--( 5 )--

1 المقدمة 7 -20

2 الارض الموات 23 -168

3 الملاحق 171 -188

4 الارض المفتوحة عنوة 191 -293

5 الارض المسلمة بالدعوة 293 -306

6 الحيازة 309 -322

7 ارض الصلح 325 -328

8 انواع اخرى للأراضي 321 -344

9 المعادن 347 -379

10 المياه 383 -407

11 المسائل 411 -417

12 الفهرست 418 -431

--( 7 )--

المقدّمة


الارض التي قد استولى المسلمون عليها من دون قتال ،سواء
أ كان من ناحية انجلاء أهلها أم كان من ناحية تسليمها للمسلمين
ابتداء ،أو صلحا فلا شبهة في كونها من الانفال .

و تدل على ذلك : -اضافة إلى عدم الخلاف بين الاصحاب قديما
و حديثا ،بل عن جماعة دعوى الاجماع في المسألة -مجموعة من النصوص

منها صحيحة حفض بن البختري عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
( الانفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب ،أو قوم صالحوا ،أو قوم
أعطوا بايديهم ،و كل ارض خربة ،و بطون الاودية فهو لرسول اللّه
صلى اللّه عليه و آله و سلم ،و هو للإمام ( ع ) من بعده ،يضعه حيث
يشاء ) - 1 - .

و هذه الصحيحة تتضمن عدّة عناوين قد جعلت كلها من الانفال .

الاول :ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب .

الثاني :أرض الصلح ،على تفصيل يأتي في محله .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 1 .


--( 8 )--

الثالث :الارض التي سلّمها أهلها للمسلمين تسليما ابتدائيا .

الرابع :الارض الخربة .

الخامس :بطون الاودية .

و سوف نتكلم في كل واحد من هذه العناوين في ضمن البحوث
القادمة بشكل موسع إن شاء اللّه تعالى .

و منها موثقة محمد بن مسلم عن أبي عبد اللّه ( ع ) أنه سمعه يقول :
( أن الانفال ما كان من أرض لم يكن فيها هراقة دم أو قوم صولحوا
و أعطوا بايديهم و ما كان من أرض خربة ،أو بطون أودية ،فهذا
كله من الفي‏ء ،و الانفال للّه و للرسول .و ما كان للّه فهو للرسول
( ص ) يضعه حيث يحب ) - 1 - .

و هذه الصحيحة كالأولى و لا فرق بينهما إلا في نقطة واحدة و هي
أن في الصحيحة الاولى قد جعل الأنفال للرسول ( ص ) ،و من بعده
للأئمة ( ع ) .و في هذه الصحيحة قد اقتصر على جعلها للرسول ( ص )

و لكن هذا المقدار من الفرق غير فارق بعد ما كان معلوما من
الخارج أن ما كان للرسول ( ص ) فهو للإمام ( ع ) .

و منها :صحيحة معاوية بن وهب قال :قلت لأبي عبد اللّه ( ع ) :
( السريّة يبعثها الامام ( ع ) فيصيبون غنائم كيف يقسم قال :
أن قاتلوا عليها مع أمير أمّره الامام ( ع ) أخرج منها الخمس للّه
و للرسول ،و قسم بينهم أربعة أخماس ،و أن لم يكونوا قاتلوا عليها
المشركين كان كل ما غنموا للإمام ( ع ) يجعله حيث أحب ) - 2 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 10



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 3


--( 9 )--

و هذه الصحيحة تدل بوضوح على أن كل ما غنم من الكفار من
دون قتال فهو للإمام ( ع ) هذا .و لكن لا يبعد اختصاص هذه
الصحيحة بغير الارض بقرينة التقسيم فيها .

و منها :موثقة سماعة بن مهران قال :سألته عن الأنفال فقال :
( كل راض خربة ،أو شي‏ء يكون للملوك فهو خالص للإمام ،
و ليس للناس فيها سهم ،قال :و منها البحرين لم يوجف عليها بخيل
و لا ركاب ) - 1 - .

و منها :موثقة اسحاق بن عمار قال :سألت أبا عبد اللّه ( ع ) عن
الأنفال فقال :( هي القرى التي قد خربت و انجلى أهلها فهي للّه
و للرسول ( ص ) ،و ما كان للملوك فهو للإمام ( ع ) ،و ما كان من
الارض بخربة لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ،و كل أرض لا رب
لها ،و المعادن منها ،و من مات و ليس له مولى فما له من الأنفال - 2 - .

و هذه الموثقة :تتضمن مجموعة من العناوين و جعلت جميعها من
الأنفال و سيأتي البحث عن كل واحد منها في ضمن الابحاث الآتية .

و منها :موثقة زرارة عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :قلت له :
ما يقول اللّه : «يسألونك عن الأنفال قل الأنفال للّه و الرسول »
( و هي كل أرض جلا أهلها من غير أن يحمل عليها بخيل ،و لا
رجال ،و لا ركاب ،فهي نفل للّه و لرسوله ) - 3 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 8 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 20 .



---------------

( 3 ) الوسائل ج 2 الباب 1 من أبواب الانفال الحديث 9 .


--( 10 )--

و هنا عدة روايات أخرى .تدل :على ذلك ،و لكن بما انها
جميعا كانت ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها ،الا أن يدعى
تواترها اجمالا ،و هو غير بعيد .

بحث عن عدة خطوط


الخط الأول :أن هذه الروايات تصنّف إلى عدة مجموعات :

الأولى :جاءت بهذا النص كل أرض خربة للإمام ( ع ) .

الثانية :جاءت بنص آخر :القرى التي قد خربت ،و انجلى
أهلها فهي للّه ،و للرسول ( ص ) .

الثالثة :جاءت بنص ثالث :ما كان من الأرض بخربة لم يوجف
عليها بخيل ،و لا ركاب

الرابعة :جاءت بنص رابع :كل أرض جلا أهلها من غير أن
يحمل عليها بخيل ،و لا رجال ،و لا ركاب ،فهي نفل للّه ،و للرسول ( ص ) .

الخامسة :جاءت بنص خامس :كل أرض لا رب لها .

السادسة :جاءت بنص سادس :أو قوم صالحوا ،أو قوم أعطوا

--( 11 )--

بأيديهم .و بعد ذلك نقول :

لا شبهة في ان المجموعة السادسة :لا تنافي بقية المجموعات
برمّتها ،كما هو ظاهر .

و أما المجموعة الخامسة :فهي أيضا لا تنافي سائر المجموعات .

أما عدم تنافيها للمجموعة الرابعة بنكتة أن جلاء أهل الأرض
لا يستلزم انقطاع علاقتهم عنها نهايتا لكي تصبح الأرض من الأرض
التي لا رب لها .

و ذلك لأن منشأ جلاء أهلها لا يخلو من أن يكون خوفهم من
سيطرة المسلمين عليها من دون أعراضهم عنها ،بحيث متى زال
الخوف من سيطرتهم رجعوا اليها ،أو يكون منشأه تسليمهم الارض
لهم تسليما ابتدائيا ،أو اعراضهم عنها نهائيا .

اما الفرض الأول :فلا يوجب انقطاع علاقتهم عنها نهائيا بغير
شبهة و اشكال .

و اما الفرض الثاني :فالارض ،و أن خرجت عن نطاق ملكيتهم ،
و دخلت في الانفال ،ألا ان خروجها انما كان بعنوان تسليم أهلها
لها ،لا بعنوان ما لا رب لها .

و اما الفرض الثالث :ففي سببيته لانقطاع علاقتهم عنها كلام
و اشكال و سيأتي بيانه في ضمن الابحاث القادمة إن شاء اللّه تعالى .

نعم ،إذا افترضنا ان الجلاء يوجب انقطاع علاقة المالك عن
مملوكه و يوجب دخول الارض في نطاق الارض التي لا رب لها ،

--( 12 )--

فعندئذ يقع التنافي بين المجموعتين بناء على ما هو الصحيح من ظهور
القيد في الاحتراز ،و دلالته على ان الحكم غير ثابت للطبيعي على
نحو الاطلاق ،و الا لكان القيد لغوا .

و على ضوء هذا الاساس ،تدل المجموعة الرابعة على ان الحكم
-و هو النفل -لم يثبت لطبيعي الأرض التي لا رب لها ،بل ثبت
لحصة خاصة منها -و هي التي يكون عدم الرب لها من ناحية جلاء
اهلها -و الا لكان هذا القيد لغوا محضا بعد ما ثبت الحكم للطبيعي
الشامل لها .

نعم ،بناء على ما هو المشهور بين الأصحاب من عدم ظهور القيد
في امثال الموارد للاحتراز ،أو عدم اخذهم به و حمله على الاهتمام
به في مورده أو نحوه فلا معارضة في البين اصلا .

فالنتيجة لحد الآن قد اصبحت انه لا تنافي بين هاتين المجموعتين
على اساس كلا المسلكين .

و اما عدم تنافيها مع المجموعة الثالثة :فباعتبار انها تعم ما إذا
كان لها اهل و رب و ان كان باستيلاء المسلمين عليها بغير الجهاد المسلح
تخرج عن نطاق ملكية اهلها و تدخل في نطاق ملكية الامام ( ع ) .

فتكون النسبة بين المجموعتين عموما من وجه ،و مورد الالتقاء
بينهما الارض الخربة التي لا رب لها ،و مورد الانطباق للمجموعة
الخامسة خاصة :الارض المعمورة التي لا رب لها ،و مورد الانطباق
للمجموعة الثالثة خاصة :الارض الخربة التي لها رب .

--( 13 )--

و اما عدم تنافيها مع المجموعة الثانية :فلأجل انها تعم صورة
ما إذا كان لها اهل و رب ،فان انجلاء الاهل لا يستلزم انقطاع
علاقتهم عنها نهائيا ،و لا يكون من اسباب ذلك ،و عليه فتكون
النسبة بين المجموعتين عموما من وجه لا عموما مطلقا .

و من هنا يظهر عدم تنافيها مع المجموعة الأولى أيضا ،لأن تلك
المجموعة تشمل ما إذا كان لها اهل فتكون النسبة بينهما عموما من
وجه أيضا .

و اما المجموعة الرابعة :فلا تنافي مع المجموعة الأولى ،و ذلك
لأن كلا منهما يتضمن قيدا يوجب الخصوصية فيها من ناحية ،مثلا
الارض في المجموعة الأولى قد قيدت بصورة كونها خربة ،و في
المجموعة الرابعة قد قيدت بصورة جلاء اهلها ،فيكون لكل من
المجموعتين جهة خاصة من ناحية ،وجهة مشتركة من ناحية اخرى .

و لا جل ذلك لا تنطبق المجموعة الأولى على الأرض المعمورة التي
انجلى اهلها ،فهي خاصة من هذه الناحية ،و المجموعة الرابعة على
الارض الخربة التي لم ينجل اهلها ،فهي خاصة من تلك الناحية ،
و تنطبقان معا على الارض الخربة التي انجلى اهلها .

فالنتيجة ان النسبة بينهما عموم من وجه ،لا عموم مطلق .

و كذلك لا تنافي مع المجموعة الثانية ،و ذلك لأنها تشتمل على
عنوان لا تنطبق المجموعة الرابعة عليه -و هو عنوان القرى التي قد
خربت -و لا جل ذلك لا تكون النسبة بينهما عموما مطلقا ،كما
انها لا تنطبق على عنوان الارض فقط .

--( 14 )--

و من هنا ذكر الامام ( ع ) في موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة
هذا العنوان ،أي عنوان القرية الخربة في مقابل الارض الخربة ،
و هذا شاهد صدق على ما ذكرناه .

و اما مع المجموعة الثالثة :فالظاهر انه لا تنافي بينها و بين تلك
المجموعة .و ذلك لأن الظاهر منها انها تعمّ صورة ما إذا لم يكن لها
اهل ،فان استيلاء المسلمين على الارض بغير الجهاد المسلح يعم هذه
الصورة ،حيث انه قد يكون من جهة تسليم الارض لهم ابتداء ،و قد
يكون من ناحية عدم اهل لها حتى يقاومهم على ذلك و قد يكون من
جهة اخرى .فحينئذ -تكون النسبة بين المجموعتين عموما من وجه ،
و مورد الالتقاء بينهما :الارض الخربة التي قد انجلى اهلها ،و مورد
الاختصاص للمجموعة الثالثة :الارض الخربة التي لا اهل لها ،و مورد
الاختصاص للمجموعة الرابعة :الارض المعمورة التي انجلى اهلها .

و اما المجموعة الثالثة :فالظاهر ان النسبة بينها و بين المجموعة
الأولى عموم و خصوص مطلق ،فان المجموعة الأولى تعم جميع الاراضي
الخربة و الميتة ،سواء أ كان لها اهل أم لم يكن ،و سواء استولوا عليها
المسلمون ،أم لا .

و أما المجموعة الثالثة فهي خاصة بالاراضي الخربة التي قد
استولوا عليها المسلمون بغير عنوة ،و ذلك بدلالة تقييد الارض
الخربة فيها بقوله ( ع ) لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ،فان هذا
التقييد يدل على ان الاستلاء عليها كان بغير اراقة الدماء و الجهاد المسلح .

و على ذلك فعلى ضوء ما هو المعروف و المشهور بين الاصحاب قديما
و حديثا من انه لا موجب لحمل المطلق على المقيد في امثال الموارد
و انه يؤخذ بالمطلق على اطلاقه و يحمل القيد على نكتة اخرى كالتأكيد

--( 15 )--

او الاهتمام أو ما شاكل ذلك فلا تنافي بين المجموعتين .

و اما على ضوء ما هو الصحيح من انه لا موجب لرفع اليد عن
ظهور القيد في الاحتراز فلا يمكن الاخذ بالمطلق على اطلاقه ،لتوفر
التنافي بين ظهوره فيه ،و ظهور القيد في الاحتراز فلا يمكن الجمع
بينهما ،فعندئذ -لا بد من رفع اليد عن اطلاق المطلق و حمله على
المقيد بمقتضى الارتكاز العرفي .

و من هنا بنينا في محله تبعا لسيدنا الأستاذ دام ظله ،انه لا فرق
في حمل المطلق على المقيد بين ان يكون الحكم الثابت في موردهما
حكما واحدا و غير قابل للانحلال أو متعددا و قابلا لذلك .

و على هذا الأساس .لا بد من رفع اليد عن اطلاق المجموعة الأولى
و ان الحكم -و هو النفل -لم يثبت لطبيعي الارض الخربة على نحو
الاطلاق و انما ثبت لحصة خاصة منها -و هي الارض الخربة التي
لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب -.

فالنتيجة ان الارض الخربة بمقتضى هذه المجموعة انما تكون
من الأنفال إذا استولوا عليها المسلمون بغير عنوة و اراقة دم
لا مطلقا فلا تدل -عندئذ -على إن الاراضي الخربة و الميتة التي
لم يستولوا عليها المسلمون بغير الجهاد المسلح تكون من الانفال .

و اما مع المجموعة الثانية :فلا تنافي بينها و بين تلك المجموعة
و ذلك لاختصاصها بالقرية التي قد خربت فلا تنطبق على الارض
الخربة فحسب من دون ان تكون معنونة بعنوان القرية ،كما ان
هذه المجموعة لا تصدق على القرية الخربة فقط .

و من هنا يظهر حال المجموعة الثانية :مع المجموعة الأولى و انه
لا تنافي بين المجموعتين بعين الملاك الآنف الذكر .

--( 16 )--

الخط الثاني :هل تختص الانفال بالاراضي ،أو القرى التي قد
استولوا عليها المسلمون بغير قتال ؟فيه وجهان :الظاهر هو الوجه
الثاني يعني به عدم الاختصاص و ربما نسب ذلك إلى الاصحاب .

و السبب فيه ان اطلاق قوله ( ع ) في صحيحة حفض بن البختري
المتقدمة :الانفال ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب يشمل الارض
و غيرها ،حيث ان مضمونة هو :ان كل ما اخذ من الكفار بغير
قتال و اراقة دماء فهو من الانفال و ان كان منقولا ،و لا موجب
لتقييده بغير المنقول .

و مما يدل على ذلك قوله ( ع ) في صحيحة معاوية بن وهب
المتقدمة :و ان لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كلما غنموا
للإمام ( ع ) بل لا يبعد اختصاصه بالمنقول فحسب .

الخط الثالث :هل الارض الخربة تشمل الارض الميتة بالاصالة
أو تختص بما إذا كانت مسبوقة بالعمران فيه وجهان :

ذكر المحقق الاصفهاني ( قده ) في حاشيته على مكاسب شيخنا
العلامة الانصاري ( قده ) ما نصه :( أما الارض الخربة مطلقة
كانت أو مقيدة فموردها المسبوقة بالعمارة لا الموات بالاصالة ) .

و لنأخذ بالمناقشة عليه :فان ما ذكره ( قده ) ان كان يقوم على
اساس ان المنصرف من الارض الخربة هو المسبوقة بالعمارة فلا
تشمل الموات بالاصالة ،فيردّه :

انه لا موجب لدعوى مثل هذا الانصراف ،ضرورة ان المنصرف
منها عرفا ليس هذا المعنى ،بل المنصرف منها عند العرف حسب
ما هو المرتكز في اذهانهم هو المعنى الذي يكون في مقابل المعنى
المنصرف من الارض العامرة عرفا بتقابل التضاد كالمعنى المتفاهم من

--( 17 )--

الارض الميتة في مقابل المعنى المتفاهم من الارض المحياة ،فكما
ان الارض العامرة تشمل العامرة طبيعيا ،و العامرة بشريا ،
كذلك الارض الخربة تشمل الخربة بالاصالة ،و الخربة بالعرض .

فالنتيجة انه لا منشأ لهذا الاختصاص و لا موجب لتلك الدعوى ،
و ان الارض الخربة كالأرض الميتة ،فكما انها تشمل الميتة بالاصالة
و الميتة بالعرض ،فكذلك الارض الخربة .

و ان كان يقوم على اساس ان مورد رواياتها خصوص ما إذا
كانت مسبوقة بالعمران دون الاعم منها و من الموات بالاصالة ،فيردّه :

اولا :ان الامر ليس كذلك ،فان الروايات التي تتضمن الارض
الخربة تصنّف إلى ثلاثة اصناف .

الاول :جاء بهذا النص :كل ارض خربة للإمام ( ع ) .

الثاني :جاء بنص أخر :ما كأن من الارض بخربة لم يوجف
عليها بخيل و لا ركاب .

الثالث :جاء بنص ثالث :كل ارض خربة باد اهلها .و بعد
ذلك نقول :

اما الصنف الاول :فلا يكون فيه ما دل على أن مورده خصوص
الارض الخربة التي كانت مسبوقة بالعمارة ،

و ان شئت قلت :انه ليس هنا قرينة لا من الخارج و لا من
الداخل على أن مورده الارض الخربة المسبوقة بالعمارة ،و عليه
فمقتضى عمومه شموله لكل ارض خربة ،سواء أ كانت خربة بالاصالة
أم كانت بالعرض .

و اما الصنف الثاني :فايضا لا دليل على أن مورده الارض
الخربة المسبوقة بالعمران فحسب ،دون الاعم منها و من الموات

--( 18 )--

بالاصالة .و قد ذكرنا سابقا انه يعم الارض الخربة التي ليس لها
اهل و من الطبيعي ان الارض الخربة التي كانت كذلك تشمل الخربة
بالاصالة أيضا .

نعم الارض الخربة التي يكون لها أهل لا تشملها نظرا إلى ان فرض
الاهل لها خلف ،حيث انه لا يمكن الا بقيام الفرد باحيائها
و عمارتها ،لما سيأتي في ضمن البحوث القادمة من انه لا يمكن
فرض تحقق العلاقة بين الفرد و الارض ابتداء ،سواء أ كانت على
مستوى الملك أم كانت على مستوى الحق الا بقيامه باستثمارها و احيائها ،
ثم بعد ذلك اذا عرض عليها الخراب فهل يوجب خروجها عن
نطاق علاقته بها نهائيا اولا ؟ !ففيه كلام سوف يأتي في ضمن الابحاث
الآتية بشكل موسع .

و اما الصنف الثالث :فهو و ان كان مورده خصوص الارض
الخربة المسبوقة بالعمارة بقرينة فرض وجود الاهل لها الا ان هذا
الصنف ضعيف من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليه على انه
لا يصلح ان يكون مقيدا لإطلاق الصنفين الاولين كما هو ظاهر .

هذا اضافة الى عدم الحاجة اليه ،حيث انه يكفي لإثبات ما
هو المقصود في المقام الصنفان الأولان .

و ثانيا على تقدير تسليم ان مورد الروايات الارض الخربة
المسبوقة بالاحياء الا ان المتفاهم العرفي منها عدم خصوصية للمورد ،
جزما و انه لا فرق بين المسبوقة بالاحياء و غير المسبوقة به .

الرابع :قد ورد في موثقة سماعة بن مهران المتقدمة ان البحرين
مما لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ،و انها من الانفال ،هذا .

و قد حكى عن كتاب الاحياء كما عن شيخنا العلامة الانصاري ( قده )

--( 19 )--

ان البحرين من البلاد التي قد اسلم اهلها عليها طوعا ،و استجابوا
للدعوة ،فهي لأهلها ،لا للإمام ( ع ) .

و قد صرح بذلك الشهيد الثاني ( قده ) في الروضة في كتاب
احياء الموات عند قول الشهيد الاول :( و كل ارض اسلم عليها اهلها
طوعا فهي لهم ) .

بقوله :كالمدينة المشرفة ،و البحرين ،و اطراف اليمن بينما
جعل ( قده ) -بلاد البحرين في كتاب الخمس من الروضة -من
البلاد التي سلمها أهلها للمسلمين ابتداء من دون هجوم من قبلهم ،
و من المعلوم انها عندئذ للإمام ( ع ) لا لأهلها ،فالتناقض بين
قوليه ( قده ) في الكتابين المذكورين موجود .

و كيف كان فالصحيح انها تكون من الانفال لدلالة الموثقة
المزبورة على ذلك من دون قرينة على الخلاف .

و اما كونها منها اي من الانفال لأجل تسليم اهلها للمسلمين تسليما
ابتدائيا أو لأجل المصالحة أو نحو ذلك فالموثقة غير متعرضة لشي‏ء
من هذه الاحتمالات .

الخط الخامس :ان ما جاء بهذا النص كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ( ع ) يؤدي كبرى كلية ،و تدخل في نطاق هذه الكبرى
الارض الموات ،سواء أ كانت مواتا بالاصالة أم كانت بالعرض إذا
لم يكن لها مالك بالفعل .

و كذلك تدخل في نطاقها الارض العامرة طبيعيا ،و العامرة
بشريا إذا فرض عدم اهل لها بالفعل ،كما إذا باد اهلها أو ما شاكل
ذلك .هذا من ناحية .

--( 20 )--

و من ناحية أخرى :ان الارض التي استولى المسلمون عليها
بغير عنوة ،و هراقة دم ،تشمل الارض التي ليس لها مالك بالفعل ،
و لا تختص بالارض التي كان لها مالك كذلك ،كما اشرنا اليه
آنفا ،و لا فرق فيها بين كونها عامرة أو ميتة .

--( 21 )--

1 -الارض الموات :
اصالة ،و عرضا


احياء الارض ،اثره :
الملك ،او الحق ؟ !
شرائط الاحياء

--( 22 )--

--( 23 )--

الارض الموات


لا شبهة في ان الارض الموات من الأنفال .

و تدل على ذلك :مضافا الى عدم الخلاف في المسألة بين الأصحاب
بل عن غير واحد دعوى الاجماع فيها -طوائف من النصوص :

الطائفة الأولى :النصوص المتقدمة كصحيحة حفض بن البختري
و موثقة محمد بن مسلم .و موثقة سماعة بن مهران .و موثقة اسحاق
ابن عمار .و معتبرة زرارة .و غيرها من الروايات التي لا يبعد
بلوغ المجموع حد التواتر اجمالا كما عرفت .

ثم ان هذه الطائفة و ان لم يرد شي‏ء منها في الموات بالاصالة خاصة .

لان بعضها تضمن كون الارض الخربة للإمام ( ع ) .

و بعضها تضمن كون الارض الخربة التى لم يوجف عليها بخيل
و لا ركاب للإمام ( ع ) .

و بعضها تضمن كون الارض التي لا رب لها للإمام ( ع ) ،و هكذا .

--( 24 )--

الا ان دلالتها على كون الموات بالاصالة من الانفال تقوم على
اساس ما قدمناه في ضمن الابحاث المتقدمة من ان الارض الخربة
تشمل الموات بالاصالة ،و لا تختص بالارض الخربة المسبوقة بالعمارة
هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى ان الارض التي لا رب لها كما جاءت في
بعض هذه الطائفة تشمل الموات بالاصالة ،بل هي من اظهر مصاديقها
و افرادها ،و عليه فلا حاجة الى ورود دليل في الارض الموات
بعنوانها خاصة .

و بكلمة اخرى :ان الذي جاء في الروايات المعتبرة و غيرها عنوانان :

احدهما :الارض الخربة .

و الأخر :الارض التي لا رب لها .

و اما الموات بالاصالة فلم ترد في لسان شي‏ء من روايتنا حتى في
رواية ضعيفة .

نعم ورد في صحيحة عمر بن يزيد المتقدمة الارض الموات و لكن
مع فرض اهل لها كما هو كذلك في بعض الروايات الضعاف و هو
مرسلة الصدوق عن داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه ( ع ) في حديث
قال قلت :( و ما الانفال قال :بطون الاودية الى ان قال :و كل ارض
ميتة قد جلا أهلها ) الحديث - 1 - .

و من الطبيعي انها لا تشمل الموات بالاصالة بقرينة فرض الاهل
لها ،و لا اهل للموات بالاصالة .

الا أن الذي يسهل الخطب ما ذكرناه سابقا من ان الارض
الخربة تشمل الموات بالاصالة ،و لا فرق فيها بين كونها خربة بالاصل

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 32 .


--( 25 )--

بان لم يجر عليها ملك من مالك اصلا كالمفاوز مثلا ،و بين كونها
خربة بالعرض من ناحية ابادة اهلها او نحو ذلك .

هذا اضافة إلى ما عرفت من ان الارض التي لا رب لها تشمل
الموات بالاصالة ،و تصدق عليها .

و دعوى -ان هذه النصوص التي جاءت بهذا العنوان ( الارض التي
لا رب لها ) مسوقة لبيان مالكية الامام ( ع ) للأرض بما هي لا
رب لها ،لا بما هي موات بالاصالة ،فحينئذ لا تدل على ان الموات
بالاصالة بما هي موات ملك للإمام ( ع ) .

خاطئة جدا ،و ذلك لأن هذه الدعوى ان كانت تقوم على اساس
انه لا اطلاق لها بالاضافة إلى الموات بالاصالة ،و انما هي ناظرة
إلى ملكية الارض للإمام ( ع ) بما هي لا رب لها فعلا من ناحية
ابادة اهلها أو انجلائه أو ما شاكل ذلك .

فيرده :انه لا شبهة في اطلاقها و عمومها لكل ارض لا رب لها
سواء أ كان عدم رب لها بالذات كالموات بالاصالة أو العامرة كذلك
أو بواسطة امر طارئ كالموات بالعرض أو العامرة كذلك .

و ان كانت تقوم على اساس انها تدل على ملكية الامام ( ع ) بهذا
العنوان أي بعنوان لا رب لها ،و لا تدل عليها بعنوان آخر كالموات
بالاصالة ،فاذن لا دليل على انها ملك للإمام ( ع ) .

فيرده :انها و ان كانت تدل على ذلك ،الا ان هذا العنوان اي
عنوان ما لا رب لها ليس في مقابل عنوان الموات بالاصالة ،بل هو
ينطبق عليها انطباق العنوان على معنونه ،و الكلى على افراده .

و من الطبيعي ان كل ما ينطبق عليه عنوان ما لا رب لها فهو
داخل في نطاق ملكية الامام ( ع ) ،و قد عرفت انه لا شبهة في

--( 26 )--

انطباق هذا العنوان على الموات بالاصالة .

و ان شئت قلت :ان حيثية الموات بالاصالة للأرض لا تباين
حيثية ما لا رب لها بحيث لا يمكن التقائهما في ارض واحدة ،
ليقال ان ما دل على ملكية الارض من الحيثية الأولى لا يدل على
ملكيتها من الحيثية الثانية لعدم انطباقها على ما تنطبق عليه الأولى .

بل هما متداخلتان تداخل الاخص في الاعم ،و منطبقتان في
الخارج على ارض واحدة ،فالارض الموات بالاصالة تنطبق عليها
حيثية ما لا رب لها ،و هي داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) .

و من الطبيعي انه لا فرق في دخولها في نطاق ملكيته ( ع ) بين
ان يكون من جهة حيثيتها الخاصة و هي الموات بالاصالة ،أو من جهة
حيثيتها العامة التي تنطبق عليها و على غيرها -و هي حيثية ما لا رب
لها -.

الطائفة الثانية :النصوص الدالة على ان الارض كلها للإمام ( ع ) .

منها صحيحة أبي سيار مسمع بن عبد الملك في حديث قال :
قلت :لأبي عبد اللّه ( ع ) ( إني كنت و ليت الغوص ،فاصبت
أربعمائة ألف درهم و قد جئت بخمسها ثمانين ألف درهم ،و كرهت
ان احبسها عنك ،و اعرض لها و هي حقك الذي جعل اللّه تعالى لك
في اموالنا فقال :و ما لنا من الارض ،و ما اخرج اللّه منها إلا
الخمس ،يا أبا سيار الارض كلها لنا ،فما اخرج اللّه منها من شي‏ء
فهو لنا ،قال :قلت له :أنا أحمل إليك المال كله فقال :لي
يا أبا سيار قد طيبناه لك ،و حللناك منه ،فضم إليك مالك ،و كل
ما كان في أيدي شيعتنا من الارض فهم فيه محللون ،و محلل لهم ذلك
إلى أن يقوم قائمنا ،فيجيبهم طسق ما كان في ايدي سواهم ،فان

--( 27 )--

كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا ،فيأخذ الارض
من ايديهم ،و يخرجهم منها صفرة ) - 1 - .

و منها صحيحة أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر ( ع ) قال :
( وجدنا في كتاب علي ( ع ) ان الارض للّه يورثها من يشاء من
عباده و العاقبة للمتقين انا و اهل بيتي الذين اورثنا الارض و نحن
المتقون ،و الارض كلها لنا ،فمن أحيا ارضا من المسلمين فليعمرها
و ليود خراجها إلى الامام من اهل بيتي ،و له ما اكل منها ،فان
تركها و اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها
فهو احق بها من الذي تركها ،فليؤد خراجها إلى الامام من اهل
بيتي ،و له ما اكل منها ،حتى يظهر القائم ( ع ) من اهل بيتي
بالسيف فيحويها ،و يمنعها ،و يخرجهم منها ،كما حواها رسول اللّه ( ص )
و منعها ،إلا ما كان في ايدي شيعتنا ،فانه يقاطعهم على ما في ايديهم
و يترك الارض في ايديهم ) - 2 - .

فان دلالة هذه الطائفة على ان الارض الموات بالاصالة للإمام ( ع )
انما هي بالعموم .

الطائفة الثالثة :النبويان اللذان غير مرويين من طرقنا :

احدهما :ما روى عن النبي ( ص ) ( موتان من الارض للّه
و رسوله ( ص ) ثم هي لكم مني ايها المسلمون ) .

و ثانيهما :ما روى عنه ( ص ) ( عادى الارض للّه و لرسوله ( ص )
ثم هي لكم مني ) .هذا .

و لكن ذكر المحقق الاصفهاني ( قده ) في المقام بان المسألة

---------------

( 1 ) الوسائل ج 9 الباب 4 من ابواب الانفال الحديث 12 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 2 .


--( 28 )--

-و هي كون الارض الموات بالاصالة للإمام ( ع ) -و ان كانت اتفاقية
إلا انه لا يمكن اتمامها بالنصوص الواردة في المقام -و هي الطوائف
المتقدمة -حيث قد ناقش في تلك الطوائف باجمعها .

اما الطائفة الأولى و هي التي تصنّف إلى مجموعتين :

احداهما جاءت بهذا النص :( الارض الخربة التي لم يوجف عليها
بخيل و لا ركاب للإمام ( ع ) ) .

و الاخرى :جاءت بنص آخر :( كل ارض لا رب لها ) .

فقد ناقش ( قده ) في كلتا المجموعتين .

اما المجموعة الاولى فقد قال :فيها كما عرفت بان الارض
الخربة لا تشمل الموات بالاصالة ،و تختص بالارض الخربة المسبوقة
بالعمارة .

و قد تقدم جواب ذلك في ضمن البحوث السابقة بشكل موسع .

و اما المجموعة الثانية فقد قال :فيها بأنها مسوقة لبيان ملكية
الارض للإمام ( ع ) بما هي لا رب لها ،لا بما هي موات بالاصالة
فلا تدل على ملكيتها من هذه الحيثية .

و قد تقدم الجواب عن ذلك آنفا بصورة موسعة .

و اما الطائفة الثانية فقد ذكر ( قده ) انها و ان كانت تعم
الموات بالاصالة ،إلا انه لا بد من حمله على الملك بمعنى آخر ،
فيكون كملكه تعالى ملكا حقيقيا ،لا اعتباريا يترتب عليه الآثار ،
و ذلك الملك الحقيقي يعم الاملاك ،و الملاك .

و اوضح ذلك بقوله :فان الممكنات كما انها مملوكة له تعالى
حقيقة باحاطته الوجودية على جميع الموجودات بافضل انحاء الاحاطة
الحقيقية ،كذلك النبي ( ص ) ،و الائمة ( ع ) بملاحظة كونهم ( ع )

--( 29 )--

من وسائط فيض الوجود ،لهم الجاعلية و الاحاطة بذلك الوجه
بمعنى فاعل ما به الوجود ،لا ما منه الوجود ،فانه مختص بواجب
الوجود ،و لا بأس بان تكون الاملاك ،و ملاكها مملوكة لهم بهذا الوجه
و ان لم تكن مملوكة لهم بالملك الاعتباري الذي هو الموضوع للأحكام
الشرعية و آثارها .

و الجواب عن ذلك :انه لا موجب لحمل الملك في هذه الطائفة
من النصوص على الملك الحقيقي بالمعنى المذكور ،لوضوح ان هذا
الحمل بحاجة الى عناية زائدة ،فلا يمكن الذهاب اليه من دون
قرينة تشهد على ذلك .

و بكلمة اخرى :لا شبهة في ظهور النصوص في الملك الاعتباري
و لا يمكن رفع اليد عن هذا الظهور الا عند توفر قرينة على الخلاف
و لا قرينة في المقام لا من الداخل ،و لا من الخارج .

نعم قد يتوهم ان ملكية الامام ( ع ) للأرض كلها تتعارض مع
تملك غير الامام بسبب من الاسباب الشرعية ،كالإحياء ،او نحوه ،
و هذا بنفسه قرينة على عدم امكان الاخذ بالظهور المزبور ،و لا جل
ذلك لا مناص من حمل الملك في النصوص على الملك الحقيقي .

و لكن هذا التوهم خاطئ جدا ،و السبب فيه :

اما اولا :فلا مكان ان يقول :ان النصوص التي تدل على ان
الارض كلها للإمام ( ع ) انما تنظر الى الارض بوضعها الطبيعي
يعني ان ملكية الامام ( ع ) للأرض جميعا بملكية اعتبارية منصبة
على الوضع الطبيعي للأرض بما هي .

و من الطبيعي ان ملكية الامام ( ع ) للأرض بهذا المعنى
لا تتعارض مع ملكية غيره لها بالعنوان الثانوي ،بداهة انه لا منافاة

--( 30 )--

بين كون الارض داخلا في نطاق ملكية الامام ( ع ) بالعنوان الاولى
الطبيعي ،و كونها داخلا في نطق ملكية غيره بالعنوان الثانوي العرضي
كإحياء و عمارة ،او نحو ذلك .

و اما ثانيا :فعلى ضوء ما حققناه في ضمن الابحاث القادمة من
ان الاحياء لا يوجب اختصاص المحيى بالارض على مستوى الملك ،
و انما يوجب اختصاصه بها على مستوى الحق ،فلا ملزم للقول بان
النصوص المذكورة انما تنظر الى ملكية الارض للإمام ( ع ) بوضعها
الطبيعي ،اذ لا منافاة بين ملكية الامام ( ع ) للأرض على نحو
الاطلاق ،و اختصاص غيره بها على مستوى الحق ،اذا قام باحيائها
و عمارتها .

و نتيجة ذلك ان من قام باحياء الارض و عمارتها فقد حدثت له
العلاقة بها على مستوى الحق ،دون الملك ،و هذا لا يتعارض مع
بقاء رقبة الارض في ملك الامام ( ع ) .

ثم ان الظاهر من النصوص هو الملكية بهذا المعنى يعني
الملكية المطلقة ،دون الملكية في اطار خاص -و هي الملكية على
الشكل الاول ،فان حمل النصوص عليها بحاجة الى قرينة ،و لا قرينة
في البين ،الا على ضوء ما هو المشهور بين الاصحاب من ان الاحياء يوجب
الاختصاص على مستوى الملك ،فانه حينئذ لا بد من الالتزام بملكية
الامام ( ع ) للأرض على الشكل الاول .

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة ،و هي ان رقبة الارض ملك
للإمام ( ع ) مطلقا اي سواء أطرأ عليها عليها عنوان ثانوي كالإحياء
او نحوه ،أم لم يطرء ،فان الاحياء على الصحيح كما سيجي‏ء لا يكون
مبررا ألا لاختصاص المحيي بها على مستوى الحق فحسب ،و هذا

--( 31 )--

لا ينافي بقاء الرقبة في ملك الامام ( ع ) ،بل هو يؤكد ذلك .

و من هنا يظهر انه لا موجب لحمل الملكية في تلك النصوص على
اعتبارها امرا معنويا ،فان الضرورة لهذا الحمل أو غيره انما تكون
فيما اذا لم يمكن حملها على اعتبارها حكما شرعيا ،و اما اذا امكن
ذلك ثبوتا ،و كانت النصوص ظاهرة فيه اثباتا ،فلا ضرورة لذلك
ابدا ،هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى :لو اغمضنا النظر عن ظهور النصوص في
نفسها في ملكية الارض للإمام ( ع ) بالملكية الاعتبارية الشرعية ،
الا ان في ذيلها قرائن تشهد على ذلك ،و تؤكد ان ملكية الامام ( ع )
للأرض كلها حكم شرعي ،و من جهة تلك القرائن لا مناص من
الالتزام بذلك .

منها :فرض الطسق و الاجرة له ( ع ) فيها تفريغا على ملكيته
لها ،و هذا شاهد قطعي على ان ملكيته ( ع ) لها حكم شرعي ،
لا تكويني خارجي ،و لا روحي محض .

و منها تحليله ( ع ) الارض للشيعة ،دون غيرهم تفريغا على
ملكيته لها ،فانه يدل على ان الملكية هنا حكم شرعي لا غيره ،نظرا
الى ظهور النصوص في التحليل المالكي .

و منها فرض ان القائم ( ع ) اذا ظهر أخذ الارض من ايدي
غير الشيعة ،و يخرجهم منها صفرة ،فانه يدل بوضوح على ان
ملكيتها للإمام ( ع ) حكم شرعي ،لا تكويني ،و لا معنوي ،حيث
ان شيئا منهما لا يكون مانعا عن تملك غيره و تصرفه فيها ،و لا
يكون محرما كما فرض فيها .

و اما الطائفة الثالثة فقد ناقش ( قده ) فيها بأنها غير مروية من

--( 32 )--

طرقنا فلا يمكن الاستدلال بها ،و هذا الذي افاده ( قده ) متين
جدا ،حيث لا يمكن الاستدلال بالنبويين المذكورين ،لعدم ثبوتهما
عندنا .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان الارض
الموات بشتى اشكالها و الوانها تكون من الانفال و ملكا للإمام ( ع )
يعني به منصب الامامة ،و بعد ذلك نقول :

ان الكلام يقع حول الاراضي الموات في عدة نقاط رئيسية :

( النقطة الاولى )


ان في موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة قد اعتبر -في كون القرية
التي قد انجلى اهلها -من الانفال طرو الخراب عليها .و نتيجة ذلك
انها اذا كانت عامرة لم تكن منها و كذا إذا كانت خربة و لم ينجل
اهلها ،هذا واضح .

و انما الكلام في ان القرية إذا كانت عامرة و لم يكن لها أهل ،
كما إذا باد أهلها ،فهل تكون من الانفال ؟مقتضى هذه الموثقة انها و ان
لم تكن من الانفال ،إلا انه لا مانع من الحكم بكونها منها
باعتبار دخولها في الارض العامرة التي لا رب لها ،لوضوح ان
الارض العامرة تشمل ما إذا كان عمرانها باحداث قرية أو بلد .
هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى ان في ذيل هذه الموثقة قد اعتبر في كون
الارض التي لم يوجف عليها بخيل ،و لا ركاب من الانفال كونها

--( 33 )--

خربة ،و مقتضى ذلك عدم كون تلك الارض منها إذا كانت عامرة
و قد تقدم ان هذه الموثقة لا تكون منافية لإطلاق موثقة زرارة
المتقدمة أو ما شاكلها .

و من ناحية ثالثة قد عرفت ان ذيل هذه الموثقة يكون مقيدا
لإطلاق صحيحة حفض بن البختري المتقدمة ،أو نحوها .و نتيجة
هذا التقييد هي ان الارض التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب انما
تكون من الانفال و ملكا للإمام ( ع ) إذا كانت خربة ،لا مطلقا
و لو كانت عامرة .

لحد الان قد تبين انه لا يمكن الحكم بكون الارض التي لم يوجف
عليها بخيل ،و لا ركاب من الانفال إذا كانت عامرة بمقتضى هذه
النصوص التي قد عرفت آنفا .

و لكن قد سبق ان لدينا مجموعات اخرى من النصوص ،و هي
تدل على ذلك .منها :ما جاءت بهذا النص :( كل ارض لا رب لها )
هي للإمام ( ع ) .

و من الطبيعي ان هذا النوع من الارض داخل في نطاق
عموم هذه المجموعة ،لوضوح إن كل ارض باد اهلها ،يدخل
فيما لا رب لها فعلا فتعمها تلك المجموعة نظرا الى ان مدلولها هو
ان أي أرض لا مالك لها بالفعل فهي نفل ،و داخلة في نطاق ملكية
الامام ( ع ) ،من دون فرق بين كونها عامرة أو خربة ،و من
دون فرق بين كونها مسبوقة بملكية احد لها أو لم تكن .

و من هنا قلنا ان القرية العامرة اذا لم يكن لها مالك فعلا
تدخل فيها اي في تلك المجموعة .

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة ،و هي ان كون الارض نفلا

--( 34 )--

لا ينحصر بالارض الميتة و الخربة ،بل تعم الارض العامرة أيضا اذا
كانت مما لا رب لها فعلا كما إذا كان عمرانها طبيعيا هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى فقد عرفت ان الارض الميتة و الخربة اذا كان
موتها و خرابها بالاصالة فهي نفل للّه ،و لرسوله ( ص ) ،و من بعده
للأئمة ( ع ) .

و اما إذا كان موتها و خرابها بسبب طارئ و عارض فان لم يكن لها
مالك فعلا فهي أيضا نفل ،و ان كان لها مالك كذلك فهي ليست
بنفل جزما ،لان النصوص المتقدمة لا تدل على ملكية الارض
للإمام ( ع ) اذا كان لها مالك بالفعل .

و اما فرض ان لها مالكا في هذا الحال يقوم على اساس امرين :

احدهما :افتراض ان الاحياء يوجب اختصاص المحيي بالارض
على مستوى الملك ،او يكون الموجب لذلك الاختصاص سببا آخر
كشراء أو نحوه .

و الاخر :ان طر و الخراب لا يوجب انقطاع علاقة المالك عنها نهائيا .

و سيجي‏ء البحث حول هذين الامرين في ضمن البحوث القادمة ،
و نبين هناك المناقشة في الأمر الأول ،و نقول :ان الاحياء اذا كان
بعد تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) لا يوجب العلاقة
الا على مستوى الحق دون الملك ،و كذا الشراء ،أو نحوه المتأخر
عنه ،المنتهي اليه بالتالي .

و اما الأمر الثاني فنبين هناك انه تام على القول بالملك من اي
سبب كان ،دون القول بالحق .

و قد تحصل من مجموع ما ذكرناه امران :

الاول :ان النسبة بين كون الارض نفلا و كونها ميتة عموم من

--( 35 )--

وجه ،فانها قد تكون نفلا ،و لا تكون ميتة ،كما اذا كانت عامرة
طبيعيا بدون تدخّل انسان فيها ،فانها نفل ،مع انها ليست بميتة ،و قد
تكون ميتة ،و لا تكون نفل ،و ذلك كما اذا قام فرد باحياء الارض
قبل تاريخ نزول آية الانفال ،او فيما اذا اسلم اهلها عليها طوعا
قبل ذلك التاريخ أو نحو ذلك ،فان هذه العلاقة لا تزول بطرو
الخراب عليها ،و سوف نشير الى تفصيل ذلك في ضمن الموضوعات
القادمة ،و قد تلتقيان في مورد واحد كما في الموات بالاصالة .

الثاني :ان العنوان الرئيسي العام لكون الارض نفلا انما هو
عنوان ما لا رب لها ،فانه بشمل الاراضي الميتة ،و العامرة التي
لا مالك لها ،كما اذا كان عمرانها مستندا الى طبيعتها من دون
تدخّل عامل خارجي فيها .

النقطة الثانية


قد عرفت ان الارض الميتة اذا كان لها مالك بالفعل فليست
من الانفال جزما .

و من هنا قد قيد جماعة منهم المحقق ( قده ) في الشرائع كونها
من الانفال ،بما باد اهلها ،أو لم يجر عليها ملك ،كالمفاوز ،
و سيف البحار .

و من الواضح ان هذا التقييد انما هو للاحتراز عما اذا كان
لها مالك بالفعل .

ثم ان سبب ملك الفرد للأرض قد يكون عملية الاحياء ،بناء
على القول بكونها سببا له ،و قد يكون غيرها من الاسباب الأخر

--( 36 )--

كالإرث و الشراء و الهبة و ما شاكل ذلك ،و على كلا التقديرين ،
فتارة يفرض اعراض المالك عن الارض ،و اخرى يفرض عدم
اعراضه عنها ،فيقع الكلام في مقامين :

الاول :فيما اذا كان سبب الملك عملية الاحياء .

الثاني :فيما اذا كان سببا آخر غيرها ،كالشراء أو الارث ،أو نحو ذلك .

اما المقام الاول :ففيه اقوال :

القول الاول :ان علاقة المالك عن الارض تنقطع نهائيا بعد
خرابها ،و تدخل في علاقة من قام باحيائها و عمارتها .

القول الثاني :ان علاقة المالك بالارض ان كانت بسبب الاحياء
انقطعت عنها نهائيا بعد خرابها ،و ان كانت بسبب آخر ،كالشراء ،
أو نحوه لم تنقطع لا بالخراب ،و لا بقيام غيره باحيائها ،و الاستيلاء عليها .

القول الثالث :ان علاقة المالك لا تنقطع عن الارض نهائيا بطرو
الخراب ،و انما تنقطع عنها كذلك بعد قيام غيره باحيائها و استثمارها .

القول الرابع :ان علاقة المالك لا تنقطع عن الارض مطلقا
حتى بعد قيام غيره بعملية احيائها من دون فرق بين ان يكون سبب
علاقته بها عملية الاحياء أو غيرها .

القول الاول


ذهب اليه جماعة منهم الشهيد الثاني ( قده ) في الروضة و المسالك
و عن العلامة في التذكرة انه مال اليه ،و عن السبزواري في الكفاية
انه الاقرب ،و عن الفاتح انه أوفق بالجمع بين الاخبار ،بل عن
المحقق في جامع المقاصد انه المشهور بين الاصحاب .

--( 37 )--

و كيف كان فقد استدل على هذا القول بوجهين :

الوجه الاول بمجموعة من النصوص التي جاءت بهذا اللسان أو
قريبا منه ( من أحيا ارضا مواتا فهي له ) .

و تقريب الاستدلال بها انها تدل باطلاقها على ان من يقوم
بعملية احياء الارض الموات و استثمارها يملك الارض .

و من الطبيعي ان قضية ذلك لا محالة خروجها عن ملك صاحبها
بعد خرابها ،و الا لم يجز لغيره نهائيا ان يقوم باحيائها و التصرف
فيها ،و لم يترتب على احيائه اثر وضعا .

و لنأخذ بالمناقشة في هذا الدليل :

اما اولا :فلان تلك المجموعة من النصوص لا تدل بوجه على
خروج الارض عن ملك صاحبها بعد خرابها ،لوضوح ان ما تدل
عليه هذه المجموعة و تؤكده هو ان من يقوم باحيائها يملك .

و من الطبيعي ان تملكه لها بالاحياء لا ينافي عدم خروجها عن ملك
صاحبها بصرف الخراب ،اذ من الممكن جزما ان تظل رقبة الارض
في ملكه بعد خرابها .

و على الرغم من ذلك فيمكن للشارع ان يبيح لغيره القيام باحيائها
لئلا تبقى الارض معطلة ،فاذا قام غيره باحيائها ،و انفق جهده في
سبيل بعث الحياة فيها .و اصبحت حية ،فقد انقطعت بذلك علاقة
صاحبها عنها نهائيا لا بصرف خرابها و تدخل بعد ذلك في ملكه .

و بكلمة اخرى :ان تلك المجموعة تدل بالمطابقة على ان عملية
الاحياء توجب تملك المحيى لرقبة الارض ،و لا تدل ابدا على
خروج الارض عن ملك صاحبها بطرو الخراب ،اذ كما يحتمل ذلك
يحتمل ان يكون خروجها عن ملكه بقيام غيره باحيائها :لا بخرابها فقط .

--( 38 )--

فلا ملازمة بين جواز قيام فرد آخر باحياء الارض و بين خروجها
عن ملك صاحبها بمجرد الخراب ،ليقال ان هذه المجموعة التي
تدل على الأول بالمطابقة تدل على الثاني بالالتزام .

فالنتيجة :ان ما هو معلوم لنا خارجا هو خروج تلك الارض
عن ملكية الفرد الأول بعد قيام الفرد الثاني باحيائها و استثمارها
و انفاق الجهد في سبيل بعث الحياة فيها .

و لكن لا نعلم تاريخ خروجها الزمني و انه هل كان بطرو الخراب
فحسب أي سواء أقام غيره باحيائها أم لم يقم ،أو كان بعد انفاقه
جهده في سبيل بعث الحياة فيها ،فاللازم يكون الاعم ،فالنصوص
كما لا تدل على الأول ،كذلك لا تدل على الثاني ،و انما تدل على
الجامع اجمالا من دون دلالة على أية خصوصية .

و أما ثانيا :فلان التمسك بهذه النصوص يكون من التمسك
بالعام في الشبهة المصداقية ،فلا يجوز .

بيان ذلك :لا شبهة في ان موضوع عملية الاحياء انما هو الارض
الميتة التي ليس لها مالك بالفعل ،لوضوح انه لو كان لها مالك
كذلك لم يجز احيائها جزما ،و لم يكن له اثر بالاضافة اليها نهائيا .

بداهة انه انما يؤثر في ايجاد الاختصاص على مستوى الملك ،
أو الحق على الخلاف في المسألة القادمة ،اذا كان في الارض الميتة
التي لم تكن لأي فرد علاقة بها و لو على مستوى الحق .

ثم ان هذا التقييد في موضوع هذه النصوص قد ثبت بدليل
العقل و الشرع .

اما العقل فلاستقلاله بقبح التصرف في مال الناس عدوانا ،
و بدون الاذن منهم .

--( 39 )--

و اما الشرع فلحكمه بحرمة التصرف في مال المسلم بدون اذنه
و طيب نفسه .

و دعوى -أن الاثر الوضعي المترتب على عملية الاحياء لا يتوقف
على جواز هذه العملية تكليفا ،فيمكن ان تكون العملية محرمة
شرعا ،و مع ذلك يترتب عليها الاثر الوضعي -و هو الملك أو الحق -
اذا قام فرد بها خارجا ،فلا ملازمة بين حرمتها تكليفا و عدم ترتب
الاثر عليها وضعا ،و كم له من نظير في الشرع المقدس -.

و ان كانت صحيحة في الجملة ،الا أنها خاطئة في خصوص مورد
الكلام ،و ذلك لخصوصية فيه ،و هي كون الارض في ملكية غيره .

و من الطبيعي ان الاحياء انما يؤثر في ايجاد العلاقة بين الارض
و الفرد فيما اذا لم تكن مسبوقة بعلاقة اخرى بينها و بين الفرد الاخر ،
و الا فلا أثر له أصلا .

نعم اذا افترضنا ان المحل قابل لان تؤثر فيه عملية الاحياء
و الاستثمار ،كما اذا كانت في الارض الموات التي لا مالك لها
فعلا ،كالموات بالاصالة ،أو نحوها ،و كان منشأ حرمتها شيئا آخر
كما اذا انطبق عليها عنوان هتك مؤمن مثلا أو كانت مصداقا للضرر
المحرم ،أو فرض نهي الشارع عنها بجهة من الجهات ،ففي مثل ذلك
لا مانع من ترتب الاثر الوضعي عليها ،و الحرمة التكليفية المحضة
غير مانعة عن ذلك ،كما هو الحال في غيرها من اسباب الملك
كالبيع ،أو نحوه .

و أما اذا شك في تأثير الاحياء للشك في بقاء الارض بعد خرابها
في ملكية صاحبها ،أو خروجها عن نطاق ملكيته ،فمن الطبيعي
انه لا يمكن ترتيب الاثر عليه ،للأصل المقتضى عدمه .

--( 40 )--

و على ضوء هذا الاساس فيكون موضوع العام في تلك المجموعة
من النصوص متعنونا بعنوان عدمي -و هو الارض الميتة التي لا تكون
ملكا لأحد -و بما ان احرازه فيما نحن فيه لا يمكن لا وجدانا ،و لا
تعبدا فلا يمكن التمسك به ،لأنه من التمسك بالعام في الشبهة
المصداقية .

قد يناقش في ذلك :بانه لا مانع من التمسك بتلك النصوص
في المقام ،بدعوى انه ليس من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية
باعتبار ان موضوعها -و هو الارض الميتة -لم يقيد بالقيد المشار
اليه آنفا .

و السبب فيه :ان السيرة العقلائية قد جرت على جواز التصرف
في الارض بعد خرابها و موتها ،و ان كانت رقبتها باقية في ملكية صاحبها .

و هذه السيرة لما كانت ممتدة زمنيا الى تاريخ عصر التشريع
من دون ورود أي ردع عنها ،بل يظهر من بعض الروايات القادمة
إمضائها ،فبطبيعة الحال تكشف عن امضاء الشارع لها .

و النكتة في ذلك انه لا مصلحة في تعطيل الارض ،و عدم الاستفادة
منها ،رغم الحاجة الى استثمارها و الاستفادة من ثرواتها .

و على هذا الضوء فاذا لم يقدم صاحبها بالقيام باحيائها و استثمارها
فقد جوز الشارع لغيره ان يقوم بذلك ،بل ربما ينتهي الأمر الى
حكم الشارع بلزوم القيام بحقها .

فالنتيجة :انه لا مانع من التمسك بهذه النصوص باعتبار ان
الدليل المزبور يخرج التمسك بها من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية .

و الجواب عن هذه المناقشة :انها بحاجة الى دليل ،و لا نملك
دليلا يدلنا على ذلك .

--( 41 )--

اما السيرة فهي غير جارية هنا جزما ،بداهة ان المرتكز القطعي
لدى اذهان العقلاء قبح التصرف في مال الناس بدون الاذن و الرضا
منهم ،لأنه لديهم نوع ظلم ،و قبح الظلم عندهم من القضايا التي
قياساتها معها ،و مع ذلك كيف يتعقل جريان السيرة منهم على جواز
التصرف فيه .

و دعوى :ان السيرة و ان كانت غير جارية على جواز التصرف
في مال الناس بما هو ،الا انه لا مانع من جريانها فيما نحن فيه ،
و ذلك لوجود الفارق ،و هو ان فيما نحن فيه لا تكون ملكية الارض
محرزة لصاحبها بعد خرابها ،اذ كما يحتمل بقائها في ملكه ،
يحتمل خروجها بذلك ،فعندئذ يمكن القول بقيام السيرة منهم على
جواز القيام باحيائها و التصرف فيها .

خاطئة جدا ،و ذلك لأنه لا فرق في حكم العقل بقبح التصرف
في مال الناس بين ان يكون معلوما ،او مشكوكا ،ما لم يقم دليل
على العدم ،و لو كان ذلك الدليل اصلا عمليا ،و الفرض هنا عدم
الدليل ،بل مقتضى الاصل العملي في المقام بقاء الارض في ملك
صاحبها ،و عدم انقطاع علاقته عنها نهائيا .

هذا اضافة الى ان هذه السيرة لو تمت فلا تثبت هذا القول
-و هو خروج الارض عن ملك صاحبها بالخراب -بل تثبت بقائها
في ملكه .

و اما بعض الروايات الآتية فهو و ان دل على جواز احياء الارض
الخربة التي يكون لها مالك معروف ،حيث ان ظاهره بقاء رقبة
الارض في ملك مالكها ،و عدم خروجها عن ملكه نهائيا ،لا بعد
خرابها ،و لا بقيام غيره باحيائها ،فان قيامه باحيائها انما يمنح له

--( 42 )--

الاختصاص بها على مستوى الحق .

و هذا لا ينافي بقاء الرقبة في ملك صاحبها ،لأن المنافي له انما
هو فيما لو كان احيائه موجبا لمنح الاختصاص له على مستوى الملك
و الفرض انه لا يوجب ذلك .

الا ان هذا النص أجنبي عن القول المزبور تماما ،فانه يدل على
عكسه -و هو بقاء الارض في ملك مالكها حتى بعد قيام غيره باحيائها -

هذا اضافة الى ان هذا النص لا يصلح ان يكون قرينة على تعيين
موضوع النصوص العامة المتقدمة حتى لا يكون التمسك بها في المقام
من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية ،و ذلك لما سيجي‏ء في ضمن
البحوث القادمة من ان مورد هذا النص هو ما اذا كان صاحب
الارض ممتنعا و مهملا عن القيام بعملية احيائها و استثمارها ،فعندئذ
يجوز لغيره أن يقوم بهذه العملية ،و لكن لا يحصل له الا الحق
فيها دون الملك .

و اما اذا لم يكن صاحبها ممتنعا و مهملا عن القيام بذلك فلا يجوز
لغيره ان يقوم بها ،فأذن كيف يكون النص المذكور قرينة على جواز
التصرف في الارض الخربة و القيام باحيائها مطلقا .

فالنتيجة :ان هذا النص كما لا يكون دليلا على اثبات هذا
القول ،كذلك لا يكون دليلا على اثبات القول الثاني أيضا .

و من هنا يظهر انه لا صلة لهذه المناقشة بهذا القول اصلا ،فان
المناقشة انما تقوم على اساس بقاء الارض بعد خرابها في ملك صاحبها ،
و هذا القول انما يقوم على اساس خروجها عن ملكه بخرابها ،فهما في
طرفي النقيض .

نعم انها تنسجم مع القول الثاني الآتي و تدفع عنه الاشكال بان

--( 43 )--

التمسك فيه بالنصوص المتقدمة من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية
كما سوف نشير الى ذلك بشكل موسع .

قد يقال :كما قيل :ان عدم جواز التمسك بالعام في الشبهة
المصداقية انما هو فيما اذا كان المخصص لفظيا ،و اما اذا كان لبيا
فلا مانع من التمسك به .

و بما ان المخصص في محل الكلام لبى فلا مانع حينئذ من
التمسك بعموم النصوص المذكورة في الشبهات المصداقية .

و اما كونه لبيا فانما هو باعتبار ان -ما دل من الادلة على حرمة
التصرف في مال المسلم ،بدون طيب نفسه ،و رضاه -ليست نسبته
الى تلك النصوص نسبة الخاص اللفظي الى العام ،بل ان المستفاد
من مجموع تلك الادلة هو القطع بعدم جواز التصرف فيه فالمخصص
هنا انما هو القطع المذكور .

و بما انه لبى ،فلا مانع من التمسك بعموم العام الا في موارده
دون الاكثر ،و عليه ففي كل مورد لا يكون القطع بعدم جواز
التصرف موجودا لا مانع من التمسك بعموم تلك النصوص ،و الفرض
انه فيما نحن فيه غير موجود ،للشك في بقاء الارض في ملك صاحبها
و احتمال خروجها عنه نهائيا ،فعندئذ لا مانع من الرجوع الى عمومها .

و هذا بخلاف ما اذا كان المخصص لفظيا ،فان الملقى الى المكلف
عندئذ حجتان ،و قضيتهما بعد تحكيم الخاص على العام ،و تقديمه
عليه كأنّه لم يعمه العام من رأس ،و كأنه لم يكن بعام ،و عليه فلا
يكون العام حجة في الافراد المشكوكة .

و لكن هذا الوجه خاطئ جدا ،و السبب فيه ان المخصص مطلقا
و لو كان لبيا فهو لا محالة يوجب تقييد موضوع العام بغير افراد

--( 44 )--

المخصص ،ضرورة ان الاهمال في الواقع مستحيل ،و اما الاطلاق
فيه فهو أيضا كذلك ،لأنه خلف ،فلا مناص حينئذ من الالتزام
بتقييده بغيرها ،و لازم ذلك عدم حجية العام في الافراد المشكوكة ،هذا .

و لكن على الرغم من ذلك فقد اصر المحقق الاصفهاني ( قده ) بالفرق
بينهما ،بدعوى ان المخصص اذا كان لفظيا لم يجز التمسك بالعام
في الفرد المشكوك و المردد .

و اما اذا كان لبيا فلا مانع من التمسك بالعام فيه ،فان منشأه
ليس الا القطع بالخلاف ،و هو فيما نحن فيه القطع بان ما هو في
ملك صاحبها لا يجوز تملكه الا بناقل شرعي ،ففي مثله يجوز
التمسك بالعام في الافراد المشكوكة ،لكشف حالها ،لفرض انه
حجة فيها ،و لا يكون له مزاحم و مانع عن شمولها .

و قد أفاد ( قده ) في وجه ذلك بما إليك توضيحه :ان المخصص
إذا كان لبيا فبما ان منشأه القطع بالخلاف اي بخلاف عنوان العام
فلا يوجب تقييد موضوع العام في الواقع و نفس الأمر ،و انما يوجب
تقييده بعنوان القطع بخلافه ،ففى كل مورد يكون القطع بالخلاف
موجودا فلا يكون مشمولا للعام .

و اما فيما لا يكون القطع به موجودا فلا مانع من شمول العام
له ،و ان كان مشكوكا فيه ،فان الشك لا يكون مانعا عن شموله
و انطباقه عليه ،فالمانع عن الاخذ به انما هو القطع ،دون غيره
و في اي مورد كان القطع بالخلاف منتفيا فانه مشمول للعام و يكون
العام حجة فيه .

و فيما نحن فيه بما ان موضوع عمومات الاحياء قد قيد بالقطع
بما لا يكون ملكا لأحد فمن الطبيعي ان في اي مورد يتوفر القطع

--( 45 )--

فيه فلا يكون مشمولا لها و اما فيما لا يتوفر القطع فيه فلا مانع
من شمولها له و احراز انه من افراد العام .

و عليه فاذا شك في مورد لا يتوفر فيه القطع بالخلاف في انقطاع
علاقة المالك عن الارض بعد خرابها و عدم انقطاعها فلا مانع من
التمسك بتلك العمومات لإثبات انقطاعها عنها .

فالنتيجة ان المانع عن العمل بها انما هو القطع دون المقطوع
به بوجوده الواقعي ،فكون الارض الميتة في الواقع ملكا للغير ،
لا يمنع عن التمسك بعمومها ،ما لم يتوفر لديه القطع بذلك .

و الى هذا يرجع ما افاده ( قده ) بقوله :و المخصص اللفظي ،كما
يكون حجة على المنافاة ،كذلك يكون حجة على وجود المنافي ،
و المخصص اللبي ليس حجة الا على المنافاة ،دون وجود المنافي .

و لذا لا يجوز التمسك بالعام على الأول ،لاختلال حجيته على
عدم المنافي ،و يجوز التمسك به على الثاني ،لعدم اختلال حجيته
على عدم المنافي ،و هذا يعني :ان المخصص اذا كان لفظيا فهو كما
يكون حجة على المنافاة يعنى المنافاة بين حكم الخاص ،و حكم العام
كذلك يكون حجة على وجود المنافي -و هو وجود الخاص في الواقع
فانه بوجوده الواقعي الموضوعي مناف للعام .

و اما اذا كان لبيا كالقطع فهو انما يكون حجة على المنافاة يعني
منافاة حكم الخاص لحكم العام ،و لا يكون حجة على وجود المنافي
-و هو عنوان المقطوع به في الواقع -.

و النكتة فيه :ان المخصص على الأول انما هو عنوانه الواقعي ،

و اما المخصص على الثاني انما هو عنوان القطع نفسه ،لا العنوان
الواقعي للمقطوع به .

--( 46 )--

و من الطبيعي ان القطع بالخلاف انما ينافي العام بمقدار سعته
دون الازيد ،ففي الزائد يكون العام محكما ،و عليه فلا مانع من
التمسك بالعام في غير موارد توفر القطع بالخلاف .

و الجواب عن ذلك ان منشأ التخصيص في المخصص اللبي و ان
كان هو القطع ،الا ان من الواضح لدى الارتكاز الجزمي العرفي ان
القطع بما هو قطع لا يكون فيه ملاك التخصيص ،بداهة انه ليس
له شأن ما عدى كونه طريقا الى الواقع ،و كاشفا عنه ،فما يكون
فيه ملاك التخصيص و التنافي انما هو المقطوع به بعنوانه الواقعي ،
فكون القطع منافيا للعام انما هو باعتبار تعلقه به ،لا مطلقا و بقطع
النظر عنه .

و عليه فبطبيعة الحال يكون القطع به كاشفا عن انه مانع و مناف
للعام ،بعنوانه الواقعي ،لا بعنوانه العلمي ،لأن حرمة التصرف في
مال المسلم وضعا و تكليفا ليست تابعة للعلم ،ضرورة انها تابعة لتحقق
موضوعها في الواقع كان هناك علم أم لم يكن .

و من الطبيعي ان المنافي لتملك المحيي للأرض بالاحياء انما هو
كونها في ملكية غيره ،و لا دخل لعنوان القطع بذلك اصلا ،فانها
ان كانت في الواقع ملكا لغيره لم يملكها المحيي بالاحياء ،و إلا
ملكها ،سواء أ كان هناك قطع بذلك ،أم لم يكن .

فالنتيجة من ذلك أن الارض الموات التي هي موضوع في عمومات
الاحياء بطبيعة الحال قد قيدت بما لا تكون ملكا لغير من يقوم
باحيائها ،غاية الأمر ان الكاشف لنا عن هذا التقييد في الواقع
انما هو القطع ،و لا يعقل ان يكون هذا التقييد تابعا للقطع ،لما
عرفت من ان حرمة التصرف في مال المسلم ليست تابعة له .

--( 47 )--

و هذا التقييد انما هو من مظاهر حرمة التصرف فيه ،و آثارها
فاذا كان موضوع هذه العمومات مقيدا في الواقع بما عرفت ،فكيف
يمكن التمسك بها في موارد الشك في تحققه بتحقق قيده ،فان
القطع و ان كان غير موجود فيها ،إلا ان المانع عن التمسك بها
في تلك الموارد ليس هو وجوده .

بل العمومات في حد نفسها لا تشمل تلك الموارد ،باعتبار انها
غير ناظرة الى تعيين افراد موضوعها في الخارج ،و مصاديقه ،و إلا
فالمخصص إذا كان لفظيا فهو أيضا غير مانع عن التمسك بها في
الموارد المزبورة ،فلا فرق من هذه الناحية بين المخصص اللفظي
و المخصص اللبي اصلا .

و على الجملة فبالتحليل العقلي لا يعقل كون القطع بنفسه في
مورد الكلام مخصصا ،و منافيا للعام ،حيث قد عرفت ان ملاك
التخصيص ،و التنافي غير متوفر فيه ،و انما هو متوفر في متعلقه

و عليه فلا يفرق بين كون الدليل عليه لفظيا ،أو عقليا ،فانه
على كلا التقديرين لا يجوز التمسك بالعام في الشبهة المصداقية في
موارد التخصيص اللفظي انما هو من ناحية انه بعد تحكيم الخاص
على العام ،و تقديمه عليه كأنّ العام لم يعم الخاص من الأول ،و لازم
ذلك انه لا عموم له في موارد الشك حتى يتمسك به .و هذا بخلاف
ما اذا كان التخصيص لبيا ،فانه لا يوجب هدم عموم العام ،فاذا
كان باقيا حتى في موارد الشك فلا مانع من التمسك به في تلك
الموارد ،و هذا هو الفارق بين التخصيص اللفظي ،و اللبي ،كما
اشرنا اليه سابقا أيضا .

--( 48 )--

-خاطئة جدا ،و ذلك لأن المخصص اللفظي المنفصل ،كما هو
محل الكلام لا يمنع عن ظهور العام في العموم ،و انما يمنع عن
حجيته ،فعمومه باق في موارد الشك ،و غيرها ،فاذن لا فرق من
هذه الناحية أيضا بين اللفظي و اللبي ،

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي انه لا يجوز
التمسك بالعام في الشبهات المصداقية مطلقا اي بلا فرق بين كون
المخصص له لفظيا ،أو لبيا .

و بذلك يظهر ان الاستدلال بتلك المجموعة من النصوص لإثبات
ان علاقة المالك تنقطع عن الارض نهائيا بعد خرابها لا يقوم على
اساس صحيح ،

قد يناقش فيها بوجه آخر .

بيانه :ان الاستدلال بها على هذا القول يرتكز على ان يكون
مفادها سببية الاحياء لملكية الارض للمحيي في الجملة ،لا الملكية
المطلقة له الدائمة التي لا تزول الا بناقل شرعي .و بما أن مفادها
على ما هو مقتضى اطلاق قوله ( ع ) ( فهي له ) الملكية المطلقة
غير الموقتة فلا تشمل احياء الفرد الثاني ،لفرض ان الارض ظلت
في ملك المحيي الاول حتى بعد خرابها ،و لا تنقطع صلته عنها نهائيا
الا بناقل شرعي ،كالبيع ،أو نحوه و عليه فلا أثر لإحياء الفرد
الثاني ،باعتبار انه في ملك غيره ،و الا لزم كون الارض الواحدة
في زمن واحد مجمعا للملكين لفردين على نحو الاستقلال ،و هو
مستحيل .

و هذا ليس من ناحية تزاحم العام بالنسبة الى الفردين ،حتى
يقال بان تقدم الزماني لأحدهما على الاخر لا يكون مرجحا ،و ذلك

--( 49 )--

لأنا اذا تحفظنا على ظهور تلك النصوص في الملكية المطلقة غير
الموقتة ،لن يبق مجال لشمولها لإحياء الفرد الثاني ،و هكذا ،لأن
مرد شمولها له الى رفع اليد عن ظهورها في الملكية المطلقة الدائمة
و هذا خلف .

و الجواب عن هذه المناقشة :

اما اولا :فلنا ان نفرض الكلام فيما اذا لم تكن ملكية الارض
للفرد بسبب قيامه باحيائها بل كانت بسبب آخر كتمليك الامام ( ع ) ،
او كانت باحيائه و لكن كان قبل تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) ،
لما سيجي‏ء في ضمن البحوث الآتية من ان الاحياء اذا كان قبل ذلك
التاريخ يوجب منح المحيي ملكية الارض .

ففي مثل هذه الموارد اذا طرأ عليها الخراب ،و اصبحت ميتة ،
فلا مانع من التمسك بعمومات تلك النصوص ،بناء على عدم
اطلاق ادلتها في تلك الموارد ،فان دليل سببية الاحياء قبل التاريخ
المذكور انما هو استقرار سيرة العقلاء ،و من الطبيعي انه لا اطلاق لها .

و كذا تمليك الامام ( ع ) فانه لا اطلاق له بالاضافة الى هذه
الحالة و الا لم تكن مشمولة لتلك العمومات ،ضرورة انها لا تشمل
الارض الخربة التي لم تنقطع علاقة صاحبها عنها نهائيا .

نعم اذا شك في انقطاع علاقته عنها من جهة عدم اطلاق ما دل
على ملكيتها له ،فلا مانع من التمسك بها ،مع الاغماض عما
تقدم من المناقشة .

و اما ثانيا فلان المتفاهم العرفي من هذه المجموعة من النصوص
هو انها مسوقة لبيان سببية الاحياء للملك ،و لا تكون في مقام بيان
ان الملكية الممنوحة للمحيي بسبب احيائه ملكية مطلقة دائمية ،

--( 50 )--

لا تزول الا بناقل شرعي .

و ان شئت قلت :انها في مقام بيان ان عملية الاحياء من احد
موجبات الملك ،و ان اكل المال بها ليس اكلا بالباطل ،رغم
إنها ليست تجارة عن تراض ،حيث ان الشارع جعلها سببا ابتدائيا
للملك في الاراضي الموات ،فلا يمكن تملكها بدون هذه العملية ،
فهذه النصوص في مقام بيان هذه الجهة .

و اما ان الملكية الحاصلة منها ملكية مطلقة دائمية تظل الى الأبد
حتى بعد خرابها و موتها ،فليست ناظرة الى هذه الناحية اصلا .

و عليه فلا مانع من هذه الناحية عن شمول هذه المجموعة لإحياء
الفرد الآخر بعد طرو الخراب و الموت .

فالنتيجة :ان هذه المناقشة لا اساس لها .على انها لو تمت فانما
تتم على القول بافادة عملية الاحياء الملك ،كما هو المفروض فيها
و اما على القول بانها لا تمنح للمحيي الا الحق فيها فلا موضوع لهذه
المناقشة ،لأن الحق يزول بزوال الحياة عن الارض ،فلا يعقل بقائه
بعد زوالها ،كما ستجي‏ء الاشارة اليه بشكل موسع .

الوجه الثاني :روايتان :

احداهما :صحيحة معاوية بن وهب قال :سمعت أبا عبد اللّه ( ع )
يقول :( ايما رجل اتى خربة بائرة فاستخرجها ،و كرى انهارها
و عمرها ،فان عليه فيها الصدقة ،فان كانت ارض لرجل قبله
فغاب عنها ،و تركها ،فاخربها ،ثم جاء بعد يطلبها ،فان الارض
للّه و لمن عمرها ) - 1 - .

بدعوى ان هذه الصحيحة تدل على ان علاقة المالك تنقطع عن

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 1 .


--( 51 )--

ارضه بعد خرابها ،و لأجل ذلك تدخل في ظل علاقة الرجل الذي
قام باحيائها .

و الجواب عنه :

اما اولا :فيمكن دعوى ان الظاهر من الصحيحة عرفا هو
اعراض المالك عنها ،بقرينة استناد الخراب اليه و ترك الارض
و غيابه عنها .و اما مجيئه بعد ذلك و طلبه الارض لا ينافي اعراضه
عنها اولا ،اذ ربما يتفق ذلك بجهة من الجهات ،فتأمل .

و على هذا فالصحيحة اجنبية عن محل الكلام ،فان محل الكلام
في انقطاع علاقة المالك عنها بعد خرابها رغم عدم اعراضه عنها .

و اما في فرض الاعراض فلا اشكال في جواز قيام غيره باحيائها
و منحه العلاقة له بالارض ،سواء فيه القول بكون الاعراض موجبا
لانقطاع علاقة المالك عن ماله نهائيا ،كما هو الاظهر ،اولا يوجب ذلك .

اما على الاول فلأنها بعد الاعراض قد اصبحت من المباحات ،

و اما على الثاني فلان الاعراض بنفسه يتضمن الترخيص في
التصرف بها و الاستيلاء عليها بعملية الاحياء و العمارة .

و اما ثانيا :فمع الاغماض عما ابديناه -من المناقشة -انها لا تدل
بوجه على انقطاع علاقة المالك عن الارض نهائيا بطرو الخراب
فحسب ،اذ كما يحتمل ذلك ،يحتمل انقطاع علاقته عنها بقيام
غيره باحيائها و استثمارها فلا تدل الصحيحة لا على الاحتمال الاول
و لا على الثاني .

و دعوى -ان الارض لو لم تخرج عن ملكية مالكها بالخراب لم يجز
لغيره ان يقوم بعملية احيائها و عمارتها ،لعدم جواز التصرف في
مال المسلم -خاطئة جدا ،و ذلك لأنها على الرغم من فرض بقائها

--( 52 )--

في ملكية صاحبها يجوز لغيره ان يقوم باستثمارها و الاستفادة منها
ما دام كان صاحبها مهملا ،و ممتنعا عن القيام بحقها .

بكلمة واضحة :ان خراب الارض و زوال عمرانها قد يكون
مستندا الى اهمال صاحبها و امتناعه عن القيام بعملية احيائها و استثمارها
و قد لا يكون مستندا الى ذلك ،بل هو مستند الى سبب آخر من
اسباب طارئة ،

اما في الفرض الاول فان كانت صلته بها على مستوى الملك لم
تنقطع عنها بالخراب و الموت .و لكن بالرغم من هذا يجوز لغيره
ان يقوم باحيائها ما دام هو مهمل و ممتنع عن ذلك .

و تدلنا :على ذلك صحيحة سليمان بن خالد الآتية .

و ان كانت صلته بها على مستوى الحق فلا شبهة في انقطاعها عنها
نهائيا بطرو الخراب ،باعتبار ان الحق الحادث للمحيي‏ء في الارض انما
هو نتيجة قيامه باحيائها و عمرانها ،و معلول له ،فاذا زالت الحياة
و العمارة عنها سقط حقه لزوال علته

و اما في الفرض الثاني :فما دام صاحبها لم يكن ممتنعا عن
القيام باحيائها و عمرانها و كان تأخيره ذلك مستندا الى سبب من
اسباب طارئة لم يجز لغيره ان يقوم .بعملية احيائها .

نعم لو طال امد عذره زمنيا بحيث ينتهي الامر الى تعطيل
الارض عرفا ،ففي مثل ذلك للإمام ( ع ) ،او نائبه ان يأذن
لغيره بالقيام باحيائها ،و استثمارها ،و يفرض عليه ان يؤدي حق
صاحبها منها .

و اما ثالثا :فمع الاغماض عن ذلك ،و تسليم ان الصحيحة
ظاهرة ،في انقطاع علاقة المالك عن ارضه بعد خرابها ،و حدوث

--( 53 )--

علاقة للثاني باحيائها ،الا انه لا يمكن الاخذ بهذا الظهور :

و ذلك لان صحيحة سليمان بن خالد ،قال :سألت أبا عبد اللّه ( ع )
( عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها و يجري أنهارها و يعمرها
و يزرعها ما ذا عليه قال الصدقة ،قلت :فان كان يعرف صاحبها ،
قال :فليؤد اليه حقه ) - 1 - نص في بقاء رقبة الارض في ملكية
مالكها ،و عدم حدوث الملكية للثاني بالاحياء و العمارة .

و من الطبيعي ان النص يتقدم على الظاهر ،و عليه فلا بد من
رفع اليد عن ظهور صحيحة معاوية بن وهب في حدوث العلاقة
للثاني على مستوى الملك ،و حملها على حدوث العلاقة له على مستوى
الحق ،فاذا لا تنافي بين الصحيحتين .

نعم اذا افترضنا وجود التعارض و التنافي بينهما فكان هو بالتباين
نظرا الى ان صحيحة معاوية بن وهب ظاهرة بالاطلاق في انقطاع
ملكية المالك عن ارضه بخرابها ،و حدوث الملكية للفرد الثاني باستثمارها
و احيائها ،و صحيحة سليمان بن خالد ظاهرة باطلاقها في عدم
انقطاع ملكية المالك عنها بذلك ،و عدم كون الاحياء موجبا لمنح
الملكية للثاني ،و انما يوجب منح الحق له فيها .

و على أساس ذلك فلا بد من الرجوع الى مرجحات باب التعارض ،
لترجيح احداهما على الأخرى .

و لا يبعد دعوى تقديم صحيحة معاوية بن وهب ،على صحيحة
سليمان بن خالد من ناحية ان الروايات التي تدل على ان عملية
الاحياء سبب لتملك المحيي للأرض روايات كثيرة تبلغ حد الاستفاضة
بل لا يبعد بلوغها حد التواتر ،فاذن تكون هذه الصحيحة أي صحيحة

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من أبواب إحياء الموات الحديث 3 .


--( 54 )--

معاوية بن وهب موافقة للسنة ،دون صحيحة سليمان بن خالد ،
فتتقدم عليها بملاك ان موافقة السنة من احدى مرجحات باب
المعارضة ،كما هو المعروف بين الاصحاب .

و لكن غير خفي :ان هذه المعارضة بين هاتين الصحيحتين
ترتكز على ضوء نظرية المشهور القالة بان الاحياء سبب لعلاقة المحيي
بالارض على مستوى الملك .

و اما على ما سيجي‏ء من التحقيق من انه لا يوجب العلاقة الا على
مستوى الحق فحسب ،دون الملك .فعندئذ لا بد من رفع اليد عن
ظهور صحيحة معاوية بن وهب في سببية الاحياء للملك ،و حملها على
سببيته للحق فقط ،و عندئذ فلا تنافي بينهما اصلا ،و سوف يأتي
توضيح ذلك في ضمن الابحاث القادمة بشكل موسع .

فالنتيجة في نهاية الشوط انه لا يمكن الاستدلال بهذه الصحيحة
على انقطاع ملكية المالك عن ارضه بالخراب .

و ثانيتهما :صحيحة ابي خالد الكابلي عن أبي جعفر ( ع ) قال
وجدنا في كتاب علي ( ع ) ( ان الارض للّه يورثها من يشاء من
عباده ،و العاقبة للمتقين ،انا و اهل بيتي الذين اورثنا الارض ،
و نحن المتقون ،و الارض كلها لنا ،فمن أحيا ارضا من المسلمين
فليعمرها ،و ليودّ خراجها الى الامام من اهل بيتي ،و له ما اكل
منها ،فان تركها و اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده
فعمرها و احياها فهو احق بها من الذي تركها ،فليؤدي خراجها الى
الامام من اهل بيتي ،و له ما اكل منها ،حتى يظهر القائم ( ع )
من اهل بيتي بالسيف ،فيحويها ،و يمنعها ،و يخرجهم منها ،كما
حواها رسول اللّه ( ص ) ،و منعها ،الا ما كان في ايدي شيعتنا ،فانه

--( 55 )--

يقاطعهم على ما في ايديهم ،و يترك الارض في ايديهم الحديث ) - 1 - .

بدعوى ان هذه الصحيحة تدل على انقطاع ملكية المالك عن
ارضه بخرابها و تملك غيره لها بالاحياء .

و الجواب عن هذه الصحيحة .

اما اولا :فلا يبعد دعوى ظهورها لدى العرف في اعراض المالك
عن الارض ،بقرينة استناد الخراب اليه فتأمل ،و عليه فتخرج
الصحيحة عن مورد الكلام ،و لا تكون شاهدة عليه ،فان مورد
الكلام انما هو فيما اذا لم يكن خراب الارض مستندا الى اعراض
المالك عنها كما عرفت .

و اما ثانيا :فلأنها لا تدل على انقطاع ملكية المالك عنها بالخراب
اذ كما يحتمل ذلك ،يحتمل ان يكون انقطاعها بقيام غيره باحيائها
و عمارتها ،فالصحيحة لا تدل بوجه ،لا على الفرض الأول ،و لا
على الفرض الثاني .

و اما ثالثا :فلأنها لا تدل على ملكية المحيي الثاني للأرض بقيامه
باحيائها و استثمارها ،و انما تدل على انه احق بها من الفرد الأول
و من الواضح ان الحق اعم من الملك ،فلا تدل على زوال ملكية
المحيي الأول عن رقبة الارض .

فيحتمل :ان تكون الارض باقية في ملكية المحيي الأول .

و يحتمل :دخولها في ملكية الامام ( ع ) بعد خرابها .

و يحتمل :تملك المحيي الثاني لها بالاحياء .

فالمحتملات ثلاثة :و تعيين أي من هذه المحتملات من الصحيحة
بحاجة الى عناية و قرينة معينة ،و حيث لم تكن فلا معيّن في البين ،

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات الحديث 3 .


--( 56 )--

و حينئذ فتصبح الصحيحة مجملة ،فلا يمكن الاستدلال بها على
هذا القول .

هذا اضافة الى امكان ان يقال :ان كلمة الأحق غير كلمة
الملك ،و في مقابلها .و بما ان مدلول الصحيحة هو الأولى ،دون
الثانية فلا مانع عندئذ من الالتزام ببقاء رقبة الارض في ملكية مالكها .

و لكن بما ان المالك لم يقم بعملية احيائها و عمارتها ،فلا مانع
من قيام غيره بذلك ،و بعد قيامه ليس له ان يزاحمه فيه ،لأنه قد
اصبح بقيامه بهذه العملية احق منه في التصرف بها و الاستفادة منها
بمقتضى هذه الصحيحة .

فالنتيجة ان الصحيحة على هذا تدل على عكس هذا القول تماما .

و اما بناء على ما هو الصحيح من ان أثر الاحياء انما هو حدوث
العلاقة للمحيي على مستوى الحق دون الملك فقد اصبحت النتيجة
على ما يلي :

ان مدلول الصحيحة على هذا :ان الثابت للمحيي الأول هو
الحق المتعلق بالارض بقيامه باحيائها و عمارتها اذا كان تاريخ احيائه
متأخرا زمنيا عن تاريخ نزول آية الانفال ،كما هو المفروض في
مورد الصحيحة ،فاذا ترك الارض و اخربها انتفى ذلك الحق الثابت
له بانتفاء علته و هي الحياة و العمارة .

و عليه فاذا قام غيره باحيائها و عمرانها ثبت له هذا الحق .و اما
رقبة الارض فهي غير داخلة في نطاق ملكية المحيي الأول ،و لا في
نطاق ملكية المحيي الثاني ،بل هي باقية في نطاق ملكية الامام ( ع ) ،
كما هو المفروض في مورد النص .

