--( 7 )--
فصل
في الوصية بالحج
[3169 ]مسألة 1 :إذا أوصى بالحج فإن علم أنه واجب أخرج من أصل
التركة و إن كان بعنوان الوصية ،فلا يقال مقتضى كونه بعنوانها خروجه من
الثلث ،نعم لو صرّح بإخراجه من الثلث أخرج منه فإن و فى به و إلا يكون
الزائد من الأصل ،و لا فرق في الخروج من الأصل بين حجة الإسلام
و الحج النذري و الإفسادي لأنه بأقسامه واجب مالي ( 1 ) و إجماعهم قائم
على خروج كل واجب مالي من الأصل ،مع أن في بعض الأخبار أن الحج
بمنزلة الدين و من المعلوم خروجه من الأصل ،بل الأقوى خروج كل
( 1 ) فيه انه لا دليل على مجرد كون الواجب ماليا كالحج المنذور
و الافسادي و نحوهما يخرج من أصل التركة ،فان الدليل يدل على خروج
أمرين من الأصل ،أحدهما حجة الإسلام ،و الآخر الدين ،سواء أ كان عرفيا ،
أم كان شرعيا ،و لا دليل على أن كل واجب مالي كالحج المنذور أو الكفارات
أو نحوها يخرج من الأصل ،و دعوى الاجماع على ذلك مما لا أساس لها ،
اذ لا يمكن اثباته في المسألة لا صغرى و لا كبرى ،كما أشرنا الى ذلك
في غير مورد .و اطلاق الدين على كل واجب شرعي كما في بعض الروايات
انما هو بلحاظ أنه دين من اللّه تعالى على عهدة المكلف ،و لا بدّ له من أدائه ،
لا أنه دين مالي ،و قد تقدم تفصيل ذلك في المسألة ( 8 ) من فصل :الحج
النذري .
--( 8 )--
واجب من الأصل و إن كان بدنيا كما مر سابقا ( 1 ) .
و إن علم أنه ندبي فلا إشكال في خروجه من الثلث .
و إن لم يعلم أحد الأمرين ففي خروجه من الأصل أو الثلث وجهان ،
يظهر من سيد الرياض قدّس سرّه خروجه من الأصل حيث إنه وجّه كلام
الصدوق قدّس سرّه -الظاهر في كون جميع الوصايا من الأصل -بأن مراده ما إذا
لم يعلم كون الموصى به واجبا أو لا ،فإن مقتضى عمومات وجوب العمل
بالوصية خروجها من الأصل خرج عنها صورة العلم بكونها ندبيا ،و حمل
الخبر الدال بظاهره على ما عن الصدوق أيضا على ذلك ،لكنه مشكل ( 2 )
فإن العمومات مخصصة بما دل على أن الوصية بأزيد من الثلث ترد إليه
إلا مع إجازة الورثة ،هذا مع أن الشبهة مصداقية و التمسك بالعمومات
فيها محل إشكال ( 3 ) ،و أما الخبر المشار إليه و هو قوله عليه السّلام : «الرجل
أحق بماله ما دام فيه الروح إن أوصى به كله فهو جائز » ،فهو
( 1 ) مر أنه لا دليل على أن كل واجب مالي يخرج من الأصل فضلا عن
الواجب البدني كالصلاة و نحوها ،بل يخرج من الثلث اذا أوصى به ،و بذلك
يظهر حال ما بعده .
( 2 ) بل لا اشكال في عدم صحته ،حيث لا شبهة في أن عمومات الوصية
قد خصصت بما دل على عدم نفوذها الاّ في الثلث دون الزائد ،و عليه فاذا شك
في أنه واجب حتى يخرج من الأصل بناء على ما ذكره الماتن قدّس سرّه ،أو مستحب
حتى يخرج من الثلث ،فلا يمكن التمسك بالعمومات لإثبات أنه يخرج من
الأصل ،لأن الشبهة مصداقية ،و العمومات لا تدل على أنه واجب حتى يخرج
من الأصل .
( 3 ) بل لا اشكال في عدم الجواز -كما مر -.--( 9 )--
موهون ( 1 ) بإعراض العلماء عن العمل بظاهره ،و يمكن أن يكون المراد
بماله هو الثلث الذي أمره بيده ،نعم يمكن أن يقال في مثل هذه الأزمنة
بالنسبة إلى هذه الأمكنة البعيدة عن مكة :الظاهر من قول الموصي :حجوا
عني کهو حجة الإسلام الواجبة لعدم تعارف الحج المستحبي في هذه
الأزمنة و الأمكنة ( 2 ) فيحمل على أنه واجب من جهة هذا الظهور
و الانصراف كما أنه إذا قال :أدّوا كذا مقدارا خمسا أو زكاة کينصرف إلى
الواجب عليه .
فتحصل أن في صورة الشك في كون الموصى به واجبا حتى يخرج
من أصل التركة أو لا حتى يكون من الثلث مقتضى الأصل الخروج من
الثلث لأن الخروج من الأصل موقوف على كونه واجبا و هو غير معلوم بل
الأصل عدمه إلا إذا كان هناك انصراف كما في مثل الوصية بالخمس أو
الزكاة أو الحج و نحوها .
نعم لو كانت الحالة السابقة فيه هو الوجوب كما إذا علم وجوب
الحج عليه سابقا و لم يعلم أنه أتى به أو لا فالظاهر جريان الاستصحاب
و الإخراج من الأصل ،و دعوى أن ذلك موقوف على ثبوت الوجوب عليه
و هو فرع شكه لا شك الوصي أو الوارث و لا يعلم أنه كان شاكا حين موته
( 1 ) فيه ان الخبر في نفسه ضعيف فلا يمكن الاعتماد عليه ،و الاّ فقد ذكرنا
غير مرة أنه لا أثر لإعراض الأصحاب عن رواية معتبرة .
( 2 ) فيه ان مجرد ذلك لا يكون منشأ للانصراف و الظهور العرفي ،بل هو
بحاجة الى وجود قرائن حالية أو سياقية ،كظهور حال الموصي في ذلك ،أو
سياق الوصية فيه .
--( 10 )--
أو عالما بأحد الأمرين مدفوعة بمنع اعتبار شكه بل يكفي شك الوصي أو
الوارث أيضا ،و لا فرق في ذلك بين ما إذا أوصى أو لم يوص فإن مقتضى
أصالة بقاء اشتغال ذمته بذلك الواجب عدم انتقال ما يقابله من التركة إلى
الوارث ،و لكنه يشكل على ذلك الأمر في كثير من الموارد لحصول العلم
غالبا بأن الميت كان مشغول الذمة بدين أو خمس أو زكاة أو حج أو نحو
ذلك ،إلا أن يدفع بالحمل على الصحة فإن ظاهر حال المسلم الإتيان بما
وجب عليه ،لكنه مشكل في الواجبات الموسعة بل في غيرها أيضا في غير
الموقتة ،فالأحوط في هذه الصورة الإخراج من الأصل ( 1 ) .
( 1 ) فيه انه لا وجه للاحتياط في المسألة ،فان ظهور حاله إن كان موجبا
للوثوق و الاطمئنان بالأداء و الاتيان بالواجب فلا مجال له و إن لم يكن موجبا
لذلك فالمرجع هو استصحاب بقاء اشتغال ذمة الميت بهذه الواجبات كحجة
الإسلام و الزكاة و الخمس ،و يترتب على هذا الاستصحاب خروجها من الأصل ،
و من هنا يظهر أنه لا مجال للرجوع الى أصالة الصحة في المقام ،فان موردها
سواء أ كان فعل نفس الإنسان مباشرة أم كان فعل غيره هو ما اذا وقع الفعل في
الخارج و شك في صحته و فساده من جهة الشك في بعض واجباته غير
المقومة ،و اما في المقام فلا موضوع لها لأن الشك في أصل الإتيان بالواجب ،
و في مثل ذلك إن كان الوارث واثقا بالاتيان و لو بقرينة ظهور حاله فهو ،و الاّ لزم
اخراجه من الأصل ،و على كلا التقديرين لا مجال للاحتياط .
ثم انه لا فرق فيما ذكرناه بين أن تكون ذمته مشغولة بالخمس أو الزكاة أو
كونه متعلقا بالعين الخارجية الباقية بعد موته و شك في أنه اخرج خمسها أو
زكاتها في زمن حياته أو لا ،فان كان الوارث واثقا باخراجه عنها فلا شيء عليه ،
و الاّ وجب اخراجه عنها بمقتضى الاستصحاب ،نعم اذا كانت العين تالفة في --( 11 )--
[3170 ]مسألة 2 :يكفي الميقاتية سواء كان الحج الموصى به واجبا ( 1 )
زمن حياته ،و شك في أن تلفها كان بعد اخراج خمسها او زكاتها ،أو كان قبله ،
ففي مثل ذلك لا يجري استصحاب بقائه ،لأنه لا يثبت الضمان الا على نحو
مثبت ،هذا كله في فرض عدم الوصية .
و أما اذا أوصى بذلك ،فان كانت الوصية بها ظاهرة في الوجوب بقرينة
حالية أو سياقية لزم العمل بظهورها و إن لم يفد الوثوق و الاطمئنان الشخصي ،
لأن حجية ظهور اللفظ لا ترتبط بافادة الوثوق و الاطمئنان كذلك ،و بذلك
يختلف فرض الوصية بتلك الواجبات عن فرض عدم الوصية بها و إن لم تكن
ظاهرة فيه ،فالمرجع هو الاستصحاب -كما مر -.
( 1 ) فيه ان الحج الواجب إن كان حجة الإسلام فظاهر الوصية بها الحجة
البلدية ،فاذا أوصى بأن يحج عنه من تركته وجب الانفاق من التركة على حجة
بلدية ،على أساس أن الظاهر منها عرفا أنه أوصى بنفس ما عليه من النفقة
للحجة و هي الحجة من البلد ،الاّ اذا كانت هناك قرينة على أنه أوصى بالحجة من
الميقات ،فعندئذ أخرج منها نفقات حجة ميقاتية ،و هي الحجة التي لا تكلف
النائب السفر الاّ من الميقات ،و من المعلوم أن نفقاتها أقل من نفقات الحجة
البلدية التي تكلف النائب السفر من البلد الذي كان المنوب عنه يعيش فيه ،و أما
اذا لم تكن قرينة في البين فظاهر الوصية بها من الميت هو الحجة من بلدته ،نعم
اذا خالف الولي أو الوصي الوصية و استجار حجة ميقاتية على أساس أنها أقل
مؤنة و أرخص أجرة برئت بذلك ذمة الميت ،و لا تجب اعادة الحج ،و في هذه
الحالة لا ينتقل الزائد الى الورثة بل يبقى في ملك الميت و يصرفه في وجوه البر
و الاحسان و تدل على ذلك مجموعة من الروايات نعم في حالة عدم وصية
الميت بحجة الإسلام فلا حق له الاّ في نفقات حجة ميقاتية ،باعتبار ان الواجب
عليه في ذمته هو تلك الحجة ،لأن السفر الى الميقات و النفقات التي تصرف فيه --( 12 )--
أو مندوبا ( 1 ) و يخرج الأول من الأصل و الثاني من الثلث ،إلا إذا أوصى
بالبلدية و حينئذ فالزائد عن أجرة الميقاتية في الأول من الثلث ( 2 ) ،كما أن
تمام الأجرة في الثاني منه .
[3171 ]مسألة 3 :إذا لم يعيّن الأجرة فاللازم الاقتصار على أجرة
المثل ( 3 )
من مقدماتها و ليس من واجباتها .و قد تقدم الكلام في ذلك موسعا في المسألة
( 88 ) من الفصل الأول فلاحظ .
( 1 ) هذا يتبع ظهور الوصية ،فإن كانت ظاهرة من البلد أخرج نفقاته
البلدية من الثلث ،و إن كانت هناك قرينة على أنه من الميقات أخرج نفقاته
الميقاتية منه .
( 2 ) بل من الأصل ،لما مر من أن الوصية ظاهرة في أن جميع نفقات
الحجة البلدية تخرج من الأصل ،فاذا عصى الوارث أو الوصي و استجار من
الميقات فعليه أن يصرف الفرق بين الحجة البلدية و الميقاتية في وجوه البر
و الإحسان للميت .
( 3 ) في اللزوم اشكال بل منع ،لأن الأجرة الاعتيادية على مراتب تبعا
لنوعية الأجير ،و هي تخرج من تركة الميت ،و تنطبق على المرتبة الأعلى من
تلك المراتب و أدناها على حد سواء ،و على هذا ،فاذا وجد نوعان من الأجير
أحدهما من لا يقبل الا الفرد الأعلى من الاجرة الاعتيادية و هي الأجرة التي
يتقاضها الأجراء بالقيام بمثل ذلك العمل عادة ،و الآخر من يقبل الفرد الأدنى
منها ،فلا يكون الوصي او الوارث ملزما بالاستئجار بالأدنى ،فكما يجوز له ذلك
يجوز الاستئجار بالأعلى منها ،و ليس ذلك اضرارا بحق الورثة و تفويتا له ،باعتبار
أن ما يظل باقيا في ملك الميت من التركة و هو الأجرة الاعتيادية التي هي على
درجات قابل للانطباق على الفرد الأعلى و الفرد الأدنى بنسبة واحدة ،و عليه فلا --( 13 )--
للانصراف ( 1 ) إليها ،و لكن إذا كان هناك من يرضى بالأقل منها وجب
يكون الوارث أو الوصي ملزما بتطبيقه على الفرد الأدنى ،بل كما يسوغ له ذلك
يسوغ له تطبيقه على الفرد الأعلى رغم امكان تطبيقه على الأدنى ،بل ربما يتعين
تطبيقه على الأعلى اذا لم يكن تطبيقه على الأدنى مناسبا لمكانة الميت و شئونه .
نعم اذا وجد أجيران من نوع واحد ،أحدهما لا يقبل الا الفرد الاعلى ،و الآخر
يقبل الفرد الأدنى ،فالظاهر تعين تطبيقه على الثاني ،اذ لا مبرر لتطبيقه على الفرد
الأول .
و أما اذا لم يوجد من يقبل بالأجرة الاعتيادية فيتعين في هذه الحالة دفع
أجور اكبر مما هو مقرر عادة للنيابة في الحج ،و لا يسوغ التأجيل الى سنة قادمة ،
هذا اضافة الى أنه لا دليل على ولاية الموصي او الوارث على تحديد نفقات
حجة الإسلام الواجبة سعة و ضيقا ،فان المستثنى بحسب ظهور الوصية نفقات
حجة بلدية التي تصدق على الأدنى و الأعلى في عرض واحد ،و من هنا اذا لم
يوجد من يقبل ما عينه الموصي من الأجور يدفع الزائد من الأصل ،و اذا وجد
من يقبل أقل مما عينه لم يجب دفع ما عينه تماما ،و اذا دفع يحسب الزائد من
الثلث .
( 1 ) فيه انه لا وجه للانصراف ،فان المتفاهم العرفي من روايات الوصية
أن المستثنى نفقات حجة بلدية ،و هي تختلف باختلاف نوع الأجير سعة
و ضيقا ،فقد يقبل الأجير أدنى فرد من الأجور الاعتيادية ،و قد لا يقبل الأجور
الاعتيادية أيضا ،و يطالب باكبر منها .
فالنتيجة :إنه لا وجه لدعوى الانصراف الى أجرة محددة و معينة بعد ما
عرفت من اختلافها باختلاف نوعية الأجراء ،باعتبار أن الخارج من أصل التركة
انما هو نفقة الحجة البلدية عند الوصية بها ،و هي ذات درجات تختلف
باختلاف الاوقات و البلدان و نوعية الأجراء ،و ليست محددة بحدود معينة ،و به
يظهر حال ما بعده .
--( 14 )--
استئجاره ( 1 ) إذ الانصراف إلى أجرة المثل إنما هو نفي الأزيد فقط ،و هل
يجب الفحص عنه لو احتمل وجوده ؟الأحوط ذلك ( 2 ) توفيرا على الورثة
خصوصا مع الظن بوجوده ( 3 ) و إن كان في وجوبه إشكال خصوصا مع
الظن بالعدم ،و لو وجد من يريد أن يتبرع فالظاهر جواز الاكتفاء به بمعنى
عدم وجوب المبادرة إلى الاستئجار ،بل هو المتعين توفيرا على الورثة ( 4 ) ،
( 1 ) ظهر مما مر عدم وجوبه مع اختلاف نوع الأجير .
( 2 ) بل الأظهر خلافه ،لما مر من أن المستثنى من التركة نفقات حجة
بلدية اذا أوصى بها ،و هي تنطبق على أجور اكبر من الأجور الاعتيادية ،و على
الفرد الأدنى منها ،و لا يجب على الوارث أو الوصي الفحص عمن يقبل الأقل ،
باعتبار أن خروجها من صلب التركة على نحو الكلي في المعين بدون تحديدها
كما و كيفا ،و عليه فيجوز للوصي او الوارث أن يستجير شخصا بالفرد الأعلى من
الأجور الاعتيادية رغم وجود من يقبل الفرد الأدنى منها شريطة اختلافهما في
نوع الأجير ،على أساس أن ذلك ليس اضرارا بحق الورثة ،فان ما يظل باقيا من
التركة في ملك الورثة ليس محدودا بحد معين كما لكي يكون اخراج الاكثر منه
اضرارا بحقهم ،و اذا طالب الأجير أجرة اكبر مما هو مقرر عادة للنيابة في الحج ،
و لم يوجد من يقبل بأقل من ذلك ،فان الواجب تلبية اقتراحه ،و لا يسوغ التأجيل
الى سنة أخرى .
( 3 ) لا قيمة للظن و لا أثر له على كلا القولين في المسألة ،أي سواء فيه
القول بوجوب الفحص عمن يقبل بالفرد الأدنى من الأجرة الاعتيادية ،أم القول
بعدم وجوبه ،اذ على الأول يجب الفحص مع الاحتمال و إن لم يصل الى درجة
الظن ،و على الثاني لا يجب و إن ظن بوجوده ،بل و إن علم به شريطة أن يكون
الأول أفضل من الثاني ،و به يظهر حال ما بعده .
( 4 ) في التوفير اشكال بل منع ،و الأظهر عدم وجوبه ،لأن الواجب على --( 15 )--
فإن أتى به صحيحا كفى و إلا وجب الاستئجار ،و لو لم يوجد من يرضى
بأجرة المثل فالظاهر وجوب دفع الأزيد إذا كان الحج واجبا ،بل و إن كان
مندوبا أيضا مع وفاء الثلث ،و لا يجب الصبر إلى العام القابل و لو مع العلم
بوجود من يرضى بأجرة المثل أو أقل ،بل لا يجوز لوجوب المبادرة إلى
تفريغ ذمة الميت في الواجب و العمل بمقتضى الوصية في المندوب .
و إن عيّن الموصي مقدارا للأجرة تعين ( 1 ) و خرج من الأصل في
الواجب إن لم يزد على أجرة المثل و إلا فالزيادة من الثلث ( 2 ) ،كما أن في
المندوب كله من الثلث .
الوصي استئجار شخص للحج عن الميت الاّ اذا قام متبرع بالحج عنه ،فانه اذا
قام به برئت ذمته ،و لا يبقى موضوع حينئذ للاستئجار ،و أما اذا احتمل وجود
متبرع عنه و قيامه به أو ظن بذلك ،فلا يجب عليه الصبر بأمل أن يقوم المتبرع
بالحج عنه توفيرا للإرث ،بل يجب عليه الاستئجار ما لم يكن واثقا و مطمئنا
بقيام المتبرع به ،كما أنه لا يجوز له تأخير العمل بالوصية اذا علم او اطمأن
بوجود المتبرع عنه في السنة القادمة ،و ذلك لأن العمل بالوصية واجب عليه
فورا ،و لا يجوز له تأخيره و التسامح فيه ،و أما توفير الإرث و ايجاد الحق للورثة
فهو غير واجب عليه ،فان الواجب عليه هو الحفاظ على حقهم و اموالهم و عدم
جواز تفويتها ،و أما ايجاد الموضوع و هو ايجاد الحق و المال لهم فهو غير
واجب .
( 1 ) مر أنها لا تتعين بتعينه ،فان وجد من يقبل الحج بأجرة أقل مما عينه
الموصي فالزائد للورثة ،و إن لم يوجد الاّ باكثر منه وجب تلبيته و اخراج الكل
من التركة .
( 2 ) مر أنها من الأصل اذا لم يقبل ما عيّنه الموصى لا من الثلث .
--( 16 )--
[3172 ]مسألة 4 :هل اللازم في تعيين أجرة المثل الاقتصار على أقل
الناس أجرة أو يلاحظ من يناسب شأن الميت في شرفه وضعته ؟لا يبعد
الثاني ،و الأحوط الأظهر الأول ( 1 ) ،و مثل هذا الكلام يجري أيضا في الكفن
الخارج من الأصل أيضا .
[3173 ]مسألة 5 :لو أوصى بالحج و عين المرة أو التكرار بعدد معين
تعين ،و إن لم يعين كفى حج واحد إلا أن يعلم أنه أراد التكرار ،و عليه
يحمل ما ورد في الأخبار ( 2 ) من أنه يحج عنه ما دام له مال -كما في
خبرين -أو ما بقي من ثلثه شيء -كما في ثالث -بعد حمل الأولين على
( 1 ) تقدم أن ظاهر الوصية بالحج هو اخراج نفقات حجة بلدية من التركة
و قد مر أنها لا تتعين بالأجور الاعتيادية و قد تزيد عنها و قد تنقص حسب نوعية
الأجير ،كما أن ذلك يختلف باختلاف مكانة الميت و شأنه أيضا ،فان الإجارة
بالأقل قد لا تتناسب مكانته و شئونه ،كما قد لا تتناسب اجارة شخص من قبله
مكانته و شأنه لدى المجتمع .و النكتة في ذلك أن المستثنى من تركة الميت
و بقائه في ملكه نفقات حجة الإسلام ،و هي الحجة البلدية في صورة الوصية بها
بدون تحديدها كما و كيفا ،و هي تختلف باختلاف نوعية الأجراء و شئون الميت
و مكانته ،و به يظهر حال الكفن الخارج من الأصل ،فانه يختلف باختلاف شأن
الميت و مقامه .
( 2 ) هذا الحمل بعيد ،فان السائل في الرواية سأل عن الموصي الذي
أوصى بالحج عنه مبهما ،و أجاب الإمام عليه السّلام : «يحج عنه ما دام له مال »- 1 - و هذا
الجواب لا يدل على التكرار ،بل مفاده أنه يحج عنه اذا كان له مال ،فان كان الحج
الموصى به حجة الإسلام فهي لا تتكرر ،و إن كان الحج المندوب فمعناه يحج
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .
--( 17 )--
الأخير ( 1 ) من إرادة الثلث من لفظ المال ،فما عن الشيخ و جماعة من
وجوب التكرار ما دام الثلث باقيا ضعيف ،مع أنه يمكن أن يكون المراد من
الأخبار أنه يجب الحج ما دام يمكن الإتيان به ببقاء شيء من الثلث بعد
العمل بوصايا أخر ،و على فرض ظهورها في إرادة التكرار و لو مع عدم
العلم بإرادته لا بد من طرحها لإعراض المشهور عنها ( 2 ) ،فلا ينبغي
الإشكال في كفاية حج واحد مع عدم العلم بإرادة التكرار ،نعم لو أوصى
بإخراج الثلث و لم يذكر إلا الحج يمكن أن يقال بوجوب صرف تمامه في
الحج ( 3 ) ،و كذا لو لم يذكر إلا المظالم أو إلا الزكاة أو إلا الخمس ،و لو
أوصى أن يحج عنه مكررا كفى مرتان لصدق التكرار معه .
عنه ما دام له ثلث ،يعني اذا كان له ثلث و على كلا التقديرين فهو لا يدل على
التكرار ،أو لا أقل من اجمال الجواب و عدم ظهوره فيه .
( 1 ) فيه أنه لا مبرر لهذا الحمل فان قوله في الروايتين الاوليين :
«له مال »مجمل مردد بين الثلث و بين الأصل ،باعتبار اجمال الحج الموصى
به ،فلا اطلاق له حتى يحمل على المقيد ،و التصريح بالثلث في الرواية
الأخيرة لا يرفع الاجمال عنه ،و لا يوجب تعين الحج الموصى به في الأوليين
بالحج المندوب لكي يكون قرينة على أن المراد من المال فيهما
الثلث .
( 2 ) مرت الإشارة في غير مورد الى أنه لا أثر لإعراض المشهور ،و لا
يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار و خروجها عن دليل الحجية .
( 3 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و الأظهر هو التفصيل في المقام ،فان
الوصية إن كانت ظاهرة في صرف تمام الثلث في الحج ،بمعنى أنه يحج منه
ما دام باقيا و وافيا سنة بعد أخرى وجب ذلك و إن كانت ظاهرة في الوصية بالثلث --( 18 )--
[3174 ]مسألة 6 :لو أوصى بصرف مقدار معين في الحج سنين معينة
و عين لكل سنة مقدارا معينا و اتفق عدم كفاية ذلك المقدار لكل سنة صرف
و اخراج الحج منه لم يجز صرف تمامه فيه ،بل يجب اخراج حجة واحدة منه ،
و صرف الباقي في سائر واجبات الميت كالصلاة و الصيام و نحوهما ،هذا اذا كان
الثلث اكثر من نفقة الحج ،و أما اذا كان بمقدارها فحسب ،فعندئذ هل يجب
صرفه فيها فقط ،أو لا بد من التوزيع ؟ففيه تفصيل ،فان كانت هناك قرينة حالية
أو سياقية في أن غرض الموصى هو صرف مقدار منه في الحج بالنسبة و مقدار
منه في سائر واجباته كالصلاة و الصيام مطلقا حتى اذا لم يكن هذا المقدار وافيا
بالحج وجب التوزيع ،غاية الأمر انه إن اتسع لنصف نفقة الحج أخرج النصف
الآخر من باقي التركة ،و إن اتسع لثلث نفقته أخرج الثلثان الآخران من الباقي ،
هذا نظير ما اذا صرح الميت في وصيته بأن يحج عنه و أن تؤدى عنه الصلاة
و الصيام على أن يسدّد كل ذلك من الثلث ،فان اتسع الثلث لذلك كله فهو
المطلوب و الاّ وزع على الجميع بالنسبة تطبيقا لما مرّ ،و أما اذا لم تكن هناك
قرينة حالية أو سياقية تدل على ذلك يصرف تمام الثلث في الحج ،باعتبار أنه لم
يعين له مصرفا آخر غيره .
و أما اذا كانت الوصية مجملة ،بأن لا تكون ظاهرة في الفرض الأول و لا
في الثاني ،فعندئذ يصرف مقدار منه في الحج ،و أما الباقي فيدور أمره بين
وجوب صرفه فيه أيضا و بين وجوب صرفه في سائر الأمور الخيرية ،فيدور
أمره بين المحذورين ،و قد ذكرنا في علم الأصول أن المرجع فيه أصالة البراءة
عن التعيين ،حيث يمكن جعله لكل واحد منهما معينا ،و لا دافع لهذا الاحتمال
الاّ أصالة البراءة ،و حينئذ فالمكلف مخير بين صرف تمامه في الحج و بين
صرف مقدار منه فيه و الباقي في الصلاة و الصيام و غيرهما من الأمور الخيرية ،
و به يظهر حال ما بعده .
--( 19 )--
نصيب سنتين في سنة أو ثلاث سنين في سنتين مثلا و هكذا ،لا لقاعدة
الميسور لعدم جريانها في غير مجعولات الشارع ( 1 ) ،بل لأن الظاهر من
حال الموصي إرادة صرف ذلك المقدار في الحج و كون تعيين مقدار كل
سنة بتخيل كفايته ،و يدل عليه أيضا خبر علي بن محمد الحضيني و خبر
إبراهيم بن مهزيار ففي الأول تجعل حجتين في حجة و في الثاني تجعل
ثلاث حجج في حجتين ،و كلاهما من باب المثال ( 2 ) كما لا يخفى ،هذا .
( 1 ) فيه ان القاعدة في نفسها غير تامة نظرية و لا تطبيقية .
اما الأولى :فلأن الروايات التي استدل بها عليها بأجمعها روايات ضعاف
لا يمكن الاعتماد على شيء منها .
و أما الثانية :فلأنها لا تنطبق على الواجبات المركبة الارتباطية ،اذ الظاهر
من رواياتها على تقدير تماميتها هو الإرشاد الى حكم العقل بعدم سقوط
الميسور بالمعسور ،و هذا يختص بالواجبات المستقلة غير المرتبطة ،و لا يعم
المركبات الارتباطية ،هذا اضافة الى أن المتبع في باب الوصية انما هو
نظر الموصي ،فان كانت الوصية في أمثال المقام ظاهرة في تعدد المطلوب
بقرائن حالية أو مقامية كما هو غير بعيد ،فلا مناص من الالتزام به لا من
باب تطبيق القاعدة ،بل من باب تطبيق الوصية ،و إن لم تكن ظاهرة في ذلك
بأن تكون مجملة ،فان احتمل تعين تعدد المطلوب فلا مانع من الرجوع الى
أصالة البراءة عنه ،و صرف المال الموصى به في مطلق وجوه البر و الاحسان منها
الحج .
( 2 ) فيه أن ظاهرهما و إن كان كما ذكره قدّس سرّه من تعدد المطلوب ،الاّ أنهما
ضعيفان من ناحية السند ،فلا يمكن الاعتماد عليهما ،فاذن المعيار انما هو
بظهور الوصية في مثل المقام ،و لا يبعد ظهورها في تعدد المطلوب فيه
-كما مر -.
--( 20 )--
و لو فضل من السنين فضلة لا تفي بحجة فهل ترجع ميراثا أو في
وجوه البر ( 1 ) أو تزاد على أجرة بعض السنين ؟وجوه .
و لو كان الموصى به الحج من البلد و دار الأمر بين جعل أجرة سنتين
مثلا لسنة و بين الاستئجار بذلك المقدار من الميقات لكل سنة ففي تعيين
الأول أو الثاني وجهان ،و لا يبعد التخيير بل أولوية الثاني ،إلا أن مقتضى
إطلاق الخبرين الأول ( 2 ) .
هذا كله إذا لم يعلم من الموصي إرادة الحج بذلك المقدار على وجه
التقييد و إلا فتبطل الوصية إذا لم يرج إمكان ذلك بالتأخير أو كانت الوصية
مقيدة بسنين معينة .
[3175 ]مسألة 7 :إذا أوصى بالحج و عين الأجرة في مقدار فإن كان الحج
واجبا و لم يزد ذلك المقدار عن أجرة المثل أو زاد و خرجت الزيادة من
الثلث ( 3 ) تعين ،و إن زاد و لم تخرج الزيادة من الثلث بطلت الوصية و يرجع
( 1 ) هذا هو المتعين ،لإن الإرث بعد الوصية بالثلث ،فاذا زاد الثلث عما
عينه من المصارف وجب صرفه في سائر وجوه البر و الإحسان ،و لا يرجع
ميراثا ،باعتبار أن الثلث يبقى في ملك الميت ،و لا ينتقل الى الورثة ،و لا موجب
لزيادة أجرة بعض السنين الاّ أن يصدق عليها وجوه البر و الإحسان .
( 2 ) مر أنه لا يمكن الاعتماد عليهما لضعفهما سندا ،فاذن لا بد من العمل
على طبق ما يظهر من الوصية ،و لا يبعد ظهورها في الثاني ،على أساس أن ظاهر
حال الموصي هو الاتيان بالحج من قبله في كل سنة و إن كان من الميقات اذا لم
يمكن من البلد ،باعتبار أن حجتين من الميقات افضل و اكثر أجرا من حجة
واحدة بلدية .
( 3 ) بل من الأصل اذا كان الحج الموصى به حجة الإسلام ،كما أشرنا اليه --( 21 )--
إلى أجرة المثل ،و إن كان الحج مندوبا فكذلك تعين أيضا مع وفاء الثلث
بذلك المقدار ،و إلا فبقدر وفاء الثلث مع عدم كون التعيين على وجه
التقييد ( 1 ) ،و إن لم يف الثلث بالحج أو كان التعيين على وجه التقييد بطلت
الوصية و سقط وجوب الحج .
[3176 ]مسألة 8 :إذا أوصى بالحج و عين أجيرا معينا تعين استئجاره
بأجرة المثل ،و إن لم يقبل إلا بالأزيد فإن خرجت الزيادة من الثلث تعين
أيضا و إلا بطلت الوصية و استؤجر غيره بأجرة المثل في الواجب مطلقا ،
و كذا في المندوب إذا و فى به الثلث و لم يكن على وجه التقييد ،و كذا إذا
لم يقبل أصلا .
في ضمن البحوث السالفة ،و اذا كان غيرها فقد تقدم أنه اخرج من الثلث و إن
كان واجبا كالحج النذري أو نحوه ،و على هذا الأساس فما عينه الموصى من
الأجرة إن كان بمقدار الثلث او أقل منه وجب العمل بالوصية ،و إن كان أزيد من
الثلث لم تصح الوصية في الزائد إلاّ باجازة الورثة ،فإن أجازوا صحت ،و الاّ
بطلت فيه ،و عندئذ بما أن الثلث لا يفي بالحج الموصى به يصرف الثلث في
سائر وجوه البر و الإحسان ،نعم لو كان التعيين على وجه التقييد و وحدة
المطلوب ،بأن يكون المطلوب هو الحج الموصى به المستأجر بهذه الأجرة
المحددة كما لا أقل و لا اكثر ،و بما أن العمل بهذا القيد متعذر فلا يمكن العمل
بالوصية ،فمن أجل ذلك تبطل ،و على هذا فلا ثلث له أيضا ،لعدم الوصية به ،
و لكن ذلك بعيد عن مقتضى ظاهر حال الموصي ،و به يظهر حال ما اذا كان
الحج الموصى به مندوبا .
( 1 ) مر أنه بعيد ،و مما ذكرناه في هذه المسألة يظهر حال المسألة
الآتية .
--( 22 )--
[3177 ]مسألة 9 :إذا عين للحج أجرة لا يرغب فيها أحد و كان الحج
مستحبا بطلت الوصية إذا لم يرج وجود راغب فيها ،و حينئذ فهل ترجع
ميراثا أو تصرف في وجوه البر أو يفصل بين ما إذا كان كذلك من الأول
فترجع ميراثا أو كان الراغب موجودا ثم طرأ التعذر ؟وجوه .
و الأقوى هو الصرف في وجوه البر ،لا لقاعدة الميسور بدعوى أن
الفصل إذا تعذر يبقى الجنس ،لأنها قاعدة شرعية و إنما تجري في الأحكام
الشرعية المجعولة للشارع و لا مسرح لها في مجعولات الناس ،كما أشرنا
إليه سابقا ،مع أن الجنس لا يعد ميسورا للنوع فمحلها المركبات الخارجية
إذا تعذر بعض أجزائها و لو كانت ارتباطية ،بل لأن الظاهر من حال
الموصي في أمثال المقام إرادة عمل ينفعه و إنما عين عملا خاصا لكونه
أنفع في نظره من غيره فيكون تعيينه لمثل الحج على وجه تعدد المطلوب
و إن لم يكن متذكرا لذلك حين الوصية ،نعم لو علم في مقام كونه على
وجه التقييد في عالم اللبّ أيضا يكون الحكم فيه الرجوع إلى الورثة ،و لا
فرق في الصورتين بين كون التعذر طارئا أو من الأول .
و يؤيد ما ذكرنا ما ورد من الأخبار في نظائر المقام ،بل يدل عليه خبر
علي بن سويد ( 1 ) عن الصادق عليه السّلام :قال «قلت :مات رجل فأوصى بتركته
أن حج بها عنه فنظرت في ذلك فلم تكف للحج فسألت من عندنا من
( 1 ) الخبر عن علي بن مزيد كما في الفقيه ،و عن علي بن فرقد كما في
الكافي و التهذيب ،لا عن علي بن سويد ،و بما أن كلا من علي بن مزيد و علي بن
فرقد لم يثبت توثيقه فيكون الخبر ضعيفا ،و على كل حال فما ذكره الماتن قدّس سرّه في
المسألة هو الصحيح .
--( 23 )--
الفقهاء فقالوا :تصدق بها ،فقال عليه السّلام :ما صنعت ؟قلت :تصدقت بها ،
فقال عليه السّلام :ضمنت إلا أن لا تكون تبلغ أن يحج بها من مكة فإن كانت تبلغ
أن يحج بها من مكة فأنت ضامن ».
و يظهر مما ذكرنا حال سائر الموارد التي تبطل الوصية لجهة من
الجهات .
و ملخصه :أن الميت اذا أوصى بالثلث ،و عين له مصارف ،و تعذر صرفه
فيها ،لا مقتضى لرجوعه الى الوارث ،بل يصرف في غيرها من المصارف
الخيرية و وجوه البر .نعم اذا أوصى الميت ابتداء بأشياء بعناوينها
الخاصة لا بعنوان أنها من مصارف الثلث ،كما اذا أوصى بأن يحج عنه
و يبني مسجدا أو مدرسة أو حسينية أو غير ذلك ،ثم تعذر العمل بها ،
فمقتضى القاعدة حينئذ و إن كان بطلان الوصية بها ،الاّ أنه يمكن تصحيحها
بأحد أمرين :
الأول :ان المتفاهم العرفي من الوصية بها بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية هو أنه أوصى بالثلث ،و جعل تلك الأشياء مصارفا له و كناية على
ذلك ،غاية الأمر أن الوصية بالثلث قد تكون بالصراحة ،و أخرى تكون بالكناية
و بالالتزام ،و لا فرق بين الأمرين .
الثاني :ظهور هذه الوصية في أن غرض الموصي من الوصية بتلك
الأشياء هو جعل ثلثه صدقة جارية فيها إن امكن ،لأنه تمام المطلوب
و كماله ،و إن لم يمكن ففي غيرها ،و هذا معنى دلالة هذه الوصية على تعدد
المطلوب .
و بكلمة :أن نفس هذه الوصية تدل على أن غرض الموصي هو صرف
ثلثه في وجوه البر و الاحسان ،غاية الامر أن تمام غرضه هو أن يصرف في تلك
الاشياء الخاصة ،و إن لم يمكن يصرف في غيرها مع مراعاة الأهم فالأهم --( 24 )--
هذا في غير ما إذا أوصى بالثلث و عين له مصارف و تعذر بعضها ،
و أما فيه فالأمر أوضح لأنه بتعيينه الثلث لنفسه أخرجه عن ملك الوارث
بذلك فلا يعود إليه .
[3178 ]مسألة 10 :إذا صالحه على داره مثلا و شرط عليه أن يحج عنه بعد
موته صح و لزم و خرج من أصل التركة ( 1 ) و إن كان الحج ندبيا و لا يلحقه
حكم الوصية .
و الأقرب فالأقرب .
( 1 ) فيه اشكال بل منع .
اما اولا :فلأن مفاد الشرط ليس هو إنشاء تمليك الفعل للمشروط له ،بل
مفاده الزام المشروط عليه بالعمل بالشرط تكليفا ،فاذن ليس هنا مال أو حق
حتى يخرج من أصل التركة .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن معنى الشرط هو إنشاء تمليك
الفعل المشروط للمشروط له ،كما هو غير بعيد ،فان المنشأ في شرط الفعل في
الحقيقة المعنى الحرفي المدلول عليه بكلمة ( اللام ) في قولك عند الاشتراط في
عقد ( أن تخيط لي ثوبي ) أو ( لك علي خياطة الثوب ) ،و بما أن النسبة الخارجية
بين الشرط و المشروط له في الخارج غير قابلة للإنشاء ،فلا محالة يكون المنشأ
هو النسبة الاعتبارية بينهما المتمثلة في ملكية الشرط للمشروط له ،و على هذا
فحيث ان المشروط له يملك الشرط على المشروط عليه من الآن ،غاية الأمر ان
ظرف تسليمه كان بعد موته ،فيكون من التركة ،و ينتقل الى الورثة ،و حينئذ يكون
أمره بيدهم ،و لهم ابراء ذمته عنه ،كما أن لهم أن يطالبه بالاتيان به عن الميت أو
المصالحة عليه من جديد أو نحو ذلك .
فالنتيجة :انه على هذا الأساس لا يخرج من الأصل و لا من الثلث ،اما
الأول فهو ظاهر ،و أما الثاني فلأنه مبني على أن يكون هذا الشرط داخلا في --( 25 )--
و يظهر من المحقق القمي قدّس سرّه في نظير المقام إجراء حكم الوصية
عليه ( 1 ) بدعوى أنه بهذا الشرط ملك عليه الحج و هو عمل له أجرة
فيحسب مقدار أجرة المثل لهذا العمل فإن كانت زائدة عن الثلث توقف
على إمضاء الورثة ،و فيه أنه لم يملك عليه الحج مطلقا في ذمته ثم أوصى
الوصية ،و لكن لا يعقل ذلك ،لأن الوصية موضوعها الملك و المال ،و هذا
الشرط بنفسه ملك فلا يمكن أن يكون وصية ،و الاّ لزم اتحاد الحكم مع
الموضوع .نعم اذا كان الحج المصالح به حجة الإسلام يخرج من الأصل ،لا
بملاك المصالحة ،بل من جهة أن ذمته مشغولة بحجة الإسلام و هي تخرج من
الأصل ،و لو لا ذلك فقد عرفت أن المصالحة بنفسها لا توجب خروج الحج
المصالح به من الأصل .
و بكلمة :ان ذمة الميت اذا كانت مشغولة بحجة الإسلام ،و هي الحجة
المصالح بها ،وجب على الورثة أن يطلبوا من المصالح -بالفتح -القيام بالحج
من قبل الميت ،فان قام به فهو المطلوب ،و الاّ فلهم أن يرجعوا الى الحاكم
الشرعي لإجباره على ذلك ،أو يستنيبوا شخصا آخر من قبل الميت لكي يحج
عنه ،و يطالبوا المصالح بقيمة الحج ،فان امتنع راجعوا الحاكم الشرعي لإجباره
عليها ،و أمّا خيار تخلف الشرط عند امتناع المشروط عليه عن تسليمه فهو ثابت
للورثة ،باعتبار أن الشرط ملك لهم ،حيث انه من التركة المنتقلة اليهم من الميت
حتى فيما اذا كان الشرط هو حجة الإسلام على المشروط عليه .
( 1 ) فيه منع ظاهر ،لأن الوصية موضوعها الملك في المرتبة السابقة ،
فاذا أوصى الميت بثلث ماله فلا بد من افتراض وجود مال له في المرتبة
المتقدمة لكي يوصى بثلثه ،و على هذا فلا يعقل أن يكون الشرط في المقام
وصية ،لأنه ملك للشارط ،لا أنه وصية بالملك ،فلذلك لا يمكن اجراء حكم
الوصية عليه .
--( 26 )--
أن يجعله عنه بل إنما ملك بالشرط الحج عنه و هذا ليس مالا ( 1 ) تملكه
الورثة فليس تمليكا و وصية و إنما هو تمليك على نحو خاص ( 2 ) لا ينتقل
إلى الورثة .
و كذا الحال إذا ملكه داره بمائة تومان ( 3 ) مثلا بشرط أن يصرفها في
الحج عنه أو عن غيره ،أو ملكه إياها بشرط أن يبيعها و يصرف ثمنها في
الحج أو نحوه ( 4 ) ،فجميع ذلك صحيح لازم من الأصل و إن كان العمل
المشروط عليه ندبيا .
نعم له الخيار عند تخلف الشرط ،و هذا ينتقل إلى الوارث بمعنى أن
( 1 ) بل هو مال على القول بأن الشرط معناه تمليك العمل المشروط
للمشروط له ،كما هو غير بعيد .
( 2 ) مر أن ذلك ليس مانعا عن انتقاله الى الورثة ،اذ لا فرق في انتقاله اليهم
بين أن يكون مالكا للحج في ذمة المشروط عليه مطلقا ،أو على نحو خاص
و هو الحج عنه بعد موته ،فانه اذا كان مالكا له انتقل الى ورثته بعد موته تطبيقا
لأدلة الإرث .
( 3 ) فيه ان هذا المثال ليس كالصلح المشروط بالحج عنه بعد موته ،لما مر
من أنه لا يمكن اجراء حكم الوصية على الشرط فيه ،و أما هذا المثال فهو داخل
في الوصية و يخرج من الثلث ،على أساس أن مائة تومان بما أنها تصبح ملكا
للشارط في مقابل الدار فيكون اشتراطه على من ملكه الدار أن يصرفها في الحج
عنه داخل في الوصية ،فاذن قياس الماتن قدّس سرّه هذا المثال بالصلح المشروط قياس
مع الفارق .
( 4 ) هذا كالصلح المشار اليه آنفا ،و لا يمكن اجراء حكم الوصية عليه
لعدم الموضوع لها .
--( 27 )--
حق الشرط ينتقل إلى الوارث ( 1 ) فلو لم يعمل المشروط عليه بما شرط
عليه يجوز للوارث أن يفسخ المعاملة .
( 1 ) فيه ان ذلك لا ينسجم مع ما بنى عليه قدّس سرّه من عدم انتقال الشرط و هو
الحج في المثال الى الوارث ،فاذا لم ينتقل فلا معنى لانتقال حقه اليه ،و هو الخيار
عند تخلفه ،باعتبار أنه لا ينتفع به حتى يدخل في التركة ،لأن موضوع الإرث ما
تركه الميت من مال أو حق ،و الشرط في المقام و إن كان مالا الاّ أنه اذا لم ينتقل
الى الوارث فلا موضوع لانتقال حقه اليه ،ضرورة أنه انما يكون لمن يملك
الشرط ،لا للأجنبي عنه ،و حينئذ فان كان للميت وصي في القيام بما يتعلق به
فيطالب المشروط عليه على الوفاء بالشرط ،فان امتنع فله أن يفسخ المصالحة ،
فاذا فسخها انتقلت الدار الى ملك الميت ،و إن لم يكن فللحاكم الشرعي أن
يصنع ذلك بمقتضى ولايته على الميت .
ثم إن الدار في المثال هل تنتقل الى الورثة ،أو تبقى في ملك الميت
و تصرف في الحج عنه ،فإن بقى منها شيء يصرف في وجوه البر و الاحسان ؟
فيه وجهان :الصحيح هو الوجه الثاني ،لأن الأول إمّا مبني على أن معنى الفسخ
انهدام المعاملة من حينها لا من حين الفسخ و هو خلاف التحقيق لوضوح أن
معنى الفسخ هو حل المعاملة من حينه و ابطال مفعولها من هذا الحين لا من
الأول ،و ليس معنى الفسخ بطلان المعاملة و اشتراط صحتها بعدمه ،أو مبني على
وجود دليل يدل باطلاقه على أن ما ملكه الميت من المال حتى بعد موته فهو
لوارثه .و لكن لا يوجد دليل على ذلك ،فان أدلة الإرث لا اطلاق لها من هذه
الناحية ،لأن مدلولها هو ان ما تخلف عن الميت و تركه فهو لوارثه ،و لا يعم ما
ملكه بعد موته من المال جديدا ،فانه لا يصدق عليه عنوان التخلف و التركة ،
فاذن مقتضى القاعدة عدم الانتقال .
و تؤكد ذلك صحيحة الفضل بن يونس الكاتب قال : «سألت أبا الحسن --( 28 )--
[3179 ]مسألة 11 :لو أوصى بإن يحج عنه ماشيا أو حافيا صح و اعتبر
خروجه من الثلث إن كان ندبيا و خروج الزائد عن أجرة الميقاتية منه إن
كان واجبا ( 1 ) ،و لو نذر في حال حياته أن يحج ماشيا أو حافيا و لم يأت به
حتى مات و أوصى به أو لم يوص وجب الاستئجار عنه من أصل التركة ( 2 )
كذلك ،نعم لو كان نذره مقيدا بالمشي ببدنه أمكن أن يقال بعدم وجوب
الاستئجار عنه لأن المنذور هو مشيه ببدنه فيسقط بموته ( 3 ) لأن مشي
الأجير ليس ببدنه ،ففرق بين كون المباشرة قيدا في المأمور به
أو موردا .
موسى عليه السّلام ،فقلت له :ما ترى في رجل من أصحابنا -الى أن قال :قلت :فان اتجر
عليه بعض اخوانه بكفن آخر و كان عليه دين أ يكفن بواحد و يقضى دينه
بالآخر ؟قال :لا ،ليس هذا ميراثا تركه ،انما هذا شيء صار اليه بعد وفاته ... »- 1 -
فان هذا التعليل يدل على أن ما ملكه الميت بعد موته لا ينتقل الى وارثه ،باعتبار
أنه ليس مما تركه .نعم قد قام دليل خاص على ذلك في خصوص الدية .
( 1 ) بل من الثلث اذا كان الواجب الموصى به غير حجة الإسلام ،و إن كان
حجة الإسلام اخرج الجميع من الأصل لا خصوص الأجرة الميقاتية ،كما مر .
( 2 ) بل من الثلث اذا أوصى بالاستئجار عنه ،و أما اذا لم يوص به فلا يجب
الاستئجار عنه .
( 3 ) بل يكشف عن بطلان النذر اذا كان موته قبل التمكن من الوفاء به ،
نعم اذا كان بعده فيسقط بموته ،و لا يجب الاستئجار عنه و إن قلنا بوجوب قضاء
الحج المنذور أيضا ،و ذلك لأن الواجب بالنذر في مفروض الكلام هو الاتيان
بالحج مباشرة ،و من المعلوم أنه غير قابل للاستنابة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :33 من أبواب التكفين الحديث :1 .
--( 29 )--
[3180 ]مسألة 12 :إذا أوصى بحجتين أو أزيد و قال :إنها واجبة عليه صدّق
و تخرج من أصل التركة ( 1 ) ،نعم ،لو كان إقراره بالوجوب عليه في مرض
الموت و كان متهما في إقراره فالظاهر أنه كالإقرار بالدين فيه في خروجه
من الثلث إذا كان متهما على ما هو الأقوى .
[3181 ]مسألة 13 :لو مات الوصي بعد ما قبض من التركة أجرة الاستئجار
و شك في أنه استأجر الحج قبل موته أو لا فإن مضت مدة بممكن الاستئجار
فيها فالظاهر حمل أمره على الصحة ( 2 ) مع كون الوجوب فوريا منه ،و مع
( 1 ) بل من الثلث اذا لم يكن اي منهما حجة الإسلام ،و اما اذا كانت
احداهما حجة الإسلام فهي تخرج من الأصل ،و الأخرى من الثلث و إن كانت
واجبة -كما تقدم -.
( 2 ) فيه اشكال بل منع ،لأن أصالة الصحة لم تثبت بدليل لفظي مطلق
حتى يمكن التمسك باطلاقه في امثال المقام ،بل انما هي ثابتة بالسيرة العقلانية
شريطة توفر أمور فيها :
الأول :أهلية الفاعل .
الثاني :أهلية القابل و المورد .
الثالث :أن يكون الشك متمحضا في الصحة بعد الفراغ عن أصل
الوجود .
و هذه الأمور من الأركان و العناصر المقومة لها ،فاذا توفرت جرت
الأصالة ،و الاّ فلا موضوع لها ،و بما أن الركن الثالث غير متوفر في المقام ،لأن
الشك فيه انما هو في أصل وجود المأمور به في الخارج لا في صحته بعد الفراغ
عن أصل وجوده ،فلا مجال للتمسك بها ،اذ مع الشك في أصل وجوده لا تكون
أركانها محرزة ،و من الواضح أن هذه الأصالة انما تجري فيما اذا كانت أركانها
محرزة في المرتبة السابقة ،و كان الشك في صحته و فساده ناشئا من الشك في --( 30 )--
كونه موسعا إشكال ،و إن لم تمض مدة يمكن الاستئجار فيها وجب
الاستئجار من بقية التركة إذا كان الحج واجبا ( 1 ) و من بقية الثلث إذا كان
مندوبا ،و في ضمانه لما قبض و عدمه لاحتمال تلفه عنده بلا ضمان
توفر شرط من شروطه غير الركنية ،فلذلك لا موضوع للتمسك بها في المقام
بدون فرق بين أن يكون ما قبضه من التركة أجرة للاستئجار موجودا عنده أو لا ،
فان وجوده لا يكون قرينة على عدم الاستئجار ،كما أن عدم وجوده لا يصلح أن
يكون قرينة على الاستئجار .نعم اذا كانت هناك قرينة حالية ،كظهور حال
الوصي بملاك أنه رجل أمين و ثقة لا يتساهل و لا يتسامح في العمل بما هو
وظيفته الشرعية ،أو مقالية على أنه استأجر شخصا للحج من قبل الميت كفى
ذلك ،و لم يجب الاستئجار ،لا من جهة أصالة الصحة ،بل من جهة وجود القرينة
على الاجارة .و أما اذا لم تكن قرينة كذلك في البين ،فبما أن الشك في المقام
يكون في أصل وجود الحج من قبل الميت ،فلا مجال للتمسك بها ،لأنها تثبت
الصحة لا أصل الوجود ،و لا فرق في ذلك أيضا بين ان تكون الأجرة موجودة
عنده أو لا ،فان المعيار انما هو بظهور حاله الموجب للوثوق و الاطمئنان
بالاستئجار و عدم ظهوره .
ثم إن هذا الظهور الحالي انما هو اذا كان وجوبه فوريا و كان الوصي ثقة
و أمينا ،و أما اذا كان وجوبه موسعا فلا منشأ لهذا الظهور و إن كان الوصي ثقة
و أمينا ،و بذلك يظهر حال ما ذكره الماتن قدّس سرّه من الاشكال في جريان أصالة
الصحة اذا لم يكن الوجوب فوريا .و وجه الظهور ما مر من أنه لا مجال للتمسك
بالأصالة بدون فرق بين أن يكون الوجوب فوريا أو غير فوري ،كما أنه لا مجال
للتمسك بالظهور الحالي في هذا الفرض .
( 1 ) هذا شريطة أن يكون الواجب حجة الإسلام -كما تقدم - ،و إلاّ فلا
يخرج من الأصل و إن كان واجبا .
--( 31 )--
وجهان ( 1 ) ،نعم لو كان المال المقبوض موجودا أخذ حتى في الصورة
الأولى ( 2 ) و إن احتمل أن يكون استأجر من مال نفسه إذا كان مما يحتاج
إلى بيعه و صرفه في الأجرة و تملك ذلك المال بدلا عما جعله أجرة لأصالة
بقاء ذلك المال على ملك الميت .
( 1 ) الأظهر عدم الضمان ،لأن يده على الأجرة يد أمين ،و هي خارجة عن
عموم قاعدة اليد ،و لا يوجد دليل آخر على الضمان ،فاذن يكون المرجع فيه
أصالة البراءة عند الشك فيه .
( 2 ) هذا شريطة أن لا يكون هناك ظهور حالي في الاستئجار من مال
نفسه بدلا عنه ،و الاّ لم يجز ،لأن هذا الظهور كما يثبت مدلوله المطابقي و هو
الاستئجار من قبل الميت ،كذلك يثبت مدلوله الالتزامي و هو الاستئجار من ماله
بدلا عن مال الميت ،على أساس أن مثبتات الأمارات تكون حجة ،هذا من
ناحية .
و من ناحية أخرى أن هذا التبديل و إن كان بحاجة الى ولاية و لكن هذا
المقدار من الولاية ثابت للوصي جزما و لا شبهة فيه .
و بكلمة :انه اذا كان هناك ظهور حالي في أن الوصي قام بالاستئجار من
قبل الميت فهو حجة في مدلوله المطابقي و الالتزامي معا ،و نتيجة ذلك أن ما
قبضه من التركة بعنوان الأجرة للحج اذا كان موجودا عنده فهو محكوم بكونه
ملكا له ،و لا يجوز أخذه منه و التصرف فيه ،و أما اذا لم يكن ظهور حالي في
المسألة ،فقد مر أنه لا مجال للتمسك بأصالة الصحة ،لعدم توفر أركانها
و عناصرها المقومة .
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أنها تجري في المسألة ،و لكن بما أن
مثبتاتها لا تكون حجة ،فلا تثبت أن الاجرة الموجودة عند الوصي ملك له ،لأنها
انما تكون حجة في مدلولها المطابقي و هو صحة النيابة ظاهرا ،و براءة ذمة --( 32 )--
[3182 ]مسألة 14 :إذا قبض الوصي الأجرة و تلف في يده بلا تقصير لم
يكن ضامنا ،و وجب الاستئجار من بقية التركة ( 1 ) أو بقية الثلث ،و إن
الميت عن الحج كذلك ،دون مدلولها الالتزامي و هو أنه استناب من ماله الخاص
بدلا عن مال الميت ،فاذن لا مانع من استصحاب بقائه في ملكه و عدم خروجه
عنه و دخوله في ملك الوصي .
و دعوى :أن ذلك مخالف للعلم الإجمالي بعدم مطابقة أحدهما للواقع ،
و هو مانع عن جريانهما .
مدفوعة :بأنه لا يمنع عن جريانهما ،لأن العلم الإجمالي انما يمنع عن
جريان الأصول المؤمنة في أطرافه اذا لزمت من جريانها فيها مخالفة قطعية
عملية ،و الاّ فلا أثر له .و أما في المقام فبما أنه لا يلزم من جريان أصالة الصحة
و الاستصحاب معا فيه مخالفة قطعية عملية ،فلا أثر للعلم الإجمالي فيه ،و لا
يكون مانعا عن جريانهما الا ان تكون حجيتهما من باب الكاشفية .
نعم يوجد هنا علم اجمالي آخر و هو العلم اما بوجوب الاستئجار به
للميت ،أو وجوب رده الى ورثة الوصي ،لأنه إن عمل بالوصية في الواقع فهو
لوارثه ،و الاّ فهو باق في ملك الميت و يجب الاستئجار به منه ،و بما أن الأمر
يدور بين المحذورين فلا يكون العلم الإجمالي المتعلق بالجامع بينهما منجزا ،
و حينئذ فلا مانع من الرجوع الى الاستصحاب المذكور ،و هو استصحاب بقاء
المال في ملك الميت ،و يترتب عليه وجوب الاستئجار به عنه .
( 1 ) هذا شريطة أن يكون الحج الواجب الموصى به حجة الإسلام ،و الاّ
فمن الثلث سواء أ كان واجبا أم كان ندبا ،لما تقدم في ضمن البحوث السالفة من
أن نسبة حجة الإسلام الى التركة نسبة الكلي في المعين ،فاذا ورد النقص على
التركة لم يرد عليها ،فلو أخذ الوصي أجرتها من التركة ثم تلفت عنده وجب
أخذها مرة ثانية من التركة و إن كان بعد التقسيم .نعم اذا كان الوصي ضامنا له ،--( 33 )--
اقتسمت على الورثة استرجع منهم ،و إن شك في كون التلف عن تقصير
أو لا فالظاهر عدم الضمان أيضا ( 1 ) ،و كذا الحال إن استأجر و مات الأجير
و لم يكن له تركة أو لم يمكن الأخذ من ورثته .
[3183 ]مسألة 15 :إذا أوصى بما عنده من المال للحج ندبا و لم يعلم أنه
يخرج من الثلث أو لا ( 2 ) لم يجز صرف جميعه ،نعم لو ادعى أن عند
كما اذا كان التلف بتقصير منه ،فعندئذ وجب عليه أن يستأجر من ماله عوضا عن
التالف ،و أما اذا لم يكن للوصي مال ،أو كان ممتنعا عن الأداء ،فيجب على الورثة
اخراج الحجة من التركة ثانيا ،لأن التلف وارد عليهم لا على الميت ،و يكون
الوصي ضامنا لهم ،باعتبار أن الكلي غير قابل للتلف ،و من هنا اذا علم الورثة أن
الأجير أكل الأجرة و لم يأت بالحج وجب عليهم الحج من التركة مرة أخرى ،
و هذا بخلاف الثلث ،فان نسبته الى التركة نسبة الاشاعة لا الكلي في المعين ،فاذا
ورد النقص على التركة عينا أو قيمة ورد عليه أيضا بالنسبة .
( 1 ) هذا ينافي ما ذكره قدّس سرّه في المسألة السابقة من التردد فيه ،مع أنه لا فرق
بين المسألتين من هذه الجهة ،هذا و الصحيح هو ما ذكره قدّس سرّه في هذه المسألة من
عدم الضمان -كما مر -.
( 2 ) هذا اذا أوصى بمال معين عنده ،و شك في أنه بمقدار ثلث أمواله أو
أزيد ،فهل يمكن الحكم بصحة هذه الوصية أو لا ؟فيه وجهان :قد يقال بالأول
بمقتضى أصالة الصحة .و لكن قد مر أن جريانها منوط بتوفر أركانها المقومة لها
في المرتبة السابقة ،منها :أهلية الفاعل ،و حيث أنها في المقام غير محرزة للشك
في ولاية الموصي على هذه الوصية ،فانها إن كانت بالثلث فله الولاية عليها ،و إن
كانت بالأزيد فلا ولاية له .
فالنتيجة :أن ولاية الموصي على هذه الوصية غير محرزة ،فاذن لا مجال
لجريان هذه الأصالة ،لما مر من أنها انما تجري اذا كانت اركانها محرزة في --( 34 )--
الورثة ضعف هذا أو أنه أوصى سابقا بذلك و الورثة أجازوا وصيته ففي
سماع دعواه و عدمه وجهان ( 1 ) .
[3184 ]مسألة 16 :من المعلوم أن الطواف مستحب مستقلا من غير أن
يكون في ضمن الحج ،و يجوز النيابة فيه عن الميت ،و كذا عن الحي إذا
كان غائبا عن مكة أو حاضرا و كان معذورا في الطواف بنفسه ( 2 ) ،و أما مع
كونه حاضرا و غير معذور فلا تصح النيابة عنه ،و أما سائر أفعال الحج
فاستحبابها مستقلا غير معلوم حتى مثل السعي بين الصفا و المروة .
المرتبة السابقة ،و الشك انما يكون في وجدان الفعل لسائر واجباته من الأجزاء
و الشروط غير المقومة .
( 1 ) الأظهر السماع في الأول و عدمه في الثاني ،و النكتة في ذلك أن
الأول داخل في كبرى اخبار ذي اليد ،و هي حجة بالسيرة العقلائية بملاك
الأخبرية ،و الثاني غير داخل في تلك الكبرى ،لأن اخباره عن اجازة الورثة ليس
اخبارا عما في يده لكي يكون داخلا فيها ،الا اذا كان هناك ملاك اخر للقبول
كالوثاقة .
( 2 ) لا شبهة في استحباب الطواف في نفسه و مستقلا ،و تنص على ذلك
مجموعة من الروايات و ما فيها من التأكيد على استحبابها و ما يترتب عليها من
الأجر و الثواب .
منها :موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام «قال :كان أبي يقول :من
طاف بهذا البيت أسبوعا و صلى ركعتين في أي جوانب المسجد شاء ،كتب اللّه
له ستة آلاف حسنة ،و محا عنه ستة آلاف سيئة ،و دفع له ستة آلاف درجة ،
و قضى له ستة آلاف حاجة ،فما عجل اللّه منها فبرحمة اللّه ،و ما أخر منها فشوقا --( 35 )--
..........
الى دعائه »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يستحب أن
يطوف ثلاثمائة و ستين أسبوعا على عدد أيام السنة ،فان لم يستطع فثلاثمائة
و ستين شوطا ،فان لم يستطع فما قدرت عليه من الطواف »- 2 - ،و منها غيرهما ،
هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى :انه لا اشكال في مشروعية النيابة فيه عن الأحياء
و الأموات و الغائب و الحاضر في مكة ،و تدل عليها صحيحة معاوية بن عمار عن
ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «قلت له :فأطوف عن الرجل و المرأة و هما
بالكوفة ،فقال :نعم ،يقول حين يفتتح الطواف :اللهمّ تقبل من فلان للذي يطوف
عنه »- 3 - بتقريب أن موردها و إن كان الحي و الغائب ،الاّ ان العرف بمناسبات
الحكم و الموضوع الارتكازية لا يرى خصوصية لهما و لا موضوعية ،فاذا جازت
النيابة عنهما جازت عن الميت و الحاضر أيضا .
و أظهر منها صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا أردت أن
تطوف بالبيت عن أحد من إخوانك فأت الحجر الأسود و قل :بسم اللّه ،اللهمّ
تقبل من فلان »- 4 - فإنها باطلاقها تعم الأحياء و الأموات من اخوانه المؤمنين
و الحاضر و الغائب منهم .نعم يعتبر في صحة النيابة عن الحاضر في مكة أن لا
يكون متمكنا من الطواف مباشرة ،و الاّ فلا تجوز النيابة عنه ،و تدل على ذلك
صحيحة اسماعيل ابن عبد الخالق قال : «كنت الى جنب ابي عبد اللّه عليه السّلام و عنده
ابنه عبد اللّه أو ابنه الذي يليه ،فقال له رجل :اصلحك اللّه ،يطوف الرجل عن
الرجل و هو مقيم بمكة ليس به علة ،فقال :لا ،لو كان ذلك يجوز لأمرت ابني
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب الطواف الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب الطواف الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :18 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :51 من أبواب الطواف الحديث :4 .
--( 36 )--
[3185 ]مسألة 17 :لو كان عند شخص وديعة و مات صاحبها و كان عليه
حجة الإسلام و علم أو ظن أن الورثة لا يؤدون عنه ( 1 ) إن ردها إليهم جاز
بل وجب عليه أن يحج بها عنه ،و إن زادت عن أجرة الحج رد الزيادة إليهم
فلانا فطاف عني -الحديث »- 1 - .بتقريب أنها باطلاقها تعم النيابة عن الطواف في
ضمن العمرة أو الحج و النيابة عن الطواف مستقلا .
و من ناحية ثالثة :إنه لا ريب في جواز النيابة فيه في ضمن العمرة أو
الحج ،و تنص عليه مجموعة من الروايات الواردة في المريض و المغمى عليه
و المبطون و الكسير على تفصيل يأتي في محله .نعم اذا كان العذر حيضا أو
نفاسا فالمعروف و المشهور بين الأصحاب انه اذا كان في عمرة التمتع و لا يسع
الوقت للتأخير الى أن طهرت ،عدم جواز الاستنابة فيه ،فان وظيفتها اما العدول
الى حج الافراد ،أو تأخير الطواف الى ما بعد الانتهاء من أعمال منى ،و لكن
سيجيء في ضمن البحوث الآتية أن جواز الاستنابة لها فيه غير بعيد ،و إن كان
الأحوط و الأجدر بها وجوبا أن تجمع بين الاستنابة فيه و الاتيان بسائر اعمال
العمرة بنفسها و مباشرة و بين قضاء الطواف بعد اعمال منى على ما يأتي تفصيله
فيما بعد .و اما اذا كان العذر في طواف الحج فعليها الاستنابة فيه اذا لم تتمكن من
المكث في مكة الى أن طهرت ،و أما اذا كان في طواف النساء ،فإن انتظرت
القافلة الى أن طهرت فعليها الاتيان به مباشرة بعد طهرها ،و إن لم تنتظر جاز لها
تركه ،و لا شيء عليها ،و تنص على ذلك صحيحة ابي أيوب الخزاز - 2 - ،و لكن مع
ذلك فالأحوط و الأجدر بها الاستنابة للإتيان به من قبلها ،و تمام الكلام في كل
ذلك في محله .
( 1 ) فيه تفصيل سوف نشير اليه عن قريب .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :51 من أبواب الطواف الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :59 من أبواب الطوائف الحديث :1 .
--( 37 )--
لصحيحة بريد «عن رجل استودعني مالا فهلك و ليس لوارثه شيء و لم
يحج حجة الإسلام قال عليه السّلام :حج عنه و ما فضل فأعطهم »و هي و إن كانت
مطلقة إلا أن الأصحاب قيدوها بما إذا علم أو ظن بعدم تأديتهم ( 1 )
( 1 ) لا أثر للظن فان حكمه حكم الشك و الاحتمال فلا يمكن الاعتماد
عليه ،هذا .
و الصحيح في المقام أن يقال :إنه لا اطلاق للصحيحة - 1 - من هذه الناحية ،
لأن قوله عليه السّلام : «حج عنه »في مقابل انه لم يعط لوارثه ليأكله ،أما انه يعطى ليحج
عن الميت فهو غير ناظر الى هذه الجهة ،و حينئذ فمقدار نفقة الحج و إن بقى في
ملك الميت و لا ينتقل الى الورثة الاّ أنهم أولى بالتصرف فيه من غيرهم ،و على
هذا فمقتضى القاعدة عدم جواز تصرف الودعي في المال الموجود عنده ،لأنه
أجنبي عنه و لا ولاية له عليه ،فاذن وظيفته إما ردّه اليهم أو يكون تصرفه فيه
باذنهم ،هذا بحسب مقتضى القاعدة .
و اما بحسب النص ،فبما أنه يكون على خلاف القاعدة فلا بد من الاقتصار
على القدر المتيقن منه بعد ما لم يكن له اطلاق كما مر ،و القدر المتيقن منه هو
صورة علم الودعي بأنه اذا رد المال اليهم فهم لا يقومون بصرفه في الحج عنه ،
فاذا علم بذلك لم يجز له الرد اليهم ،بل عليه أن يصرفه في نفقة الحج عنه بدون
حاجة الى الإذن من الحاكم الشرعي ،باعتبار أنه مأذون فيه من قبل الشرع
بالنص ،بتقريب أن الظاهر منه عرفا أنه في مقام بيان جعل ولاية الحج للودعي
دون الورثة ،و اما اذا احتمل أنه اذا رد المال اليهم فهم يقومون بصرفه في الحج
عنه ،أو ظن بذلك بدون أن يكون واثقا بالصرف و لا بعدمه ،ففي هذه الحالة كان
يشك في ولايتهم عليه ،كما كان يشك في ولاية الحاكم الشرعي عليه ،و نتيجة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .
--( 38 )--
لو دفعها إليهم ،و مقتضى إطلاقها ( 1 ) عدم الحاجة إلى الاستئذان من
ذلك أن الودعي بما أنه يعلم اجمالا بأن تصرفه فيه غير جائز بدون إذن
أحدهما في هذه الحالة ،فيجب عليه أن يستأذن من كليهما معا ،باعتبار أن الورثة
إن كانوا في الواقع غير ممتنعين من القيام بالحج عنه ،فالولاية لهم ،و الاّ فللحاكم
الشرعي ،و من هنا يظهر أنه لا يجوز له رد المال اليهم في هذه الحالة ،لاحتمال
أن فيه تفويتا و تضييعا لحق الميت بعد امكان الحفاظ عليه و صرفه في الحج
عنه ،و أما اذا امتنع الورثة عن الإذن فيسقط اعتباره ،هذا كله على القول بأن مقدار
نفقة الحج باق في ملك الميت -كما هو الصحيح -و أما على القول بأنه ينتقل الى
الورثة متعلقا لحق الميت ،فهل يجب على الودعي رد المال اليهم ،باعتبار أنه
مصداق لرد المال الى مالكه ؟فيه تفصيل ،فان كان الودعي واثقا و متأكدا بأنه اذا
ردّ المال اليهم فهم لا يقومون بصرفه في الحج عنه لم يجز ،و عليه أن يقوم
بالحج عنه بدون حاجة الى الاستئذان من الحاكم الشرعي تطبيقا لما مر .و أما اذا
كان محتملا أو ظانا بأنه اذا ردّه اليهم فهم يقومون بالحج عنه فيجب عليه الرد ،اذ
مجرد احتمال أنهم لا يقومون به لا يصلح أن يكون مانعا عن رد المال الى
صاحبه .
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،لأن النص بمدلوله اللفظي العرفي يدل على أن
الشارع جعل ولاية التصرف في المال المودع للودعي في نفقات الحج عن
الميت فان قوله عليه السّلام فيه : «حج عنه و ما فضل فاعطهم »- 1 - يدل على ذلك ،اذ لا
معنى لأمر الودعي بالحج به و عدم اعطائه للورثة الاّ ما فضل ،سوى ايكال أمر
التصرف فيه في نفقة الحج اليه دون الورثة ،و لا يكون في مقام بيان جواز الحج
به تكليفا بدون النظر الى جوازه وضعا ،بل نفس الأمر باعطاء الزائد للورثة قرينة
على أن الإمام عليه السّلام جعل ولاية التصرف فيه في الحج عنه للودعي و اسقاط ولاية
الورثة عنه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب النيابة في الحج ذيل الحديث :1 .
--( 39 )--
الحاكم الشرعي ،و دعوى أن ذلك للإذن من الإمام عليه السّلام كما ترى لأن الظاهر
من كلام الإمام عليه السّلام بيان الحكم الشرعي ( 1 ) ،ففي مورد الصحيحة لا حاجة
إلى الإذن من الحاكم ( 2 ) ،و الظاهر عدم الاختصاص بما إذا لم يكن للورثة
شيء ( 3 ) و كذا عدم الاختصاص بحج الودعي بنفسه لانفهام الأعم من
ذلك منها .
و هل يلحق بحجة الإسلام غيرها ( 4 ) من أقسام الحج الواجب أو غير
الحج من سائر ما يجب عليه مثل الخمس و الزكاة و المظالم و الكفارات
( 1 ) لا التكليفي فقط ،بل الوضعي أيضا كما مر .
( 2 ) هذا لا من جهة اطلاق الصحيحة كما مر ،بل من جهة أنها بنفسها تدل
على ولاية الودعي على التصرف في الوديعة في نفقات الحج في المرتبة
السابقة ،و معها لا موضوع للإذن من الحاكم ،فان المتوقف عليه انما هو جواز
التصرف بها تكليفا لا وضعا ،و المفروض أن الودعي يتصرف فيها بمقتضى
ولايته عليها وضعا .
( 3 ) الظاهر ان الأمر كما افاده قدّس سرّه ،و ذلك لأن في مورد النص و إن فرض
عدم وجود شيء للورثة غير المال المودع ،الاّ أن المتفاهم العرفي منه بمناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية عدم جواز اعطاء الودعي المال المذكور لهم
ليأكلوه و من الواضح أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون للميت مال آخر غير هذا
أو لا ،فان ملاك عدم جواز الاعطاء شيء واحد و هو أنهم اذا أخذوه يأكلوه و لا
يصرفونه في الحج عنه ،و الحكم يدور مدار هذا الملاك وجودا و عدما بدون
خصوصية لمورد دون آخر .
( 4 ) تقدم عدم الحاق سائر أقسام الحج من الواجب و المستحب بحجة
الإسلام ،فان تلك الأقسام جميعا -كما مر -تخرج من الثلث ،و هذا بخلاف
حجة الإسلام فانها تخرج من الأصل ،و أما الكفارات فهي و إن كانت واجبة مالية --( 40 )--
..........
و لكن قد سبق أنه لا دليل على أن كل واجب مالي يخرج من الأصل .نعم تلحق
الخمس و الزكاة و المظالم و الدين بحجة الإسلام في نقطة و هي أنها جميعا
تخرج من الأصل ،و تفترق عنها في نقطة أخرى و هي أن حجة الإسلام مورد
للنص دون تلك الواجبات ،فاذن يقع الكلام في هذه الواجبات حسب ما
تقتضيه القاعدة تارة في الخمس و الزكاة و المظالم ،و أخرى في دين الناس .
اما الكلام في الأول :فاذا كان الشخص مديونا بالخمس او الزكاة او
المظالم ثم مات ،و كان له مال مودع عند شخص فيقع في مسألتين :
الأولى :على القول بأن مقدار الدين يظل باقيا في ملك الميت و لا ينتقل
الى الورثة .
الثانية :على القول بأن التركة جميعا تنتقل اليهم و لكن متعلقة لحق الغير .
اما في المسألة الأولى :فهل يجب على ذلك الشخص أن يرد الوديعة الى
ورثته ؟الظاهر الوجوب اذا كان الودعي واثقا و مطمئنا بأنهم يقومون بالوفاء
بدينه باعتبار أنهم أولى به و بالقيام بواجباته ،و لا يجوز لغيرهم أن يزاحمهم في
ذلك ما دام هم يقومون بها ،و لا يجوز له أن يدفعها الى الحاكم الشرعي ،أو الى
المستحقين من تلك الحقوق باذنه ،لأن ولاية الحاكم الشرعي انما تثبت على
الوديعة اذا كان الورثة ممتنعين عن القيام بواجبات الميت و الوفاء بدينه ،و الاّ فلا
ولاية له .نعم اذا كان الودعي مطمئنا بأنهم لا يقومون بالوفاء بدينه لم يجز دفعها
اليهم ،بل عليه أن يدفعها الى الحاكم الشرعي باعتبار ولايته على الفقراء
المستحقين لها ،أو يستأذن منه في دفعها اليهم مباشرة ،و أما اذا لم يعلم بأنهم
يقومون بالوفاء بدين الميت اذا دفعها اليهم ،فهو بطبيعة الحال حينئذ يعلم
اجمالا اما بوجوب دفعها اليهم أو الى الحاكم الشرعي ،أو يستأذن منهما معا في
صرفها في دين الميت ،على أساس أنهم اذا قاموا بالوفاء به فالولاية لهم ،و الاّ
فلا بد من دفعها الى الحاكم الشرعي الذي هو ولي الفقراء على الممتنع ،هذا بناء
على انحصار التركة بالوديعة ،و أما بناء على عدم الانحصار فيظهر حكمه من --( 41 )--
..........
بيان هذا الفرض في البحث الآتى .
و أما في المسألة الثانية ،فالظاهر أنه يجب على الودعي أن يسلم الوديعة
اليهم حتى اذا لم يعلم بامتناعهم عن القيام بالوفاء بدين الميت ،اذ مجرد احتمال
أنهم لا يقومون به لا يمنع عن رد الأمانة الى أهلها ،نعم اذا امتنعوا بعد الرد عن
عملية الأداء فللحاكم الشرعي اجبارهم على ذلك ،أو أخذها منهم ولاية .و أما اذا
علم أو اطمأن بأنه اذا سلم الوديعة اليهم فهم لا يقومون بالوفاء بدين الميت فلا
يجوز التسليم ،لأنه لا ولاية لهم عليها في هذه الصورة ،و لا يحق لهم التصرف
فيها ،و تكون الولاية عليها حينئذ للحاكم الشرعي ،و على هذا فوظيفة الودعي أن
يسلمها اليه مباشرة ،أو الى المستحقين لها كذلك بالاستئذان منه ،و لا فرق في
ذلك بين فرض انحصار التركة بها و عدم الانحصار ،فان الورثة اذا كانوا ممتنعين
عن القيام بأداء دين الميت لم يجز تصرفهم في التركة و إن كانت واسعة ،فان
تصرفهم فيها انما يجوز شريطة التزامهم بعملية أداء الدين و الاّ لم يجز ،و نتيجة
ذلك أن جواز تصرفهم في كل قسم من أقسام التركة مشروط بالتزامهم بصرف
قسم منها في واجبات الميت ،و الاّ لم يجز في شيء منها ،بدون فرق بين القولين
في المسألة .
و اما الكلام في الثاني :و هو ما اذا كان الميت مديونا بدين الناس ،فعلى
الودعي أن يسلم الوديعة الى ورثته حتى اذا لم يعلم أنهم يقومون بواجبات
الميت و أداء دينه ،و ذلك لأن ردّها الى الحاكم الشرعي غير جائز ،باعتبار أنه لا
ولاية له على الديان حتى يكون ردّها اليه ردا الى وليهم ،و لا على المدين حتى
في صورة امتناعه عن الوفاء بالدين ما لم ترفع القضية الى الحاكم الشرعي
و اثبات امتناعه عن الوفاء به عنده أو علمه به و المطالبة بحقهم عنه ،و بذلك
يمتاز الدين العرفي عن الدين الشرعي كالخمس و الزكاة و المظالم ،فان الحاكم
الشرعي بما أنه ولي على الفقراء المستحقين لهذه الحقوق فله أن يأخذ تلك
الحقوق من اصحابها مباشرة عند امتناعهم بدون المرافعة ،باعتبار أن الحاكم --( 42 )--
..........
الشرعي بلحاظ ولايته على هؤلاء هو طرف القضية ،و أما في باب الدين العرفي
فيكون طرف القضية الديان لا الحاكم الشرعي ،لعدم ولايته عليهم ،و لا يحق له
أن يأخذ حقهم من المدين مباشرة بدون مراجعتهم اليه و مطالبتهم عنه ،لأنهم
اصحاب الحق دون الحاكم لا أصالة و لا ولاية و لا من ولي المدين و هو الوارث
في المقام الاّ اذا ثبت عنده امتناعه عن القيام بواجباته ،فعندئذ سقطت ولايته ،
و يصل الدور اليه باعتبار أنه ولي من لا ولي له ،و اما اذا علم الودعي او اطمأن بأنه
اذا سلم الوديعة اليهم فهم لا يقومون بالوفاء بدين الميت ،ففي هذه الحالة تكون
وظيفته الرجوع الى الحاكم الشرعي ،باعتبار أن ما عنده من الوديعة ملك للميت ،
و لا ولاية للورثة عليها بسبب امتناعهم عن صرفها في موردها ،فاذن بطبيعة
الحال تكون الولاية عليها للحاكم الشرعي ،باعتبار أنه وليّ من لا ولي له .هذا
على القول بأن مقدار الدين لا ينتقل الى الورثة و يظل باقيا في ملك الميت .
و اما على القول بانتقال تمام التركة الى الورثة ،فيجب على الودعي ردّ
الوديعة اليهم من باب وجوب ردّ الأمانة الى أهلها و إن لم يعلم بأنهم يقومون
بواجبات الميت ،و هذا واضح ،و انما الكلام فيما اذا علم الودعي بأنهم لا
يصرفونها فيها اذا ردها اليهم ،فعندئذ هل يجوز الرد اليهم ؟الظاهر عدم الجواز ،
فان الوديعة و إن كانت ملكا لهم ،الاّ أنها لما كانت متعلقة لحق الميت فهم
محجورون من التصرف فيها في غير تأدية حقه الثابت في ذمته هو دين الناس ،
فاذا لم يقوموا بذلك كانوا ممنوعين من التصرف فيها نهائيا ،فاذن لا ولاية لهم
عليها ،و مجرد الملك لا قيمة له ،و لا يجوز للودعي أن يدفعها الى الديان مباشرة
لا وكالة و لا ولاية ،كما أنه لا يجوز للديان أن يأخذونها من الودعي مباشرة ،
باعتبار أنها ليست ملكا لهم ،فان ملكهم انما هو في ذمة الميت ،و لا ولاية لهم في
تطبيق ملكهم عليها ،فاذن بطبيعة الحال يكون أمرها بيد الحاكم الشرعي حسبة
و ولاية بلحاظ انه ولي من لا ولي له ،هذا بلا فرق بين انحصار التركة بالوديعة
و عدم انحصارها بها تطبيقا لما تقدم .
--( 43 )--
..........
بقى هنا فرعان :الفرع الأول :قد تسأل ان التركة اذا لم تكن منحصرة
بالوديعة فعلى الودعي ردها الى الورثة مطلقا باعتبار أنها لا تكون ملكا للميت ،
فان ملكه انما هو الكلي دون مصاديقه ؟
و الجواب :إنه لا يجوز له ذلك اذا علم بأنهم لا يقومون بواجبات الميت ،
فانه حينئذ لا ولاية لهم عليه ،فاذا لم تكن لهم ولاية لم يجز رد الوديعة اليهم ،
لأنه من مصاديق رد الأمانة الى غير أهلها ،و فيه تضييع لحق الميت ،و حينئذ
فيصل الدور الى الحاكم الشرعي باعتبار أنه ولي من لا ولي له ،و على الودعي أن
يسلمها اليه بدون فرق في ذلك بين القول بان مقدار الدين يظل باقيا في ملك
الميت ،و القول بانتقاله الى الورثة متعلقا لحقه ،و يظهر وجهه ذلك مما مر آنفا .
