف في كل عصر ،فاذا زادت عن ذلك الحد بسبب أو آخر اتفاقا فلا
مانع من تطبيق الحديث عليه ،مدفوعة :بأنها انما تتم لو كانت نفقات سفر الحج
محدودة من قبل الشرع كما و كيفا .و لكن الأمر ليس كذلك على أساس ان
وجوب الحج في الآية الشريفة و الروايات مرتبط بالاستطاعة ،و قد ذكرنا آنفا ان
المراد من الاستطاعة على ما يظهر من الآية الكريمة و الروايات الواردة في
تفسيرها هو تمكن المكلف و قدرته مالا و بدنا و سربا ،و من هنا قلنا أنها تتكون
من العناصر الثلاثة منها الامكانية المالية ،و من الطبيعي أنها تختلف باختلاف
الاشخاص و الأوقات و وقوع الاتفاقات التي قد تتطلب بذل مال أكثر كغلاء
الاسعار و الأجور و نحوهما ،و لا يمكن التمسك بحديث لا ضرر بالنسبة إلى
الزائد على أساس أن وجوب الحج عليه مرتبط بالاستطاعة و الامكانية المالية
لديه ،و الفرض انه متمكن منه مالا ،و قد عرفت ان الاستطاعة لم تحدد بحد
خاص .نعم إذا تطلّب الحج اتفاقا بذل مال كثير يكون حرجيا عليه لم يجب
تطبيقا لقاعدة لا حرج ،و اما إذا لم يصل الى حد الحرج فلا يكون وجوبه مرفوعا
بقاعدة لا ضرر .

فالنتيجة :ان قاعدة لا ضرر لا تشمل مسألة الحج التي تبتنى على
الضرر المالي بدون التحديد بحد خاص غير عنوان الاستطاعة و الامكانية
المالية ،و معنى ذلك ان المكلف ما دام متمكنا مالا من الحج وجب عليه
الاّ إذا كان حرجيا ،و من هنا لا يحتمل عدم وجوب الحج على أكل أهل البلد
كالعراق -مثلا -عند غلاء الاسعار و الأجور في موسم الحج اتفاقا على أساس أنه
ضرري .

--( 84 )--

[3005 ]مسألة 8 :غلاء أسعار ما يحتاج إليه أو أجرة المركوب في تلك
السنة لا يوجب السقوط ،و لا يجوز التأخير عن تلك السنة مع تمكنه من
القيمة ،بل و كذا لو توقف على الشراء بأزيد من ثمن المثل و القيمة
المتعارفة ( 1 ) ،بل و كذا لو توقف على بيع أملاكه بأقل من ثمن المثل لعدم
وجود راغب في القيمة المتعارفة ،فما عن الشيخ من سقوط الوجوب
ضعيف .نعم لو كان الضرر مجحفا بماله مضرا بحاله لم يجب ،و إلا فمطلق
الضرر لا يرفع الوجوب بعد صدق الاستطاعة و شمول الأدلة ،فالمناط هو
الإجحاف و الوصول إلى حد الحرج الرافع للتكليف .

[3006 ]مسألة 9 :لا يكفي في وجوب الحج وجود نفقة الذهاب فقط ،
بل يشترط وجود نفقة العود إلى وطنه إن أراده و إن لم يكن له فيه أهل و لا
مسكن مملوك و لو بالإجارة ،للحرج في التكليف بالإقامة في غير وطنه
المألوف له .نعم إذا لم يرد العود أو كان وحيدا لا تعلق له بوطن لم يعتبر
وجود نفقة العود ،لإطلاق الآية و الأخبار في كفاية وجود نفقة الذهاب ،
و إذا أراد السكنى في بلد آخر غير وطنه لا بد من وجود النفقة إليه إذا لم
يكن أبعد من وطنه ( 2 ) ،و إلا فالظاهر كفاية مقدار العود إلى وطنه .


( 1 ) ظهر حكمه و حكم ما بعده مما مر في المسألة السابقة .

( 2 ) بل و ان كان أبعد شريطة أن لا يتمكن من الرجوع الى وطنه ،فان
وجود نفقة العود الى ذلك البلد حينئذ معتبر في وجوب الحج ،و اما إذا كان
رجوعه الى بلد آخر حسب ارادته و رغبته ،فعندئذ يعتبر في وجوب الحج مقدار
نفقة العود الى وطنه سواء أ كان البلد الآخر قريبا أم كان بعيدا فان المعيار في
الاستطاعة حينئذ انما هو بوجود نفقة الذهاب و الاياب الى بلده و إن لم تكف
للرجوع الى بلد آخر .نعم إذا كانت نفقة الرجوع الى بلد آخر أقل من نفقة

--( 85 )--

[3007 ]مسألة 10 :قد عرفت أنه لا يشترط وجود أعيان ما يحتاج إليه في
نفقة الحج من الزاد و الراحلة و لا وجود أثمانها من النقود ،بل يجب عليه
بيع ما عنده من الأموال لشرائها ،لكن يستثنى من ذلك ما يحتاج إليه في
ضروريات معاشه ،فلا تباع دار سكناه اللائقة بحاله ،و لا خادمه المحتاج
إليه ،و لا ثياب تجمله اللائقة بحاله فضلا عن ثياب مهنته ،و لا أثاث بيته من
الفراش و الأواني و غيرهما مما هو محل حاجته ،بل و لا حليّ المرأة مع
حاجتها بالمقدار اللائق بها بحسب حالها في زمانها و مكانها ،و لا كتب
العلم لأهله التي لا بد له منها فيما يجب تحصيله لأن الضرورة الدينية أعظم
من الدنيوية ،و لا آلات الصنائع المحتاج إليها في معاشه ،و لا فرس ركوبه
مع الحاجة إليه ،و لا سلاحه و لا سائر ما يحتاج إليه ،لاستلزام التكليف
بصرفها في الحج العسر و الحرج ،و لا يعتبر فيها الحاجة الفعلية ،فلا وجه
لما عن كشف اللثام :من أن فرسه إن كان صالحا لركوبه في طريق الحج فهو
من الراحلة و إلا فهو في مسيره إلى الحج لا يفتقر إليه بل يفتقر إلى غيره و لا
دليل على عدم وجوب بيعه حينئذ ،كما لا وجه لما عن الدروس من
التوقف في استثناء ما يضطر إليه من أمتعة المنزل و السلاح و آلات الصنائع ،
فالأقوى استثناء جميع ما يحتاج إليه في معاشه مما يكون إيجاب بيعه
مستلزما للعسر و الحرج ( 1 ) .


الرجوع الى بلده و هو عازم للرجوع الى ذلك البلد بعد الانتهاء من اعمال الحج
لا الى بلده ،ففي مثل هذه الحالة إذا كان عنده بمقدار يكفى لنفقة الذهاب
و الاياب اليه كفى في وجوب الحج و إن لم يكف لنفقة الرجوع الى بلده .

( 1 ) هذا هو الضابط العام للاستثناء ،و على هذا فكل من كانت لديه

--( 86 )--

نعم لو زادت أعيان المذكورات عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد في
نفقة الحج ،و كذا لو استغنى عنها بعد الحاجة كما في حلي المرأة إذا كبرت
عنه و نحوه .

[3008 ]مسألة 11 :لو كان بيده دار موقوفة تكفيه لسكناه و كان عنده دار
مملوكة فالظاهر وجوب بيع المملوكة إذا كانت وافية لمصارف الحج أو
متممة لها ،و كذا في الكتب المحتاج إليها إذا كان عنده من الموقوفة مقدار
كفايته فيجب بيع المملوكة منها ،و كذا الحال في سائر المستثنيات إذا
ارتفعت حاجته فيها بغير المملوكة ،لصدق الاستطاعة حينئذ إذا لم يكن
ذلك منافيا لشأنه و لم يكن عليه حرج في ذلك ،نعم لو لم تكن موجودة

الامكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا لمن يريد الرجوع الى بلدته ،
و ذهابا لمن لا يريد الرجوع وجب عليه الحج شريطة أن لا يوجب صرفها في
نفقاته وقوعه في عسر و حرج ،كما إذا كانت عنده سيارة شخصية مثلا فاذا باعها
كفى ثمنها في نفقات الحج ،و حينئذ فإن ادى بيعها و صرف ثمنها فيها الى وقوعه
في عسر و حرج باعتبار أن ركوبه دائما و متواصلا في سيارة الأجرة مهانة له
و يكون تحملها عليه حرجيا لم يكن مستطيعا و الاّ فهو مستطيع وجب عليه
بيعها و إن كانت مكانته تتطلب ان تكون عنده سيارة شخصية الا أن عدمها ليس
مهانة له و نقصا .و من هذا القبيل ما إذا كانت عنده دار يسكن فيها فعلا و حينئذ
فان كان بيعها و صرف ثمنها في مصارف الحج و نفقاته مهانة له لم يجب لعدم
استطاعته تطبيقا للقاعدة و الاّ وجب ،كما إذا كانت عنده دار وقفية مثلا و لا يكون
سكناه فيها حرجيا و مهانة له .

فالنتيجة :انه لا دليل على استثناء المؤونة بعرضها العريض عن نفقات
سفر الحج .

--( 87 )--

و أمكنه تحصيلها لم يجب عليه ذلك ( 1 ) فلا يجب بيع ما عنده و في ملكه ،
و الفرق عدم صدق الاستطاعة في هذه الصورة بخلاف الصورة الاولى إلا
إذا حصلت بلا سعى منه أو حصّلها مع عدم وجوبه فإنه بعد التحصيل
يكون كالحاصل أولا .

[3009 ]مسألة 12 :لو لم تكن المستثنيات زائدة عن اللائق بحاله بحسب
عينها لكن كانت زائدة بحسب القيمة و أمكن تبديلها بما يكون أقل قيمة مع
كونه لائقا بحاله أيضا ،فهل يجب التبديل للصرف في نفقة الحج أو
لتتميمها ؟قولان ،من صدق الاستطاعة و من عدم زيادة العين عن مقدار
الحاجة و الأصل عدم وجوب التبديل ،و الأقوى الأول إذا لم يكن فيه حرج
أو نقص عليه ( 2 ) و كانت الزيادة معتدا بها كما إذا كانت له دار تسوى مائة
و أمكن تبديلها بما يسوى خمسين مع كونه لائقا بحاله من غير عسر فإنه
يصدق الاستطاعة .نعم لو كانت الزيادة قليلة جدا بحيث لا يعتنى بها أمكن

( 1 ) بل الظاهر الوجوب ،فان من كانت عنده الدار للسكنى فاذا باعها كفى
ثمنها لنفقات سفر الحج فانه في هذه الحالة يجب عليه بيعها و صرف ثمنها فيها
إذا لم يقع في مهانة و حرج من جهة المسكن ،بدون فرق بين أن يكون عنده
مسكن فعلا وقفا أو اجارة أو لا ،و لكنه متمكن من تحصيله بدون الوقوع في
حرج أو مهانة ،و ليس هذا من تحصيل الاستطاعة لكي لا يكون واجبا ،بل هو
مستطيع باعتبار أن ما لديه من الامكانية المالية لنفقات سفر الحج المتمثلة في
داره كافية لها بدون الوقوع في عسر و حرج ،فما في المتن من عدم صدق
الاستطاعة في هذه الصورة لا وجه له أصلا .

( 2 ) شريطة أن يكون ذلك حرجيا عليه و الاّ فلا دليل على استثنائه ،و معه
فلا وجه لجعله في مقابل الحرج .

--( 88 )--

دعوى عدم الوجوب و إن كان الأحوط التبديل أيضا ( 1 ) .

[3010 ]مسألة 13 :إذا لم يكن عنده من أعيان المستثنيات لكن كان عنده
ما يمكن شراؤها به من النقود أو نحوها ففي جواز شرائها و ترك الحج
إشكال ،بل الأقوى عدم جوازه إلا أن يكون عدمها موجبا للحرج عليه ،
فالمدار في ذلك هو الحرج و عدمه ،و حينئذ فإن كانت موجودة عنده لا
يجب بيعها إلا مع عدم الحاجة ( 2 ) ،و إن لم تكن موجودة لا يجوز شراؤها
إلا مع لزوم الحرج في تركه ،و لو كانت موجودة و باعها بقصد التبديل بآخر

( 1 ) بل هو الأظهر شريطة توفر أمرين فيه :

أحدهما :أن لا يكون في التبديل مشقة و حرج .

و الآخر :أن تكون الزيادة القليلة كافية بنفسها لنفقات سفر الحج ،كما إذا
باع داره بخمسة و عشرين ألف دينار -مثلا -و اشترى دارا أخرى بأربعة
و عشرين الف دينار ،فالزيادة و هي الألف بالنسبة إلى قيمة الدار و إن كانت قليلة
الاّ أنها تكفي لنفقات سفر الحج ،و في هذه الحالة يكون مستطيعا و يجب عليه
التبديل ،و من هذا القبيل ما إذا كان عنده مال لا يكفي لكل نفقاته و لكن إذا باع
داره و اشترى دارا أخرى بقى من ثمنها بمقدار إذا ضمه الى المال الموجود لديه
كفى .

( 2 ) بل مع الحاجة أيضا شريطة أن لا يكون في تركها حرج ،كما إذا كانت
عنده دار لا تزيد عن مقدار حاجته ،و لكن إذا باعها و سكن في دار وقفية أو
اجارة مناسبة لحاله لم يقع في عسر و حرج و في مثل هذه الحالة فهو مستطيع
يجب عليه الحج بلا فرق بين أن يكون المال الموجود عنده من الأعيان كالدار
أو نحوها أو من النقود لأن المعيار في كلا الفرضين واحد و هو الامكانية المالية
لديه لنفقات سفر الحج بدون أن يلزم من صرفها فيها حرج .فاذن لا فرق بين
الفرضين ،فما هو ظاهر المتن من الفرق بينهما لا أساس له .

--( 89 )--

لم يجب صرف ثمنها في الحج فحكم ثمنها حكمها ،و لو باعها لا بقصد
التبديل وجب بعد البيع صرف ثمنها في الحج ( 1 ) إلا مع الضرورة إليها
على حد الحرج في عدمها .


( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر انه لا أثر لقصد التبديل أو عدمه ،فان
المعيار انما هو بلزوم الحرج من ترك التبديل واقعا و عدمه ،فعلى الأول لا يجب
الحج تطبيقا لقاعدة نفي الحرج سواء أ كان قاصدا التبديل أم لا ،و على الثاني
يجب و إن كان قاصدا التبديل من جهة تمكنه مالا من الانفاق على الحج و عدم
الوقوع في حرج بسبب ذلك ،بل لا يبعد وجوب بيعها في هذه الحالة و صرف
ثمنها في الحج .

مثال ذلك :إذا باع زيد داره لا بقصد شراء دار أخرى ،و في هذه الحالة مرة
لا يكون في ترك شراء دار أخرى حرج عليه ،و أخرى يكون حرج فعلى الأول
يجب الحج بل يجب بيع الدار و صرف ثمنها فيه باعتبار أن من لديه الامكانية
المالية لنفقات سفر الحج من دون أن يستلزم صرفها فيها عسرا و حرجا وجب ،
و على الثاني لا يجب عليه الحج و إن كان قاصدا ادخار ثمنها و عدم صرفه في
شراء دار أو أي شي‏ء آخر من حاجاته ،فان ذلك لا يمنع عن جواز شرائها به في
كل آن ،و من المعلوم ان ذلك لا يجتمع مع وجوب الحج عليه و صرفه في نفقاته
و لا أثر لقصده ادخار الثمن و ابقائه عنده ،فانه لا يغير الحكم في الواقع و لا يرفع
جواز الشراء .

و دعوى انه أقدم على الحرج باختياره و معه لا مجال لتطبيق قاعدة نفي
الحرج ،مدفوعة بأن القاعدة تنفي الوجوب الناشئ من قبله الحرج ،و بما أن الزام
المكلف بصرف المال في المقام في نفقات الحج يستلزم وقوعه في الحرج فهو
مرفوع بالقاعدة ،و حينئذ فالمكلف بالخيار بين ابقاء المال و هو ثمن الدار عنده
أو صرفه في شراء شي‏ء من حاجاته منها الدار و بين صرفه في نفقات سفر الحج

--( 90 )--

[3011 ]مسألة 14 :إذا كان عنده مقدار ما يكفيه للحج و نازعته نفسه إلى
النكاح صرّح جماعة بوجوب الحج و تقديمه على التزويج ،بل قال
بعضهم :و إن شقّ عليه ترك التزويج کو الأقوى وفاقا لجماعة أخرى عدم
وجوبه مع كون ترك التزويج حرجا عليه أو موجبا لحدوث مرض ( 1 ) أو
للوقوع في الزنا و نحوه ( 2 ) ،نعم لو كانت عنده زوجة واجبة النفقة و لم يكن
له حاجة فيها لا يجب أن يطلقها و يصرف مقدار نفقتها في تتميم مصرف
الحج لعدم صدق الاستطاعة عرفا .

[3012 ]مسألة 15 :إذا لم يكن عنده ما يحج به و لكن كان له دين على
شخص بمقدار مئونته أو بما تتم به مئونته فاللازم اقتضاؤه و صرفه في
الحج إذا كان الدين حالا و كان المديون باذلا ،لصدق الاستطاعة حينئذ ،

و لكنه لا يجزى عن حجة الإسلام لفرض عدم وجوبه عليه تطبيقا للقاعدة .

فالنتيجة :ان اقدام المكلف على الحرج باختياره انما هو معلول لجريان
القاعدة في المقام و الاّ فهو مضطر في الوقوع فيه شرعا ،أو فقل إن عزمه على
عدم الشراء و التبديل لا يرفع جوازه شرعا ،و من المعلوم ان هذا الجواز معلول
لجريان القاعدة و الاّ لم يجز ،و من هنا يظهر أن ما ذكره قدّس سرّه من الاستثناء بقوله : «الاّ
مع الضرورة اليها على حد الحرج ...الخ »هو الصحيح ،و اما قصد التبديل أو
عدمه فلا قيمة له كما مر .

( 1 ) هذا شريطة أن يكون تحمله حرجيا و الاّ فلا دليل على استثنائه ،و لا
وجه حينئذ لجعله في مقابل الحرج .

( 2 ) فيه ان العلم بالوقوع في الزنا اختيارا لا يكون مبررا لترك صرف المال
في نفقات سفر الحج ،و لا دليل على أن وجوب الحج مشروط بعدم العلم
بذلك .

--( 91 )--

و كذا إذا كان مماطلا و أمكن إجباره بإعانة متسلط أو كان منكرا و أمكن
إثباته عند الحاكم الشرعي و أخذه بلا كلفة و حرج ،بل و كذا إذا توقف
استيفاؤه على الرجوع إلى حاكم الجور بناء على ما هو الأقوى من جواز
الرجوع إليه مع توقف استيفاء الحق عليه ،لأنه حينئذ يكون واجبا بعد
صدق الاستطاعة ( 1 ) لكونه مقدمة للواجب المطلق ،و كذا لو كان الدين
مؤجلا و كان المديون باذلا قبل الأجل لو طالبه ،و منع صاحب الجواهر
الوجوب حينئذ بدعوى عدم صدق الاستطاعة محل منع ،و أما لو كان

( 1 ) هذا هو الظاهر ،لأن معنى كون المكلف مستطيعا أن لديه الامكانية
المالية لنفقات سفر الحج بكل متطلباته اللائقة بحاله ،غاية الأمر أن تلك
الامكانية متمثلة مرة في النقود المتوفرة عنده ،و أخرى في الأعيان الخارجية
كالأرض أو البستان أو الدار أو الفرس أو الكتب أو نحوها ،و ثالثة في الأعيان
الثابتة في الذمة كالديون ،فان نقدها و إن كان يتوقف على مؤنة و مقدمة خارجية
كالرجوع الى الحاكم الشرعي أو غيره ممن يقدر على أخذها من المدين أو إلى
حاكم الجور إذا توقف انقاذ الحق بالرجوع اليه ،و بما أن الدائن متمكن من نقد
الدين و أخذه من المدين و لو بالواسطة فهو مستطيع باعتبار أن لديه الامكانية
المالية و لا يكون تحصيل الدين بالواسطة من تحصيل الاستطاعة ،بل هو من
تحصيل مقدمة الواجب المطلق بعد الاستطاعة كتهيئة الزاد و الراحلة و جواز
السفر و تأشيرة الدخول و نحو ذلك ،أو فقل انه كبيع الاعيان الخارجية لديه لتهيئة
المقدمات التي يتوقف سفر الحج عليها فعلا ،أو إذا كان له مال في بلد آخر عند
شخص يكفي للحج فانه يجب عليه جلب ذلك المال من تلك البلدة مباشرة أو
بالواسطة للإنفاق على الحج ،و لا يكون ذلك تحصيلا للاستطاعة .

فالنتيجة :ان الاستطاعة عبارة عن الامكانية المالية فعلا المتمثلة في وجود
مال لدى المستطيع قد يتوقف انفاقه في سبيل نفقات الحج على بيعه و تبديله أو

--( 92 )--

المديون معسرا أو مماطلا لا يمكن إجباره أو منكرا للدين و لم يمكن إثباته
أو كان الترافع مستلزما للحرج أو كان الدين مؤجلا مع عدم كون المديون
باذلا فلا يجب ( 1 ) ،بل الظاهر عدم الوجوب ( 2 ) لو لم يكن واثقا ببذله مع
المطالبة .


جلبه من بلد آخر أو أخذه من مدين أو غير ذلك في مقابل الامكانية المالية
تقديرا ،كما إذا كان الشخص متمكنا من تحصيل الاستطاعة بالكسب ،فان لديه
امكانية مالية تقديرا لا فعلا ،و لذا لا يجب عليه اخراجها من التقدير الى التحقيق
ببذل الجهد و انفاق العمل .

( 1 ) هذا شريطة ان لا يتمكن من بيع الدين في هذه الحالة بما يفي لنفقات
الحج و لو بتتميم ما عنده من المال ،و اما إذا تمكن منه و كان الثمن وافيا بها
مستقلا أو تتميما فيجب عليه ذلك حيث انه عندئذ مستطيع و لديه الامكانية
المالية .

( 2 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه فانه مع الشك في بذل المديون مع المطالبة يشك
في الاستطاعة و هذا مساوق للشك في الوجوب ،و مقتضى الأصل البراءة ،و لا
فرق في ذلك بين أن يكون الشك في القدرة الشرعية أو العقلية ،و نقصد بالأولى
القدرة التي هي شرط للحكم و الملاك معا ،و هي القدرة المأخوذة في لسان
الدليل في مرحلة الجعل ،فانها كما تكون من شروط الحكم في تلك المرحلة
كذلك تكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادئ ،و عليه فالشك فيها يكون
مساوقا للشك في الحكم و الملاك معا ،فمن أجل ذلك يكون موردا لأصالة
البراءة ،و نقصد بالثانية القدرة التي يكون الحاكم باعتبارها في التكليف هو العقل
على أساس استحالة تكليف العاجز ،و لا يحكم باعتبارها في الملاك على
أساس انه لا طريق له اليه ،فيمكن أن يكون الملاك في هذه الصورة مطلقا و ثابتا
حتى في حال العجز و عدم ثبوت التكليف ،و على هذا الأساس فاذا شك في

--( 93 )--

[3013 ]مسألة 16 :لا يجب الاقتراض للحج إذا لم يكن له مال و إن كان
قادرا على وفائه بعد ذلك بسهولة ،لأنه تحصيل للاستطاعة و هو غير
واجب .نعم لو كان له مال غائب لا يمكن صرفه في الحج فعلا أو مال
حاضر لا راغب في شرائه أو دين مؤجل لا يكون المديون باذلا له قبل
الأجل و أمكنه الاستقراض و الصرف في الحج ثم وفاؤه بعد ذلك فالظاهر
وجوبه لصدق الاستطاعة حينئذ عرفا ( 1 ) ،إلا إذا لم يكن واثقا بوصول
الغائب أو حصول الدين بعد ذلك فحينئذ لا يجب الاستقراض ،لعدم
صدق الاستطاعة في هذه الصورة .


القدرة الشرعية كان الشك مساوقا للشك في الحكم و الملاك على حد سواء ،
و إذا شك في القدرة العقلية كان الشك مساوقا للشك في التكليف فقط ،و لكن
بما أنه لا طريق الى ملاكات الأحكام في مرحلة المبادى فبطبيعة الحال يشك
في ثبوت الملاك في هذه الحالة لاحتمال أنه ثابت في حال قدرة المكلف فقط
لا مطلقا ،فاذن لا علم به حتى في حال العجز ،و معه لا فرق في جريان أصالة
البراءة بين أن يكون الشك في القدرة الشرعية أو العقلية ،و ما قيل بالفرق بينهما
و أن المرجع في الثاني أصالة الاشتغال دون البراءة بدعوى أن الملاك فيه مطلق
و ثابت حتى في حال العجز فلا يجوز تفويته فهو مبني على احراز أن الملاك
مطلق و ثابت حتى في حال عجز المكلف ،و لكن قد ذكرنا في علم الأصول أنه
لا طريق الى احرازه كذلك لا من جهة اطلاق المادة و لا من جهة الدلالة
الالتزامية ،و تفصيل الكلام فيه هناك ،فاذن لا فرق بينهما في جريان أصالة البراءة
عند الشك فيها .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لما مر من أن الاستطاعة عرفا عبارة عن
الامكانية المالية فعلا ،و عليه فان أمكن بيع ماله الغائب أو الدين المؤجل أو ماله

--( 94 )--

[3014 ]مسألة 17 :إذا كان عنده ما يكفيه للحج و كان عليه دين ففي كونه
مانعا عن وجوب الحج مطلقا سواء كان حالا مطالبا به أو لا أو كونه مؤجلا ،
أو عدم كونه مانعا إلا مع الحلول و المطالبة ،أو كونه مانعا إلا مع التأجيل أو
الحلول مع عدم المطالبة ،أو كونه مانعا إلا مع التأجيل وسعة الأجل للحج
و العود أقوال ،و الأقوى كونه مانعا إلا مع التأجيل و الوثوق بالتمكن من أداء
الدين إذا صرف ما عنده في الحج ،و ذلك لعدم صدق الاستطاعة في غير
هذه الصورة ( 1 ) و هي المناط في الوجوب لا مجرد كونه مالكا للمال ،
و جواز التصرف فيه بأي وجه أراد و عدم المطالبة في صورة الحلول أو
الرضا بالتأخير لا ينفع في صدق الاستطاعة ،نعم لا يبعد الصدق إذا كان
واثقا بالتمكن من الأداء مع فعلية الرضا بالتأخير من الدائن ،و الأخبار الدالة
على جواز الحج لمن عليه دين لا تنفع في الوجوب و في كونه حجة
الإسلام ،و أما صحيح معاوية بن عمار عن الصادق عليه السّلام عن رجل عليه دين
أ عليه أن يحج ؟قال : «نعم إن حجة الإسلام واجبة على من أطاق المشي من
المسلمين » ،و خبر عبد الرحمن عنه عليه السّلام أنه قال : «الحج واجب على الرجل

الحاضر بما يفي لنفقات حجه فهو مستطيع باعتبار أن ما لديه من الامكانية
المالية فعلا يكفي للحج ،و إن لم يمكن بيع ذلك أو تبديله بمال آخر لم يجب
عليه الاستقراض على أساس انه تحصيل للاستطاعة و الامكانية المالية الجديدة
بعد ما كان فاقدا لها .

( 1 ) الظاهر صدق الاستطاعة في كل تلك الصور حتى في صورة ما إذا كان
الدين حالا و مطالبا به فعلا ،و ذلك لأن وجوب أداء الدين بصرف تحققه
و تنجزه لا يكون رافعا لموضوع وجوب الحج و واردا عليه ،ضرورة أن وجوبه لا
يكون مشروطا بعدم المانع المولوي على خلافه الأعم من التكويني

--( 95 )--

..........
و التشريعي ،بل هو مشروط بالاستطاعة ،و قد تقدم أن الاستطاعة المأخوذة في
لسان الآية الشريفة المفسرة في الروايات تتكون من العناصر التالية : -

1 -الامكانية المالية لكل نفقات سفر الحج .

2 -الأمن و السلامة في الطريق و عند ممارسة اعمال الحج .

3 -التمكن بعد الانفاق على الحج من استعادة وضعه المعاشي بدون
الوقوع في حرج .

فاذا توفرت هذه العناصر في أي فرد وجب عليه الحج ،سواء أ كان هناك
وجوب آخر على خلافه أم لا ،غاية الأمر إذا كان هناك وجوب آخر على خلافه
تقع المزاحمة بينهما ،و عندئذ يرجع الى قواعد الباب ،فاذا كانت لدى فرد
امكانية مالية لنفقات الحج و كان مديونا بدين حال و مطالب به فعلا وقع التزاحم
بين وجوب الحج و وجوب أداء الدين باعتبار أنه إن انفق ما لديه من الامكانية
المالية في نفقات سفر الحج عجز عن وفاء الدين ،و إن عكس فبالعكس ،و حيث
أن وجوب الوفاء بالدين أهم من وجوب الحج أو محتمل الأهمية فلا بد من
تقديمه عليه ،و نتيجة ذلك أن وجوب الحج مشروط بعدم الاشتغال بوفاء الدين
على أساس التقييد اللبي العام و هو تقييد موضوع كل خطاب بعدم الاشتغال
بضد واجب لا يقل عنه في الأهمية .

و إن شئت قلت :ان المستفاد من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها أن
وجوب الحج مشروط بالقدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري ،
و لا يكون مشروطا بعدم المانع الأعم من التكويني و التشريعي و لا بعدم
الاشتغال بضد واجب يكون أقل منه في الأهمية ،و على هذا فوجوب الحج
يصلح أن يزاحم أي وجوب آخر يكون على خلافه و إن كان مشروطا بالقدرة
العقلية كوجوب الوفاء بالدين مثلا و على ذلك فاذا وقع التزاحم بين وجوب
الحج و وجوب وفاء الدين فهاهنا حالات :

الأولى :أن يكون الدين حالا و مطالبا به فعلا ،و في هذه الحالة تقع

--( 96 )--

..........
المزاحمة بين وجوب الحج و وجوب الوفاء بالدين و حيث أن وجوب الوفاء
بالدين أهم منه أو لا أقل من احتمال أنه أهم فيقدم عليه و يكون وجوب الحج
مشروطا بعدم الوفاء بالدين لبا ،و معه ينتفي وجوبه بانتفاء موضوعه .نعم لو
عصى و حج و انفق المال فيه و لم يف به الدين صح على القول بالترتب .

الثانية :ان يكون الدين حالا ،و لكن غير مطالب به فعلا ،بمعنى ان الدائن
راض ببقائه في ذمة المدين الى ما بعد موسم الحج ،و في هذه الحالة إذا كان
المدين واثقا و متأكدا بتمكنه من أداء الدين بعد الموسم وجب عليه الحج اذ لا
مزاحمة حينئذ بينه و بين وجوب الأداء ،و أما إذا لم يكن واثقا و متأكدا بذلك ،أو
كان واثقا و مطمئنا بالعدم فتقع المزاحمة بينهما ،و حينئذ لا بد من تقديم أداء
الدين على الحج تطبيقا لما مر .

و دعوى :أن الحج بما أنه أسبق زمانا من الوفاء بالدين فيقدم عليه تطبيقا
لتقديم الأسبق زمانا و ترجيحه على المتأخر كذلك .

مدفوعة :أولا :ان الواجب الأهم أو محتمل الأهمية يتقدم على الواجب
الآخر الذي لا يحتمل أهميته في مقام المزاحمة و إن كان متأخرا عنه زمانا ،و ما
نحن فيه من هذا القبيل ،و لا مجال لتطبيق الترجيح بالأسبقية هنا ،لأن مورده ما
إذا كان الواجبان المتزاحمان متساويين .

و ثانيا :قد حققنا في علم الأصول أن الاسبقية الزمانية لا تكون مرجحة
اطلاقا سواء أ كانت بين واجبين مشروطين بالقدرة العقلية أم الشرعية أو
بالاختلاف ،و تفصيل ذلك هناك .

الثالثة :أن يكون الدين مؤجلا و لا ينتهي أجله الاّ بعد انتهاء الموسم
و الرجوع من الحج ،و في هذه الحالة إذا كان المدين واثقا و مطمئنا بتمكنه من
الوفاء بالدين بعد انتهاء موعده وجب عليه الحج لعدم المزاحمة بينهما حينئذ
و إن لم يكن واثقا و مطمئنا بذلك ،أو كان واثقا بالعدم وجب الحفاظ على المال
للوفاء بالدين تطبيقا لنفس ما مر في الحالة الثانية .

--( 97 )--

و إن كان عليه دين »فمحمولان على الصورة التي ذكرنا ( 1 ) أو على من
استقر عليه الحج سابقا و إن كان لا يخلو عن إشكال كما سيظهر ،فالأولى
الحمل الأول .

و أما ما يظهر من صاحب المستند من أن كلا من أداء الدين و الحج
واجب فاللازم بعد عدم الترجيح التخيير بينهما ( 2 ) في صورة الحلول مع
المطالبة أو التأجيل مع عدم سعة الأجل للذهاب و العود ،و تقديم الحج في
صورة الحلول مع الرضا بالتأخير أو التأجيل مع سعة الأجل للحج و العود

الرابعة :هذه الصورة و لكن الأجل ينتهي بوصول موعد الحج و لا يسع
للذهاب و العود معا ،و في هذه الحالة يجب تقديم الوفاء بالدين على الحج و إن
كان واثقا بالتمكن من الأداء بعد الرجوع منه ،ثم انه لا فرق في حكم هذه
الحالات بين أن يكون التزاحم بينهما في السنة الأولى من الاستطاعة أو بعد
استقرار الحج .

و من هنا يظهر أن موضوع وجوب الحج و هو الاستطاعة ثابت في كل
هذه الحالات ،غاية الأمر تقع المزاحمة بين وجوبه و وجوب الوفاء بالدين ،فلا
يكون وجوب وفاء الدين رافعا لموضوعه ،فما عن الماتن قدّس سرّه من عدم صدق
الاستطاعة الاّ في صورة واحدة ،و هي ما إذا كان الدين مؤجلا ،أو كان الدائن
راضيا بالتأخير الى أن يرجع المدين من الحج شريطة أن يكون واثقا و مطمئنا
بالأداء ،لا يرجع الى معنى صحيح ،و لا ينسجم مع تفسير الاستطاعة في
الروايات ،و لا مع ظهورها بنفسها في الآية الشريفة و غيرها .

( 1 ) بل هو بعيد ،فان الظاهر أنها في مقام بيان ان الدين بنفسه لا يكون
مانعا عن وجوب الحج و لا ينافي تحقق الاستطاعة ،غاية الأمر قد يقع التزاحم
بين وجوبه و وجوب وفاء الدين كما مر ،و به يظهر حال ما بعده .

( 2 ) مر أن الأقوى تقديم الدين على الحج و لا وجه للتخيير .

--( 98 )--

و لو مع عدم الوثوق بالتمكن من أداء الدين بعد ذلك حيث لا يجب
المبادرة إلى الأداء فيهما فيبقى وجوب الحج بلا مزاحم ( 1 ) .

ففيه أنه لا وجه للتخير في الصورتين الاوليين و لا لتعيين تقديم الحج
في الأخيرتين بعد كون الوجوب تخييرا أو تعيينا مشروطا بالاستطاعة الغير
الصادقة في المقام خصوصا مع المطالبة و عدم الرضا بالتأخير ( 2 ) ،مع أن
التخيير فرع كون الواجبين مطلقين و في عرض واحد ،و المفروض أن
وجوب أداء الدين مطلق بخلاف وجوب الحج فإنه مشروط بالاستطاعة
الشرعية ( 3 ) .نعم لو استقر عليه وجوب الحج سابقا فالظاهر التخيير لأنهما

( 1 ) مر أن المدين إذا لم يثق بالتمكن من الوفاء بالدين إذا حج لم يجز له
انفاق ما لديه من المال في الحج على أساس ان ملاك وجوب الوفاء بالدين في
ظرفه تام و منجز ،فلا يجوز تفويته ،و إذا انفق ماله لسفر الحج احتمل تفويته ،
و معه احتمل العقاب عليه ،فيستقل العقل بعدم جواز الانفاق على الحج .

( 2 ) تقدم صدق الاستطاعة في تمام صور المسألة ،و لا تنتفي الاّ بصرف
المال في وفاء الدين خارجا ،فما يظهر منه قدّس سرّه أن مجرد وجوب الوفاء بالدين
رافع للاستطاعة غريب جدا .

( 3 ) الظاهر انه قدّس سرّه أراد بها المعنى المساوق لعدم المانع الأعم من التكويني
و التشريعي ،و عليه فثبوت كل حكم شرعي و تنجزه يكون رافعا لموضوع
وجوب الحج و وارد عليه على أساس انه مانع شرعي ،و لكن من المعلوم أنه لا
شاهد على ارادة هذا المعنى من الاستطاعة في الآية الشريفة و لا في غيرها ،بل
الشاهد متوفر على الخلاف ،و هو أن الظاهر منها عرفا بلحاظ نفسها في الآية
القدرة التكوينية ،و بلحاظ تفسيرها في الروايات عبارة عن العناصر المتقدمة
آنفا ،فما أفاده قدّس سرّه من التفسير للاستطاعة غريب جدا ،و لا يتطلب هذا التفسير

--( 99 )--

حينئذ في عرض واحد ،و إن كان يحتمل تقديم الدين ( 1 ) إذا كان حالا
مع المطالبة أو مع عدم الرضا بالتأخير لأهمية حق الناس من حق اللّه ( 2 ) ،
لكنه ممنوع و لذا لو فرض كونهما عليه بعد الموت يوزّع المال عليهما ( 3 )
و لا يقدم دين الناس ،و يحتمل تقديم الأسبق منهما في الوجوب ،لكنه أيضا
لا وجه له كما لا يخفى .


كونها شرعية ،فان المقصود من ذلك أنها بمعناها العرفي مأخوذة في لسان
الدليل من قبل الشرع كسائر القيود الشرعية .

( 1 ) هذا هو الأظهر كما مر .

( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،إذ ليس لذلك ضابط عام ،بل هو يختلف
باختلاف الموارد ،فقد يكون حق الناس أهم من حق اللّه ،و قد يكون العكس ،
و قد يكونا متساويين ،و ليس لذلك ضبط عام في الشرع ،و في المقام حيث أن
التزاحم بين وجوب وفاء الدين و وجوب الحج فلا بد من تقديم الأول على
الثاني لأهميته ،أو لا أقل من احتمالها ،و تكشف عن ذلك الروايات التي تنص
على أن مال المسلم كدمه و عرضه ،بتقريب أن جعل ماله في عرض دمه و عرضه
كاشف عن اهتمام الشارع به .

( 3 ) فيه ان التوزيع انما هو في فرض كفاية المال لهما معا ،و الاّ فمقتضى
القاعدة تقديم الدين على الحج كما مر ،و لكن قد ورد نص خاص في المقام
بتقديم الحج على الدين و هو صحيحة بريد العجلي قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام
عن رجل خرج حاجا و معه جمل و نفقة و زاد ،فمات في الطريق ،قال :إن كان
صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الإسلام ،و إن كان مات و هو
صرورة قبل أن يحرم جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الإسلام فان
فضل من ذلك شي‏ء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين -الحديث »- 1 - فانها ناصة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 100 )--

[3015 ]مسألة 18 :لا فرق في كون الدين مانعا من وجوب الحج ( 1 ) بين
أن يكون سابقا على حصول المال بقدر الاستطاعة أو لا كما إذا استطاع
للحج ثم عرض عليه دين بأن أتلف مال الغير مثلا على وجه الضمان من
دون تعمد ( 2 ) قبل خروج الرفقة أو بعده قبل أن يخرج هو أو بعد خروجه
قبل الشروع في الأعمال ،فحاله حال تلف المال من دون دين ( 3 ) فإنه
يكشف عن عدم كونه مستطيعا .


على تقديم الحج على الدين ،و اما صحيحة معاوية بن عمار فبما أن موردها
تقديم الحج على الزكاة فالتعدي منه الى غيره و هو تقديمه على الدين لا يخلو
عن اشكال .

( 1 ) مر أن وجوب الوفاء بالدين لا يكون رافعا لوجوب الحج و واردا
عليه ،بل هو مزاحم له ،و لكن بما أنه أهم منه ،أو محتمل الأهمية فيقدم عليه
بدون فرق بين أن يكون سابقا أو مقارنا أو لاحقا ،فان وجوب الحج في الحقيقة
مشروط بعدم الوفاء به على أساس الاشتراط اللبي العام ،و من هنا إذا عصى
المكلف و ترك الوفاء بالدين و حج صح على القول بالترتب كما هو الحق .

( 2 ) فيه أنه لا وجه لهذا التقييد ،إذ لا فرق في سببية الاتلاف للضمان بين
أن يكون عمديا أو خطئيا ،و لعل نظره قدّس سرّه في هذا التقييد إلى أن وجوب الحج قد
استقر إذا كان الاتلاف عمديا ،و لم يستقر إذا كان خطئيا ،و لكن لا ثمرة لهذا
الفرق في المسألة أيضا ،فان وجوب الوفاء بالدين يتقدم على وجوب الحج في
مقام المزاحمة ،سواء أ كان وجوبه مستقرا أم لا ،و لا وجه لما ذكره قدّس سرّه من الفرق
بينهما و الحكم بعدم تقدمه عليه إذا كان مستقرا .

( 3 ) فيه ان قياس مع الفارق ،فانه إذا أتلف مال غيره فقد اشتغلت ذمته
ببدله مثلا أو قيمة و أنه مديون له ،و قد مر أن وجوب الوفاء بالدين لا يمنع عن
الاستطاعة التي هي عبارة عن الامكانية المالية عنده و لا يكون رافعا لها ،فان

--( 101 )--

[3016 ]مسألة 19 :إذا كان عليه خمس أو زكاة و كان عنده مقدار ما يكفيه
للحج لو لا هما فحالهما حال الدين مع المطالبة ،لأن المستحقين لهما
مطالبون فيجب صرفه فيهما و لا يكون مستطيعا ( 1 ) ،و ان كان الحج مستقرا
عليه سابقا تجي‏ء الوجوه المذكورة من التخيير أو تقديم حق الناس أو
تقديم الأسبق ( 2 ) ،


الرافع لها انما هو عملية الوفاء به خارجا لا صرف وجوبه ،غاية الأمر
يقع التزاحم بينه و بين وجوب الحج ،و بما أن الأول أهم منه أو محتمل الأهمية
يقدم على الثاني كما مر ،و اما إذا تلف ماله عنده فقد ارتفع وجوب الحج
بارتفاع موضوعها و هو الاستطاعة ،غاية الأمر إن كان تلفه غير مرتبط بتقصيره
و تفريطه يكشف عن عدم استقرار وجوب الحج عليه ،و إن كان مرتبطا بتقصيره
فيه كان كاشفا عن استقراره عليه بدون فرق في ذلك بين السنة الأولى و الثانية ،
فالمعيار انما هو بالتقصير و عدمه ،فان قصر في احداهما استقر و الاّ فلا شي‏ء
عليه .

( 1 ) بل هو مستطيع ،فان وجوب الوفاء بالدين لا يمنع عن الاستطاعة
-كما مر -و انما هو مانع عن وجوب الحج لأهميته أو احتمالها .

( 2 ) تقدم أنه لا يتم شي‏ء من هذه الوجوه ،

أما الوجه الأول :و هو التخيير ،فلما عرفت من أن وجوب الدين يتقدم
على وجوب الحج في مورد المزاحمة و إن كان مستقرا .

و اما الوجه الثاني :فقد مر أنه لا دليل على تقديم حق الناس على حق اللّه
تعالى بشكل عام ،بل هو يختلف باختلاف الموارد .

و اما الوجه الثالث :فقد سبق الإشارة إلى عدم مرجحية الأسبق زمانا ،هذا
كله فيما إذا كان الخمس و الزكاة في الذمة ،و اما إذا كانا في العين فلا بد من
اخراجهما منها أولا و حينئذ فان اتسع الباقي للحج فهو مستطيع و يجب انفاقه

--( 102 )--

هذا إذا كان الخمس أو الزكاة في ذمته ،و أما إذا كانا في عين ماله فلا إشكال
في تقديمهما على الحج سواء كان مستقرا عليه أولا ،كما أنهما يقدمان على
ديون الناس أيضا ،و لو حصلت الاستطاعة و الدين و الخمس و الزكاة معا ( 1 )
فكما لو سبق الدين .

[3017 ]مسألة 20 :إذا كان عليه دين مؤجل بأجل طويل جدا كما بعد
خمسين سنة فالظاهر عدم منعه عن الاستطاعة ( 2 ) ،و كذا إذا كان الديّان
مسامحا في أصله كما في مهور نساء أهل الهند فإنهم يجعلون المهر ما لا
يقدر الزوج على أدائه كمائة ألف روبية أو خمسين ألف لإظهار الجلالة
و ليسوا مقيدين بالإعطاء و الأخذ ،فمثل ذلك لا يمنع من الاستطاعة
و وجوب الحج ،و كالدين ممن بناؤه على الإبراء إذا لم يتمكن المديون من
الأداء أو واعده بالإبراء بعد ذلك .


عليه و الاّ سقط وجوب الحج بسقوط موضوعه و هو الاستطاعة المالية كما هو
المفروض في المسألة .

( 1 ) لا يخفى ان التعبير بحصولهما مع الخمس و الزكاة المتعلقين بالعين
معا و في آن واحد مبني على التسامح اذ لا يمكن تصوير حصولهما معهما
كذلك في زمن واحد ،فان تعلقهما بالعين كان رافعا لموضوع الاستطاعة ،نعم لا
مانع من تحقق الاستطاعة مع الدين ،و يقع التزاحم بينهما .

( 2 ) مر أن وجوب الوفاء بالدين لا يمنع عن صدق الاستطاعة و لا يكون
رافعا لها و إن كان حالا و مطالبا به فعلا فضلا عن كونه مؤجلا بأمد بعيد ،نعم انه
يمنع عن وجوب الحج تطبيقا للترجيح بالأهمية و لو احتمالا ،و على هذا فاذا
كان الدين مؤجلا بأجل قريب أو بعيد ،فان كان المدين واثقا بالتمكن من أدائه
في وقته و لدى حلول الأجل إذا انفق ما لديه من المال في سفر

--( 103 )--

[3018 ]مسألة 21 :إذا شك في مقدار ماله و أنه وصل إلى حد الاستطاعة
أولا هل يجب عليه الفحص أو لا ؟وجهان أحوطهما ذلك ( 1 ) ،و كذا إذا
علم مقداره و شك في مقدار مصرف الحج و أنه يكفيه أولا .


الحج وجب ،و الاّ وجب الحفاظ عليه للدين ،سواء أ كان واثقا بالعدم أم لا ،و لا
فرق في ذلك بين أن يكون أمد الدين قريبا أو بعيدا ،فان المعيار انما هو بذلك لا
بكون أمده قريبا أو بعيدا كالأمثلة التي ذكرها الماتن قدّس سرّه ،و ان كان احتمال عدم
التمكن من الأداء غالبا في طول هذه المدة ضعيفا جدا على نحو لا يعتنى به ،
و لكن لو فرضنا في مورد أنه اطمأن بعدم التمكن منه لو حج تقع المزاحمة
بينهما فيقدم الدين على الحج بنفس ما مر من الملاك ،و قد تقدم عدم ثبوت
الترجيح بالأسبق زمانا .

فالنتيجة :ان المعيار انما هو باطمئنان المدين بالتمكن من الأداء في
المستقبل عند حلول الأجل إذا حج و عدم اطمئنانه بذلك لا بكون الأجل قريبا
أو بعيدا ،أو الزوجة تطالب بمهرها أو لا ،فان ذلك إن أدى الى الاطمئنان
و الوثوق بعدم المطالبة أو الابراء نهائيا أو بالتمكن من الأداء في المستقبل فهو
و الاّ فلا قيمة لمجرد الاحتمال .

( 1 ) في الاحتياط اشكال بل منع ،و الأظهر عدم وجوب الفحص ،لأن
الشبهة موضوعية و لا مانع من الرجوع الى الأصول المؤمنة فيها من العقلية
و الشرعية .أو فقل :ان موضوع أدلة الأصول هو الجاهل ،فان كان جاهلا بالحكم
وجب الفحص ،و حينئذ فان ظل باقيا على الجهل بعده أيضا يرجع الى مقتضى
تلك الأصول ،و إن كان جاهلا بالموضوع لم يجب الفحص لعدم الدليل عليه
و إن كان الفحص لا يتوقف على مؤنة زائدة ،هذا و لكن تحقّق ذلك في المقام لا
يخلو عن مجرد افتراض ،لأن فرضه انه لم يرجع الى دفتر حساباته في تمام
اشهر الحج و طول هذه الفترة أمر نادر لا يتفق الاّ في حالات نادرة ،كما إذا كان

--( 104 )--

[3019 ]مسألة 22 :لو كان بيده مقدار نفقة الذهاب و الإياب و كان له مال
غائب لو كان باقيا يكفيه في رواج أمره بعد العود لكن لا يعلم بقاءه أو عدم
بقائه فالظاهر وجوب الحج بهذا الذي بيده استصحابا لبقاء الغائب ،فهو كما
لو شك في أن أمواله الحاضرة تبقى إلى ما بعد العود أو لا ،فلا يعد من
الأصل المثبت ( 1 ) .

[3020 ]مسألة 23 :إذا حصل عنده مقدار ما يكفيه للحج يجوز له قبل أن
يتمكن من المسير أن يتصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة ( 2 ) ،و أما بعد
التمكن منه فلا يجوز و إن كان قبل خروج الرفقة ،و لو تصرف بما يخرجه

في السفر أو كان مريضا أو ما شاكل ذلك ،و لكن مع هذا إذا اتفق ذلك لا مانع من
الرجوع الى الأصل المؤمن .

( 1 ) فيه :ان هذا الأصل و إن لم يكن مثبتا بالنسبة إلى اثبات بقاء ماله
الغائب و ترتيب أثره عليه ،الاّ انه لا يثبت ما هو المطلوب في المقام الاّ على
القول بالأصل المثبت ،و هو تمكن المكلف بعد الرجوع من سفر الحج و الانفاق
عليه من استئناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج بسبب الانفاق
عليه ،و من المعلوم ان استصحاب بقاء ماله الغائب في ملكه لا يثبت تمكنه من
ذلك بعد الانفاق على الحج الا على نحو المثبت .

و إن شئت قلت :ان وجوب الحج مرتبط بالاستطاعة التي هي عبارة عن
الامكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا ،و تمكنه من استعادة وضعه
المعاشي المناسب لمكانته بدون الوقوع في حرج زائدا على صحة البدن و الأمن
في الطريق و حين الأعمال ،و من الواضح أن تمكنه من استعادة وضعه المعاشي
كذلك لا يترتب على الاستصحاب المذكور باعتبار أنه ليس بأثر شرعي .

( 2 ) في إطلاقه اشكال بل منع ،و الأظهر عدم جواز تفويتها بعد حصولها

--( 105 )--

عنها بقيت ذمته مشغولة به ،و الظاهر صحة التصرف مثل الهبة و العتق
و إن كان فعل حراما ،لأن النهي متعلق بأمر خارج ،نعم لو كان
قصده في ذلك التصرف الفرار من الحج لا لغرض شرعي أمكن أن
يقال بعدم الصحة ( 1 ) ،و الظاهر أن المناط في عدم جواز التصرف
المخرج هو التمكن في تلك السنة ،فلو لم يتمكن فيها و لكن

سواء أ كان في أشهر الحج أو قبلها شريطة أنه لا يكون واثقا و متأكدا بتمكنه من
الحج في السنة القادمة ،و الاّ فلا يبعد جوازه ،و إن كان الأولى و الأجدر به تركه ،
و أما وجه عدم جوازه إذا لم يكن واثقا و مطمئنا بالتمكن منه في المستقبل فلأن
الظاهر من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها أن وجوب الحج يتحقق بتحقق
الاستطاعة في الخارج مشروطا بشرط متأخر زمنا و هو وصول يوم عرفة ،فانه
و إن كان من شروط الواجب و قيوده الاّ أنا ذكرنا في علم الأصول أن قيد الواجب
إذا كان غير اختياري فلا بد من أخذه قيدا للوجوب أيضا ،اذ لو كان الوجوب
مطلقا لزم كونه محركا للمكلف نحو الاتيان بالواجب المقيد بقيد غير اختياري
و هو لا يمكن .

و بكلمة :ان المبرر لأخذ شي‏ء قيدا للوجوب أحد أمرين :

الأول :ان يكون ذلك الشي‏ء دخيلا في الملاك في مرحلة المبادئ و من
شروط اتصاف الفعل به في تلك المرحلة ،و حينئذ لا بد من أخذه قيدا للوجوب
في مرحلة الجعل و الاعتبار .

الثاني :أن يكون قيدا للواجب و من شروط ترتب الملاك على وجوده في
الخارج ،و لكن مع ذلك يكون غير اختياري ،فانه لا بد من أخذه قيدا للوجوب
أيضا ،و الاّ لزم التكليف بغير المقدور .و نتيجة ذلك ان يوم عرفة لا بد أن يكون
شرطا لوجوب الحج أيضا بنحو الشرط المتأخر .

( 1 ) فيه اشكال بل منع ،لما ذكرناه في علم الأصول من أن النهي عن
المعاملات لا يستلزم فسادها و لا تنافي بين حرمتها تكليفا و صحتها وضعا .

--( 106 )--

يتمكن في السنة الأخرى لم يمنع عن جواز التصرف ( 1 ) ،فلا يجب إبقاء
المال إلى العام القابل إذا كان له مانع في هذه السنة ،فليس حاله حال من
يكون بلده بعيدا عن مكة بمسافة سنتين .

[3021 ]مسألة 24 :إذا كان له مال غائب بمقدار الاستطاعة وحده أو منضما
إلى ماله الحاضر و تمكن من التصرف في ذلك المال الغائب يكون مستطيعا
و يجب عليه الحج ،و إن لم يكن متمكنا من التصرف فيه و لو بتوكيل من
يبيعه هناك فلا يكون مستطيعا إلا بعد التمكن منه أو الوصول في يده ،
و على هذا فلو تلف في الصورة الأولى بقي وجوب الحج مستقرا عليه ( 2 )
إن كان التمكن في حال تحقق سائر الشرائط ،و لو تلف في الصورة الثانية
لم يستقر ،و كذا إذا مات مورثه و هو في بلد آخر و تمكن من التصرف في
حصته أو لم يتمكن فإنه على الأول يكون مستطيعا بخلافه على الثاني .

[3022 ]مسألة 25 :إذا وصل ماله إلى حد الاستطاعة لكنه كان جاهلا به أو
كان غافلا عن وجوب الحج عليه ثم تذكر بعد أن تلف ذلك المال فالظاهر
استقرار وجوب الحج عليه ( 3 ) إذا كان واجدا لسائر الشرائط حين وجوده ،

( 1 ) فيه انه لا وجه لتقييد جواز التصرف بعدم التمكن من الحج في السنة
الأولى ،بل هو غير بعيد مطلقا و إن كان متمكنا منه في السنة الأولى شريطة أن
يكون واثقا و مطمئنا بالتمكن من الاتيان به في السنين القادمة لما مر من أنه لا
يوجد دليل لفظي على وجوب الحج فورا غير حكم العقل به و هو لا يكون الاّ
إذا لم يكن الانسان واثقا و متأكدا بالتمكن منه في السنة الآتية ،و الاّ فلا يحكم به
و إن كان الأحوط و الأجدر به عدم الجواز .

( 2 ) هذا شريطة أن يكون التلف بتقصير و تسامح منه ،و الاّ فلا شي‏ء
عليه .

( 3 ) هذا شريطة أن تكون غفلته أو جهله بالموضوع مستندة إلى تقصيره

--( 107 )--

و الجهل و الغفلة لا يمنعان عن الاستطاعة ( 1 ) غاية الأمر أنه معذور في ترك
ما وجب عليه ،و حينئذ فإذا مات قبل التلف أو بعده وجب الاستئجار عنه
إن كانت له تركة بمقداره ،و كذا إذا نقل ذلك المال إلى غيره بهبة أو صلح
ثم علم بعد ذلك أنه بقدر الاستطاعة ،فلا وجه لما ذكره المحقق القمي في
أجوبة مسائله من عدم الوجوب لأنه لجهله لم يصر موردا و بعد النقل
و التذكر ليس عنده ما يكفيه فلم يستقر عليه ،لأن عدم التمكن من جهة
الجهل و الغفلة لا ينافي الوجوب الواقعي ،و القدرة التي هي شرط في
التكاليف القدرة من حيث هي و هي موجودة ،و العلم شرط في التنجز ( 2 ) لا
في أصل التكليف .


و التسامح منه في التعلم ،حيث ان ملاك وجوب الحج حينئذ يكون تاما و منجزا
عليه و كان فوته مستندا إلى تقصيره فيه ،فلذلك قد استقر ملاك وجوب الحج
عليه الذي هو حقيقة الوجوب و روحه ،و أما نفس جعل الوجوب و اعتباره
للغافل أو الجاهل المركب فلا يعقل لأنه لغو محض ،فلا يمكن اعتباره من
المولى الحكيم ،و لكن بما أن تمام القيمة للملاك فمن أجل ذلك قد استقر الحج
عليه ملاكا ،و أما إذا لم تكن غفلته أو جهله مستندة الى تقصيره فلا مقتضى
لاستقرار الحج عليه ملاكا أيضا ،باعتبار أنه لا يكون مكلفا به أصلا .

( 1 ) فيه أنهما و إن كانا لا يمنعان عنها بصفة أنها موجودة في الواقع ،الاّ
أنهما يمنعان عنها بصفة أنها موضوعة للوجوب فعلا و من شروطه على أساس
أن جعل وجوب الحج على الغافل عن استطاعته أو الجاهل المركب بها لغو
صرف و لا مبرّر له أصلا ،ضرورة أن الغرض من جعل التكليف و اعتباره انما هو
امكان داعويته للمكلف و محركيته له نحو الطاعة و الامتثال ،و من المعلوم أن
جعل وجوب الحج على المستطيع الغافل أو من بحكمه عن استطاعته لا يمكن
أن يكون داعيا و محركا له في مقام التطبيق لاستحالة فعليته .

( 2 ) هذا صحيح و لكن ليس معنى ذلك ان الغافل و الجاهل المركب

--( 108 )--

[3023 ]مسألة 26 :إذا اعتقد أنه غير مستطيع فحج ندبا فإن قصد امتثال
الأمر المتعلق به فعلا و تخيل أنه الأمر الندبي أجزأ عن حجة الإسلام ( 1 )
لأنه حينئذ من باب الاشتباه في التطبيق ،و إن قصد الأمر الندبي على وجه
التقييد ( 2 )


بالموضوع قابل للتكليف ،بل معناه ان المكلف إذا كان ملتفتا إلى موضوع حكم
فانه ما لم يعلم بثبوته له لم يتنجز .

( 1 ) هذا شريطة ان لا يكون اعتقاده بعدم الاستطاعة اعتقادا جزميا على
نحو لا يحتمل الخلاف نهائيا ،و الا لكان جهله بها جهلا مركبا ،و قد مر أن حكمه
حكم الغافل ،فلا يكون قابلا للتكليف في الواقع ،فاذن لا موضوع للإجزاء .

( 2 ) فيه ان التقييد في المقام غير معقول لأن التقييد انما يتصور في المعنى
الكلي فانه إذا قيد بقيد صار مقيدا و مضيقا ،فلا ينطبق الاّ على ما يكون واجدا
لهذا القيد دون الفاقد له ،و اما الجزئي الحقيقي فانه غير قابل للتقييد بلا فرق بين
أن يكون قاصدا له بعنوانه و اسمه المميز له شرعا ،أو قاصدا له بعنوان آخر
اشتباها و خطأ ،و هذا ليس تضييقا و تقييدا له بل هو خطأ في التطبيق ،أي تطبيق
ذلك العنوان عليه ،و المقام من هذا القبيل حيث ان الأمر فيه بما أنه أمر واحد
شخصي في الواقع و هو الأمر الوجوبي دون الأعم منه و من الاستحبابي فهو غير
قابل للتقييد ،و حيث ان المكلف جاهل به و معتقد بأن الأمر المتعلق بالحج ندبي
يكون قاصدا لامتثاله بهذا العنوان الذي لا واقع له ،فاذن بطبيعة الحال يكون
الخطأ و الاشتباه في تطبيق ذلك العنوان على الأمر الموجود في الواقع لا في
امتثاله خارجا لفرض انه قد أتى بالحج بداعي أمره الإلهي و مضافا
إليه تعالى ،و مجرد تخيله أنه ندب و كان هو الداعي الى الاتيان به لا يضر ،لأن
اتيانه كان بنية أمره الواقعي و مطابقا للواقع ،و الخطأ انما هو في العنوان الداعي
اليه .

--( 109 )--

..........
و بكلمة :ان صحة العبادة متقومة بعنصرين :أحدهما محبوبيتها في نفسها ،
و الآخر اتيانها مضافة الى المولى سبحانه و تعالى .و الفرض أن الحج واجد
للعنصر الأول ،فاذا أتى المكلف به مضافا إليه تعالى بأمل أن يقبل اللّه سبحانه
منه كان واجدا لكلا العنصرين ،فلذلك يحكم بصحته ،سواء أ كان الداعي لذلك
قصد أمره الوجوبي أو الندبي ،فانه خارج عن العبادة و واجباتها ،فاذا اعتقد
المكلف أن الأمر المتعلق به ندبي و قد دعاه الى الاتيان به مضافا إليه تعالى فاذا
أتى به كذلك صح و إن انكشف بعد ذلك ان الأمر المتعلق به في الواقع وجوبي
لا ندبي ،فاذن لا شبهة في صحة حجه بعنوان حجة الإسلام لانطباقها عليه على
أساس أنها عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع ،و الفرض انطباق هذا العنوان
على هذه الحجة و إن لم يكن ملتفتا إليه حيث أنه عنوان عام لكل انواع الحج
الواجب بالاستطاعة من التمتع و الإفراد و القران ،و لا يجب على المتمتع قصد
هذا العنوان .

هذا كله شريطة أن يقصد اسمه الخاص و هو حجة الإسلام و لو اجمالا ،
أي بعنوان انه وظيفته الاسلامية و إن ظن ان الأمر المتعلق به استحبابي ،مع أنه
في الواقع وجوبي جهلا منه بالحال .و أما إذا قصد بعنوان أنه مستحب لا بعنوان
أنه وظيفته الاسلامية ،فلا يصح لا بعنوان الحج المندوب لانتفاء الموضوع ،
باعتبار أنه مستطيع في الواقع ،و لا يكون الحج المندوب مشروعا في حقه و لا
بعنوان حجة الإسلام لانتفاء القصد ،و لا يقاس المقام بالصلاة ،فان من أتى
بصلاتي الظهرين -مثلا -ندبا باعتقاد أنه غير بالغ ،ثم بان أنه كان بالغا حين
الاتيان بهما صحّتا فريضة ،و ذلك لأن الظهر أو العصر أو نحوه اسم للصلاة
الواجبة و المستحبة ،و هذا بخلاف حجة الإسلام ،فانها اسم للحجة الأولى
للمستطيع فقط دون الأعم منها و من الحجة المندوبة ،و من هنا لا بد من الاتيان
بها باسمها الخاص المميز لها شرعا ،و الاّ لم تقع حجة الإسلام ،و به يظهر حال ما
بعده .

--( 110 )--

لم يجزئ عنها ( 1 ) و إن كان حجه صحيحا ،و كذا الحال إذا علم باستطاعته
ثم غفل عن ذلك ،و أما لو علم بذلك و تخيل عدم فوريتها فقصد الأمر
الندبي فلا يجزئ لأنه يرجع إلى التقييد ( 2 ) .

[3024 ]مسألة 27 :هل تكفي في الاستطاعة الملكية المتزلزلة للزاد
و الراحلة و غيرهما كما إذا صالحه شخص ما يكفيه للحج بشرط الخيار له
إلى مدة معينة أو باعه محاباة كذلك ؟و جهان أقواهما العدم ( 3 )

( 1 ) ظهر أنه يجزئ و كان من باب الخطأ في التطبيق لا من باب التقييد ،
هذا شريطة أن لا يكون غافلا عن الاستطاعة أو جاهلا بها جهلا مركبا ،فانه
حينئذ لا يعقل جعل وجوب حجة الإسلام عليه في الواقع ،و لا يكون مأمورا بها
نهائيا ،فاذن لا موضوع للاجزاء و هو انطباق المأمور به على الفرد المأتي به ،
و الفرض انه لا يكون مأمورا بحجة الإسلام في الواقع لكي تنطبق على الفرد
المأتي به في الخارج و هو الحج المندوب ،و على هذا فلا بد من تخصيص
المسألة بغير الغافل بالاستطاعة أو الجاهل المركب بها ،و هو الذي يكون مكلفا
بحجة الإسلام في الواقع و إن كان واثقا و متأكدا بالخلاف .

( 2 ) مر أنه لا معنى للتقييد بمعنى التضييق في أمثال المقام ،بل هو من
الخطأ في التطبيق بتخيل ان الأمر المتعلق بالحج في السنة الأولى ندبي باعتقاد
عدم وجوبه فورا ،مع أنه في الواقع فوري ،و عليه فاذا أتى به المكلف بداعي
أمره ندبا ثم بان أنه وجوبي فقد اخطأ في الداعي و اشتبه في التطبيق و هذا لا
يضر بالاتيان بالمأمور به بكل واجباته منها قصد اسمه الخاص اجمالا .

( 3 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر الكفاية ،و ذلك لما تقدم من أن
المستفاد من الآية الشريفة بضميمة الروايات المفسرة لها هو أن الاستطاعة
تتكون من الأمور التالية :

1 -الامكانية المالية .

--( 111 )--

لأنها في معرض الزوال إلا إذا كان واثقا بأنه لا يفسخ ،و كذا لو وهبه و أقبضه
إذا لم يكن رحما فإنه ما دامت العين موجودة له الرجوع ،و يمكن أن يقال
بالوجوب هنا ( 1 ) حيث إن له التصرف في الموهوب فتلزم الهبة .

[3025 ]مسألة 28 :يشترط في وجوب الحج بعد حصول الزاد و الراحلة
بقاء المال إلى تمام الأعمال ،فلو تلف بعد ذلك و لو في أثناء الطريق كشف

2 -الأمن و السلامة في الطريق ذهابا و إيابا و حين ممارسة الأعمال .

3 -وجود ما به الكفاية .

و وجوب الحج يتوقف على توفر هذه الأمور الثلاثة حدوثا و بقاء ،
فلذلك لا بد من احراز بقائها الى الانتهاء من أعمال الحج و واجباته ،و مع عدم
الاحراز لم يحرز وجوب الحج ،و لا فرق في احراز بقائها بين أن يكون المكلف
عالما بذلك أو واثقا و متأكدا به أو محرزا له بالاستصحاب ،كما إذا وصل اليه مال
من شخص بعقد المصالحة بمقدار يكفي لعملية الحج مع جعل المصالح الخيار
له في فترة معينة ،فانه و إن كان منشأ للشك في بقاء امكانيته المالية لنفقات سفر
الحج باعتبار أنه إذا قام بأعمال الخيار ذهبت استطاعته المالية ،و الاّ فهي باقية ،
و في مثل ذلك لا مانع من استصحاب بقائها و يترتب عليه وجوب الحج .

