--( 5 )--
..........
بِسْمِ اَللَّهِ اَلرَّحْمنِ اَلرَّحِيمِ
الحمد للّه رب العالمين ،و الصلاة و السلام على أشرف الأنبياء
و المرسلين محمد و آله الطيبين الطاهرين ،و اللعنة الدائمة على أعدائهم
أجمعين الى يوم الدين .
و بعد :إن هذه رسالة في مناسك الحج ،وافية بأغلب ما يبتلى به عادة من
المسائل .و هى رسالة منظمة مرتبة يسهل فهمها و مراجعتها .و قد أفردت
فيها المستحبات عن الواجبات ،لئلا يلتبس الأمر على المؤمنين .و أرجو من
اللّه تعالى أن يجعلها ذخرا لي يوم لا ينفع مال و لا بنون .
وجوب الحج
يجب الحج على كل مكلف جامع للشرائط الآتية و وجوبه ثابت
بالكتاب ،و السنة القطعية .
و الحج ركن من أركان الدين ،و وجوبه من الضروريات و تركه -مع
الاعتراف بثبوته -معصية كبيرة ،كما أن انكار أصل الفريضة -اذا لم يكن
مستندا الى شبهة -كفر .
قال اللّه تعالى في كتابه المجيد : «و للّه على الناس حج البيت من
استطاع اليه سبيلا ،و من كفر فان اللّه غني عن العالمين ».
و روى الشيخ الكليني -بطريق معتبر -عن أبي عبد اللّه «ع » ،قال : «من
مات و لم يحج حجة الإسلام ،و لم يمنعه من ذلك حاجة تجحف به ،أو
مرض لا يطيق معه الحج ،أو سلطان يمنعه فليمت يهوديا أو نصرانيا ».
--( 6 )--
و هناك روايات كثيرة تدل على وجوب الحج و الاهتمام به لم نتعرض
لها طلبا للاختصار .و في ما ذكرناه من الآية الكريمة و الرواية كفاية للمراد .
و اعلم ان الحج الواجب على المكلف -في أصل الشرع -انما هو
لمرة واحدة ،و يسمى ذلك ب ( حجة الإسلام ) .
( مسألة 1 ) :وجوب الحج بعد تحقق شرائطه فوري ( 1 ) فتجب
المبادرة اليه في سنة الاستطاعة و ان تركه فيها عصيانا ،أو لعذر وجب في
السنة الثانية و هكذا .و لا يبعد أن يكون التأخير من دون عذر من الكبائر .
( مسألة 2 ) :اذا حصلت الاستطاعة و توقف الاتيان بالحج على
مقدمات و تهيئة الوسائل ،وجبت المبادرة الى تحصيلها ،و لو تعددت
الرفقة ،فان وثق بالادراك مع التأخير جاز له ذلك ،و الا وجب الخروج من
دون تأخير ( 2 ) .
( مسألة 3 ) :اذا امكنه الخروج مع الرفقة الأولى و لم يخرج معهم
لوثوقه بالادراك مع التأخير و لكن اتفق انه لم يتمكن من المسير ،أو أنه لم
يدرك الحج بسبب التأخير استقر عليه الحج ( 3 ) ،و ان كان معذورا في
تأخيره .
( 1 ) هذا شريطة أن لا يكون المستطيع واثقا و مطمئنا من نفسه صحيا
و ماليا ،بالتمكن من الاتيان به في السنة القادمة ،و الاّ فهو مبني على الاحتياط ،
على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 1 ) من ( فصل في وجوب الحج ) الجزء الثامن
من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) فراجع .
( 2 ) على الأحوط وجوبا ،اذا كان مطمئنا و متأكدا من نفسه بالتمكن منه في
العام القادم اذا أخر ،و الاّ وجب عليه الخروج فورا .
( 3 ) في الاستقرار اشكال بل منع ،لأن المعيار في استقرار الحج على ذمة --( 7 )--
شرائط وجوب حجة الإسلام
الشرط الأول :البلوغ .
فلا يجب على غير البالغ ،و ان كان مراهقا ،و لو حج الصبي لم يجزئه
عن حجة الإسلام ،و ان كان حجه صحيحا على الأظهر .
( مسألة 4 ) :اذا خرج الصبي الى الحج فبلغ قبل ان يحرم من
الميقات ،و كان مستطيعا ،فلا اشكال في ان حجه حجة الإسلام ،و اذا احرم
فبلغ بعد احرامه لم يجز له إتمام حجه ندبا ،و لا عدوله إلى حجة الإسلام ،
بل يجب عليه الرجوع الى احد المواقيت ،و الاحرام منه لحجة الإسلام ،
فان لم يتمكن من الرجوع اليه ففي محل احرامه تفصيل ( 1 ) يأتي إن شاء اللّه
تعالى في حكم من تجاوز الميقات جهلا أو نسيانا و لم يتمكن من الرجوع
اليه في المسألة 169 .
المكلف في سنة الاستطاعة انما هو بتفويته لها عن تقصير و اهمال ،و أما إذا كان
عن عذر فلا موجب للاستقرار أصلا ،على ما بيناه في المسألة ( 1 ) من ( فصل في
وجوب الحج ) الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) الظاهر ان التفصيل الذي سوف نتكلم فيه ينطبق على الصبي أيضا ،
لأن مورد ذلك التفصيل و إن كان الانسان البالغ المكلف بالاحرام من الميقات ،
فانه اذا ترك الاحرام منه ناسيا أو جاهلا الى أن دخل الحرم ثم انتبه بالحال ،
فحينئذ ان تمكن من الرجوع الى الميقات و الاحرام منه وجب عليه ذلك ،و إن لم
يرجع عامدا و ملتفتا بطل عمله و إن لم يتمكن من الرجوع اليه ،فوقتئذ ان تمكن
من الخروج عن الحرم وجب عليه الخروج و الابتعاد منه الى المقدار الذي
يمكنه و الاحرام من هناك ،و الاّ فأحرم من مكانه ،الاّ أن الروايات التي تنص على
--( 8 )--
( مسألة 5 ) :اذا حج ندبا معتقدا بانه غير بالغ فبان بعد اداء الحج انه
كان بالغا اجزأه عن حجة الإسلام ( 1 ) .
( مسألة 6 ) :يستحب للصبي المميز ان يحج ،و لا يشترط في صحته
اذن الولي ( 2 ) .
( مسألة 7 ) :يستحب للولي ان يحرم بالصبي غير المميز ،ذكرا كان
أم انثى .و ذلك بان يلبسه ثوبي الاحرام و يأمره بالتلبية و يلقنه اياها ،ان كان
قابلا للتلقين ،و الا لبّي عنه ،و يجنّبه عما يجب على المحرم الاجتناب
عنه ( 3 ) ،و يجوز أن يؤخر تجريده عن الثياب إلى فخ ،إذا كان سائرا من
ذلك الطريق ،و يأمره بالاتيان بكل ما يتمكن منه من افعال الحج ،و ينوب
عنه فيما لا يتمكن ،و يطوف به و يسعى به بين الصفا و المروة ،و يقف به في
عرفات و المشعر ،و يأمره بالرمي ان قدر عليه ،و الا رمى عنه ،و كذلك صلاة
الطواف و يحلق رأسه ،و كذلك بقية الأعمال .
ذلك تشمل الصبي أيضا ،لأن موضوع هذه الروايات العاجز عن الرجوع الى
الميقات مع ثبوت المقتضى للرجوع فيه .
( 1 ) في الاجزاء اشكال ،بل منع ،و الأقوى عدم الاجزاء ،و قد ذكرنا وجهه
في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) في المسألة ( 9 ) من ( فصل في
شرائط وجوب حجة الإسلام ) .
( 2 ) اذ لا دليل على أن صحته مشروطة باذن الولي بعد ما كانت الروايات
الدالة على مشروعية الحج من الصبي و استحبابه مطلقة ،و مقتضى اطلاقها أن
حجه صحيح و إن لم يكن مأذونا من قبل الولي .
( 3 ) في وجوب ذلك اشكال ،بل منع ،لما سيأتي في باب محرمات
الاحرام ،من أن ما يكون حرمته تكليفية محضة لا يكون محرما على الصبي --( 9 )--
( مسألة 8 ) :نفقة حج الصبي في ما يزيد على نفقة الحضر على
الولي لا على الصبي ( 1 ) .نعم إذا كان حفظ الصبي متوقفا على السفر به ،أو
كان السفر مصلحة له ،جاز الانفاق عليه من ماله .
( مسألة 9 ) :ثمن هدي الصبي على الولي ( 2 ) ،و كذلك كفارة
صيده ،و أما الكفارات التي تجب عند الاتيان بموجبها عمدا فالظاهر انها لا
تجب بفعل الصبي لا على الولي و لا في مال الصبي .
الشرط الثاني :العقل .
فلا يجب الحج على المجنون ( 3 ) و ان كان ادواريا .نعم ،إذا أفاق
المجنون في اشهر الحج و كان مستطيعا و متمكنا من الاتيان بأعمال الحج
وجب عليه ،و إن كان مجنونا في بقية الأوقات .
الشرط الثالث :الحرية .
المحرم بسبب احرامه ،لأن البلوغ شرط للتكليف .نعم ،ان ما تكون حرمته
وضعية لا تكليفية فلا مانع من ثبوتها على الصبي المحرم ،كحرمة العقد على
المحرم في حال الاحرام ،فان البلوغ لا يكون شرطا في حرمته ،و ستعرف
تفصيل ذلك في ضمن البحوث الآتية .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،فان السفر اذا كان مصلحة للصبي جاز
للولي أن ينفق تمام نفقات حجه من ماله و إن كان زائدا على نفقة الحضر ،و إن لم
يكن مصلحة له لم يجز .
( 2 ) في اطلاقه اشكال ،لأنه ان كانت في السفر مصلحة للصبي ،فللولي
حسب ولايته أن يأخذ ثمن هديه من ماله ،بل و إن لم تكن فيه مصلحة له شريطة
ان لا تكون فيه مفسدة ،اذ يكفى في ولايته عليه عدم وجود مفسدة فيه .
( 3 ) هذا لا لحديث رفع القلم ،فانه ضعيف سندا ،و لا للإجماع المدعى
على اعتبار العقل ،لما ذكرناه غير مرة من أنه لا طريق لنا الى احراز الاجماع في --( 10 )--
فلا يجب الحج على المملوك و ان كان مستطيعا و مأذونا من قبل
المولى ،و لو حج باذن مولاه صح و لكن لا يجزيه عن حجة الإسلام ،فتجب
عليه الاعادة ( 1 ) اذا كان واجدا للشرائط بعد العتق .
( مسألة 10 ) :اذا أتى المملوك المأذون من قبل مولاه في الحج بما
يوجب الكفارة فكفارته على مولاه في غير الصيد ،و على نفسه فيه .
( مسألة 11 ) :اذا حج المملوك باذن مولاه و انعتق قبل ادراك المشعر
اجزأه عن حجة الإسلام ،بل الظاهر كفاية اداركه الوقوف بعرفات ( 2 ) معتقا ،
و ان لم يدرك المشعر ،و يعتبر في الاجزاء الاستطاعة حين الانعتاق ،فان لم
يكن مستطيعا لم يجزئ حجه عن حجة الإسلام .و لا فرق في الحكم
بالاجزاء بين اقسام الحج من الافراد و القران و التمتع اذا كان المأتي به
مطابقا لوظيفته الواجبة .
( مسألة 12 ) :اذا انعتق العبد قبل المشعر في حج التمتع فهديه عليه ،
و ان لم يتمكن فعليه ان يصوم بدل الهدي على ما يأتي ،و ان لم ينعتق
فمولاه بالخيار ،فان شاء ذبح عنه ،و ان شاء امره بالصوم .
المسألة ،بل من جهة أن المجنون في نفسه غير قابل لتوجيه الخطاب التكليفي
اليه .
( 1 ) للروايات التي تنص على ذلك ،و قد تكلمنا حول هذه
الروايات مفصلا في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) في ( فصل شرائط
وجوب حجة الإسلام ) .
( 2 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه و ينص عليه قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار :
«اذا أدرك أحد الموقفين فقد أدرك الحج »- 1 - .و تمام الكلام في المسألة ( 9 )
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 17 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ،الحديث :2 .
--( 11 )--
الشرط الرابع :الاستطاعة .
و يعتبر فيها امور :
الاول :السعة في الوقت ،و معنى ذلك وجود القدر الكافي من
الوقت للذهاب الى مكة و القيام بالأعمال الواجبة هناك ،و عليه فلا يجب
الحج إذا كان حصول المال في وقت لا يسع للذهاب و القيام بالأعمال
الواجبة فيها ،أو أنه يسع ذلك و لكن بمشقة شديدة لا تتحمل عادة ،و في
مثل ذلك يجب عليه التحفظ على المال إلى السنة القادمة ،فان بقيت
الاستطاعة اليها وجب الحج فيها ،و إلا لم يجب .
الثاني :الأمن و السلامة ( 1 ) ،و ذلك بان لا يكون خطرا على النفس أو
المال أو العرض ذهابا و ايابا و عند القيام بالأعمال ،كما ان الحج لا يجب
مباشرة على مستطيع لا يتمكن من قطع المسافة لهرم أو مرض أو لعذر اخر
و لكن تجب عليه الاستنابة على ما سيجيء تفصيله .
( مسألة 13 ) :اذا كان للحج طريقان احدهما مأمون و الآخر غير
مأمون لم يسقط وجوب الحج ،بل وجب الذهاب من الطريق المأمون ،و ان
كان أبعد .
من ( فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق
مبسوطة ) فراجع .
( 1 ) المستفاد من الآية الشريفة و الروايات الواردة في تفسيرها أن
الاستطاعة تتكون من العناصر التالية :
الأول :الامكانية المالية .
الثاني :الأمن و السلامة في الطريق على نفسه و عرضه و ماله ذهابا و ايابا ،
و عند ممارسة اعمال الحج .
--( 12 )--
( مسألة 14 ) :اذا كان له في بلده مال معتد به و كان ذهابه إلى الحج
مستلزما لتلفه لم يجب عليه الحج ( 1 ) ،و كذلك إذا كان هناك ما يمنعه عن
الذهاب شرعا ( 2 ) ،كما إذا استلزم حجه ترك واجب اهم من الحج ،كانقاذ
غريق أو حريق ،أو توقف حجه على ارتكاب محرم كان الاجتناب عنه اهم
من الحج .
الثالث :وجود ما به الكفاية ،أي التمكن بعد انفاق ما لديه على سفر الحج
و الرجوع الى بلده ،من استيناف وضعه المعاشي الطبيعي و بدون الوقوع
في حرج ،فاذا توفرت هذه العناصر الثلاثة في وقت متسع عند شخص ،فقد
وجبت عليه حجة الإسلام ،سواء أ كان هناك واجب آخر مضاد له أم لا ،غاية
الأمر اذا كان هناك واجب آخر يقع التزاحم بينهما ،فيرجع حينئذ الى مرجحاته ،
و قد يكون وجوب الحج أهم منه فيقدم عليه ،و قد يكون الأمر بالعكس .و تمام
الكلام في ذلك في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى )
في الأمر الثالث من ( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) .
( 1 ) لما عرفت من أن من عناصر الاستطاعة الأمن و السلامة على ماله
اذا سافر الى الحج ،و أما إذا اختل من سفره الى الحج الأمن على ماله ،فلا يكون
مستطيعا ،هذا .
اضافة الى أنه لا مانع من تطبيق قاعدة لا ضرر في المقام ،لأن طبيعة
عملية الحج و إن كانت ضررية ،و لا يمكن تطبيق هذه القاعدة عليها إذا كانت
تستلزم في وقت أو آخر انفاق المال في طريق انجاز هذه العملية اكثر من الأجرة
الاعتيادية ،الا أنها اذا كانت تستلزم في مورد اتفاقا تلف مال معتد به الذي لا
صلة له بما ينفق عليها ،فلا مانع من تطبيق قاعدة لا ضرر عليه .
( 2 ) فيه ان قياس عدم وجوب الحج في هذه الأمثلة بعدم وجوبه في
المثال الأول قياس مع الفارق ،فان عدم وجوبه في المثال الأول انما هو من جهة --( 13 )--
( مسألة 15 ) :اذا حج مع استلزام حجه ترك واجب اهم أو ارتكاب
محرم كذلك فهو و ان كان عاصيا من جهة ترك الواجب أو فعل الحرام إلا
أن الظاهر أنه يجزي عن حجة الإسلام ( 1 ) إذا كان واجدا لسائر الشرائط و لا
فرق في ذلك بين من كان الحج مستقرا عليه و من كان اول سنة استطاعته .
( ( مسألة 16 ) :إذا كان في الطريق عدو لا يمكن دفعه إلا ببذل مال
معتد به ،لم يجب بذله و يسقط وجوب الحج ( 2 ) .
عدم ثبوت المقتضى له كعدم توفر الاستطاعة بتمام عناصرها ،أو من جهة
حديث لا ضرر .فبالنتيجة ان وجوب الحج فيه غير مجعول في
الشريعة المقدسة ،و أما في هذه الأمثلة فوجوب الحج ثابت في الشريعة ،غاية
الأمر انه مزاحم مع وجوب أهم في مرحلة الامتثال ،فمن أجل ذلك لا يكون
بفعلى ،على أساس ما ذكرناه في علم الأصول من أن التزاحم اذا كان بين
الواجب الأهم و الواجب المهم كان وجوب المهم مقيدا لبا و واقعا بعدم
الاشتغال بالأهم ،و من هنا اذا ترك المكلف الاشتغال بالأهم كان وجوب المهم
فعليا ،بناء على ما هو الصحيح من القول بالترتب ،و عليه فاذا أتى بالمهم صح ،أو
فقل انه على القول بالترتب في تلك الأمثلة يكون المرفوع اطلاق وجوب الحج
لا أصله ،يعني وجوبه في حال الاشتغال بالأهم لا مطلقا .
( 1 ) هذا مبنى على القول بامكان الترتب كما هو الصحيح .
( 2 ) مر ان من عناصر الاستطاعة الأمن و السلامة على ماله ،و مع وجود
عدو له في الطريق بحيث لا يمكن دفعه الا ببذل مال معتد به ،فلا أمن له فيه
على ماله ،فاذا لم يكن له أمن لم يكن مستطيعا حتى يجب عليه الحج ،أو فقل ان
العدو الذي يفرض عليه من المال فهو من اللصوص و قطاع الطريق ،فلا أمن ،
و مع قطع النظر عن هذا فلا يكون بذل المال له لفتح الطريق الى الحج مانعا عن --( 14 )--
( مسألة 17 ) :لو انحصر الطريق بالبحر لم يسقط وجوب الحج ،إلا
مع خوف الغرق أو المرض ،و لو حج مع الخوف صح حجه على
الأظهر ( 1 ) .
وجوبه ما لم يكن حرجيا ،اذ مجرد كونه ضرريا لا يمنع عن وجوبه ،لما تقدم
من أنه لا يمكن تطبيق حديث لا ضرر على عملية الحج ،فان هذه العملية قد
تتطلب انفاق مال في سبيل انجازها اكثر من الأجرة الاعتيادية ،فاذا فرض أن
الحج في سنة يتطلب بسبب أو آخر انفاق مبالغ اكثر من الأجرة المتعارفة ،كما
إذا كان هناك في الطريق من يفرض عليه ضريبة مالية معتدة بها ،أو ان الطريق
المألوف الأقرب الى مكة محفوف بالمخاطر و غير مأمون ،و الطريق الأطول
الذي يتوفر فيه الأمن و السلامة يتطلب بذل مبالغ اكثر و مئونة زائدة ،و في هذه
الحالة هل يحتمل ان الحج في هذه السنة غير واجب على من لديه الامكانية
المالية لدفع الضرائب ،أو بذل مؤنة السفر من الطريق الأطول المأمون ،و جواز
تأخيره الى أن ترفع الضرائب على السفر أو المخاطر عن الطريق المألوف ؟
و الجواب :انه غير محتمل ضرورة أن وجوب الحج مرتبط بالاستطاعة ،
و المفروض أن من لديه الامكانية المالية و القدرة على السفر من الطريق الأطول
المأمون أو دفع الضرائب فهو مستطيع فيجب عليه الحج .
( 1 ) في الصحة اشكال ،و لا يبعد بطلانه ،لما مر من أن الأمن و السلامة
( العنصر الثاني ) من عناصر الاستطاعة ،و بدون توفره لشخص فلا استطاعة له
لكي يجب عليه الحج ،و إذا أصرّ في هذه الحالة على أن يحج فحج لم يكن
حجه حجة الإسلام .
و النكتة في ذلك هو أن من يسافر بحرا الى الحج فبطبيعة الحال كان
يحرم في البحر ،لفرض أن جدة ليست ميقاتا ،و أما كونها محاذية للميقات فهو
غير معلوم ،فاذن يكون احرامه في حالة لا أمن فيها ،فلا يكون احراما لحج --( 15 )--
الثالث :الزاد و الراحلة ( 1 ) ،و معنى الزاد هو وجود ما يتقوت به في
الطريق من المأكول و المشروب و سائر ما يحتاج إليه في سفره ،أو وجود
مقدار من المال ( النقود و غيرها ) يصرفه في سبيل ذلك ذهابا و ايابا ،و معنى
الراحلة هو وجود وسيلة يتمكن بها من قطع المسافة ذهابا و ايابا ،و يلزم في
الزاد و الراحلة ان يكونا مما يليق بحال المكلف .
التمتع من حجة الإسلام ،و عليه فتكون عمرته متعة باطلة ،لأنها بلا احرام ،
و سوف يأتي في محله ان الاتيان بعمرة التمتع تاركا لا حرامها و إن كان عن نسيان
أو جهل غير صحيح .نعم اذا لم يحرم في البحر ،و وصل الى جدة ،و ذهب الى
أحد المواقيت و أحرم منه ،صح و لا شيء عليه ،و كذلك اذا احرم من جدة بنذر
اذا لم يكن بامكانه الذهاب الى الميقات .
و من هنا يظهر ان الطريق اذا كان غير مأمون لشخص بسبب او آخر الى
الميقات فحسب ،و أما منه الى مكة فمأمون له ،ففي مثل ذلك لا يجب عليه
الحج لأنه غير مستطيع ،باعتبار أن العنصر الثاني منها و هو الأمن و السلامة مفقود
في حقه ،الاّ أنه مع ذلك اذا أصر على السفر من ذلك الطريق غير المأمون ،و سافر
منه و وصل الى الميقات سالما أصبح مستطيعا فيه ،فاذا أحرم منه لعمرة التمتع
صح ،و كان حجه حجة الإسلام .
نعم ،اذا كان الطريق الى مكة غير مأمون لم يصح احرامه من الميقات
أيضا لعمرة التمتع من حجة الإسلام ،و أما إذا وصل الى مكة في هذه الحالة فعليه
أن يحرم من الموضع الذي ارتفع عنه الخوف و أصبح آمنا .
( 1 ) فيه ان وجود الراحلة ليس دخيلا في الاستطاعة مطلقا بل عند الحاجة
اليه ،و قد ذكرنا في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) أن المتفاهم العرفي
من الروايات المشتملة على الراحلة هو عدم موضوعيتها ،و أخذها في الروايات --( 16 )--
( مسألة 18 ) :لا يختص اشتراط وجود الراحلة بصورة الحاجة
اليها ( 1 ) .بل يشترط مطلقا و لو مع عدم الحاجة اليها ،كما إذا كان قادرا على
المشي من دون مشقة و لم يكن منافيا لشرفه .
( مسألة 19 ) :العبرة في الزاد و الراحلة بوجودهما فعلا ،فلا يجب
على من كان قادرا على تحصيلهما بالاكتساب و نحوه ،و لا فرق في اشتراط
وجود الراحلة بين القريب و البعيد .
( مسألة 20 ) :الاستطاعة المعتبرة في وجوب الحج انما هي
الاستطاعة من مكانه ( 2 ) لا من بلده ،فاذا ذهب المكلف إلى المدينة مثلا
للتجارة أو لغيرها و كان له هناك ما يمكن ان يحج به من الزاد و الراحلة أو
ثمنهما وجب عليه الحج ،و ان لم يكن مستطيعا من بلده .
( مسألة 21 ) :اذا كان للمكلف ملك و لم يوجد من يشتريه بثمن
المثل و توقف الحج على بيعه باقل منه بمقدار معتد به لم يجب البيع ( 3 ) ،
و اما اذا ارتفعت الاسعار فكانت أجرة المركوب مثلا في سنة الاستطاعة
أكثر منها في السنة الآتية لم يجز التأخير .
في مقابل الزاد انما هو للحاجة اليها إما لحمل الزاد ،أو للركوب ،و الاّ فلا
موضوعية لها .
( 1 ) بل يختص بها على الأظهر كما مر .
( 2 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه لأن وجوب الحج مرتبط بالاستطاعة ،فاذا كان
الانسان مستطيعا ذهابا و ايابا و عند ممارسة اعمال الحج وجب ،سواء أ كانت
هذه الاستطاعة من بلده أو بلد اقامته ،لأن الآية الشريفة و الروايات جميعا تنص
على وجوب الحج على من استطاع اليه سبيلا و إن كانت من بلد اقامته .
( 3 ) في اطلاقه اشكال ،بل منع ،لأن الخسارة في البيع اذا كانت بدرجة كان --( 17 )--
( مسألة 22 ) :انما يعتبر وجود نفقة الاياب في وجوب الحج فيما اذا
اراد المكلف العود إلى وطنه .و اما اذا لم يرد العود و اراد السكنى في بلد
آخر غير وطنه ،فلا بد من وجود النفقة إلى ذلك البلد ،و لا يعتبر وجود
مقدار العود إلى وطنه .
نعم ،إذا كان البلد الذي يريد السكنى فيه أبعد من وطنه لم يعتبر
وجود النفقة إلى ذلك المكان ،بل يكفي في الوجوب وجود مقدار العود
إلى وطنه .
الرابع :الرجوع إلى الكفاية ،و هو التمكن بالفعل أو بالقوة من اعاشة
نفسه و عائلته بعد الرجوع .
و بعبارة واضحة :يلزم ان يكون المكلف على حالة لا يخشى معها
في نفسه و عائلته من العوز و الفقر بسبب صرف ما عنده من المال في
سبيل الحج ( 1 ) ،و عليه فلا يجب على من يملك مقدارا من المال
يفي بمصارف الحج و كان ذلك وسيلة لإعاشته و اعاشة عائلته ،مع
العلم بانه لا يتمكن من الاعاشة عن طريق آخر يناسب شأنه ،فبذلك
يظهر أنه لا يجب بيع ما يحتاج اليه في ضروريات معاشه من امواله
فلا يجب بيع دار سكناه اللائقة بحاله و ثياب تجمله و اثاث بيته ،و لا آلات
الصنائع التي يحتاج اليها في معاشه ،و نحو ذلك مثل الكتب بالنسبة إلى
تحملها حرجيا لم يجب البيع ،و الاّ وجب للذهاب الى الحج ،و قد مر أنه لا
يمكن التمسك بحديث لا ضرر في المقام ،فاذا كان الحج متوقفا على البيع
بخسارة لم يكن تحملها حرجيا وجب ،و لا يجوز تأخيره الى سنة أخرى .
نعم ،اذا كان الشخص واثقا و مطمئنا بتمكنه من الحج في السنة القادمة
صحيا و ماليا ،فعندئذ لا يبعد عدم وجوب البيع .
( 1 ) سبق ان المعيار في وجود ما به الكفاية انما هو بتمكن الحاج بعد --( 18 )--
أهل العلم مما لا بد منه في سبيل تحصيله ،و على الجملة كل ما يحتاج اليه
الانسان في حياته و كان صرفه في سبيل الحج موجبا للعسر و الحرج لم
يجب بيعه .
نعم ،لو زادت الأموال المذكورة عن مقدار الحاجة وجب بيع الزائد
في نفقة الحج ،بل من كان عنده دار قيمتها الف دينار -مثلا -و يمكنه بيعها
و شراء دار اخرى باقل منها من دون عسر و حرج لزمه ذلك إذا كان الزائد
وافيا بمصارف الحج ذهابا و ايابا و بنفقة عياله .
( مسألة 23 ) :اذا كان عنده مال لا يجب بيعه في سبيل الحج لحاجته
اليه ،ثم استغنى عنه وجب عليه بيعه لأداء فريضة الحج -مثلا -إذا كان
للمرأة حلي تحتاج اليه و لا بد لها منه ثم استغنت عنه لكبرها او لأمر آخر ،
وجب عليها بيعه لأداء فريضة الحج .
( مسألة 24 ) :اذا كانت له دار مملوكة و كانت هناك دار اخرى يمكنه
السكنى فيها من دون حرج عليه كما اذا كانت موقوفة تنطبق عليه ،وجب
عليه بيع الدار المملوكة إذا كانت وافية بمصارف الحج ،و لو بضميمة ما
عنده من المال ،و يجري ذلك في الكتب العلمية و غيرها مما يحتاج اليه في
حياته .
( مسألة 25 ) :اذا كان عنده مقدار من المال يفي بمصارف الحج
و كان بحاجة الى الزواج او شراء دار لسكناه او غير ذلك مما يحتاج اليه فان
كان صرف ذلك المال في الحج موجبا لوقوعه في الحرج لم يجب عليه
الحج ،و إلا وجب عليه .
( مسألة 26 ) :اذا كان ما يملكه دينا على ذمة شخص و كان الدين
حالا وجبت عليه المطالبة فان كان المدين مماطلا وجب اجباره على --( 19 )--
الأداء ،و ان توقف تحصيله على الرجوع الى المحاكم العرفية لزم ذلك ( 1 ) ،
كما تجب المطالبة فيما إذا كان الدين مؤجلا و لكن المدين يؤديه لو طالبه ،
و أما إذا كان المدين معسرا او مماطلا و لا يمكن اجباره أو كان الاجبار
مستلزما للحرج ،أو كان الدين مؤجلا و المدين لا يسمح باداء ذلك قبل
الأجل ففي جميع ذلك ان امكنه بيع الدين بما يفي بمصارف الحج و لو
بضميمة ما عنده من المال و لم يكن في ذلك ضرر و لا حرج وجب البيع
و إلا لم يجب .
( مسألة 27 ) :كل ذي حرفة كالحدّاد و البنّاء و النجّار و غيرهم ممن
يفي كسبهم بنفقتهم و نفقة عوائلهم يجب عليهم الحج إذا حصل لهم مقدار
من المال بارث أو غيره و كان وافيا بالزاد و الراحلة و نفقة العيال مدة
الذهاب و الاياب .
الرجوع من سفر الحج و انفاق ما لديه من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي ،
بدون الوقوع في حرج و ضيق ،فاذا كان الحاج واثقا و مطمئنا بذلك فهو مستطيع ،
يجب عليه الحج ،و الاّ لم تثبت استطاعته .
( 1 ) فانه اذا كان قادرا على تحصيل الدين من المدين الوافي بتمام نفقات
سفر الحج اللائقة بحاله كان مستطيعا ،حيث ان الإمكانية المالية للإنفاق على
سفر الحج متحققة عنده ،اذ لا يقصد بها وجود نقود عنده فعلا ،بل يقصد بها
وجود مال تفي قيمته بنفقات الحج ،و لا فرق بين أن يكون ذلك المال من
الأعيان الخارجية كالدار أو البستان أو غيرهما ،أو من الديون الثابتة في ذمة
غيره ،فاذا كان ذلك المال تحت تصرفه و سلطانه و لو بالواسطة ،كفى ذلك في
وجوب الحج عليه ،و هذا يفترق عما اذا كان الانسان قادرا على اقتراض مال تفي
قيمته بنفقات سفر الحج ،لأنه قبل الاقتراض لم تكن لديه الامكانية المالية و انما --( 20 )--
( مسألة 28 ) :من كان يرتزق من الوجوه الشرعية كالخمس و الزكاة
و غيرهما و كانت نفقاته بحسب العادة مضمونة من دون مشقة لا يبعد
وجوب الحج عليه فيما اذا ملك مقدارا من المال يفي بذهابه و إيابه و نفقة
عائلته .و كذلك من قام احد بالانفاق عليه طيلة حياته ،و كذلك كل من لا
يتفاوت حاله قبل الحج و بعده ( 1 ) من جهة المعيشه ان صرف ما عنده في
سبيل الحج .
أوجدها بالاقتراض ،فمن أجل ذلك لا يجب ،و هذا بخلاف ما إذا كان المال من
الأعيان الخارجية ،أو الديون في الذمة يتوقف نقدها فعلا لكي يصرف في
نفقات الحج على مقدمة خارجية ،كالبيع أو الرجوع الى المحاكم الشرعية أو
العرفية ،و لكن تحصيل تلك المقدمة ليست من تحصيل الاستطاعة ،بل
استطاعته تفرض عليه تحصيلها .
( 1 ) هذا لا بمعنى أن وجود ما به الكفاية غير معتبر في وجوب الحج ،بل
بمعنى انه يختلف باختلاف حالات افراد المستطيع في الخارج ،فان المراد من
وجود ما به الكفاية -كما عرفت -هو تمكن الحاج بعد الانفاق على سفر الحج
من استيناف وضعه المعاشي الاعتيادي بدون الوقوع في حرج و ضيق ،فمن
يعيش على الوجوه الشرعية يتمكن بعد انفاق ما لديه من المال على سفر الحج
من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في محذور ،و لا يتوقف ذلك
على وجود مال معتد به عنده بعد الرجوع من الحج ،و كذلك الحال فيمن كانت
نفقته طيلة حياته مضمونة كالزوجة -مثلا -أو ممن لا يتفاوت حاله قبل الحج
و بعده كالسائل بالكف ،فانه تكفى في وجوب الحج عليه الامكانية المالية عنده
لنفقات الحج ذهابا و ايابا و عند ممارسة الأعمال فحسب ،باعتبار أن وجود ما به
الكفاية عنده مضمون .
--( 21 )--
( مسألة 29 ) :لا يعتبر في الاستطاعة الملكية اللازمة بل تكفي
الملكية المتزلزلة أيضا ( 1 ) .فلو صالحه شخص ما يفي بمصارف الحج
و جعل لنفسه الخيار الى مدة معينة وجب عليه الحج ،و كذلك الحال في
موارد الهبة الجائزة .
( مسألة 30 ) :لا يجب على المستطيع ان يحج من ماله ،فلو حج
متسكعا أو من مال شخص آخر اجزأه .نعم ،إذا كان ثوب طوافه أو ثمن
هديه مغصوبا لم يجزئه ذلك ( 2 ) .
( مسألة 31 ) :لا يجب على المكلف تحصيل الاستطاعة بالاكتساب
أو غيره ،فلو وهبه احد مالا يستطيع به لو قبله ،لم يلزمه القبول ( 3 ) ،
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لما مر من أن العنصر الأول من الاستطاعة الامكانية
المالية ،و من الواضح أنه لا يؤخذ في مفهومها الملك فضلا عن كون الملك
لازما ،و من هنا كما ان الامكانية الماليه لنفقات الحج تحصل بالملكية اللازمة ،
كذلك تحصل بالملكية الجائزة ،بل بالاباحة أيضا .
( 2 ) فيه ان هذا انما يتم في الهدي فحسب ،فانه اذا كان بعينه مغصوبا ،أو
اشتراه بثمن شخصي مغصوب كان في الحقيقة تاركا للهدي عن عمد و اختيار ،
و يترتب على ذلك بطلان طوافه و حجه ،و لا يتم ذلك في الطواف ،فان غصبية
الساتر فيه لا تضر بصحته ،حيث إن الحرام لا يكون مصداقا للواجب ،لأن
الحرام ذات القيد يعنى الساتر ،و هو خارج عن الواجب ،فلا ينطبق عليه ،و التقيد
به و إن كان داخلا فيه ،و لكن بما أنه أمر معنوي لا وجود له في الخارج ،فلا
يتصف بالحرمة ،فلذلك لا مانع من الحكم بصحة الطواف و إن اعتبر الطائف
آثما .
( 3 ) هذا باعتبار أن حصول الامكانية المالية عنده يتوقف على قبوله الهبة ،
و هو غير واجب عليه ،لأنه من تحصيل الاستطاعة .
--( 22 )--
و كذلك لو طلب منه ان يؤجر نفسه للخدمة بما يصير به مستطيعا و لو كانت
الخدمة لائقة بشأنه .نعم ،لو آجر نفسه للخدمة في طريق الحج و استطاع
بذلك ،وجب عليه الحج .
( مسألة 32 ) :اذا آجر نفسه للنيابة عن الغير في الحج و استطاع بمال
الاجارة ،قدم الحج النيابي اذا كان مقيدا بالسنة الحالية فان بقيت الاستطاعة
الى السنة القادمة وجب عليه الحج و الا فلا ( 1 ) و إن لم يكن الحج النيابي
مقيدا بالنسبة الفعلية قدم الحج عن نفسه .
( مسألة 33 ) :اذا اقترض مقدارا من المال يفي بمصارف الحج و كان
قادرا على وفائه بعد ذلك وجب عليه الحج .
( مسألة 34 ) :اذا كان عنده ما يفي بنفقات الحج و كان عليه دين و لم
يكن صرف ذلك في الحج منافيا لأداء ذلك الدين وجب عليه الحج ،و إلا
فلا ،و لا فرق في الدين بين أن يكون حالا أو مؤجلا و بين ان يكون سابقا
على حصول ذلك المال أو بعد حصوله .
( مسألة 35 ) :اذا كان عليه خمس او زكاة و كان عنده مقدار من المال
و لكن لا يفي بمصارف الحج لو ادّاهما وجب عليه اداؤهما ،و لم يجب
عليه الحج ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون الخمس و الزكاة في عين المال
او يكونا في ذمته ( 2 ) .
نعم ،لو وهبه للحج فحسب وجب عليه القبول ،لإطلاق روايات البذل .
( 1 ) هذا باعتبار ان وجوب أداء الدين أهم من وجوب الحج فيقدم عليه
في مقام التزاحم ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون الدين حالا أو مؤجلا ،كان قبل
حصول هذا المال عنده أم بعده ،لأن المعيار انما هو بالتنافي و التزاحم بينهما في
مقام الامتثال و العمل .
( 2 ) هذا و لكن فرق بين الأمرين من ناحية أخرى ،و هي أن الخمس او --( 23 )--
( مسألة 36 ) :اذا وجب عليه الحج و كان عليه خمس أو زكاة او
غيرهما من الحقوق الواجبة لزمه اداؤها و لم يجز له تأخيره لأجل السفر إلى
الحج ،و لو كان ثياب طوافه و ثمن هديه من المال الذي قد تعلق به الحق لم
يصح حجه ( 1 ) .
( مسألة 37 ) :اذا كان عنده مقدار من المال و لكنه لا يعلم بوفائه
بنفقات الحج ،لم يجب عليه الحج و لا يجب عليه الفحص ،و ان كان
الفحص أحوط .
( مسألة 38 ) :اذا كان له مال غائب يفي بنفقات الحج منفردا أو
منضما الى المال الموجود عنده ،فان لم يكن متمكنا من التصرف في ذلك
المال و لو بتوكيل من يبيعه هناك ،لم يجب عليه الحج و إلا وجب .
( مسألة 39 ) :اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج وجب عليه الحج
و لم يجز له التصرف فيه بما يخرجه عن الاستطاعة و لا يمكنه التدارك ،و لا
فرق في ذلك بين تصرفه بعد التمكن من المسير و تصرفه فيه قبله ،بل
الظاهر عدم جواز التصرف فيه قبل اشهر الحج أيضا .
الزكاة اذا كان متعلقا بعين المال فلا استطاعة في البين ،فيكون عدم وجوب الحج
حينئذ انما هو من جهة عدم تحقق موضوعه في الخارج ،و هو الاستطاعة ،و اذا
كان متعلقا في الذمة فالاستطاعة ثابتة ،غاية الأمر يقع التزاحم حينئذ بين وجوب
أداء ما في الذمة ،و وجوب الحج ،و بما أن وجوب أداء الدين أهم من وجوب
الحج فيقدم عليه .
( 1 ) في اطلاقه اشكال ،بل منع ،لأن الهدي إذا كان بعينه متعلقا للحق
الشرعي من الخمس أو الزكاة كان المكلف حينئذ تاركا له متعمدا ،و عليه فيبطل
طوافه ،فبالنتيجة حجّه ،و إن اشترى الهدي بثمن كان متعلقا للحق الشرعي ،فان --( 24 )--
نعم ،اذا تصرف فيه ببيع أو هبة أو عتق أو غير ذلك حكم بصحة
التصرف و ان كان آثما بتفويته الاستطاعة ( 1 ) .
اشتراه بشخص ثمن متعلق له لا بثمن في الذمة كان تاركا للهدي أيضا ،و إن
اشتراه في الذمة و أدى ثمنه من ذلك المال المتعلق للخمس أو الزكاة صح ،
و لكن يعتبر المشتري آثما و ضامنا للحق الشرعي الذي أتلفه .
( 1 ) السبب فيه ان المستفاد من الآية الشريفة و الروايات المفسرة لها أن
وجوب الحج يتحقق بتحقق الاستطاعة مشروطا بشرط متأخر زمانا ،و هو مجيء
يوم عرفة ،فان يوم عرفة و إن كان من شروط الواجب و هو الحج و قيوده ،الاّ أنا
ذكرنا في علم الأصول أن قيد الواجب اذا كان غير اختياري فلا بد أن يكون قيدا
للوجوب أيضا ،اذ لو كان الوجوب مطلقا لزم كونه محركا للمكلف فعلا نحو
الاتيان بالواجب المقيد بقيد غير اختياري ،و هو تكليف بالمحال ،و على هذا
الأساس فيوم عرفة كما أنه قيد للواجب في المقام و هو الحج ،كذلك قيد
للوجوب بنحو الشرط المتأخر في مرحلة الاعتبار و الجعل ،و لاتصاف الفعل
بالملاك في مرحلة المبادي و الملاكات ،و حينئذ فتحقق الاستطاعة كما يكون
كاشفا عن تحقق وجوب الحج مشروطا بشرط متأخر ،كذلك يكون كاشفا عن
اتصافه بالملاك التام في ظرفه ،فمن أجل ذلك لا يجوز تفويت الاستطاعة و إن
كانت قبل أشهر الحج ،لأن تفويتها تفويت للملاك التام الملزم في وقته ،و هو
غير جائز ،و عندئذ فيجب على المكلف التحفظ على ذلك الملاك التام في ظرفه
بالتحفظ على استطاعته و عدم تفويتها .
و بكلمة :ان كل ما أخذه الشارع في لسان الدليل في مرحلة الاعتبار قيدا
للحكم فهو قيد لاتصاف الفعل بالملاك في مرحلة المبادي أيضا ،على أساس
أن الملاك هو حقيقة الحكم و روحه ،و هو الداعي للاعتبار و الجعل بغرض
الحفاظ عليه لاستيفائه و عدم تفويته ،و لو لا الملاك فلا قيمة للاعتبار بما هو --( 25 )--
( مسألة 40 ) :الظاهر انه لا يعتبر في الزاد و الراحلة ملكيتهما ( 1 ) ،فلو
كان عنده مال يجوز له التصرف فيه وجب عليه الحج إذا كان وافيا بنفقات
الحج مع وجدان سائر الشروط .
( مسألة 41 ) :كما يعتبر في وجوب الحج وجود الزاد و الراحلة
حدوثا كذلك يعتبر بقاء إلى إتمام الأعمال ،بل الى العود الى وطنه ،فان
تلف المال في بلده أو في اثناء الطريق لم يجب عليه الحج و كشف ذلك
عن عدم الاستطاعة من اول الأمر ،و مثل ذلك ما إذا حدث عليه دين
قهري ( 2 ) ،كما اذا أتلف مال غيره خطأ و لم يمكنه اداء بدله اذا صرف ما
عنده في سبيل الحج .
اعتبار ،و على ذلك فبما أن الاستطاعة قد أخذت في لسان الدليل شرعا ،فهي كما
تكون قيدا لوجوب الحج في مرحلة الاعتبار ،كذلك تكون قيدا لاتصافه بالملاك
في مرحلة المبادي ،فاذا تحققت كانت كاشفة عن فعلية اتصافه بالملاك
و تماميته في ظرفه ،كما كانت كاشفة عن وجوبه فعلا ،فلذلك يجب على
المستطيع الحفاظ على ذلك الملاك التام في موعده بالحفاظ على استطاعته ،
و عدم جواز تفويته بتفويت استطاعته .
( 1 ) مر أن الامكانية المالية التي هي العنصر الأول من الاستطاعة كما
تحصل بالملك ،كذلك تحصل بالاباحة ،فالملكية غير دخيلة في تكوين هذه
الامكانية .
( 2 ) فيه ان قياس ذلك بتلف المال في بلده ،أو في أثناء الطريق قياس مع
الفارق ،لأن تلف المال كاشف عن عدم استطاعته من الأول ،و هذا بخلاف
اتلافه مال غيره ،و اشتغال ذمته ببدله ،فانه لا يكون مانعا عن استطاعته ،غاية
الأمر يقع التزاحم بين وجوب أداء بدل التالف و وجوب الحج ،و حيث ان الأول
اهم من وجوب الحج فيقدم عليه .
--( 26 )--
نعم ،الاتلاف العمدي لا يسقط وجوب الحج بل يبقى الحج في ذمته
مستقرا فيجب عليه اداؤه و لو متسكعا ،هذا كله في تلف الزاد و الراحلة ،
و اما تلف ما به الكفاية من ماله في بلده ،فهو لا يكشف عن عدم
الاستطاعة ( 1 ) من اول الأمر بل يجتزئ حينئذ بحجه ،و لا يجب عليه الحج
بعد ذلك .
( مسألة 42 ) :اذا كان عنده ما يفي بمصارف الحج لكنه معتقد بعدمه ،
او كان غافلا عنه ،أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه غفلة عذر لم يجب
عليه الحج ،و اما إذا كان شاكا فيه ( 2 ) ،أو كان غافلا عن وجوب الحج عليه
غفلة ناشئة عن التقصير ثم علم أو تذكر بعد ان تلف المال فلم يتمكن من
الحج فالظاهر استقرار وجوب الحج عليه إذا كان واجدا لسائر الشرائط
حين وجوده .
( مسألة 43 ) :كما تتحقق الاستطاعة بوجدان الزاد و الراحلة تتحقق
بالبذل ،و لا يفرق في ذلك بين ان يكون الباذل واحدا أو متعددا ،و إذا
عرض عليه الحج و التزم بزاده و راحلته و نفقة عياله ( 3 ) وجب عليه الحج ،
( 1 ) في عدم الكشف اشكال ،بل منع ،لأن المكلف اذا لم يتمكن من
استيناف وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج و ضيق اذا انفق ما لديه
من المال في نفقات سفر الحج لم يكن مكلفا بحجة الإسلام في الواقع ،و عليه
فما أتى به من الحج لا يكون مصداقا لحجة الإسلام لكي يحكم بصحته ،
و تفصيل ذلك في المسألة ( 29 ) من ( فصل شرائط وجوب حجة الإسلام ) في
الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة على العروة الوثقى ) .
( 2 ) هذا شريطة أن لا يكون معذورا فيه ،و أما اذا كان معذورا فلا موجب
لاستقرار الحج عليه .
( 3 ) فيه ان نفقة العيال ليست دخيلة في الاستطاعة ،لما قد عرفت من أن --( 27 )--
و كذلك لو اعطي مالا ليصرفه في الحج و كان وافيا بمصارف ذهابه و ايابه
و عياله .و لا فرق في ذلك بين الاباحة و التمليك ،و لا بين بذل العين و ثمنها .
( مسألة 44 ) :لو اوصي له بمال ليحج به وجب الحج عليه بعد موت
الموصي إذا كان المال وافيا بمصارف الحج و نفقة عياله ،و كذلك لو وقف
شخص لمن يحج او نذر ،أو اوصى بذلك و بذل له المتولي أو الناذر أو
الوصي وجب عليه الحج .
الاستطاعة تتكون من العناصر الثلاثة :
1 -الامكانية المالية لنفقات الحج .
2 -الأمن و السلامة على نفسه و ماله و عرضه .
3 -وجود ما به الكفاية ،فاذا توفرت هذه العناصر الثلاثة لدى شخص
رجلا كان أم امرأة ،وجب الحج عليه ،و أما نفقة العيال في فترة أعمال الحج ،فان
كان يقصد بها نفقة الزوجة فهي بما أنها دين على الزوج فيقع التزاحم بين
وجوب أداء الدين و وجوب الحج ،و حيث ان الأول أهم من الثاني فيقدم عليه ،
و إن كان يقصد بها نفقة الأبوين و الأولاد ،فهي بما أنها ليست بدين على المعيل ،
بل تكون مجرد تكليف ،فحينئذ كونه أهم من وجوب الحج غير معلوم لو لم
يكن العكس معلوما الاّ أن يؤدي ترك الانفاق عليهم في فترة الحج الى مخاطر
أخرى ،كوقوعهم في مفسدة جسيمة أو مشرفة على الهلاك ،و أما إذا لم يؤد الى
ذلك فالظاهر تقديم وجوب الحج على وجوب الانفاق عليهم ،غاية الأمر ان
ترك الانفاق عليهم في تلك الفترة يؤدي إلى وقوعهم في ضيق ،و هذا ليس
بمحذور يمنع عن وجوب الحج عليه .
فالنتيجة :ان المبذول له إن كان متمكنا من الانفاق على عائلته في فترة
الحج وجب عليه قبول البذل ،و الذهاب الى الحج ،و إن لم يكن متمكنا منه ،فان --( 28 )--
( مسألة 45 ) :لا يجب الرجوع إلى الكفاية في الاستطاعة البذلية ( 1 ) .
نعم ،لو كان له مال لا يفي بمصارف الحج و بذل له ما يتم ذلك
وجب عليه القبول و لكن يعتبر حينئذ الرجوع إلى الكفاية .
( مسألة 46 ) :إذا اعطي ما لا هبة على ان يحج وجب عليه القبول ،
و اما لو خيّره الواهب بين الحج و عدمه ( 2 ) ،او انه وهبه مالا من دون ذكر
الحج لا تعيينا و لا تخييرا لم يجب عليه القبول .
( مسألة 47 ) :لا يمنع الدين من الاستطاعة البذلية .نعم إذا كان الدين
حالا و كان الدائن مطالبا و المدين متمكنا من أدائه إن لم يحج لم يجب عليه
الحج .
كانت عائلته متمثلة في زوجته لم يجب عليه القبول ،و إن كانت متمثلة في
الأبوين و الأولاد وجب القبول إذا لم تترتب على ترك الانفاق عليهم محاذير
أخرى غير وقوعهم في الضيق في الجملة .
( 1 ) هذا شريطة أن لا يكون سفر الحج مؤثرا في وضعه المعاشي بعد
الرجوع من الحج ،و في هذه الحالة اذا بذل له ما يحج به وجب عليه استجابته ،
و أما إذا أثر سفره في وضعه المعاشي ،كما اذا كان موظفا عند الحكومة و له راتب
يمكنه من السفر الى الحج بالاستطاعة البذلية ،و لكن اذا لم يحصل على اجازة لو
سافر و الحال هذه يفقد عمله و راتبه كموظف ،و بعد ذلك يقع في ضيق و حرج
باعتبار أنه لا يتمكن بعد الرجوع من الحج و فصله عن الوظيفة من استيناف
وضعه المعاشي الطبيعي بدون الوقوع في حرج و ضيق ،و في هذه الحالة اذا بذل
اليه ما يحج به لم تجب عليه استجابته .
( 2 ) لأن الروايات التي تنص على وجوب قبول ما يعرض عليه من الحج ،
أو ما يحج به لا تشمل هذه الصورة ،على أساس أنها ظاهرة في عرض الحج --( 29 )--
( مسألة 48 ) :اذا بذل مال لجماعة ليحج احدهم فان سبق احدهم
بقبض المال المبذول سقط التكليف عن الآخرين و لو ترك الجميع مع
تمكن كل واحد منهم من القبض استقر الحج على جميعهم ( 1 ) .
( مسألة 49 ) :لا يجب بالبذل إلا الحج الذي هو وظيفة المبذول له
على تقدير استطاعته ( 2 ) ،فلو كانت وظيفته حج التمتع فبذل له حج القران
أو الافراد لم يجب عليه القبول و بالعكس و كذلك الحال لو بذل لمن حج
حجة الإسلام و اما من استقرت عليه حجة الإسلام و صار معسرا فبذل له
وجب عليه ذلك ( 3 ) و كذلك من وجب عليه الحج لنذر او شبهه و لم
يتمكن منه .
عليه ،أو ما يحج به بعينه ،لا الأعم منه و من غيره ،كما في المقام .
( 1 ) في الاستقرار اشكال ،و لا يبعد عدمه ،لأن روايات البذل ظاهرة في
عرض الحج ،أو ما يحج به على شخص معين ،و لا تشمل ما اذا عرض الحج
على الجامع بين شخصين أو اشخاص على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 43 ) من
( فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق
مبسوطة ) .
( 2 ) هذا ظاهر ،فان كل من تكون وظيفته حج التمتع اذا استطاع مالا ،فهو
وظيفته اذا استطاع بذلا ،و كل من تكون وظيفته حج الافراد اذا استطاع مالا ،فهو
وظيفته اذا استطاع بذلا .
( 3 ) هذا لا من جهة أن روايات البذل تشمل المقام ،لأنها لا تشمل ذلك ،
لاختصاص موردها بما اذا وجب الحج عليه بالاستطاعة البذلية ،بأن يكون
حدوث الوجوب عليه مستندا اليها ،و أما إذا كان الحج واجبا على شخص
بالاستطاعة المالية في فترة زمنية سابقة ،و لكن من جهة الاهمال و التسامح فيه --( 30 )--
( مسألة 50 ) :لو بذل له مال ليحج به فتلف المال اثناء الطريق سقط
الوجوب .نعم لو كان متمكنا من الاستمرار في السفر من ماله وجب عليه
الحج و اجزأه عن حجة الإسلام ،إلا ان الوجوب حينئذ مشروط بالرجوع
إلى الكفاية ( 1 ) .
( مسألة 51 ) :لا يعتبر في وجوب الحج البذل نقدا فلو وكله على ان
يقترض عنه و يحج به و اقترض وجب ( 2 ) عليه .
( مسألة 52 ) :الظاهر أن ثمن الهدي على الباذل فلو لم يبذله و بذل
بقية المصارف لم يجب الحج على المبذول له الا اذا كان متمكنا من شرائه
من ماله .
سنة بعد أخرى فقد فاتت الاستطاعة عنه ،و استقر الحج عليه ،فهو أجنبي عن
مورد هذه الروايات ،و حيث ان العقل يحكم بالخروج عن عهدة هذا الوجوب
بالسعي الى الحج بأي وسيلة متاحة له ،و حينئذ فاذا بذل اليه مال ليحج به وجب
عليه القبول بحكم العقل ،اذا لم تكن لديه وسيلة أخرى للخروج عن عهدة هذا
التكليف ،و من هنا تجب عليه الاستجابة للهبة و إن لم تكن للحج ،و بذلك يظهر
حال ما بعده .
( 1 ) تقدم ان وجوب قبول البذل أيضا مشروط بوجود ما به الكفاية ،
بمعنى تمكنه بعد الرجوع من الحج من استعادة وضعه المعاشي الطبيعي بدون
الوقوع في حرج و ضيق ،و أما إذا لم يكن لديه ما به الكفاية بهذا المعنى فلا
يجب عليه القبول .
( 2 ) هذا واضح ،و انما الكلام في أن الاقتراض الموجب للاستطاعة
و الامكانية المالية ،فهل هو واجب عليه أو لا ؟و الجواب :انه غير واجب لأنه من
تحصيل الاستطاعة .
--( 31 )--
نعم ،إذا كان صرف ثمن الهدي فيه موجبا لوقوعه في الحرج لم
يجب عليه القبول ،و أما الكفارات فالظاهر انها واجبة على المبذول له ( 1 )
دون الباذل .
( مسألة 53 ) :الحج البذلي يجزئ عن حجة الإسلام و لا يجب عليه
الحج ثانيا اذا استطاع بعد ذلك .
( مسألة 54 ) :يجوز للباذل الرجوع عن بذله قبل الدخول في
الاحرام أو بعده ،لكن إذا رجع بعد الدخول في الاحرام وجب على
المبذول له إتمام الحج إذا كان مستطيعا فعلا و على الباذل ضمان ما صرفه
للإتمام ( 2 ) ،و اذا رجع الباذل في اثناء الطريق وجبت عليه نفقة العود .
( 1 ) لأن الكفارة من آثار ما يمارسه المحرم من محرمات الاحرام ،و حيث
ان تلك المحرمات خارجة عن الحج ،و ليست من واجباته لا جزءا و لا قيدا ،فلا
يكون الباذل متعهدا بالانفاق على الكفارات المترتبة على ارتكابها ،لأنه إنما اذن
له بالحج ،و لم يأذن بارتكاب محرمات الإحرام لكي يقال :إن الاذن بشيء إذن
بلوازمه .
( 2 ) في الضمان اشكال بل منع ،لأن ما صرفه المبذول له من المال الى
حين عدول الباذل عن بذله يحسب على الباذل ،باعتبار أن ذلك الصرف كان
باذنه و أمره ،و أما ضمان الباذل لما صرفه المبذول له في اتمام الحج فهو بلا
مبرر ،و لا يمكن تطبيق قاعدة أن الإذن بشيء اذن بلوازمه على المقام ،لأن الإذن
بالاحرام انما يكون اذنا بالاتمام اذا لم يعدل عن اذنه بعد الإحرام ،أو قلنا بعدم
جواز عدوله عن اذنه بعده ،و كلا الأمرين خلف الفرض ،و على هذا فاذا عدل
عن اذنه بعد الاحرام فمعناه انه لم يأذن بالاتمام بما بذله من المال ،و عليه فلا
يسوغ للمبذول له أن يتم الحج بمال الباذل ،كما انه اذا اتم بمال نفسه لم يحق له --( 32 )--
( مسألة 55 ) :اذا اعطي من الزكاة من سهم سبيل اللّه على ان يصرفها
في الحج و كان فيه مصلحة عامة ( 1 ) وجب عليه ذلك و ان اعطي من سهم
السادة أو من الزكاة من سهم الفقراء و اشترط عليه ان يصرفه في سبيل
الحج لم يصح الشرط ( 2 ) فلا يجب عليه الحج .
( مسألة 56 ) :اذا بذل له مال فحج به ثم انكشف انه كان مغصوبا لم
يجزئه عن حجة الإسلام ( 3 )
المطالبة عن الباذل ببدله ،اذ لا مبرر لضمانه بعد ما لم يكن الاتمام باذنه و أمره .
و بكلمة :لو قلنا بعدم جواز رجوع الباذل عن بذله بعد الإحرام فمعناه أن
المبذول له مأمور بالاتمام ،كما أنه كان مأمورا بالاحرام ،لمكان استقرار
استطاعته البذلية بعد الاحرام ،و إن قلنا بجواز رجوعه عن بذله بعد الإحرام كما
هو المفروض ،فمعناه أنه لا يجوز للمبذول له التصرف في المال المبذول بعد
العدول ،بل يجب عليه أن يرد ما بقى منه عنده الى الباذل ،و أما اتمام الحج ،فان
كان المبذول له متمكنا منه وجب عليه ذلك ،و الاّ فلا .
( 1 ) هذا مبني على أنه يعتبر في صرف سهم سبيل اللّه في مورد أن تكون
فيه مصلحة عامة ،و لكن ذكرنا أن عنوان سبيل اللّه يصدق على كل عمل قربي
و إن لم تكن فيه مصلحة عامة ،و على هذا فلا مانع من صرف هذا السهم في
الحج باعتبار أنه عمل قربي و إن لم يكن فيه مصلحة عامّة .
( 2 ) هذا من جهة أن ولاية المالك على الخمس و الزكاة لم تثبت الاّ من
زاوية خاصة ،و هي ولايته على التقسيم ،و تعيين الخمس او الزكاة في حصة
خاصة و دفعها الى الحاكم الشرعي او إلى المستحق باذن منه أو بدون اذن على
الخلاف في المسألة ،و لا ولاية له على تعيين المصرف له و إلزام المستحق
بالصرف فيه ،و قد فصلنا الحديث من هذه الناحية في بابي الخمس و الزكاة .
( 3 ) في اطلاقه اشكال ،و لا يبعد الإجزاء اذا كان المبذول له غافلا عن كون --( 33 )--
و للمالك ان يرجع الى الباذل أو الى المبذول له ،لكنه اذا رجع الى المبذول
له رجع هو الى الباذل ان كان جاهلا بالحال و إلا فليس له الرجوع .
( مسألة 57 ) :إذا حج لنفسه او عن غيره تبرعا او باجارة لم يكفه عن
حجة الإسلام ( 1 ) فيجب عليه الحج اذا استطاع بعد ذلك .
( مسألة 58 ) :إذا اعتقد انه غير مستطيع فحج ندبا قاصدا امتثال
الأمر الفعلي ثم بان أنه كان مستطيعا أجزأه ذلك ( 2 ) ،و لا يجب عليه الحج
ثانيا .
المال المبذول مغصوبا أو جاهلا به مركبا ،اذ على ذلك بما أن تصرف المبذول
له في المال المبذول في الانفاق على سفر الحج جائز واقعا ،فهو مستطيع ،لما مر
من أنه لا يعتبر في الامكانية المالية التي هي العنصر الأول من الاستطاعة أن
تكون بالملك ،بل يكفي أن تكون بإباحة التصرف و جوازه ،فاذا كان لدى
شخص مال يفي بنفقات سفر الحج ،و كان مجازا في التصرف فيه واقعا فهو
مستطيع ،اي عنده الامكانية المالية للإنفاق على سفر الحج ،و من الواضح ان
من كانت عنده هذه الامكانية المالية يجب عليه الحج ،و لكن مع ذلك اذا انتبه
بالحال و تمكن من الاعادة فالاحتياط بها لا يترك .
( 1 ) اما الأول فبما أن حجه لنفسه كان متسكعا ،فهو لا يجزي عن حجة
الإسلام التي هي عبارة عن الحجة الأولى للمستطيع ،و لا يكون مصداقا لها ،و أما
الثاني ،و هو حجّه عن غيره تبرعا أو باجارة ،فالمعروف و المشهور بين
الأصحاب عدم اجزائه عن حجة الإسلام ،و لكنه لا يخلو عن اشكال ،و مع هذا
فالاحتياط بالاتيان بحجة الإسلام اذا استطاع لا يترك .و قد تعرضنا لتفصيل ذلك
في المسألة ( 56 ) من ( فصل في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن
من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) فراجع .
( 2 ) في الاجزاء اشكال ،بل منع ،لما مر من أن المعتبر في صحة حجة --( 34 )--
( مسألة 59 ) :لا يشترط اذن الرجوع للزوجة في الحج اذا كانت
مستطيعة ،كما لا يجوز للزوج منع زوجته عن الحج الواجب عليها .نعم ،
يجوز له منعها من الخروج في اول الوقت مع سعة الوقت ،و المطلقة
الرجعية كالزوجة ما دامت في العدة .
( مسألة 60 ) :لا يشترط في وجوب الحج على المرأة وجود المحرم
لها إذا كانت مأمونة على نفسها و مع عدم الأمن لزمها استصحاب محرم لها
و لو بأجرة إذا تمكنت من ذلك ،و إلا لم يجب الحج عليها .
الإسلام أن يحج باسمها الخاص المميز لها شرعا ،سواء أ كانت تمتعا أم انفرادا ،
و أما إذا حج الانسان باسم الحج المستحب استحبابا عاما ،فلا يكون مصداقا
لحجة الإسلام ،لأنه مباين لها عنوانا .و مجرد الاتيان به بداعي أمره الفعلي و لكن
بتخيل أنه أمر استحبابي لا يجدي في المقام ،لأن التخلف في الداعي او الاشتباه
في التطبيق لا يتصور في المقام ،باعتبار أن الحج الاستحبابي مباين لحجة
الإسلام ،و لا ينطبق أحدهما على الآخر في الخارج لكي يتصور الاشتباه في
التطبيق بينهما ،أو التخلف في الداعي ،فاذا صلى المكلف بعد الفجر ركعتين
باسم نافلة الصبح بداعي الأمر الاستحبابي القربى ،ثم تبين أنه صلى نافلة الصبح
لم تقع مصداقا لفريضة الصبح ،من باب الاشتباه في التطبيق ،لأن فريضة الصبح
مباينة لنافلته ،و لا تنطبق إحداهما على الأخرى في الخارج ،حتى يتصور بينهما
الاشتباه في التطبيق ،أو التخلف في الداعي ،لأن كل الصلوات التي لها اسم
خاص مميز لها شرعا ،فاذا أراد أن يصلي إحداها ،فعليه أن يقصد ذلك الاسم
الخاص لها ،سواء أ كانت فريدة في نوعها و لم تكن لها شريكة في العدد و الكم
كصلاة المغرب و صلاة الجمعة ،أو كانت هناك صلاة أخرى مماثلة لها كصلاة
الفجر التي تماثلها تماما نافلة الفجر ،فان هذا القصد واجب بنفسه سواء أ كان --( 35 )--
( مسألة 61 ) :إذا نذر ان يزور الحسين عليه السّلام في كل يوم عرفة -مثلا -
و استطاع بعد ذلك وجب عليه الحج و انحلّ نذره ( 1 ) ،و كذلك كل نذر
يزاحم الحج .
يحصل الاشتباه بدون هذا القصد أو لا .و على هذا الأساس فاذا صلى صلاة
ركعتين فان قصد بها الاسم الخاص لها كفريضة الصبح وقعت مصداقا لها
و صحت ،و إن قصد بها نافلة الصبح وقعت مصداقا لها ،و إن لم يقصد بها الأول
و لا الثاني ،لم تنطبق عليها فريضة الصبح و لا نافلته ،و حينئذ فان قصد بها
استحبابها العام بداعي القربة الى اللّه تعالى ،باعتبار أن الصلاة ركعتين مستحبة
استحبابا عاما في الشريعة المقدسة ،وقعت مستحبة ،و الاّ بطلت .و من هنا فصحة
صلاة الصبح منوطة بأن يصليها باسمها الخاص المميز لها شرعا ،و الاّ لم تقع
مصداقا لها ،و كذلك الحال في حجة الإسلام .
فالنتيجة ان الاشتباه في التطبيق أو التخلف في الداعي لا يتصور فيما إذا
كان المأتي به مباينا للمأمور به خارجا و لم يمكن انطباقه عليه ،فانه انما
يتصور اذا امكن انطباقه عليه .
( 1 ) فيه اشكال ،بل منع ،لأن ملاك تقديم وجوب الحج على وجوب
الوفاء بالنذر ليس من جهة أن وجوب الحج يؤدي الى مرجوحية متعلق النذر ،
فاذا صار مرجوحا انحل بانحلال موضوعه ،و ذلك لأن وجوبه لا يوجب
انقلاب متعلقه و جعله مرجوحا بعد ما كان راجحا ،لأن متعلقه انما يصير
مرجوحا اذا كان مصداقا لترك الحج ،و المفروض أنه ليس مصداقا له ،بل هو
ملازم لتركه ،و من الواضح أن قبح أحد المتلازمين لا يسري الى الملازم الآخر ،
فاذن يبقى متعلق النذر راجحا في نفسه و إن كان ملازما لترك واجب ،هذا .اضافة
الى أن ترك الواجب كترك الحج ليس بقبيح ذاتا ،و انما يكون قبيحا بالعرض
و المجاز ،مثلا زيارة الحسين عليه السّلام يوم عرفة راجحة في نفسها ،فاذا نذرها --( 36 )--
( مسألة 62 ) :يجب على المستطيع الحج بنفسه إذا كان متمكنا من
ذلك ،و لا يجزئ عنه حج غيره تبرعا او باجارة .
( مسألة 63 ) :اذا استقر عليه الحج و لم يتمكن من الحج بنفسه
لمرض أو حصر أو هرم ،أو كان ذلك حرجا عليه و لم يرج تمكنه من الحج
بعد ذلك من دون حرج وجبت عليه الاستنابة ،و كذلك من كان موسرا و لم
يتمكن من المباشرة ،أو كانت حرجية و وجوب الاستنابة كوجوب الحج
فوري .
شخص انعقد ،سواء أ كان مستطيعا ،أم استطاع بعد ذلك ،باعتبار أن صحة النذر
منوطة بكون متعلقه راجحا في نفسه ،فاذن ليس ملاك التقديم أن وجوب الحج
رافع لرجحانه .
فلنا دعويان :
الدعوى الأولى :ان ملاك تقديم وجوب الحج على وجوب الوفاء بالنذر
ليس كون وجوب الحج رافعا لرجحان متعلقه .
الدعوى الثانية :ان ملاك تقديمه عليه أمر آخر .
أما الدعوى الأولى :فقد عرفتها .
و أما الدعوى الثانية :فلأن وجوب الوفاء بالنذر أو العهد أو الشرط في
نفسه لا يصلح أن يزاحم وجوب الحج ،و ذلك لأن المستفاد من أدلة وجوب
الوفاء به التي جاء بهذا اللسان «ان شرط اللّه قبل شرطكم »أن وجوبه مقيد بعدم
وجود شرط اللّه و حكمه في المرتبة السابقة ،و مع وجوده فيها فلا وجوب له ،
و نتيجة ذلك ان وجود حكم اللّه كوجوب الحج -مثلا -في المرتبة السابقة مانع
عن وجوب الوفاء به و رافع له بارتفاع موضوعه ،و هو تقيده بعدم وجود حكم
اللّه في المرتبة المتقدمة ،و مع وجوده في تلك المرتبة يرتفع موضوعه ،--( 37 )--
( مسألة 64 ) :اذا حج النائب عمن لم يتمكن من المباشرة فمات
المنوب عنه مع بقاء العذر اجزأه حج النائب و ان كان الحج مستقرا عليه ،
و اما إذا اتفق ارتفاع العذر قبل الموت فالأحوط ان يحج هو بنفسه عند
التمكن ( 1 ) و اذا كان قد ارتفع العذر بعد ان احرم النائب وجب على
المنوب عنه الحج مباشرة و لا يجب على النائب اتمام عمله .
( مسألة 65 ) :إذا لم يتمكن المعذور من الاستنابة سقط الوجوب ،
و لكن يجب القضاء عنه بعد موته ان كان الحج مستقرا عليه ،و إلا لم يجب ،
و لو امكنه الاستنابة و لم يستنب حتى مات وجب القضاء عنه .
( مسألة 66 ) :اذا وجبت الاستنابة و لم يستنب و لكن تبرع متبرع عنه
لم يجزئه ذلك ( 2 ) ،و وجبت عليه الاستنابة .
( مسألة 67 ) :يكفي في الاستنابة :الاستنابة من الميقات ،و لا تجب
الاستنابة من البلد ( 3 ) .
و بارتفاعه يرتفع الحكم قهرا ،و مزيد التفصيل في ذلك ،في المسألة ( 32 ) من
( فصل :شرائط وجوب حجة الإسلام ) الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) بل الأقوى ذلك ،لأن ارتفاع العذر عنه و استعادة قوته و نشاطه
بالتمكن من القيام المباشر بالحج كاشف عن أن النيابة غير مشروعة في حقه .
( 2 ) في عدم الاجزاء اشكال ،و لا يبعد الاجزاء و قد فصلنا الحديث عن
ذلك في المسألة ( 6 ) من ( فصل :في النيابة ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق
مبسوطة ) .
( 3 ) هذا اذا لم يكن الميت قد اوصى بالحج عنه ،و أما إذا كان قد أوصى
بذلك بدون التقييد بكونه من الميقات ،فيجب على الوصي أو الوارث أن يحج
عنه من البلد مباشرة أو استنابة ،و إن شئت تفصيل ذلك فراجع الجزء الثامن من --( 38 )--
( مسألة 68 ) :من استقر عليه الحج اذا مات بعد الاحرام في الحرم
اجزأه عن حجة الإسلام ،سواء في ذلك حج التمتع و القران و الافراد ،و اذا
كان موته في اثناء عمرة التمتع اجزأ عن حجه أيضا و لا يجب القضاء عنه ،
و ان مات قبل ذلك وجب القضاء حتى اذا كان موته بعد الاحرام و قبل
دخول الحرم أو بعد الدخول في الحرم بدون احرام و الظاهر اختصاص
الحكم بحجة الإسلام فلا يجري في الحج الواجب بالنذر أو الافساد ،بل لا
يجري في العمرة المفردة أيضا ،فلا يحكم بالاجزاء في شيء من ذلك ،
و من مات بعد الاحرام مع عدم استقرار الحج عليه فان كان موته بعد دخوله
الحرم فلا اشكال في اجزائه عن حجة الإسلام و أما إذا كان قبل ذلك
فالظاهر وجوب القضاء عنه ( 1 ) أيضا .
كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) في المسألة ( 88 ) من ( فصل :في شرائط وجوب حجة
الإسلام ) .
( 1 ) في الوجوب اشكال بل منع ،لأن موته في سنة الاستطاعة كاشف عن
عدم وجوب الحج عليه من الأول ،حيث إن مقتضى القاعدة عدم الوجوب حتى
اذا كان موته في اثناء العمرة ،بل اثناء الحج .و أما الروايات الواردة في المسألة
التي تنص على أن من خرج حاجا و مات في الطريق ،فان كان بعد الاحرام
و دخول الحرم اجزأ عنه حجة الإسلام ،و إن كان قبل الإحرام فليقض عنه وليه
حجة الإسلام ،فلا إطلاق لها ،لأنها في مقام بيان حكم من مات في الطريق الى
الحج ،أما كونه في سنة الاستطاعة أو بعد استقرار الحج عليه فلا نظر لها من هذه
الناحية ،فاذن يكون القدر المتيقن منها من استقر عليه الحج ،بل في نفس هذه
الروايات قرائن على أن موردها من استقر عليه الحج .
( منها ) قوله عليه السّلام : «أجزأ عنه حجة الإسلام »- 1 - ،فانه يدل على أن ذمته
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ،الحديث :2 .
--( 39 )--
( مسألة 69 ) :إذا اسلم الكافر المستطيع وجب عليه الحج ( 1 ) ،و أما
لو زالت استطاعته ثم اسلم لم يجب عليه .
( مسألة 70 ) :المرتد يجب عليه الحج لكن لا يصح منه حال
ارتداده ( 2 ) ،فان تاب صح منه و ان كان مرتدا فطريا على الأقوى .
مشغولة بحجة الإسلام ،و الاّ فلا موضوع للاجزاء ،فان معنى الإجزاء هو سقوط
الحجة عن ذمته ،و الفرض أنه لا شيء في ذمته حتى يسقط .
و ( منها ) قوله عليه السّلام : «فليقض عنه وليه حجة الإسلام »- 1 - ،فانه يدل على
اشتغال ذمته بحجة الإسلام ،و الاّ فلا معنى للقضاء عنها ،لأن معنى القضاء هو أن
ما يقضى عوض و بديل عما فات عنه ،و المفروض انه لم يفت منه شيء حتى
يكون ذلك بديلا عنه .
و ( منها ) قوله عليه السّلام في صحيحة بريد العجلي : «جعل جمله و زاده و نفقته
و ما معه في حجة الإسلام »- 2 - ،فانه يدل بوضوح على ثبوت حجة الإسلام في ذمته ،
و الاّ فلا معنى لصرف الأموال المذكورة فيها ،بل هي للورثة ،فالنتيجة ان في هذه
الروايات قرائن تدل على اختصاص موردها بمن استقر عليه حجة الإسلام ،و لا
تعم غيره .
( 1 ) بل وجب عليه مطلقا بناء على ما قويناه من أن الكفار مكلفون
بالفروع .
( 2 ) لكن لا يبعد الصحة ،بناء على ما ذكرناه من المناقشة في شرطية
الإسلام في صحة العبادة ،و قد حققنا ذلك بصورة موسعة في ( فصل :في شرائط
صحة الصوم ) في الجزء الخامس من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
---------------
( 1 ) الوسائل ،باب 26 من ابواب وجوب الحج و شرائطه ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :باب 26 من أبواب وجوب الحج و شرائطه ،الحديث :2 .
--( 40 )--
( مسألة 71 ) :اذا حج المخالف ثم استبصر لا تجب عليه اعادة الحج
اذا كان ما أتى به صحيحا في مذهبه ( 1 ) و ان لم يكن صحيحا في مذهبنا .
( مسألة 72 ) :اذا وجب الحج ،و اهمل المكلف في ادائه حتى زالت
الاستطاعة وجب الاتيان به باي وجه تمكن و لو متسكعا ،ما لم يبلغ حد
العسر و الحرج و إذا مات وجب القضاء من تركته ،و يصح التبرع عنه بعد
موته من دون اجرة .
( 1 ) بل الأمر كذلك اذا كان صحيحا في مذهبنا أيضا ،و إن كان باطلا في
مذهبه على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 5 ) من ( فصل :في صلاة القضاء ) في
الجزء الرابع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
--( 41 )--
الوصية بالحج
( مسألة 73 ) :تجب الوصية ( 1 ) على من كانت عليه حجة الإسلام
و قرب منه الموت ،فان مات تقضى من اصل تركته ،و ان لم يوص
بذلك ( 2 ) ،و كذلك ان اوصى بها و لم يقيدها بالثلث ،و ان قيدها بالثلث فان
و في الثلث بها وجب اخراجها منه ،و تقدم على سائر الوصايا ،و ان لم يف
الثلث بها لزم تتميمه من الاصل .