و على هذا فليس معنى قوله ( ع ) في تلك الصحيحة ( فهو احق

--( 57 )--

بها من الذي تركها ) بقاء حق للمحيي الأول أيضا ،غاية الأمر
ان المحيي الثاني احق منه ،فان ذلك مبني على دلالة كلمة ( احق )
على التفضيل هنا ،و هي لا تدل عليه بقرينة عدم امكان بقاء حقه بعد
طرو الخراب على الارض فانه ينتفي بانتفاء موضوعه و علته .

و غير خفي :ان هذا المعنى هو الظاهر من الصحيحة ،و سوف
يأتي انها تدل بوضوح على هذه النظرية ،و فيها شواهد عليها .

بقى هنا نقطة :و هي ان صاحب الجواهر ( قده ) قد ناقش في
دلالة صحيحة معاوية بن وهب تارة ،و في دلالة صحيحة الكابلي
تارة اخرى ،

اما في دلالة الأولى :فقد ابدى ( قده ) احتمال ان يكون المراد
من قوله ( ع ) في الصحيحة ( و لمن عمرها ) هو العامر الأول ،دون
الثاني ،فأذن لا تدل الصحيحة على ما هو المقصود من الاستدلال بها
بل تدل على خلاف المقصود ،حيث ان مفادها عندئذ بقاء الارض
في ملكية العامر الأول ،و عدم انقطاع ملكيته عنها بتركها و تخريبها .

و كذا لا تنقطع بقيام غيره باحيائها ثانيا ،فانه رغم كل
ذلك فهي باقية في ملكية مالكها الأول ،و مع هذا الاحتمال لا يمكن
الاستدلال بها .

و غير خفي :ما في هذه المناقشة ،لوضوح انه لا شبهة في ظهور
الصحيحة -و لا سيما بملاحظة القيود المذكورة فيها كفرض غيبة
المالك الاول ،و تركه الارض ،و تخريبها -في ان الارض تكون لمن
يقوم فعلا باحيائها و عمارتها ،ضرورة ان مناسبة الحكم و الموضوع
تقتضي ان ذكر هذه القيود انما هو لبيان موجب الزوال ،لا لبيان
موجب البقاء .

--( 58 )--

و عليه فلا محالة يكون المراد من قوله ( ع ) ( و لمن عمرها )
هو العامر الثاني ،دون الاول ،و لا ريب في ظهوره فيه ،و لا يمكن
رفع اليد عن هذا الظهور ،الا فيما إذا قامت قرينة على خلافه ،
و لا قرينة على الخلاف في المقام ،فاذن لا مناص من الأخذ به .

و أما احتمال ان يكون المراد منه العامر الاول دون الثاني و إن
كان موجودا ،الا انه ضعيف ،فلا يبلغ بدرجة يكون مانعا عن
ظهور الصحيحة في ذلك ،و بدون المنع عنه لا أثر له .

فالنتيجة ان هذه المناقشة ساقطة جدا .

و أما في دلالة الثانية فقد ذكر ( قده ) ان مدلولها يكون من
المتشابه ،حيث ان المراد منه غير معلوم ،فلا بد من رد علمه الى
أهله .بيان ذلك :ان في هذه الصحيحة قد أوجب على المحيى للأرض
الميتة دفع الخراج الى الامام ( ع ) ،و عندئذ .

ان أريد بذلك وجوب دفعه في زمن الغيبة فهو لا يرجع الى
معنى محصل ،حيث لا امام في هذا الزمن من أهل البيت ( ع )
الا القائم روحي له الفداء .

هذا اضافة الى ان ذلك يتعارض مع النصوص المستفيضة التي
تدل بوضوح على ان الاحياء سبب لمنح ملكية الارض لمن يقوم
باحيائها .و على هذا فلا وجه لوجوب الخراج عليه .

و إن اريد بذلك وجوبه في زمن الحضور ،أو ظهور القائم ( ع )
فهو اشد اشكالا ،فان الاحياء ان كان موجبا للملك فلا مقتضى
لوجوب الخراج عليه ،لا في زمن يمكن الوصول الى الامام ( ع ) ،
و لا في زمن الغيبة الذي لا يمكن الوصول اليه ،و إن لم يكن موجبا
له وجب عليه ذلك لا محالة من باب اجرة المثل ،من غير فرق بين

--( 59 )--

زماني الحضور و الغيبة .هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى يشكل الالتزام بذيل هذه الصحيحة ،حيث فرض
فيها انتزاع الارض من يد مالكها و هو لا يمكن .

و من ناحية ثالثة :ان المشهور قد اعرضوا عنها ،و لم يعملوا بها ،
و اعراض المشهور عن رواية معتبرة يوجب سقوطها عن الاعتبار .

و الجواب عن ذلك :اما من الناحية الأولى ،فعلى ضوء ما سنذكره
في ضمن الابحاث الآتية إن شاء اللّه تعالى من ان الاحياء لا يوجب
علاقة المحيى بالارض على مستوى الملك ،و انما يوجب علاقته بها
على مستوى الحق ،فوجوب دفع الخراج على المحيى عندئذ على مقتضى
القاعدة فعدم الوجوب بحاجة الى دليل .

و إن شئت قلت :إننا إذا افترضنا ان رقبة الارض تظل في ملكية
الامام ( ع ) ،و لا تخرج عن ملكيته بقيام غيره باحيائها و عمارتها ،
فله ( ع ) فرض الاجرة عليه ،غاية الأمر يجب عليه دفعها في زمن
الحضور الى الامام ( ع ) ،و في زمن الغيبة الى نائبه ( ع ) .

هذا ،بقطع النظر عما سيأتي في ضمن البحوث القادمة من ان
دفع الخراج غير واجب على الشيعة كلا من ناحية ان الامام ( ع )
قد اذن لهم بالتصرف فيها ،و استثمارها و الاستفادة منها ،من دون
فرض الخراج عليهم .هذا من جانب .

و من جانب آخر سوف يأتي ان النصوص التي تكون ظاهرة في
ان الاحياء يوجب تملك المحيى للأرض لا بد من رفع اليد عن ظهورها
فيه بقرينة الصحيحة المزبورة و غيرها مما سنشير اليه ،و الالتزام بأن
الاحياء لا يبرر الاختصاص إلا على مستوى الحق فحسب ،دون الملك .

فالنتيجة :إنه لا اشكال في الصحيحة من هذه الناحية .

--( 60 )--

و أما من الناحية الثانية :فقد ظهر الجواب عنها مما تقدم ،فان
انتزاعها من يد من يقوم باحيائها و عمارتها ،ليس انتزاعا من يد
مالكها ،كي يكون ذلك اشكالا في الرواية .

و أما من الناحية الثالثة :فقد حقق في محلّه ان اعراض المشهور
عن رواية معتبرة على تقدير تسليم الصغرى لا يوجب سقوطها عن
الاعتبار ،إلا اذا حصل الاطمينان لذلك ،و هو غير مطرد ،فانه
يختلف باختلاف الاشخاص ،و الاحوال .

فالنتيجة :ان اعراض المشهور بما هو عن رواية لا يوجب سقوطها
عن الاعتبار اذا كانت واجدة للشرائط .و اما حصول الاطمينان منه
بوجود خلل فيها المانع عن العمل بها فانه شي‏ء اتفاقي ،و لا خصوصية
له في ذلك ،ضرورة انه من أي سبب حصل يوجب سقوطها عن
الاعتبار .

نتائج هذا البحث
عدة نقاط :


الأولى :ان الاستدلال بمجموعة من النصوص -التي تدل على ان
من يقوم بأحياء الارض فهي تصبح له -على انقطاع ملكية المالك عن ارضه
بعد خرابها و تملك غيره لها بالقيام باحيائها غير صحيح و قد تقدم انها
لا تدل على ذلك بوجه .

الثانية :ان التمسك بهذه المجموعة في المقام من التمسك بالعلم
في الشبهة المصداقية ،باعتبار ان موضوعها -و هو الارض الخربة -
قد قيد بعدم كونها داخلة في نطاق ملكية أحد ،و بما ان هذا القيد

--( 61 )--

في المقام مشكوك فيه .لاحتمال بقاء الارض في ملكية مالكها ،و عدم
خروجها عنها بعد خرابها فلا يمكن احرازه بالتمسك بها .

الثالثة :ان التمسك بالعام في الشبهات المصداقية انما لا يجوز
فيما إذا كان المخصص لفظيا .و أما إذا كان لبيا فلا مانع منه ،
و بما ان المخصص في المقام لبي فلا محذور فيه .

و قد تقدم الجواب عن ذلك بصورة موسعة و قلنا :إنه لا يجوز
التمسك بالعام في الشبهات المصداقية مطلقا .

الرابعة :ان النصوص المزبورة لا تدل على سببية الاحياء للملكية
المطلقة الدائمة التي لا تزول إلا بناقل شرعي ،فانها ليست في مقام
البيان من هذه الناحية ،و إنما كانت في مقام بيان ان الاحياء من
أحد اسباب الملك أو الحق شرعا على الاختلاف في المسألة .

الخامسة :ان الاستدلال على هذا القول بصحيحة معاوية بن وهب
غير صحيح ،لما عرفت من المناقشة العديدة في دلالتها على ذلك القول ،
و كذلك الحال في صحيحة الكابلي .

السادسة :ان المتحصل من مجموع ما ذكرناه هو انه لا يمكن الاخذ
بهذا القول ،و انه لا يقوم على أساس صحيح .

القول الثاني


تنقطع علاقة المالك عن الارض بعد خرابها اذا كان سبب
ملكيته عملية الاحياء و العمران .و اما اذا كان سببها الشراء ،أو
الهبة ،أو ما شاكل ذلك فلا تنقطع .

و هذا التفصيل هو المعروف و المشهور بين الاصحاب ،و عن

--( 62 )--

العلامة ( قده ) في التذكرة نفي الخلاف فيه ،بل حكي اجماع
الفقهاء عليه ،و مال اليه الشهيد الثاني ( قده ) في الروضة .

و إليك نص عبارته :و موضع الخلاف ما اذا كان السابق قد ملكها
بالاحياء ،فلو كان قد ملكها بالشراء ،و نحوه لم يزل ملكه عنها
اجماعا ،على ما نقله العلامة في التذكرة عن جميع اهل العلم .

و كيف كان فالاجماع الكاشف عن قول المعصوم ( ع ) في المسألة
غير متحقق جزما ،بل لم ينقل الاجماع فيها الا العلامة في التذكرة
عن ابن عبد البر -و هو من احد فقهاء العامة -و لذا قال صاحب
الجواهر ( قده ) في مقام رد الاجماع انه انما حكى عمن لا نعرفه .

قد يقال :كما قيل :ان صحيحة الكابلي المتقدمة بما انها تدل
على انقطاع علاقة صاحب الارض عنها بعد خرابها فتكون اخص من
صحيحتي سليمان بن خالد ،و معاوية بن وهب المتقدمتين .

اما بالاضافة الى صحيحة سليمان :فبملاك انها و ان كانت نصا
في بقاء علاقة صاحب الارض بها حتى بعد قيام فرد أخر باحيائها
و عمرانها ،الا انها مطلقة من ناحية ان سبب علاقته بها كان هو
عملية الاحياء ،او الشراء أو ما شاكل ذلك .

و هذا بخلاف صحيحة الكابلي فانها خاص من هذه الناحية ،لاختصاصها
بما اذا كان سبب علاقته بالارض عملية الاحياء فحسب ،فعندئذ
نقيد اطلاق صحيحة سليمان بهذه الصحيحة .

فالنتيجة :ان سبب علاقته بها ان كان هو عملية الاحياء و العمران
فقد انقطعت عنها نهائيا بعد خرابها و موتها ،و ان كان غيرها لم تنقطع .

و اما بالاضافة الى صحيحة معاوية بن وهب فايضا كذلك :يعني
ان النسبة بينها ،و بين صحيحة الكابلي نسبة الخاص و العام ،غاية

--( 63 )--

الامر ان نسبة صحيحة الكابلي الى صحيحة سليمان نسبة المخالفة اي
المخالفة في الحكم و المضمون ،و الى صحيحة معاوية نسبة الموافقة ،
بمعنى ان صحيحة معاوية ،و صحيحة الكابلي كلتيهما تدل على انقطاع
علاقة صاحب الارض عنها بعد خرابها ،و موتها ،فلا اختلاف بينهما
من هذه الناحية .

و الاختلاف بينهما انما هو في الاطلاق و التقييد فحسب ،فان
صحيحة معاوية و ان كانت تدل على المضمون المذكور -و هو انقطاع
علاقة صاحبها عنها بعد خرابها -الا انها مطلقة من ناحية ان سبب
هذه العلاقة كان عملية الاحياء ،أو غيرها .

و اما صحيحة الكابلي :فهي خاص من هذه الناحية كما عرفت .
هذا من جانب .

و من جانب آخر :ان المشهور بين الاصحاب قديما و حديثا و ان
كان هو عدم جواز حمل المطلق على المقيد في موارد كان المقيد موافقا
للمطلق في الحكم من ناحية ،و كان الحكم في طرف المطلق انحلاليا
من ناحية أخرى .

و لكن الصحيح عدم الفرق بين موارد مخالفة المقيد للمطلق في الحكم ،
و موارد موافقته له ،فكما ان في الأولى لا بد من حمل المطلق على المقيد ،
فكذلك في الثانية ،كما اشرنا اليه في ضمن البحوث السالفة .

فالنتيجة على ضوء هذين الجانبين :هي ان صحيحة الكابلي تصلح
ان تكون مقيدة لإطلاق صحيحة معاوية بما إذا كان سبب علاقته
بالارض عملية الاحياء ،لا غيرها .

فاذن لا مناص من الالتزام بهذا القول -و هو الفرق بين ما كان
سبب علاقة المالك بالارض عملية الاحياء ،و ما كان سببها الشراء أو

--( 64 )--

نحوه -فعلى الأول تنقطع علاقته عنها نهائيا بعد خرابها ،و على
الثاني لا تنقطع .

و الجواب عن ذلك :

اما اولا :فلا ناقد ذكرنا ان صحيحة الكابلي لا تدل بوجه على
انقطاع علاقة صاحب الارض عنها نهائيا بعد خرابها ،و كذا صحيحة
معاوية ،كما عرفت سابقا .و عليه فلا موضوع للجمع المذكور ،
حتى تكون نتيجته اثبات ذلك القول .

و اما ثانيا :فعلى تقدير تسليم ان الصحيحة تدل على ذلك ،
الا انا نناقش في ان النتيجة ليست هي هذا القول بالتفصيل ،
و ذلك لان مدلول الصحيحة لا يخلو من ان يكون سببية الاحياء
لعلاقة المحيي بالارض على مستوى الملك ،أو يكون سببيته للعلاقة بها
على مستوى الحق .

اما على الاول :فلا تكون للصحيحة دلالة على المفهوم لتكون
مقيدة لإطلاق كل من صحيحتي سليمان ،و معاوية ،و ذلك لأنها
كانت في مقام بيان ان الارض كلها للإمام ( ع ) .

و من الطبيعي :ان المراد منها الاراضي التي لا رب لها بالفعل
سواء أ كانت ميتة ،أم كانت عامرة ،كما اذا كان عمرانها مستمدا
من طبيعتها لا من بذل جهد بشري فيها .

و اما اذا كان عمرانها بشريا فهي ملك لمن يقوم بعمارتها قبل
تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) و لا يعقل ان تدخل في
نطاق ملكية الامام ( ع ) ،بعد ما ذكرنا من أن المراد من ملكيته ( ع )
للأرض الملكية الاعتبارية بمعنى الحكم الشرعي ،لا الامر التكويني
و لا المعنوي ،على ما حققناه في ضمن البحوث السالفة .

--( 65 )--

ثم فرّع ( ع ) على ملكيته للأراضي ان من يقوم بعملية احياء
منها فهي تصبح له مع فرض الخراج عليه .

و من الواضح ان العرف لا يفهم من الصحيحة ان في الملكية
الحاصلة من عملية الاحياء خصوصية لا تتوفر تلك الخصوصية في الملكية الحاصلة
من سبب آخر غيرها ،و هذا يعني ان الارتكاز القطعي العرفي قائم على
عدم الفرق بين ما كان سبب ملكية الارض عملية الاحياء ،و ما كان
سببها غيرها .

و على الجملة حيث ان ذكر كلمة الاحياء التي توجب الملك كان
متفرعا على ذكر كلمة الارض في الصحيحة ،فلا يتبادر لدى
العرف منها الا كون الصحيحة في مقام بيان تشريع سببية عملية
الاحياء لتملك المحيي للأرض ،و انها من احد اسباب الملك ،كغيرها
من الاسباب له من دون خصوصية لها .

و من البديهي انه لا يفهم منها ان الملكية المسببة من هذا السبب
تمتاز عن غيرها ،بل يفهم منها عرفا انها من احد اسباب الملك ،
و الارتكاز القطعي قائم على عدم الفرق بين اصناف الملكية من
هذه الناحية .

و على هذا الاساس :فلا يكون لقوله ( ع ) في الصحيحة ( فان
تركها و اخربها فاخذها رجل من المسلمين من بعده فعمرها و احياها
فهو احق بها من الذي تركها ) ظهور لدى العرف في ان ذلك من
آثار ملكية الارض المسببة من عملية الاحياء ،بل الارتكاز المزبور
القائم على عدم الفرق بين اقسام الملك و اصنافه قرينة على ان ذلك
من آثار مطلق ملكية الارض ،سواء أ كانت من جهة عملية الاحياء
أم كانت من جهة الشراء .و نحوه ،غاية الامر ان مورد الصحيحة

--( 66 )--

هو ما كان سبب الملك عملية الاحياء ،و لا خصوصية للمورد بعد
الارتكاز المذكور .

و على ضوء ذلك فالصحيحة اي صحيحة الكابلي لا تصلح ان تكون مقيدة
لإطلاق صحيحة سليمان بن خالد ،و لا لإطلاق صحيحة معاوية بن وهب
لتكون النتيجة دعم هذا القول ،فاذن لا دليل عليه .

نعم على هذا الاساس :تقع المعارضة بين صحيحة سليمان بن خالد
من جانب ،و صحيحتي الكابلي ،و معاوية بن وهب من جانب آخر ،
و سوف يأتي الكلام في علاج المعارضة بين الجانبين في ضمن
الابحاث القادمة .

و اما على الفرض الثاني -و هو ما اذا كان الاحياء موجبا لعلاقة
المحيي بالارض على مستوى الحق فحسب -فما يترتب على هذا
الفرض غير ما يترتب على الفرض الاول .

بيان ذلك :قد عرفت انه على فرض كون عملية الاحياء توجب
علاقة المحيي بالارض على مستوى الملك لا وجه للتفصيل المزبور
-و هو التفصيل بين ما كان الموجب لملكية الارض عملية الاحياء ،
و ما كان الموجب لملكيتها غيرها كشراء ،او ارث ،أو نحو ذلك -

و أما على فرض كون عملية الاحياء شرعا لا توجب إلا صلة المحيي
بالارض على مستوى الحق فحسب ،فلا بد من التفصيل بين كون
صلة صاحب الارض بها على مستوى الملك ،و كون صلته بها على
مستوى الحق ،فعلى الاول لا تنقطع صلته عنها نهائيا بطرو الخراب ،
و الموت .

و لكن بالرغم من ذلك ليس له ان يمنع غيره من القيام
باحيائها و عمرانها إذا كان ممتنعا عن ذلك ،و مهملا .

--( 67 )--

نعم لو قام هو باحيائها و استثمارها لم يجز لغيره ان يزاحمه فيه ،
و لا فرق في ذلك بين ان يكون سبب ملكيته للأرض عملية الاحياء ،
أو غيرها ،ضرورة ان الشرع لا يسمح لأيّ احد احتكار الارض
بعد موتها ،و خرابها ،و اهمالها مهما كان السبب في حصوله عليها .

و اما ما عن الشهيد الثاني ( قده ) في المسالك من ان الارض التي
قام باحيائها و استثمارها فرد اذا كان اصلها مباحا ،فاذا تركها عادت
الى ما كانت عليه ،و صارت مباحة ،كما كانت كذلك .و إن العلة
في تملك هذه الارض الاحياء و العمارة .فاذا زالت العلة زال
المعلول طبعا ،و لا يعقل بقاؤه .

فهو لا يتم على القول بكون الاحياء موجبا لتملك المحيى لرقبة
الارض ،و ذلك لأن الملك الذي يحصل عليه الفرد و ان كان هو نتيجة
الاحياء ،و معلولا له شرعا ،الا انك عرفت ان الارتكاز القطعي لدى
العرف قائم على انه لا يدور مداره حدوثا و بقاء ،بل الملك ظلّ ،
و ان زالت علته بقاء .

نعم ما أفاده ( قده ) انما يتم على القول بكون الاحياء موجبا
لعلاقة المحيى بالارض على مستوى الحق فحسب ،كما نشير اليه الآن .

و على الثاني تنقطع صلته عن الارض نهائيا بعروض الخراب ،لأن
الحق الذي يحصل عليه الفرد بسبب عملية الاحياء ،بما انه لدى
الارتكاز العرفي متقوم بحياة الارض ،فبطبيعة الحال إذا زالت الحياة
عنها سقط حقه بسقوط علته ،فلا يعقل بقائه مع سقوطها .

و هذا الارتكاز هو الفارق بين ما كانت عملية الاحياء موجبة لعلاقة
المحيي بالارض على مستوى الملك ،و ما كانت موجبة لعلاقته بها على
مستوى الحق ،فانه قائم على عدم سقوط الملك بسقوط الحياة

--( 68 )--

عن الارض باعتبار ان الحياة بمقتضى هذا الارتكاز جهة تعليلية
له ،لا تقييدية ،فالموضوع للملك انما هو رقبة الارض من دون
تقييدها بشي‏ء .

و اما في الحق فالارتكاز المزبور على العكس ،فانه قائم على سقوط
الحق بسقوط الحياة عنها باعتبار ان الحياة بمقتضى ذلك الارتكاز
جهة تقييدية له ،لا تعليلية محضة ،

و على اساس ذلك فبما ان الارض في مورد صحيحة الكابلي داخلة
في نطاق ملكية الامام ( ع ) فبطبيعة الحال لا يوجب احيائها إلا صلة
المحيي بها على مستوى الحق فحسب .

و عليه فاذا افترضنا ان المحيي قد ترك الارض المزبورة ،و اخربها
فلا محالة سقط حقه عنها نهائيا بسقوط موضوعه ،و عندئذ جاز
للآخر أن يقوم باحيائها و استثمارها ،فاذا قام حصل له الحق فيها .

و هذا التفصيل غير التفصيل المتقدم ،فانه تفصيل بين ملكية
الارض بسبب عملية الاحياء ،و ملكيتها بسبب آخر غيرها .

و اما هذا التفصيل فهو تفصيل بين ما كانت العلاقة على مستوى
الملك ،و ما كانت على مستوى الحق ،و على الأول لا تنقطع عن
الارض بعد خرابها ،من دون فرق بين ان يكون سبب تلك العلاقة
عملية الاحياء ،أو اسلام اهلها عليها طوعا ،أو شراء ،أو نحو ذلك .

و على الثاني تنقطع عنها بعده نهائيا من دون فرق بين ان يكون
سبب هذه العلاقة عملية الاحياء ،أو الشراء ،أو ما شابه ذلك ،
فان من كانت علاقته بالارض على مستوى الحق ،فشراء تلك الارض
منه لا يوجب الا منح المشتري نفس العلاقة التي كانت له ،فان
حقيقة البيع -كما سوف نشير اليه في ضمن البحوث القادمة -انما

--( 69 )--

هي منح المشتري نفس العلاقة التي كانت للبائع بالمبيع ،فان كانت
على مستوى الملك فاصبح المشتري مالكا له ،و ان كانت على مستوى
الحق فاصبح ذا حق بالاضافة اليه ،و لا يعقل ان تكون علاقة البائع
بالمبيع على مستوى الحق ،و لكن علاقة المشتري به بعد الشراء قد
اصبحت على مستوى الملك .

هذا اضافة الى ان هذا التفصيل لا يرجع بالتحليل الى اساس صحيح .

و النكتة فيه ان السبب البدائي الوحيد لعلاقة الانسان -منذ
تولده في هذه الكرة -بالارض انما هو عملية الاحياء و لا يسبقه اي
سبب اخر ينتج حقا للإنسان فيها ،فاختصاص الفرد بالارض
اختصاصا ابتدائيا لا ينشأ الا من عملية الاحياء مباشرة ،أو بالتسبيب
فجميع اسباب أخر لعلاقة الانسان بالارض اسباب ثانوية ،و تنتهي
في نهاية المطاف الى ذلك السبب .

مثلا بيع الارض سبب لارتباط الارض بالمشتري ،و لكن من
المعلوم ان سببيته لذلك تتوقف على ان تكون الارض مرتبطة بالبائع
بسبب آخر كشراء ،أو نحوه قبل تاريخ هذا البيع زمنيا ،و كذا
الحال في الهبة ،و الارث ،و الصلح ،و ما شاكل ذلك الى ان ينتهي
في نهاية الشوط الى السبب الاول .

و بكلمة اخرى ان المصادر و الثروات الطبيعية بشتى انواعها ،
و اشكالها لم تكن بوضعها الطبيعي داخلة في نطاق علاقة خاصة لأي
فرد ،فالسبب الوحيد لصلة الفرد بها انما هو انفاق الانسان عملا
ايجابيا في سبيل استثمارها ،و استخدامها .

فمثلا استخراج المناجم و المعادن من اعماق الارض -هو العمل
الذي ينتج علاقة المستخرج بالمادة التي يستخرجها خاصة -.

--( 70 )--

و احتطاب الخشب من الغابات هو العمل الذي يوجب ربطه بمن
يقوم بهذه العملية على مستوى الملك .

و صيد الحيوان النافر ،أو الطائر -هو النمل الذي يبرر
اختصاص الصائد به اختصاصا ملكيا -.

و الاستيلاء على اللؤلؤ و المرجان في اعماق البحار بالغوص -هو
العمل الذي ينتج صلة الغاصّ بهما -.

و اغتراف الماء من النهر أو نحوه -هو العمل الذي يوجب تملك المغترف -.

و نقل الحجر من الصحراء -هو العمل الذي يوجب صلته بمن
يقوم بنقله -و هكذا .

و احياء الارض -هو العمل الذي ينتج حقا للمحيي فيها -.

و لا تملك هذه المصادر و الثروات بملكية خاصة بدون انفاق عمل
في سبيل استثمارها ،و مجرد دخولها في حدود سيطرة الفرد ،
و الاستلاء عليها من دون انفاقه عملا ايجابيا في سبيل استخدامها
لا يكون كافيا لتملكها ،و العلاقة بها ،و سوف يأتي الكلام في غير
الارض من الثروات الطبيعية بشكل موسع في ضمن البحوث القادمة .

و على ضوء ذلك فلا يعقل ان تكون علاقة الفرد بالارض التي
تنشأ من الاسباب الثانوية كالبيع ،و الهبة ،و الارث ،و نحو ذلك
اقوى و اشد من علاقته بها الناشئة من عملية الاحياء ،رغم انها
جميعا تنتهي في نهاية المطاف الى تلك العملية ،و الفرض ان هذه
الاسباب تتكفل منح نفس هذه العلاقة لغيره ،حيث لم تكن هنا
علاقة اخرى ما عداها .

و عليه فلا اساس للقول بالتفصيل أي التفصيل بين ما كانت علاقة
الفرد بالارض ناشئة من عملية الاحياء ،و ما كانت ناشئة من سبب

--( 71 )--

ثانوي كشراء أو نحوه ،فعلى الأول تنقطع علاقته عنها نهائيا بعد
خرابها ،و على الثاني لا تنقطع .

نعم يمكن في ظروف استثنائية ان يملك الفرد رقبة الارض -بدون
انفاق عمل -بمنح الامام ( ع ) ،حيث ان له ( ع ) ولاية هذا
التصرف اذا رأى فيه مصلحة ،الا انه فرض نادر ،و لا طريق لنا
الى احراز وقوعه في الخارج ،فلا يمكن ان يكون القول بالتفصيل
ناظرا الى هذا الفرض .

على انه خارج عن محل الكلام ،فان محل الكلام انما هو في
ان اختصاص الفرد بالارض لا يمكن بمجرد الاستيلاء ،و السيطرة
عليها بدون انفاق اي عمل خارجا في سبيل استثمارها .و اما
تملكها بمنح من بيده الامر فلا مانع منه اصلا ،و لا كلام فيه ،
فانه نظير تملكها بمنح من يكون مالكا لها بملكية خاصة .

و اما صحيحة معاوية بن وهب ،فان الارض في موردها لا تخلو
من ان تكون داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) ،أو داخلة في
نطاق ملكة غيره .و على كلا التقديرين لا تؤثر عملية الاحياء في
عرقة ؟ ؟ ؟المحيي بالارض الا على مستوى الحق دون الملك .

ثم ان فرض تملك الفرد لرقبة الارض -على ضوء ان عملية
الاحياء لا توجب ملكيتها اذ كانت رقبتها داخلة في ملك غيره -يقوم
على اساس ان يكون قيامه بعملية الاحياء متقدما زمنيا على تاريخ
تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) ،أو فرض انتقالها اليه ممن
يكون قائما باحيائها قبل هذا التاريخ ،بناء على ما سنذكره في ضمن
البحوث الآتية إن شاء اللّه تعالى من ان عملية الاحياء اذا كانت في ارض
مباحة توجب الملك عند العقلاء ،و اذا كانت في ملك غيره لا توجب

--( 72 )--

ذلك ،و بما ان الارض بعد التشريع المزبور قد أصبحت ملكا
للإمام ( ع ) فلا توجب عملية إحيائها الملك للمحيي ،و اما قبل هذا
التشريع فبما انها كانت مباحة فهي توجب الملك له .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :اذا طرأ عليها الخراب و الموت ،و كان
مالكها ممتنعا عن القيام باحيائها ،فهل يجوز لدى العقلاء أن يقوم
غيره باحيائها و استثمارها ؟ -كما يجوز ذلك عند الشارع -الظاهر
جوازه عندهم أيضا ،حيث يظهر منهم أنهم لا يسمحون لأي احد
احتكار الارض بعد خرابها ،مع حاجة الناس الى استثمارها
و الاستفادة منها ،كما لا يجوز ذلك لدى الشرع ،فما هو ثابت
لدى العقلاء ،ثابت لدى الشرع أيضا ،فلا فرق بينهما من هذه
الناحية ،و انما الفرق في ان عملية الاحياء بنظر العقلاء من أحد
أسباب -الملك .و اما عند الشارع فهي ليست من احد اسباب ذلك ،
و انما هي سبب لحصول الحق فحسب .

نتيجة هذا البحث عدة نقاط


الاولى :ان الاجماع الذي حكي عن العلامة في التذكرة لا يصلح
أن يكون دليلا على هذا القول ،على تقدير تسليم ان الاجماع المنقول
حجة ،لما عرفت من عدم ثبوته .

الثانية کان القول المزبور و ان كان نتيجة الجمع بين الصحاح
المتقدمة يعني -صحيحة الكابلي ،و صحيحة معاوية بن وهب ،و صحيحة
سليمان بن خالد -بتقييد اطلاق كل من الصحيحتين الاخيرتين
بصحيحة الأولى ،الا انك عرفت انه لا يمكن الاخذ بهذا الجمع ،

--( 73 )--

لا على القول بكون عملية الاحياء موجبة لعلاقة المحيي بالارض على
مستوى الملك ،و لا على القول بكونها موجبة لعلاقته بها على مستوى
الحق فحسب .

الثالثة :ان عملية الاحياء لدى العقلاء تؤثر في الملك و من
احد اسبابه .و من هنا قلنا ان عملية الاحياء اذا كانت متقدمة زمنيا
على تاريخ نزول آية الانفال فهي تفيد الملك .و اما لدى الشارع
فهي بمقتضى النصوص التشريعية لا تفيد الملك ،و انما هي تفيد
الحق فحسب .

الرابعة :ان ما افاده الشهيد الثاني ( قده ) في المسالك -من ان
علاقة المحيي بالارض تنقطع عنها بعد خرابها ،و عادت الى ما كانت
عليه من الاباحة -فقد عرفت انه لا يتم على القول بكون الاحياء
منشأ للملك :و انما يتم على القول بكونه منشأ للحق .

الخامسة :ان القول المذكور لا يرجع في نفسه الى اساس صحيح
لما عرفت من ان ملكية كل ارض تنتهي في نهاية المطاف الى عملية
الاحياء و العمارة ،فلا يمكن تملك الارض بملكية خاصة بدون
انفاق العمل في سبيلها .نعم قد يمكن تملكها بمنح الامام ( ع ) في
ظروف خاصة ،كما عرفت

القول الثالث


لا تنقطع علاقة صاحب الارض عنها بعد خرابها ،و انما تنقطع
علاقته عنها بقيام غيره بعملية إحيائها ،و هذا يعني أن عملية الاحياء
كما توجب تملك المحيي للأرض ،كذلك توجب انقطاع علاقة

--( 74 )--

صاحبها عنها نهائيا .

و يمكن الاستدلال على هذا القول باطلاق مجموعة من الروايات
التي جاءت بهذا النص :من أحيا ارضا مواتا فهي له .و ايما قوم
احيوا شيئا من الارض او عملوه فهم احق بها و هي لهم .و ايما
قوم أحيوا شيئا من الارض و عمروها فهم احق بها .و غيرها - 1 - .

بتقريب :انها ظاهرة عرفا في ان عملية الاحياء مطلقا -و ان
كانت في الارض الميتة بالعرض -تؤدي علاقة المحيي بها على مستوى
الملك ،و من الطبيعي انها حينئذ تدل بالالتزام على أن صلة المالك
عن ارضه تنقطع نهائيا بقيام غيره باحيائها ،حيث انه لا موجب
لانقطاعها قبل ذلك .

و الجواب عن هذا :ما تقدم منا في ضمن البحوث السالفة من ان
هذه المجموعة ،كما انها لا تدل على ان صلته عن ارضه تنقطع بعد
خرابها ،كذلك لا تدل على انها تنقطع بعد قيام غيره باحيائها فكل
من الامرين محتمل ،اذ كما يحتمل الاول ،يحتمل الثاني أيضا ،
فلا تدل المجموعة الا على الجامع بينهما اجمالا .

نعم لا يرد على الاستدلال بها على هذا القول ما يرد على الاستدلال بها
على القول الاول -و هو لزوم التمسك بالعام في الشبهة المصداقية -فإن
هذا القول انما يقوم على اساس جواز التصرف في الارض الخربة
و ان ظلّت رقبتها في ملك صاحبها بعد خرابها ،و على هذا فلا يكون
التمسك بها في المقام من التمسك بالعام في الشبهة المصداقية .

فيكون نظير ما في باب الالتقاط حيث ان للملتقط هناك ان
يتملك ما التقطه اذا توفرت شرائط تملكه ،رغم انه لا يخرج عن

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من ابواب احياء الموات .


--( 75 )--

ملك صاحبه بصرف الضياع .

و قد يستدل على هذا القول :بصحيحة معاوية بن وهب المتقدمة ،
بدعوى انها تدل على تملك المحيي الارض الخربة بالاحياء ،و من
الطبيعي ان تملكه الارض بذلك يستلزم خروجها عن ملك صاحبها ،

و فيه :انها لا تدل على ذلك اي -على خروجها عن ملك صاحبها -
بوجه ،و انما تدل على ان المحيي يملك الارض بقيامه باحيائها
و اما ان الارض قد خرجت عن ملكه بعد خرابها أو بعد قيام غيره
باحيائها فالصحيحة لا تدل على شي‏ء من الاحتمالين .

هذا اضافة :الى ما تقدم منافي ضمن البحوث السالفة من
المناقشة في دلالة الصحيحة .

و من هنا يظهر انه لا يمكن الاستدلال على هذا القول بصحيحة
الكابلي المتقدمة أيضا ،لما مرّ بنا من المناقشة فيها .

فالنتيجة :انه لا يمكن اتمام هذا القول بدليل .

القول الرابع


ان علاقة المحيي بالارض لا تنقطع عنها نهائيا ،لا بعد خرابها
و لا بقيام غيره باحيائها ،بل هي ظلّت في ملكه و لا تخرج الا بناقل شرعي .

و هذا القول :هو المعروف و المشهور بين الاصحاب ،بل قيل :
انه لم يعرف الخلاف في ذلك .

و يدلنا عليه :امران :

الأول :الاستصحاب ،فان مقتضاه بقاء الارض في ملكه و عدم
خروجها عنه بطرو الخراب ،و لا باحياء غيره ،و لا مانع من التمسك

--( 76 )--

به بعد ما سيأتي من عدم تمامية دلالة الروايات المخالفة له و الموافقة .

و لكن قد يناقش فيه بامرين :

احدهما :ان الشك في المقام انما هو في الموضوع بمعنى انا
لا نعلم ان موضوع الملك ذات الارض و الحياة شرط خارج عنه او ان
موضوعه الارض المقيدة بالحياة فتكون الحياة قيدا مقوما له و بما اننا
لا نحرز احد الامرين فلا نحرز بقاء الموضوع في ظرف الشك ،و من
الطبيعي انه مع عدم احرازه لا يمكن جريانه .

و يرده :ان الظاهر بمقتضى الارتكاز القطعي لدى العرف
ان موضوع الملك ذات الارض ،و الحياة و ان كانت صفة طارئة
عليها ،الا انها شرط خارجي و غير مقوم للموضوع .

و ان شئت قلت :ان الحياة و ان كانت سببا لتملك المحيي للأرض
و شكلا من اشكالها الا أن مناسبة الحكم و الموضوع هنا كانت
بدرجة تقتضي انها جهة تعليلية محضة .فلا يكون لها أي دخل في
موضوع الحكم اصلا

فالنتيجة :ان اتحاد القضية المتيقنة ،مع القضية المشكوك فيها
محرز موضوعا و محمولا ،و الشك انما هو في بقاء المحمول .و عليه
فلا مانع من التمسك بالاستصحاب .

و دعوى -ان موضوع الملك في القضية المتيقنة انما هو الامر الخاص
-و هو الارض المحياة بما هي محياة -لا طبيعي الارض و عليه فبطبيعة
الحال ما دامت الارض حية فقد ظلت في ملك صاحبها ،و إذا ماتت
فقد خرجت عن ملكه نهائيا بخروج موضوعه .

-خاطئة جدا :لما مر بنا الآن من ان مناسبة الحكم و الموضوع
في المقام بلغت بدرجة تصبح قرينة لدى العرف على ان موضوع الملك

--( 77 )--

طبيعي الأرض ،و الحياة جهة تعليلية صرفة ،لا تقييدية

و ثانيهما :ان الشك في محل الكلام لمّا كان في المقتضى لم يجر
الاستصحاب فيه ،كما اختاره شيخنا العلامة الانصاري ( قده ) .

بيان ذلك :ان موضوع الملك و ان كان هو طبيعي الارض ،إلا
اننا لا نحرز استعداده أي -الملك -للبقاء حتى بعد انقطاع الحياة
عن الارض ،و بدون ذلك لا يجري الاستصحاب .

و يرده :ان الصحيح هو عدم الفرق في جريان الاستصحاب بين
موارد الشك في الرافع ،و موارد الشك في المقتضي ،فكما أن
الاستصحاب يجري في الاولى ،فكذلك يجري في الثانية .و تمام
الكلام في ذلك في بحث الاصول من الاستصحاب .

فالنتيجة :انه لا مانع لحد الآن من استصحاب بقاء الارض في
ملك صاحبها حتى بعد قيام غيره باحيائها .

الثاني :صحيحة سليمان بن خالد قال :سألت أبا عبد اللّه ( ع )
عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ،و يجري انهارها ،و يعمرها ،
و يزرعها ،ما ذا عليه قال :الصدقة قلت :فان كان يعرف صاحبها
قال :فليؤدي اليه حقه - 1 - .

فان قوله ( ع ) :فليؤدي اليه حقه يدل بوضوح على بقاء الارض
في ملك صاحبها ،و عدم انقطاع علاقته عنها بطرو الخراب و الموت
و لا بقيام غيره باحيائها ،و إلا فلا يبقى له حق فيها كي يجب عليه ادائه .
هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى :لا بد من حمل الصحيحة على امتناع صاحبها
عن القيام بحقها و اهماله لها ،كما لا يبعد ان يدعي ظهورها فيه ،

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من أبواب احياء الموات الحديث ( 3 ) .

--( 78 )--

و ذلك لأنه لو لم يكن ممتنعا عن ذلك و مهملا لم يجز لغيره ان يقوم
بإحيائها و استثمارها ،و الاستفادة منها بدون اذنه جزما .

و أما في فرض الامتناع عن القيام بذلك و الاهمال فرقبة الارض
و إن ظلت في ملكه ،إلا انه بالرغم من هذا جاز لغيره لدى
الشرع ،و العقلاء ان يقوم باستثمارها و احيائها ،فان العقلاء كالشرع
لا يسمحون لأي فرد احتكار الارض ،على اساس أن ذلك يضر
بالعدالة الاجتماعية ،و ضيق على الآخرين .

و من ناحية ثالثة :أن مقتضى اطلاق تلك الصحيحة انه لا فرق
بين كون سبب ملكية مالك الأرض عملية الاحياء ،و كونه غيرها ،
كشراء أو نحوه .و عليه فتدل على ان علاقة صاحب الارض لا تنقطع
عنها أصلا ،لا بعد خرابها ،و لا بقيام غيره باحيائها ،و لو كان سببها
عملية الأحياء .

فالنتيجة :ان هذه الصحيحة ،في حد نفسها تدل على هذا
القول ،هذا .

قد يقال :كما قيل :ان اطلاق هذه الصحيحة بما انه معارض
باطلاق صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة بالتباين ،بملاك أن
صحيحة معاوية تدل على أن علاقة المالك بالأرض تنقطع عنها
نهائيا بعد خرابها ،أو بعد قيام غيره باحيائها ،سواء أ كان منشأ
تلك العلاقة عملية الاحياء ،أم كان غيرها .و هذه الصحيحة تدل
على عدم انقطاعها بذلك أصلا ،فبطبيعة الحال يسقطان معا ،فلا
تصل النوبة إلى اعمال الترجيح لأحدهما على الآخر ،فان اعمال الترجيح
إنما هي فيما إذا لم يكن التعارض بين الروايتين بالاطلاق ،و إلا
سقط اطلاق كل منهما ،باعتبار ان ثبوته يتوقف على تمامية مقدمات

--( 79 )--

الحكمة :منها عدم ما يصلح للبيان :الأعم من المتصل ،و المنفصل ،
و الفرض ان كلا منهما فيما نحن فيه يصلح بحد نفسه أن يكون
بيانا على الآخر ،و معه لا ينعقد الاطلاق لشي‏ء منهما ،فاذن لا بد
من الرجوع إلى أصل آخر -و هو في المقام استصحاب بقاء علاقة
المالك بالأرض ،و عدم انقطاعها عنها حتى بعد قيام غيره بإحيائها -.

فالنتيجة في نهاية الشوط أن صحيحة سليمان بن خالد قد سقطت
من جهة المعارضة عن الدلالة على هذا القول .

و الجواب عن ذلك :ان المعارضة بينهما و إن كانت بالاطلاق ،
إلا أن الصحيح عدم الفرق في الرجوع إلى مرجحات باب التعارض ،
بين ان تكون المعارضة بين الروايتين بالاطلاق ،أو بالوضع .

فلنا دعويان :

الاولى :ان البيان المنفصل كما لا يمنع عن ظهور الكلام في
مدلوله إذا كان مستندا إلى الوضع ،كذلك لا يمنع عن ظهوره فيه
إذا كان مستندا إلى الاطلاق و مقدمات الحكمة .

الثانية :انه لا فرق في الرجوع إلى المرجحات لحل مشكلة
التعارض بين ان تكون المعارضة بين الروايتين بالاطلاق ،أو
بالوضع .

أما الدعوى الأولى :فلا شبهة في ان البيان المتصل مانع عن
انعقاد ظهور الكلام في معناه رأسا ،من دون فرق بين أن يكون
ظهوره مستندا إلى الوضع ،أو إلى الاطلاق و مقدمات الحكمة ،كما
انه لا اشكال في أن البيان المنفصل لا يمنع عن الظهور الوضعي للكلام
و إنما هو يمنع عن حجيته و اعتباره .

و إنما الاشكال و الكلام في أن البيان المنفصل هل يمنع عن انعقاد

--( 80 )--

الظهور الاطلاقي ؟فيه قولان :الظاهر انه لا يمنع عن ذلك .

و النكتة فيه :ان من مقدمات الحكمة التي توجب انعقاد هذا
الظهور ،و إن كان هو عدم البيان ،إلا ان المراد منه لا بد ان يكون
خصوص البيان المتصل ،لوضوح ان المتكلم متى فرغ عن كلامه انعقد ظهوره
في معناه ،و لا يتوقف على ان لا ينصب بيانا في المستقبل ،ضرورة
ان عدم البيان المنفصل ليس مما له دخل في انعقاد ظهور الكلام في
الاطلاق ،فان ظهوره فيه إنما يتوقف على فراغ المتكلم منه ،و عدم
نصبه قرينة متصلة على الخلاف ،رغم انه كان في مقام البيان ،فاذا
كان كذلك انعقد ظهوره في الاطلاق ،و البيان المنفصل لا يمنع عنه
أبدا ،فان الشي‏ء لا ينقلب عما هو عليه نعم هو يمنع عن حجيته
و اعتباره

هذا إضافة إلى أن عدم البيان المنفصل لو كان جزأ من مقدمات
الحكمة لم يمكن إثبات الاطلاق في شي‏ء من الموارد ،و لا نسد باب
التمسك بالإطلاق ،لفرض ان تمامية الاطلاق تتوقف على تمامية
مقدمات الحكمة ،و لا يمكن تماميتها إلا باحراز جميع اجزائها :
منها عدم البيان المنفصل في الواقع ،و من الطبيعي ان إحراز هذا
الجزء لا يمكن نوعا ،و لا سيما في مطلقات الكتاب و السنة ،فان باب
احتمال وجود قرينة في الواقع على التقييد فيها و لو في المستقبل مفتوح ،
و لا يمكن لنا سد هذا الباب .

و أصالة عدم القرينة لا تجري ،لعدم الدليل عليها ،إلا فيما
إذا كان هناك ظهور في مقام الاثبات يقتضي افادة معنى ،و احتمل
ورود قرينة على خلافه ،ففي مثل ذلك لا مانع من التمسك بها ،
و إن كان مرجعه لبا إلى التمسك بأصالة الظهور الكاشفة نوعا عن

--( 81 )--

مراد المتكلم ،فان بناء العقلاء إنما يقوم على حجيتها .لا على حجية
أصالة عدم القرينة بحد نفسها .فانها لا تكون كاشفة ما لم يكن في
مقام الاثبات ظهور متحقق ،و من الواضح ان اجراء العقلاء هذه
الاصالة إنما هو بلحاظ الطريقية و الكاشفية عن الواقع نوعا ،لا من
باب التعبد الصرف .

و من هنا قلنا :انها ترجع لبا إلى أصالة الظهور .

و أما في المقام فبما إنه لا ظهور للكلام في مرحلة الاثبات يقتضي
افادة معنى ،بقطع النظر عن مقدمات الحكمة ،فلا تجري تلك
الاصالة .

و أما الدعوى الثانية :فبعد ما عرفت -من ان المعارضة بين
الروايتين إذا كانت بالاطلاق فهي لا توجب سقوط إطلاقيهما موضوعا ،
و إنما هي توجب سقوطهما حكما و اعتبارا ،رغم ان اصل الظهور
الاطلاقي قد ظل بحاله في كل منهما -.

فلا مانع من الرجوع إلى مرجحات باب المعارضة ،فان النص
الدال على اعتبار الترجيح في مقام علاج مشكلة التعارض بين الروايات
إنما كان مورده المتعارضتين منها المعتبرتين في حد أنفسهما ،بقطع
النظر عن التعارض بينهما ،فان ملاك شمول هذا النص لهما ،و كونه
مرجعا لعلاج المشكلة هو اعتبارهما في حدّ نفسه من ناحية ،و عدم
إمكان العمل عرفا بهما معا لأجل المعارضة من ناحية أخرى ،
و هذا الملاك موجود فيما نحن فيه ،لأن اطلاق كل منهما حجة في
نفسه ،بقطع النظر عن الآخر .

فالنتيجة :انه لا فرق في الرجوع الى النص الوارد في مقام علاج
المعارضة و حلها بالترجيح بين ما كان التعارض بينهما بالظهور الاطلاقي ،

--( 82 )--

و ما كان بالظهور الوضعي هذا .

و لكن بما ان في المقام لا ترجيح لأحد الاطلاقين بالاضافة الى
الاطلاق الآخر كي يقدم عليه ،فلا محالة يسقطان معا عن الاعتبار ،
فتكون النتيجة بالتالي تلك النتيجة المتقدمة ،يعني -ان النتيجة على أساس
كلا المسلكين في المسألة واحدة -و هي عدم إمكان العمل باطلاق
الصحيحتين اما من ناحية سقوطهما موضوعا ،أو من ناحية سقوطهما
حكما و اعتبارا ،فاذن لا بد من الرجوع إلى الاستصحاب المذكور .

و قد يشكل في ذلك :بأن افتراض المعارضة بينهما أي -بين صحيحة
سليمان بن خالد ،و صحيحة معاوية بن وهب -يقوم على أساس عدم
تقييد إطلاق صحيحة سليمان ،بصحيحة الكابلي المتقدمة .

و أما إذا افترضنا ان اطلاقها قد قيد بتلك الصحيحة باعتبار انها
أخص منها موردا ،لاختصاصها بما إذا كان الفرد قد ملك الارض
بعملية الاحياء ،و عموم هذه الصحيحة ذلك ،و ما إذا كان قد ملكها
بسبب أخر كشراء أو نحوه .

و بعد تقييد إطلاقها تنقلب النسبة بينها ،و بين صحيحة معاوية
ابن وهب من التباين إلى عموم و خصوص مطلق ،حيث ان صحيحة
سليمان بعد التقييد المزبور تصبح أخص من صحيحة معاوية موردا ،
لاختصاصها بما إذا كان الفرد قد ملك الارض بسبب أخر غير
عملية الاحياء .

و على ضوء ذلك :فلا بد من تقييد اطلاق صحيحة معاوية بصحيحة
سليمان فتصبح النتيجة على النحو التالي :اختصاص صحيحة معاوية
بما إذا كان الفرد قد ملك الارض بعملية الاحياء فحسب ،و خروج
ما إذا كان ذلك بشراء أو ما شاكله عن تحتها .

--( 83 )--

فاذن تنتفي المعارضة بينهما بانتفاء موضوعها ،لفرض اختصاص
كل منهما بموضوع خاص و مورد مخصوص ،من دون صلة لإحداهما
بالأخرى .

ثم ان صحيحة الكابلي و إن كانت أخص من صحيحة معاوية بن
وهب أيضا ،إلا انها حيث كانت موافقة لها في المضمون و المفاد فلا
تصلح أن تكون مقيدة لها ،فينحصر التقييد بصحيحة سليمان .

و ما قيل : -من انه لا اطلاق لها من ناحية ابتلائها بالمعارض
-و هو صحيحة معاوية -و من الطبيعي ان التقييد فرع ثبوت الاطلاق -
خاطئ ،لما عرفت من أن هذا إنما يتم على ضوء نظرية من
يقول :ان تمامية الاطلاق للمطلق تتوقف على عدم البيان على الخلاف
الأعم من المتصل ،و المنفصل .

و لكن قد سبق آنفا :انه لا يمكن الالتزام بهذه النظرية ،فان
تمامية الاطلاق لا تتوقف على عدم البيان المنفصل ،و إنما تتوقف على
عدم البيان المتصل فحسب ،و عليه فلا يكون ابتلاء صحيحة سليمان
مانعا عن تمامية إطلاقها .

و الجواب عن هذا الاشكال :

أما أولا فلانا قد ذكرنا سابقا ان صحيحة الكابلي لا تصلح ان
تكون مقيدة لإطلاق صحيحة سليمان ،لأن صلاحيتها لذلك انما تقوم على
اساس دلالتها على ان الحكم المذكور فيها ليس حكما لطبيعي الملك ،
بل هو لحصة خاصة منه -و هي المسببة من عملية الاحياء -و لكن
قد عرفت انها بضم الارتكاز القطعي العرفي تدل على ان هذا الحكم
حكم لطبيعي الملك ،لا لحصة خاصة منه ،فحينئذ تكون طرفا
لمعارضة صحيحة سليمان ،كصحيحة معاوية ،فتسقط عن الاعتبار ،

--( 84 )--

يعني -أن حالها عندئذ حال صحيحة معاوية -باعتبار أنهما معا طرف
للمعارضة .فلا فرق بينهما من هذه الناحية أصلا .

فالنتيجة .ان هذه الصحاح الثلاث قد سقطت عن الاعتبار من
جهة المعارضة ،بعد عدم الترجيح لأحد الطرفين على الطرف الآخر
و عليه فلا موضوع للتقييد المزبور ،و انقلاب النسبة .هذا من ناحية

و من ناحية أخرى :قد ذكرنا ان منشأ ملكية الفرد للأرض
ينتهي في نهاية المطاف إلى عملية الاحياء فلا يتصور لها منشأ آخر
غيرها فجميع مناشئ الملك و اسبابه يقع في طولها .

و من ناحية ثالثة :قد ذكرنا أيضا ان البيع أو نحوه إنما يتكفل
منح نفس علاقة المحيى لغيره فحسب دون غيرها .

و عليه فلو كان لصحيحة الكابلي ظهور في الاختصاص ،فلا بد من
رفع اليد عنه بهذه القرينة التي تحكم على هذا الظهور ،فان ملكية
الارض ،كما ان في مورد تلك الصحيحة مستندة الى عملية الاحياء ،
كذلك في مورد صحيحة سليمان ،غاية الأمر ان استنادها اليها تارة
يكون بلا واسطة سبب آخر ،و أخرى يكون بواسطته ،و من الطبيعي
ان الواسطة لا تؤثر في شي‏ء .

و أما ثانيا :فمع الاغماض عن ذلك ان الاشكال المزبور إنما
يقوم على أساس نظرية انقلاب النسبة ،فانه على ضوء هذه النظرية
لا مناص لنا من الالتزام به .

إلا أن هذه النظرية غير تامة .

و النكتة في ذلك :ان ملاك -تقديم الخاص على العام -هو
كونه اظهر دلالة من العام لدى العرف ،و بهذا الاعتبار يصلح ان
يكون قرنية على التصرف فيه .و من الطبيعي ان هذا الملاك لا يتوفر

--( 85 )--

في العام بعد التخصيص ،لوضوح ان دلالته لم تصبح اظهر مما كانت
عليه قبله ،حتى يوجب ذلك تقديمه على ما يعارضه بقانون تقديم
الاظهر على الظاهر .

و بكلمة أخرى :أن المرجع في باب الظهورات إنما هو الطريقة
المتبعة لدى العرف و العقلاء ،و من الواضح ان تلك الطريقة إنما
هي تقوم على أساس الكاشفية و الطريقية ،و حيث ان تركيز العرف
و العقلاء في الجمع بين الظهورات ،و التصرف فيها ،و تقديم بعضها
على بعضها الآخر إنما هو يبتنى على ضوء نكتة الاظهرية النوعية ،
فبطبيعة الحال ان هذه الاظهرية النوعية إنما هي تتوفر في الخاص
بلحاظ أخصية ذات مدلوله ،لا بلحاظ ما هو المقدار الحجة منه .
رغم ان ذات المدلول عام ،ضرورة ان خروج بعض أفراد المدلول
و سقوطه عن الحجية بدليل خارجي لا يغير شيئا من درجة ظهوره
بالاضافة الى الأفراد الباقية .و لا يوجب كونه اظهر و اقوى بالنسبة
اليها .

و السر :في ان الأظهرية النوعية تتوفر في الخاص بلحاظ أخصية
ذات المدلول .و لا تتوفر في العام بلحاظ أخصية ما هو المقدار الحجة
منه هو ان التركيز في الدليل الخاص لما كان من البداية متوجها الى
الحكم الخاص ،فلأجل ذلك يتشكل لدى العرف الاظهرية النوعية ،
و أما العام فبما ان التركيز فيه لم يكن من البداية متوجها إلى الحكم
الخاص .بل كان متوجها الى العام الذي كان الخاص في ضمنه ،فلأجل
ذلك لا يتشكل الاظهرية النوعية .هذا ،و تمام الكلام في محله .

و أما على ضوء النظرية القائلة بعدم انقلاب النسبة فلا يمكن
تقييد اطلاق صحيحة سليمان بصحيحة الكابلي .

--( 86 )--

و النكتة فيه :ان صحيحة سليمان و إن كانت مطلقة في حدّ
نفسها ،إلا إنها من ناحية ابتلائها بالمعارض قد سقط اطلاقها عن
الاعتبار ،و من الطبيعي ان مع سقوط اطلاقها بذلك عن الاعتبار
لا أثر لتقييده أصلا ،لفرض ان المعارضة لا ترتفع به على أساس
هذه النظرية ،بل هي ظلت بحالها ،و معه لا محالة يكون التقييد
لغوا محضا .

و على الجملة :فتقييد إطلاق المطلق بدليل إنما هو فيما إذا كان
المطلق حجة باطلاقه في نفسه أي -بقطع النظر عن ورود دليل
التقييد عليه -فان الموجب لذلك إنما هو وجود التنافي بين اطلاق
المطلق ،و الدليل المقيد ،و بعد حمله عليه و تقييده به يرتفع التنافي
بينهما ،فيظل المطلق حجة في الباقي ،و يخرج عن تحته أفراد لقيد .

و أما إذا افترضنا :ان المطلق لا يكون حجة ،لا في تمام مدلوله
الاطلاقي ،و لا في بعضه من جهة المعارضة أو نحوها ،فلا معنى لتقييده
بدليل ،و لا موضوع له حينئذ .

و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان إطلاق صحيحة سليمان بما
انه قد سقط عن الاعتبار نهائيا من جهة معارضته باطلاق صحيحة
معاوية ،فلا موضوع لتقييده بصحيحة الكابلي .

نعم لو قدم صحيحة سليمان على صحيحة معاوية من جهة الترجيح ،
فعندئذ لا مانع من تقييد إطلاقها بصحيحة الكابلي ،و لكنه خلاف
الفرض .

فالنتيجة :في نهاية المطاف ان هذا التقييد على ضوء نظرية انقلاب
النسبة بمكان من الامكان .و أما على ضوء نظرية عدم انقلابها فلا
موضوع له .و هذا هو نتيجة الاختلاف بين النظريتين .

--( 87 )--

و هذا الاختلاف إنما هو على أساس نظرية المشهور في مسألة
الاحياء القائلة بكون عمليته تمنح علاقة للمحيى بالارض على
مستوى الملك .

و أما على أساس ما قويناه من انها إنما تمنحه العلاقة بها على
مستوى الحق فحسب ،فلا موضوع لها ،فانه على ضوء ذلك لا معارضة
بين صحيحة سليمان ،و صحيحة معاوية ،و لا بين صحيحة سليمان ،
و صحيحة الكابلي .بل مفاد الجميع واحد و هو ان عملية الاحياء
إذا كانت في أرض كانت رقبتها داخلة في نطاق ملكية غير المحيى
لا توجب إلا الاختصاص بها على مستوى الحق ،دون الملك ،و سوف
نشير الى ذلك .

قيل :ان النسبة بين صحيحة سليمان بن خالد ،و صحيحة معاوية
ابن وهب عموم مطلق ابتداء أي -بقطع النظر عن القول بانقلاب
النسبة بينهما -و ذلك لأن موضوع صحيحة سليمان مجرد كون الارض
خربة ،و قد زال عمرانها ،و من الطبيعي ان هذا العنوان أعم من
كون الخراب مستندا الى اهمال صاحب الارض ،و امتناعه عن القيام
بحقها ،و موضوع صحيحة معاوية ما إذا كان الخراب مستندا إلى اهمال
صاحب الارض و امتناعه عن القيام باحيائها ،فتكون أخص مطلقا
من صحيحة سليمان .

و بعد التخصيص تكون النتيجة :ان علاقة صاحب الارض بأرضه
تنقطع بسبب الخراب ،إذا كان مستندا الى اهماله و امتناعه عن
القيام بحقها ،و لا تنقطع إذا لم يكن مستندا اليه .

و لنأخذ بالنقد عليه :

أولا :منع اختصاص صحيحة معاوية بما إذا كان الخراب مستندا

--( 88 )--

الى اهمال صاحب الارض و امتناعه عن القيام بحقها ،فان ما يوجب
توهم اختصاصها بذلك ليس إلا قوله ( ع ) فيها ( فغاب عنها و تركها
و أخربها ) إلا انه لا يدل على ذلك ،لأن مجرد غياب صاحبها عنها
و تركها المؤدي الى خرابها لا يستلزم ان يكون ذلك من ناحية اهماله
و امتناعه عن القيام بحقها ،فانه كما يمكن ان يكون من ناحية
الاهمال و الامتناع ،يمكن ان يكون من ناحية عدم توفر فرصة كافية
لديه للرجوع إليها و القيام بحقها ،و لو لمانع خارجي ،بحيث متى
ارتفع المانع قام بحقها .

أو فقل :إنه يحتمل ان يكون غيابه عنها بقوة قاهرة ،لا
باختياره ،بحيث متى ارتفعت تلك القوة القاهرة رجع و قام باحيائها
و استثمارها .فان مجرد اسناد الغياب اليه ،و كذا الخراب لا يدل
على الاختيار .

فالنتيجة :ان النسبة بين الصحيحتين نسبة التباين ،لا عموم
و خصوص مطلق .

و ثانيا على فرض تسليم ان النسبة بينهما عموم مطلق ،الا
ان ما قيل : -من ان النتيجة بعد التخصيص هي :ان علاقة صاحب
الارض بارضه تنقطع بسبب الخراب ،اذا كان مستندا الى اهماله
و امتناعه عن القيام بحقها ،و لا تنقطع اذا لم يكن مستندا اليه -
لا يمكن اتمامه بدليل ،و ذلك لما عرفت سابقا من ان صحيحة
معاوية لا تدل بوجه على انقطاع علاقة المالك عن ارضه بعد خرابها
و ان كان مستندا الى اهماله و امتناعه و انما تدل على ان علاقته بها
لا تبقى بعد قيام غيره باحيائها ،اما انها انقطعت بسبب ذلك ،او
بسبب الخراب فالصحيحة لا تدل على شي‏ء منهما .

--( 89 )--

فاذن ما هو النتيجة المترتبة على هذا التخصيص .

اقول :النتيجة هي :ان عملية الاحياء انما توجب علاقة
المحيي بالارض على مستوى الملك ،اذا كان خراب الارض مستندا
الى اهمال صاحبها و امتناعه عن القيام بحقها ،و لا توجب ذلك اذا لم
يكن خرابها مستندا الى ذلك ،و تدل على الاول صحيحة معاوية ،
و على الثاني صحيحة سليمان

هذا اضافة :الى ان ذلك لو تم فانما يتم على ضوء نظرية
المشهور في المسألة -من ان عملية الاحياء تنتج صلة المحيي بالارض
على مستوى الملك -.

و اما على ضوء ما ذكرناه في تلك المسألة -من ان نتيجتها ليست
الا صلة المحيي بها على مستوى الحق فحسب -فلا يتم ،اذ على هذا
فلا موضوع للتخصيص المزبور ،حيث انه يقوم على اساس التنافي
بين صحيحة معاوية ،و صحيحة سليمان .

و على ضوء ذلك :فلا تنافي بينهما اصلا ،فان صحيحة معاوية
بعد رفع اليد عن ظهورها في ان عملية الاحياء توجب الملك للمحيي
و حملها على انها توجب الحق له ،دون الملك ،بقرينة خارجية ،
لا تنافي صحيحة سليمان ابدا .لاشتراكهما في مضمون واحد -و هو
ان عملية الاحياء لا تمنح الا علاقة المحيي بالأرض على مستوى الحق
فحسب ،دون الملك -هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى قد اشرنا -في ضمن البحوث السالفة -الى ان هذا
الحق متقوم بحياة الارض و عمرانها .فاذا زالت زال بزوال موضوعه ،
فلا يعقل بقائه بعد زوالها .و عليه فلا يفرق بين ان يكون زوالها
باهمال صاحب الحق و امتناعه عن القيام بحقها ،او لا يكون بذلك ،

--( 90 )--

فصحيحة معاوية على تقدير تسليم اختصاص موردها بما اذا كان
خرابها مستندا الى اهمال صاحبها و امتناعه عن القيام باحيائها ،الا
انه لا موضوعية لذلك الاختصاص و لا تدل الصحيحة حينئذ على
ان جواز القيام باحياء الارض خاص بهذه الصورة بعد ما علمنا
من الخارج انه يعم غيرها أيضا .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الأول :ان علاقة المالك عن ارضه لا تنقطع نهائيا ،لا بعد
خرابها حتى فيما اذا كان الخراب مستندا الى إهمال صاحبها و امتناعه
عن القيام بحقها ،و لا بعد قيام غيره باحيائها و عمارتها ،و ذلك
للاستصحاب ،و عدم دليل على خلافه .

الثاني :ان المناقشة في هذا الاستصحاب ،تارة بان الموضوع
غير محرز ،و مع عدم احرازه لا يجري الاستصحاب ،و اخرى بان
الشك في مورده شك في المقتضي ،لا في الرافع .و لكن قد تقدم
نقد هذه المناقشة بشكل موسع .

الثالث :ان ما قيل : -من ان صحيحة سليمان بما انها
معارضة بصحيحة معاوية بالتباين و كانت المعارضة بينهما بالاطلاق
فلا محالة تسقطان معا و لا تصل النوبة الى اعمال قواعد باب الترجيح -
فقد تقدم أن ذلك يقوم على اساس أن تمامية اطلاق المطلق تتوقف
على عدم البيان :الاعم من المتصل ،و المنفصل .و لكن قد عرفت
خطأ ذلك ،و ان تمامية الاطلاق لا تتوقف على عدم البيان المنفصل
و انما تتوقف على عدم البيان المتصل ،و عليه فلا مانع من الرجوع

--( 91 )--

الى قواعد باب المعارضة اذا كان هناك ترجيح ،و بما انه لا ترجيح
في المقام فتسقطان معا عن الاعتبار ،فيرجع الى الاستصحاب .

الرابع :قد تقدم ان صحيحة الكابلي لا تصلح ان تكون مقيدة
لإطلاق صحيحة سليمان ،و لا لصحيحة معاوية حتى على القول بكون
عملية الاحياء تؤثر في ملكية الارض للمحيي .

الخامس :ان ما قيل : -من إنه لا معارضة بين صحيحة سليمان ،
و صحيحة معاوية على أساس نظرية انقلاب النسبة ،فانه بعد تقييد
اطلاق صحيحة سليمان بصحيحة الكابلي تنقلب النسبة بينها ،و بين
صحيحة معاوية من التباين الى عموم مطلق -فقد عرفت ان صحيحة
الكابلي لا تصلح ان تكون مقيدة لإطلاق صحيحة سليمان من ناحية .
و على تقدير انها تصلح لذلك فلا نقول :بانقلاب النسبة من
ناحية أخرى .

السادس :ان ما قيل : -من ان النسبة بين صحيحة سليمان ،
و صحيحة معاوية عموم مطلق بحد نفسهما ،لا بلحاظ انقلاب النسبة -
فقد سبق ان الأمر ليس كذلك ،و إن النسبة بينهما التباين .

السابع :ان هذه البحوث بأجمعها تقوم على أساس نظرية المشهور
القائلة بأن عملية الاحياء توجب علاقة المحيي بالارض على مستوى
الملك .و أما على ما قويناه من انها إنما توجب علاقته بها على مستوى
الحق فحسب ،دون الملك ،فلا مجال لها ،اذ على هذا لا تنافي بين
هذه المجموعة من الروايات ،فان التنافي و التعارض ،و انقلاب
النسبة ،و عدم انقلابها كلها مبني على فرض دلالتها على الملك ،كما
عرفت بشكل موسع .

الثامن :انه بناء على ما قويناه من أن علاقة المحيي بالارض إنما هي على مستوى الحق فحسب دون الملك ،

--( 92 )--

فهي تنقطع نهائيا بعد
خرابها ،سواء أ كان الخراب مستندا إلى الاهمال و الامتناع عن القيام
بحقها ،أم لم يكن مستندا إلى ذلك .

الاعراض


هل يوجب انقطاع علاقة
المالك عن ماله ؟

لا شبهة فيما إذا أعرض المالك عن ارضه و تركها في جواز قيام
غيره باحيائها و استثمارها ،و إنما الكلام في ان علاقته بها هل تنقطع
بذلك نهائيا و تصبح كالمباحات الأصلية ،أو انها ظلت بحالها ،و إن
كان يجوز لغيره التصرف فيها وضعا و تكليفا ،نظرا الى أن الاعراض
بحد نفسه يتضمن الرخصة في التصرف بها لغيره ؟فيه قولان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب على ما نسب اليهم هو القول
الأول .و ذهب جماعة الى القول الثاني .

و لا يبعد قوة القول الأول .و النكتة فيه ان الارتكاز القطعي
قائم لدى العرف و العقلاء على ان الارض -كما في مورد الكلام -
بعد اعراض صاحبها عنها تصبح من المباحات ،و يرون ان نسبة
صاحبها اليها كنسبة غيره اليها في حدّ سواء يعني -ان علاقته بها
تنقطع بذلك نهائيا -فيصبح كالأجنبي ،و هذا هو ملاك جواز تصرف
غيره فيها ،لا الترخيص الضمني من صاحبها .

و هذا الارتكاز القطعي هو المنشأ لقيام السيرة من العقلاء على
اباحة التصرف فيها ،لا الترخيص المذكور .

--( 93 )--

و ان شئت قلت :ان جواز التصرف فيها باحياء و استثمار فحسب
لا يصلح ان يكون دليلا على انقطاع علاقة المالك عن أرضه ،حيث
قد عرفت انه لازم اعم بالاضافة اليه ،بل الدليل عليه إنما هو ذلك
الارتكاز القطعي لدى العرف و العقلاء الممتد زمنيا الى عصور
الأئمة الاطهار ( ع ) الكاشف عن الامضاء حيث لم يرد منهم ( ع )
ردع عنه ،و من هنا لا يترتبون العقلاء عليها آثار الملك .

و تؤكد ذلك صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ( ع )
قال :من أصاب مالا أو بعيرا في فلاة من الارض .قد كلّت و قامت ،
و سيّبها صاحبها مما لم يتبعه ،فأخذها غيره ،فأقام عليها و انفق نفقته
حتى احياها من الكلال و من الموت ،فهي له ،و لا سبيل له عليها ،
و إنما هي مثل الشي‏ء المباح - 1 - .

فان قوله ( ع ) و إنما هي مثل الشي‏ء المباح علة لنفي السبيل
و هذه العلة تنسجم مع ما ذكرناه من ان علاقة المالك عن ماله تنقطع
بأعراضه و يصبح كالمباح .

فالنتيجة :ان الارتكاز المزبور بضم هذه الصحيحة دليل في المسألة .

هذا تمام ما أوردناه في المقام الأول .

و أما المقام الثاني و هو ما إذا كان السبب لعلاقة المالك بالارض
غير عملية الاحياء ،كشراء أو ارث أو نحو ذلك ،فقد نسب الى
المشهور انها لا تنقطع عنها بعد خرابها .و أما إذا كان سببها عملية
الاحياء ،فهي تنقطع بذلك .

و لكن قد تقدم الكلام في ذلك في ضمن الابحاث السالفة بشكل
موسع و قلنا هناك انه لا فرق بينهما في ذلك اصلا .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 13 من أبواب اللقطة الحديث ( 2 ) .

--( 94 )--

النقطة الثالثة


هل ان قيام الفرد بعملية الاحياء و العمارة في الارض الخربة
يوجب انقطاع علاقة الامام ( ع ) عنها نهائيا ،أو لا يوجب ذلك
و انما يوجب علاقة المحيي بها على مستوى الحق فحسب ،مع بقاء
رقبة الارض في ملكه ( ع ) ؟فيه قولان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب قديما و حديثا هو القول الاول .

و قد استدل على هذا القول بمجموعة من الروايات :

منها صحيحة محمد بن مسلم قال :سألته عن الشراء من ارض
اليهود ،و النصارى قال :( ليس به بأس ،الى أن قال :أيما قوم أحيوا
شيئا من الارض أو عملوه ،فهم احق بها و هي لهم ) - 1 - .

و هذه الرواية و إن كانت مضمرة إلا أن الاضمار من مثل زرارة
غير مضر باعتبارها .

و منها صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر و ابي عبد اللّه ( ع ) قالا :
قال رسول اللّه ( ص ) :( من أحيا أرضا مواتا فهي له ) - 2 - .

و منها صحيحة زرارة عن أبي جعفر ( ع ) قال :قال
رسول اللّه ( ص ) :( من أحيا أرضا مواتا فهو له ) - 3 - .

و منها معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :قال رسول
اللّه ( ص ) :( من غرس شجرا أو حفر واديا بديا لم يسبقه اليه
أحد .أو أحيي أرضا ميتة فهي له ،قضاء من اللّه و رسوله ) - 4 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من أبواب احياء الموات الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من أبواب احياء الموات الحديث 5 .



---------------

( 3 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من أبواب احياء الموات الحديث 6 .



---------------

( 4 ) الوسائل ج 17 الباب 2 من أبواب احياء الموات الحديث ( 1 )

--( 95 )--

و منها صحيحة معاوية بن وهب المتقدمة .فانها ظاهرة في ملكية
الارض لمن يقوم بعمارتها .و غيرها من الروايات الظاهرة في ذلك .

و غير خفي :لو كنا نحن و هذه المجموعة من الروايات لم يكن
مناص من الالتزام بسببية الاحياء لملكية الارض للمحيي ،كما هو
كذلك عند العقلاء بقطع النظر عن الشرع ،إلا أن في مقابلها ثلاث
روايات ،و قد صرح فيها بعدم خروج الارض عن ملك صاحبها بالقيام
بعملية الاحياء و العمارة ،و دخولها في ملك من يقوم بهذه العملية .

منها صحيحة أبي خالد الكابلي عن أبي جعفر ( ع ) قال وجدنا
في كتاب علي ( ع ) ان الارض للّه يورثها من يشاء من عباده الى
ان قال :و الارض كلها لنا ،فمن أحيا أرضا من المسلمين فليعمرها ،
و ليؤد خراجها الى الامام من اهل بيتي ،و له ما أكل منها ،فان
تركها و اخربها ،فأخذها رجل من المسلمين من بعده ،فعمرها
و أحياها ،فهو احق بها من الذي تركها ،فليؤد خراجها الى الامام
من أهل بيتي ،و له ما أكل منها ،حتى يظهر القائم ( ع ) من أهل
بيتي بالسيف ،فيحويها و يمنعها و يخرجها منها ،كما حواها رسول
اللّه ( ص ) و منعها ،إلا ما كان في أيدي شيعتنا ،فانه يقاطعهم
على ما في أيديهم ،و يترك الارض في أيديهم ) - 1 - .

و هذه الصحيحة نتضمن عدة نقاط :

الأولى :ان الارض بتمامها داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) ،
و قد تقدم ان هذه الملكية حكم شرعي ،لا امر تكويني ،و لا معنوي ،
و ذكرنا انه لا مناص من الالتزام بذلك .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب احياء الموات
الحديث ( 2 ) .

--( 96 )--

الثانية :انه قد قيد المحيي فيها بكونه من المسلمين ،و سيأتي
الكلام من هذه الناحية في ضمن الابحاث القادمة .

الثالثة :ان الامام ( ع ) قد فرض الخراج في هذه الصحيحة
على من يقوم بعملية الاحياء تفريعا على ملكيته ( ع ) و من الطبيعي
ان هذه النقطة تنص على ان عملية الاحياء في ارض الامام ( ع )
لا توجب تملك المحيي لرقبتها .و انما هي توجب كونه احق في
التصرف بها من غيره .و إلا فلا مقتضى لفرض الخراج عليه .

الرابعة :ان الحق الخاص الذي حصل للمحيي في الارض على
أساس قيامه باحيائها إنما هو يرتبط بالارض ما دامت حية ،فاذا
انقطعت الحياة عنها بتركها انقطع حقه عنها نهائيا ،فاذا قام غيره
باحيائها ثانيا حصل له الحق فيها على أساس ذلك .و هذه النقطة
تدل بوضوح على ان رقبة الارض قد ظلت في ملك الامام ( ع ) .

الخامسة :ان القائم من آل محمد ( ص ) إذا ظهر بالسيف
أخذ الارض التي في أيدي غير الشيعة ،و يترك الارض التي في
أيديهم .و هذه نص في بقاء علاقة الامام ( ع ) بالارض ،و عدم
انقطاع علاقته عنها بقيام غيره باحيائها .

و منها :صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة قال :سألت أبا
عبد اللّه ( ع ) عن الرجل يأتي الارض الخربة ،فيستخرجها و يجري
انهارها و يعمرها و يزرعها ما ذا عليه ،قال :( الصدقة ،قلت :فان
كان يعرف صاحبها .قال :فليؤدي اليه حقه ) .

فان قوله ( ع ) فليؤدي اليه حقه نص في ان علاقة صاحب الارض
لا تنقطع عن أرضه نهائيا بذلك .و إلا لم يبق حق له .

و منها :صحيحة عمر بن يزيد قال :سمعت رجلا من أهل

--( 97 )--

الجبل ،يسئل أبا عبد اللّه ( ع ) عن رجل أخذ ارضا مما تركها
أهلها ،فعمرها و كرى انهارها ،و بني فيها بيوتا ،و غرس فيها نخلا شجرا ،

قال :فقال أبو عبد اللّه ( ع ) :كان أمير المؤمنين ( ع ) يقول :
( من أحيا ارضا من المؤمنين فهي له .و عليه طسقها يؤديها الى
الامام ( ع ) في حال الهدنة فاذا ظهر القائم ( ع ) فليوطن نفسه
على ان تؤخذ منه ) - 1 - .

فان ذيلها نصّ :في بقاء الارض في نطاق ملكية الامام ( ع )
و لا تنقطع علاقته ( ع ) عنها نهائيا بقيام غيره باحيائها .

و بعد ذلك نقول ان هذه المجموعة التي هي روايات ثلاث بما
انها نص في ان علاقة الامام ( ع ) لا تنقطع عن رقبة الارض بقيام
غيره بعملية احيائها و استثمارها ،فبطبيعة الحال تتقدم على المجموعة
السابقة التي هي ظاهرة في ان عملية الاحياء توجب تملك المحيي
لرقبة الارض ،فان النص يتقدم على الظاهر ،بل لو لم تكن نصا
فلا شبهة في انها اظهر من تلك المجموعة ،و الاظهر يتقدم لدى
العرف على الظاهر ،فلا معارضة بينهما .

و عليه فلا بد من رفع اليد عن ظهور تلك المجموعة ،و حملها
على ان العلاقة التي توجبها عملية الاحياء للمحيي بالارض انما هي
على مستوى الحق فحسب ،دون الملك ،بقرينة هذه المجموعة .

و من هنا اشرنا -غير مرة في ضمن البحوث السالفة -الى ان هذا
القول أي -القول بان عملية الاحياء توجب صلة المحيي بالارض على
مستوى الحق فحسب -هو الصحيح .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 4 من ابواب الانفال و ما يختص
بالامام ،الحديث ( 13 ) .

--( 98 )--

و قد نسب هذا القول الى جماعة من الاصحاب :منهم شيخ الطائفة
الشيخ الطوسي ( قده ) في كتابه المبسوط في بحث الجهاد .و منهم
السيد محمد من آل بحر العلوم ( قده ) في بلغته .و منهم الشهيد
الثاني ( قده ) في المسالك ،بل حكى هذا القول فيه عن الاكثر .
و منهم المحقق في كتابه الشرائع في بحث الجهاد .

قد يقال :كما قيل :ان صحيحة عبد اللّه بن سنان عن أبي عبد اللّه ( ع )
قال :سئل و أنا حاضر عن رجل أحيا ارضا مواتا فكرى فيها نهرا ،
و بنى فيها بيوتا و غرس نخلا و شجرا ،فقال :هي له ،و له أجر بيوتها ،
و عليه فيها العشر فيما سقت السماء او سيل وادي او عين ،و عليه
فيما سقت الدوالي و الغرب نصف العشر - 2 - ،

انها نص في ان صلة الامام ( ع ) بالارض تنقطع عنها نهائيا
بقيام غيره باحيائها و السيطرة عليها .و كذا نص في نفي الخراج
بقرينة الاقتصار فيها على ذكر الزكاة .

فاذن بطبيعة الحال تقع المعارضة بين هذه الصحيحة ،و الصحاح
الثلاث المتقدمة ،باعتبار ان هذه الصحيحة نص في ان عملية
الاحياء توجب علاقة المحيي بالارض على مستوى الملك ،و انقطاع
علاقة الامام ( ع ) عنها نهائيا ،و تلك الصحاح نص في انها لا توجب
الا علاقة المحيي بها على مستوى الحق ،و بما انه لا مرجح لتلك
الصحاح عليها ،فلا يمكن الاخذ بها ،و طرح صحيحة عبد اللّه بن سنان ،
فاذن لا محالة تسقطان معا ،و بعد سقوطهما كذلك لا مانع من
الرجوع الى المجموعة المتقدمة من الروايات الظاهرة في ان عملية
الاحياء توجب الملك ،و ذلك لان المانع من الاخذ بظاهر تلك

---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من أبواب احياء الموات الحديث ( 8 ) .

--( 99 )--

المجموعة انما هو الصحاح المزبورة ،فاذا افترض سقوطها بالمعارضة
لم تصلح للمانعية عن الاخذ بظاهرها .

و نظير ذلك ما اذا كان في المسألة عام و خاص ،و فرضنا ان الخاص
قد سقط عن الاعتبار ،اما من ناحية ابتلائه بالمعارض :او من
ناحية أخرى ،فعندئذ لا مانع من الرجوع الى العام .

و من الطبيعي ان هذه القاعدة لا تختص بالعام أو المطلق ،بل
هي قاعدة سيالة في كل دليل كانت دليليته في طول دليل آخر ،
لا في عرضه ،كالظاهر بالاضافة الى النص ،او الاظهر ،فانه لا يكون
حجة في عرضه ،و انما تكون حجيته في طول حجية ذلك ،و ان
كانت النسبة بينهما تباينا او عموما من وجه .

و عليه فاذا افترض ان النص أو الاظهر قد سقط عن الحجية
من ناحية ابتلائه بالمعارض ،او نحوه فلا مانع من الاخذ بالظاهر
و العمل على طبقه .

و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان المانع عن الاخذ بظهور تلك
المجموعة انما هو الصحاح الثلاث ،فاذا افترض انها سقطت عن
الاعتبار من جهة المعارضة فلا مانع من الاخذ بظهورها ،حيث انها
لا تصلح ان تكون طرفا للمعارضة كالصحاح ،باعتبار انها لا تكون
حجة في عرضها ،و انما هي تصلح ان تكون مرجعا بعد سقوط
الصحاح كالعام الفوقي .

و لنأخذ بالمناقشة عليه :

اما الكبرى .فهي و ان كانت في غاية الصحة و المتانة ،و لا
إشكال عند الاصحاب فيها ،لا نظريا ،و لا عمليا في ابواب الفقه
الا ان ما نحن فيه ليس من صغرى تلك الكبرى ،و ذلك لان صحيحة

--( 100 )--

عبد اللّه بن سنان لا تصلح ان تكون طرفا للمعارضة مع الصحاح
الثلاث المتقدمة ،لوضوح ان الصحيحة ليست نصا في مدلولها ،بل
و لا اظهر من الروايات المتقدمة ،ضرورة ان قوله ( ع ) في الصحيحة
( هي له ) كقوله ( ع ) في تلك الروايات ( فهي له ) فان التعبير
فيهما على مستوى واحد ،و من المعلوم ان المتفاهم العرفي من مثل هذا
التعبير ليس ازيد من الظهور في الاختصاص على مستوى الملك ،كما
ان دلالة الصحيحة على عدم وجوب الخراج لا تتعدى عن الظهور
الاطلاقي الناشي من السكوت في مقام البيان .

و ان شئت قلت :ان الصحيحة بما انها كانت في مقام البيان ،
و مع ذلك قد اقتصرت على وجوب الزكاة ،و سكتت عن وجوب
الخراج ،فيحصل لها ظهور عرفي في عدم وجوبه .و من الواضح أن
هذا الظهور ليس بأقوى من سائر الظهورات .

فالنتيجة :في نهاية الشوط :ان ظهور هذه الصحيحة في سببية
الاحياء للملك .ليس بأقوى من ظهور الروايات المتقدمة في ذلك
فضلا عن كونها نصا .فلا فرق بينها ،و بين تلك الروايات من
هذه الناحية ،فكما أن تلك الروايات لا يمكن ان تتعارض مع
الصحاح الثلاث المتقدمة ،فكذلك هذه الصحيحة .

و لو تنزلنا عن ذلك :و سلمنا أن الروايات المتقدمة نص في
كون عملية الاحياء سبب لتملك المحيي للأرض ،فحينئذ تقع
المعارضة بينها و بين الصحاح المتقدمة .

و هل يمكن عندئذ ترجيح تلك الروايات على الصحاح المزبورة ؟
فيه وجهان :

قيل :او يمكن ان يقال :في وجه ترجيحها عليها عدة وجوه :

--( 101 )--

الاول :ان الصحاح الثلاث المذكورة و ان كانت تامة دلالة
و سندا ،الا انها من ناحية اعراض الاصحاب عنها و عدم عملهم بها ،
قد سقطت عن الحجية و الاعتبار ،فلا يمكن العمل بها ،فتبقى
تلك الروايات حينئذ بلا معارض .

فالنتيجة ان القول بتملك المحيي لرقبة الارض بالاحياء و الاستثمار
هو الصحيح .

و يردّه :

اولا :ان اعراض المشهور عن تلك الصحاح غير ثابت ،بل
الثابت خلافه ،حيث قد عرفت ان الشيخ الطائفة ( قده ) في كتابه
المبسوط قد افتى بمضمون هذه الصحاح ،و كذا السيد محمد من
آل بحر العلوم ،و يظهر من بعض الاخر أيضا الذهاب الى ذلك كما
تقدم و بالرغم من ذلك فكيف يمكن دعوى الاعراض عنها في المقام .

و اما تسالم الاصحاب قديما و حديثا -على عدم وجوب
الخراج و الطسق على المتصرفين في تلك الاراضي و المستثمرين فيها -
فهو ليس من ناحية خروج الارض عن نطاق ملكية الامام ( ع ) ،
و دخولها في نطاق ملكية من يقوم باحيائها و استثمارها ،بل انما
هو من ناحية مجموعة من النصوص التي جاءت بلسان تحليل الارض
لمن شملهم التحليل .