( 1 ) هذا هو الأظهر باعتبار أنه إذا صار مستطيعا بقبوله الهبة وجب عليه
الحفاظ على استطاعته و امكانيته المالية بالتصرف في المال الموهوب حتى
يؤدي الى ازالة سلطنة الواهب عنه و خروجه عن التزلزل ،هذا من ناحية و من
ناحية أخرى انه لا يمكن القول بوجوب التصرف في المال الموهوب على
ضوء ما ذكره الماتن قدّس سرّه من أن الاستطاعة لا تتحقق بقبول الهبة باعتبار أن ملكية
المال الموهوب متزلزلة بسبب تمكن الواهب من ارجاعه الى ملكه ثانيا ،فانه
حينئذ لا وجوب للحج لكي تجب مقدمته و هي التصرف في المال الموهوب
حفاظا على استطاعته .

--( 112 )--

عن عدم الاستطاعة ،و كذا لو حصل عليه دين قهرا عليه ( 1 ) كما إذا أتلف
مال غيره خطأ ،و أما لو أتلفه عمدا فالظاهر كونه كإتلاف الزاد و الراحلة
عمدا ( 2 ) في عدم زوال استقرار الحج .

[3026 ]مسألة 29 :إذا تلف بعد تمام الأعمال مئونة عوده إلى وطنه أو
تلف ما به الكفاية من ماله في وطنه بناء على اعتبار الرجوع إلى كفاية في
الاستطاعة فهل يكفيه عن حجة الإسلام أو لا ؟و جهان ،لا يبعد الإجزاء ( 3 )

( 1 ) مر أن ثبوت الدين لا يكشف عن عدم الاستطاعة ،و لا يكون رافعا
لها ،غاية الأمر تقع المزاحمة بين وجوب الوفاء به و وجوب الحج ،و لا بد من
تقديم الأول على الثاني لمكان أهميته ،أو لا أقل من احتمالها على تفصيل تقدم
في المسألة ( 17 ) .

( 2 ) في الظهور اشكال بل منع ،لما مر من أن الدين سواء أ كان بسبب
عمدي أو خطئي لا يمنع من الاستطاعة و الامكانية المالية ،و عليه فلا يكون
اتلاف مال الغير عمدا كإتلاف الزاد و الراحلة ،فان اتلافه في الفرض الأول
يوجب اشتغال ذمة المتلف ببدله من المثل أو القيمة بدون أن يؤدي الى ازالة
الاستطاعة موضوعا ،غاية الأمر يتقدم وجوب الوفاء بالدين على وجوب الحج
تطبيقا لما تقدم ،و هذا بخلاف اتلافه في الفرض الثاني ،فانه يوجب إزالة
الاستطاعة مباشرة موضوعا ،نعم انهما يشتركان في نقطة واحدة و هي استقرار
وجوب الحج عليه في كلا الفرضين اما في الفرض الأول ،فباعتبار أن تفويته في
نهاية المطاف كان مستندا إلى سوء اختياره ،و كذلك الحال في الفرض الثاني ،
فانه قام باختياره و عالما بالحكم بتفويت الاستطاعة و الامكانية المالية الموجودة
لديه ،فلذلك استقر وجوب الحج عليه في كلا الفرضين .

( 3 ) بل هو بعيد ،اما في فرض تلف مؤنة العود فلأنه يكشف عن عدم
الاستطاعة و الإمكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا ،مع أنها معتبرة في

--( 113 )--

..........
وجوب الحج ،فاذن يكون عدم الاجزاء على القاعدة ،و اما في فرض تلف ما به
الكفاية فلأنه يكشف عن أنه لا يتمكن من استئناف وضعه المعاشي الطبيعي
بدون الوقوع في حرج إذا انفق ما لديه في نفقات سفر الحج ،فاذن يكون
وجوب الحج حرجيا عليه في الواقع ،و هو مرفوع تطبيقا للقاعدة ،و جهل
المكلف بالضرر أو الحرج و اعتقاده بالعدم لا يغير الواقع و لا يجعل الأمر
الحرجي غير حرجي ،و عليه فالحج المذكور حرجي ،فاذا قام بالاتيان به و انفق
ما لديه من المال فيه وقع في حرج على أساس أنه بعد الانفاق لا يتمكن من
اعادة وضعه المالي المعاشي بما يناسب مكانته بدون الوقوع فيه ،و هو معتبر في
الاستطاعة ،و عليه فلا يكون حجه حينئذ مصداقا لحجة الإسلام بلحاظ أنها هي
الحجة الأولى للمستطيع .

و دعوى أن قاعدة نفي الحرج لا تجري في المقام لأن جريانها في كل
مورد مرتبط بوجود الامتنان فيه ،و بما أنه لا امتنان في المقام فلا تجري ،بل هو
على خلاف الامتنان حيث ان الحكم بفساد الحج بعد الاتيان به يكون على
خلافه ،و من هنا إذا أتى بالوضوء أو الغسل الحرجي جاهلا بكونه حرجيا ثم
علم بالحال حكم بصحته دون فساده ،فان الحكم بالفساد يكون على خلاف
الامتنان .

مدفوعة :بأن مفاد القاعدة نفى جعل الحكم الناشي من قبله الحرج ،و بما
أن وجوب الحج حرجي في المقام فهو منتفي بالقاعدة ،و اعتقاد المكلف
بعدم كونه حرجيا لا يمنع عن شمول القاعدة له ،باعتبار أن موضوعها الحرج
الواقعي دون العلمي ،غاية الأمر ان المكلف لما كان جاهلا بالحال قام
بعملية الحج و يواصل فيها الى أن يكملها ثم بان أن العملية كانت حرجية و لا
تكون واجبة عليه في الواقع ،فلذلك لا تكون مصداقا لحجة الإسلام لانتفاء
الاستطاعة .

و إن شئت قلت :ان موضوع القاعدة هو الحرج الواقعي دون العلمي ،

--( 114 )--

و يقربه ما ورد ( 1 ) من أن من مات بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأه عن
و هي تدور مداره سواء أ كان المكلف عالما به أم جاهلا ،و بما أن وجوب الحج
في مفروض المسألة حرجي في الواقع باعتبار انتفاء ما به الكفاية ،فيكون
مشمولا للقاعدة ،لأن فيه امتنانا للأمة ،غاية الأمر يكون المكلف جاهلا به ،و من
الواضع أن جهله بالحال لا يكون مانعا عن شمولها و لا يوجب اختصاصها
بالعلم بالحرج ،و حينئذ فاذا أقدم المكلف عليه و أتى به وقع فاسدا لعدم انطباق
الحج الواجب عليه ،و لا يكون فساده مستندا إلى القاعدة ،لأن مفادها النفي دون
الاثبات ،بل هو مستند الى عدم استطاعته ،كما إذا أصر المكلف و أقدم عليه
عامدا عالما بالحال و أتى به ،فانه لا شبهة في فساده لعدم الأمر ،و كذلك الحال
في صورة الجهل ،فلا فرق بين الحالتين من هذه الناحية ،و من هنا يظهر أن
قياس المقام بالوضوء أو الغسل الحرجي في غير محله ،على أساس أن الحج
الاستحبابي لا يكون مصداقا لحجة الإسلام ،باعتبار أنها متمثلة في الحجة
الأولى للمستطيع ،فاذا لم يكن المكلف مستطيعا لم يكن حجه حجة الإسلام ،
و هذا بخلاف الوضوء أو الغسل الاستحبابي فانه عين الوجوبي باعتبار أن
الوجوب الغيري تعلق بنفس الوضوء أو الغسل المستحب الذي هو عبادة .

( 1 ) في التقريب اشكال بل منع ،لأن قياس المقام بمورد الروايات قياس
مع الفارق لأن الحكم في موردها يكون على خلاف القاعدة ،حيث أن اجزاء
الاحرام مع الدخول في الحرم عن الحج بكامل اجزائه بحاجة الى دليل ،و قد دل
الدليل عليه إذا مات الحاج بعد الإحرام و دخول الحرم ،و لا يمكن التعدي منه
الى سائر الموارد لأنه بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة عليه ،فاذن لا يمكن أن تكون
تلك الروايات مقربة للحكم بالاجزاء و الصحة في المقام و هو ما إذا أتى
المكلف بكل أعمال الحج ثم انكشف انه ليس عنده ما به الكفاية ،أو كان و لكنه
تلف قبل الرجوع ،فانه لا يتمكن حينئذ من استئناف وضعه المعاشي الطبيعي

--( 115 )--

حجة الإسلام ،بل يمكن أن يقال بذلك ( 1 ) إذا تلف في أثناء الحج أيضا .

[3027 ]مسألة 30 :الظاهر عدم اعتبار الملكية في الزاد و الراحلة ،فلو
حصلا بالإباحة اللازمة ( 2 ) كفى في الوجوب لصدق الاستطاعة ،و يؤيده
الأخبار الواردة في البذل ،فلو شرط أحد المتعاملين على الآخر في ضمن
عقد لازم أن يكون له التصرف في ماله بما يعادل مائة ليرة مثلا وجب عليه
الحج و يكون كما لو كان مالكا له .


اللائق بحاله بدون الوقوع في حرج ،و نتيجة ذلك أنه لا يكون مستطيعا في
الواقع ،و من المعلوم أن حجه حينئذ لا يكون حجة الإسلام باعتبار أنه حج غير
مستطيع .

( 1 ) ظهر حاله مما مر من أن تلفه لما كان كاشفا عن عدم تحقق الاستطاعة
في الواقع فلا يكون حجه مجزيا عن حجة الإسلام و مصداقا لها .

( 2 ) فيه انه لا وجه للتقييد بها لما تقدم من أن المراد من الاستطاعة حسب
المتفاهم العرفي من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها الامكانية المالية
لنفقات سفر الحج و متطلباته ،و من المعلوم انه لا فرق بين أن يكون منشؤها
الملك أو الاباحة اللازمة أو الجائزة ،غاية الأمر إذا كانت الامكانية المالية جائزة
كان شاكا في بقائها في المستقبل ،فلا مانع من استصحاب بقائها فيه .

و دعوى ان ظاهر الروايات المفسرة للاستطاعة بالزاد و الراحلة هو
الملك ،و لازم ذلك عدم تحقق الاستطاعة بالاباحة و إن كانت لازمة فضلا عن
الجائزة ،مدفوعة بما ذكرناه من أن المتفاهم العرفي من هذه الروايات أنها في
مقام بيان ما تتكون به الاستطاعة و الامكانية المالية ،و من المعلوم أنه لا فرق في
ذلك بين أن تكون اضافة الزاد و الراحلة اليه اضافة ملك أو اباحة ،فانه لا نظر لها
من هذه الناحية ،و عليه فكما يصدق قوله عليه السّلام : «له زاد و راحلة »- 1 - إذا كان على

---------------

( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :10 .


--( 116 )--

[3028 ]مسألة 31 :لو أوصى له بما يكفيه للحج فالظاهر وجوب الحج
عليه بعد موت الموصي خصوصا إذا لم يعتبر القبول في ملكية الموصى
له ( 1 ) و قلنا بملكيته ما لم يرد فإنه ليس له الرد حينئذ .

[3029 ]مسألة 32 :إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يزور الحسين عليه السّلام
في كل عرفة ثم حصلت لم يجب عليه الحج ( 2 ) ،بل و كذا لو نذر إن جاء
مسافره أن يعطي الفقير كذا مقدارا فحصل له ما يكفيه لأحدهما بعد
حصول المعلق عليه ،بل و كذا إذا نذر قبل حصول الاستطاعة أن يصرف
مقدار مائة ليرة مثلا في الزيارة أو التعزية أو نحو ذلك ،فإن هذا كله مانع
عن تعلق وجوب الحج به ،و كذا إذا كان عليه واجب مطلق فوري قبل
حصول الاستطاعة و لم يمكن الجمع بينه و بين الحج ثم حصلت الاستطاعة

نحو الملك ،فكذلك يصدق إذا كان على نحو الاباحة ،باعتبار أنها ليست في
مقام البيان من هذه الجهة لكي يكون ظاهرا في الأول ،بل هي في مقام
بيان ما تتكون به الامكانية المالية عنده لنفقات سفر الحج ،و من الواضح
أنها كما تتكون بهما إذا كان على نحو الملك ،كذلك إذا كان على نحو
الاباحة .

( 1 ) هذا إذا كانت الوصية التمليكية من الايقاعات ،فانه حينئذ تحصل
الاستطاعة بمجرد الوصية ،و ليس له الرد حينئذ ،لأنه تفويت لها و هو غير جائز ،
و أما إذا كانت من العقود فلا يحصل الاّ بالقبول ،و هو غير واجب ،لأنه تحصيل
للاستطاعة .

( 2 ) فيه ان النذر بكل أقسامه لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج ،و يمكن
تبرير ذلك بأحد الوجهين التاليين :

الأول :ان وجوب الحج أهم من وجوب الوفاء بالنذر و إن قلنا ان وجوب

--( 117 )--

..........
الوفاء به مشروط بالقدرة العقلية و يظل ملاكه ثابتا حتى في فرض الاشتغال
بالحج و وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية ،فمع ذلك لا بد من تقديم
وجوب الحج على وجوب الوفاء به في مقام المزاحمة ،و ذلك لأن الاستطاعة
المأخوذة في لسان الآية الشريفة المفسرة في الروايات عبارة عن المعنى
المساوق للتمكن التكويني في مقابل العجز التكويني الاضطراري ،و ليست
عبارة عن المعنى المساوق لعدم الاشتغال بواجب آخر ،و لا المعنى المساوق
لعدم المانع و إن كان مولويا ،و على هذا الأساس فما دام المكلف متمكنا من
الحج تكوينا يعني مالا و بدنا و طريقا فهو واجب عليه ،و ملاكه ثابت و إن كان في
حال الاشتغال بالوفاء بالنذر أو نحوه ،باعتبار أن اطلاق وجوبه و إن قيد بعدم
الاشتغال بضد واجب لا يقل عنه في الأهمية بملاك التقييد اللبي العام ،الاّ أنه لا
دليل على تقييد اطلاقه بعدم الاشتغال بضد واجب اما أن يكون مساويا له أو أقل
منه في الأهمية ،و بما أن ملاك وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه اما أن يكون أقل
أهمية من ملاك وجوب الحج ،أو مساويا له ،و على كلا التقديرين يكون ملاك
وجوب الحج مطلقا و ثابتا لحال الاشتغال بالوفاء بالنذر أو نحوه ،و لا يكون
مقيدا بعدم الاشتغال به ،فاذن لا بد من تقديمه عليه في حال وقوع التزاحم
بينهما .

و إن شئت قلت :انه لا شبهة في أن ملاك وجوب الحج أهم من ملاك
وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه و يكشف عن ذلك تشديد اهتمام الشارع بالحج
في ضمن الخطابات و النصوص التشريعية بمختلف التعبيرات المؤكدة ،فمرة
بلسان الحكم بكفر تاركه ،و أخرى بلسان أنه إما أن يموت يهوديا أو نصرانيا ،
و ثالثة بلسان انه ترك شريعة من شرائع الإسلام و هكذا ،فان كل ذلك كاشف عن
اهتمام الشارع به لما فيه من المصالح العامة و الخاصة ،أو لا أقل من احتمال
اهميته و اما العكس و هو احتمال أهمية ملاك وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه من
ملاك وجوب الحج فهو غير محتمل ،فالنتيجة انه لا بد من تقديم وجوب الحج

--( 118 )--

..........
على وجوب الوفاء بالنذر و إن كان موضوع وجوب الوفاء بالنذر أسبق من
موضوع وجوب الحج ،اذ لا قيمة لذلك .

الثاني :ان وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه مشروط بالقدرة الشرعية ،بمعنى
عدم الأمر بالخلاف على أساس ان الظاهر من أدلة وجوب الوفاء بالشرط أو
نحوه التي جاء بهذا اللسان : «ان شرط اللّه قبل شرطكم »- 1 - أو قريب منه ،و هو أن
وجوده مقيد بعدم وجود شرط اللّه و حكمه في المرتبة السابقة ،و الاّ فلا وجود
له ،و معنى هذا ان صرف وجود شرطه تعالى قبله رافع له بارتفاع موضوعه
و وارد عليه ،و نتيجة ذلك أن وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو نحوه انما هو
مجعول في مورد لا يكون فيه شرط من شروطه تعالى ،و الاّ فلا يكون مجعولا ،
و على هذا فصرف وجوب الحج رافع لوجوب الوفاء بالنذر أو نحوه و وارد
عليه ،فلا يعقل التزاحم بينهما ،أو فقل :ان المتفاهم العرفي من صيغ تلك الأدلة ،
ان الأمر بالوفاء بالنذر أو الشرط مقيد بعدم الأمر الإلهي بالخلاف في نفسه ،اي
بقطع النظر عنه ،و على هذا فالأمر بالحج و إن قلنا بأنه مقيد بعدم الأمر بالخلاف
الاّ أنه مقيد بعدم الأمر به بالفعل ،فمن أجل ذلك يتقدم عليه و يكون رافعا له
حتى في هذا الفرض .

و بكلمة انه لا يتصور التزاحم بين وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه و وجوب
الحج ،لأن وجوب الوفاء به يرتفع بارتفاع موضوعه وجدانا بصرف تحقق
وجوب الحج في الشرع ،فلا يعقل تحقق كليهما معا حتى تقع المزاحمة بينهما ،
بل و إن قلنا ان وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية بمعنى عدم الأمر
بالخلاف ،فمع ذلك يتقدم على وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه على أساس أن
المتفاهم العرفي من النص المتقدم ان كل التكاليف و الشروط المجعولة من قبل
اللّه تعالى لا بد من أن تلحظ قبل شروطكم و في المرتبة السابقة ،فاذا كانت ثابتة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :38 من أبواب المهور الحديث :1 .


--( 119 )--

و إن لم يكن ذلك الواجب أهم من الحج ،لأن العذر الشرعي كالعقلي ( 1 )
في المنع من الوجوب ،و أما لو حصلت الاستطاعة أولا ثم حصل واجب

في الشريعة المقدسة بنفسها فلا مجال لشروطكم و نتيجة ذلك ان وجوب الوفاء
بالنذر أو نحوه مشروط بالقدرة الشرعية بمعنى عدم الأمر بالخلاف بنفسه
و بقطع النظر عنه بمقتضى دليله دون وجوب الحج ،فانه مشروط بعدم الأمر
بالخلاف فعلا ،فلذلك لا مناص من تقديمه عليه .

قد يقال -كما قيل -إن تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر أو
نحوه انما هو على أساس أن وجوب الوفاء بما أنه وجوب ثانوي فلا يمكن
امضاؤه شرعا إذا استلزم ترك واجب كالحج أو نحوه ،كما إذا نذر زيارة
الحسين عليه السّلام في يوم عرفة ،فان الوفاء به بما أنه يستلزم ترك حج واجب عليه
فهذا غير راجح قطعا ،فمن أجل ذلك لا يمكن الحكم بصحته .

و الجواب :ان المعتبر في صحة النذر كون متعلقه راجحا في نفسه ،
و الفرض أن زيارة الحسين عليه السّلام راجحة في نفسها ،و استلزامها لترك الحج
الواجب لا يوجب كونها مرجوحة الاّ بالعرض ،و أما في نفسها فهي راجحة ،فلا
مانع من الحكم بصحته ،غاية الأمر إذا فرض أن وجوب الحج مشروط بالقدرة
الشرعية بمعنى عدم الأمر بالخلاف كان وجوب الوفاء واردا عليه و رافعا
لوجوبه بارتفاع موضوعه .

فالنتيجة :ان الصحيح هو ما ذكرناه في وجه تقديم وجوب الحج على
وجوب الوفاء بالنذر .

( 1 ) هذا بناء على أن يكون وجوب الحج مشروطا بالقدرة الشرعية
بمعنى عدم المانع الأعم من التكويني و التشريعي ،و قد مر أن الأمر ليس كذلك
و أنه مشروط بالقدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري ،و عليه
فتقع المزاحمة بينهما شريطة أن يكون الواجب الآخر أيضا مشروطا بنفس تلك

--( 120 )--

فوري آخر لا يمكن الجمع بينه و بين الحج يكون من باب المزاحمة ( 1 )
فيقدم الأهم منهما ،فلو كان مثل إنقاذ الغريق قدم على الحج ،و حينئذ فإن
بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب الحج فيه ،و إلا فلا إلا أن يكون
الحج قد استقر عليه سابقا فإنه يجب عليه و لو متسكعا .

[3030 ]مسألة 33 :النذر المعلق على أمر قسمان :تارة يكون التعليق على
وجه الشرطية كما إذا قال : «إن جاء مسافري فللّه عليّ أن أزور الحسين عليه السّلام
في عرفة » ،و تارة يكون على نحو الواجب المعلق كأن يقول : «للّه عليّ أن
أزور الحسين عليه السّلام في عرفة عند مجي‏ء مسافري » ،فعلى الأول يجب الحج

القدرة اما عقلا أو شرعا ،و عندئذ فإن كان أحدهما أهم من الآخر أو محتمل
الأهمية قدم عليه ،و الاّ فالحكم هو التخيير بينهما هذا إذا كان وجوب الحج
مستقرا عليه ،و اما إذا كان في السنة الأولى فان قلنا بوجوب الفورية فالأمر فيه
كذلك ،و إن قلنا بعدم وجوبها و أنه مبني على الاحتياط إذا كان المكلف واثقا
بعدم تفويته إذا أخر فقدم الواجب الآخر عليه .

( 1 ) فيه ان وجوب الحج إذا كان مشروطا بعدم الأمر بالخلاف كما بنى
عليه قدّس سرّه بدعوى ان الاستطاعة عبارة عن ذلك ،فلا يعقل التزاحم بينه و بين
وجوب الواجب المشروط بالقدرة العقلية لفرض ان وجوبه مانع و رافع لوجوبه
بارتفاع موضوعه ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون تحقق وجوب الواجب الآخر
قبل حصول الاستطاعة أو بعده ،فكما أنه وارد عليه و رافع له إذا كان تحققه قبل
حصول الاستطاعة فكذلك إذا كان بعد حصولها فانه يكشف عن عدم تحققها
بداهة انه لا يمكن القول بأن حدوث وجوب الحج مشروط بعدم الأمر
بالخلاف ،و أما بقاؤه فلا فانه لو كان مشروطا به لكان مشروطا حدوثا و بقاء ،فما
في المتن من الفرق بين الصورتين لا يرجع الى معنى محصل .

--( 121 )--

إذا حصلت الاستطاعة قبل مجي‏ء مسافره ،و على الثاني لا يجب ( 1 ) فيكون
حكمه حكم النذر المنجز في أنه لو حصلت الاستطاعة و كان العمل بالنذر
منافيا لها لم يجب الحج سواء حصل المعلق عليه قبلها أو بعدها ،و كذا لو
حصلا معا لا يجب الحج من دون فرق بين الصورتين ،و السر في ذلك أن
وجوب الحج مشروط و النذر مطلق ( 2 ) فوجوبه يمنع من تحقق الاستطاعة .

[3031 ]مسألة 34 :إذا لم يكن له زاد و راحلة و لكن قيل له : «حجّ و عليّ
نفقتك و نفقة عيالك »وجب عليه ،و كذا لو قال : «حجّ بهذا المال »و كان
كافيا له ذهابا و إيابا و لعياله ،فتحصل الاستطاعة ببذل النفقة كما تحصل
بملكها من غير فرق بين أن يبيحها له أو يملكها إياه ،و لا بين أن يبذل عينها
أو ثمنها ،و لا بين أن يكون البذل واجبا عليه بنذر أو يمين أو نحوهما أو لا ،
و لا بين كون الباذل موثوقا به أو لا على الأقوى ،و القول بالاختصاص
بصورة التمليك ضعيف ،كالقول بالاختصاص بما إذا وجب عليه أو بأحد
الأمرين ،من التمليك أو الوجوب ،و كذا القول بالاختصاص بما إذا كان
موثوقا به ،كل ذلك لصدق الاستطاعة و إطلاق المستفيضة من الأخبار ( 3 ) ،


( 1 ) ظهر حاله مما تقدم من أنه لا اشكال في تقديم وجوب الحج على
وجوب النذر و إن كان منجزا فضلا عن كونه معلقا .

( 2 ) مر أن الأمر بالعكس يعني ان وجوب الحج مطلق و وجوب النذر
مشروط بعدم ثبوته بنفسه في الشرع .

( 3 ) منها صحيحة العلاء ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل :
وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً قال :يكون له ما يحج به ،
قلت :فمن عرض عليه فاستحى ،قال :هو ممن يستطيع ... »- 1 - فانها تنص على

---------------

( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 122 )--

و لو كان له بعض النفقة فبذل له البقية وجب أيضا ،و لو بذل له نفقة الذهاب
فقط و لم يكن عنده نفقة العود لم يجب ( 1 ) ،و كذا لو لم يبذل نفقة عياله ( 2 )
إلا إذا كان عنده ما يكفيهم إلى أن يعود أو كان لا يتمكن من نفقتهم مع ترك
الحج أيضا .


انه إذا عرض عليه ما يحج به فهو مستطيع ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن
يكون ما عرض بنحو التمليك أو الاباحة ،و كون الباذل ثقة أو غير ثقة ،و المال
المبذول عينا أو قيمة ،و كون البذل واجبا أو غير واجب ،و مثلها غيرها من
الروايات الواردة في المسألة .

( 1 ) هذا شريطة أن لا يكون عازما على عدم العود الى بلدته ،و الاّ كفى في
استطاعته و وجوب الحج عليه نفقة الذهاب فحسب ،و لا فرق من هذه الناحية
بين الاستطاعة البذلية و غيرها ،فان المعيار انما هو بوجود ما يحج به عنده و إن
كان بالبذل ،كما نصت عليه صحيحة العلاء المتقدمة و غيرها من النصوص ،
فاعتبار نفقة العود في الاستطاعة انما هو بملاك الحاجة اليها ،و أما من كان عازما
على عدم العود و البقاء في مكة فلا يحتاج اليها ،و لا تكون معتبرة في استطاعته .

( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و ذلك لما تقدم من أن المتفاهم العرفي من
الآية الشريفة و الروايات الواردة في تفسيرها ،أن الاستطاعة تتكون من العناصر
التالية :الامكانية المالية لسدّ نفقات سفر الحج ،و الأمن و السلامة في الطريق ،و ما
به الكفاية و هذه الأدلة انما هي في مقام بيان ان وجوب الحج على كل أحد في
الخارج مرتبط بوجود تلك العناصر فيه شريطة أن تتوفر فيه سائر شروطه العامة
من العقل و البلوغ و الحرية ،و لا نظر لها الى اعتبار أمر آخر في وجوبه كعدم
وجوب مزاحم أهم له أو نحو ذلك ،و على هذا الأساس فان كان لاستجابته بذل
الباذل أثر بشأن نفقة عياله باعتبار أنه يشتغل كعامل مضارب و ينفق على عائلته
في كل يوم من اجرة ذلك اليوم ،و إذا ذهب الى الحج لم يتمكن من الانفاق

--( 123 )--

..........
عليهم ،ففي مثل ذلك لا تجب عليه الاستجابة ،لا لعدم تحقق الاستطاعة بذلا ،
بل من جهة أن وجوب الحج مزاحم بواجب أهم و هو وجوب الانفاق على
عياله ،و إن لم يكن لها أثر بشأن نفقتهم وجبت ،و لا فرق في ذلك بين الاستطاعة
البذلية و غيرها ،فانهما بمعنى واحد و هو المتكون من الأمور التالية :الامكانية
المالية ،و الأمن و سلامة البدن ،و التمكن من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي
بدون الوقوع في حرج ،فلو عرض عليه ما يحج به ،فان قبل و حج به ثم رجع ،
فان لم يتمكن من استعادة وضعه المعاشي المناسب لمكانته بدون الوقوع في
حرج انكشف عن عدم استطاعته به ،و أن حجه هذا ليس بحجة الإسلام
الواجبة ،باعتبار استلزامه وقوعه في حرج ،و لا فرق في ذلك بين الاستطاعة
البذلية و غيرها ،و أما نفقة العيال فهي ليست جزءا من الاستطاعة لا البذلية و لا
غيرها ،غاية الأمر إن كانت نفقة الزوجة فهي دين ،و إن كانت نفقة غيرها فهي
تكليف ،و على كلا التقديرين فهي لا تمنع عن الاستطاعة ،بل حينئذ يقع
التزاحم بين وجوب الانفاق و بين وجوب الحج ،و بما أن الأول أهم أو محتمل
الأهمية فيقدم عليه .

نعم قد يستدل على أنها جزء من الاستطاعة غير البذلية برواية ابي الربيع
الشامي ،قال : «سئل أبو عبد اللّه عليه السّلام عن قول اللّه عز و جل :وَ لِلَّهِ عَلَى اَلنَّاسِ حِجُّ
اَلْبَيْتِ مَنِ اِسْتَطاعَ إِلَيْهِ سَبِيلاً
فقال :ما يقول الناس ؟قال :فقلت له :الزاد
و الراحلة ...الى أن قال :فما السبيل ؟قال :فقال :السعة في المال إذا كان يحج
ببعض و يبقى بعضا لقوت عياله -الحديث »- 1 - .بتقريب أن هذه الرواية قد
فسرت السبيل بالسعة في المال الكافي لنفقة الحج و عياله معا ،فتدل على أن
نفقة العيال جزء من الاستطاعة .

و الجواب :إن الرواية و إن كانت ظاهرة في ذلك الاّ أنها ضعيفة سندا ،فان
في سندها خالد بن جرير ،و هو لم يثبت توثيقه .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 124 )--

..........
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أنها تامة سندا و لكنها تدل على
اعتبارها في مطلق الاستطاعة ،بدون فرق بين البذلية و غيرها ،بقرينة أنها وردت
في تفسير السبيل في الآية الشريفة بالسعة في المال ،و من المعلوم أنها مشتركة
بين الاستطاعة البذلية و غيرها ،لوضوح أنه ليس للاستطاعة البذلية معنى آخر
غير الامكانية المالية ،مع أن هذه الكلمة قد وردت في روايات البذل أيضا ،هذا
اضافة الى أن صيغ التعبير في الروايات الواردة في اعتبار الاستطاعة في وجوب
الحج و روايات البذل تدل على أن الاستطاعة في كلا الموردين بمعنى واحد ،
و لا يظهر منهما الاختلاف فيها اصلا ،نعم قد تختلف في بعض اللوازم .

و بكلمة :ان روايات البذل ناظرة إلى أن من بذل له ما يحج به فقد وجب
عليه الحج شريطة أن تتوفر فيه الاستطاعة البدنية و الامنية على نفسه أو عرضه
أو ماله في الطريق و عند الأعمال .

فالنتيجة :ان روايات البذل تدل على تحقق الاستطاعة المالية به بدون
فرق بين أن تكون على نحو الملك أو الاباحة ،فان المعيار في وجوب الحج انما
هو بوجود ما يحج به و إن كان على نحو الاباحة ،غاية الأمر إن كانت عنده نفقة
تكفي لعياله في فترة سفره الى الحج وجب عليه استجابة البذل و الاّ لم تجب .
نعم إذا كان وجوده و عدمه على حد سواء بالنسبة إلى نفقتهم و لا أثر له بشأنها
فتجب عليه استجابته .

لحد الآن قد ظهرت ان الانفاق على العيال كالوفاء بالدين خارج عن
الاستطاعة موضوعا و انما يكون وجوب الانفاق كوجوب الوفاء بالدين مزاحم
لوجوب الحج ،و بما أن الأول أهم يتقدم على الثاني ،و من أجل ذلك ان من كان
لديه مالا لا يكفي للإنفاق على الحج و العيال معا قد يطلق عليه انه غير مستطيع ،
و لكن من المعلوم ان اطلاق عدم المستطيع عليه حكمي لا موضوعي باعتبار أن
كلا منهما واجب مستقل في الشرع و لموضوع كذلك ،و قد يقع التزاحم بينهما
إذا لم تتسع قدرة المكلف على الجمع بينهما في مرحلة الامتثال .

--( 125 )--

[3032 ]مسألة 35 :لا يمنع الدين من الوجوب في الاستطاعة البذلية ( 1 ) ،
نعم لو كان حالا و كان الديان مطالبا مع فرض تمكنه من أدائه لو لم يحج
و لو تدريجا ففي كونه مانعا أو لا وجهان ( 2 ) .

[3033 ]مسألة 36 :لا يشترط الرجوع إلى كفاية في الاستطاعة البذلية ( 3 ) .

( 1 ) فيه انه لا وجه لهذا التقييد لما مر من أن وجوب الوفاء بالدين لا يمنع
عن الاستطاعة المالية ،غاية الأمر تقع المزاحمة بينهما فيقدم وجوب الوفاء به
على وجوب الحج ،و اما إذا كانت الاستطاعة بذلية فلا موضوع لهذه المزاحمة
حيث لا يجوز له أن يفى دينه مما بذل له للحج ،غاية الأمر إنه إذا كان متمكنا من
الأداء و لو تدريجا إذا لم يذهب الى الحج وجب عليه ذلك تطبيقا لما تقدم ،و أما
إذا لم يكن لاستحبابه البذل أثر بشان الوفاء بالدين فتجب .

( 2 ) الأظهر كونه مانعا كما مر .

( 3 ) هذا شريطة أن لا يكون سفر الحج مؤثرا في وضعه المعاشي ،فانه في
مثل هذه الحالة اذا بذل اليه ما يحج به وجب عليه استجابته باعتبار أنها لا تؤثر
في شأن وضعه المعاشي ،و لا يجوز له صرفه فيه .و اما إذا وصل اليه مال هدية أو
من عملية كسبه أو مهنته ما يكفي لنفقات سفر الحج فقط لم يجب ،لمكان عدم
استطاعته ،فانه لو صرف المال في نفقات سفر الحج ثم رجع لم يتمكن من
اعادة وضعه المعاشى العادي اللائق بمكانته بدون الوقوع في حرج بسبب ما
انفقه على الحج ،و هذا التمكن معتبر في الاستطاعة بمقتضى حديث لا حرج
باعتبار أن من عناصر الاستطاعة التمكن من استئناف وضعه المادي المناسب
لشأنه بدون الوقوع في حرج بسبب الحج و ما أنفقه عليه ،فاذا توفر هذا العنصر
في فرض توفر سائر عناصرها تمت الاستطاعة و الاّ فلا ،و أما إذا كان سفره الى
الحج و انفاق ما لديه من المال في متطلباته مؤثرا في وضعه المعاشي ،فاذا رجع
الى بلدته و لم يتمكن من اعادته بدون الوقوع في حرج لم يكن مستطيعا ،و عليه

--( 126 )--

[3034 ]مسألة 37 :إذا وهبه ما يكفيه للحج لأن يحج وجب عليه القبول
على الأقوى ،بل و كذا لو وهبه و خيّره بين أن يحج به أو لا ( 1 ) ،و أما لو وهبه
و لم يذكر الحج لا تعيينا و لا تخييرا فالظاهر عدم وجوب القبول كما عن
المشهور .

[3035 ]مسألة 38 :لو وقف شخص لمن يحج أو أوصى أو نذر كذلك
فبذل المتولي أو الوصي أو الناذر له وجب عليه ،لصدق الاستطاعة بل
إطلاق الأخبار ( 2 ) ،و كذا لو أوصى له بما يكفيه للحج بشرط أن يحج فإنه
يجب عليه بعد موت الموصي .


فلا يجب عليه الحج بدون فرق بين أن تكون استطاعته حينئذ مالية أو بذلية .

فالنتيجة :ان ما في المتن من عدم اعتبار الرجوع الى ما به الكفاية في
الاستطاعة البذلية لا يتم باطلاقه .

( 1 ) في وجوب القبول اشكال بل منع ،لأن الظاهر من روايات البذل
وجوب القبول في فرض عرض الحج عليه ،أو ما يحج به ،مثل أن يقول :خذ
هذا المال و حج به ،و في المقام انما عرض عليه الجامع لا خصوص الحج ،فلا
يكون مشمولا لتلك الروايات .

( 2 ) هذا لعله لدفع توهم عدم شمول الأخبار للمسألة و اختصاصها بما إذا
كان الباذل مالكا ،و لكن لا وجه لهذا التوهم ،لا لإطلاق الأخبار ،فانها
ليست في مقام البيان من هذه الناحية ،و انما هي ناظرة الى بيان وجوب الحج
على من عرض عليه بلا نظر لها الى أن العرض من المالك أو من غيره ،بل من
جهة أن موضوع الوجوب هو العرض ،فاذا تحقق ترتب عليه حكمه ،و من
المعلوم انه لا فرق في تحققه بين أن يكون العرض من قبل المالك مباشرة ،أو
من غيره .

--( 127 )--

[3036 ]مسألة 39 :لو أعطاه ما يكفيه للحج خمسا أو زكاة و شرط عليه أن
يحج به فالظاهر الصحة ( 1 ) و وجوب الحج عليه إذا كان فقيرا أو كانت

( 1 ) في الظهور اشكال بل منع ،و الأظهر انه لا يجب عليه العمل بهذا
الشرط ،فانه يرتبط بمدى ولاية المالك على الخمس و الزكاة ،و قد تقدم في
ضمن بحوثهما انه لا ولاية له الاّ على عزلهما و تعيينهما في مال معين و اعطاؤه
للمستحق دون أكثر من ذلك ،فلا يحق للدافع أن يشترط على المستحق في
تصرفه فيها شروطا و قيودا ،لأن كل ذلك خارج عن نطاق ولايته ،هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى ،انه مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن للمالك ولاية
على هذا فلا شبهة في نفوذ هذا الشرط إذا كانت فيه مصلحة ،و من هنا إذا كان
ذلك الشرط من قبل الحاكم الشرعي حسب ما يراه كان نافذا لمكان ولايته ،
و عليه فلا وجه للقول بأن هذا الشرط لا يرجع الى معنى محصل ،اذ كما لا يمكن
أن يكون مرده إلى تعليق الاعطاء عليه بداهة ان الاعطاء فعل خارجي غير قابل
للتعليق ،كذلك لا يمكن أن يكون مردّه الى تعليق الالتزام بالاعطاء عليه ،فان
مرجعه الى ثبوت الخيار لدى التخلف و امكان الاسترداد ،و الفرض انه لا
موضوع له في المقام ،فاذن لا محالة يكون مرده الى التزام مقارن للإعطاء ،و هو
التزام ابتدائي و ليس شرطا ،و لا دليل على وجوب الوفاء به ،و ذلك لما عرفت من
أن نفوذه على المستحق و وجوبه عليه انما هو من باب ولاية المالك عليه لا من
باب أن شرطه نافذ كشرط أحد المتعاملين على الآخر ،و من هنا يكون وجوب
العمل به تكليف محض ،و لا يترتب على مخالفته أي أثر وضعي غير المعصية
و استحقاق الإدانة و العقوبة .

فالنتيجة :ان مرد هذا الشرط الى تعيين المصرف لهما ،و حينئذ فان كانت
للدافع ولاية عليه وجب على المستحق العمل به كالحاكم الشرعي ،فإن له
الولاية على هذا ،فاذا عيّن وجب العمل على طبقه ،و إذا خالف فقد عصى

--( 128 )--

الزكاة من سهم سبيل اللّه ( 1 ) .

[3037 ]مسألة 40 :الحج البذلي مجزئ عن حجة الإسلام ،فلا يجب عليه
إذا استطاع مالا بعد ذلك على الأقوى ( 2 ) .


و استحق العقوبة و الادانة ،و لا يترتب على مخالفته شي‏ء آخر كالخيار و امكان
الاسترداد ،نعم إذا استطاع المستحق بالقبض منهما بقدر مؤنة سنته حسب
مكانته و شئونه بمعنى انه كان كافيا لنفقات سفر الحج له وجب عليه ذلك و إن
لم يشترط ،شريطة أن لا يقع في حرج بعد العود .

( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لما تقدم من انه لا يعتبر في صدقه أن تكون فيه
مصلحة عامة على أساس انه يصدق على كل عمل قربي .

( 2 ) هذا هو الصحيح و هو المشهور بين الأصحاب ،و تدل على ذلك
روايات البذل ،بتقريب أنها تنص على وجوب الحج على من عرض عليه ما
يحج به بملاك أنه أصبح مستطيعا به ،و من المعلوم أن الواجب على المستطيع
بمقتضى الآية الشريفة و الروايات هو حجة الإسلام ،و بما أنها واجبة في تمام
مدة عمر الإنسان مرة واحدة ،فهو على يقين من عدم وجوبها عليه مرة ثانية و إن
استطاع مالا و على هذا فلا بد من حمل صحيحة الفضل بن عبد الملك عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن رجل لم يكن له مال فحج به اناس من أصحابه
أقضى حجّة الإسلام ؟قال :نعم ،فان أيسر بعد ذلك فعليه أن يحج ،قلت :هل
تكون حجته تلك تامة أو ناقصة إذا لم يكن حج من ماله ،قال :نعم قضى عنه
حجة الإسلام و تكون تامة و ليست بناقصة و إن أيسر فليحج -الحديث »- 1 - على
الاستحباب ،هذا اضافة الى وجود قرينة داخلية و خارجية على ذلك ،أما الأولى :
فلأن قوله عليه السّلام في نفس تلك الصحيحة ، «نعم قضى عنه حجة الإسلام و تكون

---------------

( 1 ) الوسائل باب :10 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :6 .


--( 129 )--

[3038 ]مسألة 41 :يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في
الإحرام ،و في جواز رجوعه عنه بعده و جهان ( 1 ) ،و لو وهبه للحج فقبل
فالظاهر جريان حكم الهبة عليه في جواز الرجوع قبل الإقباض و عدمه
بعده إذا كانت لذي رحم أو بعد تصرف الموهوب له .


تامة و ليست بناقصة »ناص في أداء حجة الإسلام و أنها تامة ،فاذن يصلح أن
يكون قرينة على حمل الأمر بالحج عند الاستطاعة المالية على الاستحباب .و أما
الثانية :فهي صحيحة معاوية قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل لم يكن له مال
فحج به رجل من اخوانه أ يجزيه ذلك عنه عن حجة الإسلام أم هي ناقصة ؟قال :
بل هي حجة تامة »- 1 - فان قوله عليه السّلام : «بل هي حجة تامة »ناص في الإجزاء
و الكفاية ،و عليه فيصلح أن يكون قرينة عرفا على حمل الأمر بالحج على
الاستحباب .

( 1 ) الأظهر هو الجواز شريطة أمرين :

أحدهما :أن يكون بذل المال المبذول الى المبذول له على نحو الاباحة ،
و هذا يعني أنه باق في ملك الباذل .

الثاني :ان يكون المال المبذول قائما بعينه بدون وقوع التغيير أو التبديل
عليه إذا كان على نحو الهبة ،و الاّ لم يجز له الرجوع اليه ،ثم انه إذا توفر شروط
الرجوع و رجع اليه يكشف عن عدم استطاعته باعتبار أن وجوب الحج مشروط
بالاستطاعة حدوثا و بقاء و مرتبطا بها ارتباط الحكم بالموضوع ،هذا نظير ما إذا
فقد ماله في الطريق بسبب من الأسباب ،فانه يكشف عن عدم وجوب الحج
عليه من الأول على أساس عدم توفر شروطه فيه .

و دعوى :أن الإحرام بما أنه كان باذن الباذل فلا يسوغ له الرجوع الى ما

---------------

( 1 ) الوسائل باب :10 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 130 )--

[3039 ]مسألة 42 :إذا رجع الباذل في أثناء الطريق ففي وجوب نفقة العود
عليه أو لا وجهان ( 1 ) .

[3040 ]مسألة 43 :إذا بذل لأحد اثنين أو ثلاثة فالظاهر الوجوب عليهم
كفاية ( 2 ) ،فلو ترك الجميع استقر عليهم الحج فيجب على الكل لصدق

بذله و المنع عن الإتمام الواجب عليه ،مدفوعة :بأن وجوبه عليه لا يمنع
من رجوع الباذل الى ماله إذا كانت شروطه متوفرة ،حيث ان الاتمام انما
هو واجب عليه شريطة أن يظل متمكنا منه ،فاذا رجع الباذل لم يبق متمكنا
و كان معذورا عنه حينئذ ،و عليه فهل على المبذول له تدارك ما صرفه من
المال لحد الآن و ضمانه للباذل ؟فالظاهر العدم باعتبار ان الصرف كان باذنه
و أمره .

( 1 ) لا يبعد وجوبها عليه باعتبار أن السفر لما كان مستندا إلى أمره و إذنه
فعليه أن يخسر كل ما يتطلبه من النفقة للذهاب و الاياب ،فاذا رجع في أثناء
الطريق كانت نفقة العود عليه .

( 2 ) فيه اشكال ،و لا يبعد عدم الوجوب ،و ذلك لأن روايات البذل ظاهرة
في عرض الحج على شخص معين في الخارج ،و لا تعم ما إذا عرض على
الجامع لا على التعيين ،و ما نحن فيه من هذا القبيل فان الباذل انما عرض ما يحج
به على واحد منهما بدون تعيين على أساس أن العرض واحد فلا محالة يكون
المأذون في الحج به واحد منهما لا بعينه ،و لا أحدهما المعين ،لأنه خلف
الفرض ،و الروايات لا تشمل العرض على الجامع .

و دعوى :ان العرض على كل واحد منهما بعينه مشروط بعدم أخذ الآخر
باعتبار أن العرض أمر تكويني خارجي ،فلا يمكن تعلقه بالجامع ،بل لا بد أن
يكون متعلقا بالشخص مشروطا ،مدفوعة :بأن المقصود من عرض ما يحج به
عليه ليس عرضه في الخارج ،و الاّ فكما لا يمكن تعلقه بالجامع لا يمكن تعلقه

--( 131 )--

الاستطاعة بالنسبة إلى الكل ،نظير ما إذا وجد المتيممون ماء يكفي لواحد
منهم ( 1 )


بكل واحد منهما بعينه مشروطا بعدم أخذ الآخر ،لأن العرض الخارجي غير
قابل للتقييد ،بل المقصود منه ان الباذل أباح ما يحج به لأحدهما ،و من المعلوم
أنه لا مانع من تعلق الاباحة بالجامع .

و إن شئت قلت :انه ليس هنا إباحات متعددة مشروطة بعدد الاشخاص ،
بل اباحة واحدة متعلقة بواحد منهم لا على التعيين بدون خصوصية ،نظير ما
ذكرناه في الواجب التخييري من أن هناك وجوب واحد متعلق بالجامع لا
وجوبات متعددة مشروطة بعدد افراد الجامع ،فان الباذل مرة يبيح ما يحج به
لفرد معين ،و أخرى يبيح لأحد فردين أو أفراد ،فيكون متعلق الاباحة على الثاني
الجامع دون الفرد بحده الفردي ،و على هذا فروايات الباب لا تشمل الثاني على
أساس أن موردها عرض ما يحج به على الفرد بحده الفردي ،لا على الجامع بل
لا معنى له الاّ بمعنى جعل الاباحة عليه ،و لكن على ذلك لا تجب الاستجابة
على كل واحد منهما لأن الاباحة مجعولة على الجامع لا على كل منهما بحده
الشخصي مشروطة لفرض أن الاباحة المجعولة اباحة واحدة لا اباحات متعددة
مشروطة .

( 1 ) فيه ان تنظير المقام بهذه المسألة يكون في غير محله لما عرفت من
أن وجوب الحج على من عرض عليه المال ليحج به مرتبط بمدى دلالة
الروايات و اطلاقها ،و بما أنها لا تشمل ما إذا عرض ذلك على واحد من فردين
أو أفراد لا بعينه فلا تجب الاستجابة على أي منهما بحده الشخصي باعتبار أن
إباحة المال انما هي مجعولة للجامع بينهما و هي لا تسري الى أفراده ،فلذلك لا
تجب على كل فرد الاستجابة ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر به أن يحج
أحدهما به إذا ترك الآخر ،و هذا بخلاف تلك المسألة فان موضوع وجوب

--( 132 )--

فإن تيمم الجميع يبطل ( 1 ) .

[3041 ]مسألة 44 :الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل ،و أما الكفارات فإن
أتى بموجبها عمدا اختيارا فعليه ،و إن اتى بها اضطرارا أو مع الجهل أو
النسيان فيما لا فرق فيه بين العمد و غيره ففي كونه عليه أو على الباذل
وجهان ( 2 ) .


التيمم فاقد الماء و عدم تيسره ،و موضوع وجوب الوضوء و الغسل واجد الماء
و التيسر منه ،و عليه فاذا وجد شخصان متيممان ماء يكفى لأحدهما فقط دون
الآخر بطل تيممهما معا شريطة عدم التسابق بينهما فيه باعتبار ان كل واحد
منهما متمكن حينئذ من استعمال الماء بدون مزاحم فلا محالة يبطل تيممه ،و أما
مع التسابق فيه فالباطل هو تيمم من سبقه الآخر في استعماله لأنه متمكن منه
دونه .

( 1 ) هذا في فرض عدم التسابق إليه كما مر ،و اما مع التسابق فقد عرفت ان
الباطل هو تيمم من سبقه الآخر ،و الا لم يبطل تيمم أي واحد منهم لعدم تمكن
الكل من الاستعمال .

( 2 ) الظاهر هو الأول ،اذ لا موجب لكون الكفارات على الباذل سواء
أ كانت عمدية أم خطئية على أساس أنها خارجة عن واجبات الحج من الأجزاء
و الشروط ،و الباذل انما تعهد بما يتطلب الحج من النفقات و الكفارات انما هي
تتبع موجباتها ،و الفرض انها تصدر من المبذول له لا من الباذل ،و لا يقاس تلك
الكفارات بثمن الهدي فانه من واجبات الحج و اجزائه ،و ظاهر روايات البذل
و العرض هو عرض ما يكفي للحج بكل واجباته ،و لا نظر لها الى ما يجب على
المبذول له من الكفارات لممارسة محرمات الإحرام ،فانها انما تجب على كل
من مارس شيئا من هذه المحرمات مباشرة .

--( 133 )--

[3042 ]مسألة 45 :إنما يجب بالبذل الحج الذي هو وظيفته على تقدير
الاستطاعة فلو بذل للآفاقي بحج القران أو الإفراد أو لعمرة مفردة لا يجب
عليه ،و كذا لو بذل للمكي لحج التمتع لا يجب عليه ،و لو بذل لمن حج
حجة الإسلام لم يجب عليه ثانيا ،و لو بذل لمن استقر عليه حجة الإسلام
و صار معسرا وجب عليه ( 1 ) ،و لو كان عليه حجة النذر أو نحوه و لم يتمكن
فبذل له باذل وجب عليه و إن قلنا بعدم الوجوب لو وهبه لا للحج ،لشمول
الأخبار ( 2 ) من حيث التعليل فيها بانه بالبذل صار مستطيعا ،و لصدق
الاستطاعة عرفا .

[3043 ]مسألة 46 :إذا قال له : «بذلت لك هذا المال مخيرا بين أن تحج به
أو تزور الحسين عليه السّلام »وجب عليه الحج ( 3 ) .


( 1 ) هذا لا من جهة نصوص البذل لأنها لا تشمل المقام لاختصاصها بما
إذا وجب الحج على المبذول له بالاستطاعة البذلية ،و اما في المقام فالحج
واجب عليه بالاستطاعة المالية في زمن سابق ،و لكن بما أنه كان عامدا و ملتفتا
إلى الحكم الشرعي تسامح و تساهل فيه ،و أخر الاتيان به سنة بعد سنة الى أن
فاتت الاستطاعة و الامكانية المالية منه ،فيظل الحج باقيا و مستقرا في ذمته ،
فيجب عليه الخروج حينئذ عن عهدته بأية وسيلة أمكن و لو متسكعا ،و حيث انه
كان معسرا فيجب عليه تحصيل القدرة على الاتيان به مهما أمكن ،فاذا بذل باذل
و عرض عليه ما يحج به وجب عليه القبول تطبيقا لما تقدم و هو وجوب
تحصيل القدرة عليه ،و بذلك يظهر حال ما بعده .

( 2 ) الظاهر أن هذا من سهو القلم في المسألة لأنها لا ترتبط بتلك الأخبار
أصلا ،بل الأخبار مرتبطة بالمسألة الآتية .

( 3 ) مر الاشكال فيه ،بل المنع في المسألة ( 37 ) .

--( 134 )--

[3044 ]مسألة 47 :لو بذل له مالا ليحج بقدر ما يكفيه فسرق في أثناء
الطريق سقط الوجوب .

[3045 ]مسألة 48 :لو رجع عن بذله في الأثناء و كان في ذلك المكان
يتمكن من أن يأتي ببقية الأعمال ( 1 ) من مال نفسه أو حدث له مال بقدر
كفايته وجب عليه الإتمام و أجزأه عن حجة الإسلام .

[3046 ]مسألة 49 :لا فرق في الباذل بين أن يكون واحدا أو متعددا ،فلو
قالا له :حجّ و علينا نفقتك وجب عليه .

[3047 ]مسألة 50 :لو عين له مقدارا ليحج به و اعتقد كفايته فبان عدمها
وجب عليه الإتمام ( 2 ) في الصورة التي لا يجوز له الرجوع ،إلا إذا كان

( 1 ) فيه ان ظاهر اطلاق كلامه جواز رجوع الباذل حتى بعد الإحرام ،و هو
لا ينسجم مع ما ذكره في المسألة ( 41 ) من التردد في جواز الرجوع بعده ،و أما
بناء على ما ذكرناه من الجواز حتى بعده شريطة توفر أمرين فيه ،فلا اشكال في
أن حجه حجة الإسلام في مفروض المسألة ،لأنه مستطيع حتى في فرض كونه
واجدا للمال الوافي بمواصلة الحج إلى أن يكمل مقارنا لرجوع الباذل ،إذ
الاستطاعة التدريجية كافية لوجوب حجة الإسلام ،حيث انه كان مستطيعا بالبذل
و بعد الرجوع بما أنه حدث عنده مال جديد بمقدار يفي لمؤنة سائر أعمال
الحج فتستمر استطاعته الى أن يتم كل اعمال الحج و واجباته ،و على هذا فلا
وجه لدعوى أن رجوع الباذل يكشف عن عدم استطاعة المبذول لأنه انما
يكشف عن ذلك بذلا لا مطلقا ،غاية الأمر أنها مركبة من جزءين :أحدهما بذلي ،
و الآخر مالي .

( 2 ) في الوجوب اشكال بل منع ،لأنه مبني على عدم جواز رجوع الباذل
عن بذله بعد الاحرام و في الأثناء ،و لكن قد مر أن الأظهر جوازه مطلقا حتى في

--( 135 )--

ذلك مقيدا بتقدير كفايته ( 1 ) .

[3048 ]مسألة 51 :إذا قال : «اقترض و حجّ و عليّ دينك »ففي وجوب
ذلك عليه نظر ،لعدم صدق الاستطاعة عرفا ،نعم لو قال : «اقترض لي و حج
به »وجب ( 2 ) مع وجود المقرض كذلك .


الأثناء و بعد الاحرام على ما تقدم في المسألة ( 37 ) و على هذا فاذا رجع كشف
ذلك عن عدم كونه مستطيعا من الأول .

( 1 ) بأن بذل مقدارا معينا من المال مقيدا بتقدير كفايته بدون أن يلتزم
بالإتمام لو لم يكف .

و بكلمة :إن الباذل مرة :يكون بانيا على بذل ما يكفي للحج ،و لكن عين
مقدارا من المال باعتقاد أنه يكفي ،ثم بان عدم كفايته ،فانه من الخطأ في التطبيق ،
فعلى مسلك الماتن قدّس سرّه يجب اتمامه ،و أخرى :انه عين مقدارا من المال و بذله
لشخص على تقدير كفايته للحج و بنى على عدم اتمامه لو لم يكف ،ففي مثل
ذلك إذا انكشف عدم كفايته لم يجب عليه الاتمام ،و لكن قد مر عدم وجوبه في
كلتا الصورتين بلا فرق بينهما .

( 2 ) في الوجوب اشكال بل منع ،و الأظهر عدمه بدون فرق بين الفرضين
في المسألة ،و ذلك لما مر من أن المستفاد من الآية الشريفة بضميمة
الروايات الواردة في تفسيرها أن الاستطاعة عبارة عن الامكانية المالية
لنفقات سفر الحج و متطلباته ،و الفرض عدم تحققها في كلا الفرضين ،اما
الاستطاعة المالية فهي مفروضة العدم ،و اما الاستطاعة البذلية فهي
متمثلة ببذل المال و عرض ما يحج به على شخص ،و هو لا يتحقق بالأمر
بالاقتراض و إن كان على ذمة الآمر ،إذ لا يصدق انه عرض عليه ما يحج به ليكون
مشمولا لروايات البذل على أساس ان دلالتها على وجوب الحج على من
عرض عليه ما يحج به ليست على خلاف القاعدة ،بل من جهة أنه بنفس ذلك

--( 136 )--

[3049 ]مسألة 52 :لو بذل له مالا ليحج به فتبين بعد الحج أنه كان مغصوبا
ففي كفايته للمبذول له عن حجة الإسلام و عدمها وجهان أقواهما
العدم ( 1 ) ،


العرض صار مستطيعا فيكون وجوب الحج عليه حينئذ على القاعدة ،و أما في
المقام فلا يكون الأمر بالاقتراض موجبا لكونه مستطيعا ،و انما يصير مستطيعا
بعملية الاقتراض في الخارج ،و من المعلوم أن تحصيل الاستطاعة بالقيام بهذه
العملية غير واجب .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و الأظهر هو التفصيل في المسألة بين ما إذا
كان المبذول له غافلا عن كون المال المبذول مغصوبا ،أو جاهلا به جهلا مركبا ،
و بين ما إذا لم يكن كذلك .

فعلى الأول ،لا يبعد الاجزاء على أساس ان المعيار في وجوب الحج
عليه انما هو استطاعته بالعرض و البذل ،و قد مر ان الاستطاعة التي هي عبارة عن
الامكانية المالية كما تحصل بالعرض على نحو الملك ،كذلك تحصل به على
نحو الاباحة ،ضرورة ان العبرة انما هي بالامكانية المالية عنده ،سواء أ كانت
مستندة الى الملك ،أم إلى الاباحة و جواز التصرف فيه واقعا ،و عليه فاذا كان
المال المعروض مغصوبا في الواقع ،و كان المبذول له غافلا عنه أو بحكمه ،جاز
تصرفه فيه واقعا ،فاذا جاز كذلك كان مستطيعا فيجب عليه الحج و لا ضمان عليه
لأنه مستقر على الباذل .

و على الثاني :لا يجزئ عن حجة الإسلام ،لعدم استطاعته ببذل مال غيره
الذي لا يجوز له التصرف فيه واقعا و إن كان جائزا ظاهرا ،لأنه غير مشمول
لنصوص العرض و البذل ،فان الظاهر منها هو عرض ما يجوز تصرف المبذول
له فيه واقعا ،بأن لا يكون محرما عليه كذلك ،كما في الفرض الأول ،و أما إذا كان
حراما في الواقع فهو غير مشمول لها .

--( 137 )--

أما لو قال : «حج و عليّ نفقتك »ثم بذل له مالا فبان كونه مغصوبا فالظاهر
صحة الحج و إجزاؤه عن حجة الإسلام ( 1 ) لأنه استطاع بالبذل ،و قرار
الضمان على الباذل في الصورتين عالما كان بكونه مال الغير أو جاهلا .

[3050 ]مسألة 53 :لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج بأجرة يصير بها
مستطيعا وجب عليه الحج ،و لا ينافيه وجوب قطع الطريق عليه للغير لأن
الواجب عليه في حج نفسه أفعال الحج و قطع الطريق مقدمة توصلية بأي
وجه أتى بها كفى و لو على وجه الحرام أو لا بنية الحج ،و لذا لو كان
مستطيعا قبل الإجارة جاز له إجارة نفسه للخدمة في الطريق ،بل لو آجر
نفسه لنفس المشي معه بحيث يكون العمل المستأجر عليه نفس المشي
صح أيضا و لا يضر بحجه ،نعم لو آجر نفسه لحج بلدي لم يجز له أن يؤجر
نفسه لنفس المشي ( 2 ) كإجارته لزيارة بلدية أيضا ،أما لو آجر للخدمة في

( 1 ) فيه أنه لا فرق بين هذا الفرض و الفرض المتقدم حيث ان عرض ما
يحج به عليه لا يصدق على قول الباذل :حج و علي نفقتك ،ما دام لم يعرض
عليه ما يحج به خارجا ،فاذا عرض عليه و كان المال المعروض مغصوبا ،فان
كان المبذول له غافلا عن ذلك أو جاهلا به جهلا مركبا لم يبعد الاجزاء و الاّ فلا .
نعم لو تحقق العرض بقوله ( حج و علي نفقتك ) و استطاع المبذول له بذلك ،
فالأمر كما افاده قدّس سرّه من صحة حجه و أن تصرفه في المال المغصوب واقعا لا
يضر بها ،باعتبار أن الحرام لا يكون متحدا مع الواجب ،نعم إذا اشترى الهدي
بالمال المغصوب شخصا كان تاركا للهدي ،و أما الضمان فالمبذول له و إن كان
ضامنا ،الاّ أن ضمانه غير مستقر ،باعتبار أن المالك إذا رجع اليه و أخذ بدل المال
المغصوب منه فهو يرجع الى الباذل .

( 2 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،لأن المشي إذا كان مملوكا للمستأجر الأول فلا

--( 138 )--

الطريق فلا بأس و إن كان مشيه للمستأجر الأول ،فالممنوع وقوع الاجارة
على نفس ما وجب عليه أصلا أو بالإجارة .

[3051 ]مسألة 54 :إذا استؤجر -أي طلب منه إجارة نفسه -للخدمة بما
يصير به مستطيعا لا يجب عليه القبول و لا يستقر الحج عليه ،فالوجوب
عليه مقيد بالقبول و وقوع الإجارة ،و قد يقال بوجوبه إذا لم يكن حرجا عليه
لصدق الاستطاعة و لأنه مالك لمنافعه فيكون مستطيعا قبل الإجارة كما إذا
كان مالكا لمنفعة عبده أو دابته و كانت كافية في استطاعته ،و هو كما ترى إذ
نمنع صدق الاستطاعة بذلك ،لكن لا ينبغي ترك الاحتياط في بعض صوره
كما إذا كان من عادته إجارة نفسه للأسفار ( 1 ) .


يصح تمليكه للثاني لأنه تمليك مال غيره له بدون اذنه ،نعم ،يجوز له
ان آجر نفسه للخصوصيات المقارنة للمشي كالمشي راجلا أو من طريق خاص
أو نحو ذلك ،فاذن يكون المملوك للمستأجر الثاني غير المملوك للمستأجر
الأول .

( 1 ) فيه أنه لا فرق بين هذه الصورة و غيرها ،فانه على كلا التقديرين لا
تتحقق الاستطاعة الاّ باجارة نفسه للخدمة أو نحوها في الطريق حتى يصير
مستطيعا ،و هي غير واجبة لأنها من تحصيل شروط الوجوب .

و بكلمة :ان المراد من الاستطاعة ليس هو القدرة الفعلية على الحج
و التمكن منه و لو بواسطة تمكنه من اجارة نفسه ،بل المراد منها الامكانية المالية
عنده فعلا ،و هي تتوقف على قبوله لها ،فمن أجل ذلك لا يجب عليه القبول ،
على أساس أنه تحصيل للاستطاعة ،و هو غير واجب ،و من المعلوم أنه لا فرق
في ذلك بين أن تكون اجارة نفسه للأسفار كعادة له أو لا ،اذ على كلا الفرضين لا
تجب عليه الاجارة لتحصيل الاستطاعة .

--( 139 )--

[3052 ]مسألة 55 :يجوز لغير المستطيع أن يؤجر نفسه للنيابة عن الغير ،
و إن حصلت الاستطاعة بمال الإجارة قدم الحج النيابي ( 1 ) ،فإن بقيت
الاستطاعة إلى العام القابل وجب عليه لنفسه ،و إلا فلا .


و دعوى :ان الشخص لما كان يملك منافعه كان بامكانه تمليكها من
شخص آخر لقاء أجرة معينة تكفي لنفقات سفر الحج له ذهابا و ايابا ،لما مر من
أنه لا فرق في الاستطاعة المالية بين أن تكون نقدا أو عينا أو منفعة ،كما إذا كانت
عنده ضيعة فله أن يقوم ببيعها و صرف ثمنها في نفقات الحج ،و له أن يقوم
باجارتها في فترة طويلة تكفي أجرتها في نفقاته ،مدفوعة :بأن قياس منافعه
بمنافع ضيعته قياس مع الفارق ،فانه لا يملك ذاته لكي يملك منافعه بملكية
اعتبارية كمنافع أمواله ،فلذلك لا تترتب آثار الملك على منافع الحرّ الاّ إذا كانت
مملوكة لغيره باجارة أو نحوها .

( 1 ) هذا إذا كان مقيدا بعام الاجارة ،و اما إذا كان مطلقا و غير مقيد به فيجب
تقديم الحج عن نفسه عليه شريطة أن يكون واثقا و مطمئنا بالتمكن من الاتيان
بالحج النيابي في السنين القادمة ،فانه حينئذ لا تزاحم بينهما باعتبار أن أحدهما
مضيق و الآخر موسع ،و اما إذا لم يكن واثقا بذلك وجب تقديم الحج النيابي ،
فان احتمال انه لو صرف مال الاجارة في حجة الإسلام عجز عن الحج النيابي
كفى في التقديم ،فان وجوب حجة الإسلام فورا يعني في السنة الأولى من
الاستطاعة في هذه الحالة غير معلوم لكي يصلح أن يزاحم وجوب الحج
النيابي ،و قد تقدم الاشكال في فورية وجوبها الاّ في حالة خاصة ،و في المقام بما
انه لم يكن مستطيعا من الأول و انما جاءت استطاعته من قبل مال الاجارة ،فاذا
احتمل انه لو صرفه في نفقات سفر حجة الإسلام عن نفسه عجز عن نفقات
الحج النيابي وجب صرفه فيه أو حفظه له ،اذ لا دليل على فورية وجوبه في هذه
الحالة .

--( 140 )--

[3053 ]مسألة 56 :إذا حج لنفسه أو عن غيره تبرعا أو بالإجارة مع عدم
كونه مستطيعا لا يكفيه عن حجة الإسلام فيجب عليه الحج إذا استطاع بعد
ذلك ( 1 ) ،و ما في بعض الأخبار من إجزائه عنها محمول على الإجزاء ما دام
فقيرا كما صرح به في بعضها الآخر ،فالمستفاد منها أن حجة الإسلام

( 1 ) هذا إذا حج لنفسه متسكعا ،فانه لا يجزئ عن حجة الإسلام ،
و إذا استطاع بعد ذلك وجب على أساس ما دل على وجوب الحج على من
استطاع من الآية الشريفة و الروايات ،فان مقتضى اطلاقه وجوبه عليه
و ان حج قبل استطاعته ،و أما إذا حج عن غيره تبرعا أو بالاجارة ففي
وجوب الحج عليه إذا استطاع اشكال ،و إن كان الوجوب هو الأحوط و الأجدر ،
و ذلك لدلالة مجموعة من الروايات على الاجزاء و عدم وجوب الحج عليه إذا
استطاع .

منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :حج الصرورة
يجزى عنه و عمّن حج عنه »- 1 - .

و منها :صحيحة الأخرى قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل حج عن
غيره يجزيه ذلك عن حجة الإسلام ؟قال :نعم -الحديث »- 2 - .

و منها :صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل ليس له
مال حج عن رجل أو أحجّه غيره ثم أصاب مالا ،هل عليه الحج ؟فقال :يجزى
عنهما جميعا »- 3 - .

فان هذه الروايات ناصة في الإجزاء عن حجة الإسلام و عدم وجوب
الاتيان بها إذا استطاع مالا و بدنا و سربا ،و لا معارض لها ما عدا روايتي آدم بن
علي و أبي بصير ،و لكنهما ضعيفتان من ناحية السند ،فلا يمكن الاعتماد عليهما ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :21 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :4 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :21 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :6 .