الفرع الثاني :قد تسأل أن الورثة اذا كانوا منكرين للدين ،و كان انكارهم
عن عذر ،فهل يجب على الودعي أن يسلم الوديعة اليهم ،أو لا ؟
الجواب :إنه لا يجب عليه ذلك بل لا يجوز ،لأن فيه تضييعا لحق الميت
و الديان في الواقع و إن كان الورثة معذورين فيه ،الاّ أن عذرهم انما هو بالنسبة
الى أنفسهم ،أما الودعي فهو لا يكون معذورا في تسليم الوديعة اليهم ،لأنه يعلم
أن فيه تفويتا لحق الميت في الواقع ،و معه كيف يجوز اقدامه على ذلك و تسليم
الوديعة اليهم ،فمن أجل ذلك تكون وظيفته تسليمها الى الحاكم الشرعي باعتبار
ولايته على الميت حسبة .
و نذكر فيما يلى عدة نقاط :
الأولى :ان الودعي يقوم بصرف الوديعة في نفقات حجة الإسلام مباشرة
او استنابة اذا كانت ذمة الميت مشغولة بها على أساس النص ،و بذلك تمتاز
مسألة الحج عن سائر الديون المالية التي تخرج من الأصل كالخمس و الزكاة
و المظالم و دين الناس ،فانه لا نص فيها .
الثانية :إن النص بما أنه لا اطلاق له فالقدر المتيقن منه صورة علم الودعي
بامتناع الورثة عن القيام بواجبات الميت ،فانه في هذه الصورة يتصرف في --( 44 )--
..........
الوديعة في نفقات الحج بدون الاستئذان من الحاكم الشرعي أو ردها اليه ،
لظهور النص في أن له ولاية التصرف فيها في مورده و هو الحج ،و به تمتاز
هذه المسألة عن تلك المسائل ،فان وظيفة الودعي في تلك المسائل أن يرد
الوديعة في هذه الصورة الى الحاكم الشرعي ،أو يستأذن منه في التصرف فيها
في الحج .
الثالثة :أن على الودعي في صورة عدم العلم بقيام الورثة بواجبات الميت
الاحتياط بالجمع بين الإذن من الحاكم الشرعي و الإذن من الورثة في مسألة
الحج و الخمس و الزكاة و المظالم ،باعتبار أن الحاكم الشرعي هو طرف القضية
في هذه المسائل ،و بذلك تمتاز تلك المسائل عن مسألة دين الناس ،فان على
الودعي في تلك المسألة رد الوديعة الى الورثة ،باعتبار أن الحاكم الشرعي فيها
ليس طرفا في القضية ،فان طرفها هو الدائن ،و ما لم ترفع الدعوى اليه و لم يثبت
عنده امتناع الورثة عن القيام بواجبات الميت لم تثبت ولايته عليها .
الرابعة :أن على الودعي أن يرد الوديعة الى الورثة في صورة علمه
بقيامهم بواجبات الميت ،بدون فرق في ذلك بين تلك المسائل جميعا .
الخامسة :أنه على القول بأن التركة جميعا تنتقل الى الورثة ،غاية الأمر
متعلقة لحق الميت ،فانه حينئذ يجب على الودعي أن يرد الوديعة الى الورثة
حتى في صورة عدم علمه بقيامهم بواجبات الميت ،باعتبار أن مجرد احتمال
ذلك لا يمنع عن رد الأمانة الى أهلها ،و بذلك يمتاز هذا القول عن القول بعدم
انتقال مقدار الدين الى الورثة في مسائل الحج و الخمس و الزكاة و المظالم ،و لا
فرق بين القولين في مسألة دين الناس كما مر .
السادسة :اذا لم تكن التركة منحصرة بالوديعة فعلى الودعي أن يردها الى
الورثة في صورة عدم العلم بقيامهم بواجبات الميت و اما في صورة العلم بعدم
قيامهم بها فلا يجوز كما مر ،بدون فرق في ذلك بين القولين في المسألة ،كما
تقدم .
--( 45 )--
و الدين أو لا ؟و كذا هل يلحق بالوديعة غيرها ( 1 ) مثل العارية و العين
المستأجرة و المغصوبة و الدين في ذمته أو لا ؟وجهان ،قد يقال بالثاني لأن
الحكم على خلاف القاعدة إذا قلنا أن التركة مع الدين تنتقل إلى الوارث
و إن كانوا مكلفين بأداء الدين و محجورين عن التصرف قبله ،بل و كذا على
القول ببقائها معه على حكم مال الميت لأن أمر الوفاء إليهم فلعلهم أرادوا
الوفاء من غير هذا المال أو أرادوا أن يباشروا العمل الذي على الميت
بأنفسهم ،و الأقوى مع العلم بأن الورثة لا يؤدون بل مع الظن القوي
أيضا ( 2 ) جواز الصرف فيما عليه ،لا لما ذكر في المستند :من أن وفاء ما
على الميت من الدين أو نحوه واجب كفائي على كل من قدر على ذلك
و أولوية الورثة بالتركة إنما هي ما دامت موجودة و أما إذا بادر أحد إلى
صرف المال فيما عليه لا يبقى مال حتى تكون الورثة أولى به ،إذ هذه
الدعوى فاسدة جدا ،بل لإمكان فهم المثال من الصحيحة ،أو دعوى
( 1 ) الظاهر هو الالحاق ،فان مورد الصحيحة و إن كان الوديعة ،الاّ أن
العرف لا يفهم من السؤال عنها خصوصية ،بل يفهم من جواب الإمام عليه السّلام أن
المعيار انما هو بوجود مال عند شخص للميت و هو لم يحج حجة الإسلام ،
فانه مأمور بصرف ذلك المال في نفقات الحج ،و عدم اعطائه للوارث
على تفصيل تقدم آنفا .كما أنه لا يفهم العرف خصوصية لفرض السائل عدم
وجود مال عند الوارث ،فان العبرة في ذلك انما هي باطمئنان الودعي
بعدم قيام الوارث بواجبات الميت ،سواء أ كان عنده مال اخر من الميت أم لا .
نعم هنا فرق بين الفرضين في صورة عدم علم الودعي بقيام الوارث بواجبات
الميت .
( 2 ) فيه انه لا دليل على حجية مطلق الظن و إن كان قويا .
--( 46 )--
تنقيح المناط ( 1 ) ،أو أن المال إذا كان بحكم مال الميت ( 2 ) فيجب صرفه
عليه ( 3 ) و لا يجوز دفعه إلى من لا يصرفه عليه ،بل و كذا على القول
بالانتقال إلى الورثة حيث إنه يجب صرفه في دينه فمن باب الحسبة ( 4 )
( 1 ) فيه ان الدعوى باطلة ،و لا طريق لنا الى ملاكات الأحكام الشرعية ،
فالعمدة ما مر من أن العرف يفهم من الرواية العموم و عدم خصوصية لموردها .
( 2 ) هذا هو الظاهر شريطة أن تكون التركة منحصرة في المال المذكور ،
و أما اذا لم تكن منحصرة فيه بأن يكون له مال آخر عند الورثة يفي بنفقات الحج
أو سائر الديون ،فلا يتعين في الصرف ،باعتبار أن الباقي في ملك الميت حينئذ
هو الكلي في المعين دون الشخص ،و عليه فالواجب هو صرف الجامع بينه
و بين مال آخر يعني أحدهما ،و قد مر الفرق بين القولين في المسألة آنفا .
( 3 ) مر أن على الودعي الاستئذان من الحاكم الشرعي اذا صرفه في
الديون الشرعية أو العرفية دون الحج .
( 4 ) فيه اشكال بل منع ،فان الوارث اذا امتنع عن تأدية حق الميت و دينه
عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي لا يجب على غيره أن يؤدي دينه من باب
الحسبة ،بدون فرق فيه بين من بيده المال و غيره ،لعدم الدليل على ذلك .نعم
يجوز للحاكم الشرعي اجباره على ذلك اذا كان الدين شرعيا كالخمس أو الزكاة
او المظالم ،باعتبار أنه ولي الفقراء ،فله أن يطالب من الوارث حقهم ،كما أن له
أن يأمر الودعي بصرف الوديعة على المستحقين لتلك الحقوق ولاية ،و أما اذا
كان الدين عرفيا ،فبما أنه لا ولاية له على الديان فلا يحق له اجبار الوارث على
أداء دين الميت من التركة ولاية .نعم اذا رفعت الدعوى اليه من قبلهم ،و ثبت
عنده امتناع الوارث عن ذلك ،فله اجباره عليه ،باعتبار أن ولاية الوارث على
الميت قد سقطت بامتناعه عن القيام بواجباته ،فحينئذ تكون الولاية عليه للحاكم
الشرعي من باب أنه وليّ من لا وليّ له ،و أما اذا امتنع الوارث عن تأدية حقه عن --( 47 )--
يجب على من عنده صرفه عليه و يضمن لو دفعه إلى الوارث ( 1 ) لتفويته
على الميت .نعم يجب الاستئذان من الحاكم لأنه ولي من لا ولي له ،
و يكفي الإذن الإجمالي فلا يحتاج إلى إثبات وجوب ذلك الواجب عليه
كما قد يتخيل ،نعم لو لم يعلم و لم يظن عدم تأدية الوارث ( 2 ) يجب الدفع
إليه ،بل لو كان الوارث منكرا أو ممتنعا و أمكن إثبات ذلك عند الحاكم أو
عذر ،على أساس اعتقاده بعدم الدين على الميت ،فليس للحاكم الشرعي
اجباره ،لعدم ولاية له عليه في هذه الحالة ،لأن ولايته انما هي ثابتة على الممتنع
من باب الحسبة ،و المفروض أنه ليس بممتنع ،هذا واضح ،و انما الكلام في أنه
هل يسوغ للودعي ردّ الوديعة الى الوارث المعذور في اعتقاده بعدم الدين على
الميت ؟الظاهر عدم جوازه ،لأنه يعلم بأن فيه تفويتا لحق الميت ،فمن أجل
ذلك تكون وظيفته ردها الى الحاكم الشرعي ،و حينئذ فان علم الحاكم بأن
الميت مدين فله أن يسلمها الى ديّانه ولاية من باب أنه ولي من لا ولي له ،
و إن لم يعلم فان اثبت الديان أنه مديون لهم شرعا فهو ،و الاّ فعلى الحاكم
الشرعي أن يردها الى ورثته ،بدون فرق في ذلك بين القولين في المسألة ،و هما
القول ببقاء مقدار الدين في ملك الميت ،و القول بانتقال كل التركة الى الورثة
متعلقة لحقه ،و هذا بخلاف ما اذا كانت التركة عند الوارث المعتقد بعدم الدين
على الميت ،فانه ليس للحاكم الشرعي اجباره على تأديته و إن علم بأن الميت
مديون ،لعدم ولايته عليه ما لم يطلب الديان من الحاكم الشرعي التدخل و أخذ
حقهم منه .
( 1 ) لا وجه للضمان اذا لم يكن المال مال الميت كما هو المفروض .
( 2 ) لا أثر للظن لا بعدم التأدية و لا بها ،و لا وجه لإلحاقه بالعلم او
الاطمئنان ،لعدم الدليل على حجية مطلق الظن على الفرض ،بل حكمه حكم
الشك .
--( 48 )--
أمكن إجباره عليه لم يجز لمن عنده أن يصرفه بنفسه ( 1 ) .
[3186 ]مسألة 18 :يجوز للنائب بعد الفراغ عن الأعمال للمنوب عنه أن
يطوف عن نفسه و عن غيره ،و كذا يجوز له أن يأتي بالعمرة المفردة عن
نفسه و عن غيره .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن الوارث اذا كان ممتنعا لا عن عذر بل
عامدا و عالما بالحكم الشرعي سقطت ولايته ،سواء أمكن اثباته عند الحاكم
الشرعي او اجباره عليه أم لا ،و حينئذ فان كانت ذمة الميت مشغولة بحجة
الإسلام وجب على الودعي صرف الوديعة في نفقاتها ،بدون حاجة الى
الاستئذان من الحاكم الشرعي ،و إن كانت مشغولة بغيرها كالزكاة أو الخمس أو
مال الناس فعليه الاستئذان منه في صرفها في الوفاء بدينه ،بدون فرق بين
القولين في المسألة كما مر .
و أما اذا كان امتناعه عن عذر ،فقد تقدم الكلام فيه آنفا .
و دعوى :أنه على القول بأن مقدار الدين يظل باقيا في ملك الميت ،تكون
للحاكم الشرعي ولاية عليه من باب أنه ولي من لا ولي له في صورة امتناع
الوارث عن القيام بواجباته و إن كان امتناعه عن عذر ،و أما على القول بأن تمام
التركة ينتقل اليه ،غاية الأمر متعلقة لحقه فلا ولاية له باعتبار أن الوديعة حينئذ
ملك للوارث دون الميت .
مدفوعة :بما تقدم من أن دين الميت إن كان شرعيا كالخمس او الزكاة
فللحاكم الشرعي ولاية عليه ،باعتبار أنه ولي الفقراء المستحقين له ،و من هنا
يكون طرف القضية مباشرة ،و إن كان دينا عرفيا فلا ولاية له الاّ اذا طلب الديان
منه التدخل في القضية ،و اثبت له أن الميت مدين لهم ،و لا فرق في ذلك بين
القولين في المقام كما مر .
--( 49 )--
[3187 ]مسألة 19 :يجوز لمن أعطاه رجل مالا لاستئجار الحج أن يحج
بنفسه ما لم يعلم أنه أراد الاستئجار من الغير ،و الأحوط عدم مباشرته ( 1 )
إلا مع العلم بأن مراد المعطي حصول الحج في الخارج ،و إذا عين شخصا
تعين إلا إذا علم عدم أهليته و أن المعطي مشتبه في تعيينه ( 2 ) أو أن ذكره
من باب أحد الأفراد .
( 1 ) بل الاقوى ذلك اذا شك في أن المعطي هل أراد استئجار غيره خاصة
أو الأعم ؟و معه لا يعلم بصحة استئجار نفسه عنه ،لعدم احراز أنه مأذون فيه ،
فبالنتيجة أنه لم يحرز جواز التصرف فيما أعطاه في الحج عنه مباشرة ،و من
المعلوم أن التصرف في مال الغير منوط باحراز طيب نفسه و رضاه ،الا اذا كانت
هناك قرينة على أن مقصوده فراغ ذمته من الحج بدون خصوصية لفرد دون
آخر .
( 2 ) هذا اذا علم بأنه أراد به استئجار من هو أهل لذلك ،و لكنه أخطأ في
التطبيق و عين من ليس اهلا لذلك ،فانه حينئذ لا يجوز لمن اعطاه المال أن
يستأجره ،بل عليه أن يستأجر من يكون أهلا ،الاّ اذا كان تعيينه لخصوصية فيه
غافلا عن أنه غير قادر على ممارسة اعمال الحج ،فعندئذ تبطل وكالته ،و لا يحق
له أن يستأجر شخصا آخر للحج عنه .
--( 50 )--
فصل
في الحج المندوب
[3188 ]مسألة 1 :يستحب لفاقد الشرائط من البلوغ و الاستطاعة و غيرهما
أن يحج مهما أمكن ،بل و كذا من أتى بوظيفته من الحج الواجب ،
و يستحب تكرار الحج بل يستحب تكراره في كل سنة ،بل يكره تركه
خمس سنين متوالية ،و في بعض الأخبار : «من حج ثلاث حجات لم يصبه
فقر أبدا ».
[3189 ]مسألة 2 :يستحب نية العود إلى الحج عند الخروج من مكة ،و في
الخبر أنها توجب الزيادة في العمر ،و يكره نية عدم العود ،و فيه أنها توجب
النقص في العمر .
[3190 ]مسألة 3 :يستحب التبرع بالحج عن الأقارب و غيرهم أحياء
و أمواتا ،و كذا عن المعصومين عليهم السّلام أحياء و أمواتا ،و كذا يستحب الطواف
عن الغير و عن المعصومين عليهم السّلام أمواتا و أحياء مع عدم حضورهم في مكة
أو كونهم معذورين .
[3191 ]مسألة 4 :يستحب لمن ليس له زاد و راحلة أن يستقرض و يحج
إذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك .
[3192 ]مسألة 5 :يستحب إحجاج من لا استطاعة له .
[3193 ]مسألة 6 :يجوز إعطاء الزكاة لمن لا يستطيع الحج ليحج بها .
[3194 ]مسألة 7 :الحج أفضل من الصدقة بنفقته .
--( 51 )--
[3195 ]مسألة 8 :يستحب كثرة الإنفاق في الحج ،و في بعض الأخبار :
«إن اللّه يبغض الإسراف إلا بالحج و العمرة ».
[3196 ]مسألة 9 :يجوز الحج بالمال المشتبه كجوائز الظلمة مع عدم
العلم بحرمتها .
[3197 ]مسألة 10 :لا يجوز الحج بالمال الحرام لكن لا يبطل الحج إذا كان
لباس إحرامه و طوافه ( 1 ) و ثمن هديه من حلال ( 2 ) .
( 1 ) بل لا يبطل الحج و إن كان ذلك من حرام ،أما لباس الإحرام فلأن لبسه
واجب مستقل في حال الإحرام ،و ليس من اجزائه ،و اذا كان مغصوبا فقد ترك
ذلك الواجب ،و أما احرامه المتقوم بالتلبية فهو صحيح .و أما الطواف فانه و إن
كان مشروطا بالستر ،الاّ أن الستر اذا كان مغصوبا فهو لا يبطل الطواف ،باعتبار أن
الحرام و هو التصرف في الستر المغصوب لا يكون مصداقا للواجب ،لأن
الواجب هو الطواف المتقيد بالستر ،فالتقيد داخل فيه و القيد خارج ،و التقيد أمر
معنوي لا واقع موضوعي له في الخارج ،و المقيد و القيد و إن كانا موجودين فيه ،
الاّ أنهما غير متحدين ،فلا يكون الحرام مصداقا للواجب لكي لا يمكن
الحكم بالصحة ،و من هنا قلنا بصحة الصلاة في الساتر المغصوب عامدا
و ملتفتا الى الحكم الشرعي ،غاية الأمر انه ارتكب محرما في اثناء
الصلاة فيكون آثما و مستحقا للإدانة و العقوبة من دون أن يكون الحرام متحدا
مع الواجب .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان الحج إنما يبطل اذا اشترى الهدي
بشخص الثمن الحرام ،بأن يكون الشراء شخصيا ،فعندئذ بما أنه لا يملك
الهدي فيكون تاركا له ،فيؤدي الى بطلان حجه ،و اما اذا اشترى في الذمة فيكون
مالكا للهدي ،غاية الأمر أن ذمته تبقى مشغولة بثمنه ،و عندئذ فلا موجب لبطلان
الحج .
--( 52 )--
[3198 ]مسألة 11 :يشترط في الحج الندبي إذن الزوج و المولى بل
الأبوين في بعض الصور ،و يشترط أيضا أن لا يكون عليه حج واجب
مضيق ،لكن لو عصى و حج صح .
[3199 ]مسألة 12 :يجوز إهداء ثواب الحج إلى الغير بعد الفراغ عنه ،كما
يجوز أن يكون ذلك من نيته قبل الشروع فيه .
[3200 ]مسألة 13 :يستحب لمن لا مال له يحج به أن يأتي به و لو بإجارة
نفسه عن غيره ،و في بعض الأخبار :إن للأجير من الثواب تسعا و للمنوب
عنه واحد .
--( 53 )--
فصل
في أقسام العمرة
[3201 ]مسألة 1 :تنقسم العمرة كالحج إلى واجب أصلي و عرضي
و مندوب .
فتجب بأصل الشرع على كل مكلف بالشرائط المعتبرة في الحج في
العمر مرة ،بالكتاب و السنة و الإجماع ،ففي صحيحة زرارة :العمرة واجبة
على الخلق بمنزلة الحج فإن اللّه تعالى يقول :وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ
[البقرة 2 :196 ] ،و في صحيحة الفضيل في قول اللّه تعالى :وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ
وَ اَلْعُمْرَةَ قال عليه السّلام : «هما مفروضان ».
و وجوبها بعد تحقق الشرائط فوري كالحج ،و لا يشترط في وجوبها
استطاعة الحج ،بل تكفي استطاعتها في وجوبها و إن لم تتحقق استطاعة
الحج ،كما أن العكس كذلك فلو استطاع للحج دونها وجب دونها ،و القول
باعتبار الاستطاعتين في وجوب كل منهما و أنهما مرتبطان ضعيف ،كالقول
باستقلال الحج في الوجوب دون العمرة .
[3202 ]مسألة 2 :تجزئ العمرة المتمتع بها عن العمرة المفردة
بالإجماع و الأخبار ،و هل تجب على من وظيفته حج التمتع إذا استطاع لها
و لم يكن مستطيعا للحج ؟المشهور عدمه ،بل أرسله بعضهم إرسال
--( 54 )--
المسلمات ،و هو الأقوى ( 1 ) ،و على هذا فلا تجب على الأجير بعد فراغه
عن عمل النيابة و إن كان مستطيعا لها و هو في مكة ،و كذا لا تجب على من
تمكن منها و لم يتمكن من الحج لمانع ،و لكن الأحوط الإتيان بها .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،فان الآية الشريفة و الروايات تنصان على أن
العمرة واجبة على الناس كالحج .
منها :صحيحة الفضل أبي العباس عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في قول اللّه :
وَ أَتِمُّوا اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ قال :هما مفروضان »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :العمرة واجبة
على الخلق بمنزلة الحج على من استطاع ،لأن اللّه عز و جل يقول :وَ أَتِمُّوا
اَلْحَجَّ وَ اَلْعُمْرَةَ لِلَّهِ -الحديث - »- 2 - .و منها غيرهما - 3 - .و مقتضى اطلاقها عدم
الفرق بين النائي و الحاضر .
و في مقابل ذلك طائفتان من الروايات :
احداهما :الروايات التي تنص على أن العمرة دخلت في الحج الى يوم
القيامة .
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :دخلت العمرة في الحج
الى يوم القيامة ،لأن اللّه تعالى يقول :فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا
اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ ،فليس لأحد الاّ أن يتمتع -الحديث - »- 4 - و مثلها صحيحة
معاوية بن عمار - 5 - ،و مقتضى اطلاق هذه الطائفة عدم الفرق بين النائي و غيره .
و الأخرى :الروايات التي تنص على أن المتعة انما كانت لمن لم يكن
أهله حاضري المسجد الحرام .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب وجوب الحج و شرائطه الحديث :5 .
---------------
( 3 ) راجع الوسائل باب :1 من أبواب وجوب الحج و شرائطه .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :3 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :3 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
--( 55 )--
[3203 ]مسألة 3 :قد تجب العمرة بالنذر و الحلف و العهد و الشرط في
ضمن العقد و الإجارة و الإفساد ،و تجب أيضا لدخول مكة بمعنى حرمته
بدونها ،فإنه لا يجوز دخولها إلا محرما إلا بالنسبة إلى من يتكرر دخوله
و خروجه كالحطّاب و الحشّاش ( 1 ) .
منها :صحيحة الفضلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :ليس لأهل مكة و لا
لأهل مرو و لا لأهل سرف متعة ،و ذلك لقول اللّه عز و جل :ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ
أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ »- 1 - .
و منها :صحيحة علي بن جعفر قال : «قلت لأخي موسى بن جعفر عليه السّلام :
لأهل مكة أن يتمتعوا بالعمرة إلى الحج ،فقال :لا يصلح أن يتمتعوا لقول اللّه
عزّ و جل :ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ »- 2 - .
و منها :صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «قلت لأبي جعفر عليه السّلام :قول
اللّه عز و جل في كتابه :ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ ،
قال :يعني أهل مكة ليس عليهم متعة ،كل من كان أهله دون ثمانية و أربعين ميلا
ذات عرق و عسفان ،كما يدور حول مكة فهو ممن دخل في هذه الآية ،و كل من
كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة »- 3 - و منها غيرها - 4 - .
و هذه الطائفة حاكمة على الطائفتين الاوليين ،و تبين ان وظيفة من كان
أهله حاضري المسجد الحرام هي الحج و العمرة المفردتان ،و وظيفة من لم
يكن أهله حاضري المسجد الحرام التمتع بالعمرة الى الحج ،و لا تجب عليه
العمرة المفردة ،و إن استطاع لها فحسب ،و لا حج الإفراد .
( 1 ) بل كل من يتكرر دخوله مكة لجلب حاجات أهل البلد و متطلباته من
الأطعمة و الألبسة و المواد الانشائية و البنائية و غيرها .و تدل على ذلك صحيحة
رفاعة بن موسى في حديث : «قال :و قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :ان الحطابة و المجتلبة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
--( 56 )--
و ما عدا ما ذكر مندوب .
و يستحب تكرارها كالحج ،و اختلفوا في مقدار الفصل بين العمرتين ،
فقيل :يعتبر شهر ( 1 ) ،
أتوا النبي صلّى اللّه عليه و آله فسألوه ،فاذن لهم أن يدخلوا حلالا »- 1 - .
ثم إن الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أنه لا موضوعية
للحطابة و المجتلبة الاّ بلحاظ أن مهنتهما تتطلب ذلك ،فاذن لا مانع من التعدي
عن موردهما الى كل من تتطلب مهنته تكرر الدخول و الخروج فيها ،كما اذا كان
معلما أو مدرسا أو طالبا جامعيا أو طبيبا فيها يتطلب تكرر دخوله فيها و الخروج
منها .نعم التعدي الى من لم يكن تكرر دخوله فيها مستندا الى مهنته ،بل لغرض
آخر ،كما اذا كان له مريض فيها أو بستان يتطلب دخوله فيها متكررا ،فهو لا
يخلو عن اشكال بل منع ،فان العرف لا يساعد على هذا التعدي ،و لا يوجد دليل
آخر عليه ،و حينئذ فان تمكن من الاتيان بالعمرة في كل مرة فهو ،و إن لم يتمكن
و لو من جهة كونه حرجيا سقط ما هو حرجي .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،و تدل عليه روايات كثيرة تبلغ من الكثرة حد التواتر
اجمالا .
منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :في
كتاب علي عليه السّلام في كل شهر عمرة »- 2 - .
و منها :صحيحة يونس بن يعقوب قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :إن
عليا عليه السّلام كان يقول :في كل شهر عمرة »- 3 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «كان علي عليه السّلام
يقول :لكل شهر عمرة »- 4 - .
و منها :موثقة اسحاق بن عمار قال : «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام :السنة اثنا عشر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :51 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :4 .
--( 57 )--
..........
شهرا يعتمر لكل شهر عمرة »- 1 - .
و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال : «سألته عن العمرة متى
هي ؟قال :يعتمر فيما أحب من الشهور »- 2 - .
و منها :الروايات التي تنص على أن أفضل العمرة عمرة رجب ،و اذا أهل
بالعمرة في رجب و أحل في غيره كانت عمرته لرجب ،و في بعضها أنها أفضل
من عمرة شهر رمضان .
و منها :الروايات التي تنص على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله اعتمر ثلاث عمر كل
ذلك توافق عمرته ذي القعدة .
فالنتيجة :إن هذه الروايات الكثيرة المتواترة اجمالا تنص بمختلف
الألسنة على مشروعية العمرة في كل شهر .
و في مقابلها طائفتان من الروايات :
الأولى :الروايات التي تدل على مشروعية العمرة في كل عشرة أيام .
منها :رواية علي بن حمزة عن أبي الحسن موسى عليه السّلام : «قال :لكل شهر
عمرة ،قال :قلت له :يكون أقل من ذلك ؟قال :لكل عشرة أيام عمرة »- 3 - و مثلها
روايته الأخرى .- 4 -
و لكن هذه الطائفة ضعيفة من ناحية السند ،و لا يمكن الاعتماد عليها .نعم
مع الاغماض عن سندها تتقدم على الطائفة الأولى بالجمع الدلالي العرفي ،و لا
معارضة بينهما لكي يقال إنها لا تصلح أن تعارضها ،على أساس أنها متواترة
اجمالا ،فتدخل هذه الطائفة في الأخبار المخالفة للسنة ،و السبب في ذلك أن
الطائفة الأولى تدل على عدم مشروعية العمرة في أقل من شهر بالاطلاق
الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و قد ذكرنا في علم الأصول أن هذه الدلالة
من أضعف مراتب الدلالات العرفية ،و تتقدم عليها سائر المراتب ،و بما أن هذه
الطائفة ناصة في مشروعية العمرة في أقل من شهر ،فهي بيان و رافع للإطلاق
الناشئ من السكوت ،و تتقدم عليه عرفا ،و لا يصل الدور الى المعارضة بينهما
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :8 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :10 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :9 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :3 .
--( 58 )--
..........
تطبيقا للجمع الدلالي العرفي .
الثانية :الروايات التي تنص على أن العمرة في كل سنة مرة ،و هي متمثلة
في روايتين :
احداهما :صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :العمرة في كل سنة
مرة »- 1 - .
و الاخرى :صحيحة زرارة بن أعين عن ابي جعفر عليه السّلام : «قال :لا تكون
عمرتان في سنة »- 2 - .
و لكنهما لا تصلحان للمعارضة مع الطائفة الأولى ،بل لا بد من تقديمها
عليهما ،اما صحيحة الحلبي فلأنها تدل على نفي مشروعية العمرة في أقل من
سنة بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و بما أن الطائفة الأولى تنص
على أنها مشروعة في كل شهر ،فهي حاكمة عليها و رافعة للسكوت ،و أما
صحيحة زرارة فهي و إن كانت ناصة في نفي مشروعية أكثر من عمرة واحدة في
سنة ،و تصلح أن تعارض تلك الطائفة من هذه الناحية ،الاّ أنه لا بد من طرحها في
مقابلها ،باعتبار أنها داخلة في الأخبار المخالفة للكتاب و السنة .
فالنتيجة :إن الصحيح هو مشروعية العمرة في كل شهر فحسب لا أقل منه
و لا أكثر .
ثم إن المراد بالشهر في هذه الروايات هو الشهر الهلالي ،لأنه المتبادر منها
عرفا ،هذا إضافة الى وجود قرائن فيها تدل على أن المراد منه الشهر الهلالي
دون ثلاثين يوما .
منها :قوله عليه السّلام في موثقة عمار : «السنة اثنا عشر شهرا يعتمر لكل
شهر عمرة »- 3 - .
و منها :ما ورد - 4 - من التأكيد على عمرة رجب و أنها افضل من عمرة سائر
الشهور ،فانه يدل بوضوح على أن المراد من الشهر هو الشهر الهلالي دون
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :7 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :6 من أبواب العمرة الحديث :8 .
---------------
( 4 ) راجع الوسائل باب :3 من أبواب العمرة .
--( 59 )--
و قيل عشرة أيام ،و الأقوى عدم اعتبار فصل فيجوز إتيانها كل
يوم ( 1 ) ،و تفصيل المطلب موكول إلى محله .
ثلاثين يوما .
( 1 ) مر أن الاقوى هو اعتبار الفصل بين العمرتين بشهر و عدم ثبوت
مشروعيتها في كل يوم ،و لا يدل على مشروعيتها كذلك شيء من روايات الباب
كما عرفت .
و دعوى :إن اختلاف الروايات انما هو من جهة اختلاف العمرة في
مراتب الفضل ،و هذا يعني أن العمرة في كل سنة أفضل من العمرة في كل شهر ،
و أنها في كل شهر أفضل منها في كل عشرة أيام ،كما أنها في كل عشرة أيام
أفضل منها في كل يوم ،فالنتيجة ان الروايات انما هي في مقام بيان أن كلما
امتدت فترة زمنية بين الاعتمارين كان الاتيان بالثاني آكد و أفضل ،فاذا امتدت
الى سنة كان التأكيد بالاتيان به أشد مما اذا امتدت الى شهر و هكذا ،فاذن
اختلاف الروايات في التحديد انما هو بلحاظ اختلاف مراتب الفضل و التأكيد
عليه .
مدفوعة :بأن حمل الروايات على ذلك بحاجة الى قرينة تدل عليه ،و الاّ
فهي ظاهرة في أن التحديد فيها انما هو بلحاظ مشروعيتها لا بلحاظ مراتب
فضلها ،و من الواضح ان رفع اليد عن هذا الظهور بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة لا
في نفس هذه الروايات و لا من الخارج ،و مجرد اختلافها لا يصلح أن يكون
قرينة على ذلك .
--( 60 )--
فصل
في أقسام الحج
و هي ثلاثة بالإجماع و الأخبار :تمتع ،و قران ،و إفراد .
و الأول فرض من كان بعيدا عن مكة ،و الآخران فرض من كان
حاضرا أي غير بعيد .
و حدّ البعد الموجب للأول ثمانية و أربعون ميلا من كل جانب على
المشهور الأقوى ،لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام :قلت له :قول اللّه
عز و جل في كتابه :ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ
[البقرة 2 :196 ] ،فقال عليه السّلام : «يعني أهل مكة ليس عليهم متعة كل من كان
أهله دون ثمانية و أربعين ميلا ذات عرق و عسفان كما يدور حول مكة فهو
ممن دخل في هذه الآية ،و كل من كان أهله وراء ذلك فعليه المتعة » ،و خبره
عنه عليه السّلام :سألته عن قول اللّه عز و جل :ذلِكَ الخ ،قال : «لأهل مكة ليس
لهم متعة و لا عليهم عمرة ،قلت :فما حد ذلك ؟قال :ثمانية و أربعون ميلا
من جميع نواحي مكة دون عسفان و ذات عرق »و يستفاد أيضا من جملة
من أخبار أخر .
و القول بأن حدّه اثنا عشر ميلا من كل جانب -كما عليه جماعة -
ضعيف لا دليل عليه ،إلا الأصل فإن مقتضى جملة من الأخبار وجوب
التمتع على كل أحد و القدر المتيقن الخارج منها من كان دون الحد
المذكور ،و هو مقطوع بما مرّ ،أو دعوى أن الحاضر مقابل للمسافر و السفر
--( 61 )--
أربعة فراسخ ،و هو كما ترى ،أو دعوى أن الحاضر المعلق عليه وجوب غير
التمتع أمر عرفي و العرف لا يساعد على أزيد من اثني عشر ميلا ،و هذا
أيضا كما ترى ،كما أن دعوى أن المراد من ثمانية و أربعين التوزيع على
الجهات الأربع فيكون من كل جهة اثنى عشر ميلا منافية لظاهر تلك
الأخبار .
و أما صحيحة حريز الدالة على أن حدّ البعد ثمانية عشر ميلا فلا
عامل بها ( 1 ) ،
( 1 ) فيه أن طرح هذه الصحيحة و عدم العمل بها ليس من جهة عدم عمل
الأصحاب بها ،لما ذكرناه في علم الأصول من أن عدم عمل الأصحاب برواية
معتبرة و اعراضهم عنها لا يوجب سقوطها عن الاعتبار لا نظريا و لا تطبيقيا .
اما الأول :فلأن الحجة انما هي رواية الثقة على أساس سيرة العقلاء
الجارية على العمل بها ،و من المعلوم ان اعراض الاصحاب و عدم عملهم بها لا
يجعلها رواية غير ثقة حتى يوجب خروجها عن السيرة .
و اما الثاني :فلأن اعراضهم انما يكون كاشفا عن عدم صدورها عن
المعصومين عليهم السّلام اذا توفر فيه أمران :
أحدهما :أن يكون هذا الإعراض من قدماء الاصحاب الذين يكون
عصرهم متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام و حملة الأحاديث .
و الآخر :أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن يكون مدركا لإعراضهم
عنها و منشأ له .
فاذا توفر فيه الأمران كان كاشفا عن عدم صدورها عن المعصومين عليهم السّلام
و أنه وصل اليهم طبقة بعد طبقة و يدا بيد .
و لكن كلا الأمرين غير متوفر ،اما الأمر الأول :فلأنه لا طريق لنا الى أنهم
قد أعرضوا عنها ،و مجرد أن فتاويهم المنقولة كانت على خلافها لا يدل على --( 62 )--
كما لا عامل بصحيحتي حماد بن عثمان و الحلبي ( 1 ) الدالتين على أن
الحاضر من كان دون المواقيت إلى مكة .
الإعراض ،لاحتمال أنها مستندة الى وجه آخر .
و أما الأمر الثاني :فلأن من المحتمل أن يكون منشأ عدم عملهم بها
ترجيح صحيحة زرارة - 1 - عليها ،و مع هذا الاحتمال لا يكون كاشفا عن عدم صدور
الرواية عنهم عليهم السّلام و أنه وصل اليهم يدا بيد ،بل الوجه في رفع اليد عن هذه
الصحيحة هو أن دلالتها على نفي الزائد على ثمانية عشر ميلا انما هي بالاطلاق
الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و ذلك لأنها تدل على ثبوت هذا الحد
بالنص ،و على نفي الزائد بالاطلاق .
و بكلمة :إن لها مدلولين :
أحدهما :ايجابي ،و هو دلالتها على تحديد البعد عن مكة بثمانية عشر
ميلا و أن كل من كان منزله في امتداد شعاع هذا البعد فلا متعة له .
و الآخر :سلبي ،و هو دلالتها على نفي اعتبار الزائد على هذا الحد .و الأول
ناص بالوضع ،و الثاني ظاهر بالاطلاق .و بما أن هذه الصحيحة لا تنافي صحيحة
زرارة في مدلولها الايجابي ،و انما تنافيها في مدلولها السلبي فلا تصلح أن
تعارض صحيحة زرارة ،باعتبار أنها ناصة في اعتبار الزائد ،و هي ظاهرة في نفيه ،
و مقتضى الجمع الدلالي العرفي تقديم النص على الظاهر .
( 1 ) مر أن عدم عمل الأصحاب برواية لا يوجب سقوطها عن الاعتبار ،
و على هذا فبما أنهما تدلان على أن المراد من حاضري المسجد الحرام في الآية
الشريفة من كان منزله دون المواقيت ،بدون تحديد المسافة بينه و بين مكة
و تعيينها كما ،فتكون صحيحة زرارة - 2 - التي هي محددة لتلك المسافة بينهما ،
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
---------------
( 2 ) المصدر السابق .
--( 63 )--
و هل يعتبر الحد المذكور من مكة أو من المسجد ؟وجهان ،أقربهما
الأول ( 1 ) .
و من كان على نفس الحد فالظاهر أن وظيفته التمتع ،لتعليق حكم
الإفراد و القران على ما دون الحد .
و تدل على أنها لا تقل عن ثمانية و أربعين ميلا عن مكة حاكمة عليهما ،و مبينة
للمراد مما دون المواقيت فيهما ،و أنه عبارة عن هذه المسافة المحددة تطبيقا
لقاعدة حمل المجمل على المبين .
( 1 ) بل الثاني ،و ذلك لأن عمدة الدليل على ذلك صحيحة زرارة ،و حيث
أن السؤال فيها عن المراد من حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ - 1 - في الآية
الكريمة كان المتفاهم عرفا من التقدير فيها ان مبدأ المسافة يحسب من نفس
المسجد دون آخر عمارة مكة ،باعتبار ان الوارد في الآية الشريفة :حاضِرِي
اَلْمَسْجِدِ لا حاضري مكة ،فاذن ارادة كون مبدأ المسافة المحددة يحسب من
آخر عمارة مكة بحاجة الى قرينة .
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن الصحيحة مجملة من هذه الناحية ،
فحينئذ يدخل المقام في مسألة اجمال المخصص ،باعتبار أنها مخصصة لعموم
الآية الشريفة ،حيث أن مقتضاه وجوب حج التمتع على كل أحد غير أهل مكة ،
فان وظيفتهم حج الإفراد او القران ،و الصحيحة تدل على أن من كان منزله دون
ثمانية و أربعين ميلا فهو ملحق بأهل مكة ،و على هذا فاذا شككنا في أن مبدأ
هذه المسافة المحددة هل هو من المسجد أو من آخر عمارة مكة ؟و حينئذ فاذا
كانت الصحيحة مجملة من هذه الناحية ،فلا محالة يؤخذ بالمقدار المتيقن منها ،
و هو ما كان مبدؤها من المسجد ،و أما الزائد على ذلك فيرجع الى عموم الآية
الشريفة .
---------------
( 1 ) البقرة 2 :196 .
--( 64 )--
و لو شك في كون منزله في الحد أو خارجه وجب عليه الفحص ،و مع
عدم تمكنه يراعي الاحتياط ،و إن كان لا يبعد القول بأنه يجري عليه حكم
و بكلمة :إن قوله تعالى :فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا
اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي اَلْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا
رَجَعْتُمْ تِلْكَ عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ
وَ اِتَّقُوا اَللَّهَ وَ اِعْلَمُوا أَنَّ اَللَّهَ شَدِيدُ اَلْعِقابِ - 1 - يدل باطلاقه على أن وظيفة كل
من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام هي حج التمتع ،و المستثنى منه من
كان أهله حاضري المسجد الحرام ،و من المعلوم أن المنسبق منه أهل مكة
و الساكنون فيها ،لصدق عنوان الحاضر عليهم ،و لا يصدق هذا العنوان على من
كان أهله خارج المسجد الحرام ،و عليه فلو لم يكن دليل آخر على توسعة
حاضري المسجد الحرام لكان مقتضى الآية الشريفة وجوب حج التمتع على
كل أحد الاّ أهل مكة .و لكن صحيحة زرارة الواردة في تفسير الآية الكريمة بما
أنها تدل على توسعة حاضري المسجد الحرام و بيان المراد منه ،فتكون حاكمة
على الآية الكريمة بإلحاق من لم يكن أهله من حاضري المسجد الحرام
حقيقة بالحاضر حكما ،و هو من كان منزله دون ثمانية و أربعين ميلا في
اطراف مكة ،و على هذا فاذا فرض أن الصحيحة مجملة و لا ظهور لها في أن مبدأ
هذه المسافة المحددة فيها يحسب من المسجد أو من آخر عمارة البلد ؟فلا بد
من الأخذ بالمقدار المتيقن منها ،فانها لا تكون حجة الاّ فيه ،و هو من
كان منزله دون تلك المسافة من المسجد ،و تدل على خروجه عن اطلاق الآية
الكريمة ،و أنه لا متعة عليه ،و أما من كان منزله دون تلك المسافة من آخر
عمارة البلد فلا يعلم بخروجه عن اطلاق الآية ،فيشك في تقييده بغيره ،و بما أنه
شك في تقييد زائد فالمرجع هو اطلاقها لعدم المزاحم له فيه بعد ما لم يكن
---------------
( 1 ) البقرة 2 :196 .
--( 65 )--
الخارج فيجب عليه التمتع لأن غيره معلق على عنوان الحاضر ( 1 )
الدليل الخاص حجة فيه .
( 1 ) مر أن المستفاد من الآية الشريفة بضميمة الروايات الواردة في
تفسيرها ،كصحيحة زرارة أن كل من كان بلده دون ثمانية و أربعين ميلا فلا متعة
له ،و نتيجة ذلك أن موضوع وجوب حج التمتع المستطيع الذي لم يكن أهله من
حاضري المسجد الحرام ،و على هذا فلا مانع من احراز موضوعه بالاستصحاب
عند الشك في تحقق قيده العدمي ،غاية الأمر مرة يعلم بأن البلد الذي هو عاش
فيه دون تلك المسافة المحددة ،و لكن كان يشك في أنه صار أهلا له حتى
تنقلب وظيفته من التمتع الى الافراد او القران أو لا ،ففي مثل ذلك لا مانع من
استصحاب عدم كونه أهلا له ،و به يحرز موضوع العام و هو من لم يكن أهله
حاضري المسجد الحرام ،فان الجزء الأول محرز بالوجدان ،و الثاني
بالاستصحاب ،و يترتب عليه أثره و هو وجوب حج التمتع ،و أخرى يعلم بأنه
أهل لذلك البلد و لكن كان يشك في أنه داخل تلك المسافة المعينة حتى تكون
وظيفته حج الافراد أو القران ،أو خارجها حتى تكون وظيفته حج التمتع ،و في
مثل ذلك لا مانع من احراز موضوع العام بالاستصحاب في العدم الأزلي .
بتقريب أنه في زمان لم يكن ذلك البلد موجودا ،و لا اتصافه بما دون المسافة
المذكورة ،ثم وجد ،و يشك في أن اتصافه به هل وجد أيضا أو لا ؟فلا مانع من
استصحاب عدم وجود اتصافه به ،و بذلك يحرز موضوع الوجوب و هو من لم
يكن أهله حاضري المسجد الحرام ،فان الجزء الأول و هو وجود المستطيع
محرز بالوجدان ،و الثاني و هو عدم كونه من حاضري المسجد الحرام
بالاستصحاب .
و دعوى :أن هذا الاستصحاب انما يثبت موضوع العام على تقدير أن
يكون المأخوذ فيه عنوانا عدميا ،كعدم كون أهله من حاضري المسجد الحرام ،--( 66 )--
..........
كما هو ظاهر الآية الشريفة ،و لكن مقتضى قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة الواردة
في تفسيرها : «و كل من كان أهله وراء ذلك فعليهم المتعة »- 1 - أن المأخوذ فيه
عنوان وجودي و هو عنوان ( وراء تلك المسافة ) ،و عليه فلا يمكن اثباته
بالاستصحاب المذكور الاّ على نحو مثبت .
مدفوعة :بأن الظاهر من قوله عليه السّلام في ذيل الصحيحة أنه مأخوذ على نحو
المعرفية الصرفة الى ما هو الموضوع لوجوب المتعة ،و هو من لم يكن أهله
دونها ،باعتبار أنه لازم له في الخارج ،و لا ينفك أحدهما عن الآخر ،و يؤكد ذلك
أمران :
الأول :انه لو كان لهذا العنوان موضوعية ،و كذلك لعنوان ما دون المسافة ،
لزم من ذلك أن من كان أهله على رأس المسافة لم يكن مشمولا لشيء من
العنوانين ،مع أنه لا شبهة في أن وظيفته التمتع ،و هذا ليس الاّ من جهة أنه لا
موضوعية له .
الثاني :انه تأكيد لما تقدم ،لا أنه تأسيس ،حيث ان الصحيحة قد بيّنت
وظيفة من عليه التمتع ،و وظيفة من عليه الإفراد أو القران و موضوعيهما ،فاذن لا
محالة يكون الاتيان به بعد ذلك تأكيدا لما تقدم عليه ،فمن أجل ذلك لا
موضوعية له ،و يؤكد ذلك أيضا أن المراد من اسم الاشارة فيه المسافة السابقة
و هي دون ثمانية و أربعين ميلا ،فاذن لا محالة يكون المراد من ( وراء ذلك ) هو
الاشارة الى موضوع التمتع .
فالنتيجة :انه لا مانع من اجراء هذا الاستصحاب لإثبات موضوع العام
على نحو الاستصحاب في العدم الأزلي .ثم إنه اذا فرض عدم جريان هذا
الاستصحاب لسبب من الأسباب ،فعندئذ يجب عليه الفحص للعلم الإجمالي
اما بوجوب التمتع عليه او الإفراد أو القران ،و إن لم يتمكن منه إما لعدم اتاحة
الفرصة له أو لسبب آخر وجب عليه الاحتياط ،و له طرق :
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
--( 67 )--
..........
الأول :أن يأتي بالتمتع في هذه السنة و بالافراد أو القران في السنة القادمة
شريطة أن يكون واثقا و مطمئنا بقدرته على ذلك .
الثاني :أن يجمع بينهما في سنة واحدة ،بأن ينوي الإحرام لعمرة التمتع ،
ثم يأتي بأعمالها ،و بعد ذلك يحرم للحج ،أي حج التمتع احتياطا و بقصد ما في
الذمة ،ثم يخرج من مكة الى ميقات أهله و يحرم منه لحج الافراد او القران
كذلك ،فاذا صنع ذلك علم بأن أحد الاحرامين صحيح ،و الآخر ملغي ،ثم يأتي
بالحج بقصد ما في الذمة أعم من التمتع و الافراد أو القران ،و بعد الفراغ من
اعمال الحج يأتي بعمرة مفردة احتياطا ،فاذا فرغ منها فقد حصل له اليقين
بالفراغ سواء أ كانت ذمته مشغولة بالتمتع أم الافراد و القران ،فعلى الأول صحت
عمرته متعة ،و حجه تمتعا لا افرادا ،و أما عمرته المفردة فهي تقع مستحبة ،و على
الثاني بطلت عمرته متعة ،و صح حجه افرادا لا تمتعا ،و أما عمرته المفردة فهي
واجبة .
و دعوى :انه لا موجب لبطلان عمرة التمتع بل تنقلب مفردة .
مدفوعة :بأن الانقلاب بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه في المقام ،و لا
يكون الانقلاب موافقا للقاعدة ،باعتبار أن عنوان عمرة التمتع و المفردة من
العناوين القصدية المقومة ،فاذن يكون معنى الانقلاب هو الحكم بأن ما قصد لم
يقع ،و ما وقع لم يقصد ،و من المعلوم أن ذلك بحاجة الى دليل .
و بكلمة :أن عنواني التمتع و الافراد و إن كانا من العناوين القصدية ،و اذا
قام المكلف بالاتيان بالواجب فلا بد أن يكون بعنوانه الخاص و اسمه
المخصوص المميز له شرعا ،و الاّ لم ينطبق الواجب على ما أتى به ،و لكن ذلك
فيما اذا علم الواجب باسمه الخاص ،و أما اذا لم يعلم الاّ اجمالا بأن ذمته مشغولة
بحجة ،و لكنه لا يدري أنها تمتع أو إفراد ،فيكفي الاتيان بها بنية ما في الذمة ،
سواء أ كانت تمتعا أم افرادا ،و معنى ذلك أنها إن كانت في الواقع تمتعا فقد نواها ،
و إن كانت في الواقع افرادا فكذلك باعتبار ان الواجب في هذا الفرض هو قصد --( 68 )--
..........
الجامع جزما ،و قصد كل من العنوانين تقديرا و احتمالا ،و لا يجب عليه أكثر من
ذلك ،بل لا يمكن الاّ تشريعا .نعم اذا كان ما في ذمته تمتعا او افرادا خاصة فلا بد
من الاتيان به باسمه الخاص ،و الاّ فلا ينطبق على المأتي به في الخارج .
الثالث :أن يحرم من الميقات بقصد الأعم من عمرة التمتع و حج الإفراد ،
و يدخل مكة و يأتي باعمال العمرة احتياطا ،ثم يحرم للحج كذلك ،و يمارس
أعماله الى أن ينتهي منها ،و بعد الانتهاء يعلم بفراغ ذمته سواء أ كانت مشغولة
بحجة الإفراد أم التمتع ،غاية الأمر على الأول بطلت عمرته متعة ،و على الثاني
صحت ،و لكن هذا الاحتياط لا يمكن في التقصير ،فان ذمته إن كانت مشغولة
بالتمتع فهو من واجبات العمرة ،و لا بد من الاتيان به ،و إن كانت مشغولة بالإفراد
فهو حرام لأنه في أثناء إحرامه .
نعم هنا طريق رابع للاحتياط ،و لكنه مبني على القول بجواز تقديم
العمرة المفردة على حج الإفراد كما هو الأظهر ،و حاصل هذا الطريق أنه يحرم
من الميقات بقصد الأعم من العمرة المفردة و التمتع ،فيدخل مكة و يواصل
اعمالها الى أن فرغ منها ،و بعد الفراغ يأتي بطواف النساء احتياطا ،ثم يجمع بين
الاحرام للحج من مكة و الذهاب الى ميقات أهل أرضه اذا أمكن و الإحرام منه ،
و الاّ فمن خارج الحرم ،فيواصل اعماله الى أن انتهى منها ،و اذا انتهى برئت ذمته
سواء أ كانت مشغولة بحج التمتع أم بالافراد .
فالنتيجة :ان وظيفة من يعلم بأن ذمته مشغولة بالحج و لكن لا يعلم أنه
تمتع او افراد ،و لا يتمكن من تعيين أحدهما بالأصل العملي ،الاحتياط بالطريق
الأول اذا لم يمكن بالطريق الثاني او الرابع ،و الاّ تعين إذا قلنا بوجوب الحج
فورا ،أو أنه لا يكون واثقا بالتمكن منه في العام القادم إذا أخر .
ثم إن عنوان الحاضر في الآية الشريفة قد فسر في صحيحة زرارة بأهل
مكة ،و على هذا الأساس لا يكفي مجرد الحضور ما لم يصدق عليه عنوان أهل
مكة ،و من هنا اذا كان الشخص قاصدا البقاء في مكة سنة مثلا ،ثم الرجوع الى --( 69 )--
و هو مشكوك ،فيكون كما لو شك في أن المسافة ثمانية فراسخ أو لا فإنه
يصلي تماما لأن القصر معلق على السفر و هو مشكوك .
ثم ما ذكر إنما هو بالنسبة إلى حجة الإسلام ،حيث لا يجزئ للبعيد
إلا التمتع و لا للحاضر إلا الإفراد أو القران ،و أما بالنسبة إلى الحج الندبي
فيجوز لكل من البعيد و الحاضر كل من الأقسام الثلاثة بلا إشكال ،و إن كان
الأفضل اختيار التمتع ،و كذا بالنسبة إلى الواجب غير حجة الإسلام كالحج
النذري و غيره .
[3204 ]مسألة 1 :من كان له وطنان أحدهما في الحد و الآخر في خارجه
لزمه فرض أغلبهما لصحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «من اقام بمكة
سنتين فهو من أهل مكة و لا متعة له ،فقلت لأبي جعفر عليه السّلام :أ رأيت إن كان
له أهل بالعراق و أهل بمكة ،فقال عليه السّلام :فلينظر أيهما الغالب »فإن تساويا فإن
بلده لا يصدق عليه عنوان الأهل ،فاذا لم يصدق لم ينقلب الموضوع حتى
ينقلب الحكم من التمتع الى الإفراد .
بقي هنا شيئان :
الأول :أن مبدأ المسافة المذكورة هل يحسب من آخر عمارة بلد
الانسان ،أو من منزله ؟الظاهر الأول ،لوضوح أن حكم سكان بلدة واحدة لا
يختلف باختلاف منازلهم قربا أو بعدا من المسجد الحرام ،فان المتفاهم العرفي
من صحيحة زرارة التي هي في مقام تحديد المسافة بين المكلف و بين المسجد
هو تحديدها بين بلده و بينه .
الثاني :أن الآية الشريفة و الروايات الواردة في تفسيرها بما أن موردها
حجة الإسلام فلا تعم غيرها من أقسام الحج الواجب و المندوب ،و عليه فيكون
المكلف في تلك الأقسام مخير بين التمتع و الإفراد ،و إن كان الأول أفضل سواء
أ كان من حاضري المسجد الحرام أم لا .
--( 70 )--
كان مستطيعا من كل منهما تخير بين الوظيفتين ( 1 ) و إن كان الأفضل اختيار
التمتع ،و إن كان مستطيعا من أحدهما دون الآخر لزمه فرض وطن
الاستطاعة .
[3205 ]مسألة 2 :من كان من أهل مكة و خرج إلى بعض الأمصار ثم
رجع إليها فالمشهور جواز حج التمتع له و كونه مخيرا بين الوظيفتين ،
و استدلوا بصحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «عن
رجل من أهل مكة يخرج إلى بعض الأمصار ثم يرجع إلى مكة فيمرّ ببعض
المواقيت أله أن يتمتع ؟قال عليه السّلام :ما أزعم أن ذلك ليس له لو فعل و كان
الإهلال أحب إليّ »و نحوها صحيحة أخرى عنه و عن عبد الرحمن بن أعين
( 1 ) في التخيير اشكال بل منع ،و الأقوى وجوب الاحتياط بالجمع بينهما ،
و ذلك لأنه اذا كان مستطيعا في كلتا البلدتين و كانت اقامته في كل منهما على
نسبة واحدة ،ففي هذه الحالة يعلم اجمالا بوجوب الحج عليه ،و لكن لا يدري
أنه تمتع او افراد ،و هذا ليس من جهة أنه مشمول لإطلاق أدلة وجوب الحج ،
بدعوى أنها باطلاقها تعم جميع انواعه الثلاثة من التمتع و الافراد و القران ،
و نتيجة ذلك أنه مخير بينهما ،و ذلك لأن اطلاقها قد قيد بالروايات التي تنص
على أن من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام فوظيفته التمتع ،و من كان
أهله حاضري المسجد فوظيفته الإفراد أو القران ،و على هذا الأساس فلا يعقل
أن تظل أدلة وجوب الحج باقية على اطلاقها بالنسبة الى جميع انواعه ،فان
موضوع وجوب حج التمتع مقيد بمن لم يكن أهله من حاضري المسجد ،
و موضوع وجوب حج الافراد مقيد بمن كان أهله من حاضري المسجد ،فيكون
موضوع الأول نقيض الموضوع الثاني ،فلا يعقل اجتماعهما في شيء واحد
و انطباقهما على انسان فارد ،فمن أجل ذلك لا يعقل بقاء الاطلاق في أدلة
وجوب الحج .
--( 71 )--
..........
و بكلمة ثانية :ان اطلاقات أدلة وجوب الحج من الآية الشريفة و الروايات
قد قيدت بقيدين متناقضين ،أحدهما عدمي و هو قيد لموضوع وجوب حج
التمتع ،و الآخر وجودي و هو قيد لموضوع وجوب حج الافراد ،فلا يعقل أن
يكون الشخص مكلفا بالجامع بينهما ،على أساس أن التقابل بين موضوعيهما
من تقابل التناقض ،فانه إن كان من أهل مكة فوظيفته حج الافراد خاصة ،و إن لم
يكن من أهلها فوظيفته حج التمتع كذلك .
فالنتيجة :ان العلم الإجمالي بوجوب الحج عليه ليس من جهة وجود
اطلاق في أدلة وجوبه الشامل لكل أنواعه الثلاثة ،لما عرفت من عدم بقاء اطلاق
فيها كذلك ،بل من جهة أنه لا يحتمل سقوط وجوب الحج عنه في الواقع جزما
و إن كان غير مشمول لإطلاق كل من دليلي وجوب حج التمتع و حج الافراد ،
باعتبار أن شمول اطلاق كلا الدليلين له غير معقول ،لاستحالة كونه مجمعا
لعنوانين متناقضين ،و شمول اطلاق أحدهما خاصة له دون الآخر ترجيح من
غير مرجح بعد ما كانت نسبة كل منهما اليه على حد سواء ،و لكن مع ذلك لا
يمكن سقوط التكليف بالحج عنه نهائيا ،فلا محالة يكون أحد نوعي الحج
واجبا عليه في الواقع في هذه الحالة ،غاية الأمر أنه لا معين لذلك في مقام
الإثبات ،و مقتضى العلم الإجمالي بوجوبه هو الاحتياط بالجمع بين التمتع
و الافراد بالطرق التي تقدمت .
و من هنا يظهر أنه لا وجه للتخيير بينهما أصلا ،لما ذكرناه في علم
الأصول من أن للتخيير تفسيرين :
الأول :أن يكون الوجوب المجعول في عالم الاعتبار و الجعل واحدا
متعلقا بالجامع الانتزاعي بين فرديه ،دون كل واحد منهما بحده
الفردي .
الثاني :أن يكون الوجوب المجعول فيه متعددا و متعلقا بكل واحد من
الفردين أو الأفراد بحده الفردي على نحو الوجوب المشروط ،و هو بكلا
تفسيريه لا ينطبق على المقام .
اما على التفسير الأول ،فلأن الوجوب المجعول فيه و إن كان واحدا ،--( 72 )--
عن أبي الحسن عليه السّلام ،و عن ابن أبي عقيل عدم جواز ذلك و أنه يتعين عليه
فرض المكي إذا كان الحج واجبا عليه ،و تبعه جماعة لما دل من الأخبار
على أنه لا متعة لأهل مكة ،و حملوا الخبرين على الحج الندبي بقرينة ذيل
الخبر الثاني ،و لا يبعد قوة هذا القول ( 1 ) ،مع أنه أحوط لأن الأمر دائر بين
الا أنه متعلق بالفرد بحده الفردي ،يعني اما بالتمتع خاصة ،أو الافراد
كذلك ،دون الجامع بينهما لكي يكون المكلف مخيرا في تطبيقه على أي
منهما شاء .
و اما على التفسير الثاني ،فهو واضح ،لأن الحكم المجعول عليه في هذه
الحالة حكم واحد متعلق إما بالتمتع فحسب ،أو الإفراد كذلك ،فليس المجعول
هنا وجوبان مشروطان .
و اما التخيير العقلي الناشئ من التزاحم بين الواجبين اذا لم يكن
ترجيح في البين ،كما اذا كانا متساويين ،فلا مورد له في المقام ،على
أساس أن المجعول فيه حكم واحد لا حكمان لكي يقع التزاحم بينهما في
مرحلة الامتثال من جهة عدم قدرة المكلف على الجمع بينهما في هذه
المرحلة .
فالنتيجة :ان وظيفة المكلف في هذه الحالة الاحتياط بمقتضى العلم
الإجمالي بالجمع بين التمتع و الإفراد بأحد الانحاء السابقة .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر ما هو المشهور بين الأصحاب من
جواز التمتع و إن كان الافراد أفضل ،و ذلك لأن صحيحتى عبد الرحمن بن
الحجاج - 1 - تنصان على ذلك .و انما الكلام في أن موردهما أعم من الواجب
و المندوب أو خصوص الواجب .و قد يستظهر منهما الثاني ،بتقريب أن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 و 2 .
--( 73 )--
..........
قوله عليه السّلام فيهما : «ما ازعم أن ذلك ليس له لو فعل »- 1 - لا تناسب المندوب ،اذ لا
شبهة في جواز التمتع الندبي له ،بل هو غير خفي على مثل عبد الرحمن بن
الحجاج حتى يسأل عنه .
فيه :انه لا يدل على أن السؤال انما هو عن التمتع الواجب ،بنكتة أن
جوابه عليه السّلام يتضمن قسطا من التعجب عنه ،و هذا يناسب أن يكون السؤال عن
المندوب لا عن الواجب ،و لعل منشأ سؤال مثل عبد الرحمن بن الحجاج عن
ذلك هو أن المرتكز في ذهنه عدم مشروعية التمتع الواجب له بمقتضى الآية
الشريفة ،و أن وظيفته الإفراد او القران ،و لذا سأل عن التمتع المستحب .نعم إن
قوله عليه السّلام في ذيل الجواب : «و كان الإهلال أحب إليّ »- 2 - يدل على أن السؤال عن
التمتع الواجب ،بقرينة أنه لا شبهة في أن التمتع الندبي افضل و أحب من الإفراد
و القران ،و تدل عليه روايات كثيرة بمختلف الألسنة ،منها ذيل هذه الصحيحة
الذي يؤكد على افضلية التمتع عن الإفراد و القران ،و بما أن نسبة كلتا
الصحيحتين الى الآية الشريفة بضميمة الروايات الواردة في تفسيرها نسبة
المقيد الى المطلق فتوجب تقييد اطلاقها بغير موردهما ،و هو إن من كان من أهل
مكة اذا خرج منها الى بعض البلدان النائية ثم رجع اليها جاز له أن يحرم من
الميقات للتمتع ،و هذا يعني أن وظيفته في هذه الحالة التخيير بين التمتع
و الإفراد أو القران .
و أما مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن موردهما أعم من حج التمتع
الواجب و المستحب ،فقد ادعى بوقوع التعارض بين اطلاق الصحيحتين
و اطلاق الآية الشريفة بضميمة الروايات الواردة في تفسيرها بالعموم من وجه ،
باعتبار أن كلا منهما عام من جهة و خاص من جهة أخرى ،فان الآية الشريفة
عامة من جهة الخروج من مكة الى البلاد النائية ،و عدم الخروج منها ،و خاصة
من جهة اختصاصها بالحج الواجب ،و الصحيحتان عامة من جهة كون حج
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 74 )--
..........
التمتع واجبا أو مستحبا ،و خاصة بالخارج من مكة الى البلاد النائية ،و مورد
الالتقاء من كان من أهل مكة و خرج الى بلد ناء ثم رجع ،فمقتضى الاطلاق
الصحيحتين أن وظيفته التخيير بين التمتع و الإفراد ،و مقتضى إطلاق الآية
الشريفة أن وظيفته الافراد فحسب ،و على هذا فبناء على ما ذكره السيد
الاستاذ قدّس سرّه من أن مخالفة الرواية لإطلاق الكتاب ليست مخالفة للكتاب حتى
تكون مشمولة للروايات التي تنص على طرح ما يخالف كتاب اللّه معللا بأن
الإطلاق ليس مدلولا للكتاب ،بل هو مدلول لمقدمات الحكمة منها عدم البيان ،
فبالنتيجة أنه مدلول لأمر عدمي ،فاذن يقع التعارض بينهما ،فيسقطان معا من
جهة المعارضة ،فيكون المرجع فيه الأصل العملي ،لعدم وجود أصل لفظي في
المسألة ،و أما ما دل على أصل وجوب الحج فلا اطلاق له ،لأنه في مقام بيان
أصل تشريع وجوب الحج في الشريعة المقدسة ،و على تقدير أن يكون له
اطلاق فقد مر أنه قد قيد إما بقيد وجودي أو عدمي ،و لا يعقل أن يظل الاطلاق
باقيا على حاله ،ضرورة أن المكلف لا يخلو من أن يكون أهله حاضري
المسجد الحرام أو لا ،فعلى الأول تكون وظيفته الافراد ،و على الثاني التمتع ،و لا
ثالث في البين .نعم قد يكون الشخص مكلفا بالجامع بين التمتع و الإفراد على
نحو التخيير في بعض حالات النوع الأول من المكلف بدليل خاص ،و ذلك
كمن كان من أهل مكة و خرج منها الى بلد ناء ،ثم رجع اليها ،فانه مخير بين
الاحرام للتمتع أو الإفراد بنص خاص -كما تقدم -.و لكن هذا لا يرتبط بمحل
الكلام في المقام ،فان محل الكلام فيه انما هو في تقسيم المكلف في الآية
الشريفة و الروايات الى نوعين ،أحدهما من كان أهله حاضري المسجد الحرام ،
و الآخر من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ،فوظيفة النوع الأول الإفراد ،
و النوع الثاني التمتع ،و لا ثالث بينهما ،فمن أجل ذلك لا يعقل أن تظل أدلة
وجوب الحج من الآية الشريفة و الروايات باقية على اطلاقها ،فان اطلاقها إما
مقيد بالنوع الأول أو الثاني ،و قد مر أن التقابل بين النوعين من تقابل التناقض .--( 75 )--
..........
و أما ورود دليل خاص في بعض حالات النوع الأول و أن المكلف في تلك
الحالة مخير بين التمتع و الافراد فلا يكون مرده الى أنه نوع ثالث في مقابل
النوعين الأولين ،بل هو قسم من النوع الأول .
و أما قوله تعالى :فَإِذا أَمِنْتُمْ فَمَنْ تَمَتَّعَ بِالْعُمْرَةِ إِلَى اَلْحَجِّ فَمَا اِسْتَيْسَرَ
مِنَ اَلْهَدْيِ فَمَنْ لَمْ يَجِدْ فَصِيامُ ثَلاثَةِ أَيَّامٍ فِي اَلْحَجِّ وَ سَبْعَةٍ إِذا رَجَعْتُمْ تِلْكَ
عَشَرَةٌ كامِلَةٌ ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ - 1 - فلا ينعقد
له ظهور في الاطلاق من جهة اقترانه بما هو بمثابة الاستثناء المتصل ،و من
الواضح أنه يمنع عن اجراء مقدمات الحكمة فيه ،و بدون تلك المقدمات لا
ينعقد له ظهور الاّ في المقيد و هو وجوب حج التمتع على من لم يكن أهله
حاضري المسجد الحرام ،و عليه فاذا فرضنا أن اطلاق دليل المخصص قد سقط
من جهة وجود المعارض له بالنسبة الى من كان من أهل مكة و خرج منها الى
بلد ناء ثم رجع اليها ،فلا يمكن التمسك باطلاق الآية الشريفة لإثبات وجوب
حج التمتع عليه ،لعدم الاطلاق له بالنسبة اليه ،أي من كان أهله حاضري
المسجد الحرام .
فالنتيجة :أنه لا يوجد في المسألة أصل لفظي من عموم أو اطلاق لكي
يكون مرجعا فيها ،فاذن يصل الدور الى الأصل العملي ،و حيث أن أمر المسألة
يدور بين التعيين و التخيير فالمرجع فيها أصالة البراءة عن التعيين دون أصالة
الاحتياط ،فانها انما تكون مرجعا في مسألتين :
إحداهما :مسألة التزاحم ،فانه اذا دار الأمر فيها بين التعيين و التخيير فلا بد
من الأخذ بالتعيين .
و الأخرى :مسألة الحجية ،فانه اذا دار الأمر بين الحجية التعيينية و الحجة
التخييرية تعين الأخذ بالأولى .
و النكتة في ذلك ،أما في المسألة الأولى :فبما أن دوران الأمر فيها بين
---------------
( 1 ) البقرة الآية :196 .
--( 76 )--
..........
التعيين و التخيير يكون في مرحلة الامتثال ،فلذلك يجب الأخذ بالتعيين فيها
تطبيقا لقاعدة أن الاشتغال اليقيني يتطلب البراءة اليقينية .
و اما في المسألة الثانية :فلأن ما يحتمل تعيّن حجيته فهو مقطوع الحجية
إما تخييرا ،او تعيينا ،و الآخر مشكوك الحجية ،و الشك فيها بما أنه مساوق للقطع
بعدم ترتيب آثار الحجية عليه فيتعين الأخذ بالأول .
و أما في غير هاتين المسألتين فبما أن الشك في التعيين و التخيير فيها
يكون في مرحلة الجعل و الاعتبار ،فالمرجع فيها أصالة البراءة عن التعيين ،لأن
فيه كلفة زائدة ،هذا .
و لنا في المقام تعليقان :
أحدهما :على ما ذكره السيد الاستاذ قدّس سرّه من أن مخالفة اطلاق الكتاب
ليست مخالفة له .
و الآخر :على ما ذكره جماعة منهم السيد الاستاذ قدّس سرّه من أن التعارض بين
اطلاق الصحيحتين و اطلاق الآية الشريفة بالعموم من وجه .
أما التعليق الأول :فقد ذكرنا في علم الأصول أنه لا فرق بين اطلاق
الكتاب و عمومه ،فكما أن عمومه مدلول لفظي له فكذلك اطلاقه ،غاية الأمر أن
منشأ الأول الوضع ،و منشأ الثاني مقدمات الحكمة ،فالمقدمات كالوضع جهة
تعليلية لتكوين ظهور اللفظ في الاطلاق فيكون الاطلاق مدلولا للفظ حينئذ لا
للمقدمات ،و تمام الكلام هناك .و على هذا فاذا كان بين الاطلاقين تعارض
بالعموم من وجه سقط اطلاق الصحيحتين عن الحجية ،باعتبار أنه مخالف
للكتاب ،فلا يكون حجة ،فاذن يكون المرجع في المسألة هو اطلاق الكتاب .
ثم إن الظاهر من الروايات التي تنص على أن «ما خالف كتاب اللّه فذروه ،
و ما وافق كتاب اللّه فخذوه »أن الساقط انما هو المخالف للكتاب سواء أ كان
متمثلا في نفس الحديث أم في اطلاقه ،و على هذا فبما أن اطلاق الصحيحتين
مخالف للكتاب دون أصلهما ،فهو الساقط عن الاعتبار لا أصلهما .
--( 77 )--
..........
فالنتيجة :ان الرواية اذا كانت مخالفة للكتاب بالعموم من وجه ،فالساقط
انما هو خصوص مورد الالتقاء و المعارضة لا مطلقا .
و أما التعليق الثاني :فلأن الصحيحتين بما أنهما أخص من الآية الشريفة
بلحاظ الموضوع ،و الآية الشريفة بما أنها أخص منهما بلحاظ المحمول ،فلا
تعامل معهما معاملة الدليلين المتعارضين بالعموم من وجه ،و ذلك لأن موضوع
الصحيحتين اذا كان أخص من موضوع الآية الشريفة و كانت النسبة بينهما
عموما و خصوصا مطلقا من هذه الناحية ،فلا مانع من تطبيق قاعدة الجمع
الدلالي العرفي بينهما ،و هو حمل العام على الخاص ،و أما ظهور الآية الشريفة
في العموم فهو لا يصلح أن يكون قرينة على رفع اليد عن ظهورهما في عموم
الحكم ،فمن أجل ذلك لا يعامل معهما معاملة الدليلين المتعارضين بالعموم من
وجه ،فان المعيار في ترتيب أحكام التعارض بالعموم من وجه على الدليلين
المتعارضين كذلك انما هو صالحية خصوصية كل منهما للقرينية في نفسها على
الآخر ،و أما اذا كانت خصوصية أحدهما صالحة للقرينية دون الآخر فلا تعارض
في البين ،و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان الصحيحتين بملاك كونهما أخص من
الآية الشريفة موضوعا فتصلحان للقرينية عليها تطبيقا لقاعدة حمل العام على
الخاص ،و أما الآية الشريفة بلحاظ ظهورها في الوجوب فلا تصلح أن تكون
قرينة على رفع اليد عن ظهورهما في الأعم ،لعدم توفر ملاك القرينية فيها
كالأظهرية أو نحوها ،هذا اضافة الى أنه لا يمكن حمل الصحيحتين على حج
التمتع المندوب عرفا ،باعتبار أنه ثابت لأهل مكة مطلقا ،لا في هذه الحالة
فحسب ،بل هو أفضل من الافراد ،فاذن حملهما عليه في هذه الحالة لا يمكن الاّ
من باب التأكيد ،و هو خلاف الظاهر ،و عليه فبطبيعة الحال يكون المراد منهما اما
خصوص حج التمتع الواجب أو الأعم منه و من المندوب ،فتكون الصحيحتان
بمثابة النص من هذه الناحية ،فمن أجل ذلك لا بد من تقديمهما على الآية
الشريفة ،باعتبار أنهما أخص منها موضوعا ،و أما محمولهما و إن كان أعم من --( 78 )--
التخيير و التعيين و مقتضى الاشتغال هو الثاني ( 1 ) خصوصا إذا كان مستطيعا
حال كونه في مكة فخرج قبل الإتيان بالحج ،بل يمكن أن يقال إن محل
كلامهم صورة حصول الاستطاعة بعد الخروج عنها و أما إذا كان مستطيعا
فيها قبل خروجه منها فيتعين عليه فرض أهلها ( 2 ) .
محمولها الاّ انه غير قابل للتصرف و الحمل على حج التمتع المندوب عرفا ،لأنه
لغو و لا فائدة فيه الاّ التأكيد ،مع أنهما ظاهرتان في التأسيس .
فالنتيجة :انه على تقدير تسليم أن موردهما أعم من الحج الواجب
و المستحب ،فمع ذلك لا معارضة بينهما و بين الآية الشريفة .
( 1 ) الصحيح هو الأول لما مر من أن المرجع هو أصالة البراءة عن التعيين
الاّ اذا كان دوران الأمر بينهما في موارد التزاحم أو الحجية ،فان العقل يحكم
بالتعيين -كما تقدم -هذا ،اضافة الى أنه لا يصل الدور الى الأصل العملي في
المقام ،فان المرجع فيه هو اطلاق الصحيحتين ،و مقتضاه التخيير بين التمتع
و الإفراد بدون فرق بين أن يكون موردهما خصوص التمتع الواجب أو الأعم ،
كما مر .
( 2 ) في التعيين اشكال بل منع ،و الأظهر عدمه لإطلاق الصحيحتين ،فان
مقتضاه عدم الفرق بين أن يكون مستطيعا في مكة ثم خرج مستطيعا ،أو انه
استطاع في الخارج ،فعلى كلا التقديرين يكون فرضه الجامع بين التمتع
و الافراد في هذه الحالة ،و هو مخير في تطبيقه على أي منهما شاء .
نعم تظهر الثمرة بين الفرضين في الأصل العملي على تقدير أن يصل
الدور اليه ،و ذلك لأنه إن كان مستطيعا في مكة وجب عليه حج الافراد ،فاذا
خرج منها كذلك ثم رجع ،فبطبيعة الحال كان يشك في سقوط وجوب الإفراد
عنه ،و تبدله بوجوب الجامع ،ففي مثل ذلك لا مانع من استصحاب بقاء وجوب
الافراد عليه و عدم تبدله ،و هذا بخلاف ما اذا استطاع في الخارج ،فانه حينئذ --( 79 )--
[3206 ]مسألة 3 :الآفاقي إذا صار مقيما في مكة فإن كان ذلك بعد
استطاعته و وجوب التمتع عليه فلا إشكال في بقاء حكمه سواء كانت إقامته
بقصد التوطن أو المجاورة و لو بأزيد من سنتين .
و أما إذا لم يكن مستطيعا ثم استطاع بعد إقامته في مكة فلا إشكال
في انقلاب فرضه إلى فرض المكي في الجملة ،كما لا إشكال في عدم
الانقلاب بمجرد الإقامة ،و إنما الكلام في الحد الذي به يتحقق الانقلاب ،
فالأقوى ما هو المشهور من أنه بعد الدخول في السنة الثالثة لصحيحة
زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة و لا متعة
له »الخ ،و صحيحة عمر بن يزيد عن الصادق عليه السّلام : «المجاور بمكة يتمتع
بالعمرة إلى الحج إلى سنتين فإذا جاوز سنتين كان قاطنا و ليس له أن يتمتع »
و قيل بأنه بعد الدخول في الثانية لجملة من الأخبار ،و هو ضعيف لضعفها
بإعراض المشهور عنها ( 1 ) ،مع أن القول الأول موافق للأصل ،و أما القول
يشك في أن الواجب عليه في هذه الحالة هل هو الافراد تعيينا أو الجامع بينهما ؟
فلا مانع من الرجوع الى أصالة البراءة عن التعيين ،هذا على المشهور من جريان
الاستصحاب في الشبهات الحكمية ،و أما بناء على القول بعدم جريانه فيها فلا
تظهر الثمرة بينهما في الأصل العملي أيضا ،و تمام الكلام في محله .
( 1 ) فيه انه لا أثر لاعراضهم ،لما مر من أنه انما يكون كاشفا عن وجود
خلل في شروط حجيتها اذا كان من قدماء الأصحاب الذين يكون عصرهم
متصلا بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام ،شريطة أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن
يكون مدركا لاعراضهم عنها .و قد تقدم منا غير مرة أنه لا طريق لنا الى احراز
اعراضهم عنها ،و على هذا فلا بد من النظر الى أن هذه الروايات هل تصلح أن
تعارض الروايات التي تنص على تحديد فترة الإقامة في مكة الموجبة لانقلاب --( 80 )--
..........
الوظيفة من التمتع الى الافراد ،أو لا تصلح أن تعارضها لإمكان الجمع الدلالي
العرفي بينهما ؟الظاهر هو الثاني ،و ذلك لأن هذه الروايات بما أنها كانت في مقام
التحديد ،فيكون لها مدلولان ،أحدهما مدلولها الايجابي ،و الآخر مدلولها
السلبي ،و هو نفي الزائد ،و بما أنها ناصة في الأول و ظاهرة في الثاني ،فنرفع اليد
عن ظهورها بقرينة نص تلك الروايات في اعتبار الزائد ،و أن الحد المذكور لا
يقل عن سنتين .
بيان ذلك :أن صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :لأهل مكة أن
يتمتعوا ؟قال :لا ،ليس لأهل مكة ان يتمتعوا ،قال :قلت :فالقاطنين بها ؟قال :اذا
أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما صنع أهل مكة -الحديث - »- 1 - ظاهرة في
التخيير ،و بما أن التخيير بين الأقل و الأكثر غير معقول ،فالمتعين هو الأقل ،فاذن
تدل الصحيحة على كفاية اقامة سنة واحدة فيها بالمطابقة ،و على نفي اعتبار
الزائد عليها بالالتزام ،و حيث أن دلالتها على نفي اعتبار الزائد بالطلاق الناشئ
من سكوت المولى في مقام البيان ،فتتقدم عليها الطائفة الأولى من الروايات
كصحيحتي زرارة - 2 - و عمر بن يزيد - 3 - ،باعتبار أنها ناصة في اعتبار الزائد ،فاذن
لا تصل النوبة الى المعارضة بينهما .
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم وجود المعارضة بينهما عرفا في السنة
الثانية ،فان مقتضى الطائفة الأولى عدم انقلاب وظيفته من التمتع الى الافراد
فيها ،و مقتضى الطائفة الثانية الانقلاب و أن وظيفته فيها الافراد ،و في مثل ذلك
هل تسقطان معا في مورد المعارضة و يرجع الى العام الفوقي ،و هو اطلاق قوله
تعالى :و ذلِكَ لِمَنْ لَمْ يَكُنْ أَهْلُهُ حاضِرِي اَلْمَسْجِدِ اَلْحَرامِ - 4 - أو تقديم
الطائفة الأولى على الثانية من جهة أنها موافقة لإطلاق الآية الشريفة في مورد
المعارضة ،و الثانية مخالفة له ؟فيه قولان :الصحيح هو القول الثاني ،لما تقدم منا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 4 ) البقرة الآية :196 .
--( 81 )--
بأنه بعد تمام ثلاث سنين فلا دليل عليه إلا الأصل المقطوع بما ذكر ،مع أن
القول به غير محقق لاحتمال إرجاعه إلى القول المشهور بإرادة الدخول
في السنة الثالثة ،و أما الأخبار الدالة على أنه بعد ستة أشهر أو بعد خمسة
أشهر فلا عامل بها ( 1 ) ،مع احتمال صدورها تقية ( 2 ) و إمكان حملها على
محامل أخر .
اجمالا من أن اطلاق الكتاب كعمومه مدلول له لا لمقدمات الحكمة ،و على هذا
فاذا كانت إحدى الطائفتين موافقة لإطلاق الكتاب ،و الأخرى مخالفة له فلا بد
من تقديم الأولى على الثانية ،لأنها من أحد مرجحات باب التعارض .
و بذلك يظهر حال الطائفة الثالثة التي تدل على أن اقامة ستة أشهر تكفي
لانقلاب وظيفته من التمتع الى الافراد .
منها :صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في المجاور
بمكة يخرج الى أهله ثم يرجع الى مكة بأيّ شيء يدخل ؟فقال :إن كان مقامه
بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع ،و إن كان أقل من ستة أشهر فله أن يتمتّع »- 1 -
بتقريب أن قوله عليه السّلام : «إن كان مقامه بمكة أكثر من ستة أشهر فلا يتمتع »مطلق ،
و باطلاقه يعم ما اذا كان أكثر منها بشهر أو بشهرين أو سنة أو سنتين و هكذا ،
و هذا الاطلاق مقيد بصحيحتي زرارة و عمر بن يزيد اللتين تنصان على تحديد
المقام بسنتين تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد .
( 1 ) مر أن عدم عمل الاصحاب برواية لا يوجب طرحها و سقوطها عن
الاعتبار ،بل طرح هذه الأخبار ،و عدم العمل بها في المقام انما هو من جهة ما
ذكرناه .