( 1 ) عقلا شريطة أن يعلم الموصي أو يحتمل أنه لو لم يوص بحجة
الإسلام لفاتت منه و لم يقم أحد بالقضاء عنه نيابة أو تبرعا ،و أما إذا كان عالما أو
واثقا بأن وارثه يقوم بالاستنابة للحج عنه فلا تكون واجبة .
( 2 ) للروايات التي تنص على أن حجة الإسلام تخرج من صلب التركة ،
سواء أ كان الميت قد أوصى بها أم لا ،و قد ورد في بعض الروايات أنها بمنزلة
الدين الواجب ،بل انها تتقدم عليه في مقام المزاحمة و عدم وفاء التركة للجميع ،
و نتيجة ذلك ان التركة ان اتسعت لنفقات حجة الإسلام أخرجت منها جميعا
و إن لم يوص بها ،و إن لم تتسع لها و لو للحد الأدنى من نفقاتها كانت التركة
للورثة ،و إن أوصى بها ،و لا يجب صرفها في مصلحة الميت من وجوه البر
و الاحسان ،لأن المانع من انتقالها الى الورثة هو الحج بها عن الميت نيابة ،فاذا لم
يمكن ذلك لقلتها و عدم كفايتها حتى للحد الأدنى من نفقاته ،فلا مانع من
انتقالها اليهم .نعم اذا كان الميت قد أوصى باخراج حجة الإسلام من ثلثه ،و تبرع
متبرع بالحج عنه نيابة لم يجز للورثة اهمال الوصية رأسا ،بل وجب صرف
مقدار نفقة الحج من الثلث في وجوه البر و الإحسان .و السبب فيه ان المستفاد
--( 42 )--
( مسألة 74 ) :من مات و عليه حجة الإسلام و كان له عند شخص
وديعة ،و احتمل ان الورثة لا يؤدونها ( 1 ) ان ردّ المال اليهم وجب عليه ان
يحجّ بها عنه .
من الروايات ان لكل انسان حقا في ثلث ماله بعد موته اذا أوصى به ،و عليه فاذا
أوصى به ظل في ملكه ،فان عين له جهة خاصة وجب على الوصي صرفه فيها ،
و إن تعذر بسبب أو آخر وجب صرفه في الأقرب اليها فالأقرب ،و إن لم يعين له
جهة كذلك فالتعيين حينئذ بيد الوصي مع مراعاة الأهم فالأهم ،و هذا بخلاف
الوصية بحجة الإسلام و تنفيذها من التركة ،فانها دين على الميت فيجب على
الورثة اخراجها من الأصل ،ثم تقسيم الباقي بينهم ميراثا ،و الوصية بها تأكيد من
هذه الناحية ،و عليه فاذا لم يمكن ذلك لعدم وفاء التركة بها ،أو برئت ذمة الميت
عنها بتبرع متبرع سقطت الوصية بها بسقوط موضوعها لأن الوصية انما هي
بحجة الإسلام ،و هي إمّا انه لا يمكن الاتيان بها لعدم وفاء التركة بنفقاتها ،أو أنها
قد سقطت عن ذمة الميت ،فعلى كلا التقديرين لا موضوع للوصية ،و من هنا لا
يحتمل أن ترجع التركة غير الوافية بنفقات الحج الى الورثة في الفرض الأول ،
كما أنه لا يحتمل استثناء مقدار نفقاتها من التركة لمصلحتهم في الفرض الثاني .
و بكلمة :ان الوصية بحجة الإسلام تختلف عن الوصية بالثلث ،فان
الوصية بالثلث متعلقة بثلث تركته مباشرة على أساس أن الشارع جعل هذا الحق
للميت ،و الوصية بحجة الإسلام متعلقة بنفس الحجة مباشرة لا بالمال كذلك ،
على أساس أن الشارع جعل نفقاتها من الأصل ،و عليه فاذا برئت ذمة الميت
عنها انتفت الوصية بانتفاء موضوعها ،كما أن حكم الشارع باخراج نفقاتها من
الأصل ينتفي بانتفاء موضوعه .
( 1 ) الأصل فيه صحيحة بريد العجلي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن
رجل استودعني مالا و هلك ،و ليس لولده شيء ،و لم يحج حجة الإسلام ،قال :--( 43 )--
فاذا زاد المال من أجرة الحج ردّ الزائد إلى الورثة ،و لا فرق بين ان يحج
الودعي بنفسه ،أو يستأجر شخصا آخر .و يلحق بالوديعة كل مال للميت
عند شخص بعارية أو اجارة أو غصب او دين او غير ذلك .
حج عنه ،و ما فضل أعطهم »- 1 - و المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم
و الموضوع الارتكازية ان الرجل الذي في حيازته المال إن كان واثقا بأنه ان أدى
المال الى ورثته فهم يقومون بالحج عنه مباشرة ،أو بالاستنابة وجب عليه أن
يرده اليهم ،لأن الصحيحة منصرفة عن هذه الصورة عرفا ،و لا تشملها ،و إن كان
واثقا و مطمئنا بأنه إن أدى المال اليهم أكلوه و لم ينفقوا منه على الحج عن الميت
لم يجز أن يرده اليهم ،اذ لا ولاية لهم على المال في هذه الصورة ،و إن كان شاكا
في ذلك و لم يكن واثقا بأنه اذا رد المال اليهم أنهم أكلوه و لم ينفقوا منه على
الحج عن الميت ،أو أنهم ينفقوا منه عليه ،ففي هذه الصورة هل يجب عليه أن
يرد المال الى ورثته أو الى الحاكم الشرعي ،أو أنه يقوم بنفسه بالتصرف فيه على
الحج عنه مباشرة ،أو بالنيابة ؟
و الجواب :ان مقتضى الصحيحة الوجه الأخير ،اذ تخصيصها بخصوص
الصورة الثانية بحاجة الى قرينة ،فاذن تشمل الصحيحة تلك الصورة أيضا
باطلاقها ،و تدل على أن ولاية التصرف فيها للرجل الذي في حيازته المال ،ثم
هل يجب عليه الاستئذان من الورثة أو من الحاكم الشرعي ،أو من كليهما معا ؟
و الجواب انه لا يجب عليه الاستئذان ،لا من الورثة ،و لا من الحاكم
الشرعي ،فان مقتضى اطلاق الصحيحة أنه يقوم بنفسه بالتصرف فيه على الحج
بدون الاستئذان من أحد ،و إن كان ذلك أولى و أجدر .
فالنتيجة ان مقتضى اطلاق الصحيحة هو أن الشارع منح ولاية التصرف
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 13 من أبواب النيابة في الحج الحديث :1 .
--( 44 )--
( مسألة 75 ) :من مات و عليه حجة الإسلام و كان عليه دين و خمس
و زكاة و قصرت التركة ،فان كان المال المتعلق به الخمس أو الزكاة موجودا
بعينه لزم تقديمهما ( 1 )
في الصورتين الأخيرتين للرجل الذي يكون المال في حيازته ،و عليه فكما لا
مبرر لرد المال الى الورثة ،لا مبرر للاستئذان منهم أيضا .
ثم ان مورد الصحيحة و إن كان العين الخارجية المودعة عند رجل ،الاّ أنه
لا خصوصية لها عرفا ،فيشمل الحكم ما إذا كان المال في ذمة رجل ،هذا من
ناحية .
و من ناحية أخرى ،ان مورد الصحيحة ما إذا كانت تركة الميت منحصرة
بالمال المودع ،و عندئذ فللسائل أن يسأل :ان الحكم هل يختص بمورد
الصحيحة فقط ،أو يعم ما إذا كانت له تركة غيره أيضا ؟
و الجواب :ان الحكم لا يختص بمورد الصحيحة ،لأن هذا التخصيص
انما هو في مورد سؤال السائل ،لا في جواب الإمام عليه السّلام ،هذا .اضافة الى أن
العرف لا يرى خصوصية لكون تركة الميت منحصرة بالمال المذكور ،أو كانت
له تركة أخرى ،فان المعيار في جواز التصرف من الرجل الذي في حيازته المال ،
أو في ذمته على الحج عن الميت انما هو بعدم وثوقه بأنه اذا ردّ المال الى الورثة
فهم لم يأكلوه و انفقوا منه على الحج عن الميت .
( 1 ) في التعبير بالتقديم نوع من التسامح ،حيث إن الموهم منه ان وجوب
اخراج الخمس أو الزكاة من اعيان التركة مزاحم مع وجوب الحج منها ،و بما أن
الأول أهم من الثاني فيقدم عليه ،مع أن الأمر ليس كذلك ،لأن الخمس أو الزكاة
اذا كان متعلقا بنفس أعيان التركة ،فبما أن هذا المقدار من الأعيان كان ملكا للغير
فحينئذ لا يبقى موضوع لوجوب الحج ،لأن التركة بعد اخراج مال الغير منها لا
تفي بنفقات سفر الحج ،و المفروض ان الحج انما يخرج من تركة الميت ،و مال --( 45 )--
و ان كانا في الذمة يتقدم الحج عليهما ،كما يتقدم على الدين ( 1 ) .
( مسألة 76 ) :من مات و عليه حجة الإسلام لم يجز لورثته التصرف
في تركته قبل استئجار الحج سواء كان مصرف الحج مستغرقا للتركة أم لم
يكن مستغرقا على الأحوط ( 2 ) .نعم اذا كانت التركة واسعة جدا ،و التزم
الوارث بادائه جاز له التصرف في التركة ،كما هو الحال في الدين .
الغير كالخمس او الزكاة او غيرهما ليس من تركته ،و كيفما كان فالمقصود
واضح ،و التسامح انما هو في التعبير .
( 1 ) الأصل فيه صحيحة معاوية ،قال : «قلت له رجل يموت و عليه
خمسمائة درهم من الزكاة ،و عليه حجة الإسلام ،و ترك ثلاثمائة درهم ،
فأوصى بحجة الإسلام ،و أن يقضى عنه دين الزكاة ،قال :يحج عنه من أقرب ما
يكون ،و تخرج البقية من الزكاة »- 1 - ،و مثلها صحيحته الأخرى ،و موردها و إن كان
تقديم الحج على الزكاة إلاّ ان العرف بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية لا
يرى خصوصية للزكاة الاّ باعتبار أنها دين في الذمة ،و لهذا عبر عنها في السؤال
بالدين ،و نتيجة ذلك ان ذمة الميت اذا كانت مشغولة بحجة الإسلام و بالدين
معا ،و لم تكن تركته وافية بكليهما كذلك وجب تقديم حجة الإسلام على الدين
مقتصرا على حجة الإسلام بأقل أجور ،و لا فرق في الدين بين أن يكون شرعيا
أو عرفيا .
( 2 ) لكن الأظهر جواز التصرف في التركة اذا كانت زائدة على نفقات
الحج أو الدين شريطة التزام الوارث بتهيئة الحجة النيابية المطلوبة ،و عدم خوف
فوتها ،و تدل عليه موثقة عبد الرحمن بن الحجاج عن ابى الحسن عليه السّلام ،قال :
«سألته عن رجل يموت و يترك عيالا ،و عليه دين ،أ ينفق عليهم من ماله ؟قال :إن
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 21 ،من أبواب المستحقين للزكاة ،الحديث :2 .
--( 46 )--
( مسألة 77 ) :من مات و عليه حجة الإسلام و لم تكن تركته وافية
بمصارفها وجب صرفها في الدين أو الخمس أو الزكاة ان كان عليه شيء
من ذلك و إلا فهي للورثة ( 1 ) ،و لا يجب عليهم تتميمها من مالهم لاستيجار
الحج .
كان يستيقن ان الذي ترك يحيط بجميع دينه ،فلا ينفق ،و إن لم يكن يستيقن
فلينفق عليهم من وسط المال »- 1 - ،فانها تنص على جواز التصرف في التركة اذا
كانت زائدة شريطة التزام الورثة بتهيئة الحجة النيابية المطلوبة عن الميت و لا
فرق في ذلك بين أن تكون التركة واسعة جدا ،أو لا ،فان المعيار في جواز
التصرف فيها انما هو بزيادتها على الدين .هذا اضافة الى ان مقدار نفقة الحج أو
الدين يظل في ملك الميت ،و لا ينتقل الى الورثة ،و حيث إن نسبة هذا المقدار
الى مجموع التركة نسبة الكلي في المعين لا الاشاعة ،فيكون جواز تصرف الورثة
في التركة اذا كانت زائدة على القاعدة شريطة ان لا يؤدي تصرفهم فيها الى
تفويت الحج أو الدين ،و الاّ لم يجز ،هذا .و تمام الكلام في المسألة ( 84 ) من
( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق
مبسوطة ) .
( 1 ) باعتبار أن وجوب الحج عن الميت نيابة ،بما أنه مرتبط بوفاء التركة
بنفقاته ،فاذا لم تتسع للحد الأدنى من نفقاته فبطبيعة الحال سقط وجوب الحج
و كانت التركة حينئذ للورثة ،فان المانع عن انتقالها اليهم انما هو وجوب الحج
عن الميت ،فاذا سقط فلا مانع من الانتقال ما لم يوجد دين أو وصية ،و لا يجب
على الورثة تكميل النفقة من مالهم الخاص و إن كان الأولى و الأجدر لهم
التكميل ،كما لا يجب عليهم بذل تمام النفقة للحج عن الميت اذا لم تكن له
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 29 ،من أبواب كتاب الوصايا ،الحديث :2 .
--( 47 )--
( مسألة 78 ) :من مات و عليه حجة الإسلام لا يجب الاستيجار عنه
من البلد ،بل يكفي الاستيجار عنه من الميقات ( 1 ) ،بل من أقرب المواقيت
الى مكة ان امكن و الا فمن الأقرب فالأقرب ،و الأحوط الأولى الاستيجار
من البلد إذا وسع المال ،لكن الزائد عن اجرة الميقات لا يحسب على
الصغار من الورثة .
( مسألة 79 ) :من مات و عليه حجة الإسلام تجب المبادرة إلى
الاستيجار عنه في سنة موته ،فلو لم يمكن الاستيجار في تلك السنة من
الميقات لزم الاستيجار من البلد ،و يخرج بدل الايجار من الأصل ( 2 ) ،و لا
يجوز التأخير إلى السنة القادمة ،و لو مع العلم بامكان الاستيجار فيها من
الميقات .
تركة اطلاقا ،و لا فرق في ذلك بين ما اذا أوصى بأن يحج عنه ،أو لم يوص
بذلك .
( 1 ) هذا اذا لم يكن الميت قد اوصى بأن يحج عنه من تركته ،فانه في هذه
الحالة لا يستحق الاّ حجة ميقاتية التي تكون أقل كلفة و نفقة من الحجة البلدية ،
باعتبار أنها لا تكلف النائب السفر الاّ من الميقات ،و أما الحجة البلدية
فهي تكلف النائب السفر من البلد الذي كان المنوب عنه يعيش فيه ،و أما إذا كان
الميت قد أوصى بأن يحج عنه من تركته فيكون الموصى به الحجة البلدية ،
و تخرج من نفقاتها من التركة جميعا ،و تفصيل ذلك ذكرناه في المسألة ( 88 ) من
( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق
مبسوطة ) .
( 2 ) أما في صورة الوصية فقد مر أن الموصى به الحجة البلدية ،و تخرج
نفقاتها جميعا من الأصل ،و أما في صورة عدم الوصية فيكون الواجب الحجة
الميقاتية ،و لكن اذا تعذر الاستيجار للحج عن الميت من الميقات وجب على --( 48 )--
( مسألة 80 ) :من مات و عليه حجة الإسلام إذا لم يوجد من يستأجر
عنه إلا باكثر من اجرة المثل يجب الاستيجار عنه ،و يخرج من الأصل ،و لا
يجوز التأخير إلى السنة القادمة توفيرا على الورثة و ان كان فيهم الصغار .
الورثة الاستيجار للحج عنه من البلد ،و ذلك لأن احتمال تأخير الحجة الى
السنين القادمة الى أن يتمكن من الاستيجار من الميقات يكون بلا مبرر ،اذ لازم
ذلك عدم وجوب الاستيجار للحج عنه اذا فرض عدم التمكن من الاستيجار
عن الميقات بسبب من الأسباب أو في ظرف من الظروف غير الاعتيادية ،و هذا
غير محتمل ،كما ان من غير المحتمل أن يكون انفاق الزائد على الأجور
الميقاتية من الثلث ،فان نتيجة ذلك تعطيل الحجة الى ان يتمكن الورثة من
الاستيجار عن الميقات اذا لم يكن للميت ثلث ،كما إذا لم يوص به .
و بكلمة :ان ذمة الميت اذا كانت مشغولة بحجة الإسلام كان له الحق شرعا
في التركة بمقدار نفقاتها ،و حينئذ فان أمكن الايجار من الميقات كفى ذلك ،
و تبرأ ذمته بحج الأجير منه ،و لا يجب الايجار من البلد ،بل لو آجر منه و الحال
هذه يدفع الزائد من الثلث اذا كان له ثلث ،و الاّ فالمستأجر ضامن له ،و أما اذا لم
يمكن الايجار من الميقات بسبب او آخر ،فلا يكون ذلك مبررا للتأجيل ،بل
يجب على الوارث الايجار من البلد ،و دفع الأجرة جميعا من التركة ،لأن حق
الميت في تركته الذي جعله الشارع لا يكون متمثلا في كمية خاصة من المال
المحددة التي لا تزيد و لا تنقص ،بل هو بمقدار ما يحج به عنه لتفريغ ذمته ،
و هذا يختلف زيادة و نقيصة باختلاف الأوقات و الظروف ،و الحالات الطارئة ،
و عليه فان امكن الايجار من الميقات كان حقه متمثلا في أجرة الحجة الميقاتية ،
و لا حق له في الزائد ،و إن لم يمكن الايجار من الميقات وجب الايجار من البلد ،
و حينئذ يكون حقه متمثلا في اجور الحجة البلدية ،و لا يجوز التأجيل تبريرا
ذلك بعدم امكان الايجار من الميقات ،و من هذا القبيل ما اذا اقترح الأجير اجرة --( 49 )--
( مسألة 81 ) :من مات و اقرّ بعض ورثته بان عليه حجة الإسلام ،
و أنكره الآخرون فالظاهر انه يجب على المقرّ الاستيجار للحج و لو بدفع
تمام مصرف الحج من حصته ( 1 ) ،غاية الأمر أن له اقامة الدعوى على
المنكرين و مطالبتهم بحصته من بقية التركة و يجرى هذا الحكم في الاقرار
بالدين أيضا .نعم ،اذا لم يف تمام حصته بمصرف الحج لم يجب عليه
الاستيجار بتتميمه من ماله الشخصى .
( مسألة 82 ) :من مات و عليه حجة الإسلام و تبرع متبرع عنه بالحج
لم يجب على الورثة الاستيجار عنه بل يرجع بدل الاستيجار إلى
الورثة ( 2 ) .نعم ،إذا اوصى الميت باخراج حجة الإسلام من ثلثه لم يرجع
بدله الى الورثة ،بل يصرف في وجوه الخير أو يتصدق به عنه .
اكبر من الاجرة الاعتيادية التي هي المقررة عادة و لم يوجد من يقبل باجرة
اعتيادية ،فان الواجب حينئذ تلبية اقتراحه ،و دفع الاجرة الاكبر جميعا من التركة ،
و لا يجوز أن يجعل ذلك مبررا للتأجيل .فالنتيجة ان الشارع جعل للميت حقا
في تركته بمقدار ما يوجب براءة ذمته عن الحجة ،و هذا المقدار طبعا يختلف
باختلاف الظروف و الأوقات و الأشخاص .
( 1 ) في وجوب ذلك اشكال ،بل منع ،اذ ليس على المقر أن يسدّد
كل نفقات الحج من حصته الخاصة به لان الواجب عليه أن يسدّد ما يخصّ
حصته ،فاذا كانت نفقة الحج بقدر ربع التركة ،فليس عليه الاّ أن يدفع ربع ما
عنده من التركة ،و حينئذ فان اتفق وجود متبرع بسائر النفقة أدى المقر ربع ما
عنده و الاّ تصرف في كامل حصته ،و لا شيء عليه ،و تفصيل ذلك بيّناه في
المسألة ( 85 ) من ( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من
كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) هذا من جهة أن المانع عن انتقال مقدار نفقة الحج الى الورثة ،و بقاؤه --( 50 )--
( مسألة 83 ) :من مات و عليه حجة الإسلام و اوصى بالاستيجار من
البلد وجب ذلك ،و لكن الزائد على اجرة الميقات يخرج من الثلث ( 1 ) ،
و لو اوصى بالحج و لم يعين شيئا اكتفى بالاستيجار من الميقات ،إلا اذا
كانت هناك قرينة على ارادة الاستيجار من البلد ،كما إذا عين مقدارا يناسب
الحج البلدي .
( مسألة 84 ) :اذا اوصى بالحج البلدي ،و لكن الوصي او الوارث
استأجر من الميقات بطلت الاجارة ( 2 ) ،ان كانت الاجارة من مال الميت ،
و لكن ذمة الميت تفرغ من الحج بعمل الأجير .
في ملك الميت انما هو اشتغال ذمة الميت بحجة الإسلام ،و توقفها على المال ،
و أما اذا برئت ذمته عنها بتبرع متبرع بالحج عنه ،فلا مقتضي لبقاء مقدار نفقته في
ملك الميت ،بل ينتقل الى ملك الورثة ،لأن المقتضي للانتقال موجود ،و لا مانع
منه ،و هذا بخلاف الثلث ،فانه يظل ثابتا في ملك الميت و إن تعذر صرفه في
الجهة التي عيّنها الموصي ،و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الوصية بالثلث تعدد
المطلوب ،بمعنى أنها تدل عرفا على أن غرض الموصي صرفه فيما يصل نفعه
اليه مع مراعاة الأهم فالأهم ،فاذا تعذر صرفه في الجهة التي عينها وجب صرفه
في الجهة الأخرى دونها من جهات البر و الاحسان .
( 1 ) بل من الأصل ،لما مر من أن الميت اذا كان قد أوصى بالحج بدون
تقييده من الميقات كان الظاهر من ذلك أن الموصى به الحجة البلدية ،و تخرج
نفقاتها جميعا من التركة ،و تفصيل ذلك في المسألة ( 88 ) من ( فصل :في شرائط
وجوب حجة الإسلام ) في الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) هذا مبني على أن معنى الوصية بالحجة البلدية الوصية بالاجارة على
المقدمات و الأعمال معا ،فعندئذ إذا أوقع الوارث او الوصي الاجارة على --( 51 )--
( مسألة 85 ) :اذا اوصى بالحج البلدي من غير بلده ،كما إذا اوصى
ان يستأجر من النجف -مثلا -وجب العمل بها و يخرج الزائد عن اجرة
الميقاتية من الثلث ( 1 ) .
( مسألة 86 ) :إذا اوصى بالاستيجار عنه لحجة الإسلام و عيّن الاجرة
لزم العمل بها ،و تخرج من الأصل ان لم تزد على اجرة المثل ،و إلا كان
الزائد من الثلث ( 2 ) .
الأعمال فقط بدون ضم المقدمات اليها بطلت ،لان الاجارة التي وقعت على
نفس أعمال الحج ليست موردا للوصية ،و ما هو مورد لها و هو الاجارة على
الأعمال مع مقدماتها لم تقع عليه ،و أما إذا كان معنى الوصية بها الوصية بالاجارة
على نفس أعمال الحج و واجباته مشروطة بكونها من البلد ،فحينئذ اذا أوقع
الوصي أو الوارث الاجارة على الحجة الميقاتية صحت الاجارة ،و لكنه خالف
الوصية و اعتبر آثما .
( 1 ) بل من الأصل ،لما مر من أن للميت في زمن حياته حقا في أن يعين
أجرة حجه بعد موته في مال معين و استيجار شخص خاص للحج عنه ،و كذلك
له تعيين بلد الايجار ،و اذا عين وجب على الوصي تنفيذه من الأصل شريطة أن
يكون له في ذلك غرض عقلائي ،كما اذا كان الحج من تلك البلدة أو من ذلك
الشخص أكثر ثوابا و أدق تطبيقا ،لا أنه مجرد اضرار بالورثة .نعم اذا عين الأجرة
في مال معين ،فان لم يف بنفقات الحج ،وجب تكميله من التركة ،و إن زاد عن
الأجرة الاعتيادية يحسب الزائد من الثلث على أساس أن الأجرة
الاعتيادية تكفي لنفقات الحج .
نعم ،إذا اتفق في مورد لم يوجد من يقبل بها ،و طالب باجرة اكبر وجب
دفع الكل من الأصل ،و لا مبرر للتأجيل كما مر .
( 2 ) ظهر وجه ذلك مما مر ،من ان الميت اذا كان قد عين مالا معينا لأجور --( 52 )--
( مسألة 87 ) :اذا اوصى بالحج بمال معين و علم الوصي ان المال
الموصى به فيه الخمس أو الزكاة وجب عليه اخراجه اولا ،و صرف الباقي
في سبيل الحج ،فان لم يف الباقي بمصارفه لزم تتميمه من اصل التركة ،ان
كان الموصى به حجة الإسلام ،و إلا صرف الباقي في وجوه البر ( 1 ) .
( مسألة 88 ) :اذا وجب الاستيجار للحج عن الميت بوصية أو بغير
وصية ،و اهمل من يجب عليه الاستيجار فتلف المال ضمنه ( 2 ) ،و يجب
عليه الاستيجار من ماله .
الحج ،فان كان ذلك المال اكثر من الأجرة الاعتيادية اخرج مقدار الأجرة
الاعتيادية من الأصل ،و اعتبر الزائد من ثلث الباقي ،و إن كان بمقدار الأجرة
الاعتيادية أخرج الكل من التركة رأسا .
نعم قد لا يوجد من يقبل بالأجرة الاعتيادية حتى بأعلى درجاتها ،ففي
مثل هذه الحالة لا يعتبر الزائد من الثلث ،بل يعتبر من الأصل كالأجرة الاعتيادية ،
و لكنها حالة استثنائية قد تتفق كما عرفت ،نظير ما اذا اقترح الأجير اجرة اكبر من
الأجرة الاعتيادية في وقت لا يوجد من يقبل باجرة اعتيادية ،فانه لا بد من تلبية
اقتراحه ،و عدم المبرر للتأجيل ،هذا كله من جهة أنه لا بد من تأدية حق الميت ،
و عدم جواز تأجيله سنة بعد أخرى .
( 1 ) ظهر حكم هذه المسألة مما ذكرناه في المسألة ( 82 ) من أنه اذا تعذر
صرف الثلث في الجهة التي عينها الموصي ،وجب صرفه في الجهة الأخرى من
وجوه البر و الاحسان .
( 2 ) هذا من جهة أن تلف المال بما أنه مستند الى إهماله و تقصيره فيكون
ضامنا ،فاذن يجب عليه أن يستأجر شخصا للحج عن الميت من ماله عوضا عن
المال التالف .
--( 53 )--
( مسألة 89 ) :إذا علم استقرار الحج على الميت ،و شك في ادائه
وجب القضاء عنه ( 1 ) ،و يخرج من اصل المال .
( مسألة 90 ) :لا تبرأ ذمة الميت بمجرد الاستيجار ( 2 ) فلو علم ان
الأجير لم يحج لعذر أو بدونه وجب الاستيجار ثانيا ،و يخرج من الأصل
و ان امكن استرداد الاجرة من الأجير تعين ذلك ،اذا كانت الاجرة مال
الميت .
( مسألة 91 ) :اذا تعدد الأجراء فالأحوط استيجار اقلهم اجرة ،إذا
كانت الاجارة بمال الميت ،و إن كان الأظهر جواز استيجار المناسب لحال
الميت من حيث الفضل و الشرف ،فيجوز استيجاره بالأزيد ( 3 ) .
( 1 ) هذا من جهة ان موضوع وجوب القضاء مركب من أمرين :
أحدهما :استقرار الحج في ذمة الميت .
و الآخر :عدم الاتيان به .
و الاول محرز بالوجدان ،و الثاني بالاستصحاب ،و بضم الوجدان الى
الاستصحاب يتم الموضوع ،و يترتب عليه حكمه ،و هو وجوب القضاء .
( 2 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لأن مقتضى عقد الايجار ان المستأجر يملك العمل
في ذمة الأجير ،و الأجير يملك الأجرة في ذمة المستأجر ،و أما فراغ ذمة الميت
فهو مترتب على قيام الأجير بالعمل في الخارج و اتيانه فيه .
( 3 ) بل يجوز مطلقا حتى اذا كان الأجير أفضل من الميت شأنا و مقاما
و علما ،و مع ذلك يجوز استيجاره للحج عنه باجرة مناسبة لحال الأجير
و مقامه ،و إن كانت تلك الأجرة اكبر مما يتطلب شأن الميت و مقامه ،و لا يجب
استيجار شخص مناسب لشأن الميت و مقامه بأجرة مناسبة .
و النكتة في ذلك أن الأجرة الاعتيادية على درجات تبعا لنوعية الأجير ،
و هي تخرج من تركة الميت من أعلاها الى أدناها ،و حينئذ فيجوز الأخذ بأعلى --( 54 )--
( مسألة 92 ) :العبرة في وجوب الاستيجار من البلد او الميقات
بتقليد الوارث أو اجتهاده ،لا بتقليد الميت او اجتهاده ( 1 ) فلو كان الميت
يعتقد وجوب الحج البلدي و الوارث يعتقد جواز الاستيجار من الميقات لم
يلزم على الوارث الاستيجار من البلد .
( مسألة 93 ) :إذا كانت على الميت حجة الإسلام و لم تكن له تركة
لم يجب الاستيجار عنه على الوارث .نعم ،يستحب ذلك على الولي .
تلك الدرجات و إن كانت اكبر مما تتطلبه شئون الميت و مكانته ،كما يجوز الأخذ
بادناها و إن كانت أقل مما تتطلبه مكانة الميت و مقامه .
فالنتيجة :انه لا يجب استيجار من يكون بدرجة الميت شأنا و مقاما باجرة
مناسبة .
و قد تسأل :ان الوصي اذا استأجر من كان دون الميت مقاما و شأنا بأدنى
درجة من الأجرة الاعتيادية ،فهل يرجع ما به التفاوت بين أعلى درجة من
الأجرة الاعتيادية ،و بين أدناها الى الورثة ،أو يصرف في وجوه البر و الاحسان ؟
و الجواب :انه يرجع الى الورثة لوجود المقتضي للرجوع ،و عدم المانع
منه ،لأن المانع انما هو اشتغال ذمة الميت بالحجة ،فاذا فرغت ذمته عنها
بالاستيجار بادنى درجة من الأجرة الاعتيادية فلا مانع من رجوع الزائد اليهم .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه الاّ في مورد واحد و هو ما اذا كان نظر الميت موافقا
للاحتياط و نظر الوارث مخالفا له ،و كان مبنيا على الأصل العملي المؤمّن كأصالة
البراءة ،دون الدليل الاجتهادي ،فان في مثل ذلك بما أن الوارث يحتمل مطابقة
نظر الميت للواقع ،و لم يقم عنده ما يكشف عن بطلانه ،فمن أجل ذلك
فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يعمل على طبق نظر الميت ،هذا بالنسبة إلى
الوارث .و أما الوصي فان كان نظره مطابقا لنظر الموصي اجتهادا أو تقليدا فهو --( 55 )--
( مسألة 94 ) :اذا اوصى بالحج فان علم ان الموصى به هو حجة
الإسلام اخرج من اصل التركة إلا فيما اذا عين اخراجه من الثلث ،و أما إذا
علم ان الموصى به غير حجة الإسلام ،او شك في ذلك فهو يخرج من
الثلث ( 1 ) .
( مسألة 95 ) :اذا اوصى بالحج ،و عين شخصا معينا لزم العمل
بالوصية ،فان لم يقبل إلا بازيد من اجرة المثل اخرج الزائد من الثلث ( 2 ) ،
فان لم يمكن ذلك أيضا استؤجر غيره باجرة المثل .
المطلوب ،و إن كان مخالفا له ،فان كان نظره مطابقا للاحتياط دون نظر الموصي
كان عليه أن يعمل على طبق نظره ،و إن كان نظر الموصي مطابقا للاحتياط دون
نظره ،فعليه أن يعمل على طبق نظر الموصي تطبيقا للعمل بالوصية ،و تمام
الكلام هنا في المسألة ( 101 ) من ( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في
الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه و ذلك لأن الوارث أو الوصي اذا شك في أن
الموصى به هل هو حجة الإسلام أو غيرها كان مرد هذا الشك الى الشك في أن
الوصية قد تعلقت بها أو بغيرها ،و في مثل ذلك لا مانع من الرجوع الى أصالة
عدم تعلقها بها ،و بذلك ينفى موضوع وجوب الخروج من الأصل و هو تعلق
الوصية بها ،فلذلك يخرج من الثلث لا من أصل المال .
( 2 ) هذا لما مر من أن حق الميت شرعا في التركة إنما يمثل مقدار نفقات
سفر الحج الاعتيادية من أعلى درجاتها الى أدناها ،الاّ في حالات استثنائية كما
عرفت ،و على هذا فاذا لم يقبل الأجير الاّ بأجرة اكبر من الأجرة الاعتيادية بأعلى
تلك الدرجات ،فالزائد يخرج من ثلث الباقي شريطة أن يوجد هناك من يقبل
بالاجرة الاعتيادية ،و أما إذا لم يوجد و طالب الأجير بأجور أكبر من الاعتيادية --( 56 )--
( مسألة 96 ) :اذا اوصى بالحج ،و عين اجرة لا يرغب فيها احد ،فان
كان الموصى به حجة الإسلام لزم تتميمها من اصل التركة ،و ان كان
الموصى به غيرها بطلت الوصية ،و تصرف الأجرة في وجوه البر ( 1 ) .
( مسألة 97 ) :اذا باع داره بمبلغ -مثلا -و اشترط على المشتري ان
يصرفه في الحج عنه بعد موته كان الثمن من التركة ( 2 ) ،فان كان الحج
حجة الإسلام لزم الشرط و وجب صرفه في اجرة الحج ،ان لم يزد على
أجرة المثل و إلا فالزائد يخرج من الثلث ،و ان كان الحج غير حجة الإسلام
لزم الشرط أيضا ،و يخرج تمامه من الثلث و ان لم يف الثلث لم يلزم الشرط
في المقدار الزائد .
باعلاها ،فلا يخرج الزائد من الثلث لعدم الموجب للتأجيل الى سنة أخرى .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه و ذلك ،لما عرفت من أن الوصية بالثلث تدل على
أن غرض الميت منها بقاؤه في ملكه و صرفه في الأهم فالأهم مما يصل نفعه
اليه ،و على هذا فالأجرة التي عينها الموصي للحج بما أنه لا يرغب فيها أحد ،و لا
يقبل الحج بها فالوصية بالنسبة إليه باطلة ،و حينئذ فلا بد من صرفها في الجهة
الأخرى مع مراعاة الأقرب فالأقرب ،على أساس ما ذكرناه من دلالة الوصية على
تعدد المطلوب ،يعنى الأهم فالأهم ،و الأقرب فالأقرب .
( 2 ) في اطلاقه اشكال ،بل منع ،لأن الشرط في المسألة بما انه يتضمن
الوصية بصرف ثمن الدار في الحج عنه بعد موته ،فيكون المشروط بهذا الشرط
الوصية بالحج ،و عليه فان كان الحج الموصى به حجة الإسلام أخرج الثمن من
التركة ،فان و في بنفقات الحج فهو المطلوب ،و إن لم يف بها فان كانت له تركة
اخرى وجب تكميله منها ،و الاّ كان الثمن للورثة ،باعتبار أن هذه الوصية وصية
بحجة الإسلام مباشرة ،و لا ترجع الى الوصية بالثلث .
--( 57 )--
..........
و إن كان الحج الموصى به حجة أخرى ،فان كان ثمن الدار بمقدار ثلث
ماله فالوصية نافذة ،و يجب على الوصي صرفه في الحج الموصى به ،و إن كان
زائدا على الثلث فالزائد يرجع الى الورثة ،و عندئذ فان كان الباقي وافيا
بنفقات سفر الحج وجب صرفه فيها ،و الا صرف في وجوه البر و الاحسان ،و من
هنا يظهر حال ما إذا كانت تركته منحصرة به ،فان وصيته وقتئذ نافذة في ثلث
الثمن فقط ،فان و في ثلثه بالحج فهو ،و الاّ يصرف في جهات الخير ،هذا من
ناحية .
و من ناحية أخرى اذا فرض ان المشترى امتنع عن تنفيذ الوصية ،فحينئذ
ان كان الحج الموصى به حجة الإسلام ،و كانت للميت تركة أخرى غيره أيضا ،
أو إذا لم تكن له تركة أخرى غيره ،و لكن ثمن الدار لا يزيد على الأجرة
الاعتيادية للحج ،ثبت خيار تخلف الشرط للميت فحسب ،و هل ينتقل هذا
الخيار الى ورثته أو الى الحاكم الشرعي ؟
و الجواب :انه ينتقل الى الحاكم الشرعي دون الورثة ،فانهم لا ينتفعون به ،
لأن نسبتهم اليه كنسبة الأجانب ،فالخيار انما ينتقل الى الورثة تبعا لانتقال الحق
أو المال اليهم لا مطلقا ،و المفروض في المقام ان المال لم ينتقل اليهم ،بل ظل
في ملك الميت ،و إذا فسخت المعاملة انتقل الثمن من ملكه الى ملك المشتري
بدل انتقال الدار من ملكه الى ملك الميت .
فالنتيجة ان الخيار بما أنه ينتقل الى الحاكم الشرعي فله أن يطالب
المشتري حينئذ بتنفيذ الوصية ،فان امتنع فسخ المعاملة ،فاذا فسخها انتقلت
الدار من ملك المشتري الى ملك الميت ،كما انتقل الثمن من ملكه الى ملك
المشتري و للحاكم الشرعي ان يصرف الدار عندئذ في الحج عنه ،فان زادت عن --( 58 )--
..........
نفقاته اعتبر الزائد من ثلث الباقي ،اذا كانت له تركة أخرى ،و يصرف في وجوه
البر و الاحسان .و كذلك اذا لم تكن له تركة أخرى ،على اساس ان الدار بما أنها
صارت ملكا للميت من جديد بعد خروجها عن ملكه في زمن حياته ،فلا دليل
على أن كل ما يملكه الميت بعد موته ينتقل الى ورثته فيما عدا مسألة الدية ،
و يشهد على ذلك بعض الروايات أيضا .
و أما إذا كانت التركة منحصرة بالثمن ،و كان زائدا عن الأجرة المتعارفة ،
فحينئذ بما أن الزائد يرجع الى الورثة فاذا امتنع المشتري عن تسليمه اليهم ثبت
لهم الخيار أيضا ،فها هنا خياران :
أحدهما :ثابت للميت من جهة تخلف الشرط .
و الآخر :للورثة من جهة امتناع المشتري عن تسليم الزائد ،و في هذه
الصورة أيضا لا ينتقل خيار الميت الى الورثة ،بل الى الحاكم الشرعي بنفس
الملاك المتقدم ،و أما إذا كان الحج الموصى به حجة أخرى فان لم يكن الثمن
أزيد من الثلث ثبت الخيار للميت فقط ،بملاك تخلف الشرط ،و ينتقل الى
الحاكم الشرعي بنفس ما تقدم من الملاك ،و إن كان الثمن ازيد من الثلث فبما أن
الزائد يرجع إلى الورثة ،ثبت الخيار لهم أيضا بملاك امتناع المشتري عن تسليم
الزائد اليهم ،فعندئذ يكون هناك خياران :
أحدهما :ثابت للميت من جهة تخلف الشرط .
و الآخر :للورثة من جهة امتناع المشتري عن التسليم و خيار الميت لا
ينتقل الى الورثة بنفس ما تقدم من الملاك ،فمن أجل ذلك يقوم الحاكم الشرعي
مقام الميت من باب الولاية -كما عرفت -.
--( 59 )--
( مسألة 98 ) :اذا صالحه داره -مثلا -على أن يحج عنه -بعد موته -
صح و لزم ،و خرجت الدار عن ملك المصالح الشارط ،و لا تحسب من
التركة ،و ان كان الحج ندبيا ،و لا يشملها حكم الوصية ،و كذلك الحال اذا
ملكه داره بشرط أن يبيعها و يصرف ثمنها في الحج عنه بعد موته ،فجميع
ذلك صحيح لازم ،و ان كان العمل المشروط عليه ندبيا ،و لا يكون للوارث
حينئذ حق في الدار ،و لو تخلف المشروط عليه عن العمل بالشرط لم
ينتقل الخيار الى الوارث ،و ليس له اسقاط هذا الخيار الذي هو حق للميت
و انما يثبت الخيار للحاكم الشرعي ( 1 ) و بعد فسخه يصرف المال فيما
شرط على المفسوخ عليه فان زاد شيء صرف في وجوه الخير .
( 1 ) هذا مبني على أن مفاد شرط الفعل ليس هو إنشاء تمليكه للمشروط
له ،بل مفاده الزام المشروط عليه بالعمل بالشرط تكليفا ،و على هذا فليس
الشرط ملكا و لا حقا حتى يكون من التركة و ينتقل الى الورثة ،و حينئذ فاذا امتنع
المشروط عليه عن العمل بالشرط ثبت للميت خيار تخلف الشرط ،و ينتقل هذا
الخيار الى الحاكم الشرعي بمعنى أنه يقوم مقامه في اعماله ولاية ،لا الى الورثة
لأنهم لا ينتفعون به كالأجنبي ،و قد مر أن الخيار انما ينتقل اليهم تبعا لانتقال
الملك او الحق لا مطلقا ،و أما بناء على أن مفاده إنشاء تمليك الفعل المشروط
للمشروط له ،كما هو غير بعيد فينتقل الخيار حينئذ الى الورثة تبعا لانتقال
الشرط اليهم .
بيان ذلك :انه يمكن ان يقال ان المنشأ في شرط الفعل في الحقيقة هو
المعنى الحرفي ،يعني النسبة المدلول عليه بكلمة ( اللام ) في قولك عند
الاشتراط في عقد «ان تخيط لي ثوبي »أو «لك عليّ خياطة الثوب »و حيث ان
النسبة الخارجية بين الشرط و المشروط له في الخارج غير قابلة للإنشاء ،فلا --( 60 )--
..........
محالة يكون المنشأ هو النسبة الاعتبارية بينهما المتمثلة في ملكية الشرط
للمشروط له ،و على ضوء هذا الأساس ان المشروط له يملك الشرط على
المشروط عليه من حين إنشائه في ضمن العقد ،غاية الأمر ان ظرف تسليمه اليه
كان بعد موته ،و حينئذ يكون من التركة ،و اذا كان منها انتقل الى الورثة شريطة
توفر أمرين فيه معا :
أحدهما :ان لا يكون الحج المشروط به حجة الإسلام .
و الآخر :أن لا تكون التركة منحصرة بهذا الشرط ،و حينئذ فان كان الميت
قد أوصى بالثلث و لم يعين مصرفا خاصا له و أوكل تعيين مصرفه بنظر الوصي
أو الوارث ،فله أن يعين الثلث في الشرط مالا و مصرفا اذا لم تكن قيمته أزيد من
الثلث و عندئذ فان قام المشروط عليه بالوفاء بالشرط بأن يحج عنه نيابة فقد
أدى المشروط عليه ما عليه من العمل المشروط ،و نفذ الوصي الوصية ،فيكون
حج المشروط عليه مصداقا للعمل بالوصية و للوفاء بالشرط معا ،و إن امتنع
المشروط عليه من الوفاء بالشرط ثبت للورثة خيار تخلف الشرط ،و كان لهم
حينئذ أن يقوموا بفسخ المعاملة ،فاذا فسخوها انتقلت الدار في المثال اليهم ،فاذا
انتقلت فلهم اخراج الثلث منها ،أو من سائر التركة ،و أما إذا لم تكن له وصية
بالثلث فلا حق له ،لا في سائر تركته في الخارج ،و لا في هذا الشرط .
و دعوى :أن هذا الشرط منه وصية فيكون نافذا في ثلثه .
مدفوعة :بان هذا الشرط لا يصلح أن يكون وصية ،لأن الوصية يكون
متعلقها المال أو الحق في الخارج في المرتبة السابقة ،بقطع النظر عنها ،و هذا
الشرط مدلوله إنشاء ملكية الفعل للمشروط له ،لا أنه متعلق بالمال و الملك في
المرتبة السابقة و بقطع النظر عنه حتى يصدق عليه عنوان الوصية .
--( 61 )--
..........
و إن شئت قلت :ان الوصية متوقفة على وجود مال للميت في الخارج
في المرتبة المتقدمة حتى تتعلق بثلثه فيه ،و أما في المقام فبما أن مدلول الشرط
إنشاء ملكية الفعل كالحج -مثلا -و اعتبارها للمشروط له ،فلا يكون متعلقا
بالمال و الملك له ،لكي يكون وصية .
فالنتيجة ان المشروط له لا يكون مالكا للفعل في المرتبة السابقة و بقطع
النظر عن هذا الشرط لكي ينطبق عليه عنوان الوصية ،و إنما يملكه بنفس هذا
الشرط ،فاذن كيف يمكن أن يكون هذا الشرط وصية ؟هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى ان الشرط كالحج في ذمة المشروط عليه في المقام و إن
انتقل الى الورثة الاّ أنهم لا ينتفعون به مباشرة ،و حينئذ فاما أن يرضوا بقيام
المشروط عليه بالحج عن الميت نيابة احسانا منهم له ،و اما أن يبرءوا ذمته عنه
مجانا ،أو مع العوض .نعم اذا امتنع المشروط عليه من القيام بالعمل ثبت لهم
خيار تخلف الشرط ،و عندئذ كان لهم فسخ المعاملة و أخذ المال منه ،و أما اذا
كان الحج المشروط به حجة الإسلام و كانت التركة منحصرة بهذا الشرط ،فلا
ينتقل الى الورثة ،و ظل في ملك الميت الى أن يقوم المشروط عليه بالعمل به ،
و في هذه الصورة إذا امتنع المشروط عليه من الوفاء بالشرط ثبت الخيار للميت ،
و ينتقل منه الى الحاكم الشرعي لا للورثة ،لما مر من أنهم لا ينتفعون به أصلا ،
و قد عرفت ان الخيار انما ينتقل اليهم تبعا لانتقال التركة لا مطلقا ،فاذن للحاكم
الشرعي أن يطلب من المشروط عليه الوفاء بالشرط ،فان أصر على الامتناع
فسخ العقد و أخذ المال منه ،و يصرفه في نفقات الحجة الميقاتية عن الميت ،فان
زاد يرجع الزائد الى الورثة ،و إن نقص و لم يتسع للحد الأدنى من نفقات الحج
سقط الحج و كان المال كله للورثة .
--( 62 )--
( مسألة 99 ) :لو مات الوصي و لم يعلم انه استأجر للحج -قبل
موته -وجب الاستيجار من التركة ( 1 ) ،فيما اذا كان الموصى به حجة
الإسلام ،و من الثلث اذا كان غيرها .و اذا كان المال قد قبضه الوصي -و كان
موجودا -اخذ ،و ان احتمل ان الوصي قد استأجر من مال نفسه و تملك
ذلك بدلا عما اعطاه ،و ان لم يكن المال موجودا فلا ضمان على الوصي ،
لاحتمال تلفه عنده بلا تفريط .
( مسألة 100 ) :اذا تلف المال في يد الوصي بلا تفريط لم يضمنه
و وجب الاستيجار من بقية التركة ،اذا كان الموصى به حجة الإسلام ،و من
بقية الثلث ان كان غيرها فان كانت البقية موزعة على الورثة استرجع منهم
بدل الايجار بالنسبة ،و كذلك الحال ان استؤجر احد للحج و مات قبل
الاتيان بالعمل ،و لم يكن له تركة ،أو لم يمكن الأخذ من تركته .
( مسألة 101 ) :اذا تلف المال في يد الوصي قبل الاستيجار ،و لم يعلم
ان التلف كان عن تفريط لم يجز تغريم الوصي ( 2 ) .
( مسألة 102 ) :اذا اوصى بمقدار من المال لغير حجة الإسلام ،
و احتمل انه زائد على ثلثه لم يجز صرف جميعه ( 3 ) .
( 1 ) هذا اذا لم يؤد ظهور حاله الى الوثوق و الاطمينان بأنه عمل بالوصية
و استأجر للحج عن الميت ،و الاّ لم يجب الاستيجار عنه ،و به يظهر حال ما بعده .
( 2 ) لأن موضوع التغريم تلف المال عن تقصير و اهمال منه ،و هو غير
محرز .
( 3 ) لأن موضوع جواز التصرف فيه حيث إنه صحة الوصية ،و هي غير
محرزة بالنسبة الى الجميع ،فانه إن كان زائدا على الثلث لم تصح الوصية بالزائد
عليه ،و الاّ صحت ،و بما أنا لا ندري انه زائد على الثلث أو لا ،فبطبيعة الحال لا --( 63 )--
..........
ندري أن الوصية بالجميع صحيحة أو غير صحيحة ،فاذن لا يكون موضوع جواز
التصرف في الجميع فيه محرزا ،فاذا لم يكن محرزا لم يجز ،و لا يمكن التمسك
بأصالة الصحة في المقام ،لأن التمسك بها في كل مورد مرتبط بتوفر أركانها فيه ،
منها قابلية المحل و أهلية الفاعل ،و بما أن قابلية المحل في المقام غير محرزة من
جهة الشك في أن المحل قابل لتعلق الوصية به ،أو لا ،فلا يمكن التمسك بها .
--( 64 )--
فصل
في النيابة
( مسألة 103 ) :يعتبر في النائب امور :
الاول :البلوغ ،فلا يجزي حج الصبي من غيره في حجة الإسلام
و غيرها من الحج الواجب ،و ان كان الصبي مميزا ( 1 ) .
نعم ،لا يبعد صحة نيابته في الحج المندوب باذن الولي .
الثاني :العقل ،فلا تجزي استنابة المجنون ،سواء في ذلك ما إذا كان
جنونه مطبقا ،أم كان ادواريا إذا كان العمل في دور جنونه ،و اما السفيه فلا
بأس باستنابته .
الثالث :الايمان فلا عبرة بنيابة غير المؤمن ،و ان اتى بالعمل على
طبق مذهبنا .
الرابع :ان لا يكون النائب مشغول الذمة بحج واجب عليه في عام
النيابة .اذا تنجز الوجوب عليه و لا بأس باستنابته فيما إذا كان جاهلا
بالوجوب أو غافلا عنه و هذا الشرط شرط في صحة الاجارة ( 2 ) لا في
صحة حج النائب ،فلو حج -و الحالة هذه -برئت ذمة المنوب عنه ،و لكنه لا
يستحق الاجرة المسماة ،بل يستحق أجرة المثل .
( 1 ) لأن سقوط الواجب عن ذمة شخص بفعل غيره عنه نيابة بحاجة الى
دليل و لا دليل الاّ فيما اذا كان النائب بالغا ،و اما اذا لم يكن بالغا فلا دليل على
الكفاية ،و إن كانت عبادته في نفسها مشروعة .
( 2 ) هذا لا من جهة أن الاجارة لو صحت لزم وجوب حجين متضادين :
--( 65 )--
..........
أحدهما :عن نفسه .
و الآخر :عن غيره نيابة ،و هو تكليف بالمحال ،بل من جهة أخرى .
فلنا دعويان :الأولى :ان بطلان الاجارة ليس من جهة أن صحتها تستلزم
الأمر بالضدين .
الثانية :ان بطلانها من جهة عدم قدرة الأجير على الوفاء بها في ظرفه .
اما الدعوى الأولى :فلأن مقتضى صحة الاجارة هو وجوب الحجة
الايجارية على الأجير فقط ،دون وجوب حجتين متضادتين عليه فعلا ،و لكن
بما أنه مكلف بالحجة عن نفسه أيضا فيلزم حينئذ وقوع التزاحم بينهما في
مرحلة الامتثال ،فلا بد اذن من الرجوع الى مرجحات بابه ،فان كانت احداهما
أهم من الأخرى كان وجوب المهم لا محالة مقيدا لبا و واقعا بعدم الاشتغال
بالأهم دون العكس ،فلهذا يحكم العقل بوجوب الاتيان به تعيينا ،و لكن
المكلف اذا أتى بالمهم و خالف الأهم و عصاه فلا مانع من الحكم بصحته على
القول بالترتب -كما هو الصحيح -و إن كانتا متساويتين كان وجوب كل منهما
مقيدا لبا و واقعا بعدم الاشتغال بالأخرى ،و على القول بالترتب يصح الاتيان بكل
واحدة منهما عند ترك الأخرى .فالنتيجة انه لو لم يكن هناك مانع آخر من صحة
الاجارة لم يكن وقوع التزاحم بين وجوب الحج بالاجارة و وجوبه بالأصالة
مانعا عن صحتها .
و أما الدّعوى الثانية :فلأن الأجير اذا كان عالما بوجوب حجة الإسلام
عليه أصالة و ملتفتا اليه فلا يمكن الحكم حينئذ بصحة اجارته للحج عن غيره ،
لأن صحة الاجارة مرتبطة بقدرة الأجير على التسليم و الوفاء بها في ظرفه ،
و حيث انه مأمور فعلا بحجة الإسلام عن نفسه و وجوب صرف قدرته في --( 66 )--
( مسألة 104 ) :يعتبر في فراغ ذمة المنوب عنه احراز عمل النائب ،
و الاتيان به صحيحا ،فلا بد من معرفته باعمال الحج و احكامه ،و ان كان ذلك
بارشاد غيره عند كل عمل ،كما لا بد من الوثوق به ،و ان لم يكن عادلا .
( مسألة 105 ) :لا بأس بنيابة المملوك عن الحر .إذا كان باذن مولاه ( 1 ) .
امتثالها ،فبطبيعة الحال يكون عاجزا عن العمل بالاجارة و الوفاء بها ،على أساس
أن القدرة الواحدة لا تتسع للضدين معا ،فاذا كان ملزما بصرفها في الأهم كان
عاجزا عن المهم ،فاذن تكون الاجارة عليه باطلة .
و قد تسأل أنه اذا صار أجيرا في هذه الحالة ،و حج نيابة عن الميت أو
الحي العاجز ،فهل يصح ؟
و الجواب :ان الاجارة باطلة كما عرفت ،و أما الحج فهو صحيح على
القول بالترتب ،و تبرأ به ذمة الميت أو الحي العاجز ،و حينئذ فهل يستحق
الأجرة ؟
و الجواب :اما الأجرة المسماة فلا يستحقها لمكان بطلان الاجارة ،و أما
اجرة المثل و هي الاجرة المتعارفة التي يتقاضاها الأجراء للقيام بمثل هذا العمل
عادة ،فلا يبعد استحقاقها ،على أساس أن الاجارة و إن كانت باطلة ،الاّ أن الحج
كان بأمر المستأجر ،اذ من غير المحتمل عادة أن يكون أمره به مقيدا بصحة
الاجارة .نعم لو كانت هناك قرائن خارجية على أن أمر المستأجر بالحج كان
مقيدا بصحة الاجارة ،و لم يكن مطلقا ،أو لم يعلم بالحال ،لم يستحق أجرة المثل
أيضا .
( 1 ) اذ لا دليل على اعتبار الحرية في النائب .
نعم ،اذا كان النائب عبدا فلا بد من أن تكون استنابته باذن مولاه ،و الاّ لم
تصح .
--( 67 )--
( مسألة 106 ) :لا بأس بالنيابة عن الصبي المميز ( 1 ) ،كما لا بأس
بالنيابة عن المجنون ،بل يجب الاستيجار عنه اذا استقر عليه الحج في حال
افاقته و مات مجنونا .
( مسألة 107 ) :لا تشترط المماثلة بين النائب و المنوب عنه ،فتصح
نيابة الرجل عن المرأة ،و بالعكس .
( مسألة 108 ) :لا بأس باستنابة الصرورة عن الصرورة و غير الصرورة ،
سواء كان النائب أو المنوب عنه رجلا أو امرأة .نعم ،يكره استنابة
الصرورة ،و لا سيما إذا كان النائب امرأة و المنوب عنه رجلا ،و يستثنى من
ذلك ما إذا كان المنوب عنه رجلا حيا ،و لم يتمكن من حجة الإسلام ،فان
الأحوط فيه لزوما استنابة الرجل الصرورة ( 2 ) .
( 1 ) لأن الروايات التي تنص على استحباب النيابة عن غيره في الحج أو
غيره من العبادات تشمل باطلاقها الصبي المميز ،و المجنون أيضا .
( 2 ) لكن الأقوى عدم اعتبار الصرورة فيه ،لأن عمدة الدليل على اعتبارها
صحيحة الحلبي : «إن كان موسرا و حال بينه و بين الحج مرض أو حصر أو أمر
يعذره اللّه فيه ،فان عليه أن يحج عنه من ماله صرورة لا مال له »- 1 - ،بدعوى أنها
تدل على أن النائب عن الرجل الحي العاجز عن القيام المباشر بالحج لا بد أن
يكون صرورة بمقتضى ظهور القيد في الاحتراز .
و الجواب :ان الصحيحة لا تدل على اعتبار الصرورة في النائب عن
الرجل الحي العاجز حتى على القول بأن القضية الوصفية تدل على المفهوم اما
بملاك ظهور القيد في الاحتراز او من جهة أخرى ،و ذلك لأن من يقول بدلالة
هذه القضية على المفهوم انما يقول في الوصف الذي يذكر معه موصوفه ،فانه
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 24 ،من أبواب وجوب الحج و شرائطه ،الحديث :2 .
--( 68 )--
( مسألة 109 ) :يشترط في المنوب عنه الإسلام فلا تصح النيابة عن
الكافر ،فلو مات الكافر مستطيعا ،و كان الوارث مسلما لم يجب عليه
استيجار الحج عنه ( 1 ) .و الناصب كالكافر ،إلا انه يجوز لولده المؤمن ان
ينوب عنه في الحج .
( مسألة 110 ) :لا بأس بالنيابة عن الحي في الحج المندوب تبرعا كان
أو باجارة ،و كذلك في الحج الواجب إذا كان معذورا عن الاتيان بالعمل
مباشرة على ما تقدم و لا تجوز النيابة عن الحي في غير ذلك .و اما النيابة
عن الميت فهي جائزة مطلقا ،سواء كانت باجارة ،أو تبرع و سواء كان الحج
واجبا أو مندوبا .
محل الكلام بين الأصوليين نفيا و اثباتا ،و اما الوصف الذي لا يذكر مع موصوفه
فهو خارج عن محل الكلام ،لأن حاله حال اللقب ،بل هو من افراده ،و الفرض
أن اللقب لا يدل الاّ على انتفاء شخص الحكم المجعول في القضية بانتفاء
موضوعه ،و هذا ليس من المفهوم في شيء ،و حيث إن وصف الصرورة في
الصحيحة لم يذكر مع موصوفه ،فلا يدل على المفهوم كاللقب ،فاذن لا مانع من
التمسك باطلاقات أدلة النيابة ،و مقتضاها عدم الفرق بين أن يكون النائب عن
الرجل الحي العاجز صرورة أو غير صرورة ،و تفصيل ذلك مذكور في الحالة
الرابعة من المسألة ( 72 ) من ( فصل :في شرائط وجوب حجة الإسلام ) في
الجزء الثامن من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) هذا بناء على القول بأن الكفار غير مكلفين بالفروع واضح ،اذ حينئذ
لا موضوع للنيابة عنهم ،و أما بناء على القول بأنهم مكلفون بالفروع كما
استظهرناه ،فعندئذ و إن كانت ذمتهم مشغولة بالعبادات منها الحج ،الاّ ان صحة
النيابة عنهم بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليها ،لأن أدلة النيابة لا اطلاق لها حتى --( 69 )--
( مسألة 111 ) :يعتبر في صحة النيابة تعيين المنوب عنه بوجه من
وجوه التعيين ( 1 ) ،و لا يشترط ذكر اسمه ،كما يعتبر فيها قصد النيابة .
( مسألة 112 ) :كما تصح النيابة بالتبرع و بالاجارة تصح بالجعالة
و بالشرط في ضمن العقد و نحو ذلك .
( مسألة 113 ) :من كان معذورا في ترك بعض الاعمال ،أو في عدم
الاتيان به على الوجه الكامل لا يجوز استيجاره ( 2 ) ،بل لو تبرع المعذور
و ناب عن غيره يشكل الاكتفاء بعمله .نعم ،إذا كان معذورا في ارتكاب ما
يحرم على المحرم كمن اضطر إلى التظليل فلا بأس باستيجاره و استنابته
و لا بأس لمن دخل مكة بعمرة مفردة أن ينوب عن غيره لحج التمتع مع
العلم أنه لا يستطيع الاحرام الا من ادنى الحل ،كما لا بأس بنيابة النساء أو
غيرهن ممن تجوز لهم الافاضة من المزدلفة قبل طلوع الفجر ،و الرمي ليلا
للحج عن الرجل أو المرأة .
تشمل النيابة عنهم ،و لا يوجد دليل آخر على ذلك فالنتيجة ان الروايات التي
تنص على مشروعية النيابة منصرفة عرفا عن النيابة عن الكفار .
( 1 ) اذ لا شبهة في اعتبار قصد النيابة في صحة عمل النائب ،فلو حج
بدون أن يقصد النيابة عن غيره لم يصح ،لا عن نفسه و لا عن غيره ،كما أنه يعتبر
في صحته أن يقصد النيابة عن غيره معينا في الخارج و لو بعنوان اجمالي كعنوان
من قصده المستأجر ،أو من اعطى الأجرة له على عمله ،أو غير ذلك ،فاذا حج
النائب و قصد النيابة عن غيره بدون تعيينه لم يقع منه .
( 2 ) هذا هو الصحيح و ذلك لأن ذمة الميت اذا كانت مشغولة بالواجب
بكامل اجزائه و شروطه لم يصح استيجار من لا يقدر على الواجب كذلك
لمرض أو هرم أو غيره ،لأن ما هو مورد للإجارة لا يكون مطابقا لما في ذمة --( 70 )--
..........
المنوب عنه ،فاذا لم يكن مطابقا لم تصح الاجارة ،لأنها بلا مورد ،فاذا كان
بامكان الوصي أو الوارث استيجار من يكون قادرا على القيام بكل واجبات
الحج و شروطه ،لم يجز استيجار من لا يكون قادرا على القيام به كذلك .
و بكلمة :ان نيابة من لا يكون قادرا على الحج بكل واجباته و قيوده
بسبب أو آخر عن غيره في الحج الواجب غير كافية ،و لذلك فاذا بادر و تبرع عن
غيره فلا يكتفى بذلك ،لأن الملاك في كلا الموردين واحد ،و هو عدم انطباق ما
في ذمة المنوب عنه على ما أتى به من العمل الناقص .و من هنا يظهر الفرق بين
استيجار من لا يقدر على الواجب بتمام واجباته و قيوده من الأول ،و بين من طرأ
عليه العجز عنه في الاثناء ،فعلى الأولى يكون استيجاره باطلا ،و على الثاني
يكون صحيحا ،و لا يكشف طرو العجز عليه عن بطلانه من الأول .
و النكتة في ذلك ان من يكون عاجزا من الأول ،فاذا استؤجر للحج عن
الميت فبطبيعة الحال استؤجر للحج الناقص عنه دون التام لعدم قدرته عليه ،
و من الواضح ان هذا الاستيجار باطل جزما ،لأن ما هو مورد للإجارة لا يطابق مع
ما هو ثابت في ذمة الميت ،فان الثابت في ذمته الحج التام ،و ما هو مورد للإجارة
الحج الناقص ،فاذن ما يكون في الذمة لا يكون موردا للإجارة ،و ما يكون موردا
للإجارة لا يكون ثابتا في الذمة ،فلذلك تبطل الاجارة و لا مورد لها .
و أما من يكون قادرا على العمل التام من الأول ،فاذا استؤجر فلا محالة
كان استيجاره على العمل التام الموافق لما في ذمة المنوب عنه ،و عليه فما هو
ثابت في الذمة يكون موردا للإجارة و بالعكس .ثم اذا طرأ عليه عجز في الاثناء
بسبب من الأسباب كالمرض أو الحيض أو عائق آخر ،فمقتضى القاعدة و إن
كان بطلان الاجارة ،لأن ذلك كاشف عن عدم قدرته على الوفاء بها في ظرفه من --( 71 )--
( مسألة 114 ) :اذا مات النائب قبل أن يحرم لم تبرأ ذمة المنوب عنه ،
فتجب الاستنابة عنه ثانية في ما تجب الاستنابة فيه ،و ان مات بعد الاحرام
اجزأ عنه و ان كان موته قبل دخول الحرم على الأظهر ( 1 ) ،و لا فرق في
ذلك بين حجة الإسلام و غيرها ،و لا بين أن تكون النيابة بأجرة أو بتبرع .
( مسألة 115 ) :اذا مات الأجير بعد الاحرام استحق تمام الأجرة إذا
كان اجيرا على تفريغ ذمة الميت ،و اما إذا كان اجيرا على الاتيان بالاعمال
استحق الاجرة بنسبة ما اتى به ،و ان مات قبل الاحرام لم يستحق شيئا .
نعم ،إذا كانت المقدمات داخلة في الاجارة استحق من الأجرة بقدر
ما أتى به منها .
الأول ،الاّ أن الروايات التي تنص على تعيين وظيفة العاجز في الأثناء تشمل
باطلاقها الأجير أيضا ،و تدل على أن وظيفته اذا طرأ عليه عجز في أثناء العمل
الاستعانة بالغير ،أو الاستنابة كالأصيل ،و مقتضى هذه الروايات صحة عمل
الأجير بما هو أجير ،و نتيجة ذلك صحة الاجارة .
و الحاصل :ان الفرق بين العاجز من الأول و العاجز في الاثناء انما هو
النص .
و بكلمة :انه اذا طرأ على الأجير عجز عن الطواف مباشرة لمرض أو
نحوه ،فعليه أن يطوف بالاستعانة بغيره و لو محمولا ،و إن عجز عن ذلك أيضا
فعليه أن يستنيب شخصا لكي يطوف عنه .
فالنتيجة ان ما يدل على تعيين الوظيفة لمن طرأ عليه عجز في الاثناء يدل
على صحة عمله من الأول ،و عدم بطلانه ،و اذا كان اجيرا يدل على أنه لا يكون
عاجزا عن اتمام العمل التام شرعا حتى تكون الاجارة باطلة ،و هذا بخلاف ما إذا
كان عاجزا من الأول ،فانه لم يكن مشمولا للنص و مقتضى القاعدة فيه البطلان .
( 1 ) للنص ،و بذلك يفترق النائب عن الأصيل ،فان النائب اذا مات في --( 72 )--
( مسألة 116 ) :اذا استأجر للحج البلدي ،و لم يعين الطريق ،كان
الأجير مخيرا في ذلك ،و إذا عين طريقا لم يجز العدول منه إلى غيره ( 1 ) ،
فان عدل و اتى بالأعمال ،فان كان اعتبار الطريق في الاجارة على نحو
الشرطية ( 2 ) دون الجزئية استحق الأجير تمام الاجرة ،و كان للمستأجر خيار
الفسخ ،فان فسخ يرجع إلى اجرة المثل و ان كان اعتباره على نحو الجزئية
كان للمستأجر الفسخ أيضا ،فان لم يفسخ استحق من الأجرة المسماة
بمقدار عمله ،و يسقط بمقدار مخالفته .
الطريق ،فان كان بعد الإحرام أجزأ ،و إن كان قبل دخول الحرم ،و هذا بخلاف
الأصيل ،فانه اذا مات في الطريق فان كان بعد الإحرام و دخول الحرم أجزأ ،و الاّ
لم يجزأ و إن كان بعد الاحرام .
( 1 ) هذا إذا علم بأن تعيين الطريق منه انما يكون من باب الموضوعية اما
بملاك أن الحج من هذا الطريق أكثر ثوابا و أجرا ،كما اذا عين الحج من طريق
النجف الاشرف -مثلا -او من طريق المدينة المنورة ذهابا و ايابا ،أو بملاك انه
يرى أن الحج من هذا الطريق أكثر أمنا و سلامة ،أو غير ذلك ،و أما إذا علم بأن
تعيين الطريق منه انما يكون بملاك أنه الطريق المتعارف بدون أن تكون فيه
خصوصية بنظره ،فيجوز له العدول منه الى طريق آخر ،و أما إذا شك في ذلك
فأيضا لا مانع من العدول بمقتضى أصالة البراءة عن وجوب الذهاب الى الحج
من هذا الطريق .
( 2 ) هذا يتصور على نحوين :
أحدهما :ان يكون متعلق الاجارة حصة خاصة من الحج و هي الحج
المقيد من طريق خاص معين ،أو بلدة معينة .
و الآخر :أن يكون طبيعي الحج و تعيين الطريق انما هو بالشرط
الخارجي .
--( 73 )--
( مسألة 117 ) :اذا آجر نفسه للحج عن شخص مباشرة في سنة معينة
لم تصح اجارته عن شخص آخر في تلك السنة مباشرة أيضا ،و تصح
الاجارتان مع اختلاف السنتين ،أو مع عدم تقيد احدى الاجارتين او
كلتيهما بالمباشرة .
اما على الأول :فاذا خالف الأجير و حج من طريق آخر لم يف بالاجارة
أصلا ،لأن ما أتى به من حصة للحج ليس متعلقا للإجارة ،و ما تعلقت به الاجارة
و هو حصة أخرى من الحج لم يأت به ،و أما ما في ذمة المنوب عنه فهو يسقط
من جهة أنه ينطبق على ما أتى به الأجير في الخارج على أساس أن ما في ذمته
طبيعي الحج بدون تقييده بخصوصية أخرى ،فان التقييد إنما أخذ في متعلق
الاجارة من قبل المستأجر ،فانه جعل متعلقها حصة خاصة من الحج ،و هي
الحج من طريق المدينة المنورة -مثلا -لا طبيعي الحج ،و على هذا فاذا حج
الأجير من طريق آخر كجدة أو الطائف لم يف بالاجارة أصلا ،لأن ما أتى به
حصة اخرى من الحج مباينة للحصة المستأجر عليها ،فلا يمكن تطبيقها عليها ،
و حينئذ فهل تبطل الاجارة ،أو انه يثبت الخيار للمستأجر من جهة أن الأجير لم
يف بالاجارة ،و لم يعمل بها مع تمكنه منه ؟
و الصحيح الوجه الثاني ،اذ لا موجب للبطلان في المقام اصلا ،لأن الأجير
على الفرض قادر على الوفاء بها بكامل واجباتها ،و لكنه ترك العمل بها باختياره
عامدا و ملتفتا ،و مع هذا لا مبرر لبطلانها ،فان المبرر له أحد أمرين :
الاول :ضيق الوقت ،و عدم تمكن الأجير من الوفاء بها فيه .
و الآخر :عجزه عن الوفاء بها ،و شيء منهما في المقام غير موجود ،فاذن
لا مناص من الالتزام بصحة الاجارة و ثبوت الخيار للمستأجر ،و على هذا فان
فسخ المستأجر الاجارة طالب الأجير برد الأجرة اليه ،و إن لم يفسخ طالبه بقيمة
العمل المستأجر عليه ،باعتبار أنه أتلفه .
--( 74 )--
( مسألة 118 ) :اذا آجر نفسه للحج في سنة معينة لم يجز له التأخير
و لا التقديم .و لكنه لو قدّم أو أخّر برئت ذمة المنوب عنه ،و لا يستحق
الأجرة إذا كان التقديم أو التأخير بغير رضى المستأجر ( 1 ) .
( مسألة 119 ) :اذا صدّ الأجير ،أو احصر فلم يتمكن من الاتيان
بالأعمال كان حكمه حكم الحاج عن نفسه ،و يأتي بيان ذلك إن شاء اللّه
تعالى ،و انفسخت الاجارة إذا كانت مقيدة بتلك السنة ،و يبقى الحج في
ذمته إذا لم تكن مقيدة بها .
ثم إن الأجير في هذه الصورة لا يستحق الأجرة المسماة ،و لا أجرة المثل .
اما الأولى ،فلأنه لم يأت بالعمل المستأجر عليه ،لأن ما أتى به من الحج حصة
مباينة لحصة مورد الاجارة ،و أما الثانية فلأن ما أتى به لما لم يكن باذن المستأجر
و أمره لم يستحق الأجرة التي يطالبها الأجير للقيام بمثل هذا العمل عادة ،و هذا
التصور و ان كان بعيدا عن الارتكاز الذهني الا انه امر ممكن .
و أما على الثاني :و هو ما إذا كان متعلق الاجارة طبيعي الحج ،و لكن اشترط
على أن يأتي به من الطريق الفلاني ،ففي مثل ذلك اذا حج الأجير من طريق آخر
فقد خالف الشرط فحسب ،و يثبت خيار تخلف الشرط للمستأجر ،و أما بالنسبة
إلى عقد الاجارة ،فقد و في به و أتى بالعمل المستأجر عليه بكامل واجباته ،و هو
طبيعي الحج ،فمن أجل ذلك يستحق تمام الاجرة المسماة ،فاذن ليس في هذا
الفرض الاّ عدم عمل الأجير بالشرط الخارجي ،و هو كما لا يوجب بطلان
الاجارة كذلك لا يوجب تقسيط الأجرة ،و انما يوجب ثبوت الخيار للمستأجر .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه لأن متعلق الاجارة حصة خاصة من الحج و هي
الحج في سنة معينة ،و عليه فاذا حج الأجير في سنة أخرى فبما أنه لم يأت بما
هو متعلق الاجارة فلا يستحق الاجرة المسماة ،و كذلك أجرة المثل حيث ان ما
أتى به لم يكن باذن المستأجر و أمره فلا يستحقها أيضا .
--( 75 )--
( مسألة 120 ) :اذا اتى النائب بما يوجب الكفارة فهي من ماله ،سواء
كانت النيابة باجارة أو بتبرع .
( مسألة 121 ) :اذا استأجره للحج باجرة معينة فقصرت الأجرة عن
مصارفه لم يجب على المستأجر تتميمها كما انها إذا زادت عنها لم يكن له
استرداد الزائد .
( مسألة 122 ) :اذا استأجره للحج الواجب أو المندوب فافسد الأجير
حجه بالجماع قبل المشعر وجب عليه اتمامه و أجزأ المنوب عنه ( 1 ) ،
و عليه الحج من قابل و كفارة بدنة و الظاهر انه يستحق الأجرة ،و ان لم يحج
من قابل لعذر أو غير عذر ،و تجري الأحكام المذكورة في المتبرع أيضا غير
انه لا يستحق الأجرة .
( مسألة 123 ) :الأجير و ان كان يملك الأجرة بالعقد ،و لكن لا يجب
تسليمها اليه إلا بعد العمل اذا لم يشترط التعجيل ،و لكن الظاهر جواز
مطالبة الأجير للحج الأجرة قبل العمل ،و ذلك من جهة القرينة على اشتراط
ذلك ،فان الغالب ان الأجير لا يتمكن من الذهاب الى الحج ،أو الاتيان
بالاعمال قبل اخذ الأجرة .
( مسألة 124 ) :إذا آجر نفسه للحج فليس له أن يستأجر غيره إلا مع
اذن المستأجر ( 2 ) .
( 1 ) هذا من جهة أن الحجة الأولى هي الحجة الواجبة ،و الثانية عقوبة ،
فلذلك يستحق تمام الأجرة المسماة و ان ترك الحجة في السنة الثانية و لم يأت
بها .
( 2 ) لأن الحج في ذمته في السنة الحالية بما أنه مملوك للمستأجر الأول
بمقتضى عقد الاجارة الواقعة بينهما ،فلا يجوز له التصرف فيه الاّ باذنه .
--( 76 )--
( مسألة 125 ) :اذا استأجر شخصا لحج التمتع مع سعة الوقت ،و اتفق
ان الوقت قد ضاق فعدل الاجير عن عمرة التمتع الى حج الافراد و أتى
بعمرة مفردة بعده برئت ذمة المنوب عنه ( 1 ) ،لكن الأجير لا يستحق الأجرة
إذا كانت الاجارة على نفس الأعمال .
نعم ،إذا كانت الاجارة على تفريغ ذمة الميت استحقها .
( 1 ) في البراءة اشكال ،و لا يبعد عدمها ،لأن الاجارة إن كانت في ضيق
الوقت فهي باطلة ،لأن صحتها مشروطة بقدرة الأجير على الوفاء بها ،و لا قدرة
له على الوفاء في ضيق الوقت ،و أما إذا كانت في سعة الوقت ثم اتفق ضيقه ،
فحينئذ تارة يكون الضيق مستندا الى اهمال الأجير و تسامحه في الوفاء
بالاجارة ،و أخرى لا يكون مستندا الى اهماله و تسامحه .
أما على الأول :فلا موجب لبطلان الاجارة ،لأن الأجير حيث كان متمكنا
من الوفاء بها و لكنه أخره تسامحا و اهمالا الى أن ضاق الوقت و عجز عنه ،فلا
مبرر لبطلانها ،و حينئذ فيثبت الخيار للمستأجر و له أن يفسخ الاجارة و يطالب
الأجير باسترداد الأجرة ،و له ان لا يفسخها و يطالبه بقيمة العمل المستأجر عليه .
و أما على الثاني :فمقتضى القاعدة بطلان الاجارة ،لأن صحتها مشروطة
بقدرة الأجير على الوفاء بها في ظرفها ،و المفروض انه عاجز عن ذلك ،و لا
يكون عجزه مستندا الى اختياره حتى لا يكون مانعا عن صحتها ،هذا .