نعم اذا كانت الارض داخلة في نطاق الملكية الخاصة -بان يكون لها
مالك خاص -وجب على من يقوم باستثمارها ان يؤدي الى صاحبها
حقه ،باعتبار ان صلته بها لم تنقطع عنها نهائيا ،بعد خرابها ،
او بعد قيام غيره باحيائها ،بل تبقى صلته بها ،كما كانت قبل
هذه الحالة .

--( 102 )--

و تدل على ذلك صحيحة سليمان بن خالد المتقدمة كما عرفت ،

و ثانيا :ان فتوى المشهور بظاهر الروايات المتقدمة لا تدل بوجه
على ان اعراضهم عن الصحاح المذكورة و عدم عملهم بها ،انما هو
من جهة اطلاعهم على وجود خلل فيها سندا أو جهة أو دلالة ،بل
من المحتمل قويا ان يكون ذلك من ناحية ترجيح تلك الروايات
على الصحاح المزبورة في مقام علاج مشكلة التعارض بينهما .

هذا اضافة :الى ان الاصحاب لم يكونوا معرضين عنها جزما
و ذلك لأن روايات الباب تصنف الى مجموعتين :

المجموعة الاولى :تقول :ان عملية الاحياء سبب لتملك المحيي
للأرض -و هي عدة روايات قد مرت بنا -.

المجموعة الثانية :على صنفين :

احدهما :يقول :ان علاقة الفرد عن ارضه تنقطع بعد خرابها
او بعد قيام غيره باحيائها -و هو صحيحة الكابلي و صحيحة معاوية المتقدمتان -

و الاخر :يقول :انها لا تنقطع بذلك -و هو صحيحة سليمان
التي مرت آنفا -.

و قد نسب الى الاصحاب انهم جمعوا بين هذين الصنفين بحمل
الصنف الاول على ما اذا كان سبب ملكية الارض الاحياء ،و الصنف
الثاني على ما اذا كان غيره كالشراء او الارث او نحو ذلك ،
و بالرغم من هذا فكيف يمكن ان ينسب اليهم الاعراض عن هذه المجموعة .

و ثالثا :ان سقوط الرواية عن الاعتبار من ناحية اعراض المشهور
عنها محل اشكال ،بل منع ،فان الرواية اذا توفرت فيها شرائط
الحجية و الاعتبار كانت مشمولة لأدلة الاعتبار فتكون حجة ،و لا
اثر لاعراض المشهور عنها اصلا إلا اذا افترض حصول الاطمئنان بوجود

--( 103 )--

خلل فيها على اساس ذلك .

و اما ما قيل -من ان سيرة المسلمين عامة قد جرت عمليا من
لدن زمان الائمة ( ع ) الى زماننا هذا على عدم اعطاء الخراج
و الطسق للإمام ( ع ) و من الطبيعي ان هذه السيرة كما تكشف
عن انقطاع صلة الامام ( ع ) عن الارض نهائيا و دخولها في ملك
من يقوم باحيائها .كذلك تكشف عن اعراض الاصحاب جميعا عن
تلك الصحاح و عدم عملهم بها .

-فهو خاطئ جدا :و ذلك :اما سيرة الطائفة الخاصة على ذلك
فهي انما تقوم على اساس اخبار التحليل ،و لو لا تلك الاخبار لكان
علينا ان نقول بوجوبه على كل من يقوم باحياء الارض و استثمارها
بمقتضى تلك الصحاح ،فعدم القول به انما هو على اساس تلك
الاخبار ،و معنى هذا ليس هو الاعراض عنها ،بل معناه رفع اليد
عنها في خصوص من شملهم التحليل لا مطلقا .

و على ضوء ذلك فهذه السيرة بما انها تقوم على اساس اخبار التحليل
فلا تكشف عن ان علاقة الامام ( ع ) تنقطع عن الارض نهائيا
بقيام غيره باحيائها ،بل تكشف عن بقائها و عدم انقطاعها بذلك ،
نظرا الى ان مفاد تلك الاخبار هو التحليل المالكي المستلزم لبقاء
رقبة الارض في ملك مالكها .

و اما سيرة العامة على ذلك فهي انما تقوم على اساس مذهبهم
في الفقه ،و لا صلة لها بمنهجنا في الفقه

فالنتيجة في نهاية الشوط :انه لا اثر لتلك السيرة اصلا .

الثاني :ان دلالة صحيحة الكابلي ،و صحيحة عمر بن يزيد على
وجوب الطسق و الخراج على من يقوم باحياء هذه الاراضي و الاستفادة

--( 104 )--

من ثرواتها انما هي بالظهور .

و اما دلالة المجموعة من النصوص المتقدمة على عدم وجوبه انما
هي بالنص .و من الطبيعي ان الظاهر لا يمكن ان يتعارض مع
النص ،فاذن لا بد لنا من تقديم تلك المجموعة عليهما بقانون حكومة
النص على الظاهر .

فالنتيجة :قد اصبحت في صالح القول بعدم وجوب الخراج
و الطسق على المحيي ،و بالتالي الى تملكه للأرض .

و قد يجاب عن ذلك :بأن هذا الجمع إنما يقوم على أساس ان
يكون مفادهما وجوب الطسق تكليفا و أما إذا كان وجوبه وضعا
فهو غير تام .

و السبب فيه :ان حمل الأمر الظاهر في الوجوب على الاستحباب
-بقرينة ما دل على الترخيص في الترك -إنما هو مبني على أحد
أمور :على أساس ان دلالة الصيغة على الوجوب لا تخلو من ان تكون
بالوضع .أو بالاطلاق و مقدمات الحكمة ،أو بمعونة حكم العقل .

و على الأول فحمل الصيغة على الاستحباب إنما هو مبني على دعوى
ظهور ثانوي لها فيه التي تصل النوبة اليها بعد رفع اليد عن ظهورها
الاولى في الوجوب ،و إلا فارادة الاستحباب منها بحاجة الى دليل
آخر ،فلا يكفي وجود القرينة على عدم ارادة الوجوب .

و على الثاني فبما أن مدلول الصيغة بحسب الجعل و الوضع هو
الطلب ،و الوجوب إنما هو مدلول لها بالاطلاق و مقدمات الحكمة ،
فبطبيعة الحال يكون حملها على الاستحباب -بعد مجي‏ء الرخصة -
إنما هو مبني على أن الرخصة تنافي مدلولها الاطلاقي ،دون
مدلولها الوضعي يعني -أنها توجب تقييد إطلاقها الذي هو منشأ

--( 105 )--

الوجوب -و هذا معنى حمل الأمر على الاستحباب .

و على الثالث فبما ان الحاكم بالوجوب هو العقل فبطبيعة الحال
يكون حكمه بذلك مبنيا على ان لا ترد الرخصة على خلافه ،فاذا
وردت الرخصة ارتفع موضوع الوجوب حقيقة ،و ثبت بضمها الى
جامع الطلب الاستحباب .

ثم إنه يفترق حمل الأمر على الاستحباب في الوجه الاول عن
حمله عليه في الوجه الثاني ،و الثالث بأنه في الوجه الأول مبني على
دعوى الظهور الثانوي ،و في الوجه الثاني ،و الثالث مبني على التأويل
و التوجيه .

و لكن هذه الوجوه باجمعها :لا تتم في الامر الظاهر في حكم
وضعي ،فان قوله ( ع ) في صحيحة الكابلي ( فليؤدي طسقها )
و قوله ( ع ) في صحيحة عمر بن يزيد ( فعليه طسقها ) بما إنهما ظاهر
ان عرفا في بيان الحكم الوضعي -و هو اشتغال ذمة المحيي بالطسق
للإمام ( ع ) -دون الحكم التكليفي المحض و عليه فلا يمكن الحمل
على الاستحباب ،هذا .

و يمكن المناقشة في هذا الجواب :بأنه إنما يتم فيما إذا كان
الحكم الوضعي مدلولا لدليل وضعا ،فعندئذ لا يمكن حمله على
الحكم التكليفي .و أما إذا افترضنا ان مدلوله اللفظي ينسجم مع كل
من الحكم الوضعي و التكليفي معا ،و كان ظهوره في بيان الحكم الوضعي
إنما هو بقرينة خارجية ،فحينئذ لا مانع من الحمل على الحكم
التكليفي إذا لم يمكن الاخذ بظاهره من جهة قيام دليل على خلافه .

و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان قوله ( ع ) فليؤدي طسقها
يدل في نفسه و بقطع النظر عن خصوصيات المورد على الطلب فحسب ،

--( 106 )--

فانه مدلوله اللفظي الوضعي ،و لا يدل بمقتضى الجعل و الوضع على
كونه إرشادا ،و لا على كونه الزاما ،فظهوره في الارشاد إلى الوضع
أي -اشتغال ذمة المحيي بالطسق -إنما هو من ناحية خصوصية
المقام و المورد ،كما ان ظهوره في الالزام إنما هو من ناحية الاطلاق .

و عليه فاذا قام دليل على نفي اشتغال ذمته بذلك و كان نصا فيه
فلا محالة يكون قرينة على رفع اليد عن ظهوره فيه أي -في الارشاد -
فيحمل على الطلب التكليفي الاستحبابي ،فان هذا الدليل كما يكون
قرينة على رفع اليد عن ظهوره في الارشاد ،كذلك يكون قرينة
على رفع اليد عن ظهوره في الالزام .و عليه فبطبيعة الحال يكون
الطلب الذي هو مدلول له وضعا استحبابيا ،و لا مانع من هذا
الجمع أصلا .

و كذا الحال في قوله ( ع ) فعليه طسقها ،فان مدلوله اللفظي -
و هو ثبوت شي‏ء على ذمة المكلف -ينسجم مع كل من التكليف
و الوضع ،فظهوره في بيان الحكم الوضعي هنا إنما هو من جهة
خصوصية المقام .و عليه فاذا قام دليل على عدم إمكان الأخذ بمقتضى
هذه الخصوصية فلا بد من رفع اليد عن هذا الظهور و الحمل على
التكليف المحض .و من الطبيعي ان هذا الجمع ليس جمعا خارجا
عن المتفاهم العرفي .

و نظير ذلك :قد التزم الفقهاء ( قد هم ) في باب الزكاة بالاضافة
إلى أموال التجارة أو نحوها ،فان مجموعة من النصوص قد دلت
على ثبوت الزكاة فيها ثبوتا وضعيا .و مجموعة أخرى منها قد دلت على
نفي الزكاة عنها ،و لما كانت دلالة المجموعة الأولى على ذلك بالظهور ،
و دلالة المجموعة الاخرى بالنص ،فبطبيعة الحال تتقدم الثانية على

--( 107 )--

الأولى بقانون تقدم النص على الظاهر ،فتحمل المجموعة الاولى على
الحكم التكليفي -و هو الاستحباب -رغم ظهورها في الحكم الوضعي .
و من هنا افتوا باستحباب الزكاة فيها .

فالنتيجة :ان في كل مورد يمكن حمل الدليل الظاهر في بيان
الحكم الوضعي على الحكم التكليفي -بأن يكون معناه الموضوع له
منسجما مع كل من الوضع و التكليف -فلا مانع من الجمع المزبور ،
و في كل مورد لا يمكن ذلك بنكتة ان معناه الموضوع له غير قابل
لذلك ،لا يمكن هذا الجمع .

فالصحيح في الجواب عن هذا الوجه ان يقال :

ان النصوص المتقدمة التي تدل على نفي الخراج و الطسق ليست
نصا فيه ،فانها تصنف الى مجموعتين :

إحداهما :تنفي ذلك بالدلالة الالتزامية -و هي التي جاءت بهذا
اللسان أو قريبا منه -( من أحيا ارضا مواتا فهي له ) فانها تدل
بالمطابقة على ان المحيي ؟ ؟ ؟يملك الارض على أساس الاحياء ،و بالتزام
على نفي الخراج و الطسق و بما ان دلالتها المطابقية كانت بالظهور ،
فبطبيعة الحال :كانت دلالتها الالتزامية كذلك ،فلا تكون نصا فيه .

و الاخرى :تدل على ذلك بالاطلاق الناشي من السكوت في
مقام البيان كصحيحة عبد اللّه بن سنان و نحوها .

و عليه فتكون تلك النصوص معارضة مع الصحاح المذكورة
الظاهرة في وجوب الخراج و الطسق ،فتسقطان معا ،فيرجع في المسألة
الى الاصل العملي ،و مقتضاه بقاء الارض في ملك الامام ( ع ) و عدم
دخولها في ملك المحيي بسبب الاحياء .

الوجه الثالث :ان الروايات التي تدل على تملك المحيي لرقبة

--( 108 )--

الارض بالاحياء روايات معروفة مشهورة بين الاصحاب ،و هذا بخلاف
الروايات التي تدل على عدم تملكه بعملية الاحياء ،فانها بالاضافة
اليها روايات شاذة ،و حيث ان الشهرة في الرواية من احدى مرجحات
باب المعارضة ،فتتقدم تلك الروايات المشهورة على هذه الروايات
النادرة .

فالنتيجة :ان عملية الاحياء توجب ملكية الارض للمحيي .

و الجواب عن ذلك :

ان اريد بالشهرة التواتر يعني -انها روايات متواترة كما هو
المناسب لمعنى الشهرة لغة و عرفا -ففيه ان الرواية المشهورة بهذا
المعنى و ان كانت تتقدم على الرواية الشاذة يعني -غير المتواترة -الا
ان الروايات المزبورة لم تكن كذلك ،ضرورة انها لم تبلغ من
الكثرة حد التواتر

و ان اريد بها الاستفاضة :فهي و ان كانت كذلك ،إلا انه لا دليل
على ان صفة الاستفاضة في الرواية سبب لتقديمها على غيرها ،فان
الدليل على تقديم الرواية المشهورة على الشاذة مقبولة عمر بن
حنظلة ،و هي لا تدل على تقديم الرواية المستفيضة على غيرها ،
فان الظاهر من الرواية المشهورة فيها التي عبر عنها بالمجمع عليه -هو
المشهورة بالمعنى الأول -فانه ينسجم مع معناها لغة و عرفا .و من
الواضح ان تقديم الرواية المشهورة بهذا المعنى على غيرها المعارض
لها على طبق القاعدة فلا يحتاج الى دليل .

هذا مضافا :الى ان المقبولة ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد
عليها من هذه الناحية .

فالنتيجة :ان هذا الوجه أيضا لا يمكن اتمامه بدليل .

--( 109 )--

و من ذلك :يظهر بطلان ما قيل :من ان المعارض للصحاح
الثلاث المتقدمة صحيحة عبد اللّه بن سنان خاصة ،دون غيرها من
روايات الباب ،بدعوى ان الصحيحة نص في مدلولها -و هو تملك
المحيي للأرض بالقيام بحقها -دون تلك الروايات .و لكن لا بد
من تقديم الصحيحة عليها ،لموافقتها للسنة -و هي الروايات المزبورة -

وجه الظهور مضافا -الى ما عرفت من ان حال الصحيحة
حال سائر الروايات فلا فرق بينهما من ناحية الدلالة اصلا -ان
موافقة تلك الروايات ليست موافقة للسنة ،فانها تقوم على اساس
ان تكون متواترة ،و قد عرفت عدم ثبوت تواترها .

الرابع :ان النصوص التي تدل على تحليل الارض كصحيحة
مسمع مخالفة للنصوص التي تدل على عدم تملك المحيى للأرض
بعملية الاحياء و العمارة ،و وجوب الخراج و الطسق عليه بازاء
تصرفاته فيها و استفادته من ثرواتها ،و بما ان هذه المخالفة كانت
بالعموم المطلق فلا محالة تكون نصوص التحليل مقيدة لإطلاق تلك
النصوص ،و بعد التقييد تختص بغير الافراد الذين شملهم التحليل
و نتيجة ذلك أن هؤلاء الافراد يملكون رقبة الارض بالاحياء و الاستثمار

و لازم هذا عدم وجوب الطسق و الخراج عليهم ،دون غيرهم من
الافراد الذين لا تشملهم نصوص التحليل .فانهم لا يملكون رقبة
الارض بعملية الاحياء ،و انما الحاصل لهم حق الاختصاص بسببها مع
بقاء الرقبة في ملكية صاحبها و لذا يجب عليهم اداء الطسق و الاجرة
اليه فعندئذ تنقلب النسبة بين هذه النصوص و بين المجموعة المتقدمة
من النصوص -التي كان مفادها سببية الاحياء للملك -من التباين
الى عموم مطلق ،فترتفع المعارضة بينهما

--( 110 )--

و تصبح النتيجة على الشكل التالي و هي :أن نصوص سببية
الاحياء للملك تختص بعد التقييد بالافراد الذين كانوا مشمولين
لنصوص التحليل ،دون غيرهم من الافراد ،فانهم يخرجون من
تحتها بواسطة النصوص المذكورة ،و لا يملكون الارض بالاحياء ،
و انما الحاصل لهم بواسطة قيامهم بحقها هو الاختصاص بالارض
على مستوى الحق فحسب

و قد يجاب عن أن هذا الوجه انما يقوم على اساس أن يكون المراد
من التحليل في النصوص المزبورة التحليل الشرعي يعني الحكم الالهي
دون التحليل المالكي حتى تكون موافقة للنصوص الدالة على تملك
المحيى لرقبة الارض بالاحياء النافية للخراج و الطسق ،فانها ظاهرة
في بيان الحكم الكلي الالهي .و اما اذا كان المراد منه التحليل
المالكي كما هو الصحيح ،بقرينة أن الامام ( ع ) قد فرع تحليل
الارض و ما فيها على ملكيته لها ،كما في صحيحة مسمع التي هي
العمدة في هذا الحكم ،فعندئذ لا يكون المقام من صغريات انقلاب
النسبة فان انقلاب النسبة بين العامين كان التعارض بينهما بنسبة
التباين انما هو فيما اذا ورد خاص مخالف لأحدهما و موافق للآخر حتى
يحمل العام الموافق على مورد الخاص و لنأخذ بالنقد عليه .

اما اولا :فانا اذا افترضنا أن مركز المعارضة بين العامين في
المقام انما هو في دلالة احدهما على وجوب الخراج و الطسق على المحيى
و دلالة الاخر علي عدم وجوبهما عليه ،بقطع النظر عن دلالتهما
على ما يستلزمهما -و هو تملك المحيى للأرض بالاحياء ،و عدم تملكه
لها -فعندئذ لا مانع من الالتزام بانقلاب النسبة هنا .

و عدم موافقة الخاص للعام الآخر لا يمنع من الالتزام به بعد

--( 111 )--

امكان حمله على مورد الخاص ،فان التحليل المالكي ،و التحليل
الشرعي انما لا يجتمعان في مورد واحد باعتبار ما هو لازم كل
منهما ،لأن لازم الأول بقاء الارض في ملك المحلل ،و لازم الثاني
صيرورتها ملكا للمحيى .

و اما مع الاغماض عن لازمهما فلا مانع من اجتماعهما في
مورد واحد -بان يكون عدم وجوب الخراج على المحيى للأرض
مستندا الى الشرع و المالك معا -.

نعم مع ملاحظة ما هو لازمهما لا يمكن القول بانقلاب النسبة
لعدم امكان حمل العام المزبور على مورد الخاص حينئذ .

و اما ثانيا :فاذا افترضنا أن مركز المعارضة بين العامين في
مورد الكلام انما هو في دلالة احدهما على تملك المحيى لرقبة
الارض بالاحياء ،و دلالة الاخر على عدم تملكه لها ،و انما تكون
نتيجته الأحقية و الاولوية بها فحسب دون الملكية ،فعندئذ لا توجب
اخبار التحليل انقلاب النسبة .

بيان ذلك :أن هنا مجموعتين من الروايات :

المجموعة الاولى :تدل على أن نتيجة الاحياء ملكية رقبة الارض
للمحيى -و هي الروايات الكثيرة التي تقدمت -.

المجموعة الثانية :تدل على أن نتيجته الاحقية بها دون ملكية
الرقبة -و هي الصحاح المتقدمة -فاذن تقع المعارضة بين هاتين
المجموعتين في هذه النقطة .

و على اساس ذلك فاخبار التحليل لا تعالج مشكلة التعارض بينهما
على ضوء القول بانقلاب النسبة ،فان اخبار التحليل و أن كانت
تدل بالمطابقة على التحليل المالكي ،الا انها تدل بالالتزام على بقاء

--( 112 )--

الارض في ملك الامام ( ع ) و عدم خروجها عن ملكه ( ع ) بقيام
غيره بالتصرف فيها و الاحياء ،و عليه فتكون موافقة للمجموعة الثانية
فيما هو محط المعارضة بينها و بين المجموعة الاولى ،لا انها مخالفة لها
و على ذلك فلا موضوع لما ذكر من انقلاب النسبة .

فالنتيجة في نهاية الشوط :أن الصحيح بما أن مركز المعارضة
بين هاتين المجموعتين انما هو في تلك النقطة -اي في سببية عملية
الاحياء للملكية ،و عدم سببيتها الا للاحقية -فلا يتصور انقلاب
النسبة على اساس اخبار التحليل .

هذا اضافة الى ما مر بنا من المناقشة في اصل كبرى انقلاب
النسبة في ضمن البحوث السالفة .

إلى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة :و هي أن شيئا من
الوجوه التي ذكر لترجيح المجموعة الاولى على المجموعة الثانية لا يتم
اصلا ،هذا .

و الصحيح :هو تقديم المجموعة الثانية على المجموعة الأولى ،
و ذلك -لأمرين :

احدهما :أن المجموعة الثانية توافق الكتاب العزيز و هو قوله
تعالى : «لا تأكلوا أموالكم بينكم بالباطل إلا أن تكون تجارة عن
تراض » ،نظرا الى أن هذه الآية الكريمة تدل على أن كل سبب
للتملك إذا لم يكن تجارة عن تراض فهو باطل ،و المفروض انه لم
يثبت كون عملية الاحياء تجارة عن تراض ،فاذن تملك المحيي مال
غيره بها لا محالة يكون من الأكل بالباطل فتشمله الآية المباركة .
و المجموعة الأولى تخالف الكتاب .

و من الواضح :أن المعارض الموافق للكتاب يتقدم على المعارض

--( 113 )--

المخالف له ،فاذن يتعين الأخذ بمقتضى المجموعة الثانية ،دون
المجموعة الأولى .

ثانيهما :أن المجموعة الثانية باعتبار دلالتها على عدم تملك المحيي
لرقبة الارض بالاحياء مخالفة للعامة ،و المجموعة الأولى باعتبار دلالتها
على تملك المحيي للأرض موافقة لهم ،فتتقدم المجموعة الثانية على
الاولى بملاك أن مخالفة العامة من جملة مرجحات باب المعارضة ،
بل لم يثبت الترجيح بدليل معتبر إلا بأمرين :

الاول :موافقة الكتاب .

الثاني :مخالفة العامة .

ثم إننا لو تنزلنا عن جميع ما ذكر و سلمنا أن الترجيح لم يتوفر
للمجموعة الثانية على المجموعة الاولى لا دلالة و لا سندا ،إلا انهما
عندئذ تسقطان معا من جهة المعارضة فيرجع الى الاصل في المقام ،
و قد عرفت أن الاصل فيه هو الاستصحاب أي -استصحاب عدم حصول
الملك بالاحياء -.

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الاول :ان القول بكون الاحياء سببا للملك و إن كان مشهورا بين
الاصحاب إلا انه لا يمكن الاخذ به ،و الروايات التي استدل بها على
هذا القول و أن كانت تامة سندا و دلالة الا انها معارضة بالروايات
التي اقوى منها دلالة ،و لأجل ذلك تتقدم عليها .و نتيجته :هي ان
القول بكون الاحياء موجبا لصلة المحيي بالارض على مستوى الحق
فحسب -دون الملك -هو الصحيح .

--( 114 )--

الثاني :أن ما قيل -من أن صحيحة عبد اللّه بن سنان المتقدمة
نص في انقطاع صلة الامام ( ع ) عن رقبة الارض بقيام غيره
باحيائها ،و عليه فتصلح أن تكون طرفا لمعارضة الروايات التي تدل
على أن الاحياء يفيد الحق دون الملك ،و بعد سقوطهما عن الاعتبار
من جهة المعارضة فلا مانع من الرجوع الى الروايات المتقدمة الدالة
على أن الاحياء يفيد الملك -و إن كان تاما بحسب الكبرى إلا أن
المقام ليس صغرى لتلك الكبرى .

الثالث :انه على تقدير تسليم المعارضة بين الطائفتين من
روايات المسألة ،فربما قيل :بترجيح -الطائفة الدالة على تملك
المحيي لرقبة الارض بعملية الاحياء على الطائفة الاخرى الدالة
على عدم تملكه -بوجوه :و قد تقدم الكلام في تلك الوجوه مع
ما فيها من المناقشة بشكل موسع .

الرابع :أن الطائفة الدالة على عدم تملك المحيي لرقبة الارض
تتقدم على الطائفة الاخرى الدالة على التملك بوجهين :

الاول :بموافقة الكتاب العزيز .

الثاني :بمخالفة العامة .

النقطة الرابعة


هل يعتبر في الاختصاص الحاصل للفرد بالارض التي تكون رقبتها
للإمام ( ع ) على اساس قيامه باحيائها سواء أ كان على مستوى الملك أم
كان على مستوى الحق اذن الامام ( ع ) و اجازته ؟فيه وجوه بل
أقوال :

--( 115 )--

الاول :اعتبار اذنه مطلقا .

الثاني :عدم اعتباره كذلك .

الثالث :التفصيل بين زماني الحضور و الغيبة فيعتبر في الاول ،
دون الثاني .

اما القول الاول :فهو المعروف و المشهور بين الاصحاب قديما
و حديثا .و عن العلامة ( قده ) في المختلف دعوى الاجماع على ذلك
صريحا .و عن المحقق في جامع المقاصد :لا يجوز لأحد الاحياء من
دون اذن الامام ( ع ) و انه اجماعي عندنا .و عن التنقيح :الاجماع
على انها تملك اذا كان الاحياء باذن الامام ( ع ) و عن الشهيد
الثاني ( قده ) في المسالك :لا شبهة في اشتراط اذنه ( ع ) في
احياء الموات فلا يملك بدونه اتفاقا .

هذا مضافا الى أن مقتضى العقل و الشرع عدم جواز التصرف
لأحد في ملك غيره بدون اذنه و رضاه .

فاذن يقع الكلام في الطرق التي ذكرت لإثبات اذنه ( ع ) في
احياء الارض و استثمارها و هي ثلاثة :

الطريق الأول :المجموعة من النصوص التي تقدمت -و هي التي
جاءت بهذا اللسان :من أحيا ارضا مواتا فهي له ،ايما رجل أحيا
ارضا مواتا فهو احق بها و هي له ،و هكذا -بدعوى انها كما تدل
على سببية الاحياء لعلاقة المحيي بالارض تدل على اذنه ( ع ) و اجازته
بالقيام بهذه العملية ،و بذل الجهد في سبيل بث الحياة فيها ،و ذلك
لأنها و أن وردت في مقام تشريع سببية الاحياء لعلاقة المحيي بالارض
إلا أن ورودها من مالك الارض ملازم عرفا للإذن المالكي في القيام
بالعملية المزبورة .

--( 116 )--

و يردّه ما اشرنا اليه في ضمن البحوث السالفة من أن تلك
المجموعة من النصوص انما تنظر الى تشريع سببية الاحياء للعلاقة
بين الارض و من يقوم بحقها فحسب ،و لا تنظر الى ناحية اخرى
-و هي اذنه ( ع ) بالقيام بتلك العملية من دون استثناء -و صدورها
من المالك انما يدل على ذلك اذا كان بحيثية انه مالك ،لا بحيثية
التشريع ،و من الطبيعي أن الظاهر منها هو كون صدورها من
الامام ( ع ) انما هو بحيثية التشريع و بيان الحكم الالهي الكلي في
الشريعة المقدسة ،لا بحيثية انه ( ع ) مالك لها ،فاذن لا اطلاق لها
من هذه الناحية لوضوح انه لا منافاة بين كون عملية الاحياء سببا للملك
أو الحق في الشريعة المقدسة ،و كون سببيتها مشروطة بشرائط ؟ ؟ ؟
منها اذن الامام ( ع ) .

و هذه المجموعة من النصوص :انما تنظر الى الجهة الأولى فحسب
دون الجهة الثانية ،و من هنا لا شبهة في انه لا نظر لها الى شرائط أخرى
غير الاذن لا نفيا و لا اثباتا ،فحال الاذن فيها من هذه الناحية حال
بقية الشرائط فلا فرق بينهما من هذه الجهة .

نعم صحيحة الكابلي و أن كانت تدل على اذن الامام ( ع ) لآحاد
المسلمين خاصة بالقيام بعملية احياء الارض و استثمارها ،و حلية
الاكل مما استثمروا منها :الا انها انما تدل على ذلك فيما اذا كان
القائمون بعملية الاحياء ملتزمين باداء الخراج و الطسق الى الامام ( ع )
من اهل البيت ،و لا تدل على انهم مأذونون مطلقا و أن كانوا غير
ملتزمين باداء الخراج و الطسق ،فاذن لا تدل الصحيحة على ان
الامام ( ع ) قد اذن لهم بالتصرف فيها مطلقا .

فالنتيجة في نهاية المطاف :أن المجموعة من النصوص المتقدمة
لا تدل على اذن الامام ( ع ) لكل فرد في احياء الارض و عمارتها

--( 117 )--

بل هي في مقام بيان سببية الاحياء لعلاقة المحيى بالارض فحسب ،
من دون نظر لها الى جهة اخرى ،

و اما صحيحة الكابلي فمضافا الى اختصاص موردها بالمسلم فلا تدل
على اذن الامام ( ع ) بالاحياء مطلقا ،بل تدل على اذنه ( ع )
في فرض خاص و اطار مخصوص .

الطريق الثاني :ما روى عن النبي الاكرم ( ص ) ( مواتان
الارض للّه و رسوله ( ص ) ثم هي لكم مني ايها المسلمون ) و مثله
النبوي الآخر ( عادي الارض للّه و لرسوله ( ص ) ثم هي لكم مني ) .

و فيه انه لا يمكن الاعتماد عليهما اصلا لعدم ثبوتهما من طريقنا .

الطريق الثالث :أن شاهد الحال قرينة على رضاء الامام ( ع )
بعملية الاحياء لكل من يقوم بها .

بيان ذلك :أن الارض من أهم الثروات الطبيعية التي لا يمكن
للإنسان أن يمارس أي شكل من اشكال الانتاج الطبيعي بدونها على
أساس انها تحتوي على المواد الأولية ،كالمياه الطبيعية ،و المعادن بشتى
أنواعها ،و غيرهما من المصادر و الثروات الطبيعية ،كما لا يمكن ان
يمارس أي لون من الوان الانتاج الصناعي بدون تلك المواد .

و في الدين الاسلامي كما جعل الاهتمام في الجانب الخلقي و المعنوي
للمجتمع الانساني في رأس القائمة ،كذلك جعل الاهتمام في الجانب
المادي لذلك المجتمع .

و من هنا :قد حث الافراد فيه بأحياء الارض و استثمارها و بذل
الجهد في سبيل انتاجها و الاستفادة من ثرواتها .و لذا لا يعترف فيه
بعلاقة الفرد بالارض و حقه فيها على أساس آخر غير عملية الاحياء ،
فالمصدر الوحيد لتلك العلاقة و الحق لدى الدين الاسلامي إنما هو

--( 118 )--

تلك العملية ،فلا يعترف فيه بغيرها كالسيطرة عليها بالقوة أو نحوها ،
و بذلك تتوفر العدالة الاجتماعية بين المجتمع في ضمن الخطوط التي
ترسم من قبل الدولة التي تمنع عن التعدي و التجاوز على حق
الآخرين ،و تتيح الفرصة لكل فرد أن يمارس حريته في ضمن دائرتها .

و من الطبيعي أن هذا الاهتمام من قبل الشرع باحياء الارض
يكشف عن رضاء الامام ( ع ) بذلك و اذنه العام لكل من يقوم به ،
و الا لكان الاهتمام بالعملية المزبورة و تشريع سببيتها لحصول الحق
لغوا ،حيث أن كل أحد لا يتمكن من أن يستأذن الامام ( ع ) بشكل
مباشر للقيام بهذه العملية في عصر الحضور ،فما ظنك بعصر الغيبة .

و يرده :أن الإسلام و أن كان قد اهتم بالمصادر الطبيعة للأرض
و الاستفادة منها من خلال النصوص التشريعية إلا أن ذلك الاهتمام
لا يكشف عن رضاء الامام ( ع ) و اذنه العام لكل من يقوم باحياء
الارض ،و لا يصلح أن يكون قرينة حالية على ذلك ،كما انه
لا يصلح أن يكون موجبا لظهور تلك النصوص فيه .

أما الثاني :فلما عرفت من انها واردة في مقام تشريع سببية
الاحياء لعلاقة المحيي بالارض ،و لا ظهور لها ،لا بنفسها ،و لا بمعونة
قرينة خارجية في اذن الامام ( ع ) في التصرف فيها بصفة انه ( ع )
مالك لرقبتها .

و اما الاول :فلان كشف الاهتمام المزبور عن ذلك انما يقوم
على أساس افتراض أن المعتبر هو اذن الامام ( ع ) شخصيا في القيام
بحق الارض ،فانه -عندئذ -حيث لا يتمكن كل فرد أراد القيام
بحقها من تحصيل الاذن منه ( ع ) مباشرة في عصر الحضور فضلا
عن الغيبة فلا محالة يكون كاشفا عن ذلك .لشدة حاجة الناس الى

--( 119 )--

القيام بممارسة الانتاج منها و الانتفاع بثرواتها -التي تقوم حياتهم
الفردية و الاجتماعية على أساسها -من ناحية ،و كون ذلك الاهتمام
أصبح لغوا من ناحية أخرى .هذا .

و لكن الصحيح :عدم اعتبار اذنه ( ع ) في ذلك شخصيا ،لعدم
الموجب له اصلا ،و كفاية اذن نائبه الخاص في زمن الحضور ،و اذن
الفقيه الجامع للشرائط في زمن الغيبة ،و عليه فلا يكون كاشفا ،
لتمكن كل فرد من ذلك .

و دعوى :أن نيابة الفقيه عن الامام ( ع ) حتى في اموراته
الشخصية ،و املاكه الخاصة غير ثابتة ،فاذن لا أثر لإذنه .

و فيه :أن هذه الدعوى -لو تمت فانما تتم فيما لو قلنا بان
الارض تكون من املاكه ( ع ) الشخصية ،الا أن الامر ليس
كذلك ،فلان ملكية الامام ( ع ) للأرض ليست على غرار سائر
أملاكه الخاصة ،فانها ملك لمنصب الامامة أو الدولة .و من هنا
لا تنتقل الى ورثته ( ع ) بعده .و من الطبيعي أن أمرها في زمن
الغيبة بيد الفقيه الجامع للشرائط .

هذا مضافا الى أن الضرورة قاضية بلزوم تدخل الفقيه أو الدولة
في أمر تلك الاراضي ،و المنع عن حدي الافراط و التفريط في نشاطات
الافراد و تصرفاتهم فيها ،فان الدولة لو لم تتدخل في أمرها ،و كان
الافراد حرا في تصرفاتهم فيها بما شاءوا و أرادوا بحسب ما تتوفر
لديهم من المكنة و القوة و إن كانت تسبب تضييع حقوق الآخرين
و المنع عن انتفاعهم بها فلا محالة أوجب ذلك هدم العدالة الاجتماعية
بين طبقات الأمة .

و من المعلوم أن الإسلام جاء بخطواته الواضحة ليكون سدا قويا

--( 120 )--

ازاء التعديات و التجاوزات الفردية و الاجتماعية ،و لكي يستقر العدالة
بين جميع الطبقات بشتى ميولهم و اشكالهم ماديا و معنويا ،و من
الطبيعي ان هذا لا يمكن الا في ضمن الخطوط التي ترسم من قبل
الدولة في ضمن دائرة الشريعة الاسلامية المقدسة .

و نقصد بذلك :ان الإسلام لا يسمح للأفراد بممارسة حرياتهم
و نشاطاتهم غير محدودة ،و انما يسمع لهم بممارستها في ضمن حدود
خاصة و نطاق مخصوص ،فلا يسمح للفرد ان يمارس حريته في النشاطات
الاقتصادية التالية :

1 -النشاطات التي تضر بالمصالح العامة للدولة أو الامة ،فان
على من بيده الأمر ان يتدخل فيها و يمنع الافراد عن ممارسة حرياتهم
في سبيل تلك النشاطات ،لحماية تلك المصالح و حراستها .

2 -النشاطات التي تسبب تضييع حقوق الآخرين ،و عدم اتاحة
الفرصة لهم من ممارسة تلك الحقوق و الانتفاع بها .

3 -النشاطات الربوية بشتى ألوانها ،فان الإسلام بنصوصه
الصريحة قد منع الافراد عن ممارسة تلك الألوان من النشاطات
منعا باتا .

4 -النشاطات الاحتكارية ،فان المنع عن ممارسة تلك النشاطات
في الطعام انما هو بنص صريح في الشريعة الاسلامية المقدسة ،و اما
المنع عن ممارستها في غير الطعام انما هو بيد ولى الأمر ،و ليس
بنص خاص في الشريعة ،فان كانت ممارستها منافية لمتطلبات العدالة
الاجتماعية التي يؤمن الإسلام بضرورة ايجادها بين طبقات الامة
فعلى من بيده الامر أو الدولة المنع عن ممارستها .

فالنتيجة :ان الدين الاسلامي لا يسمح للأفراد بممارسة هذه

--( 121 )--

الالوان من الاعمال و النشاطات المالية على اساس أنها تتنافى مع
العدالة و الحقوق الاجتماعية أو الفردية .

هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى ان الدين الاسلامي قد سمح للأفراد في ضمن
الحدود المزبورة و النطاق المخصوص بممارسة حرياتهم في سبيل الاعمال
و النشاطات الاقتصادية ما شاءوا و أرادوا بحسب ما لديهم من المكنة
و القوة ،بل قد تكون هذه الممارسة واجبة على الافراد في الإسلام ،
و قد يأمر ولي الامر بها ،لما يرى فيها من المصلحة العلمية .

و من الطبيعي ان الافراد يختلفون باختلاف ما لديهم من القوة و المكنة
لممارسة تلك النشاطات و الاعمال كما و كيفا ،فقد يتمكن الفرد بممارستها
من جمع ثروة هائلة و اموال كثيرة ،و قد اعترف الإسلام في ضمن
نصوصه باختصاص تلك الثروة له ،و عدم جواز تصرف غيره فيها
الا باذنه و رضاه .

و لم يرد في نصوص الإسلام تحديد الملكية الخاصة للأفراد بحد
خاص ،بحيث لو تجاوزت ثروة الفرد و امواله عن ذلك الحد لم يملك
الزائد ،و انما ورد في نصوصه تحديد حرية الافراد في سبيل تحصيل
الثروة و الاموال كما مر .و أما اذا تمكن الفرد من تحصيل الثروة
و الاموال من الطرق المحددة في الشرع فهو يملك تلك الثروة بلغت
ما بلغت من الكثرة .

و هذا لا يتنافى مع العدالة الاجتماعية التي يؤمن الإسلام بضرورة
ايجادها بين طبقات الامة ،فان العدالة الاجتماعية لا تقوم على
اساس توحيد الصفوف و الطبقات في المكنة المالية و الاقتصادية ،كيف
فان هذا لا ينسجم مع الإسلام ،لما مر بنا في ضمن البحوث السالفة

--( 122 )--

من ان الإسلام يعترف بقيمة عمل كل فرد على أساس أنه يملك
نتاجه ،و من الطبيعي ان عمل كل فرد يختلف عن عمل فرد آخر
كما و كيفا باختلاف ما لديه من المكنة و القوة ،فلا يمكن تساوي
الافراد في العمل بحسب الكم و الكيف ،و بالرغم من هذا كيف
يمكن التوحيد بين صفوف الامة و طبقاتهم في الحقوق المالية .

بل ان العدالة الاجتماعية بين صفوف الامة في المجتمع الاسلامي
انما تقوم على اساس ان لكل فرد من أفراد الامة حقا في ممارسة
حقوقه الاجتماعية و الفردية في ذلك المجتمع بحرية تامة في ضمن
الاطار العام الاسلامي ،و ليس لأي فرد ان يزاحم الآخر في ممارسة
حقوقه بحرية كاملة .

و على ضوء ذلك فبطبيعة الحال يكون كل فرد من ذلك المجتمع
مؤمن بعدم تضييع حقوقه فيه -سواء أ كانت راجعة الى النفس أم
الى العرض أم الى المال -و عليه فلا محالة يعيش بعيشة طيبة آمنة
هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان مبدأ الفضيلة في الإسلام انما هو بتقوى
اللّه فكل فرد يتمثل فيه تقوى اللّه فهو اقرب اليه تعالى على اساس ان
جميع الفضائل الاخرى في الإسلام ينتهي في نهاية الشوط الى هذه
الفضيلة فلا فضل لغني على فقير مثلا الا بذلك .

و من ناحية ثالثة :ان الإسلام على أثر تربيته الافراد في المجتمع
الاسلامي في تمام مرافق حياتهم المعنوية و المادية قد بث في نفوسهم
حب اعمال البر و الخير ،و من نتائج هذه التربية قيامهم بدفع الحقوق
الواجبة و غيرها ،و المساهمة في تحقيق العدالة الاجتماعية .

و من ناحية رابعة :ان على الدولة القيام بواجبها ازاء الفقراء

--( 123 )--

و المعوزين بأخذ الضرائب و الحقوق من الاغنياء و توزيعها على الفقراء
توزيعا عادلا ليعيشوا كغيرهم في ظل المجتمع الاسلامي بعيشة آمنة .

فالنتيجة :ان هذه النواحي التي اشرت اليها بشكل اجمالي هي
الأسس التي تقوم بها العدالة الاجتماعية بين طبقات الامة ،حيث
ان جميع الطبقات على ضوء هذه الأسس يعيشون بحرية كاملة في ممارسة
حقوقهم المادية و المعنوية ،الاجتماعية و الفردية في ظل الاطار العام
الاسلامي .

الطريق الرابع مجموعة من اخبار التحليل .

منها صحيحة مسمع بن عبد الملك في حديث قال :قلت :لأبي
عبد اللّه ( ع ) أني كنت و ليت الغوص الى ان قال :و هي حقك
الذي جعل اللّه تعالى لك في أموالنا فقال :و ما لنا من الارض و ما
اخرج اللّه منها الا الخمس ،الى ان قال :يا أبا سيار قد طيبناه
لك و حللناك منه فضم إليك مالك ،و كل ما كان في أيدي شيعتنا
من الارض فهم فيه محللون و محلل لهم ذلك ،الى ان يقوم قائمنا
فيجيبهم طسق ما كان في ايدي سواهم ،فان كسبهم من الارض
حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الارض من ايديهم و يخرجهم
منها صفرة - 1 - .

و هذه الصحيحة :هي العمدة في محل الكلام ،و دلالتها على
تحليل الارض واضحة ،و كذلك دلالتها على ان المراد من التحليل
هو التحليل المالكي .

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة :و هي انه لم يثبت بطريق

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 4 من ابواب الانفال و ما يختص بالامام
الحديث 12 .


--( 124 )--

معتبر تحليل الارض بشكل عام من الامام ( ع ) أو من قبل الشرع
لكل فرد اراد القيام بحق الارض و الاستفادة من ثرواتها .و اما
صحيحة الكابلي فهي و ان كانت تدل على تحليلها للمسلمين خاصة الا
انها لا تدل على ذلك مطلقا ،بل في أطار التزامهم خارجا باداء
الطسق و الخراج الى الامام من اهل البيت ( ع ) ،و الا كان تصرفهم
فيها محرما كما صرح بذلك في صحيحة مسمع .

و من هنا لو كان لصحيحة الكابلي اطلاق من هذه الناحية فلا بد
من تقييده بهذه الصحيحة أي -صحيحة مسمع -فالثابت انما هو
تحليل الارض لخصوص الافراد الذين شملتهم اخبار التحليل فحسب
لا مطلقا .

و أما القول الثاني : -و هو عدم اعتبار الاذن من الامام ( ع )
مطلقا في قيام الفرد باحياء الارض -فقد قيل :إنه يمكن الاستدلال
عليه بالسيرة الجارية بين المسلمين من لدن زمان التشريع الى زماننا
هذا على القيام باحياء الارض الموات و الاستفادة من ثرواتها بدون
مراجعة الامام ( ع ) في عصر الحضور ،و نائبه في عصر الغيبة ،فلو
لم يجز القيام بحقها بدون الاذن لا صبح ذلك من الواضحات ،
لكثرة ابتلاء الناس بالاستفادة من مصادر الاراضي و الانتفاع بها ،
رغم انهم غافلون عن اعتباره فيه .

و يرده :انه لا شبهة في ثبوت هذه السيرة العملية بين المسلمين
في جميع الاعصار ،الا انه لا يمكن الاخذ بها دليلا على هذا القول .

و النكتة فيه :ان جريانها بين الطائفة الخاصة انما هو يقوم على ضوء
اخبار التحليل ،و بقطع النظر عن تلك الاخبار فثبوت هذه السيرة
بينهم غير معلوم كما تقدم آنفا .

--( 125 )--

و اما جريانها بين العامة فهو انما يقوم على اساس منهجهم في
الفقه الاسلامي كما عرفت .

فالنتيجة :ان هذه السيرة ليست سيرة تعبدية ،لتكون كاشفة
عن الاذن .

قد يقال :كما قيل :انه يكفي في القيام باحياء الارض و عمارتها
اذن اللّه تعالى باعتبار انه سبحانه مالك الملوك ،و لا يلزم مع ذلك
اذن من مالكها الشرعي لا عموما و لا خصوصا .

و تشهد على ذلك :معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
قال رسول اللّه ( ص ) :( من غرس شجرا أو حفر واديا لم يسبقه
اليه احد ،أو أحيا أرضا ميتة فهي له قضاء من اللّه و رسوله ) - 1 - .

ببيان ان هذه المعتبرة ظاهرة في ان احياء الارض اذا كان باذنه
تعالى كان موجبا لتملك المحيي لها ،من دون حاجة الى اذن من
مالكها الشرعي .

و نظير ذلك :تملك اللقطة اذا لم تكن ذات علامة أو بعد
التعريف اذا لم يوجد صاحبها ،فان تملكها انما هو باذن اللّه تعالى ،
لا باذن مالكه ،و كذا الحال في حق المارة فانه إنما يكون باذنه تعالى
مع عدم اذن مالكه في التصرف فيه .

و يرده :انه لا شبهة في كفاية اذن اللّه تعالى على اساس انه سبحانه
مالك حقيقي للأشياء ،الا ان الكلام انما هو في اثبات ذلك ،و لا
يمكن اثباته بالمعتبرة المذكورة ،فان المراد من القضاء فيها ليس هو
اذنه تعالى في القيام باحياء الارض ،بل المراد منه تشريع سببية
عملية الاحياء لمنح المحيي حقا في الارض ،كما هو الظاهر منها .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 2 من ابواب احياء الموات الحديث 1 .


--( 126 )--

فاذن حال المعتبرة حال بقية روايات المسألة فلا تدل على الاذن ،
و قد تقدم انه لا ملازمة بين تشريع سببية الاحياء لعلاقة المحيي
بالارض و بين الاذن في القيام بحقها .

و أما القول الثالث -و هو التفصيل بين زماني الحضور و الغيبة
فيعتبر الاذن من الامام ( ع ) في القيام بعملية الاحياء على الأول
دون الثاني -.

فلعله :مبني على اساس أن الاذن من الامام ( ع ) بشكل مباشر
في زمن الغيبة ممتنع ،رغم ان مشروعية الاحياء ثابتة مطلقا من
ناحية ،و عدم ثبوت نيابة الفقيه عنه ( ع ) في مثل هذه الامور من
ناحية أخرى ،فاذن لا مناص من القول بسقوط الاذن .

و فيه :ما تقدم من ثبوت نيابة الفقيه عن الامام ( ع ) في مثل
المقام ،و قد عرفنا انه لا يلزم ان يكون الاستيذان من الامام ( ع )
بشكل مباشر بل يكفي الاستيذان من نائبه الخاص أو العام -و هو بمكان
من الامكان في عصر الغيبة -.

هذا اضافة :الى ان اخبار التحليل تكفي لإثبات الاذن من
الامام ( ع ) في هذا العصر .

فالنتيجة :ان القول بالتفصيل لا يرجع الى أصل صحيح .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الاول :ان الصحيح اعتبار اذن الامام ( ع ) في التصرف في
الارض الموات و السيطرة عليها ،فلا يحصل الملك أو الحق بدون
ذلك .

--( 127 )--

الثاني :ان الطريق الصحيح لإثبات اذن الامام ( ع ) في القيام
باحياء الارض و استثمارها انما هو اخبار التحليل ،دون غيرها من
الطرق التي مرت الاشارة اليها .

الثالث :ان ما قيل : -من ان السيرة بين المسلمين قد جرت على
القيام بحق الارض و الانتفاع بها من دون الاستيذان من الامام ( ع )
أو نائبه -.

فقد عرفت ما فيه :فان السيرة و إن كانت جارية الا ان جريانها
بين كل من الطائفتين يقوم على أساس خاص كما مر ،فلا تكشف
عن الامضاء .

الرابع :انه لا يلزم ان يكون الاستيذان في القيام باحياء الارض
و عمارتها من الامام ( ع ) بشكل مباشر ،بل يكفي الاستيذان من
نوابه و وكلائه ( ع ) سواء أ كان في زمن الحضور أم كان في زمن
الغيبة .

الخامس :ان القول بالتفصيل -بين زماني الحضور ،و الغيبة ،
فيعتبر الاذن على الاول دون الثاني -لا يقوم على اساس صحيح .

النقطة الخامسة


هل يعتبر في علاقة المحيي بالارض بسبب عملية الاحياء كونه
مسلما ؟فيه قولان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب هو القول الاول ،بل عن جماعة
دعوى الاجماع عليه :منهم العلامة ( قده ) في التذكرة ،حيث قال :
فيها اذا اذن الامام ( ع ) لشخص في احياء الارض ملكها المحيي إذا كان

--( 128 )--

مسلما ،و لا يملكها الكافر بالاحياء ،و لا باذن له في الاحياء ،فان
اذن له الامام ( ع ) فاحياها لم يملك عند علمائنا .

و منهم المحقق ( قده ) في جامع المقاصد حيث قال فيه :يشترط
كون المحيي مسلما فلو احياء الكافر لم يملك عند علمائنا و ان كان
الاحياء باذن الامام ( ع ) .

و لكن عن الشهيد ( قده ) في الدروس :الشرط الثاني أي للملك
بالاحياء ان يكون المحيي مسلما فلو احياها الذمي باذن الامام ( ع )
ففي تملكه نظر من توهم اختصاص ذلك بالمسلمين هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى :يقع الكلام بين الاصحاب في صحة اذن
الامام ( ع ) للكافر في احياء الارض على اساس انه أهل
لذلك أولا ؟

و عن المحقق في جامع المقاصد ان المستفاد من الاخبار و كلام
الاصحاب ان الكافر ليس اهلا للإذن .

و عن الشهيد ( قده ) في الروضة و في ملك الكافر مع الاذن
قولان :لا اشكال فيه لو حصل ،انما الاشكال في جواز اذنه ( ع )
له نظرا الى ان الكافر هل له أهلية ذلك أم لا ؟

و مثله ما عن الشهيد الثاني ( قده ) في المسالك ،هذا .

و الصحيح في المقام ان يقال :انه لا شبهة في أهلية الكافر في
نفسه لتملك الارض بالاحياء ،كما انه لا شبهة في أهليته للإذن من
الامام ( ع ) اذا اقتضت المصلحة ذلك على اساس ان اذنه ( ع )
بذلك تابع لتوفر الشرائط و المقتضيات له ،و لا يعقل ان يكون
جزافا ،فلو اذن الكافر باحياء الارض في مورد و قام به اكتسب فيها
حقا لا محالة ،و كيف كان فلا ينبغي اطالة الكلام من هذه الناحية .

--( 129 )--

و انما الكلام في اعتبار الإسلام في المحيي بقطع النظر عن
اعتبار الاذن في القيام باحيائه الارض .

و بكلمة اخرى :قد تقدم انه يعتبر في كون الاحياء سببا لعلاقة
المحيي بالارض اذن الامام ( ع ) فيه ،و انما الكلام فعلا في اشتراط
اسلامه .و لازم اعتبار هذا الشرط انه لا تحصل للكافر علاقة بالارض
بسبب الاحياء و ان كان مأذونا فيه ،لأن الاذن وحده لا يكفي في حصول
هذه العلاقة ،بل لا بد من توفر بقية الشرائط أيضا :منها اسلامه .

و يمكن ان يستدل :على هذا القول بوجهين :

الأول :بالإجماع المدعي في المسألة .

و يردّه :

اولا :ان الاجماع غير ثابت ،فان المحكي عن جماعة كثيرة الخلاف
في المسألة :منهم شيخ الطائفة الشيخ الطوسي ( قده ) في المبسوط
و الخلاف ،و منهم ابن ادريس في السرائر ،و الشهيد الثاني ( قده )
في اللمعة ،و المحقق في النافع .

و ثانيا :انه لا اثر لهذا الاجماع على تقدير تحققه ،و ذلك لأن
الاجماع انما يكون حجة باعتبار كشفه عن قول المعصوم ( ع ) في
المسألة ،و الاجماع المدعي فيها لا تتوفر فيه هذه الصفة جزما ،لاحتمال
أن يكون اساسه صحيحة الكابلي المتقدمة ،و صحيحة عمر بن يزيد
التي مرّت سابقا بناء على ان يكون المراد من المؤمنين فيها الاعم من
الطائفة الخاصة و العامة .

هذا اضافة :الى انه لا دليل على اعتبار الاجماع المنقول في نفسه .

الثاني :بصحيحة الكابلي باعتبار ان في هذه الصحيحة قد قيد
المحيي بكونه من المسلمين ،و هذا التقييد على اساس وقوعه في مقام

--( 130 )--

البيان يدل على اعتبار الإسلام في المحيي ،و هذه الدلالة لا بأس بها
نظرا الى انها تقوم على اساس دلالة القيد على المفهوم ،و قد ذكرنا
انه لا مانع من الالتزام بها بنكتة ان القيد ظاهر لدى العرف في
الاحتراز ،فيدل على ان الحكم فيها لم يثبت للطبيعي الجامع بينه و بين
غيره ،و الا لكان القيد لغوا ،و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان
الاحياء لو كان سببا لعلاقة المحيي بالارض مطلقا أي -و لو كان كافرا -
لكان تقييده بكونه من المسلمين في موردين من الصحيحة لغوا صرفا .

فالنتيجة :انه لا بأس بدلالة الصحيحة على ذلك .

نعم قد تقدم منا :ان اسلام المحيي وحده لا يكفي في حصول
هذه العلاقة له بالارض على اساس قيامه بالاحياء ،بل يعتبر فيه
ان يكون مأذونا من قبل الامام ( ع ) أيضا ،و قد عرفنا ان الاذن
في القيام بعملية الاحياء على نحو الاطلاق لم يثبت الا للأفراد الذين
شملتهم اخبار التحليل ،دون غيرهم .و اما هذه الصحيحة فلا تدل
على الاذن في الاحياء لكل فرد من المسلمين بشكل مطلق ،بل تدل
عليه في فرض خاص و اطار مخصوص -و هو ما إذا كان الفرد ملتزما
باداء الخراج و الطسق الى الامام ( ع ) خارجا -و الا فلا يكون تصرفه فيها
بالاحياء سائغا و نافذا و ان كان مسلما ،كما ان الاذن وحده لا يكفي
إذا لم يكن المحيي مسلما ،فالكافر و ان كان مأذونا لا يوجب احيانه
العلاقة بينه و بين الارض .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان المعتبر في كون الاحياء موجبا
لصلة المحيي بالارض أمران :

احدهما :اذن الامام ( ع ) او نائبه في القيام بذلك .

و الآخر :اسلام المحيي .

--( 131 )--

هذا كله فيما اذا كان قيام الكافر بالاحياء متأخرا زمنيا عن
تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) .

و اما اذا كان متقدما زمنيا على ذلك فلا اشكال في انه يوجب
علاقته بالارض على مستوى الملك ،لما تقدم في ضمن الابحاث السالفة
من ان عملية الاحياء من احد اسباب الملك بنظر العقلاء ،فاذا
كانت الارض مواتا و لم يكن لها مالك بالفعل ،فهذه العملية توجب
صلة المحيي بها على مستوى الملك ،بلا فرق بين كون المحيي مسلما
او كافرا ،فاعتبار الاذن من جهة ،و اعتبار الإسلام من جهة اخرى
في هذه العملية انما هو فيما اذا كانت تلك العملية بعد تشريع ملكية
الانفال للإمام ( ع ) .

و على الجملة :فالأراضي الموات بما انها داخلة في نطاق ملكية
الامام ( ع ) بعد نزول آية الانفال فالاحياء فيها انما يوجب علاقة
المحيي بها على مستوى الحق اذا كان الاحياء باذن الامام ( ع ) و كان
المحيي مسلما و الا فلا أثر له .

و أما القول الثاني -و هو عدم اعتبار الإسلام في المحيي -فيمكن
دعمه بوجهين :

الاول :بمجموعة من الروايات المتقدمة التي جاءت بهذا اللسان :
( ايما قوم أحيوا شيئا من الارض و عمروها فهم احق بها و هي لهم )
فان مقتضى عمومها عدم الفرق بين كون المحيي مسلما أو كافرا .

و ما تقدم بنا -من ان هذه المجموعة انما هي ناظرة الى تشريع
سببية الاحياء لعلاقة المحيي بالارض فحسب ،و لا تنظر الى جهة
أخرى نفيا أو اثباتا -فانه انما يتم بالاضافة الى اعتبار اذن الامام ( ع )
في تأثير عملية الاحياء و عدم اعتباره ،لما عرفت من انها غير ناظرة

--( 132 )--

الى ذلك اصلا ،كما انها غير ناظرة الى نفي بقية الشرائط له .

و اما بالاضافة :الى اعتبار الإسلام في المحيي فمقتضى عموم
قوله ( ع ) ( ايما قوم ) عدم اعتباره ،كما ان مقتضى اطلاق ذيلها
عموم سببية الاحياء يعني -ان سببيته لا تختص بفرد دون آخر -.

فالنتيجة :ان هذه المجموعة من الروايات تدل بعمومها على عدم
اعتبار الإسلام في المحيي ،كما انها تدل باطلاقها على ان كل فرد
من عملية الاحياء في الارض سبب لعلاقة المحيي بالارض .

هذا اضافة :الى ان عملية الاحياء بوصف كونها مصدرا لحق الفرد
في الارض قد اعترف به العقلاء في نظامهم المادي الاجتماعي .و أما
العوامل و الاسباب الأخر الثانوية التي ولّدتها الظروف كالسيطرة على
على الارض بالقوة و العنف ،او ما شاكل ذلك و ان كانت موجودة
بين المجتمعات ،الا ان العقلاء بوصف كونهم عقلاء لا يعترفون
بتلك العوامل و الاسباب الثانوية ،كما لا يعترف بها الإسلام نهائيا ،
فالمصدر الوحيد لعلاقة الفرد بالارض انما هو الاحياء .

و عليه فالروايات المزبورة ليست في مقام التأسيس و التشريع
للحكم الابتدائي في الشرع ،بل هي في مقام امضاء ما هو ثابت
لدى العقلاء -و هو سببية الإحياء لحق الفرد في الارض -و بما انه
لا يعتبر في المحيي كونه مسلما لدى العقلاء ،فكذا لدى الشرع .هذا .

و لكن هذه المجموعة :معارضة بصحيحة الكابلي على اساس ان
في هذه الصحيحة قد قيد المحيي بكونه مسلما في موردين ،و عليه
فلو كان الحكم ثابتا لطبيعي المحيي مطلقا و لو كان كافرا لكان التقييد
المزبور لغوا فاذن تكون صحيحة الكابلي مقيدة لتلك المجموعة فتصبح
النتيجة في صالح المشهور -و هو اعتبار الإسلام في الميحي -.

--( 133 )--

الوجه الثاني :بمجموعة اخرى من الروايات :عمدتها روايتان :

احداهما :صحيحة محمد بن مسلم قال سألت أبا عبد اللّه ( ع )
عن الشراء من أرض اليهود و النصارى فقال :( ليس به بأس ،قد
ظهر رسول اللّه ( ص ) على اهل خيبر ،فخارجهم على ان يترك الارض
في ايديهم يعملونها و يعمرونها فلا أرى بها بأسا لو انك اشتريت منها
شيئا ،و ايما قوم احيوا شيئا من الارض و عملوها فهم احق بها
و هي لهم ) - 1 - .

و ثانيتها :صحيحة ابي بصير قال :سألت ابا عبد اللّه ( ع )
عن شراء الارضين من اهل الذمة فقال :( لا بأس بان يشتريها منهم
اذا عملوها و احيوها فهي لهم ) الحديث - 2 - .

و هاتان الصحيحتان :و ان كانتا تدلان على ان الكافر يملك الارض
بالاحياء الا انه لا يمكن الاخذ باطلاقهما حتى بعد التاريخ الزمني
لتشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) ،بل لا بد من حمله على ما قبل
التاريخ المزبور ،حيث انه لا مانع من الاخذ به قبل ذلك التاريخ ،
لما عرفت في ضمن البحوث السالفة من ان الاحياء اذا كان متقدما
زمنيا على التاريخ المذكور يمنح ملكية الارض للمحيي و ان كان كافرا .

بيان ذلك :

اما الصحيحة الاولى :فجملة ( الشراء من ارض اليهود و النصارى )

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 17 من أبواب جهاد العدو و ما
يناسبه الحديث 2 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 4 من أبواب إحياء الموات الحديث 1 .

--( 134 )--

لا تدل على ذلك ،فان هذه الجملة ظاهرة في ان الارض ملك لهما ،
و لعله كان بسبب قيامهما باحيائها قبل التشريع المذكور ،او انها
انتقلت اليهما ممن كان مالكا لها فلا تدل هذه الجملة على ان الارض
ملك لهما عن اساس قيامهما باحيائها بعد التشريع المزبور ،فاذن
لا يمكن الاستدلال بهذه الجملة من الصحيحة .

و اما جملة ( ايما قوم احيوا شيئا من الارض و عملوها فهم احق
بها و هي لهم ) و إن كانت كبرى كلية تنطبق على المقام و تدل على ان
العمل في الارض مصدر لحصول الحق فيها من اي فرد كان الا انه
لا بد من رفع اليد عن هذا العموم بقرينة صحيحة الكابلي ،و صحيحة
مسمع بن عبد الملك المتقدمتين :

و اما صحيحة الكابلي :فعلى اساس ان فيها قد قيد المحيي بكونه
من المسلمين في موردين ،و هذا التقييد كما عرفت يدل على اختصاص
حصول هذا الحق بما اذا كان المحيي مسلما لا مطلقا ،و الا لكان
التقييد لغوا .

و أما صحيحة مسمع :فقد صرح في تلك الصحيحة بحرمة
التصرف في الارض التي هي داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع )
لغير من شملتهم اخبار التحليل ،و عليه فبما ان صغرى هذه الكبرى
في مورد الصحيحة أي -صحيحة محمد بن مسلم -عمل اليهود في الارض
و قيامهم باحيائها فلا بد من حمل اطلاق تلك الكبرى اي -اطلاقها
الزماني -على هذه الصغرى بما اذا تحققت قبل التاريخ الزمني
لتشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) بقرينة هاتين الصحيحتين ،و حمل
اطلاقها العرضي -بعد التاريخ المزبور -على ما اذا كان المحيي مسلما
و ملتزما خارجا باداء الخراج الى الامام ( ع ) او على خصوص مورد

--( 135 )--

اخبار التحليل .

و اما الصحيحة الثانية :فقد ظهر مما ذكرناه حالها أيضا ،فانها
حيث كانت باطلاقها تشمل ما إذا كان قيام أهل الذمة بالاحياء و عملهم
في الارض قبل التاريخ المذكور و بعده فلا بد من حمل اطلاقها على ما
اذا كان قيامهم به قبل ذلك التاريخ بقرينة ما عرفت من الصحيحتين .

فالنتيجة في نهاية الشوط .ان الاستدلال بهاتين الصحيحتين على
هذا القول غير تام و لا يمكن دعمه بهما .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الاول :ان ما هو المشهور بين الاصحاب من اعتبار الإسلام في
المحيي هو الصحيح ،لا للإجماع المدعي في المسألة ،فانه غير تام ،
بل لدلالة صحيحة الكابلي على ذلك .

الثاني :ان اعتبار الإسلام في المحيي انما هو في الاراضي الخربة
التي تكون من الانفال ،دون ما اذا لم تكن منها .و من هنا قلنا ان
من يقوم باحياء الارض قبل التاريخ الزمني لنزول آية الانفال ملك
الارض على اساسه و ان كان كافرا .

الثالث :ان مقتضى عموم المجموعة من الروايات الدالة على سببية
الاحياء لعلاقة المحيي بالارض و ان كان هو عدم الفرق بين كون المحيي
مسلما او كافرا على ما عرفت الا ان صحيحة الكابلي تكون مخصصة لهذا
العموم من هذه الناحية بمقتضى مفهوم القيد .

الرابع :ان صحيحتي محمد بن مسلم و ابي بصير المتقدمتين آنفا
و ان كان موردهما احياء الكافر الا انه لا يمكن الاخذ بظاهرهما

--( 136 )--

بقرينة صحيحة الكابلي و صحيحة مسمع على ما عرفت .

الخامس :ما عن جماعة -من ان الكافر ليس أهلا لأن يأذنه
الامام ( ع ) في احياء الارض و عمارتها ،و لو اذن في ذلك لم يملك -
لا يقوم على اساس صحيح ،اذ لا شبهة في اهلية الكافر لذلك ،كما
انه لا شبهة في ان الامام ( ع ) لو اذن الكافر فيه شخصا كان نافذا

النقطة السادسة


ان عملية الاحياء في الارض انما تكون سببا لصلة المحيي بها
اذا لم تكن تلك الارض حريما لملك غيره كالدار ،و البستان .
و القرية ،و البلد ،و المزارع ،و ما شاكل ذلك .

و السبب فيه :ان مقدار الحريم متعلق لحق صاحبه ،فلا يحق
لغيره ان يقوم باحيائه و عمارته ،لأن فيه مزاحمة و تفويتا لحقه -و هو
غير جائز جزما -من ناحية ،و لا يؤثر ذلك في حصول العلاقة له
من ناحية اخرى ،كل ذلك بلا خلاف و لا اشكال بين الاصحاب
قديما و حديثا .هذا من جانب .و من جانب اخر ان حريم كل
شي‏ء انما هو مقدار ما يتوقف عليه الانتفاع به و هو يختلف سعة
و ضيقا باختلاف الاشياء .

حريم البئر المعطر


و هي البئر التي يستقي منها لشرب الإبل ،فان حريمها اربعون
ذراعا من تمام جوانبها ،و البئر الناضح -و هي البئر التي يستقي

--( 137 )--

منها للزرع و غيره -فان حريمها ستون ذراعا من جميع أطرافها بلا
خلاف معتد به بين الاصحاب في هذا التحديد ،بل يظهر عن جماعة
دعوى الاجماع عليه .

و تدل على ذلك :معتبرة السكوني عن ابي عبد اللّه ( ع ) ( ان
رسول اللّه ( ص ) قال ما بين بئر المعطن الى بئر المعطن اربعون
ذراعا ،و ما بين بئر الناضح الى بئر الناضح ستون ذراعا ،و ما بين
العين الى العين يعني القناة خمسمائة ذراع ،و الطريق يتشاح عليه
أهله فحده سبع اذرع - 1 - .

و بهذه المعتبرة تقيد اطلاق صحيحة حماد بن عثمان قال :سمعت
ابا عبد اللّه ( ع ) ( يقول حريم البئر العادية اربعون ذراعا حولها )
و تحمل البئر فيها على البئر المعطن .

ثم انه لا اشكال في عدم جواز حفر بئر اخرى في هذه الحدود
جزما اذا كان فيه ضرر .

و انما الكلام و الاشكال في انه يجوز ان يقوم فرد باحياء تلك
الحدود بان -يجعلها مزرعا او مشجرا او دورا او ما شاكل ذلك -
او لا يجوز ؟فيه و جهان :

ذكر صاحب الجواهر ( قده ) انه كما لا يجوز حفر بتري
اخرى في هذه الحدود ،لا يجوز القيام بغيره كزرع او شجر أو
نحو ذلك ،و ان ظهر من بعض النصوص و الفتاوي خصوص حفر بئر
اخرى ،اذ ان المتجه الاعم ،ضرورة اشتراك الجميع في الضرر على
ذي البئر المزبورة .

و غير خفى :ان الارتكاز القطعي قائم لدى العرف بان التحديد

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 باب 11 من ابواب احياء الموات الحديث 5

--( 138 )--

بالحدود المزبورة بين الآبار انما هو بملاك سد باب الضرر ،فلا
خصوصية لحفر بئر اخرى في تلك الحدود الا من باب انه من احد
عوامل الضرر على البئر الاولى .

و من هنا لو كان في التصرفات الاخرى في الحدود المزبورة ضرر
عليها لم تجز تلك التصرفات جزما رغم ان التقدير المزبور في معتبرة
السكوني المتقدمة يكون بين البئرين ،فان الارتكاز المذكور قرينة
على انه لا خصوصية للبئر ،فالعبرة انما هي بالضرر ،سواء أ كان
من ناحية حفر البئر أم كان من ناحية تصرف آخر .

و الاقتصار في المعتبرة على حفر البئر الأخرى خاصة انما هو بنكتة
ان في حفرها ضررا على البئر الاولى غالبا و نوعا ،دون غيرها من انواع
التصرفات هذا ظاهر .

و انما الكلام في موردين :

احدهما :فيما اذا افترضنا لزوم الضرر عليها من التصرف في
خارج تلك الحدود ،سواء أ كان ذلك التصرف حفر بئر أم كان غيره

و الآخر :فيما اذا افترضنا عدم لزومه من التصرف في نفس تلك
الحدود و ان كان ذلك التصرف حفر بئر .

أما الاول :فالظاهر انه لا اشكال في عدم جواز هذا التصرف ،
فانه مضافا -الى قاعدة نفي الضرر التي تحكم على جوازه و تنفيه -
ما قد عرفت من ان الارتكاز القطعي لدى العرف شاهد على ان العبر انما
هى بالضرر ،و التحديد بالمسافة في المعتبرة و غيرها انما هو مبني على الغالب .

و اما الثاني :فلا يبعد القول بجوازه بل هو الظاهر حتى فيما
اذا كان ذلك التصرف حفر بئر اخرى في تلك المسافة ،فان تمام
الملاك لعدم الجواز انما هو لزوم الضرر ،و اما اذا افترض عدمه فلا

--( 139 )--

مانع منه .

و بكلمة اخرى :ان المسافة المزبورة ليست متعلقة لحق صاحب
البئر الا على اساس كون التصرف فيها موجبا للضرر عليه .و اما
اذا افترضنا انه لا يوجب ذلك فعندئذ لا مانع من القيام بذلك
التصرف و ان كان حفر بئر اخرى ،لفرض اباحة الارض من هذه
الناحية ،و عدم كون هذا التصرف موجبا للضرر و لا مزاحما لحق
من حقوق الآخر من الناحية الاخرى .و يؤكده استقرار السيرة
العقلائية على ذلك .

فالنتيجة :ان العبرة في جواز القيام بالتصرفات المذكورة و عدم
جوازه انما هي بلزوم الضرر و عدم لزومه ،و التحديد المزبور -مضافا
الى انه بالاضافة الى حفر بئر اخرى -مبنى على الغالب ،لا انه تحديد
حقيقي و فاصل واقعي لجواز التصرف في خارج هذا الحد و ان كان
موجبا للضرر ،و عدم جوازه فيما دونه و ان لم يوجب الضرر هذا
من ناحية .

و من ناحية اخرى ان للبئر حريما آخر غير ما ذكرناه آنفا -و هو
ما يتوقف عليه الانتفاع بها -كمقدار مكان النازح اذا كان الاستقاء
منها باليد او الاناء ،و مكان تردد البهيمة و الدولاب ،و مجمع مائها
للزرع أو نحوه ،و مصب مائها ،و مطرح طينها -و هو ما يخرج منها
عند اصلاحها و تنقيتها -و الجامع ان كل ما يتوقف عليه الانتفاع بها
فهو حريم لها ،و لا يحق لأي واحد ان يقوم باحياء هذا المقدار
و استثماره اصلا .

--( 140 )--

حريم القناة


المشهور بين الاصحاب ان حريمها في الارض الرخوة الف ذراع ،
و في الارض الصلبة خمسمائة ذراع .

و يظهر عن جماعة دعوى الاجماع على ذلك منهم شيخ الطائفة الشيخ
الطوسي ( قده ) في الخلاف ،و العلامة ( ره ) في التذكرة ،و المحقق
( قده ) في جامع المقاصد .

و استدل على ذلك برواية عقبة بن خالد عن ابي عبد اللّه ( ع )
قال :( يكون بين البئرين اذا كانت ارضا صلبة خمسمائة ذراع ،
و إن كانت ارضا رخوة فالف ذراع ) - 1 - .

لا يخفى ان الاستدلال بهذه الرواية ترتكز على اساس تمامية
امرين :

احدهما :ان يكون المراد من البئرين العينين ،و هذا غير بعيد
بقرينة عدم اعتبار هذه المسافة بين البئرين نصا و اتفاقا من ناحية ،
و ورود خمسمائة ذراع بينهما في معتبرة السكوني الآتية من ناحية أخرى .

و ثانيهما :ان تكون تامة سندا ،و هذا غير ثابت ،لأن الرواية
ضعيفة من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليها .

و دعوى -ان ضعفها منجبر بعمل الاصحاب على اساس انهم قد
افتوا على طبق هذه الرواية و عملوا بها -خاطئة جدا ،و ذلك لما
ذكرناه غير مرة من انه على تقدير احراز عمل الاصحاب بها و استنادهم

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 11 من ابواب احياء الموات الحديث 3 .


--( 141 )--

اليها في مقام الفتيا الا ان ذلك لا يوجب الوثوق و الاطمئنان النوعي
بصدور الرواية عن المعصوم ( ع ) الذي هو الملاك في حجية خبر
الواحد و شمول ادلة اعتباره له .

فالنتيجة ان الرواية ساقطة فلا يمكن الاستدلال بها .

نعم قد ورد في معتبرة السكوني المتقدمة :( و ما بين العين الى
العين يعني القناة خمسمائة ذراع ) و عليه فلو كانت رواية عقبة بن
خالد معتبرة لكانت قرينة على التصرف في هذه المعتبرة بحملها على
الارض الصلبة حتى يتم القول بالتفصيل المزبور ،و لكن بما انها
غير معتبرة فلا دليل على هذا القول ،و مقتضى المعتبرة عدم الفرق بين
الارض الصلبة و الارض الرخوة .

و قد تحصل من ذلك :انه لا دليل على القول المذكور غير ما
يظهر عن جماعة من دعوى الاجماع ،و من الواضح ان الاجماع الكاشف
عن قول المعصوم ( ع ) في المسألة غير متحقق ،لوجود المخالف فيها
من ناحية و احتمال ان رواية عقبة بن خالد هي مدرك الاجماع من
ناحية اخرى .

هذا اضافة الى ان الاجماع المنقول في نفسه لا دليل على اعتباره .

و في مقابل ذلك القول قول آخر و هو ان حدّ الفاصل بين العينين
لا يقدر بحد خاص ،بل هو منوط بان لا يكون حفر القناة الثانية
موجبا للضرر على الاولى ،و الالم يجز ،سواء أ كان الحفر المزبور
فيما دون المسافة المذكورة أم كان في خارج تلك المسافة ،فاذا افترضنا
ان حفرها لا يسبب ضررا على الاولى في أقلّ من تلك المسافة جاز
و لا مانع منه اصلا .

و هذا القول :هو الصحيح .

--( 142 )--

و تدل على ذلك صحيحة محمد بن الحسن ( الحسين ) قال كتبت
الى ابي محمد ( ع ) ( رجل كانت له قناة في قرية ،فأراد رجل
ان يحفر قناة أخرى الى قرية له ،كم يكون بينهما في البعد حتى
لا تضر إحداهما بالاخرى في الارض اذا كانت صلبة ،او رخوة ،
فوقع ( ع ) على حسب أن لا تضر احداهما بالاخرى ان شاء اللّه )
الحديث - 1 - .

فانها واضحة الدلالة على ان العبرة في جواز حفر قناة اخرى
جنب القناة الاولى ،و عدم جوازه انما هي بلزوم الضرر ،و عدم
لزومه ،فعلى الاول لا يجوز دون الثاني .

و تنسجم هذه الصحيحة :مع السيرة القائمة بين العقلاء في امثال
تلك الموارد ،حيث انها تقوم على أن العبرة في الجواز و عدمه انما
هي بلزوم بالضرر و عدم لزومه .و من هنا لو قطعنا النظر عن النص
في المقام لكانت السيرة المزبورة كافية .

و على الجملة :فلا شبهة في انه يجوز للفرد ان يقوم بالعمل في
الارض الموات باحياء او حفر قناة او نحو ذلك ،و لا مانع منه اصلا ،
الا اذا كان الحفر موجبا للضرر على القناة الاخرى ،فعندئذ لا يجوز ،
سواء أ كان هناك نص خاص أم لم يكن ،لكفاية السيرة في المسألة
التي تقوم على وفق الارتكاز القطعي لدى العرف و العقلاء .

و على ضوء ذلك فما ورد في النصوص -من التحديد بحد خاص
كما في معتبرة السكوني المتقدمة و غيرها -مبنى على الغالب ،باعتبار
ان الضرر يندفع بهذا الحد من البعد بين القناتين غالبا و نوعا ،

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 14 من ابواب احياء الموات الحديث 1 .


--( 143 )--

و ليس التحديد بذلك أمرا تعبديا .

و من هنا اذا افترضنا ان القناة الثانية تضر بالاولى ،رغم توفر
هذا البعد الخاص بينهما لم يجز احداثها ،كما انه اذا افترضنا ان
احداث الثانية لا يوجب ضررا على الاولى في أقلّ من ذاك البعد
جاز إحداثها .و لا مانع منه اصلا .

و تؤيد هذا القول :رواية عقبة بن خالد عن أبي عبد اللّه ( ع )
( في رجل اتى جبلا فشق فيه قناة جرى ماؤها سنة ،ثم ان رجلا
اتى ذلك الجبل فشق منه قناة اخرى ،فذهبت الاخرى بماء قناة
الاولى قال :فقال :يتقاسمان ( يتقايسان ) بحقائب البئر ليلة
ليلة فينظر ايتها أضرت بصاحبتها ،فان رأيت الاخيرة أضرت بالاولى
فلتعور ،و قضى رسول اللّه ( ص ) بذلك قال :ان كانت الاولى
اخذت ماء الاخيرة لم يكن لصاحب الاخيرة على الاولى سبيل ) هكذا
رواها الصدوق في الفقيه - 1 - .

و مثلها روايته الاخرى عن أبي عبد اللّه ( ع ) ( في رجل احتفر
قناة و اتى لذلك سنة ،ثم ان رجلا احتفر الى جانبها قناة ،فقضى
ان يقاس الماء بحقائب البئر ليلة هذه و ليلة هذه ،فان كانت الاخيرة
اخذت ماء الاولى عورت الاخيرة ،و ان كانت الاولى اخذت ماء الاخيرة
لم يكن لصاحب الاخيرة على الاولى شي‏ء ) - 2 - فانها واضحة الدلالة
على ان الملاك في الجواز و عدمه انما هو بلزوم الضرر و عدم لزومه
لا بالمسافة المقدرة بينهما و عدمها ،الا ان الكلام في سندها ،و حيث

---------------

( 1 ) الفقيه ج 3 ص 58 الحديث 67 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 16 من ابواب احياء الموات الحديث 3 .


--( 144 )--

انهما ضعيفتان من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد بهما دليلا في
المسألة .

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان القول الثاني هو الصحيح .

و نسب اختيار هذا القول الى الاسكافي ،و الشهيد الثاني في المسالك ،
و العلامة في المختلف .

هذا كله فيما اذا كان التصرف في جنب القناة باحداث قناة
اخرى .

و اما اذا كان التصرف فيه بشي‏ء آخر كالزرع او الغرس او غير
ذلك فهل يجوز اولا ؟الظاهر بل المقطوع به ان حاله حال احداث
القناة يعنى -ان جوازه و عدم جوازه يدوران مدار لزوم الضرر
و عدم لزومه -فان كان موجبا للضرر على صاحب القناة لم يجز جزما ،
و اما اذا لم يوجب الضرر عليه فلا مانع منه اصلا و ان كان فيما
دون الحدود المذكورة في النصوص ،لفرض ان الارض مباحة من
هذه الناحية أى -لا يكون لأحد حق فيها -و التصرف المزبور كما
لا يوجب الضرر لا يوجب المزاحمة له في الانتفاع بها أيضا .

بل لو قلنا بعدم جواز احداث قناة اخرى في تلك الحدود فايضا
لا مانع من جواز غيرها من التصرفات فيها .اذا لم يكن في تلك
التصرفات ضرر و لا مزاحمة ،لأن عدم جواز احداثها في الحدود
المزبورة انما هو لأجل مزاحمة ،لأن عدم جواز احداثها في الحدود
المزبورة انما هو لأجل النص ،و لا نص في غيرها ،فاذن لا محالة
يدور سائر التصرفات جوازا و منعا مدار الضرر و عدمه .

ثم انه لا فرق في عدم جواز قيام فرد باحداث قناة اخرى اذا
كان فيه ضرر على الاولى بين ان يكون احداثها في الارض الموات
او في الارض المملوكة له ،كما انه لا فرق بين ان يكون في خارج

--( 145 )--

تلك الحدود ،او فيما دونها ،و ذلك لإطلاق النص من هذه الناحية
و قيام الارتكاز القطعي على ان التحديد في النص مبنى على الغالب
بدون فرق فيه بين الموات و العامرة بشريا ،و استقرار السيرة
العقلائية على عدم الفرق ،و كذا الحال في حفر بئر اخرى اذا كان
فيه ضرر على البئر الاولى .

و اما غيرهما :من التصرفات كالزرع او نحوه فيها اي -في
الارض المملوكة -فالظاهر انه لا مانع منها و ان كانت موجبة للضرر .

نعم اذا كان التصرف فيها حادثا بعد احداث القناة او البئر
و كان فيه ضرر عليها لم يجز لقاعدة نفي الضرر .

ثم ان للقناة حريما آخر -و هو ما يتوقف عليه الانتفاع بها -
كحواشيها و اطرافها التي هي مجمع ترابها و طينها لدى تنقيتها و اصلاحها
و طرقها و غير ذلك ،و ليس لحريمها بهذا المعنى حد خاص في الشرع ،
بل هو يختلف سعة و ضيقا باختلاف حاجة القنوات و العيون من
ناحية قلة مائها و كثرته ،و قلة الافراد الذين ينتفعون بها ،و كثرتهم
و هكذا ،فان الاختلاف في كل ذلك يوجب الاختلاف في حريمها
سعة و ضيقا .

و ليس لأحد ان يقوم بالتصرف في تلك الاطراف و الطرق بما يوجب
مزاحمة المنتفعين بها ،و ذلك لاستقرار السيرة القطعية من العقلاء
على ذلك الممضاة لدى الشرع جزما .

حريم النهر


و هو مقدار ما يحتاج النهر اليه عادة من الاطراف و الحواشي

--( 146 )--

عند تنقيته و اصلاحه ،و المجاز على حافتيه للمواظبة عليه ،و لا فرق
في ذلك بين كون النهر ملكا خاصا او عاما ،و لا يجوز لأي فرد
ان يقوم باحياء هذا المقدار ،فانه يوجب المزاحمة .

و تقوم على ذلك :السيرة المتقدمة ،حيث لم يرد من الشرع
تحديد له كي يكون هو المرجع فيه .نعم ورد في مرفوعة
ابراهيم بن هاشم ( حريم النهر حافتاه و ما يليها ) - 1 - و هي ترجع
الى ما ذكرناه على انها ساقطة من ناحية السند .

حريم الدار


و هو ما يتوقف عليه الانتفاع بها كمطرح ترابها و سلوجها و رمادها
و مسيل مائها ،و طريق الدخول و الخروج من الجهة التي يفتح الباب
منها ،و مكان الالات و الطين و الجص و الحديد اذا احتاج اليه لدى
الحاجة الى البناء او الترميم .و اما الزائد على هذا المقدار فلا يكون
حريما لها و لا يحق لأي احد أن يقوم بالتصرف فيه بما يزاحم
صاحبها في الاستفادة منها .

و من هذا القبيل حريم حائط البستان و ما شاكله .

و على الجملة فحريم هذه الاشياء لا يدخل تحت ضابط كلى » ،
و ليس منصوصا في الشرع و محدّدا فيه ،بل هو يختلف باختلاف
ما يتوقف عليه الانتفاع بها .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 11 من ابواب احياء الموات الحديث 4 .


--( 147 )--

حريم القرية


و هو ما تكون القرية بحاجة ماسة اليه في حفظ مصالحها و مصالح
اهلها من مدفن موتاهم ،و مرعى ماشيتهم و مرابضها ،و ملعب
الصبيان ،و موارد احتطابهم التي جرت العادة بوصولهم اليها ،و مجمع
اهاليها لمصالحهم الاجتماعية :المادية و المعنوية ،و مسيل ميائها ،و الطرق
المؤدية اليها و المسلوكة منها ،و مجمع ترابها و كناستها ،و مطرح سمادها
و رمادها کو غير ذلك مما تحتاج القرية اليه ،بحيث لو قام فرد
بالتصرف في الاشياء المزبورة و الاستيلاء عليها لكان مزاحما لأهالي
تلك القرية ،و موجبا لوقوعهم في حرج و ضيق شديد .

ثم ان من الطبيعي ان حاجة القرية تختلف باختلافها سعة
و ضيقا ،و بكثرة أهاليها و قلتهم ،و بكثرة مواشيها و دوابها و قلتها ،و باختلاف
الازمنة ،فيمكن ان تكون القرية في السنين و القرون الماضية كانت
بحاجة الى موارد الاحتطاب و اما في زماننا هذا فتستغني عنها بقيام
شي‏ء آخر مقام الحطب ،فعندئذ تخرج تلك الموارد عن كونها
حريما للقرية بانتهاء الحاجة اليها و عليه فلا مانع من التصرف فيها .