--( 141 )--

..........
هذا اضافة الى أن مقتضى الجمع العرفي الدلالي بين الطائفتين هو حمل الثانية
على الاستحباب .

و دعوى :ان الاصحاب بما أنهم قد اعرضوا عن الطائفة الأولى فهو
يوجب سقوطها عن الحجية و الاعتبار ،بل في بعض الكلمات ان الحكم
بالاجزاء و سقوط حجة الإسلام معلوم البطلان و لم يذهب اليه أحد من علماء
الامامية ،بل تسالموا على عدم الاجزاء و عدم العمل بالصحيحتين ،مدفوعة :بما
ذكرناه في محله من أن إعراض الأصحاب عن رواية و عدم عملهم بها رغم أنها
بأيديهم انما يكشف عن سقوطها شريطة توفر أمرين فيها .

أحدهما :أن يكون هذا الإعراض من قدماء الأصحاب الذين يكون
عصرهم متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام .

و الآخر :ان لا يكون في المسألة ما يحتمل أن يكون مدركا لعدم عملهم
بها ،فاذا توفر هذان الأمران فيها كشف عن سقوطها و عدم صدورها عن
المعصومين عليهم السّلام من الأول و انه وصل إلينا يدا بيد و طبقة بعد طبقة .و لكن كلا
الأمرين غير متوفر .

أما الأمر الأول :فلا طريق لنا إلى إحراز ذلك بين القدماء جميعا ،و مجرد
اعراض المتأخرين و عدم عملهم بها لا يكشف عنه بين القدماء ،اذ من المحتمل
أن يكون اعراضهم عنها مستندا إلى أمر آخر .

و أما الثاني :فلأن من المحتمل ترجيح الطائفة الثانية على الأولى بسبب أو
آخر .و من هنا ذكر صاحب المدارك لها محامل ،و لم يقل بسقوطها عن الاعتبار
باعراض الاصحاب عنها .

فالنتيجة :ان الحكم بسقوطها عن الحجية و الاعتبار باعراض الاصحاب
عنها في غاية الاشكال بل المنع ،فمن أجل ذلك لا يمكن طرح هذه الروايات
و عدم العمل بها .و من هنا يظهر انه لا يبعد الالتزام نظريا بمدلول هذه الروايات
و هو ان من حج عن غيره يجزي عن حجة الإسلام عنه أيضا ،باعتبار أنه مصداق

--( 142 )--

مستحبة على الغير المستطيع ( 1 ) و واجبة على المستطيع ،و يتحقق الأول
بأي وجه أتى به و لو عن الغير تبرعا أو بالإجارة ،و لا يتحقق الثاني إلا مع
حصول شرائط الوجوب .

[3054 ]مسألة 57 :يشترط في الاستطاعة مضافا إلى مئونة الذهاب
و الإياب وجود ما يمون به عياله حتى يرجع ،فمع عدمه لا يكون
مستطيعا ( 2 ) ،و المراد بهم من يلزمه نفقته لزوما عرفيا و إن لم يكن ممن
يجب عليه نفقته شرعا على الأقوى ،فإذا كان له أخ صغير أو كبير فقير لا
يقدر على التكسب و هو ملتزم بالإنفاق عليه أو كان متكفلا لإنفاق يتيم في
حجره و لو أجنبي يعد عيالا له ،فالمدار على العيال العرفي .


للحجة الأولى للمستطيع ،و لكن مع ذلك فالمسألة لا تخلو عن اشكال ،
و الاحتياط بالاتيان بحجة الإسلام إذا استطاع بعد ذلك لا يترك .

( 1 ) فيه ان حجة الإسلام واجبة على المستطيع ،فانها عبارة عن الحجة
الأولى للمستطيع المميزة لها شرعا ،و لا تنطبق على الحج المستحب للفقير و لا
لغيره ،و الاّ فمقتضى القاعدة الاجزاء باعتبار أنهما حقيقة واحدة ،و لا فرق بينهما
الاّ في الوجوب و الاستحباب ،لفرض عدم اعتبار قصدهما في الصحة ،و حينئذ
هذا مثل حج الغني بعد اتيانه بحجة الإسلام الواجبة عليه فانه مستحب و لا
تصدق عليه حجة الإسلام .

( 2 ) بل يكون مستطيعا حتى فيما إذا كانت نفقة العائلة دينا عليه كنفقة
الزوجة ،لما مر من أن الاستطاعة المالية التي هي معتبرة في وجوب الحج عبارة
عن الامكانية المالية عنده فعلا لنفقات سفر الحج ،فاذا حصلت تلك الامكانية له
بالهبة أو بالاكتساب فهو مستطيع سواء أ كانت عنده نفقة عياله في فترة الحج أم
لم تكن ،غاية الأمر إذا لم تكن وقع التزاحم بين وجوب الحج و وجوب النفقة

--( 143 )--

[3055 ]مسألة 58 :الأقوى وفاقا لأكثر القدماء اعتبار الرجوع إلى كفاية ( 1 )
من تجارة أو زراعة أو صناعة أو منفعة ملك له من بستان أو دكان أو نحو
ذلك بحيث لا يحتاج إلى التكفف و لا يقع في الشدة و الحرج ،و يكفي كونه
قادرا على التكسب اللائق به أو التجارة باعتباره و وجاهته و إن لم يكن له
رأس مال يتجر به ،

كما هو الحال في سائر الديون ،فلا يكون وجوب اداء الدين رافعا للاستطاعة
كما تقدم ،فاذن لا بد من تقديم وجوب النفقة على وجوب الحج بملاك الأهمية ،
أو لا أقل من احتمالها ،هذا اضافة الى أن فورية وجوب الحج مطلقا محل
اشكال كما سبق .

و من هنا يظهر الحال فيما إذا دار الأمر بين وجوب الانفاق على الأولاد أو
الأبوين و وجوب الحج ،فانه يتقدم الأول لمكان احتمال اهميته ،هذا اضافة إلى
الاشكال في فورية وجوبه .

و اما من لا تجب نفقته عليه شرعا كالأخ أو الأخت أو اليتيم الذي في
حجره ممن لا يقدر على نفقته و لكنه ملتزم بالانفاق عليه بحيث يعد عرفا من
عائلته ،فان كان الذهاب الى الحج و صرف المال فيه و ترك الانفاق عليه حرجيا
لم يجب ،و كذلك إذا أدى ترك الانفاق عليه وقوعه في مهانة أو خطر ،و الاّ
وجب .

( 1 ) هذا هو الصحيح شريطة أن يسبب عدم الكفاية بعد الانفاق على
الحج وقوعه في حرج من جهة ما انفقه عليه ،فان تمكنه من اعادة وضعه
المعاشي الطبيعي اللائق بحاله و متطلبات مكانته بعد الانفاق على سفر الحج
بدون الوقوع في حرج بسببه معتبر في الاستطاعة التي هي الموضوع لوجوب
الحج و إن كان منشأ اعتباره فيها الوقوع في الحرج باعتبار أنها متكونة من أمور
منها التمكن من استئناف وضعه المعاشي اللائق بحاله بعد الانفاق على الحج

--( 144 )--

نعم قد مرّ عدم اعتبار ذلك في الاستطاعة البذلية ( 1 ) ،و لا يبعد عدم اعتباره
أيضا فيمن يمضي أمره ( 2 ) بالوجوه اللائقة به كطلبة العلم من السادة
و غيرهم فإذا حصل لهم مقدار مئونة الذهاب و الإياب و مئونة عيالهم إلى
حال الرجوع وجب عليهم ،بل و كذا الفقير الذي عادته و شغله أخذ الوجوه
و لا يقدر على التكسب إذا حصل له مقدار مئونة الذهاب و الإياب له
و لعياله ،و كذا كل من لا يتفاوت حاله قبل الحج و بعده إذا صرف ما حصل
له من مقدار مئونة الذهاب و الإياب من دون حرج عليه .


و الرجوع الى بلدته بدون الوقوع في الحرج بسبب ذلك ،و اما إذا لم يتمكن من
اعادة وضعه المعاشي بعد الرجوع و العودة الى بلدته و يقع في حرج فهو لا
يكون مستطيعا .

و إن شئت قلت :ان المستفاد من الآية الشريفة و الروايات الواردة في
تفسيرها هو أن الاستطاعة و إن كانت عبارة عن الامكانية مالا و بدنا و سربا و لا
يستفاد منهما اعتبار التمكن من اعادة وضعه المعاشي الطبيعي اللائق بحاله بعد
الانفاق على الحج و العودة الى بلدته بدون الوقوع في حرج بسبب ذلك الانفاق ،
و لكن يستفاد اعتباره من دليل لا حرج ،لأنه لازم تطبيقه في المقام و نفي وجوبه
في صورة عدم التمكن منها بدون الوقوع فيه ،و لا يقاس ذلك بوجوب الوفاء
بالدين ،أو بوجوب النفقة فانه وجوب آخر في مقابل وجوب الحج ،فلذا تقع
المزاحمة بينهما كما مر ،فلا يكون التمكن من الوفاء بالدين أو على النفقة جزء
الاستطاعة التي هي شرط لوجوب الحج ،بل هو شرط لوجوب آخر .

( 1 ) مر الاشكال في اطلاقه ،بل المنع في المسألة ( 36 ) .

( 1 ) بل لا موضوع له فيه ،لأنه متمكن من استيناف وضعه المعاشي
الطبيعي بعد الرجوع من الحج و الانفاق عليه بدون الوقوع في حرج ،و هذا يعني
أن الحج لا يؤثر في حاله ،و لا فرق فيها بين ما قبل الاتيان به و ما بعده و ذهابه اليه
و عدم ذهابه ،و كذلك حال ما بعده .

--( 145 )--

[3056 ]مسألة 59 :لا يجوز للولد أن يأخذ من مال والده و يحج به ،كما لا
يجب على الوالد أن يبذل له ،و كذا لا يجب على الولد بذل المال لوالده
ليحج به .

و كذا لا يجوز للوالد الأخذ من مال ولده للحج ،و القول بجواز ذلك
أو وجوبه كما عن الشيخ ضعيف ،و إن كان يدل عليه صحيح سعيد بن يسار
«قال :قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :الرجل يحج من مال ابنه و هو صغير ؟قال :نعم
يحج منه حجة الإسلام ،قال :و ينفق منه ؟قال :نعم ،ثم قال :إن مال الولد
لوالده ،إن رجلا اختصم هو و والده إلى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فقضى أن المال
و الولد للوالد »و ذلك لإعراض الأصحاب عنه ( 1 ) مع إمكان حمله

( 1 ) لا للاعراض لما مر في المسألة ( 56 ) من أنه لا أثر للاعراض ،بل من
جهة ان الروايات في المسألة متعارضة فان طائفة منها تنص على جواز تصرف
الوالد في مال ولده في الحج و غيره ،و طائفة أخرى منها تنص على عدم
الجواز .

اما الطائفة الأولى :

فمنها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن
الرجل يحتاج الى مال ابنه ،قال :يأكل منه ما شاء من غير سرف ،و قال :في
كتاب علي عليه السّلام :ان الولد لا يأخذ من مال والده شيئا الاّ باذنه ،و الوالد يأخذ
من ماله ابنه ما شاء ،و له أن يقع على جارية ابنه اذا لم يكن الابن وقع عليها ،
و ذكر أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال لرجل :أنت و مالك لأبيك »- 1 - فانها ناصة في جواز
تصرف الوالد في مال ولده ما شاء ،و مطلقة من ناحية تصرفه فيه في الحج أو في
غيره .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :78 من أبواب ما يكتسب به الحديث :1 .


--( 146 )--

..........
و منها :صحيحة سعيد بن يسار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :أ يحج الرجل
من مال ابنه و هو صغير ؟قال :نعم ،قلت :يحج حجّة الإسلام و ينفق منه ؟قال :
نعم بالمعروف ،ثم قال :نعم يحج منه و ينفق منه ،ان مال الولد للوالد و ليس للولد
أن يأخذ من مال والده الاّ باذنه »- 1 - فانها ناصة في أن للوالد أن يحج من مال
ولده .

و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته
عن الرجل يكون لولده الجارية أ يطأها ؟قال :إن أحب ،و إن كان لولده مال
و أحب أن يأخذ منه فليأخذ ،و إن كانت الأم حية فلا أحب أن تأخذ منه شيئا الاّ
قرضا »- 2 - .

و اما الطائفة الثانية :

فمنها :صحيحة عبد اللّه بن سنان ،قال : «سألته -يعني أبا عبد اللّه عليه السّلام -ما ذا
يحل للوالد من مال ولده ؟قال :أما إذا انفق عليه ولده بأحسن النفقة فليس له أن
يأخذ من ماله شيئا ،و إن كان لوالده جارية للولد فيها نصيب فليس له أن يطأها الاّ
أن يقومها قيمة تصير لولده قيمتها عليه »- 3 - فانها ناصة في عدم الجواز في فرض
عدم الحاجة و انفاق الولد على الوالد بأحسن النفقة .

و منها :صحيحة الحسين بن أبي العلاء ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :ما
يحل للرجل من مال ولده ؟قال :قوته ( قوت ) بغير سرف اذا اضطر اليه ،قال :
فقلت له :فقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للرجل الذي أتاه فقدم أباه فقال له انت و مالك
لأبيك :فقال :انما جاء بأبيه إلى النبي صلّى اللّه عليه و آله فقال :يا رسول اللّه هذا أبي و قد ظلمني
ميراثي عن أمي ،فأخبره الأب انه قد انفقه عليه و على نفسه ،و قال :انت و مالك
لأبيك ،و لم يكن عند الرجل شي‏ء ،أو كان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله يحبس الأب
للابن ؟ »- 4 - فانها ناصة في عدم جواز أخذ الوالد من مال ولده أكثر من مقدار
قوته .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :78 من أبواب ما يكتسب به الحديث :4 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :78 من أبواب ما يكتسب به الحديث :10 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :78 من أبواب ما يكتسب به الحديث :3 .



---------------

( 4 ) الوسائل باب :78 من أبواب ما يكتسب به الحديث :8 .


--( 147 )--

على الاقتراض ( 1 ) من ماله مع استطاعته من مال نفسه أو على ما إذا كان
فقيرا و كانت نفقته على ولده و لم يكن نفقة السفر إلى الحج أزيد من نفقته
في الحضر ( 2 ) إذ الظاهر الوجوب حينئذ .


و على هذا فتقع المعارضة بين الطائفتين ،و حينئذ ينظر الى امكان ترجيح
احداهما على الأخرى ،و بما أن الطائفة الثانية موافقة لإطلاق الكتاب و السنة
دون الأولى فتتقدم عليها .

فالنتيجة :عدم جواز تصرف الوالد في مال الولد في غير مقدار تدعو
الضرورة و الحاجة إلى التصرف فيه ،أو في مقدار قوته .

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن موافقة اطلاق الكتاب لا تصلح
للمرجحية ،بدعوى انه ليس مدلول الكتاب و انما الحاكم به العقل ،فلا تصدق
على موافقته موافقة الكتاب ،كما ذهب اليه السيد الاستاذ قدّس سرّه ،فتسقطان معا ،
و يرجع عندئذ إلى العام الفوقي ،و هو اطلاق الكتاب و السنة ،فاذن النتيجة هي
نفس تلك النتيجة .

بقى هنا شي‏ء :و هو ان المستفاد من الطائفة الثانية أنه يحق للوالد أن يأخذ
من مال ولده بمقدار نفقته و قوته ،و هذا يكشف عن أن نفقة الوالد حق على
الولد لا مجرد تكليف ،و الاّ فلا يحق له أن يأخذ من مال ولده نفقته اذا لم يعط
الولد و عصى .

( 1 ) فيه انه لا يمكن هذا الحمل ،و لا شاهد عليه في الروايات أصلا ،بل
الشاهد موجود على الخلاف ،و هو ما في بعض تلك الروايات من أن الأم لا
تأخذ من مال ولدها الاّ قرضا دون الوالد ،و مع هذا التفصيل كيف يمكن حمل
أخذ الوالد من مال الولد على الاقتراض .

( 2 ) فيه أن هذا الحمل بعيد جدا و لا قرينة عليه لا من القريب و لا من
البعيد .

--( 148 )--

[3057 ]مسألة 60 :إذا حصلت الاستطاعة لا يجب أن يحج من ماله ،فلو
حج في نفقة غيره لنفسه أجزأه ،و كذا لو حج متسكعا ،بل لو حج من مال
الغير غصبا صح و أجزأه ،نعم إذا كان ثوب إحرامه و طوافه و سعيه من
المغصوب لم يصح ( 1 ) ،و كذا إذا كان ثمن هديه غصبا ( 2 ) .


( 1 ) بل يصح في كل هذه الصور ،أما في حال الاحرام فلأن ثوبيه اذا كانا
مغصوبين لا يضران بصحته على أن صحة الاحرام لا تكون مشروطة بلبس
ثوبيه ،فانه صحيح و إن لم يكن لابسا لهما ،لأن حقيقة الإحرام انما هي
التلبية ،فاذا لبى ناويا القربة و الخلوص تحقق الاحرام سواء أ كان لابسا ثوبيه أم
لا ،فان لبسهما واجب تعبدي مستقل ،فاذا كانا من المغصوب كان تاركا واجبا
مستقلا لا من واجبات الحج أو العمرة ،فلا يكون تركه مؤديا الى بطلان الحج أو
العمرة .

و اما الطواف ،فلأن صحته و إن كانت مشروطة بالستر كالصلاة ،الا انا ذكرنا
في محله ان الستر بما أنه قيد للطواف فهو خارج عنه ،و تقيّده به داخل فيه ،
و التقيد بما أنه جزء معنوي تحليلي فلا واقع له في الخارج ،فان ماله واقع فيه
ذات المقيد و القيد ،و على هذا فاذا كان الستر حراما لم يكن الحرام متحدا مع
الواجب لفرض أنه ليس من أجزائه و واجباته ،و مع عدم الاتحاد لا مانع من
انطباق الواجب على الفرد المأتي به في الخارج ،غاية الأمر انه ملازم لوجود
الحرام فيه ،فلذلك يستحق العقوبة و الادانة على ايجاد الحرام في ضمن ايجاد
الواجب ،و من هنا فالأقوى صحة الطواف مع كون الساتر مغصوبا ،كما كان الأمر
كذلك في الصلاة .

و أما السعي ،فهو لا يكون مشروطا بالستر أصلا ،و لذا يصح عريانا فضلا
عن أن يكون مغصوبا .فالنتيجة :ان الحج صحيح في كل هذه الصور .

( 2 ) هذا شريطة أن يكون الشراء بعين المال المغصوب خارجا ،و حينئذ

--( 149 )--

[3058 ]مسألة 61 :يشترط في وجوب الحج الاستطاعة البدنية ،فلو كان
مريضا لا يقدر على الركوب أو كان حرجا عليه و لو على المحمل أو
الكنيسة لم يجب ( 1 ) ،و كذا لو تمكن من الركوب على المحمل لكن لم
يكن عنده مئونته کو كذا لو احتاج إلى خادم و لم يكن عنده مئونته .

[3059 ]مسألة 62 :و يشترط أيضا الاستطاعة الزمانية ،فلو كان الوقت ضيقا
لا يمكنه الوصول إلى الحج أو أمكن لكن بمشقة شديدة لم يجب ،و حينئذ
فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل وجب ،و إلا فلا ( 2 ) .


فالبيع بما أنه باطل فيظل الهدي باقيا في ملك مالكه ،فيكون تاركا للهدي ،و تركه
اذا كان عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي كان مبطلا للحج ،كما سوف نذكره في
ضمن المسائل الآتية .

( 1 ) هذا شريطة أن يكون الشخص واثقا و مطمئنا باستمرار عذره ما دام
في قيد الحياة ،فانه حينئذ يجب عليه ارسال شخص ليحج نيابة عنه .نعم اذا كان
عدم وجوب الحج عليه من جهة أنه لا يقدر على أجرة الركوب في الطائرة و إن
كانت عنده اجرة الركوب في السيارة ،الاّ أنه لا يقدر على الركوب فيها ،أو
حرجي ،أو بحاجة الى وجود خادم في سفر الحج و لكن ليس لديه الامكانية
المالية لاستخدامه ،و بدونه يقع في المشقة و الحرج ،ففي أمثال هذه الحالات لا
يكون مستطيعا لكي يجب عليه ارسال شخص ليحج عنه .

( 2 ) فيه ان الظاهر جوب الحفاظ على الاستطاعة الى العام القادم ،و عدم
جواز تفويتها لاستلزامه تفويت الملاك الملزم في ظرفه ،و ذلك لأن المستفاد من
الآية الشريفة و الروايات الكثيرة التي تنص على وجوب الحج مرة بلسان : «من
كان عنده ما يحج به » ،و أخرى بلسان : «من كان عنده زاد و راحلة » ،و ثالثة بلسان :
«من كان عنده زاد و راحلة و صحة البدن و تخلية السرب » ،ان وجوب الحج
يتحقق بتحقق الاستطاعة التي هي عبارة عن الامكانية المالية ،و الأمن في

--( 150 )--

[3060 ]مسألة 63 :و يشترط أيضا الاستطاعة السربية بأن لا يكون في
الطريق مانع لا يمكن معه الوصول إلى الميقات أو إلى تمام الأعمال و إلا
لم يجب ،و كذا لو كان غير مأمون بأن يخاف على نفسه أو بدنه أو عرضه أو
ماله و كان الطريق منحصرا فيه أو كان جميع الطرق كذلك ،و لو كان هناك
طريقان أحدهما أقرب لكنه غير مأمون وجب الذهاب من الأبعد المأمون ،
و لو كان جميع الطرق مخوفا إلا أنه يمكنه الوصول إلى الحج بالدوران في
البلاد مثل ما إذا كان من أهل العراق و لا يمكنه إلا أن يمشي إلى كرمان و منه

الطريق ،و السلامة في البدن ،و عدم الوقوع في العسر و الحرج بعد الرجوع
و الإنفاق على الحج ،فاذا توفرت الاستطاعة بكل عناصرها اتصف الحج
بالملاك في مرحلة المبادئ ،و بالوجوب في مرحلة الاعتبار ،و لكن ترتب
الملاك عليه في الخارج مشروط بشرط متأخر و هو مجي‏ء وقته كيوم عرفة ،فانه
قيد للواجب ،و قد ذكرنا في علم الأصول أن قيد الواجب اذا كان غير اختياري
فلا بد من أخذه قيدا للوجوب أيضا اذا لا يمكن أن يكون الواجب مشروطا
بشرط غير مقدور ،و الوجوب مطلقا و فعليا ،و الاّ لزم أن يكون محركا نحو
الاتيان بالواجب المقيد بقيد غير مقدور و هو تكليف بالمحال هذا ،اضافة
إلى أن ملاكه بما أنه لا يترتب عليه الاّ بالاتيان به في ذلك اليوم فلا
معنى لأن يكون وجوبه مطلقا ،فلا محالة يكون مشروطا به على نحو الشرط
المتأخر ،و لا مانع من الالتزام به في مرحلة الاعتبار و الجعل ،و على هذا الأساس
يكون وجوب الحفاظ على الاستطاعة بعد حصولها و عدم جواز تفويتها على
القاعدة ،باعتبار أن تفويتها يستلزم تفويت الملاك عامدا و ملتفتا الى الحكم
الشرعي .

فالنتيجة :ان الاستطاعة في أي وقت تحققت و حصلت يجب الحفاظ
عليها ،و لا يجوز التساهل و التسامح في التحفظ بها .

--( 151 )--

إلى خراسان و منه إلى بخارا و منه إلى الهند و منه إلى بوشهر و منه إلى جدة
مثلا و منه إلى المدينة و منها إلى مكة فهل يجب أو لا ؟و جهان أقواهما عدم
الوجوب ( 1 ) لأنه يصدق عليه أنه لا يكون مخلى السرب ( 2 ) .

[3061 ]مسألة 64 :إذا استلزم الذهاب إلى الحج تلف مال له في بلده معتد
به لم يجب ( 3 ) ،و كذا إذا كان هناك مانع شرعي من استلزامه ترك واجب
فوري سابق على حصول الاستطاعة ( 4 ) أو لاحق مع كونه أهم من الحج

( 1 ) بل الأقوى الوجوب ،لإطلاق الأدلة ،فان مقتضاه وجوب الحج على
كل من كانت له الامكانية المالية و الأمن و السلامة في الطريق و عدم الوقوع في
حرج بدون خصوصية للطريق ،نعم اذا كان ذهابه الى الحج بهذه الطريقة
و الدوران في البلاد حرجيا لم يجب .

( 2 ) في عدم الصدق اشكال بل منع ،نعم ان الذهاب الى الحج بهذا
الطريق بما أنه غالبا يؤدي الى الوقوع في المشقة و الحرج في القرون القديمة
بسبب أو آخر ،فمن أجل ذلك يقال انه غير مخلى السرب ،لأن الطريق
الاعتيادي محفوف بالمخاطر و غيره حرجي غالبا ،و الاّ فلا مانع منه ،و أما في
العصر الحاضر و بالوسائل الحديثة فلا فرق .

( 3 ) هذا اذا أدى الى كون انفاقه على الحج حرجيا ،و الاّ وجب ،اذ مجرد
كونه ضرريا أي موجبا لتلف مال له لا يمنع من الانفاق عليه اذا لم يصل الى حد
الحرج ،باعتبار أن الحج مبني على الضرر المالي بدون تحديده بحد خاص الاّ
اذا وصل الى حد الاجحاف و الحرج .

( 4 ) في كونه مانعا عن وجوب الحج اشكال بل منع ،و الأظهر وقوع
التزاحم بينهما و الرجوع الى مرجحاته ،و السبب فيه أن مانعيته عن وجوبه مبنية
على تمامية أحد أمرين :

--( 152 )--

كإنقاذ غريق أو حريق ،و كذا إذا توقف على ارتكاب محرم ( 1 ) كما إذا
توقف على ركوب دابة غصبية أو المشي في الأرض المغصوبة .

[3062 ]مسألة 65 :قد علم مما مر أنه يشترط في وجوب الحج مضافا إلى
البلوغ و العقل و الحرية ،الاستطاعة المالية و البدنية و الزمانية و السربية و عدم
استلزامه الضرر أو ترك واجب أو فعل حرام ( 2 ) ،و مع فقد أحد هذه لا
يجب ،فبقي الكلام في أمرين :


الأول :أن يكون المراد من الاستطاعة المعنى المساوق لعدم المانع الأعم
من التكويني و التشريعي المولوي ،فاذن يكون وجوب واجب آخر واردا على
وجوب الحج و رافعا له بارتفاع موضوعه .

الثاني :أن يكون الأسبق زمانا أحد مرجحات باب التزاحم .

و لكن كلا الأمرين غير تام .

أما الأمر الأول :فقد تقدم أن الاستطاعة بحسب المتفاهم العرفي من الآية
الشريفة و الروايات عبارة عن القدرة التكوينية المتكونة من العناصر الثلاثة
المتقدمة ،فاذن لا محالة يقع التزاحم بينهما و يرجع فيه الى مرجحاته .

و اما الثاني :فقد ذكرنا في علم الأصول أن السبق الزماني بعنوانه لا يكون
من أحد مرجحات باب التزاحم ما لم يرجع الى مرجح آخر ،و تمام الكلام
هناك .

( 1 ) فيه أن هذا المثال كالسابق يكون من موارد التزاحم ،فلا بد من لحاظ
أن أيا منهما أهم من الآخر ،أو محتمل الاهمية حتى يتقدم على الآخر .

( 2 ) هذا اذا كان الواجب او الحرام أهم من الحج ،أو لا أقل من احتمال
كونه أهم ،فعندئذ يكون وجوب الحج مشروط بذلك لبا دون العكس ،و اما اذا
كان مساويا له فكل منهما مشروط بترك الاشتغال بالآخر ،فالنتيجة هي التخيير
بينهما ،كما هو الحال في كل مورد يكون التزاحم فيه بين واجبين متساويين ،

--( 153 )--

أحدهما :إذا اعتقد تحقق جميع هذه مع فقد بعضها واقعا أو اعتقد
فقد بعضها و كان متحققا فنقول :إذا اعتقد كونه بالغا أو حرا مع تحقق سائر
الشرائط فحج ثم بان أنه كان صغيرا أو عبدا فالظاهر بل المقطوع عدم
إجزائه عن حجة الإسلام ( 1 ) ،و إن اعتقد كونه غير بالغ أو عبدا مع تحقق
سائر الشرائط و أتى به أجزأه عن حجة الإسلام كما مر سابقا ( 2 ) ،و إن تركه
مع بقاء الشرائط إلى ذي الحجة ( 3 )


الاّ أن يقال ان المراد من الاستطاعة القدرة الشرعية التي ترتفع بالاشتغال بكل
واجب أو ترك كل حرام دون العكس .

و لكن قد مر أنه لا أساس لهذا القول ،و أن المراد من الاستطاعة هو القدرة
التكوينية في مقابل العجز التكويني الاضطراري ،و حينئذ فيصلح أن يزاحم اي
واجب آخر ،غاية الأمر إن كان أهم أو محتمل الأهمية قدم عليه ،و يكون وجوبه
حينئذ مشروطا لبا بعدم الاشتغال به بمقتضى التقييد اللبى العام ،و مع الاشتغال به
يرتفع بارتفاع موضوعه .

( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه على أساس ما مر من أن حجة الإسلام حجة
خاصة ،و لا تنطبق إلا على الحجة الأولى للمستطيع البالغ العاقل الحر ،و على هذا
فاذا لم يكن الشخص بالغا أو حرا و إن كانت سائر الشروط متوفرة فيه لم يكن
حجه حجة الإسلام ،و لا تنطبق عليه و إن أتى به بهذا الاسم جاهلا أو غافلا ،لأنه
لا يغير الواقع ،باعتبار ان نية ما ليس بحجة الإسلام لا تجعله حجة الإسلام ما لم
تتوفر شروطها .

( 2 ) قد مر تفصيل ذلك في المسألة ( 9 ) من فصل ( شرائط حجة الإسلام )
فلا نعيد .

( 3 ) فيه أنه لا وجه لهذا التحديد أصلا ،و لعله من سهو القلم ،فان بقاء
شروط وجوب الحج الى ذلك الحد لا أثر له للمكلف الملتفت الى وجوبه ،

--( 154 )--

فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه ( 1 ) فإن فقد بعض الشرائط بعد ذلك
فضلا عمن لا يكون ملتفتا اليه ،لأن المستطيع الملتفت الى توفر كل شروطه فيه
اذا دخل عليه شهر ذي الحجة ثم زالت عنه الاستطاعة بسبب أو آخر بدون
تقصير و تفريط منه كشف عن عدمها من الأول ،لا عن استقرار وجوب الحج
عليه ،بل لو تلف ماله في أثناء اعمال الحج و لم يتمكن من اتمامه يكشف عن
عدم استطاعته من الأول لا عن استقراره ،و من هنا كان على الماتن قدّس سرّه أن يحدّد
بقاء مثل هذه الشروط الى نهاية اعمال الحج في استقراره عليه شريطة أن يكون
ذلك عن عمد و التفات لا مطلقا .

( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الظاهر بل المقطوع به عدم الاستقرار في المقام
لأمرين :

أحدهما :ان بقاء الشروط عنده الى ذي الحجة مع علمه و التفاته اليها لا
يوجب استقرار الحج عليه ،فضلا عن صورة اعتقاده بالخلاف .

و الآخر :أن ما يوجب استقراره انما هو ترك الحج عامدا و ملتفتا الى
الحكم الشرعي للتساهل و التسامح فيه طول فترة وقته مع تمكنه من الاتيان به
في ذلك الوقت بدون أي عائق في البين ،و اما اذا كان عن عذر فلا يوجب ذلك ،
و السبب في هذا أن وجوب استقراره انما يستفاد من الروايات التي تنص على
عدم جواز التسويف و الاهمال فيه ،و أن من سوّف الحج و تركه عامدا و ملتفتا ،
فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام و يموت اما يهوديا او نصرانيا ،فانه يستفاد
من هذه الروايات ان الحج يظل ثابتا في ذمته و إن زالت استطاعته هذا اضافة الى
أنه لما كان معتقدا بعدم بلوغه و حريته فهو كالغافل ،و معه لا يكون قابلا لتوجيه
التكليف اليه في الواقع على أساس أن الغرض من جعله هو امكان داعويته
للمكلف و محركيته له ،و مع الغفلة لا يمكن أن يكون داعيا و محركا ،فاذن لا
وجوب عليه في الواقع حتى يستقر .

--( 155 )--

كما إذا تلف ماله وجب عليه الحج و لو متسكعا ،و إن اعتقد كونه مستطيعا
مالا و أن ما عنده يكفيه فبان الخلاف بعد الحج ففي إجزائه عن حجة
الإسلام و عدمه و جهان ( 1 ) من فقد الشرط واقعا و من أن القدر المسلم من
عدم إجزاء حج غير المستطيع عن حجة الإسلام غير هذه الصورة ( 2 ) ،و إن
اعتقد عدم كفاية ما عنده من المال و كان في الواقع كافيا و ترك الحج
فالظاهر الاستقرار عليه ( 3 ) ،و إن اعتقد عدم الضرر أو عدم الحرج فحج

( 1 ) الظاهر عدم الاجزاء لما مر من أن حجة الإسلام عبارة عن الحجة
الأولى للمستطيع و لا تنطبق على حج غيره ،و لا يوجد دليل على أنه يجزى
عنها .

( 2 ) هذا اذا كان الدليل على عدم الاجزاء دليلا لبيا حتى يكون المتيقن منه
غير هذه الصورة ،بل الدليل عليه اطلاق الآية الشريفة و الروايات التي تنص على
وجوب الحج على المستطيع ،و مقتضى اطلاقها وجوبه عليه مطلقا و ان حج قبل
حصول الاستطاعة .

نعم قد مر في المسألة ( 56 ) انه اذا حج عن غيره تبرعا أو إجارة لا يبعد
إجزاؤه عن حجة الإسلام عن نفسه أيضا نظريا ،و إن كان الأحوط و الأجدر به
وجوبا الاتيان بها اذا استطاع .

( 3 ) في الظهور اشكال بل منع ،لما مر من أن استقرار وجوب الحج على
المكلف مرتبط بأن يكون تركه في وقته مستندا إلى التساهل و التسامح منه عامدا
و ملتفتا الى الحكم الشرعي حتى يكون مشمولا لنصوص التسويف و الإهمال ،
و من المعلوم ان تركه اذا كان من جهة اعتقاده بعدم الاستطاعة و الامكانية المالية
له لا يكون مشمولا لتلك النصوص ،لعدم صدق التسويف و الإهمال فيه هذا
اضافة الى أنه في حال الاعتقاد الجزمي بعدم الاستطاعة لا يمكن أن يكون
مكلفا بالحج ،لأن توجيه الخطاب به اليه في هذه الحالة لغو و جزاف ،

--( 156 )--

فبان الخلاف فالظاهر كفايته ( 1 ) ،و إن اعتقد المانع من العدو أو الضرر أو
الحرج فترك الحج فبان الخلاف فهل يستقر عليه الحج أو لا ؟وجهان ،
و الأقوى عدمه ( 2 ) لأن المناط في الضرر الخوف ( 3 ) و هو حاصل إلا إذا

نعم إن ظلت استطاعته الى ما بعد تفطنه بالحال وجب الحفاظ بها الى العام
القادم شريطة أن لا يكون واثقا بتمكنه من الحج في المستقبل إن لم يحافظ
عليها .

( 1 ) في الكفاية اشكال بل منع ،لما مر في المسألة ( 29 ) من ان التمكن مما
به الكفاية بمعنى استعادة وضعه المعاشي بعد الحج ،و عدم الوقوع في حرج
بسببه معتبر في الاستطاعة فانه نتيجة تطبيق القاعدة على من لم يكن لديه ما به
الكفاية ،و على أساس ذلك لا تنطبق حجة الإسلام على ما أتى به من الحج ،
فلذلك حكم بالفساد ،و لا يكون الفساد مستندا إلى تطبيق القاعدة مباشرة ،فان
مفادها النفي لا الاثبات ،بل هو مستند الى عدم انطباق المأمور به عليه و إن كان
ذلك مستندا إلى تطبيقها في نهاية المطاف .

فالنتيجة :ان حجة الإسلام لا تنطبق على هذه الحجة لتكون كافية ،لأنه
ليس بمستطيع في الواقع .

( 2 ) بل هو المتعين ،لما مر من ان استقرار وجوب الحج مرتبط بالتسويف
و الاهمال فيه الى أن فات بفوات وقته .

( 3 ) فيه اشكال بل منع ،لأن العبرة انما هي بوجود الضرر في الواقع لا
بالخوف ،فان وجوده في النفس طريق اليه ،و لا موضوعية له حتى يكون مانعا
عن وجوب الحج و إن لم يكن ضرر في الواقع ،و ذلك لأن المنع من العدو مرة
يكون من السير في الطريق ،و أخرى يكون بايقاع الضرر على نفسه أو ماله أو
عرضه فيه ،و على كلا التقديرين فهو معتقد بعدم توفر الاستطاعة عنده بكل
عناصرها ،حيث ان منها تخلية السرب ،و منها الأمن في الطريق ،و الخوف في

--( 157 )--

كان اعتقاده على خلاف روية العقلاء و بدون الفحص و التفتيش ( 1 ) ،و إن
اعتقد عدم مانع شرعي ( 2 ) فحج فالظاهر الإجزاء ( 3 ) إذا بان الخلاف ،و ان

كلا الفرضين طريق ،و لا موضوعية له ،و عليه فهو مستطيع في الواقع ،و لكن بما
ان تركه الحج في وقته كان مستندا الى غفلته و جهله بالحال فيكون معذورا فيه ،
و لا يوجب استقراره كما مر ،فاذن حال هذا الفرض حال ما تقدم ،فلا فرق
بينهما ،فالفرق مبني على أن يكون الخوف ملحوظا على نحو الموضوعية كما
هو ظاهر المتن ،و لكن الأمر ليس كذلك .

( 1 ) فيه ان اعتقاده بالضرر أو الحرج إن كان جزميا فهو حجة ذاتا ،سواء
أ كان حاصلا من سبب بدون فحص و تأكد ،أم كان حاصلا منه منع الفحص
و التأكد على أساس أن حجية القطع ذاتية ،فالقاطع معذور ،و إن كان قطعه
حاصلا من سبب لا يصلح لدى العقلاء أن يكون سببا له الاّ أنه غير ملتفت الى
ذلك ،فمن أجله يكون معذورا ،و معه لا يمكن استقرار وجوب الحج عليه ،لأن
استقراره انما هو اذا كان تركه مستندا إلى التسويف و التأخير تسامحا و تساهلا
عامدا و عالما بالحكم ،و إن كان اطمئنانيا فهو أيضا حجة ذاتا و إن كان منشؤه سببا
غير عقلائي غير أنه لما لم يلتفت الى خصوصيته حصل له الاطمئنان بذلك ،فاذا
حصل له الاطمئنان بأنه حرجي من أي سبب كان فهو معذور في تركه ،و معه لا
موجب لاستقراره عليه .

فالنتيجة :ان هذا الاستثناء لا يرجع الى معنى محصل .

( 2 ) مر أن وجوب واجب مضاد للحج لا يكون مانعا عن وجوبه ،غاية
الأمر يقع التزاحم بينهما و يرجع الى مرجحاته .

( 3 ) بل مطلقا حتى اذا علم المكلف بوجود واجب آخر مضاد للحج ،فانه
اذا قام بالاتيان به عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي صح ،بناء على القول

--( 158 )--

اعتقد وجوده فترك فبان الخلاف فالظاهر الاستقرار ( 1 ) .

بالترتب -كما هو الصحيح -و إن كان الواجب الآخر أهم منه ،و اما في صورة
الجهل به فلا شبهة في صحة الحج حتى على القول باستحالة الترتب ،لما ذكرناه
في علم الأصول من أنه لا تزاحم بين الواجبين المتضادين اذا كان أحدهما
مجهولا ،فاذا فرضنا ان الواجب الأهم مجهول و غير واصل الى المكلف ،
و الواجب المهم معلوم و واصل اليه ،فلا مانع من فعلية وجوب الواجب المهم
مطلقا حتى في صورة الاشتغال بالواجب الأهم جهلا ،على أساس أنه لا مبرر
للتقييد اللبي ،و هو تقييد وجوبه بعدم الاشتغال بالأهم ،فان المبرر لهذا التقييد
هو ما اذا كان وجوب الأهم و اصلا و منجزا لكي يحرك المكلف و يبعث نحو
ايجاد متعلقه و الاشتغال به ،فعندئذ لا بد من تقييد وجوب المهم بعدم الاشتغال
به حتى يخرج باب التزاحم عن باب التعارض ،و الاّ وقع التعارض بين اطلاقي
الخطابين ،و اما اذا كان وجوب الأهم غير واصل و لا منجز فلا موجب لتقييد
اطلاق وجوب المهم بعدم الاشتغال به على أساس أنه لا تنافي و لا تعارض
بينهما في مرحلة المبادئ ،لعدم اجتماع المصلحة و المفسدة في شي‏ء واحد ،
و لا الحب و البغض ،و لا الإرادة و الكراهة ،و اما التنافي بينهما في مرحلة الفعلية
و التحريك نحو الامتثال فهو مرتبط بفعلية كلا التكليفين معا و تنجزهما كذلك ،
و اما اذا كان التكليف بأحدهما مجهولا و غير منجز ،و بالآخر معلوما و منجزا ،فلا
مانع من اطلاق التكليف المعلوم و عدم تقييده بعدم الاشتغال بالمجهول و إن
كان أهم ،حيث لا يلزم من ذلك التكليف بغير المقدور باعتبار أن التكليف
المجهول لا يكون محركا و باعثا للمكلف نحو الاتيان بمتعلقه و امتثاله لكن يلزم
التكليف بالمحال ،و تمام الكلام هناك .

( 1 ) مر أن الاستقرار مرتبط بترك المستطيع الحج في وقته عن عمد
و التفات و بدون أي مبرر ،و المقام بما أنه ليس كذلك باعتبار ان تركه كان عن
عذر فلا مقتضى للاستقرار .

--( 159 )--

ثانيهما :إذا ترك الحج مع تحقق الشرائط متعمدا أو حج مع فقد
بعضها كذلك ،أما الأول فلا إشكال في استقرار الحج عليه مع بقائها إلى
ذي الحجة ( 1 ) ،و أما الثاني فإن حج مع عدم البلوغ أو مع عدم الحرية فلا
إشكال في عدم إجزائه إلا إذا بلغ أو انعتق قبل أحد الموقفين على إشكال
في البلوغ قد مر ( 2 ) ،و إن حج مع عدم الاستطاعة المالية فالظاهر مسلمية
عدم الإجزاء و لا دليل عليه إلا الإجماع ( 3 ) ،و إلا فالظاهر أن حجة الإسلام

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان بقاء سائر الشروط غير الاستطاعة
المالية الى ذي الحجة لا يكفي في استقراره ،نعم اذا استمر بقاؤها فيه
الى نهاية اعماله استقر عليه ،و اما اذا ظلت هذه الشروط ثابتة فيه و لكن انتفت
استطاعته المالية بسرقة او تلف بسبب حادثة أرضية أو سماوية ،ففي هذه الحالة
اذا كان انتفاؤها مستندا إلى امتناعه عن الحج عامدا و عالما استقر الحج عليه
شريطة أنه لو حج و انفق ماله في سبيله لم يقع في ورطة التلف ،و لكن بما أنه
تسامح فيه و أخره عامدا و ملتفتا إلى أن وقع في ورطة التلف ،فعندئذ لا يبعد
استقراره عليه ،و لا سيما إذا لم يكن واثقا بتمكنه من الحج إذا أخر في السنين
القادمة ،و اما اذا لم يكن التلف مستندا الى تورطه فيه و تقصيره فلا موجب
للاستقرار .

( 2 ) مرّ تفصيلا عدم الاجزاء فيه في المسألة ( 7 ) من فصل ( شرائط
وجوب حجة الإسلام ) .

( 3 ) فيه مضافا إلى أنه لا أثر للإجماع ،ان الدليل على ذلك انما هو
اطلاقات الأدلة من الآية الشريفة و الروايات ،و مقتضى تلك الاطلاقات وجوب
الحج على المستطيع و إن حج قبل الاستطاعة هذا ،اضافة الى ما تقدم من أن
حجة الإسلام عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع ،فلا يكون حجه قبل
الاستطاعة مصداقا لها .

--( 160 )--

هو الحج الأول و إذا أتى به كفى ( 1 ) و لو كان ندبا ،كما إذا أتى الصبي صلاة
الظهر مستحبا بناء على شرعية عباداته فبلغ في أثناء الوقت فإن الأقوى
عدم وجوب إعادتها ( 2 ) ،و دعوى أن المستحب لا يجزئ عن الواجب
ممنوعة بعد اتحاد ماهية الواجب و المستحب ،نعم لو ثبت تعدد ماهية حج
المتسكع و المستطيع ( 3 ) تم ما ذكر ،لا لعدم إجزاء المستحب عن الواجب
بل لتعدد الماهية ،و إن حج مع عدم أمن الطريق أو مع عدم صحة البدن مع
كونه حرجا عليه أو مع ضيق الوقت كذلك فالمشهور بينهم عدم إجزائه عن
الواجب ( 4 ) ،


( 1 ) في الكفاية اشكال بل منع ،لما مر من أن حجة الإسلام لا تنطبق على
الحج الندبي .

( 2 ) فيه ان الأمر و إن كان كذلك في باب الصلاة على أساس أن الصلاة
باسمها الخاص المميز لها شرعا مستحبة للصبي ،فتكون الصلاة المستحبة
متحدة مع الصلاة الواجبة ،فلا فرق بينهما الاّ في الوجوب و الاستحباب ،و هذا
الفرق لا يمنع من الصحة و انطباق الواجب على المستحب ،الاّ أن الأمر في باب
الحج ليس كذلك ،فان حجة الإسلام لا ينطبق على الحج الندبي ،لأنها مع اسمها
الخاص المميز لها شرعا مباينة له و متمثلة في الحج الأول للمستطيع الواجب
عليه .

( 3 ) هذا هو الصحيح لما مر من ان حجة الإسلام لا تنطبق على الحج
الندبي المتسكع .

( 4 ) هذا هو الصحيح ،اما مع عدم صحة البدن و سلامته أو أمن الطريق
فالحكم واضح ،لما تقدم من أن سلامة البدن أو أمن الطريق من أحد عناصر
الاستطاعة و أركانها ،و مع عدمه لا يكون الشخص مستطيعا لكي يكون حجه

--( 161 )--

..........
حجة الإسلام ،و قد مر أنها متمثلة في الحج الأول للمستطيع ،و لا تنطبق على
غيره ،و اما مع توفر هذه الشروط و لكن كان الحج حرجيا بسبب أو آخر فلا
يجب تطبيقا لقاعدة لا حرج ،و مع عدم الوجوب لا تنطبق عليه حجة الإسلام ،
لما مر من اختصاصها بالحج الواجب على المستطيع في أول مرة ،و لا تعم الحج
المستحب .

و دعوى :ان الواجب عليه هو حجة الإسلام ،و لكن وجوبها قد ارتفع
بالقاعدة ،فيبقى استحبابه ،و عليه فما أتى به هو حجة الإسلام و إن ارتفع وجوبه
بحديث لا حرج ...

مدفوعة :أولا :بأنا لو سلمنا ذلك و قبلنا بأن المرفوع بها انما هو وجوبه
دون استحبابه فانه يظل ثابتا ،و لكن قد تقدم أن حجة الإسلام بما أنها متمثلة في
الحج الأول للمستطيع فلا تنطبق عليه اذا كان وجوبه مرفوعا فعلا بالقاعدة ،
و يظل استحبابه ثابتا باعتبار انه غير مستطيع .

و ثانيا :ان الوجوب أمر بسيط ،فاذا كان مرفوعا بها كان استحبابه بحاجة
الى دليل آخر ،لأن الدليل الدال على الوجوب قد سقط بالقاعدة ،نعم بما أنه قد
ثبت استحباب الحج استحبابا عاما حتى لمن يكون الحج حرجيا عليه فلا تنطبق
حجة الإسلام عليه .

و ان شئت قلت :ان الحرج في باب الحج لا يخلو إما أن يكون من ناحية
المال ،أو البدن ،او الطريق ،او العمل ،فان كان الأول ،كما اذا لم يكن عنده ما به
الكفاية لدى الرجوع ،أو كان و لكن الامكانية المالية عنده لا تكفي لنفقات سفر
الحج و متطلباته اللائقة بمكانته ،و الاكتفاء بما دونها حرجي عليه ،فان كان كذلك
فهو غير مستطيع مالا ،و حينئذ فان حج حج متسكعا ،و لا تنطبق عليه حجة
الإسلام ،و إن كان الثاني ،فانه اما من جهة اصابته بشيخوخة أو مرض فهو غير
مستطيع بدنا ،و يكون حجه حينئذ حج المتسكع ،و إن كان الثالث ،فان كانت
حرجيته من ناحية عدم الأمن في الطريق على نفسه و عند اعمال الحج ،فهو غير

--( 162 )--

و عن الدروس الإجزاء إلا إذا كان إلى حد الإضرار بالنفس ( 1 )
مستطيع ،و لا يكون حجه حجة الإسلام ،لأنه غير مخلى السرب ،و إن كانت من
جهة أخرى ككون الطريق طويلا ،أو عدم توفر الوسائل الأولية للحياة فيه ،أو
نحو ذلك ،فهو مستطيع بكل عناصر الاستطاعة ،و لكن بما أن طيّ المسافة يكون
حرجيا عليه فلا يجب باعتبار أن منشأه لما كان وجوب الحج في نهاية الشوط
فهو مرفوع تطبيقا للقاعدة ،و نتيجة ذلك أن وجوب الحج على المستطيع
مشروط بعدم كونه حرجيا ،نعم حيث ان الحرج في المقام لما كان في المقدمة
فحسب ،و هي قطع المسافة بسبب آخر لا بسبب عدم الأمن ،فاذا أقدم المكلف
على قطعها متحملا الحرج و وصل الى الميقات و أحرم منها و يواصل اعمال
الحج صح ،و يكون حجه حجة الإسلام باعتبار أن الحج لا يكون حرجيا ،
و الحرج انما هو في مقدمته ،و هي قطع المسافة ،فاذا قطعها رغم كونه
حرجيا و وصل الى الميقات وجب البدء بالحج لاستطاعته و إن لم يكن واجبا
قبل القطع .و إن كان الرابع ،و هو ان يكون الحج باعماله حرجيا ،فان
قام بالاتيان به متحملا حرجه لم يجزئ عن حجة الإسلام ،لعدم انطباقها
عليه .

فالنتيجة :ان الحرج إن كان ناتجا من قلة امكانيته مالا ،أو تدهور صحته
بدنا ،أو عدم وجود طريق آمن ،فمعناه انه غير مستطيع ،و حينئذ فان حج كان
متسكعا ،و لا يجزي عن حجة الإسلام ،و إن كان ناتجا من سبب آخر مع توفر
الاستطاعة فيه بكل أركانها ،كما اذا كان ركوب السيارة أو الطائرة حرجيا عليه اذا
كان الطريق بعيدا ،فحينئذ و إن كان الحج غير واجب عليه ،الاّ أنه اذا ركب
و تحمل هذا الحرج و وصل الى الميقات وجب باعتبار أنه استطاع عليه بدون
الوقوع في حرج ،فاذا حج عندئذ كان حجه حجة الإسلام .

( 1 ) فيه أنه مبني على أن مطلق الإضرار بالنفس حرام ،و لكن لا دليل عليه

--( 163 )--

و قارن بعض المناسك فيحتمل عدم الإجزاء ،ففرق بين حج المتسكع و حج
هؤلاء ( 1 ) ،و علّل الإجزاء بأن ذلك من باب تحصيل الشرط فإنه لا يجب
لكن إذا حصله وجب ،و فيه أن مجرد البناء على ذلك لا يكفي في حصول
الشرط مع أن غاية الأمر حصول المقدمة التي هو المشي إلى مكة و منى
و عرفات و من المعلوم أن مجرد هذا لا يوجب حصول الشرط الذي هو
عدم الضرر أو عدم الحرج ( 2 ) ،نعم لو كان الحرج أو الضرر في المشي
إلى الميقات فقط و لم يكونا حين الشروع في الأعمال تم ما ذكر و لا قائل
بعدم الإجزاء في هذه الصورة ،هذا و مع ذلك فالأقوى ما ذكره في
الدروس ،لا لما ذكره بل لأن الضرر و الحرج إذا لم يصلا إلى حد الحرمة
إنما يرفعان الوجوب و الإلزام لا أصل الطلب ( 3 ) فإذا تحملهما و أتى
بالمأمور به كفى .


كذلك ،فان ما هو ثابت هو حرمة حصة خاصة منه ،و هي القاء النفس في التهلكة
أو مما يتلو تلوها .

( 1 ) ظهر مما مر أنه لا فرق بينهما في أكثر الصور و الفروض .

( 2 ) هذا اذا كان الضرر أو الحرج في نفس عملية الحج و مناسكه ،و أما إذا
كان في مقدمتها كقطع المسافة شريطة أن لا يكون من جهة عدم الأمن و السلامة
في الطريق ،بل من جهة أخرى لا ترتبط بعناصر الاستطاعة كما هو المفروض ،
فحينئذ اذا قطعها متحملا الضرر أو الحرج ،ثم بدأ باعمال الحج صح ،و يكون
حجه حجة الإسلام ،باعتبار أنه لا حرج في عملية الحج ،و يصدق عليه أنه
الحجة الأولى للمستطيع .

( 3 ) فيه ان الوجوب بما أنه أمر اعتباري بسيط محض ،و لا يكون مركبا
من طلب الفعل مع المنع من الترك ،لأن المنع من الترك لازم للوجوب و عبارة

--( 164 )--

[3063 ]مسألة 66 :إذا حج مع استلزامه لترك واجب أو ارتكاب محرم لم
يجزئه عن حجة الإسلام ( 1 ) و إن اجتمع سائر الشرائط ،لا لأن الأمر بالشي‏ء
نهي عن ضده لمنعه أولا و منع بطلان العمل بهذا النهي ثانيا لأن النهي
متعلق بأمر خارج ( 2 ) ،بل لأن الأمر مشروط بعدم المانع و وجوب ذلك
الواجب مانع ( 3 ) و كذلك النهي المتعلق بذلك المحرم مانع و معه لا أمر
بالحج ،

أخرى عن النهي عن ضده العام ،فاذا كان مرفوعا فلا دليل على بقاء أصل
الطلب .

( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر الاجزاء مطلقا حتى اذا كان ذلك الواجب
أو الحرام أهم من الحج ،بناء على ما هو الصحيح من القول بالترتب شريطة
توفر سائر شروطه .

( 2 ) فيه أنه متعلق بنفس الضد العبادي و هو الحج على تقدير ثبوته لا بأمر
خارج عنه ،و لكن مع ذلك لا يقتضي الفساد ،لما ذكرناه في علم الأصول من أن
صحة الضد الواجب تتوقف على ثبوت أحد أمرين :

الأول :امكان القول بالترتب .

الثاني :احراز الملاك فيه .

اما الأول :فقد ذكرنا هناك أن هذا القول هو الصحيح ،و يحكم على ضوئه
بصحته و إن كان الواجب الآخر أهم منه ،و لا فرق فيه بين القول باقتضاء الأمر
بشي‏ء النهي عن ضده ،و القول بعدم الاقتضاء .

و اما الثاني :فلا طريق لنا الى احراز الملاك فيه بدون فرق بين القولين في
المسألة ،فاذن تصحيح الضد العبادي المهم مرتبط بالقول بامكان الترتب
فحسب ،و الاّ فهو محكوم بالفساد ،بلا فرق بين القول بكونه متعلقا للنهي
الغيري أو لا .

( 3 ) مر أن وجوبه لا يصلح أن يكون مانعا عن وجوب الحج ،لأنه

--( 165 )--

نعم لو كان الحج مستقرا عليه و توقف الإتيان به على ترك واجب أو فعل
حرام دخل في تلك المسألة و أمكن أن يقال بالاجزاء ( 1 ) ،لما ذكر من منع
اقتضاء الأمر بشي‏ء للنهي عن ضده و منع كون النهي المتعلق بأمر خارج ( 2 )
موجبا للبطلان .


مشروط بالاستطاعة التي هي عبارة عن القدرة التكوينية المتمثلة في الأمور
التالية :الامكانية المالية ،و الأمن و السلامة في الطريق و حين ممارسة الأعمال ،
و التمكن من اعادة وضعه المعاشي بعد الرجوع بدون الوقوع في حرج -كما
تقدم -و ليس معنى الاستطاعة عدم المانع أعم من التكويني و التشريعي ،و على
هذا فيقع التزاحم بينهما ،فان كان وجوب الحج أهم منه أو محتمل الأهمية قدم
عليه ،و إن كان غيره أهم منه جزما أو احتمالا فالأمر بالعكس ،و إن كان متساويين
فالتخيير ،و به يظهر حال ما بعده .

فالنتيجة :ان الحج صحيح ،فانه ان كان أهم فالأمر به فعلي مطلقا ،و إن كان
غيره أهم فالأمر به فعلي على القول بالترتب ،فما في المتن من أنه لا أمر به مبني
على القول باستحالة الترتب .

( 1 ) بل الاجزاء هو المتعين ،لا لما ذكره الماتن قدّس سرّه ،بل لما مر من صحة
القول بالترتب ،و قد عرفت أنه لا أثر للنهي الغيري ،لأنه على تقدير ثبوته لا
يقتضي الفساد و إن تعلق بنفس العبادة ،فان الصحة تدور مدار امكان القول
بالترتب ،أو احراز اشتمالها على الملاك في تلك الحالة ،كما أن الفساد يدور
مدار عدم امكان هذا القول من ناحية ،و عدم امكان احراز الملاك فيها من ناحية
أخرى ،سواء فيه القول بثبوت النهي الغيري أم بعدم ثبوته ،و من هنا يظهر أنه لا
فرق في ذلك بين أن يكون الحج مستقرا أو لا .

( 2 ) مر أن النهي في المقام على تقدير ثبوته تعلق بنفس الضد الخاص
و هو الحج في المثال لا بأمر خارج .

--( 166 )--

[3064 ]مسألة 67 :إذا كان في الطريق عدو لا يندفع إلا بالمال فهل يجب
بذله و يجب الحج أو لا ؟أقوال ثالثها الفرق بين المضر بحاله و عدمه ( 1 )
فيجب في الثاني دون الأول .

[3065 ]مسألة 68 :لو توقف الحج على قتال العدو لم يجب حتى مع ظن
الغلبة عليه و السلامة ،و قد يقال بالوجوب في هذه الصورة ( 2 ) .

[3066 ]مسألة 69 :لو انحصر الطريق في البحر وجب ركوبه إلا مع خوف
الغرق أو المرض خوفا عقلائيا ( 3 )

( 1 ) تقدم في المسألة ( 7 ) أن المعيار في عدم وجوب الحج انما هو بلزوم
الحرج ،فان بذل المال و الانفاق عليه اذا بلغ من الكثرة حدا يكون حرجيا عليه
لم يجب تطبيقا للقاعدة ،و الاّ وجب و إن كان الانفاق كثيرا ،و لا مجال للتمسك
بقاعدة لا ضرر في المقام ،باعتبار أن عملية الحج بطبعها عملية ضررية ،فلا
تكون مشمولة لها ،و بما أنها مرتبطة بالاستطاعة و الامكانية المالية بدون التحديد
بحد خاص و معين فهي واجبة عليه ما دامت عنده الامكانية المالية و لم يبلغ حد
الحرج ،فاذا اتفق ارتفاع الاسعار و الأجور صدفة بسبب أو آخر مع أنه واثق
و متأكد بأنه موقت ،أو كان في الطريق من لا يندفع الا بالمال ،فانه ما دامت لديه
الامكانية المالية لنفقات الحج و إن كانت باسعار عالية ،أو لرفع المانع عن
الطريق وجب ما لم يصل الى حد الحرج .

( 2 ) القول بالوجوب ضعيف جدا ،فان المعتبر في وجوب الحج هو الأمن
و السلامة على نفسه أو ماله أو عرضه في الطريق و عند ممارسة اعماله ،و من
المعلوم أنه لا يحصل ذلك الاّ أن يكون الانسان على يقين من دفع العدو ،أو
على ثقة و اطمئنان بذلك .

( 3 ) فيه انه لا وجه للتقييد بذلك ،فان الضابط العام فيه أن يكون تحمله
حرجيا ،سواء أ كان عقلائيا أم لا ،فاذا خاف الغرق من الركوب او المرض و كان

--( 167 )--

أو استلزامه الإخلال بصلاته ( 1 ) أو إيجابه لأكل النجس أو شربه ( 2 ) ،و لو
حج مع هذا صح حجه لأن ذلك في المقدمة و هي المشي إلى الميقات كما
إذا ركب دابة غصبية إلى الميقات .

[3067 ]مسألة 70 :إذا استقر عليه الحج و كان عليه خمس أو زكاة أو
غيرهما من الحقوق الواجبة وجب عليه أداؤها و لا يجوز له المشي إلى
الحج قبلها ،و لو تركها عصى و اما حجه فصحيح إذا كانت الحقوق في ذمته
لا في عين ماله ،و كذا إذا كانت في عين ماله و لكن كان ما يصرفه في مئونته
من المال الذي لا يكون فيه خمس أو زكاة أو غيرهما ،أو كان مما تعلق به

تحمله حرجيا لم يجب و إن كان الخوف غير عقلائي ،فان المعيار في عدم
وجوب الركوب للسفر الى الحج انما هو بكونه حرجيا عليه و إن كان مصدر
الخوف منه غير عقلائي ،كما انه لو كان عقلائيا و لكن لا يوجب خوفه بدرجة
يكون حرجيا عليه وجب .

( 1 ) فيه ان الاخلال بواجبات الصلاة غير الركنية كالصلاة في ثوب أو بدن
متنجس ،أو بدون طمأنينة و استقرار ،أو جلوسا أو نحو ذلك لا يمنع من وجوب
الحج ،فاذا علم أنه اذا ركب السفينة للذهاب إلى الحج اضطر الى أن يصلي
كذلك ،فانه لا يمنع من الركوب فيها و الذهاب إلى الحج لمكان أهميته .

( 2 ) فيه ان اضطراره الى أكل النجس أو شربه لا يمنع من وجوب الحج
لوضوح أن وجوبه أهم من حرمته ،فلا تصلح أن تزاحمه .

فالنتيجة :انه لا شبهة في وجوب الحج في هذه الموارد ،و ان الاخلال
بواجبات الصلاة دون أصلها ،او الاضطرار الى أكل النجس أو شربه لا يمنع من
وجوبه ،و على تقدير المنع اذا فعل صح حجه ،لأن حرمة المقدمة لا تمنع عن
صحته .

--( 168 )--

الحقوق و لكن كان ثوب إحرامه و طوافه و سعيه ( 1 ) و ثمن هديه من المال
الذي ليس فيه حق ( 2 ) ،بل و كذا إذا كانا مما تعلق به الحق من الخمس
و الزكاة إلا أنه بقي عنده مقدار ما فيه منهما بناء على ما هو الأقوى من كونها
في العين على نحو الكلي في المعين لا على وجه الإشاعة ( 3 ) .

[3068 ]مسألة 71 :يجب على المستطيع الحج مباشرة ،فلا يكفيه حج غيره
عنه تبرعا أو بالإجارة إذا كان متمكنا من المباشرة بنفسه .

[3069 ]مسألة 72 :إذا استقر الحج عليه و لم يتمكن من المباشرة لمرض لم
يرج زواله ( 4 ) أو حصر كذلك أو هرم بحيث لا يقدر أو كان حرجا عليه

( 1 ) تقدم في المسألة ( 60 ) أن غصبية ثوبي الإحرام و الستر في الطواف
و السعي لا تمنع عن صحة هذه الواجبات ،أما في الأول ،فلأن صحة الإحرام لا
تكون مشروطة بلبس ثوبيه ،بل هو واجب مستقل في حال الاحرام ،و اما في
الثاني ،فلأن صحة الطواف و إن كانت مشروطة بوجود الساتر ،الاّ أن غصبيته لا
تمنع عن صحته على الأظهر -كما مر -و أما في الثالث فلأن صحته غير مشروطة
بالستر ،بل يصح عريانا .

( 2 ) مر في المسألة ( 60 ) أنه اذا اشترى الهدي بعين الثمن المغصوب
خارجا بطل الهدي و الاّ فلا .

( 3 ) مر في مسألة الخمس انه بتمام اصنافه متعلق بالعين على نحو
الاشاعة لا على نحو الكلي في المعين ،و اما الزكاة فهي مختلفة باختلاف
اصنافها ،اما زكاة الغلات الأربع فهي متعلقة بالعين على نحو الاشاعة فيها ،لا
على نحو الكلي في المعين .و اما زكاة الغنم فهي متعلقة بالعين على نحو الكلي
في المعين لا على نحو الاشاعة ،و اما زكاة الإبل و البقر فهي متعلقة بالعين على
نحو الشركة في المالية بكيفية خاصة على تفصيل تقدم في مبحث الزكاة .

( 4 ) فيه ان هذا القيد و إن لم يرد في لسان شي‏ء من روايات الباب ،الاّ انه

--( 169 )--

..........
مستفاد من تلك الروايات بمناسبة الحكم و الموضوع ،و نذكر عمدتها فيما يلي :

1 -صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «ان أمير المؤمنين
صلوات اللّه عليه أمر شيخا كبيرا لم يحج قط و لم يطق الحج لكبره أن يجهّز
رجلا يحج عنه »- 1 - و لكن موردها الشيخ الكبير دون المريض ،و تنص على أن
وجوب الاستنابة عليه مرتبط بأن لا يطيق الحج لإصابته بمرض الشيخوخة
و الكبر ،و مثلها صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إن عليا رأى
شيخا لم يحج قط و لم يطق الحج من كبره ،فأمره أن يجهّز رجلا فيحج عنه »- 2 - .

2 -صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «و إن كان موسرا
و حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه ،فان عليه أن يحج
عنه من ماله صرورة لا مال له »- 3 - و موردها مطلق العائق كالمرض أو نحوه ،
و تدل على أن من كان موسرا و لديه الامكانية المالية لنفقات سفر الحج اذا منعه
عن القيام به مباشرة مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه تعالى فيه فعليه أن يجهز
صرورة لا مال له ليحج عنه بدون تقييد ذلك باليأس عن زوال العذر و انقطاع
أمله في التمكن من القيام المباشر به طول فترة عمره .

3 -صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «كان
علي عليه السّلام يقول :لو أن رجلا أراد الحج فعرض له مرض أو خالطه سقم فلم
يستطع الخروج فليجهّز رجلا من ماله ،ثم ليبعثه مكانه »- 4 - فانها تنص على أن
المانع عن القيام بالحج مباشرة انما هو عروض المرض عليه بدون تقييد ذلك
بصورة اليأس عن زواله و عدم رجاء برئه و استعادة صحته في النهاية ،هذه هي
عمدة روايات الباب ،نعم هنا روايات أخرى و لكنها غير تامة من ناحيه السند .

ثم ان مقتضى الروايتين الأوليين وجوب الاستنابة على الشيخ الكبير
الذي لا يطيق الحج مباشرة و لا يقدر عليه لإصابته بالشيخوخة المأيوس من
زوالها و استعادة قوته مرة أخرى ،فلو كنا نحن و هاتين الروايتين فلا بد من
الاقتصار على موردهما ،و عدم التعدي الى اعذار أخرى كالمرض أو نحوه ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :6 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .



---------------

( 4 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .


--( 170 )--

..........
حتى فيما اذا كان مأيوسا من زوالها و واثقا و متأكدا باستمرارها طول فترة عمره ،
و ذلك لأن الحكم في موردهما حيث يكون على خلاف القاعدة فلا يمكن
التعدي منه الى سائر الموارد بدون قرينة .

و أما مقتضى الروايتين الأخيرتين فهو تعميم الحكم لكل ذي عذر سواء
أ كان مرضا أو حصرا أو أمرا آخر يعذره اللّه تعالى فيه ،فان المعيار انما هو بعدم
استطاعته للحج بدون خصوصية لسبب أو آخر ،فان قوله عليه السّلام في الرواية الأولى :
«أو أمر يعذره اللّه فيه »و قوله عليه السّلام في الرواية الثانية «فلم يستطع الخروج »يدلان
على هذا التعميم .

--( 171 )--

..........

تطبيقات و تكميلات


إيضاحا و تطبيقا لموارد الروايات نستعرض فيما يلي تسع حالات :

الحالة الأولى :ان مشروعية النيابة و وجوبها على الشيخ الكبير مرتبط بأن
لا يطيق ممارسة أعمال الحج مباشرة و إن كان ذلك من جهة الحرج عليه ،و اما
وجوبها على من لديه الامكانية المالية لنفقات سفر الحج و لكن لا يطيق ممارسة
اعماله مباشرة بسبب مرض أو حصر أو غير ذلك ،فهل هو مرتبط ببقاء العذر
الى النهاية و انقطاع أمله من التمكن من القيام المباشر بها ؟أو لا ،فيه و جهان :قد
يقال بالثاني ،بدعوى أنه مقتضى اطلاق الروايتين الأخيرتين .و لكن الصحيح هو
الأول .فلنا دعويان :الأولى :بطلان الوجه الثاني .الثانية :صحة الوجه الأول .

اما الدعوى الأولى کفيرد عليها :

أولا :انه على تقدير اطلاقهما ،فلا يمكن الأخذ به ،اذ لازم ذلك وجوب
الاستنابة على المعذور و إن علم بزوال عذره و استعادة قوته في السنة القادمة ،
و هذا مقطوع البطلان ،لوضوح ان الأمر لو كان كذلك لشاع بين الأصحاب
و وصل إلينا يدا بيد ،و طبقة بعد طبقة من زمن الأئمة عليهم السّلام و ذلك لأمرين :

أحدهما :كثرة الابتلاء بالمسألة في هذا الفرض .

و الآخر :اهتمام الناس بالحج من أي واجب آخر ،مع أن الشائع بين
الاصحاب عكس ذلك .

و ثانيا :انه لا اطلاق لهما ،و السبب فيه ان وجوبه عليه بالاستنابة بما أنه
بدل اضطراري لوجوبه عليه بالأصالة ،فالمتفاهم العرفي من دليله المتمثل في
الروايتين المذكورتين بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو وجوبها عند
تعذر المبدل ،و حيث انه واجب في طول فترة العمر مرة واحدة فالمعيار انما هو
بتعذره في طول تلك الفترة تماما ،و اما اذا تعذر بين فترة و أخرى فلا يكون
متعذرا ،لفرض انه متمكن منه ،و معه لا ينتقل الأمر الى بدله .

--( 172 )--

..........
و ثالثا :ان مقتضى اطلاقهما عكس هذه الدعوى ،لأن قوله عليه السّلام في
صحيحة الحلبي : «حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه »- 1 -
مطلق و غير مقيد بفترة خاصة كالسنة الأولى من استطاعته مثلا ،و كذلك
قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «فلم يستطع الخروج »- 2 - فانه مطلق
و غير مقيد بزمن خاص ،فاذن مقتضى اطلاق صحيحة الحلبي انه حال بينه و بين
الحج في طول فترة عمره ،اذ لو حال بينهما في فترة دون أخرى لم يصدق انه
حال بينهما الاّ في تلك الفترة خاصة لا مطلقا ،فان الحج واجب على الإنسان
المستطيع في طول زمن مدة عمره مرة واحدة ،و على هذا فمقتضى اطلاق
قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «حال بينه و بين الحج مرض ...الخ »انه حال بينهما
في تمام هذه المدة ،و الاّ لم تصدق الحيلولة اذا كان متمكنا منه في فترة من تلك
المدة ،و كذلك الحال في قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «فلم يستطع
الخروج »فانه اذا استطاع الخروج الى الحج في طول تلك المدة لم يصدق انه
غير مستطيع ،فان المعيار في وجوب الحج عليه مباشرة انما هو باستطاعته
و تمكنه منه في فترة من فترات طول عمره ،لا في تمام فتراته ،و من هنا اذا تمكن
المكلف من الصلاة -مثلا -في فترة من فترات وقتها كفى في وجوبها عليه ،
لصدق انه متمكن من الاتيان بها في وقتها .

و مع الاغماض عن ذلك و تسليم انه لا اطلاق لهما ،الاّ أنه لا شبهة في أنه
لا اطلاق لهما أيضا في جواز الاستنابة مطلقا ،بل تصبح الروايتان حينئذ
مجملتين ،فالقدر المتيقن منهما عدم جواز الاستنابة الاّ في فرض اليأس
و انقطاع الأمل في التمكن من القيام المباشر بالحج ،و من هنا يظهر حال الدعوى
الثانية ،و انه لا مناص من الالتزام بها .

و إن شئت قلت :ان قوله عليه السّلام : «حال بينه و بين الحج مرض ... »- 3 - مطلق
و غير مقيد بفترة خاصة كالسنة الأولى من الاستطاعة -مثلا -و الفرض ان الحج
واجب عليه طول عمره مرة واحدة لا في كل سنة ،لأن الواجب في كل سنة انما

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 173 )--

..........
هو فوريته على المشهور ،لا أصل الحج ،و المفروض ان المرض قد حال بينه
و بين أصل وجوب الحج لا فوريته ،و على هذا فالمراد من حيلولة المرض أو
نحوه حيلولته عن ممارسة أعمال الحج مباشرة في تمام عمره ،و الاّ فلا يكون
حائلا بينه و بين أصل الحج .

فالنتيجة :ان الانسان اذا كانت عنده الامكانية المالية لنفقات سفر الحج
و لم يتح له أن يحج مباشرة لمرض أو اي عائق آخر ،أو اتيح له ذلك و لكنه
تساهل في التأخير سنة بعد أخرى الى أن ضعف عن الحج و عجز عنه لسبب من
الأسباب و انقطع أمله في التمكن من القيام المباشر به ،فعليه أن يستنيب شخصا
يحج عنه .

الحالة الثانية :اذا عرض على الموسر في السنة الأولى من استطاعته
مرض أو عائق آخر يمنعه عن القيام بالحج مباشرة ،فان كان على يقين من بقاء
هذا العذر و استمراره الى تمام فترات عمره ،وجب عليه أن يرسل شخصا يحج
عنه في نفس تلك السنة ،شريطة أن لا يكون واثقا و مطمئنا بعدم الفوت اذا أخر ،
و الا فلا يبعد جواز التأخير ،على أساس ما ذكرناه من انه اذا استطاع و تمكن من
الحج بنفسه و مباشرة وجب عليه أن يحج فورا اذا لم يكن مطمئنا بعدم الفوت
اذا أخر .

فالنتيجة :ان وجوب الفور في كلا الموردين مبني على ما مر من عدم
الوثوق و الاطمئنان بعدم الفوت .

الحالة الثالثة :ان الانسان المستطيع ماليا اذا لم تتح الفرصة له أن يحج
بنفسه لمرض أو أي عذر آخر ،و انقطع أمله جزما في التمكن من القيام به
مباشرة ،فعليه أن يجهز رجلا ليحج عنه ،و كذلك الحال اذا كان واثقا و متأكدا
باستمرار عذره و بقائه و عدم اتاحة الفرصة له للقيام بالحج بنفسه ،بل الأمر
كذلك اذا كان هذا مقتضى الاستصحاب .و اما اذا فرض انه استعاد قوته و نشاطه
الصحي البدني ،فإن كان قبل قيام النائب بالحج فلا شبهة في وجوبه عليه بنفسه ،
لكشف ذلك عن بطلان الاستنابة ،و إن كان بعد قيام النائب به فهل يجب عليه
كذلك ،أو لا ؟الظاهر الوجوب ،لما مر من ان المستفاد من الروايات ان موضوع

--( 174 )--

..........
وجوب الاستنابة العذر المستمر فيه الى آخر عمره ،و اما اذا انكشف الخلاف
و عدم استمراره فيه كشف ذلك عن عدم تحقق موضوع وجوب الاستنابة ،و معه
تكون النيابة باطلة ،فمن أجل ذلك يجب عليه بعد ان استعاد قوته و نشاطه
الصحي أن يحج بنفسه ،و حينئذ فلا وجه للقول بإجزاء حج النائب عنه ،و عدم
وجوبه عليه ،فانه مبني على أن يكون اليأس و انقطاع الأمل نهائيا تمام الموضوع
لوجوب الاستنابة ،و لكن قد مر أنه غير مأخوذ في لسان شي‏ء من الروايات ،
و على تقدير أخذه فيه فالظاهر منه عرفا أنه مأخوذ على نحو الطريقية دون
الموضوعية .

الحالة الرابعة :هل يعتبر أن يكون النائب صرورة ؟

المعروف و المشهور عدم اعتباره ،بدعوى ان الروايات مطلقة ،و مقتضى
اطلاقها عدم الفرق بين كون النائب صرورة أو لا .

و اما صحيحة الحلبي التي تدل على كون النائب صرورة ،فلا بد من حملها
على الاستحباب ،على أساس أن المشهور بين الأصحاب عدم اعتبار استنابة
الصرورة .

فيه :ان الصحيحة على تقدير ظهورها في ذلك فرفع اليد عنه بحاجة الى
قرينة ،و لا قرينة عليه لا في الداخل و لا من الخارج ،و اما إعراض المشهور عن
ظهورها و حملها على خلاف الظاهر ،فلا يصلح ان يكون قرينة ،فانه لو قلنا بأن
اعراضهم عن رواية معتبرة يوجب سقوطها عن الاعتبار ،و لكن اعراضهم عن
دلالتها لا يوجب سقوطها عن الحجية ،و مع هذا ،فالصحيح ما ذهب اليه
المشهور من عدم اعتبار الصرورة في النائب .و الوجه فيه :انه لا ظهور للصحيحة
في اعتبارها .

بيان ذلك :ان الوصف تارة يذكر مع موصوفه ،فيقال -مثلا - :اكرم الرجل
العالم .و أخرى يذكر مستقلا فيقال :اكرم العالم ،اما على الأول فقد ذكرنا في علم
الأصول أنه لا بأس بدلالة الوصف على المفهوم في الجملة ،و هذا لا بملاك
قاعدة احترازية القيد ،فان هذه القاعدة تقتضي ان الحكم الثابت في القضية انما
هو ثابت لحصة خاصة من الموضوع لا للطبيعي الجامع ،و من المعلوم أن انتفائه

--( 175 )--

..........
بانتفاء الحصة انما هو من باب انتفاء شخص الحكم بانتفاء موضوعه ،و هذا
ليس من المفهوم في شي‏ء ،لأنه عبارة عن انتفاء طبيعي الحكم ،بل بملاك أنه لو
كان يجب اكرام الرجل العالم و الرجل الجاهل معا و إن كان ذلك بفردين من
الوجوب ،و بجعلين مستقلين لكان تقييد الرجل بالعالم لغوا و بلا فائدة ،فاذن
بطبيعة الحال يدل انتفاؤه على انتفاء طبيعي الحكم في الجملة ،يعني عن بعض
حالات أخرى للموضوع ،و تمام الكلام هناك .

و أما على الثاني :فبما أن الوصف تمام الموضوع للحكم المجعول في
القضية -كاللقب -فهو لا يدل الاّ على انتفاء شخص الحكم بانتفائه من باب
انتفاء الحكم بانتفاء موضوعه .ضرورة أن حديث اللغوية لا يأتي حينئذ ،لأن
ذكر الوصف لا يكون لغوا على أي حال ما دام الموصوف غير مذكور في الكلام .

و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان الوصف في الصحيحة قد جعل موضوعا
للحكم مستقلا ،و هو ( الصرورة ) بدون أن يذكر موصوفه فيها ،باعتبار أنها
جاءت بهذا النص «يحج عنه من ماله صرورة لا مال له »- 1 - لا رجلا صرورة ،
و على هذا فالحكم المجعول في الصحيحة مرتبط بشخص الوصف المذكور
فيها من باب ارتباط الحكم بموضوعه ،و من المعلوم ان انتفاءه لا يدل الاّ على
انتفاء شخص هذا الحكم المجعول فيها من دون الدلالة على انتفاء الطبيعي ،و لا
يكون ذكره لغوا اذا فرض ثبوت فرد آخر من الحكم المماثل له للموضوع في
حالة أخرى عند انتفائه في هذه الحالة .

و بكلمة ثانية :اذا قيل :اكرم الفقيه -مثلا -فانه يدل على أن الفقيه بعنوانه
موضوع لوجوب الاكرام المجعول في هذه القضية التي سيقت لإبرازه ،و ينتفى
بانتفائه قهرا ،و لا يدل على نفي وجوب الإكرام عن طبيعي العالم الجامع بينه
و بين غيره ،لأن ملاك هذه الدلالة غير متوفر في الوصف غير المعتمد على
موصوفه في القضية ،على أساس ان ملاكها انه لو كان ثابتا للطبيعي الجامع دون
حصة خاصة منه لكان ذكره لغوا ،و من المعلوم أن هذا الملاك غير متوفر فيه ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :7 .


--( 176 )--

..........
باعتبار أنه يدل على أن شخص هذا الحكم ثابت لشخص هذا الوصف بلحاظ
أنه بحده الفردي موضوع له ،و بانتفائه ينتفي نفس هذا الحكم ،و لا يدل على
انتفاء فرد آخر من الحكم عن حصة أخرى ،و لا عن الطبيعي الجامع ،نعم إن هذا
الملاك إنما يكون متوفرا في الوصف الذي يذكر مع موصوفه ،كما اذا قيل ( اكرم
العالم الفقيه ) فانه يدل على أن الحكم المجعول في القضية غير ثابت لطبيعي
العالم الجامع ،و الاّ لكان تقييده به لغوا ،كما أنه يدل على نفي فرد آخر من
الحكم المماثل للفرد المجعول في القضية بجعل آخر في حال انتفاء الوصف
في الجملة ،و الاّ لكان التقييد به بدون فائدة .

فالنتيجة :ان الوصف اذا كان يذكر مع موصوفه كالمثال المتقدم يدل على
نفي ثبوته عن بعض حالات انتفاء الوصف ،و من هنا قلنا في علم الأصول ان
الوصف يدل على المفهوم بنحو السالبة الجزئية ،و اذا كان يذكر مستقلا فلا يدل
الا على ثبوت الحكم في مورده فيكون حاله حال اللقب ،كقولنا «اكرم زيدا »
و بما ان وصف الصرورة في صحيحة الحلبي كان يذكر مستقلا لا مع موصوفه
فلا يدل على نفي الحكم و هو وجوب الاستنابة في حالة أخرى عند انتفائه ،و مع
عدم الدلالة فلا تكون الصحيحة معارضة للروايات المطلقة ،فاذن يكون اطلاقها
هو المرجع و الحاكم ،و مقتضاه عدم الفرق بين الصرورة و غيرها ،و إن كان الأولى
و الأجدر به أن يختار الصرورة .

الحالة الخامسة :هل يجوز له أن يستنيب امرأة و يجهّزها لكي تحج عنه ،
أو لا بد أن يكون النائب رجلا ؟فيه و جهان :

الظاهر هو الأول ،فان ذكر الرجل في الروايات انما هو بلحاظ ان الغالب
في الخارج و المتعارف فيه هو استنابة الرجل لا من جهة خصوصية فيه ،اذ لا
يحتمل عرفا أن تكون للرجل خصوصية فيها ،و من هنا لا يحتمل اختصاص هذا
الحكم بكون المنوب عنه رجلا ،مع أن مورد روايته الرجل .

فالنتيجة :ان هذه الروايات انما هي في مقام بيان مشروعية النيابة عن
الحي العاجز و شروطها ،و ذكر الرجل فيها انما هو من باب المثال و بملاك أنه
أحد افراد المكلف ،لا بملاك أنه في مقابل المرأة ،فلا فرق بين الرجل و المرأة لا

--( 177 )--

..........
في النائب و لا في المنوب عنه .

الحالة السادسة :لا اشكال في وجوب الاستنابة في العذر الطارئ
كالشيخوخة أو السقم أو عائق آخر شريطة أن يكون مأيوسا و منقطعا أمله في
التمكن من القيام المباشر بالحج ،و أما إذا كان العذر فيه خلقيا و عائقا عن القيام
بالحج مباشرة ،فهل يجب عليه أن يستنيب شخصا ليحج عنه أو لا ؟لا يبعد عدم
الوجوب لأن مورد أكثر روايات الباب العذر الطارئ كمرض الهرم او السقام أو
الحصر أو نحو ذلك ،و انما الكلام في صحيحة الحلبي ،فانه قد يقال :ان
قوله عليه السّلام فيها : «و حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر يعذره اللّه فيه »- 1 -
مطلق ،و باطلاقه يعم الحيلولة بالعائق خلقة و ذاتا ،و لكنه بعيد جدا ،فان المتفاهم
العرفي منه العذر الطارئ لا مطلق العذر و لو كان خلقة و ذاتا .

فالنتيجة :ان المنسبق من الحائل في الصحيحة عرفا هو العذر الطارئ
دون الأعم منه و من العذر الذاتي الخلقي ،و لكن مع ذلك اذا كان موسرا
فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يستنيب شخصا ليحج عنه ،و اذا مات بعد ذلك
و كانت عنده تركة وجب اخراج الحج عنه من أصل التركة بمقتضى استصحاب
بقاء اشتغال ذمته به و إن كان الأحوط و الأجدر الاستئذان من الورثة أيضا .

الحالة السابعة :اذا لم يتمكن من الاستنابة لسبب من الاسباب ،و لو من
جهة ان النائب يطلب مالا كثيرا يكون حرجيا عليه ،و مات في هذه الحالة ،فهل
يجب أن يستنيب شخصا من قبله لأن يحج عنه ؟الظاهر انه لا اشكال في
الوجوب اذا كان الحج مستقرا عليه ،و يخرج نفقاته من أصل تركته ،الاّ اذا أوصى
باخراجها من الثلث ،و اما اذا لم يكن مستقرا عليه ،كما اذا كان في أول سنة
الاستطاعة ،فلا تجب الاستنابة عنه ،لأن التكليف في زمن حياته لم يتنجز عليه لا
مباشرة لعدم التمكن منه لهرم أو مرض أو أي عائق آخر ،و لا استنابة ،فاذن لم
يفت منه شي‏ء لكي يجب قضاؤه عليه .

فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة في هذا الفرض عدم وجوب القضاء .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 178 )--

..........
الحالة الثامنة :هل يجب عليه أن يستنيب شخصا من بلده ،أو يكفي من
الميقات ؟

الظاهر هو الكفاية من الميقات ،باعتبار أن الواجب عليه الحج ،و هو يبدأ
بالإحرام من الميقات ،و بما انه لا يتمكن من القيام به مباشرة فتجب عليه
الاستنابة منه ،و من المعلوم ان البدل لا يزيد على المبدل ،أو فقل :ان الاستنابة
انما تجب لتفريغ ذمته ،و الفرض أن ذمته مشغولة بالحج لا بما له من المقدمات
الخارجية ،و الفرض ان مبدأ الحج انما هو بالاحرام من الميقات .

و اما روايات الباب فهي أيضا لا تدل على وجوب الاستنابة عليه من
بلدته ،و لا نظر لها إلى امكان الإرسال ،بل هي ناظرة الى أن وظيفته أن يجهز
رجلا و يرسله ليحج عنه ،و اما كون الارسال من بلدته أو بلدة أخرى ،أو من
الميقات ،فلا نظر لها إلى شي‏ء من هذه الجهات .

و اما قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «ثم ليبعثه مكانه »- 1 - فلا يكون
ظاهرا في وجوب البعث و الارسال من مكان المنوب عنه ،بل هو ظاهر في أن
وظيفته أن يجهز رجلا للحج عنه ،ثم ارساله مكانه ،أي نائبا عنه ،من دون دلالته
على تعيين مكان الارسال .

فالنتيجة :انه لا شبهة في كفاية الاستنابة عن الميقات .

الحالة التاسعة :لا شبهة في ان مورد اكثر روايات الباب هو حجة الإسلام
الأصلية التي هي الحجة الأولى للمستطيع ،كالروايات التي يكون موردها الشيخ
الكبير ،و صحيحة الحلبي باعتبار تعليق وجوب الحج فيها على اليسار
و الامكانية المالية ،و هو قرينة على أن المراد منه حجة الإسلام الأصلية .

و اما صحيحة محمد بن مسلم ،فقد يقال :إنها مطلقة و باطلاقها تشمل
حجة الإسلام و غيرها كالحج العقوبتي ،باعتبار انه ليس فيها ما يدل على أن
المراد من الحج فيها حجة الإسلام الأصلية .

و قد يجاب عن ذلك :ان مورد الصحيحة الحج التطوعي الإرادي ،و لا يعم

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .


--( 179 )--

..........
الحج الواجب في أصل الشرع .

فيه :ان هذا الجواب مبني على أن يكون المراد من قوله عليه السّلام في
الصحيحة : «لو أن رجلا أراد الحج »- 1 - ان أمره بيده ،و لا يكون ملزما بارادة
الاتيان به ،و لكن هذا المعنى خلاف الظاهر من الرواية ،فان الظاهر منها عرفا هو
أنه ملزم بارادته ،نظير قوله تعالى :إِذا قُمْتُمْ إِلَى اَلصَّلاةِ ،و يؤكد ذلك
قوله عليه السّلام في ذيلها : «فليجهّز رجلا من ماله ليبعثه مكانه »- 2 - فانه ظاهر في
وجوب ذلك ،فيكون قرينة على ان المراد من الحج هو الحج الواجب ،و عندئذ
فهل تشمل الصحيحة الحج العقوبتي ؟الظاهر عدم الشمول ،فان المنساق منها
عرفا هو الحج الأصلي الواجب في الشريعة المقدسة دون الأعم منه و اما الحج
اذا كان منذورا فبما أن طروّ الحائل بينه و بين الحج كاشف عن بطلانه ،فلا يكون
مشمولا لها .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :24 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .


--( 180 )--

فالمشهور وجوب الاستنابة عليه ،بل ربما يقال بعدم الخلاف فيه و هو
الأقوى و إن كان ربما يقال بعدم الوجوب ،و ذلك لظهور جملة من الأخبار
في الوجوب ،و أما إن كان موسرا من حيث المال و لم يتمكن من المباشرة
مع عدم استقراره عليه ففي وجوب الاستنابة و عدمه قولان لا يخلو أولهما
عن قوة ،لإطلاق الأخبار المشار إليها ،و هي و إن كانت مطلقة من
حيث رجاء الزوال و عدمه ( 1 ) لكن المنساق من بعضها ذلك ،مضافا إلى
ظهور الإجماع على عدم الوجوب مع رجاء الزوال ،و الظاهر فورية
الوجوب ( 2 ) كما في صورة المباشرة ،و مع بقاء العذر إلى أن مات يجزئه
حج النائب فلا يجب القضاء عنه و إن كان مستقرا عليه ،و إن اتفق ارتفاع
العذر بعد ذلك فالمشهور أنه يجب عليه مباشرة و إن كان بعد إتيان النائب ،

( 1 ) تقدم أن ما يتوهم اطلاقه من هذه الناحية صحيحتي الحلبي و محمد
ابن مسلم ،و لكن قد مر الاشكال بل المنع في اطلاقهما ،و أن المتفاهم العرفي
منهما بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية وجوب الاستنابة عليه اذا كان واثقا
و متأكدا ببقاء عذره ما دام في قيد الحياة و انقطاع أمله في التمكن من القيام بالحج
مباشرة ،لا مطلقا .

( 2 ) في الظهور اشكال اذا كان المعذور واثقا و مطمئنا بأنه اذا أخر الاستنابة
في هذه السنة لم تفت منه في السنة القادمة ،و ذلك لأن روايات الباب الآمرة
بتجهيز الرجل و توفير مقدمات الحج لإرساله اليه اذا انقطع أمله في التمكن منه
مباشرة غير ناظرة الى وجوب ذلك فورا ،فانها تدل على أن وظيفته استنابة رجل
بديلا عنه اذا انقطع أمله فيه ،اما انها واجبة عليه فورا و بصرف انقطاع الأمل
و اليأس عن استئناف قوته ثانيا ،فهي لا تدل عليه ،لأنها ليست في مقام البيان من
هذه الناحية ،و انما هي في مقام بيان وظيفته في هذه الحالة ،و قد ذكرنا في أول

--( 181 )--

بل ربما يدعى عدم الخلاف فيه ،لكن الأقوى عدم الوجوب ( 1 ) لأن ظاهر
الأخبار أن حج النائب هو الذي كان واجبا على المنوب عنه ( 2 ) فإذا أتى به
فقد حصل ما كان واجبا عليه و لا دليل على وجوبه مرة أخرى ،بل لو قلنا
باستحباب الاستنابة فالظاهر كفاية فعل النائب بعد كون الظاهر الاستنابة
فيما كان عليه ،و معه لا وجه لدعوى أن المستحب لا يجزئ عن الواجب ،
إذ ذلك فيما إذا لم يكن المستحب نفس ما كان واجبا و المفروض في
المقام أنه هو ،بل يمكن أن يقال إذا ارتفع العذر في أثناء عمل النائب بأن
كان الارتفاع بعد إحرام النائب إنه يجب عليه الإتمام و يكفي عن المنوب
عنه ( 3 ) ،بل يحتمل ذلك و إن كان في أثناء الطريق قبل الدخول في

بحث الحج انه لا دليل على وجوبه فورا فيما اذا كان الانسان مطمئنا بعدم فوته
منه إذا أخر ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر به وجوبا عدم التأخير في كلا
الموردين .

( 1 ) بل الأقوى الوجوب ،لما مر من أن موضوع الاستنابة العذر الواقعي
المستمر ما دام حيا ،و لا موضوعية لليأس و انقطاع الأمل ،فانه طريق اليه ،فاذا
ارتفع العذر واقعا و تمكن من القيام بالحج مباشرة وجب عليه القيام به ،لأنه
يكشف عن بطلان الاستنابة على تفصيل تقدم .

( 2 ) هذا بناء على مسلكه قدّس سرّه من صحة النيابة في هذا الفرض ،و اما بناء
على ما هو الصحيح من بطلانها فيه -كما مر -فلا يكون حج النائب هو الحج
الواجب على المنوب عنه حتى يكون مجزيا عنه ،بل عليه الاتيان به مباشرة ،لأن
ارتفاع العذر عنه كاشف عن تمكنه من القيام المباشر بالحج ،و معه لا موضوع
للنيابة .

( 3 ) مر أنه لا يكفي حتى اذا ارتفع العذر بعد العمل فضلا عما اذا ارتفع

--( 182 )--

الإحرام ،و دعوى أن جواز النيابة مادامي ( 1 ) كما ترى بعد كون الاستنابة
بأمر الشارع و كون الإجارة لازمة لا دليل على انفساخها خصوصا إذا لم
يمكن إبلاغ النائب المؤجر ذلك ( 2 ) ،و لا فرق فيما ذكرنا من وجوب

في أثنائه ،بل و لو قلنا بالكفاية في الفرض الأول لم نقل بها في الفرض الثاني ،
لأن القول بالكفاية في الأول مبني على أن يكون موضوع وجوب الاستنابة
اليأس و انقطاع الأمل دون العذر الواقعي ،و على هذا فاذا تبدل اليأس و انقطاع
الأمل بالرجاء و الوثوق باستعادة قوته مرة ثانية على الحج مباشرة ،فان كان ذلك
التبدل بعد عمل النائب و اتيانه بالحج ،فلا يكشف عن بطلان عمله و عدم صحة
النيابة ،باعتبار انه من تبدل الموضوع بموضوع آخر ،لا من باب كشف الخلاف
في الواقع ،و ان كان في أثناء عمله فلا يمكن الحكم بالصحة و وجوب اتمامه
عليه ،لأن الموضوع اذا تبدل فاصبح النائب اجنبيا عن المنوب عنه و لا يكون
مكلفا بالاتمام من قبله ،فاذن لا محالة يكون المنوب عنه هو المكلف بتفريغ
ذمته ،على أساس أنها لا تزال مشغولة بالحج ،و ما أتى به النائب من بعض أعمال
الحج كالإحرام و نحوه فهو ملغى و لا قيمة له ،و به يظهر حال ما بعده .

( 1 ) في الدعوى اشكال بل منع ،لا من جهة ما ذكره الماتن قدّس سرّه من كون
الاستنابة بأمر الشارع ،و كون الإجارة لازمة ...الخ ...فانه مبني على أن يكون اليأس
بارتفاع العذر و انقطاع الأمل حدوثا علة لوجوب الاستنابة حدوثا و بقاء ،و هذا
خلاف الضرورة الفقهية ،بل من جهة ان موضوع جواز النيابة و مشروعيتها هو
العذر المستمر في الواقع و ما دام العمر ،و اذا لم يستمر كشف ذلك عن بطلانها
و عدم مشروعيتها من الأول ،و لا يعقل أن تكون النيابة صحيحة ما دام العذر
موجودا ،و اذا ارتفع ارتفعت بارتفاع موضوعها ،لأن لازم ذلك صحة الاستنابة
مع العلم بارتفاع العذر في المستقبل ،و هو كما ترى .

( 2 ) فيه انه لا وجه لهذا التخصيص ،اذ لا يحتمل أن يكون ابلاغ النائب

--( 183 )--

الاستنابة بين من عرضه العذر من المرض و غيره و بين من كان معذورا
خلقة ( 1 ) ،و القول بعدم الوجوب في الثاني و إن قلنا بوجوبه في الأول
ضعيف ( 2 ) ،و هل يختص الحكم بحجة الإسلام أو يجري في الحج النذري
و الإفسادي أيضا ؟قولان ،و القدر المتيقن هو الأول ( 3 ) بعد كون الحكم
على خلاف القاعدة ،و إن لم يتمكن المعذور من الاستنابة و لو لعدم وجود
النائب أو وجوده مع عدم رضاه إلا بأزيد من أجرة المثل و لم يتمكن من
الزيادة أو كانت مجحفة ( 4 ) سقط الوجوب ،و حينئذ فيجب القضاء عنه بعد

بارتفاع العذر دخيلا في انفساخ الاجارة فانه على القول بأن ارتفاعه و استعادة
المنوب عنه قوته دخيل في انفساخها ،لا كاشف عن بطلانها من الأول ،فهو
دخيل فيه واقعا و إن لم يبلغ النائب به .

( 1 ) على الأحوط وجوبا كما مر في الحالة السادسة .

( 2 ) في الضعف اشكال ،و لا يبعد عدمه نظريا ،لما مر من ان المتفاهم
العرفي من الروايات هو العذر الطارئ ،لا الأعم منه و من الذاتي ،و لكن مع ذلك
لا يترك الاحتياط على تفصيل تقدم في الحالة السادسة .

( 3 ) فيه اشكال من جهتين :

الأولى :انه ينافي ما ذكره قدّس سرّه في الفصل الآتي في المسألة ( 11 ) من الجزم
بعموم الحكم .

الثانية :ان ذلك ليس من باب القدر المتيقن ،فان دليل المسألة ليس دليلا
لبيا ،بل هو لفظي ،و لا اجمال فيه ،بل من باب ان مورد أكثر روايات المسألة
حجة الإسلام ،و لا اطلاق لها .و اما صحيحة محمد بن مسلم التي قد يتوهم أنها
مطلقة ،فقد ذكرنا في الحالة التاسعة أن المنصرف منها حجة الإسلام الأصلية
دون الأعم .

( 4 ) هذا شريطة أن تكون الزيادة حرجية عليه ،و اما اذا لم تصل الى حد
الحرج فلا تكون مانعة عن وجوب الاستنابة و إن كانت مجحفة و ضررية .

--( 184 )--

موته إن كان مستقرا عليه ،و لا يجب مع عدم الاستقرار ،و لو ترك الاستنابة
مع الإمكان عصى بناء على الوجوب و وجب القضاء عنه مع الاستقرار ،
و هل يجب مع عدم الاستقرار أيضا أو لا ؟وجهان أقواهما نعم لأنه استقر
عليه بعد التمكن من الاستنابة ،و لو استناب مع كون العذر مرجوّ الزوال لم
يجزئ عن حجة الإسلام فيجب عليه بعد زوال العذر ،و لو استناب مع
رجاء الزوال و حصل اليأس بعد عمل النائب فالظاهر الكفاية ،و عن
صاحب المدارك عدمها و وجوب الإعادة لعدم الوجوب مع عدم اليأس فلا
يجزئ عن الواجب ،و هو كما ترى ،و الظاهر كفاية حج المتبرع عنه ( 1 ) في

( 1 ) في الكفاية اشكال بل منع ،و الأظهر عدمها ،لأن سقوط الواجب عن
ذمة فرد بفعل آخر بحاجة الى دليل ،و مقتضى القاعدة عدم السقوط ،و الدليل في
المقام انما هو روايات المسألة ،و تلك الروايات تنص على أن من جهّز رجلا
ليحج عنه ،فاذا حج سقط عن ذمته ،باعتبار أن فعله فعل له بالتسبيب ،و لا تدل
على سقوطه عن ذمته بفعل المتبرع ،و لا يوجد دليل آخر على ذلك ،فاذن
مقتضى القاعدة عدم السقوط .

و دعوى :ان هذه الخصوصية غير دخيلة في ذلك ،فان المسقط انما هو
فعل النائب بما هو فعله ،لا بما أنه فعل للمنوب عنه بالتسبيب ،فاذن لا فرق بين
فعل المتبرع و فعل النائب ،غاية الأمر أن المتبرع يأتي به نيابة عنه تبرعا ،و النائب
يأتي به نيابة عنه بأمره ،و من هنا لا فرق بينهما في النيابة عن الميت ،فانها مسقطة
و إن كانت تبرعية .

مدفوعة :بأن احتمال دخل هذه الخصوصية في سقوط الواجب عن ذمة
المنوب عنه موجود ،و لا دافع له في المقام ،باعتبار ان الحكم يكون على خلاف
القاعدة ،فالتعميم و رفع اليد عن هذه الخصوصية في مورد الروايات بحاجة الى

--( 185 )--

صورة وجوب الاستنابة ،و هل يكفي الاستنابة من الميقات كما هو الأقوى
في القضاء عنه بعد موته ؟وجهان ،لا يبعد الجواز ( 1 ) حتى إذا أمكن ذلك
في مكة مع كون الواجب عليه هو التمتع ،و لكن الأحوط خلافه لأن القدر
المتيقن من الأخبار الاستنابة من مكانه ،كما أن الأحوط عدم كفاية التبرع
عنه لذلك أيضا .

[3070 ]مسألة 73 :إذا مات من استقر عليه الحج في الطريق فإن مات بعد
الإحرام و دخول الحرم أجزأه عن حجة الإسلام فلا يجب القضاء عنه ،و إن
مات قبل ذلك وجب القضاء عنه و إن كان موته بعد الإحرام على المشهور
الأقوى ( 2 ) ،خلافا لما عن الشيخ و ابن إدريس فقالا بالاجزاء حينئذ أيضا ،

دليل ،و لا دليل عليه ،فمع هذا الاحتمال لا يمكن الحكم بالسقوط عن ذمته بفعل
المتبرع اذا أتى به نيابة عنه تبرعا ،و حينئذ فمقتضى الأصل عدم السقوط و بقائه
في ذمته ،و لا يقاس المقام بالنيابة عن الميت تبرعا ،فان النيابة عنه كذلك ثبت
استحبابها شرعا ،فمن أجل ذلك يكون التبرع عنه مسقطا لذمته ،و هذا بخلاف
المقام ،فانه لا دليل على استحباب النيابة التبرعية عن الحي العاجز ،فان الدليل
منحصر بالروايات المتقدمة ،و هي لا تدل على كفاية التبرع ،باعتبار أنه خارج
عن موردها ،و التعدي بحاجة الى دليل ،لأن الحكم يكون على خلاف القاعدة .

و إن شئت قلت :ان الواجب الثابت في ذمة شخص لا يسقط الاّ بفعله
مباشرة ،و اما سقوطه عن ذمته بفعل غيره فهو بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه .

( 1 ) بل هو الظاهر ،حيث ان مورد النيابة الحج ،و هو يبدأ بالإحرام من
الميقات ،و أما مقدماته الموصلة فهي خارجة عن موردها ،و قد تقدم في الحالة
الثامنة انه لا يوجد في الروايات ما يدل على خلاف ذلك ،و به يظهر حال ما
بعده .

( 2 ) هذا هو الصحيح ،فانه مقتضى الجمع بين روايات الباب .

--( 186 )--

..........
بيان ذلك :ان تلك الروايات تصنف الى ثلاثة أصناف :

الأول :صحيحة ضريس عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «في رجل خرج حاجا
حجة الإسلام فمات في الطريق ،فقال :إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة
الإسلام ،و إن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجة الإسلام »- 1 - ،فانها تنص
على أمرين :

أحدهما :إن الحاج اذا مات في الطريق فان كان بعد دخول الحرم فقد
أجزأت عنه حجة الإسلام ،و سقطت عن ذمته ،و لا شي‏ء عليه .

و الآخر :إن كان دون الحرم فعلى وليه أن يقضي عنه حجة الإسلام ،و هذا
باطلاقه يعم ما اذا مات قبل الإحرام .

الثاني :صحيحة بريد العجلي قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام :عن رجل خرج
حاجّا و معه جمل له و نفقة و زاد ،فمات في الطريق ؟قال :إن كان صرورة ثم مات
في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الإسلام ،و إن كان مات و هو صرورة قبل أن يحرم
جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الإسلام ،فإن فضل من ذلك شي‏ء
فهو للورثة إن لم يكن عليه دين -الحديث »- 2 - فانها تنص على أنه اذا مات في
الحرم أجزأ عنه حجة الإسلام ،و اذا مات قبل أن يحرم لم يجزأ .

الثالث :صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «اذا احصر الرجل بعث
بهديه ...الى أن قال :قلت :فان مات و هو محرم قبل أن ينتهي الى مكة ؟
قال :يحج عنه إن كان حجة الإسلام و يعتمر انما هو شي‏ء عليه »- 3 - فانها
تنص على أنه اذا مات بعد الإحرام قبل أن ينتهي الى مكة لم يجزى عنه حجة
الإسلام .

ثم ان قوله عليه السّلام في الصحيحة الثانية : «و إن كان مات و هو صرورة قبل أن
يحرم جعل جمله زاده و نفقته ...الخ »يدل بمقتضى مفهومه انه اذا مات و هو
صرورة بعد الإحرام كفى عنه حجة الإسلام ،و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .


--( 187 )--

..........
يكون موته قبل دخول الحرم أو بعده ،و حينئذ يكون منافيا لقوله عليه السّلام في
الصحيحة الأولى : «و إن مات دون الحرم فليقض عنه وليّه حجة الإسلام »فانه
مطلق من جهة أن موته كان بعد الإحرام أو قبله ،فاذن تكون النسبة بينهما عموما
من وجه و مورد الالتقاء بينهما هو ما اذا كان موته بعد الإحرام و قبل الحرم ،فان
مقتضى اطلاق الأول الإجزاء عن حجة الإسلام ،و مقتضى اطلاق الثاني عدم
الاجزاء عنها ،فيسقط الاطلاقان معا من جهة المعارضة ،فاذن لا دليل على
الاجزاء اذا مات بعد الإحرام و قبل دخول الحرم .و اما صحيحة زرارة فهي مطلقة
من جهة أن موته كان قبل الحرم أو فيه و لكن قبل دخوله مكة ،و تدل باطلاقها
على عدم الإجزاء في كلا الفرضين ،و لكن لا بد من رفع اليد عن هذا الإطلاق
و تقييده بما قبل أن ينتهي الى الحرم بمقتضى نص قوله عليه السّلام في الصحيحة
الأولى : «إن مات في الحرم فقد اجزأت عنه حجة الإسلام »و قوله عليه السّلام في
الصحيحة الثانية : «ان كان صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة
الإسلام ».

و دعوى :انه مطلق من جهة انه مات في الحرم محرما أو غير محرم .

مدفوعة :بانه لا اطلاق له من هذه الناحية ،اذ لا شبهة في ظهوره عرفا في
انه مات في الحرم محرما ،لأنه مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ،
و الا فلا معنى للاجزاء بدون الإحرام .

فالنتيجة :ان من ذهب الى الحج و أحرم من احد المواقيت ،ثم مات في
الحرم ،أجزأ عنه حجة الإسلام و إن لم يدخل مكة المكرمة ،فإذن لا محالة يكون
المراد من قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة : «قبل أن ينتهي الى مكة »هو قبل أن ينتهي
الى حرمها ،باعتبار أنه من شئونها ،فاذا دخل فيه صدق انه انتهى الى مكة .

أو فقل :انه قد ورد في الروايات ان مكة حرم اللّه ،و على هذا فاذا دخل في
الحرم فقد دخل في حرم اللّه و هو مكة ،فالنتيجة :ان المعيار في الاجزاء انما هو
بموته في الحرم بعد الإحرام .

--( 188 )--

و لا دليل لهما على ذلك إلا إشعار بعض الأخبار كصحيحة بريد العجلي
حيث قال فيها بعد الحكم بالإجزاء إذا مات في الحرم : «و إن كان مات و هو
صرورة قبل أن يحرم جعل جمله و زاده و نفقته في حجة الإسلام »فإن
مفهومه الإجزاء إذا كان بعد أن يحرم ،لكنه معارض بمفهوم صدرها
و بصحيح ضريس و صحيح زرارة و مرسل المقنعة ،مع أنه يمكن أن يكون
المراد من قوله : «قبل أن يحرم »قبل أن يدخل في الحرم كما يقال : «أنجد »
أي دخل في نجد و «أيمن »أي دخل اليمن ،فلا ينبغي الإشكال في عدم
كفاية الدخول في الإحرام ،كما لا يكفي الدخول في الحرم بدون الإحرام
كما إذا نسيه في الميقات و دخل الحرم ثم مات ،لأن المنساق من اعتبار
الدخول في الحرم كونه بعد الإحرام ،و لا يعتبر دخول مكة و إن كان الظاهر
من بعض الأخبار ذلك ،لإطلاق البقية في كفاية دخول الحرم ( 1 ) ،و الظاهر
عدم الفرق بين كون الموت حال الإحرام أو بعد الإحلال كما إذا مات بين
الإحرامين ،و قد يقال بعدم الفرق أيضا بين كون الموت في الحل أو الحرم
بعد كونه بعد الإحرام و دخول الحرم ،و هو مشكل لظهور الأخبار في
الموت في الحرم ( 2 ) ،و الظاهر عدم الفرق بين حج التمتع و القران و الإفراد ،

( 1 ) بل نصها في الكفاية ،لإطلاقها الناشئ من السكوت في مقام البيان ،
فمن أجل هذا تتقدم على ما يكون ظاهره اعتبار دخول مكة تطبيقا لقاعدة
الجمع الدلالي العرفي ،و هي حمل الظاهر على الأظهر .

( 2 ) فيه ان الأخبار و إن كانت ظاهرة فيه ،بل ناصة ،الا ان المتفاهم العرفي
منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ،ان هذا التقييد ،اي تقييد الموت في
الحرم ،انما هو في مقابل ما اذا مات بعد الإحرام و قبل الدخول فيه ،و اما اذا دخل
فيه ثم خرج عنه لسبب من الاسباب ،و مات في الخارج فلا يبعد الإجزاء لصدق

--( 189 )--

كما أن الظاهر أنه لو مات في أثناء عمرة التمتع أجزأه عن حجه أيضا ،بل لا
يبعد الإجزاء إذا مات في أثناء حج القران أو الإفراد عن عمرتهما
و بالعكس ،لكنه مشكل ( 1 ) لأن الحج و العمرة فيهما عملان مستقلان
بخلاف حج التمتع فإن العمرة فيه داخلة في الحج فهما عمل واحد ،ثم
الظاهر اختصاص حكم الإجزاء بحجة الإسلام ( 2 ) فلا يجري الحكم في

انه مات بعد الدخول في الحرم ،فيكون قوله عليه السّلام في الروايات : «مات في
الحرم »- 1 - في مقابل من مات دونه ،بقرينة انه مات في الطريق ،و من المعلوم ان
موته فيه لا محالة اما أن يكون قبل الوصول الى الحرم ،أو بعد الوصول اليه .

و بكلمة :إن الظاهر من هذا التقييد في الروايات هو أنه في مقابل ما اذا
مات قبل دخوله الحرم ،حيث فرض موته في الطريق الى مكة المكرمة ،و هو لا
محالة اما أن يكون قبل الدخول فيه ،أو بعده ،فعلى الأول لم تسقط حجة
الإسلام عنه ،و على الثاني سقطت ،و لا شي‏ء عليه ،و اما اذا فرض انه خرج عن
الحرم بعد الدخول فيه لسبب من الاسباب ،و مات اتفاقا في الخارج ،فلا يبعد
سقوط الحج عنه لصدق انه مات بعد الدخول فيه .

فالنتيجة :ان الإجزاء و سقوط الحج عن ذمة من مات في خارج الحرم بعد
دخوله فيه غير بعيد ،و إن كان الاحتياط بالقضاء عنه في محله بل لا يترك .

( 1 ) الظاهر أنه لا اشكال في عدم الإجزاء ،و لا يقاس ذلك بحج التمتع ،
فان العمرة فيه مرتبطة بالحج ،فيكون المجموع عملا واحدا ،و هذا بخلاف
العمرة في حج القران او الإفراد ،فانها واجبة مستقلة في مقابل الحج ،و عليه فاذا
مات في أثناء حج الافراد او القران لم يجزئ عن عمرته ،لأن روايات الباب لا
تشمل ذلك ،و لا يوجد دليل آخر عليه .

( 2 ) بل لا شبهة في ذلك ،لأن مورد الروايات المعتبرة جميعا حجة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 190 )--

حج النذر و الإفساد إذا مات في الأثناء ،بل لا يجري في العمرة المفردة
أيضا و إن احتمله بعضهم .

و هل يجري الحكم المذكور فيمن مات مع عدم استقرار الحج عليه
فيجزئه عن حجة الإسلام إذا مات بعد الاحرام و دخول الحرم و يجب
القضاء عنه إذا مات قبل ذلك ؟وجهان ( 1 ) بل قولان من إطلاق الأخبار في

الإسلام ،و التعدي عنه الى سائر الموارد بحاجة الى دليل ،باعتبار أن الحكم
يكون على خلاف القاعدة و لا يوجد دليل عليه .

( 1 ) لا يبعد الوجه الاول ،و ذلك لأن مقتضى القاعدة و إن كان الوجه
الثاني ،باعتبار ان موته في الطريق ،بل في أثناء العمل اذا كان في السنة الأولى من
الاستطاعة كاشف عن عدم استطاعته البدنية من الأول ،و حينئذ فلا موضوع
للإجزاء ،إلا أن رفع اليد عن اطلاق الروايات الدالة على أنه اذا مات في الحرم
أجزأ عنه حجة الإسلام ،و إذا مات دونه فعلى وليه القضاء ،يتوقف على الوثوق
و الاطمئنان بعدم خصوصية للموت في المسألة ،و أن حاله حال فقدان سائر
الشروط كالاستطاعة المالية و نحوها في الطريق أو الأثناء ،و أما إذا احتمل
الخصوصية فيه فلا يمكن رفع اليد عن اطلاقها ،و حملها على من استقر عليه
الحج .

و بكلمة :ان احتمال خصوصية في الموت ،و عدم ارتباط وجوب الحج
به ،و ارتباطه بالاستطاعة المالية عنده فحسب ،فما دامت تلك الاستطاعة
موجودة فهو ثابت في ذمته ،فاذن الجزم بعدم الفرق بين الموت و انتفاء سائر
الشروط مشكل جدا ،إذ لا دافع لاحتماله ،باعتبار أن الاستطاعة المالية في السنة
الأولى إذا انتفت لم يتمكن من حجة الإسلام ،لا بنفسه و مباشرة ،و لا بالاستنابة ،
و أما إذا انتفت الاستطاعة البدنية عنه بالموت أو نحوه ،دون المالية ،فيمكن أن
يحج عنه بالاستنابة .و مع هذا الاحتمال لا يمكن رفع اليد عن اطلاق تلك

--( 191 )--

التفصيل المذكور و من أنه لا وجه لوجوب القضاء عمن لم يستقر عليه بعد
كشف موته عن عدم الاستطاعة الزمانية ،و لذا لا يجب إذا مات في البلد
قبل الذهاب أو إذا فقد بعض الشرائط الأخر مع كونه موسرا ،و من هنا ربما
يجعل الأمر بالقضاء فيها قرينة على اختصاصها بمن استقر عليه ،و ربما
يحتمل اختصاصها بمن لم يستقر عليه و حمل الأمر بالقضاء على الندب ،
و كلاهما مناف لإطلاقها ،مع أنه على الثاني يلزم بقاء الحكم فيمن استقر
عليه بلا دليل مع أنه مسلّم بينهم ،و الأظهر الحكم بالإطلاق إما بالتزام
وجوب القضاء في خصوص هذا المورد من الموت في الطريق كما عليه
جماعة و إن لم يجب إذا مات مع فقد سائر الشرائط أو الموت و هو في البلد
و إما بحمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك و استفادة الوجوب فيمن
استقر عليه من الخارج ،و هذا هو الأظهر ( 1 ) فالأقوى جريان الحكم

الروايات ،لأن دليل المقيد لا يكون لفظيا ،بل لبي و هو العلم او الاطمئنان بعدم
خصوصية للموت ،و الفرض عدم حصول العلم او الاطمئنان بذلك ،فاذن يكون
اطلاقها محكم ،و مقتضاه عدم الفرق بين من استقر عليه الحج و من لم يستقر .

و من هنا يظهر انه لا وجه لحمل الأمر بالقضاء على الاستحباب ،أو على
الجامع بينه و بين الوجوب ،فان ذلك بحاجة الى قرينة تدل عليه ،و لا قرينة لا في
نفس هذه الروايات ،و لا من الخارج ،و مجرد استبعاد وجوب القضاء عمن لم
يستقر عليه الحج اذا مات في الطريق قبل دخول الحرم لا يصلح قرينة على
حمل الأمر بالقضاء فيها على الاستحباب ،و رفع اليد عن ظهوره في الوجوب .

فالنتيجة :ان وجوب الحج عمن مات في السنة الأولى من الاستطاعة في
الطريق الى مكة غير بعيد ،و لا أقل انه الأحوط .

( 1 ) فيه ان حمل الأمر بالقضاء على القدر المشترك بين الوجوب و الندب
بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه كما مر .

--( 192 )--

المذكور فيمن لم يستقر عليه أيضا فيحكم بالإجزاء إذا مات بعد الأمرين
و استحباب القضاء عنه إذا مات قبل ذلك ( 1 ) .

[3071 ]مسألة 74 :الكافر يجب عليه الحج إذا استطاع لأنه مكلف بالفروع
لشمول الخطابات له أيضا ،و لكن لا يصح منه ما دام كافرا كسائر العبادات
و إن كان معتقدا لوجوبه و آتيا به على وجهه مع قصد القربة لأن الإسلام
شرط في الصحة ( 2 ) ،و لو مات لا يقضى عنه لعدم كونه أهلا للإكرام
و الإبراء ( 3 ) ،و لو أسلم مع بقاء استطاعته وجب عليه ،و كذا لو استطاع بعد
إسلامه ،و لو زالت استطاعته ثم أسلم لم يجب عليه على الأقوى لأن

( 1 ) مر انه لا وجه لهذا التفصيل ،فان الموت في الطريق في السنة الأولى
من الاستطاعة إن كان كاشفا عن عدم ثبوت الحج في ذمته من الأول فكما لا
يكون موضوعا لوجوب القضاء لا يكون موضوعا للاجزاء أيضا ،و إن لم يكن
كاشفا فالموضوع لكليهما ثابت فلا وجه للتفصيل .

( 2 ) على الأحوط ،لما تقدم من الاشكال في شرطية الإسلام في صحة
العبادة ،و ذكرنا في ضمن بعض البحوث السالفة أنه بناء على ما هو الصحيح من
أن الكفار مكلفون بالفروع ،لا يبعد صحة صدور العبادة منهم ،و لا يكون هناك
شي‏ء يمنعهم من نية التقرب بها ،لأن كفر الكافر لا يكون مانعا من هذه النية ،
و انما هو مانع من التقرب الفعلي للكافر بها اليه سبحانه و تعالى ،و هو غير معتبر
في صحة العبادة ،لأن المعتبر فيها نية القربة و قصدها ،و الكفر بما أن قبحه فاعلي
لا فعلي ،فلا يمنع من نية القربة ،لأن المانع منها انما هو القبح الفعلي لا القبح
الفاعلي .

( 3 ) فيه ان الأهلية لذلك ليست تمام الملاك لوجوب القضاء عنه ،بل هو
تابع للدليل فان كان هناك دليل فلا بد من الأخذ به ،و الاّ فلا شي‏ء عليه سواء أ كان
أهلا للإكرام أم لا .

--( 193 )--

الإسلام يجبّ ما قبله ( 1 ) ،كقضاء الصلاة و الصيام حيث إنه واجب عليه
حال كفره كالأداء و إذا أسلم سقط عنه ،و دعوى أنه لا يعقل الوجوب عليه
إذ لا يصح منه إذا أتى به و هو كافر ( 2 ) و يسقط عنه إذا أسلم مدفوعة بأنه
يمكن أن يكون الأمر به حال كفره أمرا تهكميا ( 3 ) ليعاقب لا حقيقيا ،لكنه

( 1 ) هذا لا لحديث الجب ،فانه لا أصل له ،بل للسيرة القطعية من النبي
الاكرم صلّى اللّه عليه و آله الجارية في فترة زمنية ممتدة ،و هي من أول بعثته صلّى اللّه عليه و آله الى آخر حياته
الكريمة على عدم أمر الكفار الذين يدخلون في الإسلام فوجا فوجا في تلك
الفترة الممتدة بقضاء العبادات ،و لم ينقل منه صلّى اللّه عليه و آله و لا في مورد واحد أمره
بذلك .

( 2 ) فيه انه بناء على ما مر من انه لا يبعد صحة الاتيان بالعبادات من
الكافر ،لا موضوع لهذا الاشكال ،و هو عدم تعقل الوجوب عليه .

( 3 ) فيه انه بناء على ما مر منا من أن صحة العبادة من الكافر غير بعيدة ،لا
مبرّر لحمل الأمر بالقضاء المتوجه الى الكافر على الأمر التهكمي .و مع
الاغماض عن ذلك و تسليم ان الإسلام شرط في صحة العبادة ،فأيضا لا مبرر
لهذا الحمل و التوجيه ،فان دليل وجوب القضاء دليل واحد يعم المسلم و الكافر ،
فلا يمكن حمل الأمر فيه بالنسبة إلى المسلم على الأمر الحقيقي ،و بالنسبة إلى
الكافر على الأمر الصوري ،هذا ،اضافة إلى أن مخالفة الأمر الصوري لا توجب
استحقاق الإدانة و العقوبة ،لما ذكرناه في محله من أن حقيقة الأمر و روحه
ملاكه ،فاذا كان الفعل متصفا به في مرحلة المبادي ،كان الأمر المجعول له في
مرحلة الاعتبار أمرا حقيقيا ،و موجبا لاستحقاق العقوبة على مخالفته ،و من هنا
قلنا ان استحقاقها في الحقيقة انما هو على تفويت الملاك الملزم المنجز ،لا على
مخالفة الأمر بما هو .و أما الأمر الصوري ،فبما أنه لا ينشأ من الملاك في مرحلة
المبادي فلا قيمة له ،و لا توجب مخالفته استحقاق العقوبة ،و على هذا فلو كان

--( 194 )--

مشكل بعد عدم إمكان إتيانه به لا كافرا و لا مسلما ،و الأظهر أن يقال :إنه
حال استطاعته مأمور بالإتيان به مستطيعا و إن تركه فمتسكعا ( 1 ) ،و هو
ممكن في حقه لإمكان إسلامه و إتيانه مع الاستطاعة و لا معها إن ترك فحال
الاستطاعة مأمور به في ذلك الحال و مأمور على فرض تركه حالها بفعله
بعدها ،و كذا يدفع الإشكال في قضاء الفوائت فيقال :إنه في الوقت مكلف
بالأداء و مع تركه بالقضاء و هو مقدور له بأن يسلم فيأتي بها أداء و مع تركها
قضاء فتوجه الأمر بالقضاء إليه إنما هو في حال الأداء على نحو الأمر
المعلق ،فحاصل الإشكال أنه إذا لم يصح الإتيان به حال الكفر و لا يجب
عليه إذا أسلم فكيف يكون مكلفا بالقضاء و يعاقب على تركه ! ؟و حاصل
الجواب أنه يكون مكلفا بالقضاء في وقت الأداء على نحو الوجوب

الأمر بالقضاء المتوجه الى الكافر أمرا صوريا لم يصلح أن يوجب استحقاق
العقوبة على مخالفته ،هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى ،انه لا مانع من أن يكون الأمر بالقضاء أمرا حقيقيا على
أساس انه متمكن من الأداء من جهة تمكنه من الإسلام ،فاذا تمكن منه تمكن
من القضاء أيضا ،لأنه إذا أسلم في الوقت و أدّى الواجب فيه صح ،و الاّ فعليه
قضاؤه خارج الوقت ،غاية الأمر انه اذا لم يسلم -و إن لم يقدر عليه -الاّ ان عدم
قدرته مستند الى اختياره ،و هو لا يمنع من استحقاقه العقوبة تطبيقا لقاعدة
الامتناع بالاختيار لا ينافي الاختيار .

( 1 ) في وجوبه متسكعا على الكافر مطلقا اشكال بل منع ،لما مر من أن
وجوب الحج كذلك انما يستفاد من روايات التسويف ،و شمول تلك الروايات
للكافر محل منع ،لأن مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي اختصاصها
بموردها و هو المكلف الملتفت الى وجوب حجة الإسلام عليه ،و لكنه مع ذلك

--( 195 )--

المعلق ( 1 ) و مع تركه الإسلام في الوقت فوّت على نفسه الأداء و القضاء
فيستحق العقاب عليه ،و بعبارة أخرى كان يمكنه الإتيان بالقضاء بالإسلام
في الوقت إذا ترك الأداء ،و حينئذ فإذا ترك الإسلام و مات كافرا يعاقب على
مخالفة الأمر بالقضاء ،و إذا أسلم يغفر له و إن خالف أيضا و استحق العقاب .


تساهل و تسامح في أمرها و أخر سنة بعد أخرى تماهلا منه و بدون عذر مسوغ
الى أن زالت استطاعته ،و من المعلوم أنها لا تنطبق على الكافر ،الاّ من كان منه
ملتفتا إلى أنه مكلف بالاسلام و أحكامه الإلهية ،و لكنه لا يظهر الشهادتين عنادا .

فالنتيجة :إن مورد هذه الروايات المكلف المقصر في تأخير الحج
و المتهاون فيه ،و أما من لم يكن مقصرا فيه و متهاونا و متسوفا فلا يكون مشمولا
لها ،على أساس أن مقتضى القاعدة انتفاء وجوب الحج بانتفاء موضوعه ،و هو
الاستطاعة و ان كان انتفاؤه مستندا إلى تقصير المكلف و تسويفه ،غاية الأمر عدم
سقوطه عنه بسقوط موضوعه في صورة التسويف على أساس تلك الروايات ،
و أما عدم سقوطه عنه بسقوط موضوعه في صورة عدم التسويف و الإهمال فهو
بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه ،فاذن وجوب الحج متسكعا منوط بأن يكون
انتفاء الاستطاعة مستندا إلى التقصير و الإهمال لا مطلقا .

( 1 ) فيه إنا و إن بنينا في علم الأصول على امكان الوجوب المعلق ،و قلنا
هناك أنه قسم من الوجوب المشروط بالشرط المتأخر ،و ليس في مقابله ،و لا
مانع من الالتزام به في مرحلة الاعتبار ،الاّ ان وقوعه خارجا بحاجة الى دليل ،و لا
دليل عليه في المقام ،لأن مقتضى دليل وجوب القضاء انه مجعول على المكلف
الفائت منه الأداء ،و نتيجة ذلك أنه يتحقق بتحقق الفوت خارجا تطبيقا لقاعدة
فعلية الحكم بفعلية موضوعه ،و اما كونه فعليا مشروط بتحقق الفوت في
المستقبل بنحو الشرط المتأخر فهو بحاجة الى دليل ،و على هذا فوجوب
القضاء هنا مجعول على الكافر الفائت منه الأداء ،فانه اذا اسلم وفات منه
الواجب بعده صار وجوب قضائه فعليا عليه اعتبارا و ملاكا ،و إن لم يسلم و قد

--( 196 )--

[3072 ]مسألة 75 :لو أحرم الكافر ثم أسلم في الأثناء لم يكفه و وجب
عليه الإعادة من الميقات ( 1 ) ،و لو لم يتمكن من العود إلى الميقات أحرم
من موضعه و لا يكفيه إدراك أحد الوقوفين مسلما لأن إحرامه باطل ( 2 ) .

[3073 ]مسألة 76 :المرتد يجب عليه الحج سواء كانت استطاعته حال
إسلامه السابق أو حال ارتداده ،و لا يصح منه ( 3 ) ،فإن مات قبل أن يتوب
يعاقب على تركه و لا يقضى عنه على الأقوى ( 4 ) لعدم أهليته للإكرام
و تفريغ ذمته كالكافر الأصلي ،و إن تاب وجب عليه و صح منه و إن كان

فات عنه صار ملاكه فعليا في حقه دون حكمه فانه لغو ،لأن الامتناع بالاختيار لا
ينافي الاختيار ملاكا و عقوبة لا خطابا ،لأن توجيهه إلى العاجز غير المتمكن لغو
و إن كان عجزه مستندا إلى اختياره .

( 1 ) هذا بناء على المشهور من أن الإسلام شرط في صحة العبادة ،و عليه
فبما أنه أتى بالاحرام في حال الكفر فيكون باطلا ،و أما بناء على ما ذكرناه من
الاشكال في ذلك ،فلا يبعد صحة الإحرام و إن كان الأحوط و الأجدر به الاعادة
من الميقات إن أمكن الرجوع اليه ،و الا فمن أدنى الحل على تفصيل يأتي إن
شاء اللّه تعالى في بحث المواقيت .

( 2 ) مر أنه لا يبعد صحة احرامه ،و عليه فكفاية ادراكه أحد الموقفين كافرا
غير بعيدة ،فضلا عن كونه مسلما ،و إن كان الأحوط و الأجدر به أن يعيد الحج
في العام القادم .نعم على المشهور من كون الإسلام شرطا في صحة الحج لا
يكفي ،لأن احرامه بما أنه وقع في حال الكفر يكون باطلا ،و على هذا فلا يمكن
الحكم بصحة سائر أجزائه .

( 3 ) لا تبعد الصحة كما تقدم .

( 4 ) هذا مبني على أن الإسلام شرط في النيابة ،و سيأتي تفصيل ذلك في
مبحث النيابة .

--( 197 )--

فطريا على الأقوى من قبول توبته ( 1 ) سواء بقيت استطاعته أو زالت قبل
( 1 ) هذا هو الصحيح ،دون ما نسب الى المشهور من عدم قبول توبته ،
و قد تعرضنا لذلك في ضمن البحوث الفقهية موسعا .

و ملخصه :ان المرتد اذا تاب حقيقة فمعناه انه رجع الى الايمان به تعالى
وحده ،و برسالة رسوله صلّى اللّه عليه و آله .و من المعلوم أن كل من آمن بهذين العنصرين
الأساسيين فهو مؤمن واقعا و حقيقة ،و اذا أقر بالشهادتين و أظهرهما فهو مسلم
كذلك ،و على هذا فاذا صنع المرتد الفطري ذلك فقد تلبس بالايمان الغيبي
و الإسلام الحسي واقعا و تكوينا ،بداهة ان التقابل بينهما اما من تقابل العدم
و الملكة كما هو الصحيح ،أو من تقابل التضاد ،فان كان الكفر عبارة عن عدم
الإسلام ،يعني العدم الخاص و هو العدم النعتي الوصفي ،و كان الكافر هو
المتصف بهذا النعت و الوصف ،فالتقابل بينهما من تقابل العدم و الملكة ،و إن
كان عبارة عن الأمر الوجودي ،و هو الجحد و الانكار كما يظهر من بعض
الروايات ،فالتقابل بينهما من تقابل التضاد ،و على كلا التقديرين لا يصدق
الكافر عليه ،لأنه إن كان عنوانا للمتصف بعدم الايمان باللّه و رسوله ،
فهو لا يصدق عليه ،لأنه متصف بالايمان بهما على الفرض ،و إن كان عنوانا
للجاحد و المنكر لهما أو لأحدهما ،فالمفروض أنه مقر لهما معا ظاهرا
و باطنا .

و على هذا فلا يمكن ترتيب أحكام الكافر عليه ،كعدم جواز تزويج امرأة
مسلمة منه ،و عدم ارثه من المسلم و نحوهما ،و أما الأحكام الثلاثة الثابتة للمرتد
الفطري بسبب ارتداده لا بعنوان أنه كافر ،فهي تظل باقية و لا ترتفع ،و إن كان مليّا
ارتفعت أحكامه بارتفاع ارتداده بالتوبة .

و اما الروايات النافية لتوبة المرتد الفطري ،كقوله عليه السّلام في صحيحة محمد
ابن مسلم : «فلا توبة له و قد وجب قتله ،و بانت امرأته ،و يقسم ما ترك على

--( 198 )--

توبته ،فلا تجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لأنها مختصة بالكافر الأصلي
بحكم التبادر ( 1 ) ،و لو أحرم في حال ردته ثم تاب وجب عليه الإعادة ( 2 )

ولده »- 1 - و قوله عليه السّلام في موثقة عمار الساباطي : «و لا يستتيبه »- 2 - و نحوهما ،فلا
محالة يكون المراد منها نفي الأحكام التي تترتب عليه بسبب ارتداده ،بداهة أن
نفي التوبة بوجودها الواقعي الخارجي غير معقول ،لأن النفي التشريعي لا يتعلق
بالأمر التكويني ،و التوبة معناها رجوع التائب الى الايمان باللّه و برسوله صلّى اللّه عليه و آله
و الإقرار بالشهادتين ،و كلاهما أمر تكويني ،فلا يمكن ارتفاعه تشريعا .

و عليه ،فان اريد من نفي التوبة عنه الاخبار عن عدم تحققها خارجا فهو
كذب و إن أريد منه ان ايمانه كلا ايمان بالنسبة إلى الأحكام الثلاثة المترتبة عليه ،
و هي قتله ،و تقسيم أمواله بين ورثته ،و بينونة زوجته منه ،فهو صحيح ،لأنه
بالتوبة و إن أصبح مسلما ،الاّ أن تلك الأحكام لا ترتفع عنه على الرغم من كونه
مسلما فعلا ،و يترتب عليه سائر أحكام الإسلام .

فالنتيجة :ان الروايات لو لم تكن ظاهرة في نفسها بمناسبة الحكم
و الموضوع الارتكازية في أن المراد من نفي التوبة فيها نفيها بالنسبة إلى
أحكامها الثلاثة ،فلا بد من حملها على ذلك بقرينة أنه لا يمكن أن يكون المراد
منه نفيها حقيقة و موضوعا ،و على هذا فلا مانع من التمسك باطلاق الروايات
التي تنص على أن من أقر بالشهادتين حقنت به دماؤه و اعراضه و أمواله ،
و جرت به المواريث ،فانها تعم باطلاقها المرتد الفطري أيضا اذا تاب و أقربهما .