( 2 ) فيه أن هذا الاحتمال ضعيف جدا ،فان صدور الرواية عنهم عليهم السّلام تقية
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
--( 82 )--
و الظاهر من الصحيحين اختصاص الحكم بما إذا كانت الإقامة بقصد
المجاورة ،فلو كانت بقصد التوطن فينقلب بعد قصده من الأول ،فما يظهر
من بعضهم من كونها أعم لا وجه له ،و من الغريب ما عن آخر من
الاختصاص بما إذا كانت بقصد التوطن .
ثم الظاهر أن في صورة الانقلاب يلحقه حكم المكي بالنسبة إلى
الاستطاعة أيضا فيكفي في وجوب الحج الاستطاعة من مكة ( 1 )
منوط بتوفر أمرين فيها :
الأول :أن يكون لها معارض .
الثاني :أن تكون موافقة للعامة ،فاذا توفر فيها الأمران فهي محمولة على
التقية ،و الاّ فلا مبرر للحمل عليها .نعم قد يعلم بصدورها تقية بغاية حفظ النفس
او العرض او المال ،و لكن ذلك انما هو في القضايا الخارجية الشخصية دون
القضايا الحقيقية الكلية هذا اضافة الى أن هذه الأخبار لا تكون موافقة لمذهب
العامة حرفيا ،حيث انهم اعتبروا في انقلاب الوظيفة من التمتع الى الافراد نية
الاقامة في مكة ،بدون تحديد مدتها بفترة زمنية محددة كسنة أو أقل أو أكثر .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن الاستطاعة و الامكانية المالية من مكة
انما تكفي لوجوب حج الإفراد عليه بعد الاقامة فيها سنتين اذا لم يكن عازما
على الرجوع الى بلده بعد الحج ،كالناوي للتوطن فيها ،و أما اذا كان عازما على
الرجوع فلا تكفي الاّ اذا كانت بمقدار يفي بمصارف حجه و الرجوع الى بلدته
معا ،فعندئذ يكون مستطيعا .و الوجه فيه أن المتفاهم العرفي من الاستطاعة في
الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها هو الامكانية المالية لنفقات الحج ذهابا
و ايابا لمن يريد الرجوع ،و أما اذا كانت عنده الامكانية لنفقاته ذهابا فقط فلا
يكون مستطيعا .و ما نحن فيه كذلك ،فان المجاور بمكة بعد السنتين تنقلب
وظيفته من التمتع الى الإفراد ،و حينئذ فان كان عنده مال أو حصل عليه في اثناء --( 83 )--
..........
هذه المدة فان كان وافيا بنفقات حجه و رجوعه الى بلده معا فهو مستطيع ،و عليه
أن يأتي بحج الافراد أولا ثم يرجع الى بلده ،و الاّ فلا يكون مستطيعا .
و بكلمة أنّ الاستطاعة التي هي عبارة عن الامكانية المالية لدى الشخص
لنفقات سفر الحج ذهابا و ايابا لمن يريد الرجوع ،و ذهابا لمن لا يريد الرجوع ،
اذا توفرت وجب الحج بدون فرق بين أن تكون تلك الامكانية من بلدته أو
محل اقامته ،كما اذا سافر الى بلدة قريبة من الميقات كالمدينة المنورة بسبب من
الأسباب و بقى فيها مدة و حصل على مال في تلك المدة ،فان كان ذلك المال
وافيا لنفقات سفر الحج له ذهابا منها و ايابا الى بلدته أو الى بلدة أخرى اذا أراد
الرجوع الى تلك البلدة فهو مستطيع و الاّ فلا ،و أما اذا أراد الاقامة في مكة فلا
يعتبر في استطاعته عدا نفقات الذهاب اليها و اعمال الحج فيها ،كما أنه اذا أراد
الرجوع الى بلد الاستطاعة و الاقامة فيه فلا يعتبر فيها عدا نفقات الذهاب
و الإياب اليه لا الى بلدته ،فالمعيار في استطاعة الشخص انما هو بتمكنه المالي
من نفقات سفر الحج ذهابا و ايابا لمن يريد الرجوع ،و ذهابا لمن لا يريده ،و على
هذا الأساس فالمجاور في مكة اذا أقام سنتين فيها و دخل في الثالثة انقلبت
وظيفته من التمتع الى الإفراد ،و حينئذ فإن حصل على مال لا يفي للإنفاق على
الحج و الرجوع الى بلده معا ،و انما يفي لأحدهما فهل هو مستطيع لحج الافراد
أو لا ؟فيه وجهان .
قد يقال كما قيل :إنه مستطيع باعتبار أنه بمنزلة أهل مكة ،فكما أن
استطاعة أهل مكة تتحقق بوجود مال عندهم يفي لنفقات الحج و العود الى
بيوتهم ،فكذلك استطاعة المجاور ،فاذا كان عنده مال كذلك فهو مستطيع .
و لكن الصحيح الوجه الثاني ،و ذلك لأن استطاعته تختلف عن استطاعة
أهل مكة ،فان استطاعته انما تتحقق بوجود مال عنده يفي لنفقات حجه
و الرجوع الى بلدته معا اذا كان عازما عليه -كما هو المفروض -لوضوح
أن نفقة الرجوع كنفقة الذهاب جزء من الاستطاعة و لا تتحقق بدونها ،فالمجاور --( 84 )--
..........
في مكة اذا كان عازما على الرجوع الى بلدته لا يستطيع على حج الافراد
الاّ اذا حصل على مال يكفي لنفقته و نفقة رجوعه الى بلدته ،و أما اذا لم
يكن عنده مال الاّ بمقدار نفقة رجوعه الى بلدته ،فلا يكون مستطيعا ،بل
ربما يكون اتيانه به في هذه الحالة يؤدي الى وقوعه في حرج ،كما اذا
كان بقاؤه فيها أكثر من تلك المدة حرجيا .
ثم إن الانقلاب انما هو في الوظيفة فحسب لا في الشرط ،يعني أن
المجاور بعد سنتين في مكة تنقلب وظيفته من التمتع الى الافراد دون شرطه
و هو الاستطاعة المالية ،و ذلك لأن للاستطاعة معنى واحدا في جميع الموارد
بدون فرق بين حج التمتع و الافراد ،لأنها عبارة عن الامكانية المالية و الأمن
و السلامة في الطريق و عند ممارسة اعمال الحج ،بدون فرق بين أن تكون
الوظيفة حج التمتع او الإفراد ،فالنائي يختلف عن الحاضر في الوظيفة
المفروضة عليه من قبل اللّه تعالى ،فان وظيفة الأول التمتع و الثاني الافراد أو
القران ،و كلتا الوظيفتين مشروطة بالاستطاعة ،غاية الأمر أن الاستطاعة تختلف
تطبيقا باختلاف الوظيفتين سعة و ضيقا ،و على هذا فالمجاور اذا كان عازما على
الرجوع الى بلدته بعد السنتين لم تتحقق استطاعته الاّ بتوفر الامكانية المالية
عنده للحج و الرجوع الى بلدته معا ،و الاّ فلا يكون مستطيعا .
فالنتيجة :أن استطاعة النائي لا تختلف عن استطاعة الحاضر ،لا من حيث
المبدأ و لا من حيث المنتهى .اما في الأول فلأنه لا يعتبر في استطاعة النائي أن
تكون من بلدته ،فلو سافر اختيارا أو قهرا الى الميقات و استطاع هناك وجب
عليه التمتع و إن لم يكن مستطيعا من البلدة .و أما في الثاني فلأنه لا يعتبر في
استطاعته أن تكون امكانيته المالية الى بلدته ايابا ،فان ذلك انما يعتبر بالنسبة الى
من يريد الرجوع اليه ،و أما من لا يريد الرجوع فلا يعتبر ذلك في استطاعته ،
و من هنا لو استطاع في الميقات ،و بنى على الرجوع اليه ،و البقاء فيه دون بلدته ،
كفى في استطاعته ذهابا و ايابا اليه و إن لم تكلف الى بلدته .
--( 85 )--
و لا يشترط فيه حصول الاستطاعة من بلده ( 1 ) فلا وجه لما يظهر من
صاحب الجواهر من اعتبار استطاعة النائي في وجوبه لعموم أدلتها و أن
الانقلاب إنما أوجب تغيير نوع الحج و أما الشرط فعلى ما عليه فيعتبر
بالنسبة إلى التمتع ،هذا .
و لو حصلت الاستطاعة بعد الإقامة في مكة لكن قبل مضي السنتين
فالظاهر أنه كما لو حصلت في بلده فيجب عليه التمتع و لو بقيت إلى السنة
الثالثة ( 2 ) أو أزيد ،فالمدار على حصولها بعد الانقلاب .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه حيث انه لا يشترط في وجوبه عليه استطاعته من
بلدته ،بل تكفي الاستطاعة من مكة شريطة أن تكون وافية بنفقات الحج
و الرجوع معا ،و الاّ فلا يكون مستطيعا كما مر .
( 2 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر هو انقلاب الوظيفة حتى في صورة ما اذا
كان مستطيعا في بلده و ظلت استطاعته باقية الى السنة الثالثة فضلا عما اذا
استطاع في أثناء السنتين ،كما اذا فرض أنه دخل مكة في غير موسم الحج بعمرة
مفردة ،و بقى فيها ناويا للإقامة و لم يحج في السنة الأولى و لا في الثانية الى أن
دخل في الثالثة ،فاذا دخل فيها انقلبت وظيفته من التمتع الى الإفراد تبعا
لانقلاب موضوعه الى موضوع الإفراد ،باعتبار أن موضوع وجوب حج التمتع
من لم يكن أهله حاضري المسجد الحرام ،فاذا حضر فيه فترة ،و صدق عليه هذا
العنوان ،كما اذا أقام فيه فترة زمنية لا تقل عن سنتين تبدل موضوع التمتع
بموضوع الإفراد ،و حينئذ ينتفى وجوب التمتع عنه بانتفاء موضوعه ،و يتحقق
وجوب الافراد بتحقق موضوعه ،و على هذا فالاستطاعة حدوثا شرط لوجوب
حج التمتع و بقاء شرط لوجوب حج الافراد ،و لا مانع من ذلك ،باعتبار أن
وجوب الحج بكلا قسميه مشروط بها ،فما دام موضوع حج التمتع موجودا فهي
شرط لوجوبه ،و اذا تبدل الى موضوع حج الافراد فهي تصبح شرطا لوجوبه .
--( 86 )--
..........
و إن شئت قلت :إن مقتضى الآية الشريفة بضميمة الروايات الواردة في
تفسيرها أن موضوع وجوب حج التمتع من لم يكن من أهل مكة أي مقيما فيها
سنتين و دخل في الثالثة فكل مستطيع اذا لم يكن من أهل مكة فوظيفته التمتع ،
و كل مستطيع يكون من أهلها فوظيفته الافراد ،فاذا كان التمتع واجبا على
المستطيع في السنة الأولى و الثانية و لم يأت به لسبب أو اخر الى أن دخل في
الثالثة تبدل موضوع وجوب التمتع ،و هو من لم يكن من أهل مكة بموضوع
وجوب الافراد ،و هو من كان من أهلها ،فانه بدخوله في الثالثة خرج عن
موضوع الأول و دخل في موضوع الثاني ،فاذا تبدل الموضوع تبدل الحكم تبعا ،
فاذن تبدل الوظيفة انما هو بتبع تبدل الموضوع ،و لا فرق في ذلك بين أن تكون
استطاعته قبل دخوله في السنة الثالثة أو بعده ،فان الانقلاب و التبدل انما هو في
الموضوع بالأصالة و في المحمول و هو الحج بالتبع ،لا في الشرط و هو
الاستطاعة ،لأن الحج بكلا نوعيه مشروط بها ،و لا فرق بينهما فيها الاّ في السعة
و الضيق في مرحلة التطبيق ،و من المعلوم ان هذا المقدار من الاختلاف لا يضر ،
فانه موجود بين افراد الاستطاعة في نوع واحد من الحج حسب اختلاف أفراد
المكلف ،و من الواضح أنه لا فرق بين أن يكون الشرط موجودا قبل الانقلاب
و التبدل ،أو يوجد بعده ،لأن الموضوع اذا تبدل تبدل المحمول لا محالة ،اذ لا
يعقل بقاء المحمول بدون ما فرض موضوع له ،من غير فرق فيه بين أن يكون
المحمول فعليا و منجزا أو لا ،نظير ما اذا سافر المكلف بعد دخول الوقت .
فالنتيجة :أن مقتضى القاعدة عدم الفرق بين أن تكون استطاعته قبل
دخوله في السنة الثالثة أو بعد دخوله فيها ،و يؤكد ذلك اطلاق الروايات في
المسألة .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «من أقام بمكة
سنتين فهو من أهل مكة لا متعة له -الحديث - »- 1 - ،فان قوله عليه السّلام : «لا متعة له »
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
--( 87 )--
و أما المكي إذا خرج إلى سائر الأمصار مقيما بها فلا يلحقه حكمها
في تعين التمتع عليه لعدم الدليل و بطلان القياس إلا إذا كانت الإقامة فيها
بقصد التوطن و حصلت الاستطاعة بعده فإنه يتعين عليه التمتع بمقتضى
القاعدة و لو في السنة الأولى ،و أما إذا كانت بقصد المجاورة أو كانت
الاستطاعة حاصلة في مكة فلا نعم الظاهر دخوله حينئذ في المسألة
السابقة ( 1 ) فعلى القول بالتخيير فيها -كما عن المشهور -يتخير و على قول
ابن أبي عقيل يتعين عليه وظيفة المكي .
مطلق من جهة أن استطاعته كانت قبل تكميل السنتين أو بعده .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد قال :قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :
«المجاور بمكة يتمتع بالعمرة الى الحج الى سنتين ،فاذا جاوز سنتين كان قاطنا
و ليس له أن يتمتع »- 1 - فانه مطلق ،و مقتضى اطلاقه أنه لا متعة له اذا جاوز سنتين
و إن كانت استطاعته من الأول و قبل التجاوز ،فما هو المشهور بين الأصحاب من
الفرق بين أن تكون استطاعته قبل دخوله في السنة الثالثة ،و بين أن تكون بعده ،
فعلى الأول تكون وظيفته التمتع حتى في السنة الثالثة و هكذا ،و على الثاني
الافراد ،بحاجة الى دليل ،و الاّ فلا معنى للقول بأن الموضوع ينقلب دون الحكم .
و دعوى الاجماع على هذا الفرق لا أساس لها .
اما اولا :فلأن الاجماع بين المتأخرين غير ثابت .
و ثانيا :على تقدير تسليم ثبوته بينهم الاّ أنه لا يكشف عن ثبوته بين
المتقدمين الذي هو العمدة ،و هو الكاشف عن ثبوت المسألة في زمن
المعصومين عليهم السّلام و وصولها إلينا يدا بيد .
( 1 ) تقدم الكلام فيها مفصلا .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 88 )--
[3207 ]مسألة 4 :المقيم في مكة إذا وجب عليه التمتع -كما إذا كانت
استطاعته في بلده أو استطاع في مكة قبل انقلاب فرضه -فالواجب عليه
الخروج إلى الميقات لإحرام عمرة التمتع ،و اختلفوا في تعيين ميقاته على
أقوال :
أحدها :أنه مهلّ أرضه ،ذهب إليه جماعة ،بل ربما يسند إلى
المشهور كما في الحدائق لخبر سماعة ( 1 ) عن أبي الحسن عليه السّلام سألته عن
المجاور أله أن يتمتع بالعمرة إلى الحج ؟قال عليه السّلام : «نعم يخرج إلى مهلّ
أرضه فليلبّ إن شاء »المعتضد بجملة من الأخبار الواردة في الجاهل
و الناسي الدالة على ذلك بدعوى عدم خصوصية للجهل و النسيان و أن
ذلك لكونه مقتضى حكم التمتع ،و بالأخبار الواردة في توقيت المواقيت
و تخصيص كل قطر بواحد منها أو من مرّ عليها بعد دعوى أن الرجوع إلى
الميقات غير المرور عليه .
ثانيها :أنه أحد المواقيت ( 2 ) المخصوصة مخيرا بينها ،و إليه ذهب
جماعة أخرى لجملة أخرى من الأخبار ،مؤيدة بأخبار المواقيت بدعوى
عدم استفادة خصوصية كل بقطر معين .
( 1 ) فيه ان الخبر ضعيف سندا ،حيث ان في سنده معلى بن محمد و هو لم
يثبت توثيقه ،و مجرد أنه من رجال أسناد كامل الزيارات لا يكفي ،فاذن لا دليل
على هذا القول .
( 2 ) هذا هو مقتضى اطلاقات الروايات التي تنص على أن كل من وجب
عليه حج التمتع أن يحرم من أحد المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ،فانها
باطلاقها تشمل المقيم في مكة أيضا اذا كانت وظيفته التمتع ،إذ يجب عليه
حينئذ أن يخرج الى أحد المواقيت و يحرم منه ،سواء أ كان ذلك ميقات أهل --( 89 )--
..........
أرضه أم لا .و أما ما في الروايات من أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قد عيّن لأهل كل منطقة
ميقاتا فهو مبني على الغالب و التسهيل لحجاج تلك المنطقة ،اذ لا يحتمل أن
يكون لهذا التعيين خصوصية و كون أهل كل بلد ملزما بالاحرام من ميقات أهل
أرضه بنحو اذا اختار طريقا آخر الى مكة لم يصح احرامه من ميقات أهل أرض
ذلك الطريق ،فان هذا غير محتمل و خلاف الضرورة الفقهية ،و على هذا
الأساس فيجوز للمقيم أن يخرج الى أي ميقات أراد و شاء .
و بكلمة أخرى :أن الروايات الكثيرة التي تنص على وجوب الاحرام من
أحد المواقيت ،و عدم جواز التجاوز عنها بدون احرام ،تعم المقيم في مكة
أيضا اذا كان متمكنا من الإحرام عن أحدها ،و لا يسوغ له عندئذ ترك الإحرام
منه .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من تمام الحج
و العمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تجاوزها الاّ و انت
محرم -الحديث - »- 1 - فإنها ناصة في أن الإحرام من المواقيت التي وقتها رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله من تمام الحج و العمرة ،و لا يجوز تركه ،و المقيم في مكة اذا فرض أنه
قادر على أن يذهب الى أحد المواقيت و الإحرام منه وجب عليه ذلك ،و لا
يسوغ له تركه عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي بمقتضى نص هذه الصحيحة
و غيرها .
و دعوى :ان الصحيحة تدل على عدم جواز التجاوز عن المواقيت الاّ
محرما ،و هذا العنوان لا ينطبق على المقيم في مكة ،فانه قد تجاوز عنها و أقام في
مكة مدة ،فاذن لا دليل على وجوب خروج المقيم الى أحد المواقيت و الإحرام
منه .
مدفوعة :بان العرف لا يفهم منها خصوصية لعنوان التجاوز و موضوعية
له ،بل يفهم منها بمناسبة الحكم و الموضوع أن المقصود من ذلك عدم جواز
---------------
( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 90 )--
ثالثها :أنه أدنى الحل ،نقل عن الحلبي و تبعه بعض متأخري
المتأخرين ،لجملة ثالثة من الأخبار .
و الأحوط الأول ،و إن كان الأقوى الثاني ( 1 ) لعدم فهم الخصوصية
ترك الإحرام منها ،و بما أن المقيم قادر على ذلك فلا يجوز له تركه .
فالنتيجة :أن مقتضى القاعدة هو أن على المقيم أن يخرج الى أحد
المواقيت المعينة سواء أ كان ميقات أهل أرضه أم لا ،اذ لا دليل على أن الواجب
عليه الخروج الى خصوص ميقات أهل أرضه ،نعم من جاوز الميقات بدون
إحرام جاهلا أو ناسيا الى أن دخل الحرم وجب عليه على الأظهر أن يرجع الى
ميقات أهل أرضه على تفصيل سيأتي في ضمن البحوث الآتية ،هذا ،و لكن
الأظهر مع ذلك هو التخيير ،يعني انه مخيّر بين الرجوع الى أحد المواقيت و بين
الخروج من الحرم و الاحرام منه ،كما سوف نشير اليه .
( 1 ) بل الظاهر التخيير بين الجميع ،و الوجه في ذلك أن مقتضى القاعدة
-كما مر -و إن كان خروج المقيم الى أحد المواقيت المعينة مخيرا بين ميقات
أهل أرضه و بين سائر المواقيت .و لكن صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام لأهل مكة أن يتمتعوا ؟فقال :لا ،ليس لأهل مكة أن يتمتعوا ،قال :
قلت :فالقاطنين بها ،قال :اذا أقاموا سنة أو سنتين صنعوا كما يصنع أهل مكة ،
فاذا أقاموا شهرا فان لهم أن يتمتعوا ،قلت :من أين ؟قال :يخرجون من الحرم .
قلت :من أين يهلون بالحج ؟فقال :من مكة نحوا ممن يقول الناس »- 1 - ناصة في
جواز الاحرام من خارج الحرم كجعرانة .
و تؤيد ذلك رواية سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «من دخلها بعمرة في غير
أشهر الحج ،ثم أراد أن يحرم فليخرج الى الجعرانة فيحرم منها -الحديث - »- 2 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :8 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 91 )--
من خبر سماعة و أخبار الجاهل و الناسي و إن ذكر المهل من باب أحد
الأفراد ،و منع خصوصية للمرور في الأخبار العامة الدالة على المواقيت ،
و أما أخبار القول الثالث فمع ندرة العامل بها مقيدة بأخبار المواقيت أو
محمولة على صورة التعذر .
ثم الظاهر أن ما ذكرنا حكم كل من كان في مكة و أراد الإتيان بالتمتع
و لو مستحبا .
هذا كله مع إمكان الرجوع إلى المواقيت ،و أما إذا تعذر فيكفي
الرجوع إلى أدنى الحل ( 1 ) ،بل الأحوط الرجوع إلى ما يتمكن من خارج
و عليه فتكون صحيحة الحلبي قرينة على رفع اليد عن ظهور الروايات العامة في
وجوب الاحرام على المقيم في مكة من أحد المواقيت اذا كانت وظيفته التمتع
و كان قادرا على ذلك ،و خروجه من تلك العمومات على أساس دلالة الصحيحة
على توسعة دائرة الاحرام بالنسبة اليه من الحد الذي يصدق عليه خارج الحرم
الى أحد المواقيت .
فالنتيجة :هي أنه مخير في هذه الحالة بين أن يخرج من الحرم و يحرم من
الجعرانة أو مكان آخر أبعد منها ،أو يذهب الى أحد المواقيت المعينة و يحرم
منه ،فيكون الواجب عليه الإحرام من أحد هذه المواضع بنحو الوجوب
التخييري ،و قد ذكرنا في علم الأصول أن مرد الوجوب التخييري الى أن
المجعول وجوب واحد متعلق بالجامع لا بالفرد بحده الفردي ،لا الى وجوبات
متعددة متعلقة بالافراد بحدودها الخاصة على نحو الوجوبات المشروطة على
تفصيل ذكرناه هناك ،و على هذا فالمقيم بمكة اذا استطاع و كان مكلفا بحج
التمتع فعليه أن يخرج من الحرم لإحرام عمرة التمتع ،فاذا خرج فهو مخير بين
أن يحرم منه ،أو يذهب الى أحد المواقيت و الإحرام منه .
( 1 ) بل مطلقا و إن لم يتعذر الرجوع الى أحد المواقيت المعروفة --( 92 )--
الحرم ( 1 ) مما هو دون الميقات ،و إن لم يتمكن من الخروج إلى أدنى الحل
أحرم من موضعه ( 2 ) ،و الأحوط الخروج إلى ما يتمكن .
-كما مر -.
( 1 ) فيه ان الاحتياط ضعيف جدا و لا منشأ له ،لما مر من أنه مخير بين
الإحرام من خارج الحرم كالجعرانة أو نحوها ،و الإحرام من أحد المواقيت
الخمسة ،و لا أولوية للخروج الى ما يتمكن مما هو أقرب الى المواقيت بعد
تعذر الرجوع اليها .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،و هو المستفاد من التعليل الوارد في روايات الناسي
و الجاهل ،و هو قوله عليه السّلام : «فإن خشي أن يفوته الحج أحرم من مكانه »- 1 - فانه يدل
على أن المعيار انما هو بخوف الفوت بدون خصوصية للمورد ،و به يظهر أنه لا
منشأ للاحتياط بالخروج الى ما يتمكن .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 93 )--
فصل
في صورة حج التمتع و شرائطه
صورة حج التمتع على الإجمال أن يحرم في أشهر الحج من الميقات
بالعمرة المتمتع بها إلى الحج ،ثم يدخل مكة فيطوف فيها بالبيت سبعا
و يصلي ركعتين في المقام ،ثم يسعى لها بين الصفا و المروة سبعا ،ثم
يطوف للنساء احتياطا ( 1 ) و إن كان الأصح عدم وجوبه ،و يقصّر ،ثم ينشئ
إحراما للحج من مكة في وقت يعلم أنه يدرك الوقوف بعرفة ،و الأفضل
إيقاعه يوم التروية ،
( 1 ) فيه ان الاحتياط و إن كان استحبابيا ،الاّ أنه لا منشأ له ،نعم لا بأس به
رجاء ،و ذلك لأن منشأه اما ما نقله الشهيد قدّس سرّه من بعض الفقهاء الوجوب ،أو
رواية سليمان بن حفص المروزي عن الفقيه عليه السّلام : «قال :اذا حج الرجل فدخل
مكة متمتعا فطاف بالبيت و صلى ركعتين خلف مقام ابراهيم عليه السّلام و سعى بين
الصفا و المروة و قصر فقد حل له كل شيء ما خلا النساء لأن عليه لتحلة النساء
طوافا و صلاة »- 1 - .
اما الأول فهو غير ثابت ،و أما الرواية فهي ساقطة سندا و دلالة ،اما سندا
فلأن سليمان بن حفص المروزي لم يثبت توثيقه ،و مجرد أنه من رجال اسناد
كامل الزيارات لا يكفي .و أما دلالة فلأنها تبتني على أن تكون الرواية مشتملة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :82 من أبواب الطواف الحديث :7 .
--( 94 )--
ثم يمضي إلى عرفات فيقف بها من الزوال إلى الغروب ( 1 ) ،ثم يفيض
و يمضي منها إلى المشعر فيبيت فيه و يقف به بعد طلوع الفجر إلى طلوع
الشمس ،ثم يمضي إلى منى فيرمي جمرة العقبة ،ثم ينحر أو يذبح هديه
و يأكل منه ،ثم يحلق أو يقصّر ،فيحل من كل شيء إلا النساء و الطيب ،
و الأحوط اجتناب الصيد أيضا ،و إن كان الأقوى عدم
على كلمة ( قصر ) فعندئذ تنطبق الرواية على عمرة التمتع دون حج التمتع ،الاّ أن
اشتمال الرواية عليها غير معلوم ،باعتبار أن الشيخ روى هذه الرواية في
الاستبصار بدون كلمة ( قصر ) ،فاذن لم تثبت هذه الكلمة ،و عليه فتصبح الرواية
مجملة ،و لا ندري أن موردها عمرة التمتع أو الحج ،هذا .اضافة الى أن هناك
روايات تنص على عدم وجوب طواف النساء في عمرة التمتع .
( 1 ) بل له أن يتأخر عن أول الظهر بحوالي ساعة ،و يدل على ذلك
قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار الطويلة الواردة في كيفية حج النبي صلّى اللّه عليه و آله
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «ان رسول الله صلّى اللّه عليه و آله أقام بالمدينة عشر سنين و لم يحج ،ثم
انزل اللّه عليه -و أذّن في الناس بالحج -الى أن قال ...فخرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله في
أربع بقين من ذي القعدة -الى قوله عليه السّلام :حتى انتهوا الى نمرة و هي بطن عرفة
بحيال الأراك فضربت قبته و ضرب الناس اخبيتهم عندها ،فلما زالت الشمس
خرج رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و معه قريش و قد اغتسل و قطع التلبية حتى وقف بالمسجد
فوعظ الناس و أمرهم و نهاهم ثم صلى الظهر و العصر بأذان واحد و اقامتين ،ثم
مضى الى الموقف فوقف به -الحديث - »- 1 - فانها واضحة الدلالة على أن
الوقوف الواجب في عرفة انما هو بعد الصلاة و الوعظ ،و من الطبيعي أن
مجموعهما لا يقل عن ساعة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب أقسام الحج الحديث :4 .
--( 95 )--
حرمته عليه من حيث الإحرام ( 1 ) ،ثم هو مخير بين أن يأتي إلى مكة ليومه
فيطوف طواف الحج و يصلي ركعتيه و يسعى سعيه فيحل له الطيب ،ثم
يطوف طواف النساء و يصلي ركعتيه فتحل له النساء ،ثم يعود إلى منى
لرمي الجمار فيبيت بها ليالي التشريق -و هي الحادي عشر ،و الثاني عشر ،
و الثالث عشر -و يرمي في أيامها الجمار الثلاث ،و أن لا يأتي إلى مكة ليومه
( 1 ) هذا هو الصحيح ،و أما صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :اذا ذبح الرجل و حلق فقد أحل من كل شيء أحرم منه الاّ النساء و الطيب ،
فاذا زار البيت و طاف و سعى بين الصفا و المروة فقد أحل من كل شيء أحرم منه
الاّ النساء ،و اذا طاف طواف النساء فقد أحل من كل شيء احرم منه الاّ الصيد »- 1 -
فهي و إن دلت على أن حرمة الصيد تظل ثابتة بعد طواف النساء أيضا ،الاّ أن
الظاهر منها حرمته من حيث الحرم لا الاحرام ،و ذلك لأمرين :
أحدهما :بقرينة أن الصيد في الحرم حرام على المحل و المحرم ،و لا
ترتبط حرمته بالاحرام .
و الآخر :بقرينة أن الاحرام موضوع لحرمة أشياء معينة على المحرم ،فاذا
احرم المكلف حرمت عليه تلك الاشياء ،و تظل حرمتها باقية ما دام يظل المحرم
باقيا على احرامه ،فاذا خرج منه ارتفعت حرمتها بارتفاع موضوعها و منشأها ،
و من المعلوم أنه يخرج من الاحرام نهائيا بالانتهاء من اعمال الحج و طواف
النساء ،و أما حرمة الصيد التي جاءت من قبل الاحرام فهي ترتفع بارتفاعه ،و أما
حرمته التي نشأت بسبب دخوله في الحرم فهي تظل باقية ما دام في الحرم و إن
خرج عن الإحرام و اصبح محلا ،لأنها لا ترتبط بالاحرام ،و انما ترتبط بدخول
الحرم ،و لا ترتفع الاّ بالخروج منه ،و على ضوء هاتين القرينتين
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب الحلق و التقصير الحديث :1 .
--( 96 )--
بل يقيم بمنى حتى يرمي جماره الثلاث ( 1 ) يوم الحادي عشر و مثله يوم
الثاني عشر ،ثم ينفر بعد الزوال إذا كان قد أتقى النساء ( 2 )
كانت الصحيحة ظاهرة في أن المراد من بقاء حرمة الصيد بعد طواف النساء هو
حرمته من ناحية الحرم لا من ناحية الإحرام ،و يؤكد ذلك أيضا نفس سياقها ،
فانه قد استثنى فيها أولا النساء و الطيب فقط ،أي بدون ذكر الصيد ،ثم بعد طواف
الحج استثنى النساء فقط كذلك ،ثم بعد طواف النساء استثنى الصيد ،و هذا
السياق يدل على أن حرمة الصيد لا ترتبط بالإحرام ،فإن ما ترتبط حرمته به
ارتفعت بالانتهاء من طواف النساء ،باعتبار أنه بالانتهاء منه قد خرج عن الإحرام
و أصبح محلا ،فلا يعقل بقاء حرمته المرتبطة به .
( 1 ) فيه أنه لا يجب عليه أن يقيم فيه حتى ينتهي عن جماره الثلاث ،لأن
الواجب عليه أن يبيت فيه نصف الليل بدون فرق بين النصف الأول من الليل او
الآخر منه ،و أما في النهار فالواجب عليه رمي الجمار الثلاث فيه بدون فرق بين
أول النهار أو آخره ،و إن كان الأول أفضل ،فاذا بات فيه النصف الأول من الليل
جاز له الخروج منه الى مكة أو الى بلد آخر و يرجع بعد الزوال للرمي ،أو اذا
رمى أول النهار جاز له الخروج الى مكة أو الى مكان آخر ،و ذلك لعدم الدليل
على البقاء فيه حتى يرمي الجمار الثلاث ،بل له أن يخرج منه أول النهار بدون
رمي ثم يرجع آخر النهار للرمي ،هذا اضافة الى النصوص الخاصة الدالة عليه ،
و تمام الكلام في محلة .
( 2 ) على المشهور ،و لكنه لا يخلو عن اشكال بل منع ،لعدم الدليل على
الاّ رواية محمد بن المستنير ،و هي ضعيفة سندا و إن كان الاحتياط في المسألة
أولى و أجدر .
ثم إن حج التمتع مؤلف من عملين :أحدهما العمرة ،و الآخر الحج ،و لكل
منهما واجبات ،و واجبات عمرة التمتع خمسة :--( 97 )--
..........
الأول :الإحرام من أحد المواقيت الخمسة .
1 -مسجد الشجرة التي هي على مقربة من المدينة المنورة .
2 -الجحفة و هي قرية معمورة بين المدينة و مكة ،و تبعد عن مكة
المكرمة بحوالي مأتين و عشرين كيلومترا تقريبا .
3 -قرن المنازل و يمر به من الطائف الى مكة .
4 -وادي العقيق .
5 -يلملم .
و صورة الإحرام أن يلبس المحرم ثوبي الإحرام ،الإزار و الرداء ،و ينوي
الإحرام لعمرة التمتع من حجة الإسلام بقصد التقرب و أمل أن يقبل اللّه تعالى
منه و يلبّي ،فاذا لبى أصبح محرما و حرمت عليه اشياء معينة محدودة و يأتي
بيانها في محرمات الاحرام و لبس ثوبي الاحرام واجب مستقل على الرجال دون
النساء .
الثاني :الطواف ،و صورته أن يقف الى جانب الحجر الاسود محاذيا له
مراعيا أن تكون الكعبة الشريفة الى طرف اليسار ،ثم ينوي طواف عمرة التمتع
من حجة الإسلام ،فيطوف حول الكعبة سبع مرات مبتدئا في كل مرة من
محاذي الحجر الأسود و منتهيا في كل مرة اليه .
الثالث :صلاة الطواف ،و هي ركعتان كصلاة الفجر ،و ينوي صلاة الطواف
من عمرة التمتع ،و أن تكون خلف المقام ،و الاّ ففي أي موضع من المسجد شاء ،
و إن كان الأولى و الأجدر أن يراعي الأقرب فالأقرب الى مقام ابراهيم عليه السّلام .
الرابع :السعي بين الصفا و المروة ،و ينويه لعمرة التمتع من حجة الإسلام
مضافا الى اللّه تعالى ،و بادئا بالصفا و منتهيا الى المروة ،ثم يعود من المروة الى
الصفا الى أن تمت سبع اشواط .
الخامس :التقصير ،بأن يأخذ مقدارا من شعره أو أظفاره ،و لا يلزم أن
يكون من مكان مخصوص .
--( 98 )--
..........
هذه صورة موجزة لواجبات عمرة التمتع ،و تفصيلها موكول الى محلها .
و واجبات حج التمتع متمثلة في ثلاثة عشر واجبا :
الأول :الاحرام من مكة ،و صورته نفس صورة الاحرام لعمرة التمتع ،غير
أنه ينوي هنا الاحرام لحج التمتع قربة الى اللّه تعالى .
الثاني :الوقوف بعرفات ،بأن يكون متواجدا فيها من ظهر اليوم التاسع من
ذي الحجة الى الغروب ،و له أن يتأخر عن أول الظهر بحوالي الساعة ،و لا يجوز
أن يغادر عرفات قبل الغروب ،فاذا حل الغروب جاز أن يغادرها .
الثالث :الوقوف بالمشعر ،فاذا وصل اليه من عرفات قضى بقية الليل فيه ،
سواء أنام أم لا ،و الواجب هو تواجده فيه بين الطلوعين ،أي من طلوع الفجر الى
طلوع الشمس ،و هذا من أهم عناصر الحج و أركانه .
الرابع :رمي جمرة العقبة ،و وقته بين طلوع الشمس و غروبها .نعم يجوز
للنساء و الصبيان و الشيوخ و الخائف و المرضى الافاضة من المشعر في الليل
و أن يرموا بالليل .و يجب أن يكون بسبع حصيات على نحو التتابع عرفا لا دفعة
واحدة ،و يعتبر أن تكون تلك الحصيات من الحرم .
الخامس :الهدي ،و هو عبارة عن الذبيحة التي يجب على الحاج بحج
التمتع أن يذبحها أو ينحرها بعد الفراغ من رمي جمرة العقبة .
السادس :الحلق أو التقصير ،و نقصد بالحلق حلق تمام الرأس ،
و بالتقصير أخذ شيء من الشعر أو الأظافر .و اذا انجز الحاج ذلك حل له كل
شيء كان قد حرم عليه بسبب احرامه الاّ الطيب و النساء .
السابع :الطواف ،و هو طواف الحج ،و صورته نفس صورة طواف العمرة ،
غير أنه ينوي به طواف الحج قربة الى اللّه تعالى .
الثامن :صلاته ،و صورتها نفس صورة صلاة طواف العمرة ،غير أنه ينوي
بها صلاة طواف الحج بقصد القربة .
التاسع :السعي بين الصفا و المروة على نحو ما تقدم في العمرة ،غير أنه --( 99 )--
و الصيد ،و إن أقام إلى النفر الثاني و هو الثالث عشر و لو قبل الزوال لكن بعد
الرمي جاز أيضا ،ثم عاد إلى مكة للطوافين و السعي ،و لا إثم عليه في شيء
من ذلك على الأصح ،كما أن الأصح الاجتزاء بالطواف و السعي تمام ذي
الحجة ،و الأفضل الأحوط هو اختيار الأول بأن يمضي إلى مكة يوم النحر
بل لا ينبغي التأخير لغده فضلا عن أيام التشريق إلا لعذر .
و يشترط في حج التمتع أمور :
ينوي به السعي للحج قربة الى اللّه تعالى .
العاشر :طواف النساء ،و هو كطواف العمرة و الحج ،غير أن الحاج رجلا
كان او امرأة ينوي به طواف النساء بقصد التقرب الى اللّه تعالى .
الحادي عشر :صلاته ،و صورتها نفس صورة صلاة طواف العمرة
و الحج ،غير أنه ينوي بها صلاة طواف النساء .
ثم إن بطواف الحج و صلاته و السعي بين الصفا و المروة يحل للحاج كل
شيء ما عدا النساء ،و بطواف النساء و صلاته تحل النساء لأزواجهن و الأزواج
لزوجاتهم .
الثاني عشر :المبيت بمنى ليلة الحادي عشر و الثاني عشر ،و المبيت
يعني التواجد في منى إما من أول الليل الى نصفه ،أو من منتصفه الى طلوع
الفجر .
الثالث عشر :رمي الجمار الثلاث في نهار اليوم الحادي عشر و الثاني
عشر ،ابتداء من الجمرة الأولى و منتهيا الى جمرة العقبة .ثم يجوز له الخروج
و الانصراف بعد حلول ظهر اليوم الثاني عشر ،و بذلك يفرغ الحاج عن كل ما
عليه من الواجبات .
هذه صورة موجزة لواجبات حج التمتع ،و بيانها بشكل موسع يأتي في
محلها بعونه تعالى .
--( 100 )--
أحدها :النية ( 1 ) بمعنى قصد الإتيان بهذا النوع من الحج حين
الشروع في إحرام العمرة ،فلو لم ينوه أو نوى غيره أو تردد في نيته بينه
و بين غيره لم يصح ،نعم في جملة من الأخبار أنه لو أتى بعمرة مفردة في
( 1 ) نريد بالنية التي هي شرط لكل عبادة أن تتوفر فيها العناصر التالية :
الأول :نية القربة ،لأن الحج عبادة و لا تصح كل عبادة بدون نية القربة .
الثاني :الخلوص في النية ،و نقصد به عدم الرياء ،فان الرياء في العبادة
محرم و مبطل لها .
الثالث :أن ينوي الحاج الاسم الخاص للحج الذي يريد أن يأتي به
المميز له شرعا ،لأن كل عبادة اذا كان لها اسم خاص المميز لها شرعا لا بد أن
يقصد ذلك الاسم الخاص لها حين الاتيان بها ،و الاّ لم تقع تلك العبادة المسماة
بذلك الاسم خارجا و إن كانت فريدة و لم تكن لها شريكة في العدد و الكم
كصلاة المغرب ،فانه اذا صلى ثلاث ركعات بدون أن يقصد اسمها الخاص لم
تقع صلاة المغرب ،و هذا معنى ان هذا الاسم و العنوان لها من العناوين القصدية
المقومة .
و هذه العناصر الثلاثة لا بد من مقارنتها لكل اجزاء الحج من البداية الى
النهاية ،و لا يعني بالمقارنة أن لا تتقدم النية على الحج ،بل أن لا تتأخر عن أول
جزء من أجزائه و هو إحرام عمرة التمتع من حجة الإسلام ،كما أن المراد من
مقارنة النية لكل جزء من أجزائه ليس بمعنى أن يكون الحاج متنبها الى نيته
انتباها تاما كما كان في اللحظة الأولى ،فلو نوى و أحرم لعمرة التمتع من حجة
الإسلام ثم ذهل عن نيته و واصل حجه على هذه الحالة ،ثم تذكر صح حجه
ما دامت النية كامنة في اعماقه و مرتكزة في اذهانه بحيث يلتفت اليها بأدنى منبه ،
و على هذا فمن يكون مكلفا بحج التمتع من حجة الإسلام فيجب عليه أن يحج
بهذا الاسم الخاص المميز له شرعا ،فإن لم يقصد ذلك أو قصد غيره أو تردد فيه --( 101 )--
أشهر الحج جاز أن يتمتع بها ،بل يستحب ذلك إذا بقي في مكة إلى هلال
ذي الحجة ،و يتأكد إذا بقي إلى يوم التروية ،بل عن القاضي وجوبه حينئذ
و لكن الظاهر تحقق الإجماع على خلافه ( 1 ) ،ففي موثق سماعة عن
الصادق عليه السّلام : «من حج معتمرا في شوال و من نيته أن يعتمر و رجع إلى بلاده
فلا بأس بذلك ،و إن هو أقام إلى الحج فهو متمتع ،لأن أشهر الحج شوال
و ذو القعدة و ذو الحجة فمن اعتمر فيهن فأقام إلى الحج فهي متعة و من
رجع إلى بلاده و لم يقم الى الحج فهي عمرة ،و إن اعتمر في شهر رمضان
أو قبله فأقام إلى الحج فليس بمتمتع و إنما هو مجاور أفرد العمرة ،فإن هو
أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة إلى الحج فليخرج منها حتى يجاوز
ذات عرق أو يتجاوز عسفان فيدخل متمتعا بعمرته إلى الحج ،فإن هو أحب
أن يفرد الحج فليخرج إلى الجعرانة فيلبي منها »و في صحيحة عمر بن يزيد
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «من اعتمر عمرة مفردة فله أن يخرج إلى أهله إلا أن
يدركه خروج الناس يوم التروية »و في قوية عنه عليه السّلام : «من دخل مكة معتمرا
لم ينطبق عليه حج التمتع من حجة الإسلام .
ثم إن حج التمتع من حجة الإسلام هو الحجة الأولى للمستطيع النائي ،
و ينطبق عليها ،و يعتبر أن يكون الاتيان به بعنوان حجة الإسلام المميز له شرعا
عن الافراد و القران .
( 1 ) فيه انه لا أثر للإجماع المدعى في المقام ،فانه على تقدير تسليم
ثبوته ،فلا يكون تعبديا حتى يكون كاشفا عن ثبوت الحكم في زمن
المعصومين عليهم السّلام و وصوله إلينا يدا بيد ،اذ من المحتمل قويا أن يكون مدرك
المجمعين كلا أو جلا الروايات الآتية .فاذن لا قيمة له ،فالعمدة في المقام حينئذ
الروايات ،و هي تصنف الى عدة طوائف :
--( 102 )--
..........
الأولى :الروايات التي تدل على أن من أتى بالعمرة في أشهر الحج فهي
متعة .
منها :صحيحة يعقوب بن شعيب قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المعتمر
في أشهر الحج ،قال :هي متعة »- 1 - ،فانها تدل على أن من أتى بعمرة مفردة في
أشهر الحج فهي تنقلب متعة ،فاذا انقلبت كذلك فالمعتمر مرتهن بالحج و لا
يجوز له الخروج الى أهله .
الثانية :تدل على جواز الرجوع الى أهله .
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس بالعمرة
المفردة في أشهر الحج ثم يرجع الى أهله »- 2 - و مقتضى اطلاقها عدم الانقلاب
مطلقا حتى اذا بقى الى ذي الحجة ،بل الى يوم التروية ،فاذن يقع التعارض بين
اطلاق هذه الطائفة و اطلاق الطائفة الأولى فيسقطان معا من جهة المعارضة
و يرجع الى الطائفة الثالثة .
الثالثة :الروايات التي تدل على تقييد جواز الخروج من مكة الى أهله الى
يوم التروية ،فاذا بقى الى ذلك اليوم انقلبت عمرته متعة ،فلم يجز له الخروج
منها .
منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من دخل مكة
معتمرا مفردا للعمرة فقضى عمرته ثمّ خرج كان ذلك له و إن أقام الى أن يدرك
الحج كانت عمرته متعة ،و قال :ليس تكون متعة الاّ في أشهر الحج »- 3 - فانها تدل
على أنه اذا بقى في مكة الى أن يدرك الحج و هو يوم التروية انقلبت عمرته
متعة ،فاذن يتعين عليه الحج .
و منها :صحيحة الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اعتمر عمرة
مفردة فله أن يخرج الى أهله متى شاء ،الاّ أن يدركه خروج الناس يوم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :5 .
--( 103 )--
..........
التروية »- 1 - .
و منها :موثقة سماعة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه قال :من حج معتمرا في
شوال و من نيته أن يعتمر و يرجع الى بلاده ،فلا بأس بذلك و إن هو أقام الى
الحج فهو متمتع لأن أشهر الحج شوال و ذو القعدة و ذو الحجة -الحديث »- 2 - .
و هذه الروايات تدل على أمرين :
( أحدهما ) :جواز الخروج منها الى يوم التروية ،و اذا بقى الى ذلك اليوم
لم يجز له الخروج .
( و الآخر ) :ان عمرته المفردة تنقلب متعة من ذلك اليوم قهرا شريطة بقائه
فيه .فاذن تكون هذه الطائفة مقيدة لإطلاق الطائفة الثانية التي كان مقتضى
اطلاقها جواز الخروج حتى يوم التروية ،كما أنها مقيدة لإطلاق الطائفة الأولى
بما اذا بقى الى يوم التروية ،و بذلك ترتفع المعارضة بين اطلاقي الطائفتين
الأوليين .و مع الاغماض عن ذلك فيسقط الاطلاقان من جهة المعارضة ،و يرجع
الى هذه الطائفة ،و عليه فالطائفة الثالثة اما أن تكون مرجعا بعد سقوطهما
بالمعارضة ،أو تكون كلمة فصل بينهما .
الرابعة :الروايات التي تدل على جواز الخروج حتى في يوم التروية .
منها :صحيحة ابراهيم بن عمر اليماني عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «انه سئل عن
رجل خرج في أشهر الحج معتمرا ،ثم خرج الى بلاده ،قال :لا بأس و إن حج من
عامه ذلك و أفرد الحج فليس عليه دم ،و أن الحسين بن علي عليه السّلام خرج يوم
التروية الى العراق كان معتمرا »- 3 - .
و منها :رواية معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :من أين افترق
المتمتع و المعتمر ؟فقال :إن المتمتع مرتبط بالحج ،و المعتمر اذا فرغ منها ذهب
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :9 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :2 .
--( 104 )--
..........
حيث شاء ،و قد اعتمر الحسين عليه السّلام في ذي الحجة ثم راح يوم التروية الى العراق
و الناس يروحون الى منى و لا بأس بالعمرة في ذي الحجة لمن لا يريد الحج »- 1 - ،
و هذه الرواية و إن كانت واضحة الدلالة ،الاّ أنها ضعيفة سندا من جهة أن في
سندها اسماعيل بن مرار ،و هو لم يثبت توثيقه ،و مجرد كونه من رجال تفسير
علي بن ابراهيم لا يكفي ،فاذن العمدة هي الرواية الأولى مؤيدة بهذه الرواية ،
و مقتضاها جواز الخروج حتى في يوم التروية ،فان استشهاد الإمام عليه السّلام بقضية
خروج الحسين عليه السّلام يوم التروية رغم كونه معتمرا انما هو من باب تطبيق
الكبرى على الصغرى ،و لو لم يكن خروج المعتمر بالعمرة المفردة عن مكة
يوم التروية جائزا فلا معنى لاستشهاد الإمام عليه السّلام بها .
و بكلمة :ان خروج الحسين عليه السّلام عن مكة يوم التروية لو كان قضية في
واقعة ،و كان عليه السّلام مضطرا فيه لسبب من الأسباب فلا معنى للاستشهاد به على
جواز خروج المعتمر بعد الاعتمار في أشهر الحج الى أهله ،باعتبار أن السؤال
فيها كان عن جواز الخروج بعده اختيارا ،و جواب الإمام عليه السّلام بقوله : «لا بأس »
ظاهر فيه ،فاذن استشهاده عليه السّلام على هذا الجواز بقضية خروج الحسين عليه السّلام يكون
في غير محله .و لا يكون من باب تطبيق الكبرى على الصغرى بعد فرض
أنه عليه السّلام كان مضطرا في خروجه يوم التروية .
فالنتيجة :انه لا شبهة في ظهور الرواية في أن خروجه عليه السّلام عن مكة يوم
التروية كان باختياره ،و أنه عليه السّلام من الأول كان غير قاصد للحج ،و انما هو قاصد
للعمرة المفردة ،ثم الخروج الى العراق ،و القرينة على ذلك انما هي استشهاد
الإمام عليه السّلام على جواز خروج المعتمر بعد الاعتمار بهذه القضية ،فانه قرينة
واضحة على أن خروجه عليه السّلام كان باختياره ،و الاّ فلا معنى للاستشهاد بها ،و على
هذا فبما أن مفاد الطائفة الثالثة عدم جواز الخروج من مكة في يوم التروية مطلقا
سواء أ كان بقاؤه الى ذلك اليوم بقصد الحج أم كان بسبب آخر فنرفع اليد عن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :3 .
--( 105 )--
..........
اطلاقها بقرينة الطائفة الرابعة التي يكون مفادها جواز خروج المعتمر حتى في
يوم التروية اذا لم يكن قاصدا للحج ،و عليه فالمعتمر في اشهر الحج إن بقى الى
يوم التروية قاصدا الحج انقلبت عمرته متعة و لم يجز له الخروج منها ،و إن بقى
الى ذلك اليوم لسبب من الأسباب ،أو كانت عمرته في ذي الحجة بدون قصد
الحج جاز له الخروج ،و نتيجة ذلك أن من اعتمر في أشهر الحج فله أن يرجع
الى بلده ،و إن بقى في مكة الى يوم التروية ،فان كان بقصد الحج انقلبت عمرته
متعة و لم يجز له الخروج و الاّ جاز حتى يوم التروية .
--( 106 )--
..........
تطبيقات و تكميلات
لمزيد من التعرف بكيفية تطبيق ما ذكرناه و تكميله نستعرض أربع
حالات :
الأولى :أن مقتضى صحيحة ابراهيم اليماني المتقدمة جواز العمرة
المفردة في العشر الأولى من ذي الحجة ،و لكن يظهر من بعض الروايات عدم
جوازها مفردة ،بل لا بد أن تكون متعة ،كصحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه :
«عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :العمرة في العشر متعة »- 1 - و صحيحة عبد اللّه بن سنان :
«انه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المملوك يكون في الظهر يرعى و هو يرضى أن
يعتمر ثم يخرج ،فقال :إن كان اعتمر في ذي القعدة فحسن و إن كان في ذي
الحجة فلا يصلح الاّ الحج »- 2 - فان مقتضى اطلاقهما أنه لا تصح العمرة المفردة
في ذي الحجة و إن لم يكن قاصدا للحج ،و بما أن صحيحة اليماني تدل على
جواز العمرة المفردة في ذي الحجة اذا لم يكن ناويا للحج ،فيكون قرينة على
تقييد اطلاقهما بمن كان ناويا الحج ،فانه لا يجوز له أن يأتي بعمرة مفردة ،بل
عليه الاتيان بها متعة .
الثانية :الظاهر من الروايات أن مورد الانقلاب هو المعتمر الذي لا يكون
ناويا للحج من الأول و مريدا للعمرة المفردة و الاتيان بها ثم الرجوع الى أهله ،
و لكن بعد الانتهاء من العمرة عدل عن عزمه على الرجوع الى أهله ،و بنى على
البقاء في مكة إما بقصد الحج في موعده ،أو لسبب آخر ،فيبقى الى ذي الحجة ،
أو الى يوم التروية ،ثم بنى على الحج ،فان قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :11 .
--( 107 )--
..........
المتقدمة : «و إن أقام الى أن يدرك الحج كانت عمرته متعة »- 1 - مطلق و باطلاقه يعم
ما اذا كان بقاؤه بقصد الحج أو لسبب آخر ثم بنى على الحج .و مثله قوله عليه السّلام في
موثقة سماعة المتقدمة : «و إن أقام الحج فهو متمتع »- 2 - و أما من كان ناويا للحج
من الأول فاذا أتى بعمرة مفردة فلا دليل على انقلابها متعة و الاكتفاء بها ،بل عليه
أن يخرج الى أحد المواقيت و الإحرام منه لعمرة التمتع .
الثالثة :أن انقلاب المفردة متعة هل هو من حين أن ينوي الحج و يبني
عليه ،أو من يوم التروية ؟الظاهر هو الأول ،على أساس ما مر من أن مقتضى
الجمع بين الروايات أنه ما دام لم ينو الحج جاز له الخروج ،و أما اذا نوى فلا
يجوز ،و هذا كاشف عن أنه اذا بنى عليه انقلبت عمرته متعة ،فلذلك لا يجوز له
الخروج الى بلدته و تفويت الحج باعتبار أنه مرتهن به ،و بذلك يظهر أن جواز
خروج المعتمر عن مكة و عدم جوازه يدوران مدار بنائه على الحج و عدم بنائه
عليه ،فإن بنى على أن يحج لم يجز له الخروج ،و الاّ جاز في أي وقت شاء .
الرابعة :هل يختص الانقلاب بالحج الندبي أو يعم الواجب ؟الظاهر هو
الأول ،و ذلك لما مر من أن الناتج من الجمع بين روايات الباب أمور :
الأول :أن يكون المعتمر بالعمرة المفردة في أشهر الحج غير قاصد
للحج ،و الاّ فلا تنقلب ،بل عليه الاتيان بعمرة التمتع أيضا .
الثاني :أن يكون بانيا على العود الى بلده بعد الانتهاء من العمرة ،و لكنه
بسبب أو آخر عدل عن رأيه و بنى على البقاء في مكة .
الثالث :أن يكون البقاء فيها بقصد الحج اجمالا لا بغاية اخرى ،إما من آن
العدول أو في موعد الحج .
و على ضوء ذلك فمن عليه حجة الإسلام تمتعا و إن كان يسوغ له أن يأتي
بعمرة مفردة في أشهر الحج ،ثم يأتي بعمرة التمتع لحجة الإسلام ،الاّ أنه لا
يجوز له أن يأتي بعمرة مفردة ناويا الرجوع الى بلدته بعد الفراغ منها ،لأن فيه
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب العمرة الحديث :13 .
--( 108 )--
مفردا للحج ( 1 ) فيقضى عمرته كان له ذلك و إن أقام إلى أن يدركه الحج
كانت عمرته متعة ،قال عليه السّلام :و ليس تكون متعة إلا في أشهر الحج »و في
صحيحة عنه عليه السّلام : «من دخل مكة بعمرة فأقام إلى هلال ذي الحجة ( 2 )
فليس له أن يخرج حتى يحج مع الناس »و في مرسل موسى بن القاسم «من
اعتمر في أشهر الحج فليتمتع »إلى غير ذلك من الأخبار ،و قد عمل بها
تفويتا للواجب المنجز عليه بماله من الملاك التام و الملزم ،كما أنه اذا بقى في
مكة الى يوم التروية لا بقصد الحج لم يجز له الخروج منها و الرجوع الى بلده اذا
كان الحج واجبا عليه لاستلزامه تفويت الواجب ،مع أن مقتضى صحيحة اليماني
المتقدمة جواز الخروج و ترك الحج حتى في يوم التروية و هو لا ينسجم مع
كون الحج واجبا .
فالنتيجة :أن المستفاد من مجموع هذه الروايات بعد الجمع بينها ،و تقييد
اطلاق بعضها بالآخر أن موردها النائي الذي جاء بغاية الاتيان بالعمرة المفردة
في أشهر الحج ناويا الرجوع الى بلدته بعد الفراغ منها ،فانه اذا أتى بها و بعد
الانتهاء منها عدل عن الرجوع الى دياره و نوى البقاء في مكة ،فان كان للحج
انقلبت عمرته متعة من الآن ،و إن كان لأمر آخر ،فإن بنى على الحج بعد حصول
ذلك الأمر انقلبت عمرته متعة من حين البناء ،و الاّ فله أن يرجع الى بلدته حتى
في يوم التروية ،و من الواضح أن ذلك لا ينطبق على من عليه حجة الإسلام
تمتعا ،لأنه ملزم بالبقاء في مكة للإتيان بالحج ،و ليس له الخيار في الخروج منها
أي وقت شاء ،كما أن العمرة المفردة انما تسوغ له اذا نوى الاتيان بعمرة التمتع
بعدها ،و الاّ فلا تسوغ له العمرة المفردة و الاكتفاء بها عن عمرة التمتع ،بل يجب
عليه الاتيان بعمرة التمتع ،فاذن لا يكتفي من عليه حجة الإسلام بالعمرة
المفردة ،اذ لا دليل على انقلابها متعة بالنسبة اليه .
( 1 ) و الصحيح مفردا للعمرة .
( 2 ) فيه ان الرواية ضعيفة بالحسين بن حماد .
--( 109 )--
جماعة ،بل في الجواهر لا أجد فيه خلافا ،أو مقتضاها صحة التمتع مع عدم
قصده حين إتيان العمرة ،بل الظاهر من بعضها أنه يصير تمتعا قهرا ( 1 ) من
غير حاجة إلى نية التمتع بها بعدها ،بل يمكن أن يستفاد منها أن التمتع هو
الحج عقيب عمرة وقعت في أشهر الحج بأي نحو أتى بها ( 2 ) ،و لا بأس
بالعمل بها ،لكن القدر المتيقن منها هو الحج الندبي ( 3 ) ،ففيما إذا وجب
عليه التمتع فأتى بعمرة مفردة ثم أراد أن يجعلها عمرة التمتع يشكل
الاجتزاء بذلك عما وجب عليه ( 4 ) سواء كان حجة الإسلام أو غيرها مما
وجب بالنذر أو الاستئجار .
( 1 ) مر أن العمرة المفردة انما انقلبت متعة إذا أراد المعتمر بعد الفراغ منها
الحج لا مطلقا .
( 2 ) فيه ان الأمر ليس كذلك ،لما مر من أن ما نتج من الجمع بين الروايات
هو أن من نوى الاتيان بعمرة مفردة في أشهر الحج ثم الرجوع الى بلدته ،فانه اذا
أتى بها ثم عدل عن الرجوع الى أهله ،و بنى على البقاء في مكة ،فان كان بنية
الحج انقلبت عمرته متعة من حين النية ،و لا يجب عليه الاتيان بعمرة التمتع مع
تمكنه منها ،و إن كان لسبب آخر و بقى فيها بأمل حصول ذلك السبب الى ذي
الحجة ،أو الى يوم التروية ،ثم بنى على الحج انقلبت عمرته متعة من حين البناء ،
فالانقلاب يدور مدار نية الحج ،فمتى نواه انقلبت عمرته متعة ،و الاّ فلا .
فالنتيجة :أن حج التمتع هو الحج المرتبط بعمرة التمتع أصالة أو انقلابا .
( 3 ) مر أن ذلك ليس من باب القدر المتيقن من الروايات ،باعتبار أنها
ليست مجملة لكي تكون حجه في المقدار المتيقن دون الزائد ،بل من باب
الجمع الدلالي العرفي بينها كما تقدم تفصيله .
( 4 ) الظاهر أنه لا اشكال في عدم الاجتزاء ،لما مر من اختصاص الروايات --( 110 )--
الثاني :أن يكون مجموع عمرته و حجه في أشهر الحج ( 1 ) ،فلو أتى
بعمرته أو بعضها في غيرها لم يجز له أن يتمتع بها ،و أشهر الحج شوال و ذو
بالحج الندبي ،و لا تعم الحج الواجب سواء أ كان واجبا بالأصالة كحجة الإسلام ،
أم بالعرض كالحج النذري ،باعتبار أن موردها المعتمر الذي جاء للإتيان
بالعمرة المفردة في أشهر الحج ثم الرجوع الى أهله بدون أن ينوي الحج ،
و بعد الاتيان بالعمرة بنى على البقاء في مكة للحج مباشرة أو في نهاية
المطاف و قبل أن ينوي البقاء للحج له الخيار في الرجوع الى وطنه في أي وقت
أراد ،حتى في يوم التروية ،و من الواضح أن هذا لا ينطبق على الحج الواجب
بالنذر أو الاجارة أو نحو ذلك فانه اذا تعلق النذر مثلا بحج التمتع بالكيفية
المذكورة ،و هي ما اذا تمت عمرته بالانقلاب لا بالذات لم يكن مثل هذا النذر
مشمولا لدليل وجوب الوفاء به ،باعتبار أنه يلزم من فرض وجوب الوفاء به
عدم وجوبه ،لأنه اذا وجب عليه الاتيان بحج التمتع بتلك الكيفية ،فمعناه أنه
ملزم بعد الاتيان بالعمرة المفردة بالاتيان بالحج ،و لا يكون مختارا في تركه
و الرجوع الى بلدته ،فاذا كان ملزما بعد الاتيان بها بالحج فهو خارج عن مورد
الروايات ،و عليه فلا دليل على انقلاب العمرة المفردة متعة ،و معه لا يكون هذا
الحج حج تمتع لكي يكون مشمولا لدليل وجوب الوفاء بالنذر .نعم اذا كان
النذر متعلقا بحج التمتع بالكيفية المذكورة على تقدير الانقلاب صح و لا بأس
به .
فالنتيجة :ان هذه الروايات لا تشمل الحج الواجب و إن كان بعنوان ثانوي
كالنذر أو العهد أو الاستئجار .
( 1 ) و هو شوال و ذو القعدة و ذو الحجة ،و تنص على ذلك مجموعة من
الروايات :
منها :صحيحة ابن أذينة قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :من أحرم بالحج في --( 111 )--
القعدة و ذو الحجة بتمامه على الأصح ،لظاهر الآية ( 1 ) و جملة من الأخبار
كصحيحة معاوية بن عمار و موثقة سماعة و خبر زرارة ،فالقول بأنها
الشهران الأولان مع العشر الأول من ذي الحجة -كما عن بعض -أو مع
ثمانية أيام -كما عن آخر -أو مع تسعة أيام و ليلة يوم النحر إلى طلوع فجره
-كما عن ثالث -أو إلى طلوع شمسه -كما عن رابع -ضعيف ،على أن
الظاهر أن النزاع لفظي فإنه لا إشكال في جواز إتيان بعض الأعمال إلى
آخر ذي الحجة ،فيمكن أن يكون مرادهم أن هذه الأوقات هي آخر
الأوقات التي يمكن بها إدراك الحج .
غير أشهر الحج فلا حج له -الحديث - »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في موثقة سماعة بن مهران : «و إن اعتمر في شهر رمضان
أو قبله و أقام الى الحج فليس بمتمتع ،و انما هو مجاور أفرد العمرة ،فان هو
أحب أن يتمتع في أشهر الحج بالعمرة الى الحج فليخرج منها حتى يجاوز ذات
عرق ،أو يجاوز عسفان فيدخل متمتعا بالعمرة الى الحج -الحديث - »- 2 - .و منها :
غيرهما .
ثم إن الظاهر من هذه الروايات و من روايات انقلاب العمرة المفردة متعة
ان وقت عمرة التمتع يدخل برؤية هلال شهر شوال بالعين الاعتيادية المجردة ،
و من هنا لو وقع جزء منها قبل الرؤية كالإحرام فقد وقع ذلك الجزء في خارج
الوقت و يكون باطلا لا محالة و إن وقع باقي أجزائها في الوقت .
( 1 ) و هي قوله تعالى :اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ ...الخ - 3 - فان الشهر ظاهر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب أقسام الحج الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 3 ) البقرة الآية 197 .
--( 112 )--
[3208 ]مسألة 1 :إذا أتى بالعمرة قبل أشهر الحج قاصدا بها التمتع فقد
عرفت عدم صحتها تمتعا ،لكن هل تصح مفردة أو تبطل من الأصل ؟
قولان ،اختار الثاني في المدارك لأن ما نواه لم يقع و المفردة لم ينوها ،
و بعض اختار الأول لخبر الأحول عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل فرض
الحج في غير أشهر الحج ،قال :يجعلها عمرة »و قد يستشعر ذلك من خبر
سعيد الأعرج قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : «من تمتع في أشهر الحج ثم أقام بمكة
حتى يحضر الحج من قابل فعليه شاة ،و إن تمتع في غير أشهر الحج ثم
في التمام .و أما الروايات فهي ناصة في ذلك :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «الحج أشهر معلومات -الى
أن قال - :و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحته الأخرى : «الحج أشهر معلومات ،و هو
شوال و ذو القعدة و ذو الحجة »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في موثقة سماعة بن مهران : «لأن أشهر الحج شوال و ذو
القعدة و ذو الحجة »- 3 - :و منها غير ذلك .
و من الواضح ان شوال اسم لفترة زمنية محددة بدءا بخروج القمر من
المحاق على نحو يمكن رؤيته بالعين المجردة الاعتيادية في حالة عدم وجود
حاجب كغيم أو نحو ذلك ،و انتهاء بدخوله في المحاق بعد اكمال دورته
العادية ،و كذلك ذو القعدة و ذو الحجة و هكذا ،و هذه الروايات بما أنها في مقام
التحديد فلا يمكن أن يكون مبنيا على التسامح ،و بذلك يظهر ضعف سائر
الأقوال في المسألة ،و أنه لا منشأ لها عدا ما ذكره الماتن قدّس سرّه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :11 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :11 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :10 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 113 )--
جاور حتى يحضر الحج فليس عليه دم إنما هي حجة مفردة ،إنما الأضحى
على أهل الأمصار »و مقتضى القاعدة و إن كان هو ما ذكره صاحب المدارك
لكن لا بأس بما ذكره ذلك البعض للخبرين ( 1 ) .
الثالث :أن يكون الحج و العمرة في سنة واحدة ،كما هو المشهور
المدعى عليه الإجماع ،لأنه المتبادر من الأخبار المبينة لكيفية حج
التمتع ( 2 ) ،و لقاعدة توقيفية العبادات ( 3 ) ،و للأخبار الدالة على
دخول العمرة في الحج و ارتباطها به و الدالة على عدم جواز الخروج من
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،لضعف الخبرين ،أما الخبر الأول فلأن طريق
الصدوق الى أبي جعفر الأحول ضعيف ،لأن فيه ماجيلويه ،و هو لم يثبت توثيقه .
و أما الثاني فلأن في سنده محمد بن سنان ،هذا ،اضافة الى أنه ضعيف دلالة
حيث لا نظر له الى حكم العمرة التي أتى بها في غير أشهر الحج ،بل هو ناظر الى
حكم آخر و هو أنه اذا جاور مكة انقلبت وظيفته من التمتع الى الافراد و إن كانت
فترة المجاورة أقل من ستة أشهر ،و هذا مخالف للنصوص المتقدمة ،فانها
جميعا تنص على عدم الانقلاب في هذه الفترة .و أما الخبر الأول فدلالته مبنية
على أن يكون المراد من الحج فيه عمرة التمتع ،و هذا و إن كان محتملا ،الاّ أنه لا
ظهور له فيه .
فالنتيجة :أن الصحيح هو بطلان عمرة التمتع في غير أشهر الحج ،من
جهة أنها في غير وقتها المحدد لها و انقلابها الى العمرة المفردة بحاجة الى دليل
و لا دليل عليه .
( 2 ) فيه أن هذه الأخبار انما هي في مقام بيان واجبات العمرة و أجزائها
من البداية الى النهاية ،و واجبات الحج و اجزائه كذلك ،و لا نظر لها الى أن
التفريق بينهما جائز ،أو أنه ملزم بالاتيان بهما في سنة واحدة .
( 3 ) فيه انه لا تقتضي أن يكون الحج و العمرة في سنة واحدة ،حيث ان --( 114 )--
..........
ذلك تابع للدليل ،و معنى توقيفية العبادات أنه لا يجوز التصرف فيها زيادة
و نقيصة ،بل هي على ما وصلت إلينا من الشرع بما لها من الواجبات و الشروط ،
فاذا شك في أن صحة الحج و العمرة مشروطة بكونهما في سنة واحدة أو لا ،
فالمرجع هو الأصل من اللفظي إن كان ،و الاّ فالعملي ،و من الواضح أن قاعدة
توقيفية العبادات لا تستدعي اعتبار هذا الشرط ،لأنها تقتضي تطبيق ما ثبت في
الشرع حرفيا بدون أدنى تصرف فيه ،و ليست قاعدة تشريعية ،الاّ أن يكون
مراده قدّس سرّه منها قاعدة الاشتغال في العبادات ،بدعوى أنها تقتضي اعتبار كونهما
في سنة واحدة ،و لكن لا أساس لهذه الدعوى ،فان الأمر اذا وصل الى الشك في
أن صحة كل من العمرة و الحج مشروطة بوقوعهما في سنة واحدة أو لا ،فيرجع
فيه الى أصالة البراءة ،لا قاعدة الاشتغال ،لأن مرد هذا الشك الى الشك في
التعيين و التخيير ،و المرجع في هذه المسألة البراءة عن التعيين الاّ في
موردين :
أحدهما :أن يكون ذلك الشك في مقام الامتثال .
و الآخر :أن يكون في الحجية ،و تفصيل ذلك موكول الى علم الأصول ،
هذا .
فالصحيح في المقام أن يقال :إن الدليل على اعتبار كونهما في سنة واحدة
متمثل في ثلاث طوائف من الروايات :
الأولى :الروايات التي تنص على أن المتعة دخلت في الحج الى يوم
القيامة ،ثم شبك أصابعه بعضها ببعض ،فانها ناصة في أنهما عمل واحد ارتباطي
كالصلاة و نحوها ،و من المعلوم ان مقتضى ذلك هو وجوب الاتيان بهما في سنة
واحدة و وقت فارد ،فلو أتى بالعمرة في سنة و بالحج في سنة أخرى بطلا و لم
يأت بالواجب .
الثانية :الروايات التي تنص على أن من أتى بعمرة التمتع فهو مرتهن
بالحج و محتبس ،و لا يجوز له الخروج من مكة حتى يأتي بالحج .
--( 115 )--
..........
منها :صحيحة معاوية قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :إنهم يقولون في حجة
التمتع حجة مكية و عمرة عراقية ،فقال :كذبوا أو ليس هو مرتبطا بالحج لا يخرج
منها حتى يقضي حجّه »- 1 - و هذه الروايات أيضا واضحة الدلالة على اعتبار
كونهما في سنة واحدة .
الثالثة :الروايات التي تنص على أن حد المتعة ينتهي بدخول يوم
التروية كما في بعضها ،و بدخول يوم عرفة كما في بعضها الآخر ،و بخوف
فوت الحج اذا أتى باعمال العمرة كما في ثالث ،و الجامع ان الحاج اذا
دخل مكة و خاف فوت الحج اذا قام للإتيان باعمال العمرة انقلبت وظيفته الى
حج الإفراد .
منها :صحيحة علي بن يقطين قال : «سألت أبا الحسن موسى عليه السّلام عن
الرجل و المرأة يتمتعان بالعمرة الى الحج ثم يدخلان مكة يوم عرفة ،كيف
يصنعان ؟قال :يجعلانها حجة مفردة ،و حدّ المتعة الى يوم التروية »- 2 - .
و منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أهل بالحج
و العمرة جميعا ،ثم قدم مكة و الناس بعرفات فخشى ان هو طاف و سعى بين
الصفا و المروة أن يفوته الموقف ،قال :يدع العمرة ،فاذا أتم حجّه صنع كما
صنعت عائشة ،و لا هدي عليه »- 3 - و منها غيرهما .
و هذه الروايات أيضا واضحة الدلالة على اعتبار كونهما في سنة واحدة
و عدم جواز التفريق بينهما ،اذ لو كان التفريق جائزا فمعناه ان وقت العمرة
لا يكون محدودا بحد ،فانه يأتي بالعمرة في هذه السنة و بالحج في السنة
القادمة .
فالنتيجة :انه لا شبهة في اعتبار وقوعهما في عام واحد ،و لا يصح التفريق
بينهما في عامين و إن كان الفصل بينهما أقل من اثنى عشر شهرا .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :4 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :11 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 116 )--
مكة بعد العمرة قبل الإتيان بالحج ،بل و ما دل من الأخبار على ذهاب
المتعة بزوال يوم التروية أو يوم عرفة و نحوها ،و لا ينافيها خبر سعيد
الأعرج المتقدم بدعوى أن المراد من القابل فيه العام القابل فيدل على
جواز إيقاع العمرة في سنة و الحج في أخرى ،لمنع ذلك بل المراد منه
الشهر القابل ،على أنه لمعارضة الأدلة السابقة غير قابل ( 1 ) ،و على هذا فلو
أتى بالعمرة في عام و أخر الحج إلى العام الآخر لم يصح تمتعا سواء أقام
في مكة إلى العام القابل أو رجع إلى أهله ثم عاد إليها و سواء أحل من
إحرام عمرته أو بقي عليه إلى السنة الأخرى ،و لا وجه لما عن الدروس من
احتمال الصحة في هذه الصورة .
ثم المراد من كونهما في سنة واحدة أن يكونا معا في أشهر الحج من
سنة واحدة ،لا أن لا يكون بينهما أزيد من اثني عشر شهرا ،و حينئذ فلا
يصح أيضا لو أتى بعمرة التمتع في أواخر ذي الحجة و أتى بالحج في ذي
الحجة من العام القابل .
الرابع :أن يكون إحرام حجه من بطن مكة مع الاختيار ،للإجماع ( 2 )
( 1 ) لا من هذه الناحية ،بل هو بنفسه غير قابل للاعتماد عليه ،لضعفه سندا
و إن كانت دلالته تامة ،و مع الاغماض عن سنده فهو يصلح أن يعارض الأدلة
السابقة ،الاّ أن يقال ان تلك الأدلة من جهة كثرتها تبلغ حد التواتر اجمالا ،و عليه
فيدخل هذا الخبر في الأخبار المخالفة للسنة فلا يكون حجة .
( 2 ) فيه انه لا أثر للإجماع في المسألة ،اذ مضافا الى ما ذكرناه غير مرة من
المناقشة في أنه لا طريق لنا الى اثباته بين المتقدمين بنحو يكون كاشفا عن
ثبوت حكم المسألة في زمن المعصومين عليهم السّلام انه ليس باجماع تعبدي ،فان
مدرك المجمعين جميعا أو معظمهم الأخبار الواردة في المسألة ،فاذن لا يكون --( 117 )--
و الأخبار .و ما في خبر إسحاق عن أبي الحسن عليه السّلام من قوله عليه السّلام : «كان أبي
مجاورا هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من
ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج »حيث انه ربما يستفاد منه جواز
الإحرام بالحج من غير مكة محمول على محامل ( 1 ) أحسنها أن المراد
بالحج عمرته حيث انها أول أعماله ،نعم يكفي أيّ موضع منها كان
الاجماع دليلا مستقلا في مقابل الأخبار .
( 1 ) منها :أنه محمول على التقية .
و منها :انه عليه السّلام أحرم مفردا للحج لا متمتعا .
و منها :انه أحرم من ذات عرق ثم يجدد احرامه في مكة .
و منها :أن المراد من الحج العمرة .
و هذه المحامل كلها بعيدة و بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة على شيء منها ،
هذا .
فالصحيح في المقام أن يقال :ان الرواية و هي موثقة اسحاق بن عمار ،
قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المتمتع يجيء فيقضي متعة ،ثم تبدو له الحاجة
فيخرج الى المدينة و الى ذات عرق أو الى بعض المعادن ،قال :يرجع الى مكة
بعمرة ان كان في غير الشهر الذي تمتع فيه ،لأن لكل شهر عمرة ،و هو مرتهن
بالحج ،قلت :فانه دخل في الشهر الذي خرج فيه ،قال :كان أبي مجاورا هاهنا
فخرج يتلقى ،( متلقيا ) بعض هؤلاء ،فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات
عرق بالحج ،و دخل و هو محرم بالحج »- 1 - و ان كانت تامة سندا الاّ أنه مع ذلك لا
يمكن الأخذ بها دلالة ،و ذلك لأن انصراف الامام عليه السّلام عن جواب سؤال السائل
و بيان أمر آخر لا يرتبط بالسؤال لا محالة يكون مبنيا على نكتة تبرره ،و تلك
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :8 .
--( 118 )--
و لو في سككها للإجماع و خبر عمرو بن حريث ( 1 ) عن الصادق عليه السّلام :
«من أين أهلّ بالحجّ ؟فقال :إن شئت من رحلك و إن شئت
من المسجد و إن شئت من الطريق »و أفضل مواضعها
النكتة مجهولة لنا و غير مبينة ،هذا اضافة الى أن ما بيّنه عليه السّلام فيها أيضا
مجمل و غير واضح المراد ،فان قوله عليه السّلام : «كان أبي مجاورا هاهنا فخرج
يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق بالحج و دخل
و هو محرم بالحج »مجمل ،اذ مراده عليه السّلام من مجاورة أبيه عليه السّلام في مكة غير معلوم ،
فان أراد عليه السّلام منها المجاورة التي هي الموضوع لانقلاب الوظيفة من التمتع
الى الافراد كان احرامه من ذات عرق لحج الافراد دون التمتع ،فاذن لا
تكون الموثقة منافية لما دل على أن احرام حج التمتع من مكة ،و إن
أراد عليه السّلام منها الإقامة فيها بفترة محدودة لا تمتد الى سنتين ،فعندئذ وظيفته
و ان كانت حج التمتع ،الاّ ان احرامه عليه السّلام من ذات عرق هل هو له أو لعمرة
التمتع ؟و لا ظهور لها في الأول ،باعتبار عدم ظهورها في أن خروجه عليه السّلام من
مكة كان بعد الاتيان بعمرة التمتع بل لا يبعد ظهورها السياقي في أنه كان قبل
الاتيان بها .
فالنتيجة :أن الموثقة غير ظاهرة في أن احرامه عليه السّلام من ذات عرق كان لحج
التمتع .نعم لو كانت ظاهره في ذلك لكانت دالة على توسعة ميقات حج التمتع
و أنه أعم من مكة المكرمة و ذات عرق ،و لا تنافي بينها و بين الروايات التي
تدل على أن ميقات حج التمتع هو مكة المكرمة ،باعتبار أنه لا مفهوم لها
لكي تدل بمفهومها على نفي ميقات آخر له ،غاية الأمر أنها ساكتة ،و تدل على
نفيه بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و هو لا ينافي النص على
خلافه .
( 1 ) الخبر صحيح سندا ،و واضح دلالة .
--( 119 )--
المسجد ( 1 ) و أفضل مواضعه المقام أو الحجر ( 2 ) ،و قد يقال أو تحت
الميزاب ،و لو تعذر الإحرام من مكة أحرم مما يتمكن ،و لو أحرم من غيرها
اختيارا متعمدا بطل إحرامه ،و لو لم يتداركه بطل حجه ،و لا يكفيه العود
إليها بدون التجديد ،بل يجب أن يجدده ،لأن إحرامه من غيرها كالعدم و لو
أحرم من غيرها -جهلا أو نسيانا -وجب العود إليها و التجديد مع الإمكان ،
( 1 ) على المشهور و لا دليل عليه .
( 2 ) في الأفضلية اشكال بل منع ،و إن كانت معروفة .و قد استدل على
ذلك بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا كان يوم التروية إن
شاء اللّه تعالى فاغتسل ثم البس ثوبيك و ادخل المسجد حافيا و عليك السكينة
و الوقار ،ثم صل ركعتين عند مقام ابراهيم عليه السّلام أو في الحجر ثم اقعد حتى تزول
الشمس فصلّ المكتوبة ،ثم قل في دبر صلاتك كما قلت حين أحرمت من
الشجرة فاحرم بالحج و عليك السكينة و الوقار ،فاذا انتهيت الى الرفضاء دون
الردم فلبّ ،فاذا انتهيت الى الردم و أشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية
حتى تأتي منى »- 1 - بدعوى ان الأمر بالصلاة عند مقام ابراهيم عليه السّلام أو في الحجر
ثم الجلوس فيه حتى زوال الشمس و الاتيان بالمكتوبة فيه ثم الإحرام يدل على
أنه افضل مواضع الاحرام .
و لكن للمناقشة في دلالتها على ذلك مجال ،فانها تدل على أن ذلك
أفضل مواضع الصلاة لا أنه أفضل مواضع الإحرام ،و لا أقل من الاجمال ،فاذن لا
تدل على أن الاحرام من المسجد أفضل من سائر مواضع مكة ،بل تدل على
أن الدخول في المسجد انما هو للصلاة و الدعاء فيه و التهيؤ للإحرام ،
باعتبار أن الاحرام انما يتحقق بالتلبية و هو مأمور بها اذا خرج من المسجد
و وصل الى الرفضاء .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :52 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 120 )--
و مع عدمه جدده في مكانه ( 1 ) .
( 1 ) في وجوب التجديد اشكال بل منع اذا كان المحرم غير متمكن حين
الاحرام من مكانه من العود الى مكة و الاحرام منها ،فان وظيفته في هذه الحالة
تكون الإحرام من مكانه ،و المفروض أنه أحرم منه ،و معه لا مجال لتجديده ثانيا ،
لأن المبرر لإحرام الحج من غير مكة المكرمة انما هو عدم تمكنه من العود اليها
و الإحرام منها ،و الحال أن هذا المبرر موجود في الواقع حين الإحرام الأول ،
فاذن يكون تجديده ثانيا لغوا و تحصيلا للحاصل ،و بكلمة اذا افترضنا ان عدم
التمكن من العود اليها لا يكون مبررا للإحرام من غيرها فحينئذ كما لا يكون
مبررا للإحرام الأول ،كذلك لا يكون مبررا لتجديده أيضا .