و ذهب جماعة الى أن وظيفة العاجز في هذه الحالة تنقلب من التمتع الى
الافراد .بيان ذلك يتطلب التكلم في عدة مقامات :
الأول :ان ما ذهب اليه جماعة من انقلاب الحج من التمتع الى الافراد في
هذه الحالة ،هل هو صحيح أو لا ؟
الثاني :على تقدير القول بالانقلاب فيها ،فهل تظل الاجارة صحيحة أو
تبطل ؟
--( 77 )--
..........
الثالث :ان اتيان النائب بحج الافراد ثم بالعمرة المفردة هل يجزي عن
المنوب عنه أو لا ؟
الرابع :ان النائب هل يستحق الاجرة على الحج المنقلب اليه ؟
أما المقام الأوّل :فالظاهر ان الروايات الواردة في مسألة الانقلاب
بمختلف السنتها لا اطلاق لها بالنسبة الى كون المتمتع متمتعا عن نفسه أو
متمتعا عن غيره نيابة باجارة او تبرع ،فان جملة منها في مقام بيان تحديد وقت
عمرة التمتع ،و أن الوظيفة متى تكون العمرة ،و متى ينتهي وقتها ،و لا نظر لها الى
كون المتمتع متمتعا عن نفسه أو عن غيره نيابة ،فاذن بطبيعة الحال يكون القدر
المتيقن منها هو الأول ،و جملة أخرى منها في مقام بيان وظيفة من وصل الى
مكة في وقت متأخر لا يتمكن الاّ من ادراك الناس في المشعر الحرام ،أو مع
الوقوف الاضطراري في عرفة ،و لا نظر لها أيضا الى أنه جاء للحج عن نفسه أو
عن غيره نيابة أو تبرعا ،فلذلك يكون المتيقن منها الأول دون الأعم .
فالنتيجة ان روايات المسألة انما تكون في مقام البيان من جهات أخرى
و مجملة من هذه الجهة ،فالقدر المتيقن منها المتمتع عن نفسه .
و أما المقام الثاني :فالظاهر بطلان الاجارة ،لأن موردها كان حج التمتع ،
و الفرض أن الأجير عاجز عنه ،و أما حج الافراد الذي يكون وظيفة الأجير فعلا
بالانقلاب فهو ليس مورد الاجارة ،و حكم الشارع بانقلاب التمتع الى الافراد
ليس بمعنى تبديل مورد الاجارة من التمتع اليه شرعا ،بل بمعنى أن وظيفة
المحرم لعمرة التمتع بما هو محرم اذا ضاق وقتها فعليه أن يأتي بالحج مفردا
بدون النظر الى كون احرامه للعمرة من قبل نفسه أو من قبل غيره نيابة ،
فالانقلاب انما يكون وظيفة المحرم العاجز عن التمتع بما هو محرم ،لا بما هو
نائب أو أصيل ،فاذن يكون حج الافراد في طول حج التمتع ،فما دام المكلف --( 78 )--
..........
متمكنا من التمتع فلا يصل الدور اليه ،و اذا عجز عنه جاء دوره .
و بكلمة :ان الشارع جعل حج الافراد بديلا عن التمتع و في طوله
و أوجب على من تعذر عليه حج التمتع بتعذر عمرته حج الافراد ،حيث إن
البعيد الذي تكون وظيفته حج التمتع ،فما دام متمكنا من الاتيان بعمرة التمتع فلا
يصل الدور الى حج الافراد ،و اذا تعذر عليه الجمع بين العمرة و الحج متعة ،
انتقلت وظيفته الى الافراد ،على أساس أن المبدل اذا تعذر وصل دور البدل ،
و على هذا فاذا كانت الاجارة على المبدل كحج التمتع فاذا تعذر على النائب
بتعذر عمرته فوظيفته و ان انتقلت الى الافراد ،الاّ أن هذا الانتقال لا بملاك أنه
نائب ،بل بملاك أنه محرم ،و على هذا فلا يجب عليه أن يأتي بحج الافراد بقصد
أنه نائب عن الميت الفلاني ،حيث إنه لا يكون نائبا عنه فيه ،و انما يكون نائبا عنه
في حج التمتع ،فاذن يكون حج الافراد وظيفته بما أنه محرم ،لا بما أنه نائب .
فالنتيجة انه لا يمكن الحكم بصحة هذه الاجارة .
و أما المقام الثالث :فقد ظهر مما مر أن حج الافراد لا يجزي عن المنوب
عنه ،لما عرفت من أن انتقال وظيفته من التمتع الى الافراد ليس بملاك أنه نائب
عنه ،بل بملاك انه محرم سواء أ كان لنفسه أم كان لغيره ،و لهذا لا يجب عليه
الاتيان بالافراد بقصد النيابة ،بل يأتي بعنوان أنه وظيفته بما هو محرم .فالنتيجة
ان الحكم بالاجزاء عن المنوب عنه لا يخلو عن اشكال بل منع .
و اما المقام الرابع :فقد ظهر مما ذكرناه انه لا يستحق شيئا من الاجرة
المسماة ،باعتبار أن ذمة المنوب عنه قد ظلت مشغولة ،و لا أجرة المثل ،لأن
الاتيان بحج الافراد لا يكون باذن المستأجر و أمره .
و بكلمة :ان الاجارة لو كانت على الاعمال و المقدمات معا فعندئذ توزع
الأجرة على الجميع و يستحق الأجير منها ما يوازي المقدمات فحسب ،و أما اذا --( 79 )--
( مسألة 126 ) :لا بأس بنيابة شخص عن جماعة في الحج المندوب ،
و اما الواجب فلا يجوز فيه نيابة الواحد عن اثنين و ما زاد ،إلا اذا كان وجوبه
عليهما او عليهم على نحو الشركة ( 1 ) ،كما إذا نذر شخصان أن يشترك كل
منهما مع الآخر في الاستيجار في الحج ،فحينئذ يجوز لهما أن يستأجر
شخصا واحدا للنيابة عنهما .
( مسألة 127 ) :لا بأس بنيابة جماعة في عام واحد عن شخص واحد
ميت ،أو حي ،تبرعا أو بالاجارة ،فيما إذا كان الحج مندوبا ،و كذلك في
الحج الواجب ،فيما إذا كان متعددا ،كما إذا كان على الميت أو الحي حجان
واجبان بنذر -مثلا -او كان احدهما حجة الإسلام و كان الآخر واجبا
بالنذر ،فيجوز -حينئذ -استيجار شخصين أحدهما لواجب و الآخر لآخر
و كذلك يجوز استيجار شخصين عن واحد احدهما للحج الواجب و الآخر
للمندوب بل لا يبعد استيجار شخصين لواجب واحد ،كحجة الإسلام من
باب الاحتياط ( 2 ) ،لاحتمال نقصان حج احدهما .
( مسألة 128 ) :الطواف مستحب في نفسه ،فتجوز النيابة فيه عن
الميت ،و كذا عن الحي اذا كان غائبا عن مكة أو حاضرا فيها و لم يتمكن من
الطواف مباشرة .
كانت على الأعمال فقط فلا يستحق شيئا منها .نعم ما يصرفه لحد الآن من
الاجرة لا يكون ضامنا له ،باعتبار أنه باذنه و أمره .
( 1 ) فيه ان ذلك ليس من استنابة واحد للاثنين بما هما اثنان في الحقيقة
لأنها غير معقولة ،بل هو من استنابة واحد للاثنين بما هما شخص واحد حكما ،
لوضوح أن الحج اذا كان واجبا على كل واحد من شخصين مستقلا احتاج كل
منهما الى نائب مستقل ،و لا تتصور كفاية نائب واحد عن الجميع .
( 2 ) بأن ينوب جماعة لحجة الإسلام عن شخص واحد ،فيحج كل واحد --( 80 )--
( مسألة 129 ) :لا بأس للنائب بعد فراغه من اعمال الحج النيابي أن
يأتي بالعمرة المفردة عن نفسه ،أو عن غيره ،كما لا بأس ان يطوف عن
نفسه او عن غيره .
منهم نيابة عنه ،سواء أ كان قصد بعضهم مختلفا عن قصد البعض الآخر ،كما اذا
قصد أحدهم النيابة في حج مندوب و قصد الآخر النيابة في حج واجب ،أو
قصدوا جميعا حجا واحدا كما اذا قصدوا جميعا النيابة عنه في حجة الإسلام
احتياطا ،على أساس أن كل واحد منهم يحتمل بطلان عمل الآخرين و كونه
ناقصا .
--( 81 )--
الحج المندوب
( مسألة 130 ) :يستحب لمن يمكنه الحج ان يحج و ان لم يكن
مستطيعا ،أو انه أتى بحجة الإسلام ،و يستحب تكراره في كل سنة لمن
يتمكن من ذلك .
( مسألة 131 ) :يستحب نية العود على الحج حين الخروج من مكة .
( مسألة 132 ) :يستحب احجاج من لا استطاعة له ،كما يستحب
الاستقراض للحج اذا كان واثقا بالوفاء بعد ذلك ،و يستحب كثرة الانفاق
في الحج .
( مسألة 133 ) :يستحب اعطاء الزكاة ،لمن لا يستطيع الحج ليحج بها .
( مسألة 134 ) :يشترط في حج المرأة اذن الزوج ،اذا كان الحج
مندوبا ،و كذلك المعتدة بالعدة الرجعية و لا يعتبر ذلك في البائنة و في عدة
الوفاة .
اقسام العمرة
( مسألة 135 ) :العمرة كالحج ( 1 ) ،فقد تكون واجبة و قد تكون
مندوبة ،و قد تكون مفردة ،و قد تكون متمتعا بها .
( 1 ) العمرة تشبه الحج في الجهات التالية :
الأولى :كما أن الحج ينقسم الى الواجب و المستحب تارة ،و الى التمتع
و الافراد تارة أخرى ،كذلك العمرة تنقسم تارة الى العمرة الواجبة و المستحبة ،
و أخرى الى المتعة و المفردة .
--( 82 )--
( مسألة 136 ) :تجب العمرة كالحج على كل مستطيع واجد للشرائط ،
و وجوبها كوجوب الحج فوري ( 1 ) ،فمن استطاع لها -و لو لم يستطع
للحج -وجبت عليه .
نعم ،الظاهر عدم وجوبها على من كانت وظيفته حج التمتع ( 2 ) ،و لم
يكن مستطيعا ،و لكنه استطاع لها ،و عليه فلا تجب على الأجير للحج بعد
فراغه من عمل النيابة ،و ان كان مستطيعا من الاتيان بالعمرة المفردة لكن
الاتيان بها أحوط و أما من أتى بحج التمتع فلا يجب عليه الاتيان بالعمرة
المفردة جزما .
الثانية :ان العمرة تشبه الحج في جملة من واجباتها من الاحرام و الطواف
و صلاته و السعي بين الصفا و المروة ،و تفترق في جملة أخرى منها ،و هي التي
يمارسها الحاج في خارج مكة كالوقوف بالموقفين و اعمال منى ،بينما تقتصر
واجبات العمرة في داخل مكة ما عدا الإحرام .
الثالثة :ان العمرة تشبه الحج في انه مستحب عموما باستثناء الحجة
الاولى للمستطيع ،فانها واجبة باسم حجة الإسلام ،سواء أ كانت متعة أم كان
افرادا أم قرانا ،و العمرة مستحبة عموما باستثناء العمرة الأولى للمستطيع ،فانها
واجبة عليه شريطة أن يكون موطنه و مسكنه دون ستة عشر فرسخا الى المسجد
الحرام .
( 1 ) على الأحوط وجوبا ،اذا كان المكلف واثقا و مطمئنا بعدم فوتها لو
أخرها .
( 2 ) هو من يبعد مسكنه و موطنه عن المسجد الحرام ستة عشر فرسخا ،
اى ما يقارب ثمانية و ثمانين كيلومترا ،فان وظيفته المفروضة عليه في الإسلام
أن يعتمر و يحج بادئا بالعمرة و خاتما بالحج و تسمى الحجة التي تبدأ بالعمرة --( 83 )--
( مسألة 137 ) :يستحب الاتيان بالعمرة المفردة مكررا ،و الأولى
الاتيان بها في كل شهر ،و الأظهر جواز الاتيان بعمرة في شهر و ان كان في
آخره و بعمرة اخرى في شهر آخر ( 1 ) و ان كان في أوله و لا يجوز الاتيان
بعمرتين في شهر واحد فيما اذا كانت العمرتان عن نفس المعتمر أو عن
شخص آخر و ان كان لا بأس بالاتيان بالثانية رجاء و لا يعتبر هذا فيما اذا
كانت احدى العمرتين عن نفسه و الاخرى عن غيره ،او كانت كلتاهما عن
شخصين غيره ،كما لا يعتبر هذا بين العمرة المفردة و عمرة التمتع فمن
اعتمر عمرة مفردة جاز له الاتيان بعمرة التمتع بعدها و لو كانت في نفس
الشهر .و كذلك الحال في الاتيان بالعمرة المفردة بعد الفراغ من اعمال
الحج ،و لا يجوز الاتيان بالعمرة المفردة بين عمرة التمتع و الحج .
و تنتهي بالحج بحجة التمتع من حجة الإسلام ،و تعتبر العمرة الجزء الأول من
حجة التمتع .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،لأن النتيجة المستفادة من الروايات بعد ضم بعضها
الى بعضها الآخر هي ان العمرة المفردة مشروعة في كل شهر هلالي مرة واحدة ،
و لا تكون مشروعة اكثر من مرة ،فيسوغ لكل شخص رجلا كان أم امرأة ان
يعتمر بعمرة مفردة في الشهر الهلالي مرة واحدة بلا فرق بين أن يكون في
العشرة الأولى أو الثانية ،أو الثالثة ،و من هنا اذا أتى بعمرة مفردة في آخر شهر
جاز له الاتيان بعمرة أخرى في أول شهر آخر بحيث لا يكون الفصل بينهما
باكثر من يوم أو أقلّ ،و استثني من ذلك موردان :
أحدهما :الظاهر من روايات الباب ان اعتبار الفصل بين عمرتين بشهر
إنما هو بين عمرتين مفردتين ،و أما إذا كانت احداهما مفردة و الأخرى متعة فلا
يعتبر هذا الفصل بينهما ،و لا مانع من الاتيان بهما في شهر واحد ،كما إذا اعتمر --( 84 )--
( مسألة 138 ) :كما تجب العمرة المفردة بالاستطاعة كذلك تجب
بالنذر ،أو الحلف ،أو العهد أو غير ذلك .
( مسألة 139 ) :تشترك العمرة المفردة مع عمرة التمتع في اعمالها ،
و سيأتي بيان ذلك ،و تفترق عنها في أمور ( 1 ) :
1 -ان العمرة المفردة يجب لها طواف النساء و لا يجب ذلك لعمرة
التمتع .
2 -ان عمرة التمتع لا تقع إلا في أشهر الحج و هي شوال ،و ذو
القعدة ،و ذو الحجة ،و تصح العمرة المفردة في جميع الشهور ،و أفضلها
شهر رجب و بعده شهر رمضان .
3 -ينحصر الخروج عن الاحرام في عمرة التمتع بالتقصير فقط ،
و لكن الخروج عن الاحرام في العمرة المفردة قد يكون بالتقصير و قد
يكون بالحلق .
في شهر ذي القعدة أو أول ذي الحجة بعمرة مفردة ثم اعتمر في نفس ذلك
الشهر بعمرة تمتع .
و الآخر :ان المستفاد من الروايات ان اعتبار هذا الفصل انما هو بين
عمرتين مفردتين لشخص واحد ،و لا يعتبر اذا كانت احداهما لشخص و الأخرى
لآخر ،و على هذا لا مانع من أن يأتي شخص واحد بعمرة مفردة لنفسه في شهر ،
و بعمرة مفردة أخرى عن شخص آخر نيابة أو تبرعا في نفس ذلك الشهر ،
و بعمرة مفردة ثالثة عن ثالث كذلك ،و هكذا .
( 1 ) الفوارق بين العمرتين في الأمور التالية :
الأول :ان العمرة المفردة تشتمل على طواف آخر حول البيت يسمى
بطواف النساء ،و هذا الطواف و إن كان واجبا مستقلا ،و ليس من واجبات العمرة --( 85 )--
4 -يجب ان تقع عمرة التمتع و الحج في سنة واحدة على ما يأتي ،
و ليس كذلك في العمرة المفردة فمن وجب عليه حج الافراد و العمرة
المفردة جاز له أن يأتي بالحج في سنة ،و العمرة في سنة أخرى .
المفردة في الحقيقة ،الاّ انه لا بد من الاتيان به بعد الفراغ منها ،و لذلك يعتبر آخر
أعمال العمرة و هذا بخلاف عمرة التمتع فانها لا تشتمل عليه و لا يجب فيها الاّ
طواف واحد .
الثاني :ان خروج المكلف عن احرام العمرة المفردة بأحد أمرين :إما
بالتقصير ،أو الحلق ،بينما يكون الخروج عن احرام عمرة التمتع انما هو
بالتقصير فحسب ،و لا يجوز فيها الحلق .
الثالث :ان الاحرام لعمرة التمتع لا يصح الاّ من أحد المواقيت الخمسة ،
أو النقطة المحاذية لها ،بينما يسوغ الاحرام للعمرة المفردة من أدنى الحل اذا لم
يكن مارا على أحد تلك المواقيت ،و أدنى الحل هو آخر منطقة متصلة بمنطقة
الحرم المحيطة بمكة التي لا يجوز لحاج أن يدخل فيها الاّ محرما .
الرابع :ان موضع عمرة التمتع من الناحية الزمانية أشهر الحج ،و هي
شوال و ذو القعدة و ذو الحجة ،بينما يكون موضع العمرة المفردة من الناحية
الزمانية جميع الشهور طول السنة أفضلها شهر رجب .
الخامس :ان عمرة التمتع جزء من حج التمتع و لا يجوز الاتيان بها
بصورة مستقلة عن الحج ،و لهذا يجب أن تقع عمرة التمتع و الحج في سنة
واحدة مع تقديم العمرة على الحج ،لأنهما جزءان مترابطان ،و هذا بخلاف
العمرة المفردة فانها تصح في جميع الشهور طوال السنة ،و لذلك لا مانع من أن
تقع العمرة المفرده في سنة و حج الافراد في سنة أخرى ،لأنهما واجبان
مستقلان .
السادس :ان من كانت وظيفته حج التمتع فلا تكتمل استطاعته الاّ أن --( 86 )--
5 -ان من جامع في العمرة المفردة ،عالما عامدا قبل الفراغ من
السعي فسدت عمرته بلا اشكال ( 1 ) و وجبت عليه الاعادة بان يبقى في
مكة إلى الشهر القادم فيعيدها فيه ،و اما من جامع في عمرة التمتع ففي فساد
عمرته اشكال ،و الأظهر عدم الفساد كما يأتي .
( مسألة 140 ) :يجوز الاحرام للعمرة المفردة من نفس المواقيت التي
يحرم منها لعمرة التمتع -و يأتي بيانها -و إذا كان المكلف في مكة و اراد
الاتيان بالعمرة المفردة جاز له ان يخرج من الحرم و يحرم ،و لا يجب عليه
الرجوع إلى المواقيت و الاحرام منها ،و الأولى أن يكون احرامه من
الحديبية أو الجعرانة ،أو التنعيم .
( مسألة 141 ) :تجب العمرة المفردة لمن اراد أن يدخل مكة ،فانه لا
يجوز الدخول فيها إلا محرما و يستثنى من ذلك من يتكرر منه الدخول
و الخروج كالحطاب و الحشاش و نحوهما ( 2 ) ،و كذلك من خرج من مكة
بعد اتمامه اعمال الحج أو بعد العمرة المفردة فانه يجوز له العود اليها ،من
دون احرام قبل مضي الشهر الذي ادى نسكه فيه ،و يأتي حكم الخارج من
مكة بعد عمرة التمتع و قبل الحج .
تتوفر بتمام عناصرها الثلاثة بالنسبة إلى كلا جزأيه معا هما عمرة التمتع و حج
التمتع ،فمن كان مستطيعا لأحدهما دون الآخر فلا يجب عليه شيء منهما ،و أما
من كان عليه حج الافراد فيكفى لوجوب كل من الحج و العمرة استطاعته ،فاذا
استطاع للعمرة وجب الاعتمار ،و اذا استطاع للحج وجب الحج ،و اذا استطاع
للاثنين وجب الاثنان مقدما للحج على العمرة المفردة على الأحوط .
( 1 ) في الفساد اشكال ،و لا تبعد الصحة ،و ستعرف وجه ذلك في
المسألة ( 223 ) الآتية .
( 2 ) في التخصيص اشكال ،و لا يبعد عموم الحكم لكل من يخرج من --( 87 )--
( مسألة 142 ) :من أتى بعمرة مفردة في اشهر الحج و بقي اتفاقا في
مكة إلى اوان الحج جاز له أن يجعلها عمرة التمتع ( 1 ) و يأتي بالحج ،و لا
فرق في ذلك بين الحج الواجب و المندوب .
مكة و يدخل فيها من أجل حاجة البلد ،أو حاجة شخصية كالمعلم أو الممرض
لمريض خاص متعلق به ،أو الطالب الجامعي أو غير ذلك ،لأن الوارد في لسان
الرواية و إن كان عنوان الحطابة و المجتلبة ،الاّ أن المتفاهم العرفي منهما بمناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية ان المعيار انما هو بتكرر الخروج من مكة
و الدخول فيها من أجل حاجة تتطلب ذلك ،و إن كانت شخصية و لا يرى العرف
خصوصية لعنوان الحطابة و المجتلبة الاّ من جهة ان ذلك الشغل يتطلب تكرر
الخروج منها و الدخول فيها ،فاذن لا يفهم من اذن النبي الاكرم صلّى اللّه عليه و آله لهما
بالدخول حلالا الا كون شغلهما يقتضي ذلك ،فيكون الاذن منه صلّى اللّه عليه و آله نوع امتنان
لهما ،و عليه فلا يختص بمورده .
( 1 ) انقلاب العمرة المفردة إلى عمرة التمتع مرتبط بتوفر أمور :
الأول :ان يكون المعتمر للعمرة المفردة بانيا على الرجوع الى بلدته بعد
الفراغ من العمرة ،و أما اذا كان بانيا على الحج بعدها فلا تنقلب ،و لا بد له حينئذ
من الاتيان بعمرة التمتع .
الثاني :ان يكون عدوله من الرجوع إلى بلدته بعد الاتيان بالعمرة
و الانتهاء منها ،و اما اذا كان في اثناء العمرة فلا يكفي في الانقلاب .
الثالث :ان يكون بناؤه على البقاء في مكة بنية الحج ،و أما اذا كان بغرض
آخر فلا ينقلب ،و يجوز له الخروج من مكة حتى في يوم التروية .نعم لا فرق
بين أن يكون بناؤه على البقاء في مكة بقصد الحج في موسمه من الأول ،أو
يكون لسبب آخر فيبقى فيها الى ذي الحجة ،أو الى يوم التروية ،ثم بنى على --( 88 )--
..........
الحج ،و أما إذا لم يبن عليه اصلا ،فلا ينقلب .فاذا توفرت هذه الأمور الثلاثة
انقلبت العمرة المفردة متعة ،و الاّ فلا ،و تمام الكلام في ذلك في ( فصل :في
صورة حج التمتع و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
--( 89 )--
اقسام الحج
( مسألة 143 ) :أقسام الحج ثلاثة :تمتع ،و افراد ،و قران ،و الأول فرض
من كان البعد بين اهله و مكة أكثر من ستة عشر فرسخا ،و الآخران فرض من
كان اهله حاضري المسجد الحرام ،بان يكون البعد بين أهله و مكة أقل من
ستة عشر فرسخا .
( مسألة 144 ) :لا بأس للبعيد ان يحج حج الافراد أو القران ندبا ،كما
لا بأس للحاضر أن يحج حج التمتع ندبا ،و لا يجوز ذلك في الفريضة ،فلا
يجزي حج التمتع عمن وظيفته الافراد أو القران ،و كذلك العكس .
نعم ،قد تنقلب وظيفة المتمتع الى الافراد ،كما يأتي .
( مسألة 145 ) :اذا أقام البعيد في مكة ،فان كانت إقامته بعد استطاعته
و وجوب الحج عليه وجب عليه حج التمتع ( 1 ) ،و اما إذا كانت استطاعته
( 1 ) في الوجوب اشكال ،بل منع ،لأن الميزان في الانقلاب إنما هو ببقاء
المقيم في مكة الى أن دخل في السنة الثالثة ،فاذا دخل فيها انقلبت وظيفته من
التمتع الى الافراد تبعا لانقلاب موضوعه ،بمعنى ان الشارع جعل المقيم في مكة
الى سنتين بمنزلة أهلها ،و تترتب عليه آثاره ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون
استطاعته بعد الدخول في الثالثة أو قبل الدخول فيها ،بل الأمر كذلك و إن كانت
استطاعته في بلدته ،فان الموضوع اذا انقلب ،انقلب الحكم لا محالة ،و على هذا
فبما ان الموضوع في المقام قد انقلب بحكم الشارع بعد سنتين ،حيث ان المقيم
--( 90 )--
بعد اقامته في مكة وجب عليه حج الافراد او القران بعد الدخول في السنة
الثالثة ،و أما إذا استطاع -قبل ذلك -وجب عليه حج التمتع ( 1 ) .
و المجاور في مكة بعدهما و الدخول في الثالثة أصبح من أهلها تنزيلا ،فبطبيعة
الحال انقلب الحكم أيضا ،فانه قبل الدخول في الثالثة كان الواجب عليه حج
التمتع من جهة استطاعته ،و توفر الامكانية المالية لديه باعتبار أنه قبل الدخول
فيها لم يكن من أهل مكة ،و أما بعد الدخول فيها و صيرورته من أهلها انقلب
وجوب التمتع الى وجوب الافراد تبعا لانقلاب الموضوع ،اذ لا يعقل أن يكون
الشخص من أهل مكة و مع ذلك يكون الواجب عليه حج التمتع ،فانه خلف
فرض كونه من أهل مكة ،و مجرد أن استطاعته كانت قبل ذلك لا يقتضى عدم
الانقلاب في الحكم رغم الانقلاب في الموضوع ،لأن استطاعته إنما تقتضي
وجوب حج التمتع عليه ما دام لم يصر من أهله مكة ،و أما إذا صار من أهلها و لو
تنزيلا فهي تقتضي وجوب حج الافراد عليه .
و بكلمة :ان وجوب حج التمتع ينتفي عن المجاور بانتفاء موضوعه و هو
البعيد بعد دخوله في السنة الثالثة ،و يحدث عليه وجوب حج الإفراد من جهة
تحقق موضوعه فيه و هو القريب .
( 1 ) بل وجب عليه حج الافراد و ذلك لأن موضوع وجوب حج التمتع
من لم يكن من أهل مكة ،و موضوع وجوب حج الافراد من كان من أهلها ،هذا
من ناحية .
و من ناحية أخرى ان وجوب الحج مشروط بالاستطاعة سواء أ كان حج
التمتع أم كان حج الافراد ،و على هذا فمن قصد الاقامة في مكة و ظل فيها الى أن
دخل في السنة الثالثة انقلبت وظيفته من التمتع الى الإفراد تبعا لانقلاب
الموضوع ،و من الواضح ان الموضوع اذا انقلب ،انقلب الحكم ،و لا يعقل بقاء --( 91 )--
..........
الحكم الأول مع انتفاء موضوعه ،لأن ذلك خلف فرض كونه موضوعا له ،و لا
فرق في ذلك بين أن يكون استطاعته بعد سنتين أو قبلهما ،حتى اذا كانت في
بلدته ،لأنها قبل سنتين تتطلب وجوب حج التمتع عليه ما دام لم ينقلب الى
موضوع آخر ،و بعدهما تتطلب وجوب حج الافراد دون الأول ،لأنه ينتفي
بانتفاء موضوعه ،و تدل على انقلاب الموضوع روايات الباب .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة : «من أقام بمكة سنتين فهو من أهل مكة
لا متعة له »- 1 - ،فانه واضح الدلالة على أن من أقام بمكة سنتين أصبح من
أهلها ،فاذا اصبح من أهلها ترتب عليه حكمه و هو وجوب حج الافراد و انتفى
عنه حكمه الأول و هو وجوب حج التمتع بانتفاء موضوعه ،اذ كونه محكوما
بوجوب حج التمتع بحاجة الى دليل يدل على أن أهل مكة في بعض الحالات
محكوم بحج التمتع ،و لا دليل على ذلك حتى نقيد اطلاق ما دل على أن وظيفة
أهل مكة حج الافراد بغير هذه الحالة .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة عمر بن يزيد : «المجاور بمكة يتمتع بالعمرة
الى الحج الى سنتين ،فاذا جاوز سنتين كان قاطنا و ليس له أن يتمتع »- 2 - ،فانه
يدل بوضوح على انقلاب الموضوع بعد سنتين ،و مجرد أن استطاعته كانت قبل
ذلك لا يقتضي بقاء وجوب حج التمتع عليه حتى بعد سنتين ،لان مقتضى
اطلاقه انه لا متعة له بعدهما و ان كانت استطاعته قبل ذلك ،هذا اضافة الى انه
خلف فرض انقلاب موضوعه الى موضوع آخر ،و على هذا فالاستطاعة القبلية
تقتضي وجوب حج التمتع عليه الى سنتين ،و اذا دخلت عليه الثالثة تقتضي
---------------
( 1 ) الوسائل :باب 9 من أبواب أقسام الحج ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :باب 9 من أبواب أقسام الحج ،الحديث :1 و 2 .
--( 92 )--
هذا إذا كانت اقامته بقصد المجاورة ،و أما إذا كانت بقصد التوطن
فوظيفته حج الافراد أو القران من اول الامر اذا كانت استطاعته بعد ذلك ،
و أما إذا كانت قبل قصد التوطن في مكة فوظيفته حج التمتع ( 1 ) ،و كذلك
الحال فيمن قصد التوطن في غير مكة من الاماكن التي يكون البعد بينها
و بين المسجد الحرام أقلّ من ستة عشر فرسخ .
( مسألة 146 ) :إذا اقام في مكة ،و كانت استطاعته في بلده ،أو استطاع
في مكة قبل انقلاب فرضه الى حج الافراد أو القران فالاظهر جواز احرامه
من ادنى الحل و ان كان الأحوط أن يخرج إلى أحد المواقيت و الاحرام منها
لعمرة التمتع ،بل الأحوط أن يخرج الى ميقات اهل بلده .
وجوب حج الافراد عليه لأن الأول ينتفي بانتفاء موضوعه ،و تفصيل ذلك بشكل
موسع في المسألة ( 3 ) من ( فصل :في اقسام الحج ) في الجزء التاسع من كتابنا
( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) بل حج الافراد كما مر ،و به يظهر حال المسألة الآتية .
--( 93 )--
حج التمتع
( مسألة 147 ) :يتألف هذا الحج من عبادتين تسمى اولاهما بالعمرة ،
و الثانية بالحج ،و قد يطلق حج التمتع على الجزء الثاني منهما ،و يجب
الاتيان بالعمرة فيه قبل الحج ( 1 ) .
( مسألة 148 ) :تجب في عمرة التمتع خمسة امور :
الامر الاول :الاحرام من احد المواقيت ،و ستعرف تفصيلها .
الامر الثاني :الطواف حول البيت .
الامر الثالث :صلاة الطواف .
الامر الرابع :السعي بين الصفا و المروة .
الامر الخامس :التقصير ،و هو أخذ شيء من الشعر أو الاظفار ،فاذا
أتى المكلف بهذه الأعمال الخمسة خرج من إحرامه ،و حلت له الامور
التي كانت قد حرمت عليه بسبب الاحرام .
( 1 ) حيث ان حج التمتع بكلا جزأيه عبادة ،فلا يقع صحيحا ما لم يتوفر
فيه أمور :
الأول :نية القربة بأمل أن يقبل اللّه تعالى منه .
الثاني :قصد الاخلاص و نعني به عدم الرياء .
الثالث :قصد الاسم الخاص المميز له شرعا ،فاذا أحرم فلا بد أن يكون
احرامه بقصد القربة و الاخلاص و قصد اسمه الخاص ،بمعنى ان الاحرام ان كان
للعمرة لحجة التمتع من حجة الإسلام نوى ذلك ،و ان كان نائبا ذكر اسم المنوب
--( 94 )--
( مسألة 149 ) :يجب على المكلف أن يتهيأ لأداء وظائف الحج فيما
إذا قرب منه اليوم التاسع من ذي الحجة الحرام ،و واجبات الحج ثلاثة عشر
و هي كما يلى :
1 -الاحرام من مكة ،على تفصيل يأتي .
2 -الوقوف في عرفات بعد مضي ساعة من ظهر اليوم التاسع ،أو من
نفس الظهر من ذي الحجة الحرام إلى المغرب ،و تقع عرفات على بعد
أربعة فراسخ من مكة .
3 -الوقوف في المزدلفة يوم العيد الأضحى من الفجر الى طلوع
الشمس ،و تقع المزدلفة بين عرفات و مكة ...
4 -رمي جمرة العقبة في منى يوم العيد ،و منى على بعد فرسخ واحد
من مكة تقريبا .
5 -النحر أو الذبح في منى يوم العيد .
6 -الحلق أو أخذ شيء من الشعر أو الظفر في منى ،و بذلك يحل له
ما حرم عليه من جهة الاحرام ما عدا النساء و الطيب ،بل الصيد على
الأحوط .
7 -طواف الزيارة بعد الرجوع إلى مكة .
8 -صلاة الطواف .
9 -السعي بين الصفا و المروة ،و بذلك يحل الطيب أيضا .
10 -طواف النساء .
11 -صلاة طواف النساء ،و بذلك تحل النساء أيضا .
عنه ،و إن كان الحج مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام و هكذا ،و لا بد ان تكون
هذه الأمور الثلاثة مقارنة للعمل بكامل اجزائه ،بمعنى أنها لا تتأخر عن أول
جزء من اجزاء العمل العبادي .
--( 95 )--
12 -المبيت في منى ليلة الحادي عشر ،و ليلة الثاني عشر بل ليلة
الثالث عشر في بعض الصور كما سيأتي .
13 -رمي الجمار الثلاث في اليوم الحادي عشر و الثاني عشر ،بل في
اليوم الثالث عشر أيضا ،فيما اذا بات المكلف هناك على الأحوط .
( مسألة 150 ) :يشترط في حج التمتع أمور :
1 -النية ( 1 ) بان يقصد الاتيان بحج التمتع بعنوانه ،فلو نوى غيره أو
تردد في نيته لم يصح حجه .
2 -ان يكون مجموع العمرة و الحج في اشهر الحج ( 2 ) ،فلو اتى
بجزء من العمرة قبل دخول شوال لم تصح العمرة .
3 -ان يكون الحج و العمرة في سنة واحدة ( 3 ) ،فلو أتى العمرة و أخر
الحج إلى السنة القادمة لم يصح التمتع و لا فرق في ذلك بين أن يقيم في
مكة الى السنة القادمة و ان يرجع إلى أهله ثم يعود اليها ،كما لا فرق بين ان
يحلّ من احرامه بالتقصير و ان يبقى محرما إلى السنة القادمة .
( 1 ) شروط حج التمتع
بتمام عناصرها الثلاثة من نية القربة ،و الاخلاص ،و قصد اسمه
الخاص المميز له شرعا ،فاذا نوى حج التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه
تعالى كفى ،و إن كان مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام ،و إن كان منذورا بدّل
كلمة حجة الإسلام بالحجة المنذورة و هكذا .
( 2 ) و هي شوال و ذو القعدة و ذو الحجة ،فان هذه الشهور الخاصة موضع
عمرة التمتع من الناحية الزمانية ،و أما موضع حج التمتع من الناحية الزمانية فهو
يبدأ بعد دخول شهر ذي الحجة .
( 3 ) للنصوص الدالة على ذلك ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين جميع --( 96 )--
4 -أن يكون احرام حجه من نفس مكة مع الاختيار و افضل مواضعه
المقام أو الحجر ( 1 ) ،و إذا لم يمكنه الاحرام من نفس مكة أحرم من أي
موضع تمكن منه .
5 -ان يؤدي مجموع عمرته و حجه شخص واحد عن شخص
واحد ( 2 ) ،فلو استؤجر اثنان لحج التمتع عن ميت اوحي أحدهما لعمرته
و الآخر لحجه لم يصح ذلك ،و كذلك لو حج شخص و جعل عمرته عن
واحد و حجه عن آخر لم يصح .
الفروض المشار اليها في المتن .
( 1 ) في الأفضلية اشكال بل منع ،و قد تعرضنا حكم المسألة بكامل جهاته
في الامر الرابع من ( فصل :في صورة حج التمتع و شرائطه ) في الجزء التاسع من
كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) لأن عمرة التمتع و حج التمتع عمل واحد مركب من جزءين مترابطين
ثبوتا و سقوطا ،و على هذا فلا يمكن أن ينوي المكلف كلا منهما بنية مستقلة ،بل
لا بد أن تكون نية كل واحد منهما في ضمن نية المجموع ،كما هو الحال في كل
واجب مركب ،و الاّ لزم كون كل واحد منهما واجبا مستقلا ،و هذا خلف فرض
كون المجموع واجبا واحدا ،فمن اجل ذلك لا يمكن أن يستنيب شخصا لعمرة
التمتع و آخر لحج التمتع ،فان هذه الاستنابة لا يمكن أن تكون صحيحة ،لأن
العمرة بصورة مستقلة غير مشروعة ،و كذلك حج التمتع ،فاذن لا محالة تكون
الاجارة عليهما باطلة ،فان ما هو مشروع -و هو كون كل منهما جزء الواجب -لم
تقع عليه الاجارة ،و ما وقعت الاجارة عليه و هو كون كل منهما واجبا مستقلا لم
يكن مشروعا ،و تفصيل الكلام في ذلك في الأمر الخامس من ( فصل :في صورة
حج التمتع و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
--( 97 )--
( مسألة 151 ) :إذا فرغ المكلف من اعمال عمرة التمتع وجب عليه
الاتيان باعمال الحج ،و لا يجوز له الخروج من مكة لغير الحج ( 1 ) ،الا ان
يكون خروجه لحاجة و لم يخف فوات اعمال الحج ،فيجب -و الحالة
هذه -أن يحرم للحج من مكة ،و يخرج لحاجته ،ثم يلزمه ان يرجع الى
مكة بذلك الاحرام و يذهب منها الى عرفات ،و اذا لم يتمكن من الرجوع
الى مكة ذهب الى عرفات من مكانه و كذلك لا يجوز لمن اتى بعمرة التمتع
ان يترك الحج اختيارا و لو كان الحج استحبابيا .
نعم ،إذا لم يتمكن من الحج فالأحوط ان يجعلها عمرة مفردة و يأتي
بطواف النساء .
ثم هناك شرط سادس و هو ان حجة التمتع ترتبط صحتها بوقوع عمرة
التمتع قبلها و بصورة صحيحة ،كما ان عمرة التمتع ترتبط صحتها بوقوع حجة
التمتع بعدها و بصورة صحيحة .
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،و الأقوى جواز الخروج الى المناطق
القريبة من مكة كجدة و الطائف و نحوهما مع الوثوق و الاطمئنان بالرجوع اليها
و ادراك الحج ،بل لا يبعد جواز الخروج منها الى الأماكن البعيدة شريطة أن
يكون واثقا و متأكدا بالرجوع الى مكة و ادراك الحج ،و لا فرق فيه بين أن يكون
الخروج من أجل ضرورة أو لا ،فان المعيار انما هو بالوثوق و الاطمئنان بالتمكن
من الرجوع الى مكة و ادراك الحج ،كما أنه لا فرق في ذلك بين أن يكون
خروجه من مكة محرما أو محلا ،و إن كان الأولى و الأجدر أن يكون محرما
باحرام الحج ،و تفصيل ذلك في المسألة ( 3 ) من ( فصل :في صورة الحج
و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
--( 98 )--
( مسألة 152 ) :كما لا يجوز للمتمتع الخروج من مكة بعد تمام عمرته
كذلك لا يجوز له الخروج منها في اثناء العمرة ( 1 ) ،فلو علم المكلف قبل
دخوله مكة باحتياجه الى الخروج منها ،كما هو شأن الحملدارية فله أن
يحرم -أولا -بالعمرة المفردة لدخول مكة فيقضي اعمالها ،ثم يخرج
لقضاء حوائجه ،و يحرم ثانيا لعمرة التمتع ،و لا يعتبر في صحته مضي شهر
من عمرته الاولى كما مرّ .
( مسألة 153 ) :المحرّم من الخروج عن مكة بعد الفراغ من اعمال
العمرة أو اثنائها انما هو الخروج عنها الى محل آخر ،و لا بأس بالخروج
الى اطرافها و توابعها ،و عليه فلا بأس للحاج أن يكون منزله خارج البلد
فيرجع الى منزله اثناء العمرة ،أو بعد الفراغ منها .
( مسألة 154 ) :إذا خرج من مكة بعد الفراغ من اعمال العمرة من دون
احرام ،و تجاوز المواقيت ففيه صورتان :
( 1 ) في عدم الجواز اشكال بل منع ،و الأظهر جواز الخروج من مكة اثناء
عمرة التمتع اذا كان واثقا و مطمئنا بالتمكن من الرجوع الى مكة و اتمام العمرة
و ادراك الحج ،كما اذا احرم المكلف لعمرة التمتع و جاء الى مكة ثم خرج منها
الى بلدة أخرى ،فاذا رجع منها الى مكة أتم عمرته و أحرم للحج ،أو اذا خرج
منها بعد السعي بين الصفا و المروة ،و قبل التقصير ،فان كل ذلك لا مانع منه
شريطة الوثوق و الاطمئنان بالرجوع اليها و اتمام العمرة و ادراك الحج ،بل لا مانع
من جواز ذلك و إن قلنا بعدم جواز الخروج بعد اتمام العمرة ،باعتبار أن
الروايات الناهية عن الخروج مختصة بالخروج بعد العمرة ،و لا تشمل الخروج
في اثنائها .
--( 99 )--
الاولى :ان يكون رجوعه قبل مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة
يلزمه الرجوع إلى مكة بدون احرام ( 1 ) ،فيحرم منها للحج ،و يخرج الى
عرفات .
الثانية :ان يكون رجوعه بعد مضي شهر عمرته ففي هذه الصورة
تلزمه اعادة العمرة .
( مسألة 155 ) :من كانت وظيفته حج التمتع لم يجز له العدول الى
غيره من افراد او قران ،و يستثنى من ذلك من دخل في عمرة التمتع ،ثم
ضاق وقته فلم يتمكن من اتمامها و إدراك الحج ،فانه ينقل نيته الى حج
الافراد و يأتي بالعمرة المفردة بعد الحج ،و حدّ الضيق المسوّغ لذلك خوف
فوات الركن من الوقوف الاختياري في عرفات ( 2 ) .
( مسألة 156 ) :اذا علم من وظيفته التمتع ضيق الوقت عن إتمام
العمرة ،و ادراك الحج قبل أن يدخل في العمرة لم يجز له العدول من
الاول ( 3 ) ،بل وجب عليه تأخير الحج إلى السنة القادمة .
( 1 ) هذا للنصوص الخاصة التي تنص على ذلك ،و كذلك الحال في
الصورة الثانية .و تمام الكلام في هاتين الصورتين في المسألة ( 2 ) من ( فصل :
صورة حج التمتع و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) هذا القول هو الصحيح ،و في مقابله اقوال اخرى ،و قد فصلنا الحديث
في هذه الاقوال و في الروايات الواردة فيها و علاج مشكلة التنافي و التعارض
بينها في المسألة ( 3 ) من ( فصل :في صورة حج التمتع و شرائطه ) في الجزء
التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 3 ) لأن روايات الباب جميعا متفقة على أن من احرم لعمرة التمتع
و دخل مكة و ضاق وقتها و خاف فوت الموقف تنقلب وظيفته من التمتع الى --( 100 )--
( مسألة 157 ) :اذا احرم لعمرة التمتع في سعة الوقت ،و أخّر الطواف
و السعي متعمدا الى زمان لا يمكن الاتيان فيه بهما و إدراك الحج ،بطلت
عمرته ( 1 ) ،و لا يجوز له العدول الى الافراد على الأظهر ،لكن الأحوط ان
يعدل اليه و يتمها بقصد الأعم من حج الافراد و العمرة المفردة .
الافراد ،و لا تشمل من علم بضيق الوقت قبل الدخول في الاحرام ،و لا تدل
على أن وظيفته الانقلاب على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 3 ) من ( فصل :في
صورة الحج و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) هذا لا من جهة أنها واقعة في خارج وقتها ،بل من جهة أنه اذا أتى بها
فقد فات عنه الموقف ،و بما أن فوته كان مستندا الى اهماله و تقصيره ،فلا محالة
يوجب بطلان الحج ،و مع بطلانه بطلت العمرة ،لما مر من أن صحتها مرتبطة
بصحة الحج بعدها .و أما ان المقام غير مشمول لروايات العدول و الانقلاب ،
فلأن مورد تلك الروايات ما اذا لم يكن ضيق الوقت مستندا الى اهمال المكلف
و تقصيره ،و بما أن ضيق الوقت في المقام مستند الى اختياره فلا تشمله
الروايات ،فاذن يكون المرجع فيه مقتضى القاعدة ،و هو بطلان الاحرام و اعادة
الحج من قابل .
--( 101 )--
حج الافراد
مرّ عليك أن حج التمتع يتألف من جزءين ،هما :عمرة التمتع و الحج ،
و الجزء الأوّل منه متصل بالثاني ،و العمرة تتقدم على الحج .
أما حج الأفراد فهو عمل مستقل في نفسه واجب -كما علمت -على
من يكون الفاصل بين منزله و بين المسجد الحرام أقل من ستة عشر فرسخا
و فيما اذا تمكن مثل هذا المكلف من العمرة المفردة وجبت عليه بنحو
الاستقلال أيضا .
و عليه فاذا تمكن من أحدهما دون الآخر وجب عليه ما يتمكن منه
خاصة ،و إذا تمكن من أحدهما في زمان و من الآخر في زمان آخر وجب
عليه القيام بما تقتضيه وظيفته في كل وقت ،و إذا تمكن منهما في وقت
واحد وجب عليه -حينئذ -الاتيان بهما و المشهور بين الفقهاء في هذه
الصورة وجوب تقديم الحج على العمرة المفردة و هو الأحوط .
( مسألة 158 ) :يشترك حج الافراد مع حج التمتع في جميع أعماله ،
و يفترق عنه في امور ( 1 ) :
أولا :يعتبر اتصال العمرة بالحج في حج التمتع و وقوعهما في سنة
واحدة -كما مر -و لا يعتبر ذلك في حج الافراد .
( 1 ) الفوارق بين الحجّتين :
الاول :ان صحة حج التمتع ترتبط بوقوع العمرة قبله ،و بصورة صحيحة ،
بمعنى انهما مترابطان ثبوتا و سقوطا ،صحة و فسادا ،بينما لا ترتبط صحة حج
--( 102 )--
ثانيا :يجب النحر أو الذبح في حج التمتع -كما مر -و لا يعتبر شيء
من ذلك في حج الافراد .
ثالثا :لا يجوز تقديم الطواف و السعي على الوقوفين في حج التمتع
مع الاختيار ،و يجوز ذلك في حج الافراد .
رابعا :ان احرام حج التمتع يكون بمكة ،و أما الاحرام في حج الافراد
فهو من أحد المواقيت الآتية .
خامسا :يجب تقديم عمرة التمتع ( 1 ) على حجه ،و لا يعتبر ذلك في
حج الافراد .
الافراد بوقوع العمرة المفردة قبله و بصورة صحيحة ،و لعل هذا هو المقصود
من اتصال العمرة بالحج في حج التمتع في المتن .
الثاني :يعتبر في حج التمتع الذبح أو النحر ،بينما لا يعتبر ذلك في حج
الافراد .نعم اذا صحب المؤدّي لحج الافراد هديا معه وقت الاحرام و يسوقه في
حجه ،وجب عليه أن يضحّي بذلك الهدي يوم العيد و يسمى الحج حينئذ بحج
القران ،باعتبار أن الحاج يقرن معه الهدي .
الثالث :لا يجوز تقديم الطواف و السعي على الوقوفين في حج التمتع مع
الاختيار ،بينما يجوز ذلك في حج الافراد .
الرابع :ان موضع احرام حج التمتع يكون بمكة ،و يقصد بمكة هنا البلدة
على امتدادها ،فالأحياء الجديدة التي تشكل الامتداد الحديث لمكة و تعتبر
جزءا منها عرفا يجوز الاحرام فيها ،و لا يجوز الاحرام في بلدة أو قرية أخرى لها
عنوانها المتميز و إن اتصلت بمكة عن طريق توسع العمران ،و أما موضع احرام
حج الافراد فهو من أحد المواقيت الخمسة .
( 1 ) فيه ان هذا ليس مائزا خامسا بينهما ،لأنه داخل في المائز الأول .
--( 103 )--
سادسا :لا يجوز بعد احرام حج التمتع الطواف المندوب على
الأحوط ( 1 ) الوجوبي ،و يجوز ذلك في حج الافراد .
( مسألة 159 ) :اذا احرم لحج الأفراد ندبا جاز له أن يعدل إلى عمرة
التمتع إلا فيما إذا لبّى بعد السعي ،فليس له العدول -حينئذ -إلى التمتع ( 2 ) .
( مسألة 160 ) :إذا أحرم لحج الأفراد ،و دخل مكة جاز له ان يطوف
بالبيت ندبا ،و لكن يجب عليه التلبية ( 3 ) ،بعد الفراغ من صلاة الطواف
على الأحوط .
( 1 ) لكن الأظهر جوازه ،فان ما دل على عدم الجواز محكوم بما دل على
الجواز ،و سيأتي بيانه في احرام الحج .
( 2 ) للنصوص الخاصة الدالة على جواز العدول الى عمرة التمتع اذا لم
يلبّ ،و أما اذا لبى بعد السعي و قبل التقصير فلا يجوز له العدول .
( 3 ) في الوجوب اشكال ،و لا يبعد عدمه ،لأن الأصل فيه معتبرة معاوية
ابن عمار قال : «سألته عن المفرد للحج ،هل يطوف بالبيت بعد طواف الفريضة ؟
قال :نعم ،ما شاء ،و يجدد التلبية بعد الركعتين ،و القارن بتلك المنزلة ،يعقدان ما
أحلا من الطواف بالتلبية »- 1 - و لكن دلالة هذه المعتبرة على وجوب التلبية لا
تخلو عن اشكال ،فان الظاهر منها عرفا بمناسبه الحكم و الموضوع الارتكازية
استحبابها ،لأنها لا تدل على ان الطواف المندوب بعد طواف الفريضة مبطل
للإحرام ،و الاّ لدلّت على بطلان الطواف أيضا ،مع أنها لا تدل عليه ،فاذن لا بد من
حمل الأمر بالتلبية على الاستحباب ،اذ احتمال أنها واجبة تعبدا غير محتمل
عرفا .
نعم ،لا بأس بالاحتياط .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب اقسام الحج ،الحديث :2 .
--( 104 )--
حج القران
( مسألة 161 ) :يتحد هذا العمل مع حج الافراد في جميع الجهات ،
غير ان المكلف يصحب معه الهدي وقت الاحرام ،و بذلك يجب الهدي
عليه و الاحرام في هذا القسم من الحج ،كما يكون بالتلبية يكون بالاشعار
أو بالتقليد ،و إذا أحرم لحج القران لم يجز له العدول الى حج التمتع .
--( 105 )--
مواقيت الاحرام
هناك اماكن خصصتها الشريعة الاسلامية المطهرة للإحرام منها
و يجب ان يكون الاحرام من تلك الاماكن و يسمى كل منها ميقاتا ،و هي
عشرة :
1 -مسجد الشجرة ( 1 ) ،و يقع قريبا من المدينة المنورة و هو ميقات
أهل المدينة ،و كل من أراد الحج عن طريق المدينة ،و يجوز الاحرام من
خارج المسجد محاذيا له من اليسار أو اليمين ،و الأحوط الاحرام من نفس
المسجد مع الامكان .
( مسألة 162 ) :لا يجوز تأخير الاحرام من مسجد الشجرة الى الجحفة
إلا لضرورة من مرض أو ضعف أو غيرهما من الموانع .
( 1 ) الظاهر من الروايات ان سعة الميقات في هذه المنطقة طولا من
المسجد الى البيداء بمسافة ميل ،و أما عرضا فلا تكون محددة شرعا ،و لكن لا
تترتب على ذلك ثمرة عملية أيضا ،فان الاحرام عن يمين المسجد و يساره
يجوز على كلا التقديرين سواء أ كان قريبا من المسجد أم كان بعيدا عنه ،و نتيجة
ذلك أنه يجوز الإحرام من أي جزء من تلك المسافة طولا و إن كان الاحرام من
البيداء افضل و أولى ،و كذلك عرضا أي يمين هذه المسافة الطويلة أو يسارها
قريبا كان أم بعيدا .و يبعد ذي الحليفة عن مكة حوالي أربعمائة و اربعة و ستين
كيلومترا على ما يقال .
--( 106 )--
2 -وادي العقيق ،و هو ميقات اهل العراق و نجد ،و كل من مرّ عليه من
غيرهم ،و هذا الميقات له أجزاء ثلاثة ( 1 ) :( المسلخ ) و هو اسم
لأوله و ( الغمرة ) و هو اسم لوسطه ،و ( ذات عرق ) و هو اسم لآخره ،و الأحوط
الأولى أن يحرم المكلف قبل أن يصل ذات عرق ،فيما إذا لم تمنعه عن
ذلك تقية أو مرض .
( مسألة 163 ) :يجوز الاحرام في حال التقية قبل ذات عرق سرا من
غير نزع الثياب إلى ذات عرق ،فاذا وصل ذات عرق نزع ثيابه و لبس ثوبي
الاحرام هناك .
( 1 ) في تعيينها و ترتيبها اشكال ،بل منع ،و الصحيح أنها متمثلة في الاجزاء
التالية :
أولها :بريد البعث .
و أوسطها :المسلخ .
و آخرها :بريد أوطاس .
و أما الغمرة و ذات العرق فهما داخلان في هذه المسافة و يجوز الاحرام
منهما .
فالنتيجة :ان المستفاد من مجموع روايات الباب بضم بعضها الى بعض
أن العقيق الذي هو ميقات لأهل العراق محدد من حيث المبدأ ببريد البعث
و المنتهى ببريد أوطاس و المسلخ بينهما ،و أما غمرة فهل هي نهاية العقيق
و تنتهى بانتهاء بريد أوطاس ،أو أن نهايته بريد أوطاس بعد غمرة ،فلا يمكن
استفادة ذلك من الروايات ،فاذن تطبيق ذلك خارجا يتطلب الرجوع الى أهل
الخبرة من المنطقة و السؤال عنهم .و تفصيله في ( الثاني ) من ( فصل :في
المواقيت ) الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
--( 107 )--
3 -الجحفة ( 1 ) ،و هي ميقات أهل الشام و مصر و المغرب و كل من
يمر عليها من غيرهم اذا لم يحرم من الميقات السابق عليها .
4 -يلملم ،و هو ميقات أهل اليمن ( 2 ) ،و كل من يمرّ من ذلك
الطريق ،و يلملم اسم لجبل .
5 -قرن المنازل ،و هو ميقات أهل الطائف ( 3 ) ،و كل من يمرّ من ذلك
الطريق و لا يختص بالمسجد فأي مكان يصدق عليه انه من قرن المنازل
جاز له الاحرام منه ،فان لم يتمكن من احراز ذلك فله ان يتخلص بالاحرام
قبلا بالنذر كما هو جائز اختيارا .
6 -مكة ( 4 ) ،و هي ميقات حج التمتع .
( 1 ) و هي قرية كانت معمورة سابقا و خربت و تبعد عن مكة بمائتين
و عشرين كيلومترا تقريبا على ما يقال .
( 2 ) قيل :انه جبل من جبال تهامة ،و قيل :انه واد ،و على كل تقدير يجوز
الاحرام منه ،أو من النقطة المحاذية له .
( 3 ) قيل :انه قرية تقع في جبل مشرف على عرفات و يبعد عن مكة
المكرمة تسعين كيلومترا تقريبا ،و قيل :انه اسم للوادي كله ،و على كلا التقديرين
يجوز الاحرام للسائرين من الطائف الى مكة برا من نقطة في الطريق العام
محاذية لقرية في الجبل ،و قد شيد على تلك النقطة مسجد ،و هذه النقطة اما
ميقات أو محاذية له .
( 4 ) و الأحوط وجوبا الاحرام من مكة القديمة في زمن الرسول صلّى اللّه عليه و آله .
و لكن الأظهر جواز الاحرام لحج التمتع من مكة من أي موضع شاء ،و نقصد
بمكة هنا البلدة على امتدادها ،فالأحياء الجديدة التي تشكل الامتداد الحديث
لمكة و تعتبر جزء منها عرفا يجوز الاحرام فيها .
--( 108 )--
7 -المنزل الذي يسكنه المكلف ،و هو ميقات من كان منزله دون
الميقات إلى مكة ،فانه يجوز له الاحرام من منزله ،و لا يلزم عليه الرجوع
إلى المواقيت .
8 -الجعرانة :و هي ميقات أهل مكة لحج القران و الافراد ،و في
حكمهم من جاور مكة بعد السنتين فانه بمنزلة أهلها ،و أما قبل ذلك فحكمه
كما تقدم في المسألة ( 146 ) .
9 -محاذاة مسجد الشجرة ( 1 ) ،فانّ من أقام بالمدينة شهرا أو نحوه
نعم ،لا يجوز الاحرام من بلدة أو قرية أخرى لها عنوانها المتميز و إن
اتصلت بمكة عن طريق توسع العمران كمنى مثلا فانها بلدة مستقلة لها عنوانها
المتميز و إن اتصلت بمكة ،فيبقى كل منهما بلدا خاصا ،و لا يكون المجموع بلدا
واحدا .نعم ،قد يكون اتصال البلد الكبير بالصغير يؤدي الى اندماج الصغير
و انصهاره فيه عرفا ،بحيث لا يبقى عنوانه الخاص اجتماعيا ،و يعتبر الكل بلدا
واحدا عرفا ،فعندئذ يصبح البلد الصغير جزءا من البلد الكبير ،فيكون كأحد
احيائه .
و يدل على جواز الإحرام من مكة على امتدادها اطلاق روايات الباب
و عدم قرينة على تقييده بالاحرام من مكة القديمة ،و اما الروايات التي تنص
على وجوب قطع التلبية في العمرة المفردة عند مشاهدة بيوت مكة القديمة لا
تدل على تقييد اطلاق تلك الروايات ،اذ لا ظهور فيها في أن جميع أحكام مكة
أحكام لمكة القديمة ،بل إنها في مقابل الروايات التي تدل على وجوب قطع
التلبية في عمرة التمتع عند دخول الحرم .
( 1 ) بل الأظهر صحة الاحرام من محاذاة كل المواقيت الخمسة ،لأن مورد
النص و إن كان محاذاة مسجد الشجرة ،الاّ أن المتفاهم العرفي منه عدم --( 109 )--
و هو يريد الحج ،ثم بدا له ان يخرج في غير طريق المدينة ،فاذا سار ستة
اميال كان محاذيا للمسجد ،و يحرم من محل المحاذاة ،و في التعدي عن
محاذاة مسجد الشجرة إلى محاذاة غيره من المواقيت بل عن خصوص
المورد المذكور اشكال ،بل الظاهر عدم التعدي إذا كان الفصل كثيرا .
10 -أدنى الحلّ و هو ميقات العمرة المفردة بعد حج القران أو
الافراد ،بل لكل عمرة مفردة لمن كان بمكة و أراد الاتيان بها ،و الأفضل أن
يكون من الحديبية ،أو الجعرانة ،أو التنعيم .
خصوصية لها ،فاذن كما يصح الإحرام من أحد المواقيت الخمسة كذلك يصح
من المكان المحاذي لأحدها ،و تتحقق المحاذاة بأن يصلى المسافر الى نقطة لو
اتجه فيها الى مكة المكرمة لكان الميقات واقعا في طرف يمينه أو يساره ،و لا
فرق بين أن تكون المحاذاة من نقطة بعيدة بدرجة لا تضر بصدق المحاذاة عرفا ،
أو من نقطة قريبة جدا ،كما اذا أحرم من نقطة في طرف يمين المسجد أو يساره .
و بكلمة :ان مورد النص و إن كان صحة الاحرام من محاذاة الشجرة ،الاّ أن
المتفاهم العرفي منه بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن المحاذاة تمام
الموضوع للحكم ،و لا دخل لعنوان الشجرة الاّ باعتبار أنها ميقات ،و قد جاء
النص بهذا اللسان ،في صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابى عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من
أقام بالمدينة شهرا و هو يريد الحج ،ثم بدا له أن يخرج في غير طريق أهل
المدينة الذي يأخذونه ،فليكن احرامه من مسيرة ستة أميال ،فيكون حذاء
الشجرة من البيداء »- 1 - فان المتفاهم منه عرفا أن من يخرج من غير طريق أهل
المدينة فعليه أن يحرم من مسير ستة أميال ،باعتبار أنه النقطة المحاذية للشجرة ،
و لا يرى العرف موضوعية للشجرة ،و مثله صحيحته الأخرى - 2 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 7 من ابواب المواقيت ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 7 من ابواب المواقيت ،الحديث :3 .
--( 110 )--
أحكام المواقيت
( مسألة 164 ) :لا يجوز الاحرام قبل الميقات و لا يكفي المرور عليه
محرما ،بل لا بد من الاحرام من نفس الميقات ،و يستثنى من ذلك موردان :
1 -أن ينذر الاحرام قبل الميقات ،فانه يصح و لا يلزمه التجديد في
الميقات ( 1 ) ،و لا المرور عليه ،بل يجوز له الذهاب إلى مكة من طريق لا
يمر بشيء من المواقيت و لا فرق في ذلك بين الحج الواجب و المندوب
و العمرة المفردة .نعم إذا كان إحرامه للحج فلا بد من أن يكون إحرامه في
اشهر الحج ،كما تقدم .
2 -إذا قصد العمرة المفردة في رجب ،و خشي عدم إدراكها -إذا أخر
الاحرام إلى الميقات -جاز له الاحرام قبل الميقات ( 2 ) ،و تحسب له عمرة
رجب و إن أتى ببقية الأعمال في شعبان ،و لا فرق في ذلك بين العمرة
الواجبة و المندوبة .
( مسألة 165 ) :يجب على المكلف اليقين بوصوله الى الميقات
و الاحرام منه ،أو يكون ذلك عن اطمئنان أو حجة شرعية ،و لا يجوز له
الاحرام عند الشك في الوصول الى الميقات .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه و قد فصلنا الكلام فيه في ( فصل :في احكام
المواقيت ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) للنص الخاص ،و مقتضى اطلاقه عدم الفرق بين العمرة الواجبة
و المندوبة .
--( 111 )--
( مسألة 166 ) :لو نذر الاحرام قبل الميقات و خالف و أحرم من
الميقات لم يبطل إحرامه ،و وجبت عليه كفارة مخالفة النذر ،إذا كان
متعمدا .
( مسألة 167 ) :كما لا يجوز تقديم الاحرام على الميقات لا يجوز
تأخيره عنه ،فلا يجوز لمن أراد الحج أو العمرة أو دخول مكة ،أن يتجاوز
الميقات اختيارا إلا محرما ،حتى إذا كان أمامه ميقات آخر ،فلو تجاوزه
وجب العود اليه مع الامكان ( 1 ) .
نعم إذا لم يكن المسافر قاصدا لما ذكر لكن لما وصل حدود الحرم
أراد أن يأتي بعمرة مفردة جاز له الاحرام من ادنى الحل .
( مسألة 168 ) :إذا ترك المكلف الاحرام من الميقات عن علم و عمد
حتى تجاوزه ،ففي المسألة صور :
الاولى :أن يتمكن من الرجوع إلى الميقات ،ففي هذه الصورة يجب
عليه الرجوع و الاحرام منه سواء أ كان رجوعه من داخل الحرم أو كان من
خارجه ،فان أتى بذلك صح عمله من دون اشكال ( 2 ) .
( 1 ) هذا شريطة أن لا يجتاز عن الميقات الأمامي ،و أما اذا اجتاز منه ثم
ندم أو انتبه بالحال ،فلا يبعد عدم وجوب الرجوع الى الميقات الأول ،و كفاية
الرجوع الى الميقات الأمامي و الإحرام منه ،و ذلك لإطلاق صحيحة الحلبي - 1 - ،
فانها تشمل باطلاقها العالم العامد أيضا ،و توضيح ذلك في المسألة ( 3 ) من
( فصل :في أحكام المواقيت ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه .
نعم ،اذا لم يرجع الى الميقات و الحال هذه مع تمكنه من الرجوع عامدا
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 1 من ابواب المواقيت ،الحديث :3 .
--( 112 )--
الثانية :أن يكون المكلف في الحرم ،و لم يمكنه الرجوع إلى
الميقات ،لكن أمكنه الرجوع إلى خارج الحرم ،ففي هذه الصورة يجب
عليه الرجوع إلى خارج الحرم ( 1 ) و الاحرام من هناك .
الثالثة :أن يكون في الحرم و لم يمكنه الرجوع إلى الميقات أو إلى
خارج الحرم و لو من جهة خوفه فوات الحج و في هذه الصورة يلزمه
الاحرام من مكانه .
الرابعة :أن يكون خارج الحرم ،و لم يمكنه الرجوع إلى الميقات ،
و في هذه الصورة يلزمه الاحرام من مكانه أيضا ( 2 ) .
و قد حكم جمع من الفقهاء بفساد العمرة في الصور الثلاث الأخيره ،
و لكن الصحة فيها لا تخلو من وجه و إن ارتكب المكلف محرما بترك
الاحرام من الميقات ،لكن الأحوط مع ذلك اعادة الحج عند التمكن منها
و أما إذا لم يأت المكلف بوظيفته في هذه الصور الثلاث و أتى بالعمرة فلا
شك في فساد حجه .
( مسألة 169 ) :إذا ترك الاحرام عن نسيان أو إغماء أو ما شاكل ذلك ،
أو تركه عن جهل بالحكم أو جهل بالميقات فللمسألة كسابقتها صور أربع :
الصورة الاولى :أن يتمكن من الرجوع إلى الميقات فيجب عليه
الرجوع و الاحرام من هناك ( 3 ) .
و ملتفتا بطل عمله ،و عليه اعادته في السنة القادمة .
( 1 ) لا يبعد وجوب الابتعاد عن الحرم بالمقدار الذي يمكنه ،و الاحرام
من هناك .
( 2 ) بل الأحوط و الأولى به الابتعاد من مكانه بالمقدار الذي يمكنه .
( 3 ) و الاّ بطل عمله .
--( 113 )--
الصورة الثانية :أن يكون في الحرم ،و لم يمكنه الرجوع إلى الميقات
لكن امكنه الرجوع إلى خارج الحرم و عليه حينئذ الرجوع إلى الخارج
و الاحرام منه ،و الاولى في هذه الصورة الابتعاد عن الحرم بالمقدار
الممكن ( 1 ) ثم الاحرام من هناك .
الصورة الثالثة :أن يكون في الحرم و لم يمكنه الرجوع إلى الخارج ،
و عليه في هذه الصورة أن يحرم من مكانه ،و إن كان قد دخل مكة .
الصورة الرابعة :أن يكون خارج الحرم و لم يمكنه الرجوع إلى
الميقات ،و عليه في هذه الصورة أن يحرم من محله ( 2 ) .
و في جميع هذه الصور الأربع يحكم بصحة عمل المكلف إذا قام بما
ذكرناه من الوظائف ،و في حكم تارك الاحرام من أحرم قبل الميقات أو
بعده و لو كان عن جهل او نسيان .
( مسألة 170 ) :إذا تركت الحائض الاحرام من الميقات لجهلها
بالحكم إلى أن دخلت الحرم فعليها كغيرها الرجوع إلى الخارج و الاحرام
منه إذا لم تتمكن من الرجوع إلى الميقات ،بل الأحوط لها في هذه الصورة
أن تبتعد عن الحرم بالمقدار الممكن ( 3 ) ،ثم تحرم على أن لا يكون ذلك
مستلزما لفوات الحج ،و فيما إذا لم يمكنها انجاز ذلك فهي و غيرها على
حد سواء .
( 1 ) بل لا يبعد وجوب ذلك كما مر .
( 2 ) الأحوط الأولى الابتعاد من مكانه بالمقدار الذي يمكنه .
( 3 ) لا يبعد وجوب ذلك ،لأن صحيحة معاوية - 1 - لا تقصر عن الدلالة
عليه ،و موردها و إن كان الحائض الاّ أن العرف لا يرى خصوصية فيها جزما .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 14 من أبواب المواقيت ،الحديث :4 .
--( 114 )--
( مسألة 171 ) :إذا فسدت العمرة وجبت اعادتها مع التمكن ،و مع
عدم الاعادة و لو من جهة ضيق الوقت يفسد حجه .و عليه الاعادة في سنة
اخرى .
( مسألة 172 ) :قال جمع من الفقهاء بصحة العمرة فيما إذا أتى
المكلف بها من دون احرام لجهل أو نسيان و لكن هذا القول لا يخلو من
اشكال و الأحوط في هذه الصورة الاعادة ( 1 ) على النحو الذي ذكرناه فيما
إذا تمكن منها و هذا الاحتياط لا يترك البتة .
( مسألة 173 ) :قد تقدم ان النائي يجب عليه الاحرام لعمرته من احد
المواقيت الخمسة الاولى ،فان كان طريقه منها فلا اشكال ،و ان كان طريقه
لا يمر بها كما هو الحال في زماننا هذا ،حيث ان الحجاج يردون جدة
ابتداء ،و هي ليست من المواقيت فلا يجزي الاحرام منها حتى إذا كانت
محاذية لأحد المواقيت ( 2 ) على ما عرفت فضلا عن أن محاذاتها غير ثابتة ،
( 1 ) بل هو الأظهر ،لأن مقتضى القاعدة البطلان ،و الصحة بحاجة الى
دليل ،و لا دليل عليها ما عدا مرسلة جميل - 1 - الواردة في الناسي و الجاهل ،و لكن
لا يمكن الاعتماد عليها .
( 2 ) في عدم الاجزاء اشكال ،و لا يبعد الاجزاء لو كانت محاذية لأحد
المواقيت ،الاّ أن محاذاتها غير ثابتة ،و لهذا لا يصح للحاج أن يحرم منها مع
تمكنه من الذهاب الى أحد المواقيت و الإحرام منه ،و على هذا فمن يعلم أنه اذا
وصل الى جدة لا يتمكن من الذهاب الى أحد المواقيت ،فهل يجب عليه أن
يحرم من مطار بلده بالنذر أو في منتصف الطريق في الطائرة ؟
و الجواب :لا يبعد وجوبه على اساس أن الاحرام من جدة بالنذر انما هو
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 20 من ابواب المواقيت ،الحديث :1 .
--( 115 )--
بل المطمأن به عدمها فاللازم على الحاج حينئذ ان يمضي إلى احد
المواقيت مع الامكان ،او ينذر الاحرام من بلده أو من الطريق قبل الوصول
إلى جدة بمقدار معتد به ،و لو في الطائرة فيحرم من محل نذره و يمكن لمن
ورد جدة بغير احرام ان يمضي الى -رابغ -الذي هو في طريق المدينة
المنورة و يحرم منه بنذر باعتبار انه قبل الجحفة التي هي احد المواقيت ،
وظيفة المضطر ،و مع التمكن من الإحرام في الميقات أو قبله بالنذر ،فلا يصل
الدور الى الاحرام من جدة بالنذر ،و من هنا يظهر أنه لا يجوز لمن كان في
المدينة أن يذهب الى جدة جوا أو برا محلا بنية أن يحرم منها بالنذر ،فان من
كان يتمكن من الاحرام من الميقات كمسجد الشجرة مثلا ،لا يجوز له الإحرام
من جدة بالنذر .
و بكلمة :ان الاحرام من جدة بالنذر انما هو وظيفة المضطر ،فاذا وصل
الحاج الى جده جوا و لم يحرم بالنذر من مطار بلده أو في منتصف الطريق و هو
في الطائرة إما غفلة أو باعتقاد أنه بعد الوصول الى جدة متمكن من الذهاب الى
أحد المواقيت كالجحفة -مثلا -و الاحرام منه ،أو بتخيل ان الاحرام من جدة
جائز ،ثم انه بعد الوصول انتبه بالحال من أن الاحرام منها غير جائز لمن كان
متمكنا من الاحرام في أحد المواقيت أو قبله بالنذر ،و لكن حيث انه فعلا لا
يتمكن من الاحرام من أحد المواقيت ،فعليه أن ينذر الاحرام منها فيحرم
و يصح لأنها ان كانت قبل الميقات صح من جهة النذر ،و إن كانت محاذيه له في
الواقع صح من جهة المحاذاة ،و ان كانت بعده صح من جهة أنه لا يتمكن من
الذهاب إلى الميقات .
و قد تسأل ان من كان يعلم بأنه اذا وصل الى جدة فليس بامكانه الذهاب
الى أحد المواقيت و الاحرام منه ،و مع ذلك ترك الاحرام قبل الميقات بالنذر --( 116 )--
و إذا لم يمكن المضي إلى احد المواقيت ،و لم يحرم قبل ذلك بنذر لزمه
الاحرام من جدة بالنذر ،ثم يجدد احرامه خارج الحرم قبل دخوله فيه ( 1 ) .
عامدا و ملتفتا و سافر الى جدة جوا ،فهل يصح احرامه بالنذر منها ؟
و الجواب :ان مقتضى القاعدة عدم الصحة لأنه تارك للإحرام من
الميقات عامدا و عالما ،و كذلك قبله بالنذر ،و اضطراره في الحال الى الاحرام من
جدة ،فبما أنه ناشئ من سوء اختياره فلا أثر له ،و لا يكون مبررا للإحرام منها ،
و لكن مقتضى اطلاق النص كصحيحة الحلبي أن الصحة في هذه الحالة أيضا
غير بعيدة .
و قد تسأل ان من يكون واثقا و مطمئنا بتمكنه بعد الوصول الى جدة من
الذهاب الى أحد المواقيت و الاحرام منه ،و حينئذ فاذا أحرم من مطار بلده بالنذر
أو في منتصف الطريق و هو في الطائرة قبل الميقات و إن صح باعتبار أن عزم
المكلف على التظليل حينما يحرم لا يضر بصحة احرامه ،و لكن هل يعتبر
مقصرا أو آثما ؟
و الجواب :ان المحرم ان كان امرأة فلا شيء عليه ،و إن كان رجلا كما هو
مورد الكلام ،فان كان بعد الإحرام متمكنا من ترك التظليل ،و مع ذلك يستظل
بركوبه الطائرة او بسقف السيارة أو بمظلة ،اعتبر مقصرا و آثما ،و إن لم يتمكن
بعده من تركه و اضطر اليه لم يعتبر مقصرا و آثما ،لأن التظليل قبل الاحرام لا
يكون محرما عليه لا ملاكا و لا حكما ،و بعده قد اضطر اليه ،و هذا الاضطرار و إن
كان باختياره الاّ انه ليس اضطرارا الى ارتكاب ما هو محرم و مبغوض عليه قبله ،
فالنتيجة انه يجوز للمسافر من طريق جدة أن ينذر الاحرام من مطار بلده أو في
منتصف الطريق ،و هو في الطائرة فيحرم مع أنه واثق بتمكنه بعد الوصول الى
جدة من الذهاب الى أحد المواقيت و الاحرام منه .
( 1 ) فيه انه لا مبرر لهذا التجديد ،فان أدنى الحل ليس من أحد المواقيت --( 117 )--
( مسألة 174 ) :تقدم ان المتمتع يجب عليه ان يحرم لحجه من مكة ،
فلو احرم من غيرها عالما عامدا لم يصح احرامه ،و ان دخل مكة محرما ،بل
وجب عليه الاستيناف من مكة مع الامكان و إلا بطل حجه .
( مسألة 175 ) :إذا نسي المتمتع الاحرام للحج بمكة وجب عليه العود
مع الامكان ،و إلا احرم في مكانه و لو كان في عرفات و صح حجه ،و كذلك
الجاهل بالحكم ( 1 ) .
( مسألة 176 ) :لو نسي إحرام الحج و لم يذكر حتى أتى بجميع اعماله
صح حجه ،و كذلك الجاهل .
لعمرة التمتع .نعم ،ذكر جماعة من الفقهاء ان أدنى الحل من أحد المواقيت
لعمرة التمتع ،و ذلك لمن لم يمر بأحد المواقيت الأصلية و لا ما يحاذيها ،و هو لا
يخلو عن اشكال حتى مع تعقل هذا الفرض ،فانه لو تحقق و وصل الى ادنى
الحل فعليه أن يرجع الى أحد المواقيت و الاحرام منه ان أمكن و الاّ فمن خارج
الحرم ،و الأحوط و الأجدر به الابتعاد عنه بما يمكنه و الاحرام من هناك ،فالنتيجة
انه لا دليل على انه من أحد مواقيت عمرة التمتع .فالصحيح أنه ميقات لحج
الافراد و القران و للعمرة المفردة لمن كان في مكة و أراد الاتيان بالعمرة ،او جاء
من البلاد النائية كالمدينة المنورة من أجل أمر آخر ،ثم بنى على الاتيان بها ،فانه
لا يجب عليه أن يرجع إلى أحد المواقيت و الإحرام منه ،بل يحرم من أدنى
الحل .
( 1 ) للنصّ ،و كذلك في المسألة الآتية .