فالنتيجة :ان حريم القرية كحريم غيرها لا يدخل تحت ضابط
كلي سعة و ضيقا ،كما و كيفا ،و لا يمكن تحديده بحدّ خاص
بعد ما لم يكن منصوصا و محدّدا من قبل الشرع ،بل هو تابع لحاجة
القرية اليه فعلا فلا يكفي في كون شي‏ء حريما لها حاجتها اليه في
المستقبل او في الزمن الماضي مع استغنائها عنه فعلا .

--( 148 )--

حريم المزرعة


ان حريمها بقدر ما تحتاج المزرعة اليه -و هو ما يتوقف عليه
الانتفاع بها -كمجتمع سمادها ،و مسالك الدخول اليها و الخروج
منها ،و محل بيادرها و حظائرها ،و مسيل مائها ،و غير ذلك مما تحتاج
المزرعة اليه فعلا .

و من الطبيعي ان ذلك أيضا لا يدخل تحت ضابط كلي كما
و كيفا سعة و ضيقا ،بل هو تابع لحاجة المزرعة و توقف الانتفاع بها
عليه ،و تعيين ذلك لا محالة بيد العرف و العقلاء بعد عدم ورود
شي‏ء فيه من قبل الشرع ،و لا تجوز المزاحمه فيه .

و من ذلك يظهر حال حريم الاشجار المغروسة في الارض الموات
فانه بمقدار ما يتوقف عليه الانتفاع بها .و اما تحديده بمقدار
بروز اغصانها او سراية عروقها فلا دليل عليه .

اما الاول :فلان ما يتوقف عليه الانتفاع بها قد يكون ازيد
منه ،كما لعله الغالب ،و لا سيما في الاشجار المثمرة ،و قد يكون
أقلّ منه ،و قد يكون بمقداره .

و منه يظهر حال التحديد الثاني .و الحاصل بعد ما لم يكن دليل
على التحديد المذكور فلا مناص من الالتزام بتحديده بما عرفت من
ناحية السيرة لدى العرف و العقلاء .

--( 149 )--

عدة خطوط


الاول :قد نسب الى الاصحاب ثبوت الحريم للأشياء المذكورة
اذا كان احداثها في الارض الموات و اما اذا كان في الارض العامرة
المملوكة فلا حريم لها .هذا .

و حرى بنا :ان نقول :ان ما ذكرناه من الحريم لتلك الاشياء
انما هو بمعنى ان الانتفاع بها يتوقف عليه و لا يمكن بدونه ،و لا
دليل على ثبوت الحريم لها باكثر من ذلك و من الطبيعي انه لا فرق
في ثبوت الحريم لها بهذا المعنى بين ان تكون تلك الاشياء في الارض
الموات او في الارض العامرة بشريا فان البنايات في البلدان و ان
كانت متلاصقة بعضها مع بعضها الآخر في اكثر من جوانبها الا انه
رغم ذلك كان لتلك البنايات حريم بالمعنى المزبور مع انها غالبا
تبنى و تحدث في الارض الموات و لا يلزم ان يكون لها حريم من
جميع جوانبها و اطرافها ،لعدم الدليل على ذلك بل و لا مقتضى له
لوضوح ان الانتفاع بالدار مثلا انما يتوقف على ان تكون لها مرافق
و قد تكون تلك المرافق او اكثرها في داخل الدار كما هو الحال في
البلدان غالبا ،فعندئذ لا تحتاج هذه الدار الى وجود حريم لها غير
مسلك الدخول فيها و الخروج و قد تقدم انه لم يرد تحديد خاص
للحريم لدى الشرع بل هو تابع لحاجة الشي‏ء في الانتفاع به كما
و كيفا و من الطبيعي انها تختلف باختلاف الامكنة و الازمنة فان
حاجته اليه في البلدان تختلف عن حاجته اليه في القرى و الارياف .

نعم تفترق هذه الاشياء اذا كانت في الارض الموات عما اذا كانت

--( 150 )--

في الارض المعمورة المملوكة في نقطة واحدة ،و هي :انه لو قام
احد ببناء دار -مثلا -فان كانت في الارض الموات كان لها حريم
من بعض اطرافها بمقدار ما يتوقف عليه الانتفاع بها ،و لا يجوز
لغيره ان يقوم بالتصرف فيه اذا كان مزاحما له في الانتفاع بها .

و اما اذا كانت تلك الدار متصلة بالارض الموات ببعض اطرافها
دون بعضها الآخر ففي مثل ذلك لا محالة يكون حريمها من ذلك
الطرف يعني -الارض الموات -دون طرفها الآخر ،ضرورة ان
حريمها لا يكون في ملك الآخر .

و اما اذا كانت متصلة بملك غيره بجميع اطرافها فعندئذ لا حريم
لها غير مسلك الدخول فيها و الخروج ،فان هذا المسلك اما ان
لا يكون من الاول ملكا لغيره ،او كان و لكن قد اذن له في التصرف
فيه بقيامه ببناء دار له ،فحينئذ ليس له الرجوع عن اذنه لعموم
التعليل الوارد في رواية الرحى و هو قوله ( ع ) ( و لا يضر اخاه المؤمن )
فان رجوعه عن اذنه و المنع عنه ضرر عليه باعتبار ان حريمها منحصر بهذا
المسلك فحسب ،و ليس لها حريم من اطرافها الأخر ،لفرض أنها
ملك لاخر ،و له التصرف في ملكه بما شاء و اراد و ان فرض ان
تصرفه فيه كان مانعا عن انتفاعه بها ،و ليس له حق المنع منه ،
و لا سيرة عقلائية على ذلك .

و من ذلك يظهر :ان الحريم الثابت لدى الشرع و العقلاء هو
ما عرفناه كما و كيفا ،و لا دليل على ازيد من ذلك .

و اما ما يظهر من كلمات الاصحاب كما في الجواهر -من انه
لا حريم في البلدان لأحد من اصحابها كما هو المشاهد فيها ،و علل
ذلك بامكان تساويهم في الاحياء او نحوه -فلا يمكن الاخذ به ،

--( 151 )--

لما عرفت من ثبوت الحريم فيها بالمقدار الذي يتوقف عليه الانتفاع
بها ،و قد تقدم انه لا دليل على ثبوت الحريم للأشياء المزبورة باكثر
من ذلك ،على ان فرض تساوى اصحاب البلدان في الاحياء فرض
نادر ،فان الغالب هو ان قيامهم باحيائها تدريجي زمنا ،لا دفعي
كما هو الحال في جميع البلدان الكبار .

الثاني :ان الحريم لا يدخل في ملك احد -مثلا -حريم
الدار لا يدخل في ملك صاحب الدار ،و هكذا ،و لا يكون متعلقا
لحقه ،لما عرفت في ضمن البحوث السالفة من ان الملك او الحق
في الارض الموات لا يحصل للفرد الا على اساس قيامه باحيائها ،
و لا يمكن حصوله بدون القيام بهذه العملية ،فان العمل هو المصدر
الوحيد عند الشرع لاختصاص الفرد بها .

و لكن بالرغم من هذا لا يجوز لغيره التصرف فيه بما يوجب
مزاحمته .نعم فيما لا يكون التصرف فيه موجبا للمزاحمة فلا مانع
منه .و من هنا قلنا انه ليس متعلقا لحقه أيضا و الا لم يجر التصرف
فيه مطلقا ،فعدم جواز التصرف فيه في فرض المزاحمة انما هو
من شئون تعلق حقه بذيه يعني -لا يجوز لأحد ان يزاحمه في
الانتفاع به -و بما ان تصرفه في حريمه مزاحمة له في الانتفاع به
فلأجل ذلك انه غير جائز ،لا من جهة انه متعلق لحقه بنفسه .

الثالث :ان الارض الموات ،و رءوس الجبال ،و بطون الاودية
اذا لم تكن حريما لشي‏ء من الاشياء التي مرّت بنا جاز التصرف
فيها باحياء او نحوه ،و لا مانع منه من هذه الناحية ،و لا يحق
لأي فرد ان يمنع غيره عن ذلك ،فان نسبة الجميع اليها على حد
سواء ،حيث ان المبرر الوحيد لعلاقة الفرد بها انما هو العمل

--( 152 )--

و بذل الجهد في سبيل بثّ الحياة فيها .و لا اثر للاستيلاء و السيطرة
عليها بالقوة و التحكم بدون ذلك ،فان الإسلام لا يعترف بالعلاقة بها
الا على اساس العمل .

و من ذلك يظهر انه لا يحق لأي فرد ان يقوم يبيعها ،و لا
اجارتها ،و لا تقسيمها بينه و بين غيره ،لأن كل ذلك يتوقف على
الملك او الحق ،و الفرض عدمه .

و على ضوء هذا :فقد تبين حال الاراضي الموات المنسوبة الى
طواف خاصة من العرب أو العجم من ناحية ان تلك الاراضي كانت
مجاورة لأملاك هؤلاء الطوائف و بيوتهم من دون علاقتهم بها من
ناحية الاحياء و العمارة ،و من دون كونها حريما لإملاكهم ،فان
تلك الاراضي ظلت في ملك الامام ( ع ) ،و ليس لهؤلاء حق المنع
من التصرف فيها و القيام باحيائها ،و لا مطالبة الاجرة بازاء ذلك
لما عرفنا من ان الإسلام لا يعترف بالاختصاص بها على اثر الاستيلاء
و السيطرة عليها بالقوة بدون العمل .

الرابع :في حدّ الطريق :العام في الارض الموات هل هو
خمسة اذرع او سبعة ؟فيه قولان :

احدهما :ان حدّه في الموات خمسة اذرع ،و هو ظاهر المحقق
في الشرائع ،و حكى عن فخر المحققين نسبته الى كثير من الاصحاب
و عن بعض آخر نسبته الى الاكثر .

و تدل على ذلك معتبرة البقباق عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال ک( اذا
تشاح قوم في طريق فقال :بعضهم سبع أذرع ،و قال :بعضهم
الآخر اربع اذرع ،فقال أبو عبد اللّه ( ع ) بل خمس اذرع ) - 1 -

---------------

( 1 ) الوسائل ج 13 الباب 15 في احكام الصلح الحديث 1


--( 153 )--

فانها تدل على ان حدّ الطريق الذي يتشاح فيه قوم خمس اذرع

و الاخر :ان حدّه في الموات سبعة اذرع ،و نسب هذا القول
الى الشيخ ،و القاضي ،و الحلبي ،و الفاضل في جملة من كتبه ،
و ولده ،و الشهيدان ،و المحقق الكركي ( قد هم ) .

و تدل على ذلك :معتبرة السكوني عن أبي عبد اللّه ( ع )
ان رسول اللّه ( ص ) قال :( ما بين البئر المعطن الى ان قال :
و الطريق يتشاح عليه أهله فحدّه سبع اذرع ) - 1 - .

فاذن تقع المعارضة بين هذه المعتبرة و المعتبرة المتقدمة باعتبار
ان فيها قد حدّد الطريق المزبور بخمسة اذرع ،و في تلك المعتبرة
قد حدّده بسبعة ،فالمعارضة بين المدلول المطابقي لكل واحدة منهما ،
و المدلول الالتزامي للأخرى ،فان المعتبرة الأولى تدل بالمطابقة على
ان حدّه خمسة اذرع ،و بالالتزام على ان حده ليس سبعة اذرع .
و المعتبرة الثانية تدل بالمطابقة على ان حدّه سبعة اذرع ،و بالالتزام
على ان حدّه ليس خمسة اذرع بشرط لا .هذا .

و لكن مرد المعارضة :بينهما لدى الارتكاز العرفي الى المعارضة
في المقدار الزائد على الخمسة .و اما فيها فهما متفقتان ،غاية الامر
ان معتبرة السكوني تدل على اعتبارها في ضمن السبعة ،و المعتبرة
الاخرى تدل على اعتبارها بشرط لا .

فالنتيجة هي :ان خمسة اذرع لا بد منها على كل تقدير ،و انما
النزاع بينهما في المقدار الزائد عليها ،فان احداهما تثبته ،و الاخرى
تنفيه ،و بما انه لا يتوفر الترجيح لإحداهما على الاخرى لتعالج به
مشكلة التعارض بينهما فتسقطان معا عن الاعتبار في مورد المعارضة

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من ابواب احياء الموات الحديث 5 .


--( 154 )--

فاذن المرجع فيه هو عموم ما دل على جواز التصرف في الارض
الموات باحياء و عمارة .و نتيجة ذلك هي صحة القول الأول دون
القول الثاني .

و بكلمة اخرى :قد ظهر مما قدمناه ان حدّ الطريق العام المبتكر
في الارض الموات بكلا جانبيه او احدهما خمسة اذرع ،فلا يجوز
لأي واحد ان يقوم باحياء منه الموجب لنقصه عن الحدّ المزبور ،فلو
قام بذلك لزم عليه هدمه .

و قد تحصل من ذلك :ان الطريق العام لا يمكن ان يكون
حدّه أقلّ من خمسة اذرع ،و اما اذا كان ازيد من ذلك فهل يجوز
التصرف في الزائد باحياء او نحوه ؟ففيه تفصيل ،فان كان الزائد
موردا لحاجة المارة من ناحية كثرتها او كثرة وسائلها النقلية لم يجز
احيائه على اساس انه يوجب مزاحمتها ،و لا سيما في مثل زماننا هذا
فان الوسائل النقلية في هذا العصر بما انها تختلف عن الوسائل
النقلية في العصور المتقدمة فبطبيعة الحال تكون بحاجة الى طريق
اوسع بكثير من الحد المزبور ،و لا سيما اذا كان الطريق مزدحما
بالمارة بالوسائل المزبورة .

و قد قام على عدم جواز التصرف في الزائد عن الحد المذكور
بناء قطعي من العقلاء ،و من الطبيعي ان هذا البناء يكون قرينة
على ان التحديد في المعتبرتين المتقدمتين مبنى على الغالب ،و لا موضوعية
له ،و المناط انما هو بطبيعة حاجة المارة كما و كيفا .

و لا يمكن ان يكون هذا التحديد فيهما ردعا للبناء المزبور ،
بداهة انه لا يمكن للشارع ان يجوّز ما ربما يوجب اختلال النظام .
بل للشارع المنع عن هذا التصرف و وضع حد لذلك ،كما ان في

--( 155 )--

عصر الغيبة للحاكم الشرعي ان يمنع عنه ،لئلا يلزم الهرج و المرج
و اختلال النظام .

و عليه فلا معارضة بينهما ،لما عرفنا من ان المعارضة بينهما
لو كانت فانما هي في اعتبار الزائد على الخمسة و عدم اعتباره ،
و بعد ما ذكرناه من ان التحديد بها لما كان مبنيا على الغالب بالاضافة
الى الزيادة فلا تدل روايتها على اعتبارها بشرط لا ،لكي تنافي
رواية السبعة و كذا الحال في تلك الرواية ،فانه لا بد من رفع اليد
عن ظهور التحديد فيها في الموضوعية بالاضافة الى طرفي القلة
و الكثرة معا .

اما بالاضافة الى طرف القلة فبقرينة رواية الخمسة ،فانها
تدل على كفايتها في فرض عدم الحاجة الى الازيد منها ،كما انها
تدل على موضوعيتها بالاضافة الى الاقل من ذلك المقدار ،لعدم
قرينة على رفع اليد عن ظهورها في ذلك .كما كانت متوفرة بالاضافة
الى الزيادة -و هي بناء العقلاء -.

و اما بالاضافة :الى طرف الكثرة فلما مرّ بنا الان .

و اما موثقة أبي العباس البقباق عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
قلت له ( الطريق الواسع هل يؤخذ منه شي‏ء اذا لم يضر بالطريق
قال لا ) - 1 - فالظاهر ان المراد منه الطريق المسبل ،و ذلك لأمرين :

احدها :ان السيرة القطعية قد اسنقرت على جواز التصرف في
الطريق المبتكر في الارض الموات و الاخذ منه اذا لم يكن مزاحما
للمارة من ناحية ،و غير موجب لنقصه عن خمسة اذرع من ناحية
اخرى ،اذ لا مقتضى للمنع في هذا الفرض اصلا ،لأن الارض

---------------

( 1 ) الوسائل ج 13 الباب 27 من ابواب عقد البيع و شروطه الحديث 1 .


--( 156 )--

مباحة ،و الزائد غير مورد للحاجة .و هذه السيرة تصلح ان تكون
قرينة على حمل الطريق في الموثقة على المسبل .

و الآخر :ان حمل الطريق الواسع في الموثقة على ان يكون حدّه
خمسة اذرع دون الازيد بحاجة الى قرينة على اساس ان هذا الحمل
على خلاف المتفاهم العرفي ،و بما انه لا قرينة على ذلك فلا يمكن
حمله عليه .

فالنتيجة :ان المراد منه الطريق المسبل .

ثم ان الطريق العام :اذا كان بين بلدين او اكثر فهو بحاجة
الى توسع اكثر من الحد المنصوص فيه بكثير ،و لا سيما بين البلدان
الكبيرة المزدحمة بالجمعية .و اما اذا كان بين قريتين او اكثر فهو
ليس بحاجة الى توسع اكثر منه غالبا .

و تؤكد ما ذكرناه : -من انه لا موضوعية للحد المذكور للطريق
العام في الروايتين المتقدمتين -جملة من كلمات الاصحاب :

منها :ما عن المحقق في جامع المقاصد :انه يمكن تنزيل
المعتبرة المتقدمة على ما اذا لم تدع الحاجة الى ازيد من الخمس ) .

و منها ما عن الشهيد الثاني في المسالك :انه يمكن حمل
اختلاف الروايات على اختلاف الطرق ،فان منها ما يكفي فيه
الخمس كطرق الاملاك و التي لا تمر عليها القوافل و نحوها غالبا .
و منها ما يحتاج الى السبع ،و قد يحتاج بعضها الى الازيد من السبع
كالطرق التي تمرّ عليها الحاج بالكنائس و نحوها ،فيجب مراعاة
قدر الحاجة بالنسبة الى الزائد على المقدار و منها غيرهما هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :هل يجوز نقصه عن خمسة اذرع في فرض
عدم حاجة المارة الى هذا المقدار ؟الظاهر عدم الجواز كما عرفت

--( 157 )--

و ذلك لأن الظاهر من التحديد بالخمسة عرفا في المعتبرة هو الموضوعية
فرفع اليد عن هذا الظهور بحاجة الى قرينة و لا قرينة في البين الا
بالاضافة الى الزائد عن هذا الحد دون الناقص .

هل يجوز تغيير الطريق العام ؟

فيه تفصيل فان كان موجبا لمزاحمة المارّة لم يجز قطعا .و اما
اذا لم يوجب المزاحمة فالظاهر انه لا مانع منه اصلا .

و النكتة في ذلك انه لا دليل على عدم الجواز ،اما الشرع فانه
لم يرد فيه ما يدل عليه ،و اما السيرة العقلائية فهي انما تقوم على عدم
جواز ايجاد المزاحم للمارة ،و الفرض عدم المزاحمة فاذن لا سيرة أيضا

ان شئت قلت :ان الطريق العام المبتكر في الارض الموات
لا يخضع لمبدإ الحق الخاص او العام ،و انما الثابت هو عدم جواز
مزاحمة المارة فيه ،فمعنى كونه متعلقا لحقها انما هو بهذا المعنى
و عليه فاذا افترضنا ان تغييره و تبديله الى موضع اخر ليست مزاحمة
لها فلا مانع منه على اساس انه ليس فيه تفويت لحقها .

و من ذلك يظهر :انه اذا انقطعت المارّة عنه و ترك ،اما لوجود
مانع ،او لعدم الحاجة اليه زال حكمه بزوال موضوعه ،و عندئذ
فلا مانع من القيام باحيائه و عمارته .و كونه متعلقا لحق المارة انما
هو في فرض وجودها و عبورها عنه ،و اما بعد فرض انقطاعها عنه
فلا حق لها فيه اصلا ،ليكون مانعا عن ذلك .

--( 158 )--

الطريق العام المسبل

اذا جعل الشخص ارضه شارعا عاما بأن يسبلها تسبيلا دائميا
لم يجز التصرف فيها باحياء أو نحوه و ان لم يكن مزاحما للمارة
على اساس انه وقف ،و من الطبيعي انه لا يجوز التصرف في الوقف
بما ينافي جهته ،و لا فرق في ذلك بين ان يكون حدّه خمسة اذرع
او اكثر او أقلّ ،و سواء أ كان الزائد على الخمسة موردا لحاجة المارة
أم لم يكن ،بداهة انه يتبع جعله كما و كيفا سعة و ضيقا ،فلا يحق
لأي واحد التصرف فيه بما ينافي جهة جعله .

بقى هنا نوع ثالث :من الطريق العام -و هو الواقع بين
الاراضي العامرة للناس - ،كما اذا افترض وجود قطعة من الارض
الموات بين هذه الاراضي و تلك القطعة قد اصبحت طريقا
عاما من جهة استطراق الناس منها ،فانه ليس لهذا الطريق
حدّ خاص سعة و ضيقا ،لأنه كان على ما هو عليه من السعة فلا
يجب على الملاك توسيعه ان كان أقلّ من خمسة اذرع و ان فرض
انه اصبح ضيقا على المارّة .

نعم ان كان زائدا عن الخمسة و لم يكن الزائد موردا للحاجة
جاز التصرف في الزائد باحياء أو نحوه .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الأول :ان حدّ الطريق العام المبتكر في الارض الموات شرعا خمسة اذرع لا أقلّ منها ،

--( 159 )--

فلا يجوز التصرف فيه بما يوجب نقصه
عن هذا المقدار .و اما بالاضافة الى الزيادة عنها فقد مرّ بنا عدم
حدّ له ،بل هو يتبع من هذه الناحية مقدار حاجة المارة في السعة و الضيق .

الثاني :ان هذا الطريق اذا كان زائدا عن المقدار المحدد من
قبل الشرع جاز التصرف في الزائد اذا لم يكن موردا لحاجة
المارّة .و اما اذا كان موردا لها فلا يجوز :

الثالث ،انه لا مانع من تغيير هذا الطريق و تبديله اذا لم تكن
فيه مزاحمة للمارة ،و الا لم يجز .

الرابع :ان الطريق المسبل تابع لكيفية الجعل و التسبيل فلا
يجوز التصرف فيه بما ينافي جهة جعله .

النقطة السابعة


لا يحصل للمحيي ملك او حق على اساس قيامه بالاحياء اذا
كانت الارض محجرة من قبل غيره ،فانه يحصل له حق فيها على
اساس قيامه بتحجيرها ،فلا يجوز لغيره ان يقوم باحيائها و عمارتها
فانه يوجب تفويت حقه ،فما دام لم يسقط حقه عنها فلا يوجب
الاحياء علاقة المحيى بالارض ،و نقصد بحق المحجر اولوية تصرفه
فيها -باحياء و عمارة -من غيره هذا لا كلام فيه .و انما الكلام
في دليل ذلك .

الموجود في بعض كلمات الاصحاب ان عمدة الدليل عليه الاجماع
و التسالم .

--( 160 )--

و عن العلامة في التذكرة ،و الشهيد الثاني ( قده ) في المسالك
ان التحجير شروع في الاحياء ،فاذا افاد الاحياء الملك افاد التحجير
الذي هو شروع فيه الاولوية لا محالة .

و قد يستدل على ذلك بالرواية الدالة على ان من سبق الى ما لم
يسبق اليه مسلم فهو له .و غير خفى :ان كلا منها لا يصلح ان يكون
دليلا .

اما الاجماع :فهو غير متحقق لوجود المخالف في المسألة و على
تقدير تسليم تحققه فهو اجماع منقول و قد حقق في الاصول انه لا
دليل على اعتباره .

و اما ما عن العلامة و الشهيد الثاني ( قدهما ) من الملازمة بين
كون الأحياء مفيدا للملك و كون التحجير مفيدا للأولوية فلا دليل
عليه اصلا الا ان يكون نظرهما الى ان بناء العقلاء قائم على ذلك
و هو غير بعيد ،كما سوف نشير اليه .

و اما الرواية فلم نعثر عليها من طرق الخاصة ،و انما هي مروية
من طرق العامة ،و عليه فلا اثر لها اصلا .على انها لو ثبتت
لكان حالها حال روايات الاحياء الظاهرة في افادة الملك ،و هي
مقطوع البطلان على أساس ان التحجير لدى الاصحاب لا يفيد
الملك جزما .

فالصحيح في المسألة ان يقال :ان الدليل على كون عملية
التحجير تمنح حق الاولوية لمن يقوم بها انما هو سيرة العقلاء و حيث
لم يرد ردع عنها من قبل الشرع فهي على اساس ذلك لا محالة
تكشف عن امضاء الشارع لها ،فيكون دليلا في المسألة .

ثم ان المتيقن :من تلك السيرة انما هو فيما اذا اراد المحجر

--( 161 )--

القيام بعملية الاحياء ،و هذا يعني -ان التحجير لدى العرف و العقلاء
انما يمنح حق الاولوية للمحجر على اساس انه شروع في عملية
الاحياء و ابتداء لها -.

و اما اذا كان قاصدا به السيطرة على مساحة كبيرة من الارض
و الاستيلاء عليها -من دون ان يكون بصدد احيائها و استثمارها
و الاستفادة من ثرواتها -فالظاهر بل المقطوع به انه لا اثر لتحجيره
هذا نهائيا ،حيث لم يحرز جريان السيرة من العقلاء على انه مفيد
لحق الاولوية مطلقا حتى في هذا الفرض ،بل لا يبعد دعوى قيام
السيرة منهم على عدم ترتيب اثر عليه على اساس انهم يرون ان ذلك
يضرّ بالعدالة الاجتماعية ،و يوجب الضيق على الاخرين و تفويت حقوقهم .

و من هنا يعتبر في كون عملية التحجير مفيدة لحق الاولوية تمكن
المحجّر من القيام بالاحياء و العمارة و الا لم تكن مفيدة له ،و اما
اذا كان متمكنا من القيام به ثم زال عنه التمكن فان كان موقتا
لم يزل حقه عنها و الا زال و جاز للاخر ان يقوم باحيائها ،كما ان
الامر كذلك اذا امتنع من القيام بعملية الاحياء و الاستثمار .

و النكتة في كل ذلك :ما اشرنا اليه آنفا من ان سيرة العقلاء انما
قامت على كون عملية التحجير مفيدة للحق اذا كان المحجر قاصدا
به الشروع في عملية الاحياء ،فلا تكون عملية التحجير لدى العرف
و العقلاء و كذا لدى الشرع مفيدة للحق في مقابل عملية الاحياء .

ثم انه اذا انمحت آثار التحجير نهائيا سقط حق المحجّر ،
سواء أ كان محو آثاره من ناحية اهماله و تسامحه أم كان من ناحية
سبب خارجي ،كما اذا ازلها عاصف او غيره .اما سقوط حقه على
الاول فواضح .و اما على الثاني فلان حقه متقوم بالآثار التي هي

--( 162 )--

علامة للتحجير لدى العرف و العقلاء ،فاذا زالت تلك الآثار زال
حقه بزوال موضوعه و ان فرض انه كان بسبب خارجي .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى اذا ترك المحجّر الاحياء مدة من الزمن
-و ان كان غرضه من القيام به هو الشروع في الاحياء ،لا مجرد
دخول الارض تحت سيطرته و استيلائه -فعندئذ هل يسقط حقه ؟
فيه وجهان :

المعروف و المشهور :انه لا يسقط ،و هو الظاهر ،و ذلك لعدم
الموجب لسقوطه ،فان الفصل الزماني بينه و بين الاحياء لا يكون
موجبا لذلك ،بل مقتضى الاستصحاب بقائه و عدم سقوطه .

نعم بما ان تعطيل الارض على خلاف المصلحة العامة للامة
فمن بيده الامر اجباره على القيام بالاحياء ،فان امتنع سقط حقه نهائيا .

قد يقال :كما قيل :ان مقتضى مجموعة من الروايات سقوط
حقه اذا عطل الارض ثلاث سنين متوالية من دون علة .

منها :رواية يونس :عن العبد الصالح ( ع ) قال :قال :
ان الارض للّه تعالى جعلها وقفا على عباده ،فمن عطل ارضا ثلاث
سنين متوالية لغير ما علّة اخذت من يده ،و دفعت الى غيره ،و من
ترك مطالبة حق له عشر سنين فلا حق له - 1 - .

و منها :روايته الاخرى عن رجل عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
من أخذت منه أرض ثم مكث ثلاث سنين لا يطلبها لم يحل له بعد
ثلاث سنين ان يطلبها - 2 - .

و يردّه :انه لا يمكن الاستدلال بهاتين الروايتين على الحكم
المذكور باعتبار انهما ضعيفتان سندا فلا يمكن الاعتماد عليهما

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 17 من ابواب احياء الموات الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 17 من ابواب احياء الموات الحديث 2 .


--( 163 )--

اصلا ،فاذن لا دليل على التحديد المزبور ،و العبرة انما هي
بما ذكرناه .

نعم اذا ترك المحجّر القيام بالاحياء و العمارة استنادا الى عذر
لديه كعدم توفر المواد للإحياء او نحو ذلك لم يسقط حقه ما دام
العذر باقيا ،الا اذا طال عذره بحيث يعدّ ذلك لدى العرف تعطيلا
للأرض رغم حاجة الاخرين اليها ،فعندئذ يتدخل من بيده الامر
فيأذن لغيره بالقيام باحيائها مع مراعاة حقه اي -حق المحجّر -.

بقى الكلام :فيما يتحقق به التحجير ،الظاهر انه يتحقق بكل
ما يدل على انه اراد به الشروع في احياء الارض بزرع ،او عمارة
او غرس اشجار ،او ما شاكل ذلك كحفر الاساس لبناء دار -مثلا -
او حفر قناة في الارض الموات ،فانه تحجير بالاضافة اليها التي تسقى
بمائها ،او حفر بئر من آبار القناة الدارسة المهجورة ،فانه تحجير
بالاضافة الى بقية آبار تلك القناة ،بل لا يبعد كونه تحجيرا بالاضافة الى
الارض التي تسقى من مائها .

فالنتيجة :ان التحجير مفهوم عرفي و ليس له حد خاص لدى
الشرع ،فالمرجع في تحققه هو العرف .

نتيجة هذا البحث ثلاث نقاط


الاولى :ان الدليل على كون عملية التحجير سببا لحق الاولوية
انما هو بناء العقلاء ،و اما غيره من الوجوه التي تقدمت فقد عرفنا
عدم تمامية شي‏ء منها .

الثانية :ان سببية التحجير لحق الاولوية انما هي بوصف كونه شروعا في عملية الاحياء و العمران ،

--( 164 )--

و بداية لهذه العملية ،لا بوصف
كونه عملية مستقلة منفصلة عنها .

الثالثة :ان الحق الحاصل من عملية التحجير ينقطع نهائيا بزوال
آثاره و علائمه و لو بسبب خارجي .نعم لو أخر الاحياء و اهمل في
أمره رغم بقاء آثاره فحفه و ان لم يسقط الا ان من بيده الامر يجبره
على ذلك ،فان امتنع سقط حقه .

النقطة الثامنة


ان عملية الاحياء بوصف كونها سببا لاختصاص المحيي بالارض
على مستوى الحق او الملك على الخلاف المتقدم انما هي فيما اذا لم
تجعل الارض من قبل الشرع موطنا للعبادة و مشعرا لها كعرفة ،
و المنى ،و المشعر ،و غيرها من الاماكن المقدسة و المواضع المشرفة التي
جعلها اللّه تعالى مناسكا للعبادة ،و انها في الحقيقة ليست من الموات
الذي هو بمعنى المعطل عن الانتفاع .

و قد استدل على ذلك :في الجواهر بتعلق حقوق المسلمين بها ،
بل قال :هي اعظم من الوقف الذي يتعلق به حق الموقوف عليهم
بجريان الصيغة من الواقف على اساس ان الشرع هو الذي جعلها
موطنا للعبادة خاصة من دون اجراء صيغة عليها .و منها ما جعله
اللّه تعالى مسجدا كمسجد الحرام و مسجد الكوفة .و من المعلوم انه
كما لا يجوز التصرف في الوقف باحياء و عمارة ،كذلك لا يجوز
التصرف في تلك المواطن المقدسة باحياء و نحوه ،فانه مناف للجعل
المزبور من رب الجليل ،و تفويت للمصلحة العامة فيه .

--( 165 )--

و لا فرق في ذلك :بين ان يكون التصرف في تمام اجزائها او
في بعضها ،و بين ان يكون مزاحما للمتعبدين فيها و ان لا يكون
مزاحما لهم ،بل في الجواهر جعل جواز التصرف -حتى فيما لا يوجب
المزاحمة و الضيق -منافيا للضروري من للشرع .هذا .

و لكن المحقق في الشرائع قال :اما لو عمّر فيها ما لا يضر و لا
يؤدي الى ضيقها عما يحتاج اليه المتعبدون كاليسير لم امنع منه ،
و وافقه عليه بعض من تأخر عنه .

و الصحيح ما افاده المحقق ( قده ) .

و الوجه فيه :انه لا يقاس تلك الاماكن المشرفة بالوقف كالمسجد
و المدرسة و ما شاكل ذلك ،فان الوقوف حسب ما يوقفها اهلها فلا
يجوز التصرف فيها بما ينافي جهة وقفها .و اما هذه الاماكن المحترمة
فليست بوقف شرعا ،و لذا لا تترتب عليها احكام الوقف ،و مجرد
ان اللّه تعالى جعلها مشعرا للعبادة و موطنا لها في وقت خاص من
ايام السنة لا يوجب كونها وقفا بالمعنى المعهود ،و ليس لنا دليل
آخر يدل على انها وقف .

و عليه فلا مانع من التصرف فيها بما لا يوجب المزاحمة و الضيق
على المتعبدين ،كما اذا كان في غير اوقات النسك ،فان كونها متعلقة
لحقوق المسلمين معناه انه لا تجوز مزاحمتهم في اوقات قيامهم بالنسك
و الاعمال فيها ،و اما في غير تلك الاوقات فلا مقتضى لعدم جوازه .

و من هنا يظهر انه لا مانع من الزرع الفصلي فيها يعني -
في غير فصل النسك و الاعمال -على اساس انه لا يوجب المزاحمة ،
بل لا مانع من تأسيس عمارات و بيوت سكن فيها التي تؤجر في تلك
الاوقات من الناسكين و المتعبدين نظرا الى انها لم تكن مزاحمة لهم .

--( 166 )--

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان المقدار الثابت انما هو عدم
جواز التصرف فيها بما يوجب المزاحمة في اوقات النسك و العبادات
و اما اذا لم يكن مزاحما فلا دليل على عدم جوازه اصلا ،بل
لا شبهة في انه يوجب علاقة المتصرف بها .

النقطة التاسعة


ان عملية الاحياء : -بوصف كونها سببا لصلة المحيي برقبة
الارض على مستوى الملك او الحق على الخلاف المتقدم -انما هي
فيما اذا لم تكن رقبة الارض مما اقطعه الامام ( ع ) و الا فلا اثر
للإحياء اصلا ،فان الامام ( ع ) اذا اعطى قطعة من الارض الموات
لشخص فهي تصبح ملكا له ،حيث ان للإمام ( ع ) ذلك من جهتين .

احداهما :من جهة ولايته ( ع ) العامة .

و ثانيتهما :ان الارض الموات بما انها داخلة في ملكه ( ع )
كما عرفت فله اختصاص فرد او طائفة بقطعة منها على مستوى
الحق او الملك ،فان كل ذلك بيده ( ع ) و تحت اختياره .و من
الطبيعي انه لا يجوز تصرف غيره فيها بعد هذا الاختصاص ،لأنه
تصرف في ملك غيره او فيما له حق فيه .

و قد روى ان النبي الاكرم ( ص ) اقطع -الدور -لعبد اللّه
ابن مسعود -و هي اسم موضع بالمدينة - ،و اقطع وابل بن حجر
-ارضا بحضرموت - ،و اقطع الزبير -عدو فرسه -و اقطع
بلال بن الحارث -العقيق -.

و كيف كان فلا شبهة في ان للنبي الاكرم ( ص ) ذلك ،و كذا

--( 167 )--

للأئمة الاطهار ( ع ) ،و ان ما اقطعه فهو خاص لمن قطع له ،الا
ان الكلام انما هو في اثبات ذلك صغرويا و هو لا يمكن ،حيث لم
يقم لنا دليل معتبر على ذلك ،لا في الموارد المذكورة ،و لا في غيرها .

فالنتيجة :ان المسألة و ان كانت ثابتة كبرويا الا انه لا طريق
لنا الى احراز صغرى لها في شي‏ء من الموارد .و عليه فلا نتيجة
عملية لهذه المسألة خارجا .

النقطة العاشرة


هل يعتبر في سببية الاحياء لصلة المحيي بالارض قصدها ،غاية
الامر ان كانت الصلة على مستوى الملك اعتبر قصد حصول الملك
و ان كانت على مستوى الحق اعتبر قصد حصول الحق ؟فيه وجهان :
بل قولان :

و عن الشهيد ( قده ) في الدروس اختيار القول الاول .

و لكن الظاهر هو القول الثاني .

و السبب فيه :انه لا دليل على اعتبار قصد التملك زائدا على
قصد الاحياء .

اما الروايات :فلا يكون في شي‏ء منها تعرض لهذه الجهة اصلا
فانها في مقام بيان سببية الاحياء لعلاقة المحيي بالارض ،و المتفاهم
منها لدى العرف كفاية قصد الاحياء بوصف كونه سببا لها بلا
حاجة الى قصد حصول الملك به او الحق

و اما سيرة العقلاء :فلا تدل على اعتبار ذلك بوجه ،ضرورة
انها انما قامت على ان عملية الاحياء سبب لعلاقة المحيي بالارض ،

--( 168 )--

و لازم ذلك انه لا يعتبر في سببيتها سوى قصد المحيي هذه العملية .

و لكن يمكن ان يقال :ان قصد عملية الاحياء يغنى عن قصد
تلك العلاقة ،حيث ان قصدها يلازم ذلك القصد و لو ارتكازا فلا
ينفك احدهما عن الآخر .

و بكلمة اخرى :ان اعتبار قصد المذكور لا يلزم ان يكون
تفصيليا ،بل يكفي كونه اجماليا و ارتكازيا كالنية المعتبرة في صحة
العبادات ،و هذا القصد الإجمالي موجود على اساس انه لازم لقصد
الاحياء اجمالا و لا ينفك عنه ،فان قيام الفرد بعملية الاحياء ان
كان لنفسه فهو بطبيعة الحال قاصدان ما احياء له و لو ارتكازا ،و ان
كان لغيره كما اذا كان اجيرا من قبله فهو لا محالة قاصد ان ما احياء
لغيره و ان كان ذلك بالارتكاز .

و على ضوء ذلك :فلا حاجة الى اعتبار قصد حصول الاختصاص
زائدا على قصد عملية الاحياء ،فانه لغو بعد فرض عدم انفكاكه
عنه خارجا .

الى هنا قد انتهى الكلام في عملية الاحياء ،و ما يترتب عليها
من الملك او الحق ،و شرائط تأثيرها في ذلك .

--( 169 )--

الملاحق


بحث موضوعي في عدة جهات
في دائرة الشريعة الاسلامية
في ضمن اربعة ملاحق
و لها صلة بالابحاث
السالفة دول احياء
الارض الموات
الملحق الاول

--( 170 )--

--( 171 )--

الملحق الاول


هل يحصل للشخص علاقة بما يحييه المتبرع من قبله ،او الوكيل
او الاجير .

فيقع الكلام في جهات ثلاث :

الجهة الاولى :احياء المتبرع .

الجهة الثانية :احياء الوكيل ،

الجهة الثالثة :احياء الاجير .

اما الجهة الأولى فحصول الملك أو الحق للمتبرع له باحياء المتبرع
يقوم على اساس امكان اضافة عملية الاحياء الى غير المباشر لها -و هو
المتبرع له في مفروض المسألة -بأن يكون قيام المتبرع باحياء الارض
و عمارتها مقدمة لسيطرة غيره عليها ،و موجبا لإضافتها اليه .

و لكن لا يمكن تحقق هذه الاضافة ،فان عملية الاحياء بما انها
فعل تكويني خارجي فهي تقوم بالمحيي نفسه قياما مباشريا ،و من
الطبيعي انها بالرغم من قيامها به لا تعقل اضافتها بنفسها الى غيره ،
فان منشأ الاضافة اليه على حدّ اضافة الفعل الى الفاعل انما هو
صدورها عنه ،و المفروض هنا عدمه ،و من الواضح ان مجرد نية
المتبرع لا يصحح الاضافة كما هو الحال في غيره من الافعال التكوينية
و عليه فلا يوجد مبرر و سبب لملكية غير المباشر او احقيته ،و الاحياء
بما انه قائم بالمحيي فهو يبرر علاقته بما يحييه دون غيره .

و اما الجهة الثانية -و هي ما اذا وكل شخص غيره في إحياء الارض
فاذا قام الوكيل باحيائها و عمارتها لموكله فهل يحصل للمؤكل ملك او

--( 172 )--

حق على اساس احياء الوكيل نظرا الى ان فعل الوكيل فعل الموكل
و احيائه احيائه ،كما ان عقده عقد المؤكل ؟فيه انه يرتكز على
تعقل صحة اسناد فعل الوكيل من جهة الوكالة الى الموكل ،ليكون
احياء الوكيل احياء المؤكل .

و لكن لا يتعقل هذا الاسناد و الانتساب في المقام و امثاله ،و ذلك
لان انتساب فعل الوكيل الى المؤكل انما هو في الامور الاعتبارية
كالبيع ،و الاجارة ،و الهبة ،و المضاربة ،و النكاح ،و الطلاق ،و ما
شاكل ذلك ،فانه -على اساس الوكالة في تلك الموارد -يصدق على
المؤكل انه باع داره -مثلا -اذا باع وكيله ،او انه عقد على
امرأة اذا عقد وكيله ،و هكذا .

و اما في الامور التكوينية كالإحياء و نحوه فلا يعقل انتساب فعل
الوكيل الى المؤكل على اساس الوكالة ،فان الفعل الخارجي التكويني
بطبعه غير قابل للتوسعة في الانتساب ،فانه انما ينتسب الى من
يقوم به هذا الفعل بنحو من انحاء القيام دون غيره ،لعدم علاقته
به ،و الوكالة فيه لا توجب هذه العلاقة و الانتساب ،لوضوح انه
لا يصدق على المؤكل انه استقبل فلانا اذا استقبل وكيله ،أو زار
فلانا اذا زار وكيله ،او زار أمير المؤمنين ( ع ) اذا زار وكيله ،
و هكذا ،و الاحياء بما انه فعل خارجي تكويني ،حيث انه عبارة
عن خلق الاستيلاء و السيطرة خارجا على شي‏ء بالجهد و العمل فهو غير قابل
للانتساب الى غير المحيي بالوكالة .

و دعوى -ان حقيقة الوكالة ترجع الى تنزيل فعل الوكيل بمنزلة
فعل المؤكل ابتداء ،او باعتبار ان الوكيل وجود تنزيلي للمؤكل ،
و من الواضح انه كما يصح تنزيل فعل الوكيل بمنزلة فعل المؤكل

--( 173 )--

في الامور الاعتبارية ،كذلك يصح في الامور التكوينية أيضا اذا
كان هناك دليل ،فالوكالة في كلا الموردين بحاجة الى دليل على
التنزيل ،فكما انه لا تكفي في صحتها في المورد الثاني نفس النصوص
الدالة على حصول الملك او الحق للمحيي على اساس قيامه بعملية
الاحياء ،فكذلك لا تكفي في صحتها في المورد الاول نفس العمومات
الاولية الدالة على صحة البيع و الاجارة و نحوهما ،فاذن لا فرق بين
الموردين من هذه الناحية .

-خاطئة جدا و لا واقع موضوعي لها ،و ذلك لان صحة الوكالة
في الامور الاعتبارية ليست بحاجة الى دليل خاص ،بل تكفي في
صحتها نفس العمومات المزبورة ،لان صحة اسناد فعل الوكيل الى
المؤكل فيها على القاعدة ،لا بملاك تنزيل فعله بمنزلة فعل المؤكل
الا ترى ان البيع الصادر من الوكيل يصح اسناده الى المؤكل واقعا
و حقيقة بدون حاجة الى تنزيل اصلا .

و النكتة فيه :ان المعاملات بمضامينها الاعتبارية انما هي قائمة
بالاصيل ،لا بالوكيل ،فانه انما هو وكيل في إنشاء هذه المضامين
في عالم الاعتبار ،مثلا -بيع -بمضمونه الواقعي الاعتباري -و هو
تبديل طرفي الاضافة -قائم بالمالك على اساس ان المبيع يخرج من
طرف اضافته مقابل دخول الثمن فيه ،لا بالوكيل ،فان القائم
به انما هو إنشاء هذا المضمون و ايجاده الاعتباري .

و عليه :فاذا بيع دار زيد -مثلا -من قبل وكيله صح ان يقال :
ان زيدا باع داره على اساس ان حقيقة البيع -و هي خروج الدار
من طرف اضافته بازاء دخول الثمن فيه -قائمة بالمالك ،و لأجل
هذه النكتة يصح اطلاق البائع عليه حقيقة ،و الا فمن الواضح ان

--( 174 )--

إنشاء مضمون المعاملة بالصيغة او نحوها لم يصدر من المالك و انما
هو صادر من الوكيل .بل ربما لا يصح اطلاق البائع على الوكيل
كما اذا كان وكيلا في مجرد اجراء الصيغة فحسب ،كما هو الحال
في باب النكاح .

و قد تحصل من ذلك :ان اطلاق البائع على المالك فيما اذا
بيع ماله من قبل وكيله انما هو بملاك ان البيع بمعناه المسبي
-الذي هو روحه و واقعه الموضوعي -قائم به و هكذا الحال في غيره .

فاذن صحة اسناد بيع الوكيل او اجارته او نكاحه او طلاقه
الى المؤكل حقيقة تكون على القاعدة فلا تحتاج الى عناية زائدة
كالتنزيل او نحوه ،فان التنزيل -اضافة الى انه لا دليل عليه ،
لا في الروايات ،و لا في بناء العقلاء -لا يصحح الاسناد ،فان مرد
التنزيل الشرعي الى الحكومة و التوسعة في دائرة الحكم يعني -ان
ما للمنزل عليه من الاثر يترتب على المنزل -بمقتضى دليل التنزيل
فانه يجعل المنزل من افراد المنزل عليه حكما و عناية ،لا حقيقة
و واقعا ،فما دل على تنزيل بيع الوكيل بمنزلة بيع المؤكل فمرده
الى ان ما يترتب على بيع المالك يترتب على بيع الوكيل أيضا ،لأنه
فرد من بيع المالك تنزيلا .

و لكن هذا التنزيل لا يوسع دائرة الاسناد يعني -لا يدل على
صحة اسناد بيع الوكيل الى المالك حقيقة -فان مفاده كما عرفت
تنزيل بيع الوكيل بمنزلة بيع المؤكل في الاثر ،و ليس مفاده صحة
اسناد بيع الوكيل الى المؤكل حقيقة .

لان باب التنزيل باب التوسعة في دائرة الحكم ،لا دائرة الاسناد
كما هو الحال في بقية موارد ادلة التنزيل ،فانها توسع دائرة الحكم

--( 175 )--

و الاثر ،لا دائرة الاسناد ، -مثلا -اذا افترض وجود دليل يدلنا
على تنزيل الشك منزلة العلم ،فانه لا يصحح اسناد العلم الى الشاك
على اساس انه بمقتضى دليل التنزيل اصبح عالما ،بل انه يدل
على ان ما يترتب على العلم فهو يترتب على الشك أيضا .

ثم ان ما ذكرناه -من ان دليل التنزيل لا يوسع دائرة
الاسناد -نقصد به التوسعة حقيقة ،و اما عناية و حكما فلا مانع بمعنى
ان دليل التنزيل كما يوسع دائرة الموضوع عناية و حكما ،لا حقيقة ،
كذا يوسع دائرة الاسناد كذلك ،فان توسعة احدهما ملازم
لتوسعة الاخر ،فاذا جعل بيع الوكيل بيعا للمؤكل تنزيلا فلا محالة
يصح اسناده اليه أيضا كذلك ،و كذا الحال في سائر موارد التنزيل
فانه اذا نزل الشك منزلة العلم ،فكما انه يوجب توسع دائرة
العلم تنزيلا و عناية ،فكذا يوجب توسع دائرة اسناده كذلك ،
فيصح اسناده الى الشاك مجازا و عناية بعد هذا التنزيل .

نعم ان التوسعة حقيقة في موارد التنزيل انما هي في دائرة
الحكم و الاثر فحسب ،دون غيره .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان التنزيل لا يمكن ان يصحح اسناد
فعل الوكيل الى المالك حقيقة اذا لم يصح الاسناد كذلك في مرتبة
سابقة على هذا التنزيل ،و قد تقدم ان الاسناد صحيح في الامور
الاعتبارية بقطع النظر عن التنزيل المذكور و غير صحيح في الامور
التكوينية حتى على اساس هذا التنزيل .

قد يقال :كما قيل :في وجه تصحيح الوكالة في الامور الاعتبارية
ان مرد التوكيل بالارتكاز لدى العرف الى إنشاء مضمون المعاملة
على سبيل التعليق ،فتوكيل المالك في بيع داره معناه إنشاء بيعها

--( 176 )--

على تقدير بيع الوكيل للدار بحيث يكون إنشاء البيع للمالك فعليا
يتضمنه نفس إنشاء الوكالة بالارتكاز العرفي و المنشأ يكون معلقا
على حصول البيع من الوكيل ،فعندئذ يصح اسناد البيع الى المالك
حقيقة عند تحقق البيع من الوكيل .

و هذا التعليق لا يضر ،فان الدليل على بطلان التعليق في
المعاملات انما هو احد امرين :

اما الاجماع التعبدي .

و اما ان المعاملة المعلقة في مرحلة الانشاء مخالفة للارتكاز العرفي
فلا تكون مشمولة للإطلاقات الدالة على الصحة .

اما الاول :فهو منعقد على صحة الوكالة بهذا المعنى الارتكازي

و اما الثاني :فهو على وفق الارتكاز ،لا انه على خلافه .

و لنأخذ بالنقد عليه :ان هذا البيان و ان كان يصحح اسناد فعل
الوكيل الى المؤكل في الامور الاعتبارية الا انه على خلاف الارتكاز
القطعي لدى أذهان العرف و العقلاء ،ضرورة ان الموكل حين إنشاء
الوكالة في معاملة لا ينشأ مضمونها معلقا على اتيان الوكيل بها
بحيث يكون الانشاء من المالك فعليا تتضمنه نفس إنشاء التوكيل
بالارتكاز العرفي ،و المنشأ يكون معلقا على حصول المعاملة من الوكيل ،
فان المالك كثير ما يكون غافلا عن ذلك فضلا عما اذا كان منشأ
لها في ضمن إنشاء التوكيل على النحو المزبور ،فليس معنى توكيل
المالك في بيع داره إنشاء بيعها على تقدير بيع الوكيل للدار بحيث
يكون الانشاء فعليا و المنشأ يكون معلقا على بيعه ،بل معناه إنشاء
الوكالة فحسب من دون إنشاء آخر في ضمنه ،بل ربما لا يخطر
بباله نهائيا ،و يظهر صدق هذا لكل من راجع وجدانه حين جعل

--( 177 )--

الوكالة في معاملة من المعاملات فانه يرى انه ليس الموجود في نفسه
الا إنشاء الوكالة فقط ،دون إنشاء ما فيه الوكالة .و بالرغم من هذا
كيف يكون ذلك موافقا للارتكاز العرفي .

على ان هذا :لو تم فانما يتم فيما اذا افترضنا كون الفرد وكيلا
من قبل المالك في معاملة خاصة كبيع داره -مثلا -و اما اذا
افترضنا انه وكيل مفوض من قبله في جميع معاملاته نفيا و اثباتا
كما و كيفا فلا يمكن اتمام ذلك بوجه ،و ذلك لان المالك جاهل
بما يأتي به وكيله من انواع المعاملات في المستقبل ،و بالرغم من
هذا كيف يمكن له إنشائها على تقدير اتيان وكيله بها ،لان إنشاء
مضمون معاملة يتوقف على احرازها .فما لم يحرز انها بيع او اجارة
او مضاربة او نكاح او طلاق فكيف يمكن له إنشاء مضمون البيع
او الاجارة او غير ذلك .

و دعوى -ان إنشاء تلك المعاملات من المالك تفصيلا حين جعل
الوكالة و ان كان غير موجود الا ان إنشائها ارتكازا موجود -خاطئة
جدا ،فانه -مضافا الى ان ذلك ليس امرا مركوزا في افق النفس -
ان الانشاء الارتكازي لا يجدى في باب المعاملات اصلا ،لا في
صحتها ،و لا في اسنادها .

لحد الان قد تبين :ان منشأ صحة الوكالة في الامور الاعتبارية
ما ذكرناه .

و بما ان ما ذكرناه من النكتة لصحة الوكالة فيها لا تتوفر في
الامور التكوينية فلا يمكن تصحيحها في تلك الامور على اساس
تلك النكتة ،و لا دليل آخر على صحتها فيها .

و لكن مع هذا كله :لا يبعد دعوى بناء العقلاء على صحة الوكالة

--( 178 )--

في مثل عملية الاحياء ،و الحيازة ،و القبض ،و ما شاكل ذلك .
و من هنا كان المشهور بين الفقهاء صحة الوكالة في القبض ،رغم انه
امر تكويني .

و السرّ فيه :ان هذه الامور و ان كانت تكوينية ،الا انها لدى
العرف و العقلاء تمتاز عن غيرها من الامور التكوينية كالأكل
و الشرب و القيام و القعود و ما شاكل ذلك في امكان انتسابها الى غير
المباشر لجهة من الجهات كالوكالة و نحوها .

و توكد ذلك :صحيحة محمد بن أبي عمير في نوادره عن غير
واحد من اصحابنا عن أبي عبد اللّه ( ع ) في رجل قبض صداق ابنته
من زوجها ثم مات هل لها ان تطالب زوجها بصداقها ،او قبض
أبيها قبضها ؟فقال :( ع ) ( ان كانت وكلته بقبض صداقها من
زوجها فليس ان تطالبه ،و ان لم تكن وكلته فلها ذلك ) الحديث - 1 -

فان موردها و ان كان خصوص القبض الا انها تدل على ان
الفعل التكويني كالقبض قابل للوكالة .

و اما الجهة الثالثة :و هي ما اذا استاجر فرد غيره لإحياء الارض
فهل تحصل للمستأجر علاقة بها من جهة قيام اجيره باحيائها ؟
فيه وجهان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب هو الاول .

و قد استدل على ذلك :بان حياة الارض نتيجة لعملية الاحياء
و اثر لها ،و بما ان المستأجر يملك تلك العملية بمقتضى عقد الاجارة
فيملك الارض المحياة بتبع ملكيته للإحياء على اساس ان من
ملك الشي‏ء ملك آثاره و نتاجه .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 13 الباب 7 في احكام الوكالة الحديث 1 .


--( 179 )--

و فيه :ان اريد بذلك ان الارض المحياة نماء لعملية الاحياء
كالثمرة التي هي نماء للشجرة فكما ان مالك الشجرة يملك ثمرتها
فكذلك مالك عملية الاحياء يملك الارض المحياة التي هي نماء لها
فيرد عليه ان الامر ليس كذلك لوضوح الفرق بين البابين فان الثمرة
نماء طبيعي للشجرة و هذا بخلاف الارض المحياة فانها ليست نماء
طبيعي لعملية الاحياء

و ان اريد به :ان نتيجة عملية الاحياء و اثرها التكويني هي
الارض بوصف كونها محياة فكل من يكون مالكا لتلك العملية فبطبيعة
الحال يكون مالكا لنتاجها و اثرها أيضا بالتبع ،من دون فرق في
ذلك بين كون ملكية العملية المزبورة ملكية ذاتية كملكية الفرد
لها بوصف كونها فعله ،او اعتبارية كملكية المستاجر لها في ذمة
الاجير .فكما انه على الاول يملك الارض المحياة -تبعا -على اساس
ملكيته لتلك العملية بالذات ،فكذا على الثاني يملكها -كذلك -على
اساس ملكيته لها بالاعتبار .

و ان اريد به :ذلك .

فانه غير بعيد :فان ملكية النتيجة و الاثر -تبعا -على اساس ملكية
الاصل انما هي على طبق الارتكاز العرفي ،و حيث ان نتيجة عملية
الاحياء و اثرها التكويني هو حياة الارض و عمارتها فبطبيعة الحال
ملكية الاصل تستلزم ملكية الحياة و العمارة بالتبع .

و من الواضح ان ملكية حياة الارض هي ملكية الارض المحياة
اذ لا يعقل ملكية الحياة مستقلة عن الارض ،فان حياتها عبارة عن
خلق فرصة الانتفاع بها و استثمارها ،حيث لم تكن هذه الفرصة
متاحة قبل احيائها و انما نتجت عن عملية الاحياء او فقل :ان

--( 180 )--

حياتها عبارة عن توفير كل الشروط التي تجعلها قابلة للانتفاع
و الانتاج منها ،فالحياة عبارة عن هذه الصفة للأرض ،و من الطبيعي
انها غير قابلة للملك بدون ملك موصوفها .

و عليه فنتيجة العملية المزبورة هي حصة خاصة من الارض و هي
الارض المحياة في مقابل الارض الميتة ،فكما ان المحيي يملك
تلك النتيجة على اساس قيامه بعملية الاحياء لنفسه فكذلك المستاجر
يملك النتيجة المزبورة على اساس قيام اجيره بتلك العملية بقانون ان
من ملك الاصل ملك نتاجه و اثره ،و هذا القانون موافق للارتكاز
العرفي من ناحية ،و قد قامت عليه السيرة العقلائية من ناحية اخرى .

ثم ان هذا الارتكاز العرفي القائم ،بين ملكية الاصل و ملكية
اثره بما انه كان ثابتا في عصر التشريع فهو كما يكشف عن امضاء
الشارع له بعد عدم ورود الردع عنه و بذلك يصبح دليلا في المسألة
كذلك يوفر لدينا الجهة التي يكشف بها -امضاء هذه السيرة شرعا -.
عن عدم ورود الردع عنها ،فان الارتكاز المزبور قرينة على امتدادها
و انتشارها في عصر التشريع ،و من الواضح ان كل سيرة عقلائية
اذا امتدت زمنيا الى عصر التشريع و انتشرت في ذلك العصر من
دون ورود ردع عنها فلا محالة يستكشف ذلك عن امضائها شرعا .

و اما المناقشة في هذه السيرة -بعدم شمولها فيما اذا لم ينو
الاجير الاحياء للمستأجر على اساس انها دليل لبى و لا اطلاق لها -
فلا ترد عليها :بنكتة ان هذه السيرة لما كانت على طبق الارتكاز
القطعي لدى العرف -و هو تبعية ملكية الفرع لملكية الاصل مطلقا -
فلا محالة تكون سعتها بمقدار سعة ذلك الارتكاز ،و من المعلوم انه
لا فرق في الارتكاز المزبور بين ما اذا كان الاجير ناويا الاحياء من

--( 181 )--

قبل مستأجره ،و ما اذا لم ينو ذلك اذا كان الاجير في مقام الاتيان
بعملية الاحياء المملوكة للمستأجر ،فانه اذا اتى بهذه العملية
كانت نتيجتها له اي للمستأجر و ان لم ينو ذلك ،بل لا يضر قصد
الخلاف في هذا الفرض .

الى هنا :قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان المستأجر
يملك الارض التي قام اجيره باحيائها اذا كان ذلك قبل التاريخ
الزمني لتشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) و اما اذا كان بعد ذلك
التاريخ فانما يحصل له حق فيها على اساس ذلك ،دون الملك ،
كما هو الحال فيما اذا كان قيامه للإحياء لنفسه ،لا لغيره .

و على الجملة فالشارع قد امضى ما هو مقتضى السيرة و الارتكاز
العرفي في الاراضي المباحة -و هو ان علاقة مالك العمل بنتيجته
انما هي على مستوى الملك -و اما في الارض التي هي من الانفال
فلا يمضي الشارع ذلك الا على مستوى الحق ،دون الملك .

و قد يستدل على ذلك :ان المستأجر بما انه مالك لعملية
الاحياء في ذمة الاجير فيصح اسناد تلك العملية اليه حقيقة ،و على
هذا فتملّك المستأجر الارض المحياة انما هو بوصف كونه قائما باحيائها .

و يردّه :ان ملكية المستأجر لعملية الاحياء لا تحقق صحة
اسنادها اليه حقيقة اسناد الفعل الى الفاعل ،ليكون المستأجر مشمولا
لعمومات ادلة الاحياء ،و انما تحقق صحة اسنادها اليه اسناد
الملك الى المالك ،فالاضافة في المقام اضافة الملكية ،لا اضافة
الفعلية ،و من الواضح ان اضافة الملكية لا تؤثر في علاقة المستأجر
بالمحياة ،فان المؤثر فيها انما هو اضافة الفعلية و هي مفقودة في المقام
ضرورة انه لا يصدق عرفا على المستأجر انه قائم بعملية الاحياء

--( 182 )--

من جهة قيام اجيره بها .

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان الدليل على علاقة المستأجر
بالارض المحياة على اساس قيام اجيره بعملية احيائها امران .

احدهما :الارتكاز القطعي الثابت لدى العرف و العقلاء على
ان اثر الشي‏ء و نتاجه تابع للأصل :

و الآخر :بناء العقلاء على ذلك .

و اما عملية الحيازة -التي قد اعترف الإسلام بها في الثروات
المنقولة على تفصيل يأتي في ضمن الابحاث القادمة -فحالها حال
عملية الاحياء من النواحي الثلاث المتقدمة -التبرع و الوكالة و الاجارة -.

نتيجة هذا البحث عدة نقاط


الاولى :لا يحصل للفرد اختصاص بالارض على اثر قيام غيره
باحيائها تبرعا من قبله باعتبار ان ذلك لا يصحح صحة اسناد تلك
العملية اليه ،ليكون مشمولا لعمومات ادلة الاحياء ،و بدونها
لا يحصل له الاختصاص بها :لعدم كونه مشمولا لتلك العمومات
من ناحية ،و عدم دليل آخر على ذلك من ناحية اخرى .

الثانية :ان صحة الوكالة في الامور الاعتبارية انما هي على
وفق القاعدة بلا حاجة الى دليل .و اما صحتها في الامور التكوينية
فهي بحاجة الى دليل ،و الا فمقتضى القاعدة بطلان الوكالة فيها .
نعم الظاهر قيام بناء العقلاء على صحة الوكالة في مثل عملية الاحياء
و نحوها كما مرّ .

الثالثة :يحصل للمستأجر علاقة بالارض على اساس قيام اجيره باحيائها

--( 183 )--

بقانون ان ملك الشي‏ء يتبع ملك اثره ،و قد عرفنا قيام
الارتكاز القطعي عليه ،مضافا الى البناء العملي من العقلاء .

الملحق الثانى


بما ذا يتحقق احياء الارض الميتة ؟

يتحقق بخلق الفرد بجهوده و عمله في الارض الشروط التي تتيح
له فرصة الاستفادة منها و تجعلها قابلة للانتفاع و الانتاج ،على
اساس ان تلك الشروط لم تكن متوفرة فيها قبل ممارسة الفرد بخلقها
و لم تكن صالحة للانتفاع و الانتاج منها .ثم ان خلق تلك الشروط انما
هو بازالة الصخور عن وجهها ،و توفير المياه فيها و ازالة ارتفاعها ،و قطع
ما فيها من الاشجار و الحطب ،و غير ذلك مما له دخل في صلاحيتها للاستفادة

و من الطبيعي :ان هذه الفرصة لم تكن متاحة قبل احيائها ،
و انما نتجت عن عملية الاحياء :و العامل على اساس خلقه تلك
الفرصة فيها بعمله و جهوده اكتسب حقا فيها ،و لأجل ذلك يكون
اولى بها من غيره .

او فقل :ان العامل يملك الفرصة المزبورة بوصف كونها نتيجة
عمله و جهوده :و ليس لأحد ان يزاحمه في الاستفادة من تلك الفرصة .

و بعد ذلك :فهذه الارض تصلح للانتفاع و الانتاج بزرع ،او
غرس اشجار ،او ما شاكل ذلك ،و لا يعتبر في صدق احيائها
حراثتها ،و لا زراعتها ،و هكذا ،فان كل ذلك انتفاع بها بعد الاحياء .

نعم ان ما ذكرناه انما هو احياء للأرض بما هي .

و اما اذا اراد الفرد احياء الدار فيها او الحظيرة او البستان او

--( 184 )--

نحو ذلك ،فانه بخلقه اتاحة الفرصة لبدأ العمل في تلك الاشياء
و ان كان قد اكتسب حقا في الارض ،و ليس لاخر ان يزاحمه في
ذلك ،الا ان احياء هذه الاشياء انما هو بتحققها بمالها من العناوين
الخاصة ،فاحياء الدار لا يتحقق الا باحداث ما هو مقوم لها من
الحيطان و السقف و غيرهما مما هو دخيل في صدق عنوانها .

و على الجملة :فاحياء كل شي‏ء عبارة عن احداث ذلك الشي‏ء
في الخارج بعنوانه ،و من الطبيعي انه يختلف باختلاف اجزائه الرئيسية
المقومة له .

الملحق الثالث


قد تقدم منا في ضمن البحوث السالفة ان عملية الاحياء انما
توجب صلة المحيي بالارض على مستوى الحق فحسب دون الملك .

و على ضوء هذا الرأي الفقهي قد يشكل في تفسير صحة بيع
المحيي لها باعتبار ان رقبتها غير داخلة في ملكه ،مع انه لا شبهة
في جواز قيامه ببيعها و صحته .

و قد اجيب عن هذا الاشكال بعدة وجوه :

الاول :ما قيل :من الالتزام بتحقق ملكية الارض للمحيي
آنا ما قبل البيع و خروجها عن ملكه ليتحقق مفهوم البيع .

و يردّه :انه لا اساس لهذا الافتراض اصلا .لا في المقام ،
و لا في غيره ،فان ثبوته بحاجة الى دليل ،و لا دليل يدلنا عليه في
المقام ،لان الالتزام به انما هو في مورد قد دعت الضرورة اليه
و اما في المقام فلا ضرورة تدعو اليه ،حيث يمكن تصحيح البيع

--( 185 )--

بطريق آخر سوف نشير اليه .

الثاني :ان المبيع على ضوء هذا الرأي الفقهي انما هو الحق
المتعلق بالارض ،دون الارض نفسها ،ليقال انها داخلة في نطاق
ملكية الامام ( ع ) لا في نطاق ملكية المحيي حتى يكون أمر بيعها
بيده ،و الفرض ان الحق كالمال قابل للنقل بالبيع و نحوه ،فاذن
المراد من بيع الارض على اساس هذا الرأي بيع الحق المتعلق بها
لا نفس الرقبة .

و يرده :ان الحق بما انه حكم شرعي مجعول من قبل الشرع
غير قابل للبيع في نفسه و بقطع النظر عن متعلقه ،و ان افترض انه
قابل للنقل ،و فيما نحن فيه الحق الحاصل للمحيي بسبب قيامه بعملية
الاحياء و ان كان قابلا للنقل ،الا انه غير قابل للبيع في نفسه ،
و ذلك لان مفهوم البيع مفهوم خاص لدى العرف فلا يتوفر في نقل
الحق ،فانه عبارة عن منح البائع علاقته الاعتبارية بالمبيع للمشتري
و منح المشتري علاقته الاعتبارية بالثمن للبائع ،و الفرض ان الحق
نفس الاعتبار و الاضافة ،لا انه طرف له ،فلا يصلح ان يكون
مبيعا ،لان المبيع انما هو طرف الاضافة لأنفسها .

و بكلمة اخرى ان المراد من الملك هو نفس العلاقة الاعتبارية
بين المال و صاحبه ،ففي مقام البيع يمنح صاحبه علاقته الاعتبارية
به للمشتري في مقابل منح المشتري علاقته الاعتبارية بالثمن له .
و من الواضح ان هذه العلاقة لا تتصور بين الحق و صاحبه نظرا الى
ان الحق نفس العلاقة و الاضافة بين متعلقه و صاحبه ،لا انه طرف
لها -مثلا -من يقوم بعملية احياء الارض يحصل له علاقة
اعتبارية بها على مستوى الحق ،و من الطبيعي انه ليس لعلاقته بها

--( 186 )--

علاقة اعتبارية اخرى ،و هكذا .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان الحق في حد نفسه لا يصلح ان
يكون مبيعا .

الثالث :انه لا يعتبر في صدق البيع عرفا ان تكون علاقة
البائع بالمبيع على مستوى الملك بل يكفي ان تكون علاقته به على
مستوى الحق ،و بما ان الفرد الذي يقوم بعملية الاحياء يحصل على
علاقة اعتبارية بالارض على مستوى الحق فيجوز له ان يقوم ببيعها
بمعنى منح هذه العلاقة للمشتري في مقابل منح المشترى علاقته الاعتبارية
بالثمن له ،و ان فرض ان علاقة البائع بالمبيع كانت على مستوى الحق
و علاقة المشترى بالثمن كانت على مستوى الملك .لوضوح ان هذا
المقدار من الفرق لا يؤثر فيما هو معتبر في حقيقة البيع لدى العرف
و العقلاء و هي تبديل طرفى الاضافة و العلاقة الاعتبارية ،سواء أ كانت
على مستوى الملك أم كانت على مستوى الحق ،او كانت علاقة البائع
بالمبيع على مستوى الحق ،و علاقة المشترى بالثمن على مستوى الملك
أو بالعكس ،فان البيع يتكفل منح نفس علاقة البائع بالمبيع
للمشتري في مقابل منح نفس علاقة المشتري بالثمن للبائع ،و فيما
نحن فيه بعد البيع تصبح علاقة البائع بالثمن على مستوى الملك ،
و علاقة المشتري بالمبيع على مستوى الحق على عكس ما كان قبل البيع .

و قد تحصل من ذلك :انه لا اشكال في صحة بيع المحيي لما
احياء من الارض على ضوء هذا الرأي الفقهي ،فلا تظهر الثمرة
بين القولين من هذه الناحية .

--( 187 )--

الملحق الرابع


ان المراد من ملكية الانفال للإمام ( ع ) ملكية منصب الامامة
و قد يعبّر عنها بملكية الدولة على اساس ان مرد ملكية منصب
الامامة الى ملكية الدولة ،و ليست ملكا خاصا للإمام ( ع ) كسائر
املاكه الخاصة فانه -مضافا الى بعد ذلك في نفسه -يدل عليه امران :

الاول :نصوص الباب -بمناسبة الحكم و الموضوع - ؟فانها
تصنف الى مجموعتين :

احداهما :جاءت بهذا اللسان ( الارض كلها لنا ) كما في
صحيحة مسمع بن عبد الملك ،و صحيحة الكابلي ،فهذه المجموعة
تدل -بمناسبة الحكم و الموضوع -على انها ملك عام للمنصب يعني
-منصب الامامة - ،لا انها ملك خاص للفرد .

و الاخرى :جاءت بلسان :ان الانفال للإمام ( ع ) ،و في بعضها
انها للرسول ( ص ) و من بعده للإمام ( ع ) فانها تدل بوضوح
على انها ملك لمنصب الرسالة و الامامة .

الثاني :انها لو كانت ملكا خاصا للإمام ( ع ) لكانت من
جملة تركته ( ع ) بعده ،و تقسم ميراثا بين ورثته ،مع ان الامر ليس
كذلك جزما .بل هي تنتقل من امام الى امام آخر سواء أ كان للإمام
السابق وارث غيره أم لا .

فالنتيجة :انه لا شبهة في انها ملك عام للمنصب ،لا للشخص .

ثم ان هذه الملكية بطبيعة الحال تمتد بامتداد الامامة ،و تصرف
منافعها في مصالح الدولة و نفقات الحكومة .

--( 188 )--

و في مقابلها :الارض المفتوحة عنوة باذن الامام ( ع ) فانها
ملك عام للمسلمين كما سوف يأتي البحث عنها و تصرف منافعها
في مصالحهم العامة .

و على الجملة فهنا صنفان من الارض :

احدهما :مملوك بملك عام للامة .

و الأخر مملوك بملك عام للإمام ( ع ) او الدولة .و الخراج
الموضوع على كل منهما يتبع الارض في نوع الملكية .و امرهما في
عصر الغيبة بيد نائبه ( ع ) .

--( 189 )--

-2 -
الارض المفتوحة عنوة


و هي ملك عام للمسلمين كافة
و فيها بحوث تتعلق بانواعها
و احكامها و شرائطها على ضوء
الشريعة الاسلامية المقدسة

--( 190 )--

--( 191 )--

الارض المفتوحة عنوة


الكلام فيها يقع في مرحلتين :

الاولى :فيما اذا كانت الارض حال الفتح مواتا :

الثانية :فيما اذا كانت عامرة .

المرحلة الاولى :

فالكلام فيها يفرض :

مرة :فيما اذا كان تاريخ الفتح متقدما زمنيا على نزول آية الانفال .

و اخرى :فيما اذا كان تاريخه متأخرا كذلك عن نزول الآية .

و ثالثة :فيما اذا كان تاريخه الزمني مجهولا بالاضافة اليه .

اما الكلام في الفرض الاول فكون الارض الميتة -التي فتحت
عنوة -لعامة المسلمين انما هو يقوم على اساس ان ما اخذ بالسيف
من الكفار خارجا لا يتوقف في كونه من الغنيمة على ان تكون
للكافر علاقة به على مستوى الملك او الحق ،بل يكفي في صدق
ذلك كون المال تحت استيلائهم خارجا ،فكل مال انتزع من
سيطرتهم في الخارج بالجهاد المسلح فهو غنيمة و ان لم تكن لهم علاقة
به اصلا ،

و عليه فالارض الميتة في بلاد الكفر و ان لم تكن للكافر علاقة
بها ،لا على مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق الا انها رغم
ذلك لمّا كانت تحت سيطرته في الخارج فاذا انتزعت منه بعنوة

--( 192 )--

صدق عليها عنوان ما اخذ بالسيف ،و قد جاء هذا العنوان في روايتين :

احداهما :رواية صفوان بن يحيى و احمد بن محمد بن أبي نصر
قالا :ذكرنا له الكوفة و ما وضع عليها من الخراج و ما سار فيها
اهل بيته فقال :( من اسلم طوعا تركت ارضه في يده الى ان قال :
و ما اخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى ،كما صنع
رسول اللّه ( ص ) بخيبر قبل سوادها و بياضها يعني -ارضها و نخلها -
و الناس يقولون لا تصلح قبالة الارض و النخل و قد قبل رسول اللّه ( ص )
خيبر ) الحديث - 1 - .

و هذه الرواية ضعيفة على اساس ان في سندها علي بن احمد بن اشيم
و هو مجهول .نعم بناء على ان وقوعه في اسناد كامل الزيارات
يكفي لوثاقته فالرواية صحيحة الا ان الاعتماد على ذلك مشكل .

و ثانيتهما :صحيحة احمد بن محمد بن أبي نصر قال :ذكرت
لأبي الحسن الرضا ( ع ) الخراج و ما سار به اهل بيته فقال :( العشر
و نصف العشر على من اسلم طوعا و تركت ارضه بيده الى ان قال :
و ما اخذ بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى ،كما صنع
رسول اللّه ( ص ) بخيبر قبل ارضها و نخلها ،و الناس يقولون
لا تصلح قبالة الارض و النخل اذا كان البياض اكثر من السواد ،
و قد قبل رسول اللّه ( ص ) خيبر ) الحديث - 2 - .

و على ذلك فالعبرة انما هي بصدق هذا العنوان ،و من الطبيعي
ان هذا العنوان يصدق على الارض الموات التي اخذت من سيطرة
الكفار خارجا بالسيف .

و اما الكلام في الفرض الثاني فقد يقال :كما قيل :ان الروايات

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 72 من ابواب جهاد العدو الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 11 الباب 72 من ابواب جهاد العدو الحديث 2 .


--( 193 )--

الدالة على ان الارض الموات داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع )
بما انها تشمل بعمومها ما نحن فيه فهي معارضة بالروايات الدالة
على ان الارض المأخوذة من سيطرة الكفار عنوة داخلة في ملكية
المسلمين على اساس انها بعمومها تشمل الارض الميتة أيضا ،و ملتقى
المعارضة بينهما الارض الموات المفتوحة عنوة .

و من الطائفة الاولى :موثقة سماعة بن مهران قال :سألته عن
الانفال فقال :( كل ارض خربة او شي‏ء يكون للملوك فهو خالص
للإمام و ليس للناس فيها سهم ) - 1 - .

فانها تدل بعمومها على ان الارض الخربة داخلة في ملكية الامام ( ع )
و ان كانت مفتوحة عنوة .

و من الطائفة الثانية :مرسلة حماد بن عيسى عن أبي الحسن ( ع )
الى ان قال :( ع ) ( و الارضون التي اخذت عنوة بحيل او ركاب
فهي موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها ،و يقوم عليها على
ما صالحهم الوالي على قدر طاقتهم من الحق الخراج :النصف او الثلث
او الثلثين ) الحديث - 2 - .

فانها و ان دلت بعمومها على ان الارض التي فتحت بالجهاد المسلح
داخلة في ملكية المسلمين و ان كانت مواتا الا انها ضعيفة سندا من
ناحية الارسال فلا يمكن ان تعارض الطائفة الاولى .

و منها اي -من الطائفة الثانية -الروايتان المتقدمتان ،فان
قوله ( ع ) فيهما ( و ما اخذ بالسيف فذلك الى الامام ( ع ) يقبله
بالذي يرى كما صنع رسول اللّه ( ص ) بخيبر ) يعمّ الارض
الموات أيضا .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث 8



---------------

( 2 ) الوسائل ج 11 الباب 41 من أبواب جهاد العدو الحديث 2 .


--( 194 )--

و لكن قد يقال :كما قيل :انه لا يمكن الاخذ بنصوص ملكية
المسلمين ،لأنها لا تصلح ان تعارض نصوص ملكية الامام ( ع ) .

اما أولا :فلان دلالة المجموعة الاولى -من نصوص ملكية
المسلمين -على ان الارض الموات المأخوذة من الكفار عنوة و بهراقة
الدماء ملك عام للامة انما هي بالاطلاق و بمعونة مقدمات الحكمة
و اما المجموعة الثانية -من نصوص ملكية الامام ( ع ) -ففيها
ما يكون دلالته على انها ملك للإمام ( ع ) انما هي بالعموم الوضعي ،
و من الطبيعي ان ما تكون دلالته على العموم بالاطلاق و مقدمات
الحكمة لا يمكن ان يعارض ما كانت دلالته عليه بالوضع

هذا لا من ناحية انه يمنع عن انعقاد ظهوره في الاطلاق ،
بدعوى ان ظهوره فيه يتوقف على عدم البيان الاعم من المتصل ،
و المنفصل ،و ذلك لما تقدم في ضمن البحوث السالفة من ان المانع
من انعقاد ظهور المطلق في الاطلاق انما هو البيان المتصل دون
المنفصل ،فانه لا يمنع عن انعقاد ظهوره فيه ،و انما هو مانع عن حجية
هذا الظهور و اعتباره .

بل من ناحية ان ظهور العام في العموم اذا كان مستندا الى
الوضع اقوى -لدى العرف من ظهور المطلق في الاطلاق اذا كان
مستندا الى مقدمات الحكمة -بدرجة يصلح ان يكون بيانا على
خلاف اطلاق المطلق في محل الالتقاء و المعارضة .

و بكلمة اخرى :ان ظهور المطلق في الاطلاق و ان لم يتوقف على
عدم البيان المنفصل الا ان حجيته تتوقف عليه جزما و من الطبيعي
ان العام الوضعي يصلح ان يكون بيانا على خلاف ظهور المطلق في
الاطلاق و مانعا عن حجيته بمقتضى الارتكاز العرفي .

--( 195 )--

و اما ثانيا :فلو افترضنا ان هاتين المجموعتين متعارضتان في مورد
الالتقاء و الاجتماع و لا يمكن الجمع بينهما عند العرف ،فعندئذ
بما انه لا يتوفر ترجيح لإحداهما بالاضافة الى الاخرى فلا محالة
تسقطان معا فيرجع حينئذ الى المجموعة الاخرى من نصوص ملكية
الامام ( ع ) التي جاءت بهذا النص :( كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ) ( ع ) و الفرض ان الارض الموات التي فتحت عنوة بعد
سقوط نصوص مالكية المسلمين لها من ناحية المعارضة تدخل في
الارض التي لا رب لها بعد ضم الاستصحاب الموضوعي اليه -و هو
استصحاب عدم وجود رب لها -.

و ان شئت قلت :ان هذه المجموعة لا تصلح ان تكون طرفا
للمعارضة مع المجموعة من نصوص مالكية المسلمين ،لأنها حاكمة
عليها باعتبار انها تثبت وجود رب للأرض المزبورة ،و بذلك تخرج
عن كونها مما لا رب لها ،و تدخل في الارض التي لها ربّ ضرورة
ان التعارض لا يتصور بين دليلين :يكون احدهما رافعا لموضوع الآخر .

نعم انها تصلح ان تكون مرجعا بعد سقوط نصوص مالكية
المسلمين بالمعارضة او نحوها .

هذا اضافة الى انا لو قطعنا النظر عن هذه المجموعة القائلة :
( ان كل ارض لا ربّ لها فهي للإمام ) ( ع ) فلا مانع من
الرجوع بعد تساقطهما الى النص العام القائل :( ان الارض كلها
للإمام ) ( ع ) حيث ان هذا العام الفوقي يصلح ان يكون مرجعا
بعد سقوط النصوص بالمعارضة في مورد الاجتماع هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :انا لو قطعنا النظر عن العام المزبور اي
-العام الفوقي -امكن لنا الرجوع الى الاصل العملي -و هو استصحاب

--( 196 )--

مالكية الامام ( ع ) للأرض المذكورة -لفرض انها قبل الفتح
كانت داخلة في ملكية الامام ( ع ) بمقتضى تشريع مالكيته ( ع )
للأنفال ،و نصوص مالكية المسلمين لها بعد الفتح قد سقطت من
جهة المعارضة ،فاذن لا مانع من الرجوع الى الاستصحاب المزبور .

فالنتيجة :انها لم تخرج من نطاق ملكية الامام ( ع ) .

و اما ثالثا :فلان المعارضة بين المجموعتين انما تقوم على اساس
ان يكون المراد مما اخذ من الكافر عنوة و بهراقة الدماء مطلق ما كان
تحت استيلائه و سيطرته و ان كان لاخر صلة به على مستوى الملك او الحق .

و اما اذا كان المراد منه خصوص ما اذا لم تكن لاخر علاقة به
فلا تعارض بينهما فيما نحن فيه ،فان نصوص ملكية المسلمين على
هذا الاساس تختص بما اذا لم يكن المأخوذ من الكافر موردا لصلة
غيره .و اما اذا كان موردا لها فهي لا تشمله حتى تكون طرفا
للمعارضة مع النصوص القائلة :بان الارض الموات داخلة في ملكية
الامام ( ع ) .

و بما ان الظاهر منها عرفا -و لو بمناسبة الحكم و الموضوع -
اختصاص المأخوذ من الكافر بما اذا لم يكن موردا لصلة غيره فلا
محالة لا تشمل الارض الموات التي هي مورد لعلاقة الامام ( ع )
بها على مستوى الملك ،فعندئذ تبقى نصوص مالكية الامام ( ع )
لها بلا معارض

و على الجملة :فنصوص مالكية المسلمين منصرفة بمقتضى الارتكاز
العرفي عما اذا كان المال المأخوذ من الكافر عنوة و بالفتح ملكا لغيره
او متعلقا لحقه .

و من هنا :اذا افترض وجود مال لمسلم عند كافر امانة كان او

--( 197 )--

غصبا ثم اخذه المسلمون منه بالجهاد المسلح ،فانه غير مشمول
لتلك النصوص ،و لا يصدق عليه عنوان الغنيمة .و كذا الحال
بالاضافة الى الارض الميتة ،فانها حيث كانت ملكا للإمام ( ع )
فلا تشملها النصوص المزبورة بمقتضى الفهم العرفي و لا يصدق
عليها عنوان الغنيمة .

و دعوى : -ان روايات مالكية المسلمين للمأخوذ من الكفار
عنوة تصنّف الى مجموعتين :

احداهما :تقول :ان ما أخذ من الكفار عنوة فهو غنيمة
للمسلمين تقسم بينهم .

و الاخرى :تقول :ان ما اخذ بالسيف فهو للمسلمين .

اما المجموعة الاولى :فالظاهر انها لا تشمل ما اذا كان المأخوذ
من الكافر ملكا خاصا لغيره او متعلقا لحقه هذا اضافة الى انها
خاصة بالمنقول بقرينة القسمة فيها .

و اما المجموعة الثانية :فلا وجه لتخصيصها بما ذكر ،بل مقتضى
اطلاقها هو العموم و الشمول -خاطئة جدا ،و ذلك لأنها و ان كانت
مطلقة الا انك قد عرفت انها تنصرف عن شمول ما ذكر بقرينة
الارتكاز القطعي لدى العرف .

فالنتيجة :انه لا فرق بين المجموعة الاولى و المجموعة الثانية من
هذه الناحية .

و تشهد على ذلك مجموعة من الروايات :

عمدتها صحيحة هشام بن سالم عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
سأله رجل عن الترك يغزون على المسلمين فيأخذون اولادهم فيسرقون
منهم ،أ يرد عليهم ؟قال :( نعم و المسلم اخو المسلم و المسلم احق

--( 198 )--

بماله اينما وجده ) - 1 - .

فانها واضحة الدلالة :على انه ليس من الغنيمة ،و لذا لا خلاف
في ذلك بين الاصحاب

قد يقال :كما قيل :ان نقطة التعارض بين اطلاقي نصوص
مالكية المسلمين ،و نصوص مالكية الامام ( ع ) بما انها كانت هي
كلمة اللام في لسان كلتا المجموعتين ،و حيث ان كلمة اللام
بطبيعتها لا تدل على الملكية ،و انما تدل على الاختصاص الجامع بين
الملك و الحق فلا محالة تكون دلالتها على الملك بالاطلاق ،و هذا يعني
-ان التعارض في الحقيقة بين اطلاقي اللامين -فانهما باطلاقهما تدلان على
ملكيتين مختلفتين فيسقط الاطلاقان معا ،و تبقى الدلالة على اصل
الاختصاص ثابتة ،اذ لا مانع من افتراض اختصاصين بالارض التي
فتحها المسلمون بعد تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) احدهما
اختصاص الامام ( ع ) بها على مستوى الملك .و الآخر اختصاص
المسلمين بها على مستوى الحق .