( 1 ) فيه ان ذلك ليس من جهة التبادر ،لأنه مبني على أن يكون مدركها
حديث الجب ،و قد مر أنه ضعيف سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليه ،بل من جهة
ان القدر المتيقن من السيرة النبوية الجارية على ذلك هو الكافر الأصلي .

( 2 ) مر أنه لا يبعد الصحة و عدم الاعادة ،و ان كانت الاعادة أحوط .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :30 من أبواب أقسام الطلاق و أحكامه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب حد المرتد الحديث :3 .


--( 199 )--

كالكافر الأصلي ،و لو حج في حال إسلامه ثم ارتد لم يجب عليه الإعادة
على الأقوى ،ففي خبر زرارة ( 1 ) عن أبي جعفر عليه السّلام : «من كان مؤمنا فحج
ثم أصابته فتنة ثم تاب يحسب له كل عمل صالح عمله و لا يبطل منه
شي‏ء » ،و آية الحبط مختصة بمن مات على كفره بقرينة الآية الأخرى و هي
قوله تعالى :وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ فَأُولئِكَ حَبِطَتْ
أَعْمالُهُمْ
[البقرة 2 :217 ] ،و هذه الآية دليل على قبول توبة المرتد
الفطري ( 2 ) ،فما ذكره بعضهم من عدم قبولها منه لا وجه له .

[3074 ]مسألة 77 :لو أحرم مسلما ثم ارتد ثم تاب لم يبطل إحرامه على
الأصح ،كما هو كذلك لو ارتد في أثناء الغسل ثم تاب ،و كذا لو ارتد في
أثناء الأذان أو الإقامة أو الوضوء ثم تاب قبل فوات المولاة ،بل و كذا لو
ارتد في أثناء الصلاة ثم تاب قبل أن يأتي بشي‏ء أو يفوت الموالاة على
الأقوى من عدم كون الهيئة الاتصالية جزءا فيها ،نعم لو ارتد في أثناء
الصوم بطل ( 3 ) و إن تاب بلا فصل .

[3075 ]مسألة 78 :إذا حج المخالف ثم استبصر لا يجب عليه الإعادة
( 1 ) بل صحيح زرارة .

( 2 ) فيه ان الآية مطلقة و تعم باطلاقها المرتد بكلا نوعيه ،و حينئذ لو تمت
دلالة الروايات المتقدمة على عدم قبول توبة المرتد الفطري لكانت مقيدة
لإطلاق الآية الشريفة بغير الفطري ،هذا .

اضافة الى أن دلالتها على قبول التوبة مبنية على مفهوم الوصف ،و قد
ذكرنا في علم الأصول ان الوصف لا يدل على المفهوم المصطلح لدى
الأصوليين ،و هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه بنحو السالبة الكلية ،نعم لا بأس
بدلالته بنحو السالبة الجزئية ،و هي لا تجدي .

( 3 ) لا تبعد الصحة كما مر ،و ان كانت الاعادة أحوط و أجدر .

--( 200 )--

بشرط أن يكون صحيحا في مذهبه ( 1 ) و إن لم يكن صحيحا في مذهبنا من
غير فرق بين الفرق لإطلاق الأخبار ،و ما دل على الإعادة من الأخبار
محمول على الاستحباب بقرينة بعضها الآخر من حيث التعبير بقوله عليه السّلام :
«يقضي أحب إليّ »و قوله عليه السّلام : «و الحج أحبّ إليّ ».

[3076 ]مسألة 79 :لا يشترط إذن الزوج للزوجة في الحج إذا كانت
مستطيعة و لا يجوز له منعها منه ،و كذا في الحج الواجب بالنذر ( 2 ) و نحوه

( 1 ) بل الأمر كذلك اذا كان صحيحا في مذهب الحق و ان لم يكن صحيحا
في مذهبه على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 5 ) من ( فصل في صلاة القضاء ) .

( 2 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر عدم انعقاده بدون إذن الزوج ،و ذلك لأن
مورد الروايات التي تنص على عدم اعتبار اذن الزوج للزوجة في الحج انما هو
حجة الإسلام ،و التعدي منه الى سائر أقسام الحج الواجب بحاجة الى قرينة ،و لا
قرينة على ذلك لا في نفس الروايات ،و لا من الخارج .

و اما مقتضى القاعدة فلما ذكرناه غير مرة ،من ان وجوب الوفاء بالنذر أو
العهد او اليمين لا يصلح أن يزاحم أي حكم الزامي ثابت في الشرع من قبل اللّه
تعالى ،كما هو مقتضى ما ورد في لسان أدلة وجوب الوفاء بالشرط من «ان شرط
اللّه قبل شرطكم »- 1 - حيث أن مفاده عرفا ان وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه
مشروط بالقدرة الشرعية ،بمعنى عدم أمر شرعي بالخلاف في نفسه ،و بقطع
النظر عنه على أساس ان المتفاهم العرفي من القبلية في قوله عليه السّلام : «شرط اللّه
قبل شرطكم »- 2 - انه لا بد ان يلحظ شرطه تعالى الذي هو عبارة عن التكاليف
و الالتزامات الشرعية المفروضة من قبله سبحانه عز و جل في المرتبة السابقة
على شرطكم ،و بقطع النظر عنه ،فاذا كانت ثابتة في الشرع في نفسها فلا تصل

---------------

( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب المهور الحديث :6 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :20 من أبواب المهور الحديث :6 .


--( 201 )--

إذا كان مضيقا ،و أما في الحج المندوب فيشترط إذنه ( 1 ) ،و كذا في الواجب
النوبة الى شروطكم و التزاماتكم ،و على هذا الأساس فاذا نذرت المرأة الحج لم
ينعقد ،باعتبار أن وجوب الوفاء به لا يصلح أن يزاحم حرمة خروجها من بيت
زوجها بدون اذنه و إن لم يكن منافيا لحقه فضلا عما اذا كان منافيا له ،و ذلك لما
مر من ان مقتضى دليل وجوب الوفاء به ،ان الحرمة بصرف وجودها و ثبوتها في
الشرع في المرتبة السابقة و بقطع النظر عنه رافع له ،و أما إذا آجرت نفسها للحج
من غيرها ،فان كانت الاجارة منافية لحق الزوج فهي باطلة ،لأنها لا تتمكن من
تسليم العمل ،و إن لم تكن منافية له فتقع المزاحمة بين وجوب الوفاء بالاجارة ،
و بين حرمة خروجها من بيت زوجها ،و حينئذ فلا بد من الرجوع إلى قواعد باب
المزاحمة .نعم لو كانت الإجارة قبل تزويجها و تكون ذمتها مشغولة بها ،وجب
تقديمها على حق زوجها و الوفاء بها و إن كانت منافية له ،لأن العمل المستأجر
عليه بما أنه دين في ذمتها و ملك للمستأجر ،فيجب عليها الوفاء به ،و لا يحق
لزوجها أن يمنعها عنه تطبيقا لقاعدة «انه لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق ».

( 1 ) هذا لا من جهة أنه منهي عنه بدون اذنه ،بل من جهة أن خروجها من
بيتها بدون إذن محرم ،و تدل عليه مجموعة من الروايات ،

منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «جاءت امرأة إلى
النبي صلّى اللّه عليه و آله فقالت :يا رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ما حق الزوج على المرأة ؟فقال لها :أن تطيعه
و لا تعصيه ،و لا تصدق من بيته الاّ باذنه ،و لا تصوم تطوعا الاّ باذنه ،و لا تمنعه
نفسها و إن كانت على ظهر قتب ،و لا تخرج من بيتها الاّ باذنه ..الحديث »- 1 - .فان
قوله عليه السّلام فيها : «و لا تخرج من بيتها الاّ باذنه »ظاهر في حرمة الخروج منه بدون
إذنه و إن لم يكن منافيا لحقه ،كالاستمتاع أو نحوه ،كما هو مقتضى اطلاقه ،
و على هذا فلا يجوز لها الخروج من بيتها بدون الإذن لغير العمل الواجب عليها
كحجة الإسلام أو نحوها ،و اما إذا خرجت للحج المندوب بدون ذلك ،فهي و إن

---------------

( 1 ) الوسائل باب :79 من أبواب مقدمة النكاح و آدابه الحديث :1 .


--( 202 )--

الموسع قبل تضيقه على الأقوى ( 1 ) ،بل في حجة الإسلام يجوز له منعها
من الخروج مع أول الرفقة مع وجود الرفقة الأخرى قبل تضيق الوقت ،
و المطلقة الرجعية كالزوجة في اشتراط إذن الزوج ما دامت في العدة
بخلاف البائنة لانقطاع عصمتها منه ،و كذا المعتدة للوفاة فيجوز لها الحج
واجبا كان أو مندوبا ،و الظاهر أن المنقطعة كالدائمة في اشتراط الإذن ،و لا
فرق في اشتراط الإذن بين أن يكون ممنوعا من الاستمتاع بها لمرض أو
سفر أو لا .


ارتكبت محرما ،الاّ أنها اذا حجت فالظاهر صحته ،لأن الحرام انما هو خروجها
من البيت بدون الإذن ،لا صدور الفعل منها ،فاذن لا مانع من الحكم بالصحة .

و إن شئت قلت :ان حجّها المندوب لا يكون مصداقا للحرام حتى يكون
مانعا عن صحته ،بل هو مستلزم له ،و عليه فبناء على ما هو الصحيح من القول
بالترتب لا مانع من الحكم بصحة حجّها ،و من هنا يظهر انه لو منعها عن الحج
المندوب أو نحوه لم يجب فساده أيضا ،لأن حق المنع و إن كان ثابتا له ،و قد
نصت عليه موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن المرأة
الموسرة قد حجت حجة الإسلام ،تقول لزوجها :أحجّني من مالي ،أله أن
يمنعها من ذلك ؟قال :نعم ،و يقول لها :حقي عليك أعظم من حقك عليّ في
هذا »- 1 - الاّ أنه انما هو بملاك أن قيامها بالحج يستلزم تفويت حقه ،و هو لا
يوجب فساده ،لأنه انما يوجب ذلك اذا كان مصداقا له لا مطلقا .

( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،لأن حكمه حكم الحج المندوب باعتبار عدم
وجوبه قبل تضييق وقته ،و عليه فاذا أتت به بدون إذن زوجها فقد ارتكبت
خطاء ،و هو خروجها من بيت زوجها بدون إذن منه ،و عصمت ،و لكن حجها
محكوم بالصحة تطبيقا لقاعدة الترتب .و به يظهر حال ما بعده .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :59 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 203 )--

[3077 ]مسألة 80 :لا يشترط وجود المحرم في حج المرأة إذا كانت
مأمونة على نفسها و بضعها كما دلت عليه جملة من الأخبار ،و لا فرق بين
كونها ذات بعل أو لا ،و مع عدم أمنها يجب عليها استصحاب المحرم و لو
بالأجرة مع تمكنها منها ،و مع عدمه لا تكون مستطيعة ،و هل يجب عليها
التزويج تحصيلا للمحرم ؟وجهان ( 1 ) و لو كانت ذات زوج و ادعى عدم
الأمن عليها و أنكرت قدم قولها مع عدم البينة أو القرائن الشاهدة ( 2 ) ،

( 1 ) الظاهر هو الوجوب ،شريطة أن لا يكون ذلك حرجيا عليه ،لما تقدم
من أن من عناصر الاستطاعة الأمن و السلامة على نفسه و عرضه و ماله في
الطريق ،فاذا كان الشخص متمكنا من ايجاد الأمن في الطريق بايجار مركبة
مأمونة ،أو ايجار شخص يذهب معه ،او استصحاب محرم وجب عليه ذلك اذا
لم يكن حرجيا ،كما اذا توقف سفره الى الحج على ايجاد وسيلة ،فانه اذا كان
متمكنا منه لزم ،و كذلك اذا تمكنت المرأة من ايجاد الأمن و السلامة على نفسها
و عرضها و مالها في الطريق و لو بتزويج نفسها من شخص وجب اذا لم يكن
ذلك حرجيا عليه .

( 2 ) فيه ان الزوج ان ادعى خوفه عليها و عدم الأمن ،فلا أثر له و إن علم به
بالبيّنة بل بالعلم الوجداني ما لم ترجع دعواه الخوف الى دعوى وجود الخطر
في الطريق ،أو عند ممارسة اعمال الحج ،فان خوفه لا يكون موضوعا للأثر
الشرعي .و عليه فلا ترتبط المسألة بمسألة المدعي و المنكر ،على أساس أن
المرأة اذا كانت واثقة و متأكدة بالأمن و السلامة على نفسها و عرضها و مالها في
الطريق و عند ممارسة اعمال الحج ،وجب عليها الحج و ان كان زوجها خائفا
عليها ،فانه لا قيمة له و لا موضوع لأثر شرعي .نعم اذا كانت خائفة على نفسها أو
عرضها أو مالها في الواقع لم تكن مستطيعة ،فان من عناصر الاستطاعة الأمن
و السلامة في الطريق و عند ممارسة الأعمال و إن لم يكن زوجها خائفا عليها ،بأن

--( 204 )--

..........
يعلم بأن خوفها نشأ من الجهل بالحال ،و تخيل عدم الأمن في الطريق او عند
ممارسة الاعمال ،و لكن من المعلوم أنه لا قيمة لعدم خوف زوجها عليها في
الواقع .نعم اذا علم زوجها بأنها كاذبة في دعواها الأمن ،أو أنها في خطأ و اشتباه
و لا تعلم بالحال و وضع الطرق ،فله أن يمنعها من الذهاب الى الحج و لو
بالرجوع الى الحاكم الشرعي لإثبات ان الطرق غير مأمونة لها حتى يحكم
الحاكم بمنعها من الذهاب الى الحج ،باعتبار أنه مفوت لحق زوجها ،و لكن مع
ذلك اذا ذهبت الى الحج ،فان كان اعتقاد الزوج مطابقا للواقع سقطت نفقتها في
أيام الحج و عصت إذا كانت كاذبة في دعواها الأمن ،و اما إذا كانت مشتبهة فلا
عصيان ،و أما حجّها فعلى كلا التقديرين لا يكون حجة الإسلام ،لعدم كونها
مستطيعة في الواقع ،هذا بحسب الواقع ،و اما بحسب الظاهر فلها أن تطالب
زوجها بالنفقة في فترة الحج في الفرض الثاني ،و حينئذ فهل الزوجة مدعية
و الزوج منكر ؟او الأمر بالعكس .الظاهر ان الأمر بالعكس ،لأن الضابط في
تشخيص المدعي عن المنكر ،هو أن كل من يدعي شيئا يكون اثباته بحاجة الى
دليل و إن كان ذلك الشي‏ء أمرا عدميا ،فهو مدعي ،و كل من يدعي شيئا لا يتوقف
اثباته على دليل و إن كان ذلك الشي‏ء أمرا وجوديا فهو منكر ،و بما أن المرأة
تدعي استحقاق النفقة فلا يتوقف اثبات دعواها على دليل خاص ما عدا
اطلاقات أدلتها ،و أما دعوى الزوج وجود الخطر في الطريق أو أثناء ممارسة اعمال
و كذلك الحال اذا ادعى الزوج وجود الخطر في الطريق أو أثناء ممارسة اعمال
الحج ،و ادعت الزوجة العدم ،فاذن تكون المسألة من باب المدعي و المنكر ،فانه
ان كان اعتقاد الزوج مخالفا للواقع و كانت المرأة صادقة في دعواها
فتستحق النفقة عليه في الواقع و الا فلا ،و اما بحسب الظاهر فتدخل المسألة في
المدعي و المنكر فتدعي المرأة استحقاق النفقة في فترة الحج و الزوج ينكر
استحقاقها .

فالنتيجة :ان المرأة اذا ادعت أنها واثقة و مطمئنة بالأمن على نفسها

--( 205 )--

و الظاهر عدم استحقاقه اليمين عليها ( 1 ) إلا أن ترجع الدعوى إلى ثبوت
حق الاستمتاع له عليها بدعوى أن حجها حينئذ مفوّت لحقه مع عدم
وجوبه عليها فحينئذ عليها اليمين على نفي الخوف ( 2 ) ،و هل للزوج مع
هذه الحالة منعها عن الحج باطنا إذا أمكنه ذلك ؟وجهان ( 3 ) في صورة

و عرضها و مالها في الطريق و عند ممارسة أعمال الحج ،و الزوج ادعى خوفه
عليها فلا ترتبط المسألة حينئذ بمسألة المدعي و المنكر ،اذ لا قيمة لخوف
الزوج عليها ،و لا يكون موضوعا للأثر .و اما اذا ادعى الزوج وجود الخطر عليها
في الطريق أو عند ممارسة أعمال الحج ،فتدخل المسألة في المدعي و المنكر ،
باعتبار أن لدعوى الزوج أثرا شرعيا اذا ثبتت .

لحد الآن قد ظهر ان المرأة اذا كانت واثقة و مطمئنة على نفسها و عرضها
و مالها في الطريق و عند ممارسة أعمال الحج فعليها الحج و لا يمنعها منه دعوى
زوجها وجود الخطر في الطريق أو عند ممارسة الأعمال ،و أنها كاذبة ،الا إذا ثبت
دعواه لها و اقنعها بذلك أو لدى الحاكم الشرعي ،حتى يمنعها من الذهاب الى
الحج باعتبار أنه مفوت لحق زوجها .

( 1 ) ظهر حاله مما مر .

( 2 ) فيه اشكال بل منع ،لما مر من أنه لا أثر لدعوى الزوج كذب زوجته
في دعواها الأمن و السلامة في الطريق و عند ممارسة اعمال الحج ،الاّ أن ترجع
الى دعوى تفويت حقه ،و هو الاستمتاع بسفرها الى الحج ،و عندئذ فله إحلافها
على نفي حق الاستمتاع له في تلك المدة ،و إذا مارست المرأة السفر اليه و كان
باعتقاد زوجها أنها غير مستطيعة ،فله الامتناع عن نفقتها أيام الحج إلى أن ترجع
الى بيتها ،كما أن لها مطالبته بها ،و حينئذ ترفع الدعوى الى الحاكم الشرعي .

( 3 ) مر أن له المنع عن السفر الى الحج اذا كان واثقا و متأكدا بكذبها في
دعواها الأمن و عدم الخوف على نفسها ،أو أنها مشتبهة و لا تعلم بالحال .

--( 206 )--

عدم تحليفها ،و أما معه فالظاهر سقوط حقه ( 1 ) ،و لو حجت بلا محرم مع
عدم الأمن صح حجها إن حصل الأمن قبل الشروع في الإحرام ،و إلا ففي
الصحة إشكال و إن كان الأقوى الصحة ( 2 ) .

[3078 ]مسألة 81 :إذا استقر عليه الحج بأن استكملت الشرائط و أهمل
حتى زالت أو زال بعضها صار دينا عليه و وجب الإتيان به بأي وجه
تمكن ( 3 ) و إن مات فيجب أن يقضى عنه إن كانت له تركة ،و يصح التبرع
عنه ،و اختلفوا فيما به يتحقق الاستقرار على أقوال :فالمشهور مضي زمان
يمكن فيه الإتيان بجميع أفعاله مستجمعا للشرائط و هو إلى اليوم الثاني

( 1 ) تقدم أن له احلافها على نفي حق الاستمتاع له في فترة أيام الحج ،أو
على استحقاقها النفقة عليه في هذه الفترة ،و أما احلافها على نفي الخوف و أنها
صادقة في دعواها ،فان رجع الى الأول فهو ،و الاّ فلا يحق له هذا الإحلاف ،لأنه
في نفسه لا أثر له ،و لا يثبت لوازمه و هي عدم حق الاستمتاع له عليها في أيام
سفر الحج ،و استحقاق النفقة عليه في تلك الأيام .

( 2 ) بل الأقوى البطلان ،لما تقدم من أن الأمن و السلامة في الطريق و عند
ممارسة اعمال الحج على نفسه و عرضه و ماله من أحد عناصر الاستطاعة ،و على
هذا فان كان الخوف لديها في الطريق قبل الميقات و لا خوف بعد الوصول اليه
و عند ممارسة الأعمال فلا شبهة في صحة حجّها ،لأنها بعد الوصول الى
الميقات اصبحت مستطيعة بالكامل ،فتجب عليها حجة الإسلام .نعم لا تكون
مستطيعة في هذا الفرض من البلد ،و لا يجب عليها السفر الى الحج ،و إن كان
الخوف عندها في الطريق و عند ممارسة أعمال الحج معا ،أو عند ممارسة
اعماله فقط ،فلا يكون حجّها حجة الإسلام .

( 3 ) اي و إن كان حرجيا ،فإن بقاء الحج في الذمة بعد زوال الاستطاعة انما

--( 207 )--

..........
هو بمقتضى روايات التسويف و الاهمال فيه ،حيث أنها تنص على أن من
سوّف الحج و تماهل فيه و أخره سنة بعد أخرى بدون مبرر شرعي الى أن مات
فقد ترك شريعة من شرائع الإسلام ،و في بعضها : «فليمت يهوديا أو نصرانيا »- 1 -
و يستفاد من هذا التعبير أن الحج واجب عليه الى زمن موته ،و مقتضى اطلاقها
أنه ثابت في ذمته و إن زالت الاستطاعة عنه ،و لو لا هذه الروايات لم نقل بأنه لا
يزال باقيا في ذمته ،فان بقاء الحكم بعد زوال موضوعه بحاجة إلى دليل ،
باعتبار أن مقتضى اطلاق أدلة شرطية الاستطاعة كونها شرطا لوجوب الحج
حدوثا و بقاء ،و لكن هذه الروايات تدل على أن انتفاءها اذا كان
بتسويف من المكلف و اهماله لا يوجب انتفاءه ،و نتيجة ذلك ان الاستطاعة في
هذه الحالة شرط له حدوثا لا بقاء ،و هذا يعني أنها جهة تعليلية لا تقييدية ،
فيكون الناتج حينئذ من ضم تلك الروايات الى دليل شرطية الاستطاعة تقييد
اطلاق شرطيتها بغير هذه الحالة ،و ان وجوب الحج فيها ليس مشروطا
بالاستطاعة بقاء .

و على هذا الأساس فالعقل يستقل بالخروج عن عهدته بأي طريق ممكن
و متاح له و إن كان ذلك الطريق حرجيا عليه لكي لا يموت يهوديا أو نصرانيا أو
تاركا شريعة من شرائع الإسلام .

و إن شئت قلت :ان مقتضى اطلاق تلك الروايات بقاء وجوب الحج عليه
و إن كان حرجيا ،و دعوى :ان الوجوب المستفاد من هذه الروايات وجوب
جديد في هذه الحالة لا بقاء للوجوب الأول ،مدفوعة :بأنه لا ظهور لها في ذلك ،
بل ظاهرها بمناسبة الحكم و الموضوع هو بقاء نفس حجة الإسلام في ذمته من
الأول ،لا أنها سقطت عنها بسقوط شرطها و موضوعها ،و الاّ فلازمه أن لا يكون
مجزيا عن حجة الإسلام ،و هو خلاف المفروض ،لأن المفروض أنه أتى بحجة
الإسلام متسكعا لا بحجة أخرى ،كما هو ظاهر الروايات .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 208 )--

عشر من ذي الحجة ،و قيل باعتبار مضي زمان يمكن فيه الإتيان بالأركان
جامعا للشرائط فيكفي بقاؤها إلى مضي جزء من يوم النحر يمكن فيه
الطوافان و السعي ،و ربما يقال باعتبار بقائها إلى عود الرفقة ،و قد يحتمل
كفاية بقائها إلى زمان يمكن فيه الإحرام و دخول الحرم ،و قد يقال بكفاية
وجودها حين خروج الرفقة فلو أهمل استقر عليه و إن فقدت بعض ذلك
لأنه كان مأمورا بالخروج معهم ،و الأقوى اعتبار بقائها إلى زمان يمكن فيه
العود إلى وطنه ( 1 ) بالنسبة إلى الاستطاعة المالية و البدنية و السربية ،و أما
بالنسبة إلى مثل العقل فيكفي بقاؤه إلى آخر الأعمال ،و ذلك لأن فقد بعض
هذه الشرائط يكشف عن عدم الوجوب عليه واقعا و أن وجوب الخروج مع
الرفقة كان ظاهريا ،و لذا لو علم من الأول أن الشرائط لا تبقى إلى الآخر لم
يجب عليه ،

( 1 ) هذا شريطة أن يكون متمكنا بعد العود اليه من استئناف وضعه
المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج بسبب ما أنفقه على سفر الحج ،و الاّ
فلا يكون مستطيعا من الأول ،مثال ذلك :اذا اعتقد شخص أنه مستطيع و ذهب
الى الحج ،و واصل ممارسة أعماله ،و بعد الانتهاء منها اذا تبيّن عدم وجود ما به
الكفاية عنده ،أي ما يتمكن به من استئناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون أن
يقع في حرج بسبب ما انفقه من المال عنده على الحج يكشف عن عدم
استطاعته من الأول ،و لا يكون حجه حينئذ حجة الإسلام ،و كذلك اذا تبين أنه لا
يتمكن من العود الى وطنه لعدم امكانيته المالية لنفقات سفر الحج ايابا ،او لعدم
الأمن في الطريق كذلك .و من هنا اذا علم من الأول ان ما عنده لا يكفي لنفقات
العود الى بلده لم تجب عليه حجة الإسلام لعدم استطاعته ،فان من عناصرها
نفقة الاياب و وجود ما به الكفاية بعد الرجوع الى بلده ،فاذا لم تكن عنده نفقة

--( 209 )--

نعم لو فرض تحقق الموت بعد تمام الأعمال كفى بقاء تلك الشرائط إلى
آخر الأعمال لعدم الحاجة حينئذ إلى نفقة العود و الرجوع إلى كفاية و تخلية
السرب و نحوها ،و لو علم من الأول بأنه يموت بعد ذلك فإن كان قبل تمام
الأعمال لم يجب عليه المشي ،و إن كان بعده وجب عليه ،هذا إذا لم يكن
فقد الشرائط مستندا إلى ترك المشي ،و إلا استقر عليه كما إذا علم
أنه لو مشى إلى الحج لم يمت أو لم يقتل أو لم يسرق ماله مثلا فإنه حينئذ
يستقر عليه الوجوب لأنه بمنزلة تفويت الشرائط على نفسه ،و أما لو شك

العود أو وجود ما به الكفاية لم يكن مستطيعا ،و الاعتقاد بوجودها لا قيمة له إذا
لم يكن مطابقا للواقع .

و بكلمة ان الاستطاعة التي تتكون من العناصر التالية :

1 -الامكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا .

2 -الأمن و السلامة في الطريق و عند ممارسة اعمال الحج .

3 -وجود ما به الكفاية ،بمعنى تمكنه بعد الانفاق على الحج لاستثناف
معاشه بعد العود بدون الوقوع في حرج .

فاذا توفرت هذه العناصر الثلاثة في شخص أصبح مستطيعا ،و وجبت
عليه حجة الإسلام شريطة توفر سائر شروطه العامة فيه أيضا كالعقل و البلوغ
و الحرية .و اما اذا كانت لديه الامكانية المالية فقط دون الأمن و السلامة ،أو وجود
ما به الكفاية بعد الرجوع ،لم يكن مستطيعا ،و كذلك الحال اذا كانت عنده
الامكانية المالية لنفقات سفر الحج ذهابا دون إيابا ،أو كان مأمونا في الطريق
ذهابا لا ايابا .

فالنتيجة :ان استقرار الحج على ذمة المكلف يتوقف على بقاء الاستطاعة
الى زمان الرجوع الى بلده مع وجود ما به الكفاية ،و بذلك يظهر حال سائر
الأقوال في المسألة .

--( 210 )--

في أن الفقد مستند إلى ترك المشي أو لا فالظاهر عدم الاستقرار ( 1 ) للشك
في تحقق الوجوب و عدمه واقعا ،هذا بالنسبة إلى استقرار الحج لو تركه ،
و أما لو كان واجدا للشرائط حين المسير فسار ثم زال بعض الشرائط في
الأثناء فأتم الحج على ذلك الحال كفى حجه عن حجة الإسلام ( 2 ) إذا لم
يكن المفقود مثل العقل بل كان هو الاستطاعة البدنية أو المالية أو السربية
و نحوها على الأقوى .


( 1 ) في الظهور اشكال بل منع ،و الأظهر استقرار الحج عليه في هذه
الحالة ،لاستصحاب بقاء الشروط فيه ،و عدم فقدها ،و به يحرز موضوع وجوب
المشي عليه ،و لا يكون معذورا في تركه ،فلو تركه و الحال هذه استقر في ذمته ،
و على الجملة فكما لا يجوز مخالفة التكليف الواقعي ،كذلك لا تجوز مخالفة
التكليف الظاهري الثابت بالاستصحاب ،و عليه فلو ترك المشي و الحال هذه
و فقدت الشرائط لم يكن معذورا لاحتمال أنه لو ذهب الى الحج و مارس أعماله
لم تفقد ،و إن فقدانها مستند الى ترك الذهاب و المشي اليه ،كما اذا سرق ماله
سارق و ذهبت استطاعته ،فانه لو مشى الى الحج لم يسرق ،و في مثل هذه الحالة
مقتضى الاستصحاب بقاء تلك الشروط فيه و وجوب المشي عليه ،و مع ذلك لو
ترك المشي كان مقصرا إذ لم يتبين أنه غير متمكن من اتمام اعمال الحج
و اكمالها واجدا للشروط ،فاذا كان تركه في السنة الأولى مستندا إلى تقصيره
استقر عليه .

( 2 ) الظاهر عدم الكفاية ،لأن حجة الإسلام اسم خاص لأول حجة واجبة
على المستطيع ،فاذا زالت استطاعته في الأثناء كشف زوالها عن عدم وجوبها
عليه من الأول ،سواء أ كان الزائل الامكانية المالية ،أم الأمن و السلامة
على نفسه و ماله و عرضه في الطريق و عند ممارسة اعمال الحج ،أم التمكن بعد
الانفاق على سفر الحج من استئناف وضعه المعاشي اللائق بحاله و مكانته بدون

--( 211 )--

..........
الوقوع في حرج .

اما الأوّل :كما اذا فقد ما لديه من الامكانية المالية عند ممارسة اعمال
الحج ،و لا يتمكن من اتمامها بعده الا متسكعا ،فان ذلك يكشف عن عدم
استطاعته المالية من الأول ،و معه لا يكون الحج واجبا عليه في الواقع ،غاية الأمر
أنه لا يعلم بالحال و جاهل بها و كان معتقدا وجوبه عليه من جهة اعتقاده
باستطاعته ،و من المعلوم أن هذا الاعتقاد الخاطئ لا يغير الواقع ،و لا يجعل غير
الواجب واجبا ،فاذن لا يجب عليه أن يواصل حجه متسكعا الى أن أكمل فانه لا
يقع حجة الإسلام ،و لا مستحبة ،اما الأول فهو واضح ،و اما الثاني فلأنه غير آت
به بنية الاستحباب ،و انما أتى به باسم حجة الإسلام ،و هي لا تنطبق الاّ على
الحجة الأولى للمستطيع ،فاذا لم تنطبق عليها بطلت .

و اما الثاني :كما اذا مرض في الأثناء ،و لم يتمكن بعده من مواصلة اعمال
حجه بدون الوقوع في حرج و مشقة ،فان ذلك يكشف عن عدم استطاعته
البدنية من الأول ،و لكن مع ذلك اذا أصر على مواصلة العمل و تحمل الحرج
و المشاق الى أن اكمل الحج لم يصح ،و لا يجزئ عن حجة الإسلام و لا يقع
مستحبا ،تطبيقا لنفس ما تقدم .و كذلك اذا اتفق ان في استمراره لأعمال الحج
و مواصلتها خطر على نفسه أو عرضه أو ماله ،فانه لا يجب عليه الاستمرار فيها ،
لأنه كاشف عن عدم استطاعته سربا من الأول ،و لكن مع ذلك اذا أصر على
مواصلة اعماله الخطرة فيواصلها الى أن تمت لم تصح حجة الإسلام و لا حجة
مستحبة ،تطبيقا لعين ما مر من الملاك .

و اما الثالث :كما اذا تبين في أثناء أعمال الحج ،أو بعد الانتهاء منها ،عدم
وجود ما به الكفاية عنده ،و هذا يعني أنه بعد الرجوع من الحج لا يتمكن من
استعادة وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج ،فان ذلك يكشف عن
عدم وجوب الحج عليه من الأول ،باعتبار أن انفاق ما لديه من المال على سفر
الحج يؤدي إلى وقوعه في حرج ،و معه لا يكون واجبا ،أو فقل ان وجوب هذا

--( 212 )--

[3079 ]مسألة 82 :إذا استقر عليه العمرة فقط أو الحج فقط كما فيمن
وظيفته حج الإفراد و القران ثم زالت استطاعته فكما مر يجب عليه أيضا
بأي وجه تمكن ( 1 ) ،و إن مات يقضى عنه .

[3080 ]مسألة 83 :تقضى حجة الإسلام من أصل التركة إذا لم يوص بها
سواء كانت حج التمتع أو القران أو الإفراد ( 2 ) ،و كذا إذا كان عليه

الانفاق عليه بما أنه حرجي فهو مرفوع ،تطبيقا لقاعدة لا حرج ،و قد تقدم
تفصيل ذلك في المسألة ( 29 ) .

( 1 ) هذا هو الصحيح ،فانه مقتضى اطلاق روايات التسويف و الإهمال في
الحج ،على أساس أن موردها حجة الإسلام ،و هي اسم للحجة الأولى
للمستطيع ،بدون فرق بين حجة التمتع و الإفراد و القران ،غاية الأمر ان المستطيع
اذا كانت بلدته تبعد عن مكة أكثر من ستة و ثمانين كيلومترا تقريبا فوظيفته
حجة التمتع بادئا بالعمرة و خاتما بالحج ،و اذا كانت أقرب من ذلك فوظيفته
حجة الإفراد او القران بادئا بالحج و منتهيا بالعمرة ،و تعتبر العمرة فيها
عملا مستقلا عن الحج ،و بما أن حجة الإسلام اسم لكل من هذه الأقسام الثلاثة
فالروايات تشمل الكل بما فيها من العمرة ،حتى العمرة المفردة ،فانها و إن
كانت عملا مستقلا ،الاّ أن حجة الافراد في مقابل حج التمتع تطلق على
الأعم منها و من عمرتها ،و تدل تلك الروايات باطلاقها على أنها لا تسقط عن
الذمة بالتسويف و الإهمال و التأخير و إن زالت الاستطاعة .و في ضوء ذلك
يحكم العقل بالخروج عن عهدته بأي طريق ميسور و متاح له و ان كان حرجيا ،
بملاك لزوم التخلص عن العقوبة و الإدانة عليه ،كما مر تفصيله في
المسألة ( 81 ) .

( 2 ) لإطلاق نصوص الباب ،باعتبار أن موردها حجة الإسلام ،و هي تعم
كل اقسام الحج كما مر .

--( 213 )--

عمرتها ( 1 ) ،و إن أوصى بها من غير تعيين كونها من الأصل أو الثلث
فكذلك أيضا ( 2 ) ،و أما إن أوصى بإخراجها من الثلث وجب إخراجها منه
و تقدم على الوصايا المستحبة و إن كانت متأخرة عنها في الذكر ( 3 ) ،

( 1 ) مر أن حجة الإفراد في مقابل حجة التمتع تطلق في الروايات على
الأعم من العمرة المفردة .

( 2 ) للنص ،و هو صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن
رجل مات ،فأوصى أن يحج عنه ؟قال :ان كان صرورة فمن جميع المال ،و إن
كان تطوعا فمن ثلثه ... »- 1 - .

( 3 ) للنص الخاص ،و هو صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة أوصت بمال في الصدقة و الحج و العتق ؟فقال :ابده بالحج ،
فإنّه مفروض ،فان بقى شي‏ء فاجعل في العتق طائفة و في الصدقة طائفة »- 2 -
و مثلها صحيحته الأخرى - 3 - .

ثم ان مقتضى القاعدة -مع الاغماض عن النص -هل هو تقديم الحج
أيضا ،أو التوزيع على الكل بنسبة واحدة ؟الظاهر هو الثاني لسببين :

أحدهما :ان نسبة الوصية الى الكل نسبة واحدة ،و المفروض ان وجوب
العمل بالكل انما جاء من قبل الوصية ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدم وجوب العمل
بشي‏ء منها بقطع النظر عنها ،لأن الحج انما كان واجبا عليه في حال حياته ،و بعد
الموت سقط وجوبه عنه بسقوط موضوعه ،و الوجوب الجائي من قبل الوصية
بالنسبة إلى الكل على حد سواء ،فلا يكون وجوب العمل بالحج أقوى و أهم
بسبب الوصية من وجوب العمل بالعتق و الصدقة بها .نعم اذا كان الوصي واثقا
و مطمئنا بأن غرض الموصي تقديم الواجب على المستحب في مقام المزاحمة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :25 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :30 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :30 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 214 )--

..........
و عدم كفاية الثلث للكل ،وجب عليه أن يقدم الواجب على غيره ،و لكن مرد
ذلك الى أن الوصية حينئذ ترتيبية لا عرضية ،و هو خلف الفرض .

و الآخر :ان ذلك لو تم فانما يتم فيما اذا لم يكن الواجب مما يخرج من
الأصل ،فانه عندئذ تقع المزاحمة بينه و بين المستحب اذا لم يكف الثلث
للجميع ،و اما اذا كان الواجب مما يخرج من الأصل كالحج في المثال ،فانه لا
يزاحم المستحب ،فان اتسع الثلث لنفقة الكل فلا تزاحم ،و إن لم يتسع الاّ
لنصف النفقة التي تتطلبها كل منها اخرج نصف نفقة الحج من الثلث ،و اخرج
النصف الآخر من باقي التركة على أساس أنه قد أوصى بصرف ثلث الثلث في
نفقات الحج ،فاذا لم يكن وافيا الا بنصف نفقته أخذ النصف الباقي من الأصل لا
من الثلث ،لأنه يؤدي إلى تفويت العمل بالوصية بالنسبة الى المستحب ،و هو بلا
مبرر شرعي .

فالنتيجة :انه لا فرق بين هذه الصورة و بين ما إذا كان الموصى به
منحصرا بالحج فقط ،فانه اذا لم يكف الثلث لكل نفقاته اخرج الباقي
من أصل التركة ،هذا هو مقتضى القاعدة ،و لكن النص يمنعنا من العمل بها ،
و يدل على تقديم الواجب على المستحب ،و صرف الثلث في الأول اذا لم يتسع
للجميع .

ثم إن مورد النص بما انه الواجب المالي كالحج الذي يخرج من أصل
التركة شريطة عدم الوصية ،فهل يمكن التعدي عن مورده الى كل واجب شرعي
و إن لم يخرج من الأصل ،كالصلاة و الصيام و نحوهما ،أو لا ؟فيه وجهان :الظاهر
هو الأول دون الثاني ،لأن التعليل فيه بقوله عليه السّلام : «فانه مفروض »ظاهر في أن
ملاك التقديم هو كونه فريضة ،لا كونه مما يخرج من أصل التركة ،لأنه لا يصلح
أن يكون مبررا للتقديم ،باعتبار أن ثلث الثلث أو نصفه اذا لم يكف لنفقات
الحج أخذ الباقي من أصل التركة ،لا من الثلث ،بعد ما كان متاحا له أن يكملها من
الأصل ،لأنه لو أخذ من الثلث أدّى إلى تفويت الوصية ،و عدم امكان تنفيذها

--( 215 )--

و إن لم يف الثلث بها أخذت البقية من الأصل ،و الأقوى أن حج النذر أيضا
كذلك ( 1 ) بمعنى أنه يخرج من الأصل كما سيأتي الإشارة إليه ،و لو كان
عليه دين أو خمس أو زكاة و قصرت التركة فإن كان المال المتعلق به
الخمس أو الزكاة موجودا قدم لتعلقهما بالعين فلا يجوز صرفه في غيرهما ،
و إن كانا في الذمة فالأقوى أن التركة توزع على الجميع بالنسبة كما في
غرماء المفلس ،و قد يقال يقدم الحج على غيره ( 2 ) و إن كان دين الناس

بالكامل ،و هو بلا عذر شرعي .

( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر انه يخرج من الثلث لا من الأصل ،
و ذلك لأن مفاد النذر بحسب الارتكاز العرفي هو التزام الناذر بالعمل المنذور
على نفسه للّه تعالى ،و لا يكون مفاده تمليكه له تعالى ،لوضوح أن صيغة النذر لا
تدل عليه ،و انما تدل على أن تعهده و التزامه به على نفسه للّه ،فمن أجل ذلك
يجب الوفاء به .

و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أنها تدل على الملك ،الاّ أن معنى هذا
الملك هو كون المكلف مديونا للّه تعالى بالعمل في ذمته لا بالمال ،كما هو
الحال في جميع الواجبات التكليفية كالصلاة و الصيام و نحوهما ،و لا دليل على
أن مطلق الدين يخرج من الأصل ،فان الدليل انما قام على أن الدين يخرج منه
اذا كان ماليا ،سواء أ كان شرعيا كالخمس و الزكاة ،أم كان عرفيا كالقروض
و الضمانات و الأعمال المستأجر عليها المملوكة للمستأجر ،و اما اذا لم يكن ماليا
كالصلاة و الصيام و العمل المنذور و المشروط في ضمن عقد و نحوها ،فلا دليل
على خروجه من الاصل .

( 2 ) هذا هو الأظهر ،و ذلك لصحيحة معاوية بن عمار ،قال : «قلت له :رجل
يموت و عليه خمسمائة درهم من الزكاة ،و عليه حجة الإسلام ،و ترك ثلاثمائة
درهم ،فأوصى بحجة الإسلام ،و أن يقضى عنه دين الزكاة ،قال :يحج عنه من

--( 216 )--

لخبر معاوية بن عمار الدال على تقديمه على الزكاة و نحوه خبر آخر ،
لكنهما موهونان بإعراض الأصحاب ( 1 ) مع أنهما في خصوص الزكاة ،

أقرب ما يكون ،و تخرج البقية من الزكاة »- 1 - فانها ناصة في التقديم .و مثلها
صحيحته الأخرى .

فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة و إن كان التوزيع على الكل بالنسبة ،إلاّ أن
مقتضى الروايات تقديم الحج على غيره من الواجبات و إن كانت مالية ،و لكن لا
أثر لذلك في مفروض المسألة ،لأن نفقات الحج بما أنها تخرج من أصل التركة
فاذا فرضنا عدم وفاء ما يخص الحج من المال بعد التوزيع لنفقاته ،فلا فائدة فيه ،
و حينئذ إما أن يصرف تمام المال في الحج ،أو في الدين ،و بما أن مقتضى
الروايات تقديم الحج على الدين ،فيصرف في الحج .

ثم إن موردها و إن كان الزكاة ،إلاّ أن العرف لا يفهم خصوصية لها ،بل
يفهم منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ،أن تقديمه عليها بما أنها
دين لا بما أنه زكاة ،و عليه فلا فرق بينها و بين الخمس ،بل بينها و بين سائر
الديون .

( 1 ) قد مر في ضمن البحوث السالفة ان الاعراض انما يؤثر في ذلك
شريطة توفر أمرين فيه :

أحدهما :ان يكون ذلك الاعراض من الفقهاء المتقدمين الذين يكون
عصرهم في نهاية الشوط متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام ،لكي يكون
بامكانهم تلقي الاعراض منهم يدا بيد و طبقة بعد طبقة .

و الآخر :ان لا يكون في المسألة ما يحتمل أن يكون سببا لاعراضهم .

و كلا الأمرين غير متوفر فيه .

أما الأول :فلا طريق لنا الى احراز أنهم قد أعرضوا عنها رغم صحتهما

---------------

( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب المستحقين للزكاة الحديث :2 .


--( 217 )--

و ربما يحتمل تقديم دين الناس ( 1 ) لأهميته ( 2 ) ،و الأقوى ما ذكر من
و تماميتهما سندا .

و اما الثاني :فلأن من المحتمل أن يكون اعراضهم عنهما ،و عدم عملهم
بهما ،مستندا إلى جهات أخرى ،ككونهما مخالفتين للقاعدة ،أو غير ذلك .

فبالنتيجة :انه لا يمكن الوثوق و الاطمئنان باعراضهم عنهما تعبدا ،و مما
يؤكد ذلك أن الإعراض عنهما لو كان و اصلا اليهم يدا بيد و طبقة بعد طبقة من
زمن الأئمة عليهم السّلام لأشاروا الى ذلك في كتب أحاديثهم و رواياتهم ،مع أنه ليس
لذلك فيها عين و لا أثر .

( 1 ) فيه انه لا وجه لهذا الاحتمال ،اذ مضافا إلى ما مر من أن المتفاهم
العرفي من صحيحة معاوية بن عمار ،أن تقديم الحج على الزكاة بما أنها دين لا
بما أنها زكاة ،تدل عليه صحيحة بريد العجلي ،قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام :عن
رجل خرج حاجا و معه جمل له و نفقة و زاد ،فمات في الطريق ؟قال :إن كان
صرورة ثم مات في الحرم فقد أجزأ عنه حجة الإسلام ،و إن كان مات و هو
صرورة قبل أن يحرم ،جعل جمله و زاده و نفقته و ما معه في حجة الإسلام ،فان
فضل من ذلك شي‏ء فهو للورثة إن لم يكن عليه دين .قلت :أ رأيت ان كانت
الحجّة تطوعا ثم مات في الطريق قبل أن يحرم ،لمن يكون جمله و نفقته و ما
معه ؟قال :يكون جميع ما معه و ما ترك للورثة ،الاّ أن يكون عليه دين فيقضى
عنه ،أو يكون أوصى بوصية ،فينفذ ذلك لمن أوصى له ،و يجعل ذلك من
ثلثه ... »- 1 - .

( 2 ) هذا يتم في المستطيع الحي ،فانه اذا كان مديونا ،و حان وقت وفائه ،
و الدائن يطالب به ،فهو ملزم شرعا بصرف ما لديه من المال في وفاء الدين ،لأنه
واجب أهم ،و أما في الميت اذا كان عليه دين و حج ،فأهمية الأول عن الثاني غير

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .


--( 218 )--

التحصيص ( 1 ) ،و حينئذ فإن وفت حصة الحج به فهو ،و إلا فإن لم تف إلا
ببعض الأفعال كالطواف فقط أو هو مع السعي فالظاهر سقوطه و صرف
حصته في الدين أو الخمس أو الزكاة ،و مع وجود الجميع توزع عليها ،و إن
وفت بالحج فقط أو العمرة فقط ففي مثل حج القران و الإفراد تصرف فيهما
مخيرا بينهما ،و الأحوط تقديم الحج ( 2 ) ،و في حج التمتع الأقوى السقوط
و صرفها في الدين و غيره ،و ربما يحتمل فيه أيضا التخيير أو ترجيح الحج
لأهميته أو العمرة لتقدمها ،لكن لا وجه لها بعد كونهما في التمتع عملا

معلومة ،بل مقتضى هذه الصحيحة و الصحيحة المتقدمة أن الثاني أهم من
الأول .

( 1 ) مر أن القوة ممنوعة ،و الأظهر تقديم الحج اذا لم يف التركة للكل لا
التحصيص و التوزيع .

( 2 ) في التقديم اشكال ،بل منع ،و الأظهر التخيير و إن فرض أن الحج أهم
من العمرة ،فان ذلك انما يوجب تقديمه عليها بالنسبة إلى من يكون مكلفا بهما
مباشرة ،فانه اذا لم تتسع قدرته على الجمع بينهما ،تعين عليه صرفها في الأهم ،
أو ما يحتمل أهميته ،و سقط المهم عنه ،إما مطلقا ،أو على تقدير الاتيان بالأهم ،
و اما من لا يكون مكلفا بهما مباشرة كالولي أو الوصي ،و انما هو مأمور بصرف
التركة في النيابة عنه فيهما ،و حينئذ فإن لم تف التركة الاّ لأحدهما ،فلا يجب
عليه صرفها في النيابة للأهم فقط ،لأن ذمة الميت كما هي مشغولة به مشغولة
بالمهم أيضا ،لعدم المزاحمة بينهما ،و انما المزاحمة بين الخطابين المتوجهين
الى الولي أو الوصي بصرف التركة في النيابة عنه ،باعتبار أنها لا تفي الاّ للنيابة في
أحدهما ،و بما أنه لا يكون أحد هذين الخطابين أهم من الآخر في نفسه ،أو لا
أقل من احتمال أهميته فتكون النتيجة التخيير و ان كان الاولى و الاجدر صرفها
في النيابة للأهم .

--( 219 )--

واحدا ،و قاعدة الميسور لا جابر لها في المقام ( 1 ) .

[3081 ]مسألة 84 :لا يجوز للورثة التصرف في التركة قبل استئجار الحج
إذا كان مصرفه مستغرقا لها بل مطلقا على الأحوط ( 2 ) إلا إذا كانت واسعة

( 1 ) مر الاشكال فيه بل المنع .

( 2 ) في الاطلاق اشكال بل منع ،و الأظهر جواز التصرف في التركة اذا
كانت زائدة على نفقات الحج او الدين شريطة التزام الوارث بتهيئة الحجة
النيابية المطلوبة ،و عدم خوف فوتها ،و تدل على ذلك موثقة عبد الرحمن بن
الحجاج عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن رجل يموت و يترك عيالا ،و عليه
دين ،أ ينفق عليهم من ماله ؟قال :إن كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه
فلا ينفق ،و إن لم يكن يستيقن فلينفق عليهم من وسط المال ... »- 1 - فانها و ان
كانت واضحة الدلالة على جواز التصرف في التركة اذا كانت زائدة ،الاّ أن مناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية تتطلب ان جواز التصرف فيها منوط بالتزام الورثة
بتهية الحج النيابية له لا مطلقا .

ثم ان الموثقة و ان لم تدل على أن ما يوازي الدين من التركة يظل باقيا في
ملك الميت ،و انما تدل على عدم جواز التصرف فيه ،و هو أعم من أن يكون
باقيا في ملكه أو انتقل الى الورثة متعلقا لحق الغير ،الا أن الآية الشريفة التي
تنص على أن الارث بعد الدين و الوصية ظاهرة في انه باق في ملكه ،و كذلك
الروايات التي تنص على ذلك ،هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى انه لا اشكال في ظهور الآية الشريفة و الروايات في أن
مقدار الدين من التركة يظل باقيا في ملك الميت ،و لا ينتقل الى الورثة و كذلك
نفقة حجة الإسلام بمقتضى الروايات ،و انما الكلام في نسبة هذا المقدار الى

---------------

( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب كتاب الوصايا الحديث :2 .


--( 220 )--

..........
مجموع التركة ،و هل أنها بنحو الكلي في المعين ،أو بنحو الاشاعة ؟ !

مقتضى القاعدة و إن كان الثاني ،لظهور نسبة الدين أو مقدار نفقات أعمال
الحج الى التركة في الاشاعة دون الكلي في المعين ،فانه بحاجة الى عناية زائدة
كنسبة صاع الى صبرة أو ما شاكلها ،الاّ أنه لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور
و حمل النسبة على نسبة الكلي في المعين .

و قد استدل على ذلك بأمور :

الأول :موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل مات ،فأقر
بعض ورثته لرجل بدين ،قال :يلزم ذلك في حصته ... »- 1 - بتقريب أنها ظاهرة
في أن المقر ملزم باخراج تمام الدين من حصته ،هذا ،و لكن هذا الظهور
لا يخلو عن اشكال ،لأن الظاهر منها أنه ملزم بما يخص حصته ،فانه ثابت
فيها بقرينة كلمة ( في ) في قوله عليه السّلام : «يلزم ذلك في حصته »يعني أنه ملزم
بما فيها لا بما في تمام التركة ،نعم لو كان بدل كلمة ( في ) كلمة ( من )
لكان ظاهرا في المعنى الأول ،يعني أنه ملزم بالدين من حصته ،و هذا لا
ينافي كون نسبة مقدار الدين الباقي في ملك الميت من التركة الى
مجموعها نسبة الكلي في المعين ،لأن هذه النسبة محفوظة بعينها فيما
يخص من الدين حصته كل من الورثة ،أو فقل كما أنّ نسبة مجموع الدين الى
مجموع التركة نسبة الكلي في المعين ،كذلك نسبة ما يخص منه حصة كل من
الورثة اليها ،لأن كلاّ منهم مخيّر في تطبيقه على أيّ جزء من أجزاء
حصته شاء .

الثاني :انه اذا تلف بعض التركة بعد الموت ،أو غصب غاصب منها ،لم
يضر بالدين و لا بنفقة حجة الإسلام ،فإنها تخرج من الباقي ،و هذا شاهد قطعي
على أن النسبة نسبة الكلي في المعين لا الإشاعة ،و هذا الوجه هو الصحيح ،و هو
بعينه ينطبق على ما يخص حصّة كل من الورثة .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب كتاب الوصايا الحديث :3 .


--( 221 )--

جدا ( 1 ) فلهم التصرف في بعضها حينئذ مع البناء على إخراج الحج من
بعضها الآخر كما في الدين ،فحاله حال الدين .

[3082 ]مسألة 85 :إذا أقر بعض الورثة بوجوب الحج على المورث
و أنكره الآخرون لم يجب عليه إلا دفع ما يخص حصته بعد التوزيع ( 2 ) ،

الثالث :ان موثقة عبد الرحمن بن الحجاج - 1 - المتقدمة التي تدل على جواز
تصرف الورثة في التركة اذا كانت زائدة على الدين قرينة على أنه بنحو الكلي
في المعين لا الاشاعة ،و الاّ لم يجز تصرفهم فيها .

و لكن هذا الوجه قابل للمناقشة لاحتمال أن يكون جواز تصرفهم في
التركة في هذه الصورة من باب الولاية اذا كانوا ملتزمين بأداء الدين من الباقي ،لا
من باب انه من قبيل الكلي في المعين .

فالنتيجة :في نهاية المطاف ان نسبة الدين و نفقة الحج الى التركة نسبة
الكلي في المعين .

( 1 ) ظهر مما مر أنه لا منشأ لهذا التقييد ،فان مقتضى اطلاق النص عدم
الفرق بين كون التركة واسعة أو لا ،فالمعيار في جواز التصرف فيما اذا كانت
التركة زائدة على الدين او نفقات الحج انما هو بالتزام الورثة باخراج الدين ،أو
بالحجة النيابية لا مطلقا .

( 2 ) هذا هو الأظهر كما مرت الاشارة اليه اجمالا ،و سوف يأتي توضيحه
في المسألة ( 101 ) ،هذا .

و ذهب جماعة منهم السيد الاستاذ قدّس سرّه الى أن على المقر من الورثة بالدين
أو الحج أن يؤدي تمام الدين من حصته ،أو كل نفقات الحج منها ،شريطة أن
تكون وافية ،و الاّ فلا شي‏ء عليه ،ثم يرجع الى الآخر و يطالبه بحصته من الإرث ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب كتاب الوصايا الحديث :2 .


--( 222 )--

..........
لأنه أخذ من حصته دون حصة الميت ،باعتبار أن حصته على نحو الكلي في
المعين ،و لا يرد عليها النقص ،و حينئذ فان كان الآخر متمردا عامدا و ملتفتا الى
الحكم الشرعي ،فان امتنع فله أخذ حقه منه بأيّ وسيلة و طريقة متاحة له و لو
بالمقاصة ،و إن كان مشتبها و معتقدا بأنه لا دين على المورث ،فحينئذ إن تمكن
من اثباته ببينة أو نحوها فهو ،و إن لم يتمكن من ذلك فهل يجوز له المقاصة ؟ !
الظاهر الجواز شريطة أن يكون المقر عالما بأن المنكر في اشتباه و خطأ ،و حينئذ
يجوز له المقاصة ،باعتبار أنها مشروعة في حالة عدم تمكن صاحب الحق انقاذ
حقه بوسيلة أخرى ،و المقام من هذا القبيل .

فالنتيجة :ان تمام الدين في حصة المقر ،و عليه الوفاء به منها .

و يمكن تخريج ذلك فنيا بأحد وجهين :

الأوّل :ان من المسلم كبرويا أن أحد فردي الواجب التخييري اذا تعذر
تعين الآخر ،و هذه الكبرى تنطبق على المقام ،باعتبار أن الورثة كانوا مخيرين
في تطبيق حق الميت على أي حصة من حصص التركة شاءوا ،فاذا تعذر تطبيقه
على بعض حصصها و لو من جهة تمرد بعض الورثة أو انكاره حق الميت تعين
تطبيقه على بعضها الآخر .

و الجواب :ان تلك الكبرى و إن انطبقت على مجموع التركة اذا تلف
بعضها ،أو غصبه غاصب من الخارج ،فانه حينئذ يتعين على الورثة تطبيق حق
الميت على الباقي منها ،و لا تنطبق على حصة المقر فقط ،فان المقر لا يكون
مخيرا من الأول بين تطبيقه على حصته و حصص الآخرين حتى يكون عند
تعذر تطبيقه على حصص الآخرين بسبب التمرد أو الانكار متعينا تطبيقه على
حصته فحسب ،فاذن لا يكون المقام من صغريات تلك الكبرى .

و دعوى :ان المتمرد من الورثة كالغاصب من الخارج .

مدفوعة :بان ذلك قياس مع الفارق ،فان الغاصب اذا غصب من التركة
وجب على الورثة تطبيق حق الميت على الباقي منها ،باعتبار أنه كلي ،فلا يرد

--( 223 )--

..........
عليه نقص ،و هذا بخلاف ما اذا غصب منها المتمرد منهم في ضمن أخذ حقه
منها ،فانه لا يجب على المقر تطبيقه على حصته خاصة .

الثاني :ان حق الميت بما أنه كلي فهو لا يقسم بتقسيم التركة بين الورثة
لكي يكون الواجب على كل منهم ما يخص منه حصته فحسب دون تمام حقه ،
و عندئذ فبطبيعة الحال يجب على كل منهم أن يقوم بالوفاء بتمام دين الميت من
حصته ،أو بالحجة النيابية المطلوبة منها على نحو الوجوبات المشروطة ،فاذا قام
واحد منهم بذلك رجع الى الآخرين لأخذ ما يكون عندهم من حصته .

و بكلمة :ان الوفاء بتمام حق الميت واجب على كل من الورثة مستقلا
بوجوبات مشروطة من التركة إن امكن ،و الاّ فمن حصته ،لا أنه واجب على
مجموعهم بوجوب واحد حتى يكون لازمه سقوطه عن المقر عند انكار
الآخرين أو تمردهم .

و الجواب :ان حق الميت و إن كان كليا ،الاّ انه قابل للتوزيع و التقسيم
بتوزيع التركة و تقسيمها ،فكما أن نسبة تمام الحق إلى مجموع التركة نسبة
الكلي في المعين ،فكذلك نسبة جزء منه الى حصة منها ،فاذا قسمت التركة بين
الورثة وزع الحق أيضا بين حصصهم ،فيخص حصّة كل منهم من ذلك الحق
بنفس النسبة ،و هي نسبة الكلي في المعين لا الاشاعة ،مثلا :اذا اشترى أحد من
شخصين عشرة أصواع -مثلا -من صبرة مشتركة بينهما بالنصف -مثلا -فبطبيعة
الحال اشترى من حصة كل منهما خمسة أصواع ،و عليه فاذا قاما بتقسيمها
نصفين ،فبطبيعة الحال وزع ملك المشتري أيضا بينهما بنفس النسبة ،فاذا
فرضنا أن مجموع الصبرة خمسون صاعا كانت نسبة العشرة الى الخمسين نسبة
الخمس بنحو الكلي في المعين ،و اذا قسم الخمسين الى نصفين وزعت العشرة
عليهما بنفس تلك النسبة ،و هي نسبة الخمس ،و نتيجة ذلك ان ملك المشتري
خمسة اصواع في هذه الحصة ،و خمسة أصواع في تلك الحصة ،و لا يمكن
القول بأن ما ملكه المشتري لم يوزع عليهما ،فان لازم ذلك أن يجب على كل

--( 224 )--

و إن لم يف ذلك بالحج ( 1 ) لا يجب عليه تتميمه من حصته ،كما إذا أقر
بدين و أنكره غيره من الورثة فإنه لا يجب عليه دفع الأزيد ،فمسألة الإقرار
بالحج أو الدين مع إنكار الآخرين نظير مسألة الإقرار بالنسب ( 2 ) حيث إنه

منهما تسليم تمام ما ملكه المشتري من حصته بنحو الوجوب المشروط ،مع أنه
غير واجب جزما ،ضرورة ان الواجب على كليهما معا تسليم ما للمشتري من
المجموع ،و من هنا اذا أخذ احدهما حصته من الصبرة ،و تمرد من دفع ما
للمشتري لم يجب على الآخر دفع تمام ما له من حصته ،بل عليه دفع ما يخص
حصته منه دون أكثر .

( 1 ) فيه ان الوفاء على ضوء نظرية التوزيع غير متصور ،فان نفقات الحج
اذا وزعت بين الورثة تبعا لتوزيع التركة ،فمن المعلوم أنه لا يكفي ما يخص من
تلك النفقات حصة المقر ،لأنه جزؤها ،فلا يتصور أن يفي بتمامها و الا لزم
خلف الفرض .

( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان مسألتنا هذه نظير هذه المسألة من
جهة ،و لا تكون نظيرها من جهة أخرى ،اما من الجهة الأولى ،فلأنه لا يجب
على المقر في كلتا المسألتين الا دفع ما يخص حصته فحسب دون الأكثر .و اما
من الجهة الثانية فلما مر في المسألة الأولى من أن حق الميت الذي تكون نسبته
الى التركة نسبة الكلي في المعين اذا وزع بتوزيع التركة على الورثة كانت نسبة ما
يخص منه حصة كل منهم نفس تلك النسبة ،و هي نسبة الكلي في المعين ،و اما
في هذه المسألة و هي مسألة الإقرار فيكون توزيع حق المقر له على المقر
و المنكر على نحو الإشاعة دون الكلي في المعين ،باعتبار أن نسبة المقر و المقر
له و المنكر الى التركة نسبة واحدة ،و هي نسبة الثلث بطريقة الاشاعة ،و على هذا
فاذا كان الوارث أخوين و قاما بتقسيم التركة بينهما نصفين ،ثم أقر أحدهما بأخ
ثالث لهما و انكره الآخر ،فمعنى ذلك أن المقر له شريك معهما في التركة اثلاثا

--( 225 )--

إذا أقر أحد الأخوين بأخ آخر و أنكره الآخر لا يجب عليه إلا دفع الزائد عن
حصته فيكفي دفع ثلث ما في يده و لا ينزل إقراره على الإشاعة على
خلاف القاعدة للنص ( 1 ) .

[3083 ]مسألة 86 :إذا كان على الميت الحج و لم تكن تركته وافية به و لم
يكن دين فالظاهر كونها للورثة و لا يجب صرفها في وجوه البر عن الميت ،
لكن الأحوط التصدق عنه ( 2 ) ،للخبر عن الصادق عليه السّلام : «عن رجل مات
و أوصى بتركته أن أحج بها فنظرت في ذلك فلم يكفه للحج فسألت من
عندنا من الفقهاء فقالوا :تصدق بها ،فقال عليه السّلام :ما صنعت بها ؟قلت :

بالاشاعة ،و عليه فبطبيعة الحال يكون ثلث حصته عند المقر ،و ثلثها عند المنكر ،
و لا يكون المقر ضامنا لحصة المقر له ،لعدم الموجب له ،كما لا يجب عليه
تقسيم حصته بينهما نصفين ،لفرض انه لم يقر بذلك ،و انما أقر بأنه أخ لهما
و شريك معهما في التركة ،و تظهر الثمرة بينهما فيما اذا ورد نقص ،فانه إن ورد
على حصة كل من المقر أو المنكر في هذه المسألة ،فقد ورد على حصة المقر له
أيضا بنفس النسبة تطبيقا لقاعدة الاشتراك بنحو الاشاعة ،و إن ورد على حصة
كل من الورثة في المسألة الأولى لم يرد على حصة الميت فيها ،لأنها على نحو
الكلي في المعين ،فالنتيجة أن مسألتنا هذه ليست كمسألة الاقرار بالنسب مطلقا .

( 1 ) فيه ان النص و هو خبر ابي البختري وهب بن وهب ضعيف ،فلا
يمكن الاعتماد عليه ،و لكن الحكم بأن المقر له شريك في ثلث حصة كل منهما
يكون على القاعدة ،و لا مبرر لتنزيل اقراره على الإشاعة في حصته فقط ،لأنه قد
أقر باشتراكه معهما في أصل التركة لا في خصوص حصته .

( 2 ) الاحتياط ضعيف جدا ،و لا منشأ له ،لعدم ثبوت الخبر سندا أولا ،
و كون مورده الوصية ثانيا ،و محل الكلام في المقام انما هو في غير مورد الوصية ،

--( 226 )--

تصدقت بها کفقال عليه السّلام :ضمنت إلا أن لا يكون يبلغ ما يحج به من مكة ،فإن
كان لا يبلغ ما يحج به من مكة فليس عليك ضمان »نعم لو احتمل كفايتها
للحج بعد ذلك أو وجود متبرع بدفع التتمة لمصرف الحج وجب
إبقاؤها ( 1 ) .


و هو ما اذا كانت على الميت حجة الإسلام ،فانه حينئذ اذا لم تكن التركة وافية
للحد الأدنى من نفقات الحج سقط الحج ،و كانت التركة للورثة ،لأن المانع من
انتقالها اليهم انما هو الحج ،و بعد سقوطه فلا مانع منه ،و لذلك لا موضوع
لصرفها في وجوه البر ،أو التصدق بها من قبل الميت ،و هذا بخلاف ما اذا أوصى
بالحج من الثلث ،فانه اذا لم يكن وافيا بنفقاته و لو للحد الأدنى منها يصرف في
وجوه البر ،و الإحسان له ،أو الصلاة و الصيام اذا كانت ذمته مشغولة بهما ،باعتبار
أن الثلث يظل باقيا في ملك الميت و إن لم يكن وافيا بالحج ،فإذن لا بد من صرفه
في شئونه و ما يتعلق به .

( 1 ) في الوجوب اشكال بل منع ،لأنه مبني على أن مردّ هذا الشك في
المقام الى الشك في القدرة ،و المرجع فيه أصالة الاشتغال دون البراءة .

و لكن يرد عليه :أولا :ان الشك في المقام لا يرجع الى الشك في القدرة
العقلية ،بل يرجع الى الشك في كفاية التركة لنفقات الحج من جهة احتمال
وجود متبرع للتتمة لها ،أو احتمال كفايتها في السنة القادمة و إن لم تكف في
هذه السنة لسبب أو آخر ،و في مثل ذلك لا مانع من الرجوع الى استصحاب عدم
الكفاية في السنة القادمة أيضا ،أو عدم وجود متبرع لها ،بناء على ما هو
الصحيح من عدم الفرق في جريانه بين أن يكون المتيقن سابقا و المشكوك
لاحقا ،و بين العكس .