--( 118 )--
كيفية الاحرام
واجبات الاحرام ثلاثة امور :
الامر الاول :النية ،و معنى النية ،ان يقصد الاتيان بما يجب عليه في
الحج أو العمرة متقربا به الى اللّه تعالى .و فيما إذا لم يعلم المكلف به
تفصيلا وجب عليه قصد الاتيان به إجمالا ،و اللازم عليه حينئذ الأخذ بما
يجب عليه شيئا فشيئا من الرسائل العملية .او ممن يثق به من المعلمين فلو
أحرم من غير قصد بطل احرامه ،و يعتبر في النية أمور ( 1 ) :
1 -القربة ،كغير الاحرام من العبادات .
2 -ان تكون مقارنة للشروع فيه .
3 -تعيين ان الاحرام للعمرة أو للحج ،و أن الحج تمتع أو قران أو
افراد ،و انه لنفسه أو لغيره و أنه حجة الإسلام ،او الحج النذرى کاو الواجب
بالافساد أو الندبي فلو نوى الاحرام من غير تعيين بطل احرامه .
( 1 ) الصحيح في المقام أن يقال :ان النيّة التي تعتبر في العبادة تصنف الى
أصناف ثلاثة :
الأول :نية القربة .
الثاني :نية الاخلاص .
الثالث :قصد الاسم الخاص المميز لها شرعا .و هذه الأمور الثلاثة لا بد أن
تكون مقارنة للعبادة من أول جزئها الى آخرها ،و صورتها -مثلا -أن يقول :احرم
لعمرة التمتع من حجة الإسلام قربة الى اللّه تعالى ،و اذا كان نائبا ذكر اسم
المنوب عنه ،و اذا كان الحج منذورا بدّل كلمة ( حجة الإسلام ) ب ( الحجة
--( 119 )--
( مسألة 177 ) :لا يعتبر في صحة النية التلفظ و لا الاخطار بالبال ،بل
يكفي الداعي كما في غير الاحرام من العبادات .
( مسألة 178 ) :لا يعتبر في صحة الاحرام العزم على ترك محرماته
حدوثا و بقاء الا الجماع و الاستمناء ( 1 ) ،فلو عزم من أول الاحرام في
الحج ،على ان يجامع زوجته أو يستمني قبل الوقوف بالمزدلفة ،او تردّد
في ذلك بطل احرامه على وجه ،و أما لو عزم على الترك من أول الامر و لم
يستمرّ عزمه ،بان نوى بعد تحقق الاحرام الاتيان بشيء منهما لم يبطل
احرامه .
الامر الثاني :التلبية ،و صورتها ان يقول : «لبيك اللهمّ لبيك ،لبيك لا
شريك لك لبيك »( 2 ) ،
المنذورة ) ،و إذا كان مندوبا بدّل كلمة ( حجة الإسلام ) ب ( الحجة المندوبة )
و هكذا .فالنتيجة :انه اذا احرم فلا بد أن يكون احرامه لعبادة باسمها الخاص
المميز لها شرعا ،لعمرة التمتع أو المفردة او حج التمتع أو الافراد من
حجة الإسلام أو الحج المندوب أو المنذور و هكذا ،فاذا أحرم و لم يقصد
احرامه لشيء منها بطل .
( 1 ) في الاستثناء اشكال بل منع ،و الأظهر عدم بطلان الحج بهما أيضا ،
و ستعرف وجه ذلك في ضمن البحوث الآتية ،و على هذا فكما لا يعتبر في
صحته العزم على عدم ارتكاب سائر المحرمات كذلك لا يعتبر فيها العزم على
تركهما أيضا ،بل لا يضر العزم على ارتكاب المحرمات و ممارستها حتى
الجماع و الاستمناء ،على أساس أن محرمات الاحرام خارجة عن الحج
و العمرة ،و ليست من واجباتهما لا جزء و لا قيدا ،و تفصيل ذلك في المسألة ( 5 )
من ( فصل :في كيفية الاحرام ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) هذه الصورة التي تتضمن أربع صيغ من التلبية هي مقتضى الجمع --( 120 )--
و الأحوط الأولى اضافة هذه الجملة : «إنّ الحمد و النعمة لك و الملك ،لا
شريك لك لبيك » ،و يجوز اضافة «لك »الى الملك ،بان يقول : «و الملك لك
لا شريك لك لبيك ».
( مسألة 179 ) :على المكلف ان يتعلم الفاظ التلبية و يحسن اداءها
بصورة صحيحة كتكبيرة الاحرام في الصلاة و لو كان ذلك من جهة تلقينه
هذه الكلمات من قبل شخص آخر ،فاذا لم يتعلم تلك الألفاظ ،و لم يتيسر
له التلقين يجب عليه التلفظ بها بالمقدار الميسور ،و الأحوط في هذه
الصورة الجمع بين الاتيان بالمقدار الذي يتمكن منه ،و الاتيان بترجمتها ،
و الاستنابة لذلك .
( مسألة 180 ) :الأخرس يشير الى التلبية بإصبعه ،مع تحريك لسانه ،
و الأولى ان يجمع بينها و بين الاستنابة .
( مسألة 181 ) :الصبي غير المميز يلبى عنه ( 1 ) .
( مسألة 182 ) :لا ينعقد إحرام حج التمتع ،و احرام عمرته ،و احرام
حج الافراد ،و إحرام العمرة المفردة إلا بالتلبية ،و أما حج القران فكما
يتحقق إحرامه بالتلبية يتحقق بالاشعار أو التقليد و الاشعار مختص
بالبدن ( 2 ) ،و التقليد مشترك بين البدن و غيرها من أنواع الهدي ،
بين الروايات الواردة في تحديد صيغها المعتبرة في انعقاد الاحرام كما و كيفا ،
و تفصيل ذلك في المسألة ( 6 ) من ( فصل :في أحكام المواقيت ) في الجزء
التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 1 ) للنص الدال على أن الصبي اذا لم يحسن أن يلبّي لبّوا عنه و يطاف به ،
و يصلّى عنه ،و يسعى به بين الصفا و المروة ،و هكذا .
( 2 ) في الاختصاص اشكال ،ذكرنا وجهه في المسألة ( 15 ) من ( فصل :--( 121 )--
و الأولى الجمع بين الاشعار و التقليد في البدن ،و الأحوط التلبية على
القارن ،و ان كان عقد إحرامه بالاشعار أو التقليد .ثم ان الاشعار هو شق
السنام الأيمن بأن يقوم المحرم من الجانب الأيسر من الهدي و يشق
سنامه ( 1 ) من الجانب الأيمن ،و يلطخ صفحته بدمه ،و التقليد هو ان يعلق
في رقبة الهدي نعلا خلقا قد صلى فيها ( 2 ) .
( مسألة 183 ) :لا يشترط الطهارة عن الحدث الأصغر و الأكبر في
صحة الاحرام ،فيصح الاحرام من المحدث بالأصغر أو الأكبر ،كالمجنب
و الحائض و النفساء و غيرهم .
( مسألة 184 ) :التلبية بمنزلة تكبيرة الاحرام في الصلاة ،فلا يتحقق
الاحرام إلا بها ،أو بالاشعار أو التقليد لخصوص القارن ،فلو نوى الاحرام
و لبس الثوبين و فعل شيئا من المحرمات قبل تحقق الاحرام لم يأثم و ليس
عليه كفارة .
( مسألة 185 ) :الأفضل لمن حج عن طريق المدينة تأخير التلبية ( 3 )
إلى البيداء ،و لمن حج عن طريق آخر تأخيرها إلى أن يمشي قليلا ،و لمن
في مقدمات الاحرام ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) فراجع .
( 1 ) هذه الكيفية و إن كانت مشهورة بين الأصحاب ،الاّ انها لا تخلو عن
اشكال بل منع ،على تفصيل ذكرناه في المسألة ( 15 ) من ( فصل :في مقدمات
الإحرام ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 2 ) هذا و إن كان مشهورا الاّ أن مقتضى الجمع بين الروايات كفاية تعليق
مطلق شيء يكون علامة لكونها هديا ،و تفصيل الكلام في المسألة ( 15 ) من
( فصل مقدمات الاحرام ) في الجزء التاسع من كتابنا ( تعاليق مبسوطة ) .
( 3 ) تقدم ان الروايات الآمرة بتأخير التلبية الى البيداء بمسافة ميل تدل --( 122 )--
حج من مكة تأخيرها إلى الرقطاء ،و لكن الأحوط التعجيل بها مطلقا و يؤخر
الجهر بها إلى المواضع المذكورة ( 1 ) ،و البيداء بين مكة و المدينة على ميل
من ذي الحليفة نحو مكة ،و الرقطاء موضع يسمى مدعى دون الردم .
( مسألة 186 ) :يجب لمن اعتمر عمرة التمتع قطع التلبية عند مشاهدة
موضع بيوت مكة القديمة و لمن اعتمر عمرة مفردة قطعها عند دخول
الحرم ( 2 ) إذا جاء من خارج الحرم ،و عند مشاهدة الكعبة ( 3 ) ان كان قد
خرج من مكة لإحرامها ،و لمن حج بأي نوع من أنواع الحج قطعها عند
الزوال من يوم عرفة .
( مسألة 187 ) :اذا شك بعد لبس الثوبين ،و قبل التجاوز من الميقات
في انه قد أتى بالتلبية أم لا بنى على عدم الاتيان ،و إذا شك بعد الاتيان
بالتلبية انه أتى بها صحيحة أم لا بنى على الصحة .
الامر الثالث :لبس الثوبين بعد التجرد عما يجب على المحرم
اجتنابه ،يتزر باحدهما و يرتدي بالآخر و يستثنى من ذلك الصبيان ،فيجوز
تأخير تجريدهم الى فخ ( 4 ) ،كما تقدم .
على اتساع رقعة الميقات و أنه طولا بين المسجد و البيداء بمسافة ميل .
( 1 ) فيه ان حمل الروايات الآمرة بتأخير التلبية على تاخير الجهر بها
خلاف الظاهر جدا ،و بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة على ذلك لا في نفس هذه
الروايات و لا من الخارج .
( 2 ) على الأحوط وجوبا اذا كان جائيا من الخارج .
( 3 ) بل عند مشاهده بيوت مكة القديمة على الأحوط وجوبا .
( 4 ) ذكرنا في مبحث المواقيت ان الظاهر هو تأخير احرامهم الى فخ ،لا أن
إحرامهم من الميقات و لكن يؤخر تجريد ثيابهم الى فخ .
--( 123 )--
( مسألة 188 ) :لبس الثوبين للمحرم واجب تعبدي و ليس شرطا في
تحقق الاحرام على الأظهر ،و الأحوط ان يكون لبسهما على الطريق
المألوف ( 1 ) .
( مسألة 189 ) :يعتبر في الازار ان يكون ساترا من السرّة إلى الركبة ،
كما يعتبر في الرداء ان يكون ساترا للمنكبين ،و الأحوط كون اللبس قبل
النية و التلبية ،فلو قدّمهما عليه اعادهما بعده ( 2 ) .
( مسألة 190 ) :لو أحرم في قميص جاهلا أو ناسيا نزعه و صح
احرامه ،بل الأظهر صحة احرامه حتى فيما إذا احرم فيه عالما عامدا ( 3 ) ،
و اما اذا لبسه بعد الاحرام فلا اشكال في صحة احرامه ،و لكن يلزم عليه
شقه و اخراجه من تحت .
( مسألة 191 ) :لا بأس بالزيادة على الثوبين في ابتداء الاحرام و بعده
للتحفظ من البرد أو الحر أو لغير ذلك .
( 1 ) لا بأس بتركه ،اذ لا يعتبر في لبسهما كيفية خاصة .
( 2 ) على الأحوط الأولى .
( 3 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه ،لما مر من أن حقيقة الإحرام متمثلة في التلبية ،فاذا
لبى المكلف أصبح محرما و حرمت عليه اشياء معينة ،منها لبس ملابسه
الاعتيادية .
و أما لبس ثوبى الاحرام فهو واجب تعبدا و ليس من واجبات الإحرام و لا
من شروط صحته ،فاذا لبى و هو في ملابسه الاعتيادية اصبح محرما ،و حرمت
عليه تلك الأشياء ،غاية الأمر انه ترك واجبا في هذه الحالة و هو لبسه ثوبي
الاحرام ،و ارتكب محرما و هو كونه في ملابسه الاعتيادية ،و لا يضر شيء منهما
في صحة احرامه .
--( 124 )--
( مسألة 192 ) :يعتبر في الثوبين نفس الشروط المعتبرة في لباس
المصلي ،فيلزم أن لا يكونا من الحرير الخالص ،و لا من أجزاء ما لا يؤكل
لحمه ،و لا من المذهّب ( 1 ) ،و يلزم طهارتهما كذلك .نعم ،لا بأس بتنجسهما
بنجاسة معفو عنها في الصلاة .
( مسألة 193 ) :يلزم في الازار أن يكون ساترا للبشرة ،غير حاك
عنها ( 2 ) ،و الأحوط اعتبار ذلك ،في الرداء أيضا .
( مسألة 194 ) :الأحوط في الثوبين ان يكونا من المنسوج ،و لا يكونا
من قبيل الجلد و الملبد ( 3 ) .
( مسألة 195 ) :يختص وجوب لبس الإزار و الرداء بالرجال دون
النساء فيجوز لهن ان يحرمن في البستهن العادية على ان تكون واجدة
للشرائط المتقدمة .
( 1 ) على الأحوط في الجميع ،اذ لا دليل عليه الاّ قوله عليه السّلام في صحيحة
حريز : «كل ثوب تصلي فيه فلا بأس أن تحرم فيه »- 1 - ،و هو لا يدل على أن كل
ثوب لا تصح الصلاة فيه لا يصح الإحرام فيه ،لأنه ساكت عن حكم هذه
الصورة ،فيرجع فيها الى مقتضى القاعدة ،و مقتضاها جواز الاحرام فيه كالثوب
من غير المأكول و الحرير و المذهّب ،هذا بقطع النظر عن كون لبسهما محرما
على الرجال .
فالنتيجة ان لبس الحرير و الذهب و إن كان محرما على الرجال الاّ أنه ليس
من محرمات الاحرام .نعم ،يعتبر فيها الطهارة من الخبث .
( 2 ) على الأحوط .
( 3 ) على الأحوط الأولى ،اذ لا دليل على أن الثوبين لا بد أن يكونا من
المنسوج الاّ دعوى عدم صدق الثوب على ما اذا كان من الجلد أو الملبد ،و لكن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 27 من أبواب الاحرام ،الحديث :1 .
--( 125 )--
( مسألة 196 ) :ان حرمة لبس الحرير و ان كانت تختص بالرجال و لا
يحرم لبسه على النساء إلا أنه لا يجوز للمرأة ان يكون ثوباها من الحرير
و الأحوط ان لا تلبس شيئا من الحرير الخالص في جميع أحوال
الاحرام ( 1 ) .
( مسألة 197 ) :إذا تنجس أحد الثوبين ،أو كلاهما بعد التلبس
بالاحرام ،فالأحوط المبادرة إلى التبديل أو التطهير .
( مسألة 198 ) :لا تجب الاستدامة في لباس الاحرام فلا بأس بالقائه
عن متنه لضرورة أو غير ضرورة ،كما لا بأس بتبديله على أن يكون البدل
واجدا للشرائط .
لا أساس لهذه الدعوى ،اذ لا شبهة في الصدق .
( 1 ) بل على الأظهر ،و تدل عليه صحيحة عيص بن القاسم ،قال : «قال أبو
عبد اللّه عليه السّلام :المرأة المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير
و القفازين »- 1 - .و لكن لا بد من تقييد الحرير بالحرير الخالص ،بقرينة ما ورد في
جملة من الروايات من أن الحرير اذا كان خالصا لم يجز للمرأة المحرمة لبسه ،
و الاّ فلا مانع منه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 34 من أبواب الاحرام ،الحديث :9 .
--( 126 )--
تروك الاحرام
قلنا في ما سبق :ان الاحرام يتحقق بالتلبية أو الأشعار أو التقليد ،و لا
ينعقد الاحرام بدونها ( 1 ) و ان حصلت منه نية الاحرام فاذا احرم المكلف
حرمت عليه أمور و هي خمسة و عشرون كما يلي :
( 1 ) الصيد البري
( 2 ) مجامعة النساء
( 3 ) تقبيل النساء
( 4 ) لمس
المرأة
( 5 ) النظر إلى المرأة
( 6 ) الاستمناء
( 7 ) عقد النكاح
( 8 ) استعمال
الطيب
( 9 ) لبس المخيط للرجال
( 10 ) التكحل
( 11 ) النظر في المرآة
( 12 )
لبس الخف و الجورب للرجال
( 13 ) الكذب و السبّ
( 14 ) المجادلة
( 15 )
قتل القمل و نحوه من الحشرات التي تكون على جسد الانسان
( 16 )
التزيين
( 17 ) الأدهان
( 18 ) إزالة الشعر من البدن
( 19 ) ستر الرأس للرجال
و هكذا الارتماس في الماء حتّى على النساء
( 20 ) ستر الوجه للنساء
( 21 )
التظليل للرجال
( 22 ) إخراج الدم من البدن
( 23 ) التقليم
( 24 ) قلع السن
( 25 ) حمل السلاح .
( 1 ) تقدم أن الحاج اذا أحرم للعمرة أو للحج حرمت عليه اشياء عديدة معينة ،
و هي تصنف الى ثلاثة أصناف :
الصنف الأول مشترك بين الرجل المحرم و المرأة المحرمة ،و هو كما يلى :
1 -صيد الحيوان البري في الحل و الحرم .
2 -الاستمتاع الجنسي .
3 -استعمال الطيب .
4 -الزينة .
--( 127 )--
..........
5 -الاستمناء .
6 -النظر الى صورته و هندامه في المرآة .
7 -عقد النكاح .
8 -اخراج الدم من البدن .
9 -الفسوق .
10 -الجدال .
11 -قتل هوام الجسد .
12 -التدهين .
13 -تقليم الأظفار .
14 -ازالة الشعر من البدن .
15 -الارتماس .
16 -حمل السلاح .
17 -قلع اشجار الحرم .
الصنف الثاني مختص بالرجال و هو كما يلي :
1 -لبس الثياب الاعتيادية .
2 -لبس الحذاء الساتر لتمام ظهر القدم ،أو الجورب .
3 -ستر الرأس .
4 -التظليل بظل يتحرك بحركة المحرم ،كسقف السيارة ،أو الباخرة ،أو
الطائرة ،أو مظلّة يحملها بيده و يستظل بها حال سيره ،و أما الظل اذا كان ثابتا فلا
مانع من الجلوس تحته أو السير فيه ،كالسير تحت الجسور أو في النفق .
الصنف الثالث مختص بالنساء ،و هو كما يلي :
1 -ستر الوجه .--( 128 )--
1 -الصّيد البرّي
( مسألة 199 ) :لا يجوز للمحرم ( 1 ) سواء كان في الحل أو الحرم
صيد الحيوان البرّي أو قتله سواء كان محلل الأكل أم لم يكن كما لا يجوز
له قتل الحيوان البرّي ( 2 ) و إن تأهل بعد صيده .و لا يجوز صيد الحرم مطلقا
و إن كان الصائد محلا .
2 -لبس القفازين .
3 -لبس الحرير الخالص .
4 -لبس الذهب للزينة .
( 1 ) يدل على ذلك الكتاب و السنة ،اما الكتاب فقوله تعالى :وَ حُرِّمَ
عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً - 1 - و أما السنة فعدة روايات :
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تستحلن شيئا من
الصيد و انت حرام ،و لا أنت حلال في الحرم ،و لا تدلن عليه محلا و لا محرما
فيصطاده ،و لا تشير اليه فيستحل من أجلك ،فان فيه فداء لمن تعمده »- 2 - .
( 2 ) هذا من دون فرق بين أن يكون الحيوان محلل الأكل أو محرم الأكل ،
و تدل عليه الآية الشريفة ،و هي قوله تعالى :يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا
اَلصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ - 3 - ،فانها باطلاقها تشمل الحيوان المحلل الأكل و المحرم ،
و الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي المتقدمة : «لا تستحلن شيئا من الصيد
---------------
( 1 ) سورة المائدة ،الآية :96 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) سورة المائدة ،الآية :95 .
--( 129 )--
( مسألة 200 ) :كما يحرم على المحرم صيد الحيوان البري تحرم عليه
الاعانة على صيده .و لو بالاشارة ،و لا فرق في حرمة الإعانة بين أن يكون
الصائد محرما أو محلا ( 1 ) .
( مسألة 201 ) :لا يجوز للمحرم إمساك الصيد البرّى و الاحتفاظ به ،
و إن كان اصطياده له قبل احرامه ( 2 ) و لا يجوز له أكل لحم الصيد ،و إن كان
الصائد محلا ( 3 ) .و يحرم الصيد الذي ذبحه المحرم على المحل أيضا ( 4 ) ،
و أنت حرام و لا أنت حلال في الحرم »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال في قوله
عزّ و جلّ :لَيَبْلُوَنَّكُمُ اَللَّهُ بِشَيْءٍ مِنَ اَلصَّيْدِ تَنالُهُ أَيْدِيكُمْ وَ رِماحُكُمْ ،
قال :حشرت لرسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله عمرة الحديبية الوحوش حتى نالتها ايديهم
و رماحهم »- 2 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «اذا فرض
على نفسه الحج ثم أتم التلبية فقد حرم عليه الصيد و غيره -الحديث »- 3 - ،فانها
تدل على حرمة الصيد و إن كان محرم الأكل .
( 1 ) يدل عليه قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي الآنفة الذكر : «لا تدلن عليه
محلا و لا محرما فيصطاده ،و لا تشر اليه فيستحل من أجلك ،فان فيه فداء لمن
تعمده »- 4 - .
( 2 ) لإطلاق صحيحة الحلبي المشار اليها في المسألة السابقة .
( 3 ) لصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تأكل شيئا من
الصيد و أنت محرم و إن صاده حلال »- 5 - .
( 4 ) في الحرمة اشكال بل منع ،و ذلك لأن عمدة الدليل على الحرمة موثقة
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :7 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 130 )--
..........
اسحاق بن عمار عن جعفر عليه السّلام : «ان عليّا عليه السّلام كان يقول :اذا ذبح المحرم الصيد
في غير الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم ،و اذا ذبح المحل الصيد في
جوف الحرم فهو ميتة لا يأكله محل و لا محرم »- 1 - ،فانها صريحة في أن
الصيد الذي ذبحه المحرم ميتة فلا يجوز أكله لا للمحرم و لا للمحل ،و في مقابلها
عدة من الروايات :
منها :صحيحة الحلبي قال : «المحرم اذا قتل الصيد فعليه جزاؤه و يتصدق
بالصيد على مسكين »- 2 - ،فانها صريحة في أن الصيد الذي قتله المحرم حلال
للمحل ،لأن قوله عليه السّلام فيها : «و يتصدق بالصيد على مسكين »يدل على ذلك .
و منها :صحيحة منصور بن حازم قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل
أصاب من صيد أصابه محرم و هو حلال ،قال :فليأكل منه الحلال ،و ليس عليه
شيء ،و انما الفداء على المحرم »- 3 - ،فانها ناصة في أن صيد المحرم حلال
للمحل .
و منها :صحيحته الأخرى قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل أصاب صيدا
و هو محرم آكل منه و انا حلال ؟قال :انا كنت فاعلا ،قلت له :فرجل أصاب مالا
حراما ،فقال :ليس هذا مثل هذا يرحمك اللّه إن ذلك عليه »- 4 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :اذا أصاب
المحرم الصيد في الحرم و هو محرم فانه ينبغي له أن يدفنه و لا يأكله أحد -
الحديث »- 5 - ،و هذه الصحيحة بما أنها تدل بمنطوقها على حرمة صيد المحرم
في الحرم على المحل و المحرم ،و بمفهومها على عدم حرمته في الحل على
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 131 )--
و كذلك ما ذبحه المحل في الحرم ( 1 ) ،
المحل ،تصلح أن تقيد اطلاق سائر الروايات بما إذا كان الصيد في الحل ،فاذن
يقع التعارض بينها و بين الموثقة ،لا من جهة انقلاب النسبة من العموم المطلق
الى التباين ،لأنا لا نقول بالانقلاب -كما ذكرناه في علم الأصول -بل من جهة أن
هذه الروايات غير قابلة للتقييد بها .
أما أولا :فلأن لازم هذا التقييد ان الصيد اذا كان في الحل لم يجز أكله
للمحل ،و اذا كان في الحرم جاز ،و هذا باطل جزما .
و ثانيا :ان لازمه أن لا يبقى لها مورد أصلا ،و تصبح لاغية ،و هذا كما ترى ،
فمن أجل ذلك يقع التعارض بينهما ،و بما أنه لا ترجيح في البين فتسقطان معا ،
فيرجع إلى العام الفوقي ،و مقتضاه أنه حلال له .
و دعوى :أن الروايات مطلقة من جهة أن موته مستند الى ذبح المحرم ،أو
الى نفس الرمي و الصيد ،و الموثقة خاصة بذبحه ،فاذن لا بد من تقديم الموثقة
عليها تطبيقا لحمل المطلق على المقيد .
مدفوعة :بأنه لا يحتمل أن تكون للذبح خصوصية ،فان المعيار انما هو
بتذكية المحرم ،سواء أ كانت بالذبح أم كانت بالصيد و الرمي ،و احتمال أن تذكية
المحرم للصيد إن كانت بالذبح كان ميتة ،و إن كانت بالرمي كان حلالا ،غير
محتمل جزما .
فالنتيجة :أن التعارض بينهما مستقر ،و يسرى الى دليل حجيتهما ،فلذلك
تسقطان معا و يرجع الى العام الفوقي ،و مقتضاه الحلية ،و لكن مع هذا فالأحوط
و الأجدر به الاجتناب عنه .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،فانه مقتضى ذيل الموثقة المتقدمة ،و قد تسأل عن
أن الموثقة تنص على أنه ميتة ،و هل تجري عليه أحكام الميتة من النجاسة ،
و عدم جواز الصلاة فيه ؟
--( 132 )--
و الجراد ملحق بالحيوان البرّي ( 1 ) ،فيحرم صيده و إمساكه و أكله .
( مسألة 202 ) :الحكم المذكور انما يختص بالحيوان البرّي ،و أما صيد
البحر كالسمك فلا بأس به ( 2 )
و الجواب :أن الظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو أنها
في مقام تنزيله منزلة الميتة ،لا أنه ميتة واقعا ،و من الواضح أن القدر المتيقن منه
تنزيله منزلتها في حرمة أكله ،دون ترتيب سائر آثار الميتة عليه .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،فان الجراد على نوعين :
أحدهما :بحري يعيش في البحر ،و لا اشكال في جواز صيده .
و الآخر :بري يعيش في البر دون البحر ،و لا يجوز صيده ،لأنه مضافا الى
الآية الشريفة المتقدمة ،يكون موردا لمجموعة من الروايات التي تنص على
عدم جواز صيده .
( 2 ) تدل عليه الآية الشريفة ،و هي قوله تعالى :أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ اَلْبَحْرِ
وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ - 1 - و مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال :
و السمك لا بأس بأكله طرية و مالحة و يتزود ،قال اللّه تعالى :أُحِلَّ لَكُمْ صَيْدُ
اَلْبَحْرِ وَ طَعامُهُ مَتاعاً لَكُمْ وَ لِلسَّيَّارَةِ -الحديث »- 2 - ،فان مورد الصحيحة و إن
كان السمك إلاّ أن من الواضح أنه لا خصوصية له عرفا الاّ باعتبار كونه من
الحيوان البحري لا من جهة أنه سمك ،و يدل عليه الاستشهاد بالآية الشريفة ،
و مثلها صحيحة حريز - 3 - .
و على هذا فالروايات التي تدل على حرمة الصيد مطلقا كصحيحة الحلبي
المتقدمة و غيرها لا بد من تقييد اطلاقها بغير الصيد البحري .
---------------
( 1 ) سورة المائدة ،الآية :96 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 133 )--
..........
و مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم أنه لا دليل على حلية صيد الحيوان
البحري ،فمع هذا يجوز صيده ،و ذلك لأن الأدلة من الآية الشريفة و الروايات
التي تدل على حرمة صيد الحيوان البري تدل على عدم حرمة صيد الحيوان
البحري في الجملة بمقتضى مفهوم الوصف ،على أساس ما ذكرناه في علم
الأصول من أن الوصف المذكور مع موصوفه في القضية يدل على المفهوم
بنحو السالبة الجزئية ،إذ لو كان الصيد البحري محرما كصيد البر و لو بفرد
آخر من الحرمة و بجعل مستقل ،لكان التقييد بالبري بلا فائدة و لغوا فاذن لا
محالة يدل القيد على انتفاء الحكم بانتفائه في الجملة أي و لو عن بعض حالات
الانتفاء ،و على هذا الأساس فالآية الشريفة و الروايات تدلان على انتفاء الحرمة
عن صيد البحر في الجملة ،و بما أنه لا متيقن فيه لكي يتعين انتفاء الحرمة فيه
و في الزائد يرجع الى اطلاق بعض الروايات الذي يكون مقتضاه الحرمة ،فيعلم
اجمالا بتقييد اطلاقه بغير صيد البحر في الجملة بدون تعيين ،و هذا العلم
الإجمالي مانع من التمسك باطلاقه عند الشك ،فاذن يكون المرجع في حال
الشك الأصل العملي ،و هو اصالة البراءة عن حرمة صيد البحر ،فالنتيجة في
نهاية الشوط اختصاص حرمة الصيد بالحيوان البري دون البحري .
هاهنا مسألتان :الأولى :قد تسأل عن أن بعض الحيوان الذي يعيش في
الماء و في البر معا كبعض الطيور ،فهل حكمه حكم الحيوان البري أو البحري ؟
و الجواب :أن مقتضى القاعدة أن حكمه حكم الحيوان البحري ،و ذلك
لأن الآية الشريفة و الروايات تدلان على حرمة صيد الحيوان البري ،و بما أنه
مجمع لكلا العنوانين فلا يكون مشمولا لهما ،اذ لا يصدق عليه أنه حيوان بري ،
بل هو بري و بحري معا ،هذا ،و لكن موثقة معاوية بن عمار تدل على أن حكمه --( 134 )--
..........
حكم الحيوان البري ،قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :الجراد من البحر ،و قال :كلّ
شيء أصله في البحر و يكون في البر و البحر فلا ينبغي للمحرم أن يقتله ،فإن
قتله فعليه الجزاء كما قال اللّه عزّ و جل :يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ
وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ يَحْكُمُ بِهِ ذَوا
عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً بالِغَ اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً
الآية »- 1 - ،بتقريب أنها تدل على ضابط كلي و هو أن كل حيوان يعيش
في البحر فقط يجوز صيده ،و كل حيوان يعيش في البر و البحر فلا يجوز قتله .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «كل طير يكون في الآجام
يبيض في البر و يفرخ في البر فهو من صيد البر ،و ما كان من الطير يكون في
البحر و يفرخ في البحر فهو من صيد البحر »- 2 - فلا يكون منافيا للموثقة ،لأنه لا
يدل على أن الحيوان الذي يعيش في البحر و البر يجوز صيده ،بل مقتضى
اطلاق قوله عليه السّلام : «كل طير يكون في الآجام يبيض في البر و يفرخ في البر فهو
من صيد البر » ،و إن كان يعيش في البحر أيضا .
الثانية :قد تسأل أنه اذا اشتبه حيوان بين البري و البحري بالشبهة
الموضوعية ،فهل يحرم على المحرم صيده أو لا ؟
و الجواب :أنه لا يحرم ،و ذلك لأن موضوع عدم جواز الصيد هو الحيوان
البري ،و موضوع جوازه هو الحيوان البحري -كما في الآية الشريفة -و كلا
الموضوعين معنون بعنوان وجودي ،فاذا شك في مصداقه لم يجز التمسك
بالآية الكريمة ،لأنه من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ،فاذن يكون
المرجع الأصل العملي ،و هو أصالة البراءة عن حرمة صيده .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 135 )--
و المراد بصيد البحر ما يعيش فيه فقط ،و اما ما يعيش في البر و البحر كليهما
فملحق بالبري ،و لا بأس بصيد ما يشك في كونه بريا على الاظهر ،و كذلك
لا بأس بذبح الحيوانات الأهلية ،كالدجاج و الغنم و البقر و الإبل ،و الدجاج
الحبشي و ان توحشت ( 1 ) ،كما لا بأس بذبح ما يشك في كونه اهليا ( 2 ) .
و أما استصحاب عدم كونه بحريا ،فمضافا الى أنه معارض باستصحاب
عدم كونه بريا لا أثر له ،لأنه لا يثبت أنه بري الاّ على نحو مثبت .
( 1 ) ذلك لأن الوارد في لسان الروايات عنوان الإبل و البقر و الغنم
و الدجاج ،و يجوز للمحرم ذبح هذه الحيوانات و هو محرم ،فاذن يكون المعيار
انما هو بصدق هذه العناوين ،و من الواضح أنها تصدق عليها و إن توحشت .نعم
لو كان الوارد في لسان الروايات عنوان الحيوان الأهلي فالعبرة حينئذ إنما هي
بصدق هذا العنوان ،و بما أنه لا يصدق عليها في حالة توحشها فلا يترتب عليها
حكمه في هذه الحالة .
( 2 ) في عدم البأس اشكال بل منع ،و ذلك لما مر من أن الوارد في لسان
الروايات العناوين الخاصة كعنوان الإبل و البقر و الغنم و الدجاج دون عنوان
الحيوان الاهلي ،و ما ورد في بعض الروايات كقوله عليه السّلام في صحيحة حريز :
«المحرم يذبح ما حل للحلال في الحرم أن يذبحه و هو في الحل و الحرم
جميعا »- 1 - ،فانه عنوان مشير الى الحيوانات المذكورة ،على أساس أنه لا يحل
للمحل في الحرم الاّ ذبحها فحسب ،و على هذا فتلك الروايات تكون مقيدة
لإطلاق صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال :ثم اتق
قتل الدواب كلها الاّ الأفعى و العقرب و الفأرة -الحديث »- 2 - بغير تلك الأصناف ،
فاذن يكون موضوع حرمة القتل الدواب التي لا تكون ابلا و لا بقرا و لا شاة و لا
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 82 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 81 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 136 )--
..........
دجاجا ،و عليه فاذا شك في حيوان أنه غنم أو ذئب مثلا ،فلا مانع من
استصحاب عدم كونه غنما بنحو الاستصحاب في العدم الأزلي ،و به يحرز أنه
دابة و ليس بغنم ،و الأول محرز بالوجدان و الثاني بالاستصحاب ،و بضمه الى
الوجدان يتحقق موضوع العام ،فاذن لا مانع من التمسك به لإثبات عدم جواز
ذبحه و قتله .
و دعوى :أن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم كونه ذئبا .
مدفوعة :بأنه لا يجري الاّ على نحو مثبت ،هذا و نذكر فيما يلي مسألتين :
الأولى :قد تسأل أن قتل البغال و الحمير و الفرس و ذبحها هل يجوز أم
لا ،اذا دعت الحاجة اليه ؟
و الجواب :انه لا يجوز لأنه مقتضى اطلاق صحيحة معاوية المتقدمة ،
و أما مورد الروايات السابقة فهو عنوان الإبل و البقر و الغنم و الدجاج فحسب
دون غيرها ،و قوله عليه السّلام في بعض الروايات : «و ما أحل للحلال أن يذبحه في
الحرم و هو محرم في الحل و الحرم »- 1 - ،فقد مرّ أنه مشير الى هذه الحيوانات
دون الأعم منها ،و يؤكد ذلك أن الغاية من جواز ذبح تلك الأصناف للمحل
و المحرم انما هو الاستفادة من لحومها ،و ذلك يقتضى الاختصاص بها .
الثانية :قد تسأل عن أن حرمة صيد الحيوان البري هل هي مختصة
بالحيوان المحلل أكله ،أو تعم المحرم أيضا ،فيه وجهان :
و الجواب :أنها تعم المحرم أيضا ،و ذلك لإطلاق جملة من الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة : «ثم اتق قتل
الدواب كلها »- 2 - ،فانه يعم المأكول و غيره .
و منها :غيرها ،و الآيات كقوله تعالى :
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 82 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 82 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 137 )--
( مسألة 203 ) :فراخ هذه الأقسام الثلاثة من الحيوانات البرية
و البحرية ،و الأهليه ( 1 ) ،و بيضها تابعة للأصول في حكمها .
وَ حُرِّمَ عَلَيْكُمْ صَيْدُ اَلْبَرِّ ما دُمْتُمْ حُرُماً - 1 - و قوله تعالى :يا أَيُّهَا اَلَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ ،
وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ - 2 - فانها مطلقة
و باطلاقها تشمل الصيد المحلل أكله و المحرم .
و دعوى :أنه لا اطلاق لهما للصيد المحرم أكله ،أما الآية الأولى فبقرينة
أنها تقيد حرمة الصيد بحال الإحرام ،فلو كان الصيد محرم الأكل لم يكن فرق
بين حال الاحرام و حال الاحلال ،لأن أكله محرم ذاتا .
و أما الثانية فبقرينة جعل الجزاء على قتل الصيد ،بتقريب أن ما لا جزاء
عليه فلا يكون قتله محرما ،و بما أنه لا جزاء على قتل صيد محرم الأكل فلا مانع
من قتله .
مدفوعة :أما في الآية الأولى ،فلأن المراد من الصيد فيها هو الاصطياد لا
الأكل منه ،أو لا أقل من الاجمال و عدم الدلالة على الأعم .و أما في الآية الثانية ،
فلأن الجزاء منصوص في قتل كثير من الحيوان غير المأكول كالأرنب و غيره ،
هذا اضافة الى أنه لا ملازمة بين عدم الجزاء و جواز القتل ،فالنتيجة :أنه لا بأس
باطلاق الآيتين الشريفتين .
( 1 ) الأمر في الحيوان البحرى كالسمك و الأهلي كالدجاج كما أفاده قدّس سرّه
و أما في الحيوان البري الذي يكون صيده محرما على المحرم فهل بيضه و فرخه
أيضا كذلك ؟فيه اشكال ،و إن كان المعروف و المشهور بين الأصحاب الحرمة ،
بل ادعي عليه الاجماع و التسالم ،و لكن اتمامه بالدليل مشكل .نعم قد يستدل
على الحرمة بالأولوية ،فان ما دل من الروايات على ثبوت الكفارة في كسر
---------------
( 1 ) سورة المائدة ،الآية :96 .
---------------
( 2 ) سورة المائدة ،الآية :95 .
--( 138 )--
( مسألة 204 ) :لا يجوز للمحرم قتل السباع إلا فيما إذا خيف منها
على النفس ( 1 ) ،و كذلك إذا آذت حمام الحرم ( 2 ) .و لا كفارة في قتل
السباع حتى الأسد على الأظهر ( 3 ) بلا فرق بين ما جاز قتلها و ما لم يجز .
البيض و قتل الفرخ يدل على حرمتهما بالأولوية .
منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :في
قيمة الحمامة درهم ،و في الفرخ نصف درهم ،و في البيضة ربع درهم »- 1 - .
و الجواب :أن الأولوية ممنوعة ،و لا ملازمة بين ثبوت الكفارة على شيء
و بين حرمته و لا دليل عليها ،فالنتيجة أن المسألة مبنية على الاحتياط .
( 1 ) فيه أنه لا وجه لتقييد ذلك بالسباع ،بل كل حيوان يخاف المحرم منه
على نفسه جاز له قتله ،سواء أ كان من السباع أم كان من غيره ،و تدل على ذلك
صحيحة عبد الرحمن العرزمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام عن أبيه عن علي عليه السّلام : «قال :
يقتل المحرم كل ما خشيه على نفسه »- 2 - .
و رواية حريز : «قال :كل ما يخاف المحرم على نفسه من السباع و الحيات
و غيرها فليقتله -الحديث »- 3 - و أما اذا لم يخف منه على نفسه فلا يجوز له قتله ،
لإطلاق صحيحة معاوية المتقدمة ،الاّ ما استثنى .
( 2 ) للنص الخاص و هو صحيحة معاوية بن عمار : «أنه أتى أبو عبد اللّه
فقيل له :إن سبعا من سباع الطير على الكعبة ليس يمر به شيء من حمام الحرم
الاّ ضربه ،فقال :فانصبوا له و اقتلوه فانه قد الحد »- 4 - فان هذا التعليل يدل على أن
قتلها انما يجوز اذا أذى لا مطلقا .
( 3 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لأن الكفارة بحاجة الى دليل و لا دليل عليها ،
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 81 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :7 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 81 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 42 من ابواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
--( 139 )--
( مسألة 205 ) :يجوز للمحرم أن يقتل الأفعى و الأسود الغدر و كل
حية سوء و العقرب و الفأرة ( 1 ) ،و لا كفارة في قتل شيء من ذلك .
و دعوى الاجماع لا قيمة لها ،لما مر غير مرة من أنه لا طريق لنا الى اثباته صغرى
و كبرى .
و أما رواية ابي سعيد المكاري قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل قتل
أسدا في الحرم ،قال :عليه كبش يذبحه »- 1 - .فمضافا الى ضعفها سندا ،ان موردها
خارج عن محل الكلام ،لأن موردها قتل الأسد في الحرم ،و محل الكلام انما هو
قتله في حال الاحرام و إن كان خارج الحرم .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه الاّ في الحية ،فانه لا يسوغ للمحرم قتلها الاّ إذا
أرادته ،و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «ثم
اتق قتل الدواب كلها إلاّ الأفعى و العقرب و الفأرة ،فأما الفأرة فانها توهي السقاء
و تضرم على أهل البيت ،و أما العقرب فان رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله مد يده الى الحجر
فلسعته فقال لعنك اللّه لا برا تدعينه و لا فاجرا ،و الحية ان ارادتك فاقتلها ،و إن لم
تردك فلا تردها و الأسود الغدر فاقتله على كل حال ،و ارم الغراب و الحداة رميا
على ظهر بعيرك »- 2 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «يقتل في الحرم
و الاحرام الافعى و الأسود الغدر و كل حية سوء و العقرب و الفأرة و هي الفويسقة
و يرجم الغراب و الحداة رجما -الحديث »- 3 - ،فان مقتضى اطلاقها أنه يجوز
للمحرم قتل هذه الحيوانات مطلقا .
و أما تقييد الحية في الصحيحة الأولى بما اذا أرادته ،فالظاهر أن المراد
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 39 ،من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 81 ،من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 81 ،من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
--( 140 )--
( مسألة 206 ) :لا بأس للمحرم ان يرمي الغراب و الحدأة ( 1 ) ،و لا
كفارة لو اصابهما الرمي و قتلهما .
منها غير الحية السوء و الأفعى و الأسود الغدر ،فانها تريد الانسان على كل حال .
و أما قوله عليه السّلام في ذيل صحيحة حسين بن ابي العلاء : «أقتل كل واحد
منهن يريدك »- 1 - ،فلا يكون مقيدا لإطلاق صدرها .
أما بالنسبة الى الفأرة و العقرب فلتصريح الإمام عليه السّلام بقتلهما مطلقا ،و أما
الأسود الغدر و الأفعى و الحية السوء فانها تريد الانسان طبعا ،و حينئذ فلا تنافي
بين صدرها و ذيلها ،فان الظاهر من صدرها أنه في مقام أنه يجوز للمحرم
رجلا كان أو امرأة قتل الحيوان الضار ،و ذيلها في مقام بيان دفع الضرر عن نفسه .
( 1 ) هذا هو الظاهر ،فان الوارد في صحيحة معاوية المتقدمة و إن كان رمي
المحرم الغراب و الحداة رميا و هو على ظهر بعيره ،الاّ أنه لا يحتمل عرفا أن
تكون لذلك خصوصية ،فاذن العبرة إنما هي باطلاق صحيحة الحلبي الآنفة
الذكر .
و أما ما ورد في معتبرة حنان بن سدير - 2 - من تقييد الغراب بالأبقع ،فمن
المحتمل قويا أن يكون هذا التقييد بلحاظ خصوصية فيه ،و هي كونه شريرا ،لا
بلحاظ اختصاص الحكم به ،و لا أقلّ من الاجمال ،فاذن لا مقيد لإطلاق
الروايات المتقدمة ،كما أنه لا خصوصية للرمي عرفا ،فان ذكره إنما هو باعتبار أن
قتلهما غالبا انما يكون به لا من أجل أن فيه خصوصية ،و لا كفارة على قتلهما
لعدم الدليل .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 81 ،من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 81 ،من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :11 .
--( 141 )--
كفارات الصيد
( مسألة 207 ) :في قتل النعامة بدنة ،و في قتل بقرة الوحش بقرة ،و في
قتل حمار الوحش بدنة أو بقرة ( 1 )
( 1 ) في التخيير بينهما اشكال بل منع .نعم ،قد يستدل على التخيير بالبيان
التالي ،و هو أن هناك طائفتين من الروايات :
احداهما :تنص على أن في قتل حمار الوحش بقرة ،كصحيحة حريز
و نحوها .
و الأخرى :تنص على أن في قتله بدنة ،و مقتضى اطلاق الأولى تعين
البقرة ،و مقتضى اطلاق الثانية تعين البدنة ،فيسقط الاطلاقان من جهة المعارضة ،
و يبقى وجوب كل من البقرة و البدنة في الجملة ،أي بنحو القضية المهملة ،
و نتيجة ذلك التخيير .
و الجواب :أن بقاء وجوب كل منهما في الجملة بعد سقوط الاطلاق
عنهما بالتعارض بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه .
قد يقال كما قيل :إن الأمر في المقام بما أنه يدور بين رفع اليد عن
وجوب أحدهما بالمرة ،أو رفع اليد عن اطلاق كل منهما فحسب مع الحفاظ
على أصل الوجوب في الكل ،فيتعين الثاني .
و الجواب :ان ذلك ليس من الجمع العرفي بين الدليلين على أساس أنه
مرتبط إمّا بحكومة أحدهما على الآخر ،أو بأخصيته ،أو أظهريته ،او نصوصيته ،
و شيء من ذلك غير موجود في المقام ،فاذن يكون هذا الجمع من الجمع
التبرعي ،و لا قيمة له .
و دعوى :أن ذلك إما مبني على أن التعارض لما كان بين اطلاق كل من
--( 142 )--
..........
الطائفتين ،فالساقط انما هو اطلاق كل منهما دون أصل الوجوب ،لعدم الموجب
له ،أو مبني على أن دلالة كل منهما على أصل الوجوب بما أنها دلالة لفظية
وضعية ،و على تعينه دلالة اطلاقية بقرينة الحكمة ،فتصلح الدلالة الوضعية لكل
منها أن تكون قرينة على رفع اليد عن الدلالة الاطلاقية للأخرى بملاك
الأظهرية ،و على كلا التقديرين فالنتيجة في نهاية المطاف التخيير بينهما .
مدفوعة :بأن ذلك مبني على أن تكون الدلالة الأولى لكل منهما دلالة
تصديقية مستقلة بلحاظ الارادة الجدية ،و مشمولة لدليل الحجية كذلك حتى
تكون صالحة للقرينية أو المرجعية ،فان أحد الدليلين المنفصلين انما يتقدم
على الدليل الآخر بالجمع العرفي اذا كان مدلوله متعينا للقرينة في العرف العام
بملاك الأخصية أو الأظهرية أو النصوصية ،فانه حينئذ يكون كلا الدليلين
المذكورين مشمولا لدليل الحجية من دون أن يسري التعارض اليه ،و في المقام
بما أن الدلالة الأولى في كل منهما ليست بدلالة مستقلة ناصة أو أظهر ،بل هي
دلالة ضمنية ،اي في ضمن الدلالة الاطلاقية لهما ،و هي الدلالة النهائية ،فلا
تكون مشمولة لدليل الحجية مستقلا ،و انما تكون مشمولة له بتبع شموله للدلالة
الاطلاقية ،و حيث إنه لا يشمل الدلالة الاطلاقية من جهة المعارضة ،فلا يشمل
الدلالة الأولى أيضا ،فاذن كيف يمكن أن تكون قرينة أو مرجعا ؟
و بكلمة :أنه لا شبهة في أن لكل من الطائفتين ظهورا تصديقيا واحدا
بلحاظ الارادة الجدية لا ظهوران تصديقيان مستقلان ،أحدهما في المعنى
الوضعي ،و الآخر في المعنى الاطلاقي ،لكي لا يسقط الظهور الأول بسقوط
الظهور الثاني بالتعارض ،فالنتيجة أنه لا دليل على التخيير في المسألة ،سواء
أ كان بمعنى وجوب الجامع ،أم كان بمعنى اشتراط وجوب كل منهما بعدم
الاتيان بالأخرى .
--( 143 )--
و في قتل الظبي و الأرنب شاة ،و كذلك في الثعلب على الأحوط ( 1 ) .
و دعوى :أنه لا مانع من شمول دليل الحجية لكلتا الطائفتين معا على
أساس أن حجية السند حجية مستقلة غير مربوطة بحجية الدلالة ،و على هذا
فمقتضى اطلاق دليل الحجية ثبوت القضيتين ،شرعا ،إحداهما أن في قتل حمار
الوحش ناقة ،و الأخرى أن في قتله بقرة ،و حيث إنه لا يمكن الأخذ باطلاق كلتا
القضيتين معا ،كما أنه لا يمكن طرح كلتيهما كذلك ،فلا بد من التصرف فيهما
بتقييد كل منهما بعدم الأخرى ،و تكون النتيجة حينئذ التخيير .
مدفوعة :بأن حجية السند و الدلالة مجعولة بجعل واحد بنحو الارتباط ،
و لا يمكن شمول دليل الحجية للسند مستقلا بدون أن يكون ناظرا الى دلالته
و مفاده و الاّ لكان لغوا و جزافا ،فمن أجل ذلك لا يمكن أن يكون دليل حجية
السند غير ناظر الى دلالته و مفاده .
نعم ،اذا ابتليت دلالته في مورد بالمعارض أو مانع آخر بنحو لا يمكن
شمول دليل الحجية لها ،فلا يمكن شموله للسند أيضا .مثلا بناء العقلاء على
العمل باخبار الثقة عن وجوب شيء أو حرمة آخر نتيجة متحصلة من مجموع
سنده و دلالته ،فان معنى صدوره سندا أن مضمونه الذي يكون الخبر ظاهرا فيه
و حاكيا عن ثبوته في الواقع باخبار الثقة عنه قد صدر عنه شرعا ،فمن أجل ذلك
لا يمكن أن يكون دليل حجية السند غير ناظر الى دلالته و ظهوره ،لأن مرده الى
أنه غير ناظر الى سنده أيضا ،اذ معنى صدوره سندا -كما عرفت -أنه بما له من
المضمون الذي يحكي عن ثبوته في الواقع و ظاهر فيه قد صدر ،فاذن كيف
يمكن التفكيك بين الأمرين ؟و تمام الكلام في علم الأصول .
( 1 ) لا بأس بتركه و إن كان الأولى و الأجدر ،باعتبار أنه لا دليل عليه غير
بعض الروايات الضعيفة و دعوى الشهرة و الاجماع في المسألة ،و لكن قد ذكرنا
غير مرة أنه لا يمكن الاعتماد على الاجماع في المسألة .
--( 144 )--
( مسألة 208 ) :من اصاب شيئا من الصيد فان كان فداؤه بدنة و لم
يجدها فعليه اطعام ستين مسكينا ،لكل مسكين مدّ ( 1 ) ،
( 1 ) هذا شريطة أن تكون قيمة الناقة وافية ،و الاّ فلا يجب عليه الاّ بمقدار
قيمة الناقة فحسب .و تنص على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم و زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في محرم قتل
نعامة قال : «عليه بدنة ،فان لم يجد فاطعام ستين مسكينا فان كانت قيمة البدنة
اكثر من اطعام ستين مسكينا لم يزد على اطعام ستين مسكينا و إن كانت قيمة
البدنة أقل من اطعام ستين مسكينا لم يكن عليه الا قيمة البدنة »- 1 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن قوله تعالى :
أو عدل ذلك صياما ،قال :عدل الهدي ما بلغ يتصدق به ،فان لم يكن عنده
فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما »- 2 - .
و هذه المجموعة تصلح أن تكون قرينة على تقييد اطلاق الروايات التي
تدل على أن بدل البدنة التصدق باطعام ستين مسكينا بدون التقييد بأن قيمتها
تكفى لذلك أو لا .
منها :صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام
قال : «سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ،ما عليه ؟قال :عليه بدنة ،فان لم يجد
فليتصدق على ستين مسكينا ،فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما ،قال :و سألته
عن محرم أصاب بقرة ما عليه ؟قال :عليه بقرة ،فان لم يجد فليتصدق على
ثلاثين مسكينا ،فان لم يجد فليصم تسعة أيام .قال :و سألته عن محرم أصاب
ظبيا ما عليه ؟قال :عليه شاة ،فان لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين ،فان لم
يجد فليصم ثلاثة أيام »- 3 - ،و هذه الصحيحة تدل على أن من لم يجد بدنة فعليه
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :9 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :10 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :6 و 7 و 8 .
--( 145 )--
فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما ( 1 ) ،و إن كان فداؤه بقرة و لم يجدها
فليطعم ثلاثين مسكينا ،فان لم يقدر صام تسعة أيام ،و ان كان فداؤه شاة
و لم يجدها فليطعم عشرة مساكين ،فان لم يقدر صام ثلاثة ايام .
التصدق على ستين مسكينا ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن تكون قيمة
البدنة وافية بذلك -كما هو الغالب -أو لا ،و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بصحيحة
محمد بن مسلم المتقدمة ،باعتبار أنها ناصة في أن وجوب التصدق على ستين
مسكينا انما هو في فرض وفاء قيمة البدنة بذلك ،فاذن لا بد من رفع اليد
عن اطلاقها تطبيقا لقاعدة حمل المطلق على المقيد .
( 1 ) في بدلية ذلك عن الإطعام إشكال ،و لا يبعد أن يكون بدله صيام
شهرين ،و ذلك لأن الروايات الواردة في المسألة تصنف الى ثلاثة أصناف .
الصنف الأول :ما يدل على أن بدل الاطعام صيام ثمانية عشر يوما ،و هو
مجموعة من الروايات .
منها :صحيحة علي بن جعفر المتقدمة - 1 - .
و منها :معتبرة ابي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن محرم أصاب
نعامة ،قال :عليه بدنة -الى أن قال :فليصم ثمانية عشر يوما »- 2 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :من أصاب
شيئا فداؤه بدنة من الإبل ،فان لم يجد ما يشتري به بدنة فاراد أن يتصدق فعليه
أن يطعم ستين مسكينا كل مسكين مدا ،فان لم يقدر على ذلك صام مكان ذلك
ثمانية عشر يوما مكان كل عشرة مساكين ثلاثة أيام -الحديث »- 3 - .
الصنف الثاني :ما يدل على أن بديل الإطعام أن يصوم الصائد لكل
نصف صاع يوما ،و هو متمثل في صحيحة ابي عبيدة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
---------------
( 1 ) المصدر المتقدم .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :12 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :13 .
--( 146 )--
..........
«اذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد
قوّم جزاؤه من النعم دراهم ،ثم قومت الدراهم طعاما لكل مسكين نصف صاع ،
فإن لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما »- 1 - و هذه الصحيحة ظاهرة
في وجوب صيام شهر ،بقرينة جعل صوم كل يوم بديلا عن اطعام كل مسكين
نصف صاع و هو مدان .
الصنف الثالث :ما يدل على ان بديله صيام شهرين ،و هو متمثل في
قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم : «فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين
يوما »- 2 - .
و بعد ذلك نقول إن لكل من هذه الاصناف الثلاثة دلالة ايجابية و دلالة
سلبية ،و الأولى بالنص و الثانية بالاطلاق ،فان الصنف الأول يدل على وجوب
صوم ثمانية عشر يوما بالنص ،و على عدم وجوب الصوم الزائد بالاطلاق
الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و الصنف الثاني يدل على وجوب صوم
ثلاثين يوما بالنص ،و على نفي الزائد بالاطلاق ،و الصنف الثالث يدل على
وجوب صوم شهرين بالنص ،و على هذا فالصنف الثالث بدلالته الايجابية
يصلح أن يكون قرينة على رفع اليد عن الدلالة الاطلاقية لكل من الصنفين
الأولين تطبيقا لحمل الظاهر على الأظهر ،و نتيجة ذلك أن بديل اطعام ستين
مسكينا انما هو صوم شهرين ،و من هنا يظهر أن ما في تقرير بحث السيد
الاستاذ قدّس سرّه في المسألة من تقديم الصنف الأول على سائر الأصناف معللا بأنه
ناص في اجزاء صوم ثمانية عشر يوما ،و الباقي ظاهر في الوجوب ،و حينئذ
فلا بد من تقديمه على الباقى بملاك تقديم النص على الظاهر لا يتم ،لوضوح أن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :10 .
--( 147 )--
..........
دلالته على اجزاء ذلك و عدم وجوب الزائد انما هي بالاطلاق الناشي من
السكوت في مقام البيان لا بالنص .
و بكلمة :انه يدل على وجوب صيام ثمانية عشر يوما بالنص ،و على عدم
اعتبار الزائد بالاطلاق ،و بما أن دلالة الصنف الثالث على وجوب الزائد يكون
بالوضع فتقدم على الاطلاق .
ثم أن في المسألة رواية أخرى و هي رواية داود الرقى عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في الرجل يكون عليه بدنة واجبة في فداء ،قال :إذا لم يجد بدنة
فسبع شياه ،فان لم يقدر صام ثمانية عشر يوما »- 1 - فانها تدل على أن بدل البدنة
سبع شياه ،فعندئذ تكون معارضة للروايات المتقدمة التي تدل على أن بديل
البدنة اطعام المساكين ،و لكن الظاهر بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية
العرفية أنه لا خصوصية لسبع شياه الاّ من جهة أنها تعدل قيمة البدنة ،
و المفروض أن الواجب عند تعذر البدنة دفع قيمتها الى المساكين ،فمن أجل
ذلك لا معارضة بينها و بين تلك الروايات ،هذا اضافة الى أنها ضعيفة سندا .
قد تسأل عن أن هذه الكفارة هل هي مخيرة او مرتبة ؟
و الجواب :لا يبعد كونها مرتبة ،فان الآية الشريفة و هي قوله تعالى :
وَ مَنْ قَتَلَهُ مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ -الى ان قال تعالى -
هَدْياً بالِغَ اَلْكَعْبَةِ أَوْ كَفَّارَةٌ طَعامُ مَساكِينَ أَوْ عَدْلُ ذلِكَ صِياماً - 2 - ظاهرة في
التخيير بسبب ظهور كلمة ( أو ) فيه ،و اكثر روايات الباب ظاهرة في الترتيب على
أساس ظهور كلمة ( فاء ) فيه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) سورة المائدة ،الآية :95 .
--( 148 )--
( مسألة 209 ) :إذا قتل المحرم حمامة و نحوها في خارج الحرم فعليه
شاة ،و في فرخها حمل أو جدي ( 1 )
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة علي بن جعفر عليه السّلام المتقدمة : «فان لم يجد
فليتصدق على ستين مسكينا ،فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة و محمد بن مسلم المتقدمة : «فان لم
يجد فاطعام ستين مسكينا ...الخ »- 2 - ،و مثلهما صحيحة ابي بصير و صحيحة ابى
عبيدة و غيرهما .
و هذه الروايات لا تصلح أن تعارض الآية الشريفة ،فتسقط .و لكن هناك
رواية أخرى ظاهرة في أنها في مقام بيان المراد من الآية الشريفة و مفسرة لها ،
و هي صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن قوله
تعالى :أو عدل ذلك صياما ،قال :عدل الهدي ما بلغ يتصدق به ،فان لم يكن
عنده فليصم بقدر ما بلغ لكل طعام مسكين يوما »- 3 - بتقريب أن الظاهر منها كون
كلمة ( أو ) في الآية الشريفة انما هي لبيان عدل الكفارة ،لا في مقام بيان التخيير
بين خصالها .
( 1 ) هذا اذا تحرك الفرخ ،و ذلك لأن الروايات الدالة على أن فيه حملا
و إن كانت مطلقة من هذه الناحية كصحيحة حريز بن عبد اللّه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام
قال : «المحرم اذا أصاب حمامة ففيها شاة ،و إن قتل فراخه ففيه حمل ،و إن وطئ
البيض فعليه درهم »- 4 - و غيرها ،الاّ أن صحيحة سليمان بن خالد ،قال : «قلنا لأبي
عبد اللّه عليه السّلام :رجل اغلق بابه على طائر ،فقال :إن كان اغلق الباب بعد ما أحرم
فعليه شاة ،و ان عليه لكل طائر شاة ،و لكل فرخ حملا ،و إن لم يكن يحرك
فدرهم ،و للبيض نصف درهم »- 5 - تصلح أن تكون مقيدة لإطلاقها بما اذا تحرك
الفرخ .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :9 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :10 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :11 .
--( 149 )--
و في كسر بيضها درهم على الأحوط ( 1 ) ،و إذا قتلها المحل في الحرم فعليه
درهم ،و في فرخها نصف درهم و في بيضها ربعه ( 2 ) ،
( 1 ) بل على الأظهر لأن صحيحة سليمان - 1 - و إن دلّت على أن في البيض
نصف درهم ،الاّ أن دلالتها على نفي الزائد على النصف انما هي بالاطلاق
الناشئ من سكوت المولى في مقام البيان ،على أساس ظهور حال المتكلم في
أن ما لا يقوله لا يريده ،و حيث أن دلالة سائر الروايات على اعتبار الزائد إنما هي
بالظهور العرفي على أساس ظهور حال المتكلم في أن ما يقوله يريده ،و هذه
الدلالة بما أنها أقوى و أظهر من الدلالة الأولى فتتقدم عليها تطبيقا لقاعدة حمل
الظاهر على الأظهر ،و لا يمكن حمل الروايات التي تنص على أن في البيض
درهم على البيض الذي فيه فرخ ،و حمل الصحيحة التي تنص على أن فيه
نصف درهم على البيض الذي لا يكون فيه فرخ ،و ذلك لأن مقتضى نفس هذه
الصحيحة أن في البيض الذي يكون فيه فرخ درهما و نصف ،باعتبار أن الدرهم
في الفرخ الذي لم يتحرك و النصف في كسر البيض ،فمن أجل ذلك لا يمكن أن
تكون هذه الصحيحة قرينة على ذلك الحمل .
و أما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى عليه السّلام قال : «سألته عن رجل
كسر بيض حمام و في البيض فراخ قد تحرك ،قال :عليه أن يتصدق عن كل فرخ
قد تحرك بشاة و يتصدق بلحومها إن كان محرما ،و إن كان الفرخ لم يتحرك
تصدق بقيمته ورقا يشتري به علفا يطرحه لحمام الحرم »- 2 - فاما ان تحمل على
الاستحباب بقرينة الروايات التي تنص على أن في الفرخ حمل ،أو أن الشاة من
جهة كسر البيض و قتل الفرخ بعد التحرك معا .
( 2 ) تدل على ذلك مجموعة من النصوص :
---------------
( 1 ) المصدر السابق .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :8 .
--( 150 )--
و إذا قتلها المحرم في الحرم فعليه الجمع بين الكفارتين ( 1 ) و كذلك في قتل
الفرخ و كسر البيض ( 2 ) ،و حكم البيض اذا تحرك فيه الفرخ حكم الفرخ ( 3 ) .
( مسألة 210 ) :في قتل القطاة ( 4 )
منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :في
قيمة الحمامة درهم ،و في الفرخ نصف درهم ،و في البيض ربع درهم »- 1 - ،بعد
حمل اطلاقها على المحل بقرينة ما دل من الروايات على أن على المحرم في
قتل الحمامة شاة ،و في فرخها حمل ،و في بيضها درهم ،و اما أن على المحل في
قتل الحمامة درهم و في فرخها نصف درهم فانه منصوص في عدة روايات .
نعم أن في بيضها ربع درهم مستفاد من اطلاق النصوص دون النص الخاص .
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه ،للنصوص الخاصة التي تدل عليه :
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «ان قتل المحرم حمامة
في الحرم فعليه شاة و ثمن الحمامة درهم ،أو شبهه يتصدق به ،أو يطعمه حمام
مكة ،فان قتلها في الحرم و ليس بمحرم فعليه ثمنها »- 2 - .
( 2 ) على الأحوط الأولى ،لعدم دليل على أن في قتل الأول و كسر الثاني
في الحرم كفارتين ،و مجرد أن في قتل الحمامة في الحرم كفارتين لا يدل على
أن في قتل فرخها و كسر بيضها فيه أيضا كفارتين ،فان ذلك بحاجة الى دليل .
( 3 ) بل فيه كفارتان إحداهما في قتل الفرخ ،و الأخرى في كسر البيض -
كما تقدم -.
( 4 ) تدل عليه صحيحة سليمان بن خالد عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «وجدنا
في كتاب علي عليه السّلام في القطاة اذا أصابها المحرم حمل قد فطم من اللبن و أكل من
الشجرة »- 3 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
--( 151 )--
و الحجل و الدرّاج و نظيرها حمل قد فطم ( 1 ) من اللبن و أكل من الشجر ،
و في العصفور و القبّرة و الصعوة مد من الطعام على المشهور و الأحوط فيها
حمل فطيم ( 2 ) ،و في قتل جرادة واحدة تمرة ( 3 ) ،و في اكثر من واحدة كف
من الطعام ،و في الكثير شاة ( 4 ) .
( 1 ) على الأحوط ،فان الرواية الواردة فيها و هي رواية سليمان بن خالد
عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «في كتاب أمير المؤمنين عليه السّلام :من أصاب قطاة أو حجلة
أو دراجة أو نظيرهن فعليه دم »- 1 - ضعيفة من ناحية السند ،فلا يمكن الاعتماد
عليها و اطلاقها بالقطاة بحاجة الى قرينة .
( 2 ) لا بأس بتركه ،فان رواية سليمان بن خالد المتقدمة لو تمت سندا
و قلنا بشمول قوله عليه السّلام : «أو نظيرهن »- 2 - تلك الطيور و إن كانت أصغر حجما من
الطيور في موردها ،لكانت كفارتها شاة لا حملا ،لأن الظاهر من الدم فيها هو دم
الشاة ،و إرادة الحمل منه بحاجة الى قرينة .
( 3 ) تدل عليه عدة روايات :
منها :صحيحة معاوية عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «ليس للمحرم أن يأكل
جرادا و لا يقتله ،قال :قلت :ما تقول في رجل قتل جرادة و هو محرم ،قال :تمرة
خير من جرادة »- 3 - .
و منها :صحيحة زرارة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في محرم قتل جرادة ،قال :
يطعم تمرة ،و تمرة خير من جرادة »- 4 - .
( 4 ) تدل عليه صحيحة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته
عن محرم قتل جرادا ،قال :كف من طعام ،و إن كان اكثر فعليه دم شاة »- 5 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 37 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 37 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 37 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :6 .
--( 152 )--
( مسألة 211 ) :في قتل اليربوع و القنفذ و الضب و ما أشبهها جدي ( 1 ) ،
و في قتل العظاية كف من الطعام ( 2 ) .
( مسألة 212 ) :في قتل الزنبور متعمدا اطعام شيء من الطعام ،و اذا
كان القتل دفعا لإيذائه فلا شيء عليه ( 3 ) .
( مسألة 213 ) :يجب على المحرم ان ينحرف عن الجادة إذا كان فيها
الجراد ،فان لم يتمكن فلا بأس بقتلها ( 4 ) .
( 1 ) للنص و هو صحيحة مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «في اليربوع
و القنفذ و الضب اذا اصابه المحرم فعليه جدي ،و الجدي خير منه ،و انما جعل
هذا لكي ينكل عن فعل غيره من الصيد »- 1 - و التعليل فيها بقوله عليه السّلام : «و انما
جعل ...الخ »يدل على أن الحكم لا يختص بالحيوانات في موردها ،بل يعم
نظائرها أيضا .
( 2 ) ينص عليه صحيح معاوية بن عمار ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :
محرم قتل عظاية ،قال :كف من طعام »- 2 - .
( 3 ) للنص و هو صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته
عن محرم قتل زنبورا ،قال :إن كان خطاء فليس عليه شيء ،قلت :لا بل متعمدا ،
قال :يطعم شيئا من طعام ،قلت :إن ارادني ،قال :إن ارادك فاقتله »- 3 - .
( 4 ) تدل عليه صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «على المحرم أن
يتنكب الجراد اذا كان على طريقه ،فان لم يجد بدا فقتل فلا بأس -فلا شيء
عليه »- 4 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 7 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 8 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
--( 153 )--
( مسألة 214 ) :لو اشترك جماعة محرمون في قتل صيد فعلى كل
واحد منهم كفارة مستقلة ( 1 ) .
( مسألة 215 ) :كفارة اكل الصيد ككفارة الصيد نفسه ،فلو صاده
المحرم و أكله فعليه كفارتان ( 2 ) .
( 1 ) للنصوص الكثيرة الدالة على ذلك ،و سوف نشير اليها في المسألة
الآتية .
( 2 ) تدل عليه مجموعة من الروايات ،و هي على طوائف :
الأولى :تنص على أن كفارة الأكل كفارة الحيوان المصيد .
الثانية :تنص على أن كفارة الأكل شاة ،بدون فرق بين أن تكون كفارة
الحيوان المصيد أيضا شاة أو لا .
الثالثة :تنص على أن كفارة الأكل قيمته .
أما الطائفة الأولى فهي متمثلة في عدة روايات :
منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام : «عن قوم
اشتروا ظبيا فأكلوا منه جميعا و هم حرم ما عليهم ،قال :على كل من أكل منهم
فداء صيد كل إنسان منهم على حدته فداء صيد كاملا »- 1 - فانها تدل على أمرين :
أحدهما :أن اكل الصيد موجب للكفارة .
و الآخر :أن كفارته نفس كفارة الصيد .
و منها :موثقة يونس بن يعقوب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المضطر
الى الميتة و هو يجد الصيد ،قال :يأكل الصيد ،قلت :إن اللّه عز و جل قد أحل له
الميتة اذا اضطر اليها و لم يحل له الصيد ،قال :تأكل من مالك أحب إليك أو ميتة ،
قلت :من مالى ،قال :هو مالك و لأن عليك فداؤه -الحديث »- 2 - بتقريب أن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 43 ،من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
--( 154 )--
..........
قوله عليه السّلام : «و عليك فداؤه »ظاهر في أن على الأكل نفس فداء الصيد و إن كان
مضطرا ،و مثلها صحيحة منصور بن حازم - 1 - .
و أما الطائفة الثانية فهي متمثلة في عدة نصوص :
منها :صحيحة زرارة بن أعين ،قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول : «من
نتف ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما
لا ينبغي له أكله و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء ،و من
فعله متعمدا فعليه دم شاة »- 2 - .
و منها :معتبرة ابي بصير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن قوم محرمين
اشتروا صيدا فاشتركوا فيه ،فقالت رفيقة لهم اجعلوا لي فيه بدرهم فجعلوا لها ،
فقال :على كل انسان منهم شاة »- 3 - و تقريب الاستدلال بها أن جعل الكفارة على
كل واحد منهم قرينة على أنهم جميعا أكلوا منه باعتبار أنه لا كفارة على الشراء
فقط .و منها غيرهما .
و أما الطائفة الثالثة :
فمنها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «اذا اجتمع قوم
على صيد و هم محرمون في صيده أو أكلوا منه فعلى كل واحد منهم قيمته »- 4 - .
و منها :صحيحته الاخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «و أي قوم
اجتمعوا على صيد فأكلوا منه فان على كل انسان منهم قيمته ،فان اجتمعوا في
صيد فعليهم مثل ذلك »- 5 - و منها غيرهما .
و هذه الطائفة تنص على أن كفارة الصيد و كفارة أكله كلتيهما قيمة
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 43 ،من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :7 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :3 .
--( 155 )--
..........
الحيوان المصيد ،و لكن لا يمكن الأخذ بها من ناحية كفارة الصيد ،لأنها معارضة
بالروايات الكثيرة التي تنص على أن كفارة الصيد مختلفة كما و كيفا باختلاف
الحيوان المصيد ،و محل الصيد من الحل و الحرم ،و هذه الروايات تبلغ من
الكثرة حد التواتر الإجمالي ،فمن أجل ذلك لا تصلح هذه الطائفة أن تعارض
تلك الروايات من هذه الناحية باعتبار أنها داخلة في الأخبار المخالفة للسنة .
ثم ان الطائفة الثالثة من ناحية كفارة الأكل معارضة مع الطائفة الأولى ،فان
الأولى تدل على أن كفارة أكل الحيوان المصيد نفس كفارة صيده ،و هذه الطائفة
تدل على أن كفارة الأكل قيمته ،يعنى ثمنه ،و حينئذ فان قلنا بأن المراد من القيمة
عرفا بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ما يماثله ،و لا موضوعية لعنوان
القيمة ،فلا تنافي بين الطائفتين ،و لكن ذلك بعيد جدا ،لأن الظاهر من العنوان
المأخوذ في موضوع الحكم في لسان الدليل أنه دخيل في الموضوع ،و حمله
على أنه معرف بدون كونه دخيلا بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة في المقام ،و على
هذا فالمعارضة بينهما مستقرة ،كما أن الطائفة الثانية معارضة مع كل من
الطائفتين ،أما مع الطائفة الأولى ،فلأن عنوان فداء الصيد المأخوذ في لسانها
مجرد معرف لآحاد أفراد الفداء كالناقة و البقرة و الشاة و غير ذلك ،و على هذا
فتقع المعارضة بينهما في كفارة الحيوان المصيد اذا لم تكن كفارته شاة ،كما اذا
كانت ناقة أو بقرة أو حملا أو غير ذلك ،فان هذه الطائفة تدل باطلاقها على أن
كفارة أكله نفس كفارة صيده ،فان كانت ناقة فناقة ،و إن كانت بقرة فبقرة و هكذا ،
و الطائفة الثانية تدل باطلاقها على أن كفارة أكله شاة و إن كان الحيوان المصيد
ناقة أو بقرة أو غير ذلك .و من هنا يظهر أنه لا وجه لحمل الطائفة الثانية على
خصوص ما اذا كانت كفارة الحيوان شاة كالحمام و الظبي و غيرهما بقرينة --( 156 )--
..........
الطائفة الأولى ،و ذلك لأن الطائفة الأولى لا تصلح أن تكون قرينة على هذا
الحمل على أساس الجمع العرفي ،لأن ملاك قرينية الجمع العرفي من الأخصية
أو الأنصية أو الأظهرية غير موجود فيها ،فالنتيجة ان التعارض بينهما ثابت .و أما
مع الطائفة الثالثة فلأنها تدل على أن كفارة أكل الحيوان المصيد قيمته ،و مقتضى
اطلاقها عدم الفرق بين انواعه و اقسامه ،و هذه الطائفة تدل على أن كفارة أكله
شاة ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين انواعه أيضا ،فيكون التعارض بينهما
بالتباين .
فالنتيجة ان هذه الطوائف الثلاث من الروايات قد سقطت من جهة
معارضة بعضها مع بعضها الآخر ،و حينئذ يكون المرجع في المقام الأصل
العملي و هو أصالة البراءة عن وجوب الكفارة ،دون التخيير بينها ،لما ذكرناه غير
مرة من أنه لا دليل على التخيير في امثال المقام ،لأنه إما أن يكون مبنيا على أن
اطلاق كل منها يسقط بالتعارض و يكون المرجع حينئذ دلالة كل منها بنحو
القضية المهملة ،أو يكون مبنيا على أن دلالة كل منها بنحو القضية المهملة
تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن اطلاق الأخرى تطبيقا لقاعدة حمل
الظاهر على الأظهر .و لكن قد تقدم في كفارة الصيد في المسألة ( 207 ) أن كلا
من الأمرين غير تام ،و سيأتي بيانه في ضمن المسائل الآتية أيضا .نعم ،لو علم
اجمالا بالعلم الوجداني بثبوت احدى هذه الكفارات الثلاث و لو من جهة العلم
بصدور بعض هذه الطوائف عن المعصومين عليهم السّلام لكانت النتيجة وقتئذ التخيير .
فتحصل ان القول بالتخيير لا أساس له ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر
وجوبا على المحرم اذا أكل من الصيد أن يكفر بكفارته رجلا كان أو امرأة .
و أما صحيحة أبان بن تغلب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن قوم حجاج --( 157 )--
( مسألة 216 ) :من كان معه صيد و دخل الحرم يجب عليه إرساله ( 1 ) ،
محرمين أصابوا فراخ نعام فذبحوها و أكلوها ،فقال :عليهم مكان كل فرخ
أصابوه و أكلوه بدنة يشتركون فيهن فيشترون على عدد الفراخ و عدد الرجال ،
قلت :فان منهم من لا يقدر على شيء قال :يقوّم بحساب ما يصيبه من البدن ،
و يصوم لكل بدنة ثمانية عشر يوما »- 1 - ،فالظاهر منها بمناسبة الحكم و الموضوع
أنها في مقام بيان كفارة الأكل فقط و لو بقرينة أن كفارة قتل الفرخ معلوم و أما اذا
منعنا عن هذا الظهور و قلنا بأنها ظاهرة في أن كفارة القتل و الأكل معا الناقة ،فمع
ذلك تكون الرواية مخالفة للطوائف الثلاث ،فتسقط من جهة المعارضة و مع
الاغماض عن ذلك فلا بد من الاقتصار على موردها و لا يمكن التعدي عنه .