مثال ذلك :اذا خرج الحاج من مكة بعد عمرة التمتع الى الطائف -مثلا -
لسبب من الأسباب ،ثم أحرم منه للحج ناسيا أو معتقدا جوازه من غيرها في
حال و هو غير متمكن من العود الى مكة و الاحرام منها في الواقع ،ثم ذهب منه
الى الموقف ،و بعد الوصول اليه تذكر بالحال أو علم بالحكم فلا موجب
لتجديده ثانيا .نعم اذا احرم في الطائف ناسيا أو جاهلا بالحكم في حال و هو
متمكن من العود الى مكة و الإحرام منها واقعا كان إحرامه باطلا ،لأنه لا يكون
مأمورا به في هذه الحالة ،على أساس أن الاحرام من غير الميقات انما يكون
مأمورا به اذا لم يتمكن من الرجوع اليه في الواقع ،و الاّ فلا أمر به ،و حينئذ فاذا
ذهب الى الموقف و بعد الوصول اليه تذكر بالحال أو علم بالحكم ،و لكن ذلك
في وقت لا يتمكن من العود الى مكة للإحرام ،ففي هذه الحالة يجب عليه
الاحرام من مكانه .
و تدل على صحة الاحرام من غير الميقات اذا لم يتمكن من الرجوع اليه
الروايات الواردة في حكم من تجاوز عن الميقات بدون احرام ناسيا أو جاهلا
بالحكم الى أن دخل في الحرم أو مكة المكرمة ،فانه في هذه الحالة إن كان
متمكنا من الرجوع الى الميقات وجب عليه الرجوع اليه و الاحرام منه ،و إن لم --( 121 )--
..........
يتمكن من ذلك أو خاف أن يفوته الحج اذا رجع اليه أحرم من مكانه اذا لم
يتمكن من الرجوع الى خارج الحرم أيضا ،و الاّ وجب الرجوع اليه و الاحرام منه .
و مورد هذه الروايات و إن كان احرام العمرة الاّ أن العرف بمناسبات الحكم
و الموضوع الارتكازية لا يفهم منها خصوصية لموردها ،بل يفهم منها أن المعيار
في مشروعية الإحرام من غير الميقات انما هو عدم التمكن من الرجوع اليه
و الاحرام منه و لو من جهة خوف فوت الموقف ،و هذا الملاك كما يكون مبررا
لمشروعية الإحرام للعمرة من غير ميقاتها ،كذلك يكون مبررا لمشروعية
الإحرام للحج من غير مكة المكرمة .
فالنتيجة :ان هذه الروايات تدل بمقتضى المتفاهم العرفي الارتكازي
على عدم خصوصية لموردها ،فاذن يكون التعدي من موردها الى غيره كإحرام
الحج على القاعدة ،و أما اذا ترك الإحرام من مكة ناسيا أو جاهلا ،و ذهب الى
الموقف ،ثم تذكر بالحال أو علم بها ،فان تمكن من العود اليها و الاحرام منها
و درك الموقف وجب ،و الاّ أحرم من مكانه .و أما اذا تذكر بالحال أو علم بالحكم
بعد الأعمال و قضاء المناسك صح حجه ،و لا شيء عليه .
و تدل على الحكم الثاني صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال :
«سألته عن رجل كان متمتعا خرج الى عرفات و جهل أن يحرم يوم التروية
بالحج حتى رجع الى بلده ،قال :اذا قضى المناسك كلها فقد تم حجّه »- 1 - ،و على
الحكم الاول صحيحته الأخرى قال : «سألته عن رجل نسى الإحرام بالحج فذكر
و هو بعرفات فما حاله ؟قال :يقول :اللهمّ على كتابك و سنة نبيك فقد تم
إحرامه »- 2 - فانهما تدلان على أن ترك الإحرام من الحاج عامدا و ملتفتا الى
الحكم الشرعي غير جائز و موجب لبطلان حجه ،و أما تركه نسيانا أو جهلا لا
يضر به ،غاية الأمر إن التفت في الأثناء و لم يتمكن من الرجوع الى مكة
و الاحرام منها نواه من مكانه ،و إن التفت بعد الانتهاء من أعمال الحج فلا شيء
عليه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :20 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 122 )--
الخامس :ربما يقال إنه يشترط فيه ( 1 ) أن يكون مجموع عمرته
و حجه من واحد و عن واحد ،فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت
أحدهما لعمرته و الآخر لحجه لم يجزئ عنه ،و كذا لو حج شخص و جعل
عمرته عن شخص و حجه عن آخر لم يصح ،و لكنه محل تأمل ،بل ربما
يظهر من خبر محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام صحة الثاني حيث قال :
«سألته عن رجل يحج عن أبيه أ يتمتع ؟قال :نعم المتعة له و الحج عن أبيه ».
فالنتيجة :ان صحة حج التمتع مشروطة بالاحرام من مكة للعامد الملتفت
لا مطلقا .
( 1 ) بل لا شبهة في اعتبار هذا الشرط بالنسبة الى النائب ،فلا يمكن
استئجار شخصين لحج التمتع أحدهما لعمرته و الآخر لحجه ،و ذلك لأن عمرة
التمتع بوصف كونها جزءا من حج التمتع فلا يمكن انجازها بصورة مستقلة عن
الحج ،و الاّ فهي عمرة مفردة لا عمرة تمتع ،و من هنا لا يكون بامكان أي أحد أن
ينوي عمرة التمتع مستقلة عن الحج ،لأن ذلك تشريع ،و لا يمكن الحكم
بصحتها بدون أن يأتي بالحج بعدها صحيحا ،كما لا يمكن أن ينوي حج التمتع
بصورة مستقلة عن العمرة ،فان صحة كل منهما مشروطة بوجود الآخر ،فصحة
العمرة مشروطة بكونها ملحوقة بالحج و صحة الحج مشروطة بكونه مسبوقا
بالعمرة .
فالنتيجة :أنهما عمل واحد مركب من جزءين ارتباطيين ثبوتا و سقوطا
كالصلاة و نحوها ،فلذلك لا يمكن استئجار فردين له أحدهما لعمرته و الآخر
لحجه ،لأن حجه واجب على من أتى بالعمرة و أنه مرتهن به لا غيره ،كما أن
عمرته انما هي واجبة على من نوى الاتيان بحجه بعدها .
و أما بالنسبة الى المنوب عنه ،فهل يمكن أن يستأجر شخصا واحدا من
قبل شخصين ،بأن يقوم بالعمرة نيابة عن أحدهما ،و بالحج نيابة عن الآخر ؟فيه --( 123 )--
..........
خلاف ،الظاهر أنه لا يمكن ،فان محذور تعدد النائب و إن كان غير لازم في هذا
الفرض ،الاّ أن هناك محذورا آخر ،و هو أن لازم ذلك أن تكون عمرة التمتع
واجبة مستقلة على المنوب عنه و غير مربوطة بالحج ،و كذلك الحج لكي تصح
نيابته عن الأول في العمرة و عن الثاني في الحج ،و هو كما ترى !و أما اذا كان كل
منهما جزء الواجب -كما هو المفروض -فلا تكون العمرة وحدها مشروعة في
حقه ،و كذلك الحج وحده حتى يمكن أن يستنيب عنه فيها ،و هذا نظير ما اذا
استوجر شخص في صلاة واحدة من قبل شخصين ،بأن يأتي بنصفها نيابة عن
أحدهما و بنصفها الآخر نيابة عن الثاني ،و من المعلوم أن مثل هذه النيابة غير
معقولة ،لأن نصف الصلاة لا يكون مشروعا في حق أحد حتى تصح النيابة عنه
فيه ،و حج التمتع كالصلاة من هذه الناحية .
و أما منشأ تأمل الماتن قدّس سرّه في المسألة ،فالظاهر انه صحيحة محمد بن
مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام ،قال : «سألته عن رجل يحج عن أبيه ،أ يتمتع ؟قال :
نعم ،المتعة له ،و الحج عن أبيه »- 1 - بدعوى أنها ظاهرة في جواز التفريق بين
العمرة و الحج بأن تكون الأولى لشخص و الثاني لآخر .
و لكن للمناقشة في دلالتها مجال ،لأن محتملات هذه الرواية متمثلة في
أمور :
الأول :أن يكون مراد السائل من قوله ( أ يتمتع ) أن يحج حج التمتع عن
أبيه .
الثاني :أن يكون مراده منه التمتع بالنساء و الطيب بعد العمرة .
الثالث :أن يكون المراد منه أنه يتمتع لنفسه زائدا على حج التمتع مع
عمرته عن أبيه .
الرابع :أن يكون المراد منه أنه يحج عن أبيه بدون عمرة و يتمتع لنفسه
بلا حج .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :27 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .
--( 124 )--
[3209 ]مسألة 2 :المشهور أنه لا يجوز الخروج من مكة بعد الإحلال من
عمرة التمتع قبل أن يأتي بالحج و أنه إذا أراد ذلك عليه أن يحرم بالحج
فيخرج محرما به ،و إن خرج محلا و رجع بعد شهر فعليه أن يحرم بالعمرة ،
و ذلك لجملة من الأخبار الناهية عن الخروج ،و الدالة على أنه مرتهن
و محتبس بالحج ،و الدالة على أنه لو أراد الخروج خرج ملبّيا بالحج ،
و الدالة على أنه لو خرج محلا فإن رجع في شهره دخل محلا و إن رجع في
غير شهره دخل محرما ،و الأقوى عدم حرمة الخروج و جوازه محلا حملا
للأخبار على الكراهة ( 1 ) -كما عن ابن إدريس رحمه اللّه و جماعة أخرى -بقرينة
و لا ظهور لها في الاحتمال الثالث أو الرابع ،فان الاحتمال الأول و إن كان
بعيدا عن مثل محمد بن مسلم و أنه لا يدري مشروعية حج التمتع عن أبيه نيابة ،
و أما الاحتمال الثاني فهو غير بعيد ،و لعل منشؤه احتمال أن النائب كالمنوب
عنه ،فكما أنه بنفسه محروم عن التمتع بالنساء اذا كان ميتا في فترة زمنية بين
العمرة و احرام الحج فكذلك النائب ،و أجاب الامام عليه السّلام «بانه ليس مثله ».
فالنتيجة :انه لا ظهور للرواية في التفرقة بين العمرة و الحج ،بل انها لو لم
تكن ظاهرة في الاحتمال الثاني لكانت مجملة ،فلا يمكن التمسك بها .
( 1 ) فيه ان الأظهر جواز الخروج من مكة بعد عمرة التمتع لمن كان واثقا
و متأكدا بتمكنه من الرجوع اليها للإحرام للحج و عدم فوته منه ،هذا على ما
تقتضيه القاعدة .
و أما الروايات الواردة في المسألة فهي تصنف الى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول :الروايات الناهية عن الخروج عن مكة حتى يحج .
الصنف الثاني :الروايات التي تدل على جواز الخروج منها اذا عرضت له
الحاجة محرما باحرام الحج .
--( 125 )--
..........
الصنف الثالث :ما يدل على جواز الخروج الى المناطق القريبة كالطائف
و نحوها مطلقا و إن لم تكن حاجة تدعو اليها .
أما الصنف الأول :فهو متمثل في ثلاث روايات :
منها :صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «قلت له :كيف أتمتع ؟قال :
تأتي الوقت فتلبي -الى أن قال -و ليس لك أن تخرج من مكة حتى تحج »- 1 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «قلت لأبي جعفر عليه السّلام :
كيف أتمتع ؟فقال :تأتي الوقت فتلبي بالحج ،فاذا أتى مكة طاف و سعى و أحل
من كل شيء و هو محتبس ليس له أن يخرج من مكة حتى يحج »- 2 - .
و منها :صحيحة حماد بن عيسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال من دخل مكة
متمتعا في أشهر الحج لم يكن له أن يخرج حتى يقضي الحج -الحديث - »- 3 - ،
فان المتفاهم العرفي منها على أساس مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية
عدم جواز الخروج المنافي للحج لا مطلق الخروج و إن لم يكن منافيا له ،إذ
احتمال أن يكون عدم جواز الخروج حكما تعبديا صرفا بعيد جدا عن الارتكاز
العرفي ،فان قوله عليه السّلام : «حتى يحج »يمنع عن ذلك ،و يدل على أنّ الحج هو
الغاية النهائية ،فالمناط انما هو بحصولها ،فاذا كان الشخص على يقين من أنه اذا
خرج منها الى بلاد أخرى لم يفت الحج منه فلا مانع من الخروج ،و الروايات لا
تدل على عدم جوازه ،فان المستفاد منها عرفا -كما مر -انما هو عدم جوازه اذا
خاف فوت الحج ،و عدم التمكن من ادراكه لا مطلقا ،و تدل على ذلك صريحا
صحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام قال : «و سألته عن رجل قدم مكة متمتعا
فحل أ يرجع ؟قال :لا يرجع حتى يحرم بالحج ،و لا يجاوز الطائف و شبهها
مخافة أن لا يدرك الحج ،فان أحب أن يرجع الى مكة رجع ،و إن خاف أن يفوته
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :5 من أبواب أقسام الحج الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 126 )--
..........
الحج مضى على وجهه الى عرفات »- 1 - ،فانها تدل على أن النهي عن التجاوز
عن الطائف و شبهها منوط بخوف فوت الحج لا مطلقا .
و بكلمة :ان المرتكز العرفي منها أن النهي عن الخروج انما هو للحفاظ
على الحج و عدم تفويته منه ،و الاّ فلا موضوعية له .
و اما الصنف الثاني :فهو متمثل في روايتين :
احداهما :صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل
قضى متعة و عرضت له حاجة أراد أن يمضي اليها ،قال :فقال :فليغتسل للإحرام
و ليهل بالحج و ليمض في حاجته ،فإن لم يقدر على الرجوع الى مكة مضى الى
عرفات »- 2 - .
و الأخرى :قوله عليه السّلام في صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة : «فان عرضت
له حاجة الى عسفان أو الى الطائف أو الى ذات عرق خرج محرما و دخل ملبيا
بالحج ،فلا يزال على إحرامه ،فان رجع الى مكة رجع محرما و لم يقرب البيت
حتى يخرج مع الناس الى منى على إحرامه ،و إن شاء وجهه ذلك الى منى
-الحديث - »- 3 - .
و هاتان الصحيحتان لا تدلان على انتفاء جواز الخروج بانتفاء الإحرام ،
لأن قاعدة احترازية القيود انما تقتضي انتفاء شخص الحكم المجعول في
القضية بانتفاء قيده ،و لا تقتضي انتفاء أي حكم آخر مثله ،و بذلك اختلفت عن
المفهوم في موارد ثبوته ،حيث أنه يقتضي انتفاء طبيعي الحكم و سنخه بانتفاء
الشرط .نعم قد ذكرنا في علم الأصول أنه لا مانع من الالتزام بدلالة الوصف على
المفهوم و هو انتفاء طبيعي الحكم بانتفائه على نحو السالبة الجزئية ،على أساس
أن تقييد جواز الخروج من مكة بالاحرام منها فيهما يدل على انتفاء الجواز عن
حالة انتفاء القيد في الجملة ،اذ لو كان الجواز ثابتا في حالات الانتفاء مطلقا و لو
بفرد آخر من الجواز و بجعل مستقل لكان التقييد به لغوا و جزافا ،فمن أجل ذلك
يدل هذا التقييد على الانتفاء في الجملة ،أي بنحو السالبة الجزئية ،باعتبار أن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :12 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 127 )--
..........
الالتزام بهذه الدلالة انما هو من جهة أن خروج القيد عن اللغوية يقتضي تلك
الدلالة ،و لا يقتضي أكثر منها ،و تمام الكلام في علم الأصول .
فالنتيجة :أن هاتين الصحيحتين بمقتضى التقييد فيهما لا تدلان على أكثر
من عدم جواز الخروج من مكة المكرمة بدون الإحرام اذا لم يكن الشخص
واثقا و مطمئنا بتمكنه من العود اليها للإحرام للحج ،باعتبار أن هذا المقدار من
الدلالة يكفي في خروج القيد عن اللغوية ،فلذلك لا تدلان على عدم جواز
الخروج منها بدون الاحرام اذا كان واثقا و متأكدا بتمكنه من الرجوع اليها
و الاحرام منها .
و أما الصنف الثالث :فهو متمثل في صحيحة الحلبي ،قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يتمتع بالعمرة الى الحج يريد الخروج الى الطائف ،قال :
يهل بالحج من مكة و ما أحب أن يخرج منها الاّ محرما ،و لا يتجاوز الطائف انها
قريبة من مكة »- 1 - .
و هذه الصحيحة تدل على أمور :
الأول :جواز الخروج من مكة الى المناطق القريبة كالطائف و نحوها .
الثاني :ان ذلك الخروج لا يكون محبوبا الاّ محرما .
الثالث :النهي عن تجاوز تلك المناطق معللا بأنها قريبة من مكة .
اما الأمر الأول :فمقتضى اطلاقه جواز الخروج و إن لم تكن هناك حاجة
تدعو اليه .
و اما الأمر الثاني :فلا يدل على أكثر من استحباب الإحرام دون الوجوب ،
فان جملة «لا أحب »بنفسها لا تدل على أكثر من كراهة الخروج و عدم رجحانه
بدون الإحرام .نعم قد تستعمل في الحرمة و المبغوضية ،و لكن بقرينة خارجية ،
كما في قوله تعالى :وَ اَللَّهُ لا يُحِبُّ اَلْفَسادَ - 2 - و قوله تعالى :لا يُحِبُّ اَللَّهُ
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :7 .
---------------
( 2 ) البقرة الآية :205 .
--( 128 )--
..........
اَلْجَهْرَ بِالسُّوءِ - 1 - .
فالنتيجة :ان هذه الجملة لو لم تكن ظاهرة في الكراهة لم تكن ظاهرة في
الحرمة ،فلا أقل أنها مجملة و لا يمكن الاستدلال بها لا على الجواز و لا على
الحرمة .
و أما الأمر الثالث :و هو النهي عن التجاوز عن الطائف معللا بأنها قريبة من
مكة ،فلا يدل على عدم جوازه اذا كان المكلف على يقين من تمكنه من الرجوع
للإحرام للحج ،اذ من المحتمل قويا أن يكون هذا النهي المعلل انما هو بملاك
أنه اذا أجاز الخروج الى المناطق البعيدة فانه قد يؤدي الى تفويت الحج ،فاذن لا
يستفاد منه أكثر من عدم جواز الخروج الى المناطق البعيدة مع عدم الوثوق
و الاطمئنان بتمكنه من الرجوع الى مكة لإحرام الحج و مخافة الفوت ،و تدل
على ذلك صحيحة علي بن جعفر المتقدمة .
ثم إن من كان واثقا و مطمئنا بأنه اذا خرج من مكة الى المناطق القريبة أو
البعيدة يتمكن من الرجوع اليها للإحرام للحج لم يجب عليه أن يخرج محرما ،
و إن كان محبوبا بمقتضى هذه الصحيحة .و أما إذا عرضت له حاجة لأن يخرج
منها لقضائها فيجب عليه أن يخرج محرما ،و لعله من جهة أنه قد لا يكون واثقا
و متأكدا بتمكنه من الرجوع الى مكة للإحرام للحج بعد قضاء حاجته ،و لذا قد
صرح في بعض هذه الروايات أنه اذا لم يقدر على الرجوع الى مكة مضى الى
عرفات ،و في بعضها الآخر إن شاء رجع الى منى .
و بكلمة :انّ المتفاهم العرفي من هذه الروايات بمناسبة الحكم
و الموضوع أن وجوب الخروج محرما على من عرضت له الحاجة انما هو
بملاك أنه لا يثق بتمكنه من الرجوع الى مكة للإحرام لحجة الإسلام بعد انجاز
حاجته ،لاحتمال أن انجازها و حصولها بحاجة الى مزيد من الوقت ،و أما من
كان على يقين بتمكنه من ذلك فهو غير مشمول لها ،و مقتضى القاعدة جواز
---------------
( 1 ) النساء الآية :148 .
--( 129 )--
..........
خروجه بدون احرام ،و إن كان الأحوط و الأجدر به أن يخرج محرما .و من هنا
يظهر أن المراد من كونه محتبسا و مرتهنا بالحج بعد عمرة التمتع أنه لا يجوز له
تفويته بعد العمرة و عدم الاتيان به بعدها ،فان مناسبة الحكم و الموضوع لا
تقتضي أكثر من ذلك ،لا أنه لا يجوز له الخروج من مكة مطلقا و إن كان لا ينافي
الاتيان به في موعده .
و أما اذا خرج الى المدينة أو نحوها من الأماكن البعيدة بغير احرام جاهلا
أو عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي ،فان رجع الى مكة في شهره دخل بغير
احرام ،و إن دخل في غير الشهر دخل محرما باحرام عمرة التمتع ،و يدل عليه
ذيل صحيحة حماد بن عيسى المتقدمة : «قلت :فان جهل فخرج الى المدينة أو
الى نحوها بغير احرام ثم رجع في إبّان الحج في أشهر الحج يريد الحج فيدخلها
محرما أو بغير إحرام ،قال :إن رجع في شهره دخل بغير احرام ،و إن دخل في غير
الشهر دخل محرما ،قلت :فاي الاحرامين و المتعتين متعة الأولى أو الأخيرة ؟
قال :الأخيرة هي عمرته ،و هي المحتبس بها التي وصلت بحجته .قلت :فما فرق
بين المفردة و بين عمرة التمتع اذا دخل في أشهر الحج ؟قال :أحرم بالعمرة و هو
ينوي العمرة ثم أحل منها و لم يكن عليه دم و لم يكن محتبسا بها لأنه لا يكون
ينوي الحج »- 1 - .ثم إنه لا يدل على عدم جواز الخروج بغير احرام اذا لم يكن
جاهلا ،و ذلك لأن الجهل مأخوذ في كلام السائل من جهة أن صدر الصحيحة
يدل على جواز الخروج محرما ،و ظن السائل منه عدم الجواز بغير احرام ،
فلذلك سأل عن حكم الجاهل اذا خرج بدون إحرام .
فالنتيجة :في نهاية الشوط أنه لا يبعد جواز الخروج الى المناطق القريبة
أو البعيدة بدون حاجة تدعو اليه شريطة أن يكون واثقا و مطمئنا بتمكنه من
الرجوع الى مكة للإحرام للحج و إن كان الخروج محرما أولى و أجدر ،كما أن
الأولى و الأجدر الاقتصار على المناطق القريبة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 130 )--
التعبير ب «لا أحب »( 1 ) في بعض تلك الأخبار ،و قوله عليه السّلام في مرسلة
( 1 ) مر أن هذه الكلمة انما وردت في صحيحة الحلبي - 1 - المتقدمة و قد
عرفت أن موردها الخروج الى المناطق القريبة كالطائف و نحوها بارادته لا
بسبب حاجة تدعو اليه ،و يظهر من سياق التعليل فيها أنه واثق بتمكنه من
الرجوع الى مكة للإحرام لحجة الإسلام ،و عليه فتكون الصحيحة أخص من
الروايات الناهية عن الخروج حتى يحج ،و تقيد اطلاقها بما اذا كان الخروج الى
المناطق البعيدة .
فالنتيجة :انه لا بأس بالخروج الى المناطق القريبة كالطائف وجدة
و نحوهما ،و لا يجوز الى المناطق التي تكون أبعد منها اذا لم يكن واثقا و مطمئنا
بتمكنه من الرجوع اليها للإحرام للحج .
و بكلمة :أن هذه الصحيحة تدل على أمرين :
أحدهما :جواز الخروج الى المناطق القريبة التي يطمئن الانسان بأن
الخروج اليها لا يضر بالحج .
و الآخر :ان ذلك إن كان مع الاحرام فهو أحب .فاذن تكون مقيدة لإطلاق
تلك الروايات بغير الخروج الى المناطق القريبة .و من هنا يظهر أنها لا تصلح أن
تكون قرينة على حمل النهي عن الخروج فيها على الكراهة ،فانها انما تصلح
لذلك إذا كان موردها جواز الخروج مطلقا لا الى المناطق القريبة فقط .و بذلك
يتبين أنه لا وجه لما عن الماتن قدّس سرّه من حمل النهي فيها على الكراهة ،فانه بحاجة
الى قرينة ،و لا قرينة على ذلك ،فاذن لا مناص من الأخذ بظاهره ،
و لكن قد مر أن مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي اختصاصه
بالخروج من مكة بعد العمرة مع عدم الوثوق و الاطمئنان بالتمكن من العود اليها
للإحرام ،و لا يعم ما اذا كان الشخص واثقا و مطمئنا بالتمكن من ذلك ،هذا اضافة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من ابواب أقسام الحج الحديث :7 .
--( 131 )--
الصدوق ( 1 ) قدّس سرّه : «إذا أراد المتمتع الخروج من مكة إلى بعض المواضع
فليس له ذلك لأنه مرتبط بالحج حتى يقضيه إلا أن يعلم أنه لا يفوته الحج »
و نحوه الرضوي ،بل و قوله عليه السّلام في مرسل أبان : «و لا يتجاوز إلا على قدر ما
لا تفوته عرفة »إذ هو و إن كان بعد قوله : «فيخرج محرما »إلا أنه يمكن أن
يستفاد منه أن المدار فوت الحج و عدمه ،بل يمكن أن يقال ( 2 ) :إن
المنساق من جميع الأخبار المانعة أن ذلك للتحفظ عن عدم إدراك الحج
و و فوته لكون الخروج في معرض ذلك ،و على هذا فيمكن دعوى عدم
الكراهة أيضا ( 3 ) مع علمه بعدم فوات الحج منه .نعم لا يجوز الخروج لا
بنية العود أو مع العلم بفوات الحج منه إذا خرج .
ثم الظاهر أن الأمر بالإحرام إذا كان رجوعه بعد شهر إنما هو من جهة
أن لكل شهر عمرة لا أن يكون ذلك تعبدا أو لفساد عمرته السابقة أو لأجل
وجوب الإحرام على من دخل مكة ،بل هو صريح خبر إسحاق بن عمار :
قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المتمتع يجيء فيقضي متعته ثم تبدو له
حاجة فيخرج إلى المدينة أو إلى ذات عرق أو إلى بعض المنازل ،قال عليه السّلام :
يرجع إلى مكة بعمرة إن كان في غير الشهر الذي تمتع فيه لأن لكل شهر
الى أن ذلك مقتضى صحيحة علي بن جعفر - 1 - المتقدمة .
( 1 ) فيه ان المرسلة و إن كانت تامة دلالة ،الاّ أنها ضعيفة سندا ،فلا تصلح
أن تكون قرينة على حمل النهي فيها على الكراهة ،و به يظهر حال ما بعده .
( 2 ) هذا هو الصحيح كما مر .
( 3 ) بل هو الظاهر كما تقدم الآن .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من ابواب أقسام الحج الحديث :12 .
--( 132 )--
عمرة و هو مرتهن بالحج »( الخ ) ،و حينئذ فيكون الحكم بالإحرام إذا رجع
بعد شهر على وجه الاستحباب ( 1 ) لا الوجوب لأن العمرة التي هي وظيفة
كل شهر ليست واجبة ،لكن في جملة من الأخبار كون المدار على الدخول
( 1 ) بل على وجه الوجوب لظهور صحيحة حماد بن عيسى في أن العمرة
الثانية هي عمرة التمتع ،و من المعلوم أنها لا تخلو اما أن تكون واجبة عليه ،او
تكون غير مشروعة و لا يمكن أن تكون مستحبة ،لأنها إن كانت متعة فهي واجبة
و الأولى ملغية ،و إن لم تكن الأولى ملغية فهي غير مشروعية متعة ،ضرورة ان
العمرتين المتعتين في موسم واحد غير مشروعة و لا يمكن الحكم بصحتهما
معا .و أما التعليل الوارد في موثقة اسحاق بن عمار و هو قوله عليه السّلام : «لأن لكل شهر
عمرة و هو مرتهن بالحج »- 1 - فهو لا يدل على استحباب هذه العمرة ،فانه في
مقام بيان مشروعية العمرة في كل شهر ،فاذا كانت مشروعة في حقه اذا رجع في
الشهر الآخر كانت واجبة ،باعتبار أنها عمرة التمتع بنص صحيحة حماد ،
و المفروض أنها واجبة عليه ذاتا ،و وجوبها يكشف عن بطلان الأولى .
أو فقل :ان الصحيحة تدل على ان صحة العمرة الأولى مشروطة بأن لا
تفصل بينها و بين الحج عمرة أخرى ،بملاك أنها المحتبس بها و الموصولة
بالحج ،و على هذا فاذا رجع في الشهر الآخر فبما أن دخوله في مكة لا يجوز
بدون إحرام فيجب عليه أن يحرم لعمرة التمتع ،على أساس أنه مرتهن بالحج ،
و حينئذ فتصبح الأولى لاغية ،و الثانية واجبة ،فان صحة الأولى مشروطة
بالرجوع الى شهره ،هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى :ان هذه الصحيحة تدل بالالتزام على أنه لا يمكن
الفصل بين عمرة التمتع و الحج بعمرة مفردة معللة بأن عمرة التمتع هي
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :8 .
--( 133 )--
في شهر الخروج أو بعده كصحيحتي حماد و حفص بن البختري ( 1 )
و مرسلة الصدوق و الرضوي ،و ظاهرها الوجوب ،إلا أن تحمل على الغالب
من كون الخروج بعد العمرة بلا فصل ،لكنه بعيد فلا يترك الاحتياط ( 2 )
بالإحرام إذا كان الدخول في غير شهر الخروج ،بل القدر المتيقن من جواز
الدخول محلا صورة كونه قبل مضي شهر من حين الإهلال أي الشروع في
إحرام العمرة ،و الإحلال منها ،و من حين الخروج ،إذ الاحتمالات في الشهر
ثلاثة :ثلاثون يوما من حين الإهلال ،و ثلاثون من حين الإحلال بمقتضى
خبر إسحاق بن عمار ،و ثلاثون من حين الخروج بمقتضى هذه الأخبار ،بل
من حيث احتمال كون المراد من الشهر -في الأخبار هنا و الأخبار الدالة
على ان لكل شهر عمرة -الأشهر الاثني عشر المعروفة ( 3 ) لا بمعنى ثلاثين
المحتبس بها و الموصولة بالحج ،فمن أتى بعمرة مفردة بينهما ناسيا أو جاهلا
بالحكم تصبح عمرة التمتع لاغية باعتبار وجود الفصل بينها و بين الحج و هو
العمرة المفردة ،و هل تنقلب المفردة متعة ؟الظاهر عدم الانقلاب ،لأنه بحاجة
الى دليل ،و لا دليل عليه في المقام .
( 1 ) الظاهر ان هذا من سهو القلم ،اذ ليس في صحيحة حفص بن
البختري تعرض لهذا التفصيل ،و هو الدخول في شهره و الدخول في غير
الشهر .
( 2 ) بل هو الأقوى اذا كان الدخول في غير شهر التمتع ،كما هو
المفروض ،باعتبار أن لكل شهر عمرة .
( 3 ) هذا هو الصحيح و الظاهر من الروايات الواردة في المسألة ،و قد تقدم
تفصيل ذلك بشكل موسع في المسألة ( 3 ) من ( فصل أقسام العمرة ) .و على هذا
فالمراد من الشهر في قوله عليه السّلام في صحيحة حماد بن عيسى : «إن رجع في --( 134 )--
يوما ،و لازم ذلك أنه إذا كانت عمرته في آخر شهر من هذه الشهور فخرج
و دخل في شهر آخر أن يكون عليه عمرة ،و الأولى مراعاة الاحتياط من هذه
الجهة أيضا ،و ظهر مما ذكرنا أن الاحتمالات ستة :كون المدار على
الإهلال ،أو الإحلال ،أو الخروج ،و على التقادير فالشهر إما بمعنى ثلاثين
شهره »- 1 - الشهر القمري الذي أتى فيه بعمرة التمتع ،بقرينة ان لكل شهر قمري
عمرة ،على تفصيل قد سبق و قد ذكرنا هناك أن الشهر ظاهر في الشهر القمري ،
و ارادة ثلاثين يوما منه بحاجة الى قرينة ،و على هذا فالشهر في قوله عليه السّلام : «إن
رجع في شهره »هو الشهر القمري الذي تمتع فيه دون شهر الخروج من مكة ،
فانه لو اريد منه شهر الخروج ،فإما أن يراد منه ثلاثون يوما من حين الخروج ،أو
يراد منه الشهر القمري الآخر ،بمعنى أنه خرج بعد مضي شهر التمتع ،كما اذا
تمتع في شوال و خرج في ذي القعدة ،و كلاهما لا يمكن .
اما الأول ،فمضافا الى أنه بحاجة الى قرينة ،ان لازم ذلك أنه اذا رجع قبل
انتهاء شهر الخروج و بعد مضي شهر التمتع جاز له الدخول في مكة محلا ،مع
أنه لا يجوز له ذلك جزما ،على أساس أن لكل شهر قمري عمرة ،و لا يجوز
الدخول فيها في كل شهر بدون احرام .و بذلك يظهر بطلان الاحتمال الثاني
أيضا ،فاذن لا محالة يكون المراد من الشهر في هذه الصحيحة هو شهر التمتع .
و من هنا قد صرح به في موثقة اسحاق بن عمار .
فالنتيجة :ان مفاد الصحيحة أنه إن رجع في شهره دخل بغير إحرام ،و إن
رجع في غيره دخل محرما ،و كذلك الحال في موثقة اسحاق بن عمار ،بل قد
صرح بذلك فيها -كما مر -.و من هنا يظهر ان ما في المتن من الاحتمالات
للشهر الذي اذا رجع فيه دخل محلا ،لا دليل على شيء منها .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 135 )--
يوما أو أحد الأشهر المعروفة ( 1 ) ،و على أيّ حال إذا ترك الإحرام مع
الدخول في شهر آخر و لو قلنا بحرمته لا يكون موجبا لبطلان عمرته
السابقة ( 2 ) فيصح حجه بعدها .
( 1 ) مر أن هذا هو الظاهر من النصوص ،فاذا أحرم في العشرة الأولى من
شوال ثم خرج فان رجع في نفس ذلك الشهر دخل محلا ،و إن رجع في ذي
القعدة أو أول ذي الحجة دخل محرما بعمرة التمتع ،و يكشف ذلك عن بطلان
العمرة الأولى .
( 2 ) الأظهر هو البطلان ،و ذلك لأن صحيحة حماد المتقدمة التي تفصل
بين من رجع الى مكة في شهره و من رجع في غير الشهر الذي تمتع فيه ،و أنه
على الأول دخل بغير احرام ،و على الثاني محرما باحرام التمتع ظاهرة في أن
صحة المتعة الأولى مشروطة برجوعه اليها في شهره الذي تمتع فيه ،و أما اذا
رجع في الشهر الآخر غيره فبما أنه مأمور بالدخول محرما باحرام التمتع فيكون
كاشفا عن بطلان المتعة الأولى ،اذ لا يمكن الجمع بين كونه مأمورا باحرام
التمتع من جديد و بين بقاء الأولى على الصحة ،اذ لو ظلت باقية على الصحة لم
تكن الثانية مشروعة حتى يكون مأمورا بالاتيان بها ،فاذن بطبيعة الحال يكشف
الأمر بالثانية عن الغاء الأولى و بطلانها .
فالنتيجة :ان المستفاد من الصحيحة أن صحة الأولى مشروطة بأن يرجع
في الشهر الذي تمتع فيه ،و إن مضى ذلك الشهر و لم يرجع فهو كاشف عن
بطلانها ،و من هنا اذا رجع في غيره بدون احرام و إن كان عن جهل أو غفلة فليس
له أن يكتفي بالمتعة الأولى لأنها بطلت ،بل عليه أن يرجع الى ميقات أهله
و الإحرام منه للتمتع ثانيا إن أمكن ،و الاّ فمن خارج الحرم أو من مكانه على
تفصيل تقدم .
--( 136 )--
..........
و اما موثقة اسحاق بن عمار - 1 - ،فهي ظاهرة في وجوب الرجوع للإحرام
للحج باعتبار أنه مرتهن به ،غاية الأمر انه إن رجع في غير الشهر الذي تمتع فيه
دخل محرما بعمرة معللا بأن لكل شهر عمرة ،و لا تدل على كونها عمرة التمتع ،
بل تدل على أن دخوله في مكة بدون احرام لعمرة بما أنه غير جائز اذا كان في
غير الشهر الذي تمتع فيه ،باعتبار أن لكل شهر عمرة ،فيجب عليه الإحرام ،اما
انه لعمرة التمتع أو المفردة ،فالموثقة لا تدل على أنه للتمتع دون المفردة ،و لكن
لا بد من حملها على ذلك بقرينة الصحيحة تطبيقا لحمل المجمل على المبين .
و أما قوله عليه السّلام في ذيل الموثقة : «و هو مرتهن بالحج »- 2 - فلا يكون قرينة على أن
ارتهانه و ارتباطه به انما هو بسبب العمرة الثانية لو لم يدل على أنه بسبب العمرة
الأولى .
و بكلمة :ان الموثقة تدل على انه اذا دخل في مكة في غير الشهر الذي
تمتع فيه دخل فيها محرما ،و أما أن احرامه لعمرة التمتع او للمفردة ،فهي لا تدل
على ذلك ،فاذن يكون المرجع فيه الصحيحة .
ثم إن المستفاد من الصحيحة فروع :
الفرع الأول :أن من خرج عن مكة بعد عمرة التمتع بدون احرام جاهلا
أو عامدا و ملتفتا وجب الرجوع اليها للإحرام للحج .
الفرع الثاني :أنه اذا رجع في شهره رجع بدون احرام ،و اذا رجع في غير
الشهر الذي تمتع فيه رجع محرما .
الفرع الثالث :أنه نوى احرام عمرة التمتع لا المفردة .
الفرع الرابع :أن صحة العمرة الأولى مشروطة برجوعه في شهره ،و الاّ
فهي فاسدة .
الفرع الخامس :أن عمرة التمتع هي العمرة الموصولة بالحج ،و لا يجوز
الفصل بينهما بعمرة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :8 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :8 .
--( 137 )--
..........
و نذكر فيما يلي عددا من المسائل :
الأولى :قد تسأل ان من خرج عن مكة بعد عمرة التمتع محرما للحج ،
فهل اذا رجع في غير الشهر الذي خرج فيه يدخل محرما ؟
و الجواب :أنه يدخل ملبيا بالحج و بدون احرام للعمرة ،و هذا يعني انه
يبقى محرما للحج و إن طال أمد الرجوع و رجع في غير الشهر الذي تمتع فيه ،
و يدل على ذلك اطلاق صحيحتي حفص و حماد المتقدمتين .
الثانية :قد تسأل ان من خرج عن مكة بعد العمرة عامدا و ملتفتا بدون
احرام ،ثم رجع في الشهر الآخر و أحرم ناويا احرام العمرة المفردة فهل تبطل
عمرة التمتع أو تبطل العمرة المفردة ؟
و الجواب :تبطل عمرة التمتع ،لأن صحتها مشروطة بكونها موصولة
بالحج ،بأن لا تفصل بينها و بينه بعمرة و لا موجب لبطلان العمرة المفردة ،لعدم
الدليل على أن صحتها مشروطة بأن لا تقع بعد عمرة التمتع و قبل الحج ،بل قد
مر ان صحتها مشروطة برجوعه في الشهر الذي تمتع فيه و الاّ بطلت .
الثالثة :قد تسأل بأنه لما ذا لا نقول بانقلاب العمرة المفردة الى عمرة
التمتع ،و كون العمرة الأولى لاغية .
و الجواب :ان الانقلاب بحاجة الى دليل و لا دليل عليه ،الاّ فيما اذا أتى بها
في أشهر الحج ناويا الرجوع الى بلده ،و لكنه بعد الاتيان بها عدل و بنى على
البقاء في مكة بنية الحج ،أو بغرض آخر ثم بنى عليه ،فانها تنقلب متعة كما مر .
الرابعة :قد تسأل أن المراد من الشهر الذي رجع فيه هل هو الشهر
الهلالي أو ثلاثون يوما ؟
و الجواب :ان المراد منه الشهر الهلالي ،دون ثلاثين يوما ،كما مر .
الخامسة :قد تسأل ان من خرج عن مكة بعد العمرة بدون احرام ناسيا أو
غافلا ،ثم رجع في الشهر الآخر اليها و أحرم بنية العمرة المفردة ،فهل
تنقلب متعة أو لا ؟
و الجواب :عدم الانقلاب ،لان انقلاب ما أتى به ناويا به اسمه الخاص --( 138 )--
ثم إنّ عدم جواز الخروج على القول به إنما هو في غير
حال الضرورة بل مطلق الحاجة ،و أما مع الضرورة أو الحاجة مع
كون الإحرام بالحج غير ممكن أو حرجا عليه فلا إشكال فيه ( 1 ) ،
و أيضا الظاهر اختصاص المنع على القول به بالخروج إلى المواضع
البعيدة ،فلا بأس بالخروج إلى فرسخ أو فرسخين ( 2 ) ،بل يمكن أن يقال
المميز له شرعا الى غيره مرتبط بوجود دليل عليه ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدمه .
( 1 ) في اطلاق ما ذكره قدّس سرّه اشكال بل منع ،و ذلك لأن ما دعاه الى الخروج
منها فان كان ضرورة بحيث يكون ترك الخروج اليه حرجيا ،ففي هذه الحالة لا
شبهة في جواز الخروج منها مطلقا و إن لم يتمكن من الإحرام أو كان حرجيا
عليه ،و لا تدل صحيحتا حفص و حماد على عدم جواز الخروج في هذه الحالة
بدون احرام ،لأن موردهما مطلق الحاجة لا الضرورة ،كما أنه لا يمكن التمسك
باطلاق الروايات الناهية عن الخروج منها حتى يحج ،لأنها لا تعم هذه الصورة
جزما ،و إن كان مطلق الحاجة ،فان كان متمكنا من الخروج اليها محرما ،جاز
بمقتضى اطلاق صحيحتي حماد و حفص المتقدمتين ،و إن لم يتمكن من
الخروج اليها كذلك او كان حرجيا ،فالظاهر عدم جوازه ،لإطلاق الروايات
الناهية .
و إن شئت قلت :إن القول بعدم جواز الخروج من مكة بعد الاتيان بالعمرة
مبني على القول باطلاق الروايات الناهية عن الخروج حتى يحج ،و مقتضى
اطلاقها عدم جواز الخروج منها محلا و محرما مع الحاجة و بدونها ،و قد خرج
عن اطلاقها بمقتضى الصحيحتين صورة واحدة ،و هي خروجه منها مع الحاجة
محرما ،و أما سائر الصور فهي تظل مشمولة له .
( 2 ) فيه ان تحديد جواز الخروج بذلك بحاجة الى دليل بعد البناء على
القول بعدم جواز الخروج منها حتى يحج بمقتضى اطلاق الروايات الناهية عنه ،
فان مقتضاه ان الحكم يدور مدار صدق الخروج منها ،فان صدق لم يجز و إن --( 139 )--
باختصاصه بالخروج إلى خارج الحرم ،و إن كان الأحوط خلافه ( 1 ) .
ثم الظاهر أنه لا فرق في المسألة بين الحج الواجب و المستحب ،
فلو نوى التمتع مستحبا ثم أتى بعمرته يكون مرتهنا بالحج و يكون
حاله في الخروج محرما أو محلا ( 2 ) و الدخول كذلك كالحج الواجب ،
ثم إنّ سقوط وجوب الإحرام عمن خرج محلا و دخل قبل شهر
كان أقل من فرسخ ،و الاّ جاز ،فاذن المعيار انما هو بصدق الخروج من مكة بعد
العمرة و عدم صدقه عرفا .
( 1 ) بل الأقوى خلافه بناء على هذا القول ،فان مقتضى الروايات عدم
جواز الخروج من مكة بعد العمرة و إن لم يؤد الخروج منها الى الخروج عن
الحرم ،و لا دليل على تحديد عدم جواز الخروج بالخروج الى خارج الحرم ،و لا
يدل عليه شيء من هذه الروايات .اللهم الاّ أن يقال :ان المراد من مكة
في هذه الروايات حرمها لا بلدتها ،و هذا بحاجة الى قرينة و لا قرينة على ذلك ،
كما أنه لا دليل على تحديد عدم جواز الخروج بالخروج بمقدار المسافة
الشرعية ،فان الوارد في الروايات انما هو النهي عن الخروج عن مكة ،فاذن
المعيار انما هو بصدقه عرفا و إن كان بمسافة أقلّ بكثير من المسافة الشرعية
المحددة .
( 2 ) فيه فرق بين الواجب و المستحب بناء على ما هو الصحيح من أن
العمرة الثانية عمرة التمتع ،على أساس أنها مرتبطة بالحج و متصلة به ،و لا يجوز
فصلها عنه ،فان فصلت الغيت ،فمن أجل ذلك تصبح العمرة الأولى لاغية ،و قد
نصت على ذلك صحيحة حماد المتقدمة ،و على هذا فان خرج المكلف عن
مكة بعد العمرة محلا فان رجع في شهره الذي تمتع فيه رجع محلا و لا شيء
عليه ،و إن رجع في غيره فحينئذ إن كان الحج واجبا عليه لزم أن يرجع محرما
باحرام عمرة التمتع ،باعتبار أن العمرة الأولى قد فسدت من جهة انتفاء شرط
صحتها و هو الرجوع في شهره ،و المفروض أنه مرتهن بالحج و ملزم بالاتيان به ،--( 140 )--
مختص بما إذا أتى بعمرة بقصد التمتع ( 1 ) ،و أما من لم يكن سبق منه عمرة
فيلحقه حكم من دخل مكة في حرمة دخوله بغير الإحرام إلا مثل الحطّاب
و الحشّاش و نحوهما ،و أيضا سقوطه إذا كان بعد العمرة قبل شهر إنما هو
على وجه الرخصة ( 2 ) بناء على ما هو الأقوى من عدم اشتراط فصل شهر
بين العمرتين ( 3 ) ،فيجوز الدخول بإحرام قبل الشهر أيضا ،ثم إذا دخل
بإحرام فهل عمرة التمتع هي العمرة الأولى أو الأخيرة ؟مقتضى حسنة
حماد أنها الأخيرة المتصلة بالحج ،و عليه لا يجب فيها طواف النساء ،و هل
يجب حينئذ في الاولى أو لا ؟وجهان ،أقواهما نعم ( 4 ) ،و الأحوط الإتيان
و لا يسوغ له رفع اليد عنه ،و إن كان مستحبا لم يكن ملزما بالرجوع ،
لأن عمرته الأولى قد فسدت من جهة انتفاء شرطها ،فلا يكون عندئذ ملزما
بالحج ،لفرض عدم وجوبه عليه ،و من هنا يسوغ له أن يترك الرجوع الى مكة ،
كما أن له أن يرجع اليها محرما باحرام العمرة المفردة ،و له أن يرجع
اليها محرما باحرام عمرة التمتع .
( 1 ) بل مطلقا و لو كانت مفردة ،فانه إن دخل قبل شهرها لم يجب عليه
الاحرام ،و جاز له الدخول بدونه ،و إن كان بعده وجب الإحرام لأن دخول مكة
غير جائز بعد الشهر بدون احرام ،و لا فرق في ذلك بين عمرة التمتع و العمرة
المفردة .
( 2 ) بل على وجه العزيمة على الأظهر ،لما مر من أن الثابت انما هو
مشروعية العمرة في كل شهر قمري دون الأقل ،و عندئذ فلا يجوز الاحرام
للعمرة مرة ثانية قبل مضي شهر العمرة الأولى الاّ رجاء .
( 3 ) تقدم في ( فصل أقسام العمرة ) أن الأقوى اشتراط فصل شهر بينهما ،
و تمام الكلام هناك .
( 4 ) بل الأقوى العدم ،لما مر من أن العمرة الأولى بطلت لا أنها تنقلب --( 141 )--
بطواف مردد بين كونه للأولى أو الثانية ،ثم الظاهر أنه لا إشكال في جواز
الخروج في أثناء عمرة التمتع ( 1 ) قبل الإحلال منها .
مفردة ،و الثانية متعة فان ذلك بحاجة الى دليل ،باعتبار أن الانقلاب ليس على
القاعدة بعد ما كان عنوان عمرة التمتع و عنوان العمرة المفردة من العناوين
القصدية المقومة و المميزة لها شرعا .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،أما بناء على ما استظهرناه من الروايات من جواز
الخروج بعد العمرة اذا كان واثقا و مطمئنا بتمكنه من الرجوع للإحرام للحج
فظاهر ،و أما بناء على عدم جوازه الاّ عند الحاجة محرما ،فالظاهر ان الأمر أيضا
كذلك ،لأن موضوع عدم جواز الخروج في صحيحتي الحلبي و حماد
المتقدمتين و إن كان الدخول في مكة ،الاّ أن النهي عن الخروج في صحيحة
حماد لما كان مغيّى بالاتيان بالحج فهو ظاهر في أنه بعد العمرة ،اذ لو كان في
أثنائها لكان المناسب أن يجعله مغيى باتمام العمرة و الاتيان بالحج ،و يؤكد ذلك
ما دل على أنه مرتهن بالحج و محتبس به ،و من الواضح أن ارتهانه و احتباسه به
انما هو بعد الاتيان بالعمرة ،هذا اضافة الى أن قوله عليه السّلام : «بعد ذلك خرج محرما
اذا عرضت له الحاجة »يدل على أن الخروج منها محرما باحرام الحج عند
الحاجة لا مانع منه ،و من المعلوم أن احرام الحج في أثناء العمرة غير مشروع ،
و كذلك الحال في صحيحة الحلبي ،فانها تنص على أنه اذا أراد الخروج خرج
محرما و مهلا بالحج ،فاذن لا محالة يكون المراد من الخروج فيها هو الخروج
بعد العمرة ،و لا يمكن أن يكون المراد منه الأعم .
فالنتيجة :إنه لا مانع من الخروج في أثناء العمرة ،غاية الأمر
محلا لا محرما ،شريطة أن يكون واثقا و مطمئنا بالرجوع للحج اذا كان
واجبا .
--( 142 )--
[3210 ]مسألة 3 :لا يجوز لمن وظيفته التمتع أن يعدل إلى غيره من
القسمين الآخرين اختيارا ،نعم إن ضاق وقته عن إتمام العمرة و إدراك الحج
جاز له نقل النية إلى الإفراد و أن يأتي بالعمرة بعد الحج بلا خلاف و لا
إشكال و إنما الكلام في حد الضيق المسوغ لذلك ،و اختلفوا فيه على
أقوال :
أحدها :خوف فوات الاختياري من وقوف عرفة .
الثاني :فوات الركن من الوقوف الاختياري و هو المسمى منه .
الثالث :فوات الاضطراري منه .
الرابع :زوال يوم التروية .
الخامس :غروبه .
السادس :زوال يوم عرفة .
السابع :التخيير بعد زوال يوم التروية بين العدول و الإتمام
إذا لم يخف الفوت ،و المنشأ اختلاف الأخبار فإنها مختلفة أشد
الاختلاف .
و الأقوى أحد القولين الأولين ( 1 ) ،لجملة مستفيضة من تلك الأخبار ،
( 1 ) بل الأقوى هو القول الثاني ،و ذلك لأن الروايات الواردة في تحديد
وقت العمرة سعة و ضيقا مختلفة غاية الاختلاف .و يمكن تصنيف هذه
الروايات إلى طوائف .
الأولى :ما يدل على أن المعيار إنما هو بادراك الناس بمنى .
منها :صحيحة أبي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المرأة تجيء
متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت فيكون طهرها ليلة عرفة ،فقال :إن كانت
تعلم أنها تطهر و تطوف بالبيت و تحل من احرامها و تلحق الناس بمنى --( 143 )--
..........
فلتفعل »- 1 - فانها واضحة الدلالة على أن العبرة في وجوب العمرة على الحاج
إنما هي بادراك الناس بمنى ،فان كان متمكنا من ادراكهم هناك مع الاتيان بالعمرة
وجب ،و الاّ فوظيفته الافراد و ترك العمرة و الغائها .
و منها :صحيحة مرازم بن حكيم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المتمتع
يدخل ليلة عرفة مكة ،أو المرأة الحائض متى يكون لها المتعة ؟قال :ما أدركوا
الناس بمنى »- 2 - فانها تنص على أن وقت العمرة محدود بادراك الناس بمنى .
الثانية :ما يدل على أن وقت العمرة محدد إلى السحر من ليلة عرفة .
منها :صحيحة محمد بن مسلم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :إلى متى
يكون للحاج عمرة ؟قال :إلى السحر من ليلة عرفة »- 3 - .
الثالثة :ما يدل على تحديد وقت العمرة إلى غروب الشمس من يوم
التروية .
منها :صحيحة عيص بن القاسم قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المتمتع
يقدم مكة يوم التروية صلاة العصر تفوته المتعة ،فقال :لا ،له ما بينه و بين غروب
الشمس ،و قال :قد صنع ذلك رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله »- 4 - .
الرابعة :ما يدل على تحديد وقتها إلى ليلة عرفة .
منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا قدمت مكة
يوم التروية و انت متمتع فلك ما بينك و بين الليل أن تطوف بالبيت و تسعى
و تجعلها متعة ... »- 5 - .
الخامسة :ما يدل على تحديد وقتها إلى زوال الشمس من يوم عرفة .
منها :صحيحة جميل بن دراج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المتمتع له
المتعة إلى زوال الشمس من يوم عرفة و له الحج إلى زوال الشمس من يوم
النحر »- 6 - .
السادسة :ما يدل على تحديد وقتها بخوف فوت الموقف .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :14 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :9 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :10 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :12 .
---------------
( 6 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :15 .
--( 144 )--
..........
منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :عن رجل أهل بالحج
و العمرة جميعا ،ثم قدم مكة و الناس بعرفات فخشى ان هو طاف و سعى بين
الصفا و المروة أن يفوته الموقف ،قال :يدع العمرة فإذا أتم حجّه صنع كما
صنعت عائشة و لا هدى عليه »- 1 - .
ثم ان هذه الطوائف بحسب الظاهر متعارضة بعضها مع بعض ،ما عدا
الطائفة الأخيرة ،فانها تنسجم مع الكل ،و تصلح أن تكون قرينة لحمل البقية
عليها ،و على هذا فالمحتمل في هذه الطوائف أمران :
الأول :إنها متعارضة و تسقط من جهة المعارضة ،و يكون المرجع حينئذ
هو الطائفة الأخيرة .
الثاني :إن أخص تلك الطوائف هي الطائفة الخامسة باستثناء الطائفة
الأخيرة ،فإن الطائفة الاولى قد حددت وقت العمرة بادراك الناس بمنى ،
و مقتضى اطلاقها الناشئ من السكوت في مقام البيان انتهاء وقتها بعدم ادراك
الناس فيه ،و مقتضى اطلاق الطائفة الثانية التي تنص على أن وقتها يمتد إلى
السحر من ليلة عرفة أن وقتها ينتهي بدخول السحر من يوم عرفة ،و نرفع اليد
عندئذ عن اطلاق كلتا الطائفتين بالطائفة الخامسة التي تنص على أن وقتها يمتد
إلى زوال الشمس من يوم عرفة ،و لكن شريطة عدم خوف فوت الموقف
بذلك ،و الاّ فوظيفته ترك العمرة و الغائها ،فان النسبة بين الطائفة الخامسة
و الطائفة الأخيرة التي أناطت الغاء العمرة بالخوف و إن كانت عموما من وجه ،الاّ
أنه مع ذلك لا بد من تقديم الطائفة الأخيرة عليها ،اذ لا يحتمل أن لا يسوغ
الاتيان بالعمرة و إن كان بعد زوال الشمس ما دام أنه لم يخف فوت الركن من
الموقف ،كما أنه لا يحتمل جواز الاتيان بها قبل زوال يوم عرفة إذا خشى فوت
الركن منه ،فمن أجل ذلك كانت مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضي
أن تحديد وقتها بالزوال من يوم عرفة إنما هو إذا لم يخف فوت الموقف بذلك ،
و كذلك الحال بالنسبة إلى سائر الطوائف ،فانه إذا خاف فوت الموقف قبل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 145 )--
..........
السحر من يوم عرفة أو قبل دخول ليلة عرفة بسبب من الاسباب فعليه الغاء
العمرة و الذهاب إلى عرفات ،و لا يجوز له التأخير ،و على هذا يحمل صحيحة
عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا قدمت مكة يوم التروية و قد غربت
الشمس فليس لك متعة ،امض كما أنت بحجك »- 1 - إذ من غير المحتمل أن من
قدم مكة يوم التروية و قد غربت الشمس و كان متمكنا من الاتيان بالعمرة و درك
الموقف ،فمع ذلك تكون وظيفته ترك العمرة و الذهاب إلى الحج ،لوضوح أن
الانقلاب انما هو في حال الاضطرار و عدم التمكن من ادراك العمرة لا مطلقا
حتى مع التمكن .
فالنتيجة :إن هذا التحديد إنما هو بلحاظ الغالب ،و المعيار انما هو بخوف
فوت الموقف و عدم التمكن من ادراكه ،و هذا يختلف باختلاف حالات
المكلفين و الأزمنة ،و معنى ذلك أنه ليس للعمرة وقت زمني محدد في الواقع ،
بل المعيار فيه في كل عصر انما هو بخوف فوته ،و الكاشف عن ذلك انما هو
اختلاف الروايات ،و على ذلك ففي العصر الحاضر إذا دخل الحاج مكة بعد
زوال يوم عرفة ،بل قبل غروب ذلك اليوم بساعتين كان يتمكن غالبا من الاتيان
بالعمرة و ادراك الموقف في عرفات ،مع أنه لم يكن متمكنا من ذلك في العصور
المتقدمة .
و قد تحصل من ذلك ان الأظهر هو الاحتمال الثاني دون الاحتمال الأول ،
لوضوح انه لا يجوز رفع اليد عن العمرة و تركها الاّ إذا خاف أن الاتيان بها
يوجب فوت الموقف ،فعندئذ يضطر إلى الغائها و تركها ،فإذا اضطر إلى ذلك
انقلبت وظيفته من التمتع إلى الافراد ،و الاّ فلا موجب للانقلاب .
فالنتيجة :ان الطائفة الأخيرة من الروايات كلمة الفصل بين جميع
الطوائف الاخرى و تحكم عليها ،و تنص على أن الضابط العام لانقلاب الحج
من التمتع إلى الافراد و الغاء العمرة و تركها هو خوف فوت الموقف ،و أما
المعايير الاخرى المحددة في سائر الطوائف فهي معايير جانبية ،فان تسببت
---------------
( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :12 .
--( 146 )--
فإنها يستفاد منها على اختلاف ألسنتها أن المناط في الإتمام عدم خوف
فوت الوقوف بعرفة ،منها قوله عليه السّلام في رواية يعقوب بن شعيب الميثمي ( 1 ) :
«لا بأس للمتمتع إن لم يحرم من ليلة التروية متى ما تيسر له ما لم يخف
فوات الموقفين »و في نسخة «لا بأس للمتمتع أن يحرم ليلة عرفة »الخ ،و أما
الأخبار المحددة بزوال يوم التروية أو بغروبه أو بليلة عرفة أو سحرها
فمحمولة على صورة عدم إمكان الادراك إلا قبل هذه الأوقات فإنه مختلف
باختلاف الأوقات و الأحوال و الأشخاص ،و يمكن حملها على التقية ( 2 ) إذا
لم يخرجوا مع الناس يوم التروية ،و يمكن كون الاختلاف لأجل التقية كما
في أخبار الأوقات للصلوات ،و ربما تحمل على تفاوت مراتب أفراد
المتعة في الفضل ( 3 )
الخوف فالعبرة انما هي به لا بها ،و الاّ فلا قيمة لها أصلا ،و لا توجب الغاء العمرة
و تركها ضرورة أنه لا يسوغ الغاؤها بدون مبرّر شرعي .
( 1 ) الرواية - 1 - ضعيفة سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليها .
( 2 ) فيه أنه لا منشأ للحمل على التقية ،و لا مبرر له بعد ما كان الإحرام
للحج من يوم التروية أو بعد زوالها أمر مستحب عندهم لا فرض ،و لا
مانع من التأخير عندهم ،و لا سيّما من دخل مكة بعد زوال يوم التروية أو
غروبه .
فالنتيجة :انه لا مقتضى للحمل على التقية .
( 3 ) فيه ان هذا الحمل حمل تبرعي لا شاهد عليه لا في نفس روايات
الباب و لا من الخارج .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب أقسام الحج الحديث :5 .
--( 147 )--
بعد التخصيص بالحج المندوب ( 1 ) فإن أفضل أنواع التمتع أن تكون
عمرته قبل ذي الحجة ثم ما تكون عمرته قبل يوم التروية ثم ما يكون قبل
يوم عرفة ،مع أنا لو أغمضنا عن الأخبار من جهة شدة اختلافها و تعارضها
نقول :مقتضى القاعدة هو ما ذكرنا لأن المفروض أن الواجب عليه هو
التمتع فما دام ممكنا لا يجوز العدول عنه و القدر المسلم من جواز العدول
صورة عدم إمكان إدراك الحج و اللازم إدراك الاختياري من الوقوف فإن
كفاية الاضطراري منه خلاف الأصل .
يبقى الكلام في ترجيح أحد القولين الأولين و لا يبعد رجحان
أولهما ( 2 ) بناء على كون الواجب استيعاب تمام ما بين الزوال و الغروب
بالوقوف و إن كان الركن هو المسمى ،و لكن مع ذلك لا يخلو عن إشكال
فإن من جملة الأخبار مرفوع سهل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في متمتع دخل
يوم عرفة ،قال :متعته تامة إلى أن يقطع الناس تلبيتهم »حيث أنّ قطع التلبية
بزوال يوم عرفة ،و صحيحة جميل : «المتمتع له المتعة إلى زوال الشمس من
يوم عرفة و له الحج إلى زوال الشمس من يوم النحر » ،و مقتضاهما كفاية
( 1 ) في التخصيص اشكال بل منع ،فانه بحاجة إلى قرينة و لا قرينة في
الروايات عليه ،على أساس أنها في مقام بيان تحديد وقت العمرة بدون نظر إلى
كون الحج واجبا أو مندوبا .
( 2 ) بل الأظهر هو الثاني ،لأن ما يكون جزء الحج و واجباته هو الوقوف
الركني و الزائد عليه ليس من اجزاء الحج و واجباته ،بل هو واجب مستقل فيه
و لا يضر تركه عامدا و ملتفتا إلى الحكم الشرعي بصحته ،و لا يوجب الا الإثم ،
هذا إضافة إلى أن مقتضى نص صحيحة جميل المتقدمة كفاية ادراك الركن
و هو مسمى الوقوف فيها .
--( 148 )--
إدراك مسمى الوقوف الاختياري فإن من البعيد إتمام العمرة قبل الزوال من
عرفة و إدراك الناس في أول الزوال بعرفات ،و أيضا يصدق إدراك الموقف
إذا أدركهم قبل الغروب ،إلا أن يمنع الصدق فإن المنساق منه إدراك تمام
الواجب ،و يجاب عن المرفوعة و الصحيحة بالشذوذ ( 1 ) كما ادعي ،و قد
يؤيد القول الثالث -و هو كفاية إدراك الاضطراري من عرفة -بالأخبار
الدالة على أن من يأتي بعد إفاضة الناس من عرفات و أدركها ليلة النحر
تم حجه ،و فيه أن موردها غير ما نحن فيه و هو عدم الإدراك من حيث هو
و فيما نحن فيه يمكن الإدراك و المانع كونه في أثناء العمرة فلا يقاس بها ،
نعم لو أتم عمرته في سعة الوقت ثم اتفق أنه لم يدرك الاختياري من
( 1 ) فيه ان شذوذ الرواية لا توجب سقوطها عن الحجية ،سواء أ كانت
شذوذها من جهة اعراض الأصحاب عنها أم كانت من جهة أن موردها مسألة
شاذة .
اما الأول :فقد ذكرنا غير مرة أن اعراضهم عن رواية معتبرة لا أثر له الاّ اذا
توفر فيه أمران :
أحدهما :أن يكون ذلك الاعراض من الفقهاء المتقدمين الذين كانوا
مدركين لأصحاب الائمة عليهم السّلام .
و الآخر :أن لا يكون اعراضهم عنها كلا أو بعضا مستندا إلى شيء آخر .
أما الأمر الأول :فلا طريق لنا إليه .
و اما الأمر الثاني :فأيضا كذلك ،اذ لا طريق لنا إلى احراز أن اعراضهم عنها
كان تعبديا صرفا ،لاحتمال أن يكون مستندا إلى جهة اخرى ،ككونها شاذة
أو غير ذلك .
و أما الثاني :فلأنه لا يوجب سقوط الرواية عن الاعتبار ،لوضوح أن مجرد --( 149 )--
الوقوف كفاه الاضطراري و دخل في مورد تلك الأخبار ،بل لا يبعد دخول
من اعتقد سعة الوقت ( 1 ) فأتم عمرته ثم بان كون الوقت مضيقا في تلك
الأخبار .
كون المسألة قليلة الابتلاء لا يوجب الغاء الرواية فيها عن الحجية .
( 1 ) بل هو الظاهر لإطلاق بعض تلك الروايات ،و هو صحيحة معاوية بن
عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قال :في رجل أدرك الامام و هو بجمع ،فقال :إن
ظنّ انه يأتي عرفات فيقف بها قليلا ،ثم يدرك جمعا قبل طلوع الشمس
فليأتها ،و إن ظن أنه لا يأتيها حتى يفيضوا فلا يأتها و ليقم بجمع فقد تم
حجّه »- 1 - فانها باطلاقها تشمل المقام ،لأن الموضوع فيها ادراك الإمام و هو
بجمع ،سواء أ كان سبب ذلك اعتقاده بسعة الوقت و الاتيان بالعمرة ثم تبين
ضيقه و عدم ادراك الناس بعرفات أم كان سببه تأخير وصوله الى مكة لسبب من
الاسباب .
نعم لا تشمله صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يأتي
بعد ما يفيض الناس من عرفات ،فقال :إن كان في مهل حتى يأتي عرفات من
ليلته فيقف بها ثم يفيض فيدرك الناس في المشعر قبل أن يفيضوا فلا يتم حجّه
حتى يأتي عرفات ،و إن قدم رجل و قد فاتته عرفات فليقف بالمشعر الحرام ،
فان اللّه أعذر لعبده فقد تم حجّه إذا أدرك المشعر الحرام قبل طلوع الشمس
و قبل أن يفيض الناس ،فان لم يدرك المشعر الحرام فقد فاته الحج ،فليجعلها
عمرة مفردة و عليه الحج من قابل »- 2 - بتقريب أن السؤال فيها إنما هو عن حكم
الرجل الذي وصل إلى مكة بعد ما يفيض الناس من عرفات ،و من المعلوم أنه لا
يعم من وصل إلى مكة جاهلا مركبا بضيق الوقت و معتقدا سعته .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :22 من أبواب الوقوف بالمشعر الحديث :2 .
--( 150 )--
..........
ثم إنه لا اشكال في صحة حجه متمتعا ،( اما حجّه ) فلأنه يكفي في صحته
ادراك الوقوف الاضطراري في عرفة و الاختياري في المشعر ،و إن لم يتمكن من
ادراك الوقوف الاضطراري في عرفة أيضا كفى ادراك الوقوف الاختياري في
المشعر بنص هاتين الصحيحتين و غيرهما .( و اما عمرته متعة ) فلما مر من أنه
ليس لها وقت محدد ،و انما الضابط فيها بخوف فوت الموقف ،فان خاف فوته
لم يجز الاتيان بها و إن أصر على ذلك و أتى بها عامدا و ملتفتا إلى الحكم
الشرعي ،و أدى إلى فوت الموقف بطلت عمرته متعة و أصبحت لاغية بسبب
بطلان حجه بترك الموقف فيه عامدا و ملتفتا ،لا أنها منقلبة إلى المفردة ،لأن
الانقلاب بحاجة إلى دليل ،و لا دليل عليه في المقام ،فاذن بطلان العمرة ليست
من جهة أنها واقعة في خارج وقتها المحدد ،بل من جهة بطلان الحج ،و أما إذا
كان جاهلا بضيق الوقت و معتقدا سعته ،و بدأ بالعمرة و واصل أعمالها و بعد
الانتهاء منها انكشف ضيق الوقت و فوت الموقف منه ،ففي هذه الحالة إذا تمكن
من ادراك الموقف الاضطراري لعرفة و الاختياري للمشعر ،أو الثاني فقط صح
حجه بمقتضى اطلاق صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة ،و معه لا موجب
لبطلان العمرة و كونها لاغية .
و للتعرف بكيفية تطبيق ما ذكرناه نستعرض ثلاث حالات :
الحالة الاولى :أن يتأخر وصول الحاج إلى مكة لسبب من الأسباب
و وصل في وقت لا يتمكن الاّ من ادراك الناس في المشعر الحرام فقط ،و في
هذه الحالة وظيفته تنقلب من التمتع إلى الافراد ،و حينئذ فان تمكن من ادراك
الوقوف الاضطراري في عرفة ليلا ،ثم يأتي في المشعر الحرام قبل طلوع
الشمس وجب عليه ذلك ،و الاّ كفى ادراك الوقوف الاختياري في المشعر فقط .
الحالة الثانية :إنه وصل إلى مكة في وقت متسع و أتى بالعمرة ،ثم اتفق
لسبب من الأسباب فوت الموقف الاختياري منه في عرفات ،و في هذه الحالة ما --( 151 )--
ثم إن الظاهر عموم حكم المقام بالنسبة إلى الحج المندوب و شمول
الأخبار له ،فلو نوى التمتع ندبا و ضاق وقته عن إتمام العمرة و إدراك الحج
جاز له العدول إلى الإفراد ،و في وجوب العمرة بعده إشكال ،و الأقوى عدم
وجوبها ( 1 ) ،و لو علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام العمرة
هو وظيفته ؟
و الجواب :ان وظيفته أن يذهب ليلا إلى عرفات لإدراك الوقوف
الاضطراري فيها ،ثم يعود منها إلى المشعر لإدراك الناس فيه ،و إن لم يتمكن من
ادراك الوقوف الاضطراري لعرفة فان تمكن من ادراك الوقوف الاختياري
للمشعر كفى و صح حجّه تمتعا كما مر .
الحالة الثالثة :إنه وصل إلى مكة في ضيق الوقت في الواقع ،الاّ أنه كان
جاهلا و معتقدا سعته و أتى بالعمرة ،ثم بان ضيقه و ان وظيفته كانت ترك العمرة
و الغائها و إدراك الموقف في عرفات ،و لكنه من جهة اعتقاده بالسعة أتى بالعمرة
و سبب إتيانها فوت الموقف منه ،و حينئذ فان كان متمكنا من ادراك الوقوف
الاضطراري في عرفات و الاختياري في المشعر ،أو الاختياري في المشعر
فحسب صح حجه تمتعا ،لإطلاق صحيحة معاوية المتقدمة ،فانه لا يكون
قاصرا عن شمول هذه الحالة .
( 1 ) هذا هو الصحيح لأن الأمر باتيان العمرة المفردة بعد الاتيان بحج
الافراد المنقلب إليه و إن ورد في مجموعة من روايات الباب ،الا أنها ليست في
مقام بيان وجوبها بعد الحج ،بل في مقام بيان أن من انقلبت وظيفته من التمتع
إلى الافراد يصنع كما يصنع المفرد ،و حينئذ فان كان حج الافراد واجبا كانت
عمرته المفردة أيضا واجبة ،و إن كان مستحبا فهي مستحبة .
و دعوى :أن المكلف اذا بدأ بحج الافراد وجب عليه اتمامه و إن كان
مستحبا في نفسه ،فإذا وجب اتمامه وجب الاتيان بعمرته أيضا .
مدفوعة :بأن عمرته عمل مستقل لا ترتبط به ،فوجوب اتمامه بعد البدء --( 152 )--
..........
به لا يستلزم وجوب الاتيان بها ،هذا اضافة إلى أن الاتيان بالعمرة المفردة بعد
الانقلاب في المقام انما هو بديل عن عمرة التمتع ،و حينئذ فان كانت عمرة
التمتع واجبة فهي واجبة و الاّ فلا .
و تدل على هذه البدلية صحيحة جميل بن دراج ،قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة الحائض اذا قدمت مكة يوم التروية ،قال :تمضي كما
هي إلى عرفات فتجعلها حجة ،ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم
فتحرم فتجعلها عمرة »- 1 - فان قوله عليه السّلام : «فتجعلها عمرة »ظاهرة في جعلها
بدلا عن عمرة التمتع التي فاتت منه .و تؤيد ذلك مرسلة الشيخ رحمه اللّه في
التهذيب .
قد يتساءل عن أن المكلف إذا نوى الإحرام لحج التمتع ندبا و وصل إلى
مكة و قد ضاق وقت العمرة ،فان بدأ بها فات الموقف منه ،فهل يجب عليه أن
ينوي حج الافراد ،أو يأتي بعمرة مفردة لغاية الخروج عن الإحرام ،أو تبطل
عمرته ؟فيه وجوه .
و الجواب :ان مقتضى اطلاق روايات الباب هو الوجه الأول ،فانها
باطلاقها تعم الواجب و المستحب ،فاذا احرم لحج التمتع ندبا وجب عليه
اتمامه ،غاية الأمر إن لم يتمكن من اتمامه تمتعا وجب اتمامه افرادا .أو فقل :إن
مقتضى الروايات أن كل من خاف فوت الموقف إذا بدأ بالعمرة و واصل أعمالها
فوظيفته الافراد شرعا ،و عليه اتمامه بعد ما لم يتمكن من اتمامه تمتعا ،و هذا
التبديل و الانقلاب انما هو بحكم الشارع ،و لا يدور مدار قصد المكلف العدول
منه إلى الافراد و عدم قصده .( و اما الوجه الثاني ) و هو انقلاب عمرة التمتع
مفردة فلا دليل عليه ،و بدونه لا يمكن الحكم بصحتها مفردة ،و الفرض انه احرم
باسم عمرة التمتع المميز لها شرعا ،فما نواه لم يقع ،و وقوع ما لم ينوه بحاجة
إلى دليل .( و أما الوجه الثالث ) فلا موجب له بعد اطلاق روايات الانقلاب
للمقام .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 153 )--
و إدراك الحج قبل أن يدخل في العمرة هل يجوز له العدول من الأول إلى
الإفراد ؟فيه إشكال ،و إن كان غير بعيد ( 1 ) ،و لو دخل في العمرة بنية التمتع
في سعة الوقت و أخر الطواف و السعي متعمدا إلى ضيق الوقت ففي جواز
( 1 ) بل هو بعيد عن ظاهر روايات الباب ،لأنها جميعا متفقة على أنه احرم
لعمرة التمتع و دخل مكة و ضاق وقتها ،و خاف فوت الموقف اذا بدأ بها و طاف
و سعى بين الصفا و المروة ،و أما من علم بذلك قبل الإحرام لها فهو خارج عن
مورد الروايات ،و التعدي بحاجة إلى قرينة ،باعتبار أن الحكم يكون على خلاف
القاعدة ،و لا توجد قرينة على ذلك لا في نفس الروايات و لا من الخارج .
و دعوى الأولوية ممنوعة ،لأنها لا تكون بمرتبة تصلح أن تكون قرينة
على ذلك ،بل لا أولوية في البين ،لأن المكلف إذا أحرم لعمرة التمتع و دخل
مكة في وقت لا يتمكن من اتمامها ،ففي مثل هذه الحالة جعل الشارع احرامها
احراما لحج الافراد بقاء ،و أما إذا علم بضيق الوقت قبل الاحرام و عدم تمكنه من
الاتيان بحج التمتع ،فان كان ذلك مستندا إلى تسامحه و تهاونه في تأخيره فترة
بعد اخرى إلى أن ضاق الوقت فقد استقر عليه الحج ،و يجب عليه الاتيان به في
العام القادم ،لا أن وظيفته تنقلب من التمتع إلى الافراد ،فان الانقلاب بحاجة إلى
دليل ،و لا يوجد دليل عليه .
و اما روايات الباب فهي ظاهرة بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية في
أن ضيق الوقت و عدم التمكن من الاتيان بالعمرة خشية فوت الموقف انما هو
مستند إلى مانع خارجي كالحصر أو المرض أو نحو ذلك مما هو خارج عن
اختيار المكلف ،و لا تعم ما إذا كان ذلك مستندا إلى سوء اختياره عامدا و ملتفتا
إلى الحكم الشرعي .
فالنتيجة :إنه لا دليل على الانقلاب في هذا الفرض ،و كفاية حج الافراد
عن التمتع .
--( 154 )--
العدول و كفايته إشكال ( 1 ) ،و الأحوط العدول و عدم الاكتفاء إذا كان الحج
واجبا عليه .
[3211 ]مسألة 4 :اختلفوا في الحائض و النفساء إذا ضاق وقتهما عن
الطهر و تمام العمرة و إدراك الحج على أقوال :
أحدها :أن عليهما العدول إلى الإفراد و الإتمام ثم الإتيان بعمرة بعد
الحج لجملة من الأخبار .
الثاني :ما عن جماعة من أن عليهما ترك الطواف و الإتيان بالسعي ثم
الإحلال و إدراك الحج و قضاء طواف العمرة بعده ،فيكون عليهما الطواف
ثلاث مرات مرة لقضاء طواف العمرة و مرة للحج و مرة للنساء ،و يدل على
ما ذكروه أيضا جملة من الأخبار .
الثالث :ما عن الإسكافي و بعض متأخري المتأخرين من التخيير بين
و بكلمة :إن وظيفة النائي هي حج التمتع ،فان كان متمكنا منه وجب عليه
الاتيان به ،و إن لم يكن متمكنا لضيق الوقت ،فان كان ذلك مستندا إلى تأخيره
عامدا و ملتفتا فقد استقر وجوب الحج عليه ،لا أنه ينقلب الى الافراد ،لعدم
الدليل ،و إن كان مستندا إلى مانع خارجي انقلب الى الافراد .
( 1 ) و الأظهر عدم الكفاية ،لأن روايات الباب لا تشمل هذه الصورة ،لما
مر من اختصاصها عرفا بمن لا يتمكن من اتمام العمرة في نفسه فان وظيفته
تنقلب من التمتع إلى الافراد ،و أما من كان متمكنا من اتمامها كذلك ،و لكنه
باختياره و متعمدا أخر الاتيان بها تساهلا إلى أن ضاق الوقت فلا يكون مشمولا
لتلك الروايات حتى تنقلب وظيفته من التمتع إلى الافراد ،فاذن لا يتمكن من أن
ينوي الافراد بعنوان أنه المنقلب اليه .نعم يسوغ له أن ينويه ندبا ،و لكنه لا يكفي
عن التمتع .
--( 155 )--
الأمرين للجمع بين الطائفتين بذلك .
الرابع :التفصيل بين ما إذا كانت حائضا قبل الإحرام فتعدل أو كانت
طاهرا حال الشروع فيه ثم طرأ الحيض في الأثناء فتترك الطواف و تتم
العمرة و تقضي بعد الحج ،اختاره بعض بدعوى أنه مقتضى الجمع بين
الطائفتين بشهادة خبر أبي بصير «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول في المرأة
المتمتعة إذا أحرمت و هي طاهر ثم حاضت قبل أن تقضي متعتها سعت و لم
تطف حتى تطهر ثم تقضي طوافها و قد قضت عمرتها ،و إن أحرمت و هي
حائض لم تسع و لم تطف حتى تطهر »و في الرضوي : «إذا حاضت المرأة
من قبل أن تحرم -إلى قوله عليه السّلام -و إن طهرت بعد الزوال يوم التروية فقد
بطلت متعتها فتجعلها حجة مفردة ،و إن حاضت بعد ما أحرمت سعت بين
الصفا و المروة و فرغت من المناسك كلها إلا الطواف بالبيت ،فإذا طهرت
قضت الطواف بالبيت و هي متمتعة بالعمرة إلى الحج و عليها طواف الحج
و طواف العمرة و طواف النساء ».
و قيل في توجيه الفرق بين الصورتين :إن في الصورة الاولى لم
تدرك شيئا من أفعال العمرة طاهرا فعليها العدول إلى الإفراد بخلاف
الصورة الثانية فإنها أدركت بعض أفعالها طاهرا فتبني عليها و تقضي
الطواف بعد الحج .
و عن المجلسي قدّس سرّه في وجه الفرق ما محصله :أن في الصورة الاولى
لا تقدر على نية العمرة لأنها تعلم أنها لا تطهر للطواف و إدراك الحج
بخلاف الصورة الثانية فإنها حيث كانت طاهرة وقعت منها النية و الدخول
فيها .
الخامس :ما نقل عن بعض من أنها تستنيب للطواف ثم تتم العمرة --( 156 )--
و تأتي بالحج ،لكن لم يعرف قائله .
و الأقوى من هذه الأقوال هو القول الأول ( 1 ) للفرقة الاولى من
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر نظريا هو القول الخامس ،فانه
مقتضى كونها معذورة عن الطواف كسائر المعذورين عنه ،و لكن مع ذلك
فالأحوط و الأجدر بها وجوبا أن تجمع بين الاستنابة فعلا و الاتيان به مباشرة بعد
اعمال الحج .
بيان ذلك :إن هاهنا طائفتين من الروايات :
الاولى :الروايات التي تنص على أن وظيفتها تنقلب من التمتع إلى
الافراد .
منها :موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السّلام ،قال : «سألته عن المرأة
تجيء متمتعة فتطمث قبل أن تطوف بالبيت حتى تخرج الى عرفات ،قال :تصير
حجة مفردة -الحديث - »- 1 - .
و منها :صحيحة جميل بن دراج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة
الحائض إذا قدمت مكة يوم التروية ،قال :تمضي كما هي إلى عرفات فتجعلها
حجة ،ثم تقيم حتى تطهر فتخرج إلى التنعيم فتحرم فتجعلها عمرة »- 2 - فان هذه
الطائفة تدل على أن وظيفتها تنقلب من التمتع إلى الإفراد ،و مقتضى اطلاقها
عدم الفرق بين أن تكون المرأة حائضا حين الإحرام أو بعده .
الثانية :الروايات التي تنص على عدم الانقلاب و أن وظيفتها تأخير
طواف العمرة إلى ما بعد الانتهاء من أعمال منى .
منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و علي بن رئاب عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المرأة المتمتعة إذا قدمت مكة ثم حاضت تقيم ما بينها و بين
التروية ،فان طهرت طافت بالبيت و سعت بين الصفا و المروة ،و إن لم تطهر إلى
---------------
( 1 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :13 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :21 من أبواب أقسام الحج الحديث :2 .
--( 157 )--
..........
يوم التروية اغتسلت و احتشت ثم سعت بين الصفا و المروة ،ثم خرجت إلى
منى ،فإذا قضت المناسك وزارت بالبيت و طافت بالبيت طوافا لعمرتها ،ثم
طافت طوفا للحج ،ثم خرجت فسعت ،فاذا فعلت ذلك فقد احلت من كل شيء
يحل منه المحرم الاّ فراش زوجها ،فاذا طافت طوفا آخر حلّ لها فراش
زوجها »- 1 - .و تؤيد ذلك مجموعة من الروايات الاخرى .
و هذه الطائفة بما أنها ناصة في عدم الانقلاب و الاولى ناصة في الانقلاب
فيقع التعارض بينهما ،و بعد التساقط يرجع إلى استصحاب بقاء حج التمتع على
ذمتها و عدم انقلابه إلى الإفراد .بل هو مقتضى اطلاق ما دلّ على انه وظيفة النائي
و عليه فوظيفتها الاستنابة في الطواف ،على أساس أنها معذورة عنه ،و لا فرق في
العذر بين أن يكون مرضا أو حيضا أو عائقا آخر ،فان مورد الروايات و إن كان
المريض و المبطون و المغمى عليه و ما شاكل ذلك ،الاّ أن العرف لا يفهم منها
خصوصية له و موضوعية ،بل يفهم منها أن ذكره انما هو من باب المثال و بملاك
أنه معذور عنه .