و يردّه :اولا :ان مقتضى سقوط الاطلاقين عنهما سقوط
ملكية الامام ( ع ) و المسلمين معا عن الارض المذكورة ،نظرا
الى ان مدلول الاطلاق انما هو حصة خاصة من الاختصاص -و هي
الاختصاص الملكي -و الفرض انه قد سقط بسقوط الاطلاق من
جهة المعارضة ،فاذن كيف يمكن الحكم ببقاء اختصاص الامام ( ع )
بها على مستوى الملك ،فان الدال عليه انما هو اطلاق نصوص
مالكيته ( ع ) و بعد سقوط اطلاقها بالمعارضة على الفرض فلا دال عليه

و ثانيا :ان كلمة اللام في كلتا المجموعتين من النصوص ظاهرة

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 35 من ابواب جهاد العدو الحديث 3 .


--( 199 )--

لدى المتفاهم العرفي في الاختصاص الملكي ،و ليست لهذه الكلمة
دلالتان فيهما :

احداهما :الدلالة على طبيعي الاختصاص -و هو الجامع بين
الاختصاص الملكي و الاختصاص الحقي -

و الاخرى :الدلالة على الاختصاص الملكي .

و الاولى :مستندة الى طبيعة كلمة اللام .

و الثانية :مستندة الى اطلاقها ،لتكون نقطة المعارضة في مورد
الالتقاء و الاجتماع بين المجموعتين المذكورتين اطلاق كلمة اللام
فيهما ،بل ان لها دلالة واحدة في كلتا المجموعتين و ظهورا فاردا
-و هو الظهور في الملكية -.فاذا سقط اطلاق كلمة اللام الظاهر
في الملكية في كل من المجموعتين بالمعارضة لم تبق لها دلالة عرفا على
مطلق الاختصاص .

هذا اضافة :الى ان بقاء تلك الدلالة لا تفى بالمقصود فان
المقصود انما هو اثبات اختصاص الامام بالارض في مورد الالتقاء
اختصاصا ملكيا و اختصاص المسلمين بها اختصاصا حقيا .

اما الاول :فيمكن اثباته بالعام الفوقي بعد سقوط اطلاق
اللام -و هو قوله ( ع ) الارض كلها لنا -.

و اما الثاني :فلا دليل عليه ،فلان كلمة اللام لو دلت فانما
تدل على مطلق الاختصاص ،لا على نوع خاص منه -و هو الاختصاص
الحقي -فان دلالتها عليه بحاجة الى عناية زائدة فلا يكفى فيها
سقوط دلالتها على الاختصاص الملكي بالمعارضة .

نظير ذلك :ما اذا افترضنا ان صيغة الامر لا تدل على الوجوب
الا بالاطلاق و مقدمات الحكمة ،و اما بالوضع فهي لا تدل الا على

--( 200 )--

مطلق الطلب الجامع بين الطلب الاستحبابي و الوجوبي .و عليه فاذا فرض أن
لإطلاقها معارضا في مورد فبطبيعة الحال قد سقط اطلاقها من جهة المعارضة
و بعد سقوطه فلا دلالة لها على الاستحباب الا بعناية خارجية .

فالنتيجة في نهاية الشوط انه على تقدير تسليم المعارضة بين
المجموعتين في مورد الاجتماع فالصحيح هو ما ذكرناه من الرجوع
الى الاصل اللفظي ،و على تقدير عدمه فالمرجع هو الاصل العملي هذا .

و الصحيح في المقام ان يقال :ان نصوص مالكية الامام ( ع )
لا تصلح ان تقع طرفا للمعارضة مع نصوص مالكية المسلمين .

بيان ذلك :ان نصوص مالكية الامام ( ع ) تصنف الى
مجموعات ثلاث :

الاولى :جاءت بهذا النص :( كل ارض لا رب لها فهي للإمام ) ( ع ) .

الثانية :جاءت بنص آخر ( كل ارض خربة للإمام ) ( ع ) .

الثالثة :جاءت بنص ثالث :( و ما كان من الارض بخربة لم
يوجف عليه بخيل و لا ركاب ) :

و بما ان المجموعة الثالثة :ظاهرة لدى العرف في ان ملكية الامام
( ع ) للأرض الخربة لم تثبت لطبيعي الارض على نحو الاطلاق
و انما ثبتت لحصة خاصة منها -و هي الارض التي لم يوجف عليها
بخيل و لا ركاب -فبطبيعة الحال توجب تقييد اطلاق المجموعة الثانية
فتصبح النتيجة :ان الارض الخربة انما تكون للإمام ( ع ) اذا
لم تكن مأخوذة من الكفار بهراقة الدماء و الا فهي في‏ء للمسلمين .

و اما المجموعة الاولى :فهي لا يمكن ان تعارض نصوص مالكية
المسلمين للأرض الميتة اذا فتحت عنوة ،لان تلك النصوص بحد
نفسها حاكمة عليها باعتبار انها تخرج الارض عن كونها مما لا رب

--( 201 )--

لها و تجعل المسلمين ربا لها فلا يمكن ان تقع تلك المجموعة طرفا
للمعارضة لهذه النصوص ،و عليه فلا معارض لها اصلا .

فالنتيجة على ضوء هذا الاساس قد اصبحت على الشكل التالي :

ان الارض الموات :اذا انتزعت من سيطرة الكفار خارجا بعنوة
فهي داخلة في نطاق ملكية المسلمين ،لمكان اطلاق نصوصها من
ناحية ،و عدم ما يصلح ان يكون معارضا لها من ناحية اخرى

و اما اذا انتزعت من سيطرتهم خارجا بغير عنوة و هراقة دم فهي
داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) .

و اما العام الفوقي الدال على ان الارض كلها للإمام ( ع ) فهو
و ان كان يشمل الارض العامرة و الميتة و المفتوحة عنوة و غيرها الا انه
انما يصلح ان يكون مرجعا في المسألة إذا لم يكن فيها نص خاص
او كان و لكنه ابتلى بالمعارض ،و الا فلا اثر للعام المزبور ،و بما
ان النص في المقام موجود -و هو ما دل على مالكية المسلمين للأرض
الميتة المفتوحة عنوة -و هو ما دل على مالكية المسلمين للأرض
الميتة المفتوحة عنوة -و لا معارض له كما عرفت ،فعندئذ لا يمكن
التمسك بهذا العام و الرجوع اليه ،بل لا بد من تخصيصه به .

و ما تقدم -من ان نصوص مالكية المسلمين منصرفة عما اذا
كان المأخوذ من الكافر ملكا او متعلقا لحق غيره ،و بما ان الارض
الميتة ملك للإمام ( ع ) فيما اذا كان تاريخ الفتح متأخرا عن تاريخ
نزول آية الانفال فلا تشملها -فهو غير تام بالاضافة الى الارض
الميتة ،و ذلك لان الدليل على ملكيتها للإمام ( ع ) انما هو النصوص
التي اشرنا اليها آنفا و قد عرفت انها قاصرة عن معارضة النصوص
المذكورة على أساس انها تثبت ملكيتها للإمام ( ع ) بعناوين عامة
التي لا تصلح ان تقع طرفا لمعارضة نصوص مالكية المسلمين بتلك
العناوين العامة .

--( 202 )--

فالانصراف المزبور انما يتم في الاملاك الخاصة التي ثبتت ملكيتها
للأشخاص بعناوينها الخاصة على نحو الاطلاق ،كما اذا افترض ان
ارضا لمسلم كانت امانة لدى الكافر او غصبا فان نصوص مالكية
المسلمين للأرض المفتوحة عنوة منصرفة عنها فلا تشملها .

نعم لو دلت -نصوص مالكية الامام ( ع ) -على ملكية الارض
الموات بعنوانها الخاص لكانت صالحة لان تعارض نصوص مالكية
المسلمين ،الا ان الامر ليس كذلك كما عرفت .

و اما الكلام في الفرض الثالث : -و هو ما اذا كان تاريخ الفتح
مجهولا بالاضافة الى زمان نزول آية الانفال -فهو لا يخلو من ان
يكون التوقيت التاريخي لكل من تشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال
و تشريع مالكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة و تحقق الفتح خارجا
مجهولا کأو يكون تاريخ احدهما مجهولا و تاريخ الاخر معلوما
و بالعكس ،فالصور ثلاث

اما الصورة الاولى -و هي ما اذا كان التوقيت التاريخي لكل
منهما مجهولا -فهل يمكن في هذه الصورة جريان الاستصحاب فيهما
معا بحد نفسه او لا يمكن ؟فيه قولان :

قد اختار المحقق صاحب الكفاية ( قده ) :القول الثاني بدعوى
ان الاستصحاب لا يجري فيهما معا بحد نفسه ،لقصور ادلة الاستصحاب
عن شموله على اساس ان المعتبر في جريان الاستصحاب احراز
اتصال زمان الشك فيه بزمان اليقين ،و بما انه غير محرز في المقام
فلا يمكن جريانه فيه .

و لكن قد حقق في الاصول في بحث الاستصحاب انه لا يمكن
الاخذ بهذا القول ،فانه لا قصور في ادلة الاستصحاب عن شموله

--( 203 )--

في المقام و غيره ،و ما ذكره ( قده ) من الشرط لصحة التمسك بها
لا اساس له اصلا و تمام الكلام في محله .

فالصحيح هو القول الاول :فانه لا مانع من جريان استصحاب
عدم تشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال الى زمان تحقق الفتح
خارجا ،و قضية هذا الاستصحاب ثبوت مالكية المسلمين للأرض
المزبورة ،لأنها مترتبة على امرين :

احدهما :تحقق الفتح خارجا في زمان .

و الآخر :عدم مالكية الامام ( ع ) في ذلك الزمان ،فاذا تحقق
الامران معا تحقق مالكية المسلمين على اساس تحقق الاثر بتحقق
موضوعه ،و الفرض تحققهما فيما نحن فيه ،غاية الامر ان الاول
متحقق بالوجدان ،و الثاني متحقق بالتعبد ،و بضم الوجدان الى
التعبد يتحقق الموضوع .

و كذا لا مانع من جريان استصحاب عدم تحقق الفتح خارجا
الى زمان تحقق تشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال ،و بذلك
يتحقق موضوع مالكية الامام ( ع ) على اساس ان موضوعها مركب
من امرين :

احدهما :تشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال .

و الأخر عدم تحقق الفتح خارجا من قبل المسلمين ،و الفرض
ان الاول محرز بالوجدان ،و الثاني بالتعبد ،و بضم الوجدان الى
التعبد يلتثم الموضوع المركب و يترتب عليه اثره .

و بما انه لا يمكن ان تكون الارض الواحدة داخلة في نطاق
ملكية الامام ( ع ) و المسلمين معا ،لاستحالة اجتماع ملكيتين على
مملوك واحد في زمن فارد فلا محالة تقع المعارضة بين الاستصحابين

--( 204 )--

المزبورين فيسقطان معا ،فعندئذ كما انه لا دليل على كون تلك
الارض داخلة في ملكية الامام ( ع ) كذلك لا دليل على كونها
داخلة في ملكية المسلمين ،فاذن لا مانع من الرجوع الى الاصل
الموضوعي -و هو استصحاب عدم وجود رب لها -فانه ينقح موضوع
النص القائل .( كل ارض لا رب لها فهي للإمام ) ( ع ) حيث انها
بذلك تدخل في الارض التي لا ربّ لها .

و اما الصورة الثانية :و هي ما اذا كان التوقيت التاريخي لتشريع
مالكية الامام ( ع ) للأنفال معلوما .و اما التوقيت التاريخي للفتح
كان مجهولا ففي جريان الاستصحاب فيها ،و عدمه ،او التفصيل بين
المجهول تاريخه و المعلوم فيجري في الاول دون الثاني ؟اقوال :

قد اختار المحقق صاحب الكفاية ( قده ) عدم جريانه مطلقا ،
لا في المعلوم تاريخه ،و لا في المجهول

اما في الاول :فلعدم الشك فيه .

و اما في الثاني :فلعدم احراز اتصال زمان الشك فيه بزمان اليقين .

و ذهب جماعة :الى القول بالتفصيل بينهما فقالوا بجريانه في
المجهول تاريخه دون المعلوم :

و في مقابل ذلك :قد اختار جماعة من المحققين :منهم سيدنا
الاستاذ دام ظله جريانه فيهما معا بلا فرق بين المجهول تاريخه
و المعلوم الا انهما يسقطان من ناحية المعارضة كما هو الحال في
مجهول التاريخ .

و الصحيح :هو هذا القول ،دون القولين السابقين ،فلنا دعويان :

الاولى :عدم صحة القولين السابقين .

الثانية :صحة هذا القول .

--( 205 )--

اما الدعوى الاولى :فلان ما ذكروه -من عدم جريان
الاستصحاب في المعلوم تاريخه -فيرد عليه انه مبنى على اساس جريانه
فيه بحسب عمود الزمان و امتداده ،و حيث لا شك فيه من هذه
الناحية فبطبيعة الحال لا يجرى الاستصحاب فيه .و لكن من الواضح
ان الكلام في جريان الاستصحاب فيه ليس من تلك الناحية ،و انما
هو من ناحية اضافته الى حادث آخر ،و بما ان زمان حدوث
الحادث الاخر مجهول لنا واقعا على الفرض فلا محالة يكون حدوث
هذا الحادث فيه مجهولا أيضا ،فانه زمان شكه .و عليه فلا مانع
من استصحاب عدم حدوثه الى زمان حدوث الآخر ،و يترتب عليه
اثره ،لفرض ان الاثر انما هو مترتب على حدوثه الخاص -و هو حدوثه
في زمان الاخر نفيا او اثباتا -لا على مطلق حدوثه .

فالنتيجة انه لا فرق بين المعلوم تاريخه و المجهول من هذه الجهة اصلا .

و اما ما ذكره صاحب الكفاية ( قده ) :بالاضافة الى عدم
جريانه في المجهول تاريخه فقد اشرنا الى ما فيه آنفا

و من ذلك يظهر حال القول بالتفصيل بين المعلوم تاريخه و المجهول
بعدم جريانه في الاول و جريانه في الثاني .

و اما الدعوى الثانية :فلان تاريخ تشريع مالكية الامام ( ع )
للأنفال و إن كان معلوما بحسب امتداد الزمان الا انه مجهول بالاضافة
الى زمان حدوث الحادث الاخر -و هو الفتح خارجا -و عليه فلا
مانع من استصحاب عدم حدوثه الى زمان حدوث الاخر على اساس
ان زمان شكه هو زمان حدوثه و هو مجهول على الفرض ،الا انه
لا يجري من ناحية معارضته باستصحاب عدم تحقق الفتح خارجا
الى زمان تشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال .

--( 206 )--

فالنتيجة :انه لا فرق بين هذه الصورة و الصورة المتقدمة اصلا
و من ذلك يظهر حكم الصورة الثالثة .

ثم لا يخفى :ان ما ذكرناه -من جريان الاصول في تلك
الصور الثلاث في نفسها ،او عدم جريانها فيها رأسا ،او التفصيل -
انما هو يقوم على اساس ان يكون اثر شرعي لتحقق كل من الحادثين في زمان
الآخر في نفسه ،و اما فيما اذا لم يكن اثر شرعي لتحقق احدهما
في زمان الآخر فلا تأتي الصور المذكورة لعدم موضوع لها في
هذا الفرض .و بما ان فيما نحن فيه لا اثر لأحدهما في زمان
الاخر فلا مجال للبحث المزبور .

و ذلك لما قدمناه أنفا :من ان نصوص مالكية المسلمين تحكم
بان الارض الموات -اذا انتزعت من سيطرة الكفار عنوة و بهراقة
دم -ملك عام لهم ،و لا يمكن ان تعارضها نصوص مالكية
الامام ( ع ) ،لما عرفنا من انها قاصرة عن شمول تلك الارض
الموات ،او محكومة بها .

و عليه :فلا اثر لتشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال في زمان
تحقق الفتح خارجا كي يمكن التمسك باستصحاب عدم تحققه في
زمانه اذا شك فيه .

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان البحث عن جريان الاستصحاب
في الصور المزبورة و عدم جريانه هنا لا يتعدى عن مرحلة التقدير
و الفرض بدون واقع موضوعي له

--( 207 )--

نتيجة هذا البحث عدة نقاط :


الاولى :ان الارض الموات اذا انتزعت من سيطرة الكفار فهي
تصبح ملكا عاما للامة اذا كان الانتزاع قبل نزول آية الانفال بناء
على ما قويناه من ان صدق الغنيمة لا يتوقف على ان يكون المال
المأخوذ من الكافر عنوة ملكا له او متعلقا لحقه ،بل تصدق على
مطلق المأخوذ من يده و سيطرته خارجا و ان لم تكن له علاقة به ،
لا على مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق .

الثانية :انها اذا انتزعت من سيطرتهم بعد نزول الآية فعندئذ
ربما قيل :انها ملك للإمام ( ع ) لا للمسلمين و قد ذكر في وجه
ذلك ان نصوص مالكية المسلمين لا يمكن ان تتعارض مع نصوص
مالكية الامام ( ع ) و على تقدير المعارضة فالترجيح انما هو لنصوص
مالكية الامام ( ع ) .و لكن قد عرفت ان الامر بالعكس و ان
نصوص مالكية الامام ( ع ) لا يمكن ان تتعارض مع نصوص
مالكية المسلمين ،و من هنا قلنا ان الارض المزبورة في هذه الصورة
ملك عام للمسلمين ،لا للإمام ( ع ) .

الثالثة قيل :ان نقطة المعارضة بين هاتين المجموعتين من
النصوص انما هي في كلمة اللام باعتبار انها بطبيعتها تدل على
الاختصاص الجامع بين الملك و الحق و باطلاقها تدل على الاختصاص
الخاص -و هو الاختصاص الملكي -و بما ان التنافي بينهما انما هو
في اطلاق اللام في كل من المجموعتين فيسقط الاطلاقان و يبقى
اصل الدلالة على الاختصاص .و لكن قد تقدم منا نقد ذلك بشكل موسع .

--( 208 )--

الرابعة :بناء على ضوء ما ذكرناه من ان نصوص مالكية الامام ( ع )
لا يمكن ان تتعارض مع نصوص مالكية المسلمين في مورد الالتقاء
و الاجتماع لا اثر للجهل بتاريخ كل من الحادثين في المقام او تاريخ
احدهما دون الآخر اصلا .

المرحلة الثانية :

و هي ما اذا كانت الارض المأخوذة من الكفار عنوة عامرة .

فالكلام فيها :

تارة :يفرض فيما اذا كان عمرانها متقدما زمنيا على نزول
آية الانفال .

و أخرى :فيما اذا كان متأخرا عنه .

و ثالثة :فيما اذا كان تاريخه الزمني مجهولا .

أما الكلام في الفرض الاول :فلا شبهة في ان الأرض المذكورة
ملك عام للمسلمين ،و لا خلاف في ذلك بين الأصحاب قديما
و حديثا .و تدل على ذلك :عدة من الروايات :

منها :الروايتان المتقدمتان ،فان قوله ( ع ) فيهما ( و ما أخذ
بالسيف فذلك الى الامام ) يدل على ذلك بالاطلاق .

و منها :صحيحة الحلبي قال :سئل أبو عبد اللّه ( ع ) عن السواد
ما منزلته :( فقال :هو لجميع المسلمين لمن هو اليوم ،و لمن يدخل
في الإسلام بعد اليوم ،و لمن لم يخلق بعد الحديث ) - 1 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 18 من أبواب احياء الموات الحديث 1


--( 209 )--

فانها نص في ان الارض السواد ملك عام للمسلمين على نحو
القضية الحقيقية ،و المراد من السواد هو الارض العامرة حين الفتح

ثم ان مقتضى اطلاق هذه الصحيحة عدم الفرق بين كون عمران
الارض طبيعيا كالغابات و امثالها ،او كان بشريا اي -بقيام انسان
باعمارها و احيائها -و لا وجه لتخصيص الصحيحة بخصوص الصورة الثانية .

فما عن جماعة -من ان الارض العامرة طبيعيا حال الفتح
داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) باعتبار انها تدخل في النصوص
القائلة :( كل ارض لا رب لها فهي للإمام ) ( ع ) و من الطبيعي
ان الغابات او ما شاكلها مما لا ربّ لها .

و بكلمة اخرى :ان الارض التي لا ربّ لها لا تخلو من ان تكون
مواتا طبيعيا او تكون عامرة كذلك اي -من دون تدخّل اي
انسان في عمرانها و احيائها نهائيا -كالغابات الاصلية إلي استمدت
حياتها من الطبيعة ،لا من انسان ،و لا ثالث لهما -خاطئ جدا ،
و ذلك لان الغابات على نوعين :

احدهما :انها دخلت دار الإسلام بغير حرب مسلح .

و الآخر :انها دخلت دار الإسلام بالحرب المسلح .

فالاولى :ملك عدم للإمام ( ع ) .

و الثانية :ملك عام للمسلمين بمقتضى اطلاق النصوص المتقدمة
و لا يمكن ان تعارضها نصوص مالكية الامام ( ع ) التي جاءت بهذا
النص ( كل ارض لا رب لها فهي للإمام ) ( ع ) فانها بحد نفسها
حاكمة عليها و تجعل المسلمين ربّا لها .

و اما الكلام في الفرض الثاني -و هو ما اذا كان عمران الارض
متأخرا زمنيا عن التوقيت التاريخي لنزول آية الانفال -فقد ذكر

--( 210 )--

ان الارض المفتوحة عنوة للإمام ( ع ) و لا يملكها المسلمون
باخذها و فتحها من الكفار .

و ذكر صاحب الجواهر ( قده ) في بحث الخمس ما نصه :

نعم لا يعتبر فيما له ( ع ) من الموات بقائه على صفة الموات
للأصل ،و ظاهر صحيح الكابلي السابق فلو اتفق حينئذ احيائه كان
له ( ع ) أيضا من غير فرق بين المسلمين و الكفار الا مع اذنه ،
و اطلاق الاصحاب و الاخبار ملكية عامر الارض المفتوحة عنوة للمسلمين
يراد به ما احياء الكفار من الموات قبل ان جعل اللّه الانفال
لنبيه ( ص ) و الا فهو له ( ع ) أيضا و ان كان معمورا وقت الفتح .

و لكن كلامه ( قده ) في كتاب احياء الموات مخالف لكلامه
هذا ،حيث قال :هناك ما نصه : «كل ذلك مضافا الى ما يمكن
القطع به من ملك المسلمين ما يفتحونه عنوة من العامر في ايدي
الكفار و ان كان قد ملكوه بالاحياء ،و لو ان احيائهم فاسد لعدم
الاذن لوجب ان يكون على ملك الامام ( ع ) و لا أظن احدا يلتزم
به .مضافا الى قوله بتملك الكافر حال الغيبة ،مع انه لا تفصيل
في النصوص ».

فان كلامه -هذا :صريح في تملك الكافر لرقبة الارض الموات
بالقيام بعملية الاحياء و العمارة بعد التوقيت الزمني لنزول آية الانفال

و كيف كان :فهذا القول أي -القول بعدم تملك المسلمين
الارض العامرة التي يرجع تاريخ عمرانها الى ما بعد تاريخ نزول
الآية -يرتكز على اساس نقطتين :

الاولى :ان الكافر لا يملك الارض الموات بعملية الاحياء بعد
تشريع ملكية الامام ( ع ) للأنفال .

--( 211 )--

الثانية :ان ملكية المسلمين للأرض المأخوذة من يد الكفار
عنوة و قهرا انما هي فيما اذا لم تكن داخلة في ملكية الامام ( ع )

اما النقطة الاولى :فقد يناقش فيها بان مقتضى مجموعة من
النصوص انه لا فرق فيمن يقوم بعملية الاحياء بين كونه مسلما او
كافرا ،فكما ان احياء الاول يورث الحق ،فكذلك احياء الثاني .

منها :صحيحة محمد بن مسلم قال :سألته عن الشراء من
ارض اليهود او النصارى قال :( ليس به بأس الى ان قال :و ايما
قوم احيوا شيئا من الارض و عملوه فهم احق بها و هي لهم ) فانها
تدل بوضوح على ان عملية الاحياء توجب تملك الكافر .

و منها :صحيحة سليمان بن خالد قال سألت ابا عبد اللّه ( ع )
عن الرجل يأتي الارض الخربة فيستخرجها ،و يجري انهارها ،
و يعمرها ،و يزرعها ما ذا عليه قال :عليه الصدقة ) .

و منها :صحيحة محمد بن مسلم قال :سمعت أبا جعفر ( ع )
يقول :( ايما قوم احيوا شيئا من الارض و عمروها فهم احق بها
و هي احق لهم ) .

و منها :صحيحة الفضلاء عن أبي جعفر ( ع ) قال رسول اللّه ( ص ) :
( من أحيا ارضا مواتا فهي له ) - 1 - .

فهذه الروايات تدل بوضوح على ان عملية الاحياء سبب للملك
مطلقا بلا فرق بين كون المحيى مسلما او كافرا ،كما انه لا فرق
بين كون القيام بعملية الاحياء قبل تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع )
او بعده .هذا .

و قد تقدم منا :في ضمن البحوث السالفة امران :

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 1 من ابواب احياء الموات الحديث 1 ،2 ،4 ،5


--( 212 )--

احدهما :انه لا بد من رفع اليد عن ظهور هذه المجموعة من
النصوص في كون عملية الاحياء موجبة لصلة المحيى بالارض على
مستوى الملك ،و حملها على انها توجب صلته بها على مستوى الحق ،
لقيام قرينة على ذلك .

و الآخر :قد تقدم منّا بشكل موسع ان الارض الموات بما انها
ملك للإمام ( ع ) فبطبيعة الحال يتوقف جواز التصرف فيها باحياء
و نحوه على اذنه ( ع ) هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :قد عرفت انه لم يدلنا دليل على ان الامام ( ع )
قد اذن بالتصرف فيها باحياء و نحوه لكل فرد و ان لم يكن مسلما ،
بل يظهر من صحيحة الكابلي المتقدمة اناطة جواز التصرف فيها للمسلم
بتأدية الخراج و الاجرة الى الامام ( ع ) لا مطلقا ،كما عرفت .

و من ناحية ثالثة :قد صرح في صحيحة أبي سيار مسمع بن
عبد الملك المتقدمة على حلية تصرف الشيعة فيها و حرمة تصرف
غيرهم بقوله ( كل ما كان في ايدي شيعتنا من الارض فهم فيه
محللون و محلل لهم ذلك الى ان يقوم قائمنا فيجيبهم طسق ما كان في
ايديهم و يترك الارض في ايديهم .و اما ما كان في ايدي غيرهم ،فان
كسبهم من الارض حرام عليهم حتى يقوم قائمنا فيأخذ الارض من
ايديهم و يخرجهم منها صفرة ) .

و من ناحية رابعة .قد مرّ بنا ان صحيحة أبي بصير -التي تقدمت في
ضمن البحث عن النقطة الخامسة من احكام الارض الموات -و ان
كانت ظاهرة في تملك الكافر الارض بالاحياء ،الا انه لا يمكن
الاخذ بهذا الظهور مطلقا على تفصيل قد سبق بصورة موسعة .

فالنتيجة :على ضوء هذه النواحي ان هذه النقطة تامة -و هي

--( 213 )--

ان الكافر لا يحصل على علاقة بالارض على اساس قيامه بعملية الاحياء -

و اما النقطة الثانية :فقد تقدم منّا ان نصوص مالكية الامام ( ع )

للأرض الموات تصنّف الى فرقتين :في نهاية المطاف .

احداهما :تقول :ان كل ارض لا رب لها فهي للإمام ( ع )
و الاخرى :تقول :ان الارض الخربة التي لم يوجف عليها بخيل
و لا ركاب فهي للإمام ( ع ) .

اما الفرقة الاولى فقد سبق انها لا يمكن ان تعارض نصوص
مالكية المسلمين في مورد الالتقاء و الاجتماع ،على اساس ان تلك
النصوص تجعل المسلمين ربا لها و تحكم عليها .

و اما الفرقة الثانية :فقد سبق انها أيضا لا يمكن ان تعارض
نصوص مالكية المسلمين لتقييد موضوعها بالارض التي لم يوجف عليها
بخيل و لا ركاب ،فلا تشمل الارض التي تؤخذ منهم بالخيل و الركاب .

و قد تحصل من ذلك :ان هذه النقطة خاطئة .

و يترتب على ذلك کان القول بعدم ملكية المسلمين للأرض
المفتوحة عنوة التي يرجع تاريخ عمرانها الى ما بعد تاريخ تشريع
ملكية الانفال للإمام ( ع ) غير تام .فالصحيح ان المسلمين يملكون
الارض المذكورة لمكان اطلاق نصوص مالكيتهم ،و عدم ما يصلح ان
يكون معارضا لها .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان الارض المفتوحة عنوة و بالجهاد
المسلح ملك عام للمسلمين من دون فرق بين ان يرجع تاريخ عمرانها
الى ما قبل تاريخ نزول آية الانفال ،او الى ما بعد نزولها .

بقى هنا شي‏ء :و هو ان الكافر يملك الارض الموات بعملية
الاحياء و العمران اذا كان تاريخه الزمني متقدما على التاريخ الزمني

--( 214 )--

لتشريع ملكية الامام ( ع ) للأنفال .و اما اذا كان متأخرا عنه
فهي لا توجب علاقته بها على مستوى الحق فضلا عن الملك على
ضوء ما استظهرناه من مجموعة من نصوص الباب .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :اذا افترضنا ان احياء الكافر الارض يورثه
حقا فيها ،و ان كان لا يورثه ملكا -بان ظلّت رقبة الارض ملكا
للإمام ( ع ) -فهل عندئذ يوجب فتح المسلمين الارض بعنوة انتقال
هذا الحق من الكافر الى الامة فتكون الارض حقا عاما للمسلمين رغم
ان الرقبة ظلّت في ملكية الامام ( ع ) ؟فيه وجهان :

قيل بالوجه الاول :بدعوى ان الفتح خارجا يوجب انتقال
ما للكافر من العلاقة الى الامة ،سواء أ كانت على مستوى الملك أم
كانت على مستوى الحق .

و لكن لا يمكن المساعدة عليه .

و النكتة فيه :ان مدلول نصوص الارض الخراجية لدى العرف
هو ملكيتها للمسلمين يعني -انها تدل عرفا على ان الارض بالفتح
تصبح ملكا عاما للامة -و اما اذا افترضنا ان رقبة الارض التي هي باقية في
ملكية الامام ( ع ) كانت متعلقة لحق الكافر فلا تدل النصوص على
انتقال هذا الحق الى المسلمين فحسب بسبب فتحها خارجا ،فان
مدلولها كما عرفت ملكية الارض للامة ،فاذا فرض عدم امكان
الاخذ بمدلولها العرفي فليست لها دلالة اخرى -و هي الدلالة على
انتقال الحق المزبور اليهم -و الفرض عدم دليل آخر على ذلك .

نعم لو دلت هذه النصوص على ان بالفتح يثبت للمسلمين ما كان
للكافر من العلاقة لتمّ ما عرفت ،الا ان الامر ليس كذلك فان
مدلولها ثبوت ملكية الارض للامة بالفتح عنوة ،سواء أ كانت للكافر

--( 215 )--

علاقة بها على مستوى الملك او الحق أم لم تكن ،بل كانت تحت
استيلائه خارجا و سيطرته فحسب .و عليه فلا يتم ذلك اصلا .

فالنتيجة :ان هذه الفرضية ساقطة و لا مدرك لها .

فالصحيح ما ذكرناه من ان النصوص المزبورة تدل على ملكية
الارض العامرة -للمسلمين -بالفتح عنوة ،و مقتضى اطلاقها عدم الفرق
بين ان يرجع تاريخ عمرانها الى ما قبل تاريخ نزول الآية او الى
ما بعده ،كما انها تدل على ان السبب الوحيد لكون الارض ملكا
عاما للامة هو فتحها من قبلهم بالجهاد المسلح و هراقة الدماء .

و اما الكلام في الفرض الثالث : -و هو ما اذا كان التاريخ
الزمني للعمران مجهولا بالاضافة الى نزول الآية -فقد ظهر حاله مما
تقدم منا في الفرضين الاولين ،اذ بعد ما تبيّن لكم ان الارض
العامرة المفتوحة عنوة داخلة في نطاق ملكية المسلمين ،سواء أ كان
تاريخ عمرانها متقدما زمنيا على تاريخ نزول الآية أم كان متأخرا
عنه لا يبقى اي اثر للجهل بتاريخهما معا او تاريخ احدهما دون
الآخر اصلا .

نعم اذا افترضنا :ان عمران الارض المفتوحة عنوة اذا كان
متأخرا عن نزول الآية فهي ليست داخلة في ملكية المسلمين ،بل
ظلّت رقبتها في نطاق ملكية الامام ( ع ) فعندئذ كان للجهل
المزبور اثر .

بيان ذلك :انه على ضوء هذه الفرضية يجري الاستصحاب في
كل من الحادثين في نفسه من دون فرق بين الجهل بتاريخهما معا ،
او بتاريخ احدهما دون الآخر ،بناء على ما هو الصحيح من عدم
الفرق بينهما من هذه الناحية ،فيجري استصحاب بقاء الارض

--( 216 )--

المفتوحة عنوة على صفة الموات الى زمان نزول الآية ،و به يثبت موضوع ملكية
الامام ( ع ) لها ،فان نزول الآية محرز بالوجدان ،و موات الارض
الى زمان نزولها محرز بالتعبد ،و بذلك ينقح الموضوع ،و يترتب
عليه اثره .

و نتيجة هذا الاستصحاب ان الارض المزبورة ملك للإمام ( ع ) .

و لكن هذا الاستصحاب معارض باستصحاب عدم نزول الآية الى
زمان احياء الكافر الارض و قيامه بعمرانها ،فان احيائه لها محرز
بالوجدان ،و انما الشك في نزول الآية في زمان احيائها ،فيجري
استصحاب عدم نزولها الى هذا الزمان ،و بضمه الى الاحياء يتحقق
موضوع ملكية الكافر لها ،فان موضوعها مركب من امرين :احياء
الارض ،و عدم تشريع ملكيتها للإمام ( ع ) في زمان احيائها ،
و الاول محرز بالوجدان ،و الثاني بالتعبد ،فيحكم بكونها ملكا
للكافر بضم هذا الاستصحاب الموضوعي الى ما هو متحقق بالوجدان

و بما انه لا يمكن الجمع بين هذين الاستصحابين على اساس ان
مقتضى الاول كون الارض ملكا للإمام ( ع ) و مقتضى الثاني
كونها ملكا لمن قام باحيائها -و هو الكافر في مفروض الكلام -
فبطبيعة الحال يسقطان معا .

فالنتيجة في نهاية المطاف ان الارض العامرة المفتوحة عنوة
المجهول تاريخ عمرانها بالاضافة الى زمان نزول الآية لم يثبت كونها
ملكا للمسلمين و لا للإمام ( ع ) و لكن حينئذ لا مانع من الرجوع
الى العام الفوقي و هو النص القائل بان كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ( ع ) بضم الاصل الموضوعي اليه -و هو استصحاب عدم وجود
ربّ لها -فانه ينقح موضوع هذا النص و يثبت بانها تدخل في الارض

--( 217 )--

التي لا رب لها .

نتيجة هذا البحث عدة نقاط


الاولى :ان الارض العامرة اذا فتحت بهجوم من قبل المسلمين
مسلحا فهي ملك عام للامة من دون فرق بين كون تاريخ عمرانها
متقدما زمنيا على تاريخ نزول الآية ،او متأخرا عنه ،فما عن
جماعة من انها ملك للإمام ( ع ) فيما اذا كان تاريخ عمرانها متأخرا
عن نزول الآية لا يقوم على اساس صحيح .

الثانية انه لا فرق في ذلك بين كون عمرانها بشريا اي -بقيام
انسان باحيائها و عمرانها او طبيعيا كالغابات الاصلية التي استمدت
حياتها من الطبيعة .

و ما قيل : -من ان الغابات ملك للإمام ( ع ) لدخولها في
الارض التي لا ربّ لها -لا يرتكز على اساس صحيح ،لحكومة
نصوص مالكية المسلمين عليها .

الثالثة :ان ما قيل -من ان الفتح خارجا من قبل المسلمين
يوجب انتقال ما للكافر من العلاقة الى الامة ،سواء أ كانت على مستوى
الملك أم كانت على مستوى الحق -فقد تقدم انه لا يمكن الاخذ به
لما عرفت من ان مفاد نصوص الاراضي الخراجية لدى العرف هو
ملكية الارض للمسلمين بسبب الفتح و ان لم تكن للكافر علاقة بها
و ليس مفادها انتقال نفس ما للكافر من العلاقة الى الامة .

الرابعة :انه لا اثر للجهل بتاريخ عمران الارض بالاضافة الى
تاريخ نزول الآية اصلا كما عرفنا بشكل موسع .

--( 218 )--

بحث عن عدة نقاط ترتبط
بالارض المفتوحة عنوة


النقطة الاولى :

هل تشمل فريضة الخمس الارض المفتوحة عنوة
او انها ملك عام للمسلمين بدون استثناء الخمس منها ؟فيه قولان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب هو القول الاول ،بل يظهر من
صاحب المدارك ( قده ) اجماع المسلمين عليه .

و تدل عليه -مضافا الى قوله تعالى «و اعملوا انما غنمتم من
شي‏ء فان للّه خمسه و للرسول و لذى القربى »الآية -عدة من النصوص :

منها :صحيحة عبد اللّه بن سنان قال :سمعت أبا عبد اللّه ( ع )
( يقول ليس الخمس الا في الغنائم خاصة ) - 1 - .

و منها :صحيحة عمار بن مروان قال :سمعت أبا عبد اللّه ( ع )
( يقول فيما يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط
بالحرام اذا لم يعرف صاحبه و الكنوز الخمس - 2 - .

و منها :رواية ابن أبي عمير عن غير واحد عن أبي عبد اللّه ( ع )
قال :( الخمس على خمسة اشياء على الكنوز ،و المعادن ،و الغوص
و الغنيمة ،و نسى ابن أبي عمير الخامس ) - 3 - .

فانها ضعيفة سندا بجعفر الهمداني حيث لم يثبت توثيقه ،و عليه

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6 .



---------------

( 3 ) الوسائل ج 6 الباب 2 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 7 .


--( 219 )--

فلا يمكن الاستدلال بها على حكم المسألة الا تأييدا .

و منها :رواية أبي بصير عن أبي جعفر ( ع ) قال :( كل
شي‏ء قوتل على شهادة ان لا إله الا اللّه و ان محمدا رسول اللّه ( ص )
فان لنا خمسه ،و لا يحل لأحد ان يشتري من الخمس شيئا حتى
يصل إلينا حقنا ) - 1 - .

و هذه الرواية أيضا ضعيفة سندا بعلي بن أبي حمزة فلا يمكن
الاستدلال بها .نعم لا باس بجعلها مؤيدة لحكم المسألة .

فالنتيجة :ان الصحيح من تلك الروايات هو الرواية الاولى
دون غيرها ،و هي تكفي في المسألة على اساس انها تشمل الارض
المفتوحة عنوة باطلاقها .

و اما القول الثاني : -و هو عدم وجوب الخمس فيها -فقد
نسب الى جماعة :منهم صاحب الحدائق ( قده ) حيث انه قد انكر
على الاصحاب التعميم ،و قصر الخمس على الغنائم المنقولة ،دون
غيرها كالأراضي و المساكن ،و استظهر ذلك من امرين :

احدهما :الروايات المشتملة على تقسيم الغنائم اخماسا كما
في بعضها ،و اسداسا كما في بعضها الآخر ،فان اشتمالها على التقسيم
بنفسه يكون قرينة على اختصاصها بالمنقول ،و لا تشمل غيره
كالأرض ،نظرا الى انها لا تقسم بين الغانمين على اساس انها ملك
عام للمسلمين .

و فيه ان الروايات الدالة علي تعلق الخمس بالغنيمة لا تنحصر
بالروايات المشتملة على التقسيم ،فان ما يشتمل عليه هو بعضها
دون الجميع ،كما مرّت الاشارة الى جملة مما لا تشتمل عليه .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 5 .


--( 220 )--

و الاخر :ان الروايات الواردة لبيان احكام الاراضي الخراجية
لم يتعرض شي‏ء منها لوجوب الخمس فيها رغم تعرضها لوجوب الزكاة

و فيه :ما سيأتي من ان مجرد عدم تعرضها لوجوب الخمس
لا يكون دليلا على عدم وجوبه .

و من هنا الصحيح :هو القول الاول ،و ذلك لوجهين :

الاول :اطلاق الآية الكريمة المتقدمة ،حيث لا شبهة في شمولها
للأراضي المفتوحة عنوة .

الثاني :اطلاق مجموعة من النصوص السالفة .

و قد تواجه الاستدلال بكل منهما عدة اشكالات و شكوك فعلينا
ان ندفع تلك الاشكالات و الشكوك نهائيا .

الاول :ان عنوان الغنيمة في الآية الكريمة قد فسرّ في صحيحة
ابن مهزيار بالفائدة التي يستفيدها المرء ،و على اساس هذا التفسير
يكون الموضوع في الآية عبارة عن الفوائد المالية الشخصية ،و نصوص
ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة تخرجها عن كونها فائدة
شخصية فلا يصدق عليها عنوان الغنيمة بالمعنى المفسر في الصحيحة
فلا يبقى حينئذ للآية اطلاق تشمل الارض المفتوحة عنوة .

و الجواب عنه :ان هذا التفسير لا ينافي اطلاق الآية و شمولها
للأرض فيما نحن فيه ،و لا يوجب حكومة نصوص مالكية المسلمين
عليها ،و ذلك لان هذا التفسير في الصحيحة للإشارة الى ان الغنيمة
في الآية الكريمة انما هي بمعناها اللغوي و العرفي -و هو ما يغنمه
المرء و يفيده -و من الطبيعي انه لا مانع من ان يرجع ما يفيده المرء
و يغنمه الى غيره أيضا كالأرض المفتوحة عنوة فانها غنيمة و فائدة جزما
يغنمها المرء و يفيدها رغم انها لا ترجع الى خصوص الغانمين ،بل

--( 221 )--

الى عموم المسلمين منهم الغانمين :على اساس انه يصدق على كل
منهم عنوان المغنم المفيد ،و عليه فقوله ( ع ) في الصحيحة ( فالغنائم
و الفوائد يرحمك اللّه فهي الغنيمة يغنمها المرء و الفائدة يفيدها )
يصدق على كل من الغانمين للأرض على ضوء ما سنشير اليه في
ضمن البحوث القادمة من ان الارض المزبورة ملك لآحاد المسلمين
على سبيل الاشاعة

نعم لو كانت الارض ملكا لطبيعي الأمة لم تشملها الآية الكريمة
على اساس انه لا يصدق عنوان المفيد و المستفيد على كل من استولى
عليها بعنوة و هراقة دم ،مع ان ظاهر الآية هو ان المستولين هم
الغانمون و المستفيدون ،و هذا بخلاف ما اذا كانت ملكا لآحاد الأمة
فانه على هذا يصدق عنوان المفيد و المستفيد على كل من استولى عليها
بعنوة ،غاية الامر ان ما استولى عليه كذلك قد يرجع تمامه اليه
كما اذا كان منقولا ،و قد يرجع اليه بعضه مشاعا ،كما اذا كان
غير منقول كالأرض ،كل ذلك لا يوجب التفاوت في صدق العنوان
المزبور عليه .و لعل القول بعدم شمول الآية للأرض المفتوحة عنوة
مبنى على اساس القول بملكيتها للطبيعي ،لا للأفراد .

قد يقال :ان هذا التفسير لا يوجب حصر موضوع وجوب الخمس
في الآية بهذا المورد ،فانه تفسير لبعض مصاديق الغنيمة -و هو
الذي يرجع الى المستفيد خاصة -لا انه تفسير للغنيمة بما لها من
المفهوم العرفي التي هي الموضوع لوجوب الخمس في الآية ،ضرورة
انها بهذا المعنى العرفي تصدق على الارض المفتوحة عنوة هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان هذا الاشكال لو تم فانما يتم بالاضافة
الى الاية ،و اما بالاضافة الى النصوص المتقدمة فهو غير تام ضرورة

--( 222 )--

ان التفسير المزبور لا يمنع عن التمسك باطلاق تلك النصوص ،
و لا يصلح ان يكون قرينة على ان المراد من الغنيمة فيها أيضا هو
الغنيمة بالمعنى المفسر في الصحيحة .

و لكن هذه المقالة مما لا يمكن الاخذ بها ،و ذلك لأنا لو سلمنا
ان الصحيحة قد فسرّت الغنيمة بالفائدة المزبورة و جعلت الغنيمة
بهذا المعنى موضوعا لوجوب الخمس لا مطلقا رغم انها كانت في مقام
بيان ما يتعلق به الخمس ،فحينئذ لو كان موضوع وجوب الخمس
مطلق الفائدة ،لا خصوص الفائدة المذكورة لكان تخصيص الصحيحة
موضوعه بحصة خاصة منها -و هي الفائدة الراجعة الى المستفيد خاصة -
لغوا ،فان ظاهر تقييد الفائدة في الصحيحة بالفائدة المزبورة هو
ان الحكم لم يثبت لطبيعي الفائدة و الا لم يكن اثر للتقييد ،و هو
خلاف الظاهر .

و عليه فتكون الصحيحة قرينة على تقييد اطلاق الآية ،كما
تكون قرينة على تقييد اطلاق النصوص المشار اليها آنفا .

نعم بناء على ما هو المشهور بين الاصحاب من عدم صحة حمل
المطلق على المقيد في امثال الموارد لكانت المقالة المزبورة تامة و في محلها .

الثاني :ان مجموعة من الروايات الواردة في تقسيم الغنائم
قرينة عرفا على ان المراد من الغنيمة في الآية و النصوص هو الغنائم
المنقولة ،دون غير المنقولة كالأرض و نحوها .

منها صحيحة ربعي بن عبد اللّه بن الجارود عن أبي عبد اللّه ( ع )
قال :( كان رسول اللّه ( ص ) اذا أتاه المغنم اخذ صفوه و كان
ذلك له ،ثم يقسم ما بقى خمسة اخماس ) الحديث - 1 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث 3 .


--( 223 )--

و منها :مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن العبد
الصالح ( ع ) قال :( الخمس من خمسة اشياء من الغنائم ،
و الغوص ،و من الكنوز ،و من المعادن ،و الملاحة يؤخذ من كل
هذه الصنوف الخمس ،فيجعل لمن جعله اللّه له ،و يقسم الاربعة
الاخماس بين من قاتل عليه و ولى ذلك ) الحديث - 1 - .

و منها :صحيحة معاوية بن وهب قال :قلت لأبي عبد اللّه ( ع )
السرية يبعثها الامام فيصيبون غنائم كيف يقسم ،قال :( ان قاتلوا
عليها مع أمير أمّره الامام عليهم اخرج منها الخمس للّه و للرسول ،
و قسم بينهم اربعة اخماس ) الحديث - 2 - .

و الجواب عن ذلك :ان تلك الروايات لا تصلح لدى العرف ان
تكون قرينة على ان المراد من الغنيمة في الآية و النصوص المتقدمة
خصوص الغنائم المنقولة ،دون الاعم

و النكتة فيه :ان اشتمال تلك الروايات على التقسيم انما هو
قرينة على اختصاصها بالغنائم المنقولة ،لا غيرها مما لا تشتمل عليه .

و ان شئت قلت :ان تخصيص الغنائم بخصوص الغنائم المنقولة
بحاجة الى قرينة ،و هي متوفرة في الروايات المزبورة على اساس
اشتمالها على التقسيم ،و غير متوفرة في الآية و النصوص السابقة على
اساس عدم اشتمالهما عليه من ناحية ،و عدم صلاحية تلك الروايات
لان تكون قرينة على ذلك من ناحية اخرى ،فاذن ما هو المبرّر
لرفع اليد عن ظهورهما في العموم ؟ !.

و من هنا قلنا :انه لا وجه لاستظهار صاحب الحدائق ( قده )

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب قسمة الخمس الحديث 8 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 11 الباب 1 من ابواب الانفال و ما يختص بالامام الحديث 3 .


--( 224 )--

من تلك النصوص اختصاص وجوب الخمس بالغنائم المنقولة خاصة

فالنتيجة لحد الان :انه لا مانع من التمسك بعموم الآية
و النصوص الماضية لوجوب الخمس في الارض المفتوحة عنوة .

الثالث :ان الروايات الواردة لبيان احكام الاراضي الخراجية
لم يتعرض في شي‏ء منها وجوب الخمس .و من الطبيعي ان سكوت
تلك الروايات رغم كونها في مقام بيان ما يتعلق بتلك الاراضي
من الاحكام و الآثار دليل على عدم وجوبه .

و الجواب عن ذلك :انه لا بد من النظر في تلك الروايات ،و هي
تصنّف الى مجموعتين :

الاولى :ما كانت في مقام بيان ان الاراضي الخراجية ملك
عام للمسلمين .

الثانية :ما كانت في مقام بيان ما يتعلق بتلك الاراضي من الاحكام

اما المجموعة الاولى : -و هي التي اشرنا الى عمدة منها آنفا -
فهي انما كانت في مقام بيان مالكية المسلمين للأرض المغنومة في
مقابل الغنائم المنقولة -التي هي ملك خاص للمقاتلين و تقسّم بينهم -
و لا تنظر الى جهة اخرى كتعلق الخمس بها او نحوه اصلا ،لا نفيا
و لا اثباتا ،و لذا لا تنافي ما دل على وجوب الخمس فيها ،كما هو
الحال في غيرها ،فاذن كيف تكون قرينة على تقييد اطلاق
الآية و النصوص .

نعم اذا افترضنا ان لهذه المجموعة اطلاقا تنفي بسببه تعلق الخمس
بها فهل يمكن تقديم اطلاقها على اطلاق الآية او النصوص ،او
يتعين العكس .او تقع المعارضة بينهما و بعد تساقطهما يرجع الى
اصالة عدم وجوب الخمس ؟وجوه :

--( 225 )--

الصحيح :هو الوجه الثاني .

و السبب فيه :ان موضوع هذه المجموعة و ان كان اخص من
موضوع الآية و النصوص فان موضوعها الارض المغنومة خاصة ،
و موضوع الآية و النصوص عنوان الغنيمة الشامل للأرض و غيرها ،
الا ان مجرد كون موضوع احد الدليلين اخص من موضوع دليل
الآخر لا يوجب التقديم ما لم تكن اخصيّته محفوظة في مورد الالتقاء
و الاجتماع ،لان الاخصية انما توجب تقديم الخاص على العام في
مورد الالتقاء و المعارضة اذا كان مورد الخاص منحصرا بهذا المورد
اي -بمورد الالتقاء -و لم يكن له مورد آخر ،

و هذه النكتة :غير متوفرة فيما نحن فيه ،فان موضوع هذه
المجموعة و ان كان اخص من موضوع الآية و النصوص ،الا ان هذه
الاخصية لم تكن محفوظة في مورد الالتقاء بين اطلاقها و اطلاق الآية
و النصوص ،لان مركز الالتقاء و المعارضة بين الاطلاقين انما هو
خمس الارض المغنومة .و اما الاربعة الاخماس الأخر فهي ليست
مركزا للمعارضة بينهما ابدا .

و الوجه فيه واضح :فان مقتضى اطلاق المجموعة ان خمسها
داخل في نطاق ملكية المسلمين كالأربعة اخماسها الأخر ،و مقتضى
الآية و النصوص انه للّه و للرسول و لذي القربى ،و لا معارضة بينهما
في البقية اصلا ،فان المجموعة تدل على انها ملك عام للامة ،
و الآية و النصوص لا تنفيان ذلك ،و من الطبيعي انه لا معارضة بين
ما فيه الدلالة على شي‏ء ،و ما لا دلالة فيه .

و على اساس ذلك :فالنسبة بينها و بين الآية و النصوص عموم من
وجه فان لكل منهما مادة الافتراق ،فمادة افتراق المجموعة الاربعة

--( 226 )--

الاخماس الأخر ،و مادة افتراق الآية و النصوص خمس غير الارض
المغنومة من الغنائم

نعم لو كان لسان تلك المجموعة نفي الخمس عن الارض المغنومة
لكانت النسبة بينها و بين اطلاق الآية و النصوص عموما مطلقا .فان
مفادهما تعلق الخمس بالغنائم مطلقا الشاملة للأرض و غيرها ،و مفاد
المجموعة نفي تعلقه بخصوص الارض المغنومة ،الا ان لسانها ليس
بهذا الشكل ،لما عرفت من ان لسانها ملكية الارض المزبورة
للمسلمين ،و مقتضى اطلاقها ان خمسها أيضا ملك لهم .

نعم لازم ذلك :نفي تعلق الخمس بها ،لوضوح ان ما دل على
ملكية الارض المذكورة للامة الاسلامية مطلقا بالدلالة المطابقية
فبطبيعة الحال يدل بالدلالة الالتزامية على عدم تعلق الخمس بها ،
و بما ان الدلالة المطابقية في المقام معارضة بالعموم من وجه فلا اثر
لملاحظة النسبة بالاضافة الى الدلالة الالتزامية ،فان الدلالة المطابقية
ان ظلّت ظلّت الدلالة الالتزامية أيضا و الا فلا اثر لها لتبعية
الدلالة الالتزامية للدلالة المطابقية حدوثا و بقاء .

و على اساس ذلك :فاطلاق هذه المجموعة و ان امكن ان يعارض
اطلاق النصوص المتقدمة بقطع النظر عن كون اطلاقها معارضا
لإطلاق الآية ،الا انه مع ملاحظة ذلك قد سقط اطلاق المجموعة
عن الاعتبار في مادة الالتقاء و الاجتماع ،لأنه بذلك يدخل في
النصوص التي جاءت على ان المخالف للكتاب غير حجة ،و المراد من
المخالفة اعم من ان تكون على نحو التباين او العموم من وجه ،
كما انه لا فرق بين ان تكون الرواية مخالفة لنص الكتاب ،او
عمومه الوضعي ،او اطلاقه بمعونة مقدمات الحكمة .و عليه فبما

--( 227 )--

ان اطلاق تلك المجموعة معارض لإطلاق الآية فلا محالة يسقط عن
الاعتبار .و نتيجة ذلك وجوب الخمس في الارض المغنومة .

نعم هنا مناقشتان :في شمول النصوص الدالة على ان المخالف
للكتاب غير حجة لمثل هذه المخالفة .

احداهما :ان تمامية اطلاق المطلق تتوقف على تمامية مقدمات
الحكمة :منها عدم البيان الاعم من المتصل و المنفصل ،و بما ان فيما
نحن فيه يكون عموم كل من الكتاب و النصوص بالاطلاق لا بالوضع
فبطبيعة الحال لا يتحقق اطلاق لشي‏ء منهما في مورد الالتقاء و الاجتماع
لفرض ان كلا منهما يصلح في نفسه للبيان بالاضافة الى الاخر في
هذا المورد ،فعندئذ لا ينعقد اطلاق للكتاب في مورد المعارضة حتى
تكون تلك المجموعة من الروايات مخالفة له فتشملها النصوص
المزبورة أي -النصوص الدالة على ان المخالف للكتاب غير حجة -.

و الجواب :عن هذه المناقشة ما تقدم منا في ضمن البحوث السالفة
من ان انعقاد اطلاق المطلق لا يتوقف على عدم البيان الاعم من
المتصل و المنفصل ،و انما يتوقف على عدم البيان المتصل فحسب .

و على اثر ذلك يتحقق الاطلاق للكتاب في مورد الالتقاء و الاجتماع
و بذلك تدخل تلك المجموعة في الروايات المخالفة للكتاب فتكون
مشمولة للنصوص المتقدمة .هذا

قد يقال كما قيل :انه على تقدير تسليم المبنى فايضا يصدق
على الروايات عنوان المخالفة ،و ذلك لان كل واحد منهما لا يصلح
ان يكون بيانا بالاضافة الى الآخر حتى يكون دخيلا في اطلاقه .

و على اساس ذلك :فقد تمت مقدمات الحكمة في كل من
المطلقين فينعقد ظهورهما حينئذ في الاطلاق معا ،و اذا انعقد ذلك

--( 228 )--

تحققت المعارضة بين اطلاق الروايات و اطلاق الكتاب ،و بما ان
المعارضة بينهما كانت بالعموم من وجه فيسقط اطلاق الروايات من
جهة مخالفته للكتاب .

و يرد عليه :ان وجود ما يصلح للبيان -و لو كان منفصلا -مانع
عن ثبوت الاطلاق للمطلق في ظرفه على ضوء هذا المبنى .

و بما ان فيما نحن فيه :كل من الآية و تلك المجموعة من
الروايات في حد نفسه صالح لان يشمل مورد الالتقاء و الاجتماع
فبطبيعة الحال كان كل منهما صالحا للبيان بالاضافة الى الاخر فيه ،
بداهة انه لا معنى لصلاحيته لذلك الا شموله له في نفسه فاذن
لا معنى لدعوى عدم الصلاحية .

و عليه :فلا محالة يكون كل منهما مانعا عن انعقاد الاطلاق في
الاخر في مورد الاجتماع ،فاذن لا يصدق على تلك المجموعة عنوان
انها مخالفة للكتاب حتى لا تكون حجة .

نعم بناء على ما ذكرناه -من ان البيان المنفصل لا يكون مانعا
عن انعقاد الاطلاق للمطلق حتى في ظرفه -فلا محالة تكون المجموعة
المزبورة مخالفة للكتاب ،لان اطلاق الكتاب قد انعقد في مورد
الاجتماع ،فهي كما لا تكون مانعة عن انعقاده ،كذلك لا تكون
مانعة عن حجيته .

فالنتيجة -هي :انه لا مانع من التمسك باطلاق الآية و الروايات
لإثبات وجوب الخمس في الارض المغنومة على اساس ما ذكرناه
من النظرية .

و ثانيتهما :ان المراد من المخالفة للكتاب بمناسبة الحكم و الموضوع
هو المخالفة لمدلوله اللفظي عموما او خصوصا ،و اما الاطلاق فهو

--( 229 )--

ليس بمدلول لفظي له ،لأنه انما يثبت بواسطة مقدمات الحكمة التي
يكون الحاكم بها هو العقل ،و بالتالي يرجع الاطلاق الى مدلول عقلي .

و الجواب عنها :ان الاطلاق و ان كان يثبت بمعونة مقدمات الحكمة
الا ان ذلك لا يوجب كون الاطلاق مدلولا عقليا ،لا لفظيا و ذلك
لان الاطلاق لدى العرف عبارة عن ظهور اللفظ في معنى بلا قيد ،
غاية الامر ان ظهوره فيه لا يمكن ان يكون بلا سبب و منشأ ،
فالسبب له قد يكون هو الوضع كما في ظهور العام في العموم او
نحوه ،و قد يكون مقامات الحكمة ،فمقدمات الحكمة تؤهل اللفظ
الدلالة على الاطلاق و الظهور فيه .لا انه مدلول المقدمات نفسها ،
كما ان الوضع يؤهل اللفظ للدلالة على العموم .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان الاطلاق مدلول اللفظ كالعموم ،
و نسبة الاطلاق الى مقدمات الحكمة بنكتة انها حيثية تعليلية له
كالوضع الذي هو حيثية تعليلية لدلالة اللفظ على المعنى الموضوع
له .فاذن مخالفة اطلاق الكتاب مخالفة له ،و مشمولة لما دل على ان
المخالف للكتاب باطل و غير معتبر .

و اما المجموعة الثانية -و هي الروايات الواردة لبيان ما يتعلق
بالاراضي الخراجية من الاحكام و الآثار -.

فمنها :رواية صفوان و أبي نصر قالا :ذكرنا له الكوفة و ما
وضع عليها من الخراج و ما سار فيها اهل بيته فقال :( من اسلم
طوعا تركت ارضه في يده الى ان قال ،و ما اخذ بالسيف فكذلك
الى الامام يقبله بالذي يرى ،كما صنع رسول اللّه ( ص ) بخيبر
قبل سوادها و بياضها يعني -ارضها و نخلها -و الناس يقولون لا تصلح قبالة
الأرض و النخل ،و قد قبل رسول اللّه ( ص ) خيبر ،قال :و على

--( 230 )--

المتقبلين سوى قبالة الارض العشر و نصف العشر في حصصهم الحديث - 1 -

و منها :صحيحة أبي نصر قال :ذكرت لأبي الحسن الرضا ( ع )
الخراج و ما سار به اهل بيته فقال :( العشر و نصف العشر على من
اسلم طوعا و تركت ارضه بيده الى ان قال :و ما اخذ بالسيف فذلك
الى الامام ( ع ) يقبله بالذى يرى ،كما صنع رسول اللّه ( ص )
بخيبر قبل ارضها و نخلها ،و الناس يقولون لا تصلح قبالة الارض
و النخل اذا كان البياض اكثر من السواد ،و قد قبل رسول اللّه ( ص )
خيبر ،و عليهم في حصصهم العشر و نصف العشر - 2 - .

و منها :غيرهما .

و هاتان الروايتان :تدل ن على امرين :

احدهما :ان امر الارض المفتوحة عنوة بيد الامام ( ع ) فله
ان يقبلها بالذي يرى .

و الاخر :ان على المتقبلين في حصصهم من حاصل الارض الزكاة
من العشر او نصف العشر ،و لا نظر لهما الى تعلق الخمس بها
او عدم تعلقه اصلا ،و من الطبيعي ان ثبوت الامرين المزبورين
لا ينافي كون خمس تلك الارض ( للّه و للرسول و لذي القربى ) بل
هو يلائم ذلك على اساس ان امر الخمس أيضا بيد الامام ( ع )
فله ان يقبله بالذي يرى ،فاذن لا فرق بين خمس تلك الارض
و اربعة اخماسها الأخر من ناحية الحكمين المذكورين فيهما يعني
-كما ان امر اربعة اخماسها بيد الامام ( ع ) كذلك امر خمسها
و كما ان على المتقبلين العشر أو نصف العشر بالاضافة الى اربعة
اخماسها ،كذلك بالاضافة الى خمسها -.

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 72 من ابواب جهاد العدو الحديث 1



---------------

( 2 ) الوسائل ج 11 الباب 72 من ابواب جهاد العدو الحديث 2


--( 231 )--

و بكلمة اخرى کان نظر الروايتين -في بيان ان امر الارض المغنومة
بيد الامام ( ع ) و له ان يقبلها بالذي يرى -انما هو لنكتة دفع
توهم الناس بان الارض المغنومة التي يكون بياضها اكثر من سوادها
لا تصلح للقبالة فلا نظر لها الى جهة اخرى متعلقة برقبة الارض
لا نفيا و لا اثباتا .

و بعد بيان ذلك بيّن الامام ( ع ) فيهما الحكم المتعلق بنتاج
تلك الارض -و هو وجوب الزكاة من العشر او نصف العشر -فليس
في مقام بيان ما يتعلق برقبة الارض من الحكم .و من الطبيعي ان
سكوت الامام ( ع ) فيهما عن بيان ما عدى وجوب الزكاة
المتعلقة بنتاج الارض لا يوجب ظهورهما في الاطلاق ،و نفى الخمس
عن رقبة الارض ،فانها موضوع آخر و لا يكون الامام ( ع ) في
مقام بيان حكم ذاك الموضوع ،و انما هو في مقام بيان حكم موضوع
آخر -و هو نتاج الارض -و السكوت في مقام البيان انما يوجب
ظهور الكلام في الاطلاق و نفي الحكم الآخر عن الموضوع الذي يكون
المتكلم في مقام بيان حكمه و اثره ،لا موضوع آخر الذي لا يكون
المتكلم في مقام بيان حكمه .

و الحاصل :ان هنا موضوعين :

احدهما :رقبة الارض .

و الآخر :نتاجها و الامام ( ع ) انما هو في مقام بيان ما يتعلق
بالموضوع الثاني ،دون الموضوع الاول ،و من الطبيعي ان سكوته ( ع )
هنا في مقام البيان انما يدل على العدم في ذلك الموضوع ،دون
ما لم يكن في مقام بيان حكمه .

و لو تنزلنا عن ذلك :و سلمنا ان للروايتين اطلاقا -يكون

--( 232 )--

مقتضاه نفي تعلق الخمس بالارض المفتوحة عنوة -فهل يمكن تقديم
اطلاقهما على اطلاق الآية و النصوص المشار اليها سابقا بملاك انهما
اخص منهما ،أو بالعكس بملاك ان منشأ اطلاقهما السكوت في
مقام البيان و هو لا يصلح ان يكون قرينة على تقييد الاطلاق اللفظي ؟
فيه وجهان :

الظاهر :هو الوجه الاول ،و ذلك لان الخاص لدى الارتكاز
القطعي العرفي يتقدم على العام و ان كانت دلالته بالاطلاق الناشي
من السكوت في مقام البيان ،و دلالة العام بالوضع ،لأنه لدى
العرف قرينة ،و من الطبيعي ان القرينة تتقدم على ذي القرينة
مطلقا اي -من دون ملاحظة ترجيح بينهما -كيف فان مرد هذا
التقديم في الحقيقة الى الحكومة .

و من هنا :اذا ورد في الدليل ( اكرم كل عالم ) و ورد في دليل
آخر ( لا تكرم عالما فاسقا ) لم يتأمل احد في تقديم الثاني على الاول
رغم ان دلالة الخاص بالاطلاق و مقدمات الحكمة ،و دلالة العام بالوضع ،
لان الخاص بنظر العرف اقوى من العام مهما كان منشأ دلالته
بنكتة انه عندهم قرينة على المراد و مفسر له في الحقيقة .

و عليه ففيما نحن فيه يتقدم اطلاقهما على اطلاق الآية في
مورد الالتقاء و الاجتماع باعتبار انهما اخص موردا من الآية مطلقا
و ان فرض ان دلالة الآية على العموم بالوضع -على اساس اشتمالها
على كلمة ( من شي‏ء ) -فان الخاص لدى العرف قرينة على
التصرف في العام و بيان المراد منه ،و القرينة تتقدم على ذيها بلا
ملاحظة ترجيح في البين من هذه الناحية ،و حينئذ فلا فرق بين
ان يكون ظهور الخاص في مدلوله من ناحية الوضع ،او من ناحية

--( 233 )--

الاطلاق و لو كان منشأه السكوت في مقام البيان .فان كل ذلك
لا دخل له بما هو ملاك التقديم .هذا

مع ان دلالة الآية على العموم بالوضع من ناحية اشتمالها على
تلك الكلمة محل اشكال ،بل منع ،فان الظاهر ان دلالتها عليه
انما هي بالاطلاق و مقدمات الحكمة .

و من ذلك :يظهر الفرق بين هذه المجموعة و المجموعة المتقدمة
فان النسبة بين تلك المجموعة و الاية بلحاظ مورد الالتقاء و الاجتماع
عموم من وجه ،فان الآية تدل على ان خمس الارض ملك للّه
و للرسول لا للمسلمين ،و تلك المجموعة تدل على انه ملك للمسلمين
كبقية اخماسها .و هذا بخلاف المقام ،فان هذه المجموعة تدل باطلاقها
على نفي الخمس عن الارض المفتوحة عنوة ،و الآية تدل على ثبوته
في الغنائم التي تشمل الارض أيضا فتكون النسبة بينهما عموما
مطلقا ،و من الواضح ان ملاك كون النسبة بين الدليلين عموما
مطلقا ،او من وجه ،او التباين انما هو بملاحظة لسانهما معا نفيا
و اثباتا ،عموما او خصوصا و بذلك يظهر حالهما بالاضافة الى النصوص المتقدمة

فالنتيجة في نهاية المطاف :انه لا مانع من التمسك باطلاق الاية
و النصوص السابقة ،لإثبات ان الارض المفتوحة عنوة متعلقة للخمس .

الرابع ما قيل ،من ان الروايات الدالة على تعلق الخمس
بالغنيمة بينما يكون ضعيفا سندا كروايات حصر الخمس في خمسة
و رواية أبي بصير ،او ساقطا من ناحية المعارضة كصحيحة ابن سنان
( ليس الخمس الا في الغنائم خاصة ) او محفوفا بالقرينة على الاختصاص
بغير الارض من الغنائم كالروايات الدالة على اخراج الخمس من
الغنيمة و تقسيم الباقي على المقاتلين ،فانه قرينة على الاختصاص .

--( 234 )--

و الجواب عن ذلك :ان روايات الحصر ليست باجمعها ضعيفة
سندا ،فان فيها ما يكون معتبرا بحسب السند -و هو صحيحة
عمار بن مروان -قال :سمعت أبا عبد اللّه ( ع ) يقول :( فيما
يخرج من المعادن و البحر و الغنيمة و الحلال المختلط بالحرام اذا لم
يعرف صاحبه و الكنوز الخمس ) - 1 - نعم غير هذه الصحيحة من
تلك الروايات ضعيفة فلا يمكن الاستدلال بشي‏ء منها .

و اما صحيحة عبد اللّه بن سنان قال :سمعت أبا عبد اللّه ( ع )
يقول :( ليس الخمس الا في الغنائم خاصة ) - 2 - فانها لا تسقط
نهائيا ،لان فيها ثلاثة احتمالات :

الاول :ان يكون المراد من الغنائم فيها مطلق الفائدة ،لا خصوص
غنائم دار الحرب ،فعندئذ لا معارضة بينها و بين غيرها من الروايات
الدالة على وجوب الخمس في غير غنائم الحرب من الفوائد .

الثاني :ان تكون الصحيحة في مقام بيان ان فريضة الخمس
التي فرضها اللّه تعالى في كتابه العزيز منحصرة بغنائم الحرب دون
غيرها من الفائد كالمعادن ،و ارباح التجارات ،و ما شاكل ذلك ،
فان وجوب الخمس فيها قد ثبت بالسنة و الروايات ،لا بالكتاب .

و ان شئت قلت :ان الآية الكريمة و لو بقرينة السياق ظاهرة
في ان المراد من الغنيمة فيها هو غنيمة دار الحرب ،و عليه فالخمس
الذي فرضه اللّه تعالى بنص القران انما هو خمس الغنيمة المزبورة
دون مطلق الفائدة ،فالصحيحة على اساس انها في مقام بيان ذاك
الخمس الموجود في الكتاب و حصره بما عرفناه فلا تدل على نفي

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 3 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 6



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 31 من ابواب ما يجب فيه الخمس الحديث 1


--( 235 )--

ثبوته في غيرها من الفوائد بالسنة و انما تدل على نفي ثبوته بالكتاب
فاذن لا تنافي بينها و بين غيرها من الروايات الدالة على وجوبه في
مطلق الفائدة .

الثالث :ان الصحيحة تنحل الى قضيتين :

الاولى :قضية ابجابية -و هي وجوب الخمس في غنائم دار الحرب -
الثانية :قضية سلبية و هي عدم وجوب الخمس في غيرها من
الفوائد -و هذه القضية على اساس اطلاقها تنافي النصوص الخاصة
الدالة على وجوب الخمس في تلك الفوائد كالمعادن ،و الغوص ،
و ارباح التجارات ،و نحو ذلك ،و هذه النصوص بما انها واردة في
الموارد الخاصة فبمقتضى الارتكاز العرفي توجب تقييد اطلاقها بغير
تلك الموارد ،فاذن يبقى تحت اطلاقها من الفوائد :الديات ،و المهور
و الارث ،و ما شاكل ذلك

و دعوى : -انها نص في مدلولها و لأجل ذلك غير قابلة للتقييد
يعني ان لسانها آب عنه -خاطئة جدا ،و ذلك لأنها و ان كانت نصا
في اصل مدلولها الا ان تلك النصوص لا تنافيه ،و انما تنافي اطلاقها
و من الطبيعي ان اطلاقها غير آب عن التقييد ،و لا يكون هذا من
تخصيص الاكثر فان مطلق ذلك ليس ممنوعا لدى العرف ،و انما
الممنوع منه هو ما اذا وصل الى حد الاستهجان لديهم ،و الواصل الى
هذا الحد انما هو فيما اذا كان الباقي تحت العام قليلا جدا و فردا
نادرا ،و ما نحن فيه ليس كذلك ،فان الباقي تحته بعد التخصيص
كثير جدا في حد نفسه كما عرفت ،فليس هذا من تخصيص الاكثر
المستهجن عرفا .

و بعد ذلك نقول :ان الاقرب لدى العرف من هذه الاحتمالات

--( 236 )--

هو الاحتمال الاخير ،دون الاحتمالين الاولين ،فان الالتزام
بكل منهما بحاجة الى وجود قرينة على ذلك ،و لا قرينة اصلا ،و عليه
فلو قطعنا النظر عن الاحتمال الاخير فلا بد من الحكم بسقوط
الصحيحة من جهة المعارضة ،و ذلك للقطع بوجوب الخمس في غير
غنائم دار الحرب على اساس العلم بصدور بعض تلك النصوص عن
الامام ( ع ) اجمالا و لا يمكن الاخذ باحد الاحتمالين المزبورين ،
لعدم مساعدة العرف على ذلك على اساس انه ليس من الجمع العرفي
بينها و بين تلك النصوص الخاصة .هذا اضافة الى ان الاحتمال الثاني
مبني على اختصاص الآية بغنائم دار الحرب و هو لا يخلو من اشكال
بل منع لعدم الموجب له كما عرفت سابقا .

فالنتيجة :انه لا موجب لسقوط الصحيحة نهائيا اي -بحسب
المفهوم و المنطوق معا -.

و اما رواية أبي بصير :فلا يمكن الاستدلال بها ،لضعفها سندا
بعلي بن أبي حمزة .

و اما الروايات التي تتضمن تقسيم الغنائم فان بعضها و ان كان
مما لا بأس به سندا ،الا انك عرفت ان التقسيم فيها بحد نفسه
قرينة على الاختصاص بغير الارض من الغنائم فلا تشمل الارض .

ثم اننا اذا افترضنا :ان روايات الباب بشتى اصنافها و اشكالها
ساقطة من ناحية ما عرفت ،و لا يمكن الاستدلال بشي‏ء منها الا انه
يكفينا في المقام اطلاق الآية الكريمة ،فان مقتضاه تعلق الخمس
بالغنائم و لو كانت ارضا .

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان الصحيح ما هو المشهور بين
الاصحاب من القول بتعلق الخمس بالارض المفتوحة عنوة .

--( 237 )--

النقطة الثانية


لا شبهة في ثبوت علاقة المسلمين بالارض المفتوحة عنوة و انما
الكلام و الاشكال في مستوى تلك العلاقة ،هل هي على مستوى
الملك او الحق ؟هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :انه على تقدير كون علاقة المسلمين بها
على مستوى الملك ،فهل المالك للرقبة كل فرد من آحاد المسلمين
على سبيل الاشاعة ،او المالك طبيعي المسلمين .

يقع الكلام في مرحلتين

الاولى :ان اختصاص المسلمين بها هل هو على مستوى الملك ،
او على مستوى الحق ؟.

الثانية :ان المالك لها هل هو الافراد و الآحاد او الطبيعي ؟.

اما المرحلة الاولى :ففيها قولان :

احدهما :انها ملك عام للامة .

و الآخر :انها معدة لمصالح الامة .

اما القول الاول فهو المعروف و المشهور بين الاصحاب ،و تدل
عليه مجموعة من نصوص الباب ،حيث ان المتفاهم منها لدى العرف
هو ملكية الرقبة للأمة ،فان كلمة اللام او اضافة الارض اليهم
تشهد على ذلك اذا لم تكن قرينة على ان العلاقة بها لمجرد الاختصاص
الحقي و المصرفي .

و اما ما في مرسلة حماد بن عيسى -من قوله :( و الارضون التي
اخذت عنوة بخيل او ركاب فهي موقوفة متروكة ) الحديث - 1 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 41 من ابواب جهاد العدو الحديث 2 .


--( 238 )--

ففيه انه لا ينافي الملك .فان المراد من الوقف هنا لا محالة يكون
هو الحبس بالمعنى الذي سوف نبيّن في ضمن البحوث القادمة ،
لا الوقف الشرعي فانه غير محتمل نهائيا ،و من الطبيعي ان الحبس
بالمعنى الآتي لا ينافي الملك اصلا .هذا اضافة الى ان الرواية ساقطة
سندا من ناحية الارسال فلا يمكن الاستدلال بها .

و اما القول الثاني :فقد نقل عن جماعة :منهم الشهيد و المحقق
الأردبيلي و السبزواري ( قد هم ) .

و لكن لا يمكن الاخذ به .

اما اولا :فلان هذا القول مخالف لظاهر النصوص الدالة على
ملكية الارض للمسلمين ،و لا يمكن حملها على ان علاقتهم بها
تكون على مستوى المصرفية فحسب الا اذا كانت هناك قرينة على
ذلك ،و الفرض عدمها .

و اما ثانيا :فعلى تقدير تسليم انها ليست ملكا لهم فعندئذ
ان اريد انها كانت كالمباحات الاصلية -التي يكون الناس فيها شرع
سواء ،غاية الامر ان من قام باستثمارها يملك الرقبة و يكون
الحاصل مشتركا بينه و بين غيره من المسلمين على حسب ما جعله
ولي الأمر من النصف او الثلث او نحو ذلك في الاراضي المزبورة -

فيردّه :ان ذلك خلاف الضرورة الفقهية ،و النصوص الشرعية
بداهة ان حال تلك الاراضي ليس كحال الاراضي المباحة ،كيف
فان مرد ذلك الى ان لا علاقة للمسلمين بها نهائيا -لا على مستوى
الملك ،و لا مستوى الحق -و هو غير محتمل جزما ،حيث ان لازم
ذلك طرح جميع روايات الباب التي تدل على ان للمسلمين علاقة
بها من ناحية ،و طرح التسالم على ذلك من الاصحاب من ناحية اخرى

--( 239 )--

و أيضا :لو كانت تلك الاراضي مباحة فما هو الدليل على وجوب
الخراج عليها ،لان ما دل على ذلك انما هو في فرض كونها ملكا
للمسلمين ،لا مطلقا .

فالنتيجة :ان لازم هذا الفرض الغاء جميع احكامها الخاصة
الثابتة لها .

منها :عدم جواز بيع رقبتها .

و منها :عدم انتقالها ارثا .

و منها :وجوب الخراج عليها ،الى غيرها من الاحكام المترتبة
عليها على اساس انها ملك عام للمسلمين .

و ان اريد بذلك : -كون المسلمين مصرفا لتلك الاراضي بمعنى
ان ما يستثمر منها يصرف في مصالحهم العامة ،و لا يحق لأي احد
التصرف فيها على حساب مصلحته خاصة .

و بكلمة اخرى :ان علاقة الأمة بها انما هي على مستوى المصرفية
فحسب ،و هذا يعني :ان الارض محبوسة عليهم ،و يصرف نتاجها
في مصالحهم على حسب ما يراه الامام ( ع ) او نائبه -فهو و ان
كان ممكنا في نفسه الا ان اتمامه بالدليل لا يمكن ،لما عرفت من
ان نصوص الباب ظاهرة في ان علاقة الأمة بها على مستوى الملك ،
و الفرض عدم دليل آخر في المسألة .

فالنتيجة :انه لا يمكن اتمام هذا القول بدليل .

الصحيح :هو القول الاول .

و اما ما عن المحقق الاصفهاني ( قده ) :من ان المسلمين لا يعقل
ان يكونوا مصرفا على حد مصرفية الفقير في باب الزكاة في مقابل
القول بشركته مع المالك ،و ذكر في وجه ذلك ان الارض بعد

--( 240 )--

خروجها عن ملك الكافر بالفتح عنوة لا يعقل بقائها بلا مالك ،بل
لا بد من الالتزام بملكيتها للمسلمين بنحو من الأنحاء ،و لا يمكن
الالتزام بملكيتها لمن استولى عليها و ان كان باذن الامام ( ع ) ،
لعدم الدليل -.

فيرد عليه :انه لا محذور في الالتزام ببقائها بلا مالك لرقبتها
بعد خروجها عن ملك الكفار اذا افترضنا ان الدليل لا يساعد على
تملك المسلمين لها بالفتح خارجا كما هو اساس هذا القول ،و من
الطبيعي انه لا ملازمة شرعا بين خروجها عن ملك الكفار و دخولها
في ملك الأمة بنحو من الانحاء ،فانها بحاجة الى دليل ،فاذن لا مانع
من الالتزام ببقائها بلا مالك ،غاية الامر انها تصبح بعد الفتح
محبوسة عليهم ،و تصرف مواردها في مصالحهم العامة .

و اما عدم جواز التصرف و الاستيلاء عليها من كل احد الا باذن
الامام ( ع ) فهو انما يكون من ناحية تعلق حق الأمة بها على
مستوى المصرفية ،و من الطبيعي ان هذا المقدار من الحق كاف
للمنع عن تصرف كل فرد فيها بما شاء و اراد .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان العمدة في المقام ما ذكرناه من
ان ظاهر النصوص هو ملكية الارض للمسلمين ،و بقطع النظر عن
هذا الظاهر فلا مانع من الالتزام بعدم الملك و كونها معدّة لمصالحهم
العامة على نحو يكون المسلمون مصرفا لها .

و من هنا يظهر ان ما قيل -من ان حال الارض المفتوحة عنوة
كثلث الميت فيما اذا عيّنه لصرف منافعه و موارده في مصرف خاص
فانه لا يكون ملكا للميت ،و لا للوصي -لا يمكن اتمامه بوجه فان
كون الارض المزبورة كثلث الميت فيما ذكر بحاجة الى دليل و لم

--( 241 )--

يدلنا دليل عليه ،بل قد مر بنا ان ظاهر نصوص الباب هو ملكية
الارض للمسلمين .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان الامر في المقيس عليه أيضا ليس كذلك
فانه اذا اوصى شخص بثلث ماله فقد ظل في ملكه ،و لا يخرج
عنه بموته ،لعدم المقتضى لذلك .

ثم انك قد عرفت :ما عن المحقق الأردبيلي ( قده ) من اختيار
هذا القول -و هو كون المسلمين مصرفا لتلك الاراضي -.

و قد نسب اليه المناقشة في مالكية الامة للأرض بوجهين :

احدهما ان الارض لو كانت ملكا عاما لهم لترتبت آثار على
ملكيتها كجواز نقلها عينا ببيع او نحوه ،و جواز ارثها ،او ما شاكل
ذلك ،رغم ان شيئا من تلك الآثار لا يترتب عليها ،و هذا بحد
نفسه دليل على عدم الملكية .

و الجواب عنه ،ان هذه المناقشة ترتكز على اساس ان تكون
ملكية المسلمين للأرض على نحو الاستغراق مشاعا .و اما لو قلنا :
بان المالك لها هو طبيعي الأمة ،لا الآحاد ،كما هو الحال في بابي
الزكاة و الخمس ،حيث ان المالك في الاول هو طبيعي الفقير ،و في
الثاني هو طبيعي السادة ،لا الافراد ،فحينئذ عدم ترتب تلك
الآثار لا تكشف عن عدم الملك اصلا .

هذا اضافة :الى ان عدم ترتبها لا يكشف عن عدم ملكية الآحاد
أيضا ،لما سوف نشير اليه من انه انما يكشف عن ان ملكيتها
ليست ملكية مطلقة و حرّة ،بل هي ملكية مقيدة و غير حرّة من
ناحية الآثار المزبورة .

و الآخر :ان الارض لو كانت ملكا للامة لم يجز تقبيلها و اجارتها

--( 242 )--

من آحاد المسلمين ،لفرض اشتراك الجميع فيها على سبيل الاشاعة ،
و من المعلوم انه لا يجوز تصرف احد في المال المشترك سواء أ كان
من التصرفات الخارجية أم كان من التصرفات الاعتبارية .

و الجواب عنه :ان الاجارة في المال المشترك انما لا تصح بالاضافة
الى الاعم من حصته و حصة غيره ،او بالاضافة الى الجزء المعين منه
و اما بالاضافة الى حصته على نحو الاشاعة فلا مانع منها اصلا ،
ضرورة انه تصح اجارة احد الشركين حصته المشاعة .

هذا اضافة :الى ان هذه المناقشة لو تمت فانما تتم على اساس
ان تكون الارض ملكا لآحاد المسلمين .و اما لو قلنا بانها ملك
للطبيعي فتنتفي المناقشة بانتفاء موضوعها .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :انها لا تتم على هذا القول أيضا لما ستعرف
من ان عدم جواز الاجارة او نحوها انما هو يقوم على اساس ان
ملكية آحاد الأمة للأرض لم تكن ملكية مطلقة و حرّة ،بل هي
ملكية مقيدة محبوسة فلا يحق لأي واحد منهم ان يقوم بالتصرف
فيها بدون اذن الامام ( ع ) .

فالنتيجة :ان هذه المناقشة لا اساس لها .

و اما المرحلة الثانية -و هي كيفية تملك المسلمين للأرض
المفتوحة عنوة -ففيها :قولان :

الاول :انها ملك للطبيعي ،نظير ما ذكر في باب الزكاة و الخمس .

الثاني :انها ملك للآحاد .

و قد استدل للأول :بان الثاني يستلزم محاذير لا يمكن الالتزام
بشي‏ء منها :

احدها :ان لازم الالتزام بالقول الثاني جواز قيام كل من

--( 243 )--

آحاد المسلمين بنقل حصته من الارض المذكورة الى غيره بهبة او بيع
او ما شاكل ذلك ،مع انه لا شبهة في عدم جواز قيامه بذلك نهائيا
و سوف نشير اليه في ضمن البحوث الآتية .

و الاخر :ان لازمه جواز تلقي كل من آحاد الأمة نصيب
اقربائه بالوراثة و هو باطل جزما ،ضرورة انها لا تنتقل بالارث .

الثالث :ان لازمه عدم وجوب الخراج على المزارعين في تلك
الاراضي نظرا الى ان تصرفهم فيها كان تصرفا في املاكهم فلا
مقتضى لوجوب الخراج ،رغم انه لا شبهة في وجوبه على كل من
يقوم باستثمارها و الانتفاع بها .

فهذه اللوازم تدلنا على بطلان القول الثاني ،فاذن لا مناص من
الالتزام بالقول الاول بعد بطلان القول بعدم الملك نهائيا .