( 1 ) لأن الحرم مأمن حتى للحيوانات ،فلا يجوز لأحد إمساكها و حبسها
فيه ،و عليه أن يطلق سراحها اذا مسكها ،و تدل على ذلك الآية الشريفة و هي قوله
تعالى :( وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ آمِناً ) - 2 - ،بضميمة الروايات المفسرة لها .
منها :صحيحة معاوية بن عمار : «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن طير أهلي
أقبل فدخل الحرم ،فقال :لا يمسّ لأن اللّه عز و جل يقول :وَ مَنْ دَخَلَهُ كانَ
آمِناً »- 3 - .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن ظبى
دخل الحرم ،قال :لا يؤخذ و لا يمس ،ان اللّه تعالى يقول :و من دخله كان
آمنا »- 4 - .
ثم إن مقتضى اطلاق الدليل عدم الفرق بين المحرم و غير المحرم في
الحكم حيث ان هذا الحكم حكم الحرم .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) آل عمران :97 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
--( 158 )--
فان لم يرسله حتى مات لزمه الفداء ( 1 ) بل الحكم كذلك بعد إحرامه ( 2 ) ،
و إن لم يدخل الحرم على الأحوط .
( مسألة 217 ) :لا فرق في وجوب الكفارة في قتل الصيد و أكله بين
العمد و السهو و الجهل ( 3 ) .
( مسألة 218 ) :تتكرر الكفارة بتكرر الصيد جهلا أو نسيانا أو خطأ ( 4 ) ،
( 1 ) تدل عليه موثقة بكير بن اعين قال : «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن رجل
أصاب ظبيا فأدخله الحرم فمات الظبي في الحرم ،فقال :إن كان حين أدخله
خلى سبيله فلا شيء عليه ،و إن كان أمسكه حتى مات فعليه الفداء »- 1 - .
( 2 ) فيه :ان الامر و إن كان كذلك بالنسبة إلى حرمة امساكه ،لما تقدم من
أنه لا يجوز للمحرم امساك الصيد و الاحتفاظ به ،الاّ ان الأمر ليس كذلك بالنسبة
إلى الكفارة اذا مات عنده قبل أن يدخل الحرم ،إذ لا دليل عليها و إن كانت
مشهورة .
( 3 ) للنصوص الخاصة ،و بها تفترق كفارة الصيد عن سائر الكفارات ،فان
سائر الكفارات لا تثبت في صورة الجهل و الخطأ و السهو الاّ في بعض الموارد
على تفصيل يأتي في محلها إن شاء اللّه تعالى .
( 4 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لأن الروايات الواردة في المسألة على طائفتين :
إحداهما تدل على تكرر الكفارة بتكرر الصيد ،و الأخرى تدل على عدم تكررها
بتكرره .
أما الطائفة الأولى :
فمنها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في المحرم
يصيب الصيد ،قال :عليه الكفارة في كل ما أصاب »- 2 - فانها تدل على وجوب
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 47 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
--( 159 )--
..........
الكفارة و ثبوتها في كل فرد من أفراد الاصابة .
و منها :صحيحته الأخرى قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام محرم أصاب صيدا ،
قال :عليه الكفارة ،قلت :فان هو عاد ،قال :عليه كلما عاد كفارة »- 1 - و مقتضى
اطلاقهما تكرر الكفارة بتكرر الصيد ،سواء أ كان عامدا و ملتفتا أم كان جاهلا أو
ناسيا .
و أما الطائفة الثانية :
فمنها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المحرم اذا قتل الصيد
فعليه جزاؤه و يتصدق بالصيد على مسكين ،فان عاد فقتل صيدا آخر لم يكن
عليه جزاؤه و ينتقم اللّه منه ،و النقمة في الآخرة »- 2 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في محرم أصاب صيدا ،
قال :عليه الكفارة ،قلت :فإن أصاب آخر ،قال :اذا أصاب آخر فليس عليه كفارة
و هو ممن قال اللّه عز و جل :وَ مَنْ عادَ فَيَنْتَقِمُ اَللَّهُ مِنْهُ »- 3 - .
ثم إن الظاهر من الطائفة الثانية هو اختصاصها بما اذا كانت الاعادة عن
عمد و التفات بقرينة ما يترتب عليه من العقوبة و الانتقام ،و لا تعم ما اذا كانت
عن جهل يعذر فيه ،أو نسيان أو خطأ ،و على هذا الأساس فلا معارضة بين
الطائفتين ،فانه يحمل الطائفة الأولى على الطائفة الثانية تطبيقا لقاعدة
حمل المطلق على المقيد .
فالنتيجة :ان تكرر الصيد إن كان عامدا و عالما بالحكم لم يوجب تكرر
الكفارة عليه ،و انما يوجب العقوبة و الانتقام في الآخرة ،و إن كان خطأ أو نسيانا
أو عن جهل يعذر فيه أوجب تكررها ،و من هنا يظهر أن المناط في وجوب
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 47 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :4 .
--( 160 )--
و كذلك في العمد إذا كان الصيد من المحل في الحرم ( 1 ) ،أو من المحرم
مع تعدد الاحرام ( 2 ) ،و أما إذا تكرر الصيد عمدا من المحرم في إحرام
واحد لم تتعدد الكفارة .
الكفارة مرة ثانية و عدم وجوبها انما هو بكون اعادة الصيد عمدية أو لا ،فعلى
الأول لا توجب الكفارة و انما توجب الاثم و على الثاني توجبها .و أما في الصيد
الأول فلا فرق فيه بين أن يكون عمديا أو غير عمدي ،فانه يوجب الكفارة على
كل تقدير .
( 1 ) الأمر كذلك ،لأن مورد الروايات المتقدمة التي تنص على أن الاعادة
اذا كانت عمدية لم توجب الكفارة مرة ثانية هو المحرم ،و لا يعم المحل ،فاذن
تعدد الكفارة عليه بتعدد سببها يكون على القاعدة فلا يحتاج الى دليل .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،لأن صحيحتي الحلبي المتقدمتين ظاهرتان
بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية في تكرر الصيد في احرام واحد بقرينة
جعل الكفارة في الصيد الأول و العقوبة في الصيد الثاني ،و هذا بنفسه يدل على
أن ذلك في احرام واحد ،و أما إذا كان في احرامين :
أحدهما :في احرام العمرة .
و الآخر :في احرام الحج ،فلا يكون مبرر لجعل كفارة الصيد في الأول دم
حيوان ،و في الثاني عقوبة أخروية التي هي أشد بمراتب من الكفارة المالية .
هذا اضافة إلى أنا لو سلمنا أن الصحيحتين المذكورتين مجملتان فالقدر
المتيقن منهما ما إذا كان تكرر الصيد في احرام واحد ،و أما إذا كان في احرامين
فالمرجع هو عموم صحيحتي معاوية بن عمار المتقدمتين ،لأن المقام حينئذ
داخل في كبرى اجمال المخصص المنفصل ،و تؤكد ذلك أن الظاهر من ضمير
( عاد ) في الآية الشريفة و صحيحتي الحلبي هو رجوعه الى شخص المحرم
الذي أصاب الصيد الأول ،لا الى طبيعي المحرم .
--( 161 )--
2 -مجامعة النساء
( مسألة 219 ) :يحرم على المحرم الجماع اثناء عمرة التمتع ،و اثناء
العمرة المفردة ،و اثناء الحج ،و بعده قبل الاتيان بصلاة طواف النساء ( 1 ) .
( مسألة 220 ) :إذا جامع المتمتع اثناء عمرته قبلا أو دبرا عالما عامدا ،
فان كان بعد الفراغ من السعي لم تفسد عمرته ( 2 ) ،و وجبت عليه الكفارة ،
و هي على الأحوط جزور ،و مع العجز عنه بقرة ،و مع العجز عنها شاة ( 3 ) ،
( 1 ) تدل على حرمة الاستمتاع بالمرأة جماعا اثناء مناسك الحج الآية
الشريفة و الروايات ،اما الآية فهي قوله تعالى :( اَلْحَجُّ أَشْهُرٌ مَعْلُوماتٌ فَمَنْ
فَرَضَ فِيهِنَّ اَلْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي اَلْحَجِّ ) - 1 - فانها تنص
على حرمة الرفث في الحج و تعم جميع أقسام الحج و عمرة التمتع أيضا ،باعتبار
أنها جزء الحج ،و لا تعم العمرة المفردة على أساس أن أشهر الحج التي هي
عبارة عن شوال و ذي القعدة و ذي الحجة تختص بالحج و عمرة التمتع ،و أما
العمرة المفردة فلا تكون مؤقتة بوقت معين ،بل يجوز الاتيان بها في كل شهر
طول السنة .و أما الروايات فسوف نشير اليها ضمن المسائل القادمة .
( 2 ) للروايات التي تنص على ذلك و سوف نشير اليها فيما بعد .
( 3 ) بل الأحوط التخيير بينها دون الترتيب ،لأن الترتيب و إن كان مشهورا
الاّ أن استفادته من الروايات لا يمكن .
بيان ذلك :ان الروايات الواردة في المسألة تصنف الى ثلاثة أصناف :
الأول :صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن متمتع
---------------
( 1 ) البقرة :197 .
--( 162 )--
..........
وقع على امرأته قبل أن يقصر ،قال :ينحر جزورا و قد خشيت أن يكون قد ثلم
حجه -الحديث »- 1 - و مثلها صحيحته الأخرى - 2 - .
الثاني :موثقة ابن مسكان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت :متمتع وقع على
امرأته قبل أن يقصر ،فقال :عليه دم شاة »- 3 - .
الثالث :صحيحة الحلبي : «انه سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل طاف بالبيت
و بالصفا و المروة و قد تمتع ثم عجل فقبل امرأته قبل أن يقصر من رأسه ،قال :
عليه دم يهريقه ،و إن جامع فعليه جزور أو بقرة »- 4 - .
و على هذا فمقتضى اطلاق الرواية الأولى تعين الجزور ،و مقتضى الرواية
الثالثة التخيير بين الجزور و بين البقرة ،و حيث أن الرواية الأولى تدل على تعيين
الجزور بالاطلاق الناشي من السكوت في مقام البيان ،و هذه الرواية تدل على
التخيير بينها و بين البقرة بالنص ،فنرفع اليد عن اطلاق تلك بنص هذه تطبيقا
لحمل الظاهر على النص .
ثم إن هذه الرواية ،أي الرواية الأخيرة معارضة بالرواية الثانية ،فان الرواية
الثانية تدل بالاطلاق على أن كفارة الاستمتاع بالمرأة جماعا شاة تعيينا ،و هذه
الرواية تدل بالاطلاق على أن كفارته الجامع بين الجزور و البقر تعيينا ،فاذن
تسقطان معا من جهة المعارضة ،و حينئذ يكون المرجع الأصل العملي و هو
أصالة البراءة عن وجوب الكفارة .
و دعوى :أن الساقط بالتعارض انما هو اطلاق كل من الروايتين لا أصل
دلالتهما بنحو القضية المهملة .
مدفوعة :بما تقدم في المسألة ( 207 ) فراجع .
و مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يكفر مخيرا بين جزور أو بقرة
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :3 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
--( 163 )--
و إن كان قبل الفراغ من السعي فكفارته كما تقدم ،و لا تفسد عمرته أيضا
على الأظهر ( 1 ) ،و الأحوط اعادتها قبل الحج مع الامكان ،و إلا اعاد حجه
في العام القابل .
( مسألة 221 ) :إذا جامع المحرم للحج امرأته قبلا أو دبرا عالما عامدا
قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت عليه الكفارة و الاتمام و اعادة الحج من عام
قابل سواء كان الحج فرضا أو نفلا ( 2 )
أو شاة ،و كذلك الحال اذا كان الجماع قبل الفراغ من السعي بين الصفا و المروة ،
أو قبل الفراغ من صلاة الطواف ،و الجامع أن يكون اثناء العمرة بأن يكون بعد
الاحرام ،سواء أ كان قبل التقصير أم كان قبل السعي أو الطواف أو صلاته ،و ذلك
لأن المتفاهم العرفي من الروايات المتقدمة بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية أن الكفارة انما هي على استمتاع المحرم بالمرأة جماعا اثناء العمرة ،
و لا يرى العرف خصوصية لكون العمل المذكور قبل الفراغ من الطواف أو بعده
أو قبل السعي أو في اثنائه ،لأن التقييد بما قبل التقصير في الروايات انما هو
بلحاظ أنه كان في حال الاحرام و لم يخرج منه بعد من دون خصوصية له .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،و تدل على الصحة الروايات المتقدمة على أساس
ما ذكرناه من أن العرف لا يفهم خصوصية لممارسة المحرم الاستمتاع بالمرأة
جماعا قبل التقصير ،هذا اضافة الى أن البطلان بحاجة الى دليل و لا دليل عليه ما
عدا كونه مشهورا .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،بيان ذلك يتطلب التكلم في المسألة عن جهات :
الأولى :وجوب اتمام الحج على كل من الرجل و المرأة .
الثانية :وجوب الاعادة عليهما في السنة القادمة .
الثالثة :وجوب التفريق بينهما .
الرابعة :وجوب الكفارة عليهما .
--( 164 )--
و كذلك المرأة إذا كانت محرمة و عالمة بالحال و مطاوعة له على الجماع
و لو كانت المرأة مكرهة على الجماع لم يفسد حجها ،و تجب على الزوج
المكره كفارتان ،و لا شيء على المرأة و كفارة الجماع بدنة مع اليسر ،و مع
العجز عنها شاة و يجب التفريق بين الرجل و المرأة في حجتهما ،و في
المعادة إذا لم يكن معهما ثالث إلى أن يرجعا إلى نفس المحل الذي وقع
فيه الجماع ،و إذا كان الجماع بعد تجاوزه من منى الى عرفات لزم استمرار
الفصل بينهما من ذلك المحل إلى وقت النحر بمنى ،و الأحوط استمرار
الفصل إلى الفراغ من تمام أعمال الحج .
أما الجهة الأولى :فتدل عليها جملة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل
محرم وقع على أهله ،فقال :إن كان جاهلا فليس عليه شيء ،و إن لم يكن جاهلا
فإن عليه أن يسوق بدنة ،و يفرق بينهما حتى يقضيا المناسك و يرجعا الى
المكان الذي أصابا فيه ما أصابا و عليه الحج من قابل »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة قال : «سألته عن محرم غشي امرأته و هي محرمة ،
قال :جاهلين أو عالمين ،قلت :أجبني عن الوجهين معا ،قال :الى أن قال :إن كانا
عالمين فرق بينهما من المكان الذي أحدثا فيه ،و عليهما بدنة ،و عليهما الحج من
قابل ،و اذا بلغا المكان الذي أحدثا فيه فرق بينهما حتى يقضيا نسكهما ،و يرجعا
الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ،قلت :فأيّ الحجتين لهما ،قال :الأولى التي
أحدثا فيها ما أحدثا ،و الأخرى عليهما عقوبة »- 2 - و منها غيرهما .
و هذه الروايات تدل على أمور :
الأول :وجوب اتمام الحج .
الثاني :وجوب التفريق بينهما .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :9 .
--( 165 )--
..........
الثالث :وجوب الحج من قابل .
الرابع :إن الحجة الأولى هي الحجة الواجبة ،و الحجة الثانية عقوبة .
و اما الجهة الثانية :فتدل عليها روايات كثيرة .
منها :الصحيحتان المتقدمتان .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «اذا وقع الرجل
بامرأته دون مزدلفة أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل »- 1 - .
و أما الجهة الثالثة :فتنص عليها أيضا عدة روايات .
منها :الصحيحتان المتقدمتان و منها غيرهما .
و اما الجهة الرابعة :فتدل عليها مجموعة كبيرة من الروايات :
منها :الصحيحتان السابقتان .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة علي بن جعفر : «فمن رفث فعليه بدنة
ينحرها »- 2 - .
و منها :صحيحة أبي بصير أنه سأل الصادق عليه السّلام : «عن رجل واقع امرأته
و هو محرم ،قال :عليه جزور -الحديث »- 3 - ،و منها غيرها .
و لتوضيح هذه المسألة نظريا و تطبيقيا نذكر فيما يلي عددا من
المسائل :
الأولى :انه لا فرق فيما ذكرنا من الأحكام بين الرجل و المرأة ،فكما
يجب اتمام الحج على الرجل ،فكذلك على المرأة و كذلك الحال في وجوب
الحج من قابل ،و في الكفارة .
الثانية :قد تسأل أن وجوب التفريق بينهما هل هو مختص بما إذا كان
الجماع قبل الوقوف بالمشعر ،أو يعم ما اذا كان بعده أيضا ؟
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :13 .
--( 166 )--
..........
و الجواب :انه يختص بما اذا كان قبل الوقوف بالمشعر ،فان روايات
الباب و إن لم تصرح به الاّ أن فيها ما يدل على ذلك ،بقرينة أنه جعل في كثير من
تلك الروايات الوصول الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا غاية للتفريق ،و قد
ورد في جملة منها : «يفرق بينهما حتى يفرغا من المناسك و حتى يرجعا الى
المكان الذي أصابا فيه ما أصابا »- 1 - ،فان هذا التقييد يدل على أن العمل المذكور
كان في الطريق الى الحج بعد الاحرام .
و في معتبرة محمد بن مسلم : «و يفرق بينه و بين أهله حتى يقضيا
المناسك ،و حتى يعود الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ،فقلت :أ رأيت إن
اراد أن يرجعا في غير ذلك الطريق ،قال :فليجتمعا اذا قضيا المناسك »- 2 - فانه
يدل على أن ما حدث بينهما كان في الطريق الى الحج ،و على الجملة فهذه
الروايات لو لم تكن ظاهرة في أن وجوب التفريق بين الرجل و المرأة انما هو اذا
كان العمل الحادث بينهما قبل الوقوف بالمزدلفة فلا شبهة في عدم ظهورها في
الاطلاق ،و حينئذ تكون مجملة ،و القدر المتيقن منها أن يكون قبل المزدلفة .
و تؤكد ذلك روايات أخرى :
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن متمتع وقع
على أهله ،و لم يزر ،قال :ينحر جزورا و قد خشيت ان يكون قد ثلم حجه إن كان
عالما و إن كان جاهلا فلا شيء عليه ،و سألته عن رجل وقع على امرأته قبل ان
يطوف طواف النساء ،قال :عليه جزور سمينة ،و إن كان جاهلا فليس عليه شيء -
الحديث »- 3 - بتقريب أنها تشمل باطلاقها ما إذا واقع أهله بعد الوقوف بالمشعر ،
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :15 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 167 )--
..........
كما أنها تدل باطلاقها الناشي من السكوت في مقام البيان على عدم وجوب
التفريق ،و حينئذ نرفع اليد عن اطلاقها بقرينة الروايات المتقدمة و نحملها على
ما اذا كان العمل المذكور بعد الوقوف بالمزدلفة .
و منها :صحيحة عيص بن القاسم قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل
واقع أهله حين ضحّى قبل أن يزور البيت قال :يهريق دما »- 1 - فانها ظاهرة في
أنه واقع أهله يوم النحر ،و تدل باطلاقها على عدم وجوب التفريق بينهما .
فالنتيجة :ان وجوب التفريق مختص بما اذا كان الجماع قبل الوقوف
بالمشعر لا مطلقا .
الثالثة :قد تسأل عن أن وجوب اعادة الحج في السنة القادمة هل هو من
أحكام خصوص ممارسة المحرم الجماع بالمرأة قبل الوقوف بالمزدلفة ،أو من
أحكام ممارسته ذلك العمل مطلقا ما دام هو في الإحرام ؟
و الجواب :انه من خصوص أحكام ممارسته العمل قبل الوقوف بها ،
و تدل على ذلك جملة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن
متمتع وقع على أهله و لم يزر ،قال :ينحر جزورا و قد خشيت أن يكون قد ثلم
حجه إن كان عالما ،و إن كان جاهلا فلا شيء عليه ،و سألته عن رجل وقع على
امرأته قبل أن يطوف طواف النساء ،قال :عليه جزور سمينة ،و إن كان جاهلا
فليس عليه شيء -الحديث »- 2 - .
و منها :صحيحة عيص بن القاسم - 3 - المتقدمة ،فان الظاهر منهما أن
وقوعه على امرأته كان يوم النحر و بعد الوقوف بالمشعر ،و قبل أن يزور البيت .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 9 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
--( 168 )--
..........
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا وقع
الرجل بامرأته دون مزدلفة ،أو قبل أن يأتي مزدلفة فعليه الحج من قابل »- 1 -
بتقريب أن مقتضى مفهومها انتفاء وجوب الحج عنه في العام القابل بانتفاء
شرطه ،و هو استمتاع الرجل بامرأته جماعا دون المزدلفة ،و نتيجة ذلك أنه إذا
وقع عليها بعد الوقوف بها فعليه الكفارة فقط دون اعادة الحج من قابل .هذا
اضافة الى أن الروايات التي تدل على التفريق بينهما من مكان الحادث في
الحجة الأولى و المعادة ظاهرة في اختصاص وجوب الحج من قابل بما إذا كان
الحادث قبل الوقوف بالمزدلفة ،أو لا أقل من اجمالها ،و القدر المتيقن
الاختصاص .
الرابعة :ان مقتضى اطلاق الروايات عدم الفرق بين أن تكون الحجة
الأولى حجة الإسلام أو غيرها كالحج الواجب بالنذر أو الاجارة أو نحوها ،بل
تعم الحج المستحب أيضا على أساس أن موضوع الحكم في الروايات المحرم
بدون فرق بين أن يكون احرامه لحجة الإسلام أو الحجة المنذورة أو
المستأجرة أو المستحبة .
الخامسة :أن الحجة الأولى صحيحة و الثانية عقوبة ،و تنص على ذلك
صحيحة زرارة المتقدمة - 2 - ،و أما صحيحة سليمان بن خالد قال : «سمعت أبا
عبد اللّه عليه السّلام يقول في حديث :و الرفث فساد الحج »- 3 - فلا تصلح أن تعارض
صحيحة زرارة التي هي ناصة في الصحة ،و عليه فلا بد من حمل الفساد فيها على
الفساد العنائي و لو بلحاظ أنه يوجب اعادة الحج من قابل .
---------------
( 1 ) الوسائل باب :6 من أبواب كفارات الاستمتاع الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :9 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 169 )--
..........
السادسة :أنه لا فرق في ثبوت الكفارة بين أن يكون الجماع قبل الوقوف
بالمزدلفة أو بعده ،لإطلاق جملة من الروايات و نص صحيحتي معاوية و عيص
المتقدمتين .
السابعة :أن المرأة اذا كانت مكرهة الى انتهاء العمل فلا كفارة عليها ،
و على الرجل كفارتان ،و تدل عليها مجموعة من الروايات :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة سليمان بن خالد : «و إن كانت المرأة لم تعن
بشهوة و استكرهها صاحبها فليس عليها شيء »- 1 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «و إن كان استكرهها فعليه
بدنتان -الحديث »- 2 - .
الثامنة :أن المقصود من التفريق بينهما أنهما لا يكونان مجتمعين في
مكان واحد بدون أن يكون معهما ثالث ،و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في المحرم يقع على أهله ،فقال :يفرق بينهما و لا
يجتمعان في خباء الا ان يكون معهما غيرهما حتى يبلغ الهدي محله »- 3 - ،
و تؤيد ذلك مرفوعة أبان بن عثمان الى ابي جعفر و أبي عبد اللّه عليهما السّلام قالا :
«المحرم اذا وقع على أهله يفرق بينهما »- 4 - يعني بذلك لا يخلوان و أن يكون
معهما ثالث .
التاسعة :قد تسأل أنه إذا لم يتمكن من الناقة فهل عليه شاة أو بقرة ؟
و الجواب :أن عليه شاة لصحيحة علي بن جعفر عن أخيه عليه السّلام في
حديث قال : «فمن رفث فعليه بدنة ينحرها ،و إن لم يجد فشاة -الحديث »- 5 -
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 7 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :6 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :4 .
--( 170 )--
..........
و لا دليل على أن بديل البدنة بقرة ثم شاة .نعم قد يستدل على ذلك برواية خالد
بياع القلانس قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل أتى أهله و عليه طواف النساء ،
قال :عليه بدنة ،ثم جاءه آخر فقال :عليك بقرة ،ثم جاءه آخر فقال :عليك شاة ،
فقلت بعد ما قاموا :أصلحك اللّه كيف قلت عليه بدنة ،فقال :أنت موسر و عليك
بدنة ،و على الوسط بقرة ،و على الفقير شاة »- 1 - .
و الجواب :أن الرواية ضعيفة سندا ،فلا يمكن الاعتماد عليها ،و مع
الاغماض عن ذلك و تسليم أنها معتبرة ،الاّ أنها لا تدل على الترتيب ،بل تدل
على أن البدنة على الموسر و البقرة على المتوسط و الشاة على الفقير .
فالنتيجة :انه لا دليل على أن البقرة بديلة عن البدنة .
العاشرة :أنه لا دليل على التفصيل بين الموسر و المتوسط و الفقير ،لأن
الدليل عليه منحصر برواية القلانسي المتقدمة ،و قد مر انها ضعيفة سندا .
الحادية عشرة :ان وجوب الكفارة و وجوب الحج من قابل و التفريق
بينهما جميعا مختصة بالعامد و الملتفت ،و أما الجاهل بالحكم و الناسي فلا شيء
عليهما ،كما نصت على ذلك مجموعة من الروايات المتقدمة .
الثانية عشرة :الظاهر أنه لا فرق في استمتاع المحرم بالمرأة جماعا بين
أن يكون بامرأته أو بامرأة اجنبية ،فان مورد الروايات و إن كان الاول ،الاّ أن
العرف لا يفهم خصوصية منه .
الثالثة عشرة :قد تسأل عن أن غاية الافتراق هل هي يوم النفر ،أو بلوغ
الهدي مكانه أو قضاء المناسك و العود الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا ؟
وجوه ،و منشأ هذه الوجوه اختلاف الروايات في المسألة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 171 )--
..........
و هي تصنف الى ثلاث طوائف :
الطائفة الأولى :تنص على أن الغاية منه بلوغ الهدي محلّه .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في المحرم يقع
على أهله ،فقال :يفرق بينهما و لا يجتمعان في خباء الاّ أن يكون معهما غيرهما
حتى يبلغ الهدي محله »- 1 - .
الطائفة الثانية :تنص على أن الغاية منه قضاء النسك و الوصول الى
المكان الذي أصابا فيه ما أصابا .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة : «حتى يقضيا نسكهما و يرجعا الى
المكان الذي أصابا فيه ما أصابا -الحديث »- 2 - .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة سليمان بن خالد : «و يفرق بينهما حتى يفرغا
من المناسك ،و حتى يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا »- 3 - .
الطائفة الثالثة :تنص على أن الغاية منه النفر من منى .
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي : «و يفرق بينهما حتى ينفر الناس
و يرجعا الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا »- 4 - .
ثم إن مقتضى الطائفة الأولى أن الغاية تتحقق ببلوغ الهدي محلّه ،فاذا بلغ
جاز اجتماعهما ،سواء أ كانا واصلين الى المكان الذي أصابا فيه ما أصابا أم لا ،
و مقتضى الطائفة الثانية أنها تتحقق بتحقق أمرين :أحدهما قضاء المناسك
للحج ،و الآخر الوصول الى مكان العمل شريطة أن يرجعا من ذلك الطريق ،و الاّ
كفى قضاء المناسك .و مقتضى الطائفة الثالثة أنها تتحقق بتحقق أمرين :أحدهما
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :9 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 4 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :14 .
--( 172 )--
..........
النفر من منى ،و الآخر العود الى المكان الذي مارسا فيه العمل .
ثم إن الظاهر أنه لا تنافي بين الطائفة الأخيرة و الثانية ،فان المراد من
المناسك إما خصوص مناسك الحج من رمي جمرة العقبة و الذبح أو النحر
و الحلق أو التقصير و زيارة البيت ،أو الأعم منها و من رمي الجمار الثلاث في
اليوم الحادي عشر و الثاني عشر .أما على الثاني فهما متفقتان في تحقق الغاية
باعتبار أن إتمام مناسك منى انما هو بالنفر بعد زوال يوم الثاني عشر ،و أما على
الأول فالطائفة الثانية و إن كانت تنفى اعتبار عنصر آخر في تحقق الغاية غير اتمام
المناسك و الوصول الى مكان العمل ،الاّ أن ذلك لما كان بالاطلاق الناشئ من
السكوت في مقام البيان لم تصلح أن تعارض الطائفة الأخيرة ،فانها تنص على
أن الغاية انما تتحقق بالنفر و الوصول الى المكان المذكور ،و لا يكفي مجرد اتمام
المناسك ،فاذن لا بد من رفع اليد عن اطلاقها تطبيقا لحمل الظاهر على النص أو
الأظهر .
و أما الطائفة الأولى فهي تدل على أن الغاية انما تتحقق ببلوغ الهدي ،
و بالاطلاق تنفى اعتبار عنصر زائد عليه ،و بما أن الطائفة الثانية و الأخيرة تنصان
على اعتبار عنصر زائد فلا بد من رفع اليد عن اطلاقها .
فالنتيجة :ان غاية الافتراق بين الرجل و المرأة في الحجة الأولى و المعادة
انما تتحقق بالنفر و الوصول الى مكان العمل ،و هذا بدون فرق بين أن يكون
مكان العمل قبل الوصول الى منى ،اي حينما كانا يذهبان الى عرفات من مكة او
من الميقات ،كما اذا كان حجهما حج الإفراد أو القران ،أو بعد الوصول اليه .
الرابعة عشرة :قد تسأل عن أن هذه الأحكام هل تجري على المولى
و أمته اذا استمتع بها جماعا بعد الاحرام و قبل الوقوف بالمشعر ؟
--( 173 )--
( مسألة 222 ) :إذا جامع المحرم امرأته عالما عامدا بعد الوقوف
بالمزدلفة ،فان كان ذلك قبل طواف النساء وجبت عليه الكفارة على النحو
المتقدم و لكن لا تجب عليه الاعادة ( 1 ) و كذلك اذا كان جماعه قبل الشوط
الخامس من طواف النساء ،و أما إذا كان بعده فلا كفارة عليه أيضا ( 2 ) .
و الجواب :الظاهر أنها تجري عليهما أيضا على أساس أن ترتب تلك
الأحكام على الرجل و المرأة مرتبط بتوفر أمرين :
أحدهما :ان يكون ذلك العمل بعد الإحرام .
و الآخر :أن يكون قبل الوقوف بالمشعر ،فإذا توفر الأمران ترتب عليهما
تلك الأحكام ،كانت المرأة المحرمة زوجة للرجل المحرم ،أو أمة له ،أو اجنبية ،
اذ لا يفهم العرف خصوصية لمورد الروايات .
( 1 ) لما مرّ في المسألة السابقة من أن وجوب الاعادة و كذلك
وجوب التفريق مختص بما إذا كان العمل قبل المشعر لا بعده .
( 2 ) لصحيحة حمران بن اعين عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن رجل
كان عليه طواف النساء وحده فطاف منه خمسة أشواط ثم غمزه بطنه ،فخاف أن
يبدره ،فخرج إلى منزله ،فنفض ثم غشى جاريته ،قال :يغتسل ثم يرجع فيطوف
بالبيت طوافين تمام ما كان قد بقى عليه من طوافه ،و يستغفر اللّه و لا يعود ،و إن
كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة أشواط ثم خرج فغشى فقد أفسد حجه ،
و عليه بدنة ،و يغتسل ثم يعود فيطوف اسبوعا »- 1 - فانها تدل بوضوح على حكم
المسألة بكلا شقيها ،و أما قوله عليه السّلام : «فقد أفسد حجه »فالظاهر أن المراد من
الافساد افساد الطواف لا افساد الحج لان افساد طواف النساء لا يستلزم افساد
الحج .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 174 )--
( مسألة 223 ) :من جامع امرأته عالما عامدا في العمرة المفردة وجبت
عليه الكفارة على النحو المتقدم و لا تفسد عمرته إذا كان الجماع بعد
السعي و اما إذا كان قبله بطلت عمرته أيضا ( 1 ) ،
( 1 ) في البطلان اشكال ،و لا يبعد عدمه ،لأن النصوص التي استدل بها
على البطلان لا تخلو عن اشكال بل منع ،و هي كما يلي :
منها :صحيحة بريد بن معاوية العجلي قال : «سألت ابا جعفر عليه السّلام عن
رجل اعتمر عمرة مفردة ،فغشى أهله قبل أن يفرغ من طوافه و سعيه ،قال :عليه
بدنة لفساد عمرته ،و عليه أن يقيم الى الشهر الآخر فيخرج الى بعض المواقيت
فيحرم بعمرة »- 1 - فانها و إن كانت في نفسها ظاهرة في فساد العمرة ،الا أن هناك
قرينة مانعة عن الأخذ بهذا الظهور ،و هي أمره عليه السّلام الرجل المعتمر أن يقيم الى
الشهر الآخر ،ثم يخرج الى بعض المواقيت و يحرم لعمرة جديدة ،و هذا يدل
على صحة هذه العمرة ،اذ لو كانت فاسدة جاز له الاتيان بعمرة أخرى في نفس
ذلك الشهر ،لأن العمرة الفاسدة وجودها كالعدم ،فلا تمنع عن الاتيان بعمرة
أخرى في شهرها على أساس أن المراد من قوله عليه السّلام : «لكل شهر عمرة »هو
العمرة الصحيحة المأمور بها دون الأعم منها و من الفاسدة ،و على هذا فالأمر
بالاقامة في مكة الى شهر آخر و الاتيان بالعمرة فيه يدل على أمرين :
أحدهما :صحة العمرة الأولى .
و الآخر :أن وجوب الاتيان بالعمرة الجديدة انما هو من باب العقوبة ،كما
هو الحال في الحج ،و يؤكد إن ذلك من باب العقوبة هو أمره عليه السّلام بالخروج الى
بعض المواقيت ،مع أن من كان في مكة و أراد الاتيان بالعمرة يخرج الى أدنى
الحل و يحرم منه .فاذن لا بد من حمل الفساد فيها على الفساد عناية ،بمعنى أن
العمرة التي أتى المعتمر بالنساء في اثنائها ليست كالعمرة التي لم يأت بها في
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 175 )--
..........
الأثر ،فيكون اطلاق الفساد عليها كإطلاق الفساد على الحج في رواياته .
و منها :صحيحة مسمع عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في الرجل يعتمر عمرة
مفردة ،ثم يطوف بالبيت طواف الفريضة ،ثم يغشى أهله قبل أن يسعى بين
الصفا و المروة ،قال :قد افسد عمرته ،و عليه بدنة ،و عليه أن يقيم بمكة حتى
يخرج الشهر الذي اعتمر فيه ثم يخرج الى الوقت الذي وقته رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
لأهله فيحرم منه و يعتمر »- 1 - .
و الجواب عنها هو الجواب عن الصحيحة الأولى .فالنتيجة أنه لا يبعد
صحة العمرة الأولى و أما الثانية فالظاهر أنها عقوبة .هذا كله اذا كان الجماع قبل
السعي .
و أما إذا كان بعده فالظاهر انه لا يوجب بطلان العمرة و إن قلنا به في
الفرض الأول ،لعدم الدليل ،و الروايات على تقدير تمامية دلالتها على البطلان
مختصة بالفرض الأول ،و لا تشمل الفرض الثاني .
و أما الكفارة فالظاهر أنها ثابتة ،لإطلاق مجموعة من الروايات الدالة على
ثبوت الكفارة بالجماع قبل طواف النساء ،فانها تشمل باطلاقها العمرة المفردة
أيضا .
منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألت
أبي جعفر بن محمد عليه السّلام عن رجل واقع امرأته قبل طواف النساء متعمدا ما
عليه ؟قال :يطوف و عليه بدنة »- 2 - فانها باطلاقها تعم العمرة المفردة أيضا .
و منها :صحيحة حمران بن أعين - 3 - المتقدمة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :7 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 176 )--
و وجبت عليه أن يقيم بمكة إلى شهر آخر ثم يخرج إلى أحد المواقيت ،
و يحرم منه للعمرة المعادة ،و الأحوط اتمام العمرة الفاسدة أيضا ( 1 ) .
( مسألة 224 ) :من احلّ من احرامه إذا جامع زوجته المحرمة وجبت
الكفارة على زوجته ،و على الرجل ان يغرمها و الكفارة بدنة ( 2 ) .
( مسألة 225 ) :إذا جامع المحرم امرأته جهلا أو نسيانا صحت عمرته
و حجه ،و لا تجب عليه الكفارة ( 3 ) ،
( 1 ) لا دليل عليه ،و إن كان أولى و أجدر .
( 2 ) لصحيحة ابي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل أحل من
احرامه و لا تحل امرأته فوقع عليها ،قال :عليها بدنة يغرمها زوجها »- 1 - ثم إن
مورد الصحيحة الرجل المحرم الذي خرج عن احرامه و صار محلا ،و هل يمكن
التعدي منه الى مطلق المحل و إن لم يكن مسبوقا بالاحرام ؟
و الجواب :لا يبعد التعدي ،فان مناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية
تقتضي أن ثبوت الحكم له بما أنه محل لا بما أنه صار محلا بعد الاحرام .
و بكلمة :ان المحل في مقابل المحرم ،فاذا ثبت حكم له ثبت على أساس
أنه محل سواء أ كان مسبوقا بالاحرام أم لا ،فلا قيمة لسبقه به .
و دعوى :ان الحكم بما أنه يكون على خلاف القاعدة ،فلا بد من الاقتصار
على مورده و عدم جواز التعدي منه الى سائر الموارد .
مدفوعة :بأن الحكم و إن كان على خلاف القاعدة ،الاّ أن العرف لا يحتمل
خصوصية لمورده ،و لا يرى أن ثبوته له بما أنه مسبوق بالاحرام لا بما أنه من
افراد المحل .
فالنتيجة :ان الأظهر عدم اختصاص الحكم بمورد الرواية .
( 3 ) للروايات الكثيرة التي تنص على ذلك ،و قد تقدم بعضها .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 177 )--
و هذا الحكم يجري في بقية المحرمات ( 1 ) الآتية التي توجب الكفارة ،
بمعنى أن ارتكاب أيّ عمل على المحرم لا يوجب الكفارة ،إذا كان
صدوره منه ناشئا عن جهل أو نسيان و يستثنى من ذلك موارد :
1 -ما اذا نسي الطواف في الحج و واقع أهله ،أو نسي شيئا من السعي
في عمرة التمتع و جامع أهله أو قلّم أظفاره بزعم أنه محل فأحلّ لاعتقاده
الفراغ من السعي ،و ما إذا أتى أهله بعد السعي و قبل التقصير جاهلا
بالحكم .
2 -من أمرّ يده على رأسه أو لحيته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان .
3 -ما إذا دهن عن جهل ،و يأتي جميع ذلك في محالها .
( 1 ) لقوله عليه السّلام في صحيحة عبد الصمد : «أي رجل ركب امرا بجهالة فلا
شيء عليه »- 1 - و قد استثني من هذه القاعدة موردان :
الأول :نسيان المكلف الطواف في الحج ،أو بعض اشواط السعي في
عمرة التمتع فأحل و واقع أهله فان عليه الكفارة ،و كذلك الحال اذا أتى أهله بعد
السعي في عمرة التمتع و قبل التقصير جاهلا بالحكم .
الثاني :ما اذا أمرّ يده على رأسه أو لحيته عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان
أو اكثر بدون قصد و غافلا عن ذلك ،فان عليه الكفارة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 30 من أبواب الخلل الواقع في الصلاة ،الحديث :1 .
--( 178 )--
3 -تقبيل النساء
( مسألة 226 ) :لا يجوز للمحرم تقبيل زوجته عن شهوة ،فلو قبلها
و خرج منه المني فعليه كفارة بدنه أو جزور ( 1 ) ،و كذلك إذا لم يخرج منه
المني على الأحوط ( 2 ) ،
( 1 ) لصحيحة مسمع أبي سيار قال : «قال لي أبو عبد اللّه عليه السّلام :يا أبا سيار ان
حال المحرم ضيقة ان قبل امرأته على غير شهوة و هو محرم فعليه دم شاة ،و إن
قبل امرأته على شهوة فأمنى فعليه جزور ،و يستغفر اللّه ،و من مسّ امرأته و هو
محرم على شهوة فعليه دم شاة ،و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه
جزور ،و إن مس امرأته او لازمها من غير شهوة فلا شيء عليه »- 1 - فانها تدل على
أن المحرم اذا قبل امرأته بدون شهوة فعليه دم شاة ،و إن كان بشهوة و أمنى فعليه
جزور .
و في مقابلها صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن المحرم
يضع يده من غير شهوة على امرأته -الى أن قال - :قلت :المحرم يضع يده
بشهوة قال :يهريق دم شاة ،قلت :فان قبل قال :هذا أشد ينحر بدنة »- 2 - ،و لكن
لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بقرينة الصحيحة الأولى التي تدل بمقتضى
مفهومها على أن المحرم اذا قبل امرأته و إن كان بشهوة اذا لم يؤد الى الامناء
فعليه دم شاة لا جزور .
( 2 ) بل الأولى و الأجدر كما يظهر وجهه مما مر .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 179 )--
و أما إذا لم يكن التقبيل عن شهوة فكفارته شاة ( 1 ) .
( مسألة 227 ) :إذا قبّل الرجل بعد طواف النساء امرأته المحرمة
فالأحوط ان يكفر بدم شاة ( 2 ) .
( 1 ) لقوله عليه السّلام في صحيحة مسمع المتقدمة : «و إن قبل امرأته بغير شهوة
و هو محرم فعليه دم شاة ».
( 2 ) بل هو الأقوى ،و تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «سألته عن رجل قبل امرأته و قد طاف طواف النساء
و لم تطف هي ،قال :عليه دم يهريقه من عنده »- 1 - .
و دعوى :ان الحرام انما هو تقبيل الرجل المحرم امرأته ،و أما إذا خرج عن
الاحرام و أحل فلا مانع له من التقبيل و إن كان بشهوة و عليه فلا موجب للكفارة .
مدفوعة :بأن ذلك اجتهاد في مقابل النص ،فان الصحيحة واضحة الدلالة
على ثبوت الكفارة عليه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
--( 180 )--
4 -مس النساء
( مسألة 228 ) :لا يجوز للمحرم أن يمسّ زوجته عن شهوة ،فان فعل
ذلك لزمه كفارة شاة ( 1 ) ،فإذا لم يكن المسّ عن شهوة فلا شيء عليه ( 2 ) .
( 1 ) للنصوص الخاصة :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة مسمع المتقدمة : «و من مسّ امرأته و هو محرم
على شهوة فعليه دم شاة ».
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن المحرم يضع
يده من غير شهوة على امرأته -الى أن قال :قلت :المحرم يضع يده بشهوة ،قال :
يهريق دم شاة -الحديث »- 1 - ،و منها غيرهما .
و لكن لا بد من تقييد اطلاقهما بعدم الامناء ،و الا فعليه بدنة بمقتضى
صحيحة معاوية الآتية .
( 2 ) لقوله عليه السّلام في صحيحة مسمع : «و إن مس امرأته أو لازمها من غير
شهوة فلا شيء عليه »- 2 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 181 )--
5 -النظر إلى المرأة و ملاعبتها
( مسألة 229 ) :إذا لاعب المحرم امرأته حتى يمني لزمته كفارة
بدنة ( 1 ) ،و إذا نظر إلى امرأة اجنبية عن شهوة أو غير شهوة فامنى وجبت
عليه الكفارة ،و هي بدنة أو جزور على الموسر ،و بقرة على المتوسط و شاة
على الفقير ( 2 ) ،
( 1 ) لصحيحة ابن الحجاج قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام :عن الرجل يعبث
بأهله و هو محرم حتى يمني من غير جماع ،أو يفعل ذلك في شهر رمضان ،ما ذا
عليهما ؟قال :عليهما جميعا الكفارة ،مثل ما على الذي يجامع »- 1 - فانها واضحة
الدلالة على أن كفارته ناقة .
( 2 ) لنص موثقة ابي بصير قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :رجل محرم نظر
الى ساق امرأته فأمنى ،فقال :إن كان موسرا فعليه بدنة ،و إن كان وسطا فعليه
بقرة ،و إن كان فقيرا فعليه شاة -الحديث »- 2 - .
و أما صحيحة زرارة قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن رجل محرم نظر الى
غير أهله ،فانزل قال :عليه جزور أو بقرة ،فان لم يجد فشاة »- 3 - فهي ظاهرة في
التخيير بين الجزور و البقرة ،و الترتيب بينهما و بين الشاة مطلقا ،اي سواء أ كان
موسرا أم كان متوسطا أم فقيرا ،و لكن لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بقرينة نص
الموثقة تطبيقا لحمل الظاهر على النص ،و بذلك يظهر حال صحيحة معاوية بن
عمار : «في محرم نظر الى غير أهله فأنزل ،قال :عليه دم ،لأنه نظر الى غير ما يحل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 14 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 182 )--
و إما إذا نظر اليها و لو عن شهوة و لم يمن فهو ،و إن كان مرتكبا لمحرم إلا أنه
لا كفارة عليه ( 1 ) .
( مسألة 230 ) :إذا نظر المحرم إلى زوجته عن شهوة فامنى وجبت
عليه الكفارة ( 2 ) ،
له ،و إن لم يكن انزل ،فليتق اللّه و لا يعد و ليس عليه شيء »- 1 - فان مقتضى اطلاقها
أن عليه دم و إن كان موسرا أو وسطا ،و لكن لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بقرينة
الموثقة المتقدمة ،و حملها على أن عليه دم جزور اذا كان موسرا ،و دم بقرة اذا
كان متوسطا ،و دم شاة اذا كان فقيرا .
( 1 ) لنص صحيحة معاوية المتقدمة ،هذا اضافة الى أن وجوب الكفارة
بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه فيما عدا صورة الامناء .ثم إن الظاهر من
الصحيحة أن الكفارة مترتبة على النظر المحرم المؤدي الى الامناء ،لا على مطلق
النظر بقرينة التعليل فيها .
( 2 ) في الوجوب اشكال ،و لا يبعد عدمه ،لأن صحيحة معاوية بن عمار
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن محرم نظر الى امرأته فأمنى ،أو امذى و هو
محرم ،قال :لا شيء عليه ،و لكن ليغتسل و يستغفر ربه ،و إن حملها من غير شهوة
فأمنى أو أمذى و هو محرم فلا شيء عليه ،و إن حملها أو مسّها بشهوة فأمنى أو
أمذى فعليه دم ،و قال في المحرم ينظر الى امرأته أو ينزلها بشهوة حتى ينزل ،
قال :عليه بدنة »- 2 - ،و إن دلت على ثبوت الكفارة في النظر المركز بشهوه المؤدي
الى الإمناء ،و كذلك قوله عليه السّلام في صحيحة ابي سيار : «يا أبا سيار ان حال المحرم
ضيقة -الى أن قال :و من مس امرأته بيده و هو محرم على شهوة فعليه دم شاة
و من نظر الى امرأته نظر شهوة فأمنى فعليه جزور ،و من مس امرأته او لازمها من
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 183 )--
..........
غير شهوة فلا شيء عليه »- 1 - الاّ أنها محكومة بموثقة اسحاق بن عمار عن أبي
عبد اللّه عليه السّلام : «في محرم نظر الى امرأته بشهوة فأمنى ،قال :ليس عليه شيء »- 2 -
على أساس أن الموثقة ناصة في نفي الكفارة ،و على هذا فلا بد من رفع اليد عن
ظهور صحيحتي معاوية و ابي سيار في ثبوت الكفارة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر
على النص .
و دعوى :سقوط الموثقة عن الحجية من جهة اعراض الأصحاب عنها
و عدم عملهم بها .
مدفوعة :لما ذكرناه في علم الأصول من المناقشة في اعراض الأصحاب
عن رواية معتبرة نظريا و تطبيقيا ،فمن أجل ذلك لا قيمة لاعراضهم عنها .
و قد يقال -كما قيل - :ان الرواية محمولة على التقية من جهة أنها موافقة
للقول المشهور بين العامة .
و الجواب :أن مجرد كون الرواية موافقة لمذهب العامة لا يدل على أنها
صدرت تقية اذا لم يكن لها معارض ،و المفروض أنها لا معارض لها ،فان
صحيحتي معاوية و أبي سيار لا تصلحان أن تعارضا الموثقة باعتبار امكان
الجمع العرفي بينهما .
فالنتيجة ان مقتضى القاعدة نظريا عدم ثبوت الكفارة ،و لكن مع ذلك
فالأحوط و الأجدر به وجوبا أن يكفر بدم ناقة أو جمل .نعم ،لا شبهة في أنه
محرم عليه ،فان الاستمتاع بالمرأة محرم على الرجل المحرم جماعا و تقبيلا
و لمسا بشهوة و نظرا مركزا مؤديا الى الإمناء ،و لا يحرم عليه المس بدون شهوة ،
و لا النظر الى زوجته بدون امناء و إن كان بشهوة ،و يحرم على المرأة المحرمة ما
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 17 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :7 .
--( 184 )--
و هي بدنة أو جزور و أما إذا نظر اليها بشهوة و لم يمن ،أو نظر اليها بغير
شهوة فامنى فلا كفارة عليه ( 1 ) .
يناظر ذلك .و هل نظره الى زوجته المؤدي إلى الإمناء اذا لم يكن بدافع الشهوة
حرام أو لا ؟لا تبعد حرمته بقرينة الأمر بالاستغفار في صدر صحيحة معاوية - 1 - .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه .أما في صورة النظر الى امرأته بشهوة بدون الإمناء ،
فلا دليل عليها ،بل تقييد وجوب الكفارة بالامناء في صحيحة ابي سيار - 2 -
المتقدمة يدل على عدمها في الجملة ،و صحيحة علي بن يقطين عن أبي
الحسن عليه السّلام قال : «سألته عن رجل قال لامرأته أو لجاريته بعد ما حلق و لم يطف
و لم يسع بين الصفا و المروة ،اطرحي ثوبك و نظر الى فرجها ،قال :لا شيء عليه
اذا لم يكن غير النظر »- 3 - ،تدل على أن النظر الى امرأته بشهوة بدون الإمناء لا
يوجب الكفارة ،فان أمر الرجل امرأته او جاريته بنزع ثوبها و النظر الى فرجها لا
محالة يكون من أجل الالتذاذ به و اشباع شهوته .ثم إن الظاهر منها جواز نظر
الرجل الى امرأته بشهوة ،شريطة أن لا يؤدي الى الإمناء .
فالنتيجة :انه لا دليل على حرمة مجرد نظر المحرم الى امرأته بشهوة ،بل
مقتضى اطلاق صحيحة محمد الحلبي ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المحرم
ينظر الى امرأته و هي محرمة ،قال :لا بأس »- 4 - جوازه ،فانها تشمل باطلاقها ما اذا
نظر إليهن بشهوة ،و لا دليل على تقييده بما اذا لم يكن نظره إليهن كذلك ،و به
يختلف النظر عن المس ،فانه لا يجوز للمحرم أن يمس زوجته بشهوة و إن لم
يؤد الى الإمناء .
و أما صورة النظر اليها بدون شهوة المؤدي الى الامناء ،فلأن صحيحة
معاوية بن عمار المتقدمة تدل على عدم الكفارة عليه بمقتضى صدرها ،و تدل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 185 )--
( مسألة 231 ) :يجوز استمتاع المحرم من زوجته في غير ما ذكر على
الأظهر ( 1 ) ،إلا أن الأحوط ترك الاستمتاع منها مطلقا .
عليه أيضا صحيحة الحلبي قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المحرم يضع يده على
امرأته ،قال :لا بأس ،قلت :فينزّلها من المحمل و يضمها اليه ،قال :لا بأس ،قلت :
فانه أراد أن ينزلها من المحمل فلما ضمّها اليه ادركته الشهوة ،قال :ليس عليه
شيء الاّ أن يكون طلب ذلك »- 1 - ،فانها تدل بمقتضى ذيلها ان ادراك الشهوة قهرا
اثناء العمل السائغ لا يوجب شيئا اذا لم يكن من الأول طالبا لها ،بل يمكن
ان يقال إنه اذا ادركته الشهوة في الاثناء قهرا و ظل عليها اختيارا الى أن أمنى فلا
كفارة عليه ،و ذلك لأن الكفارة بحاجة إلى دليل ،و لا دليل عليها ،لاختصاص
الروايات بما اذا كان مسّها و حملها من الأول من أجل الشهوة .نعم اذا ادركته
الشهوة و ظل عليها اختيارا فلا يبعد أن يكون ذلك محرما عليه .
( 1 ) هذا هو الصحيح ،لما مر من أن الروايات تدل على حرمة استمتاع
المحرم بامرأته باستمتاعات معينة كالملاعبة معها المؤدية الى الامناء ،و تقبيلها
و إن كان بدون شهوة ،و لمسها بشهوة ،و النظر اليها مركزا المؤدي إلى الامناء ،و أما
مطلق الاستمتاع و الالتذاذ بها ،فلا دليل على حرمته كالالتذاذ بصوتها أو نحو
ذلك .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 17 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
--( 186 )--
6 -الاستمناء
( مسألة 232 ) :إذا عبث المحرم بذكره فأمنى فحكمه حكم الجماع ،
و عليه فلو وقع ذلك في احرام الحج قبل الوقوف بالمزدلفة وجبت الكفارة ،
و لزم إتمامه و اعادته في العام القادم ( 1 ) ،كما انه لو فعل ذلك في عمرته
المفردة قبل الفراغ من السعي بطلت عمرته ( 2 ) و لزمه الاتمام و الاعادة
على ما تقدم ،و كفارة الاستمناء كفارة الجماع .
( 1 ) في الاعادة اشكال بل منع ،لعدم الدليل ،فان صحيحة عبد الرحمن بن
الحجاج قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن الرجل يعبث بأهله و هو محرم حتى
يمني من غير جماع ،أو يفعل ذلك في شهر رمضان ما ذا عليها ؟قال :عليهما
جميعا الكفارة مثل ما على الذي يجامع »- 1 - فانها لا تدل على اكثر من ثبوت
الكفارة عليه .نعم ،رواية اسحاق بن عمار عن أبى الحسن عليه السّلام قال : «قلت :ما
تقول في محرم عبث بذكره فأمنى ،قال :أرى عليه مثل ما على من أتى أهله و هو
محرم بدنة و الحج من قابل »- 2 - تدل على ذلك ،الاّ أنها ضعيفة سندا ،فلا يمكن
الاعتماد عليها لأن فيه صبّاح و هو مردد بين الثقة و غيره ،و لا قرينة على أنه الثقة .
( 2 ) في البطلان اشكال بل منع ،فانه على تقدير تسليم بطلان العمرة
المفردة بالجماع قبل السعي فلا دليل عليه في المقام ،فان صحيحة عبد الرحمن
لا تدل الاّ على الكفارة دون البطلان ،و رواية اسحاق بن عمار - 3 - موردها الحج ،
مضافا إلى أنها ضعيفة سندا .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 14 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 15 من ابواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) المصدر السابق .
--( 187 )--
و لو استمنى بغير ذلك كالنظر و الخيال ،و ما شاكل ذلك فامنى لزمته
الكفارة ( 1 ) ،و لا تجب اعادة حجه و لا تفسد عمرته على الأظهر ،و ان كان
الأولى رعاية الاحتياط .
( 1 ) الأمر كما افاده قدّس سرّه فان الاستمناء بهذه الأمور و إن لم يكن مورد النص ،
الاّ أن الظاهر منه عدم خصوصية له ،حيث ان الكفارة فيه مترتبة على الامناء ،و لا
موضوعية عرفا لسببه ،فانه سواء أ كان ملاعبة المحرم مع زوجته بطلب الإمناء ،
أم كان التفكر و التخيل للعمل الجنسي بدافع الامناء ،أم غير ذلك ،فلا خصوصية
لمورد النص .
--( 188 )--
7 -عقد النكاح
( مسألة 233 ) :يحرم على المحرم التزويج لنفسه ،أو لغيره ،سواء أ كان
ذلك الغير محرما أم كان محلا ،و سواء أ كان التزويج تزويج دوام أم كان
تزويج انقطاع ،و يفسد العقد في جميع هذه الصور ( 1 ) .
( 1 ) تدل على ذلك مجموعة من النصوص :
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :ليس للمحرم
أن يتزوج و لا يزوج ،فان تزوج أو زوج محلا فتزويجه باطل »- 1 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سمعته يقول :ليس
ينبغي للمحرم أن يتزوج و لا يزوج محلا »- 2 - ،و منها غيرهما .
هاهنا مسائل :الأولى :قد تسأل عن أن روايات الباب التي تنص على
بطلان نكاح المحرم ،فهل تدل على حرمته تكليفا أيضا أو لا ؟
و الجواب :أنها لا تدل على حرمته كذلك ،فان الظاهر منها الارشاد الى
بطلان النكاح دون حرمته .
و بكلمة :أنه ليس لها ظهوران :أحدهما ظهورها في الإرشاد الى الحكم
الوضعي ،و الآخر ظهورها في الحكم التكليفي .
و دعوى :أن صحيحة عبد اللّه بن سنان بمقتضى صدرها تدل على الحكم
التكليفي بقرينة أن قوله عليه السّلام : «فان تزوج أو زوج ... »- 3 - تفريع على صدرها ،فلو
كان المراد منه الحكم الوضعي لكان ذلك تفريعا على نفسه ،فاذن لا بد من حمل
الصدر على الحكم التكليفي .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 14 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 14 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 14 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 189 )--
..........
مدفوعة :بأن قوله عليه السّلام : «فان تزوج »تعليل للنهي عن النكاح في الصدر ،
فيدل على أن علة النهي عنه بطلانه من المحرم في حالة الاحرام .
فالنتيجة :أنه ليس في شيء من هذه الروايات ما يصلح أن يكون دليلا
على حرمته تكليفا .
الثانية :قد تسأل عن أن وكيل المحرم اذا زوج امرأة من غيره محلا كان أو
محرما ،فهل يبطل زواجه اذا كان التزويج في حال احرام الموكل ؟
و الجواب :أنه يبطل باعتبار أن فعل الوكيل فعل الموكل و مستند اليه
حقيقة ،و لا فرق في ذلك بين أن يكون وكيلا من قبله قبل الإحرام أو بعده .
الثالثة :قد تسأل عن أن المحرم اذا تزوج بامرأة و هو محرم ،فهل تحرم
عليه مؤبدا ؟
و الجواب :أنها تحرم عليه مؤبدا اذا تزوج بها عن عمد و علم بالحكم
الشرعي ،و تنص عليه صحيحة أديم بياع الهروي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في
الملاعنة اذا لاعنها زوجها لم تحل له ابدا الى أن قال : «و المحرم اذا تزوج و هو
يعلم أنه حرام عليه لم تحل له ابدا »- 1 - ،و في مقابلها روايتان :
احداهما :معتبرة أديم الحر الخزاعي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :ان
المحرم اذا تزوج و هو محرم فرق بينهما و لا يتعاودان ابدا »- 2 - ،فان مقتضى
اطلاقها أن المرأة محرمة عليه مؤبدا بدون فرق بين ان يكون عالما بالحكم أو
جاهلا به ،و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بصورة ما إذا كان المحرم عالما بالحكم
بمقتضى صحيحة بياع الهروي ،فانها تدل بمنطوقها على حرمتها عليه مؤبدا اذا
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب ما يحرم بالمصاهرة و نحوها ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 15 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 190 )--
( مسألة 234 ) :لو عقد المحرم أو عقد المحلّ للمحرم امرأة و دخل
الزوج بها و كان العاقد و الزوج عالمين بتحريم العقد في هذا الحال فعلى
كل منهما كفارة بدنة ( 1 ) ،و كذلك على المرأة ان كانت عالمة بالحال .
( مسألة 235 ) :المشهور حرمة حضور المحرم مجلس العقد و الشهادة
عليه ،و هو الأحوط ( 2 ) ،
كان عالما بالحكم ،و بمفهومها على عدم حرمتها عليه كذلك اذا كان جاهلا به .
و الثانية :صحيحة محمد بن قيس عن أبي جعفر عليه السّلام : «قال :قضى أمير
المؤمنين عليه السّلام في رجل ملك بضع امرأة و هو محرم قبل أن يحل ،قضى أن يخلي
سبيلها و لم يجعل نكاحه شيئا حتى يحل ،فاذا أحل خطبها إن شاء و إن شاء
أهلها زوجوه ،و إن شاءوا لم يزوجوه »- 1 - فانها تدل على عدم حرمتها عليه
مؤبدا ،و إن كان عالما بالحكم ،و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بنفس تلك
الصحيحة بغير صورة العلم بالحكم حرفا بحرف .
فالنتيجة :أن المحرم اذا تزوج بامرأة و هو محرم ،فان كان عالما بالحكم
حرمت عليه مؤبدا ،و إن كان جاهلا به لم تحرم .
( 1 ) تدل على ذلك موثقة سماعة بن مهران عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا
ينبغي للرجل الحلال أن يزوج محرما و هو يعلم أنه لا يحل له ،قلت :فان فعل
فدخل بها المحرم ،قال :إن كانا عالمين فان على كل واحد منهما بدنة ،و على
المرأة إن كانت محرمة بدنة ،و إن لم تكن محرمة فلا شيء عليها الاّ أن تكون قد
علمت أن الذي تزوجها محرم ،فان كانت علمت ثم تزوجته فعليها بدنة »- 2 - و به
يظهر حال ما بعده .
( 2 ) لا بأس بتركه لعدم دليل عليه غير كونه مشهورا بين الأصحاب .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 15 ،من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 21 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 191 )--
و ذهب بعضهم إلى حرمة أداء الشهادة على العقد السابق أيضا ،و لكن دليله
غير ظاهر ( 1 ) .
( مسألة 236 ) :الأحوط ان لا يتعرض المحرم لخطبة النساء ( 2 ) .
نعم ،لا بأس بالرجوع إلى المطلقة الرجعية ،و بشراء الاماء ،و ان كان
شراؤها بقصد الاستمتاع ،و الأحوط أن لا يقصد بشرائه الاستمتاع حال
الاحرام ،و الأظهر جواز تحليل أمته ،و كذا قبوله التحليل .
( 1 ) بل لا دليل عليه ما عدا مرسلتين ،هذا اضافة الى أن المراد من الشهود
فيهما الحضور في مجلس العقد لا أداء الشهادة .
فالنتيجة انه لا مانع من أداء الشهادة ،بل قد يكون واجبا لدفع ظلم ،أو
احقاق حق ،أو غير ذلك .
( 2 ) لكن الأظهر جواز ذلك ،لعدم الدليل ،كما يجوز له الرجوع الى
المطلقة الرجعية أثناء العدة و شراء الإماء ،لأن ما هو المحرم و هو التزويج في
حال الاحرام لا يصدق على شيء منهما .
--( 192 )--
8 -استعمال الطيب
( مسألة 237 ) :يحرم على المحرم استعمال الزعفران و العود و المسك
و الورس و العنبر بالشّم و الدلك و الأكل ،و كذلك لبس ما يكون عليه أثر
منها ،و الأحوط الاجتناب عن كل طيب ( 1 ) .
( 1 ) بل هو الأظهر ،بيان ذلك :ان روايات المسألة على طائفتين :
الطائفة الأولى :تدل على حرمة استعمال مطلق الطيب بكل الوان
الاستعمال من الدلك و الأكل و اللمس و الشم .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تمس شيئا
من الطيب ،و لا من الدهن في احرامك ،و اتق الطيب في طعامك و امسك على
انفك من الرائحة الطيبة ،و لا تمسك عليه من الرائحة المنتنة ،فانه لا ينبغي
للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة »- 1 - ،و مثلها صحيحته الأخرى - 2 - .
و منها :رواية حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،قال : «لا يمس المحرم شيئا من
الطيب و لا الريحان و لا يتلذذ به فمن ابتلى بشيء من ذلك فليتصدق بقدر ما
صنع بقدر شبعه من الطعام »- 3 - و منها غيرها .
الطائفة الثانية :تدل على حرمة أنواع خاصة من الطيب على المحرم .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إنما يحرم
عليك من الطيب أربعة اشياء :المسك و العنبر و الورس و الزعفران ،غير أنه يكره
للمحرم الادهان الطيبة الريح »- 4 - فانها تنص على أن ما يحرم على المحرم
استعماله من الطيب متمثل في هذه الانواع الأربعة ،و بمفهوم الحصر على عدم
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :8 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :11 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :14 .
--( 193 )--
..........
حرمة استعمال غيرها من انواع الطيب و الرياحين .نعم انها تدل بحكم ذيلها
على كراهة استعمال الأدهان الطيبة الريح على أساس أن المراد من قوله عليه السّلام :
«غير أنه يكره ... »الكراهة المصطلحة في مقابل الحرمة بقرينة قوله عليه السّلام : «انما
يحرم عليك ... »لا الجامع بينهما ،كما هو معناه العرفي و اللغوي .
و منها :صحيحة ابن ابي يعفور عن أبي عبد اللّه عليه السّلام «قال :الطيب المسك
و العنبر و الزعفران و العود »- 1 - ،فانها تشتمل على العود بدل الورس ،بينما
الصحيحة الأولى تشتمل على الورس بدل العود ،فهما مختلفتان من هذه
الناحية .و لكن يمكن الجمع الدلالي العرفي بينهما ،فان الصحيحة الأولى تدل
نصا على حرمة استعمال الورس حال الإحرام ،و بحكم مفهومها تدل على عدم
حرمة استعمال العود ،و الصحيحة الثانية تدل نصا على حرمة استعمال العود ،
و بالاطلاق الناشي من السكوت في مقام البيان على عدم حرمة استعمال
الورس ،و حينئذ يكون نص كل منهما قرينة على رفع اليد عن اطلاق الأخرى
تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص .و نتيجة ذلك أن ما يحرم على المحرم
من الطيب خمسة أنواع منه ،و هي المسك و العنبر و الزعفران و الورس و العود ،لا
مطلق الطيب .
ثم إنه قد يقال -كما قيل -إن الطائفة الثانية حاكمة على الطائفة الأولى
و مفسرة للمراد من الطيب المحرم استعماله على المحرم و انحصاره في هذه
الخمسة ،و على هذا فيحمل النهي عن استعمال مطلق الطيب في الطائفة الأولى
على الكراهة .
و لكن يمكن المناقشة فيه ،اذ لا يبعد عرفا أن يكون اقتصار تلك الطائفة
على الأنواع الخمسة المذكورة من الطيب على أساس أنها من أظهر انواعه
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :15 .
--( 194 )--
..........
المتداولة بين الناس من دون أن تكون لها خصوصية ،لأن المتفاهم العرفي منها
بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية أن حرمة استعمال تلك الأنواع على
المحرم في حال الاحرام انما هي بملاك رائحتها الطيبة و الالتذاذ بها ،اذ لا
يحتمل عرفا ان استعمال الزعفران بما هو زعفران محرم على المحرم ،بكل
الوان الاستعمال و إن كان عديم الرائحة نهائيا ،و كذلك الحال في سائر الأنواع
المذكورة ،فاذن بطبيعة الحال تكون حرمة استعماله على المحرم من جهة
التذاذه برائحته الطيبة من دون أن تكون لإضافتها اليه بنظر العرف موضوعية ،
و على هذا فلا تنافي بين الطائفتين .
ثم ان هذه المناسبة الارتكازية تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن
ظهور مفهوم صحيحة معاوية في نفي الحرمة عن غيرها من أقسام الطيب و كل
ما له رائحة طيبة .
فالنتيجة :ان المستفاد من مجموع روايات الباب على ضوء المناسبة
المذكورة ،ان المحرم ليس كالفرد العادي بأن يتزين و يتطيب و يلتذ بما شاء بل
عليه أن يجتنب عن كل الوان التزين و التطيب في هذه الحالة ،و هي حالة الاحرام
و الاستجابة لدعوته تعالى .و بذلك يظهر أن قوله عليه السّلام في ذيل هذه الصحيحة :
«غير انه يكره للمحرم الادهان الطيبة الريح »- 1 - غير ظاهر في الكراهة
المصطلحة ،هذا اضافة إلى أنه لا شبهة في حرمة التدهين على المحرم رجلا كان
او امرأة و إن لم تكن فيه رائحة طيبة .
و يؤكد حرمة استعمال مطلق الطيب قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن
عمار في الطائفة الأولى «فانه لا ينبغي للمحرم أن يتلذذ بريح طيبة »- 2 - ،لأنه
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :14 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :8 .
--( 195 )--
..........
ظاهر في موضوعية الالتذاذ بريح طيبة بدون خصوصية لأنواع الريح الطيبة
و أقسامها .
و الحاصل :أن وجوب اجتناب المحرم عن استعمال كل نوع من أنواع
الطيب و اقسامه لو لم يكن اقوى فلا شبهة في أنه أحوط .و لمزيد من التعرف
بحال المسألة نظريا و تطبيقيا نذكر فيما يلي عددا من الأمور .
الأول :انه قد ورد في مجموعة من الروايات النهي عن مس الريحان :
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «لا تمس ريحانا
و انت محرم ،و لا شيئا فيه زعفران ،و لا تطعم طعاما فيه زعفران »- 1 - ،و مثلها
صحيحته الأخرى - 2 - .و منها غيرها .
فان هذه الروايات واضحة الدلالة على حرمة استعمال الريحان على
المحرم ،و الريحان اسم خاص لنبت معروف في مقابل النعناع ،و هو المتبادر منه
لدى الاطلاق ،الاّ أن المراد منه في روايات المقام بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية مطلق النبت ذو الرائحة الطيبة ،اذ احتمال ان يكون لخصوص رائحة
الريحان موضوعية في المقام ،غير محتمل عرفا ،و على ذلك فمقتضى هاتين
الصحيحتين بضميمة مناسبة الحكم و الموضوع ان الممنوع على المحرم
استعمال الرياحين اي النباتات ذو الرائحة الطيبة ،و لكن لا بد من رفع اليد عن
ظهورهما في الحرمة ،و حملهما على الكراهة بقرينة روايتين اخريين :
احداهما :موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن
المحرم يأكل الأترج ؟قال :نعم ،قلت :له رائحة طيبة ،قال :الأترج طعام ليس هو
من الطيب »- 3 - ،فانها تدل على ضابط كلي و هو أن كل ما كان من الطعام جاز
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :10 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 26 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 196 )--
..........
للمحرم استعماله و إن كان ذا رائحة طيبة .
و الثانية :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :لا بأس أن
تشم الإذخر و القيصوم و الخزامي و الشيح و اشباهه و أنت محرم »- 1 - فانها تدل
على جواز شم النبات الذي له رائحة طيبة للمحرم ،فان قوله عليه السّلام : «و اشباهه »
يشمل كل ما كان منها ذو ريح طيبة .نعم ما كان يتخذ منها مادة للطيب كالورد
و الياسمين و غيرها ،فالأحوط و الأجدر به الاجتناب عنه ،و إن كان عدم الوجوب
لا يخلو عن قوة .
فالنتيجة :انه يجوز للمحرم رجلا كان او امرأة استعمال الرياحين -
النباتات ذوات الروائح الطيبة -و إن كان الاحتياط فيما يتخذ منها مادة للطيب في
محله .
الثاني :قد تسأل عن أن امساك الأنف عن الرائحة الطيبة هل هو واجب أو
لا ؟
و الجواب :انه غير واجب ،فان مقتضى اطلاق الموثقة المذكورة عدم
وجوب الامساك على أساس أن الترخيص في الأكل عرفا ترخيص في الشم .
و أما قوله عليه السّلام في الصحيحة المذكورة و أشباهه يدل على جواز شم كل ما
كان من النبات ذو ريح طيبة .نعم ورد في روايتين عن علي بن مهزيار الأمر
بالامساك عن شم رائحة التفاح و النبق و الاترج حين أكلها ،و لكن لا يمكن
الاعتماد عليهما ،لأن احداهما مرسلة ،و الأخرى عن ابن ابي عمير لا عن
الامام عليه السّلام .
فالنتيجة :انه لا دليل على وجوب الامساك عن الرائحة الطيبة لأنواع
الفاكهة و بعض اقسام النبات .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 25 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 197 )--
( مسألة 238 ) :لا بأس بأكل الفواكه الطيبة الرائحة كالتفاح
و السفرجل ،و لكن يمسك عن شمها حين الاكل على الأحوط ( 1 ) .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة : «و امسك على انفك
من الرائحة الطيبة »- 1 - ،فلا يمكن الأخذ باطلاقه ،بل لا بد من تقييده بخصوص
رائحة الطيب بمقتضى الموثقة و الصحيحة المتقدمتين اللتين تدلان على جواز
شم المحرم رجلا كان أم امرأة رائحة الرياحين و الفواكه .
و اما قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن سنان : «لا تمس ريحانا و انت
محرم »- 2 - ،فقد مر أن المراد من الريحان فيها بمناسبة الحكم و الموضوع
الارتكازية هو مطلق النبت ذي الريح الطيبة ،لا خصوص الريحان في مقابل
النعناع .
الثالث :قد تسأل عن أن الامساك على الأنف عن الرائحة النتنة هل هو
حرام ؟
و الجواب :انه حرام ،و تدل على حرمته عدة من النصوص :
منها :قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية بن عمار : «لا تمس شيئا من الطيب في
احرامك ،و امسك على أنفك من الرائحة الطيبة ،و لا تمسك عليه من الرائحة
المنتنة -الحديث »- 3 - .
و منها :صحيحة الحلبي و محمد بن مسلم جميعا عن ابي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :المحرم يمسك على انفه من الريح الطيبة ،و لا يمسك على انفه من الريح
الخبيثة »- 4 - و منها غيرهما .
( 1 ) لا بأس بتركه كما مر وجهه و إن كان أولى و أجدر .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 24 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 24 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 198 )--
( مسألة 239 ) :لا يجب على المحرم أن يمسك على أنفه من الرائحة
الطيبة حال سعيه بين الصفا و المروة ( 1 ) ،إذا كان هناك من يبيع العطور ،
و لكن الأحوط لزوما ( 2 ) ان يمسك على أنفه من الرائحة الطيبة في غير هذا
الحال و لا بأس بشم خلوق الكعبة و هو نوع خاص من العطر ( 3 ) .
( 1 ) للنص الخاص و هو صحيحة هشام بن الحكم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام
قال : «سمعته يقول :لا بأس بالريح الطيبة فيما بين الصفا و المروة من ريح
العطارين و لا يمسك على أنفه »- 1 - .
( 2 ) مر أنه غير لازم و إن كان أولى .
( 3 ) للروايات الخاصة :
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن خلوق
الكعبة يصيب ثوب المحرم ،قال :لا بأس و لا يغسله فانه طهور »- 2 - .
و منها :صحيحة يعقوب بن شعيب قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المحرم
يصيب ثيابه الزعفران من الكعبة ،قال :لا يضره ،و لا يغسله »- 3 - و منها غيرهما .
بقي هنا أمران :
الأوّل :انه اذا استعمل المحرم الطيب في الأكل جهلا ،فهل عليه كفارة دم
شاة ،باعتبار أن الجهل لا ينافي التعمد ،و المفروض أن المذكور في الصحيحة
من أكل زعفرانا متعمدا فعليه دم ،و ليس المذكور من أكل زعفرانا متعمدا عالما
بالحكم ،حتى لا يعم الجاهل ؟
و الجواب :أنه لا كفارة عليه اذا كان جهله بالحكم مركبا ،فانه في حكم
الناسي ،و أما اذا كان بسيطا ،فان كان معذورا فيه لم يكن مشمولا لقوله عليه السّلام : «من
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 20 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 21 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 21 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 199 )--
( مسألة 240 ) :اذا استعمل المحرم متعمدا شيئا من الروائح الطيبة
فعليه كفارة شاة على المشهور ،و لكن في ثبوت الكفارة في غير الأكل
اشكال ،و ان كان الأحوط التكفير .
( مسألة 241 ) :يحرم على المحرم ان يمسك على أنفه من الروائح
الكريهة ( 1 ) .
نعم لا بأس بالاسراع في المشي للتخلص من ذلك .
أكل زعفرانا متعمدا »- 1 - فان الظاهر من التعمد فيه التقصير ،و بما أنه لا تقصير له
فيه ،فلا عقوبة عليه و لا كفارة ،و أما إذا لم يكن معذورا فهو مشمول له ،و عليه
الكفارة .و أما استعماله في غير الأكل من الوان الاستعمال فلا دليل على وجوب
الكفارة فيه ،و إن كان عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي .
الثاني :ان الصحيحة معارضة بصحيحة معاوية بن عمار : «في محرم
كانت به قرحة فداواها بدهن بنفسج ،قال :إن كان فعله بجهالة فعليه طعام
مسكين ،و إن كان تعمّد فعليه دم شاة يهريقه »- 2 - بتقريب أنها تدل على أمرين :
أحدهما :وجوب الكفارة في استعمال الطيب في غير الأكل .
و الآخر :ثبوت الكفارة في حال الجهل .
و الجواب :ان الصحيحة اجنبية عن محل الكلام ،لأن موردها التدهين ،
و هو محرم آخر من محرمات الإحرام غير الطيب ،فاذن تكون الكفارة عليه لا
على استعمال الطيب بقرينة ان دهن البنفسج ليس من الطيب .و بذلك يظهر
حال الأمر الثاني و هو أن ثبوت الكفارة في حال الجهل انما هو على التدهين ،لا
على استعمال الطيب .