فالنتيجة :إن المستفاد منها بمناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية
الضابط العام ،و هو جواز الاستنابة فيه للمعذور ،بدون فرق بين كون العذر مرضا
أو اغماء أو حيضا أو ما شابه ذلك ،و على هذا فاذا استنابت المرأة للطواف عنها
و سعت بنفسها و مباشرة بين الصفا و المروة و قصرت فرغت ذمتها من العمرة ،
ثم بعد ذلك تنوي الإحرام للحج فتحرم فتذهب إلى عرفات ،و لكن مع هذا
فالأحوط و الأجدر بها وجوبا أن تجمع بين الاستنابة فيه قبل الحج و بين الاتيان
به مباشرة بعد اعمال الحج و حصول الطهارة .
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن لمورد تلك الروايات خصوصية ،
فوظيفتها مع ذلك هي الاحتياط ،لأن دليل الانقلاب قد سقط بالتعارض على
الفرض ،و حينئذ فتبقى ذمتها مشغولة بحج التمتع بمقتضى الاستصحاب بل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :84 من أبواب الطواف الحديث :1 .
--( 158 )--
..........
الاطلاق ،إذ لا يحتمل سقوطه عنها في هذه الحالة بالمرة فاذن يتعيّن عليها أحد
أمرين ،اما الاستنابة فيه ،او القضاء بعد اعمال منى ،و حيث أنه لا معين في البين
فيجب عليها الجمع بينهما .و من هنا يظهر أن القول بأن مقتضى القاعدة هو
الجمع بينهما برفع اليد عن ظهور كل منهما في الوجوب التعييني بالاطلاق
الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و عدم ذكر عدل له بكلمة ( أو ) ،بنص كل
منهما في الوجوب على نحو القضية المهملة ،و نتيجة ذلك هي التخيير بين
العدول إلى الافراد و بين الاتيان بالعمرة مباشرة باستثناء طوافها ،فانه يؤخره إلى
بعد الانتهاء من اعمال الحج ،لا يرجع إلى معنى صحيح ،إذ لا يمكن تطبيق
ضابط الجمع الدلالي العرفي على ذلك ،لأن الجمع العرفي بين الدليلين
المتعارضين بتقديم أحدهما على الآخر انما هو فيما إذا كان مدلوله متعينا
للقرينية لدى العرف بملاك الأظهرية أو النصوصية أو الأخصية ،بحيث لا
يحتمل أن يكون هادما و معارضا لمدلول الدليل الآخر ،بل هو مفسر و مبين
للمراد الجدي منه سعة أو ضيقا ،و في المقام ان استفادة الوجوب بنحو القضية
المهملة انما هي من حاق صيغة الأمر بالدلالة الوضعية لكل منهما ،و استفادة
تعينه انما هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و بما أن الدلالة
الوضعية لكل منهما ليست دلالة مستقلة عن الدلالة الاطلاقية ،بل هي مربوطة
بها و مندكة فيها لوضوح أنه ليس لكل من الطائفتين دلالتان مستقلتان على
مدلولين مستقلين في مقام الاثبات ،بل لكل منهما دلالة واحدة على مدلول
واحد ،و هي الدلالة الاطلاقية التي تتضمن الدلالة الوضعية ضمنا ،و من الواضح
أن المعيار بنظر العرف العام في التعارض بين الدليلين انما هو التنافي بين
المدلولين العرفيين لكل منهما ،سواء أ كانا ثابتين بالاطلاق و مقدمات الحكمة ،
أم كانا بالوضع ،كما أن المعيار بنظرهم في الجمع الدلالي العرفي بين الدليلين
هو تعين مدلول أحدهما للقرينية على الآخر بملاك الأظهرية أو النصوصية أو
الأخصية ،و حيث أن لكل من الطائفتين مدلولا واحدا و هو المدلول الاطلاقي --( 159 )--
..........
و دلالة واحدة و هي الدلالة الاطلاقية ،فيكون التنافي و التعارض انما هو بين
المدلول الاطلاقي لكل منهما مع المدلول الاطلاقي للآخر ،و أما المدلول
الوضعي فبما أنه في ضمن المدلول الاطلاقي و مندك فيه ،فهو لا يصلح للقرينية
باعتبار أن دلالة اللفظ عليه انما هو في ضمن دلالته على المدلول الاطلاقي
التصديقي ،فاذا سقطت دلالته على المدلول الاطلاقي التصديقي سقطت دلالته
على المدلول الوضعي أيضا ،لاستحالة بقاء الدلالة على الجزء الضمنية مع
سقوط الدلالة على الكل الاستقلالية ،و الاّ لزم الخلف ،و على هذا الأساس فلا
يعقل أن تكون دلالة كل منهما على الوجوب في الجملة بالوضع قرينة على رفع
اليد عن الدلالة الاطلاقية للآخر فقط .
و نظير ذلك ما اذا ورد في الدليل مثلا ( لا بأس ببيع العذرة ) و ( ثمن العذرة
سحت ) ،فانه قد يدعى أن لكل منهما دلالتين :
احداهما :دلالة مستندة إلى الوضع ،و هي الدلالة على ثبوت الحكم بنحو
القضية المهملة .
و الاخرى :دلالة مستندة إلى مقدمات الحكمة ،و هي الدلالة على ثبوت
الحكم بنحو القضية المطلقة .و المعارضة بينهما في الحقيقة انما هي بين الدلالة
الإطلاقية لكل منهما مع الدلالة الاطلاقية للآخر ،لا الدلالة الوضعية لكل منهما
مع الدلالة الوضعية للآخر ،و بما أن الدلالة الوضعية لكل منهما ناصة باعتبار أنها
القدر المتيقن منهما فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن اطلاق كل منهما
و حمله على قضية مهملة تتمثل في القدر المتيقن ،و نتيجة ذلك هي حمل
العذرة في الدليل الأول على عذرة غير مأكول اللحم ،و في الدليل الثاني على
عذرة المأكول ،هذا اضافة إلى أن وجود القدر المتيقن في كل منهما مانع عن
ثبوت الاطلاق للآخر و منعه عن اجراء مقدمات الحكمة فيه ،فيكون بمثابة
القرينة المتصلة .
و الجواب ،أولا :إن وجود القدر المتيقن لا يمنع عن ظهور المطلق في --( 160 )--
..........
الاطلاق ،و الاّ فلازمه أن لا ينعقد الظهور الاطلاقي للمطلق في كثير من الموارد ،
اذ قلّما يوجد مطلق لم يكن له قدر متيقن بين افراده .
و ثانيا :إن دلالة كل منهما على ثبوت الحكم بنحو القضية المهملة ليست
دلالة مستقلة حتى تصلح للقرينية ،بل هي في ضمن الدلالة الاطلاقية ،
و المفروض أنها معارضة .أو فقل :ان الدلالة على القدر المتيقن نتيجة مدلولين
مرددين بينهما الدليل ،فان مفاد الدليل الأول ( لا بأس ببيع العذرة ) مردد بين
مطلق العذرة أعم من المأكول و غير المأكول ،و بين خصوص عذرة المأكول .
و مفاد الدليل الثاني ( ثمن العذرة سحت ) مردد بين مطلق العذرة و إن كانت من
المأكول و بين خصوص عذرة غير المأكول ،فان كان مفاد الأول في الواقع
خصوص عذرة المأكول ،و مفاد الثاني خصوص عذرة غير المأكول فلا معارضة
بينهما ،و إن كان مفاد الأول مطلق العذرة و إن كانت من غير المأكول ،و مفاد الثاني
أيضا كذلك كان بينهما تعارض ،و الدلالة على ثبوت الحكم بنحو القضية
المهملة نتيجة تردد الدليل بينهما في الواقع و مقام الثبوت ،و أما في مقام الاثبات ،
فبما أن هذه الدلالة تتبع دلالته الاطلاقية و تندك فيها فلكل منهما دلالة واحدة
و هي الدلالة الاطلاقية باعتبار ظهور كل منهما في الاطلاق بمقدمات الحكمة ،
و حيث أن دلالة كل منهما على ثبوت الحكم بنحو القضية المهملة ليست بدلالة
مستقلة ،ضرورة أنه ليست لكل منهما دلالتان مستقلتان على مدلولين كذلك ،بل
دلالة واحدة على مدلول واحد و هو الاطلاق ،فتكون هذه الدلالة في ضمن تلك
الدلالة الواحدة و هي الدلالة الاطلاقية و مندكة فيها ،فلذلك لا تصلح أن تكون
قرينة على رفع اليد عن الدلالة الاطلاقية للآخر ،لوضوح أن رفع اليد عنها بعينه
هو رفع اليد عن الدلالة الوضعية ،بلحاظ أنها في ضمنها و ليست دلالة مستقلة
عنها ،و قد مر أنه لا يعقل رفع اليد عن الدلالة على الكل و هي الدلالة الاستقلالية ،
و الحفاظ على الدلالة على الجزء و هي الدلالة الضمنية ،و الاّ لزم خلف فرض
كونها ضمنية .
--( 161 )--
..........
و بكلمة :إن كلا من الدليلين مطلق ،و باطلاقه يعم عذرة المأكول و غير
المأكول ،و الأول يدل على جواز بيعها مطلقا ،و الثاني على حرمة بيعها كذلك ،
و ان كان المتيقن في الأول عذرة المأكول ،و في الثاني عذرة غير المأكول ،الاّ أن
هذا المتيقن في ضمن المطلق ،و عليه فاذا سقطت دلالة المطلق على كلا
الفردين بالمعارضة فبطبيعة الحال سقطت دلالته على هذا الفرد أيضا ،فلا يعقل
بقاؤها حتى تصلح أن تكون قرينة .و من هنا لا يلتزم أحد في مثل قضية ( اكرم
العلماء ) و ( لا تكرم العلماء ) بحمل ( العلماء ) في الدليل الأول على ( العلماء
العدول ) و في الثاني على ( العلماء الفساق ) ،بل يعامل معهما معاملة
المتعارضين .و النكتة في ذلك ما ذكرناه من أن التعارض بين الدليلين مرتبط
بالتنافي بين مدلوليهما عرفا ،كما أن الجمع العرفي بينهما مرتبط بتعين مدلول
أحدهما للقرينية كذلك .
فالنتيجة :في نهاية المطاف أن الأظهر هو عدم انقلاب وظيفة الحائض
من التمتع إلى الافراد ،بل هي التمتع نظريا ،و لكن مع هذا فالاحتياط بالجمع لا
يترك -كما مر -.
ثم إن في مقابل هاتين الطائفتين من الروايات طائفة ثالثة تنص على أن
المرأة إذا كانت حائضا حال الإحرام أو نفساء تنقلب وظيفتها من التمتع إلى
الافراد شريطة استمرار حيضها أو نفاسها إلى ما بعد الموقف .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :ان أسماء بنت
عميس نفست بمحمّد بن أبي بكر بالبيداء لأربع بقين من ذي القعدة في حجّة
الوداع ،فامرها رسول الله صلّى اللّه عليه و آله ،فاغتسلت و احتشت و أحرمت و لبت مع
النبي صلّى اللّه عليه و آله و أصحابه ،فلما قدموا مكة لم تطهر حتى نفروا من منى و قد شهدت
المواقف كلها عرفات و جمعا و رمت الجمار و لكن لم تطف بالبيت و لم تسع
بين الصّفا و المروة فلما نفروا من منى أمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله فاغتسلت و طافت
بالبيت و بالصفا و المروة و كان جلوسها في أربع بقين من ذي القعدة و عشر من --( 162 )--
..........
ذي الحجة و ثلاث أيام التشريق »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «إن أسماء بنت عميس نفست
بمحمد بن أبي بكر فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين ارادت الإحرام من ذي الحليفة
أن تحتشى بالكرسف و الخرق و تهل بالحج فلما قدموا و قد نسكوا المناسك
و قد أتى لها ثمانية عشر يوما فأمرها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن تطوف بالبيت و تصلي
و لم ينقطع عنها الدم ففعلت ذلك »- 2 - فانهما تدلان على أن وظيفتها انقلبت من
التمتع إلى الافراد ،غاية الأمر إن علمت أنها لم تطهر قبل الموقف
تنوي الاحرام للأفراد من الأول ،و إن علمت أنها تطهر و تدرك الموقف بعد
الاتيان بالعمرة تنوي الاحرام للتمتع ،و إن لم تعلم بذلك تنوي للأفراد بمقتضى
الاستصحاب .
ثم إن موردها و إن كان النفاس ،الاّ أنه لا خصوصية له ،فان المعيار انما هو
بكونها محدثة بحدث لا تتمكن معه من الدخول في المسجد ،هذا .
و لكن لا يمكن الالتزام بهما ،و ذلك لما ذكرناه من أنهما متعارضتان
بالروايات التي تنص على أن حد النفاس عشرة أيام و بعدها استحاضة ،و بما أن
المعارضة بينهما في الزائد على العشرة ،فتسقطان من جهة المعارضة ،فالمرجع
في مورد الالتقاء و المعارضة الاطلاق الفوقي بالنسبة إلى وجوب الصلاة
و الصيام و الطواف و جواز الوطي و أصالة البراءة بالنسبة إلى حرمة الدخول في
المساجد و المكث فيها و المرور عن المسجدين الحرمين و مس كتابة القرآن
و نحو ذلك ،و على هذا فوظيفة أسماء بنت عميس الاتيان بعمرة التمتع ،ثم
الاحرام للحج باعتبار أنه قد مضى عليها أقصى فترة النفاس قبل يوم التروية ،
فاذن لا يمكن القول بالجمع بين الغائهما من جهة دلالتهما على أن أقصى فترة
النفاس ثمانية عشر يوما ،و بين الاستدلال بهما فيما نحن فيه ،ضرورة أنه اذا قلنا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :49 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب النفاس الحديث :6 .
--( 163 )--
..........
بأن أقصى فترة النفاس عشرة أيام كانت اسماء مأمورة بالاحرام لعمرة التمتع من
حجة الإسلام ،على أساس أنه قد مضى عليها قبل دخول يوم التروية أقصى حد
النفاس و هو عشرة أيام ،هذا اضافة إلى أنهما لا تدلان على أنها احرمت لحج
الافراد ،أما الصحيحة الاولى فلأن ظاهرها أنها احرمت لحج التمتع بقرينة تقييد
عدم طهارتها إلى زمان نفرها من منى ،و معنى ذلك أنها اذا طهرت قبل ذلك
فوظيفتها الاتيان بعمرة التمتع من حجة الإسلام ،و أما الصحيحة الثانية فالوارد
فيها أن النبي صلّى اللّه عليه و آله أمر أسماء بأن تحتشي بالكرسف و الخرق ،و تهل بالحج ،
و لكن هذه الكلمة لا تدل على أن اهلالها انما كان لحج الإفراد ،اذ كما يحتمل
ذلك يحتمل أن يكون لحج التمتع .
فالنتيجة في نهاية الشوط إن الصحيحتين ساقطتان من جهة المعارضة ،
فلا يمكن الأخذ بهما .
قد تسأل :ان المرأة اذا حاضت قبل الاحرام و علمت بأنها لا تطهر الى ما
بعد الموقف ،فهل عليها أن تحرم لحج الإفراد أو التمتع ؟
و الجواب :انها تحرم للتمتع على ما أشرنا إليه آنفا من أن وظيفتها ذلك
و انقلابها إلى الافراد بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه ،لأنه منحصر بالصحيحتين
المتقدمتين ،و قد تقدم أنهما تسقطان من جهة المعارضة .و أما الاحتمال الثالث
و هو سقوط الحج عنها فهو غير محتمل ،لأنها متمكنة من الاتيان بحج التمتع
بكلا جزأيه هما العمرة و الحج ،و مع تمكنها منه لا موجب لسقوطه عنها ،غاية
الأمر ان وظيفتها بالنسبة إلى الطواف إما الاستنابة أو تأخيرها إلى ما بعد اعمال
منى .
و إن شئت قلت :ان احتمال سقوط وجوب الحج عنها رأسا من جهة عدم
تمكنها من طواف العمرة على أساس حيضها غير محتمل ،باعتبار أن عدم
تمكن المكلف من الطواف لا يكون مبررا لسقوطه عنه ،و من هنا إذا علم
المكلف من حاله أنه إذا ذهب إلى الحج فليس بامكانه أن يطوف بنفسه --( 164 )--
..........
و مباشرة لسبب أو آخر كالزحام أو نحوه ،و لا بد إما أن يطوف به آخر أو يستنيب
شخصا يطوف عنه لم يحتمل سقوط الحج عنه و عدم ذهابه إليه ،و كذلك المرأة
الحائض قبل الإحرام إذا كانت واثقة و مطمئنة بعدم انقطاع دمها و استمراره إلى
اليوم العاشر من ذي الحجة .
ثم إن المرأة لا تكتفي بالقضاء فحسب ،بل عليها الاستنابة للطواف
فعلا و القضاء بعد اعمال منى ،و ذلك لأن عمدة الدليل على القضاء هو صحيحة
عبد الرحمن و علي بن رئاب - 1 - المتقدمة ،و قد مر أنها سقطت من جهة
المعارضة ،فاذن لا دليل على أن وظيفتها تأخير الطواف و الاتيان به بعد اعمال
الحج .
و دعوى :أن مورد الصحيحة المرأة الحائض بعد الإحرام و دخول مكة فلا
تعم المقام ،و هو ما إذا رأت الدم قبل الإحرام و كان احرامها في حال الدم ،
و نتيجة ذلك أن الصحيحة لو لم تكن ساقطة من جهة المعارضة فأيضا لا تشمل
المقام و لا تدل على أن وظيفتها فيه تأخير الطواف ثم قضاؤه ،فاذن مقتضى
القاعدة أن عليها الاستنابة في الطواف عنها في وقته ،لا تأخيره و الاتيان به بعد
اعمال الحج قضاء .
مدفوعة :بأن مورد الصحيحة و إن كان ذلك ،الاّ أن العرف على أساس
مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية لا يرى للحيض بعد الاحرام خصوصية ،
بل المعيار انما هو بوجوده في وقت العمرة و منعه عن الطواف حول البيت سواء
أ كان حدوثه قبل الاحرام أم كان بعده ،باعتبار أن الاحرام لا يكون مشروطا
بالطهارة .
فالنتيجة :إن مقتضى القاعدة وجوب الاستنابة عليها ،لأنها داخلة في
المعذور عن الطواف و صلاته ،و لكن مع هذا فالاحتياط بالجمع لا يترك ،و بذلك
يظهر حال سائر الأقوال في المسألة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :84 من أبواب الطواف الحديث :1 .
--( 165 )--
الأخبار التي هي أرجح من الفرقة الثانية لشهرة العمل بها ( 1 ) دونها ،و أما
القول الثالث و هو التخيير فإن كان المراد منه الواقعي بدعوى كونه مقتضى
الجمع بين الطائفتين ،ففيه أنهما يعدان من المتعارضين و العرف لا يفهم
التخيير منهما و الجمع الدلالي فرع فهم العرف من ملاحظة الخبرين ذلك ،
و إن كان المراد التخيير الظاهري العملي فهو فرع مكافأة الفرقتين ( 2 )
و المفروض أن الفرقة الاولى أرجح من حيث شهرة العمل بها ،و أما
التفصيل المذكور فموهون بعدم العمل ،مع أن بعض أخبار القول الأول
ظاهر في صورة كون الحيض بعد الدخول في الإحرام .
نعم لو فرض كونها حائضا حال الإحرام و علمت بأنها لا تطهر
( 1 ) فيه أن الشهرة العملية ليست من أحد مرجحات باب المعارضة ،و أما
الشهرة الروائية فإن كانت بمعنى القطع بصدورها فلا يكون تقديمها على
الرواية الشاذة من باب الترجيح ،بل من جهة أن الرواية لا تكون حجة في نفسها
لأنها مخالفة للسنة ،و إن لم تكن بمعنى القطع به فلا تصلح أن تكون مرجحة
على تفصيل ذكرناه في علم الأصول ،و على هذا فتسقط الطائفتان من جهة
المعارضة .
( 2 ) فيه أن تكافؤهما و عدم الترجيح لإحداهما على الاخرى يوجب
سقوطهما معا عن الحجية بالمعارضة لا حجية احداهما لا بعينه حتى تكون
النتيجة هي التخيير بينهما في الحجية ،لأن دليل الاعتبار كما لا يشمل كلا
المتعارضين معا و لا لأحدهما معينا ،كذلك لا يشمل أحدهما لا بعينه حتى
يكون حجة على نحو التخيير على تفصيل ذكرناه في الأصول .و أما روايات
التخيير فالمشهور و إن ذهبوا اليه في حالات التعارض بين الأخبار اذا لم يكن
مرجح في البين ،الاّ أنها غير تامة إما سندا ،أو دلالة على تفصيل في محله .
--( 166 )--
لإدراك الحج يمكن أن يقال يتعين عليها العدول إلى الإفراد من الأول ( 1 )
لعدم فائدة في الدخول في العمرة ثم العدول إلى الحج ،و أما القول
الخامس فلا وجه له ( 2 ) و لا له قائل معلوم .
[3212 ]مسألة 5 :إذا حدث الحيض و هي في أثناء طواف عمرة التمتع
فإن كان قبل تمام أربعة أشواط بطل طوافها على الأقوى ( 3 ) ،و حينئذ فإن
( 1 ) مر الاشكال بل المنع في أصل العدول و الانقلاب ،سواء أ كان من
الأول أم كان بعد الدخول في العمرة لما مر من ان الروايات التي استدل على
ذلك ساقطة من جهة المعارضة .
( 2 ) مر أنه الأظهر بحسب الصناعة و الفن .
( 3 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر عدم البطلان ،و تدل على ذلك
صحيحة محمد بن مسلم قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة طافت ثلاثة
أشواط أو أقل من ذلك ،ثم رأت دما ،قال :تحفظ مكانها فاذا طهرت طافت
و اعتدت بما مضى »- 1 - فانها تنص على صحة طوافها و عدم بطلانه بحدوث
حدث منها قبل اتمام أربعة أشواط ،هذا .
و في مقابلها طائفتان من الروايات :
الاولى :الروايات التي تنص على بطلان الطواف و وجوب الاستئناف إذا
كان حدوث الحيض منها قبل بلوغ النصف .
منها :رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «اذا حاضت المرأة و هي
في الطواف بالبيت أو بين الصفا و المروة فجاوزت النصف فعلمت ذلك
الموضع فاذا طهرت رجعت فاتمت بقية طوافها من الموضع الذي علمته ،فان
هي قطعت طوافها في أقل من النصف فعليها أن تستأنف الطواف من أوله »- 2 -
و هذه الرواية و إن كانت واضحة دلالة الاّ أنها ضعيفة سندا ،فان في سندها سلمة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :85 من أبواب الطواف الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :85 من أبواب الطواف الحديث :1 .
--( 167 )--
..........
ابن الخطاب و هو لم يثبت توثيقه .
و منها :رواية ابراهيم بن اسحاق عمن سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام : «عن امرأة
طافت أربعة أشواط و هي معتمرة ثم طمثت ،قال :تم طوافها و ليس عليها غيره
و متعتها تامة و لها أن تطوف بين الصفا و المروة لأنها زادت على النصف و قد
قضت متعتها فلتستأنف بعد الحج و إن هي لم تطف الاّ ثلاثة اشواط فلتستأنف
الحج فان أقام بها جمالها بعد الحج فلتخرج إلى الجعرانة أو إلى التنعيم
فلتعتمر »- 1 - فانها تدل على بطلان الطواف بحدوث الحيض قبل أربعة أشواط ،
و لكنها ضعيفة من ناحية السند للإرسال .
و منها :رواية أبي اسحاق صاحب اللؤلؤ قال : «حدثني من سمع أبا
عبد اللّه عليه السّلام يقول في المرأة المتمتعة اذا طافت بالبيت أربعة أشواط ثم حاضت
فمتعتها تامة و تقضي ما فاتها من الطواف بالبيت و بين الصفا و المروة و تخرج
إلى منى قبل أن تطوف الطواف الآخر »- 2 - فانها و إن كانت تامة دلالة و تدل على
بطلان الطواف بالمفهوم اذا كان حدوث الحيض قبل أربعة أشواط ،و لكنّها
ضعيفة سندا ،فان أبا اسحاق صاحب اللؤلؤ لم يثبت توثيقه .
فالنتيجة :إن الروايات التي تنص على بطلان الطواف اذا حاضت المرأة
قبل النصف بأجمعها ضعيفة سندا .
و دعوى :انجبار ضعفها بعمل المشهور بها .
مدفوعة :بما ذكرناه غير مرة من أنه لا أثر لعمل المشهور برواية ضعيفة
و لا يوجب انجبار ضعفها و دخولها في أدلة الحجية و الاعتبار و لا الوثوق
و الاطمئنان بصدورها .
الطائفة الثانية :الروايات التي تنص على أن الطائف إذا أحدث في طوافه
فان كان بعد تجاوز النصف تم ،و إن كان قبله بطل .
منها :رواية جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السّلام : «في الرجل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :85 من أبواب الطواف الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :86 من أبواب الطواف الحديث :2 .
--( 168 )--
..........
يحدث في طواف الفريضة و قد طاف بعضه ،قال :يخرج و يتوضأ ،فان كان جاز
النصف بنى على طوافه ،و إن كان أقل من النصف أعاد الطواف »- 1 - فان دلالتها
و إن كانت واضحة الاّ أنها ضعيفة سندا من جهة الارسال .
فالنتيجة :إنه لا يوجد في مقابل صحيحة محمد بن مسلم - 2 - ما يصلح أن
يعارضها أو يقيد اطلاقها بغير طواف الفريضة .
قد يقال :ان بين صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا طاف
الرجل بالبيت ثلاثة أشواط ثم اشتكى أعاد الطواف يعني الفريضة »- 3 - و بين
صحيحة محمد بن مسلم معارضة بالتباين شريطة أن لا يكون التفسير فيها من
الإمام عليه السّلام و كان من الراوي .و أما إذا كان التفسير منه عليه السّلام فلا معارضة بينهما ،لأن
نسبة صحيحة الحلبي إلى صحيحة محمد بن مسلم حينئذ نسبة المقيد إلى
المطلق ،فتوجب تقييد اطلاق صحيحة محمد بن مسلم بغير طواف الفريضة .
و لكن الظاهر أنه جزء من الرواية لا أنه زيادة فيها من الراوي ،و على هذا
فتقع المعارضة بينهما و تسقطان من جهة المعارضة ،و حينئذ فإن كان في سعة
الوقت فالمرجع قاعدة الاشتغال ،و إن كان في ضيقه فالمشهور الانقلاب ،و أما
بناء على ما استظهرناه فتكون الوظيفة الاستنابة ،و مع هذا فالاحتياط بالجمع
بينهما و بين القضاء لا يترك .
و دعوى :ان العذر المانع عن اتمام الطواف في مورد صحيحة محمد بن
مسلم الحيض ،و في مورد صحيحة الحلبي غيره كالمرض أو نحوه ،فلا تنافي
بينهما .
مدفوعة :بان المتفاهم العرفي عدم الفرق بين أن يكون المانع من اتمام
الطواف حدث الحيض أو عذر آخر ،فان المعيار انما هو بطروّ العذر المانع من
الطواف بدون خصوصية للاسم و العنوان .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :40 من أبواب الطواف الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :85 من أبواب الطواف الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :45 من أبواب الطواف الحديث :1 .
--( 169 )--
..........
و قيل :إن التعارض بينهما مبني على أن تكون صحيحة الحلبي مشتملة
على كلمة ( ثلاثة ) كما في الوسائل ،و لكن اشتمالها على هذه الكلمة غير
ثابت ،على أساس أن صاحب الوسائل نقل هذه الصحيحة عن الكافي ،
و الصحيحة فيه غير مشتملة عليها ،و انما تكون مشتملة على كلمة ( اشواطا ) ،
فاذن تكون نسبة صحيحة محمد بن مسلم اليها نسبة المقيد إلى المطلق ،فلا
تعارض بينهما .
و الجواب :إن هذه الصحيحة معارضة لصحيحة محمد بن مسلم سواء
أ كانت مشتملة على كلمة ( ثلاثة ) أم لا ،و ذلك لأن تقييد الاشواط في صحيحة
محمد بن مسلم بثلاثة أو أقل ،انما هو من باب التقييد بالفرد الخفي
و لا مفهوم له ،اذ لا يحتمل عرفا أن الحكم بعدم بطلان الطواف بظهور الحيض
في المرأة مختص بما إذا طافت ثلاثة أشواط أو أقل ،و أما إذا طافت أكثر
منها فلا يحكم بعدم البطلان ،و على هذا فلا ظهور لتوصيف الأشواط بها في
الاحتراز ،و لا في نفي الحكم عن حالات انتفاء هذا الوصف بنحو السالبة
الجزئية .
فالنتيجة :ان العرف يفهم من الصحيحة عدم بطلان الطواف بظهور
الحيض في أثنائه سواء أ كان قبل ثلاثة أشواط أم كان بعدها ،و عليه فالتعارض
بينهما قد ظل ثابتا و مستقرا ،هذا .
فالصحيح في المقام أن يقال :ان التعدي عن مورد صحيحة الحلبي إلى ما
نحن فيه بحاجة إلى قرينة و عناية زائدة ثبوتا و اثباتا .
اما ثبوتا :فلأنه يتوقف على أن يكون المرض الطارئ في أثناء الطواف
ملحوظا في مقام الثبوت على نحو الطريقية الصرفة و بعنوان أنه مانع من اتمامه
بدون خصوصية للاسم .
و اما اثباتا :فهو يتوقف على وجود قرينة عليه ،و الفرض عدم وجودها ،
و احتمال الخصوصية فيه لا يكون على خلاف الارتكاز العرفي ،إذ ليس
المتفاهم منها عرفا مطلق المانع بدون خصوصية للمرض .
--( 170 )--
كان الوقت موسعا أتمت عمرتها بعد الطهر و إلا فلتعدل إلى حج الإفراد ( 1 )
و تأتي بعمرة مفردة بعده ،و إن كان بعد تمام أربعة أشواط فتقطع الطواف
و بعد الطهر تأتي بالثلاثة الأخرى و تقصّر مع سعة الوقت ،و مع ضيقه تأتي
بالسعي و تقصر ثم تحرم للحج و تأتي بأفعاله ثم تقضي بقية طوافها قبل
طواف الحج أو بعده ( 2 ) ثم تأتي ببقية أعمال الحج و حجها صحيح تمتعا ،
لحد الآن قد تبين أن الأظهر عدم بطلان الطواف بطرو الحيض في أثنائه
و إن كان قبل تجاوز النصف ،و لكن مع هذا فالاولى و الأجدر بها أن تجمع بين
الاستنابة فيه بنية الأعم من التمام و الإتمام و بين الاتيان به بعد اعمال الحج
مباشرة كذلك ،أو تجمع بين الاستنابة في الأشواط الباقية و بين الإتيان بطواف
كامل بعد الأعمال ناويا به الأعم من التمام و الاتمام ،هذا كله في ضيق الوقت .
و أما في سعته فعليها أن تتم عمرتها بعد الطهر ،و الأحوط و الأجدر بها أن تأتي
بطواف كامل بنية الأعم من التمام و الاتمام .
( 1 ) فيه انه لا وجه للقول بالعدول و الانقلاب ،لما تقدم من أن ما دل على
هذا القول قد سقط من جهة المعارضة ،و من هنا قلنا ان وظيفتها فيما اذا طرأ
الحيض عليها بعد الاحرام و قبل الشروع في العمرة و لم تتمكن من الاتيان بها
لضيق الوقت هي الجمع بين الاستنابة في الطواف و الاتيان بالسعي و التقصير
بنفسها و مباشرة و بين القضاء بعد أعمال منى و قبل طواف الحج ،و أما في
المقام فلا يبعد أن تكون وظيفتها الاتيان ببقية الأشواط بعد اعمال الحج
مباشرة و إن كان الأجدر بها أن تجمع بين الاستنابة فيها و القضاء بعد اعمال
منى .
( 2 ) مر أن الظاهر وجوب قضاء طواف العمرة قبل طواف الحج ،و تنص
على ذلك صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج و علي بن رئاب - 1 - المتقدمة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :84 من أبواب الطواف الحديث :1 .
--( 171 )--
و كذا الحال إذا حدث الحيض بعد الطواف و قبل صلاته ( 1 ) .
( 1 ) فيه انا لو قلنا ببطلان الطواف فيما إذا حاضت المرأة بعد أربعة اشواط
و لو من جهة تسليم المعارضة بين صحيحة محمد بن مسلم و صحيحة الحلبي ،
فلا نقول به في المقام ،لأنه خارج عن مورد الروايات ،هذا اضافة الى وجود
النصوص الخاصة التي تدل على صحته في المقام .
و نذكر فيما يلي عددا من النتائج :
الاولى :إن المرأة اذا حاضت و استمر حيضها إلى أن ضاق وقت العمرة ،
فالمشهور ان وظيفتها تنقلب من حج التمتع إلى الافراد بدون فرق في ذلك بين
أن يكون حيضها قبل الإحرام أو بعده ،و لكن الأظهر بحسب الصناعة عدم
الانقلاب و أن وظيفتها الاستنابة في الطواف عنها و الاتيان بالسعي و التقصير
بنفسها و مباشرة و إن كان الأحوط و الأجدر بها وجوبا أن تجمع بين الاستنابة فيه
و بين قضائه بعد اعمال منى .
الثانية :إن القول بأن المرأة في هذه الحالة مخيرة بين أن تعدل إلى حج
الإفراد و بين تأخير طواف العمرة إلى ما بعد اعمال منى ،و لكن قد تقدم أنه لا
أساس لهذا القول ،و لا يمكن استفادته من نفس روايات الباب و لا من أخبار
التخيير .
الثالثة :إن الأظهر عدم بطلان الطواف بطرو الحيض في أثنائه سواء أ كان
قبل التجاوز من النصف أم كان بعد التجاوز منه و إن كان الاولى الاحتياط كما مر .
--( 172 )--
فصل
في المواقيت
و هي المواضع المعينة للإحرام أطلقت عليها مجازا أو حقيقة
متشرعة ،و المذكور منها في جملة من الأخبار خمسة ،و في بعضها ستة ،
و لكن المستفاد من مجموع الأخبار أن المواضع التي يجوز الإحرام منها
عشرة :
أحدها :ذو الحليفة ،و هي ميقات أهل المدينة و من يمرّ على طريقهم ،
و هل هو مكان فيه مسجد الشجرة أو نفس المسجد ؟قولان ،و في جملة من
الأخبار أنه هو الشجرة ،و في بعضها أنه مسجد الشجرة ،و على أي حال
فالأحوط الاقتصار على المسجد ،إذ مع كونه هو المسجد فواضح و مع
كونه مكانا فيه المسجد فاللازم حمل المطلق على المقيد ( 1 ) ،لكن مع
( 1 ) فيه ان هذا ليس من باب حمل المطلق على المقيد الذي هو من أحد
موارد الجمع الدلالي العرفي ،بل هو بيان للمراد من المطلق بلسان التفسير
اللفظي ،و تنص على ذلك روايتان :
احداهما :صحيحة الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :الإحرام من مواقيت
خمسة وقّتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ،لا ينبغي لحاج أو معتمر أن يحرم قبلها و لا بعدها ،
و وقّت لأهل المدينة ذا الحليفة و هو مسجد الشجرة يصلى فيه و يفرض الحج ،
و وقّت لأهل الشام الجحفة ،و وقّت لأهل النجد العقيق ،و وقّت لأهل الطائف
قرن المنازل ،و وقّت لأهل اليمن يلملم ،و لا ينبغي لأحد أن يرغب عن مواقيت
--( 173 )--
..........
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله »- 1 - .
و الاخرى :صحيحة عبيد اللّه بن علي الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :
الاحرام من مواقيت خمسة وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ...إلى أن قال :و وقت لأهل
المدينة ذا الحليفة و هو مسجد الشجرة كان يصلي فيه و يفرض الحج ،فإذا خرج
من المسجد و سار و استوت به البيداء حين يحاذي الميل الأوّل أحرم »- 2 - فانهما
تفسران ذا الحليفة الواردة في مجموعة كبيرة من الروايات بمسجد الشجرة .
ثم ان المراد منه هل هو نفس المسجد الموجود في هذه المنطقة ،أو أنه
اسم للمنطقة ككل كمسجد سليمان مثلا ؟الظاهر هو الأول ،لأن إرادة المعنى
الثاني منه بحاجة إلى قرينة ،و الاّ فالمسجد اسم لنفس البيت المبني للّه تعالى ،
هذا اضافة إلى أن قوله عليه السّلام بعده : «و يصلى فيه »شاهد على ذلك .
و من ناحية اخرى :إن نتيجة الجمع العرفي بين عدة من الروايات أن
الميقات محدد شرعا بما بين مسجد الشجرة و البيداء ،و هذا يعني أنه يبدأ من
المسجد و ينتهي إلى البيداء بمسافة ميل افقيا .
بيان ذلك :ان تلك الروايات تتمثل في ثلاث مجموعات :
الاولى :تدل على الاجهار بالاهلال و التلبية من المسجد إذا كان ماشيا ،
و الاّ فمن البيداء ،و هي متمثلة في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :إن كنت ماشيا فأجهر باهلالك و تلبيتك من المسجد و إن كنت راكبا فإذا
علت بك راحلتك البيداء »- 3 - و لكن لا بد من حمل ذلك على الاستحباب بقرينة
الروايات الآتية .
الثانية :تدل على وجوب التلبية من البيداء و النهي عنها قبلها ،و هي متمثلة
في روايات كثيرة :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا فرغت من
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 174 )--
..........
صلاتك و عقدت ما تريد فقم و امش هنيئة ،فاذا استوت بك الأرض ماشيا كنت
أو راكبا فلبّ -الحديث - »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن وهب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن التهيؤ
للإحرام ،فقال :في مسجد الشجرة فقد صلى فيه رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و قد ترى اناسا
يحرمون فلا تفعل حتى تنتهي إلى البيداء حيث الميل فتحرمون كما أنتم في
محاملكم تقول :لبّيك اللهمّ لبيك -الحديث - »- 2 - .
و منها :صحيحة منصور بن حازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا صليت
عند الشجرة فلا تلبّ حتى تأتي البيداء حيث يقول الناس يخسف بالجيش »- 3 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :صل المكتوبة
ثم احرم بالحج أو بالمتعة و اخرج بغير تلبية حتى تصعد إلى أول البيداء
إلى أول ميل عن يسارك ،فاذا استوت بك الأرض راكبا كنت أو ماشيا فلبّ
-الحديث - »- 4 - .و منها غيرها .
و هذه المجموعة تدل على عدم جواز التلبية من المسجد إلى أن يصل
إلى البيداء و هو مسافة ميل ،و بعد الوصول تجب ،و نتيجة ذلك أن المسجد ليس
ميقاتا للإحرام ،و انما هو مكان الصلاة مقدمة له حتى يتهيّأ الحاج و ينوي ما
يريد ،ثم يمشى بعد الصلاة عازما على الحج إلى أن يصل الى الميقات و هو
البيداء ،و حينئذ تجب عليه التلبية على أساس أن حقيقة الإحرام إنما هي التلبية ،
و لا إحرام بدونها .
الثالثة :تنص على جواز التلبية من المسجد و في دبر الصلاة ،و هي متمثلة
في موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «قلت له :إذا أحرم الرجل
في دبر المكتوبة أ يلبّى حين ينهض به بعيره أو جالسا في دبر الصلاة ؟قال :أي
ذلك شاء صنع »- 5 - .و تؤيد ذلك رواية معاوية بن عمار ،و هذه الموثقة بما أنها
---------------
( 1 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :6 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :35 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
--( 175 )--
ذلك الأقوى جواز الإحرام من خارج المسجد و لو اختيارا و إن قلنا إن ذا
الحليفة هو المسجد ،و ذلك لأن مع الإحرام من جوانب المسجد يصدق
الإحرام منه عرفا ( 1 ) ،إذ فرق بين الأمر بالإحرام من المسجد أو بالإحرام
فيه ،هذا مع إمكان دعوى أن المسجد حدّ للإحرام ( 2 ) فيشمل جانبيه مع
محاذاته ،و إن شئت فقل :المحاذاة كافية و لو مع القرب من الميقات .
[3213 ]مسألة 1 :الأقوى عدم جواز التأخير إلى الجحفة -و هي ميقات
أهل الشام -اختيارا ،نعم يجوز مع الضرورة لمرض أو ضعف أو غيرهما
من الموانع ،لكن خصها بعضهم بخصوص المرض و الضعف ،لوجودهما
في الأخبار فلا يلحق بهما غيرهما من الضرورات ،و الظاهر إرادة المثال ،
ناصة في جواز التلبية من المسجد فتصلح أن تكون قرينة على حمل الأمر بها
بعد الوصول إلى البيداء على الاستحباب و الأفضلية ،و نتيجة ذلك أن المسجد
مبدأ الميقات و نهايته البيداء ،يعني بمسافة ميل ،و هذه المسافة المحددة كلها
ميقات ،و يجوز الإحرام من أي نقطة منها شاء ،و إن كان الأفضل هو الاحرام من
البيداء و هو نهاية تلك المسافة المحددة .و من هنا يظهر أن الروايات التي تدل
على أن ذا الحليفة و هو مسجد الشجرة ميقات انما هي في مقام بيان مبدأ
الميقات ،و بضمها الى الروايات الآمرة بتأخير التلبية الى البيداء ينتج أن هذه
المسافة المعينة كلها ميقات مع التفاضل بين مواضعها ،فيكون الاحرام من
نهايتها أفضل من الاحرام من بدايتها .
( 1 ) ظهر مما مر أن دائرة الميقات أوسع من المسجد ،و يصح الإحرام من
خارجه .
( 2 ) مر أنه مبدأ الميقات للإحرام الى مسافة ميل طولا ،و أما عرضا فلا
يكون محددا شرعا ،فالمتبع فيه الصدق العرفي ،و أما النقطة المحاذية للشجرة
فلا شبهة في كفايتها في المقام للنص الخاص فيه ،و أما سائر المواقيت فسيأتي
الكلام فيها .
--( 176 )--
فالأقوى جوازه مع مطلق الضرورة ( 1 ) .
[3214 ]مسألة 2 :يجوز لأهل المدينة و من أتاها العدول إلى ميقات آخر
كالجحفة أو العقيق ،فعدم جواز التأخير إلى الجحفة إنما هو إذا مشى من
طريق ذي الحليفة ،بل الظاهر أنه لو أتى إلى ذي الحليفة ثم أراد الرجوع
( 1 ) هذا شريطة أن تصل الضرورة إلى حدّ الحرج ،و الاّ فلا أثر لها .
بيان ذلك :ان هاهنا ثلاث روايات قد تضمنت هذين العنوانين :
الاولى :صحيحة أبي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :خصال عابها
عليك أهل مكة ،قال :و ما هي ؟قلت :قالوا :احرم من الجحفة و رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
أحرم من الشجرة ،قال :الجحفة أحد الوقتين فاخذت بأدناهما و كنت عليلا »- 1 -
فانها تدل على جواز الاحرام من الجحفة تاركا له من الشجرة عامدا و ملتفتا إذا
كان عليلا ،و مناسبة الحكم و الموضوع تقتضي أن احرامه من الشجرة يكون
حرجيا عليه .
الثانية :موثقة أبي بكر الحضرمي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :إني خرجت
بأهلي ماشيا فلم أهل حتى أتيت الجحفة و قد كنت شاكيا فجعل أهل المدينة
يسألون عني فيقولون لقيناه و عليه ثيابه و هم لا يعلمون و قد رخص رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله لمن كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة »- 2 - فانها تدل أن رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله رخص من كان مريضا أو ضعيفا أن يحرم من الجحفة ،و من المعلوم أن
مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية تقتضى أن يكون احرامه من الشجرة
حرجيا عليه في هذه الحالة .
الثالثة :صحيحة صفوان بن يحيى عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال : «كتبت
إليه :إن بعض مواليك بالبصرة يحرمون ببطن العقيق و ليس بذلك الموضع ماء
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :6 من أبواب المواقيت الحديث :5 .
--( 177 )--
..........
و لا منزل و عليهم في ذلك مؤنة شديدة و يعجّلهم اصحابهم و جمالهم من وراء
بطن عقيق بخمسة عشر ميلا منزل فيه ماء و هو منزلهم الذي ينزلون فيه ،فترى
أن يحرموا من موضع الماء لرفقه بهم و خفته عليهم ،فكتب :إن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
وقت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها و فيها رخصة لمن كانت به
علة فلا تجاوز الميقات الاّ من علة »- 1 - فانها تدل على أن التجاوز من الميقات
غير جائز الاّ من مرض و علة ،و أما مجرد أن الإحرام منه صعب عليه دون مكان
آخر لا يوجب جواز التجاوز عنه بدونه .
ثم إن المتفاهم العرفي من هذه الروايات بمناسبات الحكم و الموضوع
الارتكازية أن المرض إنما يوجب جواز التجاوز من مسجد الشجرة بدون
إحرام إلى الجحفة و الإحرام منها إذا كان الإحرام من المسجد حرجيا عليه لا
مطلقا ،و كذلك الحال في الضعف ،و على هذا فلا موضوعية لعنوان المرض أو
الضعف فان المعيار انما هو بلزوم الحرج ،فاذا كان الإحرام منه حرجيا جاز
تأخيره إلى الجحفة ،سواء أ كان بسبب مرض أو ضعف أو شيء آخر كبرودة
الهواء أو نحوها .
فالنتيجة :ان المعيار انما هو بكون الاحرام من الميقات حرجيا أو ضرريا ،
فعندئذ يسوغ تأخيره إلى الميقات الأمامي كالجحفة ،بدون فرق بين لون منشأه
و أنه مرض أو ضعف أو برودة الطقس أو غير ذلك .
و دعوى :ان رواية ابراهيم بن عبد الحميد عن أبي الحسن موسى عليه السّلام قال :
«سألته عن قوم قدموا المدينة فخافوا كثرة البرد و كثرة الأيام يعني
الاحرام من الشجرة و أرادوا أن يأخذوا منها إلى ذات عرق فيحرموا منها ،
فقال :لا و هو مغضب ،من دخل المدينة فليس له أن يحرم الاّ من المدينة »- 2 -
تدل على أن السبب الآخر غير المرض و الضعف لا يوجب جواز تأخير الإحرام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :8 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 178 )--
منه و المشي من طريق آخر جاز ،بل يجوز أن يعدل عنه من غير رجوع ( 1 )
فإن الذي لا يجوز هو التجاوز عن الميقات محلا و إذا عدل إلى طريق آخر
لا يكون مجاوزا ( 2 ) و إن كان ذلك و هو في ذي الحليفة ،و ما في خبر
إبراهيم بن عبد الحميد -من المنع عن العدول إذا أتى المدينة -مع ضعفه
من مسجد الشجرة .
مدفوعة أما أولا :فالرواية ضعيفة فان في سندها جعفر بن محمد بن
حكيم و هو لم يثبت توثيقه ،و مجرد كونه من رجال اسناد كامل الزيارات لا
يكفي .
و أما ثانيا :إن مجرد خوف كثرة البرد أو كثرة الايام لا يكون مبررا لجواز
التأخير ،فان المبرر له انما هو لزوم الحرج و لم يفرض ذلك في الرواية .
( 1 ) هذا شريطة أن لا يصدق عليه عرفا التجاوز عن الميقات بدون إحرام ،
و اما إذا صدق كما هو الظاهر فلا يجوز له أن يتجاوز عن الميقات بدونه ،فانه اذا
وصل الى مسجد الشجرة قاصدا الحج أو العمرة لم يجز له التجاوز عنه بدون أن
يحرم ،و من الواضح أن التجاوز عنه يصدق سواء أ كان التجاوز بخط مستقيم
افقيا أو بخط منكسر و منحن كذلك ،باعتبار أن سيره يكون من كلا الخطين إلى
مكة .نعم اذا كان مسجد الشجرة مفترق الطرق ،طريق إلى مكة ،و طريق إلى بلد
آخر و منه إلى مكة مارا من الجحفة ،و على هذا فان اختار السير من الطريق الآخر
الموصل إلى ذلك البلد فان كان غرضه بذلك الإحرام من الجحفة و تركه من
مسجد الشجرة كما هو المفروض صدق عليه عنوان التجاوز ،و إن كان غرضه
الذهاب إلى ذلك البلد ،ثم منه إلى مكة ،لا يصدق عليه عنوان التجاوز ،فاذن لا بد
في المسألة من التفصيل ،و ليس لذلك ضابط كلي ،فان المعيار انما هو بصدق
التجاوز عن الميقات ،فان صدق بدون احرام عرفا لم يجز ،و الاّ فلا مانع منه .
( 2 ) مرّ أن المعيار انما هو بصدق التجاوز و عدمه عرفا .
--( 179 )--
منزّل على الكراهة .
[3215 ]مسألة 3 :الحائض تحرم خارج المسجد على المختار ،و يدل
عليه -مضافا إلى ما مر -مرسلة يونس ( 1 ) في كيفية احرامها «و لا تدخل
المسجد و تهلّ بالحج بغير صلاة »و أما على القول بالاختصاص بالمسجد
فمع عدم إمكان صبرها إلى أن تطهر تدخل المسجد و تحرم في حال
الاجتياز ( 2 ) إن أمكن ،و إن لم يمكن لزحم أو غيره أحرمت من خارج
المسجد ( 3 )
( 1 ) فيه أن الرواية مسندة و موثقة لا مرسلة ،و جاءت بهذا النص ،يونس
ابن يعقوب قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الحائض تريد الإحرام ،قال :تغتسل
و تستثفر و تحتشي بالكرسف و تلبس ثوبا دون ثياب احرامها و تستقبل القبلة
و لا تدخل المسجد و تهل بالحج بغير صلاة »- 1 - هذا ،و قد تقدم جواز الاحرام
من خارج المسجد اختيارا باعتبار أن هذه المنطقة بشعاع ميل افقيا
ميقات .
( 2 ) الظاهر عدم جواز دخولها المسجد للإحرام فيه و لو في حال
الاجتياز ،فان الاجتياز المستثنى في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم - 2 - المعلل
بقوله تعالى :وَ لا جُنُباً إِلاَّ عابِرِي سَبِيلٍ حَتَّى تَغْتَسِلُوا - 3 - هو أن يتّخذ
المسجد طريقا و سبيلا ،و لا يصدق على الدخول فيه بغاية اخرى اجتيازا ،فاذن
تكون الحائض ممن لا يقدر على الإحرام من مسجد الشجرة ،فوظيفتها أن
تحرم من الجحفة بناء على أن المسجد هو الميقات فحسب .
( 3 ) على الأحوط الأولى ،لما مر من أنها لما لم تكن قادرة على الإحرام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :48 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :15 من أبواب الجنابة الحديث :10 .
---------------
( 3 ) النساء :4 /43 .
--( 180 )--
و جددت في الجحفة ( 1 ) أو محاذاتها ( 2 ) .
[3216 ]مسألة 4 :إذا كان جنبا و لم يكن عنده ماء جاز له أن يحرم من
خارج المسجد ( 3 ) ،و الأحوط أن يتيمم للدخول و الإحرام ،و يتعين ذلك
من الميقات الأول و هو مسجد الشجرة -بناء على هذا القول -فوظيفتها الإحرام
من الميقات الأمامي كالجحفة ،لأنها حينئذ تكون مشمولة لإطلاقات الروايات
المتقدمة التي تنص على أنه لا يسوغ التجاوز عن الميقات الاّ من علة ،و لا وجه
حينئذ للإحرام من خارج المسجد بعد افتراض أنه ليس بميقات كما هو
المفروض على هذا القول .
( 1 ) بل يحرم منها ابتداء في مفروض المسألة .
( 2 ) سوف يأتي الاشكال في كفاية الاحرام من محاذاة سائر المواقيت غير
مسجد الشجرة .
( 3 ) مر أنه بناء على ما هو الصحيح من أن خارج المسجد ميقات إلى
شعاع الميل ،فالإحرام منه جائز اختيارا و إن لم يكن جنبا و لا حائضا ،و به يظهر
أن التيمم غير مشروع للدخول فيه و الإحرام منه .نعم بناء على القول بأن
المسجد هو الميقات ،قد يقال كما قيل بأنه لا يسوغ للجنب أو الحائض بعد
انقطاع الدم أن يتيمّم للدخول في المسجد من أجل الإحرام ،بل أن وظيفته
تأخير الاحرام إلى الجحفة .
بيان ذلك :ان التيمم للدخول في المسجد من أجل الاحرام منه غير
مشروع ،لأن الجنب أو الحائض لا يكون قادرا على الإحرام منه من جهة عدم
القدرة على الدخول فيه ،و عليه فلا يكون الإحرام منه واجبا عليه ،لأن وجوبه
مشروط بجواز دخوله فيه ،و الفرض أنه لا يجوز و لا يمكن اثبات هذا الجواز
بالتيمم ،لأن التيمم يتوقف على وجود مسوّغ له ،و المسوّغ لا يخلو من أن يكون
ضيق وقت العمل أو سبب آخر كاشتراط العبادة الموقتة بالطهارة سواء أ كانت --( 181 )--
..........
واجبة أم كانت مستحبة ،فانه إذا لم يجد الماء أو لم يتيسّر استعماله في وقتها
بكامله فعليه أن يتيمم فيكون التيمم في هذه الحالة شرطا ،و قد يكون شرطا
كماليا في العبادة كصلاة الأموات ،فانها صحيحة بدون طهارة و لكنها مع الطهارة
أفضل و أكمل ،و قد يكون لممارسة ما يحرم على غير المتوضئ أو غير
المغتسل ،كما إذا كانت هناك غاية مشروعة تدعو الجنب للدخول في المساجد ،
فانه يتمم للدخول فيها من أجل تلك الغاية .و اما في المقام فليس هنا غاية تدعو
الجنب أو الحائض بعد النقاء للدخول في المسجد من أجلها ،و أما الإحرام فيه
فهو لا يصلح أن يكون غاية تتطلب مشروعية التيمم للدخول فيه من أجله
باعتبار أن توجه الأمر بالاحرام فيه إليه و كونه مشروعا في حقه متوقف عليها ،
فلو كانت تلك متوقفة عليه لزم الدور ،فمن أجل ذلك لا يمكن أن يكون الأمر
بالاحرام فيه مسوغا للتيمم ،بل لا بد أن يكون سائغا في نفسه و بقطع النظر عنه
في المرتبة السابقة ،كما إذا تيمم للصلاة من جهة عدم تيسر استعمال الماء ،فإنه
حينئذ يجوز له الدخول في المسجد و الإحرام منه ،و على هذا فالجنب أو
الحائض داخل في المعذور عن الإحرام من المسجد ،فيسوغ له التجاوز عنه
و الإحرام من الجحفة بمقتضى اطلاق الروايات التي تنص على عدم التجاوز
عنه الاّ من علة ،و الجنابة و الحيض علة .
و بكلمة ان الجنب لا يكون مأمورا بالاحرام من المسجد ،فاذا لم يكن
الاحرام مشروعا في حقه ،فان مشروعيته له تتوقف على جواز دخوله فيه ،
و هو يتوقف على التيمم ،و لا مسوّغ له ،لأن التيمم للدخول فيه لا بد أن يكون من
أجل غاية مشروعة بقطع النظر عنه ،و الفرض عدم وجودها ،لأن مشروعية
الاحرام فيه تتوقف على التيمم ،و لا يكون مشروعا بقطع النظر عنه و في نفسه ،
باعتبار أنه لا أمر به بدونه ،هذا نظير ما إذا تيمم الجنب للدخول في المسجد من
أجل الصلاة باعتبار أن الأمر بالصلاة فيه لا يكون متوجها إليه ،و هو يتوقف على
مشروعية التيمم للدخول فيه من أجلها ،و المفروض أن مشروعيته تتوقف على --( 182 )--
على القول بتعيين المسجد ( 1 ) ،و كذا الحائض إذا لم يكن لها ماء بعد
نقائها .
الثاني :العقيق ،و هو ميقات أهل نجد و العراق و من يمرّ عليه من
غيرهم ،و أوّله المسلخ ،و أوسطه غمرة ،و آخره ذات عرق ( 2 ) ،
و المشهور جواز الإحرام من جميع مواضعه اختيارا و أن الأفضل
أن يكون الأمر بالصلاة فيه متوجها إليه و تكون مشروعة في حقه بقطع النظر
عنه ،فلذلك لا يكون التيمم مشروعا للجنب او الحائض بعد انقطاع دمها
للدخول في المساجد من أجل الصلاة فيها ،هذا كله على القول بعدم استحباب
التيمم في نفسه اي بعنوان أنه طهور ،و أما بناء على استحبابه كذلك كما هو
الأظهر على أساس أنه قد ورد في الروايات أن التيمم أحد الطهورين و الفرض
أن الطهور محبوب في نفسه شرعا ،فاذن يكون التيمم من أجل الكون على
الطهارة محبوب ،فلا مجال لهذا الاشكال حينئذ ،لأن الجنب او الحائض على
هذا قادر على الدخول في المسجد من جهة قدرته على التيمم من اجل الكون
على الطهارة ،فاذا كان قادرا عليه وجب ،فيجب عليه عندئذ أن يتيمم و يدخل
فيه و يحرم منه و لا يكون معذورا .
( 1 ) هذا هو الأظهر بناء على ما قويناه من أن التيمم مستحب من أجل
أنه طهور ،فإذا أتى به من أجل كونه على الطهارة فقد أتى بتيمم
مشروع .
( 2 ) هذا هو المعروف و المشهور بين الأصحاب ،و قد استدل على ذلك
برواية أبي بصير قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :حد العقيق أوله المسلخ ،
آخره ذات عرق »- 1 - فانها تحدد العقيق من حيث المبدأ و المنتهى بوضوح ،
و بمرسلة الصدوق قال : «و قال الصادق عليه السّلام :وقّت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهل العراق
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :7 .
--( 183 )--
..........
العقيق و أوله المسلخ و وسطه غمرة و آخره ذات عرق ،و أوله أفضل »- 1 - و لكن
للنظر في ذلك مجال .أما المرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها من جهة إرسالها .
و دعوى :أن ضعفها منجبر بعمل المشهور بها .
مدفوعة :بما ذكرناه غير مرة من المناقشة في كون عمل المشهور برواية
ضعيفة جابرا لضعفها نظريا و تطبيقيا ،و أما رواية أبي بصير فان الراوي عنه عمار
ابن مروان و هو مردد بين اليشكري و بين الكلبي ،و هو بعنوان اليشكري ثقة دون
الكلبي ،و لم يثبت أنهما عنوانان لشخص واحد ،اذ لا دليل على الاتحاد و على
التعدد ،فهل المراد منه في الرواية اليشكري الثقة حتى تكون الرواية معتبرة ،أو
المراد منه الكلبي حتى تكون الرواية ضعيفة .
و دعوى :أن المراد منه الأول للانصراف من جهة أنه المعروف
و المشهور .
مدفوعة :بأن شهرة عمار بن مروان بعنوان اليشكري لم تصل إلى درجة
كلما أطلق عمار بن مروان كان المنصرف منه اليشكري ،فانه ليس من الرواة
المعروفين و المشهورين ،حيث أن وقوعه بعنوان اليشكري في اسناد الروايات
قليل .
فالنتيجة :انه لا يمكن حصول الوثوق و الاطمئنان بأن المراد منه
اليشكري ،غاية الأمر حصول الظن به و لا قيمة له .هذا اضافة إلى أنها معارضة
بصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :أول العقيق بريد البعث ،
و هو دون المسلخ بستة أميال مما يلي العراق ،و بينه و بين غمرة أربعة و عشرون
ميلا بريدان »- 2 - فانها تنص على أن أوله بريد البعث لا المسلخ ،و بينه و بين غمرة
بريدان ،و مثلها صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :وقت رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهل المشرق العقيق نحوا من بريدين ما بين بريد البعث إلى غمرة
-الحديث - »- 3 - و على هذا فان قلنا بأن رواية أبي بصير لم يثبت اعتبارها كما هو
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :9 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :6 .
--( 184 )--
..........
الأظهر فالمرجع حينئذ هو صحيحة معاوية ،و مقتضاها أن أول العقيق بريد
البعث ثم المسلخ .نعم انها ساكتة عن آخره ،و لكن صحيحته الاخرى عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «قال :آخر العقيق بريد أوطاس ،و قال :بريد البعث دون غمرة
ببريدين »- 1 - تنص على أن آخره بريد أوطاس .
و دعوى :أن كلتا الصحيحتين مخالفة للمشهور المصرح به في كلماتهم
من أن أول العقيق المسلخ و آخره ذات عرق ،باعتبار أن الاولى مخالفة لهم في
أوله ،و تنص على أنه بريد البعث دون المسلخ و الثانية مخالفة لهم في آخره
و تنص على أنه بريد أوطاس لا ذات عرق ،فلذلك كانتا مهجورتين لديهم ،
و ذلك موجب لسقوطهما عن الحجية .
مدفوعة :بما ذكرناه غير مرة من أن الرواية إذا كانت معتبرة لا تسقط عن
الحجية بمخالفة المشهور و عدم عملهم بها ،فاذن لا مناص من العمل بها ،
و يكون الناتج من ضمها إلى صحيحته الاولى أن أوله بريد البعث و آخره بريد
أوطاس ،و أما ذات عرق فقد ورد في موثقة عمار قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام
عن المتمتع يجيء فيقضي متعة ،ثم تبدو له الحاجة فيخرج إلى المدينة و إلى
ذات عرق أو إلى بعض المعادن ،قال :يرجع إلى مكة بعمرة ..إلى أن قال :كان
أبي مجاورا هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء ،فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم
من ذات عرق بالحج و دخل و هو محرم بالحج »- 2 - فانها تدل على أنه من
الميقات ،و أما الاحرام من غمره فمضافا إلى هاتين الصحيحتين فقد ورد في
موثقة اسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الاحرام من غمرة قال :
ليس به بأس و كان بريد العقيق أحب إلي »- 3 - .
و أما على تقدير أن رواية أبي بصير معتبرة فيقع التعارض بينها و بين
صحيحة معاوية في تحديد أول العقيق ،فان مقتضى رواية أبي بصير أن أوله
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :22 من أبواب أقسام الحج الحديث :8 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :3 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 185 )--
..........
المسلخ ،و مقتضى الصحيحة أن أوله بريد البعث ،و بعد سقوطهما فيه
بالمعارضة لم يثبت عنوان الأولية لكل من المسلخ و بريد البعث ،و أما أصل
ميقاتية كل منهما فهو ثابت و لا معارضة فيه باعتبار أن التعارض انما هو في
عنوان الأولية ،و نتيجة ذلك أنه يجوز الإحرام من كل من المسلخ و من غمرة
و من ذات عرق .
و أما ذات عرق کفقد قيل إنها كانت اسما لقرية فخربت ،و أما غمرة کفهي
داخلة في عمق العقيق ،و أما بريد البعث ،فهو اسم لمبدإه بناء على ما هو
الصحيح من عدم اعتبار رواية أبي بصير ،و أما في الصحيحة الثانية لمعاوية من
أن آخر العقيق بريد أوطاس فلم يرد في شيء من الروايات جواز الإحرام منه ،
و أما الإحرام من بريد البعث الذي هو أول العقيق فهو الأفضل بمقتضى جملة
من الروايات .
و أما الصحيحة الثالثة لمعاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من
تمام الحج و العمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تجاوزها
الاّ و أنت محرم ،فانه وقت لأهل العراق و لم يكن يومئذ عراق بطن العقيق
-الحديث - »- 1 - فهي تدل على أن الميقات بطن العقيق أي وسطه ،فاذن تكون
منافية لما دل من أن أوله و هو بريد البعث ميقات ،و لكن الظاهر أنه
لا تنافي بينهما ،فان المتفاهم العرفي من بطن العقيق بمناسبة الحكم
و الموضوع هو داخله في مقابل الخارج عنه ،باعتبار أن العقيق محدود بحد
معين و بمسافة محددة ،فاذا وصل إلى ذلك الحد و دخل في محدوده دخل في
باطنه ،فاذن لا تنافي بينه و بين كون أوله و هو بريد البعث ميقات ،باعتبار أنه
داخل في العقيق .و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن بطن العقيق ظاهر في
وسطه الاّ أنه لا بد من رفع اليد عنه بنص الروايات الداله على أن بريد البعث
الذي هو أول العقيق ميقات ،و يجوز الاحرام منه تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
--( 186 )--
..........
على الأظهر او النص .
و بكلمة :إن هذه الصحيحة لا تكون مخالفة لسائر الروايات التي تدل على
أن العقيق ميقات ،فان الظاهر منها أن حدوده خارجة منه .
لحد الآن قد تبين أن المستفاد من مجموعة من روايات الباب بضم
بعضها إلى بعض أن العقيق الذي هو ميقات لأهل العراق محدد من حيث المبدأ
ببريد البعث و المنتهى ببريد أوطاس ،و المسلخ بينهما ،و أما غمرة فهل هي نهاية
العقيق و أن بريد أوطاس داخل فيها ،أو أن نهايته بريد أوطاس بعد غمرة ؟فلا
يمكن استفادة ذلك من الروايات ،فاذن تطبيق ذلك خارجا يتطلب الرجوع إلى
أهل الخبرة من المنطقة و السؤال عنهم ،و ترشد إلى ذلك صحيحة معاوية بن
عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يجزيك اذا لم تعرف العقيق أن تسأل الناس
و الأعراب عن ذلك »- 1 - .
فظهر مما مر أن آخره بريد أوطاس على ما نص عليه في صحيحة معاوية
بن عمار - 2 - المتقدمة .
و أما ذات عرق ،فقد ورد في روايتين أن آخر العقيق ذات عرق ،احداهما
رواية أبي بصير - 3 - المتقدمة ،و الاخرى مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السّلام : «قال :
وقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهل العراق العقيق و أوله المسلخ و وسطه غمرة و آخره
ذات عرق ،و أوله أفضل »- 4 - و لكن كلتا الروايتين لا يمكن الاعتماد عليها ،
أما الأولى فقد مر أنه لم يثبت صحتها ،و أما الثانية فلإرسالها .نعم
ورد في موثقة اسحاق بن عمار عن أبي الحسن عليه السّلام قوله : «كان أبي مجاورا
هاهنا فخرج يتلقى بعض هؤلاء فلما رجع فبلغ ذات عرق أحرم من ذات عرق
بالحج »- 5 - الاّ أنه لا يدل على أنه آخر العقيق ،و انما يدل على أنه من
الميقات .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :7 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :2 من أبواب المواقيت الحديث :9 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :22 من أبواب القسام الحج الحديث :8 .
--( 187 )--
الإحرام من المسلخ ( 1 ) ثم من غمرة ،و الأحوط عدم التأخير إلى
ذات عرق إلا لمرض أو تقية فإنه ميقات العامة ،لكن الأقوى ما هو
المشهور ،و يجوز في حال التقية الإحرام من أوله قبل ذات عرق سرّا من
غير نزع ما عليه من الثياب ( 2 ) إلى ذات عرق ثم إظهاره و لبس ثوبي
الإحرام هناك ،بل هو الأحوط ،و إن أمكن تجرده و ليس الثوبين سرا ثم
نزعهما و لبس ثيابه إلى ذات عرق ثم التجرد و لبس الثوبين فهو أولى .
الثالث :الجحفة ،و هي لأهل الشام و مصر و مغرب و من يمرّ عليها من
غيرهم إذا لم يحرم من الميقات السابق عليها ( 3 ) .
( 1 ) بل الافضل من بريد البعث فانه أول العقيق كما مر ،و تدل على أن
الاحرام من أوله أفضل جملة من الروايات ..
منها :صحيحة يونس بن يعقوب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن
الإحرام من أي العقيق أفضل أن أحرم ؟قال :من أوله و هو أفضل »- 1 - .
و منها :موثقة اسحاق بن عمار قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن الاحرام من
غمرة ،قال :ليس به بأس و كان بريد العقيق أحبّ إلي »- 2 - .
( 2 ) هذا باعتبار أن لبس ثوبي الاحرام غير داخل في حقيقة الاحرام ،بل
هو واجب مستقل ،فإذا اضطر اليه تقية أو بسبب آخر سقط وجوبه ،و أما الكفارة
فهي مبنية على الاحتياط .
( 3 ) هذا بدون فرق بين أن يكون ترك الإحرام من الميقات السابق عن
عذر كالمرض أو نحوه ،أو يكون عن جهل بالحال أو غفلة ،و حينئذ فيجوز له أن
يحرم من الميقات الأمامي و هو الجحفة ،و لا يجب عليه أن يرجع إلى الميقات
---------------
( 1 ) الوسائل باب :3 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :3 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 188 )--
الرابع :يلملم ،و هو لأهل اليمن .
الخامس :قرن المنازل ،و هو لأهل الطائف .
السادس :مكة ،و هي لحج التمتع .
السابع :دويرة الأهل أي المنزل ،و هي لمن كان منزله دون
الميقات ( 1 )
السابق و الاحرام منه ،و ذلك لإطلاق النص الخاص الوارد في المسألة ،و الاّ
فمقتضى القاعدة هو وجوب الرجوع إلى الميقات السابق كما سوف يأتي
تفصيله في ضمن البحوث القادمة ،بل لا يبعد ذلك إذا كان تركه من الميقات
السابق عن عمد و التفات ،و لكن الاحتياط بالرجوع إليه و الإحرام منه في هذه
الصورة لا يترك ،كما سيأتي بيانه
( 1 ) بأن يكون بينه و بين مكة ،و تنص على ذلك صحيحة مسمع عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من
منزله »- 1 - و صحيحة أبي سعيد قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عمن كان منزله دون
الجحفة إلى مكة ،قال :يحرم منه »- 2 - هذا اضافة إلى أن المتفاهم العرفي من
الروايات المطلقة أيضا ذلك ،كقوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «من كان
منزله دون الوقت إلى مكة فليحرم من منزله »- 3 - و عليه فاحتمال أن يكون المراد
من كون منزله دون الميقات أي دون تمام الميقات في أطراف مكة ضعيف
جدا ،بل انه غير محتمل عرفا .
ثم إنه هل يتعين عليه الاحرام من منزله ،أو يجوز له أن يذهب إلى
الميقات و يحرم منه ؟الظاهر هو الجواز ،و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الأمر
بالاحرام الوارد في هذه الروايات هو الترخيص في الإحرام من المنزل إذا كان
دون الميقات ،باعتبار أنه وارد في مقام توهم الحظر ،على أساس أن المرتكز في
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 189 )--
إلى مكة ،بل لأهل مكة أيضا على المشهور الأقوى ( 1 ) -و إن استشكل فيه
الأذهان أن الإحرام بعد الميقات كالإحرام قبله غير مشروع في نفسه ،فاذن لا
يدل الأمر به الاّ على رفع هذا التوهم دون الوجوب ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى ان مقتضى اطلاق هذه الروايات عدم الفرق في ذلك
بين أن يكون الإحرام لعمرة التمتع من حجة الإسلام أو العمرة المفردة أو حج
الإفراد أو القران .
( 1 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر أن ميقات أهل مكة الجعرانة ،
و ذلك لأن روايات دويرة الأهل ظاهرة فيمن كان منزله بين الميقات و مكة
المكرمة ،و لا تعم أهل مكة ،لأن قوله عليه السّلام : «من كان منزله دون الوقت إلى
مكة ... »- 1 - ظاهر في أن مكة خارجة عنه و أن دون الوقت محدد بما بين مكة
و الميقات .
و دعوى :أن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية
هو أنه لا خصوصية لمن كان منزله بين الميقات و مكة المكرمة ،و أن المعيار انما
هو بكون منزله دون الوقت الشامل لأهل مكة أيضا .
مدفوعة :بأن المتفاهم العرفي من الروايات ليس ذلك ،و لا يكون فيها ما
يوجب ظهورها في كون الغاية داخلة في المغيّى ،و التعدي عن موردها اليها
بحاجة إلى قرينة و لا قرينة لا في نفس هذه الروايات و لا من الخارج .
و أما مرسلة الصدوق عن الصادق عليه السّلام : «عن رجل منزله خلف الجحفة
من أين يحرم ؟قال :من منزله »- 2 - فلا تصلح أن تكون شاهدة على ذلك ..
أما أولا :فلأنها ضعيفة سندا للإرسال .
و أما ثانيا :فلأن الروايات المتقدمة بما أنها خاصة بغير أهل مكة فتصلح
أن تكون قرينة لتقييد اطلاقها بغير أهل مكة .و مع الاغماض عن ذلك و تسليم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :6 .
--( 190 )--
..........
أن هذه الروايات لا تدل على خروج أهل مكة عن هذا الحكم ،الاّ أن هناك
روايتين تدلان على ذلك :
الاولى :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :
إني اريد الجوار بمكة فكيف اصنع ؟فقال :إذا رأيت الهلال هلال ذي الحجة
فاخرج إلى الجعرانة فاحرم منها بالحج -الحديث - »- 1 - .
الثانية :صحيحة أبي الفضل قال : «كنت مجاورا بمكة فسألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام :من أين احرم بالحج ؟فقال :من حيث أحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله من
الجعرانة ،أتاه في ذلك المكان فتوح فتح الطائف و فتح خيبر و الفتح
-الحديث - »- 2 - .
و دعوى :اختصاصها بالمجاور و عدم شمولها المتوطن .
مدفوعة :بأن المجاورة أعم من الاستيطان ،فلا تختص بالموقت ،فاذا قال
أحد أنا اخترت المجاورة بمكة كان المتفاهم منه عرفا أعم من الموقت و الدائم ،
فالمستفاد منهما عرفا أن ميقات أهل مكة الجعرانة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :9 من أبواب أقسام الحج الحديث :6 .
--( 191 )--
تطبيق و تكميل
لتوضيح ما ذكرناه و تكميله نستعرض عدة مسائل :
الاولى :قد تسأل أن من كان منزله دون الميقات إلى مكة ،فهل تلحظ
المسافة بينه و بين مكة بالنسبة إلى جميع المواقيت في كل اطرافها ،أو بالنسبة
إلى الميقات في طرفه فحسب ؟ !فعلى الأول بما أن أقرب الميقات إلى مكة قرن
المنازل باعتبار أن المسافة بينه و بين مكة لا تتجاوز عن مرحلتين فكل من كان
منزله دون دائرة موهومة حول مكة بعمق مرحلتين اليها فميقاته منزله ،و كل من
كان منزله خارج هذه الدائرة فعلية أن يحرم من الميقات و لو بالرجوع إليه .
و على الثاني يحرم من منزله إذا كان دون الميقات بالنسبة إلى طرفه فحسب .
و بكلمة ان عنوان دون الميقات المأخوذ في موضوع الحكم فهل يؤخذ
بمعنى نسبي و هذا يعني أنه مشتمل على نسبة ،أو بمعنى مطلق أي لا يكون
مشتملا على نسبة .
و الجواب ان الظاهر من الروايات هو المعنى الأول أي المعنى النسبي
دون المعنى الثاني لوضوح أن قوله عليه السّلام في صحيحة أبي سعيد المتقدمة : «عن
كان منزله دون الجحفة إلى مكة ،قال :يحرم منه »- 1 - ظاهر في أن المعيار انما هو
بكون منزله دون الميقات الذي في طرفه إلى مكة و إن لم يكن دون الميقات
الذي في طرف آخر إليها ،و كذلك قوله عليه السّلام في صحيحة مسمع المتقدمة : «إذا
كان منزل الرجل دون ذات عرق إلى مكة فليحرم من منزله »- 2 - .
فالنتيجة :انه لا شبهة في ظهور الروايات في المعنى النسبي و أن منزل كل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 192 )--
..........
فرد في كل طرف إذا كان دون الميقات في ذلك الطرف إلى مكة فميقاته منزله
و إن لم يكن دونه في الطرف الآخر إليها .
الثانية :قد تسأل أن من كان منزله دون مسجد الشجرة و قبل الجحفة ،فهل
يكون ميقاته منزله أو مسجد الشجرة أو الجحفة ؟
و الجواب :إنه الجحفة ،لأن الروايات التي تنص على أن من كان منزله
دون الوقت إلى مكة فليحرم منه ،لا تشمل هذه الصورة ،لوضوح أن الظاهر منها
أن المنزل انما يكون ميقاتا إذا لم يكن أمامه ميقات آخر من المواقيت المعينة ،
و الاّ فعليه أن يحرم منه ،و لا يسوغ له أن يحرم قبله .
الثالثة :قد تسأل أن من كان منزله في مكة المكرمة ،فهل هو خارج عن
هذه الروايات ،أو أنه مشمول لها ؟
و الجواب :إن الظاهر من هذه الروايات هو عدم شمولها له ،فان تحديد
المسافة فيها بقوله عليه السّلام : «...إلى مكة »ظاهر في خروجها عنها ،على أساس ظهور
القضية المغياة في خروج الغاية عن حكم المغيّى ،أو لا أقل من الاجمال و عدم
ظهورها في أنها داخلة فيها أو خارجة عنها ،فاذن العمدة في المسألة روايات
الباب و قد مر أنها تنص على أن ميقات أهل مكة الجعرانة .
الرابعة :قد تسأل أن من كان منزله في بلدة دون الوقت إلى مكة ،فهل
يختص الحكم بمن كان أهلا لتلك البلدة ،أو يعم المقيم فيها أيضا ،و إن لم
يصدق عليه عنوان الأهل ؟
و الجواب :إنه يعم المقيم فيها أيضا ،و لا يختص الحكم بمن يكون أهلا
لها ،و السبب فيه أن الوارد في لسان الروايات «من كان منزله دون الوقت »- 1 - لا
أهله ،فاذن المعيار في ثبوت الحكم انما هو بصدق هذا العنوان ،و من الواضح أن
صدقه لا يتوقف على أن يكون من أهلها .
مثال ذلك :إن من هاجر من المدينة المنورة -مثلا -و سكن في بلدة دون
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 193 )--
استشكل فيه بعضهم -فإنهم يحرمون لحج القران و الإفراد من مكة ( 1 ) ،بل
و كذا المجاور الذي انتقل فرضه إلى فرض أهل مكة ،و إن كان الأحوط
إحرامه من الجعرانة -و هي أحد مواضع أدنى الحل -للصحيحين الواردين
فيه المقتضي إطلاقهما عدم الفرق بين من انتقل فرضه أو لم ينتقل ،و إن كان
القدر المتيقن الثاني ( 2 ) فلا يشمل ما نحن فيه ،لكن الأحوط ما ذكرنا عملا
الجحفة ،فإذا جاء وقت الحج صدق عليه أن منزله دون الوقت ،فإذا صدق ذلك
كان ميقاته منزله .
الخامسة :قد تسأل أن الاحرام من المنزل هل هو متعين عليه ،أو أنه
يجوز له أن يرجع إلى الميقات و الإحرام منه ؟
و الجواب :إنه يجوز له أن يرجع إلى أحد المواقيت و الإحرام منه ،لما
تقدم من أن روايات الباب لا تدل على تعين الإحرام من المنزل ،لأن الأمر الوارد
به فيها لا يدل على الوجوب ،باعتبار وقوعه في مظان توهم الحظر .
السادسة :قد تسأل أن منزل من كان دون الوقت فهل يلحظ قربه مسافة
إلى مكة أو إلى عرفات ؟
و الجواب :إن المعيار انما هو بقربه إلى مكة دون عرفات ،بدون فرق في
ذلك بين العمرة و الحج ،و ذلك لتحديد الروايات المسافة بين المنزل و مكة ،و لا
يرد في شيء من هذه الروايات تحديدها إلى عرفات ،كما أنه لم يرد في شيء
منها التفصيل بين العمرة و الحج .
( 1 ) مر أن ميقات أهل مكة الجعرانة .
( 2 ) فيه ان الأخذ بالقدر المتيقن انما هو فيما إذا كان الدليل مجملا ،و لا
يكون حجة الاّ فيه ،و أما إذا كان مطلقا و كان ظاهرا فيه فلا معنى للأخذ به و الغاء
اطلاقه رغم أنه حجة فيه ،ضرورة أن وجود القدر المتيقن فيه لا يمنع من الأخذ
باطلاقه ،و الاّ فلازمه الغاء جميع الاطلاقات ،إذ لا يخلو مطلق عن وجود القدر --( 194 )--
بإطلاقهما ،و الظاهر أن الإحرام من المنزل للمذكورين من باب الرخصة
و إلا فيجوز له الإحرام من أحد المواقيت ،بل لعله أفضل لبعد المسافة
و طول زمان الإحرام .
الثامن :فخّ ،و هو ميقات الصبيان في غير حج التمتع عند جماعة ،
بمعنى جواز تأخير إحرامهم إلى هذا المكان لا أنه يتعين ذلك و لكن
الأحوط ما عن آخرين من وجوب كون إحرامهم من الميقات لكن لا
يجرّدون إلا في فخّ ( 1 ) ،ثم إن جواز التأخير على القول الأول إنما هو إذا
المتيقن فيه ،و على هذا فبما أن للصحيحتين المذكورتين اطلاق فلا بد من الأخذ
به ،و لا وجه للاقتصار على المقدار المتيقن منهما .
( 1 ) بل الظاهر أن احرامهم منه ،لا أن احرامهم من الميقات و تجريدهم
من الثياب فيه و ذلك لأن المستفاد عرفا من صحيحة أيوب أخي أديم قال : «سئل
أبو عبد اللّه عليه السّلام :من أين تجرد الصّبيان ؟قال :كان أبي يجردهم من فخ »- 1 -
و كذلك من صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام - 2 - بمناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية أن احرامهم منه و كون تجريدهم كناية عن
ذلك .
و بكلمة :إن الصحيحة سؤالا و جوابا ظاهرة فيه ،و حملها على أن احرامهم
كان من الميقات و تجريدهم من الثياب كان من فخ بحاجة إلى قرينة .و مع
الاغماض عن ذلك ،فلا شبهة في أنها غير ظاهرة في التجريد المحض ،و كون
إحرامهم من الميقات فتكون مجملة من هذه الناحية ،و عندئذ يرجع إلى
صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :انظروا من كان معكم من
الصبيان فقدموه إلى الجحفة أو إلى بطن مر و يصنع بهم ما يصنع بالمحرم
---------------
( 1 ) الوسائل باب :18 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :18 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
--( 195 )--
مرّوا على طريق المدينة ،و أما إذا سلكوا طريقا لا يصل إلى فخّ ( 1 ) فاللازم
إحرامهم من ميقات البالغين .
التاسع :محاذاة أحد المواقيت الخمسة ( 2 ) ،و هي ميقات من لم يمرّ
على أحدهما ،و الدليل عليه صحيحتا ابن سنان ،و لا يضر اختصاصهما
بمحاذاة مسجد الشجرة بعد فهم المثالية منهما و عدم القول بالفصل ،
و مقتضاهما محاذاة أبعد الميقاتين إلى مكة إذا كان في طريق يحاذي اثنين ،
فلا وجه للقول بكفاية أقربهما إلى مكة .