و غير خفي ان عدم ترتب تلك اللوازم على ملكية المسلمين للأرض
لا يكشف كشفا جزميا عن ان ملكيتهم لها لم تكن على سبيل الاستغراق
فانه لا مانع من الالتزام بذلك رغم ان تلك اللوازم غير مترتبة عليها .

فلنا :دعويان :

الاولى :ان مالك الارض انما هو آحاد المسلمين ،لا الطبيعي .

الثانية ان عدم ترتب تلك اللوازم لا ينافي الالتزام بهذا القول .

اما الدعوى الاولى :فلان الظاهر -من الروايات :منها صحيحة
الحلبي المتقدمة -هو ملكية الارض لآحاد الأمة ،لا للطبيعي ،فان
الحمل عليه بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه كما سوف نشير اليه .

و اما الدعوى الثانية :فلان ملكية المسلمين لها لم تكن ملكية
مطلقة و حرّة ،بل هي ملكية مقيدة محبوسة و غير حرّة فلا يحق
لأي واحد من آحاد الأمة ان يقوم بالتصرف فيها كيف ما شاء و اراد

--( 244 )--

بدون اذن الامام ( ع ) .

و تدل على ذلك :مجموعة من الروايات :

منها :صحيحة أبي نصر المتقدمة في صدر المسألة .التي تدل
على ان امر الارض المزبورة بيد الامام ( ع ) و من الطبيعي ان
مرد ذلك الى انه ليس لكل فرد ان يتصرف فيها ما شاء الا في
دائرة الخطوط المبينة من قبله ( ع ) في ضمن النصوص الشرعية .

و منها :غيرها من الروايات التي ستأتي الاشارة اليها في ضمن
الابحاث القادمة .

و لكن قد يستشكل في ذلك بان قوله ( ع ) في صحيحة الحلبي
المتقدمة ( هو لجميع المسلمين ) و ان كان ظاهرا في ملكية الارض
لآحاد الامة ،الا انه لا يمكن الاخذ بهذا الظهور بقرينة قوله ( ع )
في نفس تلك الصحيحة بعده ( و لمن يدخل في الإسلام بعد اليوم
و لمن لم يخلق بعد ) فان المعدوم لا يعقل ان يملك شيئا ،و كذا من
لم يدخل في الإسلام بعد ان يملك شيئا بعنوان الدخول فيه ،فاذن
لا بد من الالتزام باحد امرين :

اما ان نلتزم بملكية الارض لآحاد الموجودين من المسلمين
طبقة بعد طبقة لكن ملكية محبوسة و غير حرة .

او نلتزم بملكيتها لطبيعي المسلمين ،و كلا الامرين محتمل ،و لا
ظهور للصحيحة في احدهما .

و لكن لا يخفى ما فيه :فان قوله ( ع ) ( و لمن يدخل في الإسلام
و لمن لم يخلق بعد ) تصريح بما هو مدلول الاطلاق و مفاده -و هو
امتداد الحكم في القضية الى يوم القيامة و عدم اختصاصه بزمان
التشريع فحسب -و معنى ذلك كما ذكرناه ان الملكية مجعولة

--( 245 )--

لآحاد المسلمين على سبيل القضية الحقيقية فلا تختص بالآحاد
الموجودين في عصر التشريع ،و عليه فبطبيعة الحال تصبح الملكية
فعلية بفعلية موضوعها كما هو شأن كل حكم مجعول على نحو القضية
الحقيقية ،و ليس معنى ذلك جعل الملكية فعلا للمعدوم ،او لمن يدخل
في الإسلام بعد اليوم بعنوان الدخول فيه ،فانه غير معقول ،و كيف
كان فلا شبهة في ظهور الصحيحة -لدى العرف -في ان جعل الملكية
فيها لآحاد الأمة على نحو القضية الحقيقية ،و القول المزبور له ( ع )
فيها تأكيد لما هو مفاد القضية .

و من الواضح :ان القضية الحقيقية غير القضية الطبيعية ،فان
الحكم في الاولى ثابت للأفراد حقيقة ،و في الثانية ثابت للطبيعي بما
هو ،و لا علاقة له بالافراد اصلا .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى ان نصوص الباب كما هي ظاهرة في ان
مالك الارض المفتوحة عنوة آحاد المسلمين على نحو الاستغراق كذلك
هي ظاهرة في ان ملكيتهم لها غير محبوسة و مطلقة و حرّة .

و لكن بما ان الجمع بين هذين الظهورين لا يمكن فلا بد من
رفع اليد عن احدهما .و من الطبيعي ان رفع اليد عن كل منهما
بحاجة الى قرينة ،فكما ان رفع اليد عن ظهورها في الجهة الاولى
و حملها على ان المالك هو الطبيعي لا الافراد بحاجة الى قرينة فكذلك
رفع اليد عن ظهورها في الجهة الثانية و حمل الملك فيها على الملك
المحبوس ،فاذن لا بد من النظر في النصوص الواردة في المسألة لنرى
هل يتوفر فيها ما يكون قرينة على التصرف في الجهة الاولى ،او
التصرف في الجهة الثانية .

و هذه النصوص تصنّف الى مجموعتين :

--( 246 )--

احداهما :تدل على انه لا يحق لأي فرد من الأمة ان يقوم بنقل
رقبة الارض الى غيره ببيع او هبة او ما شاكل ذلك ،و ستأتي الاشارة
الى هذه المجموعة في ضمن البحث عن النقطة الثالثة .

و الاخرى :تدل على ان امرها بيد الامام ( ع ) و قد تقدمت
روايتان من هذه المجموعة .

و هاتان المجموعتان كما تنسجمان مع كون الارض المفتوحة عنوة
ملكا لطبيعي الأمة ،كذلك تنسجمان مع كونها ملكا لآحاد الأمة
و لكن ملكا محبوسا و غير حرّ ،فانه على كلا التقديرين لا يحق لأي
فرد منهم ان يقوم بنقل رقبتها ببيع او نحوه ،كما انها غير قابلة
للانتقال بالارث ،و كذا لا يحق لان يقوم باستثمارها و استغلالها
بدون اذن الامام ( ع ) او نائبه ،الا ان الكلام في انهما قرينتان
على رفع اليد عن ظهور النصوص في الجهة الاولى ،و حمل الملك فيها
على ملك الطبيعي ،او قرينتان على رفع اليد عن ظهورها في الجهة
الثانية و حمل الملك فيها على الملك المحبوس و غير الحرّ و الظاهر انهما
قرينتان على الجهة الثانية يعنى -رفع اليد عن ظهورها في الملكية
الحرّة و المطلقة -و ذلك لأنهما لا تدلان على ان هذا الملك ملك
للطبيعي ،دون الآحاد حتى تكونا منافيتين لدلالة النصوص المزبورة
على انها ملك للآحاد ،بل انهما تدلان على ان الاحكام المشار اليها
لا تترتب على هذا الملك ،و هذا لا ينافي كونه ملكا للآحاد على سبيل
الاستغراق ،و مع ذلك لا تترتب تلك الاحكام عليه على اساس انه
ملك محبوس و غير طلق ،فاذا افترضنا ان تلك النصوص ظاهرة في
انها ملك لآحاد الأمة ،لا للطبيعي فلا مناص من الاخذ بهذا الظهور
لعدم المعارض و المنافي له فتكون هاتان المجموعتان قرينتين على الحبس

--( 247 )--

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان مقتضى الجمع بين مجموعات من
نصوص الباب ان الارض المفتوحة عنوة ملك عام لآحاد المسلمين ،
لا للطبيعي منهم ،غاية الامر ان ملكيتها ملكية محبوسة بالمعنى الذي عرفت

ثم انه على القول الاول : -و هو ملكية الارض للطبيعي -لا علاقة
للفرد بها اصلا ،لا على مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق ،و انما
كانت العلاقة بها للطبيعي على مستوى الملك من دون دخل لخصوصية
الافراد فيها .

و على ضوء هذا القول :فعدم ترتب اللوازم المزبورة كان على
وفق القاعدة فلا يحتاج الى دليل ،و هذا بخلاف القول الثاني ،
فان عدم ترتبها ليس -من ناحية عدم الموضوع لها ،بل من ناحية
وجود المانع -و هو ان الملكية ملكية محدودة محبوسة من قبل الشرع -
فلذا يحتاج الى دليل .

نتيجة هذا البحث عدة نقاط :


الاولى :الظاهر بمقتضى مجموعة من النصوص هو ان الارض
المفتوحة عنوة داخلة في نطاق ملكية المسلمين ،و لا وجه للقول
بانها معدّة للصرف في مصالحهم فحسب من دون كونها داخلة في ملكيتهم .

الثانية :ان ما عن المحقق الأردبيلي ( قده ) -من المناقشة في
ملكيتها للأمة على أساس أن لازمها الإرث و جواز البيع و ما شاكل
ذلك من الآثار مع انه لا شبهة في عدم ترتب شي‏ء منها عليها -فقد
تقدم انه لا اساس لتلك المناقشة ،و لا مانع من الالتزام بالملكية -
رغم عدم ترتب شي‏ء من تلك الآثار عليها .

--( 248 )--

الثالثة :لا يبعد الالتزام بالقول بملكية الأرض لآحاد المسلمين
لا للطبيعي ،كما ذكر في بابي الزكاة و الخمس ،و المحاذير التي ذكر
لزومها على هذا القول فقد تقدم عدم لزوم شي‏ء من تلك المحاذير
عليه ،فان لزومها انما هو فيما اذا قلنا بملكية مطلقة و حرّة .
و اما اذا قلنا بان ملكيتهم لها ملكية مقيدة و محدودة من قبل الشرع
فلا موضوع لشي‏ء منها ،و قد ثبت تحديدها بمجموعة من روايات الباب .

الرابعة :قد تقدم ان مجموعة من النصوص ظاهرة في ان
ملكية الارض المفتوحة عنوة انما هي لآحاد المسلمين ،لا للطبيعي
منهم ،و قد ذكرنا انه لا بد من الاخذ بهذا الظهور ،لعدم المقتضى
لرفع اليد عنه ،و حمل الملك فيها على ملك الطبيعي ،فانه بحاجة
الى دليل .

النقطة الثالثة


هل يجوز بيع الارض المفتوحة عنوة او لا ؟فيه وجهان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب قديما و حديثا بل المتسالم عليه
عندهم هو الوجه الثاني .

و هذا هو الصحيح .

و تدل على ذلك :مجموعة من النصوص :

منها صحيحة الحلبي قال سئل أبو عبد اللّه ( ع ) عن السواد
ما منزلته فقال :هو لجميع المسلمين الى ان قال :و لمن لم يخلق بعد
فقلت :الشراء من الدهاقين قال :لا يصلح الا ان تشرى منهم على
ان يصيرها للمسلمين ،فاذا شاء ولي الامر ان يأخذها اخذها .

--( 249 )--

قلت :فان اخذها منه قال :يرد عليه رأس ماله ،و له ما أكل
من غلتها بما عمل - 1 - .

فان قوله ( ع ) ( لا يصلح ) ظاهر لدى العرف في عدم صحة
الشراء لظهور مثل هذه الكلمة عرفا في باب المعاملات في ذلك ،
و من الطبيعي ان عدم صحة الشراء منهم رغم انهم قائمون باستثمارها
و استغلالها ليس الا من ناحية ان الارض لم تصر بذلك ملكا لهم ،
بل هي قد ظلّت في ملك المسلمين .

ثم ان هذه الجملة :تدل على عدم جواز شراء رقبة الارض ،
و اما شرائها على اساس ان لهم حقا فيها فلا مانع منه ،فانه في الحقيقة
ليس شراء للأرض ،بل هو شراء لحقهم المتعلق بها .و قد ذكرنا
ان حقيقة البيع تتكفل منح المشتري نفس العلاقة التي كانت للبائع
بالمال في مقابل العلاقة التي كانت للمشتري بالثمن سواء أ كانت تلك
العلاقة على مستوى الملك أم كانت على مستوى الحق .و اما اذا لم
يكن لهم حق فيها فالشراء حينئذ لا محالة يكون صوريا يعني -انه
مجرد اخذ الارض منهم و اعطاء العوض تحفظا على ملك المسلمين -
و الاستدراك في قوله الا ان تشرى منهم على ان يصيرها للمسلمين
يمكن ان يكون اشارة الى هذا الاحتمال و ان كان بعيدا كما لا يخفى .

و اما كلمة الصيرورة :فهي و ان كانت ظاهرة في انها تصبح ملكا
للمسلمين بعد ما لم تكن الا ان هذا التعبير لعله لنكتة ان الدهاقين
كانوا يعاملون مع الارض المذكورة معاملة الملك ،فالشراء المزبور
كأنه يجدّد الملك لهم .

هذا اضافة الى ان قوله ( ع ) في الصحيحة -فان شاء ولى

---------------

( 1 ) الوسائل ج 12 الباب 21 من ابواب عقد البيع الحديث 4 .


--( 250 )--

الامر ان يأخذها اخذها -قرينة على انها ملك المسلمين ،و لا صلة
للشراء منهم في ذلك اصلا ،بل لا يعقل ان تكون له صلة بذلك ،
لان الارض ان كانت ملكا للدّهاقين فبالشراء تصبح ملكا للمشتري
لا للمسلمين ،و ان كانت ملكا للأمة فلا يعقل شراء الرقبة منهم
كما دل عليه قوله ( ع ) ( لا يصلح ) .

فالنتيجة في نهاية الشوط ان الصحيحة تدل بوضوح على عدم
جواز شراء رقبة الارض المفتوحة عنوة .

و منها :رواية أبي الربيع الشامي عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
( لا تشتر من ارض السواد شيئا الا من كانت له ذمة فانما هو
في‏ء للمسلمين ) - 1 - .

فانها تدل على عدم جواز شراء ارض السواد ممن كانت الارض
بايديهم على اساس انها ملك للمسلمين .

نعم قد استثنى منها ارض من كانت له ذمة ،و لعله باعتبار انها
باقية في ملك اصحابها ،نظرا الى ان لولي الأمر ان يترك ارض اهل
الذمة في ايديهم على اساس قبولهم شرائط الذمة .

فالنتيجة :ان الرواية تامة من ناحية الدلالة الا انها ضعيفة
من ناحية السند ،فان في سندها خالد بن جرير ،و أبي الربيع الشامي
و كلاهما لم يوثق

و ما قيل : -من ان الراوي عن أبي الربيع الشامي هو خالد بن جرير
و بما ان الراوي عن خالد بن جرير الحسن بن المحبوب و هو من
اصحاب الاجماع فالرواية صحيحة -

خاطئ جدا و ذلك :

---------------

( 1 ) الوسائل ج 12 الباب 41 من ابواب عقد البيع الحديث 5 .


--( 251 )--

اما اولا :فلانه لا كلية لقاعدة ان اصحاب الاجماع لا يروى
الا عن ثقة ،فانها على حساب الاحتمالات لا تتعدى عن قاعدة ظنية
و لا تفيد الوثوق و الاطمئنان .

و اما ثانيا :فعلى تقدير تسليم ان القاعدة المزبورة تامة الا انها
انما تتم في حق من يروى عنه ممن يكون من اصحاب الاجماع بشكل
مباشر ،دون من يروى عنه بواسطة ،فانه خارج عن تلك القاعدة
و عليه فالراوي عن خالد بن جرير بما انه الحسن بن المحبوب
مباشرة فتدل روايته عنه على وثاقته ،و اما روايته عن أبي الربيع
الشامي فبما انها كانت بواسطة فلا تدل على وثاقته .

فتحصل مما ذكرناه ان الرواية ساقطة من ناحية السند فلا يمكن
الاعتماد عليها .نعم لا بأس بجعلها تأييدا للمسألة .

و منها :رواية أبي برده بن رجاء قال :قلت :لأبي عبد اللّه ( ع )
كيف ترى في شراء ارض الخراج قال :( و من يبيع ذلك هي
ارض المسلمين قال :قلت :يبيعها الذي هي في يده قال :و يصنع
بخراج المسلمين ما ذا ،ثم قال :لا بأس اشترى حقه منها و يحول
حق المسلمين عليه ،و لعله يكون اقوى عليها ،و املي بخراجهم منه ) - 1 - .

فانها تدل بوضوح على عدم جوز بيعها و شرائها ،فان قوله ( ع )
و من يبيع ذلك استفهام توبيخي ،لا حقيقي ،و قوله ( ع ) و هي
ارض المسلمين بيان لعلة المنع يعني -ان علة المنع عن الشراء
و البيع هي كون الارض ملكا للمسلمين -.

و اما قول الراوي قلت :يبيعها الذي هي في يده فهو يدل على
انه فهم الاستفهام الحقيقي ،و لذا عيّن البائع ،كما ان قول

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 71 من ابواب جهاد العدد الحديث 1 .


--( 252 )--

الامام ( ع ) بعده ( و يصنع بخراج المسلمين ما ذا ) يدل بظاهره
على ان المانع عن بيع الارض الخراجية و شرائها انما هو خراجها ،
فكل من يقوم به فلا مانع من بيعها منه ،الا ان قوله ( ع ) بعد ذلك
( لا بأس ان يشتري حقه منها ) يدل على ان هذا الشراء غير الشراء
الممنوع في صدرها ،فان المراد منه شراء نفس الرقبة و هو ممنوع ،
و ليس لأحد ان يبيع نفس رقبتها ،و المراد من هذا الشراء هو شراء
الحق المتعلق بها و هو لا مانع منه ،و هذا قرينة على ان المراد من
قوله ( ع ) ( و يصنع بخراج المسلمين ما ذا ) ليس ما هو ظاهره ،
بل المراد منه جواز بيعها بما هي متعلقة للحق على اساس ان بيع
الحق في حد نفسه و نقله الى طرف اضافة المشتري لا يمكن بدون
نقل متعلقه فالمراد من بيع الارض بيعها بما فيها من الحق لا بيع
رقبتها ،فاذن لا تنافي بين هذه الجملة و صدر الرواية المقتضى لعدم
جواز بيع رقبتها .

و على الجملة فتغيير العبارة في قوله ( ع ) ( لا بأس ان يشتري
حقه منها ) يدل على تغيير الموضوع و اختلافه يعني -ان مالا يجوز بيعه
و شرائه هو نفس رقبة الارض ،و ما يجوز بيعه و شرائه هو الحق
المتعلق بها ،و قد عرفت معنى بيع الحق فيها -و اما حق المسلمين -
و هو الطسق و الخراج -فبما انه تابع للأرض فلا محالة يحوّل على
المشتري على اساس ان الارض اصبحت في يده ،و عليه فلا تنافي
بين صدر الرواية و ذيلها

فالنتيجة :انه لا بأس بالرواية من ناحية الدلالة الا انها ضعيفة
من ناحية السند بأبي بردة بن رجا .

و دعوى -ان أبي بردة بن رجاء و ان لم يثبت توثيقه الا ان

--( 253 )--

الراوي عنه لمّا كان صفوان بن يحيى و هو من اصحاب الاجماع
فالرواية صحيحة -خاطئة جدا ،لما عرفت من ان هذه القاعدة
قاعدة ظنية لا تفيد الا الظن فلا يمكن الاعتماد عليها في التوثيقات .

و منها :مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابه عن أبي الحسن ( ع )
في حديث قال :( و الارضون التي اخذت عنوة بخيل او ركاب فهي
موقوفة متروكة في يدي من يعمرها و يحييها و يقوم عليها على ما صالحهم
الوالي على قدر طاقتهم من الحق الخراج :النصف او الثلث او الثلثين
على قدر ما يكون لهم صلاحا ،و لا يضرهم ) الحديث - 1 - .

فانها و ان كانت دلالتها على عدم جواز بيعها و شرائها على اساس
انها محبوسة تامة الا انها ساقطة من ناحية الارسال فلا يمكن
الاعتماد عليها .

فالنتيجة في نهاية المطاف :ان العمدة في المسألة انما هي الرواية
الاولى ،حيث انها تامة سندا و دلالة .دون بقية الروايات ،فانها
باجمعها ضعيفة السند من ناحية و ان كانت تامة من جهة الدلالة .نعم
لا بأس بالتأييد بها

و قد تحصل مما ذكرناه :انه لا يجوز شراء الارض المفتوحة عنوة
و بيعها يعني -انها غير قابلة لملكية الخاصة بالبيع او نحوه -.

و اما اجارتها ،و مزارعتها ،و غيرهما من التصرفات التي لا تنافي
بقاء رقبتها في ملك المسلمين فلا مانع منها اذا كانت باذن ولي الامر
عموما او خصوصا ،كما ستأتي الاشارة الى ذلك في ضمن الابحاث القادمة .

و اما ما يظهر من بعض الروايات :جواز شرائها فلا بد من
حملها على جواز شراء الحق المتعلق بها على اساس ان في نفس تلك

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 41 من ابواب جهاد العدو الحديث 2 .


--( 254 )--

الروايات ما يكون قرينة على ذلك ،و سوف نشير اليها .

و لعل النكتة : -في التعبير عن شراء الحق بشراء الارض -هي
ان شراء الحق في نفسه و بقطع النظر عن متعلقه غير معقول ،نظرا
الى ان الحق غير قابل للنقل و الانتقال بدون متعلقه ،و عليه فشراء
الحق انما هو بشراء متعلقه .و قد تقدم ان البيع لا يتكفل ازيد من
منح البائع نفس علاقته بالمبيع للمشتري في مقابل منح المشتري
ماله من العلاقة بالثمن للبائع ،و قد تكون هذه العلاقة على
مستوى الملك ،و قد تكون على مستوى الحق .

و ما نحن فيه من هذا القبيل ،فان شراء الارض هنا بمعنى
ان البائع قد منح المشتري نفس علاقته بالارض ،و بما انها كانت
على مستوى الحق فنفس هذه العلاقة تثبت له فتكون الارض بعد
الشراء طرفا لعلاقة المشتري على مستوى الحق ،فاذن لا تدل تلك
الروايات على جواز شراء نفس رقبة الارض و انتقالها الى المشتري
و هذا هو طريق الجمع بين الروايات الناهية عن الشراء ،و الروايات
المجوّزة له .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهاتين النقطتين :

الاولى :ان الارض المفتوحة عنوة لم تقبل النقل و الانتقال بالبيع
و الشراء و نحوهما على اساس ان المستفاد من مجموعة من الروايات
ان ملكيتها للامة ملكية محدودة و محبوسة .

الثانية ،ان ما يظهر من بعض الروايات جواز شرائها ليس
بمعنى تمسك رقبتها ،حيث قد عرفت ان كلا من البيع و الشراء
لا يقتضي ذلك ،و انما يقتضي قيام المشتري مقام البائع ،
و بالعكس فحسب .

--( 255 )--

النقطة الرابعة


ان من يقوم بعمارة الارض المفتوحة عنوة و الانتفاع بها بزرع
او غرس ،او بناء ،فانه و ان كان لا يملك رقبة الارض على اساس
انها ملك للأمة الا ان الكلام في ان قيامه بهذه العملية هل يمنحه
حقا فيها اولا ؟فيه وجهان :

الظاهر هو التفصيل :بين ما اذا كان العامل بعمله في الارض
و جهده فيها قد احدث حدثا فيها و وفر شروطا و فرصة للانتفاع بها
و الاستفادة منها ،و ما اذا لم يحدث فيها حدثا بجهده و عمله .

فعلى الاول :لا شبهة في ان العامل يملك تلك الشروط و الفرصة
المتاحة له على اساس انها نتيجة عمله و جهده ،فما دامت تلك
الفرصة باقية في الارض فقد ظل حقه فيها ،سواء أ كان ممارسا في
الانتفاع بها أم لم يكن .هذا فيما اذا كانت الارض المفتوحة عنوة
مواتا واضح .و اما اذا كانت عامرة سواء أ كانت طبيعيا أم كانت
بشريا فهو يتوقف على ان يحدث العامل فيها حدثا ،و يخلق فيها
فرصة اكبر مما كانت الارض عليها ،و حينئذ يملك العامل تلك
الفرصة على اساس انها نتيجة عمله ،و على اثر ذلك يحدث له حق
فيها ،و من المعلوم ان هذا الحق قابل للنقل و الانتقال .و عليه فيجوز
لاخر ان يقوم بشرائه .

هذا اضافة :الى ان ذلك يستفاد من مجموعة روايات الباب .

منها ،قوله ( ع ) في صحيحة الحلبي المتقدمة ( الا ان تشرى
منهم على ان يصيرها للمسلمين ) فانه يدل على جواز شراء الارض

--( 256 )--

ممن كانت الارض في ايديهم ،و من الطبيعي انه لا بد من حمل هذا
الشراء على شراء حقه المتعلق بها ،و ذلك لأمرين :

الاول :بقرينة قوله ( ع ) لا يصلح في جواب السؤال عن شراء
نفس الارض قبل هذه الجملة ،فانه يدل بوضوح على انه لا يصح
شراء نفس رقبة الارض على اساس انها ملك عام للمسلمين فلا
يملكها المشتري .

الثاني :بقرينة قوله ( ع ) على ان يصيرها للمسلمين ،فانه
يدل على ان المراد من الشراء ليس شراء رقبة الارض ،بداهة انه
لا معنى لشرائها على ان تدخل في ملك غير المشتري ،فاذن لا محالة
يكون المراد منه شراء الحق فيها بالمعنى الذي عرفت و اما حمله على
الشراء الصوري فهو بحاجة الى قرينة على اساس ان الظاهر من
لفظ الشراء و هو الشراء الحقيقي .

و منها :معتبرة محمد بن مسلم قال :سألت أبا عبد اللّه عن
الشراء من ارض اليهود و النصارى فقال :ليس به بأس ،قد ظهر
رسول اللّه ( ص ) على اهل خيبر فخارجهم على ان يترك الارض في
ايديهم يعملونها فلا أرى بها بأسا لو انك اشتريت منها شيئا ،و أيما
قوم احيوا شيئا من الارض و عملوها فهم احق بها و هي لهم - 1 - .

فانها واضحة الدلالة على ان من يقوم بالعمل في الارض المفتوحة
عنوة -و هي في مورد الرواية ارض خيبر ،و يحدث حدثا فيها ،
و يخلق فرصة و شروطا للانتفاع بها فلا محالة يملك تلك الفرصة
و الشروط سواء أ كانت في الارض الميتة أم كانت في الارض العامرة
و حينئذ يجوز شراء تلك الفرصة و الشروط منه .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 17 من ابواب جهاد العدو الحديث 2 .


--( 257 )--

و على الجملة فالمعتبرة قد نصت على جواز شراء الارض المفتوحة عنوة
فيما اذا عمل العامل فيها عملا ،و اوجد فيها صفة ذات قيمة اقتصادية
التي لم تكن الأرض واجدة لها بطبيعتها ،و من الطبيعي أن المراد من
شرائها و هو شراء الحق المتعلق بها دون رقبة الأرض ،و قد عرفت
كيفية شرائه .

و منها :قوله ( ع ) في رواية أبي بردة بن رجاء المتقدمة ( لا
بأس اشترى حقه منها و يحول حق المسلمين عليه ) فانه يدل بوضوح
على ثبوت الحق له فيها القابل للنقل و الانتقال ،و لكن بما ان الرواية

ضعيفة سندا فلا يمكن الاستدلال بها .نعم لا بأس بالتأييد .

و منها :غيرها من الروايات الواردة في أبواب متفرقة ،فانه
يستفاد منها ثبوت حق في الأرض المفتوحة عنوة لمن يقوم بالعمل
فيها و احداث حدث .

و على الثاني : -و هو ما اذا لم يحدث العامل في الأرض حدثا
و صفة و انما يمارس الانتفاع بها و يواصل في زراعتها على أساس ان
الارض حية بطبيعتها فلا تحتاج حياتها الى بذل جهد بشري فيها
فلا يحصل للعامل حق فيها بمعنى القابل للنقل و الانتقال ،ضرورة انه لم
يحدث في الأرض شيئا .نعم انه ما دام يمارس الانتفاع بها و يواصل
في زراعتها ليس لاخر أن يزاحمه في ذلك .و اما اذا ترك الانتفاع
بها فلا يبقى له حق في الاحتفاظ بالأرض ،و يجوز لغيره أن يقوم
باستغلالها و استثمارها ،و ليس له منعه عن ذلك .

و على ضوء هذا البيان :يظهر ما في كلام المحقق الاصفهاني ( قده )
في هامشه على المكاسب في المقام ،حيث ذكر هناك انه لا دليل
على ثبوت الحق بمعنى القابل للنقل و الانتقال ،إذ غاية ما يقتضيه

--( 258 )--

تقبل الأرض ممن له ذلك ملك منافع الأرض .كما في باب الاجارة ،
و ملك المنافع لا يستدعي إلا وجوب تسليم العين مقدمة لاستيفاء
المنافع فقط ،لا احداث حق في العين بحيث يقبل النقل و الانتقال ،
و كون التقبيل بنفسه مقتضيا لذلك شرعا لا دليل عليه .

أقول :وجه الظهور ان ما افاده ( قده ) و ان كان متينا بالاضافة
الى ما هو مقتضى تقبّل الارض و اجارتها ،إلا أن الكلام في ثبوت
الحق للعامل فيها ليس من هذه الناحية .و انما هو من ناحية عمله
فيها و بذل الجهد ،فان كان عمله في الأرض سنخ عمل يوجب احداث
حدث و صفة فيها كان ذلك العمل يبرر ثبوت حق له فيها القابل
للنقل و الانتقال كما عرفت .و ان كان سنخ عمل لا يوجب احداث
حدث فيها فقد عرفت انه لا يبرّر ثبوت حق له فيها كذلك ،و انما
يبرّر ثبوته ما دام يواصل في عمله فيها لا مطلقا .

فكلامه ( قده ) انما يتم في هذا الفرض ،دون الفرض الاول .

النقطة الخامسة


يقع الكلام فيها في موردين :

الاول :ما اشرنا اليه في ضمن البحوث السالفة من ان أمر
الأراضي المفتوحة عنوة بيد الامام ( ع ) فلا يباح لأيّ فرد من
المسلمين ان يتصرف فيها بدون إذنه .

و تدل على ذلك مجموعة من الروايات :

منها :قوله ( ع ) في صحيحة أبي نصر المتقدمة ( و ما أخذ
بالسيف فذلك الى الامام يقبله بالذي يرى ) .

--( 259 )--

و منها :قوله ( ع ) في صحيحة الحلبي التي مرّت بنا آنفا ( فاذا
شاء ولى الامر أن يأخذها أخذها ) .

و منها :غيرهما من الروايات الدالة على صحة تقبيل السلطان
الجائر تلك الأراضي ،و امضاء الامام ( ع ) ذلك ،فان هذا دليل
على أن أمرها بيد الامام ( ع ) .

هذا اضافة الى ان المصلحة العامة للامة تقتضي تدخّل الامام ( ع )
في أمر تلك الأراضي ،و وضع حدّ ازاء تعديات و تجاوزات الأفراد
فيها لكسب السيطرة عليها على اساس القوة ،فان الأفراد لو كانوا حرا في تصرفاتهم
فيها ما شاءوا و أرادوا بحسب ما يتوفر لديهم من المكنة و القوة فلا
محالة توجب منع الآخرين من ممارسة حقوقهم فيها بحرية كاملة ،
و من الطبيعي ان ذلك يتنافى مع العدالة الاجتماعية التي يؤمن الإسلام
بضرورة إيجادها بين طبقات الأمة .

و عليه فعلى ولي الامر وضع حد لتصرفاتهم فيها في دائرة الشرع
الاسلامي ،و إتاحة الفرصة لكل فرد منهم بممارسة حقوقه فيها ،
و الانتفاع بها في ضمن ذلك الحد بحرية تامة ،ليكون كل فرد
مساهما في تحقيق العدالة الاجتماعية .

الثاني :بعد ما عرفنا من انه لا يجوز التصرف في تلك
الأراضي بدون إذن الامام ( ع ) فهل يمكن لنا اثبات اذنه بشكل
عام لكل فرد من المسلمين او لا ؟فيه وجهان :

و يمكن الاستدلال على الوجه الأول بوجوه :

الاول :بمجموعة من النصوص المتقدمة :الدالة على سببية
الأحياء لعلاقة المحيى بالارض بدعوى ان المستفاد منها عرفا ثبوت
الاذن العام لكل فرد من الامة للقيام بعملية الاحياء في الأرض

--( 260 )--

المفتوحة عنوة اذا كانت ميتة او عرض عليها الموت بعد الفتح ،
و ممارسة حقه فيها

و الجواب عنه :اولا :ما تقدم منا في ضمن البحوث السالفة
من ان تلك النصوص لا تدل على الاذن في القيام بهذه العملية
و ممارستها أصلا ،لا في الارض التي هي ملك للإمام ( ع ) و لا في الارض التي هي ملك
للامة ،و انما هي في مقام بيان سببية تلك العملية لصلة المحيى بالأرض فحسب .

و ثانيا :ان هذه النصوص أخص من المدعي ،فانها انما تثبت
إباحة التصرف في الأرض المفتوحة عنوة اذا كانت ميتة اصالة او .
عرض عليها الموت

و اما اذا كانت عامرة فهي لا تدل على إباحة التصرف فيها .

الثاني :بنصوص التحليل :

منها :قوله ( ع ) في صحيحة مسمع المتقدمة ( و كل ما كان
في أيدي شيعتنا من الأرض فهم فيه محللون و محلل لهم ذلك ) بدعوى
أن مقتضى عمومه إباحة التصرف في كل ارض لمن شملهم هذا
النص ،و ان كانت الأرض من الأرض المفتوحة عنوة على أساس ان
أمر تلك الأرض بيد الامام ( ع ) .

و قد أجيب عنه بان الظاهر من التحليل فيها هو التحليل المالكي ،
لا الشرعي فلا يشمل الأرض المفتوحة عنوة ،حيث لا يتصور أن
يكون تحليل التصرف فيها من الامام ( ع ) تحليلا مالكيا على
أساس انها ملك عام للمسلمين ،لا للإمام ( ع ) .

هذا إضافة :الى أن الأرض في مورد الصحيحة قد فرض كونها
من الانفال فلا تشمل الارض المفتوحة عنوة التي هي ليست منها .

--( 261 )--

و لكن يمكن المناقشة :في الجواب الاول بان ظهور التحليل فيها في التحليل
المالكي لا يكون قرينة على عدم شمولها للأرض المفتوحة عنوة .

و السبب فيه ان امر الارض المفتوحة عنوة لما كان بيد الامام ( ع )
فبطبيعة الحال التحليل الصادر منه ( ع ) بالاضافة الى التصرف فيها
يكون تحليلا مالكيا لا حكما شرعيا على أساس انه ( ع ) مالك
لأمرها ،لوضوح ان المراد من التحليل المالكي ليس خصوص ما
يصدر من المالك بشكل مباشر ،بل المراد منه هو ما يصدر ممن
يكون مالكا لأمرها ،سواء أ كان ذلك على أساس ملكيته لرقبتها أم
كان على أساس وكالته ممن يكون مالكا لرقبتها أم كان على أساس
ولايته عليه ،فان اذن الولي في التصرف في مال المولى عليه اذن
مالكي ،ليس حكما شرعيا كليا ،و كذا اذن الوكيل في التصرف
في مال موكله و بما أن الامام ( ع ) ولي المسلمين و مالك لأمر
تلك الاراضي فبطبيعة الحال اذنه ( ع ) في التصرف فيها اذن
مالكي ،و ليس حكما كليا ألهيا .

فالنتيجة :ان التحليل المالكي في مقابل التحليل الشرعي ،
فالاول يصدر ممن يكون مالكا لأمر شي‏ء بالاضافة اليه .و الثاني
يصدر من الشارع بصفة انه حكم كلي في الشريعة المقدسة .

و قد تحصل من ذلك :ان هذا الجواب ساقط فلا يمكن الأخذ به

و اما الجواب الثاني فالظاهر انه لا بأس به ،و ذلك لأنا لو
كنا نحن و قوله ( ع ) في الصحيحة ( كل ما كان في أيدي شيعتنا
من الارض ) و ان كان لا مانع من الالتزام بعمومه للأرض المفتوحة
عنوة أيضا إلا أن ما تقدم عليه -و هو قوله ( ع ) فيها ( الارض
كلها لنا ) الظاهر في الاختصاص الملكي -قرينة على ان المراد من

--( 262 )--

الارض في قوله ( ع ) ( كل ما كان في أيدي شيعتنا ) هو تلك
الارض التي هي من الانفال ،لا الاعم ،كما هو ظاهر سياق
الصحيحة أيضا .و يؤكد ذلك ما في ذيلها .

فالنتيجة :انه لا يمكن الاستدلال بالصحيحة ،لإباحة التصرف
في الارض المفتوحة عنوة لا مطلقا ،و لا لخصوص من شملتهم
نصوص التحليل .

الثالث :بالروايات الواردة في الابواب المتفرقة فانه يستفاد
منها بمقتضى الفهم العرفي إباحة التصرف في تلك الاراضي
و اذنه ( ع ) فيه .

منها :الروايات الدالة على جواز شراء تلك الأرض ممن كانت
الارض بيده ،و علل ذلك في بعضها بأن جوازه منوط بما اذا كان
المشتري بمنزلة البائع في تأدية الخراج عنها ،و في بعضها الآخر بأن
حقه فيها أكثر من ذلك ،و في الثالث نفى البأس عن شراء حق
العامل فيها ،و تحويل حق المسلمين عليه .

فبالتالي :المستفاد من مجموع هذه الروايات هو اذن الامام ( ع )
بالتصرف فيها بشرط قيام المتصرف بتأدية حق المسلمين منها ،بل
يظهر من بعضها ان لكل فرد من المسلمين حق التصرف فيها
و الانتفاع بها .

و منها الروايات الدالة على إمضاء تصرفات الخلفاء و سلاطين
الجور في الأراضي المزبورة باجارة و تقبيل بالاضافة الى من يقوم
باستيجارها و تقبّلها منهم .

نعم في تلك الروايات احتمالات :

--( 263 )--

أحدها :أن تكون تلك الروايات قائمة على أساس ان كل فرد
من المسلمين ليس حرا في التصرف في تلك الاراضي ما شاء و أراد ،
بل لا بد في كل عصر من الرجوع الى من بيده الامر سواء أ كان
عادلا أم كان فاسقا ،و ذلك للتحفظ على النظام .

ثانيها :أن تكون قائمة على أساس أن لا تبقى الارض معطّلة

ثالثها :أن تكون قائمة على أساس ان لكل فرد منهم حقا فيها ،
و بما انه لا يتمكن من ممارسة حقه في تلك الاراضي بدون مراجعة
السلطان الجائر على أساس انها تحت استيلائه و سيطرته خارجا فتكون
المراجعة انما هي لأجل استيفاء حقه فيها و ممارسته ،لا لأجل ان
جواز تصرفه فيها يتوقف على اذنه و تقبيله .هذا .

و الأظهر من هذه الاحتمالات هو الاحتمال الأخير ،دون
الاحتمالين الاولين ،و سوف نشير الى وجه ذلك .

و عليه فتدل تلك الروايات على انه يجوز أن يقوم كل فرد
بممارسة حقه فيها في الاطار العام الاسلامي بدون مراجعة من
بيده الأمر و يؤكد ذلك ما يظهر من بعض الروايات من فرض
ثبوت الحق لكل فرد من المسلمين فيها .

فالنتيجة في نهاية المطاف ان الاظهر هو القول بجواز ممارسة
كل فرد من الأمة حقه فيها بشكل من أشكال الانتاج في حدود
دائرة الشرع ،فالتصرف بهذا الحد مسموح من قبل ولي الأمر .

النقطة السادسة


الكلام في هذه النقطة انما هو في تعيين من له الولاية على الارض المفتوحة عنوة

--( 264 )--

لا اشكال :في ولاية الامام ( ع ) عليها ،اذ مضافا الى ثبوت
الولاية العامة له ( ع ) قد دلت على ذلك مجموعة من النصوص .

منها :الروايات المتقدمة التي قد نص فيها بأن أمر تلك الأرض
بيد الامام ( ع ) و هذا لا كلام فيه ،و انما الكلام و الاشكال في
ولاية السلطان الجائر عليها .

قيل :بثبوت الولاية له بل أفرط في القول بها حتى جعله بمنزلة
الامام العادل .

و غير خفي :ان هذا القول يقوم على أساس ان منصب الولاية
لازم لمنصب السلطنة و الحكومة و ان كان المتقلص به غاصبا و جائرا .

و قيل :بعدم ثبوت الولاية له أصلا ،بل قيل :بعدم نفوذ
تصرفه فيها مطلقا و ان كان على طبق المصلحة العامة .

و هذا القول :يقوم على أساس ان نفوذ تصرف كل شخص في
مال أخر بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه هنا .

و الصحيح في المقام ان يقال :انه لا شبهة في عدم ثبوت الولاية
للسلطان الجائر ،و السبب فيه ان ثبوت الولاية بحاجة الى دليل ،
و لا دليل عليه ،لا عقلا ،و لا نقلا .

أما الاول :فواضح بل العقل بمناسبة الحكم و الموضوع يحكم
بعدم لياقة الجائر للتلبس بهذا المنصب العظيم الإلهي -و هو منصب
الولاية و الجلوس على كرسي الخلافة -.

و أما الثاني :فأيضا كذلك بل يستفاد من مجموعة من النصوص
انه لا يجوز الرجوع الى حاكم الجور ،و قد علّل في بعضها ان
الاخذ بحكمه اخذ بحكم الطاغوت ،و هو باطل و سحت .

--( 265 )--

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة :و هي انه كما لا دليل على ثبوت
الولاية للجائرة على أموال الناس ،بل قد عرفت ان الدليل من
العقل و النقل قد قام على عدم ثبوتها له جزما ،كذلك لا دليل
على نفوذ حكمه ،بل ان الدليل قد قام على عدم نفوذه ،هذا كله
بالاضافة الى ثبوت الولاية له و نفوذ حكمه بصورة عامة .

و أما تصرفاته في خصوص ما نحن فيه أي -الارض المفتوحة
عنوة -بتقبيل و نحوه فهل هي نافذة ؟الظاهر هو نفوذها ،بالمعنى
الآتي لدلالة عدة من الروايات على ذلك .

منها :صحيحة الحلبي عن أبي عبد اللّه ( ع ) انه قال :في القبالة
أن تأتي الارض الخربة فتقبلها من أهلها عشرين سنة الى أن قال :
و قال :لا بأس أن يتقبل الارض و أهلها من السلطان الحديث - 1 -

و منها :معتبرة اسماعيل بن الفضل الهاشمي قال :سألت أبا
عبد اللّه ( ع ) عن رجل اكترى أرضا من ارض أهل الذمة من
الخراج و أهلها كارهون و انما يقبلها السلطان بعجز أهلها عنها او
غير عجز فقال :( اذا عجز أربابها عنها فلك أن تأخذها إلا أن
يضاروا ،و ان اعطيتهم شيئا فسخت أنفسهم بها لكم فخذوها )
الحديث - 2 - .

و منها :رواية ابراهيم الكرخي قال :سألت أبا عبد اللّه ( ع )
عن رجل له قرية عظيمة و له فيها علوج يأخذ منهم السلطان خمسين
درهما ،و بعضهم ثلاثين ،و أقل ،و أكثر ما تقول :ان صالح عنهم
السلطان أعني صاحب القرية بشي‏ء و يأخذ هو منهم أكثر مما يعطي

---------------

( 1 ) الوسائل ج 13 الباب 8 من أحكام المزارعة و المسافات الحديث 3



---------------

( 2 ) الوسائل ج 12 الباب 21 من أبواب عقد البيع الحديث 10


--( 266 )--

السلطان قال :قال .( هذا حرام ) - 1 - .

و منها :صحيحة إسماعيل بن الفضل الهاشمي عن أبي عبد
اللّه ( ع ) قال سألته عن الرجل استأجر من السلطان من أرض
الخراج بدراهم مسماة أو بطعام مسمى ،ثم أجرها و شرط لمن
يزرعها أن يقاسمه النصف أو أقل من ذلك أو أكثر ،و له في الارض
بعد ذلك أ يصلح له ذلك قال :( نعم اذا حفر لهم نهرا او عمل
لهم شيئا يعينهم بذلك فله ذلك ) الحديث - 2 - .

فالمستفاد من مجموعة هذه النصوص :هو نفوذ تصرف السلطان
الجائر في الاراضي الخراجيه ،و جواز أخذها منه بايجارة و تقبيل ،
و هذا لا يعني ان تصرفه فيها جائز ،إذ لا شبهة في ان تصديه لهذا
المنصب ،و تصرفه فيها محرم على أساس انه غاصب لذلك ،و مع هذا
كيف يكون تصرفه في تلك الاراضي التي هي ملك عام للمسلمين
جائزا ،بل المقصود من تلك النصوص هو نفوذ تصرفه بالاضافة
الى من يقوم بممارسة هذه الاراضي يعني -يجوز له أخذ الأرض
من يده بايجارة و تقبيل و ان كان ذلك محرّم عليه -و من هنا أشرنا
آنفا :الى أن في تلك النصوص احتمالات :

الاول :أن يكون نفوذ تصرفهم على اساس أن لا تبقى الارض
معطّلة رغم حاجة المسلمين الى استثمارها و ممارسة إنتاجها .

الثاني :أن يكون على أساس التحفظ على النظام السائر في البلاد

الثالث :أن يكون على أساس ان لكل فرد منهم حقا فيها .

و هذا الوجه هو الظاهر منها ،دون الوجهين الاولين .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 12 الباب 93 من ابواب ما يكتسب به الحديث 1



---------------

( 2 ) الوسائل ج 13 الباب 21 من أحكام الاجارة الحديث 3 ،4


--( 267 )--

أما الوجه الاول فلأن غير الشيعة من طوائف المسلمين بما انهم
يرون على ضوء منهجهم الفقهي أن خلافة هؤلاء الخلفاء و السلاطين
كانت على حق نظرا الى أن هؤلاء كانوا لديهم من ولاة الامر الذين
قد أمر في الآية الكريمة بلزوم اتّباعهم فلا محالة تكون تصرفاتهم
في تلك الاراضي بتقبيل و إجارة و نحو ذلك نافذة عندهم و عن
استحقاق ،بدون حاجة الى تلك النصوص و أما الشيعة فبما أن
نسبتهم الى تلك الطوائف في ذلك العصر كانت في غاية القلة فلا
يلزم من عدم نفوذ تصرفاتهم في حقهم تعطيل الارض .

و بذلك يظهر حال الوجه الثاني ،فان غير الشيعة من الطوائف -
بما انهم كانوا معتقدين ان النظام الموجود في عصر هؤلاء الخلفاء هو
النظام الذي قد أمر في الإسلام باتباعه -يرون أنفسهم ملزمين بوجوب
العمل على وفق ذلك النظام ،و عدم جواز مخالفته ،بدون حاجة الى
النصوص المزبورة .و أما الشيعة فبما انهم كانوا قليلين فلا يلزم من
عدم عملهم على وفق النظام المزبور الهرج و المرج و التعدي على حقوق
الآخرين ،على انهم لا يتمكنون من المخالفة جهرا .

فاذن يتعيّن الوجه الثالث -و هو ان إمضاء الامام ( ع ) في تلك
النصوص انما هو يقوم على ضوء أن يتيح الفرصة لهم لممارسة
حقوقهم فيها و استنقاذها -حيث ان لهم حقا فيها ،كما يظهر من
بعض الروايات ،فلو لم يمض الامام ( ع ) ذلك لضاع حقهم فيها
على أساس انهم لا يتمكنون من ممارستها و استنقاذها بطريق آخر .

--( 268 )--

النقطة السابعة


إن الارض العامرة حال الفتح عنوة اذا ماتت و خربت فهل
تنقطع بذلك علاقة المسلمين عنها نهائيا ؟فيه وجهان :

الصحيح عدم انقطاع علاقتهم عنها كذلك ،لما تقدم منا في
ضمن البحوث السالفة من أن علاقة الفرد بالارض اذا كانت على
مستوى الملك لم تنقطع عنها نهائيا بعد الخراب و الموت ،بل قلنا
انها لا تنقطع بالامتناع عن القيام بعملية احيائها و عمارتها ،غاية
الامر يجوز لغيره في هذا الفرض أن يقوم بهذه العملية باذن من
ولي الامر رغم ان رقبة الارض باقية في ملكه .

و فيما نحن فيه حيث ان علاقة المسلمين بالارض كانت على مستوى
الملك فلا تنقطع عنها بالخراب .

و دعوى -ان ملكية المسلمين للأرض لمّا كانت مقيدة بالحياة بمقتضى
صحيحة الحلبي ،حيث قد قيدت الارض فيها بالسواد ،فاذا زالت
حياتها انقطعت علاقة الامة عنها نهائيا بانتفاء موضوعها -خاطئة
جدا ،و ذلك لأن التقييد في الصحيحة بما انه كان في كلام لسائل
دون كلام الامام ( ع ) فلا مفهوم له ،و قد تقدم ان مقتضى عدة
من الروايات هو ان موضوع ملكية المسلمين مطلق الارض سواء
أ كانت ميتة أم كانت حية طبيعيا كانت او بشريا .و من هنا قلنا ان
الارض الموات اذا أخذت من الكفار عنوة فهي ملك للمسلمين فلا
يعتبر في ملكيتهم كون المأخوذ سوادا .و على هذا الأساس فلا مجال

--( 269 )--

لهذه الدعوى أصلا .

و لو تنزلنا عن ذلك .و سلمنا ان موضوع ملكية المسلمين حصة
خاصة من الارض ،و هي الارض السواد بشريا ،و هذا يعني -ان
الارض المأخوذة من الكفار اذا كانت عامرة بجهد من الانسان فهي
تصبح ملكا للمسلمين و إلا فلا -.

او فقل :ان هذا القول يقوم على أساس ان بسبب الفتح تنتقل
ملكية الكافر من الارض الى المسلمين فكل أرض لم تكن ملكا
للكافر فلا أثر للفتح بالاضافة اليها فعندئذ هل تنقطع ملكية
المسلمين عنها بعد خرابها و زوال حياتها أولا ؟فيه وجهان :

الظاهر هو الوجه الثاني ،و ذلك لما عرفنا في ضمن البحوث
السالفة من ان الارتكاز القطعي من العرف قائم على أن موضوع
الملك هو ذات الارض و الحياة جهة تعليلية ،لا تقييدية فاذا زالت
لم يزل الملك .

و بكلمة اخرى ان الحياة و ان كانت شرطا لملكية المسلمين الارض
بالفتح إلا أنها لدى العرف شرط خارجي ،و ليست مقومة للموضوع

الى هنا قد استطعنا أن نخرج بهذه النتيجة :و هي ان الارض
المفتوحة عنوة اذا كانت عامرة و زال عمرانها و أصبحت مواتا لم
تخرج عن نطاق ملكية المسلمين فلا يجوز لأيّ واحد أن يقوم
باحيائها و عمرانها إلا باجازة من بيده الأمر على الشكل الذي مرّ
سابقا .

--( 270 )--

النقطة الثامنة


ان ملكية الارض الخراجية للمسلمين ترتكز على ركيزتين .

الاولى :أن يكون أخذها من الكفار بالعنوة و الجهاد المسلّح
و لذا يعبّر عنها بالارض المفتوحة عنوة .

و تدل على هذه الركيزة صحيحة أبي نصر المتقدمة .

و ان شئت قلت :ان الارض المأخوذة من الكفار لا تخلو من
أن تكون بالقهر و الغلبة ،او تكون بدون التوسل بذلك ،و لا ثالث
لهما ،و على الاول فهي ملك للمسلمين بمقتضى هذه الصحيحة ،و على
الثاني فهي ملك للإمام ( ع ) بمقتضى مجموعة من الروايات التي
تقدمت في صدر الكتاب الدالة على أن ما لم يوجف عليه بخيل .
و لا ركاب فهو للإمام ( ع ) .

الثانية :أن يكون ذلك باذن الامام ( ع ) و أمره .

و تدل على ذلك :صحيحة معاوية بن وهب قال قلت :لأبي
عبد اللّه ( ع ) السرية يبعثها الامام ( ع ) فيصيبون غنائم كيف
يقسم قال :( ان قاتلوا عليها مع أمير أمره الامام ( ع ) عليهم
أخرج منها الخمس للّه و للرسول ،و قسم بينهم أربعة أخماس ،و ان
لم يكونوا قاتلوا عليها المشركين كان كل ما غنموا للإمام ( ع )
يجعله حيث أحب ) - 1 -

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 41 من ابواب جهاد العدو الحديث 1 .


--( 271 )--

وجه دلالة الصحيحة انها تتكفل قضية شرطية قد أخذ في
موضوعها قيد ان :

أحدهما :أن تكون الغنائم مأخوذة من الكفار بالقتال و هراقة
الدماء .

و الآخر :أن يكون ذلك القتال يأمر الامام ( ع ) و اذنه ،
فاذا تحقق القيدان معا فالغنيمة للمقاتلين تقسم بينهم بعد اخراج
خمسها ،و اذا انتفى القيد الاول فالغنيمة للإمام ( ع ) كما صرح
بذلك في ذيل الصحيحة .و اذا انتفى القيد الثاني فالامر أيضا
كذلك بمقتضى الفهم العرفي و ان لم يصرح به في الصحيحة على اساس
أن القضية في حد نفسها تدل عليه بلا حاجة الى التصريح .

و تصريح الامام ( ع ) في الصحيحة بأحد فردي المفهوم دون
الفرد الآخر لا يمنع عن ظهورها فيه ،لعدم علاقة بين الأمرين
من هذه الناحية يعني -ان التصريح بأحدهما لا يكون قرينة على عدم
الآخر لدى العرف -.

و يؤيد ذلك :مرسلة العباس الوراق عن رجل سمّاه أبي عبد
اللّه ( ع ) قال :( اذا غزا قوم بغير إذن الامام ( ع ) فغنموا كانت
الغنيمة كلها للإمام ( ع ) و اذا غزوا بأمر الامام فغنموا كان للإمام
الخمس ) .

و دعوى : -ان ضعفها منجبر بعمل الأصحاب -خاطئة جدا ،
فان الصغرى في المقام غير متحققة .مضافا الى المناقشة في الكبرى
كما عرفت .

ثم ان الغنيمة في مورد الصحيحة و ان كانت هي الغنيمة المنقولة
بقرينة تقسيمها على المقاتلين خاصة إلا أن الارتكاز القطعي لدى

--( 272 )--

العرف قائم على عدم خصوصية لها فالحكم فيها لا محالة يعم غير
المنقول منها أيضا كالأرض على أساس هذا الارتكاز .

فالنتيجة لحد الآن :انه لا بأس بالالتزام بدلالة الصحيحة على
اعتبار الاذن فيما نحن فيه أيضا بضميمة ذلك الارتكاز .

و أما اذا نوقش في دلالة الصحيحة ،اما من ناحية عدم المفهوم
لها ،او من ناحية اختصاصها بالغنائم المنقولة فهل يمكن الحكم
بملكية الارض المأخوذة من الكفار عنوة للامة و ان كانت بغير اذن
الامام ( ع ) ؟فيه وجهان :

لا يبعد أن يكون الأظهر هو الوجه الثاني ،و سوف نشير اليه .

و أما ما عن شيخنا العلامة الانصاري ( قده ) : -من ان عدم
اعتبار الاذن انما هو من ناحية معارضة مرسلة الورّاق مع مجموعتين
من الروايات .

إحداهما :جاءت بهذا النص :ما لم يوجف عليه بخيل و لا ركاب
فهو للإمام ( ع ) ،فانها تدل بمفهومها على أن ما يوجف عليه بخيل
و ركاب فهو ليس منه ( ع ) فالمعارضة بين إطلاق المرسلة و إطلاق
مفهوم هذه المجموعة ،فان إطلاق الأولى يشمل الأرض و غيرها ،
و إطلاق مفهوم الثانية يشمل صورة الاذن و عدمها ،فمورد الالتقاء
بينهما الارض المفتوحة عنوة بدون الاذن من الامام ( ع ) .

و الاخرى جاءت بنص آخر :ما أخذ بالسيف فذلك الى الامام
يقبله بالذي يرى ،فان إطلاقها يعم صورة الاذن و عدمها .فعندئذ
يكون مورد الالتقاء و المعارضة بين الجميع هو الارض المذكورة ،
فان مقتضى إطلاق المرسلة انها ملك للإمام ( ع ) نظرا الى أنها
مأخوذة بدون أمره و إذنه ،و مقتضى إطلاق هاتين المجموعتين انها

--( 273 )--

ملك عام للمسلمين ،و بما انه لا مرجح لأحد الطرفين على الطرف
الآخر فالمرجع هو عموم الآية ،و مقتضاه هو ان خمسها للإمام ( ع ) .

و اما الباقي فهو لغيره ،و يدور أمره بين ان يكون لعموم المسلمين
أو خصوص المقاتلين ،و حيث لا نص ،و لا اجماع على الثاني
فيتعين الأول .

فيرد عليه أولا :ان المرسلة ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد
عليها ،كما أشرنا اليه آنفا .

و ثانيا :على تقدير تسليم ان المرسلة تامة من ناحية السند -و لو
من جهة جبر ضعفها بعمل الاصحاب -إلا انه لا يمكن ان تتعارض
معها المجموعتان المتقدمتان من الروايات .

أما المجموعة الأولى :فبما ان دلالتها على المفهوم تقوم على اساس
مفهوم القيد فلا تدل على نفي هذا الحكم عن موضوع آخر -و هو
الارض المأخوذة من الكفار عنوة بدون اذن الامام ( ع ) -يعني -
لا تدل على انها ليست ملكا للإمام ( ع ) فانها ساكتة بالاضافة
الى ذلك نفيا و اثباتا .

نعم إنها تدل بمقتضى هذا المفهوم على ان هذا الحكم اعني
-الملكية -لم يثبت لطبيعي الارض المأخوذة من الكفار على نحو
الاطلاق ،و إلا لكان التقييد بالقيد المذكور فيها لغوا ،و لا تدل على
انه لم يثبت لحصة اخرى منه ،فاذن لا معارضة بينها و بين المرسلة ،
فان المرسلة تدل على ان هذه الحصة ملك للإمام ( ع ) أيضا ،
و تلك المجموعة ساكتة عن ذلك ،و من الطبيعي انه لا معارضة بين
ما فيه الدلالة و ما لا دلالة فيه .و هذا بخلاف ما إذا كانت دلالتها
عليه تقوم على أساس مفهوم الشرط ،فانها حينئذ تدل على نفي الحكم

--( 274 )--

عنها ،و تصلح ان تعارض المرسلة ،و بذلك يمتاز مفهوم الشرط عن
مفهوم القيد .

و أما المجموعة الثانية :فالظاهر انه لا اطلاق لها من هذه
الناحية ،فانها في مقام بيان حكم آخر -للأرض المأخوذة من
الكفار بالسيف و هراقة الدماء بعد الفراغ عن ملكيتها للمسلمين -
و هو ان أمرها بيد الامام ( ع ) و ليست في مقام بيان شرائط ملكية
هذه الارض للأمة ،فاذن لا اطلاق لها من هذه الناحية لكي تشمل
صورة عدم الاذن .

و على الجملة :فهذه المجموعة تدل على ان أمر الارض التي هي
ملك للمسلمين بيد الامام ( ع ) و له أن يقبله بالذي يرى ،و يصرف
حاصلها و نتاجها في مصالح الأمة فلا تدل بوجه على عدم اعتبار اذن
الامام ( ع ) في ملكية الأمة للأرض .

و من ذلك :يظهر حال صحيحة الحلبي و نحوها ،فان السؤال في
هذه الصحيحة إنما هو عن حال الأرض السواد في الخارج المأخوذة
من الكفار بالجهاد المسلح ،و اجاب الامام ( ع ) عن ذلك بانها ملك
لجميع المسلمين ،و من الطبيعي انه لا دلالة لها بوجه على ان اخذها
منهم كان باذن الامام ( ع ) أو لا يكون باذن منه ،لأن مدلولها إنما
هو ملكية تلك الارض لجميع الامة الى يوم القيامة ،و لا تنظر الى
حالة اخذها من الكفار و انه كان مع الاذن أو بدونه اصلا ،فاذن
لا اطلاق للصحيحة بالاضافة إلى هذه الحالة كي يتمسك باطلاقها
لإثبات عدم اعتبار الاذن في كونها ملكا لهم .

و اما الروايات :الدلالة على وجوب الخراج عليها ،و عدم جواز
شرائها ،و غيرهما من الاحكام و الآثار فهي بأجمعها مسوقة لبيان

--( 275 )--

ما يترتب على ملكيتها للمسلمين من الآثار و الاحكام بعد الفراغ عن
كونها ملكا لهم ،و لا تنظر الى ما يعتبر في ملكيتها من الشرائط ابدا .

فالنتيجة :انه لا اطلاق لشي‏ء من تلك المجموعات كي يدل
باطلاقه على عدم اعتبار الاذن فيها .

و ثالثا :مع الاغماض عن جميع ذلك ،و تسليم المعارضة بينهما
و بين المرسلة إلا ان الآية الكريمة لا تصلح ان تكون مرجعا لإثبات
ان تلك الارض بعد اخراج خمسها ملك للمسلمين ،فانها لا تدل على
ذلك ،بل لا يبعد دعوى ظهور الآية في ان الباقي ملك للمقاتلين
على اساس ان الخطاب فيها متوجه اليهم خاصة ،و عليه فالمرجع هو
العام الفوقي ( كل ارض لا رب لها فهو للإمام ( ع ) ) ،فانه
يثبت -بعد ضم الاصل الموضوعي اليه -ان الارض المزبورة ملك
للإمام ( ع ) على اساس انها تدخل في الارض التي لا رب لها .

و قد تحصل من ذلك :ان ما عن الشيخ الاعظم ( قده ) لا يمكن
اتمامه بوجه .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان الروايات
الواردة في الاراضي الخراجية بمجموعاتها المختلفة لا يدل شي‏ء منها
على عدم اعتبار الاذن في ملكية تلك الاراضي للأمة بسبب الفتح خارجا
هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى إذا افترضنا انه لا دليل على اعتبار الاذن في
ملكيتها على اساس ان المرسلة ضعيفة سندا ،و صحيحة معاوية لا دلالة
فيها على ذلك ،فاذن النتيجة على ضوء هاتين الناحيتين ،هي :ان
الارض المفتوحة عنوة اذا كان فتحها بدون اذن الامام ( ع ) فهي
كما انها ليست ملكا للمسلمين على اساس قصور ادلتها عن شمول تلك ،

--( 276 )--

فكذلك ليست ملكا للإمام ( ع ) بعين ذاك الملاك ،فعندئذ لا مانع
من الرجوع الى العام الفوقي المزبور ،و مقتضاه -بعد ضم الاصل الموضوعي
اليه -هو ان الارض المزبورة ملك للإمام ( ع ) .

نتيجة هذا البحث عدة نقاط :


الاولى :ان ملكية المسلمين للأراضي الخراجية ترتكز على
ركيزتين :

1 -اخذها من الكفار بالجهاد المسلح .

2 -كون الاخذ باذن الامام ( ع ) و امره .

الثانية :ان الغنيمة في مورد صحيحة معاوية و ان كانت خصوص
الغنائم المنقولة الا ان الارتكاز القطعي من العرف قائم على عدم
خصوصية لها .

الثالثة :ان ما ذكره شيخنا العلامة الانصاري ( قده ) -في وجه
عدم اعتبار الاذن فقد عرفت انه لا يمكن اتمامه بدليل .

الرابعة :ان أدلة ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة في حد
نفسها قاصرة عن شمولها اذا كانت مأخوذة من الكفار بدون اذن
الامام ( ع ) و امره .

النقطة التاسعة


ان الاراضي التي فتحت عنوة من قبل المسلمين بعد النبي الاكرم
( صلى اللّه عليه و آله و سلم ) و في زمن الخلفاء و ولاة الجور من بني

--( 277 )--

أمية و بني العباس هل يمكن لنا احراز ان تلك الفتوحات كانت باذن
الامام ( ع ) و أمره ؟فيه وجهان :

الصحيح انه لا يمكن احراز ذلك ،فان ما قيل :او يمكن
ان يقال :في طريق اثبات ذلك عدة وجوه :لا يتم شي‏ء منها :

الاول :صحيحة محمد بن مسلم عن أبي جعفر ( ع ) قال :سألته
عن سيرة الامام في الارض التي فتحت بعد رسول اللّه ( ص ) فقال :
ان أمير المؤمنين ( ع ) قد سار في اهل العراق سيرة فهم امام لسائر
الارضين الحديث - 1 - ،فانها تدل على ان أمير المؤمنين ( ع ) قد
سار في ارض العراق بسيرة تكون اماما لسائر الارضين ،و بما أن
معاملته ( ع ) معها كانت معاملة أرض المسلمين رغم انها فتحت
بعد النبي الاكرم ( ص ) و في زمن الخلفاء فتدل على ان فتحها كان
باذن الامام ( ع ) و الا لكانت من الانفال .

و الجواب عن ذلك

أولا :ان هذه السيرة منه ( ع ) في ارض العراق لا تدل على
ان الفتح كان في ذلك العصر باذن الامام ( ع ) و مشورته ،و ذلك
لان مجرد صرفه ( ع ) حاصل هذه الارض و نتاجها في مصالح المسلمين
لا يدل على ان رقبة الارض داخلة في نطاق ملكيتهم ،فانه كما
ينسجم مع افتراض كونها ملكا عاما للمسلمين ،كذلك ينسجم مع
افتراض كونها ملكا للإمام ( ع ) على اساس ان أمر الرقبة على
كلا الفرضين بيده ( ع ) و له ان يتصرف فيها من تقبيل و اجارة
و نحو ذلك ،و يصرف نتاجها فيما يرى من المصلحة سواء أ كانت من

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 49 من ابواب جهاد العدو الحديث ( 2 ) .


--( 278 )--

مصالح الدولة الاسلامية أم كانت من مصالح المسلمين ،حيث ان
الاولى ترجع بالتالي الى الثانية .

و ثانيا :ان أمير المؤمنين ( ع ) لا يقدر على تغيير ما صنعه
الخلفاء قبله ،و عليه فكيف تدل سيرته ( ع ) في أرض العراق -على
اساس انها امام لسائر الارضين -على ان تلك الفتوحات كانت واقعة
باذن الامام ( ع ) و مشورته .

و على ذلك فالمراد من ان سيرته ( ع ) في أرض العراق امام
لسائر الارضين هو انه لا بد من ان يسير و يعمل في كل ارض كان
أمرها بيد الامام ( ع ) بسيرة امير المؤمنين ( ع ) في ارض العراق ،
و لا يجوز التخطي عن هذه السيرة يمنة و يسرة .

الثاني :ما ورد في بعض الروايات من ان الفتوحات الواقعة في
عصر خلافة الثاني قد كانت باذن أمير المؤمنين ( ع ) و مشورته .

و الجواب عنه .

اولا :ان تلك الروايات لم تثبت بحيث يمكن الاستدلال بها .

و ثانيا انها لو تمت فانما تتم في الفتوحات التي وقعت في عهد
خليفة الثاني فحسب ،دون الفتوحات الواقعة في زمان خلفاء بني
أمية و بني عباس حيث انها لم تكن على اساس مشورة الائمة الاطهار ( ع )
و اذنهم نهائيا .

الثالث :ان تلك الفتوحات و ان لم تكن بأمر الامام ( ع )
و اذنه الا انها لما كانت بعنوان الإسلام في مقابل الكفر و الضلال
فبطبيعة الحال كانت كاشفة عن رضا الائمة ( ع ) بها جزما على اساس
انها تمنح الإسلام هيبة و عظمة -مادية و معنوية -و من الطبيعي ان ذلك
الرضا يكفي في صيرورة الارض ملكا للامة .

--( 279 )--

و الجواب عنه .

أولا :ان كشف تلك الفتوحات عن رضا الامام ( ع ) بها يقوم
على اساس انها بشتى اشكالها و الوانها كانت على مصلحة الإسلام و الدين
و من المعلوم ان اثبات ذلك في غاية الاشكال بل المنع لعدم الطريق
الى احراز انها باجمعها كانت كذلك .

و ثانيا :قد ورد في عدة من الروايات عدم مشروعية الجهاد الا
مع امام معصوم ( ع ) .

منها :رواية بشير عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :قلت :له
اني رأيت في المنام اني قلت لك ان القتال مع غير الامام المفترض
طاعته حرام مثل الميتة و الدم و لحم الخنزير فقلت :لي نعم هو
كذلك فقال :ابو عبد اللّه ( ع ) هو كذلك و هو كذلك - 1 - فانها
واضحة الدلالة على ان الجهاد مع غير الامام المفترض طاعته محرم
و انما الكلام في سندها و لا اشكال فيه إلا من ناحية بشير حيث لم
يرد توثيق فيه إلا وقوعه في اسناد كامل الزيارات فعندئذ ان اكتفينا
بذلك فالرواية صحيحة و إلا فلا ،و قد اشرنا الى ان الاكتفاء به
مشكل .

و منها :صحيحة عبد اللّه بن المغيرة قال :قال محمد بن عبد اللّه :
للرضا ( ع ) -و انا اسمع -حدثني ابي عن أهل بيته عن آبائه انه
قال :له بعضهم :ان في بلادنا موضع رباط يقال له قزوين ،و عدوا
يقال :له الديلم فهل من جهاد او هل من رباط فقال :( عليكم
بهذا البيت فحجوه ،فاعاد عليه الحديث فقال :عليكم بهذا البيت

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 12 من أبواب جهاد العدو الحديث 1


--( 280 )--

فحجوه ،اما يرضى أحدكم ان يكون في بيته ينفق على عياله من
طوله ينتظر امرنا ،فان ادركه كان كمن شهد مع رسول اللّه ( ص )
بدرا ،فان مات ينتظر امرنا كان كمن كان مع قائمنا صلوات اللّه
عليه ،و هكذا في فسطاطه و جمع بين السبابتين و لا اقول :هكذا ،
و جمع بين السبابة و الوسطى ،فان هذه اطول من هذه فقال ابو
الحسن ( ع ) :صدق ) - 1 - .

فان هذه الرواية تامة دلالة و سندا .

و منها :رواية عبد الملك بن عمرو ،قال :قال :لي ابو عبد اللّه ( ع )
يا عبد الملك مالي أراك تخرج إلى هذه المواضع التي يخرج اليها اهل بلادك
قال :قلت :و اين ؟قال :جده ،و عبادان ،و المصيمة ،و قزوين ،
فقلت انتظارا لأمركم و الاقتداء بكم فقال :اي و اللّه لو كان خيرا
ما سبقونا اليه الحديث - 2 - .

فهذه الرواية و إن كانت لا بأس بها من ناحية الدلالة إلا ان
الاشكال فيها من ناحية السند على اساس ان في سندها حكم بن
مسكين ،و عبد الملك بن عمرو و لم يرد فيهما توثيق غير وقوع الاول في
اسناد كامل الزيارات ،و قد عرفت ان الاكتفاء بذلك في توثيق الراوي
مشكل ،و رواية ابن أبي عمير -الذي هو من اصحاب الاجماع -عن
الثاني ،و قد تقدم انه لا يمكن الاكتفاء به في توثيق الراوي .

و منها غيرها من الروايات :

و بالرغم من هذا فكيف يمكن ان ينسب إلى الأئمة ( ع ) الرضا
بالفتوحات المزبورة رغم ان تلك الفتوحات لم تكن مع الامام المفترض
طاعته ،و لا بأمره و اذنه ( ع ) .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 11 الباب 12 من ابواب جهاد العدو



---------------

( 2 ) الوسائل ج 11 الباب 12 من ابواب جهاد العدو


--( 281 )--

مع اننا عرفنا ان المعتبر -في ملكية الارض المفتوحة عنوة
للمسلمين -هو ما اذا كان فتحها خارجا مع الامام المفترض طاعته ،
او كان بامره و اذنه .و اما اذا لم يكن فتحها في الخارج كذلك فهي
داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) ،لا الأمة ،و لا فرق في ذلك
بين ان يتوفر فيها الرضا القلبي من الامام ( ع ) او لا ؟فانه
لا يكفي في صيرورة الارض ملكا للمسلمين ،ضرورة انه لا اثر
للرضا المزبور ما لم يكن له مبرز في الخارج من قول او فعل ،فان
الدليل على اعتباره ان كان صحيحة معاوية بن وهب فهي تدل بمقتضى
مفهومها على اعتبار الاذن و الامر من الامام ( ع ) و لازم ذلك عدم
كفاية الرضا القلبي فحسب بدون الاذن .و ان كان قصور ادلة ملكية
المسلمين عن شمول الارض فيما اذا كان فتحها بدون اذن من
الامام ( ع ) فهو بطبيعة الحال يعم ما إذا كان الامام ( ع ) راضيا
به قلبا ،و ما اذا لم يكن راضيا به كذلك أيضا .

فالنتيجة :ان وجود الرضا القلبي بالفتح خارجا لا يكفي لصيرورة
الارض ملكا للمسلمين اذا لم يكن له مبرز في الخارج .

و ثالثا :على تقدير تسليم ان الرضا القلبي من الامام ( ع )
بالفتح يكفي في صيرورة الارض ملكا للأمة إلا انه لا طريق لنا الى
احرازه ،حيث ان توهم احرازه انما هو على اساس ان تلك الفتوحات
بما انها تمنح الإسلام هيبة و سيطرة -مادية و معنوية -فلأجل ذلك تستلزم
رضا اللّه تعالى ،و رسوله ( ص ) ،و أولو الامر بها .و لكن الكلام
انما هو في ثبوت هذه الملازمة ،و هي غير ثابتة ،لوضوح انه
لا ملازمة بين محبوبية شي‏ء و محبوبية مقدمته ،فيمكن ان يكون الشي‏ء
محبوبا لدى اللّه تعالى ،و لكن مقدمته كانت مبغوضة عنده فلا يرضى

--( 282 )--

ان يؤتى بتلك المقدمة لأجل الاتيان بذلك الشي‏ء .

و فيما نحن فيه و ان كان تأييد الدين الاسلامي و توسعته محبوبا
لدى الائمة ( ع ) الا انه لا يستلزم ان تكون تلك الفتوحات أيضا
محبوبة على اساس انها مقدمة له ،اذ يمكن ان تكون تلك الفتوحات
مبغوضة باعتبار ان فيها مفسدة رغم ان ما يترتب عليها محبوب ،
فالملازمة المذكورة غير ثابتة ،و عليه فكيف يمكن احراز رضا الامام
( عليه السلام ) بها .

هذا اضافة الى ان تلك الفتوحات لا تنسجم مع الإسلام بمحتواه
الواقعي ،فانها و إن كانت في اطار الإسلام الا انها انما كانت في
اطاره اسميا لا واقعيا على اساس ان المتصدين للفتوحات المزبورة
كانوا منحرفين عن الإسلام و خطواطه الاساسية التي جاء بها الرسول
الاعظم ( ص ) بوحي من اللّه ،و عليه فكيف تكون تلك الفتوحات
محبوبة عند اللّه و رسوله ( ص ) رغم انها توجب انتشار الإسلام بشكل
منحرف عن طرقه القويمة و خطوطه الاصيلة الواقعية .

الرابع :ان الفتوحات المذكورة بما ان امرها يدور بين ان
تكون على وجه صحيح كما اذا كانت باذن الامام ( ع ) او على وجه
باطل كما اذا لم تكن مع الامام المفترض طاعته ،و لا باذن منه ففي
مثل ذلك لا بد من حملها على الصحيح .

و الجواب عنه :انه لا يمكن حمل تلك الفتوحات على الوجه
الصحيح ،لان ذلك انما يرتكز على اساس ان يكون الخلفاء و الولاة
الذين يقومون بالفتوحات المزبورة منسجمين مع الائمة ( ع ) -
بان يكونوا دائما بصدد ان تكون فتوحاتهم في كل عصر بمشورتهم
( عليهم السلام ) و اذنهم -فعندئذ لو شك في مورد ان الفتح فيه كان

--( 283 )--

باذن الامام ( ع ) أم لم يكن حمل على الصحيح من باب ظهور
الحال ،و الفرض انهم ليسوا منسجمين مع الائمة الاطهار ( ع ) كيف
حيث انهم كانوا معارضين لهم تمام المعارضة ،و كانوا بصدد محو
آثارهم نهائيا عن دنيا الإسلام ،و مع ذلك كيف يمكن حمل تلك
الفتوحات على انها كانت في كل عصر باذن الامام ( ع ) و مشورته .

فالنتيجة في نهاية المطاف :انه لا يمكن اثبات ان الفتوحات
الواقعة بعد النبي الاكرم ( ص ) انما هي واقعة باذن الامام ( ع )
و امره ،فاذن -على اساس ما ذكرناه من اعتبار الاذن من ولى الامر
في ملكية المسلمين للأرض المفتوحة عنوة -يكون جميع الاراضي
التي فتحت بعد النبي الاكرم ( ص ) ملكا للإمام ( ع ) لا للأمة .

و من ذلك يظهر حال ارض العراق او ما شاكلها التي عبر عنها
بارض السواد ،فانه لا يمكن الحكم بكونها ملكا عاما للمسلمين ،
حيث لم يكن فتحها في زمان النبي الاكرم ( ص ) بل كان في العقد
الثاني من الهجرة ،و قد تقدم انه لم يثبت كونه بمشورة من أمير
المؤمنين ( ع ) و اذنه .

و ما هو المشهور بين الاصحاب -من ان ارض العراق او ما شاكلها
ملك للأمة -مبني على احد امرين :

الاول عدم اعتبار الاذن من الامام ( ع ) في ذلك و قد عرفت
اعتباره في ضمن البحوث السالفة .

الثاني :اثبات الاذن باحد الوجوه المتقدمة ،و لكن قد عرفت عدم
تمامية شي‏ء منهما .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي انه لا تترتب
على البحث التطبيقي أية ثمرة عملية ،فان الارض المفتوحة عنوة

--( 284 )--

كأرض العراق او نحوها سواء أ كانت ملكا للمسلمين أم كانت ملكا
للإمام ( ع ) فأمرها بيده ( ع ) و له ان يتصرف فيها بما يرى
من تقبيل و اجارة ،و نحوهما بلا فرق بين نوعين من الملك اصلا ،كما
ان له ( ع ) ان يصرف حاصلها و نتاجها في مصالح المسلمين او
مصالح الدولة التي ترجع بالتالي الى مصالح المسلمين ،فلا ثمرة
من هذه الناحية بين كون تلك الاراضي ملكا للمسلمين ،و كونها
ملكا للإمام ( ع ) هذا من جانب .

و من جانب آخر :انها على تقدير كونها ملكا للمسلمين فقد عرفنا
انها ظلت في نطاق ملكيتهم ،و لا تنقطع علاقتهم عنها نهائيا بعد
الخراب ،لما مر بنا في ضمن البحوث السالفة من ان العلاقة بالارض
إذا كانت على مستوى الملك لم تنقطع عنها بالخراب ،و لا بقيام غيره
باحيائها ،كما قد مر بنا انه لا فرق في دخول الارض في نطاق ملكية
المسلمين بين كونها عامرة او مواتا فلا فرق من هذه الناحية أيضا
بين كونها ملكا للأمة او ملكا للإمام ،فانها على كلا التقديرين
لا تخرج عن ملك صاحبها ،لا بعد الخراب ،و لا بعد قيام غيره
باحيائها كما تقدم .

و من هنا لا داعي للبحث باكثر و اوسع من ذلك في مجال التطبيق
و التشخيص بين نوعين من ملكية الارض اصلا .

النقطة العاشرة


ان الخراج الموضوع على الارض بتقبيل و اجارة من قبل ولي
المسلمين يتبع الارض في نوع الملك .فان كانت الارض ملكا عاما

--( 285 )--

للأمة فالخراج أيضا كذلك .و ان كانت ملكا للإمام ( ع ) فالخراج
أيضا ملكا له ( ع ) هذا .

و لكن قد عرفت انه لا ثمرة بين نوعين من الملك اصلا على اساس
ان امرهما بيد الامام ( ع ) فله ان يصرف ما هو ملك للمسلمين
في مصارف الدولة و نفقات الحكومة اذا رأى في ذلك مصلحة ،
و بالعكس .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى لا شبهة في انه يجب على المتقبلين دفع الخراج
الى الامام ( ع ) .

و انما الكلام و الاشكال في وجوب دفعه الى السلطان الجائر .

فذهب جماعة الى وجوب دفعه اليه :منهم الشهيدان :قال -
الشهيد الثاني ( قده ) في المسالك في باب الارضين :و ذكر الاصحاب
انه لا يجوز لأحد جحدها ،و لا منعها ،و لا التصرف فيها بغير اذنه ،
بل ادعى بعضهم الاتفاق عليه الى ان قال :ظاهر الاصحاب ان
الخراج و المقاسمة لازم للجار حيث يطلبه او يتوقف على اذنه .

و لكن الصحيح :عدم وجوب دفعه اليه

و الوجه فيه ان ما هو ثابت -بمجموعة من النصوص التي تقدمت -
هو جواز تقبل الارض من السلطان الجائر .و اما وجوب دفع الاجرة
و الخراج اليه فلا دليل عليه ،بل لا يجوز ذلك اذا علم انه لم يقم
بصرفه في موارده كما هو الغالب ،لفرض انه ملك المسلمين فلا بد
من صرفه في مصالحهم العامة ،و على ذلك فيجب عليهم دفعه الى
الامام ( ع ) ان امكن ،و الا فيتولى بنفسه صرفه في مصالح الامة .

و كذا الحال في المقاسمة و الزكوات ،فانه لا يجوز دفعهما الى
الجائر باعتبار انه يصرفهما فيما هو مصلحته ،لا فيما فيه مصلحة

--( 286 )--

المسلمين و الفقراء .

و من هنا :قد ورد في بعض الروايات النهي عن اعطاء الزكاة
للجائر و هو صحيحة عيص بن القاسم عن ابي عبد اللّه ( ع ) في
الزكاة قال :( ما اخذوا منكم بنو امية فاحتسبوا به ،و لا تعطوه
شيئا ما استطعتم ) الحديث - 1 - .

النقطة الحادية عشرة


قد تقدم منا :في ضمن البحوث السالفة ان لكل فرد من
المسلمين ان يمارس حقه في الانتفاع بالاراضي المفتوحة عنوة ،و انه
حر في ممارسة أي لون من الوان الانتاج منها و الانتفاع بها ،و لكن
كل ذلك لا بد ان يكون في ضمن الخطوط التي رسمت من قبل ولي
الامر او الدولة في دائرة الشرع ،و لا يجوز التعدي و التجاوز عن
تلك الخطوط نهائيا على اساس ان التجاوز و التعدي عنها يوجب تضييع
حقوق الآخرين ،و المنع عن الانتفاع بها .

و هذا يتنافى مع العدالة الاجتماعية التي يهتم الإسلام بها ،و يؤمن
بضرورة ايجادها بين طبقات الامة .و من الطبيعي ان تحقق تلك
العدالة في المجتمع الاسلامي لا يمكن الا على اساس حرية الافراد
في ممارسة حقوقهم في الانتفاع بها على ضوء دائرة الخطوط المزبورة ،
و عدم التعدي عنها يمنة و يسرة ،اذ لو كان كل فرد حرا في التصرف

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 20 من ابواب المستحقين للزكاة
الحديث 2 .


--( 287 )--

فيها ما شاء و اراد بحسب ما لديه من المكنة و القوة بشكل مطلق
لا وجب ذلك عدم العدالة الاجتماعية لا محالة .

و من هنا :كان على ولي الامر او الدولة وضع الخطوط التي اشرنا
اليها آنفا لتصرفات الافراد فيها لكي يتحفظ بها على حقوق الجميع
من ناحية ،و على التوازن و العدالة الاجتماعية بين افراد الامة من
ناحية اخرى .

و تفصيل الكلام في ذلك قد سبق بشكل موسع

النقطة الثانية عشرة


الارض المفتوحة عنوة اذا كانت عامرة طبيعيا كالغابات و نحوها
فلا شبهة في انها تصبح ملكا عاما للمسلمين اذا كان استيلاء الكافر
عليها متقدما زمنيا على تاريخ نزول آية الانفال ،و ذلك لا من
ناحية ان الكافر يملك تلك الارض بالاستيلاء و السيطرة عليها ،لما
سيجي‏ء في ضمن البحوث القادمة من ان الاستيلاء على الارض
لا يبرر حقا للمستولى فيها ،فان ما هو مبرر للحق فيها انما هو بذل
العامل الجهد و العمل فيها .

و عليه فان كانت الارض مواتا فالعامل بما انه يخلق فيها فرصة للانتفاع
بها على اساس قيامه بعملية الاحياء من ناحية و على ضوء ان كل فرد يملك
نتيجة عمله من ناحية أخرى فيملك العامل تلك الفرصة فيها ،
و على اثر تملكه لها يحصل على صلة برقبة الارض .

و اما اذا كانت الارض عامرة بطبيعتها فلا يخلق العامل فيها
شروطا و فرصة للاستفادة منها و الانتفاع بها ،فان تلك الشروط

--( 288 )--

و الفرصة متوفرة فيها قبل قيام العامل بالانتفاع بها ،و العامل انما
يمارس في زراعتها او نحوها ،و نتيجة عمله هي الزرع فهو يملك
ذلك ،لا الارض ،و لا الصفة الموجودة فيها على اساس ان شيئا منهما
ليس نتيجة عمله و جهده .

نعم حقه فيها ما دام يواصل في زراعتها و يمارس في الانتفاع
بها ،و ليس لآخر ان يمنعه عن ذلك و يزاحمه فيه ،بل من ناحية
ما تقدم من ان ملاك ملكية المسلمين للأرض هو انتزاعها من سيطرة
الكافر و استيلائه عليها خارجا و ان لم تكن للكافر علاقة بها ،لا على مستوى
الملك ،و لا على مستوى الحق .

و اما اذا كان استيلاء الكافر عليها بعد تاريخ نزول الآية فهل
هي تصبح ملكا للمسلمين او انها ظلت في ملك الامام ( ع ) ؟
فيه وجهان کظاهر اكثر الفقهاء هو الوجه الثاني ،حيث انهم لا يرون
الفرق بين الارض الموات بالاصالة ،و الارض العامرة طبيعيا ،فكما
ان الاولى داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) فكذلك الثانية على
اساس دخولهما في العام الفوقي -و هو ان كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ( ع ) -هذا .

و الصحيح :هو الوجه الاول ،و النكتة فيه ما تقدم منافي ضمن
الابحاث السالفة من ان نصوص مالكية المسلمين في مثل المقام تتقدم
على نصوص مالكية الامام ( ع ) على اساس انها اما ان تكون محكومة
بنصوص مالكية المسلمين ،او لا موضوع لها معها .