( 1 ) تقدم أن الأمر كما أفاده قدّس سرّه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 4 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
--( 200 )--
9 -لبس المخيط للرجال
( مسألة 242 ) :يحرم على المحرم أن يلبس القميص و القباء
و السروال و الثوب المزرور مع شد أزراره و الدرع و هو كل ثوب يمكن ان
تدخل فيه اليدان ،و الأحوط الاجتناب عن كل ثوب مخيط ( 1 ) ،
( 1 ) لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر ،و ذلك لأنه لم يرد في لسان شيء
من روايات الباب النهي عن لبس ثوب بعنوان أنه مخيط ،و انما الوارد في لسانها
النهي عن لبس المحرم الأثواب الاعتيادية الخاصة :
1 -القميص :و هو الثوب الذي يسلك في عنق الانسان ،و كل ثوب
يسلك في العنق يسمى قميصا .
2 -الدرع :و هو الثوب الذي له يدان ،أو فتحتان على نحو يتيح للإنسان
أن يدخل يديه فيهما ،و كل ثوب يكون كذلك يسمى بالدرع ،و هو محرم على
المحرم و إن لم يسلك في العنق .
3 -العباءة :فان لبسها بالصورة الاعتيادية محرم على المحرم و إن لم
يدخل يديه في يدي العباءة .
4 -السروال :و هو الثوب الذي تستر به العورة من الملابس الاعتيادية .
5 -الثوب المزرور :و هو الثوب الذي فيه أزرار يعقد بعضها ببعض ،فانّ
لبسه محرم على المحرم حتى لو لم تكن له يدان ،و لم يسلك في العنق ،و ليس
موضوع الحرمة وجود الأزرار فيه ،بل استعمال تلك الأزرار بعقد بعضها
بالبعض الآخر ،و لبس هذه الأنواع الخمسة من الأثواب محرم على المحرم
سواء كان صنعها من طريق الخياطة أم من طريق آخر .و أما اذا كان هناك ثوب
--( 201 )--
..........
مخيط على غير هذه الأنحاء الخمسة فيجوز للمحرم أن يلبسه على الأظهر .
و بعد ذلك نذكر فيما يلي عددا من روايات المسألة .
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تلبس ثوبا له
أزرار و انت محرم الاّ أن تنكسه -الحديث »- 1 - فانها تنص على حرمة لبس ثوب
له أزرار .
و منها :صحيحته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا لبست قميصا
و أنت محرم فشقه و أخرجه من تحت قدميك »- 2 - فانها تنص على حرمة لبس
القميص .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :إذا اضطر المحرم الى
القباء و لم يجد ثوبا غيره فليلبسه مقلوبا ،و لا يدخل يديه في يدي القباء »- 3 - .
و منها :معتبرة مثنى الخياط عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اضطر الى ثوب
و هو محرم و ليس معه الا قباء فلينكسه و ليجعل اعلاه أسفله و يلبسه »- 4 - فانهما
تدلان على أنه لا يجوز للمحرم أن يلبس القباء الاّ في حال الاضطرار منكوسا ،
كما أن الصحيحة الأولى تدل على أنها لا يجوز للمحرم ان يدخل يديه في يدي
القباء .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «لا
تلبس سراويل الاّ أن لا يكون لك ازار »- 5 - فانها تدل على أنه لا يجوز للمحرم
لبس السراويل الاّ في حال الاضطرار و عدم الازار له .
و منها :صحيحة زرارة عن أحدهما عليه السّلام قال : «سألته عما يكره للمحرم أن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 35 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 45 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 44 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 44 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 35 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 202 )--
..........
يلبسه ،فقال :يلبس كل ثوب الاّ ثوبا يتدرعه »- 1 - و منها غيرها .
و المستفاد من هذه الروايات أن ما يحرم على المحرم في حال الاحرام
لبس الأنحاء الخمسة من الأثواب المذكورة :القميص و الثوب المزرور
و السراويل و العباءة و الدرع ،و هذا بدون فرق بين كون هذه الأثواب مصنوعة من
طريق الخياطة أو لا .و على هذا الأساس فاذا كان هناك ثوب مخيط لا يصدق
عليه شيء من الأثواب المذكورة فلا مانع للرجل المحرم من ان يلبسه ،و يدل
على الجواز مضافا إلى انه لا دليل على المنع ،قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة :
«يلبس كل ثوب الاّ ثوبا يتدرعه »فانه بعد تقييد عمومه بغير تلك الأثواب
الاعتيادية ،يدل على جواز لبس غيرها و إن كان مخيطا .
و دعوى :أن هذه الأثواب المأخوذة في لسان الروايات انما أخذت بنحو
المعرفية الصرفة الى الأثواب المصنوعة من طريق الخياطة .
مدفوعة :بأن الظاهر منها الموضوعية ،و حملها على المعرفية الصرفة
بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة على ذلك لا في نفس هذه الروايات ،و لا من
الخارج .و من هنا يجوز للمحرم أن يلبس الطيلسان ،فانه لو لم تكن روايات
خاصة تدل على جواز لبسه كفى فيه عدم الدليل على الحرمة ،و الروايات كما
يلي :
منها :صحيحة يعقوب بن شعيب قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم
يلبس الطيلسان المزرور ،فقال :نعم ،و في كتاب علي عليه السّلام :لا تلبس طيلسانا
حتى ينزع ازراره ،فحدثني أبي أنه انما كره ذلك مخافة أن يزرّه الجاهل
عليه »- 2 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام مثل ذلك : «و قال :انما كره
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 203 )--
بل الأحوط الاجتناب عن كل ثوب يكون مشابها للمخيط ( 1 ) ،كالملبد
الذي تستعمله الرعاة ،و يستثنى من ذلك ( الهميان ) و هو ما يوضع فيه النقود
للاحتفاظ بها و يشدّ على الظهر أو البطن ،فإن لبسه جائز و ان كان من
المخيط ،و كذلك لا بأس بالتحزم بالحزام المخيط الذي يستعمله المبتلى
بالفتق لمنع نزول الامعاء في الأنثيين و يجوز للمحرم أن يغطي بدنه ما عدا
الرأس باللحاف و نحوه من المخيط حالة الاضطجاع للنوم و غيره .
( مسألة 243 ) :الأحوط ان لا يعقد الإزار في عنقه ( 2 ) ،
ذلك مخافة أن يزرّه الجاهل ،و أما الفقيه فلا بأس أن يلبسه »- 1 - .
فانهما تنصان على جواز لبسه و الممنوع عليه انما هو شد أزراره .
ثم إنه لا فرق في حرمة لبس المحرم الثياب و هو محرم بين لبسها حال
الاحرام ،أو يكون لابسا لها و ظل عليها الى أن يحرم .و ورد في بعض الروايات
أنه اذا كان لابسا للثوب قبل الاحرام فعليه أن ينزعه من رأسه و لا يشقه و إن لبسه
بعد الإحرام فعليه أن يشقه و يخرجه مما يلي رجليه ،فانه يدل على حرمة لبسه
بقاء كحرمة لبسه حدوثا .
( 1 ) بل الأظهر الجواز شريطة أن لا يصدق عليه شيء من الأثواب
المذكورة .
( 2 ) بل هو الأقوى للروايتين ،احداهما صحيحة علي بن جعفر عن أخيه
موسى بن جعفر عليه السّلام : «المحرم لا يصلح له أن يعقد ازاره على رقبته ،و لكن يثنيه
على عنقه و لا يعقده »- 2 - فانها واضحة الدلالة على عدم جواز ذلك .و الأخرى
صحيحة سعيد الأعرج : «انه سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يعقد ازاره في
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 36 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 53 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
--( 204 )--
بل لا يعقده مطلقا ،و لو بعضه ببعض ،و لا يغرزه بإبرة و نحوها ( 1 ) ،و الأحوط
ان لا يعقد الرداء أيضا ( 2 ) ،و لا بأس بغرزه بالأبرة و أمثالها .
( مسألة 244 ) :يجوز للنساء لبس المخيط مطلقا عدا القفازين ( 3 )
و هو لباس خاص يلبس لليدين .
عنقه ،قال :لا »- 1 - و أما عقده في غير العنق فالظاهر أنه لا مانع منه .
( 1 ) على الأحوط الأولى لعدم الدليل عليه ،فان الرواية الناهية عنه ضعيفة
من جهة السند .
( 2 ) لكن الأظهر جوازه لفقد دليل على المنع و إن كان الاحتياط أولى .
( 3 ) لمجموعة من الروايات :
منها :صحيحة يعقوب بن شعيب ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المرأة
تلبس القميص تزره عليها ،و تلبس الحرير و الخز و الديباج ،فقال :نعم ،لا بأس
به ،و تلبس الخلخالين و المسك »- 2 - .
و منها :صحيحة عيص بن القاسم قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام : «المرأة
المحرمة تلبس ما شاءت من الثياب غير الحرير و القفازين -الحديث »- 3 - .
ثم إن هذه الصحيحة تنافي الصحيحة الأولى في الحرير ،فان الأولى تنص
على جواز لبسه ،و الثانية على عدم جوازه ،و لكن موثقة سماعة : «انه سأل أبا
عبد اللّه عليه السّلام عن المحرمة تلبس الحرير فقال :لا يصلح أن تلبس حريرا محضا لا
خلط فيه ،و أما الخز و العلم في الثوب فلا بأس أن تلبسه و هي محرمة ،و إن مرّ بها
رجل استترت منه بثوبها و لا تستتر بيدها من الشمس -الحديث »- 4 - ،تصلح أن
تكون قرينة على الجمع بينهما باعتبار أن نسبتها الى كل واحدة منهما نسبة
المقيد الى المطلق فتقيد اطلاق الأولى بالحرير غير الخالص ،و اطلاق الثانية
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 53 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 33 من ابواب الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 33 من ابواب الاحرام ،الحديث :9 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 33 من ابواب الاحرام ،الحديث :7 .
--( 205 )--
( مسألة 245 ) :إذا لبس المحرم متعمدا شيئا مما حرم لبسه عليه
فكفارته شاة ( 1 ) ،
بالحرير الخالص ،فالنتيجة أنه لا يجوز للمرأة المحرمة أن تلبس الحرير
الخالص ،و لا القفازين و هي محرمة .و أما لبس الذهب للمرأة في حال الإحرام
كالحلي و الخلخال و المسكة و القرطان و غير ذلك ،فالظاهر أنه لا مانع منه
شريطة أن لا يكون بقصد الزينة ،و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المحرمة تلبس
الحلي كله الاّ حليا مشهورا للزينة »- 1 - فانها تدل بوضوح على انه يجوز لها أن
تلبس الذهب الاّ للزينة .
و منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج ،قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام
عن المرأة يكون عليها الحلي و الخلخال و المسكة و القرطان من الذهب و الورق
تحرم فيه و هو عليها و قد كانت تلبسه في بيتها قبل حجها أ تنزعه اذا أحرمت ،أو
تتركه على حاله ؟قال :تحرم فيه ،و تلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها
و مسيرها »- 2 - فانها تدل على أن لبسها بقصد الزينة و الإظهار للرجال محرم ،لا
في نفسه .
( 1 ) تنص عليه مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة زرارة بن أعين قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :من نتف
ابطه أو قلم ظفره أو حلق رأسه أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه أو أكل طعاما لا
ينبغي له أكله و هو محرم ففعل ذلك ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء ،و من فعله
متعمدا فعليه دم شاة »- 3 - فانها واضحة الدلالة على أن من لبس ما لا يجوز لبسه
عامدا و ملتفتا فعليه دم شاة .و منها غيرها - 4 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 49 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 49 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام :1 .
---------------
( 4 ) راجع الوسائل :الباب 8 من ابواب بقية كفارات الاحرام .
--( 206 )--
و الأحوط لزوم الكفارة عليه ،و لو كان لبسه للاضطرار ( 1 ) .
( 1 ) في الاحتياط اشكال بل منع ،و الأظهر عدم لزوم الكفارة عليه ،كما هو
الحال في موارد الجهل و النسيان ،و ذلك لعدم الدليل ،لأن الاجماع المدعى في
المسألة على الكفارة فلا يمكن اثباته لا صغرى و لا كبرى ،كما ذكرناه غير مرة .
و أما صحيحة محمد بن مسلم قال : «سألت أبا جعفر عليه السّلام عن المحرم اذا
احتاج الى ضروب من الثياب يلبسها ،قال :عليه لكل صنف منها فداء »- 1 - فلأن
موردها الحاجة الى لبس ضروب من الثياب لا الاضطرار اليه و الحاجة عرفا
و عقلا غير الاضطرار ،و لا سيّما في مورد الصحيحة بقرينة فرضها الحاجة الى
ضروب من الثياب و اصنافها ،اذ فرض أنه مضطر الى ضروب متعددة منها بعيد
جدا .و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أنها مطلقة و تشمل باطلاقها الحاجة التي
تبلغ حد الاضطرار ،الاّ أنه لا بد من رفع اليد عن اطلاقها بحديث الرفع ،فان
مفاده رفع أثر العمل المضطر اليه .
فالنتيجة :انه لا دليل على ثبوت الكفارة في حالة الاضطرار ،و إن كان
الاحتياط أولى و أجدر .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 9 من أبواب بقية كفارات الاحرام :1 .
--( 207 )--
10 -الاكتحال
( مسألة 246 ) :الاكتحال على صور ( 1 ) :
1 -أن يكون بكحل أسود ،مع قصد الزينة و هذا حرام على المحرم
قطعا ،و تلزمه كفارة شاة على الأحوط الأولى .
2 -أن يكون بكحل أسود ،مع عدم قصد الزينة .
3 -أن يكون بكحل غير أسود مع قصد الزينة ،و الأحوط الاجتناب
في هاتين الصورتين ،كما ان الاحوط الأولى التكفير فيهما .
4 -الاكتحال بكحل غير أسود ،و لا يقصد به الزينة و لا بأس به ،و لا
كفارة عليه بلا اشكال .
( 1 ) اعلم أن الاكتحال على صور :
الصورة الأولى :يحرم على المحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل
بالكحل الأسود ،و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا يكتحل
الرجل و المرأة المحرمان بالكحل الأسود الاّ من علة »- 1 - فان مقتضى اطلاقها ان
اكتحال المحرم بالأسود محرم و إن لم يقصد به الزينة ،الاّ اذا كانت هناك علة
تتطلب الاكتحال به كالمرض أو نحوه .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن الكحل
للمحرم ،فقال :أما بالسواد فلا ،و لكن بالصبر و الحضض »- 2 - ،فان مقتضى
اطلاقها انه محرم عليه ،قصد به الزينة أم لا .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :7 .
--( 208 )--
..........
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «لا تكتحل المرأة
المحرمة بالسواد ،ان السواد زينة »- 1 - فانها في مقام بيان ان الاكتحال بالسواد
زينة ،على أساس أن استعماله بين الناس بما انه كان غالبا للزينة ،فيعد زينة في
العرف العام و ان لم يكن مقصودا ،فاذا كان زينة عرفا فالزينة محرم على
المحرم .
و منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المرأة تكتحل
و هي محرمة ،قال :لا تكتحل ،قلت :بسواد ليس فيه طيب ،قال :فكرهه من أجل
أنه زينة ،و قال :اذا اضطرّت اليه فلتكتحل »- 2 - بتقريب أن المراد من الكراهة فيها
الحرمة بقرينة أنها مسبوقة بالنهي عن الاكتحال ،و ملحوقة باستثناء حالة
الاضطرار .
الصورة الثانية :يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل بالكحل غير
الأسود ،الاّ اذا كان بقصد الزينة ،أو عد زينة في العرف العام ،و تدل على ذلك
صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس أن يكتحل و هو
محرم بما لم يكن فيه طيب يوجد ريحه فاما للزينة فلا »- 3 - ،بتقريب أن مقتضى
اطلاقها أنه يجوز للمحرم أن يكتحل بالكحل مطلقا ،أي سواء أ كان بالأسود أم
كان بغيره ،شريطة أن لا يقصد به الزينة ،و لكن لا بد من تقييد اطلاقها بغير
الكحل الأسود بمقتضى الروايات المتقدمة ،و نتيجة ذلك أنه يجوز للمحرم أن
يكتحل بالكحل غير الأسود الاّ للزينة .
و أما صحيحة زرارة عنه عليه السّلام : «قال :تكتحل المرأة بالكحل كله الاّ الكحل
الأسود للزينة »- 4 - ،فلا يمكن الأخذ باطلاقها .
أما بالنسبة إلى الكحل الأسود ،فلأن الظاهر من تقييد عدم جواز استعماله
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :14 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 209 )--
..........
للمحرم بالزينة أنه من باب الغالب ،حيث ان المتعارف و لا سيّما بين النساء كان
استعماله للزينة ،فاذن لا يدل تقييده بها على جواز استعماله اذا لم يكن للزينة ،
او لا أقل من الاجمال و عدم المفهوم له ،و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن له
مفهوما الاّ أنا ذكرنا في علم الأصول أن مفهومه قضية مهملة ،فلا يصلح أن
يعارض صحيحتي الحلبي و حريز اللتين تنصان على أنه محرم عليه معللا بأنه
زينة ،و الزينة محرمة على المحرم ،و اما بالنسبة الى الكحل غير الأسود
فالصحيحة معارضة بصحيحة معاوية بن عمار المتقدمة بالعموم من وجه ،فان
صحيحة معاوية تدل على حرمة اكتحال المحرم إذا كان للزينة ،و مقتضى
اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون بالكحل الأسود أو غيره ،و هذه الصحيحة تدل
على جواز الاكتحال بالكحل غير الأسود مطلقا ،أي بلا فرق بين أن يكون بقصد
الزينة أو لا ،و مورد الالتقاء بينهما ما إذا كان الاكتحال بالكحل غير الأسود بقصد
الزينة ،فان الصحيحة الأولى تنص على عدم جوازه ،و الثانية تنص على جوازه ،
فاذن مقتضى القاعدة سقوط اطلاق كلتيهما في مورد المعارضة و الرجوع الى
الأصل العملي .نعم بناء على القول بانقلاب النسبة تصبح صحيحة معاوية
أخص من الصحيحة المذكورة من جهة أن اطلاقها مقيد بالروايات التي تنص
على أن الاكتحال بالكحل الأسود محرم و إن لم يكن بقصد الزينة ،و عليه فتنقلب
النسبة من عموم من وجه الى عموم مطلق ،و لكن ذكرنا في علم الأصول أن
القول بانقلاب النسبة غير تام ،و عليه فالنسبة بين الصحيحتين تبقى على حالها ،
و هي العموم من وجه هذا .و لكنا نعلم من روايات هذه المسألة بضميمة روايات
مسألة حرمة نظر المحرم الى المرآة للزينة ،و مسألة حرمة لبس المرأة الذهب
و الخلخال و المسكة بقصد الزينة ،أن حرمة الزينة على المحرم رجلا --( 210 )--
..........
كان أم امرأة أمر مفروغ عنه ،سواء أ كانت الزينة باللباس أم كانت بالنظر الى
المرآة أم بالاكتحال أم بغير ذلك ،فمن أجل هذا لا بد من رفع اليد عن عموم
الصحيحة و حملها على ما اذا لم يكن بقصد الزينة .
و اما معتبرة الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سأله رجل ضرير و أنا
حاضر ،فقال :اكتحل اذا احرمت ،قال :لا ،و لم تكتحل ؟قال :اني ضرير البصر ،
و اذا أنا اكتحلت نفعني و إن لم اكتحل ضرّني ،قال :فاكتحل -الحديث »- 1 - فيرفع
اليد عن اطلاقها بتقييده بالكحل الأسود أو للزينة .
الصورة الثالثة :يجوز للمحرم رجلا كان أو امرأة أن يكتحل بالكحل و إن
كان أسود من أجل علة كالتداوي به أو غيره ،و تدل عليه مجموعة من الروايات :
منها :معتبرة الكاهلي الآنفة الذكر .
و منها :قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية المتقدمة «لا يكتحل الرجل و المرأة
المحرمان بالكحل الأسود الاّ من علة »- 2 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :
يكتحل المحرم إن هو رمد بكحل ليس فيه زعفران »- 3 - .
الصورة الرابعة :لا يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة أن يكتحل بكحل
فيه طيب ،و تنص على ذلك أيضا عدة من الروايات .
منها :صحيحتا معاوية بن عمار و عبد اللّه بن سنان المتقدمتان ،و منها
غيرهما - 4 - .
و الحاصل أنه نتجت من مجموع هذه الروايات أمور :
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :10 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) راجع الوسائل :الباب 18 من ابواب تروك الاحرام .
--( 211 )--
..........
الأول :لا يجوز للمحرم أن يكتحل بالكحل الأسود و هو محرم و إن لم
يقصد به الزينة ،بدون فرق فيه بين الرجل المحرم و المرأة المحرمة .
الثاني :يجوز له أن يكتحل بالكحل غير الأسود الا اذا كان للزينة أو كان
في العرف العام زينة .
الثالث :لا يجوز أن يكتحل بكحل فيه طيب .
الرابع :يجوز أن يكتحل لعلة و إن كان بالأسود ،كالتداوي به أو غيره .
--( 212 )--
11 -النظر في المرآة
( مسألة 247 ) :يحرم على المحرم النظر في المرآة للزينة ( 1 ) ،
و كفارته شاة على الأحوط الأولى .
و أما إذا كان النظر فيها لغرض آخر غير الزينة كنظر السائق فيها لرؤية
ما خلفه من السيارات ،فلا بأس به ،و يستحب لمن نظر فيها للزينة تجديد
التلبية ،أما لبس النظارة فلا بأس به للرجل أو المرأة اذا لم يكن للزينة ،
و الأولى الاجتناب عنه ،و هذا الحكم لا يجري في سائر الاجسام الشفافة
فلا بأس بالنظر إلى الماء الصافي أو الاجسام الصيقلية الأخرى .
( 1 ) لا يبعد عدم جواز نظر المحرم رجلا كان أم امرأة في المرآة اذا عد في
العرف العام زينة و إن لم يقصد به الزينة ،كما إذا كان نظره فيها بدافع اصلاح
هندامه و وضعه الطبيعي بدون أن يكون قاصدا به التزين ،و يستفاد ذلك من
مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة حماد بن عثمان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تنظر في
المرآة و أنت محرم ،فانه من الزينة »- 1 - بتقريب أن المتبادر من النظر فيها بمناسبة
الحكم و الموضوع الارتكازية هو النظر فيها لإصلاح هندامه و وضعه الطبيعي
سواء أ كان قاصدا به الزينة أم لا ،فان ذلك يعد في العرف العام زينة ،و الزينة
محرمة على المحرم .
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تنظر في المرآة و أنت
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 34 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 213 )--
..........
محرم لأنه من الزينة »- 1 - ،بتقريب أن المتبادر من النهي عن النظر هو النهي عن
النظر المتعارف بين الناس في المرآة ،و من الواضح ان استعمالها إما أن يكون
بدافع التزيين ،أو بدافع اصلاح وضعه الطبيعي من ناحية اللباس و غيره ،بدون
أن يكون قاصدا به الزينة ،و لا يحرم اذا كان بدافع آخر كنظر السائق في المرآة
الى المسافرين بداعي التأكد من عدم تخلف بعضهم عن السيارة أو وضعهم
فيها ،أو بداعي تعرفه على ما خلفه من السيارات ،أو التأكد من عدم وجود
حاجب على البشرة المانع من الوضوء أو الغسل .
فالنتيجة :ان المستفاد عرفا من الروايتين أن نظر المحرم في المرآة حرام
إذا كان بقصد الزينة و إن لم يكن بقصده فهو حرام اذا عدّ في العرف العام زينة ،
و الاّ فلا .
بقي هنا أمور :
الأوّل :قد ورد في صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :لا
ينظر المحرم في المرآة لزينة ،فان نظر فليلب »- 2 - ،ان المحرم اذا نظر في المرآة
فعليه أن يعيد التلبية ،و ظاهر الأمر بالاعادة ارشاد الى فساد الاحرام ،هذا و لكن
لا بد من رفع اليد عن ظهوره في ذلك ،و حمله على الاستحباب بقرينة أن عدم
نظر المحرم في المرآة ليس قيدا للإحرام حتى يكون وجوده مانعا عنه ،على
أساس أن محرمات الاحرام محرمات مستقلة ،و لا يكون عدمها قيدا للحج أو
العمرة ،و لعل حكمة أمر المحرم بالتلبية اذا نظر في المرآة أنه نوع تنبيه له لكي
ينصرف عن محرمات الاحرام و يلبي ما هو واجب عليه .
الثاني :لا يحرم على المحرم رجلا كان أم امرأة لبس النظارات اذا لم يكن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 34 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 34 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 214 )--
..........
بقصد الزينة و لا يعد في العرف العام زينة ،فاذن لا مانع من لبسها بغرض الوقاية
من الشمس أو الهواء الترابية أو غير ذلك ،أو بدافع طبي .
الثالث :يجوز للمحرم أن ينظر في الأجسام الشفافة التي ينطبع فيها وجه
الناظر كالماء الصافي أو غيره .
الرابع :قد تسأل أن على المحرم اذا نظر في المرآة كفارة ؟
و الجواب :انه لا كفارة عليه لعدم الدليل .
--( 215 )--
12 -لبس الخف و الجورب
( مسألة 248 ) :يحرم على الرجل المحرم لبس الخف و الجورب ( 1 ) ،
و كفارة ذلك شاة على الأحوط ( 2 ) و لا بأس بلبسهما للنساء ،و الأحوط
الاجتناب عن لبس كل ما يستر تمام ظهر القدم و اذا لم يتيسر للمحرم نعل
أو شبهه ودعت الضرورة الى لبس الخف فالأحوط الأولى خرقه من
المقدم ،
( 1 ) تدل عليه جملة من النصوص .
منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :و اي محرم هلكت نعلاه
فلم يكن له نعلان فله أن يلبس الخفين اذا اضطر الى ذلك ،و الجوربين يلبسهما
اذا اضطر الى لبسهما »- 1 - فانها واضحة الدلالة على انه لا يجوز للمحرم لبس
الجورب و الخف في حال الاختيار ،و منها غيرها .
ثم إن هذا الحكم يختص بالرجل المحرم ،و لا يعم المرأة المحرمة ،لما مر
من أنه يجوز لها أن تلبس ما شاءت من الثياب ما عدا الحرير الخالص
و القفازين و الذهب للزينة .
( 2 ) لكن الأظهر عدم وجوبها .
و دعوى :ان قوله عليه السّلام في صحيحة زرارة : «أو لبس ثوبا لا ينبغي له لبسه -
الى أن قال :و من فعله متعمدا فعليه دم شاة »- 2 - يدل على وجوب الكفارة عليه .
مدفوعة :بعدم صدق الثوب عليهما حتى يصدق على لبسهما لبس
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 51 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 8 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 216 )--
و لا بأس بستر تمام ظهر القدم ( 1 ) من دون لبس .
الثوب ،و لكن مع هذا إذا لبس الجورب أو الخف عامدا و ملتفتا فالأولى و الأجدر
به أن يكفر بدم شاة .
( 1 ) فيه أن الأظهر عدم وجوب الاجتناب عنه لعدم الدليل ،و اختصاص
النص بالجورب و الخف ،و التعدي بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة عليه ،لا فيه و لا
من الخارج ،و لا نعلم أن ملاك المنع عن لبس الجورب و الخف انما هو سترهما
تمام ظهر القدم حتى يمكن التعدي الى كل ما يكون ساترا له و إن لم يكن جوربا
و لا خفا ،و مع هذا فالأحوط و الأجدر به الاجتناب عنه .
--( 217 )--
13 -الكذب و السب
( مسألة 249 ) :الكذب و السب محرّمان في جميع الأحوال ،لكن
حرمتهما مؤكدة حال الاحرام و المراد من الفسوق في قوله تعالى :( فلا
رفث و لا فسوق و لا جدال في الحج ) هو الكذب و السب ( 1 ) ،اما التفاخر
و هو اظهار الفخر من حيث الحسب أو النسب ،فهو على قسمين :
الاول :أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه مع استلزام الحطّ من شأن
الآخرين و هذا محرم في نفسه .
الثاني :أن يكون ذلك لإثبات فضيلة لنفسه من دون أن يستلزم اهانة
الغير ،و حطا من كرامته ،و هذا لا بأس به ،و لا يحرم لا على المحرم و لا على
غيره .
( 1 ) تدل على ذلك صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :إذا
أحرمت فعليك بتقوى اللّه ،و ذكر اللّه ،و قلة الكلام الاّ بخير ،فان تمام الحج
و العمرة أن يحفظ المرء لسانه الاّ من خير ،كما قال اللّه عزّ و جل ،فان اللّه تعالى
يقول :فَمَنْ فَرَضَ فِيهِنَّ اَلْحَجَّ فَلا رَفَثَ وَ لا فُسُوقَ وَ لا جِدالَ فِي اَلْحَجِّ
فالرفث الجماع ،و الفسوق الكذب و السباب ،و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى
و اللّه »- 1 - بتقريب أنها فسرت الفسوق بالكذب و السباب ،و في مقابلها صحيحة
علي بن جعفر عن أخيه موسى بن جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن الرفث و الفسوق
و الجدال ما هو ؟و ما على من فعله ؟فقال :الرفث :جماع النساء ،و الفسوق
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 32 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 218 )--
..........
الكذب و المفاخرة ،و الجدال قول الرجل لا و اللّه و بلى و اللّه -الحديث »- 1 - فانها
فسرت الفسوق بالكذب و المفاخرة ،و حينئذ فان قلنا أن المفاخرة لون من ألوان
السباب فلا تنافي بين الروايتين ،و إن قلنا أن المفاخرة أعم من السباب فانها قد
تشمل على الحط من الطرف المقابل و انتقاص قدره ،كما اذا كان الشخص في
مقام اثبات الفضائل لنفسه و سلبها عن الطرف المقابل المؤدي الى انتقاص
قدره ،و النيل من كرامته ،أو في مقابل سلب الصفات الرذيلة عن نفسه و اثباتها
للطرف المقابل ،و قد لا تشتمل على الحط من كرامة الطرف المقابل ،كما إذا كان
في مقام اثبات الفضائل لنفسه من دون سلبها عن الطرف الآخر ،أو سلب
الرذائل عن نفسه بدون الإشارة الى ثبوتها في خصمه ،و الظاهر بمناسبة الحكم
و الموضوع الارتكازية أن المراد من المفاخرة المعنى الأول ،فانه فسق ،و يناسب
تفسير الفسوق في الآية الشريفة به دون المعنى الثاني ،اذ المفاخرة بهذا المعنى
اذا لم تكن مشتملة على الكذب لم تكن محرمة ،و عليه فلا يناسب تفسير
الفسوق به ،لأنه ليس بفسق بذلك المعنى .
و دعوى :أن المراد من الفسوق في الآية الكريمة الفسوق بلحاظ حال
الاحرام لا مطلقا .
مدفوعة :بأن الظاهر منها الفسوق في نفسها و بقطع النظر عن احرام
المحرم ،غاية الأمر أن الادانة و العقوبة عليها في حال الاحرام أشد ،فالنتيجة ان
هذه الدعوى ساقطة و غير محتملة عرفا .
ثم إن من مارس الفسوق في الحج عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي ،فهل
عليه كفارة ؟
و الجواب :انه لا كفارة عليه ،و ذلك لأن صحيحة سليمان بن خالد قال :
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 3 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :16 .
--( 219 )--
..........
«سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول في حديث :في السباب و الفسوق بقرة ،و الرفث
فساد الحج »- 1 - و إن دلت على ثبوت الكفارة ،الاّ أنها معارضة عدم ثبوتها
بصحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «قلت :أ رأيت من ابتلى
بالفسوق ما عليه ؟قال :لم يجعل اللّه له حدا ،يستغفر اللّه و يلبي »- 2 - ،فانها دلت
على عدم جعل الكفارة عليه .فاذن تسقطان معا من جهة المعارضة ،فالمرجع
هو أصالة البراءة عن وجوبها .
و دعوى :أن من المحتمل أن يكون المراد من الحد هو الحد الشرعي
كحد الزنا و السرقة و ما شاكل ذلك لا الكفارة .
مدفوعة :بأن هذا الاحتمال غير محتمل في المقام ،لأن السؤال فيها عن
ثبوت الكفارة عليه ،و جواب الإمام عليه السّلام بعدم جعل حد له ظاهر في نفيها ،لأن
المراد من الحد في المقام هو الكفارة ،و يشهد عليه قوله عليه السّلام في صحيحة معاوية
ابن عمار : «حد الجدال دم يهريقه »- 3 - و كيف كان ،فلا شبهة في ذلك .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
--( 220 )--
14 -الجدال
( مسألة 250 ) :لا يجوز للمحرم الجدال ،و هو قول «لا و اللّه ،و بلى
و اللّه ( 1 )
( 1 ) هذا ،لا يجوز للمحرم رجلا كان أم امرأة ان يستعمل الحلف بهاتين
الصيغتين في مقام الخصومة و المخالفة ،و هل تختص حرمة الحلف بهما على
المحرم بموارد المخاصمة ،أو تعم كل مورد و إن لم تكن فيه مخاصمة و لا
مخالفة ما عدا المقابلة بالكلام ،كما لو سأله احد :هل طفت بالبيت ؟فقال :لا
و اللّه ،فان كان كاذبا في حلفه فهو جدال في المرتبة الأولى ،و عليه كفارته ،و إن
كان صادقا فيه فانه جدال شريطة أن يكرره ثلاث مرات ولاء و الظاهر هو الثاني
و ذلك لأمرين :
أحدهما :أنه قد فسر الجدال في الروايات بهاتين الصيغتين ،لا
بالمخاصمة المشتملة عليها .
منها :صحيحتي معاوية بن عمار و علي بن جعفر المتقدمتين ،فاذن ليس
المراد من الجدال في الآية الشريفة معناه اللغوي و العرفي ،بل المراد منه ما فسّر
في الروايات .
و الآخر انه قد رتب في عدة من الروايات الجدال على الحلف ،دون
الحلف الواقع في المخاصمة .
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في حديث :
و الجدال قول الرجل :لا و اللّه و بلى و اللّه ،و اعلم ان الرجل اذا حلف بثلاثة ايمان
ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل ،فعليه دم يهريقه ،و يتصدق به ،و اذا
--( 221 )--
و الأحوط ترك الحلف حتى بغير هذه الالفاظ ( 1 ) .
( مسألة 251 ) :يستثنى من حرمة الجدال أمران :
حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل ،و عليه دم يهريقه و يتصدق به .و سألته عن
الرجل يقول :لا لعمري ،و بلى لعمري ،قال :ليس هذا من الجدال ،و انما الجدال
قول الرجل :لا و اللّه و بلى و اللّه »- 1 - .
و منها :صحيحته الأخرى قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :ان الرجل اذا حلف
بثلاثة ايمان في مقام ولاء و هو محرم فقد جادل ،و عليه حد الجدال دم يهريقه
و يتصدق به »- 2 - .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن
الجدال في الحج ،فقال :من زاد على مرتين فقد وقع عليه الدم ،فقيل له :الذي
يجادل و هو صادق ،قال :عليه شاة ،و الكاذب عليه بقرة »- 3 - و منها غيرها - 4 - .
فالنتيجة :ان المستفاد من هذه الروايات أن الجدال في الآية الشريفة
عبارة عن قول الرجل :لا و اللّه ،و بلى و اللّه ،و بما أن هذا القول يستعمل في مقام
الاخبار و التصديق بثبوت شيء ،أو عدم ثبوته ،فلا محالة يكون في مقام المقابلة
مع آخر بالكلام ،سواء أ كانت بنحو المخاصمة أم لا .
و بكلمة :ان الظاهر منها كون المحرم اذا حلف بثلاثة أيمان ولاء في مقام
واحد ،أو بيمين واحدة كاذبة ،فانه مجادل كان في مقام المخاصمة أم لا .
( 1 ) الأولى ذلك ،اذ لا دليل على أن الحلف بغير تلك الألفاظ من
محرمات الإحرام ،لأن الظاهر من الروايات الواردة في تفسير الجدال في الآية
الشريفة بقول الرجل :لا و اللّه ،و بلى و اللّه هو الموضوعية لهذا القول ،و حمله
على أنه مأخوذ بنحو الطريقية و المعرفية الصرفة بحاجة الى قرينة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام .
--( 222 )--
الاول :أن يكون ذلك لضرورة تقتضيه من احقاق حق أو ابطال
باطل ( 1 ) .
( 1 ) لأن الضرورة اذا تطلبت الحلف لإثبات حق أو ابطال باطل جاز ،بل
ان صحيحة ابي بصير قال : «سألته عن المحرم يريد أن يعمل العمل فيقول له
صاحبه و اللّه لا تعمله ،فيقول :و اللّه لأعملنه ،فيخالفه مرارا ،يلزمه ما يلزم
الجدال ؟قال :لا ،انما اراد بهذا اكرام أخيه ،انما كان ذلك ما كان فيه معصية »- 1 - ،
تدل على جواز الحلف لإكرام اخيه و احترامه ،فضلا عما اذا كان لإحقاق حق أو
ابطال باطل .
فالنتيجة :ان المستثنى من حرمة الحلف على المحرم في حال الإحرام
موردان :
أحدهما :أن يكون لإثبات حق أو ابطال باطل ،او بدافع حفظ نفس
مؤمن .
و الآخر :ان يكون لإكرام مؤمن و احترامه ،و أما في غير هذين الموردين
فهو محرم و معصية للّه تعالى ،و فيه كفارة عليه ،و بذلك يظهر حال ما بعده .
قد تسأل عن أن الجدال في الآية الشريفة التي فسر في الروايات بصيغة
خاصة من القسم ،فهل يعتبر أن تكون تلك الصيغة بجملة خبرية ،أو لا ؟
و الجواب :يعتبر أن تكون بجملة خبرية بقرينة تقسيم القسم بالصيغة
المذكورة في الروايات تارة بالقسم الصادق ،و اخرى بالكاذب ،هذا اضافة الى
أنه إن اريد بالقسم الانشائي إنشاء مفهوم القسم بالحمل الأولي ،فلا أثر له ،اذ لا
يحتمل أن يكون تلفظ المحرم بصيغة لا و اللّه بقصد إنشاء مفهوم القسم في عالم
الاعتبار و الذهن حراما ،و إن اريد به الالتزام بالمقسوم عليه في الخارج تركا أو
فعلا ،فهو قسم بالحمل الشائع ،و اخبار و ليس بانشاء .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 32 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :7 .
--( 223 )--
الثاني :أن لا يقصد بذلك الحلف بل يقصد به أمرا آخر كإظهار
المحبة و التعظيم كقول القائل :لا و اللّه لا تفعل ذلك .
( مسألة 252 ) :لا كفارة على المجادل فيما اذا كان صادقا في قوله
و لكنه يستغفر ربّه ،هذا فيما اذا لم يتجاوز حلفه المرة الثانية ،و إلا كان عليه
كفارة شاة .و أما إذا كان الجدال عن كذب فعليه كفارة شاة للمرة الاولى ،
و شاة اخرى للمرة الثانية و بقرة للمرة الثالثة ( 1 ) .
و قد تسأل :عن أن المعتبر في تحقق الجدال شرعا هل هو تحقق
الصيغتين معا ،أو كفاية تحقق واحدة منها ؟
و الجواب :كفاية تحقق واحدة منها ،لأن ذلك هو الظاهر من الروايات
الواردة في تفسيره بدون الإشارة في شيء منها أنه لا يتحقق الاّ بتحقق كلتا
الصيغتين معا ،هذا اضافة الى أن اجتماعهما في مورد واحد غير ممكن ،باعتبار
أن مدلول احداهما تصديق بثبوت شيء ،و مدلول الأخرى تصديق بنفي شيء
آخر .
و قد تسأل :أن كلمة ( لا ) في إحدى الصيغتين ،و كلمة ( بلى ) في الأخرى
هل هما معتبرتان في ترتيب الأثر عليهما و كونهما مصداقا للجدال في الآية
الشريفة ؟
و الجواب :أنهما معتبرتان فيه ،لظهور الروايات المفسرة له في ذلك .
( 1 ) هذا هو المستفاد من روايات الباب ،لأن المحرم رجلا كان أم امرأة
إذا جادل و هو محرم فان كان صادقا في جداله بقوله لا و اللّه أو بلى و اللّه ،فلا
شيء عليه في المرة الأولى ،و لا في الثانية ،و أما في الثالثة فعليه دم شاة ،و تدل
عليه جملة من الروايات .
منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في حديث :--( 224 )--
..........
و الجدال قول الرجل :لا و اللّه و بلى و اللّه .و اعلم ان الرجل اذا حلف بثلاثة أيمان
ولاء في مقام واحد و هو محرم فقد جادل و عليه دم يهريقه ،و يتصدق به ،و اذا
حلف يمينا واحدة كاذبة فقد جادل فعليه دم يهريقه و يتصدق به -الحديث »- 1 - ،
فانها تدل بمقتضى مفهوم الشرط أنه اذا جادل أقل من ثلاث مرات فان كان
صادقا في جداله فلا شيء عليه ،و نقيد به اطلاق صحيحة سليمان بن خالد ،قال :
«سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول :في الجدال شاة -الحديث »- 2 - و إن كان كاذبا في
جداله فعليه دم شاة في المرة الأولى و الثانية ،أما في المرة الأولى فقد نصت عليه
صحيحة معاوية المتقدمة .
و أما في المرة الثانية فمن أجل أن العرف لا يفهم خصوصية للمرة الأولى ،
هذا اضافة إلى أن تعدد الكفارة بتعدد سببها يكون على القاعدة ،و مع الاغماض
عن ذلك انه يكفي لإثبات تعددها اطلاق صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة ،
لأن اطلاقها بالنسبة إلى اليمين الكاذبة يظل ثابتا ،و في المرة الثالثة بقرة ،و تنص
عليه صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن الجدال في
الحج ،فقال :من زاد على مرتين قد وقع عليه الدم ،فقيل له :الذي يجادل و هو
صادق ،قال :عليه شاة ،و الكاذب عليه بقرة »- 3 - و صحيحة الحلبي عن
أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «قلت :فمن ابتلي بالجدال ما عليه ؟قال :إذا
جادل فوق مرتين فعلى المصيب دم يهريقه ،و على المخطئ بقرة »- 4 - و المراد
من المخطئ و المصيب بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية الكاذب
و الصادق ،و بهما نقيد اطلاق صحيحة سليمان بن خالد التي تدل على أن كفارته
شاة بما دون ثلاث مرات ،اذا كان كاذبا في جداله .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
--( 225 )--
15 -قتل هوامّ الجسد
( مسألة 253 ) :لا يجوز للمحرم قتل القمل ( 1 ) و لا القاؤه من
جسده ( 2 ) و لا بأس بنقله من مكان الى مكان آخر و إذا قتله فالأحوط
التكفير عنه بكف من الطعام ( 3 ) للفقير ،
( 1 ) للنصوص ،منها :موثقة زرارة قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام :هل يحك
المحرم رأسه و يغتسل بالماء ؟قال :يحك رأسه ما لم يتعمد قتل دابة -
الحديث »- 1 - فانها ظاهرة في عدم جواز قتل دابة الرأس و هي القمل .
و منها :معتبرة ابي الجارود قال : «سأل رجل ابا جعفر عليه السّلام عن رجل قتل
قملة و هو محرم ،قال :بئس ما صنع ،قال :فما فداؤها ؟قال :لا فداء لها »- 2 - فانها
ظاهرة في حرمة قتلها .
( 2 ) تدل عليه صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قال :
المحرم يلقي عنه الدواب كلها الاّ القملة فانها من جسده ،و إن اراد أن يحول
قملة من مكان الى مكان فلا يضره »- 3 - .
( 3 ) لكن الأظهر أنه لا كفارة فيه ،و تنص عليه مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :ما تقول في
محرم قتل قملة ،قال :لا شيء عليه في القمل ،و لا ينبغي أن يتعمد قتلها »- 4 -
و مثلها صحيحته الأخرى - 5 - .
و منها :معتبرة أبي الجارود المتقدمة .
نعم ،ورد في عدة من الروايات الأمر باعطاء كف من الطعام اذا القى
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 73 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 78 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 78 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 78 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 78 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
--( 226 )--
اما البق و البرغوث و امثالهما فالأحوط عدم قتلهما ( 1 ) إذا لم يكن هناك
ضرر يتوجه منهما على المحرم ،و اما دفعهما فالأظهر جوازه و ان كان الترك
أحوط .
المحرم القملة عن جسده ،و موردها القاء القملة من الجسد دون قتلها ،و التعدي
عن موردها الى مورد القتل بحاجة الى دليل و لا دليل عليه ،و على تقدير وجود
الدليل ،فالروايات المتقدمة تصلح أن تكون قرينة على حمل الأمر بالكفارة
بالنسبة إلى قتلها على الاستحباب ،تطبيقا لحمل الظاهر على النص .
( 1 ) فيه ان الأظهر جوازه ،لعدم دليل على عدم الجواز ،و قوله عليه السّلام في
صحيحة معاوية بن عمار : «اتق قتل الدواب كلها »- 1 - ،منصرف عرفا عنهما ،
و يؤيد ذلك ما ورد في بعض الروايات الضعيفة من جواز قتلهما .
فالنتيجة أن حرمة القتل بحاجة إلى دليل ،و لا دليل عليه ،و إن كان
الاحتياط أولى و أجدر ،و أما القاؤهما من الجسد فلا اشكال في جوازه ،و تنص
عليه صحيحة معاوية بن عمار المتقدمة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :9 .
--( 227 )--
16 -التزين
( مسألة 254 ) :يحرم على المحرم التختم بقصد الزينة ( 1 ) ،و لا بأس
بذلك بقصد الاستحباب ،بل يحرم عليه التزين مطلقا ،و كفارته شاة على
الأحوط الأولى .
( مسألة 255 ) :يحرم على المحرم استعمال الحناء فيما إذا عد زينة
خارجا ( 2 ) ،و ان لم يقصد به التزين .نعم ،لا بأس به إذا لم يكن زينة ،كما
إذا كان لعلاج و نحوه .
( 1 ) فيه انه لا دليل على حرمته اذا لم يعد في العرف العام زينة ،لأن الدليل
عليه منحصر برواية مسمع عن أبي عبد اللّه عليه السّلام في حديث قال : «و سألته أ يلبس
المحرم الخاتم ؟قال :لا يلبسه للزينة »- 1 - و هذه الرواية و إن كانت واضحة
الدلالة ،الاّ أنها ضعيفة من ناحية السند ،لأن في سندها صالح بن السندي ،و هو
لم يثبت توثيقه ،و على هذا فان كان زينة في العرف العام لم يجز للمحرم رجلا
كان أم امرأة أن يلبسه ،و الاّ فلا بأس به ،و لا أثر لقصده الزينة اذا لم يكن زينة
عرفا .
( 2 ) مر أن المستفاد من الروايات أن ما عدّ من الزينة في العرف العام فهو
محرم على المحرم رجلا كان أم امرأة و إن لم يقصد به التزين ،كما اذا استعمل
الحناء بطريقة خاصة في أنامل أرجله و ايديه بنحو يعد في العرف العام زينة ،
و أما إذا لم يعد كذلك ،أو لم يستعمل بشكل يجلب نظر الناس اليه بعنوان أنه
زينة ،فلا مانع منه .و قد نصت على ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 46 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 228 )--
( مسألة 256 ) :يحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي للزينة ( 1 ) ،
و يستثنى من ذلك ما كانت تعتاد لبسه قبل احرامها و لكنها لا تظهره لزوجها ،
و لا لغيره من الرجال .
أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن الحناء ،فقال :ان المحرم ليمسه و يداوي به بعيره
و ما هو بطيب ،و ما به بأس »- 1 - فالنتيجة ان المعيار في حرمة استعماله على
المحرم انما هي بكونه زينة في العرف العام ،و الاّ فلا بأس باستعماله ،و لا قيمة
للقصد المجرد .
( 1 ) فيه أن المحرم على المرأة المحرمة لبس الحلي و اظهاره للرجال في
مركبها و مسيرها مطلقا حتّى لمحارمها كزوجها و غيره لا مطلق لبسه .
و بكلمة :ان لبسه و إن كان زينة في نفسها ،الاّ أنه لا يكون محرما على
المرأة المحرمة إلاّ اذا كان بفرض اظهاره للرجال .نعم إذا كان الحلي حليا
مشهورا للزينة ،حرم عليها أن تلبسه ،و تدل على ذلك صحيحة عبد الرحمن بن
الحجاج قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المرأة يكون عليها الحلي و الخلخال
و المسكة و القرطاس من الذهب و الورق تحرم فيه و هو عليها و قد كانت تلبسه
في بيتها قبل حجها ،أ تنزعه اذا أحرمت أو تتركه على حاله ،قال :تحرم فيه
و تلبسه من غير أن تظهره للرجال في مركبها و مسيرها »- 2 - و تؤكد ذلك صحيحة
محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المحرمة تلبس الحلي كله الاّ حليا
مشهورا للزينة »- 3 - .
و أما صحيحة الكاهلي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام أنه قال : «تلبس المرأة المحرمة
الحلي كله إلاّ القرط المشهور و القلادة المشهورة »- 4 - ،فلا بد من رفع اليد عن
اطلاقها في عقد المستثنى منه ،و حملها على ما اذا لم يكن لبسها الحلي أو غيره
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 23 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل باب :49 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل باب :49 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 4 ) الوسائل باب :49 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
--( 229 )--
..........
بغرض الاشهار و اظهاره للرجال ،كما أنه لا بد من تقييد اطلاقها فيه بغير الحلي
المشهور للزينة بنص صحيحة محمد بن مسلم .
فالنتيجة ان لبس الحلي أو ما شاكله محرم عليها اذا كان بغرض الاشهار
و الاظهار للرجال ،سواء أ كانت معتادة في لبسها قبل الاحرام أم لا ،و الاّ فلا يكون
محرما شريطة أن لا يكون مشهورا للزينة ،كما أنه لا فرق في ذلك بين أقسام
الحلي و أنواعه .
--( 230 )--
17 -الادّهان
( مسألة 257 ) :لا يجوز للمحرم الادهان ،و لو كان بما ليست فيه رائحة
طيبة ( 1 ) ،و يستثنى من ذلك ما كان لضرورة أو علاج .
( 1 ) للنصوص ،منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا تدهن
حين تريد أن تحرم بدهن فيه مسك و لا عنبر ،من أجل أن رائحته تبقى في
رأسك بعد ما تحرم ،و ادهن بما شئت من الدهن حين تريد أن تحرم ،فاذا
أحرمت فقد حرم عليك الدهن حتّى تحل »- 1 - فانها ناصة في عدم جواز
التدهين للمحرم بعد الإحرام رجلا كان أم امرأة .
و أما صحيحة محمد بن مسلم قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :لا بأس بأن
يدهن الرجل قبل أن يغتسل للإحرام و بعده ،و كان يكره الدهن الخاثر الذي
يبقى »- 2 - فهي على تقدير تسليم اطلاقها لما بعد الإحرام فلا بد من تقييده
بصحيحة الحلبي المتقدمة .
نعم ،يجوز التدهين للتداوي ،و تنص عليه جملة من الروايات .
منها :صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا خرج
بالمحرم الخراج او الدمّل فليبطّه و ليداوه بسمن أو زيت »- 3 - .
قد تسأل عن أنه هل يجوز التدهين قبل الإحرام بنحو يبقى أثره بعد
الإحرام ؟
و الجواب :أن مقتضى صحيحة الحلبي الجواز ،فان قوله عليه السّلام في
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 29 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 30 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 231 )--
( مسألة 258 ) :كفارة الادهان شاة إذا كان عن علم و عمد ،و إذا كان
عن جهل فاطعام فقير على الأحوط في كليهما ( 1 ) .
الصحيحة : «و ادهن بما شئت حين تريد أن تحرم » ،يدل بوضوح على أن بقاء
أثره بعد الإحرام لا قيمة له ،على أساس أن أثر التدهين لا يزول بمرور فترة زمنية
قليلة ،و لا سيما اذا كان في الشعر ،و لا يكون مثل بقاء أثر الطيب ،فانه يجب على
المحرم ازالته كما تقدم .
و أما قوله عليه السّلام في صحيحة محمد بن مسلم «و كان يكره الدهن الخاثر
الذي يبقى »فلا بد من حمله على الكراهة المصطلحة ،إما من باب أنها المتيقنة
منه اذا لم تكن قرينة على الحرمة ،أو أن صحيحة الحلبي قرينة على ذلك ،
فالنتيجة أن بقاء أثر التدهين في بدن المحرم مكروه ،لا أنه حرام .
( 1 ) لكن الأظهر العدم ،اذ لا دليل عليها ،و ما ذكر من الوجوه ضعيفة و لا
قيمة لها ،و أما رواية معاوية بن عمار : «في محرم كانت به قرحة فداواها بدهن
بنفسج ،قال :إن كان فعله بجهالة فعليه طعام مسكين ،و إن كان تعمّد فعليه دم
شاة يهريقه »- 1 - ،فهي و إن كانت تامة دلالة ،الاّ أنه لم ينسب الرواية إلى
الإمام عليه السّلام ،فمن أجل ذلك لا تكون حجة لاحتمال أنها اجتهاد منه .
فالنتيجة :ان الأظهر عدم وجوب الكفارة في كلتا الحالتين ،و إن كان
الاحتياط أولى و أجدر .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 4 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
--( 232 )--
18 -ازالة الشعر عن البدن
( مسألة 259 ) :لا يجوز للمحرم أن يزيل الشعر عن بدنه أو بدن غيره ،
المحرم أو المحل ( 1 ) ،و تستثنى من ذلك حالات أربع ( 2 ) :
1 -أن يتكاثر القمل على جسد المحرم و يتأذى بذلك .
2 -أن تدعو ضرورة الى ازالته .كما إذا اوجبت كثرة الشعر صداعا
أو نحو ذلك .
3 -أن يكون الشعر نابتا في أجفان العين و يتألم المحرم بذلك .
4 -أن ينفصل الشعر من الجسد من غير قصد حين الوضوء أو
الاغتسال .
( 1 ) تدل على الأول مجموعة من النصوص :
منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يحتجم ؟
قال :لا ،الاّ أن لا يجد بدا فليحتجم ،و لا يحلق مكان المحاجم »- 1 - .
و منها :صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام «قال : «لا بأس أن يحتجم
المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر »- 2 - .
و تدل على حرمة الثاني صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :لا يأخذ المحرم من شعر الحلال »- 3 - .
( 2 ) أما في الحالة الأولى و الثانية و الثالثة ،فلقوله تعالى :فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ
مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ - 4 - ،فان
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 62 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 62 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 63 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) سورة البقرة ،الآية :196 .
--( 233 )--
( مسألة 260 ) :اذا حلق المحرم رأسه من دون ضرورة فكفارته
شاة ( 1 ) ،
مورده و إن كان المحصور في الحج او العمرة ،الاّ أن الحكم لا يختص به ،بل هو
حكم للمضطر الى ازالة الشعر ،و تشهد على عموم الحكم لمطلق المضطر
صحيحتا زرارة و حريز الواردتان في تفسير الآية الشريفة ،و تدلان على أن كفارة
المضطر هو الجامع بين الصيام و الصدقة و النسك ،و مقتضى اطلاقهما عدم
الفرق بين كون المضطر محصورا أو غير محصور .و مع الاغماض عن ذلك
و تسليم أن الآية الشريفة مختصة بالمحصور ،الاّ أنه يكفي في رفع حرمة ازالة
الشعر عن المحرم في الحالات الثلاث قاعدة لا حرج .
و أما في الحالة الرابعة فتدل على جواز الازالة معتبرة هيثم بن عروة
التميمي قال : «سأل رجل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يريد اسباغ الوضوء فتسقط
من لحيته الشعرة أو الشعرتان ،فقال :ليس بشيء ،ما جعل عليكم في الدين من
حرج »- 1 - .
( 1 ) لصحيحة زرارة قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :من نتف ابطه أو
قلم ظفره أو حلق رأسه ناسيا أو جاهلا فليس عليه شيء ،و من فعله متعمدا
فعليه دم شاة »- 2 - فان الظاهر من التعبير عن الكفارة بالدم في الروايات انه دم
شاة ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون مضطرا أو مختارا ،و لكن
مقتضى صحيحتي حريز و زرارة الواردتين في تفسير الآية الشريفة و هي قوله
تعالى :فَمَنْ كانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ بِهِ أَذىً مِنْ رَأْسِهِ فَفِدْيَةٌ مِنْ صِيامٍ أَوْ
صَدَقَةٍ أَوْ نُسُكٍ - 3 - ان كفارة المضطر الجامع بين دم شاة و صوم ثلاثة أيام
و الصدقة على ستة مساكين لكل مسكين مدان ،فيكون مخيرا بين أحد هذه
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) سورة البقرة ،الآية :196 .
--( 234 )--
و اذا حلقه لضرورة فكفارته شاة ،أو صوم ثلاثة أيام ،أو اطعام ستة مساكين ،
لكل واحد مدّان من الطعام .و اذا نتف المحرم شعره النابت تحت ابطيه
فكفارته شاة ،و كذا اذا نتف احد ابطيه على الأحوط ( 1 )
الخصال الثلاث ،فاذن نقيد اطلاق الصحيحة الأولى بهما .
فالنتيجة :أن من حلق رأسه و هو محرم ،فان كان عامدا و عالما فكفارته دم
شاة ،و إن كان مضطرا فكفارته الجامع بين دم شاة أو صيام ثلاثة أيام أو صدقة
على ستة مساكين لكل مسكين مدّان على نحو التخيير .
( 1 ) بل على الأظهر ،و تنص عليه صحيحة زرارة ،قال : «سمعت أبا
جعفر عليه السّلام يقول : «من نتف ابطه أو قلم ظفره ،أو حلق رأسه ناسيا او جاهلا
فليس عليه شيء ،و من فعله متعمدا فعليه دم شاة »- 1 - .و مثلها صحيحته
الأخرى - 2 - ،فان مقتضاهما أن المحرم رجلا كان أم امرأة ،اذا نتف أحد إبطيه أو
كليهما معا عامدا و ملتفتا الى الحكم الشرعي فعليه دم شاة ،على أساس أن الابط
اسم جنس يصدق على القليل و الكثير و الواحد و الاثنين .
و في مقابلها صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا نتف الرجل
ابطيه بعد الإحرام فعليه دم »- 3 - ،فانها تنص بمنطوقها على وجوب الكفارة بدم
شاة اذا نتف المحرم ابطيه معا ،و بمفهومها على نفي وجوبها اذا لم ينتف ابطيه
كذلك و إن نتف أحدهما ،و على هذا فيقع التعارض بين اطلاق مفهومها و اطلاق
الصحيحتين المتقدمتين بالعموم من وجه ،فان مورد الافتراق من جانب اطلاق
المفهوم ،صورة عدم نتف المحرم شيئا من ابطيه ،و مورد الافتراق من جانب
اطلاق الصحيحتين صورة نتفه لكلا ابطيه معا ،و مورد الاجتماع و الالتقاء بينهما
صورة ما اذا نتف أحد ابطيه دون الآخر ،فان مقتضى اطلاق المفهوم عدم ثبوت
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 10 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 235 )--
..........
الكفارة فيه ،و مقتضى اطلاق الصحيحتين ثبوتها ،و حيث أنه لا ترجيح لأحدهما
على الآخر فيسقطان معا من جهة المعارضة ،و يكون المرجع حينئذ الأصل
العملي ،و هو أصالة البراءة عن وجوب الكفارة في نتف ابط واحد ،هذا و لكن
الذي يسهل الخطب أن ذكر الإبط بالتثنية في صحيحة حريز انما هو في رواية
الشيخ رحمه اللّه ،و أما الصدوق رحمه اللّه فقد رواها بنفس السند عن حريز الابط بالافراد ،
فاذن لا نعلم أن حريز سمع من الإمام عليه السّلام الابط بالتثنية أو بالافراد ،فالنتيجة ان
كلمة الابط بالتثنية لم يثبت كونها من الإمام عليه السّلام و على هذا فلا معارض
للصحيحتين المتقدمتين .
ثم إن هنا رواية أخرى ،و هي رواية عبد اللّه بن جبلة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام :
«في محرم نتف ابطه ،قال :يطعم ثلاثة مساكين »- 1 - تدل على أن في نتف ابط
واحد إطعام ثلاثة مساكين ،فاذن تكون هذه الرواية معارضة للصحيحتين
المذكورتين ،لأن مقتضى اطلاقها أن كفارته وجوب اطعام ثلاثة مساكين تعيينا ،
و مقتضى اطلاق الصحيحتين أن كفارته دم شاة كذلك ،فاذن يسقطان معا من
جهة المعارضة ،و يكون مقتضى الأصل العملي عدم وجوب شيء منهما .
و اما ما ذكره السيد الاستاذ قدّس سرّه من أن كلا منهما لما كانت ناصة في
الوجوب بنحو القضية المهملة ،و ظاهرة في الوجوب التعييني بالاطلاق ،كان
نص كل منهما قرينة على رفع اليد عن اطلاق الأخرى ،فالنتيجة هي التخيير بين
وجوب دم شاة ،و بين اطعام ثلاثة مساكين ،و بما أن الأمر دائر بين التعيين
و التخيير ،فالأحوط التعيين ،فلا يمكن المساعدة عليه ،لما ذكرناه في علم
الأصول من أن أحد الدليلين المنفصلين المتنافيين ،انما يتقدم على الآخر
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
--( 236 )--
..........
بالجمع الدلالي العرفي اذا كان مدلوله متعينا للقرينية بلحاظ الإرادة الجدية في
العرف العام بملاك الأخصية أو الأظهرية أو النصوصية ،و في المقام ليست دلالة
الصحيحتين على أصل وجوب الشاة بنحو القضية المهملة .و دلالة رواية عبد اللّه
ابن جبلة على أصل وجوب اطعام ثلاثة مساكين كذلك بدلالة مستقلة ناصة
بالنسبة الى دلالة الدليل المعارض حتى تكون قرينة عليه ،و موردا للجمع
العرفي تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص ،بل هي دلالة ضمنية مندكة في
الدلالة المستقلة لكل منهما بلحاظ الارادة الجدية ،و في المقام بما أن ظهور كل
من الدليلين منعقد في المدلول الذي لا يصلح للقرينية فبطبيعة الحال يقع
التعارض بينهما ،فيسقطان معا ،و يرجع الى الأصل العملي ،و لا مجال لما
ذكره قدّس سرّه من الجمع العرفي .
و بكلمة :ان ما ذكره السيد الاستاذ قدّس سرّه من امكان الجمع الدلالي العرفي بين
الروايتين هما صحيحتا زرارة و رواية ابن جبلة في المقام ،مبني على عدم سراية
التعارض بينهما الى دليل الحجية ،و حينئذ فلا مانع من شموله لكلتا الروايتين
معا ،و نتيجة ذلك أن يجعل نص كل منهما قرينة على رفع اليد عن اطلاق
الأخرى تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص .و لكن هذا المبنى غير صحيح ،
و ذلك لان كلا من الروايتين باطلاقهما و نصهما معا و بنحو مستقل غير مشمول
لإطلاق دليل الحجية حتى يكون نص كل منهما قرينة على هدم اطلاق
الأخرى ،على أساس ان نص كل منهما ليس دلالة تصديقية مستقلة بلحاظ
الارادة الجدية في دليل كذلك لكي يكون مشمولا له ،بل هي في ضمن الدلالة
الاطلاقية لكل منهما .و من الواضح أن الجمع العرفي بين الدليلين المنفصلين
المتنافيين انما هو بملاك القرينية المتمثلة في أخصية أحدهما أو الأظهرية ،أو --( 237 )--
..........
النصوصية ،و القرينية متفرعة على تعيين مفاد الدليل الصالح لها في المرتبة
السابقة لكي يكون مفسرا للمراد الجدي من الدليل الآخر ،و المفروض في
المقام أن مفاد كل من الروايتين متعين عرفا في الاطلاق لا فيه و في النص معا ،
ضرورة أنه ليس لكل منهما مفادين مستقلين بلحاظ الارادة الجدية ،أحدهما
الاطلاق ،و الآخر النص ،فان لازم ذلك أن يكون كل منهما دليلين مستقلين ،و هو
خلف فرض كونه دليلا واحدا ،بل حتى اذا كانت احداهما مجملة ،بأن يكون
مفادها مرددا بين المطلق و المقيد ،و القدر المتيقن هو المقيد و الأخرى مطلقة ،
لأن الرواية المجملة لا تصلح أن تكون قرينة على الرواية المطلقة و موجبة
لتقييدها بالقدر المتيقن ،لم عرفت من أن قرينية أحد الدليلين المنفصلين على
الدليل الآخر متمثلة في اظهريته ،او نصوصيته ،أو أخصيته بالنسبة الى الآخر
مستقلا لا مطلقا ،و على هذا فلا يمكن أن تكون نصوصيّة كل من الروايتين
مشمولة لدليل الحجية الاّ في ضمن شموله للمدلول الاطلاقي لكل منهما لا
مستقلا ،و من المعلوم أنه لا أثر لهذا الشمول ،لأنه يسقط بسقوطه عن المدلول
الاطلاقي لهما بسبب التعارض .
فالنتيجة :أنه لا يمكن شمول اطلاق دليل الحجية لكلتا الروايتين
المتعارضتين معا ،فاذن لا محالة يسقط و يرجع حينئذ الى أصالة البراءة .
و دعوى :ان مفاد دليل حجية الرواية سندا هو التعبد بأصل الصدور من
دون أن يكون ناظرا الى مفادها و مدلولها ،فيكون دوره تحقيق الصغرى لدليل
حجية الظهور تعبدا ،من دون أن تكون حجية السند مرتبطة بحجية الظهور ،بل
تكون مستقلة و غير مشروطة بها ،و على هذا الأساس فلا مانع من شمول دليل
الحجية لكلتا الروايتين معا ،و بذلك تثبت قضيتان :
--( 238 )--
..........
إحداهما :أن كفارة نتف شعر الابط الواحد شاة .
و الأخرى :أن كفارته اطعام ثلاثة مساكين ،و حيث انه لا يمكن الأخذ
باطلاق كلتا القضيتين معا ،كما أنه لا يمكن طرحهما كذلك نهائيا لفرض العلم
بصدورهما تعبدا ،و هو كالعلم بصدورهما وجدانا ،فلا مناص حينئذ من الالتزام
بتقييد وجوب كل منهما بعدم الاتيان بالآخر .
فالنتيجة :هي التخيير ،لا بمعنى وجوب الجامع بينهما ،بل بمعنى وجوبين
مشروطين ،فان ذلك هو المتيقن منهما .
مدفوعة :اما أولا ،فلما ذكرناه في علم الأصول من أن حجية السند و الدلالة
مجعولة بجعل واحد بنحو الارتباط ،لأن جعل الحجية للسند مستقلة بدون النظر
الى دلالته و مفاده لغو و جزاف ،فاذا ورد في دليل :لا بأس ببيع العذرة ،و ورد في
دليل آخر :ثمن العذرة سحت ،ففي مثل ذلك لا يمكن شمول دليل الحجية لسند
كل من الدليلين المنفصلين ،فانه انما يشمل اذا كان الجمع الدلالي العرفي بينهما
ممكنا بملاك القرينية من الأظهرية أو الأخصية ،أو النصوصية ،و أما إذا لم يمكن
ذلك بملاك القرينية ،باعتبار أن مفاد أحدهما عرفا لا يصلح لها كما في هذين
الدليلين ،فلا يمكن شموله للسند وحده ،لما مر من المحذور المذكور .
و دعوى :أنه لا يلزم محذور اللغوية من شموله للسند وحده على أساس
أنه قرينة على الجمع بينهما ،و التأويل برفع اليد عن ظهور كل منهما و حمله على
خلاف الظاهر .
مدفوعة :بأن شموله للسند يتوقف على ان الجمع العرفي بينهما ممكن
بملاك القرينية في المرتبة السابقة ،و هو حجة في العرف العام ،فمن أجل ذلك
يشمله السند أيضا ،و لا يسري التعارض اليه ،هذا اضافة الى أن هذا الجمع ليس --( 239 )--
..........
بجمع عرفي ،بل هو عقلي من أجل دفع اللغوية عن كلام المولى ،و من الواضح
أن حكم العقل بهذا الجمع متفرع على الشمول ،فلا يمكن أن يكون مصححا
له ،و مانعا عن سراية التعارض اليه ،هذا أولا .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن حجية السند مستقلة و غير
مربوطة بحجية الدلالة و الظهور ،الاّ أن هذا الجمع بين الدليلين المتعارضين
ليس بملاك القرينية و الجمع الدلالي العرفي ،بل بملاك العلم بصدورهما تعبدا ،
فانه منشأ لحكم العقل بذلك الجمع من أجل دفع اللغوية ،بأن يرفع اليد عن
الاطلاق في كلتا الروايتين المذكورتين في المقام ،و يؤخذ بالقدر المتيقن منهما ،
و نتيجة ذلك هي التخيير ،كما هو الحال فيما إذا كان كلا الدليلين قطعي الصدور
و الجهة ،فانه لا بد من التصرف و التأويل فيهما بعد ما لا يمكن الأخذ بظهورهما
معا عرفا ،فان القطع بالصدور و الجهة قرينة عقلا على هذا التصرف من أجل
دفع اللغوية ،و الأخذ بالمتيقن منهما اذا كان لهما متيقن ،و كذلك الأمر اذا كان
أحدهما معلوم الصدور وجدانا أو تعبدا ،فانه لا بد من الأخذ به ،و نتيجة ذلك
هي التخيير ،و إن كان أحدهما المعين معلوم الصدور وجدانا دون الآخر ،فان
كانت نسبته الى الدليل الآخر نسبة العام و الخاص ،أو الظاهر و الأظهر ،أو
العكس ،أمكن الجمع العرفي بينهما ،و لا تصل النوبة الى المعارضة و سرايتها
الى دليل الحجية ،و إن كانت نسبته اليه نسبة المعارضة ،سقط الدليل الآخر عن
الحجية من جهة أنه مخالف للسنة .
الى هنا قد تبين أن ما افاده السيد الاستاذ قدّس سرّه من الحكم بالتخيير في المقام
و غيره بجعل نص كل من الدليلين قرينة على رفع اليد عن اطلاق الدليل الآخر
حتى تكون النتيجة التخيير ،فلا يمكن المساعدة عليه أصلا ،هذه نبذة مما
ذكرناه في علم الأصول ،و التفصيل هناك .
--( 240 )--
..........
و ثالثا :أن ما افاده قدّس سرّه لا يتم في المقام و إن سلمنا تماميّته في غير المقام ،
و ذلك لأن رواية ابن جبلة ضعيفة سندا ،فانه لم يوثق ،و مجرد وروده في رجال
التفسير و كامل الزيارات لا يكفي .
فالنتيجة :في نهاية المطاف أن في نتف الشعر النابت في الابط الواحد دم
شاة ،و كذلك في الابطين ،فان ذلك هو مقتضى اطلاق الصحيحتين لزرارة
المتقدمتين ،على أساس أن الإبط المذكور فيهما اسم جنس يصدق على القليل
و الكثير .
نذكر فيما يلي أمرين :
الأول :قد تسأل أن الكفارة هل هي على نتف المحرم رجلا كان أم امرأة
تمام الشعر النابت في الابط ،و حلق تمام الشعر النابت في الرأس ،أو يكفي في
ثبوتها نتف البعض ،أو حلق البعض ؟
و الجواب :أنه لا يكفى نتف البعض او حلقه ،لأن المتبادر عرفا من
صحيحتي زرارة المتقدمتين هو نتف تمام الشعر النابت في الإبط ،أو حلق تمام
شعر الرأس ،باعتبار أن الموضوع للكفارة هو نتف الإبط و حلق الرأس ،و هو لا
يصدق الاّ على نتف تمام الشعر النابت فيه ،كما انه لا يصدق الاّ على حلق تمام
شعر الرأس .
فالنتيجة :أنه لا كفارة على نتف بعض الشعر النابت فيه ،أو حلق بعض
شعر الرأس .
الثاني :قد تسأل هل أن للنتف و الحلق خصوصية بحيث لو حلق الشعر
النابت في الابط فلا كفارة فيه ،كما أنه لو نتف شعر رأسه بدل الحلق فلا كفارة
عليه ،أو أنه لا خصوصية لهما ؟
و الجواب :انه لا خصوصية لهما ،فان المتفاهم العرفي من الصحيحتين --( 241 )--
و إذا نتف شيئا من شعر لحيته و غيرها فعليه ان يطعم مسكينا بكف من
الطعام ( 1 ) و لا كفارة في حلق المحرم رأس غيره محرما كان أم محلا .
( مسألة 261 ) :لا بأس بحك المحرم رأسه ما لم يسقط الشعر عن
رأسه و ما لم يدمه .و كذلك البدن و اذا امرّ المحرم يده على رأسه أو لحيته
عبثا فسقطت شعرة أو شعرتان فليتصدق بكف من طعام ( 2 )
المذكورتين أن المحرّم على المحرم انما هو ازالة الشعر سواء أ كانت بالنتف ،أم
كانت بالحلق ،غاية الأمر أن ازالة الشعر النابت في الابط قد يكون بالنتف ،و قد
يكون بالحلق ،و اما ازالة شعر الرأس فهي إنما تكون بالحلق ،فالنتيجة انه لا
خصوصية لهما عرفا .
( 1 ) لصحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «ان نتف المحرم من شعر
لحيته و غيرها شيئا فعليه أن يطعم مسكينا في يده »- 1 - .
( 2 ) لعدة من الروايات :
منها :صحيحة منصور عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في المحرم اذا مس لحيته
فوقع منها شعرة ،قال :يطعم كفا من طعام ،أو كفين »- 2 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المحرم
يعبث بلحيته فيسقط منها الشعرة و الثنتان ،قال :يطعم شيئا »- 3 - .
و في مقابلها رواية مفضل بن عمر ،قال : «دخل النباجي على أبي
عبد اللّه عليه السّلام فقال :ما تقول في محرم مس لحيته فسقط منها شعرتان ،فقال أبو
عبد اللّه عليه السّلام :لو مسست لحيتي فسقط منها عشر شعرات ما كان علي شيء »- 4 - ،
فانها ناصة في عدم وجوب الكفارة ،و تصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن
ظهور تلك الروايات في وجوبها و حملها على الاستحباب تطبيقا لقاعدة حمل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :9 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :7 .
--( 242 )--
و اما اذا كان في الوضوء و نحوه فلا شيء عليه ( 1 ) .
الظاهر على النص ،و لكن الاشكال انما هو في سند هذه الرواية من جهة وجود
مفضل بن عمر فيه ،و هو لم يثبت توثيقه .
( 1 ) لمعتبرة هيثم بن عروة التميمي - 1 - المتقدمة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 16 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
--( 243 )--
19 -ستر الرأس للرجال
( مسألة 262 ) :لا يجوز للرجل المحرم ستر رأسه ،و لو جزء منه ( 1 )
( 1 ) في اطلاقه اشكال بل منع ،لأن الظاهر من روايات الباب هو أن
المنهي عنه تغطية تمام الرأس ،و هي لا تصدق على تغطية بعضه ،و هي كما يلي :
منها :صحيحة حريز قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن محرم غطى رأسه
ناسيا ،قال :يلقي القناع عن رأسه و يلبي و لا شيء عليه »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة قال : «قلت لأبي جعفر عليه السّلام :الرجل المحرم يريد
أن ينام يغطي وجهه من الذباب ،قال :نعم ،و لا يخمّر رأسه ،و المرأة لا بأس أن
تغطي وجهها كله »- 2 - .
نعم ،قد يستدل على عدم جواز ستر بعض الرأس بصحيحة عبد اللّه بن
سنان ،قال : «سمعت أبا عبد اللّه عليه السّلام يقول لأبي و شكى اليه حر الشمس و هو
محرم و هو يتأذى به فقال :ترى أن استتر بطرف ثوبي ؟فقال :لا بأس بذلك ما لم
يصب رأسك »- 3 - بتقريب أن اصابة طرف من الثوب الرأس تشمل ما اذا أصاب
بعضه .
و الجواب :ان المراد من الاستتار بطرف من الثوب هو الاستظلال به ،
بقرينة أنه يتأذى من حرارة الشمس ،و لذا سأل الإمام عليه السّلام عن الاستظلال بطرف
منه ،و أجاب عليه السّلام بالجواز شريطة أن لا يصيب الثوب رأسه ،فاذن تدل الصحيحة
على أنه يجوز للمحرم أن يستظل به من الشمس شريطة أن لا يصيب رأسه ،أي
لا يستره ،لأن المقصود من النهي عن الاصابة هو النهي عن الستر ،و حينئذ فلو لم
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 55 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 55 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 244 )--
بأي ساتر كان ،حتى مثل الطين بل و بحمل شيء على الرأس على
الأحوط ( 1 ) .نعم ،لا بأس بستره بحبل القربة ،و كذلك تعصيبه بمنديل
و نحوه من جهة الصداع و كذلك لا يجوز ستر الأذنين ( 2 ) .
يكن ظاهرا في أن النهي انما هو عن ستر تمام الرأس ،فلا يكون ظاهرا في الأعم ،
هذا اضافة الى أن الرواية ليست في مقام البيان من هذه الناحية ،فالمرجع هو
سائر الروايات .
فالنتيجة :أن الظاهر من الروايات أن المحرّم على الرجل المحرم ستر
تمام الرأس ،و لا يستفاد منها حرمة ستر بعض اجزائه لا بساتر خارجي و لا باليد
أو نحوها .