و يطاف بهم و يرمى عنهم و من لا يجد الهدي منهم فليصم عنه وليه »- 1 - فانها
ظاهرة في جواز تأخير احرامهم إلى الجحفة أو إلى بطن مر ،و لا يمكن حملها
على تأخير تجريد ثيابهم اليها دون احرامهم الاّ بقرينة .
( 1 ) لا يكفي عدم وصول الطريق إلى فخ في لزوم احرامهم من ميقات
البالغين ،فانه إذا لم يصل إليه و وصل إلى الجحفة أو بطن مر جاز التأخير إليها
و القيام باحرامهم منها .
( 2 ) في كفاية المحاذاة لمطلق المواقيت اشكال ،و لا يبعد عدم الكفاية
و اختصاصها بمحاذاة مسجد الشجرة ،فلنا دعويان :
الاولى :عدم كفاية محاذاة مطلق المواقيت .
الثانية :كفاية محاذاة خصوص مسجد الشجرة .
أما الدعوى الاولى :فلأن صحة الإحرام عن نقطة محاذية لكل ميقات من
المواقيت بحاجة إلى دليل ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدم الصحة ،و بما أنه لا دليل
على الكفاية مطلقا فلا يمكن الحكم بها .
و أما الدعوى الثانية :و هي كفاية محاذاة خصوص مسجد الشجرة ،فقد
---------------
( 1 ) الوسائل باب :17 من أبواب أقسام الحج الحديث :3 .
--( 196 )--
..........
دلت عليها صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من أقام بالمدينة
شهرا و هو يريد الحج ،ثم بدا له أن يخرج من غير طريق أهل المدينة الذي
يأخذونه فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال ،فيكون حذاء الشجرة من
البيداء »- 1 - .و مثلها صحيحته الاخرى - 2 - و موردها نقطة محاذية للشجرة من
البيداء ،و حينئذ فهل يمكن التعدي منها إلى نقطة محاذية لسائر المواقيت أو لا ؟ !
المعروف و المشهور هو التعدي ،بدعوى أن المتفاهم العرفي منها عدم
خصوصية لها ،و أن ذكرها انما هو من باب المثال ،بدون فرق بين ميقات
و ميقات ،و لكن الصحيح هو العدم لأن الظاهر من كل قيد مأخوذ في لسان الدليل
هو الموضوعية ،و حمله على المثال و الطريقية الصرفة بحاجة إلى قرينة .
و بكلمة :إن المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للنائي انما هي متمثلة في
خمسة أماكن معيّنة ،و أما جعل نقطة محاذية لها ميقاتا فهو بحاجة إلى دليل ،و الاّ
فمقتضى القاعدة أنها ليست بميقات ،و قد دل الدليل على أن الشارع جعل نقطة
محاذية للشجرة من البيداء ميقاتا و يصح الإحرام منها ،و التعدي عن مورده إلى
محاذاة سائر المواقيت بحاجة إلى قرينة ،باعتبار أن الحكم يكون على خلاف
القاعدة ،و حيث لا قرينة عليه لا في معنى هذه الرواية و لا من الخارج فلا يمكن
التعدي .
و دعوى :أن العرف لا يفهم من محاذاة الشجرة من البيداء خصوصية ،بل
يفهم منها أن ذكرها انما هو من باب المثال .
مدفوعة :بأن كل قيد مأخوذ في لسان الدليل في مرحلة الجعل و الاعتبار
ظاهر في الموضوعية و دخله في الحكم و الملاك معا ،و أما حمله على الطريقية
الصرفة فهو بحاجة إلى قرينة كالارتكاز العرفي او القرائن الحالية أو المقالية أو
السياقية ،و شيء منها غير موجود في المقام ،أما الارتكاز العرفي فهو غير متوفر
لأن الحكم يكون على خلاف القاعدة ،فلا ارتكاز في البين ،و القرائن غير متوفرة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 197 )--
..........
فيه ،فاذن لا يمكن التعدي .
فالنتيجة :اختصاص الحكم بنقطة محاذية للشجرة دون غيرها .
ثم إن هذا الحكم هل يختص بالمقيم في المدينة شهرا و هو يريد الحج أو
لا ؟فظاهر الصحيحة و إن كان الاختصاص ،باعتبار أن هذين القيدين كليهما
مأخوذان في كلام الإمام عليه السّلام فيها ،و لكن لا بد من رفع اليد عن هذا الظهور لعدة
أسباب :
الأول :إن مناسبات الحكم و الموضوع الارتكازية العرفية تقتضى عدم
خصوصية للمقيم في المدينة ،و لا يرى الفرق بينه و بين أهلها في ذلك .
الثاني :إنه لا يحتمل عرفا أن يكون لإقامة شهر خصوصية بحيث لو زاد
أو نقص لم يثبت هذا الحكم .
الثالث :إنه لا يحتمل عرفا أن تكون لإرادته الحج منها دخيلة في الحكم .
الرابع :إنه يجوز لكل من كان في المدينة سواء أ كان مقيما فيها أم كان
متوطنا أن يخرج منها إلى جهة الغرب و يكون ميقاته الجحفة ،أو إلى الشرق
و يكون ميقاته وادي العقيق و لا يجب عليه الإحرام من مسيرة ستة أميال
المحاذية للشجرة من البيداء ،الاّ أن يقال بعدم صدق المحاذاة عرفا ،باعتبار بعد
المسافة .
فالنتيجة :إن هذه الامور تصلح أن تكون قرينة على أن أخذهما في
الروايات انما هو بنكتة اخرى .
و دعوى :أنه على هذا ما هو الفرق بين هذين القيدين و بين محاذاة
الشجرة ؟
و الجواب :إن الفرق بينهما انما هو بنظر العرف ،فانه لا يفهم من
الصحيحة أن النقطة المحاذية للشجرة من البيداء إنما أخذت فيها من باب
المثال بدون خصوصية لها ،إذ يحتمل أن في جعل الشارع تلك النقطة ميقاتا
خصوصية لم تكن تلك الخصوصية متوفرة في النقاط المحاذية لسائر --( 198 )--
و تتحقق المحاذاة بأن يصل في طريقه إلى مكة إلى موضع يكون بينه
و بين مكه باب و هي بين ذلك الميقات و مكة بالخط المستقيم ( 1 )
المواقيت ،و مع هذا الاحتمال لا يمكن التعدي ،و هذا بخلاف هذين القيدين
و هما الإقامة في المدينة شهرا و ارادة الحج ،فان العرف لا يفهم منهما الاّ كون
ذكرهما من باب الغالب ،و لا يرى خصوصية فيهما ،فمن أجل ذلك لا فرق بين
المقيم و المتوطن ،و في المقيم لا فرق بين أن يكون شهرا أو أقل أو أكثر ،بل
يكون مارا من المدينة بدون الإقامة فيها ،و كذلك لا فرق بين أن يكون مريدا
للحج من الأول أو بعد الاقامة فيها ،و من المحتمل قويا أن يكون التقييد في
كلامه عليه السّلام ناظرا إلى الحجاج الجائين من سائر بقاع الأرض إلى المدينة المنورة
في ذلك العصر ،فإنهم غالبا يقيمون فيها شهرا أو نحوه ،هذا .
اضافة إلى احتمال أن مسجد الشجرة يمينا و شمالا ميقات بشعاع اقصى
نقطة محاذية له ،كما أنه ميقات بشعاع ميل افقيا .
( 1 ) قد يورد عليه بأن هذه النسبة لا تختص بما إذا كان الحاج واقفا في
نقطة محاذية للميقات على أساس أن مكة إذا كانت مركز دائرة وهمية بسعة
الميقات فالخطوط الخارجة من محيطها إلى المركز جميعا خطوط متساوية
و على نسبة واحدة ،و على هذا فالحاج في بداية أي خط من هذه الخطوط كان
و من أي طرف من أطرافها فالنسبة بين موقفه و بين مكة نفس النسبة بين
الميقات كمسجد الشجرة و بين مكة ،سواء أ كان في رأس خط محاذ له أم
مسامت .
فالنتيجة :إن هذه النسبة لا تختص بالخط المحاذي للميقات ،بل تعم كل
الخطوط الخارجة من محيط الدائرة إلى مركزها ،مع أنها جميعا ليست محاذية
له ،فانها في النصف المقابل مواجهة له ،و في النصف المشتمل عليه فإن كانت
في طرف يمينه أو يساره فهي محاذية له ،و الاّ فلا ،فاذن ما افاده الماتن قدّس سرّه من
الضابط العام لتحقق المحاذاة و هو تساوي الخطين المستقيمين افقيا إلى مكة --( 199 )--
و بوجه آخر أن يكون الخط من موقفه إلى الميقات أقصر الخطوط في ذلك
الطريق ( 1 ) .
الخارجين من الميقات و موقف الحاج ليس بضابط عام له ،باعتبار أن هذه
النسبة ثابتة بين الخط الخارج من موقفه و بين سائر الخطوط الوهمية الخارجة
من محيط الدائرة إلى مركزها ،مع أنها جميعا ليست محاذية للميقات ،هذا .
و لكن الظاهر أن ذلك ليس مراد الماتن قدّس سرّه ،بل مراده من هذا أن المحاذاة
و هي وصول الحاج في نقطة محاذية للميقات انما تتحقق بتساوي الخط
الوهمي المار من موقف الحاج إلى مكة للخط الوهمي المار من الميقات إليها ،
و هذا يعني أن تساوي الخطين يكشف عن أن تلك النقطة محاذية له حقيقة ،
و ليس مراده أن في كل مورد يكون الخطان الوهميان متساويين كان الحاج
محاذيا للميقات حقيقة و بخط هندسي دقيق ،فان هذا القيد انما هو بلحاظ أن
الحاج إذا كان في نقطة متأخرة عن تلك النقطة أو متقدمة عليها لم يكن الخطان
الوهميان الخارجان من الميقات و موقف الحاج متساويين .
فالنتيجة :إن ما ذكره الماتن قدّس سرّه من الضابط لتشخيص نقطة محاذية
للميقات حقيقة إنما هو في مقابل ما إذا كان الحاج في نقطة متقدمة على تلك
النقطة أو متأخرة عنها ،فان ذلك الضابط لا ينطبق عليه ،و ليس مقصوده قدّس سرّه ان
تساوي الخطين الوهميين الخارجين من موقف الحاج و الميقات إلى مكة
منحصر بهما لما مر من أن جميع الخطوط الخارجة من محيط الدائرة إلى
مركزها كمكة متساوية .
( 1 ) في هذا الضابط اشكال بل منع .
أما أولا :فلأنه لا يتحد مع ما ذكره آنفا لا عملا و لا خارجا ،مع أن ظاهر ما
ذكره قدّس سرّه أنه لا فرق بينهما الاّ في التعبير لا في المعنى .
و ثانيا :إنه لا يتم لا في الطريق المستقيم إلى مكة و لا في الطريق المشتمل
على الخطوط المنكسرة تفاديا للصخور او الجبال او المياه فيه .
أما في الأول :فإذا افترضنا دائرة بسعة الميقات حول مكة المكرمة ،فمن --( 200 )--
ثم إن المدار على صدق المحاذاة عرفا ( 1 ) ،فلا يكفي إذا كان بعيدا
الواضح أن الخطوط الوهمية الخارجة من محيط الدائرة إلى مركزها بالخطوط
المستقيمة متساوية بالدقة الهندسية و أن تلك الخطوط كلما ابتعدت عن محيط
الدائرة و قربت إلى مركزها نقصت الفواصل بينها تدريجا إلى أن وصلت إلى حد
الصفر ،و على هذا الأساس فإذا كان الحاج في نقطة من محيط الدائرة محاذية
للميقات ثم دخل في وسط الدائرة بخط مستقيم مواجه إلى مركزها و هو مكة في
مفروض المسألة ،ففي هذه الحالة فالخط الوهمي بين موقفه في وسط الدائرة
و بين الميقات الذي يشكل به الزوايا للمثلث أقصر من الخط الوهمي بين موقفه
في نقطة محاذية للميقات و بين الميقات .
فالنتيجة :إنه على الحساب الهندسي الدقيق ليس الخط الوهمي بين
موقف الحاج في نقطة محاذية للميقات في محيط الدائرة أقصر الخطوط
الوهمية بين موقفه و الميقات في طريقه مواجها إلى مكة .
و أما في الثاني :فقد يكون أقصر الخطوط خلف الميقات ،كما إذا كان
الحاج يمر على خلفه بمسافة قصيرة بينهما ،ثم يبتعد عنه حينما يكون سيره إلى
طرف يمينه أو يساره محاذيا له ،و قد يكون أقصر الخطوط الوهمية دون
الميقات ،كما إذا كان يمر على يساره أو يمينه محاذيا له و لكن بمسافة بعيدة ثم
يقترب منه حينما يكون سيره إلى ما دونه .
لحد الآن قد تبين أن ما ذكره قدّس سرّه من الضابط لتشخيص النقطة المحاذية
للميقات لا يصلح ضابطا عاما له لا في الطريق المشتمل على الخطوط المنكسرة
و لا في الطريق المستقيم .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،لأن المحاذاة كسائر الألفاظ المأخوذة في لسان
الدليل ،و المرجع في تعيين مدلولها سعة و ضيقا انما هو العرف العام ،و من
الواضح أن معنى المحاذاة معنى واضح لدى العرف ،و ليس فيه أيّ اجمال
و تعقيد ،و لا يتطلب تحققها خارجا اعمال الخطوط الهندسية الدقيقة لوضوح أن
الحاج إذا وصل إلى يمين مسجد الشجرة أو يساره حينما يكون مواجها إلى مكة --( 201 )--
عنه فيعتبر فيها المسامتة ( 1 ) كما لا يخفى .
و اللازم حصول العلم بالمحاذاة ( 2 ) إن أمكن ،و إلا فالظن الحاصل
من قول أهل الخبرة ( 3 ) ،و مع عدمه أيضا فاللازم الذهاب إلى الميقات أو
الإحرام من أول موضع احتماله و استمرار النية و التلبية إلى آخر مواضعه ،
و لا يضر احتمال كون الإحرام قبل الميقات حينئذ مع أنه لا يجوز ،لأنه لا
بأس به إذا كان بعنوان الاحتياط ،و لا يجوز إجراء أصالة عدم الوصول إلى
المحاذاة أو أصالة عدم وجوب الإحرام ،لأنهما لا يثبتان كون ما بعد ذلك
محاذيا و المفروض لزوم كون إنشاء الإحرام من المحاذاة ،و يجوز لمثل هذا
الشخص أن ينذر الإحرام قبل الميقات فيحرم في أول موضع الاحتمال أو
صدق أنه بحذاء المسجد كما هو الحال في سائر الموارد ،فإذا وصل المسافر إلى
يمين بلد أو يساره عرفا صدق أنه المحاذي له .
فالنتيجة :إن لفظ المحاذاة و الخلف و البعد و القبل كل ذلك من الألفاظ
الواضحة معانيها عرفا بدون أيّ إبهام و اجمال فيها .
( 1 ) مر أن المسامتة بالخط الهندسي غير معتبرة ،فالمعيار انما هو بصدق
المحاذاة عرفا بدون فرق بين أن تكون المسافة قريبة أو بعيدة ،فانه ما دام يصدق
أن الميقات عن يمينه أو يساره عرفا حينما يكون مواجها في سيره إلى مكة افقيا
تحقق المحاذاة لدى العرف .نعم إذا كان بعيدا عن الميقات عرفا في الخط
العرضي بدرجة لا يصدق على النقطة الموازية له عنوان المحاذاة لم تتحقق .
( 2 ) في لزومه اشكال بل منع حتى في صورة التمكن منه ،فان اللازم هو
تحصيل الحجة من علم أو بينة أو قول أهل الخبرة .
( 3 ) فيه أن العبرة انما هي بقول أهل الخبرة فانه حجة سواء حصل الظن
منه أم لا ،و أما مع فرض عدم حجيته فلا قيمة للظن الحاصل منه .
--( 202 )--
قبله على ما سيأتي من جواز ذلك مع النذر ،و الأحوط في صورة الظن
أيضا عدم الاكتفاء به و إعمال أحد هذه الأمور ،و إن كان الأقوى
الاكتفاء ( 1 ) ،بل الأحوط عدم الاكتفاء بالمحاذاة مع إمكان الذهاب إلى
الميقات ،لكن الأقوى ما ذكرنا من جوازه مطلقا .
ثم إن أحرم في موضع الظن بالمحاذاة و لم يتبين الخلاف فلا إشكال ،
و إن تبين بعد ذلك كونه قبل المحاذاة و لم يتجاوزه أعاد الإحرام ( 2 ) ،و إن
تبين كونه قبله و قد تجاوز أو تبين كونه بعده فإن أمكن العود و التجديد
تعين ،و إلا فيكفي في الصورة الثانية و يجدد في الاولى في مكانه ،و الأولى
التجديد مطلقا .
( 1 ) هذا اذا كان الظن معتبرا و الاّ فلا يجوز الاكتفاء به ،و بذلك يظهر حال
ما بعده .
( 2 ) قيل :إن ذلك ليس من جهة عدم اقتضاء الأمر الظاهري للاجزاء ،بل
على تقدير القول بالاقتضاء في تلك المسألة فمع ذلك لا مجال له في المقام .
بيان ذلك إن هناك مسألتين :
الاولى :ما إذا كان الواجب فاقدا لشرط من شروط وجوبه كالبلوغ أو
العقل أو الوقت أو الاستطاعة أو نحو ذلك ،و الأمارة أو الأصول العملية قد قامت
على تحققه في الخارج ،كما إذا قامت الأمارة على دخول الوقت مع أنه في
الواقع غير داخل ،و صلى ثم انكشف الحال و أن ما صلاة واقع في خارج الوقت ،
ففي مثل ذلك لا موضوع للقول بالاجزاء ،فانه لا أمر في الواقع حتى يبحث عن
أن امتثال الأمر الظاهري هل يجزي عن الأمر الواقعي أم لا ؟
الثانية :ما إذا كان الواجب واجدا لجميع شروط وجوبه و لكنه كان فاقدا
في الواقع لبعض واجباته من الأجزاء أو شروط صحته ،ففي مثل ذلك إذا قامت --( 203 )--
..........
أمارة أو أصل عملي على أنه واجد لتمام واجباته من الأجزاء و الشروط و أتى
المكلف به ثم انكشف أنه فاقد لبعضها ،يقع الكلام في أن الإتيان بالمأمور به
بالأمر الظاهري هل يجزي عن الاتيان بالمأمور به بالأمر الواقعي أو لا ؟بعد
فرض أن الأمر الواقعي موجود بوجود شروطه في الواقع ،و إنما يكون المأمور
به فاقدا لبعض واجباته ،و بما أن فيما نحن فيه لا أمر بالإحرام قبل الوصول إلى
الميقات أو إلى نقطة محاذية له فلو قامت البينة على أن الموضع الفلاني ميقات
أو محاذ له فأحرم منه ،ثم بان أنه ليس بميقات أو محاذي له ،بل قبله بمسافة فلا
موضوع للاجزاء ،إذ لا أمر في الواقع حتى يمكن أن يقال إن الاتيان بالأمر
الظاهري مجز عنه أو لا ،هذا .
و لنا على ذلك البيان تعليقان :
الأول :الظاهر أنه لا فرق بين المسألتين ،فان كلتيهما داخلة في كبرى
مسألة الاجزاء و الوجه في ذلك ملخصا ،إن النزاع في تلك المسافة في الاجزاء
و عدمه لا يرتبط بوجود الأمر في الواقع و عدم وجوده بما هو اعتبار ،بل هو
مرتبط بالمأمور به بالأمر الظاهري على أساس أنه إن كان واجدا لملاك المأمور
به بالأمر الواقعي فلا مناص من الاجزاء سواء أ كان الأمر الواقعي موجودا أم لا ،
فإنه إن كان موجودا سقط عنه فعلا ،و إن لم يكن موجودا سقط عنه في وقته
بسقوط موضوعه .
مثال ذلك :إذا قامت الأمارة على دخول وقت الصلاة ،فقام المصلي
و صلى ،ثم بان أن الوقت غير داخل ،و حينئذ بما أن الاتيان بالصلاة قبل الوقت
يكون مأمورا به بالأمر الظاهري فان كان مشتملا على ملاك الصلاة المأمور بها
بالأمر الواقعي و هو الصلاة بعد دخول الوقت كان الاتيان بها مجزيا عنها في
الوقت ،و حينئذ فلا يتحقق الأمر بها بعد دخول الوقت ،و إن لم يكن مشتملا
على ملاكها لم يكن مجزيا بدون فرق بين أن يكون الأمر الواقعي موجودا فعلا ،
أو غير موجود ،إذ لا قيمة للأمر بما هو أمر من هذه الناحية .
--( 204 )--
..........
و بكلمة :إن المعيار انما هو بوجود الدليل على الاجزاء ،فان كان موجودا
فهو كاشف عن أن المأمور به بالأمر الظاهري مشتمل على ما يفي بغرض
المأمور به بالأمر الواقعي ،و الاّ فلا دليل على أنه واجد له .
فالنتيجة :إن الاجزاء و عدمه انما هو من صفات المأمور به و متطلباته دون
وجود الأمر الواقعي بما هو أمر .
الثاني :مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أن المسألة الاولى خارجة عن
مسألة الاجزاء الاّ أن المقام غير داخل في المسألة الاولى ،بل هو داخل في
المسألة الثانية التي هي من عناصر كبرى مسألة الاجزاء ،و ذلك لأن وجوب
عمرة التمتع التي هي مركبة من الإحرام و الطواف و صلاته و السعي بين الصفا
و المروة و التقصير مشروط بالاستطاعة التي هي عبارة عن الامكانية المالية
و البدنية و السربية ،فإذا توفرت الاستطاعة بتمام عناصرها تحقق وجوبها ،غاية
الأمر أن وجوبها كان مشروطا بشرط متأخر و هو يوم عرفة ،و على هذا فوجوب
الإحرام بما أنه وجوب ضمني كوجوب الطواف فهو مشروط بنفس شروط
الوجوب الاستقلالي ،باعتبار أن الوجوب الضمني عين الوجوب الاستقلالي
و ليس وجوبا آخر في مقابله و الاّ لزم أن لا يكون ضمنيا و هو خلف ،و عليه فكل
ما يكون شرطا للوجوب الاستقلالي فهو شرط للوجوب الضمني بعين الملاك ،
و لا تكون شرطيته للوجوب الضمني بحاجة إلى مؤنة زائدة لا ثبوتا و لا
اثباتا .
فالنتيجة :انه يتبع الوجوب الاستقلالي في الاطلاق و الاشتراط ،و حيث أن
الوجوب الاستقلالي لا يكون مشروطا بالوصول إلى الميقات أو إلى نقطة
محاذية له فلا يكون الوجوب الضمني أيضا مشروطا به ،فاذن لا محالة يكون
الإحرام من الميقات أو من نقطة محاذية له شرط في صحته لا في وجوبه ،
فيكون الإحرام قبل الميقات أو قبل المحاذاة فاقدا له ،و على هذا فاذا قامت أمارة
على أن هذه النقطة محاذية للميقات و احرم منها ثم انكشف الخلاف و بان أنها --( 205 )--
و لا فرق في جواز الإحرام في المحاذاة بين البر و البحر ( 1 ) .
ثم إن الظاهر أنه لا يتصور طريق لا يمر على ميقات و لا يكون
محاذيا لواحد منها ،إذ المواقيت محيطة بالحرم من الجوانب فلا بد من
محاذاة واحد منها ( 2 ) ،و لو فرض إمكان ذلك فاللازم الإحرام من أدنى
الحل ( 3 ) ،و عن بعضهم أنه يحرم من موضع يكون بينه و بين مكة بقدر ما
بينها و بين أقرب المواقيت إليها و هو مرحلتان ،لأنه لا يجوز لأحد قطعه إلا
قبل المحاذاة ،دخل ذلك في كبرى مسألة الاجزاء ،و هذا يعني أن الاتيان بهذا
الاحرام المأمور به بالأمر الظاهري هل يجزي عن الأمر الواقعي الثابت له في
الواقع أو لا ؟فاذن قياس المقام بالصلاة قبل الوقت قياس مع الفارق ،فان الصلاة
قبل الوقت لا أمر بها في الواقع ،و أما في المقام فالأمر بالاحرام في الواقع
موجود ،غاية الأمر أن صحته مشروطة بأن يكون من الميقات ،و أما إذا كان قبله
فهو غير صحيح .
( 1 ) تقدم أن جواز الإحرام من المحاذاة مختص بالمحاذاة لمسجد
الشجرة دون محاذاة سائر المواقيت ،نعم على تقدير الثبوت و جواز الإحرام
منها مطلقا فلا فرق بين البر و البحر من هذه الجهة .
( 2 ) هذا ينافي ما تقدم منه قدّس سرّه من أن المعيار في المحاذاة انما هو بالصدق
العرفي ،و هي لا تصدق عرفا إذا كانت المسافة بين نقطة موقف الحاج و الميقات
بعيدة ،و قد مر أن ما ذكره هناك هو الصحيح ،إذ يمكن أن لا يمر الشخص لا على
أحد المواقيت و لا على نقطة محاذية له .
( 3 ) بل اللازم الرجوع إلى ميقات أهل بلاده و الاحرام منه ،و الوجه في
ذلك أن المستفاد من الروايات التي تنص على أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقت لأهل
المدينة ذا الحليفة ،و وقت لأهل المغرب الجحفة ،و وقت لأهل اليمن يلملم ،
و وقت لأهل الطائف قرن المنازل ،و لأهل نجد و العراق العقيق بمناسبة الحكم --( 206 )--
..........
و الموضوع الارتكازية أن النائي الذي هو قاصد للحج و عازم عليه ،فلا بد له من
أن يحرم من أحد هذه المواقيت و لا يسوغ له أن يختار طريقا لا يمر على أحد
منها مع التفاته إلى أن الإحرام منها من واجبات الحج أو العمرة كتكبيرة الاحرام
للصلاة ،هذا .
اضافة إلى أن جملة من هذه الروايات تنهى صريحا عن التجاوز عنها
بدون احرام .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من تمام الحج
و العمرة أن تحرم من المواقيت التي وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا تجاوزها الاّ و انت
محرم -الحديث - »- 1 - .
و منها :صحيحة الحلبي قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :الإحرام من مواقيت
خمسة وقتها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لا ينبغي لحاج و لا لمعتمر أن يحرم قبلها و لا بعدها
-الحديث - »- 2 - .
و منها :صحيحة علي بن جعفر عليه السّلام عن أخيه عليه السّلام قال : «سألته عن المتعة
في الحج من أين احرامها و احرام الحج ،قال :وقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لأهل العراق
من العقيق ،و لأهل المدينة و من يليها من الشجرة ،و لأهل الشام و من يليها من
الجحفة ،و لأهل الطائف من قرن المنازل ،و لأهل اليمن من يلملم ،فليس لأحد
أن يعدو من هذه المواقيت إلى غيرها »- 3 - فان الناتج من ضم هذه الروايات إلى
الروايات الاولى هو أن الاحرام من تلك المواقيت المعينة من واجبات الحج
كالتكبيرة للصلاة ،فلا يسوغ تركه باختيار طريق آخر لا يمر عليها ،و من هنا لا
يبعد أن يقال إن المتفاهم العرفي منها بمناسبات الحكم و الموضوع أنه لا
خصوصية لعنوان التجاوز عنها بدون احرام ،لأن المعيار انما هو بعدم جواز ترك
الاحرام منها و إن كان ذلك باختيار طريق آخر لا يمر عليها ،فاذن مقتضى القاعدة
فساد الحج بدون الإحرام منها ،فالصحة بحاجة إلى دليل يدل على أن الإحرام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :1 من أبواب المواقيت الحديث :9 .
--( 207 )--
..........
من مكان آخر يقوم مقام الاحرام منها .
و مما يدل على أن أدنى الحل ليس من أحد مواقيت عمرة التمتع
الروايات التي تنص على أن من ترك الإحرام منها جاهلا أو ناسيا وجب عليه
الرجوع إلى أحد هذه المواقيت و الإحرام منه ،فان تعذر أو خاف فوت الحج فان
أمكن أن يخرج من الحرم و الاحرام من الخارج وجب و الاّ فمن مكانه .
منها :صحيحة الحلبي ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل نسى أن
يحرم حتى دخل الحرم ،قال :قال أبي :كان يخرج إلى ميقات أهل أرضه فان
خشى أن يفوته الحج أحرم من مكانه فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج
ثم ليحرم »- 1 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل مر
على الوقت الذي يحرم الناس منه فنسى أو جهل فلم يحرم حتى أتى مكة
فخاف أن رجع إلى الوقت أن يفوته الحج ،فقال :يخرج من الحرم و يحرم
و يجزيه ذلك »- 2 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة
كانت مع قوم فطمثت فأرسلت اليهم فسألتهم فقالوا :ما ندري أ عليك احرام أم لا
و أنت حائض ؟فتركوها حتى دخلت الحرم ،فقال عليه السّلام :إن كان عليها مهلة
فترجع إلى الوقت فلتحرم منه ،فان لم يكن عليها وقت ( مهلة ) فلترجع إلى ما
قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم »- 3 - .
و منها :موثقة زرارة : «عن اناس من أصحابنا حجوا بامرأة معهم فقدموا
إلى الميقات و هي لا تصلي فجهلوا أن مثلها ينبغي أن تحرم ،فمضوا بها كما هي
حتى قدموا مكة و هي طامث حلال ،فسألوا الناس ،فقالوا :تخرج إلى بعض
المواقيت فتحرم منه ،فكانت إذا فعلت لم تدرك الحج ،فسألوا أبا جعفر عليه السّلام
فقال :تحرم من مكانها قد علم اللّه من نيتها »- 4 - و منها غيرها .فانها واضحة الدلالة
على أنه لا يصح الإحرام من أدنى الحل عامدا و ملتفتا .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :6 .
--( 208 )--
..........
فالنتيجة :إن المستفاد من هذه الروايات أن وظيفة تارك الإحرام من أحد
المواقيت المعينة الرجوع إليه و الاحرام منه سواء أ كان تاركا له نسيانا أم جاهلا أم
عامدا و ملتفتا إلى الحكم الشرعي ،ضرورة أنه ليس أسوأ حالا من الناسي أو
الجاهل ،فإذا كان متمكنا من الرجوع إلى ميقات أهل بلده و الإحرام منه وجب
عليه ذلك لكي لا يفوت منه الحج ،نعم إذا لم يتمكن من الرجوع إليه ثانيا فهل
أن حكمه حكم الناسي و الجاهل أو لا ؟فيه قولان ،و الأظهر هو الأول ،و سيأتي
بيانه في ضمن المسائل القادمة بعونه تعالى .
و دعوى :ان وجوب الاحرام من أدنى الحل هو القدر المتيقن بالنسبة إليه ،
و أما الزائد و هو وجوب رجوعه إلى أحد المواقيت فبما أنه مشكوك فيه فتجري
فيه أصالة البراءة .
مدفوعة :بما مر من الروايات التي تنص على وجوب رجوعه إلى
الميقات و الاحرام منه إذا كان متمكنا من ذلك و لم يخف فوت الحج .نعم إذا
تعذر الرجوع أو أنه حرجي أو يخاف فوت الحج فوظيفته أن يخرج من الحرم
بما استطاع من المسافة بعد الخروج من الحرم و الإحرام منه ،كما هو مقتضى
صحيحة معاوية المتقدمة ،و الاّ فمن أدنى الحل ،و إن لم يستطيع فمن مكانه .
و لتوضيح ما ذكرناه تطبيقا و تكميلا نذكر مجموعة من المسائل :
الاولى :قد تسأل عن أن الواجب عليه هل هو الرجوع إلى ميقات أهل
أرضه و بلاده كما في بعض هذه الروايات ،أو يجوز له الرجوع إلى أي ميقات
من تلك المواقيت المعينة شاء ؟
و الجواب :إنه لا يبعد أن تكون وظيفته الرجوع إلى ميقات أهل أرضه كما
هو مقتضى صحيحة الحلبي المتقدمة و صحيحة علي بن جعفر .
و دعوى :أنه لا خصوصية لهذا القيد و لا يفهم العرف منه موضوعية ،
و يرى أن ما ذكره انما هو من باب المثال و بلحاظ أنه أعرف بميقات أهل
أرضه .
--( 209 )--
..........
مدفوعة :بأن كل قيد أخذ في لسان الدليل في مقام جعل الحكم و اعتباره
ظاهر في أنه دخيل في الحكم في مرحلة الاعتبار و في الملاك و في مرحلة
المبادئ ،فان تصدى المولى لأخذ قيد في موضوع الحكم لا يمكن أن يكون
جزافا ،فلا محالة يكون مبنيا على نكتة مبررة له ،و هي دخله في الحكم
و الملاك معا ،و أما كون أخذه من باب المثال فهو بحاجة إلى قرينة و لا قرينة
عليه .
و دعوى :ان المرتكز في الأذهان أنه لا خصوصية لميقات و ميقات
و تعدده انما هو من باب التسهيل بدون أن تكون له موضوعية .
مدفوعة :بأن هذه الدعوى و إن كانت موافقة للارتكاز الاّ أنها ليست
بدرجة تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور القيد في الموضوعية
و الاحتراز .
فالنتيجة :إن وجوب الرجوع إلى ميقات أهله إن لم يكن أظهر فلا شبهة
في أنه أحوط .
الثانية :قد تسأل أن من اختار طريقا إلى ميقات غير أهل بلده كالعراقي
الذي جاء إلى المدينة المنورة قاصدا الحج ،ثم ترك الاحرام من مسجد الشجرة
جاهلا بالحال أو غافلا ،فهل يجب عليه أن يرجع إلى مسجد الشجرة أو ميقات
أهل بلده ؟
و الجواب :إنه لا يبعد أن تكون وظيفته الرجوع إلى ميقات أهل أرضه
شريطة أن لا يكون هناك مانع ،و ذلك لإطلاق الصحيحتين المتقدمتين ،و إن كان
مقتضى القاعدة جواز رجوعه إلى أي ميقات من المواقيت الخمسة ،باعتبار أن
الواجب عليه طبيعي الإحرام و هو الإحرام من أحد المواقيت ،لأن رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله و إن عيّن لكل بقعة من بقاع الأرض ميقاتا ،و لكن يجوز لأهل كل بقعة
أن يحرموا من ميقات بقعة اخرى ،و تنص على ذلك مجموعة من الروايات ،
هذا ،مضافا إلى أن مقتضى مناسبة الحكم و الموضوع أن ذلك التعيين انما هو --( 210 )--
محرما ،و فيه أنه لا دليل عليه ،لكن الأحوط الإحرام منه و تجديده في أدنى
الحل .
العاشر :أدنى الحل ،و هو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو
للتسهيل لا للإلزام ،و على هذا الأساس فإذا وصل إلى ميقات من هذه المواقيت
المعينة وجب عليه الإحرام منه و إذا ترك جاهلا أو ناسيا إلى أن وصل إلى مكة ،
ثم تذكر أو علم بالحال فمقتضى القاعدة أن ذمته مشغولة بطبيعي الإحرام باعتبار
أنه الواجب عليه ،و هو مخير في تطبيقه على أي فرد من افراده شاء ،و لا يتعين
عليه الرجوع إلى ميقات أهل أرضه .
فالنتيجة :إنه لو لا الصحيحتان لكان مقتضى القاعدة جواز رجوعه إلى أي
ميقات شاء و الإحرام منه إذا أمكن ،على أساس أن الواجب ينطبق عليه .نعم لو
لم تكن الروايات الدالة على جواز احرام أهل كل منطقة من ميقات منطقة
اخرى ،و لم يكن ذلك مقتضى القاعدة أيضا كان المتعين على أهل كل منطقة أن
يحرموا من ميقاتهم ،و لا يكفي احرامهم من ميقات منطقة اخرى ،و نتيجة ذلك
أن الواجب على أهل كل منطقة حصة خاصة من الاحرام و هي الاحرام من
ميقاتهم فحسب ،فاذا ترك شخص الاحرام من ميقات أهل بلده وجب عليه
الرجوع إليه و الاحرام منه ،و هذا لا يحتاج إلى دليل ،لأن كفاية الاحرام من ميقات
بلد آخر بديلا عنه بحاجة إلى دليل باعتبار أن ذلك من إجزاء غير الواجب عن
الواجب .
الثالثة :قد تسأل أن من ترك الإحرام عامدا و ملتفتا إلى الحكم الشرعي من
ميقات غير أهل بلده ،فهل يجب عليه أن يرجع إلى ذلك الميقات و الاحرام منه
أو ميقات أهل بلده ؟
و الجواب :إنه لا يبعد وجوب رجوعه إلى ميقات أهل بلده ،لإطلاق
الصحيحتين المتقدمتين ،و قد تقدم أنه لو لم يكن أظهر فلا شبهة في أنه أحوط .--( 211 )--
الإفراد ،بل لكل عمرة مفردة ( 1 ) ،و الأفضل أن يكون من الحديبيّة أو
الجعرانة أو التنعيم فإنها منصوصة ،و هي من حدود الحرم على اختلاف
بينها في القرب و البعد ،فإن الحديبية -بالتخفيف أو التشديد -بئر بقرب
مكة على طريق جدة دون مرحلة ثم أطلق على الموضع ،و يقال نصفه في
الحل و نصفه في الحرم ،و الجعرانة -بكسر الجيم و العين و تشديد الراء أو
بكسر الجيم و سكون العين و تخفيف الراء -موضع بين مكة و الطائف على
( 1 ) في العموم اشكال بل منع ،فان أدنى الحل ميقات لحج الافراد و القران
و للعمرة المفردة لمن كان في مكة و من جاء من الخارج كالمدينة المنورة مثلا
من أجل غاية اخرى لا بقصد العمرة ،ثم بنى على أن يأتي بها ،و تدل عليه
صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اعتمر رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله ثلاث
عمر متفرقات عمرة ذي القعدة اهلّ من عسفان و هي عمرة الحديبيّة ،و عمرة
أهلّ من الجحفة و هي عمرة القضاء ،و عمرة من الجعرانة بعد ما رجع من الطائف
من غزوة حنين »- 1 - بتقريب أن النبي الأكرم صلّى اللّه عليه و آله خرج من المدينة المنورة لا
بقصد العمرة بل من أجل القتال في غزوة حنين ،و بعد الرجوع منها بنى على أن
يأتي بعمرة مفردة ثم يعود إلى المدينة ،فالصحيحة تدل على أن أدنى الحل
ميقات للنائي الذي خرج من بلده من أجل غرض آخر لا للعمرة ،ثم بنى على
أن يأتي بها ،و أما إذا خرج منه بقصد العمرة فيكون ميقاته أحد المواقيت المعينة
دون أدنى الحل ،و لا تدل الصحيحة على أن ميقاته أدنى الحل لأنه خارج عن
موردها ،و على هذا فلو ترك الاحرام منه وجب الرجوع إليه ثانيا و الاحرام منه
و إن لم يتمكن من الرجوع إليه ،فان استطاع أن يخرج من الحرم و يحرم فعليه
ذلك ،و الاّ فمن مكانه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب العمرة الحديث :2 .
--( 212 )--
سبعة أميال ،و التنعيم موضع قريب من مكة و هو أقرب أطراف الحل إلى
مكة ،و يقال :بينه و بين مكة أربعة أميال ،و يعرف بمسجد عائشة ،كذا في
مجمع البحرين ،و أما المواقيت الخمسة فعن العلامة رحمه اللّه في المنتهى أن
أبعدها من مكة ذو الحليفة فإنها على عشرة مراحل من مكة ،و يليه في البعد
الجحفة ،و المواقيت الثلاثة الباقية على مسافة واحدة بينها و بين مكة ليلتان
قاصدتان ،و قيل :إن الجحفة على ثلاث مراحل من مكة .
[3217 ]مسألة 5 :كل من حج أو اعتمر على طريق فميقاته ميقات أهل
ذلك الطريق و إن كان مهلّ أرضه غيره كما أشرنا إليه سابقا ،فلا يتعين أن
يحرم من مهلّ أرضه بالإجماع ( 1 ) و النصوص ،منها صحيحة صفوان : «إن
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله وقت المواقيت لأهلها و من أتى عليها من غير أهلها ».
( 1 ) فيه انه لا أثر للإجماع ،لما ذكرناه غير مرة من أنه لا يمكن اثبات
الحكم الشرعي به ،و لا سيّما في المقام ،فانه مع وجود النصوص الواضحة
الدلالة و السند على ثبوت هذا الحكم في المسألة لا يمكن أن يكون كاشفا عنه
للاطمئنان بان مدرك المجمعين فيها كلا أو جلا تلك النصوص .
منها :صحيحة صفوان - 1 - المذكورة في المتن .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من أقام
بالمدينة شهرا و هو يريد الحج ،ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل المدينة
الذي يأخذونه ،فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال ،فيكون حذاء الشجرة من
البيداء »- 2 - فانها واضحة الدلالة على أن من جاء من البلاد الاخرى إلى المدينة
مريدا للحج ،فان خرج من المدينة إلى جهة الجنوب ،فان كان من الطريق
---------------
( 1 ) الوسائل باب :15 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :7 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 213 )--
[3218 ]مسألة 6 :قد علم مما مر أن ميقات حج التمتع مكة واجبا كان أو
مستحبا من الآفاقي أو من أهل مكة ،و ميقات عمرته أحد المواقيت الخمسة
أو محاذاتها ( 1 ) كذلك أيضا ،و ميقات حج القران و الإفراد أحد تلك
المواقيت مطلقا أيضا إلا إذا كان منزله دون الميقات أو مكة فميقاته
منزله ( 2 ) و يجوز من أحد تلك المواقيت أيضا بل هو الأفضل ،و ميقات
عمرتهما أدنى الحل إذا كان في مكة و يجوز من أحد المواقيت أيضا و إذا
لم يكن في مكة فيتعين أحدها ( 3 ) ،و كذا الحكم في العمرة المفردة مستحبة
الاعتيادي و هو طريق أهل المدينة إلى مكة فميقاته مسجد الشجرة ،و إن كان من
غير ذلك الطريق فميقاته نقطة محاذية له ،و إن خرج إلى جهة الغرب فميقاته
الجحفة ،و إن خرج إلى جهة الشرق فميقاته وادي العقيق ،و لا يجب عليه في
هذين الفرضين الاحرام من مسيرة ستة أميال ،لأن الاحرام إنما يجب منها
شريطة أن تكون محاذية للشجرة من البيداء ،و قد تقدم أن عنوان المحاذاة
عنوان عرفي ،فلا يصدق إذا كانت المسافة بعيدة .و منها غيرهما .
( 1 ) مر أنه لا يوجد دليل على أنها ميقات مطلقا ،فان الدليل انما قام على
أن محاذاة مسجد الشجرة ميقات ،و لا يمكن التعدي منها إلى محاذاة سائر
المواقيت ،حيث ان الحكم يكون على خلاف القاعدة ،فالتعدي بحاجة إلى
قرينة و لا قرينة في البين لا في الداخل و لا في الخارج ،و به يظهر حال ما بعده .
( 2 ) مر في السابع من المواقيت أن ميقات أهل مكة في حج الافراد
و القران الجعرانة .
( 3 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فانه انما يتعين عليه شريطة أن لا يكون
منزله دون الميقات ،و الاّ فلا يتعين الاحرام من أحد هذه المواقيت الخمسة ،بل
له أن يحرم من منزله بدون فرق بين أن تكون عمرته متعة أو مفردة لإطلاق
النص كما مر .
--( 214 )--
كانت أو واجبة ،و إن نذر الإحرام من ميقات معين تعين ،و المجاور بمكة
بعد السنتين حاله حال أهلها ،و قبل ذلك حاله حال النائي ،فإذا أراد حج
الإفراد أو القران يكون ميقاته أحد الخمسة أو محاذاتها ( 1 ) و إذا أراد العمرة
المفردة جاز إحرامها من أدنى الحل .
( 1 ) مر أنه لا دليل على أن النقطة المحاذية لكل ميقات من المواقيت
الخمسة ميقات ،و الدليل خاص بالنقطة المحاذية لمسجد الشجرة .
و نذكر فيما يلي عددا من الامور :
الأول :إن صدق المحاذاة على النقطة الموازية للميقات عرفا مرتبط
بتوفر أمرين فيها :
أحدهما :أن يكون الميقات على طرف يمين الانسان أو يساره حينما
يكون مواجها إلى مكة .
الثاني :أن تكون المسافة بين موقفه و بين الميقات لا تكون من البعد
بدرجة تمنع عن صدق المحاذاة عرفا .
الثاني :ما مر من اختصاص ميقاتية المحاذاة بالنقطة المحاذية لمسجد
الشجرة فحسب ،دون النقطة المحاذية لغيره من المواقيت .
الثالث :قد تسأل إن الحكم بكفاية المحاذاة لمسجد الشجرة هل يختص
بالمقيم في المدينة شهرا أو نحوه مريدا للحج ؟
و الجواب :إن الأظهر هو عدم اختصاصه بمن يتوفر فيه القيدان
المذكوران ،و قد تقدم تفصيل ذلك بشكل موسع في التاسع من المواقيت ،و قلنا
هناك إنه لا بد من حمل القيدين في كلام الامام عليه السّلام على الغالب بلحاظ ذلك
العصر .
الرابع :إن أدنى الحل ميقات للعمرة المفردة بعد حج الافراد او القران ،
و لمن كان في مكة سواء أ كان من أهاليها أو المقيمين فيها كالحجاج القادمين من --( 215 )--
..........
سائر بقاع الأرض ،فانهم بعد الفراغ من اعمال الحج إذا أرادوا الاتيان بالعمرة
المفردة خرجوا منها إلى أدنى الحل كجعرانة أو نحوها و أحرموا منها ناويا
للعمرة ،و للنائي الذي جاء من بلده من أجل غاية اخرى و جاوز الميقات بدون
احرام و بعد الوصول إليها ،حينما أراد الرجوع إلى بلده بدا له الاتيان بالعمرة ،فإن
له أن يحرم من ادنى الحل كجعرانة أو نحوها رغم تمكنه من الرجوع إلى أحد
المواقيت و الاحرام منه ،كما أنه ميقات لحج الافراد و القران لأهل مكة .و أما
ميقات عمرة التمتع فهو أحد المواقيت الخمسة المعينة ،فلا يجوز الإحرام لها
من غيرها .نعم من كان منزله دون تلك المواقيت جاز له الإحرام لعمرة التمتع
من حجة الإسلام من منزله شريطة أن لا يكون من حاضري المسجد الحرام ،
و الاّ فوظيفته الاحرام منه لحج الافراد او القران .
الخامس :إن من ترك الإحرام عن الميقات جاهلا أو ناسيا ،و واصل سفره
إلى مكة ،ثم تذكر أو علم بالحال ،فهل عليه أن يرجع إليه و الاحرام منه ؟
و الجواب :إنه يرجع إليه إذا كان متمكنا منه ،و ذلك لأن مقتضى الروايات
التي تنص على عدم جواز التجاوز عن الميقات بدون احرام أن المكلف ما دام
متمكنا من الاحرام منه فلا تصل النوبة إلى بديله و هو الإحرام من مكان آخر ،
و على هذا فمن جاء إلى الحج من طريق المدينة المنورة فوظيفته أن يحرم من
مسجد الشجرة إلى مسافة ميل افقيا ،و لو ترك الاحرام منه و كان عن جهل و غفلة
فعليه أن يرجع إليه و الاحرام منه ،و لا يكتفى بالاحرام من الجحفة رغم أنها من
أحد المواقيت الخمسة ،و ذلك لأن مفاد تلك الروايات الارشاد إلى أن الإحرام
منه هو الواجب عليه أولا ،و ما دام المكلف متمكنا منه فلا يصل الدّور إلى بدله .
نعم إذا لم يتمكن من الرجوع إليه أحرم من الجحفة ،و أما إذا جاوز عنها أيضا
فان تمكن من الرجوع إليها وجب ،و الاّ فمن الأقرب فالأقرب إليها على الأظهر .
و بكلمة :إن ما نتج من الروايات الناهية عن التجاوز من الميقات بدون
إحرام بضميمة الروايات الآمرة برجوع تارك الاحرام منه إليه إذا تمكن هو أن --( 216 )--
..........
الاحرام من الميقات الذي يمر عليه هو الواجب الأول فلا يجوز للمكلف تركه
مهما أمكن و لو بالرجوع من مكة إليه ،فالاحرام من ذلك الميقات بالنسبة إلى
العمرة أو الحج كالطهارة المائية بالنسبة إلى الصلاة ،فانه ما دام المكلف متمكنا
منها فلا يصل الدور إلى التيمم ،هذا هو مقتضى اطلاقات الروايات .نعم في
خصوص التجاوز عن مسجد الشجرة الذي يكون أمامه ميقات آخر و هو
الجحفة ،قد ورد نص خاص و هو صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :
من أين يحرم الرجل إذا جاوز الشجرة ؟فقال :من الجحفة و لا يجاوز الجحفة الاّ
محرما »- 1 - و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين أن يكون متمكنا من الرجوع إلى
الشجرة أو لا ،فاذن تكون هذه الصحيحة مقيدة لإطلاقات تلك الروايات بغير
موردها .
فالنتيجة :إن المستفاد من الصحيحة بضمها إليها هو أن من جاوز الميقات
وجب الرجوع إليه و الإحرام منه إذا لم يكن أمامه ميقات آخر من المواقيت
الخمسة ،و الاّ لم يجب ،و كفاية الاحرام من الميقات الأمامي .
السادس :قد تسأل ان من ترك الإحرام من مسجد الشجرة جاهلا أو
غافلا إلى أن دخل مكة المكرمة ،فهل عليه أن يرجع إلى مسجد الشجرة
و الإحرام منه إذا تمكن ،أو يكفى الرجوع إلى الجحفة و الإحرام منها ؟
و الجواب :إنه يكفى الرجوع إلى الجحفة و الاحرام منها ،و لا يجب عليه
الرجوع إلى المسجد و إن تمكن منه ،و ذلك بمقتضى دلالة الصحيحة على عدم
وجوب الرجوع إليه بعد التجاوز عنه و إن تمكن ،و يكفي الإحرام من الجحفة
التي أمامه .
السابع :إن من ترك الإحرام من مسجد الشجرة عامدا و ملتفتا إلى الحكم
الشرعي ،فهل عليه أن يرجع إليه مرة ثانية و يحرم منه ،أو يكفي الإحرام من
الجحفة بدلا عن الإحرام عنه و لا يجب عليه الرجوع ؟
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
--( 217 )--
..........
و الجواب :إن مقتضى اطلاقات روايات الباب وجوب الرجوع إليه
للإحرام منه ،كما هو الحال في سائر المواقيت ،لما مر من أن قضية تلك
الاطلاقات أن المكلف ما دام متمكنا من أن يحرم من المسجد فلا يصل الدور
إلى الاكتفاء بالإحرام من الجحفة الذي هو بديل عنه ،فان وظيفة كل من جاء إلى
الحج عن طريق المدينة المنورة الذي يمر على مسجد الشجرة الاحرام منه
و عدم جواز التأخير بدون عذر و الاحرام من الجحفة باعتبار أن وظيفة المعذور
عن الإحرام من المسجد ،هذا بحسب مقتضى القاعدة ،و أما بحسب النص
الوارد في خصوص المقام و هو صحيحة الحلبي المتقدمة فلا يبعد شمول
اطلاقها لهذه الصورة ،فان السؤال فيها مطلق يعم من ترك الاحرام منه عن عمد
و التفات ،و كذلك جواب الامام عليه السّلام باعتبار أنه لم يقيد بما إذا كان تركه عن جهل
أو غفلة مع كونه عليه السّلام في مقام البيان .
و دعوى :أنها ليست في مقام البيان من هذه الناحية ،فان السؤال فيها ناظر
إلى وظيفة المتجاوز عن الشجرة بدون احرام ،و الامام عليه السّلام أجاب عن أنه يحرم
من الجحفة ،و أما أن تجاوزه عنها كان لعلة أو لا فلا نظر لها إلى هذه الناحية .
مدفوعة :بأن الصحيحة ليست قضية في واقعة ،بل قضية كلية سؤالا
و جوابا ،فإذا كان الامام عليه السّلام في مقام بيان حكمها لموضوعها الكلي المفروض
وجوده فلا محالة يكون في مقام بيان حالات موضوعها أيضا ،و لا ينفك بيان
أحدهما عن الآخر ،و عليه فإذا كانت للموضوع حالات متعددة و لم يقيده بشيء
منها فهو مطلق ،و ما نحن فيه كذلك ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا
أن يرجع إلى مسجد الشجرة في هذه الصورة بدون فرق بين أن يكون رجوعه
قبل وصوله إلى مكة أو بعده شريطة أن يكون ميقات أهله .
الثامن :إن من ترك الاحرام عن الميقات لعذر كالمرض أو الضعف أو ما
شاكل ذلك ،و واصل سفره إلى مكة ،و أحرم من أدنى الحل ،و دخل مكة ثم ارتفع
عذره و استعاد قوته و نشاطه ،فهل يجب عليه أن يرجع إلى الميقات و الإحرام --( 218 )--
..........
منه إذا تمكن من ذلك و لم يخش فوت الحج ؟
و الجواب :إنه يجب عليه الرجوع إلى الميقات و الإحرام منه ،لأن ارتفاعه
عنه في وقت يتمكن من الرجوع إليه و الإحرام منه كاشف عن انه لم يسقط عنه ،
فان العذر انما يكون رافعا للتكليف و مسقطا عنه إذا كان مستوعبا لتمام الوقت ،
و أما إذا لم يكن مستوعبا له بأن يكون المكلف متمكنا من الاتيان بالمأمور به
بتمام واجباته في وقته فلا أثر له ،و لا يكون رافعا له ،و على هذا فإذا ارتفع العذر
بعد دخوله في مكة ،بل بعد الاتيان بالعمرة و كان الوقت واسعا للرجوع إلى
ميقات أهل أرضه و الإحرام منه وجب عليه الرجوع ،فان ارتفاعه كذلك كاشف
عن بطلان احرامه من أدنى الحل باعتبار أن صحته ترتبط بكونه عاجزا عن
الاحرام من الميقات في الواقع ،و الفرض أنه غير عاجز عنه .نعم إذا كان أمام
ذلك الميقات ميقات آخر كمسجد الشجرة حيث أن أمامه ميقات آخر
كالجحفة ،ففي مثل ذلك إذا ارتفع العذر كفى الرجوع إلى الجحفة و الإحرام منها ،
و لا يجب الرجوع إلى مسجد الشجرة كما هو الحال في الجاهل و الناسي ،و ذلك
لإطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة .
--( 219 )--
فصل
في أحكام المواقيت
[3219 ]مسألة 1 :لا يجوز الإحرام قبل المواقيت و لا ينعقد ،و لا يكفي
المرور عليها محرما بل لا بد من إنشائه جديدا ،ففي خبر ميسرة : «دخلت
على أبي عبد اللّه عليه السّلام و أنا متغير اللون فقال عليه السّلام :من أين أحرمت بالحج ؟
فقلت :من موضع كذا و كذا ،فقال عليه السّلام :ربّ طالب خير يزلّ قدمه ،ثم قال
أ يسرّك إن صليت الظهر في السفر أربعا ؟قلت :لا ،قال :فهو و اللّه ذاك ».
نعم يستثنى من ذلك موضعان :
أحدهما :إذا نذر الإحرام قبل الميقات ،فإنه يجوز و يصح للنصوص ،
منها خبر أبي بصير ( 1 ) عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «لو أن عبدا أنعم اللّه تعالى عليه
نعمة أو ابتلاه ببلية فعافاه من تلك البلية فجعل على نفسه أن يحرم من
خراسان كان عليه أن يتم ».
( 1 ) موثقة أبي بصير - 1 - ،و منها صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن رجل جعل للّه عليه شكرا أن يحرم من الكوفة ،قال :فليحرم من
الكوفة ،و ليف للّه بما قال »- 2 - و موردهما و إن كان خاصا ،الاّ أن المتفاهم العرفي
منهما بمناسبات الحكم و الموضوع صحة نذر الاحرام قبل الميقات مطلقا بدون
خصوصية له .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب المواقيت الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :13 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 220 )--
و لا يضر عدم رجحان ذلك بل مرجوحيته قبل النذر مع أن اللازم
كون متعلق النذر راجحا ،و ذلك لاستكشاف رجحانه بشرط النذر ( 1 ) من
الأخبار ،و اللازم رجحانه حين العمل و لو كان ذلك للنذر ،و نظيره مسألة
الصوم في السفر المرجوح أو المحرّم من حيث هو مع صحته و رجحانه
بالنذر ،و لا بد من دليل يدل على كونه راجحا بشرط النذر ،فلا يرد أن لازم
ذلك صحة نذر كل مكروه أو محرّم ،و في المقامين المذكورين الكاشف
هو الأخبار ،فالقول بعدم الانعقاد -كما عن جماعة -لما ذكر لا وجه له ،
لوجود النصوص و إمكان تطبيقها على القاعدة .
( 1 ) بل يمكن أن يكون بعنوان أنه متعلق النذر ،و هذا يعني أن التزام
المكلف فعله للّه تعالى يوجب رجحانه بانطباق هذا العنوان الثانوي الراجح
عليه ،أو أنه ملازم لانطباق عنوان راجح عليه .
و النكتة في ذلك :إن جعل وجوب الوفاء به من قبل الشارع بما أنه لا
يمكن أن يكون جزافا و بدون ملاك مبرر له في الواقع ،فبطبيعة الحال ان ما دل
على وجوب الوفاء به في مقام الاثبات كاشف عن رجحانه بالعنوان الثانوي ،
و هو عنوان كونه متعلقا للنذر ،او كون هذا العنوان ملازما لانطباق عنوان راجح
عليه ،و لا يلزم في وجوب الوفاء به أن يكون متعلقه راجحا بعنوان أولي .
و دعوى :ان الاحرام قبل الميقات محرم ،فلا يمكن الحكم بصحة النذر
المتعلق به ،و الاّ فلازمه امكان تحليل كل حرام بالنذر ،و هو خلاف الضرورة .
مدفوعة :بأن حرمة الإحرام قبل الميقات حرمة تشريعية لا ذاتية ،و معنى
ذلك أن الإحرام إنما يكون حراما إذا كان بقصد الأمر المفروض من قبل اللّه
تعالى ،مع العلم بأنه لا أمر به في الواقع ،و النذر و إن تعلق بالإحرام المشروع الاّ
أنه لا يلزم أن يكون مشروعا بقطع النظر عنه و في المرتبة السابقة ،بل يكفي كونه --( 221 )--
و في إلحاق العهد و اليمين بالنذر و عدمه وجوه ،ثالثها إلحاق
العهد دون اليمين ،و لا يبعد الأول ( 1 ) لإمكان الاستفادة من الأخبار ،
مشروعا بتعلق النذر به ،أي بعنوان ثانوي ،أو كون تعلقه به ملازما لانطباق عنوان
راجح عليه ،و الكاشف عن ذلك هو الروايات الدالة على صحة نذر الإحرام قبل
الميقات .
و بكلمة :إن النذر لا يمكن أن يكون محللا للحرام الذاتي ،لما ذكرناه في
علم الأصول من أن وجوب الوفاء بالنذر و أخويه لا يصلح أن يزاحم أي حكم
الزامي مجعول من قبل الشرع ،فانه بصرف ثبوته فيه رافع له بارتفاع موضوعه
وجدانا ،و وارد عليه ،لأن ذلك مقتضى قوله عليه السّلام : «إن شرط اللّه قبل شرطكم »فان
معناه أن التكاليف الإلهية المفروضة من قبل اللّه تعالى لا بد و أن تلحظ في
المرتبة السابقة على شروطكم و التزاماتكم ،و بقطع النظر عنها ،فاذا كانت
التكاليف الإلهية ثابتة في الشريعة فلا يصل الدور إلى شروطكم ،فاذن كيف
يمكن أن يكون وجوب الوفاء محللا للحرام ،بل ان ذلك اي ارتفاع وجوب
الوفاء بالنذر بارتفاع موضوعه بثبوت التكليف في الشريعة المقدسة يكون على
القاعدة فلا يحتاج إلى دليل ،فان التزام المكلف بشيء من قبل نفسه للّه تعالى لا
يمكن أن يزاحم أي تكليف الهي المفروض من قبله تعالى في الشرع في
المرتبة السابقة ،فإذا كان ثابتا فيه كذلك فلا يصل الدور إلى التزام المكلف بشيء
على خلافه للّه تعالى .
فالنتيجة :إن متعلق النذر الإحرام بنفسه قبل الميقات ،و المفروض أنه
ليس بحرام ذاتا ،و بذلك يظهر أن هذه الدعوى مبنية على الخلط بين الحرام
الذاتي و الحرام التشريعي ،لأن صحة النذر المتعلق بالثاني لا تستلزم تحليل
الحرام ،و من هنا يظهر حال صحة الصوم في السفر بالنذر .
( 1 ) هذا بعيد جدا ،لأن صحة نذر الإحرام قبل الميقات انما هي من جهة --( 222 )--
..........
الروايات ،و هي لا تعم العهد و اليمين ،أما صحيحة الحلبي فلأن موردها النذر ،
و لا عموم لها بالنسبة إلى العهد و اليمين ،و أما موثقة أبي بصير فهي ظاهرة سياقا
فيه ،و لا اطلاق لها باعتبار أن الظاهر من هذه الروايات أن الحاج جعل الإحرام
قبل الميقات على نفسه للّه تعالى ،و هذا هو مفاد النذر دون العهد و اليمين .
أما العهد ،فلأن مفاده ربط الشخص التزامه النفسي باللّه تعالى ،و عقده
بينه و بين ربه على أن افعل كذا ،فمعنى عاهدت اللّه على أن افعل كذا و كذا هو
ذلك ،دون جعل الفعل عليه للّه تعالى ،و بذلك يمتاز العهد عن النذر ،و من هنا
قويّنا عدم اعتبار الرجحان في متعلق العهد .
و أما اليمين ،فلأن مفاده ربط التزامه النفسي بالفعل الخارجي بالحلف
باسمائه الخاصة و شده به ،فمعنى قوله : «و اللّه لأفعلنّ كذا »جعل التزامه النفسي
بالفعل مرتبطا بالحلف بذاته تعالى ،لا جعل الفعل عليه للّه تعالى ،فتكون اليمين
كالعهد من هذه الناحية ،فلا يعتبر في وجوب الوفاء بها أن يكون متعلقها
راجحا ،بل قد يستعمل العهد بمعنى القسم ،كما في قولنا «عليّ عهد اللّه لأفعلنّ
كذا »أي اقسم باللّه .
فالنتيجة :إن اخبار الباب لا تشمل العهد و اليمين ،و على هذا فلا يمكن
تصحيح الإحرام قبل الميقات بهما ،و ذلك لأن الإحرام قبل الميقات بما أنه غير
مشروع فلا يمكن جعله مشروعا بالعهد أو اليمين .
و بكلمة :إن الاحرام للعمرة أو الحج بعنوان الوظيفة قبل الميقات غير
مشروع ،و حينئذ فان تعلق العهد أو اليمين به فلا أثر له ،ضرورة أنه لا يجعل غير
المشروع مشروعا ،و إن تعلق به بما هو دعاء و تضرع و استجابة للّه تعالى لا بما
هو إحرام قبل الميقات فهو خارج عن محل الكلام ،و من هنا لو لا الروايات
الدالة على صحة النذر قبل الميقات لقلنا ببطلانه أيضا .و مع الاغماض عن ذلك ،
و تسليم أن الوفاء بالعهد أو اليمين المتعلق به قبل الميقات واجب ،الاّ أن وجوبه
لا يتوقف على كون متعلقهما راجحا كما مر .فاذن ما هو الطريق إلى احراز أنه --( 223 )--
و الأحوط الثاني ( 1 ) لكون الحكم على خلاف القاعدة ،هذا .
و لا يلزم التجديد في الميقات و لا المرور عليها و إن كان الأحوط
التجديد خروجا عن شبهة الخلاف .
و الظاهر اعتبار تعيين المكان ( 2 ) فلا يصح نذر الإحرام قبل الميقات
مطلقا فيكون مخيرا بين الأمكنة لأنه القدر المتيقن بعد عدم الإطلاق في
الأخبار ،نعم لا يبعد الترديد بين المكانين بأن يقول : «للّه علي أن أحرم إما
راجح بعد فرض أنه مرجوح قبل الميقات بعنوان الاحرام و إن لم يكن محرما
ذاتا ،و الفرض أنهما لا يقتضيان كونه راجحا ،و بذلك يمتازان عن النذر ،و عليه
فان فرض وجوب الوفاء بهما و الاتيان بالاحرام قبل الميقات و لكنه لا يجزئ
عن الاحرام من الميقات ،باعتبار أن الاحرام منه عبادة ،فلا بد من أن يكون
راجحا في نفسه ،و الاّ فلا يصلح أن يكون جزء العمرة أو الحج .
فالنتيجة :إن الصحيح عدم الحاق العهد و اليمين بالنذر .
( 1 ) بل هو الصحيح ،كما مر .
( 2 ) في الظهور اشكال ،و لا يبعد عدم اعتباره ،لما مر من أن المتفاهم
العرفي من الروايات بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية صحة نذر الإحرام
قبل الميقات بدون دخل تعيين المكان فيها ،اذ احتمال أن تعيين المكان الخاص
كالكوفة أو خراسان أو البصرة أو نحوها من المكان المعين دخيل في صحة
نذره بعيد جدا عن الارتكاز العرفي ،باعتبار أن الإحرام عن كل مكان يكون قبل
الميقات غير مشروع بدون خصوصية لمكان و مكان آخر ،و المفروض أن
المعتبر في صحة النذر انما هو رجحان متعلقه في ظرف الوفاء و العمل به و إن
كان بعنوان ثانوي ،و احتمال أن خصوصية المكان المعين دخيلة فيه غير محتمل
عرفا ،إذ نسبة الامكنة الواقعة قبل الميقات إلى الإحرام منها على حد سواء ،فانه
غير مشروع من أي منهما كان بنسبة واحدة ،و على هذا فاذا نذر الإحرام قبل
الميقات بدون تعيين مكان خاص انعقد ،و له حينئذ أن يحرم من أي نقطة شاء --( 224 )--
من الكوفة أو من البصرة »و إن كان الأحوط خلافه .
و لا فرق بين كون الإحرام للحج الواجب أو المندوب أو للعمرة
المفردة ،نعم لو كان للحج أو عمرة التمتع يشترط أن يكون في أشهر الحج
لاعتبار كون الإحرام لهما فيها ،و النصوص إنما جوزت قبل الوقت المكاني
فقط .
ثم لو نذر و خالف نذره فلم يحرم من ذلك المكان نسيانا أو عمدا لم
يبطل إحرامه إذا أحرم من الميقات ،نعم عليه الكفارة إذا خالفه متعمدا .
ثانيهما :إذا أراد إدراك عمرة رجب و خشي تقضيه إن أخر الإحرام
إلى الميقات فإنه يجوز له الإحرام قبل الميقات و تحسب له عمرة رجب
و إن أتى ببقية الأعمال في شعبان ،لصحيحة إسحاق بن عمار ( 1 ) عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «عن رجل يجيء معتمرا ينوي عمرة رجب فيدخل عليه الهلال
قبل أن يبلغ العقيق أ يحرم قبل الوقت و يجعلها لرجب أو يؤخر الإحرام إلى
العقيق و يجعلها لشعبان ؟قال :يحرم قبل الوقت لرجب فإن لرجب فضلا »
و صحيحة معاوية بن عمار : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :ليس ينبغي أن
يحرم دون الوقت الذي وقت رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله إلا أن يخاف فوت الشهر في
و أراد شريطة أن تكون قبل الميقات ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر تعيين
المكان .
( 1 ) الرواية موثقة - 1 - في مصطلح أهل الرجال لا أنها صحيحة ،و لعله قدّس سرّه
أراد منها الرواية المعتبرة حيث انه لا يكون مقيدا في تعبيره عن الروايات أن
يكون على طبق ما هو المصطلح الرجالي .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
--( 225 )--
العمرة »و مقتضى إطلاق الثانية جواز ذلك لإدراك عمرة غير رجب أيضا
حيث أن لكل شهر عمرة ،لكن الأصحاب خصصوا ذلك برجب فهو
الأحوط ( 1 ) حيث إن الحكم على خلاف القاعدة ،و الأولى و الأحوط مع
ذلك التجديد في الميقات ،كما أن الأحوط التأخير إلى آخر الوقت و إن
كان الظاهر جواز الإحرام قبل الضيق إذا علم عدم الإدراك إذا أخر إلى
( 1 ) بل هو الأظهر ،و ذلك لأن مقتضى اطلاق صحيحة معاوية بن عمار - 1 -
و إن كان جواز ذلك لإدراك عمرة سائر الشهور أيضا ،الاّ أن تعليل تقديم احرام
عمرة رجب قبل الميقات في الموثقة بقوله عليه السّلام : «فان لرجب فضلا »يمنع عن
الأخذ بهذا الاطلاق ،فان الظاهر من التعليل عرفا هو أن أفضلية عمرة رجب من
عمرة سائر الشهور هي التي تبرر حكم الشارع بجواز تقديم احرام عمرته قبل
الوقت على عمرة غيره كشعبان لكي لا تفوت عنه تلك الفضيلة التي هي غير
موجودة في عمرة غيره .
و بكلمة :إن ظاهر التعليل اشارة إلى ما ورد في الروايات من التنصيص
على أن عمرة رجب افضل من عمرة سائر الشهور كلا حتى من عمرة شهر
رمضان ،و أن التقديم إنما هو بلحاظ أن لا تفوت هذه الأفضلية عنه ،و ليس هذا
التعليل بلحاظ فضيلة عمرة رجب دون أفضليتها ،و الاّ لكان لغوا ،إذ لا فرق
حينئذ بين رجب و شعبان و غيرهما من الشهور ،فاذن لا معنى لقوله عليه السّلام : «فان
لرجب فضلا »بل هو لغو حيث لا فضل له على غيره ،و لا فرق بينه و بين سائر
الشهور ،بل لو كان التقديم بلحاظ أن لا تفوت عنه عمرة رجب لكان المناسب
أن يعلل قوله عليه السّلام : «يحرم قبل الوقت لرجب »بقوله «لئلاّ تفوت عنه عمرته »
و على هذا فنرفع اليد عن اطلاق صحيحة معاوية و تقييده بظهور التعليل في
الموثقة في اختصاص الحكم بعمرة رجب ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به
إذا خاف فوت العمرة في شهر آخر من سائر الشهور أن يجمع بين الإحرام قبل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 226 )--
الميقات ،بل هو الأولى حيث إنه يقع باقي أعمالها أيضا في رجب ( 1 ) .
و الظاهر عدم الفرق بين العمرة المندوبة و الواجبة بالأصل أو بالنذر
و نحوه .
[3220 ]مسألة 2 :كما لا يجوز تقديم الإحرام على الميقات كذلك لا
يجوز التأخير عنها ،فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكة أن
يجاوز الميقات اختيارا إلا محرما ،بل الأحوط عدم المجاوزة عن محاذاة
الميقات أيضا ( 2 ) إلا محرما و إن كان أمامه ميقات آخر ،فلو لم يحرم منها
وجب العود إليها مع الإمكان إلا إذا كان أمامه ميقات آخر فإنه يجزيه
الوقت و تجديده فيه ،و الاتيان بها بعنوان عمرة هذا الشهر رجاء ،ثم بعمرة اخرى
للشهر الثاني كذلك إذا اراد أن يأتي بها .نعم يمكن التعدي عن مورد التعليل إلى
كل شهر تكون عمرته أفضل من الشهر بعده ،كعمرة شهر رمضان -مثلا -فإنها
أفضل من عمرة شهر شوال .
( 1 ) فيه ان العبارة مجملة ،و المراد منها غير ظاهر ،فانه إذا علم قبل ضيق
الوقت عدم ادراك العمرة إذا أخر إلى الميقات ،ففي هذه الحالة إذا احرم قبله
كيف يتمكن من ادراك باقي اعمال العمرة أيضا في رجب رغم انه إذا اخر إلى
الميقات لم يدرك الاحرام فيه فضلا عن سائر اعمالها !الاّ أن يكون مراده قدّس سرّه أنه
إذا احرم قبل ضيق الوقت فله اختيار طريق آخر أقرب إلى مكة بديلا عن الطريق
المؤدي إلى الميقات ،فعندئذ يمكن أن يدرك باقي اعمالها أيضا في رجب ،أو
يكون مراده قدّس سرّه انه إذا احرم قبل الضيق كانت فترة احرامه أطول ،و عليه فتكون
عبادته أكثر ،و لكن ارادة هذا المعنى من العبارة بعيد جدا .و كيفما كان فالعبارة
مجملة و غير واضحة المراد .
( 2 ) فيه أنه مبني على أن محاذاة جميع المواقيت ميقات ،و لكن قد تقدم --( 227 )--
الإحرام منها و إن أثم بترك الإحرام من الميقات الأول ( 1 ) ،و الأحوط العود
إليها مع الإمكان ( 2 ) مطلقا و إن كان أمامه ميقات آخر ،و أما إذا لم يرد النسك
و لا دخول مكة بأن كان له شغل خارج مكة و لو كان في الحرم فلا يجب
الإحرام ،نعم في بعض الأخبار وجوب الإحرام من الميقات إذا أراد دخول
الحرم ( 3 ) و إن لم يرد دخول مكة ،
أنه لا دليل على ذلك باستثناء نقطة محاذية لمسجد الشجرة ،و أما فيها فقد مر أنه
لا بأس بالتجاوز عنها بدون احرام و يحرم من الميقات الأمامي و هو الجحفة ،
و إن كان الأولى و الأجدر به أن يحرم من النقطة المحاذية .
( 1 ) فيه ان الإثم ليس على ترك الإحرام بنفسه ،باعتبار أنه ليس بواجب
مستقل ،بل هو جزء الواجب ،فاذن لا محالة يكون الإثم على تركه اما بملاك أن
تركه يؤدي إلى ترك الواجب ،أو بملاك أنه يؤدي إلى ترك مرتبة تامة منه و هي
الحجة أو العمرة المركبة من الاحرام من مسجد الشجرة ،فاذا ترك الإحرام منه
عامدا و ملتفتا فهو آثم و مستحق للعقوبة ،و مقتضى القاعدة وجوب الرجوع إليه
مرة ثانية و الإحرام منه ،و لكن لا يبعد شمول اطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة
لهذه الصورة أيضا ،و مقتضاه عدم وجوب الرجوع إليه رغم تمكنه منه و الاكتفاء
بالميقات الأمامي و هو الجحفة ،و إن كان الأحوط و الأجدر به الرجوع ،بل لا
يترك .نعم إذا ترك الاحرام من الجحفة أيضا و جاوزها ،فعليه أن يرجع إليها
و الإحرام منها ،و لا يكتفي بالاحرام من مكانه .
( 2 ) مر أنه لا يبعد عدم العود إلى الميقات الأول إذا كان أمامه ميقات آخر
كالجحفة نظريا و إن كان الاحتياط بالعود إليه لا يترك .
( 3 ) فيه انه لا يمكن استفادة ذلك من الروايات بقرينة أن الإحرام جزء
العمرة و الحجة ،و لا تدل هذه الروايات على أنه واجب مستقل ،و لكن مع ذلك
قد يستدل بها على ذلك .
--( 228 )--
..........
منها :صحيحة عاصم بن حميد قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :هل يدخل
الحرم أحد الاّ محرما ؟قال :لا إلاّ مريض أو مبطون »- 1 - .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام :هل يدخل
الرجل الحرم بغير احرام ؟قال :لا الاّ أن يكون مريضا أو به بطن »- 2 - .
بدعوى :أنهما تدلان على أن دخول الحرم بما هو لا يسوغ بدون احرام ،
و لكن الأمر ليس كذلك ،فان المتفاهم العرفي منهما بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية و بقرينة أن الإحرام ليس واجبا مستقلا في الشريعة المقدسة ،ان
السؤال انما هو عن دخول الرجل الحرم لدخول مكة بغاية النسك و ليس السؤال
عن دخول الحرم بما هو و إن لم يكن مريدا لدخول مكة فلا اطلاق لهما لكي
تدلان باطلاقهما على أن دخول الحرم لا يمكن بدون احرام و إن لم يكن قاصدا
لدخول مكة ،فاذن لا دليل على وجوب الإحرام لدخول الحرم إذا كان من أجل
غرض آخر لا من أجل الدخول في مكة .
قد يقال كما قيل :إن الروايات التي تنص على عدم جواز دخول مكة
بدون إحرام كصحيحة محمد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام :هل يدخل
الرجل مكة بغير احرام ؟قال :لا الاّ مريضا أو من به بطن »- 3 - و نحوها قرينة على
حمل أخبار الحرم على مريد الدخول في مكة .
و الجواب :إنه لا تنافى بين هذه الروايات و الروايات المتقدمة ،فان مفاد
هذه الروايات أنه لا يسوغ الدخول في مكة الاّ محرما ،و على هذا فمن أراد
الدخول في الحرم فلا يخلو من أن يكون قاصدا دخول مكة أو لا ،فعلى الأول
يكفي احرامه من أجل دخول الحرم لدخول مكة لصدق أنه دخل فيها محرما ،
و المفروض أنه الواجب عليه .و على الثاني فهو غير مريد دخولها ،فاذن لا تصلح
هذه الصحيحة و أمثالها أن تكون قرينة على حمل تلك الروايات على مريد
الدخول في مكة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :50 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :50 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :50 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
--( 229 )--
لكن قد يدعى الإجماع على عدم وجوبه ( 1 ) و إن كان يمكن استظهاره من
بعض الكلمات .
[3221 ]مسألة 3 :لو أخر الإحرام من الميقات عالما عامدا و لم يتمكن
من العود إليها لضيق الوقت أو لعذر آخر و لم يكن أمامه ميقات آخر بطل
إحرامه و حجه على المشهور الأقوى ( 2 ) ،و وجب عليه قضاؤه إذا كان
و بكلمة :انا إذا فرضنا أن دخول الحرم بما هو لا يجوز بدون الإحرام ،
و حينئذ فإذا دخل الحرم باحرام كفى ذلك الإحرام لدخول مكة أيضا بغاية
النسك ،و لا يحتاج إلى إحرام آخر باعتبار أن الوارد في الدليل ليس هو الأمر
بالإحرام لدخول مكة ،بل الوارد فيه النهي عن الدخول فيها الاّ محرما ،و إذا دخل
فيها بذلك الإحرام صدق أنه دخل فيها محرما ،و أما إذا دخل فيه بدون إحرام فان
أراد الدخول في مكة وجب عليه الإحرام له ،و الاّ فهو آثم لترك الإحرام للدخول
فيها ،و إذا دخل فيه بدونه لا من أجل الدخول في مكة بل من أجل غاية اخرى
فلا شيء عليه .
( 1 ) هذا لا من جهة دعوى الاجماع ،بل من جهة أنه لا دليل على وجوبه .
( 2 ) في القوة اشكال بل منع ،و الأظهر أن حكمه حكم الجاهل و الناسي ،
و ذلك لأن مقتضى روايات التوقيت و إن كان بطلان حجه باعتبار أن مفاد تلك
الروايات أن الشارع جعل الاحرام من واجبات الحج من المواقيت المعينة ،فإذا
ترك الاحرام منها فقد ترك الواجب ،و أما اجزاء الاحرام من مكان آخر و قيامه
مقام الاحرام منها بحاجة إلى دليل ،و لكن مقتضى اطلاق صحيحة الحلبي قال :
«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :عن رجل ترك الإحرام حتى دخل الحرم ،فقال :يرجع
إلى ميقات أهل بلاده الذي يحرمون منه فيحرم ،فان خشى أن يفوته الحج --( 230 )--
..........
فليحرم من مكانه ،فان استطاع أن يخرج من الحرم فليخرج »- 1 - صحة حجّه و أن
وظيفته في هذه الحالة الإحرام من مكانه إذا لم يستطيع الخروج من الحرم ،و الاّ
فوظيفته الخروج منه و الاحرام من الخارج .
و هاهنا مناقشات في الصّحيحة :
الاولى :إنه لا اطلاق لها لصورة ترك الإحرام عامدا و ملتفتا ،اذ الظاهر منها
تركه من الوقت نسيانا أو جهلا .
و الجواب :الظاهر أن الصحيحة مطلقة سؤالا و جوابا ،فان قول السائل
( رجل ترك الاحرام ) ظاهر في أن السؤال عن قضية حقيقية حتى يعرف حكم
هذه القضية بتمام حالاتها ،و المفروض أن جواب الإمام عليه السّلام عنها مطلق ،و من
المعلوم أن اطلاقه كاشف عن ثبوت الحكم في تمام الحالات ،إذ لو كان مختصا
بحالتي الجهل و النسيان لقيد بهما ،باعتبار أنه عليه السّلام كان في مقام البيان بقرينة
تصديه عليه السّلام لبيان تمام صور المسألة فيها بتمام فروضها .
الثانية :ان اعراض المشهور عنها يوجب سقوطها عن الاعتبار .
و الجواب :انا قد ذكرنا غير مرة أن اعراض المشهور انما يكون كاشفا عن
ذلك اذا توفر فيه أمران :
أحدهما :أن يكون هذا الاعراض من قدماء الاصحاب الذين يتلقون
الروايات من أصحاب الأئمة عليهم السّلام يدا بيد .
ثانيهما :أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن يكون مدركا لهم كلا أو جلا .
و لكن كلا الأمرين غير متوفر ..
أما الأول :فلأنه لا طريق لنا إلى اثباته كما ذكرناه غير مرة .
و أما الثاني :فأيضا كذلك ،اذ ليس بامكاننا اثبات أن اعراضهم عنها لا
يكون مستندا إلى شيء آخر في المسألة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :7 .
--( 231 )--
..........
الثالثة :إنها لا تصلح أن تقاوم روايات التوقيت باعتبار أنها تبلغ من الكثرة
بحد التواتر الإجمالي ،فاذن تدخل الصحيحة في الروايات المخالفة للسنة فلا
تكون حجة .
و الجواب :إن ذلك مبني على أن تكون الصحيحة معارضة لتلك
الروايات ،و الفرض أنها ليست معارضة لأن نسبتها اليها نسبة الخاص إلى العام ،
و لا مانع من تخصيص الكتاب و السنة بخبر الواحد ،و على هذا فلا تكون
الصحيحة من الروايات المخالفة للسنة .
فالنتيجة :إن حكم العامد الملتفت حكم الجاهل و الناسي في المسألة ،فإن
وظيفتهم جميعا أولا الرجوع إلى الميقات ،و اذا تعذر ذلك و لو بخوف فوت
الحج فإلى خارج الحرم بقدر ما استطاعوا و الاحرام منه ،و الاّ فمن مكانهم .
و نذكر فيما يلى عددا من المسائل :
الاولى :قد تسأل ان التارك للإحرام من الميقات إذا تعذر الرجوع اليه مرة
ثانية ،فهل عليه أن يرجع إلى قدر ما استطاع من المسافة ،أو يكتفي بالخروج من
الحرم و الإحرام منه ؟
الجواب :إنه لا يبعد وجوب الرجوع عليه و الخروج عن الحرم إلى ما قدر
عليه من المسافة ،و ينص عليه قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «إن كان
عليها مهلة فترجع إلى الوقت فلتحرم منه ،و إن لم يكن عليها وقت فلترجع
إلى ما قدرت عليه بعد ما تخرج من الحرم بقدر ما لا يفوتها الحج فتحرم ... »- 1 -
فانه واضح الدلالة على ذلك ،و لا معارض له في الروايات ،فاذن لا مانع من
الأخذ به .