فالنتيجة في نهاية المطاف :انه لا فرق بين الارض الموات
بالاصالة ،و الارض العامرة بطبيعتها ،فكما ان الاولى تدخل في ملك
المسلمين بعد الفتح مسلحا ،فكذلك الثانية بدون فرق بين ان

--( 289 )--

يكون استيلاء الكافر عليها قبل تاريخ نزول الآية او بعده .

و من ذلك :يظهر حال ما اذا كان تاريخه بالاضافة اليه مجهولا ،
فانه لا اثر له على اساس ذلك نهائيا حتى يجري الاستصحاب و يسقط
بالتعارض ،فان الاثر له انما هو في فرض بقاء الارض في ملك
الامام ( ع ) اذا كان استيلاء الكافر عليها بعد التاريخ المزبور ،و لم
تنتقل الى ملك المسلمين بالفتح مسلحا .و لكن قد عرفت ان الامر
ليس كذلك .

--( 290 )--

--( 291 )--

-3 -
الارض المسلمة بالدعوة


مجموعة دراسات و بحوث يدرس
فيها اقسامها و ما يترتب عليها
من الاحكام و الآثار على ضوء
الشريعة الاسلامية المقدسة

--( 292 )--

--( 293 )--

الارض المسلمة بالدعوة


يقع الكلام فيها من جهات عديدة :

الأولى :ما إذا كانت الأرض المزبورة مواتا .

الثانية :ما اذا كانت عامرة بجهد بشرى .

الثالثة :ما إذا كانت عامرة بطبيعتها .

أما الجهة الأولى :فان كان اسلام أهلها عليها طوعا متقدما زمنيا
على تاريخ نزول آية الانفال فحينئذ ان ظلت الارض مواتا إلى ذلك
التاريخ دخلت في نطاق ملكية الامام ( ع ) و قيام اهلها بعد ذلك
بعملية احيائها و عمرانها لا يمنحهم علاقة بها على مستوى الملك و انما
يمنحهم علاقة بها على مستوى الحق ،لما تقدم في ضمن البحوث السالفة
من ان عملية الاحياء في الأرض التي هي ملك للإمام ( ع ) لا تورث
تملك المحيى لرقبتها و انما تورث له الاختصاص بها على مستوى الحق .

و اما اذا لم تظل الارض مواتا إلى ذلك التاريخ -بان كان اهلها
قائمين بعملية احيائها و عمارتها قبله زمنيا -فهي لا محالة توجب علاقتهم
بها على مستوى الملك ،و ذلك لما سبق في خلال البحوث المتقدمة من
ان احياء الارض اذا كان قبل تشريع ملكية الامام ( ع ) للأنفال
يورث تملك المحيى لرقبتها ،و عليه فالارض ظلت في ملكيتهم ،
و سوف نشير اليه في الجهة الثانية أيضا .

و ان كان تاريخ اسلامهم عليها طوعا متأخرا زمنيا عن تاريخ نزول الآية
فالارض ظلت في ملكية الامام ( ع ) اذ لا موجب لانقطاع علاقة
الامام ( ع ) عنها ابدا ،و اسلامهم لا يوجب منحهم الملكية ،كما

--( 294 )--

سيجي‏ء بحثه في ضمن الجهات القادمة .

و اما الجهة الثانية : -و هي ان الارض التي اسلم عليها أهلها طوعا
كانت عامرة بشريا -ففيها تارة يفرض تقدم عمرانها على التاريخ
الزمني لتشريع مالكية الامام ( ع ) للأنفال .و اخرى يفرض تأخر
عمرانها عن التاريخ الزمني لتشريعها .و ثالثة يفرض الجهل بالتاريخ
الزمني له .

اما على الفرض الاول .فلا شبهة في ان الارض تبقى في ملكية
اهلها ،ضرورة انه لا موجب لانقطاع علاقتهم عنها نهائيا ،و اندراجها
في ملكية الامام ( ع ) ،فان اندراجها في نطاق ملكيته ( ع ) يقوم
على أساس ان تكون الارض مواتا لدى تاريخ نزول آية الانفال ،
و الفرض انها كانت عامرة في هذا التاريخ .و من الطبيعي ان اسلام
أهلها عليها طوعا في هذا الفرض يوجب التحفظ على ملكيتهم لها ،
لأن موضوع حرمة مال المسلم يتحقق بإسلامهم ،اذ به يحقن الدم
و المال ،و لا يعقل أن يكون اسلامهم سببا لخروج ارضهم عن ملكيتهم
بعد ما كانت ملكا لهم بسبب الاحياء او نحوه قبل اعتناقهم بالاسلام ،
و قد تقدم ان احياء الكافر الارض يوجب تملكه لرقبتها اذا كان قبل
تاريخ تشريع ملكية الامام ( ع ) للأنفال ،و الفرض ان الأمر
كذلك فيما نحن فيه

و أما على الفرض الثاني :فالارض حيث كانت مواتا في عصر
تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) فهي بطبيعة الحال تدخل في نطاق
ملكيته ( ع ) بعد هذا التشريع .

و انما الكلام :في ان قيام الكافر باحيائها بعده هل يؤدي إلى
ثبوت حق له فيها فاذا اسلم عليها طوعا ظل حقه هذا قائما بها اولا ؟

--( 295 )--

فيه وجهان :

الظاهر هو الوجه الثاني :و ذلك لما تقدم في خلال الابحاث
الماضية من ان احياء الكافر للأرض التي هي ملك للإمام ( ع )
كما لا يوجب تملكه لرقبتها ،كذلك لا يؤدي إلى ثبوت حق له
فيها .هذا من ناحية .

و من ناحية أخرى :هل يملك الكافر الارض باسلامه عليها طوعا
بعد ما لم يكن مالكا لها حال كفره ؟فيه وجهان :

قد يستدل على الوجه الاول :بعدة أمور :

الأول :باطلاق قوله ( ع ) في صحيحة ابي نصر المتقدمة ( من
اسلم طوعا تركت ارضه بيده و اخذ منه العشر و نصف العشر ) على
اساس انه يشمل صورة تأخر عمران الارض زمنيا عن تاريخ تشريع
ملكية الامام ( ع ) للأنفال فيدل على انها تركت بيده بسبب
اسلامه عليها طوعا .

و ربما يناقش في الصحيحة بضعف السند على اساس ان في طريق
الشيخ الى احمد بن محمد بن عيسى هو احمد بن محمد بن يحيى
العطار ،و هو ممن لم يثبت توثيقه فلأجل ذلك لا اعتبار بها .

و الجواب عن ذلك ان احمد بن محمد بن يحيى العطار و إن كان
واقعا في بعض طريق الشيخ إلى احمد بن محمد بن عيسى إلا ان له
طريقا آخر اليه و هو صحيح ،و قد رواه جميع كتبه من هذا
الطريق الصحيح ،كما بينه سيدنا الاستاذ دام ظله في كتابه معجم
رجال الحديث

فالنتيجة :ان الرواية معتبرة من ناحية السند ،و انما الكلام
في دلالتها

--( 296 )--

الصحيح :انها لا تدل على ان اسلام الكافر على الارض طوعا
يوجب منحه ملكيتها ،فان الظاهر لدى العرف -من قوله ( ع ) في
الصحيحة ( من اسلم طوعا تركت ارضه بيده ) -هو ان له علاقة
بالارض قبل اختياره الإسلام طوعا ،لا ان اسلامه هذا يوجب منحه
هذه العلاقة ،و منشأ هذا الظهور هو اضافة الارض اليه في قوله ( ع )
الآنف الذكر ،لأن العرف يفهم منه سبق هذه الاضافة و العلاقة على
اختياره الإسلام طوعا .و عليه فما يترتب على اسلامه عليها كذلك
هو ابقائها بيده و عدم أخذها منه رغم انه لو لم يسلم عليها فأخذت
منه و اصبحت ملكا للمسلمين او الامام ( ع ) .

فالنتيجة :انها لا تدل بوجه على ان اسلامه سبب لمنحه ملكية الارض
بعد ما لم تكن ملكا له .نعم من مظاهر اسلامه حقن ماله و احترامه
كدمه ؟ ؟ ؟بعد ما كان مهدورا في حال كفره .

و حيث ان فيما نحن فيه لا علاقة للكافر بالارض التي اسلم عليها
طوعا ،لا على مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق فلا تشمله
الصحيحة على اساس ان موردها هو ما اذا كان للكافر علاقة بها .

و لو تنزلنا عن ذلك و سلمنا ان للصحيحة اطلاقا تشمل بسببه ما
اذا كان عمران الارض متأخرا زمنيا عن تاريخ تشريع ملكية الانفال
للإمام ( ع ) و تدل على ان اسلامه يمنح ملكية الارض له إلا ان
هذا الاطلاق معارض باطلاق مجموعة من النصوص التي تقول :
-ان الارض الخربة التي لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب للإمام ( ع ) -
فان اطلاق هذه المجموعة يشمل الارض الخربة التي تكون في سيطرة
الكافر و استيلائه ،و ملتقى المعارضة بينهما في مورد الكلام هي الارض
التي ظلت مواتا الى تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) -بان

--( 297 )--

يكون عمرانها بعد ذلك التاريخ -فان مقتضى اطلاق الصحيحة هو
انها تدخل في ملك من أسلم عليها طوعا .و مقتضى اطلاق هذه
المجموعة هو أنها ظلت في ملك الامام ( ع ) ،و بما إنه لا ترجيح
لأحد الاطلاقين على الاطلاق الآخر فيسقطان معا فيرجع حينئذ إلى
استصحاب بقاء ملكية الارض للإمام ( ع ) حيث انها كانت ملكا
له ( ع ) قبل اسلام اهلها طوعا ،و بعده شك في بقائها في ملكها
فيستصحب بقائها فيه ،و عدم دخولها في ملك من اسلم عليها طوعا .

و مع الاغماض عن هذا الاصل لا مانع من الرجوع الى المجموعة
الأخرى من النصوص :و هي التي جاءت :بهذه العبارة ( كل أرض
لا رب لها فهي للإمام ) ( ع ) فان هذه الارض بعد سقوط
الاطلاقين و فرض عدم الاصل العملي في المقام قد اصبحت مما لا رب
لها فتدخل في كبرى هذه المجموعة -بعد ضم الاصل الموضوعي اليها -.

الثاني :بمجموعة من النصوص الدالة على ان بالاسلام حقنت
الدماء و الاموال ،بتقريب انها تدل على ان اسلام الكافر على أرض طوعا
يوجب منحه ملكيتها .

و الجواب عن ذلك :ان هذه النصوص تصنف إلى مجموعتين :

احداهما :تتكفل ان بالاسلام حقنت الدماء .

و الاخرى :تتكفل ان بالاسلام حقنت الدماء و الاموال ،

أما المجموعة الاولى :فهي و ان كانت نصوصا معتبرة .

منها :قوله ( ع ) :في موثقة سماعة ( الإسلام شهادة ان
لا إله إلا اللّه و التصديق برسول اللّه ( ص ) و به حقنت الدماء ) - 1 - .

و منها :قوله ( ع ) :في صحيحة فضيل بن يسار ( الإسلام

---------------

( 1 ) أصول الكافي ج 2 باب الكفر و الايمان .


--( 298 )--

ما عليه المناكح و الموارث و حقن الدماء ) - 1 - .

و منها :قوله ( ع ) :في صحيحة حمران بن اعين ( و به -الإسلام -
حقنت الدماء ) - 2 - .

إلا انها اجنبية عما نحن فيه :لأنها لا تدل على ان بالاسلام
حقن المال و انما تدل على ان به حقنت الدماء ،و من الواضح انه
لا ملازمة بين كون الإسلام موجبا لحقن الدم و كونه موجبا لحقن
المال ،فلو كنا نحن و هذه المجموعة من النصوص لم يكن بوسعنا
الحكم بحقن مال الكافر اذا اسلم ،و انما نحكم بمقتضى هذه المجموعة
بحقن دمه فحسب .

نعم قد ثبت بمقتضى مجموعة اخرى من النصوص احترام مال
المسلم و حقنه و هي التي تقول :( لا يحل مال امرء مسلم إلا بطيب
نفسه ) و لكن لا ينتج -ضم هذه المجموعة الى تلك المجموعة -ما هو
المقصود من الاستدلال بها -و هو كون اسلامه سببا لمنحه ملكية
الارض التي لم يكن مالكا لها حال كفره و حربه -و إنما ينتج ان
اسلامه يؤثر في حقن دمه و ماله الذين كانا مهدورين في تلك الحال ،
و هذا هو نقطة الفرق بين حال كفره و حال اسلامه ،فمن مظاهر
الاول مهدورية دمه و ماله ،و من مظاهر الثاني محقونيتهما ،فالمستفاد
من ضم المجموعة الثانية الى المجموعة الاولى انما هو ذلك ،و لا اشعار
فيه فضلا عن الدلالة على ان من مظاهر اسلامه طوعا منحه ملكية
الارض التي لم تكن داخلة في نطاق ملكيته حال كفره و حربه .

و اما المجموعة الثانية :فهي بأجمعها ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد
على شي‏ء منها ،و بقطع النظر عن ذلك فهي بأجمعها قاصرة من ناحية

---------------

( 1 ) اصول الكافي ج 2 باب الكفر و الايمان .



---------------

( 2 ) اصول الكافي ج 2 باب الكفر و الايمان .


--( 299 )--

الدلالة ،و ذلك لأن مدلول هذه المجموعة هو ان من مظاهر الإسلام
حقن الدماء و الاموال و حرمتهما ،و من مظاهر الكفر مهدورية الدماء
و الاموال و اباحتهما ،فما يكون مهدورا و مباحا في حال كفره و محاربته
للإسلام فهو محقون و حرام في حال اسلامه و اعتناقه به .

و لا تدل بوجه على ان ما لا تكون للكافر علاقة به اصلا لا على
مستوى الملك و لا على مستوى الحق فاظهاره الإسلام يمنحه علاقة به
على مستوى الملك ،بل لا اشعار في تلك المجموعة بذلك فضلا عن
الدلالة .و فيما نحن فيه بما ان الارض التي هي بيد الكافر ملك
للإمام ( ع ) و لا تكون للكافر علاقة به اصلا فلا تكون مشمولة لها
على اساس ما عرفنا .

الثالث :باستقرار سيرة النبي الاكرم ( ص ) على ترك الارض
بيد اهلها اذا اسلموا عليها طوعا من دون ان يطالبهم بالطسق بغير
تفصيل بين تقدم عمرانها زمنيا على تاريخ تشريع ملكية الامام ( ع )
للأنفال و تأخره كذلك عنه .و من الطبيعي ان ذلك يدل على ان
اسلام الكافر يمنح ملكية الارض له .

و الجواب عنه ان السيرة و ان كانت ثابتة إلا انها لا تدل بوجه على
ان اسلام الكافر طوعا على ارض يوجب منحه ملكية الارض ،ضرورة
انه ليس في سيرة النبي الاكرم ( ص ) إلا ترك الارض بيد اهلها .
اذا اسلم عليها طوعا ،و من الطبيعي انه لا يكون في مجرد ذلك اشعار
بتملكه لرقبة الارض بسبب اظهاره الإسلام ،اذ يمكن ان تظل رقبة
الارض في ملك النبي الاكرم ( ص ) و لكنه رغم ذلك اباح التصرف
له فيها مجانا ،لأجل تشرفه بالاسلام .كما يمكن ان يكون ذلك
بتمليكه ( ص ) الارض له على اساس ان امرها بيده ،و له ان

--( 300 )--

يتصرف فيها بما يرى ،فكل ذلك محتمل ،و لا يتعدى عن حدّ
الاحتمال ،و عليه فالمحتملات في المقام ثلاثة :

الاول :ان يمنح اسلام الكافر طوعا ملكية الارض له .

الثاني :ان يبيح النبي الاكرم ( ص ) التصرف له فيها من
دون وضع طسق عليها رغم ان رقبتها ظلت في ملكه .

الثالث :ان يكون ذلك بتمليك النبي الاكرم ( ص ) الارض له

و اما السيرة المذكورة فهي لا تدل على شي‏ء من هذه المحتملات
فان ترك الارض بيده كما ينسجم مع الاحتمال الاول و الثالث ،
ينسجم مع الاحتمال الثاني ،و ليس فيها ما يصلح ان يكون قرينة
على تعيين الاحتمال الاول او الثالث .

و دعوى -ان عدم فرض الطسق عليها في السيرة قرينة على ان
الارض تصبح ملكا لمن اسلم عليها طوعا :اما من ناحية تمليك النبي
الاكرم ( ص ) لها او من ناحية ان اسلامه يمنحه ملكية الارض ،
فانها لو ظلت في ملك الامام ( ع ) لم يكن مبرر لعدم وضع الطسق
عليها ،لأن الفارق بين النوعين من الملك أعني -ملك الامام ( ع )
و ملك من اسلم عليها طوعا -انما هو في وجوب الطسق عليها و عدم
وجوبه .

-خاطئة جدا :و ذلك لان مجرد عدم وجوب الخراج و الطسق عليها
لا يكون دليلا على ملكية الارض له ،لما تقدم في ضمن البحوث
السالفة من ان للإمام ( ع ) ان يعفو عن الطسق و الخراج اذا رأى
في ذلك مصلحة ،كما هو الحال بالاضافة الى الشيعة ،حيث قد
ابيح لهم التصرف فيها مجانا رغم ان الرقبة باقية في ملك الامام ( ع ) ،
و لعل المقام كذلك ،بل هو الظاهر بمناسبة الحكم و الموضوع على اساس ان

--( 301 )--

عدم وجوب الطسق على من اسلم عليها طوعا يمهد الطريق الى الاعتناق
بالاسلام و الميل اليه .

و على الجملة :فالثابت في سيرة الرسول الاعظم ( ص ) انما هو
عدم اخذ الطسق ممن اسلم على الارض طوعا ،و من الطبيعي ان مجرد
ذلك لا يكون دليلا على انها تصبح ملكا له ،اذ كما يحتمل ذلك ،
يحتمل ان يكون ذلك امتنانا منه ( ص ) عليه ،فالسيرة لا تدل
على شي‏ء منهما .

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة :و هي انه لا دليل على ان
اسلام الكافر على الارض طوعا يمنحه ملكية الارض ،و لو شك في
ذلك فالمرجع الاصل العملي -و هو استصحاب بقاء الارض في ملك
الامام ( ع ) -.

الرابع :دعوى الاجماع على ملكية الارض لمن اسلم عليها طوعا
مطلقا اي -بلا فرق بين تقدم عمرانها على تشريع ملكية الامام ( ع )
للأنفال و تأخره عنه -.

و الجواب عنه :انه على تقدير ثبوت الاجماع فهو اجمال منقول
و لا دليل على حجيته ،و لا سيما في المقام ،لاحتمال ان يكون
مدركه احد الوجوه المتقدمة .و مع هذا الاحتمال لا يكون كاشفا
عن قول المعصوم ( ع ) .

فالنتيجة في نهاية المطاف :انه لا دليل على منح الإسلام ملكية
الارض لمن اسلم عليها طوعا ،فاذن لا بد من التفصيل بين ما كان
عمران الارض متقدما زمنيا على تاريخ تشريع ملكية الانفال
للإمام ( ع ) و ما كان عمرانها متأخرا عنه كذلك ،فعلى الاول و ان
كانت الارض ملكا له إلا ان ملكيته لها انما هي بالسبب السابق ،

--( 302 )--

لا من ناحية اسلامه عليها طوعا .و على الثاني فهي ملك للإمام ( ع )
و لكن بالرغم من ذلك فقد منحه الامام ( ع ) حق التصرف فيها
و الانتفاع بها و تركها بأيديه من جهة تشرفه بالاسلام و اعتناقه به .

و اما على الفرض الثالث فتارة يفرض الجهل بتاريخ كليهما معا ،
و اخرى بتاريخ احدهما دون الآخر ،و على كلا التقديرين لا مانع
من استصحاب عدم حدوث كل منهما في زمان حدوث الآخر في حد
نفسه اذا كان لكل منهما اثر شرعي كما هو المفروض في المقام ،
فان ملكية الارض للكافر مترتبة على استصحاب عدم تشريع ملكية
الانفال للإمام ( ع ) الى زمان قيامه بعمرانها ،كما ان ملكيتها
للإمام ( ع ) مترتبة على استصحاب عدم عمرانها الى زمان تشريع
ملكيته ( ع ) لها ،و بما انه لا يمكن الجمع بين الاستصحابين معا
فلا محالة يسقطان فيرجع إلى العام الفوقى و هو قوله ( ع ) كل أرض
لا رب لها فهي للإمام ( ع ) ،فان مقتضاه -بعد ضم الاستصحاب
الموضوعي اليه -هو كون الارض ملكا للإمام ( ع ) .

و اما الجهة الثالثة : -و هي ما اذا كانت الارض عامرة طبيعيا -
فيقع الكلام فيها مرة فيما إذا كان عمل الكافر فيها و استثماره لها
قبل التاريخ الزمني لتشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) .و اخرى
بعده .و ثالثة فيما اذا كان تاريخهما او تاريخ احدهما مجهولا .

اما الفرض الاول :فان عمله فيها و ممارسته الانتفاع بها -لا يمنحه
أية علاقة برقبتها ،لا على مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق على
اساس انه لا يخلق رقبتها ،و لا صفة فيها -و هي الحياة -لفرض
ان حياتها مستندة الى طبيعتها ،لا الى جهد بشرى .و لكن رغم ذلك
انه ما دام يواصل في الانتفاع بها بزراعة او نحوها كان احق بها من

--( 303 )--

غيره في استغلالها و استثمارها ،و لا يجوز لغيره ان يزاحمه فيه .
و اما اذا ترك الانتفاع بها فيسقط حقه عنها نهائيا ،و يجوز لآخر ان
يقوم باستغلالها و الانتفاع بها .

و هذا بخلاف الاحياء في الارض الميتة ،فان المحيى باحيائه
الارض يخلق فيها شرطا و فرصة للانتفاع بها و الانتاج منها التي لم
تكن متوفرة فيها قول هذه العملية و انما نتجت منها ،فالمحيى على
ضوء ان كل عامل فيها يملك نتيجة عمله يملك تلك الشروط
و الفرصة ،و على اساس ذلك يحصل على حق في رقبتها ما دامت
تلك الفرصة موجودة فيها و ان لم يمارس الانتفاع بها .

و على هذا :فاذا اسلم الكافر على تلك الارض طوعا فبمقتضى
صحيحة أبي نصر المتقدمة انها تركت بيده على اساس ان له حقا
فيها ما دام يواصل في استثمارها غير ان هذا الحق كان قبل اسلامه
مهدورا و بعده اصبح محقونا .

و اما الارض المزبورة فاذا كانت تحت استيلاء الكافر و سيطرته
من دون ان يكون الكافر يمارس استغلالها و الانتفاع بها فلا تكون
مشمولة للصحيحة على اساس ان الظاهر من اضافة الارض الى الكافر
فيها هو ان له علاقة بها و ان كانت تلك العلاقة في حدود انه اولى
بالانتفاع بها لدى العرف من غيره دون الاكثر .

و اما شمول سيرة النبي الاكرم ( ص ) لذلك فهو أيضا غير معلوم .

و أما الفرض الثاني : -و هو ما إذا كانت رقبة الارض ملكا
للإمام ( ع ) -فالظاهر ان عمل الكافر فيها و ممارسته الانتفاع بها
لا يمنحه أية علاقة بها ،لا على مستوى الملك و لا على مستوى الحق
حتى في مرتبة كونه اولى بالانتفاع بها ما دام يواصل في عمله فيها ،و ذلك

--( 304 )--

لما ذكرناه في ضمن البحوث السالفة من انه لم يثبت اذن عام من
الامام ( ع ) بالتصرف في اراضي الدولة لكل فرد .و من هنا قلنا
ان عملية الاحياء اذا كانت من الكافر لم تنتج حقا فيها فضلا عن
الملك ،و كذا الحال بالاضافة الى عملية الاستثمار و الانتفاع في الارض
المزبورة ،فانها لا تمنحه حق الاولوية بالاستفادة منها .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان الكافر إذا اسلم على تلك الارض طوعا
فهل تركت بيده على اساس الصحيحة المتقدمة ؟فيه وجهان :

الظاهر هو الوجه الاول :و ذلك لأن صدق الاضافة المزبورة
لا يتوقف على ان تكون للكافر علاقة بها شرعا و لو على مستوى الحق ،
بل يكفي في صدقها ادنى مناسبة و لو كانت عرفية ،و من الطبيعي ان
استغلال الكافر و استثماره لها و ان لم يؤد الى وجود حق فيها شرعا إلا انه
لا شبهة في ان ذلك يكفي لتحقق تلك الاضافة لدى العرف .

و ان شئت قلت :ان الكافر بالرغم من انه لا يملك أي حق
فيها لدى الشرع يعتبر لدى العرف و العقلاء أولى من غيره و احق
بها من الآخرين ،و من الواضح ان هذه الاولوية كافية لصحة الاضافة
المزبورة على اساس ان الاضافة في الصحيحة انما هي باعتبار من العرف

هذا اضافة الى ان سيرة النبي الاكرم ( ص ) قد استقرت على
ترك الاراضي -التي كانت موردا لانتفاع الكفار بها و استفادتهم عنها
اذا اسلموا عليها طوعا -بأيديهم و ان لم تكن لهم أية علاقة بها شرعا .

و اما الفرض الثالث : -و هو صورة الجهل بالتاريخ -فقد ظهر
مما ذكرناه ان الاصل يجري في كل من الحادثين في زمان الآخر في
حد نفسه ،حيث انه يترتب على استصحاب عدم تشريع ملكية الانفال
للإمام ( ع ) الى زمان استغلال الكافر لتلك الارض و استثماره لها

--( 305 )--

عدم دخولها في نطاق ملكيته ( ع ) ،كما انه يترتب على استصحاب
عدم استغلال الكافر و استثماره لها الى زمان تشريع ملكية الانفال
للإمام ( ع ) عدم وجود حق له فيها .

و بما انه لا يمكن الجمع بين مقتضى كلا الاستصحابين فيسقطان معا
و يرجع الى العام الفوقي -و هو قوله ( ع ) كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ( ع ) -و مقتضاه بعد ضم الاستصحاب الموضوعي اليه هو
ان الارض المزبورة ملك للإمام ( ع ) .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط :


الأول :ان اسلام الكافر على الارض طوعا لا يوجب منحه ملكية
الارض ،فان كانت ملكا له بسبب سابق فاسلامه انما يوجب حرمتها
بعد ما كانت مهدورة حال كفره .

الثاني :ان في فرض الجهل -بتاريخ كل من تشريع ملكية الانفال
للإمام ( ع ) و عمران الارض ،او تاريخ احدهما -و إن كان الاصل جاريا
في نفسه إلا انه يسقط من جهة المعارضة ،و بعد السقوط يحكم بمقتضى
العام الفوقي بعد ضم الاصل الموضوعي اليه ان الارض ملك للإمام ( ع ) .

الثالث :ان الارض العامرة طبيعيا اذا كانت مأخوذة من الكافر
عنوة فقد دخلت في ملك المسلمين بدون فرق بين ان يكون عمل
الكافر فيها قبل تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) او بعده

الرابع :ان اسلام الكافر على الارض العامرة بطبيعتها طوعا
لا يوجب منحه ملكيتها و ان قلنا بان عمل الكافر فيها يوجب إيجاد
حق له فيها ،

--( 306 )--

الخامس :ان في فرض الجهل بالتاريخ و ان كان الاصل يجري في كل
من الحادثين في نفسه إلا انه يسقط من جهة المعارضة ،و بعده يحكم بكون
الارض ملكا للإمام ( ع ) بمقتضى العام الفوقي بضميمة الاصل الموضوعي

--( 307 )--

الحيازة


مجموعة دراسات و بحوث تحليلية
يدرس فيها المواد التالية :

1 -دور الحيازة للأرض و نتائجها

2 -دور الحيازة للمناجم و المياه
الطبيعيتين و نتائجها

3 -دور الحيازة للثروات و المصادر

--( 308 )--

--( 309 )--

دور الحيازة للأرض


لا يمكن تملك الارض :على اساس الحيازة و السيطرة عليها
خارجا ،فان منح حيازة الارض حقا فيها بحاجة الى نص شرعي ،
و لا نص لدى الشرع على ذلك ،و هذا القول هو المعروف و المشهور
بين الأصحاب ،و لا فرق في ذلك بين الارض الموات و العامرة طبيعيا .

و ما قيل : -من ان الحيازة تلعب في الارض العامرة بطبيعتها
نفس الدور الذي تلعبه عملية الاحياء في الارض الموات على اساس
ان عملية الاحياء غير متصورة فيها -.

خاطئ جدا :و ذلك لأن عملية الاحياء و ان كانت غير متصورة
في الارض المزبورة إلا ان ذلك لا يبرر كون الحيازة فيها تقوم بنفس
ما تقوم به عملية الاحياء في الارض الموات ،فانه بحاجة إلى نص
شرعي ،و قد عرفت عدمه باعتبار ان الإسلام لم يعترف في ضمن أي نص
من نصوصه بالحيازة فيها على اساس انها مصدر لإيجاد حق فيها ،
و انما اعترف الإسلام في ضمن نصوصه التشريعية بعملية الاحياء في
الارض على أساس انها تمنح العامل حقا فيها على ضوء القانون العام ،
و هو ان كل عامل فيها يملك نتيجة عمله

بل لا يمكن اعتراف الإسلام بها باعتبار انها مظهر من مظاهر
القوة و التحكم على الآخرين و تسبّب تضييع حقوقهم بمعنى عدم
اتاحة الفرصة لهم للانتفاع بها ،و من الطبيعي ان ذلك يضر بالعدالة
الاجتماعية التي يؤمن الإسلام بضرورة ايجادها بين طبقات الامة .

و النكتة في ذلك :ان قيام كل فرد بالسيطرة على مساحات كبيرة

--( 310 )--

من الارض بما فيها من الثروات الطبيعية انما هو عند ما توجد
المنافسة على الارض من قبل الآخرين .و اما اذا لم توجد المنافسة
عليها فهو لا يفكر في ذلك ،و لا داعي يدعوه للقيام بها بعد ما كانت
الارض في خدمته في كل حين من دون أي منافس ينافسه فيها ،و هذا
بخلاف عملية الاحياء فانه يمارس هذه العملية سواء أ كان منافس
ينافسه فيها أم لم يكن ،و ذلك لأن ممارسته تلك العملية انما تقوم
على اساس الانتفاع بها و الاستفادة منها بما يتناسب مع مستواه المعاشي
و قدرته على الاستثمار و الانتفاع بدون ان يفكر في الحيازة و السيطرة
على مساحات كبيرة منها ابدا ،و هذا هو الفارق بين حيازة الارض
و احيائها .

و قد يستدل :على ان الحيازة تمنح الملكية بوجهين :

الاول :الاخبار الدالة على ان من حاز ملك ،فانها واضحة
الدلالة على سببية الحيازة للملك ،

الثاني :استقرار سيرة العقلاء على ذلك :بدعوى انها ثابتة في
عصر التشريع ،من دون ورود ردع عنها ،و من الطبيعي ان ذلك
كاشف جزمي عن امضاء الشارع لها .

و لنأخذ بالنقد على كلا الوجهين :

أما الوجه الاول :فيرده عدم العثور على تلك الاخبار التي نقلت
بهذا النص ،لا من طريق الخاصة ،و لا من طريق العامة ،و عليه فلا
اثر لهذا الوجه اصلا .

و اما الوجه الثاني :فيرده :عدم ثبوت السيرة من العقلاء على
ذلك ،بل لا يبعد ثبوتها على خلافه ،فان العقلاء حسب فطرتهم
الاولية لا يعترفون بتلك الاسباب التي تكون مظهر من مظاهر القوة

--( 311 )--

و التحكم على الآخرين ،فانها اسباب ولّدتها الظروف الثانوية في
المجتمعات التي لا تقوم على اساس العدل و القيم الانسانية ،و انما
تقوم على اساس مظاهر القوة و اللااخلاقية .و من الطبيعي انه لا قيمة
لتلك الاسباب ،لا لديهم ،و لا لدى الإسلام نهائيا .

او فقل :ان الإسلام لم يعترف بحيازة الارض و السيطرة عليها
على اساس القوة و التحكم على الآخرين في ميدان وجود المنافسة عليها
من قبل هؤلاء ،و لم يرها مصدرا لوجود حق فيها .نعم ان كانت السيطرة
عليها على اساس انفاق العمل و بذل الجهد فيها -لخلق الشروط و الفرصة
للاستفادة منها و الانتفاع بها كما اذا كانت الارض ميتة او لاستغلالها
و الانتفاع بها كما اذا كانت حية -فالاسلام و ان كان قد اعترف بها
الا ان اعترافه بذلك في الاولى انما هو على اساس انها تحمل طابع
الاحياء فيها ،لا طابع الحيازة و السيطرة .و في الثانية انما هو على
اساس العمل و الانتفاع بها فالنتيجة ان مصدر الحق فيها لدى الإسلام
انما هو العمل فلا قيمة للسيطرة بدونه اصلا .

و بكلمة اخرى :اننا قد اكتشفنا اعتراف الإسلام من خلال
نصوصه التشريعية ،او البناء من العقلاء بهذا الاطار العام و هو ان
كل عامل في المصادر و الثروات الطبيعية يملك نتيجة عمله -على اختلاف
نوع العمل ،و نوع النتيجة -على ضوء الشرائط المبينة في محلها .و من
هنا تختلف نتيجة عمل العامل في الارض الميتة عن نتيجة عمله في
الارض الحية طبيعيا على اساس اختلاف نوع العمل فيهما .

و على اثر ذلك :تختلف علاقة العامل بالارض الميتة عن علاقة
العامل بالارض الحية .

على اساس ان نتيجة عمله في الارض الميتة انما هي خلق الشروط

--( 312 )--

فيها التي تتيح للفرد فرصة الاستفادة منها و الانتفاع بها ،حيث لم
تكن تلك الشروط متوفرة فيها قبل قيام العامل باحيائها ،و انما
هي نتجت عن عملية الاحياء ،فالعامل على ضوء ذلك الاطار العام
يملك تلك الشروط و الفرصة فيها ،و هذه الشروط انما تبرر علاقة
العامل برقبة الارض على مستوى الحق فحسب اذا كانت الرقبة داخلة
في نطاق ملكية غيره .و اما اذا لم تكن داخلة في ذلك و كانت من
المباحات الاصلية فالشروط المزبورة انما تبرر علاقته بها على مستوى
الملك ،كل ذلك تقدم بشكل موسع في ضمن الابحاث السالفة .

و بما ان هذه العلاقة معلولة لهذه الشروط و الفرصة فهي بطبيعة
الحال ثابتة ما دامت الشروط فيها متوفرة و الفرصة متاحة سواء أ كان
العامل يمارس الانتفاع بها أم لم يمارس ،و اما اذا زالت تلك
الشروط و الفرصة عنها فان كانت العلاقة على مستوى الحق فقد انقطعت
عنها نهائيا بمقتضى الارتكاز العرفي و إن كانت على مستوى الملك فهي
باقية و لم تزل بزوالها على ما تقدم مفصلا .

و اما نتيجة عمله :في الارض الحية بطبيعتها -فبما أنها لم تكن خلق
الشروط و الفرصة للانتفاع بها ،لفرض ان تلك الشروط متوفرة
فيها ذاتا و بدون بذل جهد بشري و ان العامل فيها لم يخلق صفة لها ذات
قيمة اقتصادية ،و انما قام بالانتفاع بزرعها ،و غرس اشجارها ،أو
ما شاكل ذلك -فهي بطبيعة الحال انما هي ما نجم عن عمله
و جهده فيها و هو الزرع او الشجر في فرض الكلام فالعامل انما
يملك ذلك على ضوء الاطار العام المزبور -كل عامل يملك نتيجة
عمله -و لا يملك صفة في الارض ما دام انه لم يخلق فيها شيئا .

و من الطبيعي ان عمله الانتفاعي بها لا يبرر اختصاص العامل

--( 313 )--

برقبة الارض .نعم ما دام هو يمارس العمل فيها و يواصل في زراعتها
كان احق من غيره بالانتفاع بها ،و ليس لغيره ان يزاحمه فيه ،على
اساس انه بالبناء القطعي من العقلاء قد اكتسب حق الاولوية فيها
بقيامه باستغلال الارض و الانتفاع بها ،فان من حقه في هذا الحال
الاحتفاظ بها و منع الآخر من مزاحمته و انتزاع الارض منه ،لأن
الآخر ليس اولى من الذي ينتفع بها فعلا

و لا يحصل على حق اوسع من ذلك بنكتة انه معلول لانتفاعه
بها ،و لا يعقل ان تكون دائرة المعلول اوسع من دائرة العلة ،و عليه
فلا محالة يكون ثبوت هذا الحق له ما دام هو قائم بالانتفاع بها
فعلا و إلا فلا حق له .و من هنا لو ترك الانتفاع بها لم يبق له حق
في الاحتفاظ بها ،و يجوز عندئذ لآخر ان يقوم باستغلالها و استثمارها .

و هذا هو الفارق بين الحق الحاصل للعامل في الارض الموات على
اساس قيامه بعملية احيائها .و الحق الحاصل له في الارض الحية
على اساس قيامه باستغلالها و الانتفاع بها .

و من هذا القبيل :استخدام الارض لرعي الحيوانات ،فانه و ان
كان عمل من اعمال الانتفاع بالمصادر الطبيعية إلا انه لا يؤثر في
ايجاد حق في الارض على اساس انه لم يقم فيها بعملية ذات قيمة
اقتصادية كخلق الحياة فيها او نحوها ،و انما هو يقوم بعملية تربية
حيوانات فيها فتكون نتيجة عمله فيها انما هي الثروة الحيوانية فيملك
العامل على ضوء الاطار العام المتقدم تلك الثروة الحيوانية على اساس
انها نجمت عن جهده و عمله .

نعم يحصل العامل على اثر ذلك على حق الاولوية فيها ما دام
يمارس في عمله هذا و يواصل فيه ،لا مطلقا فلو ترك ذلك لم يبق

--( 314 )--

له الحق في الاحتفاظ بها ،و يجوز لغيره ان يقوم بالانتفاع بها
و استثمارها .

ثم ان ما ذكرناه :بالاضافة الى عملية الاحياء موافق للنصوص
الشرعية التي تقدمت الاشارة اليها في ضمن الابحاث السالفة ،و قلنا
هناك ان مقتضى تلك النصوص هو ان عملية الاحياء تبرر وجود حق
في الارض اذا كانت رقبتها داخلة في نطاق ملكية غير المحيى ،و اما
اذا لم تكن داخلة في ذلك و كانت من المباحات فهي تمنح المحيى
ملكيتها ،فالفرصة التي خلقها المحيى تكون جهة تعليلية لوجود الحق
على الاول و جهة تعليلية لوجود الملك على الثاني و اما ما ذكرناه
بالاضافة الى الارض الحية بطبيعتها موافق للبناء القطعي من العقلاء
الجاري على ذلك الثابت في جميع الاعصار .

نتيجة هذا البحث عدة خطوط


الاول :ان الحيازة في الأرض لا تبرر وجود حق فيها شرعا لعدم
الدليل ،و ما قيل من انها تلعب في الارض الحية بطبيعتها نفس
الدور الذي تلعبه عملية الاحياء في الارض الميتة فقد عرفت انه
لا اساس له اصلا .

الثاني :انه لا يمكن اعتراف الإسلام بالحيازة فيها على اساس
انها مظهر من مظاهر القوة و التحكم على الآخرين فيما توجد المنافسة
عليها و انما اعترف الإسلام بالعمل فيها على اساس انه مظهر من
مظاهر علاقة الفرد بالمصادر الطبيعية ،سواء أ كان ذلك العمل استغلال
الارض و الانتفاع بها كما اذا كانت الارض حية بطبيعتها ،أم كان

--( 315 )--

احيائها كما اذا كانت ميتة .

الثالث :ان الاستدلال على ان الحيازة تمنح ملكية الارض
بالوجهين المتقدمين فقد عرفنا ما فيهما ،كما انا عرفنا ان العقلاء
أيضا لا يعترفون بها على اساس انها اسباب لعلاقة الانسان بالارض
رغم انهم يعترفون بعملية الاحياء كذلك .

الرابع :اننا قد اكتشفنا اعتراف الإسلام في ضمن نصوصه
التشريعية او البناء من العقلاء بالاطار العام -و هو ان كل عامل
يملك نتيجة عمله على اختلاف نوع العمل و نوع النتيجة -و من
ذلك يختلف نتيجة العمل في الارض الميتة عن نتيجة العمل في
الارض الحية طبيعيا ،و على اثر ذلك يختلف الحق الحاصل عليه
العامل في الأولى عن الحق الحاصل عليه في الثانية .

دور الحيازة للمناجم و المياه


ان حيازة المناجم و المياه ان كانت على اساس القوة و التحكم على
الآخرين في ميدان وجود المنافسة عليها فلا قيمة لها نهائيا ،لا لدى
الإسلام ،و لا لدى العقلاء ،و انها لا تبرر وجود اي حق فيهما ،كما
عرفت في الأرض .

و بكلمة واضحة :ان تلك المصادر و الثروات الطبيعية التي توجد
في الأرض فما دام انها ظلت في مكانها الطبيعي و لم تكن حيازتها على
اساس انفاق العمل و بذل الجهد في سبيل اكتشافها و الوصول اليها
اذا كانت في اعماق الأرض و كانت على اساس القوة و التحكم في مقام
وجود المنافسة عليها فقد مر انه لا قيمة لها عند الإسلام .

--( 316 )--

و أما ان كانت حيازتها على اساس اكتشافها من خلال عمليات
الحفر و بذل الجهد فهي تبرر وجود حق فيها بمعنى ان من يقوم بعملية
الحفر لاكتشافها يملك الحفرة التي حفرها لذلك و على اثر تملكه
تلك الحفرة يكون اولى بالانتفاع بهذه المناجم او المياه من هذه الحفرة ،
و ليس لآخر ان يزاحمه في ذلك باستخدام تلك الحفرة للاستفادة
منها ،كما انه لو سوى طريقا الى المعادن الموجودة على سطح الارض ،
فانه ليس لآخر ان يستخدم ذلك الطريق للاستفادة منها .

و هل هذه العملية اي عملية الاكتشاف تحمل طابع الاحياء او
طابع الحيازة ؟فيه وجهان :

المعروف و المشهور بين الاصحاب :هو الوجه الاول على اساس
ان الاحياء عبارة عن خلق الشروط و الفرصة التي تتيح للفرد الاستفادة
منها و الانتفاع بها ،و قد يكون ذلك في الارض و قد يكون في غيرها ،
فان العامل بحفره الحفرة التي اوصلها بها في اعماق الارض
قد خلق فيها شروطا و فرصة للانتفاع بها و الاستفادة منها التي لم
تكن متوفرة قبل قيام العامل بعملية الحفرة ،و انما نجمت عنها ،
فان احياء كل شي‏ء بحسبه .

و لكن الظاهر :هو الوجه الثاني ،فان مقتضى الارتكاز العرفي
من معنى الاحياء هو انه لا ينطبق على الشروط و الفرصة التي خلقها
العامل من خلال عمليات الحفر لاكتشاف المناجم و الوصول اليها
بنكتة ان احياء شي‏ء عبارة لدى العرف .عن العمل فيه ليصير ذلك
الشي‏ء حيا بعد ما كان ميتا ،و الفرض ان الحفر المزبور ليس عملا
في المناجم و جعل صفة فيها ،بل هي على حالها بدون أدنى تغيير و احداث
شي‏ء فيها ،كما هو الحال في الارض ،فان عملية الإحياء فيها اوجدت

--( 317 )--

صفة لم تكن الارض واجدة لتلك الصفة و هي -صفة الحياة قبل تلك
العملية -.

نعم قد تحتاج المناجم الى عملية لبروز مادتها الجوهرية و انجازها
بشكلها الكامل ،و لا بأس باطلاق الاحياء على تلك العملية .

فالنتيجة :ان اطلاق الاحياء على اكتشاف المعادن او المياه
بسبب عمليات الحفر كما في كلمات الاصحاب مبنى على ضرب من
المسامحة ،و كيف كان فلا ثمرة لهذا البحث اصلا .

دور الحيازة للثروات المنقولة


ان الحيازة للثروات المنقولة تمنح العامل حقا فيها على اساس
انها تقوم على بذل العامل العمل و الجهد في السيطرة عليها و جعلها في
حوزته بشكل مباشر او غير مباشر ،و لأجل ذلك كانت حيازتها من
الاعمال الاستثمارية و الانتفاعية التي تكون ذات قيمة اقتصادية ،
لدى العرف و العقلاء ،و ليست من الاعمال الاحتكارية التي لا يعترف
الإسلام بها على اساس انها مصدر لحق .

و نقصد بالاعمال الاحتكارية سيطرة الفرد على مساحات كبيرة
من الثروات المزبورة بدون انفاق عمل و بذل جهد فيها و اما لو انفق
العمل و الجهد في حيازتها و نقلها من مكانها الطبيعي الى حوزته فذلك
يبرر وجود حق فيها و ان كان المحاز اكبر من قدر حاجته ،و قد اعترف
الإسلام بالحيازة لتلك الثروات و المصادر بشتى انواعها و اشكالها على
اساس ان علاقة الفرد بها قد نجمت عنها عند العقلاء .

و بما ان الإسلام لم يخترع طريقة اخرى لارتباط الفرد بها و لم

--( 318 )--

يكن لديه مصدر أخر لذلك فبطبيعة الحال قد اعترف بما لدى
العقلاء من المصدر له ،و هذا هو مرادنا باعتراف الإسلام بحيازة
تلك الثروات بشتى اشكالها .و قد ورد نص خاص بذلك في بعض
تلك الثروات أيضا ،و سوف نشير اليه .

بيان ذلك :ان حيازة الحطب :عبارة عن احتطابه من الغابات
او نحوها على اساس ان هذه العملية اي -عملية الاحتطاب لدى
العقلاء تمنح العامل علاقة بالحطب -و قد تقدم ان كل عامل في
الثروات و المصادر الطبيعية يملك نتيجة عمله على اختلاف نوع
العمل ،و نوع النتيجة و نتيجة عمله و جهده هنا انما هي الحطب
الموجود في حوزته ،فانه نجم عن تلك العملية .

و حيازة الكلاء :عبارة عن استيلاء العامل على كمية منه على
اساس بذله الجهد و العمل في سبيل جمع تلك الكمية التي يتمكن من
نقلها و الانتفاع بها ،و لا يكفي الاستيلاء على كمية منه على اساس
القوة و التحكم على الآخرين بدون بذل الجهد و العمل في حيازته ،
لما عرفت من اعتراف الإسلام بمقتضى بناء العقلاء باستحقاق العامل
نتيجة عمله ،و اما اذا لم يبذل عمله و لم يحدث فيها شيئا فلا مقتضى
لاستحقاقه لها اصلا على اساس ان ذلك لم يدخل في الاطار العام
الذي تقدم اعتراف الإسلام به -و هو ان كل عامل يستحق نتيجة
عمله -و لم يعترف باستحقاق الفرد لها بدون بذل جهد و عمل
فيها أبدا .

و حيازة الحجر :عبارة عن نقله من الصحراء او الجبال او ان
العامل قد بذل فيه عملا و جهدا في مكانه الطبيعي و احدث فيه حدثا
يكون ذات قيمة فانه بموجب هذا يستحق ذلك الحجر على اساس

--( 319 )--

انه قد انتج بعمله هذا حقا فيه فلا يجوز لآخر التصرف فيه و نقله
الى حوزته ،و هذا شكل من اشكال الحيازة

و حيازة الماء :عبارة عن اخذه من النهر او البحر و جعله في
حوزته و استيلائه بشكل مباشر ،فانه يمنحه حقا فيه على اساس ان
العامل يملك نتيجة عمله .

و حيازة الحيوان البري او البحري :عبارة عن صيده كما اذا
وقع الحيوان في الشبكة التي وضعها الصائد لاصطياده ،فان وقوعه
فيها الموجب لشلّ حركته و المنع من هروبه أدى الى وجود حق للصياد
فيه ،و يمنع الآخر بموجبه عن اخذه من الشبكة و التصرف فيه .
إلا ان هذا الحق له انما هو ما دام الصيد في الشبكة ،و اما اذا
هرب منها فلا يبقى حقه محفوظا فيه على اساس انه نجم عن الفرصة
التي خلقها الصياد لأخذه و الانتفاع به ،و الفرض ان تلك الفرصة
قد انتهت بهروبه منها ،و الارتكاز العرفي قائم على ان هذا الحق
يدور مدار هذه الفرصة ،و عندئذ يجوز لآخر ان يصطاده و يجعل في
حوزته ،و هذا نوع من الحيازة لدى العرف و العقلاء .

و اما اذا اخذه من الشبكة و آلة الصيد و جعله في حوزته بشكل
مباشر فتكون علاقته به اقوى من علاقته به اذا كان في الشبكة و آلة
الصيد على اساس انها لدى العقلاء تكون على مستوى الملك ،و تلك
تكون على مستوى الحق ،و من هنا لا تنقطع تلك العلاقة بهروبه
عن حوزته ،و لا يجوز لغيره اخذه ،و اذا اخذه وجب عليه رده .

و كذا الحال في الطائر :فانه اذا وقع في شبكة الصيد فحق الصياد
فيه الذي نتج عن جهده و عمله انما هو على اساس استحقاقه الفرصة
التي خلقها لاصطياده -و هي وضع الشبكة -فاذا وقع الطائر فيها

--( 320 )--

فالفرصة متاحة لأخذه و الانتفاع به بشكل مباشر ،و هذه الفرصة
المتاحة مستندة الى عمل الصياد و جهده ،و اذا انتفت تلك الفرصة
بهروب الطائر من الشبكة في الجو انتفى حقه بانتفاء موضوعه بمقتضى
الارتكاز القطعي العرفي .

و اما اذا اخذ الطائر من الشبكة و جعله في حوزته بشكل مباشر
فعندئذ يكون حقه فيه اقوى من حقه على اساس تملكه الفرصة
المزبورة فلا يسقط بهروبه من حوزته .

و هذان :نوعان من الحيازة و مختلفان في الاثر ،و لكن متحدان
بحسب المفهوم على اساس ان الحيازة بمفهومها العرفي عبارة عن
السيطرة على الشي‏ء بالعمل و بذل الجهد سواء أ كانت السيطرة بالواسطة
أم كانت بشكل مباشر .

و تدل -على ان الحيازة على الشكل الاول تفيد الحق -السيرة
القطعية من العقلاء الممضاة شرعا على اساس عدم ورود ردع عنها
من قبل الشرع رغم انتشارها في عصر التشريع ،و اما كون هذا
الحق محدودا بما اذا ظل الصيد في الشبكة او القفس ،و اذا هرب
او طار في الجو بعد استرجاع قواه و زوال المانع لم يبق للصائد حق
فيه ،فهو انما يكون لأجل ان السيرة لم تقم على كونه اوسع من ذلك ،
بل قد قامت على انه محدود و ضيق

و اما الحيازة على الشكل الثاني فلا شبهة في انها تمنح الصائد
علاقة فيه على مستوى الملك ،فانه -مضافا الى السيرة القطعية من
العقلاء على ذلك -تدل عليه معتبرة السكوني عن جعفر بن محمد
عن ابيه و عن آبائه عن علي ( ع ) انه سأله عن رجل ابصر طيرا
فتبعه حتى وقع على شجرة فجاء رجل آخر فأخذه قال :( للعين

--( 321 )--

ما رأت و لليد ما اخذت - 1 - .

فان موردها و ان كان الطائر إلا ان الارتكاز العرفي القطعي
قائم على عدم خصوصية للطائر من هذه الناحية ،و هو قرينة على
التعميم ،و عليه فتدل المعتبرة على ان حق العين هو الرؤية فحسب ،
و بها قد استفادت حقها من المرئي ،و لا يحدث بسببها حق فيه لصاحبها ،
و بالتالي تدل على ان الحق فيه انما نجم عن العمل الخارجي -و هو
في مورد المعتبرة الاخذ باليد خارجا -.

و اما كون هذا الحق يبقى محفوظا للصائد حتى بعد هروب الصيد
عن حوزته فهو انما يقوم على اساس ان هذا الحق له فيه انما هو على
مستوى الملك .

و تدل -على ان علاقة الصائد لا تزول عن الصيد في الحيازة
على الشكل الثاني بهروبه عن حوزته مضافا الى السيرة -صحيحة
احمد بن محمد بن ابي نصر قال :سألت ابا الحسن الرضا ( ع )
عن الرجل يصيد الطير الذي يسوي دراهم كثيرة و هو مستوى الجناحين
و هو يعرف صاحبه أ يحل له امساكه فقال :اذا عرف صاحبه رده
عليه و ان لم يكن يعرفه و ملك جناحه فهو له و ان جاءك طالب لا تتهمه
رده عليه - 2 - فانها تدل بوضوح على ان علاقته بالطير لا تنقطع
بهروبه عن حوزته ،فاذا اخذه الآخر و صاده بعد ذلك وجب عليه
رده الى صاحبه اذا عرفه .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان المصدر
الوحيد لعلاقة الفرد بالثروات المنقولة انما هو حيازتها باشكالها

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 15 من ابواب اللقطة الحديث 2 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 15 من ابواب اللقطة الحديث 1 .


--( 322 )--

المختلفة باختلاف نوع تلك الثروات التي يسيطر الفرد عليها على
اساس انفاق العمل و بذل الجهد ،فالوسيلة الوحيدة لارتباط الانسان
بالطبيعة و ثرواتها ارتباطا ابتدائيا انما هي العمل و بذل الجهد في
سبيل استغلالها و الانتفاع بها فلا يمكن ارتباط الانسان بها كذلك
بمالها من الثروات بدون العمل .

--( 323 )--

-4 -
ارض الصلح


مجموعة من الابحاث الفقهية
التي تتضمن احكامها و شرائطها
على ضوء النصوص الشرعية

--( 324 )--

--( 325 )--

ارض الصلح


البحث فيها يقع في مرحلتين :

الأولى :فيما هو مقتضى عقد الصلح .

الثانية :فيما هو مقتضى مجموعة من النصوص التشريعية .

اما المرحلة الأولى :فارض الصلح هي الارض التي فتحت من
قبل المسلمين من دون ان يسلم اهلها ،و لا قاوموا الدعوة الاسلامية
بشكل مسلح ،بل ظلوا على دينهم في ذمة الإسلام بعقد الصلح فتصبح
الارض ارض الصلح .

و عليه فان اللازم هو تطبيق بنود عقد الصلح عليها ،فان نص
فيها على ان الارض لأهلها اعتبرت ملكا لهم ،غاية الامر ان كانت
الارض داخلة في نطاق ملكيتهم قبل هذا العقد ،كما اذا كانوا قائمين
باحيائها قبل تاريخ تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) او انتقلت
اليهم ممن يكون مالكا لها ففي مثل ذلك لا يؤثر عقد الصلح إلا
في ابقائها في ملكهم باعتبار ان لولى الأمر استملاك الارض منهم على
حساب الدولة او الامة ،

و اما اذا لم تكن الارض ملكا لهم ،كما اذا كان قيامهم باحيائها
بعد تاريخ التشريع المزبور ،فعندئذ يؤثر عقد الصلح في منحهم
ملكية الارض ،و لا مانع من ذلك اذا رأى ولى الامر مصلحة فيه .

و اما اذا نص في بنود عقد الصلح على استملاك الدولة للأرض
او الامة فحينئذ تصبح الارض خاضعة لمبدإ ملكية الامام ( ع ) او
المسلمين ،و لكن ظلت في ايديهم مع وضع الخراج و الطسق عليها ،
هذا اذا كانت الارض ملكا لهم ،و لكن بعقد الصلح انتقلت الى

--( 326 )--

الدولة او الامة .و اما اذا كانت ملكا للدولة فعقد الصلح انما يؤثر
في مشروعية ابقائها في ايديهم ،و يؤخذ منهم الجزية و الخراج على حسب
ما هو مقتضى عقد الصلح

و اما الاراضي الموات حين عقد الصلح ،او الغابات التي لا رب
لها ،فانها ملك للإمام ( ع ) و له ان يتصرف فيها بما يرى من
المصلحة .نعم اذا أدرجها في عقد الصلح لزم ان يطبق عليها ما هو
مقتضى هذا العقد ،و لا يجوز الخروج عن مقرراته و مقتضياته .

فالنتيجة ان مقتضيات عقد الصلح تختلف باختلاف الموارد
و المصالح على اساس ان امره بيد ولي الامر فله ان يعقد الصلح معهم
على حسب ما يراه من المصلحة للدولة او الامة و هي بطبيعة الحال
تختلف باختلاف المقامات .

و اما المرحلة الثانية :فقد وردت في المسألة مجموعة من الروايات .

منها :صحيحة حفض بن البختري عن ابي عبد اللّه ( ع ) قال .
( الانفال ما يوجف عليه بخيل و لا ركاب ،او قوم صالحوا ،او قوم
اعطوا بأيديهم و كل ارض خربة ،و بطون الاودية ) الحديث - 1 - .

و منها :مرسلة حماد بن عيسى عن بعض اصحابنا عن العبد
الصالح ( ع ) في حديث الى ان قال :( و الانفال كل ارض خربة باد
اهلها ،و كل ارض لم يوجف عليها بخيل و لا ركاب ،و لكن صالحوا
صلحا و اعطوا بأيديهم على غير قتال ) الحديث - 2 - .

و منها :معتبرة محمد بن مسلم عن ابي عبد اللّه ( ع ) انه سمعه :
يقول :( ان الانفال ما كان من ارض لم يكن فيها هراقة دم ،او قوم

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال و ما يختص
بالامام الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من أبواب الانفال و ما يختص
بالامام الحديث 4 .


--( 327 )--

صولحوا و اعطوا بأيديهم ،و ما كان من ارض خربة ،و بطون اودية )
الحديث - 1 - .

ثم ان المستفاد من معتبرة محمد بن مسلم ،و كذا من مرسلة
حماد بن عيسى ان عقد الصلح فيهما كان مقتضيا لإعطاء الارض
و تسليمها ،و قد عرفت ان ما تم عليه عقد الصلح بشأن الارض قد
يكون مقتضاه تسليم الارض لولى الامر و اعطائها له على اساس انها
بمقتضى هذا العقد تصبح ملكا للدولة .و لكن مع ذلك لولى الامر
ابقاء الارض في أيديهم و تحت تصرفهم مقابل اخذ الخراج و الطسق
منهم .

و على الجملة فالكفار قد يسلموا الارض الى ولي الأمة تسليما
ابتدائيا و بدون شرط مسبق ،و قد يسلموا الارض من جهة شرط
مسبق كعقد الصلح .

و اما صحيحة حفض بن البختري فقد جعلت عنوان الصلح في
مقابل عنوان الاعطاء ،و لكن من الطبيعي ان جعل الارض التي تم
بشأنها الصلح من الانفال قرينة واضحة على ان مقتضاه ملكية الارض
للإمام ( ع ) و المراد من الاعطاء فيها هو اعطاء الارض و تسليمها
للإمام ( ع ) تسليما ابتدائيا و بدون أي شرط مسبق بقرينة جعله في
مقابل الصلح

و لكن هذه المجموعة من الروايات ليست في مقام بيان تمام انواع
الصلح و اقسامه ،و انما هي في مقام بيان ما هو من الانفال ،و من
الطبيعي ان ارض الصلح التي تكون من الانفال هي الارض التي

---------------

( 1 ) الرسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال و ما يختص بالامام
الحديث 10 .


--( 328 )--

اقتضى الصلح ملكيتها للإمام ( ع ) .

و اما اراضي اهل الذمة التي هي في ايديهم فالظاهر ان علاقتهم
بها تكون على مستوى الملك .و من الطبيعي ان ابقاء تلك الاراضي
في ايديهم من قبل ولى الامر انما هو بموجب ما تم بينهم و بين ولى
المسلمين بشأنها في عقد الصلح ،و تدل على الملك مجموعة من
الروايات :

منها :صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر ( ع ) قال سألته
عن شراء ارض اهل الذمة فقال :( لا بأس بها فتكون اذا كان
ذلك بمنزلتهم تؤدي عنها كما يؤدون ) الحديث - 1 - .

و منها :مضمرة زرارة قال :قال :( لا بأس بان يشتري أرض
اهل الذمة اذا عملوها و احيوها فهي لهم ) - 2 - .

و تؤكد ذلك رواية ابي الربيع الشامي عن ابي عبد اللّه ( ع )
قال :( لا تشتر من ارض السواد شيئا إلا من كانت له ذمة )
الحديث - 3 - .

فان الظاهر من هذه المجموعة هو شراء رقبة الارض ،و حملها على
شراء الحق المتعلق بها كما كان الامر كذلك في شراء الارض المفتوحة
عنوة و ان كان بمكان من الامكان إلا انه خلاف الظاهر فيكون بحاجة
الى قرينة .

فالنتيجة ان ارض الصلح تختلف باختلاف ما تم عليه عقد
الصلح بشأنها ،و ليس لها ضابط كلي في جميع الموارد .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 12 الباب 21 من ابواب عقد البيع
الحديث 8 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 12 الباب 21 من ابواب عقد البيع
الحديث 2 .



---------------

( 3 ) الوسائل ج 12 الباب 21 من ابواب عقد البيع
الحديث 5 .

--( 329 )--

-5 -
انواع اخرى للأراضي


1 -الارض التي سلمها اهلها لولى الامة .

2 -الارض التي باد اهلها و انقرضوا

3 -الارض المستجدة في دار الإسلام

4 -بطون الاودية ،رءوس الجبال ،الآجام

--( 330 )--

--( 331 )--

الارضي التي سلمها
اهلها لولى الامة


كل ارض سلمها الكفار لولى المسلمين من دون هجوم عليهم من
قبلهم تسليما ابتدائيا فهي تكون من الانفال يعني -ملك للدولة -
و تصرف مواردها في شئون الدولة و مصالحها .

و يدل على ذلك :من الكتاب قوله تعالى : «و ما أفاء اللّه على
رسوله منهم فما اوجفتم عليه من خيل و لا ركاب ،و لكن اللّه يسلط
رسله على من يشاء و اللّه على كل شي‏ء قدير ».

و اما من الروايات :فقد دلت على ذلك عدة من النصوص :
و هي النصوص التي تقدمت في خلال البحث عن مقدمة الكتاب
فلاحظ

--( 332 )--

( الارض التي باد اهلها )


لا شبهة في ان هذه الارض من الانفال سواء أ كان الموت طارئا
عليها أم ظلت عامرة ،و ذلك لا من ناحية مرسلة حماد بن عيسى ،
لأنها ضعيفة سندا من ناحية الارسال فلا يمكن الاعتماد عليها ،بل
من ناحية مجموعة من النصوص التي جاءت بهذا النص ( كل ارض
لا رب لها ) فانها تدل على ان ما لا رب لها فهي للإمام ( ع ) و بما
ان الارض المزبورة قد باد اهلها و انقرضوا فتصبح مما لا رب لها .

هذا اضافة :الى انها تدخل في النصوص التي تدل على ان من
لا وارث له فماله من الانفال ،و هي روايات كثيرة :

منها :قوله ( ع ) في موثقة اسحاق بن عمار المتقدمة ( و من
مات و ليس له مولى فماله من الانفال ) .

و منها :صحيحة محمد بن مسلم عن ابي جعفر ( ع ) قال ( من
مات و ليس له وارث من قرابته ،و لا مولى عتاقه قد ضمن جريرته .
فما له من الانفال ) - 1 - .

و منها :صحيحة محمد الحلبي عن ابي عبد اللّه ( ع ) في قول اللّه
تعالى : «يسئلونك عن الانفال ،قال :( من مات و ليس له مولى
فما له من الانفال ) - 2 - .

و منها :صحيحة الحلبي عن ابي عبد اللّه ( ع ) قال :من مات
و ترك دينا فعلينا دينه ،و إلينا عياله الى ان قال :و من مات و له
موالي فما له من الانفال ) - 3 - .

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب ولاء ضمان
الجريرة و الامامة 1



---------------

( 2 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب ولاء ضمان
الجريرة و الامامة 3



---------------

( 3 ) الوسائل ج 17 الباب 3 من ابواب ولاء ضمان
الجريرة و الامامة 4


--( 333 )--

الارض المستجدة في دار الإسلام


و هي جزيرة ظهرت في وسط البحر او النهر او ساحلها ،و قد
عبر عنها بسيف البحار في كلمات الفقهاء .

و لا شبهة في انها من الانفال ،لأنها تدخل في نطاق ملكية
الامام ( ع ) تطبيقا للكبرى الفقهية التي قد نصت :على ان كل
ارض لا رب لها فهي للإمام ( ع ) .

و اما اذا افترضنا :ان الارض المزبورة لم تكن من الاول تحت
الماء و كانت بيد صاحبها ،ثم استولى الماء عليها ،و بعد مضي مدة
زمنية ظهرت الارض فهل تنقطع بذلك علاقة صاحبها عنها نهائيا او
ظلت بحالها ؟فيه تفصيل ،فان كانت علاقة صاحبها بالارض على
مستوى الملك لم تنقطع بذلك ،فان خروج رقبة الارض عن ملكه
بحاجة الى دليل ،و لا دليل في المقام على ذلك ،بل مقتضى الاصل
بقائها .و إن كانت على مستوى الحق انقطعت علاقته عنها .لما عرفت
من ان الحق متقوم بحياتها و عمرانها فاذا زالت زال الحق نهائيا
بزوال علته .

--( 334 )--

رءوس الجبال ،بطون الأودية ،الآجام


البحث فيها يقع تارة في مقتضى مجموعة من النصوص الخاصة .

و اخرى :في مقتضى مجموعة من النصوص العامة .

اما البحث في الاول :فقد استدل على انها من الانفال بعدة من
النصوص الشرعية :

منها :مرسلة حماد بن عيسى المتقدمة عن بعض اصحابنا عن العبد
الصالح في حديث قال :( و للإمام صفو المال الى ان قال :و له
رءوس الجبال ،و بطون الاودية ،و الاجام ) الحديث

فانها و ان كانت تامة دلالة إلا انها ضعيفة سندا من ناحية الارسال
فلا يمكن الاستدلال بها .

و منها :مرسلة مقنعة عن محمد بن مسلم قال :سمعت ابا
جعفر ( ع ) يقول :( الانفال الى ان قال :فقال :كل ارض خربة
او شي‏ء يكون للملوك ،و بطون الاودية ،و رءوس الجبال ) الحديث - 1 -

فانها ضعيفة سندا من جهة الارسال و ان كانت تامة دلالة .

و منها :مرفوعة احمد بن محمد عن بعض اصحابنا رفع الحديث
الى ان قال :( قال :و بطون الاودية ،و رءوس الجبال ) الحديث - 2 - .

فانها ضعيفة فلا يمكن الاعتماد عليها .

نعم قد ورد -في صحيحة حفض بن البختري و معتبرة محمد بن

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث
33 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال الحديث
17 .


--( 335 )--

مسلم المتقدمتين -بطون الاودية خاصة ،و تنصان على انها من الانفال .

الى هنا قد انتهينا الى هذه النتيجة :و هي ان النصوص الخاصة
المذكورة -التي تنص على ان رءوس الجبال ،و بطون الاودية ،و الاجام
من الانفال -باجمعها ضعيفة سندا فلا يمكن الاعتماد عليها ،فاذن
النص الخاص غير متوفر في هذه الثلاثة ما عدى بطون الاودية .

و دعوى : -ان ضعف تلك النصوص قد انجبر بعمل الاصحاب -
خاطئة جدا .

اما اولا :فلانا لا نعلم بان الاصحاب قد استندوا في الحكم
بكون هذه الثلاثة من الانفال الى تلك الروايات ،بل لعلهم استندوا
في ذلك الى الروايات العامة و تطبيقها عليها .

و اما ثانيا :فلان الجابر لو كان فانما هو عمل اصحابنا المتقدمين
و استنادهم اليها في مقام الفتيا و هو غير معلوم لنا على اساس انه
لا طريق لنا إلى احراز ذلك ،و أما عمل اصحابنا المتأخرين فلا
يكون جابرا .

و اما ثالثا :فمع الاغماض عن جميع ذلك فالكبرى غير تامة ،
فان الملاك في اعتبار الرواية هو وثاقة الراوي سواء أ كان الاصحاب
قد عملوا بها أم لم يعملوا .

نعم اذا حصل الاطمئنان بصدورها على اساس عملهم بها فالرواية
عندئذ و إن كانت حجة إلا انها من ناحية الاطمئنان .

و اما البحث في الثاني :فالظاهر دخول رءوس الجبال ،و بطون
الاودية ،و الاجام في نطاق مجموعة من النصوص العامة التي تقدمت
في ضمن الابحاث السالفة .

فان منها :ما يدل على ان الارض الخربة التي لم يوجف عليها

--( 336 )--

بخيل و لا ركاب للإمام ( ع ) .

و منها :ما يدل على ان كل ارض لا رب لها فهي للإمام ( ع ) .

و منها :ما يدل على ان الارض كلها للإمام ( ع ) .

و عليه فبطون الاودية ،و رءوس الجبال ان كانتا مواتا و لم يوجف
عليهما بخيل و لا ركاب فهما داخلتان في نطاق المجموعة الاولى ،و إن
كانتا عامرة طبيعيا و لم يوجف عليهما بخيل و لا ركاب فهما داخلتان
في نطاق المجموعة الثانية ،و كذا الحال في الاجام ،فانها داخلة في
نطاق هذه المجموعة .

و اما اذا كانت هذه الثلاثة مأخوذة من الكفار بعنوة و هراقة دم
فهي ملك عام للمسلمين على تفصيل قد سبق بشكل موسع .

هذا كله بحسب ما هو مقتضى النصوص العامة .

و اما بطون الاودية خاصة :فبما ان النص الوارد فيها تام من
ناحية السند فالظاهر انه لا مانع من الحكم بكونها من الانفال مطلقا
و ان كانت مأخوذة من الكفارة بعنوة و هراقة دم ،و ان كانت عامرة
بشريا و كان تاريخ عمرانها متقدما زمنيا على تاريخ نزول آية الانفال ،
فانها اذا دخلت دار الإسلام بعد ذلك التاريخ خرجت عن ملك
مالكها و دخلت في ملك الامام ( ع ) بمقتضى اطلاق هذا النص .

و لكن في مقابل هذا النص مجموعتان من النصوص :

احداهما :عمومات الاحياء التي تدل على تملك المحيى لرقبة
الارض .

و الاخرى :العمومات الدالة على ان الارض المأخوذة من الكفار
عنوة ملك عام للمسلمين .

اما المجموعة الاولى :فالنسبة بينها و بين هذا النص عموم من

--( 337 )--

وجه ،و ملتقى المعارضة بينهما ما اذا كانت بطون الاودية عامرة
بشريا ،فان مقتضى تلك المجموعة انها دخلت في ملك المحيى ،
و مقتضى هذا النص انها ظلت في ملك الامام ( ع ) فاذن لا يمكن
الاخذ باطلاق النص المزبور .

و الجواب عن ذلك :

اما اولا :فقد تقدم في ضمن البحوث السالفة ان عملية الاحياء
لا توجب علاقة المحيى بالارض على مستوى الملك ،و انما توجب
علاقته بها على مستوى الحق فحسب ،فاذن لا تنافي بينهما ،و لا مانع
من الاخذ باطلاق النص .

و اما ثانيا :فعلى تقدير تسليم التنافي و التعارض بينهما في مورد
الالتقاء إلا ان الارتكاز القطعي لدى العرف في امثال المقام هو تقديم
هذا النص على المجموعة المذكورة ،إذ في صورة العكس يلزم الغاء
عنوان بطون الاودية نهائيا ،و تصبح حالها حال غيرها من الاراضي ،
و هو على خلاف المتفاهم العرفي ،فعندئذ لا بد من تقديم النص عليها ،
فان الارتكاز المزبور بمثابة قرينة على ذلك فيدخل المقام في نطاق
ضابط كلي المنقح في محله -و هو ان في كل مورد كان التعارض بين
الدليلين عموما من وجه فاذا لزم من تقديم احدهما على الآخر في
مورد الالتقاء الغاء عنوانه نهائيا دون العكس تعين العكس فيه -.

و اما ثالثا :فلانا لو سلمنا تساقط الطرفين بالمعارضة تعين الرجوع
الى العام الفوقي الدال على ان الارض كلها للإمام ( ع ) فان هذا
العام يصلح للمرجعية بعد تساقط النصوص الخاصة من جهة المعارضة .

و اما رابعا :فلانا لو قطعنا النظر عن العام الفوقي امكن الرجوع
الى الاصل العملي -و هو استصحاب بقائها في ملك الامام ( ع ) عدم

--( 338 )--

خروجها عن ملكه -.

و اما خامسا :فلانا لو قطعنا النظر عن هذا الاصل العملي أيضا
امكن الرجوع الى مجموعة اخرى من نصوص ملكية الامام ( ع )
و هي التي جاءت بهذا النص كل ارض لا رب لها فهي للإمام ( ع )
فانه بعد سقوط دليل تملك المحيى بالاحياء لا مانع من الرجوع الى
استصحاب عدم وجود رب خاص لها ،و بذلك تدخل في نطاق هذه
المجموعة فتكون للإمام ( ع ) .

و اما المجموعة الثانية :و هي النصوص التي تدل على ان الارض
المفتوحة عنوة ملك عام للمسلمين ،فهي تصنف الى مجموعتين :

احداهما :تدل على ان ما اخذ بالسيف فهو للمسلمين .

و الاخرى :تدل على ان الارض السواد ملك لهم .

اما النسبة بين النص المتقدم و المجموعة الاولى فهي عموم و خصوص
مطلق فيكون مخصصا لعمومها فلا معارضة في البين .

و اما النسبة بينه و بين المجموعة الثانية فهي عموم من وجه ،
لاختصاص هذه المجموعة بالارض العامرة ،و عموم النص من هذه
الناحية ،فملتقى المعارضة بينهما ما اذا كانت بطون الاودية عامرة و قد
فتحت عنوة من قبل المسلمين ،فان مقتضى هذا النص انها ملك
للإمام ( ع ) و مقتضى تلك المجموعة انها ملك للأمة .

فالنتيجة :انه لا يمكن الاخذ بمقتضى هذا النص .

و الجواب عنه قد ظهر مما تقدم ،و حاصله هو انه لا بد من تقديم
اطلاق ذلك النص على اطلاق هذه المجموعة من النصوص بعين ملاك
تقديمه على مجموعة عمومات نصوص الاحياء حرفا بحرف .

إلى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة و هي ان بطون

--( 339 )--

الاودية اذا دخلت دار الإسلام فان كان دخولها بعد نزول آية الانفال
فهي اصبحت ملكا للإمام ( ع ) هذا من دون فرق بين كونها مواتا ،
او عامرة بشريا او طبيعيا ،و على الثاني لا فرق بين كون تاريخ
عمرانها متقدما زمنيا على تاريخ نزول الآية او متأخرا عنه كذلك .

و أيضا لا فرق بين كون دخولها في دار الإسلام بالجهاد المسلح
او بدون ذلك ،كل ذلك انما هو لإطلاق النص و عدم ما يصلح
لتقييده بغير حالة من تلك الحالات .

و اما اذا كان دخولها قبل نزول الآية فان كان بعنوة و كان بعد
تاريخ تشريع ملكية الارض للمسلمين بالفتح خارجا فهي تصبح
ملكا لهم .و اما اذا كان قبله ،او لم يكن بعنوة فهي و ان لم تكن
عندئذ ملكا للإمام ( ع ) و لا للمسلمين إلا ان امرها بيد ولي الامة .

و من هنا يظهر :انه لا ثمرة عملية بين دخولها في دار الإسلام
قبل نزول الآية او بعده اصلا على اساس ان امرها على كلا التقديرين
بيد ولي الامة .

و من ذلك يظهر حال رءوس الجبال ،و الاجام اذا افترضنا صحة
النص الوارد فيهما أيضا .

و بذلك يتبين ان ما ذكره المحقق الهمداني ( قده ) -من ان
رءوس الجبال ،و بطون الاودية ،و كذا الاجام مندرجة في الارض
الموات ،و انفرادها في الذكر في الفتاوي لتبعية النصوص .و اما ذكرها
في النصوص خاصة فهو من ناحية انها من الافراد الخفية التي ينصرف
عنها اطلاق الارض الموات .

و قد حكى ذلك :عن المحقق الأردبيلي ( قده ) أيضا حيث قال :
ان هذه الثلاثة داخلة في الموات إلا ان ذكرها للتوضيح ،و احتمال

--( 340 )--

صرف الموات الى غيرها -لا يمكن الاخذ به ،و ذلك لأن الظاهر من
نصوصها لدى العرف هو ان لها خصوصية ،لا ان ذكرها للتوضيح
و التنبيه على انها من الافراد الخفية ،ضرورة انه لو لم تكن لها
خصوصية لكانت الارض الموات شاملة لها جزما ،فان بطون الاودية
و رءوس الجبال من الارض حقيقة و لا وجه لدعوى الانصراف .

و اما الاجام :فهي غير داخلة في الارض الموات ،بل هي داخلة
في الارض العامرة طبيعيا ،و تدخل في نطاق ملكية الامام ( ع )
تطبيقا للقاعدة التي جاءت بهذا النص ( كل ارض لا رب لها فهي
للإمام ( ع ) ) .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان دعوى الانصراف لا تقوم على اساس
صحيح اصلا ،و عليه فالاطلاق هو المحكم في كل ما كانت النصوص
فيه تامة سندا و هو بطون الاودية ،دون رءوس الجبال ،و الاجام ،
كما عرفت .

و من هنا تمتاز بطون الاودية عن اخوتيها ،فان حكمهما حكم
غيرهما من الاراضي التي هي ملك عام للإمام ( ع ) تطبيقا للنصوص
العامة على اساس عدم وجود نص خاص معتبر فيهما ،و وجوده في
بطون الاودية .

و هذا بخلاف بطون الاودية ،فان دخولها في نطاق ملكية الدولة
بما انه قد ثبت بنص خاص فظاهره بمقتضى الارتكاز العرفي هو
ان لها خصوصية و إلا فلا مقتضى لانفرادها بالذكر كما عرفت ،و قد
اشرنا إلى تلك الخصوصية -و هي انها ملك للإمام ( ع ) مطلقا حتى
فيما اذا اخذت من الكفار بعنوة و هراقة دم -و بهذه الخصوصية تمتاز
عن إخوتيها .

--( 341 )--

هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان مقتضى اطلاق النص المزبور كون بطون
الاودية داخلة في نطاق ملكية الدولة و ان كانت في ارض غير الامام
( عليه السلام ) و قد اختار هذا التعميم صاحب المدارك ( قده )
حيث قال :ان اطلاق النص ،و كلام اكثر الاصحاب يقتضي اختصاصه
( عليه السلام ) بهذه الانواع الثلاثة في أي ارض كانت إلا انه ( قده )
منع عن هذا الاختصاص من جهة ضعف النصوص ،و قد صرح بهذا
القول شيخنا العلامة الانصاري ( قده ) ،بل هذا هو المشهور بين
الاصحاب .

و اما ما عن ابن ادريس ( قده ) -من منع اختصاص الامام ( ع )
بها مطلقا -فيرده انه خلاف ظاهر تلك النصوص ،فان الظاهر منها
عرفا هو ان للعناوين المذكورة فيها خصوصية ،و لأجل تلك الخصوصية
افردها بالذكر .هذا .

و فيه :ان ما نسب الى المشهور انما يتم بالاضافة الى بطون الاودية
خاصة ،لا مطلقا ،و ذلك لما عرفت من ان النص الخاص المتضمن
لرءوس الجبال ،و الاجام ضعيف سندا فلا يمكن الاعتماد عليه و من
هنا قلنا ان دخولهما في نطاق ملكية الامام ( ع ) انما هو من ناحية
تطبيق العناوين العامة عليهما ،و هذا بخلاف النص الخاص المتضمن
لبطون الاودية خاصة ،فانه تام من حيث السند

و بذلك يظهر ما في كلام صاحب المدارك ( قده ) حيث ان رميه
جميع النصوص الواردة في تلك الانواع الثلاثة بالضعف سندا في غير
محله ،لما عرفت من ان النص الوارد في بطون الاودية تام سندا .

فالنتيجة :ان بطون الاودية ملك للإمام ( ع ) مطلقا -حتى بعد

--( 342 )--

عملية الاحياء -على ضوء نظرية المشهور في المسألة من ان العملية المزبورة
تمنح المحيى ملكية الارض ،و لأجل هذه الخصوصية تمتاز عن غيرها
من الاراضي .

و اما على ضوء ما هو المختار في المسألة -من ان عملية الاحياء
لا تمنح المحيى ملكية الارض و انما تمنحه حقا فيها مع بقاء رقبة
الارض في ملك الامام ( ع ) -فلا فرق بينها و بين غيرها من
الاراضي الموات من هذه الناحية اصلا على اساس ان عملية الاحياء
في كلا الموردين لا توجب انقطاع علاقة الامام ( ع ) عن الرقبة ،
و انما توجب علاقة المحيى بها على مستوى الحق فحسب .

نعم ان لها خصوصية من ناحية اخرى -و بها تمتاز عن غيرها -
و هي ما اشرنا اليه آنفا من انها داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع )
مطلقا حتى فيما اذا كانت في الارض المفتوحة عنوة التي هي ملك
عام للأمة ،و هذا بخلاف غيرها من الاراضي فانها بالفتح تصبح ملكا
للمسلمين و لو كانت مواتا و كان فتحها بعد تاريخ نزول آية الانفال
على اساس ما قويناه سابقا ،و لأجل هذه النكتة افردت في الذكر
في النص .

و هذا البيان بعينه جار في رءوس الجبال ،و الاجام على تقدير
اعتبار النص الوارد فيهما خاصة .

ثم انه لو اصبحت الارض المملوكة واديا بحادث من الحوادث
السماوية او الارضية فهل تكون مشمولة لإطلاق النص المزبور ؟فيه
تفصيل ،فان صيرورتها واديا ان كانت على نحو لم يوجب انقطاع علاقة
صاحبها عنها لدى العرف لم تكن مشمولة عنه ،لانصرافه عنها جزما
و إن كانت على نحو يوجب انقطاع علاقته عنها لديهم فهي مشمولة له ،

--( 343 )--

و ذلك كما اذا انتقلت ارضه من مكانها الى مكان آخر او زالت
و انتشرت اجزائها و اصبح مكانها واديا بواسطة السيل الجارف او
الزلزلة ،فان ملكية الارض و ان كانت تستلزم ملكية بواطنها لكن
بالمقدار المتعارف اي -بالمقدار الذي يتوقف عليه الانتفاع بها دون
الاكثر -و اما اعماقها التي لا يمكن الوصول اليها إلا بحفر و جهد كبير
فلا تكون مملوكة لصاحب الارض ،و لا تمتد علاقته بها الى اعماقها
نهائيا عند العرف و العقلاء ،و لا دليل لدنيا من الشرع أيضا على ان
الفرد يملك اعماق الارض بتبع ملكية نفسها .

و عليه فتصبح تلك الوادي ملكا للإمام ( ع ) لا من جهة هذا
النص الخاص ،فانه لو لم يكن ذلك النص أيضا نحكم بدخولها في
نطاق ملكيته ( ع ) تطبيقا للقواعد العامة المتقدمة .

و من هنا يظهر انه لا خصوصية لبطون الاودية هنا ،بل الحال
كذلك في رءوس الجبال ،فان الارض المملوكة اذا افترض انها اصبحت
تلا و جبلا جرى فيها التفصيل المتقدم .و اما الاجام فلا شبهة في انها
ملك لصاحب الارض ،و لا يجري فيها التفصيل المزبور .

نتيجة هذا البحث عدة نقاط


الأولى :ان النصوص الخاصة الواردة في مجموع من بطون الاودية
و رءوس الجبال و الآجام بأجمعها ضعيفة سندا .نعم النص الخاص
الوارد في بطون الاودية خاصة تام من ناحية السند .

الثانية :ان حال رءوس الجبال و الاجام حال غيرهما من الاراضي
التي هي داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع ) تطبيقا للقواعد العامة

--( 344 )--

و لا خصوصية لهما من هذه الناحية اصلا و هذا بخلاف بطون الاودية
فان لها خصوصية تمتاز بها عن غيرها كما عرفنا .

الثالثة :ان بطون الاودية بمقتضى اطلاق نصها لا تدخل في ملك
المحيى بسبب الاحياء ،بل ظلت في ملكية الامام ( ع ) حتى بعد
قيام فرد باحيائها و عمرانها ،و بهذه الخصوصية تمتاز عن غيرها من
الاراضي الموات ،هذا على ضوء نظرية المشهور من ان الاحياء يوجب
تملك المحيى للأرض .و اما على ضوء ما هو المختار في المسألة فلا
فرق بينها و بين غيرها من هذه الناحية اصلا كما عرفت .

الرابعة :ان الارض المملوكة اذا اصبحت واديا ففي شمول
النص لها تفصيل تقدم آنفا .و كذا الحال فيما اذا اصبحت
تلا و جبلا .

هذا تمام ما اوردناه حول الاراضي بأنواعها .

--( 345 )--

-6 -
المعادن


مجموعة بحوث يبحث فيها عن
انواعها :الظاهرة و الباطنة
و ما يترتب عليهما من الآثار
و الاحكام على اساس دائرة
الشرع الاسلامي المقدس

--( 347 )--

المعادن


ذكر جماعة ان المعادن من الانفال ،و استدلوا على ذلك بمجموعة
من النصوص :

منها :موثقة اسحاق بن عمار قال :سالت أبا عبد اللّه ( ع )
عن الانفال فقال :هي القرى التي قد خربت و انجلى اهلها الى ان
قال :و كل ارض لا رب لها ،و المعادن منها الحديث - 1 - .

و منها :رواية أبي بصير عن أبي جعفر ( ع ) قال :لنا الانفال
قلت :ما الانفال قال :منها :المعادن ،و الاجام الحديث - 2 - .

و منها :رواية داود بن فرقد عن أبي عبد اللّه ( ع ) في حديث
قال :قلت :و ما الانفال قال :بطون الاودية ،و رءوس الجبال ،
و الاجام ،و المعادن الحديث - 3 - .

و لكن لا يخفى ان العمدة في المسألة انما هي الرواية الاولى على
اساس انها تامة سندا .و اما الروايتين الاخيرتين فبما انهما ضعيفتان
من ناحية السند فلا يمكن الاعتماد عليهما .