( 1 ) لكن الأظهر الجواز ،لأن حمل شيء على رأسه ،كحمل الطبق أو
الكتاب أو ما شاكل ذلك لا يوجب ستر تمام الرأس ،بل و لا معظمه ،و من هذا
القبيل ستر بعض الرأس بحبل القربة ،فانه لا مانع منه .و تؤيد ذلك رواية محمد
ابن مسلم : «انه سأل ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يضع عصام القربة على رأسه اذا
استسقى ،فقال :نعم »- 1 - .
و يستثنى من حرمة ستر الرأس ستره من جهة الصداع فيه ،لصحيحة
معاوية بن وهب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس بأن يعصب المحرم رأسه
من الصداع »- 2 - .
( 2 ) لصحيحة عبد الرحمن ،قال : «سألت أبا الحسن عليه السّلام عن المحرم يجد
البرد في أذنيه ،يغطيهما ،قال :لا »- 3 - .
بقي هنا شيء و هو أن الرجل المحرم اذا نام فهل يجوز له أن يغطي رأسه
في هذه الحالة و هو محرم ؟فيه وجهان :المعروف و المشهور عدم جوازه ،و لكن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 57 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 56 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 55 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 245 )--
( مسألة 263 ) :يجوز ستر الرأس بشيء من البدن كاليد ،و الاولى
تركه .
( مسألة 264 ) :لا يجوز للمحرم الارتماس في الماء ( 1 ) ،
الأظهر الجواز ،لصحيحة زرارة عن أحدهما عليه السّلام في المحرم : «قال :له أن يغطي
رأسه و وجهه اذا أراد أن ينام »- 1 - ،و في مقابلها صحيحته الأخرى عن ابي
جعفر عليه السّلام قال : «قلت :المحرم يؤذيه الذباب حين يريد النوم يغطي وجهه ،قال :
نعم ،و لا يخمر رأسه -الحديث »- 2 - .
قد يقال -كما قيل - :بأنها معارضة للأولى فتسقطان من جهة
المعارضة ،فالمرجع هو العام الفوقي ،و مقتضاه حرمة الستر .
و الجواب :ان الصحيحة الثانية لا تصلح أن تعارض الأولى ،و ذلك لأن
الأولى ناصة في الجواز ،و هي ظاهرة في الحرمة ،فمقتضى القاعدة هو حمل
الظاهر على النص ،فالنتيجة أن ستر الرأس مكروه في حال النوم ،لا أنه محرم .
( 1 ) .للروايات التي تنص على حرمة الارتماس في الماء على المحرم
رجلا كان أم امرأة .
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سمعته يقول :لا
تمس الريحان و انت محرم -الى أن قال :و لا ترتمس في ماء تدخل فيه
رأسك »- 3 - .
و منها :صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال :و لا يرتمس
المحرم في الماء ،و لا الصائم »- 4 - ،و مثلها صحيحة يعقوب بن شعيب - 5 - .
ثم إن الظاهر من هذه الروايات أن الارتماس بعنوانه محرّم على المحرم ،
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 56 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 59 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 58 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 58 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 58 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 246 )--
و كذلك في غير الماء على الأحوط ( 1 ) و الظاهر أنه لا فرق في ذلك بين
الرجل و المرأة .
( مسألة 265 ) :اذا ستر المحرم رأسه فكفارته شاة على الأحوط ( 2 )
و الظاهر عدم وجوب الكفارة في موارد جواز الستر و الاضطرار .
لا بعنوان أنه مصداق لستر الرأس ،باعتبار أن الوارد في روايات ستر الرأس
حرمة تغطيته بغطاء ،و تخميره بخمار ،و من الواضح ان هذا العنوان لا يصدق
على غمس الرأس في الماء ،فلذلك لا تختص حرمة الارتماس في الماء
بالرجل المحرم ،بل تعم المرأة المحرمة أيضا ،لأن الظاهر من الروايات أنها من
أحكام الاحرام كمس الريحان و الطيب ،كما أن حرمته في نهار شهر رمضان من
احكام الصوم ،بدون فرق بين الرجل الصائم و المرأة الصائمة .
( 1 ) لكن الأظهر الجواز ،لعدم الدليل على المنع ،و إن كان الأولى و الأجدر
تركه .
( 2 ) لكن لا يبعد عدم وجوبها ،اذ لا دليل عليها الاّ دعوى الاجماع و هي
غير ثابتة .
--( 247 )--
20 -ستر الوجه النساء
( مسألة 266 ) :لا يجوز للمرأة المحرمة أن تستر وجهها بالبرقع أو
النقاب أو ما شابه ذلك .و الأحوط أن لا تستر وجهها بأي ساتر كان ( 1 ) .
( 1 ) بل على الأظهر ،و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة أبي نصر عن أبي الحسن عليه السّلام قال : «مر أبو جعفر عليه السّلام بامرأة
محرمة قد استترت بمروحة ،فأماط المروحة بنفسه عن وجهها »- 1 - بتقريب أن
المروحة بما أنها ليست من نوع الساتر الاعتيادي كالبرقع و النقاب و غيرهما من
الأثواب العادية ،فتدل الصحيحة على انه لا يجوز للمرأة المحرمة ستر وجهها
بأي ساتر و إن كان غير اعتيادي كالمروحة و الطين و ما شاكلهما .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «مرّ أبو جعفر عليه السّلام بامرأة
متنقبة و هي محرمة فقال :أحرمي و اسفري و أرخي ثوبك من فوق رأسك ،فإنك
إن تنقبت لم يتغير لونك -الحديث »- 2 - بتقريب أن تعليل حرمة النقاب عليها
بأنه مانع عن تغير لونها ،يدل على أنه لا خصوصية للنقاب الاّ باعتبار كونه مانعا
عن ذلك ،فاذن تدل الصحيحة على أن كل ساتر يكون حافظا على لونها و مانعا
عن تغيره فهو محرم على المحرمة و إن كان غير اعتيادي .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن ميمون عن جعفر عن أبيه عليه السّلام : «قال :المحرمة
لا تتنقب ،لأن احرام المرأة في وجهها ،و احرام الرجل في رأسه »- 3 - ،بتقريب أن
تعليل حرمة النقاب عليها بأن احرامها في وجهها يدل على أنه لا خصوصية
للنقاب الاّ كونه من أظهر افراد الساتر ،فاذن يكون المحرم عليها ستر وجهها بأيّ
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 48 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 48 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 48 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 248 )--
كما ان الأحوط أن لا تستر بعض وجهها أيضا ( 1 ) .
ساتر و إن كان غير اعتيادي .
فالنتيجة :ان المستفاد من هذه الروايات أنه لا موضوعية للنقاب أو ما
يشبهه .
( 1 ) لكن الأظهر الجواز ،لأن المتفاهم العرفي من الروايات الناهية عن
ستر المرأة المحرمة وجهها بالنقاب أو البرقع أو ساتر آخر هو ستر تمام وجهها ،
لا الأعم منه و من البعض ،و من هنا اذا نهى المولى عبده عن ستر وجهه في
الوقت الفلاني بالنقاب أو غيره ،كان المتفاهم منه عرفا هو النهي عن ستر تمام
وجهه دون الأعم ،و لكن مع هذا فالاحتياط في محله .ثم إن هنا طائفة أخرى من
الروايات التي تنص على أنه يجوز للمرأة المحرمة أن تسدل ثوبها على وجهها
الى الذقن ،و اذا كانت راكبة فإلى النحر .
منها :صحيحة عيص بن القاسم قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام في حديث كره
النقاب يعني للمرأة المحرمة ،و قال :تستدل الثوب على وجهها ،قلت :حد ذلك
الى أين ؟قال :الى طرف الأنف قدر ما تبصر »- 1 - فانها تنص على جواز ستر
بعض الوجه .
و منها :صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «مرّ أبو جعفر عليه السّلام بامرأة
متنقبة و هي محرمه ،فقال :أحرمي و اسفري و ارخى ثوبك من فوق رأسك ،
فانك إن تنقبت لم يتغير لونك ،فقال رجل :الى أين ترخيه ،قال :تغطي عينها ،
قال :قلت :تبلغ فمها ،قال :نعم »- 2 - ،فانها تدل على أنه يسوغ لها أن تغطي
وجهها بثوبها الى فمها .
و منها :صحيحة حريز قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :المحرمة تسدل الثوب
على وجهها الى الذّقن »- 3 - ..
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
--( 249 )--
..........
و منها :صحيحة زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «إن المحرمة تسدل ثوبها الى
نحرها »- 1 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «أنه قال :تسدل
المرأة الثوب على وجهها من أعلاها الى النحر اذا كانت راكبة »- 2 - ،فإنها تقيد
اطلاق بعض الروايات المتقدمة بمنطوقها ،و بعضها الآخر بمفهومها .
أما الأول :فلأنها تقيد اطلاق صحيحة حريز الدالة على عدم جواز اسدال
الثوب الى ما دون الذقن بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،بما اذا لم
تكن المرأة المحرمة راكبة ،و اما اذا كانت راكبة فيجوز لها اسدال ثوبها الى النحر ،
كما أن صحيحة حريز من جهة أنها ناصة في جواز اسدال ثوبها الى الذقن قرينة
على رفع اليد عن اطلاق صحيحتي عيص و الحلبي تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر
على النص .
و اما الثاني :فلأنها تقيد اطلاق صحيحة زرارة بما اذا كانت المرأة
المحرمة راكبة ،و إلاّ لم يجز لها اسدال ثوبها الى نحرها .
ثم إن المراد من هذه الطائفة بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية ،
و بقرينة التفصيل بين كون المرأة المحرمة راكبة أو غير راكبة أنها في مقام بيان
أنه يجوز للمرأة أن تتحجب من الأجنبي بأن تسدل ما على رأسها من الخمار أو
غيره من ثيابها و ملابسها الى ما يحاذي ذقنها اذا لم تكن راكبة ،و الى نحرها اذا
كانت راكبة و إن مس وجهها مباشرة ،و لا يمكن ان يستفاد منها جواز ذلك لها
مطلقا حتى فيما اذا لم يكن هناك أجنبي .
فالنتيجة أنه لا تنافي بين هذه الطائفة و الطائفة المتقدمة التي تدل على أنه
لا يجوز للمرأة المحرمه أن تستر وجهها بأي ساتر و إن كان غير اعتيادي .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :7 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 48 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :8 .
--( 250 )--
نعم ،يجوز لها أن تغطي وجهها حال النوم و لا بأس بستر بعض وجهها ( 1 )
مقدمة لستر الرأس في الصلاة و الأحوط رفعه عند الفراغ منها ( 2 ) .
( مسألة 267 ) :للمرأة المحرمة أن تتحجب من الاجنبي ( 3 ) بأن تنزل
ما على رأسها من الخمار أو نحوه إلى ما يحاذي أنفها أو ذقنها .و الأحوط
أن تجعل القسم النازل بعيدا عن الوجه ( 4 ) بواسطة اليد أو غيرها .
( مسألة 268 ) :كفارة ستر الوجه شاة على الأحوط ( 5 ) .
( 1 ) بل الى الذقن إذا لم تكن المرأة راكبة ،و الى النحر اذا كانت راكبة ،
شريطة أن يكون باسدال ثوبها من فوق رأسها ،و تدل على ذلك مجموعة من
الروايات .
( 2 ) لا بأس بتركه ،لما مر من أنه لا دليل على حرمة ستر بعض الوجه
عليها .
( 3 ) اذ لا فرق في وجوب الحجاب عليها من الأجنبي بين حال الاحرام
و غيرها .
( 4 ) لا بأس بتركه ،فان الروايات مطلقة من هذه الناحية ،و مقتضى اطلاقها
أنه يجوز لها أن تنزل ما على رأسها من الخمار أو الثياب الى ما يحاذي الذقن أو
النحر اذا كانت راكبة و إن مس وجهها مباشرة .
( 5 ) فيه ان الأظهر عدم وجوب الكفارة في ستر الوجه لعدم الدليل .
--( 251 )--
21 -التظليل للرجال
( مسألة 269 ) :لا يجوز للرجل المحرم التظليل حال مسيره بمظلة أو
غيرها و لو كان بسقف المحمل أو السيارة أو الطائرة و نحوها ( 1 )
( 1 ) لا شبهة في حرمة التظليل على الرجل المحرم ،و انما الكلام في أن
المحرّم عليه هل هو التظليل من الشمس فقط بظل يتحرك بحركة المحرم
كسقف الطائرة أو السيارة أو الباخرة في حال حركتها ،فان السقف و الراكب
يتحركان معا ،أو يحمل مظلة و يستظل بها حال سيره ،أو الأعم منها و من المطر
و البرد القارص ،أو مطلق التظليل و التستر بظل ،و إن لم يكن هناك شمس ،كما إذا
كان في الليل ،و لا مطر و لا برد ،كما إذا كان الجو صافيا و معتدلا ؟وجوه :الأقوى
هو الوجه الثالث .
بيان ذلك :ان الروايات الواردة في المسألة تكون على ثلاث طوائف :
الطائفة الأولى :الروايات التي تنص على حرمة التظليل من الشمس :
منها :صحيحة عبد اللّه بن المغيرة ،قال : «قلت لأبي الحسن الأول عليه السّلام :
أظلّل و انا محرم ،قال :لا ،قلت :أ فأظلّل و اكفر ،قال :لا ،قلت :فان مرضت ،قال :
ظلّل و كفر ،ثم قال :أما علمت أن رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله قال :ما من حاج يضحى ملبيا
حتى تغيب الشمس الاّ غابت ذنوبه معها »- 1 - فانها واضحة الدلالة على ان
المحرّم على الرجل المحرم هو التظليل من الشمس ،و الاستشهاد بقول
الرسول صلّى اللّه عليه و آله انما هو لبيان حكمة حرمة التظليل منها .
و منها :صحيحة عبد الرحمن بن الحجاج قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 252 )--
..........
الرجل المحرم و كان اذا اصابته الشمس شق عليه و صدع فيستتر منها ،فقال :هو
أعلم بنفسه ،اذا علم أنه لا يستطيع أن تصيبه الشمس فليستظل منها »- 1 - .
و منها :صحيحة اسماعيل ابن عبد الخالق قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام هل
يستتر المحرم من الشمس ؟فقال :لا الاّ أن يكون شيخا كبيرا ،أو قال :ذا علة »- 2 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن المغيرة قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن الظلال
للمحرم ،فقال :اضح لمن احرمت له ،قلت :اني محرور و إن الحر يشتد علي ،
فقال :أما علمت أن الشمس تغرب بذنوب المحرمين »- 3 - .
الطائفة الثانية :الروايات التي تنص على عدم جواز ركوب المحرم القبة
و الكنيسة .
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام قال : «سألته عن المحرم
يركب القبة ،فقال :لا ،قلت :فالمرأة المحرمة ،قال :نعم »- 4 - .
و منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يركب في
القبة ،قال :ما يعجبني الاّ أن يكون مريضا ،قلت :فالنساء ،قال :نعم »- 5 - .
و منها :صحيحة هشام بن سالم قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم
يركب في الكنيسة ،فقال :لا و هو للنساء جائز »- 6 - .
و هذه الطائفة تدل على حرمة التظليل و التستر بظل و ان لم تكن هناك
شمس و لا مطر و لا برد ،كما اذا كان السفر في الليل و في الجو الصافي و الهواء
الساكن ،و أما البرد الناشئ من حركة الطائرة أو السيارة فالظاهر أنه غير مشمول
للروايات التي تنص على التظليل و التستر منه بظل ،فان الظاهر منها حرمة التستر
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :9
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :11 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 6 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 253 )--
..........
من البرد القارص في نفسه و بقطع النظر عن حركة المركبة .
الطائفة الثالثة :الروايات التي تنص على حرمة التظليل و التستر بظل من
البرد القارص و المطر :
منها :معتبرة عثمان بن عيسى الكلابي قال : «قلت لأبي الحسن الأول عليه السّلام :
ان علي بن شهاب يشكو رأسه و البرد شديد ،و يريد أن يحرم ،فقال :ان كان كما
زعم فليظلل ،و أما انت فاضح لمن أحرمت له »- 1 - .
و منها :صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام :قال :
«سألته عن المحرم يظلل على نفسه ،فقال :أمن علة ؟فقلت :يؤذيه حرّ الشمس
و هو محرم ،فقال :هي علة يظلّل و يفدي »- 2 - بتقريب أنها تدل على عدم جواز
التظليل و التستر للمحرم بظل و ساتر الاّ من علة ،فاذا كانت هناك علة جاز
التظليل به من أجلها مع الفداء ،و عليه فالمستفاد من الصحيحة ضابط كلي و هو
عدم جواز التظليل الاّ من علة ،و الايذاء من حر الشمس بما أنه علة فيجوز
التظليل من أجلها بدون خصوصية لها الاّ كونها من احدى صغرياتها ،و حينئذ
فتعم الصحيحة الايذاء من المطر أو البرد على أساس أنه علة .
و منها :صحيحة ابراهيم بن ابي محمود قال : «قلت للرضا عليه السّلام :المحرم
يظلل على محمله و يفدي اذا كانت الشمس و المطر يضران به ،قال :نعم ،قلت :
كم الفداء ؟قال :شاة »- 3 - .
و منها :صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السّلام قال : «سأله
رجل عن الظلال للمحرم من اذى مطر أو شمس و أنا اسمع ،فأمره أن يفدي
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :13 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
--( 254 )--
..........
شاة ،و يذبحها بمنى »- 1 - ،و مثلها صحيحته الأخرى - 2 - .
هذا و لا يبعد أن يقال أن ذكر المطر و الشمس في هذه الروايات في
كلام السائل يكون من باب المثال ،و بلحاظ أن ايذاء المسافر بهما في السفر اكثر
من ايذائه بغيرهما ،و الاّ فلا خصوصية لهما ،فان المعيار انما هو بالايذاء سواء
أ كان بهما أم بغيرهما ،كالبرد الشديد أو نحوه .
ثم إن مقتضى اطلاق هذه الطائفة عدم جواز التظليل للمحرم اذا لم تكن
هناك أذية من ناحية المطر أو الشمس و لو من باب السالبة بانتفاء الموضوع .
و على هذا فالطائفة الثانية تنص على أنه لا يجوز للرجل المحرم أن
يركب القبة أو الكنيسة و هو محرم ،و مقتضى اطلاقها أنه لا فرق بين أن يكون في
الليل أو النهار .
و احتمال أن عدم جواز ركوبها انما هو من جهة الاستظلال بها من
الشمس .
مدفوع باطلاقها ،فانها على الرغم من كونها في مقام البيان ،و مع ذلك
يكون سكوتها عن هذا القيد قرينة على الاطلاق ،على أساس ضابط عرفي عام ،
و هو أن كل ما لم يقله المتكلم لم يرده .
فالنتيجة :أنه لا شبهة في اطلاق هذه الروايات ،و يؤكد هذا الاطلاق أن
حركة قوافل الحجاج في الأزمنة السابقة في موسم الحج من جميع الأقطار
الاسلامية لم تكن متقيدة بأن تكون في النهار ،يعني بين طلوع الشمس و غروبه ،
ضرورة أنها كانت تختلف باختلاف الظروف و الموسم و المناخ ،ففي بعض
الأحوال كانت الحركة غالبا في النهار كما في الشتاء و البرد ،و في بعض الظروف
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من ابواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :7 .
--( 255 )--
..........
و المواسم كانت الحركة غالبا في الليل كما في الصيف الحار و لا سيما اذا كانت
الحرارة في النهار شديدة و في بعض المواسم ،كانت الحركة في مقدار من الليل
و مقدار من النهار كما في الربيع و الجو المعتدل و عليه فلا يمكن انكار وقوع
سيرهم في الليل نهائيا ،و مع هذا نهى الشارع الرجل المحرم عن ركوب القبة أو
الكنيسة بدون الاشارة في طول التاريخ الزمني للحج في شيء من رواياته الى أن
نهيه عن ركوبها انما هو في النهار لا مطلقا ،قرينة على أنه لا يجوز له أن يستظل
بظل و يتستر بساتر متحرك مع حركته و إن لم يكن هناك شمس و لا مطر و لا برد ،
لأنه مقتضى اطلاقها ،هذا من ناحية .
و من ناحية اخرى أنه لا يحتمل عرفا أن يكون لعنوان القبة أو الكنيسة
خصوصية ما عدا كونها ساترة ،اذ مضافا الى أن العرف لا يرى موضوعية
لعنوانها ،أن التفصيل في رواياتها بين الرجل المحرم و المرأة المحرمة ،و بين
الرجل السالم و المريض قرينة على أن حرمة ركوب الرجل المحرم السالم فيها
انما هي من جهة أنه محرم ،اذ ليس هناك جهة أخرى يحتمل أن تكون مانعة عن
ركوبه فيها غير هذه الجهة .
و دعوى :أن قوله عليه السّلام في صحيحة عبد اللّه بن المغيرة من الطائفة الأولى
للروايات : «ما من حاج يضحى ملبيا حتى تغيب الشمس الاّ غابت ذنوبه
معها »- 1 - بمثابة العلة للحكم ،فيصلح أن يكون قرينة على تقييد اطلاق الطائفة
الثانية .
مدفوعة :بأنه ليس علة له ،بل هو بيان لما يترتب على ذلك من الآثار
و الفوائد و الحكم ،فلا يصلح أن يكون قرينة على تقييد اطلاقها ،و لا على نفي
تلك الفوائد عن غير موردها .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 256 )--
..........
لحد الآن قد تبين أن ما نتج من هذه الطوائف الثلاث من الروايات أنه لا
يجوز للرجل المحرم أن يستظل بظل فوق رأسه ،و يتحرك بحركته مطلقا ،اي
سواء أ كانت هناك شمس أم مطر أم ريح أم لا ،كما اذا كان الجو صافيا و معتدلا
و الهواء ساكنا ،هذا بدون فرق بين أن تكون الحركة أفقية ،كما في راكب السيارة
و الطائرة و هي تتحرك ،أو عمودية كالواقف في المصعد الكهربائي و هو يصعد
أو ينزل .
و من هنا يظهر أن المراد من الضحى في الطائفة الأولى مطلق البروز في
مقابل المستور بساتر ،و ليس المراد منه خصوص البروز للشمس و إن كان
موردها ذلك ،الا أنه من باب التطبيق بملاك أنه من اظهر افراده ،لا أنه معناه ،لأن
معناه لغة و عرفا هو البروز و الظهور ،سواء أ كان للشمس أم كان لغيره .
و لمزيد من التعرف لحكم المسألة و احتمالاتها نظريا و تطبيقيا نذكر فيما
يلي أمورا :
الأول :لا يجوز للرجل المحرم أن يتظلل بظل ،و يتستر بساتر متحرك
بحركته في حالة سيره مطلقا ،أي سواء أ كان هناك شمس أم مطر أم برد شديد أم
لم يكن شيء منها .
الثاني :لا فرق في حرمة ذلك على الرجل المحرم بين أن يكون في الليل
أو النهار .
الثالث :أن المراد من التظليل مطلق التستر بساتر متحرك بحركته فوق
رأسه ،اذ مضافا الى أنه معناه لغة و عرفا ،و أنه مقتضى اطلاق الطائفة الثانية
و الثالثة ،تشهد عليه جملة من الروايات الأخر أيضا :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس بأن --( 257 )--
..........
يضع المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس ،و لا بأس أن يستر بعض جسده
ببعض »- 1 - فانها تدل على أن ما لا يجوز للمحرم أن يفعله هو ما يتستر بساتر
و يستظل بظل متحرك بحركته .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان : «قال :سمعت ابا عبد اللّه عليه السّلام يقول لأبي
و شكى اليه حر الشمس و هو محرم و هو يتأذى به ،فقال :ترى أن استتر بطرف
ثوبي ،قال :لا بأس بذلك ما لم يصب رأسك »- 2 - ،فانها تنص على أن المرتكز
في الذهن من التظليل في الروايات هو التستر بساتر ،في مقابل البروز و الظهور ،
و تؤيد ذلك رواية المعلى بن خنيس عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا يستتر المحرم
من الشمس بثوب ،و لا بأس أن يستر بعضه ببعض »- 3 - .
فالنتيجة :ان المستفاد من هذه الروايات أيضا هو حرمة التظليل بظل ساتر
و إن لم تكن هناك شمس و لا علة أخرى .
الرابع :قد يقال كما قيل :ان ما ورد في الروايات من الأمر بالاضحاء يدل
على جواز التظليل في الليل بركوب السيارة أو الطيارة أو غيرها ،على أساس أن
الاضحاء معناه البروز و الظهور للشمس ،و لا موضوع له في الليل .
و الجواب ،أولا :ما مر من أن الاضحاء معناه لغة و عرفا مطلق البروز
و الظهور ،غاية الأمر أن البروز للشمس من أظهر مصاديقه و افراده ،و من المعلوم
أن ذلك لا يوجب انصرافه اليه .
و ثانيا :مع الاغماض عن ذلك و تسليم ان الاضحاء معناه البروز للشمس
فقط ،الاّ أن روايات المسألة لا تنحصر بروايات الاضحاء ،بل هناك طائفتان
أخريان من الروايات تدلان على أنه لا يجوز للرجل المحرم ان يستر نفسه
بساتر و إن لم يكن هناك شمس .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 258 )--
..........
احداهما :الروايات الناهية عن ركوب المحرم للقبة و الكنيسة ،و قد تقدم
أن مقتضى اطلاقها عدم الفرق بين أن يكون ركوبه فيها في النهار أو الليل ،و لا
قرينة على تقييد اطلاقها بالأول ،لا من الداخل و لا من الخارج ،و روايات
الاضحاء لا تصلح أن تكون قرينة على ذلك ،اذ ليس فيها ما يدل على نفي حرمة
التظليل بظل اذا لم يكن هناك شمس ،فان موردها حرمة التظليل بظل منها ،و لا
نظر لها الى أنه جائز اذا لم يكن هناك شمس ،لأنها ساكتة من هذه الناحية نفيا
و اثباتا .
و الأخرى :الروايات الناهية عن التظليل بظل و التستر بساتر متحرك
بحركة المحرم من المطر أو البرد الشديد أو نحوه ،و مقتضى هذه الروايات عدم
جواز ركوب السيارة أو الطائرة للتظليل و التستر بساتر من المطر أو البرد غير
الاعتيادي ،ما لم يسبّب الاضرار و الايذاء له سواء أ كانت هناك شمس أم لا ؟.
و دعوى :أن السيارة أو الطيارة كما أنها مظلة مانعة عن البرد الطبيعي غير
الاعتيادي كذلك أنها مظلة مانعة عن البرد الشديد الناشئ من سرعة حركتها ،فلا
فرق بين الصورتين .
مدفوعة :بما مر من أن الظاهر من الروايات الناهية عن التظليل بظل من
البرد الشديد هو البرد الطبيعي غير الاعتيادي ،و لا نظر لها الى البرد الناشئ من
سرعة حركتها في الأرض أو الجو أو البحر ،و منصرفة عنه عرفا .
الخامس :قد تسأل ان السفينة في البحر هل تلحق بالمنزل لكي يجوز
التظليل فيها بظل ،أو أنها ملحقة بالسيارة و الطائرة ؟
و الجواب :أنها ملحقة بالسيارة و الطيارة ،فلا يجوز الركوب فيها ،و قد مر
أن المستفاد من الروايات حرمة التظليل على المحرم بظل يتحرك بحركته --( 259 )--
..........
كسقف السيارة و الطائرة و الباخرة ،فاذن لا وجه لإلحاقها بالمنزل .
السادس :قد تسأل هل يجوز للمحرم أن يتحرك تحت ظل ثابت كظل
الجسور و الانفاق و الجبال و الجدران و الاشجار و السحاب ؟
و الجواب :يجوز له ذلك ،لأن الظاهر من الروايات التي تدل على حرمة
التظليل بظل أنه لا يجوز للمحرم أن يحدث ظلا و ساترا على نفسه باختياره
و يتحرك بحركته كسقف السيارة أو الطائرة أو الباخرة أو يحمل بيده مظلة
يستظل بها ،و أما الظل الثابت في الطريق كظل الجسور و الأودية و القرى و الجبال
و غيرها ،فهو بما أنه غير مرتبط بالمحرم و لا يكون بصنعه ،فلا مانع من أن
يتحرك فيه مارا و عابرا ،حيث لا يصدق عليه أنه ظلّل .
هذا اضافة الى أن التظليل بالظل الثابت لو كان ممنوعا لشاع و أصبح من
الواضحات لكثرة الابتلاء به ،فان من أحرم من مسجد الشجرة -مثلا -يمر من
بين الجبال و الأودية و الاشجار و القرى .
و قد تسأل عن أن الظل الثابت اذا لم يكن في الطريق الاعتيادي ،بل كان
في جانب يمينه أو يساره ،كما اذا كانت هناك جبال أو أشجار و أراد المحرم أن
يستظل بظلها من الشمس ،بأن ينحرف من الطريق اليه بهذا الدافع ،و يتحرك
تحته ،فهل يجوز له ذلك أم لا ؟
و الجواب :أنه لا يبعد جوازه ،و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الروايات
الناهية عن التظليل بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو تظليل المحرم
بظل يتحرك بحركته ،كسقف السيارة أو الطائرة أو نحوه ،و اما تظليله بظل ثابت
فلا يكون مشمولا لها ،و لكن مع هذا فالاحتياط في محله ،و تؤكد ذلك صحيحة
البزنطي عن الرضا عليه السّلام قال : «قال أبو حنيفة :ايش فرق ما بين --( 260 )--
..........
ظلال المحرم و الخباء ،فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام :ان السنة لا تقاس »- 1 - بتقريب أنها
تدل على الفرق بين التظليل بظل يتحرك بحركة المحرم و التظليل بظل ثابت
كالخباء ،فالأول غير جائز ،و الثاني جائز .
السابع :قد تسأل عن أن حرمة التظليل و التستر على المحرم بساتر هل
تختص بما يكون فوق رأسه كالمظلة و سقف القبة و السيارة و الطائرة و نحوها ،أو
تعم ما اذا كان جانبيا أيضا ،كما اذا ركب سيارة يكون المكشوف هو الجزء الواقع
فوق رأسه فقط ،دون غيره من الاجزاء .
و الجواب :انها تختص بما يكون فوق رأس المحرم و لا تعم ما اذا كان
جانبيا ،و ذلك لأن المتفاهم العرفي من الروايات الناهية عن التظليل بظل ،
و الآمرة بالاضحاء بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية هو منع المحرم عن
التظليل بظل فوق رأسه ،بأن يكون رأسه مكشوفا و بارزا تحت السماء ،و أما
التظليل بالظل الجانبي مع كون رأسه مكشوفا فلا يكون مشمولا لتلك الروايات .
و بكلمة :ان روايات الباب لا تشمل تظليل المحرم الجانبي ،و لا يوجد
دليل آخر يدل على المنع عنه ،فالنتيجة أن الأظهر جوازه .
الثامن :قد تسأل أن حرمة التظليل هل هي مختصة بالرجل المحرم اذا كان
راكبا ،أو أنها تعم غيره أيضا ؟
و الجواب :أنها غير مختصة بالمحرم الراكب ،لأنها من آثار احرامه ،فاذا
أحرم حرم التظليل عليه ،بدون فرق بين حالاته ككونه راكبا أو ماشيا ،و لذلك
يكون الماخوذ في لسان الروايات عنوان المحرم ،لا عنوان الراكب .
التاسع :أنه لا مانع من الاستظلال بظل في حال الوقوف كحالة القعود
و النوم ،لانصراف الروايات عن ذلك .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 66 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
--( 261 )--
و لا بأس بالسير في ظل جبل أو جدار أو شجر و نحو ذلك من الاجسام
الثابتة ،كما لا بأس بالسير تحت السحاب المانعة من شروق الشمس ،و لا
فرق في حرمة التظليل بين الراكب و الراجل على الأحوط ،و الأحوط بل
الاظهر حرمة التظليل بما لا يكون فوق رأس المحرم بان يكون ما يتظلل به
على أحد جوانبه .نعم ،يجوز للمحرم ان يتستر من الشمس بيديه ( 1 ) و لا
بأس بالاستظلال بظل المحمل حال المسير ( 2 ) ،و كذلك لا بأس بالاحرام
في القسم المسقوف من مسجد الشجرة ( 3 ) .
( مسألة 270 ) :المراد من الاستظلال التستر من الشمس او البرد أو
الحر أو المطر أو الريح و نحو ذلك ،فاذا لم يكن شيء من ذلك بحيث كان
وجود المظلة كعدمها فلا بأس بها و لا فرق فيما ذكر بين الليل و النهار .
( 1 ) لصحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس أن يضع
المحرم ذراعه على وجهه من حر الشمس ،و لا بأس أن يستر بعض جسده
ببعض »- 1 - فانها تنص على جواز الستر من حرّ الشمس باليد ،و أما صحيحة
سعيد الاعرج : «أنه سأل أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يستتر من الشمس بعود
و بيده ،قال :لا الاّ من علة »- 2 - ،فهي و ان كانت ظاهرة في المنع عن التستر باليد ،
الاّ أنه لا بد من رفع اليد عن ظهورها في عدم الجواز ،و حملها على الكراهة
بقرينة صحيحة معاوية ،تطبيقا لحمل الظاهر على النص .
( 2 ) لنص صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع :قال : «كتبت الى
الرضا عليه السّلام :هل يجوز للمحرم أن يمشي تحت ظل المحمل ؟فكتب عليه السّلام :نعم -
الحديث »- 3 - .
( 3 ) هذا لا من أجل نص خاص فيه ،بل من جهة أنه من الظل الثابت ،و قد
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 67 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 262 )--
( مسألة 271 ) :لا بأس بالتظليل تحت السقوف للمحرم بعد وصوله
إلى مكة ( 1 ) و ان كان بعد لم يتخذ بيتا كما لا بأس به حال الذهاب و الاياب
في المكان الذي ينزل فيه المحرم و كذلك فيما إذا نزل في الطريق
للجلوس أو لملاقاة الاصدقاء أو لغير ذلك ( 2 ) و الأظهر جواز الاستظلال
في هذه الموارد بمظلة و نحوه أيضا و ان كان الأحوط الاجتناب عنه .
( مسألة 272 ) :لا بأس بالتظليل للنساء ( 3 ) ،
مر أنه لا مانع من المشي تحته ،و الجلوس فيه ،و الاحرام منه .
( 1 ) مر أنه لا بأس من أن يتحرك المحرم و يمشي تحت الظل الثابت ،
كظل الجدران و السقوف و الجسور و الأشجار و نحوها ،و على هذا فاذا وصل
الحاج الى مكة فلا مانع من أن يمشي في اسواقها تحت ظل جدرانها و سقوفها
و جسورها و أشجارها ،بدون فرق بين أن يكون ذلك قبل اتخاذه بيتا أو بعده .
( 2 ) لنفس ما تقدم من أنه لا مانع من التظليل بظل ثابت ،هذا اضافة الى أن
صحيحة البزنطي عن الرضا عليه السّلام ،قال : «قال أبو حنيفة :أيش فرق ما بين ظلال
المحرم و الخباء ؟فقال أبو عبد اللّه عليه السّلام :ان السنة لا تقاس »- 1 - ،تدل على جواز
الاستظلال تحت الخباء ،بل يظهر منها ان ما لا يجوز على المحرم هو الاستظلال
بظل في حال السير لا مطلقا ،و لذا سأل ابو حنيفة عن الفرق بينهما .
( 3 ) لعدة روايات تنص على ذلك :
منها :صحيحة محمد بن مسلم عن أحدهما عليه السّلام قال : «سألته عن المحرم
يركب القبة ،فقال :لا ،فقلت :فالمرأة المحرمة ؟قال :نعم »- 2 - .
و منها :صحيحة هشام بن سالم قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 66 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 263 )--
و الاطفال ( 1 ) و كذلك للرجال عند الضرورة ( 2 ) و الخوف من الحر أو البرد .
يركب في الكنيسة ،قال :لا ،و هو للنساء جائز »- 1 - .
و منها :صحيحة جميل بن دراج عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس
بالظلال للنساء -الحديث »- 2 - .
( 1 ) لصحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «لا بأس بالقبة على النساء
و الصبيان و هم محرمون -الحديث »- 3 - ،فانها تنص على أن الصبيان كالنساء ،
فيجوز لهم التظليل ،هذا اضافة الى أن عدم حرمة محرمات الاحرام على
الصبيان يكون على القاعدة ،على أساس أن تلك الحرمات بما أنها محرمات
مستقلة و لا تكون وجودها من موانع الحج و عدمها من واجباته ،فيكون مقتضى
حديث رفع القلم عن الصبي ان حرمتها مرفوعة عنه ،فلا تكون ممارسة شيء
منها محرمة عليه الا ما كانت حرمته وضعية كعقد النكاح .
( 2 ) لعدة من النصوص :
منها :صحيحة ابراهيم بن ابي محمود قال : «قلت للرضا عليه السّلام :المحرم
يظلل على محمله و يفدي اذا كانت الشمس و المطر يضران به ،قال :نعم ،قلت :
كم الفداء ؟قال :شاة »- 4 - فان موردها و إن كان الشمس و المطر ،الاّ أن التظليل
منهما باعتبار أنهما يضران ،فاذن المعيار انما هو بالضرر سواء أ كان من ناحية
الشمس ،أم كان من ناحية المطر أو البرد .
و منها :صحيحة سعد بن سعد الأشعري عن ابي الحسن الرضا عليه السّلام قال :
«سألته عن المحرم يظلل على نفسه ،فقال :أمن علة ؟فقلت :يؤذيه حر الشمس
و هو محرم ،فقال :هي علة يظلل و يفدى »- 5 - فانها تدل على جواز التظليل بظل
من علة سواء أ كانت العلة حر الشمس أم كانت غيره ،و عليه فالمعيار في جواز
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :10 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 65 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :4 .
--( 264 )--
( مسألة 273 ) :كفارة التظليل شاة ( 1 )
التظليل إنما هو بوجود العلة التي تتطلب ذلك .و منها غيرهما .
( 1 ) تنص عليه صحيحة ابي محمود المتقدمة ،و صحيحة محمد بن
اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السّلام قال : «سأله رجل عن الظلال للمحرم من أذى
مطر أو شمس و أنا أسمع ،فأمره أن يفدي شاة و يذبحها بمنى »- 1 - ،و صحيحته
الأخرى قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن الظل للمحرم من أذى مطر أو شمس ،
فقال :أرى أن يفديه بشاة و يذبحها بمنى »- 2 - ،و على هذا فالروايات التي تدل
على اهراق الدم تارة و الكفارة أخرى محمولة عليها تطبيقا لحمل المجمل على
المبين .
فالنتيجة :أنه لا شبهة في ان كفارة التظليل شاة .
بقى هنا شيء و هو أن الظاهر من صحيحتي ابن بزيع وجوب ذبحها
بمنى ،و لكن في مقابلهما موثقة اسحاق بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت
له :الرجل يخرج من حجه و عليه شيء يلزمه فيه دم ،يجزيه أن يذبح اذا رجع
الى اهله ،فقال :نعم ،و قال فيما اعلم يتصدق به »- 3 - فان مقتضى هذه الموثقة
جواز الذبح في أي موضع شاء في احرام الحج ،فاذن تكون النسبة بينهما عموما
من وجه ،فان الصحيحتين أعم من جهة أن يكون التظليل في احرام الحج أو
العمرة ،و الموثقة أعم من جهة أن يكون سبب الكفارة التظليل أو كان غيره ،
و مورد الالتقاء بينهما كفارة التظليل في احرام الحج ،فمقتضى اطلاق الموثقة
جواز ذبحها في بلدته بعد الرجوع اليها ،و مقتضى اطلاق الصحيحتين وجوب
ذبحها في منى ،فيسقط كلا الاطلاقين من جهة المعارضة ،فالمرجع حينئذ أصالة
البراءة عن الوجوب ،فالنتيجة جواز ذبحها في بلده اذا رجع .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 50 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
--( 265 )--
و لا فرق في ذلك بين حالتي الاختيار و الاضطرار ( 1 ) و إذا تكرر التظليل
فالأحوط التكفير عن كل يوم و ان كان الأظهر كفاية كفارة واحدة في كل
إحرام ( 2 ) .
( 1 ) لجملة من النصوص :
منها :معتبرة عبد اللّه بن المغيرة ،قال : «قلت لأبي الحسن الأول عليه السّلام :أظلل
و أنا محرم ،قال :لا ،قلت :أ فأظلل و اكفر ؟قال :لا ،قلت :فان مرضت ،قال :ظلل
و كفر -الحديث »- 1 - .
و منها :صحيحتا اسماعيل بن بزيع المتقدمتان - 2 - .
و منها :صحيحة أبي محمود المتقدمة - 3 - .
( 2 ) ذلك لا من جهة ما ادعي من الاجماع و التسالم في المسألة ،لما مرّ منا
غير مرة من أن الاجماع انما يكون حجة و كاشفا عن ثبوت حكم المسألة في
زمن المعصومين عليهم السّلام اذا توفر فيه أمران رئيسيان :
أحدهما :ثبوته بين القدماء من الأصحاب الذين يكون عصرهم متصلا
بعصر أصحاب الأئمة عليهم السّلام في نهاية الشوط .
و الآخر :أن لا يكون في المسألة ما يصلح أن يكون مدركا لها ،و كلا
الأمرين غير متوفر في المقام كما هو الظاهر ،بل من جهة أن موثقة ابي علي بن
راشد قال : «قلت له عليه السّلام :جعلت فداك أنه يشتد عليّ كشف الظلال في الإحرام ،
لأني محرور يشتد علي حر الشمس ،فقال :ظلل و أرق دما ،فقلت له :دما أو
دمين ،قال :للعمرة ،قلت :إنا نحرم بالعمرة و ندخل مكة فنحل و نحرم بالحج ،
قال :فأرق دمين »- 4 - فانها ناصة في أن للتظليل في احرام العمرة كفارة ،و للتظليل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 64 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاستمتاع ،الحديث :6 و 3 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاستمتاع ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 7 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 266 )--
..........
في احرام الحج كفارة ،و لا تتعدد الكفارة بتعدد التظليل في احرام واحد ،بل ان
ذلك مقتضى اطلاقات الروايات التي تنص على أن المحرم اذا اضطر الى
التظليل فله أن يظلل و يكفر ،بتقريب ان مقتضاها أنه مرخص في التظليل بظل
في طول فترة احرامه ،و عليه تكفير واحد باعتبار أن الأمر المتعلق بالتكفير ظاهر
في أن متعلقه صرف وجوده المنطبق على وجود واحد في الخارج .
--( 267 )--
22 -اخراج الدم من البدن
لا يجوز للمحرم اخراج الدم من جسده ( 1 )
( 1 ) لا بالحجامة و لا بالحك ،أما بالحجامة فقد تدل عليه مجموعة من
الروايات :
منها :صحيحة الحلبي قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يحتجم ،
قال :لا ،الاّ أن لا يجد بدا فليحتجم و لا يحلق مكان المحاجم »- 1 - .
و منها :معتبرة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام : «قال :لا يحتجم المحرم الاّ أن
يخاف على نفسه أن لا يستطيع الصلاة »- 2 - ،و منها غيرهما .
و في مقابلها صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس أن يحتجم
المحرم ما لم يحلق أو يقطع الشعر »- 3 - ،فانها ناصة في جواز الاحتجام ،و لا
تعارضها الروايات المتقدمة من هذه الناحية ،و لكن بما أنها مطلقة و باطلاقها
تشمل المضطر و المختار معا ،فمن أجل ذلك تتقدم تلك الروايات عليها تطبيقا
لقاعدة حمل المطلق على المقيد .
و أما الحك فقد تدل عليه مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم
كيف يحك رأسه ؟قال :باظافيره ما لم يدم أو يقطع الشعر »- 4 - فانها تدل على
جواز حك المحرم رأسه شريطة عدم الإدماء و عدم قطع الشعر .
و منها :صحيحة عمر بن يزيد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :لا بأس بحك
الرأس و اللحية ما لم يلق الشعر و بحك الجسد ما لم يدمه »- 5 - ،و منها غيرهما .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 62 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 62 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 62 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 73 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 73 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 268 )--
و ان كان ذلك بحك بل بالسواك على الأحوط ،و لا بأس به مع الضرورة أو
دفع الأذى ،و كفارته شاة على الأحوط الأولى ( 1 ) .
ثم إن مورد هذه الروايات و إن كان حك الرأس و البدن ،الاّ أن المتفاهم
العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع أنه لا موضوعية لحك الرأس و الجسد ،
و المعيار انما هو بالادماء ،فإنه غير جائز و إن كان بغير الحك .نعم اذا اضطر الى
الإدماء فلا بأس به ،و تدل عليه موثقة عمار بن موسى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال :
«سألته عن المحرم يكون به الجرب فيؤذيه ،قال :يحكه فان سال الدم فلا
بأس »- 1 - بتقريب ان الظاهر منها انه اذا اضطر الى الحك جاز و إن أدى الى
الإدماء .
و أما الإدماء بالاستياك ،فالظاهر جوازه ،و تدل عليه صحيحة معاوية بن
عمار قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام في المحرم يستاك ،قال :نعم ،قلت :فإن أدمى
يستاك ؟قال :نعم ،هو من السنة »- 2 - فانها ظاهرة في جواز الاستياك للمحرم
عامدا و ملتفتا و ان أدمى معللة بأنه من السنة ،و في مقابلها صحيحة الحلبي ،قال :
«سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن المحرم يستاك ،قال :نعم ،و لا يدمى »- 3 - فانها تدل
على عدم جواز الاستياك الموجب للإدماء ،و لكنها لا تصلح أن تعارض
صحيحة معاوية ،فانها ناصة في الجواز مع الإدماء ،و هي ظاهرة في المنع ،
و حينئذ فيرفع اليد عن ظهورها بنص تلك الصحيحة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر
على النص .
( 1 ) لعدم الدليل ،حيث لم يرد في شيء من روايات الباب وجوب
الكفارة عليه فضلا عن كونها شاة .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 71 من أبواب تروك الاحرام الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 92 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 73 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 269 )--
23 -التقليم
لا يجوز للمحرم تقليم ظفره و لو بعضه إلا أن يتضرر المحرم
ببقائه ( 1 ) ،كما إذا انفصل بعض ظفره و تألم من بقاء الباقي فيجوز له حينئذ
قطعه ،و يكفر عن كل ظفر بقبضة من الطعام ( 2 ) .
( مسألة 274 ) :كفارة تقليم كل ظفر مدّ من الطعام ( 3 ) ،
( 1 ) فيه ان المعيار في جواز التقليم انما هو بتأذي المحرم ببقائه ،سواء
أ تضرر به أم لا ،و تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام ،قال :
«سألته عن الرجل المحرم تطول اظفاره ،قال :لا يقص شيئا منها إن استطاع ،فان
كانت تؤذيه فليقصها ( فليقلعها ) و ليطعم مكان كل ظفر قبضة من طعام »- 1 -
بتقريب أن الايذاء لا يكون مساوقا للضرر ،و قد يؤدي اليه .
( 2 ) تنص عليه صحيحة معاوية ،المتقدمة آنفا .
( 3 ) لصحيحة ابي بصير ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل قص ظفرا
من أظافيره و هو محرم ،قال :عليه في كل ظفر قيمة مد من طعام حتى يبلغ
عشرة ،فان قلم اصابع يديه كلها فعليه دم شاة ،فان قلم اظافير يديه و رجليه
جميعا ،فقال :إن كان فعل ذلك في مجلس واحد فعليه دم ،و إن كان فعله متفرقا
في مجلسين فعليه دمان »- 2 - و لا تنافي بينها و بين صحيحة معاوية المتقدمة التي
تنص على أن لتقليم كل ظفر قبضة من طعام ،و ذلك لأن قص الأظافير في مورد
صحيحة معاوية انما هو للاضطرار ،فاذن تكون قرينة على أن تقليم الأظافير إن
كان للاضطرار و دفع الأذى فلكل ظفر قبضة من طعام ،و الاّ فمد بمقتضى
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 77 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 270 )--
و كفارة تقليم أظافير اليد جميعها في مجلس واحد شاة ،و كذلك الرجل ،
و إذا كان تقليم أظافير اليد و أظافير الرجل في مجلس واحد فالكفارة أيضا
شاة ( 1 ) ،و إذا كان تقليم أظافير اليد في مجلس و تقليم أظافير الرجل في
مجلس آخر فالكفارة شاتان .
صحيحة أبي بصير ،و على هذا فتكون صحيحة معاوية مقيدة لإطلاقها بما اذا
قلم اظافره متعمدا و بدون ضرورة ،هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى ان صحيحة زرارة بن أعين قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام
يقول :من نتف إبطه ،أو قلم ظفره ،أو حلق رأسه ناسيا أو جاهلا فليس عليه
شيء ،و من فعله متعمدا فعليه دم شاة »- 1 - تدل على أن في تقليم ظفر واحد شاة ،
باعتبار أن الجنس يصدق على الواحد و الكثير ،و عليه فتكون منافية لصحيحة
ابي بصير التي تنص على أن في تقليم كل ظفر مد من طعام ،و في تقليم الجميع
شاة ،و حينئذ فلا بد من رفع اليد عن اطلاق صحيحة زرارة و حمله على تقليم كل
اظافير يديه تطبيقا لحمل الظاهر على النص ،و المطلق على المقيد .
( 1 ) تدل على ذلك كله صحيحة ابي بصير المتقدمة ،و صحيحته الأخرى
عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا قلم المحرم اظفار يديه و رجليه في مكان واحد
فعليه دم واحد ،و إن كانتا متفرقتين فعليه دمان »- 2 - ،و به يظهر حال ما بعده .
و قد تسأل أن من قلم اظفاره جاهلا أو ناسيا فهل عليه شيء ؟
و الجواب :انه لا شيء عليه ،و تدل عليه جملة من الروايات :
منها :صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام : «ان من فعل ذلك -يعني تقليم
الاظفار -ناسيا أو ساهيا ،أو جاهلا فلا شيء عليه »- 3 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن ابي جعفر عليه السّلام : «قال :من قلم اظافيره ناسيا
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
--( 271 )--
( مسألة 275 ) :إذا قلم المحرم اظافيره فأدمى اعتمادا على فتوى من
جوّزه وجبت الكفارة على المفتي على الأحوط ( 1 ) .
أو ساهيا أو جاهلا فلا شيء عليه -الحديث »- 1 - .
و منها :صحيحته الثالثة - 2 - المتقدمة آنفا .
و في مقابلها صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في المحرم ينسى
فيقلم ظفرا من اظافيره ،قال :يتصدق بكف من الطعام ،قلت :فاثنين ،قال :كفّين ،
قلت :فثلاثة ،قال :ثلاث اكف ،كل ظفر كف حتى يصير خمسة ،فاذا قلم خمسة
فعليه دم واحد ،خمسة كان أو عشرة أو ما كان »- 3 - .و لكنها لا تصلح أن تعارض
الصحاح المتقدمة ،لأنها ظاهرة في وجوب الكفارة على الناسي ،و تلك الصحاح
ناصة في عدم وجوبها عليه ،و حينئذ فلا بد من حملها عليها تطبيقا لقاعدة حمل
الظاهر على النص .
فالنتيجة :هي استحباب التصدق بكف من الطعام لكل ظفر ،هذا اضافة
الى أن الكليني روى هذه الرواية عن حريز مرسلة ،و الظاهر أن الرواية واحدة ،
فاذن لم يثبت كونها مرسلة أو مسندة ،فمن أجل ذلك أيضا لا يمكن الاعتماد
عليها .
( 1 ) لكن الأظهر عدم الوجوب ،اذ لا دليل عليه ما عدا روايتين :
الأولى :رواية اسحاق الصيرفي ،قال : «قلت لأبي ابراهيم عليه السّلام :إن رجلا
أحرم فقلّم اظفاره ،فكانت له اصبع عليلة ،فترك ظفرها لم يقصه ،فافتاه رجل
بعد ما أحرم فقصّه فادماه ،فقال :على الذي افتى شاة »- 4 - .
و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة و لكنها ضعيفة سندا ،فان في سندها
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :5 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 10 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 12 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 272 )--
..........
محمد بن البزاز أو الخزاز ،و هو ممن لم يثبت توثيقه ،و كذلك زكريا المؤمن ،و لا
يجدي كونه من رجال كامل الزيارات .
الثانية :موثقة اسحاق بن عمار ،قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن رجل
نسى أن يقلم اظفاره عند احرامه ،قال :يدعها ،قلت :فان رجلا من اصحابنا افتاه
بأن يقلم اظفاره و يعيد احرامه ،ففعل ،قال عليه السّلام :عليه دم يهريقه »- 1 - ،فانها و إن
كانت تامة سندا ،الاّ أنها ضعيفة دلالة ،لأن دلالتها مبنية على أن الضمير في
قوله عليه السّلام : «عليه دم يهريقه »يرجع الى المفتي ،و هو غير ظاهر فيه ،بل لا يبعد
ظهوره في رجوعه الى من يقلم اظفاره ،أو لا أقل من الاجمال .
فالنتيجة :ان كلتا الروايتين ساقطة ،فلا يمكن الاستدلال بشيء منهما .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 13 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
--( 273 )--
24 -قلع الضرس
( مسألة 276 ) :ذهب جمع من الفقهاء الى حرمة قلع الضرس على
المحرم و ان لم يخرج به الدم و أوجبوا له كفارة شاة ،و لكن في دليله تأملا
بل لا يبعد جوازه ( 1 ) .
( 1 ) بل هو الأظهر ،لعدم الدليل على المنع غير رواية مرسلة عن رجل من
أهل خراسان ، «أن مسألة وقعت في الموسم لم يكن عند مواليه فيها شيء محرم
قلع ضرسه ،فكتب عليه السّلام :يهريق دما »- 1 - و لكن بما أنها مرسلة فلا يمكن الاعتماد
عليها ،هذا اضافة إلى أن قلع الضرس بما أنه لا ينفك عادة عن الإدماء ،فلا يسوغ
للمحرم بملاك الإدماء ،لا بملاك قلع الضرس ،و لكن قد مر أنه لا كفارة على
الإدماء أيضا .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 19 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :1 .
--( 274 )--
25 -حمل السلاح
( مسألة 277 ) :لا يجوز للمحرم حمل السلاح كالسيف و الرمح
و غيرهما مما يصدق عليه السلاح عرفا .و ذهب بعض الفقهاء إلى عموم
الحكم لآلات التحفظ أيضا كالدرع و المغفر و هذا القول أحوط ( 1 ) .
( 1 ) لكن الأظهر اختصاص الحكم بالسلاح ،كالسيف و البندقية
و نحوهما ،و أما آلات القتال الوقائية كالدرع و المغفر و نحوهما ،فلا مانع من
حملها ،بل لبسها على أساس ما تقدم من أن ما لا يجوز للرجل المحرم هو لبس
الثياب الاعتيادية ،كالقميص و السراويل و العباءة و الدرع و هو الثوب الذي له
يدان أو فتحتان على نحو يتيح للابس أن يدخل يديه فيهما ،و أما لبس غيرها فلا
يكون محرما عليه ،و حيث أنه لا يصدق على الدرع و المغفر و نحوهما من
الآلات الوقائية للقتال شيء من هذه الثياب ،فلا مانع من لبسها .
و اما الروايات التي تدل على عدم جواز لبس السلاح ،فهي لا تشمل تلك
الآلات ،لعدم صدق السلاح عليها ،و هذه الروايات كما يلي :
منها :صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «ان المحرم اذا خاف العدو
يلبس السلاح فلا كفارة عليه »- 1 - .
و منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام :أ يحمل
السلاح المحرم ؟فقال :اذا خاف المحرم عدوا أو سرقا فليلبس السلاح »- 2 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المحرم اذا خاف
لبس السلاح »- 3 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 54 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 54 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 54 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
--( 275 )--
( مسألة 278 ) :لا بأس بوجود السلاح عند المحرم اذا لم يكن حاملا
له و مع ذلك فالترك أحوط .
( مسألة 279 ) :تختص حرمة حمل السلاح بحال الاختيار و لا بأس به
عند الاضطرار .
( مسألة 280 ) :كفارة حمل السلاح شاة على الأحوط ( 1 ) .
إلى هنا انتهت الامور التي تحرم على المحرم .
و هذه الروايات جميعا تنص بمنطوقها على أنه يجوز للمحرم أن يلبس
السلاح اذا خاف عدوا أو سرقا ،و بمفهومها تدل على عدم جوازه اذا لم يخف ،
كما اذا لبس لإظهار التشخص ،أو بدافع آخر ،فانه غير جائز للمحرم .
ثم إن من غير المحتمل عرفا أن تكون للبس خصوصية ،بل المراد منه
مطلق أخذ السلاح من أجل دفع العدو عن نفسه أو عرضه أو ماله ،سواء أ كان
بنحو اللبس أم كان بنحو الحمل بأخذه بيده ،أو وضعه في جيبه أو نحو ذلك ،
و بذلك يظهر حال المسألتين الآتيتين .
( 1 ) هذا اذا كان لبسه عامدا و ملتفتا و بدون ضرورة ،و أما اذا كان لضرورة
كالخوف من العدو ،فلا كفارة ،لنص قوله عليه السّلام في صحيحة الحلبي المتقدمة : «اذا
خاف العدو يلبس السلاح فلا كفارة عليه »- 1 - .
و دعوى :أنه يدل بمقتضى مفهومه على ثبوت الكفارة اذا لبس السلاح
بدون خوف عامدا عالما .
مدفوعة :بأن مفهومه حرمة لبس السلاح اذا لم يخف العدو ،و أما اذا لبس
في هذه الحالة و ارتكب محرما عالما عامدا فهل عليه كفارة أو لا ؟فهو لا يدل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 54 من ابواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
--( 276 )--
..........
على ثبوتها بالمفهوم ،فان مفهومه حرمة اللبس عند انتفاء الخوف ،لا ثبوت
الكفارة عند اللبس في هذه الحالة .
و دعوى :أن الصحيحة و إن لم تدل على ثبوت الكفارة بالمفهوم ،الاّ
أنها تدل على ثبوتها بنكتة اخرى ،و هي أن تفريع عدم الكفارة على اللبس في
حالة الخوف من العدو ،يدل على ثبوتها في حالة عدم الخوف ،بملاك دفع
اللغوية ،و الاّ لكان هذا التفريع لغوا و بلا فائدة ،لفرض أنها غير ثابتة في كلتا
الحالتين ،بدون فرق بينهما ،فاذن يكون تفريع عدم ثبوتها على احداهما بلا
مبرر ،فمن أجل ذلك يشكّل هذا التفريع دلالة التزامية لها على ثبوتها في حالة
عدم الخوف و الاضطرار اذا لبس متعمدا أو ملتفتا ،غير بعيدة عرفا ،و من هنا لو
لم يكن ثبوت الكفارة في هذه الحالة أقوى ،فلا أقل أنه احوط .
--( 277 )--
الصيد في الحرم و قلع شجره و نبته
و هناك ما تعم حرمته المحرم و المحل و هو امران :
أحدهما :الصيد في الحرم فانه يحرم على المحل و المحرم كما تقدم .
ثانيهما :قلع كل شيء نبت في الحرم أو قطعه ( 1 ) من شجر و غيره و لا
بأس بما يقطع عند المشي على النحو المتعارف ( 2 )
( 1 ) تدل عليه عدة من الروايات :
منها :صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :كل شيء ينبت في الحرم
فهو حرام على الناس اجمعين »- 1 - فانها تدل على الحرمة في الجملة ،باعتبار
أنها ليست في مقام البيان من جهة ان الحرام عليه كل فعل تعلق به حتى لمسه
و مسحه و شمه ،أو أن الحرام قلعه أو قطعه ،فاذن يكون القدر المتيقن الثاني .
و منها :صحيحة زرارة ،قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول : «حرم اللّه حرمه
بريدا في بريد أن يختلا خلاه أو يعضد شجره الاّ الإذخر ،أو يصاد طيره ،و حرم
رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله المدينة ما بين لابتيها صيدها و حرم ما حولها بريدا في بريد أن
يختلى خلاها و يعضد شجرها الاّ عودي الناضح »- 2 - .
( 2 ) لانصراف الروايات عن ذلك ،فان الظاهر منها ما اذا كان قطع اشجار
الحرم و حشيشه عن قصد و اختيار ،و أما اذا كان اتفاقيا عند المشي بنحو المعتاد
فهو غير مشمول لها ،هذا اضافة إلى أن ذلك لو كان حراما لشاع و اشتهر بين
الأصحاب ،لكثرة الابتلاء به في الأزمنة السابقة في الطرقات و الممشاة في
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 86 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 87 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
--( 278 )--
كما لا بأس بأن تترك الدواب في الحرم لتأكل من حشيشه ( 1 ) و يستثنى من
حرمة القلع أو القطع موارد :
1 -الإذخر و هو نبت معروف ( 2 ) .
2 -النخل و شجر الفاكهة ( 3 ) .
3 -الاعشاب التي تجعل علوفة للإبل ( 4 ) .
اطراف مكة المكرمة و المدينة المنورة .
( 1 ) لأن ذلك غير مشمول للروايات الدالة على حرمة القطع أو النزع ،
حيث انه لا يصدق على تعليف الحيوان .
( 2 ) لجملة من الروايات :
منها :صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «فقال رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله :الاّ الإذخر »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة المتقدمة قال : «سمعت أبا جعفر عليه السّلام يقول :حرم
اللّه حرمه بريدا في بريد أن يختلا خلاه أو يعضد شجره الاّ الإذخر -
الحديث »- 2 - .
( 3 ) لصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام في حديث : «قال :لا
ينزع من شجر مكة شيء الا النخل و شجر الفاكهة »- 3 - .
( 4 ) تنص عليه صحيحة محمد بن حمران ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام :
عن النبت الذي في أرض الحرم ،أ ينزع ؟فقال :أما شيء تأكله الابل فليس به
بأس أن تنزعه »- 4 - .
قد يقال -كما قيل - :بانها معارضة برواية عبد اللّه بن سنان ،قال : «قلت
لأبي عبد اللّه عليه السّلام :المحرم ينحر بعيره ،أو يذبح شاته ،قال :نعم ،قلت له :أن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 88 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 87 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 87 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 89 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 279 )--
4 -الاشجار أو الاعشاب التي تنمو في دار نفس الشخص أو في
ملكه أو يكون الشخص هو الذي غرس ذلك الشجر أو زرع العشب ( 1 ) .
و أما الشجرة التي كانت موجودة في الدار قبل تمكلها فحكمها حكم سائر
الاشجار .
يحتش لدابته و بعيره ،قال :نعم ،و يقطع ما شاء من الشجر حتى يدخل الحرم ،
فاذا دخل الحرم فلا »- 1 - لأنها تدل على المنع من ذلك اذا دخل الحرم .
و الجواب -أولا :ان رواية عبد اللّه بن سنان ضعيفة سندا .
و ثانيا :انها لا تصلح أن تعارض صحيحة حمران ،باعتبار أنها ناصة في
الجواز ،و هي ظاهرة في الحرمة ،فتصلح أن تكون قرينة على رفع اليد عن
ظهورها في الحرمة ،و حملها على الكراهة تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على
النص .
( 1 ) تدل على ذلك مجموعة من النصوص :
منها :صحيحة حريز عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :كل شيء ينبت في الحرم
فهو حرام على الناس أجمعين الاّ ما انبتّه انت و غرسته »- 2 - فانها تنص على
جواز قطع ما غرسه من الاشجار و ما زرعه ،و أما الشجرة التي في دار الانسان ،
فان كانت موجودة قبل تملكه الدار ،فلا يجوز له قطعها أو قلعها ،و إن كانت
نبتت في داره و هي له جاز له قلعها ،و تدل عليه صحيحة حماد بن عثمان قال :
«سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن الرجل يقلع الشجرة من مضربه أو داره في الحرم ،
فقال :إن كانت الشجرة لم تزل قبل أن يبني الدار ،أو يتخذ المضرب ،فليس له أن
يقلعها و إن كانت طريّة عليه فله قلعها »- 3 - .
و تؤيد ذلك روايته الأخرى عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في الشجرة يقلعها
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 85 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 86 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 87 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :2 .
--( 280 )--
( مسألة 281 ) :الشجرة التي يكون أصلها في الحرم و فرعها في
خارجه أو بالعكس حكمها حكم الشجرة التي يكون جميعها في الحرم ( 1 ) .
( مسألة 282 ) :كفارة قلع الشجرة قيمة تلك الشجرة ،و في القطع منها
قيمة المقطوع ( 2 ) ،و لا كفارة في قلع الاعشاب و قطعها .
الرجل من منزله في الحرم ،فقال :إن بنى المنزل و الشجرة فيه ،فليس له أن
يقلعها ،و إن كانت نبتت في منزله و هو له فليقلعها »- 1 - .
( 1 ) تنص عليه صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن
شجرة أصلها في الحرم و فرعها في الحلّ ،فقال حرم فرعها لمكان أصلها ،قال :
قلت :فان اصلها في الحل و فرعها في الحرم ،فقال :حرم أصلها لمكان
فرعها »- 2 - .
( 2 ) لصحيحة سليمان بن خالد عن ابي عبد اللّه عليه السّلام ،قال : «سألته عن
الرجل يقطع من الأراك الذي بمكة ،قال :عليه ثمنه يتصدق به ،و لا ينزع من
شجر مكة شيئا إلاّ النخل و شجر الفواكه »- 3 - و مورد السؤال فيها و إن كان الأراك ،
الاّ أنه يظهر من قوله عليه السّلام : «و لا ينزع من شجر مكة شيئا »عدم اختصاص الحكم
به ،حيث انه ناص بعموم الحكم لكل اشجار مكة إلاّ ما استثنى ،و لا خصوصية
للأراك ،فاذن تدل الصحيحة على ان كفارته ثمنه .
و قد تسأل عن أن الصحيحة هل تشمل قطع أغصان الشجر ؟
و الجواب :ان شمولها لذلك لا يخلو عن اشكال ،باعتبار أن الأراك اسم
جنس و هو لا ينطبق الا على افراده الحقيقية في الخارج دون اغصانه و اجزائه ،
فمن أجل ذلك لا يبعد حسب الصناعة عدم وجوب الكفارة على قطع اغصان
الشجر ،و إن كان الأحوط و الأجدر به وجوبا أن يتصدق بثمنه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 87 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 90 من أبواب تروك الاحرام ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 18 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :2 .
--( 281 )--
اين تذبح الكفارة ؟و ما مصرفها
( مسألة 283 ) :إذا وجبت على المحرم كفارة لأجل الصيد في العمرة
فمحل ذبحها مكة المكرمة ،و إذا كان الصيد في احرام الحج فمحل ذبح
الكفارة منى ( 1 ) .
( 1 ) تدل عليه جملة من الروايات :
منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :من وجب عليه
فداء صيد أصابه و هو محرم ،فان كان حاجا نحر هديه الذي يجب عليه بمنى ،
و إن كان معتمرا نحره بمكة قبال الكعبة »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة عن ابي جعفر عليه السّلام : «قال :في المحرم اذا أصاب
صيدا فوجب عليه الفداء ،فعليه أن ينحره إن كان في الحج بمنى حيث ينحر
الناس ،فان كان في عمرة نحره بمكة -الحديث »- 2 - و منها غيرهما ،هذا اضافة
الى الآية الشريفة ،و هي قوله تعالى :لا تَقْتُلُوا اَلصَّيْدَ وَ أَنْتُمْ حُرُمٌ ،وَ مَنْ قَتَلَهُ
مِنْكُمْ مُتَعَمِّداً فَجَزاءٌ مِثْلُ ما قَتَلَ مِنَ اَلنَّعَمِ ،يَحْكُمُ بِهِ ذَوا عَدْلٍ مِنْكُمْ هَدْياً
بالِغَ اَلْكَعْبَةِ - 3 - .
و في مقابلها روايات عمدتها صحيحة ابي عبيدة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام :
«قال :اذا أصاب المحرم الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه
الصيد ،قوم جزاؤه من النعم دراهم ،ثم قومت الدراهم طعاما ،ثم جعل لكل
مسكين نصف صاع ،فان لم يقدر على الطعام صام لكل نصف صاع يوما -
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 49 من ابواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 51 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) سورة المائدة ،الآية :95 .
--( 282 )--
( مسألة 284 ) :إذا وجبت الكفارة على المحرم بسبب غير الصيد
فالأظهر جواز تأخيرها إلى عودته من الحج ( 1 )
الحديث »- 1 - بتقريب أنها تدل على أن موضع الذبح و مكانه موضع الاصباة ،هذا
و لكن الظاهر أنها لا تدل على أن موضع الإصابة هو مكان الذبح ،بل تدل على
أن وظيفته اذا لم يجد البدنة في موضع الاصابة قوّمها ،ثم صرف القيمة في
الطعام ،و أما اذا كان واجدا للبدنة فلا تدل على أن مكان ذبحها موضع الاصابة ،
أو فقل ان الرواية انما هي في مقام بيان وظيفة العاجز عن الفداء و هو البدنة ،
و ليست في مقام بيان مكان الذبح ،و لا أقل من الاجمال .
( 1 ) تدل عليه موثقة اسحاق بن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت له :
الرجل يخرج من حجته شيئا يلزمه منه دم ،يجزيه ان يذبحه اذا رجع الى أهله ،
فقال :نعم ،و قال -فيما اعلم -يتصدق به »- 2 - فان مقتضى اطلاقها و إن كان جواز
تأخير الذبح الى أن يرجع الى بلدته حتى اذا كان كفارة الصيد ،و لكن لا بد من
تقييد اطلاقها بغير كفارة الصيد بالنصوص المتقدمة .
نعم ،في خصوص كفارة التظليل ورد الأمر بالذبح بمنى في روايتين .
الأولى :صحيحة محمد بن اسماعيل بن بزيع عن الرضا عليه السّلام ،قال : «سأله
رجل عن الظلال للمحرم من أذى مطر أو شمس ،و أنا اسمع ،فأمره ان يفدي
شاة ،و يذبحها بمنى »- 3 - .
الثانية :صحيحته الأخرى ،قال : «سألت ابا الحسن عليه السّلام عن الظل للمحرم
من أذى مطر أو شمس ،فقال :أرى أن يفديه بشاة ،و يذبحها بمنى »- 4 - ،فانهما
ظاهرتان في وجوب الذبح بمنى ،فاذن يقع التعارض بين اطلاقهما و اطلاق
الموثقة المتقدمة بالعموم من وجه ،فانهما أعم من ناحية كون الفداء في احرام
---------------
( 1 ) الوسائل باب :2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب الذبح ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :6 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 6 من أبواب بقية كفارات الاحرام ،الحديث :3 .
--( 283 )--
..........
العمرة المفردة أو الحج ،و الموثقة أعم من ناحية كون الفداء للتظليل أو غيره ،
فيكون مورد الالتقاء بينهما عندئذ ما اذا كان الفداء للتظليل في احرام الحج ،فان
مقتضى اطلاق الموثقة أنه يجزي أن يذبحه في بلده اذا رجع ،و مقتضى اطلاقهما
وجوب ذبحه في منى ،و بما أنه لا ترجيح في البين ،فيسقطان معا في مورد
الالتقاء ،و يرجع فيه الى أصالة البراءة عن وجوب الذبح في منى ،هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى ان صحيحة منصور بن حازم ،قال : «سألت ابا
عبد اللّه عليه السّلام عن كفارة العمرة المفردة أين تكون ؟فقال :بمكة ،الاّ أن يشاء
صاحبها أن يؤخرها الى منى ،و يجعلها بمكة أحب إليّ و أفضل »- 1 - تدل على أنه
مخير في كفارة العمرة المفردة بين أن يجعلها بمكة و أن يجعلها في منى ،و لكن
لا بد من تقييد اطلاقها بغير كفارة الصيد بمقتضى الروايات المتقدمة .
و من ناحية ثالثة إن صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «قال ابو عبد اللّه عليه السّلام :
من ساق هديا في عمرة فلينحره قبل أن يحلق ،و من ساق هديا و هو معتمر نحر
هديه في المنحر و هو بين الصفا و المروة ،و هي بالحزورة ،قال :و سألته عن كفارة
المعتمر أين تكون ؟قال :بمكة الاّ أن يؤخرها الى الحج فتكون بمنى ،و تعجيلها
افضل و أحب إليّ »- 2 - تدل بمقتضى صدرها على حكم من ساق الهدي في
العمرة المفردة ،و هو خارج عن محل الكلام ،و بمقتضى ذيلها على حكم
الكفارة في عمرة التمتع ،و هو التخيير بين مكة و منى ،و لكنها معارضة بموثقة
اسحاق بن عمار المتقدمة ،فان المراد من الحج في موردها أعم من العمرة ،على
أنه لا يحتمل عرفا جواز تأخير كفارة احرام الحج الى ان يرجع إلى بلده ،دون
عمرته ،فاذن لا بد من تقديم الموثقة عليها باعتبار أن الصحيحة تدل على جواز
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 49 من ابواب كفارات الصيد ،الحديث :4 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 4 من ابواب الذبح ، ،الحديث :4 .
--( 284 )--
فيذبحها أين شاء ،و الافضل انجاز ذلك في حجه ،و مصرفها الفقراء ( 1 ) ،
التأخير الى الحج ،و أما دلالتها على عدم جواز تأخيرها الى أن يرجع الى أهله
فانما هي بالاطلاق الناشئ من السكوت في مقام البيان ،و هي لا تصلح أن
تعارض دلالة الموثقة على جواز التأخير الى أن يرجع الى أهله ،فانها دلالة
مستندة الى اللفظ ،و هي أقوى منها ،و تتقدم عليها تطبيقا لحمل الظاهر على
الأظهر .
فالنتيجة :ان الأظهر جواز تأخير الكفارة الى أن يرجع الحاج الى بلدته ،
بدون فرق بين كفارة احرام الحج ،او عمرة التمتع ،أو المفردة غير كفارة الصيد .
( 1 ) تدل على ذلك مجموعة كبيرة من الروايات :
منها :صحيحة علي بن جعفر في كتابه عن اخيه موسى بن جعفر عليه السّلام ،
قال : «سألته عن رجل محرم أصاب نعامة ما عليه ؟قال :عليه بدنة ،فان لم يجد
فليتصدق على ستين مسكينا ،فان لم يجد فليصم ثمانية عشر يوما ،قال :و سألته
عن محرم أصاب بقرة ،ما عليه ؟قال :عليه بقرة ،فان لم يجد فليتصدق على
ثلاثين مسكينا ،فان لم يجد فليصم تسعة أيام ،قال : «و سألته عن محرم أصاب
ظبيا ،ما عليه ؟قال :عليه شاة ،فان لم يجد فليتصدق على عشرة مساكين ،فان لم
يجد فليصم ثلاثة أيام »- 1 - .
و منها :صحيحة زرارة و محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في محرم
قتل نعامة ،قال :عليه بدنة ،فان لم يجد فاطعام ستين مسكينا ،فان كانت قيمة
البدنة اكثر من اطعام ستين مسكينا لم يزد على اطعام ستين مسكينا ،و إن كانت
أقل من اطعام ستين مسكينا لم يكن عليه الا قيمة البدنة »- 2 - فانها تدل على أن
مصرف البدنة الفقراء ،و لذلك لا يجب عليه في صورة عدم وجدانها اطعام اكثر
من قيمتها .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :6 و 7 و 8 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :9 .
--( 285 )--
و لا بأس بالأكل منها قليلا ( 1 )
و منها :صحيحة أبي عبيدة عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :اذا أصاب المحرم
الصيد و لم يجد ما يكفر من موضعه الذي أصاب فيه الصيد قوم جزاؤه من النعم
دراهم ،ثم قومت الدراهم طعاما ،ثم جعل لكل مسكين نصف صاع ،فان لم يقدر
على الطعام صام لكل نصف صاع يوما »- 1 - ،و منها غير ذلك .
ثم إن المتفاهم العرفي منها بمناسبة الحكم و الموضوع الارتكازية عدم
خصوصية لموردها ،و أن هذا الحكم حكم طبيعي الكفارة .و مثل هذه الروايات ،
الروايات الواردة في كفارة غير الصيد ،حيث قد ورد في لسان جملة منها الأمر
بالتصدق بالكفارة ،و في بعضها التصريح بالتصدق بها على المساكين ،و من
الواضح أن الأمر بالتصدق ظاهر عرفا في أنه للفقراء .
( 1 ) و تدل عليه جملة من الروايات :
منها :موثقة اسحاق بن عمار ،قال : «قلت لأبي ابراهيم عليه السّلام :الرجل يخرج
من حجته ما يجب عليه الدم و لا يهريقه حتى يرجع الى أهله ،قال :يهريقه في
أهله و يأكل منه الشيء »- 2 - .
و منها :معتبرة عبد اللّه بن يحيى الكاهلي عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :يؤكل
من الهدي كله مضمونا كان أو غير مضمون »- 3 - .
و منها :صحيحة جعفر بن بشير عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،قال : «سألته عن البدن
التي تكون جزاء الايمان و النساء و لغيره يؤكل منها ،قال :نعم يؤكل من كل
البدن »- 4 - .
و في مقابلها روايات تدل على عدم جواز الأكل :
منها :صحيحة الحلبي ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن فداء الصيد يأكل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 2 من أبواب كفارات الصيد ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 5 من أبواب الذبح ،الحديث :1 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 40 من أبواب الذبح ،الحديث :6 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 40 من أبواب الذبح ،الحديث :7 .
--( 286 )--
..........