و دعوى :أن موردها الحائض ،و التعدي منه إلى سائر موارد الأعذار
بحاجة إلى دليل .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :4 .
--( 232 )--
..........
مدفوعة :بأن ترك الاحرام من الميقات لا يكون مستندا إلى حيضها ،لأنه
لا ينافي الإحرام ،و انما يكون مستندا إلى جهلها بالحكم الشرعي ،و من المعلوم
أنه لا فرق فيه بينها و بين الرجل ،فان المعيار انما هو بدخول الحرم تاركا
للإحرام من الميقات رجلا كان أو امرأة .
و اما اعراض المشهور عنها ،فقد مر أنه لا أثر له .و بذلك يظهر حال ما اذا
تذكر في أثناء السير و قبل دخوله في الحرم ،أو ندم فيه و لكن لا يتمكن من
الرجوع إلى الميقات ،و يتمكن من الرجوع إلى مسافة أقرب إليه ،فلا يبعد
وجوب الرجوع إليها و الإحرام منها ،اذ المستفاد من الصحيحة عرفا أن
المطلوب هو الإحرام من الأقرب فالأقرب إلى الميقات .
الثانية :قد تسأل إن التارك للإحرام من الميقات إذا كان أمامه ميقات آخر
فما ذا يصنع ؟و هل يجب عليه الرجوع إلى الميقات الأول و الاحرام منه ،أو
يواصل سيره إلى مكة و يحرم من الميقات أمامه ؟
الجواب :إن مقتضى القاعدة كما تقدم و إن كان وجوب الرجوع إلى
الميقات الأول ،و لكن مقتضى اطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة كفاية الإحرام
من الميقات الأمامي و ان كان الاحتياط في محله .
الثالثة :قد تسأل إن الاحرام من نقطة محاذية لمسجد الشجرة هل هو
واجب على من مر عليها إذا كان أمامه ميقات آخر كالجحفة أو لا ؟
و الجواب :إنه لا يبعد عدم وجوبه ،لأن الأمر في صحيحة عبد اللّه بن سنان
و هو قوله عليه السّلام فيها : «فليكن إحرامه من مسيرة ستة أميال فيكون حذاء الشجرة
من البيداء »- 1 - و إن كان ظاهرا في نفسه في الوجوب ،و لكن وروده في مقام
توهم الخطر مانع عن هذا الظهور ،فإذن لا يدل الاّ على الجواز و رفع هذا التوهم .
فالنتيجة :إن الواجب على من يمر على نقطة محاذية للشجرة هو الجامع
بين أن يحرم منها أو من الجحفة .
الرابعة :قد تسأل عن الأمر بالإحرام من الميقات هل هو أمر مولوي ،أو
---------------
( 1 ) الوسائل باب :7 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 233 )--
مستطيعا و أما إذا لم يكن مستطيعا فلا يجب و إن أثم بترك الإحرام بالمرور
على الميقات خصوصا إذا لم يدخل مكة ،و القول بوجوبه عليه و لو لم يكن
مستطيعا بدعوى وجوب ذلك عليه إذا قصد مكة فمع تركه يجب قضاؤه لا
دليل عليه خصوصا إذا لم يدخل مكة ،و ذلك لأن الواجب عليه إنما كان
الإحرام لشرف البقعة كصلاة التحية في دخول المسجد فلا قضاء مع تركه ،
مع أن وجوب الإحرام لذلك لا يوجب وجوب الحج عليه ،و أيضا إذا بدا له
و لم يدخل مكة كشف عن عدم الوجوب من الأول .
و ذهب بعضهم إلى أنه لو تعذر عليه العود إلى الميقات أحرم من
مكانه كما في الناسي و الجاهل ،نظير ما إذا ترك التوضؤ إلى أن ضاق الوقت
فإنه يتيمم و تصح صلاته و إن أثم بترك الوضوء متعمدا ،و فيه أن البدلية في
أنه ارشادي و يكون ارشادا إلى جزئيته ،كما هو الحال في الأوامر الواردة في
اجزاء العبادات و شروطها ؟
الجواب :إن الظاهر هو الثاني ،و قد تقدم أن مفاد الروايات الآمرة بالاحرام
من المواقيت و الناهية عن التجاوز عنها جميعا إرشاد إلى جزئيته ،و لا يحتمل أن
يكون هذا الأمر مولويا ،و الاّ فلازمه أن يكون الإحرام واجبا مستقلا لا جزءا
للحج أو العمرة ،و هذا خلاف الضرورة الفقهية ،كما أن النهي عن التجاوز عنها
بدون إحرام لا يمكن أن يكون نهيا مولويا ناشئا عن مفسدة في متعلقة ،بل هو
ارشادي ناشئ عن ملاك جزئيته ،و على هذا فإذا مر على الميقات بدون احرام
عامدا و ملتفتا إلى الحكم الشرعي لم يكن آثما و مستحقا للعقوبة على تركه
بنفسه ،و إنما يكون آثما و مستحقا لها على ترك الواجب ،أو ترك مرتبة تامة منه ،
و هي مرتبة المختار ،فان المكلف ما دام متمكنا من الاتيان بهذه المرتبة فلا يصل
الدور إلى المرتبة الثانية ،لأنها وظيفة العاجز عن المرتبة الاولى .
--( 234 )--
المقام لم تثبت ( 1 ) بخلاف مسألة التيمم و المفروض أنه ترك ما وجب عليه
متعمدا .
[3222 ]مسألة 4 :لو كان قاصدا من الميقات للعمرة المفردة و ترك
الإحرام لها متعمدا يجوز له أن يحرم من أدنى الحل و إن كان متمكنا من
العود إلى الميقات ( 2 ) ،فأدنى الحل له مثل كون الميقات أمامه ( 3 ) ،و إن كان
( 1 ) مر أنها ثابتة بمقتضى الروايات الآمرة بالاحرام من الميقات الذي مرّ
عليه ،و الناهية عن التجاوز عنه بدونه ،فان مقتضى تلك الروايات أن المكلف
مأمور بالاحرام منه ،و لا يجوز له تركه ناويا به الاحرام من الميقات أمامه ،فانه
ما دام متمكنا منه لا يصل الدور إلى الإحرام من الميقات الأمامي .نعم مقتضى
اطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة أنه إذا ترك الإحرام منه جاهلا أو غافلا و جاوز
عنه كذلك بدونه لم يجب عليه الرجوع مرة ثانية و إن كان متمكنا منه ،و يكتفى
بالإحرام من الميقات الأمامي ،و هذا لا ينافى كونه بدلا عنه .
و يمكن تخريج ذلك فنيا ،بأن المبدل هو خصوص الإحرام منه حين
مروره عليه أولا دون الأعم منه و من الاحرام بعد الرجوع إليه ،و هذا بحسب مقام
الثبوت أمر ممكن ،و أما في مقام الاثبات فاطلاق الصحيحة شاهد عليه .
( 2 ) فيه اشكال بل منع ،و الأقوى وجوب العود إلى الميقات و الاحرام منه
إذا كان متمكنا ،و معه لا تصل النوبة إلى الإحرام من أدنى الحل ،لأنه انما يجزي
مع العجز عن العود اليه و الإحرام منه ،و الاّ فلا يجزي على تفصيل قد تقدم .
( 3 ) في المثلية اشكال بل منع ،لما تقدم من أن أدنى الحل ميقات للعمرة
المفردة لحج الافراد و القران ،و من كان في مكة للعمرة المفردة ،و أهلها لحج
الافراد و القران ،و النائي إذا لم يكن قاصدا للعمرة من الأول ثم بدا له أن يأتي بها
حينما أراد الرجوع إلى بلدته ،فانه لا يجب عليه الرجوع إلى أحد المواقيت
و الإحرام منه و إن كان متمكنا ،بل له أن يحرم من أدنى الحل كجعرانة .و أما النائي --( 235 )--
الأحوط مع ذلك العود إلى الميقات ( 1 ) ،و لو لم يتمكن من العود و لا
الإحرام من أدنى الحل بطلت عمرته .
الذي أتى من بلدته قاصدا العمرة المفردة فميقاته أحد المواقيت المعروفة ،و لا
يجوز له ترك الإحرام منه بقصد الإحرام من أدنى الحل ،فإذا ترك وجب الرجوع
اليه و الإحرام منه ،و اذا لم يرجع مع فرض تمكنه منه لم يصح احرامه من أدنى
الحل .نعم اذا لم يتمكن من الرجوع إلى الميقات فالظاهر كفاية احرامه من أدنى
الحل شريطة أن لا يستطيع الخروج من مكة بمسافة أكثر من ذلك ،و الاّ وجب
الخروج بقدر المستطاع على الأظهر -كما تقدم -.
و إن شئت قلت :إن الروايات التي تدل على أن من مرّ على الميقات بدون
احرام إلى أن دخل الحرم فوظيفته أن يخرج من الحرم بقدر ما استطاع و يحرم
منه ،و الاّ فيحرم من مكانه ،فان موردها و إن كان عمرة التمتع ،الاّ أن العرف لا
يفهم خصوصية لها من هذه الناحية ،باعتبار أن ذلك انما هو من جهة أن
المكلف ما دام متمكنا من الإحرام من الميقات فلا يصل الدور إلى بلده
الاضطراري كالإحرام من أدنى الحل ،و هذا بخلاف الميقات الأمامي كالجحفة ،
فانه من أحد المواقيت الخمسة التي عينها رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله للنائي ،غاية الأمر ان
من كان يمر على طريق المدينة يجب عليه أن يحرم من مسجد الشجرة ،و لا
يجوز له تأخيره إلى الجحفة إلا إذ كان معذورا ،و على تقدير التأخير لا يجب
عليه الرجوع إليه و إن كان متمكنا منه ،بل له أن يكتفي بالاحرام من الجحفة
بمقتضى اطلاق صحيحة الحلبي المتقدمة كما مر تفصيله .
فالنتيجة :إن أدنى الحل ليس كالجحفة ،و جهة المفارقة بينهما أمران :
أحدهما :أن الجحفة من أحد المواقيت الخمسة المعروفة دون أدنى
الحل .
و الآخر :وجود النص الفارق بينهما .
( 1 ) بل هو الأقوى كما مر .
--( 236 )--
[3223 ]مسألة 5 :لو كان مريضا لم يتمكن من النزع و لبس الثوبين يجزئه
النية و التلبية ،فإذا زال عذره نزع و لبسهما ( 1 ) و لا يجب حينئذ عليه العود إلى
الميقات إذا تمكن ( 2 ) ،نعم لو كان له عذر عن أصل إنشاء الإحرام لمرض
أو إغماء ثم زال وجب عليه العود إلى الميقات إذا تمكن ،و إلا كان حكمه
حكم الناسي ( 3 ) في الإحرام من مكانه إذا لم يتمكن إلا منه ( 4 ) ،
( 1 ) فيه أن هذا لا ينافي ما ذكره قدّس سرّه في المسألة ( 27 ) الآتية من عدم
وجوب استدامة لبس الثوبين .و تمام الكلام هناك .
( 2 ) هذا إذا لم يكن أمامه ميقات آخر كالجحفة ،و الاّ لم يجب عليه العود
إلى الأول ،بل يجوز له أن يكتفي بالإحرام من الميقات الأمامي -كما مر -.
( 3 ) هذا هو الظاهر ،و ذلك لأن مورد الروايات و إن كان الناسي و الجاهل ،
الاّ أن المتفاهم العرفي منها عدم خصوصية لهما ،باعتبار أنها ناظرة إلى بيان
حكم العاجز عن الرجوع إلى الميقات الذي مرّ عليه بدون إحرام ،سواء أ كان
مروره عليه كذلك من جهة الجهل او النسيان أو عذر آخر كالإغماء أو نحوه ،فان
المعيار بنظر العرف انما هو بعجزه عن الرجوع إليه و الإحرام منه بدون
خصوصية لسببه ،و من هنا قلنا أنه لو لا هذه الروايات لكان مقتضى القاعدة هو
البطلان ،لأن صحة الإحرام من كان آخر غير الأماكن المعينة التي تسمّى
بالمواقيت بحاجة إلى دليل .
( 4 ) هذا هو الصحيح ،و قد مر تفصيله .و بقيت هنا حالة و هي أن من تذكر
بالحال أو ارتفع جهله قبل الدخول في الحرم ،فهل يكون حكمه في هذه الحالة
حكم من تذكر بها بعد الدخول فيه أو لا ؟الظاهر أنه لا فرق بين الحالتين في
الحكم ،فان هذه الحالة و إن كانت خارجة عن مورد نصوص الباب ،الاّ أن
العرف لا يفهم منها خصوصية لموردها ،باعتبار أنها في مقام بيان حكم العاجز
عن الرجوع إلى الميقات و الإحرام منه ،و من الواضح أن العرف لا يرى --( 237 )--
و إن تمكن العود في الجملة وجب ( 1 ) ،و ذهب بعضهم إلى أنه إذا كان
مغمى عليه ينوب عنه غيره لمرسل جميل عن أحدهما عليهما السّلام : «في مريض
أغمي عليه فلم يفق حتى أتى الموقف ،قال عليه السّلام :يحرم عنه رجل »و الظاهر
أن المراد أنه يحرمه رجل و يجنبه عن محرمات الإحرام لا أنه ينوب عنه في
الإحرام ،و مقتضى هذا القول عدم وجوب العود إلى الميقات بعد إفاقته
و إن كان ممكنا ،و لكن العمل به مشكل لإرسال الخبر و عدم الجابر ،
فالأقوى العود مع الإمكان و عدم الاكتفاء به مع عدمه .
[3224 ]مسألة 6 :إذا ترك الإحرام من الميقات ناسيا أو جاهلا بالحكم أو
الموضوع وجب العود إليه مع الإمكان ،و مع عدمه فإلى ما أمكن ( 2 ) إلا إذا
كان أمامه ميقات آخر ،و كذا إذا جاوزها محلا لعدم كونه قاصدا للنسك و لا
لدخول مكة ثم بدا له ذلك فإنه يرجع إلى الميقات مع التمكن و إلى ما
أمكن مع عدمه .
خصوصية لعجزه بعد الدخول في الحرم .
( 1 ) مر في ذيل المسألة ( 3 ) أنه غير بعيد .
( 2 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،بيان ذلك :إن هاهنا حالات :
الاولى :ما إذا ارتفع العذر عنه بعد دخول الحرم ،ففي هذه الحالة إن كان
لا يتمكن من الخروج عنه يحرم من مكانه و تصح عمرته و لا شيء عليه ،و إن
كان متمكنا من الخروج عنه ففي هذا الفرض إذا لم يقدر على أن يرجع إلى
مسافة ابعد أحرم من أدنى الحل .
الثانية :ما إذا ارتفع العذر عنه قبل أن يدخل الحرم ،و في هذه الحالة إن
كان أمامه ميقات آخر كالجحفة وجب الإحرام منه بعد عدم التمكن من الرجوع
إلى الميقات الأول ،بل مع التمكن منه ،لما تقدم ،و لا يجوز تأخير الإحرام من --( 238 )--
[3225 ]مسألة 7 :من كان مقيما في مكة و أراد حج التمتع وجب عليه
الإحرام لعمرته من الميقات ( 1 ) إذا تمكن ،و إلا فحاله حال الناسي .
[3226 ]مسألة 8 :لو نسي المتمتع الإحرام للحج بمكة ثم ذكر وجب عليه
العود ( 2 ) مع الإمكان و إلا ففي مكانه و لو كان في عرفات بل المشعر و صح
حجه ،و كذا لو كان جاهلا بالحكم ،و لو أحرم له من غير مكة مع العلم
و العمد لم يصح و إن دخل مكة بإحرامه بل وجب عليه الاستئناف مع
الإمكان و إلا بطل حجه ،نعم لو أحرم من غيرها نسيانا و لم يتمكن من العود
إليها صح إحرامه من مكانه .
الميقات الأمامي إلى أدنى الحل ،و إن لم يكن أمامه ميقات آخر ،فان تمكن من
العود إلى الميقات وجب ،و إن لم يتمكن منه فهل يجب عليه العود بقدر ما
استطاع من المسافة ؟الظاهر أنه غير بعيد ،و لا أقل من الاحتياط .
الثالثة :إذا جاوز الميقات لغرض آخر لا بقصد النسك ،ثم بدا له أن يأتي
بالعمرة ،ففي هذه الحالة إن نوى العمرة المفردة فعليه أن يحرم من أدنى الحل ،
لأنه ميقاته ،و إن نوى عمرة التمتع ففيها تفصيل تقدم ،باعتبار أن أدنى الحل ليس
ميقاتا لها .و به يظهر أن ما ذكره الماتن قدّس سرّه من العود إلى ما أمكن لا يتم باطلاقه ،
فانه انما يتم إذا نوى عمرة التمتع دون المفردة .
( 1 ) تقدم الكلام في ذلك تفصيلا في المسألة الرابعة من ( فصل في أقسام
الحج ) و قلنا هناك الأظهر أنه مخير بين أن يخرج من الحرم و يحرم منه ،و بين أن
يرجع إلى أحد المواقيت .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،و ذلك لأن صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى
بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن رجل نسي الاحرام بالحج ،فذكر و هو بعرفات ما
حاله ؟قال :يقول :اللهم على كتابك و سنة نبيك فقد تم احرامه ،فان جهل أن --( 239 )--
[3227 ]مسألة 9 :لو نسي الإحرام و لم يذكر حتى أتى بجميع الأعمال من
الحج أو العمرة فالأقوى صحة عمله ( 1 ) ،و كذا لو تركه جهلا حتى أتى
بالجميع .
يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده إن كان قضى مناسكه كلها فقد تم
حجه »- 1 - و إن كانت مطلقة و مقتضى اطلاقها عدم وجوب الرجوع إلى مكة
و الإحرام منها و إن كان متمكنا و بدون أن يؤدي إلى فوت الموقف ،و لكن لا بد
من تقييد اطلاقها بما دل على أن ميقات احرام الحج مكة المكرمة ،فان مقتضاه
وجوب احرامه منها على كل من كان متمكنا منه ،إذ لا يجوز له تركه عامدا
و ملتفتا ،و على هذا فإذا تذكر في عرفات و كان متمكنا من الرجوع إلى مكة
و الإحرام منها بدون أن يفوت الموقف منه وجب عليه ذلك ،و الاّ كان تاركا له
عامدا و عالما بالحكم الشرعي ،فلذلك لا بد من رفع اليد عن اطلاقها و تقييده بما
إذا لم يتمكن من الرجوع إليها و الإحرام منها ،بل لا يبعد أن يكون الظاهر من
مورد السؤال فيها هو عدم التمكن بلحاظ أخذ زمان صدور الرواية في الاعتبار .
( 1 ) بل الأقوى التفصيل بين الحج و العمرة ،فانه لو نسي الإحرام أو جهل
به فان كان في الحج صح حجه ،و ذلك للنص الخاص فيه و هو صحيحة علي بن
جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن رجل كان متمتعا خرج إلى
عرفات و جهل أن يحرم يوم التروية بالحج حتى رجع إلى بلده ،قال :إذا قضى
المناسك كلها فقد تم حجّه »- 2 - فانها تنص على صحته إذا كان ترك احرامه
مستندا إلى الجهل او النسيان ،كما أن الظاهر من الجهل فيها الجهل المركب ،
و هو كالنسيان و الغفلة في الحكم ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى ،هل ان الصحيحة مختصة بالمعذور أو أنها تعم غير
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب المواقيت الحديث :8 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :20 من أبواب المواقيت الحديث :2 .
--( 240 )--
..........
المعذور أيضا يعني المقصّر في المقدمات و إن كان حين العمل غافلا ؟لا يبعد
العموم ،و إن كان في العمرة المفردة فالظاهر بطلانها لعدم الدليل على الصحة ،
و بدونه فمقتضى القاعدة البطلان باعتبار أن المأمور به لا ينطبق على الفرد
المأتي به في الخارج الفاقد للجزء و هو الإحرام .
و دعوى :ان العمرة كالحج من هذه الناحية ،فإذا صح الحج لتارك الإحرام
عن جهل أو نسيان صحت العمرة أيضا .
مدفوعة :بان ذلك بحاجة إلى دليل ،و الاّ فهو قياس و لا نقول به ،
و المفروض أنه لا دليل عليه ،فاذن لا يمكن الحاق العمرة بالحج من هذه
الناحية .
و إن شئت قلت :إن مقتضى القاعدة بطلان الواجب بفقد جزء أو شرط منه
و إن كان عن نسيان باعتبار أن الواجب لا ينطبق عليه .ثم انه لا فرق في ذلك بين
عمرة التمتع و العمرة المفردة .
قد يقال :إن مرسلة جميل عن بعض أصحابنا عن أحدهما عليهما السّلام : «في
رجل نسي أن يحرم أو جهل و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى ،قال :
تجزيه نيته إذا كان قد نوى ذلك فقد تم حجّه و إن لم يهلّ .و قال :في مريض
أغمى عليه حتى أتى الوقت ،فقال :يحرم عنه »- 1 - تدل باطلاقها على صحة
العمرة بتقريب أن السؤال فيها عن نسيان الإحرام بدون التقييد باحرام الحج .
و أما قوله عليه السّلام في ذيلها : «فقد تم حجّه »فهو يعم العمرة أيضا ،لأن اطلاق الحج
على عمرة التمتع كثير .
و الجواب أولا :إن الرواية ضعيفة سندا من جهة الارسال ،فلا يمكن
الاعتماد عليها .
و ثانيا :إن الظاهر منها كون السؤال انما هو عن إحرام الحج بقرينة قوله
( و قد شهد المناسك كلها و طاف و سعى ) و من المعلوم أن المراد من المناسك
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب المواقيت الحديث :1 .
--( 241 )--
..........
مناسك الحج من الوقوف بعرفات و المشعر و اعمال منى ،هذا اضافة إلى أن
اطلاق الحج على عمرة التمتع بحاجة إلى عناية .
فالنتيجة :إن مقتضى القاعدة هو البطلان ،فالصحة بحاجة إلى دليل ،و لا
دليل عليها .
--( 242 )--
فصل
في مقدمات الإحرام
[3228 ]مسألة 1 :يستحب قبل الشروع في الإحرام أمور :
أحدها :توفير شعر الرأس بل و اللحية ( 1 ) لإحرام الحج مطلقا -لا
خصوص التمتع كما يظهر من بعضهم ،لإطلاق الأخبار -من أول ذي
القعدة بمعنى عدم إزالة شعرهما ،لجملة من الأخبار ،و هي و إن كانت
ظاهرة في الوجوب إلا أنها محمولة على الاستحباب لجملة أخرى من
الأخبار ظاهرة فيه ( 2 ) ،فالقول بالوجوب -كما هو ظاهر جماعة -
ضعيف ،و إن كان لا ينبغي ترك الاحتياط ،كما لا ينبغي ترك
الاحتياط بإهراق دم لو أزال شعر رأسه بالحلق حيث يظهر من
( 1 ) فيه أنه لا حاجة إلى الترقي بكلمة ( بل ) ،لأن المذكور في روايات
الباب انما هو النهي عن أخذ الشعر أو اعضائه بدون التقييد بشيء و هو يعم شعر
الرأس و اللحية معا على مستوى واحد ،و سوف نستعرض جملة من هذه
الروايات .
( 2 ) بل هي ناصة في نفي الوجوب لا أنها ظاهرة في الاستحباب ،
فانه نتيجة الجمع الدلالي العرفي بينها و بين الروايات الظاهرة في
الوجوب .
بيان ذلك :ان هاهنا طائفتين من الروايات :
الطائفة الاولى :الروايات التي يكون في بعضها أمر بالاعفاء ،و في بعضها
--( 243 )--
..........
الآخر نهي عن الحلق و الأخذ .
الطائفة الثانية :الروايات التي تنص على نفي وجوب الاعفاء .
أما الطائفة الاولى ..
فمنها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اعف شعرك
للحج إذا رأيت هلال ذي القعدة و للعمرة شهرا »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :الحج أشهر
معلومات ،شوال و ذو القعدة و ذو الحجّة ،فمن أراد الحج وفّر شعره إذا نظر الى
هلال ذي القعدة و من أراد العمرة وفّر شعره شهرا »- 2 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تأخذ من
شعرك و انت تريد الحج في ذي القعدة و لا في الشهر الذي تريد فيه الخروج إلى
العمرة ... »- 3 - .
و الظاهر ان النهي فيها انما هو بملاك محبوبية الاعفاء ،لا بملاك ان الحلق
مبغوض .
و أما الطائفة الثانية .
فمنها :صحيحة هشام بن الحكم و اسماعيل بن جابر عن الصادق عليه السّلام :
«إنه يجزئ الحاج أن يوفّر شعره شهرا »- 4 - فانها ناصة في عدم الوجوب .
و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته
عن الرجل إذا همّ بالحج يأخذ من شعر رأسه و لحيته و شاربه ما لم يحرم ،قال :لا
بأس »- 5 - فانها صريحة في نفي الوجوب .
فاذن مقتضى الجمع العرفي بين هذه الطائفة و الطائفة الأولى هو رفع اليد
عن ظهور الاولى في الوجوب و حملها على الاستحباب ،تطبيقا لحمل الظاهر
على النص .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب الاحرام الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :2 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :2 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :4 من أبواب الاحرام الحديث :6 .
--( 244 )--
بعضهم وجوبه أيضا ( 1 ) لخبر محمول على الاستحباب أو على ما إذا كان
في حال الإحرام .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لعدم الدليل عليه ،فانه انما يجب شريطة
توفر امور :
الأول :أن يكون الحلق بعد شهر شوال .
الثاني :أن يكون متعمدا و ملتفتا .
الثالث :أن يكون بعد الاحرام في مكة المكرمة ،سواء كان بعد العمرة أو
قبلها ،فإذا توفرت هذه الامور وجب اهراق الدم .
و تدل عليه صحيحة جميل بن دراج قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن
متمتع حلق رأسه بمكة ؟قال :إن كان جاهلا فليس عليه شيء ،و إن تعمد ذلك
في أول الشهور للحج بثلاثين يوما فليس عليه شيء .و إن تعمد بعد الثلاثين التي
يوفر فيها للحج فإن عليه دما يهريقه »- 1 - بتقريب أن موردها الحلق في مكة بعد
ثلاثين يوما من أول الشهور للحج ،و هو شهر شوال ،و أنه بعد الإحرام ،باعتبار أن
الدخول فيها غير جائز بدونه و كان عن عمد و التفات -كما هو المفروض فيها -
و حينئذ فلا مانع من الالتزام بوجوب اهراق الدم في موردها المتوفرة فيه الامور
الثلاثة المشار اليها آنفا ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون الحلق في
حال التلبس بالاحرام كما إذا كان قبل الاتيان بالعمرة أو بعد الخروج منه -كما إذا
كان بعد الاتيان بها -.أو فقل :إن الصحيحة انما هي في مقام البيان ،و سكوته عليه السّلام
عن تقييد الحكم بحال الإحرام يدل على عدم اختصاصه بها ،على أساس ظهور
حال المتكلم في أن كل ما يقوله يريده ،و كل ما لا يقوله لا يريده .و من هنا يظهر
أنه لا وجه لحملها على أن يكون الحلق في حال الاحرام فانه بحاجة إلى قرينة
مانعة عن التمسك باطلاقها ،و لا قرينة في المقام على ذلك ،لا في نفس
الصحيحة و لا من الخارج .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :5 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 245 )--
و يستحب التوفير للعمرة شهرا ( 1 ) .
الثاني :قص الأظفار ،و الأخذ من الشارب ،و إزالة شعر الإبط و العانة
بالطلي أو الحلق أو النتف ،و الأفضل الأول ثم الثاني ،و لو كان مطليا قبله
يستحب له الإعادة و إن لن يمض خمسة عشر يوما ،و يستحب أيضا إزالة
الأوساخ من الجسد ،لفحوى ما دل على المذكورات ،و كذا يستحب
الاستياك .
الثالث :الغسل للإحرام في الميقات ،و مع العذر عنه التيمم ( 2 ) ،
( 1 ) في حمل الأمر على الاستحباب في العمرة المفردة اشكال بل منع ،
لعدم الدليل ،و اختصاصه بالحج ،و هو صحيحة هشام و اسماعيل و صحيحة علي
ابن جعفر ،و هما لا تعمان العمرة ،فاذن لا موجب لحمل الأمر بتوفير الشعر فيها
شهرا على الاستحباب .
( 2 ) فيه اشكال ،و لا يبعد عدم كفاية التيمم عنه ،و ذلك لأن الغسل
مستحب على كل من أراد الاحرام و إن كان متطهرا من الحدث الاكبر و الأصغر
معا ،بل حتى على الحائض و النفساء في أثناء الحيض و النفاس ،فاذن استحبابه
ليس بملاك أنه طهور ،فمن أجل ذلك لا يقوم التيمم مقامه ،فانه انما يقوم مقام
الوضوء أو الغسل عند عدم تيسر استعمال الماء فيه في الطهارة ،بدون فرق بين
أن تكون شرطا لازما للعبادة ،أو شرطا كماليا .
و بكلمة :إن التيمم انما يكون بديلا عن الوضوء أو الغسل في الامور
التالية :
الأول :لممارسة ما يحرم على غير المتوضئ أو غير المغتسل من مس
كتابة المصحف أو دخول المساجد و قراءة آيات السجدة و نحو ذلك .
الثاني :لممارسة كل عبادة موقتة مشروطة صحتها بالطهارة ،كالصلوات
اليومية و نوافلها ،فان عدم تيسر استعمال الماء إذا كان مستمرا في أوقاتها بكاملها --( 246 )--
..........
يقوم التيمم مقامه ،أو تكون شرطا كماليا كما في صلاة الأموات ،فان الطهارة
تكون شرطا كماليا لها باعتبار أنها صحيحة بدون الطهارة ،و لكنها مع الطهارة
أفضل .
الثالث :لممارسة كل عبادة غير موقتة مشروطة بالطهارة ،كصلاة جعفر ،
فان المريض أو الجنب إذا اراد أن يصليها فان له أن يتيمم و يصل .و بما أن غسل
الإحرام مستحب على كل من أراد الاحرام حتى يكون متطهرا فلا يكون
استحبابه بملاك أنه طهور ،فلذلك لا دليل على قيام التيمم مقامه ،لأنه بحاجة إلى
دليل و لا دليل عليه ،و اطلاقات أدلة التيمم لا تشمل ذلك ،باعتبار أنها ناظرة إلى
البدلية في الطهارة ،فإذا فرضنا أن استحباب الغسل أو الوضوء ليس بملاك
الطهارة فلا تدل تلك الاطلاقات على قيام التيمم مقامه كالوضوء التجديدي ،
فانه مستحب لا بملاك أنه طهور ،و لذا لا يقوم التيمم مقامه ،و لا يوجد دليل
خاص على ذلك .
فالنتيجة :إن استحباب غسل الإحرام ليس بملاك أن الشارع اعتبره
طهورا ،و عليه فلا مجال للتمسك باطلاقات أدلة البدلية ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى :إن الروايات الآمرة بالغسل قبل الاحرام ظاهرة في
الوجوب ،و حملها على الاستحباب بحاجة إلى قرينة .
قد يقال كما قيل :إن اجماع الأصحاب و تسالمهم على استحبابه و عدم
التزامهم بوجوبه قرينة على رفع اليد عن ظهورها فيه و حملها على الاستحباب .
و الجواب :إن هذا التسالم انما يكون كاشفا عن عدم الوجوب إذا كان
متصلا بزمن المعصومين عليهم السّلام طبقة بعد طبقة ،و من المعلوم أنه لا طريق لنا إلى
احرازه -كما ذكرناه غير مرة -و بدون احرازه فلا قيمة له .
و الصحيح في الجواب عن ذلك أن يقال :إن موثقة أبي بصير عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا أردت أن تحرم يوم التروية فاصنع كما صنعت حين أردت
أن تحرم ،و خذ من شاربك و من أظفارك ،و أطل عانتك إن كان لك شعر ،و انتف --( 247 )--
و يجوز تقديمه على الميقات مع خوف إعواز الماء ،بل الأقوى جوازه مع
عدم الخوف أيضا ،و الأحوط الإعادة في الميقات ( 1 ) ،و يكفي الغسل من
ابطك ،و اغتسل و البس ثوبيك ،ثم ائت المسجد الحرام ،فصل فيه ستّ ركعات
قبل أن تحرم ،و تدعو اللّه و تسأله العون و العود -الحديث - »- 1 - .تصلح أن تكون
قرينة على رفع اليد عن ظهور الأمر فيها في الوجوب و حمله على الاستحباب ،
بتقريب أن ظهور الموثقة في أن الإمام عليه السّلام انما هو في مقام بيان أن هذه الامور
من آداب الإحرام و سننه ،أقوى من ظهور تلك الروايات في وجوب الغسل ،
فاذن لا بد من رفع اليد عن ظهورها فيه تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على الأظهر ،
و مع الإغماض عن ذلك ،فهي تصلح أن تعارض تلك الروايات فيه .
و دعوى :أنها تبلغ من الكثرة حد التواتر الإجمالي ،فاذن لا بد من طرح
الموثقة لأنها مخالفة للسنة .
مدفوعة :بأن هذه الروايات تتمثل في صنفين :
أحدهما :الروايات الآمرة بالغسل الظاهرة في وجوبه .
و الآخر :الروايات الواردة في مقام بيان أن الغسل في المدينة يجزئ عن
الغسل في الميقات ، «و غسل يومك يجزيك لليلتك و غسل ليلتك يجزيك
ليومك »- 2 - و هذا الصنف لا يدل على الوجوب ،و انما يدل على أنه أمر مشروع ،
و الصنف الأول لا يبلغ من الكثرة حد التواتر ،فاذن يسقطان معا من جهة
المعارضة ،فالمرجع هو الصنف الثاني .
( 1 ) بل الاعادة مستحبة بمقتضى صحيحة هشام بن سالم قال : «أرسلنا إلى
أبي عبد اللّه عليه السّلام و نحن جماعة و نحن بالمدينة إنا نريد أن نودّعك ،فأرسل إلينا
أن اغتسلوا بالمدينة ،فاني أخاف عليكم أن يعز عليكم الماء بذي الحليفة ،
---------------
( 1 ) الوسائل باب :52 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :9 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 248 )--
أول النهار إلى الليل و من أول الليل إلى النهار ،بل الأقوى كفاية غسل اليوم
إلى آخر الليل و بالعكس ،و إذا أحدث بعدها قبل الإحرام يستحب إعادته
خصوصا في النوم ( 1 ) ،
فاغتسلوا بالمدينة و البسوا ثيابكم التي تحرمون فيها ،ثم تعالوا فرادى أو
مثاني ... ،إلى أن قال :فلما أردنا أن نخرج قال عليه السّلام :لا عليكم أن تغتسلوا إن
وجدتم ماء إذا بلغتم ذي الحليفة »- 1 - فانها تدل على استحباب الاعادة على
تقدير وجدان الماء .
( 1 ) في استحباب الاعادة في النوم اشكال بل منع ،لأن صحيحة نضر بن
سويد عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن الرجل يغتسل للإحرام ،ثم ينام قبل
أن يحرم ،قال :عليه اعادة الغسل »- 2 - و إن دلت على الاعادة الاّ أنها معارضة
بصحيحة عيص بن القاسم قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يغتسل
للإحرام بالمدينة و يلبس ثوبين ثم ينام قبل أن يحرم ،قال :ليس عليه غسل »- 3 -
بتقريب ان الصحيحة الاولى ظاهرة في أن صحة الغسل مشروطة بأن لا ينام قبل
الإحرام ،و الثانية ظاهرة في أن صحته غير مشروطة به ،و بما أنه لا ترجيح في
البين فتسقطان معا من جهة المعارضة ،فيرجع إلى العام الفوقي ،و هو الروايات
المطلقة ،فان مقتضى اطلاقها عدم الاشتراط .
و دعوى :ان استحباب الغسل انما هو بملاك وقوع الإحرام عن طهور ،
و النوم بما أنه ناقض للطهارة فلذلك يوجب استحباب اعادته ،و كذلك الحال في
سائر النواقض ،اذ لا خصوصية للنوم .
مدفوعة :بان استحباب الغسل ليس بملاك أن يكون الإحرام عن طهور ،
و الاّ لزم تقييد هذا الاستحباب بمن لا يكون متطهرا ،هذا اضافة إلى أن الغسل
---------------
( 1 ) الوسائل باب :8 من أبواب الاحرام الحديث :1 و 2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :10 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :10 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
--( 249 )--
..........
على المشهور لا يكون رافعا للحدث الأصغر حتى يكون الاحرام بعده احراما
عن طهور .
و إن شئت قلت :إنه لا شبهة في استحباب الغسل للإحرام على كل من
أراده ،سواء أ كان متطهرا قبل الإحرام أم لا ،كما أن الاتيان بركعتين من الصلاة
و نحوها مطلوب قبله ،و صدور الحدث بعده لا يضر ،حيث أنه لا يكون رافعا له ،
و يؤكد ذلك ما ورد في مجموعة من الروايات من أن غسل اليوم يكفي الى الليل
و بالعكس .
منها :صحيحة جميل عن أبي عبد اللّه عليه السّلام انه قال : «غسل يومك يجزيك
لليلتك ،و غسل ليلتك يجزيك ليومك »- 1 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اغتسل بعد
طلوع الفجر كفاه غسله الى الليل في كل موضع يجب فيه الغسل ،و من اغتسل
ليلا كفاه غسله الى طلوع الفجر »- 2 - .
و منها :موثقة سماعة بن مهران عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اغتسل قبل
طلوع الفجر و قد استحم قبل ذلك ثم أحرم من يومه أجزأه غسله ،و إن اغتسل
في أول الليل ثم أحرم في آخر الليل أجزأه غسله »- 3 - بتقريب أنه لا يمكن عادة
أن لا يصدر منه حدث كالنوم أو نحوه في هذه الفترة الزمنية الطويلة بين الغسل
و الإحرام .
فالنتيجة :إن صدور الحدث منه بعد الغسل كالنوم أو نحوه لا يؤدي إلى
الغائه و جعله كالعدم .
نعم قد ورد في جملة من الروايات أن من استعمل بعد الغسل ما يحرم
على المحرم فعليه اعادته .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إذا لبست ثوبا لا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :9 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :9 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :9 من أبواب الاحرام الحديث :5 .
--( 250 )--
..........
ينبغي لك لبسه ،أو أكلت طعاما لا ينبغي لك أكله فأعد الغسل »- 1 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «إذا اغتسلت
للإحرام فلا تقنع و لا تطيّب و لا تأكل طعاما فيه طيب فتعيد الغسل »- 2 - .
و منها غيرهما - 3 - ،فانها تدل على أن صحة غسل الإحرام مشروطة بأن لا
يستعمل بعده ما يحرم على المحرم ،و إلاّ أصبح لاغيا .
و من هذا القبيل ما ورد في صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال :
«سألت أبا إبراهيم عليه السّلام عن الرجل يغتسل لدخول مكه ،ثم ينام فيتوضأ قبل أن
يدخل ،أ يجزيه ذلك ،أو يعيد ؟قال :لا يجزيه ،لأنه انما دخل بوضوء »- 4 - فانها
تدل على أن صحة الغسل لدخول مكة المكرمة مشروطة بأن لا ينام بعده ،و الاّ
فأصبح لاغيا .
ثم إن ظاهر الطائفة الاولى من الروايات و إن كان وجوب الاعادة ،الاّ أنه لا
يمكن الالتزام به ،و ذلك لما مر من أن غسل الإحرام غسل مستحب ،حيث أنه
يكون من سننه و آدابه لا من شروطه ،فإذا كان أصل الغسل مستحبا فهو قرينة
على أن اعادته أيضا كذلك ،لأن الفرع لا يزيد على الأصل .
و إن شئت قلت :إن الأمر بالاعادة فيها قرينة على اختصاص ناقضية هذه
الامور للغسل بما قبل الاحرام ،على أساس أن اعادته لا تصدق الاّ إذا كانت قبل
التلبس به ،لكي تكون الاعادة من أجله ،و لا يمكن أن تكون تلك الامور ناقضة
له بعد الإحرام لأمرين :
الأول :عدم الموضوع للناقضية بعده ،لما مر من أن مفعول هذا الغسل
ينتهى بالإحرام ،حيث إنه من أجله لا من أجل أنه طهور .
الثاني :إنه لا يصدق على الاتيان به بعد الإحرام أنه اعادة لغسله ،بل هو
غسل آخر ،و لا يكون من أجل الإحرام ،فاذن لا محالة يكون الأمر بالاعادة فيها
---------------
( 1 ) الوسائل باب :13 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :13 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :13 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :6 من ابواب مقدمات الطواف الحديث :1 .
--( 251 )--
كما أن الأولى إعادته ( 1 ) إذا أكل أو لبس ما لا يجوز أكله أو لبسه للمحرم ،
بل و كذا لو تطيب ،بل الأولى ذلك في جميع تروك الإحرام فلو أتى بواحد
منها بعدها قبل الإحرام الأولى إعادته ،و لو أحرم بغير غسل أتى به و أعاد
صورة الإحرام ( 2 ) سواء تركه عالما عامدا أو جاهلا أو ناسيا و لكن إحرامه
الأول صحيح باق على حاله فلو أتى بما يوجب الكفارة بعده و قبل الإعادة
وجبت عليه .
و يستحب أن يقول عند الغسل أو بعده :بسم اللّه و باللّه اللهم اجعله لي
قرينة على ذلك ،هذا اضافة إلى أن إعادته لو كانت واجبة لشاع وجوبها بين
أصحاب الأئمة عليهم السّلام و أصبح من الواضحات ،مع أن وجوبها مغفول عنه عن
الأذهان .
( 1 ) بل هي مستحبة بمقتضى الأمر الوارد في الروايات المتقدمة
المحمول على الاستحباب بقرينة أن اعادته لا تزيد على أصله .
( 2 ) فيه انه لا معنى لإعادة صورة الإحرام ،لأنه إذا نوى الإحرام و لبى بدون
غسل و صلاة انعقد احرامه ،ثم إذا اغتسل و صلى فإن لبى بقصد الاحرام ثانيا فهو
تشريع محرم ،و إن لبى قاصدا اعادة صورة الإحرام يعني صورة التلبية بدون نية
الإحرام فهو و إن كان لا مانع منه الاّ أنه لا يمكن حمل الأمر بالاعادة في صحيحة
الحسن بن سعيد عليه ،و هذا نصّها ،قال : «كتبت إلى العبد الصالح أبي
الحسن عليه السّلام :رجل أحرم بغير صلاة أو بغير غسل جاهلا أو عالما ،ما عليه في
ذلك ؟و كيف ينبغي له أن يصنع ؟فكتب :يعيده »- 1 - فان قوله عليه السّلام : «يعيده »ظاهر
في الإرشاد إلى بطلان إحرام الأول ،و حمله على اعادة صورته لا بنية الإحرام
بحاجة إلى قرينة ،و على هذا فلا مانع من الأخذ بظاهرها بالشكل التالي ،و هو أن
---------------
( 1 ) الوسائل باب :20 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 252 )--
..........
الإحرام الأول إذا كان بدون غسل و صلاة فهو صحيح شريطة أن لا ينوي المحرم
الإحرام ثانيا مع الغسل و الصلاة ،و أما إذا نوى الاحرام كذلك و أتى به فيبطل
الأول بانتفاء شرطه و لا مانع من الالتزام به ثبوتا .
و دعوى :أنه لا محذور من الالتزام بصحة كلا الاحرامين معا نظير
من صلى منفردا ثم أعادها جماعة فان كلتا الصلاتين محكومة بالصحة .
مدفوعة :بان قياس المقام بمسألة الصلاة المعادة جماعة مع الفارق ،
و ذلك لأن حقيقة الاحرام لا تخلو من أن تكون متمثلة في توطين النفس
لممارسة اعمال الحج و ترك محرماته ،أو في التلبية ،و على كلا التقديرين فهو
غير قابل للتكرار .
أما على الأول :فلأنه يتحقق بتحقق توطين النفس و تترتب عليه آثاره ،
و من المعلوم أنه غير قابل للتكرار ،فانه إذا تحقق حرمت عليه اشياء محدودة ،
و من الواضح أن حرمة تلك الأشياء غير قابلة للتكرار بتكرر الإحرام ،فإذن لا
محالة يكون الاحرام الثاني لغوا محضا .و أما على الثاني :فلأن الاحرام يتحقق
بصرف وجود التلبية ،و هو غير قابل للتكرار ،فان المكلف إذا لبّى أصبح محرما
و حرمت عليه أشياء معينة .
و بكلمة :إن الصلاة جماعة و الصلاة فرادى صنفان من الصلاة ،و قد ورد
في رواياتها أن من صلى وحده ثم يجد جماعة : «يصلى معهم و يجعلها
الفريضة »- 1 - و في بعضها الآخر : «و اجعلها تسبيحا »- 2 - و في الثالث : «يختار اللّه
أحبّهما إليه »- 3 - و الناتج من هذه الروايات أن اعادة الصلاة جماعة مطلوبة ،و لا
يدل شيء من هذه الروايات على بطلان صلاة الفرادى ،بل له أن يكتفى بها ،
و لكن يستحب أن يعيدها جماعة .
و أما في المقام فحيث ان حقيقة الإحرام هي التلبية ،فإذا لبّى
فقد تحقق الإحرام و يترتب عليه آثاره ،و حينئذ فإذا لبّى ثانيا بنية
---------------
( 1 ) الوسائل باب :54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث :8 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :54 من أبواب صلاة الجماعة الحديث :10 .
--( 253 )--
..........
الإحرام من جديد ،فمضافا إلى أنه تشريع و محرم ،يكون لغوا ،و لا يترتب عليه
أيّ أثر .
و دعوى :إن هذا الفرد من الإحرام و هو المسبوق بالغسل و الصلاة أفضل
من الفرد غير المسبوق بهما كصلاة الجماعة و الفرادى .
مدفوعة :بأن حقيقة الإحرام حقيقة واحدة ،و لا دخل للغسل و الصلاة فيها
لا جزءا و لا قيدا ،و الاّ لكان الإحرام الأول باطلا من جهة فقدان الجزء أو الشرط ،
و هذا بخلاف صلاة الجماعة فانها مباينة لصلاة الفرادى ،و لا مانع من الحكم
بصحة كلتيهما معا ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى :إن روايات الصلاة المعادة جماعة تختلف عن
الصحيحة في المقام ،فان تلك الروايات لا تدل على بطلان الصلاة فرادى ،بل
تدل على صحة كلتيهما معا .و أما الصحيحة فهي تدل على بطلان الإحرام الأول
-كما مر -و بما أنه لا قرينة على رفع اليد عن دلالتها على ذلك فلا مناص من
الأخذ بها .
فالنتيجة :أنه لا مانع من الالتزام بأن صحة الإحرام الأول مشروطة بشرط
متأخر و هو عدم الاتيان بالاحرام ثانيا بعد الغسل و الصلاة و قد ذكرنا في محله
أنه لا مانع من الالتزام بالشرط المتأخر إذا قام دليل عليه ،و الصحيحة في المقام
دليل .
و دعوى :إن الاحرام الثاني بما أنه من المحرم دون المحل فينقلب الأول
إلى الثاني بقاء ،و نتيجة ذلك أن المكلف محرم بالإحرام الأول حدوثا ،و بالثاني
بقاء ..
مدفوعة :بأن الانقلاب بحاجة إلى دليل ،و الصحيحة لا تدل على ذلك .
ثم إنه لا فرق فيما ذكرناه بين أن يكون ترك الغسل و الصلاة عامدا و ملتفتا
أو جاهلا أو ناسيا ،فإن الاحرام صحيح على جميع التقادير ،و لكن صحته
مشروطة بعدم عقد الاحرام ثانيا مسبوقا بالغسل و الصلاة .
--( 254 )--
نورا و طهورا و حرزا و أمنا من كل خوف و شفاء من كل داء و سقم اللهم
طهرني و طهر قلبي و اشرح لي صدري و أجر على لساني محبتك و مدحتك
و الثناء عليك فإنه لا قوة إلا بك و قد علمت أن قوام ديني التسليم لك
و الاتباع لسنة نبيك صلواتك عليه و آله .
الرابع :أن يكون الإحرام عقيب صلاة فريضة أو نافلة ،و قيل بوجوب
ذلك لجملة من الأخبار الظاهرة فيه المحمولة على الندب ( 1 )
( 1 ) في الحمل اشكال ،فانه بحاجة إلى قرينة توجب رفع اليد عن ظهور
الروايات في الوجوب و حملها على الندب .
بيان ذلك :إن الروايات الواردة في المسألة تصنف إلى ثلاث طوائف :
الاولى :الروايات التي تنص على أنه لا إحرام الاّ في دبر صلاة مكتوبة أو
نافلة .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا يكون
الإحرام الاّ في دبر صلاة مكتوبة أو نافلة ،فإن كانت مكتوبة احرمت في دبرها
بعد التسليم و إن كانت نافلة صليت ركعتين و احرمت في دبرها -الحديث - »- 1 - .
الثانية :الروايات الآمرة بالصلاة ثم بالاحرام .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :صل المكتوبة
ثم احرم بالحج او بالمتعة -الحديث - »- 2 - .
و منها :صحيحته الاخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا أردت الاحرام في
غير وقت صلاة الفريضة فصل ركعتين ثم أحرم في دبرها »- 3 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال :
و اعلم أنه واسع لك أن تحرم في دبر فريضة أو نافلة أو ليل أو نهار »- 4 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :16 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :18 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :18 من أبواب الاحرام الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :18 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
--( 255 )--
..........
الثالثة :الروايات التي تنص على عدم جواز ترك صلاة الإحرام كسائر
الفرائض .
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :خمس
صلوات لا تترك على كل حال ،إذا طفت بالبيت ،و إذا أردت أن تحرم
-الحديث - »- 1 - .
و منها :رواية أبي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال خمس صلوات تصليها
في كل وقت منها صلاة الاحرام »- 2 - .
هذه هي الطوائف الثلاث ،و هي بكل أصنافها ظاهرة في الإرشاد إلى أن
صحة الاحرام مشروطة بأن يكون في دبر الصلاة ،فاذن رفع اليد عن ظهورها في
الوجوب بحاجة إلى قرينة ،و قد ذكر لذلك عدة قرائن :
الاولى :ان الاختلاف الواقع بين هذه الروايات يكشف عن عدم
الوجوب .
و الجواب :إن هذا النحو من الاختلاف لا يكشف عن استحباب الحكم
و عدم وجوبه ،باعتبار أنه اختلاف في الاسلوب و التعبير لبيان أمر واحد و هو
الوجوب ،فان الكل ظاهر فيه بلسان مختلف .
الثانية :إنها مشتملة على امور غير واجبة جزما كالغسل و لبس الثوبين قبل
الدخول في المسجد ،و الدخول فيه مع السكينة و الوقار ،و تقليم الأظفار ،و قص
الشوارب و غير ذلك ،فاذن وحدة السياق تدل على أن الإحرام في دبر الصلاة
غير واجب .
و الجواب :إن بعض هذه الروايات مشتمل على هذه الامور كصحيحة
معاوية بن عمار و موثقة أبي بصير دون جميعها ،و قد تقدم منا أنه لا يبعد ظهور
الموثقة سياقا في أنها في مقام بيان آداب الإحرام و سننه ،و كذلك الحال في
الصحيحة ،و لكنهما لا تصلحان أن تكونا قرينة على رفع اليد عن ظهور سائر
---------------
( 1 ) الوسائل باب :19 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :19 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 256 )--
..........
الروايات في الوجوب .
الثالثة :إن تسالم الأصحاب على عدم الوجوب يصلح أن يكون قرينة
على حمل الروايات على الاستحباب .
و الجواب :إنه لا يصلح لذلك ،لأن احتمال وصول قرينة على عدم
وجوب الإحرام في دبر الصلاة من زمن الأئمة الأطهار عليهم السّلام اليهم يدا بيد غير
محتمل ،و الاّ لأشاروا إليها في ضمن كلماتهم ،هذا اضافة إلى أنه لا طريق لنا إلى
احراز التسالم بين قدماء الأصحاب الذين يكون عصرهم متصلا بعصر أصحاب
الأئمة عليهم السّلام .
و دعوى :أن المرتكز في أذهان المتشرعة هو استحباب ذلك ،و هذا
الارتكاز كاشف عن ثبوته كذلك في زمن الأئمة عليهم السّلام و وصوله اليهم من ذلك
الزمن يدا بيد و طبقة بعد طبقة .
مدفوعة :بأن المرتكز في أذهانهم و إن كان ذلك ،الاّ أنه من المحتمل قويا
أن يكون منشأه فتاوى الفقهاء بالاستحباب لا وصوله اليهم من زمن
المعصومين عليهم السّلام يدا بيد ،فاذن لا قيمة له ،و لكن مع ذلك يشكل الحكم
بأن صحة الإحرام مشروطة بأن يكون في دبر صلاة ،بل لا يبعد عدم
الاشتراط ،و ذلك لأن مورد أكثر هذه الروايات الإحرام من مسجد الشجرة
و مسجد الحرام ،و في كلا الموردين يجوز تأخير التلبية ،و لا يلزم أن
تكون في دبرها .أما في المورد الأول فان الحاج يصلي في المسجد
و يؤخر الإحرام إلى البيداء و هو مسافة ميل عن المسجد افقيا ،و لا يصدق على
الاحرام من البيداء أنه في دبر صلاته ،و أما في المورد الثاني فيجوز تأخير
الإحرام من المسجد إلى أن وصل إلى الرمضاء دون الردم ،مع أنه لا يصدق على
الإحرام منه أنه أحرم في دبر صلاته ،و مع هذا فالأحوط و الأجدر به أن يحرم في
دبرها .
--( 257 )--
للاختلاف الواقع بينها و اشتمالها على خصوصيات غير واجبة ،و الأولى أن
يكون بعد صلاة الظهر في غير إحرام حج التمتع فإن الأفضل فيه أن يصلي
الظهر بمنى ،و إن لم يكن في وقت الظهر فبعد صلاة فريضة أخرى حاضرة ،
و إن لم يكن فمقضية ،و إلا فعقيب صلاة النافلة .
الخامس :صلاة ست ركعات أو أربع ركعات أو ركعتين للإحرام ،
و الأولى الإتيان بها مقدما على الفريضة ،و يجوز إتيانها في أي وقت كان بلا
كراهة ( 1 ) حتى في الأوقات المكروهة و في وقت الفريضة حتى على القول
بعدم جواز النافلة لمن عليه فريضة ،لخصوص الأخبار الواردة في المقام ،
و الأولى أن يقرأ في الركعة الاولى بعد الحمد التوحيد و في الثانية الجحد لا
العكس كما قيل .
[3229 ]مسألة 2 :يكره للمرأة إذا أرادت الإحرام أن تستعمل الحنّاء
إذا كان يبقى أثره إلى ما بعده مع قصد الزينة ،بل لا معه أيضا
إذا كان يحصل به الزينة و إن لم تقصدها ،بل قيل بحرمته ،فالأحوط
تركه و إن كان الأقوى عدمها ،و الرواية مختصة بالمرأة لكنهم ألحقوا
بها الرجل أيضا لقاعدة الاشتراك و لا بأس به ،و أما استعماله مع عدم
إرادة الإحرام فلا بأس به و إن بقي أثره ،و لا بأس بعدم إزالته و إن كانت
ممكنة .
( 1 ) هذا هو الصحيح لإطلاق موثقة أبي بصير - 1 - ،فان مقتضاه عدم الفرق
بين الاتيان بها قبل الزوال أو بعده و في الأوقات التي تكره النافلة فيها على
المشهور و في وقت الفريضة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :19 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 258 )--
فصل
في كيفية الإحرام
و واجباته ثلاثة :
الأول :النية ( 1 ) ،بمعنى القصد اليه ،فلو أحرم من غير قصد أصلا بطل
سواء كان عن عمد أو سهو أو جهل ،و يبطل نسكه أيضا إذا كان الترك
عمدا ،و أما مع السهو و الجهل فلا يبطل و يجب عليه تجديده من الميقات
( 1 ) و هي شرط لكل عبادة ،و نقصد بها أن تتوفر فيها العناصر التالية :
الأول :أن يقصد الاسم الخاص للعبادة التي يريد المكلف أن يأتي بها
المميز لها شرعا إذا كان لها اسم كذلك ،كصلاة الصبح و الظهر و العصر
و المغرب و العشاء و نوافلها و صلاة الجمعة و الآيات و صلاة العيد و نحوها ،
و صيام شهر رمضان و الكفارة و النذر و التعويض و قضاء رمضان و حج التمتع
من حجة الإسلام و الافراد و القران و عمرة التمتع و المفردة و من أراد الاتيان
بأي واحدة من هذه العبادات التي لها اسم خاص ،فعليه أن يقصد ذلك
الاسم سواء أ كانت فريدة و لم يكن لها شريكة في العدد و الكم كصلاة
المغرب ،أم كانت لها شريكة و مماثلة في العدد كصلاة الظهر التي
تماثلها تماما صلاة العصر و صلاة الفجر التي تماثلها كذلك نافلة الفجر ،
و هكذا .و على هذا الأساس تعرف أن من أراد أن يأتي بأحد أنواع الحج
الذي له اسم خاص ،فعليه أن يقصد ذلك الاسم عند الاتيان بكل جزء من
أجزائه ،فإذا أراد أن يأتي بحج التمتع فعليه أن يقصد ذلك الاسم
حين الاتيان بكل واجب من واجباته من البداية إلى النهاية ،فإذا احرم
--( 259 )--
إذا أمكن و إلا فمن حيث أمكن على التفصيل الذي مرّ سابقا ( 1 ) في ترك
أصل الإحرام .
[3230 ]مسألة 1 :يعتبر فيها القربة و الخلوص -كما في سائر العبادات -
فمع فقدهما أو أحدهما يبطل إحرامه .
بدون أن يقصد الإحرام لحج التمتع فهو تارك لإحرامه ،كما أنه إذا أتى بحج
التمتع المستحب استحبابا عاما لا بد أن يأتي به باسمه الخاص في مقابل حج
الافراد أو القران المستحب .
فالنتيجة :أنه لا بد أن ينوي الاحرام و يعيّنه أنه لحج التمتع من حجة
الإسلام ،أو لحج الافراد منها ،أو لحج التمتع المستحب او الإفراد منه ،او لعمرة
التمتع من حجة الإسلام ،أو من الحج المستحب أو للعمرة المفردة ،و أن هذا
التعيين و القصد واجب بنفسه ،سواء أ كان يحصل الاشتباه بدون ذلك أو لا ،و قد
مر أن هذا القصد لا بد أن يكون مقارنا لكل جزء من أجزاء الحج أو العمرة من
الإحرام إلى آخر الاجزاء ،و لا نعني بالمقارنة أن لا يتقدم عليه ،بل أن لا يتأخر
عن أول جزء من أجزائه و هو الإحرام .
الثاني :قصد القربة ،لأن الحج عبادة ،و من المعلوم أن كل عبادة لا تصح
بدون نية القربة ،و هذه النية لا بد أن تكون مقارنة لكل جزء من أجزاء العبادة .
الثالث :الاخلاص في النية ،و نقصد بذلك عدم الرياء ،فانه مبطل للعبادة ،
و معنى الرياء هو الاتيان بالعبادة بغاية كسب ثناء الناس و اعجابهم ،و هذا حرام
في العبادات بصورة عامة وضعا و تكليفا ،فأي عبادة يأتي بها الناس بهذه الغاية
تقع باطلة ،و يكون الآتي آثما و عاصيا ،و لا فرق بين أن يكون الاتيان بها من أجل
الناس وحده ،أو من أجلهم و أجل اللّه تعالى معا ،و قد عبر عن ذلك في الروايات
بالشرك .
( 1 ) تقدم هذا البحث بشكل موسع في المسألة ( 3 ) من ( فصل في أحكام
المواقيت ) .
--( 260 )--
[3231 ]مسألة 2 :يجب أن تكون مقارنة للشروع فيه ،فلا يكفي حصولها
في الأثناء ،فلو تركها وجب تجديده ،و لا وجه لما قيل من أن الإحرام تروك
و هي لا تفتقر إلى النية ( 1 ) ،و القدر المسلم من الإجماع على اعتبارها إنما
هو في الجملة و لو قبل التحلل ،إذ نمنع أولا كونه تروكا فإن التلبية و لبس
الثوبين من الأفعال ( 2 ) ،و ثانيا اعتبارها فيه على حد اعتبارها في سائر
( 1 ) فيه ما مر ،و سوف يأتي من أن حقيقة الإحرام تتحقق بالتلبية ،فإذا
نوى الاحرام لعمرة التمتع من حجة الإسلام ،و لبّى قائلا : «لبّيك اللّهمّ لبّيك ،لا
شريك لك لبّيك »أصبح محرما و حرمت عليه امور معينة كالاستمتاع الجنسي
للنساء و صيد الحيوان البري و الطيب و الزينة و لبس الثياب المخيطة ،و التدهين
و اخراج الدم و غير ذلك .ثم إن الظاهر من الروايات أن هذه الاشياء محرمة على
المحرم ،فإذا احرم وجب عليه الاجتناب عنها ،و ترك ممارستها من دون أن
يكون ايجادها مانعا عن الحج او العمرة حتى إذا كان عامدا و ملتفتا إلى الحكم
الشرعي على تفصيل يأتي في محله إن شاء اللّه تعالى .و على هذا فلا يعقل أن
يكون الإحرام عبارة عن نفس تروكها لسببين :
أحدهما :أن وجوب ترك هذه الأشياء و عدم ممارستها من أحكام
الإحرام و مترتب عليه ترتب الحكم على موضوعه ،و لا يعقل أن يكون الحكم
متحدا مع موضوعه .
و الآخر :أن الاحرام جزء الحج او العمرة و من واجباته ،فلو كان عبارة عن
نفس تروك هذه الأشياء لكان وجودها مانعا عن صحته و مخلا بها ،مع أن الأمر
ليس كذلك .و مع الاغماض عن هذا و تسليم أنه عبارة عن التروك ،فمعنى هذا
أن تلك التروك بما أنها جزء الحج أو العمرة فهي عبادة ،و لا تصح بدون النية لها
و قصد القربة و الاخلاص ،و الحال أن الأمر ليس كذلك .
( 2 ) هذا ينافي ما ذكره قدّس سرّه في ضمن المسائل الآتية من أن لبسهما ليس --( 261 )--
العبادات في كون اللازم تحققها حين الشروع فيها .
[3232 ]مسألة 3 :يعتبر في النية تعيين كون الإحرام لحج أو عمرة ،و أن
الحج تمتع أو قران أو إفراد ،و أنه لنفسه أو نيابة عن غيره ،و أنه حجة
الإسلام أو الحج النذري أو الندبي ،فلو نوى الإحرام من غير تعيين و أوكله
إلى ما بعد ذلك بطل ،فما عن بعضهم من صحته و أن له صرفه إلى أيهما
شاء من حج أو عمرة لا وجه له إذ الظاهر أنه جزء من النسك فتجب نيته
كما في أجزاء سائر العبادات ،و ليس مثل الوضوء و الغسل بالنسبة إلى
الصلاة ،نعم الأقوى كفاية التعيين الإجمالي حتى بأن ينوي الإحرام لما
سيعينه من حج أو عمرة فإنه نوع تعيين ( 1 ) ،و فرق بينه و بين ما لو نوى
مرددا مع إيكال التعيين إلى ما بعد .
[3233 ]مسألة 4 :لا يعتبر فيها نية الوجه من وجوب أو ندب إلا إذا توقف
التعيين عليها ،و كذا لا يعتبر فيها التلفظ بل و لا الإخطار بالبال فيكفي
الداعي .
جزء الاحرام و لا شرط تحققه ،بل هو واجب مستقل كما يظهر ذلك من
الروايات ،و الفرض أن الاحرام انما يتحقق بالتلبية سواء أ كانت التلبية سببا له بأن
تكون العلاقة بينهما علاقة السببية و المسببية ،أم كانت مصداقا له بأن تكون
العلاقة بينهما علاقة الفرد و الطبيعي و أن كان لا يبعد ظهور الروايات في الأول
باعتبار أن الظاهر منها أن المكلف إذا لبّى اعتبره الشارع محرما و حرمت عليه
أشياء .
( 1 ) في كفاية ذلك اشكال بل منع ،لأن قصد الاسم الخاص للعبادة لا بد
أن يكون مقارنا لكل جزء من اجزائها ،فإذا أحرم لما سوف يعينه فمعناه أنه
شرع في العبادة بدون تعيين اسمها الخاص ،نعم ما ذكره قدّس سرّه انما يكفي لو قلنا --( 262 )--
[3234 ]مسألة 5 :لا يعتبر في الإحرام استمرار العزم على ترك محرماته ،
بل المعتبر العزم على تركها مستمرا ( 1 ) ،فلو لم يعزم من الأول على
استمرار الترك بطل ( 2 ) ،و أما لو عزم على ذلك و لم يستمر عزمه بأن نوى
بعد تحقق الإحرام عدمه أو اتيان شيء منها لم يبطل ،فلا يعتبر فيه استدامة
النية كما في الصوم ،و الفرق أن التروك في الصوم معتبرة في صحته بخلاف
الإحرام فإنها فيه واجبات تكليفية ( 3 ) .
بأن قصد الاسم الخاص للعبادة انما يعتبر لتمييزها عن غيرها و لو متأخرا لا في
نفسه و مقارنا لها ،و أما إذا قلنا باعتباره في نفسه كما هو كذلك ،و إن لم يحصل
اشتباه في البين كما مر ،فلا يكفي ما ذكره قدّس سرّه ،بل لا بد أن يقصد حين الإحرام
كونه للحج او العمرة من حجة الإسلام أو الحج المندوب .
( 1 ) لا يعتبر ذلك في حقيقة الإحرام ،بل هي كما مر تحقق بالتلبية فإذا لبّى
فاصبح محرما شرعا و تترتب عليه آثار الإحرام ،سواء أ كان عازما على ترك تلك
المحرمات في الخارج و عدم ممارستها فيه حين التلبية أم لا ،بل لا يضر في
تحقق الإحرام منه عزمه على ممارستها حتى المقاربة الجنسية للنساء بناء على
ما هو الصحيح من أنها لا تضر بصحة الحج و إن كانت تلك العملية الجنسية منه
عامدا و ملتفتا إلى الحكم الشرعي ،غاية الأمر أنها توجب اعادة الحج عليه في
السنة القادمة عقوبة لا للأول ،و قد نصت على ذلك صحيحة زرارة .نعم إذا كان
الإحرام لعمرة مفردة كان عزمه عليها في الأثناء ،أي قبل السعي مانعا عن
صحتها ،و حينئذ فلا يمكن الإحرام مع العزم عليها .
( 2 ) مر أنه لم يبطل حتى إذا كان المحرم عازما على ممارسة المحرمات
للإحرام باعتبار أنها محرمات مستقلة ،و لا يكون ايجادها مانعا فضلا عن عدم
العزم عليها .
( 3 ) بل الظاهر أنها محرمات تكليفية ،لا أن تروكها واجبات كذلك ،و لا --( 263 )--
[3235 ]مسألة 6 :لو نسي ما عينه من حج أو عمرة وجب عليه
التجديد ( 1 ) سواء تعين عليه أحدهما أولا ،و قيل :إنه للمتعين منهما و مع
عدم التعيين يكون لما يصح منهما و مع صحتهما -كما في أشهر الحج -
الأولى جعله للعمرة المتمتع بها ،و هو مشكل إذ لا وجه له .
يقاس المقام بالتروك في باب الصوم فانها واجبات ضمنية ،أي من أجزاء الصوم
و واجباته لا أنها واجبات مستقلة .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان احرامه إذا كان باسم أحدهما في الواقع
غاية الأمر نسي انه كان لعمرة التمتع من حجة الإسلام ،أو للعمرة المفردة ،كما
إذا كان في أشهر الحج فلا موجب لتجديده ثانيا ،و الحكم ببطلان الأول حيث
أنه لا مقتضى للبطلان بعد ذلك ،و النسيان لا يوجب انقلابه و جعل ما هو صحيح
في الواقع باطلا ،و على هذا فيعلم اجمالا بوجوب احدى العمرتين عليه ،
و مقتضى هذا العلم الإجمالي هو الاحتياط و الاتيان باعمال العمرة بقصد ما في
الذمة ،ثم يأتي بطواف النساء رجاء .نعم انه لا يكتفى بهذه العمرة عن عمرة
التمتع إذا كانت واجبة عليه في الواقع ،حيث لا يعلم أن احرامه كان باسمها ،
و بدون ذلك لا يعلم ببراءة ذمته عنها ،فاذن يجب عليه الاتيان بها بأمل إدراك
الواقع .
و دعوى :كفاية هذه العمرة عنها فانها في الواقع لا تخلو من أن تكون
عمرة التمتع إذا كان الإحرام باسمها ،او العمرة المفردة إذا كان باسم المفردة ،فان
كانت الاولى فقد أتى بها بالواجب ،و إن كانت الثانية انقلبت متعة .
مدفوعة :بأنه لا دليل على الانقلاب في مثل هذه الحالة ،و قد سبق أن
العمرة المفردة انما تنقلب متعة فيما إذا أتى بها شخص ناويا لها من الأول
ثم الرجوع إلى بلده ،فانه في مثل هذه الحالة إذا بقى في مكة المكرمة
اتفاقا لسبب من الأسباب الى موسم الحج و بنى عليه انقلبت عمرته المفردة --( 264 )--
..........
متعة ،و أما من كان ناويا الحج من الأول فانه إذا أتى بعمرة مفردة لا تكفي عن
عمرة التمتع و لا تنقلب منها اليها لعدم الدليل ،بل عليه الاتيان بعمرة التمتع ،
و المقام من هذا القبيل ،و لا فرق في ذلك بين تعين احداهما عليه ،كما إذا كانت
من حجة الإسلام و عدم تعينها لأنه في الواقع نوى الإحرام لإحداهما متعينة ،
و لكن نسي أنه كان لعمرة التمتع من حجة الإسلام ،أو لعمرة مفردة ،و لا قرينة
على تعيين الأول ،و مجرد أنه واجب عليه دون الثاني لا يصلح أن يكون قرينة
عليه إذا كان متمكنا من الجمع بينهما .نعم إذا لم يتمكن من ذلك فلا يبعد
الوثوق و الاطمئنان بأنه أحرم للواجب عليه و هو عمرة التمتع دون المندوب
و هو العمرة المفردة و لو من أجل ظهور حاله في أنه كان في مقام الامتثال و أداء
الوظيفة ،و احتمال أنه تارك له عامدا و ملتفتا بعيد جدا و خلف فرض كونه في
مقام الامتثال ،و احتمال الغفلة و الاشتباه ضعيف ،و يكون على خلاف الأصل
العقلائي .
و أما إذا كان احرامه صحيحا لإحداهما دون الاخرى ،كما إذا كان في غير
أشهر الحج ثم شك و تردد في أنه هل كان يدخل فيه بنية إحرام عمرة التمتع أو
بنية احرام العمرة المفردة ،فان كان هذا الشك و التردد قبل الدخول في الجزء
التالي كالطواف مثلا ،فلا يمكن احراز أنه دخل فيه بنية احرام العمرة المفردة لا
بقاعدة التجاوز و لا بقاعدة الفراغ .
أما الاولى :فمضافا إلى عدم تحقق عنوان التجاوز إن الشك ليس في
وجود الإحرام أو عدمه بنحو الوجود أو العدم المحمولي بعد احراز النية ،بل
الشك انما هو في دخوله فيه بنية العمرة المفردة ،و من المعلوم أن القاعدة لا
تثبت ذلك .
و اما الثانية :فلأن الشك فيه ليس في صحة احرام هذه العمرة و فساده ،بل
الشك انما هو في دخوله فيه بنية احرامها ،و من الواضح أن القاعدة لا تثبت
ذلك .
--( 265 )--
..........
و اما ان كان في أثناء العمرة كالطواف و قبل أن يتمها ،فان كان لم يجد
نفسه فيها فعلا و هو ينويها مفردة ،فالظاهر أنها باطلة أيضا ،لأن صحتها مرتبطة
بالاتيان بها باسم العمرة المفردة ،و مع الشك في ذلك لم يحرز صحتها لعدم
احراز عنوانها ،و إن وجد نفسه فيها فعلا و هو ينويها عمرة مفردة ،فقد اختار
السيد الاستاذ قدّس سرّه الصحة تطبيقا لقاعدة التجاوز .و لكن الظاهر عدم الصحة ،لعدم
جريان القاعدة ،و ذلك لأن موردها هو ما إذا علم المكلف بأنه ناو للعمرة
المفردة ،و بعد الوصول إلى طوافها أو سعيها و قبل أن يتمها شك في أنه أتى
باحرامها أو لا ،حكم بالاتيان به تطبيقا للقاعدة ،و أما إذا شك في أنه هل كان
يدخل فيها بنية احرام العمرة المفردة أو لا ؟فلا يكون من موارد هذه القاعدة ،
و لا تثبت أنه دخل فيها بتلك النية الموجودة في نفسه فعلا .
و بكلمة :إن المكلف يعلم بأنه أحرم من الميقات ،و لكنه يشك و يتردد
في أنه أحرم بنية العمرة المفردة أو لا ،و قاعدة التجاوز لا تثبت أنه أحرم بنيتها ،
لأنه ليس لها محل معين كسائر اجزاء العبادة ،بل لا بد أن تكون مقارنة لها من
البداية إلى النهاية باسم خاص و عنوان مخصوص ،و هذا لا بمعنى أن يكون
المكلف منتبها الى نيته انتباها كاملا كذلك كما في اللحظة الاولى ،بل يكفي أن
تكون كامنة في اعماق نفسه بحيث لو سأله سائل :ما ذا تفعل ؟لانتبه فورا إلى أنه
يعمل العمل الفلاني .
فالنتيجة :أن قاعدة التجاوز أو الفراغ انما تجري في العبادة بعد احراز
عنوانها و اسمها المقوم و المميز لها شرعا الذي يكون موضوعا لصحتها أو
فسادها ،كعنوان الظهر و العصر و المغرب و العشاء و العمرة المفردة و التمتع
و حج الافراد و القران و التمتع و نحو ذلك ،فانه بعد احراز عنوانها و الدخول فيها
بذلك العنوان اذا شك في أنه أتى بالجزء السابق أو لا ،فان تجاوز عنه جرت
القاعدة ،و الاّ فلا ،و إذا شك في صحته جرت قاعدة الفراغ ،و أما إذا لم يحرز
عنوانها فلا موضوع للقاعدة .
--( 266 )--
..........
بقي هنا مسألتان :
الاولى :إذا أحرم من الميقات ثم نسى أنه أحرم منها بنية حج الافراد أو
العمرة المفردة .
الثانية :نفس الصورة المتقدمة و لكن نسى أن احرامه كان لعمرة التمتع او
لحج الافراد .
اما في المسألة الاولى :فهو يعلم اجمالا بوجوب أحدهما عليه ،و بما أنه
متمكن من الاحتياط فيجب عليه ذلك ،بأن يذهب إلى الموقفين ،ثم يرمي
جمرة العقبة ،و بعد ذلك يرجع إلى مكة و يطوف و يسعى ،ثم يذهب إلى منى
و يقصر كل ذلك بقصد ما في الذمة فإذا صنع ذلك علم ببراءة ذمته و لا شيء
عليه .
و أما في المسألة الثانية :فلا يمكن الاحتياط بالجمع بين عمرة التمتع من
حجة الإسلام و بين حج الإفراد ،لأن احرامه في الواقع إن كان للأوّل وجب
التقصير عليه بعد السعي ،ثم الاحرام للحج ،و إن كان للثاني حرم عليه التقصير
قبل ادراك الوقوفين و رمي جمرة العقبة ،فتدخل المسألة في دوران الأمر بين
المحذورين ،و حينئذ فلا يكون العلم الإجمالي منجزا بالنسبة إلى الموافقة
القطعية العملية ،لعدم تمكنه منها ،و منجز بالنسبة إلى المخالفة القطعية العملية ،
و حينئذ فلا يجوز له ترك العمرة و الحج معا ،بل عليه أن يأتي بأحدهما حتى لا
يقع في المخالفة القطعية العملية ،فإذا أتى بعمرة التمتع من حجة الإسلام
احتياطا ،فهل تجزئ إذا كانت واجبة عليه في الواقع أو لا ؟الظاهر عدم الاجزاء ،
لأنه منوط باحراز انطباق الواجب على الفرد المأتي به ،و هو غير محرز ،لاحتمال
أن الفرد فاقد للإحرام ،فاذن تظل ذمته مشغولة به تطبيقا لقاعدة الاشتغال ،
و بذلك يظهر حال ما إذا أتى بحج الافراد احتياطا و كان هو الواجب عليه في
الواقع ،فانه لا يجزئ عنه تطبيقا لما تقدم ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى :هل يجوز له في هذه الحالة أن يجدد الإحرام
--( 267 )--
[3236 ]مسألة 7 :لا تكفي نية واحدة للحج و العمرة بل لا بد لكل منهما
من نيته مستقلا ،إذ كل منهما يحتاج إلى إحرام مستقل ( 1 ) ،فلو نوى كذلك
وجب عليه تجديدها ،و القول بصرفه إلى المتعين منهما إذا تعين عليه
أحدهما و التخيير بينهما إذا لم يتعين و صح منه كل منهما كما في أشهر
الحج لا وجه له ( 2 ) ،كالقول بأنه لو كان في أشهر الحج بطل و لزم التجديد
و إن كان في غيرها صح عمرة مفردة .
لأحدهما المعين كعمرة التمتع مثلا حتى يتيقن بأنه محرم باحرامه ؟الظاهر أنه لا
مانع منه ،فان حقيقة الإحرام هي التلبية ،فإذا لبّى ثانيا بنية عمرة التمتع من حجة
الإسلام رجاء تيقن أنه محرم فعلا باحرامها شرعا ،لأنه ان كان محرما به من
الأول فالثاني لغو ،و الاّ فهو يصبح به محرما باحرامها ،نعم انه في هذا الفرض
يكون محرما باحرام حج الافراد ،الاّ أنه لا يمنع من احرامه لعمرة التمتع ،و هذا لا
بمعنى أنه محرم باحرامين فعلا ،لأنه لغو و جزاف ،بل بمعنى أنه إذا كان عازما
على ترك حج الافراد و البناء على الاتيان بحج التمتع أصبح احرامه لاغيا ،لأن
صحته مرتبطة بالاتيان بسائر أعماله في موسمها ،و حيث أنه في علم اللّه لا يأتي
بها في الموسم فهو فاسد ،فعندئذ لا مانع من احرامه ثانيا لعمرة التمتع من حجة
الإسلام .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه لأن كلا منهما واجب باسمه الخاص و عنوانه
المخصوص ،غاية الأمر أن صحة كل منهما مرتبطة بالآخر ،و هذا الارتباط لا
يدل على كفاية احرام واحد لهما معا .
فالنتيجة :أنه لا شبهة في أن العمرة مرتبطة بالحج و بالعكس ،و أنهما
بمثابة عمل واحد من هذه الناحية ،و لكن مع ذلك يكون لكل منهما إحرام
مستقل ،و لا يرتبط أحدهما بالآخر من هذه الجهة .
( 2 ) لما مر من أن الإحرام بما أنه جزء لكل من الحج و العمرة باسمه --( 268 )--
[3237 ]مسألة 8 :لو نوى كإحرام فلان فإن علم أنه لما ذا أحرم صح ،و إن
لم يعلم فقيل بالبطلان ( 1 ) لعدم التعيين ،و قيل بالصحة
الخاص فيجب أن ينوي الاتيان به كذلك ،و لا يكفي أن ينوي الاتيان به للجامع
بينهما ،فانه باطل باعتبار أنه ليس بواجب .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،و ذلك لأن العبادة التي لها اسم خاص و عنوان
مخصوص يجب على المكلف أن يقصد ذلك الاسم الخاص لها حينما يريد أن
يأتي بها المميز لها شرعا ،فإذا أحرم وجب أن يكون احرامه بقصد العمرة
المفردة أو العمرة من حجة الإسلام ،و الاّ لم يقع احراما لها .
و بكلمة :إن من يحرم من الميقات لا بد و أن يلتفت إلى أنه يحرم لعمرة
التمتع من حجة الإسلام ،أو للعمرة المفردة ،أو لحج الافراد ،فان الاحرام فيها
كالتكبيرة في الصلاة ،فكما أن الصلاة تبدأ بها فكذلك تلك الاعمال تبدأ
بالاحرام ،و قد تقدم أن كل عبادة إذا كان لها اسم خاص لا بد أن يقصد المكلف
ذلك الاسم الخاص لها حينما يريد أن يأتي بها المميز لها شرعا ،كصلاة الظهر
و العصر و نحوهما ،و أن هذا القصد لا بد أن يكون مقارنا لكل اجزائها ،فاذا أراد
أن يأتي بصلاة الظهر -مثلا -فلا بد أن يقصد اسمها الخاص المميز لها مقارنا
لأجزائها من تكبيرة الإحرام إلى التسليمة ،و من هنا لو كبّر كتكبير زيد مثلا مع
عدم العلم بأنه كبر لأي صلاة لم تقع تكبيرة الإحرام لصلاة معينة لانتفاء قصد
الاتيان بها لتلك الصلاة المعينة ،و ما نحن فيه كذلك ،فانه لما كان لكل من تلك
الأعمال العبادية اسم خاص فلا بد أن يقصد ذلك الاسم الخاص لها حينما يريد
الاتيان بها مقارنا لأجزائها من الإحرام إلى آخر الاجزاء ،فلو أحرم كإحرام خالد
مع عدم العلم بأنه لما ذا أحرم لم يقع احراما لعبادة معينة كعمرة التمتع من حجة
الإسلام مثلا ،لانتفاء القصد .و على هذا الأساس فكل عبادة إذا كان لها اسم
خاص فاللازم أن يكون حين الدخول فيها منتبها الى اسمها الخاص انتباها كاملا --( 269 )--
لما عن علي عليه السّلام ( 1 ) و الأقوى الصحة لأنه نوع تعين ،نعم لو لم يحرم فلان
في تلك اللحظة ،فلو كان غافلا عنه في هذا الحين لم يتحقق الدخول فيها و إن
كانت نيتها موجودة في اعماق نفسه ارتكازا .
و أما بقاء ،فتكفي النية الإجمالية ،فلو نوى و كبر ثم ذهل عن نيته و واصل
عبادته على هذه الحالة من الذهول صحت ما دامت النية كامنة في اعماق نفسه .
و دعوى :أن عنوان احرام زيد مثلا أو تكبيره عنوان مشير الى الواقع
المعين في علم اللّه تعالى و هو يقصد الاحرام لذلك الواقع المعين الذي لا يمكن
الاشارة اليه الاّ بهذا العنوان .
مدفوعة :بأنه و إن كان عنوانا مشيرا إلى الواقع الاّ أن ذلك لا يكفي لكون
الفرد المأتي به مصداقا للمأمور به ،لأن المأمور به لما كان هو الإحرام بعنوان
العمرة المفردة أو التمتع من حجة الإسلام أو حج الافراد ،فلا بد أن يقصد
المكلف حينما أراد أن يأتي بها اسمها الخاص المميز لها شرعا مقارنا لأجزائها
من الإحرام إلى الجزء الأخير ،و الاّ لم يقع احراما لها .