و في مقابل هذا القول ذكر جماعة ان الناس فيها شرع سواء ،
بل عن الشهيد ( قده ) ،في الدروس نسبته الى الاشهر ،بل في
الجواهر انه المشهور نقلا و تحصيلا ،و كيف كان فقد استدلوا عليه بوجوه :

الاول بالاصل العملي ،فان مقتضاه ان المعادن غير داخلة في
نطاق ملكية احد ،لا ملكية خاصة ،و لا ملكية عامة ،لان دخولها

---------------

( 1 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال و ما يختص
بالامام الحديث 3 .



---------------

( 2 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال و ما يختص
بالامام الحديث 28 .



---------------

( 3 ) الوسائل ج 6 الباب 1 من ابواب الانفال و ما يختص
بالامام الحديث 32 .


--( 348 )--

في ذلك بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه ،و اما النصوص المتقدمة
فهي غير مانعة عن التمسك بهذا الاصل ،و ذلك لان النص الثاني و الثالث
ضعيفان من ناحية السند كما عرفت فلا يمكن الاعتماد عليهما
في اثبات حكم شرعي .

و اما النص الاول :فهو و ان كان تاما من ناحية السند الا انه
مجمل من ناحية الدلالة ،اذ من المحتمل قويا ان يكون قوله ( ع )
منها راجعا الى الارض التي لا رب لها ،لا الى الانفال ،فانه انسب
بسياق الرواية .

هذا اضافة الى ما قيل :من ان الوارد في بعض النسخ كلمة فيها
بدل كلمة منها ،و على هذا يتعين رجوعها الى الارض .

و نتيجة ذلك :هي ان الموثقة لا تدل على ان المعادن مطلقا من
الانفال حتى فيما اذا كانت في ارض مملوكة بملكية خاصة او عامة ،و انما تدل
على كونها من الانفال اذا كانت في الارض التي هي داخلة في نطاق
ملكية الامام ( ع ) ،فانه المتيقن منها ،و عليه فاذا كان للأرض
رب لم يثبت كون المعادن المتكونة فيها من الانفال .

و قد تحصل من ذلك :ان هذه المجموعة من النصوص لا تدل
بوجه على ان المعادن مطلقا من الانفال .و عليه فلا مانع من الرجوع
الى الاصل المزبور بالاضافة الى المعادن التي تكون في الارض التي لها
رب خاص قبل التاريخ الزمني لتشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) .

و اما اذا كانت في الارض التي لها رب خاص بعد التاريخ
المزبور :اما من ناحية ان عملية الاحياء تمنح المحيى ملكية الارض
او من ناحية اخرى كتمليك الامام ( ع ) فهل عندئذ تنقطع علاقة

--( 349 )--

الامام عن المعادن في تلك الارض كما انقطعت عنها او تظل ؟فيه
و جهان :الظاهر هو الوجه الثاني .

و السبب فيه ان المعادن سواء أ كانت متوغلة في اعماق الارض أم كانت
على سطحها فهي موجودات مستقلة في قبال الارض ،و ليست من
شئونها و توابعها لدى العرف ،فان نسبتها الى الارض نسبة المظروف
الى الظرف ،لا نسبة الثمرة الى الشجرة ،و سوف نشير في ضمن
البحوث القادمة الى ان اثر ملكية الارض لا يمتد الى ما فيها من
المصادر و الثروات الطبيعية كالمعادن و نحوها الا بقرينة ،هذا بناء على
كون عملية الاحياء تفيد الاختصاص بالارض على مستوى الملك .

و اما بناء على كونها مفيدة للاختصاص بها على مستوى الحق
فايضا الامر كذلك ،فان الحق لا يتعدى عن الارض الى ما فيها من
المصادر و الثروات الطبيعية ،و كذا الحال في تمليك الامام ( ع ) .

و من ذلك يظهر انه لا مجال لدعوى انه لا خصوصية لعنوان
المعادن في قبال الارض على اساس انها تتبع الارض في مبدأ الملكية
فاذا كانت الارض خاضعة لمبدإ ملكية خاصة او عامة كانت المعادن
كذلك ،و عليه فلا موضوعية لها ،مع ان ظاهر الموثقة هو ان لها
موضوعية ،فان ذكرها في مقابل عنوان الارض الخربة ،و الارض
التي لا رب لها يدل على ان لها خصوصية و الا لكان ذكرها لغوا صرفا
و لذا لا بد من الالتزام بانها مطلقا من الانفال .

و ذلك لما عرفت من ان المعادن لا تتبع الارض في مبدأ الملكية
من ناحية .و اجمال الموثقة و عدم دلالتها على ان للمعادن موضوعية
في قبال الارض التي لا رب لها من ناحية اخرى

--( 350 )--

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان القدر المتيقن من الموثقة هو دخول
المعادن الموجودة في الارض التي لا رب لها في نطاق ملكية الامام ( ع ) من
دون فرق بين المعادن الظاهرة و الباطنة في ذلك ،و اما المعادن الموجودة في
الارض الخاضعة لمبدإ الملكية الخاصة او العامة كالأرض المفتوحة عنوة
فلا تدل على انها من الانفال .

الثاني :ان سيرة المسلمين قد جرت من لدن عصر النبي
الاكرم ( ص ) الى زماننا هذا على استخراج المعادن و التصرف فيها
من دون اذن ولي الامر ،و لم يرد ردع عنها في اي نص من النصوص
الشرعية ،و من الطبيعي ان مثل هذه السيرة يكشف كشفا جزميا
عن انها ليست من الانفال و الا لم يجز القيام باستخراجها و السيطرة
عليها بدون الاذن .

و الجواب عن هذا الوجه ان السيرة المذكورة و ان كانت قائمة بين
المسلمين في جميع العصور الا انها رغم ذلك لا تكشف عن ان المعادن
لم تكن من الانفال ،و ذلك لأنه ان اريد بها سيرة المتعبدين بنصوص
اهل البيت ( ع ) فالظاهر ان جريانها بينهم يقوم على اساس اخبار
التحليل او نحوها مما يكشف عن رضائهم ( ع ) بتصرفاتهم فيها .
و ان اريد بها سيرة غيرهم من المسلمين فمن الواضح انها تقوم على
اساس منهجهم الفقهي .

فبالنتيجة :ان هذه السيرة لا تدل بوجه على ان المعادن لم تكن
من الانفال .

الثالث :ان ظاهر مجموعة من النصوص الدالة على وجوب
الخمس في المعادن هو ان الاربعة الاخماس الباقية ملك لمن كان قائما

--( 351 )--

بعملية استخراجها لا للإمام ( ع ) .

و الجواب عنه :انه لا اطلاق لهذه النصوص من هذه الناحية
اصلا ،و سوف نشير اليه .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان المعادن
الموجودة في اراضي الامام ( ع ) فهي نفل ،دون المعادن الموجودة
في غيرها من الاراضي ،فانه و ان لم يثبت بدليل اجتهادي انها ليست
بنفل الا انك عرفت ان مقتضى الاصل العملي ذلك على اساس ان
خضوعها لمبدإ ملكية الامام ( ع ) بحاجة الى دليل ،و لا دليل عليه .

قد يقال :ان مقتضى قوله ( ع ) في صحيحة أبي سيار مسمع
ابن عبد الملك المتقدمة ( الارض كلها لنا فما اخرج اللّه منها من
شي‏ء فهو لنا ) ان الارض و ما فيها من المصادر و الثروات كالمعادن
و نحوها كلها للإمام ( ع ) و عليه فتكون المعادن مطلقا من الانفال كالأرض

و فيه ما مرّ بنا سابقا من ان المراد بالارض في الصحيحة هي
الارض التي لا رب لها حين تشريع ملكية الانفال للإمام ( ع ) سواء
أ كانت ميتة أم كانت عامرة فلا تشمل الارض التي هي داخلة في
نطاق ملكية خاصة او عامة في زمان التشريع المزبور ،و عليه فلا
تدل الصحيحة على ان المعادن مطلقا من الانفال .

لحد الان قد تبين لنا انه لا يمكن اتمام القولين المشار اليهما
في صدر المسألة بدليل :و من هنا لا بد لنا :من التفصيل فيها .
و سوف نشير اليه في ضمن البحوث القادمة .

--( 352 )--

المعادن الظاهرة


و هي في المصطلح الفقهي عبارة عما تكون طبيعته المعدنية ظاهرة
بارزة سواء أ كان الوصول اليها بحاجة الى انفاق عمل و بذل جهد كما
اذا كانت في اعماق الارض أم لم يكن كما اذا كانت على سطح الارض )

و اليه اشير :ما عن العلامة في التذكرة من ان المراد بالظاهر ما يبدو
جوهرها من غير عمل ،و انما السعي و العمل لتحصيله اما سهلا
او متعبا ،و لا يفتقر الى اظهار كالملح ،و النفط ،و القار ،و القطران ،
و الموميا ،و الكبريت ،و احجار الرحى ،و البرمة و الكحل ،و الياقوت ،
و مقالع الطين و اشباهها .

و اما حكم هذه المعادن :فقد نسب الى المشهور ان الناس فيها
شرع سواء ،و لا يعترف الإسلام بالاختصاص بها للأفراد ،لا على
مستوى الملك ،و لا على مستوى الحق ،و سوف نشير الى تفصيل ذلك

و في مقابل ذلك ذهب جماعة الى انها من الانفال ،لخبر اسحاق بن
عمار ،او لأنها من الارض التي لا رب لها .

و قد اورد على ذلك :في الجواهر بان الخبر ضعيف و لا جابر له ،
بل الموهن متحقق ،فان المشهور نقلا و تحصيلا على ان الناس فيها
شرع سواء ،بل قيل :قد يلوح من محكى المبسوط ،و السرائر نفى
الخلاف فيه ،مضافا الى السيرة المستمرة في سائر الاعصار و الامصار
في زمن تسلطهم و غيره على الاخذ منها بلا اذن حتى ما كان في الموات
التي هي ملك للإمام ( ع ) او في المفتوحة عنوة التي هي ملك عام
للمسلمين .

--( 353 )--

اقول :ان لنا دعاوي اربع :

الاولى :عدم صحة ما نسب الى المشهور مطلقا ،

الثانية :ان ما نسب الى جماعة لا يمكن الأخذ به على اطلاقه .

الثالثة :ان ما اورده في الجواهر على القول الثاني لا يتم .

الرابعة :ان الصحيح هو التفصيل في المقام .

اما الدعوى الاولى :فقد تقدم ان مقتضى موثقة اسحاق بن عمار
ان المعادن الموجودة في الاراضي التي لا رب لها داخلة في نطاق ملكية
الامام ( ع ) فليست من المشتركات العامة بين كل الناس .

و اما المعادن الموجودة :في الأراضي المملوكة بملكية خاصة فهل
هي خاضعة لمبدإ الملكية العامة يعني -ان الناس فيها شرع سواء -
او تتبع الارض في سنخ الملكية ؟فيه وجهان :

الظاهر هو الوجه الاول يعني -ان المعادن في تلك الاراضي من
المشتركات العامة بين الناس -و ليست خاضعة للأرض في مبدأ الملكية .

و النكتة في ذلك :ان وجودها في ارض فرد معين بحد نفسه
لا يكون كافيا لتملك ذلك الفرد لها ،لأننا قد عرفنا في ضمن
البحوث السالفة ان مصدر علاقة الفرد بالارض انما هو عملية الاحياء
فلا يمكن ان تنشأ العلاقة بينهما بدونها ،و قد تقدم ان الناتج من
عملية الاحياء انما هو علاقة المحيى بالارض ،و من الطبيعي ان
اثرها لا يمتد الى المعادن الموجودة فيها ،لأنها ليست ارضا على الفرض
و من المعلوم ان مقتضى النصوص الشرعية -التي جاءت بهذا النص :
( من أحيا ارضا مواتا فهي له ) او قريبا منه -هو ان اثر الاحياء
منح المحيى ملكية الارض لا غيرها ،و عليه فالمصادر و الثروات الطبيعية
التي تتكون فيها بما انه لا يصدق عليها عنوان الارض فلا تكون

--( 354 )--

مشمولة للنصوص المزبورة .

و بكلمة اخرى :ان احياء الارض احياء لها فحسب ،لا لغيرها ،
لما تقدم من ان احيائها عبارة عن توفير الشروط للانتفاع بها بزرع
او نحوه التي لم تكن متوفرة فيها قبل عملية الاحياء ،و انما نتجت
منها ،و من الواضح ان تلك الشروط شروط للانتفاع بالارض و الاستفادة
منها ،و لا صلة لها بغيرها من المصادر الطبيعية الموجودة فيها .

و قد ذكرنا ان علاقة العامل بتلك المصادر انما هي على اساس
انفاق العمل و بذل الجهد في سبيل الاستيلاء و السيطرة عليها ،مثلا :
علاقة العامل بالمناجم او العيون الموجودة في اعماق الارض انما هي
باكتشافها من خلال عمليات الحفر و بذل الجهد في سبيل الوصول
اليها ،و من هنا قلنا انه لا يصدق على ذلك عنوان الاحياء ،و اطلاقه
عليه كما في كلمات الاصحاب مبني على المسامحة .

نعم ان اريد بعملية الاحياء تصفية المواد المعدنية -كما اذا
كانت من المعادن الباطنة و بذل الجهد و العمل في سبيل انجازها
و تطويرها على اساس ان جوهرها لا يبدو بشكل كامل إلا بعد عملية
التصفية و التطوير ،كما هو الحال في الذهب و الفضة او ما شاكلهما -
فهي و ان كانت احياء بالاضافة اليها -باعتبار ان احياء كل شي‏ء
بحسبه ،و احياء تلك المواد انما هو بذلك -إلا انها لا تؤثر في شي‏ء
على اساس ان هذه العملية من العامل إنما هي بعد دخول تلك المواد
المعدنية في نطاق ملكيته كما اذا كانت من المباحات الاولية ،او
احقيته كما اذا كانت من الانفال مثلا ،ضرورة ان القيام بهذه
للعملية لا يمكن ما دامت في موضعها الطبيعي فلا محالة يتوقف على
اخذها من موضعها و نقلها الى موضع هذه العملية ،و من الواضح ان

--( 355 )--

الملك او الحق قد حصل بنفس عملية الاخذ و النقل و جعلها في حوزته .

فالنتيجة :ان ما يصدق عليه الاحياء فلا يكون منشأ لعلاقة
العامل بالمواد المعدنية ،على ان هذه العملية خاصة بالمعادن الباطنة
حيث لا موضوع لها في غيرها ،لما قلنا :من ان احياء شي‏ء عبارة عن
خلق صفة و حالة فيه التي لم تكن موجودة في الشي‏ء قبل عملية الاحياء
و انما نتجت منها ،و هذا يختلف باختلاف الاشياء .

و سوف نشير في البحث القادم ان مصدر اختصاص الفرد بالمواد
المعدنية على مستوى الملك او الحق انما هو عملية استخراجها اذا كانت في
اعماق الارض ،و عملية الاخذ و الاستيلاء خارجا اذا كانت متكونة
على وجه الارض ،و هذا يعني ان الفرد يملك المادة التي يستخرجها
خاصة ،و لا يملك شيئا منها ما دام ظل في موضعه الطبيعي .

نعم هو باكتشافها و الوصول اليها من خلال عملية الحفر و بذل
الجهد اصبح احق بها من الاخرين ،و هذا الحق انما هو على اساس
انه يخلق بعمله و جهده هذا :فرصة الانتفاع بها و الاستفادة منها ،
و ما دامت تلك الفرصة موجودة فقد ظل حقه و ان لم يكن ممارسا
الانتفاع بها ،و ليس لأي واحد ان يزاحمه في استخدام الحفرة
-التي حفرها -في سبيل الحصول عليها .

و اما المناجم الموجودة :في الارض المفتوحة عنوة التي هي ملك
عام للمسلمين فهل هي تخضع الارض في مبدأ الملكية يعني -كما
ان الارض ملك عام للمسلمين كذلك المناجم الموجودة فيها - ؟
فيه وجهان .

الظاهر هو الوجه الاول .

و النكتة فيه :ان مصدر علاقة المسلمين بالارض التي كانت

--( 356 )--

بايدي الكفار و تحت سيطرتهم انما هو استيلاء جيوش المسلمين
عليها بعنوة و هراقة دم و اخذها منهم بالسيف ،و من الطبيعي ان اثر
الاستيلاء يمتد الى المصادر و الثروات الطبيعية كالمناجم و نحوها
الموجودة في الارض سواء أ كانت متوغلة في اعماقها أم كانت على
وجهها باعتبار ان الاستيلاء خارجا على بقعة من الارض لدى العرف
و العقلاء استيلاء على جميع ما في هذه البقعة من الثروات الطبيعية
على اساس ان الاستيلاء على الظرف استيلاء على المظروف طبعا .

و بذلك يختلف مفهوم الاستيلاء و الاخذ بالسيف عن مفهوم
الاحياء ،و على اثر هذا الاختلاف يختلف النتيجة .

فان ملكية الارض :ان كانت نتيجة الاستيلاء عليها ،و الاخذ
بالسيف فامتدت الى المعادن الموجودة فيها على الاساس المزبور ،

و اما اذا كانت نتيجة الاحياء فلا تمتد الى ما فيها من المعادن
و المناجم على اساس ان احياء الارض ليس احياء لها ،لا بالاستقلال
و لا بالتبع نظرا الى انها ليست من توابع الارض و شئونها ،بل هي
موجودات مستقلات في قبال الارض ،غاية الامر انها ظرف لها ،
و من المعلوم ان المظروف ليس تابعا للظرف ،و لا فرق في ذلك بين
ان يكون الناتج من عملية الاحياء الملك او الحق ،و من هنا قلنا
ان نصوص الاحياء خاصة بالارض فلا تشمل غيرها .

هذا اضافة :الى ان موضوع ملكية المسلمين ليس خصوص
الارض ،فان موضوعها على اساس صحيحة أبي نصر هو ما اخذ
بالسيف ،غاية الامر قد خرج من اطلاقه ما اذا كان المأخوذ من
الثروات المنقولة ،و اما اذا لم يكن منها فهو باق فيه و ان لم يصدق
عليه اسم الارض كالمعادن ،و عليه فاذا هاجموا المسلمون على الكفار

--( 357 )--

و غلبوا عليهم بالسيف و طردوهم من ديارهم و اراضيهم فانهم اخذوا
منهم جميع ما كان في ايديهم و تحت سيطرتهم .سواء أ كان ارضا أم
كان غيرها كالمناجم و نحوها ،و قد تقدم انه لا يعتبر في كون المأخوذ
ملكا للمسلمين ان تكون للكافر علاقة به ،بل كل ما انتزع من
سيطرة الكافر و ان لم تكن له علاقة به اصلا و لو على مستوى الحق
فهو ملك للامة ،و لا شبهة في ان المناجم الموجودة فيها كانت تحت
استيلائه و سيطرته و قد انتزعت منها بعنوة .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان المناجم في الارض المفتوحة عنوة
تخضع الارض في مبدأ الملكية ،و ليست من المشتركات العامة بين
جميع الناس .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان المناجم الموجودة في الارض التي هي من
الانفال تخضع تلك الارض في مبدأ الملكية ،و ليس الناس فيها
شرع سواء .

و من ناحية ثالثة :ان المعادن الموجودة في الارض المملوكة
بملكية خاصة تكون من المشتركات العامة بين جميع الناس ،و لا
تخضع الارض في مبدأ الملكية .

و اما الدعوى الثانية :فقد ظهر مما ذكرناه انه لا يمكن اتمامها
بوجه ،لما عرفنا من ان المعادن انما تكون من الانفال اذا كانت
في اراضي الدولة ،لا مطلقا على اساس ان الدليل على ذلك منحصر
بالموثقة المتقدمة ،و قد عرفنا انها لا تدل على اكثر من ذلك ،كما
انه لا وجه لدعوى انها داخلة في الارض التي لا رب لها .

و اما الدعوى الثالثة :فقد تقدم ان رواية اسحاق بن عمار
تامة سندا فلا تحتاج الى وجود جابر .

--( 358 )--

و اما ما ذكره ( قده ) -من ان الشهرة المحققة نقلا و تحصيلا
التي هي قامت على خلافها و توجب و هنها الموجب لسقوطها عن
الاعتبار -فيردّه :

اولا :ان تحقق الشهرة في المسألة على خلافها غير ثابت

و ثانيا :انها لا توجب سقوطها عن الاعتبار ،لما قد ثبت في محله
من ان اعراض المشهور عن رواية معتبرة لا يوجب سقوطها عن
الحجية على اساس ان ملاك حجية الرواية انما هو وثاقة رواتها
الا اذا فرض حصول الاطمئنان منه في مورد بالخلل فيها ،فانه و ان
كان يوجب سقوطها عن الاعتبار الا انه انما هو من ناحية الاطمئنان
لا من ناحية الاعراض .و من هنا لو حصل الاطمئنان به من سبب
آخر لكان موجبا لسقوطها عن الاعتبار أيضا .

و اما الدعوى الرابعة :فقد تبين مما تقدم صحة هذه الدعوى
و انه لا مناص من الاخذ بها -و هي التفصيل بين المناجم الموجودة
في اراضي الدولة ،و المناجم الموجودة في اراضي المسلمين ،و المناجم
الموجودة في ارض مملوكة لفرد خاص ،فانها على الاول تكون من
الانفال كأرضها ،و على الثاني انها ملك عام للمسلمين ،و على الثالث
انها من المشتركات العامة بين جميع الناس -.

و هذا هو التفصيل الذي وعدنا الاشارة اليه سابقا .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان ما نسب
الى المشهور -في المعادن الظاهرة من ان الناس فيها شرع سواء -
فقد عرفنا انه غير صحيح ،و لا بد فيها من التفصيل كما عرفت .

--( 359 )--

المعادن الباطنة


و هي التي لا تبدو جوهرها من دون بذل جهد و عمل في سبيل
انجازه ،و ذلك كالذهب و الفضة و ما شاكلهما ،فان المادة الذهبية
لا تصبح ذهبا بشكله الكامل الا بعد التصفية و التطوير العملي .

و هذه المادة على قسمين :

احدهما :ان تكون المادة قريبة من سطح الارض .

و الآخر ،ان تكون متوغلة في اعماق الارض بحيث لا يمكن
الوصول اليها الا من خلال الحفر المتزايد و الجهد الاكبر .

اما القسم الاول :فقد نسب الى المشهور ان حال هذا القسم
حال المعادن الظاهرة التي عرفنا احكامها يعني -ان الناس فيه شرع
سواء فلا يملك بالاحياء كما كان الامر كذلك في المعادن الظاهرة -.

و اما القسم الثاني :ففيه خلاف فعن جماعة انه من الانفال .

و قيل :انه من المشتركات العامة كالمعادن الظاهرة .

و لكن الظاهر :انه لا فرق بين المعادن الباطنة بكلا نوعيها
و المعادن الظاهرة .

و الوجه في ذلك :ان مقتضى اطلاق الموثقة ان المعادن و المناجم
الموجودة في اراضي الدولة ملك لها مطلقا اي -من دون فرق بين
كونها من الظاهرة او الباطنة -.

و اما المعادن الباطنة :الموجودة في ارض مملوكة لفرد معين فلا
دليل على كونها عن الانفال ،كما انه لا دليل على انها تخضع
الارض في مبدأ الملكية ،فان منشأ ملكية الفرد للأرض ينتهي في

--( 360 )--

نهاية المطاف الى عملية الاحياء ،و قد تقدم ان اثرها لا يمتد الى
المعادن و المناجم الموجودة فيها .

و اما المعادن الباطنة الموجودة في الارض المفتوحة عنوة فهي ملك
عام للمسلمين كالأرض لان ما دل على ملكية تلك الارض للامة
لا يقصر عن شمول المعادن الموجودة فيها ،فان الاستيلاء عليها استيلاء
عليها طبعا كما اشرنا اليه آنفا .

فالنتيجة في نهاية الشوط :انه لا فرق بين المعادن الظاهرة
و الباطنة في شكل الملكية ،فانها ان كانت في أراضي الدولة فهي
ملك لها ،و ان كانت في اراضي الأمة فهي ملك لهم ،و ان كانت في
ارض تخضع لمبدإ ملكية خاصة فهي من المشتركات العامة بين كل الناس
من دون فرق بين الظاهرة منها و الباطنة .

الى هنا قد عرفنا :شكل ملكية المعادن بكل انواعها .

هل يسمح الإسلام بتملك المعادن ؟


يقع الكلام فيه تارة في المعادن الظاهرة .

و اخرى في المعادن الباطنة .

المعادن الظاهرة



المعروف و المشهور بين الاصحاب :هو ان الإسلام لا يسمح
باختصاص الفرد بالمعادن الظاهرة و تملكها بالاستيلاء عليها ما دامت
في موضعها الطبيعي ،و انما اذن له بالحصول على كمية منها التي

--( 361 )--

لا تتجاوز عن قدر حاجته و قد منع الإسلام عن احتكار تلك الثروات
الطبيعية و المواد الاولية -بايجاد المشاريع الخاصة لاستثمارها -على اساس
ان الناس فيها شرع سواء ،فلا يحق لأي فرد ان يزاحم الآخر في
ممارسة حقه منها -و هو الكمية التي تكون بقدر حاجته -حيث ان
ذلك يضر بالعدالة الاجتماعية التي يهتم الإسلام بايجادها بين طبقات
الامة و افرادها .

و في عدة من المصادر الفقهية :قد صرح بعدم السماح بالملكية
الخاصة للمعادن الظاهرة :منها :ما عن الشيخ الطوسي ( قدس )
في المبسوط ،و ابن ادريس في السرائر ،و العلامة في التحرير ،
و الشهيد في الدروس و اللمعة ،و الشهيد الثاني في الروضة و المحقق
في الشرائع ،و لا فرق في ذلك بين ان يكون الوصول اليها بحاجة
الى انفاق العمل و بذل الجهد كما هو الحال في الوصول الى آبار النفط
او لم تكن بحاجة اليه و عن العلامة في التذكرة ان هذه المعادن
لا يملكها احد بالاحياء و العمارة .

و فيه ان ذلك و ان كان معروفا بين الاصحاب ،بل في بعض المصادر
الفقهية دعوى عدم الخلاف ،بل الاجماع على ذلك إلا اننا قد عرفنا ان
اتمامه بدليل لا يمكن ،فان الاجماع لم يثبت ،و الدليل الآخر غير
متوفر

فاذن على ضوء ما قدمناه :يقع الكلام في موارد ثلاثة :

الاول :في المعادن الظاهرة الموجودة في اراضي الدولة على اساس
انها تكون من الانفال .

الثاني :في المعادن الظاهرة الموجودة في الاراضي المفتوحة عنوة
على اساس انها تكون للمسلمين .

--( 362 )--

الثالث :في المعادن الظاهرة الموجودة في الاراضي التي تخضع
لمبدإ ملكية خاصة على اساس انها تكون من المشتركات العامة بين
كل الناس .

اما المورد الاول :فالكلام فيه يقع في مقامين :

احدهما :ان التصرف فيها هل يتوقف على اذن الامام ( ع ) اولا ؟

و الآخر :ان من يقوم بعملية الاستخراج منها و حيازتها على اساس
بذل الجهد و العمل هل يملك المادة التي يحوزها خاصة او يحصل
على حق فيها ؟

اما المقام الأول :فالظاهر بل لا شبهة في ان التصرف فيها يتوقف
على اذنه ( ع ) لوضوح ان التصرف في ملك الآخر غير سائغ عقلا
و نقلا إلا باذنه و رضاه بدون فرق في ذلك بين الملك الخاص و العام .

ثم انه هل يمكن التمسك باخبار التحليل لإثبات الاذن ؟

الظاهر انه لا مانع منه ،و النكتة في ذلك ان موضوع نصوص
التحليل و ان كان هو الارض الا ان اثره بالارتكاز القطعي العرفي
يمتد الى ما في اعماقها و بطونها ،و ما على وجهها من المصادر و الثروات
الطبيعية كالمواد المعدنية و نحوها ،و لا يقتصر اثر التحليل على الارض
فحسب ،و لا سيما بقرينة حكمة هذا التحليل .

و على الجملة :فالمتفاهم العرفي -من تلك الاخبار -هو ان التحليل
لمن شملتهم انما هو لاتاحة الفرصة لهم للاستفادة من الارض و ما
فيها من الثروات و الانتفاع بهما ،و لا يفهم منها أية خصوصية للأرض .

نعم ان هذا التحليل خاص لمن شملتهم اخبار التحليل دون
غيرهم .

و دعوى -ان سيرة المسلمين قد استقرت في جميع العصور على

--( 363 )--

جواز التصرف في المعادن الموجودة في الاراضي التي هي ملك للإمام
( عليه السلام ) و استثمارها و الانتفاع بها من دون ورود ردع عنها ،
و من الطبيعي ان ذلك كاشف عن امضاء الشارع لها جزما -.

خاطئة جدا و ذلك ،لأنه ان اريد بها سيرة المتعبدين بنصوص
اهل البيت ( ع ) فالظاهر ان استقرارها انما هو على اساس اخبار
التحليل .و ان اريد بها سيرة غيرهم فمن الواضح انها انما تقوم على
اساس منهجهم الفقهي .

فالنتيجة :انها لا تكشف عن جواز التصرف فيها لكل فرد من
المسلمين .

و اما المقام الثاني :فالظاهر ان العملية المزبورة تمنحه حقا فيها
دون الملك ،و ذلك لأنه لم يدلنا دليل على ان تلك العملية توجب
انقطاع علاقة الامام ( ع ) عنها نهائيا و دخولها في ملك من قام
بهذه العملية .

و اما اخبار التحليل :فهي لا تدل على ذلك اصلا ،لأن مفادها
انما هو اباحة التصرف فيها و الانتفاع بها لا الملكية ،بل في نفس
تلك الاخبار ما يدل على ان رقبة الارض تظل في ملك الامام ( ع ) ،
و عليه فبطبيعة الحال تبقى المصادر و الثروات الطبيعية الموجودة فيها
في ملكه ( ع ) أيضا .

و اما نصوص الاحياء :فهي خاصة بالارض فلا تشمل غيرها من
المعادن او نحوها الموجودة فيها حيث لا يصدق عليها اسم الارض
و من هنا قلنا انه لا يصدق الاحياء على اكتشاف المعدن من خلال
عمليات الحفر إلا مسامحة .

هذا اضافة الى ان ما ذكرناه :من ان الاحياء لا يمنح المحيى

--( 364 )--

إلا حقا في الارض دون الملك .

و دعوى -ان ما يحوزه العامل من المواد المعدنية بعد اكتشافها
يملكه على اساس السيرة القطعية من العقلاء الثابتة في جميع الاعصار
بدون ورود ردع عنها -و ان كانت صحيحة فيما اذا لم يكن المحاز
داخلا في نطاق ملكية احد ،لا عاما ،و لا خاصا .

و اما اذا كان المحاز ملكا لأحد فلا سيرة هنا على ان الحيازة
تمنح العامل ملكية المحاز ،و الفرض ان المحاز فيما نحن فيه ملك
للإمام ( ع ) فلا دليل على انه اصبح ملكا للعامل على اساس حيازته
فاذن لا اثر لها الا ايجاد حق له فيه يعني -انه اصبح اولى و احق
بالتصرف فيه و الانتفاع به -و لا يجوز لغيره ان يزاحمه في ذلك .

و اما النصوص الواردة في خمس المعادن -الدالة على وجوب
اخراج الخمس من المادة التي يستخرجها خاصة -فهي لا تدل على
ان الاربعة الاخماس الباقية ملك المستخرج ،فان مقتضى نصوص
التحليل انه يباح التصرف فيها و الانتفاع بها من دون وجوب دفع
شي‏ء منها الى الامام ( ع ) .

و لكن هذه النصوص :قد اوجبت على العامل دفع خمس
ما يستخرجه منها الى ولي الامر ،و لا يجوز له التصرف فيه ،و من
الطبيعي انها ساكتة عن ان الباقي ملك للعامل او مباح له ،و عليه
فالمحكم هو ما دل على كونها من الانفال ،و لا دليل على خروجها عنها ،

فالنتيجة في نهاية المطاف :انه لم يقم برهان على ان بذل العامل
جهده و عمله -في سبيل استخراج المعادن من اعماق الارض او في
سبيل الاستيلاء عليها و جعلها في حوزته اذا كانت على سطح الارض -
يمنحه ملكية المادة المستخرجة او المحوزة ،و انقطاع علاقة

--( 365 )--

الامام ( ع ) عنها نهائيا ،فلا مانع من بقاء رقبتها في ملك الامام ( ع )
و مع ذلك يجوز له الانتفاع بها و الاستفادة منها ،و لا ينافي ذلك
وجوب دفع خمس المادة المزبورة عليه ،و عدم جواز تصرفه فيه ،
فانه لا يكون دليلا على الملك ،

هذا تمام كلامنا في المورد الاول .

و اما المورد الثاني : -و هو المعادن الموجودة في الارض المفتوحة
عنوة -فبما انك قد عرفت انها تخضع الارض المزبورة في نوع
الملكية فلا محالة يكون حكمها حكم الارض ،و قد تقدم انه يجوز
لكل فرد من المسلمين ان يقوم بالتصرف فيها و الانتفاع بها في ضمن
الخطوط التي ترسم من قبل ولي الامر او الدولة في دائرة الشرع
حتى يكون كل فرد مساهما في تحقيق العدالة الاجتماعية بين طبقات
الأمة ،و كذا الحال في المعادن المزبورة .

و اما المورد الثالث : -و هو المعادن الموجودة في الارض التي
تخضع لمبدإ الملكية الخاصة التي تكون من المشتركات العامة بين كل
الناس -فهل يملك الفرد منها المادة التي يستخرجها خاصة على
اساس الحفر و بذل الجهد فيه اذا كان استخراجها بحاجة اليه او
المادة التي يحوزها منها اذا كانت موجودة على سطح الارض او لا يملك
و انما يبرّر ذلك وجود حق له فيها ؟

الظاهر هو الوجه الأول :لان المقتضى للملك متوفر لدى العرف
و العقلاء -و هو بذل العامل جهده و عمله في سبيل جعلها في حوزته
بشكل مباشر -و المانع منه غير موجود -و هو كونها خاضعة لمبدإ
الملكية الخاصة او العامة -و ذلك لما تقدم في ضمن البحوث السالفة
من انه لا دليل على كون تلك المعادن ملك خاص كالأرض التي

--( 366 )--

هي فيها ،أو ملك عام للدولة ،فاذن بطبيعة الحال كان مقتضى الاصل
عدم علاقة احد بها ،لا خصوصا ،و لا عموما ،و هذا معنى ان
الناس فيها شرع سواء ،و ليس معناه انها ملك عام لجميع الناس ،
و ان كان قد يعبر عنها بذلك على اساس ان كل الناس يملك حق التصرف فيها
و الانتفاع بها بدون خصوصية خاصة لأحد ،كما هو الحال في جميع
المباحات الاصلية .

فالنتيجة في نهاية الشوط :ان المعادن المزبورة من المباحات
الاصلية ،فاذا كان الأمر كذلك فبطبيعة الحال كما انه لا مانع لدى
العقلاء من تملك العامل ما يستخرجه منها خاصة ،كذلك لا مانع
منه لدى الشرع ،فان المانع منه كما مرّ بنا هو خضوعها لمبدإ
الملكية الخاصة او العامة .

ثم ان ما هو المشهور بين الفقهاء -من ان الإسلام لا يسمح في
المواد المعدنية الظاهرة او التي تقع قريبة من سطح الارض بتملك
الفرد لها ملكية خاصة -انما هو فيما اذا كانت تلك المواد في مكانها
الطبيعي .و اما الكمية التي يحوزها الفرد بشكل مباشر بعد بذل
الجهد و العمل في سبيل حيازتها فلا شبهة في انه يملك تلك الكمية
في مورد الكلام كما عرفت .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان المراد من عدم سماح الإسلام بتملك
تلك المواد المعدنية ملكية خاصة في موضعها الطبيعي انما هو من
ناحية عدم المقتضى لها -على اساس ان اكتشافها من خلال عمليات
الحفر ( ما دام ظلت في مكانها الطبيعي ) لا يبرر الا وجود حق فيها
فانه لا يملك الا فرصة الاستفادة منها .و هي الحفرة التي حفرها
لاكتشافها و الوصول اليها دون نفسها -لا من ناحية ورود نص صحيح

--( 367 )--

في الشريعة على انها لا تملك في مكانها الطبيعي .

و بكلمة واضحة :ان المقتضى لملكية تلك المواد المعدنية ان كان
هو الاستيلاء عليها من دون بذل جهد و عمل في سبيل حيازتها فقد
تقدم سابقا ان الإسلام لا يعترف بالاستيلاء المزبور كذلك نهائيا ،
و ان كان المقتضى هو اكتشافها و الوصول اليها بالقيام بالحفر و بذل
الجهد فيه فالاسلام لا يعترف به على اساس انه يمنح العامل ملكيتها
لا في ضمن نص شرعي ،و لا في ضمن بناء عقلائي .

اما الأول :فلعدم وجوده .

و اما الثاني :فلانه لم يقم بناء من العقلاء على ان اكتشافها
بذلك يمنح المكتشف ملكيتها .

فالنتيجة :ان تلك المواد المعدنية ما دامت في موضعها الطبيعي
لا يعترف الإسلام بملكيتها لأحد ملكية خاصة على اساس اكتشافها
و حيازتها كما نص بذلك في كثير من المصادر الفقهية .

هل يسمح للفرد ان يحوز من المعادن
الظاهرة كمية اكبر من قدر حاجته


قد نص في عدة من المصادر الفقهية ان الإسلام لا يسمح للفرد
أن يأخذ من المعادن و المناجم الظاهرة اكثر من قدر حاجته ،و انما
يسمح له ان يأخذ منها المقدار المعقول من حاجته .

و قد علل ذلك بعدم دليل لفظي يدلنا على ان الحيازة دائما و في
تمام الاحوال تمنح الفرد ملكية المادة المعدنية المحازة مهما كان
قدرها و حتى فيما اذا كانت حيازته لها سببا لمنع الآخرين عن

--( 368 )--

الانتفاع بها و الضيق عليهم ،و انما الشي‏ء الوحيد المعلوم لنا هو
ان الناس كانوا معتادين في عصر التشريع بحيازة كميات من تلك
المواد المعدنية التي توجد على سطح الارض او قريبة منه لسد حاجاتهم
و اشباعها ،و من الطبيعي ان تلك الكميات كانت ضئيلة جدا لقلة
امكاناتهم الاستخراجية و الانتاجية ،و هذه العادة هي التي سمحت بها
الشريعة ،و من الواضح انها لا تصبح دليلا على سماح الشريعة
بتملك الفرد لما يحوزه من تلك المواد المعدنية و ان اختلفت حيازته
في الكم عن الحيازة التي جرت عليها عادة الناس في عصر
التشريع ،او في الكيف يعني -و ان كانت سببا للضيق على الآخرين
و مزاحمة لهم .

و لنأخذ بالنقد على هذا الوجه و حاصله :اننا لا نعلم باستقرار
العادة المزبورة في ذلك الاطار الخاص في عصر التشريع بحيث
تصبح دليلا في المسألة .

و السبب فيه :ان الناس و ان كانوا معتادين في ذلك العصر
بحيازة كميات من تلك المواد المعدنية لإشباع حاجاتهم الا انهم
بطبيعة الحال كانوا مختلفين بحسب امكاناتهم المادية او العلمية ،و من
الطبيعي ان كل فرد كانت الامكانات المادية او العلمية لديه اكثر
فلا محالة كانت قدرته الاستخراجية و الانتاجية اكبر ممن لم تكن لديه
تلك الامكانات ،فاذا افترضنا ان فردا استخرج من المواد المعدنية
و انتج منها قدرا اكبر من حاجته من دون كونه مزاحما للآخرين
في الانتفاع بها فلا دليل على انه لا يملك ذلك القدر على اساس انه
اكثر من حاجته ،و لا نعلم بوجود سيرة من المسلمين في ذلك العصر
على خلافه ،هذا من ناحية .

--( 369 )--

و من ناحية اخرى اننا لا نملك نصا معتبرا يدلنا على ان كل
فرد يملك الكمية التي يحوزها من تلك المواد المعدنية اذا لم تتجاوز
عن القدر المعقول من حاجته ،و اما اذا تجاوزت فلا يملك الزائد ،
بل اننا لا نملك دليلا يدلنا على ان حيازة ،الكمية من هذه المعادن
التي تكون من المباحات الاصلية انما تمنح ملكيتها اذا لم تكن
مزاحمة للآخرين و ضيقا عليهم ،بل لا مانع من الحكم بملكيتها
حتى في هذا الفرض ،لأن المراد بمزاحمتهم ليس مزاحمة لحقوقهم
المتعلقة بتلك المواد المعدنية و تضييعا لها ،فانها غير جائزة جزما ،
و لا اثر لحيازتها على اساس انها متعلقة لحقوقهم ،بل المراد منها
عدم اتاحة الفرصة لهم للانتفاع بها و الاستفادة منها من دون ان
تكون لهم علاقة بها مطلقا حتى على مستوى الحق ،لفرض انها من
المباحات الأولية ،ففرض سبق علاقة لأحد بها خلف .

فالنتيجة :ان المراد من المزاحمة هو ان قيامه بعملية استخراج
تلك المواد المعدنية و انتاجها بقدر اكبر من حاجته مانع عن قيام
الآخرين للانتفاع بها .

نعم على ولي الامر ان يمنعه من مزاحمة الآخرين -فيما اذا
كان الآخرون بحاجة ماسة اليها -تحقيقا للتوازن و العدالة الاجتماعية
و سوف نشير اليه .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان ما نسب
الى المصادر الفقهية -من ان الإسلام لا يسمح للفرد ان يملك من
المواد المعدنية كمية تتجاوز عن قدر حاجته -لا يقوم على اساس صحيح
حيث قد عرفت انه لا دليل عليه ،لا لدى الشرع ،و لا لدى العقلاء ،
فاذن لا مانع من تملكه منها كمية اكبر من مقدار حاجته

--( 370 )--

هذا اضافة الى انه ليس لدى كل فرد امكانية و طاقة لاستخراج
المعادن و انتاجها ،فاذن يدور امرها بين ان تظل في مكانها الطبيعي
او يقوم من لديه امكانية و طاقة بممارسة استخراجها و انتاجها كميات
اكبر و وضعها في خدمة المجتمع ،و من الطبيعي ان الثاني هو المتعين .
هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان ما نسب الى تلك المصادر الفقهية لا ينسجم
مع اهتمام الإسلام بالعمل و صرف الطاقات و الامكانات التي تتوفر
لدى الافراد في استثمار المصادر الطبيعية ،و غيرها من النشاطات
الاقتصادية ،فعلى من تتوفر لديه طاقة و امكانية لممارسة استخراج
المواد المعدنية و انتاجها ان يصرفها في سبيل ذلك ،و على من تتوفر
لديه طاقة و امكانية لممارسة نشاط آخر من النشاطات الاقتصادية
و الصناعية ان يصرفها في سبيل تحقيق ذلك و هكذا ،كل على حسب
امكانيته و طاقته

و بذلك يظهر ان العادة المدعاة في عصر التشريع على تقدير ثبوتها
في ذلك العصر لا تكون دليلا لنا في العصور المتأخرة ،فان الإسلام
لم يجعل تلك العادة في ضمن اي نص من نصوصه الشرعية طريقا
لممارسة الافراد في استخراج المواد المعدنية و انتاجها في كل عصر ،
لأنها لو كانت فانما هي من متطلبات ذلك العصر باعتبار ان الإسلام
لم يرسم خطا خاصا لممارسة افراد المجتمع في القيام بذلك كي
لا يجوز التعدي عن ذلك الخط .بل جعل حرية الافراد في ممارسة
استثمارها في كل عصر في ظل اطار عام -و هو ما تطلبه المصلحة
العامة في ذلك العصر على اساس العدالة الاجتماعية التي يؤمن
الإسلام بضرورة ايجادها بين افراد الامة و طبقاتهم -و قد منح ولي

--( 371 )--

الأمر صلاحية تطبيق ذلك حسب متطلبات العصر على ذلك الاساس .

و من الطبيعي :انها تختلف باختلاف العصور فقد تطلب المصلحة
العامة عدم السماح للفرد باستخراج كمية اكبر من قدر حاجته ،
و قد تطلب بالسماح له باستخراج كمية اكبر من حاجته ،و هكذا ،
فاذن كيف تكون العادة المذكورة دليلا لنا في كل عصر .

ثم ان على ولي الامر او الدولة ان يوفر الوسائل و الامكانات
المادية و العلمية لاستخراج تلك المعادن و انتاجها و وضعها في خدمة
المجتمع تحقيقا للعدالة الاجتماعية و التوازن بين طبقات الامة التين
يؤمن الإسلام بضرورة ايجادهما في المجتمع الاسلامي ،و لا فرق في
ذلك بين ان تكون الدولة هي التي تباشر عملية الاستخراج منها
و الانتاج ،او تتوفر الوسائل و الامكانات للأفراد ليباشروا تلك العملية ،
حيث انه ليس للدولة ان تمنع الافراد عن ممارسة حرياتهم في سبيل
استخراج المعادن و انتاجها على اساس انها من المباحات الاولية ،
و ليست ملكا لها إلا اذا كان ذلك على خلاف المصلحة العامة ،فعندئذ
للدولة ان تمنع عنها باعتبار ان المصلحة العامة تتقدم على المصلحة
الخاصة .

و من هنا كان على ولي الامر او الدولة وضع خطوط لتصرفات
الافراد فيها و استثمارهم لها في ضمن دائرة الشرع ،لتمنعهم عن
حدي الافراد و التفريط في المشارع الخاصة ،و عن الاحتكار و السيطرة
عليها ،كل ذلك انما هو لغرض تحقق العدالة الاجتماعية بين
طبقات الامة .

و ليس مرد ذلك الى تحديد في الملكية و الثروة الخاصة في الإسلام ،
بل مرده الى تحديد في الطرق التي يتمكن الفرد من تحصيل الثروة

--( 372 )--

من تلك الطرق .و قد تقدم ذلك في ضمن البحوث السالفة بشكل
موسع ،قلنا هناك ان لكل فرد من المسلمين ان يمارس عملية
الاستخراج و الانتاج من الطرق المحددة بجوانبها الايجابيّة و السلبيه من قبل
الشرع بحرية تامة ،فلو حصل الفرد على ثروة هائلة بممارسة العملية
المزبورة من تلك الطرق ملك تلك الثروة بلغت ما بلغت من الكثرة ،
و ليس في الإسلام تحديد في ذلك

نعم قد اعطى الإسلام صلاحية لولي الأمر او الدولة ان يأخذ
من أموال المسلمين بالمقدار الذي تقتضيه المصلحة العامة الملزمة
كما اذا توقف حفظ بيضة الإسلام على ذلك او حفظ حدود المملكة
الاسلامية في مقابل هجوم الكفار او ما شاكل ذلك ،و لكن لا صلة
لذلك بما نحن فيه اصلا .

المعادن الباطنة


و هي كما عرفت على قسمين :

احدهما :المعادن الباطنة القريبة من سطح الارض .

و الآخر :المعادن الباطنة المتوغلة في اعماق الارض .

اما الأولى :فقد الحقها الاصحاب بالمعادن الظاهرة ،و ذكروا ان
حكمها حكم تلك المعادن .

و قد تقدم الكلام بشكل موسع في المعادن الظاهرة ،و قلنا هناك
ان ما نسب الى المشهور بين الاصحاب من كون تلك المعادن مطلقا
من المشتركات العامة بين كل الناس لا يمكن اتمامه بدليل .

فالصحيح هو ما ذكرناه من التفصيل بين كونها في اراضي
الدولة ،و كونها في الارض المفتوحة عنوة ،و كونها في الارض الخاصة

--( 373 )--

و على الاول فهي من الانفال ،و على الثاني فهي ملك عام للمسلمين ،
و على الثالث فهي من المشتركات العامة بين كل الناس .هذا من
ناحية .

و من ناحية أخرى :ان ما نسب الى كثير من المصادر الفقهية -
من ان الإسلام لا يسمح للفرد ان يحوز كمية اكبر من قدر حاجته
-فقد عرفت انه لا يقوم على اساس صحيح .

و من ناحية ثالثة :ان ما ذكرناه من الاحكام للمعادن الظاهرة
لا يختص بها ،بل يعم غيرها أيضا كما يعرف ذلك بوضوح من
خلال ما قدمناه من البحوث .و عليه فكما لا فرق بين المعادن
الظاهرة و المعادن الباطنة القريبة من سطح الارض على ضوء نظرية
المشهور ،فكذلك لا فرق بينهما على ضوء ما ذكرناه .

و اما الثانية :فقد نسب الى المشهور انها تملك بالاحياء اي
باكتشافها و الوصول اليها في اعماق الارض من خلال بذل الجهد
و العمل المتواصل و الحفر المتزايد .

و في الجواهر قد ادعى عدم وجدان خلاف فيه بين من تعرض له
كالشيخ و ابن البراج و ابن ادريس و الفاضل و الشهيدين و الكركي
و غيرهم بل نسب الى ظاهر المبسوط و السرائر الاجماع على ذلك .

و قد علل ذلك :بان العمل المزبور احياء و هو سبب للملك ،
فان احياء كل شي‏ء بحسبه ،و من هنا قد بنوا الفقهاء على ان تلك
المعادن تملك بالاكتشاف من خلال عمليات الحفر على اساس انه
لون من الوان الاحياء .هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى هل ان هذه الملكية تمتد في اعماق الارض
الى منتهى عروق المواد المعدنية و جذورها مهما بلغت اولا ؟فيه وجهان

--( 374 )--

المشهور بين الفقهاء :هو الثاني على ما في الجواهر ،حيث ذكر
فيه ان المصرح به في كلام غير واحد هو انه لو حفر فبلغ المعدن
لم يكن له منع غيره من الحفر من ناحية اخرى فاذا وصل الى ذلك
الغرق لم يكن له منعه

فالنتيجة :ان جمهور الفقهاء كما بنوا على تملك المعادن الموجودة
في اعماق الارض باكتشاف عروقها و ينابعها من خلال عملية الحفر ،
كذلك بنوا على ان هذه الملكية محدودة و ضيقة ،و لا تمتد الى جذورها
في اعماق الارض مهما وصلت ،بل تقتصر على المواد المكتشفة من
خلال عمليات الحفر .

و يمكن المناقشة :في هذا الرأي الفقهي على اساس المناقشة في
مستنده ،فان مستنده لا يخلو من ان يكون عملية الاحياء او الحيازة

اما الاولى :فلان سببيتها للملك او الحق مطلقا و في كل مورد
بحاجة الى دليل و الا لكان اكل المال بها اكلا بالباطل ،و الفرض انه لا دليل
عليها الا في خصوص الارض على اساس مجموعة من النصوص الدالة
على ان احيائها يمنح حقا فيها و هي لا تشمل المعادن على اساس انها
ليست بارض .

فالنتيجة :انه لا يمكن اثبات اعتراف الإسلام بان اكتشاف
المعادن في اعماق الارض من خلال عمليات الحفر يمنح ملكية تلك
المعادن في حدود كشفها ،لا على اساس نصوصه التشريعية ،و لا
على اساس اخر كبناء العقلاء حيث انه لم يثبت في غير الارض .

هذا اضافة الى ان صدق الاحياء على الاكتشاف المزبور محل
اشكال بل منع لدى العرف و العقلاء .

و اما الحيازة :فلا دليل على انها سبب لتملك الثروات و المصادر

--( 375 )--

الطبيعية ما دامت في موضعها الطبيعي .

و قد تحصل من ذلك :ان الفرد لا يملك المعدن باكتشافه
و وصوله الى عروقه و ينابعه من خلال عمليات الحفر ما دام في
موضعه الطبيعي

و يؤكد ذلك ما مرّ بنا من تحديد ملكية المعدن من قبل اصحاب
هذا الرأي فان مرد هذا التحديد في نهاية المطاف الى انكار
الملكية نهائيا .

بيان ذلك :انه اذا جاز قيام غير الحافر الأول بعمليات الحفر
من طرف آخر لاكتشاف عروق ذلك المعدن و الوصول اليها التي
وصل اليها الحافر الأول ،و بعد الوصول و الاكتشاف جاز له القيام
بعملية استخراجها و انتاجها ،كما جاز ذلك للأول و لم يقيدوا قيام
الثاني بعملية الاستخراج و الانتاج بحد خاص و عليه فاذا انتهت
عملية استخراج و انتاج كل منهما الى حد لم يبق الفاصل بين الحفرة
الأولى و الحفرة الثانية الا كميات قليلة من المادة المعدنية بحيث لو
لم تكن تلك الكميات في البين لانتهت احدى الحفرتين بالاخرى و وصلتا

فعندئذ نقول :ان هذه الكميات من المادة المعدنية ان قلنا :
بانها ملك للحافر الأول لم يجز تصرف الثاني فيها ،و ان قلنا بانها
ملك للثاني لم يجز تصرف الأول فيها ،و ان قلنا :بانها مشتركة
بينهما لم يجز تصرف كل منهما فيها بدون رضا صاحبه ،مع انه
لا شبهة في جواز تصرف كل منهما فيها مطلقا حتى لدى اصحاب
هذا القول ،فاذن لا بد من القول بعدم دخول تلك الكميات في
نطاق ملكية احد ما دامت في موضعها الطبيعي ،غاية الأمر قد
ثبت على اساس اكتشافها من خلال عملية الحفر حق خاص لكل

--( 376 )--

منهما بممارسة استخراجها و انتاجها الى ان انتهت ،و لا يجوز للاخر
ان يزاحمهما في ذلك .

و بكلمة اخرى :انا اذا افترضنا ان الفرد يملك المعدن باكتشاف
عروقه و ينابعه بسبب عمليات الحفر .فعندئذ يتوجه عليه السؤال التالي :
هل انه يملك المقدار المكتشف منها ،او يملك تلك العروق مهما
امتد نطاقها و اتسع طولا او عرضا او افقا ،او يملكها الى حد خاص

لا يمكن الالتزام بالاحتمال الثاني ،فانه مقطوع البطلان لدى
الشرع و العرف .

و اما الاحتمال الثالث ،فهو بحاجة الى دليل و لا دليل عليه .

و اما الاحتمال الأول :فهو لا ينسجم مع عدم تحديدهم قيام
الحافر الثاني بعملية الاستخراج و الانتاج الى تلك الحدود اي -الحدود
المكتشفة من المواد المعدنية و عروقها من قبل الحافر الأول -فلو
كانت تلك الحدود داخلة في نطاق ملكية الحافر الأول لكان عليهم
التحديد المذكور لا محالة رغم انهم لم يحدّدوه ،و جوزوا قيامه
بالعملية المزبورة مطلقا ،و هذا معنى ما ذكرناه من ان تحديد ملكية
المعدن يرجع بالتالي ان انكارها .

فالنتيجة :انه لا دليل على ان الفرد يملك المعدن باكتشافه
بسبب عملية الحفر ما دام في مكانه الطبيعي ،و انما يملك المادة
التي يستخرجها خاصة و يحوزها .

نعم ان اكتشافه المعدن من خلال عمليات الحفر و بذل الجهد
يمنحه حقا فيه لدى العرف و الشرع فلا يجوز لغيره ان يزاحمه
في الحصول عليه .و لكن من المعلوم ان ثبوت هذا الحق له بمعنى انه اولى من
غيره بالاستفادة من المواد المعدنية في اعماق الارض من طريق هذه

--( 377 )--

الحفرة التي حفرها لاكتشافها و الوصول اليها ،لأنه هو الذي خلق
هذه الفرصة للاستفادة منها ،فمن حقه ان يمنع الآخرين عن
استخدام تلك الحفرة في الحصول عليها .

نعم لو اعرض عنها او تركها الى ان خربت سقط حقه عنها
نهائيا ،و جاز للاخر استخدام تلك الحفرة و استغلالها .

اما على الأول :فلما بيناه في ضمن الابحاث السالفة من ان
الاعراض عن شي‏ء يوجب سقوط علاقة صاحبه عنه نهائيا و ان كانت
على مستوى الملك ،فضلا عما اذا كانت على مستوى الحق .

و اما على الثاني :فلان حقه معلول للحالة التي خلقها في الارض
للاستفادة من المواد المعدنية التي تكون في اعماق الارض -و هي
الحفرة التي اوجدها على اساس انها تتيح له فرصة الانتفاع بها -فاذا
زالت تلك الفرصة و خربت الحفرة ،و سقطت عن قابلية استخدامها
في الحصول عليها سقط حقه عنها نهائيا بسقوط موضوعه .

هذا كله :بناء على القول بكون المعادن الباطنة أيضا من
المشتركات العامة بين كل الناس

و اما على ضوء ما قويناه : -من ان المعادن مطلقا ان كانت في اراضي
الدولة فهي من الانفال ،و ان كانت في الارض المفتوحة عنوة فهي
ملك عام للمسلمين ،و ان كانت في ارض خاضعة لمبدإ ملكية خاصة
فهي من المشتركات العامة بين جميع الناس -.

فقد عرفنا ان العامل يملك المادة التي يستخرجها خاصة من
اعماق الارض في خصوص القسم الاخير على اساس انها من المباحات
الاولية .

و اما في القسمين الأولين :فهو لا يملك تلك المادة على اساس

--( 378 )--

انها على الأول ملك للإمام ( ع ) ،و على الثاني ملك للمسلمين ،
غاية الأمر ان الامام ( ع ) قد اباح التصرف فيها و الانتفاع بها
بمقتضى اخبار التحليل و غيرها و لا دليل على انقطاع علاقة صاحبها عنها ،
و اخبار التحليل كغيرها لا تدل على هذا الانقطاع ،و قيام العامل بعملية
الاستخراج و الحيازة و ان كان من اسباب الملك الا ان سببيته لذلك
انما هو فيما اذا كان المال المحاز من المباحات ،و لم يكن خاضعا
لمبدإ ملكية خاصة او عامة .

و بما انه في المقام خاضع لمبدإ الملكية فالعملية المزبورة لا تؤثر
الا في ايجاد حق للعامل فيه دون الملك .

فالنتيجة :ان مقتضى الأصل بقاء تلك المادة المعدنية في ملك
مالكها بدون فرق فيه بيان كونها من المعادن الباطنة او الظاهرة .

نعم اذا كانت المعادن موجودة على سطح الارض فقد اشرنا آنفا الى
ان الاستيلاء و السيطرة عليها بدون انفاق عمل و بذل جهد في سبيل
تحصيلها و انتاجها لا يبرر وجود حق فيها بملاك ان الإسلام لا يعترف
به اذا كان على اساس القوة و التحكم على الآخرين .

و اما اذا كانت المعادن موجودة في اعماق الارض فعندئذ و ان
كان الفرد باكتشافها من خلال قيامه بعمليات الحفر و بذل الجهد
المتزايد يحصل على حق فيها الا ان مورد هذا الحق ليس هو المعادن
المكتشفة بل مورده انما هو نفس الحفرة التي وصلت اليها و اكتشفت
المعادن بها .

و النكتة في ذلك انه لا يجوز لآخر ان يستخدم تلك الحفرة في
سبيل الحصول عليها رغم انه يجوز له ان يستخدم طريقا آخر في
سبيل ذلك ،فليس للحافر الأول ان يمنعه من قيامه باستخدام

--( 379 )--

طريق آخر لذلك ،مع ان حقه لو كان متعلقا بنفس المواد المعدنية
المكتشفة كان له حق المنع عن الانتفاع بها و استغلالها و لو من طريق
آخر ،كما اشرنا اليه آنفا .

فالنتيجة :ان حق الفرد انما يتعلق بالمادة التي يستخرجها
خاصة لا بها في موضعها الطبيعي ،هذا اذا كانت المعادن من الانفال
او كانت ملكا للأمة .و اما اذا كانت من المشتركات العامة فقد
عرفنا ان الفرد يملك تلك المادة على اساس قيامه باستخراجها و جعلها
في حوزته بشكل مباشر .

هذا تمام ما اوردناه في بحث المعادن .

--( 380 )--

--( 381 )--

-7 -
المياه الطبيعية


مجموعة من الدراسة و البحوث
الفقهية التي تلقى الضوء على
انواعها و ما يترتب عليها من
الآثار و الاحكام في دائرة
الشريعة الاسلامية المقدسة

--( 382 )--

--( 383 )--

المياه الطبيعية


و هي على نوعين :

احدهما :المياه المكشوفة على سطح الارض كالبحار ،و الانهار ،
و العيون الطبيعية الجارية عليها .

و ثانيهما المياه :المكنوزة في اعماق الارض التي لا يمكن وصول الانسان
اليها الا من خلال عمليات الحفر و بذل الجهد المتزايد ،و ذلك كمياه
الآبار ،و العيون العامرة بشريا .

هل ان المياه :بكلا نوعيها من المشتركات العامة بين كل الناس ؟ !

المعروف و المشهور بين الاصحاب انها من المشتركات العامة ،
و ان الناس فيها شرع سواء ،و قد استدل على ذلك بعدة وجوه :

الأول :الاجماع المدعى في المسألة ،بل في الجواهر ان الاجماع
بقسميه قائم على ذلك .

و فيه :انه على تقدير تسليم ان الاجماع المنقول حجة ،و لكن
لا يمكن الحكم بحجية الاجماع هنا ،لاحتمال ان يكون مدركه
احد الوجهين الآتيين .

الثاني :قد ورد في الرواية النبوية :( الناس شركاء في ثلاثة :
النار و الماء و الكلاء ) .و قد ورد في رواية محمد بن سنان عن
أبي الحسن ( ع ) قال :سألته عن ماء الوادي فقال :( ان المسلمين
شركاء في الماء و النار و الكلاء ) - 1 - .

و لكن كلتا الروايتين ساقطة سندا فلا يمكن الاستدلال بشي‏ء

---------------

( 1 ) الوسائل ج 17 الباب 5 من ابواب احياء الموات الحديث 1


--( 384 )--

منهما على حكم شرعي .

و اما الرواية الأولى :فهي لم تثبت لدينا .

و اما الرواية الثانية فهي ضعيفة سندا بمحمد بن سنان .

هذا اضافة :الى انها لا تدل على ان الماء من المشتركات العامة
بين كل الناس ،و انما تدل على انه من المشتركات بين المسلمين خاصة .

الثالث :الاصل ،فان مقتضاه عدم دخول المياه في مبدأ ملكية
خاصة او عامة ،لوضوح ان دخولها في ذلك بحاجة الى دليل و لا
دليل عليه ،و معه كان لا محالة مقتضى الاصل هو ان الناس فيها
شرع سواء فلا خصوصية فيها لأحد بالاضافة الى الآخر .

و الجواب عنه :ان مقتضى الاصل و ان كان ذلك الا انه غير بعيد
ان يكون المتفاهم لدى العرف من قوله ( ع ) في صحيحة الكابلي
و صحيحة مسمع :المتقدمتين ( و الارض كلها لنا ) هو ان الارض
و ما تضمه من المياه المكنوزة في اعماق الارض او المكشوفة على وجهها
ملك للإمام ( ع ) ،و لذا لو قيل ان ارض العراق -مثلا -كلها
لزيد ،فان المتفاهم منه عرفا ان الارض و ما فيها من الثروات
الطبيعية كالمياه و نحوها ملك له ،لا ان الارض وحدها ملك دون
ما فيها ،و لا سيما على ما مر بنا من ان مرد ملكية الامام ( ع )
للأرض الى ملكية الدولة ،و عليه فمناسبة الحكم و الموضوع تقتضي
ملكيتها بما فيها من الثروات كما هو الحال في ملكية الارض للأمة

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي ان المياه
مطلقا اي -سواء أ كانت مكشوفة أم كانت مكنوزة في اعماق الارض -
إذا كانت في الارض التي هي داخلة في ملكية الامام ( ع ) فهي تخضع
الارض في مبدأ الملكية فما عن المشهور من انها من المشتركات العامة

--( 385 )--

بين كل الناس فلا يمكن اتمامه بدليل .

و اما اذا كانت المياه في الارض المفتوحة عنوة التي هي ملك
للمسلمين فالظاهر انها أيضا تتبع الارض في مبدأ الملكية ،و ليست
من المشتركات العامة بين جميع الناس كما عن المشهور ،و ذلك لما
قدمناه في بحث المعادن من ان سبب ملكية المسلمين للأرض انما هو
انتزاعها من سيطرة الكفار و ان لم تكن لهم علاقة بها و لو على مستوى
الحق ،و حيث ان الكفار كانوا مسيطرين على تلك الثروات الطبيعية
على اساس سيطرتهم على الارض التي تضمها فانتزاع الارض من
سيطرتهم بعنوة انتزاع لجميع ما فيها من المصادر و الثروات منها
المياه المكنوزة ،و المكشوفة .

و اما إذا كانت المياه في ارض مملوكة لفرد خاص قبل تاريخ تشريع
ملكية الانفال للإمام ( ع ) فهل هي تتبع الارض في مبدأ الملكية
او يكون الناس فيها شرع سواء او تكون من الانفال ؟فيه وجوه :

الظاهر هو الوجه الثاني :و ذلك لما سوف نشير اليه من ان المياه
لا تكون من توابع الارض و شئونها لدى العرف ،و انما هي موجودة
مستقلة في قبال وجود الارض ،غاية الأمر ان الارض ظرف لها
فتكون نسبتها اليها نسبة المظروف الى الظرف ،لا نسبة الثمرة إلى
الشجرة ،و عليه فلا تستلزم ملكية الارض ملكية ما فيها من
الثروات :منها المياه الكائنة فيها .

و أما الوجه الثالث فهو بحاجة إلى دليل ،لوضوح ان دخولها في
نطاق ملكية الامام ( ع ) بحاجة الى سبب ،و لا سبب لذلك اصلا
في مفروض الكلام على اساس ان الدليل على كونها من الانفال خاص
بما إذا كانت في اراضي الدولة ،لا مطلقا ،فاذن يتعين الوجه الثاني

--( 386 )--

على اساس انه مطابق لمقتضى الاصل .

المياه المكشوفة :


ان الفرد لا يملك المياه المكشوفة طبيعيا بالحيازة و الاستيلاء
عليها ما دامت في مكانها الطبيعي ،بل لا يحصل له على اساس ذلك
حق الأولوية فيها ،و قد تقدم ان الإسلام لم يعترف بالحيازة على اساس
القوة و التحكم على الآخرين في ميدان المنافسة .و من هنا قلنا .ان
الحيازة على اساس ذلك لا تبرر وجود حق فيها فضلا عن الملك ،
و لا سيرة عقلائية على انها تمنح علاقة بها ،و لا فرق في ذلك بين
القول بكون المياه المزبورة من المشتركات العامة بين كل الناس و القول
بكونها من الانفال .

نعم تظهر الثمرة بين القولين :فيما إذا أخذ شخص كمية من
تلك المياه و حازها باعتراف منها باناء ،او سحب منها بآلة ،او حفر
حفيرة و اوصلها بها ،او استجد نهرا و اوصله بها ،او نحو ذلك مما
يوجب جعلها في حوزته .

فعلى القول الاول :يملك الكمية التي عرفها الاناء ،او سحبتها
الآلة ،او اجتذبتها الحفيرة ،او ما جرى في النهر المستجد بسبب
العمل المزبور الذي هو حيازة لدى العرف ،فالحيازة اذا كانت على
اساس العمل و بذل الجهد في سبيل جعل المحاز في حوزته و سيطرته
فهي تمنح الملك على ضوء هذا القول .و اما اذا لم تكن على اساس
ذلك كما اذا دخل الماء تحت سيطرة الفرد بتسربه من النهر او البحر
الى منطقته بدون بذل جهد و عمل في سبيل ذلك ،فانه لا يوجب تملكه

--( 387 )--

تلك الكمية من الماء بل ظلت على اباحتها العامة .

و على القول الثاني :لا يملك تلك الكمية بالعمل المزبور ،و انما
يمنح ذلك العمل حقا فيها دون الملك .

و النكتة فيه :ان المياه ملك للإمام ( ع ) و من الطبيعي ان
خروجها عن ملكه و دخولها في ملك من يقوم بحيازتها بحاجة الى
دليل ،و لا دليل عليه ،فان الحيازة انما تبرر ملكية المال المحاز
للمحيز اذا كان من المباحات الأولية ،و اما اذا كان خاضعا لمبدإ ملكية
خاصة او عامة و كان التصرف فيه جائزا فحيازته لا تؤثر إلا في إيجاد
حق فيه دون الملك

و بكلمة اخرى :ان الحيازة التي تقوم على اساس انفاق الفرد
العمل و بذل الجهد خارجا انما تمنح ملكية المصادر الطبيعية فيما
اذا كانت تلك المصادر من المباحات من ناحية ،و نقل الفرد تلك
المصادر من موضعها الطبيعي و جعلها في حوزته من ناحية اخرى .

و اما إذا كانت المصادر المزبورة داخلة في نطاق ملكية الامام ( ع )
فلا دليل على انها تمنح ملكيتها ،لا من الشرع ،و لا من العقلاء ،
حيث لم تقم سيرتهم على منحها الملكية في مثل المقام الذي لم يكن
المال المحاز من المباحات و إن كان التصرف فيه مباحا كما في المقام
بمقتضى اخبار التحليل ،و من الطبيعي ان العامل انما يملك نتيجة
عمله دون رقبة الارض .

إلى هنا قد انتهينا إلى هذه النتيجة :و هي ان المياه المكشوفة
على وجه الارض كماء البحار ،و الانهار ،الكبيرة مثل دجله ،
و الفرات ،و النيل ،و العيون النابعة طبيعيا ،فانها على المشهور من
المشتركات العامة بين كل الناس ،و يملك ما يحوز منها من الكمية

--( 388 )--

و اما على ما قويناه -من انها من الانفال اذا كانت في اراضي الدولة -
فقد عرفنا انه لا يملك ما يجوزه ،لعدم الدليل على الملك ،
و انما له على اساس ذلك الاحقية و الاولوية به فحسب .

المياه المكنوزة :


هل يملك الفرد تلك المياه باكتشافها من خلال عمليات الحفر
او يحصل له على اساس هذا الاكتشاف حق فيها دون الملك ؟فيه
قولان :

قد نسب الى غير واحد من الاصحاب القول الاول .

و استدل عليه بعدة وجوه :

الاول :بالسيرة القطعية من العقلاء على اساس انهم يعاملون مع
الماء بعد اكتشافه بسبب عمليات الحفر معاملة الملك ،و هذه السيرة
بما انها ممتدة الى عصر التشريع من دون ورود ردع عنها فلا محالة
تكون ممضاة من قبل الشرع .

و يرده :

انها لا تدل على ان علاقة العامل بالماء الممنوحة له بسبب الاكتشاف
و البلوغ من خلال عمليات الحفر تكون على مستوى الملك ،ضرورة
انها لا تدل على اكثر من ان للعامل علاقة به ،و اما كونها على مستوى
الملك او على مستوى الحق فلا تدل على شي‏ء منهما .

و دعوى -ان ترتيب آثار الملك عليه كاشف عن ان علاقته به
انما هي على مستوى الملك -خاطئة جدا ،و ذلك لأن الآثار المزبورة
كالبيع و نحوه ليست من آثار الملك خاصة ،لما تقدم بنا في ضمن

--( 389 )--

البحوث السالفة من ان البيع او ما شاكله لا يتوقف على كون
المبيع ملكا للبائع ،و من هنا قلنا بصحة بيع المحيى الارض على
القول بكون عملية الاحياء تمنحه حقا فيها ،دون الملك ،و ما نحن
فيه كذلك .

فالنتيجة :ان القدر المتيقن من هذه السيرة هو ان العملية
المزبورة انما تمنح العامل حقا فيه ،دون الملك .

و دعوى : -ان السيرة ليست حجة بذاتها ،و انما هي حجة
باعتبار كشفها عن امضاء الشارع لها ،و من الطبيعي انه لا طريق
لاكتشاف الامضاء الا من ناحية عدم ورود الردع من قبل الشارع
و عليه فلا بد لدى الاستدلال بالسيرة من الجزم بعدم الردع عنها
ليتحقق الجزم بالامضاء ،و في المقام لا يمكن الجزم به ،فان ما ورد
تارة بلسان :ان الناس شركاء في الماء ،و اخرى بلسان النهي عن
بيع منع فضل الماء و ثالثة بلسان النهي عن بيع القناة بعد الاستغناء
عنها يؤدي على أقلّ تقدير الى احتمال ورود الردع عنها ،و معه
لا يمكن الجزم بالامضاء ،و بدونه لا يمكن الحكم بحجيتها -.

خاطئة جدا في المقام ،فان هذه الدعوى انما تتم فيما اذا
كانت السيرة في مسألة لم تكن محلا للابتلاء بكثير ففي مثل ذلك
تكفي الروايات المزبورة لإسقاط حجية السيرة و ان لم تكن تامة
سندا او دلالة ،اذ معها لا يمكن الجزم بحجيتها .

و اما في المقام :فلا تتم تلك الدعوى ،و ذلك لأن تلك السيرة
بما انها كانت متداولة بين الناس امام الرسول الاعظم ( ص ) و بعده
امام الائمة الاطهار ( ع ) الى زماننا هذا فلا يمكن اسقاط حجيتها
بالروايات المزبورة .

--( 390 )--

فان الرواية الأولى -مضافا الى عدم ثبوتها -ظاهرة في تساوي
الناس فيه -ما دام في مكانه الطبيعي -من دون أن يسبق احد
اليه بالكشف عنه و الوصول اليه .

و اما الروايتين الأخيرتين فهما محمولتان على الكراهة و الحزازة ،
على ان الرواية الأولى منهما غير ثابتة سندا ،فلو كانت تلك السيرة
غير مقبولة عندهم ( ع ) لورد منهم ( ع ) ردع عنها طبعا لعدم
محذور فيه ،و اذا ورد لشاع بين الناس و اشتهر ،لكثرة ابتلاء
الناس بذلك ،فمن عدم الاشتهار نستكشف عدم الردع .

فالنتيجة :ان دعوى المزبورة و ان كانت لا بأس بها في الجملة
الا انها لا تتم في المقام .

فالصحيح ما ذكرناه :من ان هذه السيرة لا تدل على اكثر من
الاحقية و الاولوية .

الثاني :ان الماء المستتر في ارضه نماء تلك الارض فيكون
مملوكا بتبع ملكية الارض كثمرة الشجرة ،و لبن الدابة ،و ما
شاكل ذلك ،فالانسان اذا اكتشف في ارضه عينا بسبب قيامه
بعمليات الحفر كانت العين ملكا له شرعا ،لأنها نماء الارض ،فما
دامت الارض ملكا له فيكون نمائها أيضا كذلك .

و الجواب عنه :واضح ،فان المياه المكنوزة في اعماق الارض
التي تكشف من خلال عمليات الحفر لا تعتبر لدى العرف و العقلاء
نماء للأرض ،و ليست حالها حال الثمرة بالاضافة الى الشجرة ،
و اللبن بالاضافة الى الدابة او نحو ذلك ،فان علاقتها بها كانت
علاقة طبيعية على اساس انها قد نتجت من مادة موجودة في كمون
ذاتها ،حيث ان تلك المادة بتطورها الطبيعي و سيرها الزمني قد

--( 391 )--

بلغت بهذه الدرجة التي تسمى ثمرة لها .

و هذا بخلاف علاقة تلك المياه بالارض ،فانها ليست بطبيعية ،
بل هي علاقة المظروف بالظرف ،و الحال بالمحل ،و من الطبيعي انه ليس
لدينا قاعدة شرعية ،و لا عقلائية على ان تملك الظرف يستلزم
تملك المظروف ،و انما لدينا قاعدة تدل على ان تملك الثمرة انما
هو بتبع تملك اصلها .

الثالث :قد ورد في مجموعة من النصوص جواز بيع الشرب ،
و بيع القناة .

منها :معتبرة سعيد :الاعرج عن أبي عبد اللّه ( ع ) قال :
سألته عن الرجل يكون له الشرب مع قوم في قناة فيها شركاء
فيستغنى بعضهم عن شربه ليبيع شربه قال :( نعم إن شاء باعه بورق
و إن شاء باعه بحنطة ) - 1 - .

و منها :صحيحة عبد اللّه الكاهلي قال :سأل رجل ابا عبد اللّه ( ع )
و انا عنده عن قناة بين قوم لكل رجل منهم شرب معلوم ،فاستغنى
رجل منهم عن شربه ،أ يبيع بحنطة او شعير قال :( يبيعه بما
شاء هذا مما ليس فيه شي‏ء ) - 2 - .

و منها رواية علي بن جعفر عن اخيه موسى بن جعفر ( ع )
قال :سألته عن قوم كانت بينهم قناة ماء لكل انسان منهم شرب
معلوم ،فباع احدهم شربه بدراهم او بطعام ،هل يصلح ذلك قال :
( نعم لا بأس ) - 3 - .

و هذه الروايات :و ان كانت لا يبعد دعوى ظهورها في ملك

---------------

( 1 ) الوسائل :ج 12 الباب 24 من ابواب عقد البيع
و شروطه الحديث 1 .



---------------

( 2 ) الوسائل :ج 12 الباب 24 من ابواب عقد البيع
و شروطه الحديث 3 .



---------------

( 3 ) الوسائل :ج 12 الباب 24 من ابواب عقد البيع
و شروطه الحديث 5 .


--( 392 )--

القناة ،لا على اساس ان البيع لا يكون الا في ملك ،لما عرفت في
ضمن البحوث السالفة من ان حقيقة البيع انما تتكفل منح المشتري
نفس العلاقة التي كانت بين البائع و المبيع في مقابل حصول البائع
على نفس العلاقة التي كانت بين المشتري و الثمن سواء أ كانت تلك
العلاقة على مستوى الملك أم كانت على مستوى الحق ،بل على اساس
ظهور اللام في الاختصاص الملكي ،الا ان ذلك الاختصاص انما هو
بالاضافة الى الفرصة التي خلقها العامل من خلال عمليات الحفر
للاستفادة بالماء و الانتفاع به ،لا بالاضافة الى الماء نفسه ،او لا أقلّ
من اجمال تلك الروايات من هذه الناحية .

فالنتيجة :ان الروايات لا تدل على ان العامل يملك الماء بسبب
اكتشافه و الوصول اليه في اعماق الارض .

الرابع :ان كشف الماء في باطن الارض من خلال عملية
الحفر احياء له ،فان احياء كل شي‏ء بحسبه .

و الجواب عنه :ان روايات الاحياء تختص بالارض ،كما اشرنا
الى ذلك في ضمن الابحاث الماضية فلا تدل الا على كون عملية
الاحياء سببا لعلاقة المحيى بالارض ،لا بما تضم الارض من المصادر
و الثروات الطبيعية على اساس انها ليست بالارض ،هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان صدق الاحياء على الاكتشاف المزبور
محل اشكال ،بل منع ،فان الاحياء لدى العرف هو العمل في الشي‏ء
و ايجاد صفة فيه بحيث يكون ذلك الشي‏ء فاقدا لتلك الصفة قبل
العمل المزبور ،و انما نتجت منه ،و اما كشف الشي‏ء بما هو من
دون عمل فيه و ايجاد صفة فلا يكون احياء له .

هذا اضافة الى ما ذكرناه من ان عملية الاحياء لا تمنح المحيى

--( 393 )--

اكثر من حق فيما قام باحيائه ارضا كان او غيرها

و من ناحية ثالثة :اننا قد ذكرنا ان مصدر علاقة الفرد بالثروات
الطبيعية و حقه فيها انما هو العمل و بذل الجهد في سبيل الانتفاع بها
سواء اصدق على ذلك العنوان عنوان الاحياء أم لم يصدق ،حيث
لا موضوعية لهذا العنوان ،و عليه فالاكتشاف المزبور من خلال
عمليات الحفر مصدر لعلاقة العامل بالمياه و ان لم يصدق عليه عنوان
الاحياء ،و بما ان المياه المزبورة قد فرض كونها من الانفال
فالعمل المذكور لا يبرر الا وجود حق فيها دون الملك .

الخامس :ان ملكية الارض تتبع ملكية ما فيها من الثروات
على اساس انها من توابعها و شئونها :منها المياه المكنوزة فيها .

و الجواب عنه :ان تلك الثروات التي تضمها الارض :منها المياه
بما انها موجودات مستقلات فلا علاقة لها بالارض الا علاقة المظروف
بالظرف و الحال بالمحل ،و من الطبيعي ان ملكية الظرف لا تستدعي
ملكية المظروف .

السادس :ان اكتشاف الماء بسبب عمليات الحفر حيازة له ،
و الحيازة من احد اسباب الملك لدى العرف و العقلاء .

و الجواب عنه :ان هذه العملية و ان كانت حيازة بالاضافة اليه
الا ان الحيازة لم تكن من اسباب الملك على نحو الاطلاق ،و انما
تكون من اسبابه فيما اذا لم يكن المال المحاز خاضعا لمبدإ
ملكية خاصة او عامة من ناحية و كونه تحت سيطرة المحيز و في
حوزته بشكل مباشر من ناحية اخرى ،و الا فلا تمنح الملك ،و قد
اشرنا الى ذلك في ضمن البحوث السالفة .و بما ان المياه اذا كانت
في الارض التي لا رب لها ملك للإمام ( ع ) فلا تفيد الملك ،

--( 394 )--

و حيث ان هذه الحيازة كانت باذن الامام ( ع ) فهي تفيد الحق
فيها ،لأنها تلعب فيها نفس الدور الذي تلعبه عملية الاحياء
في الارض .

هذا اضافة الى اننا لا نملك نصا صحيحا يدل على انها تمنح
ملكية الماء بمنتهى عروقه و مادته ،فان عمدة الدليل على ان تلك
العملية تفيد اختصاص المحيز بالماء انما هي سيرة العقلاء ،و قد
تقدم ان السيرة لا تدل على اكثر من الاختصاص على مستوى الحق

السابع :ان رواية ( من سبق الى ما لم يسبق اليه مسلم فهو له )
تدل على الملك .

و الجواب عنه :ان الرواية ساقطة بحسب السند فلا يمكن
الاستدلال بها على حكم شرعي اصلا .

الى هنا قد استطعنا ان نخرج بهذه النتيجة :و هي أن اكتشاف
الماء من خلال عمليات الحفر و بذل الجهد لا يفيد اكثر من الاحقية
و الاولوية هذا من ناحية .

و من ناحية اخرى :ان هذه الاحقية تمتد الى منتهى مادة هذا
الماء في اعماق الارض و بواطنها ،و لا يتقدّر امتداد هذا الحق من
حيث المسافة الا بما يضره .و عليه فبما ان عروقها قد انفتحت من
خلال عمليات الحفر التي اوصلها الحافر بها فبطبيعة الحال لا يجوز لآخر
ان يقوم بفتح عروقها بحفر حفيرة من طرف آخر ،و أيضا لها بها
لأنها تضر الأولى .

و تدل على امتداد هذا الحق -مضافا الى ما سوف نشير اليه -
مجموعة من النصوص الواردة في تحديد مقدار المسافة المعتبرة بين
الآبار و العيون التي تقدمت في ضمن الابحاث السالفة ،فان المستفاد

--( 395 )--

من تلك المجموعة -بعد تحكيم بعضها ببعضها الآخر -هو ان
الحد المكاني المعتبر بين الآبار و العيون انما هو بما لا تضر الثانية
بالاولى بلا فرق بين ان تكون المسافة بينهما قريبة او بعيدة .

فالنتيجة :ان هذه النصوص تدل على ان الاحقية لا تقتصر على
المقدار المكشوف من الماء بل تمتد الى منتهى عروقه و مادته الكامنة
في اعماق الارض .

و بذلك تفترق :المياه المستورة في باطن الارض عن المعادن المستورة
فيه ،فان احقية الفرد في المعادن على اساس اكتشافه إياها من خلال
قيامه بعمليات الحفر لم تمتد الى منتهى عروقها و ينابعها ،و لذا يجوز
لغيره ان يقوم باستخراجها من طرف آخر .و من هنا قلنا :ان
مرد ذلك بالتالي الى ان حق العامل انما هو قائم بنفس الحفيرة التي
اوصلها بالمعادن ،دون بنفسها ما دامت في موضعها الطبيعي .

و نكتة الفرق بينهما : -مضافا الى الروايات -هي ان الماء
بعد اكتشاف الفرد إياه من خلال قيامه بعملية الحفر ينتقل من
موضعه الطبيعي الى الحفيرة فانها تجذب الماء ،و عليه فتصبح نفس
الماء متعلقة لعلاقته فلا يجوز لآخر ان يتصرف فيه بقطع النظر عن
التصرف في الحفيرة .هذا من ناحية

و من ناحية اخرى بما ان هذا الماء يستمد قوته آنا فآنا من
مادته المكنوزة في باطن الارض فلا محالة يمتد حقه الى تلك المادة ،
و بذلك يمتاز الماء عن المعدن حيث ان المعدن غير واجد لتلك
الخصوصية ،لوضوح ان ما يحوزه الفرد منها من الكمية لا ترتبط
بما ظل في اعماق الارض من الكميات اصلا .

و على اساس ذلك :فلا يجوز لاخر ان يقوم بفتح عروق ذلك

--( 396 )--

الماء و مادته من مكان آخر بسبب عملية الحفر ،فان ذلك لا محالة
يؤدي اما الى قطع جريانه من الحفيرة الاولى ،او الى نقصه ،و هو
ضرر على الحافر الاول فلا يمكن الجمع بين انتفاع الحافر الاول به
و انتفاع الحافر الثاني بدون ان يكون ضررا على الاول ،إلا اذا
افترض ان الماء اكثر من قدر حاجته ،و هو خلاف الفرض .

و هذا بخلاف المواد المعدنية :فانها لم تصبح متعلقة لحق الحافر
بسبب اكتشافه إياها من خلال عملية الحفر .و من هنا قلنا انه
يجوز لغيره ان يقوم بحفر حفيرة من طرف آخر .و اوصلها بها ،فانه
لا يكون ضررا على الاول باعتبار ان انتفاعه بها من حفيرته لا يمنع
من انتفاعه بها و لا يزاحمه فيه ،فاذن لا مانع من انتفاع كل منهما
بها من حفيرته بدون أية مزاحمة في البين على اساس ان كل كمية
من المواد المعدنية لا ترتبط بكمية اخرى منها ،و ليست من هذه
الناحية كالمياه .و عليه فاذا استخرج العامل كمية منها فقد اصبحت
تلك الكمية متعلقة لعلاقته دون الكميات الاخرى التي ظلت في
موضعها الطبيعي .

ثم ان المياه :المكنوزة في اعماق الارض ان كانت من الانفال
فحق الفرد فيها بسبب اكتشافها بعملية الحفر و ان كان يمتد الى
منتهى عروقها و ينابعها الا ان هذا الحق له انما هو بمعنى عدم جواز
قيام غيره بما يضره كما اذا قام