و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم ان الشك في المقام انما هو في
وجوب الحج من ناحية الشك في القدرة ،الاّ أن الصحيح عدم الفرق بين أن

--( 227 )--

[3084 ]مسألة 87 :إذا تبرع متبرع بالحج عن الميت رجعت أجرة
الاستئجار إلى الورثة سواء عينها الميت أو لا ( 1 ) ،و الأحوط صرفها في

يكون الشك في التكليف من ناحية الشك في القدرة ،أو من ناحية أخرى ،فعلى
كلا التقديرين فالمرجع هو أصالة البراءة بدون فرق بينهما ،لأن الفرق مبني على
نقطة خاطئة ،و هي تخيل ان الشك في التكليف اذا كان من ناحية الشك في
القدرة ،فالملاك محرز على أساس أن القدرة شرط للتكليف فحسب بحكم
العقل ،من جهة قبح تكليف العاجز ،دون الملاك ،فيظل الملاك ثابتا و مطلقا
حتى في حال العجز ،و مع بقاء الملاك لا يمكن الرجوع الى أصالة البراءة ،
لاستلزامها تفويت الملاك الملزم ،و هو غير جائز ،باعتبار أنه حقيقة الحكم
و روحه .

أما خطأ هذه النقطة ،فلأن القدرة و إن كانت شرطا للتكليف عقلا في
مرحلة الاعتبار بملاك استحالة تكليف العاجز ،و لا تكون شرطا للملاك في
مرحلة المبادئ ،الاّ أن معنى هذا ليس أن الملاك مطلق و ثابت حتى في حال
العجز ،بل معناه أن العقل بما أنه لا طريق له إلى الملاكات الواقعية في مرحلة
المبادئ ،فلا يتمكن من ادراك أنها دخيلة فيها في تلك المرحلة أيضا ،و هذا هو
الفارق بين القدرة العقلية و القدرة الشرعية ،فان الأولى غير دخيلة في الملاك ،
و الثانية دخيلة فيه ،و على هذا فبما أنه لا طريق لنا الى ملاكات الأحكام الشرعية
في مرحلة المبادئ ،لا من طريق إدراك العقل لها ،و لا من جهة اطلاق المادة ،و لا
بالدلالة الالتزامية كما حققناه في علم الأصول ،فلا يمكن احراز الملاك في مقام
الشك في التكليف من ناحية الشك في القدرة ،فإذن لا مانع من الرجوع الى
أصالة البراءة عنه ،اذ لا يلزم منه تفويت الملاك الملزم ،لفرض أنه مشكوك فيه
كالتكليف .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن الأجرة انما ترجع الى الورثة اذا لم

--( 228 )--

وجوه البر أو التصدق عنه خصوصا فيما إذا عينها الميت للخبر المتقدم .

[3085 ]مسألة 88 :هل الواجب الاستئجار عن الميت من الميقات أو
البلد ؟المشهور وجوبه من أقرب المواقيت إلى مكة إن أمكن ،و إلا فمن
الأقرب إليه فالأقرب ،و ذهب جماعة إلى وجوبه من البلد مع سعة المال
و إلا فمن الأقرب إليه فالأقرب ،و ربما يحتمل قول ثالث و هو الوجوب من
البلد مع سعة المال و إلا فمن الميقات و إن أمكن من الأقرب إلى البلد
فالأقرب ،و الأقوى هو القول الأول ( 1 ) و إن كان الأحوط القول الثاني لكن

يعيّنها الميت من الثلث ،و أما إذا عيّنها منه ،فحينئذ اذا وجد متبرع بالحج عنه ،
فهي تبقى في ملكه ،و لا تنتقل الى ورثته ،فلا بد عندئذ من صرفها في وجوه البرّ
له -كما مر -.

( 1 ) هذا هو الصحيح ،لأن المستثنى في الروايات انما هو نفقات حجة
الإسلام من صلب المال ،و الحج بما أنه اسم لنفس الأعمال و الواجبات التي
يكون أولها الإحرام من الميقات ،فمقتضى ذلك أن المستثنى انما هو نفقات
تلك الأعمال دون مقدماتها التي هي خارجة عنها ،و عليه فالواجب هو
الاستئجار من الميقات .

فالنتيجة :إن من وجب عليه الحج بسبب الاستطاعة ،و لم يحج الى أن
توفى ،و لم يوص به ،فلا حق له الاّ في نفقات الحجة الميقاتية فقط ،دون الأكثر .

نعم ،قد يتوهم أن صحيحة بريد العجلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته
عن رجل استودعني مالا ،و هلك ،و ليس لولده شي‏ء ،و لم يحج حجة الإسلام ؟
قال :حجّ عنه ،و ما فضل فاعطهم »- 1 - تدل على وجوب الحجة البلدية عنه .

و الجواب :ان الصحيحة ليست في مقام البيان من هذه الناحية ،بل هي

---------------

( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .


--( 229 )--

لا يحسب الزائد عن أجرة الميقاتية على الصغار من الورثة ،و لو أوصى
بالاستئجار من البلد وجب و يحسب الزائد عن أجرة الميقاتية من
الثلث ( 1 ) ،

ناظرة الى أن وظيفته أن يحج به عنه بالمباشرة أو بالتسبيب ،و عدم رده الى ورثته
الاّ ما فضل من مصارف الحج ،بدون النظر الى أنه من الميقات أو من البلد .

( 1 ) بل من الأصل شريطة عدم تقييد الحج من الميقات في الوصية ،و تدل
عليه موثقة عبد اللّه بن بكير عن أبي عبد اللّه : «إنه سئل عن رجل أوصى بماله في
الحج ،فكان لا يبلغ ما يحج به من بلاده ؟قال :فيعطى في الموضع الذي يحج به
عنه »- 1 - فانها ظاهرة في أن الامام عليه السّلام لم يردع ما كان مرتكزا في ذهن السائل ،
و هو أن ما تركه من المال اذا كان وافيا بنفقات الحج من البلد ،وجب أن يحج
عنه من بلده ،و اذا لم يكن وافيا بنفقاته منه وجب أن يحج عنه من المكان الذي
كان وافيا بها ،و إن كان ذلك المكان دون الميقات .و قريب منها صحيحة علي بن
رئاب - 2 - .

و منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل
مات ،فأوصى أن يحج عنه ؟قال :إن كان صرورة فمن جميع المال ،و إن كان
تطوعا فمن ثلثه »- 3 - بتقريب أنها في مقام البيان ،أن الحج الموصى به إن كان
حجة الإسلام فهي من جميع المال ،و إن كان تطوعا فمن الثلث ،و بما أن نفقات
حج التطوع التي جعلتها من الثلث بلدية ،فيكون ذلك قرينة بملاك المقابلة
بينهما ،أن نفقات حجة الإسلام التي جعلتها من الأصل بلدية أيضا ،و الاّ لكان
اللازم تقييدها بالميقات .

و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «عن رجل مات ،فأوصى أن

---------------

( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب النيابة في الحج الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :25 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 230 )--

و لو أوصى و لم يعين شيئا كفت الميقاتية ( 1 ) إلا إذا كان هناك انصراف إلى
البلدية أو كانت قرينة على إرادتها كما إذا عين مقدارا يناسب البلدية .


يحج عنه ؟قال :إن كان صرورة فمن جميع المال ،و إن كان تطوعا فمن ثلثه ،فان
أوصى أن يحج عنه رجل فليحج ذلك الرجل »- 1 - فان هذا الذيل يدل على أن
الواجب هو أن يحج عنه ذلك الرجل المعين ،فان كان الحج تطوعا فمن ثلثه ،
و إن كان واجبا فمن الأصل ،و من المعلوم أن الظاهر منه هو أن جميع مصارفه
من الأصل ،لا خصوص مصارفه من الميقات فحسب ،تطبيقا لقرينة المقابلة
بينهما ،و الاّ لبيّن ذلك .

و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل توفى ،
و أوصى أن يحج عنه .قال :إن كان صرورة فمن جميع المال ،انه بمنزلة الدين
الواجب ،و إن كان قد حج فمن ثلثه -الحديث - »- 2 - .

فالنتيجة :ان هذه الروايات بقرينة المقابلة بين حج التطوع الذي جعله من
الثلث ،و بين الحج الواجب الذي جعله من الأصل ،تدل على أنه بلدي ،و من هنا
يختلف حكم ما اذا أوصى الميت بحجة الإسلام ،و ما اذا لم يوص بها ،فعلى
الأول تخرج نفقات الحجة البلدية المطلوبة من الأصل ،و على الثاني تخرج
نفقات الحجة الميقاتية منه -كما مر -.

( 1 ) هذا لا كلام فيه بالنسبة الى سقوط الحج عن ذمة الميت ،و انما الكلام
بالنسبة الى الوصية ،فالظاهر عدم العمل بها ،لما مر من أن الواجب في
صورة الوصية هو الاستيجار من البلد ،و بما أن الخارج من التركة في
هذه الصورة هو نفقات الحجة البلدية ،فاذا خالف الوصية و استأجر من
الميقات فعليه ان يصرف نفقات ما بين البلد و الميقات في وجوه البر
للميت .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :25 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :25 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :4 .


--( 231 )--

[3086 ]مسألة 89 :لو لم يمكن الاستئجار إلا من البلد وجب و كان جميع
المصرف من الأصل ( 1 ) .

[3087 ]مسألة 90 :إذا أوصى بالبلدية أو قلنا بوجوبها مطلقا فخولف
و استؤجر من الميقات أو تبرع عنه متبرع منه برأت ذمته و سقط الوجوب
من البلد ( 2 ) ،و كذا لو لم يسع المال إلا من الميقات .


( 1 ) هذا هو الصحيح ،اما في صورة الوصية فقد مر أن الواجب في هذه
الصورة هو الحجة البلدية و إن أمكنت الميقاتية ،و أما في صورة عدم الوصية ،
فإن قلنا بأن الواجب فيها أيضا الحجة البلدية دون الميقاتية ،فلا اشكال
في المسألة ،و أما إذا قلنا بأن الواجب فيها الحجة الميقاتية دون البلدية -كما هو
الظاهر -فأيضا الأمر كذلك ،لأن الاستئجار من الميقات اذا تعذر ،وجب أن
يكون من البلد ،و يخرج تمام نفقاته من الأصل ،لفرض أن تعذره من الميقات لا
يوجب سقوطه عن ذمته .

( 2 ) هذا مما لا اشكال فيه ،فان الوصي أو الوارث اذا خالف و استأجر
شخصا لحجة ميقاتية من أجل أنها أرخص برئت ذمة الميت ،و لا تجب اعادة
الحج ،و انما الكلام في صحة الاجارة و فسادها ،و حينئذ فنقول :ان الوصية
بالحجة البلدية إن كان معناها وقوع الإجارة على مقدمات الحج و أعماله معا ،
فالإجارة فاسدة ،لأن ما وقعت الإجارة عليه و هو نفس الأعمال فقط لم يكن
موردا للوصية ،و ما هو مورد لها لم تقع الإجارة عليه ،فمن أجل ذلك تكون
باطلة ،و إن كان الغرض منها أن الحجة البلدية أكثر ثوابا و أجرا من الحجة
الميقاتية ،باعتبار أنها تتوقف على مقدمات متعبة من دون كون تلك المقدمات
موردا للإجارة ،بل هي شرط خارجي ،فالإجارة صحيحة ،لأن موردها نفس
الاعمال ،غاية الأمر أنها مشروطة بكونها مسبوقة بالمقدمات و على هذا فاذا
أوقع الوصي أو الوارث الاجارة على الحجة الميقاتية فقد خالف الشرط ،و هو لا

--( 232 )--

[3088 ]مسألة 91 :الظاهر أن المراد من البلد ( 1 ) هو البلد الذي مات
فيه ( 2 ) ،كما يشعر به خبر زكريا بن آدم -رحمهما اللّه - : «سألت أبا
الحسن عليه السّلام عن رجل مات و أوصى بحجة أ يجزئه أن يحج عنه من غير البلد
الذي مات فيه ؟فقال عليه السّلام :ما كان دون الميقات فلا بأس به »مع أنه آخر
مكان كان مكلفا فيه بالحج ،و ربما يقال :إنه بلد الاستيطان لأنه المنساق من
النص و الفتوى ،و هو كما ترى ،و قد يحتمل البلد الذي صار مستطيعا فيه ،
و يحتمل التخيير بين البلدان التي كان فيها بعد الاستطاعة ،و الأقوى ما ذكرنا

يوجب البطلان ،هذا ،اضافة الى أن الوصية لو كانت بالحجة البلدية فمن
المحتمل أن يكون ذلك بنحو تعدد المطلوب ،فان مطلوبه الأصلي هو فراغ
ذمته عن الحجة ،و أما الاتيان بالمقدمات بقصد الحج فهو مطلوب آخر ،باعتبار
ما فيه من الثواب و الأجر ،و على هذا فاذا أوقع الاجارة على المطلوب الأول
صحت ،و إن كان آثما بالنسبة إلى عدم العمل بالوصية في المطلوب
الثاني .

فالنتيجة :ان الوصي أو الولي اذا خالف و استأجر على الحجة الميقاتية فلا
شبهة في فراغ ذمة الميت بها ،و سقوطها عن ذمته باتيان المستأجر لها ،و أما
صحة الاجارة فهي غير بعيدة -كما مر .

( 1 ) تقدم أن الواجب هو الحجة الميقاتية اذا لم يوص الميت بالحج ،
و هي الحجة التي لا تكلف النائب السفر الاّ من الميقات الذي يجب الاحرام
منه ،و هو بمثابة تكبيرة الإحرام في الصلاة ،و لذا تكون نفقاتها أقل من نفقات
الحجة البلدية التي تكلف النائب السفر من البلد الذي كان المنوب عنه يعيش
فيه ،نعم اذا أوصى بالحج فقد مر أن الأظهر وجوب الحجة البلدية عنه ،و أنها
تخرج من جميع التركة .

( 2 ) فيه أن المراد منه البلد الذي كان المنوب عنه يعيش فيه و إن كان موته .

--( 233 )--

وفاقا لسيد المدارك قدّس سرّه و نسبه إلى ابن ادريس رحمه اللّه أيضا ،و إن كان الاحتمال
الأخير و هو التخيير قويا جدّا .

[3089 ]مسألة 92 :لو عين بلدة غير بلده كما لو قال :استأجروا من النجف
أو من كربلاء کتعين ( 1 ) .

[3090 ]مسألة 93 :على المختار من كفاية الميقاتية لا يلزم أن يكون
من الميقات أو الأقرب إليه فالأقرب بل يكفي كل بلد دون الميقات ،
لكن الأجرة الزائدة على الميقات مع إمكان الاستئجار منه لا يخرج

في بلد آخر ،لأنه المتفاهم العرفي من البلد .

( 1 ) هذا صحيح حتى على القول بأن الواجب على الوارث الاستئجار من
البلد ،و ذلك لأن الحج الواجب على الميت في زمن حياته هو الحجة الميقاتية ،
و اذا مات و كانت عليه حجة الإسلام وجب الاستئجار من بلده الذي كان يعيش
فيه ،على أساس أن نفقات الحجة البلدية تظل باقية في ملك الميت ،و حينئذ
فعلى الوارث أن يقوم باخراج نفقات الحجة البلدية من أصل التركة ،و استئجار
من يأتي بها عنه ،لأن ذلك حقه عليه ،و على ضوء ذلك ،فاذا أوصى الميت
بالحج عنه من البلد الفلاني ،أو من الميقات ،فالوصية نافذة باعتبار أن ذلك حقه
و له تعيين ذلك ،كما أن له تعيين من يحج عنه ،كما اذا أوصى أن يحج عنه من
ثلثه ،فان الوصية نافذة ،مع أن الواجب هو الحج من أصل التركة ،فلا تكون هذه
الوصية على خلاف السنة ،فما في بعض الكلمات من أن الحج الواجب اذا كان
الحج البلدي كانت هذه الوصية على خلاف السنة ،غريب جدا ،فان وجوب
الاستئجار على الوارث أو الوصي من البلد انما هو على أساس حق الميت عليه ،
و إذا عين الميت حقه في مال خاص ،أو شخص مخصوص أو بلدة معينة ،
تعينت تلك الكيفية ،و لا تجوز مخالفتها .

فالنتيجة :ان وجوب الاستئجار من الأصل انما هو في فرض عدم تعيين

--( 234 )--

من الأصل ( 1 ) و لا من الثلث ( 2 ) إذا لم يوص بالاستئجار من ذلك البلد إلا
إذا أوصى بإخراج الثلث من دون أن يعين مصرفه و من دون أن يزاحم
واجبا ماليا ( 3 ) عليه .

[3091 ]مسألة 94 :إذا لم يمكن الاستئجار من الميقات و أمكن من البلد
وجب ( 4 ) و إن كان عليه دين الناس أو الخمس أو الزكاة ،فيزاحم الدين إن
لم تف التركة بهما بمعنى أنها توزع عليهما بالنسبة ( 5 ) .

[3092 ]مسألة 95 :إذا لم تف التركة بالاستئجار من الميقات لكن أمكن
الاستئجار من الميقات الاضطراري كمكة أو ادنى الحل وجب ( 6 ) ،نعم لو
دار الأمر بين الاستئجار من البلد أو الميقات الاضطراري قدم الاستئجار
من البلد ،و يخرج من أصل التركة لأنه لا اضطرار للميت مع سعة ماله .


الميت كيفية خاصة ،و مع التعيين لا بد أن يعمل على طبقها ،فاذن كيف يكون
ذلك على خلاف السنة ؟ !

( 1 ) هذا في غير الوصية ،و أما فيها فيخرج من الأصل ،كما مر .

( 2 ) بل من حصته اذا زادت اجرة الاستئجار من دون الميقات عن
الاستئجار منه ،الاّ اذا أوصى بذلك ،فانه حينئذ تخرج الزيادة من
الأصل .

( 3 ) الظاهر أنه قدّس سرّه أراد من الواجب المالي ما يصرف بازائه المال كالصلاة
و الصيام و نحوهما .

( 4 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،و يظهر وجهه مما مر في المسألة ( 89 ) .

( 5 ) مر أن الحج مقدم على الدين للنص ،و لا معنى للتوزيع في فرض
عدم الكفاية للكل ،كما تقدم في المسألة ( 83 ) .

( 6 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فانه انما يتم لو كان أدنى الحل من أحد

--( 235 )--

[3093 ]مسألة 96 :بناء على المختار من كفاية الميقاتية لا فرق بين
الاستئجار عنه و هو حي أو ميت ( 1 ) ،فيجوز لمن هو معذور بعذر لا يرجى
زواله أن يجهز رجلا من الميقات كما ذكرنا سابقا أيضا ،فلا يلزم أن

المواقيت التي وقّتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله كسائر المواقيت ،فعندئذ يجوز الإحرام منه
اختيارا ،أي و إن كان متمكنا من الذهاب الى ميقات أهل أرضه ،و على هذا
فيجوز الاستئجار من مكة ،أو أدنى الحل .و أما بناء على ما هو الصحيح من أن
أدنى الحل ليس من أحد المواقيت المعروفة ،و انما هو ميقات لحج الإفراد
و القران لأهل مكة ،و للعمرة المفردة لمن مر على ميقات بدون قصدها ،ثم
بالرجوع بدا له أن يأتي بها ،و لمن كان فيها ،على تفصيل يأتي في محله إن شاء
اللّه تعالى ،فاذا احرم منه اختيارا على الرغم من تمكنه من الذهاب الى ميقات
أهله و الاحرام منه بطل ،و عليه فلو استوجر في مكة للإحرام منها ،أو من أدنى
الحل نيابة عن الميت لم يصح ،لأن صحة الإحرام منها أو من أدنى الحل انما هي
مرتبطة بمن دخل في مكة بدون احرام غفلة أو جهلا بالحكم ،أو عامدا و ملتفتا ،
فان وظيفته أن يحرم منها أو من أدنى الحل ،شريطة أن لا يتمكن من الرجوع
الى ميقات أهل بلده ،و الإحرام منه ،و أما مشروعية هذا العمل للنائب فهي
بحاجة الى دليل آخر ،لأن مورد نصوص الباب هو من مرّ على ميقات بدون
احرام الى أن دخل مكة و إن كان عن علم و عمد ،و من الواضح انه لا يعم المقام ،
و هو الاستئجار من مكة أو من أدنى الحل لحج التمتع من قبل الميت ،فانه ليس
مشمولا لها ،و لا يوجد دليل آخر على الصحة ،و على هذا فبما أن التركة
بمجموعها لا تتسع للحد الأدنى من نفقات الحج ،و هو نفقاته من الميقات
سقط ،و كانت التركة للورثة ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر به اذا لم تتسع
التركة للاستئجار من الميقات استأجر من أدنى الحل ،أو من مكة شريطة أن
يكون الورثة راضين بذلك .

( 1 ) هذا اذا لم تكن وصيته بالحج ،و الاّ فلا بد أن يكون من البلد ،كما تقدم

--( 236 )--

يستأجر من بلده على الأقوى ،و إن كان الأحوط ذلك .

[3094 ]مسألة 97 :الظاهر وجوب المبادرة إلى الاستئجار في سنة
الموت ( 1 ) خصوصا إذا كان الفوت عن تقصير من الميت ،و حينئذ فلو لم
يمكن إلا من البلد وجب و خرج من الأصل ،و لا يجوز التأخير إلى السنة
الأخرى و لو مع العلم بإمكان الاستئجار من الميقات توفيرا على الورثة ،
كما أنه لو لم يمكن من الميقات إلا بأزيد من الأجرة المتعارفة في سنة
الموت وجب و لا يجوز التأخير إلى السنة الأخرى توفيرا عليهم .

[3095 ]مسألة 98 :إذا أهمل الوصي أو الوارث الاستئجار فتلفت التركة أو
نقصت قيمتها فلم تف بالاستئجار ضمن ( 2 ) ،كما أنه لو كان على الميت

في المسألة ( 88 ) .

( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه على أساس أن مصارف حجة الإسلام تظل ثابتة في
ملك الميت ،و لا تنتقل الى الورثة فتكون أمانة في يد الوارث أو الوصي ،و عليه
فتجب المبادرة الى الاستئجار عنه في سنة موته إن أمكن ،و لا يجوز التأجيل الى
سنة آتية ،و لا يبرر التأخير أن لا يجد الوارث أو الوصي في سنة الموت من يقبل
بأجور الحجة الميقاتية ،بل يجب عليه دفع أجور الحجة البلدية من تركته في
هذه الحالة -كما مر -.و كذلك الحال إذا اقترح الأجير أجرة أكبر مما هو متعارف
عادة للنيابة في الحج ،و لم يوجد من يقبل باقل من ذلك ،فان الواجب عليه تلبية
اقتراحه ،و لا يجوز التأخير الى سنة أخرى توفيرا على الورثة .

( 2 ) هذا في صورة التلف ،و أما في صورة نقص القيمة و تنزلها لأسباب
خارجية بدون ورود النقص على العين لا ذاتا و لا صفة ،فالظاهر عدم الضمان
لعدم الموجب له ،فان الموجب اما اليد ،و الفرض ان اليد انما هي على العين و ما
لها من الصفات الخارجية دون القيمة التي لا واقع موضوعي لها في الخارج ،
و انما هي اعتبار من العقلاء مرتبطا بقانون العرض و الطلب أو سبب آخر ،و من

--( 237 )--

دين و كانت التركة وافية و تلفت بالإهمال ضمن .

[3096 ]مسألة 99 :على القول بوجوب البلدية و كون المراد بالبلد الوطن
إذا كان له وطنان الظاهر وجوب اختيار الأقرب إلى مكة ( 1 ) إلا مع رضا
الورثة بالاستئجار من الأبعد ،نعم مع عدم تفاوت الأجرة الحكم التخيير .

[3097 ]مسألة 100 :بناء على البلدية الظاهر عدم الفرق بين أقسام الحج
الواجب فلا اختصاص بحجة الإسلام ،فلو كان عليه حج نذري لم يقيد
بالبلد و لا بالميقات يجب الاستئجار من البلد ( 2 ) بل و كذا لو أوصى بالحج
ندبا اللازم الاستئجار من البلد ( 3 ) إذا خرج من الثلث .

[3098 ]مسألة 101 :إذا اختلف تقليد الميت و الوارث في اعتبار البلدية أو
هنا اذا غضب فرد دار غيره -مثلا -و اتفق بسبب أو آخر نقص قيمتها في يد
الغاصب لم يضمن ،و لا يجب عليه الاّ رد الدار الى مالكها دون ما نقص من
قيمتها .

( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لأن الخارج من التركة نفقات الحج تماما ،فاذا دار
أمرها بين الأقل و الأكثر ،فبطبيعة الحال يكون الواجب هو الأقل .

( 2 ) فيه ان النذر يتبع نية الناذر ،فان نوى الحج من الميقات وجب
الاستئجار منه ،و إن نواه من البلد وجب من البلد ،و ان نوى الجامع بدون
خصوصية كونه من الميقات أو من البلد ،فعندئذ على القول بأن الحج الواجب
بالنذر يخرج من الأصل يجب الاستئجار من الميقات ،تطبيقا لما تقدم في
المسألة السابقة ،من أن أجور الحج اذا دارت بين الأقل و الأكثر تعيّن الأقل ،
و على القول بأنه يخرج من الثلث -كما هو الصحيح -يجوز الاستئجار من البلد ،
باعتبار أن الثلث كله ملك للميت ،فللوصي أو الوارث أن يصرفه في شئونه
و وجوه الخير منها الاستئجار للحج الواجب بالنذر .

( 3 ) هذا شريطة أن تكون الوصية ظاهرة في ذلك ،و الاّ فيجوز الاستئجار

--( 238 )--

الميقاتية فالمدار على تقليد الميت ( 1 ) ،و إذا علم أن الميت لم يكن مقلدا
من الميقات ،و هذا يعني أن الوصية إن كانت ظاهرة في الحج البلدي وجب
الاستئجار منه ،و إن كانت ظاهرة في الأعم فالتخيير بين الاستئجار منه
و الاستئجار من الميقات ،و إن كانت مجملة فالأمر أيضا كذلك ،و بذلك يظهر
الفرق بين حجة الإسلام و غيرها من الحج النذري او الندبي الموصى به ،فان
الوصية إن كانت بحجة الإسلام وجب الاستئجار من البلد بمقتضى الروايات
المتقدمة في المسألة ( 88 ) التي يكون موردها حجة الإسلام ،و لا تعم سائر
أقسام الحج الواجب ،فاذن يكون المتبع في تلك الأقسام ظهور الوصية و لو
بقرائن حالية أو مقالية .

( 1 ) فيه أنه مبني على أن تكون حجية فتوى المجتهد من باب السببية
و الموضوعية ،اذ على هذا لا مناص للوارث من العمل على طبق تقليد الميت او
اجتهاده ،و أما بناء على ما هو الصحيح من أن حجيتها من باب الطريقية
و الكاشفية فلا قيمة لنظر الميت اجتهادا أو تقليدا إذا كان نظر الوارث كذلك على
خلافه ،بأن يرى بطلان نظره في الشريعة ،و عدم ثبوته فيها من الأول .مثلا إذا
كان الميت يرى وجوب الحج البلدي اجتهادا أو تقليدا ،و يرى الوارث وجوب
الحج الميقاتي كذلك ،كان الثابت بنظر الوارث في ذمة الميت الحج الميقاتي في
الشريعة المقدسة دون البلدي ،و كذلك الحال اذا كان الأمر بالعكس ،بأن يرى
الميت اجتهادا أو تقليدا وجوب الحج الميقاتي ،و يرى الوارث وجوب البلدي ،
و معنى ذلك أن الوارث يرى خطأ ما اعتقده الميت ،و عدم مطابقته للواقع ،و لكن
مع ذلك لا تظهر الثمرة في مثل هذه الموارد ،فان الوارث لو عمل على خلاف
وظيفته ،بان استأجر شخصا يسكن في الميقات ،أو كان على مقربة منه كالمدينة
المنورة برئت ذمة الميت ،و لكن لا بد حينئذ من صرف ما به التفاوت بين أجرتي
البلدية و الميقاتية في وجوه البر و الإحسان ،و اما إذا كان الاختلاف بينهما على

--( 239 )--

في هذه المسألة فهل المدار على تقليد الوارث ( 1 ) أو الوصي ( 2 )
نحو يرى الوارث بطلان الحج بنظر الميت اجتهادا أو تقليدا و بالعكس ،فتظهر
الثمرة بينهما .

مثال ذلك :اذا كان الميت يرى أن من أدرك الوقوف الاضطراري بالمشعر
فحسب كان حجه صحيحا ،و الوارث يرى بطلانه و عدم كفايته ،و على هذا فاذا
حج الرجل و لم يدرك اتفاقا الاّ الوقوف الاضطراري بالمشعر فحسب ،و كان هذا
الحج صحيحا بنظره اجتهادا أو تقليدا ،أو يرى فراغ ذمته عنه ثم مات ،و لكنه
باطل بنظر الوارث ،و يرى عدم فراغ ذمته عنه ،ففي مثل ذلك يجب عليه اخراج
الحج من التركة باعتبار أنه يرى ذمته مشغولة به .و اما اذا كان الأمر بالعكس ،بأن
يرى الميت بطلان الحج المذكور و يرى الوارث صحته ،ففي مثل ذلك لا يجب
عليه الاستئجار ،باعتبار أن الوارث يرى بطلان ما اعتقده الميت اجتهادا أو
تقليدا ،فمن أجل ذلك لا يرى استحقاق الميت بشي‏ء من التركة .نعم اذا كان
تقليد الميت أو اجتهاده موافقا للاحتياط في المسألة دون تقليد الوارث أو
اجتهاده ،فانه كان مخالفا للاحتياط فيها و مبنيا على الأصل العملي المؤمن
كأصالة البراءة دون الدليل الاجتهادي ،ففي مثل ذلك فالأحوط و الأجدر به
وجوبا أن يعمل على طبق تقليد الميت او اجتهاده ،باعتبار أن الأصل العملي لا
يكون كاشفا عن الواقع ،و انما هو معذر في مقام الظاهر فحسب .

( 1 ) نعم المدار انما هو على تقليده ،باعتبار أنه لا يرى اشتغال ذمة
المورث باكثر مما يراه اجتهادا أو تقليدا ،فيجوز له حينئذ الاكتفاء به ،الاّ اذا كان
تقليد الميت موافقا للاحتياط ،دون الوارث و كان مبنيا على الأصل العملي كما
مر .

( 2 ) فيه ان الوصي ليس كالوارث مطلقا ،لأن على الوصي تنفيذ الوصية
حرفيا ،و لا يجوز له تبديلها الاّ اذا علم الوصي عدم مشروعية العمل الموصى

--( 240 )--

..........
به شرعا ،كما اذا أوصى بالحج شريطة أن يكون السعي بين الصفا و المروة
من الطابق الثاني ،أو الطواف من خلف المقام ،أو نحو ذلك ،و فرضنا أن كل
ذلك غير مشروع بنظر الوصي ،فانه لا يرى مشروعية السعي بين الصفا
و المروة من الطابق الثاني ،و لا الطواف من خلف المقام ،فان الوصية اذا كانت
كذلك لم تكن نافذة بنظر الوصي ،نعم اذا أوصى بالحج من دون شروط عمل
الوصي على طبق نظره دون نظر الموصي ،فلا يسعى بين الصفا و المروة من
الطابق الثاني ،و لا يطوف من خلف المقام ،و هكذا و إن كان ذلك جائزا بنظر
الموصي .

و بكلمة :ان الوصية إن كانت في الأمور الخيرية و المشاريع الدينية وجب
على الوصي تنفيذ الوصية فيها حرفيا ،و لا يجوز تبديلها و تغييرها كما و كيفا ،
و أما إذا كانت الوصية في العبادات كالصلاة و الصيام و الحج و نحو ذلك ،فان كان
نظر الوصي موافقا لنظر الموصي اجتهادا أو تقليدا فهو ،و إن كان مخالفا لنظره ،
و عندئذ فالمخالفة إن كانت بنحو زيادة أو نقيصة ،كما إذا رأى الوصي اجتهادا أو
تقليدا وجوب السورة في الصلاة ،و الموصي لا يرى وجوبها أو بالعكس ،فعلى
الأول فبما أن الوصي لا يرى مشروعية الصلاة بلا سورة و وجوبها في الشرع
المقدس ،فلا يمكن أن يعمل على طبق نظر الموصي اجتهادا أو تقليدا ،بل
وظيفته أن يعمل على طبق نظره كذلك ،و على الثاني فبما أنه متمكن من العمل
على طبق نظر الموصي فيجب عليه ذلك تطبيقا للوصية ،بأن يصلي مع السورة
رجاء و احتياطا ،و إن كان يرى بطلان نظر الموصي و عدم ثبوته في الشرع
ظاهرا ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون دليله على عدم وجوب السورة دليلا
اجتهاديا أو أصلا عمليا ،فانه على كلا التقديرين لما كان متمكنا من العمل
بالوصية وجب العمل بها ،و هذا بخلاف الوارث فانه لا يجب عليه في هذا
الفرض أن يعمل على طبق نظر الميت بأن يأتي بالصلاة مع السورة ،بل له أن
يكتفي بالصلاة بدونها ،حيث أنه لا يرى اشتغال ذمته بأكثر منها ،الاّ اذا كان نظره

--( 241 )--

أو العمل على طبق فتوى المجتهد الذي كان يجب عليه تقليده إن كان
متعينا و التخيير مع تعدد المجتهدين و مساواتهم ؟وجوه ( 1 ) ،و على الأول
فمع اختلاف الورثة في التقليد يعمل كل على تقليده ،فمن يعتقد البلدية
يؤخذ من حصته بمقدارها بالنسبة فيستأجر مع الوفاء بالبلدية بالأقرب
فالأقرب إلى البلد ،و يحتمل الرجوع إلى الحاكم ( 2 ) لرفع النزاع فيحكم
بمقتضى مذهبه نظير ما إذا اختلف الولد الأكبر مع الورثة في الحبوة ،و إذا

في ذلك مبنيا على الأصل العملي كأصالة البراءة ،دون الاجتهادي -كما تقدم -
و إن كانت على نحو التباين ،كما إذا فرض أن نظر الوصي اجتهادا أو تقليدا
وجوب الجهر بالقراءة في الصلاة في يوم الجمعة ،و نظر الموصي كذلك
وجوب الاخفات بالقراءة فيها ،ففي مثل ذلك ،فبما أنه لا يتمكن من أن يعمل
على طبق نظر الموصي فيجب عليه أن يعمل على طبق نظره ،و يأتي بها في يوم
الجمعه جهرا على أساس أنه يرى بطلان نظر الموصي في المسألة ،هذا كله اذا
كان للموصي نظرا اجتهادا أو تقليدا ،و أما إذا لم يكن له نظر أصلا لا اجتهادا و لا
تقليدا -كما هو المفروض في المقام -فلا يبعد أن يكون مقتضى الوصية
وجوب العمل على الوصي بما هو أقرب إلى الواقع ،فاذا كان نظره اجتهادا أو
تقليدا عدم وجوب السورة في الصلاة أو الاكتفاء بتسبيحة واحدة في الركعتين
الأخيرتين ،فعليه أن يأتي بالصلاة مع السورة ،أو مع ثلاث تسبيحات و هكذا ،
و أما في فرض عدم الوصية فلا يجب على الوارث العمل بما هو أقرب الى
الواقع ،بل له أن يكتفي بما يراه اجتهادا أو تقليدا .

( 1 ) ظهر حالها مما مر ،كما ظهر الفرق بين الوارث و الوصي في بعض
فروض المسألة .

( 2 ) الاحتمال ضعيف ،و الاقوى هو الأول و إن قلنا بأن نسبة ما يظل باقيا
من التركة في ملك الميت الى مجموعها نسبة الكلي في المعين ،الاّ أن الواجب

--( 242 )--

..........
على كل الورثة اخراج الحج من التركة ،و تقسيم الباقي بينهم إرثا ،و أما إذا قسم
التركة بينهم فيجب على كل واحد منهم اخراجه من حصته بالنسبة ،فاذا كانت
الورثة متمثلة في ثلاثة اشخاص ،فعلى كل واحد منهم أن يبذل بثلث نفقته ،
باعتبار أن الواجب و إن كان كليا ،الاّ أن نسبته الى الكل على حد سواء ،فاذا تمرد
بعضهم أو أنكر و لم يبذل ما عليه من الحصة ،لم يجب على الباقي أن يبذل
الكل ،فان الواجب على الورثة هو تطبيق الكلي على مجموع التركة ،و لا يجب
على كل منهم تطبيقه على حصته خاصة اذا تمرد الآخرون أو انكروا ،بل
الواجب عليه تطبيق ما أصيب منه فيها خارجا ،هذا نظير ما إذا اشترى شخص
عشرة أصواع من صبرة مشتركة بين شخصين ،فاذا قاما بتقسيم الصبرة بينهما
نصفين ،فبطبيعة الحال وزع ملك المشتري عليهما بنفس النسبة ،فاذن يجب
على كل منهما اخراج ما أصيب منه في حصته ،و لا يجب عليه اخراج الكل من
حصته اذا تمرد الآخر ،باعتبار أن تطبيق الكلي واجب على كلا الشريكين على
المجموع ،و لا يجب على كل منهما تطبيقه على حصته خاصة ،فان الواجب
على كل منهما تطبيق ما يخصه من الكلي فيها خارجا ،باعتبار أن نسبته الى
حصته أيضا نسبة الكلي في المعين .

فالنتيجة أنه إذا أقر بعض الورثة بأن على الميت حجة الإسلام ،و أنكر
الآخر ،فانه لا يجب على المقر أن يسدّد كل نفقات الحج من حصته ،بل عليه
تسديد ما اصيب منها في حصته من أجل الحج ،فاذا أخذ المنكر نصف التركة أو
المتمرد ،لم يجب على المقر تسديد تمام نفقات الحج من حصته ،لأن الورثة
و إن كانوا مخيرين في تطبيق ملك الميت على أي حصة من حصص التركة
شاءوا إذا كانت وافية به ،الاّ ان كل واحد منهم لا يكون ملزما بتطبيقه على حصته
فحسب اذا تمرد الآخرون أو انكروا ،لأن التخيير انما ثبت للجميع لا لكل منهم
لكي يقال :إنه اذا تعذر أحد طرفي التخيير تعين الآخر ،فان هذه الكبرى انما
تنطبق على جميع الورثة لا على كل واحد منهم .

--( 243 )--

اختلف تقليد الميت و الوارث في أصل وجوب الحج عليه و عدمه بأن
يكون الميت مقلدا لمن يقول بعدم اشتراط الرجوع إلى كفاية فكان يجب
عليه الحج و الوارث مقلدا لمن يشترط ذلك فلم يكن واجبا عليه أو
بالعكس فالمدار على تقليد الميت ( 1 ) .

[3099 ]مسألة 102 :الأحوط في صورة تعدد من يمكن استئجاره استئجار
من أقلهم أجرة مع إحراز صحة عمله مع عدم رضا الورثة أو وجود قاصر
فيهم سواء قلنا بالبلدية أو الميقاتية ،و إن كان لا يبعد جواز استئجار
المناسب لحال الميت ( 2 ) من حيث الفضل و الأوثقية مع عدم قبوله إلا

و بكلمة أخرى :ان نسبة ملك الميت من التركة الى مجموعها اذا كانت
بنحو الكلي في المعيّن ،فهي تتطلب أن تكون نسبة ما يخص حصة كل من
الورثة اليها أيضا كذلك ،و تفصيل ذلك قد تقدم في المسألة ( 85 ) .

و على هذا فان كان هناك متبرع بسائر نفقات الحج وجب على المقر أن
يؤدي من حصته ما يخصه منها ،كما إذا فرض أن نفقة الحج بقدر ثلث التركة ،
و عندئذ فلا يجب على المقر الاّ أن يبذل ثلث ما عنده من أجل الحج اذا كانت
الورثة منحصرة في ثلاثة ،و إن لم يوجد متبرع بسائر النفقة تصرف المقر في
كامل حصته ،و لا شي‏ء عليه ،لأنه ليس من قبيل الثلث كما تقدم .

( 1 ) ظهر مما مر تفصيلا أن المدار انما هو على تقليد الوارث ،فانه اذا رأى
عدم وجوب الحج عليه شرعا في الواقع اجتهادا أو تقليدا ،فمعناه أنه يرى انتقال
كل التركة اليه ،فاذن لا مقتضى لاستنابة الحج من قبله الا في بعض الفروض كما
تقدم .

( 2 ) هذا هو الظاهر من الروايات التي تنص على ذلك ،على ضوء مناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية ،و أما الاستئجار بالأقل الذي لا يناسب مكانة

--( 244 )--

بالأزيد و خروجه من الأصل ،كما لا يبعد عدم وجوب المبالغة في الفحص
عن أقلهم أجرة و إن كانت أحوط .

[3100 ]مسألة 103 :قد عرفت أن الأقوى كفاية الميقاتية ،لكن الأحوط
الاستئجار من البلد بالنسبة إلى الكبار ( 1 ) من الورثة بمعنى عدم احتساب
الزائد عن أجرة الميقاتية على القصّر إن كان فيهم قاصر .

[3101 ]مسألة 104 :إذا علم أنه كان مقلدا و لكن لم يعلم فتوى مجتهده في
هذه المسألة فهل يجب الاحتياط ( 2 ) أو المدار على تقليد الوصي ( 3 )

الميت بدرجة يعد نقصا و هدرا لكرامته فهو غير جائز ،فان استجاره كذلك
فالاجارة و إن كانت صحيحة ،الاّ أن عليه أن يصرف ما به التفاوت بين اجرته
و اجرة الاجارة المتعارفة في وجوه البر للميت .

( 1 ) فيه أن هذا الاحتياط لا ينسجم مع ما ذكره قدّس سرّه في المسألة ( 101 ) ،فان
مقتضى ما ذكره هناك أن يبذل الكبار من حصتهم ما به التفاوت بين الميقاتية
و البلدية بالنسبة ،لإتمام ما به التفاوت حتى ما يتعلق بحصة الصغار ،كما هو
مقتضى ما ذكره قدّس سرّه من الاحتياط في هذه المسألة .

( 2 ) الظاهر وجوبه اذا لم يعلم أن نظر الميت اجتهادا أو تقليدا مطابق
للاحتياط في اعمال الحج و واجباته أو لا ،بدون الفرق بين أن يكون نظر الوصي
اجتهادا أو تقليدا موافقا للاحتياط فيها أو مخالفا له ،كما إذا رأى
كفاية الطواف من خلف المقام ،أو رأى جواز الرمي من الطابق الثاني ،أو غير
ذلك ،و السبب فيه أن الظاهر من الوصية بالحج بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية هو الحج الموافق للاحتياط ،حتى يكون على يقين من براءة ذمته
بالاتيان به .

( 3 ) هذا شريطة أن يكون تقليده موافقا للاحتياط ،و الاّ فعليه الاتيان بما
يوافق الاحتياط بمقتضى الوصية .

--( 245 )--

أو الوارث ( 1 ) ؟وجهان ( 2 ) أيضا .

[3102 ]مسألة 105 :إذا علم استطاعة الميت مالا و لم يعلم تحقق سائر
الشرائط في حقه فلا يجب القضاء عنه ( 3 ) ،لعدم العلم بوجوب الحج عليه
لاحتمال فقد بعض الشرائط .


( 1 ) تقدم أن للوارث أن يعمل على طبق نظره اجتهادا أو تقليدا ،سواء
أ كان موافقا للاحتياط أم لا ،فاذا جاز الطواف عنده من خلف المقام جاز
الاستئجار عليه ،و كان مبرءا للذمة عنده و لا يجب عليه أكثر من ذلك ،و لا مقتضى
لأن يمارس اعمال الحج نيابة عنه بما يوافق الاحتياط ،على الرغم من أن نظره
كفاية خلافه الا في بعض الفروض كما مر .

( 2 ) ظهر أنه ليس في المسألة وجهان ،لا بالنسبة إلى الوصي و لا الوارث .

( 3 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و ذلك لما مر من أن وجوب الحج مشروط
بالاستطاعة و هي تتكون من العناصر التالية :

1 -الامكانية المالية لنفقات الحج .

2 -الأمن و السلامة في الطريق ،و عند ممارسة اعمال الحج على نفسه
و عرضه و ماله .

3 -التمكن من استعادة وضعه المعاشي العادي بعد الانفاق على الحج .

و على هذا ،فإن كانت هذه العناصر متوفرة في الميت ،و مع ذلك ترك
الحج الى أن مات فلا شبهة في وجوب القضاء عنه ،و اما إذا كان العنصر الأول
موجودا فيه -مثلا -و شك في العنصر الثاني ،فان علم بوجوده فيه قبل وجود
العنصر الأول و شك في بقائه بعده ،فلا مانع من استصحابه ،و به يحرز وجوده
فيه ،فاذن يكون تمام الشروط متوفرا فيه ،غاية الأمر يكون بعضها بالوجدان ،
و بعضها بالاستصحاب ،و يترتب عليه وجوب القضاء عنه ،و إن لم يعلم بوجوده
فيه من الأول ،فلا طريق الى احرازه ،و كذلك الحال في الشرط الثالث .

--( 246 )--

[3103 ]مسألة 106 :إذا علم استقرار الحج عليه و لم يعلم أنه أتى به أم لا
فالظاهر وجوب القضاء عنه لأصالة بقائه في ذمته ،و يحتمل عدم وجوبه
عملا بظاهر حال المسلم ( 1 ) و أنه لا يترك ما وجب عليه فورا ،و كذا الكلام

فالنتيجة :انه يمكن للوارث احراز الشرط المشكوك بالاستصحاب اذا
كانت له حالة سابقة ،و به يظهر حال ما بعده .

( 1 ) لا قيمة لهذا الظهور ،و لا دليل على حجيته ،الا اذا كان موجبا للوثوق
و الاطمئنان بالأداء ،فاذن العبرة انما هي به لا بظهور الحال .

و دعوى :أن الحج دين -كما في جملة من النصوص -و الدين على الميت
لا يثبت باستصحاب عدم الاتيان به الاّ بضم اليمين اليه ،فما دل على ضمها
يكون مخصصا لإطلاق دليل الاستصحاب في المقام ،كما أنه مخصص لإطلاق
دليل الشهادة فيه .مدفوعة :أولا :ان مورد دليل ضم اليمين انما هو الدين المالي ،
فلا يعم الحج ،و التعدي بحاجة الى دليل ،و لا يوجد دليل لا من الداخل و لا من
الخارج ،و مجرد اطلاق الدين على الحج لا يكون دليلا ،لأنه اطلاق تنزيلي
بلحاظ أنه ثابت في الذمة ،و لذا يطلق الدين على الصلاة و الصيام و نحوهما أيضا
بنفس الملاك ،غاية الأمر ان الحج يشترك مع الدين المالي في الخروج من أصل
التركة قبل الإرث ،و هذا ثابت بالنص ،و لا دليل على اشتراكه معه في كل
الأحكام .

و ثانيا :إن مورده دعوى ثبوت الدين على الميت ،و هي لا تثبت بالبينة الاّ
بعد ضم اليمين اليها ،و أما في المقام فأصل الدين ثابت ،و الشك انما هو في
الأداء ،و في مثل ذلك لا مانع من استصحاب بقائه في الذمة و عدم ادائه ،لأنه
خارج عن مورد النص ،فإن مورده دعوى ثبوت الدين على الميت لا بقاؤه عليه .
و من هنا اذا كان الدين ثابتا على ذمة الميت و شك في أدائه ،فلا مانع من
استصحاب بقائه فيها ،و يترتب عليه وجوب اخراجه من أصل التركة .

--( 247 )--

إذا علم أنه تعلق به خمس أو زكاة أو قضاء صلوات أو صيام و لم يعلم أنه
أداها أو لا ( 1 ) .

[3104 ]مسألة 107 :لا يكفي الاستئجار في براءة ذمة الميت و الوارث بل
يتوقف على الأداء ،و لو علم أن الأجير لم يؤد وجب الاستئجار ثانيا ،
و يخرج من الأصل ( 2 ) ان لم يمكن استرداد الأجرة من الأجير .


و ثالثا :إن المقام لو كان مشمولا للنص فلازمه الغاء الاستصحاب فيه
نهائيا ،لأن البينة إن كانت موجودة فهي تثبت الدين بضم اليمين اليها ،و إن لم
تكن موجودة فلا قيمة للاستصحاب ،لأنه لا يثبت الدين بضم اليمين اليه أيضا .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع بالنسبة إلى الواجبات المالية كالخمس
و الزكاة ،فان الشك في الأداء إن كان من الأعيان الموجودة في الخارج عند
المالك ،فمقتضى الاستصحاب عدم الأداء و بقائهما فيها الى أن مات ،و نتيجة
ذلك أن على الوارث اخراج الزكاة عنها ،و أما اخراج الخمس فهو مبني على
الاحتياط ،على تفصيل تقدم في كتاب الخمس .و إن كان الشك فيه من الأعيان
التالفة عنده ،كما اذا شك في أن مالكها قد أدى زكاتها ،أو أتلفها قبل أن يؤدي
زكاتها ،ففي مثل ذلك لا أثر للاستصحاب ،لأنه لا يثبت الضمان الاّ على نحو
مثبت ،و أما بالنسبة الى الواجبات البدنية كالصلاة و الصيام ،فالأمر فيها كما
أفاده قدّس سرّه ،لأنه إذا علم باشتغال ذمته بقضائهما ،و شك في خروجه عن عهدته ،
فمقتضى الاستصحاب بقاؤه على ذمته و عدم فراغها منه .

نعم اذا شك في أصل الإتيان بهما في الوقت لم يجر الاستصحاب الاّ
على القول بالأصل المثبت ،باعتبار أن موضوع وجوب القضاء عنوان الفوت ،
و لا يمكن اثباته باستصحاب عدم الاتيان في الوقت .

( 2 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،لأن المستأجر لما لم يأت بالحج ،فمعناه أنه قد
أخذ الأجرة من التركة غصبا ،و من المعلوم أنه لا يحسب على الميت ،و انما

--( 248 )--

[3105 ]مسألة 108 :إذا استأجر الوصي أو الوارث من البلد غفلة عن كفاية
الميقاتية ضمن ما زاد عن أجرة الميقاتية ( 1 ) للورثة أو لبقيتهم .

[3106 ]مسألة 109 :إذا لم يكن للميت تركة و كان عليه الحج لم يجب على
الورثة شي‏ء ( 2 ) و إن كان يستحب على وليه ،بل قد يقال بوجوبه للأمر به
في بعض الأخبار .


يحسب على الورثة ،على أساس أن الحج لما ظل باقيا في ذمة الميت ،فلا بد من
خروجه من الأصل ثانيا ،باعتبار أن نسبة ما للميت الى مجموع التركة نسبة
الكلي في المعين ،و لا يرد عليه نقص .

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،للفرق بين أن يكون الاستئجار من
الوارث ،أو من الوصي ،فان كان من الوارث سواء أ كان غفلة أو عامدا و ملتفتا
ضمن ما زاد عن الأجرة الميقاتية ،باعتبار أن المستثنى في صورة عدم الوصية
بالحج هو نفقات الحجة الميقاتية فحسب -كما مر -و إن كان من الوصي فلا
ضمان عليه ،لما تقدم من أن المستثنى في فرض الوصية هو نفقات الحجة
البلدية .

( 2 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،لأن الروايات التي تنص على وجوب الحجة
النيابية المطلوبة للميت على الوارث أو الوصي ،تنص على أنها من صلب
التركة ،و على هذا فان كانت له تركة تكفي و لو للحد الأدنى من نفقات الحج ،
وجب صرفها فيها ،و الاّ سقط الوجوب عنه ،و لا شي‏ء عليه ،اذ لا يجب على
الورثة بذل نفقة الحج من ماله الخاص ،بدون فرق بين أن يوصي به أو لا ،بل لا
يجب عليهم تكميل النفقة من مالهم الخاص ،و أما ما ورد في صحيحة ضريس
عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «في رجل خرج حاجا حجة الإسلام ،فمات في الطريق ،
فقال :إن مات في الحرم فقد أجزأت عنه حجة الإسلام ،و إن مات دون الحرم

--( 249 )--

[3107 ]مسألة 110 :من استقر عليه الحج و تمكن من أدائه ليس له أن يحج
عن غيره تبرعا أو بإجارة ،و كذا ليس له أن يحج تطوعا ،و لو خالف
فالمشهور البطلان بل ادعى بعضهم عدم الخلاف فيه و بعضهم الإجماع
عليه ،و لكن عن سيد المدارك التردد في البطلان ،و مقتضى القاعدة الصحة
و إن كان عاصيا في ترك ما وجب عليه كما في مسألة الصلاة مع فورية
وجوب إزالة النجاسة عن المسجد ،إذ لا وجه للبطلان إلا دعوى أن الأمر
بالشي‏ء نهي عن ضده ،و هي محل منع ،و على تقديره لا يقتضي البطلان
لأنه نهي تبعي ،و دعوى أنه يكفي في عدم الصحة عدم الأمر مدفوعة
بكفاية المحبوبية في حد نفسه في الصحة ( 1 ) كما في مسألة ترك الأهم

فليقض عنه وليّه حجّة الإسلام »- 1 - فهو و إن دل باطلاقها على وجوب الحج على
الولي و إن لم تبق للميت تركة تتسع للحد الأدنى من نفقات الحج ،و لكن لا بد
من تقييد اطلاقها بالروايات التي تنص على اناطة وجوب الحج عليه بوجود
التركة له ،فلا وجوب بدونها .

( 1 ) فيه ان المحبوبية و إن كانت كافية في صحة العبادة ،بل هي من أركانها
المقومة لها ،فان الأمر بما هو اعتبار لا قيمة له الاّ بلحاظ أنه كاشف عنها و مبرز
لها ،و على ضوء هذا الأساس ،فاذا لم يكن أمر به في المقام ،لا من جهة أن الأمر
بشي‏ء يقتضي النهي عن ضده ،لكي يقال أنه لا يقتضي ،بل من جهة أن الأمر
بالضدين معا لا يمكن ،فلا طريق الى كونه محبوبا في هذه الحالة ،و اما اطلاق
المادة ،أو الدلالة الالتزامية ،فقد ذكرنا في علم الأصول أنها لا تصلح أن تكون
طريقا الى ملاكات الأحكام الشرعية في مرحلة المبادئ ،فاذن لا يمكن الحكم
بصحة الحج في المقام الاّ على القول بالترتب .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 250 )--

..........
و دعوى :إن الترتب انما يمكن بين الواجبين المتزاحمين المشروطين
بالقدرة العقلية ،و بما أن الحج من الواجب المشروط بالقدرة الشرعية ،فلا
يجري الترتب فيه ،فاذن لا مناص من الحكم بالفساد .

مدفوعة :أما أولا :فبما ذكرناه غير مرة من أن وجوب الحج و إن كان
مشروطا بالقدرة الشرعية بمقتضى الآية الشريفة و الروايات ،الاّ أن المراد منها
القدرة التكوينية في مقابل العجز التكويني ،و ليس المراد منها عدم المانع الأعم
من التكويني و التشريعي ،و قد تقدم ان الفرق بين القدرة الشرعية و القدرة
العقلية هو :أن الأولى كما أنها تكون من شروط الحكم في مرحلة الاعتبار
و الجعل ،كذلك تكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادئ و الملاكات ،و أما
الثانية ،فهي من شروط الحكم في مرحلة الاعتبار فحسب ،بملاك قبح تكليف
العاجز .و من هنا قلنا ان الاستطاعة المستفادة من الآية الشريفة و الروايات
المفسرة لها متكونة من مجموعة من العناصر ،و هي الامكانية المالية ،و الأمن
و سلامة البدن في الطريق و عند ممارسة الأعمال ،و التمكن مما به الكفاية بعد
الحج ،و على هذا فلا شبهة في وقوع التزاحم بين الأمر بالحج عن نفسه ،و الأمر
بالحج النيابي أو التبرعي لبا ،على أساس التقييد اللّبي العام بعدم الاشتغال بالحج
عن نفسه .

و ثانيا :مع الإغماض عن ذلك ،و تسليم ان الحج مشروط بالقدرة
الشرعية ،بمعنى عدم المانع ،و لكن ذلك انما هو في حجة الإسلام ،لا في الحج
النيابي أو التبرعي ،فان الأمر المتوجه الى المنوب عنه الساقط فعلا مشروط
بالقدرة الشرعية ،دون الأمر المتوجه الى النائب ،و كذلك الأمر الاستحبابي
المتوجه الى المتبرع في الحج التبرعي ،و على هذا فصحة الحج النيابي ليست
مبنية على الترتب ،باعتبار أن الأمر المتوجه الى النائب رافع بصرف وجوده
لوجوب حجة الإسلام بارتفاع موضوعه ،على أساس أنه مشروط بعدم المانع ،
و هو مانع عنه ،و أما صحة الحج التبرعي فهي مبنية على القول بالترتب باعتبار أن

--( 251 )--

و الإتيان بغير الأهم من الواجبين المتزاحمين أو دعوى أن الزمان مختص
بحجته عن نفسه فلا يقبل لغيره ،و هي أيضا مدفوعة بالمنع إذ مجرد الفورية
لا يوجب الاختصاص ،فليس المقام من قبيل شهر رمضان حيث إنه غير
قابل لصوم آخر ( 1 ) ،و ربما يتمسك للبطلان في المقام بخبر سعد بن أبي
خلف عن أبي الحسن موسى عليه السّلام :عن الرجل الصرورة يحج عن الميت ،
قال عليه السّلام : «نعم إذا لم يجد الصرورة ما يحج به عن نفسه ،فإن كان له ما يحج
به عن نفسه فليس يجزئ عنه حتى يحج من ماله ،و هي تجزئ عن الميت
إن كان للصرورة مال و إن لم يكن له مال »و قريب منه صحيح سعيد الأعرج
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،و هما كما ترى بالدلالة على الصحة أولى فإن غاية ما
يدلان عليه أنه لا يجوز له ترك حج نفسه و إتيانه عن غيره و أما عدم الصحة
فلا ( 2 ) ،

الأمر الاستحبابي لا يكون رافعا لوجوب حجة الإسلام ،و عليه فبطبيعة الحال
يكون الأمر الاستحبابي مقيدا بعدم الاشتغال بحجة الإسلام .

فالنتيجة :ان من استقر عليه الحج يجب عليه الاتيان به ،و لا يجوز له
تأخيره بنحو يصدق عليه التسامح و التساهل في أمره ،و حينئذ فاذا ترك و اشتغل
بالحج النيابي أو التبرعي ،فلا شبهة في عصيانه و استحقاقه الإدانة و العقوبة
تكليفا ،و أما وضعا فالظاهر صحته على القول بالترتب .

( 1 ) تقدم في أول كتاب الصوم أن شهر رمضان في نفسه يصلح لصوم
آخر ،و انما لا يصلح أن يزاحم صومه فيه صوم آخر ،و أما إذا لم يكن صومه
واجبا ،كما في حال السفر فالظاهر انه لا مانع من أن يصوم فيه صوما آخر ،
كصوم نذري شريطة أن يكون نذره مقيدا بالسفر ،و لم يكن مقيدا بغير شهر
رمضان .

( 2 ) بل تدلان على صحة الحج عن المنوب عنه ،و عدم صحته عن

--( 252 )--

نعم يستفاد منهما عدم إجزائه عن نفسه فتردد صاحب المدارك في محله ،
بل لا يبعد الفتوى بالصحة لكن لا يترك الاحتياط ،هذا كله لو تمكن من
حج نفسه ،و أما إذا لم يتمكن فلا إشكال في الجواز و الصحة عن غيره ،بل
لا ينبغي الإشكال في الصحة إذا كان لا يعلم بوجوب الحج عليه لعدم علمه
باستطاعته مالا أو لا يعلم بفورية وجوب الحج عن نفسه ( 1 )

النائب ،الاّ أن يحج من ماله ،فان قوله عليه السّلام : «فان كان له ما يحج به عن نفسه ،
فليس يجزي عنه »- 1 - يدل على أنه إذا كان للنائب الصرورة مال يستطيع أن يحج
به فلا يجزي هذا الحج عنه ،حتى يحج هو من ماله ،و قوله عليه السّلام : «و هي تجزي
عن الميت »- 2 - ناص في اجزاء هذه الحجة عنه ،لأن الضمائر من قوله عليه السّلام : «ما يحج
به »الى قوله عليه السّلام : «حتى يحج من ماله »كلها ترجع الى النائب .

فالنتيجة :ان الصحيحتين ظاهرتان في صحة الحج للمنوب عنه .

( 1 ) هذا شريطة توفر أحد أمرين فيه :

الأول :أن يكون جهله به جهلا مركبا على نحو يكون قاطعا جزميا بعدم
وجوب الحج ،أو بعدم فوريته ،و عندئذ فلا يكون مكلفا به واقعا ،باعتبار أنه
كالغافل ،فيكون توجيه الخطاب اليه لغوا ،فاذن يبقى اطلاق خطاب الواجب
المهم الواصل اليه بحاله ،و لا موجب لرفع اليد عنه ،و حينئذ تكون صحته على
القاعدة ،و لا تتوقف على القول بالترتب .

الثاني :أن يكون جهله به بسيطا ،و لكنه معذور فيه ،و عندئذ فالتكليف
بالأهم و إن كان ثابتا في الواقع ،الاّ أنه لما لم يكن منجزا لم يصلح للتحريك
و البعث فعلا ،و معه لا موجب لرفع اليد عن اطلاق الخطاب الواصل الى
المكلف ،و هو المهم ،اذ مجرد كون الخطاب الأهم في الواقع صالحا للداعوية لا

---------------

( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .



---------------

( 2 ) المصدر السابق .


--( 253 )--

فحج عن غيره أو تطوعا ،ثم على فرض صحة الحج عن الغير و لو مع
التمكن و العلم بوجوب الفورية لو آجر نفسه لذلك فهل الإجارة أيضا
صحيحة أو باطلة مع كون حجه صحيحا عن الغير ؟الظاهر بطلانها ( 1 ) ،
و ذلك لعدم قدرته شرعا على العمل المستأجر عليه لأن المفروض وجوبه
عن نفسه فورا ،و كونه صحيحا على تقدير المخالفة لا ينفع في صحة
الإجارة ،خصوصا على القول بأن الأمر بالشي‏ء نهي عن ضده ،لأن اللّه إذا
حرم شيئا حرم ثمنه و إن كانت الحرمة تبعية ،

يكفي لرفع اليد عن اطلاق الخطاب المهم ما لم تبلغ داعويته الى مرتبة الفعلية
و التنجز ،و من المعلوم أنها لا تبلغ هذه المرتبة ما دام يكون مجهولا ،فلذلك لا
يصلح أن يكون رافعا لإطلاق الخطاب المهم و تقييده بعدم الاشتغال بالأهم لبا ،
لما ذكرناه في علم الأصول من أن المقيد اللبي للخطاب الشرعي ليس هو عدم
الاشتغال بضد واجب واقعا ،بل عدم الاشتغال بضد واجب منجز ،و عليه فاذا
فرض عدم تنجز وجوب الضد الأهم كان وجوب المهم فعليا و مطلقا ،لأنه لا
يصلح أن يزاحمه حتى يوجب تقييد اطلاقه بعدم الاشتغال به لبا .و من هنا قلنا
إن أحكام التزاحم لا تجري بين الخطابين اذا كان أحدهما مجهولا ،و انما تجري
بينهما اذا كانا واصلين منجزين ،و تمام الكلام هناك .

و على هذا فبما أن المكلف جاهل بوجوب الحج أو فوريته ،و كان
معذورا فيه ،فلا يكون منجزا ،و مع عدم تنجزه لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج
النيابي ،فاذن يكون وجوبه و اصلا اليه و منجزا ،و لا يكون اطلاقه مقيدا لبا بعدم
الاشتغال به .

( 1 ) هذا هو الصحيح شريطة أن يكون الشخص الأجير عالما بوجوب
حجة الإسلام على نفسه و ملتفتا اليه ،فانه حينئذ لا يمكن الحكم بصحة الإجارة ،
لأن صحتها مشروطة بالقدرة على التسليم ،و بما أنه مأمور بحجة الإسلام عن

--( 254 )--

فإن قلت :ما الفرق بين المقام و بين المخالفة للشرط في ضمن العقد ؟مع
قولكم بالصحة هناك كما إذا باعه عبدا و شرط عليه أن يعتقه فباعه حيث
تقولون بصحة البيع و يكون للبائع خيار تخلف الشرط .قلت :الفرق أن في
ذلك المقام المعاملة على تقدير صحتها مفوتة لوجوب العمل بالشرط ،فلا
يكون العتق واجبا بعد البيع لعدم كونه مملوكا له ،بخلاف المقام حيث إنا
لو قلنا بصحة الإجارة لا يسقط وجوب الحج عن نفسه فورا فيلزم اجتماع
أمرين متنافيين فعلا فلا يمكن أن تكون الإجارة صحيحة و إن قلنا إن النهي
التبعي لا يوجب البطلان ،فالبطلان من جهة عدم القدرة على العمل لا
لأجل النهي عن الإجارة ،نعم لو لم يكن متمكنا من الحج عن نفسه يجوز
له أن يؤجر نفسه للحج عن غيره ،و إن تمكن بعد الإجارة عن الحج ( 1 )
عن نفسه لا تبطل إجارته بل لا يبعد صحتها لو لم يعلم باستطاعته

نفسه و وجوب صرف قدرته فيها فيكون عاجزا عن العمل بالاجارة ،و غير قادر
على تسليمه شرعا ،على أساس أن القدرة الواحدة لا تتسع للضدين ،فاذا وجب
شرعا اعمالها في الأهم عجز عن المهم ،فاذن تكون الاجارة عليه باطلة ،و لكن
اذا وقعت الاجارة في هذه الحالة و أدى الأجير الحج نيابة عن الميت ،أو الحي
العاجز ،فهل يستحق الأجرة على المستأجر ؟الظاهر أنه يستحق باعتبار أن
الإجارة و إن كانت فاسدة ،الا ان الحج صحيح -كما مر -و بما أنه كان بأمر
المستأجر فيستحق الأجرة المتعارفة التي يتقاضاها الأجراء عادة للقيام بمثل
ذلك العمل ،و هي أجرة المثل دون الاجرة المحددة المسماة ،و عليه فان كانت
الأجرة المحددة أكثر من ذلك لم يكن له المطالبة بالزائد ،لأن الإجارة باطلة ،و إن
كانت الأقل فله المطالبة بالناقص .

( 1 ) كما إذا وصل اليه مال بإرث أو هبة أو نحو ذلك بقدر يوجب

--( 255 )--

أو لم يعلم بفورية الحج ( 1 ) عن نفسه فآجر نفسه للنيابة و لم يتذكر إلى أن
فات محل استدراك الحج عن نفسه كما بعد الفراغ أو في أثناء الأعمال .ثم
لا إشكال في أن حجه عن الغير لا يكفيه عن نفسه بل إما باطل كما عن
المشهور أو صحيح عمن نوى عنه كما قويناه ،و كذا لو حج تطوعا لا يجزئه
عن حجة الإسلام ( 2 ) في الصورة المفروضة بل إما باطل أو صحيح و يبقى
عليه حجة الإسلام ،فما عن الشيخ من أنه يقع عن حجة الإسلام لا وجه له ،
إذ الانقلاب القهري لا دليل عليه ،و دعوى أن حقيقة الحج واحدة
و المفروض إتيانه بقصد القربة فهو منطبق على ما عليه من حجة الإسلام
مدفوعة بأن وحدة الحقيقة لا تجدي بعد كون المطلوب هو الإتيان

الاستطاعة و الامكانية المالية له ،و كان في وقت يسع للقيام بما يتوقف عليه
سفره الى الحج ،و في مثل هذه الحالة اذا كان واثقا و متأكدا بأن لا يفوت
عنه الحج في العام القادم اذا أخر ،لم يبعد صحة الإجارة ،باعتبار أن الدليل
اللفظي على وجوب الحج فورا غير موجود ،و الحاكم به انما هو العقل ،و من
المعلوم انه انما يحكم بعدم جواز التسامح و التساهل فيه لا مطلقا ،نعم اذا لم
يكن واثقا و متأكدا بأنه لا يفوت منه اذا أخر لم يجز ،و كشف ذلك عن بطلان
الإجارة .