فالنتيجة :أن من أحرم لا بد أن يكون منتبها إلى نيته انتباها كاملا في لحظة
الاحرام ،كما هو الحال في المصلي فانه حينما كبر لا بد أن يكون ملتفتا التفاتا
كاملا بأنه كبر لأية صلاة .
( 1 ) فيه أنه لا وجه للاستشهاد بما ورد عن علي عليه السّلام في مجموعة من
الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار الطويلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «إن رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله أقام بالمدينة عشر سنين لم يحج ،ثم انزل اللّه عليه : -و أذن في الناس
بالحج ...إلى أن قال :و قدم عليّ عليه السّلام من اليمن على رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله و هو بمكة ...
إلى أن قال :فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :أنا أمرت الناس بذلك ،و انت يا علي بما
أهللت ،قال :قلت :يا رسول اللّه اهلالا كإهلال النبي صلّى اللّه عليه و آله ،فقال له رسول --( 270 )--
..........
اللّه صلّى اللّه عليه و آله :كن على احرامك مثلي و أنت شريكي في هديى -الحديث - »- 1 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «إن رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله حين حج حجّة الإسلام خرج في أربع بقين من ذي القعدة -إلى أن قال :
فقال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله :يا علي بأيّ شيء أهللت ،فقال :اهللت بما أهل النبي صلّى اللّه عليه و آله
-الحديث - »- 2 - و ذلك لأن تلك الروايات لا تدل على أن عليا عليه السّلام نوى الإحرام
لما نوى رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله الاحرام له ،مع عدم علمه تفصيلا أنه صلّى اللّه عليه و آله لأي شيء
نواه ،بقرينة أن نفس تلك النصوص تدل على أن المتعة قد شرعت في حجة
الوداع بعد وصول النبي صلّى اللّه عليه و آله إلى مكة ،و لم يكن قبل ذلك مشروعة ،و على هذا
فكل أحد يعلم بأن المسلمين قد أحرموا للحج منهم النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله ،و لا فرق
بينهم من هذه الناحية ،و انما الفرق في سياق الهدي ،فكل من ساق الهدي معه
فيكون حجه حج قران ،و بما أن عليا عليه السّلام قد ساق الهدي معه كالنبي صلّى اللّه عليه و آله فيكون
عالما باحرامه صلّى اللّه عليه و آله و أنه لحج القران ،فاذن لا شاهد في هذه الروايات على كفاية
النية الاجمالية .
ثم إن بين الصحيحتين المذكورتين تعارض ،فان الصحيحة الاولى تنص
على أن النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله ساق أربعا و ستين هديا أو ستا و ستين .و الثانية تنص
على أنه صلّى اللّه عليه و آله ساق مائة بدنة ،فاذن يقع التعارض بينهما في المقدار الزائد ،
فتسقطان معا فيه من جهة المعارضة ،فالثابت حينئذ هو المقدار المتفق عليه
بينهما ،و نتيجة ذلك أنه لم يثبت كون النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله قد ساق مائة بدنة و جعل
سبعا و ثلاثين منها لعلي عليه السّلام ،فاذن يكون المرجع في المقام الصحيحة الاولى
التي تنص على أن عليا عليه السّلام جاء بأربع و ثلاثين أو ست و ثلاثين هديا حينما رجع
من اليمن إلى مكة المكرمة ،حيث إنه لا معارض لها ،و على هذا فلا اجمال في
قوله عليه السّلام في جواب النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله :بما اهللت ؟ «اهلالا كإهلال النبي صلّى اللّه عليه و آله »
فان مراده عليه السّلام معلوم من الاهلال حينئذ ،و هو الاهلال لحج القران كإهلال النبي
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب أقسام الحج الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :2 من أبواب أقسام الحج الحديث :14 .
--( 271 )--
أو بقي على الاشتباه فالظاهر البطلان ( 1 ) ،و قد يقال إنه في صورة الاشتباه
يتمتع ،و لا وجه له إلا إذا كان في مقام يصح له العدول إلى التمتع .
[3238 ]مسألة 9 :لو وجب عليه نوع من الحج أو العمرة فنوى غيره بطل .
[3239 ]مسألة 10 :لو نوى نوعا و نطق بغيره كان المدار على ما نوى دون
ما نطق .
[3240 ]مسألة 11 :لو كان في أثناء نوع و شك في أنه نواه أو نوى غيره بنى
على أنه نواه ( 2 ) .
الاكرم صلّى اللّه عليه و آله ،فاذن لا وجه لتوجيه الحكم في الصحيحة الثانية بأن اشراك
النبي صلّى اللّه عليه و آله عليا عليه السّلام في هديه و جعل له سبعا و ثلاثين بدنة من المائة التي
ساقها صلّى اللّه عليه و آله حكم مختص به عليه السّلام ،ضرورة أن مجرد نية الاحرام كإحرام
النبي صلّى اللّه عليه و آله من دون أن يسوق الهدي لا يستوجب ذلك ،أي الاشراك في الهدي
و جعل حجه حج قران ،و لكن كل ذلك مبني على عدم سقوط الصحيحة
بالتعارض من هذه الناحية .و لكن قد مر سقوطها به من تلك الناحية .
( 1 ) فيه أن الأمر و إن كان كذلك في الصورة الاولى لانتفاء الموضوع فيها ،
و أما في الصورة الثانية فعلى مسلكه قدّس سرّه من كفاية التعيين الإجمالي فلا موجب
للبطلان ،لأن الصحة لا تكون مشروطة برفع الاشتباه بعد الإحرام ،بل لو ظل
باقيا عليه فالعمل صحيح في الواقع ،غاية الأمر أنه لا يدري أنه عمرة
مفردة أو متعة .نعم بناء على ما ذكرناه من عدم كفاية ذلك فهو باطل في كلتا
الصورتين .
( 2 ) في البناء اشكال بل منع ،لما مر في المسألة ( 6 ) من أنه لا موضوع
لقاعدة التجاوز اذا شك في أنه نوى الظهر قضاء أو العصر أداء ،كما إذا شك في
أنه حينما دخل في الصلاة و كبر ،فهل كبر للأولى أو الثانية ؟و إن كان بجد نفسه
فعلا في صلاة و هو ينويها ظهرا ،و ذلك لما مرّ من انه ليس لنية العنوان محل --( 272 )--
[3241 ]مسألة 12 :يستفاد من جملة من الأخبار استحباب التلفظ بالنية ،
و الظاهر تحققه بأيّ لفظ كان ،و الأولى أن يكون بما في صحيحة ابن عمار
و هو أن يقول : «اللهم إني أريد ما أمرت به من التمتع بالعمرة إلى الحج على
كتابك و سنة نبيك صلّى اللّه عليه و آله فيسّر ذلك لي و تقبله مني و أعنّي عليه فإن عرض
شيء يحبسني فحلّني حيث حبستني لقدرك الذي قدرت علي ،اللهم إن لم
تكن حجة فعمرة أحرم لك شعري و بشري و لحمي و دمي و عظامي و مخّي
و عصبي من النساء و الطيب أبتغي بذلك وجهك و الدار الآخرة ».
[3242 ]مسألة 13 :يستحب أن يشترط عند إحرامه على اللّه أن يحلّه إذا
عرض مانع من إتمام نسكه من حج أو عمرة و أن يتمم إحرامه عمرة إذا كان
للحج و لم يمكنه الإتيان ،كما يظهر من جملة من الأخبار .
و اختلفوا في فائدة هذا الاشتراط فقيل :إنها سقوط الهدي ( 1 ) .
معين ،حتى تجري قاعدة التجاوز ،أو فقل إن مفاد القاعدة اثبات وجود
المشكوك بمفاد كان التامة ،و أما إذا كان أصل وجوده محرزا و الشك انما هو في
اتصافه بوصف عنواني فلا تثبت القاعدة ذلك الوصف الذي هو مفاد كان
الناقصة ،و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فانه يعلم أنه كبر ،و لكن لا يدري أنه كبر
بنية صلاة الظهر قضاء أو بنية العصر أداء ،و في مثل ذلك و إن كان يجد نفسه فعلا
في صلاة الظهر قضاء الاّ أن القاعدة لا تجري و لا تثبت أنه كبر بنيتها .
( 1 ) و هذا هو الصحيح ،لا للإجماع لما مر غير مرة من أنه لا يمكن لنا
اثبات اجماع في المسألة الكاشف عن ثبوت الحكم في زمن المعصومين عليهم السّلام
و وصوله إلينا يدا بيد ،بل للروايات :
منها :صحيحة ذريح المحاربي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل
تمتع بالعمرة إلى الحج و احصر بعد ما احرم ،كيف يصنع ؟قال :فقال :أو ما --( 273 )--
..........
اشترط على ربه قبل أن يحرم أن يحله من احرامه عند عارض عرض له من أمر
اللّه ،فقلت :بلى قد اشترط ذلك ،قال :فليرجع إلى أهله حلا لا إحرام عليه ،ان اللّه
أحق من و فى بما اشترط عليه ،قال :فقلت :أ فعليه الحج من قابل ؟قال :لا »- 1 - .
فانها تدل على أنه يصبح محلا بصرف الحصر بمقتضى التعليل فيها بقوله عليه السّلام :
«ان اللّه أحق من و فى بما اشترط عليه »فانه ينص على أن خروجه من الاحرام
انما هو بسبب الشرط لا بسبب بلوغ الهدي محلّه ،و الاّ لكان هذا التعليل لغوا .
و منها :صحيحة محمد بن أبي نصر قال :سألت أبا الحسن عليه السّلام عن محرم
انكسرت ساقه ،أيّ شيء تكون حاله ؟و أي شيء عليه ؟قال عليه السّلام :هو حلال من
كل شيء ،قلت :من النساء و الثياب و الطيب ،فقال :نعم من جميع ما يحرم على
المحرم ،و قال :أو ما بلغك قول أبي عبد اللّه عليه السّلام -حلّني حيث حبستني لقدرك
الذي قدرت عليّ -قلت :اخبرني عن المحصور و المصدود هما سواء ،فقال :لا
-الحديث - »- 2 - فانها تدل على نفي وجوب الهدي عليه و عدم دخله في
التحليل ،و بما أن نسبتهما إلى الآية الشريفة و الروايات الظاهرتين في وجوب
الهدي و ترتب الاحلال على بلوغه محله نسبة الخاص إلى العام ،فتصلحان
لتقييد اطلاقيهما ،فيكون الناتج من ذلك عدم وجوب الهدي عليه للتحلل في
صورة الاشتراط ،و وجوبه عليه في صورة عدم الاشتراط .
و دعوى :أن الصحيحة الثانية تدل على الاحلال مطلقا ،اي سواء اشترط
ذلك أم لا ،و مجرد الاستشهاد بقول الصادق عليه السّلام لا يدل على أن مورد السؤال
فيها خصوص صورة الاشتراط ،إذ من المحتمل أن يكون مورد الاستشهاد من
صغريات مورد السؤال دون العكس .
مدفوعة :فانه لا شبهة في ظهور الاستشهاد في أنه من باب تطبيق الكبرى
على الصغرى و هو مورد السؤال ،و مع الاغماض عن ذلك فالرواية مجملة ،و لا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب الاحصار الحديث :4 .
--( 274 )--
..........
يمكن الاستدلال بها على التحلل بالاشتراط ،و على تقدير ظهورها في الاطلاق
فلا بد من طرحها ،لأنها مخالفة للكتاب ،و هو قوله تعالى :فَإِنْ أُحْصِرْتُمْ فَمَا
اِسْتَيْسَرَ مِنَ اَلْهَدْيِ وَ لا تَحْلِقُوا رُؤُسَكُمْ حَتَّى يَبْلُغَ اَلْهَدْيُ مَحِلَّهُ - 1 - و من
هنا يظهر أنه لا بد من تقييد اطلاق صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :هو
حل إذا حبسه اشترط أو لم يشترط »- 2 - ببلوغ الهدي محله بالآية الشريفة
و الروايات ،هذا اضافة إلى أن مرجع الضمير فيها غير معلوم المراد باعتبار أنه
غير مسبوق بشيء ،و لعل المراد به شخص خاص معهود بين الإمام عليه السّلام
و الراوي ،فتكون الرواية مجملة .
و دعوى :ان الاجمال فيه قد نشأ من تقديم صاحب الوسائل هذه
الصحيحة على رواية حمزة بن حمران في النقل ،و أما بناء على رواية الكليني
فلا اجمال فيه ،فانه روى أولا رواية حمزة ،ثم صحيحة زرارة بلا فصل ،إذ حينئذ
يرجع إلى ما ذكره في رواية حمزة و هو الذي يقول : «حلّني حيث حبستني »- 3 -
و الكافي انما حذف المرجع في الصحيحة اختصارا في النقل و ايعازا إلى وحدة
السؤال و الجواب .
مدفوعة :بأن ذلك التصرف من الكافي بعيد جدا ،إذ لا يمكن فتح هذا
الباب في الأحاديث ،حيث إن اهتمام المحدثين في ضبط الأحاديث حرفيا
و لا سيما من مثل الكليني المعروف في ذلك يمنعنا من القول بأنه صنع ذلك
اختصارا و ايعازا إلى وحدة السؤال و الجواب بينها و بين رواية حمزة هذا .
و قد يجمع بين صحيحة زرارة و الآية الكريمة و الروايات الدالة على بلوغ
الهدي محلّه ،بحمل الحلّ في الصحيحة على الحلّ من حيث اعمال الحج
و العمرة ،بمعنى ان من احصر لا يجب عليه اتيان الاعمال و اتمامها الذي هو
واجب على غيره ،لا أنه يحل من تمام الجهات حتى من جهة ممارسة محرمات
---------------
( 1 ) البقرة /196 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :25 من أبواب الإحرام الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :25 من أبواب الإحرام الحديث :2 .
--( 275 )--
..........
الاحرام ،و عليه فيظل محرما بالنسبة إليها إلى أن يبلغ الهدي محله .
و لكن يرد عليه ..
أولا :ان الصحيحة مجملة -كما مر -.
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها غير مجملة الا أنه لا بد من رفع
اليد عن اطلاقها و تقييد الحلية فيها بما إذا بلغ الهدي محله بالآية الشريفة
و الروايات ،فانهما ظاهرتان في أنه لا يحل الاّ أن يبلغ الهدي محلّه ،و هذا الظهور
ظهور عرفي ناشئ من أخذ القيد في موضوع الحكم في لسان الدليل ،و ظهور
الصحيحة في عدم دخل بلوغ الهدي في التحليل انما هو بالاطلاق الناشئ من
السكوت في مقام البيان ،و من الواضح أن الظهور الاطلاقي لا يصلح أن يعارض
الظهور الوضعي العرفي ،فيتقدم الثاني على الأول بملاك الأقوائية و الأظهرية
تطبيقا للجمع الدلالي العرفي ،و اما اذا افترضنا عدم امكان الجمع العرفي بينهما
فلا بد من طرح الصحيحة لأنها مخالفة للكتاب ،و إن كانت مخالفته له بالظهور
الاطلاقي ،لما ذكرناه في علم الاصول من أن الروايات المخالفة للكتاب لا تكون
حجة و إن كانت المخالفة بالاطلاق .نعم بناء على ما ذكره السيد الاستاذ قدّس سرّه من أن
الظهور الاطلاقي ليس مدلولا للفظ و انما هو مدلول لمقدمات الحكمة فلا
يصدق عليها عنوان المخالف حتى لا يكون حجة ،و لكن قد ذكرنا هناك أن
الأمر ليس كذلك ،فان الاطلاق مدلول للفظ لا للمقدمات .نعم أنها منشأ لظهور
اللفظ فيه ،و تمام الكلام هناك .
فالنتيجة :ان الحلية في الصحيحة ظاهرة في الحلية عن محرمات الإحرام
دون الأعم منها و من الحلية عن اعمال الحج أو العمرة .
و ثالثا :مع تسليم أن الحلية فيها مطلقة و تعم باطلاقها الحلية من الأعمال
و المحرمات معا ،الاّ أن رفع اليد عن اطلاقها و حملها على خصوص الأولى
بحاجة إلى قرينة و لا قرينة على ذلك ،فان الآية الشريفة و الروايات لا تدلان على
أن المراد من الحلية فيها الحلية بالنسبة إلى اعمال الحج فقط ،لأن مقتضى الجمع --( 276 )--
..........
العرفي كما مر هو تقييد الحلية في الصحيحة بما بعد بلوغ الهدي محله لا حملها
على الحلية عن اعمال الحج أو العمرة ،فان هذا الحمل غريب جدا و لا شاهد
عليه أصلا .
و من هنا يظهر أن صحيحة زرارة لا تصلح أن تعارض صحيحة ذريح - 1 -
المتقدمة ،لما مر من أن صحيحة ذريح تدل بمنطوقها على ترتب التحليل على
الشرط ،و بمفهومها على انتفائه بانتفاء الشرط ،فاذن تكون الصحيحة مقيدة
لإطلاق صحيحة زرارة ،فان مقتضى اطلاقها أنه يحل سواء بلغ الهدي محلّه أم
لا ،و الصحيحة تدل بمفهومها على أنه لا يحل في صورة عدم الاشتراط .
لحد الآن قد تبين أن الناتج من تقييد صحيحة ذريح اطلاق الآية الشريفة
و الروايات هو أن من اشترط على اللّه تعالى في احرامه أن يحلّه إذا عرض عليه
عارض حل متى طرأ عليه عارض و من لم يشترط ذلك لم يحل الاّ بعد بلوغ
الهدي محلّه ،و عليه ففائدة الشرط خروج المحرم عن الاحرام بصرف عروض
عارض عليه ،و عدم توقفه على بلوغ الهدي محلّه .
و اما ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث :
«قال :إنّ الحسين بن علي عليه السّلام خرج معتمرا فمرض في الطريق ،فبلغ عليا ذلك
و هو بالمدينة ،فخرج في طلبه ،فادركه في السقيا و هو مريض بها ،فقال :يا بني ما
تشتكي ؟فقال :اشتكي رأسي ،فدعا علي عليه السّلام بدنة فنحرها و حلق رأسه و ردّه إلى
المدينة ،فلما برئ من وجعه اعتمر ،فقلت :أ رأيت حين برئ من وجعه احل له
النساء ،فقال :لا تحل له النساء حتى يطوف بالبيت و يسعى بين الصفا و المروة ،
فقلت :فما بال النبي صلّى اللّه عليه و آله حين رجع إلى المدينة حل له النساء و لم يطف بالبيت ؟
فقال :ليس هذا مثل هذا ،النبي صلّى اللّه عليه و آله كان مصدودا و الحسين عليه السّلام محصورا »- 2 - فلا
مانع من الأخذ بها في موردها ،و هو أن المحرم باحرام العمرة إذا احصر خرج
---------------
( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :1 من أبواب الاحصار الحديث :3 .
--( 277 )--
و قيل :إنها تعجيل التحلل و عدم انتظار بلوغ الهدي محله .
و قيل :سقوط الحج من قابل ( 1 ) .
منه بذبح الهدي في مكانه ،و لا يتوقف على ارساله إلى مكة و انتظار وصوله اليها ،
و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين اشتراط الحل و عدمه ،و مجرد استحباب
الاشتراط لا يقتضي صدوره منه عليه السّلام لاحتمال وجود مانع أو غير ذلك ،و على
هذا فلا مانع من تقييد اطلاق الآية الشريفة و الروايات بها ،و يكون الناتج من
ذلك أن المحرم باحرام العمرة المفردة إذا احصر خرج منه بذبح الهدي مكانه ،
و لا يتوقف على إرساله إلى مكة و انتظار وصوله اليها ،و المحرم باحرام الحج لا
يخرج منه الا بارسال الهدي إلى منى و وصوله اليه شريطة أن لا يشترط التحليل
عند عروض عارض عليه من مرض أو نحوه ،و الاّ خرج منه بصرف عروضه
بدون التوقف على بلوغ الهدي محله .
ثم إن صحيحة ذريح المتقدمة هل تصلح أن تكون مقيدة لإطلاق
صحيحة معاوية بن عمار بصورة عدم الاشتراط ؟الظاهر أنها تصلح لذلك ،لأن
موردها و إن كان عمرة التمتع من حجة الإسلام ،الاّ أن التعليل فيها ب «أن اللّه
تعالى أحق من و فى بما اشترط عليه »يدل على عموم الحكم و عدم اختصاصه
بموردها ،ضرورة أنه لا فرق في كونه تعالى أحق بذلك بين مورد و مورد .
فالنتيجة :في نهاية المطاف أن المحرم إذا اشترط على اللّه تعالى حين
احرامه أن يحله منه إذا احصر حل بصرف عروض الحصر عليه على أساس أنه
تعالى أحق من و فى بما اشترط عليه بدون التوقف على بلوغ الهدي محله ،سواء
أ كان ذلك في احرام الحج أو العمرة المفردة أو المتعة ،كما هو مقتضى التعليل
فيها .
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،و الأظهر عدم السقوط ،و ذلك لأن مقتضى
صحيحة ذريح المتقدمة و إن كان السقوط الاّ أنها معارضة بصحيحة أبي نصر --( 278 )--
و قيل :إن فائدته إدراك الثواب فهو مستحب تعبدي ،و هذا هو
الأظهر ( 1 ) ،و يدل عليه قوله صلّى اللّه عليه و آله في بعض الأخبار : «هو حل حيث حبسه
اشترط أو لم يشترط ».
ليث بن البختري ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يشترط في الحج أن
حلّني حيث حبستني ،عليه الحج من قابل ؟قال :نعم »- 1 - فانها تدل على عدم
السقوط ،و حمل الصحيحة الاولى على الحج المندوب ،و الثانية على الواجب
و إن كان ممكنا الاّ أنه بحاجة إلى قرينة و لا قرينة عليه لا من الداخل و لا من
الخارج ،و على هذا فبما أن الجمع الدلالي العرفي بينهما لا يمكن فيستقر
التعارض بينهما و يسري إلى دليل حجيتهما سندا ،و حيث إن صحيحة أبي
بصير - 2 - موافقة لإطلاق الكتاب و السنة ،فهي تتقدم على صحيحة ذريح ،فان
مقتضى اطلاقهما وجوب الحج على كل مستطيع لم يحج ،و الفرض انه مستطيع
و لم يحج ،هذا بناء على ما هو الصحيح من أنه لا فرق في ترجيح أحد الخبرين
المتعارضين على الآخر بموافقة الكتاب أو السنة بين أن تكون الموافقة لإطلاقه
أو عمومه الوضعي ،و أما بناء على ما ذكره السيد الاستاذ قدّس سرّه من أن موافقة اطلاق
الكتاب بما أنها ليست موافقة له فلا ترجيح في البين ،فاذن تسقطان معا من جهة
المعارضة ،فيرجع إلى العام الفوقي و هو اطلاق الكتاب و السنة .
فالنتيجة على كلا القولين هي وجوب الحج عليه في العام القادم ،و عدم
سقوطه عنه .
( 1 ) مر أن فائدته على الأظهر خروجه عن الاحرام بمجرد ابتلائه بالحصر
بدون التوقف على ارسال الهدي و بلوغه محله .و اما استحباب هذا الاشتراط
نفسيا بدون النظر إلى ترتب أثر وضعي عليه فلا يمكن استفادته من
---------------
( 1 ) الوسائل باب :24 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) المصدر السابق .
--( 279 )--
و الظاهر عدم كفاية النية في حصول الاشتراط بل لا بدّ من التلفظ ،
لكن يكفي كل ما أفاد هذا المعنى فلا يعتبر فيه لفظ مخصوص ،و إن كان
الأولى التعيين مما في الأخبار .
الثاني من واجبات الإحرام :التلبيات الأربع ،و القول بوجوب
الخمس أو الست ضعيف ،بل ادعى جماعة الإجماع على عدم وجوب
الأزيد من الأربع .
و اختلفوا في صورتها على أقوال :
أحدها :أن يقول :لبيك اللهم لبيك لبيك لا شريك لك لبيك .
الثاني :أن يقول بعد العبارة المذكورة :إن الحمد و النعمة لك ،
و الملك ،لا شريك لك .
الثالث :أن يقول :لبيك اللهم لبيك لبيك إن الحمد و النعمة لك
و الملك لا شريك لك لبيك .
الرابع :كالثالث إلا أنه يقول :إن الحمد و النعمة و الملك لك لا شريك
لك لبيك ،بتقديم لفظ «و الملك »على لفظ «لك ».
و الأقوى هو القول الأول كما هو صريح صحيحة معاوية بن عمار ( 1 )
و الزوائد مستحبة ،و الأولى التكرار بالاتيان بكل من الصور المذكورة ،بل
الروايات ،فانها في مقام بيان الأثر الوضعي المترتب عليه ،و هو الحل .
نعم انه مستحب بملاك أنه نوع دعاء و خضوع و تضرع الى اللّه تعالى أن يحلّه
إذا ابتلى بمرض أو غيره ،و لكن الروايات ليست في مقام البيان من هذه
الناحية .
( 1 ) و هي قوله عليه السّلام في ذيلها : «و اعلم أنه لا بد من التلبيات الأربع التي كن --( 280 )--
يستحب أن يقول كما في صحيحة معاوية بن عمار : «لبيك اللهم لبيك لبيك
لا شريك لك لبيك إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبيك ذا
المعارج لبيك لبيك داعيا إلى دار السلام لبيك غفار الذنوب لبيك لبيك
أهل التلبية لبيك لبيك ذا الجلال و الإكرام لبيك مرهوبا و مرغوبا إليك لبيك
لبيك تبدأ و المعاد إليك لبيك كشاف الكروب العظام لبيك لبيك عبدك
و ابن عبديك لبيك لبيك يا كريم لبيك ».
[3243 ]مسألة 14 :اللازم الإتيان بها على الوجه الصحيح بمراعاة أداء
الكلمات على قواعد العربية ،فلا يجزئ الملحون مع التمكن من الصحيح
بالتلقين أو التصحيح ،و مع عدم تمكنه فالأحوط الجمع بينه و بين الاستنابة ،
و كذا لا تجزئ الترجمة مع التمكن ،و مع عدمه فالأحوط الجمع بينهما
و بين الاستنابة ( 1 ) ،و الأخرس يشير إليها بإصبعه مع تحريك لسانه ،و الأولى
أن يجمع بينهما و بين الاستنابة ،و يلبى عن الصبي غير المميز و عن المغمى
عليه .
في أول الكلام و هي الفريضة و هي التوحيد و بها لبى المرسلون -الحديث - »- 1 -
و تلك عبارة عن قوله عليه السّلام في صدرها : «لبّيك اللّهمّ لبّيك ،لبّيك لا شريك لك
لبّيك »و عليه فتكون هذه الصحيحة قرينة على حمل قوله عليه السّلام في صحيحته
الاخرى : «إن الحمد و النعمة لك و الملك لا شريك لك لبّيك »على الاستحباب .
فالنتيجة :أن الواجب هو التلبيات الأربع فقط و الزائد مستحب .
( 1 ) بل الأظهر كفاية الملحون إذا لم يتمكن من الصحيح و لو بالتلقين ،
و هذا لا من جهة قاعدة الميسور ،فانها غير تامة ،بل هو مقتضى القاعدة ،فانه لا
---------------
( 1 ) الوسائل باب :40 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 281 )--
و في قوله :إن الحمد ( الخ ) يصح أن يقرأ بكسر الهمزة و فتحها ،
و الأولى الأول .
( و لبيك ) مصدر منصوب بفعل مقدر ،أي ألبّ لك إلبابا بعد إلباب ،أو
لبا بعد لبّ ،أي إقامة بعد إقامة ،من لبّ بالمكان أو ألبّ أي :أقام ،و الأولى
كونه من لبّ ،و على هذا فأصله لبين لك فحذف اللام و أضيف إلى الكاف
فحذف النون ،و حاصل معناه إجابتين لك ،و ربما يحتمل أن يكون من لب
بمعنى واجه ،يقال داري تلب دارك أي تواجهها ،فمعناه مواجهتي و قصدي
لك ،و أما احتمال كونه من لبّ الشيء أي خالصه فيكون بمعنى إخلاصي
لك فبعيد ،كما أن القول بأنه كلمة مفردة نظير ( على ) و ( لدى ) فأضيفت إلى
يكون مكلفا بأكثر من ذلك ،كما هو الحال في الأخرس ،و من هنا إذا لم يتمكن
في الصلاة من القراءة الصحيحة كفت القراءة الملحونة ،لأنه لا يكون مكلفا
بأزيد منها ،و أما الاستنابة في هذه الحالة فهي بحاجة إلى دليل و لا دليل عليه في
المقام الاّ رواية زرارة : «إن رجلا قدم حاجا لا يحسن أن يلبّي فاستفتى له أبو
عبد اللّه عليه السّلام فأمر له أن يلبى عنه »- 1 - و لكنها ضعيفة سندا ،فلا يمكن الاعتماد
عليها .و تؤكد ذلك معتبرة مسعدة بن صدقة قال : «سمعت جعفر بن محمد عليه السّلام
يقول :انك قد ترى من المحرم من العجم لا يراد منه ما يراد من العالم الفصيح ،
و كذلك الأخرس في القراءة في الصلاة و التشهد و ما اشبه ذلك ،فهذا بمنزلة
العجم المحرم لا يراد منه ما يراد من العاقل المتكلم الفصيح ...الحديث »- 2 -
فانها تدل على أن المطلوب من كل فرد من المكلف الاتيان بما يقدر عليه ،و هو
بطبيعة الحال يختلف باختلاف افراده و اصنافه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :39 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :67 من أبواب القراءة في الصلاة الحديث :2 .
--( 282 )--
الكاف فقلبت ألفه ياء لا وجه له ،لأن ( على ) و ( لدى ) إذا أضيفا إلى الظاهر
يقال فيهما بالألف كعلى زيد و لدى زيد و ليس لبى كذلك فإنه يقال فيه
( لبي زيد ) بالياء .
[3244 ]مسألة 15 :لا ينعقد إحرام حج التمتع و إحرام عمرته و لا إحرام
حج الإفراد و لا إحرام حج العمرة المفردة إلا بالتلبية ( 1 ) ،و أما
في حج القران فيتخير بين التلبية و بين الإشعار أو التقليد ،
( 1 ) هذا هو الصحيح للروايات الكثيرة الواردة في مختلف الموارد
و المسائل ،و تدل على أن الاحرام لا يتحقق شرعا الاّ بالتلبية سواء أ كان لعمرة
التمتع من حجة الإسلام أم للمفردة ،أم لحج التمتع أم للأفراد .
منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في الرجل
يقع على أهله بعد ما يعقد للإحرام و لم يلبّ ،قال :ليس عليه شيء »- 1 - فانها
ناصة في أن الإحرام لا يتحقق الا بالتلبية ،فاذن يكون المراد بعقد الاحرام فيها
هو التهيؤ له بلبس ثوبيه و غيره .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «لا بأس أن
يصلى الرجل في مسجد الشجرة و يقول الذي يريد أن يقوله و لا يلبّى ثم يخرج
فيصيب من الصّيد و غيره ،فليس عليه فيه شيء »- 2 - و منها غيرهما .
و اما ما ورد في رواية أحمد بن محمد قال : «سمعت أبي يقول في رجل
يلبس ثيابه و يتهيأ للإحرام ،ثم يواقع أهله قبل أن يهل بالاحرام ،قال :عليه دم »- 3 -
فلا يمكن الأخذ به .
أما أولا :فلأن الرواية بهذه الصيغة التي أوردها الشيخ في التهذيب
و الاستبصار لم يظهر أنها مروية عن الإمام عليه السّلام .و أما توجيه السيد الاستاذ قدّس سرّه
---------------
( 1 ) الوسائل باب :14 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :14 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :14 من أبواب الاحرام الحديث :14 .
--( 283 )--
و الإشعار مختص بالبدن ( 1 ) ،و التقليد مشترك بينها و بين غيرها من أنواع
الرواية عن الإمام عليه السّلام بالبيان التالي هو أن المراد من أحمد بن محمد هو أحمد
ابن محمد بن أبي نصر البزنطي ،بقرينة رواية محمد بن عيسى ( العبيد ) عنه ،
و القرينة على أنه العبيدي هي رواية محمد بن أحمد بن يحيى عنه ،
و البزنطي يروي مباشرة عن الإمام الرضا عليه السّلام ،و تصحيحا لذلك لا بد من
الالتزام بان في السند سقط ،و تكون صورة السند هكذا :عن أحمد بن محمد عن
أبي الحسن الرضا عليه السّلام قال :سمعت أبي يقول ...الخ ،فهو لا يفيد الاّ الظن و لا قيمة
له .
و أما ثانيا :فلأن المفروض فيها أنه يتهيأ للإحرام ،لا أنه احرم ،و هذا يعني
أنه أتى بمقدمات الإحرام من الغسل و الصلاة و لبس الثوبين و لم يعقد الإحرام ،
و من الواضح أنه لا تترتب آثار الإحرام على مقدماته ،فانها آثار للإحرام ،فإذا
أحرم حرمت عليه امور ،فاذن لا بد من رد علمها إلى أهله .
فالنتيجة :أنها لا تصلح أن تعارض تلك الروايات .هذا كله في غير حج
القران .
و أما في حج القران فاحرامه يتحقق بأحد أشياء ثلاثة :التلبية ،أو الإشعار ،
أو التقليد ،فالمكلف مخير بينها ،و تدل عليه مجموعة من الروايات .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يوجب الاحرام
ثلاثة أشياء ،التلبية و الاشعار و التقليد ،فإذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد
احرم »- 1 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من أشعر بدنته
فقد احرم و إن لم يتكلم بقليل و لا كثير »- 2 - و منها غيرهما .
( 1 ) في الاختصاص اشكال ،حيث ان البدن و إن ورد في الروايات الواردة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :20 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :21 .
--( 284 )--
الهدي ،و الأولى في البدن الجمع بين الإشعار و التقليد ( 1 ) ،فينعقد إحرام
في كيفية الاشعار ،الاّ أن دلالة هذا المقدار على الاختصاص لا تخلو عن اشكال ،
باعتبار أن الإمام عليه السّلام في تلك الروايات انما هو في مقام بيان كيفية الاشعار
و تطبيقها على البدن ،إما بلحاظ أن السؤال عن كيفية الاشعار فيها كما هو الغالب
في الروايات ،أو أنها إذا ورد في كلام الامام عليه السّلام ابتداء فالظاهر أن ورودها فيه
انما هو لبيان تلك الكيفية ،لا لخصوصية فيها ،فمن أجل ذلك لا يخلو ظهور
هذه الروايات في الاختصاص عن اشكال .
و دعوى :أن كل قيد أخذ في لسان الدليل فانه ظاهر في الموضوعية ،
و حمله على الطريقية و المعرفية الصرفة بحاجة إلى قرينة .
و الجواب :أن هذه الدعوى و إن كانت صحيحة الاّ أنها لا تنطبق على
المقام ،فان القيد المأخوذ في موضوع الحكم في الروايات هو الاشعار دون
البدن ،فانها مورده ،فالروايات انما هي في مقام بيان كيفية الاشعار ،و الكلام في
أن هذه الكيفية هل تختص بالبدن أو تعم مطلق الهدي ،و لا خصوصية لها ،
و مجرد ورودها في موردها لا يدل على الخصوصية ،فان العرف انما يفهم
الخصوصية للإشعار دون مورده ،فمن أجل ذلك يشكل دلالة هذه الروايات
على الخصوصية ،فتكون المسألة مبنية على الاحتياط ،هذا كله في الاشعار .
و اما التقليد فالظاهر أنه لا يختص بالبدن لإطلاق بعض الروايات و نص
صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «قال :كان الناس يقلدون الغنم و البقر ،و انما
تركه الناس حديثا و يقلدون بخيط و سير »- 1 - .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه اذا كان مراده من الأولى الأولى الوضعية ،و ذلك لأن
الروايات في المسألة متعارضة ،فان طائفة منها تنص على اعتبار ضم التقليد إلى
الاشعار في تحقق الإحرام شرعا .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :9 .
--( 285 )--
..........
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «البدنة يشعرها من جانبها الأيمن ثم
يقلدها بنعل قد صلى فيها »- 1 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن البدنة
كيف يشعرها ؟قال :يشعرها و هي باركة ،و ينحرها و هي قائمة ،و يشعرها من
جانبها الأيمن ،ثم يحرم إذا قلدت و اشعرت »- 2 - .
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال إذا كانت بدن كثيرة
فاردت أن تشعرها دخل الرجل بين كل بدنتين فيشعر هذه من الشق الأيمن
و يشعر هذه من الشق الأيسر ،و لا يشعرها أبدا حتى يتهيأ للإحرام ،فانه اذا
اشعرها و قلدها وجب عليه الاحرام ،و هو بمنزلة التلبية »- 3 - و مفاد هذه الطائفة
الارشاد إلى اعتبار الجمع بين الاشعار و التقليد في تحقق الإحرام شرعا ،و ليس
هو وجوب الجمع بينهما تكليفا .
و طائفة اخرى منها تنص على كفاية واحد منهما .
منها :صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة و هي قوله عليه السّلام : «يوجب الإحرام
ثلاثة أشياء :التلبية و الاشعار و التقليد ،فاذا فعل شيئا من هذه الثلاثة فقد
أحرم »- 4 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة ،و هي قوله عليه السّلام : «من أشعر بدنته
فقد أحرم و إن لم يتكلم بقليل و لا كثير »- 5 - .و مفاد هذه الطائفة الارشاد إلى تحقق
الاحرام بفعل واحد من الثلاثة ،فاذن يقع التعارض بين الطائفتين ،حيث ان
الطائفه الاولى تنص على أن المعتبر في تحقق الإحرام الجمع بين الاشعار
و التقليد و عدم كفاية واحد منهما ،و الطائفة الثانية تنص على أنه يكفي في تحققه
فعل أحدهما ،فاذن نقطة المعارضة بينهما هي فعل الزائد على الواحد ،فان
الاولى تدل على اعتباره في صحة الاحرام ،و الثانية تدل على عدم اعتباره فيها .
و دعوى :أن الطائفة الاولى ظاهرة في وجوب الجمع بينهما ،و الطائفة
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :17 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :18 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :19 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :20 .
---------------
( 5 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :21 .
--( 286 )--
حج القران بأحد هذه الثلاثة ،و لكن الأحوط مع اختيار الإشعار و التقليد
ضم التلبية أيضا ،نعم الظاهر وجوب التلبية على القارن و إن لم يتوقف
الثانية ناصة في ضمن صحيحة معاوية في كفاية واحد منهما فتصلح حينئذ أن
تكون قرينة على رفع اليد عن ظهور الطائفة الأولى في وجوب الجمع بينهما
و حملها على الاستحباب .نعم إن الصحيحة الثانية من هذه الطائفة لا تصلح أن
تكون قرينة على ذلك ،باعتبار أن دلالتها على عدم دخالة التقليد في الإحرام انما
هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و من هنا لو كان التعارض بينها
و بين الطائفة الأولى لكان الأمر بالعكس ،باعتبار أن دلالة الصحيحة على عدم
دخل التقليد في صحة الإحرام انما هي بالاطلاق الناشئ من ظهور حال المتكلم
في أن ما لا يقوله لا يريده ،و أما دلالة تلك الطائفة على الدخالة فهي تنشأ من
ظهور حال المتكلم في أن ما يقوله يريده ،و من الواضح أن الدلالة الاطلاقية لا
تصلح أن تقاوم الدلالة اللفظية العرفية ،على أساس أنها ترتفع بارتفاع منشأها
و هو عدم القول .
مدفوعة :بأن الجمع العرفي بينهما مرتبط بأن يكون مدلول الطائفة الأولى
وجوب الجمع بينهما تكليفا ،و مدلول الصحيحة نفي ذلك الوجوب ،و بما أن
الأولى ظاهرة فيه و الثانية ناصة فيتعين رفع اليد عن ظهور الأولى بقرينة الثانية
و حملها على الاستحباب تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص ،و أما إذا كان
مدلول الأولى ارشادا إلى اعتبار ضم التقليد إلى الاشعار في صحة الإحرام
و كونه جزءا له ،و مدلول الثانية ارشادا إلى عدم اعتباره ،فلا موضوع للجمع
الدلالي العرفي عندئذ ،لأن كلتيهما ناصة في مدلولها الارشادي ،فاذن
لا محالة يقع التعارض بينهما فتسقطان في مورد الالتقاء من جهة المعارضة ،
فيرجع إلى الأصل العملي و هو أصالة البراءة عن جزئية التقليد و اعتباره ،
و لكن مع ذلك فالأولى و الأجدر ضم التقليد اليه أيضا إذا كان الإحرام
بالاشعار .
--( 287 )--
انعقاد إحرامه عليها فهي واجبة عليه في نفسها ( 1 ) و يستحب الجمع بين
التلبية و أحد الأمرين ( 2 ) و بأيهما بدأ كان واجبا و كان الآخر مستحبا ( 3 ) .
ثم إن الإشعار عبارة عن شق السنام الأيمن بأن يقوم الرجل من
الجانب الأيسر من الهدي ( 4 ) و يشق سنامه من الجانب الأيمن
( 1 ) فيه اشكال بل منع ،اذ لا دليل على وجوب التلبية على القارن في
نفسها ،أما اطلاقات أدلة وجوبها فلأنها تدل على أنها من واجبات الحج
و العمرة ،لا أنها واجبة بنفسها ،هذا بدون فرق بين حج التمتع و الإفراد و القران .
( 2 ) في الاستحباب اشكال بل منع ،اذ لا دليل عليه أصلا ،كما أنه لا دليل
على استحباب الجمع بين الاشعار و التقليد ،لما مر من أن ما دل عليه يكون
مدلوله الجمع الوضعي ،و هو قد سقط بالتعارض كما سبق .
( 3 ) في الاستحباب اشكال بل منع و لا دليل عليه الاّ إذا كان مراده من
الاستحباب الاستحباب الوضعي ،يعني مجرد الأولوية ،لما مر من أنه لا بأس بها
بعد سقوط الروايات بالتعارض .
( 4 ) فيه أن هذه الكيفية لم ترد في شيء من روايات الباب ،فان الوارد فيها
انما هو الاشعار من الجانب الأيمن ،و أما أن الرجل يقوم من الجانب الأيسر
و يشق من الجانب الأيمن فلا دليل عليه .
و أما ما ورد في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :البدن
تشعر في الجانب الأيمن و يقوم الرجل في الجانب الأيسر ثم يقلدها بنعل خلق
قد صلى فيها »- 1 - فلا ظهور له في كونه قيدا للإشعار ،و يحتمل أن يكون مقدمة
للتقليد ،كما يحتمل أن يكون وقوفه كذلك مستحبا في نفسه ،و كيفما كان
فالرواية مجملة و لا تدل على أن هذه الكيفية معتبرة في الاشعار .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :4 .
--( 288 )--
و يلطخ بدمه ( 1 ) و التقليد أن يعلق في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى
فيه ( 2 ) .
( 1 ) هذا و إن كان مشهورا بين الأصحاب ،و لكن لا دليل عليه ،حيث انه لم
يرد في شيء من الروايات .نعم ورد في صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في
حديث : «قال :و الإشعار أن تطعن في سنامها بحديدة حتى تدميها »- 1 - و في
صحيحة أبي الصباح الكناني : «و يشق سنامها »- 2 - و لازم شقه هو الإدماء :و أما
اللطخ فلم يرد في شيء منهما ،فالنتيجة أن الأظهر عدم اعتباره .
( 2 ) اعتبار هذين القيدين في التقليد لا يخلو عن اشكال بل منع ،فانهما
و إن وردا في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يقلدها نعلا
خلقا قد صليت فيها »و مثلها صحيحته الأخرى ،و هي ظاهرة في اعتبارهما في
التقليد ،الا أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورهما بقرينة صحيحة الحلبي قال :
«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن تحليل الهدي و تقليدها ،فقال :لا تبالي أي ذلك
فعلت -الحديث - »- 3 - فإنها تدل على أنه لا يعتبر في التقليد شيء خاص ،
و المعيار إنما هو بجعل شيء في رقبتها لكي يكون علامة على أنها هدي
و صدقة ،و صحيحة زرارة عن أبي جعفر عليه السّلام : «قال :كان الناس يقلدون الغنم
و البقر و انما تركه الناس حديثا و يقلدون بخيط و سير »- 4 - فانها تدل على كفاية
التقليد بالخيط و السير .
و دعوى :أن التقليد بهما بما أنه فعل الناس فهو لا يدل على المشروعية .
مدفوعة :بأنه لو لم يكن مشروعا لكان الإمام عليه السّلام يردع عنه ،و عدم الردع
مع كونه عليه السّلام في مقام البيان يكشف عن انه لا يعتبر في التقليد شيء
خاص .
فالنتيجة :ان الأظهر عدم اعتبار شيء معين فيه .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :16 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :14 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :9 .
--( 289 )--
[3245 ]مسألة 16 :لا تجب مقارنة التلبية لنية الإحرام ( 1 ) و إن كان أحوط ،
فيجوز أن يؤخرها عن النية و لبس الثوبين على الأقوى .
[3246 ]مسألة 17 :لا تحرم عليه محرمات الإحرام قبل التلبية ( 2 ) و إن
دخل فيه بالنية و لبس الثوبين ،فلو فعل شيئا من المحرمات لا يكون آثما
و ليس عليه كفارة ،و كذا في القارن إذا لم يأت بها و لا بالإشعار أو التقليد ،
بل يجوز له أن يبطل الإحرام ( 3 ) ما لم يأت بها في غير القارن أو لم يأت
( 1 ) بل تجب ،لأن النية بتمام عناصرها من قصد القربة و الاخلاص
و الاسم الخاص للعبادة لا بد أن تكون مقارنة لها من أول جزئها إلى آخر اجزائها ،
و التلبية بما أنها أول جزء من العبادة باعتبار أن الإحرام يتحقق بها حقيقة فتجب
أن تكون مقارنة للنية ،نعم لا مانع من تقدمها بمعنى ان المكلف ينوي الإحرام
لحج أو عمرة قربة إلى اللّه تعالى عند لبس ثوبيه مثلا ،ثم يلبي على أساس تلك
النية ،فانه يصح شريطة أن يكون منتبها إلى نيته انتباها كاملا في حين البدء
بالتلبية ،و أما تقدمها بمعنى أنه حينما لبّى يكون غافلا عنها فهو لا يكفي .نعم لا
يجب أن يكون المكلف منتبها إلى نيته انتباها كاملا من البداية إلى النهاية ،بل
الواجب أن يكون كذلك في اللحظة الأولى ،و هي لحظة الشروع في العبادة ،فانه
في تلك اللحظة لا بد أن يكون ملتفتا و منتبها إلى نيته انتباها كاملا ،و أما الذهول
عنها بعد ذلك لا يضر بصحة العبادة ما دامت النية كامنة في اعماق نفسه على
نحو لو سأله سائل :ما ذا تفعل ؟لانتبه فورا إلى أنه يحج أو يعتمر ،و بذلك يظهر
حال ما في المتن .
( 2 ) للنصوص الدالة على ذلك ،و قد تقدمت الاشارة إلى بعض هذه
النصوص في المسألة ( 15 ) .
( 3 ) فيه ان الإحرام لا ينعقد الاّ بالتلبية ،فإذا لبّى المكلف أصبح محرما
شرعا ،و حرمت عليه اشياء معينة ،فاذن لا موضوع للإبطال ،الاّ أن يكون مراده --( 290 )--
بها و لا بأحد الأمرين فيه ،و الحاصل أن الشروع في الإحرام و إن كان يتحقق
بالنية و لبس الثوبين ( 1 ) إلا أنه لا تحرم عليه المحرمات و لا يلزم البقاء عليه
إلا بها أو بأحد الأمرين ،فالتلبية و أخواها بمنزلة تكبيرة الإحرام في الصلاة .
[3247 ]مسألة 18 :إذا نسي التلبية وجب عليه العود إلى الميقات لتداركها ،
و إن لم يتمكن أتى بها في مكان التذكر ( 2 ) ،و الظاهر عدم وجوب الكفارة
عليه إذا كان آتيا بما يوجبها ،لما عرفت من عدم انعقاد الإحرام
إلا بها .
[3248 ]مسألة 19 :الواجب من التلبية مرة واحدة ،نعم يستحب الإكثار بها
و تكريرها ما استطاع خصوصا في دبر كل صلاة فريضة أو نافلة و عند
صعود شرف أو هبوط واد و عند المنام ( 3 ) و عند اليقظة و عند الركوب
و عند النزول و عند ملاقاة راكب و في الأسحار ،و في بعض الأخبار : «من
لبى في إحرامه سبعين مرة إيمانا و احتسابا أشهد اللّه له ألف ألف ملك براءة
من النار و براءة من النفاق »و يستحب الجهر بها ( 4 ) -خصوصا في المواضع
منه ابطال مقدماته كنزع الثوبين و نحو ذلك .
( 1 ) مر أن نية الإحرام لا بد أن تكون مقارنة للتلبية بالمعنى الذي تقدم ،و لا
تكون النية و لبس الثوبين شروعا فيه .
( 2 ) تقدم تفصيل ذلك في المسألة ( 6 ) من ( فصل في أحكام المواقيت ) .
( 3 ) لا دليل عى استحباب الاتيان بالتلبية في وقت النوم خاصة ،و لكن لا
بأس بالاتيان بها بمقتضى عموم قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «و أكثر
ما استطعت ... »- 1 - .
( 4 ) هذا هو الأظهر ،و اما قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «و أكثر ما
---------------
( 1 ) الوسائل باب :40 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 291 )--
..........
استطعت و اجهر بها »- 1 - فبما أنه ورد في سياق كثير من الآداب و السنن الراجحة
فلا يستفاد منه الاّ الرجحان ،و هذا لا من جهة أن استحباب التلبية في تلك
الحالات المذكورة في الصحيحة يستفاد من الخارج ،بل نفس سياقها شاهد
عليه عرفا ،اذ وجوبها في كل هذه الحالات مع الاكثار و الاجهار بعيد عن نظر
العرف ،حيث أن هذا اللسان لا يناسب الوجوب ،و انما هو مناسب للاستحباب ،
أو لا أقل من الاجمال و عدم الظهور في الوجوب ،فاذا شك فيه فالمرجع هو
أصالة البراءة .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة حريز : «أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله لما أحرم أتاه
جبرئيل عليه السّلام فقال له :مر أصحابك بالعج و الثج ،و العج رفع الصوت بالتلبية ،
و الثج نحر البدن »- 2 - فهو ظاهر في أن الأمر برفع الصوت يكون بعد تحقق
الاحرام ،و من المعلوم ان الاحرام انما يتحقق بالتلبية الواجبة ،و أما التلبية بعد
تحققه فهي مستحبة لا واجبة ،فاذا كانت مستحبة فلا معنى لكون الجهر بها
واجبا ،فاذن لا مناص من حمل الأمر به في الرواية على الاستحباب .
و دعوى :أن المراد من قوله عليه السّلام : «لما أحرم »هو الشروع في مقدماته
و التهيّؤ له ،فاذن تدل الصحيحة على أن من بدأ بمقدمات الإحرام و تهيأ له فانه
مأمور برفع الصوت بالتلبية .
مدفوعة أما أولا :فلأن الصحيحة ظاهرة في أن المراد من الإحرام
معناه الحقيقي ،و هو ما يتحقق بالتلبية دون مقدماته ،فانه بحاجة إلى
قرينة .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك ،فلا شبهة في أنها غير ظاهرة في أن المراد
منه مقدماته ،غاية الأمر أن الرواية حينئذ مجملة فلا ظهور لها في شيء من
الأمرين .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد : «ان كنت ماشيا فاجهر باهلالك
---------------
( 1 ) الوسائل باب :40 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :37 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 292 )--
المذكورة -للرجال دون النساء ،ففي المرسل «إن التلبية شعار المحرم
فارفع صوتك بالتلبية »و في المرفوعة ( 1 ) : «لما أحرم رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله أتاه
جبرئيل فقال :مر أصحابك بالعج و الثج ،فالعج رفع الصوت بالتلبية و الثج
نحر البدن ».
[3249 ]مسألة 20 :ذكر جماعة أن الأفضل لمن حج على طريق المدينة
تأخير التلبية إلى البيداء مطلقا ( 2 ) كما قاله بعضهم أو في خصوص الراكب
و تلبيتك من المسجد ،و إن كنت راكبا فإذا علت بك راحلتك البيداء »- 1 - فلا يدل
على الوجوب بقرينة أن اختلاف موضع الأمر بالجهر باختلاف حال المكلف
ماشيا و راكبا يمنع عن ظهوره في الوجوب ،لعدم احتمال دخل ذلك فيه عرفا ،
فإذا كان المكلف مخيرا بين التلبية من المسجد و بين تأخيرها الى البيداء بدون
فرق بين كونه ماشيا أو راكبا ،فلو كان الجهر بها واجبا لكان الفرق بين الحالتين
بعيد ،و عليه فالتفصيل بين حال المشي و حال الركوب ،و الجهر في الحالة الأولى
من المسجد و في الحالة الثانية من البيداء قرينة على أنه مستحب او لا أقل من
الاجمال ،فالنتيجة ان الوجوب غير ثابت .
( 1 ) الرواية مرفوعة على طريق الكليني ،و أما على طريق الصدوق
و الشيخ رحمه اللّه فالرواية صحيحة .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،و لكن لا من جهة أن تأخير التلبية من الميقات
أفضل ،بل من جهة ما ذكرناه في ( فصل في المواقيت ) من أن نتيجة الجمع بين
الروايات الآمرة بتأخير التلبية من المسجد إلى مسافة ميل من البيداء ،و الروايات
التي تنص على جواز التلبية من المسجد ،هي أن شعاع الميقات يمتد إلى ميل
افقيا ،و المكلف مخير بين أن يحرم ،يعني يلبي من المسجد ،و بين أن يؤخره
إلى البيداء و يلبي من هناك ،و قد مر أن الإحرام يتحقق بالتلبية ،فاذا لبى بنية
---------------
( 1 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 293 )--
كما قيل ،و لمن حج على طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلا ( 1 ) ،و لمن
الاحرام من عمرة أو حجة أصبح محرما ،و حرمت عليه أشياء محدودة ،و لا
ينعقد الاحرام بالنية ،و بلبس الثوبين بعد الغسل و الصلاة ما لم يلب .نعم ان
مقتضى الجمع العرفي بينهما هو حمل الروايات الآمرة بالتأخير إلى البيداء على
الاستحباب و الأفضلية ،فيكون الناتج من ذلك أن المكلف مخير بين التلبية من
المسجد و بين تأخيرها إلى البيداء و إن كان التأخير افضل ،و عليه فلا تكون هذه
الروايات الآمرة بالتأخير مخالفة للروايات الدالة على أنه لا يجوز المرور على
الميقات بدون احرام ،لما عرفت من أن الاحرام من البيداء بمسافة ميل من
المسجد ليس احراما بعد التجاوز عن الميقات ،بل هو احرام منه ،فان البيداء
-كما مر -جزء من الميقات لا أنه خارج عنه ،و لا وجه لحمل هذه الروايات على
التلبيات المستحبة ،حيث ان جملة منها قد نصت على جواز تأخير التلبية
الواجبة من المسجد إلى البيداء ،و قد نهي في بعضها عن التقديم ،كما أنه لا وجه
لحملها على الجهر بها من البيداء ،لأنه مخالف لصريح جملة منها كصحيحة
عمر بن يزيد ،حيث انها قد فصلت بين الماشي و الراكب ،و تنص على أن الأول
يجهز باهلاله و تلبيته من المسجد ،و الثاني من البيداء .
ثم إنه مع الاغماض عما ذكرناه و تسليم أن البيداء خارج عن الميقات ،
فلا بد من تقييد اطلاق الروايات الدالة على عدم جواز المرور من الميقات بدون
احرام بغير مورد هذه الروايات .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه و تدل على ذلك صحيحة هشام بن الحكم عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إن احرمت من غمرة أو من بريد البعث صليت و قلت كما
يقول المحرم في دبر صلاتك ،و إن شئت لبيت من موضعك ،و الفضل أن تمشي
قليلا ثم تلبي »- 1 - .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :35 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 294 )--
حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء كما قيل ( 1 ) أو إلى أن يشرف على
الأبطح ( 2 ) ،لكن الظاهر بعد عدم الإشكال في عدم وجوب مقارنتها
للنية ( 3 ) و لبس الثوبين استحباب التعجيل بها مطلقا ( 4 ) و كون أفضلية
( 1 ) هذا هو الصحيح و تدل عليه صحيحة الفضلاء عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في
حديث : «قال :و إذا اهللت من المسجد الحرام للحج ،فان شئت لبيت خلف
المقام ،و افضل ذلك أن تمضي حتى تأتي الرقطاء و تلبي قبل أن تصير إلى
الابطح »- 1 - .
( 2 ) فيه انه لا دليل على ثبوت أفضلية تأخير التلبية الى الأبطح ،نعم ورد
في صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا انتهيت إلى الردم
و اشرفت على الأبطح فارفع صوتك بالتلبية حتى تأتي منى »- 2 - فانها تدل على
استحباب رفع الصوت بالتلبية إذا اشرف على الأبطح ،و لا تدل على تأخيرها
اليه .
( 3 ) مر أنه لا اشكال في وجوب مقارنتها للنية ،باعتبار أن الاحرام يتحقق
بها فهي كتكبيرة الاحرام في الصلاة .نعم لا يلزم أن يكون حدوثها مقارنا لها ،
فيمكن أن يكون متقدما عليها بأن ينوي الاحرام من حين لبس الثوبين بأمل
التقرب إلى اللّه تعالى لعمرة التمتع من حجة الإسلام -مثلا -ثم يشرع في التلبية ،
و لكن شريطة أن يكون شروعه فيها مستندا إلى تلك النية و منتبها إليها انتباها
كاملا ،و حينئذ تكون النية مقارنة لها بقاء ،و أما مع الذهول و الغفلة عنها فلا
يمكن الحكم بالصحة .
( 4 ) مر أن مقتضى الجمع بين الروايات هو استحباب التأخير مطلقا و كونه
الأفضل ،و حملها على أفضلية التأخير بالنسبة إلى الجهر بها فقط فلا يمكن ،لأنه
---------------
( 1 ) الوسائل باب :46 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :46 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
--( 295 )--
التأخير بالنسبة إلى الجهر بها ،فالأفضل أن يأتي بها حين النية و لبس الثوبين
سرا و يؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة .
و البيداء أرض مخصوصة بين مكة و المدينة على ميل من ذي
الحليفة نحو مكة ،و الأبطح مسيل وادي مكة و هو مسيل واسع فيه دقائق
الحصى أوّله عند منقطع الشعب بين وادي منى و آخره متصل بالمقبرة التي
تسمى بالعلى عند أهل مكة ،و الرقطاء موضع دون الردم يسمى مدعى ،
و مدعى الأقوام مجتمع قبائلهم و الردم حاجز يمنع السيل عن البيت و يعبر
عنه بالمدعى .
[3250 ]مسألة 21 :المعتمر عمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت
مكة في الزمن القديم وحدها ( 1 ) لمن جاء على طريق المدينة عقبة
خلاف صريح جملة منها ،هذا اضافة إلى أن مقتضى صحيحة عمر بن يزيد هو
التفصيل فيه بين الماشي و الراكب ،فما ذكره الماتن قدّس سرّه من أن الأفضل أن يأتي بها
سرا و يؤخر الجهر بها إلى المواضع المذكورة ،فلا يمكن استفادته من شيء من
روايات الباب .
فالنتيجة :أن الأفضل هو تأخير التلبية إلى البيداء لا جهرها فقط .
( 1 ) هذا هو الظاهر ،و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :إذا دخلت مكة
و أنت متمتع فنظرت إلى بيوت مكة فاقطع التلبية ،و حدّ بيوت مكة التي كانت
قبل اليوم عقبة المدنيّين ،فان الناس قد أحدثوا بمكة ما لم يكن ،فاقطع التلبية
-الحديث - »- 1 - فانها تنص على أن المعيار انما هو بمشاهدة البيوت القديمة
التي كانت في زمن الرسول الاكرم صلّى اللّه عليه و آله .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :43 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
--( 296 )--
..........
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المتمتع اذا نظر الى
بيوت مكة قطع التلبية »- 1 - فانها تدل على أن المعتمر إذا رأى بيوت مكة قطع
التلبية ،و لا تدل على أن المراد من البيوت البيوت القديمة .
و منها :صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر عن أبي الحسن الرضا عليه السّلام :
«انه سأل عن المتمتع متى يقطع التلبية ،قال :إذا نظر الى عراش مكة عقبة ذي
طوى ،قلت :بيوت مكة ،قال :نعم »- 2 - .و منها غيرها .
و في مقابلها صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته أين يمسك
المتمتع عن التلبية ؟فقال :إذا دخل البيوت بيوت مكة لا بيوت الأبطح »- 3 - فانها
تدل على أن حد قطع التلبية و الامساك عنها دخول بيوتها لا مشاهدتها ،فاذن
يقع التعارض بينها و بين تلك الروايات .
و الجواب :أن هذه الصحيحة مجملة ،باعتبار أن الوارد فيها دخول بيوت
مكة بدون الاشارة إلى أن المراد منها البيوت القديمة أو الأعم منها و من البيوت
المستحدثة ،و عليه فتكون صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة مبينة للمراد منها ،
و رافعة لإجمالها باعتبار أنها قد صرحت بأن المعيار في قطع التلبية إنما هو
بمشاهدة البيوت القديمة لمكة المكرمة ،فاذن تصلح أن تكون قرينة على حمل
البيوت فيها على البيوت المستحدثة ،و لعل قطع التلبية بالدخول فيها من جهة
أنها الحد الذي يمكن مشاهدة بيوت مكة القديمة منها .
فالنتيجة :أن هذه الصحيحة بملاك اجمالها لا تصلح أن تكون معارضة
للروايات المتقدمة ،و أما مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنه لا اجمال فيها ،فتقع
المعارضة بينهما ،فان مقتضى هذه الصحيحة أن دخول بيوت مكة حد لقطع
التلبية ،و مقتضى الروايات المتقدمة أن حده مشاهدة بيوتها ،فاذا وصل المعتمر
إلى نقطة يمكن رؤية بيوت مكة من تلك النقطة بالعين المجردة الاعتيادية في
حالة انبساط الأرض و عدم وجود مانع منها ،فعليه أن يقطع التلبية ،فيكون كل
منهما تنفى ما تعتبره الأخرى حدا لقطع التلبية بمدلولها الالتزامي ،و لا تكون
---------------
( 1 ) الوسائل باب :43 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :43 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :43 من أبواب الاحرام الحديث :7 .
--( 297 )--
المدنيين و هو مكان معروف ،و المعتمر عمرة مفردة عند دخول الحرم إذا
جاء من خارج الحرم ( 1 ) ،و عند مشاهدة الكعبة إن كان قد خرج من مكة
احداهما أظهر من الأخرى حتى يمكن الجمع العرفي بينهما ،فاذن تسقطان معا
من جهة المعارضة فلا تثبت حدّية شيء منهما ،و بعد السقوط يرجع إلى أصالة
البراءة .
و قد تسأل :ان الحكم بقطع التلبية عند رؤية بيوت مكة القديمة في
الروايات هل هو حكم اضافي بمعنى أن له نسبة إلى افراد المكلفين ،كما اذا قيل :
امسح من رأسك مقدار ثلاثة اصابع ،أو قيل :اذا طويت كذا ذراعا في سفرك
فقصر ،بأن يراد بالرؤية فيها المعنى النسبي أي رؤية كل مكلف بلحاظ الحكم
المضاف اليه ،أو أنه حكم مطلق غير مشتمل على النسبة ،بمعنى انه يراد بالرؤية
فيها المعنى الموضوعي اي مقدار من المسافة المعينة المحدودة التي لا يختلف
باختلاف افراد المكلف ،كما هو الحال في الذراع ،فانه يراد به المعنى
الموضوعي الذي لا يختلف باختلاف آحاده ،و هو أدنى و أقل فرد من أفراد
الذراع المتعارف و المتوسط في الخارج دون مطلق الذراع المتعارف الجامع بين
الأفراد المتعارفة الاعتيادية ،اذ لا معنى للتحديد بالجامع بين الأقل و الأكثر .
و الجواب :الظاهر أن المراد من الرؤية هنا المعنى الموضوعي ،و هو
امتداد شعاع أدنى فرد من افرادها الاعتيادية في حال كون الأرض منبسطة و الجو
صافيا و عدم وجود عائق في البين ،و هذه المسافة المحددة بين بيوت مكة
القديمة و بين موقف المعتمر هي الميزان الكلي لوجوب قطع التلبية ،فاذا وصل
المعتمر الى نقطة كان بين موقفه فيها و بين بيوتها القديمة تلك المسافة وجب
عليه قطعها و إن لم ير البيوت لمانع ،كما إذا كان أعمى أو كان بحكمه ،أو لم يكن
الجو صافيا أو غير ذلك من الموانع .
( 1 ) في كونه حدا لقطع التلبية اشكال و الأظهر عدمه ،و ذلك لأن الروايات --( 298 )--
..........
الواردة في المسألة تصنف إلى ثلاث طوائف :
الطائفة الاولى :تدل على أن المعتمر إذا دخل الحرم قطع التلبية ،و هي
عدة روايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «و إن
كنت معتمرا فاقطع التلبية إذا دخلت الحرم »- 1 - فانها واضحة الدلالة على أنه جاء
من خارج الحرم محرما و ملبيا ،غاية الأمر انه مطلق ،و يعم باطلاقه عمرة التمتع
أيضا ،و لكن لا بد من تقييده بالروايات المتقدمة التي تنص على أن المعتمر
بعمرة التمتع يقطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة القديمة .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من
دخل مكة مفردا للعمرة فليقطع التلبية حين تضع الإبل اخفافها في الحرم »- 2 -
فانها تنص على أنه إذا دخل الحرم محرما و ملبيا يقطع التلبية .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة مرازم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يقطع
صاحب العمرة المفردة التلبية إذا وضعت الابل اخفافها في الحرم »- 3 - .
فالنتيجة :ان مورد هذه الطائفة من جاء من خارج الحرم و أحرم من أحد
المواقيت المعينة أو من دويرة أهله للعمرة المفردة فانه يقطع التلبية إذا دخل
الحرم .
و أما صحيحة الفضيل بن يسار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام قلت :دخلت
بعمرة فاين اقطع التلبية ؟قال :حيال عقبة المدنيين ،فقلت :أين عقبة المدنيين ؟
قال :بحيال القصّارين »- 4 - فلا بد من تقييد اطلاقها بعمرة التمتع و خروج العمرة
المفردة عنه بالروايات المذكورة .
الطائفة الثانية :تدل على أنه إذا نظر إلى الكعبة أو المسجد قطع التلبية ،
و هي عدة روايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اعتمر من
---------------
( 1 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :6 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :11 .
--( 299 )--
..........
التنعيم فلا يقطع التلبية حتى ينظر الى المسجد »- 1 - .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «و من
خرج من مكة يريد العمرة ثم دخل معتمرا لم يقطع التلبية حتى ينظر الى
الكعبة »- 2 - و مورد هذه الطائفة هو من احرم للعمرة المفردة من أدنى الحل
كالتنعيم أو الجعرانة بدون فرق بين من كان في مكة و أراد العمرة و بين من جاء
من الخارج لا يقصد العمرة ثم بدا له الاتيان بها ،فانها باطلاقها تعم كلا الفريقين .
الطائفة الثالثة :تدل على أنه إذا نظر الى بيوت مكة قطع التلبية ،و هي
متمثلة في صحيحة أحمد بن محمد بن أبي نصر ،قال : «سألت أبا الحسن
الرضا عليه السّلام عن الرجل يعتمر عمرة المحرم من أين يقطع التلبية ،قال :كان أبو
الحسن عليه السّلام يقطع التلبية إذا نظر الى بيوت مكة »- 3 - فان موردها العمرة المفردة ،
و تدل على أن وظيفة المعتمر بها قطع التلبية عند مشاهدة بيوت مكة .و هذه
الطائفة مطلقة و تعم باطلاقها من أحرم من أحد المواقيت المعروفة للعمرة و من
أحرم من أدنى الحل ،فاذن يقع التعارض بينها و بين الطائفتين الأوليين معا ،فان
نسبة كل منهما اليها و إن كانت نسبة الخاص إلى العام موردا الاّ أن نسبة كليهما
معا اليها نسبة التباين كذلك ،و حيث لا يمكن تخصيصها بالطائفة الاولى
فحسب دون الثانية أو بالعكس لأنه ترجيح من غير مرجح ،فلا محالة يقع
التعارض بينهما ،فان هذه الطائفة تدل على أن على المعتمر أن يقطع التلبية عند
مشاهدة بيوت مكة بدون فرق بين أن يكون احرامه من أحد المواقيت ،أو من
أدنى الحل ،و الطائفة الأولى تدل على أن من أحرم من أحد تلك المواقيت فعليه
أن يقطع التلبية عند دخول الحرم ،و الثانية تدل على أن من أحرم من أدنى الحل
فعليه أن يقطعها عند مشاهدة المسجد أو الكعبة ،و بما أنه لا ترجيح في البين
تسقط الجميع من جهة المعارضة ،و حينئذ فلا دليل على اعتبار حد خاص
لوجوب قطع التلبية على المعتمر بعمرة مفردة .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :8 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :45 من أبواب الاحرام الحديث :12 .
--( 300 )--
..........
و دعوى :أن صحيحة البزنطي من جهة اعراض الأصحاب عنها و عدم
عملهم بها ساقطة عن الحجية فلا تصلح أن تعارض تلك الطائفتين .
مدفوعة :بما ذكرناه في علم الأصول مفصلا من أن اعراض الأصحاب
عن رواية و عدم عملهم بها لا يكشف عن عدم صدورها عن المعصومين عليهم السّلام ،
فإذا كانت الرواية تامة سندا فهي مشمولة لدليل الحجية ،و عدم عمل الأصحاب
بها لا يوجب خروجها عنه ،باعتبار أن عمدة الدليل عليها إنما هي بناء العقلاء
على العمل بأخبار الثقة ،و من المعلوم أن بناءهم على العمل بها الممضى شرعا
لا يكون مقيدا بعمل المشهور بها ،أو عدم اعراضهم عنها .
و قد يقال كما قيل :إن صحيحة الفضيل لا تنافي الطائفة الثانية المتمثلة في
صحيحتي معاوية بن عمار و عمر بن يزيد المتقدمتين ،بدعوى أن النظر إلى
بيوت مكة القديمة يستلزم النظر إلى الكعبة ،و لا ينفك النظر إلى احداهما عن
النظر إلى الأخرى معللا بارتفاع البيت و علوه .
و الجواب أولا :ما مر من أن المراد من رؤية بيوت مكة القديمة تحديد
المسافة بين موقف المعتمر و بين رؤية تلك البيوت و تحديدها بامتداد شعاع
البصر الاعتيادي في حالة انبساط الأرض و صفاء الجو و عدم وجود عائق آخر ،
و هذا ضابط عام لا يزيد و لا ينقص كما هو الحال في حد الترخص ،فانه يحدد
بامتداد شعاع بصر الواقف في منتهى البلد إلى أن يتوارى المسافر عن عينه
شريطة أن تكون الأرض منبسطة و الجو صافيا و عدم وجود عائق في البين و أن
تكون عينه من العيون الاعتيادية ،و من هنا قلنا أن المراد بالرؤية فيها المعنى
الموضوعي دون المعنى النسبي .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن المراد بها المعنى النسبي ،أي
رؤية كل مكلف بلحاظ الحكم المضاف إليه ،و مع ذلك لا شبهة في عدم التلازم
بين رؤية أول بلد مكة و عمارتها و بين رؤية الكعبة ،فانها واقعة في وسط البلدة ،
فكيف تكون رؤية أول بيتها ملازمة لرؤية الكعبة حتى فيما إذا كانت الكعبة --( 301 )--
لإحرامها ،و الحاج بأي نوع من الحج يقطعها عند الزوال من يوم عرفة ( 1 ) ،
و ظاهرهم أن القطع في الموارد المذكورة على سبيل الوجوب ،و هو
الأحوط ( 2 ) و قد يقال بكونه مستحبا .
[3251 ]مسألة 22 :الظاهر أنه لا يلزم في تكرار التلبية أن يكون بالصورة
المعتبرة في انعقاد الإحرام ،بل و لا بإحدى الصور المذكورة في الأخبار ،
عالية ،مع أن الأمر ليس كذلك باعتبار أنها واقعة بين الجبال .
فالنتيجة :في نهاية الشوط أنه ليس بامكاننا اثبات حد لوجوب قطع التلبية
على المعتمر بعمرة مفردة بدون فرق بين أن يكون احرامه من أحد المواقيت
المشهورة أو من أدنى الحل ،و لكن مع ذلك فالأحوط و الأجدر بمن جاء من
الخارج محرما و ملبيا أن يقطع التلبية إذا دخل في الحرم ،و بمن أحرم
من أدنى الحل كالتنعيم أو الجعرانة أن يقطع التلبية عند مشاهدة الكعبة أو
المسجد .
( 1 ) هذا هو الصحيح و تنص عليه مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام أنه قال : «الحاج يقطع
التلبية يوم عرفة زوال الشمس »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :قطع رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله التلبية حين زاغت الشمس يوم عرفة -الحديث - »- 2 - .
و منها :غيرهما ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق في ذلك بين حج التمتع
و الافراد و القران .
( 2 ) بل هو الأظهر ،لأن الروايات الآمرة بالقطع ظاهرة في الوجوب ،و لا
قرينة لا في نفس هذه الروايات و لا من الخارج على حمل الأمر فيها على
الاستحباب .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :44 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :44 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 302 )--
بل يكفي أن يقول : «لبيك اللهم لبيك » ،بل لا يبعد كفاية تكرار لفظ لبيك .
[3252 ]مسألة 23 :إذا شك بعد الإتيان بالتلبية أنه أتى بها صحيحة أم لا
بنى على الصحة .
[3253 ]مسألة 24 :إذا أتى بالنية و لبس الثوبين و شك في أنه أتى بالتلبية
أيضا حتى يجب عليه ترك المحرمات أو لا يبني على عدم الإتيان بها
فيجوز له فعلها و لا كفارة عليه .
[3254 ]مسألة 25 :إذا أتى بموجب الكفارة و شك في أنه كان بعد التلبية
حتى تجب عليه أو قبلها فإن كانا مجهولي التاريخ أو كان تاريخ التلبية
مجهولا لم تجب عليه الكفارة ،و إن كان تاريخ إتيان الموجب مجهولا
فيحتمل أن يقال بوجوبها لأصالة التأخر ،لكن الأقوى عدمه ( 1 ) ،لأن
الأصل لا يثبت كونه بعد التلبية .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،لأن استصحاب عدم الاتيان بما يوجب الكفارة في
زمان التلبية لا يثبت أنه أتى به بعدها الاّ على نحو مثبت ،و أما استصحاب عدم
الاتيان بالتلبية في زمان الآخر -و هو زمان الاتيان بموجب الكفارة -فهو لا
يجري في نفسه لأن زمان الآخر إن لوحظ على نحو الموضوعية و القيدية
للمستصحب فلا حالة سابقة له لكي تستصحب ،و إن لوحظ على نحو المعرفية
الصرفة إلى واقع زمان الآخر ،فواقع زمانه مردد بين زمانين يعلم بعدم التلبية في
أحدهما و بوجودهما في الآخر ،و حينئذ فلا يكون الشك متمحضا في البقاء
باعتبار أن المستصحب في أحدهما مقطوع البقاء ،و في الآخر مقطوع الارتفاع ،
فلا يكون شكا في بقائه في واقع زمانه حتى يجري الاستصحاب ،لأنه مبتلى
بمحذور الاستصحاب في الفرد المردد ،و من هنا يظهر حكم ما إذا كان كلاهما
مجهولي التاريخ زمنا ،فان استصحاب عدم كل منهما في زمن حدوث الآخر لا --( 303 )--
الثالث من واجبات الإحرام :لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على
المحرم اجتنابه ،يتّزر بأحدهما و يرتدي بالآخر ،و الأقوى عدم كون لبسهما
شرطا في تحقق الإحرام ( 1 ) ،
يجري في نفسه ،اما لعدم الحالة السابقة له ،أو لابتلائه بمحذور الاستصحاب
في الفرد المردد -كما مر -و أما إذا كان التاريخ الزمني للتلبية مجهولا و التاريخ
الزمني للآخر معلوما ،فلا مانع من استصحاب عدم الاتيان بالتلبية إلى زمان
الاتيان بالآخر ،و يترتب عليه عدم وجوب الكفارة ،و أما استصحاب عدم الاتيان
بالآخر إلى زمان التلبية لا يجري تطبيقا لما مر .
( 1 ) هذا هو الظاهر ،و قد استدل على ذلك بعدة طوائف من الروايات :
الاولى :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يوجب
الإحرام ثلاثة أشياء التلبية و الاشعار و التقليد ،فاذا فعل شيء من هذه الثلاثة فقد
أحرم »- 1 - فانها تنص على أن من لبّى فقد أحرم ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق
بين أن يكون لابسا ثوبي الإحرام أو لا ،و لا يوجد دليل على التقييد .
الثانية :الروايات التي تنص على أن المكلف ما لم يلب لم تحرم عليه
اشياء معينة محدودة ..
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس أن
يصلى الرجل في مسجد الشجرة و يقول الذي يريد أن يقوله و لا يلبّي ،ثم يخرج
فيصيب من الصيد و غيره فليس عليه فيه شيء »- 2 - .
و منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في
الرجل يقع على أهله بعد ما يعقد الإحرام و لم يلبّ ،قال :ليس عليه شيء »- 3 -
و منها غيرهما .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :12 من أبواب أقسام الحج الحديث :20 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :14 من أبواب الاحرام الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :14 من أبواب الاحرام الحديث :2 .
--( 304 )--
..........
و لكن يمكن المناقشة فيها بدعوى أنها لا تدل على أن لبسهما ليس من
واجبات الإحرام و غير مرتبط به ،إذ يمكن أن يكون من واجباته و مع ذلك لا
يتحقق الإحرام الاّ بالتلبية باعتبار أن المركب لا يتحقق الا بتحقق تمام أجزائه .
فالنتيجة :أنها لا تدل على أن لبس ثوبي الاحرام غير دخيل في الإحرام ،
بل هي ساكتة .
الثالثة :الروايات التي تدل على أن الإحرام يتحقق بالتلبية ،فإذا لبى
المكلف أصبح محرما ..
منها :صحيحة معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال
تحرمون كما أنتم في محاملكم و تقول :لبيك اللهم لبيك »- 1 - .و منها غيرها ،فان
مقتضى اطلاقها تحقق الاحرام بالتلبية و إن لم تكن مسبوقة بلبس الثوبين .
الرابعة :الروايات التي تدل على أن من احرم و عليه قميصه وجب عليه
نزعه ،فانها تدل بالالتزام على صحة احرامه ،و أنها غير مشروطة بلبس الثوبين ،
و الاّ لكان احرامه باطلا .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل أحرم
و عليه قميصه فقال :ينزعه و لا يشقه ،و إن كان لبسه بعد ما أحرم شقه و أخرجه
مما يلى رجليه »- 2 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا لبست قميصا
و أنت محرم فشقه و اخرجه من تحت قدميك »- 3 - فان مقتضى اطلاقها أنه إذا
لبى أصبح محرما سواء أ كان لابسا لثوبي الإحرام أم لا .
الخامسة :الروايات التي تنص بالمنطوق على أن من احرم في قميصه
جاهلا بالحكم فلا كفارة عليه و إذا كان عالما به فعليه الكفارة ،و نتيجة ذلك أن
احرامه صحيح على كلا التقديرين ،غاية الأمر أن الفرق بينهما في وجوب
---------------
( 1 ) الوسائل باب :34 من أبواب الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :45 من أبواب تروك الاحرام الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :45 من أبواب تروك الاحرام الحديث :1 .
--( 305 )--
..........
الكفارة و عدم وجوبها ،فلا يكون القميص مانعا عن صحته ،و لا لبس الثوبين
شرطا لها .
منها :صحيحة عبد الصمد بن بشير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «ان
رجلا اعجميا دخل المسجد يلبّي و عليه قميصه ،فقال لأبي عبد اللّه عليه السّلام :اني
كنت رجلا اعمل بيدي و اجتمعت لي نفقة فجئت أحج لم أسأل أحدا عن شيء
و افتوني هؤلاء أن أشق قميصي و انزعه من قبل رجلي ،و أن حجّي فاسد .و أن
علي بدنة ،فقال له :متى لبست قميصك أبعد ما لبّيت أم قبل ؟قال :قبل أن ألبّي ،
قال :فاخرجه من رأسك فانه ليس عليك بدنة و ليس عليك الحج من قابل ،أي
رجل ركب أمرا بجهالة فلا شيء عليه -الحديث - »- 1 - .
قد يقال :إن قوله عليه السّلام فيها : «أي رجل ركب ...الخ »يدل بمقتضى مفهوم
القيد أنه إذا ركب أمرا بغير جهالة فعليه شيء يعني الحج و الكفارة معا ،باعتبار
أنهما المراد من المنطوق فيها ،فاذن تدل الصحيحة بمقتضى مفهومها على فساد
الحج و هو ليس الاّ من جهة فساد الإحرام و اشتراط صحته بلبس ثوبيه .
و الجواب :أن المفهوم المطلوب من القيد لا يجدي في المقام ،لأن مفهوم
القيد كما ذكرناه في علم الأصول موجبة جزئية إذا كان المنطوق سالبة كلية ،
و سالبة جزئية إذا كان المنطوق موجبة كلية ،و على هذا الأساس فغاية ما تدل
الصحيحة عليه بمقتضى مفهوم القيد هو ثبوت شيء في الجملة عند انتفاء
الجهالة ،و القدر المتيقن منه الكفارة .
فالنتيجة :أن الصحيحة لا تدل على أن لبس الثوبين معتبر في صحة
الاحرام .
و قد يستدل على أن صحة الاحرام مشروطة بلبس الثوبين بصحيحة
معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إن لبست ثوبا في إحرامك لا يصلح
لك لبسه فلبّ و أعد غسلك ،و إن لبست قميصا فشقه و أخرجه من تحت
---------------
( 1 ) الوسائل باب :45 من أبواب تروك الاحرام الحديث :3 .
--( 306 )--
..........
قدميك »- 1 - بتقريب ان الأمر بالتلبية ارشاد إلى فساد الإحرام الأول من جهة انتفاء
شرطه و هو لبس الثوبين .
و الجواب :أنها لا تدل على أن فساد الإحرام انما هو من جهة أن صحته
مشروطة بلبسهما ،بل إنها تدل على أن فساده انما هو من جهة أنه لبس ما لا
يصلح له أن يلبسه ،و لا تدل على أن فساده انما هو من جهة أنه غير لابس لثوبيه ،
هذا اضافة إلى أن ظهور الأمر بالتلبية في الإرشاد الى الفساد لا يخلو عن اشكال .
و نذكر فيما يلي جملة من التساؤلات :
الأول :أن الحج إذا فسد من جهة فساد احرامه ،فما هو الموجب للكفارة
فإنها انما تترتب على ممارسة المحرم محرمات الإحرام ،و أما إذا كان احرامه
فاسدا