من لحمه ،فقال :يأكل من اضحيته و يتصدق بالفداء »- 1 - .
و منها :صحيحة ابي بصير ،قال : «سألته عن رجل اهدى هديا
فانكسر ،فقال :إن كان مضمونا -و المضمون ما كان في يمين يعني نذرا أو جزاء -
فعليه فداؤه ،قلت :أ يأكل منه ؟فقال :لا ،انما هو للمساكين ،فان لم يكن مضمونا
فليس عليه شيء ،قلت :أ يأكل منه ؟قال :يأكل منه »- 2 - .
و حيث إن الطائفة الأولى ناصة في جواز الأكل ،و الطائفة الثانية ظاهرة في
عدم الجواز ،فلا بد من رفع اليد عن ظهورها في الحرمة ،و حملها على الكراهة
تطبيقا لقاعدة حمل الظاهر على النص .
و دعوى :أن تعليل النهي عن الأكل في صحيحة ابي بصير بأنه للمساكين ،
ناص في عدم جواز الأكل منه ،و حينئذ فتصلح أن تعارض الطائفة الأولى ،و بما
أنه لا ترجيح في البين و حينئذ فيرجع الى صحيحة الحلبي الظاهرة في عدم
جواز الأكل .
و بكلمة :أن هاهنا ثلاث طوائف من الروايات :
الطائفة الأولى :ناصة في جواز الأكل .
الطائفة الثانية :ناصة في عدم جوازه .
و الطائفة الثالثة :ظاهرة في عدم الجواز ،فالأوليان تسقطان من جهة
المعارضة ،فيصل الدور الى الثالثة ...
مدفوعة :فان قوله عليه السّلام : «إنما هو للمساكين »بيان لعلة النهي ،و هي ان
مصرفه الفقراء دون غيرهم ،و هذا لا ينافي جواز أكل صاحب الفداء منه اذا قام
دليل عليه ،و المفروض أن الطائفة الأولى ناصة في جواز الأكل .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 40 من أبواب الذبح ،الحديث :15 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 40 من أبواب الذبح ،الحديث :16 .
--( 287 )--
مع الضمان ( 1 ) و دفع قيمته .
فالنتيجة :ان الأظهر جواز أكل صاحب الفداء منه و إن كان الأولى و الأجدر
به تركه .
( 1 ) في الضمان اشكال بل منع ،و ذلك لعدم الدليل عليه غير رواية
السكوني عن جعفر عن أبيه ، «قال :اذا أكل الرجل من الهدي تطوعا فلا شيء
عليه ،و إن كان واجبا فعليه قيمة ما أكل »- 1 - و هي ضعيفة سندا لأن في سندها بنان
ابن محمد ،و هو لم يثبت توثيقه غير وروده في اسناد كامل الزيارات ،و قد ذكرنا
غير مرة ان مجرد وروده في اسناده لا يكفي في توثيقه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 40 من ابواب الذبح ،الحديث :5 .
--( 288 )--
شرائط الطواف
الطواف هو الواجب الثاني في عمرة التمتع و يفسد الحج بتركه عمدا
سواء أ كان عالما بالحكم أم كان جاهلا به أو بالموضوع ( 1 ) و يتحقق الترك
بالتأخير الى زمان لا يمكنه ادراك الركن من الوقوف بعرفات ( 2 ) ثم انه إذا
بطلت العمرة بطل احرامه أيضا على الأظهر ( 3 ) ،
( 1 ) الأمر كما أفاده قدّس سرّه لأن الطواف من أهم واجبات الحج و العمرة ،فاذا
تركه في العمرة فمقتضى القاعدة بطلانها و إن كان عن جهل ،باعتبار أن العمرة
المأمور بها لا تنطبق على الفرد الفاقد له ،و كذلك الحال اذا تركه في الحج .
و أما الحكم بالصحة في باب الصلاة اذا كان المصلي تاركا للجزء او
الشرط غير الركني عن جهل ،فهو انما يكون من جهة الدليل الخاص ،و هو
حديث لا تعاد ،و لا دليل في المقام ،و تؤكّد ذلك صحيحة علي بن يقطين ،قال :
«سألت ابا الحسن عليه السّلام عن رجل جهل أن يطوف بالبيت طواف الفريضة ،قال :إن
كان على وجه الجهالة أعاد الحج ،و عليه بدنة »- 1 - فانها واضحة الدلالة على
بطلان الحج بترك الطواف جهلا ،و وجوب الكفارة ،و مقتضى اطلاقها عدم
الفرق بين طواف الحج و طواف العمرة .
( 2 ) تقدم الكلام فيه موسعا في المسألة ( 3 ) من ( فصل :صورة حج التمتع
و شرائطه ) في الجزء التاسع من كتابنا تعاليق مبسوطة .
( 3 ) بل لا شبهة في بطلانه على أساس ان الاحرام جزء من الحج أو
العمرة ،فاذا بطل الحج أو العمرة لم يعقل بقاء الاحرام صحيحا ،و الاّ لزم كونه
واجبا مستقلا ،و هذا خلف .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 56 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
--( 289 )--
و الأحوط الأولى حينئذ العدول إلى حج الافراد و على التقديرين تجب
اعادة الحج في العام القابل و يعتبر في الطواف أمور :
الأول :النية ( 1 ) ،فيبطل الطواف إذا لم يقترن بقصد القربة ( 2 ) .
الثاني :الطهارة من الحدثين الاكبر و الاصغر ( 3 ) فلو طاف المحدث
عمدا أو جهلا أو نسيانا لم يصح طوافه .
( 1 ) قد اشرنا في ضمن البحوث السالفة أن النية شرط لكل عبادة ،و حيث
إن الطواف عبادة فالنية شرط فيه ،و نقصد بها ان تتوفر فيها العناصر التالية :
الأول :قصد القربة ،لأنه عبادة ،و كل عبادة لا تصح بدون قصد القربة .
الثاني :قصد الاخلاص ،يعني الاخلاص في النية بمعنى عدم الرياء ،لأن
الرياء في العبادة محرم و مبطل لها .
الثالث :قصد اسمه الخاص المميز له شرعا ،بأن يأتي به باسم طواف
عمرة التمتع من حجة الإسلام ،و اذا كان حجا مستحبا اسقط كلمة حجة الإسلام ،
و اذا كانت العمرة مفردة اسقط كلمة عمرة التمتع ،و اذا كان الحج حج قران أو
افراد أسقط كلمة حجة التمتع ،و اذا كان نائبا ذكر اسم المنوب عنه ،و أما اذا طاف
حول البيت بدون أن ينوي كونه لعمرة أو حجة ،فلا يقع لشيء منها ،و يكون
لاغيا .
( 2 ) نقصد بالاقتران أن لا تتأخر النية عن أول جزء من أجزاء الطواف ،لا
أن لا تتقدم عليه .
( 3 ) تنص عليه مجموعة كثيرة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار ،قال : «قال أبو عبد اللّه عليه السّلام :لا بأس أن
يقضي المناسك كلها على غير وضوء الاّ الطواف بالبيت ،و الوضوء أفضل »- 1 - .
و منها :صحيحة محمد بن مسلم ،قال : «سألت أحدهما عليهما السّلام عن رجل
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
--( 290 )--
..........
طاف طواف الفريضة و هو على غير طهور ،قال :يتوضأ و يعيد طوافه ،و إن
كان تطوعا توضأ و صلى ركعتين »- 1 - .
و منها :صحيحة علي بن جعفر عن أخيه ابي الحسن عليه السّلام ،قال : «سألته عن
رجل طاف بالبيت و هو جنب ،فذكر و هو في الطواف ،قال :يقطع الطواف و لا
يعتد بشيء مما طاف ،و سألته عن رجل طاف ثم ذكر أنه على غير وضوء ،قال :
يقطع طوافه و لا يعتد به »- 2 - و منها غيرها ،و مقتضى هذه الروايات أن الطهارة من
الحدث شرط في صحة الطواف مطلقا حتى اذا كان الطائف جاهلا أو ناسيا ،أما
الأول فلإطلاق جملة منها ،و أما الثاني فمضافا الى الاطلاق فقد نص بذلك في
بعض تلك الروايات ،هذا كله في الطواف الواجب .
و أما الطواف المندوب فلا تكون الطهارة شرطا في صحته ،لعدة من
الروايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة - 3 - .
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل طاف تطوعا
و صلى ركعتين و هو على غير وضوء ،فقال :يعيد الركعتين ،و لا يعيد
الطواف »- 4 - .
و منها :صحيحة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،قال : «قلت له :رجل
طاف على غير وضوء ،فقال :إن كان تطوعا فليتوضأ و ليصل »- 5 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت له :اني اطوف
طواف النافلة و أنا على غير وضوء ،قال :توضأ و صلّ و إن كنت متعمدا »- 6 - .
و نذكر فيما يلى مسألتين :
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :4 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
---------------
( 4 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :7 .
---------------
( 5 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :8 .
---------------
( 6 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :9 .
--( 291 )--
..........
الأولى :قد تسأل أن هذه الروايات التي تنص على عدم اشتراط صحة
الطواف المندوب بالطهارة من الحدث ،هل تختص بالطواف المستقل ،أو تعم
ما اذا كان جزء الحج المندوب ،أو العمرة المندوبة ؟
و الجواب :انها تعم ما اذا كان جزء الحج او العمرة أيضا ،اذ مضافا الى أن
ذلك مقتضى اطلاق تلك الروايات ،أن ذلك هو مورد الصحيحة الثانية لعبيد بن
زرارة المتقدمة .
الثانية :قد تسأل أن الطواف المندوب اذا صار واجبا بالعرض كالنذر أو
العهد أو اليمين أو الاجارة أو غير ذلك ،فهل يخرج عن موضوع هذه الروايات
و يدخل في موضوع الروايات التي تنص على أن الطواف الواجب مشروط
بالطهارة ؟
و الجواب :انه لا يبعد أن يقال بعدم خروجه عن موضوع تلك الروايات ،
اذ مضافا الى امكان دعوى ان المتبادر من الطواف المتطوع هو المتطوع في اصل
الشرع ،فان النذر أو غيره لا يوجب خروجه عن التطوع فيه و جعله فريضة ،و من
هنا إذا نذر صلاة الليل ،فانه لا يوجب خروجها عن النافلة الى الفريضة ،لأن
صحيحة محمد بن مسلم المتقدمة بقرينة جعلها التطوع في مقابل الفريضة
تشهد على ان المراد من الطواف الواجب هو الطواف المفروض ،في أصل
الشرع ،و لا يعم ما اذا كان مفروضا بالعرض كالنذر أو نحوه و كان في الأصل
نافلة ،هذا اضافة الى أن صحيحة عبيد المتقدمة التي تدل على أن طواف النافلة
غير مشروط بالطهارة تشمل ما اذا كان منذورا أيضا ،لأن النذر لا يوجب خروج
المنذور عن عنوان النافلة .
فالنتيجة :ان الطواف إن كان فريضة في أصل الشرع كانت صحته --( 292 )--
( مسألة 285 ) :إذا أحدث المحرم اثناء طوافه فللمسألة صور .
الاولى :أن يكون ذلك قبل بلوغه النصف ،ففي هذه الصورة يبطل
طوافه و تلزمه اعادته بعد الطهارة ( 1 ) .
الثانية :أن يكون الحدث بعد اتمامه الشوط الرابع و من دون اختياره ،
ففي هذه الصورة يقطع طوافه ،و يتطهر ،و يتمه من حيث قطعه .
مشروطة بالطهارة ،و إن كان نافلة لم تكن مشروطة بها و إن كان مفروضا
بالعرض ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر أن يأتي به مع الطهارة من الحدثين
الأكبر و الأصغر .
( 1 ) في لزوم الاعادة اشكال بل منع ،لعدم الدليل غير مرسلة جميل عن
بعض اصحابنا عن أحدهما عليه السّلام : «في الرجل يحدث في طواف الفريضة و قد
طاف بعضه ،قال :يخرج و يتوضأ ،فان كان جاز النصف بنى على طوافه ،و إن كان
أقل من النصف أعاد الطواف »- 1 - و لكنها لا تصلح أن تكون دليلا ،فاذن ليس في
المسألة إلا الشهرة و دعوى عدم الخلاف ،و من الواضح انه لا أثر لها .نعم قد
يستدل على البطلان و وجوب الاعادة بأمرين :
أحدهما :ان مقتضى اعتبار الطهارة في الطواف بطلانه بصدور الحدث
اثناءه ،كما هو الحال في الصلاة .
و الجواب :أولا :ان ذلك لو تم لكان مقتضاه بطلان الطواف به ،و إن كان
صادرا في الشوط الأخير ،مع أن بناء المشهور على الصحة و عدم البطلان اذا كان
صدوره بعد تجاوز النصف .
و ثانيا :ان مقتضى ادلة اعتبار الطهارة فيه أنها معتبرة في اجزائه و واجباته
الخاصة ،و هي سبعة اشواط ،دون الأكوان المتخللة بينها ،على أساس أن حقيقة
الطواف عبارة عن تلك الأشواط السبعة فحسب ،و أما الأكوان المتخللة فهي
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 40 من ابواب الطواف ، ،الحديث :1 .
--( 293 )--
الثالثة :أن يكون الحدث بعد النصف و قبل تمام الشوط الرابع ،أو
يكون بعد تمامه مع صدور الحدث عنه بالاختيار .و الأحوط في هذين
الفرضين أن يتم طوافه بعد الطهارة من حيث قطع ثم يعيده ،و يجزئ عن
الاحتياط المذكور أن يأتي بعد الطهارة بطواف كامل يقصد به الاعم من
التمام و الاتمام .و معنى ذلك :أن يقصد الاتيان بما تعلق بذمته ،سواء أ كان
هو مجموع الطواف ،أم هو الجزء المتمم للطواف الاول ،و يكون الزائد
لغوا .
خارجة عنها ،و على هذا فما دل من الدليل على اعتبار الطهارة فيه لا يشمل تلك
الأكوان .
فالنتيجة :ان الاتيان بالأشواط السبعة لا بد أن يكون مع الطهارة سواء أ كان
بوضوء واحد ،أم كان باكثر منه ،و أما اعتبار الطهارة في الأكوان المتخللة بين
اجزاء الصلاة و واجباتها فانما هو بدليل خاص ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدم
اعتبارها فيها أيضا ،على أساس أنها خارجة عن حقيقة الصلاة ،و لو لا دليل
خاص في المسألة لكان مقتضى أدلة شرطية الطهارة للصلاة أنها شرط لها بما
لها من اجزائها و واجباتها فحسب .
و الآخر :صحيحة حمران بن أعين عن ابي جعفر عليه السّلام قال : «سألته عن
رجل كان عليه طواف النساء وحده ،فطاف منه خمسة اشواط ،ثم غمزه بطنه
فخاف أن يبدره ،فخرج الى منزله فنقض ،ثم غشي جاريته ،قال :يغتسل ثم
يرجع فيطوف بالبيت طوافين تمام ما كان قد بقي عليه من طوافه ،و يستغفر اللّه
و لا يعود ،و ان كان طاف طواف النساء فطاف منه ثلاثة اشواط ،ثم خرج فغشي
فقد أفسد حجه ،و عليه بدنة و يغتسل ثم يعود فيطوف اسبوعا »- 1 - فانها تنص
على بطلان الطواف لصدور الحدث اثناءه اذا كان قبل تجاوز النصف ،و موردها
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 11 من أبواب كفارات الاستمتاع ،الحديث :1 .
--( 294 )--
..........
و إن كان طواف النساء ،إلا أنه لا خصوصية له ،لأن المتفاهم العرفي من
الصحيحة أن ثبوت هذا الحكم انما هو باعتبار أنه محرم ،بدون خصوصية أن ما
صدر منه من الاستمتاع الجنسي بالمرأة جماعا ،كان في طواف النساء ،أم في
طواف الحج .
و الجواب :ان مورد الصحيحة بما أنه الجماع مع المرأة اثناء الطواف ،
فالتعدي عنه الى مطلق الحدث بحاجة الى دليل ،باعتبار أن للجماع في باب
الحج أحكاما خاصة ،و لا تترتب تلك الأحكام على مطلق الحدث .
فالنتيجة :أنه لا دليل على المشهور ،بل صحيحة محمد بن مسلم ،قال :
«سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة طافت ثلاثة اشواط أو أقلّ من ذلك ،ثم رأت دما ،
قال :تحفظ مكانها فاذا طهرت طافت و اعتدت بما مضى »- 1 - تدل على خلاف
ما هو المشهور بين الأصحاب ،بتقريب أن مفادها أمران :
أحدهما :عدم بطلان الطواف بحدوث الحيض اثناءه و إن كان قبل تجاوز
النصف .
و الآخر :أن الفصل الزمني الطويل بين مبدأ الحيض و منتهاه لا يضر
بصحته .
فالنتيجة :ان الأظهر عدم بطلان الطواف بصدور الحدث أثناءه و إن كان
قبل تجاوز النصف ،فاذا صدر فعليه أن يتوضأ و يكمل ما بقي من طوافه و إن كان
الاستئناف من جديد أحوط و أجدر ،بل الأحوط و الأولى أن يقصد به الأعم من
التكميل و الاستئناف حسب ما هو المطلوب واقعا .هذا اذا لم تفت الموالاة ،و الاّ
وجب الاستئناف على القاعدة بدون فرق بين أن يكون الحدث قبل الشوط
الرابع أو بعده ،حتى اذا كان صدور الحدث منه عامدا و اختيارا ،لعدم الدليل على
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 85 من ابواب الطواف ، ،الحديث :3 .
--( 295 )--
( مسألة 286 ) :إذا شك في الطهارة قبل الشروع في الطواف أو في
اثنائه ،فان علم ان الحالة السابقة كانت هي الطهارة ،و كان الشك في صدور
الحدث بعدها لم يعتن بالشك ( 1 ) و إلا وجبت عليه الطهارة و الطواف أو
استينافه بعدها .
أن صدوره كذلك اثناء الطواف قاطع له ،لما مر من أن ظاهر الأدلة شرطية
الطهارة للطواف بما له من الأجزاء دون الأكوان المتخللة بينها ،و أما خروجه من
المطاف من أجل الوضوء أو الغسل ،فلا يضر ما دام لم تطل مدة الخروج الى
المقدار الذي تختل به الموالاة ،لعدم الدليل على أنه مانع عن صحته .
( 1 ) لاستصحاب بقاء الطهارة ،و حينئذ فان كان الشك في بقاء الطهارة بعد
الفراغ من الطواف و قبل صلاته لم يجر استصحاب بقائها بالنسبة الى الطواف ،
لأن المرجع فيه قاعدة الفراغ شريطة احتمال الالتفات حين العمل ،دون
الاستصحاب .
و أما بالنسبة الى صلاته فالمرجع هو الاستصحاب ،و إن كان الشك في
بقائها قبل الطواف أو اثنائه جرى استصحاب بقائها ،و يترتب عليه جواز الاتيان
به أو اتمامه بدون حاجة الى الوضوء أو الغسل من جديد .و إن كانت الحالة
السابقة الحدث ،و حينئذ فان كان الشك في بقائه بعد الفراغ من الطواف و قبل
صلاته لم يجر استصحاب بقائه بالنسبة الى الطواف ،لنفس ما تقدم من الملاك .
و أما بالنسبة الى صلاته ،فلا مانع منه ،و إن كان الشك فيه قبل الطواف أو اثنائه
وجب عليه الوضوء أو الغسل ،و استيناف الطواف في الفرض الثاني من جديد ،
و الغاء ما أتى به من الأشواط .
و أما إذا كانت الحالة السابقة متبادلة ،بأن تكون في زمن الطهارة ،و في زمن
آخر الحدث ،و يشك في المتقدم و المتأخر منهما ،ففي هذه الصورة لا مانع من
جريان استصحاب بقاء كل منهما في نفسه للشك فيه ،و لكن يسقط من جهة --( 296 )--
( مسألة 287 ) :إذا شك في الطهارة بعد الفراغ من الطواف لم يعتن
بالشك ( 1 ) ،و إن كانت الاعادة أحوط و لكن تجب الطهارة لصلاة
الطواف ( 2 ) .
المعارضة بدون فرق في ذلك بين أن يكون تاريخ كليهما مجهولا ،أو تاريخ
أحدهما مجهولا و الآخر معلوما ،غاية الأمر ان المستصحب على الأول كلي في
كليهما معا ،و على الثاني كلي في المجهول و شخصي في المعلوم ،و على كلا
التقديرين فالاستصحابان متعارضان ،فيسقطان معا ،و حينئذ فان كان الشك قبل
الشروع في الطواف وجب عليه الوضوء أو الغسل على أساس قاعدة الاشتغال ،
و إن كان الشك في الاثناء وجب عليه الوضوء أيضا و استيناف الطواف من
جديد .
و دعوى :أنه لا مانع من الرجوع الى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الأشواط
السابقة ،و أما بالنسبة الى الأشواط اللاحقة فالمرجع فيها قاعدة الاشتغال بعد
سقوط الاستصحابين بالتعارض ،فالنتيجة أنه يتوضأ و يتم الطواف ،و لا حاجة
الى استينافه من جديد .
مدفوعة :بأنه لا مجال للقاعدة في المقام ،لأن المكلف فيه يعلم بأنه كان
غافلا حين الاتيان بالأشواط المذكورة ،ثم تذكر قبل اكمالها و علم بأنه كان
متطهرا في زمان و محدثا في آخر ،و لا يدري المتقدم و المتأخر منهما ،و قد ذكرنا
غير مرة أن المعتبر في جريانها احتمال الالتفات حين العمل ،و الاّ فلا موضوع
لها .
( 1 ) لقاعدة الفراغ شريطة احتمال أنه كان ملتفتا حين العمل الى ما يعتبر
فيه من الشروط .
( 2 ) لاستصحاب بقاء الحدث ،لأن مقتضى قاعدة الفراغ التي هي قاعدة
عقلائية ،و تكون حجيتها على أساس نكتة أماريتها نوعا ،و إن كان صحة --( 297 )--
( مسألة 288 ) :اذا لم يتمكن المكلف من الوضوء يتيمم و يأتي
بالطواف ،و إذا لم يتمكن من التيمم أيضا جرى عليه حكم من لم يتمكن من
أصل الطواف ،فاذا حصل له اليأس من التمكن لزمته الاستنابة للطواف ( 1 )
و الأحوط الأولى أن يأتي هو أيضا بالطواف من غير طهارة .
الطواف ،الاّ أنها لا تثبت لازمها و هو الغسل ،لأنها و إن كانت قاعدة عقلائية
و تكون حجيتها على أساس نكتة أماريتها نوعا ،و لكن بما أن لسانها ليس لسان
الحكاية عن الواقع بما هو ،بل لسان البناء العملي على صحة ما أتى به في ظرف
الشك و التحير ،فمن أجل ذلك لا تكون مثبتاتها حجة .
و بكلمة :ان نكتة جعل هذه القاعدة و البناء العملي عليها هي أمارية حال
المكلف في ظرف الامتثال و الاطاعة ،و لكن حيث أن هذه الأمارية أمارية حالية
فلا تكشف اكثر من مدلولها المطابقي ،و لا فرق في ذلك بين أن تكون الحالة
السابقة الطهارة أو الحدث .
فالنتيجة :ان الطواف محكوم بالصحة بقاعدة الفراغ ،و لكن عليه أن
يغتسل لصلاته بمقتضى استصحاب بقاء الحدث .نعم اذا أحدث بالأصغر بعد
الطواف و قبل صلاته فقد علم اجمالا إما ببطلان الطواف ،أو وجوب الوضوء
لصلاته ،اذ لا يمكن الرجوع الى قاعدة الفراغ بالنسبة الى الطواف و استصحاب
بقاء الجنابة بالنسبة الى صلاته ،لاستلزام ذلك المخالفة القطعية العملية ،للقطع
حينئذ إما ببطلان طوافه إذا كان في الواقع جنبا ،او بطلان صلاته اذا لم يكن في
الواقع جنبا ،حيث انه صلى بدون وضوء ،و عليه فتسقط قاعدة الفراغ من جهة
معارضتها مع الاستصحاب ،فالمرجع هو قاعدة الاشتغال بالنسبة الى الطواف ،
و الوضوء بالنسبة إلى صلاته ،و هذا يعني أن وظيفته في هذه الحالة الجمع بين
اعادة الطواف مع الغسل ،و الوضوء بعد ذلك لصلاته .
( 1 ) لأن المكلف اذا لم يتمكن من الطهارة المائية فوظيفته الطهارة --( 298 )--
( مسألة 289 ) :يجب على الحائض و النفساء بعد انقضاء أيامهما و على
المجنب الاغتسال للطواف ،و مع تعذر الاغتسال و اليأس من التمكن منه
يجب الطواف مع التيمم ،و الأحوط الأولى حينئذ الاستنابة أيضا ،و مع تعذر
التيمم تتعين الاستنابة .
( مسألة 290 ) :إذا حاضت المرأة في عمرة التمتع ( 1 ) حال الاحرام أو
بعده و قد وسع الوقت لأداء أعمالها صبرت الى أن تطهر فتغتسل و تأتي
بأعمالها ،و إن لم يسع الوقت فللمسألة صورتان :
الأولى :أن يكون حيضها عند إحرامها أو قبل أن تحرم ،ففي هذه
الصورة ينقلب حجها إلى الافراد و بعد الفراغ من الحج تجب عليها العمرة
المفردة إذا تمكنت منها .
الثانية :ان يكون حيضها بعد الاحرام ،ففي هذه الصورة تتخير بين
الاتيان بحج الافراد كما في الصورة الأولى و بين أن تأتي بأعمال عمرة
التمتع من دون طواف ،فتسعى و تقصر ثم تحرم للحج و بعد ما ترجع إلى
مكة بعد الفراغ من أعمال منى تقضي طواف العمرة قبل طواف الحج ،
الترابية ،و اذا لم يتمكن منها أيضا فهو عاجز عن الطواف ،و وظيفة العاجز
الاستنابة فيه ،أما أنه عاجز عنه فلإطلاق دليل شرطية الطهارة ،فان مقتضاه أنها
شرط له مطلقا حتى في حال العجز ،فاذا عجز سقط الأمر عنه ،و يصل الدور الى
الاستنابة فيه دون الإطافة به ،لأنها وظيفة العاجز عن الطواف ،و المفروض أنه
غير عاجز عنه ،و انما هو عاجز عن تحصيل شرطه ،و بذلك يظهر حكم المسألة
الآتية .
( 1 ) تقدم حكمها بتمام صورها موسعا في المسألة ( 4 ) من ( فصل صورة
حج التمتع على الاجمال ) .
--( 299 )--
و فيما إذا تيقنت ببقاء حيضها و عدم تمكنها من الطواف حتى بعد رجوعها
من منى استنابت لطوافها ،ثم أتت بالسعي بنفسها .ثم ان اليوم الذي يجب
عليها الاستظهار فيه بحكم أيام الحيض فيجري عليه حكمها .
( مسألة 291 ) :إذا حاضت المحرمة اثناء طوافها ( 1 ) فالمشهور على
أن طروء الحيض إذا كان قبل تمام اربعة اشواط بطل طوافها ،و إذا كان بعده
صح ما أتت به و وجب عليها اتمامه بعد الطهر و الاغتسال ،و الأحوط في
كلتا الصورتين أن تأتي بطواف كامل تنوي به الأعم من التمام و الاتمام .هذا
فيما إذا وسع الوقت ،و إلا سعت و قصرت و احرمت للحج و لزمها الاتيان
بقضاء طوافها بعد الرجوع من منى و قبل طواف الحج على النحو الذي
ذكرناه .
( مسألة 292 ) :إذا حاضت المرأة بعد الفراغ من الطواف و قبل الاتيان
بصلاة الطواف صح طوافها ( 2 ) و أتت بالصلاة بعد طهرها و اغتسالها ،
( 1 ) تقدم حكمها موسعا في المسألة ( 5 ) من الفصل المذكور فلا نعيد .
( 2 ) هذا من جهة الروايات الخاصة و الا فمقتضى القاعدة البطلان اذ لا
يجوز الفصل بين الطواف و صلاته بفترة طويلة عرفا و الروايات كما يلي :
منها :صحيحة زرارة ،قال : «سألته عن امرأة طافت بالبيت فحاضت قبل
أن تصلي الركعتين ،فقال :ليس عليها اذا طهرت الا الركعتين ،و قد قضت
الطواف »- 1 - .
و منها :صحيحة ابي الصباح الكناني ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن امرأة
طافت بالبيت في حج أو عمرة ثم حاضت قبل أن تصلي الركعتين ،قال :اذا
طهرت فلتصل ركعتين عند مقام ابراهيم و قد قضت طوافها »- 2 - ،فانهما
باطلاقهما تشملان طواف عمرة التمتع أيضا .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 88 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 88 من أبواب الطواف ،الحديث :2 .
--( 300 )--
و إن ضاق الوقت سعت و قصرت و قضت الصلاة قبل طواف الحج ( 1 ) .
( مسألة 293 ) :إذا طافت المرأة وصلت ثم شعرت بالحيض و لم تدر
انه كان قبل الطواف أو قبل الصلاة أو في أثنائها أو أنه حدث بعد الصلاة
بنت على صحة الطواف و الصلاة ( 2 ) و إذا علمت أن حدوثه كان قبل
الصلاة و ضاق الوقت سعت و قصرت و أخرت الصلاة إلى أن تطهر و قد
تمت عمرتها .
( 1 ) على الأحوط ،اذ لا دليل على وجوب الاتيان بالصلاة قبل طواف
الحج ،فان مورد الروايات انما هو تقديم طواف العمرة على طواف الحج ،و لا
يعم تقديم صلاة طواف العمرة على طواف الحج ،و من تلك الروايات صحيحة
عبد الرحمن بن الحجاج و علي بن رئاب عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :المرأة
المتمتعة اذا قدمت مكة ،ثم حاضت ،تقيم ما بينها و بين التروية ،فان طهرت
طافت بالبيت ،وسعت بين الصفا و المروة ،و إن لم تطهر الى يوم التروية اغتسلت
و احتشت ،ثم سعت بين الصفا و المروة ،ثم خرجت الى منى ،فاذا قضت
المناسك وزارت بالبيت طافت بالبيت طوافا لعمرتها ،ثم طافت طوافا للحج ،ثم
خرجت فسعت ،فاذا فعلت ذلك فقد أحلت من كل شيء يحل منه المحرم الاّ
فراش زوجها ،فاذا طافت طوافا آخر حل لها فراش زوجها »- 1 - ،و منها غيرها - 2 - .
و على هذا فاذا فرض أن المرأة حاضت بعد طواف العمرة و قبل صلاته
و ضاق الوقت و احرمت للحج و أخرت الصلاة الى ما بعد أعمال منى ،فان هذه
الروايات لا تدل على تقديمها على طواف الحج ،لأن هذه الصورة خارجة عن
موردها ،و لا يوجد دليل آخر غيرها ،و لكن مع هذا فالأحوط و الأجدر به وجوبا
التقديم .
( 2 ) هذا لا من جهة قاعدة الفراغ ،لما ذكرناه من أن جريانها مرتبط بما اذا
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 84 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) راجع الوسائل الباب 84 من أبواب الطواف .
--( 301 )--
..........
احتمل المكلف أنه حين العمل كان ملتفتا الى ما يعتبر فيه دون مثل المقام ،فإنها
كانت غافلة عن حيضها حال العمل ،و بعده شعرت به ،و شكت في أنه حدث
قبل العمل أو بعده أو اثناءه ،و في هذه الحالة لا تجرى القاعدة ،بل من جهة
استصحاب عدم حدوثه حال العمل .
قد يقال -كما قيل -إن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم
الطواف في واقع زمان يكون ذلك زمان عدم الحيض ،و يترتب عليه نفي الحكم
بنفي أحد جزئي الموضوع المركب .
و قد أجاب عن ذلك السيد الاستاذ قدّس سرّه بوجهين :
أحدهما :انه لا يثبت وقوعه في زمان الحيض الاّ بنحو مثبت ،و بدونه لا
اثر له .
و الآخر :أن الموضوع بما أنه مركب من جزءين ،أحدهما وجود
الطواف ،و الآخر عدم الحدث كالحيض مثلا ،و حينئذ فان كان المستصحب عدم
وجود الطواف في نفسه بمفاد كان التامة فلا شك فيه حتى يستصحب عدمه ،
و إن كان المستصحب عدم وجوده المقيد بزمان الحادث الآخر و هو عدم
الحيض في المقام ،فيرده :
أولا :انه لا حالة سابقة للمقيد لكي يستصحب .
و ثانيا :ان وجوده المقيد بما هو مقيد ليس موضوعا للحكم حتى ينتفي
بنفيه ،فان الموضوع مركب لا مقيد .
و لكن كلا الوجهين غير تام ،اما الوجه الأول کفلأن الغرض من هذا
الاستصحاب ليس اثبات وقوع الطواف في زمان الحيض ،لكي يقال إنه مثبت ،
بل الغرض منه نفي الموضوع المركب بنفي أحد جزأيه ،و المفروض انه ينفى
ذلك .
--( 302 )--
..........
و أما الثاني :فلأن ما هو معلوم وجدانا صرف وجود الطواف ،و أما وجود
الحصة منه في واقع زمان لا طريق لنا الى الاشارة اليه الاّ بعنوان زمان عدم
الحيض بدون أن يكون ذلك العنوان مأخوذا في مصب التعبد الاستصحابي ،
فهو مشكوك فيه ،فلا مانع من استصحاب عدم وجودها فيه ،و حينئذ يكون
المنفي نفس جزء الموضوع المركب ،فينتفي الحكم بانتفائه ،و على ضوء هذه
النكتة يجري استصحاب بقاء أحد جزأيه الى واقع زمان الجزء الآخر ،
كاستصحاب بقاء الجزء الأول المقيد بكونه في زمان الجزء الآخر ،لأن
استصحاب بقاء الجزء الأول المقيد بكونه في زمان الجزء الآخر ،لأن
الاستصحاب فيه مضافا الى انه لا يجري في نفسه لعدم حالة سابقة له ،أن
الموضوع للحكم مركب لا مقيد ،بل المقصود اثبات الجزء الأول في واقع زمان
يكون ذلك زمان الجزء الآخر ،فالنتيجة أن ما ذكره قدّس سرّه من الحل لا يتم .
و الصحيح في حل هذا الاشكال أن يقال :إن موضوع الحكم صرف
وجود المركب من ذاتي الجزءين في الخارج بدون أخذ أي عنوان زائد فيه ،
و على هذا الأساس يكون الموضوع في المقام صرف وجود الطواف و صرف
عدم الحيض خارجا بدون تقييد أحدهما بالآخر ،فاذا تحقق ذلك الموضوع في
أي زمن من الأزمنة ترتب عليه حكمه ،و حينئذ فلا يمكن نفي الحكم عن هذا
الموضوع الاّ بنفيه ،و من الواضح أنه لا يمكن نفيه بنفي فرده بالاستصحاب الاّ
بنحو مثبت ،فان المستصحب في المقام هو عدم وجود حصة من الطواف و هي
الحصة في واقع زمان يكون ذلك زمان الحادث الآخر ،و هو عدم الحيض من
جهة الشك في وجودها فيه ،و هي بما أنها فرد من طبيعي جزء الموضوع ،فلا
يمكن نفي الطبيعي بنفي فرده ،فانه مثبت ،فمن أجل ذلك لا يصلح أن يعارض --( 303 )--
( مسألة 294 ) :إذا دخلت المرأة مكة و كانت متمكنة من اعمال العمرة
و لكنها أخرتها الى أن حاضت حتى ضاق الوقت مع العلم و العمد فالظاهر
فساد عمرتها و الأحوط أن تعدل الى حج الافراد ( 1 ) و لا بد لها من
اعادة الحج في السنة القادمة .
( مسألة 295 ) :الطواف المندوب لا تعتبر فيه الطهارة ( 2 ) فيصح بغير
طهارة و لكن صلاته لا تصح الا عن طهارة .
استصحاب بقاء الجزء الأول و هو عدم الحيض في المقام الى واقع زمان يكون
ذلك زمان الجزء الآخر و هو الطواف .
فالنتيجة :انه لا يترتب على استصحاب نفي الفرد نفي الطبيعي ،بدون
فرق في ذلك بين الأفراد الطولية و الأفراد العرضية ،كما في القسم الثالث من
اقسام استصحاب الكلي ،فان الأثر الشرعي اذا كان مترتبا على الطبيعي الجامع
فلا يمكن نفيه بضم استصحاب عدم تحقق الفرد الطويل الى عدم بقاء الفرد
القصير وجدانا في الزمن الثاني الاّ بنحو مثبت ،هذا اضافة الى أن استصحاب
عدم الطواف في واقع زمان يكون ذلك الزمان زمان الحيض من الاستصحاب
في الفرد المردد و هو باطل لان واقع ذلك الزمان مردد بين زمان نعلم بعدم
الطواف فيه و زمان نعلم بثبوته فيه على تفصيل ذكرناه في محله .
( 1 ) تقدم الكلام فيها موسعا في المسألة ( 4 ) من ( فصل صورة حج
التمتع ) فلا نعيد .
( 2 ) و تنص عليه جملة من الروايات :
منها :صحيحة محمد بن مسلم :سألت أحدهما عليهما السّلام : «عن رجل طاف
طواف الفريضة و هو على غير طهور ؟قال :يتوضأ و يعيد طوافه ،و إن كان تطوعا
توضأ و صلى ركعتين »- 1 - .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
--( 304 )--
( مسألة 296 ) :المعذور يكتفي بطهارته العذرية كالمجبور ( 1 )
و المسلوس ( 2 ) اما المبطون فالأحوط ان يجمع مع التمكن بين الطواف
بنفسه و الاستنابة ( 3 )
و منها :صحيحة حريز عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل طاف تطوعا
و صلّى ركعتين و هو على غير وضوء ،فقال :يعيد الركعتين ،و لا يعيد الطواف »- 1 - .
و منها :موثقة عبيد بن زرارة عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،قال : «قلت له :رجل
طاف على غير وضوء ،فقال :إن كان تطوعا فليتوضأ و ليصل »- 2 - .
و منها :موثقته الأخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت له :اني اطوف
طواف النافلة و أنا على غير وضوء ،قال :توضأ و صل و إن كنت متعمدا »- 3 - .
و هذه الروايات واضحة الدلالة على أن صحة الطواف المندوب غير
مشروطة بالطهارة ،فلو جاز دخول الجنب أو الحائض في المسجد لجاز أن
يطوف تطوعا .
( 1 ) فيه ما تقدم منا في المسألة ( 30 ) في الجزء الأول من تعاليق مبسوطة
في ( فصل أحكام الجبائر ) من أن الوضوء الجبيري رافع للحدث كالوضوء التام ،
فاذا أتى به المكلف جاز له الاتيان بكل ما هو مشروط بالطهارة ،كالصلاة
و نحوها على تفصيل هناك .
( 2 ) تقدم في ( فصل :في حكم دائم الحدث ) أن وضوء المسلوس
و المبطون رافع للحدث ،و لا ينتقض بما يخرج منهما قهرا ما لم يحدثا بحدث
آخر من نوم أو نحوه على تفصيل هناك .
( 3 ) لا بأس بتركه و إن كان أولى و أجدر ،لأن الروايات التي تنص على أن
المبطون يطاف عنه و يرمى عنه ،فلا بد من حملها على العاجز عنهما ،اذ لا
يحتمل أن يكون مجرد البطن موجبا لذلك ،و من هذه الروايات صحيحة معاوية
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :7 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :8 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 38 من أبواب الطواف ،الحديث :9 .
--( 305 )--
..........
ابن عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «إنه قال :المبطون و الكسير يطاف عنهما و يرمى
عنهما »- 1 - .
و منها :صحيحته الأخرى عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :الكسير يحمل
فيطاف به ،و المبطون يرمي و يطاف عنه و يصلى عنه »- 2 - .
و منها :صحيحة حبيب الخثعمي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :أمر رسول
اللّه صلّى اللّه عليه و آله أن يطاف عن المبطون و الكسير »- 3 - .
و هذه الروايات و إن كانت مطلقة و لم تقيد الاستنابة بالعجز ،الاّ أن هناك
قرائن على هذا التقييد .
الأولى :ما ذكرناه من أن وضوءه كوضوء المكلف العادي ،فلا ينتقض
بما يصدر منه قهرا ما لم يصدر منه حدث آخر ،و من هنا يجوز له أن يأتي به
بكل ما هو مشروط بالطهارة كالصلاة و الطواف و نحوهما ،فاذا كان الأمر كذلك
لم يجز له الاستنابة في طوافه و صلاته كالمكلف العادي .
الثانية :ان الرمي لا يكون مشروطا بها ،فلو كان قادرا عليه بنفسه لم يجز
له الاستنابة فيه ،فاذن دلالة الروايات على الاستنابة فيه قرينة على أنه غير قادر
عليه .
الثالثة :ان اشتراك المبطون مع الكسير في الحكم يؤكد أن المراد منه هو
العاجز ،كما ان المراد من الكسير ذلك .
فالنتيجة :ان هذه الروايات انما هي في مقام بيان وظيفة العاجز ،سواء
أ كان مبطونا أم مكسورا أم غير ذلك ،فاذن يكون المبطون كالمسلوس
و المجبور .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 49 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 49 من أبواب الطواف ،الحديث :6 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 49 من أبواب الطواف ،الحديث :5 .
--( 306 )--
و أما المستحاضة فالأحوط لها ( 1 ) ان تتوضأ لكل من الطواف و صلاته ان
كانت الاستحاضة قليلة و ان تغتسل غسلا واحدا لهما و تتوضا لكل منهما ان
كانت الاستحاضة متوسطة و أما الكثيرة فتغتسل لكل منهما من دون حاجة
الى الوضوء ان لم تكن محدثة بالاصغر ،و الا فالأحوط ضم الوضوء الى
الغسل .
( 1 ) بل هو غير بعيد ،لأن الاستحاضة بما أنها حدث و هي مستمرة ،
فمقتضى القاعدة عدم تمكنها من الطواف ،باعتبار أنه مشروط بالطهارة ،و لكن
صحيحة عبد الرحمن بن أبي عبد اللّه ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن
المستحاضة أ يطأها زوجها ؟و هل تطوف بالبيت ؟...الى أن قال :تصلي كل
صلاتين بغسل واحد ،و كل شيء استحلت به الصلاة فليأتها زوجها ،و لتطف
بالبيت »- 1 - تدل على أن كل ما يكون مسوغا للصلاة يكون مسوغا للطواف
أيضا ،و على هذا فان كانت استحاضتها صغرى ،فوظيفتها أن تتوضأ لكل ما هو
مشروط بالطهارة ،و من ذلك الطواف و صلاته ،و إن كانت وسطى ،فوظيفتها أن
تغتسل في كل يوم و ليلة مرة واحدة ،و تتوضأ لكل ما هو مشروط بالطهارة ،
و على هذا فاذا أرادت الطواف فعليها أن تتوضأ وضوءا من أجل الطواف ،
و وضوءا من أجل صلاته ،و لا يجب عليها الغسل من أجلهما .
و دعوى :وجوبه بتقريب أن كفاية غسل واحد في اليوم و الليلة إنما هي
بالنسبة الى الفرائض اليومية ،و أما اذا ارادت الاتيان بغيرهما مما هو مشروط
بالطهارة ،فعليها أن تغتسل مرة ثانية من أجل الاتيان به .
مدفوعة :بان الظاهر من الروايات أن عليها غسلا واحدا في أربع
و عشرين ساعة ،و بما أن وجوبه عليها في هذه الفتره الزمنية الطويلة لا يمكن أن
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 91 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
--( 307 )--
..........
يكون بلا مبرر و جزافا ،فلا محالة يكون مبرره أنه رافع لحدثها الأكبر في هذه
الفترة ،و بعد الغسل اذا ارادت الاتيان بما هو مشروط بالطهارة فعليها أن تتوضأ
و تأتي به سواء أ كان ذلك الصلاة أم كان غيرها كالطواف ،فلا مقتضى حينئذ
للغسل من أجل الطواف .و إن كانت كبرى فعليها أن تغتسل لكل من الطواف
و صلاته ،و كفاية غسل واحد للصلاتين المترتبتين كالظهرين و العشاءين لا
تكون قرينة على كفاية ذلك للطواف و صلاته معا ،لأن الكفاية للصلاتين قد
ثبتت بالنص ،و الاّ فمقتضى القاعدة عدم الكفاية ،و لا نص في المقام ،و حينئذ
فمقتضى القاعدة فيه وجوب الغسل لكل منهما ،و لا يمكن التعدي عن مورد
النص الى غيره بدون قرينة ،باعتبار أن الحكم في مورده يكون على خلاف
القاعدة .و أما الصحيحة المذكورة فتدل على أن الطواف بحاجة الى الغسل
كالصلاة ،و لا تدل على أنه يكفي لصلاته أيضا .
فالنتيجة :ان وجوب الغسل لكل منها لو لم يكن أقوى فلا شبهة في أنه
أحوط .
قد تسأل أن مقتضى قوله عليه السّلام في ذيل صحيحة نعيم الصحاف : «فان عليها
أن تغتسل في كل يوم و ليلة ثلاث مرات ،و تحتشى و تصلى و تغتسل للفجر ،
و تغتسل للظهر و العصر ،و تغتسل للمغرب و العشاء الآخرة ،قال :و كذلك تفعل
المستحاضة ،فانها اذا فعلت ذلك اذهب اللّه بالدم عنها »- 1 - ،ان المستحاضة اذا
فعلت ما يجب عليها أن تفعله من أجل الصلوات اليومية طهرت من حدث
الدم .
و الجواب أولا :ان ذلك لو تم فانما يتم في الاستحاضة الكبرى ،باعتبار
أنها موردها .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 1 من أبواب الاستحاضة ،الحديث :7 .
--( 308 )--
الثالث :من الامور المعتبرة في الطواف :
الطهارة من الخبث ( 1 ) ،فلا يصح الطواف مع نجاسة البدن أو
اللباس ،و النجاسة المعفو عنها في الصلاة كالدم الاقل من الدرهم لا تكون
معفوا عنها في الطواف على الأحوط .
و ثانيا :ان قوله عليه السّلام : «أذهب اللّه بالدم عنها »مجمل مردد بين أنها طهرت
مطلقا اذا فعلت ما هو وظيفتها من الأغسال ،أو أنها طهرت للصلوات اليومية
فحسب ،فلا ظهور له في الأول ،هذا اضافة الى أن الروايات التي تنص على
الجمع بين الظهرين و العشاءين تارة بلسان الجمع ،و أخرى بلسان تؤخر هذه
و تقدم هذه ،تدل على ان اتيانها بما عليها من الأغسال لا يوجب كونها مطهرة
مطلقا ،و من هنا اذا لم تجمع المستحاضة بين الظهرين و العشاءين ،وجبت عليها
خمسة أغسال .
( 1 ) على الأحوط ،لأن الروايات التي استدل بها على اعتبار الطهارة من
الخبث فيه بأجمعها ضعيفة سندا .
منها :رواية يونس بن يعقوب ،قال : «قلت لأبي عبد اللّه عليه السّلام رأيت في
ثوبي شيئا من الدم و أنا أطوف ،قال فاعرف الموضع ثم اخرج فاغسله ،ثم عد
فابن على طوافك »- 1 - ،و هذه الرواية و إن كانت تامة دلالة ،الاّ أنها ضعيفة سندا ،
فان في طريق الصدوق الى يونس بن يعقوب حكم بن مسكين ،و هو ممن لم
يثبت توثيقه ،و لا يجدي مجرد كونه من رجال كامل الزيارات .
و منها :روايته الأخرى ،قال : «سألت أبا عبد اللّه عليه السّلام عن رجل يرى في ثوبه
الدم و هو في الطواف ،قال :ينظر الموضع الذي رأى فيه الدم فيعرفه ،ثم يخرج
و يغسله ،ثم يعود فيتم طوافه »- 2 - و هي أيضا ضعيفة سندا ،فان في سندها
محسن بن أحمد ،و هو لم يثبت توثيقه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 52 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 52 من أبواب الطواف ،الحديث :2 .
--( 309 )--
( مسألة 297 ) :لا بأس بدم القروح و الجروح فيما يشق الاجتناب
عنه ( 1 ) و لا تجب ازالته عن الثوب و البدن في الطواف كما لا بأس
بالمحمول المتنجس و كذلك نجاسة ما لا تتم الصلاة فيه .
نعم مقتضى مرسلة ابن أبي نصر عن بعض أصحابه عن أبي عبد اللّه عليه السّلام ،
قال : «قلت له :رجل في ثوبه دم مما لا تجوز الصلاة في مثله ،فطاف في ثوبه ،
فقال :اجزأه الطواف ،ثم ينزعه و يصلّي في ثوب طاهر »- 1 - ،عدم مانعية النجاسة
عن صحة الطواف ،و لكن بما أنها مرسلة فلا يمكن الاعتماد عليها .
و منها :رواية حبيب بن مظاهر ،قال : «ابتدأت في طواف الفريضة ،فطفت
شوطا واحدا فاذا انسان قد أصاب أنفى فادماه ،فخرجت فغسلته ثم جئت
فابتدأت الطواف ،فذكرت ذلك لأبي عبد اللّه الحسين عليه السّلام ،فقال :بئس ما
صنعت ،كان ينبغي لك أن تبني على ما طفت -الحديث »- 2 - و هذه الرواية أيضا
لا يمكن الاعتماد عليها ،إما من أجل أنها مرسلة اذا كان المراد من حبيب بن
مظاهر هو الذي كان من أصحاب الحسين عليه السّلام في واقعة الطف و استشهد فيه كما
طبق عليه صاحب الوسائل قدّس سرّه ،لأن حماد بن عثمان الذي هو من أصحاب
الصادق عليه السّلام لا يمكن أن يروي عنه بلا واسطة و إن كان غيره فهو مجهول .
فالنتيجة :ان اعتبار الطهارة من الخبث في صحة الطواف مبني على
الاحتياط ،و إن كان عدم الاعتبار لا يخلو عن قوة .
( 1 ) بل مطلقا ،لما مر من أنه لا دليل على اعتبار طهارة البدن و الثوب في
صحة الطواف ،و على تقدير اعتبارها في صحته ،فالأظهر عدم الفرق بين دم
القروح و الجروح ،و بين غيره من النجاسة ،لأن دليل العفو عنه مختص بالصلاة ،
و لا يشمل الطواف ،و يؤيد ذلك اطلاق رواية يونس بن يعقوب المتقدمة
و غيرها .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 52 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 41 من أبواب الطواف ،الحديث :2 .
--( 310 )--
( مسألة 298 ) :اذا لم يعلم بنجاسة بدنه أو ثيابه ثم علم بها بعد الفراغ
من الطواف صح طوافه ،فلا حاجة إلى اعادته ،و كذلك تصح صلاة الطواف
إذا لم يعلم بالنجاسة إلى ان فرغ منها ( 1 ) .
( مسألة 299 ) :إذا نسي نجاسة بدنه أو ثيابه ثم تذكرها بعد طوافه صح
طوافه على الأظهر ( 2 ) ،و ان كانت اعادته احوط ،و اذا تذكرها بعد صلاة
الطواف اعادها ( 3 ) .
( 1 ) اما الطواف فقد مر أنه لا دليل على أن النجاسة مانعة عنه حتى في
صورة العلم بها فضلا عن الجهل .
و اما الصلاة فلأن النجاسة و إن كانت مانعة عنها ،الاّ أن مقتضى اطلاق
حديث لا تعاد ان مانعيتها علمية لا واقعية ،هذا اضافة الى الروايات الخاصة التي
تنص على الفرق بين العلم بها و الجهل .
( 2 ) مر الاشكال بل المنع في أصل مانعية النجاسة عن الطواف ،و على
تقدير تسليم أنها مانعة ،فمقتضى حديث الرفع عدمها في حالة النسيان .
( 3 ) على الأحوط ،لما ذكرناه في بحث الفقه من أن الروايات التي تنص
على وجوب اعادة الصلاة إذا صلاها في ثوب أو بدن نجس ناسيا النجاسة ،
معارضة بالرواية التي تنص على الصحة و عدم وجوب الاعادة ،و بعد سقوطهما
بالتعارض يرجع الى أصالة البراءة عن جزئية المنسي أو شرطيته .
و دعوى :أن الروايات الدالة على الاعادة روايات معروفة و مشهورة ،و ما
دل على عدم الاعادة رواية شاذة فلا تصلح أن تعارضها .
مدفوعة :بان شهرتها لم تبلغ الى حد التواتر ،و بدون ذلك فلا أثر لها .
فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة نظريا عدم وجوب الاعادة ،و لكن مع هذا
فالاحتياط لا يترك .
--( 311 )--
( مسألة 300 ) :إذا لم يعلم بنجاسة بدنه او ثيابه ،و علم بها أثناء الطواف
أو طرأت النجاسة عليه قبل فراغه من الطواف فان كان معه ثوب طاهر
مكانه طرح الثوب النجس و أتم طوافه في ثوب طاهر و ان لم يكن معه
ثوب طاهر فان كان ذلك بعد إتمام الشوط الرابع من الطواف قطع طوافه
و لزمه الاتيان بما بقي منه بعد ازالة النجاسة و ان كان العلم بالنجاسة أو
طروها عليه قبل اكمال الشوط الرابع قطع طوافه و أزال النجاسة و يأتي
بطواف كامل بقصد الاعم من التمام و الاتمام على الأحوط ( 1 ) .
الرابع :الختان للرجال ،و الأحوط بل الأظهر اعتباره في الصبي المميز
أيضا إذا أحرم بنفسه .و أما إذا كان الصبي غير مميز أو كان احرامه من وليّه
فاعتبار الختان في طوافه غير ظاهر و ان كان الاعتبار أحوط ( 2 ) .
( مسألة 301 ) :إذا طاف المحرم غير مختون بالغا كان أو صبيا مميزا فلا
يجتزى بطوافه فان لم يعده مختونا فهو كتارك الطواف يجري فيه ماله من
الأحكام الآتية .
( 1 ) يظهر حكم هذه المسألة مما تقدم ،و مع الاغماض عما ذكرناه ،
و تسليم أن النجاسة مانعة عن الطواف ،فلا وجه للتفصيل بين أن يكون طرو
النجاسة بعد الشوط الرابع أو قبله ،و قد تقدم ان الأظهر عدم بطلان الطواف
بصدور الحدث اثناءه ،بدون فرق بين أن يكون قبل تجاوز النصف أو بعده .
( 2 ) لا بأس بتركه ،لأن الروايات التي تنص على اعتبار الختان في صحة
الطواف لا تشمل الصبي غير المميز ،لأن مورد اكثرها الرجل ،و في بعضها
التفصيل بينه و بين المرأة .
نعم هنا رواية واحدة لا يكون موردها الرجل ،و هي صحيحة معاوية بن
عمار عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :الاغلف لا يطوف بالبيت ،و لا بأس أن تطوف --( 312 )--
( مسألة 302 ) :إذا استطاع المكلف و هو غير مختون فان امكنه الختان
و الحج في سنة الاستطاعة وجب ذلك ،و إلا أخر الحج إلى السنة القادمة ( 1 )
فان لم يمكنه الختان أصلا لضرر أو حرج أو نحو ذلك فاللازم عليه الحج ،
لكن الأحوط ان يطوف بنفسه في عمرته و حجه و يستنيب أيضا من يطوف
عنه ( 2 ) و يصلي هو صلاة الطواف بعد طواف النائب .
الخامس :ستر العورة حال الطواف على الأحوط ( 3 )
المرأة »- 1 - فانها و إن كانت تشمل الصبي أيضا باعتبار أن الاغلف يعم البالغ
و غيره ،الاّ أن نهيه عن الطواف بالبيت بنفسه يدل على اختصاصها بمن يكون
مأمورا به مباشرة ،و بما أن الصبي غير المميز لا يكون مأمورا بالطواف مباشرة ،
فلا يكون مشمولا لها .
فالنتيجة :ان المستفاد من الروايات أن الختان شرط في صحة الطواف
للبالغ و الصبي المميز ،و بذلك يظهر حال المسألة الآتية .
( 1 ) و تدل عليه معتبرة حنان بن سدير ،قال : «سألت ابا عبد اللّه عليه السّلام عن
نصراني أسلم و حضر الحج ،و لم يكن اختتن ،أ يحج قبل أن يختتن ؟قال :لا ،
و لكن يبدأ بالسنة »- 2 - ،هذا اضافة الى أن ذلك مقتضى القاعدة حيث أنه لا
يتمكن من الحج في هذه السنة لعدم تمكنه من الختان فيها الذي هو من شروط
صحته .
( 2 ) هذا هو الأقوى ،و ذلك لأن احتمال سقوط الحج عنه غير محتمل ،كما
أن احتمال سقوط شرطية الختان خلاف اطلاق دليله ،فاذن لا محالة تكون
وظيفته الاستنابة ،باعتبار أنه عاجز عن الطواف ،و مع ذلك فالأولى و الأجدر به
أن يطوف بنفسه أيضا .
( 3 ) هذا ،و لكن الأقوى عدم اعتباره ،لعدم الدليل عليه .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب مقدمات الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 33 من أبواب مقدمات الطواف ،الحديث :4 .
--( 313 )--
و يعتبر في الساتر الاباحة .و الأحوط اعتبار جميع شرائط لباس المصلي
فيه ( 1 ) .
نعم قد يستدل على ذلك تارة بالنبوي المعروف : «الطواف بالبيت صلاة »
و أخرى بالروايات الناهية عن الطواف عريانا ،و لكن لا يمكن الاستدلال بشيء
منهما .اما النبوي ،فهو غير ثابت من طرقنا ،فلذلك لا يمكن الاعتماد عليه و أما
الروايات الناهية فهي بأجمعها ضعيفة من ناحية السند ،فلا يمكن الاعتماد على
شيء منها ،هذا اضافة الى أن اعتبار الستر في صحة الطواف شيء ،و النهي عن
الطواف عريانا شيء آخر ،اذ قد يكون الشخص مكشوف العورة و مع ذلك لا
يصدق عليه أنه عريان ،كما اذا كان عليه لباس قصير أو فيه ثقب يظهر منه
عورته ،و قد يكون مستور العورة و مع ذلك يصدق عليه أنه عريان ،كما اذا ستر
عورته بيده أو بطين أو حشيش أو خرقة .
فالنتيجة :أن هذه الروايات ضعيفة سندا و دلالة .
( 1 ) لا بأس بتركه ،لما مر من أنه لا دليل على أن الطائف اذا كان مكشوف
العورة بطل طوافه ،أو فقل أن كون ستر العورة شرطا في صحة الطواف بحاجة
الى دليل و لا دليل عليه .
و أما مع الاغماض عن ذلك ،و تسليم ان الستر شرط فيه ،فهل يعتبر أن
يكون مباحا ؟الأظهر عدم اعتبار الاباحة فيه ،لما ذكرناه في الستر الصلاتي من
أن الأقوى عدم اعتبار شرطية اباحته في صحة الصلاة ،فلو كان مغصوبا لم تمنع
غصبيته عن صحتها ،باعتبار أن الستر قيد للصلاة ،و هو خارج عنها ،و ليس من
واجباتها ،و التقيّد به داخل فيها ،و عليه فاذا تعلق به النهي فقد تعلق بذات القيد
دون التقيد به ،لأنه أمر معنوي لا واقع موضوعي له لكي يتعلق به النهي ،و من
الواضح أن تعلق النهي بذات القيد لا يمنع عن الانطباق ،على أساس أن الحرام
لا يكون متحدا مع الواجب خارجا ،و هذا البيان ينطبق على المقام حرفيا ،و من --( 314 )--
..........
هنا يظهر الحال فيما اذا كان غير الساتر مغصوبا ،فانه على تقدير تسليم أن
غصبيّة الساتر مانعة عن الصحة ،فلا تمنع غصبية غيره عنها ،باعتبار أن غير
الساتر لا يكون قيدا للواجب .
--( 315 )--
واجبات الطواف
تعتبر في الطواف أمور سبعة :
الاول :الابتداء من الحجر الأسود ( 1 ) ،و الأحوط الأولى أن يمرّ
بجميع بدنه على جميع الحجر و يكفي في الاحتياط أن يقف دون الحجر
بقليل فينوي الطواف من الموضع الذي تتحقق فيه المحاذاة واقعا على أن
تكون الزيادة من باب المقدمة العلمية .
الثاني :الانتهاء في كل شوط بالحجر الأسود و يحتاط في الشوط
الأخير بتجاوزه عن الحجر بقليل على أن تكون الزيادة من باب المقدمة
العلمية .
الثالث :جعل الكعبة على يساره في جميع أحوال الطواف ،فاذا
استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الاركان أو لغيره أو ألجأه الزحام الى استقبال
الكعبة أو استدبارها أو جعلها على اليمين فذلك المقدار لا يعد من
الطواف ( 2 ) و الظاهر أن العبرة في جعل الكعبة على اليسار بالصدق العرفي
( 1 ) بأن يقف الى جانب الحجر ،محاذيا له ،قريبا منه ،أو بعيدا عنه ،مراعيا
أن تكون الكعبة الشريفة الى جانبه الأيسر ،ثم ينوي طواف العمرة أو الحج ،
و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :
منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اختصر في
الحجر الطواف فليعد طوافه من الحجر الأسود الى الحجر الأسود »- 1 - .
( 2 ) فان الواجب هو أن يطوف حول الكعبة سبع مرات يراعى في تمام
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
--( 316 )--
كما يظهر ذلك من طواف النبي صلّى اللّه عليه و آله راكبا ،و الاولى المداقة في ذلك
و لا سيما عند فتحي حجر اسماعيل و عند الاركان .
الرابع :إدخال حجر اسماعيل في المطاف بمعنى أن يطوف حول
الحجر من دون أن يدخل فيه ( 1 ) .
الخامس :خروج الطائف عن الكعبة و عن الصفة التي في أطرافها
المسماة بشاذروان ( 2 ) .
السادس :ان يطوف بالبيت سبع مرات ( 3 )
أحوال الطواف ان تكون الكعبة الشريفة في جانبه الأيسر مبتدئا في كل مرة
بالحجر و منتهيا في كل مرة اليه ،فاذا استقبل الطائف الكعبة لتقبيل الأركان ،أو
لغيره ،أو الجأه الزحام الى استقبال الكعبة ،أو استدبارها ،أو جعلها على اليمين ،
فذلك المقدار الذي خطى مستقبل الكعبة لا يعد من الطواف ،فيعيد من حيث
انحرف ،و لا يقصد بوضع الكعبة على اليسار أن ينحرف الطائف كتفه الأيسر
عند مروره بالأركان ،لكي يكون محاذيا لبناء الكعبة ،فان هذه التدقيقات غير
واجبة جزما لأن المقصود من جعل الكعبة على يساره تحديد و جهة سير
الطائف كما هو ظاهر .
( 1 ) تدل عليه جملة من الروايات ،و منها صحيحة معاوية بن عمار
المتقدمة .
( 2 ) لا وجود له في زماننا هذا حتى نتكلم عن حكمه .نعم لو كان موجودا
و شك في أنه من البيت فالأحوط وجوبا أن يكون الطواف من خارجه .
( 3 ) تنص عليه طوائف من الروايات التي تبلغ مجموعها من الكثرة حد
التواتر اجمالا .
منها :الروايات البيانية الواردة في كيفية الحج و واجباته .
--( 317 )--
متواليات عرفا ( 1 ) و لا يجزي الأقل من السبع ،و يبطل الطواف بالزيادة على
السبع عمدا كما سيأتي .
( مسألة 303 ) :اعتبر المشهور في الطواف أن يكون بين الكعبة و مقام
ابراهيم عليه السّلام و يقدّر هذا الفاصل بستة و عشرين ذراعا و نصف ذراع ،و بما ان
حجر اسماعيل داخل في المطاف فمحل الطواف من الحجر لا يتجاوز ستة
أذرع و نصف ذراع و لكن الظاهر كفاية الطواف في الزائد على هذا المقدار
أيضا ( 2 ) و لا سيما لمن لا يقدر على الطواف في الحد المذكور أو انه حرج
عليه و رعاية الاحتياط مع التمكن أولى .
و منها :الروايات الواردة في الشك في عدد الأشواط .
و منها :الروايات الآمرة بوجوب الاعادة اذا زاد شوطا على سبعة أشواط .
و منها :الروايات الواردة في القران بين اسبوعين ،و منها غيرها .فمن أجل
ذلك يكون الطواف حول البيت سبع مرات أمرا مفروغا عنه و متسالما عليه .
( 1 ) هذا هو المتفاهم العرفي من الروايات التي تنص على أن الطواف
مركب من سبعة أشواط ،و هو عمل واحد مركب ،و من الواضح أن وحدته بنظر
العرف متقومة بالتوالي بين اجزائه و واجباته .
فالنتيجة :ان مقتضى القاعدة اعتبار التوالي بين اشواط الطواف .نعم هناك
مستثنيات من مقتضى هذه القاعدة بدليل خاص .
منها :ما اذا حاضت المرأة في اثناء الطواف ،فانها تقطع طوافها ،و تأتي
بالباقي بعد الظهر ،و منها غير ذلك مما يأتي في ضمن البحوث القادمة .
( 2 ) هذا هو الصحيح ،فان ما هو المشهور بين الأصحاب من وجوب كون
الطواف بين الكعبة و المقام مراعيا تلك المسافة في جميع اطراف البيت ،لا دليل
عليه الاّ رواية محمد بن مسلم ،قال : «سألته عن حدّ الطواف بالبيت الذي من --( 318 )--
..........
خرج عنه لم يكن طائفا بالبيت ،قال :كان الناس على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه و آله
يطوفون بالبيت و المقام ،و انتم اليوم تطوفون ما بين المقام و بين البيت ،فكان
الحد موضع المقام اليوم ،فمن جازه فليس بطائف ،و الحد قبل اليوم و اليوم
واحد قدر ما بين المقام و بين البيت من نواحي البيت كلها ،فمن طاف فتباعد من
نواحيه أبعد من مقدار ذلك كان طائفا بغير البيت بمنزلة من طاف بالمسجد ،لأنه
طاف في غير حدّ و لا طواف له »- 1 - و هذه الرواية و إن كانت واضحة الدلالة ،الاّ
أنها ضعيفة سندا ،فان في سندها ياسين الضرير ،و هو ممن لم يثبت توثيقه ،فمن
أجل ذلك لا يمكن الاعتماد عليها في تقييد اطلاقات الروايات التي تدل على
أن وظيفة المكلف الطواف حول البيت بدون أن تحدد المطاف بمسافة معينة
و محددة ،و مقتضى اطلاق تلك الروايات أن المعيار انما هو بصدق الطواف
حول البيت عرفا ،و من المعلوم أنه يصدق و إن كان من خلف المقام .
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 28 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
--( 319 )--
الخروج عن المطاف
الى الداخل أو الخارج
( مسألة 304 ) :إذا خرج الطائف عن المطاف فدخل الكعبة بطل طوافه
و لزمته الاعادة ( 1 ) ،و الاولى إتمام الطواف ثم إعادته إذا كان الخروج بعد
تجاوز النصف .
( 1 ) تدل على ذلك جملة من الروايات :
منها :صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «فيمن كان
يطوف بالبيت ،فيعرض له دخول الكعبة ،فدخلها ،قال :يستقبل طوافه »- 1 - .
و منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «سألته عن رجل طاف
بالبيت ثلاثة اشواط ،ثم وجد من البيت خلوه فدخله ،كيف يصنع ؟قال :يعيد
طوافه ،و خالف السنة »- 2 - ،و منها غيرهما ،و مقتضى اطلاق هذه الروايات أن
الدخول في البيت يوجب بطلان الطواف ،و وجوب استينافه من الأول ،كما أن
مقتضى اطلاق الصحيحة الأولى عدم الفرق بين أن يكون الدخول قبل تجاوز
النصف أو بعده .
و أما في الصحيحة الثانية و إن فرض الدخول فيه قبل تجاوز النصف ،الاّ
أن ذلك لما كان في كلام السائل لا في كلام الإمام عليه السّلام فلا يدل على الاختصاص ،
بل المتفاهم العرفي منها عدم الفرق بين أن يكون الدخول قبل تجاوز النصف أو
بعده ،و مع التنزل عن ذلك فالصحيحة ساكتة عن حكم الدخول بعد التجاوز من
النصف ،فالمرجع فيه حينئذ هو اطلاق الصحيحة الأولى ،و عليه فما هو
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 41 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 41 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
--( 320 )--
( مسألة 305 ) :إذا تجاوز عن مطافه إلى «الشاذروان »بطل طوافه ( 1 )
بالنسبة إلى المقدار الخارج عن المطاف و الاحوط اتمام الطواف بعد
تدارك ذلك المقدار ثم اعادته و الأحوط ان لا يمد يده على طوافه من
جانب «الشاذروان »إلى جدار الكعبة لاستلام الاركان أو غيره ( 2 ) .
( مسألة 306 ) :إذا دخل الطائف حجر اسماعيل بطل الشوط الذي وقع
ذلك فيه فلا بد من اعادته ( 3 ) ،و الأولى اعادة الطواف بعد إتمامه ،
المشهور بين الأصحاب من التفصيل بين ما اذا كان الدخول في البيت بعد تجاوز
النصف ،و ما اذا كان قبله ،فعلى الأول صحيح ،و على الثاني باطل ،لا أصل له .
( 1 ) هذا اذا كان واثقا بأن الشاذروان من البيت ،و أما اذا كان شاكا في أنه
من البيت أو لا ،فالحكم بالبطلان يكون مبنيا على الاحتياط .
ثم إن الظاهر بطلان الشوط الذي طاف فوق الشاذروان دون بقية
الأشواط ،اذ لا دليل على بطلان البقية ،و الروايات التي تنص على بطلان الطواف
بدخول الكعبة لا تشمل المقام ،فاذن يجب اعادة ذلك الشوط فحسب .
( 2 ) لا بأس بتركه ،لأن الواجب الطواف حول البيت ،و هو لا يمنع عن
صدق ذلك عرفا .
( 3 ) تدل عليه صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه عليه السّلام قال : «قلت :رجل
طاف بالبيت ،فاختصر شوطا واحدا في الحجر ،قال :يعيد ذلك الشوط »- 1 - .
و منها :صحيحة حفص بن البختري عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «في الرجل
يطوف بالبيت فيختصر في الحجر ،قال :يقضي ما اختصر من طوافه »- 2 - .
و منها :صحيحة معاوية بن عمار عن أبي عبد اللّه عليه السّلام : «قال :من اختصر
في الحجر الطواف ،فليعد طوافه من الحجر الأسود الى الحجر الأسود »- 3 - .
ثم انه لا معارضة بين الصحيحتين الأوليين و الصحيحة الثالثة ،فان
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب الطواف ،الحديث :1 .
---------------
( 2 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب الطواف ،الحديث :2 .
---------------
( 3 ) الوسائل :الباب 31 من أبواب الطواف ،الحديث :3 .
--( 321 )--
هذا مع بقاء الموالاة ،و أما مع عدمها فالطواف محكوم بالبطلان و ان كان
ذلك عن جهل أو نسيان ( 1 ) ،و في حكم دخول الحجر التسلق على حائطه
على الأحوط ( 2 ) ،بل الأحوط أن لا يضع الطائف يده على حائط الحجر
أيضا .
( مسألة 307 ) :إذا خرج الطائف من المطاف الى الخارج قبل تجاوزه
النصف من دون عذر فان فاتته الموالاة العرفية بطل طوافه و لزمته اعادته ،
و ان لم تفت الموالاة أو كان خروجه بعد تجاوز النصف فالأحوط إتمام
الطواف ثم اعادته ( 3 ) .
مقتضى الأوليين أن كل شوط اذا اختصر الطائف في الحجر فلا بد من اعادته ،
و ظاهر الصحيحة الثالثة أنه أتى بجميع الأشواط في الحجر ،فمن أجل ذلك
تجب عليه اعادة الجميع .
و إن شئت قلت :ان الصحيحة تنص على وجوب اعادة ما أتى به في
الحجر من الطواف ،فان كان تمام الاشواط فعليه اعادة التمام ،و إن كان بعضها
فعليه اعادة ذلك البعض .
( 1 ) لإطلاق الروايات .
( 2 ) لا بأس بتركه ،لأن التسلق لا يكون دخولا في الحجر ،و الممنوع انما
هو دخول الطائف فيه .
( 3 ) بل الأظهر اعادة الطواف من جديد اذا فاتت الموالاة ،و إن كان
الخروج بعد تجاوز النصف ،و ذلك لأن الطواف كالصلاة عمل واحد عرفا ،غاية
الأمر أن الصلاة مركبة من الأقوال و الافعال ،و الطواف مركب من سبعة اشواط
حول البيت ،فكما ان الموالاة معتبرة بين أجزاء الصلاة و واجباتها ،فكذلك بين
اشواط الطواف ،لأن وحدة العمل المركب عرفا متقومة بها ،و على هذا فاذا خرج --( 322 )--
..........
الطائف عن المطاف بدون عذر مسوغ عامدا و ملتفتا ،فتارة يقع الكلام فيه بالنظر
الى مقتضى القاعدة ،و أخرى بالنظر الى مقتضى الروايات .
اما الكلام في الأول :فان كانت فترة الخروج يسيره بنحو لا تضر بالموالاة ،
فيرجع و يبني على ما تقدم منه من الأشواط ،و لا شيء عليه ،على أساس أن
المعتبر في صحة الطواف مضافا الى شروطه العامة و الطهارة من الحدث الموالاة
العرفية بين اجزائه ،فاذا فرض أن فترة الخروج بمقدار لا تفوت به الموالاة عرفا ،
فلا موجب للبطلان ،و لا فرق في ذلك بين ان يكون الخروج من المطاف قبل
الشوط الرابع أو بعده ،كما أنه لا فرق فيه بين الطواف الواجب و المندوب و إن
طالت مدة الخروج الى المقدار الذي تفوت معه الموالاة بطل الطواف ،و لا فرق
في ذلك أيضا بين أن يكون الخروج قبل الشوط الرابع أو بعده ،كما أنه لا فرق
فيه بين الطواف الواجب و المندوب ،بل الأمر كذلك اذا خرج من المطاف من
أجل عذر كالوضوء أو الغسل أو التطهير من الخبث ،فان فترة الخروج إن طالت
الى مدة تفوت معها الموالاة بطل الطواف ،و الاّ فلا موجب لبطلانه بدون فرق
بين الطواف الواجب و المندوب ،و بين أن يكون خروجه قبل انتهاء الشوط
الرابع أو بعده .
و اما الكلام في الثاني :فعمدة الروايات في المسألة صحيحة أبان بن
تغلب عن ابي عبد اللّه عليه السّلام : «في رجل طاف شوطا أو شوطين ،ثم خرج مع رجل
في حاجته ،قال :إن كان طواف نافلة بنى عليه ،و إن كان طواف فريضة لم يبن »- 1 -
و هذه الصحيحة تنص على أن خروج الطائف من المطاف بدون عذر شرعي إن
كان في الطواف الواجب كان مبطلا له ،و إن كان في المندوب لم يبطل ،و مقتضى
---------------
( 1 ) الوسائل :الباب 41 من أبواب الطواف ،الحديث :5 .
--( 323 )--
..........
اطلاقها عدم الفرق بين أن تكون فترة الخروج بمقدار تفوت به الموالاة و بين أن
لا تكون بهذا المقدار ،هذا من ناحية .
و من ناحية أخرى أن مورد السؤال في الصحيحة و إن كان خروج الطائف
من المطاف بعد شوط أو شوطين ،الاّ أن المتفاهم العرفي من جواب
الإمام عليه السّلام عدم خصوصية لذلك ،بقرينة أن تركيز الإمام عليه السّلام في مقام الجواب
على الفرق بين الطواف الواجب و المندوب ،لا على كون الخروج قبل اكمال
الشوط الرابع ،يدل على أن المانع عن صحة الطواف انما هو الخروج اثناء
الطواف بدون عذر ،سواء أ كان قبل اكمال الشوط الرابع ،أم كان بعده .
و بكلمة :أن خروج الطائف عن المطاف بعد اكمال شوط او شوطين انما
هو وارد في موضوع سؤال السائل دون جواب الإمام عليه السّلام فانه ناظر الى الفرق
بين الطواف الواجب و المندوب ،و احتمال اختصاص هذا الفرق بمورد السؤال
فحسب بعيد جدا عن المرتكز العرفي .
فالنتيجة :ان المتفاهم منه عرفا أن الطواف إن كان فريضة فالخروج اثناؤه
مبطل ،و إن كان بعد اكمال الشوط الرابع ،و إن كان نافلة لم يكن مبطلا .
و مع الاغماض عن ذلك و تسليم أن لمورد السؤال في الصحيحة
خصوصيّة ،الاّ أن لازم ذلك هو التفصيل بين خروج الطائف عن المطاف بعد
شوط أو شوطين ،و خروجه عنه بعد ثلاثة اشواط ،لا التفصيل بين خروجه عنه
قبل اكمال الشوط الرابع و بعده -كما هو المشهور بين الأصحاب -.
و دعوى :أنه لا خصوصية لخروجه بعد شوط أو شوطين الاّ بلحاظ أنه
قبل الشوط الرابع .
مدفوعة :بأنه اذا لم تكن للخروج بعد شوط أو شوطين خصوصية لدى --( 324 )--
..........
العرف ،لم تكن له خصوصية بعد اكمال الشوط الرابع أيضا ،اذ مقتضى القاعدة
انه لا فرق بين أن يكون الخروج بعد شوط أو شوطين ،أو يكون بعد الشوط
الرابع ،على أساس أن الخروج