( 1 ) بل لا اشكال في الصحة اذا كان جهله بها مركبا ،أو بسيطا و لكن كان
معذورا فيه ،و الاّ فالصحة محل اشكال ،بل منع شريطة أن لا يكون واثقا و متأكدا
بعدم الفوت اذا أخر .

( 2 ) لا يبعد الكفاية ،و ذلك لأن حجة الإسلام هي الحجة الأولى
للمستطيع الواجد لسائر الشروط العامة ،من البلوغ ،و العقل ،و الحرية ،و على هذا
فاذا حج المستطيع الذي لم يحج لحد الآن ناويا به التطوع و الاستحباب جاهلا

--( 256 )--

بقصد ما عليه ،و ليس المقام من باب التداخل بالإجماع ،كيف و إلا لزم
كفاية الحج عن الغير أيضا عن حجة الإسلام ،بل لا بد من تعدد الامتثال مع
تعدد الأمر وجوبا و ندبا أو مع تعدد الواجبين ،و كذا ليس المراد من حجة
الإسلام الحج الأول بأي عنوان كان كما في صلاة التحية و صوم الاعتكاف ،
فلا وجه لما قاله الشيخ قدّس سرّه أصلا ،نعم لو نوى الأمر المتوجه إليه فعلا و تخيل
أنه أمر ندبي غفلة عن كونه مستطيعا أمكن القول بكفايته عن حجة الإسلام
لكنه خارج عما قاله الشيخ ،ثم إذا كان الواجب عليه حجا نذريا أو غيره
و كان وجوبه فوريا فحاله ما ذكرنا في حجة الإسلام من عدم جواز حج
غيره و أنه لو حج صح أولا و غير ذلك من التفاصيل المذكورة بحسب
القاعدة .


بالحال ،فالحكم بانطباق حجة الإسلام عليه مبني على عدم اعتبار أمرين فيه :

أحدهما :نية الوجوب .

و الآخر :قصد الاسم الخاص لها .

اما الأول :فهو غير معتبر ،لأن المعتبر في صحة العبادة هو الاتيان بها
مضافا إلى المولى سبحانه ،و بأمل التقرب اليه ،و لا موضوعية لقصد الوجوب أو
الندب ،نعم قد يجعله المكلف عنوانا مشيرا إلى اتيان العبادة كذلك ،من دون
دخله في صحتها ،و من هنا قد يقع الخطأ في التطبيق ،فيجعل الوجوب عنوانا
مشيرا إلى الواقع ،مع أنه لا وجوب فيه ،و قد يكون العكس ،مع ان العبادة
صحيحة في كلا الفرضين .

فالنتيجة :أن المعتبر في صحة العبادة أمور :

أحدها :محبوبية العمل في نفسه .

و الآخر :نية القربة و الاخلاص .

--( 257 )--

..........
و الثالث :قصد اسمها الخاص المميز لها شرعا .

و اما الثاني :فالظاهر اعتبار قصد حجة الإسلام باسمها الخاص المميز لها
شرعا في صحتها ،و على هذا ،فان نواه باسمه الخاص و هو حجة الإسلام و لكن
ظنا منه ان الأمر المتعلق به استحبابي لا وجوبي جهلا بالحال صح ،و تنطبق عليه
حجة الإسلام ،و إن نواه ندبا و تطوعا معتقدا بأنه ليس بحجة الإسلام لم يصح لا
بعنوان الحج المندوب و لا حجة الإسلام ،اما الأول فلأنه غير مشروع للمستطيع ،
و اما الثاني فلانتفاء القصد .

--( 258 )--

فصل
في الحج الواجب بالنذر و العهد و اليمين


و يشترط في انعقادها البلوغ و العقل و القصد و الاختيار ،فلا تنعقد من
الصبي و إن بلغ عشرا و قلنا بصحة عباداته و شرعيتها ،لرفع قلم الوجوب
عنه ،و كذا لا تصح من المجنون و الغافل و الساهي و السكران و المكره ،
و الأقوى صحتها من الكافر وفاقا للمشهور في اليمين خلافا لبعض و خلافا
للمشهور في النذر وفاقا لبعض ،و ذكروا في وجه الفرق عدم اعتبار قصد
القربة في اليمين و اعتباره في النذر و لا تتحقق القربة في الكافر ،
و فيه أولا أن القربة لا تعتبر في النذر بل هو مكروه و إنما تعتبر في
متعلقه حيث إن اللازم كونه راجحا شرعا ،و ثانيا أن متعلق اليمين
أيضا قد يكون من العبادات ،و ثالثا أنه يمكن قصد القربة من الكافر أيضا ،
و دعوى عدم إمكان إتيانه للعبادات لاشتراطها بالإسلام ( 1 ) ،مدفوعة
بإمكان إسلامه ثم إتيانه فهو مقدور لمقدورية مقدمته فيجب عليه حال كفره
كسائر الواجبات و يعاقب على مخالفته و يترتب عليها وجوب الكفارة
فيعاقب على تركها أيضا ،و إن أسلم صح إن أتى به و يجب عليه الكفارة
لو خالف و لا يجري فيه قاعدة جبّ الإسلام لانصرافها عن المقام ( 2 ) ،

( 1 ) تقدم الاشكال في شرطية الإسلام في صحة العبادات .

( 2 ) هذا لا من جهة الانصراف ،فان حديث : «إن الإسلام يجب ما قبله »لم

--( 259 )--

نعم لو خالف و هو كافر و تعلق به الكفارة فأسلم لا يبعد دعوى سقوطها
عنه كما قيل .

[3108 ]مسألة 1 :ذهب جماعة ( 1 ) إلى أنه يشترط في انعقاد اليمين من
يثبت حتى يدعى انصرافه ،بل من جهة أن السيرة النبوية قد جرت على ذلك ،
فانه مع كثرة اعتناق الكفار بالاسلام و دخولهم فيه لم يرد منه صلّى اللّه عليه و آله في طول
تاريخ حياته الشريفة ،و لا في مورد واحد أمر الكافر بعد اسلامه بقضاء ما فات
منه في زمن كفره ،ثم ان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي أن ذلك
نوع مكافئة لهم من الرسول الاكرم صلّى اللّه عليه و آله ،و من الواضح أن ذلك يستدعي
اختصاص الجب بالأحكام المجعولة من قبل اللّه تعالى عليهم تأسيسا ،و لا يعم
الأحكام العقلائية الممضاة شرعا .

( 1 ) هذا هو الظاهر من صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :لا يمين للولد مع والده ،و لا لمملوك مع مولاه ،و لا
للمرأة مع زوجها »- 1 - .بتقريب أن المتفاهم العرفي منها أن يمين الولد لا يتحقق
مع وجود والده الاّ إذا أذن به ،و يمين المملوك لا يتحقق مع وجود مالكه كذلك ،
و كذا الحال في يمين الزوجة مع زوجها ،و لا يكون المتفاهم منها عرفا أن يمين
الولد لا يتحقق مع منع الوالد ،و يمين المملوك مع منع المالك ،و يمين الزوجة
مع منع الزوج ،فانه بحاجة إلى تقدير كلمة ( منع ) فيها ،و هو خلاف الظاهر
و بحاجة إلى قرينة .

و إن شئت قلت :إن كلمة ( لا ) في الصحيحة ظاهرة في نفي وجود يمين
الولد مع وجود الوالد ،و نفي وجود يمين المملوك مع وجود المالك ،و هكذا ،
و بما أن النفي نفي شرعي فمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي ان

---------------

( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث :1 .


--( 260 )--

المملوك إذن المولى ،و في انعقاده من الزوجة إذن الزوج ،و في انعقاده من
الولد إذن الوالد ،لقوله عليه السّلام : «لا يمين للولد مع والده و لا للزوجة مع زوجها
و لا للمملوك مع مولاه »فلو حلف أحد هؤلاء بدون الإذن لم ينعقد ،
و ظاهرهم اعتبار الإذن السابق فلا تكفي الإجازة بعده ( 1 )

المنفي وجود اليمين الذي هو موضوع للأثر الشرعي ،و هو اليمين الصحيح ،لا
مطلق اليمين ،فمن أجل ذلك يكون الظاهر منها عرفا عدم انعقاد يمين الولد مع
وجود الوالد ما دام لم يأذن به ،و كذلك الحال في الفترة الثانية و الثالثة ،و من هنا
يظهر انه لا يمكن أن يراد من اليمين في قوله عليه السّلام : «لا يمين »الجامع بين اليمين
الصحيح المنحل بالمنع المتأخر ،و اليمين الباطل بدون الإذن في كل فقرات
الصحيحة ،أما في الفقرة الأولى فلأن الولد ما دام والده موجودا لا ينعقد يمينه
من الأول ،و الاّ فلا مبطل له .و اما في الفقرة الثانية ،فالأمر فيها أيضا كذلك ،لأن
المملوك ما دام مملوكا لمالك لا ينعقد يمينه و اذا تحرر فلا مبطل لها .و اما في
الفقرة الثالثة ،فاذا حلفت المرأة قبل تزويجها ثم تزوجت ،فان كان تزويجها بعد
الوفاء بنذرها فهو خارج عن محل الكلام ،و إن كان قبل الوفاء به ،فهل يمكن
الحكم بصحة نذرها و إن لم يأذن زوجها به ،أو أن صحته مرتبطة باذنه ،فإن أذن
صح ،و الاّ بطل بانتفاء شرطه ؟ !الظاهر هو الثاني ،فان قوله عليه السّلام في صحيحة
منصور المتقدمة : «لا يمين للمرأة مع زوجها »- 1 - يشمل باطلاقه المقام ،و تفصيل
ذلك يأتي في المسألة ( 6 ) الآتية .

( 1 ) الظاهر هو الكفاية ،لا من جهة اطلاق النص حيث انه لا اطلاق له من
هذه الناحية ،لأنه ناظر الى نفي صحة يمين الولد مع وجود الوالد ،و نفي صحة
يمين المملوك مع وجود المالك ،و يمين الزوجة مع وجود الزوج ،و لا نظر له

---------------

( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث :1 .


--( 261 )--

..........
الى أن الاجازة المتأخرة كافية في صحته ،بل من جهة أن صحته بها تكون على
القاعدة ،فلا تحتاج الى دليل خاص ،و السبب فيه أن حقيقة اليمين عبارة عن
التزام الشخص بشي‏ء فعلا أو تركا على نفسه بصيغة اليمين ،فاذا كان هذا الالتزام
من الولد -مثلا -فنفوذه مرتبط باذن والده ،فان كان مسبوقا به فلا شبهة في
صحته و إن كان ملحوقا به ،فالظاهر ان الأمر أيضا كذلك ،باعتبار أنه تعلق بنفس
ذلك الالتزام ،فاذا تعلق به صار الالتزام مجازا ،فيكون نافذا و موضوعا للأثر ،لأن
المستفاد من النص أن يمين الولد اذا كان مجازا من قبل الوالد ترتب عليه الأثر ،
و لا فرق بين أن يكون مجازا بالإذن السابق او اللاحق .

و دعوى :ان اليمين من الايقاعات ،و لا تجري الفضولية فيها ...مدفوعة :اما
اولا :فلأن مقتضى القاعدة جريان الفضولية في الايقاعات أيضا كالعقود ،على
أساس أن ملاك صحة العقد الفضولي بالاجازة انما هو صحة استناده الى المجيز
من حينها ،و اذا صح استناده اليه كان مشمولا لإطلاقات أدلة الامضاء ،و هذا
الملاك بعينه متوفر في الايقاعات ،فاذا صدر إيقاع من غير أهله و كان واجدا لكل
ما هو معتبر في صحته من الشروط ما عدا صدوره من أهله ،فبطبيعة الحال
تتوقف صحته على اجازته ،فاذا أجازه صح ،لاستناده اليه حقيقة ،فيكون
مشمولا لإطلاق دليل الامضاء .

و أمّا الإجماع المدعى على عدم جريان الفضولي في الايقاع ،فلا يمكن
الاعتماد عليه ،لما ذكرناه غير مرة ،من أنه ليس بوسعنا اثبات الاجماع الكاشف
عن ثبوت حكم المسألة في زمن المعصومين عليهم السّلام و وصوله إلينا يدا بيد و طبقة
بعد طبقة .

و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم ان الاجماع ثابت في المسألة الاّ
أن القدر المتيقن منه عدم جريانه في الايقاع الواقع فضوليا على مال غيره ،لا في
مثل المقام ،فان الايقاع فيه قد صدر من الفضولي على فعل نفسه متعلقا بماله أو
حقه ،غاية الأمر ان صحته تتوقف على اذن غيره ،و من المعلوم انه لا فرق بين أن

--( 262 )--

مع أنه من الإيقاعات ،و ادّعي الاتفاق على عدم جريان الفضولية فيها و إن
كان يمكن دعوى أن القدر المتيقن من الاتفاق ما إذا وقع الإيقاع على مال
الغير مثل الطلاق و العتق و نحوهما لا مثل المقام مما كان في مال نفسه غاية
الأمر اعتبار رضا الغير فيه و لا فرق فيه بين الرضا السابق و اللاحق خصوصا
إذا قلنا إن الفضولي على القاعدة .

و ذهب جماعة إلى أنه لا يشترط الإذن في الانعقاد لكن للمذكورين
حلّ يمين الجماعة إذا لم يكن مسبوقا بنهي أو إذن ،بدعوى أن المنساق من
الخبر المذكور و نحوه أنه ليس للجماعة المذكورة يمين مع معارضة
المولى أو الأب أو الزوج و لازمه جواز حلهم له و عدم وجوب العمل به مع
عدم رضاهم به ،و على هذا فمع النهي السابق لا ينعقد و مع الإذن يلزم و مع
عدمهما ينعقد و لهم حله .

و لا يبعد قوة هذا القول ( 1 ) ،مع أن المقدّر ( 2 ) كما يمكن أن يكون
هو الوجود يمكن أن يكون هو المنع و المعارضة أي لا يمين مع منع

يكون اذنه مقارنا له أو متأخرا ،نظير عتق المفلس عبده المتعلق لحق الديان ،فانه
يصح اذا أجازوه ،أو عتق عبده المرتهن ،فان صحته مرتبطة باجازة المرتهن ،فاذا
صح العتق بالاجازة المتأخرة صح غيره من الايقاعات أيضا بها ،و بذلك يظهر
حال ما في المتن .

( 1 ) مر أن هذا القول بعيد ،و الصحيح هو القول الأول .

( 2 ) تقدم ان الأمر لا يدور بين أن يكون المقدر في قوله عليه السّلام : «لا يمين
للولد مع والده ...الخ »الوجود أو المنع ،بل الوجود هو المتفاهم العرفي من
الرواية ،و انما الكلام في تقدير المنع زائدا على الوجود ،و قد مر أنه لا قرينة على
هذا التقدير .

--( 263 )--

المولى مثلا ،فمع عدم الظهور في الثاني لا أقل من الإجمال و القدر المتيقن
هو عدم الصحة مع المعارضة و النهي بعد كون مقتضى العمومات الصحة
و اللزوم .

ثم ان جواز الحل او التوقف على الإذن ليس في اليمين بما هو يمين
مطلقا كما هو ظاهر كلماتهم بل إنما هو فيما كان المتعلق منافيا لحق المولى
أو الزوج و كان مما يجب فيه طاعة الوالد إذا أمر أو نهى ( 1 ) ،و أما ما لم
يكن كذلك فلا ،كما إذا حلف المملوك أن يحج إذا أعتقه المولى أو حلفت
الزوجة أن تحج إذا مات زوجها أو طلقها أو حلفا أن يصليا صلاة الليل مع
عدم كونها منافية لحق المولى أو حق الاستمتاع من الزوجة أو حلف الولد
أن يقرأ كل يوم جزءا من القرآن أو نحو ذلك مما لا يجب طاعتهم فيها
للمذكورين فلا مانع من انعقاده ،و هذا هو المنساق من الأخبار ( 2 ) فلو

( 1 ) الظاهر عدم صحة يمين الولد مع الوالد ،و العبد مع المولى ،و الزوجة
مع الزوج مطلقا و إن لم يكن منافيا لحق هؤلاء ،لإطلاق النص ،فلو اختص عدم
الصحة بالمنافي للحق فلا خصوصية لهم ،اذ كل يمين اذا كان منافيا لحق الغير لم
يصح ،فاذا حلف الزوج على شي‏ء و كان مخالفا لحق زوجته بطل ،و من هذا
القبيل اذا حلف الراهن على بيع العين المرتهنة بدون اذن المرتهن لم يصح ،
باعتبار أنه تضييع لحق الغير .

و بكلمة :ان عدم صحة يمين الولد اذا انيط بكونه منافيا لحق والده و ان
كان ذلك الحق من الحقوق الراجحة ،لم يكن عندئذ للوالد خصوصية ،اذ كل
يمين اذا كان متعلّقه مرجوحا بسبب أو آخر فهو باطل .

( 2 ) مر أن المنساق منها عدم انعقاد يمين الولد بدون اذن الوالد ،و كذلك
الحال بالنسبة إلى المملوك و الزوجة .

--( 264 )--

حلف الولد أن يحج إذا استصحبه الوالد إلى مكة مثلا لا مانع من
انعقاده ( 1 ) و هكذا بالنسبة إلى المملوك و الزوجة ،فالمراد من الأخبار أنه
ليس لهم أن يوجبوا على أنفسهم باليمين ما يكون منافيا لحق المذكورين ،
و لذا استثنى بعضهم الحلف على فعل الواجب أو ترك القبيح ( 2 ) و حكم
بالانعقاد فيهما ،و لو كان المراد اليمين بما هو يمين لم يكن وجه لهذا
الاستثناء .

هذا كله في اليمين و أما النذر فالمشهور بينهم أنه كاليمين في
المملوك و الزوجة ،و ألحق بعضهم بهما الولد أيضا ،و هو مشكل لعدم
الدليل عليه ( 3 ) خصوصا في الولد إلا القياس على اليمين بدعوى تنقيح
المناط و هو ممنوع ،أو بدعوى أن المراد من اليمين في الأخبار ما يشمل
النذر لإطلاقه عليه في جملة من الأخبار منها خبران في كلام الإمام عليه السّلام
و منها أخبار في كلام الراوي و تقرير الإمام عليه السّلام له ،و هو أيضا كما ترى ،

( 1 ) فيه ان انعقاده انما هو بملاك أن أخذه الولد معه الى مكة يدل على
اذنه فيه ،لا من جهة أنه لا يكون منافيا لحقه .

( 2 ) تقدم أن مقتضى النص عدم صحة يمين هؤلاء بدون الإذن مطلقا ،
حتى اذا كان على فعل الواجب أو ترك الحرام .

( 3 ) بل لا اشكال في التعدي على ما بنى عليه الماتن قدّس سرّه ،من أن عدم
صحة يمين الولد مع الوالد منوط بكونه منافيا لحقه ،و كذلك يمين المملوك
و الزوجة ،و ذلك لأن الالحاق حينئذ يكون على القاعدة ،على أساس أن صحة
النذر مشروطة برجحان متعلقه ،فاذا كان نذر الولد منافيا لحق الوالد فبطلانه
يكون على القاعدة ،و لا يحتاج الى دليل .نعم بناء على ما قويناه من أن بطلانه
منوط بعدم اذن الوالد ،فالالحاق بحاجة الى دليل .

--( 265 )--

فالأقوى في الولد عدم الإلحاق ،نعم في الزوجة و المملوك لا يبعد الإلحاق
باليمين ( 1 ) لخبر قرب الإسناد عن جعفر عليه السّلام عن أبيه عليه السّلام : «أن عليا عليه السّلام كان

( 1 ) فيه ان هذا ليس من باب الالحاق ،بل هو منصوص ،اما في المملوك
فهو قوله عليه السّلام في معتبرة الحسين بن علوان : «ليس على المملوك نذر الاّ أن يأذن
له سيّده »- 1 - و أمّا في الزوجة فقوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «ليس
للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة ،و لا تدبير ،و لا هبة ،و لا نذر في مالها الاّ
باذن زوجها ،الاّ في حج أو زكاة أو برّ والديها ،أو صلة رحمها ... »- 2 - و قد نوقش
في الثاني بأمرين :

أحدهما :ان مورده عدم صحة نذر الزوجة في مالها بدون إذن زوجها ،
و لا يدل على عدم صحته في غير مالها .

و الجواب :ان ذكر المال انما هو بلحاظ الصدقة و التدبير و الهبة فيه دون
النذر ،حيث ان العرف لا يفهم منه خصوصية للمال بالنسبة إلى نذرها ،و لا
يحتمل دخله في عدم صحته بدون إذن زوجها .

و الآخر :ان الصحيحة مشتملة على ما لا يمكن القول به ،بل هو على
خلاف الضرورة الفقهية ،و هو الصدقة و الهبة و التدبير من مالها ،اذ من الواضح
أن لها أن تتصرف في أموالها متى شاءت ،و لا تكون ممنوعة عن التصرف فيها
بدون اذن زوجها .

و الجواب :انه لا شبهة في أن قوله عليه السّلام : «ليس للمرأة مع زوجها أمر »ظاهر
في نفي الأمر لها بدون اذنه ،غاية الأمر نرفع اليد عن هذا الظهور بالنسبة إلى
بعض هذه الأمور فيه ،كالصدقة أو الهبة من أموالها ،و هذا لا لدليل خاص ،بل
للسيرة القطعية الجارية بين الناس ،اذ لو لم تكن جائزة بدون اذن زوجها

---------------

( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب النذر و العهد الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب النذر و العهد الحديث :1 .


--( 266 )--

يقول :ليس على المملوك نذر إلا بإذن مولاه »و صحيح ابن سنان عن
الصادق عليه السّلام : «ليس للمرأة مع زوجها أمر في عتق و لا صدقة و لا تدبير و لا
هبة و لا نذر في مالها إلا بإذن زوجها إلا في حج أو زكاة أو بر والديها أو
صلة قرابتها »و ضعف الأول منجبر بالشهرة ( 1 ) ،و اشتمال الثاني على ما لا
نقول به لا يضر .

ثم هل الزوجة تشمل المنقطعة أو لا ؟وجهان ( 2 ) ،و هل الولد يشمل
ولد الولد أو لا ؟كذلك وجهان .


لشاعت المسألة و اشتهرت بينهم ،لكثرة الابتلاء بها في تمام البلاد
و بقاع الأرض .و أما بالنسبة إلى النذر او العتق فلا مانع من الالتزام
بالظهور .

فالنتيجة :ان الأخذ باطلاق قوله عليه السّلام : «ليس للمرأة مع زوجها أمر ... »لا
يمكن ،و لا بد من رفع اليد عنه ،و تقييده بغير الصدقة و الهبة ،و ليس معنى ذلك
أنه متضمن لحكم أخلاقي و الزامي معا ،و الأول بالنسبة إلى الهبة و الصدقة ،
و الثاني بالنسبة إلى النذر و نحوه لكي يقال :ان الدليل الواحد لا يمكن أن يتضمن
كلا الحكمين معا ،بل هو متضمن لحكم واحد ،و هو عدم الصحة بدون الإذن ،
و هذا الحكم الواحد ينحل بانحلال افراد موضوعه في الخارج ،و لا مانع من
تقييد اطلاقه ببعضها دون بعضها الآخر اذا قامت قرينة عليه .

( 1 ) قد تقدم في غير مورد أن الشهرة لا تصلح أن تكون جابرة لا نظرية
و لا تطبيقية .

( 2 ) الأظهر عدم الشمول ،باعتبار أن الوارد في لسان النص انما هو عنوان
الوالد ،و هو لا يصدق عرفا على الجد الاّ بالعناية ،و عليه فلو أمكن الحاق
النذر باليمين لكانت صحته مشروطة باذن الوالد فقط دون الأعم منه و من
الجد .

--( 267 )--

و الأمة المزوجة عليها الاستئذان من الزوج و المولى بناء على اعتبار
الإذن ( 1 ) .

و إذا أذن المولى للمملوك أن يحلف أو ينذر الحج لا يجب عليه
إعطاء ما زاد عن نفقته الواجبة عليه من مصارف الحج ،و هل عليه تخلية
سبيله لتحصيلها أو لا ؟وجهان ( 2 ) .

ثم على القول بأن لهم الحل هل يجوز مع حلف الجماعة التماس
المذكورين في حل حلفهم أم لا ؟وجهان ( 3 ) .

[3109 ]مسألة 2 :إذا كان الوالد كافرا ففي شمول الحكم له وجهان ،
أوجههما العدم للانصراف ( 4 )


( 1 ) مر أن هذا هو الأظهر .

( 2 ) الأقوى هو الثاني ،لأن اذن المولى عبده بالحلف او النذر على أن
يحج لا يكون إذنا له بالتكسب لتحصيل نفقات الحج ،لأن معنى ذلك أنه مأذون
بالنذر أو الحلف ،فاذا حلف أو نذر الحج و تمكن منه في موسمه إما ببذل أحد
نفقة الحج له ،أو يستصحبه معه ،وجب عليه الوفاء به و الا فلا شي‏ء عليه .

فالنتيجة :ان الإذن في التكسب لنفقات الحج ليس من لوازم الإذن
بالحلف أو النذر للحج ،لعدم الملازمة بينهما ،بل لازمه أنه إذا نذر ثم تمكن
بسبب من الأسباب وجب الوفاء به .

( 3 ) الظاهر هو الوجه الأول إذ لا دليل على عدم جواز التماس الحل منهم
بعد ما كان أمره بيدهم .مثلا اذا نذر أو حلف العبد باذن المولى وجب الوفاء به ،
و اذا رجع المولى عن اذنه انحل نذره أو حلفه ،و من الواضح أنه لا مانع له من
هذا الرجوع ،لأن أمره بيده ،و عليه فلا مانع من التماس العبد الحل من المولى .

( 4 ) هذا لا من جهة الانصراف ،لعدم المنشأ له بعد استعمال لفظ الوالد

--( 268 )--

و نفي السبيل ( 1 ) .

[3110 ]مسألة 3 :هل المملوك المبعض حكمه حكم القنّ أو لا ؟
وجهان ( 2 ) ،لا يبعد الشمول ،و يحتمل عدم توقف حلفه على الإذن في
نوبته في صورة المهاياة خصوصا إذا كان وقوع المتعلق في نوبته .

[3111 ]مسألة 4 :الظاهر عدم الفرق في الولد بين الذكر و الأنثى ،و كذا
في المملوك و المالك ( 3 ) ،لكن لا تلحق الأم بالأب .


في الجامع ،بل من جهة أن مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي أن
يكون المراد من الوالد في النص خصوص من تكون له مكانة و احترام في
الشرع ،دون الأعم منه و ممن لا مكانة له و لا احترام كالكافر .

( 1 ) فيه ان الظاهر منه بمناسبة ما تقدم عليه من الآيات الشريفة نفي
الحجة للكافرين على المؤمنين يوم القيامة ،و عند الحساب ،و لا يرتبط بالمقام
أصلا .

( 2 ) الأظهر هو الوجه الثاني ،فان الوارد في لسان النص بما انه عنوان
المملوك ،فهو لا يصدق على المبعض ،كما لا يصدق عليه عنوان الحر ،فاذن
مقتضى القاعدة فيه صحة نذره و يمينه ،و عدم توقفها على اذن من ملك بعضه ،
لأن الخارج من عموم القاعدة بالنص هو ما اذا كان كله مملوكا ،و الاّ فمقتضى
عمومها صحة نذره أو يمينه ،و به يظهر حال ما في المتن .

( 3 ) فيه ان المملوك و المالك ليس كالولد ،حيث أنه يعم الذكر و الانثى ،
كما في قوله تعالى :يُوصِيكُمُ اَللَّهُ فِي أَوْلادِكُمْ ...- 1 - دون المملوك ،فانه لا
يعمهما ضرورة صحة قولنا :زيد مملوك و هند مملوكة ،و لا يصح أن يقال :هند
مملوك ،فاذن ليس عدم الفرق من جهة صحة اطلاق المالك و المملوك على
الذكر و الأنثى ،بل من جهة أن مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي أن

---------------

( 1 ) النساء ،آية :11 .


--( 269 )--

[3112 ]مسألة 5 :إذا نذر أو حلف المملوك بإذن المالك ثم انتقل إلى
غيره بالإرث أو البيع أو نحوه بقي على لزومه ( 1 ) .


عدم صحة يمين المملوك و نذره بدون اذن المالك انما هو بلحاظ انه مملوك له ،
و لا اختيار له في مقابله ،لا بلحاظ خصوصية فيه ،و هذا الملاك مشترك فيه بين
الكل ،و لذلك لا يرى العرف خصوصية للمملوك و لا للمالك ،بل يرى أن
أخذهما في لسان الدليل انما هو من باب المثال ،لا من باب أن لهما خصوصية ،
و من هنا لا يرى الفرق بين المملوك لمالك و المملوك لمالكة ،او بالعكس .

( 1 ) في البقاء اشكال ،بل منع ،بناء على ما هو الصحيح من أن صحة نذر
المملوك حدوثا و بقاء مرتبطة باذن المالك كذلك ،فاذا أذن فيه ثم نذر حكم
بصحته ،و اذا رجع عن اذنه انحل نذره و ارتفع وجوب الوفاء به بارتفاع
موضوعه ،و قد مر أنه لا مانع من رجوع المالك عن اذنه ،و لا فرق في ذلك بين
المالك الأول و الثاني ،فاذا اذن الأول بالنذر و نذر صح ،شريطة أن يبقى على
اذنه ،و في هذه الحالة اذا انتقل الى الثاني فان رضى بنذره بقى عليه ،و الاّ انحل .

و إن شئت قلت :انه لا فرق من هذه الناحية بين أن يكون العبد مملوكا
لمالك -واحد أو متعدد ،فكما أن صحة نذره أو حلفه على الأول مشروطة
حدوثا و بقاء باذنه ،فإن رجع عن اذنه بقاء انحلّ و لو بعد دخول وقته اذا كان
موسعا ،فكذلك على الثاني ،فان بقاء صحته مشروطة باذن الثاني و رضاه ،و الاّ
انجل ،و هذا المعنى هو المستفاد من النص في المسألة ،لأن قوله عليه السّلام في معتبرة
الحسين بن علوان : «ليس على المملوك نذر الاّ أن يأذن له سيّده »- 1 - ظاهر في أن
ثبوت النذر على ذمّة المملوك مرتبط باذن السيد حدوثا و بقاء ،و كذلك
قوله عليه السّلام في صحيحة منصور بن حازم المتقدمة : «لا يمين للولد مع والده ،و لا
لمملوك مع مولاه ،و لا للمرأة مع زوجها »- 2 - فان المتفاهم العرفي منهما بمناسبة

---------------

( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب النذر و العهد الحديث :2 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب ما يحرم بالرضاع الحديث :1 .


--( 270 )--

..........
الحكم و الموضوع ،أن صحة النذر أو الحلف مرتبطة بالإذن حدوثا و بقاء ،
باعتبار أنه موضوع لها ،و من المعلوم أن الحكم يدور مدار موضوعه كذلك
و من هنا يظهر أن بطلان نذره إذا انتقل الى المولى الثاني لا يختص بما اذا
كان منافيا لحقه ،بل صحته بقاء مشروطة باذنه أيضا و إن لم يكن منافيا
لحقه .

و على الجملة فلا يجب الوفاء بالنذر أو الحلف الاّ في وقت العمل ،فاذا
كان العمل المنذور فيه واجدا للشرط ،و راجحا في نفسه في وقته ،وجب الوفاء
به ،و الاّ فلا ،و عليه فاذا كان في وقت العمل مملوكا لمالك آخر فوجوب الوفاء به
مرتبط باذنه ،فإن اذن وجب الوفاء ،و الاّ انحل ،و لا شي‏ء عليه ،و هذا هو مقتضى
قوله عليه السّلام : «ليس على المملوك نذر الاّ أن يأذن سيده ».

فالنتيجة :ان اذن المولى بما أنه شرط في صحة نذر المملوك و وجوب
الوفاء به ،فتدور صحته مدار اذنه حدوثا و بقاء ،بدون فرق في ذلك بين المالك
الأول و الثاني .

و ما عن الماتن قدّس سرّه من بقاء نذره على اللزوم مبني على تمامية أحد أمرين :

الأول :ان صحة نذره مشروطة بالإذن منه حدوثا فقط لا حدوثا و بقاء .

و الآخر :ان نذره اذا انعقد بالإذن وجب عليه الوفاء به ،و حينئذ فلا يحق
لمالكه أن يمنعه عنه حيث : «لا طاعة لمخلوق في معصية الخالق »- 1 - بدون فرق
في ذلك بين مالكه الأول و الثاني .

و لكن كلا الأمرين غير تام ،اما الأمر الأول :فقد مر أنها مشروطة به حدوثا
و بقاء ،باعتبار أنه موضوع لها .

و اما الأمر الثاني :فلأن المالك على هذا اذا لم يأذن به بقاء ،و منع عن
العمل به ،انحل نذره ،و عندئذ يرتفع وجوب الوفاء به بارتفاع موضوعه ،و ليس
هذا من عناصر تلك الكبرى ،و لا يمكن تطبيقها على المقام ،على أساس أنه لا
وجوب عندئذ حتى تكون مخالفته معصية للّه تعالى .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :59 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :7 .


--( 271 )--

[3113 ]مسألة 6 :لو نذرت المرأة أو حلفت حال عدم الزوجية ثم
تزوجت وجب عليها العمل به و إن كان منافيا للاستمتاع بها ( 1 ) ،

( 1 ) الظاهر عدم وجوب العمل عليها ،و ذلك لأمرين :

أحدهما :ان وجوب الوفاء بالنذر أو نحوه لا يصلح أن يزاحم أيّ
وجوب آخر مجعول في الشرع من قبل اللّه تعالى ،لما ذكرناه في علم الأصول
من أن التعليل الوارد في صحيحة محمد بن قيس : «إن شرط اللّه قبل
شرطكم »- 1 - يدل على أن كل شرط من شروطه تعالى المفروضة في الشريعة
المقدسة لا بد و أن يلحظ في المرتبة السابقة على شروطكم و التزاماتكم ،و بقطع
النظر عنها ،فان كان ثابتا كذلك فلا تصل النوبة الى شروطكم ،و نتيجة ذلك أن
ثبوت كل حكم شرعي الزامي في الشرع في نفسه مانع عن وجوب الوفاء
بالنذر ،و رافع له .

و الآخر :ان وجوب الوفاء بالنذر انما هو فعلي و منجز في وقت العمل ،
و بما أنها في ذلك الوقت متزوجة ،فوجوب الوفاء به مرتبط باذن زوجها ،و يدل
على ذلك قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «و لا نذر في مالها الاّ باذن
زوجها »- 2 - بتقريب أن المتفاهم العرفي منه أنه لا يجب عليها الوفاء بالنذر الاّ
باذنه ،و من المعلوم أن وجوب الوفاء به عليها انما هو في وقت العمل ،
و المفروض أنها في ذلك الوقت متزوجة .

و إن شئت قلت :ان المرأة إذا نذرت قبل تزويجها فان كان وقت الوفاء
و العمل به قبله ،فهو خارج عن محل الكلام ،اذ لا نذر عليها حينما تزوجت .و إن
كان وقت الوفاء و العمل به بعده ،فوجوب الوفاء به منوط باذن زوجها ،باعتبار
أنه لا وجوب قبل بلوغ وقت العمل ،و بعده أصبحت متزوجة ،فاذا اصبحت

---------------

( 1 ) الوسائل باب :38 من أبواب المهور الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب كتاب الوقوف و الصدقات الحديث :1 .


--( 272 )--

و ليس للزوج منعها من ذلك الفعل كالحج و نحوه ،بل و كذا لو نذرت أنها لو
تزوجت بزيد مثلا صامت كل خميس و كان المفروض أن زيدا أيضا حلف
أن يواقعها كل خميس إذا تزوجها فإن حلفها أو نذرها مقدم على حلفه ( 1 )

متزوجة كان وجوب الوفاء به عليها مرتبطا باذن زوجها ،فإن اذن وجب الوفاء
عليها ،و الاّ انكشف عن بطلان نذرها من الأول ،و من هذا القبيل ما اذا نذرت
عملا مستمرا في كل اسبوع أو سنة ،كما اذا نذرت صوم كل يوم جمعة من كل
اسبوع ،أو نذرت صوم شهر رجب -مثلا -في كل سنة ،و هكذا ،فانها ما دامت لم
تتزوج فعليها الوفاء بالنذر ،و اذا تزوجت لم يجب عليها الوفاء به ما لم يأذن به
زوجها ،فان أذن فهو ،و الاّ انكشف عن بطلان نذرها بعد تزويجها .ثم إن زوجها
اذا أذن لها بالعمل بنذرها وجب عليها العمل به ،و إن كان منافيا لحقه .

و دعوى :أن نذرها اذا كان منافيا لحق زوجها لا يصح في نفسه ،باعتبار أن
صحته مشروطة بكون متعلقه راجحا ،فاذا كان منافيا له كان مرجوحا ،فاذن لا
يمكن الحكم بصحة نذرها في هذا الفرض و إن أذن زوجها بذلك ،فان إذنه إنما
يؤثر في النذر المشروع في نفسه الواجد للشروط ما عدا اذنه لا مطلقا .

مدفوعة :بأن صحة النذر مشروطة بكون متعلقه راجحا في نفسه ،
و المفروض أن متعلقه في المقام كصوم يوم الجمعة ،أو صوم شهر رجب راجح
كذلك ،و مجرد كونه مزاحما لحق الزوج لا يوجب مرجوحيته ،فان الموجب لها
انما هو انطباق عنوان المرجوح عليه ،كعنوان المحرم أو المكروه ،دون
المزاحمة ،فاذن المقتضى لصحة النذر موجود فيه ،و المانع انما هو عدم إذن
زوجها ،فاذا أذن صح و إن كان موجبا لتفويت حقه ،فانه لا يمنع باعتبار أن معنى
إذنه انه رفع اليد عن حقه .

فالنتيجة :ان بطلان نذرها في صورة عدم الإذن ليس من جهة أن متعلقه
مرجوح ،بل من جهة وجود المانع له ،أو فقد شرطه و هو الإذن .

( 1 ) بل الأمر بالعكس ،لا من جهة ان حلفه أو نذره بما هو مقدم على

--( 273 )--

و إن كان متأخرا في الإيقاع لأن حلفه لا يؤثر شيئا في تكليفها بخلاف نذرها
فإنه يوجب الصوم عليها لأنه متعلق بعمل نفسها فوجوبه عليها يمنع من
العمل بحلف الرجل .

[3114 ]مسألة 7 :إذا نذر الحج من مكان معين كبلده أو بلد آخر معين
فحج من غير ذلك المكان لم تبرأ ذمته و وجب عليه ثانيا ،نعم لو عينه في
سنة فحج في تلك السنة من غير ذلك المكان وجب عليه الكفارة لعدم
إمكان التدارك ،و لو نذر أن يحج من غير تقييد بمكان ثم نذر نذرا آخر أن
يكون ذلك الحج من مكان كذا ( 1 ) و خالف فحج من غير ذلك المكان
برئ من النذر الأول و وجب عليه الكفارة لخلف النذر الثاني ،كما أنه لو
نذر أن يحج حجة الإسلام من بلد كذا فخالف فإنه يجزئه عن حجة الإسلام
و وجب عليه الكفارة لخلف النذر .


حلفها أو نذرها كذلك ،بل من جهة أن وجوب الوفاء بالنذر أو الحلف لا يصلح
أن يزاحم وجوب المطاوعة عليها تطبيقا لما مر ،و بذلك يظهر حال ما في المتن .

( 1 ) هذا شريطة أن يكون الحج من ذلك المكان راجحا بالنسبة إلى غيره ،
و أما اذا كان مساويا و لم يكن فرق بينه و بين غيره فلا ينعقد النذر ،هذا نظير ما اذا
نذر أنه متى أراد أن يصلي في المسجد الفلاني يصلي في نقطة خاصة منه ،مع
أنه لا فرق بينها و بين سائر النقاط في الفضيلة ،و حيث أن السفر الى الحج مقدمة
له ،فلا فرق بين أن يكون من النجف الأشرف ،أو كربلاء ،أو بغداد ،أو الحلة ،أو
البصرة ،أو نحوها ،لأنه بما هو سفر اليه فلا فرق بين هذه البلدان ،و لا يكون
السفر اليه بما هو سفر من النجف أفضل و أرجح من السفر اليه من بغداد أو
البصرة ،نعم لو نذر الصلاة بدون التقييد بمكان خاص ،ثم نذر أن يصلي تلك
الصلاة في المسجد أو الحرم الشريف أو الجماعة انعقد .

--( 274 )--

..........
فالنتيجة :ان صحة النذر الثاني المتعلق بتقييد متعلق النذر الأول بقيد
خاص و فرد مخصوص منوطة بكون ذلك التقييد راجحا في نفسه ،و الاّ فلا
يكون صحيحا .

ثم إن هنا اشكالا آخر في هذا التقييد ،و هو ان مرده الى حصر الحج من
ذلك البلد الخاص فحسب ،بدعوى أن قول الناذر ( للّه عليّ أن أحج حجة
الإسلام من بلد كذا ) يرجع الى قوله ( للّه عليّ أن لا أحج الاّ من ذلك البلد
الخاص ) و على هذا فيجب الحفاظ على قيد المنذور ،بأن يحج من البلد
المذكور ،باعتبار أن هذا التقييد يؤدي الى عجزه عن الاتيان بالمنذور من غير
ذلك البلد ،و عليه فاذا حج حجة الإسلام من غيره فقد فوت الواجب عليه
بتعجيز نفسه عنه ،و هو حجة الإسلام من البلد المنذور ،و هذا التعجيز بما أنه
حرام عقلا و تجريا على المولى ،فلا يصح التقرب بحجة الإسلام من غير ذلك
البلد ،على أساس ان الاتيان بها من غيره معجز عن الواجب ،فاذا لم يصح
التقرب بها بطلت ،و ظل الواجب المنذور ثابتا ،فيجب عليه الاتيان به .

و الجواب :إن هنا مسألتين :

الأولى :اذا نذر أن يحج حجة الإسلام من البلدة الفلانية ،و بنينا على أن
هذا النذر صحيح ،و في هذه الحالة اذا حج من تلك البلدة فقد أتى بحجة
الإسلام ،و و فى بالنذر معا ،و اذا حج من بلدة أخرى فقد أتى بحجة الإسلام فقط ،
و لم يف بالنذر ،و عليه حينئذ الإثم و الكفارة ،و من الواضح ان تقييد حجة
الإسلام بكونها من بلدة معينة بالنذر لا يقتضي كونها من بلدة أخرى مبغوضة
حتى تقع فاسدة ،لأن اقتضاء ذلك اما أن يكون بملاك أن الأمر بالاتيان بها من
البلدة المعينة يقتضي النهي عنه من بلدة أخرى غيرها ،على أساس اقتضاء الأمر
بالشي‏ء النهي عن ضده ،أو بملاك أنه اذا كان مأمورا بالاتيان بها من تلك البلدة
بمقتضى النذر فهو معجز مولوي عن الاتيان بها من بلدة أخرى ،أو بملاك أنه اذا
أتى بها من بلدة أخرى غير البلدة المعينة فهو مفوت للواجب ،و هو حجة

--( 275 )--

..........
الإسلام من تلك البلدة و سبب لتعجيزه عن الاتيان بها ،و هذا التعجيز بما أنه
حرام عقلا و تجريا ،فلا يمكن التقرب بالاتيان بها من بلدة أخرى .

و لكن كل هذه الوجوه مما لا أساس لها .

اما الوجه الأول :فقد تحقق في محله ان الأمر بشي‏ء لا يقتضي النهي عن
ضده ،و على تقدير الاقتضاء فالنهي بما أنه غيري لا ينافي محبوبية متعلقه
في نفسه ،و لذلك لا مانع من الحكم بصحته على القول بالترتب -كما هو
الصحيح -.

و اما الوجه الثاني :فلا قيمة للتعجيز المولوي و المانع التشريعي ،الاّ أن
يكون الأمر المتعلق بحجة الإسلام مشروطا بعدم المانع الأعم من التكويني
و التشريعي ،و الفرض أنه غير مشروط به ،كما تقدم في ضمن البحوث السالفة .

و اما الوجه الثالث :فلأن الاتيان بحجة الإسلام من بلدة أخرى و إن أدى
الى تفويت الواجب بالنذر ،و هو الحجة من البلدة المعينة ،الاّ أن قبحه لا يسري
اليها ،لأن قبح أحد المتلازمين لا يسري الى الملازم الآخر ،فلا يكون الاتيان بها
من بلدة أخرى قبيحا حتى لا يمكن التقرب به ،و حينئذ فلا مانع من الحكم
بصحتها ،او فقل ان الحجة من غير البلدة المعينة و إن كانت توجب تعجيز نفسه
عن الحجة من البلدة المعينة ،الاّ أن ذلك انما هو على أساس أن قدرته لا تتسع
للجمع بينهما معا ،فانه اذا صرفها في احداهما عجز عن الاخرى ،و يكون تركها
مستندا الى عجزه ،و من المعلوم أن صرف قدرته في الحجة من غير البلدة
المنذورة لا يكون قبيحا ،فان القبيح انما هو ترك الحجة من البلدة المنذورة ،
و من الواضح أن قبحه لا يسري الى ما هو لازمه ،و هو الحجة من غير تلك البلدة
حتى لا يمكن التقرب بها ،هذا ،اضافة الى أن حجة الإسلام من غير تلك البلدة
انما توجب تعجيزه عنها من البلدة المعينة ،و انتفاء وجوب الوفاء بالنذر بها
بانتفاء موضوعه اذا كانت صحيحة ،و اما اذا كانت باطلة فلا توجب تعجيزه عن
الاتيان بها من البلدة المعينة ،لفرض ان حجة الإسلام المنذورة من تلك البلدة

--( 276 )--

[3115 ]مسألة 8 :إذا نذر أن يحج و لم يقيده بزمان فالظاهر جواز التأخير
إلى ظن الموت أو الفوت ( 1 ) ،فلا يجب عليه المبادرة إلا إذا كان هناك
انصراف ،فلو مات قبل الإتيان به في صورة جواز التأخير لا يكون عاصيا ،
و القول بعصيانه مع تمكنه في بعض تلك الأزمنة و إن جاز التأخير لا وجه
له ،و إذا قيده بسنة معينة لم يجز التأخير مع فرض تمكنه في تلك السنة ،فلو

باقية في ذمته ،فعليه الاتيان بها منها ،فاذن لا يعقل أن يكون تعجيزه سببا
لبطلانها ،و الاّ لزم من فرض وجود التعجيز عدمه .

الثانية :اذا نذر أن يحج بلا تقييد من بلد خاص ،ثم نذر نذرا آخر أن يأتي
بذلك الحج من بلد خاص شريطة أن يكون الحج من ذلك البلد راجحا ،و في
هذه الحالة اذا حج من ذلك البلد الخاص فقد و في بكلا النذرين ،و اذا حج من
بلد آخر غيره فقد و في بالنذر الأول و صح حجه و خالف النذر الثاني و عليه الإثم
و الكفارة ،و مخالفته لا توجب بطلان الحج الأول الاّ بناء على تمامية أحد
الوجوه المتقدمة ،و قد مر عدم تمامية شي‏ء منها .

( 1 ) لا أثر للظن و لا قيمة له ،فان المعيار انما هو بالوثوق و الاطمئنان ،فان
كان واثقا و مطمئنا بعدم الفوت اذا أخر جاز ،و الاّ فلا و إن كان ظانا بعدم الفوت .

و السبب فيه ان ذمته مشغولة بالحج ،و العقل يحكم بالخروج عن عهدته
و عدم التسامح و التساهل فيه ،و على هذا فان كان مطمئنا بعدم الفوت اذا أخر
جاز ،و حينئذ فاذا فات اتفاقا لم يصدق أنه تسامح فيه ،و لذلك يكون معذورا ،
و إن لم يكن مطمئنا به لم يجز ،و حينئذ اذا أخر وفات و الحال هذه لم يكن
معذورا .

و دعوى :ان الظن و إن لم يكن حجة ،الاّ أنه لا مانع في المقام من التمسك
باستصحاب بقاء القدرة عليه و التمكن منه الى السنة القادمة .

مدفوعة :بأن الاستصحاب لا يجري الاّ على نحو مثبت ،حيث ان الأثر

--( 277 )--

أخر عصى و عليه القضاء ( 1 ) و الكفارة و إذا مات وجب قضاؤه عنه ،كما أن
في صورة الإطلاق إذا مات بعد تمكنه منه قبل إتيانه وجب القضاء عنه ،
و القول بعدم وجوبه بدعوى أن القضاء بفرض جديد ،ضعيف لما يأتي .

و هل الواجب القضاء من أصل التركة أو من الثلث ؟قولان .

فذهب جماعة إلى القول بأنه من الأصل لأن الحج واجب مالي
و إجماعهم قائم على أن الواجبات المالية تخرج من الأصل .

و ربما يورد عليه بمنع كونه واجبا ماليا و إنما هو أفعال مخصوصة
بدنية و إن كان قد يحتاج إلى بذل المال في مقدماته كما أن الصلاة أيضا قد
تحتاج إلى بذل المال في تحصيل الماء و الساتر و المكان و نحو ذلك .

و فيه أن الحج في الغالب محتاج إلى بذل المال بخلاف الصلاة
و سائر العبادات البدنية فإن كان هناك إجماع أو غيره على أن الواجبات
المالية من الأصل يشمل الحج قطعا .

و أجاب صاحب الجواهر رحمه اللّه بأن المناط في الخروج من الأصل كون

الشرعي لا يترتب عليه ،فان لازم بقاء القدرة الى السنة القادمة جواز التأخير عقلا
و هو لا يثبت هذا اللازم .

( 1 ) في القضاء اشكال بل منع ،لأنه بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه الاّ في
نذر صوم يوم معين ،و أما في غيره من النذور ،كنذر الحج في سنة معينة ،أو نذر
صلاة الليل أو غيرها ،فلا دليل على وجوب القضاء فيها .

و دعوى :ان الواجبات الشرعية الثابتة في الذمة كالديون المالية ،و لا تفرغ
الذمة عنها الاّ بالاتيان بها ،سواء أ كان بنفسه و مباشرة أم كان بالنيابة ،فاذن يكون
وجوب القضاء على القاعدة ،فلا يحتاج الى دليل ،و يؤيد ذلك ما ورد في رواية
الخثعمية : «إن دين اللّه أحق أن يقضى ».

--( 278 )--

..........
مدفوعة :بأن الدين و إن أطلق على الواجبات الإلهية في الروايات ،الاّ أن
من الواضح ان هذا الاطلاق انما هو بلحاظ أنها ثابتة في عهدة المكلف ،و يجب
عليه الخروج عن عهدتها بالاتيان بها في أوقاتها الخاصة المحدودة ،و أما إذا لم
يقم بذلك في أوقاتها و فاتت تلك الواجبات عنه ،فعندئذ ثبوت بديلها في ذمته
في خارج تلك الأوقات بحاجة الى دليل .و في كل مورد قام دليل على وجوب
البديل و القضاء في خارج الوقت كما في أبواب الصلاة و الصيام و الحج و نحوها
نأخذ به و نعمل على طبقه ،و في كل مورد لم يقم دليل على ذلك فلا شي‏ء في
ذمته ،لان ثبوت أصل الواجب في الذمة محدود في وقته الخاص و يسقط
بسقوط وقته و لا يعقل بقاؤه فيها ،و أما ثبوت بديله و قضائه فيها عوضا عنه في
خارج الوقت فلا دليل عليه .

و إن شئت قلت :إنها و إن كانت ديون إلهية ،الاّ أنها مؤقتة بأوقات خاصة
المعينة و مطلوبة من اللّه تعالى في تلك الأوقات لا مطلقا ،و بانتهائها تنتهي تلك
الديون و لا تبقى ،و حينئذ فاذا ثبت بديلها بعنوان القضاء فهو بأمر جديد و بدليل
آخر ،و من هنا يكون القضاء على خلاف القاعدة ،فاذن يكون سقوط هذه
الديون عن الذمة إما أن يكون بالامتثال ،أو بانتهاء أمدها و وقتها ،سواء أ كان
عامدا و ملتفتا أم كان جاهلا أو غافلا ،و عليه فيكون القضاء دين إلهي آخر غير
الأول و ثابت في الذمة اذا دل عليه دليل .

و أما رواية الخثعمية ،فهي ضعيفة سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليه ،و على
تقدير تماميتها سندا فلا دلالة لها ،لأنها تدل على أن الواجبات الإلهية دين ،
و لا بد من الاتيان بها ،و من المعلوم أنه لا كلام في ذلك ،و انما الكلام في ثبوت
البديل لها في الذمة كالدين في خارج أوقاتها بعد سقوطها بسقوط تلك
الأوقات ،و الرواية لا تدل على ذلك .

و بكلمة :ان المراد من كون الواجبات الإلهية ديونا للّه تعالى على الناس ،
هو أنها ثابتة في ذمتهم بجعل منه سبحانه ،فان كان ثبوتها في العهدة موقتة

--( 279 )--

..........
سقطت بانتهاء وقتها على أساس سقوط الحكم بسقوط موضوعه ،و حينئذ فان
قام دليل على وجوب الاتيان بالبديل لها خارج الوقت فهو ثابت في الذمة ،و الاّ
فلا شي‏ء عليه ،و لا فرق في ذلك بين الواجبات الأولية و الواجبات الثانوية
كالنذر و نحوه ،نعم قد ورد في صحيحة ضريس الكناسي قال : «سألت أبا
جعفر عليه السّلام عن رجل عليه حجة الإسلام ،نذر نذرا في شكر ليحجن به رجلا الى
مكة ،فمات الذي نذر قبل أن يحج عنه حجة الإسلام و من قبل أن يفي بنذره الذي
نذر ،قال :إن ترك مالا يحج عنه حجة الإسلام من جميع المال ،و اخرج من ثلثه
ما يحج به رجلا لنذره ،و قد و في بالنذر ،و إن لم يكن ترك مالا الاّ بقدر ما يحج به
حجة الإسلام حج عنه بما ترك ،و يحج عنه وليّه حجّة النذر ،إنما هو مثل دين
عليه »- 1 - ،تدل على وجوب القضاء في نذر الاحجاج ،و لكن لا بد من الاقتصار
على موردها ،و هو نذر الاحجاج ،و لا يمكن التعدي عنه الى سائر الموارد ،فانه
بحاجة الى قرينة ،ثم انه يخرج من الثلث لا من الأصل ،لأن الخارج من الأصل
أمران :

أحدهما :الدين المالي أعم من الشرعي و العرفي .

و الآخر :حجة الإسلام .و لا دليل على خروج غيرهما من الأصل ،و أما
تشبيهه بالدين كما في الصحيحة فانما هو بلحاظ وجوب قضائه بدلا عنه ،و أنه
لا يسقط عن ذمته الا بالاتيان به عنه ،هذا اضافة الى أنه قد صرح في نفس
الصحيحة على أنه يخرج من الثلث ،في مقابل حجة الإسلام التي تخرج من
الأصل ،و قد نص على ذلك أيضا في صحيحة عبد اللّه بن أبي يعفور قال : «قلت
لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل نذر للّه إن عافى اللّه ابنه من وجعه ليحجّنه الى بيت اللّه
الحرام ،فعافى اللّه الابن و مات الأب ،فقال :الحجة على الأب يؤديها عنه بعض
ولده ،قلت :هي واجبة على ابنه الذي نذر فيه ،فقال :هي واجبة على الأب من

---------------

( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 280 )--

الواجب دينا و الحج كذلك فليس تكليفا صرفا كما في الصلاة و الصوم بل
للأمر به جهة وضعية فوجوبه على نحو الدينية بخلاف سائر العبادات
البدنية فلذا يخرج من الأصل كما يشير إليه بعض الأخبار الناطقة بأنه دين
أو بمنزلة الدين .

قلت :التحقيق أن جميع الواجبات الإلهية ديون اللّه تعالى سواء كانت
مالا أو عملا ماليا أو عملا غير مالي ،فالصلاة و الصوم أيضا ديون للّه و لهما
جهة وضع فذمة المكلف مشغولة بهما و لذا يجب قضاؤهما فإن القاضي
يفرغ ذمة نفسه أو ذمة الميت ،و ليس القضاء من باب التوبة أو من باب
الكفارة بل هو إتيان لما كانت الذمة مشغولة به و لا فرق بين كون الاشتغال
بالمال أو بالعمل ،بل مثل قوله : «للّه عليّ أن أعطي زيدا درهما »دين إلهي لا
خلقي فلا يكون الناذر مديونا لزيد بل هو مديون للّه بدفع الدرهم لزيد ،و لا
فرق بينه و بين أن يقول : «للّه عليّ أن أحجّ »أو «أن أصلي ركعتين »فالكل

ثلثه ،أو يتطوع ابنه فيحج عن أبيه ... »- 1 - و أمّا ما في ذيل الصحيحة الأولى من أنه
إذا لم يترك مالا الا بقدر ما يحج به حجة الإسلام يحج عنه وليه حجة النذر ،فهو
و إن كان ظاهرا في وجوب القضاء على الولي من ماله الخاص ،الا أنه خلاف
الضرورة الفقهية ،فلا بد من حمله على الاستحباب .

و دعوى :ان اعراض الاصحاب عنهما في موردهما ،و عدم العمل بهما
موجب لوهنهما و سقوطهما عن الاعتبار .

مدفوعة :لما ذكرناه غير مرة من أنه لا قيمة لهذه الدعوى لا نظرية و لا
تطبيقية ،و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن قدّس سرّه في المسألة .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .


--( 281 )--

دين اللّه و دين اللّه أحق أن يقضى كما في بعض الأخبار ،و لازم هذا كون
الجميع من الأصل ،نعم إذا كان الوجوب على وجه لا يقبل بقاء شغل
الذمة به بعد فوته لا يجب قضاؤه لا بالنسبة إلى نفس من وجب عليه
و لا بعد موته سواء كان مالا أو عملا مثل وجوب إعطاء الطعام لمن
يموت من الجوع عام المجاعة ،فإنه لو لم يعطه حتى مات لا يجب عليه
و لا على وارثه القضاء لأن الواجب إنما هو حفظ النفس المحترمة
و هذا لا يقبل البقاء بعد فوته ،و كما في نفقة الأرحام فإنه لو ترك الإنفاق
عليهم مع تمكنه لا يصير دينا عليه لأن الواجب سدّ الخلّة و إذا فات لا
يتدارك .

فتحصل أن مقتضى القاعدة في الحج النذري إذا تمكن و ترك حتى
مات وجوب قضائه من الأصل لأنه دين إلهي ،إلا أن يقال بانصراف
الدين عن مثل هذه الواجبات ،و هو محل منع ،بل دين اللّه أحق أن
يقضى .

و أما الجماعة القائلون بوجوب قضائه من الثلث فاستدلوا بصحيحة
ضريس و صحيحة ابن أبي يعفور الدالتين على أن من نذر الإحجاج و مات
قبله يخرج من ثلثه ،و إذا كان نذر الإحجاج كذلك مع كونه ماليا قطعا فنذر
الحج بنفسه أولى بعدم الخروج من الأصل .

و فيه أن الأصحاب لم يعملوا بهذين الخبرين في موردهما ( 1 ) فكيف
يعمل بهما في غيره .


( 1 ) مر أنه لا مناص من العمل بهما في موردهما .نعم لا يمكن التعدي
عنه الى سائر الموارد و الحكم بوجوب القضاء فيها .

--( 282 )--

و أما الجواب عنهما بالحمل على صورة كون النذر في حال المرض
بناء على خروج المنجزات من الثلث فلا وجه له بعد كون الأقوى خروجها
من الأصل .

و ربما يجاب عنهما بالحمل على صورة عدم إجراء الصيغة ،أو على
صورة عدم التمكن من الوفاء حتى مات ،و فيهما ما لا يخفى خصوصا
الأول .

[3116 ]مسألة 9 :إذا نذر الحج مطلقا أو مقيدا بسنة معينة و لم يتمكن من
الإتيان به حتى مات لم يجب القضاء عنه ( 1 ) ،لعدم وجوب الأداء عليه
حتى يجب القضاء عنه ،فيكشف ذلك عن عدم انعقاد نذره .

[3117 ]مسألة 10 :إذا نذر الحج معلقا على أمر كشفاء مريضه أو مجي‏ء
مسافره فمات قبل حصول المعلق عليه هل يجب القضاء عنه أم لا ؟( 2 )

( 1 ) فيه ان عدم وجوب القضاء ليس من جهة ان الأداء غير واجب عليه ،
بل من جهه بطلان النذر و عدم الموضوع لوجوب القضاء ،على أساس أن صحة
النذر مشروطة بالقدرة على العمل المنذور فيه في وقته ،فاذا لم يقدر كشف عن
بطلانه من الأول .

( 2 ) الظاهر أنه لا اشكال في عدم وجوب القضاء عنه ،فان موته لما كان
قبل تحقق شرط وجوب الوفاء به فهو كاشف عن بطلانه ،اذ قبل الموت لم
يتحقق شرطه ،و بعده فلا قدرة عليه .

و دعوى :ان وجوب الوفاء فعلي ،و الواجب متأخر ،كالواجب المعلق ،
فاذن يكون الموت في زمن الوجوب لا قبله .

مدفوعة ،اما أولا :فلأن كونه من الواجب المعلق الذي ذكرنا في علم
الأصول أنه قسم من الشرط المتأخر ،و ليس في مقابله ،و إن كان ممكنا ،لما

--( 283 )--

المسألة مبنية على أن التعليق من باب الشرط أو من قبيل الوجوب
المعلق ( 1 ) ،فعلى الأول لا يجب لعدم الوجوب عليه بعد فرض موته قبل
حصول الشرط و إن كان متمكنا من حيث المال و سائر الشرائط ،و على
الثاني يمكن أن يقال بالوجوب لكشف حصول الشرط عن كونه واجبا
عليه من الأول ،إلا أن يكون نذره منصرفا إلى بقاء حياته حين حصول
الشرط .

[3118 ]مسألة 11 :إذا نذر الحج و هو متمكن منه فاستقر عليه ثم صار
معضوبا لمرض أو نحوه أو مصدودا بعدوّ أو نحوه فالظاهر وجوب استنابته

ذكرناه هناك من أن الشرط المتأخر في مرحلة المبادى و الاتصاف و إن كان
مستحيلا ،الاّ أنه لا مانع منه في مرحلة الاعتبار ،و لكن وقوعه في الخارج بحاجة
الى دليل ،و لا يكفي مجرد تعليق النذر على أمر غير اختياري ،كشفاء المريض
و نحوه ،لأن مقصود الناذر من هذا التعليق ارتكازا هو أن الوجوب يتحقق بعد
تحقق الشرط ،لا أنه متحقق من حين النذر بنحو الشرط المتأخر .

و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم انه بنحو الوجوب المعلق ،الاّ أن
هذا الوجوب كما أنه مشروط بالشرط المذكور مشروط بالقدرة أيضا ،فاذا مات
الناذر قبل تحقق الشرط يكشف عن عدم القدرة على المنذور في وقت العمل ،
فاذا لم يكن قادرا عليه في ذلك الوقت كان كاشفا عن بطلانه من الأول ،و عدم
الوجوب في الواقع و إن قلنا بأنه مشروط بالقدرة في ظرف العمل بنحو الشرط
المتأخر .

( 1 ) مر أنه لا وجوب للوفاء بالنذر في الواقع و إن قلنا أنه من باب
الوجوب المعلق ،باعتبار أن موت الناذر يكشف عن عدم قدرته عليه في ظرف
العمل ،و هو يكشف عن بطلانه من الأول .

--( 284 )--

حال حياته ( 1 ) لما مر من الأخبار سابقا في وجوبها ،و دعوى اختصاصها
بحجة الإسلام ممنوعة كما مر سابقا ( 2 ) ،و إذا مات وجب القضاء عنه ( 3 ) ،
و إذا صار معضوبا أو مصدودا قبل تمكنه و استقرار الحج عليه أو نذر و هو
معضوب أو مصدود حال النذر مع فرض تمكنه من حيث المال ففي
وجوب الاستنابة و عدمه حال حياته و وجوب القضاء عنه بعد موته قولان ،
أقواهما العدم و إن قلنا بالوجوب بالنسبة إلى حجة الإسلام ( 4 ) إلا أن يكون
قصده من قوله : «للّه علي أن أحجّ »الاستنابة .


( 1 ) في الظهور اشكال بل منع ،و الأقوى عدم وجوب الاستنابة عليه ،لعدم
الدليل ،فان الروايات التي تنص على وجوبها لا تعم الحج النذري ،بل الظاهر
منها اختصاصها بحجة الإسلام ،و قد تقدم منه قدّس سرّه في الفصل السابق في المسألة
( 72 ) عدم وجوب الاستنابة في الحج النذري و الإفسادي ،و أن القدر المتيقن
منها هو حجة الإسلام .

( 2 ) قد سبق منه قدّس سرّه خلافه في المسألة ( 72 ) من الفصل السابق .

( 3 ) مر في المسألة ( 8 ) أنه لا دليل على وجوب القضاء عنه الاّ في نذر
الاحجاج .

( 4 ) الظاهر وجوب الاستنابة على من عنده الامكانية المالية لحجة
الإسلام اذا منعه عن ممارستها مباشرة مرض أو حصر أو غيرهما مما يعذره اللّه
تعالى فيه ،لإطلاق النص و هو صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا
قدر الرجل على ما يحج به ،ثم دفع ذلك ،و ليس له شغل يعذره به ،فقد ترك
شريعة من شرايع الإسلام ،و إن كان موسرا و حال بينه و بين الحج مرض أو
حصر أو أمر يعذره اللّه فيه فان عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له ... »- 1 -

---------------

( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .


--( 285 )--

[3119 ]مسألة 12 :لو نذر أن يحج رجلا في سنة معينة فخالف مع تمكنه
وجب عليه القضاء ( 1 ) و الكفارة ،و إن مات قبل إتيانهما يقضيان من أصل

فانه باطلاقه يشمل ما اذا طرأ المانع في سنة الاستطاعة ،و أما الحج النذري
فالظاهر أنه غير منعقد في المقام ،على أساس أن صحته مشروطة بالتمكن
و القدرة على الوفاء به في ظرفه ،و الفرض عدمه ،فاذن لا مجال للبحث عن
وجوب الاستنابة عنه .

( 1 ) في وجوب القضاء اشكال بل منع ،لعدم الدليل عليه ،فان الدليل على
وجوب قضاء نذر الاحجاج مختص بالصحيحتين المتقدمتين ،هما صحيحة
ضريس - 1 - و صحيحة ابن أبي يعفور - 2 - ،و بما أن موردهما نذر الإحجاج بدون
التقييد بسنة معينة و وقت خاص ،فلا يمكن التعدي عنه الى نذر الاحجاج
المقيد بسنة معينة ،فانه بحاجة الى قرينة ،باعتبار أن الحكم و هو وجوب القضاء
يكون على خلاف القاعدة ،و الفرض أنه لا قرينة عليه لا في الداخل و لا من
الخارج .

و دعوى :أن صحيحة ضريس باطلاقها تعم نذر الاحجاج المقيد بسنة
خاصة .

مدفوعة :فان قوله عليه السّلام : «و من قبل أن يفي بنذره ... »- 3 - يدل على أنه
مطلق ،على أساس أن الظاهر منه أنه مأمور بالوفاء بالنذر الى حين الموت ،و هذا
لا يمكن الاّ أن يكون النذر مطلقا ،اذ لو كان مقيدا بسنة خاصة ،فان مات قبل
تلك السنة أو فيها كان كاشفا عن بطلان النذر لمكان عدم القدرة ،و إن مات
بعدها فقد سقط عنه الأمر بالوفاء به بسقوط موضوعه و هو الوقت ،غاية الأمر إن
كان تاركا الوفاء به عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي كان آثما ،و عليه الكفارة ،

---------------

( 1 ) الوسائل باب :29 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :29 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .



---------------

( 3 ) الوسائل باب :29 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 286 )--

التركة ( 1 ) لأنهما واجبان ماليان بلا إشكال ،و الصحيحتان المشار إليهما
سابقا الدالتان على الخروج من الثلث معرض عنهما ( 2 ) كما قيل أو
محمولتان على بعض المحامل ،و كذا إذا نذر الإحجاج من غير تقييد بسنة
معينة مطلقا أو معلقا على شرط و قد حصل و تمكن منه و ترك حتى مات
فإنه يقضى عنه من أصل التركة ( 3 ) ،و أما لو نذر الإحجاج بأحد الوجوه
و لم يتمكن منه حتى مات ففي وجوب قضائه و عدمه وجهان ،أوجههما

و الاّ فلا شي‏ء عليه .

فالنتيجة :انه لا يتصور كونه مأمورا فعلا بالوفاء و العمل بذلك النذر
الموقت ،فان موته ان كان قبل الوقت أو فيه فهو كاشف عن بطلانه من الأول
و عدم انعقاده ،و إن كان بعده فقد سقط عنه بسقوط موضوعه ،فمن أجل ذلك لا
يكون مشمولا للصحيحة .

( 1 ) بل من الثلث على تقدير تسليم وجوب القضاء في هذا الفرض ،لما
مر من أنه لا دليل على أن كل واجب مالي يخرج من الأصل كالكفارة و نحوها ،
فان الثابت بالنص انما هو الدين المالي الأعم من العرفي و الشرعي ،كالخمس
و الزكاة و نحوهما اذا كانت في الذمة ،و حجة الإسلام ،و لا دليل على ما عدا ذلك ،
هذا اضافة الى نص الصحيحتين المذكورتين على أن قضاء نذر الاحجاج يخرج
من الثلث .

( 2 ) هذا لا من جهة الاعراض عنهما ،بل من جهة ما مر من أن
الصحيحتين في نفسهما لا تشملان نذر الاحجاج الموقت ،و الاّ فقد مر أنه لا أثر
للإعراض ،و لا توجب سقوطهما عن الاعتبار .

( 3 ) بل يقضى من الثلث ،لما تقدم من أنه مضافا إلى عدم الدليل على
أنه يقضى من الأصل ،قد نصت الصحيحتان المذكورتان على أنه يقضى من
الثلث .

--( 287 )--

ذلك ( 1 ) لأنه واجب مالي أوجبه على نفسه فصار دينا ،غاية الأمر أنه ما لم
يتمكن معذور ،و الفرق بينه و بين نذر الحج بنفسه أنه لا يعد دينا مع عدم
التمكن منه و اعتبار المباشرة بخلاف الإحجاج فإنه كنذر بذل المال كما إذا

و دعوى الاجماع على أنه يخرج من الأصل ،مدفوعة بأنه لا طريق لنا الى
اثبات الاجماع في المسألة لا تطبيقيا و لا نظريا .

( 1 ) بل الأظهر التفصيل بين النذر المعلق و النذر المطلق ،فعلى الأول
وجوب القضاء ،و على الثاني عدم وجوبه .

اما وجه الوجوب على الأول ،فهو ليس من جهة ما ذكره الماتن قدّس سرّه ،من
أنه دين ،فانه لو تم لكان مقتضاه عدم الفرق بين النذر المعلق و المطلق ،فكما ان
الأول دين فكذلك الثاني ،و قد تقدم أنه لا دليل على أن كل دين يجب قضاؤه ،
فان جميع الواجبات الإلهية دين على الناس ،مع أنه لا يجب قضاؤها ،الا ما قام
الدليل على وجوب قضائه ،بل من جهة صحيحة مسمع ،قال : «قلت لأبي
عبد اللّه عليه السّلام :كانت لي جارية حبلى ،فنذرت للّه عز و جلّ ان ولدت غلاما أن
احجّه ،أو أحج عنه ،فقال :ان رجلا نذر للّه عز و جل في ابن له إن هو ادرك أن
يحج عنه أو يحجّه ،فمات الأب و أدرك الغلام بعد ،فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الغلام
فسأله عن ذلك ،فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يحج عنه مما ترك أبوه »- 1 - فانها تدل
بالمطابقة على وجوب قضاء النذر المعلق و ان مات الناذر قبل حصول المعلق
عليه خارجا ،و بالالتزام على صحة هذا النذر ،و بما أن موردها النذر المعلق فلا
يمكن التعدي عنه الى النذر المطلق اذا مات الناذر قبل التمكن منه ،فانه بحاجة
الى قرينة ،و لا قرينة عليه ،فمن أجل ذلك فالأظهر هو التفصيل بينهما .

ثم إن مقتضى اطلاق قوله عليه السّلام في الصحيحة : «مما ترك أبوه »جواز

---------------

( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب كتاب النذر و العهد الحديث :1 .


--( 288 )--

قال : «للّه علي أن أعطي الفقراء مائة درهم »( 1 ) و مات قبل تمكنه ،و دعوى
كشف عدم التمكن عن عدم الانعقاد ممنوعة ،ففرق بين إيجاب مال على
نفسه أو إيجاب عمل مباشري و إن استلزم صرف المال فإنه لا يعد دينا عليه
بخلاف الأول .

[3120 ]مسألة 13 :لو نذر الاحجاج معلقا على شرط كمجي‏ء المسافر أو
شفاء المريض فمات قبل حصول الشرط مع فرض حصوله بعد ذلك
و تمكنه منه قبله فالظاهر وجوب القضاء عنه ( 2 ) إلا أن يكون مراده التعليق
على ذلك الشرط مع كونه حيا حينه ،و يدل على ما ذكرنا خبر مسمع بن عبد
الملك فيمن كان له جارية حبلى فنذر إن هي ولدت غلاما أن يحجه أو
يحج عنه ،حيث قال الصادق عليه السّلام -بعد ما سئل عن هذا - : «إن رجلا نذر
في ابن له إن هو أدرك أن يحجه أو يحج عنه فمات الأب و أدرك الغلام بعد
فأتى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فسأله عن ذلك فأمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يحج عنه مما
ترك أبوه »و قد عمل به جماعة ،و على ما ذكرنا لا يكون مخالفا للقاعدة ( 3 )

اخراجه من الأصل ،و لكن لا بد من تقييد هذا الاطلاق بالصحيحتين المتقدمتين
الناصتين على اخراجه من الثلث تطبيقا لحمل الظاهر على النص .

( 1 ) تقدم أن مفاده لا يرجع الى اشتغال ذمة الناذر للفقراء ،و كونه مديونا
لهم ،بل مفاده الالتزام بالاعطاء و البذل عليهم للّه تعالى ،و عليه فبما أن الناذر مات
قبل التمكن منه ،فلا ينعقد نذره ،و قد مر أنه لا يمكن التعدي عن مورد صحيحة
مسمع الى مثل هذا المورد .

( 2 ) لصحيحة مسمع ،و لكنه يخرج من الثلث لا من الأصل -كما مر .

( 3 ) بل هو مخالف لها ،اذ مقتضاها بطلان النذر اذا مات الناذر قبل
حصول المعلق عليه في الخارج ،باعتبار أن موته كاشف عن أنه لم يكن متمكنا

--( 289 )--

كما تخيله سيد الرياض و قرره عليه صاحب الجواهر و قال :إن الحكم فيه
تعبدي على خلاف القاعدة .

[3121 ]مسألة 14 :إذا كان مستطيعا و نذر أن يحج حجة الإسلام انعقد على
الأقوى و كفاه حج واحد ،و إذا ترك حتى مات وجب القضاء عنه ( 1 )
و الكفارة من تركته ( 2 ) ،و إذا قيده بسنة معينة فأخر عنها وجب عليه الكفارة ،
و إذا نذره في حال عدم الاستطاعة انعقد أيضا و وجب عليه تحصيل
الاستطاعة مقدمة إلا أن يكون مراده الحج بعد الاستطاعة .

[3122 ]مسألة 15 :لا يعتبر في الحج النذري الاستطاعة الشرعية ( 3 ) بل
يجب مع القدرة العقلية ،خلافا للدروس ،و لا وجه له إذ حاله حال سائر

من الوفاء به في ظرفه ،و لكن مع ذلك لا مناص من العمل بالصحيحة في
موردها .

( 1 ) مر في المسألة ( 10 ) أنه لا دليل على وجوب القضاء عنه و الاتيان
بالبديل بعنوان الحج المنذور فيه و انما يجب عليه القضاء عنه و الاتيان بالبديل
بنية حجة الإسلام و باسمها .

( 2 ) بل من الثلث كما مر .

( 3 ) الظاهر اعتبارها فيه ،لما مر من ان المستفاد من مثل قوله عليه السّلام : «شرط
اللّه قبل شرطكم »- 1 - هو أن الالتزامات و الشروط من قبل الناس انما تلحظ في
مرتبة متأخرة عن شروط اللّه تعالى ،و هذا يعني أن وجوب الوفاء بها مشروط
بأن لا يكون مسبوقا بشرط اللّه في المرتبة السابقة و بقطع النظر عنه ،و الاّ فلا
وجوب له ،و من هنا قلنا إن وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح أن يزاحم أي وجوب
شرعي مجعول من اللّه تعالى في الشرع ،لأنه بصرف وجوده فيه رافع له حقيقة ،
و وارد عليه ،و هذا معنى أنه مشروط بالقدرة الشرعية ،بمعنى عدم المانع الأعم

---------------

( 1 ) الوسائل باب :38 من أبواب المهور الحديث :1 .


--( 290 )--

الواجبات التي تكفيها القدرة عقلا .

[3123 ]مسألة 16 :إذا نذر حجا غير حجة الإسلام في عامه و هو مستطيع
لم ينعقد ( 1 ) ،إلا إذا نوى ذلك على تقدير زوالها فزالت ،و يحتمل الصحة
مع الإطلاق أيضا إذا زالت حملا لنذره على الصحة ( 2 ) .


من التكويني و التشريعي ،و بذلك يظهر حال ما في المتن .

( 1 ) هذا هو الصحيح ،لا من جهة أن وجوب حجة الإسلام أهم من
وجوب الوفاء بالنذر ،و الاّ لأمكن الحكم بصحة الحج المنذور فيه على تقدير
عدم الاشتغال بحجة الإسلام على القول بالترتب ،بل من جهة ما ذكرناه من أن
وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج ،فانه بصرف وجوده
و ثبوته في الشرع رافع له حقيقة بارتفاع موضوعه ،باعتبار أنه مشروط بعدم
وجوده لا بعدم الاشتغال بمتعلقه .

( 2 ) فيه انه لا مجال للتمسك بأصالة الصحة في المقام .

اما اولا :فلأن الشبهة في المقام بما أنها حكمية ،باعتبار أن مرد الشك فيه
الى الشك في أن صحة نذر الحج في عام الاستطاعة هل هي مشروطة بأن لا
يكون في عامها أو لا ؟فلا يمكن التمسك فيها بأصالة الصحة ،لأنها مختصة
بالشبهات الموضوعية ،و مفادها تطبيق الحكم الكلي على مصاديقه ،لا اثباته
و جعله ،و الاّ لكانت من القواعد الأصولية دون الفقهية ،مع أن الأمر ليس كذلك .

و ثانيا :إنا ذكرنا في علم الأصول أن أصالة الصحة من الأصول العقلائية
في باب العقود و الايقاعات و قد بنى عليها العقلاء ،و حيث أن بنائهم على العمل
بشي‏ء لا يمكن أن يكون جزافا ،فلا محالة يكون مبنيا على نكتة مبررة له ،و تلك
النكتة هي كاشفية تلك الأصالة و أماريتها النوعية الناشئة من ظهور حال الانسان
في بابي العقود و الايقاعات ،و على هذا فأصالة الصحة لا تقتضي حمل نذر
الحج في عام الاستطاعة على المقيد بزوالها حتى يكون صحيحا ،و ذلك لأمور :

--( 291 )--

..........
الأول :إن الشبهة في المقام حكمية كما مر ،و لا تجري فيها أصالة الصحة ،
لأن مفادها ليس اثبات صحة العقد او الإيقاع المشكوك في الشريعة المقدسة
صحتها و جعلها ،بل مفادها أن المشكوك مصداق للصحيح فيها ،بمعنى أنه
واجد لتمام واجباته من الأجزاء و الشروط اولا .

الثاني :ان الناذر في المقام لم ينو المقيد ،و انما نوى المطلق ،فلا يدور ما
صدر منه بين المطلق و المقيد حتى تقتضي اصالة الصحة أنه مقيد .

الثالث :مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن ما صدر منه مردد بين المطلق
و المقيد ،الاّ أن الأصالة انما تقتضي حمله على المقيد اذا كان الناذر حين النذر
ملتفتا الى تمام ما هو دخيل في صحته من الشروط و القيود ،منها تقييده بزوال
الاستطاعة ،و أما إذا كان غافلا ،أو معتقدا صحته مطلقا ،فلا تجري الأصالة ،لما مر
من أنها من الأصول العقلائية التي تكون حجيتها من باب الكاشفية و الأمارية ،
دون الأصول التعبدية الصرفة .

فالنتيجة :انه لا مجال للتمسك بأصالة الصحة في المقام أصلا .

ثم إن هل يمكن الحكم بصحة هذا النذر ؟أو أن صحته مشروطة بأن لا
يكون في عام الاستطاعة ؟الظاهر هو الثاني ،بل لا شبهة فيه ،لما مر في غير مورد
من أن وجوب الوفاء بالنذر لا يصلح أن يزاحم أيّ وجوب آخر ثابت في الشرع
بقطع النظر عنه ،فمن أجل ذلك لا يمكن وجوب الوفاء بالنذر مع وجوب حجة
الإسلام ،و أما إذا نذر الحج في عام الاستطاعة ،ثم زالت ،فهل يمكن الحكم
بصحة هذا النذر أو لا ؟فيه وجهان :قد يقال بالأول ،بدعوى أن مقتضى اطلاق
دليل وجوب الوفاء بالنذر وجوب الوفاء به ،و الخارج من هذا الاطلاق إنما هو
النذر المزاحم للواجب ،فاذا زالت الاستطاعة ينكشف أنه لا مزاحم لنذره في
الواقع و إن كان الناذر لا يعلم بذلك .

و الجواب :أن النذر أمر قصدي يتبع قصد الناذر في السعة و الضيق ،و على
هذا فإن كان قاصدا الحج في عام الاستطاعة مطلقا ،أي سواء أزالت الاستطاعة أم
لا ،فهو غير صحيح ،و المقيد و هو الحصة المساوقة لزوال الاستطاعة غير

--( 292 )--

[3124 ]مسألة 17 :إذا نذر حجا في حال عدم الاستطاعة الشرعية ثم
حصلت له فإن كان موسعا أو مقيدا بسنة متأخرة قدم حجة الإسلام ( 1 )
لفوريتها ،و إن كان مضيقا بأن قيده بسنة معينة و حصل فيها الاستطاعة أو
قيده بالفورية قدمه ( 2 ) ،و حينئذ فإن بقيت الاستطاعة إلى العام القابل
وجبت و إلا فلا لأن المانع الشرعي كالعقلي ،و يحتمل وجوب تقديم

مقصود ،و إن كان قاصدا المقيد فهو و إن كان صحيحا ،الاّ أنه خلاف الفرض ،فان
المفروض أنه قاصد المطلق ،الاّ أن يكون المراد من المطلق الطبيعة المهملة
المساوقة للموجبة الجزئية ،لكن ذلك خلاف مفروض الكلام في المسألة ،فانه
انما هو في المطلق المقابل للمقيد .

فالنتيجة :ان الناذر اذا نذر حجا آخر في عام الاستطاعة مطلقا ،فلا يمكن
تصحيحه ،لأن ما قصده و هو المطلق لا يمكن الحكم بصحته ،و ما يمكن الحكم
بصحته و هو المقيد ،يعني حصة خاصة منه و هي المساوقة لزوال الاستطاعة غير
مقصود ،فلذلك لا يمكن الحكم بصحة النذر المطلق في سنة الاستطاعة .

فتحصل أن ما أفاده الماتن من الحمل على الصحة في صورة اطلاق
الناذر النذر و عدم قصد التقييد لا يمكن الأخذ به .

( 1 ) هذا اذا كان الحج المنذور مقيدا بسنة متأخرة عن سنة حصول
الاستطاعة ،و أما اذا كان موسعا فينطبق على ما أتى به في عام الاستطاعة من
الحج ،كما ينطبق عليه حجة الإسلام ،باعتبار أنها عبارة عن الحجة الأولى
للمستطيع شريطة أن يكون قاصدا لكلا العنوانين و الاسمين المميزين لهما
شرعا .

( 2 ) التقديم ممنوع ،و لا أصل له ،و ذلك لأن الناذر إن قصد حجة أخرى
غير حجة الإسلام في تلك السنة المعينة التي حصلت الاستطاعة فيها ،كشف
حصولها عن بطلان النذر و عدم انعقاده ،لما مر من أنه لا يصلح أن يزاحم

--( 293 )--

النذر ( 1 ) و لو مع كونه موسعا لأنه دين عليه بناء على أن الدين و لو كان
موسعا يمنع عن تحقق الاستطاعة خصوصا مع ظن عدم تمكنه من الوفاء
بالنذر إن صرف استطاعته في حجة الإسلام .

[3125 ]مسألة 18 :إذا كان نذره في حال عدم الاستطاعة فوريا ثم
استطاع ( 2 ) و أهمل عن وفاء النذر في عامه وجب الإتيان به في العام القابل
مقدما على حجة الإسلام و إن بقيت الاستطاعة إليه لوجوبه عليه فورا

وجوب حجة الإسلام فيها ،فانه بصرف وجوده و ثبوته في الشرع رافع له
بارتفاع موضوعه ،و إن قصد به حجة الإسلام وفاء للنذر كفى و يكون مصداقا
لهما معا .

( 1 ) فيه أن هذا الاحتمال ضعيف جدا ،لما مر من أن وجوب الوفاء بالنذر
لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج ،فضلا عن احتمال تقديمه عليه ،و مجرد كونه
دينا بمعنى ثبوته في ذمة الناذر لا يصلح لذلك ،فان ما يتقدم على وجوب الحج
في مقام المزاحمة انما هو وجوب الوفاء بالدين المالي لا مطلق الدين .

و إن شئت قلت :إن وجوب الحج مشروط بالاستطاعة التي هي مركبة من
العناصر التالية ،الامكانية المالية لدى الشخص ،و الأمن و السلامة في الطريق
و عند ممارسة أعمال الحج على نفسه و عرضه و ماله ،و ما به الكفاية .فاذا توفرت
هذه العناصر فيه وجب عليه الحج ،و حينئذ فاذا كان عليه دين مالي شرعا أو
عرفا وقع التزاحم بين وجوب أدائه ،و وجوب الحج ،و بما أن وجوب أدائه أهم
أو محتمل الأهمية فيتقدم عليه .

( 2 ) فيه ان الاستطاعة تكشف عن بطلان النذر و عدم انعقاده ،لما مر من
أن وجوب الوفاء به مشروط حدوثا و بقاء بأن لا يكون مخالفا لشرط اللّه في
المرتبة السابقة ،و الاّ فلا موضوع له ،و بما أنه في المقام مخالف لوجوب الحج
بعد الاستطاعة فبطبيعة الحال يرتفع بارتفاع موضوعه ،هذا اذا كان الحج

--( 294 )--

ففورا ( 1 ) فلا يجب عليه حجة الإسلام إلا بعد الفراغ عنه ،لكن عن
المنذور غير حجة الإسلام .و أما إذا كان طبيعي الحج القابل للانطباق عليها فلا
تنافي بينهما ،و حينئذ فإن أتى بالحج في هذه السنة انطبق عليه كل من حجة
الإسلام و الحج المنذور شريطة أن يكون قاصدا لهما باسميهما المميزين لهما
شرعا ،فاذن يكون مصداقا لحجة الإسلام التي هي عبارة عن الحجة الأولى
للمستطيع و الحج المنذور معا لانطباقهما عليه ،و كذلك الحال اذا أهمل في السنة
الأولى و أتى به في السنة الثانية كذلك بشرط أن لا يكون نذره مقيدا بالسنة
الأولى ،و الاّ فعليه الكفارة و الإثم دون القضاء ،كما تقدم .

( 1 ) مر أن وجوبه يرتفع وجدانا بوجوب الحج بالاستطاعة بارتفاع
موضوعه ،و عليه فلا وجوب للوفاء به حتى يتقدم على وجوب الحج و يكون
محركا للمكلف نحو الوفاء به فورا ففورا ،و قد تقدم أن ما ذكره الماتن قدّس سرّه من
تقديم وجوب الوفاء بالنذر على وجوب الحج مبني على أن يكون وجوب
الحج مشروطا بالقدرة الشرعية ،بمعنى عدم المانع الأعم من التكويني
و التشريعي ،و وجوب النذر مشروطا بالقدرة العقلية أو الشرعية ،بمعنى عدم
الاشتغال بضد واجب ،و حينئذ يكون مانعا تشريعيا عن وجوب الحج .

و لكن قد ذكرنا هناك أن الأمر بالعكس تماما ،لأن المستفاد من دليل
وجوب الوفاء بالنذر أنه مشروط بعدم ثبوت حكم شرعي في مورده في المرتبة
السابقة و بقطع النظر عنه ،و من هنا قلنا إنه لا يصلح أن يزاحم أي حكم شرعي
ثابت في الشرع ،فانه بصرف ثبوته فيه رافع له بارتفاع موضوعه وجدانا ،و اما
المستفاد من دليل وجوب الحج كالآية الشريفة و الروايات المفسرة لها ،أنه
مشروط بالقدرة التكوينية العقلية ،في مقابل العجز التكويني الاضطراري ،و أمّا
تسميتها بالقدرة الشرعية فمن أجل أنها دخيلة في ملاك الحكم في مرحلة
المبادئ أيضا ،و هذا يعني أنها كما تكون من شروط الحكم في مرحلة الاعتبار

--( 295 )--

الدروس أنه قال بعد الحكم بأن استطاعة النذر شرعية لا عقلية : «فلو نذر
ثم استطاع صرف ذلك إلى النذر ( 1 ) فإن أهمل و استمرت الاستطاعة إلى
العام القابل وجب حجة الإسلام أيضا »( 2 ) و لا وجه له ( 3 ) ،

تكون من شروط الاتصاف في مرحلة المبادي ،كغيرها من القيود المأخوذة في
لسان الدليل في موضوع الحكم ،و بذلك تمتاز عن القدرة العقلية الصرفة ،فإنها
شرط للحكم في مرحلة الاعتبار فقط ،بملاك حكم العقل بقبح تكليف العاجز .

( 1 ) بل صرف في الحج ،لما مر من أن الاستطاعة تكشف عن بطلان النذر
من الأول ،اذ لا يمكن ثبوت وجوب الوفاء به مع وجوب الحج بالاستطاعة .

( 2 ) بل ظهر مما مر أن وجوبها هو المتعين ،لأنه بصرف وجوده رافع
لوجوب الوفاء بالنذر بارتفاع موضوعه .

( 3 ) تبيّن مما مر أنه كما لا وجه لما ذكره الشهيد قدّس سرّه لا وجه لما ذكره
الماتن قدّس سرّه أيضا ،هذا اضافة الى أنّا لو قلنا فرضا بتقديم النذر على الحج
بملاك أن وجوب الحج مشروط بالقدرة الشرعية دون وجوب الوفاء بالنذر ،فلا
فرق بين السنة الأولى و الثانية ،لأن وجوب الوفاء بالنذر في كلتا السنتين
رافع لوجوب الحج بارتفاع موضوعه ،الاّ أن يكون مراد الشهيد قدّس سرّه من ذلك أن
النذر إنما يتقدم على الحج اذا سبقه زمنا لا مطلقا ،و بما أن ذلك في
السنة الأولى فيتقدم عليه تطبيقا للترجيح بالسبق الزمني ،و أما إذا تماهل
و تسامح فيه و لم يأت في السنة الأولى و قد ظلت الاستطاعة باقية الى السنة
اللاحقة فلا فرق بينهما في هذه السنة ،لأن وجوب النذر فورا في السنة الأولى
قد يسقط بسقوط موضوعه ،و أما وجوبه فورا في السنة اللاحقة فلا يكون
متقدما عليه زمنا ،فاذن لا موجب للتقديم ،هذا ،و لكن قد ذكرنا في علم الأصول
أن السبق الزمني لا يكون مرجحا مستقلا في باب التزاحم ،و بذلك يظهر حال ما
بعده .

--( 296 )--

نعم لو قيد نذره بسنة معينة و حصل فيها الاستطاعة فلم يف به و بقيت
استطاعته إلى العام المتأخر أمكن أن يقال بوجوب حجة الإسلام أيضا لأن
حجه النذري صار قضاء موسعا ( 1 ) ،ففرق بين الإهمال مع الفورية
و الإهمال مع التوقيت بناء على تقديم حجة الإسلام مع كون النذر موسعا
( 2 ) .

[3126 ]مسألة 19 :إذا نذر الحج و أطلق من غير تقييد بحجة الإسلام و لا
بغيره و كان مستطيعا أو استطاع بعد ذلك فهل يتداخلان فيكفي حج واحد
عنهما أو يجب التعدد أو يكفي نية الحج النذري عن حجة الإسلام دون
العكس ؟( 3 ) أقوال ،أقواها الثاني ( 4 ) لأصالة تعدد المسبب بتعدد السبب ،

( 1 ) تقدم في المسألة ( 8 ) عدم الدليل على وجوب القضاء الاّ في نذر
الاحجاج .

( 2 ) مر منه قدّس سرّه في المسألة ( 17 ) احتمال تقديم النذر على الحج و إن كان
موسعا ،معللا بكونه دينا ،و لكن قد تقدم أنه لا موضوع للنذر مع الحج ،فضلا
عن كونه مزاحما له أو مقدما عليه .

( 3 ) يظهر وجهه مما مر من انه لا يكفي الاصل و لا العكس .

( 4 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر هو الأول ،لما مر من أن النذر اذا كان
متعلقا بطبيعي الحج الجامع فهو ينطبق على حجة الإسلام أيضا انطباق الطبيعي
على فرده ،و لا يرتبط ذلك بمسألة أن مقتضى الأصل فيما إذا تعدد السبب
و اتحد المسبب هل هو التداخل فيه أو لا ؟مثل ( اذا أفطرت فكفّر ) و ( اذا ظاهرت
فكفّر ) ،فان تلك المسألة أجنبية عن المقام حيث أن محل الكلام فيه هو ما اذا
تعلق النذر بالطبيعي الجامع ،و وجوب الحج بحصة خاصة منه و هي حجة
الإسلام المتمثلة في الحجة الأولى للمستطيع ،و على هذا فاذا حج المستطيع

--( 297 )--

و القول بان الأصل هو التداخل ضعيف ،و استدل الثالث بصحيحتي رفاعة
و محمد بن مسلم : «عن رجل نذر أن يمشي إلى بيت اللّه فمشى هل يجزئه
عن حجة الإسلام ؟قال عليه السّلام :نعم » ،و فيه أن ظاهرهما كفاية الحج النذري
عن حجة الإسلام مع عدم الاستطاعة ( 1 ) و هو غير معمول به ،و يمكن

ناويا به حجة الإسلام و الحج النذري معا كفى عن كليهما كذلك ،لانطباق كل
منهما على الفرد المأتي به في الخارج ،و إن نوى به التمتع بقصد حجة الإسلام
فقط دون الحج النذري لم يكف عنه ،لأن كل واجب اذا كان له اسم خاص
المميز له شرعا اذا اراد المكلف أن يأتي به لا بد من أن يقصد به الاسم الخاص
له ،و الاّ لم يقع ،فاذا نذر صوم يوم الجمعة في أول كل شهر رجب -مثلا -و صام
ذلك اليوم مجردا عن قصد الوفاء بالنذر لم يف به ،و انما وقع مستحبا ،باعتبار أن
الصوم بنفسه مستحب عام ،و إن نوى به التمتع وفاء للنذر فحسب أجزأ عن
الحج النذري دون حجة الإسلام ،باعتبار أن عنوان حجة الإسلام عنوان قصدي .

( 1 ) فيه اشكال بل منع ،اذ لا ظهور للروايتين في كفاية الحج النذري عن
حجة الإسلام مع عدم الاستطاعة ،بل الحكم باجزائه عنها فيهما قرينة على أن
ذلك كان مع الاستطاعة ،اذ كيف يمكن أن يكون الحج النذري مجزيا عنها مع
عدم الاستطاعة رغم أن الاستطاعة شرط لوجوبها ؟ !بل في صحيحة رفاعة قرينة
على الاستطاعة ،و إليك نصّها : «قال :سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نذر أن
يمشي الى بيت اللّه الحرام ،هل يجزيه ذلك عن حجة الإسلام ؟قال :نعم .قال :
و إن حج عن غيره و لم يكن له مال و قد نذر أن يحج ماشيا ،أ يجزي عنه ذلك من
مشيه ؟قال :نعم »- 1 - فان تقييد الحج عن غيره بعدم المال له يدل على وجوبه
عن نفسه اذا كان له مال ،و هذا معنى اشتراطه بالاستطاعة ،و الاّ لكان هذا التقييد

---------------

( 1 ) الوسائل باب :27 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :3 .


--( 298 )--

حملهما على أنه نذر المشي ( 1 ) لا الحج ثم أراد أن يحج فسئل عليه السّلام عن أنه
هل يجزئه هذا الحج الذي أتى به عقيب هذا المشي أم لا ؟فأجاب عليه السّلام
بالكفاية ،نعم لو نذر أن يحج مطلقا ( 2 ) -أيّ حج كان -كفاه عن نذره حجة
الإسلام بل الحج النيابي و غيره أيضا لأن مقصوده حينئذ حصول الحج منه
في الخارج بأيّ وجه كان .


لغوا اذا لم يكن فرق بين وجود المال عنده و عدم وجوده ،هذا اضافة الى أن من
تمكن من المشي الى بيت اللّه الحرام و مشى اليه و مارس أعمال الحج بدون
الوقوع في مشقة و حرج لا مالا و لا بدنا فهو مستطيع ،و قد ذكرنا في المسألة
الرابعة من مسائل الاستطاعة المتقدمة أنه لا موضوعية لوجود الراحلة ،فان
اعتبارها في الاستطاعة انما هي لدى الحاجة لا مطلقا ،و الروايتان تدلان على أن
من نذر أن يمشي الى مكة فمشى و حج كفى عن حجة الإسلام ،و لا تدلان على
كفايته عنها بدون الاستطاعة ،بل إن ذلك استطاعة و لا نقصد بها الاّ تمكن
الشخص مالا و بدنا و سربا من الحج و ان كان تمكنه بدنا بالمشي الى بيت اللّه
الحرام راجلا و الاتيان بالحج بدون الوقوع في حرج ،بل ان من المحتمل قويا ان
يكون السؤال فيهما ناظرا الى أن القدرة على المشي هل تكفي في الاستطاعة أو
لا ،و جواب الامام عليه السّلام بالكفاية كما أنهما لا تنظران الى الكفاية عن حجة الإسلام
بدون قصد اسمها الخاص المميز لها شرعا باعتبار أن السؤال فيهما غير متجه
الى هذه الجهة أصلا .

( 1 ) و هذا الحمل غير بعيد من صحيحة رفاعة .

( 2 ) فيه أنه لا فرق بين التصريح بالاطلاق و عدمه ،فاذا كان متعلق النذر
مطلقا كفى عن حجة الإسلام شريطة أن يؤتى به باسمها الخاص و بعنوان الوفاء
بالنذر -كما مر -لان المعيار انما هو باطلاق المتعلق و كونه قابلا للانطباق على
حجة الإسلام ،و لا خصوصية للتصريح به ،نعم بناء على ما ذكره الماتن قدّس سرّه من

--( 299 )--

[3127 ]مسألة 20 :إذا نذر الحج حال عدم استطاعته معلقا على شفاء ولده
مثلا فاستطاع قبل حصول المعلق عليه فالظاهر تقديم حجة الإسلام ( 1 ) ،
و يحتمل تقديم المنذور إذا فرض حصول المعلق عليه قبل خروج الرفقة
مع كونه فوريا ،بل هو المتعين ( 2 ) إن كان نذره من قبيل الواجب المعلق .

[3128 ]مسألة 21 :إذا كان عليه حجة الإسلام و الحج النذري و لم يمكنه
الإتيان بهما إما لظن الموت أو لعدم التمكن إلا من أحدهما ففي وجوب
تقديم الأسبق سببا أو التخيير أو تقديم حجة الإسلام لأهميتها وجوه ،

أن المقام داخل في مسألة ما اذا اجتمع سببان على مسبب واحد و كان مقتضى
القاعدة فيها التداخل ،و حينئذ فان صرّح باطلاق متعلق النذر فهذا قرينة على
التداخل و الإجزاء ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدمه ،يعني عدم اجزاء الحج النذري
عن حجة الإسلام .

( 1 ) بل هو المتعين حتى فيما اذا حصل المعلق عليه في الخارج ،فانه اذا
استطاع كشف ذلك عن بطلان النذر ،لما مر من أن وجوب الوفاء به بمقتضى ما
دل من «ان شرط اللّه قبل شرطكم »- 1 - لا بد أن يلحظ شرط اللّه في مورده في
المرتبة السابقة و بقطع النظر عنه ،فان كان ثابتا فلا تصل النوبة الى دوره ،و عليه
فيكون وجوب الحج بصرف ثبوته رافعا له بارتفاع موضوعه .

( 2 ) مر أن المتعين هو حجة الإسلام حتى اذا وجد المعلق عليه خارجا ،
فما ظنك بما قبل وجوده .

نعم على مسلكه قدّس سرّه من أن وجوب الوفاء بالنذر مانع عن وجوب الحج ،
فما ذكره من الفرق بين أن يكون نذره على نحو الواجب المعلق أو الواجب
المشروط صحيح ،حيث أن وجوبه على الأول فعلي دون الثاني .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :38 من أبواب المهور الحديث :1 .


--( 300 )--

أوجهها الوسط و أحوطها الأخير ( 1 ) ،و كذا إذا مات و عليه حجتان و لم تف
تركته إلا لأحدهما ،و أما إن وفت التركة فاللازم استئجارهما ( 2 ) و لو في
عام واحد .

[3129 ]مسألة 22 :من عليه الحج الواجب بالنذر الموسع يجوز له الإتيان
بالحج المندوب قبله ( 3 ) .


( 1 ) بل هو المتعين كما مر ،و لا يصل الدور الى التزاحم بينهما حتى يرجع
الى مرجحاته .

و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن الدور يصل اليه ،الاّ أن ما ذكره
الماتن قدّس سرّه من أن الأوجه هو التخيير بينهما ،و الأحوط تقديم حجة الإسلام ،لا
يمكن المساعدة عليه ،لأن الجمع بين التخيير و الاحتياط بالتقديم لا يمكن ،فان
الأول مبني على أن يكونا متساويين ،فاذا كانا كذلك تعين التخيير ،و الثاني مبني
على أن تكون حجة الإسلام محتملة الأهمية ،فاذا كانت كذلك تعين الاحتياط ،
فلا يمكن الجمع بينه و بين التخيير .

( 2 ) فيه ما مر من أنه لا دليل على وجوب قضاء الحج المنذور ،و على
تقدير وجوبه لا دليل على خروجه من الأصل .

( 3 ) هذا لا كلام فيه ،لعدم الدليل على المنع عن الاتيان به قبله ،و انما
الكلام فيما اذا كانت عليه حجة الإسلام ،فهل يجوز له الاتيان بالحج المندوب
قبلها ؟فيه وجهان :

و التحقيق انه لا موضوع لهذا البحث في المقام ،و ذلك لخصوصية في
حجة الإسلام لا تكون متوفرة في الصلاة و الصوم و نحوهما ،و هي ان حجة
الإسلام متمثلة في الحجة الأولى للمستطيع ،و على هذا فان كان المستطيع ملتفتا
الى هذه الخصوصية فلا يتمكن من الاتيان بالحج الندبي الاّ تشريعا ،على أساس
أنه يرى أن الحجة الأولى الواجبة عليه بعد الاستطاعة هي حجة الإسلام ،و لا

--( 301 )--

[3130 ]مسألة 23 :إذا نذر أن يحج أو يحج انعقد و وجب عليه أحدهما
على وجه التخيير ،و إذا تركهما حتى مات يجب القضاء عنه مخيرا ( 1 ) .


يتيح له الاتيان بها ندبا الا بالبناء عليه تشريعا ،و على هذا فلا محالة تقع فاسدة ،لا
من جهة المزاحمة ،و الاّ لأمكن الحكم بالصحة ندبا بالترتب ،بل من جهة أنه
تشريع و محرم ،حيث انه يعلم بأنها واجبة عليه في الواقع ،و مع ذلك بنى على
أنها مستحبة تشريعا ،و أتى بها بنية الاستحباب ،و من المعلوم أن الاتيان بها
كذلك مبغوض ،فلا يمكن التقرب به .

و ان كان جاهلا بالحال و لا يكون ملتفتا الى تلك الخصوصية ،و حينئذ فإن
أتى باسم حجة الإسلام معتقدا أن الأمر المتعلق بها ندبي صحت ،لأن ما أتى به
مصداق لها ،غاية الأمر انه لما كان جاهلا بالحال فقد أتى بها باسمها الخاص
بداعي أمر استحبابي خيالي مخطئا في التطبيق ،و من الواضح أن هذا لا يضر
بالواقع و لا يؤثر فيه ،و إن أتى بها بعنوان أنها مندوبة لم تصح لا بعنوان الحج
المستحب و لا بعنوان حجة الإسلام ،أما الأول فلا موضوع له باعتبار أنه لا يكون
مأمورا بالحج المستحب استحبابا عاما ،و أما الثاني فلما مر من أن صحتها مرتبطة
بالاتيان بها باسمها الخاص المميز لها شرعا ،كما هو الحال في كل عبادة يكون
لها اسم خاص مميز لها و إن كانت فريدة في نوعها .

فالنتيجة :ان المعتبر في صحة العبادة انما هو قصد اسمها الخاص ،فاذا
أتى بها كذلك بأمل التقرب الى اللّه تعالى صحت ،و أما قصد أمرها فهو غير معتبر
في صحتها ،لأنه طريق الى الإتيان بها مضافة اليه سبحانه و تعالى ،و لا موضوعية
له ،و من هنا إذا أتى بها بداعي محبوبيتها صحت .

( 1 ) في وجوب القضاء اشكال بل منع ،لما تقدم من أن ما يجب قضاؤه
عنه هو نذر الاحجاج ،و أما نذر الحج فلا دليل على وجوب قضائه اذا فات ،و أما
اذا نذر الجامع بين نذر الاحجاج و نذر الحج ،و تركهما حتى مات ،فلا دليل أيضا

--( 302 )--

و إذا طرأ العجز من أحدهما معينا تعين الآخر ،و لو تركه أيضا حتى
مات يجب القضاء عنه مخيرا أيضا لأن الواجب كان على وجه التخيير
فالفائت هو الواجب المخير و لا عبرة بالتعيين العرضي ،فهو كما كان عليه
كفارة الإفطار في شهر رمضان و كان عاجزا عن بعض الخصال ثم مات فإنه
يجب الإخراج عن تركته مخيرا و إن تعين عليه في حال حياته في إحداهما
فلا يتعين في ذلك المتعين .

نعم لو كان حال النذر غير متمكن إلا من أحدهما معينا و لم يتمكن
من الآخر إلى أن مات أمكن أن يقال باختصاص القضاء بالذي كان متمكنا
منه بدعوى أن النذر لم ينعقد بالنسبة إلى ما لم يتمكن منه ( 1 ) بناء على أن
عدم التمكن يوجب عدم الانعقاد ،لكن الظاهر أن مسألة الخصال ليست
كذلك فيكون الإخراج من تركته على وجه التخيير و إن لم يكن في حياته

على وجوب قضائه عنه ،لأن ما دل على وجوب قضاء نذر الاحجاج لا يعم
ذلك حتى اذا تعين الاحجاج عليه في مفروض المسألة من جهة تعذر الفرد
الآخر ،لأن مورد ما دل على وجوب القضاء هو ما اذا كان وجوب الاحجاج
بسبب النذر ،لا من جهة أخرى ،كحكم العقل بتعينه بملاك عجزه عن امتثال
الواجب في ضمن فرد آخر ،و التعدي عنه اليه بحاجة الى قرينة بعد ما يكون
الحكم على خلاف القاعدة .

( 1 ) هذا الاحتمال ضعيف جدا ،لفرض أن النذر لم يتعلق بخصوص
الفرد غير المقدور حتى يكون باطلا ،بل تعلق إما بالجامع بينه و بين الفرد
المقدور باعتبار أن الجامع بينهما مقدور ،و لا مانع من تعلق النذر به ،و لا ينحل
الى نذرين لكي يكون أحدهما باطلا من جهة كون متعلقه غير مقدور ،أو تعلق
بخصوص الفرد المقدور ،فعلى الأول اذا ترك الواجب و هو الجامع حتى اذا

--( 303 )--

متمكنا إلا من البعض أصلا ،و ربما يحتمل في الصورة المفروضة ( 1 )
و نظائرها عدم انعقاد النذر بالنسبة إلى الفرد الممكن أيضا بدعوى أن
متعلق النذر هو أحد الأمرين على وجه التخيير و مع تعذر أحدهما لا يكون

مات فعلى القول بوجوب القضاء عنه وجب في ضمن أحد فرديه دون
خصوص الفرد المقدور لأنه ليس بواجب على الفرض ،و لا فرق في ذلك بين
طرو العجز عن أحدهما بعد النذر ،أو أنه عاجز عنه حين النذر .و على الثاني
وجب قضاء الفرد على تقدير القول به ،و بذلك يظهر حال ما في المتن .

( 1 ) فيه أن هذا الاحتمال ضعيف جدا ،و لا منشأ له أصلا ،و ذلك لأن النذر
اذا تعلق بالجامع الانتزاعي و هو عنوان أحدهما ،كما اذا قيل :( للّه عليّ أن أصوم
يوم الجمعة الفلانية ،أو اتصدق للفقير ) فلا يخلو من أن يكون مرده الى نذر
واحد متعلق بالجامع -كما هو الصحيح -أو إلى نذرين مشروطين ،فعلى الأول
يكون متعلق النذر الجامع دون الفرد بحده الفردي ،بدون فرق بين أن يكون كلا
الفردين مقدورا للناذر في مقام العمل و التطبيق خارجا ،أو يكون أحدهما
مقدورا له دون الآخر ،و عليه فلا يكون الفرد متعلقا للنذر حتى يحتمل بطلانه
في صورة تعذر الآخر .و على الثاني يكون متعلقه الفرد بحده الفردي مشروطا
بعدم الاتيان بالفرد الآخر ،و هذا يعني ان وجوب الوفاء بكل منهما مشروط بعدم
الاتيان بالآخر ،و اذا تعذر أحدهما تعين وجوب الوفاء بالآخر بتعين شرطه
و امتناع انهدامه ،و من المعلوم أن ذلك لا يوجب خروجه عن الواجب المشروط
الى الواجب المطلق لكي يقال ببطلان النذر و انتفائه بانتفاء متعلقه ،بداهة أن
انقلاب الواجب المشروط الى الواجب المطلق غير معقول ،لأنهما متقابلان
بتقابل الماهية لا بشرط و الماهية بشرط لا ،و تحقق الشرط انما يوجب فعلية
المشروط لا انقلابه ،و الاّ لزم الخلف .

فالنتيجة :انه على كلا القولين في المسألة لا منشأ لهذا الاحتمال .

--( 304 )--

وجوب الآخر تخييريا ،بل عن الدروس قدّس سرّه اختياره في مسألة ما لو نذر إن
رزق ولدا أن يحجه أو يحج عنه إذا مات الولد قبل تمكن الأب من أحد
الأمرين ،و فيه :أن مقصود الناذر إتيان أحد الأمرين ( 1 ) من دون اشتراط
كونه على وجه التخيير ،فليس النذر مقيدا بكونه واجبا تخييريا حتى يشترط
في انعقاده التمكن منهما .


( 1 ) هذا الاشكال مبني على أن الوجوب التخييري هو الوجوب المتعلق
بكل من البدائل ،و لكن مشروطا بترك البدائل الأخرى ،و على هذا فلا بد أن
يكون جميع هذه البدائل مقدورا ،و الاّ فلا يمكن تعلق الوجوب بها و لو
مشروطا .و لكن قد ذكرنا في علم الأصول أن مرد الوجوب التخييري ليس الى
جعل وجوبات مشروطة بعدد البدائل مباشرة ،بأن يكون وجوب كل منها
مشروطا بترك الآخرين ،بل مرده الى جعل وجوب واحد متعلق بالجامع
الانتزاعي بينها ،دون نفس البدائل ،و لا يسري منه اليها ثانيا ،بل السراية قهرا أمر
غير معقول ،لأن الوجوب أمر اعتباري و بيد الشارع يجعله حيثما أراد ،و لا يعقل
تحققه بدون اعتباره و جعله ،و عليه فاذا جعله على شي‏ء يستحيل أن يسري
بنفسه الى غيره ،و على هذا فما ذكره الشهيد قدّس سرّه في الدروس من المثال ،فلا مانع
من الالتزام بصحة النذر فيه ،باعتبار أنه تعلق بالجامع و هو مقدور .

و بكلمة أخرى :ان مرد الوجوب التخييري ان كان الى جعل وجوب
واحد على الجامع بين بديلين ،فلا يتوقف على أن يكون كلا البديلين
مقدورا ،بل يكفي كون أحدهما مقدورا دون الآخر ،غاية الأمر يتعين حينئذ
تطبيق الجامع على المقدور ،و إن كان مرده الى جعل وجوبين مشروطين لهما ،
فعندئذ لا بد من أن يكون كلاهما مقدورا ،و قد مر أن الصحيح هو الأول دون
الثاني ،و لكن الماتن قدّس سرّه قد بنى على الثاني دون الأول ،بقرينة أنه اعتبر في انعقاد
النذر على وجه التخيير التمكن من كلا البديلين معا .

--( 305 )--

[3131 ]مسألة 24 :إذا نذر أن يحج أو يزور الحسين عليه السّلام من بلده ثم مات
قبل الوفاء بنذره وجب القضاء من تركته ،و لو اختلفت أجرتهما يجب
الاقتصار على أقلهما أجرة إلا إذا تبرع الوارث بالزائد أجرة ،فلا يجوز
للوصي اختيار الأزيد و إن جعل الميت أمر التعيين إليه ( 1 ) ،و لو أوصى
باختيار الأزيد أجرة خرج الزائد من الثلث .

[3132 ]مسألة 25 :إذا علم أن على الميت حجا و لم يعلم أنه حجة الإسلام
أو حج النذر وجب قضاؤه عنه ( 2 ) من غير تعيين و ليس عليه كفارة ،و لو

( 1 ) فيه ان الظاهر منه أنه يرجع الى الوصية بالزيادة ،على أساس أن ما
يخرج من الأصل هو أدنى و أقل فرد من الأجرة المتعارفة حسب مكانة
الشخص ،و لا يجوز اخراج الاكثر من التركة الاّ باجازة الورثة ،و عليه فاذا جعل
الميت اختيار تعيين الأجرة زيادة أو نقيصة بيد الوصي ،فإن لم يرجع ذلك الى
الوصية بالزيادة لكان هذا الجعل لغوا ،باعتبار أنه لا يحق للميت تعيين الأجرة
الزائدة من الأصل ،فاذن لا محالة يرجع الى الوصية بها ،و يخرج مقدار الزيادة
من الثلث ،و على هذا فلا فرق بين التصريح باختيار الأزيد و بين جعل الاختيار
بيد الوصي ،غاية الأمر يجب عليه في الفرض الأول اختيار الأجرة الزائدة عملا
بالوصية ،بأن يأخذ الزائد من الثلث ،و الأجرة المتعارفة من الأصل ،و في الفرض
الثاني مخير بين اختيارها و اختيار أدنى فرد الأجرة المتعارفة .

فالنتيجة :انه لا فرق بين الفرضين ،الاّ أن الوصية في الفرض الأول انما
هي بالزيادة نصا ،و لذا يجب العمل بها ،و في الفرض الثاني انما هي بالجامع
بينها و بين الأجرة المتعارفة .

( 2 ) في الوجوب اشكال بل منع ،و الأظهر عدمه ،أما في الحج النذري فلما
مر من أنه لا دليل على وجوب قضائه عنه ،و أما في حجة الإسلام فلا علم
باشتغال ذمة الميت بها ،لكي يجب قضاؤها عنه ،و مقتضى الأصل العدم .

--( 306 )--

تردد ما عليه بين الواجب بالنذر أو بالحلف وجبت الكفارة أيضا ( 1 ) ،
و حيث إنها مرددة بين كفارة النذر و كفارة اليمين فلا بد من الاحتياط ( 2 ) ،
و يكفي حينئذ إطعام ستين مسكينا لأن فيه إطعام عشرة أيضا الذي يكفي
في كفارة الحلف .


( 1 ) هذا اذا علم بأنه ترك الوفاء بالنذر أو اليمين عامدا و ملتفتا الى الحكم
الشرعي ،و أما إذا احتمل انه كان معذورا في ذلك ،فلا علم بثبوت الكفارة عليه .
ثم على تقدير ثبوتها ،فهل تخرج من الأصل ،أو من الثلث ؟فيه قولان :الظاهر
هو الثاني ،و قد تقدم ذلك في ضمن البحوث السالفة ،و قلنا هناك إنه لا دليل على
خروجها من الأصل ،لأن ما هو ثابت خروجه من الأصل بالدليل هو الدين
المالي على ذمة الميت ،و لا دليل على أن كل واجب مالي كالكفارات و نحوها
خارج من الأصل ما عدا حجة الإسلام ،فانها تخرج منه بالنص الخاص .

( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،اذ لا موضوع للاحتياط بناء على ما قويناه
من أن كفارة النذر هي كفارة اليمين ،اذ حينئذ تكون في ذمة الميت كفارة واحدة ،
و يكفي اخراجها عنه إما من الثلث -كما هو الأقوى -أو من الأصل ،و قد تقدم
تفصيل ذلك في كتاب الصوم .

و أما بناء على أن كفارة النذر غير كفارة اليمين فتكونان متباينتين ،لأن
كفارة النذر تعلقت بالجامع بين اطعام ستين مسكينا ،أو صوم شهرين متتابعين ،
أو عتق رقبة ،و كفارة اليمين تعلقت بالجامع بين إطعام العشرة ،أو كسوتهم ،أو
صيام عشرة أيام ،و أما الإطعام فهو فرد من افراد الواجب ،و ليس بواجب لكي
يكون أمره مرددا بين الأقل و الاكثر ،و على هذا فبناء على القول بأنها تخرج من
الثلث ،فعلى الوصي الاحتياط بمقتضى العلم الإجمالي ،إما باطعام ستين مسكينا
ناويا به فراغ ذمة الميت من إحدى الكفارتين ،أو صيام شهرين متتابعين ،أو
الجمع بين كسوة عشرة مساكين و العتق .و أما على القول بأنها تخرج من الأصل

--( 307 )--

..........
كما هو مختار السيد الماتن قدّس سرّه فلا يمكن الاحتياط لا بالجمع بين الكسوة
و العتق ،و لا بغيره ،أما الأول فلأنه يستلزم التصرف في مال الورثة جزما ،
باعتبار أن ما في ذمة الميت اما العتق او الكسوة ،فكلاهما غير محتمل ،و أما
الثاني فلأن اخراج مؤنة إطعام ستين مسكينا من التركة ،أو أجرة صيام شهرين
متتابعين منها يكون على خلاف الاحتياط ،لاحتمال أن ذمة الميت مشغولة بما
ينطبق على اطعام عشرة مساكين ،أو صيام عشرة أيام ،و الزائد تصرف في مال
الورثة .

فالنتيجة :ان مقتضى العلم الإجمالي في المقام و إن كان الاحتياط ،الاّ أنه
في المقام لا يمكن ،إما من جهة استلزامه المخالفة القطعية العملية ،أو خلاف
الاحتياط .و على هذا فهل يمكن الرجوع الى القرعة لتعيين اشتغال ذمة الميت
بها ،أو لا ؟الظاهر أنه لا يمكن ،فان المقام ليس من موارد الرجوع اليها ،و ذلك
لأن روايات القرعة بتمام اصنافها لا تعم المقام ،فان موردها إما دعوى النسب
و اشتباهها ،أو العبد المعتق المشتبه بين عبدين أو أكثر ،أو دعوى المال ،أو
اشتباه الشاة الموطوءة بين الشياه ،و شي‏ء منها لا ينطبق على المقام .نعم قد ورد
في بعض الرواية : «ان في كل مجهول قرعة »و هو بعمومه يشمل المقام ،و لكنه
ضعيف سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليه ،و على هذا فبما أن الاحتياط في المسألة
بمقتضى العلم الإجمالي لا يمكن ،و الدليل اللفظي غير موجود فيها حتى نرجع
اليه ،فلا بد من الرجوع الى الأصول الأخرى .

و أما أصالة البراءة عن وجوب كلتا الكفارتين فهي لا تجري لسقوطها في
اطراف العلم الإجمالي بالمعارضة الداخلية بين أفرادها ،و كذلك استصحاب
عدم وجوبهما .و أما بالنسبة إلى تعلق حق الميت بالمقدار الزائد على المتيقن
فلا يمكن الرجوع الى الأصل العملي فيه أيضا بدون فرق بين القول بأن مقدار
حق الميت من التركة يظل باقيا في ملكه و لا ينتقل الى الورثة ،و القول بانتقاله
اليهم و لكن متعلقا لحقه .

--( 308 )--

[3133 ]مسألة 26 :إذا نذر المشي في حجه الواجب عليه أو المستحب
انعقد مطلقا حتى في مورد يكون الركوب أفضل ،لأن المشي في حد نفسه
أفضل من الركوب بمقتضى جملة من الأخبار و إن كان الركوب قد يكون
أرجح لبعض الجهات ( 1 ) فإن أرجحيته لا توجب زوال الرجحان عن

اما على القول الأول ،فان الولي أو الوصي و إن كان يشك في المسألة أن
الباقي في ملك الميت من التركة هل هو ما يوازي أدنى فرد الجامع بين الخصال
الثلاث الأولى ،أو ما يوازي أدنى فرد الجامع بين الخصال الثلاث الثانية ؟الاّ أن
استصحاب بقاء الأول في ملكه لا يجري الاّ على نحو مثبت ،لأنه لا يثبت أن
ذمته مشغولة بالجامع بين الخصال الثلاث الأولى حتى ينحل العلم الإجمالي به
حكما ،فمن أجل ذلك لا أثر له .

و اما على القول الثاني ،و هو أن التركة جميعا تنتقل الى الورثة ،غاية الأمر
يبقى ما يوازي دين الميت من التركة متعلقا لحقه ،ففي مثل ذلك و إن كان في
مفروض المسألة مقدار ما يوازي نفقات أدنى فرد الجامع بين الخصال الثلاث
الثانية متعلقا للحق جزما ،و الزائد عليه مشكوك فيه ،و لكن مع ذلك لا يمكن
الرجوع الى أصالة البراءة عنه ،لأنها لا تثبت أن ذمته مشغولة بالجامع بين
الخصال الثلاث الثانية حتى يترتب عليه انحلال العلم الإجمالي حكما .

فالنتيجة :انه لا يمكن الرجوع في المسألة لا الى أصالة الاحتياط و لا الى
الأصول المؤمنة ،فاذن لا بد فيها من التراضي و التصالح مع الورثة .و به يظهر حال
ما في المتن .

( 1 ) كما اذا كان الركوب له في الطريق و قطع المسافة به موجبا لإتاحة
الفرصة للدعاء و العبادات أكثر من قطعها بالمشي ،و حينئذ يكون الركوب
أفضل ،كما نص عليه صحيح سيف التمار - 1 - ،و الاّ فالمشي أفضل منه ،كما نصت

---------------

( 1 ) الوسائل باب :33 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .


--( 309 )--

المشي في حد نفسه ،و كذا ينعقد لو نذر الحج ماشيا مطلقا و لو مع
الإغماض من رجحان المشي لكفاية رجحان أصل الحج في الانعقاد ،إذ لا
يلزم أن يكون المتعلق راجحا بجميع قيوده و أوصافه ،فما عن بعضهم من
عدم الانعقاد في مورد يكون الركوب أفضل لا وجه له ،و أضعف منه دعوى
الانعقاد في أصل الحج لا في صفة المشي فيجب مطلقا ،لأن المفروض
نذر المقيد فلا معنى لبقائه مع عدم صحة قيده .

[3134 ]مسألة 27 :لو نذر الحج راكبا انعقد و وجب و لا يجوز حينئذ
المشي و إن كان أفضل ،لما مر من كفاية رجحان المقيد دون قيده ،نعم لو
نذر الركوب في حجه في مورد يكون المشي أفضل لم ينعقد ( 1 ) ،لأن
المتعلق حينئذ الركوب لا الحج راكبا ،و كذا ينعقد لو نذر أن يمشي بعض
الطريق من فرسخ في كل يوم أو فرسخين ،و كذا ينعقد لو نذر الحج حافيا ،
و ما في صحيحة الحذاء من أمر النبي صلّى اللّه عليه و آله بركوب أخت عقبة

عليه مجموعة من الروايات الأخرى .

( 1 ) فيه أن مجرد كونه أفضل من الركوب لا يوجب بطلان النذر ،و عدم
انعقاده فيه اذا كان في نفسه راجحا و إن كان المشي أرجح منه ،لأن المعيار في
صحة النذر انما هو برجحان متعلقه في نفسه ،و المفروض ان الركوب للحج في
نفسه راجح ،كما يظهر ذلك من جملة من الروايات :

منها :موثقة رفاعة قال : «سأل أبا عبد اللّه رجل :الركوب أفضل أم المشي ؟
فقال :الركوب أفضل من المشي ،لأن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ركب »- 1 - .

و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة سيف التمار : «تركبون أحبّ إليّ ،فان ذلك

---------------

( 1 ) الوسائل باب :33 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .


--( 310 )--

ابن عامر -مع كونها ناذرة أن تمشي إلى بيت اللّه حافية -قضية في
واقعة ( 1 ) يمكن أن يكون المانع من صحة نذرها من إيجابه كشفها أو تضررها
أو غير ذلك .


أقوى على الدعاء و العبادة »- 1 - .و منها غير ذلك .

فالنتيجة :انه لا شبهة في أن الركوب للحج راجح في نفسه ،و معه لا مانع
من صحة نذره .

( 1 ) فيه ان حمل الصحيحة على أنها وردت في قضية شخصية لا اطلاق
لها خلاف الظاهر جدا ،فان الظاهر من مجموعها أنها في مقام بيان
الحكم الكلي ،و إليك نصّها : «قال :سألت أبا جعفر عليه السّلام :عن رجل نذر أن
يمشي الى مكة حافيا ؟فقال :إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله خرج حاجا فنظر الى امرأة
تمشي بين الإبل ،فقال :من هذه ؟فقالوا :أخت عقبة بن عامر ،نذرت أن تمشي
الى مكة حافية ،فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :يا عقبة انطلق الى أختك فمرها فلتركب ،
فان اللّه غنى عن مشيها و حفاها ،قال :فركبت »- 2 - فانها ظاهرة في عدم وجوب
الوفاء بنذر المشي للحج حافيا ،لأن الاستشهاد بقول رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله انما هو
لبيان ذلك ،لا أن ما صدر منه صلّى اللّه عليه و آله حكم شخصي في مورد خاص لسبب من
الأسباب ،و الاّ فلا يرتبط الجواب بالسؤال أصلا ،و هو خلاف الظاهر ،و لا يمكن
حمل الجواب فيها على الاستدراك و بقاء السؤال بدون جواب ،فانه بحاجة الى
قرينة .

فالنتيجة :انه لا شبهة في أن الصحيحة سؤالا و جوابا ظاهرة في بيان
الحكم الكلي ،نعم لو كان الاستشهاد بقول الرسول صلّى اللّه عليه و آله ابتداء بدون كونه

---------------

( 1 ) الوسائل باب :33 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .



---------------

( 2 ) الوسائل باب :34 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :4 .


--( 311 )--

..........
مسبوقا بالسؤال عن حكم المسألة في الشريعة المقدسة لأمكن حمله على
حكم في مورد خاص لسبب أو آخر .

و الصحيح في الجواب أمران :

أحدهما :ان الظاهر من الصحيحة كون متعلق النذر المشي حافيا إلى
مكة ،لا الحج حافيا ،و لا دليل على أنه محبوب في نفسه ،لأن الروايات التى
تنص على أن المشي محبوب لا اطلاق لها من هذه الناحية ،باعتبار أنها مسوقة
لبيان أنه أفضل من الركوب ،و لا تدل على أن كل حصة منه محبوبة ،فان القدر
المتيقن منها أن الحج حافيا محبوب بكل حصصه ،و أما المشي حافيا فلا دليل
على أنه محبوب في نفسه ،و على هذا فاذا نذر الحج حافيا صح ،و أما إذا نذر
المشي حافيا الى مكة فلا دليل على صحته ،فان رجحان المشي حافيا في نفسه
غير معلوم حتى يحكم بصحة نذره .

و الآخر :أنها معارضة بصحيحة رفاعة و حفص :قالا : «سألنا أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نذر أن يمشي الى بيت اللّه حافيا ؟قال :فليمش ،فاذا تعب
فليركب »- 1 - فانها تدل على صحة نذر المشي حافيا الى بيت اللّه الحرام ،
و وجوب الوفاء به ،و لا يمكن الجمع بينهما بحملها على الاستحباب بقرينة
الصحيحة الأولى الناصة في البطلان ،و ذلك لأنه لا معنى لحمل الأمر بالوفاء
بالنذر على الاستحباب ،فان النذر إن كان صحيحا وجب الوفاء به ،و الاّ فلا ،
و بما أن الصحيحة الأولى تدل على بطلانه ،و الثانية تدل على صحته ،فلا
يمكن الجمع بينهما عرفا ،فاذن يسري التعارض إلى دليل الحجية ،فتسقطان معا
من جهة المعارضة ،فيرجع حينئذ إلى الأصل العملي في المسألة ،
و مقتضاه عدم وجوب الوفاء به ،و لا يمكن التمسك بعموم وجوب الوفاء
بالنذر ،للشك في أن متعلقه راجح أو لا ،و من المعلوم أن عموم وجوب الوفاء به
لا يثبت أنه راجح ،فلذلك يكون التمسك به من التمسك بالعام في الشبهة
المصداقية .

---------------

( 1 ) الوسائل باب :34 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :10 .


--( 312 )--

[3135 ]مسألة 28 :يشترط في انعقاد النذر ماشيا أو حافيا تمكن
الناذر و عدم تضرره بهما فلو كان عاجزا أو كان مضرا ببدنه لم
ينعقد ،نعم لا مانع منه ( 1 ) إذا كان حرجا لا يبلغ حد الضرر ( 2 )

( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن العمل اذا كان حرجيا حين النذر ،
و لكن لم يبلغ حرجه الى حد الحرمة ،فحينئذ إن كان محبوبا في نفسه حتى في
هذه الحالة -كالوضوء الحرجي مثلا إذا لم يبلغ حرجه الى درجة خطيرة يحرم
ارتكابه -فلا مانع من الحكم بصحة نذره ،و وجوب الوفاء به ،و لا يكون مشمولا
للقاعدة ،لانصرافها عرفا الى الأحكام التي لا تكون متعلقاتها حرجية بطبعها و ان
حرجيتها أمر تصادفي بسبب أو آخر ،كما هو الحال في قاعدة لا ضرر ،فانها
ناظرة الى الأحكام التي لا تكون متعلقاتها ضررية بطبعها ،و لا تعم الأحكام
المجعولة في موارد الضرر ،و من هنا يصح الوضوء الضرري اذا كان ضرره يسيرا
لا يحرم ارتكابه شرعا ،باعتبار استحبابه النفسي ،و اذا نذر هذا الوضوء فلا مانع
من وجوب الوفاء به ،و لا يمكن نفيه بقاعدة لا ضرر ،لأنه حكم مجعول في
مورده ،و أما إذا لم يحرز كونه محبوبا في نفسه حتى في هذه الحالة لم يحكم
بصحة نذره ،و من هنا يظهر أن الحرج اذا كان طارئا بعد النذر و حين العمل فهو
رافع لوجوبه و كاشف عن عدم انعقاده على أساس أن متعلقه لم يكن حرجيا
بطبعه ،و إنما طرأ عليه الحرج اتفاقا ،و مثل ذلك يكون مشمولا للقاعدة ،لأنها كما
تعم الأحكام الأولية المجعولة من قبل اللّه تعالى ابتداء ،تعم الأحكام الثانوية
المجعولة من قبله تعالى في المرتبة الثانية ،كوجوب الوفاء بالنذور و العهود
و الشروط و الأيمان و نحوها .

( 2 ) بل و ان بلغ حد الضرر ما دام لم يبلغ درجة خطيرة يحرم ارتكابه ،اذ لا
دليل على أن ارتكاب مطلق الضرر محرم ،فالنتيجة ان الحرج اذا بلغ تلك
الدرجة يحرم ارتكابه شرعا ،و لا شبهة في بطلان نذره حينئذ ،لا من جهة وجود

--( 313 )--

لأن رفع الحرج من باب الرخصة ( 1 ) لا العزيمة ،هذا إذا كان حرجيا حين
النذر و كان عالما به و أما إذا عرض الحرج بعد ذلك فالظاهر كونه مسقطا
للوجوب .

[3136 ]مسألة 29 :في كون مبدأ وجوب المشي أو الحفاء بلد النذر أو
الناذر أو أقرب البلدين إلى الميقات أو مبدأ الشروع في السفر أو أفعال
الحج أقوال ،و الأقوى أنه تابع للتعيين ( 2 ) أو الانصراف و مع عدمهما فأول
أفعال الحج إذا قال : «للّه علي أحج ماشيا »و من حين الشروع في السفر إذا
قال : «للّه علي أن أمشي إلى بيت اللّه »أو نحو ذلك ،كما أن الأقوى أن منتهاه
مع عدم التعيين رمي الجمار لجملة من الأخبار لا طواف النساء كما عن
المشهور و لا الإفاضة من عرفات كما في بعض الأخبار .


الضرر ،بل من جهة الحرمة الشرعية ،و إن لم يبلغ تلك الدرجة ففيه تفصيل قد
مر .

( 1 ) هذا واضح ،اذ لا شبهة في أن مفاد لا حرج نفي الإلزام و الضيق ،
و اثبات الترخيص و التسهيل على الأمة امتنانا ،و لا يحتمل أن يكون من باب
العزيمة ،لأنه إن اريد من العزيمة الحرمة التكليفية ،فيرد عليه أنها مبنية على أن
تكون كلمة ( لا ) في لا حرج ناهية لا نافية ،مع أنها نافية .و إن أريد من العزيمة أنه
لا يجوز ايقاع نفسه في الحرج ،فقد مر أنه يختلف باختلاف درجته ،فان كانت
يسيرة فلا بأس بالوقوع فيها ،و إن كانت خطيرة لم يجز .

( 2 ) هذا هو الصحيح ،لأن النذر يتبع قصد الناذر في المبدأ و المنتهى ،أما
في الأول ،فإن قصد المشي من بلدته فمبدؤه منها ،و إن قصد من الميقات
فمبدؤه منه ،و هكذا ،و أما في الثاني ،فان قصد الى بلد مكة انتهى بالوصول اليه ،
و إن قصد الى عرفة وجب المشي اليها ،و إن